بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة الناشر
الحمدلله وحده
والصلاة على من لا نبي بعده
وآله الأطهار.
بين مفردتين :
بين يدي هذا الكتاب لا بدأ أن نلقي بصيصاً من الضوء على قضية ربما خفيت على البعض وسببت الكثير من الخلط والإبهام في الأذهان
وهذه القضية هي : أنّ هنالك مفردتين :
«المفردة الأولى» : «الوحدة السياسية» في مواجهة العدو المشترك.
و «المفردة الأولى» : الوحدة الثانية : «الحوار الفكري الحر» في محاولة الوصول الى «الحق».
فهل يوجد هنالك تناقض بين هاتين المفردتين؟
وهل تلغي الوحدة السياسية : الحوار الفكري الحرّ؟
أم هل يفجر الحوار الفكري الحرّ : الوحدة السياسية؟
الجواب على هذه الأسئلة الثلاثة : كلا!
إذا لا يوجد هنالك أي تناقض بين الوحدة السياسية والحوار الفكري.
إن الوحدة السياسية بين أبناء الأمة الواحدة ضرروية في مواجهة العدو المشترك ولكن «الوصول الى الحق» هو الآخر أيضاً
فالحق هو محور الكون وبالحق قامت السموات والأرض وهدف كل إنسان ينبغي أن يكون هو «الوصول الى الحق».
وهل يمكن الوصول إلى الحق إلا عبر «الحوار الفكري الحر» و «النقاش العلمي البناء»؟
القرآن الكريم يدعو إلى الحوار :
ولعله من هنا نجد أن القرآن الكريم : يفتح جميع المناطق الفكرية للحوار الحرّ فلا توجد هنالك «منطقة محرمة» أمام الحوار والمناقشة.
وحتى مسألة «الألوهية» ـ وهي القاعدة التي يبتني علهيا الدين كله ـ يدعها القرآن الكريم مفتوحة للحوار والبحث والمناقشة.
فالقرآن الكريم يحاور «الرأي الآخر» في الألوهية
وفي التوحيد
وفي النبوة
وفي المعاد
وفي مسائل أخرى كثيرة كما يظهر لمن راجع آيات القرآن الكريم ويؤسس القرآن الكريم قاعدة الحوار في جميع المسائل بقوله :( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه )
وهذا الكتاب ـ الذي يرقد بين يديك أيها القاري الكريم ـ يتناول مسائل «الامامة» ومتفرعها و «شطراً من الأحكام الفقيه الخلافية» في حوار موضوعي بنّاء.
ونسأل الله تعالى : أن يكون هذا الكتاب خطوة في طريق اكتشاف الحق والعمل به والدعوة إليه والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الناشر
مقدمة المترجم
جدير بنا أن نسمي عصرنا بعصر التفاهم والحوار الحرّ والتفاهم.
لقد حان الوقت ليتصارح المسلمون بأمورهم العقائدية حتى يظهر الحق وتتوحّد كلمتهم عليه فإن الوحدة الإسلامية، أمنية جميع المسلمين.
ولأننا لمسنا أن التفرقة هي بغية أعدائهم، وهي الوسيلة التي استعملها أعداء الدين والمستعمرون لفرض سيطرتهم على البلاد الإسلامية، ونهب خيراتها وبث مبادي الكفر والإلحاد والضلال والفساد بين أبناء الإسلام الحنيف.
وبما أن الوحدة الاسلامية ضرورة ملحّة، وهي لا تتم إلاّ بالصدق والحوار الايجابي البنّاء بلا تعصّب ولا عناد مع تحكيم القرآن والعقل والوجدان الحر، في اختيار أحسن القول، كما أمر بذلك ربّ العباد في قوله العزيز: فَبَشِّرْ عِبٰادِ اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (الزمر آية ١٨).
فيلزم على المسلم الكامل والإنسان العاقل، أن يكون بصيرا في أمر دينه، عالما بقضايا مذهبه، لا يقبل قولا ولا يتمسّك به إلاّ عن دليل وبرهان، حتى يصبح في أمره على يقين وإيمان.
لأنّه إذا سلك طريقا وتمسّك بعقائد ومبادي بغير علم يسنده ولا دليل يعضده وبرهان يرشده، فسيكون كمن أغمض عينيه ولزم طريقا طويلا يمشي فيه على أمل أن يوصله إلى مقصده ومنزله، حتى إذا أصاب رأسه الحائط، فأبصر وفتح عينيه، فإنه سوف يرى نفسه بعيدا عن مقصده، تائها ضالا عن سواء الصراط.
فمن لم يحقق في الأمور الدينية ولم يدقّق في القضايا المذهبية، بل ذهب إلى مذهب آبائه ولزم سبيل أسلافه، فربما فتح عينيه بعد جهد طويل، فيرى نفسه تائها قد ضلّ السبيل.
ولذا عبّر اللّه العزيز الحكيم سبحانه عن هكذا إنسان بالأعمى فقال:
( وَمَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) (الإسراء ٧٢)
ولإنقاذ المسلمين من العناد والتعامي أقدمت على تعريب هذا الكتاب القيّم من اللغة الفارسية إلى العربية، لعلّه يحقّق شيئا من هذا الهدف السامي. راجيا أن يترك في المسلمين أثرا ايجابيا، فيقرّب قلوبهم ويوحّد صفوفهم وكلمتهم، ويجمعهم على كلمة اللّه سبحانه بالحق والصلاح، والسعادة والفلاح. ولقد أدركت مؤلّف هذا الكتاب المرحوم آية اللّه السيد محمد (سلطان الواعظين) وحضرت مجلسه وسمعت حديثه ومواعظه.
فلقد كان رحمة اللّه عليه رجلا ضخما في العلم والجسم، ذا شيبة وهيبة، وكان جسيما وسيما ذا وجه منير، قلّ أن رأيت مثله، وكان آنذاك يناهز التسعين عاما من عمره الشريف، ولقد شاركت في تشييع جثمانه الطاهر في مدينة طهران، حيث عطّلت أسواق عاصمة ايران لوفاته وخرجت حشود عظيمة في مواكب عزاء حزينة وكئيبة، ورفعت الرايات والأعلام السوداء معلنة ولائها وحبّها لذلك العالم الجليل والسيّد النبيل.
ولا أذكر تاريخ وفاته بالضبط، ولكن كان في العقد الأخير من القرن الرابع عشر الهجري، وأشهد اللّه العزيز أني لما بدأت بتعريب هذا الكتاب رأيت ذلك السيد العظيم مرتين في الرؤيا، وكان مقبلا عليّ متبسّما ضاحكا في وجهي، وكأنه كان يشكرني على هذا العمل.
فأسأل اللّه تبارك وتعالى أن يتغمّده برحمته الواسعة وأن يتقبّل هذا المجهود منه ومنّا ويجعله ذخيرة لآخرتنا ولكل من ساعد وسعى في نشر هذا الكتاب، إنه سميع الدعاء.
قم المقدسة حسين الموسوي ٢٨ شوال ١٤١٩ ه الموافق ١٤ فبراير ١٩٩٩ |
بسم اللّه الرحمن الرحيم
المقدّمة
الحمد للّه ربّ العالمين، وصلّى اللّه على محمّد رسوله المصطفى، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
وبعد:
إنّ هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم، هو الكتاب القيّم: «ليالي بيشاور» لمؤلّفه الكبير: سماحة آية اللّه السيّد محمد الموسوي، الملقّب ب: (سلطان الواعظين الشيرازي).
وقد كتب مقدّمة طويلة لكتابه استغرقت ما يقرب من مائة صفحة من كتابه القيّم هذا، تطرّق فيها إلى أهميّة التقارب بين المسلمين، وإلغاء الخلافات والخصومات التي بثّها الأعداء في أوساطهم.
وحثّ فيها على الوحدة الإسلامية والاخوّة الدينية التي ندب اللّه المسلمين إليها، وحرّض على الاعتصام بحبل اللّه الذي دعاهم القرآن للتمسّك به والالتفاف حوله.
وحذّرهم عواقب التشتّت والتفرّق، وذكّرهم اللّه من الوقوف بعيدا والاكتفاء بالتفرّج، أو الابتعاد والاشتغال ـ لا سمح اللّه ـ بقذف
بعضهم بعضا بما يسخط الرحمن ويؤذي حبيبه المصطفى، الذي بعثه تعالى رحمة للعالمين، وأرسله ليتمّ به مكارم الأخلاق، ومعالي الشّيم والفضائل الإنسانية، وجمع الناس على التوحيد.
وندبهم إلى ما ندب إليه القرآن من التعارف فيما بينهم، قال تعالى:( لِتَعٰارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ ) ١ مرتئيا أنّ أفضل الطرق للتعارف هو: الحوار الحرّ، والنقاش العلمي البحت، والمناظرة المنطقية البعيدة عن كلّ تعصّب، والمجرّدة عن التقاليد والأهواء، ومن الخلفيات الشائنة.
وقد اشترك هو (قدّس سرّه) ـ بدعوة من أصدقائه ومعارفه في بيشاور٢ ـ في مجالس المناظرة التي عقدت له بهذا الشأن، والتي اشترك فيها كبار علماء السّنّة المعاصرين له آنذاك، وقد استمرّت المناظرة ليالي عديدة استغرقت عشرة مجالس، نشرتها في حينها جرائد الهند وصحفها، وتلقّاها الناس بالقبول والترحيب.
ثمّ وفّق المؤلّف ـ رحمه اللّه ـ إلى جمعها في هذا الكتاب: «ليالي بيشاور» وعرضها على الطالبين لتكميل الإفادة والاستفادة، كما وحرّض القرّاء الكرام على قراءة الكتاب بدقّة، وطلب منهم مواصلة قراءته من الصفحة الاولى حتّى الصفحة الأخيرة، وذلك لترابط البحث وتسلسله، حيث يؤدّي قطعه إلى ضياع الموضوع، وعدم الاستفادة الكاملة من البحث.
ولمّا كان الكتاب قد كتب باللغة الفارسية، وقد أجاز ـ قدّس سرّه ـ في
______________
(١) سورة الحجرات، الآية ١٣.
(٢) وهي على الحدود الباكستانية الأفغانية.
المقدمة ترجمة الكتاب ـ ترجمة أمينة ـ إلى سائر اللغات، حاولنا ترجمته إلى اللّغة العربية، مساهمة منّا في هذه الخدمة الإنسانية النبيلة، بغية التوصّل إلى الحقّ، والتعرّف على الواقع والحقيقة، ومشاركة منّا في ما دعانا إليه كتاب اللّه وسنّة رسوله الكريم وسيرة أهل بيته الطاهرين، من: التعارف والتقارب، والتوحيد والتآخي، وأخيرا نيل العزّة والسعادة في الدنيا، والنجاة والفوز بالجنّة في الآخرة، إن شاء اللّه تعالى.
قال السيّد المؤلّف:
سافرت إلى العتبات المقدّسة في شهر ربيع الأوّل عام ١٣٤٥ ه، وكان لي من العمر ثلاثون سنة، فتشرّفت بزيارة مراقد الأئمّة الأطهار من آل النبي المختار (صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم) في العراق، ومنها عزمت على السفر إلى الهند وباكستان بغية السفر منهما إلى خراسان والتشرّف بزيارة الإمام الرضا عليه السّلام، فوصلت ـ كراتشي ـ وهي مدينة ساحلية تعدّ من أهمّ الموانئ في المنطقة ـ.
وما إن وصلت إليها حتّى انتشر خبر وصولي في أهمّ الصحف هناك، فجاءتني دعوات كثيرة من الإخوة المؤمنين الّذين كانت بيني وبينهم معرفة سابقة ومودّة قديمة، وكان لا بدّ لي من إجابة تلك الدعوات الكريمة، وإن كانت تستوجب منّي قطع مسافات بعيدة، وشدّ الرحال من مدينة إلى اخرى، ومن بلد إلى آخر.
فواصلت سفري إلى مدينة بومبي، وهي ـ أيضا ـ من أكبر مدن الهند وأعظم الموانئ فيها، فاستقبلني المؤمنون الّذين دعوني إليها
ومكثت فيها ضيفا معزّزا بين أهلها ليالي وأيّاما.
ثمّ تابعت السفر إلى مدينة (دهلي) ومنها إلى (آگره) و (لاهور) و (بنجاب) و (سيالكوت) و (كشمير) و (حيدرآباد) و (كويته) وغيرها
وقد استقبلني كثير من الناس وعامة المؤمنين في هذه المدن بحرارة فائقة، فكانوا يرحّبون بقدومي ويحيّوني بهتافات وتحيّات على العادات والرسوم الشعبية المتعارفة هناك.
وفي أيّام وجودي في تلك المدن المهمّة التي سافرت إليها، كان العلماء من مختلف المذاهب والأديان يزورونني في منزلي، وكنت أردّ لهم الزيارة في بيوتهم، وكان غالبا ما يدور بيني وبينهم محاورات دينية ومناظرات علمية مفيدة، كنت أتعرّف من خلالها على عقائدهم، وهم يتعرّفون على عقائدي.
ومن أهمّ تلك المناقشات والمحاورات، حوار ونقاش دار بيني وبين البراهمة والعلماء الهندوس في مدينة (دهلي) ، وكان ذلك بحضور قائد الهند ومحرّرها من الاستعمار الزعيم الوطني غاندي.
وكانت الصحف والمجلاّت تنشر ـ عبر مراسليها ـ كلّ ما يدور في المجلس من الحوار بالتفصيل، وبكلّ أمانة وصدق.
وكانت نتيجة تلك المناظرات أن ثبت الحقّ وزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقا، فقد خرجت من الحوار منتصرا على المناظرين، وذلك بالأدلّة العلمية والبراهين العقلية، حتّى ثبت للحاضرين في المجلس أنّ مذهب أهل البيت ـ الذي هو مذهب الشيعة الجعفرية الاثني عشرية ـ هو المذهب الحقّ، وأنّه أحقّ أن يتّبع، وأنا أقول مردّدا:
( اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي هَدٰانٰا لِهٰذٰا وَمٰا كُنّٰا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لاٰ أَنْ هَدٰانَا اَللّٰهُ ) (١) .
السفر إلى سيالكوت
ثمّ سافرت إلى مدينة (سيالكوت) بدعوة خاصّة من «الجمعية الاثني عشرية» التي كان يرأسها صديقي الوفي الاستاذ أبو بشير السيّد علي شاه النقوي، مدير مجلّة «درّ النجف» الاسبوعية.
وعند ما دخلت هذه المدينة لقيت استقبالا حافلا وتجمّعا من مختلف الطبقات، ومن حسن الحظّ أنّي وجدت ضمن المستقبلين زميلا آخرا لي، كان وفيّا مشفقا، وهو الزعيم (محمّد سرورخان رسالدار) ابن المرحوم (رسالدار محمد أكرم خان) وأخ الكولونيل (محمد أفضل خان) وهو من كبار شخصيّات اسرة (قزلباش) في ولاية (البنجاب).
وتعود معرفتي بهذه الاسرة الكريمة إلى عام ١٣٣٩ ه في مدينة كربلاء المقدّسة، حيث كانوا قد تشرّفوا آنذاك بزيارة مراقد الأئمّة الأطهار من آل النبي المختار (صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين) وسكنوا فيها، كما كانت لهم مناصب حكومية مرموقة في ولاية البنجاب.
وكان (محمد سرور خان) هذا رئيس شرطة (سيالكوت) وكان أهل البلد يحبّونه ويحترمونه لشجاعته وحسن سيرته وديانته.
فما أن رآني حتّى ضمّني إلى صدره، ورحّب بقدومي، وطلب منّي أن أحلّ ضيفا عنده وأنزل مدّة إقامتي ـ هناك ـ في بيته، فقبلت
____________
(١) سورة الاعراف، الآية ٤٣.
دعوته وذهبت معه، وشيّعني المستقبلون إلى ذلك البيت الرفيع.
وفور نزولي ضيفا هناك نشرت صحف ولاية (البنجاب) خبر وصولي إلى (سيالكوت) فكانت الوفود والرسائل ـ رغم عزمي على السفر إلى إيران لزيارة الإمام الرضا عليه السّلام ـ تتسابق في دعوتي إلى زيارة بلادهم ومدنهم.
وأخصّ بالذكر سماحة حجّة الإسلام السيّد علي الرضوي اللاهوري، العالم الجليل، والمفسّر النبيل، صاحب تفسير «لوامع التنزيل» ذي الثلاثين مجلّدا، وكان يسكن مدينة لاهور، فدعاني بإلحاح منه وإصرار إلى هناك، فاستجبت لدعوته، وذهبت ملبّيا طلبه.
كما وتلقّيت فيها أيضا دعوة كريمة من إخواني المؤمنين من اسرة قزلباش، الّذين كانوا من شخصيّات ورجال الشيعة المعروفين في ولاية (البنجاب) ، وكانت دعوتهم لي لزيارة مدينة (بيشاور) وهي آخر مدينة حدودية مهمّة تربط ولاية البنجاب بأفغانستان.
ولمّا تلقّيت تلك الدعوة، ألحّ عليّ الزعيم (محمد سرور خان) ـ مضيّفي الكريم ـ بأن لا أردّ دعوة أفراد اسرته ورجال قومه من (بيشاور) ورجاني أن ألبّي دعوتهم وأذهب إليهم.
في بيشاور
ثمّ إنّي عزمت على الذهاب إلى بيشاور، فسافرت إليها في اليوم الرابع عشر من شهر رجب الحرام، وحين وردتها استقبلني أهلها استقبالا حافلا قلّ نظيره في تلك المدينة، وكان على رأس المستقبلين رجالات ووجهاء اسرة قزلباش.
ولمّا استقرّ بي المكان طلبوا منّي بإصرار أن أرتقي المنبر وأخطب فيهم ، ولمّا لم أكن اجيد اللّغة الهندية ، لم اوافق على ارتقاء المنبر ، ولم أخطب طول سفري في الهند ، رغم طلباتهم المتكرّرة.
ولكن لمّا كان أهالي مدينة بيشاور يجيدون اللغة الفارسية ، وكان أكثرهم يتكلّم بها ، حتّى كادت اللغة الفارسية أن تكون هي اللغة الدارجة فيها ، لبّيت طلبهم وقبلت أن أخطب فيهم بالفارسية.
فكنت أرتقي المنبر وقت العصر في الحسينية التي أسّسها المرحوم (عادل بيك رسالدار) وكانت مؤسّسة ضخمة تتّسع لضم الجماهير الغفيرة من الناس ، وكانت تمتلئ بالحاضرين ، وهم ليسوا من الشيعة فحسب ، بل فيهم كثير من أصحاب الأديان والمذاهب المختلفة ـ الإسلامية وغيرها ـ.
موضوع البحث
ولمّا كان أكثر أهالي بيشاور مسلمين ، ومن العامّة ، وكانوا يحضرون في المجلس مع كثير من علمائهم ومشايخهم ، جعلت موضوع البحث هو : الإمامة ، فكنت أتكلم حول : «عقائد الشيعة» وابيّن دلائل الشيعة العقلية والنقلية لإثباتها ، وأذكر النقاشات ، في المسائل الخلافية مع العامّة.
وعلى أثرها طلب منّي علماء السنّة وكبار شخصيّاتهم الّذين كانوا يحضرون البحث أن اجتمع بهم في لقاء خاصّ للإجابة عن إشكالاتهم ، فرحّبت بهم ولبّيت طلبهم.
فكانوا يأتون في كلّ ليلة إلى البيت ، ويدور البحث بيننا ساعات
طويلة حول المواضيع الخلافية من بحث الإمامة وغيرها.
من بركات المنبر
وفي يوم من الأيّام عند نزولي من المنبر أخبرني بعض الحاضرين من أصدقائي بأنّ عالمين كبيرين من مشايخ العامة وهما : الحافظ محمد رشيد ، والشيخ عبد السّلام ، وكانا من أشهر علماء الدين في (كابل)(١) ـ ومن منطقة تدعى ضلع ملتان ـ قد قدما إلى بيشاور ليلتقيا بي ويشتركا مع بقية الحاضرين في الحوار الدائر فيما بيننا كلّ ليلة ، وطلبوا مني السماح لهما.
فأبديت سروري ورضاي بهذا النبأ ، واستقبلتهما بصدر منشرح وقلب منفتح ، ورحّبت بقدومهما وجالستهما مع جماعة كبيرة من أصحابهما في ساعات كثيرة.
فكانوا يأتون بعد صلاة المغرب إلى المنزل الذي نزلت فيه للمناظرة ، وذلك لمدة عشر ليال متتالية ، وكان الحوار والنقاش يدور حول المسائل الخلافية بيننا ، ويطول إلى ستّ أو سبع ساعات ، وربّما كان البحث والحوار يستمرّ بنا أحيانا إلى طلوع الفجر ، كلّ ذلك بحضور شخصيات ورجال الفريقين في بيشاور.
ولمّا انتهينا من المحاورة والمناظرة في آخر ليلة من المجلس ، أعلن ستّة من الحاضرين ـ من العامّة ـ تشيّعهم ، وكانوا من الأعيان والشخصيات المعروفة في المدينة.
ومن حسن التقدير أنّه كان يحضر مجلسنا ما يقرب من مائتي
__________________
(١) عاصمة أفغانستان.
كاتب من الفريقين ، إذ كانوا يشتركون مع الحاضرين في مجلس المناظرة للكتابة ، فكانوا يكتبون المواضيع المطروحة ، ويسجّلون الحوار والنقاش وما يجري من مسائل وأجوبة وردود وشبهات ، بأقلام أمينة وعبارات وافية وجميلة.
وكان بالإضافة إلى أولئك الكتّاب ، أربعة من الصحفيّين يكتبون أيضا ما يدور في المجلس بكلّ جزئيّاته ، ثمّ ينشرون ما يدوّنونه من المناظرات والمناقشات في اليوم الثاني في الصحف والمجلاّت الصادرة هناك.
ويضيف المؤلّف ـرحمهالله ـ بعد ذلك : بأنّه سيعرض على القارئ الكريم في هذا الكتاب الذي سمّاه : «ليالي بيشاور» ما نقلته تلك الصحف الرصينة ، وسجّلته تلك الأقلام الأمينة ، وما سجّله هو بنفسه من نقاط مهمّة عن تلك الليالي والمجالس التاريخية القيّمة.
ثمّ يدعو الله العليّ القدير أن ينفع به المسلمين ، ويجعله ذخيرة له في يوم الدين ، وكان قد كتبه وفرغ من تأليفه في طهران.
العبد الفاني محمّد الموسوي «سلطان الواعظين الشيرازي» |
المجلس الأول
ليلة الجمعة ٢٣ / رجب / ١٣٤٥ هج
المكان : بيت المحسن الوجيه الميرزا يعقوب علي خان قزلباش(١) ، من الشخصيّات البارزة في بيشاور.
الابتداء : أوّل ساعة من الليل بعد صلاة المغرب.
افتتاحية المجلس : حضر المشايخ والعلماء ، وهم :
__________________
(١) كان البيت واسعا بحيث يسع للكثير من الناس ، وكان صاحبه قد استعدّ لاستضافة الوافدين ، ولذا كان المجلس ينعقد في كلّ ليلة وباستمرار في ذلك المكان ، وكان صاحب البيت أيضا يقوم بواجبه تجاه الضيوف من : حسن الضيافة ، وتكريم الحاضرين لترحيب بقدومهم ، وتقديم الشاي والفواكه والحلوى لهم ، وذلك على أحسن وجه.
وقزلباش يعني : أحمر الرأس ، ولقب «حمر الرءوس» كان يطلق على فوج خاصّ من جيش نادرشاه ، سكنوا أفغانستان لمّا فتحها نادرشاه ، ولمّا ضاقت الامور على الشيعة هناك هاجروا إلى الهند وانتشروا فيها ، وهم من الشيعة الأقوياء في تشيّعهم حتّى اليوم.
الحافظ(١) محمد رشيد ، والشيخ عبد السلام ، والسيّد عبد الحيّ ، وغيرهم من العلماء ، وعدد كبير من الشخصيّات والرجال من مختلف الطبقات والأصناف.
فرحّبت بهم واستقبلتهم بصدر منشرح ووجه منبسط ، كما ورحّب بهم صاحب البيت واستقبلهم استقبالا حارّا ، ثمّ أمر خدمه فقدّموا الشاي والفواكه والحلوى لجميع من حضر.
هذا ، ولكنّ مشايخ القوم كانوا على عكس ما كنّا معهم ، فقد رأينا الغضب في وجوههم ، إذ إنّهم واجهونا في البداية بوجوه مقطّبة مكفهرّة ، وكأنّهم جاءونا للمعاتبة لا للتفاهم والمناظرة.
أمّا أنا فكنت لا أبالي بهذه الامور ، لأنّي لم أبتغ من وراء هذا اللّقاء هدفا شخصيا ، ولم أحمل في نفسي عنادا ولا في صدري تعصّبا أعمى ضدّ أحد ، وإنّما كان هدفي أن أوضّح الحقّ وأبيّن الحقيقة.
ولذلك لم أتجاوز عما كان يجب عليّ من المعاملة الحسنة ، فقابلتهم بالبشر والابتسامة ، والترحيب والتكريم ، وطلبت منهم أن يبدءوا بالكلام بشرط أن يكون المتكلّم شخصا معيّنا عن الجماعة حتّى لا يضيع الوقت ، ولا يفوت الغرض الذي اجتمعنا من أجله.
فوافقني القوم على ذلك وعيّنوا من بينهم الحافظ محمد رشيد ليتكلّم نيابة عنهم ، وربّما خاض الآخرون ـ أحيانا ـ في البحث ولكن مع إذن مسبق.
__________________
(١) الحافظ : يطلق على من حفظ القرآن وحفظ سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من علماء العامة ، أو الخاصة ، أو على من حفظ مائة ألف حديث متنا وإسنادا.
بدء المناظرة
بهذا أخذ المجلس طابعه الرسمي ، وبدأت المناظرات بيني وبينهم بكلّ جدّ وموضوعيّة ، فبدأ الحافظ محمد رشيد وخاطبني بلقب : (قبله صاحب)(١) قائلا :
منذ نزولكم هذا البلد ، شرّفتم مسامع الناس بمحاضراتكم ، وخطبكم ، ولكن بدل أن تكون محاضراتكم منشأ الالفة والإخاء فقد سبّبت الفرقة والعداء ، ونشرت الاختلاف بين أهالي البلد ، وبما أنّه يلزم علينا إصلاح المجتمع ورفع الاختلاف منه ، عزمت على السفر ، وقطعت مسافة بعيدة مع الشيخ عبد السّلام وجئنا إلى بيشاور لدفع الشبهات التي أثرتموها بين الناس.
وقد حضرت اليوم محاضرتكم في الحسينية ، واستمعت لحديثكم ، فوجدت في كلامكم سحر البيان وفصل الخطاب أكثر ممّا كنت أتوقّعه ، وقد اجتمعنا ـ الآن ـ بكم لننال من محضركم الشريف ما يكون مفيدا لعامة الناس إن شاء الله تعالى.
فإن كنتم موافقين على ذلك ، فإنّا نبدأ معكم الكلام بجدّ ، ونتحدّث حول المواضيع الأساسية التي تهمّنا وتهمّكم؟
قلت : على الرحب والسعة ، قولوا ما بدا لكم ، فاني استمع لكم
__________________
(١) هذه الكلمة من أهم الألقاب التي يخاطب بها المسلمون في الهند وباكستان ، علماء دينهم ومشايخهم ، وتعني عندهم : «الإمام والمقتدى» لذلك كانت الصحف التي تنشر تلك المناظرات تعبّر عن السيّد «سلطان الواعظين» بلقب : «قبله صاحب» «المترجم».
بلهفة ، وأصغي لكلامكم بكلّ شوق ورغبة ، ولكن أرجو من السادة الحاضرين جميعا ـ وأنا معكم ـ أن نترك التعصّب والتأثّر بعادات محيطنا وتقاليد آبائنا ، وأن لا تأخذنا حميّة الجاهلية ، فنرفض الحقّ بعد ما ظهر لنا ، ونقول ـ لا سمح الله ـ مثل ما قاله الجاهلون :( حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ) (١) أو نقول :( بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا ) (٢) .
فالرجاء هو أن ننظر نحن وأنتم إلى المواضيع والمسائل التي نناقشها نظر الإنصاف والتحقيق ، حتّى نسير معا على طريق واحد ونصل إلى الحقّ والصّواب ، فنكون كما أراد الله تعالى لنا : إخوانا متعاضدين ومتحابّين في الله تبارك وتعالى.
فأجاب الحافظ : إنّ كلامكم مقبول على شرط أن يكون حديثكم مستندا إلى القرآن الكريم فقط.
قلت : إن شرطكم هذا غير مقبول في عرف العلماء والعقلاء ، بل يرفضه العقل والشرع معا ، وذلك لأنّ القرآن الكريم كتاب سماويّ مقدّس ، فيه تشريع كلّ الأحكام بإيجاز واختصار ممّا يحتاج في فهمه إلى من يبيّنه ، والسنّة الشريفة هي المبيّنة ، فلا بدّ لنا أن نرجع في فهم ذلك إلى الأخبار والأحاديث المعتبرة من السنّة الشريفة ونستدلّ بها على الموضوع المقصود.
الحافظ : كلامكم صحيح ومتين ، ولكن أرجو أن تستندوا في حديثكم إلى الأخبار الصحيحة المجمع عليها ، والأحاديث المقبولة عندنا وعندكم ، ولا تستندوا بكلام العوامّ والغثّ من عقائدهم.
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ١٠٣.
(٢) سورة البقرة ، الآية ١٧٠.
وأرجو أيضا أن يكون الحوار هادئا ، بعيدا عن الضوضاء والتهريج حتّى لا نكون موضع سخرية الآخرين ومورد استهزائهم.
قلت : هذا كلام مقبول ، وأنا ملتزم بذلك من قبل أن ترجوه منّي ، فإنّه لا ينبغي لرجل الدين والعالم الروحي إثارة المشاعر والتهريج في الحوار العلمي والتفاهم الديني ، وبالأخصّ لمن كان مثلي ، إذ إنّ لي العزّ والفخر وشرف الانتساب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو صاحب الصفات الحسنة والخصال الحميدة والخلق العظيم ، الذي أنزل الله تعالى فيه :( إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (١) .
ومن المعلوم أنّي أولى بالالتزام بسنّة جدّي ، وأحرى بأن لا أخالف أمر الله (عزّ وجلّ) حيث يقول :( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (٢) .
الحافظ : ذكرت أنّك منتسب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ وهو المشهور أيضا بين الناس ـ فهل يمكنكم أن تبيّنوا لنا طريق انتسابكم إلى النبي الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والشجرة التي تنتهي بكم إليه؟
قلت : نعم ، إنّ نسبي يصل عن طريق الإمام الكاظم موسى بن جعفر عليه الصلاة والسلام إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذلك على النحو التالي :
شجرة المؤلّف
أنا محمد بن علي أكبر «أشرف الواعظين» بن قاسم «بحر العلوم»
__________________
(١) سورة القلم ، الآية ٤.
(٢) سورة النحل ، الآية ١٢٥.
ابن حسن بن إسماعيل «المجتهد الواعظ» بن إبراهيم بن صالح بن أبي علي محمد بن علي «المعروف بالمردان» بن أبي القاسم محمد تقي بن «مقبول الدين» حسين بن أبي علي حسن بن محمد بن فتح الله بن إسحاق بن هاشم بن أبي محمد بن إبراهيم بن أبي الفتيان بن عبد الله ابن الحسن بن أحمد «أبي الطيّب» بن أبي علي حسن بن أبي جعفر محمد الحائري «نزيل كرمان» بن إبراهيم الضرير المعروف ب «المجاب» ابن الأمير محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام عليّ السجّاد «زين العابدين» ابن الإمام أبي عبد الله الحسين «السبط الشهيد» بن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (سلام الله عليهم أجمعين).
الحافظ : جيّد ، لقد انتهى نسبك ـ حسب بيانك هذا ـ إلى عليّ بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) ، وهذا الانتساب يثبت أنّك من أقرباء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا من أولاده ، لأنّ الأولاد إنّما هم من ذريّة الإنسان ونسله ، لا من ختنه وصهره ، فكيف ادّعيت مع ذلك بأنّك من أولاد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
قلت : إنّ انتسابنا إلى النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّما يكون عن طريق فاطمة الزهراءعليهاالسلام بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّها أمّ الإمام الحسين الشهيدعليهالسلام .
الحافظ : العجب كلّ العجب منك ومن كلامك! إذ كيف تتفوّه بهذا الكلام وأنت من أهل العلم والأدب؟!
ألست تعلم أنّ نسل الإنسان وعقبه إنّما يكون عن طريق الأولاد الذكور لا الإناث؟! ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يكن له عقب من أولاده
الذكور!! فإذن أنتم أسباطه وأبناء بنته ، لا أولاده وذرّيّته!!
قلت : ما كنت أحسبك معاندا أو لجوجا ، وإلاّ لما قمت مقام المجيب على سؤالكم ، ولما قبلت الحوار معكم!
الحافظ : لا يا صاحبي! لا يلتبس الأمر عليك ، فإنّا لا نريد المراء واللّجاج وإنّما نريد أن نعرف الحقيقة ، فإنّي وكثير من العلماء نظرنا في الموضوع ما بيّنته لكم ، فإنّا نرى أنّ عقب الإنسان ونسله إنّما هو من الأولاد الذكور لا البنات ، وذلك كما يقول الشاعر في هذا المجال :
بنونا بنو أبنائنا ، وبناتنا |
بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد |
فإن كان عندكم دليل على خلافه يدلّ على أنّ أولاد بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أولاده وذرّيّته فبيّنوه لنا حتّى نعرفه ، وربّما نقتنع به فنكون لكم من الشاكرين.
قلت : إنّ الدلائل من كتاب الله (عزّ وجلّ) والروايات المعتبرة لدى الفريقين على ذلك قويّة جدّا.
الحافظ : أرجو منكم أن تبيّنوها حتّى نستفيد بذلك.
قلت : إنّي وفي أثناء كلامكم تذكرت مناظرة حول الموضوع ، جرت بين الخليفة العبّاسي هارون ، وبين : الإمام أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام ، فقد أجابهعليهالسلام بجواب كاف وشاف اقتنع به هارون وصدّقه.
الحافظ : كيف كانت تلك المناظرة أرجو أن تبيّنوها لنا؟
قلت : قد نقل هذه المناظرة علماؤنا الأعلام في كتبهم المعتبرة ، منهم : ثقة عصره ، ووحيد دهره ، الشيخ الصدوق في كتابه القيّم : «عيون أخبار الرضا»(١) .
__________________
(١) عيون أخبار الرضا : ج ١ ص ٨٤ ح ٩.
ومنهم : علاّمة زمانه ، وبحّاثة قرنه ، الشيخ الطبرسي في كتابه الثمين : «الاحتجاج» وأنا أنقلها لكم من كتاب «الاحتجاج»(١) وهو كتاب علمي قيّم ، يضم بين دفّتيه أضخم تراث علمي وأدبي لا بدّ لأمثالك أيّها الحافظ من مطالعته ، حتّى ينكشف لكم الكثير من الحقائق العلمية والوقائع التاريخية الخافية عليكم.
أولاد البتولعليهاالسلام ذرية الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم
روى العلاّمة الطبرسي أبو منصور أحمد بن علي في الجزء الثاني من كتابه : «الاحتجاج» رواية مفصّلة وطويلة تحت عنوان : «أجوبة الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام لأسئلة هارون» وآخر سؤال وجواب ، كان حول الموضوع الذي يدور الآن بيننا ، وإليكم الحديث بتصرّف :
هارون : لقد جوّزتم للعامّة والخاصة أن ينسبوكم إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ويقولوا لكم : يا أولاد رسول الله ، وأنتم بنو عليّ ، وإنّما ينسب المرء إلى أبيه ، وفاطمة إنّما هي وعاء ، والنبيّ جدّكم من قبل أمّكم؟؟!
الإمامعليهالسلام : لو أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم نشر فخطب إليك كريمتك ، هل كنت تجيبه؟!
هارون : سبحان الله! ولم لا أجيبه ، وأفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك.
الإمامعليهالسلام : لكنّه لا يخطب إليّ ، ولا أزوّجه.
هارون : ولم؟! الإمامعليهالسلام : لأنّه ولدني ولم يلدك.
__________________
(١) الاحتجاج : ج ٢ المناظرة رقم ٢٧١ ص ٣٣٥.
هارون : أحسنت!!
ولكن كيف قلتم : إنّا ذرّيّة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والنبيّ لم يعقّب؟! وإنّما العقب للذّكر لا للأنثى ، وأنتم ولد بنت النبي ، ولا يكون ولدها عقبا لهصلىاللهعليهوآلهوسلم !!
الإمامعليهالسلام : أسألك بحقّ القرابة والقبر ومن فيه إلاّ أعفيتني عن هذه المسألة.
هارون : لا أو تخبرني بحجّتكم فيه يا ولد علي! وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم ، كذا أنهي لي ، ولست أعفيك في كلّ ما أسألك عنه ، حتّى تأتيني فيه بحجّة من كتاب الله ، وأنتم معشر ولد عليّ تدّعون : أنّه لا يسقط عنكم منه شيء ، ألف ولا واو ، إلاّ تأويله عندكم واحتججتم بقوله (عزّ وجلّ) :( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) (١) وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم!!
الإمامعليهالسلام : تأذن لي في الجواب؟
هارون : هات.
الإمامعليهالسلام : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم :( وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ) (٢) فمن أبو عيسىعليهالسلام ؟!
هارون : ليس لعيسى أب!
الإمامعليهالسلام : فالله (عزّ وجلّ) ألحقه بذراري الأنبياء عن طريق أمّه مريمعليهاالسلام وكذلك ألحقنا بذراري النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من قبل أمّنا فاطمةعليهاالسلام
__________________
(١) سورة الأنعام ، الآية ٣٨.
(٢) سورة الأنعام ، الآية ٨٤ و ٨٥.
هل أزيدك؟
هارون : هات.
الإمامعليهالسلام : قال الله تعالى :( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) (١) ولم يدّع أحد أنّه أدخله النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم تحت الكساء [و] عند مباهلة النصارى ، إلاّ عليّ بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسينعليهالسلام ، واتّفق المسلمون : أنّ مصداق :( أَبْناءَنا ) في الآية الكريمة : الحسن والحسين عليهما السّلام ، و( نِساءَنا ) : فاطمة الزهراءعليهاالسلام ( وَأَنْفُسَنا ) : عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
هارون : أحسنت يا موسى! ارفع إلينا حوائجك.
الإمامعليهالسلام : ائذن لي أن أرجع إلى حرم جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأكون عند عيالي.
هارون : ننظر إن شاء الله(٢) .
الاستدلال بكتب العامة ورواياتهم
هناك دلائل كثيرة جاءت في نفس الموضوع تدلّ على ما ذكرناه ،
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ٦١.
(٢) لكن ما زال الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام بعيدا عن حرم جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مفارقا لأهله وعياله ، ينقل من سجن الى سجن ، مكبّلا بالقيد والحديد وفي ظلم المطامير حتّى قضى بدسّ هارون السمّ إليه مسموما شهيدا صلوات الله وسلامه عليه. «المترجم».
وقد سجّلها علماؤكم ونقلها حفّاظكم ورواتكم.
منهم : الإمام الرازي في الجزء الرابع من «تفسيره الكبير»(١) وفي الصفحة [١٢٤] من المسألة الخامسة قال في تفسير هذه الآية من سورة الأنعام : إنّ الآية تدلّ على أنّ الحسن والحسين [عليهما السّلام] ذرّيّة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) لأنّ الله جعل في هذه الآية عيسى من ذرّيّة إبراهيم ولم يكن لعيسى أب ، وإنّما انتسابه إليه من جهة الامّ ، وكذلك الحسن والحسين [عليهما السّلام] فإنّهما من جهة الامّ ذرّيّة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
كما إنّ [الإمام] الباقر [عليهالسلام ] استدل للحجّاج الثقفي بهذه الآية لإثبات أنّهم ذرّيّة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أيضا(٢) :
ومنهم : ابن أبي الحديد في : «شرح نهج البلاغة» ، وأبو بكر الرازي في تفسيره استدلّ على أنّ الحسن والحسين عليهما السّلام أولاد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من جهة أمّهم فاطمةعليهاالسلام بآية المباهلة وبكلمة :( أَبْناءَنا ) كما نسب الله تعالى في كتابه الكريم عيسى إلى إبراهيم من جهة أمّه مريمعليهاالسلام .
ومنهم : الخطيب الخوارزمي ، فقد روى في «المناقب» والمير السيّد علي الهمداني الشافعي في كتابه «مودّة القربى» والإمام أحمد بن حنبل
__________________
(١) التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي : المجلد السابع ج ١٣ ، ص ٦٦.
(٢) المروي في كتاب الاحتجاج : ج ٢ ص ١٧٥ المناظرة ٢٠٤ أن الإمام الباقرعليهالسلام استدل بهذه الآية في حديثه مع أبي الجارود ، فراجع.
وهو من فحول علمائكم في مسنده ، وسليمان الحنفي البلخي في «ينابيع المودّة»(١) بتفاوت يسير : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال ـ وهو يشير إلى الحسن والحسين عليهما السّلام ـ : «ابناي هذان ريحانتاي من الدنيا ، ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا».
ومنهم : محمد بن يوسف الشافعي ، المعروف بالعلاّمة الكنجي ، ذكر في كتابه «كفاية الطالب» فصلا بعد الأبواب المائة بعنوان : «فصل : في بيان أنّ ذرّيّة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من صلب عليّ [عليهالسلام ]» جاء فيه بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ الله (عزّ وجلّ) جعل ذرّيّة كلّ نبي في صلبه ، وإنّ الله (عزّ وجلّ) جعل ذرّيّتي في صلب عليّ بن أبي طالب»(٢) .
ورواه ابن حجر المكي في صواعقه المحرقة : ص ٧٤ و ٩٤ عن الطبراني ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ؛ كما ورواه أيضا الخطيب الخوارزمي في «المناقب» عن ابن عبّاس.
قلت(٣) : ورواه الطبراني في معجمه الكبير في ترجمة الحسن ، ثمّ قال :
فإن قيل : لا اتّصال لذرّيّة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بعليّ [عليهالسلام ] إلاّ من جهة فاطمة [عليهاالسلام ] وأولاد البنات لا تكون ذرّيّة ، لقول الشاعر :
__________________
(١) ينابيع المودة : الباب ٥٤ ص ١٩٣ وفيه : عن الترمذي عن ابن عمر قال : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : «ان الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا»
(٢) كفاية الطالب : ص ٣٧٩.
(٣) والقائل هو الكنجي الشافعي تعقيبا لما رواه.
بنونا بنو أبنائنا ، وبناتنا |
بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد |
قلت : في التنزيل حجّة واضحة تشهد بصحّة هذه الدعوى وهو قوله (عزّ وجلّ)(١) :( وَوَهَبْنا لَهُ ) [أي : إبراهيم]( إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ ) ـ إلى أن قال : ـ( وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى ) فعدّ عيسى [عليهالسلام ] من جملة الذرّيّة الّذين نسبهم إلى نوح [عليهالسلام ] وهو ابن بنت لا اتّصال له إلاّ من جهة أمّه مريم.
وفي هذا دليل مؤكّد على أنّ أولاد فاطمة [عليهاالسلام ] هم ذرّيّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا عقب له إلاّ من جهتها ، وانتسابهم إلى شرف النبوّة ـ وإن كان من جهة الامّ ـ ليس بممنوع ، كانتساب عيسى إلى نوح ، إذ لا فرق.
وروى الحافظ الكنجي الشافعي في آخر هذا الفصل ، بسنده عن عمر بن الخطّاب ، قال : سمعت رسول الله يقول : كلّ بني انثى فإنّ عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة ، فإنّي أنا عصبتهم وأنا أبوهم(٢) .
قال العلاّمة الكنجي : رواه الطبري في ترجمة الحسن.
هذا ، وقد نقله أيضا بتفاوت يسير وزيادة في أوّله ، بأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : كلّ حسب ونسب منقطع يوم القيامة ما خلا حسبي ونسبي(٣) .
أقول : ونقله كثير من علمائكم وحفّاظكم ، منهم الحافظ سليمان الحنفي في كتابه : «ينابيع المودّة»(٤) وقد أفرد بابا في الموضوع فرواه عن
__________________
(١) في سورة الأنعام : الآيتين ٨٤ و ٨٥.
(٢) كفاية الطالب : ص ٣٨١.
(٣) كفاية الطالب : ص ٣٨٠.
(٤) ينابيع المودة ، الباب ٥٧ ص ٣١٨.
أبي صالح ، والحافظ عبد العزيز بن الأخضر ، وأبي نعيم في معرفة الصحابة ، والدارقطني والطبراني في الأوسط.
ومنهم : الشيخ عبد الله بن محمد الشبراوي في : «الإتحاف بحبّ الأشراف».
ومنهم : جلال الدين السيوطي في : «إحياء الميت بفضائل أهل البيت»(١) .
ومنهم : أبو بكر ابن شهاب الدين في : «رشفة الصادي في بحر فضائل بني النبيّ الهادي» ط. مصر ، الباب الثالث.
ومنهم : ابن حجر الهيثمي في «الصواعق المحرقة» الباب التاسع ، الفصل الثامن ، الحديث السابع والعشرون» قال : أخرج الطبراني عن جابر ، والخطيب عن ابن عبّاس ونقل الحديث.
وروى ابن حجر أيضا في «الصواعق الباب الحادي عشر ، الفصل الأول ، الآية التاسعة ...» : وأخرج أبو الخير الحاكمي ، وصاحب «كنوز المطالب في بني أبي طالب» إنّ عليّا دخل على النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) وعنده العبّاس ، فسلّم فردّ عليه (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) السلام وقام فعانقه وقبّل ما بين عينيه وأجلسه عن يمينه.
فقال له العبّاس : أتحبّه؟
قال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : يا عمّ! والله الله أشدّ حبّا له منّي ، إنّ الله (عزّ وجلّ) جعل ذرّيّة كلّ نبيّ في صلبه ، وجعل ذرّيّتي في صلب هذا.
__________________
(١) من الحديث ٢٩ ص ٢٨ الى الحديث ٣٤ ص ٣٢.
ورواه العلاّمة الكنجي الشافعي في كتابه : «كفاية الطالب الباب السابع»(١) بسنده عن ابن عبّاس.
وهناك مجموعة كبيرة من الأحاديث الشريفة المعتبرة ، المرويّة في كتبكم ، المقبولة عند علمائكم ، تقول : إنّ النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) كان يعبّر عن الحسن والحسين عليهما السّلام ، بأنّهما ابناه ، ويعرّفهما لأصحابه ويقول : هذان ابناي
وجاء في تفسير : «الكشّاف» وهو من أهمّ تفاسيركم ، في تفسير آية المباهلة : لا دليل أقوى من هذا على فضل أصحاب الكساء ، وهم : عليّ وفاطمة والحسنان ، لأنّها لمّا نزلت ، دعاهم النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) فاحتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ومشت فاطمة خلفه وعليّ خلفهما ، فعلم : إنّهم المراد من الآية ، وإنّ أولاد فاطمة وذرّيّتهم يسمّون أبناءه وينسبون إليه (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) نسبة صحيحة نافعة في الدنيا والآخرة(٢) .
وكذلك الشيخ أبو بكر الرازي في «التفسير الكبير» في ذيل آية المباهلة ، وفي تفسير كلمة :( أَبْناءَنا ) له كلام طويل وتحقيق جليل ، أثبت فيه أنّ الحسن والحسين هم ابنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وذرّيّته ، فراجع(٣) .
__________________
(١) كفاية الطالب : الباب السابع ، ص ٧٩.
(٢) الكشاف : ج ١ ص ٣٦٨.
(٣) حول آية المباهلة والحسنينعليهماالسلام :لقد أجمع المفسّرون على أنّ( أَبْناءَنا ) في آية المباهلة إشارة إلى الحسن
__________________
والحسين عليهما السّلام ، وأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخرجهما معه يوم المباهلة مجيبا أمر الله (عزّ وجلّ) ، وقد أجمع عليه المحدّثون والمؤرّخون من المسلمين.
وإليك بعض المدارك والمصادر في هذا الباب :
١ ـ الحافظ مسلم بن الحجّاج ، في صحيحه ، ج ٧ ص ١٢٠ ، ط. محمد علي صبيح ـ مصر.
٢ ـ الإمام أحمد بن حنبل ، في مسنده ، ج ١ ص ١٨٥ ، ط. مصر.
٣ ـ العلاّمة الطبري ، في تفسيره ، ج ٣ ص ١٩٢ ، ط. الميمنية ـ مصر.
٤ ـ العلاّمة أبو بكر الجصّاص ـ المتوفّى سنة ٢٧٠ ه ـ في كتاب «أحكام القرآن» ج ٢ ص ١٦ ، قال فيه : إنّ رواة السير ونقلة الاثر لم يختلفوا في أنّ النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أخذ بيد الحسن والحسين وعليّ وفاطمة رضي الله عنهم ودعا النصارى الّذين حاجّوه إلى المباهلة إلى آخره.
٥ ـ الحاكم ، في «المستدرك» ج ٣ ص ١٥٠ ، ط حيدرآباد الدكن.
٦ ـ العلاّمة الثعلبي ، في تفسيره في ذيل آية المباهلة.
٧ ـ الحافظ أبو نعيم ، في كتاب «دلائل النبوّة» ص ٢٩٧ ، ط. حيدرآباد.
٨ ـ العلاّمة الواحدي النيسابوري ، في كتاب : «أسباب النزول» ص ٧٤ ، ط. مصر.
٩ ـ العلاّمة ابن المغازلي في كتابه مناقب علي بن أبي طالب (ع).
١٠ ـ العلاّمة البغوي ، في كتابه «معالم التنزيل» ج ١ ص ٣٠٢.
وفي كتابه «مصابيح السنّة» ج ٢ ص ٢٠٤ ، ط المطبعة الخيرية.
١١ ـ العلاّمة الزمخشري ، في تفسير : «الكشّاف» ج ١ ص ١٩٣ ، ط. مصطفى محمد.
١٢ ـ العلاّمة أبو بكر ابن العربي ، في كتاب «أحكام القرآن» ج ١ ص ١١٥ ، ط.
مطبعة السعادة بمصر.
__________________
١٣ ـ العلاّمة الفخر الرازي ، في «التفسير الكبير» ج ٨ ص ٨٥ ، ط. البهية بمصر.
١٤ ـ العلاّمة المبارك ابن الأثير ، في «جامع الاصول» ج ٩ ص ٤٧٠ ، ط. المطبعة المحمدية بمصر.
١٥ ـ الحافظ شمس الدين الذهبي ، في تلخيصه المطبوع في ذيل مستدرك الحاكم ، ج ٣ ص ١٥٠ ، ط. حيدرآباد.
١٦ ـ الشيخ محمد بن طلحة الشافعي ، في «مطالب السئول».
١٧ ـ العلاّمة الجزري ، في كتاب «أسد الغابة» ج ٤ ص ٢٥ ، ط. الاول بمصر.
١٨ ـ العلاّمة سبط ابن الجوزي ، في «التذكرة» ص ١٧ ، ط. النجف.
١٩ ـ العلاّمة القرطبي ، في كتاب «الجامع لاحكام القرآن» ج ٣ ص ١٠٤ ، ط.
مصر ، سنة ١٩٣٦.
٢٠ ـ العلاّمة البيضاوي ، في تفسيره ، ج ٢ ص ٢٢ ، ط. مصطفى محمد بمصر.
٢١ ـ العلاّمة محبّ الدين الطبري ، في «ذخائر العقبى» ص ٢٥ ، ط. مصر سنة ١٣٥٦.
وفي كتابه الآخر «الرياض النضرة» ص ١٨٨ ، ط. الخانجي بمصر.
٢٢ ـ العلاّمة النسفي ، في تفسيره ، ج ١ ، ص ١٣٦ ، ط. عيسى الحلبي بمصر.
٢٣ ـ العلاّمة المهايمي ، في : «تبصير الرحمن وتيسير المنان» ج ١ ص ١١٤ ، ط.
مطبعة بولاق بمصر.
٢٤ ـ الخطيب الشربيني ، في تفسيره «السراج المنير» ج ١ ص ١٨٢ ، ط. مصر.
٢٥ ـ العلاّمة النيسابوري ، في تفسيره ، ج ٣ ص ٢٠٦ ، بهامش تفسير الطبري ، ط.
الميمنية بمصر.
٢٦ ـ العلاّمة الخازن ، في تفسيره ، ج ١ ص ٣٠٢ ، ط. مصر.
__________________
٢٧ ـ العلاّمة أبو حيّان الأندلسي ، في كتابه «البحر المحيط» ج ٢ ص ٤٧٩ ، ط ، مطبعة السعادة بمصر.
٢٨ ـ الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي ، في تفسيره ، ج ١ ص ٣٧٠ ، ط. مصطفى محمد بمصر.
وفي كتابه «البداية والنهاية» ج ٥ ص ٥٢ ، ط. مصر.
٢٩ ـ أحمد بن حجر العسقلاني ، في «الإصابة» ج ٢ ص ٥٠٣ ، ط. مصطفى محمد بمصر.
٣٠ ـ العلاّمة معين الدين الكاشفي ، في كتاب «معارج النبوّة» ج ١ ص ٣١٥ ، ط. لكنهو.
٣١ ـ ابن الصبّاغ المالكي ، في «الفصول المهمّة» ص ١٠٨ ، ط النجف.
٣٢ ـ جلال الدين السيوطي ، في «الدر المنثور» ج ٤ ص ٣٨ ، ط. مصر.
وفي كتابه «تاريخ الخلفاء» ص ١١٥ ، ط. لاهور.
٣٣ ـ ابن حجر الهيتمي ، في كتابه «الصواعق المحرقة» ص ١٩٩ ، ط. المحمدية بمصر.
٣٤ ـ أبو السعود أفندي ، شيخ الإسلام في الدولة العثمانية ، في تفسيره ، ج ٢ ص ١٤٣ ، ط. مصر ، المطبوع بهامش تفسير الرازي.
٣٥ ـ العلاّمة الحلبي ، في كتابه «السيرة المحمدية» ج ٣ ص ٣٥ ، ط. مصر.
٣٦ ـ العلاّمة الشاه عبد الحقّ الدهلوي ، في كتاب «مدارج النبوّة» ص ٥٠٠ ط. بومبي.
٣٧ ـ العلاّمة الشبراوي ، في كتاب «الإتحاف بحبّ الاشراف» ص ٥ ، ط. مصطفى الحلبي.
٣٨ ـ العلاّمة الشوكاني ، في كتاب «فتح القدير» ج ١ ص ٣١٦ ، طبع مصطفى الحلبي بمصر.
٣٩ ـ العلاّمة الآلوسي ، في تفسيره «روح المعاني» ج ٣ ص ١٦٧ ، ط. المنيرية بمصر.
ثمّ قلت بعد ذلك : فهل يبقى ـ يا أيّها الحافظ! ـ بعد هذا كلّه ، محلّ للشعر الذي استشهدت به؟! بنونا بنو أبنائنا إلى آخره.
وهل يقوم هذا البيت من الشعر ، مقابل هذه النصوص الصريحة والبراهين الواضحة؟!
فلو اعتقد أحد بعد هذا كلّه ، بمفاد ذلك الشعر الجاهلي ـ الذي قيل في وصفه : إنه كفر من شعر الجاهلية ـ ، لردّه كتاب الله العزيز وحديث رسوله الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثمّ اعلم ـ أيّها الحافظ ـ أنّ هذا بعض دلائلنا في صحّة انتسابنا
__________________
٤٠ ـ العلاّمة الطنطاوي ، في تفسيره «الجواهر» ج ٢ ص ١٢٠ ، ط. مصطفى الحلبي بمصر.
٤١ ـ السيّد أبو بكر الحضرمي ، في كتاب «رشفة الصادي» ص ٣٥ ، ط. الإعلامية بمصر.
٤٢ ـ الشيخ محمود الحجازي ، في تفسير «الواضح» ج ٣ ص ٥٨ ، ط مصر.
٤٣ ـ العلاّمة صدّيق حسن خان ، في كتاب : «حسن الاسوة» ص ٣٢ ، ط. الجوائب بالقسطنطنية.
٤٤ ـ العلاّمة أحمد زيني دحلان ، في «السيرة النبوية» المطبوعة بهامش «السيرة الحلبية» ج ٣ ص ٤ ، ط. مصر.
٤٥ ـ السيّد محمد رشيد رضا ، في تفسير «المنار» ج ٣ ص ٣٢١ ، ط. مصر.
٤٦ ـ العلاّمة محمد بن يوسف الكنجي ، في كتابه «كفاية الطالب» الباب الثاني والثلاثين.
٤٧ ـ الحافظ سليمان الحنفي ، في كتابه : «ينابيع المودّة» ج ١ باب الآيات الواردة في فضائل أهل البيت ، الآية التاسعة.
«المترجم»
إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبعض براهيننا على أنّنا ذرّيّته ونسله ، ولذا يحقّ لنا أن نفتخر بذلك ونقول :
أولئك آبائي فجئني بمثلهم |
إذا جمعتنا يا جرير المجامع |
الحافظ : إنّي اقرّ وأعترف بأنّ دلائلكم كانت قاطعة ، وبراهينكم ساطعة ، ولا ينكرها إلاّ الجاهل العنود ؛ كما وأشكركم كثيرا على هذه التوضيحات ، فلقد كشفتم لنا الحقيقة وأزحتم الشبهة عن أذهاننا.
صلاة العشاء
وهنا علا صوت المؤذّن في المسجد وهو يعلن وقت صلاة النساء ، والإخوة من العامّة ـ بخلافنا نحن الشيعة ـ يوجبون التفريق بين صلاتي الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، وقد يجمعون أحيانا ، وذلك لسبب كالمطر والسفر.
لذا فقد تهيّئوا جميعا للذهاب إلى المسجد ، فقال بعضهم : وبما أنّا نريد الرجوع بعد الصلاة إلى هذا المكان لمتابعة الحديث ، فالأحسن أن تقام جماعة في المسجد وجماعة في هذا المكان بالحاضرين ، حتّى لا يفترق جمعنا ولا يفوت وقتنا ، فهذه فرصة ثمينة يجب أن نغتنمها.
فوافق الجميع على هذا الاقتراح ، وذهب السيّد عبد الحيّ ـ إمام المسجد ـ ليقيم الجماعة فيه بالناس.
وأمّا الآخرون فقد أقاموا صلاة العشاء جماعة في نفس المكان ، واستمرّوا على ذلك في بقية الليالي التالية أيضا.
مسألة الجمع أو التفريق بين الصلاتين
ولمّا استقرّ بنا المجلس بعد الصلاة ، خاطبني أحد الحاضرين ، ويدعى النوّاب عبد القيّوم خان ، وكان يعدّ من أعيان العامة وأشرافهم ، وهو رجل مثقّف يحبّ العلم والمعرفة ، فقال لي : في هذه الفرصة المناسبة التي يتناول العلماء فيها الشاي أستأذنكم لأطرح سؤالا خارجا عن الموضوع الّذي كنّا فيه ، ولكنّه كثيرا ما يتردّد على فكري ويختلج في صدري.
قلت : تفضّل واسأل ، فإنّي مستعدّ للاستماع إليك.
النوّاب : كنت أحبّ كثيرا أن ألتقي بأحد علماء الشيعة حتّى أسأله : أنّه لما ذا تسير الشيعة على خلاف السنّة النبوية حين يجمعون بين صلاتي الظهر والعصر ، وكذلك المغرب والعشاء؟!
قلت :
أولا : السادة العلماء ـ وأشرت إلى الحاضرين في المجلس ـ يعلمون أنّ آراء العلماء تختلف في كثير من المسائل الفرعية ، كما أنّ أئمّتكم ـ الأئمّة الأربعة ـ يختلفون في آرائهم الفقهيّة فيما بينهم كثيرا ، فلم يكن إذن الاختلاف بيننا وبينكم في مثل هذه المسألة الفرعية شيئا مستغربا.
ثانيا : إنّ قولك : الشيعة على خلاف السنّة النبوية ، ادّعاء وقول لا دليل عليه ، وذلك لأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يجمع حينا ويفرّق اخرى.
النوّاب ـ وهو يتوجّه إلى علماء المجلس ويسألهم ـ : أهكذا كان يصنع رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يفرّق حينا ويجمع اخرى؟
الحافظ : يلتفت إلى النوّاب ويقول في جوابه ـ : كان النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يجمع بين الصلاتين في موردين فقط : مورد السفر ، ومورد العذر من مطر وما أشبه ذلك ، لكي لا يشقّ على أمّته.
وأمّا إذا كان في الحضر ، ولم يكن هناك عذر للجمع ، فكان يفرّق ، وأظنّ أنّ السيّد قد التبس عليه حكم السفر والحضر!!
قلت : كلاّ ، ما التبس عليّ ذلك ، بل أنا على يقين من الأمر ، وحتّى أنّه جاء في الروايات الصحيحة عندكم : بأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يجمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر.
الحافظ : ربّما وجدتم ذلك في رواياتكم وتوهّمتم أنّها من رواياتنا!!
قلت : لا ، ليس كذلك ، فإنّ رواة الشيعة قد أجمعوا على جواز الجمع بين الصلاتين ، لأنّ الروايات في كتبنا صريحة في ذلك ، وإنّما الكلام والنقاش يدور فيما بين رواتكم حول الجمع وعدمه ، فقد نقلت صحاحكم وذكرت مسانيدكم ، أحاديث كثيرة وأخبارا صريحة في هذا الباب.
الحافظ : هل يمكنكم ذكر هذه الروايات والأحاديث وذكر مصادرها لنا؟
قلت : نعم ، هذا مسلم بن الحجّاج ، روى في صحيحه في باب «الجمع بين الصلاتين في الحضر» بسنده عن ابن عبّاس ، أنّه قال : صلّى رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) الظهر والعصر جمعا ، والمغرب والعشاء جمعا ، في غير خوف ولا سفر.
وروى أيضا ، بسنده عن ابن عبّاس ، أنّه قال : صلّيت مع النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ثمانيا جمعا ، وسبعا جمعا(١) .
وروى هذا الخبر بعينه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج ٢ ص ٢٢١ ، وأضاف إليه حديثا آخر عن ابن عبّاس أيضا ، أنّه قال : صلى رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) في المدينة مقيما غير مسافر ، سبعا وثمانيا.
وروى مسلم في صحيحه أخبارا عديدة في هذا المجال ، إلى أن روى في الحديث رقم ٥٧ ، بسنده عن عبد الله بن شقيق ، قال : خطبنا ابن عبّاس يوما بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم ، فجعل الناس يقولون : الصلاة ـ الصلاة! فلم يعتن ابن عبّاس بهم ، فصاح في هذه الأثناء رجل من بني تميم ، لا يفتر ولا ينثني : الصلاة الصلاة!
فقال ابن عبّاس : أتعلّمني بالسنّة؟ لا أمّ لك!
ثمّ قال : رأيت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) جمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء.
قال عبد الله بن شقيق : فحاك في صدري من ذلك شيء ، فأتيت أبا هريرة ، فسألته ، فصدّق مقالته.
وروى مسلم في صحيحه الحديث رقم ٥٨ ذلك أيضا بطريق آخر عن عبد الله بن شقيق العقيلي ، قال : قال رجل لابن عبّاس ـ لمّا طالت خطبته ـ : الصلاة! فسكت ، ثمّ قال : الصلاة! فسكت. ثمّ قال :
__________________
(١) يقصد بالثمان : ركعات الظهر والعصر ، وبالسبع : ركعات المغرب والعشاء ، في الحضر. «المترجم».
الصلاة! فسكت ، ثمّ قال : لا أمّ لك! أتعلّمنا بالصلاة ، وكنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)؟!
وروى الزرقاني وهو من كبار علمائكم ، في كتابه «شرح موطّأ مالك ج ١ ص ٢٦٣ ، باب الجمع بين الصلاتين» عن النسائي ، عن طريق عمرو بن هرم ، عن ابن الشعثاء ، أنّه قال : إنّ ابن عبّاس كان يجمع بين صلاتي الظهر والعصر ، وصلاتي المغرب والعشاء في البصرة ، وكان يقول : هكذا صلّى رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
وروى مسلم في صحيحه ، ومالك في : «الموطّأ» وأحمد بن حنبل في «المسند» والترمذي في صحيحه في «باب الجمع بين الصلاتين» بإسنادهم عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس ، قال : جمع رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء بالمدينة ، من غير خوف ولا مطر ، فقيل لابن عبّاس : ما أراد بذلك؟
قال : أراد أن لا يحرج أحدا من أمّته.
هذه بعض رواياتكم في هذا الموضوع ، وهي أكثر من ذلك بكثير ، ولكن ربّما يقال : إنّ أوضح دليل على جواز الجمع بين الصلاتين من غير عذر ولا سفر ، هو : أنّ علماءكم فتحوا بابا في صحاحهم ومسانيدهم بعنوان : «الجمع بين الصلاتين» وذكروا فيه الروايات التي ترخّص الجمع مطلقا ، فيكون دليلا على جواز الجمع مطلقا ، في السفر والحضر ، مع العذر وبلا عذر.
ولو كان غير ذلك ، لفتحوا بابا مخصوصا للجمع في الحضر ، وبابا مخصوصا للجمع في السفر ، وبما أنّهم لم يفعلوا ذلك ، وإنّما
سردوا الروايات في باب واحد ، كان ذلك دليلا على جواز الجمع مطلقا!
الحافظ : ولكنّي لم أجد في صحيح البخاري روايات ولا بابا بهذا العنوان.
قلت :
أوّلا : إنّه إذا روى سائر أصحاب الصحاح ـ غير البخاري ـ من مثل مسلم والترمذي والنسائي وأحمد بن حنبل ، وشرّاح صحيحي مسلم والبخاري ، وغيرهم من كبار علمائكم ، أخبارا وأحاديث في مطلب ما وأقرّوا بصحّتها ، ألا تكون رواية أولئك كافية في إثبات ذلك المطلب ، فيثبت إذن هدفنا ومقصودنا؟!
وثانيا : إنّ البخاري أيضا ذكر هذه الروايات في صحيحه ، ولكن بعنوان آخر ، وذلك في باب «تأخير الظهر إلى العصر» من كتاب مواقيت الصلاة ، وفي باب «ذكر العشاء والعتمة» وباب «وقت المغرب».
أرجو أن تطالعوا هذه الأبواب بدقّة وإمعان حتّى تجدوا أنّ كلّ هذه الأخبار والروايات الدالّة على جواز الجمع بين الصلاتين منقولة هناك أيضا.
الجمع بين الصلاتين عند علماء الفريقين
والحاصل : إنّ نقل هذه الاحاديث من قبل جمهور علماء الفريقين ـ مع الإقرار بصحّتها في صحاحهم ـ دليل على أنّهم أجازوا الجمع ورخّصوه ، وإلاّ لما نقلوا هذه الروايات في صحاحهم.
كما أنّ العلاّمة النووي في «شرح صحيح مسلم» والعسقلاني والقسطلاني وزكريّا الأنصاري ، في شروحهم لصحيح البخاري ، وكذلك الزرقاني في «شرح موطّأ مالك» وغير هؤلاء من كبار علمائكم ذكروا هذه الأخبار والروايات ، ثمّ وثّقوها وصحّحوها ، وصرّحوا بأنّها تدلّ على الجواز والرخصة في الجمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر ولا مطر ، وخاصة بعد رواية ابن عبّاس وتقرير صحّتها ، فإنّهم علّقوا عليها بأنّها صريحة في جواز الجمع مطلقا ، وذلك حتّى لا يكون أحد من الأمّة في حرج ومشقّة.
النوّاب ـ وهو يقول متعجبا ـ : كيف يمكن مع وجود هذه الأخبار والروايات المستفيضة والصريحة في جواز الجمع بين الصلاتين ، ثمّ يكون علماؤنا على خلافها حكما وعملا؟!
قلت ـ بديهي ، ومع كامل العذر على الصراحة ـ : إنّ عدم التزام علمائكم بالنصوص الصريحة والروايات الصحيحة لا تنحصر ـ مع كلّ الأسف ـ بهذا الموضوع فقط ، بل هناك حقائق كثيرة نصّ عليها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وصرّح بها في حياته ، ولكنّهم لم يلتزموا بها ، وإنّما تأوّلوها وأخفوا نصّها عن عامة الناس ، وسوف تنكشف لكم بعض هذه الحقائق خلال البحث والنقاش في موضوع الإمامة وغيره إن شاء الله تعالى.
وأمّا هذا الموضوع بالذات ، فإنّ فقهاءكم لم يلتزموا ـ أيضا ـ بالروايات التي وردت فيه مع صراحتها ، وإنّما أوّلوها بتأويلات غير مقبولة عرفا.
فقال بعضهم : إنّ هذه الروايات المطلقة في الجمع بين الصلاتين لعلّها تقصد الجمع في أوقات العذر ، مثل الخوف والمطر وحدوث الطين والوحل ، وعلى هذا التأويل المخالف لظاهر الروايات أفتى جماعة كبيرة من أكابر متقدّميكم ، مثل : الإمام مالك والإمام الشافعي وبعض فقهاء المدينة فقالوا : بعدم جواز الجمع بين الصلاتين إلاّ لعذر كالخوف والمطر!
ومع أنّ هذا التأويل يردّه صريح رواية ابن عبّاس التي تقول : «جمع النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، بالمدينة من غير خوف ولا مطر».
وقال بعضهم الآخر في تأويل هذه الروايات المطلقة الصريحة في الجمع بين الصلاتين مطلقا ، حتّى وإن كان بلا عذر ولا سفر : لعلّ السحاب كان قد غطّى السماء ، فلم يعرفوا الوقت ، فلمّا صلّوا الظهر وأتمّوا الصلاة ، زال السحاب وانكشف الحجاب ، فعرفوا الوقت عصرا ، فجمعوا صلاة العصر مع الظهر!!
فهل يصحّ ـ يا ترى ـ مثل هذا التأويل في أمر مهمّ مثل الصلاة ، التي هي عمود الدين؟!
وهل أنّ المؤوّلين نسوا أنّ المصلّي ـ في الرواية ـ هو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّ وجود السحاب وعدمه لا يؤثّر في علم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الذي يعلم من الله تعالى ، وينظر بنور ربّه (عزّ وجلّ)؟!
وعليه : فهل يجوز أن نحكم في دين الله العظيم استنادا إلى هذه التأويلات غير العرفيّة ، التي لا دليل عليها سوى الظنّ أو التّرجيح! وقد
قال تعالى :( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (١) .؟
إضافة إلى ذلك ما الذي تقولونه في جمع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بين صلاتي المغرب والعشاء ، مع أنّه لا أثر حينها للسحاب وعدمه فيه؟!
إذن فهذا التأويل وغيره من التأويلات ، خلاف ظاهر الروايات ، وخلاف صريح الخبر القائل : «إنّ ابن عبّاس استمرّ في خطبته حتّى بدت النجوم ، ولم يبال بصياح الناس : الصلاة الصلاة ، ثمّ ردّ ابن عبّاس على التميمي بقوله : أتعلّمني بالسنّة؟! لا أمّ لك! رأيت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) جمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء» ثمّ تصديق أبي هريرة لمقالة ابن عبّاس.
وعليه : فإنّ هذه التأويلات غير معقولة ولا مقبولة عندنا ، وكذا غير مقبولة عند كبار علمائكم أيضا ، إذ إنّهم علّقوا عليها : بأنّها خلاف ظاهر الروايات.
فهذا شيخ الإسلام الأنصاري في كتابه «تحفة الباري في شرح صحيح البخاري في باب صلاة الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء آخر ص ٢٩٢ في الجزء الثاني» وكذا العلاّمة القسطلاني في كتابه «إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري في ص ٢٩٣ من الجزء الثاني» وكذا غيرهما من شرّاح صحيح البخاري ، وكثير من محقّقي علمائكم ، قالوا : هذه التأويلات على خلاف ظاهر الروايات ، وإنّ التقيّد بالتفريق بين الصلاتين ترجيح بلا مرجّح وتخصيص بلا مخصّص.
النواب : إذن فمن أين جاء هذا الاختلاف الذي فرّق بين الإخوة
__________________
(١) سورة يونس ، الآية ٣٦.
المسلمين إلى فرقتين متخاصمتين ، ينظر بعضهم إلى الآخر بنظر البغض والعداء ، ويقدح بعضهم في عبادة البعض الآخر؟!
قلت :
أوّلا : بما أنّك قلت : بأنّ المسلمين صاروا فريقين متعاديين ، أوجب عليّ الوقوف قليلا عند كلمة : متعاديين ، لنرى معا هل العداء ـ كما قلت ـ كان من الطرفين ، أو من طرف واحد؟!
وهنا لا بدّ لي ـ وأنا واحد من الشيعة ـ أن أقول دفاعا عن الشيعة ـ أتباع أهل البيتعليهمالسلام ، وإزاحة لهذه الشبهة عنهم ـ : بأنّا نحن ـ معاشر الشيعة ـ لا ننظر إلى أحد من علماء العامة وعوامهم بعين التحقير والعداء ، بل نعدّهم إخواننا في الدين.
وذلك بعكس ما ينظره بعض العامة إلينا تماما ، إذ إنّهم يرون أنّ الشيعة أعداءهم ، فيتعاملون معهم معاملة العدوّ لعدوّه ، ولم تأتهم هذه النظرة بالنسبة إلى شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأتباع مذهب أهل بيت رسولهم الكريم ، إلاّ بسبب التقوّلات والأباطيل التي نشرت ضدّهم بواسطة الخوارج والنواصب وبني أميّة وأتباعهم من أعداء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأعداء آله الكرامعليهمالسلام ، وبسبب الاستعمار ـ في يومنا هذا ـ الذي هو ألدّ أعداء الإسلام والمسلمين ، والذي يخشى على منافعه ومطامعه من وحدة المسلمين واجتماعهم.
ومع الأسف الشديد فإنّ هذه التضليلات العدوانية أثّرت في قلوب وأفكار بعض أهل السّنة ، حتّى نسبونا إلى الكفر والشرك!
ويا ليت شعري هل فكّروا بأيّ دليل ذهبوا إلى هذا المذهب وفرّقوا بين المسلمين؟!
ألم يفكّروا في نهي الله تعالى المسلمين عن التفرقة بقوله :( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (١) ؟
ثمّ أليس الله (عزّ وجلّ) ، وحده لا شريك له ، ربّنا جميعا ، والإسلام ديننا ، والقرآن كتابنا ، والنبيّ الكريم محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم خاتم النبيّين وسيّد المرسلين نبيّنا ، وقوله وفعله وتقريره سنّتنا ، وحلاله حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، وأنّ الحقّ ما حقّقه ، والباطل ما أبطله ، ونوالي أولياءه ، ونعادي أعداءه ، والكعبة مطافنا وقبلتنا جميعا ، والصلوات الخمس ، وصيام شهر رمضان ، والزكاة الواجبة وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، فرائضنا ، والعمل بجميع الأحكام والواجبات والمستحبّات وترك الكبائر والمعاصي والذنوب مرامنا؟!
ألستم معنا في هذا كلّه؟!
أم إنّ شرعنا أو شرعكم ، وإسلامنا وإسلامكم غير ما بيّنّاه من الدين المبين؟؟!
وأنا على علم ويقين بأنّكم توافقوننا في كلّ ما ذكرناه ، وإن كان بيننا وبينكم شيء من الخلاف فهو كالخلاف الموجود فيما بينكم وبين مذاهبكم ، فنحن وأنتم في الإسلام سواء( كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (٢) .
إذن فلما ذا صار بعض العامة ينسبوننا إلى ما لا يرضى به الله ورسوله ، ويبغون الفرقة بيننا وبينهم ، وينظرون إلينا بنظر العداوة
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ١٠٣.
(٢) سورة البقرة ، الآية ٢٨٥.
والبغضاء؟! وهذا ما يتربّصه بنا أعداء الإسلام ويريده لنا الشيطان ، شياطين الإنس والجنّ ، قال تعالى في ذلك :( ... شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ ) (١) .
وقال تعالى :( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ) (٢) فتارة يوقع الشيطان العداوة والبغضاء بين المسلمين بواسطة الخمر والميسر ، وتارة بواسطة التسويلات والأوهام التي يلقيها في قلوبهم عبر التهم والأباطيل التي ينشرها شياطين الإنس في أوساطهم.
ثانيا : سألت : من أين جاء هذا الاختلاف؟
فإنّي أقول لك وقلبي يذوب حسرة وأسفاً : لقد جاء هذا وغيره من الاختلافات الفرعية على أثر اختلاف جذري وخلاف أصولي ، ليس هذا الوقت مناسبا لذكره ، ولعلّنا نصل إليه في مباحثنا الآتية فنتعرّض له إذا دار النقاش حوله ، وحين ذاك ينكشف لكم الحقّ وتعرفون الحقيقة إن شاء الله تعالى.
ثالثا : وأمّا بالنسبة إلى مسألة الجمع والتفريق بين الصلاتين ، فإنّ فقهاءكم بالرغم من أنّهم رووا الروايات الصحيحة والصريحة في الرخصة وجواز الجمع لأجل التسهيل ورفع الحرج عن الامّة ، أوّلوها ـ كما عرفت ـ ثمّ أفتوا بعدم جواز الجمع من غير عذر أو سفر ، حتّى أنّ بعضهم ـ مثل أبي حنيفة وأتباعه ـ أفتوا بعدم جواز الجمع مطلقا
__________________
(١) سورة الأنعام ، الآية ١١٢ و ١١٣.
(٢) سورة المائدة ، الآية ٩١.
حتّى مع العذر والسفر(١) .
ولكنّ المذاهب الاخرى من الشافعية والمالكية والحنابلة على كثرة اختلافاتهم الموجودة بينهم في جميع الأصول والفروع أجازوا الجمع في الأسفار المباحة كسفر الحج والعمرة ، والذهاب إلى الحرب ، وما أشبه ذلك.
وأمّا فقهاء الشيعة ، فإنّهم تبعا للأئمّة الأطهار من آل النبي المختارصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ الّذين جعلهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ميزانا لمعرفة الحقّ والباطل ، وعدلا للقرآن ، ومرجعا للامّة في حلّ الاختلاف ، وصرّح بأنّ التمسّك بهم وبالقرآن معا أمان من الفرقة والضلالة بعده ـ أفتوا بجواز الجمع مطلقا ، لعذر كان أم لغير عذر ، في سفر كان أم في حضر ، جمع تقديم في أوّل الوقت ، أم جمع تأخير في آخر الوقت ، وفوّضوا الخيار في الجمع والتفريق إلى المصلّي نفسه تسهيلا عليه ودفعا للحرج عنه ، وبما أنّ الله يحبّ الأخذ برخصه ، اختارت الشيعة الجمع بين الصلاتين ، حتّى لا يفوتهم شيء من الصلاة غفلة أو كسلا ، فجمعوا تقديما ، أو تأخيرا.
ولمّا وصل الكلام في الجواب عن الجمع بين الصلاتين إلى هنا قلت لهم : أرى الكلام عن هذه المسألة بهذا المقدار كافيا ، فإنّي أظنّ
__________________
(١) جاء في كتاب «عارضة الاحوذي بشرح صحيح الترمذي» للإمام الحافظ ابن العربي المالكي : ج ١ باب «ما جاء في الجمع بين الصلاتين».
قال علماؤنا : الجمع بين الصلاتين في المطر والمرض رخصة. وقال أبو حنيفة : بدعة وباب من أبواب الكبائر.
ثمّ يبدي الشارح رأيه فيقول : بل الجمع سنّة. «المترجم».
بأنّ الشبهة قد ارتفعت عن أذهانكم وانكشف لكم الحقّ ، وعرفتم : أنّ الشيعة ليسوا كما تصوّرهم البعض أو صوّروهم لكم ، بل إنّهم إخوانكم في الدين ، وهم ملتزمون بسنّة النبي الكريم وبالقرآن الحكيم(١) .
عود على بدأ
قلت : والآن أرى أنّ من الأفضل أن نعود إلى حوارنا السابق ، ونتابع حديثنا حول المسائل الاصولية المهمّة ، فإنّ هناك مسائل اصوليّة أهمّ من هذه المسائل الفرعيّة ، فإذا توافقنا على تلك المسائل الاصولية ، فالموافقة على أمثال هذه المسائل الفرعية حاصلة بالتبع.
الحافظ : إنّني فرح بمجالسة عالم فاضل ومفكّر نبيل ، ومحادثة متفكّر ، ذي اطّلاع وافر على كتبنا ورواياتنا مثل جنابكم ، فقد بان لي فضلكم وعلمكم في أوّل مجلس جلسناه معكم ، وكما تفضّلتم ، فإنّ من الأفضل ـ الآن ـ أن نتابع حديثنا السابق.
__________________
(١) وأمّا دليلنا على جواز الجمع بين الصلاتين من القرآن الكريم قوله تعالى :( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ* إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) سورة الإسراء ، الآية ٧٨.
فالمواقيت التي بيّنها الله تعالى للصلوات اليومية في هذه الآية المباركة ، ثلاثة : ١ ـ دلوك الشمس ، وهو الزوال ، ٢ ـ غسق الليل ، ٣ ـ الفجر.
وقال تعالى :( أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ* وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ) سورة هود ، الآية : ١١٤.
فالطرف الأوّل ـ من طرفي النهار ـ هو : من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، والطرف الثاني هو : من زوال الشمس إلى غروبها ، وزلفا من الليل ، أي : أوّل الليل ، وهو وقت زوال الحمرة بعد غروب الشمس. «المترجم».
غير إنّي أستأذن سماحتكم لأقول متسائلا : لقد ثبت لنا بكلامكم الشيّق ، وبيانكم العذب ، أنّكم من الحجاز ، ومن بني هاشم ، فأحبّ أن أعرف ـ أنّكم مع هذا النسب الطاهر والأصل المنيف ـ ما حدا بكم حتّى هاجرتم من الحجاز وعلى الخصوص من المدينة المنوّرة ، مدينة جدّكم ومسقط رأسكم وسكنتم في إيران؟!
ثمّ في أيّ تاريخ كان ذلك ولما ذا؟!
قلت : إنّ أوّل من هاجر من آبائي إلى إيران هو الأمير السيّد محمد العابد ابن الإمام موسى بن جعفر (عليه الصلاة والسّلام) ، وكان فاضلا تقيّا ، عابدا زاهدا ، ولكثرة عبادته ـ إذ إنّه كان قائم الليل وصائم النهار وتاليا للقرآن الكريم في أكثر ساعات ليله ونهاره ـ لقّب بالعابد ، وكان يحسن الخطّ ويجيد الكتابة ، فصار يستغل فراغه باستنساخ وكتابة المصحف المبارك ، وكان ما يأخذه من حقّ مقابل كتابته يعيش ببعضه ، ويشتري بالزائد منه مماليك وعبيدا ويعتقهم لوجه الله (عزّ وجلّ) ، حتّى أعتق عددا كبيرا منهم بذلك.
ولمّا أدركته الوفاة وارتحل من الدنيا ودفن في مضجعه ، أصبح مرقده الشريف وإلى هذا اليوم مزارا شريفا لعامة المؤمنين في مدينة شيراز.
وأمر ابن الأمير أويس ميرزا معتمد الدولة ، ثاني أولاد الحاجّ فرهاد ميرزا معتمد الدولة ـ عم ناصر الدين شاه قاجار ـ بنصب ضريح فضّي ثمين على القبر الشريف ، وأمر بروضته المباركة ـ وهي مسجد لأداء الفرائض اليومية وإقامة الجماعة ، وتلاوة آيات الكتاب الكريم ، وقراءة الأدعية والصلوات المستحبّة ، أمر أن تزيّن بالمرايا وأنواع البلاط
والرخام ، ليكون مأوى الزائرين الّذين يفدون إلى زيارة المرقد الشريف من كلّ صوب ومكان.
الحافظ : ما هو سبب هجرته من الحجاز إلى شيراز؟!
قلت : إنّ في أواخر القرن الثاني من الهجرة ، حينما أجبر المأمون الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه الصلاة والسلام) على الرحيل من مدينة جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والهجرة إلى خراسان ، وفرض عليه الإقامة في طوس ، وذلك بعد أن قلّده ولاية العهد كرها ، وقع الفراق بين الإمام الرضاعليهالسلام وبين ذويه وإخوته.
ولمّا طال الفراق ، اشتاق ذووه وإخوته وكثير من بني هاشم إلى زيارتهعليهالسلام فاستأذنوهعليهالسلام في ذلك فأذن لهم.
كما بعثوا كتابا إلى المأمون يطلبون منه الموافقة على سفرهم إلى طوس لزيارة أخيهم وإمامهم الرضاعليهالسلام ، حتّى لا يصدّهم المأمون وجلاوزته وعمّاله عن قصدهم ، ولا يتعرّضوا لهم بسوء ، فوافق المأمون على ذلك ، وأبدى لهم رضاه ، فشدّوا الرحال ، وعزموا على السفر لزيارة الإمام الرضاعليهالسلام ، فتحرّكت قافلة عظيمة تضمّ أبناء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وذرّيّته ، وتوجّهت من الحجاز نحو خراسان ، وذلك عن طريق البصرة والأهواز وبوشهر وشيراز إلى آخره.
وكانت القافلة كلّما مرّت ببلد فيها من الشيعة والموالين لآل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم انضمّ قسم كبير منهم إلى القافلة الهاشمية ، التي كان على رأسها السادة الكرام من إخوة الإمام الرضاعليهالسلام ، وهم : الأمير السيّد أحمد المعروف ب : «شاه چراغ» والأمير السيّد محمد العابد وهو : «جدّنا الأعلى» والسيّد علاء الدين حسين ، أبناء الإمام
موسى بن جعفرعليهالسلام ، فكان الناس يلتحقون بهم طوعا ورغبة لينالوا زيارة إمامهم الرضاعليهالسلام .
وعلى أثر ذلك ذكر المؤرّخون : بأنّ هذه القافلة حينما قربت من شيراز بلغ عدد أفرادها أكثر من خمسة عشر ألف إنسان ، بين رجل وامرأة ، وصغير وكبير ، وقد غمرهم جميعا شوق اللقاء ، وفرحة الوصال والزيارة.
فأخبر الجواسيس وعمّال الحكومة المأمون في طوس بضخامة القافلة وكثرة أفرادها ، وحذّروه من مغبّة وصولها إلى مركز الخلافة طوس ، فأوجس المأمون ـ من الأخبار الواصلة إليه عن القافلة الهاشمية ـ خيفة ، وأحسّ منها بالخطر على مقامه ومنصبه.
فأصدر أوامره إلى جواسيسه في الطريق ، وإلى حكّامه على المدن الواقعة في طريق القافلة الهاشمية ، يأمرهم فيها بأن يصدّوا القافلة عن المسير أينما وجدوها ، وأن يمنعوها من الوصول إلى طوس ، وكانت القافلة قد وصلت قريبا من شيراز حين وصل أمر الخليفة إلى حاكمها بصدّها ، فاختار الحاكم سريعا وعلى الفور أحد جلاوزته المسمّى : «قتلغ خان» وكان شديدا قاسيا ، وأمّره على أربعين ألف مقاتل ، وأمرهم بصدّ القافلة الهاشمية وردّها إلى الحجاز.
فخرج هذا الجيش الجرار من شيراز باتّجاه طريق القافلة وعسكر في «خان زنيون» وهو منزل يبعد عن شيراز ، ثلاثين كيلومترا تقريبا ، وبقوا يترصّدون القافلة ، وفور وصول القافلة إلى المنطقة وهي في طريقها إلى شيراز باتّجاه طوس ، بعث القائد «قتلغ خان» رسولا إلى السادة الأشراف ، وبلّغهم أمر الخليفة ، وطلب منهم الرجوع إلى
الحجاز من مكانهم هذا فورا.
فأجابه الأمير السيّد أحمد ـ وهو كبيرهم ـ قائلا :
أوّلا : نحن لا نقصد من سفرنا هذا إلاّ زيارة أخينا الإمام الرضاعليهالسلام في طوس.
وثانيا : نحن لم نخرج من المدينة المنوّرة ، ولم نقطع هذه المسافة البعيدة إلاّ بإذن من الخليفة وبموافقة منه ، ولهذا فلا مبرّر لصدّنا عن المسير.
ذهب الرسول وبلّغ مقالته إلى «قتلغ» ثمّ رجع وهو يقول : إنّ القائد قتلغ أجاب قائلا : بأنّ الخليفة أصدر إلينا أوامر جديدة تحتّم علينا وبكلّ قوّة أن نمنعكم من السفر إلى طوس ، ولعلّها أوامر أخرى اقتضتها الظروف الراهنة ، فلا بدّ لكم أن ترجعوا من هنا إلى الحجاز.
التشاور دأب النبلاء
وهنا أخذ الأمير السيّد أحمد يشاور إخوته وغيرهم من ذوي الرأي والحجى من رجال القافلة في الأمر ، فلم يوافق أحد منهم على الرجوع ، وأجمعوا على مواصلة السفر إلى خراسان مهما كلّفهم الأمر ، فجعلوا النساء في مؤخّر القافلة ، والأقوياء من الرجال المجاهدين في المقدّمة ، وأخذوا يواصلون سفرهم.
وتحرّك قتلغ خان بجيشه وقطع عليهم الطريق ، وكلّما نصحهم السادّة أبناء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بتخلية الطريق لهم لم ينفعهم نصحهم ،
وانجرّ الموقف إلى المناوشة والمقاتلة ، ومنها شبّت نيران الحرب والقتال بين الطرفين ، فحمي الوطيس وانهزم جيش المأمون على أثر مقاومة بني هاشم وشجاعتهم.
فتوسّل قتلغ خان بالمكر والخديعة ، وأمر جماعة من رجاله أن يصعدوا على التلال ، وينادوا بأعلى أصواتهم : يا أبناء علي وشيعته! إن كنتم تظنّون أنّ الرضا سوف يشفع لكم عند الخليفة ، فقد وصلنا خبر وفاته ، وجلوس الخليفة في عزائه ، فلما ذا تقاتلون؟! فإن الرضا قد مات!!
أثّرت هذه الخديعة أثرا كبيرا في انهيار معنويات المقاتلين والمجاهدين ، فتفرّقوا في ظلام الليل وتركوا ساحة القتال ، وبقي أبناء الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وحدهم ، فأمر الأمير السيّد أحمد إخوته ومن بقي معه أن يرتدوا ملابس أهل القرى ويتزيّوا بزيّهم ، ويتفرّقوا في سواد اللّيل ، ويتنكّبوا عن الطريق العامّ حتّى يسلموا بأنفسهم ولا يقعوا في يد قتلغ خان ورجاله ، فتفرّقوا من هنا وهناك ، في الجبال والقفار ، مشرّدين مطاردين.
وأمّا الأمير السيّد أحمد ، وكذا السيّد محمد العابد ، والسيد علاء الدين ، فقد دخلوا شيراز مختفين ، وانفرد كلّ منهم في مكان منعزل واشتغل بعبادة ربّه.
نعم ، يقال : إن المراقد المنسوبة الى آل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في إيران وخاصة النائية منها في القرى وبين الجبال ، أكثرها لأصحاب تلك الوقعة الأليمة.
ترجمة الأمير السيّد أحمد
الأمير السيّد أحمد هو أخ الإمام الرضاعليهالسلام ، وأفضل أولاد أبيه بعد أخيه الإمام عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام ، وأكثرهم ورعا وأتقاهم.
وهو الذي اشترى في حياته ألف عبد مملوك وأعتقهم لوجه الله ، ويلقّب باللقب المعروف : «شاه چراغ» وبعد أن نجّاه الله تعالى من تلك المعركة ، توجّه مختفيا مع أخويه إلى شيراز ، وأقاموا فيها متنكّرين متفرّقين.
ونزل السيّد أحمد في شيراز عند أحد الشيعة في محلّة «سردزك» وهو المكان الذي فيه مرقده الآن ، واختفى في بيت ذاك الموالي واشتغل بالعبادة.
وأمّا قتلغ خان ، فقد جعل العيون والجواسيس في كلّ مكان لاستقصاء أخبار السادة المشرّدين والعثور عليهم ، وبعد سنة تقريبا عرف مكان السيّد أحمد ، فحاصره مع رجاله ، وأبى السيّد أن ينقاد ويستسلم لعدوّه ، فقاتلهم ذابّا عن نفسه ، وأبدى شجاعة وشهامة هاشمية ، أعجبت الناس كلّهم ، وكان كلّما ضعف عن الحرب يلتجئ إلى منزله فيستريح فيه لحظات ثمّ يخرج ويدافع عن نفسه.
فلمّا رأى قتلغ أنّهم لا يستطيعون القضاء عليه عبر المواجهة المسلحة ، احتالوا عليه بالدخول إلى بيت جيرانه والتسلل إليه عبر ثغرة أحدثوها من بيت الجيران ، فلمّا دخل السيّد بيته ليستريح فيه قليلا ، خرجوا إليه وغدروا به ، فضربوه بالسيف على رأسه ، فخرّ صريعا ، ثمّ أمر قتلغ خان ، فهدموا البيت على ذلك الجسد الشريف وبقي تحت
التراب والأنقاض.
ولمّا كان أغلب الناس في ذلك الزمان من المخالفين ، ولم يكونوا شيعة لآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ القليل منهم ، وذلك على أثر الأكاذيب والأباطيل التي كانت تنشر بواسطة الدولة ورجالها ضدّهم ، لم يرعوا حرمة ذلك المكان ، ولا حرمة الجسد الشريف ، ولم يرقبوا فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بل تركوه مدفونا تحت الأنقاض وأكوام التراب.
اكتشاف الجسد الشريف
وفي أوائل القرن السابع الهجري دخلت شيراز في ظلّ حكومة الملك أبي بكر بن سعد مظفّر الدين ، وكان مؤمنا صالحا يسعى لنشر الدين الإسلامي الحنيف ، ويكرم العلماء ، ويحترم المؤمنين الأتقياء ، ويحب السادة الشرفاء ، وكما قيل : «الناس على دين ملوكهم» كان وزراؤه ورجال دولته مثله ـ أيضا ـ مؤمنين أخيارا ، ومنهم : الأمير مسعود بن بدر الدين ، وكان كريما يحب عمران البلاد وإصلاح حال العباد ، فعني بتجميل مدينة شيراز وتنظيفها من الأوساخ ، وتجديد بناياتها وإصلاح خرائبها ، إذ إنّ شيراز كانت عاصمة ملكهم.
فأمر ـ في جملة ما أمر بإصلاحه ، وتجديد البناء فيه ـ إعمار المكان الذي كان يضمّ جسد الأمير السيّد أحمد منذ قرون ، فلمّا جاء عمّاله ومستخدموه إلى المكان وانهمكوا بنقل التراب والأنقاض منه إلى خارج البلد ، وصلوا أثناء العمل إلى جسد طريّ لشابّ جسيم وسيم ، قد قتل في أثر ضربة على رأسه انفلقت هامته ، فأخرجوه من بين الأنقاض ، وأخبروا الأمير مسعود بذلك ، فجاء هو بصحبة جماعة
من المسئولين للتحقيق في الموضوع.
وبعد الفحص الكثير ، والتنقيب عن وجود أثر يدلّ على هويّة الشابّ القتيل عثروا على خاتم له كان قد نقش عليه : «العزّة لله ، أحمد ابن موسى» فأذعنوا لمّا رأوا ذلك ـ إضافة إلى ما كانوا قد سمعوه عن تاريخ ذلك المكان ـ أيضا ـ من أخبار الشجاعة الهاشمية التي أبداها أولاد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنفسهم في الواقعة الأليمة التي دارت هناك وأدّت أخيرا إلى شهادة أحمد بن موسىعليهالسلام ـ أنّ هذا الجسد هو جسد الأمير السيّد أحمد بن الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام .
ولمّا شاهد الناس أنّ الجسد الشريف قد أخرج من تحت الأنقاض وأكوام التراب وذلك بعد أربعمائة عام من تاريخ شهادته وهو على نضارته طريّا لم يتغيّر ، عرفوا أنّ صاحبه ولىّ من أولياء الله تعالى ، وأيقنوا بحقانية التشيّع مذهب أهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ إنّه كان من أولاد الرسول وعلى مذهب أهل البيت الذي استشهد في سبيله ومن أجله ، فتشيّع على أثر ذلك كثير من أهل شيراز.
ثمّ أمر مسعود بن بدر الدين ، أن يدفنوا الجسد الطاهر في نفس المكان الذي عثروا عليه فيه ، بعد أن حفروا له قبرا وصلّوا عليه ، ودفنوه في قبره مجلّلا محترما بحضور العلماء وأعيان شيراز ، كما وأمر أن يشيّدوا على مرقده عمارة عالية ذات رحبة واسعة لتكون مأوى للزائرين والوافدين وبقيت كذلك حتّى توفّي الملك مظفّر الدين سنة ٦٥٨ ه ق.
وفي عام ٧٥٠ ه ق لمّا آلت السلطة على بلاد فارس إلى الملك إسحاق بن محمود شاه ودخل مدينة شيراز ، كانت أمّه معه ، وهي
الملكة «تاشي خاتون» وكانت امرأة صالحة ، فتشرّفت بزيارة ذلك المرقد الشريف ، وأمرت بترميم الروضة المباركة وإصلاحها ، كما وأمرت ببناء وتشييد قبّة جميلة جدا فوق مرقده ، وجعلت قرية «ميمند» الواقعة على بعد ما يقرب من ثمانين كيلومترا عن مدينة شيراز وقفا عليه ، وأمرت بأن يصرف واردها على تلك البقعة المباركة ، وهي باقية إلى يومنا هذا ، حيث يعمل المتولّون لها على قرار الوقف وينفقون واردها في شئونه ، ومحصولها حتّى اليوم : ماء ورد معروف بجودته وطيبه في العالم.
ترجمة الأمير السيّد علاء الدين حسين
السيّد علاء الدين هو أيضا من إخوة الإمام الرضاعليهالسلام ، ومن أبناء الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام ، وهو الذي دخل بصحبة أخويه متستّرا إلى شيراز ، وفارقهما مختفيا في مكان لا يعرفه أحد ، واشتغل فيه بالعبادة.
ثمّ مضت مدّة من الزمن وهو مختف ، وكان بالقرب من محل اختفائه بستان لقتلغ خان والسيّد لا يعرف أنّها لقتلغ خان ، فضاقت به الدنيا يوما وضاق صدره ، فخرج من مخبئه وأطلّ على البستان لينفّس عن ضيق صدره ويروّح نفسه قليلا ، فجلس في زاوية واشتغل بتلاوة القرآن ، فعرفه رجال قتلغ العاملون في البستان ، فحملوا عليه ، ولم يمهلوه حتّى قتلوه والقرآن في يده وآياته على شفتيه ، فما هالهم إلاّ أن رأوا أنّ الأرض تنشقّ وتضمّ جسده الشريف وتخفيه عنهم حتّى مصحفه الذي كان في يديه.
مرّت أعوام كثيرة على هذه الواقعة الأليمة ، ومات قتلغ وانمحى
أثر البستان ، وتبدّلت حكومات ودول كثيرة في بلاد فارس ، حتّى جاء عهد الدولة الصفوية.
وفي عهد الصفويّين اتّسعت مدينة شيراز حتّى وصلت البيوت إلى الارض التي ضمت جسد السيّد علاء الدين ، فعند ما كانوا يحفرون فيها لوضع أساس للبناء ، عثروا على جثّة شابّ جميل كأنّه قتل من ساعته ، واضعا يده على قبضة سيفه والمصحف الكريم على صدره ، فعرفوا ممّا لديهم من العلائم والشواهد ، أنّه هو السيّد علاء الدين حسين بن الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام ـ وقيل : إنّهم وجدوا اسمه مكتوبا على جلد المصحف الكريم ـ فدفنوه بعد الصلاة عليه في محلّه.
وأمر حاكم شيراز أن يبنوا على قبره الشريف مكانا عاليا وبناء رفيعا ليتسع للمؤمنين والموالين الّذين يتوافدون لزيارته من كلّ صوب ومكان وبعد ذلك جاء رجل من المدينة المنوّرة ـ يدعى : الميرزا علي المدني ـ لزيارة مراقد السادة الشرفاء ، وكان ثريّا ومن الموالين لأهل البيت وذراريهم ، فقام بتوسيع البناء على مرقد السيّد علاء الدين ، وشيّد عليه قبّة جميلة ، واشترى أملاكا كثيرة فجعلها وقفا على ذلك المرقد الشريف ، وأمر بصرف وارداتها في شئونه ، كما وأوصى بأن يدفن بعد موته في جوار السيّد علاء الدين ، فلمّا مات دفنوه هناك ، وقبره اليوم في تلك البقعة المباركة معروف ، وقد كتب عليه اسمه ، وهو : «ميرزا علي المدني» ولا يزال المؤمنون يزورونه ويقرءون له الفاتحة.
ثمّ إنّه بعد ذلك أمر الملك إسماعيل الصفوي الثاني بتزيين ذاك البناء المشيّد وترميمه بأحسن وجه ، فنصبوا الكاشي والمرايا وزيّنوا الروضة المباركة بأفضل زينة ، وهو إلى الآن مزار عظيم ومشهد كريم ،
يقصده المؤمنون من كلّ أنحاء إيران وغيرها ، وأهالي شيراز يكنّون له غاية الاحترام والتكريم.
قال بعض النسّابة : إنّ السيّد علاء الدين كان عقيما لا نسل له ، وقال بعض آخر : كان له نسل ولكن انقرضوا ، ولم يبق له منهم عقب وذرّيّة.
وكذلك الكلام في أخيه الأكبر السيّد أحمد فقد قالوا في حقّه : إنّه لم يكن له أولاد ذكور ، بل كانت له بنت واحدة فقط ، وذلك على ما في كتاب : «عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب».
وقال بعضهم : كان للسيّد أحمد أولاد ذكور أيضا.
ترجمة الأمير السيّد محمد العابد
السيّد محمّد ، الملقّب بالعابد ، هو : ثالث إخوة الإمام الرضاعليهالسلام ، ورابع أولاد الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام ، وهو الذي دخل شيراز بصحبة أخويه ، الأمير السيّد أحمد والسيد علاء الدين حسين ، وفارقهما إلى مكان مجهول ، مختفيا ومتنكّرا لا يعرفه أحد ، يعبد الله تعالى فيه حتّى وافاه الأجل ومات موتا طبيعيا ودفن فيها.
ومن كثرة عبادته لقّب بالعابد.
خلّف أولادا أجلاّء ، أفضلهم من حيث العلم والتقوى ، والزهد والورع ، هو : السيّد إبراهيم المعروف ب : «المجاب».
لقّب بهذا اللقب ، لأنّه عند ما تشرّف بزيارة قبر جدّه الإمام أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، ووقف مسلّما عليه ، أتاه جواب سلامه من داخل القبر الشريف ، فسمعه هو ومن حوله ، وعلى أثر هذه المنقبة أجلّه الناس وعظّموه واحترموه ، ولقّبوه بالمجاب.
وبعد وفاة أبيه السيّد محمد العابد توجّه إلى زيارة العتبات المقدّسة ، وسكن بجوار قبر جدّه الشهيد الإمام الحسينعليهالسلام ، وقريبا من قبر جدّه الإمام أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ليزورهما أيّ وقت شاء.
وكان موضع قبر الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام قد ظهر حديثا وعرف في ذلك الزمان بعد ما كان مجهولا على الناس طيلة مائة وخمسين سنة تقريبا ، فظهر بكرامة قدسية لتلك البقعة المباركة ، وصار خبره آنذاك حديث اليوم ، يتناقله الناس في المحافل والمجالس.
الحافظ : عجيب! في أيّ حال كان مرقد أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه منذ دفنه إلى ذلك الزمان ، حتّى اكتشف بعد مائة وخمسين سنة ، هل كان مخفيّا على المسلمين طيلة هذه المدّة؟! ولما ذا اخفي عنهم؟؟!
قلت : لمّا استشهد أمير المؤمنين عليعليهالسلام كان ذلك في زمن طغى فيه بنو أميّة ، ولمّا كانعليهالسلام يرى بنور الله أن ستمتدّ حكومة معاوية بعده من الشام إلى الكوفة ، أوصى أن يدفن ليلا بلا علم من أحد ، وأمر بأن يعفى موضع قبره ، لذلك لم يحضر دفنه إلاّ أولاده وخواصّ شيعته.
ولكي يشتبه الأمر على الناس ويبقى محلّ القبر مجهولا عليهم ، جهّزوا في صبيحة يوم ٢١ من شهر رمضان سنة أربعين للهجرة بعيرين وعقدوا عليهما نعشين ، بعثوا أحدهما إلى مكّة ، والآخر إلى المدينة ، وهكذا نفّذت وصيّة أمير المؤمنينعليهالسلام وأخفى موضع قبرهعليهالسلام عن عامّة الناس.
الحافظ : هل يمكنك أن تخبرني ما هو سبب هذه الوصية؟ وما
الحكمة في الإصرار على إخفاء القبر؟!
لما ذا دفن الإمام عليعليهالسلام سرّا؟
قلت : نحن لا نعلم السبب والحكمة بالضبط ، ربّما كان ذلك لما يعلمهعليهالسلام من حقد بني أميّة وعدائهم الدفين لبني هاشم عامة ، وللنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولآلهعليهمالسلام خاصة ، فإنّه كان من المحتمل أن ينبشوا القبر الشريف ويسيؤها الأدب مع الجسد الطاهر ، وهو ظلم دونه كلّ ظلم!!
الحافظ : هذا الكلام غريب منكم وبعيد جدّا ، كيف يمكن لإنسان أن يتعدّى على قبر مسلم بعد موته ودفنه ، إنّه لا يكون مهما كان بينهم من العداء والبغضاء؟!
قلت : ولكن ذلك ليس ببعيد من بني أمّيّة!!
أما طالعت تاريخهم الأسود وماضيهم الحقود؟!
أما قرأت جرائمهم العظيمة وأعمالهم الفجيعة ، التي يندى منها جبين الإنسانية خجلا ، وتدمع عينها أسفا؟؟!
أما علمت أنّ هذه العصبة الخبيثة والشجرة الملعونة في القرآن ، لمّا قبضوا على زمام الحكم وغصبوا الخلافة ، كم من أبواب جور فتحوا؟! وكم من جناية وغواية ابتدعوا؟! وكم من دم سفكوا؟! وأعراض هتكوا؟! وأموال نهبوا؟! وحرمات انتهكوا؟!
إنّ أولئك البعيدين عن الإسلام والإنسانية ، لم يراعوا شيئا من الدين والأخلاق الحميدة في حركاتهم وسكناتهم. فكانوا يتصرّفون في شئون المسلمين حسب أهوائهم وآرائهم الفاسدة ، وإنّ كثيرا من كبار علمائكم ومؤرّخيكم سجّلوا جرائم هذه الطغمة الفاسدة بحبر من عرق
الخجل ، على أوراق العار والفشل ، بقلم الخوف والوجل!
ولقد ألّف العلاّمة أبو العبّاس أحمد بن علي المقريزي الشافعي كتابه المشهور «النزاع والتخاصم بين بني اميّة وبني هاشم» وذكر فيه بعض أعمال بني اميّة القبيحة وجرائمهم الفظيعة ، فإنّهم لم يرحموا حيّا ولم يحترموا ميتا من شيعة آل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الموالين لعليّ بن أبي طالب أمير المؤمنينعليهالسلام وأولاده الغرّ الميامين.
وهنا اسمحوا لي أن أذكر لكم ـ كنموذج على ذلك ـ مثالين من هذا الكتاب ، حتّى تطّلعوا على الجرائم البشعة لبني اميّة ، وتعرفوا حقيقة أمرهم ، كي لا تتعجّبوا من كلامي ولا تستغربوه ، وتعرفوا أنّ ما أقوله لكم إنّما هو عن دليل وبرهان!
شهادة زيد بن عليّعليهالسلام
قال المقريزي وغيره من المؤرخين : لمّا هلك يزيد بن عبد الملك ، تولّى الحكم أخوه هشام ، فبدأ بالجور والعدوان على أهل البيتعليهمالسلام وشيعتهم ، فكتب إلى عمّاله بالتضييق عليهم وسجنهم والفتك بهم ، وأمر عامله على الكوفة يوسف بن عمر الثقفي ، أن يهدم دار الكميت شاعر أهل البيتعليهمالسلام وأن يقطع لسانه ، لأنّه مدح آل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم !!
وكتب إلى عامله على المدينة خالد بن عبد الملك بن الحارث : أن يحبس بني هاشم فيها ويمنعهم من السفر! فنفّذ خالد أمر هشام ، وضيّق على الهاشميّين ، وأسمع زيد بن الإمام زين العابدينعليهالسلام ما يكره ، فخرج زيد إلى الشام ليشكوا خالدا إلى هشام ، فأبى هشام أن يأذن له ، فأرسل إليه زيد رسالة يطلب الإذن بها له ، فكتب هشام في أسفلها :
ارجع إلى أرضك ، فقال زيد : والله لا أرجع. وأخيرا أذن له هشام وأمر خادما أن يتبعه ويحصي ما يقول. فسمعه يقول : والله ما أحبّ الدنيا أحد إلاّ ذلّ.
وأمر هشام جلساءه أن يتضايقوا في المجلس حتّى لا يقرب منه.
فلمّا دخل زيد لم يجد موضعا يجلس فيه ، فعلم أنّ ذلك قد فعل عمدا ، واستقبله هشام بالشتم والسباب ، بدل التكريم والترحاب!
وفي المقابل لم يسكت زيد عن الجواب ، وإنّما أسمع هشاما ما لم يحبّ أن يسمع ، فلم يتحمّل هشام وأمر بطرده ، دون أن يسمع شكواه ، فأخذ الغلمان بيده ليخرجوه ، فأنشد زيد :
شرّده الخوف وأزرى به |
كذاك من يكره حرّ الجلاد |
|
قد كان في الموت له راحة |
والموت حتم في رقاب العباد |
فخرج من مجلس هشام وتوجّه إلى الكوفة ، فحدّث الناس بظلم الخليفة وعمّاله ، فبايعه خلق كثير فيهم الأشراف والعلماء ، لأنّهم وجدوه أهلا للقيادة ، فهو سيّد هاشمي ، وفقيه تقيّ ، وشجاع باسل.
ولمّا رأى أعوانا ، نهض ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويدفع الظلم والضيم عن نفسه وعن المؤمنين ، فدارت المعركة بينه وبين يوسف الثقفي والي الكوفة وجيشه الجرّار. ولكن أصحاب زيد تركوا زيدا وحده قبل أن يخوض الحرب ويدخل في غمراتها ، ولم يبق معه إلاّ نفر قليل!! ورغم ذلك فقد دخل زيد الحرب وجاهد بشجاعة وبسالة هاشمية وهو يرتجز :
أذلّ الحياة وعزّ الممات |
وكلا أراه طعاما وبيلا |
|
فإن كان لا بدّ من واحد |
فسيري إلى الموت سيرا جميلا |
فبينما هو يجاهد في سبيل الله ويحارب الأعداء ، إذ وقع سهم في جبهته ، فلمّا انتزعوه سقط شهيدا.
وكان ذلك في اليوم الثامن من شهر صفر عام ١٢١ ه ، وكان عمره الشريف اثنتين وأربعين سنة ؛ فرثاه الحسن الكناني بأبيات منها :
فلمّا تردّى بالحمائل وانتهى |
يصول بأطراف القنا الذوابل |
|
تبيّنت الأعداء أنّ سنانه |
يطيل حنين الامّهات الثواكل |
|
تبيّن فيه ميسم العزّ والتقى |
وليدا يفدّى بين أيدي القوابل |
فحمله ابنه يحيى بإعانة عدّة من أنصاره ، ودفنه في ساقية وردمها وأجرى عليها الماء لكي لا يعلم أحد مدفنه ولكن تسرّب الخبر إلى يوسف ابن عمر ، فأمر بنبش القبر وإخراج الجسد الطاهر ، ثمّ أمر بقطع رأسه الشريف فقطع وبعث به إلى الشام ، فلمّا وصل الرأس الشريف إلى الشام كتب هشام إلى واليه على الكوفة : أن مثّل ببدنه واصلبه في كناسة الكوفة.
ففعل والي الكوفة يوسف بن عمر ذلك ، وصلبه في ساحة من ساحات الكوفة حقدا وعدوانا ، وراح الشاعر الأموي يفتخر بهذه الجريمة البشعة ويقول في قصيدة جاء فيها :
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة |
ولم أر مهديّا على الجذع يصلب! |
فبقي أكثر من أربع سنين مصلوبا ، حتّى هلك هشام وتولّى بعده الوليد بن يزيد ، فكتب إلى عامله بالكوفة : أحرق زيدا بخشبته وأذر رماده.
ففعل وأذرى رماده على شاطئ الفرات!(١) .
__________________
(١) وأمّا الرأس الشريف ، فقد بعثه هشام من الشام إلى المدينة ونصب عند قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . وكان العامل عليها : محمد بن إبراهيم بن هشام المخزومي.
شهادة يحيى بن زيد
وفعلوا نفس الصنيع بولده يحيى ، فإنّه قام ضدّ ظلم بني أميّة وجورهم ، والتاريخ يذكره بالتفصيل(١) واستشهد في ميدان القتال ،
__________________
فطلب منه الناس أن ينزّل الرأس الشريف فأبى ، فضجّت المدينة بالبكاء.
وكان الوالي يجمع أنصاره ، وهم السفلة والأراذل ، ويأمرهم بسب عليّ وبنيه وشيعته ، وبقي على ذلك سبعة أيّام!!
ثم سيّر الرأس الشريف إلى مصر ، فنصب بالجامع ، فسرقه أهل مصر ودفنوه بالقرب من جامع ابن طولون.
ويعتقد بعض المحقّقين أنّ المسجد المعروف اليوم بمسجد رأس الحسين عليهالسلام بالقاهرة ، هو مدفن رأس حفيده : «زيد بن عليّ بن الحسين عليهالسلام ».
وكانت كنيته : أبو الحسين. «المترجم».
(١) خرج يحيى من الكوفة ليلا بعد استشهاد أبيه ودفنه ، وقد وكّل الحاكم حريث الكلبي بتعقّبه والقبض عليه ، ولكن لم يتمكّن منه ، فوصل يحيى إلى الريّ ومنها إلى خراسان. فنزل في «سرخس» عند يزيد بن عمرو التيمي وبقي ستّة أشهر ثم خرج الى بلخ ونزل عند حريش بن عبد الرحمن الشيباني ، وبقي عنده حتّى هلك هشام وتولّى بعده الوليد بن يزيد ، وكتب يوسف بن عمر عامل الكوفة إلى نصر بن سيّار عامل خراسان : بأنّي استخبرت أنّ يحيى بن زيد أقام في بلخ عند حريش بن عبد الرحمن الشيباني ، فابعث إليه حتّى يسلّمك يحيى ، فكتب نصر لعامل بلخ : خذ حريش ولا تطلقه حتّى يسلّمك يحيى بن زيد.
فألقى عامل بلخ القبض على حريش وطلب منه ضيفه يحيى ، فأبى حريش تسليمه ، فأمر العامل بتعذيب حريش ، فضربوه ستّمائة جلدة ، وهو يأبى تسليم يحيى.
__________________
وكان لحريش ولد يسمّى قريشا ، لمّا رأى ما نزل بأبيه من الضرب والتعذيب ، قام مع جماعة من أصحابه يفتش عن يحيى ، فلقيه في دار مع يزيد بن عمرو وهو صاحبه من الكوفة ، فجاءوا بهما إلى عامل بلخ وسلّمهما هو إلى نصر بن سيّار فسجنهما ، وكتب إلى يوسف بن عمر بالكوفة يخبره بذلك ، وكتب يوسف بالخبر إلى الوليد ابن يزيد بالشام ، فأمره الوليد أن يطلق يحيى وصاحبه من السجن ، وكتب يوسف ابن عمر الثقفي إلى نصر يخبره برأي الخليفة.
فطلب نصر بن سيّار ، يحيى بن زيد الشهيد وحذّره من الخروج. ثمّ أعطاه عشرة آلاف درهم وبغلتين ، له ولصاحبه ، وأمرهما أن يلتحقا بالوليد بن يزيد بالشام.
ولكن يحيى توجّه مع صاحبه إلى سرخس ومنها إلى أبرشهر فطلبه عمرو بن زرارة والي أبرشهر وأعطاه ألف درهم نفقة الطريق وأخرجه إلى بيهق.
فلمّا وصل إلى بيهق التفّ حوله جماعة وعاهده سبعون رجلا على أن يقاتلوا معه من قاتل.
فاشترى يحيى لهم خيلا وسلاحا وخرج على عمرو بن زرارة ، فكتب عمرو إلى نصر يخبره بذلك ، وكتب نصر إلى عبد الله بن قيس عامل سرخس ، وإلى حسن ابن زيد عامل طوس ، يأمرهم أن يلتحقا مع جنودهما بعمرو بن زرارة عامله على أبرشهر ، ويقاتلا تحت لوائه.
فوصلا إلى أبرشهر ومعهما عشرة آلاف مقاتل. وفور وصولهم هجموا على يحيى وأصحابه. وثبت يحيى مع قلّة جنده ، ثبات الأبطال ، وأبدوا شجاعة وبسالة قلّ مثلها في التاريخ ، فنشبت حرب حامية ودارت معركة دامية حتّى قتل عمرو بن زرارة وانهزم جيشه. وتركوا غنائم كثيرة ليحيى وأصحابه ، فقويت شوكته وكثرت عدّته. وتوجّه إلى هراة ومنها إلى جوزجان في بلاد خراسان.
وامّا نصر بن سيّار فقد بعث سالم بن أحور مع ثمانية آلاف فارس شامي وغير شامي ، لقتال يحيى بن زيد.
فقطعوا رأسه وبعثوه إلى الشام وصلبوا جسده الشريف ستّ سنين ـ وقد بكى عليه المؤالف والمخالف ـ حتّى مات الوليد ، ونهض أبو مسلم الخراساني واستولى على تلك البلاد فأمر فانزل جسد يحيى الشهيد ودفن في جرجان وقبره اليوم مزار يتوافد المؤمنون لزيارته.
بعد هذا الحديث الحزين تأثّر كلّ الحاضرين وتألّموا ، وبكى بعضهم على مصائب آل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولعنوا بني أميّة الظالمين.
سرّ وصيّة الإمام أمير المؤمنين عليّعليهالسلام
إنّ فاجعة قتل زيد وابنه يحيى وصلبهما ، واحدة من آلاف
__________________
فالتقى الجيشان في قرية «أرغوى» ودارت بينهما معركة ضارية ، دامت ثلاثة ايّام بلياليها ، وقتل جمع كثير من الفريقين ، وبينما كان يحيى يخوض غمار الحرب ويجاهد الاعداء إذ جاءه سهم وقع في جبهته ، ومضى شهيدا كأبيه زيد المظلومعليهالسلام .
فقطعوا رأسه الشريف وبعثوه إلى نصر بن سيّار عامل خراسان ، وبعث هو به إلى الوليد بن يزيد في الشام ، وكان ذلك في سنة ١٢٥ ه.
وصلبوا جثمانه على بوّابه جوزجان وبقي مصلوبا إلى أن قام أبو مسلم الخراساني ضدّ بني أميّة وقوّض دولتهم ، فأمر بأن ينزلوا جسد يحيى ويدفنوه.
وأمر كذلك بأن يسمّوا كلّ من يولد ذلك العام في خراسان باسم يحيى ، ويوجد هذا اليوم قبران باسمه الشريف ، تقصدهما الوفود والزائرون ، ويتوسّلون به إلى الله تعالى في قضاء حوائجهم.
أحدهما في مدينة «كنبد كاووس» وهي تبعد عن جرجان ثلاثين كيلومترا.
وآخر في جوزجان في قرية تسمّى : «ميامي» وهي تبعد عن مدينة مشهد الإمام الرضا عليهالسلام قرابة مائة كيلومتر. «المترجم».
الفجائع التي أحدثتها أيدي بني أميّة ، بعد قتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
فيا ترى ما الذي كان يمنعهم ، إذا سنحت لهم الفرصة ، أن يصنعوا بجسد الإمام عليّعليهالسلام الزكيّ الطاهر ، ما صنعوه بجسد حفيده المظلوم زيد بن الإمام زين العابدينعليهالسلام ؟!
فقد جاء في كتاب منتخب التواريخ : انّ الحجّاج بن يوسف الثقفي نبش حواليّ الكوفة آلاف القبور ، يفتّش عن جثمان الإمام عليّعليهالسلام !!
فلعلّه لهذا السبب وصّى بنيه أن يدفنوه ليلا لا نهارا ، وسرّا لا جهارا ، ويعفّوا موضع قبره ويخفوه على الناس. وكان كذلك حتى عهد هارون الرشيد.
اكتشاف قبر الإمام أمير المؤمنين عليّعليهالسلام
خرج الرشيد يوما للقنص والصيد إلى وادي النجف في ظهر الكوفة ، وكانت هناك آجام أصبحت أوكارا للحيوانات.
قال عبد الله بن حازم : فلمّا صرنا إلى ناحية الغريّ ، رأينا ظبية فأرسلنا إليها الصقور والكلاب ، فحاولتها ساعة ثمّ لجأت الظبية إلى أكمة فاستجارت بها ، وتراجعت الصقور والكلاب ، فتعجّب الرشيد من ذلك!
ثمّ إنّ الظباء هبطت من الأكمة ، فتعقّبتها الصقور والكلاب ، فرجعت الظباء إلى الأكمة ، فتراجعت عنها الصقور والكلاب ، ففعلت ذلك ثلاثا.
فقال هارون : اركضوا إلى هذه الأنحاء والنواحي فمن لقيتموه ائتوني به ، فأتيناه بشيخ من بني أسد.
فقال له هارون : ما هذه الأكمة؟
قال الشيخ : إن جعلت لي الأمان أخبرتك!
فقال : لك عهد الله وميثاقه أن لا أهيجك ولا أؤذيك.
قال الشيخ : جئت مع أبي إلى هنا فزرنا وصلّينا فسألت أبي عن هذا المكان.
فقال : عند ما تشرّفت بزيارة هذه البقعة مع الإمام جعفر الصادقعليهالسلام قال : هذا قبر جدنا علي بن أبي طالبعليهالسلام وسيظهره الله تعالى قريبا.
فنزل هارون ودعا بماء فتوضّأ وصلّى عند الأكمة وتمرّغ عليها وجعل يبكي. وبعده أمر ببناء قبّة على القبر! ومنذ ذلك اليوم لم يزل البناء في تطوّر ، وهو اليوم صرح بديع لا يوصف.
الحافظ : أظنّ إنّ قبر مولانا عليّ بن أبي طالب ، لم يكن في النجف ، ولا في الموضع الذي ينسب إليه ، لأنّ العلماء اختلفوا فيه ، فمنهم من يقول : دفن في قصر الإمارة. ومن قائل : إنّه في جامع الكوفة. وقول : إنّه في باب كندة. وقيل : إنّه دفن في رحبة الكوفة. وهناك من يقول : حمل إلى المدينة ودفن في البقيع. وبالقرب من كابل في أفغانستان أيضا قبر ينسب إليه!
ويقال : إنّ جسد مولانا عليّ (كرّم الله وجهه) ، وضع في صندوق وحمل على بعير ساروا به نحو الحجاز ، فاعترضهم عدد من قطّاع الطريق وظنّوا أنّ فيه أموالا فسرقوه ، ولمّا فتحوا الصندوق وجدوا فيه جثمان عليّ بن أبي طالب ، فذهبوا به إلى ذلك المكان من
أفغانستان ، فدفنوه ، والناس عموما يحترمون ذلك القبر ويزورونه!
قلت : هذا الخبر مضحك جدّا ، فربّ مشهور لا أصل له ، وهو للاسطورة أقرب.
وأمّا الاختلاف في موضع قبر الإمام عليّعليهالسلام فقد جاء على أثر وصيّته بإخفاء قبره الشريف ، وإنّما لم أشرح لكم الموضوع بالتفصيل رعاية للوقت.
فقد روي عن الإمام الصادقعليهالسلام : إنّ أمير المؤمنين أوصى ابنه الحسن وقال له ما مضمونه : بنيّ إذا دفنتني في النجف ورجعت إلى الكوفة ، فاصنع في أربعة مواضع أربعة قبور : ١ ـ مسجد الكوفة ٢ ـ الرحبة ٣ ـ الغريّ ٤ ـ دار جعدة بن هبيرة.
وإنّ هذا الاختلاف الذي تذكره ، إنّما يكون بين علمائكم ، لأنّهم أخذوا كلام هذا وذاك ، ولم يأخذوا بكلام العترة النبوية حتّى في تعيين موضع قبر أبيهم ، سيّد العترة ، الإمام عليّعليهالسلام !!
وأمّا إجماع علماء الشيعة فهو على أنّ قبر الإمام عليّعليهالسلام في النجف الأشرف ، وفي الموضع المنسوب إليه ، وهم أخذوا هذا الخبر الصحيح من أهل بيته «وأهل البيت أدرى بما في البيت» ومن الواضح أنّ أولاد عليّعليهالسلام الّذين قاموا بدفنه أعلم من غيرهم بموضع قبره ، والعادة في مثل هذه الاختلافات أن يرجعوا إلى الأبناء في تعيين قبر أبيهم. ولكن قاتل الله العناد!!
وإنّ العترة الهادية وأئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، اتّفقوا وأجمعوا على أنّ قبر جدّهم أمير المؤمنينعليهالسلام ، إن هو إلاّ في النجف وفي الموضع الذي اشتهر به ، وحرّضوا المسلمين ليزوروا قبر أبي الحسن عليّ بن
أبي طالبعليهالسلام في ذلك الموضع.
ذكر سبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواصّ» ص ١٦٣(١) : إختلاف الأقوال في قبر الإمام عليّعليهالسلام ـ إلى أن قال : ـ والسادس : إنّه على النجف في المكان المشهور الذي يزار فيه اليوم ، وهو الظاهر ، وقد استفاض ذلك.
وعلى هذا القول كثير من علمائكم ، كأمثال خطيب خوارزم في المناقب ، وخطيب بغداد في تاريخه ، ومحمد بن طلحة في «مطالب السئول» وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، والفيروزآبادي في القاموس ـ في كلمة : النجف ـ وغيرهم.
أبناء إبراهيم المجاب
صار حوارنا مصداقا للمثل : «الكلام يجر الكلام» وأعود الآن لأتحدّث عن نسبي :
توفّي السيّد إبراهيم المجاب بن السيد محمد العابد في كربلاء المقدّسة ، ودفن عند قبر جدّه سيّد الشهداء الإمام الحسينعليهالسلام ، ومرقده اليوم مزار المؤمنين. وخلّف ثلاثة أولادا وهم : السيد أحمد ، والسيد محمود ، والسيد علي. فهاجروا الى بلاد إيران ليوجهوا الناس الى الله تعالى ويعلموهم أحكام الدين ويسلكوا بهم سبيل أهل البيت الطاهرينعليهالسلام فأما السيد أحمد أقام في منطقة (قصر ابن هبيرة) وبقي فيها مع أولاده وخدموا الدين والمجتمع.
وأمّا السيّدان محمد وعلي ، فقد توجّها إلى كرمان.
__________________
(١) تذكرة الخواص ، الباب السابع : في وفاته ، ص ١٦٣.
أمّا السيّد علي فسكن مدينة سيرجان وهي تبعد عن كرمان أكثر من مائة كيلومتر ، واشتغل هو وأولاده وأحفاده بتبليغ الدين وإرشاد المسلمين وأمّا السيّد محمد ـ الملقّب بالحائري ـ فقد وصل كرمان وبقي فيها ، وخلّف ثلاثة أولاد ، وهم : أبو علي الحسن ، ومحمد حسين الشيتي ، وأحمد.
أمّا محمد حسين وأحمد ، فقد رجعا إلى كربلاء وسكنا في جوار جدّهم الحسين الشهيدعليهالسلام ، حتّى توفّيا ، وتوجد إلى يومنا هذا في العراق ، قبائل كبيرة من السادة الشرفاء ينتمون إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن طريقهما ، مثل : آل شيته ، وآل فخّار وهم من نسل السيّد محمد الشيتي.
أمّا آل نصر الله وآل طعمه ، فهم من نسل السيّد أحمد ، وهم اليوم سدنة الروضة الحسينية المقدّسة في كربلاء.
وأمّا السيد أبو علي الحسن ، فقد هاجر مع أولاده من كرمان إلى شيراز وكان سكّانها آنذاك من العامّة ، بل كثير منهم كانوا يبغضون آل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فدخل المدينة مع أهله وأولاده بأزياء عربية وأقاموا بالقرب من الخندق المحيط بالبلد فأقاموا بيوتا عربية وسكنوا فيها.
واتّصلوا بالشيعة الساكنين في محلة (سردزك) وهم قليلون مستضعفون يعيشون في تقيّة. فبدأ السيّد أبو علي وأولاده بنشر تعاليم آبائهم الطيّبين وتبليغ مذهبهم الحقّ ، في خفاء وحذر.
وبعد وفاة السيّد أبي علي قام ابنه الأكبر السيّد أحمد أبو الطيّب بالتبليغ ونشر عقائد الشيعة وتعاليمهم ، واهتمّ بذلك اهتماما بالغا ، حتّى أنّ كثيرا من أهل شيراز اتّبعوه وتشيّعوا ، وأخذ عددهم يزداد يوما بعد يوم ، فلمّا رأى السيّد أبو الطيّب إقبال الناس عليه ، أعلن نسبه
ومذهبه ، فازداد إقبال الناس عليهم والتفافهم حول السادة الكرام ، فنصبوا منبر الإرشاد الإسلامي والتوجيه الديني في شيراز باسم السادة المجابية ، وهم المنسوبون إلى السيّد إبراهيم المجاب ، والسادة العابدية وهم المنسوبون إلى إخوان السيّد المجاب ، فإنّ أباهم جميعا هو السيّد محمد العابد.
فتحرّك الخطباء والمبلّغون من هؤلاء السادة وسافروا إلى انحاء ايران لينشروا عقائد العترة الهادية وتعاليمهم باسم ـ المذهب الشيعي ـ فانتشر المذهب الحقّ في أكثر البلاد الايرانية ، حتّى قامت دولة آل بويه وهم شيعة ، وجاء بعدهم غازان خان محمود ، والسلطان محمد خدابنده ، وهم من المغول ولكن تشيّعا وخدما مذهب الشيعة وأتباعه ، ثمّ قامت الدولة الصفوية وكان عصرهم أفضل العصور للشيعة في إيران ، إذ أعلنوا التشيّع هو المذهب الرسمي في إيران ، ولا يزال كذلك.
هجرتنا إلى طهران
في أواخر أيّام الملك فتح علي القاجاري ، تشرّف جدّنا السيّد حسن الواعظ الشيرازي ـ طاب ثراه ـ بزيارة مرقد الإمام الرضا عليّ بن موسىعليهالسلام ، وعند رجوعه من خراسان وصل طهران العاصمة فاستقبله أهلها والعلماء ، وتوافدوا إلى منزله يزورونه ويرحّبون بقدومه ، وجاء وفد من قبل جلالة الملك وبلّغوه تحيّة جلالته ورغبته في أن يجعل السيّد محلّ إقامته في العاصمة ، فلبّى جدّنا دعوة الملك وأجابه بالقبول.
وكانت المساجد آنذاك في طهران ، تختص بصلوات الجماعة وبيان المسائل الشرعية ، ولم تنعقد فيها مجالس الخطابة ـ المتداولة في زماننا ـ وكانت التكايا والحسينيات تختصّ بعرض التمثيليات عن وقائع عاشوراء الدامية وإقامة العزاء والشعائر الحسينية.
وكانت «تكية الدولة» من أهمّ التكايا والحسينيات ، فطلب جدّنا من الملك أن ينصب منبرا للخطابة والتبليغ والإرشاد ـ على النحو المتعارف في زماننا ـ في كلّ حسينية وتكية.
فأيّد الملك ذلك وبدأ بتكية الدولة ، ودعا فضيلته ليخطب ويفيد الناس فصعد جدّنا المنبر في تكية الدولة فوعظ وبلّغ وأرشد الناس إلى حقائق الدين وتعاليم المذهب ، وبعد ذلك رثى سيّد الشهداء الحسينعليهالسلام وأبكى الحاضرين.
فاستقبل الناس طريقته بحضورهم المتكاثف ، واستمر مجلسه ليالي كثيرة في ذلك المكان ، وبعده دعي إلى تكية اخرى ، وهكذا كان جدّنا مؤسّس مجالس الوعظ والخطابة ، وأوّل من وضع منبر التوجيه الديني والإرشاد المذهبي في طهران.
ثمّ لمّا رأى جدّنا السيّد حسن الواعظ ، استقبال الناس لمجالسه وحديثه ، أرسل كتابا إلى والده السيّد إسماعيل ، أحد مجتهدي شيراز ، وطلب منه أن يبعث بعض أولاده إلى طهران ، وكان له أربعون ولدا ، فانتخب منهم :
١ ـ السيّد رضا ، وكان فقيها مجتهدا ٢ ـ السيّد جعفر ٣ ـ السيّد عباس ٤ ـ السيّد جواد ٥ ـ السيّد مهدي ٦ ـ السيّد مسلم ٧ ـ السيّد كاظم ٨ ـ السيّد فتح الله.
وأمرهم أن يهاجروا إلى طهران ليعينوا أخاهم السيّد حسن في إدارة مجالس الوعظ والإرشاد ، ويطيعوه لأنّه كان أكبرهم وأفضلهم.
فأقام هؤلاء السادة في طهران واشتهروا فيها وفي المدن المجاورة لها ، بحسن أخلاقهم وإيمانهم وبعذوبة بيانهم وحلاوة كلامهم.
فطلب أهالي قزوين من السيد حسن أن يبعث إليهم بعض إخوته ، ليقيموا هناك ليرشدوهم ويعلموهم الدين.
فبعث إليهم السيّد مهدي والسيّد مسلم والسيّد كاظم ، فسكنوا قزوين وقاموا فيها بأمر التبليغ والتوجيه الديني ، وخلّفوا أولادا يعرفون بالسادة المجابية ، وعددهم اليوم كثير في قزوين.
وأمّا السيّد حسن مع بقيّة إخوانه فقد سكنوا طهران وعقدوا فيها مجالس كثيرة للتوجيه والإرشاد ، فخدموا الدين وأهله خدمة جليلة عن طريق المحراب والمنبر.
وبعد أن توفّي جدّنا السيّد حسن ـقدسسره ـ سنة ١٢٩١ ه ، تعيّنت نقابة السادة المجابية والعابدية في ولده الأكبر ، السيّد قاسم ، بحر العلوم ، وهو والد والدي ، وكان عدد رجال هذا البيت الشريف يبلغ ألفا آنذاك ، وكانت مؤهّلات وشرائط الرئاسة مجتمعة في السيّد قاسم ، من الزهد والورع والعلم والحلم وحسن الخلق ، فكان يحوي العلوم العقلية والنقلية ، وعلم الأصول والفروع ، واشتهر في زمانه بالعلم وحسن التدبير والإدارة.
وتوفّي في سنة ١٣٠٨ ه ونقل جثمانه إلى العراق وشيّع في مدينة كربلاء المقدّسة بكلّ عزّ واحترام ، ودفن عند مرقد جدّه الإمام الشهيد الحسين بن عليعليهالسلام ، بجنب قبر والده السيّد حسن الواعظ ـ طاب ثراه ـ.
وبعده انتقلت نقابة السادة العابدية والمجابية ، إلى والدي ، وهو اليوم من حماة الشيعة وأنصار الشريعة ، وحيد عصره ، وفريد دهره ، السيّد علي أكبر ، دامت بركاته.
وقد نال من الملك ناصر الدين شاه القاجاري ، لقب «أشرف الواعظين» ويبلغ عمره اليوم ثمانين سنة ، صرف جلّه في خدمة الدين وإثبات أصوله ونشر فروعه ، وقد قام بتوجيه الغافلين وإرشاد الجاهلين ، وخاصة في الآونة الأخيرة ، إذ مرّت بالأمّة عواصف إلحادية وحوادث خطيرة جاءت من قبل الأجانب المستعمرين وأعداء الإسلام والمسلمين ، فجرفت الكثير من العوامّ والجاهلين ، فنهض والدي وأمثاله من العلماء الكرام ، ووقفوا في وجوه الأعداء اللئام ، حتّى كشفوا عن الحقّ اللثام ، وشقّوا أمواج الفتن والظلام ، بنور العلم وضوء الكلام.
فدحضوا الباطل ، وأنقذوا العوامّ من الشكوك والأوهام ، فقدّر مواقف والدي وخدماته ، علماء عصره ومراجع الدين في زمانه ، أمثال :
١ ـ آية الله العظمى ، مجدّد مذهب سيّد البشر في القرن الثالث عشر ، السيّد ميرزا محمد حسن الشيرازي ـ طاب ثراه ـ.
٢ ـ آية الله العظمى ميرزا حبيب الله الرشتي.
٣ ـ الآية العظمى الشيخ زين العابدين المازندراني.
٤ ـ آية الله ميرزا حسين بن ميرزا خليل الطهراني.
٥ ـ المجتهد الأكبر آية الله السيّد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي.
٦ ـ آية الله العظمى الشيخ فتح الله ، شيخ الشريعة الأصفهاني.
٧ ـ آية الله العظمى السيّد إسماعيل الصدر.
٨ ـ آية الله العظمى الميرزا محمد تقي الشيرازي ، قائد ثورة العشرين ضدّ الاحتلال البريطاني للعراق.
فهؤلاء المجتهدون الكرام والعلماء الأعلام ـ قدّس الله أسرارهم ـ كانوا يحترمون والدي كثيرا ويحبّونه ويكرمونه غاية الإكرام والاحترام.
وأمّا في هذا الزمان ، فإنّ زعيم الشيعة سيّد الفقهاء والمجتهدين ، وحيد دهره ، ونابغة عصره ، سماحة السيّد أبو الحسن الأصفهاني متّع الله المسلمين بطول بقائه ، وهو الآن في النجف الأشرف يرفع لواء الدين وراية أمير المؤمنينعليهالسلام ، ويهتمّ بنشر علوم سيّد المرسلينصلىاللهعليهوآلهوسلم في كلّ أقطار العالم ، وقد دخل بواسطته جماعات كثيرة من أصحاب الملل والنحل في الإسلام واعتنقوا مذهب التشيّع.
وفي إيران ، زعيمنا آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري مدّ ظله العالي ، مؤسّس الحوزة العلمية في قمّ المقدّسة ، وهو ملاذ الشيعة ، وحامي الشريعة في إيران.
وإنّ هذين العالمين الكبيرين يحترمان والدي ويكرمانه كثيرا ، ويقدّران جهوده الجبّارة في سبيل إحياء الدين وردّ شبهات المضلّين.
وإنّ سماحة الشيخ الحائري يخاطب والدي ب «سيف الإسلام» لأنّ بيانه وكلامه مفعم بالأدلّة العقلية القاطعة ، والبراهين الساطعة ، فلسانه في الدفاع عن الدين الحنيف ، والذبّ عن مذهب التشيع الشريف ، أكثر أثرا من السيف.
واليوم بنو أعمامي ورجال شجرتنا المباركة موجودون في أكثر
مدن إيران ، وبالأخصّ في طهران ونواحيها ، وشيراز وحواليها ، وقزوين وضواحيها ، وهم يعرفون بالسادة العابدية والمجابية والشيرازية ، ولم يزالوا يخدمون الدين وأهله ، بسلوكهم النزيه ، وبالإرشاد والتوجيه.
هذا ملخّص تاريخ هذه السلالة الكريمة ، في جواب سؤالكم : لما ذا هاجرنا إلى إيران؟ وقد تبيّن لكم من خلال الجواب أنّ هدف المهاجرين الأوّلين من هذه السلالة ، زيارة الإمام عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام ولمّا منعتهم السلطات ، قاموا يفضحون أعمال الحكّام والولاة ، ويعلنون جور الخلفاء الجفاة ، وينشرون الوعي بين الأمّة ، ويوجّهون الناس إلى الحقائق الدينية والأحكام الإلهية التي طالما سعى الخلفاء وأعوانهم في تغييرها. فكانوا كما قال تعالى :( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً ) (١) .
لمّا تلونا هذه الآية الكريمة ، نظر السيّد عبد الحيّ إلى ساعته فقال : لقد مضى كثير من الليل ، فلو تسمحون أن نؤجّل الكلام إلى الليلة الآتية ، فنأتيكم إن شاء الله تعالى من أوّل الليل ونواصل الحديث.
فابتسمت وأبديت موافقتي ، فانصرفوا وشيّعتهم إلى باب الدار.
__________________
(١) سورة الاحزاب ، الآية ٣٩.
المجلس الثاني
ليلة السبت ٢٤ / رجب / ١٢٤٥ ه
بعد ما انتهيت من صلاة العشاء ، حضر أصحاب البحث والحوار وكانوا أكثر عددا من الليلة الماضية ، فاستقبلتهم ورحّبت بهم ، وبعد أن استقرّوا في أماكنهم وشربوا الشاي ، افتتح الحافظ كلامه قائلا :
أقول حقيقة لا تملّقا : لقد استفدنا في الليلة السابقة من بيانكم الشيّق وكلامكم العذب ، وبعد ما انصرفنا من هنا كنّا نتحدّث في الطريق عن شخصيّتكم وأخلاقكم ، وعن علمكم الغزير واطّلاعكم الكثير ، وقد انجذبنا لصورتك الجميلة وسيرتك النبيلة ، وهما قلّ أن يجتمعا في شخص واحد ، فأشهد أنّك ابن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) حقّا.
وإنّي راجعت المكتبة في هذا اليوم ، وتصفّحت بعض كتب الأنساب حول بني هاشم والسادة الشرفاء ، فوجدت كلامكم في الليلة الماضية حول نسبكم الشريف مطابقا لما في تلك الكتب ، واغتبطت بهذا النسب العالي لسماحتكم.
ولكن استغربت وتعجّبت من شيء واحد ، وهو : أنّ شخصا شريفا صحيح النسب كجنابكم مع حسن الصورة والسيرة ، كيف تأثّرتم بالعادات الواهية والعقائد العاميّة ، وتركتم طريقة أجدادكم الكرام واتّبعتم سياسة الإيرانيّين المجوس ، وتمسّكتم بمذهبهم وتقاليدهم؟!
قلت :
أوّلا : أشكرك على أوّل كلامك حول نسبي وحسن ظنّك بي.
ولكنّك : اضطربت بعد ذلك في الكلام ، وخلطت الحلال بالحرام ، سردت جملا مبهمة ما عرفت قصدك منها والمرام ، وإنّ كلامك هذا عندي أقاويل وأوهام.
فالرجاء وضّح لي مرادك من : «العادات الواهية والعقائد العاميّة».
وما المقصود من : «طريقة أجدادي الكرام»؟!
وما هي : «سياسة الإيرانيّين التي اتّبعتها»؟!
وما المراد من : «مذهبهم وتقاليدهم التي تمسّكت بها»؟!
الحافظ : أقصد بالعادات الواهية والعقائد العاميّة : البدع المضلّة والتقاليد المخلّة ، التي أدخلها اليهود في الإسلام.
قلت : هل يمكن أن توضّح لي أكثر حتّى أعرف ما هذه البدع التي تأثّرت أنا بها؟!
الحافظ : إنّك تعلم جيّدا والتاريخ يشهد ، أنّ بعد موت كلّ نبيّ صاحب كتاب ، اجتمع أعداؤه وحرّفوا كتابه ، مثل : التوراة والإنجيل فحذفوا وزادوا ، وغيّروا وبدلوا ، حتّى سقط دينهم وكتابهم عن الاعتبار.
ولكنّ أعداء الإسلام لم يتمكّنوا من تحريف القرآن الحكيم ، فدخلوا من باب آخر ، فإنّ جماعة من اليهود ـ وهم ألدّ أعداء الإسلام ـ دخلوا الدين وأسلموا عن مكر وخداع ، مثل : عبد الله بن سبأ ، وكعب الأحبار ، ووهب بن منبّه ، وغيرهم ، أسلموا بالظاهر ولكنّهم بدءوا يبثّون وينشرون عقائدهم الباطلة بين المسلمين ، وذلك عن طريق جعل الأحاديث عن لسان رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
فأراد الخليفة الثالث عثمان ، أن يلقي القبض عليهم ليؤدّبهم ففرّوا إلى مصر واستقرّوا فيها ، فاجتمع حولهم الجاهلون واغترّوا بعقائدهم ، وصاروا حزبا باسم : «الشيعة» ، فأعلنوا إمامة عليّ بن أبي طالب في عهد عثمان بالرغم منه لا حبّا لعليّ كرّم الله وجهه ، فوضعوا أحاديث كاذبة في تأييد مذهبهم ، مثل :
قال النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : «عليّ خليفتي وإمام المسلمين بعدي».
فكانوا السبب في سفك دماء المسلمين حتّى انتهى الأمر إلى قتل عثمان ذي النورين ، وبعده نصبوا عليّا وبايعوه بالخلافة ، فالتفّ الناقمون على عثمان ، حول عليّ ونصروه ، فمنذ ذلك الوقت ظهر حزب الشيعة!
ولكن في حكومة بني اميّة ، لمّا قاموا بقتل آل عليّ ومواليه ، اختفى هذا الحزب.
وإنّ عددا من الصحابة ، أمثال : سلمان الفارسي وأبي ذرّ الغفاري وعمّار بن ياسر ، كانوا يدعون الناس بعد النبيّ (صلّى الله
عليه [وآله] وسلّم) إلى عليّ (كرّم الله وجهه) ، ولكنّ عليّا لم يكن راضيا بهذا العمل.
فاختفى حزب الشيعة أيّام بني اميّة وأوائل حكومة بني العبّاس ، وبعد أن تولّى هارون الرشيد الحكم ظهر حزب الشيعة مرّة اخرى وخاصة في خلافة المأمون ، إذ تغلّب بمساعدة الإيرانيّين على أخيه الأمين فقتله واستولى على الحكم ، فقويت شوكته بالإيرانيّين ، فقد كانوا يفضّلون عليّ بن أبي طالب على الخلفاء الراشدين ، وكانوا يسوقون المسلمين إلى الاعتقاد بهذا الباطل ؛ كلّ ذلك لغرض سياسي ومرض نفسي.
إنّ الإيرانيّين كانوا حاقدين على العرب ، لأنّ حكومتهم اضمحلّت وسيادتهم بادت بسيوف العرب.
فكانوا بصدد اختراع مذهب يخالف دين العرب ومذاهبهم ، فلمّا سمعوا بحزب الشيعة وعقائدهم ، تقبّلوه وسعوا في نشره ، وخاصة في دولة آل بويه حين قويت شوكتهم واستولوا على كثير من بلاد الإسلام.
وأمّا في الدولة الصفوية فقد أعلنوا مذهب الشيعة رسميا في إيران ، والحقيقة أنّ مذهبهم الرسمي هو «المجوسية» كما تقتضي سياستهم ، فإنّهم إلى يومنا هذا يختلفون مع جميع المسلمين في العالم ويقولون : نحن شيعة.
فالتشيّع مذهب سياسي حادث ، ابتدعه عبد الله بن سبأ اليهودي ، ولم يكن لهذا المذهب اسم في الإسلام.
وإنّ جدّك رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بريء من
هذا المذهب واسمه ، لأنّه على خلاف سنّته وشريعته ، بل هو منشعب من دين اليهود وعقائدهم.
لذلك أتعجّب حينما أرى عالما شريفا مع هذا النسب الرفيع يتّبع هذا المذهب الباطل ويترك دين جدّه ، الإسلام الحنيف!!
وأنت ـ يا سيّد ـ أولى باتّباع جدّك وبالعمل بالقرآن والسنّة النبوية الشريفة.
لما كان الحافظ يسترسل في كلامه ويتقوّل ما يريد ، كنت اشاهد الشيعة الحاضرين في المجلس قد تغيّرت ألوانهم ولاح الغضب في وجوههم حتّى كادوا يهجمون عليه ، ولكنّي أشرت إليهم بالهدوء والوقار.
ثمّ أجبت الحافظ وقلت : ما كنت أتوقّع منك ـ وأنت من أهل العلم ـ أن تتمسّك بكلام وهمي واه من أباطيل المنافقين وأكاذيب الخوارج وأقاويل النواصب ، أشاعه الأمويّون وتقبّله العوامّ الجاهلون.
وإنّك خلطت أمرين متباينين ، وجمعت بين الضدّين ، حيث حسبت الشيعة أتباع عبد لله بن سبأ ، والحال أنّهم يذكروه في كتبهم باللعن ويحسبوه منافقا كافرا.
وعلى فرض أنّ ابن سبأ كان يدّعي أنّه من موالي عليّ بن أبي طالب ومحبّيه ، وذلك لغرض سياسي ، فهل من الحق أن تحسبوا أعماله المخالفة للإسلام ، على حساب شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم المخلصين المؤمنين؟!
فلو ظهر لصّ في زيّ أهل العلم ، وصعد المنبر وصلّى بالناس ، ولمّا وثق به المسلمون خانهم وسرق أموالهم ، فهل صحيح أن نقول : كلّ العلماء لصوص وسرّاق؟!
فتعريفك للشيعة بأنّهم أتباع ابن سبأ الملعون ، بعيد عن الإنصاف ، وخلاف الحقيقة والوجدان.
لذا تعجّبت كثيرا من تعبيرك عن مذهب الشيعة ، بحزب سياسي اختلقه ابن سبأ اليهودي في عهد عثمان!
واستغرب كيف تقرأ هذه الأكاذيب وتعتمد عليها ، ولا تقرأ الأخبار الصحيحة والروايات الصريحة عن الشيعة في كتبكم المعتبرة أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم هو الواضع لأسس الشيعة واصولها ، وقد شاعت كلمة : «شيعة علي» من لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بين أصحابه ، كما نقل وروى ذلك علماؤكم في كتبهم وتفاسيرهم(١) .
__________________
(١) لقد حقّق عن هذا الموضوع الاستاذ محمد كرد علي وهو من محقّقيهم المعاصرين ، وعضو المجمع العلمي العربي بدمشق ، والمحوّل إليه التحقيق عن التشيّع من قبل ذلك المجمع العلمي ، وقد كتب حصيلة تحقيقه في كتابه : «خطط الشام» ج ٥ ، ص ٢٥١ ـ ٢٥٦ وهي :
«عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة عليّعليهالسلام في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مثل :سلمان الفارسي القائل : بايعنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على النصح للمسلمين والائتمام بعليّ بن أبي طالب والموالاة له.
ومثل : أبي سعيد الخدري الذي يقول : أمر الناس بخمس ففعلوا أربعة وتركوا واحدة ، ولما سئل عن الاربع قال : الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحجّ.
قيل : فما الواحدة التي تركوها؟
قال : ولاية علي بن أبي طالب.
قيل له : وإنّها لمفروضة معهنّ؟! قال : نعم هي مفروضة معهنّ!
ومثل : أبي ذرّ الغفاري ، وعمّار بن ياسر ، وحذيفة بن اليمان ، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت ، وأبي أيّوب الأنصاري وخالد بن سعيد بن العاص وقيس بن سعد
وإذا كنت تستند في حوارك هذا على كلام الخوارج وتقوّلات النواصب ، فإنّي أستند إلى القرآن الحكيم ، والأخبار المعتبرة عندكم ، حتّى يظهر الحقّ ويزهق الباطل.
وأنصحكم أن لا تتكلّموا من غير تحقيق ، لأنّ الحقّ سوف يظهر ، وكلامكم يفنّد من قبل الحاضرين ، فحينئذ يصيبكم الخجل فتندمون ، ولا يفيد حينها الندم ، ولتكن الآية الشريفة نصب أعينكم :( ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (١) .
فكلامكم يسجّل عليكم ويحفظ عند ربّكم ، وتحاسبون عليه.
والآن إذا تسمحون لي ولا تتألّمون من كلامي ، اثبت لكم بالأدلّة المقبولة ، أنّ الحق خلاف ما قلتم ، والصواب غير ما اعتقدتم.
الحافظ : إنّ مجلسنا انعقد لهذا الغرض ، وكلّ هذا النقاش والحوار من أجل رفع الشبهات وكشف الحقائق المبهمات ، والكلام الحقّ لا يؤلمنا.
__________________
ابن عبادة»
وبعد تحقيق دقيق كتب : «وأمّا ما ذهب إليه بعض الكتّاب من أنّ مذهب التشيّع من بدعة عبد الله بن سبأ ، المعروف ب : ابن السوداء ، فهو وهم وقلّة معرفة بحقيقة مذهب الشيعة ، ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة وبراءتهم منه ومن أقواله وأعماله ، وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف بينهم ، علم مبلغ هذا القول من الصواب ، لا ريب في أنّ أوّل ظهور الشيعة كان في الحجاز بلد المتشيّع له».
وقال : «وفي دمشق يرجع عهدهم إلى القرن الأوّل للهجرة».
لقد صدر هذا التحقيق بقلم استاذ متتبّع غير شيعي ، وفيه كفاية لمن يطلب الحقّ ويبتعد عن الغواية. «المترجم».
(١) سورة ق ، الآية ١٨.
حقيقة الشيعة وبدايتها
قلت : تعلمون أنّ كلمة : «الشيعة» بمعنى : الأتباع والأنصار(١) .
قال الفيروزآبادي في «القاموس» في كلمة «شاع» : وشيعة الرجل : أتباعه وأنصاره ، والفرقة على حدة ، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكّر والمؤنث ، وقد غلب هذا الاسم على كلّ من يتولّى عليّا وأهل بيته ، حتّى صار اسما لهم خاصا ، جمعه : أشياع وشيع.
فهذا هو معنى كلمة : «الشيعة» فأرجو أن لا تشتبهوا في معناها بعد اليوم.
وأمّا الاشتباه الآخر الذي صدر منكم عمدا أو سهوا ، أو لعدم اطّلاعكم على التفاسير والأحاديث الشريفة ، أو لأنّكم تأثرتم بكلام واه تقوّله أسلافكم ، وأنتم قبلتموه من غير تحقيق فكرّرتم كذبهم بقولكم : إنّ كلمة «الشيعة» وإطلاقها على أتباع علي بن أبي طالب ومواليه ،
__________________
(١) قال ابن خلدون في مقدّمته ـ صفحة ١٣٨ ـ : اعلم انّ الشيعة لغة : هم الصحب والأتباع ، ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلّمين من الخلف والسلف : على أتباع عليّ وبنيه رضي الله عنهم.
وقال ابن الأثير في كتابه «نهاية اللّغة» في معنى كلمة «شيع» : «الشيعة» الفرقة من الناس ، وتقع على الواحد والاثنين والجمع ، والمذكّر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد ، وقد غلب هذا الاسم على كلّ من يزعم أنّه يتولّى عليّا رضياللهعنه وأهل بيته ، حتّى صار لهم اسما خاصا ، فإذا قيل : فلان من الشيعة ، عرف أنّه منهم ، وفي مذهب الشيعة كذا ، أي : عندهم ، وتجمع على «شيع» وأصلها من المشايعة وهي : المتابعة والمطاوعة. «المترجم».
حدث في عهد عثمان وخلافته ، وابتدعه عبد الله بن سبأ اليهودي!
والحال أنّ هذا الكلام خلاف الواقع والحقيقة ، فإنّ كلمة «الشيعة» اصطلاح يطلق على أتباع عليّ بن أبي طالب وأنصاره منذ عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وإنّ واضع هذه الكلمة والذي جعلها علما عليهم هو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو كما قال الله (عزّ وجلّ) فيه :( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى ) (١) .
وقد قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «شيعة عليّ هم الفائزون» وروى علماؤكم هذا الحديث وأمثاله في كتبهم وتفاسيرهم.
الحافظ : لم أجد هكذا روايات وأحاديث في كتبنا ، وليتني كنت أعرف ، في أيّ كتاب من كتبنا قرأتم هذا الحديث وأمثاله؟!
قلت : هل إنّكم لم تجدوا هذا الحديث وأمثاله في كتبكم ، أم استنكفتم من قبوله وأغمضتم عينكم وأبيتم إلاّ الجحود والكتمان؟؟!
ولكنّا حين قرأناه في كتبكم وكتبنا ، قبلناه وأعلنّاه ، ولا نكتمه أبدا ، لأنّ الله تعالى يقول :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ) (٢) .
وقال (عزّ وجلّ) :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (٣) .
__________________
(١) سورة النجم ، الآية ٣ و ٤.
(٢) سورة البقرة ، الآية ١٥٩.
(٣) سورة البقرة ، الآية ١٧٤.
فالله (عزّ وجلّ) يلعن الّذين يكتمون الحقّ ويخبر أنّهم من أهل النار والعذاب ، فإيّاكم أن تكونوا منهم.
الحافظ : هذه الآيات حقّ وصدق ، تبيّن جزاء الّذين يكتمون الحقّ ، ولكنّا ما كتمنا حقّا ، فلا تشملنا هذه الآيات الكريمة.
قلت : بإذن الله ولطفه ، وتحت رعايته وعنايته ، وبالاستمداد من جدّي خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآلهوسلم ، سأكشف لكم الحقّ الذي هو أظهر وأجلى من الشمس ، وابدّد ظلام الأوهام عن وجه الحقيقة ، حتّى يعرفها جميع الحاضرين.
وأرجو أن تجعلوا هذه الآيات الكريمة نصب أعينكم ، حتّى لا تأخذكم العزّة بالإثم ولا تخافوا لومة لائم.
ورجائي أن تتركوا التعصّب لتقاليد آبائكم وتتحرّزوا من أغلال العادات التي قيّدكم بها أسلافكم ، فحينئذ يسهل عليكم قبول الحقّ وإعلان الحقيقة.
الحافظ : أشهد الله أنّي لا أتعصّب ، ولا أماري ، ولا أجادل ، بل إذا اتّضح الحقّ تمسّكت به ، وإذا عرفت الحقيقة قبلتها وأعلنتها.
وأنا لا أجتهد لأكون غالبا في المحاورة ، إنّما اريد أن أعرف الحقّ والحقيقة ، فإذا ظهر الحقّ تعصبت وجادلت فأكون ملعونا ومعذّبا في النار كما صرّح الله تعالى.
أمّا الآن فنحن مستعدون لاستماع حديثك ، وأسأل الله (عزّ وجلّ) أن يجمعنا وإيّاكم على الحقّ.
قلت : روى الحافظ أبو نعيم(١) في كتابه «حلية الأولياء» بسنده عن ابن عبّاس ، قال : لمّا نزلت الآية الشريفة :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (٢) خاطب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّ بن أبي طالب وقال : يا عليّ! هو أنت وشيعتك ، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين.
ورواه أبو مؤيد ، موفق بن أحمد الخوارزمي في الفصل ١٧ من كتاب المناقب في كتاب تذكرة خواص الامّة(٣) وسبط ابن الجوزي(٤) بحذف الآية.
وروى الحاكم عبيد الله الحسكاني ، وهو من أعاظم مفسّريكم ، في كتابه «شواهد التنزيل» عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ ، بسند مرفوع إلى يزيد بن شراحيل الأنصاري ، قال : سمعت عليّاعليهالسلام يقول : حدّثني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا مسنده الى صدري ، فقال : أي علي. ألم
__________________
(١) الحافظ أبو نعيم هو من أكبر علمائكم ومحدّثيكم ، يقول ابن خلّكان في كتابه «وفيات الأعيان» بأنّه من أكبر الحفّاظ الثقات ، وأعلم المحدّثين ، وكتابه «حلية الأولياء» الذي يبلغ عشر مجلّدات من أحسن الكتب.
وقال صلاح الدين الصفدي في كتابه «الوافي بالوفيات» : تاج المحدّثين الحافظ أبو نعيم إلى آخره.
وقال في تعريفه محمد بن عبد الله الخطيب في كتابه «مشكاة المصابيح» : هو من مشايخ الحديث الثقات ، المعمول بحديثهم ، المرجوع إلى قولهم ، كبير القدر ، وله من العمر ستّ وتسعون سنة.
(٢) سورة البيّنة ، الآية ٧.
(٣) المناقب ، الحديث الثاني من الفصل ١٧ في بيان ما نزل من الآيات في شأنهعليهالسلام .
(٤) تذكرة خواصّ الامّة ، ص ٥٦. قال فيه بالسند المذكور عن أبي سعيد الخدري قال :نظر النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) الى علي بن أبي طالب فقال هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة.
تسمع قول الله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (١) ؟ هم أنت وشيعتك ، وموعدي وموعدكم الحوض ، إذا جثت الأمم للحساب ، تدعون غرّا محجّلين(٢) .
وروى أبو المؤيّد الموفق بن أحمد الخوارزمي في مناقبه في الفصل التاسع(٣) عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ ، قال : كنّا عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فأقبل عليّ بن أبي طالب ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : قد أتاكم أخي ، ثمّ التفت إلى الكعبة فضربها بيده ثمّ قال : والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة ، ثمّ إنّه أوّلكم إيمانا ، وأوفاكم بعهد الله ، وأقومكم بأمر الله ، وأعدلكم في الرعيّة ، وأقسمكم بالسويّة ، وأعظمكم عند الله مزيّة قال : ونزلت :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (٤) إلى آخره
قال : وكان أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا أقبل عليّعليهالسلام قالوا : قد جاء خير البريّة(٥) .
وروى جلال الدين السيوطي وهو من أكبر علمائكم وأشهرهم ،
__________________
(١) سورة البيّنة ، الآية ٧.
(٢) رواه العلاّمة محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» الباب ٦٢ بسنده عن يزيد بن شراحيل ، وذكره الحافظ موفق بن أحمد المكّي الخوارزمي في مناقب عليّعليهالسلام . «المترجم».
(٣) مناقب عليّعليهالسلام ، الفصل التاسع ، الحديث العاشر.
(٤) سورة البيّنة ، الآية ٧.
(٥) رواه العلاّمة الكنجي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» ، الباب ٦٢ بسنده عن جابر ابن عبد الله الأنصاري ، وقال : هكذا رواه محدّث الشام في كتابه بطرق شتّى.
«المترجم».
حتّى قالوا فيه : بأنّه مجدّد طريقة السنّة والجماعة في القرن التاسع الهجري ، كما في كتاب «فتح المقال».
روى في تفسيره «الدرّ المنثور» عن ابن عساكر الدمشقي ، أنّه روى عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه قال : كنّا عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ دخل عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : والذي نفسي بيده ، إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ؛ فنزل :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) .
وكذلك ، جاء في «الدرّ المنثور» في تفسير الآية الكريمة ، عن ابن عديّ ، عن ابن عبّاس ، أنّه روي : لمّا نزلت الآية المذكورة قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّ : تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين.
وروى ابن الصبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة صفحه ١٢٢ عن ابن عبّاس ، قال : لمّا نزلت الآية :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّ : هو أنت وشيعتك ، تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيّين ، ويأتي أعداؤك غضابا مقمحين.
ورواه ابن حجر في الصواعق باب ١١ عن الحافظ جمال الدين ، محمد بن يوسف الزرندي المدني ، وزاد فيه : فقال عليّعليهالسلام : من عدوّي؟ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من تبرّأ منك ولعنك!
ورواه العلاّمة السمهودي في «جواهر العقدين» عن الحافظ جمال الدين الزرندي أيضا.
وروى المير سيّد علي الهمداني الشافعي وهو من كبار علمائكم في كتابه «مودّة القربى» عن أمّ سلمة أمّ المؤمنين وزوج النبي
الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّها قالت : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عليّ ، أنت وأصحابك في الجنّة ، أنت وشيعتك في الجنّة.
ورواه عنها ابن حجر في الصواعق أيضا.
وروى الحافظ ابن المغازلي الشافعي الواسطي في كتابه «مناقب علي بن أبي طالبعليهالسلام » بسنده عن جابر بن عبد الله ، قال : لمّا قدم عليّ بن أبي طالب بفتح خيبر قال له النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عليّ ، لو لا أن تقول طائفة من أمّتي فيك ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك مقالا لا تمرّ بملإ من المسلمين إلاّ أخذوا التراب من تحت رجليك وفضل طهورك ، يستشفون بهما ، ولكن حسبك أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبيّ بعدي ، وأنت تبرئ ذمّتي وتستر عورتي ، وتقاتل على سنّتي ، وأنت غدا في الآخرة أقرب الخلق منّي ، وأنت على الحوض خليفتي ، وإنّ شيعتك على منابر من نور مبيضّة وجوههم حولي ، أشفع لهم ، ويكونون في الجنّة جيراني ، وإنّ حربك حربي ، وسلمك سلمي(١) .
__________________
(١) رواه غيره أيضا ، منهم الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ، الباب ٦٢.
الشيعة في الحديث : * تاريخ بغداد ، ج ١٢ ، ص ٢٨٩ ، قال النبي (ص) لعليّ : أنت وشيعتك في الجنّة.
* مروج الذهب ، ج ٢ ص ٥١ ، قال (ص) : إذا كان يوم القيامة دعي الناس بأسمائهم وأسماء أمّهاتهم إلاّ هذا ـ يعني : عليّا ـ وشيعته ، فإنّهم يدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم لصحّة ولادتهم.
* الصواعق المحرقة ، ص ٦٦ ط. الميمنية بمصر ، قال رسول الله (ص) : يا علي أنت وشيعتك تردون عليّ الحوض رواء مرويّين ، مبيضّة وجوههم ، وإنّ أعداءكم يردون على الحوض ظماء مقمحين.
__________________
أقول : ورواه العلاّمة صالح الترمذي في : المناقب المرتضوية ، ص ١٠١ ، ط بومبي.
* كفاية الطالب ، ص ١٣٥ ، قال (ص) لعلي : وإنّ شيعتك على منابر من نور مبيضّة وجوههم حولي ، أشفع لهم ، فيكونون غدا في الجنّة جيراني
* مناقب ابن المغازلي ، ص ٢٣٨ ، رواه أيضا ، والخبر طويل.
* كفاية الطالب ، ص ٩٨ بسنده عن عاصم بن ضمرة ، عن عليّ عليهالسلام ، قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : شجرة أنا أصلها ، وعلي فرعها ، والحسن والحسين ثمرتها ـ والحسنان ثمرها / خ ل ـ والشيعة ورقها ، فهل يخرج من الطيّب إلاّ الطيب؟!
قال العلاّمة الكنجي : هكذا رواه الخطيب ، في تاريخه وطرقه.
أقول : ورواه الحاكم في المستدرك ٣ / ١٦٠ ، وابن عساكر في تاريخه ٤ / ٣١٨ ، ومحبّ الدين في الرياض النضرة ٢ / ٢٥٣ ، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة ١١ ، والصفوري في نزهة المجالس ٢ / ٢٢٢. وفي ينابيع المودّة ، للعلاّمة القندوزي الحنفي ، ص ٢٥٧ ، ط إسلامبول ، روى عن النبي (ص) : لا تستخفّوا بشيعة عليّ ، فإنّ الرجل منهم ليشفع في مثل ربيعة ومضر.
أقول : رواه العلاّمة الهندي في «انتهاء الأفهام» ص ١٩ ، ط. لكنهو.
تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي ، ص ٥٩ ، ط. الغريّ بسنده عن أبي سعيد الخدري ، قال : نظر النبي (ص) إلى عليّ بن أبي طالب فقال : هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة.
* فردوس الأخبار ، للديلمي ، روى عن أنس بن مالك أنّه قال : قال رسول الله (ص) : شيعة عليّ هم الفائزون.
أقول : رواه العلاّمة المناوي في «كنوز الحقائق» ص ٨٨ ، ط بولاق ، ورواه القندوزي في «ينابيع المودة» ص ١٨٠ ، ط إسلامبول ، ورواه العلاّمة الهندي في «انتهاء الأفهام» ص ٢٢٢ ، ط نول كشور.
__________________
* المناقب المرتضوية ، للعلاّمة الكشفي الترمذي ، ص ١١٣ طبع بومبي ، روى عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول الله (ص) : عليّ وشيعته هم الفائزون يوم القيامة.
أقول : رواه القندوزي في «ينابيع المودة» ص ٢٥٧ ، ورواه العلاّمة الهندي في «انتهاء الأفهام» ص ١٩ ، كلاهما عن ابن عبّاس.
* الدرّ المنثور ـ للسيوطي ـ ٦ / ٣٧٩ ، طبعة مصر ، قال رسول الله (ص) لعليّ : أنت وشيعتك تردون عليّ الحوض روّاء.
ورواه القندوزي في «ينابيع المودّة» ص ١٨٢ ، بعينه.
* تاريخ ابن عساكر ٤ / ٣١٨ ، قال (ص) : يا عليّ ، إنّ أوّل أربعة يدخلون الجنّة ، أنا وأنت والحسن والحسين ، وذرارينا خلف ظهورنا ، وأزواجنا خلف ذرارينا ، وشيعتنا عن أيماننا وعن شمائلنا.
أقول : وأخرجه ابن حجر في الصواعق ، ص ٩٦ ، وتذكرة الخواص ص ٣١ ، ومجمع الزوائد ٩ / ١٣١ ، وكنوز الحقائق ـ في هامش الجامع الصغير ـ ٢ / ١٦.
* اسعاف الراغبين ، المطبوع بهامش نور الابصار ص ١٣١ قال : وأخرج الدارقطني مرفوعا قال لعلي : يا أبا الحسن أما أنت وشيعتك في الجنة.
* تاريخ بغداد ١٢ / ٢٨٩ ، مطبعة السعادة بمصر ، أخرج بسنده عن الشعبي ، عن علي عليهالسلام ، قال : قال رسول الله (ص) : أنت وشيعتك في الجنّة.
أقول : ورواه أخطب خوارزم في «المناقب» ص ٦٧ ، ورواه صاحب منتخب كنز العمّال ـ المطبوع بهامش المسند ـ ٥ / ٤٣٩ ، طبع المطبعة الميمنية بمصر. ورواه العلامة البرزنجي صاحب «الإشاعة في أشراط الساعة» ص ٤١.
* مجمع الزوائد ٩ / ١٧٣ ، روى عن أبي هريرة ، قال : قال النبي (ص) لعليّ : أنت معي وشيعتك في الجنّة.
* شرف النبي (ص) ، للعلاّمة الخركوشي ، روى عن أمّ المؤمنين أمّ سلمة ، قالت : قال رسول الله (ص) : أبشر يا عليّ ، أنت وشيعتك في الجنّة.
وصلنا إلى هنا وارتفع صوت المؤذّن يعلن وقت العشاء فقطعنا الكلام ، وسكتنا عن قراءة ذيل الرواية ، والخبر فإنّه طويل ، فقام الإخوان العامة وتهيّؤا للصلاة ، وذهب السيّد عبد الحيّ ليؤمّ المسلمين في المسجد.
وحينما رجع من المسجد جاء بتفسير «الدرّ المنثور» وكتاب «مودّة القربى» ومسند الإمام أحمد بن حنبل ، ومناقب الخوارزمي ، وقال : ذهبت بعد الصلاة إلى البيت وجئتكم بهذه الكتب التي تستندون بها في محاورتكم ، حتّى نراجعها عند الضرورة.
__________________
ورواه عنها أيضا العلاّمة الآمر تسري الحنفي ، في «أرجح المطالب».
* مجمع الزوائد ـ للهيثمي ـ ٩ / ١٧٢ ، قال (ص) في خطبة له : أيّها الناس ، من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهوديا ؛ فقال جابر بن عبد الله : يا رسول الله وإن صام وصلى؟!
قال (ص) : وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم! احتجر بذلك من سفك دمه وأن يؤدّي الجزية عن يد وهم صاغرون.
مثّل لي أمّتي في الطين ، فمرّ بي أصحاب الرايات ، فاستغفرت لعليّ وشيعته.
ورواه ابن عساكر في تاريخه ، على ما في تهذيبه ج ٦ / ٦٧ ، مطبعة الترقّي بدمشق ، عن جابر بن عبد الله.
* المناقب المرتضوية ، ص ١١٦ ، طبع بومبي ، للعلاّمة الكشفي الترمذي ، أنّ أنسا روى عن النبي (ص) أنّه قال : حدّثني جبرئيل عن الله (عزّ وجلّ) ، أنّ الله تعالى يحبّ عليّا ما لا يحبّ الملائكة ولا النبيّين ولا المرسلين ، وما في تسبيحة يسبح الله إلاّ ويخلق الله منه ملكا يستغفر لمحبّه وشيعته إلى يوم القيامة.
أقول : رواه العلاّمة القندوزي الحنفي في «ينابيع المودّة» ص ٢٥٦ ، طبعة إسلامبول ، روى الحديث عن أنس بعين ما تقدّم ، إلاّ أنّه أسقط : «ولا النبيّين ولا المرسلين».
وفي هذا كفاية لمن أراد الهداية ، ولو رمت إسهابا أتى الفيض بالمدد. «المترجم»
فتناولت منه الكتب وشكرته وبقيت الكتب عندنا إلى آخر ليلة من ليالي الحوار ، ثمّ استخرجت الأخبار والأحاديث التي نقلتها من تلك الكتب ، وكلّما قرأت لهم الأحاديث التي مرّ ذكرها من كتبهم ، كنت ألاحظ أنّ وجوه المشايخ تنخطف ، وألوانهم تتغيّر ، والخجل يبدو ويعلو على وجوههم ، لأنّهم كانوا يحسّون بالفضيحة والنكسة أمام أتباعهم الحاضرين.
وقرأنا في كتاب «مودّة القربى» إضافة إلى ما نقلناه ، حديثا آخر في الموضوع ، وهو :
روي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : يا علي ، ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيّين ، ويقدم عليه عدوّك غضابا مقمحين.
وبعده قلت : إنّ هذا بعض الدلائل المحكمة والمؤيّدة بكلام الله سبحانه وتعالى وبالأخبار المعتبرة والمقبولة عندكم ، ولو نقلتها لكم كلّها لطال الكلام ، ولكن في ما ذكرنا كفاية لمبتغي الحق بغير غواية.
وأرجو بعد هذا أن لا تكرّروا ذلك الكلام الفارغ الوهمي الواهي ، بأنّ مؤسّس مذهب الشيعة : عبد الله بن سبأ اليهودي.
فقد اندفع هذا الاتّهام وارتفع الإيهام ، بالقرآن الحكيم وحديث النبي العظيمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد تبيّن لكم أنّ ما كنتم تظنّوه في حقّ الشيعة ، إن هو إلاّ أباطيل الخوارج وأكاذيب النواصب من بني أميّة وغيرهم.
ومع الأسف أنتم العلماء قد ألقيتم هذه الأقاويل إلى أتباعكم من عامة الناس ، وألبستم عليهم الحقّ والحقيقة ، من حيث تعلمون أو لا تعلمون!
والآن عرفتم بأنّ الشيعة محمّديّون وليسوا بيهود ، وأنّ إطلاق
اسم : «الشيعة» على من تولّى عليّا وأحبّه وتابعه ونصره إنّما بدأ من نبي الإسلام وهادي الأنام محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد صرّح به كرارا بين أصحابه حتّى صار علما لموالي عليّعليهالسلام وأنصاره ، كما سمعتم الروايات والأخبار التي نقلتها لكم.
وجاء في كتاب «الزينة» لأبي حاتم الرازي ، وهو منكم ، قال : إنّ أوّل اسم وضع في الإسلام علما لجماعة على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان اسم «الشيعة» وقد اشتهر أربعة من الصحابة بهذا الاسم في حياة النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهم :
١ ـ أبو ذرّ الغفاري ٢ ـ سلمان الفارسي ٣ ـ المقداد بن الأسود الكندي ٤ ـ عمّار بن ياسر.
فأدعوكم لتتفكّروا ، كيف يمكن أن يشتهر أربعة من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الأقربين وحواريّه ، بلقب أو اسم «الشيعة» بمرأى ومسمع منهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو لا يمنعهم من تلك البدعة كما يزعم بعضهم؟!
ولكن نستنبط من مجموع الأخبار والأحاديث الواردة في الموضوع أنّ اولئك الأصحاب المخلصين ، سمعوا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : شيعة علي خير البريّة ، وهم الفائزون. لذلك افتخروا بأن يكونوا منهم ، ويشتهروا بين الأصحاب باسم : «الشيعة».
مقام هؤلاء الأربعة في الإسلام
يروي علماؤكم عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهديتم» وقد كتب أبو الفداء في تاريخه ـ وهو من مؤرّخيكم ـ : أنّ هؤلاء الأربعة امتنعوا من البيعة لأبي بكر يوم السقيفة ، وتبعوا عليّ
ابن أبي طالبعليهالسلام ، فلما ذا لا تجعلون عملهم حجّة؟! مع ما نجد في كتبكم أنّ هؤلاء كانوا من المقرّبين والمحبوبين عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لكن ، نحن تبعناهم واقتدينا بهم وصرنا شيعة عليعليهالسلام ، فنحن مهتدون بحديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الواصل عن طريقكم : بأيّهم اقتديتم اهتديتم.
ولكي نعرف جاه ومقام هؤلاء الأربعة عند الله تعالى وعند رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنقل لكم بعض الأخبار المرويّة عن طرقكم في حقّهم :
١ ـ روى الحافظ أبو نعيم في المجلد الأول من حلية الأولياء ص ١٧٢ وابن حجر المكّي في كتابه الصواعق المحرقة في الحديث الخامس من الأحاديث الأربعين التي نقلها في فضائل علي بن أبي طالبعليهالسلام قال : عن الترمذي والحاكم ، عن بريدة : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : إنّ الله أمرني بحبّ أربعة ، وأخبرني أنّه يحبّهم ، فقيل : من هم؟ قال (ص) : عليّ بن أبي طلب ، وأبو ذرّ ، والمقداد ، وسلمان(١) .
__________________
(١) روى ابن المغازلي الشافعي في ـ مناقب علي بن أبي طالب ـ ح رقم ٣٣١ بسنده عن بريدة ، قال : قال رسول الله (ص) : انّ الله يحب من اصحابي أربعة وأخبرني انّه يحبّهم وامرني أن أحبّهم قالوا : من هم يا رسول الله؟
قال : انّ عليا منهم وأبا ذر وسلمان والمقداد بن الأسود الكندي.
وأخرجه الامام أحمد بن حنبل في مسنده ٥ / ٣٥١ / بالاسناد عن ابن نمير بعين السند واللفظ.
واخرجه في ٥ / ٣٥٦ بالإسناد الى أسود بن عامر عن شريك بعين السند.
واخرجه الحافظ البخاري في تاريخه قسم الكنى ٣٧ / بالاسناد الى محمد بن الطفيل عن شريك.
واخرجه الحاكم في المستدرك ٣ / ١٣٠ / من طريق الامام احمد بن حنبل عن الاسود ابن عامر وعبد الله بن نمير معا وصححه واقرّه الذهبي في تلخيصه المطبوع بذيله.
واخرجه الحافظ القزويني في سنن المصطفى ١ / ٥٢ / ط محمد فؤاد ، عن بريدة مع اختلاف يسير في اللفظ والمعنى واحد. «المترجم».
٢ ـ نقل ابن حجر أيضا في الحديث ٣٩ عن الترمذي والحاكم عن أنس بن مالك ، أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : الجنّة تشتاق إلى ثلاثة : عليّ وعمّار وسلمان.
فكيف إنّ هؤلاء الأربعة الّذين هم من خواصّ أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد أحبّهم الله ورسوله ، ومن أهل الجنّة ، خالفتموهم ولم يكن عملهم حجّة عندكم؟!
أليس من المؤسف أن تحصروا أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في الّذين دبّروا فتنة السقيفة وانخرطوا في تلك اللعبة الجاهلية ، وقبلوا منتخب المتآمرين وتركوا حجة ربّ العالمين؟!
وأمّا بقية الصحابة الأخيار ، الّذين خالفوا ذلك التيّار ، ورفضوا ذلك القرار ، إذ وجدوه جائرا مخالفا لنصّ الواحد القهار ، فساروا على الخطّ الذي رسمه النبي المختارصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لسعادة المؤمنين الأحرار الأبرار ، لم تعتبروهم ولم تقتدوا بهم ، فكأنكم حرّفتم عمليا حديث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أصحابي كالنجوم ...» بأنّ «بعض أصحابي كالنجوم»!!
التشيّع ليس حزبا سياسيا
وأمّا قولك : إنّ مذهب الشيعة مذهب سياسي ، والإيرانيون المجوس اتّخذوا التشيّع وسيلة للفرار من سلطة العرب ، كلام بلا دليل وهو من أقاويل أسلافكم ، ونحن أثبتنا أنّ التشيع مذهب إسلامي ، وهو شريعة خاتم الأنبياء وامتداد للإسلام.
والنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أمر أمّته بمتابعة عليّ ومشايعته في الأمور والحوادث ، بأمر من الله سبحانه وتعالى ، ونحن نتّبع عليّا أمير المؤمنين وأبناءه
الطاهرينعليهمالسلام ، ونعمل بأوامرهم حسب أمر النبي المطاع الأمينصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونرى في ذلك نجاتنا.
ولو تدبّرنا التاريخ ودرسنا الحوادث بعد حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لوجدنا أنّ أبرز قضية سياسية وأظهر حادثة انقلابية هي مؤامرة السقيفة وانتخابهم الخليفة. ومع ذلك لا تطلقون على اولئك المجتمعين في السقيفة والهمج الّذين تبعوهم كلمة : «حزب سياسي» ولكن تتّهمون الشيعة المؤمنين المخلصين بأنّهم حزب سياسي!!
وكم عندكم أحاديث معتبرة أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يأمر الامّة بمتابعة عليّ ابن أبي طالب وأهل بيته الكرام ، وخاصّة عند التباس الأمر واختلاف الرأي ، ولا نجد حديثا واحدا من الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم يأمر الامّة بتشكيل السقيفة وانتخابهم الخليفة من بعده ، ولو كان ذلك من حقّ الناس ، لما نصّ على أخيه وصنوه عليّعليهالسلام من بعده ، ولما عيّنه خليفة بأمر من الله (عزّ وجلّ) ، في يوم الإنذار ويوم الغدير وغيره.
وأمّا بالنسبة لتشيّع الإيرانيّين الذي تزعم أنت وكثير من الّذين أغوتهم الدعايات الامويّة ، بأنّه كان عن غرض سياسي.
أقول : إنّ من كان له أدنى اطّلاع في القضايا السياسية يعرف ، أنّ قوما إذا اتّخذوا مذهبا وسيلة للوصول إلى أغراضهم وأهدافهم السياسية تركوا ذلك المذهب ولم يعبئوا به حينما يصلون إلى أهدافهم ، والحال أنّ التاريخ يشهد في حقّ الإيرانيّين الّذين تمسّكوا بالتشيّع واتّبعوا آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وأحبّوهم ونصروهم وضحّوا بالغالي والنفيس من أجلهم أكثر من ألف عام ، وإلى يومنا هذا هم كذلك يجاهدون ويضحّون في سبيل إعلاء كلمة الحقّ والعدل وانتشار راية : لا إله إلاّ
الله ، محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّ وليّ الله ، فهذه المعاناة طيلة ألف عام وأكثر ، يستحيل أن تكون لغرض سياسي دنيوي ، وإنّما تكون لهدف معنوي اخروي ، والتشيّع عند معتنقيه من الإيرانيّين وغيرهم هدف لا وسيلة!
أسباب تشيّع الإيرانيّين
أمّا الأسباب التي دعت الإيرانيّين إلى التمسّك بمذهب الشيعة ، والالتزام بولاء أهل بيت النبوّة ، ومتابعتهم ، والسير على منهج علي بن أبي طالب وأبنائه الطيّبينعليهمالسلام والتّفاني في ذلك ، هى :
١ ـ عدم وجود العصبيّات القبليّة والنزعات الطائفيّة والدواعي العشائرية عندهم ، لأنّهم لم يكونوا ينتمون إلى أيّة قبيلة من قبائل قريش أو غيرها الموجودة في الجزيرة العربية ، وبعيدا عن كلّ هذه ، وجدوا الحقّ في عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فانحازوا إليه ، ولم تصدّهم العصبيّات والنزاعات عن طريق أهل البيتعليهمالسلام ومذهبهم.
٢ ـ الذكاء والتعقّل عندهم(١) ، يمنعهم من التعصّب الباطل والتقليد الأعمى ، فهم أهل تحقيق وتدقيق في أمر الدين والعبادة ، لذلك كانت المجوسية عندهم رخوة ومتزلزلة ، ولهذا السبب أسلمت أكثر بلادهم من غير حرب وفتحت من غير مقاومة ، وبعد فتح بلادهم تركوا
__________________
(١) روى الإمام أحمد في مسنده ٢ / ٤٢٠ ـ ٤٢٢ ، عن النبي (ص) أنّه قال : لو كان العلم بالثريّا ، لتناوله ناس من أبناء فارس.
وفي الإصابة ٣ / ٤٥٩ ، أخرج ابن قانع بإسناده عن رسول الله (ص) : لو كان الدين متعلّقا بالثريّا لتناوله قوم من أبناء فارس. «المترجم».
المجوسية من غير كره وإجبار واعتنقوا الإسلام بالحريّة والاختيار ، لانّهم عاشروا المسلمين وحقّقوا حول الإسلام ، وعرفوا حقّانيّته ، فتمسّكوا به ، وأصبح الإسلام دينهم الذي كانوا يضحّون أنفسهم دونه ، ويقدمون الغالي والنفيس من أجله ، ويجاهدون في سبيل الله تحت راية الاسلام مع العرب وغيرهم من المسلمين جنبا لجنب في صفّ واحد وبعد ما دخلوا في الإسلام ، واجهوا مذاهب شتّى وطرائق قددا ، كلّ منهم يدّعي الحقّ وينسب الآخرين إلى الضلال. فدقّقوا وفتّشوا عن الحقيقة ، وفحصوا وحقّقوا عن الحقّ والواقع ، فوجدوه في مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية ، فتمسّكوا به وانعقدت قلوبهم على معالمه ، فتبعوا عليّاعليهالسلام وأبناءه المعصومين ، ورضوا بهم أئمّة وقادة وسادة ، لأنّ الله تعالى جعلهم كذلك.
٣ ـ إنّ عليّاعليهالسلام كان يعرف حقوق الإنسان وحقوق الأسرى في الإسلام ، لأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يوصي المسلمين بالأسرى ويقول : أطعموهم ممّا تطعمون ، وألبسوهم ممّا تلبسون ، ولا تؤذوهم إلى آخره ، فكان عليّعليهالسلام يلتزم بتطبيق هذه الحقوق ، وأمّا غيره فما كان يعرفها! وإذا كان يعرفها ما كان يلتزم بها.
وحينما جاءوا بأسرى الإيرانيين إلى المدينة ، عاملهم بعض المسلمين بما لا يليق ، فقام عليّعليهالسلام بالدفاع عنهم ، وخاصة عن ابنتي الملك حين أمر الخليفة أبو حفص ببيعهنّ ، ولكنّ عليّاعليهالسلام منعه وقال : إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منع بيع الملوك وأبنائهم وبناتهم ، وإنّما تنتخب كلّ واحدة من هاتين رجلا من المسلمين فتتزوّج به.
وعلى هذا انتخبت إحداهنّ ـ وهي «شاه زنان» ـ محمّد بن أبي بكر ، وانتخبت «شهربانو» ـ وهي الأخرى ـ الإمام الحسينعليهالسلام .
وذهب كلّ منهما مع زوجته بعقد شرعي ونكاح إسلامي إلى بيته ، فولدت شاه زنان من محمد ولده «القاسم» وأصبح من فقهاء المدينة وهو والد «أمّ فروة» والدة الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام ، وولدت شهربانو الإمام عليّ بن الحسين زين العابدينعليهالسلام .
فلمّا رأى بعض الإيرانيّين وسمع آخرون منهم بزواج ابنتي يزدجرد واحترام الإمام عليّعليهالسلام لهما ، شكروا هذا الموقف التاريخي العظيم ، والقرار الإنساني الجسيم ، من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
وكان هذا من أهمّ الأسباب التي دعت الإيرانيين إلى تحقيق أكثر حول شخصية أبي الحسنعليهالسلام ، وعليّعليهالسلام هو الرجل المقدّس الذي كلّما زاد الإنسان معرفة به ، زاد حبّا له وتعظيما.
٤ ـ ارتباط الإيرانيّين وعلاقتهم بسلمان الفارسي وهو منهم ، ثمّ لسابقته الفاخرة في الإسلام ، ومكانته المرموقة عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حتّى عدّه من أهل بيته ، في الحديث الذي اشتهر عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم في كتب الشيعة والسنّة أنّه قال (ص) : سلمان منّا أهل البيت(١) .
وكان ينادى من ذلك اليوم : بسلمان المحمّدي.
ولسائر فضائله ومناقبه أصبح محور الإيرانيّين ومرجعهم في امور الدنيا والدين.
__________________
(١) مستدرك الحاكم : ٣ / ٥٩٨ ، وشرح مختصر صحيح البخاري ـ لابي محمّد الأزدي ـ : ٢ / ٤٦. «المترجم».
ولمّا كان سلمان من شيعة أهل البيت والموالين لآل محمّد (ص) ومن المخالفين لاجتماع السقيفة والخليفة المنتخب فيها ، أرشد قومه وهداهم إلى مذهب الشيعة ، ودعاهم إلى التمسّك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم ، وهو ولاية وإمامة أبي الحسن أمير المؤمنين ، لأنّه شهد يوم الغدير ، وبايع عليّاعليهالسلام بالخلافة ، وسمع أحاديث عديدة من فم النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم في شأن أبي الحسن وسمع مرارا حديث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : من أطاع عليّا فقد أطاعني ، ومن أطاعني فقد أطاع الله ، ومن خالف عليّا فقد خالفني ، ومن خالفني فقد خالف الله(١) .
٥ ـ لو تعمّقنا في الموضوع وتفحّصنا التاريخ للوصول إلى جذوره ، لوجدنا أنّ من أهمّ أسباب التفاف الإيرانيّين حول عليّ وبنيهعليهمالسلام ، وابتعادهم عن الغاصبين لحقوق آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم هو : سوء معاملة الخليفة عمر بن الخطّاب مع الإيرانيّين بعد ما أسلموا وهاجر كثير منهم إلى المدينة المنوّرة ، فكانت سيرته معهم خلاف سيرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مع سلمان ، وكانت سيرته معهم تصرّفات شخصية تنبئ عن حقد دفين في قلبه لهم ، وكان يحقّرهم ويمنعهم من الحقوق الاجتماعية التي منحها الله تعالى لكلّ إنسان(٢) .
__________________
(١) ذكر الحديث الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين ـ طبعة دار المعرفة بيروت ـ : ٣ / ١٢١ مع اختلاف فليراجع.
(٢) روى مالك في الموطّا : ٢ / ١٢ ، عن الثقة عنده ، أنّه سمع سعيد بن المسيّب يقول :«أبى عمر بن الخطّاب أن يورّث أحدا من الأعاجم إلاّ أحدا ولد في العرب» وعلى هذا يفتي مالك فيقول : «وإن جاءت امرأة حامل من أرض العدوّ فوضعته في أرض العرب فهو ولدها ، يرثها إن ماتت ، وترثه إن مات ، ميراثها في كتاب الله» مع
أمّا معاملة الإمام عليعليهالسلام معهم فقد كانت حسنة كمعاملة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لسلمان الفارسي.
لهذا كان حبّ الإمام عليّ وبنيهعليهمالسلام ، وبغض عدوّه وظالميه ، مكنون في قلوب الإيرانيّين ، ولم يجدوا فرصة لإظهارهما حتّى القرن الرابع الهجري في عهد : آل بويه ودولتهم ، فأظهروا حبّهم لعليّ وأبنائهعليهمالسلام وبغضهم لظالميه وأعدائه.
وليس هناك أيّ ارتباط بين تشيّع الإيرانيّين وحكومة هارون وابنه المأمون العبّاسي.
دولة آل بويه
وأمّا آل بويه ـ الّذين بدأت دولتهم في شيراز في القرن الرابع الهجري ، وسرعان ما سرى نفوذهم في كلّ بلاد إيران والعراق ، بل امتدّ سلطانهم في جميع بلاد بني العبّاس ، وكانت كلمتهم تحكم في كلّ الولاة والحكّام ، وليس للخليفة العبّاسي إلاّ مراسيم الخلافة ـ فقد كانوا من شيعة إيران ، وآل بويه مع هذه القدرة والنفوذ ، ومع أنّهم كانوا شيعة وموالين لعليّ وبنيهعليهمالسلام ، فهم لم يحاربوا التسنّن ، كما
__________________
العلم أنّ حكم التوارث بين المسلمين عربا كانوا أم أعاجم ، وأين ما ولدوا ، في أرض العرب أو غيرها ، من ضروريات دين الإسلام ، نطق به كتاب الله ورسوله ، فليس هناك تخصيص ، وليس من شروط التوارث الولادة في أرض العرب ، ولا العروبة شرط الإسلام ، ولكن كم لهذه القضية في حكومة عمر من نظائر ، وهي تنبئ عن نزعته القومية والعصبية الجاهلية المتأصّلة فيه.
«المترجم».
فعل الكثير من ملوك أهل السنّة مع الشيعة ، ولم يتعصّبوا للشيعة على السنّة ، وإنّما أعطوا الشيعة حرّيّة إبداء العقيدة فحسب(١) .
__________________
(١) ولو راجعت تاريخ ابن الاثير المسمّى بالكامل ، حوادث ما بعد عام ٤٤٠ ، لعرفت عفوهم وتغاضيهم عن أهل التسنّن في كثير من الحوادث التي أجّجوا نارها ، والفتن التي أحدثوها ضدّ الشيعة.
نعم ، آل بويه أعانوا علماء الشيعة على تأسيس المدارس لنشر علوم آل محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولنشر الكتب في بيان عقائد الإمامية ودفع الشبهات عنهم ، وكانوا يحبّون التفاهم مع السنّة والجماعة عن طريق الاستدلال العلمي والحوار المنطقي ، لا السيطرة عليهم بالقهر والغلبة.
وفي تاريخ «الكامل» في حوادث عام ٣٧٢ ، قال : وكان ـ عضد الدولة ـ محبّا للعلوم وأهلها ، مقرّبا لهم ، محسنا إليهم ، وكان يجلس معهم يعارضهم في المسائل ، فقصده العلماء من كلّ بلد وصنّفوا له الكتب ، ومنها : الإيضاح في النحو ، والحجة في القراءات ، والملكي في الطبّ ، والناجي في التاريخ إلى غير ذلك.
فابن الأثير يشهد لهم بحبّهم لعامة أهل العلم لا الشيعة خاصة. وحينما وجد الشيعة حرّيّة العقيدة في دولة آل بويه ، أظهروا ولاءهم وحبّهم للإمام عليّ وبنيه ، وأعلنوا عداءهم وبغضهم لاعدائه وظالميه وكان بدء ذلك في بغداد عاصمة بني العبّاس ، وكان يرأس هذه الحركة ، زعيم الطائفة الشيعية ، وأعلم أهل زمانه في العلوم الدينية : الشيخ المفيد ، وهو عربي من بغداد ، وتلاميذه : السيّد الرضي ، والسيّد المرتضى ، وغيرهما ، ولا يشكّ أحد في عروبتهم.
كما لا يشكّ أحد من العلماء المحقّقين ، أنّ الّذين انضمّوا تحت راية الإمام عليّ عليهالسلام في حربه مع عائشة وطلحة والزبير في يوم الجمل ، وفي حربه مع معاوية وابن العاص في صفّين وفي النّهروان ، كانوا شيعته وأتباعه ، وقد كانوا من المهاجرين والأنصار الّذين بايعوه في المدينة وكانوا من أهل الكوفة واليمن ، كلّهم من العرب ويرجع أصلهم ونسبهم إلى عدنان وقحطان ، أكانت قريش من الفرس؟! أم
شيعة إيران في عهد المغول
وفي سنة ٦٩٤ هجرية فتح غازان خان المغولي بلاد إيران ، ولكنّه أسلم وسمّي ب : «السلطان محمود» وكان يظهر الحبّ والولاء لآل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويحترم محبّيهم ، وكان الشيعة في حريّة العقيدة في دولته ، ولمّا توفّي سنة ٧٠٧ هجرية خلفه أخوه ، وقد أسلم هو أيضا وسمّي : «محمد شاه خدابنده» ولمّا اطّلع هذا على كثرة المذاهب ، وأهل كلّ مذهب يزعمون أنّهم على حقّ وأنّ غيرهم على ضلال ،
__________________
الاوس والخزرج ، أم همدان وكندة ، أم تميم ومضر ، وغيرهم من قبائل الجزيرة العربية؟؟!
وأمّا المشاهير من أصحابه وأركان جيشه : فمالك الاشتر وهاشم المرقال وصعصعة ابن صوحان وعمّار بن ياسر وقيس بن سعد بن عبادة وابن عبّاس ومحمد بن أبي بكر وعديّ بن حاتم الطائي وأويس القرني ونظراؤهم ، أيّهم كان فارسيا حتّى ينسب مذهبهم إلى الفرس؟!
ولو كان مقياس الحقّ والباطل العربية والفارسية ، فإنّ المذاهب الاربعة أحقّ بالانتساب إلى الفرس والأعاجم ، لأنّ أبا حنيفة وهو الإمام الأعظم لأهل السنّة فارسي أعجمي.
ولو استقرأت أرباب الصحاح الستّة ، لعرفت أنّهم جميعا من العجم ، والصحاح الستّة هي الأساس لمذاهب السنّة.
وأمّا أصحاب التفاسير ، فأشهرهم : النيسابوري والطبري والزمخشري والرازي و...
ولكن لا اعتبار عندنا للقوميات ، وليست القومية عندنا معيارا للحقّ والباطل ، فقد قال الله عزّ وجلّ في سورة الحجرات ، الآية ١٣ : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) .
«المترجم».
أحبّ أن يعرف الحقيقة ويكشف عن الحقّ ليتمسّك به ، فأمر بإحضار العلماء من كلّ مذهب ، ثمّ أمرهم بالمناقشة والمناظرة والمحاورة بمحضره.
وكان العلاّمة الكبير الشيخ جمال الدين حسن بن يوسف الحلّي ، ممثّل الشيعة في المجلس ، وهو وحده ناظر جميع علماء المذاهب الأربعة الحاضرين في مجلس السلطان ، وأفحمهم بالأجوبة الكافية والأدلة الشافية ، وأورد عليهم مسائل وإشكالات فلم يتمكّنوا من ردّها.
هنالك ظهر الحقّ وزهق الباطل ، وأعلن «خدابنده» وحاشيته تشيّعهم ، وأصدر بعد ذلك بيانا الى جميع ولاته على البلاد ، وأخبرهم بما جرى في مجلسه ، وأنّه تشيّع عن علم ودراية ، لذا يجب أن تلقى الخطب في الجمعة والجماعات باسم الإمام علي وأبنائهعليهمالسلام ، وطبع الدراهم والدنانير بكلمة : لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، علي وليّ الله ، وسعى كثيرا واجتهد لنشر مذهب الشيعة في البلاد.
والملوك الصفويّون من بعد المغول ، جدّوا واجتهدوا في نشر مذهب الشيعة ، وأعلنوه المذهب الرسمي في إيران ، وقدّموا خدمات عظيمة للبلاد والعباد تحت رعاية علماء الشيعة ومفكّريهم.
وإلى يومنا هذا ، فإنّ المذهب الرسمي في إيران هو مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ، وهذا منذ عهد آل بويه قبل الفترة الصفوية بسبعمائة عام ، والمجوس أقليّة لا يعدّون شيئا بالنسبة للمسلمين في ايران بل هناك أقلّيّات أخرى ، ربّما يكون عددهم أكثر من المجوس ، وهم أيضا لا يعدّون شيئا بالنسبة للمسلمين الشيعة في بلاد الفرس.
فالأكثرية الساحقة في إيران ، يعتقدون ب : توحيد الله سبحانه وتعالى ، وبرسالة محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء صلوات الله عليهم
أجمعين ، وبإمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأبنائه المعصومين الأحد عشرعليهمالسلام .
الحافظ : إنّي أتعجّب منك أيّها السيّد الحجازي المكّي المدني ، حيث حللتم في إيران ، نسيت أصلك ، وتركت شريعة جدّك ، وصرت مدافعا عن الإيرانيّين ، وحسبتهم أتباع عليّ كرم الله وجهه ، والحال أنّ عليا برئ من عقائدهم ومذهبهم ، لأنّهم يؤلّهون عليّا ويجعلونه بمنزلة الربّ (عزّ وجلّ) في أشعارهم وأقوالهم ، وهو باليقين بريء من هذه العقيدة ، لأنّه كان عبدا مطيعا لله سبحانه وتعالى.
والآن أقرأ عليك بعض أشعار شعراء إيران الشيعة حتّى تعرف صدقي وصحّة كلامي ، فقد أنشد الشاعر الإيراني ، عن لسان عليّ كرّم الله وجهه كفرا صريحا ، وهو :
مظهر كلّ عجايب كيست؟ من |
مظهر كلّ العجائب من؟ أنا! |
|
مظهر سرّ غرائب كيست؟ من |
مظهر سر الغرائب من؟ أنا! |
|
صاحب عون نوائب كيست؟ من |
صاحب عون النوائب من؟ أنا ...! |
|
در حقيقت ذات واجب كيست؟ من |
في الحقيقة ذات الواجب من؟ أنا ..! |
ويقول الآخر :
در مذهب عارفان آگاه |
الله علي ، علي است الله! |
|
في مذهب العرفاء العالمين |
الله علي ، علي هو الله! |
فهل بعد هذا تشكّ في كفرهم؟!
قلت :
إنّي لا أشكّ ، ولا كنت شاكّا ، في كفر القائلين لهذه الأبيات وأمثالها ، والعجب ثمّ العجب منك ، إذ تنسب هؤلاء الشعراء الملاحدة والغلاة الزنادقة ، إلى الشيعة الموحّدين لله تعالى ، وعلى هذا الحساب الجائر والخيال القاصر ، تفتون ـ لأتباعكم ـ بكفر الشيعة ، وتسمحون لعوامكم بنهب أموال الشيعة وسفك دمائهم وهتك أعراضهم.
فكم شبّت فتن على أثر هذه الفتاوى ، في أفغانستان وتاجيكستان وأزبكستان وتركستان والهند وباكستان وغيرها ، التي يندى منها جبين البشرية ، وتبكي لها عين الإنسانية ، والله يعلم كم من الشيعة المؤمنين قتلوا بأسلحة أتباعكم العوام ، لأنّهم بسبب هذه التقوّلات الموهومة والاتّهامات المزعومة على شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم يحسبونهم كفّارا ، حتّى أنّ في الأزمنة السالفة كان اعتقاد كثير من أهل السنّة في هذه المناطق التي ذكرتها أنّ من قتل عددا من الروافض ـ الشيعة ـ وجبت له الجنّة!!
اعلموا أنّ مسئولية هذه الدماء التي سفكت ، إنّما تكون عليكم ، وسوف تسألون عنها في المحشر ، يوم ينادي المنادي :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) (١) ! فما يكون جوابكم عند الله تعالى؟!
أسألكم : إذا كفر عدد قليل لا يعبأ بهم في قوم مؤمنين يبلغ عددهم الملايين ، هل صحيح أن يحكم على كلّ القوم بالكفر؟!
ألم تكن في بلادكم أقلّيّات مشركة وطوائف كافرة؟! وهم
__________________
(١) كما في سورة الصافّات ، الآية ٢٤.
يعدّون من الافغان ، فهل صحيح أن نحكم على كلّ أفغاني بالكفر والشرك؟!
ألم تكن جماعات من الغلاة الّذين يؤلهون عليّا في تركيا وغيرها من البلاد الإسلامية؟! فهل من الصحيح أن نحكم على أهل كلّ بلد يعيش فيه عدد من الغلاة بالكفر والإلحاد؟!
فإنّ اعتقادكم هذا بالإيرانيّين دون غيرهم ، ينبئ عن غيظ وحقد مكنون في قلوبكم ضدّهم ، ويكشف عن تعصّب بغيض ضدّ الشيعة.
وأمّا الأبيات التي قرأتها وأمثالها ، إن هي إلاّ من شعر الغلاة ، وهم غير الشيعة ، بل الشيعة الإمامية وعلماؤهم يكفّرون الغلاة ويتبرّءون منهم ، وقد أفتى علماء الشيعة في إيران وفي كلّ مكان بكفر الغلاة ونجاستهم وقالوا بوجوب الاجتناب عنهم والتبرّي منهم.
الإسلام يرفض التعصّب القومي
وأمّا قولك : بأنّي سيّد حجازي مكّي مدني ، فلما ذا صرت مدافعا عن الإيرانيين؟!
فمن الواضح أنّي أفتخر بنسبي إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وانتسابي لمكّة والمدينة ، ولكنّي أحمد الله الذي لم يجعل في نفسي شيئا من النزعة القومية التي تتفرّع عن جذور الجاهلية.
لأنّ جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإن روي عنه أنّه قال : حبّ الوطن من الإيمان ، وبهذه العبارة دعا كل قوم إلى الدفاع عن وطنه والتفاني لبلاده أمام هجوم الأعداء. ولكنّه حارب النزعات القومية والعصبيّات
القبلية بشدة(١) مثلما حارب عبادة الأصنام ، وسعى جاهدا لتوحيد القوميات كلّها تحت راية التوحيد والإسلام ، فنادى بأعلى صوته مرارا بين أصحابه : الناس سواسية كأسنان المشط ، لا فخر لعربي على أعجمي ، ولا لأبيض على أسود ، إلاّ بالتقوى.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أيّها الناس ، ليبلّغ الشاهد الغائب ، إنّ الله تبارك وتعالى قد أذهب عنكم بالإسلام نخوة الجاهلية ، والتفاخر بآبائها وعشائرها.
أيّها الناس! كلّكم لآدم وآدم من تراب ، ألا إنّ خيركم عند الله وأكرمكم عليه ، أتقاكم وأطوعكم له.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم حين فتح مكّة : يا معشر قريش! إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالآباء ، الناس من آدم وآدم خلق من تراب ، قال الله تعالى :( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) (٢) .
فهذا جدّي وهو النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيّد بني آدم ، كان يحترم بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي ويساويهم في المعاملة مع أقرانهم من العرب ، كأبي ذرّ الغفاري والمقداد الكندي وعمّار بن ياسر وغيرهم.
ولكنّ أبا لهب الذي ولد في أشرف بيت من قريش ، وهو عمّ النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم حين كفر بالله العظيم ، تبرّأ منه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
__________________
(١) روى أبو داود في سننه : ٢ / ٣٣٢ ، عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليس منّا من دعا إلى عصبية ، وليس منّا من قاتل على عصبية ، وليس منّا من مات على عصبية. «المترجم».
(٢) سورة الحجرات ، الآية ١٣.
والمسلمون ، ونزلت سورة في ذمّه فيها :( تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ ) (١) إلى آخرها.
نعم :
لقد رفع الإسلام سلمان فارس |
وقد وضع الشرك الشريف أبا لهب |
التمييز العنصري سبب الحروب
كلّ من يطالع تاريخ العالم ، يعرف أنّ أكثر الحروب في العالم أو كلّها نشبت بسبب حمية الافتخارات الجاهلية ، من نزعات قومية وتفرقة عنصرية وغيرها.
فلألمانيّون يعتقدون أنّ قومية (الجر من) تفوق القوميات الاخرى.
واليابانيون يريدون سيادة بني العرق الأصغر على العالم.
والأوربيّون يفضّلون البيض على غيرهم.
والأمريكيون يريدون السيطرة على العالم بزعمهم أنّهم أفضل الخليقة ، ويفضّلون البيض على السود بشكل فظيع ، وقد وضعوا قوانين ظالمة تسحق حقوق السود ، فلا يحقّ لهم أن يدخلوا إلى الأماكن والمحلاّت المخصصة للبيض ، حتّى في الكنائس والمعابد!
وفي المعاهد العلمية ، العلماء السود يجلسون في صفّ النعال والبيض الّذين هم أنزل رتبة في العلم ، يعلون عليهم في المجلس.
ولا يحقّ للسود مناقشة البيض في المطارحات والمناظرات العلمية ، لذلك خصّصوا لهم معاهد خاصة.
__________________
(١) سورة المسد ، الآية ١.
وحتّى في القطارات والمطارات وغيرها ، نجد التمييز العنصري ظاهر ، وقانونه الجائر حاكم ونافذ في الدول التي تدّعي التمدّن والالتزام بحقوق الإنسان!
وأشدّ مظاهر التمييز العنصري اليوم هو في أمريكا ، وهي تزعم سيادة العالم والدّفاع عن حقوق البشر وحرّيّة الإنسان في كلّ الأقطار والأمصار ، ولكنّها تعامل السود الّذين يشكلون نسبة عظيمة من الشعب الأمريكي كالحيوان ، بل يفضّلون عليهم بعض الحيوانات ، فالسود في أمريكا محرومون من حقوقهم الاجتماعية والإنسانية التي منحها الله تعالى لكلّ البشر على حدّ سواء.
ولكنّ الإسلام العظيم وقائده الكريم محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم منذ أكثر من ألف وثلاثمائة عام ، ألغى النزعات القومية والتفرقة العنصرية ، وحاربها كما حارب الكفر والشرك ، وعبّر عنها بالنخوة والعادات الجاهلية.
ثمّ إنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم احتضن بلال الحبشي وصهيب الرومي بالتكريم والمحبة ، كما احتضن أبا ذرّ وعمّار وسلمان ، وقال في كلّ واحد منهم ، ما بيّن فيه مكانته وقربه عند الله سبحانه وتعالى.
وعيّن بلال الحبشي ـ الأسود ـ مؤذّنا في مسجده ، وهو مقام رفيع في الاسلام ، فإنّ المؤذن : داعي الله ومناديه في عباده المؤمنين.
وقد جعل الله عزّ وجلّ التقوى معيارا في التكريم والتفضيل ، فقال عزّ من قائل :( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) (١) .
وأنا ـ بعيدا عن النزعات القومية والتعصّبات الجاهلية ـ الزم نفسي بالدفاع عن الحقّ وإن كان أكثر أهله من غير قومي ، واحارب الباطل
__________________
(١) سورة الحجرات ، الآية ١٣.
وإن كان أكثر أهله من قومي ، فأنصر التشيّع لأنّه المذهب الحقّ وإن كان أكثر المتمسّكين به إيرانيّين ، واحارب الباطل وأرفضه وإن كان مذهب أكثر الحجازيّين.
نحن أبناء الدليل |
حيثما مال نميل |
الغلاة ليسوا من الشيعة
لقد نسبت أشعار الغلاة الإيرانيّين إلى الشيعة الموحّدين المؤمنين ، فخلطت الحابل بالنابل.
فإنّ شيعة الإمام عليّعليهالسلام ، سواء أكانوا إيرانيّين أم عربا أم غيرهم ، كلّهم يوحّدون الله تعالى ويطيعونه ويعبدونه ولا يشركون به شيئا ، ويشهدون بأنّ محمد بن عبد الله عبده ورسوله ، وخاتم النبيّين ، ولا نبيّ بعده إلى قيام يوم الدين.
ويعتقدون بأنّ عليّ بن أبي طالب وليّ الله وعبده الصالح ، اتّخذه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أخا ، وأوصى إليه وجعله خليفته من بعده ، كلّ ذلك بأمر من الله تبارك وتعالى.
ويعتقدون بإمامة الحسن المجتبىعليهالسلام بعد أبيه المرتضى ، ومن بعده إمامة الحسين الشهيدعليهالسلام ، ثمّ إمامة تسعة من أولاد الحسينعليهالسلام نصّ عليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعرّفهم بأوصافهم وصفاتهم ، وقد عصمهم الله تعالى من الذنب ، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، وهم عباده المكرمون ، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
ومن كان يقول ويعتقد غير هذا في الإمام عليّ وبنيه الأئمة الأحد عشرعليهمالسلام فلا تنسبوه إلى الشيعة.
ونحن الشيعة في إيران وغيرها براء من المغالين في الإمام عليّ أو بنيه ، كالسبئية والخطابية والغرابية والحلولية وغيرهم ، وهذه الفرق أقلّيات متفرّقة في أكثر البلاد الإسلامية لا في ايران فقط ، إلاّ أنّه في تركيا يبلغ عددهم الملايين ، مع ذلك لا تنسبون مسلمي تركيا ـ بما فيهم الشيعة الأتراك ـ إلى الغلاة!
فالشيعة في كلّ مكان بريئون من هذه الفرق ، ويتألّمون من انتسابها إليهم ، كما أنّ المسلمين عموما يتبرّءون منها عند ما ينسب المستشرقون هذه الفرق الغالية إلى الإسلام.
والشيعة : علماؤها وفقهاؤها في إيران وغيرها حكموا على الغلاة بالكفر ، وأفتوا بنجاستهم ووجوب الاجتناب عنهم. ومع هذا كلّه ، تنسبون إلينا هذه الفرق الضالّة ، أو تحسبوننا منهم!! إن هذا إلاّ بهتان عظيم.
فلو كنتم تقرءون كتبنا الكلامية ، لوجدتم ردود متكلّمينا وعلمائنا على عقائد الغلاة الإلحادية ، بالدلائل العقلية والنقلية ، وسأنقل لكم بعض الأخبار المرويّة في كتبنا عن أئمّة الشيعة ، وقد جمع قسما منها المحدّث الجليل ، والحبر النبيل ، علامة عصره ، ونابغة دهره ، الشيخ المولى محمد باقر المجلسي ـقدسسره ـ في كتابه «بحار الأنوار» الذي هو أضخم دائرة معارف الشيعة الإمامية وعدد أجزائه مائة وعشر مجلّدات.
١ ـ روي في ج ٢٥ ص ٢٧٣ ، حديث ١٩ : عن أبي هاشم الجعفري ، قال : سألت أبا الحسن الرضاعليهالسلام ، عن الغلاة والمفوّضة؟ فقالعليهالسلام : الغلاة كفّار والمفوّضة مشركون ، من جالسهم أو خالطهم أو واكلهم أو
شاربهم أو واصلهم أو زوّجهم أو تزوّج إليهم أو أمّنهم أو ائتمنهم على أمانة أو صدّق حديثهم أو أعانهم بشطر كلمة ، خرج من ولاية الله عزّ وجلّ وولاية الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وولايتنا أهل البيت.
٢ ـ وفي ج ٢٥ ص ٢٨٣ ، حديث ٣٣ : عن الإمام جعفر الصادقعليهالسلام ، قال : الغلاة شرّ خلق الله ، يصغّرون عظمة الله ويدّعون الربوبية لعباد الله! والله إنّ الغلاة لشرّ من اليهود والنصارى والمجوس والّذين أشركوا.
٣ ـ وفي ج ٢٥ ص ٢٨٦ ، حديث ٤٠ : عن أبان بن عثمان ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : لعن الله عبد الله بن سبأ ، إنّه ادّعى الربوبية في أمير المؤمنين ، وكان والله أمير المؤمنينعليهالسلام عبدا لله طائعا ، الويل لمن كذب علينا ، وإنّ قوما يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا ، نبرأ إلى الله منهم ، نبرأ إلى الله منهم.
٤ ـ وفي ج ٢٥ ص ٢٨٦ ، حديث ٤١ : عن الثمالي ، قال : قال عليّ بن الحسينعليهالسلام : لعن الله من كذب علينا ، إنّي ذكرت عبد الله بن سبأ ، فقامت كلّ شعرة في جسدي ، لقد ادّعى أمرا عظيما! ماله لعنه الله. كان عليّعليهالسلام والله عبدا لله صالحا ، أخو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ما نال الكرامة من الله إلاّ بطاعته لله ولرسوله ، وما نال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الكرامة من الله إلاّ بطاعته لله عزّ وجلّ.
٥ ـ وفي ج ٢٥ ص ٢٩٦ ، حديث ٥٥ : عن المفضّل بن يزيد ، قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام ـ وذكر أصحاب أبي الخطّاب والغلاة ـ فقال لي : يا مفضّل! لا تقاعدوهم وتواكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا توارثوهم.
٦ ـ وفي ج ٢٥ ص ٢٩٧ ، حديث ٥٩ : عن الصادقعليهالسلام : لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا ، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا.
٧ ـ وفي ج ٢٥ ص ٣٠٣ ، حديث ٦٩ : عن صالح بن سهل ، قال : كنت أقول في أبي عبد اللهعليهالسلام بالربوبية! فدخلت ، فلمّا نظر إليّ قال : يا صالح! إنّا والله عبيد مخلوقون ، لنا ربّ نعبده ، إن لم نعبده عذّبنا.
هذا رأي أئمّة الشيعة في ابن سبأ وأبي الخطّاب والمفوّضة والغلاة ، ومع هذا كله ، فإنّكم وكثير من كتّابكم تنسبون الشيعة إلى ابن سبأ الملعون!
فهل وجدتم في كتاب واحد من كتب الشيعة الإمامية الجعفرية ـ المنسوبين إلى الامام جعفر الصادقعليهالسلام ـ كلمة واحدة في مدح ابن سبأ؟!
هذه كتبنا منذ أكثر من ألف سنة ملأت المكتبات والمدارس ، اقرءوها بدقّة ، وطالعوها بتدبّر ، فلن تجدوا شطر كلمة في تأييد ابن سبأ وعقائده وأفكاره ، بل تجدون ردّه ولعنه ، وأنّه يهودي كافر.
فارجعوا عن كلامكم واعدلوا عن قولكم ورأيكم عن الشيعة ، واخشوا الله وخافوا الحساب ، يوم تسألون عن كلّ حرف حرف ممّا قلتم ، فقد قال تعالى :( ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (١) .
__________________
(١) سورة ق ، الآية ١٨.
وقال سبحانه :( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (١) .
فأرجوكم أن تحاوروني بكلام نابع من الواقع والحقيقة ، ولا تأخذوا ما يقول أعداؤنا وخصومنا فينا ، فإنّ الخصم قلّما ينصف خصمه.
فكما أحتجّ وأتكلّم أنا بالاستناد إلى كتبكم وصحاحكم في إثبات ما أقول ، فإنّ اصول المحاجّة والحوار تقتضي أن تكونوا كذلك.
الحافظ : إنّ نصائحكم مقبولة ، وإن شاء الله لا نقول إلاّ ما فيه رضاه ، وإنّي حين سمعت هذه الروايات عندكم في ردّ الغلاة ، زاد تعجّبي فيكم ، لأنّا نسمع منكم في هذا الحوار تعابير في أئمّتكم ، يشمّ منها رائحة الغلوّ ، وهم غير راضين بتلك الكلمات ، بالرغم من أنّكم تحرصون على كلّ كلمة تلفظونها ، حتّى لا نؤاخذكم بها ، ولا تكون سببا للطعن فيكم.
قلت : أنا لست جاهلا معاندا ، ولا متعصّبا جامدا ، فإذا كانت في كلامي هفوات ومغالاة ، فالواجب أن تنبّهوني ، فإنّ الإنسان في معرض السهو والنسيان ، وأرجوكم أن تذكروا كلّ ما كان في نظركم غلوّا أو كفرا أو خارجا عن ميزان العقل والمنطق.
الحافظ : إنّ الله تعالى خصّ نبيّه محمداصلىاللهعليهوآلهوسلم بتحيّة الصلاة والسلام في الآية الكريمة :( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا
__________________
(١) سورة الزلزلة ، الآية ٧ و ٨.
الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (١) ولكنّ الشيعة كلّهم ـ وحتّى جنابكم في هذا المجلس ـ كلّما ذكرتم أحد أئمّتكم ألحقتم باسمه جملة : «سلام الله عليه» أو : «صلوات الله عليه» عوض أن تقولوا : «رضياللهعنه » فإنّكم تشركون أئمّتكم مع النبيّ في ما خصّه الله تعالى من التحيّات ، فعملكم هذا بدعة وضلال وخلاف لنصّ القرآن الكريم.
قلت : إنّ الشيعة لم يخالفوا نصّا في أيّ عمل من أعمالهم الدينية ، ولكنّ أعداءهم كالخوارج والنواصب وبني أميّة وأتباعهم في القرون الماضية افتروا عليهم ، واعترضوا على بعض أعمالهم بأنّها بدعة.
وعلماؤنا ردّوا عليهم وأجابوهم بأدلّة عقلية ونقلية أثبتوا بها أنّ الشيعة ليسوا أهل البدع ، وإنّما غيرهم هم أهل البدع والضلال ، أجابوهم على الإشكال الذي أوردته بالتفصيل ، ولكن رعاية للوقت ، وإنّي أرى آثار التعب والنعاس تبدو على بعض الحاضرين ، أجيبكم باختصار :
أولا : إنّ الله عزّ وجلّ في الآية الكريمة يأمر المؤمنين بالصلاة والسلام على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا ينهى عن الصلاة والسلام على غير النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثانيا : كما أنّ الله تعالى قال في الآية الكريمة :( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ ) فقد قال في سورة الصافات :( سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ ) (٢) .
__________________
(١) سورة الاحزاب ، الآية ٥٦.
(٢) سورة الصافات ، الآية ١٣٠.
والله عزّ وجلّ في تلك السورة أيضا سلّم على أنبيائه بقوله :( سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ ) (١) ( سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ) (٢) ( سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ ) (٣) ولم يسلّم على آل أحد الأنبياء إلاّ آل ياسين ، و «يس» أحد أسماء نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّ الله تعالى ذكر لنبيّه الكريم في القرآن الحكيم خمسة أسماء وهي : محمّد وأحمد وعبد الله ونون ويس ، فقال :( يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (٤) يا : حرف نداء ، و «س» اسم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو إشارة إلى تساوي ظاهره وباطنه.
النوّاب : ما هو سبب اختيار حرف «س» من بين الحروف؟!
قلت : لأنّ حرف ال «س» في حروف التهجّي هو وحده يكون عدد ظاهره وباطنه متساويين ، فإنّ لكلّ حرف من حروف التهجّي عند المتخصّصين بعلم الحروف والأعداد زبر وبيّنه ، وحين تطبيق عدد : زبر وبيّنه كلّ حرف يكون عددهما مختلفا ، إلاّ حرف «س» فإنّ زبره يساوي بيّنته.
نوّاب : عفوا يا سيّد ، أرجو منك التوضيح بشكل نفهمه نحن العوام ، ونحن لا نعرف معنى : الزبر والبيّنة ، فنرجو توضيحا أكثر.
قلت : أوضّح :
الزبر : هو رسم الحرف الذي يخطّ على القرطاس : «س» وهو
__________________
(١) سورة الصافات ، الآية ٧٩.
(٢) سورة الصافات ، الآية ١٠٩.
(٣) سورة الصافات ، الآية ١٢٠.
(٤) سورة يس ، الآية ١ ـ ٣.
حرف واحد ، ولكن عند التلفّظ يكون : ثلاثة حروف : س ي ن ، فكلّ ما زاد على رسم الحرف وخطّه في تلفّظ يكون بيّنته ، وعدد «س» عند العلماء : ستّون ، وعدد «ي» : عشرة ، و «ن» : خمسون ، فيكون جمعهما ستّون أيضا ، فيتساوى عدد : «س» وعدد : «ين» وهذا هو الحرف الوحيد بين حروف التهجّي يتساوى زبره وبيّنته.
ولذلك فإنّ الله تعالى خاطب نبيّه قائلا : يس ، الياء : حرف نداء ، و «س» : إشارة الى اعتدال ظاهره وباطنه.
وكذلك في الآية المباركة قال :( سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ ) .
الحافظ : إنّكم تريدون بسحر كلامكم أن تثبتوا شيئا لم يقله أحد من العلماء!
قلت : أرجوك أن لا تتسرّع في نفي ما أقول ، بل فكّر وتدبّر ولا تعجل ، فإنّ في العجلة ندامة ، لأنّي أثبت كلامي استنادا إلى كتبكم وصحاحكم ، وعندها تحرج أمام الحاضرين وتخجل ، وأنا لا احبّ لك ذلك.
وإنّكم إمّا غير مطّلعين على كتبكم ، أو مطّلعين عليها ولكنّكم تكتمون الحقّ!
أمّا نحن ، فمطّلعون على كتبكم وما فيها من الروايات والأحاديث الصحيحة والمدسوسة ، فنأخذ الصحيحة ونترك غيرها.
وفي خصوص هذا الموضوع نعرف روايات وأحاديث معتبرة في كثير من كتبكم ، منها : في كتاب «الصواعق المحرقة» الآية الثالثة ، في فضائل أهل البيت.
قال : إنّ جماعة من المفسّرين رووا عن ابن عبّاس أنّه قال : أنّ المراد ب( سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ ) أي : سلام على آل محمّد ، قال : وكذا قاله الكلبي.
ونقل ابن حجر أيضا عن الإمام الفخر الرازي أنّه قال : إنّ أهل بيتهصلىاللهعليهوآلهوسلم يساوونه في خمسة أشياء :
١ ـ في السلام ، قال : السلام عليك أيّها النبيّ ، وقال : سلام على آل ياسين.
٢ ـ وفي الصلاة عليه وعليهم في التشهّد.
٣ ـ وفي الطهارة ، قال تعالى :( طه ) (١) أي : يا طاهر ، وقال :( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٢) .
٤ ـ وفي تحريم الصدقة.
٥ ـ وفي المحبّة ، قال تعالى :( فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (٣) وقال :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (٤) .
وذكر السيّد أبو بكر بن شهاب الدين في كتابه «رشفة الصادي ..» في الباب الأول ص ٢٤ : عن جماعة من المفسّرين رووا عن ابن عبّاس ، والنقّاش عن الكلبي : سلام على آل ياسين ، أي : آل محمّد.
ورواه أيضا في الباب الثاني : ص ٣٤.
وذكر الإمام الفخر الرازي في التفسير الكبير ج ٧ ص ١٦٣ في
__________________
(١) سورة طه ، الآية ١.
(٢) سورة الأحزاب ، الآية ٣٣.
(٣) سورة آل عمران ، الآية ٣١.
(٤) سورة الشورى ، الآية ٢٣.
تفسير الآية الكريمة :( سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ ) وجوها الوجه الثاني : إنّ آل ياسين هم آل محمّد(١) .
فجواز الصلاة والتسليم على آل محمّد ، أمر متّفق عليه بين الفريقين(٢) .
الصلاة والسلام على الآل سنّة
روى البخاري في صحيحه ج ٣.
ومسلم في صححه ج ١.
والعلاّمة القندوزي في ينابيع المودة ص ٢٢٧ نقلا عن البخاري ، وابن حجر في الصواعق المحرقة : في الباب الحادي عشر ، الفصل الأول ، الآية الثانية.
كلّهم رووا عن كعب بن عجرة ، قال : لمّا نزلت هذه الآية ، قلنا : يا رسول الله! قد علمنا كيف نسلّم عليك ، فكيف نصلي عليك؟
فقال : قولوا : اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد إلى آخره.
__________________
(١) ونقل الحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودة» الطبعة السابعة ، ص ٦ من مقدّمته ما نصّه : وأخرج أبو نعيم الحافظ وجماعة من المفسّرين ، عن مجاهد وأبي صالح ، هما عن ابن عبّاس (رضي الله عنهما) ، قال : آل ياسين : آل محمّد ، وياسين :اسم من أسماء محمّد (ص). «المترجم».
(٢) وتطرّق الحافظ سليمان في مقدّمته كتابه «ينابيع المودّة» إلى ذكر كثير من الروايات في الموضوع ، ثمّ قال : فمن هذه الآيات والأحاديث علم أن لا تكون التصلية والتسليمة على الأنبياء والملائكة مختصّة لهم ـ وبعد ذكر أدلته ـ قال : وإنّما نشأ هذا القول ، بأنهما مختصّان للأنبياء والملائكة ، من التعصّب بعد افتراق الامّة ، نسأل الله أن يعصمنا من التعصّب. «المترجم».
قال ابن حجر : وفي رواية الحاكم ، فقلنا : يا رسول الله! كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟
قال : قولوا اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد إلى آخره.
قال ابن حجر : فسؤالهم بعد نزول الآية :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) وإجابتهم ب : اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد إلى آخره ، دليل ظاهر على أنّ الأمر بالصلاة على أهل بيته وبقيّة آله مراد من هذه الآية ، وإلاّ لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عقب نزولها ولم يجابوا بما ذكر ، فلمّا اجيبوا به دلّ على أنّ الصلاة عليهم من جملة المأمور به إلى آخر كلامه في «الصواعق» فراجع.
وروى الإمام الفخر الرازي في ج ٦ من تفسيره الكبير ص ٧٩٧ : لمّا سأله الأصحاب : كيف نصلّي عليك؟
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : قولوا : اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.
وروى ابن حجر في الصواعق ص ٨٧ : قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء.
فقالوا : وما الصلاة البتراء؟
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : تقولون : اللهمّ صلّ على محمّد وتمسكون ، بل قولوا : اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد(١) .
__________________
(١) رواه العلاّمة القندوزي في مقدّمة ينابيع المودّة : ص ٦ ، عن الصواعق المحرقة ، وعن جواهر العقدين. «المترجم».
قال : وقد أخرج الديلمي أنّه (ص) قال : الدعاء محجوب حتّى يصلّى على محمّد وأهل بيته ، اللهمّ صلّ على محمّد وآله.
ولابن حجر بحث مفصّل ينقل آراء علمائكم وفقهائكم في وجوب التصلية والتسليمة على آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم في التشهّد في الصلوات اليومية ، ثمّ يقول : وللشافعيرضياللهعنه :
يا أهل بيت رسول الله حبّكم |
فرض من الله في القرآن أنزله |
|
كفاكم من عظيم القدر أنّكم |
من لم يصلّ عليكم لا صلاة له |
وقد بحث الموضوع السيّد أبو بكر بن شهاب الدين في كتابه رشفة الصادي ، الباب الثاني : ص ٢٩ ـ ٣٥. ، ونقل دلائل في وجوب التصلية والتسليمة على آل محمّد في الصلاة اليومية عن النسائي والدارقطني وابن حجر والبيهقي وأبي بكر الطرطوسي وأبي اسحاق المروزي والسمهودي والنووي والشيخ سراج الدين القصيمي.
ونظرا لضيق الوقت ورعاية لحال الحاضرين أكتفي بهذا المقدار ، وأترك الموضوع للعلماء الحاضرين حتّى يفكّروا ويراجعوا وجدانهم وضمائرهم ، ثمّ يحكموا فيه وينصفوا. وبعد هذا كلّه ستصدّقونني حتما وتقبلون بأنّ التصلية والتسليم على آل محمّد ليست بدعة ، وإنّما هي عبادة وسنّة أمر بها النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا ينكر هذا إلاّ الخوارج والنواصب المعاندون ، خذلهم الله ، حيث دلّسوا على إخواننا العامّة ، وألبسوا عليهم الحقّ والحقيقة.
ومن الواضح أنّ الّذين أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أن تقرن أسماؤهم مع اسمه الشريف ، ويصلّى ويسلّم عليهم في الصلوات اليومية مقدّمون على غيرهم في الفضل والشرف.
ومن السفاهة والجهل والتعصّب والعناد أن نرجّح الآخرين عليهم.
والآن اشاهد آثار التعب والنعاس تبدو على كثير من الإخوان ، لذلك انهي المجلس وأنتظر قدومكم في الليلة الآتية إن شاء الله تعالى.
فقام القوم وانصرفوا وشيّعتهم إلى باب الدار.
المجلس الثالث
ليلة الأحد ٢٥ / رجب / ١٣٤٥ هجرية
حضر مجلس البحث والحوار الذي انعقد في أوّل الليل فضيلة الحافظ محمد رشيد مع ثلّة من المشايخ والعلماء ، وجمع كبير من أتباعهم ، فلمّا استقرّ بهم المجلس وتناولوا الشاي والحلوى
قال الحافظ : في الليلة البارحة لمّا ذهبت من هنا إلى البيت لمت نفسي كثيرا لعدم تحقيقي ومطالعتي حول المذاهب الاخرى وعقائدهم وأقوالهم ، ولم اكتفيت بكتب مخالفيهم وبتعبيركم : المتعصّبين على غيرهم!
وقد ظهر لنا ـ من جملة كلامكم ـ في الليلة الماضية : أنّ الشيعة يفترقون على مذاهب وطرق شتّى ، فأيّ مذهب من مذاهب الشيعة على حقّ عندكم؟ بيّنوه حتّى نعرف على أيّ مذهب نحاوركم ، ونكون على بيّنه من الأمر في هذا التفاهم الديني والحوار المذهبي!
قلت : إنّي لم أذكر في الليلة الماضية أنّ الشيعة على مذاهب ، وإنّما الشيعة مذهب واحد ، وهم المطيعون لله وللرسول محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم
والائمة الاثني عشرعليهمالسلام .
ولكن ظهرت مذاهب كثيرة بدواع دنيوية وسياسية زعمت أنّها من الشيعة ، وتبعهم كثير من الجهّال فاعتقدوا بأباطيلهم وكفرهم ، وحسبهم الجاهلون الغافلون بأنّهم من الشيعة ، ونشروا كتبا على هذا الأساس الباطل من غير تحقيق وتدقيق.
وأما المذاهب التي انتسبت إلى الشيعة عن جهل أو عمد لأغراض سياسية ودنيوية، فهي أربع مذاهب أوّليّة، وقد اضمحلّ منها مذهبان وبقي مذهبان، تشعبت منهما مذاهب اُخرى.
والمذاهب الأربعة هي: الزيدية، الكيسانية، القداحية، الغلاة.
مذهب الزيدية
وبعد وفاة علي بن الحسينعليهالسلام ساق جماعة من الشيعة الإمامة إلى زيد وعرف هؤلاء بالزيدية وهم الذين (ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم) إلاّ إنه جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إماما واجب الطاعة سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين(١) .
ولما كان زيد الشهيدعليهالسلام كذلك اتخذوه إماما بعد أبيه فقد خرج ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويدفع الظلم عن نفسه وعن المؤمنين وكان سيدا شريفا ، عالما تقيا ، وشجاعا سخيا وقد أخبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن شهادته ، فقد روى الإمام الحسينعليهالسلام أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وضع يده على ظهري وقال : يا حسين سيخرج من صلبك رجل يقال له زيد يقتل شهيدا ، فإذا كان يوم القيامة يتخطى هو وأصحابه رقاب الناس ويدخلون الجنة.
وقال الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام للمأمون وهو يحدثه عن زيد بن
__________________
(١) الشهرستاني ـ الملل والنحل ص ٣٠٢.
علي الشهيد أنه كان من علماء آل محمد غضب في الله فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله ، ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر أنه سمع أباه جعفر بن محمد يقول : رحم الله عمي زيدا إنه دعا إلى الرضا من آل محمد ولو ظفر لوفّى لله ، ومن ذلك أنه قال : أدعوكم إلى الرضا من آل محمد(١) .
روى الخزاز(٢) في حديث طويل عن محمد بن بكير قال : دخلت على زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعنده صالح بن بشر فسلمت عليه وهو يريد الخروج إلى العراق فقلت له : يا ابن رسول الله هل عهد إليكم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم متى يقوم قائمكم؟ قال : يا ابن بكير ، إنك لن تلحقه ، وان هذا الأمر تليه ستة من الأوصياء بعد هذا (ويعني الإمام الباقر) ثم يجعل الله خروج قائمنا ، فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما.
فقلت : يا ابن رسول الله ألست صاحب هذا الأمر؟
فقال : أنا من العترة ، فعدت فعاد إليّ ، فقلت : هذا الذي تقول عنك أو عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
فقال : لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ، لا ولكن عهد عهده إلينا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
الكيسانية
وهو أصحاب كيسان ، وكان عبدا اشتراه الإمام عليعليهالسلام فأعتقه ، ويقولون بإمامة محمد بن الحنفية بعد إمامة الحسن المجتبى والحسين سيّد الشهداءعليهالسلام ، ولكن محمدا لم يدع الإمامة أبدا ، وهو عندنا سيّد التابعين ، ويعرف بالعلم والزهد والورع والطّاعة للإمام السجادعليهالسلام زين العابدين.
نعم ، نقل بعض المؤرّخين بعض الاختلافات بينهما ، وقد اتّخذ الكيسانية تلك الاختلافات دليلا على ادّعاء محمد بن الحنيفة لمقام الإمامة.
__________________
(١) الوسائل كتاب الجهاد.
(٢) الخزاز ـ كفاية الأثر ـ من كتاب الزيدية في موكب التاريخ للشيخ جعفر السبحاني.
ولكنّ الحقيقة أنّه أراد أن يوجّه أصحابه إلى عدم صلاحيّته لذلك المقام الرفيع ، فكان في الملأ العامّ يخالف رأي الإمام زين العابدينعليهالسلام ، وكان الإمامعليهالسلام يجيبه جوابا مقنعا فيفحمه ، فكان محمد يسلّم للإمام ويطيعه ، وأخيرا تحاكما عند الحجر الأسود في أمر الإمامة ، وأقرّ الحجر بإمامة عليّ بن الحسين السجّاد زين العابدين عليهما السّلام ، فبايع محمد بن الحنفية ابن أخيه الإمام السجّاد ، وتبعه أصحابه وعلى رأسهم أبو خالد الكابلي ، فبايعوا إلاّ قليل منهم بقوا على عقيدتهم الباطلة بحجّة أنّ اعتراف محمد بإمامة زين العابدينعليهالسلام حدث لمصلحة لا نعرفها!!
ومن بعد موته ، قالوا بأنّه لم يمت! وإنّما غاب في شعب جبل رضوى ، وهو الغائب المنتظر الذي أخبر عنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيظهر ويملأ الأرض قسطا وعدلا.
وقد انقسموا على أربع فرق : المختارية ، الكربية ، الإسحاقية ، الحربية ، وكلّهم انقرضوا ولا نعرف اليوم أحدا يعتقد بمذهبهم.
القدّاحية
وهم قوم باطنيّون يتظاهرون بالتمسّك ببعض عقائد الشيعة ويبطنون الكفر والزندقة والإلحاد!!
ومؤسّس هذا المذهب الباطل هو : ميمون بن سالم ، أو ديصان ، وكان يعرف ويلقّب بقدّاح ، وكان ابتداء هذا المذهب في مصر ، وهم فتحوا باب تأويل القرآن والأحاديث حسب رأيهم كيفما شاءوا ، وجعلوا للشريعة المقدّسة ظاهرا وباطنا وقالوا : إنّ الله تعالى علّم باطن
الشريعة لنبيّه ، وهو علّمه عليا ، وعليّعليهالسلام علم أبناءه وشيعته المخلصين.
وقالوا : بأنّ الّذين عرفوا باطن الشريعة ، تحرّروا وخلصوا من الطاعة والعبودية الظاهرية!!
وقد بنوا مذهبهم على سبعة اسس ، واعتقدوا بسبعة أنبياء وسبعة أئمة ، فقالوا في الإمام السابع ، وهو موسى بن جعفرعليهالسلام : بأنّه غاب ولم يمت ، وسيظهر ويملأ الأرض قسطا وعدلا!! وهم فرقتان :
١ ـ الناصرية ، أي : أصحاب ناصر خسرو العلوي ، الذي تمكّن بقلمه وشعره أن يدفع كثيرا من الغافلين في هوّة الكفر والإلحاد ، وكان له أتباع في طبرستان.
٢ ـ الصّباحيّة : وهم أصحاب حسن الصبّاح ، وهو من أهل مصر ، ثمّ هاجر إلى إيران ونشر دعوته في نواحي قزوين ، وكانت واقعة قلعة «الموت» بسببه ، والتي قتل فيها كثير من الناس ، والتاريخ يذكرها بالتفصيل ولا مجال لذكرها.
الغلاة
وهم أخسّ الفرق المنسوبة إلى التشيّع ، وهم سبع فرق كلّهم ملحدون : السبأيّة ، المنصورية ، الغرابية ، البزيغية ، اليعقوبية ، الإسماعيلية ، الدرزية.
ولا مجال لشرح أحوالهم وعقائدهم ، وإنّما أشرت إليهم وذكرتهم لأقول : ـ نحن الشيعة الإمامية الاثني عشرية ـ نبرأ من هذه الطوائف والفرق والمذاهب الباطلة ونحكم عليهم بالكفر والنجاسة ،
ووجوب الاجتناب عنهم.
هذا حكم أئمّة أهل البيتعليهمالسلام الّذين نقتدي بهم ، وقد ذكرت لكم بعض الروايات عن أئمّتناعليهمالسلام في حقّ اولئك الزنادقة الملحدين ـ في الليلة الماضية ـ.
ومع الأسف أن نرى كثيرا من أصحاب القلم لم يفرّقوا بين الشيعة الإمامية الجعفرية وبين هذه الفرق المنتسبة للشيعة ، مع العلم أنّ عددنا يربو على أتباع هذه المذاهب الباطلة بأضعاف مضاعفة ، وهم نسبة ضئيلة جدا ، وعددنا نحن اليوم أكثر من مائة مليون ، وأصحابنا موجودون في كلّ بلاد العالم ، ونعلن براءتنا من هذه العقائد الفاسدة ، والمذاهب الباطلة التي تنسب إلى الشيعة.
خلاصة عقائدنا
والآن أذكر لكم اصول عقائد الشيعة الإمامية الاثني عشرية باختصار ، وأرجو أن لا تنسبوا إلينا غير ما أبيّنه لكم.
نعتقد : بوجود الله سبحانه وتعالى ، الواجب الوجود ، الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، ليس له شبيه ولا نظير ، ولا جسم ولا صورة ، لا يحلّ في جسم ، ولا يحدّد بمكان ، ليس بعرض ولا جوهر ، بل هو خالق العرض والجوهر وخالق كلّ شيء ، منزّه عن جميع الصفات التي تشبهه بالممكنات ، ليس له شريك في الخلق وهو الغني المطلق ، والكلّ محتاج إليه على الإطلاق.
أرسل رسله إلى الخلق واصطفاهم من الناس واختارهم فبعثهم إليهم بآياته وأحكامه ليعرفوه ويعبدوه ، فجاء كلّ رسول من عند الله
سبحانه بما يقتضيه الحال ويحتاجه الناس ، وعدد الأنبياء كثير جدّا إلاّ أنّ أصحاب الشرائع خمسة ، وهم أولو العزم :
١ ـ نوح ، نجيّ الله ٢ ـ إبراهيم ، خليل الله ٣ ـ موسى ، كليم الله ٤ ـ عيسى ، روح الله ٥ ـ محمّد ، حبيب الله ، صلوات الله وسلامه عليهم جميعا.
وإنّ سيّدهم وخاتمهم هو : نبيّنا محمّد المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الذي جاء بالإسلام الحنيف وارتضاه الله تعالى لعباده دينا إلى يوم القيامة.
فحلال محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة.
والناس مجزون بأعمالهم يوم الحساب ، فالدنيا مزرعة الآخرة ، فيحيي الله الخلائق بقدرته ، ويردّ الأرواح إلى الأجساد ، ويحاسبهم على أقوالهم وأفعالهم ،( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (١) .
ونعتقد : بالقرآن الحكيم كتابا ، أنزله الله تبارك وتعالى على رسوله الكريم محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو الآن بين أيدي المسلمين ، لم يحرّف ولم يغيّر منه حتّى حرف واحد ، فيجب علينا أن نلتزم به ونعمل بما فيه من : الصلاة والصوم والزكاة والخمس والحجّ والجهاد في سبيل الله.
ونلتزم بكلّ ما أمر به الربّ الجليل ، وبكلّ الواجبات والنوافل التي بلّغها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ووصلتنا عن طريقه.
ونمتنع عن ارتكاب المعاصي ، صغيرة أو كبيرة ، كشرب الخمر ولعب القمار والزنا واللواط والربا وقتل النفس المحرّمة والظلم
__________________
(١) سورة الزلزلة ، الآية ٧ و ٨.
والسرقة ، وغيرها ممّا نهى الله ورسوله عنها.
ونعتقد : أنّ الله عزّ وجلّ هو وحده يبعث الرسل وينزل عليهم الكتاب والشريعة ، ولا يحقّ لقوم أن يتّخذوا لأنفسهم دينا ونبيّا غير مبعوث من عند الله تعالى ، وكذلك هو وحده الذي ينتخب ويختار خلفاء رسوله بالنصّ ، والرسول يعرّفهم للامّة.
وكما أنّ جميع الأنبياء عرّفوا أوصياءهم وخلفاءهم لاممهم ، كذلك خاتم الأنبياء محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يترك الامّة من غير هاد وبلا قائد مرشد من بعده ، بل نصب عليّا وليّا مرشدا ، وعلما هاديا ، وإماما لأمّته ، وخليفة من بعده في نشر دينه وحفظ شريعته.
وقد نصّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ كما في كتبكم أيضا ـ : أنّ خلفاءه من بعده اثنا عشر ، عرّفهم بأسمائهم وألقابهم ، أوّلهم : سيّد الأوصياء عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وبعده ابنه الحسن المجتبى ، ثمّ الحسين سيّد الشهداء ، ثمّ عليّ بن الحسين زين العابدين ، ثمّ ابنه محمّد باقر العلوم ، ثمّ ابنه جعفر الصادق ، ثمّ ابنه موسى الكاظم ، ثم ابنه عليّ الرضا ، ثمّ ابنه محمد التقي ، ثمّ ابنه علي النقي ، ثمّ ابنه الحسن العسكري ، ثمّ ابنه محمد المهديّ ، وهو الحجّة القائم المنتظر ، الذي غاب عن الأنظار ، وسوف يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا ، وقد تواترت الأخبار في كتبكم وعن طرقكم أيضا ، أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أخبر بظهور المهديّ صاحب الزمان ، وهو المصلح العالمي الذي ينتظره جميع أهل العالم ، ليمحو الظلم والجور ويقيم العدل والقسط على وجه البسيطة.
وبكلمة واحدة أقول : نحن نعتقد بجميع الأحكام الخمسة ـ من : الحلال والحرام والمستحبّ والمكروه والمباح ـ التي أشار إليها القرآن
الكريم ، أو جاءت في الروايات والأخبار الصحيحة المعتبرة التي وصلتنا عن النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته الطيبين الطاهرين.
وأنا أشكر الله ربّي إذ وفّقني لاعتقد بكلّ ذلك عن تحقيق ودراسة وعلم واستدلال ، لا عن تقليد الآباء والامّهات ، ولذا فإنّي أفتخر بهذا الدين والمذهب الذي أتمسّك به ، واعلن أنّي مستعد لاناقش على كلّ صغيرة وكبيرة من عقائدي ، وبحول الله وقوّته أثبت حقّانيّتها.
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ ) (١) .
ارتفع صوت المؤذّن لصلاة العشاء ، وبعد الفراغ من الصلاة شربوا الشاي وتناولوا شيئا من الحلوى ، ثمّ افتتح الحافظ كلامه قائلا : نشكركم على هذا التوضيح عن فرق الشيعة ، ولكن نرى في الأخبار والأدعية المرويّة في كتبكم عبارات ظاهرها يدلّ على الكفر!
قلت : أرجو أن تذكروا عبارة واحدة من تلك العبارات حتّى نعرف.
الحافظ : إنّي طالعت أخبارا كثيرة في كتبكم بهذا المعنى ولكن الذي أذكره الآن ويجول في خاطري ، عبارة ، في «تفسير الصافي»(٢) للفيض الكاشاني الذي هو أحد كبار علمائكم فقد روى : أنّ الحسين شهيد الطفّ وقف يوما بين أصحابه فقال : أيّها الناس! إنّ الله تعالى جلّ ذكره ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه ، فإذا عرفوه عبدوه ، وإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه.
قال رجل من أصحابه : بأبي أنت وأمّي يا ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فما
__________________
(١) سورة الأعراف ، الآية ٤٣.
(٢) مصدر الحديث هو كتاب كنز الفوائد لأبي الفتح الكراجكي في رسالة له في وجوب الإمامة : ص ١٥١ ـ من الطبعة الحجرية.
معرفة الله؟
قالعليهالسلام : معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي تجب عليهم طاعته.
قلت :
أولا : يجب أن ننظر إلى سند الرواية ، هل كان صحيحا أو موثّقا ، قويّا أو ضعيفا ، معتبرا أو مردودا.
ثمّ على فرض صحّة السند فهو خبر واحد ، فلا يجوز الاستناد عليه والالتزام به ، فمثل هذا الخبر يلغى عندنا لمناقضته للآيات القرآنية والروايات الصريحة المرويّة عن أهل البيتعليهمالسلام في التوحيد(١) .
ومن أراد أن يعرف نظر الشيعة في التوحيد فليراجع خطب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام في «نهج البلاغة» حول التوحيد ، وليراجع مناظرات أئمّتناعليهمالسلام ومناقشاتهم مع المادّيين والدهريّين المنكرين لوجود الله عزّ وجلّ ، لتعرفوا كيف ردّوا شبهاتهم ، وأثبتوا وجود الخالق وتوحيده على أحسن وجه.
راجعوا كتاب توحيد المفضّل ، وتوحيد الصدوق ، وكتاب التوحيد من موسوعة «بحار الأنوار» للعلامة المجلسي قدّس الله أسرارهم.
__________________
(١) وللشيخ الكراجكي ـقدسسره ـ تعليق دقيق يزيل كل مناقضة عن هذا الحديث الشريف ، قال :
اعلم أنّه لما كانت معرفة الله وطاعته لا ينفعان من لم يعرف الإمام ، ومعرفة الإمام وطاعته لا تقعان إلاّ بعد معرفة الله [لمّا كانت كذلك] صحّ أن يقال : إنّ معرفة الله هي معرفة الإمام وطاعته.
ولمّا كانت أيضا المعارف الدينيّة العقلية والسّمعية تحصل من جهة الإمام ، وكان الإمام آمرا بذلك وداعيا إليه ، صحّ القول بأنّ معرفة الإمام وطاعته هي معرفة الله سبحانه ، كما تقول في المعرفة بالرسول وطاعته : إنّها معرفة بالله سبحانه ، قال الله عز وجل : «من يطع الرسول فقد أطاع الله» ، كنز الفوائد : ص ١٥١ الطبعة الحجرية.
وطالعوا بدقّة كتاب النكت الاعتقادية ، والمقالات في المذاهب والمختارات ، وهما من تصانيف محمد بن محمد بن نعمان ، المعروف بالشيخ المفيد طاب ثراه ، وهو من أكبر علمائنا في القرن الرابع الهجري.
طالعوا بإمعان كتاب «الاحتجاج» للشيخ الجليل أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسيرحمهالله .
راجعوا هذه الكتب القيّمة حتّى تعرفوا كلام أئمّة الشيعة وعلمائهم في التوحيد.
ولكنّكم لا تريدون معرفة الحقيقة والواقع! وإنّما تبحثون في كتبنا لتجدوا أخبارا متشابهة فتتحاملون بها علينا ، وتهرّجون بها ضدّنا.
أتبصر في العين منّي القذى |
وفي عينك الجذع لا تبصر؟ |
فكأنّكم لم تطالعوا كتبكم وصحاحكم فتجدوا فيها الأخبار الخرافية والموهومات ، بل الكفريّات التي تضحك الثكلى ويأباها العقل السليم ، فلو تقرأها بإمعان لما رفعت رأسك خجلا ، ولم تنظر في وجوه الحاضرين حياء!!
الحافظ : إنّ المضحك المخجل هو كلامكم في تخطئة الكتب العظيمة التي لم يصنّف ولم يؤلّف مثلها في الإسلام ، خصوصا صحيح البخاري وصحيح مسلم اللذان أجمع علماء الإسلام على صحّتهما ، وأنّ الأحاديث المرويّة فيهما صادرة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قطعا ، ولو أنّ أحدا أنكر الصحيحين أو خطّأ بعض الأحاديث المرويّة فيهما فإنّه ينكر وينفي مذهب السنّة والجماعة ، لأنّ مدار عقائد أهل السّنّة وفقههم بعد القرآن يكون على هذين الكتابين.
كما كتب ابن حجر المكّي ، وهو من كبار علماء الإسلام وامام الحرمين ، في كتابه «الصواعق المحرقة» : فصلا في بيان كيفيّتها ـ أي :
كيفية خلافة أبي بكر ـ روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما اللذين هما أصحّ الكتب بعد القرآن ، بإجماع يعتدّ به : فلذلك من البديهي أنّ الأخبار المندرجة في الصحيحين كلّها قطعية الصدور عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّ الأمّة أجمعت على قبولهما ، وكلّ ما أجمعت الأمّة على قبوله فهو مقطوع به ، فكلّ ما في الصحيحين مقطوع بصحته!!
على هذا ، كيف يتجرّأ أحد أن يقول : توجد في الصحيحين خرافات وكفريّات وموهومات؟!
ردّ الإجماع المزعوم
قلت : نحن نورد إشكالا علميا على الإجماع الذي تدّعونه على صحّة ما في الصحيحين وإسناد ما فيها الى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم !
فقد ناقش كثير من علمائكم روايات الصحيحين ورفضوا كثيرا منها ، أضف على أولئك جميع الشيعة ، وهم أكثر من مائة مليون مسلم في العالم.
فإنّ إجماعكم هذا مثل الإجماع الذي زعمتم في الخلافة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم !!
فإنّ كثيرا من علمائكم الكبار ، مثل : الدارقطني وابن حزم وشهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني في «إرشاد الساري» والعلاّمة أبي الفضل جعفر بن ثعلب الشافعي في كتاب «الإمتاع في أحكام السماع» والشيخ عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي في «الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية» وشيخ الإسلام أبو زكريّا النووي في شرح صحيح مسلم ، وشمس الدين العلقمي في «الكوكب المنير في شرح الجامع الصغير» وابن القيّم في كتاب «زاد المعاد في هدي خير
العباد» وأكثر علماء الحنفية انتقدوا كثيرا من الأحاديث المدرجة في الصحيحين وقالوا : إنّها من الروايات الضعاف وهي غير صحيحة.
وبعض المحقّقين من علمائكم مثل كمال الدين جعفر بن ثعلب بالغ في بيان فضائح بعض الروايات من الصحيحين ، وأقام الأدلّة العقلية والنقلية على خلافها.
فلسنا وحدنا المنتقدين لصحيحي مسلم والبخاري والقائلين بوجود الخرافات فيهما حتّى تهرّج ضدّنا!
الحافظ : بيّنوا لنا من خرافات الصحيحين كما تزعمون حتّى نترك التحكيم في ذلك للحاضرين.
قلت : أنا لا أحبّ أن أخوض في هذا البحث ، ولكن تلبية لطلبكم ، ولكي تعرفوا أنّي لا أتكلّم إلاّ عن علم وإنصاف ، وعن وجدان وبرهان ، أذكر بعض تلك الروايات باختصار :
رؤية الله سبحانه عند أهل السنّة
إذا أردتم الاطّلاع على الأخبار التي تتضمّن الكفر في الحلول والاتّحاد وتجسّم الله سبحانه ورؤيته في الدنيا أو في الآخرة على اختلاف عقائدكم ، فراجعوا : صحيح البخاري ج ١ ، باب فضل السجود من كتاب الصلاة ، وج ٤ باب الصراط من كتاب الرقاق ، وصحيح مسلم ج ١ ، باب اثبات رؤية المؤمنين ربّهم في الآخرة ، ومسند أحمد ج ٢ ص ٢٧٥ ، وأنقل لكم نموذجين من تلك الأخبار الكفرية :
١ ـ عن أبي هريرة : إنّ النار تزفر وتتقيّظ شديدا ، فلا تسكن حتّى يضع الربّ قدمه فيها ، فتقول : قطّ قطّ ، حسبي حسبي.
وعنه : إنّ جماعة سألوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : هل نرى ربّنا يوم القيامة؟
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : نعم ، هل تضارّون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب الى آخرها.
بالله عليكم أنصفوا! إمّا تكون هذه الكلمات كفرا بالله سبحانه وتعالى.؟
وقد فتح مسلم بابا في صحيحه كما مرّ ونقل أخبارا عن أبي هريرة وزيد بن أسلم وسويد بن سعيد وغيرهم في رؤية الله تبارك وتعالى.
وقد ردّ هذه الأخبار كثير من كبار علمائكم وعدوّها من الموضوعات والأكاذيب على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، منهم الذهبي في «ميزان الاعتدال» والسيوطي في «اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» وسبط ابن الجوزي في «الموضوعات» فهؤلاء كلّهم أثبتوا ـ بأدلّة ذكروها ـ كذب تلك الأخبار وعدم صحّتها.
وإذا لم تكن هناك أدلّة على بطلانها سوى الآيات القرآنية الصريحة في دلالتها على عدم جواز رؤية الباري عزّ وجلّ لكفى ، مثل :( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (١) .
وفي قصّة موسى بن عمرانعليهالسلام وقومه إذ طلبوا منه رؤية الله تعالى وهو يقول لهم : لا يجوز لكم هذا الطلب ، ولكنّهم أصرّوا فقال :( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ) (٢) و( لَنْ ) تأتي في النفي الأبدي.
__________________
(١) سورة الأنعام ، الآية ١٠٣.
(٢) سورة الأعراف ، الآية ١٤٣.
قال السيّد عبد الحيّ ـ وهو إمام جماعة المسجد ـ : ألم ترووا عن عليّ كرّم الله وجهه أنّه قال : لم أكن أعبد ربّا لم أره؟!
قلت : حفظت شيئا وغابت عنك أشياء ، إنّك ذكرت شطرا من الخبر ، ولكنّي أذكر لك الخبر كلّه حتّى تأخذ الجواب من نصّ الخبر :
روى ثقة الإسلام الشيخ محمد بن يعقوب الكلينيقدسسره (١) في كتاب الكافي كتاب التوحيد باب ابطال الرؤية وروى أيضا الشيخ الكبير حجّة الاسلام أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القميّ المعروف بالشيخ الصدوق طاب ثراه في كتاب التوحيد(٢) باب ابطال عقيدة رؤية الله تعالى ، رويا عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام أنّه قال : جاء حبر إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فقال : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك حين عبدته؟
فقالعليهالسلام : ويلك! ما كنت أعبد ربّا لم أره.
قال : وكيف رأيته؟!
قالعليهالسلام : ويلك! لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان.
فكلام أمير المؤمنينعليهالسلام صريح في نفي رؤيته سبحانه بالبصر ، بل يدرك بالبصيرة وبنور الإيمان.
وعندنا دلائل عقلية ونقلية أقامها علماؤنا في الموضوع ، وتبعهم بعض علمائكم ، مثل : القاضي البيضاوي ، وجار الله الزمخشري في
__________________
(١) الكافي : ١ / ٩٨ ، كتاب التوحيد ، الحديث ٦.
(٢) التوحيد : ١٠٩ ، الحديث ٦ ، الباب ٨.
تفسيريهما ، أثبتا أنّ رؤية الله سبحانه لا تمكن عقلا.
فمن يعتقد برؤية الله تعالى سواء في الدنيا أو في الآخرة ، يلزم أن يعتقد بجسميّته عزّ وجلّ ، وبأنّه محاط ومظروف ، ويلزم أن يكون مادّة حتّى يرى بالعين المادّية ، وهذا كفر كما صرّح العلماء الكرام من الفريقين!!
الأخبار الخرافية في الصحيحين
ثمّ إنّي أعجب كثيرا من اعتقادكم بالصحاح الستّة ، وبالأخصّ صحيحي البخاري ومسلم على أنّهما كالوحي المنزل ، فلو نظرتم فيهما بعين التحقيق والنقد ، لا بعين القبول والتسليم ، لاعتقدتم بكلامي ، ولقبلتم أنّ صحاحكم ، وحتّى صحيحي مسلم والبخاري لا تخلو من الخرافات والموهومات ، وإليكم بعضها :
١ ـ أخرج البخاري في كتاب الغسل ، باب : من اغتسل عريانا ، وأخرج مسلم في ج ٢ باب فضائل موسى. وأخرج أحمد في مسنده ج ٢ ص ٣١٥ عن أبي هريرة قال : كانوا بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض ، وكان موسى يغتسل وحده ، فقالوا : والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاّ أنّه آدر ـ أي : ذو أدرة ، وهي : الفتق ـ.
قال : فذهب مرّة ليغتسل فوضع ثوبه على حجر ، ففرّ الحجر بثوبه ، فجعل موسى يجري بأثره ويقول : ثوبي حجر! ثوبي حجر!! حتى نظر بنو إسرائيل إلى سوأة موسى!!! فقالوا : والله ما بموسى من بأس ، فقام الحجر بعد حتّى نظر إليه ، فأخذ موسى ثوبه فطفق بالحجر
ضربا!! فو الله إنّ بالحجر ندبا ستّة أو سبعة!!
بالله عليكم أنصفوا هل يرضى أحدكم أن تنسب إليه هذه النسبة الموهنة الشنيعة؟! التي لو نسبت إلى سوقيّ عاميّ لغضب واستشاط! فكيف بنبيّ صاحب كتاب وشريعة ، وصاحب حكم ونظام ، يخرج في أمّته وشعبه عريانا وهم يمعنون النظر إلى سوأته ، هل العقل يقبل هذا؟!
وهل من المعقول أنّ الحجر يسرق ملابس موسى ويفرّ بها وموسى يركض خلفه ، والحجر يفرّ من بين يديه وموسى ينادي الحجر ، والحجر أصمّ لا يسمع ولا يبصر؟!!
وهل من المعقول أنّ موسى بن عمران يقوم بعمل جنوني فيضرب الحجر ضربا مبرّحا حتّى يئنّ الحجر؟!!
ليت شعري أبيده كان يضرب الحجر؟! فهو المتألّم لا الحجر!!
أم كان يضربه بالسيف ، والسيف ينبو وينكسر!
أم كان الضرب بالسوط ، والسوط يتقطّع!
فما تأثير الضرب بأيّ شكل كان ، على الحجر؟!
فكلّ ما في الحديث من المحال الممتنع عقلا ، وهو من الأحاديث المضحكة التي من التزم بها فقد استهزأ بالله ورسله!!
قال السيّد عبد الحيّ : هل حركة الحجر أهمّ أم انقلاب عصا موسى إلى ثعبان وحيّة تسعى؟!! أتنكرون معاجز موسى بن عمران ، فقد نطق بها القرآن؟!
قلت : نحن لا ننكر معاجز موسى ومعاجز سائر الأنبياءعليهمالسلام ، بل نؤمن بصدور المعاجز من الأنبياء ولكن في محلّيها ، وهو مقام تحدّيهم
الخصوم في إحقاق الحقّ ودحض الباطل. وموضوع الحجر في غير محلّ الاعجاز ، فأيّ إحقاق حقّ ودحض باطل في التشهير بكليم ، وإبداء سوأته على رءوس الأشهاد من قومه؟! بل هو تنقيص من مقامه! ولا سيّما وهم يشاهدونه يركض وراء حجر لا يسمع فيناديه : ثوبي حجر!! ، أو يشتدّ ويغضب على حجر لا يشعر ولا يدرك فينهال عليه ضربا!!
السيّد عبد الحيّ : أيّ حقّ أعلى من إبراء نبيّ الله؟! فالناس عرفوا بذلك أن ليس به فتق!
قلت : على فرض أنّ موسى كان ذا أدرة ، فما تأثير هذا المرض على مقامه ونبوّته؟!
صحيح أنّ الأنبياء يجب أن يكونوا براء من النواقص مثل : العمى والصمم والحول ، وأنّ النبيّ لا يولد فلجا أو مشلولا أو به زيادة أو نقيصة في أحد أعضائه ، أمّا الأمراض العارضة على البشر فلا تعدّ نواقص ، فإنّ يعقوب بكى حزنا لفراق يوسف حتّى ابيضّت عيناه ، وإنّ أيّوب أصيب بقروح في بدنه ، والنبيّ الأكرم وهو سيّد الأوّلين والآخرين ، كسرت ثناياه في جهاده مع الأعداء في أحد ، فهذه الأشياء لا تنقص شيئا من شأن الأنبياء ولا تنزل من مقامهم وقدرهم.
والفتق مرض عارض على جسم الإنسان ، فما هي أهمّيّته حتّى يبرئ الله عزّ وجلّ كليمه بهذا الشكل الفظيع المهين ، عن طريق خرق العادة والمعجزة ، ثمّ تنتهي بهتك حرمة النبيّ وكشف سوأته أمام بني اسرائيل؟! وهل بعده يبقى شأن وقدر لموسى عند قومه؟! وهل بعد ذلك سيطيعونه ويحترونه؟!!
ولكي يقتنع السيّد عبد الحيّ ويقرّ بوجود أخبار خرافية في الصحيحين ، أنقل رواية اخرى عن أبي هريرة مضحكة أيضا ، ولا أظنّ أحدا من الحاضرين ـ بعد استماع هذه الرواية ـ سيدافع عن أبي هريرة ، أو يعتقد بصحّة روايات البخاري ومسلم!
نقل البخاري في ج ١ ، باب من أحبّ الدفن في الأرض المقدّسة ، وج ٢ ، باب وفاة موسى ، ونقل مسلم في ج ٢ باب فضائل موسى عن أبي هريرة ، قال : جاء ملك الموت إلى موسى عليهما السّلام ، فقال له : أجب ربّك.
قال أبو هريرة : فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها!!
فرجع الملك إلى الله تعالى ، فقال : إنّك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ، ففقأ عيني!
قال : فردّ الله إليه عينه وقال : ارجع إلى عبدي فقل : الحياة تريد؟! فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما توارت بيدك من شعرة فإنّك تعيش بها سنة.
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ج ٢ ص ٣١٥ ، عن أبي هريرة ، ولفظه : إنّ ملك الموت كان يأتي الناس عيانا ، فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه.
وأخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه ج ١ ، في ذكر وفاة موسى ولفظه : إنّ ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتّى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه ـ إلى أن قال : ـ إنّ ملك الموت إنّما جاء إلى الناس خفيّا بعد موت موسى!
وقد علّقت فقلت : لأنّه يخاف من الجهّال أن يفقئوا عينه الأخرى.
فضحك جمع من الحاضرين بصوت عال.
ثمّ قلت : بالله عليكم أنصفوا ألم يكن هذا الخبر الذي أضحككم من الخرافات والخزعبلات؟! وإنّي لأتعجّب من رواة هذا الخبر وناقليه!!
وأستغرب منكم ، إذ تصدّقون هذا الخبر وأشباهه ، ولا تسمحون لأحد أن يناقشها وينتقدها ، حتّى لعلمائكم!!
فإن في هذه الرواية ما لا يجوز على الله تعالى ولا على أنبيائه ولا على ملائكته!!
أيليق بالله العظيم أن يصطفي من عباده ، جاهلا خشنا يبطش بملك من الملائكة المقرّبين وهو مبعوث من عند الله تعالى ، فيلطمه لطمة يفقأ بها عينه؟!
أليس هذا العمل عمل المتمرّدين والطاغين الّذين يذمّهم الله العزيز إذ يقول :( وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) (١) ؟!
فكيف يجوز هذا على من اختاره الله الحكيم لرسالته ، واصطفاه لوحيه ، وآثره بمناجاته ، وكلّمه تكليما(٢) وجعله من اولي العزم؟!
وكيف يكره الموت هذه الكراهة الحمقاء فيلطم ملك الموت وهو مأمور من قبل الله تعالى ، تلك اللطمة النكراء فيفقأ بها عينه مع شرف مقامه ورغبته في القرب من الله تعالى والفوز بلقائه عزّ وجلّ؟!
__________________
(١) سورة الشعراء ، الآية ١٣٠.
(٢) إشارة إلى سورة النساء ، الآية ١٦٤ ، والآية هكذا :( وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً ) .
وما ذنب ملك الموت؟! هل هو إلاّ رسول الله إلى موسى؟! فبم استحقّ الضرب بحيث تفقأ عينه؟! وهل جاء إلاّ عن الله؟! وهل قال لموسى سوى : أجب ربّك؟!
أيجوز على أولي العزم من الرسل إيذاء الكرّوبيّين من الملائكة وضربهم حينما يبلّغونهم رسالة ربّهم وأوامره عزّ وجلّ؟!
تعالى الله ، وجلّت أنبياؤه وملائكته عن كلّ ذلك وعمّا يقول المخرفون.
إنّ هكذا ظلم فاحش لا يصدر من آدميّ جاهل فكيف بكليم الله! ثمّ إنّ الهدف والغرض من بعثة الأنبياء وإرسال الرسل : هداية البشر وإصلاحهم ، ومنعهم من الفساد والتعدّي والوحشية ، فلذلك فإنّ الله سبحانه وكلّ أنبيائه ورسله منعوا الإنسان من الظلم حتّى بالنسبة للحيوان ، فكيف بالنسبة لملك مقرّب؟!
فلذا نحن نعتقد ونجزم بأنّ هذا الخبر افتراء على الله وكليمه ، وجاعل هذا الخبر كذّاب مفتر يريد الحطّ من شأن النبيّ موسى ويريد هتك حرمة الأنبياء وتحقيرهم عند الناس.
أنا لا أتعجّب من أبي هريرة وأمثاله ، لأنّه كما كتب بعض علمائكم أنّه كان يجلس على مائدة معاوية ويتناول الأطعمة الدسمة اللذيذة ، ويجعل الروايات ويضعها على ما يشاء معاوية وأشباهه.
وقد جلده عمر بن الخطّاب لكذبه على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وجعل الأحاديث عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فضربه بالسوط حتّى أدمى ظهره!!!
ولكن أستغرب وأتعجّب من الّذين لهم مرتبة علمية بحيث لو أمعنوا ودقّقوا النظر لميّزوا بين الصحيح والسقيم ، ولكنّهم أغمضوا
أعينهم ونقلوا هذه الأخبار الخرافية في كتبهم ، وأخذ الآخرون عنهم ونشروها فيكم ، حتّى أنّ جناب الحافظ رشيد يعتقد كما يزعم : أنّ هذه الكتب أصحّ الكتب بعد كلام الله المجيد ، وهو لم يطالعها بدقّة علمية ، وإلاّ لما كان يبقى على الاعتقاد الذي ورثه من أسلافه عن تقليد أعمى.
وما دامت هذه الأخبار الخرافية توجد في صحاحكم وكتبكم ، فلا يحقّ لكم أن تثيروا أيّ إشكال على كتب الشيعة لوجود بعض الأخبار الغريبة فيها ، وهي غالبا قابلة للتأويل والتوجيه!
نرجع إلى الخبر المرويّ عن إمامنا الحسينعليهالسلام (١)
كلّ عالم منصف إذا كان يسلك طريق الاصلاح ، إذا وجد هكذا خبر مبهم ـ وما أكثرها في كتبكم وكتبنا ـ إن كان يمكنه أن يؤوّله بالأخبار الصريحة الاخرى فليفعل ، وإن لم يمكن ذلك فليطرحه ويسكت عنه ، لا أنّه يتّخذه وسيلة لتكفير طائفة كبيرة من المسلمين.
والآن لمّا لم يوجد تفسير الصافي عندنا في المجلس حتّى نراجع سند الخبر وندقّق فيه النظر ، ولربّما شرحه المؤلّف بشكل مقبول.
إذ لو عرف المسلم إمام زمانه فقد توصّل عن طريقه إلى معرفة ربّه كالخبر المشهور : من عرف نفسه فقد عرف ربّه عزّ وجلّ.
أو نقول في تقريب الخبر إلى أذهان الحاضرين : إنّنا لو تصوّرنا
__________________
(١) هذا العنوان انتخبه المترجم.
استاذا تخرج على يده جمع من العلماء ، في مراتب مختلفة من العلم ، فإذا أراد أحد أن يعرف مدى عظمة ذلك الاستاذ ، يجب عليه أن ينظر إلى أعظم تلامذته وأعلاهم مرتبة حتّى يصل من خلاله إلى حقيقة الاستاذ وعظمته العلمية.
كذلك في ما نحن فيه : فإنّ آيات الله كثيرة ، بل كلّ شيء هو آية الله تعالى ، إلاّ أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم هو الآية العظمى والحجّة الكبرى ، ومن بعده عترته الأبرار الأئمّة الأطهارعليهمالسلام ، فإنّهم محالّ معرفة الله.
وقد ورد عنهم : بنا عرف الله ، وبنا عبد الله ، أي : بسببنا وبواسطتنا عرف الله ، وبعد ما عرفوه عبدوه.
فهم الطريق إلى الله ، والأدلاّء على الله ، ومن تمسّك بغيرهم فقد ضلّ ولم يهتد ، ولذا جاء في الحديث المتّفق عليه بين الفريقين ، والخبر المقبول الصحيح عند الجميع ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : أيّها الناس! إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، وهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض(١) .
__________________
(حديث الثقلين في كتب العامة)
(١) أجمع المسلمون على صدور حديث الثقلين عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإليكم بعض مصادر هذا الحديث الشريف من كتب العامة :
١ ـ مسند أحمد : ٥ / ١٨١ و ١٨٢ ، عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري ، وفي ٣ / ٢٦ عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي ، وج ٥ / ١٨٩ عن أبي أحمد الزبيري الحبّال.
__________________
٢ ـ صحيح مسلم : ٢ / ٢٣٧ عن طريق أبي خيثمة النسائي وص ٢٣٨ عن طريق سعيد ابن مسروق الثوري.
٣ ـ صحيح الترمذي ٢ / ٢٢٠ ، عن سليمان الأعمش.
٤ ـ المنمّق : ٩ ، عن محمد بن حبيب البغدادي.
٥ ـ الطبقات الكبرى : ١ / ١٩٤ ، عن محمد بن سعد الزهري.
٦ ـ المطالب العالية : حديث رقم ١٨٧٣ عن اسحاق بن مخلّد.
٧ ـ إحياء الميت بفضائل أهل البيت : ١١ و ١٢ ، الحديث السادس ، عن زيد بن أرقم ، والحديث السابع عن زيد بن ثابت ، والحديث الثامن ، عن أبي سعيد الخدري ، وفي ص ١٩ الحديث الثاني والعشرون عن أبي هريرة ، والحديث الثالث والعشرون عن علي عليهالسلام ، وفي ص ٢٦ الحديث الأربعون عن جابر ، وفي ص ٢٧ عن عبد الله بن حنطب وهو الحديث الثالث والأربعون ، وفي ص ٣٠ الحديث الخامس والخمسون عن الباوردي عن أبي سعيد ، والحديث السادس والخمسون عن زيد بن ثابت.
٨ ـ كتاب الإنافة في رتبة الخلافة : ١٠ عن عبد الله بن حنطب.
٩ ـ البدور السافرة عن امور الآخرة : ١٦ عن زيد بن ثابت.
١٠ ـ تفسير الدرّ المنثور : ٢ / ٦٠ عند تفسير : واعتصموا بحبل الله جميعا وفي ج ٦ / ٧ عند تفسير : قل لا أسألكم عليه أجرا إلاّ المودّة في القربى.
١١ ـ الخصائص الكبرى : ٢ / ٢٦٦ عن زيد بن أرقم.
١٢ ـ الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير ـ بشرح المناوي ـ : ٢ / ١٧٤ عن زيد ابن ثابت.
١٣ ـ النثير في مختصر نهاية ابن الأثير في مادّة : ثقل.
١٤ ـ نوادر الأصول : ٦٨ ، عن طريق نصر بن علي الجهضمي ، وص ٦٩ عن جابر ابن عبد الله وعن حذيفة بن أسيد الغفاري.
١٥ ـ المعجم الصغير : ١ / ١٣١ عن طريق عبّاد بن يعقوب الرواجني الأسدي ، وص ١٣٥ عن أبي سعيد الخدري بطرق عديدة.
__________________
١٦ ـ المعجم الكبير : ٥ / ١٧٠ و ١٧١ عن زيد بن ثابت بطرق عديدة ، وج ٥ / ١٨٥ و ١٨٦ و ١٨٧ و ١٩٠ و ١٩٢ عن زيد بن أرقم بطرق عديدة.
١٧ ـ سنن الدارمي : ٢ / ٤٣١ بسنده عن زيد بن أرقم.
١٨ ـ تذكرة خواصّ الأمّة : ٣٢٢ عن طريق أبي داود.
١٩ ـ صحيح الترمذي : ٢ / ٢١٩ بسنده عن جابر بن عبد الله ، وعن أبي ذرّ الغفاري ، وعن أبي سعيد الخدري ، وعن زيد بن أرقم ، وعن حذيفة بن أسيد.
٢٠ ـ المستدرك على الصحيحين : ٣ / ١٠٩ عن طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل ، وص ١١٠ عن طريق أبي بكر بن إسحاق ودعلج بن أحمد السجزي.
٢١ ـ الخصائص ـ للنسائي ـ : ٩٣ بسنده عن زيد بن أرقم.
٢٢ ـ مسند ابن الجعد : ٢ / ٩٧٢ عن أبي سعيد الخدري.
٢٣ ـ كنز العمال : ١٥ / ٩١ عن زيد بن أرقم ، وعن أبي سعيد.
٢٤ ـ فرائد السمطين : ٢ / ٢٦٨ عن زيد بن أرقم ، وص ٢٧٢ عن أبي سعيد ، وص ٢٧٤ عن حذيفة بن اسيد الغفاري.
٢٥ ـ لسان العرب : ٤ / ٥٣٨ مادّة (عترة) ، وج ١١ / ٨٨ مادّة (ثقل) ، وج ٤ / ١٣٧ مادّة : (حبل).
٢٦ ـ تاج العروس من جواهر القاموس : ٧ / ٣٤٥ مادّة (ثقل).
٢٧ ـ مجمع البحار ـ لمحمد طاهر الفتني ـ مادّة (ثقل).
٢٨ ـ منتهى الأرب : ج ١ / ١٤٣ مادّة (ثقل).
٢٩ ـ المؤتلف والمختلف : ٢ / ١٠٤٥ عن أبي ذرّ الغفاري ، وفي ج ٤ / ٢٠٦٠ عن أبي سعيد الخدري.
٣٠ ـ أخرجه أبو اسحاق الثعلبي في تفسيره عند : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً ) سورة آل عمران ، الآية ١٠٣.
٣١ ـ حلية الأولياء ـ لأبي نعيم ـ : ١ / ٣٥٥ ، وأخرجه أيضا في كتابه «منقبة المطهّرين» بطرق عديدة وأسانيد سديدة ، عن أبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم
__________________
وأنس بن مالك والبراء بن عازب وجبير بن مطعم.
٣٢ ـ المناقب ـ للخوارزمي ـ : ٩٣ ، عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم.
٣٣ ـ مصابيح السنّة بشرح القاري : ٥ / ٥٩٣ ، عن زيد بن أرقم ، وفي ج ٥ / ٦٠٠ عن جابر.
٣٤ ـ الشفا بتعريف حقوق المصطفى ـ بشرح القاري ـ : ٤٨٥.
٣٥ ـ تاريخ ابن عساكر ، ج ٢ من ترجمة عليّ عليهالسلام .
٣٦ ـ تاريخ ابن كثير : ٥ / ٢٠٨.
٣٧ ـ تفسير ابن كثير : ٥ / ٤٥٧ عند تفسير آية التطهير ، وفي ج ٦ / ١٩٩ و ٢٠٠ عند تفسير آية المودّة.
٣٨ ـ لباب التأويل : ١ / ٣٢٨ عند تفسير : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ ) .
٣٩ ـ معالم التنزيل : ٦ / ١٠١ عند تفسير آية المودّة ، وفي ج ٧ عند تفسير آية ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ) الآية ٣١ من سورة الرحمن.
٤٠ ـ الفخر الرازي في تفسيره عند آية : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ ) .
٤١ ـ غرائب القرآن : ١ / ٣٤٩ عند تفسير : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ ) .
٤٢ ـ جامع الأصول ـ لابن الأثير ـ : ١ / ١٨٧ عن جابر الأنصاري.
٤٣ ـ النهاية ـ لابن الأثير ـ في مادّة (ثقل) رواه عن زيد بن أرقم.
٤٤ ـ أسد الغابة : ٣ / ١٤٧ بترجمة عبد الله بن حنطب. وفي ج ٢ / ١٢ بترجمة سيّدنا الإمام المجتبى عليهالسلام عن زيد بن أرقم.
٤٥ ـ مشارق الأنوار ـ بشرح ابن الملك ـ : ٣ / ١٥٧.
٤٦ ـ مطالب السئول : ٨.
٤٧ ـ كفاية الطالب ـ للعلامة الكنجي الشافعي ـ في الباب الأول.
٤٨ ـ تهذيب الأسماء واللغات : ١ / ٣٤٧.
٤٩ ـ ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى : ١٦.
٥٠ ـ مشكاة المصابيح : ٣ / ٢٥٥ و ٢٥٨ عن زيد بن أرقم.
الحافظ : لا ينحصر الدليل على كفركم وشرككم في هذه الرواية حتّى تؤوّلها وتخلص منها ، بل في كلّ الأدعية الواردة في كتبكم نجد أثر الكفر والشرك ، من قبيل : طلب حاجاتكم من أئمّتكم من غير أن تتوجّهوا إلى الله ربّ العالمين ، وهذا أكبر دليل على الكفر والشرك!!
قلت : ما كنت أظنّك أن تتبّع أسلافك إلى هذا الحدّ ، فتغمض
__________________
٥١ ـ نظم درر السمطين : ٢٣١ عن زيد بن أرقم.
٥٢ ـ المنتقى في سيرة المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بطرق عديدة وشرح واف.
٥٣ ـ فيض القدير في شرح الجامع الصغير : ٣ / ١٥.
٥٤ ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : ٩ / ١٦٣.
٥٥ ـ الفصول المهمّة في معرفة الائمة ـ لابن الصباغ المالكي ـ : ٢٣.
٥٦ ـ الرسالة العلية في الأحاديث النبوية : ٢٩ و ٣٠.
٥٧ ـ المواهب اللدنّيّة ـ بشرح الزرقاني ـ : ٧ / ٤ ـ ٨.
٥٨ ـ الصواعق المحرقة : ٢٥ و ٨٦ و ٨٧ و ٨٩ و ٩٠ و ١٣٦ ، أخرجه بطرق عديدة وألفاظ كثيرة ، وقال : رواه عشرون صحابيا.
٥٩ ـ إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون : ٣ / ٣٣٦.
٦٠ ـ نزل الأبرار بما صح من مناقب أهل البيت الأطهار : ١٢.
٦١ ـ إزالة الخفاء عن سيرة المصطفى : ٢ / ٥٤.
٦٢ ـ إسعاف الراغبين : ١١٠.
٦٣ ـ ينابيع المودّة ، ج ١ عقد فصلا خاصّا بحديث الغدير والثقلين.
٦٤ ـ تتمّة الروض النضير : ٥ / ٣٤٤.
٦٥ ـ مشكل الآثار : ٢ / ٣٠٧.
٦٦ ـ الذرّيّة الطاهرة : ١٦٨.
هذا قليل من كثير ، وكلّه من كتب العامة ليكون أوقع في نفوسهم ، ونرى فيه الكفاية لمن أراد الهداية. «المترجم».
عينيك ، وتتكلّم من غير تحقيق بكلّ ما تكلّموا ، فإنّ هذا الكلام في غاية السخافة ، وبعيد عن الإنصاف والحقيقة ، فاما انك لا تدري ما تقول أو انك لا تعرف معنى الكفر والشرك!!
الحافظ : إنّ كلامي في غاية الوضوح ، ولا أظنّه يحتاج إلى توضيح ، فإنّه من البديهة أنّ من أقرّ بوجود الله عزّ وجلّ واعتقد أنّه هو الخالق والرازق ، وأن لا مؤثّر في الوجود إلاّ هو ، لا يتوجّه إلى غيره في طلب حاجة ، وإذا توجّه فقد أشرك بالله العظيم.
والشيعة كما نشاهدهم ونقرأ كتبهم لا يتوجّهون إلى الله أبدا ، بل دائما يطلبون حوائجهم من أئمّتهم بغير أن يذكروا الله سبحانه ، حتّى نشاهد فقراءهم والسائلين من الناس في الأسواق ذكرهم : يا علي ويا حسين ، ولم أسمع من أحدهم حتّى مرّة يقول : يا الله!! وهذا كلّه دليل على أنّ الشيعة مشركون ، فإنّهم لا يذكرون الله تعالى عند حوائجهم ولا يطلبون منه قضاءها ، وإنّما يذكرون غير الله ويطلبون حوائجهم من غيره سبحانه!!
قلت : لا أدري هل أنت جاهل بالحقيقة ولا تعرف مذهب الشيعة؟!
أم إنّك تعرف وتحرف ، وتسلك طريق اللجاج والعناد؟!
لكن أرجو أن لا تكون كذلك ، فإنّ من شرائط العالم العامل : الإنصاف.
وفي الحديث الشريف : إنّ العالم بلا عمل كشجرة بلا ثمر.
ولمّا نسبت إلينا الشرك في حديثك مرارا والعياذ بالله! وأردت بهذه الدلائل العاميّة التافهة أن تثبت كلامك السخيف الواهي ، وتكفّر
الشيعة الموحّدين المخلصين في توحيد الله عزّ وجلّ غاية الإخلاص ، والمؤمنين بما جاء به خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإذا كان هذا التكرار والإصرار في تكفيرنا بحضورنا فكيف هو في غيابنا؟!
واعلم أنّ أعداء الإسلام الّذين يريدون تضعيف المسلمين وتفريقهم حتّى يستولوا على ثرواتهم الطبيعية ويغتصبوا أراضيهم ، فهم فرحون بكلامهم هذا ، ويتّخذونه وسيلة لضرب المسلمين بعضهم ببعض ، كما أنّني أجد الآن في هذا المجلس بعض العوام الحاضرين من أتباعكم قد تأثّروا بكلامكم ، فبدءوا ينظرون إلينا نظرا شزرا ، حاقدين علينا باعتقادهم أنّنا كفّار فيجب قتلنا ونهب أموالنا!!!
وفي الجانب الآخر ، أنظر إلى الشيعة الجالسين ، وقد ظهرت على وجوههم علائم الغضب ، وهم غير راضين من كلامك هذا ، ونسبة الشرك والكفر إليهم ، فيعتقدون أنّك مفتر كذّاب ، وأنّك رجل مغرض ، وعن الحقّ معرض ، لأنّهم متيقّنون ببراءة أنفسهم ممّا قلت فيهم ونسبت إليهم.
والآن لكي تتنوّر أفكار الحاضرين بنور الحقيقة واليقين ، ولكي تتبدّد عن أذهانهم ظلمات الجهل وشبهات المغرضين ، أتكلّم للحاضرين باختصار ، موجزا عن الشرك ومعناه ، وأقدّم لكم حصيلة تحقيق علمائنا الأعلام ، أمثال : العلاّمة الحلّي ، والمحقّق الطوسي ، والعلاّمة المجلسي (رضوان الله عليهم) ، وهم استخرجوها واستنبطوها من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث المرويّة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وعترته الهادية (سلام الله عليهم).
نوّاب : إنّ انعقاد هذا المجلس كان لتفهيم العوام وإثبات الحقّ
أمامهم ، كما قلت سالفا ، فأرجوكم أن تراعوا جانبهم في حديثكم ، وأن تتكلّموا بشكل نفهمه نحن العوام.
قلت : حضرة النوّاب! إنّني دائما اراعي هذا الموضوع ، لا في هذا المجلس فحسب ، بل في جميع مجالسي ومحاضراتي ومحاوراتي العلمية والكلامية ، فإنّي دائما أتحدّث بشكل يفهمه الخاصّ والعامّ ، لأنّ الغرض من إقامة هذه المجالس وانعقادها ـ كما قلتم ـ هو تعليم الجهلاء وتفهيم الغافلين ، وهذا لا يتحقّق إلاّ بالبيان الواضح والحديث السهل البسيط الذي يفهمه عامّة الناس ، والأنبياء كلّهم كانوا كذلك.
فقد روي عن خاتم الأنبياء وسيّدهمصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : إنّا معاشر الأنبياء امرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم(١) .
أقسام الشرك
إنّ الحاصل من الآيات القرآنية ، والأحاديث المرويّة ، والتحقيقات العلمية ، أنّ الشرك على قسمين ، وغيرهما فروع لهذين ، وهما :
الشرك الجلي ، أي : الظاهر ، والآخر : الشرك الخفي ، أي : المستتر.
«الشرك الجليّ»
أمّا الشرك الظاهري ، فهو عبارة عن : اتّخاذ الإنسان شريكا لله عزّ وجلّ ، في الذات أو الصفات أو الأفعال أو العبادات.
أـ الشرك في الذات وهو : أن يشرك مع الله سبحانه وتعالى في ذاته أو توحيده ، كالثنويّة وهم المجوس ، اعتقدوا بمبدأين : النور والظلمة.
وكذلك النصارى فقد اعتقدوا بالأقانيم الثلاثة : الأب
__________________
(١) البحار : ٧٧ / ١٤٠ ، الحديث ١٩ ، الباب ٧.
والابن وروح القدس ، وقالوا : إنّ لكلّ واحد منهم قدرة وتأثيرا مستقلا عن القسمين الآخرين ، ومع هذا فهم جميعا يشكّلون المبدأ الأوّل والوجود الواجب ، أي : الله ، فتعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا.
والله عزّ وجلّ ردّ هذه العقيدة الباطلة في سورة المائدة ، الآية ٧٣ ، بقوله :( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ ) وبعبارة اخرى : فالنصارى يعتقدون : أنّ الالوهية مشتركة بين الأقانيم الثلاثة ، وهي : جمع اقنيم ـ بالسريانية ـ ومعناها بالعربية : الوجود.
وقد أثبت فلاسفة الاسلام بطلان هذه النظرية عقلا ، وأنّ الاتّحاد لا يمكن سواء في ذات الله تبارك وتعالى أو في غير ذاته عزّ وجلّ.
ب ـ الشرك في الصفات وهو : أن يعتقد بأنّ صفات الباري عزّ وجلّ ، كعلمه وحكمته وقدرته وحياته هي أشياء زائدة على ذاته سبحانه ، وهي أيضا قديمة كذاته جلّ وعلا ، فحينئذ يلزم تعدد القديم وهو شرك ، والقائلون بهذا هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن علي بن اسماعيل الأشعري البصري ، وكثير من علمائكم التزموا بل اعتقدوا به وكتبوه في كتبهم ، مثل : ابن حزم وابن رشد وغيرهما ، وهذا هو شرك الصفات لأنهم جعلوا لذات الباري جلّ وعلا قرناء في القدم والأزلية وجعلوا الذات مركّبا. والحال أنّ ذات الباري سبحانه بسيط لا ذات أجزاء ، وصفاته عين ذاته.
ومثاله تقريبا للأذهان ـ ولا مناقشة في الأمثال ـ :
هل حلاوة السكّر شيء غير السكّر؟
وهل دهنية السمن شيء غير السمن؟
فالسكّر ذاته حلو ، أي : كلّه.
والسمن ذاته دهن ، أي : كلّه.
وحيث لا يمكن التفريق بين السكّر وحلاوته ، وبين السمن ودهنه ، كذلك صفات الله سبحانه ، فإنّها عين ذاته ، بحيث لا يمكن التفريق بينها وبين ذاته عزّ وجلّ ، فكلمة : «الله» التي تطلق على ذات الربوبية مستجمعة لجميع صفاته ، فالله يعني : عالم ، حيّ ، قادر ، حكيم إلى آخر صفاته الجلالية والجماليّة والكماليّة.
ج ـ الشرك في الأفعال وهو الاعتقاد بأنّ لبعض الأشخاص أثرا استقلاليا في الأفعال الربوبية والتدابير الإلهية كالخلق والرّزق أو يعتقدون ان لبعض الأشياء أثرا استقلاليا في الكون ، كالنجوم ، أو يعتقدون بأن الله عزّ وجلّ بعد ما خلق الخلائق بقدرته ، فوّض تدبير الأمور وإدارة الكون إلى بعض الأشخاص ، كاعتقاد المفوّضة ، وقد مرّت روايات أئمّة الشيعة في لعنهم وتكفيرهم ، وكاليهود الّذين قال الله تعالى في ذمّهم :( وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ) (١) .
د ـ الشرك في العبادات وهو أنّ الإنسان أثناء عبادته يتوجّه إلى غير الله سبحانه ، أو لم تكن نيّته خالصة لله تعالى ، كأن يرائي أو يريد جلب انتباه الآخرين إلى نفسه أو ينذر لغير الله عزّ وجلّ ..!!
فكلّ عمل تلزم فيه نيّة القربة إلى الله سبحانه ، ولكنّ العامل حين العمل إذا نواه لغير الله أو أشرك فيه مع الله غيره. فهو شرك والله عزّ وجلّ يمنع من ذلك في القرآن الكريم إذ يقول :( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) (٢) .
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٦٤.
(٢) سورة الكهف ، الآية ١١٠.
الحافظ : استنادا الى هذا الكلام الذي صدر منكم الآن فأنتم مشركون ، لأنّكم قلتم : إنّ من نذر لغير الله فهو مشرك ، والشيعة ينذرون لأئمّتهم وأبناء أئمّتهم.
«النذر عندنا»
قلت : العقل السليم والمنطق الصحيح يقضيان بأنّ أحدا لو أراد أن يعرف عقائد قوم ، فيجب أن لا ينظر إلى أقوال وأفعال جهّالهم ، وإنّما ينظر إلى مقال وأفعال علماء القوم.
وأنتم إذا أردتم التحقيق عن الشيعة ومعتقداتهم ، فعليكم أن تنظروا إلى كتب علمائهم ومحقّقيهم ، فتعرفوا الشيعة من خلال أقوال فقهائهم وأعمالهم.
فإذا شاهدتم بعض العوام منّا قد نذر لأحد الأئمّةعليهمالسلام أو لأحد أبناء الأئمةعليهمالسلام أو أحد الصالحين ، عن جهل بالمسألة ، فلا تحسبوه من معتقدات الشيعة ، فإنّ في كلّ مذهب وملّة يوجد هناك عواما يجهلون مسائل دينهم. وهذا ليس عندنا فحسب.
وأنتم إذا لم تكونوا مغرضين ، ولم تكونوا بصدد خلق المعايب والأباطيل على الشيعة ، فراجعوا كتب فقهائهم وانظروا إلى سيرة المؤمنين منهم العارفين للمسائل الدينية.
فإنّ التوحيد الخالص والمصفّى من كلّ شائبة لا يكون إلاّ عند الشيعة الإمامية.
وأرجو منكم أن تراجعوا كتابي : شرح اللمعة ، وشرائع الإسلام ، وأيّ كتاب آخر يضمّ المسائل الفقهية ، وحتّى الرسائل العملية
لفقهائنا المعاصرين ، وهم مراجع الشيعة في مسائل دينهم.
راجعوا في هذه الكتب «باب النذر» فتجدوا إجماع فقهائنا : أنّ النذر عمل عبادي يجب فيه شرطان :
الأوّل : نيّة القربة ، أنّه ينذر قربة إلى الله تعالى وخالصا لوجهه سبحانه.
والثاني : إجراء صيغة النذر بهذا الشكل : «لله عليّ أن : أفعل كذا وكذا ، أو : أترك كذا وكذا» فيذكر بدل الجملة الأخيرة ، نذره إيجابا كان أو سلبا. فإذا تعذّر عليه إجراء الصيغة باللغة العربية أو صعب عليه ذلك ، فيترجم مفهومه إلى لغته ويجريه بلسانه.
وأمّا إذا نوى النذر لغير الله سبحانه أو أشرك معه آخر ، سواء نبيا أو إماما أو غيره ، فالنذر باطل.
وإذا نذر على الصورة الأخيرة عالما بالمسألة ، فإنّ عمله حرام وشرك بالله عزّ وجلّ ، فقد قال تعالى :( وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) (١) .
فيجب على العلماء أن يعلّموا الجاهلين ويبيّنوا لهم كلّ مسائل الدين ، ومنها مسائل النذر ، فالنذر يكون لله وحده لا شريك له ، ولكنّ الناذر يكون مخيّرا في تعيين مصرف النذر ، فمثلا :
له أن يقول : لله عليّ نذر أن أذبح شاة عند مرقد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أو عند مرقد الإمام عليعليهالسلام أو غيرهما أو يقول : لله عليّ نذر أن أذبح شاة وأطعم لحمها السادة الشرفاء ، أو الفقراء ، أو العلماء الى آخره.
أو يقول : لله عليّ نذر أن أعطي ثوبا لفلان ، بالتعيين ، أو لعالم ، على غير تعيين.
فكلّ هذه الصيغ في النذر صحيحة ، ولكن إذا لم يذكر الله كأن يقول : نذرت للنبيّ أو الإمام أو الفقيه أو الفقير أو اليتيم إلى
__________________
(١) سورة الكهف ، الآية ١١٠.
آخره ، كلّ هذه الصيغ باطلة غير صحيحة.
وكذلك إذا ذكر الله سبحانه مع آخر كأن يقول : نذرت لله وللنبيّ ، أو نذرت لله ولفلان فهو باطل غير صحيح وكان آثما إن كان عالما بالمسألة ، وإن كان جاهلا بالمسألة فنذره باطل وهو غير آثم.
فالواجب علينا وعلى كلّ فقيه وعالم أن يبلّغ مسائل الدين ويكتب أحكامه الإلهيّة ويعرضها على العوام ليتعلّموا ويعملوا بها.
ويجب على العوام أيضا استماع المسائل الدينية وتعلّمها والعمل بها ، فإذا ما تعلّموا ولم يعملوا بتكاليفهم كما ينبغي ، فالإشكال يرد عليهم لا على دينهم ومذهبهم.
وكم من أهل السنّة والجماعة يشربون الخمر ويلعبون القمار ويرتكبون الفاحشة ، فهل هذا دليل على أنّ مذهبهم يجيز لهم تلك المعاصي والذنوب؟! وهل الإشكال يرد على مذهبهم ، أم عليهم؟!
«الشرك الخفي»
أمّا القسم الثاني من الشرك ، فهو الخفيّ ، ويتحقّق في نيّة الرياء والسمعة في العبادات.
فقد ورد في الخبر : أنّ من صلّى أو صام أو حجّ وهو يريد بذلك أن يمدحه الناس فقد أشرك في عمله(١) .
وفي الخبر المرويّ عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام أنّه قال : لو أنّ عبدا عمل عملا يطلب به رحمة(٢) الله والدار الآخرة ثمّ
__________________
(١) لاحظ تفسير القمي وتفسير العيّاشي ، الآية الأخيرة من سورة الكهف.
(٢) في المصدر : وجه الله.
أدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركا(١) .
وروي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : اتّقوا الشرك الأصغر. فقالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال : الرياء والسمعة(٢) .
وروي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ ، فإنّ الشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء(٣) ، ثمّ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من صلّى أو صام أو تصدّق أو حجّ للرياء فقد أشرك بالله.
فالواجب في الصلاة وغيرها من العبادات أن تكون النية فيها خالصة لوجه الله وقربة إلى الله وحده ، بأن يتوجّه الإنسان في حين عمله العبادي إلى ربّه عزّ وجلّ ، ويتكلّم معه وحده ، ويركّز ذهنه ، ويوجّه قلبه إلى الذات الموصوفة بالصفات التي ذكرناها ، وذلك هو الله لا إله إلاّ هو.
وأكتفي بهذا المقدار ، وأظنّ بأنّ الحقّ قد انكشف للحاضرين المحترمين ، بالخصوص المشايخ والعلماء في المجلس ، فأرجو أن لا ينسبوا الشرك إلى الشيعة بعد هذا ، ولا يموّهوا الحقيقة على العوام.
تبسّم الشيخ عبد السلام ضاحكا وقال : وهل بقي عندكم شيء في هذا المضمار ، فاكتفيتم بهذا المقدار؟! فالرجاء إن بقي عندكم شيء في الموضوع فبيّنوه للحاضرين.
قلت : هناك قسم آخر جعلوه من أقسام الشرك ، ولكنّه مغفور ، وهو :
__________________
(١) لاحظ تفسير العياشي ، الآية الاخيرة من سورة الكهف.
(٢) منية المريد ، عنه بحار الانوار : ج ٧٢ ص ٢٦٦.
(٣) راجع بحار الانوار : ج ٧٣ ص ٣٥٩ ، وتحف العقول في كلمات الإمام الباقرعليهالسلام .
الشرك في الأسباب
وهو الذي يتحقّق في أكثر الناس من غير التفات ، فإنّهم يتّخذون الوسائط والأسباب للوصول إلى أغراضهم وتحقيق آمالهم ، أو إنّهم يخشون بعض الناس ويخافون من بعض الأسباب في الإحالة دون حوائجهم وآمالهم ، فهذا نوع من الشرك ، ولكنه معفوّ عنه.
والمقصود من الشرك في الأسباب : أنّ الإنسان يعتقد بأنّ الأسباب مؤثّرة في الأشياء والامور الجارية ، مثلا : يعتقد أنّ الشمس مؤثّرة في نموّ النباتات ، فإذا كان اعتقاده أنّ هذا الأثر من الشمس بالذات من غير إرادة الله تعالى فهو شرك.
وإذا كان يعتقد أنّ الأثر يصدر من الله القادر القاهر فهو المؤثّر والشمس سبب في ذلك ، فهو ليس بشرك ، بل هو حقيقة التوحيد ، وهو من نوع التفكّر في آيات الله وقدرته سبحانه.
وهكذا بالنسبة إلى كلّ الأسباب والمسبّبات ، فالتاجر في تجارته ، والزارع في زراعته ، والصانع في صناعته ، والطبيب في طبابته ، وغيرهم ، إذا كان ينظر إلى أدوات مهنته ، وأسباب صنعته وآثارها ، نظرا استقلاليا ، وأنّ الآثار الصادرة من تلك الأسباب والأدوات تصدر بالاستقلال من غير إرادة الله تعالى ، فهو شرك ، وإن كان ينظر إلى الأسباب والأدوات نظرا آليا فيعتقد أنّها آلات ، والله تعالى هو الذي جعل فيها تلك الآثار ، فلا مؤثّر في الوجود إلاّ الله ، فهو ليس شركا بل التوحيد بعينه.
الشيعة نزيهون من أنواع الشرك
بعد أن بيّنّا أقسام الشرك وأنواعه ، فأسألكم : أيّ أقسام الشرك تنسبوه إلى الشيعة؟!
ومن أيّ شيعي عالم أو عاميّ سمعتم أنّه يشرك بالله سبحانه في ذاته أو صفاته وأفعاله؟!
وهل وجدتم في كتب الشيعة الإمامية والأخبار المرويّة عن أئمّتهمعليهمالسلام ما يدلّ على الشرك بالتفصيل الذي مرّ؟!
الحافظ : كلّ هذا البيان صحيح ، ونحن نشكركم على ذلك ، ولكنّكم إذا دقّقتم النظر في معتقداتكم بالنسبة لأئمّتكم ، ستصدّقونني لو قلت إنّكم تطلبون الحوائج منهم ، وتتوسّلون بهم في نيل مقاصدكم وتحقيق مطالبكم ، وهذا شرك! لأنّا لا نحتاج إلى واسطة بيننا وبين ربّنا ، بل في أيّ وقت أحببنا أن نتوجّه إلى الله تعالى ونطلب حاجاتنا منه فهو قريب وسميع مجيب.
قلت : أتعجّب منك كثيرا! لأنّك عالم متفكّر ، ولكنّك متأثّر بكلام أسلافك من غير تحقيق ، وكأنّك كنت نائما حينما كنت أبيّن أنواع الشرك! فبعد ذلك التفصيل كلّه ، تتفوّه بهذا الكلام السخيف وتقول : بأنّ طلب الحاجة من الأئمّة شرك!!
فإذا كان طلب الحاجة من المخلوقين شرك ، فكلّ الناس مشركون!
فإذا كانت الاستعانة بالآخرين في قضاء الحوائج شرك ، فلما ذا كان الأنبياء يستعينون بالناس في بعض حوائجهم.
اقرءوا القرآن الكريم بتدبّر وتفكّر حتّى تنكشف لكم الحقيقة ،
راجعوا قصّة سليمانعليهالسلام في سورة النمل ، الآيات ٣٨ ـ ٤٠ :( قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ* قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ* قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ) .
من الواضح أنّ الإتيان بعرش بلقيس من ذلك المكان البعيد ، بأقلّ من لمحة بصر ، لم يكن هيّنا وليس من عمل الإنسان العاجز الذي لا حول له ولا قوّة ، فهو عمل جبّار خارق للعادة ، وسليمان مع علمه بأنّ هذا العمل لا يمكن إلاّ بقدرة الله تعالى وبقوّة إلهيّة ، مع ذلك ما دعا الله سبحانه في تلك الحاجة ولم يطلبها من ربّه عزّ وجلّ ، بل أرادها من المخلوقين ، واستعان عليها بجلسائه العاجزين.
فهذا دليل على أنّ الاستعانة بالآخرين في الوصول إلى مرادهم ، وطلب الحوائج من الناس ، لا ينافي التوحيد ، وليس بشرك كما تزعمون ، فإنّ الله سبحانه وتعالى جعل الدنيا دار أسباب ومسبّبات ، وعالم العلل والمعلولات.
وحيث إنّ الشرك أمر قلبي ، فإذا طلب الإنسان حاجته من آخر ، أو استعان في تحقق مراده والوصول إلى مقصوده بمن لا يعتقد بألوهيّته ولا يجعله شريكا للباري ، وإنّما يعتقد أنّه مخلوق لله عزّ وجلّ ، وهو إنسان مثله ، إلاّ أنّ الله عزّ وجلّ خلقه قويّا وقادرا بحيث يتمكّن من إعانته في تحقق مراده وقضاء حاجته ، فلا يكون شركا.
وهذا أمر دائر بين المسلمين جميعا ، يعمل به المؤمنون عامة ،
وهناك كثير من الناس يقصدون زيدا وبكرا ويقضون ساعات على أبوابهم ليطلبوا منهم حوائجهم ويستعينوا بهم في أمورهم ، من غير أن يذكروا الله تعالى.
فالمريض يذهب عند الطبيب ويتوسّل به ويستغيث به ويريد منه معالجة مرضه ، فهل هذا شرك؟!
والغريق وسط الأمواج يستغيث بالناس ويستعين بهم في إنقاذه من الغرق والموت ، من غير أن يذكر الله عزّ وجلّ ، فهل هذا شرك؟!
وإذا ظلم جبّار إنسانا ، فذهب المظلوم إلى الحاكم وقال : أيّها الحاكم ، أعنّي في إحقاق حقّي ، فليس لي سواك ولا أرجو أحدا غيرك في دفع الظلم عنّي! فهل هذا شرك؟! وهل هذا المظلوم مشرك؟!
وإذا تسلّق لصّ الجدار وأراد أن يتعدّى على إنسان فيسرق أمواله ويهتك عرضه ، فصعد صاحب الدار السطح واستغاث بالناس وطلب منهم أن يدفعوا عنه السوء ، وهو في تلك الحالة لم يذكر الله تعالى فهل هو مشرك؟!
لا أظنّ أن هناك عاقلا ينسب هؤلاء إلى الشرك ، ومن ينسبهم إلى الشرك فهو : إمّا جاهل بمعنى الشرك أو مغرض!!
فأيّها السادة الحاضرون أنصفوا ، وأيّها العلماء احكموا ولا تغالطوا في الموضوع!!
عقيدة الشيعة في التوسّل
الشيعة كلّهم متّفقون على أنّ أحدا لو اعتقد بألوهيّة النبيّ أو الأئمّة ، أو جعلهم شركاء لله سبحانه في صفاته وأفعاله ، فهو مشرك
ونجس يجب الاجتناب والابتعاد عنه.
وأمّا قولهم : يا عليّ أدركني ، أو : يا حسين أعنّي ، وما إلى ذلك ، فليس معناه : يا علي أنت الله فأدركني! أو : يا حسين أنت الله فأعنّي! بل لأنّ الله عزّ وجلّ جعل الدنيا دار وسائل وأسباب ، وأبى الله أن يجري الأمور إلاّ بأسبابها ، فنعتقد أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وآله هم وسيلة النجاة في الشدائد ، فنتوسّل بهم إلى الله سبحانه.
الحافظ : لما ذا لا تطلبون حوائجكم من الله تعالى بغير واسطة؟! فاطلبوا منه بالاستقلال لا بالوسائل :
قلت : إنّ توجّهنا إلى الله عزّ وجلّ في طلب الحوائج ودفع الهموم والغموم هو بالاستقلال ، ولكنّا نتوسّل بالنبيّ وآله الطيّبين صلوات الله عليهم أجمعين ليشفعوا لنا عند الله سبحانه في قضاء حوائجنا ، ونتوسّل بهم إلى الله تعالى ليكشف عنّا همومنا وغمومنا ، ومستندنا في هذا الاعتقاد هو القرآن الحكيم إذ يقول :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (١) .
آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم هم الوسيلة
نحن الشيعة نعتقد بأنّ الله عزّ وجلّ هو القاضي للحوائج ، وأنّ آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يحلّون مشكلا ولا يقضون حاجة لأحد إلاّ بإذن الله وإرادته سبحانه ، وهم( عِبادٌ مُكْرَمُونَ* لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (٢) فهم واسطة الفيض ، والفيّاض هو الله ربّ العالمين.
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٣٩.
(٢) سورة الأنبياء ، الآية ٢٦ و ٢٧.
الحافظ : بأيّ دليل تقولون أنّ المراد من الوسيلة في الآية الكريم آل محمّد (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)؟
قلت : لقد روى ذلك كبار علمائكم منهم : الحافظ أبو نعيم ، في : «نزول القرآن في عليّ» والحافظ أبو بكر الشيرازي في «ما نزل من القرآن في عليّ» والإمام الثعلبي في تفسيره للآية الكريمة ، وغير أولئك رووا عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنّ المراد من الوسيلة في الآية الشريفة : عترة الرسول وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين.
ونقل ابن أبي الحديد المعتزلي ـ وهو من أشهر وأكبر علمائكم ـ في «شرح نهج البلاغة» تحت عنوان : ذكر ما ورد من السير والأخبار في أمر فدك ، الفصل الأوّل ، ذكر خطبة فاطمةعليهاالسلام .
قالت : واحمدوا الله الذي لعظمته ونوره يبتغي من في السماوات والأرض إليه الوسيلة ، ونحن وسيلته في خلقه(١) .
حديث الثقلين
ومن جملة الأحاديث المعتبرة ، التي نستدلّ بها على التمسّك والتوسّل بآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ومتابعتهم : حديث الثقلين ، وهو حديث صحيح أجمع عليه الفريقان ، وقد بلغ حدّ التواتر.
قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا ، وهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض(٢) .
__________________
(١) شرح نهج البلاغة : ١٦ / ٢١١ ، طبع دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
(٢) قبل صفحات نقلت بعض مصادر هذا الحديث الشريف ، والشهير ، من كتب العامة في الهامش ، وقد وصلت فيه إلى ٦٦ مصدرا ، فراجع. «المترجم».
الحافظ : أظنّ أنّكم قد أخطأتم حين قلتم : إنّ هذا الحديث صحيح ومتواتر! لأنّه غير معتبر ومجهول عند كبار علمائنا! فهذا شيخنا الكبير محمد بن إسماعيل البخاري ، وهو إمام علماء الحديث عند أهل السنّة والجماعة ، لم يذكر حديث الثقلين في صحيحه الذي يعدّ عندنا بعد القرآن الكريم أصحّ الكتب!
قلت : إنّ عدم ذكر البخاري لحديث الثقلين لا يدلّ على ضعفه.
فإنّ البخاري واحد ، ولكنّ الّذين ذكروا هذا الحديث وعدوّه صحيحا موثّقا ، هم عشرات العلماء والمحدّثين منكم ، فهذا ابن حجر المكّي مع شدّة تعصّبه فإنّه يقول في كتابه الصواعق الصواعق المحرقة ، آخر
الفصل الثاني ، الباب الحادي عشر ، الآية الرابعة : ص ٨٩ و ٩٠. بعد ما نقل أخبارا وأقوالا حول حديث الثقلين يقول :
اعلم أنّ لحديث التمسّك بالثقلين طرقا كثيرة وردت عن نيّف وعشرين صحابيّا الى آخره. وقد نقل الحديث عن الترمذي وأحمد بن حنبل والطبراني ومسلم إلى آخره.
حول البخاري وصحيحه
وأمّا قولكم أنّ حديث الثقلين غير صحيح ، لأنّ البخاري لم ينقله في صحيحه!
فإنّ هذا الاستدلال مردود عند العلماء والعقلاء!
فالبخاري إن لم ينقل هذا الحديث الشريف ، فقد نقله عدد كبير من مشاهير علمائكم ، منهم : مسلم بن الحجّاج الذي يساوي البخاري عند أهل السنّة والجماعة ، وقد نقله في صحيحه ، وكذلك نقله سائر
أصحاب الصحاح الستّة غير البخاري.
فإذا لم تعتمدوا إلاّ على صحيح البخاري ، فأعلنوا بأنّ صحيح البخاري وحده صحيح ، وسائر الصحاح غير مقبولة لدينا لعدم صحّتها ، وأنّ أهل السنّة والجماعة مستندة إلى ما جاء في صحيح البخاري فحسب!
وإذا كنتم تعتقدون غير هذا ، وتعتمدون على الصحاح الستّة فيجب أن تقبلوا الأخبار والروايات المنقولة فيها حتّى إذا لم ينقلها البخاري لسبب ما.
الحافظ : لم يكن أيّ سبب في عدم نقله لبعض الأخبار سوى أنّه كان كثير الاحتياط في النقل ، وكان دقيقا في الروايات ، فالتي لم ينقلها البخاري إمّا لضعف في السند ، أو لأنّ العقل يأبى من قبولها وصحّتها.
قلت : قديما قالوا : حبّ الشيء يعمي ويصمّ!
وأنتم لشدّة حبّكم للبخاري تغالون فيه وتقولون إنّه كان دقيقا ومحتاطا ، وإنّ الأخبار التي رواها في صحيحه كلّها معتبرة وقويّة ، وهي كالوحي المنزل! والحال أنّ في رواة صحيح البخاري أشخاصا وضّاعين وكذّابين وهم مردودون وغير معتبرين عند كثير من العلماء والمحققين في علم الرجال.
الحافظ : إنّ كلامكم هذا مردود عند جميع العلماء ، وإنّه إهانة لمقام العلم ومرتبة رجال الحديث وخاصة الإمام البخاري ، وإنّه تحامل بغيض على كل أهل السنّة والجماعة!
قلت : إن كنتم تحسبون الانتقاد العلمي تحاملا بغيضا وإهانة ،
فكثير من كبار علمائكم ، أهانوكم وأهانوا أهل مذهبهم ، قبلنا!
لأنّ كثيرا من مشاهير علمائكم المحقّقين نقّحوا الصحاح ، وخاصة صحيحي البخاري ومسلم ، وميّزوا بين السقيم والسليم ، والغث والسمين ، وأعلنوا أنّ رجال الصحاح وحتّى صحيحي البخاري ومسلم ، كثير منهم وضّاعين وجعّالين للحديث.
وأنا أنصحكم أن لا تعجلوا ولا تتسرّعوا في إصدار الحكم علينا في ما نقوله عنكم ، بل راجعوا كتب الجرح والتعديل التي كتبها علماؤكم المحقّقون وطالعوها بدقّة وتدبّر بعيدا عن التعصّب والمغالاة في شأن أصحاب الصحاح ، سواء البخاري وغيره ، حتّى تعرفوا الحقائق.
راجعوا كتاب «اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» للعلاّمة السيوطي ، و «ميزان الاعتدال» و «تلخيص المستدرك» للعلاّمة الذهبي ، و «تذكرة الموضوعات» لابن الجوزي ، و «تاريخ بغداد» لأبي بكر الخطيب البغدادي ، وسائر الكتب التي كتبها علماؤكم في علم الرجال وتعريف الرواة.
راجعوا فيها أحوال : أبي هريرة الكذّاب ، وعكرمة الخارجي ، ومحمد بن عبدة السمرقندي ، ومحمد بن بيان ، وإبراهيم بن مهدي الابلي ، وبنوس بن أحمد الواسطي ، ومحمد بن خالد الحبلي ، وأحمد بن محمد اليماني ، وعبد الله بن واقد الحرّاني ، وأبي داود سليمان بن عمرو ، وعمران بن حطّان ، وغيرهم ممّن روى عنهم البخاري وأصحاب الصحاح ، حتّى تعرفوا آراء علمائكم ومحقّقيكم في اولئك ، وهم نسبوهم إلى الوضع والكذب وجعل الأحاديث ، فتنكشف لكم الحقائق ، ولا تغالوا بعد ذلك في صحّة ما نقله البخاري
ومسلم وغيرهما من أصحاب الصحاح!
وأنت أيّها الحافظ! إن كنت تقرأ وتطالع هذه الكتب التي ذكرتها ـ وهي لعلمائكم ـ لما قلت : إنّ البخاري ما نقل حديث الثقلين في صحيحه إلاّ لاحتياطه في النقل.
هل العقل السليم يقبل أنّ عالما محتاطا ، وإماما محقّقا ، ينقل روايات وأحاديث موضوعة من رواة كذّابين يأبى كلّ ذي عقل قبولها ، بل يستهزىء بها كلّ عاقل ذي شعور وإيمان ، كالروايات التي مرّت أنّ موسى ضرب عزرائيل على وجهه حتّى فقأ عينه فشكاه إلى ربه إلى آخره ، أو أنّ الحجر أخذ ملابس موسى وهرب فلحقه موسى عريانا وبنو إسرائيل ينظرون إلى نبيّهم وهو مكشوف العورة إلى آخره!!
ألم تكن هذه الخزعبلات والخرافات من الأخبار الموضوعة؟! وهل في نظركم أنّ نقل هذه الموهومات في صحيحه كان من باب الاحتياط في النقل والتدقيق في الرواية؟!!
هتك حرمة النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم في الصحيحين
نجد في صحيحي البخاري ومسلم أخبارا تخالف الاحتياط والحميّة الإسلاميّة ويأباها كلّ مؤمن غيور!
منها : ما نقله البخاري في صحيحه ج ٢ ص ١٢٠ ، باب اللهو بالحراب. ونقله مسلم في صحيحه : ج ١ باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيّام العيد ، عن أبي هريرة عن عائشة ، قالت : وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب في المسجد ، فإمّا سألت رسول الله وإمّا قال : تشتهين تنظرين؟ فقلت : نعم ، فأقامني وراءه ،
خدّي على خدّه ، وهو يقول : دونكم يا بني أرفدة ، حتّى إذا مللت ، قال : حسبك؟! قلت : نعم. قال : فاذهبي.
بالله عليكم أيّها الحاضرون! أنصفوا ، هل يرضى أحدكم أن ينسب إليه هذه النسبة الفظيعة والعمل المخزي؟!
إذا قال قائل لجناب الحافظ : بأنّا سمعنا أنّك حملت زوجتك على ظهرك ، وكان خدّها على خدّك وجئت في الملأ العام لتنظر إلى جماعة كانوا يلعبون ، ثمّ كنت تقول لزوجتك : حسبك؟ وهي تقول لك : نعم ، ثمّ إنّ زوجتك كانت تحدّث الرجال الأجانب بهذا الموضوع.
بالله عليكم أيّها الحاضرون! هل الحافظ يرضى بذلك؟! وهل غيرته تسمح لأحد أن يتكلّم بهذه الأراجيف؟!
وإذا سمعت هذا الخبر من إنسان ظاهر الصلاح ، هل ينبغي لك أن تنقله للآخرين؟!
وإذا نقلته ، ألا يعترض عليك الحافظ ويقول : بأنّ جاهلا إذا حدّثك بخبر كهذا ، ولكن ـ أنت العاقل ـ لما ذا تنقله بين الناس؟!
أليس العقلاء يؤيّدونه على اعتراضه عليك؟! فقايسوا هذا الموضوع مع الرواية التي مرّ ذكرها من صحيحي مسلم والبخاري ، فإن كان الاخير كما تزعمون دقيقا ومحتاطا في النقل ، وكان عارفا وعالما باصول الحديث ـ على فرض أنّه سمع هكذا خبر ـ فهل ينبغي ويحقّ له ان ينقله في صحيحه ، ويجعله خبرا صادقا ومعتبرا؟!
والأعجب أنّ العامة ، ومنهم جناب الحافظ ، يعتقدون أنّ صحيح البخاري هو أصحّ الكتب بعد القرآن الحكيم!!
«احتياطات البخاري»
إنّ احتياطات البخاري لم تكن في محلّها ، بل كانت خلافا لأصول الاحتياط ، كما ذكرنا سابقا بعض الروايات التي نقلها في صحيحه.
إنّ العقل والإيمان يحتّمان ويؤكّدان على عدم نقلها ، فكان من الاحتياط بل الواجب أن لا يذكرها.
ولكنّه كان يحتاط فلا ينقل الأخبار التي تتضمّن ولاية عليّ بن أبي طالبعليهالسلام أو تبيّن فضائله ومناقبه ومناقب أبنائه الميامين ، عترة النبي الصادق الأمينصلىاللهعليهوآلهوسلم !!
نعم ، كان يحتاط! بل يمتنع في نقل تلك الروايات حتّى لا يستدلّ بها العلماء المنصفون على إمامة عليّعليهالسلام وأحقّيّته بالخلافة ، فلو قايسنا صحيح البخاري مع غيره من الصحاح الستّة لعرفنا هذا الموضوع بوضوح ، فإنّه لم ينقل خبرا ربّما يستفاد منه في خلافة عليّ بن أبي طالب وإمامته ، ولو كان الخبر مؤيّدا بالقرآن ومتواترا ومنقولا في سائر الصحاح ومجاميع أهل الحديث ، وحتّى لو كان مجمعا على صحّته كخبر الغدير ، ونزول الآية الشريفة :( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) (١) .
وكخبر التصدّق بالخاتم ، ونزول الآية الكريمة :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) (٢) .
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٦٧.
(٢) سورة المائدة ، الآية ٥٥.
وخبر الإنذار ، ونزول الآية الكريمة :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (١) .
وخبر المؤاخاة ، وحديث السفينة ، وحديث باب حطّة ، وغيرها من الأحاديث التي تثبت بها ولاية أبي الحسن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وإطاعة أهل البيتعليهمالسلام ، فإنّ البخاري احتاط في نقل هذه الأخبار المجمع عليها ولم يذكرها في صحيحه!!!
بعض مصادر حديث الثقلين
والآن لا بدّ لي أن أذكر لكم بعض كتبكم المعتبرة عندكم ، التي ذكرت وروت حديث الثقلين عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حتّى تعرفوا أنّ البخاري لم ينقل هذا الحديث الشريف من باب الاحتياط ، لأنّ كبار علمائكم ومشاهيرهم نقلوا هذا الحديث ، منهم : مسلم بن الحجّاج ، الذي لا يقلّ صحيحه عن صحيح البخاري في الاعتبار والوثوق عند أهل السنّة والجماعة :
١ ـ صحيح مسلم : ٧ / ١٢٢.
٢ ـ الترمذي : ٢ / ٣٠٧.
٣ ـ النسائي / خصائص : ٣٠.
٤ ـ أحمد بن حنبل في مسنده : ٣ / ١٤ و ١٧ وج ٤ / ٢٦ و ٥٩ وج ٥ / ١٨٢ و ١٨٩ ، وغيرهم(٢) رووا بطرقهم وبإسنادهم عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، لن
__________________
(١) سورة الشعراء ، الآية ٢١٤.
(٢) قبل صفحات ذكرت بعض مصادر هذا الحديث الشريف من كتب العامة في الهامش ، وقد وصلت فيه إلى ٦٦ مصدرا فراجع. «المترجم».
يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، من تمسّك بهما فقد نجا ، ومن تخلّف عنهما فقد هلك. وفي بعضها : ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبدا.
فبهذا المستند الحكيم والدليل القويم لا بدّ لنا أن نتمسّك بالقرآن الكريم وبأهل البيتعليهمالسلام .
الشيخ عبد السّلام : إنّ صالح بن موسى بن عبد الله بن إسحاق بن طلحة بن عبد الله القرشي التيمي الطلحي روى بسنده عن أبي هريرة أنّ النبيّ قال : إنّي قد خلّفت فيكم ثنتين : كتاب الله وسنّتي إلى آخره.
قلت : أيؤخذ بخبر فرد طالح ضعيف مردود عند أصحاب الجرح والتعديل والّذين كتبوا في أحوال الرجال والرواة ، مثل : الذهبي ويحيى والإمام النسائي والبخاري وابن عديّ ، وغيرهم ، الّذين ردّوه ولم يعتمدوا رواياته ، أيؤخذ بقول هذا ويترك قول هذا الجمع الغفير والجمهور الكثير من علمائكم المشاهير؟! وهم رووا بأسنادهم كما مرّ أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : كتاب الله وعترتي ، ولم يقل : «وسنّتي».
هذا من باب النقل.
وأمّا العقل : فلأنّ السنّة النبوية والأحاديث المرويّة عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أيضا بحاجة إلى من يبيّنها ويفسّرها كالكتاب الحكيم ، فلذا قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : وعترتي لأنّ العترة هم الّذين يبيّنون للأمّة ما تشابه من الكتاب ، ويوضّحون الحديث والسنّة الشريفة ، لأنّهم أهل بيت الوحي ، وأهل بيت النبوّة ، وأهل البيت أدرى بما في البيت.
حديث السفينة
وإنّ من دلائلنا المحكمة في التوسّل بأهل البيتعليهمالسلام الحديث النبوي الشريف : «مثل أهل بيتي كسفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها هلك» وهو حديث معتبر صحيح متّفق ومجمع عليه ، وكما يخطر الآن ببالي ، أنّ أكثر من مائة من كبار علمائكم ومحدّثيكم أثبتوا هذا الحديث في كتبهم منهم :
١ ـ مسلم بن الحجّاج في صحيحه(١) .
٢ ـ أحمد بن حنبل في مسنده : ٣ / ١٤ و ١٧ و ٢٦.
٣ ـ الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء : ٤ / ٣٠٦.
٤ ـ ابن عبد البرّ في الاستيعاب.
٥ ـ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد : ١٢ / ٩١.
٦ ـ محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السئول : ٢٠.
٧ ـ ابن الأثير الجزري في : النهاية : مادّة (زخ).
٨ ـ سبط ابن الجوزي في تذكرة خواصّ الأمّة : ٣٢٣.
٩ ـ ابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة : ٨.
١٠ ـ السمهودي في تاريخ المدينة.
١١ ـ السيّد مؤمن الشبلنجي في نور الأبصار : ١٠٥.
١٢ ـ الإمام الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب ، في آية المودّة.
١٣ ـ السيوطي في الدرّ المنثور ، في تفسير :( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ
__________________
(١) لم أر هذا الحديث فيه. «المترجم».
الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ ) (١) .
١٤ ـ الثعلبي في تفسيره كشف البيان.
١٥ ـ الطبراني في الأوسط.
١٦ ـ الحاكم في المستدرك : ٣ / ١٥٠ وج ٢ / ٣٤٣.
١٧ ـ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودّة / الباب الرابع والسادس والخمسون.
١٨ ـ الهمداني في مودّة القربى / المودّة الثانية والثانية عشرة.
١٩ ـ ابن حجر في الصواعق المحرقة : ٢٣٤.
٢٠ ـ الطبري في تفسيره وتاريخه.
٢١ ـ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ، باب ١٠٠(٢) .
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية ٥٨.
(٢) وإن كان في ما ذكره السيّد المؤلّفقدسسره كفاية في الوصول إلى الغاية ، ولكن زيادة المصادر تزيد في اعتبار الحديث والرواية.
لذلك أذكر للقارىء الكريم بعض مصادر العامّة التي وصلت إليها في الحديث من باب الدراية غير ما ذكره المؤلّف :
١ ـ فرائد السمطين : ٢ / ٢٤٢.
٢ ـ مشكاة المصابيح : ٥٢٣.
٣ ـ المعجم الصغير ١ / ١٣٩.
٤ ـ ثمار القلوب : ٢٩.
٥ ـ الإنباه على قبائل الرواة : ٦٧.
٦ ـ مناقب ابن المغازلي : ١٣٢.
٧ ـ ذخائر العقبى : ٢٠.
٨ ـ نظم درر السمطين : ٢٣٥.
٩ ـ الفواتح للميبدي : ١١٣.
__________________
١٠ ـ أساس الاقتباس / في : الكلمة الرابعة.
١١ ـ الخصائص الكبرى : ٢ / ٢٦٦.
١٢ ـ تاريخ الخلفاء : ٢٦ و ٥٧٣.
١٣ ـ كنز العمّال : ١٣ / ٨ و ٨٥.
١٤ ـ المرقاة في شرح المشكاة : ٥ / ٦١٠.
١٥ ـ اللمعات في شرح المشكاة : ٢ / ٧٠٠.
١٦ ـ المشرع الروي : ١٢.
١٧ ـ جمع الفوائد : ٢ / ٢٣٦.
١٨ ـ وسيلة المتعبّدين في متابعة سيّد المرسلين : ٢ / ٢٣٤.
١٩ ـ غرائب القرآن ـ لنظام الدين النيسابوري ـ ٢٥ / ٢٨ عند آية المودّة.
٢٠ ـ معجم الزوائد ومنبع الفوائد : ٩ / ١٦٨.
٢١ ـ نزهة المجالس ومنتخب النفائس : ٢ / ٢٢٢.
٢٢ ـ الرسالة العليّة في الأحاديث النبوية ٣٣ و ٣٧١.
٢٣ ـ الجامع الصغير ، شرح المناوي : ٢ / ٥١٩ و ٥ / ٥١٧.
٢٤ ـ إحياء الميّت بفضل أهل البيت ، النسخة الصغرى ، حديث : ٢٠ و ٢١ و ٢٢.
٢٥ ـ كنوز الحقائق هامش الجامع الصغير : ٢ ص ٨٩.
٢٦ ـ السراج المنير في شرح الجامع الصغير : ٢ ص ١٨ و ٣ ص ٢٩٩.
٢٧ ـ الصراط السوي في مناقب آل النبي / باب أهل البيت أمان للامّة وأنّهم سفينة نوح.
٢٨ ـ نزل الأبرار بما صحّ في مناقب أهل البيت الأطهار : ٦.
٢٩ ـ قرّة العينين ـ لولي الله الدهلوي ـ : ١٢٠.
٣٠ ـ حاشية الجامع الصغير ، لمحمد بن سالم الحنفي : ٢ / ١٩.
٣١ ـ إسعاف الراغبين ـ المطبوع بهامش نور الأبصار ـ : ١٢٣.
٣٢ ـ وسيلة النجاة في مناقب السادات / في بابه.
٣٣ ـ الحقّ المبين في فضائل أهل بيت سيّد المرسلين / في بابه.
٣٤ ـ مشارق الأنوار في فوز أهل الاعتبار : ٨٦.
وذكر غير هؤلاء من أعاظم علمائكم بأسانيدهم وطرقهم أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها هلك ، أو : غرق ، أو : هوى ، والعبارات شتّى ، ولعلّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قاله مرارا وبعبارات شتّى.
وقد أشار الإمام محمد بن إدريس الشافعي إلى صحّة هذا الحديث الشريف في أبيات له نقلها العلاّمة العجيلي في «ذخيرة المآل» :
ولمّا رأيت الناس قد ذهبت بهم |
مذاهبهم في أبحر الغيّ والجهل |
__________________
٣٥ ـ الفتح المبين / في فصل ذكر فضائل أهل البيت.
٣٦ ـ الفتح الكبير في ضمّ الزيادة إلى الجامع الصغير : ١ / ٤١٤.
٣٧ ـ السيف اليماني المسلول في عنق من يطعن في أصحاب الرسول : ٩.
٣٨ ـ المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية : ٤ / ٧٥.
٣٩ ـ شفاء الغليل : ٢٢٠ و ٢٥٣.
٤٠ ـ أرجح المطالب : ٣٢٩.
٤١ ـ روح المعاني ـ للآلوسي ـ ٢٥ / ٣٠.
٤٢ ـ راموز الأحاديث : ٣٩١.
٤٣ ـ رشفة الصادي : ٧٩.
٤٤ ـ مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار / مادّة (زخ).
٤٥ ـ تاج العروس في اللغة / مادّة (زخ).
٤٦ ـ لسان العرب / مادّة (زخ).
ذكر هؤلاء الثلاثة ـ من أصحاب كتب اللغة العربية ـ عبارة ابن الأثير الجزري في كتابه «النهاية في غريب الحديث» قال في مادّة (زخ) وفيه : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من تخلّف عنها زخّ به في النار. أي : دفع ورمي.
وفي ما ذكرناه من المصادر كفاية لمن أراد الحقّ والهداية. «المترجم».
ركبت على اسم الله في سفن النجا |
وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل |
|
وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهم |
كما قد أمرنا بالتمسّك بالحبل |
|
إذا افترقت في الدين سبعون فرقة |
ونيّفا على ما جاء في واضح النقل |
|
ولم يك ناج منهم غير فرقة |
فقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقل |
|
أفي الفرقة الهلاك آل محمّد |
أم الفرقة اللاتي نجت منهم قل لي |
|
فإن قلت في الناجين فالقول واحد |
وإن قلت فى؟؟؟ لاك حفت عن العدل |
|
إذا كان مولى القوم منهم فإنّني |
رضيت بهم لا زال في ظلّهم ظلّي |
|
رضيت عليّا لي إماما ونسله |
وأنت من الباقين في أوسع الحلّ |
فلا يخفى على من أمعن ونظر في هذه الأبيات لعرف تصريح الشافعي وهو إمام أهل السنّة والجماعة ، بأنّ آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن تمسّك بهم ، هم الفرقة الناجية وغيرهم هالكون ، وفي وادي الضلالة تائهون!!
فحسب أمر النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو كما قال الله الحكيم :( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى ) (١) .
__________________
(١) سورة النجم ، الآية ٣ و ٤.
الشيعة يتمسّكون بآل محمّد الأطهار وعترته الأبرار ، ويتوسّلون بهم إلى الله سبحانه ، هذا من جانب.
ومن جانب آخر فقد خطر الآن ببالي ، بأنّ الناس إذا كانوا لا يحتاجون إلى وسيلة للتقرّب إلى ربّهم عزّ وجلّ والاستغاثة به ، وإنه من توسّل بأحد إلى الله تعالى فقد أشرك.
فلما ذا كان عمر بن الخطّاب ـ وهو الفاروق عندكم ـ يتوسّل ببعض الناس إلى الله سبحانه في حالات الشدّة والاضطرار؟!
الحافظ : حاشا الفاروق عمررضياللهعنه من هذا العمل ، إنّه غير ممكن!! وإنّي لأوّل مرّة أسمع هذه الفرية على الخليفة! فلا بدّ أن تبيّنوا لنا مصدر هذا القول حتّى نعرف صحّته وسقمه.
قلت : كما ورد في كتبكم المعتبرة : أنّ الفاروق كان في الشدائد يتوسّل الى الله سبحانه بأهل بيت النبيّ وعترته الطاهرة ، وقد تكرّر منه هذا العمل في أيّام خلافته عدّة مرّات ، ولكنّي اشير إلى اثنين منها حسب اقتضاء المجلس :
١ ـ نقل ابن حجر في كتابه الصواعق بعد الآية : ١٤ ، في المقصد الخامس ، أواسط الصفحة : ١٠٦ قال : وأخرج البخاري أنّ عمر بن الخطّاب كان إذا قحطوا استسقى بالعبّاس وقال : اللهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا قحطنا فتسقينا ، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا ، فيسقون.
قال ابن حجر : وفي تاريخ دمشق : إنّ الناس كرّروا الاستسقاء عام الرمادة سنة سبع عشرة من الهجرة فلم يسقوا. فقال عمر : لأستسقينّ غدا بمن يسقيني الله به ، فلمّا أصبح غدا للعبّاس فدقّ عليه
الباب ، فقال : من؟ قال : عمر. قال : ما حاجتك؟ قال : أخرج حتّى نستسقي الله بك. قال : اجلس.
فأرسل إلى بني هاشم أن تطهّروا وألبسوا من صالح ثيابكم ، فأتوه ، فأخرج طيبا فطيّبهم ، ثمّ خرج وعليّعليهالسلام أمامه بين يديه والحسن عن يمينه والحسين عن يساره وبنو هاشم خلف ظهره.
فقال : يا عمر! لا تخلط بنا غيرنا. ثمّ أتى المصلّى فوقف ، فحمد الله وأثنى عليه. وقال : اللهمّ إنّك خلقتنا ولم تؤامرنا ، وعلمت ما نحن عاملون قبل أن تخلقنا ، فلم يمنعك علمك فينا عن رزقنا ، اللهمّ فكما تفضّلت في أوّله ، تفضّل علينا في آخره.
قال جابر : فما برحنا حتّى سحّت السماء علينا سحّا ، فما وصلنا إلى منازلنا إلاّ خوضا.
فقال العبّاس : أنا المسقى ابن المسقى ابن المسقى ابن المسقى ابن المسقى ابن المسقى. خمس مرّات ، أشار إلى أنّ أباه عبد المطّلب استسقى خمس مرّات فسقي(١) .
__________________
(١) أرى من المناسب أن أنقل للقارىء الكريم بقيّة ما نقله السيد المؤلّفرحمهالله من كتاب الصواعق المحرقة ، ص ١٠٦ ، لأنّي وجدت في عباراته ما يخصّ البحث في توضيح الموضوع فلا يبقى ريب وشكّ فيه ، فقد جاءت فيها كلمات : الوسيلة ، التقرّب ، الشفاعة ، التوجّه وإليك نصّه :
وأخرج الحاكم : أنّ عمر لمّا استسقى بالعبّاس خطب فقال : يا أيّها الناس! إنّ رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) كان يرى للعبّاس ما يرى الولد لوالده ، يعظّمه ويفخّمه ويبرّ قسمه ، فاقتدوا أيّها الناس برسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) في عمّه العبّاس فاتّخذوه وسيلة إلى الله عزّ وجلّ فيما نزل بكم.
وأخرج ابن عبد البرّ ، من وجوه ، عن عمر ، أنّه استسقى به. قال : اللهمّ إنّا نتقرّب
٢ ـ في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد(١) قال :
وروى عبد الله بن مسعود : إنّ عمر بن الخطّاب خرج يستسقي بالعبّاس ، فقال : اللهمّ إنّا نتقرّب إليك بعمّ نبيّك وقفيّة آبائه وكبر رجاله ، فإنّك قلت وقولك الحقّ :( وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ) (٢) فحفظتهما لصلاح أبيهما ، فاحفظ اللهمّ نبيّك في عمّه ، فقد دنونا به إليك مستشفعين ومستغفرين.
ثمّ أقبل على الناس فقال :( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ) (٣) إلى آخره.
انتهى نقل ابن أبي الحديد.
فهذا عمل الخليفة ، يتوسّل ويتقرّب بعمّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الله
__________________
إليك بعمّ نبيّك ونستشفع به ، فاحفظ فيه نبيّك كما حفظت الغلامين بصلاح أبيهما ، وأتيناك مستغفرين ومستشفعين الخبر.
وفي رواية لابن قتيبة : اللهمّ إنّا نتقرّب إليك بعمّ نبيّك وبقيّة آبائه وكبرة رجاله ، فإنّك تقول وقولك الحقّ : ( وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً ) فحفظتهما لصلاح أبيهما ، فاحفظ اللهمّ نبيّك في عمّه ، فقد دنونا به إليك مستشفعين.
وأخرج ابن سعد : إنّ كعبا قال لعمر : إنّ بني إسرائيل كانوا إذا أصابتهم سنة استسقوا بعصبة نبيّهم. فقال عمر : هذا العبّاس انطلقوا بنا إليه. فأتاه ، فقال : يا أبا فضل! ما ترى للناس فيه؟ وأخذ بيده وأجلسه معه على المنبر وقال : اللهمّ إنّا قد توجّهنا إليك بعمّ نبيّك ، ثمّ دعا العبّاس. «المترجم».
(١) شرح نهج البلاغة : ٧ / ٢٧٤ ط. دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
(٢) سورة الكهف ، الآية ٨٢.
(٣) سورة نوح ، الآية ١٠.
سبحانه ، وما اعترض عليه أحد من الصحابة ، ولا يعترض اليوم أحد منكم على عمله ، بل تحسبون أعماله حجّة فتقتدون به ، ولكنّكم تعارضون الشيعة لتوسّلهم بآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وعترته ، وتنسبون عملهم إلى الكفر والشرك ، والعياذ بالله!!
فإذا كان التوسّل بآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم والاستشفاع بعترته الهادية عند الله عزّ وجلّ ، شرك ، فحسب رواياتكم فإنّ الخليفة الفاروق يكون مشركا كافرا ، وإذا تدفعون عنه الشرك والكفر ، ولا تقلبون نسبته إليه ، بل تصحّحون عمله وتدعون المسلمين إلى الاقتداء به ، فعمل الشيعة وتوسّلهم بآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أيضا ليس بشرك ، بل حسن صحيح.
وعلى هذا يجب عليكم أن تستغفروا ربّكم من هذه الافتراءات والاتّهامات التي تنسبونها لشيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وتكفّرونهم وتقولون إنّهم مشركون.
ويجب عليكم أن تنبّهوا جميع أتباعكم وعوامكم الجاهلين على أنّكم كنتم مخطئين في اعتقادكم بالنسبة للشيعة ، فهم ليسوا بمشركين ، بل هم مؤمنون وموحّدون حقّا.
أيّها الحاضرون الكرام والعلماء الأعلام! إذا كان عمر الفاروق مع شأنه ومقامه الذي تعتقدون به له عند الله سبحانه ، وأهل المدينة ، مع وجود الصحابة الكرام فيهم ، دعاؤهم لا يستجاب إلاّ أن يتوسّلوا بآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ويجعلوهم الواسطة والوسيلة بينهم وبين الله عزّ وجلّ حتّى يجيب دعوتهم ويسقيهم من رحمته ، فكيف بنا؟! وهل يجيب الله سبحانه دعوتنا من غير واسطة وبلا وسيلة؟!
فآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وعترته في كلّ زمان هم وسائل التقرّب إلى الله تعالى ، وبهم ـ أي : بسببهم وبشفاعتهم ودعائهم ـ يرحم الله عباده.
فهم ليسوا مستقلّين في قضاء الحوائج وكفاية المهامّ ، وإنّما الله سبحانه هو القاضي للحاجات والكافي للمهمّات ، وآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم عباد صالحون وأئمّة مقرّبون ، لهم جاه عظيم عند ربّهم ، وهم شفعاء وجهاء عند الله عزّ وجلّ ، منحهم مقام الشفاعة بفضله وكرمه ، فقد قال سبحانه :( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) (١) .
هذا هو اعتقادنا في النبيّ وعترته الهادية وآله المنتجبين الطيّبين الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، ولن تجدوا في كتبنا الاعتقادية والكتب الجامعة للزيارات والأدعية المأثورة عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام أكثر ممّا ذكرت لكم.
الحافظ : إنّ ما بيّنتموه عن اعتقادكم بأهل البيت ، رضي الله عنهم ، مخالف لما سمعناه من الآخرين وقرأناه بخصوصكم في كتب علمائنا المحقّقين.
قلت : دعوا واتركوا ما سمعتموه أو قرأتموه عنّا ، واعتمدوا على ما تشاهدوه منّا وتقرءوه في كتبنا. فهل طالعتم وتدبّرتم في كتب علمائنا الأعلام الجامعة للزيارات والأدعية المرويّة عن أئمّتنا ، أئمّة أهل البيت والعترة الهاديةعليهمالسلام ؟!
الحافظ : ما وصلت يدي حتّى الآن إلى كتبكم.
قلت : إنّ العقل يقضي أن تقرأ كتبنا أوّلا ، فإذا وجدت فيها
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية ٢٥٥.
إشكالا ممّا كنت تسمعه عنّا ، فحينئذ أشكل علينا ، وأنا الآن معي كتابين ، أحدهما : كتاب «زاد المعاد» تأليف العلاّمة المجلسيقدسسره ، والآخر : «هديّة الزائرين» تأليف الفاضل المعاصر ، والمحدّث المتبحّر ، الحاج الشيخ عبّاس القميّ دامت بركاته ، فاقدّم لكم هذين الكتابين الجليلين لتقرءوها وتتدبّروا في عباراتها ، لتعرفوا حقيقة الأمر.
فأخذوا يتصفّحون الكتابين وينظرون في الكلمات والجمل بدقّة ، وإذا بالسيّد عبد الحيّ قد وصل إلى دعاء التوسّل ، فكأنّه وصل إلى بغيته ومقصده ، فأشار إلى الحاضرين بالسكوت فسكتوا ، ثمّ بدأ بقراءة دعاء التوسّل كلمة كلمة ، والحاضرون منصتين يستمعون ، وكان بعضهم يعرف العربية ويدرك معاني الكلمات والجمل ، فكانوا يهزّون رءوسهم ويبدون أسفهم لابتعادهم عن مذهب أهل البيتعليهمالسلام ، فيقول بعضهم لبعض : كيف قلّبوا الامور ونحن غافلون ، والتبس علينا الحقّ ونحن جاهلون؟!
فلمّا انتهى السيّد عبد الحيّ من قراءة الدعاء ، قلت : أيّها الإخوة! بالله عليكم أنصفوا!!!
في أيّة كلمة أو عبارة من هذا الدعاء شممتم رائحة الشرك أو الغلوّ ، أيّها العلماء أجيبوني؟!
فإن لم يكن فيه شيء من الشرك والغلوّ ، فلما ذا تقذفون الشيعة المؤمنين بالشرك؟!
لما ذا تزرعون بذر العداء والبغضاء بين المسلمين الّذين جعل الله سبحانه بينهم المودّة والإخاء؟!
لما ذا( تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ؟!
لما ذا تضلّون أتباعكم الغافلين الجاهلين فتشحنون قلوبهم ضدّ الشيعة المؤمنين ، فينظرون إليهم شررا على أنّهم مشركون؟!
وكم من جهّالكم المتعصّبين تأثّروا بكلام علمائهم ـ أنتم وأمثالكم ـ فأباحوا دماء الشيعة وأموالهم ، فقتلوهم ونهبوهم( .. وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) (١) ، ويظنّون أنّ الجنّة وجبت لهم بذلك العمل الشنيع!!
ولا شكّ أنّ وزر هذه الجنايات والفجائع هي في ذمّتكم أيضا ، وأنتم العلماء مسئولون عنها وتحاسبون عليها أكثر من الجاهلين!
هل سمعتم إلى الآن ، أنّ شيعيا التقى بأحد أهل السنّة فقتله قربة إلى الله؟!
لا ، ولن يقدم شيعي حتّى العامّي منهم على مثلها أبدا ، لأنّ علماءنا ومبلّغينا دائما يعلنون في أتباعهم ، أنّ أهل السنّة والجماعة هم إخواننا في الدين فلا يجوز أذاهم. فكيف بقتلهم ونهب أموالهم؟!
نعم ، نبيّن لأتباعنا ، الاختلافات المذهبية بيننا وبينكم ، ولكن نقول لهم أيضا : بأنّها رغم خلافنا مع العامة في بعض المسائل ، فهم إخواننا في الدين ، فلا يجوز لنا أن نعاديهم ونبغضهم.
أمّا علماء السنّة مع كلّ الاختلافات النظرية والاجتهادية الموجودة بين أئمّة المذاهب الأربعة في الاصول والفروع ، يحسبون أتباع الأئمّة الأربعة أصحاب دين واحد ، وهم أحرار في اختيار أيّ مذهب شاءوا من المذاهب الأربعة.
ولكن كثيرا من أولئك العلماء ـ ومع الأسف ـ يحسبون شيعة المرتضى وأتباع العترة الهاديةعليهمالسلام مشركين وكفّارا بحيث يحلّ
__________________
(١) سورة الكهف ، الآية ١٠٤.
سفك دمائهم ونهب أموالهم ، فليس لهم حرّيّة العقيدة واختيار المذهب في البلاد السنّية ، حتّى أنّهم يضطرّون لأن يعيشوا بينكم في خوف وتقيّة مخافة أن يقتلوا بيد جهّالكم الغافلين أو عتاتكم المعاندين!!
فكم من عالم ورع وفقيه متّقي قتل شهيدا بفتوى بعض علمائكم ، كما أنّ كثيرا من علمائكم يصرّحون بلعن الشيعة في كتبهم.
ولكن لا يوجد شيعي واحد ، حتّى من العوام الجاهلين ، يحلّ سفك دم سنّي أو يجوّز لعنه لأنّه سنّي.
الحافظ : إنّك تريد إثارة العواطف والإحساسات بهذا الكلام ، فأيّ عالم من الشيعة قتل بفتوى علمائنا؟!
وأيّ عالم منّا يلعن الشيعة؟!
قلت : لا أريد أن أبيّن هذا الموضوع بالتفصيل لأنّه يحتاج إلى وقت طويل فيستغرق منّا ساعات عديدة ومجالس مديدة ، ولكن أنقل لكم قليلا من كثير ممّا سجّله التاريخ ، ليتّضح لكم الأمر وتعرفوا ما جهلتموه!
فلو تصفّحتم كتب بعض علمائكم الكبار الّذين اشتهروا بالتعصّب ضدّ الشيعة الأخيار ، لوجدتم تصريحاتهم بلعن الشيعة المؤمنين بالإصرار والتكرار!
منهم : الإمام الفخر الرازي في تفسيره المشهور ، فكأنّه كان مترصّدا ليجد مجالا حتّى يصبّ جام غضبه ولعنه على شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فنجده عند آية الولاية(١) وآية إكمال الدين(٢) وغيرهما
__________________
(١)( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) سورة المائدة ، الآية ٥٥.
(٢)( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) سورة المائدة ، الآية ٣.
يكرّر هذه الكلمات وأمّا الروافض لعنهم الله هؤلاء الروافض لعنهم الله أما قول الروافض لعنهم الله إلى آخره.
وأمّا إفتاء بعض علمائكم بقتل علمائنا الأعلام فكثير ، منها :
قتل الشهيد الأوّل
من جملة الفجائع التي حدثت على مفاخر العلم وأهل التقوى وشيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم بفتوى غريبة من قاضيين كبيرين من قضاة الشام ، وهما : برهان الدين المالكي وعباد بن جماعة الشافعي.
وقد أصدر حكما بقتل أفقه علماء الإسلام في عصره وهو : العالم العامل ، والتقي الفاضل ، والزاهد الورع ، أبو عبد الله محمد بن جمال الدين المكّي العاملي (رضوان الله تعالى عليه) ، ومن سعة اطّلاعه في المسائل الفقهية أنّه صنّف وألّف كتاب اللمعة الدمشقية في السجن في اسبوع واحد ، وليس عنده أي كتاب فقهي سوى كتاب : «المختصر النافع».
وكتاب «اللمعة» يدرّس في الحوزات العلمية حتّى اليوم ، لاحتوائه على أكثر الفروع والمباني الفقهية. وكان الشيخ الشهيدقدسسره مرجعا لعلماء المذاهب الأربعة في حلّ المعضلات العلمية وكشف الأحكام الدينية ، وكان يعيش في تقيّة ، أي : يخفي مذهبه من الحكومة ومن عامة الناس ، ومع ذلك عرفوا منه التشيّع فشهد عليه نفر عند الحاكم ، فحوّله الحاكم إلى القاضي فزجّه القاضي في السجن حسدا وحقدا.
فبقي سنة كاملة سجينا في قلعة الشام يعاني من التجويع
والتعذيب ، وبعدها حكم برهان الدين المالكي وابن جماعة الشافعي بإعدامه ، فقتلوه أوّلا بالسيف ثمّ صلبوه ، ولم يكتفوا بهذا المقدار من إظهار الحقد الدفين ، فحرّكوا الهمج الرعاع العوامّ كالأنعام ، فرجموا جسد ذلك العالم الفقيه بالحجارة ، وأعلنوا أنّهم فعلوا كلّ ما فعلوه بذلك الفقيه الفاضل والعالم العامل ، لأنّه رافضيّ مشرك!!
وعلى هذا الجرم الذي ليس مثله جرم في الإسلام!!
أمروا بحرق جسده الشريف ، وذرّوا رماده في الفضاء.
وكان ذلك في التاسع أو التاسع عشر من جمادى الاولى عام ٧٨٦ من الهجرة النبوية الشريفة ، في عهد الملك برقوق وحاكمه يوم ذاك على الشام : بيد مرو.
قتل الشهيد الثاني
ومن جملة الفجائع الشنيعة ضدّ مذهب الشيعة ، والتي حدثت بسبب فتوى بعض علمائكم ، قتل العالم الفقيه ، والتقيّ النبيه ، العالم الرّباني ، المعروف بالشهيد الثاني ، الشيخ زين الدين بن نور الدين علي ابن احمد العاملي (قدّس الله نفسه الزكية).
وكان هو أشهر العلماء وأعظمهم في بلاد الشام ، وكان يعيش في عزلة من الناس ، دائبا على التأليف والتصنيف ، يقضي أوقاته في تحقيق المسائل واستنباط الأحكام وتدوينها ، وقد صنّف أكثر من مائتي مؤلّف في مختلف العلوم.
فحسده علماء عصره لتوجّه الناس إليه وتعظيمهم له ، فبعث قاضي صيدا واسمه الشيخ معروف ، كتابا إلى السلطان سليم العثماني
جاء فيه قد وجد في بلاد الشام رجل مبدع خارج عن المذاهب الأربعة.
فأمر السلطان بإرسال الشيخ زين الدين إلى إسلامبول ليحاكموه ، وكان الشيخ آنذاك في الحجّ فلم ينتظروا رجوعه ، بل أرسلوا إليه جماعة فقبضوا عليه في المسجد الحرام ، وقد قال تعالى :( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) (١) فسجنوه أربعين يوما في مكّة ثمّ بعثوه عن طريق البحر إلى إسلامبول عاصمة الخلافة.
ولمّا وصل إليها ونزل في الساحل ، ضربوا عنقه وقطعوا رأسه قبل أن يحاكموه ، ورموا بجثته في البحر وبعثوا برأسه الى السلطان!!
فيا أيّها الحاضرون الكرام! بالله عليكم أنصفوا!!
هل قرأتم أو سمعتم أنّ أحد علماء الشيعة عامل واحدا من علماء السنة أو عوامّها بهذا الشكل ، وقد كانوا متمكّنين ومقتدرين في ظلّ ملوك الشيعة وحكوماتها التي حكمت على كثير من بلاد السنّة؟!
بالله عليكم! هل إنّ عدم الانتماء إلى المذاهب الأربعة ذنب يستوجب القتل؟! ليت شعري ما هو دليلهم؟!
هل إنّ المذاهب الأربعة التي وجدت بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعشرات السنين هي التي يجب الانتماء إليها والتمسّك بها والعمل على طبقها؟! بينما المذهب الذي كان على عهد النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان مرضيّا عنده ، لا يجوز التمسك به؟! وإنّ المتمسّك به يجب قتله!!
وإذا كان كذلك ، فبرأي من كان المسلمون يأخذون ويعملون في الفترة الواقعة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقبل ميلاد الأئمّة الأربعة وانتشار آرائهم؟!
أم تقولون إنّ الأئمّة الأربعة كانوا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ٩٧.
وأخذوا منه بلا واسطة؟!
الحافظ : لم يدّع أحد بأنّ الأئمّة الأربعة أو أحدهم أدرك النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وتشرّف بصحبته وسمع حديثه.
قلت : وهل ينكر أحد صحبة الإمام عليعليهالسلام لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم واستماع حديثه الشريف ، حتى أصبح باب علم الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
الحافظ : لا ينكر أحد ذلك ، بل كان عليّرضياللهعنه ، من كبار الصحابة ، وفي بعض الجهات كان أفضلهم.
قلت : على هذه القاعدة لو اعتقدنا بأنّ متابعة الإمام عليعليهالسلام والأخذ منه في المسائل الفقهية واجب لما قاله النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في حقّه : ان من أطاعه فقد أطاعني ، ومن عصاه فقد عصاني ، وهو باب علمي ، ومن أراد أن يأخذ من علمي فليأت الباب.
فهل هذا الاعتقاد كفر؟! أم الذي خالف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقد كفر؟! لقوله سبحانه وتعالى :( ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (١) !
وإذا قلنا : ان من لم يعتقد بما قاله النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في علي بن أبي طالب والأئمة من ولده الذين جعلهم عدل القرآن الحكيم في حديث الثقلين وألزم متابعتهم والتوسل بهم في حديث السفينة وهما حديثان مقبولان عندكم أيضا كما ذكرنا مصادركم فيهما.
فلو قلنا : بأنّ من خالف عترة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته الطاهرين فقد تمرّد على الله ورسوله وخرج من الدين ، ما قلنا شططا ، وما ذهبنا غلطا ، بدليل الحديثين الشريفين ، السفينة والثقلين ، وأدلّة عقلية ونقلية اخرى.
__________________
(١) سورة الحشر ، الآية ٧.
ولكن مع كلّ ذلك ما صدرت منا هكذا فتاوى خطيرة تشجّع عوامّ الشيعة وملوكهم على ارتكاب جنايات فجيعة في حقّ أهل السنّة والجماعة ، بالنسبة إلى علمائهم أو جهّالهم.
وإنّما علماؤنا دائما يعلنون : أنّ أهل السنّة والجماعة إخواننا في الدين ، ويجب أن نتّحد كلّنا ضدّ غير المسلمين المعادين ، غاية ما هنالك إنّنا نقول : إنّ الأمر اشتبه والحقّ التبس عليكم ، ولكنّكم تبعا لبعض علمائكم تقولون فينا خلاف ما نقوله فيكم ، إنّكم تقولون في حقّ الشيعة المؤمنين أتباع أهل بيت النبوةعليهمالسلام : إنّهم أهل البدع وغلاة ورفضة ويهود وكفرة ومشركون ووو ...!!!
وتبيحون بل توجبون قتل من لم ينتم إلى أحد المذاهب الأربعة ، وليس عندكم أيّ دليل شرعي وعقلي وعرفي في ذلك!
الحافظ : ما كنت أظنّ أنّكم هكذا تفترون علينا ، وتكذبون على علمائنا فتنسبوا إلى علمائنا امورا بعيدة عن الحقيقة ، وانما هي من أباطيل الشيعة وأكاذيبهم الشنيعة ، وهم يقصدون بها إثارة أحاسيس الناس واكتساب عطفهم وحنانهم.
قلت : كلّ ما نقلته لكم هو حقّ وصدق بشهادة التاريخ ، وكيف تظنّ بأنّي أفتري عليكم وعلى مذهبكم أو علمائكم ، في وجودك وحضور كثير من العلماء معك ، وكذلك بحضور هذا الجمع الغفير من أتباعكم ، أيعقل ذلك؟!
واعلم أنّي نقلت قضيّتين من التاريخ كنموذج من معاملة علمائكم وقضاتكم مع فقهائنا وعلمائنا.
وإذا تصفّحتم تاريخ خوارزم وحملاتهم على إيران ، وقوم أزبك
وحملاتهم على بلاد خراسان ، وحملات الأفغان على إيران ، وقتلهم عامّة الناس بلا رحمة ، ونهب أموالهم وسبي نسائهم وأطفالهم وبيعهم في الأسواق كما يعامل الكفّار ، لصدّقتم كلامي وما كذّبتم حديثي!
وفي زمن السلطان حسين الصفوي وصل الأفغان ـ وهم قومك وأبناء وطنك ـ إلى أصفهان ، فلم يرحموا حتى المراضع والرضع ، فقتلوا ونهبوا وسبوا ، وهتكوا حرمات المسلمين في كلّ أرض وطئوها من بلاد إيران ، كلّ ذلك بفتاوى علمائهم من أهل السنّة والجماعة ، حتّى أنّهم أفتوا ببيع اسارى الشيعة كالعبيد ، فباعوا ـ كما يحدّثنا التاريخ ـ أكثر من مائة ألف رجل شيعي على أبناء السنّة وغيرهم في أسواق تركستان!!
الحافظ : إنّ تلك المعارك كانت سياسية لا ترتبط بفتاوى علمائنا.
كلام خان خيوه
قلت : يذكر التاريخ أنّ في أوائل حكومة ناصر الدين شاه قاجار ، وفي وزارة أمير كبير ميرزا تقي خان ، حينما كانت الدولة منشغلة بإخماد الفتن التي أثارها رجل اسمه : «سالار» في خراسان ، وكانت سلطة الدولة ضعيفة في تلك المقاطعة.
اغتنم الفرصة أمير خوارزم وهو : محمد أمين خان أزبك المعروف بخان خيوه ، وهجم بجيش جرّار على خراسان ، وقتل ونهب ودمّر وأسر جمعا كثيرا من الناس ، فساقهم إلى بلاده سبايا.
وبعد ما اخمدت فتنة سالار ، بعثت الدولة القاجارية سفيرا إلى خان خيوه ليفاوضه في شأن السبايا واستخلاصهم ، وكان السفير هو رضا قلي خان ، الملقّب بهدايت ، وهو من كبار الدولة ورجال البلاط الملكي.
فلمّا وصل إلى خوارزم والتقى بخان خيوه ، دار بينهما كلام طويل سجّله التاريخ جملة جملة ، وكلمة كلمة ، والشاهد هنا هو هذه العبارة : إنّ المغفور له هدايت قال لخان خيوه :
إنّ الدول الكافرة تعامل الإيرانيّين معاملة حسنة ، وهم في أمن وأمان من جيوش روسية والإفرنج ، ولكنّكم مع الأسف تعاملون الإيرانيّين معاملة الكفّار والمشركين ، وهم معكم على دين واحد ، لا فرق في قبلتنا وقرآننا ونبيّنا ، نحن وأنتم نعتقد ونشهد : أن لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلما ذا تهجم بجيوشك على بلادنا ، وتدمّر ديارنا ، وتقتل وتنهب ، وتأسر المسلمين وتبيعهم في الأسواق كأسرى الكفّار والمشركين؟!
فأجاب خان خيوه : إنّ علماءنا وقضاتنا في بخارى وخوارزم يفتون : بأنّ الشيعة كفّار وأهل بدع وضلال ، وجزاؤهم القتل ونهب الأموال ، وهم يوجبون علينا هذه المعاملة مع الإيرانيّين ، فيبيحون لنا دماءهم ونساءهم وأموالهم!!
وللاطّلاع التامّ فليراجع : تاريخ روضة الصفا الناصري ، وكذلك مذكّرات سفر خوارزم ، تأليف رضا قلي خان هدايت.
هجوم الأزبك
كما إنّ أحد أمراء الأزبك المسمّى عبد الله خان حاصر بجيوشه منطقة خراسان ، فكتب علماء خراسان إليه كتابا جاء فيه : نحن نشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمدا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلما ذا تغير علينا بجيشك وتقاتلنا وتهتك حريمنا ونحن أتباع القرآن الكريم والعترة الهادية ، وإنّ
الوحشية والمعاملة السيّئة التي نجدها منكم غير مقبولة في الإسلام ، وإنّ الله سبحانه لا يجيزها لكم بالنسبة للكفّار ، فكيف مع المسلمين؟!
فلمّا وصل الكتاب إلى يد عبد الله خان أعطاه لعلماء السنّة وقضاتهم الّذين كانوا يرافقونه في حملاته على المسلمين الشيعة ، وطلب منهم أن يجيبوا ويردّوا على الكتاب.
فأجاب علماء السنّة ـ ردّا على كتاب علماء خراسان ـ بجواب مشحون بالتهم والأكاذيب على الشيعة وقذفوهم بالكفر!! لكنّ علماء خراسان ردّوا عليهم ، ونسفوا تهمهم وأكاذيبهم ، وأثبتوا أنّ الشيعة مؤمنون بالله ورسوله وبكلّ ما جاء به النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ومن أراد الوقوف على تلك الردود والإجابات فليراجع كتاب «ناسخ التواريخ».
فشاهد الكلام ، إنّ علماء السنّة الأزبكيّين كتبوا : إنّ الشيعة رفضة وكفّار ، فدماؤهم وأموالهم ونساؤهم مباحة للمسلمين!!
وأمّا في بلادكم أفغانستان ، فإنّ الشيعة يعانون أشدّ الضغوط والهجمات الوحشية منكم ومن أمثالكم أهل السنّة والجماعة.
والتاريخ ملئ بالفجائع والجنايات التي ارتكبتها جماعة السنّة في حقّ الشيعة في أفغانستان ، ومن جملتها :
في سنة ١٢٦٧ هجرية في يوم عاشوراء وكان يوافق يوم الجمعة ، وكانت الشيعة مجتمعة في الحسينيّات في مدينة قندهار ، وكانوا يقيمون شعائر العزاء على مصائب سبط الرسول وسيّد الشهداء ، الحسين بن عليّعليهالسلام وآله وأنصاره الّذين استشهدوا معه في سبيل الله تعالى.
وإذا بأهل السنّة والجماعة يهجمون عليهم بالأسلحة الفتّاكة ، ولم
يكن الشيعة مسلّحين ولا مستعدين لقتال ، حتّى أنّهم لم يتمكّنوا من الدفاع عن أنفسهم ، فقتل قومكم جمعا كثيرا حتّى الأطفال بأفجع أنواع القتل ، ونهبوا أموالهم وأموال الحسينيّات!!
والأعجب من ذلك ، أنّ أحدا من علماء السنّة لم يندّد بهذا العمل الوحشي الشيطاني ، ولم يبد أسفه على تلك الجناية البشعة ، فكان سكوت العلماء تأييدا لعمل الجهّال المهاجمين ، والجناة المتعصّبين ، وربّما كان كلّ ذلك بتحريك بعض علمائهم ، والله أعلم.
والتاريخ يحدّثنا عن هجمات كثيرة من هذا النوع ضدّ الشيعة في أفغانستان وبلاد الهند والباكستان أيضا ، فكم من نفوس مؤمنة أزهقت ، ودماء بريئة سفكت ، وأموال محرّمة نهبت ، وحرمات دينية هتكت ، بأيدي أهل السنّة والجماعة ، وقد قتلوا حتّى بعض فقهائنا الكبار وعلمائنا الأبرار.
قتل الشهيد الثالث
ولقد زرت في سفري هذا مقابر بعض شهداء هذه الحوادث الأليمة في مدينة «أكبرآباد آگره» وبالأخصّ قبر الشهيد الثالث ، العالم الورع ، والفقيه التقي ، الذي ينتهي نسبه الشريف الى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو : القاضي السيّد نور الله التستري (قدّس الله سرّه) ، وهو أحد ضحايا هذه التعسّفات والتعصّبات التي توجد في أهل السنّة العامّة.
فقد استشهد هذا العالم الجليل ، والحبر النبيل ، سنة ١٠١٩ هجرية ، على أثر سعاية علماء العامة في «أكبرآباد آگره» عند الملك المغولي الجاهل المتعصّب جهانگير ، في الهند.
وكان عمر السيّد الشهيد حينما قطعوا رأسه يتجاوز السبعين عاما ، وقبره إلى يومنا هذا مزار المؤمنين الشيعة ، ورأيت مكتوبا على صخرة قبره هذين البيتين :
ظالمي إطفاء نور الله كرد |
قرّة العين نبي را سر بريد |
|
سال قتلش حضرت ضامن على |
گفت : نور الله سيّد شد شهيد |
أي : ظالم أطفأ نور الله ، وحزّ رأس قرّة عين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال ضامن علي في تاريخ شهادته : إنّ السيّد نور الله أصبح شهيدا.
الحافظ : إنّكم تبالغون في هذه القضايا وتضخّمونها ، ونحن لا نرضى بأعمال جهّالنا وعوامّنا ، ولكنّ الشيعة بأعمالهم الخاطئة يسبّبون تلك الفجائع :
قلت : ما هي أعمال الشيعة التي توجب قتلهم ونهب أموالهم وهتك أعراضهم؟!
الحافظ : في كلّ يوم يقف آلاف الشيعة أمام قبور الأموات ويطلبون منهم الحاجات ، ألم يكن هذا العمل عبادة الأموات؟!
لما ذا أنتم العلماء لا تمنعونهم؟! حتّى أنّنا نجد كثيرا منهم يخرّون إلى الأرض ويسجدون لتلك القبور باسم الزيارة ، فهم بهذه الأعمال الخاطئة يسبّبون تلك الفجائع ، لأنّ عوامّنا لا يتحمّلون هذه البدع باسم الإسلام فيفرطون بالانتقام!!
وبينما كان الحافظ يتكلّم وكلّنا نصغي إليه ، كان الشيخ عبد السلام ، الفقيه الحنفي ، يتصفّح كتاب «هدية الزائرين» ويطالع فيه ليجد إشكالا فيلقيه ، ولمّا وصل الحافظ إلى هذه الجملة ، صاح الشيخ عبد السلام مؤيّدا للحافظ ومخاطبا إيّاي :
تفضّل واقرأ هذه الصفحة حتّى تعرف ما يقول الحافظ.
قلت : اقرأ أنت ونحن نستمع.
فقرأ هذه العبارة : وإذا فرغت من الزيارة صلّ ركعتين صلاة الزيارة ، ثم قال : أليست نيّة القربة شرط في صحّة الصلاة؟! فالصلاة لغير الله سبحانه لا تجوز حتّى للنبيّ والإمام ، فالوقوف أمام القبور والصلاة بجانبها شرك بيّن ، وهو أكبر دليل على الكفر ، وهذا كتابكم سند معتبر وحجّة عليكم!
قلت : حيث طال بنا الجلوس والوقت لا يتّسع للجواب عن شبهاتكم ، فلنترك الجواب إلى الليلة القابلة إن شاء الله تعالى.
لكن أهل المجلس ـ شيعة وسنّة ـ كلّهم قالوا : نحن مستعدّون أن نبقى حتّى الصباح لنسمع جوابكم.
قلت : أسألك يا شيخ عبد السلام : هل ذهبت إلى زيارة أحد أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ؟ وهل رأيت بعينك أعمال الشيعة الزائرين لقبور أئمّتهمعليهمالسلام أم لا؟
الشيخ : لا إنّي لم أذهب إلى مزارات الأئمّة ، ولم اشاهد أعمال الشيعة هناك.
قلت : إذا كيف تقول : بأنّ الشيعة يصلّون متوجّهين لقبور الأئمّة؟! وتستدلّ به على كفر الشيعة! ثبّت العرش ثمّ انقش.
الشيخ : إنّما قلت هذا نقلا عن هذا الكتاب الذي بين يديّ ، فإنّه يقول : صلّ للإمام صلاة الزيارة!
قلت : ناولني الكتاب حتّى أعرف صحّة ما تقول.
فناولني الكتاب مفتوحا ، فرأيت تلك الصفحة تنقل كيفية زيارة
عليّ بن أبي طالبعليهالسلام . فقلت : أيّها الجمع الحاضر! إنّي أقرأ عليكم مقتطفات وجمل من هذه الزيارة حتّى نصل إلى تلك العبارة التي يذكرها الشيخ ، ثمّ أنتم أنصفوا واقضوا بيننا وبين الشيخ عبد السلام والحافظ محمد رشيد.
في آداب زيارة أمير المؤمنينعليهالسلام
إذا وصل الزائر إلى خندق الكوفة يقف ويقول :
الله اكبر ، الله أكبر أهل الكبرياء والمجد والعظمة ، الله أكبر أهل التكبير والتقديس والتسبيح والآلاء ، الله أكبر ممّا أخاف وأحذر ، الله أكبر عمادي وعليه أتوكّل ، الله أكبر رجائي وإليه انيب إلى آخره.
وإذا وصل إلى بوّابة المدينة (النجف) فليقل :
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله ...إلى آخره.
وإذا وصل إلى الباب الأوّل من الروضة المقدّسة فليقل بعد حمد الله تعالى :أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له إلى آخره.
وإذا وصل إلى الباب الثاني فليقل : أشهد أن لا إله إلاّ الله ...إلى آخره.
وإذا أراد أن يدخل الروضة المقدّسة يستأذن الله تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمّة والملائكة.
وبعد ذلك يستلم القبر الشريف فيسلّم على النبيّ وعلى أمير المؤمنين وعلى آدم ونوح إلى آخره.
والعبارة التي هي محلّ الشاهد للشيخ عبد السّلام ولنا هي : ثمّ صلّ ثلاث صلوات ثنائية ، ركعتان هديّة لأمير المؤمنينعليهالسلام ، وركعتان هديّة لآدم أبي البشر ، وركعتان هديّة لنوح شيخ الأنبياء ، لأنّهما مدفونان عند قبر أبي الحسن أمير المؤمنينعليهالسلام .
«صلاة الزيارة والدعاء بعدها»
هل صلاة الهديّة شرك؟!
ألم ترد روايات في صلاة الهديّة للوالدين وغيرهما من المؤمنين؟!
فإذا نوى الزائر : أصلي ركعتين هديّة لأمير المؤمنينعليهالسلام قربة إلى الله تعالى هل هذا شرك؟!
فقد جرت العادة عند الناس وكذلك المؤمنين ، أنّ كلّ من يذهب لزيارة أحبابه يأخذ معه هديّة ، ونجد في أكثر كتب الأخبار والأحاديث فصلا في استحباب وثواب هديّة المؤمن لأخيه وقبولها منه.
والزائر لمّا يصل إلى قبر من يحبّه وهو يعلم أنّ الصلاة أحبّ شيء إلى مزوره ، فيصلّي ركعتين قربة إلى الله تعالى ويهدي ثوابها إلى المزور.
والمعترضون لو كانوا يواصلون مطالعتهم ويقرءوا الدعاء بعد صلاة الزيارة ، لعرفوا خطأهم وتيقّنوا أنّ عمل الشيعة عند زيارة أئمّتهمعليهمالسلام ، وصلاة ركعتي الزيارة ليس بشرك ، بل هو التوحيد وكمال العبادة لله عزّ وجلّ.
واعلموا أنّ الشيعة إنّما يزورون الإمام عليّ والأئمّة من ولدهعليهمالسلام ،
لأنّهم عباد الله الصالحون وأوصياء رسوله الصادقون.
وأمّا عبارة الرواية فهي كما يلي ، على خلاف ما قاله الشيخ عبد السلام : «بأن يقف بجانب القبر يصلّي» بل العبارة :
«أن يقف مستقبل القبلة ممّا يلي رأس الإمام عليّعليهالسلام » فيصبح القبر على يسار المصلّي ، فيقول : اللهمّ إنّي صلّيت هاتين الركعتين هديّة منّي إلى سيّدي ومولاي ، وليّك وأخي رسولك ، أمير المؤمنين ، وسيّد الوصيّين ، عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه وعلى آله ، اللهمّ فصلّ على محمّد وآل محمّد وتقبّلها منّي وأجزني على ذلك جزاء المحسنين ، اللهمّ لك صلّيت ولك ركعت ولك سجدت ، وحدك لا شريك لك ، لأنّه لا تجوز الصلاة والركوع والسجود إلاّ لك ، لأنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت.
بالله عليكم أيّها الحاضرون! أنصفوا ، أيّ عمل من هذه الأعمال يستوجب الشرك بالله تعالى؟!
الشيخ عبد السّلام : عجبا ألا تجد هذه العبارة تقول : ثم قبّل العتبة وادخل الحرم.
ألم يكن هذا العمل سجودا لصاحب القبر؟!
والسجود لغير الله شرك.
«تقبيل قبور الأئمّةعليهمالسلام وعتبة روضاتهم المقدّسة»
قلت : إنّ جنابك تغالط في البحث ، إذ تفسّر تقبيل العتبة بالسجود ، ثمّ تحمل ذلك على الشرك بالله سبحانه!! وإذا كنتم في حضورنا تفسّرون كلامنا هكذا ، فلا بدّ في غيابنا وخاصّة أمام أتباعكم
من العوامّ والجاهلين ، تثبتون كفرنا!!
وأمّا الجواب : فإنّ الوارد في هذا الكتاب وغيره من كتب الزيارات يقول : إنّ الزائر تأدّبا يقبّل العتبة ليت شعري بأيّ دليل تفسّرون القبلة بالسجود؟!
وأين ورد نهي عن تقبيل قبور الأنبياء وأوصيائهم وغيرهم من أولياء الله الصالحين ، وتقبيل أعتابهم المقدّسة؟! أفي القرآن الحكيم؟! أم في الحديث الشريف؟!
ثمّ بأيّ دليل تعدّون هذا العمل شركا بالله العظيم؟!
والعجيب أنّ عوامّكم يصنعون بقبر أبي حنيفة والشيخ عبد القادر أكثر ممّا تصنعه الشيعة بقبور أئمّة أهل البيتعليهمالسلام .
وإنّي اشهد الله العلي العظيم ، فقد ذهبت يوما الى قبر أبي حنيفة في بغداد ، في محلّة الأعظمية ، فرأيت جماعة من أهل السنّة الهنود ، سقطوا على الأرض كالساجدين وقبّلوا التراب!!
وحيث إنّي لم أنظر إليهم بعين الحقد والعداء ، ولم يكن عندي دليل على أنّ عملهم كفر وشرك ، لم أنقل هذا الموضوع في أيّ مجلس ، ولم انتقد عملهم ، بل تلقّيته أمرا عاديا.
لأنّي أعلم أنّهم ما وقعوا على الأرض بنيّة السجود لصاحب القبر ، وإنّما صدر ذلك منهم لمحبّتهم لصاحب القبر ، وهذا أمر بديهي.
فاعلم يا شيخ! وليعلم الحاضرون! إنّ أيّ زائر شيعي عالم أو جاهل حاشا أن يسجد لغير الله تعالى ، وإنّ كلامكم عن الشيعة : بأنّهم يسجدون لائمّتهم ، كذب وافتراء علينا!!
وعلى فرض أنّ الزائر يجعل جبهته على التراب أمام القبر ، ولكن
لمّا لم يقصد السجود لصاحب القبر وإنّما يريد بذلك احترامه وإظهار محبّته له ، فلا يكون فيه بأس وإشكال.
الشيخ عبد السلام : كيف يعقل أن يهوي إنسان إلى الأرض ويجعل جبهته على التراب ومع ذلك لا يكون عمله سجودا؟!
قلت : لأنّ الأعمال بالنيّات ، فإذا فعل أحد ذلك ولم ينوي السجود فلا نحسب عمله سجودا(١) كما فعل إخوان يوسف الصدّيق له ، ولم يمنعهم يوسف ولا أبوهم يعقوب من ذلك ، والله سبحانه يخبر بعملهم ويحكيه ولا يقبّحه ، فيقول :( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ) (٢) .
وكم من موضع من الذكر الحكيم يخبر الله عزّ وجلّ فيه عن سجود الملائكة لآدم بأمر منه سبحانه.
فحسب كلامكم ، فإنّ إخوة يوسف الصدّيق والملائكة كلّهم مشركون ، إلاّ إبليس لأنّه لم يسجد!! والحال لم يكن كذلك ، وإنّما جعل الله سبحانه اللعن على إبليس وأخرجه من الجنّة.
وأمّا جوابي لجناب الحافظ ، وإن كان الوقت لا يتسع له ، ولكن ابيّنه باختصار :
__________________
(١) بل هذا العمل سجود ولكن لم يكن محرّما ، لأنّ الساجد لم ينو عبادة المسجود ، وإنّما ينوي بذلك احترامه ، والقرآن الكريم يصرّح ويقول :( وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ) ويقول عن الملائكة : كما في سورة البقرة ، الآية ٣٤ :( فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ ) .
«المترجم».
(٢) سورة يوسف ، الآية ١٠٠.
بقاء الروح بعد الموت
إنّ شبهتكم حول الشيعة بأنّهم لما ذا يطلبون حوائجهم عند قبور الأموات؟!
إنّما هو كلام المادّيّين والطبيعيّين ، فإنّهم لا يعتقدون بالحياة بعد الموت ، والله سبحانه يحكي قولهم في القرآن إذ قالوا :( إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) (١) .
وأمّا الاعتقاد بالحياة بعد الموت ، وأنّ الجسم يبلى بالموت ولكن الروح باقية ، فهو من ضروريّات دين الإسلام ، وبالأخصّ حياة الشهداء ، فقد صرّح بها القرآن الكريم بقوله :( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (٢) إلى آخره
فهل يمكن للميّت الفرح والسرور والارتزاق؟! لا!
ولذلك فإنّ الآية الكريمة تصرّح بأنّهم :( أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) فكما أنّهم يفرحون ويرزقون ، فهم يسمعون الكلام ويجيبون ، ولكن حجاب المادّة على مسامعنا مانع من إحساسنا بكلامهم واستماع جوابهم.
وقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام في زيارة جدّه سيّد الشهداء الحسينعليهالسلام قوله : يا أبا عبد الله أشهد أنّك تشهد مقامي وتسمع كلامي وأنّك حيّ عند ربّك ترزق ، فاسأل ربّك وربّي في
__________________
(١) سورة المؤمنون ، الآية ٣٧.
(٢) سورة آل عمران ، الآية ١٦٩ و ١٧٠.
قضاء حوائجي.
وجاء في الخطبة ٨٦ من نهج البلاغة عن الإمام عليّعليهالسلام إذ يعرّف فيها أهل البيتعليهمالسلام ويصفهم ، فيقول :
أيّها الناس! خذوها من خاتم النبيّين : إنّه يموت من مات منّا وليس بميّت ، ويبلى من بلي منّا وليس ببال.
قال ابن أبي الحديد والميثمي والشّيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية ، قالوا في شرح هذه الكلمات ما ملخّصه :
«إنّ أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يكونوا في الحقيقة أمواتا كسائر الناس»(١) فنقف عند قبور أهل البيتعليهمالسلام والعترة الهادية ولا نحسبهم أمواتا بل هم أحياء عند ربّهم ، ونحن نتكلّم معهم كما تتكلمون أنتم مع من حولكم من الأحياء ، فنحن لا نعبد الأموات كما تزعمون وتفترون علينا ، بل نعبد الله سبحانه الذي يحفظ أجساد الصالحين من البلى ، ويبقي أرواح العالمين بعد ارتحالهم من الدنيا(٢) .
__________________
(١) نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج ٦ / ٣٧٣ / ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
(٢) أرى من المناسب أن أنقل للقارىء الكريم صورة الاستئذان المكتوبة على أبواب المشاهد المقدّسة عند الدخول إلى روضتهم وزيارة مراقدهم المشرّفة ، وهي :
بسم الله الرحمن الرحيم اللهمّ
إنّي وقفت على باب من أبواب بيوت نبيّك صلواتك عليه وآله ، وقد أمرت الناس أن لا يدخلوا إلاّ بإذنه فقلت : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ) وإنّي أعتقد حرمة صاحب هذا المشهد الشريف في غيبته كما أعتقدها في حضرته ، وأعلم أنّه حيّ عندك مرزوق ، وأنّه يشهد مقامي ، ويسمع كلامي ، ويردّ سلامي ، وأنّك حجبت عن سمعي كلامهم ، وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم ، وإنّي أستأذنك يا ربّ أوّلا ، وأستأذن رسولك صلواتك عليه وآله
وأنتم ألا تحسبون عليّاعليهالسلام ، وابنه الحسين والّذين استشهدوا بين يديه ، وكذلك أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الذين قتلوا في بدر وحنين وغيرهما من غزواته ، شهداء؟!
وهل إنّكم لا تعتقدون أنّ هؤلاء الصفوة ضحّوا بأنفسهم في سبيل الله وثاروا على ظلم بني أميّة وكفر يزيد ، وأنّهم أنقذوا الدين الحنيف من براثن آل أبي سفيان ، وروّوا بدمائهم شجرة التوحيد والنبوّة؟؟
فكما إنّ أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خاضوا المعارك وجاهدوا في سبيل الله وقاتلوا أعداء الدين وكافحوا معارضي النبوة ومخالفي الرسالة لنشر الإسلام وإعلاء كلمة الحقّ ، كذلك الإمام عليّعليهالسلام وابنه الحسين وأصحابهما فقد جاهدوا في سبيل الله تعالى لإبقاء دينه وإنقاذ الإسلام حتّى قتلوا واستشهدوا في سبيل الله.
وكلّ من عنده أدنى اطّلاع على تاريخ الإسلام بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يعلم بأنّ آل أبي سفيان وخاصة يزيد بن معاوية وأعوانه كادوا يقضون على الإسلام ويحرّفونه عن مواضعه الإلهيّة بأعمالهم الإلحادية ، وإنّ خطر هؤلاء المنافقين كان أشدّ على الإسلام والمسلمين من الكفّار والمشركين.
__________________
ثانيا ، وأستأذن خليفتك المفروض عليّ طاعته والملائكة المقرّبين الموكّلين بهذه البقعة المباركة ثالثا.
أأدخل يا الله ، أأدخل يا رسول الله ، أأدخل يا حجة الله؟ فاذن لي يا مولاي بالدخول أفضل ما أذنت لاحد من أوليائك ، فإن لم أكن أهلا لذلك فأنت أهل لذلك. والسلام عليكم يا أهل بيت النبوّة جميعا ورحمة الله وبركاته.
«المترجم»
والتاريخ يشهد أن لو لا نهضة الإمام الحسين سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجهاد أصحابه الكرام مستميتين ، لتمكّن يزيد بن معاوية أن يحقّق هدف سلفه المنافقين الفجرة ، وهو تشويه الإسلام وتغييره إلى الكفر والجاهلية الأولى.
فالحسين السبط وأنصاره وأصحابه الكرامعليهمالسلام وإن سالت دماؤهم واستشهدوا ، إلاّ أنّهم فضحوا يزيد وحزبه وسلفه الفاسقين ، وكشفوا عنهم الستار وعرّفوهم للمسلمين.
دفاع الشيخ عبد السلام عن معاوية ويزيد
الشيخ : إنّي أتعجّب منك إذ تصرّح بكفر يزيد وهو خليفة المسلمين المنصوب من قبل معاوية ، وهو خال المؤمنين وخليفتهم ، وقد جعله عمر الفاروق والخليفة المظلوم عثمان واليا على بلاد الشام في طيلة أيّام خلافتهما.
ولمّا رأى المسلمون أهليته وكفاءته للحكم بايعوه بالخلافة ، وهو جعل ابنه يزيد وليّ العهد ليكون خليفته من بعده ، ورضي به المسلمون فبايعوه بالخلافة!
فأنت حينما تعلن كفر يزيد وسلفه ، فقد أهنت جميع المسلمين الّذين بايعوه بالخلافة ، وأهنت خال المؤمنين ، بل أهنت الخليفتين الراشدين اللذين عيّنا معاوية واليا وممثّلا عنهما في بلاد الشام!!
ولا نجد في التاريخ عملا ارتكبه يزيد فيكون سبب كفره وارتداده ، فهو كان مؤمنا مصلّيا وعاملا بالإسلام ، إلاّ أنّ عامله على العراق ، قتل سبط النبيّ وريحانته وسبى حريمه وعياله وأرسلهم إلى
يزيد في الشام!! فلمّا وصلوا إلى مجلس يزيد حزن واعتذر من أهل البيت واستغفر الله من أعمال الظالمين.
وإنّ الإمام الغزّالي والدميري أثبتا براءة الخليفة يزيد من دم الحسين بن عليّ وأصحابه ، فما تقولون؟!
ولو فرضنا أنّ وقائع عاشوراء الأليمة وفجائع كربلاء كانت بأمر من يزيد بن معاوية ، فإنّه تاب بعد ذلك واستغفر الله سبحانه ، والله غفور رحيم!!
ردّنا على كلام الشيخ
قلت : ما كنت أظنّ أنّ التعصّب يبلغ بك إلى حدّ الدفاع عن يزيد العنيد!
وأمّا قولك : إنّ الخليفتين نصبا معاوية واليا وهو عيّن ولده يزيد خليفة على المسلمين فتجب طاعته عليهم! فهو كلام مردود عند العقلاء ولا سيّما في هذا العصر عصر الديمقراطية.
ثمّ إنّ هذا الكلام لا يبرّر موقف معاوية وعمل يزيد ، بل هو يؤيّد كلامنا ويدلّ على صحّة معتقدنا بأنّه يلزم أن يكون الخليفة معصوما ومنصوبا من عند الله سبحانه ، حتّى لا تبتلى الامّة برجل كيزيد ونظرائه.
وأمّا قولك : إنّ الإمام الغزّالي أو الدميري وأمثالهما دافعوا عن يزيد وبرّءوا ساحته عن فضائح الأعمال الشنيعة والجرائم القبيحة ، لا سيّما قتل سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسينعليهالسلام !
فأقول : أولئك أيضا أعمتهم العصبية مثلكم ، وقد قيل : إنّ حبّ الشيء يعمي ويصمّ ، وإلاّ فأيّ إنسان منصف ، وأيّ عاقل عادل يبرّئ ذمّة يزيد العنيد من دم السبط الشهيد وأصحابه الأماجد؟!
وأيّ عالم متديّن ملتزم بالحقّ تسوغ نفسه ويسمح له دينه وعلمه أن يدافع عن مثل يزيد العنيد؟!
وأمّا قولك : إنّ قتل الحسين ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما كان بأمره ، وأنّه اعتذر من أهل البيت وتاب واستغفر عن فعل عامله ، فلو كان كذلك فلما ذا لم يحاكم ابن زياد ولم يعاقب قتلة الحسينعليهالسلام ؟!
ولما ذا لم يعزل اولئك المجرمين عن مناصبهم وهم شرطته وجلاوزته وأعوان حكومته؟!
ثم من أين تقولون إنّه تاب واستغفر؟! وكيف تجزمون وتحتّمون بأنّ الله سبحانه وتعالى قبل توبته وغفر له؟!
صحيح ، إنّ الله عزّ وجلّ غفور رحيم ، ولكن للتوبة شروط :
أوّلها : ردّ حقوق الناس ، فهل ردّ يزيد حقوق أهل البيت والعترة الطاهرة؟!
ثم إنّ فضائح يزيد وقبائحه لم تنحصر في قتل السبط الشهيد وسبي نسائه ونهب أمواله وحرق خيامه إلى آخره ، بل إنكاره ضروريات الدين ، ومخالفته القرآن الكريم ، وتظاهره بالفسق والمعاصي ، كلّ واحد منها دليل على كفره وإلحاده.
النوّاب : أرجوك أن تبيّن لنا دلائلكم على كفر يزيد حتّى نعرف الحقيقة ونتّبع الحقّ.
دلائل كفر يزيد العنيد
قلت : من الدلائل الواضحة على كفر يزيد بن معاوية مخالفته لحكم الله سبحانه في حرمة شرب الخمر ، فإنّه كان يشرب ويتفاخر بذلك في أشعاره ، فقد قال وثبت في ديوانه المطبوع :
شميسة كرم برجها قعر دنّها |
فمشرقها الساقي ومغربها فمي |
|
فإن حرمت يوما على دين أحمد |
فخذها على دين المسيح بن مريم |
وقال أيضا كما في ديوانه :
أقول لصحب ضمّت الكاس شملهم |
وداعي صبابات الهوى يترنّم |
|
خذوا بنصيب من نعيم ولذّة |
فكلّ وإن طال المدى يتصرّم |
فهو في هذه الأبيات يدعو إلى شرب الخمر وإلى لذّة الدنيا ونعيمها بالخمر وينكر الآخرة ، ومن شعره في إنكار الآخرة والمعاد ، ما نقله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه : «الردّ على المتعصّب العنيد ، المانع عن لعن يزيد لعنه الله» وهو :
ع ليّة هاتي ناولي وترنّمي |
حديثك إنّي لا أحبّ التناجيا |
|
فإنّ الذي حدّثت عن يوم بعثنا |
أحاديث زور تترك القلب ساهيا |
ومن كفريّاته :
يا معشر الندمان قوموا |
واسمعوا صوت الأغاني |
|
واشربوا كأس مدام |
واتركوا ذكر المعاني |
|
شغلتني نغمة العيدان |
عن صوت الأذان |
|
وتعوّضت عن الحور |
عجوزا في الدنان |
ومن الدلائل الواضحة على كفر يزيد وارتداده ، أشعاره الإلحادية وكفريّاته التي أنشدها بعد مقتل السبط الشهيد سيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن عليّ عليهما السّلام.
فقد ذكر سبط ابن الجوزي في كتابه ـ التذكرة : ص ١٤٨ ـ قال : لمّا جاءوا بأهل البيت إلى الشام سبايا ، كان يزيد جالسا في قصره ، مشرفا على محلّة جيرون ، فأنشد قائلا :
لمّا بدت تلك الرءوس وأشرقت |
تلك الشموس على ربى جيرون |
|
نعب الغراب فقلت : نح أو لا تنح |
فلقد قضيت من النبيّ ديوني |
ومن الدلائل على كفر يزيد العنيد لعنه الله : فقد ذكر المؤرّخون كلّهم ، أنّ يزيد احتفل بقتل الإمام أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ودعا إلى ذلك المجلس كبار اليهود والنصارى ، وجعل رأس السبط الشهيد سيّد شباب أهل الجنّة أمامه ، وأنشد أشعار ابن الزبعرى :
ليت أشياخي ببدر شهدوا |
جزع الخزرج من وقع الأسل |
|
«لأهلّوا واستهلّوا فرحا |
ثمّ قالوا : يا يزيد لا تشل» |
قد قتلنا القرم من ساداتهم |
وعدلناه ببدر فاعتدل |
|
لعبت هاشم بالملك فلا |
خبر جاء ولا وحي نزل |
|
لست من خندف إن لم أنتقم |
من بني أحمد ما كان فعل |
|
«قد أخذنا من عليّ ثارنا |
وقتلنا الفارس الليث البطل» |
والظاهر أنّ البيت الثاني والأخير ليزيد نفسه.
وقد كتب بعض علمائكم مثل : أبي الفرج ابن الجوزي ، والشيخ عبد الله بن محمد بن عامر الشبراوي في كتاب الإتحاف بحب الأشراف : ص ١٨ ، والخطيب الخوارزمي في الجزء الثاني من كتابه «مقتل الحسين».
صرّحوا : إنّ يزيد لعنه الله كان يضرب ثنايا أبي عبد الله الحسين بمقصرته ويترنّم بهذه الأبيات التي نقلناها.
جواز لعن يزيد
إنّ أكثر علمائكم قالوا بكفر يزيد ، منهم : الإمام أحمد بن حنبل ، وكثير من علمائكم جوّزوا لعنه ، منهم : ابن الجوزي الذي صنّف كتابا في الموضوع وسمّاه : «الردّ على المتعصّب العنيد المانع عن لعن يزيد لعنه الله» ولنعم ما قال أبو العلاء المعرّي :
أرى الأيّام تفعل كلّ نكر |
فما أنا في العجائب مستزيد |
|
أليس قريشكم قتلت حسينا |
وكان على خلافتكم يزيد!! |
وهناك عدد من علمائكم الّذين أعمتهم العصبية الاموية ، وضربت على عقولهم حجب الجاهلية ، أمثال : الغزّالي ، فأخذوا جانب يزيد وذكروا أعذارا مضحكة لأعماله الإجرامية!!
ولكن أكثر علمائكم كتبوا عن جنايات يزيد وعدوّه كافرا ، وساعيا في محو الإسلام وإطفاء نور الله عزّ وجلّ ، وذكروا له أعمالا منافية للتعاليم الإسلامية والأحكام الإلهيّة.
فقد نقل الدميري في كتابه «حياة الحيوان» والمسعودي في «مروج الذهب» وغيرهما ، ذكروا : إنّ يزيد كان يملك قرودا كثيرة وكان يحبها فيلبسها الحرير والذهب ويركبها الخيل ، وكذلك كانت له كلاب كثيرة يقلّدها بقلائد من ذهب ، وكان يغسلها بيده ويسقيها الماء بأواني من ذهب ثمّ يشرب سؤرها ، وكان مدمنا على الخمر!!
وقال المسعودي في مروج الذهب ج ٢ : إنّ سيرة يزيد كانت مثل سيرة فرعون ، بل كان فرعون أقلّ ظلما من يزيد في الرعية ، وإنّ حكومة يزيد صارت عارا كبيرا على الإسلام ، لأنّه ارتكب أعمالا شنيعة كشرب الخمر في العلن ، وقتل سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيّد شباب أهل الجنّة ، ولعن وصيّ خاتم النبيّين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، وقذف الكعبة بالحجارة وهدمها وحرقها ، وإباحته مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في وقعة الحرّة ، وارتكب من الجنايات والمنكرات والفسق والفجور ما لا يعدّ ولا يحصى وكل ذلك ينبئ عن أنّه غير مغفور له.
النوّاب : ما هي وقعة الحرّة؟ وما معنى إباحة المدينة المنوّرة بأمر يزيد؟؟!
قلت : ذكر المؤرّخون كلّهم من غير استثناء ، منهم : سبط ابن الجوزي في التذكرة : ٦٣ ، قال : إنّ جماعة من أهل المدينة في سنة ٦٢ هجرية دخلوا الشام وشاهدوا جرائم يزيد وأعماله القبيحة وعرفوا كفره وإلحاده ، فرجعوا إلى المدينة المنورة وأخبروا أهلها بكلّ ما رأوا ،
وشهدوا على كفر يزيد وارتداده ، فتكلّم عبد الله بن حنظلة ـ غسيل الملائكة ـ وكان معهم ، فقال :
أيّها الناس! لقد قدمنا من الشام من عند يزيد ، وهو رجل لا دين له ، ينكح الأمّهات والبنات والأخوات!! ويشرب الخمر ، ويدع الصلاة ، ويقتل أولاد النبيّين!!
فنقض الناس بيعتهم ولعنوا يزيد وأخرجوا عامله من المدينة ، وهو : عثمان بن محمد بن أبي سفيان.
فلمّا وصل الخبر إلى يزيد في الشام بعث مسلم بن عقبة على رأس جيش كبير من أهل الشام ، وأمرهم أن يدخلوا المدينة المنوّرة ويقتلوا فيها من شاءوا ويفعلوا كلّ ما أرادوا ثلاثة أيّام.
ذكر ابن الجوزي والمسعودي وغيرهما : إنّهم لمّا هجموا على مدينة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم قتلوا كلّ من وجدوه فيها حتّى سالت الدماء في الأزقّة والطرق ، وخاض الناس في الدماء حتّى وصلت الدماء قبر النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وامتلأت الروضة المقدّسة والمسجد بالدم ، وسميّت تلك الوقعة بالحرّة ، وكان ضحيّتها عشرة آلاف من عامة المسلمين وسبعمائة قتيل من وجوه أهل المدينة وأشراف المهاجرين والأنصار!!
وأمّا الأعراض التي هتكت والنواميس التي سلبت ، فإنّي أخجل أن أذكرها ، فقد ارتكبوا فضائح وقبائح يندى منها جبين الإنسانية ، ولكي تعرفوا شيئا قليلا من تلك الفجائع والشنائع ، أنقل لكم جملة واحدة من تذكرة سبط ابن الجوزي : ص ١٦٣ ، فإنّه روى عن أبي الحسن المدائني أنّه قال : ولدت ألف امرأة بعد وقعة الحرّة من غير زوج!!
نعم ، هذه نبذة من جرائم يزيد العنيد ، وعلى هذه فقس ما سواها.
الشيخ عبد السلام : كلّ ما ذكرته من أعمال يزيد إنّما يدلّ على فسقه ولا يدلّ على كفره ، والفسق عمل خلاف ، يغفره الله سبحانه ويعفو عن عامله إذا تاب واستغفر ، وإنّ يزيد تاب عن هذه الأعمال حتما ، واستغفر ربّه قطعا ، والله تعالى غفّار توّاب ، وقد غفر له كما يغفر لكلّ فاسق وعاص إذا تاب واستغفر ، فلما ذا أنتم تلعنون يزيد؟!
قلت : إنّ بعض المحامين من أجل المال يدافعون عن موكّليهم الى آخر فرصة حتى عند ما يظهر بطلان كلامهم واجرام موكّلهم! ولا أدري ما الذي تناله يا شيخ بهذا الدفاع المرير عن يزيد اللعين الشرير؟! فتكرّر كلامك الواهي من غير دليل وتقول : إنّ يزيد تاب واستغفر ، وإنّ الله سبحانه غفر له!
هل جئت من عند الباري عزّ وجلّ فتخبر بأنّه غفر ليزيد المجرم العنيد؟!
من أين تقول إنّه تاب؟! وليس لك دليل إلاّ ظنّك ، و( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (١) .
وإنّ جرائم يزيد المفجعة وأعماله الشنيعة مسطورة في التاريخ ولا يجحدها إلاّ المعاند المتعصّب.
هل في نظركم أنّ إنكار المبدأ والمعاد والوحي والرسالة لا يوجب الكفر؟!
وهل في نظركم أنّه لا يجوز لعن الظالمين والكافرين؟!
أم هل في نظركم أنّ يزيد ما كان كافرا ولا ظالما؟!
ولكي تعرف ويعرف الحاضرون حقيقة الأمر ، أسمعكم خبرين
__________________
(١) سورة يونس ، الآية ٣٦.
من صحاحكم :
١ ـ ذكر البخاري ومسلم في الصحيح ، والعلاّمة السمهودي في وفاء الوفاء وابن الجوزي في «الردّ على المتعصّب العنيد» وسبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواصّ» والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ، وغيرهم ، رووا عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا.
٢ ـ وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لعن الله من أخاف مدينتي ، أي : أهل مدينتي. فهل فاجعة الحرّة ، وسفك تلك الدماء ، وقتل المسلمين الأبرياء ، والتعدّي على أعراضهم ، وهتك حرماتهم ، واغتصاب بناتهم ونسائهم ، ونهب أموالهم ، ما أخافت أهل المدينة؟!
فعلى هذا فإنّ أكثر علمائكم يلعنون يزيد ، وقد كتبوا رسائل وكتبا في جواز لعنه ، منهم : العلاّمة عبد الله بن محمد بن عامر الشبراوي ، فقد ذكر في كتابه الإتحاف بحبّ الأشراف ص ٢٠ ، قال : لمّا ذكر يزيد عند الملاّ سعد الدين التفتازاني قال : لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه.
وذكروا أنّ العلاّمة السمهودي قال في كتابه «جواهر العقدين» : إنّه اتّفق العلماء على جواز لعن من قتل الحسينرضياللهعنه ، أو أمر بقتله ، أو أجازه ، أو رضي به من غير تعيين.
وأثبت ابن الجوزي ، وكذلك أبو يعلى والصالح بن أحمد بن حنبل ، كلّهم أثبتوا لعن يزيد بدليل آيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية شريفة.
ولا يسمح لي الوقت لأن أذكر أكثر ممّا ذكرت ، وفيه كفاية لمن أراد الهداية والابتعاد عن الغواية.
فالإمام الحسين بن عليّعليهمالسلام حقّه كثير وفضله كبير على الإسلام والإنسانية ، فقد جاهد وكافح مثل هذا الظالم الفاجر ، وفضحه في العالم ، وأنقذ الدين من براثن كفر يزيد وحزبه الظالمين الفاسقين المنافقين.
وإنّي أتأسّف لما يصدر منكم ، فبدلا من أن تقدّروا هذا الجهاد العظيم للحسين السبط ، وتقدّروا تضحياته القيّمة وتفانيه في سبيل الله سبحانه ، فتأبّنوه في كلّ عام وتحيوا يوم عاشوراء بتشكيل المجالس والمحافل ، وتقرءوا على المسلمين تاريخه المبارك ، وتلقوا على الناس خطبه وكلماته التي يبيّن فيها أسباب نهضته المقدّسة وأهدافه السامية ، ويفضح فيها يزيد وبني اميّة وحزبهم.
وبدل أن تذهبوا إلى زيارة مرقده الشريف وتقفوا أمامه وقفة إجلال وإكرام واحترام ، فتستلهموا منه الإيمان واليقين ، وتتعلّموا منه التضحية والتفاني في سبيل الدين.
بدل كلّ ذلك ، تعارضون الملايين من شيعته ومحبّيه الّذين يؤدّون له الاحترام ويقدّرون نهضته المباركة وجهاده العظيم ، وينظرون إليه نظرة إكبار وإجلال ، ويبكون ويحزنون لما أصابه من أعدائه الظالمين ، ويزورون مرقده المقدّس بلهفة وخشوع.
وإنّكم ترمونهم بالكفر والشرك ، وتعبّرون عن زيارة تلك المراقد المشرّفة بعبادة الأموات!!
رمز قبر الجنديّ المجهول
جرت العادة في أكثر بلاد العالم وخاصة البلاد المتقدّمة الاروبية والدول الحضارية ، أنّهم يشيّدون مبنى على شكل قبر رمزي باسم : الجندي المجهول ، ويصرفون أموالا باهظة في إنشائه ، ويعيّنون مديرا مسئولا وبإمرته موظفين لإدارته والمحافظة عليه.
فيأخذون ضيوف الدولة وهم شخصيّات البلدان الاخرى كرؤساء الجمهوريات ورؤساء الدول والوزراء والممثّلين عنهم ، إلى ذلك القبر الوهمي ، فيقفون وقفة خشوع واحترام ، ويؤدّون المراسم التي تنبئ عن إجلال وتعظيم ذلك المكان الذي ليس هو إلاّ قبر رمزي قام بنيانه وشيّدت أركانه لإحياء اسم الجندي الذي دافع عن وطنه وضحى نفسه في سبيل حرّيّة شعبه وبلاده.
ولم يكن في العالم ، ولا يوجد هناك عاقل يعارض هذا العمل وينهى عنه. بل كاد أن يكون من المراسم الواجبة عند الحكومات والدول المتقدّمة.
ولن نجدكم تعارضون الشيعة وتنكرون عملهم حينما يقفون أمام قبور شهداء الإسلام وخاصّة شهداء العترة الهادية وهم جنود الله سبحانه ، المعلومون المعرفون في السماوات والأرضين.
وتنقدون الشيعة لوقوفهم أمام تلك القبور التي لم تكن وهمية وخالية أو خيالية ، بل هي مراقد أطهار ومراكز أنوار ، تتضمّن أشخاصا كان لهم الأثر العظيم في بناء حضارة البشر وإنسانية الإنسان ، تتضمّن أجسادا تشعّ منها أنوار العلم والفضيلة ، وأنوار الإيمان والإحسان ،
وتذكّر زائريها بالمثل العليا وتلهمها الصبر والجهاد وصفات الأمجاد ، وكلّ خصال الخير والأخلاق الحميدة.
فالشيعي يقف أمام تلك القبور المقدّسة والمراقد الطاهرة ويخاطب أصحابها الّذين تحسبونهم أمواتا ، والله يقول :( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (١) .
لذلك يخاطبهم الشيعي فيقول :
«أنا سلم لمن سالمكم ، وحرب لمن حاربكم ، ووليّ لمن والاكم ، وعدوّ لمن عاداكم» وهو يعلن بهذه العبارات الرائعة أنّه سائر على خطّ الجهاد في سبيل الله تعالى ونيل الشهادة من أجل الدين والعقيدة وأنتم تنتقدون الشيعة وتنكرون عليهم زيارة تلك القبور المقدّسة!!
وطائفة اخرى ـ وهم الوهّابيّون ـ يهدمون تلك المراقد المباركة ، ويخرّبون تلك القباب الطاهرة ، ويهتكون حرمتها ، ويقتلون زوّارها ، كما حدث في سنة ١٢١٦ هجرية في الثامن عشر من شهر ذي الحجّة في يوم الغدير ، وكان أهالي كربلاء أكثرهم قد ذهبوا إلى زيارة مرقد الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام في النجف الأشرف ، وبقيت النساء والأطفال والعجزة والمرضى في المدينة ، فاغتنم الوهّابيّون هذه الفرصة وهجموا من الحجاز على كربلاء المقدّسة ، وهدموا قبر أبي عبد الله الحسينعليهالسلام وقبور الشهداء من صحبه الكرام ، ونهبوا خزانة الحرم الشريف التي كانت تحتوي على ثروة عظيمة لا تثمّن من هدايا الملوك وغيرهم.
وقد أبدوا وحشية وضراوة لا نظير لها ، فما رحموا حتّى النساء
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ١٦٩.
والأطفال والشيوخ والمرضى ، فقتلوا خلقا كثيرا حتّى بلغ عددهم أكثر من خمسة آلاف ، وأسروا جمعا آخر وساقوهم معهم فباعوهم في الأسواق!!
وهكذا صنعوا ما صنعوا وارتكبوا ما ارتكبوا باسم الدين المبين وشريعة سيّد المرسلين وهو منهم بريء ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
هدم قبور أهل البيتعليهمالسلام في البقيع
إنّ الأمم المتمدّنة في العالم تبني قبور شخصيّاتها من العلماء والقادة والملوك والزعماء وتحافظ عليها وتحترمها ، وحتّى القبور الوهمية والمراقد الرمزية باسم قبر الجندي المجهول.
ولكن مع الأسف الشديد ، إنّ فرقة من الّذين يدّعون أنّهم مسلمون ، ويزعمون أنّ مخالفيهم في عقائدهم الشاذّة التي ما أنزل الله بها من سلطان ، مشركون ، وهي الفرقة الوهّابيّة ، هجموا بكلّ وحشية ، بالأسلحة الفتّاكة ، الجارحة والنارية ، على مراقد أئمّة أهل البيت النبويعليهمالسلام ومنتسبيهم في البقيع بالمدينة المنوّرة وهدموا قبابهم المقدّسة ، وساووا قبورهم ومراقدهم الطاهرة بالأرض ، وسحقوها سحقا ، وذلك في اليوم الثامن من شوّال سنة ١٣٢٤ هجرية.
فكأنّهم أسفوا على عدم وجودهم مع أسلافهم الّذين رشقوا جنازة الحسن المجتبى السبط الأكبر للنبي المصطفى بالسهام والنبال ، أو مع أسلافهم الّذين سحقوا جسد الحسين الشهيد سبط الرسول وقرّة عين الزهراء البتول وأجساد أهله وأنصاره المستشهدين معه بخيولهم.
ولكن إذا لم يدركوا ذلك الزمان ولم ينالوا من أجساد آل النبي
الكرام ، فقد نالوا من قبورهم وسحقوا مراقدهم المقدّسة!
فتلك قبور أبناء رسول الله وعترته الطاهرة في البقيع ، وقبور شهداء احد وسيّدهم حمزة سيّد الشهداءعليهمالسلام في احد ، وقبور غيرهم من الصحابة الكرام ، مهدومة مهجورة ، ليس هناك سقف يستظلّ به الزائرون ، ولا مصباح وسراج يستضيء بنوره الوافدون ، بمرأى من المسلمين ، وهم أحقّ من غيرهم بحفظ تلك المعالم الفاخرة والمراقد الطاهرة ، فقد قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : حرمة المسلم ميّتا كحرمته حيّا. وكم عندنا وعندكم من الأخبار الصحيحة المرويّة في فضل زيارة قبور المؤمنين ، وأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يذهب إلى البقيع ويستغفر للأموات ولنعم ما قيل :
لمن القبور الدراسات بطيبة |
عفّت لها أهل الشقا آثارا |
|
قل للذي أفتى بهدم قبورهم |
أن سوف تصلى في القيامة نارا |
|
أعلمت أيّ مراقد هدّمتها؟! |
هي للملائك لا تزال مزارا |
فلم هذه المعاملة السيّئة مع آل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ومع أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ؟! وهم الّذين جعلهم الله عزّ وجلّ في المرتبة العليا والدرجة العظمى ، وجعلهم سادة المسلمين وقادة المؤمنين.
الحافظ : إنّكم تغالون في حقّ أئمّتكم ، ما الفرق بينهم وبين سائر أئمة المسلمين؟! إلاّ أنّهم يمتازون بانتسابهم إلى النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ، وليس لهم أيّ فضل آخر على غيرهم!
قلت : هذا مقال من يجهل قدرهم ولا يعرف شأنهم ومقامهم! ولو تركتم التعصّب والعناد ، ودرستم حياتهم وسيرتهم دراسة تحقيق وإمعان ، لعرفتم كيف هم أفضل من أئمّتكم ، ولا قررتم أنّ أئمّتنا هم
وحدهم يمثّلون جدّهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في علمه وحلمه وصفاته وأخلاقه وسيرته وسلوكه.
وبما أنّ الوقت لا يتّسع لخوض هذا البحث أختم حديثي وأدع هذا المبحث الهامّ إلى مجلس آخر إن شاء الله تعالى.
فوافق الحاضرون كلّهم وتركوا المجلس مودّعين ، فخرجت إلى الباب لتوديعهم أيضا.
المجلس الرابع ليلة
الاثنين ٢٦ / رجب
في أوّل المغرب دخل ثلاثة من أهل السنّة من غير العلماء ، وكانوا من الحاضرين في المجالس السابقة ، وقالوا : جئنا قبل الآخرين لنقول لسماحتكم : إنّ حديث الناس في كلّ مكان ، في الدوائر الحكومية والمتاجر ، وحتّى في الحوانيت ، يدور حول مناظرتكم وحواركم مع علمائنا ، وإنّ الصحف التي تنشر هذا الحوار مهما كثرت نسخها فهي مع ذلك تنفد في أوّل ساعة من نشرها.
ويشاهد في كلّ نقطة وزاوية من البلد شخص بيده صحيفة يقرأ حديثكم بصوت عال وحوله جمع غفير من الناس يستمعون إليه وهم يتابعون حواركم وحديثكم بكلّ لهفة واشتياق.
اعلم يا سيّد! إنّ مجتمعنا متعطّش لفهم هذه الحقائق التي طالما أخفاها علماؤنا! فنرجوك يا مولانا أن تكشف أستار الظلام وتزيل الأوهام أكثر فأكثر ، لتتنوّر أفكار الناس لا سيّما العوامّ ، فيعرفوا حقائق الإسلام.
ونرجوك أن تبسط لنا المواضيع المطروحة وتبيّنها من غير تكلّف ، ببيان وكلام سهل نفهمه نحن العامّة والسوقة.
فإنّ الناس إذا عرفوا عقائدكم وفهموا مذهبكم سيتقبّلونه ويعتنقونه ، وسيتمسّكون بعقائدكم لأنّها مبنيّة على أساس القرآن والأحاديث الصحيحة المروية في كتبنا وهي أقرب إلى الفطرة والعقل.
والله يا سيّد إنّ كلامك بعث الوعي في مجتمعنا ، فكأنّهم كانوا نياما فانتبهوا وكانوا عميا فأبصروا.
نحن وأهل بلدنا كنّا نسمع منذ الطفولة من علمائنا ومشايخنا بأنّ الشيعة مشركون وكفّار وأنّهم من أهل النار!
ولكن بفضل حديثكم في الليالي الماضية عرفنا أنّ شيعة أهل البيت هم المسلمون حقّا ، فهم أتباع النبيّ وأهل بيته ، وعرفنا أنّ ما يقوله مشايخنا وعلماؤنا عن الشيعة كلّه كذب وافتراء ، فالشيعة إخواننا في الدين.
قلت : إنّي أشكركم على حسن فهمكم واتباعكم للحق بعد ما عرفتموه ، واشكركم على هذا الكلام النابع من قلوبكم الصافية ونفوسكم الزاكية.
ثمّ استأذنت منهم لأصلّي العشاء ، وبينما أنا في الصلاة إذ دخل سائر الإخوة من العلماء وغيرهم ، فأنهيت الصلاة والدعاء ، وأقبلت نحوهم وسلّمت عليهم ورحّبت بهم.
فقال النوّاب : لقد قرّرت في الليلة الماضية أن تحدّثنا عن مقام أئمّتكم واعتقادكم في حقّهم ، لأنّنا نحبّ أن نعرف ما هو الاختلاف بيننا وبينكم حول الأئمّة.
قلت : لا مانع لدي من ذلك إذا يسمح العلماء الأعلام والحاضرون الكرام.
الحافظ : ـ وهو منخطف اللون ـ : لا مانع لدينا أيضا.
معنى الإمام في اللغة
قلت : إنّ العلماء في المجلس يعرفون إنّ لكلمة الإمام معان عديدة في اللغة ، منها : المقتدى.
فإمام الجماعة هو الذي تقتدي به جماعة المصلّين وتتابعه في أفعال الصلاة كالقيام والقعود والركوع والسجود.
وأئمّة المذاهب الأربعة هم فقهاء بيّنوا لأتباعهم أحكام الإسلام ومسائل الدين ، واجتهدوا فيها واستنبطوها من القرآن والسنّة الشريفة بالقياس والاستحسانات العقلية ، فلذلك لمّا نطالع كتبهم نرى في آرائهم وأقوالهم ، في الاصول والفروع ، اختلافا كثيرا.
ويوجد مثل الأئمّة الأربعة في كلّ دين ومذهب ، وحتّى في مذهب الشيعة ، وهم العلماء الفقهاء الّذين يرجع إليهم الناس في امور دينهم ويعملون بأقوالهم ويقلّدونهم في الأحكام الشرعية والمسائل الدينية ، ومقام هؤلاء المراجع عندنا كمقام الأئمّة الأربعة عندكم ، وهم في هذا العصر الذي غاب فيه عن الأنظار الإمام المعصوم المنصوص عليه من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
يستنبطون الأحكام الشرعية ويستخرجون المسائل الدينية على أساس القرآن والسنّة والإجماع والعقل ، فيفتون بها ، وللعوامّ أن يتّبعوهم ويقلّدوهم ، وفي اصطلاح مذهبنا نسمّيهم : مراجع الدين ،
والواحد منهم : المرجع الديني.
سدّ باب الاجتهاد عند العامّة
كان الأئمّة الأربعة حسب زعمكم فقهاء أصحاب رأي وفتوى في المسائل الدينية ومستندهم : الكتاب والسنّة والقياس. فهنا سؤال يطرح نفسه وهو :
إنّ الفقهاء وأصحاب الرأي والفتوى عددهم أكثر من أربعة ، وأكثر من أربعين ، وأكثر من أربعمائة ، وأكثر وكانوا قبل الأئمة الأربعة وبعدهم ، وكثير منهم كانوا معاصرين للأئمّة الأربعة ، فلما ذا انحصرت المذاهب في أربعة؟!
ولما ذا اعترفتم بأربعة من الفقهاء وفضّلتموهم على غيرهم وجعلتموهم أئمّة؟!
من أين جاء هذا الحصر؟!
ولما ذا هذا الجمود؟!
نحن وأنتم نعتقد أنّ الإسلام قد نسخ الأديان التي جاءت قبله ، ولا يأتي دين بعده ، فهو دين الناس إلى يوم القيامة ، قال تعالى :( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ) (١) .
فكيف يمكن لهذا الدين الحنيف أن يساير الزمن والعلم في الاختراعات والاكتشافات والصناعات المتطوّرة ، ولكلّ منها مسائل مستحدثة تتطلّب إجابات علمية؟!
فإذا أغلقنا باب الاجتهاد ولم نسمح للفقهاء أن يبدوا رأيهم
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ٨٥.
ويظهروا نظرهم ـ كما فعلتم أنتم بعد الأئمّة الأربعة ـ فمن يجيب عن المسائل المستحدثة؟!
وكم ظهر بينكم بعد الأئمّة الأربعة فقهاء أفقه منهم ، ولكنّكم ما أخذتم بأقوالهم وما عملتم بآرائهم! فلما ذا ترجّحون اولئك الأربعة على غيرهم من الفقهاء والعلماء لا سيّما على الأفقه والأعلم منهم؟! أليس هذا ترجيح بلا مرجّح ، وهو قبيح عند العقلاء؟!
انفتاح باب الاجتهاد عند الشيعة
ولكن في مذهبنا نعتقد : أنّ في مثل هذا الزمان وبما أنّ الإمام المعصوم غائب عن الأبصار ، فباب الاجتهاد مفتوح غير مغلق ، والرأي غير محتكر ، بل كلّ صاحب رأي حرّ في إظهار رأيه ، شريطة أن يكون مستندا إلى الكتاب أو السنّة أو الإجماع أو العقل ، وعلى العوامّ أن يرجعوا إليهم في أخذ الأحكام ومسائل الإسلام.
والإمام الثاني عشر ، وهو المهديّ المنتظر (عج) ، آخر أئمّتنا المعصومين ، أمر بذلك قبل أن يغيب عن الأبصار فقال : من كان من الفقهاء حافظا لدينه ، صائنا لنفسه ، مخالفا لهواه ، مطيعا لأمر مولاه ـ أي ربّه ـ فللعوامّ أن يقلّدوه.
لذلك يجب عند الشيعة ، على كلّ من بلغ سنّ الرشد والبلوغ الشرعي ، ولم يكن مجتهدا فقيها ، يجب عليه أن يقلّد أحد الفقهاء الأحياء الحاوين لتلك الشرائط التي اشترطها الإمام المعصومعليهالسلام .
ولا يجوز عندنا تقليد الفقيه الميّت ابتداء ، والعجيب أنّكم تتّهمون الشيعة بأنّهم يعبدون الأموات لزيارتهم القبور!!
ليت شعري هل زيارة القبور عبادة الأموات أم عبادة الأموات هي اعتقادكم بأنّ كلّ من لم يتّبع الأئمّة الأربعة في الأحكام الشرعية ، ولم يلتزم برأي الأشعري أو المعتزلي في اصول الدين ، فهو غير مسلم ، يجوز قتله ونهب ماله وسبي حريمه حتّى إذا كان يتبع أهل بيت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وعترته الهاديةعليهمالسلام ؟!!
مع العلم أنّ أئمّة المذاهب الأربعة ، وأبا الحسن الأشعري والمعتزلي ، ما كانوا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يدركوا صحبته ، فبأيّ دليل تحصرون الإسلام في رأي هؤلاء الستّة؟! أليس هذا العمل منكم بدعة في الدين؟!
الحافظ : لقد ثبت عندنا أنّ الأئمّة الأربعة حازوا درجة الاجتهاد وتوصّلوا إلى الفقه وإبداء الرأي في الأحكام ، وكانوا على زهد وعدالة وتقوى. فلزم علينا وعلى جميع المسلمين متابعتهم والأخذ بقولهم.
قلت : إنّ الامور التي ذكرتها لا تصير سببا لانحصار الدين في أقوالهم وآرائهم وإلزام المسلمين بالأخذ منهم فقط إلى يوم القيامة ، لأنّ هذه الصفات متوفّرة في علماء وفقهاء آخرين منكم أيضا.
ولو قلتم بانحصار هذه الصفات في الأئمّة الأربعة فقد أسأتم الظنّ في سائر علمائكم الأعلام ، بل أهنتموهم وهتكتم حرمتهم ولا سيّما أصحاب الصحاح منهم!!
ثمّ إنّ إلزام المسلمين وإجبارهم على أيّ شيء يجب أن يكون مستندا إلى نصّ من القرآن الحكيم أو حديث النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنتم تجبرون المسلمين وتلزمونهم على أخذ أحكام دينهم من أحد الأئمّة الأربعة من غير استناد إلى الله ورسوله ، فعملكم هذا لا يكون إلاّ تحكّما وزورا.
السياسة تحصر المذاهب في أربعة
لقد سبق زعمكم أنّ التشيّع مذهب سياسي ، ولا أساس له في الدين ، ونحن أثبتنا وهن هذا الكلام وبطلانه. بنقل عدد كبير من الأحاديث النبوية الشريفة التي يذكر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فيها شيعة عليّعليهالسلام بالفوز والفلاح ويعدهم الجنّة.
وأثبتنا أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هو مؤسّس مذهب الشيعة ، واضع أساسه ، وهو الذي سمّى موالي الإمام عليّعليهالسلام وأتباعه بالشيعة ، حتّى صار هذا الاسم علما لهم في حياتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واستندنا في كلّ ذلك على الروايات المعتبرة المرويّة في كتبكم ، المقبولة لديكم ، والتي تعتمدون عليها كلّكم.
والآن أقول بكلّ صراحة : إنّ مذاهبكم الأربعة هي مذاهب سياسية ليس لها أساس في الدين ، وهذا ثابت لأهل التقوى واليقين.
فإن كنتم لا تعلمون أساس التزامكم بالمذاهب الأربعة وانحصار الإسلام الحنيف فيها كما تزعمون ، فراجعوا التاريخ وطالعوه بدقّة وحقّقوا بهذا حتّى تعرفوا إنّما وجدت المذاهب الأربعة بدواع سياسية ، وكان الهدف منها ابتعاد المسلمين عن أهل البيتعليهمالسلام وإغلاق مدرستهم العلمية!
هذا ما كان يبتغيه السلطان الظالم الغاصب الذي تسمّونه : «الخليفة» لأنّ الخلفاء كانوا يرون أهل البيتعليهمالسلام منافسين لهم في الحكم والسلطة ، فهم يحكمون على الناس بالقوّة والقهر والسوط والسيف ، ولكنّ الناس يميلون إلى أهل البيتعليهمالسلام بالرغبة والمحبّة قربة
إلى الله تعالى فيطيعونهم ويأخذون بأقوالهم ويتّبعونهم في مسائل الحلال والحرام ، وكلّ أحكام الإسلام.
فأهل البيتعليهمالسلام هم أصحاب السلطة الشرعية والحكومة الروحية المهيمنة على النفوس والقلوب عند الناس ، فلأجل القضاء على هذه الحالة ـ التي جعلت الخلفاء في حذر وخوف دائم ، وسلبت منهم النوم والراحة ـ بادروا إلى تأسيس المذاهب الأربعة ، واعترفت السلطات الحكومية والجهات السياسية بها دون غيرها ، وأعطتها الطابع الرسمي ، وحاربت ما سواها بكلّ قوّة وقسوة.
وأصدرت قرارات رسمية تأمر الناس بالأخذ بقول أحد الأئمّة الأربعة ، وأمرت القضاة أن يحكموا على رأي أحدهم ويتركوا أقوال الفقهاء الآخرين ، هكذا انحصر الإسلام بالمذاهب الأربعة ، وإلى هذا اليوم أنتم أيضا تسيرون على تلك القرارات الظالمة التي ما أنزل الله بها من سلطان.
والعجيب أنّكم ترفضون كلّ موقف من مسلم مؤمن يعمل بالأحكام الدينية على غير رأي الأئمّة الأربعة ، حتّى إذا كان يعمل برأي الإمام عليّ بن أبي طالب والعترة الهاديةعليهمالسلام كمذهب الشيعة الإمامية.
فإنّ الشيعة سائرون على منهج أهل البيت الصحيح السليم وهو الخطّ الذي رسمه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فيأخذون دينهم من الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام الذي تربّى في حجر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو باب علمه ، وقد أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم المسلمين بمتابعته والأخذ منه ، والأئمّة الأربعة بعد لم يخلقوا ، فقد جاءوا بعد رسول الله بعهد طويل ، مائة عام أو أكثر ، مع ذلك تزعمون أنّكم على حقّ والشيعة على باطل!!
أما قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا(١) ؟!
فانظروا وفكّروا من المتمسّك بالثقلين ، نحن أم أنتم؟!
أما قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق وهوى ـ وفي رواية : هلك(٢) ـ فمن المتخلّف عنهم ، نحن أم أنتم؟!
هل الأئمّة الأربعة من أهل البيتعليهمالسلام ؟! أم الإمام عليّ والحسن والحسين ريحانتا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وسبطاه وسيّدا شباب أهل الجنة؟!
أما قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فيهما : فلا تتقدّموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم(٣) ؟!
ثم يقول ابن حجر في «تنبيه» له على الحديث : سمّى رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) القرآن وعترته ثقلين ، لأنّ الثقل : كلّ نفيس خطير مصون وهذان كذلك ، إذ كلّ منهما معدن للعلوم الدينية والأسرار والحكم العليّة والأحكام الشرعية ، ولذا حثّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) على الاقتداء والتمسّك بهم والتعلّم منهم
وقيل سميّا ثقلين : لثقل وجوب رعاية حقوقهما ، ثمّ الّذين وقع الحث عليهم منهم ، إنّما هم العارفون بكتاب الله وسنّة رسوله ، إذ هم الّذين لا يفارقون الكتاب إلى ورود الحوض ، ويؤيّده الخبر السابق :
__________________
(١) ذكرنا فيما سبق مصادره من كتب العامّة بالتفصيل.
(٢) ذكرنا مصادره بالتفصيل فيما سبق وانظر : الصواعق المحرقة : ٩١ ، تحت الآية السادسة.
(٣) الصواعق المحرقة : ٨٩ ، تحت الآية الرابعة.
ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم.
وتميّزوا بذلك عن بقيّة العلماء ، لأنّ الله أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، وشرّفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة ، وقد مرّ بعضها إلى آخر ما قاله ابن حجر.
وما لي لا أتعجّب منه ومن أمثاله وما أكثرهم في علمائكم! فإنّه مع إذعانه وإقراره بأنّ أهل البيتعليهمالسلام يجب أن يقدّموا على من سواهم ، ويجب أن تأخذ الأمّة منهم أحكام دينها ومسائلها الشرعية ، لكنّه قدّم أبا الحسن الأشعري عليهم وأخذ منه اصول دينه ، وقدّم الأئمّة الأربعة ، وأخذ أحكام الشريعة المقدّسة منهم لا من أهل البيتعليهمالسلام !!
وهذا نابع من العناد والتعصّب واللجاج ، أعاذنا الله تعالى منها.
مطاعن الأئمّة الأربعة
ثمّ أسألك أيّها الحافظ ، إذا كان الواقع كما زعمت أنّ الأئمّة الأربعة كانوا على زهد وعدالة وتقوى ، فكيف كفّر بعضهم بعضا ، ورمى بعضهم الآخر بالفسق؟!!
الحافظ : ـ وقد تغيّر لونه ولاح الغضب في وجهه وصاح ـ : لا نسمح لكم أن تتهجّموا على أئمّتنا وعلمائنا إلى هذا لحدّ ، أنا اعلن أنّ كلامك هذا كذب وافتراء على أئمّة المسلمين ، وهو من أباطيل علمائكم ، أمّا علماؤنا فكلّهم أجمعوا على وجوب احترام الأئمّة الأربعة وتعظيمهم ، ولم يكتبوا فيهم سوى ما يحكي جلالة شأنهم وعظيم مقامهم.
قلت : يظهر أنّ جنابك لا تطالع حتّى كتبكم المعتبرة ، أو تتجاهل عن مثل هذه المواضيع فيها. وإلاّ فإنّ كبار علمائكم كتبوا في ردّ الأئمّة الأربعة ، وفسّق بعضهم الآخر بل كفّر بعضهم بعضهم الآخر!!
الحافظ : نحن لا نقبل كلامك ، بل هو مجرّد ادّعاء ، ولو كنت صادقا في ما تزعم فاذكر لنا أسماء العلماء وكتبهم وما كتبوا حتّى نعرف ذلك!
قلت : أصحاب أبي حنيفة وابن حزم وغيرهم يطعنون في الإمامين مالك والشافعي.
وأصحاب الشافعي ، مثل : إمام الحرمين ، والإمام الغزالي وغيرهما يطعنون في أبي حنيفة ومالك.
فما تقول أنت أيها الحافظ ، عن الامام الشافعي وأبي حامد الغزّالي وجار الله الزمخشري؟!
الحافظ : إنّهم من كبار علمائنا وفقهائنا ، وكلّهم ثقات عدول يعتمد عليهم ويصلّى خلفهم.
قلت : جاء في كتبكم عن الإمام الشافعي أنّه قال : ما ولد في الإسلام أشأم من أبي حنيفة!
وقال أيضا : نظرت في كتب أصحاب أبي حنيفة فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة خلاف الكتاب والسنّة!
وقال الإمام الغزّالي في كتابه «المنخول في علم الاصول» : فأمّا أبو حنيفة فقد قلّب الشريعة ظهرا لبطن ، وشوّش مسلكها ، وغيّر نظامها ، وأردف جميع قواعد الشرع بأصل هدم به شرع محمّد المصطفى ، ومن فعل شيئا من هذا مستحلا كفر ، ومن فعله غير
مستحلّ فسق.
ويستمرّ بالطعن في أبي حنيفة بالتفصيل إلى أن قال : إنّ أبا حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي ، يلحن في الكلام ولا يعرف اللغة والنحو ولا يعرف الأحاديث ، ولذا كان يعمل بالقياس في الفقه ، وأوّل من قاس إبليس.
انتهى كلام الغزالي.
وأمّا جار الله الزمخشري صاحب تفسير «الكشّاف» وهو يعدّ من ثقات علمائكم وأشهر المفسّرين عندكم ، قال في كتابه «ربيع الأبرار» : قال يوسف بن أسباط : ردّ أبو حنيفة على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أربعمائة حديث أو أكثر!
وحكي عن يوسف أيضا : أنّ أبا حنيفة كان يقول : لو أدركني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأخذ بكثير من قولي!!
وقال ابن الجوزي في «المنتظم» : اتّفق الكلّ على الطعن فيه ـ أي : في أبي حنيفة ـ والطعن من ثلاث جهات :
١ ـ قال بعضهم : إنّه ضعيف العقيدة ، متزلزل فيها.
٢ ـ وقال بعضهم : إنّه ضعيف في ضبط الرواية وحفظها.
٣ ـ وقال آخرون : إنّه صاحب رأي وقياس ، وإنّ رأيه ـ في أغلب الأحيان مخالف للأحاديث الصّحاح.
انتهى كلام ابن الجوزي.
والكلام من هذا النوع كثير في كتبكم حول الأئمّة الأربعة ، وأنا لا أحبّ أن أخوض هذا البحث ، وما أردت أن أتكلّم بما تكلّمت ، ولكنّك أحرجتني بكلامك حيث قلت : إنّ علماء الشيعة يكذبون على
علمائنا وأئمّتنا! فأردت أن أثبت لك وللحاضرين أنّ كلام علماء الشيعة مستدلّ وصحيح ولا يعبّر إلاّ عن الواقع والحقيقة. ولكن كلامك أيّها الحافظ عار من الصحّة والواقع ، وإذا أردت أن تعرف المطاعن كلّها حول الأئمّة الأربعة ، فراجع كتاب «المنخول في علم الأصول» للغزّالي ، وكتاب «النكت الشريفة» للشافعي ، وكتاب «ربيع الأبرار» للزمخشري ، وكتاب «المنتظم» لابن الجوزي حتى تشاهد كيف يطعن بعضهم بعضهم الآخر حدّ التكفير والتفسيق!!
ولكن لو تراجع كتب الشيعة الإمامية حول الأئمّة الاثني عشرعليهمالسلام لرأيت إجماع العلماء والفقهاء والمحدّثين والمؤرّخين على تقديسهم وعظم شأنهم وجلال مقامهم وعصمتهم (سلام الله عليهم).
لأنّنا نعتقد أنّ الأئمّة الاثني عشرعليهمالسلام كلّهم خرّيجو جامعة واحدة ، وهم أخذوا علمهم من منبع ومنهل واحد ، وهو منبع الوحي ومنهل الرسالة ، فلم يفتوا إلاّ على أساس كتاب الله تعالى والسنّة الصحيحة التي استورثوها من جدّهم خاتم النبيّين وسيّد المرسلينصلىاللهعليهوآلهوسلم عن طريق الإمام عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام وفاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمينعليهاالسلام ، وحاشا أئمّتناعليهمالسلام أن يفتوا على أساس الرأي والقياس ، ولذا لا تجد أيّ اختلاف في ما بيّنوه ، لأنّهم كلّهم ينقلون عن ذلك المنبع الصافي الزلال : «روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري»!.
مقام الإمام عند الشيعة الإمامية
الإمام في اصطلاح الشيعة يختلف عن الإمام في اصطلاحكم ، فإنّ الإمام عندكم بمعناه اللغوي وهو : المقتدى ، كإمام الجمعة والجماعة.
ولكن الإمام عندنا ـ كما هو ثابت في علم الكلام ـ هو : صاحب الرئاسة العامة الإلهية خلافة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في امور الدين والدنيا ، إذ يجب على الامة كافة اتّباعه ، ولذا نعتقد بأنّ الإمامة من اصول الدين.
الشيخ عبد السلام : الإمامة عند علمائنا لا تعدّ من اصول الدين ، بل أثبتوا أنّها من فروع الدين ، وهم فنّدوا قول الشيعة بالأدلّة القطعية ، فقولكم : إنّ الإمامة من اصول الدين كلام بلا دليل.
قلت : كثير من علمائكم وافقونا في هذه العقيدة وأثبتوا صحّتها ، وردّوا كلام القائلين بأنّ الإمامة من فروع الدين.
منهم : القاضي البيضاوي ، وهو من أشهر مفسّريكم ، قال في كتابه «منهاج الاصول» : إنّ الإمامة من أعظم مسائل اصول الدين التي توجب مخالفتها الكفر والبدعة.
ومنهم : العلاّمة القوشجي ، وهو من أشهر الكلاميّين عندكم ، قال في كتابه «شرح التجريد» في مبحث الإمامة : وهي رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا خلافة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ومنهم : القاضي روزبهان ، وهو من علمائكم الّذي اشتهر
بالتعصّب ضدّ الشيعة ، قال : الإمامة عند الأشاعرة هي : خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوزة الملّة بحيث يجب اتّباعه على كافة الامّة.
ثمّ إذا كانت الإمامة من فروع الدين لما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يؤكّد على أهميّتها بقوله المروي في كتبكم المعتبرة ، مثل : «الجمع بين الصحيحين» للحميدي و «شرح العقائد النسفية» لسعد التفتازاني.
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من مات ولم يعرف إمام زمانه ، مات ميتة جاهلية».
من الواضح أنّ عدم المعرفة بفرع من فروع الدين لا يوجب التزلزل في أصل الدين حتّى يخرج صاحبه من الدنيا بالجاهلية قبل الإسلام ولذا صرّح البيضاوي : بأنّ مخالفة الإمامة توجب الكفر والبدعة.
فالإمامة في معتقدنا ، مرتبة عظيمة هامّة ، نازلة منزلة النبوّة ، والإمام قائم مقام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبهذا يظهر الفرق بين أئمّتنا الاثني عشر من أهل البيتعليهمالسلام وبين الأئمّة عندكم ، فأنتم تطلقون كلمة الإمام على علمائكم ، كالإمام الأعظم ، والإمام مالك ، والإمام الشافعي ، والإمام أحمد ، والإمام الفخر الرازي ، والإمام الغزالي ، وغيرهم ، وهو عندكم كإمام الجمعة والجماعة ، والإمام بهذا المعنى يخرج عن الحدّ والحصر.
ولكن الإمام بالمعنى الذي نقوله نحن فهو في كلّ زمان واحد لا أكثر ، وهو أفضل أهل زمانه في جميع الصفات الحميدة ، فهو الأعلم والأتقى والأشجع والأورع والمعصوم بفضل الله ولطفه من الخطأ والسهو ، فيكون حجّة الله في الأرض ، ولا تخلو الأرض من حجّة لله
عزّ وجلّ ، يعيّن بالنصّ ، كما وردت نصوص من النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم في إمامة الاثني عشر من أهل البيتعليهمالسلام ، وأمر أمّته بطاعتهم والأخذ منهم.
والأئمّة الاثنا عشرعليهمالسلام بعد جدّهم خاتم النبيّين وسيّد الخلق أجمعين يكونون أعلى رتبة وأرفع درجة من جميع الخلق حتّى الأنبياء العظام عليهم تحيات وصلوات الملك العلاّم.
الحافظ : الله أكبر! قبل هذا كنت تذمّ الغلاة وتطردهم من مذهب الشيعة ، والآن ثبت أنّكم أيضا مغالون في حقّ أئمّتكم إذ تجعلونهم أعلى وأرفع من الأنبياء العظام ، والقرآن يصرّح بأنّ مقام النبوّة أعلى المراتب التي يمنحها الله سبحانه لأحد من عباده المكرّمين ، فكلامكم مخالف للقرآن الحكيم والعقل السليم!
قلت : مهلا لا تتسرّع في ردّنا ، ولا تعجل في تخطئة كلامنا ، ولا تقل بأنّ كلامنا يخالف القرآن الحكيم ، بل لنا دليل على صحّة كلامنا واعتقادنا من القرآن الكريم ، واعلم بأنّنا أبناء الدليل ، حيثما مال نميل.
الحافظ : بيّنوا دليلكم حتّى نعرفه! فإنّ كلامكم غريب جدّا!
قلت : إنّ الله سبحانه بعد أن يذكر امتحان أبي الأنبياء إبراهيم الخليلعليهالسلام وابتلاءه في نفسه وأمواله وولده ، وبعد نجاحه وفوزه في كلّ تلك الامتحانات ، أراد الله تعالى أن يمنحه مقاما أعلى من النبوّة والرسالة والخلّة والعزم ، لأنّه كان آنذاك نبيّا رسولا من اولي العزم وصاحب الخلّة ، فرفعه إلى مقام الإمامة وجعله إماما للناس ، فقال سبحانه :( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ
لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (١) . فظهر أنّ الإمامة أعلى مرتبة من النبوّة والرسالة والعزم والخلّة.
الحافظ : فعلى هذا ، إنّ الإمام عليّ (كرّم الله وجهه) يكون مقامه عندكم أعلى من مقام سيّدنا محمّد (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ، وأيّ غلوّ أعظم من هذا؟!
قلت : ليس كذلك! وإنّما بين النبوّة العامّة والنبوّة الخاصة فرق كبير ، والإمامة أعلى رتبة من النبوّة العامة ودون النبوّة الخاصة ، والأخيرة هي درجة خاتم الأنبياء وسيّد الخلق أجمعين ، محمّد المصطفى ، حبيبنا وحبيب إله العالمينصلىاللهعليهوآلهوسلم .
النوّاب : أرجو المعذرة من التدخّل في البحث ، فإنّي حريص على اكتساب المعلومات وفهم هذه المسائل ، ولذا حينما تخطر مسألة في بالى أطرحها فورا لأنّي أخاف أن أنساها ، فسؤالي عن الآية الكريمة التي تقول :( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ) (٢) ـ أي : الرسل ـ فالأنبياء كلّهم في رتبة واحدة ومقام الجميع عند الله تعالى على حدّ سواء ، فكيف قسّمتم النبوّة إلى قسمين عامّة وخاصّة؟! أرجو التوضيح.
قلت : هذه الآية صحيحة في محلّها ، أي : لا نفرّق بين أحد من الرسل بأنّهم مبعوثون من عند الله عزّ وجلّ إلى الناس ، وكلّهم يدعون إلى الله سبحانه وحده لا شريك له ، وإلى المعاد والقيامة ، ويدعون إلى المعروف والحسنات ، وينهون عن المنكرات والسيّئات.
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية ١٢٤.
(٢) سورة البقرة ، الآية ١٣٦ وسورة آل عمران ، الآية ٨٤.
مراتب الأنبياء
ولكن هل إنّ النبيّ المبعوث إلى ألف نفر يساوي مقامه مقام النبيّ الذي أرسل الى مائة ألف؟! وهل هذا يساوي مقامه مقام النبي الذي بعثه الله وأرسله إلى الناس كافّة؟!
وكذلك هل إنّ معلّم الدورة الابتدائية يساوي مقامه العلمي مقام استاذ الكلّيّة أو الجامعة؟! لا
والحال إنّه يصحّ أن نقول لاستاذ الجامعة معلّم أيضا ، وكلاهما يعملان في وزارة واحدة وهي : وزارة التربية والتعليم ومسئوليتهما أن يأخذا بيد الطلاب ويصعدا بهم سلّم العلم والثقافة ، ولكن أين هذا من ذاك!
وكذلك الأنبياء والرسل متساوون من جهة أنّهم مبعوثون ومرسلون من عند الله عزّ وجلّ إلى خلقه ، لا نفرّق بين أحد منهم
ولكن من حيث العلم والفضل غير متساوين ، فقد قال تعالى :( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ ) (١) .
قال الزمخشري في الكشّاف في تفسيرها : إنّ المراد من :( وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ ) هو نبيّنا محمّد الّذي فضّله الله على جميع الأنبياء بخصائص كثيرة ، أهمّها أنّه خاتم النبيّين.
النوّاب : أشكركم على هذا التوضيح التامّ ، ورفع الشبهة والوهم ، وقد بقي عندي سؤال آخر ، أستأذنكم وأستأذن الحاضرين
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية ٢٥٣.
لأطرحه ، وهو : أرجوكم أن توضّحوا معنى : النبوّة الخاصة وميزتها ولو باختصار ، والرجاء أن يكون بيانكم على حدّ فهمنا ومستوانا.
قلت : إنّ ميزات النبوّة الخاصة كثيرة والمجلس لم ينعقد لبيان هذا الموضوع ، فإذا ادخل هذا البحث ضمن بحوثنا انشغلنا عن مبحث الإمامة الذي هو محور النقاش والحوار. ولكن من باب : «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» ابيّن لكم باختصار :
النبوّة الخاصّة
الإنسان الكامل هو صاحب النفس المتكاملة بالتزكية ، لقوله تعالى :( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ) (١) وتزكية النفس إنّما تحصل عن طريق التعقّل ، والعقل يدعو إلى العلم والعمل ، فهما الجناحان اللذان يحلّق بهما الإنسان ويسمو بهما إلى قمّة الكمال الممكن.
كما روي عن الإمام عليعليهالسلام أنّه قال : «خلق الإنسان ذا نفس ناطقة ، إن زكّاها بالعلم والعمل فقد شابهت جواهر أوائل عللها ، وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد وصار موجودا بما هو إنسان دون أن يكون موجودا بما هو حيوان».
فكما أنّ الطائر يرتفع في الفضاء ويحلّق في الجوّ على قدر قوّة جناحيه بالنسبة إلى جثّته ، كذلك الإنسان يرتفع في سماء المعنوية والكمالات الروحية بمقدار علمه وعمله الصالح المبتني على أساس العقل السليم.
فكلّ إنسان إذا بلغ مرتبة الكمال فقد بلغ مرتبة النبوّة ، وإذا
__________________
(١) سورة الشمس ، الآية ٩.
اختاره الله سبحانه وبعثه إلى الناس ، صار نبيّا رسولا.
وللنبوّة والكمال مراتب ، كما هو ثابت في أبحاث النبوّة في الكتب الكلامية ، وأعلى تلك المراتب هي المرتبة التي حين وصل إليها حبيب الله محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ختمت به النبوّة ، وليس فوق الخاتمية مرتبة ممكنة للإنسان ، وأعلى منها مرتبة الربّ جلّ جلاله وعمّ نواله.
فمقام خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآلهوسلم فوق جميع المراتب المتصوّرة والمقرّرة لممكن الوجود ، ودون مرتبة واجب الوجود.
ومرتبة الإمام فوق مراتب النبوّة ودون مرتبة الخاتمية بدرجة ، ولمّا كان الإمام عليعليهالسلام واصلا إلى مرتبة النبوّة واتّحدت نفسه مع نفس خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى صار كنفس واحدة ، منحه الله تعالى مرتبة الإمامة وجعله أفضل من الأنبياء الماضين.
وصلنا إلى هنا فارتفع صوت المؤذّن يدعو إلى صلاة العشاء ، وبعد إقامة الصلاة ، عاد الجميع إلى المجلس وتناولوا الشاي والحلوى.
فقال الحافظ : إنّك تصعّب الموضوع أكثر فأكثر ، وقبل أن تجيب على الإشكال الأوّل ، نجد في كلامك إشكالا آخر!
قلت : الموضوع واضح وسهل ، فلا أدري ما هو الصعب في نظركم؟! وما هو الإشكال في كلامي؟! اطرحوه حتّى أجيب عنه!!
الحافظ : في كلامكم الأخير أجد بعض الكلمات التي لا تخلو من إشكال :
١ ـ قولكم : إنّ عليّا كرّم الله وجهه وصل مرتبة النبوّة.
٢ ـ قولكم : إنّ عليّا اتّحدت نفسه مع نفس النبيّ حتّى صارا كنفس واحدة.
٣ ـ قولكم : إنّ عليّا أفضل من جميع الأنبياء غير خاتم النبيّين (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
فهذه الجمل غريبة جدّا ، ولا أدري ما هو دليلكم عليها؟!
قلت : ربّما يكون كلامي غريبا ومشكلا وصعبا بالنسبة لكم! لأنّكم لا تريدون أن تتعمّقوا في الحقائق ولا تريدون أن تدرسوا القضايا هذه دراسة تحقيق وتفهّم.
وأمّا بالنسبة للعلماء المحقّقين والمنصفين ، فإنّ كلامي ليس بغريب ولا مشكل ، بل هو واضح ومقبول.
وإليك الجواب عن الإشكالات التي طرحتها :
إثبات مرتبة النبوّة لعليّعليهالسلام
إنّ الدليل على أنّ الإمام عليّعليهالسلام وصل مرتبة النبوّة وكان أهلا لهذا المقام العظيم ، هو حديث المنزلة المرويّ عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في كتبكم المعتبرة أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال :
«يا عليّ! أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».
وتارة كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يخاطب الناس فيقول : «عليّ منّي بمنزلة هارون من موسى» إلى آخره.
الحافظ : لا نعلم صحّة هذا الحديث ، وعلى فرض صحّته فهو خبر واحد لا يعتدّ به ولا يعتمد عليه.
قلت : يظهر أنّك قليل الاطّلاع حتّى على كتبكم والأخبار والأحاديث المرويّة فيها ، أو أنّك تتجاهل الحقائق وتتناسى الأحاديث
المرويّة عن طرقكم حتّى وصل بعضها حدّ التواتر ، مثل هذا الحديث ، وأتعجّب من قولك : إنّه خبر واحد فكلامك هذا إمّا عن سهو أو عناد!
إسناد حديث المنزلة
ولكي تعرف ويعرف الحاضرون صحّة حديث المنزلة عندنا وعندكم ، فإنّي أذكر بعض أسانيده الحاضرة في ذهني وحافظتي بمقدار ما يسمح لي المقام ، حتّى يعترف الكلّ أنّ هذا الحديث الشريف لم ينقل عن طريق واحد ، بل من طرق متعدّدة ، رواه كبار علمائكم ومحدّثيكم ، وهو من الأحاديث المتواترة :
١ ـ البخاري في الصحيح / ٣ من كتاب المغازي في باب غزوة تبوك ، ومن كتاب بدء الخلق في باب مناقب عليعليهالسلام .
٢ ـ مسلم بن الحجّاج في صحيحه ٢ / ٢٣٦ / ٢٣٧ / ط. مصر ١٢٩٠ ، وفي كتاب فضل الصحابة / باب فضائل عليعليهالسلام .
٣ ـ الإمام أحمد بن حنبل في المسند ١ / ٩٨ و ١١٨ و ١١٩ في وجه تسمية الحسنين عليهما السّلام.
فبعد ذكر هذه الأسانيد والمدارك المعتبرة من أعلام علمائكم ، وهي قليل من كثير ، هل أذعنت بصحّة حديث المنزلة؟ وهل تعترف بأنّك كنت مشتبها في قولك : إنّه خبر واحد لا يعتدّ به!
الحافظ : لم يثبت التواتر بثلاثة مصادر ، بل يحتاج إلى ذكر مصادر أكثر حتّى نقول وصل حدّ التواتر.
قلت :
أوّلا : كلّ مصدر من هذه المصادر التي ذكرتها يعادل عندكم بألف.
ثانيا صرّح بعض المحقّقين من علمائكم بتواتر حديث المنزلة ، مثل : العلاّمة جلال الدين السيوطي في كتبه : «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة» و «إزالة الخفاء» و «قرّة العينين» ففي هذه الكتب عدّ حديث المنزلة من الأحاديث المتواترة.
وإذا لم يزل في قلبك شكّ وتريد أن تطمئنّ فراجع كتاب : «كفاية الطالب» تأليف محمد بن يوسف الكنجي الشافعي ، وهو من أعلام علمائكم ، في الباب السبعين منه ، فإنّه بعد ما يروي الحديث عن عدّة طرق ، يقول : هذا حديث متّفق على صحّته ، رواه الأئمّة الأعلام إلى آخره.
فأكتفي بهذا المقدار ، وأظنّ أنّ الإبهام ارتفع والحافظ اقتنع.
الحافظ : أنا لست بلجوج ولا معاند ، ولكن أدعوك إلى مطالعة كلام العالم الفقيه أبي الحسن الآمدي ، الذي هو من المتكلّمين المتبحّرين ، فإنّه يردّ حديث المنزلة ويضعّفه.
قلت : أتعجّب منك! إذ إنّك عالم وتدّعي التحقيق والإنصاف ، ثمّ تعدل عن كبار علمائكم الموثّقين بما فيهم أئمّة أهل الحديث المجمع على صحّة ما رووا كالبخاري ومسلم ، ثمّ تأخذ بقول الآمدي سيّئ العقيدة والتارك الصلاة!!
الشيخ عبد السّلام : الإنسان حرّ في بيان عقيدته ، فلا يجوز لأحد أن يتّهم أحدا أظهر عقيدته في شيء يخالف المشهور ، ثمّ يقبح من
مثلكم أن تتهجّموا بسوء الكلام على فقيه ، بل يجب أن تردّوه بالمنطق والدليل ، وخاصة جنابك ، حيث تجسّد أخلاق أهل البيت رضي الله عنهم.
قلت :
أوّلا : إن كنتم تلتزمون بحرّيّة العقيدة ، فلما ذا ترمون الشيعة بالكفر والشرك وتجوّزون قتلهم ونهب أموالهم؟!
لذا فهم يخفون عقائدهم الحقة إذا عاشوا في بلادكم وبين أظهركم خشية القتل!
أم إنّكم تقصدون حرّيّة الآمدي فحسب ، وذلك في نصبه العداء ومخالفته لأهل البيتعليهمالسلام ؟!!
ثانيا أنا لم أتهجّم على الآمدي بسوء الكلام ، بل نقلت قول علمائكم الأعلام فيه.
الشيخ عبد السّلام : أين ذكر علماؤنا الآمديّ بسوء العقيدة وترك الصلاة؟!
شرح أحوال الآمدي
ذكر ابن حجر في كتاب «لسان الميزان» : السيف الآمدي ، المتكلّم عليّ بن أبي عليّ ، صاحب التصانيف ، وقد نفي من دمشق لسوء اعتقاده ، وصحّ أنّه كان يترك الصلاة!!
وذكر الذهبي ـ وهو من أعلامكم ـ في كتاب «ميزان الاعتدال» نفس الترجمة للآمدي وزاد : «أنه كان من المبتدعة».
وإذا نظرتم في حال الآمدي بنظر التحقيق لعرفتم أنّه لو لم يكن
عديم الإيمان ومبتدعا لما خالف جميع الصحابة حتّى عمر بن الخطّاب ـ الذي هو أحد رواة حديث المنزلة ـ ولما خالف كلّ المحدّثين الثقات وأعلام الرواة.
وأتعجّب من أنّكم تطعنون في الشيعة ، لأنّهم لا يقبلون بعض الأحاديث المرويّة في الصحيحين عندكم ، وهي عندنا غير صحيحة السند!
ولكنّ الآمدي حينما يردّ حديثا أجمع عليه علماء الفريقين ، وصحّحه ورواه جميع أصحاب الصحاح الستّة! كيف تقبلون كلامه وتأخذون برأيه؟! وهو واحد خارج عن الإجماع ، وعلى الأصل الذي عندكم!
ولو لم يكن للآمدي أيّ عيب ونقص سوى إنّه ردّ حديثا جاء في الصحيحين ، وبردّه كذّب الفاروق وكذّب البخاري ومسلم وسائر أصحاب الصحاح ، لكفى في طعنه وفسقه عندكم.
الحافظ : قلتم إنّ أحد رواة حديث المنزلة ، الخليفة عمر بن الخطّاب (رض) فهل يمكن أن تبيّنوا سندكم على هذا النقل؟
قلت : روى جماعة من علمائكم ومحدّثيكم حديث المنزلة عن عمر بن الخطّاب ، منهم :
١ ـ نصر بن محمّد السمرقندي الحنفي ، في كتاب «المجالس».
٢ ـ محمد بن عبد الرحمن الذهبي ، في «الرياض النضرة».
٣ ـ المولى علي المتّقي الهندي ، في «كنز العمّال».
٤ ـ العلاّمة ابن الصبّاغ المالكي ، في «الفصول المهمّة».
٥ ـ محبّ الدين الطبري ، في «ذخائر العقبى».
٦ ـ الشيخ سليمان الحنفي ، في «ينابيع المودّة».
٧ ـ موفّق ابن أحمد الخوارزمي ، في «المناقب».
هؤلاء كلّهم رووا عن ابن عبّاس حبر الأمّة ـ واللفظ للأخير ـ بسنده المتّصل ـ بحذف سلسلة السند للاختصار ـ قال :
حدّثني أمير المؤمنين الرشيد ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عبد الله بن عبّاس ، قال : سمعت عمر بن الخطّاب وعنده جماعة فتذاكروا السابقين إلى الإسلام
فقال عمر : أمّا عليّ فسمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول فيه ثلاث خصال وددت لو أنّ لي واحدة منهنّ ، كان أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس.
كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من الصحابة إذ ضرب النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بيده على منكب عليّ فقال : يا عليّ! أنت أوّل المؤمنين إيمانا ، وأوّل المسلمين إسلاما ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى.
أخرجه ابن عساكر في تاريخه عن عمر مع تغيير يسير في اللّفظ.
وأخرجه المتّقي الهندي الحنفي في كنز العمّال : ٦ / ٣٩٥ وفيه زيادة لم تكن في غيره ، وهذا نصّه :
مسند عمر ، عن ابن عبّاس [قال :] قال عمر بن الخطّاب : كفّوا عن ذكر عليّ بن أبي طالب! فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول في عليّ ثلاث خصال ، لئن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس :
كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجرّاح ونفر من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) والنبيّ متّكئ على عليّ بن
أبي طالب ، حتّى ضرب بيده على منكبه ثمّ قال : أنت يا عليّ أوّل المؤمنين إيمانا ، وأوّلهم إسلاما ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، وكذب من زعم أنّه يحبّني ويبغضك.
وأخرجه الإسكافي في كتابه «نقض الرسالة العثمانية» للجاحظ : ص ٢١ / ط مصر وفيه زيادات نافعة ، فليراجع.
وبعد هذا هل يجوز في مذهبكم الردّ على الخليفة عمر وهو الفاروق عندكم؟! وإذا لا يجوز ذلك فكيف تأخذون بقول الآمدي المعلوم الحال؟!
حكم الخبر الواحد عند العامة
وبقيت جملة اخرى من كلامكم ، لا بدّ لي من جوابها ، زعمتم : أنّ حديث المنزلة خبر واحد ، ثمّ قلتم : إنّ الخبر الواحد لا اعتبار به ولا اعتماد عليه.
أقول : إذا يصدر هذا الكلام من أحد الشيعة فإنّه يقبل منه ، لأنّه على الأصل والمبنى المقبول عندنا.
ولكن صدور هذا الكلام من مثلكم يثير التعجّب والتساؤل ، لأنّ في مذهبكم خبر الواحد مقبول وحجّيّته ثابتة ، حتّى أنّ بعض علمائكم حكم بتكفير وفسق المنكر له ، فقد قال ملك العلماء شهاب الدين في كتابه «هداية السعداء» في فصل المضمرات من كتب الشهادات :
ومن أنكر الخبر الواحد والقياس ، وقال : إنّه ليس بحجّة ، فإنّه يصير كافرا! ولو قال : هذا الخبر الواحد غير صحيح ، وهذا القياس غير ثابت ؛ لا يصير كافرا ولكن يصير فاسقا!
الحافظ : لقد سررت جدّا من حسن بيانكم وسعة اطّلاعكم عن كتبنا ، وقد وجدتكم على خلاف ما كنت أسمع من قبل بأنّ علماء الشيعة لا يلمسون كتبنا ويعتقدون بنجاستها ، فكيف بمطالعتها؟!
قلت : هذه أقاويل وأباطيل أعداء الإسلام ، فإنّهم يريدون أن يفرّقوا بين المسلمين ، وفي المثل : «يصطادون بماء عكر» وهو من باب : «فرّق تسد».
يريدون فرض سيادتهم وهيمنتهم علينا ، ولكنا يجب أن نكون واعين في هذه الامور ويجب أن نعرف خطط أعدائنا المستعمرين فنبيّنها لعامّة الناس حتّى لا يقعوا في شباكهم ، ويتبصّروا في تشخيص مصالحهم ومضارّهم ، فيخيّبوا آمال الأعداء بمخالفتهم.
يجب أن نوجّه أتباعنا المسلمين إلى مفاهيم القرآن الحكيم حيث يقول :( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ) (١) .
على أثر غفلتنا عن القرآن ، وابتعادنا عن تعاليمه الحقّة ، يتمكّن عدوّ المسلمين أن يتصرّف في أفكارنا ، فنصدّق أكاذيبه ونعتقد بأباطيله! منها ما كنت تسمعه ، كما قلت : بأنّ علماء الشيعة لا يلمسون كتبكم إلى آخره.
نحن نأخذ كتب المرتدّين والكفار والمشركين بكلتي يدينا ونطالعها حتّى نعرف ما يقولون ، فنأخذ صحيحها ونطرح سقيمها ، ونردّ شبهاتها الموجّهة إلينا ، فكيف بكتبكم وأنتم إخواننا في الدين؟!
فاعلموا أنّنا على خلاف ما قيل لكم ، بل نحترم كتبكم
__________________
(١) سورة الحجرات ، الآية ٦.
ونطالعها بدقّة وإمعان ، ونستفيد من آراء علمائكم وأقوال محقّقيكم ، ونستفيد من الأحاديث والروايات الصحيحة المرويّة في مسانيدكم وصحاحكم ، وإنّ كثيرا من الكتب التي تدرّس في حوزاتنا العلمية تكون من تأليف وتصنيف علمائكم.
منتهى الأمر بعض رواتكم المقبولين عندكم ، غير موثّقين ولا معتبرين عندنا ، مثل : أنس وأبي هريرة وسمرة وغيرهم ، وهذا لا يخصّنا الآن ، فإنّ بعض علمائكم أيضا لا يقبلونهم ، منهم : أبو حنيفة ، فإنّه لا يقبل هؤلاء الثلاثة ونظراءهم!
وكتبكم عندنا معتبرة ونستفيد منها ، وأنا ـ شخصيا ـ أكثر مطالعاتي حول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيرته المباركة وتاريخ الأئمّة من آله صلوات الله عليهم تكون من كتبكم ، وأستند إليها في خطبي ومحاضراتي ، وأنقل منها أكثر ممّا أنقل من كتبنا.
وإنّ مكتبتي الخاصة تحتوي على أكثر من مائتي مجلّد مطبوع ومخطوط من كتبكم المشهورة في التفسير والتاريخ والفقه والحديث والكلام والرجال و...
ولكنّنا نطالع كتبكم مطالعة تحقيق وتمحيص فكما أنّ النّقّاد والصّرافين يميزون بين الدراهم والدنانير ، الصحيحة من المغشوشة ، فكذلك نحن حينما نطالع أيّ كتاب لا نحسب محتوياته ومضامينه من المسلّمات ، بل نتفكّر فيها ونميّز بين الأحاديث والروايات والمواضيع ، فنأخذ الصحيحة ونترك السقيمة ، ولا تؤثّر فينا شبهات وتشكيكات الفخر الرازي ، ولا مغالطات ابن حجر ، أو إشكالات روزبهان ، أو تكذيبات الآمدي وأمثالهم.
واعلم أنّ مطالعتي لكتبكم ، والنظر في الأحاديث المرويّة والمقبولة عندكم ، كانت السبب في معرفتي لأئمّة أهل البيتعليهمالسلام أكثر ، ويقيني بعلوّ مقامهم وعظم شأنهم.
الحافظ : لقد ابتعدنا عن موضوع البحث ، فالرجاء بيّنوا وجه الاستدلال بحديث المنزلة ، على أنّ عليّا كرّم الله وجهه كان في رتبة النبوّة؟!
قلت : يثبت بهذا الحديث الشريف ثلاث خصائص للإمام عليّعليهالسلام :
١ ـ مقام النبوّة بأنه لو كان نبيّ بعده لكان عليّا ولكنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم خاتم النبيين.
٢ ـ مقام وزارة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وخلافته.
٣ ـ أفضليّة الإمام عليعليهالسلام على جميع الصحابة.
ودليل ذلك أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم جعل الإمام عليّاعليهالسلام منه بمنزلة هارون من موسى ، وكان هارون نبيّا ، وكان وزير موسى وخليفته في قومه ، وكان أفضل بني إسرائيل بعد أخيه موسى.
النوّاب : هل كان هارون نبيّا؟!
قلت : نعم.
النواب : عجبا! إنّي ما سمعت بهذا من قبل! فهل ذكر الله نبوّته في القرآن الحكيم؟!
قلت : نعم ، في سورة النساء ، الآية ١٦٣ ، قوله تعالى :( إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ) .
وفي سورة مريم ، الآية ٥٣ قوله تعالى :( وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا ) .
الحافظ : إذا على هذا فمحمد وعليّ كلاهما نبيّان مبعوثان من عند الله إلى الخلق!
قلت : أنا لا أقول هكذا ، وأنت تعلم أنّ عدد الأنبياء كثير جدّا ، وهو محل اختلاف بين العلماء ، حتّى قال بعضهم : إنّ عددهم مائة وعشرون ألفا أو أكثر ، لكن كان أكثرهم يتّبعون الأنبياء أولي العزم من الرسل. وهم : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتمهم سيّدنا ونبيّنا محمّد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وهارون كان نبيّا غير مستقلّ ، وإنّما كان تابعا لأخيه موسى ويعمل على شريعة أخيه.
كذلك الإمام عليّعليهالسلام ، كان تاليا لرتبة أخيه وابن عمّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واصلا مقام النبوّة ولكن غير مستقلّ بالأمر ، بل كان تابعا لشريعة سيّد المرسلين وخاتم النبيّين محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وكان غرض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من هذا الحديث الشريف أن يعرّف عليّاعليهالسلام لامته في هذا المقام ، ويثبت له تلك الرتبة الرفيعة والدرجة العليّة ، وهذه خصيصة عالية من خصائص الإمام عليّعليهالسلام .
وذكر ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» حديث المنزلة وعلّق عليه قائلا :
ويدلّ على أنّه وزير رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من نصّ الكتاب والسنّة ، قول الله تعالى :( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (١) .
__________________
(١) سورة طه ، الآية ٢٩ ـ ٣٢.
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق الإسلام : «أنت منّي بمنزلة هارون بن موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».
فأثبت له جميع مراتب هارون من موسى.
فإذا هو وزير رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وشادّ أزره ، ولو لا أنّه خاتم النبيّين لكان شريكا في أمره(١) .
وذكر العلاّمة محمد بن طلحة الشافعي حديث المنزلة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في كتابه مطالب السئول : ١ / ٥٤ ط دار الكتاب ، وعلّق عليه فقال : فتلخيص منزلة هارون من موسى أنّه كان أخاه ووزيره ، وعضده ، وشريكه في النبوّة ، وخليفته على قومه عند سفره ، وقد جعل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّا منه بهذه المنزلة ، وأثبتها له ، إلاّ النبوّة ، فإنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم استثناها في آخر الحديث بقوله : «لا نبيّ بعدي» فبقي ما عدا النبوّة المستثناة ثابتا لعليّعليهالسلام من كونه أخاه ووزيره وعضده وخليفته على أهله عند سفره إلى تبوك.
وهذه من المعارج الشراف ومدارج الإزلاف ، فقد دلّ الحديث بمنطوقه ومفهومه على ثبوت هذه المزيّة العليّة لعليّعليهالسلام ، وهو حديث متّفق على صحّته.
انتهى كلامه.
وذكر مثل هذا الكلام العلاّمة ابن الصبّاغ المالكي في كتابه «الفصول المهمّة» وكذلك كثير من علمائكم الكبار قد ذكروا الحديث وعلّقوا عليه تعليقات مفيدة ، ولكنّ الوقت لا يسمح أن أذكر لكم كلّ مقالات علمائكم وتعليقاتهم المؤيّدة لكلامنا حول حديث المنزلة.
__________________
(١) شرح نهج البلاغة : ١٣ / ٢١١ / ط دار إحياء الكتب العربية.
الحافظ : ولكنّي أظنّ أنّ الاستثناء في الحديث ينفي مرتبة نبوّة عليّ كرّم الله وجهه ، وإنّ قولكم : إنّ سيّدنا محمدا (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) لو لم يكن خاتم النبيّين وكان الله يبعث بعده نبيّا لكان ذلك عليّ بن أبي طالب! من غلوّكم ولم يقل به قائل.
قلت : إنّ الحقّ واضح ، ولكنّك يا للأسف تتبّع أسلافك في إنكار الحقّ بعد ظهوره ، نعوذ بالله من التعصّب والعناد!
ثمّ اعلم أنّ هذا القول لا يكون من الشيعة فحسب حتّى ترمينا بالغلوّ ، وإنّما كثير من علمائكم ذهب هذا المذهب أيضا.
الحافظ : لا أعرف أحدا من علمائنا ذهب هذا المذهب ، وإن كنتم تعرفون أحدا فاذكروا اسمه!
قلت : أحد علمائكم الذي أخذ بهذا القول هو : ملاّ علي بن سلطان محمد الهروي القاري ، صاحب التصانيف والتآليف الكثيرة. قال في كتابه «المرقاة في شرح المشكاة» عند ذكره حديث المنزلة قال : وفيه إيماء إلى أنّه لو كان بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم نبيّا لكان عليّا.
ومنهم : العلاّمة الشهير والعالم النحرير جلال الدين السيوطي ، في آخر كتابه «بغية الوعّاظ في طبقات الحفّاظ» ذكر مسندا عن جابر بن عبد الله الأنصاري : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ولو كان لكنته.
ومنهم : المير سيّد علي الهمداني ، الفقيه الشافعي ، ذكر في الحديث الثاني من المودّة السادسة في كتابه «مودّة القربى» عن أنس بن
مالك ، أنّه روى أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : إنّ الله اصطفاني على الأنبياء فاختارني واختار لي وصيّا ، واخترت ابن عمّي وصيّي ، يشدّ عضدي كما يشدّ عضد موسى بأخيه هارون ، وهو خليفتي ، ووزيري ، ولو كان بعدي نبي لكان عليّ نبيّا ، ولكن لا نبوّة بعدي.
فثبت أنّ الشيعة لا تنفرد بهذا المقال ، بل هناك كثير من علمائكم قالوا به أيضا.
بل قال به النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أيضا كما يظهر من الأخبار المرويّة في كتبكم ، وقد مرّت.
فحديث المنزلة يضمن جميع مراتب هارون بالنسبة لموسى لعليّ ابن أبي طالب بالنسبة لمحمّد المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ النبوّة بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم التي استثناها فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي».
وأجلى المراتب الثابتة لهارون هي خلافته لقوله تعالى :( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (١) ومنها تثبت خلافة عليّعليهالسلام بعد خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآلهوسلم .
الحافظ : لقد ذكرت الآيات القرآنية أنّ هارون شريك موسى في أمر النبوّة ، فكيف جعلوه خليفة له؟! والحال أنّ مرتبة الشريك أعلى من مرتبة الخليفة ، فإذا جعلوا الشريك خليفة فقد أنزلوه من مقامه ، لأنّ مقام النبوّة أعلى من مقام الخلافة.
قلت : لو تدبّرت في حديثنا السابق وفهمته ، ما طرحت هذا الإشكال! فقد بيّنا أنّ نبوّة موسى هي الأصل ونبوّة هارون تابعة لنبوّة أخيه ، كما يقال : إنّ فلانا عضو على البدل ، فكأنّه خليفته.
__________________
(١) سورة طه ، الآيات ٢٥ ـ ٣٤.
ثمّ إنّ هارون كان شريك أخيه في تبليغ الرسالة السماوية ، هذا ما يظهر من الآيات الكريمة التي تحكي كلام موسى ودعاءه في قوله تعالى :( قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي* كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً* وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ) .
ولكنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام هو الرجل الوحيد الذي كان شريكا لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في جميع صفاته الخاصة ومراحل الكمال إلاّ النبوّة الخاصّة.
الحافظ : ما زلنا نزداد تعجّبا وحيرة منكم ، لأنّكم تغالون في عليّ كرّم الله وجهه غلوّا يأباه العقل السليم! أليس قولكم هذا إنّ عليا كان يشارك النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) في جميع صفاته الخاصة مغالاة صريحة في حقّ عليّ كرم الله وجهه؟!
قلت : إنّ كلامي هذا ليس غلوّا ولا يأباه العقل ، بل هو الحقّ الصريح ويحكم به العقل السليم الصحيح ، فإنّ خليفة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يجب أن يكون ـ على القاعدة العقلية ـ مثله في جميع صفاته الكمالية حتّى يصحّ أن يكون بديله وقائما مقامه وممثّله.
لذلك ، فإنّ كثير من علمائكم الكبار ذهبوا مذهبنا وقالوا مقالنا.
منهم : الإمام الثعلبي في تفسيره ، والعالم الفاضل السيّد أحمد شهاب الدين في كتاب «توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل» قال : ولا يخفى أنّ مولانا أمير المؤمنين قد شابه النبيّ في كثير ، بل أكثر الخصال الرضيّة والفعال الزكيّة وعاداته وعباداته وأحواله العليّة ، وقد صحّ ذلك له بالأخبار الصحيحة والآثار الصريحة ، ولا يحتاج إلى إقامة الدليل والبرهان ، ولا يفتقر إلى إيضاح حجّة وبيان ، وقد عدّ بعض العلماء بعض الخصال لأمير المؤمنين عليّ التي هو فيها نظير سيّدنا النبي الامّيّ ، فهو نظيره في النسب ، ونظيره في الطهارة بدليل قوله تعالى :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) .
ونظيره في آية وليّ الامّة ، بدليل قوله :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) (٢) .
ونظيره في الأداء والتبليغ ، بدليل الوحي الوارد عليه يوم إعطاء سورة براءة لغيره ، فنزل جبرئيل قال : لا يؤدّيها إلاّ أنت أو من هو منك ، فاستعادها منه فأدّاها عليّ رضي الله تعالى عنه في الموسم.
ونظيره في كونه مولى الامة بدليل قوله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه».
ونظيره في مماثلة نفسيهما ، وأنّ نفسه قامت مقام نفسه (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ، والله تعالى أجرى نفس عليّ مجرى نفس النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) فقال :( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ
__________________
(١) سورة الأحزاب ، الآية ٣٣.
(٢) سورة المائدة ، الآية ٥٥.
وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) (١) .
ونظيره في فتح بابه في المسجد كفتح باب رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) وجواز دخوله المسجد جنبا كحال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) على السواء.
لمّا وصل الحديث إلى هذا الموضوع ، وإذا بهمهمة قامت بين الحاضرين من أهل السنّة والجماعة. فسألت عن سبب ذلك ، فأجاب النوّاب قائلا :
في خطبة يوم الجمعة في المسجد ، نسب الحافظ هذه الفضيلة لسيّدنا أبي بكر (رض) ، والآن جنابكم تنسبوه للإمام عليّرضياللهعنه ، لذلك تحيّر الحاضرون من هذا التناقض!
قلت ـ مخاطبا للحافظ ـ : أصحيح أنّك نسبت هذه الفضيلة للخليفة أبي بكر؟!
الحافظ : نعم لقد ورد عن الصحابي الجليل والثقة العدل أبي هريرة (رض) : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أمر بسدّ أبواب بيوت الأصحاب التي تنفتح في المسجد إلاّ باب بيت أبي بكر (رض) وقال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : أبو بكر منّي وأنا منه.
قلت : لا يخفى على كلّ من طالع التاريخ بدقّة وتحقيق ، أنّ بني أميّة سعوا في خلق الفضائل والمناقب للصحابة الّذين كانوا مناوئين لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، ولا سيّما المناقب التي تعدّ من خصائص أمير المؤمنين عليعليهالسلام فنسبوها إلى الآخرين.
فكان معاوية يدعو أبا هريرة والمغيرة وعمرو بن العاص
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ٦١.
ونظراءهم ، فيشبع بطونهم بألوان الطعام ، ويغريهم بالأموال والحطام ، ويأمرهم بنقل الروايات المجعولة والأخبار المعلولة لأهل الشام ، وكان المناوئون البكريّون والعمريّون والعثمانيّون ينشرون تلك الأباطيل والأكاذيب بين الأنام.
ولكن ظهر أمام هؤلاء المفترين الوضّاعين ، جماعة من علمائكم المحقّقين ، وفضحوا بعض تلك الأخبار المجعولة وكشفوا الستار عنها.
منهم : العلاّمة الكبير والعالم النحرير ، ابن أبي الحديد ، قال : فلمّا رأت البكرية ما صنعت الشيعة ، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث ، نحو : «لو كنت متّخذا خليلا» فإنّهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء ، ونحو «سدّ الأبواب» فإنّه كان لعليّعليهالسلام فقلبته البكرية إلى أبي بكر(١) .
والعجب منك أيّها الحافظ إذ تنقل هذا الخبر المجعول لأصحابك وتترك الخبر الصحيح المتواتر والمجمع عليه ، وقد أثبته كبار علمائكم وأصحاب الصحاح كلّهم رووا : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمر بسدّ جميع الأبواب التي كانت تنفتح على مسجده إلاّ باب بيته وباب بيت الإمام عليعليهالسلام .
النوّاب : لقد صار هذا الخبر موضع اختلاف ، فالحافظ يقول : إنّه من مناقب أبي بكر (رض) ، وأنتم تقولون : إنّه من فضائل سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه ومن خصائصه دون الصحابة ، فهل عندكم مدارك وأسناد معتبرة عندنا أي : تكون من كتبنا المشهورة؟!
قلت : نعم.
__________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١١ / ٤٩ ط دار إحياء التراث العربي.
روى الإمام أحمد في مسنده ١ / ١٧٥ و ٢ / ٢٦ و ٤ / ٣٦٩.
والنسائي في سننه ، وأيضا في خصائصه : ١٣ و ١٤.
والحاكم في المستدرك ٣ / ١١٧ و ١٢٥.
وسبط ابن الجوزي في التذكرة ٢٤ و ٢٥.
وابن الأثير الجزري في أسنى المطالب ١٢.
وابن حجر في الصواعق المحرقة ٧٦.
وابن حجر العسقلاني في فتح الباري ٧ / ١٢.
والخطيب البغدادي في تاريخه ٧ / ٢٠٥.
وابن كثير في تاريخه ٧ / ٣٤٢.
والمتّقي الهندي في كنز العمّال ٦ / ٤٠٨.
والهيثمي في مجمع الزوائد ٩ / ١١٥.
ومحبّ الدين الطبري في الرياض ٢ / ١٩٢.
والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء ٤ / ١٥٣.
والسيوطي في تاريخ الخلفاء ١١٦ ، وفي بعض كتبه الاخرى.
مثل : جمع الجوامع والخصائص الكبرى واللآلي المصنوعة ج ١.
ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب.
والحمويني في فرائد السمطين.
وابن المغازلي في المناقب.
والمناوي في كنوز الدقائق.
وشهاب الدين القسطلاني في إرشاد الساري ٦ / ٨١.
والقندوزي في ينابيع المودّة ، أفرد الباب ١٧ لهذا الحديث.
والحلبي في السيرة الحلبية ٣ / ٣٧٤.
ومحمد بن طلحة في مطالب السئول ١٧.
هؤلاء وغيرهم من كبار علمائكم ومحدّثيكم رووا عن كبار الصحابة المعتبرين عندكم ، كالخليفة الثاني ، وعبد الله بن عبّاس ، وعبد الله بن عمر ، وزيد بن أرقم ، وبراء بن عازب ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي حازم ، والأشجعي ، وسعد بن أبي وقّاص ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وغيرهم ، قالوا : إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أمر بسدّ جميع الأبواب التي كانت تفتح من بيوت الصحابة في المسجد إلاّ باب بيت عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
وبيّن بعض علمائكم المحقّقين توضيحات كاملة وكافية لتوجيه وهداية المغترّين والمغرورين بالدعايات الاموية فضلّوا عن الحقّ وعن الصراط المستقيم.
لقد خصّص العلاّمة محمد بن يوسف الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» بابا ، وهو الخمسون خصّصه في هذا الموضوع ، وبعد أن يروي الأخبار وينقل الروايات المعتبرة والمقبولة بسنده يقول : هذا حديث حسن عال.
ثمّ يقول : وإنّما أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بسدّ الأبواب وذلك لأنّ أبواب مساكنهم كانت شارعة إلى المسجد فنهى الله تعالى عن دخول المساجد مع وجود الحيض والجنابة ، فعمّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بالنهي عن الدخول في المسجد والمكث فيه للجنب والحائض وخصّ عليّا بالإباحة في هذا الموضع.
وما ذاك دليل على إباحته المكروه له ، وإنّما خصّ بذلك لعلم المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّه يتحرّى من النجاسة هو وزوجته فاطمة وأولاده
صلوات الله عليهم ، وقد نطق القرآن بتطهيرهم في قوله عزّ وجلّ :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) إلى آخر ما رواه وعلّقه العلاّمة الكنجي.
فمع هذا التوضيح من العلاّمة الكنجي الشافعي فليقايس جناب الحافظ : مع الخبر الذي نقله إلى المصلّين في يوم الجمعة عن أبي هريرة ، ثمّ لينظر هل يكون عنده دليل على طهارة أبي بكر؟! مع غضّ النظر عن كل الأسناد والمدارك التي ذكرتها في تأييد الخبر وصحّته في الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام لا غيره.
فلينظر الحافظ هل يكون عنده دليل على طهارة أبي بكر حتّى يسمح له فتح بابه في المسجد وتردّده فيه؟!
فلمّا لم يدّع أحد من المسلمين طهارة أبي بكر ، لم يكن خبر فتح بابه على المسجد صحيحا ، بل هو كذب افتراه الجعّالون ، وقد تذكّرت الآن حديثا بالمناسبة ، رواه كبار علمائكم عن الخليفة عمر بن الخطّاب.
ورواه الحاكم في المستدرك ٣ / ١٢٥ ، والحافظ سليمان القندوزي في «ينابيع المودّة» باب ٥٦ ص ٢١٠ ، نقلا عن «ذخائر العقبى» ومسند الإمام أحمد ، ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب : ٢٦١ ، وابن حجر في الصواعق المحرقة : ٧٦ ، وجلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء ، وغير هؤلاء ، كلّهم رووا ـ باختلاف يسير في الألفاظ ـ أنّ عمر بن الخطّاب قال : «لقد أوتي عليّ بن أبي طالب ثلاث خصال ، لأن تكون لي واحدة منها أحبّ إليّ من حمر النّعم :
زوّجه النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بنته.
__________________
(١) سورة الأحزاب ، الآية ٣٣.
وسدّ الأبواب إلاّ بابه ، وسكناه المسجد مع رسول الله ، يحلّ له فيه ما يحلّ له.
وأعطاه الراية يوم خيبر».
فأكتفي بهذا المقدار في هذا الإطار ، وأظنّ أنّ الحقّ قد انكشف ، والسحاب قد انقشع ، وظهر الواقع لحضرة النوّاب وجناب الحافظ وجميع الحاضرين.
والآن نرجع إلى محور حديثنا من قبل ، وهو كلام السيّد شهاب الدين ، حول الإمام عليّعليهالسلام :
فبعد مقايسته لبعض خصال الإمام عليّعليهالسلام المشابهة لخصال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، يقول في آخر حديثه : ومن تتبّع أحواله في الفضائل المخصوصة ، وتفحّص أحواله في الشمائل المنصوصة ، يعلم أنّه كرّم الله تعالى وجهه بلغ الغاية في اقتفاء آثار سيّدنا المصطفى ، وأتى النهاية في اقتباس أنواره حيث لم يجد فيه غيره مقتضى.
هذا نموذج من مقالات واعترافات كبار علمائكم في حقّ الإمام عليّعليهالسلام ومقاماته العالية وفضائله السامية ، نقلتها لكم حتّى تعرفوا ، أنّي لم اغال في حقّ الإمام عليّعليهالسلام ، ولم أدّع شيئا بغير مستند في حقّه.
بل كلّ ما أقوله إنّما هو عن دليل وبرهان ، وتدقيق وإتقان.
وعلماء الشيعة كلّهم كذلك ، كلّ ما نقلوه من فضائل الإمام عليّعليهالسلام ومناقبه إنّما هي مستندة إلى كتب كبار علمائكم ومحقّقيكم.
ولكن من دواعي الأسف أنّ بعض علمائكم ، وخاصة في زماننا ، إذا واجهوا عوامّ الناس والجهلاء من أتباعهم ، ينكرون تلك
الفضائل والمناقب المرويّة في الكتب المعتبرة عندهم في حقّ الإمام عليّعليهالسلام ، بل يكذّب بعضهم بكلّ صلافة الشيعة وغيرهم إذا نقلوا تلك الأخبار والروايات المعتبرة.
وحاصل الكلام ، فقد ثبت أنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام هو نظير رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وشريكه ، كما كان هارون بالنسبة لموسى بن عمرانعليهمالسلام ولمّا وجد موسى أخاه هارون أولى وأفضل من جميع بني إسرائيل ، وهو اللائق بهذا المقام ، سأل ربّه عزّ وجلّ فيه وقال :( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (١) إلى آخره.
وكذلك محمّد المصطفى ، خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لمّا وجد أخاه عليّ ابن أبي طالبعليهالسلام أفضل أمّته ، وأرجحهم علما وعقلا ، فهو أليقهم بأمر الخلاقة ، وأولاهم بمقام الإمامة ، سأل ربّه سبحانه وتعالى فيه ما سأله النبي موسىعليهالسلام في حقّ أخيه.
النوّاب : هل وردت روايات في هذا الباب؟
قلت : أمّا الشيعة فقد أجمعوا على هذا الموضوع من غير إنكار ، وأمّا علماؤكم فقد نقلوا أيضا في كتبهم المعتبرة روايات صحيحة وأحاديث صريحة في ذلك ، منهم :
ابن المغازلي الفقيه الشافعي ، في «مناقبه».
وجلال الدين السيوطي ، في تفسيره «الدرّ المنثور».
والإمام الثعلبي ، في تفسيره «كشف البيان».
وسبط ابن الجوزي ، في كتابه «تذكرة الخواصّ» في ذيل آية
__________________
(١) سورة طه ، الآيات ٢٩ ـ ٣٢.
الولاية ، وروى في صفحه ١٤ ، عن أبي ذرّ الغفاري وأسماء بنت عميس ـ إحدى زوجات أبي بكر ـ ، قالا :
صلّينا يوما الظهر في المسجد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإذا برجل قام يسأل الناس شيئا فما أعطاه أحد ، وكان عليعليهالسلام في الركوع فأشار إليه بإصبعه ، فأخرج السائل خاتمه من إصبعه ، فرأى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك ، فنظر نحو السماء وقال : اللهمّ إنّ أخي موسى سألك فقال :( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) فأنزلت عليه قرآنا ناطقا :( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما ) .
اللهمّ وأنا محمّد صفيّك ونبيّك ، فاشرح لي صدري ، ويسّر لي أمري ، واجعل لي وزيرا من أهلي ، عليا اشدد به أزري.
فو الله ما انتهى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من الدعاء ، إلاّ ونزل جبرئيل بالآية الكريمة :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) (١) .
والعلاّمة محمد بن طلحة نقل هذا الخبر مع اختلاف يسير في الالفاظ ، في كتابه «مطالب السئول ١٩».
وهناك خبر آخر ، نقله الحافظ أبو نعيم في «منقبة المطهّرين» والشيخ علي الجعفري في «كنز البراهين» والإمام أحمد بن حنبل في «المسند» والسيّد شهاب الدين في «توضيح الدلائل» والسيوطي في «الدرّ المنثور» وآخرون من كبار علمائكم ، لا يسع الوقت لذكر أسمائهم
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٥٥.
لكثرتهم ، فقد ذكروا في كتبهم بطرق مختلفة عن : أسماء بنت عميس وغيرها من الصحابة ، ورووا عن ابن عبّاس ـ حبر الامّة ـ ، أنّه قال :
أخذ رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بيدي وبيد عليّ ابن أبي طالب ، فصلّى أربع ركعات ، ثمّ رفع يده نحو السماء وقال : اللهمّ سألك موسى بن عمران ، وأنا محمد أسألك : أن تشرح لي صدري ، وتيسّر لي أمري ، وتحلّ عقدة من لساني ، يفقهوا قولي ، واجعل لي وزيرا من أهلي عليّا ، اشدد به أزري ، وأشركه في أمري.
فقال ابن عبّاس : سمعت صوتا يقول : يا أحمد! قد اوتيت ما سألت.
وقال ابن عبّاس : فأخذ النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بيد عليّ ورفعها نحو السماء وقال : يا علي! ارفع يدك واسأل ربّك ليعطيك شيئا.
فرفع عليّ يده وقال : اللهمّ اجعل لي عندك عهدا ، واجعل لي عندك ودّا.
فنزل جبرئيل بالآية الكريمة :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ) (١) .
فتعجّب الأصحاب من هذا الموضوع ، فقال النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : ممّا تعجبون؟! إنّ القرآن أربعة أرباع ، فربع فينا أهل البيت خاصة ، وربع حلال ، وربع حرام ، وربع فرائض وأحكام ، والله أنزل في عليّعليهالسلام كرائم القرآن.
__________________
(١) سورة مريم ، الآية ٩٦.
الشيخ عبد السّلام : على فرض صحّة كلامكم ، فإنّ حديث المنزلة لا يخصّ عليّ بن أبي طالب ، بل ورد مثله في حقّ الشيخين أبي بكر وعمر (رض).
فقد روى قزعة بن سويد ، عن أبي مليكة ، عن ابن عبّاس ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أبو بكر وعمر منّي بمنزلة هارون من موسى.
قلت : لو كنتم تعرفون رأي علمائكم في رواة هذا الحديث لما تمسّكتم به!
فإنّ قزعة كالآمدي ، كذّاب جعّال ، وإنّ كبار علمائكم الرجاليّين ، ردّوا عليه وقالوا : إنّ رواياته غير مقبولة.
منهم : العلاّمة الذهبي في كتابه «ميزان الاعتدال» قال في ترجمة قزعة بن سويد : نقل هذا الحديث ـ منزلة الشيخين ـ عمّار بن هارون وأنكره فقال : هذا كذب.
لذا فنحن نتعجّب منكم إذ تتركون الحديث المجمع عليه ، والمرويّ في كتب الفريقين ، وهو مؤيّد بأحاديث صحيحة اخرى ، وتتمسّكون بحديث ضعيف ، مردود عند الفريقين ، وغير مقبول عند كبار علمائكم الأعلام!!
ولمّا وصلنا إلى هنا نظر بعض الحضور إلى الساعة وقالوا : لقد طال بنا الحديث ، ومضى من الليل نصفه ، فلنترك الحوار حول الموضوع إلى الليلة القابلة.
فوافق جميع الحاضرين ، وتوادعوا ، وذهبوا إلى بيوتهم.
المجلس الخامس
ليلة الثلاثاء ٢٧ رجب ١٣٤٥
أقبل الحافظ وسائر العلماء من أوّل الليل مع جماعة كبيرة من أتباعهم ، وبعد تناول الشاي والحلوى ، بدأ الحافظ قائلا :
لقد فكّرت كثيرا في حديثكم وكلامكم حول حديث المنزلة ، وراجعت كتبنا فرأيته كما ذكرتم أنّه من الأحاديث الصحيحة المتواترة بإجماع علمائنا وأهل الحديث الموثّقين عندنا
ولكنّه لا يدلّ على خلافة سيّدنا عليّ كرم الله وجهه بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) مباشرة من غير فاصل كما تقولون ، بل صدر حديث المنزلة عند خروج النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) من المدينة إلى غزوة تبوك وخلّف عليّا في المدينة.
فهو يدلّ على خلافة سيّدنا عليّرضياللهعنه لرسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) في ذلك المورد فحسب ، وذلك في حياة النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ، فلا يتعدّى إلى موارد اخرى ، وخاصة بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)!
قلت : لو كان أحد الحاضرين من غير العلماء يطرح هذا الإشكال ما كنت أتعجّب ، ولكن هذا البيان من رجل فاضل يعلم قواعد اللغة العربية مثلكم غريب!
لأنّ الاستثناء الذي جاء في آخر حديث المنزلة يفيد العموم ، وهو : «إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».
ثمّ هناك أصل مقبول عند أشهر علماء اللغة العربية وهو : إنّ اسم الجنس إذ ذكر في الكلام وكان مضافا إلى اسم علم فهو يفيد العموم وكلمة «المنزلة» التي اضيفت الى اسم «هارون» يفهم منها معناها العام.
وجملة : «لا نبيّ بعدي» يؤول على المصدر ، أي : «لا نبوّة بعدي» وهو أيضا على القاعدة المشهورة بين اللغويّين العرب.
الحافظ : إذا ننظر إلى جملة : «لا نبيّ بعدي» بنظر الدقّة ، لوجدناها جملة إخبارية. فلا يمكن استثناؤها من منازل هارون ومراتبه ، ثمّ ما الداعي لنصرف ظاهر الكلمة على المصدر؟!
قلت : إنّك تعرف الحقّ وتحرفه جدلا! لأنّ كلامي غير شاذّ ، بل هو على القواعد المسلّمة عند علماء اللغويّين والاصوليّين ، وهناك كثير من علمائكم قالوا به وصرّحوا بما فهمناه من حديث المنزلة.
وعندنا دليل أقوى من كلّ ذلك ، وهو أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم صرّح أيضا بهذا المعنى كما في بعض الروايات الصحيحة المعتبرة عند علمائكم ، منهم :
١ ـ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي ، في كتابه «كفاية الطالب في مناقب مولانا علي بن أبي طالب» الباب السبعين.
٢ ـ الشيخ سليمان الحنفي القندوزي ، في كتابه «ينابيع المودّة»
بسنده عن عامر بن سعد ، عن أبيه.
ومن طريق آخر بسنده عن مصعب بن سعد ، عن أبيه ، عن النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال لعليّعليهالسلام : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي؟!
قال القندوزي في الباب السادس من كتابه : هذا حديث متّفق على صحّته ، رواه الأئمّة الحفّاظ كأبي عبد الله البخاري ومسلم بن الحجّاج في صحيحيهما.
٣ ـ ابن كثير ، في تاريخه ، عن عائشة بنت سعد عن أبيها عن النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
٤ ـ سبط ابن الجوزي ، في تذكرة الخواصّ : ١٢ ، نقلا عن مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم.
٥ ـ الإمام أحمد ، في المناقب.
٦ ـ أحمد بن شعيب النسائي ، في كتابه «خصائص عليّ بن أبي طالب» بسنده عن سعد بن أبي وقّاص عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
٧ ـ الخطيب الخوارزمي ، في المناقب ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري.
... هؤلاء وغيرهم رووا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ النبوّة؟!
٨ ـ المير سيد علي الهمداني ، في كتابه «مودّة القربى» ـ المودّة السادسة ، عن أنس بن مالك ـ وقد نقلت لكم الحديث في الليلة
الماضية ـ يقول في آخره : ولو كان بعدي نبيّا لكان عليّ نبيّا ، ولكن لا نبوّة بعدي.
فثبت بحديث المنزلة ، أنّ موسى بن عمرانعليهالسلام كما خلّف أخاه هارونعليهالسلام مكانه حينما ذهب لميقات ربّه سبحانه ، وفوّض أمر النبوّة إليه ، لأنّه كان أفضل أمّته وأحفظهم للدين ، فجعله يقوم مقامه ، كي لا يضيع شرعه ولا تذهب أتعابه سدى كذلك خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وشريعته المقدّسة أفضل الشرائع السماوية ، ودينه المبين أكمل الأديان الإلهيّة.
فمن الأولى أن لا يترك أمّته من غير خليفة ، ولا بدّ له أن يعيّن من يقوم مقامه في أمر النبوّة ، كي لا تختلف أمّته في أحكام الدين ، ولا يضيع شرعه المقدّس بين الجاهلين والمغرضين ، فيتحكمون فيه ويفتون بالرأي والقياس ، وما استحسنته عقولهم المتحجّرة ، فيذهبون إلى الدروشة والتصوّف وما إلى ذلك.
حتّى انقسمت الامّة الإسلامية الواحدة التي قال تعالى في وصفها :( إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (١) فتفرّقت إلى ثلاث وسبعين فرقة ، واحدة ناجية والباقون في النار ، لأنّهم ضالون ومضلّون.
فأعلن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ عليّا منه بمنزلة هارون من موسى ، وبقي على المسلمين أن يفهموا من الحديث الشريف ، بأنّ جميع منازل هارون تكون لعليّعليهالسلام ، ومنها تفضيله على الآخرين ، وخلافته للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته وبعدها.
__________________
(١) سورة الأنبياء ، الآية ٩٢.
الحافظ : كلّ ما بيّنتموه حول حديث المنزلة نقبله ، إلاّ هذا الموضوع الأخير. فإنّ كلّ منازل ومراتب هارون تكون لعليّ كرّم الله وجهه في حياة النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ، وأمّا بعد حياته فلا!
لأنّه (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) عيّن عليّا خليفته في المدينة حينما أراد الخروج لغزوة تبوك ـ وهي قضية في واقعة ـ فلمّا رجع (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) من الغزو تسلّم الأمر من عليّ كرّم الله وجهه ، وانتهى التعيين لأنّه كان خاصّا بذلك الزمان.
فلا نفهم من حديث المنزلة خلافة سيّدنا عليّرضياللهعنه لسيّدنا محمد المصطفى (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ما بعد وفاته (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ، وهذا الأمر يحتاج إلى دليل آخر.
قلت : لم ينحصر صدور حديث المنزلة في غزوة تبوك فحسب ، بل نجد في الأخبار المعتبرة والروايات الصحيحة أنّ النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أعلن حديث المنزلة في مناسبات اخر.
منها : حينما آخى بين أصحابه في مكّة واخرى في المدينة واتّخذ عليّاعليهالسلام أخا لنفسه ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم له : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي.
الحافظ : هذا خبر غريب! لأنّي كلّ ما سمعت وقرأت عن حديث المنزلة ، أنّه صدر من النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) حين ذهابه إلى تبوك ، وذلك لمّا خلّف عليّارضياللهعنه في المدينة ، فحزن عليّ لعدم مشاركته في الحرب والجهاد ، فقال له رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ...؟! إلى آخره.
لذلك فإنّي أظن أنّ سماحة السيّد قد وهم في كلامه ، واشتبه الأمر عليه.
قلت : إنّي لست متوهّما ، بل على يقين من كلامي ، وهو قول جميع علماء الشيعة وكثير من علمائكم أيضا ، منهم :
١ ـ المسعودي ، في مروج الذهب ٢ / ٤٩.
٢ ـ السيرة الحلبية ٢ / ٢٦ و ١٢٠.
٣ ـ الإمام النسائي ، في خصائص عليّ بن أبي طالب : ١٩.
٤ ـ سبط ابن الجوزي ، في التذكرة : ١٣ و ١٤.
٥ ـ الشيخ سليمان الحنفي القندوزي ، في «ينابيع المودّة» الباب التاسع والسابع عشر ، نقلا عن مسند الإمام أحمد ، وعن زوائد المسند لعبد الله بن أحمد ، وعن مناقب الخوارزمي.
كلّ هؤلاء ذكروا حديث المنزلة ضمن خبر المؤاخاة ، والمستفاد من الأخبار والروايات ، أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كرّر حديث المنزلة في حضور أصحابه وفي مناسبات كثيرة منها : عند المؤاخاة ، وعند استخلافهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّا على المدينة حين خروجهصلىاللهعليهوآلهوسلم منها إلى تبوك وغيرها.
فكأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يريد إعلان خلافة أخيه وابن عمّه الإمام عليّعليهالسلام في كلّ وقت ومكان ، لا في زمان ومكان معيّن.
الحافظ : كيف تفهمون من حديث المنزلة هذا الموضوع المهمّ ، ولم يفهمه الصحابة الكرام ما فهمتموه؟!
أم تقولون إنّهم فهموا من حديث المنزلة ما فهمتموه ومع ذلك خالفوا نبيّهم وبايعوا غير سيّدنا عليّرضياللهعنه ؟!
قلت : في جواب سؤالك الثاني ، الذي هو قولنا ، عندي قضايا
مشابهة كثيرة ، ولكن أكتفي بنقل قضية واحدة وهي قضية هارون الذي نحن في ذكره والكلام يدور حوله.
وعليّعليهالسلام في الإسلام يشبه هارون في بني إسرائيل ، والقضية كما ذكرها المفسّرون عند تفسير قوله تعالى :( وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (١) .
قال المفسّرون : إنّ موسى بن عمران لمّا أراد أن يذهب إلى ميقات ربّه تعالى ، جمع بني إسرائيل ـ والحاضرون على بعض الروايات سبعون ألف نفر ـ فأكّد عليهم أن يطيعوا أمر هارون ولا يخالفوه في شيء ، فإنّه خليفته فيهم.
ثمّ لمّا ذهب إلى الميقات وطال مكثه ، انقلب بنو إسرائيل على هارون فخالفوه وأطاعوا السامريّ ، وسجدوا للعجل الذي صنعه السامري من حليّهم وذهبهم!
ولمّا منعهم هارون ونهاهم من ذلك ودعاهم لعبادة الله سبحانه تألّبوا عليه وكادوا يقتلونه ، كما حكى الله تعالى عن قول هارون :( إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (٢) .
بالله عليكم ، أيّها الحاضرون ، أنصفوا!! هل إنّ اجتماع أمّة موسى حول السامريّ وعجلهم ، وتركهم هارون خليفة موسى بن عمران ، المؤيّد من عند الله ، والمنصوص عليه بالخلافة ، دليل على أحقّيّة السامريّ وبطلان خلافة هارون؟!
__________________
(١) سورة الأعراف ، الآية ١٤٢.
(٢) سورة الأعراف ، الآية ١٥٠.
هل إنّ عمل بني إسرائيل صحيح عند الله سبحانه وتعالى؟!
هل لعاقل أن يقول : إنّ بني إسرائيل إذا كانوا يسمعون من لسان نبيّهم نصّا في خلافة هارون ما كانوا يتركوه ، ويجتمعون حول السامريّ وعجله؟!
وهل اجتماعهم حول السامريّ وعجله ، دليل على انهم ما سمعوا نصّا من موسى بن عمران في خلافة أخيه هارون؟!!
كلّنا يعلم أنّ هذا كلام تافه وواه ، لأنّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ موسىعليهالسلام نصب هارون في مقامه ، وعيّنه خليفته في قومه ، ثمّ ذهب إلى ميقات ربّه ؛ ولكنّ بني إسرائيل مع كلّ ذلك ضلّوا عن الحقّ بإغواء السامريّ وتدليس إبليس لعنه الله.
فهم مع علمهم بخلافة هارون ووجوب إطاعتهم أمره ، خالفوه وكادوا يقتلونه ، بل أطاعوا السامريّ وسجدوا لعجله وعبدوه!!
كذلك بعد وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إنّ اولئك الّذين سمعوا من فم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مرارا وتكرارا ، بالصراحة والكناية ، يقول : إنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا فكما أنّ أمّة موسى تركوا هارون ، كذلك أمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم تركوا عليّا ، وتبعوا أهواءهم.
بعضهم للرئاسة والدنيا كما قال أمير المؤمنين الإمام عليّعليهالسلام : حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها(١) .
وبعضهم للحقد الذي كان مكنونا في صدورهم ، لأنّ عليّاعليهالسلام قتل أبطالهم وجندل ذؤبانهم ، وضربهم بسيفه حتّى استسلموا وقالوا :
__________________
(١) نهج البلاغة ـ تحقيق د. صبحي الصالح ـ : ٥٠ الخطبة الشقشقية ، لسان العرب :٦ / ١٣ مادّة «زبر».
لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، بألسنتهم ولما يدخل الإيمان في قلوبهم ، فكانوا يتحيّنون الفرصة لإظهار بغضهم الدفين ، فلمّا اتيحت لهم الفرصة بوفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم انقلبوا على أعقابهم ، وفعلوا ما فعلوا ظلما وعنادا.
وبعضهم للحسد والكبرياء ، لأنّهم كانوا أسنّ من الإمام عليّعليهالسلام ، وهو يوم ذاك لم يبلغ الأربعين من العمر ، فثقل عليهم أن يخضعوا له ويطيعوا أمره!
لهذه الأسباب ونحوها تركوا خليفة نبيّهم وخذلوه وكادوا يقتلونه ، كما كاد بنو إسرائيل أن يقتلوا هارون!!
لذلك روى ابن قتيبة وهو من كبار علمائكم ، في كتابه الإمامة والسياسة ، صفحه ١٣ ـ ١٤ / ط مطبعة الامة بمصر تحت عنوان : «كيف كانت بيعة عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه».
قال : وإنّ أبا بكر (رض) تفقّد قوما تخلّفوا عن بيعته عند عليّ كرّم الله وجهه ، فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار عليّ ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها!
فقيل له : يا أبا حفص ، إنّ فيها فاطمة!
فقال : وإن!!
فخرجوا وبايعوا إلاّ عليّا فأخرجوا عليّا ، فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع.
فقال : إن أنا لم أفعل فمه؟!
قالوا : إذا والله الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك!!
قال : إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله.
قال عمر : أمّا عبد الله فنعم ، وأمّا أخو رسوله فلا!
وأبو بكر ساكت لا يتكلّم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك؟!!
فقال : لا اكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه.
فلحق عليّ بقبر رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يصيح ويبكي وينادي :( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (١) .
ونقل أكثر المؤرّخين الموثّقين عندكم أنّ الإمام عليّاعليهالسلام تلا هذه الآية عند قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في تلك الحالة العصيبة ، وهي حكاية قول هارون عند أخيه موسى بن عمران حينما رجع من ميقات ربّه ، فشكى إليه قومه بني إسرائيل ، وكيف استضعفوه وصاروا ضدّه.
وإنّي أعتقد أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يعلم بأنّه سيجري من قومه على وصيه وخليفته من بعده ، ما جرى على هارون من أمّة موسى في غيبته ، ولذلك شبّه عليّاعليهالسلام بهارون.
والإمام عليّعليهالسلام لإثبات هذا المعنى خاطب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عند قبره فقال له ما قاله هارون لأخيه موسى ، قوله تعالى :( إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (٢) .
فلمّا وصل حديثنا إلى هذه النقطة ، سكت الحافظ وبهت
__________________
(١) سورة الأعراف ، الآية ١٥٠.
(٢) سورة الأعراف ، الآية ١٥٠.
الحاضرون ، وبدأ ينظر بعضهم إلى بعض ، في حالة من التفكّر والتعجّب.
فرفع النوّاب رأسه وقال : إذا كانت الخلافة حقّ الإمام عليّعليهالسلام بعد النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) مباشرة من غير تأخّر وذلك بأمر الله تعالى كما تقولون ، فلما ذا لم يصرّح به رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أمام أصحابه والذين آمنوا به؟!
فلو كان النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول بالصراحة : يا قوم! إنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي فيكم وهو بعدي أميركم والحاكم عليكم ؛ فلم يكن حينئذ عذر للأمّة في تركه ومبايعة غيره ومتابعة الآخرين!
قلت :
أوّلا : المشهور بين أهل اللغة والأدب بأنّ : «الكناية أبلغ من التصريح» فتوجد في الكناية نكات دقيقة ولطائف رقيقة لا توجد في التصريح أبدا.
مثلا المعاني الجمّة التي تستخرج من كلمة «المنزلة» فيما نحن فيه من البحث حول حديث المنزلة ، تكون أعمّ وأشمل من كلمة «الخليفة» لأنّ الخلافة تكون جزءا وفرعا لمنزلة هارون من موسى.
ثانيا : توجد تصريحات من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في خلافة الإمام عليّعليهالسلام .
النوّاب : هل يمكن أن تبيّنوا لنا تلك التصريحات وأعتذر أنا من هذا السؤال ، لأنّ علماءنا يقولون لنا : لا يوجد حديث صريح من
رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) في خلافة عليّ كرّم الله وجهه ، وإنّما الشيعة يؤوّلون بعض الأحاديث النبوية الشريفة في خلافة عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه!
قلت : إنّ الّذين قالوا لكم هذا الكلام ، إمّا هم جهّال في زيّ أهل العلم ، أو علماء يتجاهلون! لأنّ الأحاديث الصريحة في خلافة الإمام عليّعليهالسلام وتعيينه دون غيره كثيرة ، وقد ذكرها علماؤكم الأعلام في الكتب المعتبرة ، وأنا الآن ابيّن لكم بعض ما يحضرني ، حسب ما يسمح به الوقت.
يوم الإنذار
أوّل مناسبة صرّح فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بخلافة الإمام عليّعليهالسلام في أوان رسالته والإسلام بعد لم ينتشر ، بل كان لا يزال في مهده ولم يخرج من مكّة المكرّمة ، لمّا نزلت الآية الكريمة :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (١) .
روى الإمام أحمد ، في مسنده ١ / ١١١ و ١٥٩ و ٣٣٣.
والثعلبي في تفسيره ، عند آية الإنذار.
والعلاّمة الكنجي الشافعي ، في «كفاية الطالب» أفرد لها الباب الحادي والخمسين.
والخطيب موفّق بن أحمد الخوارزمي ، في المناقب.
ومحمد بن جرير الطبري ، في تفسيره عند آية الإنذار ، وفي
__________________
(١) سورة الشعراء ، الآية : ٢١٤.
تاريخه ٢ / ٢١٧ بطرق كثيرة.
وابن أبي الحديد ، في «شرح نهج البلاغة».
وابن الأثير ، في تاريخه ، الكامل ٢ / ٢٢.
والحافظ أبو نعيم ، في «حلية الأولياء».
والحميدي ، في «الجمع بين الصحيحين».
والبيهقي ، في «السنن والدلائل».
وأبو الفداء ، في تاريخه ١ / ١١٦.
والحلبي ، في السيرة ١ / ٣٨١.
والإمام النسائي ، في الخصائص ، حديث رقم ٦٥.
والحاكم ، في المستدرك ٣ / ١٣٢.
والشيخ سليمان الحنفي ، في الينابيع ، أفرد لها الباب الحادي والثلاثين.
وغيرهم من كبار علمائكم ومحدّثيكم ومفسّريكم ، رووا ـ مع اختلاف يسير في العبارات ـ :
إنّه لمّا نزلت الآية الشريفة :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) جمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بني عبد المطّلب ، وكانوا أربعين رجلا ، منهم من يأكل الجذعة(١) ويشرب العسّ(٢) ، فصنع لهم مدّا من طعام ، فأكلوا حتّى شبعوا ، وبقي كما هو!
ثمّ دعا بعسّ ، فشربوا حتّى رووا ، وبقي كأنّه لم يشرب!
__________________
(١) الجذعة : الشاة الصغيرة السّن ومن الإبل ما كان سنها أربع سنين الى خمس.
وقيل : سميت بذلك لأنها تجذع مقدّم أسنانها أي : تسقطه.
(٢) العسّ : القدح الضخم يروي الثلاثة والأربعة.
ثمّ خاطبهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قائلا :
يا بني عبد المطّلب! إنّ الله بعثني للخلق كافّة وإليكم خاصة ، وقد رأيتم ما رأيتم ، وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان وثقيلتين في الميزان ، تملكون بهما العرب والعجم ، وتنقاد لكم الامم ، وتدخلون بهما الجنّة ، وتنجون بهما من النار ، وهما : شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّي رسول الله.
«فمن منكم يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به ويكن أخي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي؟».
وفي بعض الأخبار : يكون أخي وصاحبي في الجنّة. وفي بعض الأخبار : يكون خليفتي في أهلي.
فلم يجبه أحد إلاّ عليّ بن أبي طالب ، وهو أصغر القوم.
فقال له النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : اجلس ، وكرّر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مقالته ثلاث مرّات ولم يجبه أحد ، إلاّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
وفي المرّة الثالثة ، أخذ بيده وقال للقوم : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا.
هذا الخبر الهامّ الذي اتّفق على صحّته علماء الفريقين من الشيعة والسنّة.
تصريحات اخرى في خلافة عليّعليهالسلام
وهناك تصريحات اخرى من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في شأن خلافة
الإمام عليّعليهالسلام ، ذكرها علماؤكم ومحدّثوكم الموثوقون لديكم في كتبهم المعتبرة ، منهم :
١ ـ الإمام أحمد في «المسند» والمير السيّد علي الهمداني الشافعي في كتابه «مودة القربى» في آخر المودّة الرابعة ، عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ، قال «يا عليّ! أنت تبرئ ذمّتي ، وأنت خليفتي على أمّتي».
٢ ـ الإمام أحمد في «المسند» بطرق شتّى ، وابن المغازلي الشافعي في المناقب ، والثعلبي في تفسيره ، عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أنّه قال لعليّعليهالسلام «أنت أخي ، ووصيّي ، وخليفتي ، وقاضي ديني».
٣ ـ العلاّمة الراغب الأصبهاني ، في كتابه محاضرات الأدباء ٢ / ٢١٣ ط. المطبعة الشرفية سنة ١٣٢٦ هجرية ، عن أنس بن مالك ، عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أنّه قال «إنّ خليلي ووزيري وخليفتي وخير من أترك بعدي ، يقضي ديني ، وينجز موعدي ، عليّ ابن أبي طالب».
٤ ـ المير السيّد علي الهمداني الشافعي في كتابه «مودّة القربى» في أوائل المودّة السادسة ، روى عن عمر بن الخطّاب ، قال : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) لمّا آخى بين أصحابه قال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) «هذا عليّ أخي في الدنيا والآخرة ، وخليفتي في أهلي ، ووصيّي في أمّتي ، ووارث علمي ، وقاضي ديني ، ماله منّي مالي منه ، نفعه نفعي ، وضرّه ضرّي ، من أحبّه فقد أحبّني ، ومن أبغضه فقد أبغضني».
وفي رواية اخرى ـ في المودّة السادسة ـ قال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) مشيرا لعليّعليهالسلام «وهو خليفتي ووزيري».
٥ ـ العلاّمة محمد بن يوسف الكنجي الشافعي ، في كتابه «كفاية الطالب» في الباب الرابع والأربعين ، روى بسنده عن ابن عبّاس ، قال :
ستكون فتنة ، فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله تعالى وعليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) وهو يقول «هذا أوّل من آمن بي ، وأوّل من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأمّة ، يفرق بين الحقّ والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو بابي الذي اوتى منه ، وهو خليفتي من بعدي».
قال العلاّمة الكنجي : هكذا أخرجه محدّث الشام في فضائل عليّعليهالسلام ، في الجزء التاسع والأربعين بعد الثلاثمائة من كتابه بطرق شتّى.
٦ ـ أخرج البيهقي والخطيب الخوارزمي وابن المغازلي الشافعي في «المناقب» :
عن النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أنّه قال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) لعليّعليهالسلام «إنّه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي ، وأنت أولى بالمؤمنين بعدي».
٧ ـ الإمام النسائي ، وهو أحد أئمّة الحديث وصاحب أحد
الصحاح الستّة عندكم ، أخرج في كتابه (الخصائص) في ضمن الحديث ٢٣ :
عن ابن عبّاس ، أنّ النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال لعليّعليهالسلام «انت خليفتي في كلّ مؤمن من بعدي».
فالنبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يؤكّد في هذا الحديث أن عليّاعليهالسلام خليفته من بعده ، أي : مباشرة وبلا فصل ، فلا اعتبار لادّعاء أيّ مدع خلافة النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) من الّذين نازعوا عليّاعليهالسلام وغصبوا منصبه ومقامه(١) لوجود حرف : «من» في الحديث ، فهي إمّا أن تكون بيانية أو ابتدائية ، وعلى التقديرين يتعيّن عليّعليهالسلام بعد النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بأنّه خليفته بلا فصل.
٨ ـ المير السيّد علي الهمداني : أخرج في كتابه «مودّة القربى» في الحديث الثاني من المودّة السادسة ، بسنده عن أنس ، رفعه عن النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال «إنّ الله اصطفاني على الأنبياء فاختارني واختار لي وصيّا ، واخترت ابن عمّي وصيّي ، يشدّ عضدي كما يشدّ عضد موسى بأخيه هارون ، وهو خليفتي ، ووزيري ، ولو كان بعدي نبيّا لكان عليّ نبيّا ، ولكن لا نبوّة بعدي».
__________________
(١) يفيدنا هذا الحديث الشريف : أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم جعل الرضا بخلافة الإمام عليّعليهالسلام من بعده ، من علائم الإيمان ، والفرق بين الإسلام والإيمان واضح لقوله تعالى: ( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) سورة الحجرات ، الآية ١٤.
٩ ـ أخرج الطبري في كتابه «الولاية» خطبة الغدير ، عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول فيها «قد أمرني جبرئيل عن ربّي أن أقوم في هذا المشهد ، وأعلم كلّ أبيض وأسود : أنّ عليّ بن أبي طالب أخي ، ووصيّي ، وخليفتي ، والإمام بعدي».
ثمّ قال : معاشر الناس! فإنّ الله قد نصبه لكم وليّا وإماما ، وفرض طاعته على كلّ أحد ، ماض حكمه ، جائز قوله ، ملعون من خالفه ، مرحوم من صدّقه.
١٠ ـ أخرج أبو المؤيّد بن أحمد الخوارزمي في كتابه «فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام » الفضل ١٩ ، بإسناده عن النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أنّه قال [«لمّا وصلت في المعراج إلى سدرة المنتهى ، خاطبني الجليل قائلا : يا محمد! أيّ خلقي وجدته أطوع لك؟
فقلت : يا ربّ ، عليّ أطوع خلقك إليّ.
قال عزّ وجلّ : صدقت يا محمّد.
ثمّ قال : فهل اتّخذت لنفسك خليفة يؤدّي عنك ، ويعلّم عبادي من كتابي ما لا يعلمون.
قال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : قلت : يا ربّ اختر لي ، فإنّ خيرتك خيرتي.
قال : اخترت لك عليّاعليهالسلام ، فاتّخذه لنفسك خليفة ووصيّا ، ونحلته علمي وحلمي ، وهو أمير المؤمنين حقّا ، لم ينلها أحد قبله ، وليست لأحد بعده(١) »].
__________________
(١) أقول : وقد وردت أخبار كثيرة في كتب العامة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يشير فيها إلى فضائل ـ
__________________
الإمام عليّعليهالسلام ، ويصرّحصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّه : الإمام ، والوصيّ ، والوليّ ، وأمير المؤمنين ؛ وهذه الألقاب والصفات ما جاءت إلاّ بمعنى الخلافة ، فغير صحيح أن يؤخّر الإمام ويقدّم المأموم ، أو يخلف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم غير وصيّه
وإليك بعض تلك الأخبار :
١ ـ أخرج الشيخ سليمان الحنفي في كتابه : ينابيع المودّة ١ / ١٥٦ في الباب الرابع والأربعين ، قال :
وفي المناقب : عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) «يا عليّ! أنت صاحب حوضي ، وصاحب لوائي ، وحبيب قلبي ، ووصيّي ، ووارث علمي ، وأنت مستودع مواريث الأنبياء من قبلي ، وأنت أمين الله في أرضه ، وحجّة الله على بريّته ، وأنت ركن الإيمان وعمود الإسلام ، وأنت مصباح الدجى ، ومنار الهدى ، والعلم المرفوع لأهل الدنيا».
يا علي! من اتّبعك نجا ، ومن تخلّف عنك هلك ، وأنت الطريق الواضح ، والصراط المستقيم ، وأنت قائد الغرّ المحجّلين ، ويعسوب المؤمنين ، وأنت مولى من أنا مولاه ، وأنا مولى كلّ مؤمن ومؤمنة ، لا يحبّك إلاّ طاهر الولادة ، ولا يبغضك إلاّ خبيث الولادة ، وما عرجني ربّي عزّ وجلّ إلى السماء وكلّمني ربّي إلاّ قال : يا محمّد اقرأ عليّا منّي السلام ، وعرّفه أنّه إمام أوليائي ، ونور أهل طاعتي ؛ وهنيئا لك هذه الكرامة.
٢ ـ وأخرج ابن المغازلي الشافعي في كتابه (المناقب) والديلمي في كتابه (الفردوس) كما نقل عنهما الشيخ سليمان الحنفي في كتابه ينابيع المودّة ١ / ١١ ، الباب الأوّل ، عن سلمان ، قال : سمعت حبيبي محمّدا (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول : «كنت أنا وعليّ نورا بين يدي الله عزّ وجلّ ، يسبّح الله ذلك النور ويقدّسه قبل أن يخلق الله آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلمّا خلق آدم أودع ذلك النور في صلبه ، فلم
__________________
يزل أنا وعليّ شيء واحد حتّى افترقنا في صلب عبد المطّلب. ففيّ النبوة وفي عليّ الإمامة».
٣ ـ وأخرجه المير السيّد علي الهمداني ، في المودّة الثامنة من كتابه «مودّة القربى» قال : عثمان (رض) رفعه عن النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال «خلقت أنا وعليّ من نور واحد ـ إلى أن قال : ـ ففيّ النبوّة ، وفي عليّ الوصيّة».
٤ ـ وأخرج أيضا عن عليّ عليهالسلام عن النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال : «يا علي! خلقني الله وخلقك من نوره ـ إلى أن قال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : ـ ففيّ النبوّة والرسالة ، وفيك الوصيّة والإمامة».
٥ ـ وأخرج العلاّمة الكنجي الشافعي في كتابه : «كفاية الطالب» في الباب السادس والخمسين ، في تخصيص عليّ عليهالسلام بكونه إمام الأولياء ، روى بسنده المتّصل عن أنس بن مالك ، قال : بعثني النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) إلى أبي برزة الأسلمي ، فقال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) له ـ وأنا أسمع ـ «يا أبا برزة! إنّ ربّ العالمين عهد إليّ عهدا في عليّ بن أبي طالب.
فقال : إنّه راية الهدى ، ومنار الإيمان ، وإمام أوليائي ، ونور جميع من أطاعني.
يا أبا برزة! عليّ بن أبي طالب أميني غدا في القيامة ، وصاحب رايتي في القيامة ، وأميني على مفاتيح خزائن رحمة ربّي عزّ وجلّ».
قال العلاّمة الكنجي : هذا حديث حسن ، أخرجه صاحب «حلية الأولياء» كما أخرجناه.
٦ ـ وأخرج العلاّمة الكنجي ، في الباب الرابع والخمسين ، بسنده المتّصل عن أنس ، قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) «يا أنس! اسكب لي وضوء يغنيني.
فتوضّأ ثمّ قام وصلّى ركعتين ، ثمّ قال : يا أنس! أوّل من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين ، وسيّد المرسلين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، وخاتم الوصيّين.
اعلموا أنّ الأخبار في هذا المضمار ، كثيرة في كتبكم المعتبرة ، وقد نقلت لكم بعض ما أحفظ منها ، كي يعلم الحافظ بأنّنا لا نرو إلاّ ما رواه علماؤكم الأعلام ، ولا نقول إلاّ الحقّ ، ولا نعتقد إلاّ بالحقيقة والواقع.
والجدير بالذكر أنّ بعض علمائكم المنصفين اعترفوا بخلافة عليّ ابن أبي طالبعليهالسلام كما نعتقد نحن ، منهم : إبراهيم بن سيّار بن هانئ البصري ، المعروف بالنظّام(١) ، فإنّه يقول : نصّ النبيّ (صلّى الله عليه
__________________
قال أنس : قلت : اللهمّ اجعله رجلا من الأنصار ، وكتمته.
إذ جاء عليّ. فقال : من هذا يا أنس؟ قلت : عليّ بن أبي طالب.
فقام النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) مستبشرا فاعتنقه ، ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه ، ويمسح عرق عليّ عليهالسلام بوجهه.
قال عليّ عليهالسلام : يا رسول الله! لقد رأيتك صنعت بي شيئا ما صنعت بي قبل!
قال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : وما يمنعني وأنت تؤدّي عنّي ، وتسمعهم صوتي ، وتبيّن لهم ما اختلفوا فيه بعدي؟!».
قال العلاّمة الكنجي الشافعي : هذا حديث حسن عال ، أخرجه الحافظ أبو نعيم في «حلية الأولياء» قال : وأنشدت في المعنى :
عليّ أمير المؤمنين الذي به |
هدى الله أهل الأرض من حيرة الكفر |
|
أخو المصطفى الهادي الذي شدّ أزره |
فكان له عونا على العسر واليسر |
|
ومن نصر الإسلام حتّى توطّأت |
قواعده عزّا فتوّج بالنصر |
|
عليّ عليّ القدر عند مليكه |
على رغم من عاداه قاصمة الظهر |
نكتفي بهذا المقدار ، فإنّ فيه الهدى والاستبصار ، لمن أراد أن يعرف الحقّ من الأحاديث والأخبار. «المترجم».
(١) ترجم له الصفدى فى كتاب «الوافى بالوفيات» فى حرف الألف.
[وآله] وسلّم) على أنّ الإمام هو عليّ وعيّنه ، وعرفت الصحابة ذلك ، ولكن كتمه عمر لأجل أبي بكر رضي الله عنهما.
ونحن لمّا لم ندرك عصر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم نحظ بصحبته ، يجب أن نراجع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة عند الفريقين في تعريف الأفضل والأعلم والأرجح عند الله ورسوله والأحبّ إليهما ، فهو أولى من غيره في خلافة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولا يخفى على أيّ عالم منصف غير معاند : أنّ الأخبار الصريحة في خلافة عليّعليهالسلام وإمامته ، وفي وصايته وولايته ، وكذلك في أفضليّته وأعلميّته وأرجحيّته من سائر الصحابة ، والمسلمين ، كثيرة جدّا.
وهي مرويّة عن طرقكم وبأسانيدكم المعتبرة ، ومنقولة في كتبكم وتصانيف علمائكم الأعلام ، وهي كثيرة وكثيرة بحيث لم يرد معشارها في حقّ أيّ واحد من الصحابة الكرام.
وإنّ أكثر تلك الفضائل العلوية والمناقب الحيدرية تعدّ من خصائص الإمام عليّعليهالسلام ، ولم يشاركه فيها أحد ، ولم يشابهه فيها أحد من الصحابة الأوفياء ، ولكنّه شاركهم في جميع فضائلهم ومناقبهم.
وقد ذكرنا لكم بعض الأخبار المرويّة عن طرقكم والمسجّلة في مسانيدكم ومصادركم في حقّ الإمام عليّعليهالسلام ، ضمن حديثنا وحوارنا في الليالي السالفة والمجالس السابقة.
وإليكم نموذجا من حديث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم نقله علماؤكم الأعلام ، يصرّح نبيّ الإسلام فيها أنّ فضائل ومناقب الإمام عليّعليهالسلام كثيرة جدّا
بحيث لا تعدّ ولا تحصى.
أخرج الموفّق ابن أحمد الخوارزمي في المناقب : ١٨ ، والعلاّمة محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» الباب الثاني والستّين ، في تخصيص عليّعليهالسلام بمائة منقبة دون سائر الصحابة ، جاء في الباب ، ص ١٢٣ ، بسنده عن ابن عبّاس ، قال :
قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : لو أنّ الغياض أقلام ، والبحر مداد ، والجنّ حسّاب ، والإنس كتّاب ، ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب.
وأخرج السيّد علي الهمداني بسنده عن عمر بن الخطّاب ، رفعه ، قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : لو أنّ البحر مداد ، والرياض أقلام ، والإنس كتّاب ، والجنّ حسّاب ، ما أحصوا فضائلك يا أبا الحسن.
وأخرجه ابن الصبّاغ المالكي في «الفصول المهمة» بسنده عن ابن عبّاس ، وأخرجه سبط ابن الجوزي في «التذكرة»(١) .
__________________
(١) لقد ورد خبر آخر في عظم فضل الإمام عليّعليهالسلام نذكره إتماما للفائدة :جاء في الرياض النضرة ٢ / ٢١٤ ، وفي ذخائر العقبى ـ للمحبّ الطبري ـ : ص ٦١ :عن عمر بن الخطّاب (رض) قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) :ما اكتسب مكتسب مثل فضل عليّ ، يهدي صاحبه إلى الهدى ، ويردّه عن الردى.
أخرجه الطبراني.
أقول : جاء في كتاب «تاريخ الخلفاء» للسيوطي ١ / ٦٥ ، قال أحمد بن حنبل : ما روي وما ورد لأحد من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) من الفضائل ، ما روي وما ورد لعليّ رضياللهعنه !
وأخرج الحاكم في المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٠٧ ، بسنده عن محمد بن منصور
لذلك نحن نعتقد أنّ عليّاعليهالسلام أحقّ من غيره بالخلافة.
الشيخ عبد السلام : نحن لا ننكر فضائل ومناقب مولانا عليّ كرم الله وجهه ، ولكن انحصار الفضائل فيه غير معقول ، لأنّ الخلفاء الراشدين ـ رضي الله عنهم ـ أكرم أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ، وهم في الرتبة والفضل متساوون.
ولكنّكم تنحازون إلى جانب سيّدنا عليّرضياللهعنه ، وتنقلون كلّ الفضائل باسمه دون غيره ، ولا تذكرون فضائل الصحابة الآخرين!
وهذا العمل يحرف أفكار الحاضرين عن الواقع فيلتبس الأمر عليهم ، وهذا هو التعصّب!
فلكي ينكشف الحقّ للحاضرين ، ولا يلتبس الأمر عليهم ، اريد أن أذكر شيئا من فضائل ومناقب الخلفاء الراشدين.
قلت : نحن نتّبع العقل والعلم ، ونقبل الدليل والبرهان ، نحن
__________________
الطوسي ، قال : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) من الفضائل ما جاء لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
وأخرج ابن عبد البرّ في الاستيعاب ٢ / ٤٧٩ ط. حيدرآباد ١٣١٩ ه ، قال أحمد بن حنبل وإسماعيل بن إسحاق القاضي : لم يرو في فضائل أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما روي في فضائل عليّ بن أبي طالب [ عليهالسلام ].
وأخرجه الثعلبي في تفسير آية : ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) .
وأخرجه الخطيب الموفّق بن أحمد الخوارزمي الحنفي في المناقب ، ص ٢٠.
والذهبي في «تلخيص المستدرك» المطبوع بهامش المستدرك ٣ / ١٠٧.
«المترجم»
لانحصر الفضائل في الإمام عليّعليهالسلام ، وإنّما نمحّضه في الفضائل ، ونجلّه عن الرذائل ، وذلك لنزول آية التطهير في شأنه.
وأمّا الانحياز إلى جانبه فليس منّا فحسب ، بل الله ورسوله انحازا إليه ، كما نجد الآيات القرآنية في حقّه والأحاديث النبويّة الصريحة في فضله.
وأمّا نسبة التعصّب إلينا فهو بهتان وافتراء ، فإنّ التعصّب معناه الالتزام بشيء مع الإصرار من غير دليل.
وأنا أشهد الله سبحانه بأنّي ما التزمت بشيء من امور ديني ، وما تمسّكت بولاية الإمام عليّعليهالسلام والائمة الهادين من ولده ، إلاّ بدليل القرآن والسنّة والعقل السليم.
لذا أرجو من الحاضرين أن ينبّهوني إذا تكلّمت بشيء بغير دليل ، أو تحدّثت على خلاف المنطق والعقل ، فأكون لهم شاكرا.
وأمّا حديثكم في مناقب الراشدين فيكون مقبولا بشرط أن تروون الأخبار الصحيحة عند الفريقين ، فنتبرّك بها ، لأنّنا لا ننكر مناقب وفضائل الصحابة الطيّبين ، ولا شكّ أنّ لكلّ واحد من الأصحاب المؤمنين له فضائل ومناقب ، ولكن الغرض من هذا المجلس والحوار ، البحث عن أفضلهم وأحسنهم وأكثرهم منقبة عند الفريقين : الشيعة والسنّة.
فإنّ كلامنا يدور حول الأفضل لا الفاضل ، لأنّ الفضلاء كثيرون ، والأفضل واحد منهم بحكم العقل والنقل ، وهو أحقّ أن يتّبع ويطاع.
الشيخ عبد السّلام : إنّكم تغالطون في الموضوع ، لأنّ كتبكم لا تحتوي على أي خبر أو حديث في فضل الخلفاء الراشدين غير سيّدنا
عليّ كرّم الله وجهه ، فكيف أنقل لهذا الجمع أخبارا مقبولة لديكم؟!
قلت : هذا الإشكال يرد عليكم ، لأنّه في أوّل ليلة حينما أردنا أن نبدأ بالبحث ، قال الحافظ محمد رشيد سلّمه الله : إنّ الاحتجاج والاستدلال يجب أن يكون بالآيات القرآنية والأخبار المرويّة المقبولة عند الفريقين ؛ وأنا قبلت الشرط ، لأنّه مقتضى العقل ، وعملت به في أثناء الحوار والحديث في المجالس السابقة.
والحاضرون يشهدون ، وأنتم تعلمون بأنّي كلّ ما احتججت به عليكم واستدللت به على صحّة كلامي ، إنّما كان من القرآن الحكيم وأحاديث النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم المعتبرة والمقبولة عندكم.
وأنا إلى آخر حواري معكم ، وحتّى الوصول إلى النتيجة القطعية لا أنقض الشرط ، بل أعمل على وفقه إن شاء الله تعالى.
ومع ذلك كلّه فإنّي أتساهل معكم ، وأتنازل لكم ، وأقبل منكم الروايات المنقولة في كتبكم دون كتبنا ، شريطة أن لا تكون موضوعة ومجعولة ، وأن لا يأباها العقل السليم ، فنستمع إليها مع الحاضرين ، ثمّ نقضي فيها بالعدل والإنصاف ، لنرى هل الأخبار التي تقرأها وترويها لنا ، هل تفضّل وترجّح أحدا على سيّدنا ومولانا عليّ بن أبي طالب في العلم والجهاد والرتبة والمنزلة عند الله سبحانه وعند رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
الشيخ عبد السلام : إنّكم نقلتم أحاديث وأخبارا صحيحة وصريحة في خلافة سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه ، ولكنّكم غافلون أنّ عندنا أخبارا كثيرة في خلافة سيّدنا أبي بكر (رض).
قلت : مع أنّ كبار علمائكم أمثال : الذهبي والسيوطي وابن أبي
الحديد وغيرهم أعلنوا بأنّ الامويّين والبكريّين وضعوا أحاديث كثيرة مجعولة في فضائل أبي بكر ، مع ذلك نحن نستمع إليك رجاء أن لا تكون رواياتك وأخبارك من تلك الموضوعات والمجعولات.
نقل حديث في فضل أبي بكر ، وردّه
الشيخ عبد السلام : لقد ورد في حديث معتبر عن عمر بن إبراهيم ابن خالد ، عن عيسى بن علي بن عبد الله بن عبّاس ، عن أبيه ، عن جدّه العبّاس ، أنّ رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال : يا عمّ! إنّ الله جعل أبا بكر خليفتي على دين الله ، فاسمعوا له وأطيعوا تفلحوا.
قلت : هذا حديث مردود ، ليس قابلا للبحث والنقاش.
الشيخ عبد السّلام : كيف يكون مردودا وهو مرويّ عن العبّاس عمّ النبيّ؟!
قلت : إنّه حديث مردود عند علمائكم أيضا ، فإنّ كبار علمائكم نسبوا بعض رواة هذا الحديث مثل : عمر بن إبراهيم إلى الكذب وجعل الأحاديث ، فلذا فإنّ رواياته ساقطة عن الاعتبار.
قال الذهبي في كتابه «ميزان الاعتدال» في ترجمة إبراهيم بن خالد ، وقال الخطيب البغدادي في «تاريخه» في ترجمة عمر بن إبراهيم : إنّه كذّاب ، ساقط عن الاعتبار.
الشيخ عبد السّلام : ما تقول في هذا الحديث الذي رواه الصحابي الثقة أبو هريرة (رض) : إنّ جبرئيل نزل على النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) وقال : إنّ الله تعالى يبلغك السلام ويقول : إنّي راض
عن أبي بكر ، فاسأله هل هو راض عنّي؟!!
قلت : يجب أن ندقّق في نقل الأخبار والأحاديث ، حتّى لا نواجه مخالفة العقلاء. وليكن الحديث الذي نقله ابن حجر في «الإصابة» وابن عبد البرّ في «الاستيعاب» نصب أعينكم ، وهو :
عن أبي هريرة ، عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ، قال : كثرت عليّ الكذّابة ، ومن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار ، وكلّما حدثتم بحديث منّي فاعرضوه على كتاب الله.
وليكن نصب أعينكم الحديث الذي رواه الفخر الرازي في تفسيره ج ٣ ، آخر الصفحة ٣٧١ ، عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ، قال : إذا روي لكم عنّي حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى ، فإن وافقه فاقبلوه ، وإلاّ فردّوه.
فإذا كان في حياة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم اناس يكذبون عليه ويجعلون الأحاديث عن لسانه الشريف ، فكيف بعد موته؟!
ومن جملة المزوّرين الجاعلين للحديث عن لسان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : أبو هريرة ، الذي رويت عنه خلافة أبي بكر!
الشيخ عبد السلام : لا نتوقّع منك أن تردّ صحابيّا جليلا مثل أبي هريرة وتطعن فيه! وأنت عالم فاهم.
قلت : لا ترعبني بكلمة «الصحابي» لأنّ الصحابي أيّا كان إذا راعى حقّ صحبته للنبيّ بأن كان سامعا لقوله ، مطيعا لأمره ، فهو محترم مكرّم ، وصحبته تكون له شرفا وفخرا.
ولكن إذا كان يخالف أوامر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويعمل حسب رأيه وهواه ، ويكذب على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فهو ملعون ملعون ، وليست حصيلة
صحبته إلاّ الخزي والعار في الدنيا ، وهو في الآخرة من أصحاب النار.
أما كان المنافقون حول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما يصرح القرآن الكريم؟! وكانوا يعدّون في الظاهر من أصحابه ، لأنّ الصحابي هو الذي أدرك النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وسمع حديثه ، والمنافقون كذلك ، ولكنّهم ملعونون ومعذّبون في النار.
إذا لا ترعبني يا شيخ بكلمة «الصحابي» لأنّ أبا هريرة هو من جملة اولئك المنافقين الملعونين ، ولذا فإنّ رواياته مردودة غير معتبرة عند أهل الحديث المحقّقين.
الشيخ عبد السّلام :
أوّلا إن كان أبو هريرة مردودا عند جماعة من العلماء ، فهو مقبول عند آخرين.
ثانيا لا دليل على أنّ المردود عند بعض العلماء يكون ملعونا ، ويكون من أهل النار ، لأنّ الملعون هو الذي لعن في القرآن الحكيم أو على لسان النبي الكريم (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
دليل لعن أبي هريرة
قلت : أدلّة العلماء الّذين ردّوا روايات أبي هريرة ورفضوها كثيرة وغير قابلة للتأويل.
منها : إنّه كان موافقا لمعاوية ، وهو رأس المنافقين وزعيمهم ، الملعون على لسان النبيّ المأمونصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقد كان أبو هريرة ، كما نقل العلاّمة الزمخشري في «ربيع
الأبرار» وابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» وغيرهما ، أنّه كان في أيّام صفّين يصلّي خلف الإمام عليّعليهالسلام ويجلس على مائدة معاوية فيأكل معه ، ولمّا سئل عن ذلك؟ أجاب : مضيرة معاوية أدسم ، والصلاة خلق عليّ أفضل (أتمّ) ولذا اشتهر بشيخ المضيرة.
ومنها : إنّه روي ، كما في كتب كبار علمائكم مثل : شيخ الإسلام الحمويني في «فرائد السمطين» باب ٣٧ ، والخوارزمي في «المناقب» والطبراني في «الأوسط» والكنجي الشافعي في «كفاية الطالب» والإمام أحمد في «المسند» والشيخ سليمان القندوزي في «ينابيع المودّة» وأبو يعلى في «المسند» والمتّقي الهندي في «كنز العمال» وسعيد ابن منصور في «السنن» والخطيب البغدادي في «تاريخه» والحافظ ابن مردويه في «المناقب» والسمعاني في «فضائل الصحابة» والفخر الرازي في «تفسيره» والراغب الأصفهاني في «محاضرات الادباء» وغيرهم ، رووا عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : عليّ مع الحقّ ، والحقّ مع عليّ ، يدور الحقّ حيثما دار عليّعليهالسلام .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : عليّ مع القرآن ، والقرآن مع عليّ ، لن يفترقا حتّى يردّا عليّ الحوض.
وأبو هريرة يترك الحقّ والقرآن بتركه عليّاعليهالسلام ، ويحارب الحقّ والقرآن بانضمامه إلى معاوية بن أبي سفيان ، ومع ذلك تقولون : هو صحابيّ جليل وغير مردود وغير ملعون!
ومنها : أنّه روي في كتب علمائكم ، مثل الحاكم النيسابوري في المستدرك ٣ / ١٢٤ ، والإمام أحمد في «المسند» والطبراني في «الأوسط» ، وابن المغازلي في «المناقب» والكنجي الشافعي في «كفاية
الطالب» الباب العاشر ، وشيخ الإسلام الحمويني في «الفرائد» ، والمتّقي الهندي في كنز العمّال ٦ / ١٥٣ ، وابن حجر في الصواعق : ٧٤ و ٧٥.
عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : عليّ منّي ، وأنا من عليّ ، من سبّه فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سبّ الله.
مع ذلك كلّه يذهب أبو هريرة إلى معاوية ويجالسه ، حتّى يصبح من ندماء معاوية الذي كان في السرّ والعلن ، وعلى المنابر ، وعلى رءوس الأشهاد ، وفي قنوت الصلوات ، وخطب الجمعات ، يسبّ ويلعن الإمام عليّا والحسن والحسينعليهمالسلام .
وكان يأمر ولاته الفسقة الفجرة أن يقتدوا به ويفعلوا مثل فعله!
وأبو هريرة يركن إليه ويجامله ويجالسه ويؤاكله ، ولا ينهاه عن كفره ومنكراته ، بل يجعل الأحاديث عن لسان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في تأييده وتصحيح أفعاله المنكرة ، ويغوي الناس العوام ، ويبعّدهم من الإمام ، ويحرفهم عن الإسلام ، ومع هذا كلّه لا يسقط عندكم عن درجة الاعتبار؟!!
الشيخ عبد السلام : هل من المعقول أن نقبل هذه التهم والمفتريات على صحابيّ طاهر القلب؟! إنما هي من موضعات الشيعة!!
قلت : نعم ، ليس بمعقول أنّ صحابيا طاهر القلب يقوم بهذه المنكرات ؛ لأنّ العامل بها كائنا من كان ، فإنّه آثم قلبه.
وكلّ من يكذب على النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ويسبّ الله ورسوله فإنّه كافر ومخلّد في جهنّم وإن كان من صحابة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم !
وبنصّ الأخبار الكثيرة الواردة في كتبنا وفي كتب كبار علمائكم
الأعلام أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : من سبّ عليّا فقد سبّني وسبّ الله سبحانه.
وأمّا قولكم : إنّ هذا الكلام من موضوعات الشيعة ، فهو اشتباه محض ، لأنّكم تقيسون القضايا على أنفسكم ، وأنّ كثيرا منكم لا يتورّعون من الكذب وكيل الاتّهامات على شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم من أجل الوصول إلى غاياتهم الدنيوية ، فيغوون بكلامهم الباطل العوامّ الجاهلين ، ولا يخشون يوم الدين ومحاسبة ربّ العالمين.
عبد السّلام : إنّما أنتم الشيعة كذلك! فأنت أحد علمائهم ، وفي مجلسنا هذا لا تتورّع عن سبّ الصحابة الكرام ، والافتراء عليهم ، فكيف تتورّع من الافتراء على علمائنا الأعلام؟!
قلت : ولكنّ التاريخ يشهد على خلاف ما تدّعيه ، فإنّ أهل البيتعليهمالسلام وشيعتهم منذ قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مضطهدون ومشرّدون ومحاربون!
إذ إنّ حكومة بني أميّة حين أسّست قرّرت محاربة آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وعترته الطاهرة ، وأعلنوا على المنابر سبّ عليّ بن أبي طالب ولعنه ، وهو أبو العترة وسيّدهم ، بل أمعنوا في السبّ واللعن حتّى سبّوا الحسن والحسين وهما سبطا رسول الله وريحانتاه وسيّدا شباب أهل الجنّة.
وقاموا بمطاردة الشيعة حتّى إذا ظفروا بهم سجنوهم وعذّبوهم ، وكم قتلوا منهم صبرا تحت التعذيب!!
والمؤسف أنّ بعض علمائكم كانوا يساندون اولئك الظلمة ويفتون بمشروعية تلك الأعمال الجنائية والإجرامية!!
وبعضهم يحوكون الأكاذيب والأباطيل بأقلامهم المأجورة فينسبونها إلى الشيعة على أنّها من معتقداتهم! وبناء عليها يحكمون على الشيعة المؤمنين بالكفر والشرك والرفض والغلو ، وما إلى ذلك من التهم والأباطيل ، فيزرعون في قلوب أتباعهم ، العوامّ الغافلين ، بذور عداوة الشيعة المؤمنين.
عبد السّلام : إنّ علماءنا الأعلام كتبوا عن واقعكم ولم ينسبوا إليكم ما ليس فيكم ، وإنّما كشفوا عن أعمالكم الفاسدة وعقائدكم الباطلة ، فاتركوها حتّى تسلموا من أقلام علمائنا الكرام!
مفتريات ابن عبد ربّه
قلت : ما كنت احبّ أن أخوض هذا البحث وأسوق الحديث في هذا الميدان ، ولكنّك اضطررتني إلى ذلك ، فابيّن الآن لمحة للحاضرين حتّى يعرفوا كيف ينسب علماؤكم إلينا ما ليس فينا!
فأقول : أحد كبار علمائكم ، المشهور بالأدب واللغة ، هو : شهاب الدين أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربّه القرطبي المالكي ، المتوفّى سنة ٣٢٨ هجرية ، ففي كتابه العقد الفريد ١ / ٢٦٩ : يعبّر عن الشيعة الموحّدين المؤمنين ، بأنّهم يهود هذه الامة ، ثمّ إنّه كما يتهجّم على اليهود والنصارى ويبدي عداءه لهم ، يتهجّم على شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ويظهر لهم البغض والعداء.
ومن جملة مفترياته وأباطيله على الشيعة ، يقول :
الشيعة لا يعتقدون بالطلاق الثلاث ، كاليهود
الشيعة لا يلتزمون بعدّة الطلاق!
والحال أنّ أكثر الحاضرين من أهل السنّة في المجلس يعاشرون الشيعة ويتزاورون معهم يشهدون بخلاف هذا العالم المعاند الضالّ المضلّ.
وأنتم إن كان عندكم أدنى اطّلاع على فقه الشيعة فستعرفون بطلان كلام ابن عبد ربّه ، وإن لم يكن عندكم اطّلاع فخذوا أيّ كتاب شئتم من فقه الشيعة واقرءوه حتّى تعرفوا أحكامنا حول مسألة الطلاق الثلاث وعدّة الطلاق.
ثمّ إنّ عمل الشيعة في كلّ مكان بمسائل الطلاق والتزامهم بالعدّة ، أكبر دليل على بطلان كلام ابن عبد ربّه.
ويقول هذا المفتري أيضا : إنّ الشيعة كاليهود ، يعادون جبرئيل ، لأنّ في اعتقادهم أنّه أنزل الوحي على محمّد بدل أن ينزله على عليّ ابن أبي طالب!
«الشيعة الحاضرون كلّهم ضحكوا من هذا الكلام».
فتوجّهت إلى العامّة الحاضرين وقلت لهم : انظروا هؤلاء الشيعة كلّهم ضحكوا من هذا الكلام السخيف وسخروا منه ، فكيف يعتقدون به؟!
فلو كان ابن عبد ربّه يطالع كتب الشيعة ويحقّق في معتقداتهم ما كان يتكلم بهذا الكلام المهين ، وما كان اليوم يظهر جهله للحاضرين ، أو يحكم عليه بأنّه من المغرضين ، وفي قلبه داء دفين ، يريد أن يفرّق بين المسلمين!!
أمّا نحن الشيعة فنعتقد أنّ محمدا المصطفى هو خاتم الأنبياء ، بل نصدّق الحديث النبوي الشريف : «كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين» فهو
نبيّ مبعوث من عند ربّ العالمين ، اختاره ، واصطفاه ، واجتباه ، وأرسله للناس أجمعين ، ونعتقد بأنّ جبرئيل هو أمين وحي الله ، وهو معصوم ومصون عن الخطأ والسهو والاشتباه.
ونعتقد أنّ الإمام عليّاعليهالسلام منصوب بأمر الله تعالى في مقام الولاية والإمامة ، فهو خليفة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بلا فصل ، نصبه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأمر الله عزّ وجلّ يوم الغدير.
ويقول ابن عبد ربّه الضالّ المضلّ : ومن وجوه الشبه بين الشيعة واليهود ، أنّهم لا يعملون بسنّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهم عند ما يتلاقون لا يسلّمون ، بل يقولون : السام عليكم! «ضحك الشيعة الحاضرون ، ضحكا عاليا».
فوجّهت كلامي إلى العامّة الحاضرين وقلت : وإنّ معاشرتكم مع الشيعة في هذا البلد وتحيّتهم معكم وفيما بينهم ، بتحيّة الإسلام : «السلام عليكم» ينفي مزاعم هذا الإنسان وأباطيله.
ويستمرّ ابن عبد ربّه في أكاذيبه ومفترياته على شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فيقول : إنّ الشيعة كاليهود ، يحلّون قتل المسلمين ونهب أموالهم!!
أقول : إنّكم تعيشون مع الشيعة في بلد واحد وتشاهدون معاملتهم الحسنة معكم ومع غيركم.
فنحن الشيعة لا نحلّ دماء وأموال أهل الكتاب (غير المحاربين) فكيف نحلّ دماء وأموال إخواننا المسلمين من أهل السنّة والجماعة؟!
وإنّ حقّ الناس عندنا من أهم الحقوق ، وقتل النفس من أعظم الذنوب وأكبر حوب!
هذه بعض مزاعم وأباطيل أحد علمائكم ضدّ الشيعة.
والوقت لا يسمح لا كشف لكم أكثر ممّا ذكرت من كلماته الواهية السخيفة.
مفتريات ابن حزم
وأبو محمد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي ، المتوفّى سنة ٤٥٦ هجرية ، هو من أشهر علمائكم المعروف بحقده وعدائه للشيعة ، فلقد تحامل على شيعة أهل البيتعليهمالسلام وافترى عليهم في كتابه «الفصل في الملل والنحل» الجزء الأوّل ، فيقول : إنّ الشيعة ليسوا بمسلمين ، وإنّما اتّخذوا مذهبهم من اليهود والنصارى!
وقال في الجزء الرابع من الكتاب نفسه ، صفحه ١٨٢ : الشيعة يجوّزن نكاح تسعة نساء!
ويظهر كذب الرجل وافتراؤه علينا إذا راجعتم كتبنا الفقهية ، فقد أجمع فقهاؤنا الكرام في كتبهم : أنّ نكاح تسعة نساء في زمان واحد إنّما هو من خصائص رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا يجوز لأحد من رجال أمّته ، بل يجوز لهم نكاح أربعة نساء في زمن واحد بالنكاح الدائم ، بدليل الآية الكريمة :( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) (١) .
فإذا طالعتم مجلّدات كتاب «الفصل في الملل والنحل» وقرأتم سبابه وشتمه وكلامه البذيء للشيعة المؤمنين لعرق جبينكم خجلا ، لانتسابه إليكم ، وأنّه يعدّ من علمائكم!!
__________________
(١) سورة النساء ، الآية ٣.
مفتريات ابن تيميّة
وأحد علمائكم الذي اشتهر بشدّة عدائه للشيعة الأبرار الأخيار ، هو أحمد بن عبد الحليم الحنبلي ، المعروف بابن تيميّة ، المتوفّى سنة ٧٢٨ هجرية وهو حاقد لا على الشيعة فحسب ، بل يكمن في صدره بغض الإمام عليّعليهالسلام والعترة الطاهرة.
ولو يطالع أحدكم مجلّدات كتابه المسمى ب : «منهاج السّنّة» لوجدتم كيف يحاول الرجل أن يخدش في كلّ فضيلة ومنقبة ثابتة للإمام عليّ بن أبي طالب وأبنائه الطيّبين والعترة الطاهرين!
فكأنّه آلى على نفسه أن لا يدع فضيلة واحدة من تلك الفضائل والمناقب ـ التي لا تعدّ ولا تحصى لأهل البيتعليهمالسلام ـ إلاّ ويردّها ويرفضها أو يشكّك فيها! حتّى التي أجمعت الامّة على صحّتها ورواها أصحاب الصحاح.
ولو أردت أن أذكر لكم كلّ أكاذيبه وأباطيله لضاع الوقت ، ولكن أذكر لكم نبذة من كلامه السخيف وبيانه العنيف! لكي يعرف جناب الشيخ عبد السلام ، أنّ الافتراء والكذب من خصائص وخصال بعض علمائهم لا علماء الشيعة!!
والعجب أنّ ابن تيميّة بعد ذكر أباطيله وأكاذيبه وافترائه على الشيعة المؤمنين ، يقول في الجزء الأول من «المنهاج» صفحة ١٥ : لم تكن أيّة طائفة من طوائف أهل القبلة مثل الشيعة في الكذب ، فلذا أصحاب الصحاح لم يقبلوا رواياتهم ولم ينقلوها!
وفي الجزء العاشر ، صفحه ٢٣ يقول : اصول الدين عند الشيعة :
أربعة : «التوحيد والعدل والنبوة والإمامة» ولم يذكر المعاد ، مع العلم أنّ كتبنا الكلامية التي تبيّن عقائد الشيعة منتشرة في كلّ مكان وفي متناول كلّ إنسان.
وكما أشرنا في بعض مجالسنا السالفة : فإنّ الشيعة تعتقد أنّ اصول الدين ثلاثة : التوحيد والنبوّة والمعاد ، وتبحث عن عدل الباري سبحانه ضمن التوحيد ، وتجعل الإمامة جزء النبوّة.
وفي الجزء الأوّل ، صفة ١٣١ ، من «منهاج السنّة» يقول : إنّ الشيعة لا تعتني بالمساجد ، فمساجدهم خالية من المصلّين ، غير عامرة بصلاة الجمعة والجماعة ، وبعض الأحيان يحضر بعضهم في المسجد فيصلّون فرادى!!
وجّهت خطابي حينئذ إلى الشيخ عبد السلام وقلت : أيّها الشيخ! أسألك وأسأل الحاضرين ، أما تنظرون بأعينكم إلى مساجد الشيعة في بلادكم وهي عامرة أوقات الصلوات بكثرة المصلّين وإقامة الجماعة بالمؤمنين؟!
وهذه إيران ، وهي اليوم عاصمة الشيعة ، نجد في كلّ مدينة منها ، بل في كلّ قرية منها مساجد عديدة ، مبنيّة بأحسن شكل وأجمل بناء وهندسة ، وفي أكثرها ، أو كلّها ، تقام الصلوات في أوقاتها جماعة.
(عرضت لهم تصاوير عن صلوات الجماعة لعلماء الشيعة).
وأنتم العلماء! راجعوا كتبنا الفقهية سواء المفصّلة أو المجملة ، كالرسائل العمليّة لمراجع ديننا المعاصرين ، تجدون فيها فصولا ومسائل كثيرة في ثواب الصلاة في المسجد وصلاة الجماعة ، فإنّ ثوابها أضعاف الصلاة في البيت أو الصلاة فرادى.
ويستمرّ ابن تيميّة في افترائه على شيعة أهل البيتعليهمالسلام في نفس الصفحة فيقول : الشيعة لا يحجّون بيت الله الحرام كسائر المسلمين ، وإنّما حجّهم يكون زيارة القبور ، وثواب زيارة القبور عندهم أعظم من ثواب حجّ بيت الله الحرام ، بل هم يلعنون كلّ من لا يذهب إلى زيارة القبور!!
«ضحك الشيعة من هذا الكلام ضحكا عاليا».
والحال أنّكم إذا راجعتم موسوعاتنا الفقهية ، وكتبنا العبادية ، لرأيتم مجلّدات عديدة باسم : كتاب الحجّ ، وهي تحتوي على آلاف المسائل عن كيفية أداء الحجّ وأحكامه ومسائله الفرعية.
وكلّ فقيه يقلّده الناس في الأحكام الشرعية لا بدّ أن ينشر كتابا باسم «مناسك الحج» حتّى يعمل مقلّدوه وتابعوه وفق ذلك.
ورأي جميع فقهائنا الكرام وعلمائنا الأعلام : أنّ تارك الحج ـ المستطيع الذي يترك الحجّ عنادا ـ كافر ، يجب الاجتناب منه والابتعاد عنه ، عملا بالآية الكريم :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) (١) .
والتزاما بالحديث الشريف : «يقال لتارك الحجّ : مت إن شئت يهوديا أو نصرانيا».
فهل بعد هذا كله ، يترك الشيعة حجّ بيت الله؟!
ثمّ بإمكانكم أن تذهبوا عند قبور أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، وهي أفضل المزارات عند الشيعة ، واسألوا الزائرين وحتّى السوقيّين منهم والقرويّين : أنّ أداء الحجّ ، أين يكون وكيف يكون؟؟ تسمعوا الجواب
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ٩٧.
من هم : إنّه يكون في مكّة المكرّمة عند الكعبة إلى آخره.
ثمّ نجد هذا الرجل المفتري الكذّاب ، وهو : ابن تيميّة ، يتّهم أحد مفاخر العلم والدين ، وأحد كبار علماء المسلمين ، وهو الشيخ الجليل ، والحبر النبيل ، العلاّمة محمد بن محمد بن النعمان ، المعروف بالشيخ المفيدقدسسره ، فيقول : إنّ له كتابا باسم : «مناسك حجّ المشاهد» بينما لم يكن لفضيلة الشيخ المفيد هكذا كتاب وإنّما له كتاب باسم : «منسك الزيارات» وهو في متناول الأيدي ، ويحتوي على التحيات والعبارات الواردة قراءتها عند مشاهد ومراقد أئمّة أهل البيتعليهمالسلام .
ولو راجعتم كتب الشيعة التي الّفت في الزيارات والمزارات لوجدتم فيها تأكيد المؤلّفين على أنّ زيارة المشاهد المشرّفة والمراقد المتبرّكة ، مندوبة وليست واجبة.
وإنّ أكبر دليل قاطع ، وبرهان ساطع ، على كذب ابن تيميّة وافترائه علينا ، أنّكم تشاهدون في كلّ عام عشرات الآلاف من الشيعة يحجّون ويقصدون بيت الله الحرام في الموسم ، ويحضرون في الموقف بعرفات والمشعر الحرام مع إخوانهم المسلمين من سائر المذاهب.
وقد ورد في كتب الأدعية عندنا عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، في أدعية شهر رمضان المبارك ، أن يقرأ في الليل والنهار وفي الأسحار : اللهمّ ارزقني حجّ بيتك الحرام في عامي هذا وفي كلّ عام ، ولا تخلني من تلك المواقف الكريمة ، والمشاهد الشريفة ، وزيارة قبر نبيّك والأئمّةعليهمالسلام .
ويقول الحاقد المعاند ، في الجزء الثاني من كتابه «منهاج السنّة» :
الشيعة ينتظرون إمامهم الغائب ، ولذلك في كثير من البلاد كمدينة سامرّاء ، يذهبون إلى سرداب هناك ويهيّئون فرسا أو بغلا أو
غيره ، ويصيحون وينادون باسم إمامهم ويقولون : نحن مسلّحون ومهيّئون لنكون معك ونقاتل بين يديك ، فاظهر واخرج!!
ثمّ يقول : وفي أواخر شهر رمضان المبارك يتوجّهون نحو المشرق وينادون باسم إمامهم حتّى يخرج ويظهر.
ويستمر في خزعبلاته قائلا : ومن بينهم من يترك الصلاة ، حتى لا تشغلهم الصلاة عن إدراك خدمة الإمامعليهالسلام لو ظهر.
(ضحك الحاضرون كلّهم).
فهذه الأراجيف والكلام السخيف من ابن تيميّة الجلف العنيف ، ليس بعجيب ، لكنّي أتعجّب من بعض علماء مصر وسوريا ، الّذين كنّا نعتقد أنّهم أهل علم وتحقيق لا أهل وهم وتحميق!! كيف قلّدوا ابن تيميّة وكرّروا خزعبلاته الهزلية وكلماته الهستيرية.
مثل : عبد الله القصيمي في كتابه «الصراع بين الإسلام والوثنية».
ومحمّد ثابت المصري في كتابه : «جولة في ربوع الشرق الأدنى».
وموسى جار الله في كتابه «الوشيعة في نقد عقائد الشيعة».
وأحمد أمين المصري في كتابيه : «فجر الإسلام» و «ضحى الإسلام».
وغير هؤلاء من دعاة التفرقة والطائفية وأصحاب العصبية الجاهلية.
وهناك بعض الجاهلين منكم اشتهروا بالعلم والتحقيق ، وانتشرت كتبهم ، وأصبحت عندكم من المصادر المعتمدة حتّى أخذتم كلّ ما جاء فيها حول الشيعة وجعلتموها من المسلّمات الحتمية.
منهم : محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ، وهو من علمائكم
وكتابه «الملل والنحل» مشهور عندكم ، وقد أصبح من مصادركم المعتمدة ، بينما أهل العلم والتحقيق يرفضون هذا الكتاب ولا يعتمدون عليه أبدا ، لأنّه مشحون بالأخبار الضعيفة ، بل الأخبار الباطلة المخالفة للواقع!
فمثلا : ضمن وصفه للشيعة الاثني عشرية يقول : بعد الإمام محمد التقي ، الإمام علي بن محمد النقي ومشهده في مدينة قم بإيران!!
بينما كلّ من عنده أدنى اطّلاع على تاريخ الإسلام وعلم الرجال ، يعلم أنّ الإمام عليّ بن محمد النقيّعليهالسلام مرقده في مدينة سامراء بالعراق ، وتعلوه قبّة ذهبية عظيمة لامعة ، أمر بتذهيبها المرحوم ناصر الدين شاه ، الملك القاجاري الإيراني.
ومن هنا نعرف مدى علم الشهرستاني وتحقيقاته العلمية والتاريخية حول الشيعة!! فيسمح لنفسه أن ينسب إليهم أنّهم يعبدون عليّ بن أبي طالب ، وأنّهم يعتقدون بتناسخ الأرواح والتشبيه ، وما إلى ذلك ، ممّا يدلّ على جهله وعدم اطّلاعه على الملل والنحل!!
يكفينا هذا المقدار في هذا الإطار ، وقد ذكرته ليعرف الشيخ من الكاذب والمفتري ، فلا يقول بعد هذا : إنّ علماء الشيعة يكذبون ويفترون على علماء العامّة ، فقد ثبت أنّ الأمر على عكس ما قاله الشيخ عبد السّلام.
الكلام في ذمّ أبي هريرة
ولكي يعرف الشيخ أنّ الشيعة لم ينفردوا في ذمّ أبي هريرة ، بل
كثير من علماء العامّة ردّوا عليه أيضا ورفضوا رواياته ، أنقل بعض ما جاء منهم في هذا المجال :
١ ـ ابن أبي الحديد ، في شرح نهج البلاغة : ٤ / ٦٣ ـ ط دار إحياء التراث العربي ، قال : وذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافيرحمهالله تعالى أنّ معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّعليهالسلام ، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ، وجعل لهم على ذلك جعلا وعطايا مغرية ، فاختلقوا ما أرضاه ، منهم : أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين : عروة ابن الزبير
وفي الصفحة ٦٧ من الجزء نفسه ذكر ابن أبي الحديد ، أنّ أبو جعفر قال : وروى الأعمش ، قال : لمّا قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة ، جاء إلى مسجد الكوفة ، فلمّا رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ، ثمّ ضرب صلعته مرارا وقال :
يا أهل العراق! أتزعمون أنّي أكذب على الله وعلى رسوله ، وأحرق نفسي بالنار؟!
والله لقد سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول «إنّ لكلّ نبيّ حرما ، وإنّ حرمي بالمدينة ، ما بين عير إلى ثور ، فمن أحدث فيها حدثا ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».
وأشهد بالله أنّ عليّا أحدث فيها!!
فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاّه أمارة المدينة.
أسألكم أيها المستمعون : بالله عليكم! ألا يكفي هذا الخبر وحده لردّ أبي هريرة وإسقاط رواياته عن الاعتبار؟! أم أنّ الشيخ عبد السلام
يعتقد ، أنّ أبا هريرة لمّا كان من الصحابة ، فيحقّ له أن يقول ما يحبّ ويفتري ويكذب ، وله أن يتّهم أفضل الخلفاء الراشدين وأكملهم حسب رواياتكم وهو الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وليس لأحد أن يردّ عليه ويضعّفه أو يطعن فيه؟!
الشيخ عبد السّلام : لو فرضنا صدق كلامكم وصحّة بيانكم فكلّ ذلك لا يوجب لعن أبي هريرة! وأنا إنّما استشكل عليكم وأقول : بأيّ دليل تلعنون أبا هريرة؟!
قلت : بدليل العقل والنّقل أنّه : لا يسبّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ ملعون. وحسب الأخبار والأحاديث المعتبرة المروية عن طرقكم والمسجّلة في كتب كبار علمائكم ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال :
من سبّ عليا فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سبّ الله سبحانه وتعالى وأبو هريرة كان من الّذين يسبّون عليّاعليهالسلام ، وكان يجعل الأحاديث في ذمهعليهالسلام ليشجّع المسلمين الغافلين والجاهلين على سبّ أمير المؤمنينعليهالسلام .
أبو هريرة مع بسر بن أرطاة
٢ ـ ذكر الطبري في «تاريخه» وابن الأثير في «الكامل» وابن أبي الحديد في «شرح النهج» والعلاّمة السمهودي وابن خلدون وابن خلّكان ، وغيرهم : أنّ معاوية حينما بعث بسر بن أرطاة ، الظالم الغاشم ، إلى اليمن لينتقم من شيعة الإمام عليّعليهالسلام كان معه أربعة آلاف مقاتل ، فخرج من الشام ومرّ بالمدينة المنوّرة ومكّة المكرّمة والطائف وتبالة ونجران وقبيلة أرحب ـ من همدان ـ وصنعاء
وحضرموت ونواحيها ، وقتلوا كلّ من ظفروا به من الشيعة في هذه البلاء ، وأرعبوا عامة الناس ، فسفكوا دماء الأبرياء ، ونهبوا أموالهم ، وهتكوا حريمهم ، وقضوا على كلّ من ظفروا به من بني هاشم حتّى لم يرحموا طفلي عبيد الله بن العبّاس ـ ابن عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ وكان واليا على اليمن من قبل الإمام عليّعليهالسلام .
وذكر بعض المؤرّخين : أنّ عدد الّذين قتلوا بسيوف بسر وجنده في تلك السريّة بلغ ثلاثين ألفا!!
وهذا غير عجيب من معاوية وحزبه الظالمين ، فإنّ التاريخ يذكر ما هو أدهى وأمرّ من هذا الأمر.
والجدير بالذكر أنّ أبا هريرة الذي تعظّموه غاية التعظيم ، ولا ترضون بذكر مثالبه ولعنه كان قد رافق بسرا في رحلته هذه الدموية وحملته الإرهابية الاموية ، وخاصة جناياته على أهل المدينة المنوّرة ، وما صنع بكبار شخصيّات الأنصار ، مثل : جابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبي أيّوب الأنصاري إذ حرقوا داره! وأبو هريرة حاضر وناظر ولا ينهاهم عن تلك الجرائم والجنايات!!
بالله عليكم أنصفوا!
أبو هريرة الذي صحب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مدّة ثلاث سنوات ويروي خمسة آلاف حديث عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، هل من المعقول أنّه ما سمع الحديث النبويّ المشهور الذي يرويه كبار العلماء والمحدّثين ، مثل : السمهودي في «تاريخ المدينة» والإمام أحمد في «المسند» وسبط ابن الجوزي في «التذكرة» وغيرهم ، عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال :
«من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله ، وعليه لعنة الله والملائكة
والناس أجمعين ، ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا».
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لعن الله من أخاف مدينتي ـ أي : أهل مدينتي ـ».
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا يريد أهل المدينة أحد بسوء إلاّ أذابه الله في النار ذوب الرصاص».
فهل من المعقول أنّ أبا هريرة ما سمع واحدا من هذه الأحاديث الشريفة؟!
إنّه سمع! ومع ذلك رافق الجيش الذي هاجم المدينة المنوّرة وأخاف أهلها ، ثمّ وقف بجانب معاوية المارق على إمام زمانه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وهو يومئذ خليفة رسول الله بحكم بيعة أهل الحلّ والعقد في المدينة المنوّرة.
فانضمّ أبو هريرة إلى معاوية مخالفا لأمير المؤمنين وسيّد الوصيّين عليّ بن أبي طالب ، بل محاربا لهعليهالسلام ، وما اكتفى بكلّ هذه الأمور المنكرة حتّى بدأ يجعل الأحاديث المزورة والأخبار المنكرة في ذمّ وليّ الله وحجّته عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، برواية يرويها عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وحاشا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ حاشاه من ذلك كلّه.
والعجيب ، أنّ مع كلّ هذه الأمور المفجعة والقضايا الفظيعة ، قول القائل : إنّه لا يجوز لعن أبي هريرة وطعنه ، لأنّه من صحابة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم !!
وفي منطق أبي هريرة يجوز سبّ الإمام عليعليهالسلام ولعنه والعياذ بالله وهو أكرم الصحابة وأفضلهم ، وأحبّ الناس إلى الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
الشيخ عبد السلام : الله الله! كيف تقول هكذا في شأن أبي هريرة وهو أعظم راو وأوثق صحابي؟!
فالطعن واللعن رأي الشيعة ، وأمّا رأي عامة المسلمين في أبي هريرة ، فإنّهم يعظّمونه ويحترمونه ويجلّونه عن كلّ ما تقولون.
قلت : إنّ ما قلناه فيه لم يكن رأي الشيعة فحسب ، بل هو رأي كثير من علمائكم ورجالكم ، حتّى الخليفة الثاني عمر الفاروق ، فقد ذكر المؤرّخون ، كابن الأثير في الكامل في حوادث عام ٢٣ ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ٣ / ١٠٤ ط مصر وغيرهما ، ذكروا : أنّ عمر بن الخطّاب في سنة ٢١ أرسل أبا هريرة واليا على البحرين ، وأخبر الخليفة بعد ذلك بأنّ أبا هريرة جمع مالا كثيرا. واشترى خيلا كثيرا على حسابه الخاصّ ، فعزله الخليفة سنة ٢٣ واستدعاه ، فلمّا حضر عنده ، قال له عمر : يا عدوّ الله وعدوّ كتابه ، أسرقت مال الله؟!
فقال : لم أسرق ، وإنّما هي عطايا الناس لي.
ونقل ابن سعد في طبقاته ٤ / ٩٠ ، وابن حجر العسقلاني في «الإصابة» وابن عبد ربه في «العقد الفريد» الجزء الأول ، كتبوا : أنّ عمر حينما حاكمه قال له : يا عدوّ الله! لمّا وليتك البحرين كنت حافيا لا تملك نعالا ، والآن اخبرت بأنّك شريت خيلا بألف وستمائة دينار!!
فقال أبو هريرة : عطايا الناس لي وقد أنتجت.
فغضب الخليفة فقام وضربه بالسوط على ظهره حتّى أدماه! ثمّ أمر بمصادرة أمواله ، وكانت عشرة آلاف دينار ، فأوردها بيت المال.
وقد ضرب عمر أبا هريرة قبل هذا ، كما ذكر مسلم في صحيحه ١ / ٣٤ قال : في زمن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ضرب عمر أبا هريرة حتّى سقط
على الأرض على قفاه!
ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج ١ / ٣٦٠ ط مصر أنّه قال أبو جعفر الإسكافي : وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا ، غير مرضيّ الرواية ، ضربه عمر بالدرّة وقال : قد أكثرت من الرواية ، أحرى بك أن تكون كاذبا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وذكر ابن عساكر في تاريخه ، والمتّقي في «كنز العمّال» : أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب زجر أبا هريرة ، وضربه بالسوط ، ومنعه من رواية الحديث ونقله عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال له : لقد أكثرت نقل الحديث عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأحرى بك أن تكون كاذبا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم !! وإذا لم تنته عن الرواية عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لأنفينّك إلى قبيلتك دوس ، أو ابعدك إلى أرض القردة.
ونقل ابن أبي الحديد في شرحه ١ / ٣٦٠ ط مصر ، عن استاذه أبي جعفر الإسكافي ، أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام قال : ألا إنّ أكذب الناس ـ أو قال : أكذب الأحياء ـ على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أبو هريرة الدوسي.
وذكر ابن قتيبة في «تأويل مختلف الحديث» والحاكم في الجزء الثالث من «المستدرك» والذهبي في «تلخيص المستدرك» ومسلم في صحيحه ، ج ٢ / في فضائل أبي هريرة : أنّ عائشة كانت تقول مرّات وكرّات : أبو هريرة كذّاب ، وقد وضع وجعل أحاديث كثيرة عن لسان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم !!
فأبو هريرة لم يكن مرفوضا وكذّابا عندنا فحسب ، بل هو مردود
وكذّاب عند سيّدنا الإمام عليّعليهالسلام ، وعند مولاكم عمر الفاروق ، وعند أمّ المؤمنين عائشة ، وعند كثير من الصحابة والتابعين ، والعلماء المحقّقين!!
كما إنّ شيوخ المعتزلة وعلماء المذهب الحنفي كلّهم رفضوا مرويّاته وردّوها ، وأعلنوا : أنّ كلّ حكم وفتوى صدرت على أساس رواية عن طريق أبي هريرة ، باطل وغير مقبول.
كما إنّ النووي في «شرح صحيح مسلم» في المجلّد الرابع يتعرّض لهذا الأمر بالتفصيل.
وكان إمامكم الأعظم أبو حنيفة يقول : أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كلّهم عندي ثقات وعدول ، والحديث الواصل عن طريقهم عندي صحيح ومقبول ، إلاّ الأحاديث الواصلة عن طريق أبي هريرة وأنس بن مالك وسمرة بن جندب ، فلا أقبلها ، وهي مردودة ومرفوضة.
(وصل الحديث إلى هنا فصار وقت صلاة العشاء).
وبعد أداء الصلاة وتناول الشاي.
قلت : نظرا إلى ما سبق من أقوال العلماء والأئمّة حول أبي هريرة ونظرائه ، لا بدّ لنا أن نحتاط في قبول مطلق الأحاديث ، والاحتياط الذي هو سبيل النجاة يقتضي التحقيق والتدقيق في ما يروى عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وكما ورد عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم «كلّما حدّثتم بحديث عنّي فاعرضوه على كتاب الله سبحانه ، فإذا كان موافقا فخذوه ، وإن كان مخالفا لكلام الله تعالى فاتركوه».
ردّ الحديث في فضل أبي بكر
وأمّا الكلام حول الحديث الذي نقله الشيخ عبد السّلام عن أبي هريرة : أنّ جبرئيل نزل على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : إنّ الله تعالى يقول : إنّي راض عن أبي بكر فاسأله هل هو راض عنّي؟!
فأقول :
أوّلا : نجد في سند هذا الحديث أبا هريرة ، وهو عندنا وعند كثير من علمائكم مردود وساقط ، ورواياته غير مقبولة ، كما مرّ.
ثانيا : حينما نعرض الحديث على كتاب الله تعالى كما أمرنا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم نجده مخالفا للقرآن المجيد ، فإنّه سبحانه يقول :( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (١) .
وقال :( ... فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ) (٢) .
وقوله تعالى :( إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى ) (٣) .
وقوله سبحانه :( رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ ) (٤) .
فبحكم هذه الآيات الكريمة ، وبحكم العقل السليم ، فإنّ الله عزّ وجلّ يعلم كلّ ما هو في قرارة نفس الإنسان ومكنون سره ، وكلّ ما يختلج في صدره.
__________________
(١) سورة ق ، الآية ١٦.
(٢) سورة طه ، الآية ٧.
(٣) سورة الأعلى ، الآية ٧.
(٤) سورة إبراهيم ، الآية ٣٨.
فالحديث الذي يقول : «سل أبا بكر هل هو عنّي راض؟!».
مفهومه : إنّ الأمر يخفى على الله سبحانه ، فيسأل ليعلم!! وهذا ينافي القرآن الحكيم والعقل السليم.
ثمّ ممّا لا شكّ فيه أنّ رضا الباري عزّ وجلّ يحصل بالنسبة للعبد الذي هو راض عن ربّه. فالعبد إذا لم يصل إلى درجة الرضا ، أي : لا يرضى بقضاء الله وقدره ، فإنّ الله لا يرضى عنه ، ولا يكون مقرّبا إليه تعالى.
فعلى هذا ، كيف يبدي الله جلّ وعلا رضاه عن أبي بكر وهو لا يدري هل إنّ أبا بكر وصل إلى درجة الرضا أم لا؟!
الشيخ عبد السّلام : لا بأس ، نترك هذا الحديث الذي تشكّكون فيه ، ولكن عندنا أحاديث لا شكّ فيها أنّها صدرت عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في شأن الخليفة أبي بكر ، منها أنّه :
قال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : إنّ الله يتجلّى للناس عامّة ، ويتجلّى لأبي بكر خاصّة.
وقال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : ما صبّ الله في صدري شيئا إلاّ صبّه في صدر أبي بكر.
وقال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : أنا وأبو بكر كفرسي رهان.
وقال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : إنّ في السماء الدنيا ثمانون ألف ملك يستغفرون لمن أحبّ أبا بكر وعمر ، وفي السماء الثانية ثمانون ألف ملك يلعنون من أبغض أبا بكر وعمر.
وقال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : أبو بكر وعمر خير الأوّلين والآخرين.
وقال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : خلقني الله من نوره وخلق أبا بكر من نوري وخلق عمر من نور أبي بكر وخلق أمّتي من نور عمر ، وعمر سراج أهل الجنّة.
هذه الأحاديث وأمثالها كثيرة ، وهي مرويّة في كتبنا المعتبرة ، وقد ذكرت بعضها لتعرف ويعرف الحاضرون فضل الشيخين ومقامهما الرفيع عند الله وعند رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
أحاديث مدسوسة
قلت : هذه الأحاديث تدلّ ظواهرها على بطلانها وفسادها. وحاشا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن تصدر منه هكذا كلمات!!
فإنّ الحديث الأوّل : يدلّ بظاهره على تجسّم الباري عزّ وجلّ وسبحانه عن ذلك وعلا علوّا كبيرا.
والحديث الثاني : يصرّح بأنّ أبا بكر شريك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في ما نزل عليه من الوحي.
والحديث الثالث : يدلّ على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ما كان أرفع درجة وأعلى رتبة من أبي بكر ، بل يساويه في المقام والمنزلة.
والخبران الأخيران ، مخالفان لأحاديث كثيرة متواترة ومقبولة عند الفريقين ، فالأحاديث الصحيحة تصرّح بأنّ خير أهل العالم محمد المصطفى وآله النجباء ، سلام الله عليهم أجمعين.
وأمّا الجملة الأخيرة : «وعمر سراج أهل الجنّة».
فأقول : إنّ أهل الجنّة مستغنون عن السراج فيها ؛ لأنّ وجوههم منيرة يومئذ ، كما قال تعالى :( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى
نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ ) (١) .
وقوله تعالى :( ... يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ ) (٢) .
وقد ورد في الأخبار المروية في كتب الفريقين : أنّ الجنّة تكون مضيئة في حدّ ذاتها كالدرّة البيضاء والياقوتة الحمراء ، فلا قيمة فيها للسراج ، لأنّ السراج إنّما يفيد في الظلام ، ولا ظلام في الجنّة.
وإضافة على ما ذكرنا ، فإنّ كبار علمائكم في علم الدراية والرجال ، وكبار محدّثيكم الّذين يميّزون الأحاديث الصحيحة عن السقيمة مثل : العالم الجليل المقدسي في : «تذكرة الموضوعات».
والفيروزآبادي الشافعي ـ صاحب «القاموس» ـ في : «سفر السعادة».
والذهبي في : «ميزان الاعتدال».
والخطيب البغدادي في : «تاريخ بغداد».
وأبي الفرج ابن الجوزي في : «الموضوعات».
وجلال الدين السيوطي في : «اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» هؤلاء صرّحوا : أنّ هذه الأخبار موضوعة ولا اعتبار بها ، لسببين :
١ ـ أسانيدها ضعيفة ؛ لأنّ في طريقها رجال متّهمون بالكذب وجعل الأحاديث.
٢ ـ عدم موافقتها للقواعد العقلية والآيات القرآنية.
__________________
(١) سورة الحديد ، الآية ١٢.
(٢) سورة التحريم ، الآية ٨.
الشيخ عبد السّلام : لو فرضنا صحّة كلامكم في الأحاديث المذكورة ، فما تقول في هذا الحديث الشريف المشهور بين علماء المسلمين ، والمذكور في الكتب المعتبرة الموثوقة ، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة؟!»
قلت : أمّا قولك : «الحديث المشهور» فربّ مشهور لا أصل له!
وأمّا قولك : «والمذكور في الكتب» فليتك تذكر لنا هذه الكتب المعتبرة ، الموثوقة!!
وأمّا الحديث ، إضافة على أنّه مردود وغير مقبول عند علمائكم ومحدّثيكم المتخصّصين في علم الدراية والرجال والحديث والرواية ، وقد حسبوه من الموضوعات ، فإنّ ظاهره يخالف الحقّ الذي يتجلّى في الأخبار الصحيحة المقبولة عند الفريقين.
أهل الجنّة كلّهم شباب
من معتقدات المسلمين أنّ الجنّة ليس فيها غير شباب ولا يدخلها شيوخ وكهول.
والخبر المشهور في كتب الفريقين صريح في الموضوع ، وهو أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لامرأة عجوز وهو يمازحها ، حين طلبت منهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يدعو لها بالجنّة.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ الجنة لا تدخلها العجائز» فحزنت المرأة وقالت : وا خيبتاه إذا لم أدخل الجنة!
فتبسّم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال : تدخلين الجنّة ولست يومئذ
بعجوز ، بل تنقلبين إلى فتاة باكرة ، كما قال الله سبحانه :( إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً* فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً* عُرُباً أَتْراباً ) (١) .
وكما ورد في الحديث النبوي الشريف «المؤمنون يدخلون الجنّة جردا ، مردا ، بيضا ، جعادا ، مكحّلين ، أبناء ثلاث وثلاثين».
على هذا ، ذكر الفيروزآبادي في : «سفر السعادة : ١٤٢».
والسيوطي في : «اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» وابن الجوزي في : «الموضوعات».
والمقدسي في : «تذكرة الموضوعات» والشيخ محمد البيروتي في : «أسنى المطالب : ١٢٣».
قالوا : في سند حديث : «أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة» يحيى بن عنبسة.
وقال الذهبي : هو ضعيف.
وقال ابن جانّ : إنّ يحيى جعّال وضّاع للحديث!
لذلك هذا الحديث ساقط عن الاعتبار!
ونحتمل احتمالا معقولا ، أنّ هذا الحديث من جعل بني أميّة البكريّين ، لأنّهم كانوا يضعون الأحاديث قبال كلّ حديث نبوي صدر في فضل أهل البيتعليهمالسلام ، وقد وضعوا هذا الحديث مقابل حديث شريف متّفق عليه بين الشيعة والسنّة.
النوّاب : أيّ حديث تقصدوه ، بيّنوه للحاضرين؟!
قلت : الحديث النبويّ الشريف : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة ، وأبوهما خير منهما. وفي بعض : أفضل منهما.
__________________
(١) سورة الواقعة ، الآية ٣٥ ـ ٣٧.
وقد جاء هذا النصّ في كثير من كتبكم المعتبرة ، وصرّح به كبار علمائكم الأعلام ، منهم :
الخطيب الخوارزمي في «المناقب».
والمير السيد علي الهمداني في المودّة الثامنة من كتابه : «مودّة القربى».
والإمام النسائي في «الخصائص العلوية».
وابن الصبّاغ المالكي في : «الفصول المهمّة» ص ١٥٩.
وسليمان الحنفي القندوزي ، في الباب ٥٤ من : «ينابيع المودّة» نقلا عن الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد.
وسبط ابن الجوزي في ص ١٣٣ من : «التذكرة».
والإمام أحمد بن حنبل في «المسند».
والترمذي في «السنن».
ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في الباب ٩٧ من «كفاية الطالب» بعد نقله للحديث الشريف بإسناده يقول : هذا حديث حسن ثابت ، لا أعلم أحدا رواه عن ابن عمر غير نافع ، تفرّد به : المعلّى عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذيب ، رزقناه عاليا بحمد الله ومنّه.
قال : وجمع إمام أهل الحديث ، أبو القاسم الطبراني في «معجمه الكبير» في ترجمة الحسنعليهالسلام طرقه عن غير واحد من الصحابة ، منهم : عمر بن الخطّاب ، ومنهم : عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وطرقه عن عليّ بطرق شتّى الى آخره.
وبعد كلام طويل ، وذكره الحديث الشريف بشكليه : «وأبوهما خير منهما» «وأبوهما أفضل منهما» بأسانيد عديدة. قال : وانضمام
هذه الأسانيد بعضها إلى بعض دليل على صحّته.
انتهى كلام الكنجي.
ونقله أبو نعيم في «الحلية» وابن عساكر في تاريخه الكبير ٤ / ٢٠٦ ، والحاكم في «المستدرك» وابن حجر في الصواعق : ٨٢.
فعلماؤكم قد اتّفقوا وأجمعوا على أنّ هذا الحديث الشريف صدر عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة ، وأبوهما خير منهما» وفي بعض الروايات : «وأبوهما أفضل منهما».
الشيخ عبد السّلام : سأذكر حديثا معتبرا مقبولا عند جميع علمائنا إذ لم ينكره أحد منهم ، وهو الحديث النبوي الشريف : «ما ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يتقدّم عليه غيره» وهذا أفضل دليل على أنّ أبا بكر بعد النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) هو إمام المسلمين والمقدّم عليهم.
قلت : أسفي عليكم ، أنتم علماء الامّة! إذ تتقبّلون الأخبار والأحاديث من غير تفكّر وتدبّر!
هلاّ فكّرتم أنّ هذا الخبر إن كان صحيحا ، فلما ذا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بنفسه لم يعمل به ، ولم يقدّم أبا بكر في قضايا كثيرة كانت مهمّة في تاريخ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وتاريخ الإسلام ، مثل : يوم المباهلة ، إذ أخذ معه فاطمة وعليّا وابنيهما ، وقدّمهم على من سواهم.
وفي غزوة تبوك إذ خلّف الإمام عليّاعليهالسلام في المدينة مكانه وقال له : «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ...» إلى آخره.
وفي تبليغ الآيات الأوائل من سورة براءة ، للمشركين ، إذ عزل أبا بكر وأرسل عليّاعليهالسلام وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا يبلّغ إلاّ أنا أو رجل منّي ـ أو
قال : من أهل بيتي ـ(١) .
وفي فتح خيبر حين أعطاه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الراية وكان الفتح على يديه.
__________________
(١) أقول : خبر عزل أبي بكر من تبليغ آيات سورة براءة حديث مشهور بين المؤرّخين والمفسّرين والمحدّثين من علماء العامّة ، منهم :
١ ـ أبو الفداء ، إسماعيل بن عمر الدمشقي ، في : البداية والنهاية ٧ / ٣٥٧.
٢ ـ ابن حجر الهيتمي ، في : الصواعق المحرقة ، ص ١٩.
٣ ـ ابن حجر العسقلاني ، في : الإصابة ٢ / ٥٠٩.
٤ ـ الحاكم النيسابوري ، في المستدرك على الصحيحين ٢ / ٥١ ، و ٣٣١.
٥ ـ محمد بن عيسى الترمذي ، في صحيحه ٢ / ٤٦١.
٦ ـ المتّقي الهندي الحنفي ، في كنز العمّال ١ / ٢٤٦ و ٢٤٩ ، وج ٦ / ١٥٣.
٧ ـ الإمام أحمد بن حنبل ، في المسند ١ / ٣ ، وج ٣ / ٢٨٣ ، وج ٤ / ١٦٤.
٨ ـ محبّ الدين الطبري ، في ذخائر العقبى ص ٦٩.
٩ ـ الإمام النسائي ، في خصائصه ، ص ٤.
١٠ ـ الكنجي الشافعي ، في كفاية الطالب ، الباب السبعين ص ١٥٢ ، بسنده المتّصل بالحرث بن مالك ، قال : أتيت مكّة فلقيت سعد بن أبي وقّاص ، فقلت : هل سمعت لعليّ منقبة؟
قال : قد شهدت له أربعا لئن تكون لي واحدة منهن أحبّ إليّ من الدنيا اعمّر فيها عمر نوح.
إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ببراءة إلى مشركي قريش فسار بها يوما وليلة ، ثمّ قال لعليّ : اتبع أبا بكر فخذها وبلّغها. فردّ عليّ عليهالسلام أبا بكر ، فرجع يبكي فقال : يا رسول الله! أنزل فيّ شيء؟!
قال : لا ، إلاّ خيرا ، إلاّ أنّه ليس يبلغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي. أو قال : من أهل بيتي إلى آخره.
وبعد ما نقل الخبر بطوله قال العلاّمة الكنجي : هذا حديث حسن ، وأطرافه صحيحة ، أمّا طرفه الأوّل فرواه إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل وهو بعثت أبا بكر ببراءة ، وتابعة الطّبراني إلى آخر كلامه. «المترجم».
ويوم فتح مكة ، رفع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّ بن أبي طالبعليهالسلام على كتفه فكسّر الأصنام التي على سطح الكعبة.
وأرسله النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لأهل اليمن يبلّغهم الدين ويقضي فيهم.
وأهمّ من كلّ ذلك : أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم جعل عليّاعليهالسلام وصيّه ، وأوصى إليه بكلّ ما أراد ليقوم به بعد موته. ولم يوص لأبي بكر!
وكان أبو بكر في كلّ هذه القضايا والأمور حاضرا ، لا غائبا ولا مسافرا ، والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم اختار عليّا وقدّمه في تلك الامور وغيرها من القضايا الكثيرة وترك أبا بكر!!
الشيخ عبد السلام : مالكم كلّما نذكر حديثا في فضل أبي بكر صاحب رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) رفضتموه ولم تقبلوه؟!
قلت : ما ذنبنا ، إذا كانت الأحاديث التي تنقلها في هذا المجال ، يأباها العقل والنقل؟!
الشيخ عبد السلام : لقد وصلنا حديث ثابت صحيح غير قابل للإنكار ، وهو عن طريق عمرو بن العاص ، قال : سألت النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يوما عن أحبّ نساء العالم إليه؟ فقال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : عائشة!
قال : فسألته عن أحب الرجال إليه؟ فقال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : أبو بكر!
على هذا ، فهما مقدّمان ؛ لأنّ حبّ النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) لهما دليل على أنّ الله تعالى يحبّهما ؛ وهذا دليل قاطع على أحقّيّة أبي بكر (رض) بخلافة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
قلت : بالإضافة إلى أنّ هذا الخبر من الموضوعات ، فهو يعارض الأخبار المعتبرة والأحاديث الصحيحة عند الفريقين من جهتين :
أوّلا : من جهة عائشة أمّ المؤمنين ، بأنّها أحبّ النساء إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّ هناك أحاديث جمّة تصرّح بأنّ أحبّ النساء إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وخيرهنّ هي : فاطمة سيّدة النساء.
فقد أثبت ذلك علماء المسلمين عامّة ـ شيعة وسنّة ـ في أحاديث متواترة في كتبهم المعتبرة ، منهم :
١ ـ أبو بكر البيهقي ، في تاريخه.
٢ ـ الحافظ ابن عبد البرّ ، في «الاستيعاب».
٣ ـ المير السيّد علي الهمداني ، في «مودّة القربى».
وغيرهم من علمائكم وعلماء الشيعة ، كلّهم متّفقون على صحّة الحديث المرويّ عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال تكرارا : «فاطمة خير نساء أمّتي» أو : «خير نساء أمّتي فاطمة».
وروى الإمام أحمد في «المسند» والحافظ أبو بكر في «نزول القرآن في علي» عن محمّد بن الحنفية عن أمير المؤمنينعليهالسلام .
وروى ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» في قسم : التحدّث عن فاطمة الزهراءعليهاالسلام وخديجة أمّ المؤمنين ، عن عبد الوارث بن سفيان وأبي هريرة ، وفي قسم التحدّث عن خديجة أمّ المؤمنين ، روى عن أبي داود نقلا عن أبي هريرة وأنس بن مالك.
وروى الشيخ سليمان الحنفي ، في الباب ٥٥ من «ينابيع المودة»
والمير السيد علي الهمداني في المودّة الثالثة عشرة من «مودّة القربى» عن أنس بن مالك.
وروى غيرهم عن طرق عديدة : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : خير نساء العالمين أربع : مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمدعليهمالسلام .
وروى الخطيب البغدادي في تاريخه ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عدّ هؤلاء النساء الأربع خير نساء العالمين وفضّل فاطمة في الدنيا والآخرة عليهنّ.
وروى البخاري في صحيحه ، والإمام أحمد في المسند ، عن عائشة بنت أبي بكر ، قالت : قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لفاطمة «يا فاطمة أبشري ، فإنّ الله اصطفاك وطهّرك على نساء العالمين ، وعلى نساء الإسلام ، وهو خير دين».
وروى البخاري في صحيحه ٤ / ٦٤ ، ومسلم في صحيحه ، في باب فضائل فاطمة ج ٢ ، والحميدي في «الجمع بين الصحيحين» والعبدي في «الجمع بين الصحاح الستّة» وابن عبد البرّ في «الاستيعاب» في قسم : الحديث عن فاطمةعليهاالسلام ، والإمام أحمد في المسند ٦ / ٢٨٢ ، ومحمد بن سعد في الطبقات ج ٢ في قسم أحاديث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في مرضه ، وفي الجزء الثامن في قسم الحديث حول فاطمةعليهاالسلام ، نقلا عن أمّ المؤمنين عائشة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث طويل جاء فيه أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال :
«يا فاطمة! ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين؟!».
وفسّره ابن حجر العسقلاني في الإصابة ، في ترجمة فاطمةعليهاالسلام ، أي : أنت سيّدة نساء العالمين.
وروى محمد بن طلحة الشافعي في كتابه «مطالب السئول» ص ٧ ، أحاديث وأخبارا كثيرة في هذا الباب ، وقال بعدها : فثبت بهذه
الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة ، كون فاطمة كانت أحبّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من غيرها ، وأنّها سيّدة نساء أهل الجنّة ، وأنّها سيدة نساء هذه الأمّة ، وسيّدة نساء أهل المدينة.
وروى البخاري ومسلم في الصحيح ، والثعلبي في تفسيره ، والإمام أحمد في «المسند» والطبراني في «المعجم الكبير» وسليمان الحنفي في «الينابيع» الباب ٣٢ ، عن تفسير ابن أبي حاتم ، والحاكم في «المناقب» والواحدي في «الوسيط» وأبي نعيم في «حلية الأولياء» وعن الحمويني في «فرائد السمطين».
وروى ابن حجر الهيتمي في «الصواعق» في ذكر الآية الرابعة عشرة.
وروى محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السئول ، ص ٨.
والطبري في تفسيره ، والواحدي في أسباب النزول ، وابن المغازلي في المناقب ، ومحب الدين الطبري في الرياض ، والشبلنجي في نور الأبصار ، والزمخشري في تفسيره ، والسيوطي في الدرّ المنثور ، وابن عساكر في تاريخه ، والسمهودي في وفاء الوفاء ، والنيسابوري في تفسيره ، والبيضاوي في تفسيره ، والفخر الرازي في التفسير الكبير ، وأبو بكر شهاب الدين العلوي في رشفة الصادي : الباب الأوّل / صفحة ٢٢ ـ ٢٣ ، نقلا عن تفسير البغوي والثعلبي ، والملاّ في سيرته ، ومناقب أحمد ، والطبراني في المعجم الكبير والأوسط ، والسدّي ، والشيخ عبد الله بن محمد الشبراوي في كتابه «الإتحاف» صفحه ٥ عن الحاكم والطبراني وأحمد.
وروى السيوطي في «إحياء الميت» عن تفاسير ابن المنذر وابن
أبي حاتم وابن مردويه و «المعجم الكبير» للطبراني.
كلّهم رووا عن ابن عبّاس حبر الامّة : أنّه لمّا نزلت الآية الكريمة :( ... قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً ) (١) .
قال جمع من الأصحاب : يا رسول الله! من قرابتك الّذين فرض الله علينا مودّتهم؟
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم «عليّ وفاطمة والحسن والحسين».
وهذا الأمر ثابت ولا يشكّ فيه إلاّ الذي في قلبه مرض النفاق والعناد.
وإنّ هذا الأمر ثابت عند كبار علمائكم الأعلام ، حتّى روى ابن حجر في «الصواعق» صفحة ٨٨ ، والحافظ جمال الدين الزرندي في «معراج الوصول» والشيخ عبد الله الشبراوي في «الإتحاف» صفحة ٥٢٩ ومحمد بن علي الصبّان في اسعاف الراغبين صفحة ١١٩ ، وغير هؤلاء ذكروا : أنّ الامام محمد بن إدريس الشافعي أنشد شعرا في هذا الأمر ، فقال :
يا أهل بيت رسول الله حبّكم |
فرض من الله في القرآن أنزله |
|
كفاكم من عظيم الشأن أنّكم |
من لم يصلّ عليكم لا صلاة له |
والآن ، أوجه سؤالي لكلّ منصف في المجلس وأقول :
بالله عليكم هل يقابل الحديث الذي ذكره الشيخ عن عمرو بن
__________________
(١) سورة الشورى ، الآية ٢٣.
العاص الفاسق ، الذي خرج لقتال إمام زمانه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، وسفك دماء المؤمنين عمّار بن ياسر ونظرائه الأخيار الأبرار ؛ هل يقابل حديثه بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة المجمع على صحّتها بين المسلمين ، شيعة وسنّة؟!
وهل يقبل العقل أن يفضّل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أحدا ويحبّ أحدا أكثر من الّذين فرض الله حبّهم ومودّتهم على المسلمين؟!
وهل يتصوّر أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يتّبع هواه فيغرم في حبّ زوجته عائشة من غير دليل معنوي ورجحان شرعي ، فيرجّحها على سائر زوجاته ويحبّها أكثر من سائر نسائه؟!
مع العلم أنّ الله عزّ وجلّ يطالب عباده بالعدل بين زوجاتهم فيقول :( ... فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ) (١) .
أم هل من المعقول أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يفضّل زوجته عائشة على ابنته فاطمة التي فضّلها الله تعالى ومدحها في آية التطهير والمباهلة ، وفرض مودّتها في آية القربى؟!
كلّنا نعلم ونؤمن بأنّ الأنبياء والأصفياء لا يتّبعون الهوى ، وإنّما تكون أفعالهم وأقوالهم وحبّهم وبغضهم لله وفي الله سبحانه ، فمعيار الحبّ والبغض عندهم هو : الله ، وليس الهوى!
والله عزّ وجلّ يرجّح فاطمة ويفضّلها على من سواها ويفرض حبّها والذي يقول غير ما نقول ، فيلزم أن يردّ كلّ الأحاديث والأخبار المعتضدة والمؤيّدة بالقرآن الحكيم والعقل السليم التي استدللنا بها على ما نقول!
__________________
(١) سورة النساء ، الآية ٣.
أو أنّه ينسب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ويتّهمه ـ والعياذ بالله ـ بمتابعة الهوى ومخالفة الحقّ! وهذا كفر صريح.
أحبّ الرجال إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّعليهالسلام
ثانيا : أمّا من جهة أبي بكر ، كما يقول حديث عمرو بن العاص : «إنّ أحبّ الرجال إلى النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) هو أبو بكر» فهو ينافي الأخبار الكثيرة والأحاديث الصحيحة المعتبرة المروية في كتب كبار علمائكم ومحدّثيكم بأنّ أحبّ الرجال إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم هو عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، منهم :
١ ـ روى الحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودّة» الباب ٥٥ ، عن الترمذي بسنده عن بريدة ، أنّه قال : كان أحبّ النساء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فاطمة ومن الرجال عليّعليهالسلام .
٢ ـ العلاّمة محمد بن يوسف الكنجي روى مسندا في كتابه «كفاية الطالب» الباب ٩١ بسنده عن أمّ المؤمنين عائشة ، أنّها قالت : ما خلق الله خلقا كان أحبّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من عليّ بن أبي طالب.
ثمّ يقول الكنجي : هذا حديث حسن ، رواه ابن جرير في مناقبه ، وأخرجه ابن عساكر في ترجمته ، أي ترجمة الإمام عليعليهالسلام (١) .
__________________
(١) لقد خرّج الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٥٤ حديثا بمعناه وفيه زيادة ، وهذا نصّه :
بحذف السند ، بسنده عن جميع بن عمير ، قال : دخلت مع أمّي على عائشة
٣ ـ روى الحافظ الخجندي بسنده عن معاذة الغفارية ، أنّها قالت : دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) في بيت عائشة ، وكان عليعليهالسلام خارج الدار ، فسمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول لعائشة : إنّ هذا ـ أي عليّعليهالسلام ـ أحبّ الرجال إليّ ، وأكرمهم عليّ ، فاعرفي حقّه ، وأكرمي مثواه.
__________________
فسمعتها من وراء الحجاب وهي تسأل عن عليّ؟ فقالت : تسألني عن رجل ، والله ما أعلم رجلا كان أحبّ إلى رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) من عليّ ، ولا في الأرض امرأة كانت أحبّ إلى رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) من امرأته ـ أي : فاطمةعليهاالسلام ـ ثمّ قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ـ أي : البخاري ومسلم ـ.
وخرّج محبّ الدين الطبري في «ذخائر العقبى» صفحه ٣٥ ، حديثا بمعناه وهذا نصّه : عن عائشة أنّها سئلت : أيّ الناس كان أحبّ إلى رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)؟ قالت : فاطمة ، فقيل : من الرجال؟ قالت : زوجها ، إن كان ما علمت صوّاما قوّاما.
خرّجه الترمذي في صحيحه ٢ / ٤٧٥ ، وخرّجه ابن عبيد وزاد بعد قوله «قوّاما» : جديرا بقول الحقّ.
وعن بريدة ، قال : كان أحبّ النساء إلى رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) فاطمة ومن الرجال عليّ.
خرّجه أبو عمر.
انتهى ما ذكره الطبري في (الذخائر).
وقد خرّج الحديث ، الحاكم في المستدرك على الصحيحين في مورد آخر ، ج ٣ / ١٥٧ ، وخرّجه ابن الأثير في أسد الغابة ٣ / ٥٢٢ ، وابن عبد البرّ في الاستيعاب ٢ / ٧٧٢ ، والترمذي في صحيحه ٢ / ٤٧١ في مناقب اسامة ، وخرّجه الخوارزمي الحنفي في : تاريخ مقتل الحسين عليهالسلام ١ / ٥٧ ، والمتّقي الهندي في : كنز العمّال ٦ / ٤٥٠ نقلا من كتب كثيرة لعلماء العامّة. «المترجم».
٤ ـ روى ابن حجر في آخر الفصل الثاني من «الصواعق» بعد نقله أربعين حديثا في فضائل الإمام عليّعليهالسلام ، قال الترمذي : عن عائشة ، قالت : كانت فاطمة أحبّ النساء إلى رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) وزوجها أحبّ الرجال إليه.
خبر الطير المشويّ
من أهمّ الأخبار في الموضوع ، خبر الطير المشويّ المرويّ في كتبنا وكتبكم المعتبرة كالصحاح والمسانيد ، منها :
صحيح البخاري ، وصحيح مسلم ، والترمذي ، والنسائي ، والسجستاني ، في صحاحهم ، والإمام أحمد في «المسند» وابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» وابن الصبّاغ المالكي في «الفصول المهمّة» صفحه ٢١ ، رواه بهذه العبارة : وأنّه صحّ النقل في كتب الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة عن أنس بن مالك إلى آخره.
ورواه الشيخ سليمان الحنفي في «ينابيع المودّة» الباب الثامن ، وقد خصّصه لهذا الخبر من طرق شتّى ، فيرويه عن الإمام أحمد والترمذي والموفّق بن أحمد الخوارزمي وابن المغازلي وسنن أبي داود ، عن سفينة مولى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وعن أنس بن مالك وابن عبّاس.
ثمّ يقول : وقد روى أربعة وعشرون رجلا حديث الطير عن أنس ، منهم : سعيد بن المسيّب والسدّي وإسماعيل.
قال : ولابن المغازلي «حديث الطير» من عشرين طريقا.
ورواه سبط ابن الجوزي في التذكرة : ٢٣ ، عن فضائل أحمد
وسنن الترمذي.
وأشار إليه المسعودي في مروج الذهب ٢ / ٤٩.
ورواه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في الحديث التاسع من «الخصائص».
وكتب كلّ من : الحافظ ابن عقدة ومحمد بن جرير الطبري والحافظ أبو نعيم ، كتابا خاصا بخبر الطير المشويّ وأسانيده وطرقه وتواتره.
كما إنّ العلاّمة المحقّق الورع ، الزاهد التقي ، السيّد حامد حسين الدهلوي ـ وأنتم الحاضرون لقرب جواركم منه تعرفون مكانته العلمية وتعرفون ورعه وزهده أحسن وأكثر من غيركم ـ خصّص مجلّدا ضخما من موسوعته العلمية الكريمة : «عبقات الأنوار» لخبر الطير المشويّ ، وقد جمع فيه أسناد ومصادر الخبر من طرقكم وكتب علمائكم فقط.
وأنا لا أذكر الآن كم بلغ عدد أسناد ومصادر هذا الخبر في ذلك الكتاب العظيم ، ولكنّي أذكر بأنّي عجبت حين مطالعته من سعة اطّلاع العلاّمة الدهلوي!
والخبر كما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ، عن سفينة مولى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : أهدت امرأة من الأنصار طيرين مشويّين بين رغيفين ، فقال النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك والى رسولك فجاء عليّعليهالسلام فأكل معه من الطيرين حتى كفيا.
وجاء في بعض كتبكم مثل : «الفصول المهمّة» لابن الصبّاغ المالكي وتاريخ الحافظ النيسابوري ، و «كفاية الطالب» للعلاّمة الكنجي
الشافعي ، ومسند الإمام أحمد ، عن أنس بن مالك ، قال :
اتي النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بطائر فقال : اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي.
فجاء عليعليهالسلام فحجبته مرّتين ، فجاء في الثالثة فأذنت له.
فقال النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : يا عليّ! ما حبسك؟! قال : هذه ثلاث مرّات قد جئتها فحبسني أنس.
قال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : لم يا أنس؟! قال : قلت : سمعت دعوتك يا رسول الله ، فأحببت أن يكون رجلا من قومي.
فقال النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : الرجل يحبّ قومه.
فأسأل الشيخ عبد السلام وأقول : هل استجاب الله تعالى دعوة حبيبه ونبيّه محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أم لا؟!
الشيخ عبد السلام : نعم ، وكيف لا يستجيب وقد وعده الإجابة؟! وهو سبحانه يعلم أنّ النبيّ لا يدعوه ولا يطلب منه حاجة إلاّ في محلّها. فلذلك كانت دعوة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) مستجابة في كلّ وقت.
قلت : على هذا فعليّعليهالسلام هو أحبّ الخلق إلى الله عزّ وجلّ.
كما إنّ كبار علمائكم صرّحوا بذلك ، مثل : العلاّمة محمد بن طلحة الشافعي ، في أوائل الفصل الخامس من الباب الأوّل من كتابه «مطالب السئول» بمناسبة حديث الراية وحديث الطير ، فقد أثبت أنّ عليّاعليهالسلام كان أحبّ الخلق إلى الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثمّ يقول : أراد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يحقّق للناس ثبوت هذه المنقبة السنيّة والصفة العليّة ، التي هي أعلى درجات المتّقين ، لعليّعليهالسلام إلى آخره.
والعلاّمة الكنجي الشافعي ، فقيه الحرمين ومحدّث الشام وصدر الحفّاظ ، في كتابه «كفاية الطالب» الباب ٣٣ ، بعد نقله الحديث والخبر بسنده عن أربع طرق ، عن أنس وسفينة خادمي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : وفيه دلالة واضحة على ان عليّاعليهالسلام أحبّ الخلق الى الله ، وأدل الدلالة على ذلك إجابة دعاء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في ما دعا به ، وقد وعد الله تعالى من دعاه الإجابة ، حيث قال عزّ وجلّ :( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (١) .
فأمر بالدعاء ووعد الإجابة ، وهو عزّ وجلّ لا يخلف الميعاد. وما كان الله عزّ وجلّ ليخلف وعده رسله ، ولا يردّ دعاء رسوله لأحبّ الخلق إليه ، ومن هو أقرب الوسائل إلى الله تعالى محبّته ومحبّة من يحبّ لحبّه.
وبعد هذا يقول : وحديث أنس الذي صدّرته في أوّل الباب ، أخرجه الحاكم أبو عبد الله الحافظ النيسابوري عن ستّة وثمانين رجلا ، كلّهم رووه عن أنس ، ثمّ يذكر أسماءهم(٢) .
__________________
(١) سورة غافر ، الآية ٦٠.
(٢) وإليك الحديث كما نقله العلاّمة الكنجي الشافعي في أول الباب ٣٣ من كتاب «كفاية الطالب» وأسماء رواته كما يلي :
أخبرنا منصور بن محمد أبو غالب المراتبي ، أخبرنا أبو الفرج بن أبي الحسين الحافظ ، أخبرنا أحمد بن محمد السدّي ، أخبرنا عليّ بن عمر بن محمد السكّري ، أخبرنا أبو الحسن عليّ بن السرّاج المصري ، حدّثنا أبو محمد فهد بن سليمان النحّاس ، حدّثنا أحمد بن يزيد ، حدّثنا زهير ، حدّثنا عثمان الطويل ، عن أنس بن مالك :اهدي إلى رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) طائر وكان يعجبه أكله ، فقال : ائتني بأحبّ الخلق إليك يأكل معي من هذا الطائر.
__________________
فجاء عليّ بن أبي طالب فقال : استأذن لي على رسول الله. قال : فقلت : ما عليه إذن ، وكنت أحبّ أن يكون رجلا من الأنصار.
فذهب ثمّ رجع فقال : استأذن لي عليه ، فسمع النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) كلامه ، فقال : ادخل يا عليّ ؛ ثمّ قال : اللهمّ وإليّ ، اللهمّ وإليّ. ـ أي : هو أحبّ الناس إليّ أيضا ـ.
وأمّا أسماء رواة هذا الحديث عن أنس كما ذكرهم العلاّمة الكنجي الشافعي نقلا عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ النيسابوري ، وهم ستّة وثمانون رجلا ، ذكرهم في آخر الباب ٣٣ بترتيب حروف المعجم ، كما يلي :
[إ] إبراهيم بن هديّة أبو هديّة ، وإبراهيم بن مهاجر أبو إسحاق البجلي ، وإسماعيل ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدّي ، وإسماعيل بن سليمان بن المغيرة الأزرق ، وإسماعيل بن وردان ، وإسماعيل بن سليمان ، وإسماعيل غير منسوب من أهل الكوفة ، وإسماعيل بن سليمان التيمي ، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، وأبان بن أبي عيّاش أبو إسماعيل.
[ب] بسّام الصيرفي الكوفي ، وبرذعة بن عبد الرحمن.
[ث] ثابت بن أسلم البنانيان ، وثمامة بن عبد الله بن أنس.
[ج] جعفر بن سليمان النخعي.
[ح] حسن بن أبي الحسن البصري ، وحسن بن الحكم البجلي ، وحميد بن التيرويه الطويل.
[خ] خالد بن عبيد أبو عصام.
[ز] زبير بن عديّ ، وزياد بن محمد الثقفي ، وزياد بن شروان.
[س] سعيد بن المسيّب ، وسعيد بن ميسرة البكري ، وسليمان بن طرخان التيمي ، وسليمان بن مهران الأعمش ، وسليمان بن عامر بن عبد الله بن عبّاس ، وسليمان ابن الحجّاج الطائفي.
[ش] شقيق بن أبي عبد الله.
__________________
[ع] عبد الله بن أنس بن مالك ، وعبد الملك بن عمير ، وعبد الملك بن أبي سليمان ، وعبد العزيز بن زياد ، وعبد الأعلى بن عامر الثعلبي ، وعمر بن أبي حفص الثقفي ، وعمر بن سليم البجلي ، وعمر بن يعلى الثقفي ، وعثمان الطويل ، وعلي بن أبي رافع ، وعامر بن شراحيل الشعبي ، وعمران بن مسلم الطائي ، وعمران بن هيثم ، وعطيّة بن سعد العوفي ، وعبّاد بن عبد الصمد ، وعيسى بن طهمان ، وعمّار بن أبي معاوية الدهني.
[ف] فضيل بن غزوان.
[ق] قتادة بن دعامة.
[ك] كلثوم بن جبر.
[م] محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، الباقر عليهالسلام ، ومحمد بن مسلم الزهري ، ومحمد بن عمر بن علقمة ، ومحمد بن عبد الرحمن أبو الرجال ، ومحمد بن خالد بن المنتصر الثقفي ، ومحمد بن سليم ، ومحمد بن مالك الثقفي ، ومحمد بن جحادة ، ومطيّر بن خالد ، ومعلّى بن هلال ، وميمون أبو خلف ، وميمون غير منسوب ، ومسلم الملائي ، ومطر بن طهمان الورّاق ، وميمون بن مهران ، ومسلم بن كيسان ، وميمون بن جابر السلمي ، وموسى بن عبد الله الجهني ، ومصعب بن سليمان الأنصاري.
[ن] نافع مولى عبد الله بن عمر ، ونافع أبو هرمز.
[ه] هلال بن سويد.
[ي] يحيى بن سعيد الأنصاري ، ويحيى بن هانئ ، ويوسف بن إبراهيم ، ويوسف أبو شيبة ـ وقيل هما واحد ـ ، ويزيد بن سفيان ، ويعلى بن مرّة ، ونعيم بن سالم.
[أبو] أبو الهندي ، وأبو مليح ، وأبو داود السبيعي ، وأبو حمزة الواسطي ، وأبو حذيفة العقيلي ، ورجل من آل عقيل ، وشيخ غير منسوب.
انتهى ما أردنا نقله من كتاب «كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين علي بن
فأنصفوا أيها المستمعون! هل من الصحيح أن نتمسّك بخبر واحد رواه عمرو بن العاص ، وهو أحد أعداء الإمام عليّعليهالسلام ، والمعلن عليه الحرب ، والخارج لقتاله ، ونعرض عن هذه الأخبار الكثيرة المتواترة في كتب كبار علمائكم ومحدّثيكم؟!
الشيخ عبد السلام : أظنّ أنّكم مصرّون على ردّ كلّ خبر ننقله في فضيلة الشيخين!!
نحن نتّبع الحقّ!
قلت : إنّي أعجب من الشيخ إذ يتّهمني أمام الحاضرين بهذه التهمة! ولا أدري أي خبر موافق للكتاب الحكيم والعقل السليم والمنطق القويم قاله الشيخ وأنا رفضته وما قبلته؟! حتّى يجابهني بهذا العتاب ، ويواجهني بهذا الكلام الذي يقصد منه أنّنا نتّبع طريق اللجاج والعناد!!
__________________
أبي طالبعليهالسلام » تأليف : العلاّمة ، فقيه الحرمين ، ومفتي العراقيين ، محدّث الشام ، وصدر الحفّاظ ، أبي عبد الله محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي.
وقد ثبت إجماع المسلمين على صحّة هذا الخبر ، فنقلوه بالتواتر في كتبهم ومسانيدهم ، كما ثبت أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام احتجّ بهذا الحديث في يوم الدار في اجتماع الّذين أوصاهم عمر بن الخطّاب أن يجتمعوا لتعيين خليفته من بينهم ، فقال الإمام عليّ عليهالسلام : أنشدكم الله هل فيكم أحد قال له رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير ، فجاء أحد غيري؟!
فقالوا : اللهمّ لا فقال عليهالسلام : اللهمّ اشهد إلى آخره. «المترجم».
وإنّي أعوذ بالله أن أكون معاندا أو متعصّبا جاهلا ، وأعوذ به سبحانه أن يكون في قلبي شيء من الحقد عليكم خصوصا ، وعلى إخواني من أهل السنّة عموما.
وإنّي أشهد الله ربّي وربّكم أنّي ما كنت معاندا وما تبعت طريق اللجاج في محاوراتي ومناظراتي مع اليهود والنصارى ، والهنود والمجوس ، ومع المادّيّين والوجوديّين ، وسائر المذاهب والفرق والأحزاب المنحرفة ، بل كنت دائما أطلب وجه الله عزّ وجلّ وأبحث عن الحقّ والحقيقة على أساس المنطق والعقل واصول العلم والبرهان ، فكيف أكون معاندا في محاورتي معكم وأنتم إخواني في الدين ، ونحن وإياكم على دين واحد ، وكتاب واحد ، ونبي واحد ، وقبلة واحدة؟!
غاية ما هنالك لقد وقعت بعض الاشتباهات والمغالطات في الأمر ، والتبس بذلك الحقّ عليكم ، ونحن بتشكيل مجالس البحث والمناظرة ، نريد أن نتفاهم في القضايا حتّى يرتفع الاختلاف إن شاء الله تعالى ، ويخيّم علينا الاتّحاد والائتلاف ، ويتحقّق أمر الله عزّ وجلّ إذ يقول :( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (١) .
وأنتم والحمد لله عالمون وفاهمون ، ولكن تأثّرتم بكلمات وأكاذيب الامويّين المعادين للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته الطيّبين فقلّدتم الناكثين والمارقين المتعصّبين ضدّ الإمام عليّ أمير المؤمنين وشيعته أهل الحقّ واليقين.
فإذا تخلّيتم عن أقاويل اولئك ، وتحرّرتم عن التعصّب والتقليد
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ١٠٣.
الأعمى ، وأنصفتم الحكم في القضايا المطروحة ، فإنّا نصل إن شاء الله تعالى إلى الهدف المنشود والحقّ المعهود.
الشيخ عبد السلام : نحن قرأنا في الصحف والمجلاّت ، مناظراتكم مع الهنود والبراهمة في مدينة لاهور ، وعلمنا إفحامكم إيّاهم فأجبناكم لانتصاركم للدين الحنيف وإثباتكم الحقّ ، وكنّا نحبّ زيارتكم ونتشوّق لمجالستكم ، والآن نسأل الله تعالى أن يجمعنا وإيّاكم على الحقّ.
ونحن نوافقكم على مراجعة القرآن الحكيم في الأمور الخلافية ، وعرض الأخبار والأحاديث المرويّة على كتاب الله سبحانه ، فهو الفرقان الأعظم ، ولذا قبلنا منكم الردود على ما نقلناه من الأخبار والأحاديث حينما أثبتّم نقاط تعارضها مع الكتاب والعقل والعلم والمنطق.
فلذلك أذكر الآن دليلا من القرآن الكريم في شأن الخلفاء الراشدين وفضلهم ، وأنا على يقين بأنّكم ستوافقون عليه ولا تردّونه ، لأنّه مأخوذ ومقتبس من كتاب الله تعالى.
قلت : أعوذ بالله العظيم من أن أردّ الدلائل القرآنية أو الأحاديث الصحيحة النبوية. ولكن اعلموا أنّي حينما كنت احاور الفرق الملحدة مثل : الغلاة والخوارج ، وغيرهم من الّذين ينسبون أنفسهم للإسلام وما هم منه ، كانوا يحتجّون عليّ في إثبات ادّعائهم الباطل ببعض الآيات القرآنية! لأنّ بعض آيات الذكر الحكيم ذو معان متعدّدة ووجوه متشابهة ، ولذا لم يسمح النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم لأحد أن يفسّر القرآن برأيه ، فقال :
«من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».
وقد وكّل هذا الأمر الهامّ إلى أهل بيته الكرامعليهمالسلام ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا».
وقد أجمعت الامّة على صحّة هذا الحديث الشريف ، فيجب أن نأخذ تفسير القرآن ومعناه من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهو القرآن الناطق ، ومن بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم يجب أن نأخذ ذلك من العترة الهادية ، وهم أهل بيته الّذين جعلهم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مع القرآن ككفّتي ميزان.
والله سبحانه أيضا أمر الامّة أن يرجعوا إليهم في ما لا يعلمون ، فقال :( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (١) .
والمقصود من أهل الذكر : عليّ بن أبي طالب والأئمّة من بنيهعليهمالسلام كما روى الشيخ سليمان الحنفي في «ينابيع المودة» الباب ٣٩ نقلا عن تفسير «كشف البيان» للعلاّمة الثعلبي بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، عن عليّعليهالسلام ، قال : نحن أهل الذكر ، والذكر : هو القرآن الحكيم لقوله تعالى :( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (٢) .
وبتعبير آخر من القرآن الكريم ، الذكر : هو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لقوله تعالى :( ... قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ ) (٣) .
فأهل الذكر هم آل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأهل القرآن الّذين نزل الوحي في
__________________
(١) سورة النحل ، الآية ٤٣.
(٢) سورة الحجر ، الآية ٩.
(٣) سورة الطلاق ، الآية ١٠ ـ ١١.
بيتهم ، فهم أهل بيت النبوّة وأهل بيت الوحي.
ولذلك كان عليّعليهالسلام يقول للناس : سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عن كتاب الله ، فإنّه ليس من آية إلاّ وقد عرفت بليل نزلت أم نهار ، وفي سهل أم في جبل ، والله ما انزلت آية إلاّ وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت وعلى من انزلت ، وإنّ ربّي وهب لي لسانا طلقا ، وقلبا عقولا إلى آخره.
ملخص القول : في نظرنا إنّ الاستدلال بالآيات القرآنية يجب أن يطابق بيان أهل البيت والعترة النبوية ، وإلاّ إذا كان كلّ إنسان يفسّر القرآن حسب رأيه وفكره لوقع الاختلاف في الكلمة والتشتّت في الآراء ، وهذا لا يرضى به الله سبحانه.
والآن بعد هذه المقدّمة ، فإنّا نستمع لبيانكم.
الشيخ عبد السلام : لقد أوّل بعض علمائنا الأعلام قوله تعالى :( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) (١) .
قالوا :( وَالَّذِينَ مَعَهُ ) إشارة إلى أبي بكر الصدّيق ، فهو كان مع رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) في كلّ مكان حتّى في الغار ، ورافقه في الهجرة إلى المدينة المنوّرة.
والمقصود من( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) : هو عمر بن الخطّاب (رض) الذي كان شديدا على الكفّار.
والمراد من( رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) : هو عثمان ذو النورين ، فإنّه كان
__________________
(١) سورة الفتح ، الآية ٢٩.
كما نعلم رقيق القلب كثير الرحمة.
والمعنيّ من( سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) : هو عليّ ابن أبي طالب كرّم الله وجهه ، فإنّه ما سجد لصنم قطّ.
وأنا أرجو أن تقبل هذا التأويل الجميل ، والقول الجامع لفضيلة الخلفاء الراشدين!
قلت : يا شيخ! إنّي أعجب من كلامك وفي حيرة منه! ولا أدري من أين جئت به؟! فإنّي لم أجد في تفاسيركم المعتبرة المشهورة ، هذا التفسير ، ولو كان الأمر كما تقول ، لكان الخلفاء المتقدّمون على الإمام عليّعليهالسلام احتجّوا بها حينما واجهوا معارضة بني هاشم وامتناع السيّدة فاطمة الزّهراء والامام عليّعليهالسلام من البيعة لهم.
ولكن لم نجد ذلك في التاريخ ولا في التفاسير التي كتبها كبار علمائكم ، أمثال : الطبري والثعلبي والنيسابوري والسيوطي والبيضاوي والزمخشري والفخر الرازي ، وغيرهم.
وهذا التأويل والتفسير ما هو إلاّ رأي شخصي غير مستند إلى حديث أو رواية ، وإنّ القائل والملتزم به ومن يقبله يشملهم حديث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».
وإذا قلت : إنّ ما قلته هو تأويل لا تفسير.
فأقول : إنّ مذاهبكم الأربعة لا يقبلون تأويل القرآن مطلقا ، ولا يجوز عند أئمّتكم تأويل القرآن ، وأضف على هذا ، إنّ في الآية الشريفة نكات علمية وأدبية تمنع من هذا التأويل ، وتحول دون الوصول إلى مقصودكم ، وهي :
أوّلا : الضمائر الموجودة في الآية الكريمة.
وثانيا : صياغة الجمل ف( مُحَمَّدٌ ) صلىاللهعليهوآلهوسلم : مبتدأ ، و( رَسُولُ اللهِ ) : عطف بيان أو صفة ، و( الَّذِينَ مَعَهُ ) : عطف على( مُحَمَّدٌ ) صلىاللهعليهوآلهوسلم ، و( أَشِدَّاءُ ) وما بعدها : خبر ؛ ولو قلنا غير هذا فهو غير معقول وخارج عن قواعد العربية والاصول.
ولذا فإنّ جميع المفسّرين من الفريقين قالوا : إنّ الآية الكريمة تشير إلى صفات المؤمنين بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم جميعا.
ولكنّي أقول : إنّ هذه الصفات ما اجتمعت في كلّ فرد فرد من المؤمنين ، بل مجموعها كانت في مجموع المؤمنين ، أي : إنّ بعضهم كانوا( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) وبعضهم كانوا( رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) وبعضهم( سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) ولم يكن من المؤمنين إلاّ رجل واحد جمع كلّ هذه الصفات والميزات الدينية ، وهو : أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فهو الذي كان مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من أوّل رسالته وبعثته حتّى آخر ساعات حياته المباركة ، إذ كان رأس النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في حجر وصيّه وابن عمّه عليّ بن أبي طالب حين فارقت روحه الدنيا.
الشيخ عبد السّلام : إنّك قلت : بأنّي لا اجادل ولست متعصّبا! بينما الآن تظهر التعصّب ، وتجادلنا على ما لا ينكره أيّ فرد من أهل العلم!
أما قرأت قوله تعالى :( إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ
كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (١) .
هذه الآية الكريمة إضافة على أنّها تؤيّد رأينا في تأويل الآية السابقة :( وَالَّذِينَ مَعَهُ ) فهي تسجّل فضيلة كبرى ، ومنقبة عظمى لسيّدنا أبي بكر الصدّيق (رض) ، لأنّ مصاحبته للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم تدلّ على منزلته عنده ، ودليل على أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يعلم بعلم الله أنّ أبا بكر يكون خليفته ، فكان يلزم عليه حفظه كما يلزم حفظ نفسه الشريفة ، لذلك أخذه معه حتّى لا يقع في أيدي المشركين ، ولم يأخذ النبيّ أحدا سواه ، وهذا أكبر دليل على خلافته.
قلت : إذا أبعدتم عنكم التعصّب ، وتركتم تقليد أسلافكم ، ونظرتم إلى الآية الكريمة بنظر التحقيق والتدقيق ، لوجدتم أنّها لا تعدّ فضيلة ومنقبة لأبي بكر ، وليس فيها أي دليل على خلافته!
الشيخ عبد السلام : إنّي أتعجّب من قولك هذا ، والآية صريحة في ما نقول ، ولا ينكره إلاّ معاند متعصّب!
قلت : قبل أن أخوض هذا البحث أرجو أن تعرضوا عن كلامكم ، لأنّي أخشى أن يمسّ ويخدش البحث عواطفكم ، فإنّ الكلام يجرّ الكلام ، ونصل بالبحث إلى ما لا يرام ، ولا يتحمّله العوامّ ، لسوء ما تركّز عندهم في الأفهام.
الشيخ عبد السلام : أرجو أن لا تتكلّم بالإبهام ، بل بيّن لنا كلّ ما عندك من الجواب والردّ على ما قلناه بالتمام ، ونحن إنّما اجتمعنا وحاورناكم لنعرف حقيقة الإسلام ، ونحن مستعدّون لاعتناق مذهبكم إذا ظهر لنا وثبت أنّه الحقّ الذي أمر به محمّد سيّد الأنام (صلّى الله
__________________
(١) سورة التوبة ، الآية ٤٠.
عليه [وآله] وسلّم).
قلت : إنّ إنكاري لقولكم لا يكون عن تعصّب وعناد ، وإعراضي عن الجواب ليس عن عيّ وجهل ، بل رعاية للأدب والوداد ، ولكن إصراركم على رأيكم ، وإحساسي بالمسئولية في كشف الحقّ وإظهار الحقيقة والإرشاد ، يفرض عليّ الردّ والجواب ، حتّى يعرف الحاضرون كلمة الحقّ والسداد ، فأقول :
أوّلا : قولك : إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حمل معه أبا بكر ، لأنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يعلم أنّه يكون خليفته ، فأراد أن يحفظه من شرّ المشركين ، كلام غريب
لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا حمله لهذا السبب ، فلما ذا لم يأخذ معه خلفاءه الآخرين ، الراشدين على حدّ زعمكم؟! عمر وعثمان وعليّ ، لأنّهم كانوا في مكّة مهدّدين أيضا!
فلما ذا هذا التبعيض؟! يأخذ أبا بكر ويأمر عليّا ليبيت على فراش الخطر ، ويفدي النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بنفسه!
هل هذا من العدل والإنصاف؟!
ثانيا : بناء على ما ذكره الطبري في تاريخه ، ج ٣ : إنّ أبا بكر ما كان يعلم بهجرة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فجاء عند علي بن أبي طالب وسأله عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأخبره بأنّه هاجر نحو المدينة فأسرع أبو بكر ليلتقي بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فرآه في الطريق فأخذه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم معه.
فالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّما أخذ معه أبا بكر على غير ميعاد ، لا كما تقول.
وقال بعض المحقّقين : إنّ أبا بكر بعد ما التقى بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في الطريق ، اقتضت الحكمة النبوية أن يأخذه معه ولا يفارقه ؛ لأنّه كان من الممكن أن يفشي أمر الهجرة ، وكان المفروض أن يكون سرّا ، كما نوّه
به الشيخ أبو القاسم ابن الصبّاغ ، وهو من كبار علمائكم ، قال في كتابه : «النور والبرهان» :
إنّ رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أمر عليّا فنام على فراشه ، وخشي من أبي بكر أن يدلّهم عليه فأخذه معه ومضى إلى الغار!
ثالثا : أسألك أن تبيّن لنا محلّ الشاهد من الآية الكريمة ، وتوضّح الفضيلة التي سجّلتها الآية لأبي بكر؟!
الشيخ عبد السلام : محلّ الشاهد ظاهر ، والفضيلة أظهر ، وهي :
أوّلا : صحبة النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ، فإنّ الله تعالى يعبر عن الصدّيق (رض) بصاحب رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
ثانيا : جملة :( إِنَّ اللهَ مَعَنا ) .
ثالثا : نزول السكينة من عند الله سبحانه على سيّدنا أبي بكر.
ومجموعها تثبت أفضليّة سيّدنا الصديق وأحقّيّته بالخلافة.
قلت : لا ينكر أحد أنّ أبا بكر كان من كبار الصحابة ، ومن شيوخ المسلمين ، وأنّه زوّج ابنته من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولكنّ هذه الامور لا تدلّ على أحقّيّته بالخلافة.
وكذلك كلّ ما ذكرتم من شواهد ودلائل في الآية الكريمة ، لا تكون فضائل خاصة بأبي بكر ، بل لقائل أن يقول : إنّ صحبة الأخيار والأبرار لا تكون دليلا على البرّ والخير ؛ فكم من كفّار كانوا في صحبة بعض المؤمنين والأنبياء ، وخاصة في الأسفار.
الصحبة ليست فضيلة
١ ـ فإنّا نقرأ في سورة يوسف الصدّيقعليهالسلام أنّه قال :( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) (١) .
لقد اتّفق المفسّرون أنّ صاحبي يوسف الصدّيقعليهالسلام هما ساقي الملك وطبّاخه ، وكانا كافرين ودخلا معه السجن ولبثا خمس سنين في صحبة النبيّ يوسف الصدّيقعليهالسلام ، ولم يؤمنا بالله ، حتّى أنّهما خرجا من السجن كافرين ؛ فهل صحبة هذين الكافرين لنبي الله يوسفعليهالسلام تعدّ منقبة وفضيلة لهما؟!
٢ ـ ونقرأ في سورة الكهف :( قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ) (٢) .
ذكر المفسّرون : أنّ المؤمن ـ وكان اسمه : يهودا ـ قال لصاحبه ـ واسمه : براطوس ـ وكان كافرا ؛ وقد نقل المفسّرون ـ منهم : الفخر الرازي ـ محاورات هذين الصاحبين ، ولا مجال لنقلها ؛ فهل صحبة براطوس ليهودا ، تعدّ له فضيلة أو شرفا يقدّمه على أقرانه؟!
أم هل تكون دليلا على إيمان براطوس ، مع تصريح الآية :( أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ) ؟!(٣) .
فالمصاحبة وحدها لا تدلّ على فضيلة وشرف يميّز صاحبها ويقدّمه على الآخرين.
وأمّا استدلالك علي أفضليّة أبي بكر ، بالجملة المحكيّة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :
__________________
(١) سورة يوسف ، الآية ٣٩.
(٢) سورة الكهف ، الآية ٣٧.
(٣) سورة الكهف ، الآية ٣٧.
( إِنَّ اللهَ مَعَنا ) فلا أجد فيها فضيلة وميزة لأحد ؛ لأنّ الله تعالى لا يكون مع المؤمنين فحسب ، بل يكون مع غير المؤمنين أيضا ، لقوله تعالى :( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ) (١) .
فبحكم هذه الآية الكريمة ، فإنّ الله عزّ وجلّ يكون مع المؤمن والكافر والمنافق.
الشيخ عبد السلام : لا شكّ أنّ المراد من الآية الكريم :( إِنَّ اللهَ مَعَنا ) يعني : بما أنّنا مع الله ونعمل لله ، فإنّ ألطاف الله تعالى تكون معنا ، والعناية الإلهيّة تشملنا.
حقائق لا بدّ من كشفها
قلت : حتّى لو تنزّلنا لكم وسلّمنا لقولكم ، فلقائل أن يقول : إنّ الجملة مع هذا التفسير أيضا لا تدلّ على فضيلة ثابتة أو منقبة تقدّم صاحبها على الآخرين ؛ لأنّ هناك أشخاصا شملتهم الألطاف الإلهيّة والعناية الربّانيّة ، وما داموا مع الله كان الله معهم ، وحينما تركوا الله سبحانه تركهم وانقطعت العناية والألطاف الإلهية عنهم ، مثل :
١ ـ إبليس ـ ولا مناقشة في الأمثال ـ فإنّه عبد الله تعالى عبادة قلّ نظيرها من الملائكة ، وقد شملته الألطاف والعنايات الربّانية ، ولكن لمّا تمرّد عن أمر ربّه تكبّر واتّبع هواه واغترّ ، خاطبه الله الأعظم الأكبر قائلا :( قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ* وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) (٢) .
__________________
(١) سورة المجادلة ، الآية ٧.
(٢) سورة الحجر ، الآية ٣٤ ـ ٣٥.
٢ ـ ومثله في البشر : بلعم بن باعورا ، فإنّه كما ذكر المفسّرون في تفسير قوله تعالى :( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ) (١) قالوا : إنّه تقرّب إلى الله تعالى بعبادته له إلى أن أعطاه الاسم الأعظم وأصبح ببركة اسم الله سبحانه مستجاب الدعوة ، وعلى أثر دعائه تاه موسى وبنو إسرائيل أعواما كثيرة في الوادي.
ولكن على أثر طلبه للرئاسة والدنيا سقط في الامتحان ، واتّبع الشيطان ، وخالف الرحمن ، وسلك سبيل البغي والطغيان ، وصار من المخلّدين في النيران.
وإذا أحببتم تفصيل قصّته ، فراجعوا التاريخ والتفاسير ، منها : تفسير الرازي ٤ / ٤٦٣ ، فإنّه يروي عن ابن عبّاس وابن مسعود ومجاهد بالتفصيل.
٣ ـ وبرصيصا في بني إسرائيل ، كان مجدّا في عبادة الله سبحانه حتّى أصبح من المقرّبين ، وكانت دعوته مستجابة. ولكن عند الامتحان اصيب بسوء العاقبة فترك عبادة ربّ العالمين ، وسجد لإبليس اللعين ، وأمسى من الخاسرين ، فقال الله تعالى فيه :( كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ) (٢) .
فإذا صدر عمل حسن من إنسان ، فلا يدلّ على أنّ ذلك الإنسان يكون حسنا إلى آخر عمره وأنّ عاقبة أمره تكون خيرا ، ولذا ورد في
__________________
(١) سورة الأعراف ، الآية ١٧٥.
(٢) سورة الحشر ، الآية ١٦.
أدعية أهل البيتعليهمالسلام : اللهمّ اجعل عواقب امورنا خيرا.
إضافة إلى ما قلنا : فإنّكم تعلمون أنّه قد ثبت عند علماء المعاني والبيان ، أنّ التأكيد في الكلام يدلّ على شكّ المخاطب وعدم يقينه للموضوع ، أو توهّمه خلاف ذلك.
والآية مؤكّدة «بأنّ» فيظهر بأنّ مخاطب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو صاحبه في الغار كان شاكّا في الحقّ ، على غير يقين بأنّ الله سبحانه يكون معهما!
الشيخ عبد السلام ـ شاط غاضبا ـ وقال : ليس من الإنصاف أن تمثّل صاحب رسول الله وخليفته بإبليس وبلعم وبرصيصا!
قلت : أنا في البداية بيّنت أن : «لا مناقشة في الأمثال» ومن المعلوم أنّ في المحاورات أنّما يذكرون الأمثال لتقريب موضوع الحوار إلى الأذهان ، وليس المقصود من المثل تشابه المتماثلين من جميع الجهات ، بل يكفي تشابههما من جهة واحدة ، وهي التي تركّز عليها موضوع الحوار.
وإنّي اشهد الله! بأنّي ما قصدت بالأمثال التي ذكرتها إهانة أحد أبدا ، بل البحث والحوار يقتضي أحيانا أن أذكر شاهدا لكلامي ، وابيّن مثلا لتفهيم مقصدي ومرامي.
الشيخ عبد السلام : دليلي على أنّ الآية الكريمة تتضمّن مناقب وفضائل لسيّدنا أبي بكر (رض) ، جملة :( فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ) فإنّ الضمير في :( عَلَيْهِ ) يرجع لأبي بكر الصدّيق ، وهذا مقام عظيم.
قلت : الضمير يرجع إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وليس لأبي بكر ، بقرينة الجملة التالية في الآية :( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها ) .
وقد صرّح جميع المفسّرين : أنّ المؤيّد بجنود الله سبحانه هو النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
الشيخ عبد السلام : ونحن نقول أيضا : إنّ المؤيّد بالجنود هو النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ولكنّ أبا بكر كذلك كان مؤيّدا مع النبيّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
السكينة والتأييد من خصوصيات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم
قلت : إذا كان الأمر كما تقول ، لجاءت الضمائر في الآية الكريمة بالتثنية ، بينما الضمائر كلّها جاءت مفردة ، فحينئذ لا يجوز لأحد أن يقول : إنّ الألطاف والعنايات الإلهيّة كالنصرة والسكينة شملت أبا بكر دون رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .. فينحصر القول بأنّها شملت رسول الله دون صاحبه!!
الشيخ عبد السّلام : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) كان في غنى عن نزول السكينة عليه ، لأنّ السكينة الإلهية كانت دائما معه ولا تفارقه أبدا ، ولكن سيّدنا أبا بكر (رض) كان بحاجة ماسّة إلى السكينة فأنزلها الله سبحانه عليه.
قلت : لما ذا تضيّع الوقت بتكرار الكلام ، بأيّ دليل تقول : إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يحتاج إلى السكينة الإلهية؟! بينما الله سبحانه يقول :( ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها ) (١) وذلك في غزوة حنين.
ويقول سبحانه وتعالى أيضا :( فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ
__________________
(١) سورة التوبة ، الآية ٢٦.
وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى ) (١) وذلك في فتح مكّة المكرّمة.
فكما في الآيتين الكريمتين يذكر الله النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ويذكر بعده المؤمنين ، فلو كان أبو بكر في آية الغار من المؤمنين الّذين تشملهم السكينة الإلهيّة ، لكان الله عزّ وجلّ قد ذكره بعد ذكر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو يقول : فأنزل الله سكينته عليهما.
هذا ، وقد صرّح كثير من كبار علمائكم : بأنّ ضمير( عَلَيْهِ ) في الآية الكريمة يرجع إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا إلى أبي بكر ؛ راجعوا كتاب : «نقض العثمانية» للعلاّمة الشيخ أبي جعفر الإسكافي وهو استاذ ابن أبي الحديد ، وقد كتب ذلك الكتاب القيّم في ردّ وجواب أباطيل أبي عثمان الجاحظ.
إضافة على ما ذكرنا ، نجد في الآية الكريمة جملة تناقض قولكم! وهي :( إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ ) فالنبيّ ينهى أبا بكر عن الحزن ، فهل حزن أبي بكر كان عملا حسنا أم سيّئا؟
فإن كان حسنا ، فالرسول لا ينهى عن الحسن ، وإن كان سيّئا فنهي النبيّ لهصلىاللهعليهوآلهوسلم من باب النهي عن المنكر بقوله :( لا تَحْزَنْ ) فالآية الكريمة لم تكن في فضل أبي بكر ومدحه ، بل تكون في ذمّه وقدحه! وصاحب السوء والمنكر ، لا تشمله العناية والسكينة الإلهيّة ، لأنّهما تختصّان بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والمؤمنين ، وهم أولياء الله الّذين لا يخشون أحدا إلاّ الله سبحانه.
__________________
(١) سورة الفتح ، الآية ٢٦.
ومن أهمّ علامات الأولياء كما في قوله تعالى :( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (١) .
ولمّا وصل البحث إلى هذه النقطة ، نظر العلماء إلى الساعة وهي تشير إلى أنّ الوقت قد جاوز منتصف الليل.
فأرادوا الانصراف من المجلس ، ولكنّ النوّاب قال : ما وصلنا إلى نتيجة حول الآية الكريمة :( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) إلى آخره والسيد بعد لم يتمّ كلامه في الموضوع.
فقال الحاضرون : لقد تعب السيد فنترك البحث إلى الليلة المقبلة إن شاء تعالى فتوادعنا وانصرفوا.
__________________
(١) سورة يونس ، الآية ٦٣.
المجلس السادس
ليلة الأربعاء ٢٨ رجب ١٣٤٥ هجرية
قبل غروب الشمس جاءني إلى البيت حضرة الفاضل غلام إمامين ، وكان تاجرا محترما من أهل السنّة ، وهو رجل كيّس ورزين ، كان يحضر مجلس الحوار في كلّ ليلة.
جاءني وقال : أيها السيد الجليل! إنّما جئت في هذا الوقت وقبل مجيء رفاقي ، لأخبرك بأنّك كسبت قلوبنا ونوّرتها بكلامك الحلو وبيانك العذب ، فانجذب أكثر الحاضرين نحوك ، فقد كشفت لنا ما كان مستورا وبيّنت لنا الحقّ الذي كان مجهولا.
واعلم أنّنا حين انصرفنا في الليلة الماضية من المجلس ، وقع اختلاف شديد بيننا وبين علمائنا وعاتبناهم عتابا شديدا على إخفائهم هذه الحقائق عنّا وإغوائنا بالأكاذيب والأباطيل ، وكاد الأمر يؤول من التشاجر إلى التناحر ، ولكنّ بعض العقلاء والكبار توسّطوا في ذات البين وأنهوا القضيّة بسلام.
ولمّا صار وقت المغرب تهيّأت وقمت للصلاة ، واقتدى بي كلّ من
كان في البيت ، وصلّى غلام إمامين أيضا معنا جماعة.
وبعد إتمامنا الصلاة ، جاء العلماء ومعهم الأصحاب والرفاق ، فأكرمهم صاحب البيت ورحّب بهم ورحبت بهم بدوري ، وبعد ما شربوا الشاي وتناولوا الحلوى ، وجّه الاستاذ نوّاب عبد القيّوم خان نظره إليّ واستاذن للسؤال ، فأذنت له.
فقال : نسألكم أن تتمّوا موضوع الليلة الماضية حول الآية الكريمة :( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) .
قلت : إذا أذن لي المشايخ الحاضرون ، فلا مانع لديّ.
الحافظ : ـ وكان في حالة غضب ـ : لا مانع تكلّموا ونحن نستمع.
قلت : لقد بيّنت لكم في الليلة الماضية بعض الإشكالات الأدبية على تأويل الآية وتطبيقها على الخلفاء الراشدين.
وأمّا في هذه الليلة فنبحث فيها من جهات اخرى حتّى ينكشف الحقّ للحاضرين.
إنّ جناب الشيخ عبد السلام سلّمه الله تعالى أوّل كلّ صفة من الصفات الأربعة في الآية الكريمة على أحد الراشدين بالترتيب ، فأقول :
أوّلا : لم يذكر أحد من المفسّرين في شأن نزول الآية ، هذا التأويل.
ثانيا : كلّنا يعرف أنّ الصفات الأربعة المذكورة إذا اجتمعت كلّها في شخص واحد ، فهو المراد من الآية الكريمة.
وأمّا إذا تحقّق بعضها في شخص ، فلا يكون ذلك هو مقصود الآية ومرادها.
ونحن إذا نظرنا في تاريخ الإسلام نظر تحقيق وتعمّق ، ودرسنا حياة الصحابة دراسة تحليلية ، ونظرنا في سيرتهم نظرة استقلالية ، بعيدا عن الأغراض النفسية والعوارض القلبية ، لوجدنا أنّ كلّ الصفات المذكورة في الآية الكريمة ما اجتمعت في واحد من الصحابة سوى مولانا علي بن أبي طالبعليهالسلام .
الحافظ : إنّكم معشر الشيعة تغالون في حقّ سيّدنا عليّ كرّم لله وجهه ، فكلّما وجدتم آية في وصف المؤمنين والمتّقين والمحسنين والصالحين ، تقولون : نزلت في شأن الإمام عليّ!!
قلت : هذا اتّهام وافتراء آخر منكم ، نحن الشيعة لا نغالي في حقّ مولانا الإمام عليّعليهالسلام ، وإنّما نواليه ولا نبغضه ، كما أراد الله سبحانه ، فلذلك نقول فيه ما هو حقّه ، وإنّه لظاهر كالشمس في الضحى.
من ينكر فضلك يا حيدر؟! |
هل ضوء الشمس ضحى ينكر؟! |
وكلّ ما نقوله نحن في أمير المؤمنينعليهالسلام ، إنّما هو من كتبكم ومصادركم!
الآيات النازلة في شأن عليّعليهالسلام
وأمّا الآيات المباركة الكثيرة التي نقول بأنّها نزلت في شأن الإمام عليعليهالسلام وفضله ، إنّما نذكر رواياتها وتفاسيرها من كتبكم المعتبرة ومن تفاسير علمائكم الأعلام.
فإنّ الحافظ أبو نعيم ، صاحب كتاب «ما نزل من القرآن في عليّ»
والحافظ أبو بكر الشيرازي ، صاحب كتاب «نزول القرآن في علي» والحاكم الحسكاني ، صاحب كتاب «شواهد التنزيل» فهؤلاء من علماء الشيعة أم من علمائكم؟!
والمفسّرون الكبار ، أمثال : الإمام الثعلبي والسيوطي والطبري والفخر الرازي والزمخشري ، والعلماء الأعلام ، أمثال : ابن كثير ومسلم والحاكم والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبي داود وأحمد بن حنبل وابن حجر والطبراني والكنجي والقندوزي ، وغيرهم ، الّذين ذكروا في كتبهم ومسانيدهم وصحاحهم ، الآيات القرآنية التي نزلت في شأن الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام
هل هم من علماء الشيعة أم من أهل السنّة والجماعة؟!
ولقد روى الحسكاني ، والطبراني ، والخطيب البغدادي في تاريخه ، وابن عساكر في تاريخه ، في ترجمة الإمام عليّعليهالسلام ، وابن حجر في الصواعق : ٧٦ ، ونور الأبصار : ٧٣ ، ومحمد بن يوسف الكنجي في «كفاية الطالب» في أوائل الباب الثاني والستّين ، في تخصيص عليعليهالسلام بمائة منقبة دون سائر الصحابة ، بإسنادهم عن ابن عبّاس ، قال : نزلت في عليّ بن أبي طالب ثلاثمائة آية.
وروى العلامة الكنجي في الباب الحادي والثلاثين بإسناده عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما أنزل الله تعالى آية فيها :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ وعليّ رأسها وأميرها.
ورواه عن طريق آخر : إلاّ وعليّ رأسها وأميرها وشريفها.
وروى في الباب عن ابن عبّاس أيضا أنّه قال : ولقد عاتب الله عزّ وجلّ أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم في غير آي من القرآن وما ذكر عليّا إلاّ بخير.
فمع هذه الأخبار المتضافرة والروايات المعتبرة الجمّة التي رواها كبار علمائكم ومحدّثيكم ، نحن لا نحتاج لوضع الأحاديث وجعل الأخبار في شأن الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام وإثبات فضله وجلالته وخلافته.
فإنّ رفعة مقامه وسموّ شأنه وعلوّ قدره يلوح للمنصفين في سماء العلم والمعرفة ، كشمس الضحى في وسط السماء ، لا ينكرها إلاّ فاقدو البصر أو السفهاء.
وكما ينسب إلى الإمام محمّد بن إدريس الشافعي ـ أو غيره من الأعلام ـ أنّه حين سئل عن فضل الإمام عليّعليهالسلام قال : ما أقول في رجل ، أخفى أعداؤه فضائله بغضا وحسدا ، وأخفى محبّوه فضائله خوفا ورهبا ، وهو بين ذين وذين قد ملأت فضائله الخافقين(١) .
وأمّا حول الآية الكريمة ، فإنّي كلّ ما أقوله فهو من كتبكم وأقوال علمائكم ، كما إنّي إلى الآن ما تمسّكت بأقوال الشيعة في محاوراتي معكم ، ولا أحتاج أن أتمسّك بها في محاوراتي الآتية أيضا إنشاء الله تعالى.
وأمّا تطبيق الآية الكريمة :( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) على مولانا وسيّدنا الإمام عليّعليهالسلام ، فهو ليس قولي فحسب ، بل أذكر جيّدا أنّ العلاّمة محمّد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي ، في
__________________
(١) وفيه يقول الشاعر :
لقد كتموا آثار آل محمّد |
محبّوهم خوفا وأعداؤهم بغضا |
|
فأبرز من بين الفريقين نبذة |
بها ملأ الله السموات والأرضا |
والقول أعلاه لأحمد بن حنبل لا للشافعي! «المترجم»
كتابه «كفاية الطالب» في الباب الثالث والعشرين ، وبعد روايته للحديث النبويّ الشريف الذي يشبّه فيه الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام بالأنبياء والمرسلينعليهمالسلام فيقول العلاّمة الكنجي في شرحه للحديث : وشبّهه بنوح في حكمته ، وفي رواية في حكمه ، وكأنّه أصحّ لأنّ عليّاعليهالسلام كان شديدا على الكافرين رءوفا بالمؤمنين كما وصفه الله تعالى في القرآن بقوله :( وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) وأخبر الله عزّ وجلّ عن شدّة نوحعليهالسلام على الكافرين بقوله :( ... رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) (١) إلى آخر كلام العلاّمة الكنجي.
وأمّا قول الشيخ عبد السّلام : بأنّ( وَالَّذِينَ مَعَهُ ) إشارة إلى أبي بكر لأنّه كان صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الغار.
فإنّي أجبت بأنّ صحبته كانت من باب الصدفة ، ولو سلّمنا بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذه معه لا عن صدفة ، فهل مرافقة أيّام قلائل وصحبة سفر واحد ، تساوي مرافقة أكثر العمر وصحبة سنين عديدة هي التي قضاها مولانا الإمام عليّعليهالسلام تحت رعاية النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وتعلّم عنده وتأدّب بآدابه وتربّى على يده وتحت إشرافه؟!
فلو أنصفتم لقلتم : إنّ عليّا أخصّ من أبي بكر في هذه الصفة أيضا ؛ لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذه من أبي طالب وربّاه في حجره وعلّمه وأدّبه ، فكان أوّل من آمن به وعمره حينذاك عشر سنين ، آمن عليّعليهالسلام حين كان أبو بكر وعمر وعثمان وأبو سفيان ومعاوية وغيرهم من المسلمين ، كفّارا مشركين ، يعبدون الأوثان ويسجدون للأصنام ، وعلي
__________________
(١) سورة نوح ، الآية ٢٦.
ما سجد لصنم قطّ ، كما صرّح كثير من علمائكم.
النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مربّي عليعليهالسلام ومعلّمه
لقد ذكر بعض علمائكم موضوع تربية النبيّ عليّا من الصغر.
منهم ابن الصبّاغ المالكي في كتابه «الفصول المهمّة» فإنه خصّص فصلا في الموضوع.
ومنهم محمّد بن طلحة الشافعي في كتابه «مطالب السئول» في الفصل الأوّل.
والحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودّة» الباب السادس والخمسين ، ص ٢٣٨ ط المكتبة الحيدرية ، نقلا عن «ذخائر العقبى» للطبري.
والثعلبي في تفسيره ، عن مجاهد.
وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٣ / ١٩٨ ط دار إحياء الكتب العربية ، نقلا عن الطبري في تاريخه(١) ، روى بإسناده عن مجاهد ، قال : كان من نعمة الله عزّ وجلّ على عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وما صنع الله له ، وأراده به من الخير ، أنّ قريشا أصابتهم أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثير.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم للعبّاس ـ وكان من أيسر بني هاشم ـ : يا عبّاس ، إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمة ، فانطلق بنا فلنخفّف عنه من عياله ، آخذ من بيته
__________________
(١) تاريخ الطبري : ٢ / ٣١٣ طبعة المعارف.
واحدا ، وتأخذ واحدا ، فنكفيهما عنه.
فقال العبّاس : نعم.
فانطلقا حتّى أتيا أبا طالب ، فقالا له : إنا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتّى ينكشف عن الناس ما هم فيه.
فقال لهما : إن تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما.
فأخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّا فضمّه إليه ، وأخذ العبّاس جعفرارضياللهعنه فضمّه إليه ، فلم يزل عليّ بن أبي طالبعليهالسلام مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حتّى بعثه الله نبيّا ، فاتّبعه عليّعليهالسلام ، فآمن به وصدّقه ، ولم يزل جعفر عند العبّاس حتّى أسلم واستغنى عنه(١) .
__________________
(١) وفي شرح النهج لابن أبي الحديد : ١٣ / ٢٠٠ ط دار إحياء الكتب العربية ، قال : وروى الفضل بن عبّاس ; ، قال : سألت أبي عن ولد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أيّهم كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم له أشدّ حبّا؟ فقال : علي بن أبي طالب : فقلت : سألتك عن بنيه! فقال : إنّه كان أحب إليه من بنيه جميعا وأرأف ، ما رأيناه زايله يوما من الدهر منذ كان طفلا ، إلا أن يكون في سفر لخديجة ، وما رأينا أبا أبرّ بابن منه لعليّعليهالسلام ، ولا ابنا أطوع لاب من عليّعليهالسلام لهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ونقل ابن أبي الحديد في ج ١٠ / ٢١ و ٢٢٢ ، عن أبي جعفر النقيب أنّه كان يقول : انظروا إلى أخلاقيهما وخصائصهما ـ أي النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وعلي عليهالسلام ـ هذا شجاع ، وهذا شجاع.
وهذا فصيح ، وهذا فصيح.
وهذا سخيّ جواد ، وهذا سخيّ جواد.
وهذا عالم بالشرائع والأمور الإلهيّة وهذا عالم بالفقه والشريعة والأمور الإلهيّة الدقيقة الغامضة.
وهذا زاهد في الدنيا غير نهم ولا مستكثر منها ، وهذا زاهد في الدنيا تارك لها غير متمتّع بلذّاتها.
وقال ابن الصبّاغ المالكي بعد نقله للرواية : فلم يزل عليّعليهالسلام مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى بعث الله عزّ وجلّ محمّدا نبيّا ، فاتّبعه عليّعليهالسلام وآمن به وصدّقه ، وكان إذ ذاك في السنة الثالثة عشر من عمره لم يبلغ الحلم ، وإنّه أوّل من أسلم وآمن برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الذكور.
__________________
وهذا مذيب نفسه في الصلاة والعبادة ، وهذا مثله.
وهذا غير محبّب إليه شيء من الأمور العاجلة إلاّ النساء ، وهذا مثله.
وهذا ابن عبد المطّلب بن هاشم وهذا في قعدده ، وأبواهما أخوان لأب وأمّ ، دون غيرهما من بني عبد المطّلب ، وربّي محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم في حجر والد هذا ، وهذا أبو طالب ، فكان جاريا عنده مجرى أحد أولاده.
ثمّ لمّا شبّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وكبر استخلصه من بني أبي طالب وهو غلام ، فربّاه في حجره مكافأة لصنيع أبي طالب به.
فامتزج الخلقان ، وتماثلت السجيتان ، وإذا كان القرين مقتديا بالقرين ، فما ظنّك بالتربية والتثقيف الدائر الطويل؟!
فواجب أن تكون أخلاق محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم كأخلاق أبي طالب ، وتكون أخلاق عليّعليهالسلام كأخلاق أبي طالب أبيه ، ومحمّد عليهالسلام مربّيه ، وأن يكون الكلّ شيمة واحدة وسوسا ـ أي أصلا ـ واحدا ، وطينة مشتركة ونفسا غير منقسمة ولا متجزّئة ، وألاّ يكون بين بعض هؤلاء وبعض فرق ولا فضل ، لو لا أنّ الله تعالى اختصّ محمداصلىاللهعليهوآلهوسلم برسالته. واصطفاه لوحيه ، لما يعلمه من مصالح البريّة في ذلك ، ومن أنّ اللّطف به أكمل ، والنفع بمكانه أتمّ وأعمّ ، فامتاز رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك عمّن سواه ، وبقي ما عدا الرسالة على أمر الاتّحاد ، فقال له : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي.
فأبان نفسه منه بالنبوّة وأثبت له ما عداها من جميع الفضائل والخصائص مشتركا بينهما. «المترجم»
عليّعليهالسلام أوّل من آمن
ثمّ ينقل ابن الصبّاغ المالكي ، قول الإمام الثعلبي في تفسيره للآية الكريمة( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ) (١) ، أنّه روى عن ابن عبّاس وجابر بن عبد الله الأنصاري وزيد بن أرقم ومحمّد بن المنكدر وربيعة المرائي ، أنّهم قالوا : أوّل من آمن برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد خديجة أمّ المؤمنين ، هو علي بن أبي طالب.
وهذا الموضوع الهامّ صرّح به كبار علمائكم الأعلام ، مثل : البخاري ومسلم في الصحيح ، والإمام أحمد في مسنده ، وابن عبد البرّ في الاستيعاب : ٣ / ٣٢ والإمام النسائي في الخصائص ، وسبط ابن الجوزي في التذكرة : ٦٣ والحافظ سليمان الحنفي القندوزي في الينابيع ـ باب ١٢ ـ نقلا عن مسلم والترمذي ، وابن أبي الحديد في شرح النهج : ١٣ / ٢٢٤ ط إحياء الكتب العربية ، والحمويني في فرائد السمطين ، والمير السيّد علي الهمداني في مودّة القربى ، والترمذي في الجامع : ٢ / ٢١٤ ، وابن حجر في الصواعق ، ومحمد بن طلحة القرشي في مطالب السئول ـ الفصل الأوّل ـ ، وغيرهم من كبار علمائكم ومحدّثيكم ذكروا بأنّ : النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بعث يوم الاثنين وآمن به عليّ يوم الثلاثاء ـ وفي رواية : وصلّى عليّ يوم الثلاثاء ـ وقالوا : إنّه أوّل من آمن برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الذكور.
كما جاء في مطالب السئول : ولمّا انزل الوحي على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
__________________
(١) سورة التوبة ، الآية ١٠٠.
وشرّفه الله سبحانه وتعالى بالنبوّة كان عليّعليهالسلام يومئذ لم يبلغ الحلم ، وكان عمره إذ ذاك في السنة الثالثة عشر ، وقيل : أقلّ من ذلك ، وقيل : أكثر منه ، وأكثر الأقوال وأشهرها : أنّه لم يكن بالغا ، فإنّه أوّل من أسلم وآمن برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الذكور ، وقد ذكر ذلك بعض الشعراء على لسان أمير المؤمنينعليهالسلام وأشاروا إليه في أبيات وهي :
محمد النبي أخي وصنوي |
وحمزة سيّد الشهداء عمّي |
|
وجعفر الذي يضحي ويمسي |
يطير مع الملائكة ابن أمّي |
|
وبنت محمّد سكني وعرسي |
منوط لحمها بدمي ولحمي |
|
وسبطا أحمد ولدي منها |
فأيّكم له سهم كسهمي؟! |
|
سبقتكم إلى الإسلام طرّا |
غلاما ما بلغت أوان حلمي |
|
وأوجب لي ولايته عليكم |
رسول الله يوم غدير خمّ |
|
فويل ثمّ ويل ثمّ ويل |
لمن يلقى الإله غدا بظلمي(١) |
ونقل الطبري في تاريخه : ٢ / ٢٤١ والترمذي في الجامع : ٢ ص ٢١٥ والإمام أحمد في مسنده : ٤ / ٣٦٨ وابن الأثير في تاريخه الكامل : ٢ / ٢٢ والحاكم في المستدرك : ٤ / ٣٣٦ ومحمد بن يوسف
__________________
(١) قال الحافظ سليمان الحنفي في ينابيع المودّة ، الفصل الرابع : ولمّا وصل إلى عليّعليهالسلام أنّ معاوية افتخر بملك الشام ، قال لغلامه : أكتب ما املي عليك ، فأنشد :
محمّد النبي أخي وصهري |
وحمزة سيّد الشهداء عمّي |
إلى آخره
وبعد ذكره الأبيات قال :
قال البيهقي : إنّ هذا الشعر ممّا يجب على كلّ مؤمن أن يحفظه ليعلم مفاخر عليّ عليهالسلام في الإسلام. «المترجم»
القرشي الكنجي في كفاية الطالب : الباب الخامس والعشرون ، وغيرهم من علمائكم الثقات رووا بإسنادهم عن ابن عبّاس : أوّل من صلّى عليّ بن أبي طالبعليهالسلام (١) .
__________________
(١) روى العلاّمة الكنجي في «كفاية الطالب» في الباب الخامس والعشرين بإسناده عن ابن عبّاس ، قال : «أوّل من صلّى عليّعليهالسلام » ثمّ نقل اختلاف الأقوال في ذلك وخصم النزاع بقوله : والمختار من الروايات عندي قول ابن عبّاس ، ويدلّ عليه قول عبد الرحمن بن جعل الجمحي حين بويع عليّعليهالسلام ، قال :
لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة |
علي الدين معروف العفاف موفّقا |
|
عفيفا عن الفحشاء أبيض ماجدا |
صدوقا وللجبّار قدما مصدّقا |
|
أبا حسن فارضوا به وتمسّكوا |
فليس لمن فيه يرى العيب منطقا |
|
عليا وصيّ المصطفى وابن عمّه |
وأوّل من صلّى لذي العرش واتّقى |
وقال الفضل بن العبّاس في قصيدة له :
وكان وليّ الأمر بعد محمّد |
عليّ وفي كلّ المواطن صاحبه |
|
وصيّ رسول الله حقّا وصهره |
وأوّل من صلّى وما ذمّ جانبه |
وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين :
إذا نحن بايعنا عليّا فحسبنا |
أبو حسن ممّا نخاف من الفتن |
|
وأوّل من صلّى من الناس واحدا |
سوى خيرة النسوان والله ذو المنن |
يعني : خديجة بنت خويلد ، ثمّ يذكر الكنجي روايات في هذا الباب.
ونقل الحافظ سليمان الحنفي في الباب الثاني عشر من «ينابيع المودّة» روايات كثيرة جدّا في أنّ أوّل من آمن وصلّى عليّ بن أبي طالب ، قال : أنشد بعض أهل الكوفة ، أيّام صفّين في مدحه :
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته |
يوم النشور من الرحمن غفرانا |
|
أوضحت من ديننا ما كان مشتبها |
جزاك ربّك منّا فيه إحسانا |
|
نفسي الفداء لأولى الناس كلّهم |
بعد النبي عليّ الخير مولانا |
|
أخ النبي ومولى المؤمنين معا |
وأوّل الناس تصديقا وإيمانا |
«المترجم»
وروى الحاكم الحسكاني في كتابه «شواهد التنزيل» في ذيل الآية( السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ) بسنده عن عبد الرحمن بن عوف ، أنّ عشرة من قريش آمنوا وكان أوّلهم عليّ بن أبي طالب.
وروى كثير من علمائكم ـ منهم الإمام أحمد في مسنده ، والخطيب الخوارزمي في «المناقب» والحافظ سليمان الحنفي القندوزى في الباب الثاني عشر من «الينابيع» وغيرهم ـ بإسنادهم عن أنس بن مالك ، أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : صلّت الملائكة عليّ وعلى عليّ سبع سنين ، وذلك أنّه لم ترفع شهادة أن لا إله إلاّ الله إلى السماء ، إلاّ منّي ومن عليّ.
وأمّا ابن أبي الحديد ـ في شرح نهج البلاغة : ٤ / ١٢٥ ط دار إحياء الكتب العربية ، بعد ما نقل روايات كثيرة في سبق عليّعليهالسلام إلى الإيمان ، وأخرى مخالفة ، قال : فدلّ مجموع ما ذكرناه أنّ علياعليهالسلام أوّل الناس إسلاما وأنّ المخالف في ذلك شاذّ ، والشاذّ لا يعتدّ به.
وهذا الإمام الحافظ أحمد بن شعيب النسائي ، صاحب واحد من الصحاح الستّة عندكم ، له كتاب «خصائص الإمام عليّعليهالسلام ، فإنّه روى أوّل حديث في هذا الكتاب بإسناده عن زيد بن أرقم ، قال : أوّل من صلّى مع رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) علي رضي الله عنه.
وابن حجر الهيتمي ـ مع شدّة تعصبه ـ يرى أنّ عليّاعليهالسلام أوّل من آمن ؛ كما في الفصل الثاني من كتابه «الصواعق المحرقة».
ونقل الحافظ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه «ينابيع المودة» في الباب الثاني عشر ، نقل واحدا وثلاثين خبرا ورواية عن الترمذي والحمويني وابن ماجة وأحمد بن حنبل والحافظ أبي نعيم والإمام
الثعلبي وابن المغازلي وأبي المؤيّد الخوارزمي والديلمي وغيرهم ، بعبارات مختلفة والمعنى واحد ، وهو أنّ عياعليهالسلام أوّل من أسلم وآمن وصلّى مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وينقل رواية شريفة في آخر الباب ، من كتاب المناقب بالإسناد عن أبي زبير المكّي ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، أنقلها لكم إتماما للحجّة وإكمالا للفائدة
عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال : «إنّ الله تبارك وتعالى اصطفاني واختارني وجعلني رسولا ، وأنزل عليّ سيّد الكتب ، فقلت : إلهي وسيّدي ، إنّك أرسلت موسى إلى فرعون فسألك أن تجعل معه أخاه هارون وزيرا ، يشدّ به عضده ، ويصدّق به قوله وإنّي أسألك يا سيّدي وإلهي ، أن تجعل لي من أهلي وزيرا ، تشدّ به عضدي ، فاجعل لي عليّا وزيرا وأخا ، واجعل الشجاعة في قلبه ، وألبسه الهيبة على عدوّه ، وهو أول من آمن بي وصدّقني وأوّل من وحّد الله معي.
وإنّي سألت ذلك ربّي عزّ وجلّ ، فأعطانيه ؛ فهو سيّد الأوصياء ، اللحوق به سعادة ، والموت في طاعته شهادة ، واسمه في التوراة مقرون إلى اسمي ، وزوجته الصدّيقة الكبرى ابنتي. وابناه سيّدا شباب أهل الجنة ابناي ، وهو وهما والأئمة من بعدهم حجج الله على خلقه بعد النّبيين ، وهم أبواب العلم في أمّتي ، من تبعهم نجا من النار ، ومن اقتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم ، لم يهب الله محبّتهم لعبد إلاّ أدخله الجنّة».
فهذا قليل من كثير ممّا نقله حملة الأخبار ، من علمائكم الكبار ، في هذا المضمار ؛ ولو نقلتها كلّها لطال بنا المجلس في موضوع واحد
إلى النهار ، ولكن أكتفي بهذه النماذج التي ذكرتها لكي يعرف العلماء والحاضرون أنّ الإمام عليّعليهالسلام كان مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم منذ صغره وقبل أن يبعث.
وحينما بعثصلىاللهعليهوآلهوسلم بالنبوّة ، آمن به عليّعليهالسلام ولازمه ولم يفارقه أبدا.
فهو أولى وأجلى لمصداق الآية :( وَالَّذِينَ مَعَهُ ) من الذي صاحب النبيّ وكان معه في سفر واحد.
شبهة على الموضوع وردّها
الحافظ : نحن كلّنا نقول بما تقولون ، ونقرّ بأنّ عليّا كرّم الله وجهه أوّل من آمن ، وأنّ أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة آمنوا بعده بمدة من الزمن ، ولكن إيمان اولئك يفرق عن إيمان عليّ بن أبي طالب ، إذ لا يحسب العقلاء إيمانه في ذلك الزمان فضيلة ، ويحسبون إيمان اولئك المتأخّرين عنه فضيلة!
لأنّ عليا كرم الله وجهه ، آمن وهو صبيّ لم يبلغ الحلم ، واولئك آمنوا وهم شيوخ كبار في كمال العقل والإدراك.
ومن الواضح أنّ إيمان شيخ محنّك ومجرّب ذي عقل وبصيرة أفضل من إيمان طفل لم يبلغ الحلم.
وأضف على هذا أنّ إيمان سيّدنا عليّ كان تقليدا وإيمانهم كان تحقيقيا ، وهو أفضل من الإيمان التقليدي.
قلت : إنّي أتعجّب من هذا الكلام ، وأنتم علماء القوم! أنا لا
أنسبكم إلى اللجاج والعناد والتعصّب ، ولكن أقول : إنّكم تفوّهتم من غير تفكّر ، وتكلّمتم من غير تدبّر ، تبعا لأسلافكم الّذين قلّدوا بني أميّة وتبعوا الناصبين العداء للعترة الهادية!
والآن ، لكي يتّضح لكم الأمر ، أجيبوا على سؤالي :
هل إنّ علياعليهالسلام حين آمن صبيا ، كان إيمانه بدعوة من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أم من عند نفسه؟!
الحافظ : أوّلا : لما ذا تنزعجون من طرح الشبهة وتتضجّرون من إيراد الإشكال ، فإذا لم نطرح ما يختلج في صدورنا من الشبهات ، ولا نستشكل على كلامكم ، فلن يصدق على مجلسنا اسم الحوار والمناظرة ؛ فقد اجتمعنا هنا لنعرف الحقّ ، وهذا يقتضي أن نطرح كلّ ما يكون في أذهاننا من الشبهات والإشكالات حول مذهبكم وعقائدكم ؛ فإن دفعتم الشبهات ورفعتم الإشكالات وأوضحتم الحقّ ، يلزم علينا أن نصدّقكم ونعتنق مذهبكم ، وإذا لم تتمكّنوا من ذلك فيلزم عليكم تصديق مذهبنا وترك مذهبكم.
ثانيا : وأما جواب سؤالكم ، أقول : من الواضح أنّ عليّا كرم الله وجهه إنّما آمن بدعوة من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا من عند نفسه.
قلت : هل إنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حين دعا عليّاعليهالسلام إلى الإيمان كان يعلم أن لا تكليف على الطفل الذي لم يبلغ الحلم أم لا؟!
إذا قلتم : ما كان يعلم! فقد نسبتم الجهل إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وذلك لا يجوز ؛ لأنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مدينة العلم ، ولا يخفى عليه شيء من الأحكام.
وإذا قلتم : إنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يعلم أن لا تكليف على الطفل ومع ذلك دعا علياعليهالسلام وهو صبيّ إلى الإيمان بالله والإيمان برسالته ، فيلزم من
قولكم إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قام بعمل لغو وعبث ، والقول بهذا في حدّ الكفر بالله سبحانه!
لأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مؤيّد بالعصمة ، ومسدّد بالحكمة من الله تعالى وهو بريء من اللغو والعبث ، وقد قال عزّ وجلّ في شأنه :
( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى ) (١) .
فضيلة سبق عليّعليهالسلام إلى الإيمان
لقد ثبت أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم دعا عليّاعليهالسلام إلى الإيمان ، فاستجاب وآمن بالله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سيّد العقلاء والحكماء ، ولا يصدر منه عمل اللغو والعبث ، فلا بدّ أنّه رأى عليّاعليهالسلام أهلا وكفوا ، فدعاه الى الإيمان صبيّا.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على قابلية الإمام عليعليهالسلام ولياقته وكماله وفضله وتميّزه ووفور عقله.
وصغر السنّ لا ينافي الكمال العقلي ، وبلوغ الحلم وحده لا يكون سبب التكليف ، فإنّ هناك من بلغ الحلم ولم يكلّف ـ لقصر عقله وسفهه ـ وبالعكس ، نجد من لم يبلغ الحلم ، لكنّ الله كلفه باعظم التكاليف ، كما قال سبحانه وتعالى في شأن يحيىعليهالسلام :( وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) (٢) .
وقال تعالى حكاية عن عيسى بن مريم :( إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ
__________________
(١) سورة النجم ، الآية ٣ و ٤.
(٢) سورة مريم ، الآية ١٢.
الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ) (١) .
قال هذه الجملة ، وهو صبيّ في المهد ، فالحكم المأتيّ ليحيى إنّما كان تكليفا من الله تعالى ليحيىعليهالسلام ، والنبوّة كذلك تكليف من عند الله عزّ وجلّ لعيسى بن مريمعليهالسلام ، وهذان التكليفان لهذين الصبيّين ، دليل على عظمة شأنهما وكمالهما وكفايتهما وفضلهما ووفور عقلهما.
وإيمان الإمام عليّعليهالسلام بدعوة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّما هو تكليف موجّه من هذا القبيل ، وهو على فضله وكماله أكبر دليل!
وقد أشار سيّد الشعراء إسماعيل الحميري ـ المتوفى سنة ١٧٩ هجرية ـ إلى هذه الفضيلة قائلا :
وصيّ محمد وأبو بنيه |
ووارثه وفارسه الوفيّا |
|
وقد اوتي الهدى والحكم طفلا |
كيحيى يوم اوتيه صبيّا |
كما كان الإمام عليّعليهالسلام يشيد بهذه الفضيلة ويفتخر بها كما مرّ في أشعاره :
سبقتكم إلى الاسلام طفلا |
صغيرا ما بلغت أوان حلمي(٢) |
__________________
(١) سورة مريم ، الآية ٣٠.
(٢) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٤ / ١٢٢ ، ط دار إحياء التراث أو الكتاب العربي : ومن الشعر المروي عنهعليهالسلام في هذا المعنى الأبيات التي أوّلها :
محمّد النبيّ اخي وصهري |
وحمزة سيّد الشهداء عمّي |
ومن جملتها :
سبقتكم إلى الإسلام طرّا |
غلاما ما بلغت أوان حلمي |
«المترجم»
وإذا كان إيمانه في الصغر لا يعدّ فضيلة ، فلما ذا كان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ينوّه به ويشير إليه؟! وما ذلك إلاّ ليسجل له فضيلة اخرى ، تضاف إلى فضائله الجمّة؟!
فقد روى الحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودّة» الباب السادس والخمسين ، عن محبّ الدين الطبري المكّي في كتابه «ذخائر العقبى» بسنده عن عمر بن الخطّاب ، أنّه قال :
كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة وجماعة إذ ضرب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم منكب عليّ فقال «يا عليّ! أنت أوّل المؤمنين إيمانا ، وأوّلهم إسلاما ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى».
وروى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عبّاس ، أنّه قال :
كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجرّاح وجماعة من الصحابة عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ ضرب على منكب عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فقال «أنت أوّل المسلمين إسلاما ، وأنت أوّل المؤمنين إيمانا ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، كذب يا عليّ من زعم أنّه يحبّني ويبغضك».
ورواه ابن الصبّاغ المالكي عن ابن عبّاس أيضا في الفصول المهمّة : ١٢٥ :
وروى الإمام أحمد بن شعيب بن سنان النسائي في «الخصائص» وموفّق بن أحمد الخطيب الخوارزمي في (المناقب) مختصرا ، وابن عساكر في تاريخه مختصرا ، وأخرجه المتّقي الهندي في كنز العمال : ٦ / ٣٩٥ ، وهذا نصّه :
من مسند عمر ، عن ابن عبّاس [قال :] قال عمر بن الخطّاب : كفّوا عن ذكر عليّ بن أبي طالب ، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول
في عليّ ثلاث خصال ، لأن يكون لي واحدة منهنّ أحب إليّ ممّا طلعت عليه الشمس ، كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجرّاح ونفر من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والنبيّ متّكئ على عليّ بن أبي طالب ، حتّى ضرب بيده على منكبه ثم قال «أنت يا عليّ أوّل المؤمنين إيمانا ، وأوّلهم إسلاما ، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، وكذب عليّ من زعم أنّه يحبّني ويبغضك».
وفي رواية ابن الصبّاغ المالكي أضاف «من أحبك فقد أحبّني ، ومن أحبّني أحبّه الله ، ومن أحبّه الله أدخله الجنّة ، ومن أبغضك فقد أبغضني ، ومن أبغضني أبغضه الله تعالى وأدخله النار(١) ».
وروى الطبري في تاريخه عن محمد بن سعد بن أبي وقّاص ، قال : سألت أبي : هل إنّ أبا بكر أوّل من آمن بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
فقال : لا ، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين رجلا ، ولكنّه كان أفضل منّا في الإسلام.
وذكر الطبري أيضا فقال : ولقد أسلم قبل عمر بن الخطّاب خمسة وأربعون رجلا وإحدى وعشرون امرأة ، ولكن أسبق الناس إسلاما وإيمانا فهو عليّ بن أبي طالب.
__________________
(١) روى الحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودّة» الباب الثاني عشر ، عن الحمويني بسنده عن أبي رافع ، عن أبي ذرّ ، قال : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول لعلي «أنت أوّل من آمن بي ، وأنت أوّل من يصافحني يوم القيامة ، وأنت الصدّيق الأكبر ، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحقّ والباطل ، وأنت يعسوب المسلمين ، والمال يعسوب الكفّار».
«المترجم»
ميزة إيمان عليّعليهالسلام
ثمّ إنّ لإيمان عليّعليهالسلام ميزة على إيمان غيره ، وهي أنّ إيمانهعليهالسلام كان عن فطرة غير مسبوق بكفر أو شرك ، فإنّه بدأ حياته التكليفيّة بالإيمان ولم يشرك بالله سبحانه طرفة عين ، بينما الآخرون بدءوا بالكفر والشرك ثمّ آمنوا ، فكان إيمانهم مسبوقا بالكفر والشرك ، وإيمان الإمام عليعليهالسلام كان عن فطرة ، وهو فضيلة عظيمة وميزة كريمة امتاز بها عن غيره.
لذا قال الحافظ أبو نعيم في كتابه «ما نزل من القرآن في عليّعليهالسلام » والمير السيّد عليّ الهمداني في كتابه «مودّة القربى» نقلا عن ابن عبّاس أنّه قال : والله ما من عبد آمن بالله إلاّ وقد عبد الصنم ، إلاّ عليّ بن أبي طالب ، فإنّه آمن بالله من غير أن يعبد صنما.
وروى محمد بن يوسف الكنجي القرشي في «كفاية الطالب» الباب الرابع والعشرين ، بإسناده إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال «سبّاق الامم ثلاثة لم يشركوا بالله طرفة عين : عليّ بن أبي طالب ، وصاحب ياسين ، ومؤمن آل فرعون ؛ فهم الصدّيقون ، حبيب النجّار «مؤمن» أو صاحب ياسين ، وحزقيل مؤمن آل فرعون ، وعليّ بن أبي طالب وهو أفضلهم(١) ».
__________________
(١) وذكر ابن أبي الحديد رواية أبي جعفر الإسكافي بسنده عن ابن عبّاس ، قال :«السبّاق ثلاثة : سبق يوشع بن نون إلى موسى ، وسبق صاحب يس إلى عيسى ، وسبق عليّ بن أبي طالب الى محمّد عليه و:».
وفي «نهج البلاغة» قال عليعليهالسلام «فإنّي ولدت على الفطرة ، وسبقت إلى الإيمان والهجرة».
وروى الحافظ أبو نعيم وابن أبي الحديد وغيرهما ، أنّ علياعليهالسلام لم يكفر بالله طرفة عين.
وروى الإمام أحمد في المسند ، والحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودّة» عن ابن عبّاس ، أنّه قال لزمعة بن خارجة : إنّه [عليّا] لم يعبد صنما ، ولم يشرب خمرا ، وكان أوّل الناس إسلاما.
وأخيرا أتوجّه إلى من يقول بأنّ إيمان الشيخين أفضل من إيمان عليّعليهالسلام فأسأله : أما سمع الحديث النبوي الشريف الذي رواه كبار علماء العامّة ، منهم : ابن المغازلي في المناقب ، والإمام أحمد في المسند ، والخطيب الخوارزمي في المناقب ، والحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودة» وغيرهم ، رووا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال «لو وزن إيمان علي وإيمان أمّتي لرجح إيمان علي على إيمان أمّتي إلى يوم القيامة».
وروى الإمام الثعلبي في تفسيره ، والخوارزمي في المناقب ، والمير السيّد عليّ الهمداني في المودّة السابعة من كتابه «مودّة القربى» عن عمر بن الخطّاب ، قال : أشهد أنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول «لو أنّ السموات السبع والأرضين السبع وضعن في كفّة ميزان ووضع إيمان
__________________
ثمّ يروي عن الشعبي ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّعليهالسلام «هذا أوّل من آمن بي وصدّقني وصلّى معي».
شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٢٥ ط دار إحياء التراث العربي.
«المترجم»
عليّ في كفّة ميزان لرجح إيمان علي(١) ».
وفي ذلك يقول سفيان بن مصعب الكوفي :
«أشهد بالله لقد قال لنا |
محمد والقول منه ما خفى |
|
لو أن إيمان جميع الخلق ممّن |
سكن الأرض ومن حلّ السما |
|
يجعل في كفّة ميزان لكي |
يوفي بإيمان عليّ ما وفى» |
عليّعليهالسلام أفضل الأمّة
روى المير السيد عليّ الهمداني ، الفقيه الشافعي ، في كتابه «مودّة القربى» أخبارا متظافرة في أفضلية الإمام عليّعليهالسلام على جميع الصحابة ، بل على جميع الأمّة.
قال في المودّة السابعة : عن ابن عبّاس ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال :
__________________
(١) لقد روى هذا الخبر والحديث عن عمر بن الخطّاب ، جمع من العلماء والمحدّثين من أهل السنّة ، منهم :
محب الدين الطبري في الرياض النضرة ٢ / ٢٢٦ ، وذكره في ذخائر العقبى ص ١٠٠ أيضا ، والمتّقي الحنفي في كنز العمّال ٦ / ١٥٦ نقله من «فردوس الأخبار» للديلمي ، عن ابن عمر.
ومنهم العلاّمة الكنجي القرشي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» الباب الثاني والستين في تخصيص عليّعليهالسلام بمائة منقبة دون سائر الصحابة ، روى بسنده عن عمر بن الخطّاب ، وفي تعليقه قال : هذا حديث حسن ثابت ، رواه الجوهري في كتاب «فضائل علي عليهالسلام » عن شيخ أهل الحديث الدارقطني ، وأخرجه محدّث الشام في تاريخه في ترجمة عليّ عليهالسلام ، كما أخرجناه سواء.
ومنهم العلاّمة الصفوري الشافعي ، رواه في كتابه نزهة المجالس ٢ / ٢٤٠ ط مصر سنة ١٣٢٠ هجرية. «المترجم»
«أفضل رجال العالمين في زماني هذا عليّعليهالسلام (١) ».
__________________
(١) وفي المصدر نفسه ، في المودّة السابعة أيضا في الخبر الأوّل ، رواه عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام عن ابن عمر ، في خبر طويل عن سلمان ، قال في آخره : إنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال له :. «. وإنّي أوصيت إلى عليّعليهالسلام ، وهو أفضل من أتركه بعدي».
وروى أيضا في المودّة السابعة عن أنس ، قل : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم «إنّ أخي ، ووزيري ، وخليفتي في أهلي ، وخير من أترك بعدي ، يقضي ديني ، وينجز موعدي ، عليّ بن أبي طالب».
وروى كثير من أعلام العامة خبرا بهذا المعنى ، منهم : العلامة الكنجي القرشي الشافعي في «كفاية الطالب» الباب الثاني والستين ، ص ١١٩ ، ط الغري سنة ١٣٥٦ ه بسنده عن عطاء ، قال : سألت عائشة عن عليّ عليهالسلام ، فقالت : ذلك خير البشر ، لا يشكّ فيه إلاّ كافر.
قال : هكذا ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة عليّ عليهالسلام في تاريخه في المجلّد الخمسين.
وخرّجه الكنجي الشافعي عن طرق عديدة في نفس الصفحة ؛ منهم : الإمام عليّ عليهالسلام ، عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم «من لم يقل عليّ خير البشر فقد كفر».
وعن حذيفة ، عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم «عليّ خير البشر ، من أبى فقد كفر».
وعن جابر ، عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : عليّ خير البشر فمن أبى فقد كفر.
وخرّجه بهذا اللفظ ، الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» في ترجمة الإمام علي عليهالسلام .
وخرّجه المناوي في «كنوز الحقائق» المطبوع بهامش «الجامع الصغير» للسيوطي ، ج ٢ / ٢٠ ـ ٢١ ، من سنن أبي يعلى ، عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : عليّ خير البشر من شكّ فيه كفر.
وخرّجه المتّقي في كنز العمال ٦ / ١٥٩ عن الإمام عليّ عليهالسلام ، وعن ابن عبّاس ، وابن مسعود ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، فراجع.
والخير هنا بمعنى الأفضل.
«المترجم».
وقال ابن أبي الحديد في مقدّمة شرح نهج البلاغة : ١ / ٩ : وأمّا نحن فنذهب إلى ما ذهب إليه شيوخنا البغداديّون ، من تفضيلهعليهالسلام ـ أي : عليّ ـ وقد ذكرنا في كتبنا الكلامية ما معنى الفضل ، وهل المراد به الأكثر ثوابا ، أو الأجمع لمزايا الفضل والخلال الحميدة ، وبيّنا أنّهعليهالسلام أفضل على التفسيرين معا.
وقال في ١١ / ١١٩ : وقع بيدي بعد ذلك كتاب لشيخنا أبي جعفر الإسكافي ، ذكر فيه أنّ مذهب بشر بن المعتمر ، وأبي موسى ، وجعفر بن مبشّر ، وسائر قدماء البغداديين ، أنّ أفضل المسلمين عليّ بن أبي طالب ، ثمّ ابنه الحسن ، ثمّ ابنه الحسين ، ثمّ حمزة بن عبد المطّلب ، ثمّ جعفر بن أبي طالب إلخ.
وبعد نقله هذا القول ، وعدّه عقيدة المعتزلة ، ينظم فيه شعرا ، فيقول :
وخير خلق الله بعد المصطفى |
أعظمهم يوم الفخار شرفا |
|
السيّد المعظّم الوصي |
بعد البتول المرتضى علي |
|
وابناه ثمّ حمزة وجعفر |
ثمّ عتيق بعدهم لا ينكر |
الشيخ عبد السّلام : لو كنت تطالع أقوال العلماء في أفضلية أبي بكر (رض) ما كنت تتمسّك بغيره.
قلت : وأنتم إذا كنتم تتركون أقوال المتعصّبين وتأخذون بأقوال المنصفين من علمائكم الأعلام ، لرأيتم رأينا وتمسّكتم بقولنا في تفضيل الإمام عليّعليهالسلام .
ولكي تعرف دلائل وبراهين الطرفين أدلّك على مصدر واحد كنموذج راجع : شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٣ / ٢١٥ ـ
٢٩٥ ، فإنّه ذكر في هذا الفصل من الكتاب كلام الجاحظ ، ودلائله على أفضلية صاحبكم ، أبي بكر ، وذكر ردّ أبي جعفر الإسكافي وهو من أفاضل علماء السنّة وكبار أعلام الأمّة وشيخ المعتزلة ، وذكر دلائله وبراهينه العقلية والنقلية في تفضيل الإمام عليّعليهالسلام على غيره من الامّة.
ومن جملة كلامه ـ في صفحة ٢٧٥ ـ يقول أبو جعفر الإسكافي : إنّنا لا ننكر فضل الصحابة وسوابقهم ، ولسنا كالإمامية الّذين يحملهم الهوى على جحد الأمور المعلومة (لقد أصدر علينا حكما غيابيا ولو كنّا لأجبناه) قال : ولكنّنا ننكر تفضيل أحد من الصحابة على عليّ بن أبي طالبعليهالسلام انتهى.
فنستفيد من مجموع الأخبار والأحاديث وأقوال العلماء والمحدّثين ، أنّ علياعليهالسلام لا يقاس به أحد من المسلمين. وأنّ مقامه أسمى وشأنه أعلى من الآخرين بمراتب ، فلا يمكن أن تقدّموهم عليه بنقل بعض الأحاديث الضعيفة السند أو الدلالة.
ثمّ لا ينكر أنّ علياعليهالسلام هو أبو العترة وسيّد أهل البيتعليهمالسلام ، ولا يقاس بأهل البيت أحد من الأمّة في الشأن والمرتبة ، فكيف بسيّدهم وعلمهم؟!
لقد روى المير السيد عليّ الهمداني الشافعي ، في المودّة السابعة من كتابه «مودّة القربى» عن أحمد بن محمد الكرزي البغدادي ، أنّه قال : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : سألت أبي عن التفضيل.
فقال : أبو بكر وعمر وعثمان. ثمّ سكت.
فقلت : يا أبة أين عليّ بن أبي طالب؟!
قال : هو من أهل البيت ، لا يقاس به هؤلاء!
وإذا نريد أن نفسّر كلام الإمام أحمد فنقول : يعني : أنّ علياعليهالسلام لا يذكر في عداد الصحابة ، بل هو في مقام النبوّة والإمامة.
ونجد خبرا آخر في المودّة السابعة أيضا بهذا المعنى ، رواه عن أبي وائل ، عن ابن عمر ، قال : كنّا إذا عددنا أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قلنا : أبو بكر وعمر وعثمان.
فقال رجل : يا أبا عبد الرحمن! فعليّ ما هو؟!
قال : عليّ من أهل البيت لا يقاس به أحد ، هو مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في درجته ، إنّ الله تعالى يقول :( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) (١) .
ففاطمة مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في درجته وعليّ معهما(٢) .
__________________
(١) سورة الطور ، الآية ٢١.
(٢) لقد وردت أخبار كثيرة في أنّ أهل البيتعليهمالسلام لا يقاس بهم أحد ، منها ما في «ذخائر العقبى» لمحبّ الدين الطبري ، ص ١٧ ، فإنّه قال تحت عنوان (إنّهم لا يقاس بهم أحد) قال : وعن أنص ، قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) «نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد».
وأخرج هذا الحديث أيضا عبيد الله الحنفي في كتاب «أرجح المطالب» ص ٣٣٠ ، غير إنّه قال : أخرجه ابن مردويه في «المناقب».
وفي نفس الصفحة قال : قال عليّعليهالسلام على المنبر :
«نحن أهل بيت رسول الله لا يقاس بنا أحد».
أخرجه الديلمي أيضا في «فردوس الأخبار» وأخرجه عن الديلمي علي المتّقي الحنفي في كنز العمّال ٦ / ٢١٨.
وفي نهج البلاغة في آخر الخطبة التي تقع قبل الخطبة الشقشقية ، قال الإمام
وكان هذا الأمر واضحا وضوح الشمس في الضحى ، وكان من المسلّمات ، ولذا نرى في المودّة السابعة أيضا خبرا بهذا المعنى ، رواه عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم يحضر المهاجرون والأنصار ـ كذا ـ «يا عليّ! لو أنّ أحدا عبد الله حق عبادته ، ثمّ شكّ فيك وأهل بيتك ، أنّكم أفضل الناس ، كان في النار!!» انتهى.
لمّا سمع أهل المجلس هذا الخبر استغفر أكثرهم الله ، وبالخصوص الحافظ محمد رشيد. استغفروا الله ، لأنّهم كانوا يظنّون أفضليّة الآخرين!
هذه نماذج من الأخبار الكثيرة في تفضيل الإمام عليعليهالسلام على الصحابة والمسلمين عامة ، وأضف عليها الحديث النبوي الشريف الذي رواه علماء الفريقين في يوم الخندق ومعركة الأحزاب ، حينما قتل الإمام عليّعليهالسلام بطل الأحزاب وقائدهم وحامل لوائهم عمرو بن عبد ود العامري وانهزم المشركون وانتصر المسلمون ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين».
فاذا كان عمل واحد من مولانا الإمام عليّعليهالسلام هو أفضل من عبادة الجنّ والإنس ، فكيف بأعماله كلّها ، من الجهاد في سبيل الله ، وتحمّل الأذى في جنب الله ، وصلاته ، وصومه ، وإنفاقه الصدقات ،
__________________
عليّعليهالسلام «لا يقاس بآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم من هذه الأمّة أحد ، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا ، هم أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفيء القالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حقّ الولاية ، وفيهم الوصيّة والوراثة ...».
«المترجم»
ورعايته الأرامل والأيتام في طول حياته المباركة؟!
فلا أرى أحدا مع ما ذكرناه ، ينكر تفضيل الإمام عليّعليهالسلام على غيره ، إلاّ المعاند.
عليّعليهالسلام أفضل بدليل المباهلة
قال تعالى :( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) (١) .
اتّفق المفسّرون ، وأجمع المحدّثون ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم امتثل أمر الله عزّ وجلّ في الآية الكريمة فأخذ معه الحسن والحسينعليهمالسلام تطبيقا لأبنائنا ، وأخذ فاطمة الزّهراءعليهاالسلام تطبيقا لكلمة نسائنا ، وأخذ الإمام عليّاعليهالسلام ، تطبيقا لكلمة أنفسنا.
ومن الواضح الذي لا يشكّ فيه إلاّ كافر ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سيّد الأوّلين والآخرين ، وخير الخلق ، وأفضل الخلائق ، وبحكم كلمة( أَنْفُسَنا ) حيث جعل الله تعالى عليّاعليهالسلام في درجة نفس النبيّ ، فصار هو كالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في الفضل ، وأصبح خير الخلق ، وأفضل الخلائق(٢) .
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ٦١.
(٢) لقد وردت أحاديث كثيرة عن طرق الشيعة والسنّة في أنّ علياعليهالسلام كنفس النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونكتفي هنا بنماذج ممّا رواه علماء العامة
نقل الحافظ سليمان الحنفي في كتابه «ينابيع المودة» في الباب السابع ، قال : أخرج أحمد بن حنبل في المسند وفي المناقب ، أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال «لتنتهينّ يا بني وليعة
__________________
أو لأبعثنّ إليكم رجلا كنفسي ، يمضي فيكم بأمري ، يقتل المقاتلة ، ويسبي الذرّيّة. فالتفت إلى عليعليهالسلام فأخذ بيده وقال : هو هذا. مرّتين».
قال الحافظ سليمان : أيضا أخرجه موفّق بن أحمد الخوارزمي المكّي بلفظه.
أقول : وأخرجه العلاّمة الكنجي الشافعي في «كفاية الطالب» الباب الحادي والسبعين ، وقال : نقله عن «خصائص عليّ عليهالسلام » لإمام أهل الجرح والتعديل الحافظ : النسائي ، وهو بسنده عن أبي ذرّ إلى آخره.
ونقل الحافظ سليمان أيضا في نفس الباب والمصدر ، قال : أخرج أحمد في «المسند» عن عبد الله بن حنطب ، قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لوفد ثقيف حين جاءوه : «لتسلمنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلا كنفسي ليضربنّ أعناقكم ، وليسبينّ ذراريكم ، وليأخذنّ أموالكم ؛ فالتفت إلى عليّ وأخذ بيده فقال : هو هذا مرتين».
وذكر الحافظ سليمان في آخر الباب خبرا ننقله بعينه إتماما للفائدة ، قال :
وفي «المناقب» عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال : لقد سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول في عليّ خصالا لو كانت واحدة منها في رجل اكتفى بها فضلا وشرفا :
قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم [«من كنت مولاه فعليّ مولاه.
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : عليّ منّي كهارون من موسى.
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : عليّ منّي وأنا منه.
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : علي منّي كنفسي ، طاعته طاعتي ، ومعصيته معصيتي.
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : حرب عليّ حرب الله ، وسلم عليّ سلم الله.
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : وليّ عليّ وليّ الله ، وعدوّ عليّ عدوّ الله.
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : عليّ حجة الله على عباده.
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : حبّ عليّ إيمان ، وبغضه كفر.
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : حزب عليّ حزب الله ، وحزب أعدائه حزب الشيطان.
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : عليّ مع الحقّ ، والحقّ معه ، لا يفترقان.
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : علي قسيم الجنّة والنار.
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : من فارق عليّا فقد فارقني ، ومن فارقني فقد فارق الله.
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : شيعة عليّ هم الفائزون يوم القيامة».]
انتهى كلامه ، رفع في الخلد مقامه.
«المترجم»
فأذعنوا واعتقدوا أنّ مصداق( وَالَّذِينَ مَعَهُ ) هو سيّدنا ومولانا عليّعليهالسلام الذي كان من أوّل عمره ، ومن أوّل البعثة مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يدعه في الملمّات ، وما تركه في الهجمات والطامّات ، بل كان ناصره وحاميه ، يقيه بنفسه ، ويدافع عنه بسيفه ، ويفديه بروحه.
حتّى إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فارقت روحه الدنيا ورأسه في حجر الإمام عليّعليهالسلام كما قال في خطبة له في «نهج البلاغة» :
ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنّي لم أردّ على الله ولا على رسوله ساعة قطّ ، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال ، وتتأخّر الأقدام ، نجدة أكرمني الله بها.
ولقد قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنّ رأسه لعلى صدري ، ولقد سالت نفسه في كفّي فأمررتها على وجهي ، ولقد ولّيت غسله والملائكة أعواني حتّى واريناه في ضريحه ، فمن ذا أحقّ به منّي حيّا وميّتا؟!
ولمّا وصلنا إلى نهاية خطبة الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام صار وقت صلاة العشاء فقطعنا كلامنا وبعد ما أدّوا الصلاة شربوا الشاي وتناولوا الفواكه والحلوى ، ولمّا انتهوا بدأت أنا بالكلام فقلت : لقائل أن يقول : إذا كان عليعليهالسلام مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في كلّ مواقفه ، فلما ذا لم يرافقه في الهجرة من مكّة إلى المدينة؟!
أقول : لأنّ علياعليهالسلام قام في مكّة بأعمال مهمّة بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان قد ألقاها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على عاتقه وأمره أن ينفّذها ، لأنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يعتمد على أحد يقوم مقامه ويقضي مهامّه غير الإمام عليّعليهالسلام ، لأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ كما نعلم ـ كان أمين أهل مكّة ، حتّى إنّ الكفار والمشركين كانوا يستودعون عنده أموالهم ولا يعتمدون على غيره في استيداع
أماناتهم وحفظها ، فكانصلىاللهعليهوآلهوسلم يعرف بالصادق الأمين.
فخلّف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخاه وابن عمّه عليّاعليهالسلام في مكّة ليردّ الودائع والأمانات إلى أهلها ، وبعد ذلك حمل معه بنت رسول الله وحبيبته فاطمة الزهراء التي كان يعزّ فراقها على أبيها ، وأخذ معه أمّه فاطمة بنت أسد وابنة عمّه فاطمة بنت الزبير بن عبد المطّلب وغيرهن فأوصلهنّ بسلام إلى المدينة المنوّرة عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فضيلة المبيت على فراش النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم
وإضافة إلى ما ذكرنا ، فإنّ عليّاعليهالسلام إذا لم يدرك فضيلة مرافقة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في الهجرة ، فإنّهعليهالسلام أدرك مقاما أسمى بالاستقلال لا بالتبع ، وهو مبيته على فراش النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ليلتبس الأمر على الأعداء ، فيخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من بينهم بسلام.
فإذا كانت آية الغار تعدّ فضيلة لأبي بكر بأنّ حسبته ثاني اثنين ، فقد جعلته تابعا لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، غير مستقلّ في كسب الفضيلة ، وإنّما حصّلها تبعا للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
بينما الإمام عليعليهالسلام حينما بات على فراش رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نزلت في شأنه آية كريمة سجّلت له فضيلة مستقلّة تعدّ من أعظم مناقبه ، وهي قوله تعالى :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ) (١) .
وقد ذكر جمع كثير من كبار علمائكم الأعلام والمحدّثين الكرام ،
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية ٢٠٧.
خبرا هامّا بهذه المناسبة ، وإن كانت ألفاظهم مختلفة ولكنّها متقاربة والمعنى واحد ، ونحن ننقله من كتاب «ينابيع المودة» للحافظ سليمان الحنفي ، الباب الحادي والعشرين ، وهو ينقله عن الثعلبي وغيره.
قال الحافظ سليمان : عن الثعلبي في تفسيره ، وابن عقبة في ملحمته ، وأبو السعادات في فضائل العترة الطاهرة ، والغزّالي في إحياء العلوم ، بأسانيدهم ، عن ابن عبّاس وعن أبي رافع وعن هند بن أبي هالة ربيب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ أمّه خديجة أمّ المؤمنين رضي الله عنها ـ أنّهم قالوا :
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «أوحى الله إلى جبرائيل وميكائيل : إنّي آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر صاحبه ، فأيّكما يؤثر أخاه عمره ، فكلاهما كرها الموت ، فأوحى الله إليهما : إنّي آخيت بين عليّ وليّي وبين محمّد نبيّي ، فآثر عليّ حياته للنبيّ ، فرقد على فراش النبيّ يقيه بمهجته. اهبطا إلى الأرض واحفظاه من عدوّه.
فهبطا ، فجلس جبرائيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه ، وجعل جبرائيل يقول : بخ بخ ، من مثلك يا ابن أبي طالب ، والله عزّ وجلّ يباهي بك الملائكة!»
فأنزل الله تعالى :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي ) .
أقول : الّذين نقلوا هذا الخبر بألفاظ متقاربة وبمعنى واحد ، جمع كبير من أعلام العامة ، منهم : ابن سبع المغربي في كتابه «شفاء الصدور» والطبراني في الجامع الأوسط والكبير ، وابن الأثير في أسد الغابة ٤ / ٢٥ ، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة : ٣٣ ، والفاضل النيسابوري ، والإمام الفخر الرازي ، وجلال الدين السيوطي ، في
تفاسيرهم للآية الكريمة ، والحافظ أبو نعيم في كتابه «ما نزل من القرآن في عليّ» والخطيب الخوارزمي في «المناقب». وشيخ الإسلام الحمويني في (الفرائد) والعلاّمة الكنجي القرشي الشافعي في «كفاية الطالب» الباب الثاني والستّين ، والإمام أحمد في «المسند» ومحمد بن جرير بطرق متعدّدة ، وابن هشام في «السيرة النبوية» والحافظ محدّث الشام في «الأربعين الطوال» والإمام الغزالي في إحياء العلوم ٣ / ٢٢٣ ، وأبو السعادات في «فضائل العترة الطاهرة» وسبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص : ٢١ ، وغير هؤلاء الأعلام.
ونقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٦٢ ـ ط دار إحياء التراث العربي ـ قول الشيخ أبي جعفر الإسكافي ، قال : وقد روى المفسّرون كلّهم أن قول الله تعالى :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ) أنزلت في عليّعليهالسلام ليلة المبيت على الفراش.
فأرجو من الحاضرين ، وخاصّة العلماء الأفاضل ، أن يفكّروا في الآيتين بعيدا عن الانحياز إلى إحدى الجهتين ، فتدبّروا واستدلّوا ، وأنصفوا ، أيّهما أفضل وأكمل ، صحبة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ومرافقته أيّاما قليلة في سفر الهجرة ، أم مبيت الإمام عليعليهالسلام على فراش النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم واقتحامه خطر الموت ، وتحمّله أذى المشركين ، ورميه بالحجارة طيلة الليل ، وهو يتضوّر ولا يكشف عن وجهه ، ليسلم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من كيد الأعداء وهجومهم ، ومباهاة الله سبحانه ملائكته بمفاداة عليّعليهالسلام وإيثاره ، ثمّ نزول آية مستقلّة في شأنه ، أنصفوا أيّهما أفضل؟؟
ولا يخفى أنّ بعض علمائكم الأعلام أنصفوا فأعلنوا تفضيل الإمام عليّعليهالسلام على غيره ، وفضّلوا مبيته على فراش رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
على صحبة أبي بكر ومرافقته إيّاه في الهجرة ، منهم : الإمام أبو جعفر الإسكافي ـ وهو من أبرز وأكبر علماء ومشايخ أهل السنّة المعتزلة ـ في ردّه على أبي عثمان الجاحظ وكتابه المعروف بالعثمانية.
لقد تصدّى الإسكافي لنقضه بالبراهين العقلية والأدلّة النقلية ، وأثبت تفضيل الإمام عليّعليهالسلام على أبي بكر ، وفضّل المبيت على الصحبة ، ونقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢١٥ ـ ٢٩٥ ، فراجعه ، فإنّه مفيد جدّا.
وممّا يذكره الشيخ أبو جعفر في مقاله ، قال :
قال علماء المسلمين : «إنّ فضيلة عليّعليهالسلام تلك الليلة لا نعلم أحدا من البشر نال مثلها» شرح ابن أبي الحديد ١٣ : ٢٦٠.
وبعد كلام طويل ـ وكلّه مفيد ـ قال في صفحة ٢٦٦ و ٢٦٧ : قد بيّنا فضيلة المبيت على الفراش على فضيلة الصحبة في الغار بما هو واضح لمن أنصف ، ونزيد هاهنا تأكيدا بما لم نذكره فيما تقدّم فنقول : إنّ فضيلة المبيت على الفراش على الصحبة في الغار لوجهين :
أحدهما : إنّ علياعليهالسلام قد كان أنس بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وحصل له بمصاحبته قديما أنس عظيم ، وإلف شديد ، فلمّا فارقه عدم ذلك الأنس ، وحصل به أبو بكر ، فكان ما يجده عليّعليهالسلام من الوحشة وألم الفرقة موجبا زيادة ثوابه ، لأنّ الثواب على قدر المشقّة.
وثانيهما : إنّ أبا بكر كان يؤثر الخروج من مكّة ، وقد كان خرج من قبل فردا فازداد كراهيّته للمقام ، فلمّا خرج مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وافق ذلك هوى قلبه ومحبوب نفسه ، فلم يكن له من الفضيلة ما يوازي فضيلة من احتمل المشقّة العظيمة وعرّض نفسه لوقع السيوف ورأسه
لرضخ الحجارة ، لأنّه على قدر سهولة العبادة يكون نقصان الثواب.
وعالم آخر من علمائكم وهو ابن سبع المغربي ، صاحب كتاب «شفاء الصدور» يقول فيه وهو يبيّن شجاعة سيّدنا الإمام عليعليهالسلام : إنّ علماء العرب أجمعوا على أنّ نوم عليّعليهالسلام على فراش رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أفضل من خروجه معه ، وذلك أنّه وطّن نفسه على مفاداته لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وآثر حياته ، وأظهر شجاعته بين أقرانه. انتهى.
فالموضوع واضح جدّا بحيث لا ينكره إلاّ من فقد عقله بالتعصّب الذي يعمي ويصمّ عن فهم الحقّ وإدراك الحقيقة!
أكتفي بهذا المقدار في إطار البحث حول جملة( وَالَّذِينَ مَعَهُ ) وأمّا جملة( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) فقد قال الشيخ عبد السّلام : إنّ المراد منها والمقصود بها هو الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب.
فأقول : نحن لا نقبل الكلام بمجرّد الادّعاء ، من غير دليل. والأولى أن نطبّق العبارة على الشخص المشار إليه ، فندرس سيرته وحالاته ونعرف صفاته وأخلاقه ، فإذا تطابقت مع الآية الكريمة ، فحينئذ نسلّم ، وإذا لم تتطابق ، فنردّ ادّعاءكم وكلامكم ، ونثبت قولنا ورأينا بالدليل والبرهان.
فلنضع الجملة على طاولة التحليل والتحقيق فنقول : الشّدة تظهر في مجالين :
١ ـ مجال المناظرات العلمية والبحوث الدينيّة مع الخصوم.
٢ ـ مجال الجهاد الحربي والمناورات القتالية مع الأعداء.
أمّا في المجال العلمي فلم يذكر التاريخ لعمر بن الخطّاب مناظرة علمية ومحاورة دينية تغلّب فيها على الخصوم ومناوئي الإسلام.
وإذا كنتم تعرفون له تاريخا وموقفا مشرّفا في هذا المجال فبيّنوه حتى نعرف!
ولكنّ علياعليهالسلام يعترف له جميع العلماء وكلّ المؤرخين بأنّه كان حلال المشكلات الدينية والمعضلات العلمية.
وهو الوحيد في عصره الذي كان قادرا على ردّ شبهات اليهود والنصارى مع كلّ التحريفات التي جرت على أيدي الامويّين والبكريّين الخونة على تاريخ الإسلام ـ كما يصرّح بها علماؤكم في كتب الجرح والتعديل ـ مع ذلك ما تمكّنوا من إخفاء هذه الحقائق الناصعة ، والمناقب السّاطعة ، والأنوار العلمية اللامعة ، التي أضاءت تاريخ الإسلام مدى الزمان
وخاصة في عصر الخلفاء الّذين سبقوا الإمام عليّاعليهالسلام ، فقد كان علماء اليهود والنصارى وسائر الأديان ، يأتون إلى المدينة ويسألونهم مسائل مشكلة ويوردون شبهات مضلّة ، ولم يكن لهم بدّ من أن يرجعوا إلى مولانا وسيّدنا عليّعليهالسلام لأنّه باب علم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيردّ شبهاتهم ويجيب عن مسائلهم ، وقد أسلم كثير من أولئك العلماء كما نجده مسطورا في التاريخ.
والجدير بالذكر ، أنّ الخلفاء الثلاثة الّذين سبقوا الامام عليّاعليهالسلام كلّهم اعترفوا وأقرّوا له بتفوّقه العلمي وعجزهم وجهلهم أمام علماء الأديان.
وقد ذكر بعض المحقّقين من أعلامكم عن أبي بكر أنّه قال :
أقيلوني أقيلوني! فلست بخيركم وعليّ فيكم!
وأمّا عمر بن الخطّاب فقد قال أكثر من سبعين مرّة : لو لا عليّ
لهلك عمر. وقال : لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن.
وذلك لمّا كان يرى من عليّعليهالسلام حلّ المعضلات والحكم في القضايا المشتبهات التي كان يحار في حلّها وحكمها ، عمر وحاشيته وكلّ الصحابة ، وقد ذكر التاريخ كثيرا منها في كتبكم ولكن لا مجال لذكرها ، ولا منكر لها!! فالأفضل أن يدور بحثنا حول الأهمّ فالأهمّ.
النّواب : لا أرى موضوعا أهمّ من هذا ، فلو سمحتم أرجو أن تذكروا لنا بعض الكتب المعتبرة عندنا التي نقلت وذكرت ما نقلتم من قول الخليفة عمر الفاروق ، حتى نعرف الحقّ والواقع.
قلت : نعم ، إنّ أكثر علمائكم نقلوا هذه العبارات أو ما بمعناها وإن اختلف اللفظ ، وسأذكر لكم بعضهم حسب ما يحضر في ذهني وذاكرتي.
مصادر قول عمر
١ ـ ابن حجر العسقلاني ، في تهذيب التهذيب / ٣٣٧ ط حيدرآباد ـ الدّكن.
٢ ـ ابن حجر العسقلاني ـ أيضا ـ في الإصابة ٢ / ٥٠٩ ط مصر.
٣ ـ ابن قتيبة ـ المتوفى سنة ٢٧٦ هجرية ـ في تأويل مختلف الحديث : ٢٠١ و ٢٠٢.
٤ ـ ابن حجر المكي الهيتمي ، في الصواعق : ٧٨.
٥ ـ أحمد أفندي ، في هداية المرتاب : ١٤٦ و ١٥٢.
٦ ـ ابن الأثير الجزري ، في اسد الغابة : ٤ / ٢٢.
٧ ـ جلال الدين السيوطي ، في تاريخ الخلفاء : ٦٦.
٨ ـ ابن عبد البرّ القرطبي ، في الاستيعاب : ٢ / ٤٧٤.
٩ ـ عبد المؤمن الشبلنجي ، في نور الأبصار : ٧٣.
١٠ ـ شهاب الدين العجيلي ، في «ذخيرة المآل».
١١ ـ الشيخ محمد الصبّان ، في إسعاف الراغبين : ١٥٢.
١٢ ـ ابن الصبّاغ المالكي ، في الفصول المهمّة : ١٨.
١٣ ـ نور الدين السمهودي ، في جواهر العقدين.
١٤ ـ ابن أبي الحديد في شرح النهج : ١ / ١٨ ط دار إحياء التراث العربي(١) .
١٥ ـ العلاّمة القوشچي ، في شرح التجريد : ٤٠٧.
١٦ ـ الخطيب الخوارزمي المكّي ، في المناقب : ٤٨ و ٦٠.
١٧ ـ محمد بن طلحة القرشي الشافعي ، في مطالب السئول : ٨٢ الفصل السادس ط دار الكتب.
١٨ ـ الإمام أحمد بن حنبل ، في المسند والفضائل.
١٩ ـ سبط ابن الجوزي ، في التذكرة : ٨٥ و ٨٧.
٢٠ ـ الامام الثعلبي ، في تفسيره «كشف البيان».
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد : وأمّا عمر فقد عرف كلّ أحد رجوعه إليه (عليعليهالسلام ).
في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة ، وقوله غير مرّة : لو لا عليّ لهلك عمر. وقوله : لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن. وقوله : لا يفتينّ أحد في المسجد وعليّ حاضر إلى آخره.
«المترجم»
٢١ ـ ابن القيّم ، في الطرق الحكمية ـ ضمن نقله بعض قضاياهعليهالسلام ـ : ٤١ ـ ٥٣.
٢٢ ـ محمد بن يوسف القرشي الكنجي ، في «كفاية الطالب» الباب السابع والخمسين.
٢٣ ـ ابن ماجة القزويني ، في سننه.
٢٤ ـ ابن المغازلي ، في كتابه «مناقب علي بن أبي طالب».
٢٥ ـ شيخ الاسلام الحمويني ، في فرائد السمطين.
٢٦ ـ الحكيم الترمذي ، في شرح «الفتح المبين».
٢٧ ـ الديلمي ، في «فردوس الأخبار».
٢٨ ـ الحافظ سليمان القندوزي الحنفي ، في «ينابيع المودّة» الباب الرابع عشر.
٢٩ ـ الحافظ أبو نعيم ، في «حلية الأولياء» وفي كتابه الآخر المسمّى «ما نزل من القرآن في عليّ».
٣٠ ـ والفضل بن روزبهان ، في كتابه المسمّى ب : «إبطال الباطل»(١) .
__________________
(١) ومنهم : محب الدين الطبري ، في ذخائر العقبى : ٨٢ ، فإنّه قال بعد نقله مراجعة عمر إلى عليّعليهالسلام في قضاياه المشكلة وذكر حكم المرأة التي ولدت لستّة أشهر
قال عمر : اللهمّ لا تنزلن بي شديدة إلاّ وأبو الحسن إلى جنبي!
وذكر أيضا عن يحيى بن عقيل ، قال : كان عمر يقول لعليّ عليهالسلام إذا سأله ففرّج عنه : لا أبقاني الله بعدك يا عليّ!
قال : وعن أبي سعيد الخدري ، أنّه سمع عمر يقول لعليّ ـ وقد سأله عن شيء فأجابه : أعوذ بالله أن أعيش في يوم لست فيه يا أبا الحسن!
ومنهم : أبو المظفّر يوسف بن قزأغلي الحنفي ، في كتابه «تذكرة خواصّ الأئمّة : ٨٧
هؤلاء وكثير غيرهم وكلّهم من أجلّة علمائكم وأعلامكم رووا أنّ عمر كان يقول : أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن!
ويقول : كاد يهلك ابن الخطّاب ، لو لا عليّ بن أبي طالب!
ويقول : لو لا عليّ لهلك عمر!
ويقول : لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن!
وغيرها من العبارات المتقاربة من العبارات المذكورة.
النّواب : نرجو من سماحتكم أن تحدّثونا عن بعض القضايا المعضلة التي حكم فيها سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه ، وكذلك عن المسائل المشكلة التي حلّها وأجاب عنها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.
قلت : من جملة القضايا قضية رواها جمع من علمائكم
روى ابن الجوزي في كتابه الأذكياء : ١٨ ، وفي كتابه الآخر أخبار الظرّاف : ١٩.
وروى محبّ الدين الطبري ، في كتابه الرياض النضرة : ٢ / ١٩٧ ، وفي كتابه الآخر ذخائر العقبى : ٨٠.
__________________
ط إيران. فقد ذكر قضيّة المرأة التي ولدت لستّة أشهر ، فأمر عمر برجمها ، فمنعهم من ذلك عليّ بن أبي طالب بعد ما بيّن سببه ، فقال عمر : اللهمّ لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب!
ومنهم : المتّقي الحنفي ، في كنز العمال ٣ / ٥٣ ، فإنّه بعد ذكر القضيّة قال : قال عمر : اللهمّ لا تنزل بي شدّة إلاّ وأبو الحسن إلى جنبي.
«المترجم»
وروى الخطيب الخوارزمي ، في المناقب : ٦٠.
وروى سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ : ٨٧ ، قالوا : عن حنش بن المعتمر ، قال :
إنّ رجلين أتيا امرأة من قريش فاستودعاها مائة دينار وقالا : لا تدفعيها إلى أحد منّا دون صاحبه حتى نجتمع.
فلبثا حولا ، ثمّ جاء أحدهما إليها وقال : إنّ صاحبي قد مات فادفعي إليّ الدنانير ، فأبت ، فثقّل عليها بأهلها ، فلم يزالوا بها حتّى دفعتها إليه.
ثمّ لبثت حولا آخر فجاء الآخر فقال : ادفعي إليّ الدنانير!
فقالت : إنّ صاحبك جاءني وزعم أنّك قد متّ فدفعتها إليه.
فاختصما إلى عمر ، فأراد أن يقضي عليها وقال لها : ما أراك إلا ضامنة.
فقالت : أنشدك الله أن تقضي بيننا ، وارفعنا إلى عليّ بن أبي طالب.
فرفعها إلى عليّعليهالسلام وعرف أنّهما قد مكرا بها.
فقال : أليس قلتما ، لا تدفعيها إلى واحد منّا دون صاحبه؟
قال : بلى.
قال : فإنّ مالك عندنا ، اذهب فجىء بصاحبك حتّى ندفعها إليكما.
فبلغ ذلك عمر فقال : لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب!
ومن جملة المسائل والقضايا المشكلة التي تحيّر فيها عمر ، وحلّها الإمام عليعليهالسلام ، مسائل كانت بين عمر وحذيفة بن اليمان ، رواها
العلاّمة محمد بن يوسف القرشي الكنجي في كتابه «كفاية الطالب» الباب السابع والخمسين ، بإسناده عن حذيفة بن اليمان ، أنّه لقي عمر ابن الخطّاب ، فقال له عمر : كيف أصبحت يا بن اليمان؟
فقال : كيف تريدني اصبح؟! أصبحت والله أكره الحقّ ، وأحبّ الفتنة ، وأشهد بما لم أره ، وأحفظ غير المخلوق ، وأصلّي على غير وضوء ، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء!!
فغضب عمر لقوله ، وانصرف من فوره وقد أعجله أمر ، وعزم على أذى حذيفة لقوله ذلك.
فبينا هو في الطريق إذ مرّ بعليّ بن أبي طالب ، فرأى الغضب في وجهه ، فقال : ما أغضبك يا عمر؟!
فقال : لقيت حذيفة بن اليمان فسألته كيف أصبحت؟
فقال : أصبحت أكره الحقّ!
فقالعليهالسلام : صدق ، فإنّه يكره الموت وهو حقّ.
فقال : يقول : واحبّ الفتنة!
قالعليهالسلام : صدق ، فإنّه يحبّ المال والولد ، وقد قال تعالى :( ... أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) (١) .
فقال : يا عليّ! يقول : وأشهد بما لم أره!
فقال : صدق ، يشهد لله بالوحدانية ، ويشهد بالموت ، والبعث ، والقيامة ، والجنّة ، والنار ، والصراط ، وهو لم ير ذلك كلّه.
فقال : يا عليّ! وقد قال : إنّني أحفظ غير المخلوق!
__________________
(١) سورة الأنفال ، الآية ٢٨.
قالعليهالسلام : صدق ، إنّه يحفظ كتاب الله تعالى ـ القرآن ـ وهو غير مخلوق.
قال : ويقول : اصلّي على غير وضوء!
فقال : صدق ، يصلّي على ابن عمّي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على غير وضوء.
فقال : يا أبا الحسن! قد قال أكبر من ذلك!
فقالعليهالسلام : وما هو؟!
قال : قال : إنّ لي في الأرض ما ليس لله في السماء!
قال : صدق ، له زوجة ، وتعالى الله عن الزوجة والولد.
فقال عمر : كاد يهلك ابن الخطّاب لو لا عليّ بن أبي طالب!
قال العلاّمة الكنجي بعد نقله للخبر بطوله :
قلت : هذا ثابت عند أهل النقل ، ذكره غير واحد من أهل السير.
فهذا عمر في المجال العلمي عاجز جاهل ، وساكت خامل ، ولكن نرى الإمام عليّاعليهالسلام يصول ويقول ، فيردّ شبهات الفضول ، ويقنع ذوي العقول.
وأمّا في المجال الثاني ، وهو الحرب والضرب ، والجهاد والجلاد ، في سبيل الله والمستضعفين من العباد ، فإنا لا نرى أيضا لعمر بن الخطّاب موقفا مشرّفا ، ولا نعرف له صولة أو جولة ، وشجاعة أو بطولة.
بل يحدّثنا التاريخ أنّه لم يثبت أمام الكفّار والمشركين ، وكان سبب انهزام وانكسار المسلمين!
الحافظ : لا نسمح لك أن تتفوّه بهذا الكلام ، ولا نسمح أن تحطّ من شأن عمر (رض) الذي هو أحد مفاخر الإسلام ، ولا ينكر أحد من
الأعلام والمؤرّخين العظام ، أنّ الفتوحات التي حصلت في الإسلام ، أكثرها وأهمّها كانت في عهد سيّدنا عمر وبأمره وسياسته وحسن قيادته ، وأنت تقول إنّه كان فرّارا من الحروب ، وإنّه سبّب هزيمة المسلمين وانكسارهم!
أتظن أنّنا نسمع هذه الإساءة والإهانة بخليفة سيّد الأنام وأحد زعماء الإسلام ، ونسكت؟!
نحن لا نتحمّل هذا الكلام ، فإما أن تأتي بالدليل والبرهان ، أو تستغفر الله سبحانه وتعالى من الإساءة والإهانة في الحديث والبيان.
قلت : وهل تكلّمت بكلام في طول حوارنا وبحثنا في الليالي الماضية من غير دليل وبرهان؟!
أو هل رويت حديثا من غير أن أذكر له مصدرا وسندا من كتبكم المعتبرة ومصادركم الموثّقة؟!
أما عرفتم أنّي لا أتكلّم عن جهل وتعصّب ، ولا أنحاز إلاّ إلى الحقّ ، وأنّ مدحي وقدحي لا يكون إلاّ بسبب مقبول عند ذوي العقول؟!
وأظنّ إنّما صدرت منكم هذه الزبرة والزفرة والنفرة! حين سمعتم الكلام من رجل شيعي ، فحسبتموه إساءة وإهانة ، وذلك لأنّكم تسيئون الظنّ بنا ، والله عز وجلّ يقول :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) (١) .
فإنّكم تظنّون أنّ الشيعة يحرّفون التاريخ ، ويضعون الأحاديث ليذمّوا رجالا ويمدحوا آخرين ؛ بينما نحن لا نزيد على الواقع شيئا ، ولا نتكلّم إلاّ نقلا من كتب علمائكم ومحدّثيكم.
__________________
(١) سورة الحجرات ، الآية ١٢.
فلا داعي لتغيّر الحال والغضب ، وشدّة المقال والعتب ، أو أن تنسب إليّ الإساءة باللسان ، والإهانة في البيان! بل من حقّك أن تطالبني بالدليل والبرهان.
وإن أردت منّي ذلك فأقول :
ذكر كثير من علمائكم ومؤرّخيكم ، أنّ القتال الذي لم يحضره الإمام عليّعليهالسلام لم ينتصر فيه المسلمون ، والذي حضره سجّل فيه النصر والانتصار للدين ، وأهمّها غزوة خيبر ، فإنّ عليّاعليهالسلام غاب عن المعسكر لرمد أصابه في عينه فأعطى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الراية لأبي بكر ، فرجع منكسرا ، فأعطاها لعمر بن الخطّاب ، فرجع وهو يجبّن المسلمين وهم يجبّنونه!
الحافظ : ـ وهو غضبان ـ : هذا الكلام من أباطيلكم ، وإلاّ فالمشهور بين المسلمين أنّ الشيخين كانا شجاعين ، وكلّ منهما كان يحمل في صدره قلبا قويّا ليس فيه موضع للخوف والجبن.
قلت : ذكرت لكم مرارا ، أنّ شيعة أهل البيتعليهمالسلام لا يكذبون ولا يفترون ، لأنّهم يتّبعون الأئمّة الصادقينعليهمالسلام ، وهم يحسبون الكذب من الذنوب الكبائر ، والافتراء أكبر منه خسائر.
ونحن كما قلت مرارا ، لسنا بحاجة لإثبات عقائدنا وأحقّيّة مذهبنا ، أن نضع الأحاديث ونتمسّك بالأباطيل.
فإنّ غزوة خيبر من أهمّ الغزوات التي سجّلها التاريخ من يومها إلى هذا اليوم ، وجميع مورّخيكم ذكروها باختصار أو بتفصيل ، منهم : الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء ١ / ٦٢ ، ومحمد بن طلحة في مطالب السئول : ٤٠ وابن هشام في السيرة النبوية ، ومحمد بن يوسف الكنجي في الباب الرابع عشر من «كفاية الطالب» وغير هؤلاء
من الأعلام ، ولا يقتضي المجلس أن أذكرهم جميعا ، ولكن أهمّهم الشيخين ، البخاري في صحيحه ٢ / ١٠٠ ط مصر سنة ١٣٢٠ هج ، ومسلم في صحيحه ٢ / ٣٢٤ ط مصر سنة ١٣٢٠ هجرية.
فإنّهما كتبا بالصراحة هذه العبارة : «فرجع أيضا منهزما» أي : عمر.
ومن الدلائل الواضحة على هذه القضية الفاضحة ، أشعار ابن أبي الحديد ، فإنّه قال ضمن علويّاته السبع المشهورة :
[«أم تخبر الأخبار في فتح خيبر |
ففيها لذي اللب الملبّ أعاجيب |
|
وما أنس لا أنس اللذين تقدّما |
وفرّهما والفرّ قد علما حوب |
|
وللراية العظمى وقد ذهبا بها |
ملابس ذلّ فوقها وجلابيب |
|
يشلهما من آل موسى شمردل |
طويل نجاد السيف أجيد يعبوب |
|
يمجّ منونا سيفه وسنانه |
ويلهب نارا غمده والأنابيب |
|
احضر هما أم حضّرا خرج خاضب |
وذانهما أم ناعم الخدّ مخضوب |
|
عذرتكما ، إنّ الحمام لمبغض |
وإنّ بقاء النفس للنفس محبوب |
|
ليكره طعم الموت والموت طالب |
فكيف يلذّ الموت والموت مطلوب؟!»] |
فنحن لا نريد إهانة أحد من الصحابة ، وإنّما ننقل لكم ما حكاه التاريخ ورواه المؤرّخون عنهم ، وبعد هذا عرفنا أنّ عمر ما كان صاحب صولة وجولة ، وشدّة وحدّة ، في الحروب والغزوات التي كانت بين المسلمين وبين أعدائهم ، فكيف نؤوّل الجملة من الآية الكريمة( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) بعمر ونطبّقها عليه؟!
ولكن إذا راجعنا تاريخ الاسلام ودرسنا سيرة الإمام عليّعليهالسلام وطالعنا تاريخه المبارك ، نجده أشدّ المسلمين على الكفّار في المجال العلمي والمجال الحربي ، والله تعالى يشير إليه بقوله :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) (١) .
الحافظ : إنّك تريد أن تحصر الآية الكريمة التي تصف عامّة المؤمنين ، في شأن عليّ كرم الله وجهه؟!
قلت : لقد أثبتّ لكم أنّي لا أتكلّم بغير دليل ، ودليلي على هذا ، أنّ الآية إذا كانت تصف جميع المؤمنين ، لما فرّوا في بعض الغزوات من الميادين!
الحافظ : هل هذا الكلام من الإنصاف إذ تصف صحابة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الّذين جاهدوا ذلك الجهاد العظيم ، وفتحوا تلك الفتوحات العظيمة ، وتقول : إنّهم فرّوا؟!
أليس قولك هذا إهانة لصحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٥٤.
قلت : أوّلا : أشهد الله سبحانه أنّي لم أقصد إهانة أيّ فرد من الصحابة وغيرهم ، وإنّما الحوار والنقاش يقتضي هذا الكلام.
ثانيا : أنا ما أنسب إليهم الفرار ، ولكنّ التاريخ هكذا يحكم ويقول : إنّ في غزوة أحد ، فرّ الصحابة حتّى كبارهم ، وتركوا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم طعمة لسيوف المشركين والكفّار ، كما يذكر الطبري والمؤرّخون الكبار ، فما ذا تقولون حول الآية الكريمة التي تشمل اولئك الّذين ولّوا الدبر وفرّوا من الجهاد وخالفوا أمر الله عزّ وجلّ إذ يقول :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (١) .؟
ثالثا : لقد وافقنا في قولنا بأنّ الآية نزلت في شأن الإمام عليّعليهالسلام كثير من أعلامكم وكبار علمائكم ، منهم : أبو إسحاق الثعلبي ـ الذي تحسبوه إمام أصحاب الحديث في تفسير القرآن ـ قال في تفسير «كشف البيان» في ذيل الآية الكريمة ٥٤ من سورة المائدة : إنما نزلت في شأن الإمام عليّعليهالسلام ، لأنّ الذي يجمع كلّ المواصفات المذكورة في الآية لم يكن أحد غيره.
ولم يذكر أحد من المؤرّخين من المسلمين وغيرهم ، بأنّ الإمام عليّاعليهالسلام فرّ من الميدان ، حتّى ولو مرّة ، أو أنّه تقاعد وتقاعس في حروب النبيّ وغزواته مع الكفّار ، ولو في غزوة واحدة.
بل ذكر المؤرّخون أنّه في معركة احد حينما انهزم المسلمون ، حتّى كبار الصحابة ، ثبت الامام عليّعليهالسلام واستقام واستمرّ في الجهاد
__________________
(١) سورة الأنفال ، الآيات ١٥ و ١٦.
ومقاتلة المشركين الأوغاد ، وهم أكثر من خمسة آلاف مقاتل بين راكب وراجل ، وعليّعليهالسلام يضرب بالسيف خراطيمهم ويحصد رءوسهم ، فذبّ عن الإسلام ، ودفع الطغام ، عن محمّد سيّد الأنام ، حتّى سمع النّداء من السماء : لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ(١) .
__________________
(١) لقد ذكر هذه الفضيلة الإلهية ، والمنقبة السماوية ، لأسد الله الغالب ، عليّ بن أبي طالبعليهالسلام كثير من العلماء الأعلام ومشايخ الإسلام ، منهم :ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٩٣ عن شيخه أبي جعفر ، قال : وما كان منه ـ أي : عليّعليهالسلام ـ من المحاماة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد فرّ الناس وأسلموه ، فتصمد له كتيبة من قريش ، فيقولصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عليّ! اكفني هذه. فيحمل عليها فيهزمها ويقتل عميدها ، حتّى سمع المسلمون والمشركون صوتا من قبل السماء :لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي.
ومنهم :
العلاّمة الكنجي القرشي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» في الباب التاسع والستّين ، فقد خصّصه بنداء ملك من السماء : «لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ» ، إلاّ أنّه يروي أنّ ذلك كان يوم بدر ، فراجع.
وأمّا روايته في أحد فقد قال في الباب السابع والستّين ، بإسناده عن أبي رافع ، قال : لمّا كان يوم احد نظر النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى نفر من قريش ، فقال لعليّ عليهالسلام : احمل عليهم ؛ فحمل عليهم فقتل هاشم بن اميّة المخزومي وفرّق جماعتهم.
ثمّ نظر النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى جماعة من قريش ، فقال لعليّ عليهالسلام : احمل عليهم ؛ فحمل عليهم وفرّق جماعتهم وقتل فلانا الجمحي.
ثمّ نظر إلى نفر من قريش ، فقال لعليّ عليهالسلام : احمل عليهم ؛ فحمل عليهم وفرّق جماعتهم وقتل أحد بني عامر بن لؤي.
فقال له جبرئيل : هذه المواساة!
فقال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّه منّي وأنا منه.
فقال جبرئيل : وأنا منكم يا رسول الله.
وقد اصيب في جسمه يوم احد بتسعين إصابة غير قابلة للعلاج ، فعالجها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد ما انتهت المعركة عن طريق الإعجاز ، إذ مسح عليها بريقه المبارك الذي جعل الله فيه بلسم كلّ جرح ، ودواء كل داء.
الحافظ : ما كنت أظنّ أن تفتري على كبار الصحابة إلى هذا الحدّ وتنسبهم إلى الفرار! وهم المجاهدون في سبيل الله وخاصّة الشيخين (رض) فإنّهما ثبتا ودافعا عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى آخر لحظة حتّى انتهت المعركة.
قلت : إنّي لست بمفتر ، ولكنّكم ما قرأتم تاريخ الإسلام ، وليس لكم فيه تحقيق وإلمام ، حتّى نطقتم بهذا الكلام!
لقد ذكر المؤرّخون وأصحاب السير : أنّ المسلمين انهزموا في غزوة احد وخيبر وحنين ، أمّا خبر خيبر فقد ذكرته لكم عن صحيح البخاري ومسلم وغيرهما(١) .
__________________
رواه أيضا عن ابن عساكر بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، والحافظ الخطيب البغدادي في ما خرّجه من الفوائد للشريف النسيب ـ كذا ـ انتهى.
وقال ابن أبي الحديد في مقدّمته على «شرح نهج البلاغة» : المشهور المرويّ أنّه سمع من السماء يوم أحد :
لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي.
«المترجم»
(١) لقد ذكر فرار الشيخين وهزيمتهما في معركة خيبر ، كثير من أعلام وعلماء السنّة ، منهم : الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ / ١٢٤ ، والحاكم في المستدرك ٣ / ٣٧ ، وفي تلخيص المستدرك ٣ / ٣٧ ، قالوا : عن ابن عبّاس أنّه قال : بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى
وأمّا الخبر عن غزوة حنين وفرار المسلمين فيها ، فراجع الجمع بين الصحيحين للحميدي والسيرة الحلبية : ٣ / ١٢٣.
وأمّا فرارهم في غزوة احد ، فحدّث ولا حرج! فقد ذكره عامّة المؤرّخين ، منهم : ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر الاسكافي في شرح النهج ١٣ / ٢٧٨ ط دار إحياء التراث العربي ، قال : فرّ المسلمون بأجمعهم ولم يبق معه [النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ] إلاّ أربعة : عليّ والزبير وطلحة وأبو دجانة(١) .
__________________
خيبر ، أحسبه قال : أبا بكر ـ والترديد من الراوي ـ فرجع منهزما ومن معه ، فلمّا كان من الغد بعث عمر ، فرجع منهزما يجبن أصحابه ويجبّنه أصحابه.
وروى الحافظ أحمد بن شعيب بن سنان النسائي ، أحد أصحاب الصحاح الستّة ، المتوفّى سنة ٣٠٣ هجرية ، في كتابه «خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام » ط مطبعة التقدّم بالقاهرة ، ص ٥ ، عن علي عليهالسلام قال : بعث رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أبا بكر وعقد له لواء فرجع ، وبعث عمر وعقد له لواء فرجع ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : لأعطينّ الراية رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، ليس بفرّار ؛ فأرسل إليّ وأنا أرمد إلى آخره.
وروى عن بريدة يقول : حاصرنا خيبر فأخذ الراية أبو بكر ولم يفتح له ، فأخذه من الغد عمر فانصرف ولم يفتح له إلى آخره.
ورواه عن طريق آخر عن بريدة الأسلمي ، قال : لمّا كان يوم خيبر ، نزل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بحصن أهل خيبر ، أعطى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم اللواء عمر ، فنهض فيه من نهض من الناس ، فلقوا أهل خيبر ، فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى آخر.
«المترجم»
(١) لقد ذكر كثير من أعلام السنّة هزيمة عمر في أحد ، منهم :الفخر الرازي في كتابه مفاتيح الغيب ٩ / ٥٢ ، قال : ومن المنهزمين عمر
وروى ابن أبي الحديد في شرح النّهج ١٤ : ٢٥١ ، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة : ٤٣ ، وغيرهما من الأعلام ، قالوا : وسمع ذلك اليوم صوت من قبل السماء ، لا يرى شخص الصارخ به ، ينادي مرارا : لا سيف إلاّ ذو الفقار ، ولا فتى إلاّ علي!
فسئل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عنه ، فقال : هذا جبرائيل ـ والنصّ لابن أبي الحديد ـ.
__________________
ثمّ قال : ومنهم عثمان ، انهزم مع رجلين من الأنصار يقال لهما : سعد وعقبة ، انهزموا حتّى بلغوا موضعا بعيدا ، ثمّ رجعوا بعد ثلاثة أيّام.
والآلوسي في روح المعاني ٤ / ٩٩ ، قال : وأمّا سائر المنهزمين فقد اجتمعوا على الجبل ، وعمر بن الخطّاب كان من هذا الصنف كما في خبر ابن جرير.
وقال النيسابوري في تفسير غرائب القرآن بهامش تفسير الطبري ٤ / ١١٢ ـ ١١٣ : الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أنّ نفرا قليلا تولّوا وأبعدوا فمنهم من دخل المدينة ومنهم من ذهب إلى سائر الجوانب ومن المنهزمين عمر.
السيوطي في الدرّ المنثور ٢ / ٨٨ و ٨٩ ، وتفسير جامع البيان ـ للطبري ـ ٤ / ٩٥ و ٩٦ ، قال [عمر] : لمّا كان يوم أحد هزمناهم ، ففررت حتّى صعدت الجبل. فلقد رأيتني أنزو كأنّني أروى!
ثمّ قال السيوطي : أخرج عبد بن حميد عن عكرمة ، قال : كان الّذين ولّوا الدبر يومئذ عثمان بن عفّان وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان أخوان من الأنصار من بني زريق.
وأمّا هزيمة عمر في حنين قال البخاري في صحيحه ، باب قوله تعالى : ( ... وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ) (سورة التوبة ، الآية ٢٥) روى بسنده عن أبي محمد مولى أبي قتادة ، أنّ أبا قتادة قال : لمّا كان يوم حنين نظرت إلى وانهزم المسلمون وانهزمت معهم فإذا بعمر بن الخطّاب في الناس
البخاري ٣ / ٦٧ ط عيسى البابي الحلبي بمصر. «المترجم»
فكان عليّعليهالسلام في كلّ الحروب التي خاضها مؤيّدا من عند الله ومنصورا بالملائك.
روى محمد بن يوسف الكنجي القرشي في كتابه «كفاية الطالب» في الباب السابع والعشرين ، بإسناده عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «ما بعث عليّ في سريّة إلاّ رأيت جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره والسحابة تظلّه حتّى يرزقه الله الظفر».
وروى الإمام الحافظ النسائي في كتابه خصائص الإمام عليعليهالسلام ، ص ٨ ط مطبعة التقدّم بالقاهرة ، بسنده عن هبيرة بن هديم ، قال : جمع الناس الحسن بن عليّعليهالسلام وعليه عمامة سوداء لمّا قتل أبوه ، فقال «قد كان قتلتم بالأمس رجلا ما سبقه الأوّلون ولا يدركه الآخرون ، وإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، ويقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، ثمّ لا تردّ رايته حتّى يفتح الله عليه.». إلى آخره.
نعم ، كان النصر معقودا براية الإمام عليّعليهالسلام وسيفه ، وكان الظفر ينزل على المسلمين في كلّ ميدان ينزل فيه عليّعليهالسلام ، حتّى قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم «ما قام الدين وما استقام إلاّ بسيف عليّعليهالسلام ».
عليّعليهالسلام حبيب الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
رابعا : الآية الكريمة في سورة المائدة ، تصرّح أنّ المقصودين هم الموصوفون فيها ، يحبّهم الله ويحبّونه وهذه فضيلة ثابتة للإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ولم تثبت في حقّ غيره ، وإنّ كان كثير من المؤمنين
والصحابة هم أيضا يحبّهم الله ويحبّونه ولكن غير معنيّين ، أمّا عليّعليهالسلام فهو معنيّ بهذه الفضيلة كما قال ذلك كثير من الأعلام ، منهم :
العلاّمة الكنجي الشافعي في الباب السابع من كتابه «كفاية الطالب» روى بإسناده عن ابن عبّاس ، أنّه قال : كنت أنا وأبي ـ العبّاس ـ جالسين عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ دخل عليّ بن أبي طالب ، وسلّم ، فردّ عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبش وقام إليه واعتنقه ، وقبّل بين عينيه ، وأجلسه عن يمينه ؛ فقال العبّاس : أتحبّ هذا يا رسول الله؟ فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «يا عمّ رسول الله! والله ، الله أشدّ حبّا له منّي».
وروى في الباب الثالث والثلاثين ؛ بإسناده عن أنس بن مالك ، قال : اهدي إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم طائر وكان يعجبه أكله ، فقال : اللهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك يأكل معي من هذا الطائر.
فجاء عليّ بن أبي طالب.
فقال : استأذن على رسول الله.
قال : قلت : ما عليه إذن.
وكنت أحبّ أن يكون رجلا من الأنصار.
فذهب ثمّ رجع فقال : استأذن لي عليه.
فسمع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كلامه ، فقال «ادخل يا عليّ ؛ ثمّ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : اللهمّ وإليّ ، اللهمّ وإليّ ـ» أي هو أحبّ الخلق إليّ أيضا ـ.
وذكرنا لكم في المجالس الماضية مصادر هذا الخبر الذي تلقّاه العلماء كلّهم بالصحّة والقبول ، وهو دليل قاطع ، وبرهان ساطع ، على أنّ عليّاعليهالسلام أحبّ الخلق إلى الله سبحانه وإلى رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
إعطاؤه الراية يوم خيبر
ومن أهمّ الدلائل على أنّ عليّاعليهالسلام هو المقصود بالآية الكريمة( فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) حديث الراية لفتح خيبر ، وقد نقله كبار علمائكم ، ومشاهير أعلامكم ، منهم :
البخاري في صحيحه ج ٢ كتاب الجهاد ، باب دعاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وج ٣ كتاب المغازي ، باب غزوة خيبر ، ومسلم في صحيحه ٢ / ٣٢٤ ، والإمام النسائي في «خصائص أمير المؤمنينعليهالسلام ، والترمذي في السنن ، وابن حجر العسقلاني في الإصابة ٢ / ٥٠٨ ، وابن عساكر في تاريخه ، وأحمد بن حنبل في مسنده ، وابن ماجة في السنن ، والشيخ الحافظ سليمان في «ينابيع المودّة» الباب السادس ، وسبط ابن الجوزي في التذكرة ، ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي ، في «كفاية الطالب» الباب الرابع عشر ، ومحمد بن طلحة في «مطالب السئول» الفصل الخامس ، والحافظ أبو نعيم في «حلية الأولياء» والطبراني في الأوسط ، والراغب الأصفهاني في محاضرات الأدباء ٢ / ٢١٢.
ولا أظنّ أنّ أحدا من المؤرّخين أهمل الموضوع أو أحدا من المحدّثين أنكره ، حتّى إنّ الحاكم ـ بعد نقله له ـ يقول : هذا حديث دخل في حدّ التواتر ؛ والطبراني يقول : فتح عليّعليهالسلام لخيبر ثبت بالتواتر.
وخلاصة ما نقله الجمهور ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حاصر مع المسلمين قلاع اليهود ومنها قلعة خيبر ، عدة أيّام ، فبعث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أبا بكر مع الجيش وناوله الراية وأمره أن يفتح ، ولكنّه رجع منكسرا
عاجزا عن الفتح ، فأخذ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الراية وأعطاها لعمر بن الخطّاب وأرسله مع الجيش ليفتح خيبر ، ولكنّه رجع منهزما يجبّن المسلمين وهم يجبّنونه.
فلمّا رأى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم خور أصحابه وتخاذلهم وانهزامهم أمام ثلّة من اليهود ، غضب منهم وأخذ الراية فقال «لأعطين الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، كرّارا غير فرّار ، لا يرجع حتّى يفتح الله على يديه».
ـ ولا يخفى تعريض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في كلامه بالفارّين ـ.
فبات المسلمون ليلتهم يفكّرون في كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن يكون مقصوده ومراده؟!
فلمّا أصبح الصباح اجتمعوا حول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والراية بيده المباركة ، فتطاولت أعناق القوم طمعا منهم بها أو ظنّا بأنّه سيناولهم الراية ، لكنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أجال بصره في الناس حوله وافتقد أخاه ومراده عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فقال «أين ابن عمّي عليّ؟».
فارتفعت الأصوات من كلّ جانب : إنّه أرمد يا رسول الله!
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «عليّ به».
فجاءوا بالإمام عليّعليهالسلام وهو لا يبصر موضع قدمه ، فسلّم وردّ النبيّ عليه وسأله «ما تشتكي يا عليّ؟ فقالعليهالسلام : صداع في رأسي ، ورمد في عيني».
فأخذ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم شيئا من ريقه المبارك ومسح به على جبين الإمام عليهعليهالسلام وقال «اللهمّ قه الحرّ والبرد» ودعا له بالشفاء ، فارتدّ بصيرا.
وإلى هذه المنقبة يشير حسّان في شعره فيقول :
«وكان عليّ أرمد العين يبتغي |
دواء فلمّا لم يحسّ مداويا |
|
شفاه رسول الله منه بتفلة |
فبورك مرقيّا وبورك راقيا |
|
وقال سأعطي الراية اليوم فارسا |
كميّا شجاعا في الحروب محاميا |
|
يحبّ الإله والإله يحبّه |
به يفتح الله الحصون الأوابيا |
|
فخصّ بها دون البريّة كلّها |
عليّا وسمّاه الوصيّ المؤاخيا» |
فأعطى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الراية لعليّعليهالسلام وقال «خذ الراية! جبرئيل عن يمينك ، وميكائيل عن يسارك ، والنصر أمامك ، والرعب مبثوث في قلوب القوم ، فإذا وصلت إليهم فعرّف نفسك وقل : أنا عليّ بن أبي طالب ، فإنّهم قرءوا في صحفهم أنّ الذي يدمّر عليهم الحصون ويفتحها اسمه إيليا ، وهو أنت يا عليّ!»
فأخذ عليّعليهالسلام الراية وهرول بها نحو القلاع حتّى وصل إلى باب خيبر وهو أهم تلك الحصون والقلاع ، فطلب المبارزة ، فخرج إليه مرحب مع جماعة من أبطال اليهود ، فهزمهم عليّعليهالسلام مرّتين ، وفي المرّة الثالثة لمّا برزوا وحمل عليهم عليّعليهالسلام ضرب بالسيف على رأس مرحب فوصل إلى أضراس مرحب وسقط على الأرض صريعا ،
وسجّل النصر للمسلمين(١) .
ونقل ابن الصبّاغ في «الفصول المهمّة» عن صحيح مسلم ، وكذلك روى الإمام النسائي في خصائص الإمام عليّ : ٧ ط مطبعة التقدّم بالقاهرة ، قال عمر بن الخطّاب : ما أحببت الإمارة إلاّ يومئذ إلى آخره.
وأخرج السيوطي في «تاريخ الخلفاء» وابن حجر في «الصواعق» والديلمي في «فردوس الأخبار» بإسنادهم عن عمر بن الخطّاب أنّه قال : لقد اعطي عليّ بن أبي طالب ثلاث خصال ، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من أن أعطى حمر النّعم ؛ فسئل : ما هي؟
قال : تزويجه فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسكناه المسجد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يحلّ له فيه ما يحلّ له ، وإعطاؤه الراية يوم خيبر(٢) .
__________________
(١) لمّا رأى اليهود قتل مرحب وهو قائدهم وصاحب رايتهم ، انهزموا ودخلوا الحصن وأغلقوا الباب ، وبدءوا يرمون المسلمين بالنبال من سطح الحصن ، فهجم عليّعليهالسلام على باب الحصن وقلعه من مكانه وجعله ترسا يصدّ به سهام القوم ونبالهم. وكان الباب عظيما منحوتا من الصخر ؛ يقول ابن أبي الحديد في قصائده العلوية مشيرا إلى ذلك الموقف المشرّف :
يا قالع الباب الذي عن هزّه |
عجزت أكفّ أربعون وأربع |
|
أأقول فيك سميدع كلاّ ولا |
حاشا لمثلك أن يقال سميدع |
إلى آخر أبياته «المترجم»
(٢) لقد اشتهر هذا الخبر عن عمر وذكره كثير من أعلام السنّة ، وإضافة إلى من ذكرهم المؤلّف فإنّي أذكر بعض من أعرف من العلماء الّذين رووا الخبر عن عمر ، منهم عبيد الله الحنفي في «أرجح المطالب» والحاكم في المستدرك ٣ / ١٢٥ ، وابن حجر الهيثمي في الصواعق : ٧٨ ، والإمام أحمد في «المسند» عن ابن عمر ، وابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية ٧ / ٣٤١ ، والمتّقي الحنفي في كنز العمّال ٦ / ٣٣٩
فالخبر ثابت لا ينكره إلا المعاندون الجاهلون الّذين ليس لهم اطّلاع على تاريخ الاسلام وغزوات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . والآن فقد ثبت للحاضرين ، وخاصة العلماء والمشايخ ، بأنّي لا أتكلّم من غير دليل ، ولم أقصد إهانة الصحابة ، بل مقصدي بيان الواقع وكشف الحقائق ، التي منها الاستدلال بالتاريخ والحديث والعقل والنقل ، بأنّ جملة( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) في الآية الكريمة تنطبق على الإمام عليّعليهالسلام قبل أن تنطبق على غيره كائنا من كان.
وهذا لم يكن قولي أنا فحسب ، بل كثير من أعلامكم صرّحوا به ، منهم العلاّمة الكنجي في «كفاية الطالب» في الباب الثالث والعشرين ، فإنّه يروي حديثا عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يشبّه فيه عليّاعليهالسلام بالأنبياء ، وفي تشبيهه بنوحعليهالسلام يقول العلاّمة الكنجي : وشبّه بنوح لأنّ علياعليهالسلام كان شديدا على الكافرين ، رءوفا بالمؤمنين كما وصفه الله تعالى في القرآن بقوله :( ... وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) (١) وأخبر الله عزّ وجلّ عن شدّة نوح على الكافرين بقوله :( ... رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) (٢) انتهى.
فعليّعليهالسلام هو المصداق الأجلى والأظهر لجملة( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) (٣) .
__________________
ح ٦٠١٣ ـ ٦٠١٥ ، والموفّق بن أحمد الخطيب الخوارزمي في المناقب : ٢٣٢. «المترجم».
(١) سورة الفتح ، الآية ٢٩.
(٢) سورة نوح ، الآية ٢٦.
(٣) الّذي يعرف من الأخبار والتواريخ أنّ عمر بن الخطّاب كان شديدا على المسلمين ،
__________________
ولكي تعرف الحقيقة والواقع أنقل لك بعضها :
قال ابن قتيبة في كتابه الإمامة والسياسة : ١٩ ط مطبعة الامّة بمصر سنة ١٣٢٨ ه : فدخل عليه المهاجرون والأنصار حين بلغهم أنّه استخلف عمر ، فقالوا : نراك استخلفت علينا عمر ، وقد عرفته وعلمت بوائقه فينا ، وأنت بين أظهرنا ، فكيف إذا ولّيت عنّا؟!
بوائقه ، غوائل وشروره. النهاية.
وروى السيوطي في تاريخ الخلفاء ٨٢ :
عن أسماء بنت عميس ، أنّها قالت : دخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر فقال : استخلفت على الناس عمر! وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه ، فكيف إذا خلا بهم وأنت لاق ربّك؟!
ونقل الديار بكري في تاريخ الخميس ٢ / ٢٤١ :
قال طلحة لأبي بكر : أتولّي علينا فظّا غليظا؟! ما تقول لربّك إذا لقيته؟!
وروى الديار بكري في نفس الصفحة ، عن جامع بن شدّاد ، عن أبيه ، أنّه قال :
كان أوّل كلام تكلّم به عمر حين صعد المنبر أن قال : اللهمّ إنّي شديد فليّنّي ، وإنّي ضعيف فقوّني ، وإنّي بخيل فسخّني.
ونقل ابن الأثير في تاريخه الكامل ٣ / ٥٥ ، والطبري في تاريخه ٥ / ١٧ ، أنّ عمر خطب أمّ أبان بنت عتبة بن ربيعة فكرهته وقالت : يغلق بابه ، ويمنع خيره ، ويدخل عابسا ، ويخرج عابسا!!
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج ١ / ١٨٣ ط دار إحياء التراث العربي.
وكان في أخلاق عمر وألفاظه جفاء وعنجهيّة ظاهرة.
وقال في ج ١٠ / ١٨١ ط دار إحياء التراث العربي :
وإنّما الرجل [عمر] كان مطبوعا على الشدّة والشراسة والخشونة!
أقول : أظهر شراسته وخشونته وشدّته على آل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وفي هجومه على بيت فاطمة البتول وقرّة عين الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم أكثر من أيّ مكان آخر!!
__________________
قال ابن عبد ربّه الأندلسي في العقد الفريد ٢ / ٢٠٥ ط المطبعة الأزهرية :
الّذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر : عليّ والعبّاس والزبير وسعد بن عبادة. فأما عليّ والعبّاس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتّى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطّاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له : إن أبوا فقاتلهم.
فأقبل بقبس من نار ، على أن يضرم عليهم الدار!
فلقيته فاطمة ، فقالت : يا ابن الخطاب! أجئت لتحرق دارنا؟!
قال : نعم!
ونقل الشهرستاني في الملل والنحل ١ / ٥٧ عن النظّام ، قال :
إنّ عمر ضرب بطن فاطمةعليهاالسلام يوم البيعة حتّى ألقت الجنين من بطنها ، وكان يصيح : أحرقوا دارها بمن فيها! وما كان في الدار غير عليّ وفاطمة والحسن والحسين.
وقال الصفدي في الوافي بالوفيات ٦ / ١٧ :
إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت المحسّن من بطنها!
وأخرج البلاذري في أنساب الأشراف ١ / ٥٨٦ ، عن سليمان التيمي وعن ابن عون : إنّ أبا بكر أرسل إلى عليّ يريد البيعة ، فلم يبايع ، فجاء عمر ومعه فتيلة ؛ فتلقّته فاطمة على الباب فقالت : يا ابن الخطّاب! أتراك محرّقا عليّ بابي؟!
قال : نعم ، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك!!
أقول : وهل بعد الجملة الأخيرة يقال : إنّ عمر كان مؤمنا؟!!
وقال الأستاذ عبد الفتّاح عبد المقصود في كتابه السقيفة والخلافة : ١٤ :
أتى عمر بن الخطّاب منزل عليّ وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال : والله لأحرقنّ عليكم أو لتخرجن إلى البيعة.
قال : ثمّ تطالعنا صحائف ما أورد المؤرّخون بالكثير من أشباه هذه الأخبار المضطربة التي لانعدم أن نجد من بينها من عنف عمر ما يصل به إلى الشروع في قتل
وأمّا قولكم بأنّ جملة( رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) تنطبق على عثمان بن عفّان ، وهي إشارة إلى مقام الخلافة في المرتبة الثالثة ، وأنّ عثمان كان رقيق القلب ، بالمؤمنين رءوفا رحيما
فنحن لا نرى ذلك من صفات عثمان ، بل التاريخ يحدّثنا على عكس ذلك ، وأرجو أن لا تسألوني توضيح الموضوع أكثر من هذا ؛ لأنّي أخاف أن تحملوا حديثي على الإساءة والإهانة بمقام الخليفة الثالث. ولا احبّ أن أزعجكم.
الحافظ : نحن لا نضجر إذا لم يكن حديثك فحشا ، وكان مدعما بالدليل ومطابقا للواقع مع ذكر الأسناد والمصادر.
قلت : أوّلا : إنّي ما كنت ولم أكن فحّاشا ، بل سمعت الفحش وأجبت بالمنطق والبرهان!
__________________
عليّ أو إحراق بيته على من فيه! فلقد ذكر أنّ أبا بكر أرسل عمر بن الخطّاب ومعه جماعة بالنار والحطب إلى دار عليّ وفاطمة والحسن والحسين ليحرقوه بسبب الامتناع عن بيعته ، فلمّا راجع عمر بعض الناس قائلين : إنّ في البيت فاطمة! قال : وإن!!
وقال عمر رضا كحّالة : فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده ، لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها. فقيل له : يا أبا حفص! إنّ فيها فاطمة! قال : وإن.
أقول : لقد نظم هذه الواقعة شاعر النيل حافظ إبراهيم في قصيدة تحت عنوان : عمر وعليّ ، مطبوعة في ديوانه ١ / ٧٥ ط دار الكتب المصرية :
وقولة لعليّ قالها عمر |
أكرم بسامعها أعظم بملقيها |
|
حرّقت دارك لا ابقي بها أحدا |
إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها |
|
ما كان غير أبي حفص يفوه بها |
أمام فارس عدنان وحاميها |
«المترجم»
ثانيا : هناك أدلّة كثيرة على خلاف ما ذهبتم في شأن عثمان ، فإنّ جملة( رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) لا تنطبق عليه أبدا ، ولإثبات قولي اشير إلى بعض الدلائل ، وأترك التحكيم والقضاء للحاضرين الأعزّاء.
سيرة عثمان
لقد أجمع المؤرّخون والأعلام ، مثل : ابن خلدون ، وابن خلّكان ، وابن أعثم الكوفي ، وأصحاب الصحاح كلّهم ، والمسعودي في مروج الذهب ١ / ٤٣٥ ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ، والطبري في تاريخه ، وغيرهم من علمائكم ، قالوا : إنّ عثمان بن عفّان حينما ولي الخلافة سار على خلاف سنّة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيرة الشيخين ، ونقض العهد الذي عاهده عليه عبد الرحمن بن عوف في مجلس الشورى حين بايعه على كتاب الله وسنّة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيرة الشيخين ، وأن لا يسلّط بني أميّة على رقاب المسلمين.
ولكن حينما استتبّ له الأمر خالف العهد ، وتعلمون بأنّ نقض العهد من كبائر الذنوب ، والقرآن الحكيم يصرّح بذلك.
قال تعالى :( ... وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً ) (١) .
وقال تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) (٢) .
الحافظ : نحن لا نعلم لذي النورين خلافا ، وإنّما هذا قولكم ومن مزاعم الشيعة ، ولا دليل عليه!
__________________
(١) سورة الإسراء ، الآية ٣٤.
(٢) سورة الصفّ ، الآية ٢ و ٣.
قلت : راجعوا شرح النهج ـ لابن أبي الحديد ـ ١ / ١٩٨ ط دار إحياء التراث العربي ، فإنّه قال : وثالث القوم هو عثمان بن عفّان بايعه الناس بعد انقضاء الشورى واستقرار الأمر له ، وصحّت فيه فراسة عمر ، فإنّه أوطأ بني اميّة رقاب الناس ، وولاّهم الولايات ، وأقطعهم القطائع ، وافتتحت إفريقية في أيّامه فأخذ الخمس كلّه فوهبه لمروان.
وأعطى عبد الله بن خالد أربعمائة ألف درهم.
وأعاد الحكم بن أبي العاص إلى المدينة ، بعد أن كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد سيّره ـ أي : نفاه من المدينة ـ ثمّ لم يردّه أبو بكر ولا عمر! وأعطاه مائة ألف درهم.
وتصدّق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بموضع سوق بالمدينة ـ يعرف بمهزوز ـ على المسلمين ، فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان.
وأقطع مروان فدك ، وقد كانت فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم طلبتها بعد وفاة أبيهاصلىاللهعليهوآلهوسلم تارة بالميراث ، وتارة بالنحلة ، فدفعت عنها.
وحمى المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلّهم إلاّ عن بني اميّة.
وأعطى عبد الله بن أبي السّرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب ، وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة ، من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين.
وأعطى أبا سفيان بن حرب(١) مائتي ألف من بيت المال ، في اليوم
__________________
(١) ربّما يتساءل القارئ : من كان أبو سفيان؟ ولما ذا يمنحه عثمان هذا المبلغ من بيت مال المسلمين؟ أكان هذا العطاء من أجل خدمة قدّمها للدين؟!
الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال ، وقد كان زوّجه ابنته أمّ أبان. فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح ، فوضعها بين يدي عثمان وبكى وقال : والله لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا!
فقال : ألق المفاتيح يا ابن أرقم ، فإنّا سنجد غيرك!
وأتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة ، فقسّمها كلّها في بني اميّة.
وأنكح الحارث بن الحكم ـ أخا مروان ـ ابنته عائشة ، فأعطاه مائة ألف من بيت المال ، بعد طرده زيد بن أرقم عن خزانته.
وانضمّ إلى هذه الأمور ، امور اخرى نقمها عليه المسلمون ، كتسيير أبي ذرّرحمهالله تعالى إلى الرّبذة ، وضرب عبد الله بن مسعود حتّى كسر أضلاعه ، وما أظهر من الحجّاب. والعدول عن طريقة عمر في إقامة الحدود وردّ المظالم وكفّ الأيدي العادية والانتصاب لسياسة الرعية!
__________________
فأنا أنقل قضيّة تاريخية حتّى يعرف القارئ الكريم جواب ما تساءل عنه :
روى ابن أبي الحديد في شرح النهج ٩ / ٥٣ ط دار إحياء التراث العربي ، عن الشعبي ، أنّه قال :
فلمّا دخل عثمان رحله ـ بعد ما بويع له بالخلافة ـ دخل إليه بنو اميّة حتى امتلأت بهم الدار ، ثم أغلقوها عليهم ، فقال أبو سفيان بن حرب : أعندكم أحد من غيركم؟
قالوا : لا.
قال : يا بني اميّة! تلقّفوها تلقّف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ، ما من عذاب ولا حساب ، ولا جنّة ولا نار ، ولا بعث ولا قيامة!! «المترجم»
وختم ذلك ما وجدوه من كتابه إلى معاوية يأمره فيه بقتل قوم من المسلمين إلى آخره.
هذا كلام ابن أبي الحديد في عثمان بن عفّان.
وذكر المسعودي في مروج الذهب ٢ / ٣٤١ ـ ٣٤٣ :
فقد بلغت ثروة الزبير خمسين ألف دينار وألف فرس وألف عبد وضياعا وخططا في البصرة والكوفة ومصر والإسكندرية ، وكانت غلّة طلحة بن عبيد الله(١) من العراق كلّ يوم ألف دينار ، وقيل أكثر.
وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف مائة فرس ، وله ألف بعير ، وعشرة آلاف شاة ، وبلغ ربع ثمن ماله بعد وفاته أربعة وثمانين ألفا.
وحين مات زيد بن ثابت خلّف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفئوس غير ما خلّف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار.
ومات يعلى بن منية وخلّف خمسمائة ألف دينار وديونا وعقارات وغير ذلك ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار.
أمّا عثمان نفسه فكان له يوم قتل عند خازنه مائة وخمسون
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٢ / ١٦١ ط دار إحياء التراث العربي :
قال أبو جعفر ـ الطبري ، صاحب التاريخ ـ : وكان لعثمان على طلحة بن عبيد الله خمسون ألفا ، فقال طلحة له يوما : قد تهيّأ مالك فاقبضه ، فقال : هو لك معونة على مروءتك.
وقال ابن أبي الحديد في ج ٩ / ٣٥ : روي أن عثمان قال : ويلي على ابن الحضرمية ـ يعني : طلحة ـ أعطيته كذا وكذا بهارا ذهبا. وهو يروم دمي يحرّض على نفسي.
قال : والبهار : الحمل ؛ قيل : هو ثلاثمائة رطل بالقبطية.
«المترجم»
ألف دينار وألف ألف [أي : مليون] درهم ، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار ، وخلّف خيلا كثيرا وإبلا.
ثمّ قال المسعودي بعد ذلك : وهذا باب يتّسع ذكره ، ويكثر وصفه فيمن تملّك الأموال في أيّامه.
انتهى كلام المسعودي.
هكذا كان عثمان وحاشيته يتسابقون في كنز الذهب والفضة ، وجمع الخيل والإبل والمواشي ، وامتلاك الاراضي والعقار ، في حين كان كثير من المسلمين المؤمنين لا يملكون ما يسدّون به جوعهم ويكسون به أجسامهم.
أكان هذا السلوك يليق بمن يدّعي خلافة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهل كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كذلك؟!
كلاّ وحاشا ، ولا شكّ أنّ عثمان خالف طريقة أبي بكر وناقض سيرة عمر أيضا ، وكان هو قد عاهد على أن يسلك سبيلهما.
ذكر المسعودي في مروج الذهب ، ج ١ ، في ذكره سيرة عثمان وأخباره ، فقال بالمناسبة : إنّ الخليفة عمر مع ولده عبد الله ذهبا إلى حجّ بيت الله الحرام ، فلما رجع إلى المدينة كان ما صرفه في سفره ستّة عشر دينارا ، فقال لابنه : ولدي لقد أسرفنا في سفرنا هذا.
فاستدلّوا على تبذير عثمان لأموال المسلمين بكلام عمر بن الخطّاب ، وشاهدوا كم الفرق بينهما؟!
توليته بني اميّة
إنّ عثمان مكّن فسّاق بني اميّة وفجّارهم من بلاد المسلمين ،
وسلّطهم على رقاب المؤمنين وأموالهم(١) ، فاتّخذوا أموال الله دولا ، وعباده خولا ، وسعوا في الأرض فسادا ، منهم : عمّه الحكم بن أبي العاص وابنه مروان ، وهما ـ كما نجد في التاريخ ـ طريدا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد لعنهما ونفاهما من المدينة إلى الطائف.
الحافظ : ما هو دليلكم على لعن هذين بالخصوص؟
قلت : دليلنا على لعنهما من جهتين ، جهة عامة ، وجهة خاصّة.
أمّا الجهة العامّة : فهما غصنان من الشجرة الملعونة في القرآن ، بقوله تعالى :( ... وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) (٢) .
وقد فسّرها أعلام المفسّرين وكبار المحدّثين ، ببني اميّة ، منهم : الطبري والقرطبي والنيسابوري والسيوطي والشوكاني والآلوسي ، وابن أبي حاتم والخطيب البغدادي وابن مردويه والحاكم المقريزي والبيهقي وغيرهم ، فقد رووا في تفسير الآية الكريمة عن ابن عبّاس أنّه
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٩ / ٢٤ ط دار إحياء التراث العربي :
وروى شيخنا أبو عثمان الجاحظ ، عن زيد بن أرقم ، قال :
سمعت عثمان وهو يقول لعليّعليهالسلام : أنكرت عليّ استعمال معاوية ، وأنت تعلم أن عمر استعمله!
قال عليّعليهالسلام : نشدتك الله! ألا تعلم أنّ معاوية كان أطوع لعمر من يرفأ غلامه! إنّ عمر كان إذا استعمل عاملا وطئ على صماخه ، وإنّ القوم ركبوك وغلبوك واستبدّوا بالأمر دونك.
فسكت عثمان! «المترجم»
(٢) سورة الإسراء ، الآية ٦٠.
قال : الشجرة الملعونة في القرآن هم بنو أميّة ، فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى فيما يراه النائم أنّ عددا من القردة تنزو على منبره وتدخل محرابه ، فلمّا استيقظ من نومه نزل عليه جبرئيل وأخبره : أنّ القردة التي رأيتها في رؤياك إنّما هي بنو اميّة ، وهم يغصبون الخلافة والمحراب والمنبر طيلة ألف شهر(١) .
وأمّا الفخر الرازي فيروي في تفسيره عن ابن عبّاس : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يسمّي من بني اميّة الحكم بن أبي العاص ويخصّه باللعن.
وأمّا الجهة الخاصّة في لعنهما ، فالروايات من الفريقين كثيرة :
أمّا روايات الشيعة فلا أذكرها ، وأكتفي بذكر ما نقله كبار علمائكم ومحدّثيكم ، منهم : الحاكم النيسابوري في المستدرك ٤ / ٤٨٧ ، وابن حجر الهيتمي المكّي في «الصواعق» قال : وصحّحه الحاكم ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ أهل بيتي سيلقون بعدي من أمّتي قتلا وتشريدا ، وإنّ أشدّ
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد فى شرح النهج ٩ / ٢٢٠ ط دار إحياء التراث العربي ، قال في تفسير قوله تعالى :( وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ ) فإنّ المفسّرين قالوا : رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الرؤيا بني أميّة ينزون على منبره نزو القردة ـ هذا لفظ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الّذي فسّر لهم الآية ـ فساءه ذلك ، ثمّ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم «الشجرة الملعونة ، بنو اميّة وبنو المغيرة».
ونحوه قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم «إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتّخذوا مال الله دولا ، وعباده خولا».
وورد عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم من ذمّهم الكثير المشهور ، نحو قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم «أبغض الأسماء إلى الله : الحكم وهشام والوليد».
وفي خبر آخر : «اسمان يبغضهما الله : مروان والمغيرة ...»
هذا ما أردنا نقله من ابن أبي الحديد.
«المترجم»
قومنا لنا بغضا بنو اميّة وبنو المغيرة وبنو مخزوم.
قال : ومروان بن الحكم كان طفلا ، قال له النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : وهو الوزغ بن الوزغ ، والملعون بن الملعون.
وروى ابن حجر أيضا ، والحلبي في السيرة الحلبيّة ١ / ٣٣٧ ، والبلاذري في أنساب الأشراف ٥ / ١٢٦ ، والحافظ سليمان الحنفي في «ينابيع المودّة» والحاكم في المستدرك ٤ / ٤٨١ ، والدميري في حياة الحيوان ٢ / ٢٩٩ ، وابن عساكر في تاريخه ، ومحبّ الدين الطبري في «ذخائر العقبى» وغير هؤلاء ، كلهم رووا عن عمر بن مرّة الجهني : أنّ الحكم بن أبي العاص استأذن على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فعرف صوته. فقال : «ائذنوا له ، عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه ، إلاّ المؤمن منهم وقليل ما هم».
ونقل الإمام الفخر الرازي في تفسيره الكبير ، في ذيل الآية :( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ ) أنّ عائشة كانت تقول لمروان : لعن الله أباك وأنت في صلبه. فأنت بعض من لعنه الله!
والمسعودي في مروج الذهب ١ / ٤٣٥ يقول : مروان بن الحكم طريد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي أخرجه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ونفاه من المدينة.
إنّ أبا بكر وعمر لم يأذنا له بالرجوع إلى المدينة ، ولكنّ عثمان خالف النبيّ والشيخين ، فأجاز مروان بالإقامة في المدينة ، وزوّجه ابنته أمّ أبان ، ومنحه الأموال ، وفسح له المجال حتّى أصبح صاحب الكلمة النافذة في الدولة(١) .
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٣ / ١٢ نقلا عن قاضي القضاة عبد الجبّار : حتّى
وقال ابن أبي الحديد ـ نقلا عن بعض أعلام عصره ـ : إنّ عثمان سلّم عنانه إلى مروان يصرفه كيف شاء ، الخلافة له في المعنى ولعثمان في الاسم.
النوّاب : من كان الحكم بن أبي العاص؟ ولما ذا لعنه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ونفاه من المدينة؟
قلت : هو عمّ الخليفة عثمان ؛ وقد ذكر الطبري وابن الأثير في التاريخ والبلاذري في أنساب الأشراف ٥ / ١٧ : أنّ الحكم بن أبي العاص كان في الجاهلية جارا لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان كثيرا ما يؤذي النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في مكّة ، ثمّ جاء إلى المدينة بعد عام الفتح ، وأسلم في الظاهر ، ولكنّه كان يسعى لأن يحقّر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ويحاول أن يحطّ من شأنهصلىاللهعليهوآلهوسلم بين الناس. وكان يمشي خلف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ويبدي من نفسه
__________________
كان من أمر مروان وتسلّطه عليه [عثمان] وعلى أموره ما قتل بسببه ، وذلك ظاهر لا يمكن دفعه.
وقال في ج ١٠ / ٢٢٢ نقلا عن أبي جعفر النقيب أنه كان يقول في عثمان : إنّ الدولة في أيّامه كانت على إقبالها وعلوّ جدّها ، بل كانت الفتوح في أيّامه أكثر ، والغنائم أعظم ، لو لا أنّه لم يراع ناموس الشيخين ، ولم يستطع أن يسلك مسلكهما ، وكان مضعّفا في أصل القاعدة ، مغلوبا عليه ، وكثير الحبّ لأهله ، وأتيح له من مروان وزير سوء أفسد القلوب عليه ، وحمل الناس على خلعه وقتله.
وقال ابن أبي الحديد أيضا في شرح النهج ٩ / ٢٥ و ٢٦ ط دار إحياء التراث العربي ، نقلا عن جعفر بن مكّي الحاجب ، عن محمّد بن سليمان حاجب الحجّاب : وكان عثمان مستضعفا في نفسه ، رخوا ، قليل الحزم ، واهي العقيدة ، وسلّم عنانه إلى مروان يصرفه كيف شاء ، الخلافة له في المعنى ولعثمان في الاسم
«المترجم»
حركات وإشارات يتسهزئ بها برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويجرّئ على السخرية منهصلىاللهعليهوآلهوسلم !!
فدعا عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يبقى على الحالة التي كان عليها ، فبقي على حالة غريبة تشبه الجنون ، وصار الناس يستهزءون به ويسخرون منه.
فذهب يوما إلى بيت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا أعلم ما صدر منه ، إلاّ أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم خرج وقال «لا يشفّع أحد للحكم!».
ثمّ أمرصلىاللهعليهوآلهوسلم بنفيه مع أولاده وعياله ، فأخرجه المسلمون من المدينة ، فأقام في الطائف.
ولمّا ولي أبو بكر الخلافة شفع له عثمان عند الخليفة ليأذن له بالرجوع إلى المدينة ، ولكنّه رفض ، وبعده شفع له عثمان عند عمر ، فرفض ، وقالا : هو طريد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلا نعيده ولا نأذن له أن يقيم في المدينة.
فلمّا آل الأمر إليه وأصبح هو الخليفة بعد عمر ، أعاد الحكم مع أولاده الى المدينة وأحسن إليهم كثيرا ولم يعبأ بمخالفة الصحابة واعتراض المؤمنين ، بل منحهم أموال بيت المال ، ونصب مروان بن الحكم وزيرا واتخذه مشيرا ، فجمع حوله أشرار بني أميّة وأسند إليهم الأمور والولايات.
فجور وإليه في الكوفة
فولّى على الكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وهو أخو عثمان لأمّه ، واسمها أروى ، وقد صرّح النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه من أهل النار! كما في
رواية المسعودي في مروج الذهب ، ج ١ ، في أخبار عثمان ، وكان فاسقا متجاهرا بالشرور ، ومتظاهرا بالفجور.
وذكر أبو الفداء في تاريخه ، والمسعودي في مروج الذهب وأبو الفرج في الأغاني ٤ / ١٧٨ ، والسيوطي في تاريخ الخلفاء : ١٠٤ ، والإمام أحمد في المسند ١ / ١٤٤ ، والطبري في تاريخه ٥ / ٦٠ ، والبيهقي في سننه ٨ / ٣١٨ ، وابن الأثير في اسد الغابة ٥ / ٩١ ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ٣ / ١٨ ط دار إحياء التراث العربي.
هؤلاء وغيرهم من أعلام السّنة ذكروا : أنّ الوليد بن عقبة ـ والي الكوفة من قبل عثمان ـ شرب الخمر ودخل المحراب سكرانا وصلّى الصبح بالناس أربع ركعات وقال لهم : إن شئتم أزيدكم!!
وبعضهم ذكر بأنّه تقيّأ في المحراب ، فشمّ الناس منه رائحة الخمر ، فأخرجوا من إصبعه خاتمه ولم يشعر بذلك ، فشكوه إلى عثمان ، فهدّد الشهود وأبى أن يجري الحدّ عليه ، فضغط عليه الإمام عليّعليهالسلام والزبير وعائشة وغيرهم من الصحابة ، حتّى اضطرّ إلى ذلك ، فعزله وأرسل سعيد بن العاص مكانه ، وهو لا يقلّ عن ذاك في الخمر والمجون والفسق والفجور.
وولى على البصرة ابن خاله عبد الله بن عامر وعمره خمس وعشرون سنة ، وكان معاوية عاملا لعمر علي دمشق والأردن ، فضمّ إليه عثمان ولاية حمص وفلسطين والجزيرة(١) .
__________________
(١) نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج ٤ / ٧٩ ط دار إحياء التراث العربي ، قال :
وروى شيخنا أبو عبد الله البصري المتكلّم رحمهالله تعالى ، عن نصر بن عاصم
هؤلاء وأمثالهم ما كانوا من ذوي السابقة في الدين والجهاد في الإسلام ، وإنّما كانوا متّهمين في دينهم ، بل كان فيهم مثل الوليد بن عقبة الذي أعلن القرآن فسقه كما يحدّثنا المفسّرون في ذيل الآية
__________________
الليثي ، عن أبيه ، قال : أتيت مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والناس يقولون : نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله! فقلت : ما هذا؟! قالوا : معاوية قام الساعة ، فأخذ بيد أبي سفيان ، فخرجا من المسجد ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «لعن الله التابع والمتبوع : ربّ يوم لامّتي من معاوية ذي الاستاه ـ يعني الكبير العجز ـ».
وقال : روى العلاء بن حريز القشيري ، أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال لمعاوية «لتتّخذنّ يا معاوية البدعة سنّة ، والقبح حسنا ، أكلك كثير ، وظلمك عظيم».
وفي صفحتي ٨٠ و ٨١ نقل ابن أبي الحديد عن شيخه ، قال :
قال شيخنا أبو القاسم البلخي : من المعلوم الذي لا ريب فيه ـ لاشتهار الخبر به ، وإطباق الناس عليه ـ أنّ الوليد بن عقبة بن أبي معيط كان يبغض عليّا ويشتمه ، وأنّه هو الذي لاحاه في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ونابذه ، وقال له : أنا أثبت منك جنانا ، وأحدّ سنانا ، فقال له عليّ عليهالسلام : اسكت يا فاسق ، فأنزل الله تعالى فيهما : ( أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ) السجدة / ١٨.
وسمّي الوليد ـ بحسب ذلك ـ في حياة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بالفاسق ؛ فكان لا يعرف إلا بالوليد الفاسق.
قال : وسمّاه الله تعالى فاسقا في آية اخرى وهو قوله تعالى : ( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) سورة الحجرات : ٦ ، وسبب نزولها مشهور.
قال : وكان الوليد مذموما معيبا عند رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يشنؤه ويعرض عنه ، وكان ببغض رسول الله ويشنؤه أيضا ، وأبوه عقبة بن أبي معيط هو العدوّ الأزرق بمكّة ، والذي كان يؤذى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في نفسه وأهله ، فلمّا ظفر صلىاللهعليهوآلهوسلم به يوم بدر ضرب عنقه ، وورث ابنه الوليد الشنآن والبغضة لمحمّد وأهله ؛ فلم يزل عليهما إلى أن مات.
«المترجم»
الكريمة :( أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ) (١) .
فالمؤمن عليّعليهالسلام والفاسق الوليد.
وقوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ) (٢) ، وقال المفسّرون في شأن نزولها : إنّ الوليد كذب على بني المصطلق عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وادّعى أنّهم منعوه الصدقة ، ولو قصصنا مخازيه ومساويه لطال بها الشرح.
وكان المسلمون ـ أعيانهم وعامّتهم ـ يراجعون عثمان في شأن هؤلاء الولاة من أقاربه ويطلبون منه عزلهم فلا يعزلهم ، ولا يسمع فيهم شكاية إلاّ كارها ، وربّما ضرب الشاكين وأخرجهم من المجلس بعنف!
أسباب الثورة على عثمان
إنّ من أهمّ أسباب الثورة على عثمان ، سيرته المخالفة لسيرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيرة الشيخين ، فلو كان يسعى ليغيّر سيرته الخاطئة ويصلح الامور ويعمل بنصيحة الناصحين ، أمثال الإمام عليّعليهالسلام وابن عبّاس ، لكان الناس يهدءون والمياه ترجع إلى مجاريها الطبيعية(٣) ، ولكنّه اغترّ
__________________
(١) سورة السجدة ، الآية ١٨.
(٢) سورة الحجرات ، الآية ٦.
(٣) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٢ / ١٥١ و ١٥٢ نقلا عن تاريخ الطبري :و
كان عثمان قد استشار نصحاءه في أمره فأشاروا أن يرسل إلى عليّعليهالسلام يطلب إليه أن يردّ الناس ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتّى تأتيه الأمداد.
فقال : إنّهم لا يقبلون التعليل ، وقد كان منّي في المرّة الأولى ما كان.
بكلام حاشيته وحزبه من بني اميّة حتّى قتل ، وقد كان عمر بن الخطّاب تنبّأ بذلك ، لأنّه عاشر عثمان مدّة طويلة ، وعرف أخلاقه وسلوكه كما يقول ابن أبي الحديد في شرح النهج ١ / ١٨٦ ط دار إحياء التراث العربي قال :
في قصّة الشورى فقال عمر : أفلا أخبركم عن أنفسكم؟!
ثمّ أقبل على عليّعليهالسلام فقال : لله أنت! لو لا دعابة فيك! أما والله
__________________
فقال مروان : أعطهم ما سألوك ، وطاولهم ما طاولوك ، فإنّهم قوم قد بغوا عليك ، ولا عهد لهم.
فدعا عليّاعليهالسلام وقال له : قد ترى ما كان من الناس ، ولست آمنهم على دمي ، فارددهم عنّي ، فإنّي أعطيهم ما يريدون من الحق من نفسي ومن غيري.
فقال عليّ عليهالسلام : إنّ الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك ، وإنّهم لا يرضون إلا بالرضا ، وقد كنت أعطيتهم من قبل عهدا فلم تف به ، فلا تغرّر في هذه المرّة ، فإنّي معطيهم عنك الحقّ.
فقال : أعطهم ، فو الله لأفينّ لهم
فقال : اضرب بيني وبين الناس أجلا ، فإنّي لا أقدر على تبديل ما كرهوا في يوم واحد.
فقال عليّ عليهالسلام : أمّا ما كان بالمدينة فلا أجل فيه ، وأمّا ما غاب فأجله وصول أمرك.
قال : نعم ، فأجّلني في ما بالمدينة ثلاثة أيّام.
فأجابه إلى ذلك ، وكتب بينه وبين الناس كتابا على ردّ كلّ مظلمة ، وعزل كلّ عامل كرهوه ، فكفّ الناس عنه.
وجعل يتأهّب سرّا للقتال ويستعدّ بالسلاح ، واتّخذ جندا فلمّا مضت الأيّام الثلاثة ولم يغيّر شيئا ثار عليه الناس إلى آخره.
«المترجم»
لئن وليتهم لتحملنّهم على الحقّ الواضح ، والمحجّة البيضاء.
ثمّ أقبل على عثمان ، فقال : هيها إليك! كأنّي بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبّها إيّاك ، فحملت بني اميّة وبني أبي معيط على رقاب الناس ، وآثرتهم بالفيء ، فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحا إلى آخره.
وقال في ج ٢ / ١٢٩ : وأصحّ ما ذكر في ذلك ما أورده الطبري في تاريخه ، حوادث سنة ٣٣ ـ ٣٥ ، وخلاصة ذلك : أنّ عثمان أحدث أحداثا مشهورة نقمها الناس عليه ، من تأمير بني اميّة ، ولا سيّما الفسّاق منهم وأرباب السّفه وقلّة الدين ، وإخراج مال الفيء إليهم ، وما جرى في أمر عمّار بن ياسر وأبي ذرّ وعبد الله بن مسعود ، وغير ذلك من الأمور التي جرت في أواخر خلافته.
وراجعوا التاريخ حول أبي سفيان وبنيه ، وهو من زعماء بني اميّة ، وانظروا إلى ما نقله الطبري في تاريخه ، فقد قال : إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى أبا سفيان مقبلا على حماره ومعاوية يقوده ويزيد بن أبي سفيان يسوق بالحمار ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لعن الله الراكب والقائد والسائق».
وبالرغم من ذلك نجد في التاريخ أنّ عثمان أكرمه وأعطاه أموالا كثيرة ، وكان له عند الخليفة مقاما وجاها عاليا ، وهو الذي أنكر القيامة والمعاد في مجلس عثمان ، فارتدّ عن الإسلام ، وكان على الخليفة أن يأمر بقتله ؛ لأنّ المرتدّ جزاؤه القتل ، لكنّه تغاضى عنه واكتفى بإخراجه!
فأنصفوا وفكّروا! لما ذا كان عثمان يكرم أبا سفيان المرتدّ ، ويؤوي
طريد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحكم بن أبي العاص وابنه مروان ويقرّبهم ويمنحهم الأموال الكثيرة من بيت مال المسلمين ، ويسند إليهم وإلى أبنائهم الولايات والإمارات ، وهم الّذين لعنهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الملأ العامّ ، وقد سمعه المسلمون وهو يفسّر الشجرة الملعونة في القرآن ببني اميّة؟!
لما ذا كان عثمان يتّخذ مروان وأمثاله ونظراءه أولياء من دون الله تعالى ويركن إليهم ويعمل برأيهم ، بل أسند إليهم إدارة الدولة حتّى تكون آلة لهم ومطيّة لأغراضهم الإلحادية وأهدافهم الجاهلية؟!
فلقائل أن يقول : إنّما كان عثمان يقصد من وراء أعماله التي ذكرنا طرفا منها تمهيد السبيل للانقلاب الذي أخبر الله سبحانه في كتابه بقوله :( وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) (١) .
موقف عليّعليهالسلام من عثمان
لقد كان موقف الإمام عليّعليهالسلام في الفتنة موقف الناصح المصلح ، والتاريخ يشكر له مواقفه السليمة ، وأنا أنقل لكم الآن بعض كلامه في هذا الشأن من «نهج البلاغة» حتّى تعرفوا نيّاته الطيّبة ومساعيه الخيّرة.
قالوا : لمّا اجتمع الناس إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وشكوا إليه ما نقموه على عثمان ، وسألوه مخاطبته واستعتابه لهم ؛
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ١٤٤.
فدخلعليهالسلام على عثمان فقال :
إنّ الناس ورائي وقد استسفروني بينك وبينهم ، وو الله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئا تجهله ، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه!
إنّك لتعلم ما نعلم ، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ، ولا خلونا بشيء فنبلّغكه ، وقد رأيت كما رأينا ، وسمعت كما سمعنا ، وصحبت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما صحبنا ، وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطّاب بأولى بعمل الخير منك ، وأنت أقرب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وشيجة رحم منهما ، وقد نلت من صهره ما لم ينالا ، فالله الله في نفسك ، فإنّك والله ما تبصّر من عمى ، ولا تعلّم من جهل ، وإنّ الطرق لواضحة ، وإنّ أعلام الدين لقائمة.
فاعلم أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل ، هدي وهدى ، فأقام سنّة معلومة ، وأمات بدعة مجهولة ، وإنّ السنن لنيّرة لها أعلام ، وإنّ البدع لظاهرة لها أعلام ، وإنّ شرّ الناس عند الله إمام جائر ، ضلّ وضلّ به ، فأمات سنّة مأخوذة ، وأحيى بدعة متروكة! وإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول «يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر ، وليس معه نصير ولا عاذر ، فيلقى في نار جهنّم ، فيدور فيها كما تدور الرّحى ، ثمّ يرتبط في قعرها».
وإنّي أنشدك الله أن تكون إمام هذه الامّة المقتول!
فإنّه كان يقال : يقتل في هذه الامّة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، ويلبس امورها عليها ، ويبثّ الفتن فيها ، فلا يبصرون الحقّ من الباطل ، يموجون فيها موجا ، ويمرجون فيها مرجا.
فلا تكوننّ لمروان سيّقة حيث شاء بعد جلال السنّ وتقضّي
العمر(١) .
فقال له عثمان : كلّم الناس في أن يؤجّلوني ، حتّى أخرج إليهم من مظالمهم.
فقالعليهالسلام : ما كان بالمدينة فلا أجل فيه ، وما غاب فأجله وصول أمرك إليه.
ولكنّ عثمان شاور مروان في ما طلبه عليّعليهالسلام من قبل الناس ، فأشار عليه بالمخالفة ، فخرج عثمان وخطب الناس وقال في ما قال : فاجترأتم عليّ ، أما والله لأنا أقرب ناصرا ، وأعزّ نفرا ، وأكثر عودا ، وأحرى إن قلت : «هلمّ» أن يجاب صوتي.
ولقد أعددت لكم أقرانا ، وكشّرت لكم عن نابي ، وأخرجتم منّي خلقا لم أكن أحسنه ، ومنطقا لم أكن أنطق به إلى آخره.
فهاج الناس ولم يرضوا من كلامه ، فاشتدّ البلاء حتّى وقع ما وقع.
موقف الصحابة من عثمان
وأمّا صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأكثرهم تألّبوا على عثمان وقاموا في
__________________
(١) ذكره الطبري أيضا في تاريخه ٤ / ٣٣٧.
أقول : ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج ٩ / ٢٣ ، قال : وروى أبو سعد الآبي في كتابه «نثر الدرر في المحاضرات» أنّ عثمان لما نقم الناس عليه ما نقموا ، قام متوكّئا على مروان فخطب الناس
فذكر بعض ما ذكره الطبري ، وزاد :
إنّى لاقرب ناصرا ، وأعزّ نفرا ، فمالي لا أفعل في فضول الأموال ما أشاء؟!
«المترجم»
وجهه ينهونه عن أعماله التعسّفية ، وتصرّفه بغير حقّ في الأمور المالية وانحيازه لبني اميّة.
وقد ذكر الطبري(١) : أنّ نفرا من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تكاتبوا ، فكتب بعضهم إلى بعض : أن أقدموا ، فإنّ الجهاد بالمدينة لا بالروم.
واستطال الناس على عثمان ، ونالوا منه ؛ وذلك في سنة أربع وثلاثين ، ولم يكن أحد من الصحابة يذبّ عنه ولا ينهى ؛ إلاّ نفر منهم : زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسّان بن ثابت.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٢ / ١٣٤ ط دار إحياء التراث العربي :
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريرحمهالله تعالى : ثمّ إنّ سعيد بن العاص قدم على عثمان سنة إحدى عشرة من خلافته ، فلمّا دخل المدينة ، اجتمع قوم من الصحابة ، فذكروا سعيدا وأعماله ، وذكروا قرابات عثمان وما سوغهم من مال المسلمين ، وعابوا أفعال عثمان.
فأرسلوا إليه عامر بن عبد القيس ـ وكان متألّها ، واسم أبيه عبد الله ، وهو من تميم ، ثمّ من بني العنبر ـ فدخل على عثمان ، فقال له : إنّ ناسا من الصحابة اجتمعوا ونظروا في أعمالك ، فوجدوك قد ركبت أمورا عظيمة ، فاتّق الله وتب إليه.
فقال عثمان : أنظروا إلى هذا ، تزعم الناس أنّه قارئ ثمّ هو يجيء إليّ فيكلّمني في ما لا يعلمه! والله ما تدري أين الله!
__________________
(١) نفس المصدر.
فقال عامر : بلى والله! إنّي لأدري أنّ الله لبالمرصاد!
فأخرجه عثمان.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٢ / ١٤٤ : وروى أبو جعفر [الطبري] قال : كان عمرو بن العاص شديد التحريض والتأليب على عثمان.
وقال في صفحة ١٤٩ : قال أبو جعفر [الطبري] : إنّ عثمان مرّ بجبلة بن عمرو الساعدي ، وهو في نادي قومه ، وفي يده جامعة فسلّم فردّ القوم عليه ، فقال جبلة : لم تردّون على رجل فعل كذا وفعل كذا؟! ثمّ قال لعثمان : والله لأطرحنّ هذه الجامعة في عنقك أو لتتركنّ بطانتك هذه الخبيثة ، مروان وابن عامر وابن أبي السّرح ، فمنهم من نزل القرآن بذمّه ، ومنهم من أباح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دمه.
وقال : قيل : إنّه خطب يوما وبيده عصا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبو بكر وعمر يخطبون عليها ، فأخذها جهجاه الغفاريّ من يده ، وكسرها على ركبته ، فلمّا تكاثرت أحداثه ، وتكاثر طمع الناس فيه ، كتب جمع من أهل المدينة من الصحابة وغيرهم إلى من بالآفاق : إن كنتم تريدون الجهاد ، فهلمّوا إلينا ، فإنّ دين محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم قد أفسده خليفتكم فاخلعوه ؛ فاختلفت عليه القلوب ، وجاء المصريون وغيرهم إلى المدينة حتّى حدث ما حدث.
ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج ٢ / ١٦١ : قال أبو جعفر [الطبري] : وكان لعثمان على طلحة بن عبيد الله خمسون ألفا ، فقال طلحة له يوما : قد تهيأ مالك فاقبضه ، فقال : هو لك معونة على مروءتك.
فلمّا حصر عثمان ، قال عليّعليهالسلام لطلحة : أنشدك الله ألا كففت عن عثمان!
فقال : لا والله حتّى تعطي بنو اميّة الحقّ من أنفسها.
فكان عليّعليهالسلام يقول : لحا الله ابن الصعبة! اعطاه عثمان ما أعطاه ، وفعل به ما فعل!
ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج ٩ / ٣ عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب «أخبار السقيفة» بسنده عن أبي كعب الحارثيّ ، في رواية مفصّلة ، إلى أن قال في صفحة ٥ : فتبعته [أي : عثمان] حتّى دخل المسجد ، فإذا عمّار جالس إلى سارية ، وحوله نفر من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يبكون ، فقال عثمان : يا وثّاب! عليّ بالشرط ؛ فجاءوا ، فقال : فرّقوا بين هؤلاء ؛ ففرّقوا بينهم.
ثمّ اقيمت الصلاة ، فتقدّم عثمان فصلّى بهم ، فلمّا كبّر قالت امرأة من حجرتها : يا أيّها الناس ؛ ثمّ تكلّمت ، وذكرت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وما بعثه الله به ، ثمّ قالت : تركتم أمر الله ، وخالفتم عهده ونحو هذا ، ثمّ صمتت ، وتكلّمت امرأة اخرى بمثل ذلك ، فإذا هما عائشة وحفصة.
قال : فسلّم عثمان ، ثمّ أقبل على الناس وقال : إنّ هاتين لفتّانتان ، يحلّ لي سبّهما ، وأنا بأصلهما عالم.
فقال له سعد بن أبي وقّاص : أتقول هذا لحبائب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ! فقال : وفيم أنت وما هاهنا؟!
ثمّ أقبل نحو سعد عامدا ليضربه فانسلّ سعد فخرج من المسجد ، فاتّبعه عثمان ، فلقي عليّاعليهالسلام بباب المسجد ، فقال لهعليهالسلام : أين تريد؟ قال : أريد هذا الذي كذا وكذا ـ يعني سعدا يشتمه ـ فقال له عليّعليهالسلام : أيّها الرجل ، دع عنك هذا.
قال : فلم يزل بينهما كلام ، حتى غضبا ، فقال عثمان : ألست الذي خلّفك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم تبوك؟!
فقال عليّعليهالسلام : ألست الفارّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم أحد؟!
فقال : ثمّ حجز الناس بينهما.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٩ / ٣٥ و ٣٦ : وروى الناس الّذين صنّفوا في واقعة الدار أنّ طلحة كان يوم قتل عثمان مقنّعا بثوب قد استتر به عن أعين الناس ، يرمي الدار بالسهام.
ورووا أيضا انه لما امتنع على الذين حصروه الدخول من باب الدار ، حملهم طلحة الى دار لبعض الأنصار ، فأصعدهم الى سطحها وتسوروا منها على عثمان داره فقتلوه.
ورووا أيضا : أنّ الزبير كان يقول : اقتلوه! فقد بدّل دينكم.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٣ / ٢٧ و ٢٨ : وروى شعبة بن الحجّاج عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، قال : قلت له : كيف لم يمنع أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن عثمان؟!
فقال : إنّما قتله أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قال : وروي عن أبي سعيد الخدري ، أنّه سئل عن مقتل عثمان : هل شهده أحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
فقال : نعم ، شهده ثمانمائة!
قال : وهذا عبد الرحمن بن عوف ، وهو عاقد الأمر لعثمان ، وجالبه إليه ومصيّره في يده ، يقول ـ على ما رواه الواقدي ، وقد ذكر له عثمان في مرضه الذي مات فيه ـ : عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه ؛ فبلغ ذلك عثمان ، فبعث إلى بئر كان عبد الرحمن يسقي منها نعمه ، فمنع منها ، ووصّى عبد الرحمن ألاّ يصلّي عليه عثمان ؛ فصلّى عليه
الزبير ـ أو سعد بن أبي وقّاص ـ وقد كان حلف لمّا تتابعت أحداث عثمان ألاّ يكلّمه أبدا.
قال : وروى الواقدي ، قال : لمّا توفّي أبو ذرّ بالربذة ، تذاكر أمير المؤمنينعليهالسلام وعبد الرحمن فعل عثمان ، فقال أمير المؤمنين له : هذا عملك! فقال عبد الرحمن : فإذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي ، إنّه خالف ما أعطاني.
وقال في شرح النهج ٣ / ٥٠ و ٥١ : وقد روي من طرق مختلفة وبأسانيد كثيرة أنّ عمارا كان يقول : ثلاثة يشهدون على عثمان بالكفر وأنا الرابع ، وأنا شرّ الأربعة( ... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) (١) ، وأنا أشهد أنّه قد حكم بغير ما أنزل الله.
قال : وروي عن زيد بن أرقم من طرق مختلفة أنّه قيل له : بأيّ شيء كفّرتم عثمان؟
فقال : بثلاث : جعل المال دولة بين الأغنياء ، وجعل المهاجرين من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمنزلة من حارب الله ورسوله ، وعمل بغير كتاب الله.
موقف عثمان من صحابة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم المقرّبين
ومن أسباب ثورة المسلمين على عثمان وقتله ، إيذاؤه بعض الصحابة المقرّبين إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والمكرّمين لديه ، وما كان لهم جرم سوى إنّهم كانوا ينهونه عن المنكر ويأمرونه بالمعروف ، منهم :
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٤٤.
عبد الله بن مسعود ، وهو الحافظ لكتاب الله ، والكاتب الضابط للقرآن الكريم على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان يحظى عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وعند الشيخين باحترام وافر.
وذكر ابن خلدون في تاريخه أنّ عمر بن الخطّاب في أيّام خلافته وحكومته كان يقرّب عبد الله بن مسعود ولا يفارقه أبدا ، لأنّه كان ذا اطّلاع كامل على القرآن ، وقد روى المحدّثون أحاديث كثيرة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حقّه ، ذكرها ابن أبي الحديد أيضا في شرح النهج.
وذكر المؤرّخون : أنّ عثمان لمّا أراد أن يجمع المصاحف أمر بأخذ النسخ الموجودة عند الأصحاب ، ومنها النسخة التي كانت عند عبد الله ابن مسعود ، إذ كان من كتّاب الوحي ومحلّ ثقة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولكنّ ابن مسعود أبا أن يعطيه نسخته ، فذهب عثمان بنفسه إلى بيت ابن مسعود وأخذ نسخته قهرا ، فلمّا سمع ابن مسعود أنّ نسخته احرقت مع سائر النسخ ، حزن حزنا شديدا وكان حينذاك بالكوفة ، فبدأ يطعن في عثمان ، ويكشف الستّار عن أعماله المخالفة لسنّة النبيّ والقرآن وسيرة الشيخين.
وكان الجواسيس يخبرون الوليد بن عقبة والي الكوفة ، فكتب فيه الوليد إلى عثمان ، فأمره أن يبعثه إلى المدينة.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٣ / ٤٣ ـ عن الواقدي وغيره ـ : إنّ ابن مسعود دخل المدينة ليلة الجمعة ، فلمّا علم عثمان بدخوله قال : أيّها الناس ، إنّه قد طرقكم الليلة دويبة ، من تمشي على طعامه يقيء ويسلح.
فقال ابن مسعود : لست بدويبة ، ولكنّي صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
يوم بدر ، وصاحبه يوم أحد ، وصاحبه يوم بيعة الرضوان ، وصاحبه يوم الخندق ، وصاحبه يوم حنين.
وصاحت عائشة : يا عثمان! أتقول هذا لصاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! فقال عثمان : اسكتي ؛ ثمّ قال لعبد الله بن زمعة بن الأسود : أخرجه إخراجا عنيفا!
فأخذه ابن زمعة ، فاحتمله حتّى جاء به باب المسجد ، فضرب به الأرض ، فكسر ضلعا من أضلاعه.
فقال ابن مسعود : قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان.
وفي رواية : أنّ ابن زمعة كان مولى لعثمان ، أسود مسدما طوّالا.
وقال ابن أبي الحديد في صفحة ٤٤ : وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظيّ : أنّ عثمان ضرب ابن مسعود أربعين سوطا ، لأنّه قام بتجهيز أبي ذرّ الغفاري ودفنه.
قال : وهذه قصّة اخرى ، ثمّ يذكرها بالتفصيل.
أقول : الله أكبر! وهل دفن مؤمن كأبي ذرّ ، يستوجب التعزيز والتعذيب؟!
وقال ابن أبي الحديد في صفحة ٤٢ و ٤٣ : ولمّا مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه ، أتاه عثمان عائدا.
فقال : ما تشتكي؟
فقال : ذنوبي.
قال : ما تشتهي؟
قال : رحمة ربّي.
قال : ألا أدعو لك طبيبا؟
قال : الطبيب أمرضني.
قال : أفلا آمر لك بعطائك؟
قال : منعتنيه وأنا محتاج إليه ، وتعطنيه وأنا مستغن عنه!
قال : يكون لولدك.
قال : رزقهم على الله تعالى.
قال : استغفر لي يا أبا عبد الرحمن.
قال : أسأل الله أن يأخذ لي منك حقّي!
وقال ابن أبي الحديد في صفحة ٤٢ : وقد روي عنه أيضا من طرق لا تحصى كثرة ، أنّه كان يقول : ما يزن عثمان عند الله جناح ذباب.
قال ابن أبي الحديد : وتعاطي ما روي عنه في هذا الباب يطول ، وهو أظهر من أن يحتاج إلى الاستشهاد عليه ، وإنّه بلغ من إصرار عبد الله على مظاهرته بالعداوة ، أن قال لما حضره الموت : من يتقبّل منّي وصيّة اوصيه بها على ما فيه!
فسكت القوم ، وعرفوا الذي يريد.
فأعادها ، فقال عمار بن ياسررحمهالله تعالى : أنا أقبلها.
فقال ابن مسعود : ألاّ يصلّي عليّ عثمان.
قال : ذلك لك.
فيقال : إنّه لمّا دفن ، جاء عثمان منكرا لذلك ، فقال له قائل : إنّ عمارا ولي الأمر.
فقال لعمار : ما حملك على أن لم تؤذنّي؟!
فقال : عهد إليّ ألاّ أؤذنك.
فوقف على قبره وأثنى عليه. ثمّ انصرف وهو يقول : رفعتم والله أيديكم عن خير من بقي.
فتمثل الزبير بقول الشاعر :
لا ألفينّك بعد الموت تندبني |
وفي حياتي ما زوّدتني زادي |
إيذاؤه عمّار بن ياسر
ومن أعمال عثمان الثابتة عليه ، ولم ينكره أحد من المؤرّخين ، وهو خلاف العدل والرحمة ، وظلم ظاهر ، لم يرض به المؤمنون ، ولو كان أبو بكر وعمر حيّين لأنكرا عليه وانتقما منه :
ضربه وإيذاؤه عمّار بن ياسر ، الصحابي الجليل الذي قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «عمّار ملئ إيمانا من قرنه إلى قدميه». وشهد له ولأبويه بالجنّة ، بل قالصلىاللهعليهوآلهوسلم «إنّ الجنّة تشتاق إليه».
وكان السبب في ضربه امورا ، منها كما نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج ٣ / ٥٠ قال : وروى آخرون ، أنّ السبب في ذلك ، أنّ عثمان مرّ بقبر جديد ، فسأل عنه. فقيل : عبد الله بن مسعود. فغضب على عمّار لكتمانه إيّاه موته ، إذ كان المتولّي للصلاة عليه والقيام بشأنه ، فعندها وطئ عثمان عمّارا حتّى أصابه الفتق.
قال ابن أبي الحديد في صفحة ٥٠ : وروى آخرون ، أنّ المقداد وعمّارا وطلحة والزبير وعدّة من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كتبوا كتابا ، عدّدوا فيه أحداث عثمان ، وخوّفوه به ، وأعلموه أنّهم مواثبوه إن لم يقلع.
فأخذ عمّار الكتاب فأتاه به ، فقرأ منه صدرا ثمّ قال له : أعليّ تقدم من بينهم!
فقال : لأنّي أنصحهم لك.
قال : كذبت يا ابن سميّة!
فقال : أنا والله ابن سميّة وابن ياسر!
فأمر عثمان غلمانا له ، فمدّوا بيديه ورجليه ، ثمّ ضربه عثمان برجليه ـ وهي في الخفين ـ على مذاكيره ، فأصابه الفتق ، وكان ضعيفا كبيرا فغشي عليه.
قال ابن أبي الحديد في صفحة ٤٩ : ثمّ أخرج فحمل حتّى أتي به منزل أمّ سلمة (رضي الله عنها) ، فلم يصلّ الظهر والعصر والمغرب ، فلمّا أفاق توضّأ وصلّى.
ومن أحبّ التفصيل ، فليراجع مروج الذهب ١ / ٤٣٧ ، وشرح النهج ـ لابن أبي الحديد ـ الجزء الثالث ، طبع دار إحياء التراث العربي.
إيذاؤه أبا ذرّ الغفاري
ومن أسباب ثورة المسلمين على عثمان ، إيذاؤه أبا ذرّ ونفيه إلى الشام ، لكنّ أبا ذر لم يسكت ، بل كان يتكلّم في مظالم عثمان ومآثم معاوية بن أبي سفيان ، عامله على الشام ، فكتب معاوية إلى عثمان يخبره عن كلام أبي ذرّ ، فطلبه عثمان واستردّه إلى المدينة ، فلما وصل إليها ، نفاه إلى الرّبذة مع عياله ، فبقي هناك حتّى وافاه الأجل ، فمات مقهورا ، مغلوبا على أمره ، وخلّف ابنته وحيدة فريدة من غير وال
وحام في ذلك المكان الموحش.
وذكر إساءة عثمان وإيذاءه لأبي ذرّ ، صحابي رسول الله كثير من أعلامكم ، منهم : ابن سعد في طبقاته ٤ / ١٦٨ ، والبخاري في صحيحه في كتاب الزكاة ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ٣ / ٥٤ ـ ٥٨ ، واليعقوبي في تاريخه ٢ / ١٤٨ ، والمسعودي في مروج الذهب ١ / ٤٣٨ ، وغيرهم من المؤرّخين فقد ذكروا تفصيل معاملة عثمان السيّئة ، وكذلك عمّاله المجرمين وإساءتهم لأبي ذرّ الطيّب الصادق ، صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
حتّى إنّ عثمان أهان الإمام عليّاعليهالسلام لأنّه شايع أبا ذرّ حين تبعيده إلى الربذة ، فخرج لتوديعه مع الحسنين عليهما السّلام ، وذكروا كذلك أنّ عثمان ضرب عبد الله بن مسعود أربعين سوطا لأنّه تولّى دفن أبي ذرّ عليه الرحمة(١) .
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٣ / ٤٤ ط بيروت دار إحياء التراث العربي :
وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي ، أنّ عثمان ضرب ابن مسعود أربعين سوطا في دفنه أبا ذرّ! وهذه قصّة أخرى ؛ وذلك أنّ أبا ذرّرحمهالله تعالى ، لمّا حضرته الوفاة بالرّبذة ، وليس معه إلاّ امرأته وغلامه ، عهد إليهما أن غسّلاني ثمّ كفّناني ، ثمّ ضعاني على قارعة الطريق ، فأوّل ركب يمرّون بكم قولوا لهم : هذا أبو ذرّ صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأعينونا على دفنه ؛ فلمّا مات فعلوا ذلك.
وأقبل ابن مسعود في ركب من العراق معتمرين ، فلم يرعهم إلاّ الجنازة على قارعة الطريق ، قد كادت الإبل تطؤها ، فقام إليهم العبد فقال : هذا أبو ذرّ صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأعينونا على دفنه.
فانهلّ ابن مسعود باكيا ، وقال : صدق رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال له «تمشي وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك».
ثمّ نزل هو وأصحابه ، فواروه. «المترجم»
الحافظ : إيذاء أبي ذرّ عليه الرحمة ونفيه لم يصدر من عثمان ، وإنّما كان بأمر بعض عمّاله ومن غير علمه ، وإلاّ فإنّ عثمان أجلّ من هذه الأعمال ، والمشهور أنّه كان رحيما شفيقا يحمل بين جنبيه قلبا رقيقا.
قلت : إنّ كلامك هذا خلاف الواقع ، وقد صدر من غير تحقيق ، فإنّ التاريخ يؤكّد أنّ الأوامر الصادرة في تبعيد أبي ذر إنّما كانت من نفس عثمان إلى عماله ، وهم قاموا بكلّ ما فعلوا ، تنفيذا لأوامره!
وإذا أردت أن تعرف حقيقة الأمر ، فراجع تاريخ اليعقوبي ١ / ٢٤١ ، وشرح النهج لابن أبي الحديد ٣ / ٥٥ ، وغيرهما ، فقد سجّلوا كتاب عثمان إلى معاوية ـ وهو عامله على الشام ـ فقد كتب فيه : أمّا بعد ، فاحمل جندبا إليّ على أغلظ مركب وأوعره.
فوجّه به مع من سار به الليل والنهار ، وحمله على شارف ليس عليها إلاّ قتب ، حتّى قدم به المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد.
فبالله عليكم أنصفوا! هل هذا معنى الرحمة الرّأفة مع شيخ كبير طاعن في السنّ كأبي ذرّرحمهالله تعالى!!(١) .
__________________
(١) كان أبو ذرّ عليه الرحمة رجلا صريحا يجهر بالحقّ ولا يسكت على الباطل. فكان ينكر على عثمان تصرّفه في بيت المال وإعطاءه أموال المسلمين لمن لا يستحقّ ، فكان يتلو قول الله تعالى :( ... وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) (سورة التوبة ، الآية ٣٤) فأرسل عثمان نائلا مولاه إلى أبي ذرّ : أن انته عمّا يبلغني عنك!
فقال : أينهاني عثمان عن تلاوة كتاب الله ، وعيب من ترك أمر الله! فو الله لأن أرضي الله بسخط عثمان أحبّ إليّ وخير لي من أن أسخط الله برضاه.
ولا أدري لم استحقّ هذا الرجل الكريم ذلك الظلم العظيم؟!
وكيف نسي عثمان منزلة أبي ذرّ ورتبته السامية عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
وكيف نسي حديث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في حقّه حين أعلم المسلمين فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم «إنّ الله أمرني بحبّ أربعة ، وأخبرني أنّه يحبّهم».
قالوا : يا رسول الله! ومن هم؟
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم «عليّ منهم ـ ثلاثا ـ ثمّ قال : وأبو ذرّ ومقداد وسلمان».
ذكر هذا الحديث كثير من أعلامكم ، منهم : الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء ١ / ١٧٢ ، وابن ماجة في السنن ١ / ٦٦ ، والحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودّة : الباب ٥٩ ، وابن حجر المكّي في «الصواعق المحرقة» الحديث الخامس من الأربعين حديثا في فضل الإمام عليّعليهالسلام عن الترمذي والحاكم ، وابن حجر العسقلاني في الإصابة ٣ / ٤٥٥ ،
__________________
فأغضب عثمان ذلك ، ونفاه إلى الشام ، فكان أبو ذرّ في الشام ، ينكر على معاوية أشياء يفعلها ، فبعث إليه معاوية ثلاثمائة دينار ، فقال أبو ذرّ : إن كانت هذه من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها ، وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها ؛ وردّها عليه.
وبنى معاوية الخضراء بدمشق ، فقال أبو ذرّ : يا معاوية ، إن كانت هذه من مال الله فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك فهو الإسراف.
قال ابن أبي الحديد في ٣ / ٥٥ : وكان أبو ذرّ رحمهالله تعالى يقول : والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا سنّة نبيّه ، والله إنّي لأرى حقّا يطفأ ، وباطلا يحيا ؛ وصادقا مكذّبا ، وأثرة بغير تقى ، وصالحا مستأثرا عليه إلى آخره.
«المترجم»
والترمذي في صحيحه ٢ / ٢١٣ ، وابن عبد البرّ في الاستيعاب ٢ / ٥٥٧ ، والحاكم في المستدرك ٣ / ١٣٠ ، والسيوطي في «الجامع الصغير» وغير هؤلاء من علمائكم الموثوقين لديكم.
فهل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يعذر عثمان؟! هل يعذره في تلك المعاملات السيّئة التي عامل بها حبيبه وصاحبه أبا ذرّ الذي أمره الله تعالى بحبّه؟!!
هل هذه الأعمال البربرية ، تصدر من ذي رحمة ورأفة ، أم من ذي صلابة وقسوة؟!!
الحافظ : إنّما لاقى أبو ذر عقاب أعماله! لأنّه كان في الشام يدعو الناس لعليّ كرّم الله وجهه ، وكان يقول علانية : بأنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : «عليّ خليفتي فيكم» فكان يعرّض بعثمان والشيخين ، بأنّهم غصبوا الخلافة من عليّ بن أبي طالب ، فكان بهذه الكلمات يوقع الخلاف بين المسلمين في الشام ، فيشتّت آراءهم بعد أن كانوا على رأي واحد ؛ والخليفة مسئول على حفظ الدين ووحدة الكلمة واتّحاد المسلمين ، ولم يكن بدّ لعثمان من طلب إرجاعه إلى المدينة ، ليجعله تحت نظره ويراقب أمره.
قلت :
أوّلا : كان في المدينة تحت نظره ولكن أبعده إلى الشام ثمّ استردّه إلى المدينة!
ثانيا : وهل الإسلام يخالف بيان الحقّ؟!
وهل من العدل والدين أنّ من صدع بالحقّ يجب أن ينفى ويعذّب حتّى يموت صبرا؟!!
ثالثا : وعلى فرض أن يكون من حقّ الخليفة أن يجعل من يحبّ تحت نظره ويراقب أموره ، فهل من حقّه أيضا أن يصدر حكما قاسيا في حقّ المتّهم ، قبل أن يراه ويحاكمه ويسمع كلامه ودفاعه عن نفسه؟!
وهل يسمح الدين القويم والعقل السليم للخليفة ، أو لأيّ حاكم ، أن يحكم على متّهم ـ قبل ثبوت الجرم ـ وهو شيخ كبير مسنّ ضعيف نحيف ، بحكم لا يطيقه ولا يتحمّله؟! كما حكم عثمان وأمر في كتابه لمعاوية : أن احمل جندبا ـ يعني : أبا ذرّ ـ على أغلظ مركب وأوعره من غير قتب!! فلما وصل المدينة تساقط لحم فخذيه من الجهد.
فهل هذا بحكم العدل والرحمة؟! وهل هذا من المروءة والرأفة؟!!
وإذا كان عثمان يريد وحدة الكلمة واتّحاد المسلمين فقام بتبعيد أبي ذرّرحمهالله تعالى لكي لا تشقّ عصا المسلمين ، فلما ذا اختلف المسلمون على عهده وانشقّت عصاهم ، وثاروا على عثمان وقتلوه؟!!
فالمنصف المحقّق يعرف إنّما اختلف المسلمون وثاروا على عثمان وخلعوه ، بسبب ارتكابه تلك الأعمال المخالفة للإسلام والعرف!
وإذا كان الخليفة كما تزعمون ، حريصا على وحدة الكلمة واتّحاد المسلمين ، فكان يجب عليه أن يلبّي طلبات الثائرين ، وكلّها كانت أمورا شرعية وعرفية ، ومن أهمّها أنّهم كانوا يطالبوه بعزل بعض عمّاله المفسدين الظالمين ، وإبعاد حاشيته ، أمثال : مروان طريد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والوليد بن عقبة الفاسق ، ومعاوية الفاجر ، الّذين لعنوا في القرآن الكريم وعلى لسان النبيّ العظيمصلىاللهعليهوآلهوسلم .
الحافظ : من أين نعرف أنّ أبا ذر كان صادقا ، وبالحقّ ناطقا ،
فنحن نقول : إنّه كان يجعل الأحاديث على لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : كما أنتم تقولون في أبي هريرة!
أبو ذر أصدق الناس
إنّي أستغرب كلامك ، فكأنّك لم تطالع تاريخ أبي ذررحمهالله ولو لمرّة واحدة ، وإلاّ ما كنت تتكلّم بهذا الكلام الواهي ، فإنّ كلامك هذا يناقض كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويخالف حديثه الشريف في حقّ أبي ذرّ إذ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم «ما أقلّت الغبراء وما أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر».
وهذا حديث مشهور ، نقله أعلامكم ومحدّثوكم ، منهم : محمد ابن سعد في طبقاته ٤ / ١٦٧ و ١٦٨ ، وابن عبد البرّ في الاستيعاب ١ / ٨٤ باب جندب ، والترمذي في صحيحه ٢ / ٢٢١ ، والحاكم في المستدرك ٣ / ٣٤٢ ، وابن حجر العسقلاني في الإصابة ٣ / ٦٢٢ ، والمتّقي الهندي في كنز العمّال ٦ / ١٦٩ ، والإمام أحمد في المسند ٢ / ١٦٣ و ١٧٥ ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ٣ / ٥٦ ط بيروت ـ دار إحياء التراث العربي ، والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء ، وفي كتاب «لسان العرب» وكتاب «ينابيع المودّة» فقد رووه بأسانيد كثيرة وطرق عديدة.
بناء على هذا الحديث الشريف ، لا يحقّ لكم أن تنسبوا الكذب لأبي ذرّرحمهالله تعالى ، لأنّ تكذيبه يكون تكذيب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو كفر!
ولذلك ، فنحن نعتقد أنّ كلّ ما أعلنه أبو ذر صدق محض ، وحقّ
بحت ، وليس لنا ولكم إلاّ التصديق والقبول.
وبناء على الحديث الآخر الذي رويته لكم قبل هذا ، عن أعلامكم وطرقكم ، بأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : إنّ الله تعالى أمرني بحبّ أربعة كان أبو ذر أحدهم ، ومن الواضح أنّ الله سبحانه لا يأمر نبيّه بحبّ رجل كاذب يجعل الحديث وينسبه الى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والعياذ بالله!
ثمّ أقول : لو كان لبان ، أي : لو كان أبو ذرّ كاذبا لكان علماؤكم بيّنوا أكاذيبه وأعلنوا كذبه ، كما بيّنوا أباطيل أبي هريرة وأكاذيبه.
بالله عليكم فكّروا في هذه الحقائق وأنصفوا!
هل من الحقّ والعدل ومن الرحمة والرأفة : أنّ رجلا من خواصّ أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن المقرّبين لديه ، والذي حبّه فرض من الله عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو أصدق الامّة ، بل أصدق إنسان على وجه الغبراء وتحت السماء ، يعامل تلك المعاملات السيّئة ، فيعذّب وينفى إلى صحراء قاحلة ، فيموت فيها جوعا وعطشا!! لأنّه عمل بواجبه فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وصدع بالحق وأعلن الحقيقة؟!!
والجدير بالذكر أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخبره بابتلائه ومصابه في الله تعالى ، فقد روى أبو نعيم في حلية الأولياء ١ / ١٦٢ بإسناده عن أبي ذرّ الغفاري أنّه قال : كنت عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال «أنت رجل صالح وسيصيبك بلاء بعدي.
قلت : في الله؟
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : في الله.
قلت : مرحبا بأمر الله».
والآن ، وبعد سرد هذه الحوادث الفجيعة والوقائع الفظيعة ، بقي عليكم ، إمّا أن تردّوا وتكذّبوا كلّ أعلامكم وكبار علمائكم من أصحاب الصحاح والمسانيد والتواريخ والتفاسير وغيرهم الّذين ذكروا هذه الحوادث ونقلوا تلك الوقائع.
وإمّا أن تذعنوا بأنّ عثمان لا تشمله الآية الكريمة ، ولا تنطبق عليه جملة( رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) فقد كان فظّا غليظا ، وصعبا قاسيا ، شديدا على المؤمنين ، ورءوفا رحيما شفيقا بالفاسقين والمنافقين!!
الحافظ : لقد ثبت عندنا وعند كثير من العلماء الأعلام : أنّ أبا ذرّرحمهالله ، هو الذي اختار المقام في الربذة من غير إجبار ، بل أحبّ أن يجتنب الأحداث ، فسافر إلى مسقط رأسه الربذة.
قلت : هذا قول بعض المتأخّرين من علمائكم المتعصّبين ، وهو قول اجتهادي من غير دليل وبدون أيّ مستند تاريخي(١) ، وإلا فكبار علمائكم ذكروا أنّه أبعد إلى الربذة بالقهر والجبر ، حتّى كاد أن يكون هذا الخبر من المسلّمات غير القابلة للنّقاش.
وكنموذج ، أنقل هذا الخبر الذي رواه الإمام أحمد في المسند ٥ / ١٥٦ ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ٣ / ٥٧ ، قال : روى الواقدي ، عن مالك بن أبي الرجال ، عن موسى بن ميسرة : أنّ أبا الأسود الدؤلي قال : كنت أحبّ لقاء أبي ذرّ لأسأله عن سبب خروجه ، فنزلت الربذة ، فقلت له : ألا تخبرني؟ أخرجت من المدينة
__________________
(١) أوّل من قال به هو قاضي القضاة عبد الجبّار نقلا عن الشيخ أبي علي ، كما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ٣ / ٥٢.
«المترجم»
طائعا أم أخرجت مكرها؟
فقال : كنت في ثغر من ثغور المسلمين ، أغني عنهم ، فأخرجت إلى مدينة الرسولعليهالسلام فقلت : أصحابي ودار هجرتي ، فاخرجت منها إلى ما ترى!
[ثمّ قال : بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد ، إذ مرّ بي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فضربني برجله وقال «لا أراك نائما في المسجد!
فقلت : بأبي أنت وأمّي! غلبتني عيني ، فنمت فيه.
فقال : كيف تصنع إذا أخرجوك منه؟!
فقلت : إذن ألحق بالشام ، فإنّها أرض مقدّسة ، وأرض بقية الإسلام ، وأرض الجهاد.
فقال : فكيف تصنع إذا أخرجت منها؟!
فقلت : أرجع إلى المسجد.
قال : فكيف تصنع إذا أخرجوك منه؟!
قلت : آخذ سيفي فأضرب به.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ألا أدلّك على خير من ذلك ، انسق معهم حيث ساقوك ، وتسمع وتطيع ؛ فسمعت وأطعت ، وأنا أسمع واطيع ، والله ليلقينّ الله عثمان وهو آثم في جنبي».]
وكان يقول بالربذة : ما ترك الحقّ لي صديقا ، ردّني عثمان بعد الهجرة أعرابيا!
عليّعليهالسلام مصداق( رُحَماءُ بَيْنَهُمْ )
كلّ ما ذكرناه كان ردّا على تأويل الشيخ عبد السلام لجملة
( رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) على عثمان ، وقد أثبتنا خلافه.
واعتقادنا أنّ الذي يكون من أجلى مصاديق هذه الجملة هو الإمام عليّعليهالسلام ، إذ حينما بويع بالخلافة وتسلّم الحكم ، عزل كلّ من ظلم الناس وجار على الضعفاء في حكومة عثمان.
وقد أشار عليه بعض الصحابة أن يترك الامور على حالها ويقوّي أركان حكومته ، فإذا استتبّ له الأمر وتمكّن من الرقاب بدأ بعزلهم واحدا واحدا ، فأجابه الإمام : والله لا أداهن في ديني ، ولا اعطي الرياء في أمري.
ولمّا أشار عليه ابن عبّاس في معاوية فقال : ولّه شهرا واعزله دهرا.
قالعليهالسلام : والله لا أطلب النصر بالجور ، فليس لي عند الله عذر إن تركت معاوية ساعة يظلم الناس.
وجاءه طلحة والزبير يطلبان حكومة مصر والعراق ، فلو لبّى طلبهما لما خرجا عليه وما كانت فتنة البصرة ومعركة الجمل ، ولكنّه هيهات أن يغلب على أمره ، فإنّه أبى أن ينصب للولايات إلاّ العدول الكفوءين من المؤمنين ممّن امتحنهم الله عزّ وجلّ ونجحوا في الأحداث والفتن التي عاصروها ، ولم يميلوا عن طريق الحقّ ، ولم تلههم الدنيا بزخرفها ، ولم يكنزوا الذهب والفضّة ، ولم يجمعوا أموال المسلمين المحرومين إلى أموالهم!
ولقد حورب عثمان وحصر ، على أن يعزل بعض ولاته وعمّاله فلم يجب إلى ذلك ، فكيف يفتتح الإمام عليّعليهالسلام أمره بهذه الدنيّة ويداري الأشخاص بالولايات ، على أن يكون خليفة بالظاهر ، وليس
له مراقبة امورهم والنظر في أعمالهم؟!!
والجدير بالذكر ، أنّنا نرى بعض الناس الّذين ينظرون إلى الامور على ظواهرها ولا يفكّرون في حقائقها ، ولا يدرسون الوقائع دراسة تعمّق وإمعان ، فيقيسونها بمقياس الدنيا لا الدين ، ويزنوها بمعيار الشياطين والمغوين ، لا المعيار الذي عيّنه ربّ العالمين ، فيستشكلون على سياسة أمير المؤمنينعليهالسلام !
ولكن لو تعمّقوا وأنصفوا ، لأذعنوا أنّ عليّاعليهالسلام كان يريد إدارة البلاد والعباد بالسياسة الدينية والطريقة الإلهيّة ، فهو لم يطلب الحكم إلاّ ليقيم الحقّ ويدحض الباطل ، ويقيم حدود الله سبحانه على القويّ والضعيف ، فيأخذ حقوق الضعفاء المحرومين من الأقوياء الظالمين.
فالراعي والرعيّة والرئيس والمرءوس عنده سواء ، والأصل عنده رضا الله عزّ وجلّ لا رضا الناس ، فلم تكن قاعدته في الحكم قاعدة غيره من الحكّام والخلفاء ، إذ جعلوا رضا الناس واستمالة قلوب الرؤساء أصلا لحكوماتهم فطلبوا النصر بالجور.
فكان عليّعليهالسلام رحيما بالضعفاء ، طالبا لحقوق المحرومين ، مواسيا للمساكين ، رءوفا بالفقراء ، عطوفا على الأرامل والأيتام ، فكان يعرف بأبي الأرامل والأيتام ، وصاحب المساكين.
وروي المحدّثون والمؤرّخون : أنّه نظر الامام عليّعليهالسلام الى امرأة على كتفها قربة ماء ، فأخذ منها القربة فحملها الى موضعها ، وسألها عن حالها فقالت : بعث عليّ بن أبي طالب زوجي الى بعض الثغور فقتل ، وترك صبيانا يتامى ، وليس عندي شيء ، فقد ألجأتني الضرورة الى خدمة الناس ، فانصرف الإمامعليهالسلام وبات ليلته قلقا ، فلمّا أصبح
حمل زنبيلا فيه طعام ، فقال بعضهم : أعطني أحمله عنك ، فقال : من يحمل وزري عنّي يوم القيامة؟ فأتى وقرع الباب فقالت : من هذا؟ قال : أنا العبد الذي حمل معك القربة ، فافتحي فإنّ معي شيئا للصبيان ، فقالت : رضي الله عنك وحكم بيني وبين عليّ بن أبي طالب ، فدخل وقال : إنّي احببت اكتساب الثواب ، فاختاري بين أن تعجني وتخبزي وبين أن تعلّلي الصبيان لأخبز أنا ، فقالت : أنا بالخبز أبصر وعليه أقدر ، ولكن شأنك والصبيان ، فعلّلهم حتّى أفرغ من الخبز ، قال : فعمدت الى الدقيق فعجنته ، وعمد عليّعليهالسلام الى اللحم فطبخه ، وجعل يلقّم الصبيان من اللّحم والتمر وغيره.
فرأته امرأة تعرفه فقالت لأم الصبيان : ويحك هذا أمير المؤمنين
فكان رحيما ورءوفا برعاياه حتى أهل الذمّة منهم ، فإنّه كان يوما على المنبر في مسجد الكوفة فسمع بأنّ بسر بن أرطاة هاجم بعض البلاد التي كانت تحت حكومته ، فروّع الناس وأرعبهم وأخذ سوار امرأة معاهدة ذمّيّة من يدها.
فبكي عليّعليهالسلام من هذا الخبر وقال : لو أنّ امرأ مات من هذا الخبر أسفا ما كان ملوما ، بل كان به جديرا.
وكانعليهالسلام رحيما بعدوّه وصديقه ، فإنّ عثمان على ما كان عليه من سوء التصرّف وسوء السيرة معه حتّى إنّه ضرب الإمامعليهالسلام بالسوط ـ كما رواه ابن أبي الحديد عن الزبير بن بكّار ، في شرح النهج ٩ / ١٦ ـ مع كلّ ذلك فقد ذكر المؤرّخون ـ منهم : ابن أبي الحديد في شرح النهج ٢ / ١٤٨ ـ أنّه : لما منع عثمان الماء واشتدّ الحصار عليه ، فغضب
عليّعليهالسلام من ذلك غضبا شديدا ، وقال لطلحة : أدخلوا عليه الروايا. فكره طلحة ذلك وساءه ، فلم يزل عليّعليهالسلام ، حتّى أدخل الماء إليه.
ونقل أيضا في صفحة ١٥٣ عن أبي جعفر ـ الطبري ، صاحب التاريخ ـ قال : فحالوا بين عثمان وبين الناس ، ومنعوه كلّ شيء حتّى الماء ، فأرسل عثمان سرّا إلى عليّعليهالسلام وإلى أزواج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّهم قد منعونا الماء ، فإنّ قدرتم أن ترسلوا إلينا ماء فافعلوا.
فجاء عليّعليهالسلام في الغلس ، فوقفعليهالسلام على الناس ، فوعظهم وقال : أيّها الناس! إنّ الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين ، إنّ فارس والروم لتأسر فتطعم وتسقي ، فالله الله! لا تقطعوا الماء عن الرجل.
فأغلظوا له وقالوا : لا نعم ولا نعمت عين.
فلمّا رأى منهم الجدّ نزع عمامته عن رأسه ورمى بها إلى دار عثمان يعلمه أنّه قد نهض ، وعاد إلى آخره.
مقايسة بين عليعليهالسلام وعثمان
لقد سبق أن ذكرنا عطايا عثمان لأقاربه ورهطه ، أمثال أبي سفيان والحكم بن أبي العاص وابنه مروان وغيرهم ، فكان يخصّص أموال المسلمين من بيت المال بهؤلاء ونظرائهم ، ويمنعها عن أهلها ، أمثال أبي ذرّ وعبد الله بن مسعود وغيرهما.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٩ / ١٦ : وروى الزبير بن بكّار عن الزهري ، قال : لمّا أتي عمر بجواهر كسرى ، وضع في المسجد فطلعت عليه الشمس فصار كالجمر ، فقال لخازن بيت المال : ويحك!
أرحني من هذا ، واقسمه بين المسلمين ، فإنّ نفسي تحدّثني أنّه سيكون في هذا بلاء وفتنة بين الناس.
فقال : يا أمير المؤمنين ، إن قسّمته بين المسلمين لم يسعهم وليس أحد يشتريه ، لأنّ ثمنه عظيم ، ولكن ندعه إلى قابل ، فعسى الله أن يفتح على المسلمين بمال فيشتريه منهم من يشتريه.
قال : ارفعه فأدخله بيت المال.
وقتل عمر وهو بحاله ، فأخذه عثمان لمّا ولي فحلّى به بناته!
هذا ، وانظروا إلى الخبر الذي نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج ١١ / ٢٥٣ ، قال : سأل معاوية عقيلا عن قصّة الحديدة المحماة.
قال [عقيل] : نعم ؛ أقويت وأصابتني مخمصة شديدة ، فسألته فلم تند صفاته ، فجمعت صبياني وجئته بهم ، والبؤس والضرّ ظاهران عليهم ؛ فقال : ائتني عشية لأدفع إليك شيئا.
فجئته يقودني أحد ولدي ، فأمره بالتنحّي ، ثمّ قال : ألا فدونك ، فأهويت ـ حريصا قد غلبني الجشع ، أظنّها صرّة ـ فوضعت يدي على حديدة تلتهب نارا ، فلما قبضتها نبذتها ، وخرت كما يخور الثور تحت يد جازره.
فقال لي : ثكلتك أمّك! هذا من حديدة أوقدت لها نار الدنيا ، فكيف بك وبي غدا إن سلكنا في سلاسل جهنم؟!
ثمّ قرأ :( إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ) (١) .
ثمّ قال : ليس لك عندي فوق حقّك الذي فرضه الله لك إلا ما ترى ، فانصرف إلى أهلك.
__________________
(١) سورة غافر ، الآية ٧١.
فجعل معاوية يتعجّب ، ويقول : هيهات هيهات! عقمت النساء أن يلدن مثله! انتهى.
فقارنوا بين الاثنين ، واعرفوا الحقّ في (علي) أمير المؤمنينعليهالسلام .
عفوه عن الأعداء
كان عليّعليهالسلام في أعلى مرتبة من مراتب العفو والصفح ، كان يقول : لكلّ شيء زكاة ، وزكاة الظفر بعدوّك العفو عنه.
ولقد عفا عن مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير لمّا ظفر بهما وهما أسيران مقيّدان في يوم الجمل ، فأمر بفكّ قيدهما وأطلق سراحهما ، مع العلم أنّهما كانا من ألدّ أعدائه وأشدّ مبغضيه.
وصفحه عن عائشة ، أعظم من كلّ عفو وصفح ؛ لأنّها سبّبت تجمّع الناس الغافلين ، وأغوت الجاهلين ، وقادتهم لقتال أمير المؤمنين وسيّد الوصيّينعليهالسلام ، فهي التي أضرمت نار الحرب وأجّجت الفتنة ؛ ومع كلّ ذلك ، لمّا اندحر أنصارها ، وانكسر جيشها ، وسقطت من الجمل مغلوبة مقهورة ، أسيرة في أيدي المؤمنين ، أمر الإمام عليّعليهالسلام أخاها محمد بن أبي بكر أن يأخذها إلى بيت في البصرة ويقوم بخدمتها ويكرمها.
وبعد ذلك هيّأ الإمام عليّعليهالسلام عشرين امرأة من قبيلة عبد القيس ، وأمرهنّ بلبس ملابس الرجال والعمائم ، وأن يحملن معهنّ السيوف والسلاح ويتلثّمن حتّى لا يعرفن ، وأمرهنّ أن يحطن بأمّ المؤمنين عائشة ويوصلنها إلى المدينة المنوّرة ، وأرسل خلف النسوة رجالا مسلّحين ليراقبوهنّ من بعيد ويذبّوا عنهنّ عند الحاجة.
فلما وصلت إلى المدينة ونزلت بيتها واستقرّت ، اجتمعت
زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعض المؤمنات من أهل المدينة عندها وعاتبنها على خروجها! فأظهرت الندم ، وشكرت لعليّعليهالسلام عفوه وصفحه عنها ومقابلته لها بالرحمة والكرامة ، إلاّ أنّها قالت : ولكن ما كنت أظنّ أن يبعثني عليّ بن أبي طالب مع رجال أجانب من البصرة إلى المدينة ، فإنّه ما راعى حرمة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حبيبته!!
فهنا كشفن المرافقات لها لثامهنّ وخرجن من زيّ الرجال إلى ظاهرهنّ وحقيقتهنّ.
فخجلت كثيرا وشكرت عليّاعليهالسلام أكثر من ذي قبل!
نعم هكذا يكون أولياء الله وخلفاؤه.
معاوية يمنع وعليّعليهالسلام يسمح
وأذكر لكم شاهدا آخر على رأفة عليّعليهالسلام ورحمته حتّى بالخارج عليه لقتاله ، مثل معاوية وحزبه الفاسقين ، في صفّين.
لقد ذكر جميع المؤرّخين وأصحاب السير ، منهم : المسعودي في مروج الذهب ، والطبري في تاريخه ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ٣ / ٣١٨ و ١٠ / ٢٥٧ ، وينابيع المودّة ـ للقندوزي ـ باب ٥١ ، وغيرهم ذكروا : أنّ معاوية استولى على الفرات فمنع جيش الإمام عليّعليهالسلام من حمل الماء ، وقال : لا والله لا ندعهم يشربون حتّى يموتوا عطشا!
فهاجمهم جيش الإمام عليّعليهالسلام واستولوا على الفرات وانهزم جيش معاوية ، ولكنّ عليّاعليهالسلام لم يمنعهم الشرب وسمح لهم بحمل الماء بالله عليكم أيّها الحاضرون أنصفوا! أيّ الخليفتين تشمله الجملة
من الآية الكريمة :( رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) ؟
وإذا كنتم تريدون تعريف الآية الكريمة وإعرابها كاملة
فيكون( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ) مبتدأ( وَالَّذِينَ مَعَهُ ) معطوف على المبتدأ ، وخبره وما بعده خبر بعد الخبر ، وكلّها صفات شخص واحد ، يعني : الّذين يعدّون مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويوصفون بمعيّته ، هم الّذين يكونون أشدّاء على الكفّار ، رحماء بينهم إلى آخره.
وحيث إنّ هذه الصفات ما اجتمعت في أحد من الصحابة غير عليّعليهالسلام ، فالذي يعدّ مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم معيّة حقيقية معنوية ، فلا فارقه ولا فكّر بمفارقته حتّى ساعة واحدة ، هو عليّعليهالسلام ، فكأنّهما اصبحا حقيقة ونفسا واحدة ، اتّحدا روحا ومعنى وإن افترقا جسما وبدنا.
الشيخ : عندنا إجابات وردود كثيرة على كلامكم ، ولكن نكتفي بواحدة منها ، وهي : إنّ معاني الآية الكريمة إذا كانت تنطبق على سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه فقط ، ولم تشمل أحدا غيره ، فلما ذا جاءت الآية على صيغة الجمع؟! فتقول : والّذين معه ، أشدّاء ، رحماء ، ركّعا ، سجّدا ، يبتغون ، سيماهم ، وجوههم كلّها كلمات على صيغة الجمع.
قلت :
أوّلا : أنا حاضر لأستمع كلّ إجاباتكم وردودكم ، وإلا فسكوتكم يدلّ على صحّة حديثي وربّما كان عندكم مغالطات تسمونها إجابات! فاطرحوها ، فإنّي لا أتركها بلا جواب ، إن شاء الله تعالى.
ثانيا : إنّ سؤالكم هذا ، نقاش لفظي ، لأنّكم تعلمون أنّ في كلام العرب والعجم يطلقون صيغة الجمع على المفرد من أجل التعظيم
والتفخيم ، وكم لها في القرآن نظائر! منها :
آية الولاية ونزولها في الإمام عليّعليهالسلام
القرآن الكريم هو أعظم مرجع في اللغة العربية ، وأقوى سند لها ، وفي ما نحن فيه أيضا ، القرآن دليل قاطع ، وبرهان ساطع.
فنجد فيه آية كريمة أخرى وهي : آية الولاية( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) (١) ، فكلماتها على صيغة الجمع ، واتّفق المفسّرون والمحدّثون من الفريقين ـ الشيعة والسنّة ـ أنّها نزلت في حقّ عليّعليهالسلام وحده ، منهم : الإمام الفخر الرازي في التفسير الكبير ٣ / ٤٣١ ، والإمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسير «كشف البيان» وجار الله الزمخشري في الكشّاف ١ / ٤٢٢ ، الطبري في تفسيره ٦ / ١٨٦ ، أبو الحسن الرمّاني في تفسيره ، ابن هوازن النيسابوري في تفسيره ، ابن سعدون القرطبي في تفسيره ، الحافظ النسفي في تفسيره المطبوع في حاشية تفسير الخازن البغدادي ، الفاضل النيسابوري في غرائب القرآن ١ / ٤٦١ ، أبو الحسن الواحدي في أسباب النزول : ١٤٨ ، الحافظ أبو بكر الجصّاص في تفسير أحكام القرآن : ٥٤٢ ، الحافظ أبو بكر الشيرازي في كتابه «ما نزل من القرآن في عليّعليهالسلام » ، أبو يوسف الشيخ عبد السلام القزويني في تفسيره الكبير ، القاضي البيضاوي في تفسيره أنوار التنزيل ١ / ٣٤٥ ، جلال الدين السيوطي في الدرّ المنثور ٢ / ٢٩٣ ، القاضي الشوكاني في
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٥٥.
تفسيره «فتح الغدير» السيّد محمود الآلوسي في تفسيره «روح المعاني» الحافظ ابن أبي شيبة الكوفي في تفسيره ، أبو البركات في تفسيره ١ / ٤٩٦ ، الحافظ البغوي في «معالم التنزيل» ، الإمام النسائي في صحيحه ، محمد بن طلحة الشافعي في «مطالب السئول» ، ابن أبي الحديد في شرح النهج ١٣ / ٢٧٧ ، الخازن علاء الدين البغدادي في تفسيره ١ / ٤٩٦ ، الحافظ القندوزي في «ينابيع المودّة» ، الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه «المصنّف» ، رزين العبدري في «الجمع بين الصحاح الستّة» ، ابن عساكر في تاريخه ، سبط ابن الجوزي في التذكرة : ٩ ، القاضي عضد الإيجي في كتابه المواقف : ٢٧٦ ، السيّد الشريف الجرجاني في شرح المواقف ، العلاّمة ابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة : ١٢٣ ، الحافظ أبو سعد السمعاني في «فضائل الصحابة» أبو جعفر الإسكافي في «نقض العثمانية» ، الطبراني في الأوسط ، ابن المغازلي في «مناقب عليّ بن أبي طالب» ، العلاّمة الكنجي القرشي الشافعي في «كفاية الطالب» ، العلاّمة القوشجي في شرح التجريد ، الشبلنجي في نور الأبصار : ٧٧ ، محبّ الدين الطبري في الرياض النضرة ٢ / ٢٢٧ ، وغيرهم من كبار أعلامكم.
رووا عن السدّي ومجاهد والحسن البصري والأعمش وعتبة بن أبي حكيم وغالب بن عبد الله وقيس بن ربيعة وعباية بن ربعي وعبد الله ابن عبّاس وأبي ذرّ الغفاري وجابر بن عبد الله الأنصاري وعمّار بن ياسر وأبي رافع وعبد الله بن سلام ، وغيرهم من الصحابة ، رووا أنّ الآية الكريمة نزلت في شأن سيّدنا عليّعليهالسلام ، وقد اتّفقوا على هذا المضمون وإن اختلفت ألفاظهم ، قالوا :
إنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام كان يصلّي في المسجد ، إذ دخل مسكين وسأل المسلمين الصدقة والمساعدة ، فلم يعطه أحد شيئا ، وكان عليّعليهالسلام في الركوع فأشار بإصبعه إلى السائل ، فأخرج الخاتم من يد الإمام عليّعليهالسلام ، فنزلت الآية في شأنه وحده على صيغة الجمع ، وذلك من أجل التعظيم والتفخيم لمقامهعليهالسلام .
الشيخ عبد السّلام : إنّ هذا التفسير وشأن النزول لم يكن قول جميع علمائنا ، فقد خالف هذا القول جماعة ، فمنهم القائل : إنّها نزلت في شأن الأنصار ، وبعض قالوا : نزلت في شأن عبادة بن الصامت. وجماعة قالوا : نزلت في حقّ عبد الله بن سلام.
قلت : إنّي أتعجّب منكم ، حيث تتركون قول أعظم أعلامكم وأشهر علمائكم وأكثرهم ، إضافة إلى إجماع علماء الشيعة في ذلك ، وتتمسّكون بأقوال شاذّة من أفراد مجهولين أو معلومين بالكذب والنصب والتعصّب ، بحيث نجد أقوالهم ورواياتهم مردودة وغير مقبولة عند كبار علمائكم.
والجديد بالذكر أنّ بعض علمائكم ادّعى إجماع المفسّرين واتّفاقهم على أن الآية نزلت في شأن الإمام عليّعليهالسلام ، منهم : الفاضل التفتازاني ، والعلامة القوشجي في شرح التجريد ، قال : إنّها باتّفاق المفسّرين نزلت في حقّ علي بن أبي طالب حين أعطى السائل خاتمه وهو راكع
فهل العقل السليم يسمح لكم بترك قول جمهور العلماء والمفسّرين وتتمسّكون بأقوال واهية وشاذّة صدرت من المتعصّبين والمعاندين الجاحدين للحق والدين؟!
شبهات وردود
الشيخ عبد السلام : سماحتكم أردتم بهذه الآية أن تثبتوا خلافة سيّدنا علي كرم الله وجهه بلا فصل بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والحال أنّ فيها أمورا تمنع من قصدكم.
أوّلا : كلمة «الوليّ» في الآية بمعنى المحبّ ، لا بمعنى الإمام والخليفة ، وإذا كانت بالمعنى الذي تقولونه فلا ينحصر الوليّ في رجل واحد ، بل تشمل الآية أفرادا كثيرين ، على القاعدة المقرّرة عند العلماء وهي : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المعنى والسبب ؛ وعلى هذا فالإمام عليّ كرّم الله وجهه هو أحد أفراد الآية الكريمة.
ثانيا : صيغة الجمع في كلمة «وليّكم» وكلمة «الّذين» تفيد العموم ، وحمل الجمع على الفرد ـ بدون دليل ـ يكون تأويلا لكلام الله تعالى بغير مجوّز.
قلت :
أوّلا : كلمة «الولي» جاءت بصيغة المفرد وأضيفت إلى ضمير الجمع ، أي : إنّما وليّ المسلمين.
ثانيا : أجبناكم من قبل أن الأدباء واللغويّين يجيزون إطلاق الجمع على الفرد لأجل التفخيم والتعظيم.
وأمّا القاعدة المقرّرة عند العلماء ، أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فنحن أيضا نلتزم بها ، فقد جاء في اللفظ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ ) وهي أداة حصر ، فلذا نقول : إنّ الآية نزلت في شأن
أمير المؤمنينعليهالسلام والولاية الإلهية في عصره منحصرة فيه ، فهو وليّ المسلمين دون غيره ، ولا يحقّ لأحد أن يدّعي الولاية على الإمام عليّعليهالسلام ما دام في الحياة ، فإذا مات أو قتل فالولاية الإلهيّة التي تضمّنتها الآية تنتقل إلى غيره ، وهم الأئمّة الأحد عشر من ولده ، واحدا بعد الآخر ، فحينئذ يحصل مرادكم أيضا ، لأنّكم تقولون : إنّ الآية الكريمة تشمل أفرادا كثيرين لا فردا واحدا.
فالأفراد المشمولون بالآية هم الأئمّة المعصومون من أهل البيتعليهمالسلام كما قال الزمخشري في «الكشّاف» في ذيل الآية الكريمة : ولو أن الآية حصر في شأن عليّعليهالسلام فإنّ المقصود من نزولها بصيغة الجمع كان لترغيب الآخرين ليتّبعوا عليّاعليهالسلام في هذا الأمر ويتعلّموا منه.
ثالثا : أمّا قولكم بأنّ الشيعة أوّلوا الآية بغير مجوّز ودليل ؛ ما هو إلاّ سفسطة كلام تريدون من ورائه إغواء العوامّ.
ونحن ذكرنا لكم أسماء ثلّة من كبار علمائكم وأشهر أعلامكم ومفسّريكم الّذين قالوا بأنّ الآية نزلت في شأن عليعليهالسلام ، وهذا القول إنّما يكون تنزيل الآية وتفسيرها ، لا تأويلا أو رأيا اجتهاديا.
الشيخ عبد السّلام : أما كلمة «الوليّ» فهي بمعنى : المحبّ والناصر ، لا بمعنى الأولى بالتصرّف حتّى تستنبطوا منها معنى الخلافة ، لأنّها إذا كانت بمعنى الخلافة ، فيجب بعد نزول الآية أن يخلف عليّ كرّم الله وجهه رسول الله في حال حياته إذا سافر أو غاب لبعض شئونه ، وأن يقوم مقامه ويتصرّف في الأمور مثلهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهذا الأمر لم يكن في حياة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فلذا نقول : إنّ كلامكم باطل.
قلت : بأيّ دليل تقول : إنّ هذا الأمر ـ أي : قيام الإمام عليّعليهالسلام
مقام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ لم يكن في حياة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
فظاهر الآية يثبت مقام الولاية لعليّعليهالسلام من حين نزولها ، واستمرار المقام بدليل الجملة الاسمية ، وأنّ «الوليّ» صفة مشبّهة ، وهذان دليلان على ثبات ودوام مقام الولاية.
ويؤيّد هذا المعنى أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم جعل عليّاعليهالسلام خليفته في المدينة حين خرج منها إلى تبوك ، ولم يعزله بعد ذلك إلى أن توفّيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ويؤيّده حديث المنزلة ، فإنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كرّره في مناسبات كثيرة ، قائلا : عليّ منّي بمنزلة هارون من موسى. أو يخاطبه في الملأ : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى.
وقد ذكرنا لكم بعض مصادره في الليالي الماضية.
وهذا دليل آخر على أنّ عليّاعليهالسلام كان خليفة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في غيابه لما كان حيّا واستمرت خلافته للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد حياته أيضا.
الشيخ عبد السّلام : لو تعمّقتم في شأن نزول الآية كما تقولون وفكّرتم فيه ، لعدلتم عن رأيكم ؛ لأنّه لا يعدّ منقبة لسيّدنا عليّ ، بل يعدّ نقصا له كرّم الله وجهه ، وهو أجلّ من ذلك.
قلت :
أوّلا : لا يحقّ لأحد بلغ ما بلغ من العلم ، أن يغيّر ويبدّل شأن نزول آيات القرآن الحكيم ، سواء ثبتت بها منقبة أو منقصة لأيّ شخص كان ، فإنّ شأن النزول يتبع الواقع وليس بأمر اجتهادي ، ولا يدخل فيه رأي هذا وذاك ، ولا يتصرّف أحد في شأن نزول الآيات إلاّ شقيّ عديم الدين والإيمان ، يتّبع هواه ولا يطيع الله عزّ وجلّ ، مثل البكريّين في هذا الشأن ، فإنّهم اتّبعوا قول عكرمة الكذّاب وقالوا : إنّها نزلت
في شأن أبي بكر!
ثانيا : أوضحوا لنا كيف تكون الآية الكريمة منقصة لمن نزلت في شأنه؟!
الشيخ عبد السلام : لأنّه من جملة خصال سيّدنا عليّ كرّم الله وجه التي تعدّ من أجمل خصاله وفضائله ، أنّه لمّا كان يقف للصلاة كان ينسى نفسه وكلّ شيء سوى الله سبحانه ، فلا يحسّ ولا يبصر إلاّ عظمة الله وآياته.
وقد روى بعض العلماء ، أنّهعليهالسلام اصيب بسهم في رجله في إحدى المعارك ، فأشار عليه طبيب جرّاح ليأذن له حتّى يشق اللحم ويخرج السهم من رجله ، فأبىعليهالسلام .
ثمّ لمّا وقفعليهالسلام بين يدي الله تعالى واستغرق في العبادة في حال السجود أمر الإمام الحسن ـرضياللهعنه ـ أن يخرج الجرّاح السهم من رجل أبيه ، فأخرجه وما أحسّ سيّدنا عليّ أبدا!
فإنّ رجلا هذا حاله حين الصلاة ، كيف يلتفت إلى سائل فقير فيعطيه خاتمه وهو في حال الركوع؟!
ألم يكن انصرافه عن الله تعالى والتفاته إلى الفقير نقصا لصلاته ونقضا لعبادته؟!
قلت : إنّ هذا الإشكال أهون من بيت العنكبوت! لأنّ التفات المصلّي إلى الامور المادّيّة تعدّ نقصا ، وأمّا إلى الامور المعنوية فهو كمال ، فإعطاء الزكاة والصدقة للفقير عبادة مقرّبة إلى الله سبحانه ، والصلاة ـ أيضا ـ عبادة أقامها عليّعليهالسلام قربة إلى الله تعالى ، فهو لم يخرج عن حال التقرّب إلى الله ، ولم ينصرف عن العبادة إلى عمل غير
عبادي ، وإنّما انصرف من الله إلى الله ، وتكرّرت عبادته ، فقد آتى الزكاة في حال الصلاة ، فجمع فرضين ليكسب رضا الله عزّ وجلّ ويتقرّب إليه ، وقد قرّبه الباري سبحانه وتعالى وقبل منه الزكاة والصلاة ، فأنزل الآية وأعطاه الولاية ، ليكون دليلا على قبول عمله وعبادته.
ألم يكن هذا دليل على فضل الإمام عليّعليهالسلام وكماله؟!
ما لكم كيف تحكمون؟!
عود على بدء
فثبت أنّ الذي تنطبق عليه الآية الكريمة تطبيقا كاملا وصحيحا صريحا من غير تأويل وتعليل ، إنّما هو الإمام عليّعليهالسلام الذي كان مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم معيّة امتزجت نفسهعليهالسلام بنفسهصلىاللهعليهوآلهوسلم الطيّبة ، وأخلاقهعليهالسلام بأخلاقهصلىاللهعليهوآلهوسلم الكريمة ، وصفاتهعليهالسلام بصفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحميدة ، حتّى أصبحا حقيقة واحدة لا يمكن افتراقهما.
وثبت أنّه لم يكن أشدّ منهعليهالسلام على الكفّار ، ولا أرحم وأرأف منهعليهالسلام بالمؤمنين.
فكان صلب الإيمان ، ثابت العقيدة ما شكّ في النبوّة والدين لحظة واحدة ، ولا تزلزل في رسالة سيّد المرسلين طرفة عين أبدا.
الشيخ عبد السّلام : لا أدري ما الذي تقصده من هذه الكنايات والتّصريحات؟!
فهل شكّ أحد الخلفاء الراشدين والصحابة المهتدين ، بعد ما آمنوا بالدين؟!
وهل تزلزل أحدهم في رسالة خاتم النبيّين؟! حتّى تقول : إنّ عليّا ما شكّ وما تزلزل! بل كلهم كذلك ، ما شكوا وما تزلزلوا ، فلما ذا هذا التأكيد على سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه؟! لعلك تريد أن تقول : بأنّ الشيخين أو غيرهما من الصحابة الكرام شكّوا في الدين وتزلزلوا في الإيمان؟!!
قلت : يا شيخ! اشهد الله أنّي لم أقصد بكلامي ما ظننت ، ولو كان ذلك لأظهرته بالصراحة لا بالكناية.
الشيخ عبد السلام : إنّ اسلوب حديثك ينبئ بأنّ عندك شيئا في هذا المجال ، ولا تريد أن تظهره بالمقال ، ولكنّي اريد منك أن تبيّن كلّ ما في قلبك ولا تبقي شيئا ، ولا تنس أنّنا لا نقبل منك شيئا إلاّ مع الدليل والبرهان.
قلت : لو كنتم تعفونني من الخوض في هذا الموضوع لكان أجمل وأحسن ، وإن كانت أدلّتي كلّها من كتب علمائكم الأعلام ومحدّثيكم الكرام ، ولكن رعاية لبعض الجهات احبّ أن لا أطرح هذا الموضوع أبدا.
الشيخ عبد السلام : إنّك بهذا الكلام ألقيت الشكّ في قلوب هؤلاء العوامّ ، فإنّهم سيظنّون أنّ الشيخين ـ رضي الله عنهما ـ وغيرهما من الصحابة الكرام قد شكّوا يوما وتزلزلوا في الدين الحنيف والنبوّة!
فالرجاء الأكيد إمّا أن تقيم الدليل والبرهان الصريح الواضح على هذا الكلام ، أو أن ترجع في كلامك الذي فيه إيهام ، وتعلن من غير إبهام ، بأنّ الشيخين وغيرهما من الصحابة الكرام ، ما زلّت بهم
الأقدام ، ولم يشكّوا طرفة عين في النبوّة والإسلام.
قلت : يا شيخ! إنّ الشكّ والترديد كان يعتري أكثر الصحابة الّذين كانوا في مرتبة دنيا من الإيمان ، ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم ، ولم يمتزج بنفوسهم.
فكان بعضهم يبقى في حال الشكّ والريب ، فكانت آيات من القرآن الحكيم تنزل في شأنهم وذمّهم ، كالمنافقين الّذين نزلت آيات كثيرة في سورة المنافقين وغيرها في ذمّهم.
وبعضهم كان يعرض عليه الشكّ والترديد ثم يزول عنه بعد مدّة.
هذا جواب عام ، ولا نريد أن نمسّ أحدا ، فأرجوكم أن تكتفوا بهذا المقدار ، في هذا الإطار.
الشيخ عبد السلام : إنّ الشكّ الذي وقع بسبب كلامك في قلوب الحاضرين باق ، فإمّا أن تذكر ما يختلج في قلبك ، واضحا من غير التباس ، مستدلا بأقوال علمائنا المعتمدين عندنا وكتبنا الموثوقة المعتبرة لدينا ، أو تصرّح بأنّ الشيخين كانا في حدّ اليقين ، وما شكّا في الدين ، ولم يتزلزلا في نبوّة سيّد المرسلين ، طرفة عين.
قلت : يا شيخ! إنّ إلحاحك وإصرارك على هذا الأمر ، اضطرّني أن أكشف عن حقائق لم أكن أحبّ أن أكشف عنها.
نعم ، لقد شك عمر بن الخطّاب في نبوّة خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتناقل الخبر بعض علمائكم الأعلام ، مثل ابن المغازلي الشافعي في كتابه : مناقب عليّ بن أبي طالب(١) والحافظ محمد بن أبي نصر الحميدي في
__________________
(١) لم أجد هذا الخبر في (المناقب) لابن المغازلي.
كتابه «الجمع بين الصحيحين» نقل عن عمر بن الخطّاب أنّه قال بعد يوم الحديبية : ما شككت في نبوّة محمّد قط كشكّي يوم الحديبية.
فسياق الكلام يقتضي أنّه شكّ في هذا الأمر مرارا ، ولكن شكّه يوم الحديبية كان أقوى وأشدّ.
النوّاب : لو سمحت ، بيّن لنا ما كان سبب شكّ الفاروق في الحديبية؟ وما الذي جرى هناك حتّى وقع عمر منه في شكّ؟!
قلت : شرح القضية بالتفصيل يحتاج إلى وقت كثير ، لكن ملخّصه.
شكّ عمر في نبوة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى في ما يرى النائم ، أنّه دخل مكّة مع أصحابه واعتمروا.
فلمّا أصبح حدّث الأصحاب برؤياه ، فسأله الأصحاب عن
__________________
ووجدت مصادر كثيرة لأعلام القوم ، تنقل قول عمر ، بهذه العبارة التالية أو غيرها : «ما شككت منذ أسلمت إلاّ يومئذ إلى آخره» منها تاريخ الطبري ٢ / ٧٨ و ٧٩ ، الرياض النضرة ١ / ٣٧٢ ، عمر بن الخطّاب ـ للاستاذ عبد الكريم الخطيب ـ : ٦٣ ، تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ : ٤٣ ، السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٣ / ٣٣١ ، الإمام علي ـ لعبد الفتاح عبد المقصود ـ ١ / ١٦٥ ، تفسير الخازن ٤ / ١٥٧ ، تفسير ابن كثير ٤ / ١٩٦ ، السيرة الحلبية ٣ / ١٩ ، الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ ١ / ٥٧ ، صحيح البخاري ـ مشكول ـ ٣ / ١٩٠ ، عيون الأثر ٢ / ١١٩ ، تاريخ الاسلام السياسي ١ / ٢٤٦ ، كنز العمّال ٢ / ٥٢٧.
«المترجم»
تأويلها وتعبيرها ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ندخل مكّة إن شاء الله ونعتمر» ولم يعيّن وقتا للدخول إليها.
ثمّ تهيّأ مع الأصحاب للسفر إلى مكّة وأداء العمرة ، فلما وصل الحديبية ـ وهي بئر بالقرب من مكّة على حدود الحرم ـ ، علمت قريش بمجيء النبيّ والمسلمين ، فخرجوا مسلّحين ليمنعوهم من الدخول.
والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يكن يقصد من سفره إلاّ زيارة البيت الحرام وأداء العمرة ولم ينو الحرب والقتال ، لذلك لمّا بعث المشركون من قريش وفدا للمفاوضة ، استقبلهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفاوضهم وكتب معهم ما اشتهر بصلح الحديبية ، على أن يرجع النبيّ والمسلمون في ذلك العام ثمّ يأتون في العام القابل ، ليؤدّوا مناسكهم ويعتمروا ، من غير مانع إلى آخر الشروط.
فلمّا وقّع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على ذلك شكّ عمر بن الخطّاب في نبوّة سيّد المرسلين محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : النبيّ لا يكذب ، أما قلت : ندخل مكة ونأتي بالمناسك معتمرين؟! فلما ذا صالحتهم على الرجوع ولم تدخل مكة؟!
فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : لكنّي ما عيّنت وقتا ، فهل قلت ، ندخل مكّة في هذا العام؟!
قال عمر : لا.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أقول مؤكّدا : ندخل مكّة إن شاء الله ، ورؤياي تتحقّق بإذن الله تعالى.
فنزل جبرئيل بالآية الكريمة مؤكّدا أيضا :( لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ
وَمُقَصِّرِينَ ، لا تَخافُونَ ) إلى آخرها(١) .
فهذا ملخّص صلح الحديبية وكيفيّة شكّ عمر بن الخطّاب بنبوّة خاتم النبيّين وسيّد المرسلين محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وكان هذا الأمر امتحانا للمسلمين ليمتاز الثابت عن المتزلزل ، والمتيقّن عن الشاكّ والمرتاب.
هل يستمر الحوار؟
لمّا وصل الحديث إلى هنا ، نظر بعض العلماء إلى ساعته وقال : أخذنا الحديث كلّ مأخذ ، وانقضى من الليل نصفه أو أكثر ، لذا نترك متابعة الموضوع والحديث إلى الليلة القابلة إن شاء الله.
الحافظ : لقد سررنا بلقياكم ، وفرحنا بمجالسكم ، وانجذبنا إلى حديثكم ، فانقادت مسامعنا بل قلوبنا أيضا إلى كلامكم القويم ، وبيانكم الرصين ، وبقي عندنا كلام كثير ما أبديناه لضيق الوقت ، وعدم إفساح المجال ، فنؤجّله إلى وقت آخر ، وسفر آخر إن شاء الله ، فإنّنا نريد أن نرجع إلى الوطن [أفغانستان] فإنّ لنا هناك أعمالا وأشغالا كثيرة قد تعطّلت وأمورا تأخّرت ، وإنّ لنا هناك مهامّا تفوتنا إن لم نحضر.
لذا أرجو أن تتفضّل علينا وتأتي إلى بلادنا ، فنقوم بضيافتكم ، ونستمرّ في البحث والحوار معكم ، لعلّنا نصل إلى نتيجة فيها رضا الله سبحانه.
النوّاب ـ متوجها إلى الحافظ قائلا ـ : نحن لا ندعك أن ترجع
__________________
(١) سورة الفتح ، الآية ٢٧.
إلى بلادك حتّى نصل إلى نتيجة قطعية مع السيد المبجّل ، لأنّكم كنتم تقولون لنا إنّ الرافضة [الشيعة] ليسوا أهل بحث ومناقشة ، ولا أهل عقل ومنطق ، لأنّهم لا يملكون أدلّة وبراهين في إثبات عقائدهم ، وإذا جلسوا معنا على طاولة النقاش والحوار سوف يتنازلون لدلائلنا وبراهيننا القاطعة.
ولكنّا على عكس ذلك ، رأيناكم خاضعين أمام براهين السيد ، مستسلمين لأدلته ، ونحن كلّنا شهود.
فالرجاء منكم ، أن تبقوا عندنا ، وتستمرّوا في المناظرة والحوار حتّى يتبين الحقّ وتظهر الحقيقة ، فحينئذ نختار لأنفسنا المذهب الحقّ الثابت بدلائل القرآن الحكيم والعقل السليم.
الحافظ : نحن ما خضعنا ولا استسلمنا لأدلّة السيد ، وإنّما سكتنا لنستفيد من بيانه العذب وحديثه الطيّب ، فإنّه خطيب عجيب ، ذو سحر في البيان ، وطلاقة في اللسان ، فاستمعنا إلى حلاوة كلامه ، وذهلنا لسحر بيانه ، وانجذبنا لعذوبة لسانه ، فقد راعينا الأدب في حقّه ، وما أردنا أن يتأذّى ضيفنا العزيز ، وإلاّ فإنّا بعد لم ندخل في صلب المواضيع الأساسية ، وإذا أردنا أن نقيم الدليل والبرهان ، لثبت لكم أنّ الحقّ معنا.
النوّاب : أمّا نحن فإلى هذه الساعة لم نسمع منكم كلاما مستدلا وحديثا مستندا إلى العقل السليم والقرآن الكريم.
وأمّا كلام مولانا السيد فكلّه مستند إلى كتاب الله وأحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم المرويّة في كتب علمائنا.
فإذا كانت عندكم أدلّة وبراهين تنقض كلام مولانا السيد فأتوا
بها ، وإلاّ فإنّي أقول لكم بصراحة : إنّ هذه المحاورات والمناظرات قد انتشرت في الصحف والمجلاّت ، وأوقعت الشكّ والترديد في نفوس أكثر أهل السنّة والجماعة ، في هذا البلد.
فإذا لم تظهروا الحقّ ، ولم تعلنوا الحقيقة التي يريدها الله تعالى من عباده ، فإنّكم مسئولون أمام الله سبحانه وأمام صاحب الشريعة المقدّسة ، النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم .
على أثر هذا الكلام امتقع لون الحافظ وتغيّر وجهه ، وقد ظهر أثر الفشل والخجل على وجوه علماء القوم ، فكان الحافظ ينظر إليّ تارة وينظر إلى الأرض اخرى ، ثمّ توجّه إلى النوّاب قائلا :
أرجو أن تراعوا جانب الضيف الكريم فإنّه كان يريد السفر إلى خراسان لزيارة علي بن موسى الرضا ، ولكنّه تفضّل علينا بتأخير سفره ، فلا يجوز لنا أن نأخّره أكثر من هذا.
قلت : إنّني أشكر ألطافكم وأحساسكم ، صحيح أنّي كنت عازما على السفر والزيارة ، وأخّرت سفري لأجلكم ، ولكنّي فرحت بتأخير سفري ، إذ عملت بواجبي ، وخدمت الدين والمجتمع في كشف الحقيقة وإثبات الحقّ من خلال مناظراتي وحواري معكم ، وفي حضور هؤلاء الطيّبين الكرام ، فعرفوا الحقّ أحسن من ذي قبل.
وإنّني مستعدّ لأبقى معكم وأستفيد من مجالستكم سنة أو أكثر حتّى ينكشف الحقّ.
ولكنّي خجل من مضيّفي الكريم الاستاذ الميرزا يعقوب علي خان ، فقد أتعبته في هذه المدّة كثيرا.
وإذا بالميرزا يعقوب علي خان وإخوانه ـ ذو الفقار علي خان ،
وعدالت علي خان ، وكلّهم من شخصيات قزلباش ـ أجابوا قائلين : يا مولانا السيد ما كنّا نتوقّع منكم هذا الكلام ، فإنّ بيوتنا كلّها بيوتك ، ونحن نفتخر بخدمتك ، ونتشرف بإقامتك عندنا.
ثمّ تقدّم السيد محمد شاه ـ وهو من أشراف «پيشاور» وأعيانها ـ وكذلك السيّد عديل أختر ـ وهو من علماء الشيعة في «پيشاور» ـ فقالوا : نحن نرجو من سماحتكم أن ينتقل هذا المجلس إلى بيوتنا حتّى نحظى بخدمتكم ونتشرّف ونفتخر بوجودكم عندنا.
فقال الميرزا يعقوب علي خان : لا يمكن ذلك أبدا ، بل ما دام مولانا في «پيشاور» ، وهذا المجلس مستمرّ في الانعقاد ، فبيتي محلّه ومستقره.
قلت : أشكر الجميع ، وبالأخصّ صاحب البيت الأستاذ الكريم الميرزا يعقوب علي خان المحترم.
الحافظ : ـ بعد ما هدأ المجلس ـ قال : وأنا أنزل عند رغبة الاستاذ النّواب والإخوة الحاضرين وأؤجّل سفري وإن كانت عندي مهامّ وأعمال معطّلة في أفغانستان ، ولكن أرجو أن ينتقل مجلسنا هذا في الليالي القابلة إلى البيت الذي نحن فيه ، مراعاة للعدالة ، ورعاية لأهل هذا البيت الكريم ، فإنّهم تعبوا كثيرا ، وأثقلنا عليهم كثيرا.
قلت : لا مانع لديّ من ذلك ، ولا اصرّ على أن يكون المجلس في هذا البيت فقط ، إلاّ أنّ هذا البيت واسع بحيث يضم هذا الجمع الغفير الذي يحضر كلّ ليلة ، وإنّ وسائل الضيافة والتكريم متوفّرة عندهم ، فالاختيار إليكم ، وأمّا أنا فأينما ينعقد المجلس أحضر إن شاء الله تعالى.
الميرزا يعقوب علي خان : أظنّ أنّ الحافظ لا يعرف عادات ورسوم قبيلة قزلباش ، ولكن أهل البلد يعرفون ويعلمون بأنّ قبيلتنا يحبّون الضيف ويفرحون به ، ويفتخرون بخدمته ، وخاصّة إذا كان الضيوف علماء ومشايخ وسادة ، مثل فضيلة مولانا السيد سلطان الواعظين ، ومثل سماحة الحافظ ، وحضرات العلماء الحاضرين ، والإخوة الأعزّة المحترمين من كلّ الطبقات والأصناف ، فأهلا بكم ومرحبا في كلّ يوم.
الحافظ : أشكركم جميعا وأستودعكم الله ، وإلى اللقاء في الليلة الآتية إن شاء الله تعالى.
المجلس السابع
ليلة الخميس ٢٩ / رجب / ١٣٤٥ هجرية
في أوّل الليل حضر القوم مع علمائهم ، وبعد السلام والترحيب استقرّوا في مجلسهم وشربوا الشاي. افتتح السيّد عبد الحيّ الحديث ، فقال : سيدنا الجليل! في مجلس سابق تحدّثت عن موضوع ، ولمّا طالبك فضيلة الحافظ محمد رشيد بالدليل ، ذهبت بالكلام إلى موضوع آخر وتناسيت طلب الحافظ.
قلت : أرجو أن تتفضّلوا بتوضيح الموضوع ، حتّى أبيّن لكم الدليل.
السيّد عبد الحيّ : لقد سبق أن قلتم بأنّ سيّدنا عليا (كرم الله وجهه) كان في اتّحاد نفسيّ مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولهذا تعتقدون بأنّ الإمام عليّا أفضل من جميع الأنبياء سوى النبيّ محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قلت : نعم ، هذا معتقدنا.
السيّد عبد الحيّ : ما هو دليلكم على هذا المعتقد؟
وكيف يمكن اتّحاد شخصين حتى يصبحا نفسا واحدة؟!!
هذا ما طلبه منكم فضيلة الحافظ ، ولم تجيبوا عنه بشيء.
قلت : نحن لا نعتقد بشيء من غير دليل ، وقد قلت تكرارا : نحن أبناء الدليل حيثما مال نميل ، وسأبين لكم دلائلنا من القرآن والحديث الشريف.
ولكن قبل ذلك أودّ أن أصرّح بأنّ كلامكم (بأنّي تناسيت طلب الحافظ محمد رشيد ، وذهبت بالكلام إلى موضوع آخر) ما هو إلاّ سوء الظنّ منكم بالنسبة إليّ ، وإلاّ كلّنا يعلم بأنّ البحث أحيانا يأخذ بزمامنا ويجرّنا إلى موضوع آخر ، كما قيل قديما : الكلام يجرّ الكلام.
السيّد عبد الحيّ : إنّني أعتذر من سوء التعبير ، وأرجو العفو والسماح.
كيف يكون الإمام علي نفس رسول الله؟
قلت : اتّحاد شخصين بالمعنى الحقيقي غير ممكن ومحال عقلا ، ونحن إنّما نقول باتّحاد نفس النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ونفس الإمام عليّعليهالسلام مجازا.
وبيان ذلك : إن المحبّة والمودّة بين شخصين إذا وصلت أعلى مراتبها بحيث تصبح رغبتاهما واحدة ، وجميع الأمور المتعلّقة بالنفس والصادرة عنها تصبح واحدة أو متشابهة ومتماثلة ؛ يعبّر عن النفسين بالنفس الواحدة مجازا(١) .
__________________
(١) لقد نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ١٠ / ٢٢١ ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، نقل كلاما لأبي جعفر النقيب ، وقد رأيته مناسبا للمقام فأنقله هنا تعميما للفائدة :
وجاء هذا المعنى في كلمات بعض الأولياء ، وفي أشعار بعض الفصحاء والبلغاء.
__________________
قال في تشابه أخلاق الإمام عليّ عليهالسلام بأخلاق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : [انظروا إلى أخلاقهما وخصائصهما ، هذا شجاع وهذا شجاع ، هذا فصيح وهذا فصيح ، هذا سخي جواد وهذا سخي جواد ، هذا عالم بالشرائع والأمور الإلهية وهذا عالم بالفقه والشريعة والأمور الإلهية الدقيقة الغامضة ، هذا زاهد في الدنيا غير نهم ولا مستكثر منها ، وهذا زاهد في الدنيا تارك لها غير متمتّع بلذّاتها ، هذا مذيب نفسه في الصلاة والعبادة ، وهذا مثله ، وهذا غير محبّب إليه شيء من الأمور العاجلة إلاّ النساء وهذا مثله ، وهذا ابن عبد المطّلب بن هاشم وهذا في قعدده(١) وأبواهما أخوان لأمّ ولأب واحد دون غيرهما من بني عبد المطلّب.
وربّي محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم في حجر والد هذا ، وهذا أبو طالب فكان جاريا عنده مجرى أحد أولاده ، ثمّ لمّا شبّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وكبر استخلصه من بني أبي طالب وهو غلام ، فربّاه في حجره مكافأة لصنيع أبي طالب به ، فامتزج الخلقان وتماثلت السجيّتان.
وإذا كان القرين مقتديا بالقرين ، فما ظنّك بالتربية والتثقيف الدائم؟!
فواجب أن تكون أخلاق محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم كأخلاق أبي طالب ، وتكون أخلاق عليّ عليهالسلام كأخلاق أبي طالب أبيه ومحمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم مربّيه ، وأن يكون الكلّ شيمة واحدة وسوسا (٢) واحدا وطينة مشتركة ، ونفسا غير منقسمة ولا متجزّئة ، وألاّ يكون بين بعض هؤلاء وبعض فرق ولا فضل ، لو لا أنّ الله تعالى اختصّ محمدا صلىاللهعليهوآلهوسلم برسالته واصطفاه لوحيه ، لما يعلمه من مصالح البريّة في ذلك ، ومن أنّ اللطف به أكمل ، والنفع بمكانه أتمّ وأعمّ ، فامتاز رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك عمّن سواه وبقي ما عدا الرسالة على أمر الاتحاد ، وإلى هذا المعنى أشار صلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» فأبان نفسه منه بالنبوّة ، وأثبت له ما عداها من جميع الفضائل والخصائص مشتركا بينهما.] «المترجم».
__________________
(١) القعدد : القريب الآباء من الجدّ الأعلى.
(٢) سوسا واحدا : أصلا واحدا.
كما نجد في الديوان المنسوب إلى الإمام عليّعليهالسلام :
هموم الرجال في أمور كثيرة |
وهمّي في الدنيا صديق مساعد |
|
يكون كروح بين جسمين قسّمت |
فجسمهما جسمان والروح واحد |
ولبعض الشعراء:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا |
نحن روحان حللنا بدنا |
|
فإذا أبصرتني أبصرته |
وإذا أبصرته كان أنا |
|
روحه روحي وروحي روحه |
من رأي روحين حلاّ بدنا؟! |
فاتّحاد نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وتعبيرنا بذلك إنّما كان مجازا لا حقيقة ، والمراد أنّ رغباتهما كانت واحدة ونفسيّاتهما كانت متماثلة ، وكانا متشابهين في الفضائل النفسية والكمالات الروحية ، إلاّ ما خرج بالنصّ والدليل.
الحافظ : إذا أنتم تقولون بأنّ محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّا (كرم الله وجهه) كانا نبيّين ، ولعلّكم تعتقدون بأنّ الوحي نزل عليهما معا!!
قلت : هذا مغالطة بيّنة منكم ، ونحن الشيعة لا نعتقد بهذا ، وما كنت أتوقّع منكم أن تكرّروا ما طرحتم من قبل ، حتّى أكرّر جوابي ، فيصبح مجلس التفاهم والحوار مجلس جدل وتكرار ، فيضيع وقت الحاضرين الّذين جاءوا ليستفيدوا من حديثنا وحوارنا ، ويعرفوا الحقّ فيتّبعوه.
وقد قلت : بأنّا نعتقد أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والإمام عليّاعليهالسلام متّحدان ، أي متشابهان في جميع الفضائل النفسية ، ومتماثلان في الكمالات
الروحيّة إلاّ ما خرج بالنصّ والدليل ، وهو مقام النبوّة الخاصّة وشرائطها ، التي منها نزول الوحي عليه ، فإنّ الوحي النبويّ خاصّ بمحمّد المصطفى دون عليّ المرتضى ؛ وقد بيّنا ذلك بالتفصيل ضمن حديثنا في الليالي الماضية ، وإذا كنتم قد نسيتم ذلك فراجعوا الصحف التي نشرت تلك المحاورات!
لقد أثبتنا ضمن تفسير حديث المنزلة ، أنّ الإمام عليّاعليهالسلام كان في مقام النبوّة [وليس بنبي] لكن كان تابعا لشريعة سيّد المرسلين ، ومطيعا لخاتم النبيّين محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولذا لم ينزل عليه وحي بل نزل على محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما أنّ هارون كان نبيّا في زمن موسى بن عمران إلاّ أنّه كان تابعا ومطيعا لأخيه موسى عليهما السّلام.
الحافظ : لما كنتم تعتقدون بأنّ عليّا يساوي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في جميع الفضائل والكمالات ، فالنبوّة وشرائطها لازمة لتلك المساواة؟!
قلت : ربّما يتصوّر الإنسان ذلك من معنى المساواة ؛ ولكن إذا فكّر بدقّة في التوضيح الذي قلناه يعرف أنّ الحق غير ما تصوّره بادئ الأمر ، وقد أوضحنا الموضوع في الليالي السابقة وبرهنّا عليه من القرآن الحكيم ، فإنّ الله سبحانه يقول :( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) (١) .
ولا شكّ أنّ أفضلهم هو أكملهم وخاتمهم الذي قال تعالى في شأنه :( ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ) (٢) .
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية ٢٥٣.
(٢) سورة الأحزاب ، الآية ٤٠.
فالكمال الخاصّ بنبوّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم كان السبب في أنّ الله سبحانه يختم به النبوّة ورسالة السماء ، وهذا الكمال خاصّ بهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يشاركه ولا يساويه فيه أحد ، إلاّ أنّ سائر كمالاته النفسية وفضائله الروحية قابلة للمشاركة والمشابهة ، وكان عليّعليهالسلام يشاركه ويماثله فيها.
السيّد عبد الحيّ : هل لكم دليل على ذلك من القرآن الكريم؟
الاستدلال بآية المباهلة
قلت : دليلنا من القرآن الكريم قوله تعالى :( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) (١) .
إنّ كبار علمائكم ، وأعلامكم من المحدّثين والمفسّرين ، أمثال :
الإمام الفخر الرازي ، في «التفسير الكبير».
والإمام أبي إسحاق الثعلبي ، في تفسير «كشف البيان».
وجلال الدين السيوطي ، في «الدر المنثور».
والقاضي البيضاوي ، في «أنوار التنزيل».
وجار الله الزمخشري ، في تفسير «الكشّاف».
ومسلم بن الحجّاج ، في صحيحه.
وأبي الحسن ، الفقيه الشافعي ، المعروف بابن المغازلي ، في المناقب.
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ٦١.
والحافظ أبي نعيم ، في «حلية الأولياء».
ونور الدين ابن الصبّاغ المالكي ، في «الفصول المهمّة».
وشيخ الإسلام الحمويني ، في «فرائد السمطين».
وأبي المؤيّد الموفّق الخوارزمي ، في المناقب.
والشيخ سليمان الحنفي القندوزي ، في «ينابيع المودة».
وسبط ابن الجوزي ، في التذكرة.
ومحمد بن طلحة في «مطالب السئول».
ومحمّد بن يوسف الكنجي القرشي الشافعي ، في «كفاية الطالب».
وابن حجر المكّي ، في «الصواعق المحرقة».
هؤلاء وغيرهم ذكروا مع اختلاف يسير في الألفاظ ، والمعنى واحد ، قالوا : إنّ الآية الكريمة نزلت يوم المباهلة ، وهو ٢٤ أو ٢٥ من ذي الحجّة الحرام.
تفصيل المباهلة
قالوا : دعا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم نصارى نجران إلى الإسلام ، فأقبلت شخصيّاتهم وأعلامهم وعلماؤهم ، وكان عددهم يربو على السبعين ، ولمّا وصلوا المدينة المنوّرة التقوا برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجالسوه مرارا وتناظروا معه ، فسمعوا حديثه ودلائله على ما يدعو إليه من التوحيد والنبوّة وسائر أحكام الإسلام ، وما كان عندهم ردّ وجواب ، لكن حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها ، وخافوا إن أسلموا أن يفقدوا مقامهم ورئاستهم على قومهم.
فلما رأى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لجاجهم وعنادهم ، دعاهم إلى المباهلة حتّى يحكم الله بينهم ويفضح المعاند الكاذب ، فقبلوا ولما جاءوا إلى الميعاد ، وهو مكان في سفح جبل ، وكان النصارى أكثر من سبعين ، من علمائهم وساداتهم وكبرائهم ، فنظروا وإذا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد أقبل مع رجل وامرأة وطفلين ، فسألوا عنهم بعض الحاضرين ، فلمّا عرفوا أنّ الرجل الذي مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم صهره وابن عمّه علي بن أبي طالب ، وهو وزيره ، وأحبّ أهله إليه ، والمرأة ابنته فاطمة الزهراء ، والطفلين هما سبطاه الحسن والحسين.
قال لهم أكبر علمائهم : انظروا إلى محمّد! لقد جاء بصفوة أهله وأعزّهم عليه ليباهلنا بهم ، وهذا إنّما يدلّ على يقينه واطمئنانه بحقّانيّته ورسالته السماوية ، فليس من صالحنا أن نباهله ، بل نصالحه بما يريد من الأموال ، ولو لا خوفنا من قومنا ومن قيصر الروم ، لآمنّا بمحمّد وبدينه.
فوافقه قومه وقالوا : أنت سيّدنا المطاع.
فبعثوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّهم لا يباهلونه ، بل يريدون المصالحة معه ، فرضي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالمصالحة وأمر عليّاعليهالسلام فكتب كتاب الصلح بإملاء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فصالحهمصلىاللهعليهوآلهوسلم على ألفي حلّة فاخرة ، ثمن الواحدة أربعون درهما ، وألف مثقال ذهب ، وذكر بنودا اخرى.
فوقّع الطرفان على كتاب الصلح.
ولما اعترض النصارى على الأسقف الأعظم ومصالحته مع نبيّ الإسلام ، أجابهم قائلا : والله ما باهل نبيّ أهل ملّة إلاّ نزل عليهم
العذاب وماتوا عن آخرهم ، وإنّي نظرت إلى وجوه أولئك الخمسة : محمّد وأهل بيته ، فوجدت وجوها لو دعوا الله عز وجلّ باقتلاع الجبال وزوالها لانقلعت وزالت.
الحافظ : هذا الخبر صحيح ، ومنقول في كتبنا المعتبرة ، ولا منكر له بين علمائنا ، ولكن ما هو ارتباطه بسؤالنا عن دليل اتّحاد نفس عليّ (كرم الله وجهه) مع نفس النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
قلت : ارتباط الخبر بالسؤال كلمة( أَنْفُسَنا ) في الآية الكريمة.
أولا : الآية تدلّ على أنّ عليا وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام هم أفضل الخلق وأشرفهم بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم
عند الله تبارك وتعالى ، وهذا ما وصل إليه وصرّح به كثير من علمائكم ، حتّى المتعصّبين منهم ، مثل الزمخشري في تفسيره لآية المباهلة ، فقد ذكر شرحا وافيا عن الخمسة الطيّبين وكشف حقائق ودقائق مفيدة عن فضلهم ومقامهم عند الله سبحانه ، حتى قال : إنّ هذه الآية الكريمة أكبر دليل وأقوى برهان على أفضليّة أصحاب الكساء على من سواهم.
ورأي البيضاوي والفخر الرازي في تفسير الآية قريب من رأي الزمخشري.
ثانيا : نستنبط من الآية الكريمة أنّ مولانا عليّ بن أبي طالب هو أفضل الخلق وأشرفهم بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّ الله تعالى جعله نفس النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا إنّ كلمة( أَنْفُسَنا ) لا تعني النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّ الدعوة منه لا تصحّ لنفسهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنّما الدعوة من الإنسان لغيره ، فالمقصود من( أَنْفُسَنا ) في الآية الكريمة هو سيّدنا وإمامنا عليّعليهالسلام ، فكان بمنزلة نفس النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولذا دعاه وجاء به إلى المباهلة ، وذلك بأمر الله سبحانه.
هذا جواب سؤالكم وارتباط الآية الكريمة بالموضوع.
فعليّعليهالسلام هو نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بتعبير القرآن الحكيم ، وهو تعبير مجازي واتّحاد اعتباري لا حقيقي.
وقد قال الأصوليّون : حمل اللفظ على المعنى المجازي الأقرب أولى من حمله على الأبعد.
وفي ما نحن فيه ، أقرب المعاني المجازيّة لاتّحاد النفسين تساويهما في جميع الأمور النفسية ، وتماثلهما في جميع الصفات الكمالية اللازمة لها إلاّ ما خرج بالدليل.
وقلنا : إنّ الخارج بالدليل والإجماع ، عدم نزول الوحي على الإمام عليّعليهالسلام ، وعدم تساويه مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في النبوّة الخاصة بهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
الحافظ : لنا أن نقول بأنّ تعبير الآية :( نَدْعُ وَأَنْفُسَنا ) تعبير مجازي ، وادّعاؤكم في الاتّحاد النفسي المجازي لم يكن أولى وأقوى ممّا نقول نحن!
قلت : أرجوكم أن تتركوا المراء والجدال ، ولا تضيّعوا وقت المجلس بالقيل والقال ، فإنّ العلماء والعقلاء اتّفقوا على أنّ الأخذ بالمجاز الشائع أولى وأقوى من الأخذ بالمجاز غير الشائع.
والمجاز الذي نقوله في الموضوع هو من المعنى الشائع له عند العرب والعجم ، وكم له نظائر! وقد ذكرنا بعضها ضمن الحديث قبل ساعة ، فكم من قائل لصاحبه : أنت روحي وأنت كنفسي! ولكي تطمئنّ قلوبكم لهذا المعنى ، فإنّي أنقل لكم بعض الأحاديث النبويّة فيه
شواهد من الأحاديث
الأخبار المرويّة والأحاديث النبويّة في هذا المعنى المجازي كثيرة ننقل نماذج منها :
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «عليّ منّي وأنا منه ، من أحبّه فقد أحبّني ، ومن أحبّني فقد أحبّ الله».
أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في «المسند» وابن المغازلي في المناقب ، والموفّق بن أحمد الخوارزمي في المناقب ، وآخرون غيرهم.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «عليّ منّي وأنا من عليّ ، ولا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو عليّ».
أخرجه جماعة ، منهم : ابن ماجة في السنن ١ / ٩٢ ، والترمذي في صحيحه ، وابن حجر في الحديث السادس من الأربعين حديثا التي رواها في مناقب عليّ بن أبي طالبعليهالسلام في كتابه (الصواعق) وقال : رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة.
والإمام أحمد في المسند ٤ / ١٦٤ ، ومحمد بن يوسف الكنجي في الباب ٦٧ من «كفاية الطالب» نقله عن مسند ابن سماك ، و «المعجم الكبير» للطبراني.
وأخرجه الإمام عبد الرحمن النسائي في كتابه «خصائص الإمام عليّعليهالسلام ».
وأخرجه الشيخ سليمان القندوزي في الباب السابع من «ينابيع المودّة».
وروى الأخير أيضا في الباب السابع عن عبد الله بن أحمد بن حنبل مسندا ، عن ابن عبّاس : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لأمّ سلمة رضي الله عنها : «عليّ منّي وأنا من عليّ ، لحمه من لحمي ، ودمه من دمي ، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى ، يا أمّ سلمة اسمعي واشهدي! هذا عليّ سيّد المسلمين».
وأخرج الحميدي في الجمع بين الصحيحين ، وابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «عليّ منّي وأنا منه ، وعليّ منّي بمنزلة الرأس من البدن ، من أطاعه فقد أطاعني ، ومن أطاعني فقد أطاع الله».
وأخرج الطبري في تفسيره ، والمير السيّد علي الهمداني الفقيه الشافعي في المودّة الثامنة من كتابه «مودّة القربى» إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «إن الله تبارك وتعالى أيد هذا الدين بعليّ ، وإنّه منّي وأنا منه ، وفيه أنزل :( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) (١) ».
وخصّص الشيخ سليمان القندوزي في كتابه «ينابيع المودّة» بابا بعنوان :
الباب السابع : في بيان أنّ عليّا (كرّم الله وجهه) كنفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وحديث : «علي منّي وأنا منه».
وأخرج فيه أربعة وعشرين حديثا مسندا ـ بطرق شتّى وألفاظ مختلفة لكن متّحدة المعنى ـ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : «عليّ منّي بمنزلة نفسي».
وفي أواخر الباب ينقل عن (المناقب) حديثا يرويه عن جابر ، أنّه
__________________
(١) سورة هود ، الآية ١٧.
قال : سمعت من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في علي بن أبي طالبعليهالسلام خصالا لو كانت واحدة منها في رجل كانت تكفي في شرفه وفضله ، وهي قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : [«من كنت مولاه فعليّ مولاه.
وقوله : علي منّي كهارون من موسى.
وقوله : عليّ منّي وأنا منه.
وقوله : عليّ منّي كنفسي ، طاعته طاعتي ، ومعصيته معصيتي.
وقوله : حرب عليّ حرب الله ، وسلم علي سلم الله.
وقوله : وليّ عليّ وليّ الله ، وعدوّ عليّ عدوّ الله.
وقوله : عليّ حجة الله على عباده.
وقوله : حبّ عليّ إيمان ، وبغضه كفر.
وقوله : حزب عليّ حزب الله ، وحزب أعدائه حزب الشيطان.
وقوله : عليّ مع الحقّ والحق معه لا يفترقان.
وقوله : عليّ قسيم الجنّة والنار.
وقوله : من فارق عليّا فقد فارقني ، ومن فارقني فقد فارق الله.
وقوله : شيعة عليّ هم الفائزون يوم القيامة»].
ويختم الباب بحديث آخر رواه عن المناقب أيضا ، جاء في آخره ، : «أقسم بالله الذي بعثني بالنبوّة ، وجعلني خير البريّة ، إنّك لحجّة الله على خلقه ، وأمينه على سرّه وخليفة الله على عباده».
أمثال هذه الأحاديث الشريفة كثيرة في صحاحكم ومسانيدكم المعتبرة ، ولو نظرتم فيها بنظر الإنصاف لأذعنتم أنّها قرائن على المجاز الذي نقوله في اتّحاد نفس المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّ المرتضىعليهالسلام وهي
تؤيّد نظرنا أنّ كلمة( أَنْفُسَنا ) في آية المباهلة دليل واضح على تقارب نفسي النبيّ والوصي إلى حدّ التساوي في الكمالات الروحية والتماثل في الصفات النفسية.
فإذا ثبت هذا الأمر ، فقد ثبت اعتقادنا بأفضليّة عليّعليهالسلام وتقدّمه على الرسل والأنبياءصلىاللهعليهوآلهوسلم ما عدا خاتم النبيّين محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
استدلال آخر
جاء في الحديث النبويّ الشريف : «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل».
أخرجه جماعة من أعلامكم ، منهم :
الإمام الغزالي في إحياء العلوم ، وابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» والفخر الرازي في تفسيره ، وجار الله الزمخشري ، والبيضاوي ، والنيسابوري ، في تفاسيرهم.
وجاء في رواية أخرى :
«علماء أمّتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل».
فإذا كان علماء المسلمين الّذين أخذوا علمهم من منبع النبوّة ومدرسة الرسالة والقرآن الحكيم كأنبياء بني إسرائيل أو أفضل ، فكيف بعليّ بن أبي طالبعليهالسلام الذي نصّ فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها(١) ، وأنا مدينة الحكمة وعليّ بابها؟!»
__________________
(١) ألّف ابن الصدّيق المغربي ـ وهو من علماء العامة ـ كتابا حول هذا الحديث وأسماه ب «فتح الملك العلي بصحّة حديث باب مدينة العلم علي» قال في مقدّمته :
__________________
وأمّا حديث باب العلم فلم أر من أفرده بالتأليف ، ولا وجّه العناية إليه بالتصنيف ، فأفردت هذا الجزء لجمع طرقه ، وترجيح قول من حكم بصحّته
ورواه جمع غفير من أعلام القوم ، منهم :
١ ـ تاريخ بغداد : ٢ / ٣٧٧ و ٤ / ٣٤٨ و ١١ / ٤٨ و ٤٩ و ٤٨٠.
٢ ـ المعجم الكبير ـ للطبراني ـ : ١١ / ٦٥ / ح ١١٠٦١.
٣ ـ التدوين بذكر أهل العلم بقزوين : ٣ / ٣.
٤ ـ أحسن التقاسيم : ١٢٧.
٥ ـ تاريخ ابن عساكر : في ترجمة أمير المؤمنين عليهالسلام : ح رقم ٩٩٤ و ٩٩٥.
٦ ـ تاريخ جرجان : ٢٤ ط حيدرآباد.
٧ ـ شواهد التنزيل : ٨١.
٨ ـ المفردات ـ للراغب ـ : ٦٤.
٩ ـ أسد الغابة : ٤ / ٢٢.
١٠ ـ الفائق في غريب الحديث : ١ / ٢٨.
١١ ـ خصائص العشرة : ٩٨ ط بغداد.
١٢ ـ فرائد السمطين : ١ / ٩٨.
١٣ ـ تذكرة الحفاظ : ٤ / ٢٨ ط حيدرآباد.
١٤ ـ البداية والنهاية : ٧ / ٣٥٨.
١٥ ـ لباب الألباب في فضائل الخلفاء والأصحاب : فصل الأخبار المسندة في علي عليهالسلام .
١٦ ـ وسيلة المتعبّدين : ٢ / ١٦٤.
١٧ ـ بهجة النفوس : ٢ / ١٧٥ و ٤ / ٢٤٣.
١٨ ـ لمع الأدلّة ـ لابن الأنباري ـ : ٤٦.
١٩ ـ نهاية الأرب : ٢٠ / ٦.
٢٠ ـ مجمع الزوائد : ٩ / ١١٤.
__________________
٢١ ـ صبح الأعشى : ١٠ / ٤٢٥.
٢٢ ـ عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ٧ / ٦٣١.
٢٣ ـ تمييز الطيّب من الخبيث : ٤١.
٢٤ ـ مناقب الخلفاء ـ لمقدسي الحنفي ـ.
٢٥ ـ جمع الفوائد : ٣ / ٢٢١.
٢٦ ـ سمط النجوم العوالي : ٤٩١.
٢٧ ـ كشف الخفاء : ح رقم ٦١٨.
٢٨ ـ إتحاف السادة المتّقين ٦ / ٢٤٤.
٢٩ ـ الفتوحات الإسلامية ٢ / ٥١٠.
٣٠ ـ تاريخ آل محمّد : ٥٦.
٣١ ـ مقاصد الطالب ـ للبرزنجي ـ.
٣٢ ـ الفتح الكبير ٢ / ١٧٦ ـ ١٧٧.
٣٣ ـ شجرة النور الزكية ٢ / ٧١.
٣٤ ـ جامع الأحاديث ٣ / ٢٣٧.
٣٥ ـ المستدرك ـ للحاكم ـ : ٣ / ١٢٦ و ١٢٧ و ١٢٩.
٣٦ ـ ميزان الاعتدال : ١ / ح رقم ١٥٢٥.
٣٧ ـ الجامع الصغير ـ للسيوطي ـ : ١ / ٣٦٤ بالرقم ٢٧٠٥.
٣٨ ـ منتخب كنز العمّال : ٥ / ٣٠.
٣٩ ـ ينابيع المودّة : الباب الرابع عشر.
٤٠ ـ مناقب ابن المغازلي : ح رقم ١٢٠ الى ١٢٩.
٤١ ـ وقد خصّص العلاّمة الكنجي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» الباب الثامن والخمسين ، بعنوان (في تخصيص عليّ عليهالسلام بقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها)». فذكر الحديث بإسناده من طرق شتّى بعبارات متعدّدة إلاّ أنّها متّحدة المعنى.
وحلّ وقت العشاء ، وبعد ما صلّوا صلاة العشاء وانعقد المجلس ، بدأت بالكلام قائلا :
الإمام عليّعليهالسلام جامع فضائل الأنبياء
لا شكّ أنّ أنبياء الله سبحانه وهم من أرسلهم وبعثهم لهداية عباده كانوا يتخلّفون بأجمل الأخلاق ، وكانوا يتّصفون بأحمد الصفات ، وكانوا يتزيّنون بأحسن الفضائل والخصال ، إلاّ أنّ كلا منهم امتاز بصفة واشتهر بفضيلة حتّى امتاز بها عن الآخرين.
وعليّ بن أبي طالبعليهالسلام جمع كلّ الفضائل التي امتاز بها الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم أجمعين.
وقد شهد بذلك سيّد الرسل وخاتم النبيّين محمّد الصادق الأمينصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما جاء في مناقب الخوارزمي : ٤٩ و ٢٤٥ ، والرياض النضرة ٢ / ٢١٧ ، وذخائر العقبى : ٩٣ وغيرها ، أنّه قالصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ مع بعض الاختلافات اللفظية ـ : «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح في فهمه وإلى يحيى بن زكريّا في زهده وإلى موسى بن عمران
__________________
وبعده علّق عليه في آخر الباب تعليقا قيّما ، وختم تعليقه بالسطور التالية :
فقد قال العلماء من الصحابة والتابعين وأهل بيته بتفضيل عليّ ٧ ، وزيادة علمه وغزارته ، وحدّة فهمه ، ووفور حكمته ، وحسن قضاياه وصحّة فتواه ؛ وقد كان أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من علماء الصحابة يشاورونه في الأحكام ، ويأخذون بقوله في النقض والإبرام ، اعترافا منهم بعلمه ووفور فضله ورجاعة عقله وصحّة حكمه ، وليس هذا الحديث في حقّه بكثير ؛ لأنّ رتبته عند الله وعند رسوله ٦ وعند المؤمنين من عباده أجلّ وأعلى من ذلك. انتهى. «المترجم»
في بطشه ، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب».
ونقل الشيخ سليمان القندوزي في كتابه «ينابيع المودّة» الباب الأربعين ، قال : أخرج أحمد بن حنبل في مسنده وأحمد البيهقي في صحيحه عن ابن الحمراء ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في عزمه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في هيبته ، وإلى عيسى في زهده فلينظر إلى علي بن أبي طالب».
قال القندوزي : وقد نقل هذا الحديث في «شرح المواقف» و «الطريقة المحمّدية».
ونقله ابن الصبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة : ١٢١ عن البيهقي أيضا.
ونقله ـ مع بعض الاختلافات اللفظية ـ الامام الفخر الرازي في تفسيره الكبير ، ذيل آية المباهلة.
ومحيي الدين ابن العربي في كتابه اليواقيت والجواهر ، المبحث ٣٢ : ١٧٢.
ونقله العلاّمة الكنجي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» وخصّص له الباب الثالث والعشرين ، ثمّ شرحه وعلّق عليه ، وإليك ذلك : روى بإسناده عن ابن عبّاس ، قال : بينما رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جالس في جماعة من اصحابه إذ أقبل عليعليهالسلام فلما بصر به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «من أراد منكم أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في حكمته ، وإلى إبراهيم في حلمه ، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب».
وعلّق العلاّمة الكنجي بقوله :
قلت : تشبيهه لعليّعليهالسلام بآدم في علمه ، لأنّ الله علّم آدم صفة
كلّ شيء كما قال عزّ وجلّ :( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ) (١) فما من شيء ولا حادثة ولا واقعة إلاّ وعند عليّعليهالسلام فيها علم ، وله في استنباط معناها فهم.
وشبّهه بنوح في حكمته ـ أو في رواية : في حكمه ، وكأنّه أصحّ ـ لأنّ عليّاعليهالسلام كان شديدا على الكافرين رءوفا بالمؤمنين كما وصفه الله تعالى في القرآن بقوله :( وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) (٢) وأخبر عزّ وجلّ عن شدّة نوحعليهالسلام على الكافرين بقوله :( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) (٣) .
وشبّهه في الحلم بإبراهيمعليهالسلام خليل الرحمن كما وصفه الله عزّ وجلّ بقوله :( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (٤) فكانعليهالسلام متخلّقا بأخلاق الأنبياء ، متّصفا بصفات الأصفياء. انتهى.
وروى في الرياض النضرة ٢ / ٢١٨ عن ابن عباس ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه ، وإلى نوح في حكمه ، وإلى يوسف في جماله ، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب».
قال : أخرجه الملاّ في سيرته.
والملاّ هو عمر بن خضر من كبار علمائكم ، توفّي عام ٥٧٠.
وفي الرياض النضرة ٢ / ٢٠٢ قال : أخرج الملاّ في سيرته ، قيل : يا رسول الله! كيف يستطيع عليّعليهالسلام أن يحمل لواء الحمد؟ فقال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) : «وكيف لا يستطيع ذلك وقد أعطي خصالا شتّى : صبرا كصبري ، وحسنا كحسن يوسف ، وقوّة
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية ٣١.
(٢) سورة الفتح ، الآية ٢٩.
(٣) سورة نوح ، الآية ٢٦.
(٤) سورة التوبة ، الآية ١١٤.
كقوّة جبريلعليهالسلام ».
وروى السيّد مير علي الهمداني في كتابه «مودّة القربى» المودّة الثامنة ، قال : عن جابر ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من أراد أن ينظر إلى إسرافيل في هيبته ، وإلى ميكائيل في رتبته ، وإلى جبرائيل في جلالته ، وإلى آدم في علمه ، وإلى نوح في خشيته ، وإلى إبراهيم في خلّته ، وإلى يعقوب في حزنه ، وإلى يوسف في جماله ، وإلى موسى في مناجاته ، وإلى أيّوب في صبره ، وإلى يحيى في زهده ، وإلى عيسى في عبادته ، وإلى يونس في ورعه ، وإلى محمد في حسبه وخلقه ، فلينظر إلى عليّ ، فإنّ فيه تسعين خصلة من خصال الأنبياء ، جمعها الله فيه ولم يجمعها في أحد غيره».
نقله الشيخ سليمان القندوزي في ينابيع المودّة ١ / ٣٠٤ الطبعة السابعة ، سنة ١٣٨٤ هجرية ١٩٦٥ ميلادية.
قال : وعدّ ذلك في كتاب «جواهر الأخبار».
وإليك ما رواه كمال الدين القرشي محمد بن طلحة ، في كتابه القيّم «مطالب السئول في مناقب آل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم » الفصل السادس ، ج ١ / ٦١ ، ط دار الكتب ، قال :
ومن ذلك ما رواه الإمام البيهقي «رض» في كتابه المصنّف في فضائل الصحابة ، يرفعه بسنده إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في تقواه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في هيبته ، وإلى عيسى في عبادته ، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب».
فقد أثبت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّعليهالسلام بهذا الحديث ، علما يشبه علم
آدم ، وتقوى تشبه تقوى نوح ، وحلما يشبه حلم إبراهيم ، وهيبة تشبه هيبة موسى ، وعبادة تشبه عبادة عيسى ، وفي هذا تصريح لعليّعليهالسلام بعلمه وتقواه وحلمه وهيبته وعبادته ، وتعلو هذه الصفات إلى أوج العلى حيث شبّهها بهؤلاء الأنبياء المرسلينعليهمالسلام من الصفات المذكورة والمناقب المعدودة.
مقارنته بالأنبياءعليهمالسلام
لقد حدّثنا المؤرّخون والمحدّثون أنّهعليهالسلام في آخر يوم من حياته الكريمة ، حينما كان على فراش الشهادة ، حضر عنده جماعة من أصحابه لعيادته ، وكان ممّن حضر صعصعة بن صوحان ، وهو من كبار الشيعة في الكوفة ، وكان خطيبا بارعا ، ومتكلّما لامعا ، وهو من الرواة الثقات حتّى عند أصحاب الصحاح الستّة وأصحاب المسانيد عندكم ، فإنّهم يروون عنه ما ينقله من الإمام عليّعليهالسلام ، وقد ترجم له كثير من أعلامكم مثل ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» وابن سعد في «الطبقات الكبرى» وابن قتيبة في «المعارف» وغيرهم ، فكتبوا أنّه كان عالما صادقا ، وملتزما بالدين ، ومن خاصّة أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام .
في ذلك اليوم سأل صعصعة الإمام عليّاعليهالسلام قائلا :
[يا أمير المؤمنين! أخبرني أنت أفضل أم آدمعليهالسلام ؟
فقال الإمامعليهالسلام : يا صعصعة! تزكية المرء نفسه قبيح ، ولو لا قول الله عزّ وجلّ :( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) (١) ما أجبت.
يا صعصعة! أنا أفضل من آدم ؛ لأن الله تعالى أباح لآدم كلّ
__________________
(١) سورة الضحى ، الآية ١١.
الطيّبات المتوفّرة في الجنّة ونهاه عن أكل الحنطة فحسب ، ولكنّه عصى ربّه وأكل منها!
وأنا لم يمنعني ربّي من الطيّبات ، وما نهاني عن أكل الحنطة ، فأعرضت عنها رغبة وطوعا].
[كلامهعليهالسلام كناية عن أنّ فضل الإنسان وكرامته عند الله عزّ وجلّ بالزهد في الدنيا وبالورع والتقوى ، وأعلى مراتبه أن يجتنب الماندات ويعرض عن الشهوات والطيّبات المباحة ـ من باب رياضة النفس ـ حتّى يتمكّن منها ، ويمسك زمامها ، فيسوقها في طريق الورع والتقوى(١) ].
فقال صعصعة : أنت أفضل أم نوح؟
فقالعليهالسلام : أنا أفضل من نوح ؛ لأنّه تحمّل ما تحمّل من قومه ، ولما رأى منهم العناد دعا عليهم وما صبر على أذاهم ، فقال :( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) (٢) .
ولكنّي بعد حبيبي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تحمّلت أذى قومي وعنادهم ، فظلموني كثيرا فصبرت وما دعوت عليهم(٣) .
__________________
(١) قالعليهالسلام في كتابه لعثمان بن حنيف واليه على البصرة : [.... وإنّما هي نفسي أروّضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلق.
ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ...] إلى آخر مقاله القيم الثمين.
(٢) سورة نوح ، الآية ٢٦.
(٣) في الخطبة المعروفة بالشقشقية والمذكورة في «نهج البلاغة» يصف سلام الله عليه جانبا من الوضع الذي قاساه فصبر ، قال :
[كلامهعليهالسلام كناية عن أنّ أقرب الخلق إلى الله سبحانه أصبرهم على بلائه وأكثرهم تحمّلا من جهال زمانه سوء تصرفهم ، وهو يقابلهم بالحكمة والموعظة الحسنة وبحسن سلوكه وأخلاقه ، قربة إلى الله تعالى].
فقال صعصعة : أنت أفضل أم إبراهيم؟
فقالعليهالسلام : أنا أفضل ؛ لأنّ إبراهيم قال :( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) (١) .
ولكنّي قلت وأقول : لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا(٢) .
__________________
[وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه ، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا ، أرى تراثي نهبا إلى آخر خطبته البليغة]. «المترجم»
(١) سورة البقرة ، الآية ٢٦٠.
(٢) جاء في كتاب «مطالب السئول» لمحمد بن طلحة القرشي الشافعي ١ / ٨٩ ط دار الكتب ، قال : [وقد كان عليّعليهالسلام منطويا على يقين لا غاية لمداه ، ولا نهاية لمنتهاه ، وقد صرّح بذلك تصريحا مبينا ، فقالعليهالسلام : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ...] إلى آخره.
أقول : اعلم يرحمك الله سبحانه ، أنّ اليقين على مراتب : علم اليقين ، وحقّ اليقين ، وعين اليقين.
فلو شاهد إنسان دخانا ولم يشاهد النار ، علم يقينا بوجود النار ، فلو شاهد النار بعينه حصل له حقّ اليقين ، وليس هذا كالذي يمسّ النار بيده فيحس بحرارتها ، فهو في عين اليقين. وكان عليّ عليهالسلام في هذه المرتبة من اليقين بالغيب ، قال تعالى : ( الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) . سورة البقرة ، الآية ١ ـ ٣. «المترجم»
[كلامهعليهالسلام كناية عن أنّ مرتبة العبد عند الله سبحانه تكون بمرتبة يقينه ، فكلّما ازداد العبد يقينا بالله عزّ وجلّ وبالمعتقدات الدينية ، ازداد قربا من الله سبحانه وتعالى].
قال صعصعة : أنت أفضل أم موسى؟
قالعليهالسلام : أنا أفضل من موسى ؛ لأنّ الله تعالى لمّا أمره أن يذهب إلى فرعون ويبلّغه رسالته( قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) (١) .
ولكنّي حين أمرني حبيبي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأمر الله عزّ وجلّ حتّى أبلّغ أهل مكّة المشركين سورة براءة ، وأنا قاتل كثير من رجالهم وأعيانهم! مع ذلك أسرعت غير مكترث ، وذهبت وحدي بلا خوف ولا وجل ، فوقفت في جمعهم رافعا صوتي ، وتلوت الآيات من سورة براءة ، وهم يسمعون!!
[كلامه كناية عن أنّ فضل الإنسان عند الله سبحانه بالتوكّل عليه عزّ وجلّ والإقدام في سبيل الله وأن لا يخشى العبد أحدا إلاّ ربّه تعالى شأنه].
قال صعصعة : أنت أفضل أم عيسى؟
قالعليهالسلام : [أنا أفضل ؛ لأنّ مريم بنت عمران لمّا أرادت أن تضع عيسى ، كانت في البيت المقدّس ، جاءها النداء يا مريم اخرجي من البيت! هاهنا محلّ عبادة لا محل ولادة ، فخرجت( فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ) (٢) ولكن أمّي فاطمة بنت أسد لمّا قرب مولدي جاءت
__________________
(١) سورة القصص ، الآية ٣٣.
(٢) سورة مريم ، الآية ٢٣.
إلى بيت الله الحرام والتجأت إلى الكعبة ، وسألت ربّها أن يسهّل عليها الولادة ، فانشقّ لها جدار البيت الحرام وسمعت النداء : يا فاطمة ادخلي! فدخلت وردّ الجدار على حاله فولدتني في حرم الله وبيته(١) ].
__________________
(١) اتّفق العلماء على أنّهعليهالسلام ولد في الكعبة حتّى أنّ الشعراء ذكروا له هذه الفضيلة ، منهم : إسماعيل الحميري ، سيّد الشعراء في القرن الثاني ، قال :
[ولدته في حرم الإله وأمنه |
والبيت حيث فناؤه والمسجد |
|
بيضاء طاهرة الثياب كريمة |
طابت وطاب وليدها والمولد] |
وقال محمد بن منصور السرخسي ، من شعراء القرن السادس ، في قصيدة منها :
[ولدته منجبة وكان ولادها |
في جوف كعبة أفضل الأكنان] |
وللمرحوم السيّد ميرزا إسماعيل الشيرازي قصيدة موشّحة في ميلاد الإمام عليّ عليهالسلام فيها :
[هذه فاطمة بنت أسد |
أقبلت تحمل لاهوت الأبد |
|
فاسجدوا ذلا له فيمن سجد |
فله الأملاك خرّت سجّدا |
|
إذ تجلّى نوره في آدم إن يكن يجعل لله البنون وتعالى الله عمّا يصفون |
||
فوليد البيت أحرى أن يكون |
لوليّ البيت حقّا ولدا |
|
لا عزيز لا ولا ابن مريم سيّد فاق علا كلّ الانام كان إذ لا كائن وهو إمام |
||
شرّف الله به البيت الحرام |
حين أضحى لعلاه مولدا |
|
فوطى تربته بالقدم] |
والقصيدة جميلة جدّا ، تحتوي على نكات لطيفة ، وهي طويلة اكتفينا منها بما نقلنا.
وإنّ خبر ولادته عليهالسلام في الكعبة أمر مشهور ، لا ينكره إلاّ المعاند المتعصّب.
قال الحاكم في المستدرك ٣ / ٤٨٣ : وقد تواترت الأخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه في جوف الكعبة.
وقال الشيخ أحمد الدهلوي الشهير بشاه ولي ، وهو والد عبد العزيز الدهلوي ، مصنّف «التحفة الاثنا عشرية في الردّ على الشيعة» قال في كتابه «إزالة الخفاء» :
[لا أدري هل هذه المقارنة تنبئ عن أفضلية فاطمة بنت أسد على مريم بنت عمران كما أنّ ابنها عليّاعليهالسلام كان أفضل وأشرف عند الله تعالى من عيسى بن مريمعليهاالسلام ؟! ربّما].
بالله عليكم فكّروا قليلا وأنصفوا ، مع وجود هذه الروايات والأحاديث المنقولة في كتبكم ، والمرويّة بطرقكم ، هل يجوز أن تقدّموا أحدا على الإمام عليّعليهالسلام في الخلافة؟!!
وهل يجوز عند العقلاء والنبلاء تقديم المفضول على الفاضل؟! كما يقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٠ / ٢٢٦ : أمّا الذي استقرّ عليه رأي المعتزلة بعد اختلاف كثير بين قدمائهم في التفضيل؟؟؟ يره ، أنّ علياعليهالسلام أفضل الجماعة ، وأنّهم تركوا الأفضل لمصلحة رأوها!
ويقول في صفحة ٢٢٧ : وبالجملة أصحابنا يقولون : [إن الأمر
__________________
تواترت الأخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليّا في جوف الكعبة ، فإنّه ولد يوم الجمعة ثالث عشر من شهر رجب ، بعد عام الفيل بثلاثين سنة في الكعبة ، ولم يولد فيها أحد سواه قبله ولا بعده.
وقال شهاب الدين الآلوسي ، صاحب التفسير الكبير «روح المعاني» في شرح القصيدة العينية لعبد الباقي العمري الموصلي ، عند قوله :
[أنت العليّ الذي فوق العلى رفعا |
ببطن مكّة وسط البيت إذ وضعا] |
قال : وكون الأمير كرّم الله وجهه ولد في البيت أمر مشهور في الدنيا ، وذكر في كتب الفريقين السنّة والشيعة ـ إلى أن قال : ـ وما أحرى بإمام الأئمة أن يكون وضعه في ما هو قبلة للمؤمنين! وسبحان من يضع الأشياء في مواضعها وهو أحكم الحاكمين. «المترجم»
كان له [لعليّ]عليهالسلام ، وكان هو المستحق والمتعيّن!]
ويقول في شرح الخطبة الشقشقية في شرح نهج البلاغة ١ / ١٥٧ ط دار إحياء التراث العربي : لمّا كان أمير المؤمنينعليهالسلام هو الأفضل والأحقّ وعدل عنه إلى من لا يساويه في فضل ولا يوازيه في جهاد وعلم ، ولا يماثله في سؤدد وشرف ، ساغ إطلاق هذه الألفاظ إلى آخره.
فلا ينكر أحد تفضيل الإمام عليّعليهالسلام على غيره إلاّ عن تعصّب وعناد ، وإلا فإنّ أعلامكم المنصفين ذهبوا أيضا مذهب المعتزلة في ذلك :
فقد روى العلاّمة الكنجي الشافعي في «كفاية الطالب» الباب الثاني والستّين ، بسنده عن ابن التيمي ، عن أبيه ، قال : فضّل عليّ بن أبي طالب على سائر الصحابة بمائة منقبة وشاركهم في مناقبهم.
وقال العلاّمة الكنجي. وابن التيمي هو موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي ، ثقة وابن ثقة ، أسند عنه العلماء والأثبات ثم ذكر المائة منقبة بالتفصيل(١) .
__________________
(١) منها ما رواه في صفحة ١٢٤ ـ ١٢٥ ط مطبعة الغري سنة ١٣٥٦ هجرية بإسناده عن عيسى بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : قال رجل لابن عباس : سبحان الله ما أكثر مناقب عليّ وفضائله!! إنّي لاحسبها ثلاثة آلاف ، فقال ابن عبّاسرضياللهعنه :أولا تقول إنّها إلى ثلاثين ألفا أقرب؟!
ثمّ قال العلاّمة الكنجي : خرّج هذا الأثر جماعة من الحفّاظ في كتبهم.
وروى بعدها بإسناده عن محمد بن منصور الطوسي ، قال : سمعت الإمام أحمد
ونقل الشيخ سليمان القندوزي في كتابه «ينابيع المودة» الباب الأربعين ، قال : أخرج موفّق بن أحمد ، عن محمد بن منصور ، قال : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما جاء لأحد من الصحابة من الفضائل مثل ما لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
وقال أحمد : قال رجل لابن عبّاس سبحان الله! ما أكثر فضائل عليّ بن أبي طالب ومناقبه! إنّي لأحسبها ثلاثة آلاف منقبة. فقال ابن عبّاس : أو لا تقول إنّها إلى ثلاثين ألفا أقرب؟!(١) .
__________________
ابن حنبل يقول : ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مثل ما جاء لعليّ بن أبي طالب.
ثمّ قال العلاّمة الكنجي : قال الحافظ البيهقي : وهو [عليّ عليهالسلام ] أهل كلّ فضيلة ومنقبة ، ومستحقّ لكلّ سابقة ومرتبة ، ولم يكن أحد في وقته أحقّ بالخلافة منه.
«المترجم»
(١) أرى من المناسب نقل الرواية التالية التي رواها جماعة من أعلام السنة ، منهم :القندوزي في ينابيع المودّة ١ / ١٤٣ رواها عن الخوارزمي عن ابن عبّاس.
ورواها المير السيّد علي الهمداني الحنفي في المودّة الخامسة من كتابه «مودّة القربى» عن عمر بن الخطّاب.
ورواه موفّق ابن أحمد في المناقب : ١٨.
والعلاّمة الكنجي الشافعي في «كفاية الطالب» الباب الثاني والستّين : ١٢٣.
كلاهما عن مجاهد ، عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : لو أنّ الغياض أقلام ، والبحر مداد ، والجنّ حسّاب ، والإنس كتّاب ، ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب.
وعن عمر : لو أنّ البحر مداد ، والرياض أقلام ، والإنس كتّاب ، والجنّ حسّاب ، ما أحصوا فضائلك يا أبا الحسن. قالها النبيّ لعليّ. «المترجم»
وقال ابن أبي الحديد في مقدّمة شرح نهج البلاغة ١ / ١٧ ط دار إحياء التراث العربي : وما أقول في رجل أقرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل ، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله؟! وما أقول في رجل تعزى إليه كلّ فضيلة ، وتنتهي إليه كلّ فرقة ، وتتجاذبه كلّ طائفة؟! فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ومجلّي حلبتها. كلّ من بزغ فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى.
ويقول في خاتمة المقدّمة : ٣٠ : وجب أن نختصر ونقتصر ، فلو أردنا شرح مناقبه وخصائصه لاحتجنا إلى كتاب مفرد يماثل حجم هذا ، بل يزيد عليه. وبالله التوفيق.
فلا أدري بأيّ عذر أخّروا هذا الرجل الفذّ ، والإنسان العبقري ، العملاق العظيم ، العليّ على البشر بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولما ذا لم يستشيروه في أمر الخلافة؟!
وهل لهم دليل على تقديم الآخرين عليه؟!
فأنصفوا ولا تتّبعوا التعصّب والعناد!
الحافظ : وأنتم أيضا أنصفوا وانظروا هل يجوز لكم أن تنسبوا لأصحاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم المقرّبين ، غصب الخلافة ومخالفة أمر الله والرسول؟!
وكيف تعتقدون بأنّ أمّة الإسلام اجتمعت على الباطل والضلال؟!!
أما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا تجتمع أمّتي على الخطأ؟!»
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا تجتمع أمّتي على ضلالة».
فلذلك نحن لا نقلّد أسلافنا تقليد الأعمى ، ولا نسير خلفهم سير الحمقى ، بل قلّدناهم وأخذنا مذهبهم إطاعة لأمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث صحّح إجماع المسلمين وأيّد كلّ ما أجمعت عليه الصحابة المهتدون.
دعوى : إجماع الأمة على خلافة أبي بكر
قلت : أرجو أن تبيّنوا لنا أدلّتكم على صحّة خلافة أبي بكر؟
الحافظ : إنّ أقوى دليل على إثبات خلافة أبي بكر وصحّتها هو إجماع الأمّة على خلافته.
وأضف على هذا كبر السنّ والشيخوخة ، فإن عليّا (كرّم الله وجه) مع فضله وسوابقه المشرّفة وقربه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فإن المسلمين أخّروه لصغر سنّه.
وأنتم لو فكّرتم قليلا وأنصفتم لأعطيتم الحقّ للمسلمين ، فلا يجوز عقلا أن يتقدّم في هذا الأمر العظيم شابّ حدث السنّ مع وجود شيوخ قومه وكبراء أهله وإنّ تأخر سيّدنا عليّ لا يكون نقصا له بل كماله ، وإن أفضليّته على أقرانه ثابتة ولا ننكرها.
ثمّ إنّ المسلمين سمعوا حديثا رواه عمر بن الخطّاب ، قال : لا تجتمع النبوّة والملك في أهل بيت واحد.
ولمّا كان عليّ من أهل بيت النبوّة ما بايعوه
هذه أسباب تقدّم أبي بكر وتأخّر عليّ في أمر الخلافة.
قلت : إنّ أدلّتكم هذه تضحك الثّكلى ، وإنّ مثلكم كمثل الذي يغمض عينيه فيصبح كالأعمى ، فلا يرى الشمس الطالعة في الضّحى ، وينكر ضوء النهار إذا تجلّى ؛ فافتحوا أعينكم ، وانظروا إلى منار
الهدى ، واسلكوا طريق الحقّ والتقى ، ولا تتّبعوا الهوى ، وتجنّبوا المزلق والمهوى ، ولا تغرّنّكم الدنيا ، فإنّ الآخرة خير وأبقى.
وإنّي أرجوكم أن تقرءوا كتبنا وتدقّقوا النظر في أدلتنا وتعمّقوا الفكر في عقائدنا.
أقول هذا ، لأنّي فتّشت أسواق الشام والقاهرة والحجاز والأردن ، وغيرها من البلاد الاسلامية التي غالب سكّانها أهل السنّة أو حكّامها من أهل السنّة والجماعة ، فما وجدت كتب الشيعة في مكتباتها فكأنّكم ـ مع الأسف ـ آليتم أن لا تطالعوا كتب الشيعة ، فلا أدري هل حكمتم عليها بأنّها كتب الضلال فحرّمتم قراءتها؟!!
وإنّي دخلت بيوت كثير من إخواننا أهل السنّة والجماعة ، علمائهم وغير علمائهم ، الّذين يهوون مطالعة الكتب ويملكون مكتبات شخصيّة في بيوتهم ، فوجدت فيها كتب مختلفة حتّى كتب غير المسلمين من الشرقيّين والغربيّين ، ولم أجد كتابا واحدا من كتب الشيعة!!
بينما نحن في بلادنا نطبع كتبكم وننشرها ، وندعو أهل العلم والمثقفين لمطالعتها.
فهذه مدينة النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة في العراق ، وهذه مدينة قم ومشهد الإمام الرضاعليهالسلام في إيران ، وهي مراكز الشيعة التي فيها حوزاتنا العلمية ومراجعنا الكرام ، وكذلك طهران وشيراز واصفهان ، وغيرها من البلاد التي تسكنها الشيعة ، فتحت أبواب مكتباتها لعرض كتبكم وبيعها بدون أيّ مانع ورادع.
ولا أجد مكتبة واحدة من مكتباتنا العامّة أو الشخصية تخلو من
كتبكم وصحاحكم ومسانيدكم وتواريخكم وتفاسيركم ، لا لحاجة منّا إليها ، لأنّ مدرسة أهل البيتعليهمالسلام غنيّة ، والأخبار المرويّة عن العترة الطاهرة الهادية تناولت جميع جوانب الحياة وكلّ ما يحتاجه الإنسان في أمر الدين والدنيا.
ولكن نريد أن نحاجكم بكتبكم ، ونلزمكم بأقوال علمائكم وآراء أعلامكم ، وننقدها نقدا بنّاء حتّى نصل معكم إلى التفاهم ، وكما تجدونني في هذه المحاورات والمناقشات لا أنقل إلاّ عن كتبكم ومسانيدكم وصحاحكم وتفاسيركم.
إجماع أم مؤامرة!!
لقد ادّعيتم أنّ إجماع الصحابة هو أقوى دليل على إثبات خلافة أبي بكر وصحّتها. واستدللتم بحديث : لا تجتمع أمّتي على خطأ ، أو : لا تجتمع أمّتي على ضلال.
فالأمّة أضيفت إلى ياء المتكلّم ، فتفيد العموم كما قال النحويّون ، فعلى فرض صحّة الحديث يكون معناه : إنّ أمّتي كلّهم من غير استثناء إذا أجمعوا على أمر فذاك الأمر لا يكون خطأ أو ضلالا.
وهذا هو الإجماع الذي يتضمّن رأي حجّة الله تعالى في خلقه ؛ لأنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله عزّ وجلّ ـ كما جاء في روايات الفريقين ـ.
ثم إنّ هذا الحديث ـ على فرض صحّته ـ لا ينسخ الأحاديث النبوية والنصوص الجلية في تعريف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم خليفته في البريّة.
ولو تنزّلنا وسلّمنا برأيكم والتزمنا بهذا المقال ، بأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لم
يعيّن خليفته بأمر من الله العزيز المتعال ، وإنّما كان يشير إلى عليّعليهالسلام ويرشّحه للخلافة برأيه الشخصي ، وقد فتح على الأمّة باب الاختيار وفسح لهم المجال ، وأقرّه إجماعهم بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تجتمع أمّتي على خطأ أو ضلال.
فنقول : إنّ الإجماع الذي أقرّه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ما حصل في خلافة أبي بكر ولم يحصل لغيره.
الحافظ : نفي الإجماع على خلافة أبي بكر (رض) أمر غريب! لأنّه حكم في الأمّة بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أكثر من سنتين من غير مخالف أو منازع ، وانقاد له جميع المهاجرين والأنصار ، وبهذا حصل الإجماع على خلافته.
قلت : إنّ هذا الكلام مغالطة وجدل! لأنّ سؤالي وكلامي كان حول إجماع الأمّة على خلافة أبي بكر في بداية الأمر ، حينما اجتمعوا في السقيفة ، هل وافق الحاضرون كلّهم على خلافته؟!
وهل اتّفق رأي المسلمين الّذين كانوا في المدينة المنوّرة على خلافته آنذاك؟!
وهل كان لرأي سائر المسلمين ـ الّذين كانوا خارج المدينة المنوّرة ، ـ حواليها أو بعيدين عنها ـ أثر في الانتخاب؟!
أم ليس لرأيهم محلّ من الإعراب؟!
الحافظ : لا نقول إنّ اجتماع السقيفة كان يمثّل جميع الأمّة ، وإن كان فيه كثير من كبار الصحابة ، ولكنّ الحاضرين فيها اختاروا أبا بكر ، وبعد ذلك وافقهم المسلمون فحصل الإجماع تدريجيا مع مرور الزمن!
قلت : بالله عليكم فكّروا وأنصفوا! هل الإجماع الذي أقرّه
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حديثه حصل في السقيفة ، مع مخالفة سعد بن عبادة الخزرجي وأهله وأنصاره؟!
فهل تكشف واقعة السقيفة عن إجماع الصحابة البررة ، أو تنبئ عن مؤامرة مدبّرة؟!
وإذا ما كانت هناك مؤامرة ، ولم تتدخّل فيها الأغراض والأطماع ، لما ذا لم يصبروا حتّى يتحقّق الإجماع؟!
وكلّنا نعلم ، بأنّ الأوس قد وافقوا على خلافة أبي بكر لا لمصلحة الإسلام ، بل بسبب النزاعات والخلافات التي كانت بينهم وبين الخزرج ، وقد كانت لها جذور جاهلية ، فلمّا رأوا كفّة سعد بن عبادة قد رجحت وكاد أن يبتزّ الحكم ، أسرعوا إلى أبي بكر فبايعوه رغما لأنوف مناوئيهم الخزرجيّين.
وأمّا المسلمون خارج السقيفة ، لمّا سمعوا بما حدث في السقيفة ذهلوا وبهتوا ، ثمّ انجرفوا مع التيّار ، وكان أكثر الناس في ذلك المجتمع همجا رعاعا ، ينعقون مع كلّ ناعق ، ويميلون مع الريح ، وهم الّذين يصفهم الباري عزّ وجلّ بقوله :( وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) (١) .
وسوف يخاطبهم الله تعالى في جهنم بقوله سبحانه :( لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ) (٢) و(٣) .
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ١٣٨.
(٢) سورة الزخرف ، الآية ٧٨.
(٣) روى علماؤنا الأعلام وجمع من محدّثي العامة وأعلامهم ، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه
__________________
قال : «عليّ مع الحقّ ، والحقّ مع عليّ» منهم :
١ ـ الخطيب البغدادي ، في تاريخ بغداد ١٤ / ٣٢١ بسنده عن أبي ثابت مولى أبي ذرّ ، عن أمّ سلمة ـ أمّ المؤمنين ـ رضي الله عنها ، قالت : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : «عليّ مع الحقّ ، والحقّ مع عليّ ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض يوم القيامة».
٢ ـ وأخرج الحافظ الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ٧ / ٢٣٦ بسنده عن سعد بن أبي وقّاص ، قال : سمعت رسول الله ٦ في دار أم سلمة يقول : «عليّ مع الحقّ ـ أو :الحقّ مع عليّ ـ حيث كان».
٣ ـ والحافظ ابن مردويه في «المناقب»
٤ ـ وكذلك السمعاني في كتاب «فضائل الصحابة» أخرجا بالإسناد عن محمد بن أبي بكر ، عن عائشة ، أنّها قالت : «سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : عليّ مع الحقّ ، والحقّ مع عليّ ، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».
٥ ـ وأخرج ابن مردويه في «المناقب»
٦ ـ والديلمي في «الفردوس» ، رويا : أنه لمّا عقر جمل عائشة ودخلت دارا بالبصرة أتى إليها محمد بن أبي بكر فسلّم عليها فلم تكلّمه. فقال لها : أنشدك الله أتذكرين يوم حدّثتيني عن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : «الحقّ لن يزال مع عليّ ، وعليّ مع الحقّ ، لن يختلفا ولن يفترقا؟!»
فقالت : نعم!
٧ ـ وروى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : ٧٠ ط مطبعة الأمّة بمصر سنة ١٣٢٨ هجرية ، قال : وأتى محمد بن أبي بكر فدخل على أخته عائشة رضي الله عنها ، قال لها : أما سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول : «عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ» ، ثمّ خرجت تقاتلينه بدم عثمان؟!!
__________________
٨ ـ وأخرج ابن مردويه في «المناقب» عن أبي ذرّ رحمهالله تعالى أنّه سئل عن اختلاف الناس. فقال : عليك بكتاب الله والشيخ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : «عليّ مع الحقّ ، والحقّ معه وعلى لسانه ، والحقّ يدور حيثما دار علي».
٩ ـ الزمخشري في «ربيع الأبرار» روى
١٠ ـ والعلاّمة الحمويني في «فرائد السمطين» روى أيضا بسنده عن شهر بن حوشب ، قال : كنت عند أمّ سلمة رضي الله عنها إذ استاذن رجل ، فقالت له : من أنت؟
قال : أنا أبو ثابت مولى عليّ عليهالسلام .
فقالت أمّ سلمة : مرحبا بك يا أبا ثابت ، ادخل.
فدخل فرحّبت به ، ثمّ قالت : يا أبا ثابت! أين طار قلبك حين طارت القلوب مطائرها؟
قال : تبع عليّ بن أبي طالب عليهالسلام .
قالت : وفّقت ، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : «عليّ مع الحقّ والقرآن ، والحقّ والقرآن مع عليّ ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».
١١ ـ وأخرج العلاّمة عبيد الله الحنفي في أرجح المطالب : ٥٩٨ ط لاهور.
١٢ ـ وأخرج الحافظ ابن مردويه في «المناقب».
١٣ ـ وكذلك الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ / ١٣٤ ط مكتبة القدسي بالقاهرة ، عن أمّ سلمة أنّها كانت تقول : كان عليّ على الحقّ ، من اتّبعه اتّبع الحقّ ، ومن تركه ترك الحقّ ، عهد معهود [كذا] قبل يومه هذا.
قال : رواه الطبراني.
١٤ ـ القندوزي في «ينابيع المودّة» الباب العشرين ، عن الحمويني ، عن ابن عبّاس
وأمّا الّذين استقاموا على الدين ، وثبتوا في طريق الحقّ واليقين ، وتمسّكوا بولاية سيّد الوصيّين ، واعتقدوا خلافة وإمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فعددهم قليل ، وهم الّذين يصفهم ربّهم سبحانه وتعالى بقوله :( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ) (١) .
وهم صفوة أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته المطهّرين وعترته الطيّبين ، وهم الّذين غضبوا من أحداث السقيفة وأعلنوا مخالفتهم لبيعة أبي بكر.
فلذلك نقول : إنّ الإجماع ـ الذي تدّعونه لإثبات وتصحيح خلافة أبي بكر وشرعيّتها ـ لم يحصل!
الحافظ : يحصل الإجماع ويقع إذا وافق أهل الحلّ والعقد وسنام الأمّة على أمر ، وليس من حقّ أيّ مسلم أن ينقض ما أبرموا.
قلت : إنّ هذا التفسير والمعنى لكلمة الإجماع ادّعاء لا دليل عليه ، وهو خلاف ظاهر الحديث الذي تمسّكتم به لتشريع الإجماع.
فالحديث يصرّح : لا تجتمع أمّتي على خطأ ـ أو : ضلال ـ.
__________________
رضي الله عنهما ، قال : «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الحقّ مع علي حيث دار».
١٥ ـ أخرج المحدّث الحافظ البدخشي في «مفتاح النجا».
١٦ ـ وكذلك عبيد الله الحنفي في أرجح المطالب : ٥٩٨ و ٥٩٩.
أخرجا عن أبي موسى الأشعري أنّه قال : أشهد أنّ الحقّ مع عليّ ولكن مالت الدنيا بأهلها ، ولقد سمعت النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول له : «يا عليّ! أنت مع الحقّ ، والحقّ بعدي معك».
نكتفي بهذا المقدار ، وفيه كفاية لطالب الحقّ. «المترجم»
(١) سورة سبأ ، الآية ١٢.
فكيف استخرجتم هذا المعنى ، وخصّصتم الأمّة بأهل الحلّ والعقد والسنام ـ أي الطبقة العليا من المجتمع ـ ثمّ ألزمتم الآخرين باتّباع رأي أولئك وإطاعتهم؟!!
والحال أنّ إضافة الأمّة إلى ياء المتكلّم ، أو نسبتها إلى ياء النسبة تفيد العموم ، فلا يجوز عند النحويّين أن تخصّص الأمّة بعدد من الصحابة دون الآخرين.
وحتّى إذا سلّمنا أن الإجماع يحصل بتوافق أهل الحلّ والعقد ، فهل الّذين حضروا السقيفة كانوا أهل الحلّ والعقد دون سواهم؟!
أم كان في المدينة وحواليها آخرون من أهل الحلّ والعقد ، ولم يحضروا آنذاك في السقيفة؟!
فهلا أخبروهم بانعقاد ذلك المؤتمر ودعوهم للحضور؟!
وهلا استفسروا عن رأيهم في خلافة أبي بكر؟!
الحافظ : الظروف ما سمحت بذلك ، فإذا كان على الشيخين أن ينتظرا رأي جميع أهل الحلّ والعقد الّذين كانوا في المدينة المنوّرة وخارجها ، لكانت دسائس المنافقين تعمل عملها ، فلذلك لمّا سمع أبو بكر وعمر (رض) أنّ جماعة من الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ، ليتشاوروا في أمر الخلافة ، أسرعا إليها وتكلّما بكلام استوليا به على الوضع.
ثمّ إنّ عمر ـ الذي كان رجلا سياسيا وشيخا محنّكا ـ رأى صلاح الإسلام في أن يبايع أبا بكر بالخلافة ، فمدّ يده وبايعه ، وتبعه أبو عبيدة ابن الجرّاح والأوسيون.
فلمّا رأى سعد بن عبادة ذلك ، خرج من السقيفة غاضبا غير
راض عمّا حصل ، لأنّه كان يريد الخلافة لنفسه ، وتبعه قومه الخزرجيّون وخرجوا من السقيفة غاضبين.
هذا هو سبب استعجال الشيخين في أمر الخلافة ، ولو لا اتّخاذهما ذلك الموقف الحاسم في السقيفة لكان الأمر يؤول إلى النزاع بين قبيلتي الأنصار : الأوس والخزرج.
قلت : ما كان اجتماع الأنصار في السقيفة من أجل تعيين خليفة ، بل كانوا بصدد تعيين أمير لأنفسهم ، وأخيرا كاد التوافق يحصل بأن يكون للأوس أمير وللخزرج أمير ـ وهو أشبه شيء برئيس القبيلة وشيخ العشيرة.
فهنا اغتنم الشيخان أبو بكر وعمر الفرصة من نزاع القوم ، فتقدّم أبو بكر وتكلّم في أمر الخلافة ، وتعجّل عمر في بيعته ، وإلاّ لو كان الاجتماع من أجل تعيين خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لكان الاجتماع يضمّ كلّ الصحابة الّذين كانوا في المدينة المنوّرة من المهاجرين والأنصار ، وحتّى الّذين كانوا في معسكر أسامة بن زيد خارج المدينة.
فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في أواخر أيّامه عقد راية لأسامة وأمر المسلمين بالانضمام تحتها ، وكرّر الأمر بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنفذوا جيش أسامة ، لعن الله من تخلّف عن جيش أسامة!
وكان الشيخان تحت إمرة أسامة بن زيد ، ولكنّهما تخلّفا وتركا المعسكر ، فكان المفروض عليهما أن يستشيرا أميرهما في مثل ذلك الأمر الهامّ ، ولكنّهما استبدّا بالرأي وما شاوراه!
فلذلك لمّا سمع بما حدث في السقيفة وأنّ أبا بكر صار خليفة جاء إلى مسجد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم واعترض ، فاقترب منه عمر قائلا : لقد انقضى
الأمر وتمّت البيعة لأبي بكر ، قم وبايع ولا تشقّ عصا المسلمين! فقام وبايع!
ولكن كان لأسامة أن يقول : لقد جعلني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أميرا عليك وعلى أبي بكر ولم يعزلني بعد ، فكيف يصبح أميركم الذي أمّره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليكم تحت إمرتكم؟!
أما أمركما رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بطاعتي؟! وأمركم أن تكونا تحت إمرتي؟! فكيف انعكس الأمر؟!!
فإن تقولوا : إنّ المسافة كانت بعيدة بين المدينة والمعسكر والظروف الراهنة ما سمحت للشيخين أن يستشيرا أميرهما أسامة ومن كان تحت رايته من ذوي البصائر وأهل الحلّ والعقد!
فما تقولون في بني هاشم الّذين كانوا مجتمعين في بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكذلك الصحابة المقرّبين الذين كانوا آنذاك عند جثمان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يعزّون أهله المصابين بتلك المصيبة العظمى؟!
فلما ذا ما استشار أولئك ، وبالخصوص عليّ بن أبي طالب والعبّاس(١) عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهما بإجماع المسلمين كانا من أهل
__________________
(١) شرح ابن أبي الحديد ١ / ٢١٩ ـ ٢٢١ ط دار إحياء التراث العربي ، بيروت :روى عن البراء بن عازب ، قال : لم أزل لبني هاشم محبّا ، فلمّا قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عنهم ، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فكنت أتردّد إلى بني هاشم وهم عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في الحجرة ، وأتفقّد وجوه قريش ، فإنّي كذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر ، وإذا قائل يقول : القوم في سقيفة بني ساعدة ، وإذا قائل آخر يقول : قد بويع أبو بكر.
__________________
فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة ، وهم محتجزون بالازر الصنعانيّة لا يمرّون بأحد إلاّ خبطوه وقدّموه فمدّوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه ، شاء ذلك أو أبى.
فأنكرت عقلي ، وخرجت أشتدّ حتّى انتهيت إلى بني هاشم ، والباب مغلق ، فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا ، وقلت : قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة ؛ فقال العبّاس : تربت أيديكم إلى آخر الدهر ؛ أما إنّي قد أمرتكم فعصيتموني.
قال البراء : فمكثت أكابد ما في نفسي ، ورأيت في الليل المقداد وسلمان وأبا ذر وعبادة بن الصامت وأبا الهيثم بن التّيهان وحذيفة وعمّارا ، وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين.
وبلغ ذلك أبا بكر وعمر ، فأرسلا إلى أبي عبيدة وإلى المغيرة بن شعبة ، فسألاهما عن الرأي ، فقال المغيرة : الرأي أن تلقوا العبّاس فتجعلوا له ولولده في هذه الإمرة نصيبا ، ليقطعوا بذلك ناحية علي بن أبي طالب.
[أقول : هذا معنى المؤامرة المدبّرة والخديعة والمكر].
فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة حتّى دخلوا على العبّاس وذلك في الليلة الثانية من وفاة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه ، وقال : إنّ الله ابتعث لكم محمدا صلىاللهعليهوآلهوسلم نبيّا وللمؤمنين وليّا ، فمنّ الله عليهم بكونه بين ظهرانيهم حتّى اختار له ما عنده ، فخلّى على الناس أمورهم ليختاروا لأنفسهم متّفقين غير مختلفين ، فاختاروني عليهم واليا ، ولأمورهم راعيا ، فتولّيت ذلك ، وما أخاف بعون الله وتسديده وهنا ولا حيرة ولا جبنا ، وما توفيقي إلاّ بالله ، عليه توكّلت وإليه أنيب.
وما أنفكّ يبلغني عن طاعن يقول بخلاف قول عامّة المسلمين يتّخذكم لجأ فتكونون حصنه المنيع وخطبه البديع.
__________________
فإمّا دخلتم فيما دخل فيه الناس ، أو صرفتموهم عمّا مالوا إليه. فقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا ، ولمن بعدك من عقبك ، إذ كنت عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإن كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومكان أهلك ، ثمّ عدلوا بهذا الأمر عنكم ، وعلى رسلكم بني هاشم ؛ فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منّا ومنكم.
فتكلّم العبّاس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : إنّ الله ابتعث محمدا نبيا ـ كما وصفت ـ ووليّا للمؤمنين ، فمنّ الله به على أمته حتّى اختار له ما عنده ، فخلّى الناس على أمرهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين للحقّ ، مائلين عن زيغ الهوى.
«هذا الكلام من العبّاس ، من باب المماشاة ، أي على فرض أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم خلّى الناس ليختاروا لأنفسهم».
فإن كنت برسول الله طلبت ، فحقّنا أخذت ، وإن كنت بالمؤمنين ، فنحن منهم ؛ ما تقدّمنا في أمركم فرطا ، ولا حللنا وسطا ، ولا نزحنا شحطا ؛ فإن كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين ، فما وجب إذ كنا كارهين ، وما أبعد قولك : إنّهم طعنوا من قولك إنّهم مالوا إليك!
وأمّا ما بذلت لنا ، فإن يكن حقّك أعطيتناه فأمسكه عليك ، وإن يكن حقّ المؤمنين فليس لك أن تحكم فيه ، وإن يكن حقّنا لم نرض لك ببعضه دون بعض.
وما أقول هذا أروم صرفك عمّا دخلت فيه ، ولكن للحجّة نصيبها من البيان.
وأمّا قولك : إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم منّا ومنكم ، فإنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها.
وأمّا قولك يا عمر : إنّك تخاف الناس علينا ، فهذا الذي قدّمتموه أوّل ذلك ، وبالله المستعان.
ويحدّثنا ابن قتيبة في كتابه الإمامة والسياسة : ١٢ ط مطبعة الأمّة بمصر ، فيقول :ثمّ إنّ عليّا كرّم الله وجهه أتي به إلى أبي بكر وهو يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
الحلّ والعقد في الإسلام وكانا من ذوي البصيرة والرأي ، هل المسافة كانت بعيدة؟! أم الظروف الراهنة ما سمحت؟!!
الحافظ : أظنّ بأنّ الأمر كان خطيرا والخطر كبيرا بحيث لم يمكن
__________________
فقيل له : بايع أبا بكر.
فقال : أنا أحقّ بهذا الأمر منكم ، لا أبايعكم ، وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتأخذونه منّا أهل البيت غصبا!
ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لمّا كان محمد منكم ، فأعطوكم المقادة ، وسلّموا إليكم الإمارة ، فإذا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار ؛ نحن أولى برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم حيّا وميّتا ، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون! وإلاّ فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون!
فقال له عمر : إنّك لست متروكا حتّى تبايع.
فقال له عليّ : احلب حلبا لك شطره ، وشدّ له اليوم يردده عليك غدا.
ثمّ قال : والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه.
فقال له أبو بكر : فإن لم تبايع فلا أكرهك.
فقال عليّ كرّم الله وجهه : الله الله يا معشر المهاجرين! لا تخرجوا سلطان محمّد في العرب من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقّه.
فو الله يا معشر المهاجرين! لنحن أحقّ الناس به لأنّا أهل البيت ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، المتطلع لأمر الرعيّة ، الدافع عنهم الأمور السيّئة ، القاسم بينهم بالسويّة ، والله إنّه لفينا فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحقّ بعدا.
قال بشير بن سعد الأنصاري : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا عليّ قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلفت عليك. «المترجم»
للشيخين ترك السقيفة حتّى لحظة واحدة.
قلت : ولكنّي أقول : إنّ الشيخين ما أرادا أن يخبرا عليّا وبني هاشم وسائر الصحابة ، بل كانا يريدان خلوّ الساحة من أولئك ، حتّى
يحقّقا أمرا دبّراه فيما بينهما!
الحافظ : وهل لكم دليل على ذلك؟
قلت : أوّلا ، كان بإمكانهما أن يراقبا الوضع في السقيفة ويبعثا أبا عبيدة الجرّاح ، فيخبر بني هاشم وسائر الصحابة.
ثانيا : قبل أن يأتي الشيخان إلى السقيفة ، كان أبو بكر مع المجتمعين في بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فجاء عمر عند الباب ولم يدخل البيت ، فطلب أبا بكر وأخبره باجتماع الأنصار في السقيفة ، ولم يخبر الآخرين ، ثمّ أخذه معه وانطلقا نحو السقيفة.
الحافظ : هذا الخبر من أقاويل الروافض!
قلت : سبحان الله ، مالك كلّما عجزت عن الجواب ، اتّهمت الشيعة وأسأت إليهم بالكلام؟! ولقد تكرّر منك هذا الموقف العنيف ، ثمّ ثبت للحاضرين زيف كلامك وبطلان رأيك وهذه المرّة كذلك.
ولكي تعرف الحقيقة فراجع تاريخ محمد بن جرير الطبري ـ من كبار أعلامكم ومؤرّخيكم في القرن الثالث ـ ٢ / ٤٥٦ ، ونقل عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٢ / ٣٨ فقال : وروى أبو جعفر أيضا في التاريخ ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ـ إلى أن قال : ـ وسمع عمر الخبر ، فأتى منزل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفيه أبو بكر ، فأرسل إليه : أن أخرج إليّ ؛ فأرسل : إنّي مشغول ؛ فأرسل إليه عمر أن اخرج ، فقد حدث أمر لا بدّ أن تحضره ؛
فخرج فأعلمه الخبر ، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة إلى آخر الخبر(١) .
__________________
(١) وروى ابن أبي الحديد في الجزء ٦ / ٤٣ من شرح نهج البلاغة : عن أبي بكر الجوهري ، قال : سمعت عمر بن شبّة يحدّث رجلا ، قال : مرّ المغيرة بن شعبه بأبي بكر وعمر ، وهما جالسان على باب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حين قبض ، فقال : ما يقعدكما؟
قالا : ننتظر هذا الرجل يخرج فنبايعه ـ يعينان عليّا ـ.
فقال : أتريدون أن تنظروا حبل الحبلة من أهل هذا البيت؟! وسّعوها في قريش تتّسع.
قال : فقاما إلى سقيفة بني ساعدة.
انظر أيّها القارئ الكريم ، كيف ترك الشيخان أمر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بالبيعة لعليّ وأخذا بكلام المغيرة ، وقد كافأه عمر إذ ولاّه البصرة في خلافته ، فزنى فيها بامرأة يقال لها أمّ جميل ، وشهد عليه أربعة شهداء ولكن عمر درأ عنه الحدّ.
وتجد تفصيل الواقعة في شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٢ / ٢٢٧ ـ ٢٣٩ ، وهو بعد ما يروي الخبر من تاريخ الطبري ومن كتاب الأغاني ـ لأبي الفرج الأصفهاني ـ يستنتج فيقول في صفحة ٢٣٩ : فهذه الأخبار كما تراها تدلّ متأمّلها على أنّ الرجل ـ المغيرة ـ زنى بالمرأة لا محالة.
وكلّ كتب التواريخ والسّير تشهد بذلك وإنّما اقتصرنا نحن منها على هذين الكتابين.
قال : وقد روى المدائني ، أنّ المغيرة كان أزنى الناس في الجاهلية ، فلمّا دخل في الإسلام قيّده الإسلام ، وبقيت عنده منه بقيّة ظهرت في أيّام ولايته البصرة.
أقول : والمغيرة هو الذي أشار على أبي بكر وعمر فقال : الرأي أن تلقوا العبّاس فتجعلوا له ولولده في هذه الإمرة نصيبا ؛ ليقطعوا بذلك ناحية عليّ بن أبي طالب إلى آخر الخبر الذي ذكرته في ما علّقته قبل هذا التعليق فراجع.
وحسب مطالعاتي لأخبار السقيفة ، أرى أنّ المغيرة كان أحد المتآمرين في أمر
فبأيّ دليل ومنطق ، تسمّون هذه الواقعة ، إجماع الأمّة أو إجماع أهل الحلّ والعقد؟!
إنّ هذا الطريقة في تعيين رئيس الجمهورية أو أمير القوم أو خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تخالف القوانين السماوية والأرضية ، وتناقض سيرة العقلاء في العالم وترفضها جميع الأمم والشعوب ، لا الشيعة فحسب!
لا إجماع على خلافة أبي بكر
أيّها العلماء لو فكّرتم قليلا وأنصفتم ، ثمّ نظرتم إلى أحداث السقيفة وما نجم منها ، لأذعنتم أنّ خلافة أبي بكر ما كانت بموافقة جميع أهل الحلّ والعقد ، ولم يحصل الإجماع عليها ، وأنّ ادّعاء القوم وتمسّكهم بالإجماع فارغ عن المعنى واسم من غير مسمى!
فإنّ إعلان النتيجة في مثل هذه الأمور تعبّر برأي الأكثرية والأقلّيّة أو الإجماع.
فلو تشاور قوم في أمر ، فوافق أكثرهم وخالف آخرون.
فالموافقون أكثرية والمخالفون أقلّيّة.
__________________
الخلافة ، ولا عجب ، لأنّه ما دخل الإسلام عن بصيرة وإيمان.
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٣ / ٤٢ ط دار إحياء الكتب العربية ، وقد علم الله تعالى والمسلمون ، أنّه لو لا الحدث الذي أحدث ، والقوم الّذين صحبهم فقتلهم غدرا ؛ واتّخذ أموالهم ، ثمّ التجأ إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ليعصمه ، لم يسلم ، ولا وطئ حصا المدينة.
انتهى كلام ابن أبي الحديد. «المترجم»
ولكن إذا وافق كلّهم ، بحيث لم يخالف منهم أحد ، فقد حصل الإجماع.
والآن أسألكم بالله! هل حصل هذا الإجماع على خلافة أبي بكر ، في السقيفة أو في المسجد أو في المدينة؟!
وحتّى لو تنزّلنا وقلنا : إنّ الملحوظ هو رأي كبار الصحابة وذوي العقل والبصيرة من المسلمين ؛ فهل أجمع كبار الصحابة وعقلاء المسلمين وأهل الحلّ والعقد كلهم على خلافة أبي بكر ، بحيث لم يكن فيهم مخالف واحد؟!
الحافظ : قلنا بأنّ الاجماع ما حصل في بادئ الأمر ، بل حصل تدريجا بموافقة المخالفين واحدا بعد الآخر مع طول الزمن.
قلت : وحتّى هكذا ـ إجماع تدريجي ـ لم يحصل أيضا ؛ لأنّ كثيرا من المخالفين بقوا على مخالفتهم لخليفة السقيفة ، إلى أن وافاهم الأجل ، منهم سيدة نساء العالمين وبنت سيّد المرسلين وحبيبة خاتم النبيّين ، فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، وكانت هي مدار سخط الله سبحانه ورضاه ، حيث قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في شأنها : «فاطمة بضعة منّي ، يرضى الله لرضاها ، ويسخط لسخطها».
فأعلنت سخطها على الخليفة ، ومخالفتها لرأي السقيفة ، ورفضت أن تبايع أبا بكر حتّى ماتت وهي واجدة عليه(١) .
__________________
(١) قال ابن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسة ١٤ و ١٥ ط مطبعة الأمّة بمصر : فقال عمر لأبي بكر (رض) : انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها!
فانطلقا جميعا فاستأذنا على فاطمة ، فلم تأذن لهما!
وأحد المخالفين لخلافة أبي بكر ، سعد بن عبادة الخزرجي ، وهو سيّد قومه ، أعلن خلافه لمّا بعث إليه أبو بكر أن أقبل فبايع فقد بايع الناس.
فقال : أما والله حتى أرميكم بكلّ سهم في كنانتي من نبل ، وأخضب منكم سناني ورمحي ، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي ، واقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي ، ولا والله لو أنّ الجنّ اجتمعت لكم مع
__________________
فأتيا عليّا فكلّماه ، فأدخلهما عليها ، فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط.
فسلّما عليها فلم تردّ عليهما السّلام!
فتكلّم أبو بكر فقال : يا حبيبة رسول الله! والله إلى آخر كلامه الذي يرويه ابن قتيبة ، ثمّ يقول : فقالت [فاطمة] أرأيتكما إن حدّثتكما حديثا عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) تعرفانه وتفعلان به؟!
قالا : نعم.
فقالت : نشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟!
قالا : نعم سمعناه من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
قالت : فإنّي أشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونّكما إليه!
فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة.
ثمّ انتحب أبو بكر يبكي وهي تقول : والله لأدعونّ عليك في كلّ صلاة أصلّيها.
هذا ، ولقد اتّفق المؤرّخون والمحدّثون من أهل السنّة والشيعة أنّ فاطمة الزهراء عليهاالسلام ماتت وهي ساخطة ـ وفي بعض الأخبار : واجدة ، وفي بعضها : غضبى ـ على أبي بكر وعمر. «المترجم»
الإنس ما بايعتكم حتّى أعرض على ربّي وأعلم حسابي(١) .
فالإجماع الذي تزعمونه نفاه كثير من أعلامكم أيضا ، منهم صاحب كتاب «المواقف» والفخر الرازي وجلال الدين السيوطي وابن أبي الحديد والطبري والبخاري ومسلم بن الحجّاج وغيرهم.
وقد ذكر العسقلاني والبلاذري في تاريخه ومحمد خاوندشاه في «روضة الصفا» وابن عبد البرّ في «الاستيعاب» وغير هؤلاء أيضا ذكروا : أنّ سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وجماعة من قريش ما بايعوا أبا بكر ، وثمانية عشر من كبار الصحابة رفضوا أيضا أن يبايعوه ، وهم شيعة عليّ بن أبي طالب وأنصاره ، وذكروا أسماءهم كما يلي :
١ ـ سلمان الفارسي ٢ ـ أبو ذرّ الغفاري ٣ ـ المقداد بن الأسود الكندي ٤ ـ أبي بن كعب ٥ ـ عمّار بن ياسر ٦ ـ خالد بن سعيد بن العاص ٧ ـ بريدة الأسلمي ٨ ـ خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ٩ ـ أبو الهيثم بن التيهان ١٠ ـ سهل بن حنيف ١١ ـ عثمان بن حنيف ١٢ ـ أبو أيّوب الأنصاري ١٣ ـ جابر بن عبد الله الأنصاري ١٤ ـ حذيفة بن اليمان ١٥ ـ سعد بن عبادة ١٦ ـ قيس بن سعد ١٧ ـ عبد الله بن عبّاس ١٨ ـ زيد ابن أرقم.
وذكر اليعقوبي في تاريخه فقال : تخلّف قوم من المهاجرين والأنصار عن بيعة أبي بكر ، ومالوا مع عليّ بن أبي طالب ، منهم العبّاس بن عبد المطّلب والفضل بن العبّاس والزبير بن العوّام وخالد بن سعيد بن العاص والمقداد وسلمان وأبو ذر الغفاري وعمّار بن ياسر
__________________
(١) الإمامة والسياسة : ١١.
والبرّاء بن عازب وأبيّ بن كعب.
أقول :
ألم يكن هؤلاء من صفوة أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن المقرّبين إليه والمكرّمين لديه؟! فلما ذا لم يشاوروهم؟!
فإن لم يكن هؤلاء الأخيار من أهل الحلّ والعقد ومن ذوي البصيرة والرأي في المشورة والاختيار ، فمن يكون إذن؟!!
وإذا لم يعبأ برأي أولئك الّذين كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يشاورهم في الأمور ويعتمد عليهم ، فبرأي من يعبأ ، ورأي من يكون ميزانا ومعيارا لإبرام الأمور المهمّة وحسم قضايا الأمّة؟!
مخالفة العترة لخلافة أبي بكر
لا شكّ أنّ العترة وأهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هم أفضل الصحابة ، وهم في الصفّ الأوّل والمتقدّمين على أهل الحلّ والعقد ، وأنّ إجماع أهل البيتعليهمالسلام حجّة لازمة ، ليس لأحد من المسلمين ردّهم ، بدليل الحديث النبويّ الشريف المروي في كتب الفريقين أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا».
[ذكرنا بعض مصادره من كتب العامة في مجلس سابق].
فجعلهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منار الهدى ، وأمانا من الضلالة والعمى.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق وهوى». [ذكرنا مصادره في المجلس الثالث من هذا الكتاب].
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنا وأهل بيتي شجرة [أصلها] في الجنة ، وأغصانها في الدنيا ، فمن شاء أن يتّخذ إلى ربّه سبيلا فليتمسّك بها(١) ». فجعلهم سبيل الوصول إلى الله سبحانه وتعالى.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «في كلّ خلف من أمّتي عدول من أهل بيتي ، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالّين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، ألا وإنّ أئمّتكم وفدكم إلى الله عزّ وجلّ فانظروا من توفدون!(٢) ».
هذه الأحاديث الشريفة وأمثالها ، جاءت في كتبكم ، وذكرت في مسانيدكم وصحاحكم ، وهي تشير إلى أنّ المسلمين إذا أطاعوا أهل البيتعليهمالسلام واتّبعوا العترة الهادية سعدوا في الدنيا والآخرة.
واتّفق المؤرّخون والمحدّثون على أنّ أهل البيت وبني هاشم كلّهم تخلّفوا عن بيعة أبي بكر ولم يرضوا بخلافته.
فثبت أنّ دليلكم الأوّل ـ وهو الإجماع على خلافة أبي بكر ـ مردود.
تفنيد الدليل الثاني
وأمّا دليلكم الثاني ، وهو كبر السنّ ، إذ قلتم : إنّهم قدّموا أبا بكر في الخلافة لأنّه كان أكبر سنّا من عليّ بن أبي طالب.
صحيح أنّ أصحاب السقيفة استدلّوا بهذا الدليل لإقناع الإمام عليّعليهالسلام ليبايع أبا بكر(٣) ولكنّه دليل ضعيف وكلام سخيف.
__________________
(١) الصواعق المحرقة / ذيل الآية الرابعة / في فضائل أهل البيتعليهمالسلام .
(٢) الصواعق المحرقة / ذيل الآية الرابعة / في فضائل أهل البيتعليهمالسلام .
(٣) قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ١٢ : فقال أبو عبيدة بن الجرّاح له [لعليّ كرّم الله
فلو كان كبر السنّ ملحوظا في المنصوب للخلافة ، فقد كان في المسلمين والصحابة من هو أكبر سنّا من أبي بكر ، حتّى إن والده أبا قحافة كان حيّا في ذلك اليوم ، فلم أخّروه وقدّموا ابنه؟!!(١) .
الحافظ : إنّ الملحوظ عندنا كبر السنّ مع السابقة في الإسلام.
وقد كان أبو بكر شيخا محنّكا في الأمور ، ذا سابقة حسنة ، وكان مقدّرا ومحبوبا عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلا يقدّم عليه عليّ كرم الله وجهه وهو حديث السن غير محنّك في الأمور.
قلت : إن كان كذلك فلما ذا قدّم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاعليهالسلام عليه في كثير من الأمور والقضايا؟!
منها : في غزوة تبوك ، حينما عزم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يخرج مع المسلمين إلى تبوك وكان يخشى تحرّك المنافقين في المدينة وتخريبهم ،
__________________
وجهه] : يا ابن عمّ! إنّك حديث السنّ ، وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ، ولا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك وأشدّ احتمالا واستطلاعا ، فسلّم لأبي بكر هذا الأمر ، فإنّك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق وحقيق ، في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك
فأنظر أيّها القارئ الكريم كيف يعترف للإمام عليّ عليهالسلام بفضله في الدين والعلم والفهم والسابقة والنسب والحسب ، ولكن لأنّه حديث السنّ يؤخّر عن مقامه!!
«المترجم»
(١) شرح ابن أبي الحديد ١ / ٢٢٢ ، قال : قيل لأبي قحافة يوم ولي الأمر ابنه : قد ولي ابنك الخلافة. فقرأ :( قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ) ثمّ قال : لم ولّوه؟ قالوا : لسنّه! قال : أنا أسنّ منه!! «المترجم»
خلّف علياعليهالسلام ليدير أمور المدينة المنوّرة ، دينيا وسياسيا واجتماعيا ، وقال له : «أنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».
وكان عليعليهالسلام نعم الخلف ، وخير مدير ، وأفضل أمير.
ومنها : تبليغ آيات من سورة براءة لأهل مكّة حين كانوا مشركين ، فقد عيّن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أبا بكر لهذه المهمّة وأرسله إلى مكّة وقطع مسافة نحوها ، ولكنّ الله عزّ وجلّ أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يعزل أبا بكر ويعيّن عليّاعليهالسلام لتبليغ الرسالة ، ففعل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأرسل عليّاعليهالسلام فأخذ الرسالة من أبي بكر ، فرجع إلى المدينة وذهب عليّعليهالسلام إلى مكّة فوقف في الملأ العامّ من قريش ورفع صوته بتلاوة الآيات من سورة براءة وأدّى تبليغ الرسالة ، ونفّذ الأمر ، ورجع إلى المدينة(١) .
ومنها : أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعثه إلى اليمن ليهدي أهلها إلى الاسلام ،
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد في شرحه ١٢ / ٤٦ ط دار إحياء التراث العربي ، بيروت.
وروى الزبير بن بكّار في كتاب «الموفّقيات» عن عبد الله بن عبّاس ، قال : إنّي لأماشي عمر بن الخطّاب في سكّة من سكك المدينة ، إذ قال لي : يا ابن عبّاس! ما أرى صاحبك إلاّ مظلوما!
فقلت في نفسي : والله لا يسبقني بها ، فقلت : يا أمير المؤمنين! فاردد إليه ظلامته.
فانتزع يده من يدي ومضى يهمهم ساعة ، ثمّ وقف فلحقته ، فقال : يا ابن عبّاس! ما أظنّهم منعهم عنه إلاّ أنّه استصغره قومه!
فقلت في نفسي : هذه شرّ من الأولى! فقلت : والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك!
فأعرض عنّي وأسرع ، فرجعت عنه.
اقول : وروي في الرياض النضرة ٢ / ١٧٣. «المترجم»
ويبلّغهم الدين ، ويقضي بين المتخاصمين ، وقد أدّى هذا الأمر على أحسن وجه.
وأمثال هذه الأخبار كثيرة ، لا يسعنا المجال لذكرها ، ولكن ذكرنا نماذج منها لتفنيد دليلكم وإبطال قولكم ، ولكي يعرف الحاضرون أنّ كبر السنّ والشيخوخة غير ملحوظة في انتخاب خليفة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنّما الملحوظ كمال عقله وإيمانه ، واتّصافه بالصفات الحميدة والفضائل المجيدة ، التي تجعله مشابها ومماثلا للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سواء أكان خليفته شيخا أم شابّا.
عليّعليهالسلام فاروق بين الحقّ والباطل
ودليلنا الآخر على بطلان خلافة أبي بكر أنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام رفض البيعة له وخالف ولايته.
والنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وصف عليّاعليهالسلام بأنّه الفاروق بين الحقّ والباطل.
فخلافة أبي بكر التي خالفها عليّعليهالسلام باطلة لا محالة.
الحافظ : إنّ عمر بن الخطّاب هو الفاروق الأعظم ، وهو أوّل من بايع أبا بكر وسعى في تحكيم خلافته.
قلت : الناس لقّبوا عمر بالفاروق ، في قبال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ لقّب عليّاعليهالسلام به ، وزادوا «الأعظم» في لقب عمر ليؤكّدوه فيه.
الحافظ : وهل لكم دليل على أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لقّب عليّا كرم الله وجهه بالفاروق.
قلت : وهل نقلت إلى الآن خبرا في فضل الإمام عليّعليهالسلام بغير دليل من كتبكم ومسانيدكم المعتبرة عندكم؟! وهذا الموضوع أيضا سنده
ودليله في كتبكم المعتبرة ومسانيدكم الموثّقة.
لقد نقل الحافظ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه «ينابيع المودة» باب ٥٦ : روى من كتاب «السبعين في فضائل أمير المؤمنين» حديث رقم ١٢ ، عن أبي ذرّ الغفاريرضياللهعنه ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ستكون من بعدي فتنة ، فإن كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب ، فإنّه الفاروق بين الحقّ والباطل».
قال : رواه صاحب الفردوس.
وخرّجه أيضا العلاّمة المير السيّد علي الهمداني في كتابه «مودّة القربى» المودة السادسة ، عن أبي ليلى الغفاري ، عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «ستكون من بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالزموا عليّا ، فإنّه الفاروق بين الحقّ والباطل».
وروى العلاّمة الكنجي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» الباب الرابع والأربعين : بإسناده عن أبي ليلى الغفاري ، قال : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : «ستكون من بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب ، إنّه أوّل من يراني ، وأوّل من يصافحني يوم القيامة ، وهو معي في السماء العليا ، وهو الفاروق بين الحقّ والباطل».
قال الكنجي : هذا حديث حسن عال ، رواه الحافظ في أماليه.
وروى أيضا في الباب بإسناده عن ابن عبّاس ، قال : ستكون فتنة ، فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله تعالى وعليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يقول : «هذا أوّل من آمن بي ، وأوّل من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأمّة ، يفرق بين الحقّ والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو
الصدّيق الأكبر ، وهو بابي الذي أؤتى منه ، وهو خليفتي من بعدي».
قال الكنجي : هكذا أخرجه محدّث الشام في فضائل عليّعليهالسلام في الجزء التاسع والأربعين بعد الثلاث مائة من كتابه بطرق شتّى.
وأخرج شيخ الإسلام الحمويني بسنده عن علقمة بن قيس والأسود بن بريدة.
وأخرجه عنهما المير السيّد علي الهمداني في آخر المودّة الخامسة من كتاب «مودّة القربى» باختلاف يسير في أوّله ، ونحن ننقل عنه
قالا : أتينا أبا أيّوب الأنصاري ، قلنا : يا أبا أيّوب! إنّ الله تعالى أكرمك بنبيّك إذ أوحى إلى راحلته تبرك إلى بابك ، فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صنع لك فضيلة فضّلك بها.
أخبرنا بمخرجك مع عليّعليهالسلام تقاتل أهل لا إله إلاّ الله!
فقال أبو أيّوب : فإنّي أقسم لكما بالله تعالى لقد كان والنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم معي في هذا البيت الذي أنتما فيه معي ، وما في البيت غير رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّ جالس عن يمينه ، وأنس قائم بين يديه ، إذ حرّك الباب ، [«فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : انظر إلى الباب من بالباب؟
فقال : يا رسول الله! هذا عمّار.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : افتح لعمّار الطيّب المطيّب.
ففتح أنس الباب ، فدخل عمّار على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عمّار ستكون في أمّتي هنات حتّى يختلف السيف فيما بينهم حتّى يقتل بعضهم بعضا ، فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني ـ يعني علي بن أبي طالب ـ إن سلك الناس كلّهم واديا وسلك علي واديا ، فاسلك وادي عليّ وخلّ عن الناس.
يا عمّار! عليّ لا يردّك عن هدى ، ولا يدلّك على ردى.
يا عمّار! طاعة عليّ طاعتي ، وطاعتي طاعة الله»].
أقول : فكانت الفتنة التي أشار إليها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وصرّح بها وأفصح عنها ، وهي اختلاف أصحابه بعده في أمر الخلافة ، وقد بيّنصلىاللهعليهوآلهوسلم ما عليه ، من إرشاد أمّته إلى الصراط المستقيم والطريق القويم ، بأن يستضيئوا بنور وصيّه وابن عمّه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ويتّبعوه ويأخذوا جانبه ، فإنّ الحقّ معه ، وكان عليّعليهالسلام يخالف بيعة أبي بكر ويرفضها لأنّها باطلة.
ونحن نعتقد أنّ السقيفة وخليفتها ما هي إلاّ مؤامرة نفر من قريش ، أشهرهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرّاح ، وإذا لم تكن مؤامرة مدبّرة بين هؤلاء كان عليهم أن يخبروا الصحابة الآخرين وخاصّة الإمام عليّا والعبّاس ، وكان عليهم أن يشاوروهم ويأخذوا رأيهم. فكان يتعيّن حينئذ خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على أساس الإجماع.
الحافظ : ما كانت هناك مؤامرة ، وإنّما الأوضاع الرّاهنة كانت خطيرة للغاية ، بحيث رأوا التعجيل في تعيين الخليفة أمرا ضروريا لا يجوز تأخيره ، وذلك في مصلحة الإسلام والمسلمين حفظا للدين.
قلت : هل إنّ الثلاثة الّذين سبقوا بني هاشم وغيرهم من ذوي البصيرة والرأي ، وحضروا السقيفة ، هل كان إحساسهم في حفظ الدين أكثر من العبّاس ومن عليّ بن أبي طالب ، مع سوابقه المشرقة في الجهاد والتضحية والذبّ عن الإسلام ونبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!!
فإذا لم يكونوا متآمرين في سبيل نيل الخلافة ، وما كانوا طامعين
فيها ، لكان على اثنين منهم أن يبقيا في السّقيفة ويناقشا الأنصار ويهدّئا الوضع ، ويخرج الثالث إلى الصحابة وبني هاشم الّذين كانوا في بيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فيخبرهم باجتماع السقيفة ، فكانوا سيشاركونهم فيها ويبدون رأيهم ، ولحلّ الوفاق محل الاختلاف.
وصدّقوني أيّها الإخوة ، إنّ كل ما نجده اليوم من افتراق المسلمين واختلافهم الذي انتهى إلى ضعفهم وكسر شوكتهم ، وما حدثت من نزاعات داخلية بين المسلمين ، والحروب الدامية والوقائع المخزية التي نشبت بينهم في الماضي والحاضر ، كلّها حصيلة يوم السقيفة ومؤامرة أولئك النفر وتعجيلهم في تعيين الخليفة.
النوّاب : سيدنا الجليل! ما هو السبب في تعجيل القوم؟! وما الذي حداهم إلى عدم إخبار بني هاشم والصحابة الذين كانوا مجتمعين في بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
قلت : نحن على يقين أنهم كانوا يعلمون ، لو لم يعجّلوا في تعيين أحدهم بالخلافة ، ولو صبروا حتّى يحضر بنو هاشم وكبار الصحابة فيشاورونهم في تعيين خليفة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ويسمع الحاضرون احتجاجهم ما عدلوا عن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام كما أنّ بشير بن سعد الأنصاري ، وهو أول من بايع أبا بكر من الأنصار ، لمّا سمع كلام الإمام عليّعليهالسلام وهو يحتجّ على أبي بكر ، قال : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا عليّ قبل بيعتها لأبي بكر ، ما اختلفت عليك!(١) .
__________________
(١) الإمامة والسياسة : ١٣ ط مطبعة الأمّة بمصر.
وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٦ / ٢١ عن الزبير بن بكّار ، قال : وكان
وحتّى عمر بن الخطّاب لم يكن موقنا بنجاح المؤامرة ، وأنّ الخليفة الذي سينصبه هو(١) ويبادر إلى بيعته ، سيصبح حاكما متمكّنا ،
__________________
عامّة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكّون أنّ عليا هو صاحب الأمر بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ونقل ابن أبي الحديد في شرحه ٦ / ١٩ عن الزبير بن بكّار ، جواب زيد بن أرقم ، في ردّ عبد الرحمن بن عوف في أوّل يوم من بيعة أبي بكر ، إذ قال : يا معشر الأنصار ليس فيكم مثل أبي بكر ولا عمر ولا عليّ ولا أبي عبيدة! فقال زيد كلاما طويلا ، آخره : وإنّا لنعلم أنّ ممّن سمّيت من قريش ، من لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد ؛ علي بن أبي طالب.
ويقول الأستاذ عبد الفتّاح عبد المقصود في كتابه «السقيفة والخلافة» صفحة ١٦٠ : فالراجح الذي يقارب اليقين أنّ أغلب المهاجرين ، ثمّ أكثر الكثيرين من رفاق محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم على طريق الإيمان منذ بدء الدعوة الهادية ، كانوا بعيدين عن مجال هذا الصراع السياسي بين فريقي المتنازعين يومئذ على السلطان ، بعضهم نفورا منه وبعضهم غفلة عنه ، وعامّتهم اطمئنانا يقينيّا إلى أنّ خلافة صاحب الرسالة باقية في بيته لا محالة ، إذ كانوا لا يشكّون لحظة واحدة في أنّ الولاية على المسلمين مفضية حتما من بعد محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى عليّ بن أبي طالب ، بحقّ قدره وفضله ، وليس فقط بحقّ صهره وقرباه ، فهو من علم الناس موئل علمه ، ولجأ أمره ، وموضع سرّه ، ونجي قلبه ولصيق لبّه ، وأولاهم كافّة ـ أمّة وآلا ـ بإمرة المؤمنين بلا مجادلة ولا نزاع.
«المترجم»
(١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١ / ١٧٤ ط دار إحياء التراث :
وعمر هو الذي شدّ بيعة أبي بكر ووقم ـ أذلّ ـ المخالفين فيها ، فكسر سيف الزبير لمّا جرّده ودفع في صدر المقداد ، ووطئ في السقيفة سعد بن عبادة وقال : اقتلوا سعدا ، قتل الله سعدا ، وحطّم أنف الحبّاب بن المنذر ، الذي قال يوم السقيفة : أنا جذيلها المحكّك ، وعذيقها المرجّب.
فلذلك كان يقول : إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه(١) .
ردّ الدليل الثالث
وأمّا دليلكم الثالث ، وهو قول عمر بن الخطّاب بأن النبوّة والحكم لا تجتمعان في أهل بيت واحد ، فبطلانه وزيفه واضح ، بدليل قوله تعالى :( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) (٢) .
__________________
وتوعّد من لجأ إلى دار فاطمة عليهاالسلام من الهاشميّين وأخرجهم منها. ولولاه لم يثبت لأبي بكر أمر ولا قامت له قائمة.
انتهى كلام ابن أبي الحديد.
(١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٢ / ٢٦ : فأمّا حديث الفلتة ، فقد كان سبق من عمر أن قال : إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه!
ثمّ نقل معنى «الفلتة» في صفحة ٣٦ و ٣٧ فقال : ذكر صاحب «الصحاح» أنّ الفلتة ، الأمر الذي يعمل فجأة من غير تردّد ولا تدبّر ؛ وهكذا كانت بيعة أبي بكر ؛ لأنّ الأمر لم يكن فيها شورى بين المسلمين ، وإنّما وقعت بغتة لم تمحّص فيها الآراء ، ولم يتناظر فيها الرجال ، وكانت كالشيء المستلب المنتهب.
أقول : لقد عبّر أبو بكر عن بيعته أنّها كانت «فلتة» قبل عمر ، كما روى ذلك ابن أبي الحديد في شرحه ٦ / ٤٧ عن عمر بن شبّة ثمّ قام أبو بكر ، فخطب الناس ، فاعتذر إليهم ، وقال : إنّ بيعتي كانت «فلتة» وقى الله شرّها
ولا يخفى أن قول عمر بأن تلك البيعة كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها ، قد نقله البخاري في صحيحه : ج ٤ ص ١٢٧. «المترجم»
(٢) سورة النساء ، الآية ٥٤.
فالكلام إن كان ينسب إلى عمر فهو دليل على عدم إحاطته بالآيات القرآنية ومفاهيمها!
وإن كان عمر يرويه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فهو حديث مجعول ، لأنه مخالف لكتاب الله الحكيم.
ثمّ نحن نعتقد بأنّ الخلافة تالية للنبوة ولازمة لها ، فلا يطلق عليها اسم الحكومة والسلطنة ، لأنّ سلطة الخليفة لا تكون كسلطة الملوك وحكومتهم.
ثمّ إنّ خلافة النبوّة عندنا كخلافة هارون لأخيه موسى بن عمران حيث قال سبحانه وتعالى في كتابه :( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ) (١) .
فإن يكن عندكم ، أنّه يحقّ للمسلم أن ينفي خلافة هارون لموسى ، فإنّه يحقّ له أيضا عزل عليّعليهالسلام من خلافة خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فكما إنّ النبوّة والخلافة اجتمعتا في أهل بيت عمران والد موسى وهارون ، كما ينصّ القرآن فيه ، كذلك اجتمعتا للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّعليهالسلام في بيت عبد المطّلب ، بالنصوص الكثيرة ، منها : حديث المنزلة ، وقد ذكرنا مصادره وتكلّمنا حوله في الليالي الماضية.
ثمّ إنّ عمر بن الخطّاب لمّا جعل عليّاعليهالسلام أحد الستّة الّذين عيّنهم في شورى الخلافة من بعده ، قد ناقض حديثه بعلمه ، وإضافة إلى تناقض عمر ، تناقض اعتقادكم لهذا الحديث ، إذ إنّكم إن تعتقدون بصحّة كلام عمر في هذا المجال ، فكيف تعتقدون بخلافة عليّعليهالسلام في
__________________
(١) سورة الأعراف ، الآية ١٤٢.
الدور الرابع؟!! وهذا تناقض بيّن(١) .
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ١٢ / ٥٢ ـ ٥٤ ط دار إحياء التراث العربي :
قال : وروى عبد الله بن عمر ، قال : كنت عند أبي يوما وعنده نفر من الناس ـ إلى أن قال : ـ فقال [أي أبوه عمر] : يا ابن عبّاس! أتدري ما منع الناس منكم؟!
قال : لا يا أمير المؤمنين.
قال : لكنّي أدري.
قال : ما هو يا أمير المؤمنين؟
قال : كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة ، فتجخفوا جخفا ، فنظرت قريش لنفسها فاختارت ، ووفّقت فأصابت.
فقال ابن عبّاس : أيميط أمير المؤمنين عنّي غضبه فيسمع؟!
قال : قل ما تشاء.
قال : أمّا قول أمير المؤمنين : «إنّ قريشا كرهت» فإنّ الله تعالى قال لقوم : ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ) سورة الأحزاب : ١٩.
وأمّا قولك : «إنّا كنّا نجخف» فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة ، ولكنّا قوم أخلاقنا مشتقّة من خلق رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الذي قال الله تعالى : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) سورة القلم : ٤.
وقال له : ( وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) سورة الشعراء : ٢١٥.
وأمّا قولك : فإنّ قريشا اختارت ، فإنّ الله تعالى يقول : ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) سورة القصص : ٦٨. وقد علمت يا أمير المؤمنين أنّ الله اختار من خلقه لذلك من اختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفّقت وأصابت قريش.
فقال عمر : على رسلك يا ابن عبّاس ، أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ غشّا في أمر قريش لا يزول ، وحقدا عليها لا يحول.
فقال ابن عبّاس : مهلا يا أمير المؤمنين : لا تنسب هاشما إلى الغشّ ، فإنّ قلوبهم من قلب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الذي طهّره الله وزكّاه ، وهم أهل البيت الّذين قال الله
الشيخ عبد السّلام : إنّ الكلام والنقاش حول هذا الموضوع لا يزيد المسلمين إلاّ افتراقا وابتعادا ، لذلك نقول : كيفما كان الأمر فنحن ما كنّا في ذلك اليوم ، وما حضرنا السقيفة حتى نلمس الأمر ونتحسّس الأحداث ، فنجد اليوم أنفسنا أمام أمر واقع ، وقد حصل عليه الإجماع ولو تدريجا ، فلا يجوز لنا أن نخالفه ، بل يجب على كلّ مسلم أن يخضع له ويستسلم للأمر الواقع.
قلت : أمّا نحن فنقول : لا يجوز لأحد من المسلمين أن يعتقد بشيء من غير دليل شرعي ، ويجب على كلّ مسلم أن يتّبع الحقّ لا أنّه يستسلم للأمر الواقع ، فكم من ضلال وباطل قائم في الدنيا ، فهل
__________________
تعالى لهم :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) سورة الأحزاب : ٣٣.
وأمّا قولك : «حقدا» فكيف لا يحقد من غصب شيئه ويراه في يد غيره؟!
فقال عمر : أمّا أنت يا ابن عبّاس ، فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي.
قال : وما هو يا أمير المؤمنين؟! أخبرني به ، فإن يك باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه ، وإن يك حقّا فإنّ منزلتي عندك لا تزول به.
قال : بلغني أنّك لا تزال تقول : أخذ هذا الأمر منكم حسدا وظلما.
قال : أمّا قولك يا أمير المؤمنين : «حسدا» فقد حسد إبليس آدم ، فأخرجه من الجنة ، فنحن بنو آدم المحسود.
وأمّا قولك : «ظلما» فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحقّ من هو! ثمّ قال : يا أمير المؤمنين! ألم تحتجّ العرب على العجم بحقّ رسول الله واحتجّت قريش على سائر العرب بحقّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فنحن أحقّ برسول الله من سائر قريش. «المترجم»
يجوز لمسلم أن يتّبعه ويتقبّله ، ثمّ يقول : إنّه أمر واقع وليس لنا إلاّ أن نستسلم للأمر الواقع؟!
فالإسلام دين تحقيق لا دين تقليد.
قال سبحانه وتعالى :( فَبَشِّرْ عِبادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) (١) .
فهل قول عمر أحسن أم قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
فهل يجوز لمسلم أن يترك هذه النصوص الجليّة ، والأحاديث النبويّة المروية عن طرقكم ، والمذكورة في كتبكم المعتبرة عندكم في شأن الإمام عليعليهالسلام ، وأنّ الحقّ بجانبه وهو مع الحقّ متلازمان لا يفترقان ، ثمّ يتمسّك بقول عمر بن الخطّاب فيعتقد بخلافة أبي بكر ، مع العلم بأنّ عليّاعليهالسلام أعلن بطلانها ، وهو علم الهدى والكمال ، والفاروق ، بين الحقّ والضلال ، فلذلك تبعه بنو هاشم وكثير من الصحابة ، فأبوا أن يبايعوا لأبي بكر.
[علا صوت المؤذّن لصلاة العشاء ، فقطعنا الحديث ، وبعد الفراغ من صلاة العشاء وبعد تناول الشاي]
افتتح الحافظ الكلام قائلا : لقد كرّرتم الكلام بأنّ عليّا كرم الله وجهه وبني هاشم وكثير من الصحابة رضي الله عنهم ، لم يرضوا بخلافة أبي بكر ولم يبايعوه ، ونحن نرى التواريخ كلّها اتّفقت على أنّ سيّدنا عليّا وبني هاشم وجميع أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بايعوا أبا بكر.
قلت : نعم بايعوا ولكن كيف تمّت البيعة؟!
__________________
(١) سورة الزمر ، الآية ١٧ ـ ١٨.
أما قرأتم في كتب التاريخ والحديث أنّ عليّاعليهالسلام وبني هاشم وكثيرا من كبار الصحابة ، ما بايعوا إلاّ بعد ستّة أشهر بالتهديد والجبر ، إذ جرّدوا السيف على رأس الإمام عليّعليهالسلام وهدّدوه بالقتل إن لم يبايع!
الحافظ : إنّي أعجب من جنابك ؛ كيف تتفوّه بهذا الكلام الذي ما هو إلاّ من أساطير جهلة الشيعة والعوامّ ، وقد أكّد غير واحد من المؤرّخين أنّ سيّدنا عليّا كرم الله وجه بايع أبا بكر في أوان خلافته طوعا ورغبة ، وأعلن موافقته لخلافة أبي بكر في خطبة خطبها من غير جبر وإكراه.
قلت : ولكنّ الخبر الذي اتّفق عليه أعلامكم من أصحاب الصحاح والمؤرّخين ، وصرّح به البخاري في صحيحه ٣ / ٣٧ باب غزوة خيبر ، ومسلم بن الحجّاج في صحيحه ٥ / ١٥٤ باب قول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا نورث ، ومسلم بن قتيبة في الإمامة والسياسة : ١٤ ، والمسعودي في مروج الذهب ١ / ٤١٤ ، وابن أعثم الكوفي في الفتوح ، وأبو نصر الحميدي في الجمع بين الصحيحين ، أخرجوا : أنّ عليا وبني هاشم لم يبايعوا إلاّ بعد ستّة أشهر.
وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٦ / ٤٦ عن الصحيحين ، عن الزهري ، عن عائشة فهجرته [أبا بكر] فاطمة ولم تكلّمه في ذلك حتّى ماتت ، فدفنها عليّ ليلا ، ولم يؤذن بها أبا بكر ، وفي الخبر : فمكثت فاطمة ستّة أشهر ثمّ توفّيت.
فقال رجل للزهري : فلم يبايعه عليّ ستّة أشهر؟!
قال : ولا أحد من بني هاشم ، حتّى بايعه عليّ.
وذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ، صفحة ١٣(١) ، تحت عنوان : «كيف كانت بيعة عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه» قال : وإنّ أبا بكر (رض) تفقّد قوما تخلّفوا عن بيعته عند عليّ كرّم الله وجهه ، فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار عليّ ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرّقنها على من فيها!
فقيل له : يا أبا حفص! إنّ فيها فاطمة!
فقال : وإن
وبعد عدّة أسطر يقول : فدقّوا الباب فلمّا سمعت أصواتهم ، نادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله! ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب وابن أبي قحافة!
فلمّا سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين ، وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا(٢) عليّا فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع.
فقال : إن أنا لم ابايع فمه؟!
قالوا : إذا والله الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك! قال : إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله.
قال عمر : أمّا عبد الله فنعم ، وأمّا أخو رسوله فلا.
وأبو بكر ساكت لا يتكلّم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك؟!
__________________
(١) من الطبعة القديمة ، وفي ص ٣٠ من الطبعة المصرية.
(٢) أيّها القارئ الكريم! إنّ ابن قتيبة في نقله يراعي جانب الشيخين ، فلا ينقل الخبر بتمامه ، فلا يقول كيف أخرجوا عليّا ، فالإخراج حصل بعد ما اقتحموا الدار وهجموا ، وكانت فاطمة خلف الباب ، فعصرت وصار ما صار ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. «المترجم»
فقال : لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه.
فلحق عليّ بقبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يصيح ويبكي وينادي :( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (١) .
بعد ما سمعت هذا الخبر ، اعلم بأنّ كلامك كذب وزور وافتراء علينا ، لأنّك تعلم بأنّ هذه الأخبار ليست من أساطير جهلة الشيعة وعوامّهم ، بل ممّا نقلها كثير من أعلامكم وعلمائكم في كتبهم المعتبرة لديكم.
واعلم أنّ مسئوليّتكم ـ أنتم العلماء ـ خطيرة تجاه الجهلة والعوام ، لأنّهم يأخذون منكم وينقلون عنكم ، وقد قيل : إذا فسد العالم فسد العالم.
الحافظ : مقصودنا من أساطير الشيعة ، هي الأخبار الكاذبة التي وضعوها ، مثل هجوم القوم على بيت فاطمة الزهراء ، وحرق الباب ، وضربها حتّى سقط جنينها ، وأنّ عليا أخرجوه من الدار قهرا ، وأخذوا منه البيعة جبرا ، وأمثال هذه الأخبار المجعولة التي تتناقلها الشيعة في مجالسها بلوعة وحنين وحرقة الواله الحزين.
قلت : إمّا أنّ معلوماتكم التاريخية ومطالعتكم لهذه القضايا ضعيفة ، وإما تعرفون وتحرّفون!
ثمّ تبعا لأسلافكم ، تتّهمون الشيعة المظلومين بوضع الأخبار وجعل الحديث ، وأتباعكم الغافلون يصدّقونكم فيحسبون الشيعة كذلك. بينما هذه الأخبار التي تنكرها وتقول إنّها من أساطير الشيعة ، كلّها مذكورة في كتبكم ، ومنقولة من طرقكم ورجالكم.
وسأنقل بعضها ، حسب اقتضاء الوقت والمجلس ، حتّى يعرف
__________________
(١) سورة الأعراف ، الآية ١٥٠.
الحاضرون المنصفون ، صدق كلامي ؛ ويتبيّن لهم ، أنّك حائف ، وكلامك زائف ، ومقالك جائف.
وثائق تاريخية
لقد أشار المحدّثون والمؤرّخون إلى هذه الحوادث الأليمة في الأخبار ، وبعضهم صرّحوا وشرحوها بالتفصيل وبعضهم باختصار ، بحيث لم يبق لأحد مجال للإنكار ، وإليكم بعض الوثائق التاريخية التي تكون عندكم محلّ الوثوق والاعتبار :
١ ـ أحمد بن يحيى البغدادي ، المعروف بالبلاذري ، وهو من كبار محدّثيكم ، المتوفّى سنة ٢٧٩ ، روى في كتابه أنساب الأشراف ١ / ٥٨٦ ، عن سليمان التيمي ، وعن ابن عون : أنّ أبا بكر أرسل إلى عليّعليهالسلام يريد البيعة ، فلم يبايع.
فجاء عمر ومعه فتيلة ـ أي شعلة نار ـ فتلقّته فاطمة على الباب.
فقالت فاطمة : يا بن الخطّاب! أتراك محرّقا عليّ بابي؟!
قال : نعم ، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك!!
٢ ـ روى ابن خنزابة في كتابه «الغدر» عن زيد بن أسلم ، قال : كنت ممّن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة حين امتنع عليّ وأصحابه من البيعة ، فقال عمر لفاطمة : أخرجي كلّ من في البيت أو لأحرّقنّه ومن فيه!
قال : وكان في البيت علي وفاطمة والحسن والحسين وجماعة من أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فقالت فاطمة : أفتحرق عليّ ولدي!!
فقال عمر : إي والله ، أو ليخرجنّ وليبايعنّ!!
٣ ـ ابن عبد ربّه في العقد الفريد ٢ / ٢٠٥ ط المطبعة الأزهرية ، سنة ١٣٢١ هجرية ، قال : الّذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر ؛ عليّ ، والعبّاس ، والزبير ، وسعد بن عبادة.
فأمّا عليّ والعبّاس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتّى بعث إليهم أبو بكر ، عمر بن الخطّاب ليخرجهم من بيت فاطمة ، وقال له : إن أبوا فقاتلهم!
فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار ، فلقيته فاطمة ، فقالت : يا ابن الخطّاب : أجئت لتحرق دارنا؟!
قال : نعم ، أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأمّة!!
٤ ـ محمد بن جرير الطبري في تاريخه ٣ / ٢٠٣ وما بعدها ، قال : دعا عمر بالحطب والنار وقال : لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنّها على من فيها.
فقالوا له : إن فيها فاطمة!
قال : وإن!!
٥ ـ ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٢ / ٥٦ روى عن أبي بكر الجوهري ، فقال : قال أبو بكر : وقد روي في رواية أخرى أنّ سعد بن أبي وقّاص كان معهم في بيت فاطمةعليهاالسلام ، والمقداد بن الأسود أيضا ، وأنّهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليّاعليهالسلام ، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت ، وخرجت فاطمةعليهاالسلام تبكي وتصيح إلى آخره.
وفي صفحة ٥٧ : قال أبو بكر : وحدّثنا عمر بن شبّة بسنده عن الشعبي ، قال : سأل أبو بكر فقال : أين الزبير؟! فقيل عند عليّ وقد
تقلّد سيفه.
فقال : قم يا عمر! قم يا خالد بن الوليد! انطلقا حتّى تأتياني بهما.
فانطلقا ، فدخل عمر ، وقام خالد على باب البيت من خارج ، فقال عمر للزبير : ما هذا السيف؟!
فقال : نبايع عليّا.
فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره ، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثمّ دفعه وقال : يا خالد! دونكه فأمسكه.
ثمّ قال لعليّ : قم فبايع لأبي بكر!
فأبى أن يقوم ، فحمله ودفعه كما دفع الزبير فأخرجه ، ورأت فاطمة ما صنع بهما ، فقامت على باب الحجرة وقالت : يا أبا بكر ، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله! إلى آخره.
وقال ابن أبي الحديد في صفحة ٥٩ و ٦٠ : فأمّا امتناع عليّعليهالسلام من البيعة حتّى أخرج على الوجه الذي أخرج عليه. فقد ذكره المحدّثون ورواه أهل السير ، وقد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب ، وهو من رجال الحديث ومن الثقات المأمونين ، وقد ذكر غيره من هذا النحو ما لا يحصى كثرة.
٦ ـ مسلم بن قتيبة بن عمرو الباهلي ، المتوفّى سنة ٢٧٦ هجرية ، وهو من كبار علمائكم له كتب قيّمة منها كتاب «الإمامة والسياسة» يروي في أوّله قضية السقيفة بالتفصيل ، ذكر في صفحة ١٣ قال : إنّ أبا بكر تفقّد قوما تخلّفوا عن بيعته عند عليّ كرّم الله وجهه فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار عليّ ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا
بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده ، لتخرجنّ أو لأحرّقنّها على من فيها.
فقيل له : يا أبا حفص! إنّ فيها فاطمة! فقال : وإن! إلى آخره.
٧ ـ أبو الوليد محبّ الدين بن شحنة الحنفي ، المتوفّى سنة ٨١٥ هجرية ، وهو من كبار علمائكم ، وكان قاضي حلب ، له تاريخ «روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر» ذكر فيه موضوع السقيفة ، فقال : جاء عمر إلى بيت عليّ بن أبي طالب ليحرقه على من فيه.
فلقيته فاطمة ، فقال عمر : أدخلوا في ما دخلت الأمّة إلى آخره(١) .
__________________
(١) وجدت مصادر اخرى إضافة إلى ما ذكرها السيّد المؤلّفرحمهالله ، أذكرها لتكون الحجّة أقوى وأثبت :
١ ـ عمر رضا كحّالة ، ذكر في كتابه أعلام النساء ٤ / ١١٤ ، قال : وتفقّد أبو بكر قوما تخلّفوا عن بيعته عند عليّ بن أبي طالب. كالعبّاس والزبير وسعد بن عبادة ، فقعدوا في بيت فاطمة ، فبعث أبو بكر عمر بن الخطّاب فجاءهم عمر فناداهم وهم في دار فاطمة ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها.
فقيل له : يا أبا حفص! إنّا فيها فاطمة.
قال : وإن!
٢ ـ ونقل هذا الخبر في تاريخ أبي الفداء ١ / ١٥٦.
٣ ـ وشهيرات النساء ٣ / ٣٣.
٤ ـ الدكتور عبد الفتّاح عبد المقصود ، ذكر في كتابه «السقيفة والخلافة» ص ١٤ ، ط مكتبة غريب في القاهرة ، بعد ما يسرد الأخبار المتضاربة يقول : ثمّ تطالعنا صحائف
هذه نماذج من الأخبار المرويّة في كتبكم ، حتّى إنّ بعض شعرائكم المعاصرين ذكر الموضوع في قصيدة يمدح فيها عمر بن الخطّاب ، وهو حافظ إبراهيم المصري المعروف بشاعر النيل ، قال في قصيدته العمريّة :
وقولة لعليّ قالها عمر |
أكرم بسامعها أعظم بملقيها |
|
حرّقت دارك لا أبقي عليك بها |
إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها |
|
ما كان غير أبي حفص يفوه بها |
أمام فارس عدنان وحاميها |
الحافظ : هذه الأخبار كلّها تنبئ بأنّ عمر بن الخطّاب أمر بالحطب وجاء بالنار وهدّد بإحراق البيت على من فيه ، ليفرّق اجتماع المخالفين لبيعة الخليفة ، فأراد أن يرهبهم ويخوّفهم.
ولكنّكم زدتم أخبارا لا أصل لها ، فقلتم إنّهم أحرقوا الباب وعصروا فاطمة وضربوها حتّى أسقطوا جنينها المسمّى محسّنا.
هذه الأخبار ، من أكاذيب الشيعة ولا أصل لها أبدا ، وما أظنّ
__________________
ما أورد المؤرّخون بالكثير من أشباه هذه الأخبار المضطربة التي لا نعدم أن نجد بينها من عنف عمر ما يصل به إلى الشروع في قتل عليّ ، أو إحراق بيته على من فيه.
فلقد ذكر أنّ أبا بكر أرسل عمر بن الخطّاب ومعه جماعة بالنار والحطب إلى دار عليّ وفاطمة والحسن والحسين ليحرقوه بسبب الامتناع عن بيعته ، فلمّا راجع عمر بعض الناس قائلين : إنّ في البيت فاطمة!
قال : وإن! «المترجم»
أحدا من المؤرّخين ذكرها.
قلت : أسأل الله تعالى أن يهديك إلى الحقّ ويكشف لك الحقيقة ، إنّك نسبتنا إلى الكذب ، وافتريت علينا جعل الأخبار غير مرّة ، وفي كلّ ذلك اتّضح للحاضرين زيف كلامك وبطلان رأيك ، وفي هذه المرّة أيضا ، أذكر مصادر هذه الأخبار التي تنكرها ، من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشتهرة ، حتّى يعرف الحاضرون صدقنا ، وتعترف أنت بأنّ الحقّ معنا.
فاجعة سقط الجنين
١ ـ ذكر المسعودي صاحب تاريخ «مروج الذهب» المتوفّى سنة ٣٤٦ هجرية ، وهو مؤرّخ مشهور ينقل عنه كلّ مؤرّخ جاء بعده ، قال في كتابه «إثبات الوصيّة» عند شرحه قضايا السقيفة والخلافة : فهجموا عليه [عليّعليهالسلام ] وأحرقوا بابه ، واستخرجوه كرها وضغطوا سيّدة النساء بالباب حتّى أسقطت محسّنا!!
نعم ، إنّ إسقاط جنين فاطمةعليهاالسلام وقتل ولدها «محسّن» عند هجوم القوم لأخذ البيعة من الإمام عليّعليهالسلام ، أمر ثابت ، إلاّ أنّ أكثر مؤرّخيكم سكتوا عنه ولم ينقلوه ، لحبّهم للشيخين ، وسترا على سوء فعلهما وهتكهما لبيت الرسالة وحريم العترة ، ومع ذلك فقد جرت أقلام بعضهم وسجّلت ما حدث وجرى ، لأنّ الله سبحانه يريد أن يتمّ الحجّة عليكم وعلى كلّ المسلمين ، ويريد أن يكشف الحقائق للجاهلين والغافلين ، فاستمعوا أيّها الحاضرون!
٢ ـ قال الصفدي في كتاب «الوافي بالوفيات ٦ / ٧٦» في حرف
الألف ، عند ذكر إبراهيم بن سيّار ، المعروف بالنظام ، ونقل كلماته وعقائده ، يقول : إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت المحسّن من بطنها!
٣ ـ ونقل أبو الفتح الشهرستاني في كتابه الملل والنحل ١ / ٥٧ : وقال النظّام(١) : إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت الجنين من بطنها. وكان يصيح [عمر] : أحرقوا دارها بمن فيها!!
وما كان في الدار غير عليّ وفاطمة والحسن والحسين.
انتهى كلام الشهرستاني.
٤ ـ ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٤ / ١٩٣ ط دار أحياء الكتب العربية ، بعد ما ينقل خبر هبّار بن الأسود وترويعه زينب بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى أسقطت جنينها ، فأباح النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم دم هبّار لذلك.
قال :
وهذا الخبر أيضا قرأته على النقيب أبي جعفررحمهالله ، فقال : إذا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أباح دم هبّار بن الأسود لأنّه روّع زينب فألقت ذا بطنها ، فظهر الحال أنّه لو كان حيّا لأباح دم من روّع فاطمة حتّى ألقت ذا بطنها إلى آخره.
هذه بعض المصادر التي ظفرنا بها في نقل الأخبار التي تنكرونها وتتّهمون الشيعة المؤمنين بجعلها!
الحافظ : في نظرنا أنّ نقل هذه الأخبار لا فائدة فيها سوى التفرقة وتشتّت المسلمين.
__________________
(١) توفّي النظّام سنة ٢٣١ هجرية. «المترجم»
يلزم الدفاع عن المظلوم وإثبات حقّه
قلت :
أوّلا : قولوا لعلمائكم ومؤرّخيكم لما ذا ذكروا هذه الأخبار! ثمّ ردّوا على شاعر النيل قصيدته العمريّة وعاتبوه عليها وحاكموه على تلك الأبيات التي يتفاخر فيها ويتباهى بتلك الوقائع الأليمة والفجائع العظيمة ويعدّها من فضائل القوم!!
ثانيا : وأمّا نحن فنقلها عنكم لإقامة الحجّة عليكم و( فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) (١) ولكي لا ينحرف التاريخ ، فنعرف الحقّ حقّا والباطل باطلا ، والمظلوم مظلوما والظالم ظالما.
ثالثا : نحن ننقل هذه الأخبار عند ما نواجه هجماتكم وحملات بعض المنسوبين إليكم من أصحاب الأقلام التي ما هي إلاّ أجيرة للأعداء لتبثّ البغضاء والشحناء بين المسلمين ، فتتّهم الشيعة الأبرياء والمؤمنين الأوفياء بالكفر والشرك! وتحرّك علينا مشاعر العامة وخاصة الجاهلين الغافلين.
ونحن دفاعا عن مذهبنا ومعتقدنا ، نبيّن الوقائع ، ونكشف عن الحقائق ، حتّى يعرف الجميع أنّ عليّاعليهالسلام مع الحقّ والحقّ معه ، ونحن أتباعه وشيعته ، نشهد أنّ لا إله إلاّ الله جلّ جلاله ، وأنّ محمّدا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونقول في عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ما قاله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وذلك نقلا من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشهورة ، فنشهد بأنّ علياعليهالسلام عبد الله ، ووليّه ، وأخو رسول الله ، ووصيّه ، وهو خليفته الذي نصّ عليه بأمر الله تعالى.
__________________
(١) سورة الأنعام ، الآية ١٤٩.
أمّا في جواب قولكم بأن هذه الأخبار لا فائدة فيها سوى التفرقة وتشتّت المسلمين
فأقول : أنتم البادئون والعادون والمهاجمون ونحن مدافعون ، فانتهوا وامنعوا أصحابكم عن التعرّض وعن الكذب والافتراء علينا ، حتّى نسكت عن نقل هذه الأخبار.
الحافظ : أنا لا أوافق الّذين يرمون الشيعة بالكفر والشرك ، ولكنّي لا أسكت أيضا على بعض الأخبار المرويّة في كتبكم ، والتي تنسبونها إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهي تفسح مجال العصيان للعباد ، فيعملون بالذنوب اتّكالا على تلك الأخبار والأحاديث.
قلت : رجاء! بيّن تلك الأخبار ، فربّما نصل معكم إلى حلّ وتفاهم.
شبهات وردود
الحافظ : ذكر العلاّمة المجلسي وهو واحد من أكبر علمائكم ومحدّثيكم ، في كتابه «بحار الأنوار» راويا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : حبّ عليّ حسنة لا تضرّ معها سيّئة.
وروى عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من بكى على الحسين وجبت له الجنّة.
هذه الأخبار ونظائرها كثيرة في كتبكم ، وهي تسبّب فساد الأمّة وانتشار الذنوب والمعاصي.
قلت : لو كان الأمر كذلك للزم أن نرى أهل السنّة والجماعة مبرّئين من الذنوب ، وبعيدين عن الحوب ، بينما نرى البلاد التي يسكنها أهل السنّة قد انتشرت فيها الذنوب الكبيرة ، وشاعت فيها
معاصي كثيرة ، وكثير منهم يتجاهرون بالفسوق والفجور! فهذه عواصمكم مثل بغداد والقاهرة ودمشق وبيروت وعمّان والجزيرة وغيرها ، تتسابق في تأسيس مراكز المعاصي والفجور ، ومحلاّت القمار وحانات الخمور.
فهل ترضون أن ننسب هذه المخازي والفسوق إلى مذهبكم وضعف مباديكم؟!
هل تقبلون منّا لو قلنا : إن السبب في انتشار الفحشاء والفجور ، وعدم التحرّج في شرب النبيذ والخمور ، هو فتاوى علمائكم؟!!
لأن بعضهم أفتى بطهارة الكلب وأحلّ أكله.
وبعضهم أفتى بطهارة المنيّ والخمر وعرق الجنب من الحرام.
وبعضهم أفتى بجواز اللواط في السفر!
وبعضهم أفتى بنكاح المحارم ، الأمّ ومن دونها ؛ بشرط أن يلفّ القضيب بالحرير!!
هذه الفتاوى وأمثالها تسبّب تجرّء العوامّ والجاهلين على ارتكاب المعاصي وعمل الفسق والفجور.
ولذلك فإن علماءنا يحرّمون تلك الأعمال القبيحة ولا يجيزونها بأيّ حال من الأحوال.
الحافظ : هذه المسائل التي ذكرتها ، كلّها أكاذيب ، وللأسطورة أقرب منها إلى الحقيقة ، وهي من مفتريات الشيعة!
أبيات شعر للعلاّمة الزمخشري
قلت : أنت أعرف بحقيقة مقالي ، والعلماء الحاضرون أيضا
يعلمون صدقي ، ولكن يصعب عليكم الإقرار ، والخجل يدعوكم إلى الإنكار ، وإلاّ كيف يمكن لعالم دينيّ ـ مثلكم ـ يجهل هذه المسائل التي ذكرها وأفتى بها بعض علمائكم ثم نقلها عنهم بعض أعلامكم وانتقدوها؟!
وأذكر لك نموذجا من كتبكم ليكون دليلا على كلامنا ؛ راجع تفسير الكشّاف ٣ / ٣٠١ للعلاّمة الكبير جار الله الزمخشري ، فإنّه يقول :
إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به |
وأكتمه ، كتمانه لي أسلم |
|
فإن حنفيا قلت ، قالوا بأنّني |
أبيح الطّلا وهو الشراب المحرّم |
|
وإن مالكيا قلت ، قالوا بأنّني |
أبيح لهم أكل الكلاب وهم هم |
|
وإن شافعيا قلت ، قالوا بأنّني |
أبيح نكاح البنت والبنت تحرم |
|
وإن حنبليا قلت ، قالوا بأنّني |
ثقيل حلولي بغيض مجسّم |
|
وإن قلت من أهل الحديث وحزبه |
يقولون : تيس ليس يدري ويفهم |
|
تعجّبت من هذا الزمان وأهله |
فما أحد من ألسن الناس يسلم |
|
وأخّرني دهري وقدّم معشرا |
على أنّهم لا يعلمون وأعلم |
فنرى هذا العالم والمفسّر يخجل أن ينسب نفسه إلى أحد المذاهب الأربعة! لوجود تلك الآراء الفاسدة والفتاوى الباطلة فيها ، ثمّ إنّكم تريدون منّا أن نتّبع تلك المذاهب ونترك مذهب أهل بيت النبوة والعترة والصفوة الطاهرة!
فلنخرج من هذا الإطار ونتابع موضوع الحوار
فأقول : أمّا الخبر الذي ذكرته من «بحار الأنوار» لم تنفرد الشيعة
بنقله ، فإنّ علماءكم وأعلامكم نقلوه أيضا ونقلوا أمثاله في كتبهم المعتبرة.
إسناد حديث حبّ عليّ حسنة
لقد ذكر هذا الحديث كثير من أعلامكم وأيّدوه ، منهم :
الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ، والخطيب الخوارزمي في آخر الفصل السادس من كتابه «المناقب» والشيخ القندوزي الحنفي في الباب ٤٣ من كتابه «ينابيع المودّة» وأيضا في الباب ٥٦ نقله عن الديلمي ، قال : حبّ عليّ حسنة لا تضرّ معها سيّئة ، حب عليّ براءة من النار ، حبّ عليّ يأكل الذنب كما تأكل النار الحطب ، حبّ عليّ براءة من النفاق.
وفي المناقب السبعين(١) خرّجه عن ابن عبّاس في الحديث رقم ٣٣ ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «حبّ عليّ بن أبي طالب يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب».
وفي الحديث رقم ٥٩ ، عن معاذ بن جبل ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «حبّ عليّ بن أبي طالب حسنة لا تضرّ معها سيّئة ، وبغضه سيّئة لا تنفع معها حسنة».
رواهما صاحب «الفردوس».
ورواه المحدّث والفقيه الشافعي المير السيّد علي الهمداني في كتابه
__________________
(١) كتاب «السبعين في مناقب أمير المؤمنين» نقله القندوزي بكامله في كتابه «ينابيع المودّة». «المترجم»
«مودّة القربى» في المودّة السادسة عن ابن عبّاس ، قال : حبّ عليّ يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب.
وعنه أيضا : حبّ عليّ براءة من النار.
ورواه محبّ الدين الطبري في «ذخائر العقبى» الحديث رقم ٥٩ من الأحاديث السبعين التي رواها في فضائل أهل البيتعليهمالسلام .
ورواه محمد بن طلحة في مطالب السئول.
والعلاّمة الكنجي الشافعي في كتاب «كفاية الطالب في مناقب مولانا علي بن أبي طالب».
ثمّ إن كان عقلكم وعلمكم لا يصل إلى حلّ معنى حديث كهذا وأمثاله ، فأنصحكم بأن لا تطعنوا فيه ولا تردّوه ، بل يجب أن تسألوا
عن حلّه ومعناه وتفسيره ممّن هو أعلم ، قال تعالى :( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (١) .
وطالما أنّ هذا الحديث وأمثاله لا يعارض كتاب الله سبحانه فليس لأحد من المسلمين إنكاره.
الحافظ : كيف لا يعارض كتاب الله وهو سبب تجرّء الناس على المعاصي!
قلت : لا تعجل حتّى أبيّن لك كيف لا يعارض الكتاب الكريم ، فإن الله تعالى يقسّم الذنوب في القرآن إلى قسمين ، صغائر ، وكبائر.
وهو يعبّر في بعض الآيات عن الصغائر بالسيّئة ، في حين يعبّر عن الكبائر بالذنوب ، كما في سورة النساء ، الآية ٣١ ، قال تعالى :( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ
__________________
(١) سورة الأنبياء ، الآية ٧.
مُدْخَلاً كَرِيماً ) .
فالآية الكريمة تصرّح بأنّ عبدا لو اجتنب الكبائر وارتكب الصغائر ، فإنّ الله عزّ وجلّ يعفو عنه ويدخله الجنّة ، والحديث الذي تنكروه ، لا يصرّح بأكثر من هذا.
فإنّ حبّ عليّعليهالسلام حسنة عظيمة عند الله سبحانه بحيث لا تضرّ معها السيّئات ، يعني الصغائر.
الحافظ : إنّ هذا التفسير والتقسيم لا يكون على أساس علمي(١) .
لأنّ الله تعالى يقول :( إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) (٢) فالعبد العاصي إذا تاب واستغفر الله سبحانه فإنّه يغفر كلّ ذنوبه سواء أكانت من الكبائر أم الصغائر.
قلت : أظنّك ما دقّقت النظر في الآية الكريمة التي تلوتها عليك ، وإلاّ ما كنت تورد إشكالا على كلامي ، لأنّ الذي قسّم المعاصي إلى كبائر وصغائر وفرّق بينهما هو الله تعالى ، لا أنا.
ثمّ اعلم بأنّنا نعتقد ـ مثلكم ـ بأنّ الله تعالى يغفر الذنوب جميعا ، فكلّ عبد عاص إذا تاب وندم وعمل بشرائط التوبة ، فإنّ الله سبحانه
__________________
(١) إنّ بيان «الحافظ» كليل ، وليس له دليل ، ولا يصدر إلاّ من ذي عقل عليل ، لأنّه يعارض كلام الربّ الجليل ، فقد قال سبحانه: ( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى* الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ ) سورة النجم : ٣٠ ـ ٣١.
فاللمم هي المعاصي الصغائر تقابلها كبائر الأثم ، كما تجد في الآية الكريمة.
«المترجم»
(٢) سورة الزمر ، الآية ٥٣.
يغفر ذنوبه ويعفو عنه ، ولكن إذا لم يتب فيعاقبه الله تعالى بعد الموت في عالم البرزخ ، فإذا لاقى عقاب ذنوبه قبل يوم الحساب ، يساق إلى الجنّة في يوم المعاد ، وإلاّ فيقضى عليه فيلقى في جهنّم ليرى جزاء عمله هناك.
والعبد المؤمن إذا ارتكب الصغائر ومات من غير توبة فإن كان يحبّ الإمام عليّاعليهالسلام يغفر الله تعالى له ويعفو عنه ويدخله الجنّة ، قال سبحانه :( وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ) (١) .
فلا أدري لما ذا تعتقد بأنّ هذا الحديث الشريف «حبّ عليّ حسنة لا تضرّ معها سيّئة» يسبّب تجرّء الشيعة على المعاصي!!
هل الحديث يأمر بارتكاب الذنوب؟! لا
فأثر هذا الحديث في المسلمين كأثر آيات القرآن الحكيم التي تعد العباد المذنبين بقبول التوبة وغفران ذنوبهم.
فكما إنّ آيات التوبة والمغفرة تبعث الرجاء برحمة الله تعالى في قلوب العباد وتزيل اليأس عن نفوس العصاة ، كذلك هذا الحديث الشريف وأمثاله ، فإنّه يوقف المحبّ عند السيّئات ويصدّه عن الكبائر الموبقات ، لأنّ إطاعة الحبيب من لوازم الحبّ.
قال الإمام الصادق ، وهو إمامنا جعفر بن محمدعليهالسلام : إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع ؛ فالشيعي يعرف هذا فلذلك لا يرتكب الذنوب والمعاصي اتّكالا على حبّه للإمام عليّعليهالسلام بل يجتهد في طاعة إمامه ومتابعته ، لإثبات صدقه في الحبّ لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
نعم ، هناك بعض المحبّين الّذين يحسبون أنفسهم من الشيعة يرتكبون بعض الذنوب مثل كثير من أهل السنّة والجماعة فلا يكون
__________________
(١) سورة النساء ، الآية ٣١.
عملهم السيّئ بسبب حبّهم أو بسبب حديث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فإنّ الإنسان بطبعه يكون مطيعا لهواه ومجيبا لنفسه الأمّارة كما قال سبحانه وتعالى حكاية عن يوسف الصدّيق :( وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١) .
وأمّا الشيعي هو الذي يعزم على أن يخطو ويسير في الطريق الذي سار فيه الأئمّة الهداة من أهل البيتعليهمالسلام ويلتزم بنهجهم ويعمل برأيهم.
وقد ذكرنا في الليالي السالفة بعض الأحاديث النبوية في حقّهم ، حيث بشّرهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالجنّة ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «يا عليّ! أنت وشيعتك الفائزون بالجنّة» وذكرنا مصادر هذا الحديث الشريف وأمثاله من كتبكم المعتبرة وطرقكم المتواترة ، وبشارة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لشيعة عليّعليهالسلام بالجنّة أمر ثابت لا ينكره إلاّ الجاهل المعاند والمتعصّب الجاحد.
وإنّ إشكالك على حديث «حبّ عليّ حسنة لا تضرّ معها سيّئة» يردّ على تبشير النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم شيعة عليّعليهالسلام بالجنّة أيضا.
لأنّ الشيعي إذا عرف أنّه من أهل الجنّة يرتكب الذنوب ولا يبالي ، فإشكالك على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم موجب للكفر ، وهو مردود بالأدلّة التي أقمناها.
ولبّ الكلام : إنّ الشيعي هو الذي يسير على أثر مسير أهل البيتعليهمالسلام ، فيعمل بما عملوا ، ويجتنب عمّا اجتنبوا ، ولمّا لم يكن معصوما ، ربّما ارتكب ذنبا وعمل إثما ولم يوفّق للتوبة فمات ، فإنّ الله عزّ وجلّ يعفو عن ذنبه ويغفر له كرامة لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام وحبّه
__________________
(١) سورة يوسف ، الآية ٥٣.
إيّاه ، والله غفور رحيم.
البكاء على الحسينعليهالسلام سنّة نبويّة
وأمّا الحديث الشريف «من بكى على الحسين وجبت له الجنّة» كلّنا نعلم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بكى على مصائب ولده الحسينعليهالسلام قبل أن تقع ، فأخبر بها أصحابه وهو يبكي ، وقد تواترت بذلك الأخبار الكثيرة المرويّة عن طرقكم والتي نقرأها في كتبكم(١) .
__________________
(١) لقد تواترت الروايات وصرّحت الأخبار بأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بكى على ولده الحسينعليهالسلام في أوان ولادته وأخبر بمقتله ، وتكرّر منه البكاء في خواصّ أصحابه تارة وفي الملأ العامّ أخرى ، وحدّث عن مصائب الحسين وما يلاقيه من بني أميّة الطلقاء ، وإليكم بعض تلك الأخبار التي وصلت إلينا من طرق علماء السنّة وأيّدها أعلامهم :
١ ـ روى الخوارزمي في كتابه «مقتل الحسين عليهالسلام » بسنده عن أسماء بنت عميس خبرا طويلا جاء في آخره ، قالت أسماء : فلمّا كان بعد حول من مولد الحسن.
ولدت [أي فاطمة عليهاالسلام ] الحسين فجاءني النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : «يا أسماء هاتي ابني».
فدفعته إليه في خرقة بيضاء ، فأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، ثمّ وضعه في حجره وبكى!!
قالت أسماء : فقلت فداك أبي وأمّي ممّ بكاؤك؟!
قال : على ابني هذا!
قلت : إنّه ولد الساعة!
قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : يا أسماء! تقتله الفئة الباغية ، لا أنالهم الله شفاعتي.
ثمّ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : يا أسماء! لا تخبري فاطمة بهذا ، فإنّها قريبة عهد بولادته.
رواه الحمويني في فرائد السمطين ٢ / ١٠٣ ، ورواه ابن عساكر أيضا في تاريخ دمشق ، الحديثين ١٣ و ١٤ من ترجمة الإمام الحسين عليهالسلام ، ورواه السمهودي في «جواهر العقدين» ورواه آخرون منهم لا مجال لذكرهم.
__________________
٢ ـ روى الحاكم النيسابوري في المستدرك ٣ / ١٧٦ في الحديث الأوّل من فضائل الإمام أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ، روى بسنده عن أمّ الفضل بنت الحارث خبرا جاء في آخره :
فولدت فاطمة الحسين فكان في حجري فدخلت يوما على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فوضعته في حجره ، ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم تهريقان من الدموع.
قالت : فقلت : يا نبي الله! بأبي أنت وأمّي مالك؟!
قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : أتاني جبرئيل فأخبرني أنّ أمّتي ستقتل ابني هذا!!
فقلت : هذا؟!
قال : نعم ؛ وأتاني بتربة من تربته حمراء!
أقول : ورواه البيهقي أيضا في كتابه دلائل النبوّة ٦ / ٤٦٨ ط بيروت ، ورواه ابن كثير في البداية والنهاية ٦ / ٢٣٠ ، ورواه جمع آخر من أعلام السنة لا مجال لذكر أسمائهم.
٣ ـ روى ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى ٨ / ٤٥ الحديث رقم ٨١ من ترجمة الإمام الحسين عليهالسلام ، عن عائشة ، قالت : بينا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم راقد إذ جاء الحسين يحبو إليه فنحّيته عنه ، ثمّ قمت لبعض أمري ، فدنا منه ، فاستيقظ صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يبكي! فقلت : ما يبكيك؟!
قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ جبرئيل أراني التربة التي يقتل عليها الحسين ؛ فاشتدّ غضب الله على من يسفك دمه
ورواه ابن عساكر أيضا في تاريخ دمشق في الحديث رقم ٢٢٩ من ترجمة الإمام الحسين عليهالسلام .
ورواه أيضا ابن حجر في «الصواعق المحرقة» كما حكى عنه القندوزي في أوائل الجزء الثاني من «ينابيع المودة».
__________________
ورواه ابن العديم في كتابه بغية الطلب في تاريخ حلب ٧ / ٧٨ في ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام .
ورواه الدارقطني في كتاب العلل ٥ / ٨٣.
وحديث التربة رواه جمع كثير من أعلام السنّة بألفاظ متعدّدة ، ويبدو أنّ إتيان جبرئيل بتربة كربلاء للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كان غير مرّة ، والأشهر ما روي عن أمّ سلمة أمّ المؤمنين رضي الله عنها.
روى عمر بن خضر المعروف ب «ملاّ» وهو من علماء القرن السادس الهجري ، في كتابه «وسيلة المتعبّدين» ـ في أواسط باب معجزات النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ : وعن أمّ سلمة قالت : سمعت بكاء النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم في بيتي فاطّلعت ، فإذا الحسين بن عليّ رضي الله عنهما في حجره أو إلى جنبه وهو يمسح رأسه ويبكي!!
قالت : فقلت : يا رسول الله! على م بكاؤك؟!
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ جبرئيل أخبرني أنّ ابني هذا يقتل بأرض من العراق يقال لها :كربلاء.
قالت : ثمّ ناولني كفّا من تراب أحمر وقال : إنّ هذه تربة الأرض التي يقتل بها ، فمتى صارت دما فاعلمي أنّه قد قتل.
قالت أمّ سلمة : فوضعت التراب في قارورة عندي وكنت أقول : إنّ يوما تتحوّلين فيه دما ليوم عظيم.
وروى قريبا من هذا المعنى جماعة كبيرة عن أمّ سلمة رضي الله عنها منهم : ابن سعد في طبقاته في حديث رقم ٧٩ من ترجمة الإمام الحسين عليهالسلام في الجزء الثامن والمحبّ الطبري في ذخائر العقبى ١٤٧.
وأبو بكر بن أبي شيبة في كتاب الفتن من كتاب المصنّف ١٥ / ١٤ حديث رقم ١٩٢١٣.
وابن حجر في كتاب المطالب العالية ٤ / ٧٣ ط دار المعرفة ـ بيروت.
فالبكاء على الإمام الحسينعليهالسلام سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والالتزام بسنة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوجب دخول الجنّة ، بشرطها وشروطها.
فكما إنّ الله تعالى وعد التائبين بالعفو والمغفرة والجنّة ولكن مع شرائط ، فلا تقبل توبة كلّ من قال : أستغفر الله وأتوب إليه إلاّ أن يردّ حقوق الناس إليهم ، ويقضي ما فاته من الفرائض ومن حقوق الله سبحانه ، ويندم على ما ارتكب من المعاصي ، ويعزم على أن
__________________
والطبراني في المعجم الكبير ٣ / ١١٤ ط بغداد ، ورواه بطريق آخر في صفحة ١١٥.
وابن عساكر في تاريخه في الحديث رقم ٢٢٣ من ترجمة الإمام الحسنعليهالسلام بمناسبة.
ورواه المزّي في كتاب تهذيب الكمال ٦ / ٤٠٨.
ورواه ابن العديم عمر بن أحمد في كتابه تاريخ حلب ٧ / ٥٦ حديث رقم ٨٨ وما بعده من ترجمة الإمام الحسين عليهالسلام .
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ / ١٩٢.
ورواه الحاكم في المستدرك ٤ / ٣٨٩ في آخر كتاب تعبير الرؤيا ، قال الحاكم ـ وأقرّه الذهبي ـ : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه.
ورواه البيهقي في كتابه دلائل النبوّة ٦ / ٤٦٨ ط بيروت.
ورواه ابن كثير في كتابه البداية والنهاية ٣ / ٢٣٠ ط دار الفكر.
ورواه جمع كثير من محدّثي العامة وأعلامهم ولا مجال لذكر أسمائهم.
وإنّ بكاء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم على مصاب ولده الحسين عليهالسلام قبل أن يقتل أمر ثابت مسجّل في المصادر والمسانيد المعتبرة ، غير قابل للإنكار ، ولا ينكره إلاّ معاند جاحد أو شيطان مارد.
أعاذنا الله من الجهل والعناد. «المترجم»
لا يعصي إلى آخر الشرائط اللازمة المذكورة في الأخبار والروايات.
كذلك : من بكى على الحسينعليهالسلام ـ مع الشرائط ـ وجبت له الجنّة ، ومن الشرائط السعي لتحقيق أهداف الحسينعليهالسلام وتطبيقها في نفسه وفي المجتمع ، وإلاّ فإنّ المؤرّخين ذكروا أنّ سكينة بنت الحسينعليهالسلام حينما جلست عند نعش أبيها ، تكلّمت بكلمات أبكت والله كلّ عدوّ وصديق.
وقالوا : إنّ الحوراء زينب لمّا خاطبت عمر بن سعد وقالت له : يا ابن سعد! أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟!! ترقرقت دموعه وسألت على لحيته!
فهل ابن سعد والأعداء الّذين بكوا يوم عاشوراء ، وجبت لهم الجنّة؟!
لا ، لأنّ الشرائط ما كانت متوفّرة فيهم(١) .
__________________
(١) من البديهي أنّ البكاء على الحسينعليهالسلام الذي يوجب دخول الجنّة إنّما هو البكاء الذي يكون عن شعور ومعرفة بالحسينعليهالسلام وتأييدا لأهدافه المقدّسة ، ويكون رمزا وشعارا في نصرة الحقّ وانتصار المظلوم ، لا مطلق البكاء.
إنّ الباكي الممدوح عندنا والذي وعده النبيّ والأئمّة من أهل البيت عليهمالسلام بالجنّة ، هو الباكي الذي جدّ وجاهد ، ويسعى ويجتهد بكلّ قدراته وإمكاناته ، لتحقيق أهداف أبي عبد الله الحسين عليهالسلام وتطبيقها ، لأنّها ما هي إلاّ أهداف الله سبحانه وتعالى وغرضه من رسالة محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم وبعثة الأنبياء عليهمالسلام جميعا.
فالبكاء على الحسين عليهالسلام الذي يوجب لصاحبه دخول الجنّة ، إنّما هو البكاء الذي ينبثق من قلب ممتلئ حقدا على الظالمين ، فيتحوّل صرخة في وجه الباطل وثورة على الظالم.
الحافظ : إذا كان المسلم ملتزما بأصول الإسلام وعاملا بأحكام الدين فهو من أهل الجنّة ، سواء أبكى على الحسين أم لم يبك ، فلا أرى فائدة للمجالس التي تنعقد في بلاد الشيعة ، وهم يصرفون أموالا طائلة ليجتمعوا ويبكوا على الحسين! إنّه عمل مخالف للعقل!!
فوائد المجالس الحسينية
قلت : أوّلا : الإنسان مهما كان ملتزما بأصول الإسلام ، وعاملا بالأحكام ، فلا يكون معصوما من الذنوب والآثام ، فربّما زلّت به الأقدام ، وسقط في مهاوي النفس والشيطان ، وخالف أمر الله العزيز المنّان.
فلكي لا ييأس من الله الكريم الرحمن ، ويرجو منه اللطف والإحسان ، ويسأل منه العفو والغفران ، فتح له باب التوبة والإنابة ليشعر بالأمان.
__________________
هذا النوع من البكاء ـ لا مطلق البكاء ـ يكون استمرارا لحركة الإمام أبي عبد الله السبط الشهيدعليهالسلام واستمرارا لحركة الحوراء زينب وأهل البيتعليهمالسلام من كربلاء إلى الشام سبايا.
فكما إنّ هاتين الحركتين تركتا أثرا عظيما في تحريك الإحساس الديني وإيقاظ الشعور الإنساني في المجتمع الإسلامي ، بحيث أدّت إلى ثورات ، وأسقطت عروش الظلم ، وقضت على الظالمين كذلك الأثر في البكاء الذي يكون استمرارا لحركة الإمام الحسين والحوراء زينبعليهاالسلام . «المترجم»
وأمر الله عزّ وجلّ عباده أن يتوسّلوا إليه في التوبة والاستغفار وقضاء حوائجهم ، بقوله تعالى :( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (١) ويصف أنبياءه فيقول :( أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ) (٢) .
ثم بيّن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الوسائل التي يتوسّل بها إلى الله سبحانه ، منها حبّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ومنها البكاء على الحسينعليهالسلام ومنها خدمة الوالدين ، ومنها الجهاد في سبيل الله ، ومنها العطف على الأيتام ، وغير ذلك.
فالمؤمن إن كان بريئا من الذنب ، فهذه الوسائل تسبّب رفع درجاته في الجنّة ، وإن كان مرتكبا بعض السيّئات والذنوب فهذه الوسائل تسبّب له المغفرة وتجلب له رضا ربّه عزّ وجلّ.
ثانيا : وأمّا فوائد المجالس الحسينية فهي كثيرة جدّا ، ولكنّك حيث لم تحضرها ولم تكن من المباشرين والعاقدين لها ، فلا ترى فوائدها ولا تدرك بركاتها.
ولمّا كنت بعيدا عنها وجاهلا بفلسفتها ، فليس لك أن تقول : إنّه عمل مخالف للعقل! بل العقل السليم يخالف كلامك ، والوجدان القويم ينقض بيانك ، فقد تسرّعت في الحكم على شيء ما عرفت مغزاه ، وما أدركت منتهاه.
فلو كنت تحضر هذه المجالس مع الشيعة ، وتستمع إلى كلام
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٣٥.
(٢) سورة الإسراء ، الآية ٥٧.
خطبائها الكرام ، لعرفت فوائدها الجمّة التي منها :
١ ـ هذه المجالس تكون كالمدارس ، فإنّ الخطيب يلقي على الحاضرين فيها أحكام الدين ، والتاريخ الإسلامي ، وتاريخ الأنبياء وأممهم ، ويتناول تفسير القرآن الحكيم ، ويتكلّم حول التوحيد والعدل الإلهي والنبوّة والإمامة والمعاد ، وأخلاق المسلم وما يجب أن يتّصف به المؤمن ، ويبيّن للمستمعين فلسفة الأحكام وعلل الشرائع ومضارّ الذنوب ، ويقايس الإسلام بسائر الأديان ويثبت بالدليل والبرهان تفوّقه وامتيازه على المذاهب والأديان.
٢ ـ يشرح الخطيب سيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتاريخ حياته وسيرة أهل بيته والعترة الهادية والصحابة الصالحين ، فيلفت الخطيب أنظار مستمعيه إلى النقاط المشرقة الهامّة من ذلك التاريخ ، فيأخذ الحاضرون دروسا وعبرا منه يطبقونها في حياتهم الشخصية وسيرتهم الاجتماعية.
٣ ـ يتناول الخطيب تاريخ النهضة الحسينية ، ويبيّن أسبابها وأهدافها. ويشرح آثارها والدروس التي يجب على المسلم أن يأخذها من تلك النهضة المقدّسة ، ويدعو الخطيب المستمعين إلى تطبيق أهداف الحسينعليهالسلام وإحياء ثورته وتكرارها ضدّ الظلم والظالمين في كلّ زمان ومكان.
٤ ـ في كلّ عام يهتدي كثير من الضالّين والعاصين ، فيتوبون إلى الله تعالى ، ويسلكون الصراط المستقيم ، ويصبحون من الصالحين المهتدين ، حتّى إنّ في بعض البلاد التي تسكنها الشيعة والكفّار مثل بلاد الهند والبلاد الإفريقية ، أسلم كثير منهم بعد ما حضروا في المجالس الحسينية وعرفوا تاريخ الإسلام وأحكامه وسيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وأخلاقه الحميدة.
وهذا جانب من معنى الحديث النبوي الذي نقله علماؤكم أيضا في الكتب المعتبرة ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ الله من أحبّ حسينا ، حسين سبط من الأسباط(١) ».
فمعنى : «وأنا من حسين» لعلّه يكون : إنّ الحسين والمجالس التي تنعقد باسمه ولأجله هو السب في إحياء ديني وإبقائه ، فالحسينعليهالسلام بنهضته المباركة فضح بني أميّة وكشف واقعهم الإلحادي ، وحال بينهم وبين الوصول إلى أهدافهم العدوانيّة ونياتهم الشيطانية التي كانت ستقضي على الدين الحنيف ورسالة خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآلهوسلم .
واليوم يمرّ أكثر من ألف عام على إقامة مجالس عظيمة ومحافل كريمة باسم الحسينعليهالسلام علانية وسرّا ، والناس يحضرون على مختلف طبقاتهم ومستوياتهم ، فيقتبسون النور ويتعرّفون على الإسلام الحقيقي
__________________
(١) خرّجه الإمام أحمد في مسنده ٤ / ١٧٢ بسنده عن يعلى بن مرة الثقفي.
ورواه ابن سعد في طبقاته الكبرى ج ٨ حديث رقم ١٨ من ترجمة الإمام الحسين عليهالسلام .
ورواه الحاكم في المستدرك ٣ / ١٧٧ باب فضائل الحسين عليهالسلام ، وأقرّ صحّته.
ورواه الذهبي في تلخيصه ، وقال : هذا حديث صحيح.
ورواه الخطيب الخوارزمي في كتابه مقتل الحسين ١ / ١٤٦ الفصل السابع.
ورواه شيخ الاسلام الحمويني في كتابه «فرائد السمطين» في الباب ٣٠.
ورواه البخاري في «الأدب المفرد» صفحة ١٠٠ ط مصر.
ورواه الترمذي في سننه ١٣ / ١٩٥ باب مناقب الحسن والحسين عليهمالسلام .
ورواه ابن ماجة في مقدّمة سننه ١ / ٦٤.
ورواه جمع كثير من أعلام العامّة لا مجال لذكر أسمائهم جميعا. «المترجم»
الذي ضحّى الإمام الحسينعليهالسلام من أجله ، ويعرفون أهدافه المقدّسة وأسباب نهضته المباركة ، فيهتدون بهداه وهو على هدى جدّه المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبيه المرتضىعليهالسلام .
فالمجالس الحسينية ، ما هي إلاّ مدارس أهل البيت والعترة الهاديةعليهالسلام .
الّذين يحبّون عليّا والحسين عليهما السّلام إنّما يحبّونهما من أجل الدين ، لأنّهما استشهدا وقتلا ليبقى الإسلام والقرآن ، ولتحيا رسالة محمّد السماوية ، على صاحبها ألف صلاة وسلام وتحية.
نحن نحبّ الإمام علياعليهالسلام ونقدّسه ، لأنّه كان عبدا مخلصا لله ، متفانيا في ذات الله سبحانه ، شهيدا في سبيل الله تعالى.
ولمّا نقف عند مرقده الشريف نخاطبه ، نقول : أشهد أنّك عبدت الله مخلصا حتّى أتاك اليقين ـ أي الموت ـ.
وكذلك إذا حضرنا عند مرقد سيّد الشهداء الحسينعليهالسلام ، نشهد له ونقول : أشهد أنّك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ، وأطعت الله ورسوله حتّى أتاك اليقين.
ثم اعلم أيّها الحافظ ، وليعلم كلّ الحاضرين ، أنّ زيارة الحسينعليهالسلام والبكاء عليه إنما يفيدان ويوجبان الأجر الكثير والثواب العظيم ، إذا كانا ممّن يعرف حقّ الحسينعليهالسلام ، كما صرّحت رواياتنا بذلك عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعن أئمّتنا أبناء رسول الله وعترتهعليهمالسلام ، قالوا : «من زار الحسين بكربلاء عارفا بحقّه وجبت له الجنّة».
«من بكى على الحسين عارفا بحقّه وجبت له الجنة».
فكما إنّ قبول العبادات كلّها ـ فرضها ونفلها ـ تتوقّف على معرفة الله سبحانه ، لأنّ العبد إذا لم يعرف ربّه كما ينبغي فلا تتحقّق نيّة القربة إليه ، وهي تجب في العبادات.
كذلك البكاء والزيارة للنبيّ والأئمّةعليهمالسلام ، لا تفيد ولا تقبل إذا كان الباكي والزائر لا يعرفهم حق المعرفة ، وإذا عرفهم حق المعرفة وعرف حقّهم ، علم أنّه يجب أن يطيعهم ، ويتمسّك بأقوالهم ، ويسير على نهجهم ، ويلتزم بطريقتهم المثلى.
النوّاب : سيدنا الجليل! نحن نعتقد بأنّ الحسين الشهيد إنّما نهض للحقّ وقتل في سبيل الله عزّ وجلّ ، ولكن بعض أهل مذهبنا ـ وأغلبهم من الشباب الّذين درسوا في المدارس العصرية ـ يقولون : إنّ الحسين نهض وقاتل لأجل الحصول على الحكومة والرئاسة الدنيوية ، وعارض يزيد بن معاوية على ملكه ، ولكنّه خذل من قبل أنصاره ، وتغلّب عليه يزيد وجنوده فقتلوه!! ما هو جوابكم عن هذا الكلام؟
قلت : الجواب حاضر ، لكن الوقت لا يسمح أن نخوض في هذا الموضوع ، لأنه قد طال بنا الجلوس ، والحاضرون قد تعبوا.
النواب : أنا أتكلّم نيابة عن أكثر الحاضرين ، نحن ما تعبنا من مجالستكم والاستماع لحديثكم ، بل نحبّ أن نسمع جوابكم بكلّ لهفة واشتياق.
نهضة حسينية لا حكومة دنيوية
قلت : الذين يقولون : بأنّ الحسينعليهالسلام نهض وقاتل للحصول على الحكم وقتل في طلب الرئاسة الدنيوية!! إن كانوا مسلمين فالقرآن يردّ كلامهم ، فإنّ مقالهم يعارض قول الله تعالى :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) . وقد اتّفق أعلامكم من المفسّرين والمحدّثين ، مثل الترمذي ومسلم والثعلبي والسجستاني وأبي نعيم وأبي بكر الشيرازي والسيوطي والحمويني والإمام أحمد والزمخشري والبيضاوي وابن الأثير والبيهقي والطبراني وابن حجر والفخر الرازي والنيسابوري والعسقلاني وابن عساكر ، وغيرهم ، اتّفقوا على أنّ هذه الآية ، وهي آية التطهير ، نزلت في شأن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام .
فنقول :
أوّلا : القرآن يشهد بأنّ الله تعالى طهّر الإمام الحسينعليهالسلام من الرجس ، ولا شكّ أن حبّ الدنيا وطلب الرئاسة للهوى ، رجس من عمل الشيطان ، قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة» فنقول : حاشا الحسينعليهالسلام أن يقاتل للدنيا والرئاسة ، وإنّما نهض لإنقاذ الدين وتحرير رقاب المسلمين من براثن يزيد الكفر والإلحاد وقومه الأوغاد.
ثانيا : إذا كانت نهضة الإمام الحسينعليهالسلام لأجل الدنيا لا الدين ، لما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يأمر المسلمين بنصرة ولده الحسينعليهالسلام إذا نهض وقاتل!
فالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أخبر بنهضة ولده الحسين ، وأمر المسلمين بنصرته ، وقد نقله كثير من علمائكم في كتبهم ، ولكنّي أكتفي بذكر واحد منهم لضيق الوقت.
قال الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه ينابيع المودّة ٢ / ١ : وفي الإصابة ، أنس بن الحارث بن البيعة ، قال البخاري في تاريخه
__________________
(١) سورة الأحزاب ، الآية ٣٣.
والبغوي وابن السكّين وغيرهما عن أشعث بن سحيم ، عن أبيه ، عن أنس بن الحارث ، قال : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : «إنّ ابني هذا [يعني الحسين] يقتل بأرض يقال لها كربلاء ، فمن شهد ذلك منكم فلينصره».
فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل بها مع الحسين ،رضياللهعنه وعمّن معه.
أمّا إذا كان القائلون لذلك الكلام يرفضون القرآن الحكيم وحديث النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ويريدون جوابا يوافق المقاييس الماديّة والسياسة الدنيوية :
فأقول أوّلا : إذا كان الحسينعليهالسلام نهض لطلب الحكم ولأجل الوصول إلى الرئاسة ، فما معنى حمله العيال والأطفال معه؟! فإنّ الذي يطلب الدنيا يدع أهله وعياله في مأمن ثمّ يخرج ، فإن نال المقصود ينضمّ أهله إليه ، وإذا قتل فأهله يكونون في أمان من شرّ الأعداء.
ثانيا : الثائر الذي يطلب الدنيا يسعى لجمع الأنصار ، ويكثر من المقاتلين والأعوان ، ويعدهم النصر والوصول إلى الحكومة والرئاسة ، ولكنّ أبا عبد الله الحسينعليهالسلام من حين خروجه من المدينة إلى مكّة ، وبعده من مكّة إلى العراق ، كان يعلن بأنه مقتول لا محالة ، وأنّ أنصاره وأعوانه يقتلون أيضا ، وأنّ أهله وعياله وأطفاله يسبون من بعده ، فقد كتب من مكّة إلى أخيه محمد بن الحنيفة وهو في المدينة :
بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي إلى محمد بن عليّ ومن قبله من بني هاشم ، أمّا بعد ، فإنّ من لحق بي استشهد! ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح ، والسلام.
[أعلنعليهالسلام أنّ الفتح الذي يطلبه لا يكون إلاّ في شهادته وشهادة أنصاره وأهل بيته!!].
خطبة الحسينعليهالسلام عند الخروج من مكّة
لقد ذكر مؤرخو الفريقين أنّهعليهالسلام لمّا عزم على الخروج الى العراق قام خطيبا فقال :
«الحمد لله وما شاء الله ، ولا قوّة إلاّ بالله ، وصلّى الله على رسوله وسلّم ، خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء ، فيملأن منّي أكراشا جوفا وأجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم.
رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفّينا أجور الصابرين ، لن تشذّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لحمته ، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس ، تقرّ بهم عينه ، وينجز بهم وعده.
من كان باذلا فينا مهجته ، وموطّنا على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا ، فإنّني راحل مصبحا إن شاء الله تعالى».
وفي طريقه إلى كربلاء ، لما وصل إليه خبر مقتل سفيره مسلم بن عقيل أعلن الخبر في أصحابه ولم يكتمه عنهم ، بل وقف يخطب فيهم وينبّئهم قائلا : «بسم الله الرحمن الرحيم ، أمّا بعد ، فإنّه قد أتاني خبر فظيع ، قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر ، وقد خذلنا شيعتنا ، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج
ليس عليه ذمام».
فتفرّق الناس عنه وأخذوا يمينا وشمالا حتّى بقي من أصحابه الّذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه ، فلو كانعليهالسلام يطلب الحكومة والرئاسة ، لمّا فرّق أصحابه ، بل كان يشدّ عزائمهم ويطمئنهم بالنصر ويغريهم بالمال والولايات ، كما هو شأن كلّ قائد سياسي ومادّي مع جنوده.
وكذلك لمّا التقىعليهالسلام بالحرّ بن يزيد الرياحي وجنوده ، وقد أخذ العطش منهم كلّ مأخذ وقد أشرفوا على الموت ، فسقاهم الحسينعليهالسلام وروّاهم حتّى أنقذهم من الهلاك ، وهوعليهالسلام يعلم أنهم ضدّه وليسوا من أنصاره.
فلو كان الحسينعليهالسلام يطلب الدنيا والحكم لاغتنم الفرصة في الحرّ وأصحابه وتركهم يموتون عطشا ، ثمّ يمضي هوعليهالسلام إلى ما يريد ، وربّما لو كان ذلك لكانت المقاييس تنقلب ، وكان التاريخ غير ما نقرأه اليوم!
وكذلك خطبتهعليهالسلام ليلة العاشر من المحرّم ، حينما جمع أصحابه وأذن لهم أن يذهبوا ويتفرّقوا عنه ويتركوه مع الأعداء ، لأنّهم لا يريدون غيره ، ولكنّهم قالوا : إنّهم يحبّون أن يقتلوا دونه ، ولا يريدون العيش بعده ؛ وقد صدقوا.
وفي ظلام الليلة العاشرة من المحرّم التحق بهعليهالسلام ثلاثون رجلا من معسكر ابن زياد ، لأنّهم سمعوا صوت القرآن والدعاء يعلو في معسكر الحسينعليهالسلام بينما كان معسكرهم يلهو ويلعب ، فعرفوا أنّ الحقّ مع الحسين فانضمّوا إليه وكانوا من المستشهدين بين يديه.
وفي صبيحة اليوم العاشر ، لمّا سمع الحرّ الرياحي ، ذلك القائد ، كلام الحسينعليهالسلام واحتجاجه على عساكر الكوفة ، عرف أنّ الحقّ مع الحسينعليهالسلام فترك جيشه ـ وهم ألف فارس تحت رايته ـ وجاء نحو الحسينعليهالسلام وتاب على يديه وكان من المستشهدين.
ما هو سبب نهضة الحسينعليهالسلام ؟
لا ينكر أحد أنّ يزيد بن معاوية كان رجلا فاسقا ، متجاهرا بالفجور ، مولعا بشرب الخمور ، وكانت آمال بني أميّة معلّقة عليه على أنّه المعدّ واللائق للأخذ بثار قتلاهم ، من آل محمّد وعليّ عليهما السّلام.
ويزيد ابن ميسون النصرانية ، الذي ربّي في حجرها وعند قومها النصارى لاعبا مع الكلاب والفهود والقرود ، شاربا للخمور ، مولعا بالفسق والفجور ، مع هذه الخصائص وغيرها من الرذائل التي اجتمعت فيه ، كان قادرا على أن يجرّد سيف الكفر والإلحاد الذي صنعه أبو سفيان وقومه في عهد خلافة عثمان.
إذ يروي ابن أبي الحديد عن الشعبي ، قال : فلمّا دخل عثمان رحله ـ بعد ما بويع له بالخلافة ـ دخل إليه بنو أميّة حتّى امتلأت بهم الدار ، ثمّ أغلقوها عليهم ، فقال أبو سفيان بن حرب : أعندكم أحد من غيركم؟
قالوا : لا.
قال : يا بني أميّة ؛ تلقّفوها تلقّف الكرة ، فو الذي يحلف به أبو سفيان ، ما من عذاب ولا حساب ، ولا جنّة ولا نار ، ولا بعث
ولا قيامة!(١) .
فيزيد هو الذي يقرّ عيون قومه بانتقامه من آل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويقبض على مقابض السيف الذي صقله أبو سفيان وحدّه معاوية وأعدّه ليزيد ، حتّى يقضي به على رسالة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم والدين الذي جاء به من عند الله سبحانه وتعالى(٢) .
__________________
(١) شرح نهج البلاغة ٩ / ٥٣ ط دار إحياء التراث العربي.
(٢) وفي شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ٥ / ١٢٩ قال : وروى الزبير بن بكّار في «الموفّقيّات» ـ وهو غير متّهم على معاوية ، ولا منسوب إلى اعتقاد الشيعة ، لما هو معلوم من حاله من مجانبة عليّعليهالسلام والانحراف عنه ـ :
قال المطرّف بن المغيرة بن شعبة : دخلت مع أبي على معاوية ، وكان أبي يأتيه ، فيتحدّث معه ، ثمّ ينصرف إليّ فيذكر معاوية وعقله ، ويعجب بما يرى منه ، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ، ورأيته مغتمّا فانتظرته ساعة ، وظننت أنه لأمر حدث فينا.
فقلت : ما لي أراك مغتمّا منذ الليلة؟!
فقال : يا بنيّ ، جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم!
قلت : وما ذاك؟!
قال : قلت له وقد خلوت به : إنّك قد بلغت سنّا يا أمير المؤمنين! فلو أظهرت عدلا وبسطت خيرا فإنّك قد كبرت ؛ ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم ، فو الله ما عندهم اليوم شيء تخافه ، وإنّ ذلك ممّا يبقى لك ذكره وثوابه.
فقال : هيهات هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تيم فعدل ، وفعل ما فعل ، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره ؛ إلاّ أن يقول قائل : أبو بكر!
ثم ملك أخو عديّ ، فاجتهد وشمّر عشر سنين ؛ فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره ؛ إلاّ أن يقول قائل : عمر!
وإنّ ابن أبي كبشة ليصاح به كلّ يوم خمس مرّات :
ولكنّ يزيد لا يتمكّن من تنفيذ ما خطّطه أسلافه وقومه ، ما دام الحسين ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يحظى بالحياة.
والحسينعليهالسلام تربى في حجر جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبيه أمير المؤمنينعليهالسلام وهو المعدّ لإحياء الدين وإنقاذ شريعة سيّد المرسلين من التحريف والتغيير ، فنهض ليصدّ طغاة بني أميّة عن التلاعب بالدين والاستخفاف بالشريعة المقدّسة فروّى شجرة الإسلام بدمه الزاكي ودماء أهل بيته وأنصاره الطيّبين ، فاخضرّت وأورقت وترعرعت ، بعد ما كانت ذابلة وكأنّها خشبة يابسة تنتظر نيران بني أميّة وأحقادها الجاهلية لتحوّلها إلى رماد تذروه الرياح(١) .
__________________
«أشهد أنّ محمّدا رسول الله» فأيّ عمل يبقى؟! وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك؟!
لا والله إلاّ دفنا دفنا!!
أقول : هذه نيّات معاوية الإلحادية نقلها لابنه يزيد وأمره أن يسعى ويجتهد لتنفيذها. «المترجم»
(١) وللمرحوم السيّد جعفر الحلّي قصيدة عصماء في هذا المجال أذكرها بالمناسبة :
الله أيّ دم في كربلاء سفكا |
لم يجر في الأرض حتّى أوقف الفلكا |
|
وأيّ خيل ضلال بالطفوف عدت |
على حريم رسول الله فانتهكا |
|
يوم بحامية الإسلام قد نهضت |
له حميّة دين الله إذ تركا |
|
رأى بأنّ سبيل الغىّ متّبع |
والرشد لم تدر قوم أيّة سلكا |
|
والناس عادت إليهم جاهليّتهم |
كأنّ من شرع الإسلام قد أفكا |
|
وقد تحكّم بالإسلام طاغية |
يمسي ويصبح بالفحشاء منهمكا |
|
لم أدر أين رجال المسلمين مضوا |
وكيف صار يزيد بينهم ملكا |
وبعض الغافلين يقولون : بأنّ بقاء الحسينعليهالسلام في المدينة المنوّرة كان أسلم له وأحفظ لعياله! لما ذا خرج إلى العراق حتّى يرى تلك المصيبة الفادحة والنكبة القادحة؟!
ولكن كلّ من له أدنى معرفة بهكذا قضايا يعلم أن الحسينعليهالسلام لو كان يقتل في المدينة المنوّرة ، ما كان لقتله ذلك الصدى والأثر الذي كان لقتله في كربلاء ، فخروجه من المدينة إلى مكّة وإقامته فيها من شهر شعبان حتّى موسم الحجّ ، واجتماع المسلمين الوافدين من كلّ صوب وبلد عند الكعبة المكرّمة ، والتفافهم حول الإمام أبي عبد الله الحسينعليهالسلام واستماعهم لحديثه وهو يشرح لهم ويوضّح أنّه لما ذا لا يبايع يزيد ، لأنّ يزيد رجل فاسق شارب الخمور ، وراكب الفجور ، واللاعب بالكلاب
__________________
العاصر الخمر من لؤم بعنصره |
ومن خساسة طبع يعصر الودكا |
|
لئن جرت لفظة التوحيد في فمه |
فسيفه بسوى التوحيد ما فتكا |
|
قد أصبح الدين منه يشتكي سقما |
وما إلى أحد غير الحسين شكا |
|
فما رأى السبط للدين الحنيف شفا |
إلاّ إذا دمه في كربلاء سفكا |
|
وما سمعنا عليلا لا علاج له |
إلاّ بنفس مداويه إذا هلكا |
|
بقتله فاح للإسلام نشر هدى |
فكلّما ذكرته المسلمون ذكا |
|
نفسي الفداء لفاد شرع والده |
بنفسه وبأهليه وما ملكا |
|
وشبّها بذبال السيف نائرة |
شعواء قد أوردت أعداءه الدركا |
إلى آخر قصيدته العصماء وهو يتطرّق فيها إلى شجاعة بني هاشم وأنصار الحسين عليهالسلام ومصارعهم بالطفوف ، وإلى سبي العيال والأطفال من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام.
إنا لله وإنا إليه راجعون. «المترجم»
والقردة ، وقاتل النفوس المحرّمة المحترمة البريئة ، فإذا لا يلق للخلافة والإمامة.
فكانعليهالسلام يبعث الوعي في النفوس وفي المجتمع بهذا الإعلام الصريح وأخيرا أعلن أنّه خارج إلى العراق ، وهو لا يخضع لحكم يزيد حتى إذا آل الأمر إلى قتله وقتل أهل بيته وأنصاره ـ فخطب تلك الخطبة التي ذكرناها لكم قبل دقائق ـ وأعلن في الناس أنّه مقتول مسلوب ، وأنّ عياله وأطفاله يسبون بعده ويؤخذون أسارى إلى الشام!
بهذا الإعلان ، غدا المسلمون يترصّدون أخباره ، والأمّة كانت لابثة في سبات ونوم عميق ، لا يستيقظ منه إلاّ بحركة عنيفة واعية ، ونهضة مقدّسة دامية تهزها ، وهذه الحركة والنهضة ما كانت تتحقّق إلاّ بواسطة آل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيت الوحي ، وكان الإمام الحسينعليهالسلام ذلك اليوم زعيم أهل البيت والإمام المسئول من عند الله سبحانه وتعالى لحفظ دينه وكتابه ، وقد أدّى ما عليه على أكمل وجه ، وسار بخطوات حكيمة نحو الهدف المقدّس ، وانتصر على يزيد وبني أميّة بشهادته وسفك دمه.
فإن النصر تارة يتحقّق بقتل العدوّ وهزيمته ، وتارة يتحقّق بأن يكون المنتصر يكون مظلوما قتيلا شهيدا ؛ فالحسينعليهالسلام ما كان طالبا للحكم والرئاسة في نهضته ، حتى يكون خاسرا بعدم وصوله إليها ، وإنّما كان يريد يقظة الأمّة وتحرّكها ضد الظالمين ، وكان يريد أن يفضح بني أميّة ويكشف فساد واقعهم للمسلمين ، وقد تحقّق كلّ ما أراده ، فهو قد انتصر في كربلاء وعدوه خسر وانكسر(١) .
__________________
(١) وأذكر لكم بعض أبيات من قصيدة رائعة بالمناسبة لعبد الحسين الأزري :
وقدم الحسينعليهالسلام إلى كربلاء وسار إلى ميدان الجهاد على بصيرة كاملة فقد روى المؤرّخون أنّه لمّا عارضه بعض أقرباؤه ـ ليمنعوه من الخروج إلى العراق واقترحوا عليه أن يخرج إلى اليمن لأنّ أهلها شيعة مخلصون له ولأبيه وليسوا كأهل الكوفة مذبذبين وانتهازيّين ـ أجابهم قائلا :
إنّ جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أتاني فقال : يا حسين أخرج إلى العراق ، فإنّ الله شاء أن يراك قتيلا!
قالوا : إذا ما معنى حملك هؤلاء النسوة معك؟!
فقال : إنّ الله شاء أن يراهنّ سبايا!!
نعم ، كلّ من أمعن النظر في تاريخ النهضة الحسينية المباركة ودرس أبعادها وجوانبها ، عرف أهمّيّة دور النساء والأطفال ، وأهمّيّة دور السبايا من أهل البيتعليهمالسلام في نشر أهداف الحسين وأسباب ثورته
__________________
عش في زمانك ما استطعت نبيلا |
وأترك حديثك للرواة جميلا |
|
العزّ مقياس الحياة وضلّ من |
قد عدّ مقياس الحياة الطّولا |
|
قل : كيف عاش؟ ولا تقل كم عاش |
من جعل الحياة إلى العلى سبيلا |
|
ما كان للأحرار إلاّ قدوة |
بطل توسّد في الطفوف قتيلا |
|
خشيت أميّة أن يزعزع عرشها |
والعرش لولاه استقام طويلا |
|
قتلوه للدنيا ولكن لم تدم |
لبني أميّة بعد ذلك جيلا |
|
ولربّ نصر عاد شرّ هزيمة |
تركت بيوت الظالمين طلولا |
إلى آخر القصيدة العصماء ، وينطلق الشاعر بها إلى شرح جانب من واقعة عاشوراء وآثار تلك النهضة المباركة الدامية. «المترجم»
المقدّسة ونقل المصائب الأليمة والفجائع العظيمة التي وقعت لأهل البيت في كربلاء.
وكان لهذا الدور أثر بالغ في فضح بني أميّة وتعريتهم وكشفهم للأمّة الإسلامية.
فالخطب التي ألقتها الفواطم أو الفاطمات في الكوفة كانت سبب ثورة التوّابين ومن بعدهم ثورة المختار وانتقامه من قتلة الحسينعليهالسلام .
وكذلك خطبة الحوراء زينب في مجلس يزيد ، وخطبة الإمام زين العابدينعليهالسلام في الجامع الأموي بالشام ، قلبت كلّ المعادلات ، بحيث اضطرّ يزيد بن معاوية أن يلعن ابن زياد ، وتنصّل هو عن مسئولية واقعة كربلاء وألقى كلّ تبعاتها على عاتق ابن زياد.
وعلى أثر تلك الحادثة الأليمة ، لا نجد إلى يومنا هذا لبني أميّة وخلفائهم ، حتّى في الشام التي كانت عاصمة حكمهم وسلطانهم لا نجد ذكرا حسنا ولا أثرا ظاهرا ، حتّى قبورهم مجهولة مهجورة.
نتيجة البحث
فثبت أنّ نهضة الإمام الحسينعليهالسلام كانت نهضة دينية ، وقد استشهد هو في سبيل الله ولنصرة دين الله عزّ وجلّ ؛ فلمّا يحضر الشيعي والمحبّ في مجلس عزائهعليهالسلام ويستمع إلى الخطيب وهو يشرح أسباب ثورة الحسين وأهدافها ويسمع بأنّ الحسينعليهالسلام خالف يزيد وقاتله ، لأنّه كان يعمل المنكرات ويرتكب المحرّمات.
ويسمع المسلم خطيب المجلس الحسيني ، وهو ينقل كلام الحسين قائلا : «إنّي ما خرجت أشرا ولا بطرا ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي وأن آمر
بالمعروف وأنهى عن المنكر».
أو يسمع بأنّ الحسينعليهالسلام يوم عاشوراء أقام صلاته في ساحة القتال مع أصحابه جماعة.
أو يقرأ في زيارته : أشهد أنّك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر
فيلتزم بأنّ يعمل كما عمل الحسينعليهالسلام لأنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع ، لذلك كلّ عام في محرّم حين تكثر المجالس الحسينية نجد كثيرا من الناس ـ وخاصّة الشباب ـ على أثر حضورهم في تلك المجالس واستماعهم لمواعظ الخطيب ونصائحه وتفسيره للنهضة الحسينية وشرحه حديث «من بكى على الحسين وجبت له الجنة» كما مرّ ، وغير ذلك ، يؤثّر فيهم تأثيرا بالغا ، فنجد أنهم يهتدون إلى الصراط المستقيم ، فتتحسّن سيرتهم ويعتدل سلوكهم ، فيتركون السيّئات ويتوبون إلى الله تعالى ببركات الحسينعليهالسلام ومجالس عزائه.
وهذا جانب من معنى الحديث النبوي الشريف : «إنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة».
ـ لمّا وصل كلامنا إلى هنا ، دمعت عيون كثير من الحاضرين ، وكانوا مطرقين برءوسهم ، يتفكّرون في عظمة الحسينعليهالسلام وعظمة ثورته المقدّسة ، وعزمت على أن أختم الحديث
النوّاب : سيدنا الجليل! وإن كان قد انقضى وقت المجلس ، وطال بالحاضرين الجلوس ، ولكن أودّ أن أقول بأنّنا بفضل حديثك قد تعرّفنا على عظمة الحسين وفضله ، وعرفنا شخصيّته المقدّسة أكثر من ذي قبل ، فجزاك الله خيرا ، إذ علّمتنا معنى الحبّ وفلسفة البكاء والزيارة.
وإنّي آسف جدّا على ما فاتني من الأجر والثواب لعدم حضوري في مجالس عزاء آل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم التي يعقدها إخواننا الشيعة في بلدنا هذا ، لأنّي اتّبعت بعض أهل مذهبي وأطعتهم عن جهل وتعصّب ، إذ كانوا يقولون : إنّ الحضور في مجالس عزاء الحسين بدعة ، وزيارته بدعة ، والبكاء عليه بدعة ؛ ولكنّي الآن عرفت أنّ هذه المجالس حتّى إذا كانت بدعة ، فهي حسنة ، لأنّها تكون مدارس جامعة!
لذلك نرى أنّ ثقافة أبناء الشيعة الدينية هي أعلى ممّا هي عليه عند أبنائنا ، وهم أعلم منّا بأمور المذهب وأحكام الدين.
فوائد زيارة مشاهد آل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قلت : سمعت منك بأنّ بعض أهل مذهبك يقولون : إنّ مجالس الحسين والبكاء عليه بدعة ، وزيارته بدعة ، وأنا بيّنت لكم فوائد مجالس الحسين وفلسفة البكاء عليه ، وأبيّن لكم الآن فوائد زيارته وزيارة مشاهد آل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ومراقدهم.
إضافة إلى الثواب والأجر الأخروي ، فإنّ فيها فوائد جمّة :
أوّلا : زيارة القبور ليست بدعة ، بل هي سنّة ، فقد كان رسول الله يزور القبور ، فإنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم زار قبر أمّه آمنة(١) بالقرب من المدينة المنوّرة ، وزار البقيع واستغفر للمدفونين فيه(٢) فعندنا أنّ زيارة قبور آل البيت من علائم الإيمان وليس كلّ مسلم بمؤمن.
__________________
(١) أخرج مسلم في صحيحه ١ / ٣٥٩ قال : زارصلىاللهعليهوآلهوسلم قبر أمّه آمنة فبكى وأبكى من حوله.
(٢) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٠ / ١٨٣ ط دار إحياء التراث العربي.
ثانيا : إذا ذهبتم أنتم إلى قباب الأئمّة ومشاهد آل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم التي يزورها الشيعة ، فستشاهدون بأعينكم أنّها مراكز عبادة الله ، وهي( بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) (١) .
فالمؤمنون يسألون حوائجهم من الله تعالى ويبتهلون إليه خاشعين ، والمشاهد لا تغلق أبوابها ليل نهار إلاّ سويعات في الأسبوع لأجل التنظيف.
فالشيعي حينما يسافر إلى تلك المزارات الشريفة يلتزم غالبا بالحضور فيها كلّ يوم ساعات عديدة ، وأكثرهم يفضّلون الحضور فيها وقت السحر إلى ما بعد طلوع الفجر ، وقبل الظهر إلى ما بعده ، وقبل المغرب إلى ما بعد العشاء ، فيصلّون النوافل ، ثمّ يقيمون الفرائض جماعة ، ويشتغلون بتلاوة القرآن والدعاء بكلّ لهفة ورغبة ، وبكلّ خضوع وخشوع. فأيّ هذه الأعمال بدعة؟!!
إنّ المشاهد التي يزورها الشيعة إنّما هي أماكن عبادة الله سبحانه ، منوّرة بنور أهل البيتعليهمالسلام ومجلّلة بهالة قدسية من شجرة النبوّة والعترة الهادية.
فلو لم تكن لهذه المشاهد أيّة فائدة إلاّ التوفيق الذي يناله الزائر عند حضوره فيها لكفت ، فيقضي ساعات من عمره بعبادة ربّه متقرّبا إليه بتلاوة القرآن والدعاء والتضرّع إليه وإظهار فقره وحوائجه إلى ربّه ، مستغرقا في الأمور العبادية ، متوجّها إلى المراتب الأخروية ، ومنصرفا عن الأمور المادّية والمسائل الدّنيوية.
فهل تعرفون في بلادكم وسائر البلاد التي يسكنها أهل السنّة
__________________
(١) سورة النور ، الآية ٣٦.
محلا مقدّسا يحضره الناس على مختلف طبقاتهم في كلّ ساعات الليل والنهار ، يشتغلون بالعبادة ويتقرّبون فيه إلى الله تعالى لنيل السعادة ، كهذه الروضات المقدّسة؟!
أمّا مساجدكم فلا تفتح إلاّ أوقات الفرائض ثمّ تغلق أبوابها ، وإنّي شاهدت في بغداد مرقدي الشيخ عبد القادر الجيلاني وأبي حنيفة ، كانت أبوابها مغلقة وما فتحت إلاّ وقت الصلاة ، فحضر بعض أصحاب المهن والأعمال ودكاكين السوق المجاورين وصلّوا مع الإمام الموظّف لمديرية الأوقاف ، ثمّ خرجوا وأغلقت الأبواب.
ولكنّ مرقد الإمامين العسكريّين ـ علي بن محمد الهادي وهو عاشر الأئمّة ، وابنه الحسن الزكي ، وهو الإمام الحادي عشر للشيعة ـ الذي يقع في مدينة سامراء في العراق ، وسكّان هذه المدينة من أهل السنّة والجماعة ، وتوجد جالية شيعية مستضعفة فيها ، وأمّا السّادن وخدّام الروضة المقدّسة فكلهم من السنة الموظفين لمديرية الأوقاف ، وقد يصعب عليهم فتح أبواب الروضة قبل الفجر. ولكن بإلحاح وإصرار من الشيعة والزائرين يفتحون أبوابها قبل الفجر ويدخل الزائرون والمجاورون من كلّ باب ، ويشتغلون بالنوافل والعبادات ، ولا يوجد أحد من أهل السنّة بين تلك الجموع ، حتّى خدّام الروضة والمسئولين عليها ، بعد أن يفتحوا الأبواب ، يذهبون ليناموا.
وإنّي أسأل الله سبحانه أن يوفّقكم لتسافروا إلى العراق لتقارنوا بين مدينتين متقاربتين ـ المسافة بينهما تقل عن العشرة كيلومترات ـ.
إحداهما مدينة الكاظمية ، وهي تضمّ مرقد الإمامين الجوادين الكاظمين عليهما السّلام ـ الإمام السابع موسى بن جعفر ، والإمام التاسع محمد
ابن عليّ ـ وهي من مراكز الشيعة.
والأخرى مدينة بغداد ، وهي عاصمة العراق ومركز أهل السنة والجماعة ، وفيها مرقد الشيخ عبد القادر الجيلاني ، وإمامكم الأعظم أبي حنيفة.
سافروا إلى هاتين المدينتين وقارنوا بينهما حتّى تنظروا بأعينكم إلى آثار تعاليم أهل البيتعليهمالسلام وانطباع الشيعة عنهم! فتحسّوا ببركات تلك القباب المنيرة ، وتدركوا بركاتها الشاملة على الزائرين والمجاورين لها ، فإن كثيرا منهم ينامون أوّل الليل حتى يستيقظوا وقت السحر ، ساعتين قبل الفجر ، ليحضروا في روضة الإمامين الجوادين عليهما السّلام برغبة واشتياق ، فيقيموا نافلة الليل ويشتغلوا بالدعاء والعبادة ، وكثير منهم أصحاب متاجر كبيرة ومهمّة في بغداد إلاّ أنّ دور سكنهم في الكاظمية ، فيقضون ساعة أو أكثر في الروضة المقدّسة بالعبادة والدعاء ، ثمّ يذهبون إلى متاجرهم وأشغالهم واكتساب معايشهم.
ولكن إذا نظرتم إلى أكثر أهالي بغداد ، وهم مع الأسف منهمكون في المعاصي ، ومنغمسون في الفسوق والملاهي ، فالمقامر ودور البغاء والفجور وحانات الخمور ، تعمل ليل نهار!!
النوّاب : سيدنا الجليل! إنّي أصدّقك وأقبل كلامك ، ويحقّ أن ألعن نفسي ، إذ كنت جاهلا بمقام آل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وشأنهم ، فتبعت أناسا ما كان لي أن أتبعهم.
قبل سنين سافرت من هذا البلد مع قافلة كبيرة من أهل بلدتي ونحلتي إلى بغداد وقصدنا قبر الإمام الأعظم أبي حنيفة ، والشيخ عبد القادر «رض» وكنا نبغي زيارتهما ، راجين بها الأجر والثواب ،
فانفردت يوما عن أصحابي وذهبت إلى روضة الإمامين الجوادين ، فرأيت الوضع كما وصفتم ، ولكن لمّا رجعت إلى أصحابي وعرفوا بأنّي ذهبت إلى تلك الروضة المقدّسة ، تحاملوا عليّ وعاتبوني عتابا شديدا! فاعتذرت إليهم بأنّي ما ذهبت بقصد الزيارة والتقرّب إلى الله عزّ وجلّ ، وإنّما ذهبت للتفرّج والاستطلاع ؛ فسكتوا عنّي!!
وأنا الآن أراجع نفسي وأتعجّب كثيرا ، فأقول : لما ذا تكون زيارة الإمام الأعظم والشيخ عبد القادر في بغداد جائزة ، وزيارة الخواجة نظام الدين في الهند جائزة ، وزيارة الشيخ الأكبر مقبل الدين في مصر جائزة ، وموجبة للأجر والثواب ، حتّى إنّ جماعة كثيرة ـ كلّ عام ـ يشدّون الرحال إليهم من هذه البلاد ويقطعون مسافات بعيدة ، ويصرفون أموالا كثيرة ، وهم يقصدون التقرّب إلى الله سبحانه ، ويعتقدون أنّهم يحسنون صنعا ويكتسبون ثوابا وأجرا!!
عجبا هذه الزيارات موجبة للأجر والثواب ، مع علمنا بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يذكر فيهم خبرا ، ولم يذكرهم بمدح وثناء ، ولكن زيارة الحسين ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي جاهد في سبيل الله وضحّى بنفسه للدين ، وقد وردت في شأنه وفي فضله الأحاديث النبوية الشريفة الكثيرة المرويّة في كتب كبار علمائنا ، تكون بدعة؟!!
ولقد نويت الآن وعزمت على أن أذهب هذا العام إن شاء الله ، وأتشرّف لزيارة سيّدنا الحسين ، وأحضر عند مرقده المقدّس ، قربة إلى الله تعالى ، وطالبا لمرضاته ، وراجيا منه سبحانه أن يعفو عمّا سلف منّي.
ثمّ قاموا وانصرفوا جميعا ، وودّعناهم وشايعناهم إلى باب البيت.
المجلس الثامن
ليلة الجمعة / غرّة شعبان المعظّم / ١٣٤٥ هجرية
أقبل القوم بعد ما أتممت صلاة العشاء ، فاستقبلناهم بالترحاب ، فجلسوا وشربوا الشاي.
ثم تكلم السيد عبد الحي قائلا :
لقد صدرت منكم في البحث الماضي كلمة لا ينبغي لمثلكم أن يتفوّه بها. لانها تسبّب تفرقة المسلمين. والله تعالى يقول :( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (١) ( وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا ) (٢) .
قلت «متعجبا» : أرجو أن توضح ما هي تلك الكلمة؟! فربما صدرت مني في حال الغفلة.
السيد عبد الحي : في الليلة الماضية ، في أواخر البحث عن فوائد الزيارة قلتم : إنكم تعتقدون بأنّ زيارة مشاهد أهل البيت من علائم الإيمان. وقلتم : ليس كل مسلم بمؤمن!
بينما المسلمون كلهم مؤمنون والمؤمنون كلهم مسلمون.
فلما ذا تفرّقون بينهم وتجعلونهم قسمين متمايزين؟!
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ١٠٣.
(٢) سورة الأنفال ، الآية ٤٦.
أليس هذا الانقسام يضر الإسلام! وقد تبيّن لنا من كلامكم شيء ، وهو أنّ عوام الشيعة «خاصة في الهند» حين يحسبون أنفسهم مؤمنين ويحسبوننا مسلمين ، مأخوذ من علمائهم.
وهذا الأمر مخالف لرأى جمهور علماء الإسلام ، إذ لا يفرّقون بين الإسلام وبين الإيمان.
الفرق بين الإسلام والإيمان
قلت : أولا ، قولك : جمهور علماء الاسلام لا يفرقون بينه وبين الأيمان. فغير صحيح ، لأننا نجد في الكتب الكلامية اختلافا كثيرا حول الموضوع لا بين الشيعة والسنّة فحسب ، بل نجد الاختلاف ساريا في أقوال أهل السنة والجماعة أنفسهم أيضا ، فالمعتزلة على خلاف الأشاعرة. وبعض علماء الشافعية والحنفية على خلاف رأي أحمد ومالك.
ثانيا : لا يرد إشكالك على كلامي ، لأنّ كلامي صدر على أساس قوله تعالى :( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) الخ(١) .
فالآية الكريمة تصرّح بأنّ الإسلام والتسليم في الظاهر ، والإيمان يرتبط بالقلب ، والآية تنفي إيمان قوم في حين تثبت إسلامهم. فالمسلم ، من شهد بالتوحيد والنبوة فقال : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأشهد أنّ محمداصلىاللهعليهوآلهوسلم رسول الله. فحينئذ يكون للمسلم ما للمؤمنين
__________________
(١) سورة الحجرات ، الآية ١٤.
في الدنيا ، من الحقوق الاجتماعية والمدينة والشخصية ، دون الآخرة ، فقد قال تعالى :( ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) (١) .
السيد عبد الحي : نقبل بأنّ الإسلام غير الإيمان ، فقد قال سبحانه وتعالى :( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً ) (٢) .
فهذه الآية تفرض علينا الالتزام بالظاهر وأن لا ننفي الإسلام عمّن أظهر الإسلام.
قلت : نعم كل من نطق بالشهادتين ، فما لم يرتكب منكرا يلازم الكفر والارتداد ، ولم ينكر إحدى الضرورات الإسلاميّة كالمعاد ، فهو مسلم ، نعاشره ونجالسه ونعامله معاملة الإسلام ، ولم نتجاوز الظاهر ، فإنّ بواطن الناس لا يعلمها إلا الله سبحانه ، وليس لأحد أن يتجسّس على بواطن المسلمين. ولكن نقول : بأن النسبة بين الإسلام والإيمان ، عموم مطلق(٣) .
مراتب الإيمان
لقد أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أمته عند اختلاف الأقوال وتضارب آرائهم ، أن يأخذوا بقول أهل بيته ويلتزموا برأيهم ، لأنهم أهل الحقّ والحقّ لا يفارقهم. فلذلك إذا بحثنا في أحاديث أهل البيتعليهمالسلام لنجد حقيقة موضوع حوارنا ، نصل إلى قول الإمام الصادقعليهالسلام إذ يقول : «إنّ
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية ١٠٢.
(٢) سورة النساء ، الآية ٩٤.
(٣) مورد الاجتماع : المسلم المؤمن.
ومورد الافتراق : المسلم غير المؤمن ، ولا يوجد مؤمن غير مسلم.
للإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل. فمنه الناقص البيّن نقصانه ومنه الراجح الزائد رجحانه ومنه التام المنتهى تمامه. وأما الإيمان الراجح فهو عبارة عن إيمان الشخص الذي يتصف ببعض لوازم الإيمان ، فهو راجح على الذي لا يتصف بها فالثاني ناقص إيمانه ، وأما التام المنتهى تمامه ، فهو الذي يتصف بكل لوازم الإيمان». وقد قال سبحانه وتعالى فيهم :( أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) (١) .
وأما الصفات اللازمة للإيمان فهي كثيرة منها كما في الحديث المروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «يا علي سبعة من كنّ فيه فقد استكمل حقيقة الإيمان ، وأبواب الجنة مفتّحة له : من أسبغ وضوءه وأحسن صلاته ، وأدّى زكاة ماله ، وكفّ غضبه ، وسجن لسانه ، واستغفر لذنبه ، وأدّى النصيحة لأهل بيت نبيه»(٢) ونحن نعتقد أنّ زيارة مشاهد أهل البيتعليهمالسلام يدخل ضمن العنوان الأخير. فالذي أسلم ، هو مؤمن في الظاهر ولا نعلم باطنه ، ولكن أعماله تكشف عن حقيقة إيمانه ، ومراتب رسوخ الايمان في قلبه وباطنه وقد جاء في تفسير الآية الكريمة :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا ) (٣) .
أي : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم آمنوا بقلوبكم.
وخاطب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم جماعة من أصحابه فقال : «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان بقلبه».
فلا شك أنّ بين الإسلام والإيمان فرقا لغويا ومعنويا. وللمؤمن
__________________
(١) سورة الأنفال ، الآية ٧٤.
(٢) الخصال : ٢ / ١٦٨ ، الحديث رقم ٨.
(٣) سورة النساء ، الآية ١٣٦.
علائم تظهر في سلوكه وأعماله.
ثم اعلموا بأننا لا نفتش عن بواطن الناس ولا نفرّق بين المسلمين ، ولكن نعاملهم على حدّ أعمالهم ، فهناك من ينطق بالشهادتين ولكن يستخف بالصلاة والصوم ويستهين بالحج ولا يدفع الزكاة ويخالف القرآن الحكيم وأوامر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته الطيبين ، فليس هذا عندنا الاحترام والتكريم ، كمن ينطق بالشهادتين ويلتزم بأحكام الدين فيعمل بكل الفرائض ويترك المنهيّات ويطيع الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعترتهعليهمالسلام لقوله تعالى :( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) (١) .
فالإسلام يتحقق باللسان ، وهو بداية المرحلة الأولى من الإيمان ، ويترتب عليه الأحكام الدنيوية كالحقوق الاجتماعية والشخصية والمدنية.
ولكن الإيمان المطلق فيتحقق باللسان والقلب ، ويظهر بالأعمال الصالحة التي تصدر عن جوارح المؤمن وأعضاء بدنه ، وحتى اللسان ، وهو يحب أن يكون مطلقا ، يتقيّد بالإيمان فلا يتكلم إلاّ بالحق والصبر ، كما قال تعالى :( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) (٢) .
وجاء في الحديث الشريف :
الإيمان هو الإقرار باللسان والعقد بالجنان والعمل بالأركان.
__________________
(١) سورة الحجرات ، الآية ١٣.
(٢) سورة العصر.
لما ذا ترفضون الشيعة!!
إذا كنتم ملتزمين بهذا الأصل العام ، إنّ كل من نطق بالشهادتين فهو مسلم ومؤمن وأخ في الدين. فلما ذا تطردون الشيعة وترفضونهم بل تعادونهم ، ولا تحسبون مذهبهم من المذاهب الإسلامية! وكلكم تعلمون بأنّ الشيعة يشهدون أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمدا رسول الله وخاتم النبيين. ويعتقدون بأنّ القرآن كلام الله العزيز ويلتزمون بكل ما جاء به النبي المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيصلّون ويصومون ويزكّون ويحجون ويجاهدون في سبيل الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويعتقدون بالبعث والمعاد وبالمحاسبة والجزاء( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (١) لذلك يلتزمون بترك القبائح والمحرّمات كالظلم والسرقة والخمر والزنا والقمار واللواط والربا والكذب والافتراء والنميمة والسحر وغيرها من المحرّمات.
فنحن معكم نعتقد بإله واحد ونبي واحد ودين واحد وكتاب واحد وقبلة واحدة ، ومع ذلك كله نراكم تفترون علينا وترموننا بالكفر والشرك! وهذا ما يريده الأجانب والمستعمرون ويفرحون منه.
فلما ذا هذا الظلم والجفاء وهذا التقوّل والافتراء علينا؟!!
ألم نكن معكم متّفقين على دين واحد ، ومتّفقين على أصوله وفروعه وأحكامه؟ ـ غير الإمامة والخلافة ـ وأما الاختلاف الموجود بيننا وبينكم في بعض الأحكام الفرعية ، فهو اختلاف نظري ورأي فقهي ، كالاختلاف الواقع بين الأئمة الأربعة لأهل السنّة والجماعة. بل
__________________
(١) سورة الزلزلة ، الآية ٧ و ٨.
في بعض المسائل تكون اختلافاتهم أشدّ من اختلافنا مع بعضهم. هل أعددتم جوابا ليوم الحساب إذا سألتم عن سبب هذا الموقف البغيض والحقد العريض على الشيعة المؤمنين؟ وهل يقبل منكم إذا قلتم : إننا اتّبعنا أسلافنا من الخوارج وبني أمية النّواصب ، المعادين للعترة الهادية والفرقة النّاجية؟!!
فليس للشيعة ذنب ، سوى أنهم سلكوا الطريق الذي رسمه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بأمر الله سبحانه ، فأمر المسلمين بمتابعة أهل بيته وإطاعة عترته من بعده.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا.
فالشيعة أخذوا بأمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وتمسّكوا بالثقلين.
وأمّا غيرهم فقد أخذوا بقول غير النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ عارضوه فقالوا : كفانا كتاب الله! فتركوا أهل البيت والعترة الطاهرة الهاديةعليهمالسلام .
الشيعة أخذوا أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن طريق أهل بيتهعليهمالسلام ، وغيرهم أخذوا الأحاديث عن طريق أبي هريرة وأنس وسمرة وأمثالهم ، وتركوا طريق أهل البيت الطيبينعليهمالسلام .
وللحصول على أحكام الدين ابتدعوا القياس والاستحسان حسب ما تراه عقولهم ، وتحكم به أفكارهم ، كل ذلك ليستغنوا عن العترة الهادية!!
لما ذا نتّبع عليّا وأبناءهعليهمالسلام
ونحن إنما نتّبع عليّاعليهالسلام وأبناءه الأئمة المعصومينعليهمالسلام لقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها».
لذلك نحن دخلنا من الباب الذي فتحه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمته وأمرهم بالدخول منه إلى مدينة علومه وأحكام دينه وحقيقة شرعه.
ولكنكم تحتّمون علينا وعلى المسلمين أن نكون أشاعرة أو معتزلة في أصول الدين وأما في الفروع والأحكام فتريدوننا أن نأخذ برأي أحد الأئمة الأربعة ، لمذاهب أهل السنّة والجماعة وهو تحكّم منكم ، ليس لكم دليل عليه!
ولكننا نستند على أدلة عقلية ، ونقليّة من أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في وجوب متابعة عليعليهالسلام وأبنائه الأئمة الطيبين ، وقد نقلت لكم بعض تلك الأحاديث الشريفة من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشتهرة.
كحديث الثقلين وحديث السفينة وباب حطّة وغيرها. وإذ تنصفونا وتتركوا العناد واللجاج ، لكفى كل واحد من تلك الأحاديث في إثبات قولنا وأحقية مذهبنا.
وأمّا أنتم فليس عندكم حتى حديث واحد عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يأمر أمّته بمتابعة الأشعري أو ابن عطاء في مسائل أصول الدين ، أو العمل بآراء وأقوال مالك بن أنس أو أحمد بن حنبل أو أبي حنفية أو محمد ابن إدريس الشافعي في فروع الدين وأحكام العبادات والمعاملات.
ليت شعري من أين جاء هذا الانحصار؟!
فاتركوا التّعصّب لمذهب الآباء والأمّهات والتمسك بالتقاليد والعادات ، وارجعوا إلى القرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم فلو كان عشر هذه الروايات والأحاديث المروية في كتبكم والواصلة عن طرقكم في متابعة أهل البيتعليهمالسلام ، لو كانت في حقّ واحد من أئمّة المذاهب الأربعة لاتّبعناه وأخذنا برأيه وعملنا بقوله.
ولكن لا نرى في كتبكم وأسنادكم إلاّ أحاديث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يحثّ ويحفّز على متابعة الإمام عليعليهالسلام بل يأمر المسلمين بذلك وينهى عن مخالفته ويصرّح بأنّ الحق معه.
والآن تذكّرت حديثا نبويا نقله كثير من علمائكم وأعلامكم ، أنقله لكم بالمناسبة لتعرفوا أنّ الشيعة لا يتّبعون عليّا وأبناءه عن تعصّب وهوى ، بل بأمر من الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وليس إلى الحقّ والجنة سبيل غير مذهب أهل البيتعليهمالسلام وهو مذهب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
روى الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه ينابيع المودة الباب الرابع / عن فرائد السمطين لشيخ الإسلام الحمويني بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «يا علي أنا مدينة العلم وأنت بابها ولن تؤتى المدينة إلاّ من قبل الباب ، وكذب من زعم أنّه يحبّني ويبغضك لأنّك منّي وأنا منك. لحمك لحمي ودمك دمي وروحك من روحي وسريرتك من سريرتي وعلانيتك من علانيتي ، سعد من أطاعك ، وشقى من عصاك ، وربح من تولاّك ، وخسر من عاداك ؛ فاز من لزمك ، وهلك من فارقك ، مثلك ومثل الأئمة من ولدك بعدي ، مثل سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلّف عنها غرق ، ومثلهم كمثل النجوم كلّما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة».
ويصرّح النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث الثقلين الذي اتفق علماء المسلمين على صحته : إنّكم ما إن تمسّكتم بالقرآن وبأهل بيته وعترته لن تضلّوا بعده أبدا.
وقد تكلمت حول هذا الحديث بالتفصيل في الليالي الماضية
وذكرت لكم مصادره من كتبكم ومسانيدكم ، ولكن بالمناسبة أقول :
إنّ ابن حجر الهيثمي وهو ممن لا يتّهم عندكم بشيء بل لا ينكر أحد تعصّبه في مذهبه ، وتمسّكه بطريقة أهل السنّة والجماعة.
قال في كتابه الصواعق المحرقة / الفصل الأول من الباب الحادي عشر عند ذكره الآيات الكريمة النازلة في شأن أهل البيتعليهمالسلام . فيقول في ذيل «الآية الرابعة» قوله تعالى :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) (١) :
«أخرج الديلمي» عن ابن سعيد الخدري أنّ النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال : «وقفوهم إنهم مسئولون عن ولاية عليّ». وكأنّ هذا هو مراد الواحدي بقوله : روي في قوله تعالى :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) ، أي عن ولاية عليّ وأهل البيت قال ابن حجر : وأخرج الترمذي وقال : حسن غريب ، إنه (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال : «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي : أحدهما أعظم من الآخر ، كتاب الله عزّ وجلّ ، حبل ممدود من السّماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟!». قال : «وأخرجه أحمد» في مسنده بمعناه ولفظه : «إنّي أوشك أن ادعى فأجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. فانظروا بم تخلفوني فيهما؟!» وسنده لا بأس به. وفي رواية : إنّ ذلك كان في حجة الوداع. وفي [رواية] أخرى : مثله ـ يعني : كتاب الله ـ كسفينة
__________________
(١) سورة الصافات ، الآية ٢٤.
نوح من ركب فيها نجى. ومثلهم ـ أي أهل بيته ـ كمثل باب حطّة ، من دخله غفرت له الذنوب.
وذكر ابن الجوزي لذلك في «العلل المتناهية» وهم أو غفلة عن استحضار بقية طرقه. بل في مسلم ـ أي صحيح مسلم ـ عن زيد بن أرقم أنه (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال : ذلك يوم غدير خم وهو ماء بالجحفة ، كما مر وزاد : أذكّركم الله في أهل بيتي. قلنا لزيد من أهل بيته : نساؤه؟ قال : لا ، أيم الله! إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدّهر ، ثم يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أهله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.
قال ابن حجر : وفي رواية صحيحة : «إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن تبعتموهما ، وهما : كتاب الله وأهل بيتي عترتي. وقال : زاد الطبراني : إنّي سألت ذلك لهما فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم».
[ثم قال ابن حجر : اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك ، طرقا كثيرة ، وردت عن نيّف وعشرين صحابيا ، وفي بعض تلك الطرق أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال ذلك بحجة الوداع بعرفة ، وفي اخرى أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي أخرى أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال ذلك بغدير خم ، وفي اخرى أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف.
ولا تنافي إذ لا مانع من أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماما بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة ـ وبعد سطور قال ـ : «تنبيه» سمّى رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) القرآن
وعترته ثقلين ، لأنّ الثّقل كلّ نفيس خطير مصون وهذان كذلك ، إذ كل منهما معدن للعلوم اللدنيّة والأسرار والحكم العليّة والأحكام الشرعيّة ، ولذا حثّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) على الاقتداء والتمسّك بهم والتعلّم منهم ويؤيّده الخبر السابق : ولا تعلّموهم فإنهم أعلم منكم. وتميّزوا بذلك عن بقية العلماء ، لأنّ الله أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، وشرّفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة.
وفي أحاديث الحثّ على التمسّك بأهل البيت ، إشارة إلى عدم انقطاع العالم عن التمسّك بهم الى يوم القيامة ، كما انّ الكتاب العزيز كذلك ، ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض كما يأتي ثم أحق من يتمسّك به منهم ، إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، لما قدّمنا من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته الخ].
ايها الحاضرون! هذه تصريحات أحد كبار علماء السنّة وهو ابن حجر الذي اشتهر بالتّعصب ضد الشيعة ومذهبهم ، والعجيب أنه مع كل تلك الاعترافات بفضل أهل البيتعليهمالسلام ولزوم التمسّك بهم ، يؤخّرهم عن مقامهم وعن مراتبهم التي رتّبهم الله فيها ، لا سيّما الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام فيقدّم عليه وعليهم من لا يقايس بهم في العلم والفضيلة فاعتبروا يا أولي الأبصار!! نعوذ بالله من التّعصب والعناد.
أيها الأخوان فكروا في هذه التأكيدات المتتالية عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ! وهو يبيّن أنّ سعادة الدنيا والآخرة منحصرة في التمسّك بالقرآن والعترة معا وأنّ طريق الحق واحد وهو الذي سار فيه أهل بيته فما هو واجب المسلمين؟ فكروا وانصفوا!
إنه موقف صعب واختيار الحق أصعب ، لقد وقفتم على طريقين : طريق سلكه آباؤكم وأسلافكم ، وطريق يدعوكم إليه نبيكمصلىاللهعليهوآلهوسلم وقرآنكم وعقولكم.
فكما لا يجوز للمسلمين أن يغيّروا شيئا من كتاب الله العزيز حتى لو اجمعوا على ضرورة التغيير لتغيير الزمان وغير ذلك ، كذلك لا يجوز للمسلمين أن يتركوا أهل البيت ويتمسكوا بغيرهم حتى لو اجمعوا على ذلك لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حكم على المسلمين وأمرهم أن يتمسكوا بالقرآن وبعترته وأهل بيته معا فلا يجوز التمسك بواحد دون الآخر.
أسألكم أيها الحاضرون! هل الخلفاء الذين سبقوا الإمام عليعليهالسلام كانوا من أهل البيت ومن العترة الهادية؟ وهل تشملهم أحاديث الثقلين والسفينة وباب حطة وغيرها حتى يكون التّمسك بهم لازما ، وطاعتهم واجبة علينا؟!
السيد عبد الحي : لم يدّع أحد من المسلمين أنّ الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم كانوا من أهل البيت ، ولكنهم كانوا من الصحابة الصالحين ، ولهم فضيلة المصاهرة مع النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
قلت : فإذا أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بإطاعة قوم أو فرد معيّن وأكّد ذلك على أمته ، فهل يجوز لطائفة من الأمّة أن يعرضوا عن أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ويقولوا : إننا نرى صلاحنا وصلاح الأمّة في متابعة وإطاعة قوم آخرين ـ حتى إذا كانوا صلحاء ـ؟ فهل امتثال أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وطاعته واجبة؟ أم إطاعة تلك الطائفة المتخلّفة عن أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والعاملة حسب نظرها في تعيين الصواب والصلاح للأمّة؟!
السيد عبد الحي : حسب اعتقادنا طاعة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم واجبة.
قلت : إذا ، لما ذا تركتم أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم تطيعوه حيث قال : «إني تارك فيكم ثقلين أو أمرين ، لن تضلوا إن اتبعتموهما وهما : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فلا تقدموا عليهم فتهلكوا ولا تقصّروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنهم أعلم منكم؟». ومع هذا تركتموهم وهم أعلم الناس وأفضلهم وتبعتم واصل بن عطاء وأبا حسن الأشعري أو مالك بن أنس وأبا حنيفة ومحمد بن ادريس وأحمد بن حنبل!
هل إنّ هؤلاء أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وعترته أم هم علي بن أبي طالب وأبناؤه الأئمة المعصومونعليهمالسلام ؟.
السيد عبد الحي : لم يدّع أحد من المسلمين أنّ المقصود من أهل البيت في حديث الثقلين ، أئمة المذاهب الأربعة ، أو الخلفاء الثلاثة ، أو أبو الحسن الأشعري أو واصل بن عطاء ، وإنما نقول : إنّ هؤلاء كانوا من أبرز علماء المسلمين ومن الفقهاء الصلحاء.
قلت : ولكن بإجماع العلماء واتفاق جمهور المسلمين ، أن الأئمة الاثني عشر الذين نتمسك نحن الشيعة بأقوالهم ونلتزم بطاعتهم ، كلهم من أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وعترته ، وهم أشرف أبناء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وثبت أنهم في كل زمان كانوا أعلم الناس بأحكام الدين وتفسير الكتاب المبين وفقه شريعة سيد المرسلين. وأقرّ لهم بذلك جميع علماء المسلمين.
لا أدري ما يكون جوابكم ، إذا سألكم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الحساب : أن لما ذا خالفتم رأيي وعصيتم أمري فتركتم عترتي وأهلي وقدّمتم غيرهم عليهم؟!
أليس أهل بيتي كانوا أعلم وأفضل؟
لقد أخذ الشيعة دينهم ومذهبهم ، حسب أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من باب علمه ، ومن وصيه علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وأخذوا بعده من عترته وأهل بيته الذين أدركوه وعاشروه وسمعوا حديثه ورأوا أعماله وسلوكه فأخذوا منه وأوصلوا ذلك إلى أبنائهم ونشروه. أما غير أهل البيتعليهمالسلام فكيف وصلوا إلى علم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
فالأئمة الأربعة ما كان لهم أيّ ذكر في القرن الأول والثاني بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلا يعدّون من الصحابة ولا التابعين.
ولكن أخرجتهم السياسة وأظهرتهم الحكومة والفئة المناوئه لأهل البيت والعترةعليهمالسلام .
ففسحت لهم المجال وفتحت أبوابهم ، في حين ضايقت أهل البيت وأغلقت أبوابهم ، ومنعت الحكومات الناس من التّوجّه إلى آل محمّدعليهمالسلام : لينصرفوا نحو الأئمة الأربعة ، وإذا لم يهتمّ أحد لأمر الحكومة ، تمسّك بأهل البيت وعمل برأيهم ولم ينضم إلى مذاهب الأئمة الأربعة ، فيرمى بالكفر والزندقة وكان مصيره القتل أو السجن والمطاردة!
وما زالت هذه الحالة التّعصّبية تنتقل من دور إلى دور ، ومن دولة إلى أخرى ، حتى يومنا هذا!!
فما يكون جوابكم لنبيكمصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الحساب إذا سألكم : بأي دليل كفّرتم شيعة أهل بيتي ، وهم مؤمنو أمّتي؟
ولما ذا قلتم لأتباعكم وأشياعكم : إنّ شيعة عليّعليهالسلام مشركون؟!
فحينئذ ليس لكم جواب ، ولكم الخزي والخجل في المحشر!
أيها الأخوة! تداركوا اليوم الموقف! وارجعوا إلى الحق والصواب! واعتبروا يا أولي الألباب!
نتّبع العلم والعقل
أيها الحاضرون الكرام! نحن لا نعاديكم ولا نعادي أحدا من المسلمين ، بل نحسب جميع المسلمين إخواننا في الدين ، ولكنّ خلافنا معكم ناشئ من التزامنا لحكم العقل والعلم ، وهو أنّنا لا نقلّد في أمر ديننا تقليدا أعمى ، بل يجب أن نفهم الدين بالدليل والبرهان حتى يحصل لنا اليقين ، قال سبحانه وتعالى :( فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) (١) .
فلا نتبع أحدا ولا نطيعه من غير دليل ، فنأخذ بأمر الله سبحانه ونهتدي بهدي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا نسلك إلاّ الطريق السّوي الذي رسمه لنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأمر الله عزّ وجلّ ، من مطلع رسالته حين جمع رجال قومه الأقربين امتثالا لأمر الله سبحانه حيث قال :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (٢) .
فجمعهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : وأطعمهم ، ثم قام فيهم بشيرا ونذيرا ثم قال : فمن منكم يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني في القيام به ، يكن أخي ووزيري وخليفتي من بعدي؟ فما أجابه إلاّ عليعليهالسلام ، وكان أصغرهم سنّا ، فأخذ النبي بيده وقال : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي
__________________
(١) سورة الزمر ، الآية ١٧ ـ ١٨.
(٢) سورة الشعراء ، الآية ٢١٤.
فيكم فاسمعوا له وأطيعوا الخ ـ وقد نقلنا الخبر بالتفصيل وذكرنا مصادره المعتبرة في المجلس الخامس ـ.
وفي أواخر أيام حياته المباركة ، وفي أكبر جمع من أمته ، يوم الغدير ، أخذ بيد علي بن أبي طالبعليهالسلام بأمر الله عزّ وجلّ وعيّنه لخلافته ، فقال : من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه وأخذ له البيعة منهم.
فالدّلائل الساطعة والبراهين القاطعة من القرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم المرويّة في كتبكم المعتبرة ومسانيدكم الموثّقة ـ إضافة إلى تواترها في كتب الشيعة ـ كلها تشير بل تصرّح على أنّ الصّراط المستقيم والسبيل القويم منحصر في متابعة آل محمد وعترتهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولو تذكرون لنا حديثا واحدا عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّه قال : خذوا أحكام ديني من أبي حنيفة أو مالك أو أحمد بن حنبل أو الشافعي ، لقبلناه منكم! ولتركت مذهبي واخترت أحد المذاهب الأربعة!!
ولكن لا تجدون ذلك أبدا وليس لكم أي دليل وبرهان عليه ، ولم يدّعه أحد من المسلمين إلى يومنا هذا.
نعم لكم أن تقولوا : بأن الأئمة الأربعة كانوا من فقهاء الإسلام ، والملك الظاهر بيبرس في عام ٦٦٦ من الهجرة ، أجبر المسلمين على متابعة أحدهم(١) ، وأعلن رسمية المذاهب الأربعة ومنع فقهاء
__________________
(١) قال المقريزي : فلما كانت سلطنة الظاهر بيبرس البندقدارى ولى بمصر أربعة قضاة :شافعي ، ومالكيّ ، وحنفيّ ، وحنبلي ، فاستمر ذلك من سنة ٦٦٥ هجرية حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه
__________________
المذاهب الأربعة وعودي من تمذهب بغيرها وأنكر عليه ، ولم يولّ قاضي ولا قبلت شهادة أحد ولا قدّم للخطابة والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب ، وأفتى فقهاء الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها.
وسبقه إلى ذلك الخليفة العباسي في بغداد ، وهو المستنصر ، فقد أنشأ المدرسة المستنصرية سنة ٦٢٥ هجرية وتم بناؤها سنة ٦٣١ هجرية فاحتفل بافتتاحها احتفالا عظيما حضره بنفسه وحضر معه نائب وزيره والولاة والحجاب والقضاة والمدرسون والفقهاء والقراء والوعاظ والشعراء وأعيان التجار والنّقباء.
وحصرا الخليفة التدريس في المستنصرية على المذاهب الأربعة ، وجعل لها ستة عشر وقفا تجري عائداتها عليها ، لكل مذهب ربع العوائد ، وجعل ربع القبلة الأيمن للشافعي ، وجعل ربع القبلة الأيسر للحنفي ، والرّبع الذي على يمين الدّاخل للحنابلة ، والرّبع الذي على يسار الداخل للمالكية.
وسبقه إلى اختيار بعض المذاهب وإعلان رسميته ، جدّه أبو جعفر المنصور الدوانيقي حيث أمر الإمام مالك بوضع كتاب في الفقه يحمل الناس عليه بالقهر! فوضع الموطّا. / شرح الموطأ للزرقاني ج ١ ص ٨.
فأعلن المنصور أنّ مالكا أعلم الناس.
وقد أمر الرشيد عامله على المدينة بأن لا يقطع أمرا دون مالك ، ومنادي السلطان كان ينادي أيام الحج : أن لا يفتي إلا مالك.
أما في بغداد فقد ولى الرشيد أبا يوسف منصب رئاسة القضاء العامة وأبو يوسف هو تلميذ أبي حنيفة.
وكان الرشيد لا ينصب أحدا في بلاد العراق وخراسان والشام ومصر ، بالولاية
المسلمين من استنباط الأحكام وإبداء آرائهم ، والتاريخ يصرّح بأنّه كان في الإسلام فقهاء وعلماء أعلم وأفقه من أولئك الأربعة.
والعجب أنكم تتركون الإمام علياعليهالسلام وهو باب علم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والذي أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمته بالأخذ منه ومتابعته في أمر الدّين والشرع ، بالنصوص الكثيرة والروايات المتواترة الواصلة عن طرقكم المعتبرة ، وكذلك الآيات القرآنية التي نزلت في هذا الشأن كما فسّرها كبار علمائكم الأعلام ومحدّثوكم الكرام.
وأنتم مع ذلك تصمّون أسماعكم ، وتغمضون أبصاركم ، وتتّبعون الأئمة الأربعة ، وتحصرون الحق في آرائهم وأقوالهم بغير دليل وبرهان ، وأغلقتم باب الاجتهاد واستنباط الأحكام ، وقد تركه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مفتوحا أمام الفقهاء والعلماء.
السيد عبد الحي : نحن نرى الحق في متابعة الأئمة الأربعة ، كما أنكم ترون الحق في متابعة الأئمة الاثني عشر!!!
قلت : هذا قياس باطل ، لأنكم ترون الحق في متابعة أحد الأئمة الأربعة ، بينا نحن نرى الحق في متابعة كلّ الأئمة الاثني عشر ، فلا يجوز عندنا ترك أحدهم والإعراض عن أوامره.
__________________
والقضاء إلا من أشار به القاضي أبو يوسف وذلك لمكانته في الدولة ومنزلته عند الرشيد.
فكان القاضي أبو يوسف أقوى عوامل انتشار المذهب الحنفي ورسميته في الدولة.
ومن اراد التفصيل في هذا الباب فليراجع كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج ١ تأليف العلامة المحقق الشيخ أسد حيدر قدسسره .
ثم إن تعيين الأئمة الاثني عشر ما كان إلا من عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وبأمره وحكمه ، فهوصلىاللهعليهوآلهوسلم عيّنهم وذكر أسماءهم واحدا بعد الآخر.
خلفاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم اثنا عشر
ذكر الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة مجموعة أحاديث عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بهذا المعنى وفتح لها بابا عنوانه :
الباب السابع والسبعون : في تحقيق حديث بعدي اثنا عشر خليفة.
قال : ذكر يحيى بن الحسن في كتاب العمدة ، من عشرين طريقا في أنّ الخلفاء بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش : في البخاري من ثلاثة طرق وفي مسلم من تسعة طرق وفي أبي داود من ثلاثة طرق وفي الترمذي من طريق واحد وفي الحميدي من ثلاثة طرق.
وذكر هذه الأحاديث الشريفة كثير من علمائكم الأعلام غير الذين ذكرهم القندوزي ، منهم : الحمويني في فرائد السمطين والخوارزمي في المناقب ، وابن المغازلي في المناقب ، والثعلبي في التفسير ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، والمير سيد علي الهمداني الشافعي في المودّة العاشرة من كتابه مودة القربى ، نقل اثنا عشر خبرا وحديثا في هذا الأمر ، من عبد الله بن مسعود وجابر بن سمرة وسلمان الفارسي وعبد الله بن عباس وعباية بن ربعي وزيد بن حارثة وأبي هريرة ، وعن الإمام عليعليهالسلام ، كلهم يروون عن رسول
اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : «الأئمة بعدي أو خلفائي بعدي اثنا عشر كلهم من قريش» ، وفي بعض الروايات كلهم من بني هاشم ، وحتى في بعضها عيّنهم بذكر أسمائهم.
ولا نجد حتى حديثا واحدا عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حول الأئمة الأربعة الذين تمسكتم بهم. ثم إنّ الفرق بين الأئمة الاثني عشر الذين نتمسك بهم نحن ونأخذ بأقوالهم وبين أئمتكم الأربعة فرق كبير.
وكما أشرنا في الليالي السّالفة أنّ الأئمة الاثني عشرعليهمالسلام هم أوصياء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد نصّ عليهم بأمر من الله سبحانه فلا يقاس بهم أي فرد من الخلفاء والأئمة الذين تمسكتم بهم ، فإنّ أئمة المذاهب الأربعة شأنهم شأن غيرهم من فقهاء المسلمين وعلماء الدين ، والمسلمون في خيار تام في تقليدهم وتقليد غيرهم من فقهاء الإسلام الذين يملكون قدرة الاستنباط واستخراج الأحكام الدينية من القرآن الحكيم والسّنّة النبويّة الشريفة.
وعلى هذا فنحن الشيعة نقلّد مراجع الدين وهم الفقهاء الذين درسوا وحققوا الأخبار والأحاديث المرويّة عن النبي وأهل بيته الطيبين الراسخين في العلم.
فيحققون ويتقنون أسنادها وطرقها ويميّزون بين صحيحها وسقيمها ويستخرجون منها حكم المسائل المستحدثة والفروع الطارئة في زماننا هذا ، ويبيّنون تكليفنا الشرعي على أساس أصول الفقه والقواعد الإلهيّة ، يردّون الفرع على الأصل ويستخرجون حكمه ويبيّنونه لمقلّديهم ، وهؤلاء الفقهاء يتواجدون في كل زمان وهم متعدّدون ولا ينحصر التقليد في واحد منهم ، لأنّ الكلّ يأخذون من منهل العترة
الهادية ومنبع أهل البيت الطاهرينعليهمالسلام .
ولكن الأئمة وإن تتلمذوا عند بعض أئمة أهل البيتعليهمالسلام إلاّ أنهم خرجوا من إطارهم وتركوا الأصول الفقهية والقواعد المقبولة لديهم ، فعملوا بالقياسات العقلية والاستحسانات النظرية حتى أنّهم ربما اجتهدوا في بعض المسائل وخالفوا النصوص الجليّة فيها ، فضلّوا وأضلّوا(١) .
والعجب أنكم تركتم تقليد العترة وأهل بيت الوحي والرسالة الذين عيّنهم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وتابعتم التلامذة الذين لم يبلغوا عشر معشار علوم أهل البيتعليهمالسلام ولم يغترفوا إلاّ غرفة أو رشحة من بحارهم المتلاطمة بشتى العلوم التي آتاهم الله عز وجلّ من لدنه وجعلهم أئمة يهدون بأمره.
فالأئمّة الأربعة استندوا إلى عقولهم النّاقصة في بيان حكم الله عزّ وجل ولم يستندوا إلى الكتاب المبين وسنّة سيد المرسلين.
وقد قال سبحانه وتعالى :( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٢) .
السيد عبد الحي : وهل عندكم دليل على أنّ الأئمة الأربعة تتلمذوا عند أئمتكم؟
__________________
(١) مرّ هذا البحث في أوائل المجلس الرابع.
(٢) سورة يونس ، الآية ٣٥.
الامام الصادقعليهالسلام وموقعه العلمي
قلت : دليلنا هو التاريخ الذي كتبه أعلامكم ، فقد ذكر ابن الصبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمة في معرفة الأئمةعليهمالسلام ـ فصل حياة الإمام الصادقعليهالسلام ـ قال :
[كان جعفر الصادقعليهالسلام من بين إخوته خليفة أبيه ووصيه والقائم بالإمامة من بعده ، برز على جماعة بالفضل وكان أنبههم ذكرا وأجلّهم قدرا نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته وذكره في ساير البلدان ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من الحديث ، وروى عنه جماعة من أعيان الأمّة مثل يحيى بن سعيد وابن جريح ومالك بن أنس والثوري وأبو عينية وأبو حنيفة وشعبة وأبو أيّوب السجستاني وغيرهم الخ].
وقال كمال الدين محمد بن طلحة العدوي القرشي الشافعي ، في كتابه مطالب السئول في مناقب آل الرسول ـ الباب السادس في أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السّلام ـ :
[هو من عظماء أهل البيت وساداتهمعليهمالسلام ذو علوم جمّة ، وعبادة موفرة ، وأوراد متواصلة ، وزهادة بيّنة ، وتلاوة كثيرة ، يتّبع معاني القرآن الكريم ويستخرج من بحره جواهره ويستنتج عجايبه ، ويقسّم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليه نفسه. رؤيته تذكّر الآخرة ، واستماع كلامه يزهد في الدّنيا ، والاقتداء بهداه يورث الجنة ، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوة ، وطهارة أفعاله تصدع أنه من
ذرية الرسالة.
نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من الأئمة وأعلامهم مثل يحيى بن سعيد الأنصاري وابن جريح ومالك بن أنس والثوري وابن عيينة وشعبة وأبو أيوب السجستاني وغيرهم (رض) ، وعدوّا أخذهم عنه منقبة شرفوا بها وفضيلة اكتسبوها الخ].
وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السّلمي وهو من أعلامكم ، في كتابه طبقات المشايخ : [إنّ الإمام جعفر الصادق فاق جميع أقرانه ، وهو ذو علم غزير في الدين وزهد بالغ في الدنيا ، وورع تام عن الشهوات ، وأدب كامل في الحكمة الخ](١) .
__________________
(١) أقول : ومما يناسب المقام كلام ابن أبي الحديد المعتزلي في مقدمة شرحه على نهج البلاغة فقد قال : [ومن العلوم علم الفقه وهوعليهالسلام ـ أي الإمام علي ـ أصله وأساسه ، وكل فقيه في الإسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه ، أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة ، وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة ، وأما احمد بن حنبل فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة ، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمدعليهالسلام ـ أي الصادق ـ.]
ويقول الآلوسي البغدادي وهو من أعلام العامة ، في كتابه التحفة الاثنا عشرية ص ٨ : [هذا أبو حنيفة وهو من أهل السنّة يفتخر ويقول بأفصح لسان : «لو لا السنّتان لهلك النعمان» يعني السّنتين اللّتين جلس فيهما لأخذ العلم عن الإمام الصادق الخ.]
وجاء في كتاب مناقب أبي حنيفة للخوارزمي ج ١ / ١٧٣ وفي جامع أسانيد أبي حنيفة ج ١ / ٢٢٢.
وفي تذكرة الحفاظ للذهبي : ج ١ / ١٥٧.
__________________
قال أبو حنيفة : [ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد ، لمّا أقدمه المنصور بعث إليّ فقال : يا أبا حنيفة! إنّ الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد ، فهيّئ له من المسائل الشّداد.
فهيّأت له أربعين مسألة ، ثم بعث إليّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته فدخلت عليه وجعفر بن محمد جالس عن يمينه ، فلما أبصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر [المنصور] فسلّمت عليه. وأومأ إليّ ، فجلست ثم التفتّ إليه ، فقال : يا أبا عبد الله! هذا أبو حنيفة. قال جعفر : نعم ، ثم أتبعها : قد أتانا ، كأنّه كره ما يقول فيه قوم أنّه إذا رأى الرجل عرفه.
ثم التفت المنصور إليّ فقال : يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك! فجعلت ألقي عليه فيجيبني ، فيقول : أنتم تقولون كذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا ، فربما تابعهم ، وربما خالفنا جميعا ، حتى أتيت على الأربعين مسألة.]
ثم قال أبو حنيفة : ألسنا روينا أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟
وقال ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب ج ٢ / ١٠٣ تحت رقم ١٥٦ : [جعفر بن محمد وروي عنه شعبة والسفيانان ومالك وابن جريح وابو حنيفة وابنه موسى عليهالسلام ووهيب بن خالد والقطّان وأبو عاصم وخلق كثير ، وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وهو من أقرانه ، ويزيد بن الهاد الخ.]
وقال الخطيب التبريزي العمري في إكمال الرجال طبع دمشق / ٦٢٣ :[جعفر الصادق سمع منه الأئمة الأعلام نحو يحيى بن سعيد وابن جريح ومالك ابن أنس والثوري وابن عيينة وأبو حنيفة الخ.]
وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ ج ١ / ١٦٦ ط حيدرآباد :
[جعفر بن محمد أحد السادة الأعلام وعنه ـ أخذ ـ مالك والسفيانان وحاتم بن إسماعيل ويحيى القطّان وأبو عاصم النبيل وخلق كثير ...].
__________________
وعن أبي حنيفة قال : [ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الخ.]
وقال أبو نعيم في حلية الأولياء ج ٣ / ١٩٨ ط مصر :
[روى عن جعفرعليهالسلام عدة من التابعين ، منهم يحيى بن سعيد الأنصاري وأبو السختياني وأبان بن تغلب وأبو عمر بن العلاء ويزيد بن عبد الله بن الهاد. الخ.]
وقال محمد بن عبد الغفّار في كتابه أئمة الهدى ص ١١٧ ط القاهرة :
[لقد كان الإمام جعفر الصادقعليهالسلام بحرا زاخرا في العلم حيث أخذ عنه أربعة آلاف شيخ ، فرووا عنه الحديث الشريف ومنهم أعلام العلم ، كالإمام الأعظم أبي حنيفة والإمام مالك بن أنس والإمام سفيان الثوري وغيرهم من أجلّة العلماء الخ.]
وقال الشبراوي في كتابه الإتحاف بحبّ الأشراف ص ٥٤ ط مصر :
[السادس من الأئمة جعفر الصادقعليهالسلام ذو المناقب الكثيرة والفضائل الشهيرة ، روى عنه الحديث أئمة كثيرون مثل مالك بن أنس وأبي حنيفة ويحيى بن سعيد وابن جريح والثوري وابن عيينة وشعبة وغيره الخ.]
وقال ابن حجر الهيتمي في كتابه الصواعق المحرقة : ص ١٢٠ ط مصر : [جعفر الصادق عليهالسلام نقل عنه الناس من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان ، وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريح ومالك والسفيانين وأبي حنيفة وشعبة وأيوب السختياني الخ.]
وجاء في كتاب رسائل الجاحظ ص ١٠٦ قوله : [جعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه ، ويقال : أن أبا حنيفة من تلامذته وكذلك سفيان الثوري ، وحسبك بهما في هذا الباب.]
وقال جمال الدين أبو المحاسن في كتاب النجوم الزاهرة : ج ٢ ص ٨ : [جعفر الصادق بن محمد الباقر حدّث عنه أبو حنيفة وابن جريح وشعبة والسفيانان ومالك وغيرهم الخ.]
ولو نقلت لكم ما ذكره علماؤكم وأعلامكم عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام ومقامه العلمي ، وصفاته الحميدة وأخلاقه المحمودة لطال بنا المقام ، ولتقاصر البيان عن أداء حقّه وتعريفه بما يستحقّه ، وكلّ ما يقال في علمه وخلقه وصفاته الحسنة لا يبلغ به معشار ما هو حقّه.
النوّاب : هل تأذن لي بالسؤال؟
قلت : أرجو أن يكون سؤالك فيما نحن فيه ، وأن لا تخرجنا بسؤالك عن الموضوع.
قال النواب : إنّ مذهبكم يعرف بالمذهب الاثني عشري لأنكم تتّبعون اثني عشر إماما. فلما ذا اشتهر هذا المذهب باسم الإمام جعفر الصادقرضياللهعنه فيطلق عليكم الجعفرية نسبة إليه؟
ظهور المذهب الجعفري
قلت : لقد جرت السنّة الإلهية على أنّ كل نبي يعيّن رجلا وصيّا لنفسه ليقوم بالأمر من بعده ولكي لا تكون أمّته حائرة من بعده ،
__________________
وقال الزّركلي في الأعلام ج ١ / ١٨٦ [جعفر الصادق سادس الأئمة الاثنى عشر عند الإمامية ، كان من أجلّ التابعين وله منزلة رفيعة في العلم ، أخذ عنه جماعة ، منهم أبو حنيفة ومالك وجابر بن حيّان ، ولقّب بالصادق لأنّه لم يعرف عنه الكذب قط الخ.]
وقال محمود بن وهيب البغدادي في كتاب جواهر الكلام ص ١٣ : [جعفر الصادق نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان وروى عنه الأئمة الكبار كيحيى ومالك وأبي حنيفة الخ.]. «المترجم»
فيضلوا عن سبيل الله سبحانه ، فقد قال عزّ وجلّ :( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) (١) . وبيّنا لكم في المجالس السابقة أنّ النبي محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم عيّن الإمام عليّعليهالسلام وصيّا وأوصى إليه بأمر من الله سبحانه وعيّنه خليفة من بعده ليهدي أمّته إلى الحق وإلى الصراط المستقيم ، ولكن السياسة اقتضت أن يخالفوا وصية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فعدلوا عنه إلى أبي بكر وعمر وعثمان وقد كانوا يستشيرونه في أكثر الأمور ، فكان يشير عليهم بالحق والصواب ، وهو الذي كان يواجه علماء الأديان المناوئين للإسلام فيردّ شبهاتهم ويجيب على مسائلهم.
ولمّا آل الأمر إلى بني أمية واغتصب معاوية عرش الخلافة ، عاملوه وعاملوا أئمة أهل البيت والعترة الهاديةعليهمالسلام بكل قساوة ، فما شاوروهم في أي أمر من الأمور بل خالفوهم وما أذنوا لهم بنشر علومهم وبيان ما أخذوه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فطاردوا شيعتهم ومحبيهم وقتلوهم وسجنوهم وأبعدوهم إلى أن انتهت هذه السياسة الظالمة والسيرة الجائرة الغاشمة بقيام عامّ من المسلمين ضدّ بني أمية فأبادوهم ، وانتقل الحكم إلى بني العباس وكان ذلك في عصر الإمام الصادقعليهالسلام الذي اغتنم هذه الفرصة التي أتيحت له بانشغال الدولتين ففتح باب بيته على مصراعيه ليستقبل من روّاد العلم وطلاّبه ، فوفد نحوه العلماء من كل صوب ومن كل مكان ليرتووا من منهله ويستقوا من منبعه العذب الصّافي ، وقد عدّ بعض المحققين والمؤرّخين تلاميذه فتجاوز الأربعة آلاف ، فالتفّ حوله طلاّب الحق فكشف لهم الحقائق العلمية ، وأوضح لهم المسائل الاعتقادية ، وبيّن لهم المسائل الدينية
__________________
(١) سورة الرعد ، الآية ٧.
مستندا فيها على الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة الشريفة التي وصلته عن طريق آبائه الطيبين والأئمة المعصومين من أهل البيتعليهمالسلام .
وهكذا انتشرت عن طريقه أصول مذهب الشيعة وعقائدهم الحقّة ، وقد ألّف بعض أصحابه وتلامذته المقرّبين رسائل في هذا الأمر اشتهرت بالأصول الأربعمائة.
ولم ينحصر علمه في المسائل الدينية والأحكام الشرعية بل كان بحرا زاخرا في شتى العلوم حتى أنّ جابر بن حيّان أخذ عنه علم الكيمياء وألّف في ذلك رسائل عديدة تدرّس بعضها إلى يومنا هذا في الجامعات العلمية.
وبعد ما تسلّط بنو العباس على الحكم وقويت شوكتهم ، منعوه من نشر العلم وتدريسه ، ودام المنع على أبنائه الأئمة الطاهرينعليهمالسلام من بعده ، فالفرصة التي أتيحت له في فترة قصيرة ما أتيحت لأحد من آبائه ولا لأحد من أبنائه الهداة الطيبين.
فلذلك اشتهر هذا المذهب باسمه وانتسب إليه ، فيقال : مذهب جعفر بن محمد أو المذهب الجعفري.
فالإمام الصادقعليهالسلام كما يعترف أعلامكم وكبار علمائكم هو أفقه وأعلم أهل زمانه ، وكما أشرنا بأنّ الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الفقه أخذوا عنه وتتلمذوا عنده ، وكل واحد منهم استفاد من محضره حسب استعداده. وكانعليهالسلام أفضلهم وأزهدهم وأورعهم وأكملهم ومع ذلك ترك أسلافكم تقليده ومتابعته ، حتى أنّهم أبوا أن يجعلوه في عداد الأئمة الأربعة! لما ذا هذا الجفاء والبغضاء؟ هل لأنّه من آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن عترته الطاهرةعليهمالسلام ؟!
وقد بالغ بعض محدّثيكم وأعلامكم في البغض والجفاء لأهل البيت إلى حدّ العناد ، بحيث أبوا أن ينقلوا عنهم الحديث الذي يروونه عن جدهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (مع ما أوصى به النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بهم ، وتحريضه الأمة على إكرامهم واحترامهم ومتابعتهم).
فهذا البخاري ومسلم لم ينقلا روايات الإمام جعفر الصادقعليهالسلام في صحيحيهما ، بل لم ينقلا عن عالم واحد من علماء أهل البيت وفقهائهم ، مثل زيد بن علي الشهيد ويحيى بن زيد ومحمد بن عبد الله ذي النفس الزكية والحسين بن علي الشهيد والمدفون في «فخ» ويحيى ابن عبد الله بن الحسن وأخيه ادريس ، ومحمد بن الإمام الصادق ومحمد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبا ومحمد بن محمد بن زيد وعبد الله بن الحسن وعلي بن جعفر العريضي وغيرهم من أكابر وسادات بني هاشم من المحدثين والفقهاء ، فلم ينقلا عنهم. والعجيب أنّ البخاري ينقل ويروي عن أناس ضعفاء في الإيمان والعقيدة ، بل ينقل عن عدد من الخوارج والذين نصبوا العداء لآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أمثال أبي هريرة وعكرمة وعمران بن حطّان الذي يمدح ابن ملجم المرادي قاتل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام .
وقد كتب ابن البيّع أنّ البخاري روى في صحيحه عن ألف ومائتي خارجي وناصبي من قبيل عمران بن حطان(١) .
__________________
(١) عمران بن حطّان السدوسي البصري المتوفى سنة ٨٤ ه كان من رءوس الخوارج والمعلنين عداء الإمام عليعليهالسلام ، وهو المادح ابن ملجم المرادي لعنه الله بقوله :
يا ضربة من تقيّ ما أراد بها |
إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا |
وإنّي أتعجّب وأتأسّف من رأي بعض أعلامكم إذ يرون بأنّ أتباع الأئمة الأربعة مسلمين مؤمنين ، ولكنّ شيعة آل محمّد وأتباع الإمام جعفر الصادقعليهالسلام كفرة ومشركين ، فيفترون على طائفة كبيرة من المسلمين وعددا كثيرا بالكفر والشرك. فلو قسنا الشيعة بأتباع كلّ مذهب من المذاهب الأربعة من أهل السنّة لوحدهم فالشيعة هم الأكثر ، فإن أتباع الإمام الصادقعليهالسلام ، أكثر عددا من أتباع مالك بن أنس وشيعة الإمام الصادقعليهالسلام ، أكثر من أتباع محمد بن إدريس وهكذا لو قسناهم مع أتباع أبي حنيفة لوحدهم وأتباع أحمد بن حنبل لوحدهم ، لوجدنا شيعة الإمام الصادقعليهالسلام أكثر عددا ، وإنّي أعلن بأننا نحن الشيعة ندعوا إخواننا السنة إلى التقارب والوحدة ونبرأ إلى
__________________
مع العلم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وصف ابن ملجم بأنه أشقى الأولين والآخرين.
ويروي البخاري عن أبي الأحمر السائب بن فروخ وكان شاعرا فاسقا ومبغضا لآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو القائل لأبي عامر بن وائلة الصحابي المعروف بأبي الطفيل من شيعة الإمام علي عليهالسلام :
لعمرك إنني وأبا طفيل |
لمختلفان والله الشهيد |
|
لقد ضلّوا بحبّ أبي تراب |
كما ضلّت عن الحق اليهود |
مع العلم أن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : علي مع الحق والحق مع علي.
ويروي أيضا عن حريز بن عثمان الحمصي ، المشهور بالنّصب والمعلن عداءه لعلي عليهالسلام .
ويروي عن إسحاق بن سويد التميمي وعبد الله بن سالم الأشعري وزياد بن علاقة الكوفي ، وأمثالهم الذين عرفوا واشتهروا بعدائهم للإمام علي عليهالسلام .
«المترجم»
الله تعالى من التّنافر والتفرقة.
الحافظ : إنّي أؤيّد كثيرا من كلامك وأعترف بأنّ هناك بعض العصبيّات حاكمة على كثير من أهل السنة ، ولكن لو تحقّقنا من الأسباب لعرفناها ترجع إليكم ، لأنكم أنتم ـ علماء الشيعة ومبلغيهم ـ لا ترشدون عوام الشيعة إلى الحق ولا تنهونهم عن الباطل ، فهم يتكلمون بكلمات تنتهي إلى الكفر والشرك.
قلت : أرجوك أن توضّح لي كلامك وتبيّن لي مثالا من كلام عوام الشيعة الذي ينتهي إلى الكفر!!
مطاعن الشيعة في الصحابة وزوجات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
الحافظ : مما لا شك فيه أنّ المطاعن التي تروونها على الصحابة المقرّبين لرسول الله وبعض زوجاته الطاهرات رضي الله عنهم كفر صريح ، اذ إنّ هؤلاء الصحابة هم الذين جاهدوا في سبيل الله وقاتلوا الكفار تحت راية النبي وقد قال سبحانه فيهم :( لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) (١) فالذين يعلن الله تعالى رضاه عنهم ، ورسول الله يكرمهم ويحترمهم ويحدّث عن فضائلهم ، وهو كما قال سبحانه في سورة النجم( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى ) (٢) .
فالطعن فيهم إنكار للقرآن والنبي ، وهو كفر ، والمنكر كافر.
__________________
(١) سورة الفتح ، الآية ١٨.
(٢) سورة النجم ، الآية ٣ و ٤.
قلت : إنّي لا أحب أن خوض في هكذا مسائل فالرجاء أن تترك هذا السؤال ولا تطالبني بالجواب في حضور هذا الجمع ، بل أجتمع بك وحدك وأعطيك الجواب.
الحافظ : الحقيقة ، إنّ هذا السؤال والموضوع مطروح من قبل الجماعة الذين معي لأنهم ألحّوا عليّ وأكّدوا في الليلة الماضية حينما انتهينا من البحث وخرجنا إلى البيت ، على أن أطرح هذا البحث فكلهم يحبّون أن يسمعوا جوابكم.
النوّاب : صحيح يا مولانا كلنا نحب أن نسمع جواب هذا السؤال قلت : إني أتعجّب من جنابكم وما كنت أتوقّع طرح هذا السؤال ، مع ما بيّناه في الليالي الماضية وأوضحنا لكم معنى الكفر والشرك وأثبتنا بأنّ الشيعة سائرون في طريق أهل البيتعليهمالسلام ، وتابعون لآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهم المؤمنون حقا.
وأما الموضوع الذي طرحه جناب الحافظ ، فهو ذو جهات ، وليس موضوعا واحدا ، ولا بدّ لي أن أبسطه وأشرحه ، حتى يعرف الحاضرون حقيقة الأمر ويقضوا بالحق ، وحتى تزول الشبهات الواقعة في نفوسهم ضد الشيعة.
سبّ الصحابة لا يوجب الكفر
أمّا قول الحافظ : بأنّ سبّ الصحابة والطعن فيهم ولعنهم ، ولعن بعض زوجات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من قبل الشيعة موجب لكفر الشيعة ، فهو حكم غريب! ولا أدري بأي دليل من القرآن والسنّة النبوية صدّر هذا الحكم؟!!
فإنّ بيان الطعن وكذلك السب واللعن إذا كان مستندا إلى دليل وبرهان فلا إشكال فيه(١) .
وإن كان من غير دليل وبرهان فهو فسق ، حتى إذا كان على أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وزوجاته(٢) وهذا رأي بعض أعلامكم كابن حزم
__________________
(١) أنّ الله سبحانه لعن كثيرا من الناس في القرآن الحكيم كقوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ) البقرة ١٥٩ ، وكقوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ) الأحزاب ٥٧ ، وكذلك غير اللعن كما في قوله تعالى :( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ* هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ* مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ* عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ) القلم ١٠ ـ ١٣.
«المترجم»
(٢) لقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :«سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر» صحيح البخاري ج ٨ / ١٨ من حديث ابن مسعود.
فالشيعة لا يلعنون مؤمنا وإنما يلعنون الذين كفروا من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وارتدّوا بعده ، وهم الذين اشار الله سبحانه إليهم في قوله : ( وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) آل عمران ١٤٤ / ، وهؤلاء هم الذين قاتلوا عليا عليهالسلام وأصحابه المؤمنين ، إذ كان هو عليهالسلام يومئذ خليفة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وأمير المؤمنين الذي بايعه أهل الحل والعقد وأجمعوا على ولايته وخلافته ، فالذين خرجوا عليه وخالفوه ، شقّوا عصى المسلمين وقاتلوا المؤمنين ، وأصبحوا بعملهم هذا كافرين.
والعجب أنّكم تكفّرون الشيعة لسبهم ولعنهم معاوية وعائشة وطلحة وابن العاص وأمثالهم الذين قادوا الناس لقتال المسلمين ومحاربة أمير المؤمنين عليهالسلام
حيث يقول في كتابه «الفصل ج ٣ / ٢٥٧» :
[وأمّا من سبّ أحدا من الصحابة (رض) ، فإن كان جاهلا فمعذور ، وإن قامت عليه الحجّة فتمادى غير معاند فهو فاسق ، كمن زنى وسرق وإن عاند الله تعالى في ذلك ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم فهو كافر ، وقد قال عمر (رض) بحضرة النبي (ص) عن حاطب ، وحاطب مهاجر بدري : دعني أضرب عنق هذا المنافق!
فما كان عمر بتكفيره حاطبا كافرا ، بل كان مخطئا متأوّلا الخ.]
وقد أفرط أبو الحسن الأشعري [وهو إمامكم في مثل هذه المسائل] فإنه يرى : [إنّ من كان في الباطن مؤمنا وتظاهر بالكفر ، فهو غير كافر ، حتى إذا سب الله ورسوله (ص) من غير عذر بل حتى إذا خرج لحرب النبي! [والعياذ بالله].]
ويستدلّ على ذلك بأن الكفر والإيمان محلهما في القلب وهما من الأمور الخفيّة الباطنيّة ، فلا يمكن لأحد أن يطّلع على باطن الإنسان وما في قلبه إلاّ الله سبحانه(١) !!
__________________
ولا تكفرونهم مع وجود هذا النص الصريح والحديث النبوي الصحيح :
سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر / صحيح البخاري ج ٨ / ١٨.
«المترجم»
(١) أقول : لقد ارتأى إمام الأشاعرة هذا الرأي الباطل ليبرّر ساحة معاوية وانصاره ، وعائشة وجنودها الذين حاربوا الله ورسوله بقتالهم أمير المؤمنين علياعليهالسلام وبسفكهم دماء المؤمنين والمسلمين ، وكذلك بسبهم ولعنهم إمام المتقين وسيد
فكيف يكفر جناب الحافظ وأمثاله ، شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم لمجرّد سبهم بعض الصحابة وبعض زوجات النبي؟
مع العلم بأنّ كثيرا من علمائكم وأعلامكم السابقين ردّوا هذا الحكم الجائر ونسبوا قائليه إلى الجهل والتعصب. وحكموا بأنّ الشيعة مسلمون مؤمنون.
منهم القاضي عبد الرحمن الإيجي الشافعي في كتابه المواقف ، ردّ كل الوجوه التي بيّنها بعض المتعصّبين من أهل السنّة في تكفير الشيعة وأثبت بطلانها.
ومنهم الإمام محمد الغزالي ، صرّح بأنّ سب الصحابة لا يوجب الكفر ، حتى سب الشيخين ليس بكفر.
ومنهم سعد الدين التفتازاني في كتابه شرح العقائد النسفية ، تناول هذا البحث بالتفصيل وخرج إلى أنّ سابّ الصحابة ليس بكافر.
ثم إن أكثر من كتب من أعلامكم في الملل والنحل وكتب في المذاهب الإسلاميّة : [عدّ الشيعة من المسلمين وذكرهم في عداد المذاهب
__________________
الوصيّين علياعليهالسلام ، وهو نفس النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كما في كتاب الله العزيز في آية المباهلة ولذلك حكم العلماء المحقّقون بكفر من سبّهعليهالسلام وقالوا : إنّ سابّ عليّعليهالسلام سابّ لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد أفرد العلاّمة الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب ـ الباب العاشر بعنوان «كفر من سبّ علياعليهالسلام » ـ روى فيه بسنده عن عبد الله بن عباس :[أشهد على رسول الله (ص) سمعته أذناي ووعاه قلبي ، يقول لعلي بن أبي طالب : من سبّك فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله ومن سبّ الله أكبّه الله على منخريه في النار.] «المترجم»
الإسلامية الأخرى.]
منهم العلاّمة ابن الأثير الجزري في كتابه جامع الأصول ، ومنهم الشهرستاني في كتابه الملل والنحل.
وممّا يذكر في عدم كفر السابّ لبعض صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ أبا بكر قد سبّه أحد المسلمين وشتمه فما أمر بقتله ، كما جاء في مستدرك الحاكم النيسابوري ج ٤ / ٣٥٥ أخرج بسنده عن أبي برزة الاسلمي (رض) قال : أغلظ رجل لأبي بكر الصديق (رض) فقلت : يا خليفة رسول الله ألا أقتله؟! فقال : ليس هذا إلاّ لمن شتم النبي (ص).
وأخرجه الامام أحمد في المسند ج ١ / ٩ بسنده عن ثوية العنبري قال : سمعت أبا سوار القاضي يقول : عن ابن برزة الأسلمي قال : أغلظ رجل لأبي بكر الصديق (رض) قال : فقال أبو برزة : ألا أضرب عنقه؟
قال : فانتهره وقال : ما هي لأحد بعد رسول الله.
ورواه الذهبي في تلخيص المستدرك ، والقاضي عيّاض في الشفاء ج ٤ / الباب الأول ، والإمام الغزالي في إحياء العلوم ج ٢.
فإذا كان الأمر كذلك ، إذ يسمع الخليفة من رجل السباب والشتم ولا يحكم بكفر ولا بقتله.
فلما ذا أنتم العلماء تغوون أتباعكم العوام وتكفّرون الشيعة عندهم بحجّة أنّهم يسبّون الصحابة ويشتمون الخلفاء ، ثم تبيحون لهم قتل الشيعة المؤمنين!!
وإذا كان سب صحابة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم موجبا للكفر ، فلما ذا لا تحكمون بكفر معاوية وأتباعه الذين كانوا يسبّون ويلعنون أفضل
صحابة رسول الله وأعلمهم وأورعهم ، ألا وهو أمير المؤمنين وسيد الوصيين وإمام المتقين علي بن أبي طالبعليهالسلام ؟!
وإذا كان سبّ الصحابة يوجب الكفر ، فلما ذا لا تكفّرون عائشة ـ أم المؤمنين ـ إذ كانت تشتم عثمان وتحرّض أبناءها على قتله فتقول : اقتلوا نعثلا فقد كفر؟!
كيف تحكمون في موضوع واحد بحكمين متناقضين؟!
فإذا سبّ أحد الشيعة ولعن عثمان ، تكفّروه وتحكمون بقتله.
ولكن عائشة التي كفّرت عثمان وحرّضت المسلمين على قتله تكون عندكم محترمة ومكرّمة!! فما هذا التّضاد والتّناقض؟!
النوّاب : ما معنى نعثل؟ ولما ذا كانت أم المؤمنين تسمي عثمان بنعثل؟
قلت : معنى نعثل ـ كما قال الفيروزآبادي [وهو من أعلامكم] في القاموس ـ معناه : الشيخ المخرف.
وقال العلامة القزويني في شرحه على القاموس : ذكر ابن حجر في كتابه تبصرة المنتبه : انّ نعثل يهودي كان بالمدينة هو رجل لحياني يشبّه به عثمان.
نرجع إلى بحثنا ، فأقول :
إذا كان سب الصحابة يلزم منه الكفر ، فإنّ أول من بدأ بالسبّ هو أبو بكر لما سبّ الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام على المنبر في المسجد ، وعلي هو أفضل الصحابة وأقربهم إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأعظمهم قدرا وأكبرهم شأنا عند الله عزّ وجلّ.
ومع ذلك أنتم لا تقبّحون عمل أبي بكر ، بل تكرمونه وتعظّمونه!!
الحافظ : هذا افتراء وكذب منكم على الصدّيق ، فإن أبا بكر أجلّ وأكرم من أن يسبّ عليا كرّم الله وجهه ، وما سمعنا بهذا إلاّ منكم ، وأنا على يقين بأنّ الصدّيق بريء من هكذا أفعال وأعمال قبيحة.
قلت : لا تتسرّع في الحكم ولا تتّهمني بالكذب والافتراء وقد ثبت لديكم بأنّي لا أتكلم بغير دليل وبغير شاهد من كتبكم ولكي تعرف صدق كلامي وتعلم بأنّ أبا بكر ارتكب هذا العمل القبيح فراجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ١٦ / ٢١٤ و ٢١٥ ط إحياء التراث العربي ، قال :
[فلما سمع أبو بكر خطبتها [أي خطبة سيدة النساء فاطمةعليهاالسلام ] شقّ عليه مقالتها ، فصعد المنبر وقال : أيها الناس
إنما هو ـ أي عليعليهالسلام ـ ثعالة شهيده ذنبه ، مربّ لكل فتنة ، هو الذي يقول كرّوها جذعة بعد ما هرمت ، يستعينون بالضعفة ويستنصرون بالنساء ، كأمّ طحال أحبّ أهلها إليها البغي(١) .]
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد : قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري ، وقلت له : بمن يعرّض؟
فقال : بل يصرّح. قلت : لو صرّح لم أسألك ، فضحك وقال : بعلي بن أبي طالب عليهالسلام .
قلت : هذا الكلام كله لعلي يقوله! قال : نعم ، إنّه الملك يا بني! قلت : فما مقالة الأنصار؟
قال : هتفوا بذكر عليّ ، فخاف من اضطراب الأمر عليهم ، فنهاهم. فسألته عن غريبه ، فقال : وثعالة : اسم الثعلب علم غير مصروف وأمّ طحال :امرأة بغيّ في الجاهلية ، ويضرب بها المثل فيقال : ازنى من أمّ طحال.
«المترجم»
فإذا حكمتم بكفر من يسبّ أحد الصحابة ، فيلزم أن تحكموا بكفر أبي بكر وبنته عائشة ، وكذلك معاوية وأنصاره وتابعيهم ، وإذا لم تحكموا بكفر هؤلاء لسبهم ولعنهم عليّاعليهالسلام فيلزم أن تعمّموا الحكم ولا تكفّروا الشيعة الموالين للعترة الهاديةعليهمالسلام لسبّهم بعض الصحابة.
كما أفتى وحكم كثير من فقهائكم وعلمائكم بأنّ السّاب للصحابة غير كافر ولا يجوز قتله وذلك باستناد الخبر الذي رواه أحمد ابن حنبل في مسنده ج ٣ ، والقاضي عياض في كتاب الشفاء ج ٤ الباب الأول ، وابن سعد في كتاب الطبقات ج ٥ / ٢٧٩ أخرج بسنده عن سهيل بن أبي صالح أن عمر بن عبد العزيز قال : لا يقتل أحد في سبّ أحد إلاّ في سبّ نبي.
واستنادا على ما مرّ من الخبر الذي نقلناه عن الحاكم النيسابوري في مستدركه ج ٤ / ٣٥٥ ، وأخرجه أحمد في مسنده ج ١ / ٩ كلاهما عن أبي برزة الأسلمي قال : أغلظ رجل لأبي بكر ، فقال أبو برزة : ألا أضرب عنقه؟ فانتهره ـ أبو بكر ـ وقال : ما هي لأحد بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
احترام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لأصحابه
وأما قول الحافظ : بأن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يحترم أصحابه ويكرمهم.
فلا ننكر ذلك ولكن العلماء أجمعوا على أنّ احترام النبي للناس كان بسبب أعمالهم حتى انه كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يقدّر ويحترم عدل كسرى
وجود حاتم وهما كافران ، فكان يحترمهما للعدل والجود.
وربما غضبصلىاللهعليهوآلهوسلم على أحد أصحابه لذنب ارتكبه وقبيح فعله. فاحترام النبي وتكريمه لأي شخص من الصحابة لا يدل على حسن عاقبة ذلك الشخص ولا يدل على أنه مورد احترام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الأبد ، بل يكون احترامه وتكريمه للأشخاص مرهونا بأعمالهم ، فما داموا محسنين فهو يحترمهم ، وإذا عصوا الله سبحانه وخالفوه ترك احترامهم وغضب عليهم.
فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يحترم أصحابه قبل أن يصدر منهم ذنبا أو خلافا لأن عقاب المجرم وأهانته قبل أن يرتكب جرما ، يكون قبيحا وخلافا للعقل والشرع.
كما أنّ سيدنا الإمام عليعليهالسلام كان يعلم بعلم من الله سبحانه وإخبار من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّ ابن ملجم المرادي قاتله وكانعليهالسلام يخبر أصحابه وشيعته بذلك ، ولكن تركه وشأنه ، فلم يسجنه ولم يحاصره ولم يضيّق عليه ، ولمّا أشار عليه بعض الناس أن يقتل ابن ملجم ، قالعليهالسلام : لا يجوز القصاص قبل الجناية.
وروى ابن حجر في الصواعق المحرقة ص ٨٠ في أواخر الفصل الخامس من الباب التاسع :
[أنّ عليا جاءه ابن ملجم يستحمله فحمله ، ثم قالرضياللهعنه : اريد حياته ويريد قتلي عذيري من خليلي من مرادي ثم قال : هذا والله قاتلي!]
رضا الله سبحانه عن الصحابة
وأما قول الحافظ : إن الله سبحانه أعلن رضاه عن أصحاب نبيه ، فالطعن فيهم إنكار لرضا الله عز وجلّ ، وهذا كفر!
أقول في جوابه : نحن لا ننكر بأنّ الله تعالى أعلن رضاه عن الصحابة في بيعة الرضوان بقوله سبحانه :( لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) (١) .
ولكن نقول ما قاله العلماء المحققون : بأنّ الآية الكريمة لا تتضمن رضا الله سبحانه عن المؤمنين ـ الذين اجتمعوا تحت الشجرة ـ على جميع أعمالهم إلى آخر حياتهم.
إنّما عنت الآية الشريفة رضا الله عزّ وجلّ عن المؤمنين بمبايعتهم النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم تحت الشجرة ـ البيعة المعروفة ببيعة الرضوان ـ والتاريخ يشهد بأنّ كثيرا من أولئك المبايعون نزلت فيهم آيات النّفاق بعد تلك البيعة وانضمّوا مع المنافقين وأصبحوا من الخاسرين.
فرضا الله سبحانه ما تعلّق بهم لأنهم أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بل تعلّق رضاه بهم لأنهم كانوا مؤمنين بالله وبرسوله ، ورضاهما بهم ما داموا مؤمنين ، فإذا خرجوا من الإيمان وارتدّوا ، فرضا الله العزيز ينقلب إلى غضبه عليهم ـ نعوذ بالله من غضبه ـ والشيعة يحمدون كل عمل حسن صدر من إنسان وخاصة أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويقدحون كل عمل قبيح صدر من أي شخص سواء أكان صحابيا أو غير
__________________
(١) سورة الفتح ، الآية ١٨.
صحابي ، فإنّ أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما كانوا معصومين وقد صدر من بعضهم أعمال غير حميدة ومعاصي عديدة.
الحافظ : إنّ هذا القول افتراء على الصحابة!
فنحن لا نعتقد بعصمتهم ، لكن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال فيهم : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم.
وقد أجمع المسلمون على صحّة هذا الحديث الشريف إلاّ أنتم الشيعة.
أصحابي كالنجوم!
قلت : أترك النقاش حول سند الحديث وصحّته أو سقمه ، وأبدا معك في مدلوله حتى لا نبتعد عن صلب الموضوع والبحث الذي نحن فيه.
فأقول : أولا : اتفق المسلمون وأجمعوا على أنّ كل من أدرك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسمع حديثه فهو صحابي ، سواء أكان من المهاجرين أم الأنصار ، أم من الموالين وغيرهم.
ومن الخطأ أن نحسب كل أولئك هادين مهديين ، لوجود المنافقين بينهم والفاسقين ، وذلك ثابت بالنص الصريح في القرآن الحكيم(١) .
__________________
(١) كم يحدّث القرآن الكريم ويحدثنا التاريخ عن أناس من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كانوا بادئ أمرهم مؤمنين ثم انقلبوا كافرين.
وقد صرّح العزيز الحكيم بذلك في قوله : ( وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) آل عمران ١٤٤.
حتى أنّ التاريخ يحدّثنا بأن جماعة من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الذين كانوا يتظاهرون بحبه وطاعته ، تآمروا عليه عند رجوعه من غزوة تبوك وأرادوا قتله في بطن عقبة في الطريق ، إلاّ أنّ الله تعالى عصم
__________________
وقوله تعالى :( يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ ) التوبة ٧٤.
وأما الذين فسقوا منهم فلا يعلم عددهم إلاّ الله عزّ وجلّ حيث يقول :( وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ* أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) المائدة ٤٩ ـ ٥٠.
وإن كثيرا منهم هجروا القرآن وتركوا العمل به ، حتى أن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يشكوهم عند الله سبحانه كما أخبر القرآن عن ذلك بقوله : ( وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ) الفرقان ٣٠.
ومن المناسب نقل الخبر الذي رواه العلامة الكنجي الشافعي في الباب العاشر من كتابه كفاية الطالب ، بسنده المتصل عن ابن عباس قال : قال رسول الله «إنكم تحشرون حفاة عراة عزلا ألا وإنّ أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : أصحابي أصحابي قال : فيقال : إنّهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم الخ».
قال العلامة الكنجي : [هذا حديث صحيح متفق على صحته من حديث المغيرة بن النعمان ، ورواه البخاري في صحيحه عن محمد بن كثير عن سفيان ، ورواه مسلم في صحيحه عن محمد بن بشّار «بندار» عن محمد بن جعفر «غندر» عن شعبة ، رزقناه عاليا بحمد الله من هذا الطريق. انتهى كلام العلامة الكنجي الشافعي.]
أقول : ورواه أيضا البخاري عن محمد بن بشار عن غندر عن شعبة في الجزء الرابع من صحيحه في كتاب الرقاق في باب / كيف الحشر / ص ٨٢ / ط مصر سنة ١٣٢٠.
«المترجم»
رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم من كيد أولئك الأشرار المنافقين.
الحافظ : لقد روى قضية العقبة جماعة من علماء الشيعة وهي عند علمائنا غير ثابتة.
قلت : انك قلت رهجا وذهبت عوجا ، فإن قضية العقبة اشتهرت بين المؤرخين والمحدثين حتى ذكرها كثير من أعلامكم : منهم الحافظ أبو بكر البيهقي الشافعي ، في كتابه دلائل النبوّة ، ذكرها مسندا ، ومنهم أحمد بن حنبل في آخر الجزء الخامس من مسنده عن أبي الطفيل ، ومنهم ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة ، حتى لعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في تلك الليلة جماعة من أصحابه وهم المتآمرون عليه والقاصدون قتله.
مؤامرة لقتل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم !!
النواب : أرجوك أن تبيّن لنا قضية العقبة وقصة المتآمرين على قتل النبي الاكرم ولو باختصار.
قلت : ذكر علماء الفريقين : أن جماعة من المنافقين الذين كانوا حول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم تآمروا على قتله عند رجوعه من غزوة تبوك.
فهبط جبرئيل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأخبره بتآمر القوم وأعلمه بمكان اجتماعهم وحذّره من كيدهم ، فبعث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حذيفة بن اليمان إلى المكان ليعرفهم ، فرجع حذيفة وذكر للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أسماء المتآمرين فكانوا أربعة عشر نفرا ، سبعة من آل أميّة.
فأمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حذيفة بكتمان الأمر وكتمان أسمائهم.
وأما مكان المؤامرة المدبّرة فقد كانت عقبة خطرة في الطريق ، وكانت رفيعة وضيّقه بحيث لا تسع إلاّ لعبور راكب واحد فحمل المنافقون دبابا كثيرة على الجبل الذي يعلو تلك العقبة وكمنوا هناك ليدحرجوها عند وصول ناقة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى تلك النقطة الخطرة ، حتى تنفر الناقة من أصوات الدباب المدحرجة فيسقط النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن ظهرها إلى عمق الوادي فيتقطّع ويموت ويضيع دمه ، كل ذلك يتم في سواد الليل.
أما النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عند عبوره من تلك العقبة أمر عمار بن ياسر أن يأخذ بخطام الناقة ويقودها ، وأمر أيضا حذيفة بن اليمان ليسوقها فلما دحرج القوم الدّباب وأرادت الناقة أن تنفر صاح النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عليها فسكنت وقرّت ، وانهزم المنافقون وتواروا.
وهكذا عصم الله سبحانه نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفضح أعداءه ، نعم إنكم تعدّون هؤلاء المنافقين من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فكيف يمكن أن نقول بأن الاقتداء بهم جائز ، أو نعتقد بعدالتهم وأنّهم هداة مهديون؟!
صحابة ولكن كاذبون
ثانيا : هذا أبو هريرة الكذّاب ـ وقد أشرنا في بعض المجالس السابقة إلى تاريخه الأسود من كتبكم ، وأثبتنا بأنّ عمر بن الخطاب ضربه بالسياط حتى أدماه ، لأنه كان يكذب كثيرا على رسول الله في نقله الأحاديث المجعولة عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ.
أما كان أبو هريرة من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
وكذلك سمرة بن جندب الكذّاب الفاسق وغيره من الذين كانوا يفترون على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وينقلون عنه أحاديث ما كان فاه بها أبدا!!
وهم يعدّون من أصحابهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فهل من المعقول أن يسمح النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمته أن يتّبعوا الكاذبين ويأخذوا دينهم عنهم؟!
ثم إذا كان هذا الحديث «أصحابي كالنجوم الخ» ، صحيحا فما تقولون لو اختلف صحابيان في حكم وتنازعا في أمر ، أو قاتلت طائفتان من الصحابة ـ كما حدث بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ فالحق مع من؟
وفي متابعة أي الفريقين تكون السعادة والنجاة؟!
الحافظ : نستمع قول كل واحد منهما فمن كانت دلائله أقوى وحجته أعلى فنتبعه.
قلت : إذن صاحب الدلائل القوية والحجة القوية والحجة العلية يكون صاحب الحق ومخالفه يكون على باطل! فحينئذ لا اعتبار لحديث «أصحابي كالنجوم» وهو ساقط عقلا ، لأنّ الهداية لا تحصل في الاقتداء بالباطل.
بمن نقتدي في خلافة السقيفة؟
ثالثا : اذا كان هذا الحديث ـ أصحابي كالنجوم ـ صحيحا ، فلما ذا تطعنون في الشيعة وتحكمون عليهم بالخروج عن الدين ورفض الحق عند ما اقتدوا في عدم قبول خلافة أبي بكر وبطلان السقيفة بعدد من الصحابة المقرّبين للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كسلمان وأبي ذر وعمار والمقداد وأبي أيّوب الأنصاري وحذيفة بن اليمان وخزيمة ذي الشهادتين وغيرهم ممن كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يحترمهم ويكرمهم ويشاورهم في أمور العامة كالحرب
والصّلح وما شابه ذلك بل نجد في كتبكم ومسانيدكم المعتبرة أحاديث كثيرة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في فضل كثير منهم وقد ذكرنا بعضها في المجالس السابقة وكما ذكرنا احتجاجاتهم ودلائل مخالفتهم لرأي السقيفة وخلافة أبي بكر.
فإذا كان حديث أصحابي كالنجوم صحيحا ، فلما ذا تسمّون الشيعة بالرافضة ولما ذا تحكمون على مذهبهم بالبطلان؟!
أما كان سعد بن عبادة من كبار الصحابة وسادات الأنصار؟ وهو بإجماع المؤرخين والمحدّثين ما بايع أبا بكر وخالف خلافته حتى قتل على عهد الخليفة الثاني عمر ، وسعد ما بايع عمر أيضا.
فالحديث يصرّح بأن الاقتداء به ـ وهو مخالفة أبي بكر وعمر ورفض خلافتهما ونسبتهما إلى الظلم والغصب والبطلان ـ صحيح وفيه الهداية والسعادة.
انحراف بعض الصحابة
رابعا : لا أظن أحد المؤمنين ينكر انحراف بعض الصحابة وخروجهم على الحق وميلهم عن الصراط المستقيم ، وذلك بقتالهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام وهو إذا ذاك ـ حسب قولكم ـ كان الخليفة الرابع وآخر الخلفاء الراشدين الذين بايعه أهل الحل والعقد ، وأجمعوا على خلافته ، فنكث بعض الصحابة بيعته وخالفه آخرون ، حتى أعلنوا عليه الحرب وقادوا الجيوش لقتاله.
فهذا طلحة والزبير وهما من أصحاب بيعة الرضوان ، قد
أخرجوا معهما عائشة زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى البصرة وكانت بسببهم وقعة الجمل التي قتل فيها ألوف المسلمين وسفكت دماء المؤمنين.
وهذا معاوية وابن العاص ، سبّبا معركة صفين وكم زهقت فيها نفوس المؤمنين وأريقت دماء المسلمين.
فهل كان هؤلاء الذين نكثوا البيعة ونقضوا العهد وشقّوا عصى المسلمين وأوقعوا فيهم الخلاف والشقاق وعملوا لصالح أهل الكفر والنفاق ، هل كانوا على الهداية والحق أم كانوا على الباطل والضلال؟!
وقد أجمع العلماء والمحققون وأئمة المسلمين على أنّ علياعليهالسلام مع الحق والحق مع علي وهو قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه ، فكلّ من خالفه يكون على باطل ، ولو كان من الصّحابة وحتى إذا كانت عائشة زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (١) .
__________________
(١) وهي التي تروي كما نقل عنها الهمداني في كتاب مودّة القربى / في المودة الثالثة / قال رسول الله (ص) : «إنّ الله عهد إليّ : من خرج على عليّ فهو كافر في النار!».
قيل [لها] : لم خرجت عليه؟! قالت : أنا نسيت هذا الحديث يوم الجمل حتى ذكرته بالبصرة ، وأنا استغفر الله.
ويروي الهمداني عن عطاء عن عائشة / في اوّل المودّة الثالثة : سئلت عائشة عن عليّ قالت : ذلك خير البشر ما شكّ فيه إلاّ كافر.
أقول : وخرّجه العلامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب الباب الثاني في تخصيص عليّ بمائة منقبة دون سائر الصحابة.
[وبعد نقله الحديث من طرق متعدّدة ينتهي إلى حذيفة أو جابر ، نقل الحديث عن عطاء عن عائشة ، ثم قال : هكذا ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة علي عليهالسلام في تاريخه في المجلد الخمسين ، لأنّ كتابه مائة مجلد فذكر منها ثلاث مجلّدات في مناقبه عليهالسلام . انتهى كلام الكنجي.]
__________________
أقول : وهذا حديث خرّجه كثير من الأعلام عن عائشة وغيرها.
وللاطّلاع راجع كنوز الحقائق للمناوي / مطبوع بهامش الجامع الصغير للسيوطي ج ٢ / ٢٠ و ٢١ ـ والمتقي في كنز العمال ج ٦ / ١٥٦ ـ ونقله الخطيب في تاريخ بغداد والعلامة القندوزي في ينابيع المودّة ، وقد جمع ألفاظ هذا الحديث الشريف وطرقه أحد علمائنا الأعلام في كتاب خاص ، أسماه ـ نوادر الأثر في علي خير البشر ـ طبع في طهران سنة ١٣٦٠ هجرية.
وعائشة هي التي تروى ـ كما في كفاية الطالب / الباب الحادي والتسعون ـ أنّها قالت : [ما خلق الله خلقا كان أحب إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من علي بن أبي طالب] ، ثم قال الكنجي : هذا حديث حسن رواه ابن جرير في مناقبه ، وأخرجه ابن عساكر في ترجمته.
وأخرج الحاكم النيسابوري في مستدرك الصحيحين ج ١٥٤ / ٣ : حديثا عن عائشة بنفس المعنى وخرّج الترمذي في صحيحه ج ٢ / ٤٧٥ ـ والمحب الطبري في ذخائر العقبى ص ٣٥ ـ حديثا عن عائشة أيضا بنفس المعنى وهو : [سئلت عائشة : أي الناس كان أحب إلى رسول الله (ص)؟ قالت : فاطمة ، فقيل : من الرجال؟
قالت : زوجها الخ. وعن بريدة قال : كان أحب النساء إلى رسول الله (ص) فاطمة ومن الرجال علي. خرّجه أبو عمر ـ انتهى كلام المحب في الذخائر ـ.]
أقول : وخرّج الحديث الحاكم في المستدرك ج ٣ / ١٥٧ وابن الأثير في اسد الغابة ج ٣ / ٥٢٢ ـ وابن عبد البر في الاستيعاب ج ٢ / ٧٧٢ والترمذي في صحيحه ج ٢ / ٤٧١ ـ والخوارزمي في مقتل الحسين عليهالسلام ج ١ / ٥٧ ـ والمتقي في كنز العمال ج ٦ / ٤٥٠ وابن حجر في الصواعق ٧٢ / ط المطبعة الميمنية بمصر ، نقلا من كتب عديدة لعلماء السنة.
وتروي عائشة عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال «النظر الى وجه عليّ عبادة». رواه كثير من الصحابة وعائشة ، كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ج ٧ / ٣٥٧ وقال :
__________________
روى هذا الحديث من حديث أبي بكر الصديق وعمر وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعمران بن حصين وأنس وثوبان وعائشة وأبي ذر وجابر أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «النظر الى وجه علي عبادة». قال : وفي حديث عائشة «ذكر عليّ عبادة».
أقول : وأخرجه المحب الطبري في الذخائر ص ٩٥ عن ابن مسعود وعمرو بن العاص وجابر وأبي هريرة وعائشة وأخرجه المتقي في كنز العمال ج ٦ / ١٥٢ عن عائشة والصواعق المحرقة ١٠٦ / ط الميمنية بمصر : وكان أبو بكر يكثر النظر إلى وجه عليّ فسألته عائشة فقال : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول :«النظر إلى وجه عليّ عبادة». ومرّ نحو هذا وأنّه حديث حسن.
وروى ابن المغازلي الفقيه الشافعي في المناقب بسنده عن عائشة أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «النظر إلى وجه عليّ عبادة».
رواه عن عائشة بطرق مختلفة في أحاديث رقم ٢٤٥ و ٢٥٢ و ٢٥٣ وفي حديث رقم ٢٤٣ روى بسنده عن عائشة أنها قالت : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : ذكر عليّ عبادة.
أقول وأخرجه ابن كثير عن عائشة / في البداية والنهاية ج ٧ ص ٣٥٧ وأخرجه عنها المتقي الهندي في منتخب كنز العمال ج ٥ / ٣٠.
ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب ٢٥٢ والسيوطي في الجامع الصغير ج ١ / ٥٨٣ وأخرجه الديلمي في فردوس الأخبار.
وتروي عائشة عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال «زيّنوا مجالسكم بذكر عليّ عليهالسلام ».
رواه الفقيه الشافعي ابن المغازلي في المناقب حديث رقم ٢٥٥ بسند متصل عن عائشة.
وهي التي يروي عنها العلاّمة محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب بسند متصل في الباب الثاني والستون / ص / ١٣٣ ط مطبعة الغري أنها
وأمّا معاوية وابن العاص والوليد بن عقبة ومروان وحزبهم الذين سنّوا لعن الإمام عليعليهالسلام وسبّه على منابر الإسلام وفي خطب الجمعات وحتى في قنوت الصلوات ، مع علمهم بقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«من سبّ عليا فقد سبّني ومن سبّني فقد سب الله تعالى(١) ».
__________________
قالت : قال رسول الله (ص) وهو في بيتها لما حضره الموت «أدعوا لي حبيبي! فدعوت له أبا بكر ، فنظر (ص) إليه ثم وضع رأسه ، ثم قال (ص) : أدعوا لي حبيبي! فدعوت له عمر ، فلما نظر إليه وضع رأسه ، ثم قال : أدعوا لي حبيبي! فقلت : ويلكم أدعوا له عليّا ، فو الله ما يريد غيره! فلما رآه أخرج الثوب الذي كان عليه ، ثم أدخله منه فلم يزل محتضنه حتى قبض ويده عليه». قال العلامة الكنجي : هكذا رواه محدث الشام في كتابه. انتهى كلامه.
ليس بعجيب أنّ عائشة مع كل ما سمعته وترويه عن سيد المرسلين صلىاللهعليهوآلهوسلم في حق الإمام علي عليهالسلام وفي مناقبه وفضائله ، فتخرج عليه وتقاتله وتخالفه! فيا ترى ما يكون جزاؤها إذ قدّمت هوى نفسها على الحق واليقين؟ والله تعالى يقول : ( فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ* فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ) سورة المؤمنون ١٠١ ـ ١٠٣.
وهناك روايات كثيرة غير ما ذكرناها ، رواها المحدثون وأعلام السنّة عن عائشة في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام ، وفي فضائله ومناقبه عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولو أردنا استقصاءها لانفرد لها مجلد كامل ، فندع هذا الأمر إلى فرصة أخرى إنشاء الله تعالى.
«المترجم»
(١) هذا الحديث الشريف وما بمعناه مشهور بين علماء العامة وأعلامهم ، وقد نقلوه في مسانيدهم ، منهم العلامة الكنجي الشافعي في كتاب كفاية الطالب / الباب العاشر
__________________
في كفر من سبّ علياعليهالسلام / روى بسنده عن يعقوب بن جعفر بن سليمان «قال» : [حدثنا أبي عن أبيه ، قال : كنت مع أبي ـ عبد الله بن العباس ـ وسعيد بن جبير يقوده فمرّ على صفّة زمزم فإذا قوم من أهل الشام يشتمون علياعليهالسلام ، فقال لسعيد بن جبير ردّني إليهم! فوقف عليهم ، فقال : أيكم السّاب لله عزّ وجلّ؟ فقالوا :سبحان الله! ما فينا أحد سب الله. قال : أيكم السّاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قالوا : ما فينا أحد سبّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . قال فأيكم الساب علي بن أبي طالب؟ فقالوا : أمّا هذا فقد كان.
قال : فأشهد على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم سمعته أذناي ووعاه قلبي يقول لعلي بن أبي طالب : من سبّك فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله ومن سبّ الله أكبّه الله على منخريه في النار الخ.]
وذكره العلامة الهمداني في كتاب مودة القربى / آخر حديث من المودة الثالثة.
وروى أحمد بن حنبل في المناقب ج ٢ / ١٠٠ : بسنده عن أبي عبد الله الجدلي قال : [دخلت على أم سلمة (رض) فقالت لي : أيسبّ رسول الله (ص)؟! فقلت : معاذ الله! أو كلمة نحوها ، قالت : سمعت رسول الله (ص) يقول : من سبّ عليا فقد سبّني.]
ورواه العلامة النسائي في الخصائص ٢٤ ط التقدم بمصر : بسنده عنها. ورواه الحاكم النيسابوري في المستدرك ج ٣ / ١٢١ / ط حيدرآباد بسنده عنها. وفي صفحة ١٢١ من الطبع المذكور ، بسنده عنها قالت : سمعت رسول الله (ص) يقول : «من سب عليا فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله تعالى» ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب ٨٩ / ط تبريز والمحب الطبري في الرياض النضرة ج ٢ / ١٦٦ / ط مكتبة الخانجي بمصر وفي ذخائر العقبى ٦٥ ط مكتبة القدس بمصر.
والحافظ الذهبي في تاريخ الاسلام ج ٢ / ١٩٧ / ط مصر.
فهل مع كل هذا تقولون بأنّ الاقتداء بهؤلاء الفسقة المنافقين والفجرة المضلّين هدى ونجاة؟!
ضعف سند حديث «أصحابي كالنجوم»
خامسا : إضافة على إباء العقل السليم من قبول هذا الحديث وتصحيحه لما ارتكبه بعض الصحابة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الظلم الفاحش والجرم البيّن ، ومخالفتهم لكتاب الله العزيز وسنّة نبيه الكريم ، مضافا إلى ذلك فقد ردّ كثير من أعلامكم سنده وضعّفوا رجاله.
منهم القاضي عيّاض بعد ما ذكر الحديث في كتابه شرح الشفاء ج ٢ / ٩١ ذكر بأنّ الدارقطني وابن عبد البر قالا بعدم حجيّة سنده ، فالحديث مردود عندهما ، وذكر بأنّ عبد ابن حميد ذكر في مسنده عن عبد الله بن عمر ، وعن البزّار : بأنّهما أنكرا هذا الحديث وأعلنا عدم صحته.
ونقل ابن عدي في الكامل باسناده عن نافع عن عبد الله بن عمر
__________________
وابن كثير في البداية والنهاية ج ٧ / ٣٥٤ / ط حيدرآباد.
والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ج ٩ / ١٢٩ / ط مكتبة القدس بالقاهرة.
والسيوطي في تاريخ الخلفاء ٦٧ / ط الميمنية بمصر.
وفي الجامع الصغير ج ٢ / ٥٢٥ حديث رقم ٨٧٣٦.
وفي الصواعق المحرقة ٧٤ / ط الميمنية بمصر / الحديث ١٨ من الفصل الثاني.
ورواه جمع كثير غير هؤلاء المذكورين لا مجال لذكر أسمائهم.
«المترجم»
أنّه ضعّف الحديث ولم يؤيّده.
ونقل عن البيهقي أنه قال : سند الحديث ضعيف ، وإن كان نصّه مشتهرا بين الناس. انتهى كلام القاضي عياض.
وحيث نجد في سند الحديث الحارث ابن غضين وهو مجهول ، وحمزة بن ابي حمزة النصيري وهو متهم عند المحققين بالكذب وجعل الحديث ، فالحديث مردود وملغى يجب تركه.
وابن حزم أيضا ردّ الحديث وقال فيه : إنّه موضوع وباطل.
هل تلتزمون بعصمة الصحابة؟
والجدير بالذكر إنكم لا تلتزمون بعصمة الأنبياء بل وكثير منكم يعتقد بامكان صدور الخطأ من سيد المرسلين وخاتم النبيين محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ومع ذلك يتعصّب لهذا الحديث الموضوع!!
وينكر على الشيعة إذا انتقدوا الصحابة وناقشوا في أفعالهم ، وما صدر منهم بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من الحروب والفتن التي أشعلوا نيرانها وأحرقوا بها المؤمنين الأبرياء والمسلمين الأتقياء!
الحافظ : نحن لا نعتقد بعصمة أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولكن نلتزم بعد التهم ولذلك نقول : كلما صدر منهم كان عن عدالة ونيّة صحيحة حقّة ، فإنهم أرادوا إحقاق الحق ، فلذلك يؤجرون عليه ولا يؤاخذون عليهم.
قلت : ولكن الأخبار التي نقلها كثير من أعلامكم تكشف أنّ كثيرا من الصحابة كانوا يعصون الله سبحانه وكانوا يتّبعون الهوى ويميلون إلى الدنيا.
الحافظ : لم نسمع بهذا القول قبل اليوم ، فالرجاء بيّن لنا تلك الأخبار.
صحابيّ يشرب الخمر!
قلت : ذكر ابن حجر في كتابه فتح الباري ج ١٠ / ٣٠ قال : عقد أبو طلحة زيد بن سهل مجلس خمر في بيته ودعا عشرة أشخاص من المسلمين ، فشربوا وسكروا ، حتى أنّ أبا بكر أنشد أشعارا في رثاء قتلى المشركين في بدر!!
النوّاب : وهل ذكروا أسماء المدعوين الحاضرين في ذلك المجلس؟
قلت : نعم يا حضرة النوّاب ذكرهم علماؤكم وقالوا : إنهم كانوا :
١ ـ أبا بكر بن أبي قحافة ٢ ـ عمر بن الخطّاب ٣ ـ أبو عبيدة الجرّاح ٤ ـ أبيّ بن كعب ٥ ـ سهل بن بيضاء ٦ ـ أبو أيّوب الأنصاري ٧ ـ أبا طلحة «صاحب البيت» ٨ ـ أبا دجانة سماك بن خرشة ٩ ـ أبا بكر بن شغوب ١٠ ـ أنس بن مالك ، وكان عمره يوم ذاك ١٨ سنة فكان يدور في المجلس بأواني الخمر ويسقيهم.
وروى البيهقي في سننه ج ٨ / ٢٩ عن أنس أنّه قال : وكنت اصغرهم سنّا وكنت السّاقي في ذلك المجلس!
فيقوم الشيخ عبد السلام متعصّبا ويقول : والله هذا الخبر من مفتريات أعدائنا ، وجعل مخالفينا!
قلت ـ وأنا أتبسّم ـ : لا تتّهم أحدا بالجعل والافتراء ولا تحلف بالله عزّ وجلّ ، فإنّ كبار علمائكم كتبوا هذا الخبر في صحاحهم ومسانيدهم
منهم ، البخاري في صحيحه ، في تفسير الآية الكريمة :( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) (١) .
ومسلم في صحيحه في كتاب الأطعمة والأشربة / باب تحريم الخمر.
والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج ٣ / ١٨١ و ٢٢٧.
وابن كثير في تفسيره ج ٢ / ٩٣ و ٩٤.
وجلال الدين السيوطي في تفسيره الدر المنثور ج ٢ / ٣٢١.
والطبري في تفسيره ج ٧ / ٢٤ ـ وابن حجر العسقلاني في الإصابة ج ٤ / ٢٢ ـ وفي فتح الباري ج ١٠ / ٣٠.
وبدر الدين الحنفي في عمدة القاري ج ١٠ / ٨٤.
والبيهقي في سننه ٢٨٦ و ٢٩٠.
وغير هؤلاء كثير من أعلامكم الذين ذكروا خبر اجتماع المذكورين في مجلس الخمر!
الشيخ عبد السلام : ربما كان ذلك قبل تحريم الخمر!
قلت : حسب نزول آيات القرآن في بيان مضار الخمر وإثمها وتحريمها ، وحسب بيان بعض المفسرين ، نعرف أنّ بعض الصحابة وبعض المسلمين كانوا يشربون الخمر حتى بعد ما حرمها الله!
نقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره الكبير ج ٢ / ٢٠٣ روى مسندا عن أبي القموس زيد بن علي ، بأنّ الله سبحانه أنزل آيات عن الخمر ثلاث مرات ، المرّة الأولى أنزل :( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٩١.
وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) (١) .
ولكن المسلمين ما تركوا الخمر ، حتى شربها اثنان من المسلمين فوقفا للصلاة وهما لا يشعران بما يقولان ، فأنزل الله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) (٢) .
ومع ذلك ما انتهى كثير من المسلمين وما امتنعوا من شرب الخمر!
إلى أن سكر أحد المسلمين يوما وأنشد أبياتا في رثاء قتلى المشركين يوم بدر [حسب رواية البزّار وابن حجر وابن مردويه كان ذاك السكران أبو بكر الصديق](٣) .
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية ٢١٩.
(٢) سورة النساء ، الآية ٤٣.
(٣) جاء في كتاب المستطرف ج ٢ / ٢٦٠ وفي كتاب تاريخ المدينة المنوّرة لابن شبّة ج ٣ / ٨٦٣ : قد أنزل الله في الخمر ثلاث آيات
إلى أن قال : فشربها من شربها من المسلمين وتركها من تركها حتى شربها عمر (رض) فأخذ بلحى بعير وشجّ به رأس عبد الرحمن بن عوف ، ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يعفر يقول :
وكائن بالقليب قليب بدر |
من الفتيان والعرب الكرام |
|
أيوعدني ابن كبشة أن سنحيا |
وكيف حياة أصداء وهام |
|
ألا من مبلغ الرحمن عني |
بأني تارك شهر الصيام |
|
فقل لله يمنعني شرابي |
وقل لله يمنعني طعامي |
فبلغ ذلك رسول الله فخرج مغضبا يجرّ رداءه ، فرفع شيئا كان في يده فضربه.
فقال : أعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. فأنزل الله تعالى : ( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ ) الخ فقال عمر : انتهينا ، انتهينا. «المترجم»
فلما أخبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم غضب وجاء إليه وأراد أن يضربه بشيء كان في يده.
فقال الرجل : أعوذ بالله من غضب الله ورسوله ، فو الله لا أشرب الخمر بعد يومي هذا. فأنزل الله عز وجلّ :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (١) .
والحاصل : إنّ الصحابة كسائر الناس والأصناف ، فيهم الطيب المحسن والعاصي المسيء ، منهم من أدرك برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أعظم الدرجات العالية وسعد في الدنيا والآخرة بالطاعة والامتثال لأوامر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ومنهم من تبع الهوى وأطاع الشيطان واغترّ بالدنيا فضلّ وأضلّ.
فنحن حينما نطعن في أحد الصحابة لا بدّ وأن يكون لدينا دليل وبرهان نستند عليه ، حتى أن كثيرا من تلك المطاعن إضافة على أنها مذكورة في كتبكم المعتبرة فهي مصدّقة بشواهد من القرآن الحكيم ، وإن كان عندكم ردّ معقول ومقبول على ما نطعن به على بعض الصحابة فأتوا به حتى نوافقكم ونترك الطعن ، وإذا لم يكن عندكم ردّ ، فاقبلوا قولنا واتركوا التّهجم على الشيعة بأنّهم يطعنون في الصحابة والخلفاء.
بل اذا سمعتم منا بأنّا نقول : انّ بعض الصحابة أو بعض الخلفاء قاموا بأعمال قبيحة وأفعال غير حميدة ، فطالبونا بالشواهد والدليل حتى نوضّح ونبيّن لكم.
الحافظ : طيّب بيّن لنا كيف صدرت أعمال قبيحة وأفعال غير
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٩٠.
حميدة من بعض الصحابة وبعض الخلفاء ، بيّن ذلك فان كان مستندا بدليل وبرهان فنحن أيضا نقبل منكم ، ولسنا أهل تعصب وعناد.
قلت : أتعجب من جناب الحافظ محمد رشيد وسؤاله ، بعد ما بيّنا نماذج من جرائم بعض الصحابة ومعاصيهم فيسأل عن القبائح التي ارتكبها بعض الأصحاب والخلفاء!
فأذكر نموذجا واضحا في هذا الباب تلبية لطلب الحافظ محمد رشيد ولكي يزداد علما فأقول : لقد اتفق أعلام الفريقين على أنّ أكثر الصحابة نقضوا العهد ونكثوا البيعة التي أمر الله تعالى بها في كتابه ونهى عن نقض العهد بقوله :( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ) (١) .
وقد لعن الله الناقضين في قوله تعالى :( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (٢) .
وكما حكم علماء الفريقين وأثبتوا أن نقض العهد من أكبر الذنوب والمعاصي ، وخاصة إذا كان العهد والميثاق بأمر الله عزّ وجلّ وتبليغ حبيبه المصطفى محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم فنقض الصحابة لذلك العهد والميثاق من أقبح القبائح التي تؤخذ عليهم.
الحافظ : أي عهد هذا؟ وأي ميثاق أخذه الله على الصحابة ، وبلّغه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ثم نقضه الأصحاب؟ فالخبر في هذا الباب لا يكون إلاّ
__________________
(١) سورة النحل ، الآية ٩١.
(٢) سورة الرعد ، الآية ٢٥.
من مفتريات ومجعولات الشيعة ، ونحن على علم واعتقاد بأنّ أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هم أجلّ وأكرم من نقض العهد الإلهي.
من هم الصادقون؟
لقد أكّدت وكرّرت عليكم بأنّ الشيعة حيث يتبعون الأئمة الصادقين من العترة الهادية الطاهرة ، فلا يكذبون ولا هم بحاجة في إثبات عقائدهم إلى جعل خبر ، أو وضع حديث.
فعلماؤهم وعامّتهم على حدّ سواء في هذا الأمر ، وكلّهم يتّبعون الصادقين الذين أمر الله عزّ وجلّ بمتابعتهم بقوله :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (١) .
وقد صرّح كثير من أعلامكم أنّ المقصود من الصادقين في الآية الكريمة محمد المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلي المرتضىعليهالسلام ، وممّن صرّح بذلك :
الثعلبي في تفسيره ، وجلال الدين السيوطي في الدرّ المنثور ، والحافظ أبو نعيم في «ما نزل من القرآن في علي» ، والخطيب الخوارزمي في «المناقب» ، والحافظ سليمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودة / الباب ٣٩ ، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين ، ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / الباب ٦٢ عن تاريخ ابن عساكر ، هؤلاء كلّهم قد اتّفقوا على أنّ المقصود من الصادقين : النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم والإمام عليعليهالسلام .
وقال بعضهم بأنّ المقصود من الصادقين في الآية الشريفة هم
__________________
(١) سورة التوبة ، الآية ١١٩.
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمة من أهل بيته وعترته(١) .
فالشيعة مع الصادقين ، يتبعونهم ويطيعونهم ويحذون حذوهم ، وما لم يكونوا كذلك فليسوا بشيعة حقّا.
فكن على يقين ـ أيها الحافظ ـ بأنّنا لا نقول شيئا في حوارنا ونقاشنا إلاّ ويكون مصدره ومستنده كتب أعلامكم وأقوال علمائكم ، فإن يكن لكم اعتراض فاللازم أن تعترضوا على علمائكم الذين كتبوا تلك الروايات والأدلة!
الحافظ : لم أعهد أحدا من علمائنا الأعلام كتب : بأنّ الصحابة بعد رسول الله قد نقضوا عهدا أو نكثوا بيعة كانت عليهم في حضور النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أو أخذها عليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فنكثوها.
__________________
(١) قال العلامة سبط بن الجوزي في ـ التذكرة ـ ص ٢٠ ط النجف : قال علماء السّير :معناه كونوا مع عليعليهالسلام وأهل بيته.
وقال العلامة الخركوشي في كتاب شرف المصطفى : روي أي مع محمد وآل محمّد (ص).
وقال العلامة محمد صالح الكشفي الترمذي في «مناقب مرتضوي» / ٤٣ ط بمبئي ، مطبعة محمدي : روي عن ابن عباس : أي كونوا مع علي وأصحابه.
وقال العلاّمة الشوكاني في تفسيره ج ٢ / ٣٩٥ ط مصطفى الحلبي بمصر : روي عن ابن عباس : أي كونوا مع علي بن أبي طالب.
وقال العلامة الآلوسي في تفسير «روح المعاني» ج ١١ / ٤١ ط المنيرية بمصر : روي أنّ المراد كونوا مع علي كرم الله وجهه بالخلافة.
«المترجم»
نقض بعض الصحابة للعهود
قلت : لقد نقض بعض الصحابة عهودا أخذها منهم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولكنّهم نقضوها في حياته أو بعد وفاته ، وأهمها عهد الخلافة والولاية وبيعة يوم الغدير.
حديث الولاية في غدير خم
لقد اعترف جمهور علماء الإسلام من الفريقين : بأن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام في العام العاشر من الهجرة النبوية عند رجوعه من حجة الوداع إلى المدينة المنوّرة ، نزل عند غدير في أرض تسمى «خمّ» وأمر برجوع من تقدّم عليه وانتظر وصول من تخلّف عنه ، حتى اجتمع كلّ من كان معهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان عددهم سبعين ألفا أو أكثر ، ففي تفسير الثعلبي وتذكرة سبط ابن الجوزي وغيرهما : كان عددهم يومئذ مائة وعشرين ألفا وكلهم حضروا عند غير خمّ.
فصعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منبرا من أحداج الإبل ، وخطب فيهم خطبة عظيمة ، ذكرها أكثر علماء المسلمين والمحدثين من الفريقين في مسانيدهم وكتبهم الجامعة ، وذكر في شطر منها بعض الآيات القرآنية التي نزلت في شأن أخيه علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وبيّن فضله ومقامه على الأمّة ، ثم قال :
«معاشر الناس! ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا : بلى.
قال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه».
ثم رفع يده نحو السماء ودعا له ولمن ينصره ويتولاّه فقال : «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله».
ثم أمرصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فنصبوا خيمة وأجلس علياعليهالسلام فيها وأمر جميع من كان معه أن يحضروا عنده جماعات وأفرادا ليسلّموا عليه بإمرة المؤمنين ويبايعوه ، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لقد أمرني ربّي بذلك ، وأمركم بالبيعة لعليعليهالسلام .
ولقد بايع في من بايع أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير ، فأقام ثلاثة أيام في ذلك المكان ، حتى تمّت البيعة لعليعليهالسلام ، حيث بايعه جميع من كان مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في حجة الوداع ، ثم ارتحل من خمّ وتابع سفره إلى المدينة المنوّرة.
الحافظ : كيف يمكن ان يقع هكذا أمر هام وعظيم ولكنّ العلماء الكبار لم يذكروه في كتبهم المعتبرة؟!
قلت : ما كنت أنتظر منك ـ وأنت من حفّاظ الحديث عند أهل السنّة والجماعة ـ أن تجهل أو تتجاهل حديث الولاية في الغدير وهو أشهر من الشمس في رائعة النهار ، ومن اوضح الواضحات عند ذوي الأبصار ، ولا ينكره إلاّ الجاهل أو العالم المعاند!
ولكي يثبت عندك وعند الحاضرين زيف مقالك وبطلان كلامك حيث قلت : ولكنّ العلماء الكبار لم يذكروا هذا الحديث!
لا بدّ لي أن اذكر قائمة بأسماء بعض من رواه من علمائكم الأعلام وأشهر محدثي الإسلام ، وإلاّ فذكر جميعهم أمر لا يرام فأقول منهم :
١ ـ الفخر الرازي في تفسيره الكبير مفاتيح الغيب.
٢ ـ الثعلبي في تفسيره كشف البيان.
٣ ـ جلال الدين السيوطي / في تفسيره الدرّ المنثور.
٤ ـ الحافظ أبو نعيم في كتاب ما نزل من القرآن في عليعليهالسلام ـ وحلية الأولياء ـ.
٥ ـ أبو الحسن الواحدي النيسابوري في «أسباب النزول».
٦ ـ الطبري في تفسيره الكبير.
٧ ـ نظام الدين النيسابوري في تفسير غرائب القرآن.
«كلهم ذكروا الحديث في تفسير الآية الكريمة :( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) (١) .
٨ ـ محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه ج ١ / ٣٧٥.
٩ ـ مسلم بن الحجاج في صحيحه ج ٢ / ٣٢٥.
١٠ ـ أبو داود السجستاني في سننه.
١١ ـ محمد بن عيسى الترمذي في سننه.
١٢ ـ ابن كثير الدمشقي في تاريخه.
١٣ ـ الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج ٤ / ٢٨١ و ٣٧١.
١٤ ـ أبو حامد الغزّالي في كتابه سرّ العالمين.
١٥ ـ ابن عبد البر في الاستيعاب.
١٦ ـ محمد بن طلحة في مطالب السئول.
١٧ ـ ابن المغازلي في «المناقب».
١٨ ـ ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة : ص ٢٤.
١٩ ـ البغوي في مصابيح السنة.
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٦٧.
٢٠ ـ الخطيب الخوارزمي في المناقب.
٢١ ـ ابن الأثير الشيباني في جامع الأصول.
٢٢ ـ الحافظ النسائي في الخصائص وفي سننه.
٢٣ ـ الحافظ الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودة.
٢٤ ـ ابن حجر في الصواعق المحرقة ، بعد ما ذكر الحديث في الباب الأول ص ٢٥ ط الميمنية بمصر ، قال ـ على تعصبه الشديد الذي اشتهر به ـ : إنه حديث صحيح لا مرية فيه وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنّسائي وأحمد ، وطرقه كثيرة جدا.
وذكر ابن حجر ـ الحديث ـ في كتابه الآخر «المنح الملكية».
٢٥ ـ الحافظ محمد بن يزيد المشهور بابن ماجة القزويني في سننه.
٢٦ ـ الحاكم النيسابوري في مستدركه.
٢٧ ـ الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني في الأوسط.
٢٨ ـ ابن الأثير الجزري في كتابه اسد الغابة.
٢٩ ـ سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة خواص الأمة : ١٧.
٣٠ ـ ابن عبد ربه في العقد الفريد.
٣١ ـ العلامة السمهودي في جواهر العقدين.
٣٢ ـ ابن تيمية في كتابه منهاج السنّة.
٣٣ ـ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب وفي فتح الباري.
٣٤ ـ جار الله الزمخشري في ربيع الأبرار.
٣٥ ـ أبو سعيد السجستاني في كتاب الدراية في حديث الولاية.
٣٦ ـ عبيد الله الحسكاني في كتاب دعاة الهدى إلى أداء حق المولى.
٣٧ ـ العلاّمة العبدري في كتاب الجمع بين الصحاح الستة.
٣٨ ـ الفخر الرازي في كتاب الأربعين ، قال : أجمعت الأمة على هذا الحديث الشريف.
٣٩ ـ العلامة المقبلي في كتاب الأحاديث المتواترة.
٤٠ ـ السيوطي في تاريخ الخلفاء.
٤١ ـ المير علي الهمداني في كتاب مودّة القربى.
٤٢ ـ أبو الفتح النطنزي في كتابه الخصائص العلوية.
٤٣ ـ خواجه پارسا البخاري في كتابه فصل الخطاب.
٤٤ ـ جمال الدين الشيرازي في كتابه الأربعين.
٤٥ ـ المناوي في فيض القدير في شرح الجامع الصغير.
٤٦ ـ العلامة الكنجي في كتابه كفاية الطالب / الباب الأول.
٤٧ ـ العلامة النووي في كتاب تهذيب الأسماء واللّغات.
٤٨ ـ شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين.
٤٩ ـ القاضي ابن روزبهان في كتاب إبطال الباطل.
٥٠ ـ شمس الدين الشربيني في السراج المنير.
٥١ ـ أبو الفتح الشهرستاني الشافعي في الملل والنحل.
٥٢ ـ الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد.
٥٣ ـ ابن عساكر في تاريخه الكبير.
٥٤ ـ ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة.
٥٥ ـ علاء الدين السمناني في العروة لأهل الخلوة.
٥٦ ـ ابن خلدون في مقدمته.
٥٧ ـ المتقي الهندي في كتابه كنز العمال.
٥٨ ـ شمس الدّين الدّمشقي في كتاب أسنى المطالب.
٥٩ ـ الشريف الجرجاني الحنفي في شرح المواقف.
٦٠ ـ الحافظ ابن عقدة في كتاب الولاية.
ذكرت لكم المدارك والمصادر التي جاءت في خاطري وحضرت في ذهني ولو راجعنا كل مصادر هذا الحديث لوصلت إلى ثلاثمائة مصدر من كبار أعلامكم ومحدّثيكم ، رووه بطرق شتى عن أكثر من مائة صحابي من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولو جمعناها لاحتاجت إلى مجلّدات عديدة ، كما أنّ بعض علمائكم قام بهذا الأمر إلهام وألّف كتابا مستقلا في حديث الولاية ، منهم ابن جرير الطبري ، المفسّر والمؤرّخ المشهور من أعلام القرن الثالث والرابع الهجري ، روى حديث الولاية عن خمس وسبعين طريقا في كتاب أسماه : «الولاية».
والحافظ ابن عقدة أيضا من أعلام القرن الثالث والرابع الهجري ألّف كتابا في الموضوع ، أسماه : «الولاية» جمع فيه مائة وخمسة وعشرين طريقا نقلا عن مائة وخمسة وعشرين صحابيا من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مع تحقيقات وتعليقات قيّمة.
والحافظ ابن حداد الحسكاني من أعلام القرن الخامس الهجري ألّف كتابا أسماه : «الولاية» تطرّق فيه إلى الحديث وإلى واقعة الغدير بالتفصيل.
وذكر كثير من محدّثيكم الأعلام : أن عمر بن الخطاب كان يظهر أو يتظاهر بالفرح ذلك اليوم فصافح علياعليهالسلام وقال : بخّ بخّ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.
تأكيد جبرئيلعليهالسلام بالبيعة لعليعليهالسلام
ذكر المير علي الهمداني (وهو فقيه شافعي من أعلام القرن الثامن الهجري) في كتابه مودّة القربى / المودّة الخامسة / روى عن عمر بن الخطّاب أنه قال ، [نصب رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) عليا علما فقال : «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عادا واخذل من خذله وانصر من نصره ، اللهم أنت شهيدي عليهم».
قال عمر بن الخطاب : يا رسول الله! وكان في جنبي شابّ حسن الوجه طيّب الريح ، قال لي : يا عمر لقد عقد رسول الله (ص) عقدا لا يحلّه إلاّ منافق.
فأخذ رسول الله (ص) بيدي فقال : يا عمر! إنّه ليس من ولد آدم ، لكنّه جبرائيل أراد أن يؤكّد عليكم ما قلته في عليعليهالسلام !!]
فأسألكم أيها الحاضرون هل كان يحقّ للصحابة أن ينقضوا ذلك العهد والميثاق الذي عهده الله تعالى لهم؟
وهل من الإنصاف أن ينكثوا بيعتهم لعليعليهالسلام التي عقدها خاتم النبيينصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمير المؤمنين وسيد الوصيين؟!
هل كان صحيحا أن يهجموا على بيت علي وفاطمةعليهاالسلام ويشعلوا النار عند بابه ويهتكوا حرمة فاطمة سيدة النساء؟
هل كان يحقّ لهم أن يسحبوا عليا إلى المسجد ويهدّدوه بالقتل إن لم يبايع أبي بكر ويجرّدوا عليه سيوفهم؟!
وقد صدر كل ذلك منهم طلبا للدنيا ومتابعة للهوى ليس إلاّ!!
الحافظ : نحن ما كنا نتوقع من حضرتكم أن تنسبوا لصحابة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم المقربين ، متابعة الهوى وطلب الدنيا ، علما بأنّ رسول الله أمر أمّته بمتابعتهم والاقتداء بهم.
قلت : رجاء لا تكرروا الكلام ، لقد أثبتنا لكم أنّ الصحابة كغيرهم من أفراد البشر يجوز عليهم الخطأ والعصيان والطغيان ، ولم يأمر النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم أمته بالاقتداء بمطلق الصحابة ، لأنّه مناف للعقل السليم ، وإنّما أمر أمته بالاقتداء بالصّالحين من الصحابة ، فقد اثبتنا ضعف سند حديث «أصحابي كالنجوم» ونقلنا لكم كلام القاضي عياض المالكي وهو من أعلامكم حيث قال : حديث أصحابي كالنجوم ضعيف ولا نلتزم به لأن من رواته حارث بن قضين وهو مجهول الحال ، وحمزة بن أبي حمزة النصيبي وهو متهم بالكذب.
وكذلك البيهقي وهو من كبار علمائكم ومن أشهر أعلامكم ، ردّ الحديث ورفضه لضعف اسناده.
بعض الصحابة اتبعوا الهوى
وأما قول الحافظ : بأنّي نسبت صحابة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم المقرّبين إلى طلب الدنيا ومتابعة الهوى ، ولم يكن يتوقع منّي هذا الأمر.
فأقول له : أنا لم أنسب ذلك إليهم ، وإنما هو قول بعض أعلامكم ، منهم : العلاّمة سعد الدين التفتازاني حيث قال في كتابه شرح المقاصد :
إنّ ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه
المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثّقات يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن الطريق الحق وبلغ حدّ الظلم والفسق ، وكان الباعث عليه الحقد والعناد والحسد واللّداد وطلب الملك والرئاسات والميل إلى اللذّات والشهوات ، إذ ليس كل صحابي معصوما ولا كل من لقى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بالخير موسوما(١) .
هذا كلام أحد أعلامكم. فإمّا أن تخضعوا لكلامه ، فتكونوا معنا في هذا الاعتقاد بأنّ كثيرا من الصحابة الذين حاربوا علياعليهالسلام وخالفوه وآذوه ، إنما آذوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحاربوه وخالفوه ، لأن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليعليهالسلام : «من سبّك فقد سبّني ومن آذاك فقد آذاني ومن حاربك فقد حاربني» وغير هذه الأحاديث التي تدل على أنّ علياعليهالسلام يمثّل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في أمته ، وهذا لا ينكره أيّ فرد من علماء المسلمين ، وكتبكم ومسانيدكم مشحونة بهكذا أحاديث وأخبار وقد صحّحها علماؤكم ومحدّثوكم. فإمّا أن تقبلوها. أو تطرحوها وتلغوها ، وهذا غير
__________________
(١) ارى من المناسب نقل بقية كلامه لتتم الفائدة ، قال :
[إلاّ إنّ العلماء لحسن ظنّهم بأصحاب رسول الله (ص) ذكروا لها محامل وتأويلات بما يليق ، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عما يوجب التضليل والتفسيق صونا لعقائد المسلمين من الزيغ والضلالة في حق كبار الصحابة لا سيّما المهاجرين منهم والأنصار المبشّرين بالثواب في دار القرار! وأما ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبي (ص) فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء ، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء ، ويكاد يشهد به الجماد العجماء ويبكي له من في الأرض والسماء ، وتنهدم منه الجبال وتنشقّ منه الصخور ويبقى سوء عمله على كر الشهور والدّهور ، فلعنة الله على من باشر أو رضي أو سعى ، ( وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى ) . سورة طه ، الآية ١٢٧. انتهى.] «المترجم»
ممكن ، لأنّ ذلك ينتهي إلى الغاء علمائكم وإبطال أقوال محدثيكم وأعلامكم ، فلا يبقى في مذهبكم حجر على حجر.
فعند ما نقول بأنّ بعض الصحابة فسقوا بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم واتّبعوا الباطل ، ما قلنا شططا ، ولم نكن منفردين في قولنا بل يوافقنا بعض أعلامكم أيضا كما نقلنا قول العلامة سعد الدين التفتازاني.
وأنقل لكم أيضا قول الغزالي ، وهو أيضا من أشهر أعلامكم وأكبر علماؤكم.
كلام الغزالي في نقض الصحابة عهد الولاية
لقد تطرق الإمام الغزالي في كتابه «سر العالمين» إلى قضايا الإسلام وما حدث بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال في المقالة الرابعة :
[أسفرت الحجّة وجهها ، وأجمع الجماهير على متن الحديث عن خطبة يوم غدير خمّ باتّفاق الجميع وهو يقول «من كنت مولاه فعليّ مولاه» فقال عمر : بخّ بخّ لك يا أبا الحسن! لقد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة!!
هذا تسليم ورضى وتحكيم ، ثم بعد هذا غلب الهوى لحبّ الرئاسة ، وحمل عمود الخلافة وعقود البنود وخفقان الهوى في قعقعة الرايات واشتباك ازدحام الخيول وفتح الأمصار ، سقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأول( فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ) (١) !!
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ١٨٧.
ولما مات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال قبل وفاته «ايتوني بدوات وبياض لأزيل عنكم إشكال الأمر وأذكر لكم من المستحقّ لها بعدي!».
قال عمر : دعوا الرجل فإنه ليهجر!! وقيل يهذو!!
فإذا بطل تعلّقكم بتأويل النصوص ، فعدتم إلى الإجماع وهذا منقوض أيضا ، فإنّ العباس وأولاده وعليا وزوجته وأولاده لم يحضروا حلقة البيعة وخالفكم أصحاب السقيفة في مبايعة الخزرجيّ ثم خالفهم الأنصار. انتهى.]
فانتبهوا أيها الحاضرون! واعلموا بأنّ الشيعة لا يقولون إلاّ ما قاله بعض أعلامكم المشتهرين وعلماؤكم المعتبرين.
ولكن لسوء ظنكم بل سوء نظركم بالنسبة إلى الشيعة لا تقبلون منهم حتّى إذا كان مصدر كلامهم مسانيدكم وكتب علمائكم!
الشيخ عبد السلام : كتاب سرّ العالمين لم يكن من تأليف الإمام الغزالي وإنما أنتم الشيعة تنسبونه إليه لتحتجّوا به علينا.
والإمام الغزالي هو أجلّ شأنا وأعظم قدرا ، من أن يتكلم بهذا الكلام على الصحابة الكرام.
كتاب سرّ العالمين تأليف الغزالي
قلت : لقد أيّد بعض أعلامكم أنّ كتاب سر العالمين من مصنّفات الإمام محمد بن محمد الغزّالي ، منهم ـ كما يخطر ببالي ـ :
سبط ابن الجوزي وهو من أعلامكم ، ولا يشك أحد في التزامه بمذهب السنّة والجماعة ، بل تعصّبه في ذلك ، وقد اشتهر بدقّة النظر
والاحتياط في صدور الحكم في مثل ما نحن فيه ، قد ذكر في كتابه تذكرة خواص الأمة في ص ٣٦ فنقل قول الغزالي في الموضوع من كتاب سر العالمين ونسبه إليه من غير تعليق أو تشكيك ونقل عنه العبارات التي نقلتها لكم حول الصحابة والخلافة.
وحيث إنّ سبط ابن الجوزي لم يعلّق على عبارات الغزالي بل استشهد بها فيعلم أنه أيضا موافق لذلك الكلام ومؤيّد له.
ولكن جناب الحافظ وأمثاله حينما يواجهون بالحقائق الناصعة والبراهين الساطعة ، لا يجدون مفرّا إلاّ الإنكار ، فإما أن ينفي تأليف المؤلف ويقال بأن هذا الكتاب منسوب إليه ، واما أن ينفى المؤلف نفسه من مذهبه ويقال أنه ليس منّا بل هو شيعي منكم!!
وفي بعض الأحيان يفسّقون ويكفّرون المؤلف وينسبونه إلى الإلحاد.
ضريبة تجاهر السنة بالحق
أـ اتهام ابن عقدة بالرفض
ولقد حدّثنا التاريخ عن رجال من أعلامكم ، حاربهم أهل الزمان وهجرهم الأخوان وكتب ضدهم الخلاّن ، لأنهم كانوا ينطقون بالحق ويبيّنون الحقائق باللسان والبنان ، فحرّم العلماء المتعصبون من أهل مذهبهم ، كتبهم ونسبوها إلى الضلال عن بغض وشنآن وحرّكوا ضدّهم الجهلة والعوام وأبناء الوقت والزمان.
الشيخ عبد السلام : هذه مفتريات الشيعة علينا وإلاّ فعلماؤنا الأعلام يحترمون كل عالم سواء من مذهبهم أو غير مذهبهم ويأمرون
العوام باحترام العلماء لعلمهم ولا يسمحون لأحد من الجهلة أن يهتك عالما سواء أكان من أهل السنّة والجماعة أم من غيرهم.
قلت : لا داعي للشيعة أن يفتروا عليكم هذا الكلام ، ولو كنت تطلب مني شاهدا للكلام لأجبتك بأن أحد الرجال الأعلام الذي أشرنا إليهم ، هو الحافظ ابن عقدة ، أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني المتوفى عام ٣٣٣ هجري ، وهو من كبار علمائكم ومن مشاهير أعلامكم وقد وثّقه الرجاليون من علمائكم كالذهبي واليافعي وقالوا في ترجمته : [إنّه كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث مع إسنادها وكان ثقة وصادقا ، ولكن حيث كان في المجالس والمجتمعات في الكوفة وبغداد ، كان ينتقد الشيخين ويذكر معايبهم ومثالبهم ، اتّهمه العلماء بالرّفض وتركوا رواياته وطرحوا مروياته].
قال ابن كثير والذهبي واليافعي في ترجمته [إنّ هذا الشيخ كان يجلس في جامع براثا ويحدّث الناس بمثالب الشيخين ـ أبي بكر وعمر ـ ولذا تركت رواياته وإلاّ فلا كلام لأحد في صدقه وثقته!!]
والخطيب البغدادي في تاريخه ، يذكره بالخير والمدح وبعد ذلك يقول [إلاّ أنّه خرّج مثالب الشيخين وكان رافضيا!]
ب ـ دفن الطبري في بيته ومقاطعة تشييعه!!
محمد بن جرير الطبري وهو المفسر الشهير والمؤرّخ الكبير ويعدّ من اشهر أعلام القرن الثالث الهجري بلغ من العمر ستا وثمانين عاما ومات سنة ثلاثمائة وعشر من الهجرة في مدينة بغداد فمنعوا تشييع
جثمانه فدفن ليلا في داره!!
كل ذلك لأنه كتب بعض الحقائق في تاريخه وتفسيره ونشر بعض الأخبار والوقائع التي أغاظت المتعصبين والمعاندين من أهل نحلته ، وإن اخفى كثيرا من الحقائق إلاّ أنّهم لم يرضوا عليه وقاطعوه حيا وميتا!!
ج ـ «قتل النسائي»
ومن أعجب هذه الوقائع قتل الحافظ أحمد بن شعيب بن سنان النسائي وهو أحد الأعلام وأئمة الحديث وجامع أحد الصحاح الستة عندكم ، ورد مدينة دمشق سنة ثلاثمائة وثلاث من الهجرة النبوية فوجد أهلها سائرين على البدعة السيّئة التي سنّها معاوية وحزبه في البلاد ، ألا وهي لعن وسب أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام بعد كل صلاة وفي خطب الجمعة!
فتأسّف لذلك الوضع الفجيع المزري وألزم نفسه أن ينشر ما وصله مسندا عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في فضائل ومناقب الإمام عليعليهالسلام ، فكتب كتابه المسمى بخصائص مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام . وكان يقرأه على المنبر في الملأ العام ، فهجم عليه في يوم من الأيام جماعة من الطغام والجهلة اللّئام فضربوه ضربا مبرحا وأنزلوه من على المنبر وسحقوه بأقدامهم حتى أغمى عليه وبعد قليل مات على أثر تلك الضربات واللكمات. فحملوا جثمانه إلى حرم الله سبحانه ودفن في مكة المكرمة حسب وصيّته!!
فهذه الوقائع بعض جرائم المتعصبين أهل العناد واللّجاج والجهل الذين يقتلون علماءهم ويسحقون مفاخرهم بأقدامهم ، ليس لهم ذنب سوى أنّهم نطقوا بالحق وكشفوا عن الواقع ومدحوا من مدحه الله تبارك وتعالى في كتابه.
وقد غفل الجاهلون وما دروا بأنهم لم يتمكنوا من إخفاء الحق بهذه الأعمال الوحشية ولا يمكن حجب الشمس في الضحى بالحركات الهمجية.
أعتذر إليكم لا بتعادي عن موضوع البحث.
والحاصل : إنّ حديث : «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» مقبول لدى أعلامكم كما هو مقبول عند علمائنا ، واتّفق محدثوا الفريقين بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بأمر من الله تعالى أعلن يوم الغدير هذا الحديث الشريف في حضور ما لا يقل عن سبعين ألف.
صعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على منبر صنعوه له من أحداج الإبل ، وأصعد علي بن أبي طالب وأخذ بكفّه والملأ ينظرون إليهما ، فنادى فيهم «من كنت مولاه فهذا علي مولاه ..». الخ.
ما معنى كلمة «مولى»؟
الحافظ : نحن لا ننكر واقعة الغدير وحديث الولاية ، ولكن قضية الغدير ما كانت على النحو الذي تقولون به أنتم الشيعة ، وليس معنى المولى ما تقولون به أنتم بمعنى الأولى بالتصرّف ، وإنما المولى كما ثبت في اللغة بمعنى المحب والناصر والصديق الحميم ، وحيث كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
يعلم بأنّ ابن عمه عليّا له أعداء كثيرون فأراد أن يوصي به الأمة فقال : «من كنت مولاه فعلي مولاه». أي من كان يحبّني فليحبب عليا ، ومن كان ينصرني فلينصر عليا «كرم الله وجهه» ، وقد قام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بهذا العمل حتى لا يتأذّى علي من بعده من الأعداء.
قلت : لو تنصفنا أيها الحافظ ، وتترك التّعصّب لمذهب الأسلاف ودين الآباء ، وتنظر إلى القرائن الموجودة في القضية والواقعة بدقّة وإمعان لعرفت الحقيقة واعترفت بما نقول!!
الحافظ : ما هذه القرائن التي تثبت قولكم في المقام ، بأنّ معنى المولى هو الأولى بالتّصرف في الأمر العام وفي شئون الإسلام؟
قلت : القرينة الأولى : نزول الآية الكريمة :( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (١) .
الحافظ : من أين تقولون بأنّ هذه الآية نزلت في يوم الغدير وبشأن تبليغ الولاية؟ ما هو دليلكم على هذا القول؟
قلت : دليلنا وحجتنا قول كبار علمائكم وأعلامكم ، منهم :
١ ـ جلال الدين السيوطي في تفسير الدر المنثور : ج ٢ ص ٢٩٨.
٢ ـ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه الولاية.
٣ ـ الحافظ أبو عبد الله المحاملي في أماليه.
٤ ـ الحافظ أبو بكر الشيرازي في «ما انزل من القرآن في عليعليهالسلام ».
٥ ـ الحافظ أبو سعيد السجستاني في كتابه الولاية.
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٦٧.
٦ ـ الحافظ ابن مردويه في تفسيره الآية الكريمة.
٧ ـ الحافظ ابن أبي حاتم في تفسير الغدير.
٨ ـ الحافظ أبو القاسم الحسكاني في شواهد التنزيل.
٩ ـ أبو الفتح النّطنزي في الخصائص العلوية.
١٠ ـ معين الدّين الميبدي في شرح الديوان.
١١ ـ القاضي الشوكاني في فتح القدير : ج ٣ ص ٥٧.
١٢ ـ جمال الدين الشيرازي في الأربعين.
١٣ ـ بدر الدين الحنفي في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري : ج ٨ ص ٥٨٤.
١٤ ـ الإمام الثعلبي في تفسير كشف البيان.
١٥ ـ الإمام الفخر الرازي في التفسير الكبير : ج ٣ ص ٦٣٦.
١٦ ـ الحافظ أبو نعيم في «ما نزل من القرآن في عليعليهالسلام ».
١٧ ـ شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين.
١٨ ـ نظام الدين النيسابوري في تفسيره : ج ٦ ص ١٧٠.
١٩ ـ شهاب الدين الآلوسي البغدادي في روح المعاني : ج ٢ ص ٣٤٨.
٢٠ ـ نور الدين المالكي في الفصول المهمة : ص ٢٧.
٢١ ـ الواحدي في أسباب النزول : ص ١٥٠.
٢٢ ـ محمد بن طلحة في مطالب السئول.
٢٣ ـ المير سيد علي الهمداني في مودة القربى / المودة الخامسة.
٢٤ ـ القندوزي في ينابيع المودة / الباب ٣٩.
وغير هؤلاء المذكورين كثير من أشهر أعلامكم قد كتبوا ونشروا
بأنّ هذه الآية نزلت يوم الغدير ، حتى أنّ القاضي فضل بن روزبهان المشهور بالتعصّب والعناد ، كتب عن الآية : فقد ثبت هذا في الصحاح أنّ هذه الآية لما نزلت أخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بكفّ علي بن أبي طالب وقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه.
وأعجب من هذا الكلام أنه قال وروى ـ كما في كشف الغمة ـ عن رزين بن عبد الله أنه قال : كنا نقرأ هذه الآية على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هكذا :
( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) أن عليا مولى المؤمنين( وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) !
ورواه السيوطي في الدّرّ المنثور عن ابن مردويه.
وابن عساكر وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري وعن عبد الله ابن مسعود وهو أحد كتّاب الوحي.
ورواه القاضي الشوكاني في تفسير فتح القدير كذلك.
والحاصل : إنّ تأكيد الله سبحانه لنبيه بالتبليغ وتهديده على أنه إن لم يفعل ما أمره تلك الساعة ، فكأنّه لم يبلّغ شيئا من الرسالة ، هذه قرينة واضحة على أنّ ذلك الأمر كان على أهمية كالرسالة ، فمقام الخلافة والولاية تالية لمقام النبوة والرسالة.
القرينة الثانية
وأما القرينة الثانية : الذي يؤيّد ويوضّح قولنا أنّ نزول آية إكمال الدين كانت بعد ما بلّغ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رسالته وأمر ربه في
ولاية الإمام عليعليهالسلام .
الحافظ : اتّفق علماؤنا أنّ آية إكمال الدين نزلت يوم عرفة ، ولا أظن أحدا من علمائنا وأعلامنا قال بأنها نزلت يوم الغدير.
قلت : أرجوك لا تعجل في كلامك واحتط في بيانك ولا تنفي قولنا ، فان كثيرا من علمائكم الكبار قالوا ما نقوله في شأن نزول آية إكمال الدين ، وإن كان جماعة منهم قالوا بأنها نزلت يوم عرفة.
وبعض العلماء جمعوا بين القولين وقالوا بأنّ الآية نزلت مرتين منهم سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة / آخر الصفحة ١٨ حيث قال : أحتمل أنّ الآية نزلت مرتين مرة بعرفة ومرة يوم الغدير كما نزلت( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة.
وأما الذين وافقونا من أعلامكم وقالوا بأنّ آية إكمال الدين نزلت في الغدير بعد نصب الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم عليا وليا من بعده. كثيرون منهم :
١ ـ جلال الدين السيوطي في الدّرّ المنثور : ج ٢ ص ٢٥٦ ، وفي الإتقان : ج ١ ص / ٣١.
٢ ـ الإمام الثعلبي في كشف البيان.
٣ ـ الحافظ أبو نعيم في ما نزل من القرآن في عليعليهالسلام .
٤ ـ أبو الفتح النطنزي في الخصائص العلوية.
٥ ـ ابن كثير في تفسيره : ج ٢ ص ١٤.
٦ ـ المؤرّخ والمفسّر الشهير محمد بن جرير الطبري في كتابه الولاية.
٧ ـ الحافظ أبو القاسم الحسكاني في شواهد التنزيل.
٨ ـ سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة : ص ١٨.
٩ ـ أبو اسحاق الحمويني في فرائد السمطين / الباب الثاني عشر.
١٠ ـ أبو سعيد السجستاني في كتابه الولاية.
١١ ـ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد : ج ٨ ص ٢٩٠.
١٢ ـ ابن المغازلي في المناقب.
١٣ ـ الخطيب أبو مؤيد موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب / فصل ١٤ ، وفي مقتل الحسين / الفصل الرابع.
وكثير من أعلامكم غير من ذكرنا أيضا قالوا : بأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد ما نصب عليا وليا من بعده وعرّفه للمسلمين فأمرهم وقال :
«سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين» فأطاعوا وسلّموا على علي بن أبي طالب بإمرة المؤمنين وقبل أن يتفرّقوا من المكان نزل جبريل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله تعالى :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ) (١) .
فصاح النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم «الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي بن أبي طالب بعدي».
ولو أحببتم توضيح القضيّة وكشف الحقيقة فراجعوا مسند أحمد ابن حنبل وشواهد التنزيل للحافظ الحسكاني فإنّهما شرحا الموضوع أبسط من غيرهما. فلو أمعنتم النّظر ودقّقتم الفكر في الخبر لعلمتم ولأيقنتم أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ما قصد من كلمة المولى إلاّ الإمامة والخلافة والأولوية وذلك بالقرائن التي ذكرتها وبقرينة كلمة «بعدي» في الجملة.
ثم فكّروا وأنصفوا هل الأمر بالمحبة والنصرة كان هامّا إلى
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٣.
ذلك الحدّ بأن يأمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الرّكب والقافلة وهم مائة ألف أو أقل أو أزيد ، فينزلوا في ذلك المكان القاحل وفي ذلك الحر الشديد ، ثم يأمر برجوع من سبق ولحوق من تأخّر وينتظر حتى يجتمع كلّ من كان معه وتحت حرارة الشمس حتى أنّ كثيرا من الناس مدّ رداءه على الأرض تحت قدميه ليتّقي حرّ الرّمضاء وجلس في ظلّ ناقته ليتّقي أشعة الشمس ، ثم يصعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم المنبر الذي صنعوه له من أحداج الإبل ويخطب فيهم ويبيّن فضائل ومناقب ابن عمه علي بن أبي طالب كما ذكرها الخوارزمي وابن مردويه في المناقب والطبري في كتاب الولاية وغيرهم ، ثم يبقىصلىاللهعليهوآلهوسلم ثلاثة أيام في المكان الذي ما كان معهودا بنزول القوافل وما كان قبل ذلك اليوم منزلا للمسافر ، ويتحمل هو والمسلمون الذين معه مشاقّا كثيرة ، حتى بايع كلّهم علياعليهالسلام بأمر رسول الله فهل كان من المعقول أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يريد من كل ذلك ليبيّن للناس أن يحبّوا عليا ويكونوا ناصريه!!
مع العلم أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل ذلك كان بيّن للمسلمين مرارا وتكرارا أنّ حبّ علي من الإيمان وبغضه نفاق ، وكان يأمرهم بنصرته وملازمته ، فأي حاجة إلى تحمّل تلك المشاق ليبيّن ما كان مبينا ويوضّح ما كان واضحا للمسلمين!! فإذا في تلك الظروف الصعبة التي كانت في قضية الغدير لم نقل بتبليغ الولاية والخلافة من بعده ونقول بما يقوله الحافظ وبعض العلماء من أهل السنّة والجماعة ، لكان عمل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مع تلك الظروف سفها ولغوا ـ والعياذ بالله من هذا القول ـ بل النبي منزّه من اللغو والسفاهة وأعماله كلها تكون على أساس العقل والحكمة.
فنزول هذه الآيات التي ذكرناها في الغدير وتلك التشريفات الأرضية والسماوية ، كلها قرائن دالة عند العقلاء والعلماء بأنّ الأمر الذي بلّغه خاتم الأنبياء هو أهم من أمر النصرة والمحبّة ، بل هو أمر يساوي في الأهمية أمر الرسالة بحيث إذا لم يبلّغه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمته في تلك الساعة فكأنّه لم يبلّغ شيئا من رسالة الله عزّ وجلّ. فهذا الأمر ليس إلاّ الإمامة على الأمة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وتعيين رسول الله خليفته المؤيّد من عند الله والمنصوب بأمر من السماء ، وتعريفه للناس ، لكي لا تبقى الأمة بلا راعي بعده ولا تذهب أتعابه أدراج الرياح.
ولقد وافقنا بعض أعلام أهل السنة والجماعة في معنى كلمة المولى وأنّ المقصود منها ـ يوم الغدير ـ الأولى.
منهم سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة خواص الأمة / الباب الثاني / ص ٢٠ فذكر لكلمة المولى عشر معاني وبعدها قال : لا يطابق أي واحد من هذه المعاني كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والمراد من الحديث الطاعة المحضة المخصوصة فتعيّن الوجه العاشر وهو الأولى ومعناه : من كنت أولى به من نفسه فعليّ أولى به ودلّ عليه أيضا قولهعليهالسلام : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟
وهذا نص صريح في إثبات إمامته وقبول طاعته. انتهى كلامه ويوافقنا في هذا المعنى أيضا الحافظ أبو الفرج الأصفهاني يحيى بن سعيد الثقفي في كتابه مرج البحرين ، حيث يروي بإسناده عن مشايخه : أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذ بكفّ عليعليهالسلام وقال : من كنت وليّه وأولى به من نفسه فعلي وليّه.
ويوافقنا في أنّ المولى بمعنى الأولى العلاّمة أبو سالم كمال الدين محمد بن طلحة القرشي العدوي ، إذ قال في كتابه مطالب السئول / في أواسط الفصل الخامس من الباب الأول / قال بعد ذكره حديث «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» [أثبت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لنفس عليعليهالسلام بهذا الحديث ما هو ثابت لنفسهصلىاللهعليهوآلهوسلم على المؤمنين عموما فإنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أولى بالمؤمنين وناصر المؤمنين وسيد المؤمنين وكل معنى أمكن إثباته مما دلّ عليه لفظ المولى لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقد جعله لعليعليهالسلام وهي مرتبة سامية ومنزلة سامقة ودرجة عليّة ومكانة رفيعة خصصه بها دون غيره ، فلهذا صار ذلك اليوم عيدا وموسم سرور لأوليائه] الخ.
الحافظ : لا شك أن لكلمة المولى معاني متعدّدة وأنتم تعترفون بهذه الحقيقة ، فلما ذا تخصّصون معنى الأولوية للمولى؟ وهذا تخصيص من غير مخصص.
قلت : لقد اتّفق العلماء في علم الأصول بأنّ الكلمة التي يفهم منها أكثر من معنى ، وكان أحد المعاني حقيقيا فالمعاني الأخر تكون مجازيّة. والمعنى الحقيقي مقدم على المجاز إلاّ ان يتضح بالقرائن أنّ المراد من الكلمة معناها المجازي.
أو كان للكلمة معاني مجازية متعدّدة ، فنعيّن المراد منها بالقرينة.
ونحن نعلم أن المعنى الحقيقي لكلمة المولى إنما هو الأولى في التّصرف ، والمعاني الأخرى تكون مجازية.
فمعنى وليّ النكاح الأولى في أمر النكاح.
ووليّ المرأة زوجها أي الأولى بها.
وولي الطفل أبوه أي هو الأولى بالتصرف في شأن الطفل.
وولي العهد هو المتصرف في شئون الدولة بعد الملك ، وهو الذي يعهد إليه بالملك بعد وفاة الملك ، وأكثر استعمال كلمة الولي والمولى جاء في هذا المعنى في اللغة العربية وفي الكتابات والخطابات.
ثم هذا الاشكال يرد عليكم حيث إنّ لكلمة المولى معان متعددة ، فلما ذا تخصّصونها في معنى المحب والناصر وهذا تخصيص بلا مخصّص على حد زعمكم ، فالتزامكم بهذا المعنى يكون باطلا من غير دليل.
وأما نحن إذا خصّصنا كلمة المولى بالمتصرّف والأولى بالتّصرّف ، فإنما خصصناها للقرائن الدالة على ذلك من الآيات والروايات وأقوال كبار علمائكم مثل سبط ابن الجوزي ومحمد بن طلحة الشافعي ، كما مر.
وقد ذكروا في تفسير الآية الكريمة :( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) أي في ولاية علي وإمامة أمير المؤمنين ، وقد ذكر أحاديث كثيرة بهذا المعنى والتفسير ، العلامة جلال الدين السيوطي في ذيل الآية الشريفة في تفسيره المشهور ، الدرّ المنثور في تفسير القرآن بالمأثور.
احتجاج عليعليهالسلام بحديث الغدير
لقد ذكر المؤرخون والمحدّثون بأنّ الإمام عليعليهالسلام احتج على خصومه بحديث الغدير في مواطن متعددة ، يريد بذلك إثبات خلافته للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مباشرة ، ويستدل به على إمامته على الأمة بعد رسول الله. فنفهم من احتجاجهعليهالسلام بجملة «من كنت مولاه فعلي
مولاه» أنّ المستفاد والمفهوم من المولى ، الإمامة والخلافة وهي التصرّف في شئون الأمّة والدولة الإسلامية.
ذكر كثير من أعلامكم احتجاجهعليهالسلام بحديث الغدير في مجلس الشورى السداسي الذي شكّله عمر بن الخطاب لتعيين خليفته وكان يريد باحتجاجه على القوم إثبات أولويته بمقام الخلافة والإمامة ، وأنّه أولى من غيره بإمرة المؤمنين وإمامة المسلمين.
منهم : الخطيب الخوارزمي في كتابه المناقب : ص ٢١٧.
وشيخ الإسلام الحمويني في كتابه فرائد السمطين / باب ٥٨.
والحافظ ابن عقدة في كتابه الولاية.
وابن حاتم الدمشقي في كتابه الدرّ النظيم.
وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة : ٦ ص ١٦٨ ، ط دار إحياء التراث العربي.
وقد ناشدعليهالسلام مرة أخرى أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في رحبة مسجد الكوفة فقال «أنشدكم الله! من سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : من كنت مولاه فعلي مولاه فليشهد!».
فشهد قوم ؛ وفي بعض الأخبار فشهد له ثلاثون نفرا من الصحابة ، وفي رواية بضعة عشر رجلا من الصحابة.
روى خبر مناشدته في الرحبة : أحمد بن حنبل في مسنده : ج ١ ص ١١٩ وج ٤ ص ٣٧٠.
وابن الأثير الجزري في أسد الغابة : ج ٣ ص ٣٠٧ وج ٥ ص ٢٠٥ و ٢٧٦.
وابن قتيبة في معارفه : ص ١٩٤.
والعلامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب.
وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٤ ص ٧٤ ط إحياء التراث العربي.
والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء : ج ٥ ص ٢٦.
وابن حجر العسقلاني في الإصابة : ج ٢ ص ٤٠٨.
والمحب الطبري في ذخائر العقبى : ص ٦٧.
والنسائي في الخصائص : ص ٢٦.
والعلاّمة السمهودي في جواهر العقدين.
وشمس الدين الجزري في أسنى المطالب : ص ٣.
والعلامة القندوزي الحنفي في ينابيع المودة / الباب ٤.
والحافظ ابن عقدة في كتابه الولاية أو الموالاة.
وغير هؤلاء الأعلام الأكابر رووا خبر احتجاج الإمام عليعليهالسلام ـ في رحبة مسجد الكوفة ـ بحديث الغدير وناشد الحاضرين قائلا : «أنشدكم الله! من سمع منكم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الغدير يقول : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فليقم وليشهد!».
فقام ثلاثون رجلا وشهدوا ، وكان اثنا عشر نفرا منهم ممن حضر بدرا ، كلّهم شهدوا لعليعليهالسلام وقالوا [نحن رأينا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم غدير خم وسمعناه يقول للناس : أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا : نعم ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من كنت مولاه فهذا علي مولاه الخ].
ولم يشهد بعضهم وكتموا منهم أنس بن مالك وزيد بن أرقم. فدعا عليهما الإمام عليعليهالسلام فعمى زيد وأصيب أنس بالبرص في جبهته
بين عينيه لأنّ علياعليهالسلام قال : اللهم ارمه بيضاء لا تواريها العمامة(١) .
__________________
(١) لقد نقل كثير من أعلام أهل السنّة خبر دعاء الإمام عليعليهالسلام على من كتم شهادته لحديث الغدير ولاهميته ننقله بالنصوص التي ذكروها ، منها : ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٤ ص ٧٤ / ط دار إحياء التراث العربي بيروت ، تحت عنوان [فصل في ذكر المنحرفين عن علي] قال :
[وذكر جماعة من شيوخنا البغداديين أنّ عدّة من الصحابة والتابعين والمحدّثين كانوا منحرفين عن عليعليهالسلام ، قائلين فيه السوء ، ومنهم من كتم مناقبه وأعان أعداءه ميلا مع الدنيا ، وإيثارا للعاجلة ، فمنهم أنس بن مالك.
ناشد عليعليهالسلام الناس في رحبة القصر ـ أو قال رحبة الجامع بالكوفة ـ : أيّكم سمع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : «من كنت مولاه فعلي مولاه»؟
فقام اثنا عشر رجلا فشهدوا بها ، وأنس بن مالك في القوم لم يقم ، فقال له : يا أنس ، ما يمنعك أن تقوم فتشهد ، ولقد حضرتها! فقال : يا أمير المؤمنين ، كبرت ونسيت.
فقال : اللهم إن كان كاذبا فأرمه بها بيضاء لا تواريها العمامة.
قال طلحة بن عمير : فو الله لقد رأيت الوضح به بعد ذلك أبيض بين عينيه. [أي أصيب بالبرص].]
وروى عثمان بن مطرّف : أنّ رجلا سأل أنس بن مالك في آخر عمره عن علي بن أبي طالب ، فقال : إنّي آليت ألاّ أكتم حديثا سئلت عنه في عليّ بعد يوم الرحبة ؛ ذاك رأس المتقين يوم القيامة : سمعته والله من نبيكم ـ وقال ابن أبي الحديد ـ :
وروى أبو إسرائيل عن الحكم عن أبي سليمان المؤذّن ، أنّ عليا عليهالسلام نشد الناس [من سمع رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ، يقول : «من كنت مولاه فعلي مولاه» ، فشهد له قوم وأمسك زيد بن أرقم ، فلم يشهد ـ وكان يعلمها ـ فدعا علي عليهالسلام عليه بذهاب البصير فعمى ، فكان يحدّث الناس بالحديث بعد ما كفّ بصره. انتهى كلام ابن أبي الحديد.]
__________________
أقول : وروى ابن الأثير في أسد الغابة : ج ٣ ص ٣٢١ عن ابن عقدة بسنده عن هاني ابن هاني عن أبي إسحاق أنه قال [حدّثني من لا أحصي ، أنّ عليا نشد الناس في الرحبة : من سمع قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه»؟
فقام نفر فشهدوا أنّهم سمعوا ذلك من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكتم قوم ، فما خرجوا من الدنيا حتى عموا وأصابتهم آفة.]
منهم : يزيد بن وديعة ، وعبد الرحمن بن مدلج.
روى هذا الخبر جمع من أعلم القوم منهم : الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد : ج ٩ ص ١٠٤.
وابن كثير في تاريخه : ج ٥ ص ٢٠٩ وج ٧ ص ٣٤٧.
والموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب : ص ٩٤.
أقول : وروى أحمد بن حنبل في مسنده : ج ١ ص ١١٩.
بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه [شهد عليا رضياللهعنه في الرحبة ، قال : أنشد الله رجلا سمع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وشهده يوم غدير خم إلاّ قام؟ ولا يقوم إلاّ من قد رآه.
فقام اثنا عشر رجلا فقالوا : قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول : اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله. فقام إلاّ ثلاثة لم يقوموا فدعا عليهم فأصابتهم دعوته.]
وأخرج ابن كثير في تاريخه : ج ٥ / ٢١١ وج ٧ / ٣٤٦ من طريق أبي يعلى وأحمد بإسناديه ثم قال : وهكذا رواه أبو داود الطهوي ورواه السيوطي في جمع الجوامع والمتقي في كنز العمال : ج ٦ / ٣٩٧ عن الدارقطني ، ولفظه [خطب عليّ فقال : أنشد الله امرئ نشدة الاسلام سمع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم غدير خم أخذ بيدي
__________________
يقول : ألست أولى بكم يا معشر المسلمين من أنفسكم؟ قالوا : بلى يا رسول الله! قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله ، إلاّ قام فشهد؟ فقام بضعة عشر رجلا فشهدوا ، وكتم قوم فما فنوا من الدنيا إلاّ عموا وبرصوا.]
وأخرج الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء : ج ٥ / ٢٦ : بسنده عن عميرة بن سعد قال : شهدت عليا على المنبر ناشدا أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفيهم أبو سعيد وأبو هريرة وأنس بن مالك وهم حول المنبر وعليّ على المنبر وحول المنبر اثنا عشر رجلا ، هؤلاء منهم فقال علي «نشدتكم بالله! هل سمعتم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول :من كنت مولاه فعلي مولاه؟ فقاموا كلهم فقالوا : اللهم نعم. وقعد رجل.
فقال : ما منعك أن تقوم؟ قال : كبرت ونسيت يا أمير المؤمنين. فقال : اللهم إن كان كاذبا فاضربه ببلاء حسن. قال : فما مات حتى رأينا بين عينيه نكتة بيضاء لا تواريها العمامة».
اعلم أيها القارئ الكريم أنّ مصادر العامّة في هذا الخبر وأمثاله أكثر مما ذكرت ولكن رعاية للاختصار أعرضت عن ذكرها جميعا.
وإنّي اتعجّب من هذا الأمر ، فإنّ الاسلام يحكم لكلّ مدّع يستند بشاهدين لإثبات حقّه ومدّعاه ، والإمام علي عليهالسلام شهد له كما في بعض الروايات ثلاثون رجلا ، كما في رواية أحمد في مسنده : ج ٤ / ٣٧٠ وأخرجه الحافظ الهيثمي في مجمعه وصحّحه ، وأخرجه سبط بن الجوزي في التذكرة ص ١٧ والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص ٦٥ والسيرة الحلبية : ج ٣ / ٣٠٢.
وهو مع ذلك مغلوب على أمره! وإلى اليوم لا يعترف له كثير من المسلمين ويرفضون حقّه الثابت في إمامته وفي خلافته لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مباشرة من غير فصل فهو الخليفة الأول ، ومن تقدم عليه غاصب لحقه من غير شك وريب.
فاحتجاج أمير المؤمنينعليهالسلام بحديث الغدير على خصومه لإثبات خلافته وإمامته على الأمة ، هو أكبر دليل على أنّ المقصود من كلمة المولى في حديث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الأولوية والتصرّف في شئون الأمة والدولة الإسلامية.
__________________
وأما الكلام في الروايات التي ذكرت عدد الشهود في مناشدة الإمامعليهالسلام ، باختلاف في عددهم فأقول : ربما تكرّرت مناشدة الإمام عليعليهالسلام المسلمين في حديث الغدير لأهميّته.
أو نقول : أنّ كلا من الرواة ذكر من عرفه أو التفت إليه ، أو أنّه ذكر من كان في جانبي المنبر أو من كان إلى جنبه ولم يلتفت إلى غيرهم كما نقل النّسائي في كتابه خصائص مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ٧ ٢٦ / طبع مطبعة التقدم بالقاهرة أخرج بسنده عن سعد بن وهب قال [قال علي كرم الله وجهه في الرحبة :أنشد بالله من سمع رسول الله ٦ يوم غدير خم يقول : إنّ الله ورسوله ولي المؤمنين ومن كنت وليه فهذا وليّه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره.
قال : فقال سعيد : قام إلى جنبي ستّة. قال زيد بن منيع : قام عندي ستة] فالشاهد في الخبر والمقصود ، العبارة الأخيرة ، أو لحساسيّة الموقف وأهميّته وكثرة الحاضرين ذهل بعض عن بعض فنقل كلّ راو من ضبطه من الشهود ، إلى غير ذلك من الاحتمالات.
وأودّ أن ألفت نظر القارئ الكريم إلى هذا الأمر وهو : أن المناشدة كانت بعد ما يقارب من خمسة وعشرين عاما من يوم الغدير ، وفي هذه المدّة كان كثير من الصحابة قد قضى نحبه وكثير منهم انتشروا في البلاد وكثير منهم كانوا يوم المناشدة في المدينة المنوّرة بعيدين عن الكوفة ، ثم إنّ المناشدة كانت من ولائد الساعة بالاتفاق والصدفة من غير أيّة سابقة وإعلام وكان في الحاضرين من يكتم شهادته سفها أو بغضا كما مرّت الروايات فيها ، ومع ذلك شهد للإمام علي عليهالسلام جمّ غفير ، فكيف لو لم تكن الموانع؟ «المترجم»
وهنا علا صوت المؤذن لصلاة العشاء وانقطع كلامنا.
القرينة الرابعة
وبعد ما انتهى القوم من صلاة العشاء وشربوا الشاي وتناولوا الفاكهة ، ابتدأت بالكلام فقلت :
وأما القرينة الأخرى التي تدلّ على أنّ معنى المولى في كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الغدير هو الأولويّة في التّصرف في شئون الأمة والدولة ، قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم «ألست أولى بكم من أنفسكم؟ ، يشير صلوات الله وسلامه عليه إلى الآية الشريفة :( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) (١)
فقال الحاضرون كلهم : بلى يا رسول الله! فقال حينئذ : من كنت مولاه فهذا علي مولاه». فسياق الكلام واضح والمرام أوضح وهو تثبيت ولاية عليعليهالسلام وأنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما أنّ النبي أولى بهم.
الحافظ : لقد ذكر هذه الجملة بعض المحدثين وهم قليل فأكثر المحدثين وأعلامهم لم يذكروا بأنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال : ألست أولى بكم من أنفسكم!
قلت : صحيح أنّ عبارات المحدثين وألفاظهم في نقل حديث الغدير وخطبة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في ذلك اليوم مختلفة ، ولكنّ الذين ذكروا جملة : «ألست أولى بكم من أنفسكم» عن لسان رسول الله غير قليلين ، إضافة إلى جمهور علماء الشيعة ومحدثيهم وإجماعهم على ذلك. وأما أعلامكم الذين ذكروا هذه الجملة من حديث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
__________________
(١) سورة الأحزاب ، الآية ٦.
وخطبته يوم الغدير فكثير منهم :
١ ـ سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمّة : ص ١٨.
٢ ـ أحمد بن حنبل في / المسند.
٣ ـ ابن الصبّاغ المالكي في / الفصول المهمة.
٤ ـ الحافظ أبو بكر البيهقي في / تاريخه.
٥ ـ أبو الفتوح العجلي في / الموجز في فضائل الخلفاء الاربعة.
٦ ـ الخطيب الخوارزمي في / المناقب / الفصل ١٤.
٧ ـ العلامة الكنجي الشافعي في / كفاية الطالب / الباب الأول.
٨ ـ الحافظ الشيخ سليمان القندوزي في / ينابيع المودة / الباب ٤.
نقله من مسند الإمام أحمد ومشكاة المصابيح وسنن ابن ماجة وحلية الأولياء للحافظ أبي نعيم ومناقب ابن المغازلي الشافعي وكتاب الموالات لابن عقدة ، وكثير من أعلامكم غير من ذكرنا أسماءهم ، كلهم ذكروا فيما رووا عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الغدير أنه قال «ألست أولى بكم من أنفسكم؟».
فقالوا : بلى! قال «من كنت مولاه فعلي مولاه الخ».
والآن لكي يتبرّك مجلسنا أنقل لكم نص ما رواه إمام اصحاب الحديث أحمد بن حنبل في مسنده : ج ٤ ص ٢٨١.
أخرج بسنده عن البراء بن عازب قال [كنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في سفره فنزلنا بغدير خم ونودي فينا بالصلاة جامعة فصلّى الظهر وأخذ بيد عليّ فقال «ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعلمون أنّي أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا : بلى ، قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من
عاداه». فلقيه عمر بن الخطاب بعد ذلك فقال له : هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.]
رواه المير علي الهمداني الشافعي في مودة القربى / المودّة الخامسة.
ورواه الحافظ القندوزي في ينابيع المودة / الباب الرابع.
ورواه الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء.
رووه مع اختلاف يسير في ألفاظه والمعنى واحد.
وروى ابن الصبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة عن الحافظ أبي الفتح ما نصه ، فقال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) «أيها الناس! إنّ الله تبارك وتعالى مولاي وأنا أولى بكم من أنفسكم ، ألا ومن كنت مولاه فعلي مولاه».
وروى ابن ماجة في سننه والنسائي في خصائصه في باب / ذكر قول النبي «من كنت وليه فهذا وليه(١) ».
أخرج بسنده عن زيد بن أرقم أنّه صلى الله عليه وسلّم [فحمد الله وأثنى عليه ثم قال «ألستم تعلمون أنّي أولى بكل مؤمن من نفسه؟
قالوا : بلى نشهد ، لأنت أولى بكل مؤمن من نفسه.
قال : فإني من كنت مولاه فهذا مولاه». وأخذ بيد عليّعليهالسلام .]
ونقل ابن حجر خطبة النبي في يوم الغدير وذكر فيها قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : أيها الناس! إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فهذا مولاه ـ يعني عليا ـ اللهم وال من والاه وعاد من عاداه / الصواعق المحرقة ٢٥ / ط / المطبعة
__________________
(١) خصائص مولانا علي بن أبي طالبعليهالسلام : ص ٢٢ / ط مطبعة التقدم بالقاهرة.
«المترجم»
الميمنية بمصر.
وأخرج الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي المتوفّى ٤٦٣ هجرية في تاريخه : ج ٨ / ٢٩٠ / بسنده عن أبي هريرة أنه قال : من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا ، وهو يوم غدير خم لمّا أخذ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بيد علي بن أبي طالب فقال «ألست وليّ المؤمنين؟ قالوا : بلى يا رسول الله».
قال : من كنت مولاه فعليّ مولاه الخ(١) .
__________________
(١) أرى نقل خبر أبي هريرة بكامله من تاريخ بغداد أتم للفائدة قال أبو هريرة بعد ذكره حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : [من كنت مولاه فعليّ مولاه» : فقال عمر بن الخطاب : بخ بخ لك يا ابن أبي طالب : أصبحت مولاي ومولى كل مسلم.
فأنزل الله : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) الخ.]
فيا ترى ما هذا الأمر الذي أكمل الله به الدين وأتمّ النعمة به على المسلمين ، ومن يرفضه فانّ الله تعالى لا يقبل منه الاسلام ويحاسبه محاسبة الكفار والمنافقين؟
أليس ذلك ولاية علي بن أبي طالب عليهالسلام وإمامته التي نقول أنّها من أصول الدين؟
وهي التي سوف نسأل عنها وتسألون يوم القيامة ، كما يسأل عن التوحيد والنبوّة وسائر المعتقدات والفرائض.
وقد جاء في تفسير قوله تعالى : ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) الصافات / ٢٤ / روى عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال «أي مسئولون عن ولاية علي». سلام الله عليه ، كما رواه شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين / الباب الرابع عشر. وجمال الدين الزرندي في نظم درر السمطين. وابن حجر في الصواعق المحرقة : ص ٨٩ / ط المطبعة الميمنية بمصر والحضرمي في رشفة الصادي / ٢٤ ، والعلاّمة الآلوسي في تفسيره روح المعاني روى عن ابن جبير وابن عباس وأبي سعيد الخدري قال : يسألون عن ولاية علي كرّم الله وجهه وقال الآلوسي في تفسيره : ج ٢٣ / ٧٤ في تفسيره للآية الشريفة
__________________
وبعد أن عدّ الأقوال فيها : وأولى هذه الأقوال أنّ السؤال عن العقائد والأعمال ورأس ذلك لا إله إلاّ الله ومن أجلّه ولاية عليّ كرّم الله تعالى وجهه.
والكشفي الترمذي في (مناقب مرتضوي) وأحمد بن حنبل في المسند عن أبي سعيد الخدري أنّه يسأل في القيامة عن ولاية علي بن أبي طالب. وروى الديلمي في الفردوس عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري قال في قوله تعالى : أي يسألون عن الإقرار بولاية علي بن أبي طالب.
وفي أرجح المطالب ص ٦٣ : يسألون عن ولاية علي عليهالسلام .
والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء ، روى بسنده عن الشعبي عن ابن عباس : أي يسألون عن ولاية علي بن أبي طالب.
وقال الحافظ الواحدي في تفسير البسيط ونقل عنه ابن حجر في الصواعق ٨٩ / في الفصل الأول / الآية الرابعة أنه قال : روي في قوله تعالى :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) أي عن ولاية علي وأهل البيت ، لأنّ الله أمر نبيه (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أن يعرّف الخلق أنّه لا يسألهم على تبليغ الرسالة أجرا إلا المودّة في القربى ، والمعنى أنهم يسألون : هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أم أضاعوها وأهملوها فتكون عليهم المطالبة والتبعة؟ انتهى.
والفرق بين المحبة والمودّة ، أنّ المحبّة مكنونة في القلب والمودّة إظهار المحبّة المكنونة وذلك باطاعة المحب للمحبوب وزيارته والسعي في مسرّته وكسب مرضاته ، وقد قيل :
إن كان حبك صادقا لأطعته |
إنّ المحب لمن يحب مطيع |
وروى الخطيب الخوارزمي الحنفي في المناقب / ٢٢٢ / ط ايران سنة ١٣١٢ هجرية ، وأخرجه أيضا في كتابه مقتل الحسين عليهالسلام : ج ٢ / ٣٩ / ط النجف الأشرف سنة ١٣٦٧ هجرية بسند آخر عن الحسن البصري عن عبد الله قال [قال رسول الله «إذا
__________________
كان يوم القيامة يقعد علي بن أبي طالب على الفردوس وهو جبل قد علا على الجنة وفوقه عرش رب العالمين ومن سفحه تنفجر أنهار الجنة وتتفرّق في الجنان وهو جالس على كرسي من نور يجري بين يديه التسنيم ، فلا يجوز أحد الصراط إلا ومعه براءة بولايته وولاية أهل بيته ، يشرف فيدخل محبّيه الجنة ومبغضيه النار».
ومن طريق البيهقي عن الحاكم النيسابوري بإسناده عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم [إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ونصب الصراط على جسر جهنم لم يجزها أحد إلاّ من كانت معه براءة بولاية علي بن أبي طالب] وأخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة : ج ٢ / ١٧٢.
فيا ترى ما هذه الولاية التي لولاها لم يدخل أحد الجنة ومن فقدها فمصيره جهنم وبئس المصير؟!
ثم أعلم أيها القارئ الكريم! لقد فسّر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كلمة المولى وأوضح مراده وكشف مقصده حينما سئل عن المعنى ، ولقد أخرج القرشي علي بن حميد في شمس الأخبار / ٣٨ نقلا عن «سلوة العارفين» للموفّق بالله الحسين بن اسماعيل الجرجاني والد المرشد بالله ، بإسناده عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه [لما سئل عن معنى قوله : من كنت مولاه فعليّ مولاه؟ قال «الله مولاي أولى بي من نفسي لا أمر لي معه ، وأنا مولى المؤمنين أولى بهم من أنفسهم لا أمر لهم معي ، ومن كنت مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معي ، فعليّ مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معه».]
وقد ذكرنا أنّ ابن حجر نقل في صواعقه صفحة ٢٥ / خطبة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في غدير خم ومن جملة حديثه الشريف :«أيها الناس! إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فهذا «علي» مولاه الخ».
ولا يخفى عليك أهميّة فاء التفريع في قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم «ـ فمن كنت مولاه فهذا مولاه ـ».
__________________
فيكون معناه : أنه كلما يكون لي من الولاية والأولوية يكون لعليعليهالسلام .
وهناك بعض الأخبار التي ذكرها بعض أعلام السنّة يصرّح فيها عمر بن الخطاب بأنّ علياعليهالسلام كان أولى من غيره بهذا الأمر.
ذكر الراغب في محاضراته : ج ٧ / ٢١٣ [عن ابن عباس قال : كنت أسير مع عمر ابن الخطاب في ليلة وعمر على بغل وأنا على فرس ، فقرأ آية فيها ذكر علي بن أبي طالب ، فقال : أما والله يا بني عبد المطلب لقد كان علي فيكم أولى بهذا الأمر منّي ومن أبي بكر!! فقلت في نفسي لا أقالني الله إن أقلته.
فقلت : أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين؟ وأنت وصاحبك وثبتما وأ فرغتما الأمر منّا دون الناس!
فقال : إليكم يا بني عبد المطلب! أما إنّكم أصحاب عمر بن الخطاب : فتأخّرت وتقدّم هنيهة ، فقال : سر ، لا سرت ، وقال : أعد عليّ كلامك. فقلت : إنما ذكرت شيئا فرددت عليه جوابه ولو سكتّ سكتنا! فقال : إنّا والله ما فعلنا الذي فعلنا عن عداوة ولكن استصغرناه ، وخشينا أن لا يجتمع عليه العرب وقريش لما قد وترها!
قال : فأردت أن أقول : كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يبعثه فينطح كبشها فلم يستصغره ، أفتستصغره أنت وصاحبك؟
فقال : لا جرم ، فكيف ترى؟ والله ما نقطع أمرا دونه ولا نعمل شيئا حتى نستأذنه!!] وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ٦ / ٥٠ و ٥١ / ط دار أحياء التراث العربي بيروت : [يروي عن عمر بن شبّه بسنده عن ابن عباس أنه قال : قال لي ـ أي عمر بن الخطاب ـ : يا ابن عباس ، أما والله إنّ صاحبك هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) إلاّ أنّا خفناه على اثنين.
قال ابن عباس : فجاء بكلام لم أجد بدّا من مسألته عنه.
أظن أنه يكفي ما ذكرناه في خصوص قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ألست أولى بكم من أنفسكم»؟ فلما أقرّوا له قال «من كنت مولاه فعلي مولاه». فهذه الجملة بعد ذلك الإقرار ، دليل واضح على أنّ المراد من المولى الأولوية الثابتة للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بنص القرآن الحكيم.
القرينة الخامسة
لقد أثبت المؤرخون وسجّل المحدّثون أنّ حسان بن ثابت الأنصاري أنشأ أبياتا في محضر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الغدير بعد أن نصب عليا بالخلافة والإمامة وشرح ذلك الموقف الخطير في شعره الشهير بمناسبة الغدير.
فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما ذكر سبط ابن الجوزي وغيره : يا حسّان لا تزال مؤيّدا بروح القدس ما نصرتنا أو نافحت عنّا بلسانك.
وقد ذكر ذلك كثير من أعلامكم منهم :
الحافظ ابن مردويه أحمد بن موسى المفسر والمحدّث الشهير في القرن الرابع الهجري المتوفى سنة ٣٥٢ في كتابه المناقب.
وصدر الأئمة الموفّق بن أحمد الخوارزمي في المناقب والفصل
__________________
فقلت : ما هما يا أمير المؤمنين؟
قال : خفناه على حداثة سنّه وحبّه بني عبد المطلب!!]
كفى للمنصف هذه التصريحات في أولويّة الإمام علي عليهالسلام بالخلافة والإمامة على الأمة ، وأنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
«المترجم»
الرابع من كتابه مقتل الحسينعليهالسلام .
وجلال الدين السيوطي في كتابه «رسالة الأزهار».
والحافظ أبو سعيد الخرگوشي في «شرف المصطفى».
والحافظ أبو الفتح النطنزي في الخصائص العلوية.
والحافظ جمال الدين الزرندي في نظم درر السمطين.
والحافظ أبو نعيم في ما نزل من القرآن في علي.
وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين / باب ١٢.
والحافظ أبو سعيد السجستاني في كتابه الولاية.
وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / ٢٠.
والعلاّمة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / الباب الأول.
وغير هؤلاء الأعلام من علماء العامة ومؤرّخيهم ذكروا عن أبي سعيد الخدري أنه قال [أنّ حسان بن ثابت قام بعد ما فرغ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من خطابه يوم الغدير ، فقال : يا رسول الله! أتأذن لي أن أقول أبياتا؟]
فقال له النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم «قل على بركة الله تعالى».
فصعد على مرتفع من الأرض وارتجل بهذه الأبيات :
[يناديهم يوم الغدير نبيّهم |
بخمّ فاسمع بالرسول مناديا |
|
وقال : فمن مولاكم ووليّكم؟ |
فقالوا : ولم يبدوا هناك التّعاميا |
|
إلهك مولانا وأنت وليّنا |
ولم تلف منّا في الولاية عاصيا |
|
فقال له : قم يا علي فإنّني |
رضيتك من بعدي إماما وهاديا |
|
من كنت مولاه فهذا وليّه |
فكونوا له أنصار صدق مواليا] |
|
هناك دعا : اللهم وال وليه |
وكن للذي عادى عليا معاديا |
فيتّضح ـ لكلّ منصف ـ من هذه الأبيات : أنّ الأصحاب والحاضرين في يوم الغدير فهموا من حديث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وخطابه وعمله أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم نصب علياعليهالسلام إماما وخليفة على الناس ، وأن رسول الله لم يقصد من كلمة المولى سوى الولاية والأولوية والتصرّف في شئون العامّة. فلذا صرّح بذلك حسّان في شعره بمسمع منهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومراى :
فقال له [قم يا علي فانّني |
رضيتك من بعدي إماما وهاديا(١) ] |
__________________
(١) نجد لغير حسان أيضا من الصحابة أبياتا تتضمّن هذا المعنى منهم الصحابي الجليل سيّد الخزرج قيس بن سعد الخزرجي الأنصاري ، كما ذكر أبيات شعره سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة خواص الأمة / ٢٠ / فقال : إنّ قيس أنشدها بين يدي عليّعليهالسلام في صفين :
قلت لمّا بغى العدوّ علينا : |
حسبنا ربّنا ونعم الوكيل |
|
حسبنا ربنا الذي فتح البصر |
ة بالأمس والحديث طويل |
ويقول فيها :
وعلي إمامنا وإمام |
لسوانا أتى به التنزيل |
|
يوم قال النبي : من كنت مولا |
ه فهذا مولاه خطب جليل |
|
إنما قاله النبي على الأمة |
حتم ما فيه قال وقيل |
ومنهم عمرو بن العاص مع ما كان يحمله من البغضاء والعداء على أمير المؤمنين عليهالسلام ، لكنه حينما تشاجر مع معاوية حول ولاية مصر وخراجه ردّ على كتاب معاوية بقصيدة معروفة بالجلجلية ، ولكي تعرف مصادرها من كتب العامّة راجع كتاب الغدير للعلامة الكبير والحبر الخيبر الأميني قدسسره : ج ٢ ص ١١٤ وما بعد. قال فيها :
[نصرناك من جهلنا يا ابن هند |
على النبأ الأعظم الأفضل |
|
وحيث رفعناك فوق الرءوس |
نزلنا إلى أسفل الأسفل |
__________________
وكم قد سمعنا من المصطفى |
وصايا مخصّصة في علي؟ |
|
وفي يوم «خمّ» رقى منبرا |
يبلّغ والركب لم يرحل |
|
وفي كفّه كفّه معلنا |
ينادي بأمر العزيز العلي |
|
ألست بكم منكم في النفوس |
بأولى؟ فقالوا : بلى فافعل |
|
فأنحله إمرة المؤمنين |
من الله مستخلف المنحل |
|
وقال : فمن كنت مولى له |
فهذا له اليوم نعم الولي |
|
فوال مواليه يا ذا الجلال |
وعاد معادي أخ المرسل |
|
ولا تنقضوا العهد من عترتي |
فقاطعهم بي لم يوصل |
|
وقال وليكم فاحفظوه |
فمدخله فيكم مدخلي |
|
فبخبخ شيخك لما رأى |
عرى عقد حيدر لم تحلل] |
إلى آخر قصيدته التي يقول فيها مخاطبا لمعاوية :
[فأنّك في إمرة المؤمنين |
ودعوى الخلافة في معزل |
|
ومالك فيها ولا ذرّة |
ولا لجدّك بالأوّل |
|
فإن كان بينكما نسبه |
فأين الحسام من المنجل؟! |
|
وأين الحصى من نجوم السما؟ |
وأين معاوية من علي؟!] |
أيها القارئ الكريم فكر في معنى البيتين وأنصف!
[فأنحله إمرة المؤمنين |
من الله مستخلف المنحل |
|
وقال وليكم فاحفظوه |
فمدخله فيكم مدخلي] |
هكذا فهم عمرو بن العاص حديث النبي وخطابه في الغدير.
«المترجم»
ولو كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يقصد غير ما قاله حسّان لأمر بتغير شعره ولكنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أيّد شعر حسّان وقال له «لا تزال مؤيّدا بروح القدس». وفي بعض الأخبار «لقد نطق روح القدس على لسانك!». وهذا البيت يؤيّد ويصدّق ما رواه الطبري في كتابه الولاية من خطبة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في يوم الغدير فقال فيما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«اسمعوا وأطيعوا فإنّ الله مولاكم وعليّ إمامكم ثم الإمامة في ولدي من صلبه إلى يوم القيامة.
معاشر الناس هذا أخي ووصيّي وواعي علمي وخليفتي على من آمن بي وعلى تفسير كتاب ربي».
الذين نقضوا العهد
على أيّ تقدير ، سواء تفسّرون حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بما نفسره نحن الشيعة ، أو بتفسيركم أنتم بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أراد من قوله : «من كنت مولاه فعلي مولاه» أي المحب والناصر ، فممّا لا شك فيه أنّ الأصحاب خالفوا علياعليهالسلام بعد رسول الله في قضية الخلافة وخذلوه ولم ينصروه ، فنقضوا العهد الذي أخذه منهم نبيهم في الإمام عليعليهالسلام ، وهذا ما لا ينكره أحد من أهل العلم والاطّلاع من الفريقين.
فعلى تقدير معنى المولى وتفسيره بالمحب والناصر ، وأنّ النبي يوم الغدير أمر أصحابه أن يحبوا عليا وينصروه. فهل هجومهم على باب داره وإتيانهم النار ، وتهديدهم بحرق الدّار ومن فيها ، وترويعهم أهل البيت الشريف ، وإيذاؤهم فاطمة وأبناءها ، وإخراجهم عليا من البيت
كرها مصلتين سيوفهم عليه ، يهدّدونه بالقتل إن لم يبايع أبا بكر ، وضربهم حبيبة رسول الله وبضعته الزهراء حتى أسقطوا جنينها المحسن!!
فهل هذه الجرائم والجنايات التي ارتكبها كثير من الصحابة كان امتثالا لأمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الغدير؟! أم كان خلافا له وهل كل ما فعلوه من حين السقيفة وبعدها إلى وفاة السيدة فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، يوافق ما فسّرتموه من معنى المولى؟ أم انبعثت وكشفت عن البغضاء والشحناء؟!
وهل هذه الأعمال الوحشية ، كانت المودّة التي فرضها الله على المسلمين لقربى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ ومن أقرب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من فاطمة؟!
والله سبحانه يقول :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (١) .
وأمرهم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بصلة أقربائه وأمرهم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يصلوا أقرباءه ولا يقطعوهم كما جاء في حلية الأولياء لأبي نعيم ، وذكره الحمويني أيضا عن عكرمة عن ابن عباس كما نقله عنهما الحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودة / الباب الثالث والأربعون.
ونقله عن حلية الأولياء ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٩ / ١٧٠ / الخبر الثاني عشر / ط دار إحياء التراث العربي :
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «من سره أن يحيا حياتي ويموت مماتى ويسكن جنّة عدن التي غرسها ربّي ، فليوال عليا من بعدي وليوال وليه وليقتد بالأئمة من بعدي ، فإنهم عترتي ، خلقوا من طينتي ورزقوا فهما
__________________
(١) سورة الشورى ، الآية ٢٣.
وعلما ، فويل للمكذبين من أمتي القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي».
وكلهم قد عاهدوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على مودّة أهل بيته ولكنهم نقضوا العهد ، وكأنّهم ما سمعوا ولم يقرءوا كتاب الله العزيز حيث يقول :( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (١) .
فاتركوا التعصب واتبعوا الحق تسعدوا!
الحافظ : لا نسمح لكم أن تنسبوا صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الى نقض العهد والميثاق ، وهم المجاهدون في سبيل الله والصابرون في سوح القتال والمتحمّلون ضربات السيوف وطعنات الرماح!!
كيف تجيزون أنفسكم أن تنسبوا أولئك المؤمنين والمجاهدين إلى نقض العهد والميثاق؟!
إنّ تهجّمكم على الصحابة الكرام وتجرّأكم عليهم بنسبة ما لا يليق بهم سبب لتكفيركم عند أكثر أهل السنّة.
قلت : إن كان هذا الأمر سببا تكفيرنا ، فالصحابة كلهم كافرون! وعلماؤكم وأعلامكم أكثرهم كافرون! لأنّنا ننقل عنهم ، ولا نقول شيء بغير دليل ، وإنما دائما نذكر مصادر ما نقوله فيهم من كتبكم ومسانيدكم وهذا واضح للحاضرين في ما تحدثنا وناقشناه في المجالس السالفة.
ولكننا نمتاز بأننا نضع النقاط على الحروف ونلفت أنظار المسلمين إلى أعمال الصحابة وأفعالهم ، فنمدح محسنهم ونؤيّد حسناته ليرغب
__________________
(١) سورة الرعد ، الآية ٢٥.
المؤمنون بالتأسّي والاقتداء بهم ، ويحبّونهم لحب الله وحبّ الخير والحق والاحسان.
ونقدح بالمسيء من الصحابة ونذمّهم لسيئاتهم ومنكراتهم وما عملوا من الباطل ، حتى يتبرّأ المؤمنون منهم ، ويستنكروا أفعالهم المنافية للإيمان والوجدان وللسنّة والقرآن!! لكي لا يرتكبوها ولا يكرّروها بحجّة الاقتداء بالصحابة ، فإنّ منهم الصالحين ومنهم الطالحين.
ملخص الكلام : نحن إنّما ننشر فضائل المحسنين وفضائح المسيئين من الصحابة ، من باب نشر المعروف وإنكار المنكر ، ولكي نعطي كل ذي حقّ حقّه.
فإن تنكرون علينا هذا الأمر وتكفّرونا من أجله ، فالأحرى أن تنكروا على صحابة الرسول وتكفّروهم حتى الشيخين! لأنهم كانوا ينتقدون بعضهم بعضا ويطعن بعضهم في بعض وكانوا يتساببون ويتقاتلون!! وإنّ أحداث السقيفة وهجوم القوم على دار فاطمةعليهاالسلام وأحداث قتل عثمان وحرب الجمل وصفّين أدلّ دليل على ذلك.
وأنتم إمّا تجهلون الحقائق أو تتجاهلون ، أو أنّ محبّتكم للصحابة وصلت إلى حدّ المثل الشائع :
«حبّ الشيء يعمي ويصم» ، لذلك حينما تسمع مني بأنّ الصحابة بعضهم نقضوا عهد الله وميثاقه الذي أخذه عليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فتغضب وتتعصّب للصحابة وتنكر الخبر!! ومقتضى الحال أن تطالبني بالدليل قبل أن تغضب وتتعصب.
الحافظ : الآن أطالبك بدليلك ، فات به إن كنت من الصادقين!
أكثرهم نقضوا العهد
أولا : ثبت عند كل عالم ذي وجدان وصاحب ضمير ، أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الغدير أخذ العهد والميثاق من أصحابه على حب عليّ ونصرته وموالاته وطاعته ، فيا ترى هل نصروه في أحداث السقيفة وما بعدها أم خذلوه؟ ونقضوا عهد الله وميثاقه الذي أخذه عليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الغدير وخالفوه؟!
ثانيا : قد صدر منهم في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم نقض العهد أيضا ، فإنهم بايعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعاهدوه على أن يقاتلوا دونه ولا يتركوه في المعركة ولا يولّوا الدّبر للأعداء ، بل يقابلوهم وجها لوجه حتى ينالوا إحدى الحسنيين. ولقد حذّرهم الله سبحانه من الفرار والهزيمة في القتال والجهاد فقال :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ* وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (١) .
وقد ذكر كثير من محدثيكم ومؤرخيكم أنّ كثيرا من الأصحاب انهزموا وفرّوا يوم حنين ، وأجمعوا أنّ جلهم فروا يوم أحد وفي خيبر ومنهم الشيخان وعثمان :
أخرج ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٥ / ٢٤ / طبع دار إحياء التراث العربي عن الواقدي قال [.. وكان ممن ولى : عمر وعثمان والحارث بن حاطب وثعلبة بن حاطب وسواد بن غزية وسعد
__________________
(١) سورة الأنفال ، الآية ١٥ و ١٦.
ابن عثمان وعقبة بن عثمان وخارجة بن عمر ولقيتهم أم أيمن تحثى في وجوههم التراب وتقول لبعضهم : هاك المغزل فاغزل به!!]
واحتجّ من قال بفرار عمر بما رواه الواقدي في كتاب المغازي في قصة الحديبية ، قال [قال عمر يومئذ : يا رسول الله ، ألم تكن حدّثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام وتأخذ مفتاح الكعبة وتعرّف مع المعرّفين وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحر؟!! فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «أقلت لكم في سفركم هذا؟». قال عمر : لا.
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم «أما إنكم ستدخلونه وآخذ مفتاح الكعبة وأحلق رأسي ورءوسكم ببطن مكة وأعرّف مع المعرّفين ؛ ثم أقبلصلىاللهعليهوآلهوسلم على عمر وقال : أنسيتم يوم احد( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ ) (١) وأنا أدعوكم في أخراكم!
أنسيتم يوم الأحزاب( إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا ) (٢) !».
أنسيتم يوم كذا! وجعلصلىاللهعليهوآلهوسلم يذكّرهم أمورا.
أنسيتم يوم كذا!
فقال المسلمون : صدق الله وصدق رسوله ، أنت يا رسول الله أعلم بالله منا.
فلمّا دخل عام القضيّة وحلق رأسه قال «هذا الذي كنت وعدتكم به». فلما كان يوم الفتح وأخذ مفتاح الكعبة قالصلىاللهعليهوآلهوسلم «أدعوا إليّ عمر بن الخطاب ، فجاء فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : هذا الذي كنت قلت لكم».
قالوا : فلو لم يكن فرّ يوم أحد لما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم له : أنسيتم يوم أحد
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ١٥٣.
(٢) سورة الأحزاب ، الآية ١٠.
( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ ) (١) (٢) ]
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ١٥٣.
(٢) قال الله سبحانه في سورة التوبة الآية ٢٥ :( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ) .
فيا ترى من هؤلاء الذين ولّوا مدبرين؟
أخرج البخاري في : ج ٣ / ٦٧ / طبع عيسى البابي الحلبي بمصر : عن أبي محمد مولى أبي قتادة قال [لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين ، وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله ، فأسرعت إلى الذي يختله فرفع يده ليضربني فضربت يده فقطعتها وانهزم المسلمون وانهزمت معهم فإذا بعمر بن الخطّاب في الناس! فقلت له : ما شأن الناس؟ قال : أمر الله
وقال سبحانه وتعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ) آل عمران / ١٥٥.
اتفق المفسرون أنّ الآية تشير إلى الفارّين يوم أحد وكان منهم عمر وعثمان.]
ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ١٥ / ٢٠ / طبعة دار إحياء التراث العربي عن الواقدي قال : وبايعه يومئذ على الموت ثمانية : ثلاثة من المهاجرين ، وخمسة من الأنصار ، فأمّا المهاجرون فعليّ عليهالسلام وطلحة والزبير ؛ وأمّا الأنصار فأبو دجانة والحارث بن الصمّة والحباب بن المنذر وعاصم بن ثابت وسهل بن حنيف ، ولم يقتل منهم ذلك اليوم أحد ؛ وأمّا باقي المسلمين ففرّوا ورسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يدعوهم في أخراهم.]
قال ابن أبي الحديد : قلت قد اختلف في عمر بن الخطاب هل ثبت يومئذ أم لا؟ مع اتفاق الرواة كافّة على أنّ عثمان لم يثبت ، فالواقدي ذكر أنّه [أي عمر] لم يثبت الخ] وقال الفخر الرازي في مفاتيح الغيب : ج ٩ / ٥٢ : ومن المنهزمين [عمر ، إلا أنّه لم يكن في أوائل المنهزمين ومنهم عثمان انهزم مع رجلين من الأنصار يقال
__________________
لهما : سعد وعقبة انهزموا حتى بلغوا موضعا بعيدا ، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام]
وقال الآلوسي في تفسيره روح المعاني : ج ٤ / ٩٩ [فقد ذكر أبو القاسم البلخي أنّه لم يبق مع النبي (صلى الله عليه وسلّم) يوم أحد إلا ثلاثة عشر نفسا ، خمسة من المهاجرين : أبو بكر وعليّ وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص ، والباقون من الأنصار وأمّا سائر المنهزمين فقد اجتمعوا على الجبل ، وعمر بن الخطاب (رض) كان من هذا الصنف كما في خبر ابن جرير.]
وقال النيسابوري في تفسيره غرائب القرآن : ج ٤ / ١١٢ ـ ١١٣ بهامش تفسير الطبري [الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أنّ نفرا قليلا تولّوا ، وابعدوا فمنهم من دخل المدينة ومنهم من ذهب إلى سائر الجوانب ومن المنهزمين عمر.]
وقال السيوطي في تفسيره الدرّ المنثور : ج ٢ / ٨٨ ـ ٨٩ : قال [أي عمر] [لما كان يوم أحد هزمناهم ، ففررت حتى صعدت الجبل ، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى.]
ثم قال السيوطي : أخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال [كان الذين ولوا الدبر يومئذ : عثمان بن عفّان وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان من الأنصار من بني زريق.]
أقول : وأخرجه الطبري أيضا في تفسيره جامع البيان : ج ٤ / ٩٥ ـ ٩٦.
قال الزمخشري : استزلّهم ، طلب منهم الزلل ، ودعاهم إليه ببعض ما كسبوا من ذنوبهم.
فمعناه ، الذين فرّوا يوم أحد إنما أطاعوا الشيطان إذ دعاهم إلى نفسه بالفرار من الجهاد في سبيل الله ، ففرّوا من الله سبحانه إلى حيث أمرهم الشيطان!!
وقال السيوطي في الدر المنثور : ج ٢ / ٨٨ ـ ٨٩ : عن سعيد بن جبير [إن الذين تولّوا منكم ، يعني : انصرفوا عن القتال منهزمين يوم التقى الجمعان ، يوم أحد حين التقى جمع المسلمين وجمع المشركين ، فانهزم المسلمون عن النبي (صلّى الله عليه
__________________
[وآله] وسلّم) وبقي في ثمانية عشر رجلا ، إنّما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ، يعني : تركوا المركز.]
أقول : وقد اشتهر بين المحدثين والمؤرخين فرار الشيخين في أحد ، فكما قرأت أقوالهم عن فرار عمر وعثمان هلمّ معي إلى ما نقلوه عن أبي بكر.
قال المتقي الهندي في كنز العمال : ج ٥ / ٢٧٤ : عن عائشة قالت : كان أبو بكر اذا ذكر أحد بكى ـ إلى أن قالت ـ ثم أنشأ ـ يحدّث ، قال [كنت أوّل من فاء يوم أحد.]. (الحديث).
أقول : الفيء الرجوع ، ومع الواضح أنه لا رجوع الاّ بعد الهزيمة والفرار.
قال في كنز العمال : أخرجه الطيالسي وابن سعد وابن السني والشاشي والبزّار والطبراني في الأوسط وابن حبّان والدارقطني في الإفراد وأبو نعيم في المعرفة وابن عساكر والضياء المقدسي ، انتهى.
أقول : ونقل كثير من أعلام السنة روايات في فرار أبي بكر وعمر يوم خيبر ، فقد أخرج علي بن أبي بكر الهيثمي في مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٢٤ / عن ابن عباس أنه قال [بعث رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) إلى خيبر ، أحسبه قال : أبا بكر ، فرجع منهزما ومن معه ، فلما كان من الغد بعث عمر فرجع منهزما يجبّن أصحابه ويجبّنه أصحابه الخ.]
وفي كنز العمال : ج ٦ / ٣٩٤ / أخرج بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال :
[فإنّ رسول الله (ص) بعث أبا بكر ـ يعني يوم خيبر ـ فسار بالناس ، فانهزم حتى رجع عليه وبعث عمر فانهزم بالناس ، حتى انتهى إليه الخ] قال في كنز العمال : أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وابن ماجه والبزار وابن جرير وصححه والطبراني في الأوسط والحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل والضياء المقدسي.
__________________
وفي مستدرك الصحيحين : ج ٣ / ٣٨ [روى بسنده عن جابر أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم دفع الراية يوم خيبر إلى عمر فانطلق فرجع يجبّن أصحابه ويجبّنونه. قال هذا حديث صحيح على شرط مسلم.]
أقول : لقد أفتى كثير من العلماء وفقهاء الفريقين ، أنّ الفرار من الزحف ، من الذنوب الكبيرة التي لا كفّارة لها. كالشرك. مستندين إلى ما رواه المحدثون : «خمس ليس لهنّ كفّارة : الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق ـ إلى أن قال ـ والفرار من الزحف. أخرجه المناوي في فيض القدير : ج ٣ ص ٤٥٨ في شرح الجامع الصغير للسيوطي.
قال : أخرجه أحمد بن حنبل في المسند وأبو الشيخ في التوبيخ عن أبي هريرة (وقال في الشرح) ورواه عنه الديلمي.
أقول : أيها القارئ الكريم بالله عليك! أنصف!! أين هؤلاء الفارون من حيدرة الكرّار؟ الذي روى في حقه ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ١٤ ص ٢٥٠ ـ ٢٥١ / طبع دار إحياء التراث العربي قال : [وسمع ذلك اليوم ـ أي يوم أحد ـ صوت من قبل السماء لا يرى شخص الصارخ به ينادي مرارا :
لا سيف إلاّ ذو الفقار |
ولا فتى إلاّ علي |
فسئل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عنه ، فقال «هذا جبرائيل»].
وبعد نقله الخبر قال ابن أبي الحديد : وقد روى هذا الخبر جماعة من المحدّثين وهو من الأخبار المشهورة ، ووقفت عليه في بعض نسخ مغازي محمد بن إسحاق ، ورأيت بعضها خاليا عنه ، وسألت شيخي عبد الوهاب بن سكينة رحمهالله عن هذا الخبر ، فقال : خبر صحيح ، فقلت : فما بال الصحاح لم تشتمل عليه؟ قال : أو كلّ ما كان صحيحا ، تشتمل عليه كتب الصحاح؟ كم قد أهمل جامعوا الصحاح من الأخبار الصحيحة!
هذا الخبر حينما ينقله ابن أبي الحديد وغيره فلا بأس عليه ، ولكن نحن الشيعة إذا نقلناه ، فأنتم علماء العامّة تتعصّبون وتتهجّمون علينا وتحرّكون الجهلة والعوام وتقولون بأنّ الرافضة يهينون الصحابة وينالون من الشيخين!! هذا لأنكم تسيئون بنا الظنون وعلى حدّ قول الشاعر :
وعين الرضا عن كل عيب كليله |
ولكنّ عين السخط تبدي المساويا |
ولذلك فلنا معكم موقف عسير في يوم القيامة إذا شكوناكم إلى الله العدل الحكيم ليحكم بيننا ويأخذ منكم حقّنا ويعاقبكم على ظلمكم إذ تفتون علينا بالكفر! وتؤيّدون الذين ظلموا ؛ ومن رضي بعمل قوم حشر معهم ،( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) (١) .
الحافظ : نحن ما ظلمناكم ولا نؤيد الظالمين وهذا افتراء علينا.
قلت : الظلم الذي جرى علينا كثير ، ولو تغاضينا وعفونا عن بعضها فلا نعفو عن هجومهم على بيت أمّي فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، وإيذائها وغصبهم حقها ، فإنّي من ذراريها ويحقّ لي أن أقيم الدعوى
__________________
أقول : وأما فتح خيبر على يد الإمام عليعليهالسلام فهو «نار على علم» وليس له منكر في العالمين.
فأين هذا المجاهد الفاتح والصابر الناجح عن أولئك المنهزمين الجبناء.
[فإن يك بينهما نسبة |
فأين الحسام من المنجل؟] |
وأين الحصى من نجوم السماء؟ وأين أولئكم من علي عليهالسلام ؟
(١) سورة الشعراء ، الآية ٢٢٧. «المترجم»
على من ظلمها وضربها وأسقط جنينها واغتصب فدكها!!
الحافظ : نحن ما كنّا في ذلك الزمان حتى نعرف الحقائق وهذه الدعاوى تحتاج إلى الإثبات.
قلت : نعم نحن ما كنّا في ذلك الزمان ، ولكن الروايات والأحاديث التي نقلها المؤرخون والمحدثون تكون بمثابة شهود القضية والواقعة ، لا سيما إذا كان الرواة والمؤرخون من أعلامكم.
فدك وما يدور حولها
فدك وعوالي سبع قرى زراعيّة حوالي المدينة المنورة كانت تمتد من سفح الجبال إلى سيف البحر ومن العريش إلى دومة الجندل.
قال ياقوت الحموي صاحب معجم البلدان في كتابه الآخر فتوح البلدان : ج ٦ / ٣٤٣.
وأحمد بن يحيى البلاذري في تاريخه.
وابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ١٦ / ٢١٠ / واللفظ للأخير : عن كتاب السقيفة وفدك لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري بسنده عن الزهري قال [بقيت بقيّة من أهل خيبر تحصّنوا ، فسألوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يحقن دماءهم ويسيّرهم ، ففعل ، فسمع ذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك ، وكانت للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم خاصّة ، لأنّه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.
قال أبو بكر : وروى محمد بن إسحاق أيضا ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا فرغ من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك ، فبعثوا إلى
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فصالحوه على النصف من فدك ، فقدمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطريق ، أو بعد ما أقام بالمدينة فقبل ذلك منهم ، وكانت فدك لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خالصة له ، لأنّه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. قال : وقد روى أنّه صالحهم عليها كلها ، الله أعلم أيّ الامرين كان! انتهى كلام الجوهري.]
وما نقله الطبري في تاريخه قريب من كلام الجوهري بل كلام كل المؤرخين والمحدثين عن فدك يقارب كلام الجوهري.
فدك حق فاطمةعليهاالسلام
بعد ما رجع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المدينة المنوّرة نزل جبرئيل من عند الرب الجليل بالآية الكريمة :( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) (١) .
فانشغل فكر النبي بذي القربى ، من هم؟ وما حقهم؟ فنزل جبرئيل ثانيا عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال : إنّ الله سبحانه يأمرك أن تعطي فدكا لفاطمةعليهاالسلام فطلب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ابنته فاطمةعليهاالسلام وقال : إنّ الله تعالى أمرني أن أدفع إليك فدكا ، فمنحها وتصرّفت هي فيها وأخذت حاصلها فكانت تنفقها على المساكين.
الحافظ : هل هذا الحديث في تفسير الآية الكريمة موجود في كتب علمائنا أيضا؟ أم يخصّ تفاسيركم؟
قلت : لقد صرّح بهذا التفسير كبار مفسريكم وأعلامهم منهم :
__________________
(١) سورة الأسراء ، الآية ٢٦.
الثعلبي في تفسير كشف البيان ، وجلال الدين السيوطي في الدرّ المنثور : ج ٤ رواه عن الحافظ ابن مردويه أحمد بن موسى المتوفى عام ٣٥٢ ، وأبو القاسم الحاكم الحسكاني والمتقي الهندي في كنز العمّال وابن كثير الدّمشقي الفقيه الشافعي في تاريخه والشيخ سليمان الحنفي في ينابيع المودة / باب ٣٩ نقلا عن الثعلبي وعن جمع الفوائد وعيون الأخبار أنّه لما نزلت :( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) دعا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فاطمة فأعطاها فدك الكبير.
فكانت فدك في يد فاطمةعليهاالسلام يعمل عليها عمّالها ، ويأتون إليها بحاصلها في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهي كانت تتصرّف فيها كيفما شاءت ، تنفق على نفسها وعيالها أو تتصدق بها على الفقراء والمعوزين.
ولكن بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أرسل أبو بكر جماعة فأخرجوا عمّال فاطمة من فدك وغصبوها وتصرّفوا فيها تصرّفا عدوانيا!
الحافظ : حاشا أبو بكر أن يتصرّف في ملك فاطمة تصرّفا عدوانيا ، وإنما كان سمع من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قوله : «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه صدقة». وقد استند إلى هذا الحديث الشريف وأخذ فدكا.
هل الأنبياء لا يورّثون؟
قلت : أولا : نحن نقول : بأنّ فدك كانت نحلة وهبة من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لفاطمةعليهاالسلام وهي استلمتها وتصرّفت فيها فهيعليهاالسلام كانت متصرّفة في فدك حين أخذها أبو بكر. وما كانت إرثا.
ثانيا : الحديث الذي استند إليه أبو بكر مردود غير مقبول لأنه حديث موضوع لوجود اشكالات فيه.
الحافظ : ما هي إشكالاتكم؟ ولما ذا يكون مردودا؟
قلت : أولا : واضع الحديث عند ما وضع على لسانه بأنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» قد غفل عن آيات المواريث التي جاءت في القرآن الحكيم ، في توريث الأنبياء ، ولو كان يقول : سمعت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : أنا لا أورّث لكان له مخلص من آيات توريث الأنبياء في القرآن فالصيغة الأولى : نحن معاشر الأنبياء لا نورث تعارض نصّ القرآن الحكيم ، فتكذيب أبي بكر وردّه أولى من نسبة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى ما يخالف كتاب الله عزّ وجلّ.
كما أنّ فاطمة الزهراءعليهاالسلام أيضا احتجّت على أبي بكر وردّته وردّت حديثه بالاستناد إلى القرآن الحكيم فإنه أقوى حجة وأدلّ دليل وأكبر برهان.
استدلال الزهراءعليهاالسلام وخطبتها
نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ١٦ / ٢١١ / طبع دار إحياء التراث العربي ، عن أبي بكر الجوهري بإسناده عن طرق مختلفة تنتهي إلى زينب الكبرى بنت فاطمة الزهراء وإلى الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيهعليهالسلام وإلى الإمام الباقر بن جعفر ـ محمد بن علي ـ عليهما السّلام وإلى عبد الله بن الحسن المثنى ابن الامام الحسن السبطعليهالسلام قالوا جميعا [لمّا بلغ فاطمةعليهاالسلام إجماع أبي بكر على منعها فدكا ، لاثت خمارها ، وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها ، تطأ في ذيولها ،
ما تخرم مشيتها مشيّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حتى دخلت على أبي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار ، فضرب بينها وبينهم ريطة بيضاء ، ـ وقال بعضهم : قبطيّة ، وقالوا : قبطية بالكسر والضم ـ ثم أنت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء ثم أمهلت طويلا حتى سكنوا من فورتهم ، ثم قالت : ابتدئ بحمد من هو أولى بالحمد والطّول والمجد ، الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم.]
وذكر خطبة طويلة جيدة قالت في آخرها : فاتّقوا الله حقّ تقاته ، وأطيعوه فيما أمركم به ، فإنّما يخشى الله من عباده العلماء ، واحمدوا الله الذي لعظمته ونوره يبتغي من في السماوات والأرض إليه الوسيلة.
ونحن وسيلته في خلقه ، ونحن خاصّته ومحل قدسه ، ونحن حجّته في غيبه ، ونحن ورثة أنبيائه.
ثم قالت : أنا فاطمة ابنة محمد ، أقول عودا على بدء ، وما أقول ذلك سرفا ولا شططا ، فاسمعوا باسماع واعية وقلوب راعية! ثم قالت :( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) (١) فان تعزوه ابي دون آبائكم وأخا ابن عمي دون رجالكم ثم ذكرت كلاما طويلا تقول في آخره : ثم أنتم الآن تزعمون ان لا إرث لي!( أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) ؟(٢) إيها معاشر المسلمين! أبتزّ إرث أبي!
يا ابن أبي قحافة! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي!! لقد جئت شيئا فريّا!! إلى آخر خطبتها(٣) .
__________________
(١) سورة التوبة ، الآية ١٢٨.
(٢) سورة المائدة ، الآية ٥٠.
(٣) أقول : وروى ابن أبي الحديد هذه الخطبة عن طريق عروة عن عائشة ، في شرح
وجاء في بعض الروايات كما في كتاب السقيفة وفدك لأبي بكر الجوهري وغيره ، أنها قالت في خطبتها :
[أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم!
إذ يقول الله جلّ ثناؤه :( وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ) (١) .
واختص من خبر يحيى وزكريّا إذ قال : ربّ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) (٢) .
وقال تبارك وتعالى :( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
__________________
النهج ١٦ / ٢٥١ / طبع دار إحياء التراث العربي ، فقد روت عائشة خطبة فاطمة مشابهة لما مرّ وفيها قالت فاطمة. [.. حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ، ظهرت حسيكة النّفاق وشمل جلباب الدين ونطق كاظم الغاوين واطلع الشيطان رأسه صارخا بكم ، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين ، ولقربه متلاحظين ، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا ، وأحمشكم* فألفاكم غضابا ، فوسمتم غير إبلكم ووردتم غير شربكم ، هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لمّا يندمل ، إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة( أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ) فهيهات! وأنّى بكم وأنّى تؤفكون!! وكتاب الله بين أظهركم ، زواجره بيّنة وشواهده لائحة وأوامره واضحة ، أرغبة عنه تريدون ، أم لغيره تحكمون؟ بئس للظالمين بدلا!( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ) ثم لم تلبثوا إلاّ ريث أن تسكن نفرتها ، تسرّون حسوا في ارتغاء ، ونحن نصبر منكم على مثل حزّ المدى ، وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا ،( أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) .
يا ابن أبي قحافة! أترث أباك ولا أرث أبي؟! لقد جئت شيئا فريّا! فدونكها مخطومة مرحولة ، تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون! إلى آخر الخبر.] «المترجم»
(١) سورة النمل ، الآية ١٦.
(٢) سورة مريم ، الآية ٦.
الْأُنْثَيَيْنِ ) (١) .
فزعمتم أن لا حظّ لي ولا إرث لي من أبي!
أفحكم الله بآية أخرج منها أبي؟!
أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثان؟ ـ أو لست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟! ـ.
أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
( أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (٢) ـ انتهى كلام الجوهري ـ.]
احتجاج عليعليهالسلام في فدك
روى المحدثون أنّ علياعليهالسلام جاء إلى أبي بكر وهو في المسجد وحوله حشد من المهاجرين والأنصار فقالعليهالسلام : يا أبا بكر لم منعت فاطمة نحلتها من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد ملكتها في حياته؟!
فقال أبو بكر : فدك فيء للمسلمين ، فإن أقامت شهودا أنّ رسول الله أنحلها فلها وإلاّ فليست لها حق فيها.
فقال عليعليهالسلام : يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى؟
قال : لا.
قالعليهالسلام : فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ، فادّعيت أنا فيه ، من تسأل البينة؟
قال : إيّاك أسأل.
قالعليهالسلام : فما بال فاطمة سألتها البيّنة منها على ما في يديها!
__________________
(١) سورة النساء ، الآية ١١.
(٢) سورة المائدة ، الآية ٥٠.
وقد ملكته في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعده.
فسكت أبو بكر هنيهة ، ثم قال : يا علي! دعنا من كلامك ، فإنّا لا نقوى على حجّتك ، فإن أتيت بشهود عدول ، وإلاّ فهي فيء للمسلمين ، لا حق لك ولا لفاطمة فيها!!
فقال عليعليهالسلام : يا أبا بكر! تقرأ كتاب الله! قال : نعم ، قالعليهالسلام : أخبرني عن قول الله سبحانه :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) ، فيمن نزلت؟ فينا أو في غيرنا؟
قال : بل فيكم! قالعليهالسلام : فلو أنّ شهودا شهدوا على فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بفاحشة ـ والعياذ بالله ـ ما كنت صانعا بها؟
قال : أقمت عليها الحدّ كما أقيم على نساء المسلمين!!
قالعليهالسلام : كنت إذا عند الله تعالى من الكافرين!
قال : ولم؟ قال : لأنك رددت شهادة الله بطهارتها وقبلت شهادة الناس عليها!
كما رددت حكم الله وحكم رسوله أن جعل لها فدك وزعمت أنّها فيء للمسلمين ، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : البيّنة على المدّعي ، واليمين على من ادّعي عليه.
فدمدم الناس وأنكروا على أبي بكر ، وقالوا : صدق ـ والله ـ علي.
ردّ الخليفة على فاطمة وعليّ عليهما السّلام
نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ١٦ / ٢١٤ ـ ٢١٥ / ط دار إحياء التراث العربي عن أبي بكر الجوهري بإسناده إلى جعفر بن
__________________
(١) سورة الأحزاب ، الآية ٣٣.
محمد بن عمارة قال [فلما سمع أبو بكر خطبتها شق عليه مقالتها فصعد المنبر وقال : أيّها الناس! ما هذه الرّعة إلى كل قالة!
أين كانت هذه الأمانيّ في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! ألا من سمع فليقل! ومن شهد فليتكلّم! إنّما هو ثعالة ، شهيده ذنبه ، مربّ لكلّ فتنة ، هو الذي يقول : كرّوها جذعة بعد ما هرمت ، يستعينون بالضعفة ، ويستنصرون بالنساء ، كأمّ طحال أحبّ أهلها إليها البغيّ ، ألا إنّي لو أشاء أن أقول لقلت ولو قلت لبحت ، إنّي ساكت ما تركت.
ثم التفت إلى الأنصار فقال : قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم ، وأحق من لزم عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنتم! فقد جاءكم فآويتم ونصرتم ، ألا إنّي لست باسطا يدا ولا لسانا على من لم يستحق ذلك منّا.]
ثم نزل ، فانصرفت فاطمةعليهاالسلام إلى منزلها.
بالله عليكم أنصفوا!!
أيليق هذا الكلام البذيء والبيان الرديء لمدّعي خلافة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! أيجوز لشيخ كان صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يمثل بنت رسول الله وبضعة لحمه ، بالثعلب أو بأمّ طحال الفاجرة؟!
ويمثّل الإمام عليعليهالسلام بذنب الثعلب وهو الذي عظم الله قدره وأكبر شأنه في كتابه وجعله نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في آية المباهلة بلا منكر!!
الى متى تغمضون أعينكم وتصمّون آذانكم وتختمون على قلوبكم بالتغافل والتّعصب؟! فتنكرون ضوء الشمس في الضحى وتعيشون في الجهل والعمى!!
افتحوا أعينكم وآذانكم وقلوبكم ، واخرجوا عن الغفلة والتعصب ، وادخلوا مدينة العلم والحكمة من بابها التي فتحها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم واعرفوا الحق وتمسكوا به وكونوا احرارا في دينكم ودنياكم!
أيها الحافظ : فلو أنّ قائلا في هذا المجلس يقول بأنّ الحافظ كالثعلب والشيخ عبد السلام ذنبه ، ويقول : أنّ زوجة الحافظ تكون مثل فلانة الفاجرة!!
ما كنت تصنع به؟ أكنت تسكت على تجاسره؟ أم تقول : إنّ كلامه ليس بتجاسر؟!
حتما تحسب كلام القائل بالنسبة أليك سبّا صريحا وشتما وقيحا ، يستحقّ أن تردّه بأخشن جواب! وربما أمرت أتباعك ومحبيك بضربه وتأديبه وتعذيبه وتأنيبه ، والكل يعطونك الحق في ذلك ، إذا كيف تريدون منّا أن نصبر على تجاسر أبي بكر وسبه وشتمه لأبينا أمير المؤمنين وجدّتنا فاطمة عليهما السّلام؟ كيف نتحمل من أبي بكر وهو يدّعي خلافة جدّنا النبي فيصعد منبره ويعبّر بتلك التعابير الركيكة عن جدّتنا الزهراء وأبينا أمير المؤمنين ، فيشتمهم ذلك الشتم القبيح ويسبّهم السباب الوقح ، ملوّحا أو مصرّحا؟!
استغراب ابن أبي الحديد(١)
يستغرب ابن أبي الحديد ويتعجّب من جواب أبي بكر ، فلذلك
__________________
(١) أقول : حق لابن أبي الحديد أن يستغرب من ذلك البيان فإن كلّ غيور من المسلمين والمسلمات يستغرب ويتعجّب بل يجب على المؤمنين كافة أن ينكروا على أبي بكر
يقول [قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصريّ ، وقلت له : بمن يعرّض؟ فقال : بل يصرّح. قلت : لو صرّح لم أسألك. فضحك وقال : بعلي بن أبي طالبعليهالسلام . قلت : هذا الكلام كله لعليّ يقوله؟! قال : نعم ، إنّه الملك يا بنيّ! قلت : فما مقالة الأنصار؟ قال : هتفوا بذكر عليّ ، فخاف من اضطراب الأمر عليهم ، فنهاهم.
فسألته عن غريبه ، فقال : أمّا الرّعة بالتخفيف أي : الاستماع والإصغاء ، والقالة : القول ، وثعالة : اسم الثعلب ، علم ممنوع من
__________________
مقاله القبيح وكلامه الوقيح على سيدة نساء العالمين وبعلها سيد الوصيين وأمير المؤمنين ٣ ، كما أنّ السيدة الجليلة أم سلمة أم المؤمنين أنكرت على أبي بكر وردّت عليه ، كما في دلائل الإمامة لابن جرير : ص ٣٩ قالت [ألمثل فاطمة يقال هذا وهي الحوراء بين الأنس ، والأنس للنفس ، ربّيت في حجور أمهات الأنبياء وتداولتها أيدي الملائكة ونمت في المغارس الطاهرات ، نشأت خير منشأ وربيت خير مربى أتزعمون أنّ رسول الله حرّم عليها ميراثه ولم يعلمها ، وقد قال الله تعالى :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ؟
أفأنذرها وجاءت تطلبه وهي خيرة النسوان وأمّ سادة الشبان وعديلة مريم ابنة عمران وحليلة ليث الأقران ، تمّت بأبيها رسالات ربه. فو الله لقد كان يشفق عليها من الحر والقر ، فيوسدها يمينه ويدثّرها بشماله. رويدا فرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمرأى لغيّكم وعلى الله تردون ، فواها لكم وسوف تعلمون.
أنسيتم قول رسول الله «أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، وقوله : إنّي تارك فيكم الثقلين» ما أسرع ما أحدثتم وأعجل ما نكثتم!!
فحرمت أم سلمة عطاءها تلك السنة!!] «المترجم»
الصرف ، مثل : ذؤالة للذئب ، وشهيدة ذنبه ، أي : لا شاهد له على ما يدّعي إلاّ بعضه وجزء منه ومربّ : ملازم ، أربّ بالمكان ، وكرّوها جذعة : أعيدوها إلى الحال الأولى ، يعني الفتنة والهرج. وأمّ طحال : امرأة بغيّ في الجاهلية ، يضرب بها المثل فيقال : ازنى من أمّ طحال!!]
لا أدري كيف تسنّى لأبي بكر أن يتكلم بذلك الكلام البذيء؟ وكيف سمحت له نفسه أن يعبّر بذلك التعبير المسيء ويؤذي فاطمة ويغضبها وقد سمع قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن أغضبها فقد أغضبني؟!».
وهل بذلك يجاب احتجاج الإمام عليعليهالسلام ؟ أشتمه علي وسبّه؟ أم استدلّ له بحكم الله وبالعقل والمنطق؟
ما ضرّه لو قبل الحق وعمل به ، ولا سيما وقد سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول «علي مع الحق والحق مع علي يدور الحق حيثما دار عليعليهالسلام ».
ليت شعري بأي دليل ولما ذا يسبّ عليا وفاطمة ويشتمهما وقد سمع قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فيهما وفي أبنائهما «أنا سلم لمن سالمهم وحرب لمن حاربهم؟؟(١) ».
__________________
(١) في مناقب الخطيب الموفق بن أحمد الخوارزمي الحنفي : ٢٠٦ أخرج بسنده عن يونس بن سليمان التميمي عن زيد بن يثبع قال [سمعت أبا بكر يقول : رأيت رسول الله (ص) خيّم خيمة وهو متكئ على قوس عربية ، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين ، فقال رسول الله (ص) : يا معشر المسلمين! أنا سلم لمن سالم أهل هذه الخيمة وحرب لمن حاربهم وولي لمن والاهم وعدو لمن عاداهم ، لا يحبهم الاّ سعيد الجد ، طيب المولد ، ولا يبغضهم إلاّ شقيّ الجد رديّ الولادة ، قال : فقال رجل لزيد : يا زيد! أنت سمعت أبا بكر يقول هذا؟ قال : إي وربّ الكعبة!]
وأخرج هذا الحديث عبيد الله الحنفي في كتابه أرجح المطالب : ص ٣٠٩ وقال : أخرجه المحب الطبري الشافعي في الرياض النضرة. «المترجم»
عقاب من سب علياعليهالسلام
لا شكّ أنّ الله سبحانه يعذّب سابّ عليّعليهالسلام أشدّ العذاب ، كائنا من كان ، وقد فتح العلاّمة الكنجي الشافعي بابا في كتابه كفاية الطالب وهو الباب العاشر في كفر من سب علياعليهالسلام ، روى بسنده عن يعقوب ابن جعفر بن سليمان قال: حدثنا أبي عن أبيه قال: كنت مع أبي عبدالله بن العباس وسعيد بن جبير يقوده، فمرّ على صفّة زمزم فإذا قوم من أهل الشام يشتمون علياًعليهالسلام ! فقال لسعيد بن جبير ردّني إليهم، فوقف عليهم، فقال: أيكم الساب لله عزوّجل؟ّ! فقالوا: سبحان الله ما فينا أحدٌ سبّ الله، قال: أيّكم السّاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! قالوا: ما فينا أحدٌ سب رسول الله، قال: فأيّكم الساب علي بن أبي طالب؟ فقالوا: أمّا هذا فقد كان!! قال: فأشهد على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سمعته أذناي ووعاه قلبي يقول لعلي بن أبي طالب : من سبَّك فقد سبّني ومن سبّني فقد سب الله ومن سبّ الله، أكبّه الله على منخريه في النار.
وروى كثير من أعلامكم ومحدّثيكم أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال في عليّ وفاطمة «من آذاهما فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله».
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم «من آذى عليا فقد آذاني».
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم «من سبّ عليا فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله(١) ».
__________________
(١) أقول : أخرج حديث ابن عباس الذي رواه العلامة الكنجي الشافعي كثير من أعلام العامة منهم : المحب الطبري في الرياض النضرة : ج ٢ ص ١٦٦ ، والموفق بن أحمد
__________________
الخطيب الخوارزمي في المناقب ٨١ ، والعلامة الزرندي في نظم درر السمطين / ١٠٥ ، والعلامة ابن المغازلي الشافعي في مناقبه / ٣٩٤ / حديث رقم ٤٤٧.
وروى ابن حجر في الصواعق المحرقة / ٧٢ / طبع المطبعة الميمنية بمصر قال : (الحديث الثامن عشر) أخرج أحمد والحاكم وصححه عن أم سلمة قالت «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من سبّ عليا فقد سبّني».]
وقال : (الحديث السادس عشر) أخرج أبو يعلى والبزّار عن سعد بن أبي وقّاص قال [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أذى عليا فقد آذاني».]
والأحاديث في هذا الباب كثيرة بحيث لا منكر لها بين المسلمين ، وقد ورد مثلها في حق فاطمة عليهاالسلام : روى العلامة الهمداني الشافعي في كتابه مودّة القربى / المودة الحادية عشرة / عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلّم قد قال «فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني».
وفي الصواعق / ١١٢ طبع مطبعة الميمنية بمصر الحديث الثالث والعشرون ، أخرج أحمد والحاكم عن مسور أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال «فاطمة بضعتي يغضبني ما يغضبها ويبسطني ما يبسطها». وفي صفحة ١١٤ / الحديث الخامس ، أخرج أحمد والترمذي والحاكم ، عن ابن الزبير أنّ النبي (ص) قال «إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها».
وروى في صفحة ١٠٨ / «فاطمة بضعة مني يسرّني ما يسرّها».
وروى القندوزي في ينابيع المودة / الباب الخامس والخمسون ، قال : وفي صحيح البخاري عن المسور بن مخرمة أنّ رسول الله (ص) قال «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني».
قال : وفي صحيح مسلم «إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني من آذاها ويسرّني ما
__________________
أسرّها». قال القندوزي : وفي الترمذي ، عن مسور «إنّها بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها». حديث حسن صحيح. وفي الترمذي أيضا عن ابن الزبير :
«انما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها». حديث حسن صحيح.
وفي الترمذي أيضا وابن ماجة ، عن صبيح مولى أم سلمة وزيد بن أرقم قالا [أن رسول الله (ص) قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين «أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم».]
قال القندوزي : وفي كنوز الدقائق للمناوي «إنّ الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها». قال : رواه الديلمي.
وقال ابن حجر في الصواعق المحرقة / ١٤٣ / باب التحذير من بغضهم وسبهم /: عن رسول الله (ص) «من سبّ أهل بيتي فإنما يرتدّ عن الله والإسلام ، ومن آذاني في عترتي فعليه لعنة الله ، ومن آذاني في عترتي فقد آذى الله ، إنّ الله حرّم الجنّة على من ظلم أهل بيتي أو قاتلهم أو أعان عليهم أو سبّهم».
بعد نقل هذه الأحاديث من صحاح أهل السنّة ومسانيدهم ، ألفت نظر القارئ الكريم الى الخبر الذي رواه ابن قتيبة في كتابه المشهور الإمامة والسياسة / ١٤ و ١٥ / طبع مطبعة الأمة بمصر سنة ١٣٢٨ هجرية في عيادة أبي بكر وعمر لفاطمةعليهاالسلام :
[.. فقالت : أرأيتكما إن حدّثتكما حديثا عن رسول الله (ص) تعرفانه وتفعلان به؟ قالا : نعم ، فقالت : نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول «رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟» قالا : نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت : فإني أشهد الله وملائكته ، أنّكما اسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي (ص) لأشكونّكما إليه.]
الدليل الثاني في ردّ أبي بكر
قلنا بأنّ الدليل الأوّل على ردّ الحديث الذي نقله أبو بكر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ، أنه مخالف لنصّ القرآن ، فإنّ الآيات الكريمة صريحة في توريث الأنبياء.
__________________
فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة! ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهيعليهالسلام تقول [والله لأدعونّ الله عليك في كل صلاة أصلّيها!!]
ومشهور المحدثين قالوا [أنّ فاطمة ماتت وهي ساخطة على أبي بكر وعمر] منهم : البخاري في صحيحه / ج ٥ / ٥ باب فرض الخمس / روى عن عائشة [فغضبت فاطمة بنت رسول الله (ص) فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرة حتى توفيت]. وفي ج ٦ / ١٩٦ / باب غزوة خيبر / عن عائشة : [فوجدت [أي غضبت] فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته ، فلم تكلمه حتى توفّيت.]
ومثله لفظا أو معنى ، في صحيح مسلم : ج ٢ / ٧٢ ، ومسند أحمد : ج ١ / ٦ و ٩ ، وتاريخ الطبري : ج ٣ / ٢٠٢ ، ومشكل الآثار للطحاوي : ج ١ / ٤٨ ، وسنن البيهقي : ج ٦ / ٣٠٠ و ٣٠١ ، والعلامة الكنجي في كفاية الطالب / الباب التاسع والتسعون / في أواخره ، ثم قال : هذا حديث صحيح متّفق على صحّته ، وتاريخ ابن كثير : ج ٥ / صفحة ٢٨٥ وقال في ج ٦ / ٣٣٣ : لم تزل فاطمة تبغضه مدّة حياتها ـ أي تبغض أبا بكر ـ وذكره بلفظ الصحيحين أي عن عائشة.
والديار بكري في تاريخ الخميس : ج ٢ / ١٩٣ ، ورواه عنها أيضا بلفظ الصحيحين ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ٦ / ٤٦ ، وقال في صفحة ٥٠ [والصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر ، وأنها أوصت ألاّ يصليا عليها.]
أقول : والحرّ تكفيه الإشارة. «المترجم»
وأما الدليل الثاني في ردّه : هو أنّنا نعلم بأنّ الإمام عليعليهالسلام هو عيبة علم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو الذي قال فيه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كما نقله علماء الفريقين : «أنا مدينة العلم وعلي بابها ، وأنا دار الحكمة وعلي بابها ، ومن أراد العلم والحكمة فليأت الباب».
والحديث النبوي الآخر ، الذي اشتهر أيضا بين المحدثين من الفريقين قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «عليّ أقضاكم».
فكيف يمكن أن يبيّن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حكما خاصّا في الإرث وقاضي دينه وباب علمه ، لا يعلم ذلك؟ ولا سيما الحكم الذي يكون في شأن فاطمةعليهاالسلام وهي زوجة عليّعليهالسلام وهو وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فكيف يقبل عقلكم أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يكتم هذا الأمر عن أخصّ الناس إليه وعمّن يخصّهم الحكم ويقوله لأبي بكر الذي لا يرتبط بالموضوع؟! والمفروض أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول ذلك الحكم لوارثه أو وصيّه ، وهذا أمر بديهي يعرفه كل أحد حتى عامة الناس والسوقيين ، فكيف بسيد المرسلين وخاتم النبيين؟!
الشيخ عبد السلام : أما حديث أنا مدينة العلم ، غير مقبول عند محدثينا ، وكذلك لم يثبت عند جمهور علمائنا بأن عليا وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا الأمر غير مقبول ، بل عندنا مردود لما رواه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة (رض) أنه ذكر عندها أنّ رسول الله (ص) أوصى. قالت [ومتى أوصى؟ ومن يقول ذلك؟ إنّه دعا بطست ليبول ، وإنّه بين سحري ونحري ، فانخنث في حجري فمات وما شعرت بموته.]
فكيف يمكن أن يوصى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأحد ويخفى ذلك على أم
المؤمنين عائشة (رض)؟!
قلت : أما نفيك لحديث أنا مدينة العلم وعلي بابها فهو تحكّم وتعصّب ، لأنّ كثيرا من أعلامكم ذكروه في كتبهم وإسنادهم وحسّنوه أو صححوه ، منهم :
الثعلبي ، والحاكم النيسابوري ، ومحمد الجزري وابن جرير الطبري والسيوطي والسخاوي والمتقي الهندي والعلاّمة الكنجي ومحمد بن طلحة والقاضي فضل بن روزبهان والمناوي وابن حجر المكي والخطيب الخوارزمي والحافظ القندوزي والحافظ أبو نعيم وشيخ الإسلام الحمويني وابن أبي الحديد المعتزلي والطبراني وسبط ابن الجوزي والنسائي وغيرهم(١) .
__________________
(١) من الضروري أن أضع النقاط على الحروف وأذكر مصادر الحديث الشريف :
«أنا مدينة العلم وعلي بابها» بشكل أدق وأوضح ، رواه الحاكم بسنده عن مجاهد عن ابن عباس في مستدرك الصحيحين : ٣ / ١٢٦ وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ورواه بطرق آخر في صفحة ١٢٧ عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، والخطيب البغدادي في تاريخه ج ٤ / ٣٤٨ وبطريق آخر في ج ٧ / ١٧٢ وبطريق آخر في ج ١١ / ٤٨ وبطريق رابع في ج ١١ / ٤٩ ثم قال : قال القاسم : سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث فقال : هو صحيح. رواه ابن الأثير في أسد الغابة ج ٤ / ٢٢ وابن حجر في تهذيب التهذيب : ج ٦ / ٣٢٠ وج ٧ / ٤٢٧ ، وفي كنز العمال ج ٦ / ١٥٢ والمناوي في فيض القدير ج ٣ / ٤٦ ، وقال : أخرجه العقيلي وابن عدي والطبراني والحاكم عن ابن عباس ، ورواه الهيثمي في المجمع ج ٩ / ١١٤ ورواه المتقي في كنز العمال ج ٦ / ١٥٦ قال : أخرجه الطبراني وفي صفحة ٤٠١ حكاه عن ابن جرير وفي صفحة ١٥٦ قال : أخرجه أبو نعيم في المعرفة ، ورواه المناوي أيضا في كنوز الحقائق / ٤٣ قال : أخرجه الديلمي ورواه المحبّ الطبري في الرّياض النضرة
الإمام علي وصي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وأما أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم اتخذ عليا وصيا لنفسه فهو أمر ثابت للنصوص المتوافرة والروايات المتكاثرة حتى عدّه العلماء من الأمور المتواترة ، ولا ينكره الاّ المعاند الحقود والمتعصب العنيد.
النوّاب : خليفة رسول الله هو الذي ينفّذ وصاياه ، وينظم شئون أهله وزوجاته ، كما أنّ الخلفاء الراشدين كانوا يضمنون لزوجات النبي كلما احتجن وكانوا يتكفّلون بمعاشهن ورزقهن. فلما ذا تخصّصون عليا كرم الله وجهه بالوصاية؟
__________________
ج ٢ / ١٩٣ قال : أخرجه في المصابيح في الحسان ، ورواه ابن حجر في الصواعق / ٧٣ ط المطبعة الميمنية قال : أخرجه البزار والطبراني في الأوسط عن جابر ، وأخرجه الحاكم والعقيلي وابن عدي عن ابن عمر ، والترمذي والحاكم عن عليعليهالسلام وأما حديث : أنا مدينة الحكمة وعلي بابها الخ أو قال أنا دار الحكمة الخ فقد رواه الترمذي في صحيحه ج ٢ / ٢٩٩ وفي تاريخ بغداد ج ١١ / ٢٠٤ بسنده عن ابن عباس ، وفي كنز العمال ج ٦ / ٤٠١ قال : قال الترمذي وابن جرير معا الخ وقال : أخرجه أبو نعيم في الحلية ، ثم قال المتقي : وقال ابن جرير : هذا خبر عندنا صحيح بسنده ، وذكره المناوي في فيض القدير في المتن وقال : أخرجه الترمذي ، ثم قال في الشرح : وفي رواية : [أنا مدينة الحكمة وعلي بابها الخ] وقال أيضا في شرح (علي بابها) [أي علي بن أبي طالبعليهالسلام هو الباب الذي يدخل منه إلى الحكمة ،] فناهيك بهذه المرتبة ما أسناها ، وهذه المنقبة ما أعلاها ، ومن زعم أنّ المراد بقوله (ص) : وعلي بابها أنّه مرتفع من العلو وهو الارتفاع فقد تنحل لغرضه الفاسد بما لا يجزيه ، ولا يسمنه ولا يغنيه «انتهى كلام المناوي».
«المترجم»
قلت : نعم لا ريب أنّ وصي النبي خليفته ، وقد ذكرت لكم في المجالس السابقة النصوص الواردة في أنّ عليا هو خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والآن أذكر لكم النصوص المتظافرة والأحاديث المتوافرة في أنّ علياعليهالسلام هو وصي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وليس غيره ، والجدير بالذكر أنّي أنقل هذه الأخبار من كتب أعلامكم وأسناد علمائكم الموثقين لديكم ، فلا يصحّ بعد ذلك أن يقول الشيخ عبد السلام : أنّ خبر تعيين النبي عليا بالوصاية مردود عند علمائنا للخبر المروي عن أم المؤمنين عائشة ، فإنّ الخبر الواحد لا يمكن أن يعارض مجموع الأخبار المقبولة عند الأعلام والمرويّة عن الطرق الموثقة عن الأصحاب الكرام ، فيؤخذ بالجمع ويسقط الواحد.
١ ـ روى الثعلبي في تفسيره وفي كتابه المناقب ، وروى ابن المغازلي الفقيه الشافعي في كتابه المناقب ، والمير علي الهمداني في مودة القربى / المودة السادسة ، كلهم عن عمر بن الخطاب قال [قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لما عقد المؤاخاة بين أصحابه ، قال «هذا عليّ أخي في الدنيا والآخرة وخليفتي في أهلي ووصيّي في أمّتي ووارث علمي وقاضي ديني ، ماله مني مالي منه ، نفعه نفعي وضره ضري ، من أحبّه فقد أحبّني ومن أبغضه فقد أبغضني».]
٢ ـ خصص الحافظ سليمان القندوزي في كتابه ينابيع المودّة بابا في الموضوع وهو : الباب الخامس عشر «في عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليعليهالسلام وجعله وصيا» هكذا عنونه ، ثم نقل فيه عشرين خبرا ورواية عن طريق الثعلبي وشيخ الاسلام الحمويني والحافظ أبي نعيم ، وأحمد بن حنبل وابن المغازلي والخوارزمي والديلمي ، وأنا أنقل إليكم بعضها :
عن مسند أحمد بن حنبل بسنده عن أنس بن مالك قال [قلنا لسلمان : سل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن وصيه. فقال سلمان : يا رسول الله من وصيّك؟ فقال «يا سلمان! من وصي موسى؟ فقال : يوشع بن نون ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : وصيي ووارثي يقضي ديني وينجز موعدي ، علي بن أبي طالب».]
هذا الحديث أخرجه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / ٢٦ ، وأخرجه أيضا ابن المغازلي في مناقبه.
٣ ـ وينقل عن موفق بن أحمد الخوارزمي بسنده عن بريدة قال : [قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم «لكل نبي وصي ووارث وإنّ عليا وصيي ووارثي».]
هذا الحديث أخرجه العلاّمة الكنجي أيضا في كتابه كفاية الطالب بسنده عن بريدة عن أبيه ، وبعد نقله قال : هذا حديث حسن ، أخرجه محدّث الشام في تاريخه ، كما أخرجناه سواء.
٤ ـ ونقل عن شيخ الإسلام الحمويني عن أبي ذر قال [قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم [أنا خاتم النبيين ، وأنت يا علي خاتم الوصيين إلى يوم الدين».]
ونقل عن موفق بن أحمد الخوارزمي أيضا بسنده عن أم سلمة ـ أم المؤمنين ـ قالت [قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ الله اختار من كل نبيّ وصيا ، وعلي وصيي في عترتي وأهل بيتي وأمتي بعدي».]
٦ ـ ونقل عن مناقب ابن المغازلي بسنده عن الأصبغ بن نباتة قال : قال عليعليهالسلام في بعض خطبه «أيها الناس! أنا إمام البريّة ، ووصي خير الخليقة ، وأبو العترة الطاهرة الهادية ، أنا أخو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووصيّه ووليّه وصفيّه وحبيبه ، أنا أمير المؤمنين وقائد الغر المحجّلين وسيد الوصيين.
حربي حرب الله وسلمي سلم الله وطاعتي طاعة الله وولايتي ولاية الله ، وأتباعي أولياء الله ، وأنصاري أنصار الله».
٧ ـ وروى أيضا ابن المغازلي بسنده عن ابن مسعود عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال «انتهت الدعوة إليّ وإلى عليّ ، لم يسجد أحدنا لصنم قط ، فاتّخذني نبيا واتخذ عليا وصيا».
٨ ـ روى المير علي الهمداني الشافعي في كتابه مودّة القربى / المودة الرابعة / عن عتبة بن عامر الجهني قال [بايعنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على قول : أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمدا نبيّه وعليا وصيّه فأيّ من الثلاثة تركناه كفرنا الخ.]. ، وبعدها روى عن عليعليهالسلام عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «إنّ الله تعالى جعل لكل نبيّ وصيّا ، جعل شيث وصيّ آدم ، ويوشع وصيّ موسى ، وشمعون وصيّ عيسى ، وعليا وصيّي ، ووصيّي خير الأوصياء الخ».
٩ ـ نقل القندوزي في الباب الخامس عشر من ينابيعه عن أبي نعيم الحافظ أنه روى في حلية الأولياء بسنده عن أبي برزة الأسلمي قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «إن الله عهد إلي في عليّ عهدا وقال عزّ وجلّ : إنّ عليا راية الهدى ، وإمام أوليائي ، ونور من اطاعني ، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين. من أحبه أحبّني ومن أبغضه أبغضني ، فبشّره! فجاء عليّ فبشّرته بذلك ، فقال : يا رسول الله! أنا عبد الله وفي قبضته فإن يعذبني فبذنبي ، وإن يتم الذي بشّرني به فالله أولى وأكرم بي. قالصلىاللهعليهوآلهوسلم قلت : اللهم أجل قلبه واجعله ربيعة الإيمان فقال جل شأنه : قد فعلت به ذلك. ثم قال تعالى : إنّ عليا مستخصّ بشيء من البلاء لم يكن لأحد من أصحابك! فقلت : يا رب ، إنّه أخي ووصيي فقال
عزّ وجلّ : إنّ هذا شيء قد سبق في عليّ ، إنّه مبتلى ومبتلى به».
١٠ ـ ونقل القندوزي أيضا في الباب عن مناقب الموفّق بن أحمد الخوارزمي روى بسنده عن أبي أيوب الأنصاري قال [إنّ فاطمة سلام الله عليها أتت في مرض أبيهاصلىاللهعليهوآلهوسلم وبكت ، فقال : يا فاطمة! إنّ لكرامة الله إيّاك زوّجك من هو أقدمهم سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما ، إنّ الله عزّ وجلّ اطّلع إلى أهل الأرض اطلاعة فاختارني منهم فبعثني نبيا مرسلا ، ثم اطّلع اطلاعة فاختار منهم بعلك فأوحى إليّ أن أزوّجه إياك وأتخذه وصيّا»] قال القندوزي : وزاد ابن المغازلي في المناقب [يا فاطمة! إنّا أهل البيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من الأولين ولا يدركها أحد من الآخرين : منّا أفضل الأنبياء وهو أبوك ، ووصيّنا خير الأوصياء وهو بعلك ، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عمك ، ومنّا من له جناحان يطير بهما في الجنّة حيث يشاء وهو جعفر ابن عمك ، ومنّا سبطان وسيدا شباب أهل الجنة ابناك ، والذي نفسي بيده إنّ مهديّ هذه الأمة يصلّي عيسى بن مريم خلفه وهو من ولدك] قال القندوزي : وزاد الحمويني ، [يملأ عدلا وقسطا بعد ما ملئت جورا وظلما ، يا فاطمة! لا تحزني ولا تبكي فإنّ الله عزّ وجلّ ارحم بك وأرأف عليك منّي وذلك لمكانك وموقعك من قلبي.
قد زوّجك الله زوجا وهو أعظمهم حسبا وأكرمهم نسبا وأرحمهم بالرعيّة وأعدلهم بالسويّة وأبصرهم بالقضيّة] انتهى ما نقله القندوزي(١) .
__________________
(١) أذكر للقارىء الكريم مزيدا من مصادر العامة في اتخاذ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عليا وصيا لنفسه ، وذلك لأهميّة الموضوع :
مات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ورأسه في حجر عليعليهالسلام
أمّا ما نقله الشيخ عبد السلام عن عائشة : إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مات ورأسه بين سحري ونحري ، فهو مردود عند أهل البيتعليهمالسلام لأنهم رووا إلى حد التواتر وأيّده كثير من أعلامكم أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مات ورأسه في حجر علي يناجيه.
الشيخ عبد السلام : لا أظن أحدا من علمائنا الأعلام ينقل هذا الخبر ويؤيّده ، لأنّه معارض لرواية أم المؤمنين عائشة!
قلت : إذا أحببت أن تعرف حقيقة الأمر وينكشف لك الواقع فراجع :
__________________
١ ـ مستدرك الصحيحين : ج ٣ / ١٧٢.
٢ ـ مجمع الزوائد : ج ٩ / ١١٣ و ١٤٦ و ١٦٥.
٣ ـ ذخائر العقبى : ١٣٥ و ١٣٨.
٤ ـ الرياض النضرة : ج ٢ / ١٧٨.
٥ ـ تهذيب التهذيب : ج ٣ / ١٠٦.
٦ ـ كنز العمال : ج ٦ / ١٥٣ و ١٥٤ و ٣٩٢ و ٣٩٧ وج ٨ / ٢١٥.
٧ ـ كنوز الحقائق : ٤٢ و ١٢١.
٨ ـ حلية الأولياء : ج ١ / ٦٣.
٩ ـ تاريخ بغداد : ج ١١ / ١١٢ وج ١٢ / ٣٠٥.
١٠ ـ كفاية الطالب : الباب الرابع والخمسون.
ثم اعلم إنّ المصادر الموثوقة تحتوي على روايات كثيرة وردت بمعنى الوصاية ، أعرضنا عنها خشية الإطالة. «المترجم»
١ ـ كنز العمال : ج ٤ / ٥٥ وج ٦ / ٣٩٢ و ٤٠٠.
٢ ـ طبقات ابن سعد : ج ٢ / ٥١.
٣ ـ مستدرك الصحيحين للحاكم : ج ٣ / ١٣٩.
٤ ـ وتلخيص الذهبي وسنن ابن أبي شيبة والجامع الكبير للطبراني ومسند أحمد بن حنبل : ج ٣ ، وحلية الأولياء / ترجمة الإمام عليعليهالسلام ، ومصادر كثيرة أخرى ، رووا بألفاظ مختلفة والمعنى واحد ، عن أم سلمة وعن جابر بن عبد الله الأنصاري وحتى عن عائشة وغيرهم : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حينما قبض كان رأسه في حجر الإمام عليعليهالسلام ، وقد أشار الإمام في نهج البلاغة إلى هذا الأمر حيث يقولعليهالسلام :
[ولقد قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإنّ رأسه لعلى صدري ولقد سالت نفسه في كفّي ، فأمررتها على وجهي ، ولقد ولّيت غسلهصلىاللهعليهوآلهوسلم والملائكة أعواني] إلى آخر خطبته الشريفة ، ومن أراد أن يطّلع عليها كاملة ويعرف رموزها ومغزاها فليراجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ١٠ / ١٧٩ / ط دار إحياء التراث العربي.
وفي صفحة ٢٦٥ من نفس المجلّد ، قال : ومن كلام لهعليهالسلام عند دفن سيّدة النساء فاطمةعليهاالسلام ، كالمناجي به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عند قبره : [السلام عليك يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك إلى أن يقول : فلقد وسدّتك في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصدري نفسك ، فإنّا لله وإنا إليه راجعون ، إلى آخر كلامه(١) .]
__________________
(١) من المناسب ذكر الخبر المروي عن عائشة في هذا المجال وهو معارض لما رواه الشيخ عبد السلام من الصحيحين.
روى العلامة محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي المتوفّى سنة ٦٥٨ هجرية ،
ولقد أيّد هذا الكلام والمعنى كلّ من شرح نهج البلاغة من ابن أبي الحديد ومن قبله ومن بعده إلى الشيخ محمد عبده.
هذه دلائل كافية لردّ الخبر المروي عن عائشة ، ولا يخفى أنّ عائشة كانت تحمل حقدا وبغضا على الإمام عليّعليهالسلام بحيث كانت ترى جواز وضع روايات تنفى بها فضائل عليعليهالسلام ومناقبه!!
__________________
في كتابه كفاية الطالب / الباب الثاني والستون قال في أواسطه [أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن الحسن الصالحي ، أخبرنا الحافظ أبو القاسم الدمشقي ، أخبرنا أبو غالب بن البنا ، أخبرنا أبو الغنائم بن المأمون ، أخبرنا إمام أهل الحديث أبو الحسن الدارقطني ، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن بشر البجلي ، حدثنا علي بن الحسين بن عبيد بن كعب ، حدثنا إسماعيل بن ريّان ، حدثنا عبد الله بن مسلم الملائي عن أبيه ، عن إبراهيم ، عن علقمة والأسود عن عائشة قالت : قال رسول الله (ص) ـ وهو في بيتها لما حضره الموت ـ : ادعوا لي حبيبي! فدعوت له أبا بكر فنظر إليه ثم وضع رأسه ، ثم قال : ادعوا لي حبيبي! فدعوت له عمر ، فلما نظر إليه وضع رأسه ، ثم قال : ادعوا لي حبيبي! فقلت : ويلكم ادعوا له عليا فو الله ما يريد غيره! فلما رآه أخرج الثوب الذي كان عليه ثم أدخله منه ، فلم يزل محتضنه حتى قبض ويده عليه]. قال العلامة الكنجي :
هكذا رواه محدث الشام في كتابه كما أخرجناه ، ثم قال : والذي يدلّ على أنّ عليا كان أقرب الناس عهدا برسول الله (ص) عند وفاته ، ما ذكره أبو يعلى الموصلي في مسنده والإمام أحمد في مسنده ، فنقل الخبر بسنده أيضا عن أم سلمة قالت : والذي أحلف به كان علي أقرب الناس عهدا برسول الله (ص) إلى آخر الخبر فراجع.
«المترجم»
مفهوم الوصاية وأهمّيتها
نعرف مفهوم الوصاية من الروايات والأحاديث التي ذكرناها فالمعنى هو الذي تداعى للنوّاب إذ قال : الخليفة هو الذي يقوم بتنفيذ وصايا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا حاجة إلى آخر.
وصحابة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أيضا كانوا يفهمون أنّ الوصي هو الذي يقوم مقام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لذلك قام بعض المتعصبين المعاندين من أهل السنّة بإنكار وصاية الإمام عليعليهالسلام لأنّهم عرفوا بأنّ الإقرار بذلك يلازم الإقرار بخلافتهعليهالسلام .
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ١ / ١٣٩ و ١٤٠ / ط دار إحياء التراث العربي [أما الوصيّة فلا ريب عندنا أنّ علياعليهالسلام كان وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإن خالف في ذلك من هو منسوب عندنا الى العناد.]
ثم نقل في صفحة ١٤٣ وما بعدها أبياتا وأراجيز في إثبات وصاية عليّعليهالسلام ، منها : قول عبد الله بن عباس حبر الأمة :
[وصيّ رسول الله من دون أهله |
وفارسه إن قيل هل من منازل] |
وقول خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين يخاطب عائشة ، منها :
[وصيّ رسول الله من دون أهله |
وأنت على ما كان من ذاك شاهده] |
وقول أبي الهيثم بن التيهان ، الصحابي الجليل :
[إنّ الوصي إمامنا ووليّنا |
برح الخفاء وباحت الأسرار] |
وأنا أكتفي بهذا المقدار ومن رام الإكثار فليراجع شرح النهج حتى
يجد الأراجيز والأشعار في هذا الإطار(١) .
__________________
(١) أيها القارئ الرشيد! أنظر إلى بعض ما نقله ابن أبي الحديد من الشعر والقول السديد في وصاية الإمام عليعليهالسلام .
قال : ومما رويناه من الشعر المقول في صدر الإسلام المتضمّن كونه عليهالسلام وصيّ رسول الله ، قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب : [
ومنّا عليّ ذاك صاحب خيبر |
وصاحب بدر يوم سالت كتائبه |
|
وصيّ النبي المصطفى وبن عمّه |
فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه!] |
وقال عبد الرحمن بن جعيل :
[لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة |
على الدين ، معروف العفاف موفّقا |
|
عليا وصيّ المصطفى وبن عمّه |
وأوّل من صلّى ، أخا الدين والتقى] |
وقال رجل من الأزد يوم الجمل :
[هذا علي وهو الوصيّ |
آخاه يوم النّجوة النبيّ |
|
وقال هذا بعدي الولي |
وعاه واع ونسى الشقيّ] |
وخرج يوم الجمل غلام من بني ضبّة من عسكر عائشة وهو يقول :
[نحن بني ضبّة اعداء عليّ |
ذاك الذي يعرف قدما بالوصي |
|
وفارس الخيل على عهد النبي |
ما أنا عن فضل عليّ بالعمي الخ] |
وقال حجر بن عديّ الكندي في يوم الجمل أيضا :
[يا ربّنا سلّم لنا عليّا |
سلّم لنا المبارك المضيّا |
|
المؤمن الموحّد التقيّا |
لاخطل الرأى ولا غويّا |
|
بل هاديا موفّقا مهديّا |
واحفظه ربّي واحفظ النبيّا |
|
فيه فقد كان له وليّا |
ثم ارتضاه بعده وصيّا] |
وقال خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين في يوم الجمل :
[ليس بين الأنصار في جحمة الحر |
ب وبين العداة إلاّ الطعان |
__________________
فاذعها تستجب فليس من الخز |
رج والأوس يا عليّ جبان |
|
يا وصيّ النبي قد أجلت الحر |
ب الأعادي وسارت الأظعان الخ |
وقال زحر بن قيس الجعفي يوم الجمل :
[أضربكم حتى تقرّوا لعلي |
خير قريش كلّها بعد النبي (ص) |
|
من زانه الله وسمّاه الوصيّ |
إنّ الوليّ حافظ ظهر الولي] |
وروى عن نصر بن مزاحم : ومن الشعر المنسوب إلى الأشعث بن قيس :
[أتانا الرسول رسول الوصيّ |
عليّ المهذّب من هاشم |
|
وزير النبي وذو صهره |
وخير البريّة والعالم] |
ومن قول جرير بن عبد الله البجلي يصف الإمام علي عليهالسلام :
[وصيّ رسول الله من دون أهله |
وفارسه الحامي به يضرب المثل] |
وقال النعمان بن عجلان الأنصاري :
[كيف التفرّق والوصيّ إمامنا |
لا كيف إلاّ حيرة وتخاذلا |
|
وذروا معاوية الغويّ وتابعوا |
دين الوصيّ لتحمدوه آجلا] |
وقال المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب :
[يا عصبة الموت صبرا لا يهولكم |
جيش ابن هند فإن الحقّ قد ظهرا |
|
وأيقنوا أن من أضحى يخالفكم |
أضحى شقيّا وأمسى نفسه خسرا |
|
فيكم وصي رسول الله قائدكم |
وصهره وكتاب الله قد نشرا] |
وقال ابن أبي الحديد في نهاية ما نقله من الأشعار والأراجيز : [والأشعار التي تتضمّن هذه اللفظة ـ أي كلمة الوصي ـ كثيرة جدّا ، ولكنا ذكرنا منها هاهنا بعض ما قيل في هذين الحزبين ، فأمّا ما عداهما فإنّه يجلّ عن الحصر ، ويعظم عن الإحصاء والعد ، ولو لا خوف الملالة والإضجار ، لذكرنا من ذلك ما يملأ أوراقا كثيرة]. انتهى كلام ابن أبي الحديد.
«المترجم»
الشيخ عبد السلام : إذا كانت هذه الأخبار صحيحة ، فلما ذا لا نجد في كتب التاريخ والحديث وصيّة رسول الله (ص) لعليّ كرّم الله وجهه وأنا أكتفي بهذا المقدار ومن رام الإكثار فليراجع شرح النهج حتى كما نقلوا وصيّة أبي بكر وعمر وقت موتهما رضي الله عنهما؟
قلت : روى أئمة أهل البيتعليهمالسلام وصايا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم للإمام عليّعليهالسلام ، نقلها علماء الشيعة وسجّلوها في كتبهم ، ولكنّي حيث التزمت من أول نقاش أن لا أنقل خبرا وحديثا إلاّ من كتب علمائكم وأعلامكم ، فأشير في هذا الموضوع أيضا وأجيب سؤالك من مصادركم الموثّقة وأسانيدكم المحقّقة.
فأقول : لكي يتّضح لكم الأمر وينكشف لكم الحق ، راجعوا الكتب الآتية :
١ ـ طبقات ابن سعد : ج ٢ / ٦١ و ٦٣.
٢ ـ كنز العمال : ج ٤ / ٥٤ وج ٦ / ١٥٥ و ٣٩٣ و ٤٠٣.
٣ ـ مسند أحمد بن حنبل : ج ٤ / ١٦٤.
٤ ـ مستدرك الحاكم : ج ٣ / ٥٩ و ١١١.
وسنن البيهقي ودلائله ، والاستيعاب والجامع الكبير للطبراني ، وتاريخ ابن مردويه ، وغير هؤلاء رووا عن النبي وصاياه لعلي بعبارات مختلفة وفي مناسبات عديدة ، خلاصتها قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم «يا علي أنت أخي ووزيري ، تقضي ديني وتنجز وعدي وتبري ذمّتي ، وأنت تغسّلني وتواريني في حفرتي».
إضافة إلى ما نقله علماء الحديث في هذا المجال ، فقد أجمعوا على أن الذي قام بتغسيل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وتكفينه وباشر دفنه فأنزله في قبره وواراه في لحده ، هو الإمام عليّعليهالسلام .
وذكر الحافظ عبد الرزاق في كتابه الجامع : أنّه كان على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم خمسمائة ألف درهم ، فأدّاه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
الشيخ عبد السلام : قال الله سبحانه :( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) (١) وبناء عليها كان يلزم أن يوصي النبي عند الاحتضار حينما تيقّن بموته كما أوصى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
قلت : أولا : لم يكن مراد الآية الكريمة من( إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) أي : حال الاحتضار واللحظات الأخيرة من الحياة.
فإنّه في تلك الحالة قلّ من يكون في حالة استقرار نفسي وتمهيد روحي بحيث يتمكن من بيان وصاياه ، وإنّما المراد من الآية الكريمة ، أي : إذا ظهرت علامات الموت من الضعف والشيخوخة والمرض وما إلى ذلك فليبيّن وصاياه.
ثانيا : لقد ذكّرني كلامك بأمر فجيع ، إذا ذكرته هاج حزني وتألّم قلبي وذلك أنّ كلّنا نعلم أنّ رسول الله كثيرا ما كان يؤكّد على المسلمين في أن يوصوا ولا يتركوا الوصيّة بحيث إنه قالصلىاللهعليهوآلهوسلم «من مات بغير وصيّة مات ميتة جاهلية».
ولكنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لما أراد أن يكتب وصيّته في مرضه الذي توفي فيه ، وأراد أن يؤكّد كلّ ما كان طيلة أيام رسالته الشريفة يوصي بها علياعليهالسلام في تنفيذ أمور تتضمن هداية الامة واستقامتها وعدم انحرافها وضلالتها ، فمنعوه من ذلك وحالوا بينه وبين كتابة وصيّته!!
الشيخ عبد السلام : لا أظنّ أن يكون هذا الخبر صحيحا والعقل لا يقبله بل يأباه ، لأنّ المسلمين كانوا في طاعة رسول الله وذلك لأمر الله
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية ١٨٠.
سبحانه إذ يقول :( ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (١) ، ولقوله تعالى :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (٢) .
ولا ريب أنّ مخالفة كتاب الله عزّ وجلّ ومعاندة رسول الله كفر بالله سبحانه. وكان أصحابه على هذا الاعتقاد. فكيف يخالفونه ويعاندونه؟! فهذا الخبر ليس إلاّ كذبا وافتراء على الصحابة الكرام ، وأنا على يقين بأن الملحدين وضعوا هذا الخبر ونشروه حتى يصغّروا شأن النبي وينزلوا مقامه بأنّ محمدا ما كان مطاعا في أمته ، وأنّ نبيّا لا تطيعه أمته لجدير بأن لا يطيعه الآخرون!
خبر : إنّ الرجل ليهجر
قلت : هذا ظنّكم( وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (٣) .
والخبر الذي تقولون : بأنّه كذب وافتراء ، رواه أعلامكم وحتى أصحاب الصّحاح لا سيما البخاري ومسلم ، وهما عندكم على مكانة عظيمة من الاحتياط في نقل الأحاديث ، ولقد كانا يحتاطان أن لا يرويا حديثا يستند إليه الشيعة في طعن الصحابة ، وتضعيف خلافة الثلاثة الذين سبقوا علياعليهالسلام .
فقد اتفق المحدّثون وأجمعوا على أنّ النبي قال لمن حضر عنده وهو في مرضه الذي توفّي فيه «ايتوني بورق ودوات لأكتب لكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي!!».
__________________
(١) سورة الحشر ، الآية ٧.
(٢) سورة النساء ، الآية ٥٩.
(٣) سورة النجم ، الآية ٢٨.
فعارضه جماعة فقال أحدهم : إنّ الرجل ليهجر كفانا كتاب الله!! وعارضه آخرون فقالوا : دعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليوصي.
فكثر اللغط ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم «قوموا عني فإنه لا ينبغي النزاع عند نبي!» الشيخ عبد السلام : أكاد أن لا أصدّق هذا الخبر! من كان يتجرّأ من الصحابة أن يعارض رسول الله (ص) ويقابله بهذا الكلام؟!
وهم يتلون كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار حيث يقول تعالى :( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى ) (١) .
فلا أدري لما ذا خالفوا النبي (ص) وعارضوه أن يوصي ، علما أنّ أيّ مؤمن ومؤمنة لا يحق لهما أن يمنعا أحدا من الوصيّة ، وإنّ الوصية حقّ كلّ مسلم ومسلمة ، فكيف بالنبي (ص) الذي طاعته واجبة على الامة ، ومخالفته عناد كفر وإلحاد؟ فلذلك يصعب عليّ قبول هذا الخبر وتصديقه!
قلت : نعم إنّه خبر ثقيل على مسامع كل المؤمنين ، ومؤلم لقلوب كل المسلمين ، وإنّه يثير تعجب كل إنسان ويستغربه كل صاحب وجدان وإيمان!!
فإنّ العقل يأبى أن يقبله ويصعب على قلب أن يتحمّله. إذ كيف يرام لجماعة ، يدّعون بأنّهم أتباع نبي الله ، ثم يمنعوه من أن يوصي عند وفاته بشيء يكون سبب سعادتهم ، ويضمن لهم هدايتهم ويمنعهم عن الضلال والشقاء بعده أبدا؟! ولكن هذا ما حدث!!
__________________
(١) سورة النجم ، الآية ١ ـ ٤.
تأسّف ابن عباس
إنّه مؤسف لكلّ غيور ، فإنّ كل مسلم إذا سمع الخبر يتأسّف ويتألّم كما كان عبد الله بن عباس ابن عم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا تذكّر ذاك اليوم يتأسف ويبكى.
ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ٢ / ٥٤ و ٥٥ / ط دار احياء التراث العربي قال [وفي الصحيحين ، خرّجاه معا عن ابن عباس ، أنّه كان يقول : يوم الخميس وما يوم الخميس! ثم بكى حتى بلّ دمعه الحصى. فقلنا : يا ابن عباس ، ما يوم الخميس؟
قال : اشتدّ برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجعه ، فقال «ائتوني بكتاب أكتبه لكم ، لا تضلّوا بعدي أبدا». فتنازعوا ، فقال (ص) «إنّه لا ينبغي عندي تنازع». فقال قائل : ما شأنه؟ أهجر؟!(١) ].
__________________
(١) أظنّ أن أتباع عمر بن الخطاب ومحبّيه أرادوا أن يصلحوا عبارته فزادوا قبل كلمة «هجر» الهمزة الاستفهامية!
ولكن وهل يصلح العطّار ما أفسد الدهر؟!
فإنّ أكثر الروايات صريحة في أنّ عمر نسب الهجر إلى النبيّ (ص)!
ففي صحيح البخاري عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فقالوا [هجر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ] صحيح البخاري : ج ٢ / ١٧٨ بحاشية السندي وج ٦ / ٩ / باب مرض النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم .
ورواه مسلم بنفس اللفظ في صحيحه : ج ١١ / ٨٩ ـ ٩٣ بشرح النووي ، وفي ج ٣ / ١٢٥٩ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس
فقالوا [إنّ رسول الله (ص) يهجر!!]
الشيخ عبد السلام : هذه الرواية مبهمة ، لا تصرّح بأنّ النزاع لأيّ شيء حدث؟ ثم من هو القائل؟ : ما شأنه؟ أهجر؟
قلت : لإن كانت هذه الرواية مبهمة فإنّ هناك روايات صريحة على أنّ القائل هو عمر بن الخطاب ، وأنّه هو الذي منع بكلامه من أن يأتوا للنبي (ص) بالقرطاس والدواة ليوصي!
الشيخ عبد السلام : هذا بهتان عظيم! نعوذ بالله تعالى من هذا الكلام ، وأنا على يقين أنّ هذا البهتان على الخليفة عمر ما هو إلاّ من أقاويل الشيعة وأباطيلهم ، فأوصيك ان لا تعدها!
قلت : وأنا أوصيك يا شيخ : أن لا تفوه بكلمة من غير تفكّر ، فإنّ لسان المؤمن خلف قلبه وقلب المنافق خلف لسانه ، يعني ينبغي للمؤمن أن يفكّر قبل أن يتكلّم ، فإن المنافق يتكلم قبل أن يفكر في مقاله ومعنى كلامه ، ثم ينكشف له بطلانه وزيفه ، وكم رميتم الشيعة المؤمنين ، في هذه المناقشات ، ونسبتم كلامنا للأباطيل والأقاويل ، ثم انكشف للحاضرين أنّها ما كانت كذلك وانما كان كلامنا من مصادر ومنابع أهل
__________________
وأخرجه ابن سعد في الطبقات ج ٢ / ٣٧ عن سعيد عن ابن عباس. [فقالوا : إنما يهجر رسول الله (ص)!] وفي صفحة ٣٦ روى عن ابن عباس. [فقال بعض من كان عنده : إنّ نبي الله ليهجر!]
وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده ج ١ / ٢٢٢ عن سعيد عن ابن عباس
[فقالوا : ما شأنه يهجر!! قال سفيان : يعني هذى!!]
وأخرج أيضا في المسند ج ٣ / ٣٤٦ [أنّ النبي (ص) دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابا لا يضلون بعده قال : فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها!!]
وأخرجه ابن سعد أيضا في الطبقات ج ٢ / ٣٦. «المترجم»
السنّة وعلمائهم وأعلامهم!!
وسأثبت لكم أننا لسنا أهل افتراء وبهتان ولا أهل الأقاويل والبطلان ، وإنما ذاك غيرنا!!
ولكي يظهر لك الحق ويتضح الامر ، بأنّ القائل : أهجر؟ أو يهجر!
وأنّ المانعين من أن يكتب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وصيّته ، هو عمر.
فراجع المصادر التي ساذكرها من علمائكم :
١ ـ صحيح البخاري : ج ٢ / ١١٨.
٢ ـ صحيح مسلم في آخر كتاب الوصيّة.
٣ ـ الحميدي في الجمع بين الصحيحين.
٤ ـ احمد بن حنبل في المسند : ج ١ / ٢٢٢.
٥ ـ والكرماني في شرح صحيح البخاري.
٦ ـ والنووي في شرح صحيح مسلم ، وغيرهم كابن حجر في صواعقه ، والقاضي أبو علي ، والقاضي روزبهان ، والقاضي عياض ، والغزالي ، وقطب الدين الشافعي ، والشهرستاني في الملل والنحل وابن الأثير ، والحافظ أبو نعيم ، وسبط ابن الجوزي. وجلّ علمائكم أو كلّ من كتب من أعلامكم عن وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ذكر هذا الأمر العظيم والخطب الجسيم والخبر الأليم.
نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ٢ / ٥٥ / ط دار إحياء التراث العربي بيروت قال : وفي الصحيحين أيضا خرّجاه معا عن ابن عباسرحمهالله تعالى ، قال [لما احتضر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفي البيت رجال منهم عمر بن الخطاب ؛ قال النبي (ص) «هلمّ أكتب لكم كتابا
لا تضلّون بعده». فقال عمر : إنّ رسول الله صلى الله عليه قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله!
فاختلف القوم واختصموا ، فمنهم من يقول : قرّبوا إليه يكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده ، ومنهم من يقول : القول ما قاله عمر ؛ فلما أكثروا اللغو والاختلاف عندهعليهالسلام ، قال لهم «قوموا». فقاموا.
فكان ابن عباس يقول : إنّ الرّزيّة كلّ الرّزيّة : ما حال بين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبين أن يكتب لكم ذلك الكتاب.]
ونقل سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص / ٦٤ و ٦٥ / ط مؤسسة أهل البيت بيروت ، قال : وذكر أبو حامد الغزالي في كتاب «سر العالمين» [ولما مات رسول الله (ص) قال قبل وفاته بيسير «ايتوني بدواة وبياض لأكتب لكم كتابا لا تختلفوا فيه بعدي». فقال عمر :
دعوا الرجل فإنه يهجر!!]
إنّ هذه المخالفة والمعارضة من عمر لرسول الله (ص) ما كانت أوّل مرّة بل كانت مسبوقة بمثلها كما في صلح الحديبيّة وغيرها ولكن هذه المرة سبّبت اختلاف المسلمين وتنازعهم في محضر رسول الله (ص) ، وكان أوّل نزاع وتخاصم وقع بين المسلمين في حياة النبي (ص) ودام ذلك حتى اليوم ، فعمر بن الخطاب هو مسبّب هذه الاختلافات والضلالات التي أدّت بالمسلمين إلى القتال والحروب ، وسفك الدماء وإزهاق النفوس ، لأنه منع النبي (ص) من كتابة ذلك الكتاب الذي كان يتضمن اتحاد المسلمين وعدم ضلالتهم إلى يوم الدين!!
الشيخ عبد السلام : لا ننتظر من جنابكم هذا التجاسر على مقام
الخليفة الفاروق! وأنت صاحب الخلق البديع والأدب الرفيع فكيف لا تراعي الأخلاق والآداب؟!
قلت : بالله عليكم! اتركوا التعصّب! وتجرّدوا عن حب ذا وبغض ذاك! وأنصفوا! هل تجاسر الخليفة على سيد المرسلين وخاتم النبيينصلىاللهعليهوآلهوسلم ومخالفته ومعارضته للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ونسبته رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الهجر والهذيان أعظم أم تجاسري على الخليفة كما تزعمون؟! ولعمري ما كان تجاسري إلاّ كشف الواقع وبيان الحقيقة!
وليت شعري أنا لا أراعي الأخلاق والآداب أم عمر بن الخطاب؟ إذ سبّب النزاع والصياح ، وتخاصم الأصحاب عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى رفعوا أصواتهم وازعجوا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بحيث أخرجهم وأبعدهم وغضب عليهم لأنّهم خالفوا الله سبحانه إذ يقول :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) (١) .
الشيخ عبد السلام : لم يقصد الخليفة من كلمة الهجر معنى سيّئا وإنّما قصد أنّ النبي (ص) بشر مثلنا ، وكما نحن في مثل تلك الحالة نفقد مشاعرنا ، فرسول الله (ص) أيضا ربما في تلك الحالة كان كذلك! لأنّ الله تعالى يقول :( قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) (٢) فهو (ص) إذا مثلنا في جميع النواحي : في الغرائز والعواطف ، ويعرض عليه من العوارض الجسمية كضعف القوى والأعضاء كما يعرض على غيره من البشر ، وحالة الهجر والهذيان في حال المرض أيضا من عوارض
__________________
(١) سورة الحجرات ، الآية ٢.
(٢) سورة الكهف ، الآية ١١٠.
الجسد البشري ، فربما يعرض عليه كما يعرض على كل أفراد البشر!!
قلت : أوّلا : إنّي أتعجّب من انقلابك وأستغرب تبدّل حالك! إذ كنت قبل هذا تقول : لا ريب إنّ مخالفة كتاب الله كفر ومعاندة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلحاد ، والآن طفقت توجّه كلام معانديه وعمل مخالفيه! فما عدا ممّا بدا؟!
ثانيا : أتعجّب أيضا أنّك لا تتأثّر من كلام عمر على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو سيد الأولين والآخرين. وتتغيّر هذا التغيّر الفظيع من كلامي على عمر ، وهو إنسان عادي غاية ما هنالك أنّه أحد صحابة رسول الله وكم له في الصحابة من نظير!!
والجدير بالذكر أنّه بعد تلك الصحبة الطويلة ما عرف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حق معرفته وكان جاهلا بمقامه المنيع وشأنه الرفيع فنسب إليه [الهجر] وهذا رأي بعض أعلامكم مثل القاضي عياض الشافعي في كتاب الشفاء والكرماني في شرح صحيح البخاري والنووي في شرح صحيح مسلم فإنّهم يعتقدون أنّ من ينسب الهجر والهذيان الى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقد جهل معنى النبوّة والرسالة ، ولا يعرف قدر النبي وشأنه ، لأنّ الأنبياء العظام كلهم في زمان تبليغ رسالتهم وإرشادهم للناس يكونون معصومين عن الخطأ والزّلل ، لأنّهم يأخذون عن الله تعالى ومتّصلون بعالم الغيب والملكوت ، سواء أكانوا في حال الصحة أم المرض.
فيجب على كل فرد من الناس أن يطيعهم ويمتثل أوامرهم. فمن خالف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في طلبه البياض والدواة ليكتب وصيتهصلىاللهعليهوآلهوسلم وخاصّة بمثل ذلك الكلام الشنيع : «إنّ رسول الله يهجر»! «إنّما هو يهجر»! «قد غلب عليه الوجع»! وما إلى ذلك من كلام فجيع وبيان فظيع ، إنما
يدلّ على جهل قائله وعدم معرفته لمقام النبي وشخصيته العظيمة!
ثالثا : أطلب من جناب الشيخ أن يراجع كتب اللغة في تفسير كلمة : «يهجر» حتى يعرف مدى تجاسر قائلها على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم !! فقد قال اللغويون : الهجر بالضم ـ الفحش ، وبالفتح ـ الخلط والهذيان ، وهو بعيد عن مقام النبوّة وقد عصم الله سبحانه رسوله عن ذلك بقوله عزّ وجلّ :( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى ) (١) لذلك أمر المسلمين بالاطاعة المحضة له من غير ترديد وإشكال ، فقال سبحانه :( ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (٢) .
وقال تعالى :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (٣) .
فمن استشكل في كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو تردّد في طاعته وامتثال أمره ، فقد خالف الله تعالى وأصبح من الخاسرين.
الشيخ عبد السلام : ولو فرضنا بأنّ عمرا قد أخطأ ، فهو خليفة رسول الله (ص) وكان يقصد بذلك حفظ الدين والشريعة ولكنّه اجتهد فأخطأ فيعفى عنه والله خير الغافرين.
قلت : أوّلا : حينما تكلم عمر بذلك الكلام الخاطئ لم يكن خليفة رسول الله ، بل شأنه شأن أحد الناس العاديين.
ثانيا : قد قلت : إنّه اجتهد فأخطأ! فلعمري هل الرأي أو الكلام
__________________
(١) سورة النجم ، الآية ١ ـ ٤.
(٢) سورة الحشر ، الآية ٧.
(٣) سورة النساء ، الآية ٥٩.
المخالف لنصّ القرآن ، اجتهاد؟ أم ذنب لا يغفر!
ثالثا : وقلت : إنّه كان يقصد حفظ الدين والشريعة.
فمن أين تقول هذا؟ والله من وراء القصد.
ثم هل إنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان أعرف بحفظ الشريعة أم عمر بن الخطاب؟ فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان موكّلا من الله في ذلك وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم حريصا على الدين وحفظ الشريعة أكثر من غيره ، ولأجل ذلك أراد أن يوصي ويكتب كتابا لا يضلّ المسلمون بعده أبدا.
ولكن عمر منع من ذلك وصار سببا لضلالة من ضلّ إلى يوم القيامة ، فاي عفو غفران يشمل هذا المجتهد الخاطئ!!
الشيخ عبد السلام : ربما الخليفة الفاروقرضياللهعنه كان يعرف الأوضاع الاجتماعية والظروف الراهنة ، وثبت عنده بأنّ الوصيّة وكتاب النبي صلى الله عليه وسلّم يحدث فتنة عظيمة من بعده (ص) ، فكان بمنعه ورفضه الكتاب والوصية ، ناصحا للنبي وناويا الخير للإسلام والمسلمين.
قلت : إنّ أستاذي المرحوم الشيخ محمد علي الفاضل القزويني وكان يحوي علم المعقول والمنقول ، كان ينصحني ويقول : توجيه الخطأ يولّد أخطاء أخرى ، فلو اعترف العاقل بخطئه لكان اسلم له وأجمل ، وقالوا قديما : الاعتراف بالخطإ فضيلة. وأنا أراك هويت في مهوى توجيه خطأ من تهوى فنسيت كلام الله تعالى حيث يقول :
( وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ) (١) .
الشيخ عبد السلام : تظهر نيّة الفاروق الحسنة من آخر كلامه حيث
__________________
(١) سورة الأحزاب ، الآية ٣٦.
قال : حسبنا كتاب الله!!
قلت : هذه الجملة تدلّ على عدم معرفة الخليفة لمقام النبوّة وعدم معرفته بحقيقة كتاب الله أيضا ، لأنّ القرآن كلام ذو وجوه وله بطون ، ولا بدّ من مفسّر(١) وموضّح يعرف الناسخ والمنسوخ والعام والخاص
__________________
(١) نقل الحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودة / الباب الخامس والستون / عن كتاب فصل الخطاب للعلاّمة محمد خواجه البخاري عن ابن عباس قال [وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف ، ما منها حرف إلاّ له ظهر وبطن ، وإنّ عليّ بن أبي طالب علم الظاهر والباطن.]
ورواه العلامة الكنجي القرشي الشافعي في كتابه كفاية الطالب في الباب الرابع والسبعون عن ابن مسعود ، وقال رواه أبو نعيم في حلية الأولياء.
وروى الخواجه البخاري بعده عن ابن عباس أيضا قال [أتي عمر بن الخطاب بامرأة مجنونة حبلى قد زنت ، فأراد عمر بن الخطاب أن يرجمها ، فقال له عليّ : أما سمعت ما قال رسول الله (ص) : رفع القلم عن ثلاث ، عن المجنون حتى يبرأ ، وعن الغلام حتى يدرك ، وعن النائم حتى يستيقظ. فخلّى عنها ، ثم قال العلامة محمد خواجه البخاري : وفي عدة من المسائل رجع ـ أي عمر ـ إلى قول علي رضي الله عنه.
فقال عمر : عجزت النساء أن يلدن مثل علي ، ولو لا علي لهلك عمر ، ويقول أيضا : أعوذ بالله من معضلة ليس فيها علي] انتهى كلام البخاري.
وروى العلامة مير علي الهمداني الشافعي في كتابه مودّة القربى / المودّة السابعة عن أبي ذر عن رسول الله (ص) أنه قال «علي باب علمي ومبيّن لأمتي ما أرسلت به من بعدي ، حبه إيمان وبغضه نفاق ، والنظر إليه رأفة عبادة». قال : رواه أبو نعيم الحافظ بإسناده.
ونقل الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة تحت عنوان «هذه المناقب السبعون في فضائل أهل البيت» الحديث التاسع والعشرون عن أبي الدرداء
والمطلق والمقيد والمجمل والمبيّن والمتشابه والمحكم منه ، وهذا لا يكون إلاّ من أفاض الله عليه من الحكمة وفتح في قلبه ينابيع علومه ، فلذا قال سبحانه :( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (١) .
فإذا كان القرآن وحده يكفي لما قال سبحانه :( ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (٢) . ولما قال تعالى :( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (٣) .
ولقد عرّف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمّته الراسخين في العلم وأولي الأمر الذين يرجع إليهم في تفسير القرآن وتوضيحه ، في حديثه الذي كرّره على مسامع أصحابه وقد وصل حدّ التواتر في النقل ، إذ قال حتى عند وفاته «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، إن تمسّكتم بهما نجوتم ـ لن تضلّوا أبدا(٤) ».
فرسول الله (ص) لا يقول لأمته : كفاكم كتاب الله وحسبكم. بل يضم إلى القرآن أهل بيته وعترته.
أيها الحاضرون! فكروا وأنصفوا أيّ القولين أحقّ أن يؤخذ به
__________________
رضياللهعنه قال [قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «علي باب علمي ومبين لأمتي ما ارسلت به من بعدي ، حبه إيمان ، وبغضه نفاق ، والنظر إليه رأفة ، ومودّته عبادة». رواه صاحب الفردوس.]
أقول : لا يخفى أنّ جملة «ما أرسلت به» تشمل القرآن والسنّة الشريفة وجميع أحكام الإسلام. «المترجم»
(١) سورة آل عمران ، الآية ٧.
(٢) سورة الحشر ، الآية ٧.
(٣) سورة النساء ، الآية ٨٣.
(٤) «نقلت لكم مصادره في البحوث الماضية».
قول عمر : حسبنا كتاب الله. أم قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : كتاب الله وعترتي؟
لا أظنّ أحدا يرجّح قول عمر على قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإذا كان كذلك ، فلما ذا أنتم تركتم قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأخذتم بقول عمر؟! فإذا كان كتاب الله وحده يكفينا ، فلما ذا يأمرنا الله تعالى ويقول :( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (١) والذّكر سواء أكان القرآن أم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأهل الذّكر هم عترة رسول الله وأهل بيته الطيبين.
وقد مرّ الكلام حول الموضوع في الليالي السالفة ، ونقلت لكم عن السيوطي وغيره من أعلامكم أنّهم رووا بأنّ أهل الذكر هم عترة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذين جعلهم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عدل القرآن ونظيره.
وأنقل لكم ـ الآن ـ مضمون كلام أحد أعلامكم وهو قطب الدين الشيرازي ، قال في كتابه كشف الغيوب [لا بدّ للناس من دليل ومرشد يرشدهم إلى الحق ويهديهم الى الصراط المستقيم ، ولذا أتعجّب من كلام الخليفة عمر (رض) : حسبنا كتاب الله! وبهذا الكلام رفض الهادي والمرشد فمثله كمن يقبل علم الطب وضرورته ولزومه للناس إلاّ أنّه يرفض الطبيب ويقول حسبنا علم الطّب وكتبه ولا نحتاج إلى طبيب!
من الواضح إن هذا الكلام مردود عند العقلاء ، لأنّ الطبيب وجوده لازم لتطبيق علم الطب كما يلزم علم الطب للناس. والعلم من غير عالم وعارف بمصطلحاته ورموزه ، يبقى معطّلا لا يمكن أن يستفاد منه ، فكما لا يمكن لآحاد البشر أن يعرفوا علم الطب ورموزه ، ولا بدّ من أطبّاء في كل مجتمع يعالجون المرضى بمعرفتهم لعلم الطب ورموز العلاج ، كذلك القرآن الكريم وعلومه لا يعقل بأنّ الناس كلهم
__________________
(١) سورة النحل ، الآية ٤٣.
يعرفون علومه ورموزه ومصطلحاته ، فلا بدّ أن يرجعوا إلى العالم لعلومه ورموزه والمتخصّص بتفسيره وتأويله وقد قال سبحانه :( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (١) .
وقال عزّ وجلّ :( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (٢) . فالكتاب المبين وحقيقته إنما يكون في قلوب أهل العلم ، كما قال سبحانه :( بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) (٣) .
ولهذا كان علي كرم الله وجهه يقول : أنا كتاب الله الناطق والقرآن كتاب الله الصامت]. انتهى مضمون وخلاصة مقال قطب الدين.
أقول : كلّ عاقل منصف ، وكلّ صاحب وجدان وإيمان ، يعرف أنّ عمر بن الخطاب ارتكب ظلما كبيرا بمنعه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يكتب لأمته كتابا لن يضلّوا بعده أبدا!!
وأما قولك أيها الشيخ : إنّ أبا بكر وعمرا أوصيا ولم يمنعهما أحد من الصحابة. فهو قول صحيح وهذا الأمر يثير تعجّبي واستغرابي.
كما يهيج حزني ويبعث الألم في قلبي ، فقد اتفق المؤرخون والمحدثون على إنّ أبا بكر أملا وصيته على عثمان ، وهو كتبها في محضر بعض أصحابه وعرف عمر بن الخطاب ذلك ولم يمنعه ، وما قال له : لا حاجة لنا بوصيتك وعهدك ، حسبنا كتاب الله!
ولكنّه منع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الوصية وكتابة عهده لأمته ، قائلا : [أنّه يهجر كفانا أو حسبنا كتاب الله!] وقد كان ابن عباس وهو حبر الأمّة كلّما يتذكّر ذلك اليوم يبكي ويقول : الرزيّة كل الرزية ما حال بين
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ٧.
(٢) سورة النساء ، الآية ٨٣.
(٣) سورة العنكبوت ، الآية ٤٩.
رسول الله صلى الله عليه وسلّم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم / صحيح البخاري بحاشية السندي : ج ٤ / كتاب المرضى باب قول المريض قوموا عني وج ٤ / ٢٧١ / باب كراهية الخلاف.
نعم كان ابن عباس يتأسّف ويبكي ، ويحقّ لكل مسلم منصف أن يتأسّف ويبكي ، وأن يتألّم ويتأثر ويتغيّر ، ونحن على يقين أنّهم لو تركوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يكتب وصيته ، لبيّن أمر الخلافة من بعده وعيّن خليفته مؤكّدا عليهم بأن يطيعوه ولا يخالفوه ، ولذكّرهم كلّ ما قاله في هذا الشأن وفي شأن وصيه وخليفته ووارثه من قبل. والذين منعوا من ذلك ، كانوا يطمعون في خلافته كما كانوا يعلمون أنه يريد أن يسجّل خلافة ابن عمه علي بن أبي طالب ، ويكتبه ويأخذ منهم العهد والبيعة له في آخر حياته ، كما أخذ عليهم ذلك في يوم الغدير ، لذلك خالفوه بكل وقاحة ومنعوه من ذلك بكل صلافة!
الشيخ عبد السلام : كيف تدّعي هذا ومن أين تبيّن لك أنّه صلى الله عليه وسلّم أراد أن يوصي في أمر الخلافة ويعيّن علي بن أبي طالب لهذا الأمر من بعده؟!
قلت : من الواضح أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيّن جميع أحكام الدين للمسلمين ، وما ترك صغيرة ولا كبيرة من الفرائض والسنن إلاّ بيّنها ، حتى قال تعالى في كتابه :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (١) ، فكان من هذه الجهة مرتاح البال ، ولكن الذي كان يشغل باله هو موضوع خلافته وولي الأمر بعده ، لأنهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يعرف عداوة كثير من الناس لعلي بن أبي
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٣.
طالب ، وكان يعلم حقدهم وحسدهم لهعليهالسلام ، وكان يعرف طمع بعض الصحابة وحرصهم على خلافته في أمّته ، لذلك كان يتخوّف من مناوئي الإمام عليّ ومخالفيه ، أن لا يخضعوا لإمارته ولا يقبلوا خلافته ، فأراد أن يؤكّدها عليهم في آخر ساعات حياته ، إضافة إلى ما بيّنه في هذا الأمر طول حياته مرارا وتكرارا ، كما روى الغزالي في كتابه «سرّ العالمين» في المقالة الرابعة ، أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «ايتوني بدواة وبياض لأزيل عنكم إشكال الأمر ، وأذكر لكم من المستحق لها بعدي».
ثم كلنا نعلم أنّ الأمر الذي آل إلى اختلاف المسلمين بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان سبب سفك الدّماء وإزهاق النفوس ، إنّما هو أمر الخلافة لا غير ، فيتبيّن أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أراد أن يوضّح أمر الخلافة للمسلمين ويوصي بها لرجل منهم يستحقّها ، حتى يبايعوه ويخضعوا لإمارته وخلافته ولكي لا يؤول أمرهم إلى التخاصم والتنازع ، ولا يقعوا من بعده في هوة الاختلاف ومزلّة الانحراف.
ثم إنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في مواطن كثيرة عين وصيّه وعرّفه للناس ، وقد نقلنا لكم بعض الأخبار والأحاديث في هذا الشأن ولا حاجة لتكرارها.
ولا ينكر أحد من المسلمين المنصفين بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عيّن عليا وصيّا لنفسه وأودعه الوصايا التي أراد أن يكتبها حتى لا يضلوا من بعده أبدا ، ولكنهم منعوه ورفضوها بقولهم : إنه ليهجر. كفانا أو حسبنا كتاب الله!!
الشيخ عبد السلام : خبر تعيين النبي (ص) عليا وصيّا لنفسه غير متواتر فلا يصح الاستناد به.
قلت : هو خبر متواتر عن طريق العترة النبويّة الطاهرة والأمر ثابت من غير شك ولا ترديد.
وأمّا عن طرقكم ، فربما لم يكن لفظه متواترا ولكن معناه قد تواتر عن طرقكم في ألفاظ متفاوتة وجمل متعدّدة.
ثم إذا كان التواتر عندكم مهمّا إلى هذا الحد بحيث لو كان الخبر واصلا عن طريق موثوق وبسند حسن وقد صححه العلماء المتخصّصون ، ومع ذلك ترفضونه بحجّة أنه غير متواتر ، فأسألكم هل كان حديث : «لا نورّث ما تركناه صدقة» متواترا؟! لا بل هو خبر واحد رواه أبو بكر(١) ، وصدّقه عصابة كانت لهم منفعة ومصلحة في تصديقهم إيّاه!
ولكن في كل عصر ينكره ملايين المسلمين المؤمنين ويرفضه آلاف العلماء الصالحين.
وقد أنكره الإمام عليعليهالسلام وهو باب علم الرسول ، ورفضته فاطمة الزهراءعليهاالسلام بضعة رسول الله الطاهرة المطهّرة التي عصمها الله من الزلل وطهّرها من الرجس والدنس بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة المستندة على كتاب الله الحكيم والمنطق القويم والعقل السليم.
ولو لم يورث الأنبياء فكيف قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم «لكل نبيّ وصيّ ووارث ، وأنّ عليا وصيّي ووارثي؟(٢) ».
واثبتنا أنّ المقصود وراثة المال والمقام. وحتى إذا كان المقصود
__________________
(١) شرح النهج لابن أبي الحديد ج ١٦ / ٢٢١ / ط دار إحياء التراث العربي / : المشهور أنّه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلاّ أبو بكر وحده.
وقال في صفحة ٢٢٧ : أكثر الروايات أنّه لم يرو هذا الخبر إلاّ أبو بكر وحده ، ذكر ذلك أعظم المحدّثين حتى أنّ الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد. «المترجم»
(٢) نقلت لكم مصادره في ما سبق.
وراثة العلم فوارث علم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أحق بخلافته من فاقد علمه.
والجدير بالذكر أنّ أبا بكر وعمر في كثير من القضايا رجعا إلى الإمام عليعليهالسلام وعملا برأيه وأخذا بقوله ، ولكن في هذه القضية بالذات خالفوه ولم يقبلوا حتى شهادته في فدك بأنها منحة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لفاطمةعليهاالسلام ، فرفضوا شهادته وشتموه بقولهم [إنّما هو ثعالة شهيده ذنبه ، مربّ لكل فتنة الخ.]
الحافظ : إن أبا بكر وعمر كانا في غنى عن عليّ وعلمه ولم يرجعا إليه في بعض الأحكام لجهلهما بالحكم بل كانا يحترمانه ويشاورانه.
قلت : إنّ قولك هذا منبعث عن حبك للشيخين وقد قالوا : حب الشيء يعمي ويصم.
وإن قولك رأي شخصي لم يقل به قائل ، بل هو مخالف لصريح ما نقله أعلامكم عن نفس أبي بكر وعمر.
وإليكم نماذج منها :
الحكم في امرأة ولدت لستة أشهر
نقل المحدثون منهم أحمد بن حنبل في مسنده والمحب الطبري في ذخائر العقبى وابن أبي الحديد في شرح النهج والشيخ سليمان القندوزي في ينابيع المودّة / الباب السادس والخمسون فصل [في ذكر كثرة علم علي ، قال : وروي أن عمررضياللهعنه أراد رجم المرأة التي ولدت لستة أشهر! فقال عليعليهالسلام في كتاب الله «( وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ
ثَلاثُونَ شَهْراً ) (١) ثم قال :( وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ ) (٢) فالحمل ستة أشهر ، فتركها عمر ، وقال : لو لا علي لهلك عمر]. قال القندوزي : أخرجه أحمد والقلعي وابن السمّان.
ونقل القندوزي في الباب قبل هذا الخبر بقليل فقال :
[وأخرج أحمد [ابن حنبل] في المناقب : أنّ عمر بن الخطاب إذا أشكل عليه شيء أخذ عن علي رضي الله عنه.
ولو تصفّحنا كتب التاريخ والحديث لوجدنا كثيرا من هذه القضايا المشكلة التي كان يعجز عن حكمها الخلفاء فيرجعون فيها إلى عليعليهالسلام ويأخذون بقوله ويعملون برأيه.
فيا أيها العلماء! وأيها الجمع! فكّروا : لما ذا رفضوا شهادة عليعليهالسلام في أمر فدك ولم يقبلوا حكمه في قضيّة فاطمةعليهاالسلام وقالوا ما قالوا وافتروا عليه وشتموه!!
ثم إذا كان الحديث الذي رواه أبو بكر صحيحا وكان قد سمعه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلما ذا لم يحكم في سائر ممتلكات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بحكم فدك ولم يضمّها إلى بيت المال لعامة المسلمين ، أو يجعلها صدقات ينتفع بها المساكين.
بل ترك حجرة فاطمةعليهاالسلام لها ، وترك حجرات زوجات الرسول لكل واحدة منهن حجرتها ، من باب الإرث(٣) .
__________________
(١) سورة الأحقاف ، الآية ١٥.
(٢) سورة لقمان ، الآية ١٤.
(٣) كما ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج ج ١٦ / ٢١٤ / ط دار إحياء التراث العربي :[إنّ أبا بكر قال فيما قال بعد خطبة فاطمةعليهاالسلام : أما بعد ، فقد دفعت آلة رسول الله (ص) ـ أي سيفه وأجهزته الخاصة ـ ودابته وحذاءه إلى علي بن أبي طالب ، وأمّا
إضافة إلى هذا : إذا كان أبو بكر يؤمن بما يقول ويعتقد بالحديث الذي رواه : «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه صدقة» وعلى هذا المبنى أخذوا فدك وأخرجوا عمّال فاطمة منها. فلما ذا ردّ فدك ـ بعد أيام ـ على فاطمة وكتب لها كتابا في ذلك إلاّ أنّ عمر أخذ منها الكتاب ومزّقه ، ومنعها من التصرّف في فدك؟!
الحافظ : هذا كلام جديد لم نسمع به من قبل! فمن أيّ مصدر وبأيّ دليل تقول : بأنّ أبا بكر (رض) ردّ فدك على فاطمة ثم منعها عمر في خلافة أبي بكر ومزّق كتابه؟!!
قلت : يبدو أنّ مشاغل الحافظ كثيرة بحيث لا يجد فرصة ليطالع كتب أعلام السنة من أهل مذهبه ونحلته ، وإلاّ لما كان هذا الخبر جديدا على مسامعه ، فقد روى هذا الخبر كثير من المؤرخين والمحدثين منهم علي بن برهان الدين الشافعي في السيرة الحلبية : ج ٣ / ٣٩١ وابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ١٦ / ٢٧٤ / ط دار إحياء التراث العربي /: قال : روى إبراهيم بن سعيد الثقفي عن إبراهيم بن ميمون ، قال : حدّثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالبعليهالسلام عن أبيه عن
__________________
ما سوى ذلك فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا أرضا ولا عقارا ولا دارا الخ.]
أقول : لقد كان علي عليهالسلام أحقّ الناس برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم حتى عند أبي بكر ، ولذلك دفع إليه الآلات والأجهزة الخاصة برسول الله ولم يدفعها إلى العباس بن عبد المطلب وهو عم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فتأمّل.
«المترجم»
جدّه عن عليّعليهالسلام قال «جاءت فاطمةعليهاالسلام إلى أبي بكر وقالت : إنّ أبي أعطاني فدك ، وعلي وأم أيمن يشهدان فقال : ما كنت لتقولي على أبيك إلاّ الحق قد أعطيتكها ، ودعا بصحيفة من أدم فكتب لها فيها. فخرجت فلقيت عمر ، فقال : من أين جئت يا فاطمة؟ قالت : جئت من عند أبي بكر. اخبرته أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني فدكا وأنّ عليا وأم أيمن يشهدان لي بذلك ، فأعطانيها وكتب لي بها. فأخذ عمر منها الكتاب. ثم رجع إلى أبي بكر ، فقال : أعطيت فاطمة فدكا وكتبت بها لها؟ قال : نعم ، فقال : إنّ عليا يجرّ إلى نفسه ، وأم أيمن امرأة ؛ وبصق في الكتاب فمحاه وخرقه!».
والعجب أنّ عمر الذي كان بهذه الشدّة في قضيّة فدك أيام خلافة أبي بكر ، لما وصلت أيّامه وصارت الخلافة في يده ردّ فدك على أولاد فاطمة وكذلك بعض الخلفاء من بعده!
الحافظ : إنّ هذا الخبر من أعجب الأخبار لتناقضه ، وإنّي حائر في تصديقه وردّه!
قلت : لا تتحيّر ولا تردّ الخبر بل راجع كتاب وفاء الوفاء في تاريخ مدينة المصطفى للعلامة السمهودي وهو من أعلامكم ، ومعجم البلدان لياقوت الحموي.
رويا : [أنّ أبا بكر أخذ فدك من فاطمة ، ولكنّ عمر في خلافته ردّها على العباس وعلي بن أبي طالب ، فإذا كانت فدك فيئا للمسلمين وقد أخذها أبو بكر حسب الحديث الذي سمعه من النبي (ص) ، فبأيّ سبب ردّها عمر وجعلها في يد علي والعباس دون سائر المسلمين؟!]
الشيخ عبد السلام : لعله جعلهما من قبله حتى يأخذا حاصلها
ويصرفاه في مصالح المسلمين.
قلت : ولكنّ ظاهر بعض العبارات التاريخية أنهما ادّعيا عند عمر ميراثهما فأعطاهما فدكا وكانا يتصرّفان فيها تصرّف المالك في ملكه(١) .
الشيخ عبد السلام : لعلّ مراد المؤرخين من عمر هو عمر بن عبد العزيز!
ردّ عمر بن عبد العزيز فدك
فتبسّمت ضاحكا من قوله وقلت : عليعليهالسلام والعباس ما كانا في خلافة عمر بن عبد العزيز ، وحكم عمر بن عبد العزيز وردّه فدكا على أولاد فاطمةعليهاالسلام خبر آخر وقد ذكره العلامة السمهودي أيضا ، وذكره
__________________
(١) روى ابن أبي الحديد في شرح النهج ج ١٦ / ٢٢٩ / ط دار إحياء التراث العربي : عن أبي بكر الجوهري قال [حدثنا أبو زيد ـ عمر بن شبّة ـ ثم عن عن بإسناده إلى مالك بن أوس بن الحدثان ، قال : سمعت عمر وهو يقول للعباس وعلي ثم توفّي أبو بكر فقبضتها ـ يعني فدكا ـ فجئتما تطلبان ميراثكما! أما أنت يا عباس فتطلب ميراثك من ابن اخيك ، واما علي فيطلب ميراث زوجته من أبيها ...]
قال أبو زيد [قال أبو غسّان : فحدّثنا عبد الرزاق الصنعاني عن معمر بن شهاب عن مالك بنحوه وقال في آخره : فغلب علي عباسا عليها ، [وذلك لأنه لا يرث العم مع وجود فرد من الطبقة الأولى وهي بنت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبوفاة الصديقة الطاهرة يرثها زوجها وأولادها عليهمالسلام ] ، فكانت بيد عليّ ثم كانت بيد الحسن ثم كانت بيد الحسين ، ثم علي بن الحسين ثم الحسن بن الحسن ثم زيد بن الحسن.]
ثم قال ابن أبي الحديد [وهذا الحديث يدلّ صريحا على أنّهما جاءا يطلبان الميراث لا الولاية الخ.] «المترجم»
ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ١٦ / ٢١٦ قال [.. فلما ولي عمر ابن عبد العزيز الخلافة الأموية كانت أول ظلامة ردّها ، [أنه] دعا الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام وقيل بل دعا علي بن الحسينعليهالسلام ، فردّها عليه ، وكانت بيد أولاد فاطمةعليهاالسلام مدّة ولاية عمر ابن عبد العزيز.]
فلمّا ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم ، فصارت في أيدي بني مروان يتداولونها ، حتى انتقلت الخلافة الأموية عنهم ، فلمّا ولي أبو العباس السفّاح ردّها على عبد الله بن الحسن بن الحسنعليهالسلام ، ثم قبضها أبو جعفر المنصور لمّا حدث من بني الحسن ما حدث ، ثم ردّها المهدي ـ ابنه ـ على ولد فاطمةعليهاالسلام ، ثم قبضها موسى بن المهدي وهارون أخوه ، فلم تزل في أيديهم حتى ولي المأمون.
المأمون وردّه فدكا
نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ١٦ في صفحة ٢١٧ [قال أبو بكر ـ الجوهري ـ حدثني محمد بن زكريا قال : حدثني مهديّ بن سابق قال : جلس المأمون للمظالم ، فأوّل رقعة وقعت في يده نظر فيها وبكى ، وقال للذي على رأسه : ناد أين وكيل فاطمة؟ فقام شيخ عليه درّاعة وعمامة وخفّ تعزّى ، فتقدم فجعل يناظره في فدك والمأمون يحتجّ عليه وهو يحتجّ على المأمون ، ثم أمر أن يسجّل لهم بها ، فكتب السجلّ وقرئ عليه ، فأنفذه ، فقام دعبل إلى المأمون فأنشده الأبيات التي أولها :
أصبح وجه الزمان قد ضحكا |
بردّ مأمون هاشم فدكا |
ونقل ياقوت الحموي في معجم البلدان كتاب المأمون إلى واليه على المدينة في شأن فدك ، جاء فيه :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم أعطى ابنته فاطمة رضي الله عنها فدكا وتصدّق عليها بها ، وأنّ ذلك كان أمرا ظاهرا معروفا عند آله عليهم الصلاة والسّلام.]
فدك كانت نحلة لفاطمةعليهاالسلام
لقد ثبت في موضعه أنّ فدكا كانت نحلة لفاطمة أنحلها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولذا كان بعض الخلفاء يردونها على أولاد فاطمة وكان آخرون يغصبوها اقتداء بأبي بكر!!
الحافظ : إن كانت فدك ، نحلة أنحلها رسول الله فاطمة ، فلما ذا ادّعتها من باب الإرث ولم تدّعيها نحلة؟
قلت : لا شك أنها ادّعت فدكا بادئ الأمر من باب النحلة وأقامت شهودا على ذلك ، فلما ردّوا شهودها ادّعتها من باب الإرث.
الحافظ : هذا كلام جديد لم نسمع به من قبل ولعلك مشتبه!
قلت : إنّي على يقين فيما أقول ولست مشتبها ، ولم تنفرد الشيعة بهذا الخبر بل نقله كثير من أعلامكم منهم : علي بن برهان الدين في كتابه السيرة الحلبية ، والفخر الرازي في تفسير الكبير ، وياقوت الحموي في معجم البلدان ، وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج : ج ١٦ / ٢١٤ / ط دار إحياء التراث العربي : [يروي عن أبي بكر الجوهري ، قال : وروى هشام بن محمد ، عن أبيه قال : قالت فاطمة
لأبي بكر : أنّ أمّ أيمن تشهد لي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أعطاني فدكا ، فقال لها : يا ابنة رسول الله إنّ هذا المال لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلّم ، وإنّما كان مالا من أموال المسلمين(١) ، يحمل به الرجال ، وينفقه في سبيل الله ، فلما توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلّم وليته كما كان يليه.
قالت : والله لا كلّمتك أبدا! قال : والله لا هجرتك أبدا! قالت : والله لأدعونّ الله عليك! قال : والله لأدعونّ الله لك.
فلما حضرتها الوفاة أوصت ألاّ يصلّي عليها ، فدفنت ليلا.]. الخ.
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد في صفحة ٢٢٥ : لقائل أن يقول له [أيجوز للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يملّك ابنته أو غير ابنته من افناء الناس ضيعة مخصوصة أو عقارا مخصوصا من مال المسلمين ، لوحي أوحى الله تعالى إليه ، أو لاجتهاد رأيه ـ على قول من اجاز له ان يحكم بالاجتهاد ـ أو لا يجوز للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك؟
فإن قال : لا يجوز فقد قال ما لا يوافقه العقل ولا المسلمون عليه.
وإن قال : يجوز ذلك ، قيل : فإنّ المرأة ما اقتصرت على الدعوى بل قالت : أمّ أيمن تشهد لي ، فكان ينبغي أن يقول لها أبو بكر في الجواب : شهادة أم أيمن وحدها غير مقبولة.
ولم يتضمّن هذا الخبر ذلك.
بل قال لها لمّا ادّعت وذكرت من يشهد لها : هذا مال من مال الله. لم يكن لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .]
وهذا ليس بجواب صحيح.
«المترجم»
توجيه العامّة عمل أبي بكر
الحافظ : نحن نعلم أن أبا بكر أسخط فاطمة رضي الله عنها ، وماتت بنت رسول الله (ص) وهي واجدة عليه ، ولكن أبا بكر بريء ، لأنّه عمل بحكم الله وطالبها بالشهود لإثبات حقها ، وأنت جدّ خبير بأنه يجب في هذه القضايا أن يشهد رجلان أو رجل وامرأتان ، وهذا حكم عام وفاطمة جاءت برجل وامرأة وما اكملت الشهود ، ولذا لم يصدر أبو بكر الحكم لها ، فغضبت!!
قلت : فلنختم مجلسنا وندع الجواب إلى الليلة القابلة فإنّ الحاضرين تعبوا ، وأخاف أن يطول الكلام فيملّوا.
النواب : كلنا شوق وشغف لنعرف حقيقة الأمر ، فإنّ موضوع فدك مهمّ جدا وحساس ، وإذا أنتم ما تعبتم ، فنحن راغبون إلى الاستماع لكلامكم وجوابكم.
قلت : أنا لا أتعب من هذه المجالس والمناقشات الدينية أبدا ، بل مستعد أن أبقى معكم حتى الصباح.
وأما الجواب : فقد قال الحافظ : بأن أبا بكر عمل بحكم الله وطالب فاطمة بالشهود لإثبات حقها!
قلت : لقد كانت فاطمةعليهاالسلام متصرّفة في فدك ، وكانت في يدها ، فبأي شرع وقانون يطالب ذو اليد بإقامة الشهود على إثبات حقه فيما يكون تحت تصرّفه وفي يده؟! فإنّ الأصل المجمع عليه في قانون القضاء الإسلامي أنّ ذا اليد هو المالك فإذا ادّعى أحد على ما في يده فعلى
المدّعي إقامة الشهود والبيّنة ، وليس على المنكر إلاّ اليمين ، فأبو بكر كان مدّعيا لفدك التي كانت في يد فاطمةعليهاالسلام وتحت تصرّفها ، فحينئذ كان عليه أن يأتي بالبيّنة لإثبات ما يدّعي ، وليس له أن يطالب السيدة الزهراءعليهاالسلام بالشهود والبيّنة.
ولكن اذا كان خصمي حاكمي فكيف أصنع؟!
فأبو بكر خالف حكم الله سبحانه وسحق القانون وقلب أصول القضاء!!
وأما قول الحافظ : بأنّ الحق يثبت بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، وهذا حكم عام.
فأقول : ما من عامّ إلاّ وقد خصّ.
الحافظ : هذه القاعدة لا تجري في القضاء ، فإن قوانين القضاء تجري على الأغنياء والفقراء وعلى الفسّاق والأولياء ، على حدّ سواء ، ولا يستثنى حتى الأنبياء.
قلت : إنّ هذا الكلام يخالف سنة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيرته المسجّلة في صحاحكم ، والثابتة في مسانيدكم.
خزيمة ذو الشهادتين
ذكر ابن أبي الحديد ترجمة ذي الشهادتين في شرح النهج : ج ١٠ / ١٠٨ و ١٠٩ / ط دار إحياء التراث العربي : [قال : هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة الخطمي الأنصاري من بني خطمة من الأوس ، جعل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم شهادته كشهادة رجلين ، لقصّة مشهورة الخ.
والقصة كما ذكرها الأعلام في ترجمته وفي كتب الحديث وأنا أنقلها من كتاب أسد الغابة لابن الأثير قال : روى عنه ابنه عمارة أنّ النبي صلّى الله عليه وسلم اشترى فرسا من سواء بن قيس المحاربي ، فجحده سواء! فشهد خزيمة بن ثابت للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال له رسول الله : ما حملك على الشهادة ، ولم تكن حاضرا معنا؟
قال : صدّقتك بما جئت به ، وعلمت أنّك لا تقول إلاّ حقا.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من شهد له خزيمة أو عليه فهو حسبه.]
فما ظنك برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لو كان علي يشهد عنده في قضية هل كان يصدّقه أم يرده؟! وهو القائل في حقه : «علي مع الحق والحق مع علي يدور الحقّ حيث ما دار علي» فكما أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم خصّص شهادة خزيمة وأحلّه محل شاهدين وصارت شهادته بشهادتين ، كذلك أصحاب آية التطهير الذين عصمهم الله تعالى وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا. فقولهم لا يردّ ، فإنّ الرادّ عليهم كالرادّ على الله سبحانه ، وقد أثبتنا فيما سبق أنّ علياعليهالسلام شهد لها بأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنحلها فدكا ، ولكنهم ردّوا شهادته بحجة أنّ عليا يجر إلى نفسه ، فكذّبوه وصدّقه الله في كتابه الحكيم بقوله :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (١) .
الحافظ : من أين تقول هذه الآية نزلت في شأن عليّ كرم الله وجهه؟
__________________
(١) سورة التوبة ، الآية ١١٩.
من هم الصادقون؟
قلت : أجمع علماء الشيعة استنادا على الروايات الواصلة عن طريق أهل البيتعليهمالسلام والعترة الهادية ، بأنّ الصادقين هم خاتم النبيين وعلي أمير المؤمنين والعترة الطاهرة ، وقد وافقنا كثير من أعلامكم وذهبوا إلى هذا الرأي ، منهم : الثعلبي في تفسيره كشف البيان وجلال الدين السيوطي في تفسيره الدرّ المنثور ، عن ابن عباس ، والحافظ أبو سعد عبد الملك بن محمد الخركوشي في كتاب شرف المصطفى عن الأصمعي. والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء رووا عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال «الصادقون أنا وعلي».
وقال القندوزي في ينابيع المودة / الباب التاسع والثلاثون [أخرج موفق بن أحمد الخوارزمي عن أبي صالح عن ابن عباس (رض) قال : الصادقون في هذه الآية محمد (ص) وأهل بيته] أيضا أبو نعيم الحافظ والحمويني أخرجاه عن ابن عباس بلفظه ، انتهى.
وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين والعلاّمة الكنجي في كفاية الطالب / الباب ٦٢ / وابن عساكر في تاريخه رووا بإسنادهم عن النبي (ص) قال «كونوا مع الصادقين أي مع علي بن أبي طالب».
وهناك آيات أخرى أنقلها إليكم بالمناسبة :
١ ـ( وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (١) روى جماعة من أعلامكم عن مجاهد عن ابن عباس قال [الذي جاء بالصدق محمد (ص) ، والذي صدّق به علي بن أبي طالبعليهالسلام .]
__________________
(١) سورة الزمر ، الآية ٣٣.
منهم جلال الدين السيوطي في تفسيره الدرّ المنثور ، والحافظ ابن مردويه في المناقب ، والحافظ أبو نعيم في الحلية ، والعلاّمة الكنجي في كفاية الطالب / باب ٦٢ ، وابن عساكر في تاريخه يروي عن فئة من المفسرين.
٢ ـ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) (١) .
روى أحمد بن حنبل في المسند والحافظ أبو نعيم في كتابه : «ما نزل من القرآن في عليعليهالسلام » عن ابن عباس أنّها نزلت في شأن علي ابن أبي طالبعليهالسلام فهو من الصدّيقين.
٣ ـ( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) (٢) .
وقد صرّحت الأحاديث المرويّة عن طرقكم والتي نقلها أعلامكم في كتبهم ومسانيدهم : بأنّ علياعليهالسلام أفضل الصديقين ، ولكي تعرفوا حقيقة مقالنا راجعوا مناقب ابن المغازلي الحديث ٢٩٣ و ٢٩٤ ، والتفسير الكبير للفخر الرازي في تفسير قوله تعالى :( وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ ) (٣) .
والدرّ المنثور للسيوطي في تفسير قوله تعالى :( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً ) (٤) في سورة ياسين وقال : أخرجه أبو داود وأبو نعيم وابن عساكر والديلمي عن أبي ليلى وفيض القدير للمناوي : ج ٤ / ٢٣٨ في
__________________
(١) سورة الحديد ، الآية ١٩.
(٢) سورة النساء ، الآية ٦٩.
(٣) سورة غافر ، الآية ٢٨.
(٤) سورة يس ، الآية ١٣.
المتن وقال في الشرح ـ بعد لفظة وابن عساكر عن أبي ليلى ـ : وابن مردويه والديلمي من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أبي ليلى ، وذخائر العقبى : ص ٥٦ والرياض النضرة : ج ٢ / ١٥٣ للمحب الطبري ، وقال فيهما رواه أحمد بن حنبل في كتاب المناقب.
هؤلاء كلهم رووا بإسنادهم عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : «الصدّيقون ثلاثة : حبيب النجّار مؤمن آل يس وحزقيل مؤمن آل فرعون وعليّ بن أبي طالب ، وهو أفضلهم».
ورواه ابن حجر في الصواعق المحرقة في ضمن الأربعين حديثا في فضائلهعليهالسلام ـ الحديث الحادي والثلاثون ـ ونقله القندوزي في ينابيع المودّة / الباب الثاني والأربعون قال : الإمام أحمد في مسنده وأبو نعيم وابن المغازلي وموفق الخوارزمي أخرجوا بالإسناد عن أبي ليلى وعن أبي أيوب الأنصاري (رض) قالا «قال رسول الله (ص) : الصدّيقون ثلاثة : حبيب النجّار وحزقيل مؤمن آل فرعون وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم».
ورواه العلاّمة الكنجي إمام الحرمين في كتابه كفاية الطالب الباب الرابع والعشرون بسنده المتصل عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال «قال رسول الله (ص) : سبّاق الأمم ثلاثة لم يشركوا بالله طرفة عين : على بن أبي طالب وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون فهم الصدّيقون ، حبيب النجار مؤمن آل ياسين وحزقيل مؤمن آل فرعون وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم». ثم قال : هذا سند اعتمد عليه
الدارقطني واحتجّ به(١) .
__________________
(١) أقول إضافة على ما نقله المؤلف في أنّ علياعليهالسلام أفضل الصديقين ، وجدت روايات كثيرة في مصادر العامة عن طرق عديدة ، تذكر أنّ علياعليهالسلام هو الصدّيق الأكبر ، منها :
خصائص النسائي / ٣ / ط مطبعة التقدم بالقاهرة وتاريخ الطبري ج ٢ / ٥٦ ، والمحب الطبري في الرياض النضرة ج ٢ / ١٥٥ و ١٥٨ ، كلهم رووا باسنادهم عن الإمام علي ٧ أنّه قال «أنا عبد الله وأخو رسول الله (ص) وأنا الصدّيق الأكبر لا يقولها بعدي إلاّ كاذب ، آمنت قبل الناس سبع سنين».
وفي الإصابة ج ٧ القسم ١ ص ١٦٧ قال ابن حجر : وأخرج أبو أحمد وابن مندة وغيرهما من طريق إسحاق بن بشر الأسدي عن خالد بن الحارث عن عوف عن الحسن عن أبي ليلى الغفارية قال : سمعت رسول الله (ص) يقول «سيكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب فإنّه أوّل من آمن بي ، وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصديق الأكبر ، وهو فاروق هذه الأمة ، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب المنافقين».
أقول : ذكره أيضا ابن عبد البرّ في استيعابه ج ٢ / ٦٥٧ وذكره ابن الأثير الجزري في أسد الغابة ج ٥ / ٢٨٧ ، وروى المحب الطبري في الرياض النضرة ج ٢ / ١٥٥ قال : وعن أبي ذر قال : سمعت رسول الله (ص) يقول لعلي عليهالسلام «أنت الصدّيق الأكبر ، وأنت الفاروق الذي يفرّق بين الحق والباطل». قال : وفي رواية وأنت يعسوب الدين ، ثم قال : خرّجهما الحاكمي.
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج ٩ / ١٠٢ قال : وعن أبي ذر وسلمان قالا : أخذ النبي (ص) بيد علي عليهالسلام فقال «إنّ هذا أول من آمن بي ، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة ، وهذا الصدّيق الأكبر وهذا فاروق هذه الأمة ، يفرّق بين الحق والباطل ، وهذا يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظالمين ، قال : رواه الطبراني والبزّار عن أبي ذر وحده».
أقول : وذكره المناوي في فيض القدير ج ٤ / ص ٣٥٨ في الشرح وقال : رواه
انظروا إلى هذه الأحاديث والأخبار المروية عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في كتبكم ومسانيدكم واتقوا الله بترك التّعصب والعناد ، ومزّقوا الغشاوة التي ضربها أسلافكم على قلوبكم وعقولكم ، واكسروا الأقفال التي جعلوها على أفهامكم وبصائركم ، وحرّروا أنفسكم من
__________________
الطبراني والبزّار عن أبي ذر وسلمان ، وذكره المتقي الهندي في كنز العمال ج ٦ ص ١٥٦ وقال : رواه الطبراني عن سلمان وأبي ذر معا ، والبيهقي وابن عدي عن حذيفة.
وفي كنز العمال ج ٦ / ٤٠٥ عن سليمان بن عبد الله عن معاذة العدوية قالت : سمعت عليا عليهالسلام وهو يخطب على منبر البصرة يقول «أنا الصدّيق الأكبر ، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر ، وأسلمت قبل أن يسلم». قال : أخرجه محمد بن أيّوب الرازي في جزئه ، والعقيلي.
أقول : ونقله الذهبي أيضا في ميزان الاعتدال ج ١ ص ٤١٧ مختصرا عن كتاب العقيلي عن معاذة العدوية.
ونقله المحب الطبري في الرياض النضرة ج ٢ / ١٥٧ وقال : خرّجه ابن قتيبة في المعارف.
وفي كنز العمال أيضا ج ٦ / ٤٠٦ قال : عن علي عليهالسلام قال «قال رسول الله (ص) : يا علي ليس في القيامة راكب غيرنا ونحن أربعة ، فقام رجل من الأنصار فقال : فداك أبي وأمي فمن هم؟ قال : أنا على البراق ، وأخي صالح على ناقته التي عقرت ، وعمي حمزة على ناقتي العضباء ، وأخي عليّ على ناقة من نوق الجنة بيده لواء الحمد ينادي لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. فيقول الآدميّون ما هذا إلاّ ملك مقرّب أو نبي مرسل أو حامل عرش!! فيجيبهم ملك من بطنان العرش : يا معشر الآدميين! ليس هذا ملكا مقرّبا ولا نبيّا مرسلا ولا حامل عرش ، هذا الصدّيق الأكبر علي بن أبي طالب».
«المترجم»
قيود وأغلال التقليد من آباءكم وأجدادكم ، ثم فكروا واعقلوا بقلوب متفتحة ، وبعقول متنوّرة ، وانظروا هل يحقّ أن تلقّبوا أحدا غير علي بن أبي طالبعليهالسلام بالصدّيق؟!
ليت شعري بأيّ دليل من القرآن الحكيم لقّبتم أبا بكر بالصدّيق ، بعد أن كذّب أفضل الصديقين وردّ شهادة الصدّيق الأكبر في حق الصدّيقة الطاهرة فاطمةعليهاالسلام ؟!
وبأيّ دليل لقّبتم الذي مالأ أبا بكر وسانده على غصب حق الزهراءعليهاالسلام ، وأطلقتم عليه لقب الفاروق؟!
( إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) (١) .
عليعليهالسلام مدار الحق والقرآن معه
أما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «علي مع الحق والحق معه ، وعليّ مع القرآن والقرآن معه؟».
هل من المعقول أنّ من كان مع الحق ومع القرآن وهما لا يفارقانه ، يكون كاذبا؟! أو يشهد باطلا؟!
النوّاب : إنّني كثيرا أجالس علماءنا وأستمع حديثهم ، ولا أغيب عن خطب الجمعة أبدا ، ولكنّي ما سمعت منهم هذين الحديثين ، فهل نقلهما علماؤنا الأعلام ومحدّثونا الكرام في كتبهم؟
قلت : نعم نقلها كثير من أعلامكم ، وقد أعلنت تكرارا بأنّي لا أنقل لكم حديثا انفرد بنقله علماء الشيعة ، بل كلّ ما أذكره في هذه
__________________
(١) سورة النجم ، الآية ٢٣.
المناقشات منقول من مصادر علمائكم وكتب أعلامكم ، حتى يصدق عليه اسم الاحتجاج ويكون أوقع في نفوسكم وأرضى لقلوبكم وألزم لكم. وأذكر لك بعض المصادر المقبولة لديكم حول الحديثين الشريفين ، وهي كثيرة منها :
في تاريخ بغداد : ج ٤ / ٣٢١ ذكر الخطيب البغدادي ، والحافظ ابن مردويه في المناقب ، والديلمي في الفردوس ، والمتقي الهندي في كنز العمال : ج ٦ / ١٥٣ ، والحاكم النيسابوري في المستدرك : ج ٣ / ١٢٤ ، واحمد بن حنبل في المسند ، والطبراني في الأوسط والخطيب الخوارزمي في المناقب ، والفخر الرازي في تفسيره : ج ١ / ١١١ ، وابن حجر المكي في الجامع الصغير : ج ٢ / ٧٤ و ٧٥ و ١٤٠ ، وفي الصواعق المحرقة / الفصل الثاني / من الباب التاسع / الحديث الحادي والعشرين من الأربعين حديثا التي نقلها في فضل الإمام عليعليهالسلام ، ونقل الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودّة / الباب ٦٥ / ١٨٥ / ط إسلامبول نقل عن الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي ، ونقل أيضا في الباب العشرين عن جمع الفوائد والأوسط والصغير للطبراني ، ونقل عن الحمويني في الفرائد وعن ربيع الأبرار للزمخشري عن ابن عباس وعن أم سلمة.
والسيوطي في تاريخ الخلفاء / ١١٦ والمناوي في فيض القدير : ج ٤ / ٣٥٦ عن ابن عباس أو أم سلمة.
وفي مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٣٤ ، وج ٧ / ٢٣٦ ، والشبلنجي في نور الأبصار : ص / ٧٢ رووا عن أم سلمة ، وبعضهم عن ابن عباس عن رسول الله (ص) أنّه قال : «علي مع القرآن والقرآن مع عليّ ، لا يفترقان
حتى يردا عليّ الحوض».
ونقل ابن حجر في الصواعق أيضا في أواخر الفصل الثاني من الباب التاسع(١) .
قال : وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلّم قال في مرض موته :
«أيها الناس يوشك أن أقبض قبضا سريعا ، فينطلق بي وقد قدّمت إليكم القول معذرة إليكم : ألا إني مخلف فيكم كتاب ربي عزّ وجلّ ، وعترتي أهل بيتي ، ثم أخذ بيد عليعليهالسلام فرفعها فقال : هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض فاسألوهما ما خلفت فيهما».
وجاء في بعض الروايات [الحق لن يزال مع علي وعلي مع الحقّ لن يختلفا ولن يفترقا.]
وحديث : «علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار» قد نقله أكثر محدثيكم(٢) .
__________________
(١) «صفحة ٧٥ / ط المطبعة الميمنية بمصر ، المترجم».
(٢) مرّ في ما سبق ذكر بعض مصادر الحديث ، منها : صحيح الترمذي ج ٢ / ٢٩٨ ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «رحم الله عليا ، اللهم أدر الحق معه حيث دار». ورواه الحاكم أيضا في المستدرك : ج ٣ / ١٢٤ ، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم. وقال الفخر الرازي في تفسيره الكبير عند تفسير البسملة : أما إنّ علي بن أبي طالبعليهالسلام كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر ، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى ، والدليل عليه قوله (صلى الله عليه [وآله] وسلّم) «اللهم أدر الحق مع علي حيث دار». وقال أيضا ـ بعد حوالي ستين صفحة ـ «ومن اتخذ عليا إماما لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه».
وفي تاريخ بغداد : ج ١٤ / ٢٢١ بسنده عن أبي ثابت عن أم سلمة عن النبي (صلّى
وفي كتاب تذكرة الخواص(١) عند نقله حديث : «من كنت مولاه فعلي مولاه» ، قال : وكذا قوله (صلى الله عليه [وآله] وسلّم) : «وأدر الحق معه حيثما دار وكيف ما دار» ، فيه دليل على أنّه ما جرى خلاف بين عليّعليهالسلام وبين أحد من الصحابة إلاّ وكان الحقّ مع عليعليهالسلام وهذا بإجماع الأمة.
__________________
الله عليه [وآله] وسلّم) قال «علي مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيام» ة. وفي مجمع الزوائد ج ٧ / ٢٣٥ في خبر مفصل جاء فيه أنّ سعد بن أبي وقّاص قال في مجلس معاوية : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «علي مع الحق ـ أو الحق مع علي ـ حيث كان».
وفي صفحة ٢٣٤ قال : وعن أبي سعيد قال : كنّا عند بيت النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) في نفر من المهاجرين والأنصار ـ الى أن قال ـ ومرّ علي بن أبي طالب فقال (ص) «الحق مع ذا ، الحق مع ذا».
قال الهيثمي : رواه أبو يعلى ورجاله ثقات ، أقول : وذكره المناوي في كنوز الحقائق ٦٥ مختصرا عن أبي يعلى. والمتقي في كنز العمال ج ٦ / ١٥٧ وقال : لأبي يعلى وسعيد بن منصور.
وفي كنز العمال ج ٦ / ٥٧ قال : تكون بين الناس فرقة واختلاف فيكون هذا وأصحابه على الحق ـ يعني عليا ـ قال : أخرجه الطبراني عن كعب بن عجرة.
وذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة / ٧٠ / ط مطبعة الأمة بمصر قال : وأتى محمد ابن أبي بكر فدخل على أخته عائشة ، قال لها : أما سمعت رسول الله يقول : «علي مع الحق والحق مع علي؟ ثم خرجت تقاتلينه بدم عثمان!».
ونقل الشيخ القندوزي في ينابيع المودة / الباب العشرون / عن الحمويني بسنده عن أزرق بن قيس عن ابن عباس (رض) قال : قال رسول الله «الحق مع عليّ حيث دار».
«المترجم»
(١) تذكرة الخواص : ٣٩ / ط مؤسسة أهل البيت بيروت.
من أطاع عليا فقد أطاع الله ورسوله
وكذلك نرى في كتب أعلامكم واسناد محدثيكم حديثا مرويّا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ قال : «من أطاع عليا فقد أطاعني ، ومن أطاعني فقد أطاع الله ، ومن أنكر عليا فقد أنكرني ، ومن أنكرني فقد أنكر الله(١) ».
__________________
(١) أقول : ما وجدت حديثا عن النبي (ص) في مصادر العامّة بهذا اللفظ وان كان ما جاء بهذا المعنى كثيرا ، ولقد ذكر بعضها العلاّمة مير علي الهمداني الشافعي في كتاب مودّة القربى في المودّة السادسة وعنونها : «في أنّ علياعليهالسلام أخو رسول الله (ص) ووزيره وأنّ طاعته طاعة الله تعالى» وروى فيها ، عن عمر بن الخطاب قال :قال رسول الله (ص) لما عقد المؤاخاة بين أصحابه قال «هذا علي أخي في الدنيا والآخرة ، وخليفتي في أهلي ، ووصيي في أمّتي ، ووارث علمي ، وقاضي ديني ، ماله مني مالي منه ، نفعه نفعي وضرّه ضري ، من أحبّه فقد أحبّني ومن أبغضه فقد أبغضني».
وكذلك ذكر بعض الأحاديث بالمعنى المقصود ، القندوزي في كتابه ينابيع المودّة / الباب الحادي والأربعون «في حديث حق عليّ على المسلمين حق الوالد على ولده» وفي الباب الثالث والأربعون «في الأحاديث الوارثة في سعادة من أحبّ عليا و...» جاء فيه : أخرج الحمويني بسنده عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة والأسود قالا : أتينا أبا أيوب الأنصاري فقلنا : يا أبا أيوب ، إنّ الله أكرم بنبيه (ص) وصفى لك من فضله أخبرنا بمخرجك مع عليّ تقاتل أهل لا إله إلاّ الله! فقال أبو أيوب : أقسم لكما بالله لقد كان رسول الله (ص) معي في هذا البيت الذي أنتما فيه معي. وعلي جالس عن يمينه وأنا عن يساره وأنس بين يديه وما في البيت غيرنا إذ حرّك الباب ، فقال (ص) لأنس : افتح لعمّار! ففتح الباب ودخل عمار فسلّم على النبي (ص) ، فردّ عليهالسلام ورحّب به.
ونقل أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتابه الملل والنحل أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «لقد كان عليّ على الحق في جميع أحواله يدور الحق معه حيث دار».
كيف وبما ذا توجّهون عمل أبي بكر وردّه شهادة عليّعليهالسلام في حق الزهراءعليهاالسلام مع وجود هذه الأخبار في كتبكم المعتبرة؟! فلا بدّ أن تعترفوا بأنّ عمل أبي بكر كان مخالفا لكتاب الله سبحانه ولسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنّه جحد حق فاطمة ومنعها فدكا من غير حق ، وأنّه كذّب تلك الصادقة المصدّقة ، وكذّب علياعليهالسلام وأهانه بردّ شهادته والهجوم على داره وسحبه من البيت إلى المسجد لأخذ البيعة منه كرها
__________________
ثم قال (ص) «يا عمّار ستكون بعدي في أمتي هنات ، حتى يختلف السيف فيما بينهم ، وحتى يقتل بعضهم بعضا ، وحتى يتبرّأ بعضهم من بعض! فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني ، يعني عليا ، فإن سلك الناس كلّهم واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي عليّ وخلّ عن الناس! يا عمّار إنّ عليا لا يردّك عن هدى ، ولا يدخلك على ردى ، يا عمّار طاعة عليّ طاعتي ، وطاعتي طاعة الله جلّ شأنه».
وكذا الباب الرابع والأربعون «في حديث لحمك لحمي ودمك دمي ...» : جاء أيضا أخرج الحمويني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال «قال رسول الله (ص) : يا علي وكذب من زعم أنّه يحبني ويبغضك ، لانك مني وأنا منك ، لحمك من لحمي ودمك من دمي وروحك من روحي ، وسريرتك من سريرتي ، وعلانيتك من علانيتي ، وأنت إمام أمّتي ووصيّي ، سعد من أطاعك وشقي من عصاك ، وربح من تولاّك وخسر من عاداك ، فاز من لزمك وهلك من فارقك ..» الخ.
«المترجم»
فأين هذه الأعمال مما رواه أبو المؤيد موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب ، ومحمد بن طلحة الشافعي في مطالب السئول ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «من أكرم عليا فقد أكرمني ، ومن أكرمني فقد أكرم الله ، ومن أهان عليا فقد أهانني ، ومن أهانني فقد أهان الله؟!!».
أيها الحاضرون ، وخاصّة أنتم العلماء ، قارنوا بين أحداث السقيفة وما بعدها وما جرى على آل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من بعده ، قارنوها مع هذه الأخبار والأحاديث المرويّة في كتب أعلامكم ، ثم أنصفوا واحكموا : هل الصحابة عملوا بأوامر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووصاياه في حق عترته وأهل بيته أم خالفوها؟!! أو هل عمل أبو بكر بحكم الله والشرع المبين في قضيّة فدك أم أنّه أجحف فاطمة وجحد حقّها؟!
لأنّنا قلنا : أوّلا ما كان له أن يطالب البيّنة من فاطمة لأنها كانت متصرفة في فدك ، وكانت فدك في يدها ، فكان هو المدّعي وعليه البيّنة ، لا على فاطمةعليهاالسلام .
ثانيا : إذا كان أبو بكر محتاطا في القضيّة كما تزعمون ، وأنّه أراد أن يتيقّن من تمليك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فاطمة فدكا ، فطالبها بالشهود والبيّنة ، فلما ذا ترك هذا الاحتياط حينما ادّعى الصحابة الآخرون مالا بوعد من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعده ، فاعطاه أبو بكر ذلك المبلغ من بيت مال المسلمين ولم يطالبه بالبيّنة والشهود؟! فكيف يحكم في قضيتين متشابهتين بحكمين متناقضين؟!
ولعمري لما ذا يحتاط في أمر فاطمةعليهاالسلام ؟ أكان أبو بكر يظنّ
كذبها؟! وهي التي يشهد الله سبحانه بطهارتها من كل رجس ، وكانت عند عامّة الناس أيضا صادقة ومصدّقة ، فقد قال أبو نعيم في حلية الأولياء : ج ٢ / ٤٢ / راويا عن عائشة قالت [ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة غير أبيها.]
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج ج ١٦ / ٢٨٤ / ط دار إحياء التراث العربي : وسألت علي بن الفارقيّ ، مدرّس المدرسة الغربية ببغداد ، فقلت له : أكانت فاطمة صادقة؟ قال : نعم.
قلت : فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدكا وهي عنده صادقة؟
فتبسّم ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وحرمته وقلّة دعابته ، قال : لو أعطاها اليوم فدك بمجرّد دعواها ، لجاءت إليه غدا وادّعت لزوجها الخلافة ، وزحزحته عن مقامه ، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشيء ، لأنّه يكون قد سجّل على نفسه أنّها صادقة فيما تدّعي كائنا ما كان من غير حاجة إلى بيّنة ولا شهود.
وهذا كلام صحيح ؛ وإن كان أخرجه مخرج الدعابة والهزل. «انتهى كلام ابن أبي الحديد».
فالحقيقة التي هي اليوم ظاهرة ومكشوفة لعلمائكم كيف كانت مبهمة وغير منكشفة يوم أمس عند معاصريها والذين أدركوها من قريب؟! فكانت أوضح لهم وأظهر ، إلاّ أنّ السياسة وحب الرئاسة اقتضت منهم إنكار الحقيقة وجحد حق الزهراء المظلومةعليهاالسلام !!
الحافظ : لمن أعطى الخليفة (رض) مال المسلمين بغير بيّنة وشهود؟
قلت : ادّعى جابر بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه وعده بأن يعطيه من مال البحرين حين وصوله. فأعطاه أبو بكر ألف وخمسمائة دينار ، من مال
المسلمين الذي وصل من البحرين ، وما طلب من جابر بيّنة وشهودا على ما ادّعاه.
الحافظ : أولا : ما وجدت هذا الخبر في كتب علمائنا ، ولعلّكم انفردتم أنتم الشيعة به!
وثانيا : من أين عرفتم أنّ الخليفة ما طالب جابرا بالبيّنة والشهود على ما ادّعاه؟
قلت : إنّي أتعجب من قولك! كيف ما وجدت هذا الخبر في كتب علمائكم؟ وهم يستدلّون ويستشهدون بهذا الخبر على أنه خبر الصحابي الواحد العادل مقبول.
كما أنّ شيخ الإسلام الحافظ أبا الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني طرحه في كتابه فتح الباري في شرح صحيح البخاري / باب من يكفل عن ميت دينا ـ وبعد نقله الخبر قال : إنّ هذا الخبر فيه دلالة على قبول خبر العدل من الصحابة ولو جرّ ذلك نفعا لنفسه ، لأنّ أبا بكر لم يلتمس من جابر شاهدا على صحّة دعواه.
ونقل البخاري هذا الخبر أيضا في صحيحه : ج ٥ / ٢١٨ / ط دار إحياء التراث العربي تحت عنوان «قصّة عمان والبحرين» :
روى بسنده عن جابر بن عبد الله قال : قال لي رسول الله (ص) : «لو قد جاء مال البحرين ، لقد أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثا».
فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله (ص).
فلما قدم على أبي بكر ، أمر مناديا فنادى من كان له عند النبي (ص) دين أو عدة فليأتني.
قال جابر : فجئت أبا بكر فأخبرته أنّ النبي (ص) قال : لو جاء
مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثا. قال : فأعطاني وفي آخر الرواية ـ فقال لي أبو بكر : عدّها.
فعددتها فوجدتها خمسمائة. فقال : خذ مثلها مرّتين.
ونقله السيوطي أيضا في كتابه تاريخ الخلفاء / قسم خلافة أبي بكر.
والآن أيها الحاضرون فكّروا وانصفوا! لما ذا هذا التبعيض؟ يصدّق جابر على مدّعاه من غير بينة وشهود ، وتردّ بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وشهودها! وقد شهد الله تعالى لها ولبعلها وابنيهما في آية التطهير!
إشكال في شمول آية التطهير
الحافظ : إنّ سياق الآية خطاب لزوجات الرسول (ص) ولذا ذهب البيضاوي والزمخشري وغيرهما من أئمة التفسير إلى أنّ الآية تشمل زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وقولكم بأنها تشمل عليا وفاطمة وابنيهما قول ضعيف لأنه خارج عن سياق الآية وظاهرها ، فإنّ صدر الآية وآخرها يخاطب نساء النبي.
آية التطهير لا تشمل زوجات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
قلت : كلامك مردود من جهات عديدة.
أولا : كلامك بأنّ صدر الآية وآخرها يخاطب نساء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فيقتضي أن يكون وسطها أيضا ـ وهو آية التطهير ـ خطابا لنساء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
أقول : أولا : إنّ البلاغة تقتضي غير ذلك ، فقد ثبت عند العلماء إنّ من فنون البلاغة في القرآن الحكيم ، أن يتوسط كلام جديد بين الجمل المتناسقة ، اتّقاء من أن يملّ السامع من الكلام المسجّع والجملات المرتبة على نسق واحد ، فتغيير الأسلوب يكون تنويعا في الكلام ، وقد تكرر هذا النّمط الأسلوب في القرآن الكريم.
ثانيا : إذا كان المقصود من أهل البيت هم زوجات الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لاقتضى أن يكون الضمير ضمير جمع المؤنث المخاطب على نسق الضمائر التي وردت قبلها وبعدها ، فيكون «ليذهب عنكنّ الرجس ويطهّركنّ» ، ولكنّ الله سبحانه ذكر الضمائر في هذه القطعة من الآية على صيغة جمع المذكر المخاطب فقال تعالى :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) ، فأخرجها عن مخاطبة زوجات النبي ونسائه.
النوّاب : فاذا كان الخطاب متوجّها إلى أهل البيت بصيغة جمع المذكر المخاطب ، فمن أين تقولون أنها تشمل فاطمة وهي أنثى؟ فتكون خارجة من الآية.
قلت : علماؤكم يعرفون أن ضمير الجمع المذكر إنّما جاء هنا للتغليب ، وهذا لا ينافي شمول الآية الكريمة لفاطمةعليهاالسلام . فهي واحدة مقابل أبيها وبعلها وابنيها ، فعدد الذكور في الجمع غالب ، ولذا جاء الضمير مخاطبا لهم بصيغة «عنكم» و «يطهركم». وقد اشار إلى هذا ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة / الباب الحادي عشر / الفصل الأول في الآيات الواردة في أهل البيت / الآية الأولى : قال الله تعالى :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، قال
__________________
(١) سورة الأحزاب ، الآية ٣٣.
أكثر المفسرين : على أنّها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين ، لتذكير ضمير «عنكم» وما بعده ، انتهى كلامه.
وأكثر المفسرين والمحدّثين على أنّ الآية الكريمة لا تشمل زوجات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كما جاء في صحيح مسلم : ج ٢ / ٢٣٧ ـ ٢٣٨ / روى بسنده عن يزيد بن حيّان قال : دخلنا على زيد بن أرقم ـ والخبر طويل وفيه أنه حدّثهم ـ عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال «ألا وإنّي تارك فيكم الثقلين : أحدهما : كتاب الله ، هو حبل الله ، من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة. وفيه : فقلنا : من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال : لا وأيم الله إنّ المرأة تكون من الرجل العصر من الدهر ، ثم يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها ، أهل بيته : أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده».
ثم هناك روايات كثيرة مرويّة في كتبكم ، واصلة عن طرقكم بألفاظ متعددة ومعنى واحد ، على أنّ آية التطهير تشمل النبي والوصي وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام لا سادس لهم. ولكي تعرفوا ذلك فراجعوا مصادركم المعتبرة عندكم والتي منها :
١ ـ كشف البيان في تفسير القرآن للثّعلبي ، عند تفسيره الآية.
٢ ـ التفسير الكبير للفخر الرازي : ج ٦ / ٧٨٣.
٣ ـ الدرّ المنثور لجلال الدين السيوطي : ج ٥ / ١٩٩.
٤ ـ والنيسابوري في المجلد الثالث من تفسيره.
٥ ـ وتفسير رموز الكنوز لعبد الرزاق الرسعني.
٦ ـ الخصائص الكبرى : ج ٢ / ٢٦٤.
٧ ـ الإصابة لابن حجر العسقلاني : ج ٤ / ٢٠٧.
٨ ـ تاريخ ابن عساكر : ج ٤ / ٢٠٤ و ٢٠٦.
٩ ـ مسند أحمد بن حنبل : ج ١ / ٣٣١.
١٠ ـ الرياض النضرة : ج ٢ / ١٨٨ للمحب الطبري.
١١ ـ صحيح مسلم : ج ٢ / ٣٣١ وج ٧ / ١٣٠.
١٢ ـ الشرف المؤبّد للنبهاني : ص ١٠ طبع بيروت.
١٣ ـ كفاية الطالب للعلاّمة الكنجي الشافعي / الباب الما؟؟؟.
١٤ ـ الحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودّة / الباب ٣٣ ، نقل عن صحيح مسلم وعن شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني عن عائشة أم المؤمنين ، ونقل أخبارا أخرى عن الترمذي والحاكم السمناني والبيهقي والطبراني ومحمد بن جرير وأحمد بن حنبل وابن أبي شيبة وابن منذر وابن سعد والحافظ الزرندي والحافظ ابن مردويه رووا عن أم سلمة أم المؤمنين وعن ولدها عمر بن أبي سلمة وعن أنس بن مالك وسعد بن أبي وقاص وواثلة بن اسقع وأبي سعيد الخدري قالوا : إنّ آية التطهير نزلت في شأن الخمسة الطيّبة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين.
١٥ ـ وابن حجر المكي على تعصّبه الغريب نقل في كتابه الصواعق / ٨٥ و ٨٦ / ط المطبعة الميمنية بمصر / عن سبع طرق واعترف بأنّ الآية الكريمة نزلت في شأن الخمسة الطيبة ولا تشمل غيرهم وذلك في تحقيق عميق وطويل.
١٦ ـ ونقل السيد أبو بكر بن شهاب الدين العلوي في كتابه رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبي الهادي في الباب الأول / نقل عن الترمذي وابن جرير وابن منذر والحاكم وابن مردويه والبيهقي وابن أبي
حاتم والطبراني وأحمد بن حنبل وابن كثير ومسلم بن الحجاج وابن أبي شيبة والسمهودي ، مع ذكر تحقيقات عميقة من أكابر علمائكم ، على أنّ الآية الكريمة لا تشمل غير الخمسة الطيّبة الذين شملهم كساء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعرفوا بأصحاب الكساء.
١٧ ـ وفي الجمع بين الصحاح الستة نقل عن الموطّأ لمالك بن أنس الأصبحي ، وعن صحاح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والسجستاني والترمذي وجامع الأصول.
وفي كلمة أقول : إنّ عامة علمائكم وأعلامكم من المفسرين والمحدثين والفقهاء والمؤرخين وغيرهم ، أجمعوا على أنّ الآية الشريفة ـ آية التطهير ـ نزلت في شأن محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقد وصل هذا المعنى إلى قريب حدّ التواتر عندكم ، والمخالف لهؤلاء شاذّ معاند متمسك بأخبار ضعيفة لا اعتبار بها ، ولا وزن لها في قبال تلك الأخبار المتكاثرة والروايات المتظافرة.
عود إلى فدك
فلنعد لما كنا عليه من البحث والحوار ، أقول : أنصفونا! هل بعد ثبوت التطهير الإلهي لفاطمة وعليّ عليهما السّلام ، وعلم القوم بأنّ الله تعالى طهّرهما وابنيهما من الأرجاس والمساوئ الظاهريّة والباطنية ، وعصمهم من كلّ صغيرة وكبيرة بنصّ القرآن الحكيم ، فهل كان يجدر بأبي بكر أم كان يحقّ له أن يردّ فاطمة ، ويردّ شهادة الإمام عليّعليهالسلام
في حقها!!؟ أما كان ردّهما ردا على الله سبحانه وتعالى؟!
فكيف يقبل ادّعاء جابر بن عبد الله الأنصاري وهو ـ مع تقديرنا لمواقفه واحترامنا له ـ ليس إلاّ صحابيا جليلا ، ولم ينزل قرآن في شأنه ، ولا طهّره الله تعالى من الرجس؟! ولكنّه يردّ فاطمة وعليا عليهما السّلام ولا يقبل كلامهما في حق ثابت كثبوت الشمس في وسط النهار!!
الحافظ : لا يمكن لنا أن نقبل ، بأنّ أبا بكر وهو ذلك الصحابي الجليل والمؤمن الصدّيق ، غصب فدكا!! أو أنّه أخذه من فاطمة بغير دليل!! إذ إنّ كلّ انسان عاقل يعمل من وراء القصد ، فالخليفة أبو بكر بعد أن كانت أموال بيت المال تحت تصرّفه ، ما كان بحاجة إلى فدك وغيرها ، حتى نقول إنّه أخذ فدكا لحاجة إليها ، فما عسانا أن نقول فيه إلاّ أنه أخذها ليحق الحق ، ولأنّه كان يعتقد بأنّها فيء المسلمين.
قلت : أولا : أثبتت فاطمةعليهاالسلام في خطبها وكلامها وبإقامة الشهود ، أنّ فدكا لها وليست فيئا للمسلمين ، وأنها نحلة من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لها. وقد مرّ ذلك في حوارنا وهو أمر ثابت عند كل ذي وجدان وذي انصاف وايمان.
ثانيا : لم يقل أحد بأنّ أبا بكر غصب فدكا لاحتياجه إليها ، وإنما غصبها ليترك أهل البيت وهم فاطمة وبعلها وابناهما الحسن والحسين ضعفاء ماديا ليس في أيديهم شيء من المال ، فأبو بكر وأعوانه كانوا يعلمون أنّ علياعليهالسلام غنيّ بالمعنويّات وكفّته راجحة في الدين والإيمان والعلم والعقل والفضائل والمناقب وما إلى ذلك.
فلو ملك المال واستغنى به الى جنب الغناء المعنوي ، التفّ الناس حوله ولم يرضوا بغيره. فلذلك غصبوهم فدكا وحرموهم من الخمس
الذي خصّه الله تعالى في كتابه الحكيم لهم فقال سبحانه :( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) (١) الخ.
وقد جعل الله تعالى لهم ذلك ليرفع شأنهم ومقامهم بين الناس فلا يحتاجون ولا يفتقرون إليهم بل يعيشون معزّزين ومكرّمين بالحق الذي جعله الله عزّ وجلّ لهم ، ولأنّه حرّم عليهم الصدقات والزكوات فعوّضهم بالخمس. ولكن شاء الله وشاءوا!!
فمنعوهم الخمس بحجة أنّ الخمس يجب أن يصرف في شراء الأسلحة ولوازم الحرب والجهاد(٢) .
__________________
(١) سورة الأنفال ، الآية ٤٢.
(٢) إنّ هذا الموضوع وهو منع ذوي القربى حقهم من الخمس موضوع مهم ، إذ نرى المانعين خالفوا أمر الله سبحانه وظلموا آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . وإنّا لأهميّة الموضوع نذكر بعض ما ذكره ورواه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة / ج ١٦ ص ٢٣٠ و ٢٣١ / طبع دار إحياء الكتب العربية / قال [واعلم أنّ الناس يظنّون أنّ نزاع فاطمة أبا بكر كان في أمرين : في الميراث والنحلة ، وقد وجدت في الحديث أنّها نازعت في أمر ثالث ، ومنعها أبو بكر إياها أيضا وهو سهم ذوي القربى.]
ونقل عن أبي بكر الجوهري بسنده عن أبي الأسود عن عروة ، قال [أرادت فاطمة أبا بكر على فدك وسهم ذوي القربى ، فأبى عليها وجعلهما في مال الله تعالى.]
ونقل أيضا عن الجوهري بسنده عن أبي الضحّاك عن الحسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب عليهالسلام «أنّ أبا بكر منع فاطمة وبني هاشم سهم ذوي القربى وجعله في سبيل الله في السلاح والكراع».
أقول : وهناك روايات كثيرة في الموضوع ذكرها المحدّثون في كتبهم لا مجال لذكرها ، ورعاية للاختصار اكتفينا بهذا القليل. «المترجم»
قال محمد بن ادريس الشافعي في كتاب الأمّ ص ٦٩ : [وأمّا آل محمّد الذين جعل لهم الخمس عوضا من الصدقة فلا يعطون من الصدقات المفروضات شيئا قلّ أو كثر ، لا يحلّ لهم أن يأخذوها ولا يجزي عمن يعطيهموها إذا عرفهم.
ـ إلى أن يقول : ـ وليس منعهم حقهم في الخمس يحلّ لهم ما حرّم عليهم من الصدقة.]
الحافظ الإمام الشافعيرحمهالله يقول [يجب أن يقسّم الخمس إلى خمسة أقسام سهم لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يصرف في مصالح المسلمين ، وسهم يعطى لذوي القربى وهم آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وثلاثة سهام تصرف على الأيتام والمساكين وأبناء السبيل.]
قلت : أجمع العلماء والمفسّرون أنّ آية الخمس حين نزلت قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «أبشروا آل محمّد بالغنى. فالآية نزلت في حق آل محمّد وتخصّص خمس الغنائم لآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
وكان النبي يقسّم خمس الغنائم على آله وأهل بيته ، ولذلك فإن رأي علماء الإمامية تبعا لأئمة أهل البيتعليهمالسلام هو أنّ الخمس يقسّم إلى ستة سهام سهم لله سبحانه وتعالى ، وسهم للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وسهم لذوي القربى. هذه السهام الثلاثة باختيار النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن بعده تكون باختيار الإمام والخليفة الذي نصّ عليه ، وهو يصرفها في مصالح المسلمين حسب رأيه الصائب ، والسهام الثلاثة الأخرى تصرف على الأيتام والمساكين وأبناء السبيل من الهاشميين لا غيرهم ، ولكن بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منعوا سهم بني هاشم وحقهم من الخمس ، كما يصرّح بذلك كثير من أعلامكم ومفسريكم في تفسير آية الخمس ، منهم :
جلال الدين السيوطي في تفسير الدرّ المنثور : ج ٣ ، والطبري في تفسيره ، والثعلبي في كشف البيان ، وجار الله الزمخشري في تفسيره الكشاف ، والقوشچي في شرح التجريد ، والنسائي في كتابه الفيء ، وغيرهم. فكلهم يعترفون بأنّه بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حرموا بين هاشم من الخمس ، وقد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يعطيهم في حياته ويقسّم الخمس عليهم.
الحافظ : أما تجيزون للمجتهد أن يعمل برأيه؟ ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما مجتهدين فعملا بنظرهما وهو انضمام فدك لبيت مال المسلمين وصرف حاصلها في المصالح العامة ، وكذلك الخمس!!
قلت : أوّلا : من أين ثبت اجتهاد الشيخين؟
هذا ادّعاء يحتاج إلى دليل ، إذ ليس كل الصحابة كانوا مجتهدين.
ثم إنّ رأي المجتهد يجزي إذا لم يكن نص بخلافه فإذا كان هناك نص في القرآن واجتهد أحد على خلاف ذلك وهو يعلم بوجود ذلك النص ، فقد تبع الهوى وضل عن الحق ، ومن حاول توجيه ذلك الاجتهاد مقابل النص فهو ضالّ أيضا ، لقوله عزّ وجلّ :( وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ، وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ) (١) .
ثم لا بدّ للمجتهد من إقامة دليل معقول على أساس الكتاب والسنّة الشريفة على رأيه ، فاذا أبدى رأيا من غير دليل معقول وغير مستند إلى القرآن والسنّة النبويّة ، فهو غير مجتهد قطعا.
__________________
(١) سورة الأحزاب ، الآية ٣٦.
والمجتهد الذي يجوز للمسلمين أن يتّبعوه ويأخذوا برأيه ، إنما هو المجتهد الذي يكون مطيعا لله عزّ وجلّ عاملا بكتاب الله سبحانه وآخذا بما جاء به النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويكون صائنا لنفسه مخالفا لهواه ومجانبا للدنيا وزينتها ، فقيها ورعا وعالما تقيّا ، عارفا بأحكام الدين ومصالح المسلمين.
ليت شعري ، بأيّ دليل اجتهادي ردّ أبو بكر شهادة عليّعليهالسلام وهو الذي جعله الله شاهدا على ما جاء به النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وكفى به شاهدا.
إذ قال سبحانه :( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) (١) فالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على بيّنة من ربه والشاهد الإمام عليعليهالسلام .
الحافظ : ولكن الروايات تقول : إنّ رسول الله هو صاحب البيّنة وشاهده القرآن الكريم. فلا أدري بأيّ دليل قلتم : بأنّ الشاهد علي كرم الله وجهه؟
قلت : أعوذ بالله تعالى من أن أفسّر القرآن برأيي ، وإنما نقلت لكم قول أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، وهو أيضا رأي كثير من أعلامكم ومفسريكم ، وهم قد نقلوا في ذلك ما يقارب من ثلاثين حديثا ، منهم : أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره روى ثلاثة أحاديث في ذلك ، والسيوطي في الدر المنثور ، عن ابن مردويه وابن أبي حاتم وأبي نعيم الحافظ ، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين روى ذلك بثلاثة أسانيد ، والحافظ سليمان القندوزي روى ونقل في الباب ٢٦ عن الثعلبي والحمويني والخطيب الخوارزمي وأبي نعيم والواقدي وابن المغازلي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهما.
__________________
(١) سورة هود ، الآية ١٧.
والحافظ أبو نعيم روى ذلك عن ثلاث طرق ، والطبري وابن المغازلي وابن أبي الحديد ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في الباب ٦٢ من كتاب كفاية الطالب وغير هؤلاء جمع كبير كلهم ذهبوا إلى أنّ الشاهد في الآية الكريمة هو الإمام عليعليهالسلام وقد قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : «علي منّي وأنا من علي». وقال الله سبحانه :( وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) ومع هذا كلّه ، لا أدري بأيّ وجه شرعيّ ردّوا شهادة عليّ في حق فاطمةعليهاالسلام ؟
ردّوه بحجّة : أنّه يجرّ النفع إلى نفسه!! وهو الذي طلّق الدنيا ثلاثا ، وكان أزهد الناس فيها ، يشهد له ذلك الصديق والعدو.
ولكن الذين حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها وحرصوا على الرئاسة والملك ، افتروا عليه واتّهموه ، وقالوا فيه ما لا يليق إلاّ بهم.
فتارة قالوا : إنّه ثعالة شهيده ذنبه!!
وتارة قالوا : إنّه يجر النفع إلى نفسه!
ولكنه كظم غيظه وصبر على مضض ، حتى قالعليهالسلام في الخطبة الشقشقيّة المروية في نهج البلاغة : وهي الخطبة رقم ٣ «فطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه!! فرأيت أنّ الصبر على هذا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى ، أرى تراثي نهبا ..». الخ.
ويقول في الخطبة رقم ٥ من نهج البلاغة : «.. والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه!!». من هذا الكلام والبيان نعرف مدى ضجره وانزعاجه من الوضع المؤسف. ولمّا ضربه ابن ملجم الرمادي ـ لعنه الله ـ بصارمه المسموم وهو في محراب العبادة وفي حال الصلاة نادى «فزت وربّ الكعبة!».
نعم بهذه الجملة القصيرة عبّر عن حقائق كثيرة ، وبيّن أنّه ارتاح من هموم وغموم كانت متراكمة على قلبه الشريف ، من جفاء قوم وظلم آخرين وتحريف الدين وتغيير سنن سيد المرسلين!!
ارتاح من هموم وغموم تراكمت على قلبه المقدس من أعمال الناكثين ، وجنايات القاسطين ، وجرائم المارقين.
وكم تحمّل من الأذى والظلم من الذين كانوا يدّعون صحبة رسول الله ومرافقته!!
وكم خالفوه وقاتلوه وسبّوه وشتموه ولعنوه على منابر الإسلام وفي مجامع المسلمين!!
وأنتم أيها العلماء تعرفون كل ذلك ، وتعلمون علم اليقين أنّ عليا كان نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بنصّ القرآن الحكيم وحديث الرسول الكريم حيث قال : «من آذى عليا فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن أحبّ عليا فقد أحبّني ، ومن أحبّني فقد أحبّ الله ، ومن سب عليا فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سب الله». إنّ السلف سمعوا ذلك من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حق عليّعليهالسلام إلاّ أنّهم أخفوه عن المسلمين وألبسوا عليهم الحقائق وأضلّوهم عن سبيل الله وعن الصراط المستقيم!!
وقد آل الأمر اليوم إليكم ، فأنصفوا واتقوا الله واليوم الآخر ، ولا تتّبعوا الهوى واتركوا التعصّب لدين الآباء ومذهب السلف ،( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (١) ! فإنّ الناس من العامة ينظرون إليكم ويأخذون بأقوالكم فلا تسكتوا عن بيان الحقائق ، انقلوا للناس ما رواه علماؤكم ، وحدّثوهم بما حدّث أعلامكم وكتبوا في كتبهم في شأن الإمام عليعليهالسلام وأهل بيته المظلومين!
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية ٤٢.
من اذى عليا فقد آذى الله
لقد بيّن كثير من أعلام محدثيكم وكبار علمائكم ، ورووا بأسنادهم عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في حق عليّعليهالسلام أحاديث هامّة ولكنكم لا تذكرونها للعامّة ، وتخفونها عنهم ، والمفروض بيانها وإعلانها في الإذاعات وخطب الجمعات ، وفي الاجتماعات الدينية والمناسبات الإسلامية.
روى أحمد بن حنبل في المسند بطرق عديدة ، والثعلبي في تفسيره ، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين ، بأسنادهم عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : «من آذى عليا فقد آذاني ، أيها الناس! من آذى عليا بعث يوم القيامة يهوديّا أو نصرانيّا».
وروى ابن حجر المكي في الصواعق / الباب التاسع / الفصل الثاني / الحديث السادس عشر / عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال «من آذى عليا فقد آذاني».
رواه العلاّمة الكنجي الشافعي أيضا في كتابه كفاية الطالب / الباب الثامن والستون / مسندا عن رسول الله (ص).
وذكرت حديثا آخر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنقله لكم فان استماع حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عبادة.
روى أحمد بن حنبل في مسنده ، والمير علي الهمداني الشافعي في مودّة القربى ، والحافظ أبو نعيم في كتاب «ما نزل من القرآن في عليّ» ، والخطيب الخوارزمي في المناقب ، وابن المغازلي في المناقب والحاكم أبو القاسم الحسكاني عن الحاكم أبي عبد الله عن أحمد بن
محمد بن أبي داود الحافظ عن علي بن أحمد العجلي عن عبّاد بن يعقوب عن أرطاط بن حبيب عن أبي خالد الواسطي عن زيد بن عليّ ابن الحسين عن أبيه الإمام الحسين الشهيد السبط عن أبيه الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام عن رسول الله (ص) قال «يا علي من آذى شعرة منك فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فعليه لعنة الله».
وروى السيد أبو بكر بن شهاب الدين العلوي في كتابه رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبي الهادي ص ٦٠ / الباب الرابع عن الجامع الكبير للطبراني وعن صحيح ابن حيان ـ وصحّحه الحاكم ـ كلهم عن مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام عن رسول الله (ص) قال «من آذاني في عترتي فعليه لعنة الله».
بعد هذه الأحاديث الشريفة والتفكّر في معانيها ، أنظروا إلى أحداث السقيفة وهجوم القوم على دار الإمام علي وفاطمة الزهراء عليهما السّلام وهتكهم حرمتهما ، وفكروا في تلك الأعمال الشنيعة والأفعال الفظيعة التي ارتكبها القوم حتى مرضت سيّدة نساء العالمين بسببها وتوفّيت على أثرها في أيام شبابها ، فماتت وهي ساخطة على أبي بكر وعمر وعلى كلّ من آذاها!!
الحافظ : نعم سخطت فاطمة الزهراء بادئ الأمر ، ولكنها رضيت بعد ذلك لأنها علمت بأنّ الخليفة (رض) حكم بالحق ، فرضيت عن الشيخين (رض) وعن جميع الصحابة الكرام حين توفيت.
قلت : إنّكم تحبون أن تصلحوا بين سيدة النساء فاطمةعليهاالسلام وبين من ظلمها في عالم الخيال ، ولكن الواقع خلاف هذا الخيال والمقال ، فقد صرّح أعلامكم وكبار علمائكم مثل الشيخين مسلم والبخاري في
صحيحيهما فكتبا ورويا عن عائشة بنت أبي بكر : «... فهجرته فاطمة ولم تكلّمه في ذلك حتى ماتت. فدفنها علي ليلا ، ولم يؤذن بها أبا بكر»(١) .
رواه العلاّمة الكنجي الشافعي في كتاب كفاية الطالب ، في أواخر / الباب التاسع والتسعون.
وقال ابن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسية / ١٤ و ١٥ / طبع مطبعة الأمة بمصر [فقال عمر لأبي بكر (رض) انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد اغضبناها ، فانطلقا جميعا فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما ، فأتيا عليا فكلماه ، فادخلهما عليها ، فلما قعدا عندها حوّلت وجهها إلى اح؟؟؟ ط ، فسلّما عليها فلم تردّ عليهما السّلام!!
فقالت : أرأيتكما إن حدّثتكما حديثا عن رسول الله (ص) ، تعرفانه وتفعلان به؟ قالا : نعم ، فقالت : نشدتكما الله! ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟
قالا : نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم.
قالت : فإنّي أشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي (ص) لأشكونّكما إليه.
فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا
__________________
(١) صحيح البخاري : ج ٢ / ١٨٦ ، ومسلم ج ٣ / ١٣٨٠ مع اختلاف في لفظ الحديث والمعنى واحد.
«المترجم»
فاطمة ، ثم انتحب أبو بكر يبكي ، حتى كادت نفسه أن تزهق وهي تقول : والله لادعونّ الله عليك في كل صلاة أصلّيها!!(١) .]
وبعد استماع هذه الأخبار ، أرجوكم! استمعوا إلى روايات المحدثين التي تخبرنا عن مدى تعلق النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بابنته فاطمة بحيث جعلها كنفسه وقال : من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ، وإليكم بعض المصادر المعتبرة لديكم :
روى أحمد بن حنبل في المسند ، والحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودّة ، والمير سيد علي الهمداني الشافعي في مودّة القربى ، وابن حجر في الصواعق نقلا عن الترمذي والحاكم عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال «فاطمة بضعة مني وهي نور عيني وثمرة فؤادي وروحي التي بين جنبيّ ، من آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن أغضبها فقد أغضبني».
ونقل ابن حجر العسقلاني في الإصابة في ترجمة فاطمةعليهاالسلام ، عن صحيحي البخاري ومسلم أنّ رسول الله (ص) قال «فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها ويريبني ما أرابها».
وفي مطالب السئول لمحمد بن طلحة الشافعي ص ١٦ طبع دار الكتب التجارية / نقلا عن الترمذي بسنده عن ابن الزبير عن رسول الله (ص) قال «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها وينصبني ما ينصبها».
وفي محاضرات الأدباء للعلاّمة الراغب الأصبهاني ج ٢ / ٢١٤ عن رسول الله (ص) قال «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني».
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد ـ ولا يخفى سعة اطّلاعه في مثل هذه المواضيع ـ قال في شرح نهج البلاغة : ج ٦ / ٥٠ / طبع دار إحياء الكتب العربية / [والصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر ، وأنها اوصت ألاّ يصلّيا عليها!!]
وروى الحافظ أبو موسى بن المثنى البصري المتوفّى سنة ٢٥٢ ، في معجمه ، وابن حجر العسقلاني في الإصابة ج ٤ / ٣٧٥ ، وأبو يعلى الموصلي في سننه ، والطبراني في المعجم ، والحاكم النيسابوري في المستدرك ج ٣ / ١٥٤ ، والحافظ أبو نعيم في فضائل الصحابة ، وابن عساكر في تاريخه ، وسبط ابن الجوزي في التذكرة / ٢٧٩ / طبع مؤسسة أهل البيت بيروت ، ومحب الدين الطبري في ذخائر العقبى / ٣٩ ، وابن حجر المكي في الصواعق / ١٠٥ ، وأبو العرفان الصبّان في إسعاف الراغبين / ١٧١ ، كلّهم رووا عن رسول الله (ص) أنه قال لابنته فاطمةعليهاالسلام «يا فاطمة إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك».
وروى محمد بن اسماعيل البخاري في الصحيح في باب / مناقب قرابة رسول الله (ص) ، عن مسور بن مخرمة عن رسول الله (ص) أنه قال «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني».
وفي التذكرة / ٢٧٩ روى سبط ابن الجوزي فقال : وقد أخرج مسلم عن المسور بن مخرمة أن رسول الله (ص) قال : فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها فمن أغضبها فقد أغضبني.
أيها الحاضرون! وخاصّة أنتم العلماء فكّروا! في ما يحصل من هذه الأخبار وانظروا في نتيجتها ، أليست صريحة في أنّ الله ورسوله يغضبان على من تغضب فاطمة عليه؟ وطائفة من الأخبار ـ التي نقلتها لكم عن صحاحكم ومسانيدكم المعتبرة ـ صريحة بأنّ فاطمةعليهاالسلام ماتت وهي ساخطة على جمع من الصحابة منهم أبو بكر وعمر. حتى أوصت أن لا يشيّعاها ولا يصليا عليها!!
فالنتيجة الحاصلة : أنّ الله ورسوله ساخطين على أبي بكر وعمر ،
لأنّ فاطمةعليهاالسلام ماتت ساخطة عليهما!!
الشيخ عبد السلام : هذه الأخبار صحيحة ولكن رسول الله (ص) نطق بها حينما سمع أنّ عليا كرم الله وجهه يريد أن يتزوّج بابنة أبي جهل ، فغضب رسول الله (ص) وقال : من آذى فاطمة فقد آذاني ، ومن أغضبها فقد أغضبني ، ومن أغضبني فقد أغضب الله. وكان علي كرم الله وجهه هو الهدف والمقصود من هذه الأحاديث الشريفة!!
خطبة عليعليهالسلام ابنة أبي جهل كذب وافتراء
قلت : يمتاز الإنسان عن سائر أنواع الحيوان بلبّه وعقله.
فإذا سمع خبرا فهو لا يقبله إلاّ بعد ما يمضغه بفكره ويهضمه عقله ولبه ، فإذا كان معقولا قبله ، وإذا كان غير معقول ردّه ، ولذا قال تعالى في كتابه الكريم :( فَبَشِّرْ عِبادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ) (١) .
هذا الخبر وهو خطبة عليعليهالسلام ابنة أبي جهل ، وغضب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لذلك ، نقله بعض أسلافكم في كتبهم وأنتم على عادتكم تلقيتم الخبر وحسبتموه من المسلّمات من غير أن تفكّروا في سلبيات هذا الخبر وتزنوه بعقولكم حتى تجدوه مردودا غير معقول ولا مقبول عند ذوي الألباب ، وذلك لجهات منها :
أوّلا : أجمع علماؤكم وأعلام مفسريكم أنّ علياعليهالسلام داخل في من شملتهم آية التطهير ، فهو بعيد وبريء من كل رجس ورذيلة.
__________________
(١) سورة الزمر ، الآية ١٧ ـ ١٨.
ثانيا : أنّ الله سبحانه جعله في آية المباهلة نفس النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كما نقلت لكم أخبارها في الليلة الماضية.
ثالثا : كان عليعليهالسلام باب علم الرسول كما أعلن ذلك هوصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد نقلت لكم أخباره من مصادركم.
فكانعليهالسلام أعلم الأمة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالقرآن وأحكامه وبالإسلام وفرائضه ، وكانعليهالسلام أحوط الناس في العمل بالقرآن وأجهدهم في كسب مرضاة الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم فكيف يعقل أن يقدم على عمل يؤذي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ والله سبحانه يقول :( وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ) (١) .
ثم كيف قبلت عقولكم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو صاحب الخلق العظيم يغضب على أفضل عباد الله بعده والذي يحب الله تبارك وتعالى كما عرّفه حين أعطاه الراية في خيبر ، فيغضب عليه لا لشيء سوى أنّه أراد أن يرتكب أمرا مباحا ، أباحه الله سبحانه في كتابه لكل المسلمين من غير استثناء فقال :( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) (٢) ؟.
وعلى فرض أنّ علياعليهالسلام خطب ابنة أبي جهل ، هل كان يحرم عليه ذلك أم يجوز؟! فكيف تقبل عقولكم أن يغضب سيد المرسلين وصاحب الخلق العظيم على سيد كريم مثل ابن عمه أمير المؤمنين لهذا الأمر المباح المشروع الذي سنّه الله تعالى وعمل به هو أيضاصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
فالنبي صلوات الله وسلامه عليه أجلّ وأكرم من ذلك ، ونفسه
__________________
(١) سورة الأحزاب ، الآية ٥٣.
(٢) سورة النساء ، الآية ٣.
القدسيّة أزكى وأعظم من أن تتأثّر بهكذا أمور. لذا فكلّ إنسان مؤمن وعاقل ، يعرف كذب هذا الخبر وأنه افتراء على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا الخبر يحطّ من شخصيته وكرامته ، صلوات الله عليه قبل أن يحطّ من شخصيّة الإمام عليعليهالسلام وكرامته.
لذلك أقول : لا شكّ ولا ريب أنّ هذا الخبر وضعه بنو أمية لأنهم أعداء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأعداء عليّعليهالسلام . وهذا ليس هو رأينا فحسب بل هو رأي بعض أعلامكم أيضا.
فقد نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٤ / ٦٣ / طبع دار أحياء الكتب العربية / تحت عنوان [فصل في ذكر الأحاديث الموضوعة في ذم عليعليهالسلام ] قال [وذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافيرحمهالله تعالى أنّ معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّعليهالسلام ، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله ؛ فاختلقوا ما أرضاه منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير ـ وبعد ما نقل نماذج من أحاديث كل واحد منهم قال ـ : وأمّا أبو هريرة ، فروي عنه الحديث الذي معناه أنّ علياعليهالسلام خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأسخطه ، فخطب على المنبر ، وقال : «لاها الله! لا تجتمع ابنة وليّ الله وابنة عدو الله أبي جهل! إنّ فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ، فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي ، وليفعل ما يريد» ، أو كلاما هذا معناه ، والحديث مشهور من رواية الكرابيسي.
ثم قال ابن أبي الحديد : هذا الحديث أيضا مخرج في صحيحي مسلم والبخاري عن المسور بن مخرمة الزهري وقد ذكره المرتضى في
كتابه المسمّى «تنزيه الأنبياء والأئمة» وذكر أنّه رواية حسين الكرابيسي ، وأنّه مشهور بالانحراف عن أهل البيتعليهمالسلام ، وعداوتهم والمناصبة لهم ، فلا تقبل روايته]. انتهى كلام ابن أبي الحديد.
إضافة على ما نقلته في الموضوع أقول : الأخبار التي تصرّح بأنّ إيذاء فاطمةعليهاالسلام يكون إيذاء للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لا تختصّ بخبر خطبة عليعليهالسلام ابنة أبي جهل! بل كما ورد في مصادركم وكتبكم أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في موارد كثيرة وبمناسبات عديدة صرّح بهذا المعنى بعبارات مختلفة.
كما نقلنا بعضها. أنقل إليكم الآن خبرا ما نقلته من قبل :
روى أحمد بن حنبل في مسنده ، والخواجة پارسا البخاري في كتابه فصل الخطاب ، والمير سيد علي الهمداني الشافعي في المودة الثالث عشر من كتابه مودّة القربى ، عن سلمان الفارسي عن رسول الله (ص) قال «حبّ فاطمة ينفع في مائة من المواطن ، أيسر تلك المواطن الموت والقبر والميزان والصراط والحساب ، فمن رضيت عنه ابنتي فاطمة رضيت عنه ومن رضيت عنهرضياللهعنه ومن غضبت عليه ابنتي فاطمة غضبت عليه ومن غضبت عليه غضب الله عليه ، ويل لمن يظلمها ويظلم بعلها عليا وويل لمن يظلم ذريّتهما وشيعتهما».
فليت شعري! ما هو تحليلكم للخبر الذي نقله جلّ أعلامكم وأصحاب الصّحاح حتى البخاري ومسلم بأنّ فاطمةعليهاالسلام ماتت وهي ساخطة على أبي بكر وعمر؟!
الحافظ : هذه الأخبار صحيحة ، بل يوجد أكثر تفصيلا وأشمل منها في مصادرنا ، وأنا بفضل كلامكم عرفت زيف حديث الكرابيسي في خطبة علي كرم الله وجهه ابنة أبي جهل ، وقد كان في قلبي شيء
على الإمام علي بسبب هذا الخبر ، فزال والحمد لله ، وأنا أشكركم كثيرا على توجيهاتكم وتحليلكم للموضوع.
ولكن بقي أمر يختلج في قلبي ، وهو أنّ هذه الأخبار والأحاديث المصرّحة بأنّ إيذاء فاطمة إيذاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنّ من أغضبها فقد أغضب رسول الله (ص). مقبولة ومحمولة فيما إذا كان غضبها لأمر ديني لا دنيوي ، وأنتم تقولون : أنها غضبت على أبي بكر وعمر من أجل فدك ، إذ أنّها ادّعت تملّكها فردّاها ولم يقبلا منها ، فكان سخطها لأمر شخصي وهذا أمر طبيعي فكلّ إنسان إذا أراد شيئا ولم يصل إليه فيتأثّر نفسيّا ، وكان سخط فاطمة من هذا القبيل ، وهي بعد ما عادت المياه إلى مجاريها وسكنت الفورة ، رضيت بحكم الخليفة وسكتت ، ولذلك لمّا بويع علي كرم الله وجهه بالخلافة وتمكّن من استرداد فدك ، لم يحرّك ساكنا ولم يغيّر حكم أبي بكر وما استردّ فدك وإنما تركه على ما كان في عهد الخلفاء الراشدين قبله ، وهذا دليل على أنّه كان راضيا بحكم أبي بكر لأنّه كان حقا.
قلت : لقد طال مجلسنا وأخشى من أن يتعب الحاضرون ويملّوا ، فلو توافقون على تأجيل حديثنا إلى غد وفي الليلة الآتية إن شاء الله نستمر في الموضوع.
ـ فأجابوا جميعا : إنّنا ما تعبنا ولا مللنا بل كلنا بشوق إلى استماع حديثكم حتى نعرف نتيجة البحث ويظهر لنا الحق ـ.
قلت : ما دمتم كذلك وتحبون ظهور النتيجة وانكشاف الحقيقة فأقول.
أولا : الموضوع في الأحاديث النبوية صريحة ومطلقة فتشمل الأمور
الدنيوية وغيرها ، فلا أدري من اين جاء الحافظ حفظه الله بهذا التّقييد؟
ثانيا : كل علماء المسلمين من الشيعة وأهل السنّة قد أجمعوا على أنّ فاطمة الزهراءعليهاالسلام كانت امرأة مثاليّة ، وكانت في أعلى مرتبة من مراتب الإيمان بحيث أنزل الله تعالى في شأنها آيات من الذكر الحكيم وشملتها آية التطهير وآية المباهلة وسورة الدّهر ، وقد مدحها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعرّفها بأنّها سيدة نساء العالمين ، وسيدة نساء أهل الجنة ، وأنّها امتلأت إيمانا ، ومثلها لا تسخط لأجل أمر دنيوي وماديّ ، بذلك السخط الذي لا يزول إلى آخر حياتها. وهي تعلم بأنّ كظم الغيظ والعفو عن الخاطئين من علائم الإيمان والمؤمن ليس بحقود ، إلاّ أن يكون السخط من أجل الله تعالى ، فإنّ المؤمن حبّه وبغضه في الله ولله سبحانه وتعالى ، فكيف بفاطمة وهي سيدة نساء المؤمنين ـ كما في الحديث الشريف ـ وقد طهّرها الله عزّ وجلّ من الأرجاس والرذيلة والصفات الذميمة ولقّبها أبوها بالطاهرة المطهّرة ، وهي ماتت ساخطة على أبي بكر وعمر ، كما هو إجماع أهل الصحاح والمحدثين؟ فما كان سخطها إلا لأمر دينيّ لا دنيوي ، وإنّها غضبت عليهما لأنّهما غيّرا دين الله وخالفا كتاب الله كما احتجّت عليهما في خطبتها التي مرّ ذكرها بالآيات القرآنية.
وأما قولك أيها الحافظ : إنّ فاطمة رضيت فسكتت ؛ لا والله ما رضيت ، ولكن حين رأت القوم خصومتها لا يلتفتون إلى كلامها ولا يسمعون دلائلها وهم مصرّون على باطلهم وظلمهم فسكتت ، وما كان لها إلاّ أن تسكت ، ولكنّها أبدت سخطها عليهم ، بأن أوصت إلى زوجها الإمام عليعليهالسلام أن لا يحضر جنازتها وتشييعها أحد ممّن آذاها
وظلمها ، ولا يدع أحدهم يصلّي عليها.
وأما قولك ـ أيها الحافظ ـ : بأن علياعليهالسلام حيث لم يردّ فدكا إلى أولاد فاطمة. فقد أمضى حكم الخليفة ، فهو خطأ ، لأنهعليهالسلام ما تمكّن أن يغيّر ما ابتدعه الخلفاء قبله ، فكانعليهالسلام مغلوبا على أمره من طرف المخالفين والمناوئين وهم الناكثين والقاسطين فكانوا له بالمرصاد حتى يأخذوا عليه نقطة خلاف فيكبّروها ضده ويجعلوا من تلك النقطة منطلقا إلى تضعيف حكومته الحقّة ، كما ظهر ذلك في بعض القضايا مثل تغيير مكان المنبر ، حيث إنّ الخلفاء قبله غيّروا مكان منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ونقلوه إلى مكان آخر في المسجد ، فلما جاء الإمام عليعليهالسلام وتسلّم أمر الخلافة أراد أن يرجع المنبر إلى مكانه الذي كان على عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فضجّ المخالفون له وأحدثوا بلبلة حتى منعوه.
وكذلك مثال آخر ، أرادعليهالسلام أن يمنع الناس من إقامة صلاة التراويح جماعة ، لأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم منع أن تقام النوافل جماعة ، وإنما تختصّ صلاة الجماعة بالفرائض اليومية وغيرها من الفرائض ، وإذا بالمناوئين ضجّوا واجتمعوا يهتفون وا سنّة عمراه!!
وصلاة التراويح ـ كما روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عبد القاري ـ ابتدعها عمر بن الخطاب ، وقد عيّن أبيّ ابن كعب إماما لأهل المسجد في ليالي رمضان المبارك ليصلي بهم النوافل جماعة ، فلما دخل المسجد وراى الناس امتثلوا أمره ، فقال : نعمة البدعة هذه!!
فتركهم علي وشأنهم ، لما رأى المنافقين اتخذوا هذا الأمر مستمسكا ضدّه لخلق الفتن.
وكذلك في الكوفة لمّا أراد أن يمنعهم من إقامة صلاة التراويح جماعة ، فهتفوا ضدّه ، فتركهم!!
فما تمكّن عليّعليهالسلام في أيّام خلافته أن يغيّر هذه الأمور البسيطة التي لا تنفعهم ، فكيف كان يمكن له أن يستردّ فدكا وقد انضمّت إلى بيت المال؟!
ولكي تعرفوا أنّ علياعليهالسلام ما أمضى حكم أبي بكر بل وكّل وفوّض حكم فدك ومحاكمة فاطمة وخصمائها إلى الله الحكم العدل. فراجعوا نهج البلاغة / كتابه إلى عثمان بن حنيف الأنصاري وكان عامله على البصرة وهو الكتاب رقم ٤٥.
يقول فيه الإمامعليهالسلام بالمناسبة : «... فو الله ما كنزت من دنياكم تبرا ، ولا ادّخرت من غنائمها وفرا ، ولا حزت من أرضها شبرا ، بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء ، فشحّت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس قوم آخرين ، ونعم الحكم الله ...».
فهذا كلام الإمام عليعليهالسلام يقول : «ونعم الحكم الله» ومعناه : أنني سوف أطالبهم حقي يوم الحساب يوم لا تظلم نفس شيئا والحكم يومئذ لله.
وأما سيدتنا فاطمةعليهاالسلام فقد قالت لأبي بكر وعمر «فإنّي أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني فما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لأشكونّكما إليه». ـ وقد مرّ تفصيل الكلام من رواية ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ـ.
وكما نقل بعض المؤرخين كانت في أواخر أيام حياتها تخرج إلى قبر أبيها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهناك تشكو اهتضامها وتقول : أبتاه أمسينا
بعدك من المستضعفين ، وأصبحت الناس عنّا معرضين!! ثم تأخذ تراب القبر فتشمه وتنشد :
ما ذا على من شمّ تربة أحمد |
أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا |
|
صبّت عليّ مصائب لو أنّها |
صبّت على الأيام صرن لياليا |
فماتت مقهورة مظلومة ، في ربيع العمر وعنفوان الشباب ، وأوصت إلى عليّعليهالسلام أن يغسّلها ويجهّزها ليلا ، ويدفنها ليلا إذا هدأت الأصوات ونامت العيون ، وأوصت أن لا يشهد جنازتها أحد ممن ظلمها وآذاها.
وامتثل الإمام عليعليهالسلام أمرها وعمل بوصيّتها.
ولما وضعها في لحدها وأهال عليها التراب ، هاج به الحزن فتوجّه إلى قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول «السلام عليك يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك ، والسريعة اللّحاق بك إلى أن يقول :
فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فلقد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرّهينة! أمّا حزني فسرمد ، وأمّا ليلي فمسهّد ، إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم ، وستنبّئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها ، فأحفها السّؤال ، واستخبرها الحال ، هذا ولم يطل العهد ، ولم يخل منك الذكر ، والسلام عليكما سلام مودّع ، لا قال ولا سئم». الخ.
كنت في أواخر حديثي هذا مستعبرا باكيا ، وكذلك أكثر أهل المجلس بل كلّهم ، وكان الحافظ حفظه الله منكّسا رأسه إلى الأرض ودموعه تجري ويستغفر الله ويردّد الآية الكريمة :( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) (١)
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية ١٥٦.
وبعد ذلك المجلس ما تكلّم الحافظ أبدا وإنّما حضر المجالس التالية مستمعا لا مناقشا ، فكأنّه أنصف واقتنع ، وكان ظاهر أمره في آخر ليلة حينما وادعني وفارقني ، أنّه تشيّع ـ وإن لم يبد ذلك لمرافقيه وأصحابه ـ.
وبعد دقائق ولحظات وإذا بصوت المؤذّن يعلن طلوع الفجر ويؤذّن لصلاة الصبح فافترق الجمع وفارقناهم.
المجلس التاسع
ليلة السبت ـ الثاني من شعبان المعظّم
في أوان المغرب جاءني عدد من الإخوان السنة الذين كانوا يلتزمون بالحضور في مجالس البحث والحوار من أول ليلة ، وكانوا يستمعون الى المواضيع المطروحة بكل لهفة ودقّة وربما طلبوا منّي توضيح بعض المواضيع ، وكنت أحسّ وألمس منهم اهتماما بالغا ، فجاءوا قبل انعقاد المجلس التاسع ، وهم : النوّاب عبد القيوم خان ، وغلام امامين ، والمولى عبد الأحد ، وغلام حيدر خان ، والسيد أحمد علي شاه
فاستقبلتهم وجلست معهم. فقالوا : أيها السيد المعظّم! اعلم بأنّنا في كل المجالس والمحاورات عرفنا الحق فيكم ومعكم ، وخاصّة في الليلة الماضية قد انكشفت لنا حقائق كثيرة كانت مكتومة ، وكنّا نجهلها ، وقد عرفناها بفضل بيانكم واتّضحت لنا من خلال حديثكم المستدل ومنطقكم القوي المدعم بالأحاديث والروايات الصحيحة المروية عن طريق أعلام السنة وعلمائهم في المسانيد والصّحاح ، ونحن نطلب الحق ونريد أن نتدين بدين الله ونلتزم بما جاء به المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم من عند
الله سبحانه ، فلسنا نتعصّب للخلفاء ولا لأئمة السنة والجماعة ولسنا معاندين ، بل نحن بعيدون عن اللّجاج والتّعصّب والعناد. والآن حيث انكشف لنا الواقع ، وعرفنا الحق ، نريد أن نعلن هذه الليلة في المجلس وفي حضور الملأ ، تشيعنا ومتابعتنا لمذهب آل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
واعلم أنّ هناك كثيرا من الناس على مختلف الطبقات ممّن يتابعون هذه المناقشات في الصحف والمجلاّت ، أيضا قد عرفوا الحق ولكنهم يخفون ذلك خوفا من ردّ فعل قومهم ، وإساءة أقربائهم لهم ، ويخشون مقاطعة المجتمع الذي يعيشون فيه ، فإذا نحن بدأنا بإعلان تشيعنا وفتحنا الباب فهم يدخلون أيضا ويعلنون تشيعهم.
قلت : أرجوكم رجاء مؤكّدا أن لا تعجلوا في الأمر ، ولا تعلنوا تشيعكم هذه الليلة ، اصبروا إلى نهاية المطاف حتى نعرف آخر ما يخرج به علماء السنّة والجماعة من هذه الأبحاث والمناقشات ، فربما يعلنون هم أيضا تشيعهم ، فليكونوا هم البادون وأنتم التابعون ، وهذا أجمل وأفضل ، فوافقوا جميعا على هذا الرأي.
وبعد ما فرغنا من صلاتي المغرب والعشاء ، اجتمع القوم وبعد التحيّات والتشريفات ، بدأ الشيخ عبد السلام يتكلّم عن الجماعة ليمثل أهل مذهبه.
فقال : لقد استفدنا من أحاديثكم في المجالس السالفة ، فوائد جمّة ، وأقول بكل صراحة : إنّ حديثكم يلين قلوب الأعداء ، فكيف بنا نحن الأحبّاء ، حيث اجتمعنا للتفاهم وحلّ القضايا الخلافية بمناقشات أخويّة ومناظرات ودّية؟ ولكن لمست وأحسست من جنابكم الانحياز إلى أهل مذهبكم ، بحيث أراكم تدافعون حتى عن قبائح
عاداتهم وشنايع أقوالهم!
قلت : أنا لا أقبل منك هذا الكلام يا شيخ عبد السلام! لأنّي منذ عرفت نفسي وميّزت بين الخير والشر ، خضعت للحق ، ودعوت للخير ، ودافعت عن المظلوم ، لأنّ جدّي أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام أوصى إلى أولاده وخاصّة إلى الحسنين عليهما السّلام فقال : قولا بالحق ، واعملا للآخرة ، وكونا للظالم خصما ، وللمظلوم عونا.
فإذا رأيتني أبيّن مساوئ من خالفنا ، وأدافع عن من وافقنا ، فلا عن انحياز أو متابعة للهوى ، وإنّما الحق والخير عندي هو المعيار والمقياس ، واعلم أن كل حديثي وكلامي في هذه المناقشات كان مقرونا بالأدلة النقليّة والبراهين العقليّة.
وأمّا كلامك عن قبائح عادات الشيعة وأقوالهم الشنيعة فبيّنها لنا ، فإن كان بيانك حقا قبلناه ، وإلاّ كشفنا لكم الواقع ، فلربما اشتبه عليكم الأمر.
الشيعة وعائشة!!
الشيخ عبد السلام : إنّ من أقبح أقوال الشيعة قذفهم أم المؤمنين عائشة (رض) ونسبتهم الفحش إليها وسبّها ولعنها! ومن أشنع عاداتهم عداؤهم لها واعتقادهم بخبثها ، وهي حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلّم وزوجته ، فانتسابها الى الخبث يلازم ـ والعياذ بالله ـ خبث النبي (ص) لقوله سبحانه :( الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ ) (١) .
__________________
(١) سورة النور ، الآية ٢٦.
قلت : أوّلا : قولك بأن الشيعة يقذفون عائشة وينسبونها إلى الفحشاء فهو كذب على الشيعة وافتراء ، وأقسم بالله حتى عوام الشيعة لا يقولون ذلك ولا يعتقدون به ، وإنّ النواصب والخوارج افتروا علينا هذا ليحرّكوا عوام أهل السنّة وجهالهم على شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومع الأسف فإنّ بعض علماء العامّة صدّقوهم بغير دليل ولا تحقيق ، وأحدهم جناب الشيخ عبد السلام سلّمه الله!
فأقول : أيها الشيخ! كيف تقول علينا هذا بالضرس القاطع؟! هل رأيته في كتاب أحد علمائنا؟ أم سمعته من لسان أحد الشيعة ، ولو من عامتهم؟!
وأنا أرجوك أيها الشيخ أن تراجع تفاسير الشيعة في موضوع الإفك في ذيل الآيات ١٠ ـ ٢٠ من سورة النور لتعرف دفاع الشيعة عن عائشة وإنّ الآفكين هم المنافقون.
أما نحن الشيعة فنعتقد أنّ كل من يقذف أيّ واحدة من زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا سيما حفصة وعائشة. فهو ملحد كافر ملعون مهدور الدم ، لأنّ ذلك مخالف لصريح القرآن وإهانة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وكذلك نعتقد بأنّ القذف ونسبة الفحشاء إلى أي مسلم ومسلمة حرام وموجب للحد ـ إلاّ إذا شهد أربعة شهداء عدول ـ.
وأما اعتقاد الشيعة بخبث عائشة وشقاوتها ، فبدليل أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث قال كما ورد في مسانيدكم «إنه لا يحب عليا إلاّ مؤمن سعيد الجد طيّب الولادة ، ولا يبغضه إلاّ منافق شقي الجد خبيث الولادة».
ولا يخفى على أحد أنّ عائشة كانت من أشد المبغضين لعليعليهالسلام
إلى درجة أنّها خرجت لقتاله ، وأشعلت نار الفتنة والحرب في البصرة عليه وهو إمام زمانها حينذاك!!
ثم اعلم أنّ الاعتقاد بخبث الزوجة لا يلازم خبث الزوج وكذلك بالعكس ، فكم من نساء صالحات أزواجهن غير صالحين؟ وكم من رجال صالحين زوجاتهم خبيثات غير صالحات؟ وهذا صريح قول الله سبحانه وتعالى في سورة التحريم ١٠ و ١١ حيث يقول :( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ* وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
فلا تلازم بين الزوجين في الطيب والخباثة وفي السعادة والشقاء ؛ وفي القيامة أيضا كلّ يحاسب ويكافأ بأعماله ، فإن كانت المرأة صالحة مؤمنة يؤمر بها الى الجنة ، وإن كان زوجها فرعون لعنه الله ، وإن كانت المرأة طالحة عاصية فيؤمر بها إلى الجحيم وإن كان زوجها أحد أنبياء الله المرسلين.
وأما تفسير الآية الكريمة :( الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ ) (١) فقد ورد في روايات أهل البيتعليهمالسلام أنّ هذه المجملات تفسير وتوضيح لما قبلها وهو قوله تعالى :( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ
__________________
(١) سورة النور ، الآية ٢٦.
مُشْرِكٌ ) (١) معنى ذلك أنّ الخبيثات يلقن للخبيثين والخبيثين يلقن بهنّ ، وأمّا الطيبون فيليقون للطيّبات وبالعكس ، كما أنّ الزانية أو المشركة لا تليق إلاّ لزان أو مشرك.
بعض عائشة لآل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ونحن حين ننتقد عائشة ونعاديها ، لا لأنها بنت أبي بكر ، بل لسوء تصرّفاتها وسوء معاملتها مع آل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولأنّها كانت تبغض علياعليهالسلام وتعمل ضدّه وتثير المسلمين عليه ، وإلاّ فإنّا [نحبّ محمّد بن أبي بكر ـ أخيها ـ لانه نصر الحق وتابع الإمام عليعليهالسلام ].
أمّا عائشة فما حافظت على مكانتها بل سوّدت تاريخها بأعمالها المخالفة لكتاب الله وحديث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فما أطاعت زوجها ولا أطاعت ربها!!
الشيخ عبد السلام : لا يليق هذا الكلام بكم وأنت سيد شريف وعالم نبيل ، فكيف تعبّر عن أم المؤمنين بهذا التعبير ، بأنها سوّدت تاريخها؟!
قلت : كل زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عندنا في مكانة متساوية ، ـ باستثناء أم المؤمنين خديجة الكبرىعليهاالسلام فإن النبي كان يفضّلها عليهن ـ ، فإنّ أم سلمة وسودة وعائشة وحفصة وميمونة وسائر زوجاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم كلهنّ أمهات المؤمنين ، ولكن المؤرخين لا سيما أعلامكم فتحوا لعائشة صفحات خاصّة ، تروي مداخلتها في الفتن ، ومشاركتها مع
__________________
(١) سورة النور ، الآية ٣.
الرجال في أمور لا تعنيها ، بل مخالفة لشأنها ومقامها كزوجة للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . وهذا مقصودنا من تسويدها تاريخها ، وليتها كانت تسلك مسلك قريناتها ، أعني زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتحافظ على حرمة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كما حفظنها.
الشيخ عبد السلام : أظن أنّ سبب عدائكم وبغضكم لأم المؤمنين عائشة ، هو خروجها على الإمام علي كرم الله وجهه ، وإلاّ فإنّ سلوكها مع رسول الله (ص) كان أحسن سلوك ، وليس لأحد انتقاد في ذلك ، وكان رسول الله يكرمها كثيرا ونحن نكرمها لإكرام النبيّ لها.
قلت : سبب بغضنا لعائشة ، ليس خروجها على الإمام عليعليهالسلام فحسب ، بل لسوء سلوكها مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإيذائها له أيضا ، وتمرّدها عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعدم إطاعتها له في حياته!!
الشيخ عبد السلام : هذا بهتان عظيم! فإنّ كلنا نعلم بأنها كانت أحب زوجات النبي (ص) إليه ، فكيف كانت تؤذي رسول الله (ص) وهي تقرأ في القرآن الحكيم :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ) (١) ؟.
قلت : أيها الشيخ لقد تكرر منكم سوء التعبير ورميتموني بالافتراء والبهتان والكذب ، ولكن سرعان ما انكشف الأمر وثبت بأنّي غير كاذب ولا مفتر ، بل أنا ناقل الأخبار من كتب علمائكم ومسانيد أعلامكم ، وقلت لكم : بانّ الشيعة لا يحتاجون إلى وضع الأخبار وجعل الأحاديث في إثبات عقائدهم وحقانية ائمتهم وفضائلهم ومناقبهم ، فإن كتاب الله سبحانه ينطق بذلك والتاريخ يشهد لهم.
__________________
(١) سورة الأحزاب ، الآية ٥٧.
أما قولك بأنّها كيف كانت تؤذي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهي تقرأ الآية الكريمة :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ) الخ.
فأقول : نعم كانت تقرأ الآية وكان أبوها أيضا يقرأها وكثير من كبار الصحابة قرءوا هذه الآية الكريمة وعرفوا معناها ولكن كما نقلت لكم الأخبار المرويّة في كتبكم وصحاحكم في الليلة الماضية وانكشفت حقائق كثيرة للحاضرين ولكم إن كنتم منصفين غير معاندين!!
إيذاء عائشة للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته
أما أخبار إيذاء عائشة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته فلم تذكر في كتب الشيعة وحدهم ، بل ذكرها بعض أعلامكم أيضا منهم : أبو حامد محمد الغزالي في كتابه إحياء العلوم : ج ٢ / الباب الثالث كتاب آداب النكاح / ١٣٥ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ج ٧ / ١١٦ ، وأخرجه الطبراني في الأوسط والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد من حديث عائشة ، قالوا [وجرى بينهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبين عائشة كلام حتى أدخل النبيّ (ص) «أبا بكر حكما بينهما ، واستشهده ، فقال لها رسول الله (ص) : تكلّمين أو أتكلّم؟ فقالت : بل تكلم أنت ولا تقل إلاّ حقا! فلطمها أبو بكر حتى دمي فوها وقال : يا عدوّة نفسها! أو غير الحق يقول؟! فاستجارت برسول الله (ص) وقعدت خلف ظهره ، فقال له النبي (ص) : لم ندعك لهذا ولم نرد هذا منك».]
قال أبو حامد الغزالي في نفس الصفحة [وقالت له مرة في كلام غضبت عنده : أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟! ـ قال وذلك حين صباها ـ فتبسم رسول الله (ص) واحتمل ذلك حلما وكرما.]
وأخرجه أبو يعلى في مسنده وأبو الشيخ في كتاب الأمثال ، من حديثهما معنعنا.
قال الغزالي [وقال (ص) لها «إنّي لأعرف رضاك من غضبك.
قالت : وكيف تعرفه يا رسول الله؟ قال (ص) : إذا رضيت قلت : لا وإله محمد ، وإذا غضبت قلت : لا وإله إبراهيم».
قالت : صدقت إنّما أهجر اسمك!(١) .]
وتحدثها بهذه العبارات والتعابير التالية مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : بل تكلّم أنت ولا تقل إلاّ حقا!
أنت الذي تزعم أنك رسول الله!!
إنما أهجر اسمك!
بالله عليكم! أنصفوا ..! أما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يتأذّى من هذه التعابير القارصة والكلمات اللاذعة حين يسمعها من زوجته؟!
والمفروض أن تتصاغر الزوجة لزوجها وأن تحترمه وتخضع له ولا تتجاسر عليه بكلام يؤذيه ، وكذلك المفروض على المؤمنين والمؤمنات أن يكرموا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ويحترموه احتراما كبيرا ويعظّموه كثيرا ، حتى أنه لا يجوز لأحد أن يرفع صوته فوق صوت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أو يدعوه باسمه من غير تشريف واحترام كما يدعو بعضهم بعضا ، لقوله تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ
__________________
(١) أقول : أخرجه مسلم في صحيحه ج ٧ / ١٣٥ من حديثها ورواه البغوي في المصابيح ج ٢ / ٣٥.
«المترجم»
وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) (١) .
وقال سبحانه :( لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ) (٢) .
فالمفروض على زوجات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ عائشة وقريناتها ـ أن يكرمن النبي ويحترمنه ويطعنه ويخضعن لهصلىاللهعليهوآلهوسلم أكثر من غيرهن ، ولكن مع الأسف الشديد نرى في سلوكها تمرّدا على رسول الله كما وصفها المؤرخون وحتى من أعلامكم مثل أبو حامد الغزالي ، والطبري ، والمسعودي وابن الأعثم الكوفي وغيرهم ، قالوا [إنّها تمرّدت عن أمر الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم !] فهل هذا التمرد يدل على طيبها أم خبثها؟! وهل حياة المتمردين على الله ورسوله تكون ناصعة أم سوداء مظلمة؟!
وإني أستغرب كلام الشيخ عبد السلام وقوله : بأن سبب بغضنا لعائشة ، خروجها على الإمام علي كرم الله وجهه!
وكأنّه يحسب هذا الأمر هيّنا! وهو عند الله عظيم عظيم إنّ خروجها وعصيانها يوازي ويساوي خروج وعصيان معاوية وبني أميّة أو أشدّ مما فعلوا فهى شقّت عصى المسلمين ، وسبّبت سفك دماء كثير من المؤمنين والصالحين ، فرمّلت نساء ، ويتّمت أطفالا!! وهي بخروجها على أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وأثارة فتنة البصرة ، وأمرها للناس ، وتحريضهم لمقاتلة الامام عليعليهالسلام ، فمهّدت الطريق وفتحت باب الحرب والقتال لمعاوية وحزبه الظالمين وكذلك للخوارج الملحدين الفاسقين!!
فأي ذنب أعظم من هذا يا شيخ! وهي بخروجها من بيتها إلى
__________________
(١) سورة الحجرات ، الآية ٢.
(٢) سورة النور ، الآية ٦٣.
البصرة خالفت نصّ كلام الله الحكيم إذ قال سبحانه :
( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى ) (١) .
نعم جميع زوجات رسول الله غير عائشة امتثلن أمر الله تعالى وأطعنه وحفظن حرمة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد وفاته وما خرجن من بيوتهنّ إلاّ للضرورة ، وقد روى الأعمش كما ورد في صحاحكم ومسانيدكم : قالوا لأم المؤمنين سودة زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم لا تخرجين إلى الحج والعمرة؟ فإنّ ثوابهما عظيم.
قالت : لقد أدّيت الحج الواجب وأما بعد ذلك فواجبي أن أجلس في بيتي ، لقوله تعالى :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) فامتثالا لأمره عزّ وجلّ ، لا أخرج من بيتي بل أحب أن أقرّ في الدار التي خصها لي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا أخرج إلا لضرورة ، حتى يدركني الموت ـ وهكذا كانت حتى التحقت بالنبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ.
فنحن لا نفرّق بين زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فكلّهن أمهات المؤمنين ، فمن هذه الجهة كلهن عندنا على حدّ سواء.
وأمّا في المنزلة والمقام فشأنهنّ شأن المؤمنات الأخريات فيكتسبن المقام المحمود والجاه عند الله سبحانه بالأعمال الصالحة وبالتقوى ، فمن عملت منهن الصالحات واتّقت فنحبها ، ومن لم تتق وما عملت صالحا فلا نحبها ، ومن خالفت وعصت ربها فنبغضها.
امتياز نساء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على سائر النساء
الشيخ عبد السلام : كيف تقول بأنّ شأن زوجات رسول الله (ص)
__________________
(١) سورة الأحزاب ، الآية ٣٣.
شأن المؤمنات الأخريات!! فإنّ هذا البيان خلاف كلام الله العزيز إذ يقول :( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ ) أي : أنّ مقام نساء النبي أعلى وأرفع من سائر النساء.
قلت : كل زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لهن الامتياز والفضل على نساء المؤمنين لشرف انتسابهن الى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو شرف اكتسابي اكتسبنه بقوة زواجهنّ برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وليس طقامهنّ القبلي أو العائلي ، فيجب عليهن أن يحفظن حرمة هذا الانتساب الرفيع ، والمقام المرموق والممتاز على سائر النسوة بتقوى الله سبحانه ، كما صرّح بذلك عزّ وجلّ في كتابه قائلا :( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَ ) (١) .
ولا يخفى عليكم أيها العلماء معنى إن الشرطيّة ، فمقام نساء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وامتيازهن على سائر النساء مشروط بالتقوى. فمن تورّعت ، واعتصمت بتقوى الله تعالى ، وامتثلت أوامره ، مثل سودة وأم سلمة فيلزم علينا تكريمها وتعظيمها واحترامها. ومن لم تتورّع ولم تلتزم بتقوى الله سبحانه وما امتثلت أوامره ، فلا احترام لها عندنا مثل عائشة.
خروج عائشة على أمير المؤمنينعليهالسلام
لقد أجمع المؤرخون أنّ عائشة قادت جيشا لقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام وقال بعض : إن مروان بن الحكم وطلحة والزبير أغروها ، وقال آخرون : إنها كانت مستعدّة لذلك من غير إغراء ، لبغضها وعدائها للإمام عليعليهالسلام .
__________________
(١) سورة الأحزاب ، الآية ٣٢.
فاجتمع حولها كل من في قلبه مرض ، وكلّ من كان حاقدا على أبي الحسن أمير المؤمنين سلام الله عليه ، وخرجت إلى البصرة ، فألقوا القبض على عثمان بن حنيف الأنصاري ، صحابي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان عاملا عليها من قبل الإمام عليعليهالسلام ، فنتفوا لحيته الكريمة ، وشعر رأسه ، وحاجبيه ، وضربوه بالسياط حتى أدمي ، ثم أخرجوه من البصرة بحالة يرثى لها ، وقتلوا أكثر من مائة نسمة من أهاليها من غير أن يصدر منهم ذنب أو أي عمل يبيح لعائشة وجيشها سفك تلك الدماء البريئة. ولو أحببتم الاطلاع على تفصيل تلك الأعمال البشعة فراجعوا تاريخ ابن الأثير ، والمسعودي ، وتاريخ الطبري ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد(١) .
__________________
(١) أنقل للقارىء الكريم بعض ما نقله ابن قتيبة وهو من أعلام القرن الثالث الهجر ، ومتوفى سنة ٢٧٠ هجرية ، قال في كتابه الإمامة والسياسة ٦١ ـ ٦٣ / ط مطبعة الأمة بمصر سنة ١٣٢٨ هجرية :
«دخول طلحة والزبير وعائشة البصرة»
قال [وذكروا أنّه لما نزل طلحة والزبير وعائشة البصرة اصطف لها الناس في الطريق يقولون : يا أم المؤمنين ما الذي أخرجك من بيتك؟!
فلما أكثروا عليها ، تكلمت بلسان طلق وكانت من أبلغ الناس : فحمدت الله وأثنت عليه ، ثم قالت : أيها الناس! والله ما بلغ من ذنب عثمان أن يستحلّ دمه ، ولقد قتل مظلوما!!
غضبنا لكم من السوط والعصا ، ولا نغضب لعثمان من القتل؟ وإنّ من الرأي أن تنظروا إلى قتلة عثمان فيقتلوا به ، ثم يردّ هذا الأمر شورى على ما جعله عمر بن الخطاب.
__________________
فمن قائل يقول : صدقت ، وآخر يقول : كذبت ، فلم يبرح الناس يقولون ذلك حتى ضرب بعضهم وجوه بعض ، فبينما هم كذلك ، أتاهم رجل من أشراف البصرة بكتاب كان كتبه طلحة في التأليب على قتل عثمان ، فقال الرجل لطلحة : هل تعرف هذا الكتاب؟ قال : نعم ؛ قال : فما ردّك على ما كنت عليه؟! وكنت أمس تكتب إلينا تؤلّبنا على قتل عثمان ، وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه!!
وقد زعمتما ـ أي : طلحة والزبير ـ أنّ عليا دعاكما إلى أن تكون البيعة لكما قبله إذ كنتما أسنّ منه ، فأبيتما إلاّ أن تقدّماه لقرابته وسابقته ، فبايعتماه فكيف تنكثان بيعتكما بعد الذي عرض عليكما؟!
قال طلحة : دعانا إلى البيعة بعد أن اغتصبها وبايعه الناس ، فعلمنا حين عرض علينا أنّه غير فاعل ، ولو فعل أبى ذلك المهاجرون والأنصار ، وخفنا أن نردّ بيعته فنقتل ، فبايعناه كارهين ، قال : فما بدا لكما في عثمان؟ قال : ذكرنا ما كان من طعننا عليه وخذلاننا إيّاه ، فلم نجد من ذلك مخرجا إلاّ الطلب بدمه!!
قال : ما تأمراني به؟ قال : بايعنا على قتال عليّ ونقض بيعته!
قال : أرأيتما أن أتانا بعدكما من يدعونا إلى ما تدعون إليه ما نصنع؟
قالا : لا تبايعه! قال : ما أنصفتما ، أتأمراني أن أقاتل عليا وأنقض بيعته وهي في أعناقكما ، وتنهياني عن بيعة له عليكما؟ أما إنّنا فقد بايعنا عليّا ، فإن شئتما بايعناكما بيسار أيدينا!
قال : ثم تفرّق الناس فصارت فرقة مع عثمان بن حنيف ـ وهو عامل عليّ على البصرة ـ وفرقة مع طلحة والزبير.
ثم جاء جارية بن قدامة فقال : يا أم المؤمنين لقتل عثمان كان أهون علينا من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون ، انه كانت لك من الله تعالى حرمة وستر ، فهتكت سترك ، وأبحت حرمتك!! إنّه من رأى قتالك فقد رأى قتلك ، فإن
__________________
كنت يا أم المؤمنين أتيتينا طائعة ، فارجعي إلى منزلك ، وإن كنت أتيتينا مستكرهة فاستعتبي.
«قتل أصحاب عثمان بن حنيف عامل عليّ على البصرة»
قال : وذكروا أنّه لما اختلف القوم اصطلحوا على أنّ لعثمان بن حنيف دار الإمارة ومسجدها وبيت المال ، وأن ينزل أصحابه حيث شاءوا من البصرة.
وأن ينزل طلحة والزبير وأصحابهما حيث شاءوا ، حتى يقدم عليّ ، فإن اجتمعوا دخلوا فيما دخل فيه الناس ، وإن يتفرقوا ، يلحق كل قوم بأهوائهم ، عليهم بذلك عهد الله وميثاقه وذمّة نبيه (ص).
واشهدوا شهودا من الفريقين جميعا.
فانصرف عثمان فدخل دار الإمارة وأمر أصحابه أن يلحقوا بمنازلهم ويضعوا سلاحهم. وافترق الناس وكتموا ما في أنفسهم غير بني عبد القيس فإنهم أظهروا نصرة عليّ ، وكان حكيم بن جبل رئيسهم ، فاجتمعوا إليه فقال لهم : يا معشر عبد القيس! إنّ عثمان بن حنيف دمه مضمون ، وأمانته مؤداة ، وأيم الله لو لم يكن [بن حنيف] عليّ أميرا لمنعناه لمكانته من رسول الله (ص) فكيف له الولاية والجوار؟
فأشخصوا بأنصاركم وجاهدوا العدوّ ، فإمّا أن تموتوا كراما ، وإمّا أن تعيشوا أحرارا.
فمكث عثمان بن حنيف في الدار أياما ، ثم إنّ طلحة والزبير ومروان بن الحكم أتوه نصف الليل في جماعة معهم ، في ليلة مظلمة سوداء مطيرة ، وعثمان نائم فقتلوا أربعين رجلا من الحرس ، فخرج عثمان بن حنيف فشدّ عليه مروان فأسره وقتل أصحابه ، فأخذه مروان فنتف لحيته ورأسه وحاجبيه ، فنظر عثمان بن حنيف إلى مروان فقال : أما إنك إن فتني بها في الدنيا فلم تفتني بها في الآخرة.]
__________________
أقول : بعد ما قرأتم هذا الخبر المعتبر الذي جاء به أحد كبار علماء العامة ، أسألكم بالله أنصفوا! ما كان توجيه عمل طلحة والزبير أن نقضا العهد والميثاق!!
وهل الذين يزعمون أنهما من العشرة المبشرة ، يعذّر انهما بأن اجتهدا؟ أيكون الاجتهاد عذرا وجيها للذي يخالف نصّ كلام الله العزيز الحكيم؟! إذ يقول سبحانه وتعالى :( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ* وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) / النحل / ٩١ و ٩٢ ، ويقول سبحانه عز وجل في آية أخرى :
( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) / آل عمران : ٧٧ ، ويقول سبحانه وتعالى :
( وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) الأنعام : ١٥٢ ـ ١٥٣.
يا ترى هل الزبير وطلحة وعائشة وفوا بالعهد؟ أم هل اتبعوا الصراط المستقيم بخروجهم على أمير المؤمنينعليهالسلام ؟!
أما شقّوا عصى المسلمين ، وفرّقوا بينهم ، وألقوا العداء والبغضاء بينهم وأحدثوا في الإسلام ، وشبّوا نائرة* الحرب في المسلمين ، وسبّبوا الجدال والقتال ، وسفكوا الدماء المحرّمة ، وأزهقوا النفوس المؤمنة؟ وكأنّهم ما قرءوا كلام الله العزيز الحكيم إذ يقول : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ) النساء : ٩٣.
ولما جابهت عائشة جيش أمير المؤمنينعليهالسلام ، ركبت الجمل وحرّضت الناس الغافلين ، وألّبت الجاهلين والمنافقين لقتال إمام زمانها ، رغم مواعظهعليهالسلام ومواعظ ابن عباس وكبار الصحابة لها ولجيشها.
فأمّا الزبير امتنع من المقاتلة ، وترك المعركة إذ عرف الحق مع عليعليهالسلام ، ولكن عائشة أصرّت على غيّها واستكبرت عن قبول الحق(١)
__________________
فإذا كان هذا جزاء من قتل مؤمنا واحدا متعمّدا ، فكيف بمن قتل المؤمنين متعمدا أو أمر بقتل آلاف من المؤمنين؟!
فكّروا وأنصفوا ما لكم كيف تحكمون؟! «المترجم»
(١) قال ابن قتيبة في كتاب الامامة والسياسة : ٦٥ و ٦٦ :
وذكروا أن الزبير دخل على عائشة فقال : يا أماه ما شهدت موطنا قط في الشرك ولا في الإسلام إلاّ ولي فيه رأي وبصيرة ، غير هذا الموطن فإنّه لا رأي لي فيه ولا بصيرة ، وإنّي لعلى باطل! قالت عائشة : يا أبا عبد الله! خفت سيوف بني عبد المطلب؟! فقال : اما والله انّ سيوف بني عبد المطلب طوال حداد ، يحملها فتية أنجاد. ثم قال لابنه عبد الله : عليك بحربك ، أمّا أنا فراجع الى بيتي. فقال له ابنه عبد الله : الآن حين التقت حلقتا البطان واجتمعت الفئتان! والله لا نغسل رءوسنا منها!
فقال الزبير لابنه : لا تعدّ هذا منّي جبنا! فو الله ما فارقت أحدا في جاهلية ولا إسلام. قال : فما بردك؟
قال : بردني ما أن علمته كسرك. أقول : ألا تعجب من الزبير مع اعترافه أنّه على باطل ، يقول لابنه : عليك بحربك ولا ينهاه!!
حتى قتل عشرات المئات من المسلمين بسببها ثم انكسرت واندحرت ، فردّهاعليهالسلام إلى بيتها مكرّمة!
فضائل الامام عليعليهالسلام ومناقبه
روى أحمد بن حنبل في مسنده وابن أبي الحديد في شرح النهج
__________________
وفي الصواعق المحرقة / ٧١ ، ط الميمنية بمصر / قال ابن حجر [وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بوقعة الجمل وصفّين وقتال عائشة (رض) والزبير عليا ، كما أخرجه الحاكم وصحّحه البيهقي عن أم سلمة قالت : ذكر رسول الله (ص) خروج إحدى أمهات المؤمنين.
فضحكت عائشة (رض) فقال (ص) «انظري يا حميراء أن لا تكون أنت!»]
أقول : نعم نهاها رسول الله (ص) ولكنها خالفت وخرجت وقاتلت ، ولا غرو
فإنها خالفت ربها وخالقها في ذلك إذ يقول سبحانه وتعالى : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى ) سورة الأحزاب ، الآية ٣٣. وقال عزّ وجلّ : ( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) سورة الحشر ، الآية ٧.
والعجب من الذين يعظّمونها ، ويروون عنها ، ويبنون الأحكام على روايتها ، ويقولون : إنها كانت تحفظ أربعين ألف حديث. وقيل في ردّ هذا الكلام :
حفظت أربعين ألف حديث |
ومن الذكر آية تنساها!! |
وقال ابن حجر : وأخرج الحاكم وصححه البيهقي عن أبي الأسود قال [شهدت الزبير خرج يريد عليا ، فقال له عليّ : أنشدك الله هل سمعت رسول الله (ص) يقول : تقاتله وأنت له ظالم! فمضى الزبير منصرفا.]
وفي رواية أبي يعلى والبيهقي ، فقال الزبير : بلى ولكن نسيت!!
أقول : هكذا نسوا الحق ونصروا الباطل ، فهل هذا عذر مقبول؟! «المترجم»
والفخر الرازي في تفسيره الكبير والخطيب الخوارزمي في المناقب والشيخ سليمان القندوزي في ينابيع المودّة ، والعلاّمة محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / باب ٦٢ ، والمير سيد علي الهمداني الفقيه الشافعي في كتابه مودّة القربى / المودّة الخامسة ، روى بعضهم عن عمر بن الخطاب وبعضهم عن عبد الله بن عباس حبر الأمة ، إنّ النبي (ص) قال «لو أنّ البحر مداد ، والرياض أقلام ، والانس كتّاب ، والجنّ حسّاب ، ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب(١) ».
__________________
(١) هذا حديث نبوي شريف صدر من سيد البشر ، واشتهر وانتشر في كتب كثير من علماء السنّة وأعلام العامة ، ولم يصدر مثله في حق أي واحد من الصحابة ، وإنّما خصّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم علياعليهالسلام بهذا المعنى وكرره فيه بتعابير أخرى مثل قوله كما نقله المحب الطبري في الرياض النضرة : ج ٢ ص ٢١٤ وفي ذخائر العقبى : ص ٦١ عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله (ص) «ما اكتسب مكتسب مثل فضل عليّ يهدي صاحبه إلى الهدى ، ويرده عن الردى». أخرجه الطبراني.
ورواه عنه القندوزي في الينابيع / ٢٠٣ ، ط اسلامبول والعلاّمة الأمر تسري في أرجح المطالب / ٩٨ ط لاهور.
وفي مناقب الموفق بن أحمد الخوارزمي قال رسول الله (ص) لرهط من أصحابه :«إنّ الله تعالى جعل لأخي عليّ فضائل لا تحصى كثرة».
وقد صرّح جمع من أعلام العامّة : أنّه لم يذكر لأحد من الصحابة الكرام ما ذكر لأمير المؤمنين علي عليهالسلام ، منهم إمام الحنابلة أحمد بن حنبل ، نقل عنه ابن عبد البر في الاستيعاب : ج ٢ / ٤٧٩ ، طبع حيدرآباد سنة ١٣١٩ هجرية.
قال : قال أحمد بن حنبل وإسماعيل بن إسحاق القاضي [لم يرو في فضائل أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما روي في فضائل علي بن أبي طالب عليهالسلام ] وقال ابن حجر في الصواعق / ٧٢ ، ط الميمنية بمصر :
__________________
(الفصل الثاني : في فضائله «رضياللهعنه وكرّم الله وجهه») وهي كثيرة عظيمة شهيرة حتى قال أحمد [ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعليّ.]
وقال إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري [لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر ما جاء في عليّ ـ سلام الله عليه ـ.]
ونقله الثعلبي في تفسيره عن أحمد بن حنبل آخر الآية الكريمة : ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) ، وأخرجه الموفق بن أحمد الحنفي الخوارزمي في كتابه المناقب : ص ٢٠ ، وأخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك المطبوع في ذيل المستدرك : ج ٣ / ١٠٧.
وأخرج الحاكم في المستدرك : ج ٣ / ١٠٧ ، بسنده عن محمد بن منصور الطوسي يقول : سمعت أحمد بن حنبل يقول [ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله (ص) من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب ( رضياللهعنه )]. وروى عنه أيضا السيوطي ما بمعناه في تاريخ الخلفاء ج ١ / ٦٥ ، وأخرجه عنه أيضا الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه ينابيع المودّة / الباب الأربعون وخرّجه العلامة الكنجي الشافعي المتوفى سنة ٦٥٨ ، وهو الشهير بفقيه الحرمين ومفتي العراقين ، محدّث الشام وصدر الحفاظ ، قال في كتابه كفاية الطالب في مناقب مولانا علي بن أبي طالب / الباب الثاني والستون / صفحة ١٢٤ ، طبع الغري : ويدلّك على ذلك ـ أي كثرة فضائله عليهالسلام ـ ما رويناه عن إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل وهو أعرف أصحاب أهل الحديث في علم الحديث : قريع قران أقرانه ، وإمام زمانه ، والمقتدى به في هذا الفن في إبانه ، والفارس الذي نكب فرسان الحفاظ في ميدانه ، وروايته مقبولة وعلى كاهل التصديق محمولة ، ولا يتّهم في دينه ، فجاءت روايته فيه كعمود الصباح ولا يمكن ستره بالراح ، وهو ما أخبرنا العلامة مفتى الشام أبو نصر محمد
__________________
ذكر إسناده إلى محمد بن منصور الطوسي يقول : سمعت الإمام أحمد بن حنبل يقول [ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله (ص) ما جاء لعلي بن أبي طالب.]
ثم قال الكنجي : وقال الحافظ البيهقي : وهو ـ أي علي عليهالسلام ـ أهل كل فضيلة ومنقبة ومستحق لكل سابقة ومرتبة ولم يكن أحد في وقته أحق بالخلافة منه.
قال الكنجي : هكذا أخرجه الحافظ الدمشقي في ترجمته عليهالسلام من التاريخ.
وقال سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص / ٢٣ ، ط مؤسسة أهل البيت بيروت : الباب الثاني في ذكر فضائله عليهالسلام [وهي أشهر من الشمس والقمر ، وأكثر من الحصى والمدر ، وقد اخترت منها ما ثبت واشتهر.] ثم يستدل على كثرة فضائله عليهالسلام برواية ابن عباس رضياللهعنه [لو أنّ الشجر أقلام والبحور مداد والإنس والجن كتّاب وحسّاب ، ما أحصوا فضائل أمير المؤمنين علي عليهالسلام .]
واعلم! أنّ هذا الحديث الشريف خرّجه جمع من أعلام العامّة في كتبهم منهم : الموفق بن أحمد الخوارزمي وهو من أعلام القرن السادس الهجري ومتوفى سنة ٥٦٨ هجرية ، خرّج الحديث عن مجاهد عن ابن عباس ، في المناقب / ١٨ و ٢٢٩ ، ط تبريز قال : قال رسول الله (ص) [لو أنّ الغياض أقلام ، والبحر مداد ، والجنّ حسّاب ، والإنس كتّاب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب.]
وخرّجه شيخ الاسلام الحمويني أيضا في كتابه فرائد السمطين وخرّجه الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني في كتابه لسان الميزان : ج ٥ / ٦٢ ، ط حيدرآباد ، وخرّجه العلاّمة جمال الدين عطاء الله الهروي في الأربعين حديثا.
أقول : وقال القندوزي في ينابيع المودة / أواخر الباب الأربعين : وفي المناقب ـ أي مناقب أحمد بن حنبل ـ عن أبي الطفيل قال : قال بعض الصحابة [لقد كان لعليّ من السوابق ما لو قسمت سابقة منها بين الناس لوسعتهم خيرا.]
__________________
واستمع إلى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٩ / ١١٦ ، ط دار احياء التراث العربي بيروت / لما يريد أن يذكر بعض فضائلهعليهالسلام يقول [واعلم أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام لو فخر بنفسه وبالغ في تعديد مناقبه وفضائله بفصاحته التي آتاه الله تعالى إيّاها واختصه بها ، وساعده على ذلك فصحاء العرب كافّة ، لم يبلغوا الى معشار ما نطق به الرسول الصادق صلوات الله عليه في أمره وبعد ما ينتهي من نقل الأخبار والأحاديث الناطقة بفضائله ومناقبه يقول : واعلم أنّا إنما ذكرنا هذه الأخبار هاهنا ، لأنّ كثيرا من المنحرفين عنه ٧ إذا مرّوا على كلامه في نهج البلاغة وغيره المتضمّن التحدث بنعمة الله عليه من اختصاص الرسول له (ص) وتمييزه إيّاه عن غيره ، ينسبونه إلى التيه والزهو والفخر ، ولقد سبقهم بذلك قوم من الصحابة ، قيل لعمر : ولّ عليا أمر الجيش والحرب ، فقال : هو أتيه من ذلك! وقال زيد بن ثابت : ما رأينا أزهى من عليّ وأسامة.
فأردنا بايراد هذه الأخبار هاهنا عند تفسير قوله : «نحن الشعار والأصحاب ، ونحن الخزنة والأبواب» ، أن ننبّه على عظم منزلته عند الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّ من قيل في حقه ما قيل لو رقى إلى السماء وعرج في الهواء وفخر على الملائكة والأنبياء ، تعظما وتبجّحا ؛ لم يكن ملوما ، بل كان بذلك جديرا ، فكيف وهو عليهالسلام لم يسلك قطّ مسلك التعظم والتكبّر في شيء من أقواله ولا من أفعاله ، وكان ألطف البشر خلقا ، وأكرمهم طبعا ، وأشدهم تواضعا ، وأكثرهم احتمالا ، وأحسنهم بشرا ، وأطلقهم وجها ، حتى نسبه من نسبه إلى الدّعابة والمزاح ، وهما خلقان ينافيان التكبّر والاستطالة ، وإنما كان يذكر أحيانا ما يذكره من هذا النوع نفثة مصدور ، وشكوى مكروب ، وتنفّس مهموم ، ولا يقصد به اذا ذكره إلاّ شكر النعمة ، وتنبيه الغافل على ما خصّه الله به من الفضيلة ، فانّ ذلك من باب الأمر بالمعروف والحضّ على اعتقاد الحق والصواب في أمره ، والنهي عن المنكر الذي هو تقديم غيره عليه
__________________
في الفضل ، فقد نهى الله سبحانه عن ذلك فقال :( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) ، يونس : ٣٥] انتهى كلامه.
أقول : إذا كان تقديم غيره عليه عليهالسلام منكرا بدليل الآية الكريمة ، فكيف تقول في مقدّمة شرح النهج : الحمد لله الذي قدّم المفضول على الأفضل؟! أي قدّم أبا بكر على الإمام علي عليهالسلام ـ وهل الباري عزّ وجلّ يعمل منكرا؟! حاشاه ثم حاشاه ، أم هل ينقض قوله بفعله؟! كلاّ وألف كلاّ ، فإنّ الله تبارك وتعالى ما قدّم المفضول على الأفضل ، بل أمر عباده بمتابعة الأفضل بحكم العقل وصرّح بذلك في قوله الحكيم : ( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى ) ثم عاتبهم على سوء اختيارهم وحكمهم قائلا : ( فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) ؟!
فأقول لابن أبي الحديد ومن حذا حذوه وسلك مذهبه :
إنّ تقديم المفضول على الأفضل ما كان فعل الله عزّ وجلّ ، بل هو من تسويلات نفوس المنافقين ومن عمل الشيطان الذي ضلّ وأضلّ نعوذ بالله ربّ العباد من التعصّب والعناد ومن توجيه الضلالة والشقاوة والفساد.
فبالبيان الفصيح ، واعتراف وتصريح المؤالف والمخالف بأنّ الإمام عليّا عليهالسلام سبق الآخرين بفضائله ومناقبه ، فلا يضاهيه أحد من المسلمين ، ولا يلحقه أحد من المؤمنين.
وفي ختام التعليق أنقل أبيات من الشاعر الأديب العبقري ، عبد الباقي العمري يخاطب أمير المؤمنين عليهالسلام قائلا :
أنت العليّ الذي فوق العلى رفعا |
ببطن مكة وسط البيت إذ وضعا |
|
وأنت نقطة باء مع توحّدها |
بها جميع الذي في الذّكر قد جمعا |
الى أن يقول :
ما فرّق الله شيئا في خليقته |
من الفضائل إلاّ عندك اجتمعا |
«المترجم»
وأخرج ابن أبي الحديد في شرح النهج ج ٩ / ١٦٨ / ط دار إحياء التراث العربي : عن أبي نعيم الحافظ في حلية الأولياء عن أبي برزة الأسلمي ، ثم رواه بإسناد آخر بلفظ آخر عن أنس بن مالك عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم «أنّ رب العالمين عهد في عليّ إليّ عهدا ، أنّه : راية الهدى ، ومنار الإيمان ، وإمام أوليائي ، ونور جميع من أطاعني. إنّ عليا أميني غدا في القيامة ، وصاحب رايتي ، بيد عليّ مفاتيح خزائن رحمة ربي(١) ».
وقد تكرّر من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مرارا عديدة أنّه شبّه علياعليهالسلام بالأنبياء ، وروى ألفاظه أكثر أعلامكم ومحدثيكم في كتبهم ، منها : رواية ابن أبي الحديد في شرح النهج في نفس الصفحة قال : عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم «من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه ، وإلى آدم في علمه ، وإلى ابراهيم في حلمه ، وإلى موسى في فطنته ، وإلى عيسى في زهده ، فلينظر الى علي ابن أبي طالب». قال : رواه أحمد بن حنبل في المسند ورواه البيهقي في صحيحه.
وأخرج ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٩ صفحة ١٧١ / عن النبي (ص) «كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عزّ وجلّ قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلمّا خلق آدم قسّم ذلك فيه وجعله جزءين ، فجزء أنا ، وجزء علي».
قال : رواه أحمد في المسند وفي كتاب فضائل عليعليهالسلام ، وذكره
__________________
(١) ورواه العلاّمة الكنجي في كفاية الطالب / الباب السادس والخمسون بإسناده الى أنس بن مالك أنه قال : بعثني النبي (ص) إلى أبي برزة فقال له وأنا أسمع ثم ذكر الحديث بتمامه.
«المترجم»
صاحب كتاب الفردوس وزاد فيه «ثم انتقلنا حتى صرنا في عبد المطلب ، فكان لي النبوّة ولعليّ الوصيّة».
وأخرج جمع من أعلامكم ومحدثيكم منهم أبو نعيم الحافظ في كتابه «حلية الأولياء» ونقل عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٩ / ١٧٣ ، قال رسول الله (ص) «أخصمك يا عليّ بالنبوّة! فلا نبوّة بعدي ـ أي أغلبك ـ ، وتخصم الناس بسبع لا يجاحد فيها أحد من قريش : أنت أولهم إيمانا بالله ، وأوفاهم بعهد الله ، وأقومهم بأمر الله ، وأقسمهم بالسويّة ، وأعدلهم في الرعيّة ، وأبصرهم بالقضيّة ، وأعظمهم عند الله مزيّة».
وذكر ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة / ١٢٤ / نقلا عن عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي في كتاب معالم العترة النبويّة ، روى عن فاطمة الزهراءعليهاالسلام أنها قالت «خرج علينا أبي رسول الله (ص) عشية عرفة فقال : إنّ الله عزّ وجلّ باهى بكم الملائكة عامّة ، وغفر لكم عامّة ، ولعليّ خاصّة ، وإنّي رسول الله غير محاب لقرابتي ، إنّ السعيد كلّ السعيد من أحبّ عليا في حياته وبعد موته ، وإنّ الشقيّ من أبغض عليا في حياته وبعد مماته(١) ».
__________________
(١) واخرجه ابن أبي الحديد في شرح النهج ج ٩ / ١٦٩ ، قال : خرج النبي (ص) على الحجيج عشية عرفة فقال لهم : إنّ الله قد باهى بكم الملائكة عامّة ، وغفر لكم عامّة ، وباهى بعليّ خاصّة وغفر له خاصّة ، إنّي قائل لكم قولا غير محاب فيه لقرابتي ، انّ السعيد كلّ السعيد حقّ السعيد من أحبّ عليا في حياته وبعد موته.
قال : رواه أحمد بن حنبل في كتاب فضائل عليّ عليهالسلام ، وفي المسند أيضا.
«المترجم»
وخبر آخر رواه جمع من أعلام محدثيكم في مسانيدهم وصحاحهم عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال لعليعليهالسلام «كذب من زعم أنّه يحبني وهو مبغضك ، يا عليّ! من أحبك فقد أحبّني ، ومن أحبّني أحبّه الله ، ومن أحبّه الله أدخله الجنة ، ومن أبغضك فقد أبغضني ، ومن أبغضني أبغضه الله وأدخله النار(١) ».
__________________
(١) لقد أعلن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم تكرارا ومرارا بأنه «كذب من زعم أنه يحبني وهو يبغض عليا». قاله بعبارات وألفاظ مختلفة والمعنى واحد ، فقد روى ابن المغازلي في مناقبه بإسناد يرفعه إلى أنس بن مالك قال النبي (ص) لعلي «كذب من زعم أنه يبغضك ويحبّني». وروى ابن حسنويه في در بحر المناقب عن أحمد بن مظفر بسنده عن أنس ، بعين ما تقدّم.
وروى شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين بسنده عن عبد الملك بن عمير عن أنس : يا علي من زعم أنه يحبني ويبغضك فهو كاذب.
والعلاّمة الذهبي في ميزان الاعتدال : ج ١ / ٢٥١ ، ط القاهرة / روى عن عبد الملك عن أن : «يا علي! كذب من زعم أنه يحبني ويبغضك». وفي ج ٢ / ٣١٣ بنفس الإسناد «من زعم أنّه يحبني وأبغض عليا فقد كذب».
وابن حجر الهيثمي في لسان الميزان : ج ٢ / ٢٨٥ ، ط حيدرآباد رواه كما في ميزان الاعتدال سندا ومتنا. وروى العلاّمة الكنجي في كفاية الطالب / الباب الثامن والثمانون / بإسناده إلى أم سلمة قالت : دخل علي بن أبي طالب على النبي (ص) فقال النبي (ص) : كذب من زعم أنه يحبني ويبغض هذا». قال : هذا حديث حسن عال رواه التكريتي في «مناقب الأشراف» وابن كثير في البداية والنهاية : ج ٧ / ٣٥٤ ، ط مصر عن أم سلمة : انّ رسول الله (ص) قال لعلي «كذب من زعم أنه يحبني ويبغضك». ورواه أيضا بنفس اللفظ عن أبي سعيد عن النبي (ص).
والخطيب موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب : ٤٥ ، ط تبريز / روى بسنده المتصل إلى عبد الله بن مسعود أنه قال : سمعت رسول الله (ص) يقول «من زعم أنّه
__________________
آمن بي وبما جئت به وهو يبغض عليا فهو كاذب ليس بمؤمن». ورواه ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية : ج ٧ / ٣٥٤ ، عن طريق آخر عن ابن مسعود ، ورواه أيضا العلاّمة الأمر تسري في أرجح المطالب / ٥١٩ ، ط لاهور / عن ابن مسعود.
وأخرج ابن كثير أيضا في البداية والنهاية : ج ٧ / ٣٥٤ ، ط مصر / عن جابر أن رسول الله (ص) قال لعلي «كذب من زعم أنّه يحبني ويبغضك». وابن المغازلي في المناقب / حديث رقم / ٢٣٣ بسنده عن سلمان قال : قال رسول الله (ص) لعلي :«يا عليّ محبك محبي ومبغضك مبغضي».
وفي حديث رقم ٣٠٩ روى بسنده عن نافع مولى ابن عمر عنه عن رسول الله (ص) قال لعلي (ع) : «وأنت وارثي ووصيي ، تقضي ديني وتنجز عداتي وتقتل على سنّتي ، كذب من زعم أنّه يبغضك ويحبّني». وفي حديث رقم ٢٧٧ روى ابن المغازلي بسنده عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله (ص) «اوصي من آمن بي وصدّقني بولاية عليّ بن أبي طالب فمن تولاّه فقد تولاّني ، ومن تولاّني فقد تولّى الله ، ومن أحبّه فقد أحبّني ومن أحبّني فقد أحبّ الله ، ومن أبغضه فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله عزّ وجلّ».
وأخرجه المتقي حسام الدين في كنز العمال : ج ٦ / ١٥٤ ، وقال : رواه الطبراني في المعجم الكبير ، وذكره في منتخبه أيضا : ج ٥ / ٣٢ ، وقال : رواه الطبراني وابن عساكر ، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٠٨.
وفي فرائد السمطين أخرج الحمويني حديثا مسندا إلى ابن عباس وفيه «كذب من زعم أنّه يحبني ويبغضك» والخطاب إلى علي عليهالسلام من النبي (ص).
وفي أرجح المطالب ٤٤٦ / ، ط لاهور ، أخرج حديثا عن طريق الحسن بن بدر ، والحاكم ، وابن النجّار ، والمتقي في كنز العمال ، وابن السمّان في الموافقة ، والمحب الطبري ، عن ابن عباس وفيه «وكذب عليّ من زعم أنّه يحبني ويبغضك».
هذه الأحاديث الشريفة وعشرات بل مئات من مثلها مسجّلة وثابتة في مسانيد علمائكم وأعلام محدثيكم وقد زيّنوا بها تصانيفهم وكتبهم ، وحتى المتعصبين منهم لم يروا بدّا من ذكرها وإخراجها ، أمثال القوشجي وابن حجر المكي وروزبهان وغيرهم.
ورغم المحاولات الشيطانية التي حاولها أعداء الإمام عليعليهالسلام ، والأساليب العدوانية التي استعملها معاوية وحزبه المنحرفون الظالمون لإخفاء مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام وفضائله ، والمنع من نشرها وروايتها. مع كل ذلك فقد انتشرت في الأقطار وتناقلتها علماء الأمصار حتى ملئت منها الكتب والأسفار ، ولكي تطّلعوا على بعض تلك الأخبار ، فراجعوا الصحاح الستة ، وخصائص مولانا علي ابن أبي طالب للنسائي ، وينابيع المودّة للقندوزي ، ومودّة القربى
__________________
وفي لسان الميزان : ج ٤ / ٣٩٩ ، ط ، حيدرآباد / أخرج العسقلاني عن الإمام عليعليهالسلام عن رسول الله (ص) قال «من زعم أنّه يحبّني وأبغض عليا فقد كذب».
وفي أرجح المطالب ٥١٨ / ط لاهور / عن العباس بن عبد المطلب قال : سمعت عمر ابن الخطاب ، وقد سمع رجلا يسبّ عليا ، فقال : كفّوا عن ذكر عليّ إلاّ بخير ، فإنّي سمعت رسول الله (ص) يقول «في عليّ ثلاث خصال كذب من زعم أنه يحبني وهو يبغضك ، يا عليّ! من أحبّك فقد أحبّني ، ومن أحبّني فقد أحبّ الله تعالى ، ومن أحبّه الله تعالى أدخله الجنة ، ومن أبغضك فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغضه الله تعالى ، ومن أبغضه الله تعالى أدخله النار». أخرجه الخوارزمي.
واعلم أيها القارئ الكريم! أنّ الروايات الواردة بهذا المعنى أكثر مما ذكرنا بحيث يحصل منها علم اليقين لمن يطلب الحق ويكون من المنصفين.
«المترجم»
للهمداني ، والمعجم للطبراني ، ومطالب السئول لمحمد بن طلحة القرشي العدوي ، ومسند الامام احمد ومناقبه ، ومناقب الخطيب الخوارزمي ، ومناقب الفقيه الشافعي ابن المغازلي الواسطي ، وكفاية الطالب في مناقب مولانا علي بن أبي طالب للعلاّمة صدر الحفاظ الكنجي الشافعي ، وفرائد السمطين لشيخ الإسلام الحمويني ، والرياض النضرة وذخائر العقبى لمحب الدين الطبري ، والإتحاف بحب الأشراف للشبراوي ، والمستدرك للحاكم النيسابوري ، وتاريخ ابن عساكر / قسم ترجمة الإمام عليعليهالسلام ، وعشرات الكتب غير ما ذكرنا ، وكلها من أعلامكم ومشاهير محدثيكم(١) .
__________________
(١) لقد ذكر المؤلف الخبير : أنّ معاوية استعمل اساليب عدوانية للمنع من رواية فضائل الإمام عليعليهالسلام ونشرها وهذا أمر مشتهر لا ينكر ولكي يطمئن القارئ النبيل ، ويتلقى الخبر مع شاهد ودليل ، أروي لكم ما نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج :ج ١١ / ٤٤ ـ ٤٦ ، ط دار إحياء التراث العربي / قال [وروى علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب «الاحداث» قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة : أن برئت الذمّة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته ، فقامت الخطباء في كل كورة ، وعلى كلّ منبر يلعنون عليا ، ويبرءون منه ، ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان أشدّ الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة ، لكثرة من بها من شيعة عليعليهالسلام ، فاستعمل عليهم زياد بن سميّة وضمّ إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف ـ لأنّه كان منهم أيام عليّ ٧ ـ فقتلهم تحت كل حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشرّدهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم ، وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الآفاق : ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة ، وكتب إليهم ، أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته ، والذين يروون
__________________
فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم ، وقرّبوهم وأكرموهم ، واكتبوا لي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم ، واسمه واسم أبيه وعشيرته.
ففعلوا ذلك ، حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه ، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصّلات والكساء والحباء والقطائع ، ويفيضه في العرب منهم والموالي ، فكثر ذلك في كل مصر ، وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية ، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ كتب اسمه وقرّبه وشفّعه ، فلبثوا بذلك حينا.
ثم كتب إلى عماله : أنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر ، وفي كل وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإنّ هذا أحبّ إليّ وأقرّ لعيني ، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته ، وأشد إليهم من مناقب عثمان وفضله!!
فقرأت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، وألقي إلى معلّمي الكتاتيب ، فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع ، حتى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن ، وحتى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء الله.
ثم كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحب عليا وأهل بيته ، فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه ، وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم ، فنكّلوا به ، واهدموا داره!!
فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة ، حتى إنّ الرجل من شيعة علي عليهالسلام ليأتيه من يثق به ، فيدخل بيته ، فيلقي إليه سرّه ، ويخاف من خادمه ومملوكه ، ولا يحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ، ليكتمنّ عليه.
__________________
فظهر حديث كثير موضوع ، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك بليّة القرّاء المراءون ، والمستضعفون ، الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ، ويقربوا مجالسهم ، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل ، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان ، فقبلوها ورووها ، وهم يظنّون أنّها حقّ ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ولا تديّنوا بها.
قال ابن أبي الحديد : وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه ـ وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم ـ في تاريخه ما يناسب هذا الخبر ، وقال : إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيّام بني أميّة ، تقرّبا إليهم بما يظنّون أنّهم يرغمون به أنوف بني هاشم.]
وجاء في الصواعق المحرقة / ٧٦ ، ط الميمنية بمصر / قال : وأخرج ابن عساكر
وقال عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة [كان لعليّ ما شئت من ضرس قاطع في العلم ، وكان له القدم في الإسلام ، والصهر برسول الله (ص) ، والفقه في السنّة ، والنجدة في الحرب ، والجود في المال قال ابن حجر : وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : ما أنزل الله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ وعليّ أميرها وشريفها. ولقد عاتب الله أصحاب محمّد (ص) في غير مكان وما ذكر عليا إلاّ بخير ، قال : وأخرج ابن عساكر عنه ـ أي عن ابن عباس ـ قال : ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في عليّ عليهالسلام . وأخرج عنه أيضا قال : نزل في عليّ ثلاثمائة آية. قال : وأخرج الطبراني عنه ـ أي عن ابن عباس ـ قال : كانت لعليّ ثمانية عشر منقبة ما كانت لأحد من هذه الأمة.
قال ابن حجر : ولما دخل [الامام علي عليهالسلام ] الكوفة ، دخل عليه حكيم من العرب فقال : والله يا أمير المؤمنين لقد زيّنت الخلافة وما زيّنتك ، ورفعتها وما رفعتك وهي
عليعليهالسلام خير البرية والبشر ومن أبي فقد كفر
وفي كتاب كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام الباب الثاني والستون / ١١٨ ـ ١٩٩ / ط الغري سنة ١٣٥٦ هجرية للعلاّمة إمام الحرمين ومفتي العراقيين محدّث الشام وصدر الحفاظ أبي عبد الله محمد بن يوسف بن محمد القرشي الكنجي الشافعي المتوفى سنة ٦٥٨ هجرية ، أخرج بسنده المعنعن المتصل بجابر ابن عبد الله الأنصاري أنه قال : كنا عند النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) فأقبل علي بن أبي طالب ، فقال النبي (ص) «قد اتاكم اخي ثم التفت الى الكعبة فضربها بيده ثم قال : والذي نفسي بيده إنّ هذا
__________________
كانت أحوج إليك منك إليها.]
قال : وأخرج السّلفي في الطيوريات عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال [سألت أبي عن عليّ ومعاوية؟ فقال : اعلم أنّ عليا كان كثير الأعداء. ففتّش له أعداؤه شيئا فلم يجدوه. فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله ـ وهو معاوية ـ فأطروه كيدا منهم له!!]
ونعم ما قال المرحوم العلاّمة الكبير والأديب النحرير والشاعر الشهير المرحوم السيد رضا الهندي في القصيدة الكوثرية :
[قاسوك ـ أبا حسن ـ بسواك |
وهل بالطّود يقاس الذّر |
|
أنّى ساووك بمن ناووك |
وهل ساووا نعلي قنبر!!] |
نعم والله
(فأين الحصى من نجوم السماء |
وأين معاوية من عليّ؟) |
وشيعته هم الفائزون يوم القيامة. ثم إنّه أولكم إيمانا ، وأوفاكم بعهد الله ، وأقومكم بأمر الله ، وأعدلكم في الرعيّة وأقسمكم بالسويّة وأعظمكم عند الله مزيّة».
قال : ونزلت( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (١) .
__________________
أقول : ورأيت في بعض الكتب ، أنّه قيل للخليل النحوي : ما رأيك في علي بن أبي طالب عليهالسلام؟
فقال «ما أقول في حق رجل أخفى الأحباء فضائله من خوف الأعداء ، وسعى أعداؤه في إخفائها من الحسد والبغضاء ، وظهر من فضائله مع ذلك كله ما ملأ المشرق والمغرب.]
وفي أمالي الشيخ الطوسي (قدسسره ) :
... قال : حدثني يونس بن حبيب النحوي ـ وكان عثمانيّا ـ قال [قلت للخليل بن أحمد : أريد أن أسألك عن مسألة ، فتكتمها عليّ؟
قال [الخليل] : إنّ قولك يدل على أنّ الجواب أغلظ من السؤال ، فتكتمه أنت أيضا؟ قال : قلت : نعم ، أيام حياتك. قال : سل!
قال : قلت : ما بال أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كأنهم بنو أمّ واحدة وعليّ بن أبي طالب من بينهم كأنه ابن علّة؟ [أي الضّرة].
قال : من أين لك هذا السؤال؟
قال : قلت : وعدتني الجواب.
قال : وقد ضمنت الكتمان.
قال : قلت : أيام حياتك.
فقال [الخليل] : إن عليا عليهالسلام تقدّمهم إسلاما ، وفاقهم علما ، وبذّهم شرفا ، ورجحهم زهدا ، وطالهم جهادا. فحسدوه ، والناس إلى أشكالهم وأشباههم أميل منهم إلى من بان منهم ، فاقهم]. ـ انتهى ـ. «المترجم»
(١) سورة البيّنة ، الآية ٧.
قال : وكان أصحاب محمّد (ص) إذا أقبل عليّعليهالسلام قالوا : قد جاء خير البريّة.
ثم قال العلاّمة الكنجي : هكذا رواه محدث الشام في كتابه ـ تاريخ ابن عساكر ـ بطرق شتّى ، وذكرها محدث العراق ومؤرّخها ـ وأظنه يقصد الخطيب البغدادي صاحب تاريخ بغداد ـ رواها عن زر عن عبد الله عن عليّ قال : قال رسول الله (ص) «من لم يقل علي خير الناس فقد كفر».
وفي رواية له عن حذيفة قال : سمعت النبي (ص) يقول «علي خير البشر ، من أبى فقد كفر». هكذا رواه الحافظ الدمشقي في كتاب التاريخ عن الخطيب الحافظ ، وزاد في رواية له عن جابر قال : قال رسول الله (ص) «علي خير البشر فمن أبى فقد كفر». وفي رواية محدث الشام عن سالم عن جابر ، قال : سئل عن عليّعليهالسلام ؟ فقال : [ذاك خير البريّة لا يبغضه إلاّ كافر] وفي رواية لعائشة عن عطا قال : سألت عائشة عن عليّ؟ فقالت [ذاك خير البشر لا يشك فيه إلاّ كافر].
قال العلامة الكنجي : هكذا ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة عليّعليهالسلام في تاريخه في المجلد الخمسين ، لأنّ كتابه مائة مجلّد فذكر منها ثلاث مجلّدات في مناقبه(١) عليهالسلام . «انتهى كلامه».
__________________
(١) لم ينفرد العلاّمة الكنجي الشافعي بهذا الإخراج والبيان ، وإنما أخرج جمع كثير من أعيان العلماء وأعلام المحدثين والمفسرين.
أما بالنسبة إلى الآية الكريمة وأنّ المقصود من ( أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) البينة : ٧ ، فقد قالوا : هم عليّ وشيعته ومحبوه. هكذا رواه سبط ابن الجوزي في كتاب تذكرة
__________________
الخواص / ٢٧ ط مؤسسة أهل البيت بيروت ، عن مجاهد. وروى آخرون بطرق شتّى عن النبي (ص) أنه قال «عليّ وشيعته خير البرية». أو أنه (ص) خاطب عليّا فقال «أنت وشيعتك خير البرية». أو بعبارات اخرى رواها القوم منهم : موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب ، والحاكم أبو إسحاق الحسكاني في شواهد التنزيل ، والعلاّمة الطبري في تفسيره : ج ٣ / ١٤٦ ، ط الميمنية بمصر ، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمة / ١٥٠ ، وجلال الدين السيوطي في تفسيره المسمّى بالدر المنثور : ج ٦ / ٣٧٩ ط مصر ، والصواعق المحرقة / ٩٦ ، ط الميمنية بمصر / الآية الحادية عشر / ، والكشفي الترمذي في المناقب المرتضوية / ٤٧ ط بمبئي ، والعلاّمة الشوكاني في فتح القدير : ج ٥ / ٤٦٤ ط مصطفى الحلبي بمصر ، والعلاّمة الآلوسي في تفسيره روح المعاني : ج ٣٠ / ٢٠٧ / ط المنيرية بمصر ، والعلاّمة الشبلنجي في نور الابصار ، والقندوزي في ينابيع المودّة / ٣٦١ طبع المكتبة الحيدريّة.
وأمّا الحديث الذي انتشر وصدر عن لسان محمد (ص) سيد البشر ، واشتهر بين المحدثين واصحاب الرواية والخبر «علي خير البشر فمن ابى فقد كفر». فقد أخرجه جمع من أعلام أهل السنة وعلماء العامّة منهم : ابن مردويه في كتابه المناقب بسند يرفعه إلى حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله (ص) «عليّ خير البشر فمن أبى فقد كفر». وأخرج الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد : ج ٧ / ٤٢١ ، ط السعادة بمصر / بإسناده إلى جابر قال : قال رسول الله (ص) «عليّ خير البشر فمن امترى فقد كفر». وأخرجه أيضا الحافظ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب : ج ٩ / ٤١٩ ط حيدرآباد وروى الحمويني في فرائد السمطين بإسناده إلى عبد الله بن علي بن ضيغم عن النبي (ص) «من لم يقل عليّ خير البشر فقد كفر».
وأخرج الفخر الرازي في «نهاية العقول في دراية الأصول» عن ابن مسعود عن
__________________
رسول الله (ص) «عليّ خير البشر ، من أبى فقد كفر».
وأخرج المتقي حسام الدين الهندي في كنز العمال : ج ٦ / ١٥٦ ط حيدرآباد عن ابن عباس عن النبي (ص) «علي خير البشر». وفيها أيضا «علي خير البشر ، من شكّ فيه كفر». وفي كنز العمال المطبوع بهامش المسند : ج ٥ / ٣٥ ط حيدرآباد : «علي خبر البشر فمن أبى فقد كفر». قال رواه عن جابر ، وروى عن الخطيب عن ابن عباس : من لم يقل : «عليّ خير الناس فقد كفر».
وفي كنوز الحقائق للمناوي / ٩٨ ط بولاق بمصر / عن النبي (ص) «عليّ خير البشر ، من شك فيه كفر». وفيها «عليّ خير البشر فمن أبى فقد كفر».
والهمداني الشافعي في مودة القربى / المودّة الثالثة : عن جابر عن النبي (ص) «عليّ خير البشر ، من شك فيه فقد كفر». وعن حذيفة «عليّ خير البشر ومن أبى فقد كفر».
واعلم أنّ عليا عليهالسلام خير البشر بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
فقد روي عنه عليهالسلام «أنا عبد من عبيد محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم ».
وقد روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم معنى علي خير البشر بتعبير آخر :
ففي لسان الميزان : ج ٦ / ٧٨ ط حيدرآباد / روى العسقلاني عن أبي بكر قال : سمعت رسول الله (ص) يقول «عليّ خير من طلعت عليه الشمس وغربت بعدي».
وفي رواية : «علي خير من يمشي على الأرض بعدي». وفي مناقب الموفق بن أحمد الخوارزمي / ٦٧ ط تبريز / بإسناده عن سلمان عن النبي (ص) «أنّ أخي ووزيري وخير من أخلفه بعدي علي بن أبي طالب عليهالسلام ». وفي نظم درر السمطين للعلامة الزرندي الحنفي / ٩٨ ط مطبعة القضاء / عن النبي (ص) «عليّ يقضي ديني ، وينجز موعدي ، وخير من أخلف بعدي من أهلي». وفي كتاب المواقف : ج ٢ / ٦١٥ ط الآستانة / تأليف القاضي عضد الدين : روى عن النبي (ص) «أخي ووزيري وخير
حبّ عليّ إيمان وبغضه كفر ونفاق
وذكر ابن الصبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة نقلا عن كتاب «الآل» لابن خالويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) قال لعليّ : حبّك إيمان وبغضك نفاق وأول من يدخل الجنة محبّك وأول من يدخل النار مبغضك.
وروى العلاّمة الهمداني في كتابه مودّة القربى / المودّة الثالثة ، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين ، عن رسول الله (ص) قال : لا يحب عليا إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ كافر. وفي رواية اخرى
__________________
من أتركه بعدي علي بن أبي طالب». وفي المناقب المرتضوية / ١١٧ ، ط بمبئي للكشفي الترمذي / روى عن النبي (ص) «أنّ أخي ووزيري وخليفتي في أهلي وخير من أترك بعدي علي بن أبي طالب». رواه عن أنس بن مالك ، وروى في صفحة ٩٦ رواية بالمعنى آخرها «وخير من أخلفت بعدي علي بن أبي طالب». وقال : إنه روي عن سلمان وأنس في كتاب هداية السعداء وقال : رواه أبو بكر بن مردويه في المناقب.
وفي مناقب الخوارزمي / ٦٦ ، ط تبريز ، وفي لسان الميزان : ج ١ / ١٧٥ ، ط حيدرآباد ، وفي فتح البيان للعلاّمة حسن خان الحنفي : ج ١٠ / ٣٢٣ ، ط مصر ، بإسنادهم إلى أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) «علي خير البرية». وبحكم الله وحكم العقل : خير البريّة لا يولّى أحد عليه ، وخير البشر هو وليّ البشر وإمامهم ما دام حيّا.
«المترجم»
خاطب عليّاعليهالسلام فقال «لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق(١) ».
__________________
(١) ورد هذا المعنى «حبّ عليّ إيمان وبغضه نفاق». بعبارات شتّى وعن طرق كثيرة أخرجها المحدثون الكرام والعلماء الأعلام من أهل السنّة في مسانيدهم وكتبهم منهم : الإمام أحمد في المسند : ج ٦ / ١٩٢ ط الميمنية بمصر ، عن أم سلمة سلام الله عليها ، والعلاّمة البيهقي في كتاب المحاسن والمساوي / ٤١ ، ط بيروت / عن أم سلمة أيضا ، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / ٣٥ ، ط مؤسسة أهل البيت بيروت / قال : وأخرج الترمذي عن أم سلمة عن النبي (ص) قال «لا يحبّ عليّا إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق». حديث حسن صحيح.
والمحب الطبري في الرياض النضرة : ج ٢ / ٢١٤ ، ط مكتبة الخانجي بمصر وفي ذخائر العقبى / ٩١ ، ط مكتبة القدسي بمصر / رواه عن أم سلمة ، والحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال : ج ٢ / ٥٣ ، ط القاهرة / عن أم سلمة وابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية : ج ٧ / ٣٥٤ ، ط مصر / عن أم سلمة والخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح / ٥٦٤ ، ط دهلي / عن أم سلمة والحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري : ج ٧ / ٥٧ ، ط البهية بمصر / وفي تهذيب التهذيب : ج ٨ / ٤٥٦ ، ط حيدرآباد / رواه عن أم سلمة ، وروى عنها أيضا ، الشيخ عبد القادر الخيراني في سعد الشموس والأقمار / ٢١٠ ، ط التقدم بالقاهرة ، والعلاّمة النبهاني في الفتح الكبير : ج ٣ / ٣٥٥ ، والعلوي الحضرمي في القول الفصل : ج ١ / ٦٣ ، ط جاوة ، والعلاّمة الأمر تسري في أرجح المطالب / ٥١٢ و ٥٢٣ ، ط لاهور وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ٩ / ١٧٢ ، ط دار إحياء التراث العربي قال : خطب النبي (ص) يوم الجمعة فقال : «.. أيها الناس! أوصيكم بحب ذي قرباها ، أخي وابن عمي عليّ ابن أبي طالب ، لا يحبه إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق ، من أحبّه فقد أحبّني ، ومن أبغضه فقد أبغضني ، ومن أبغضني عذبه الله بالنار». قال رواه أحمد رضياللهعنه في كتاب فضائل علي عليهالسلام ، وهو أخرجه بإسناده عن عبد الله بن حنطب عن أبيه ورواه عنه العلاّمة سبط ابن الجوزي في التذكرة / ٣٥ ، ط مؤسسة أهل
__________________
البيت / بيروت ، والعلاّمة محب الدين الطبري في ذخائر العقبى ٩١ / ، ط مكتبة القدسي ، وفي الرياض النضرة : ج ٢ / ٢١٤ ط مصر ، والحافظ الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة / ٢٥٢ ، ط المطبعة الحيدرية ، والعلامة الأمر تسري في أرجح المطالب / ٤١ و ٥١٣ و ٤٢٨ ط لاهور.
وفي رواية عن الإمام علي عليهالسلام قال «عهد إليّ النبي (ص) أنّه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلاّ مناف». ، رواه أحمد بن حنبل في المسند : ١ / ٨٤ ، ط مصر ، وفي صحيح مسلم : ج ١ / ٦٠ ، ط محمد علي صبيح بمصر / بإسناده إلى الإمام عليّ عليهالسلام قال «والذي فلق الحبة وبرأ النسة إنّه لعهد النبي الأميّ (ص) إليّ أن لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق». ورواه الحافظ ابن ماجه في سنن المصطفى : ج ١ / ٥٥ ، ط المطبعة التازية بمصر ، والحافظ الترمذي في صحيحه : ج ١٣ / ١٧٧ ، ط الصاوي بمصر ، والنسائي في الخصائص ٢٧ / ط التقدّم بمصر ، والحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم في علل الحديث : ج ٢ / ٤٠٠ ط السلفية بمصر ، والحاكم في معرفة الحديث / ١٨٠ ط القاهرة والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء : ج ٤ / ١٨٥ ، ط السعادة بمصر ، رواه بإسناده عن الإمام عليّ عليهالسلام وقال : هذا حديث صحيح متفق عليه ، وروا عنه عليهالسلام ، الحافظ البيهقي في السنن : ج ٢ / ٢٧١ ، ط الميمنية بمصر والخطيب البغدادي في تاريخه : ج ٢ / ٢٥٥ ، ط السعادة بمصر ، ورواه عن طريق آخر أيضا عنه عليهالسلام في ج ٨ / ٤١٨ ، وعن طريق ثالث في ج ١٤ / ٤٢٦ ورواه عن طريق رابع عنه عليهالسلام في كتابه موضح الجمع والتفريق / ٤٦٨ ط حيدرآباد ، ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب : ج ٢ / ٤٦١ ط حيدرآباد ، والقاضي محمد بن أبي يعلى في طبقات الحنابلة : ج ١ / ٣٢٠ ط القاهرة ، والعلاّمة البغوي في مصابيح السنّة : ج ١ / ٢٠١ ط الخيريّة بمصر ، والخطيب الموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب : ج ٢٢٨ ، ط تبريز / روى بإسناده
__________________
إلى الإمام عليعليهالسلام قال «قال لي رسول الله (ص) : لا يحبك إلاّ مؤمن تقيّ ولا يبغضك إلاّ فاجر رديّ». والحافظ ابن الجوزي في صفة الصفوة : ج ١ / ١٢١ ط حيدرآباد ، وابن الأثير الجزري في جامع الأصول : ج ٩ / ٤٧٣ ط السنّة المحمدية بمصر ، وفي أسد الغابة : ج ٤ / ٢٦ ط مصر ، والعلاّمة سبط ابن الجوزي في التذكرة / ٣٥ ، ط مؤسسة أهل البيت بيروت ، والشيخ محي الدين الدمشقي في الأذكار / ٣٥٥ ط القاهرة ، ومحب الدين الطبري في ذخائر العقبى / ٩١ ، ط القدسي بمصر ، وفي الرياض النضرة : ج ٢ / ٢١٤ ، ط مصر ، والعلاّمة محمد بن مكرم الافريقي في لسان العرب : ج ٣ / مادّة عهد / وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين ، وابن تيمية الحرّاني في منهاج السنّة : ج ٣ / ١٧ ، ط القاهرة ، وعلاء الدين الخازن في تفسيره : ج ٢ / ١٨٠ ، ط مصر ، والعلاّمة الذهبي في دول الإسلام : ج ٢ / ٢٠ ، ط حيدرآباد ، وفي ميزان الاعتدال : ج ١ / ٣٣٤ ، ط القاهرة ، وهو أيضا في تاريخ الاسلام : ج ٢ / ١٨٩ ط مصر ، والعلاّمة الزرندي في نظم درر السمطين / ١٠٢ ط مطبعة القضاء ، والحافظ ابن كثير في البداية والنهاية : ج ٧ / ٣٥٤ ط مصر ، والحافظ أبو زرعة في طرح التثريب في شرح التقريب : ج ١ / ٨٦ ، ط جمعية النشر بمصر ، والعلاّمة الشيخ تقي الحلبي في نزهة الناظرين / ٣٩ ط الميمنيّة بمصر ، وابن حجر العسقلاني في فتح الباري : ج ٧ / ٥٧ ، وفي لسان الميزان :ج ٢ / ٤٤٦ ، ط حيدرآباد ، وفي الدرر الكامنة : ج ٤ ص ٣٠٨ ، ط حيدرآباد ، رواه بطرق شتى عن الإمام عليّ ٧. وجلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء / ٦٦ ، ط الميمنية بمصر ، والمتقي الهندي في كنز العمال المطبوع بهامش المسند : ج ٥ / ٣ وابن حجر المكي في الصواعق / ٧٣ / ط الميمنيّة بمصر ، والشيخ أحمد بن يوسف الدمشقي في أخبار الدول وآثار الأول / ١٠٢ ط بغداد ، والعلاّمة المناوي في كنوز الحقائق / ٤٦ ، ط بولاق بمصر ، وفي صفحة ١٩٢ و ٢٠٣ من نفس الطبعة ،
__________________
والعلاّمة عبد الغني النابلسي في ذخائر المواريث : ج ٣ / ١٥ ، والشيخ محمد الصبّان في إسعاف الراغبين المطبوع بهامش نور الأبصار / ١٧٣ ، ورواه آخرون مثل النبهاني في الشرف المؤبّد لآل محمد ، والشيخ أحمد البناء في بدائع المنن ، والشيخ محمد العربي في إتحاف ذوي النجابة ، ورواه كثير غير من ذكرنا ، وروى العلاّمة العدوى الحمزاوي في مشارق الأنوار / ١٢٢ ، طبع مصر عن عبد الله بن عباس عن النبي (ص) «حب عليّ إيمان وبغضه كفر».
وروى الطحاوي في مشكل الآثار : ج ١ / ٤٨ ، ط حيدرآباد ، حديثا مسندا إلى عمران بن حصين عن النبي (ص) قال في عليّ «لا يبغضه إلاّ منافق».
وروى عنه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٣٣ ط مكتبة القدسي بالقاهرة : قال النبي (ص) لعلي : «لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق». وقال : رواه الطبراني في الأوسط ، والقاضي ابن عياض رواه أيضا في كتابه الشفاء بتعريف حقوق المصطفى : ج ٢ / ٤١ ومثله في تذكرة الحفاظ : ج ١ / ١٠ ، ط حيدرآباد ، ومثله في «نقد عين الميزان» للعلاّمة بهجت الدمشقي / ١٤ ، ط مطبعة القيمرية ، والعلاّمة التونسي الكافي في السيف اليماني المسلول / ٤٩.
وروى جماعة بإسنادهم عن النبي (ص) : «من مات وفي قلبه بغض لعليّ رضياللهعنه ، فليمت يهوديّا أو نصرانيا». رواه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال : ج ٣ / ٢٣٦ ، ط حيدرآباد ، وابن حجر العسقلاني في لسان الميزان : ج ٤ / ٢٥١ وج ٣ / ٩٠ ط حيدرآباد والعلاّمة الأمر تسري في أرجح المطالب / ١١٩ ، ط لاهور ، أو رووا بمعناه. وأخرج القندوزي في ينابيع المودّة / ٢٥٢ ط المطبعة الحيدرية : عن جابر قال [ما كنا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم عليا] قال : أخرجه أحمد وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري ما هو معناه أيضا.
وفي صحيح الترمذي : ج ١٣ / ١٦٨ ط الصاوي بمصر ، عن أبي سعيد الخدري قال [إنّا كنا لنعرف المنافقين ببغضهم عليّ بن أبي طالب] ورواه عن أبي سعيد
__________________
جماعة منهم : أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء : ج ٦ / ٢٩٤ طبع مصر ، والخطيب البغدادي في تاريخه : ج ١٣ / ١٥٣ ط السعادة بمصر ، والحافظ رزين بن معاوية العبدري في الجمع بين الصحاح نقلا من سنن أبي داود بإسناده إلى أبي سعيد الخدري. والعلاّمة ابن الأثير الجزري في جامع الأصول : ج ٩ / ٤٧٣ ط المحمدية بمصر ، وفي أسد الغابة : ج ٤ / ٢٩ طبع مصر ، والعلاّمة النووي في تهذيب الأسماء واللغات / ٢٤٨ ، ط الميمنية بمصر ، والعلاّمة الزرندي في نظم درر السمطين / ١٠٢ ، ط مطبعة القضاء ، والعلاّمة الذهبي في تاريخ الإسلام :ج ٢ / ١٩٨ طبع مصر ، والعلاّمة السيوطي في تاريخ الخلفاء / ١٧٠ ط السعادة بمصر ، وابن حجر المكي في الصواعق / ٧٣ ، ط الميمنية بمصر ، والمتقي الهندي في كنز العمال : ج ٦ / ١٥٢ ، والشيخ محمد الصبّان في إسعاف الراغبين المطبوع بهامش نور الأبصار / ١٧٤ ، ط مصر ، والشيخ عبد القادر الخيراني في سعد الشموس والأقمار / ٢١٠ ط التقدم بالقاهرة ، والعلوي الحضرمي في القول الفصل / ٤٤٨ ط جاوا ، والأمر تسري في أرجح المطالب / ٥١٣ طبع لاهور ، والشيخ محمد العربي في إتحاف ذوي النجابة / ١٥٤ ، طبع مصطفى الحلبي بمصر ، كلهم أخرجوا رواية أبي سعيد الخدري ، وروى جمع من أعلام المحدثين بإسنادهم عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال أيضا مثل قول أبي سعيد وهذا نصّه :[ما كنا نعرف منافقينا ـ معشر الأنصار ـ إلاّ ببغضهم عليّا.]
رواه الإمام أحمد في المناقب / ١٧١ ، والخطيب البغدادي في كتابه موضح أوهام الجمع والتفريق : ج ١ / ٤١ ، ط حيدرآباد والحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب : ج ٢ / ٤٦٤ ط حيدرآباد ، والخطيب موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب / ٢٣١ ، طبع تبريز ، والمحب الطبري في ذخائر العقبى / ٩١ ، ط القدسي بمصر ، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٣٢ ط القدسي بمصر ، وقال : رواه الطبراني في الأوسط والبزّار مع تغيير في العبارة ورواه العلامة السيوطي في تاريخ الخلفاء
وروى محمد بن طلحة في مطالب السّئول ، وابن الصباغ المالكي في الفصول عن الترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري أنه قال [ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (ص) إلاّ ببغضهم عليا.]
الشيخ عبد السلام : هكذا أحاديث نبويّة صدرت أيضا في حقّ الشيخين أبي بكر وعمر ، وما كانت خاصّة بسيدنا عليّ كرّم الله وجهه!!
قلت : لو كان يحضر في بالك شيء من تلك الأحاديث ، فبيّنها حتى ينكشف واقع الأمر للحاضرين.
الشيخ عبد السّلام : روى عبد الرحمن بن مالك بسنده عن جابر عن النبي (ص) قال [لا يبغض أبا بكر وعمر مؤمن ولا يحبهما منافق!!]
__________________
/ ٦٦ ، ط الميمنية بمصر ، والعلوي الحضرمي في القول الفصل : ج ١ / ٤٤٨ ، ط جاوة ، وفي أرجح المطالب / ٥١٣ ، طبع لاهور ، والعلاّمة الآلوسي في تفسير روح المعاني : ج ٢ / ١٧ ، ط المنيريّة بمصر ، جاء فيه : ذكروا من علامات النفاق بغض عليّ كرّم الله وجهه فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال [ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (ص) إلاّ ببغضهم علي بن أبي طالب.]
أقول : كل ذي إيمان وذي وجدان وانصاف إذا نظر إلى هذه الروايات والعبارات وكثرتها في كتب أهل العلم والحديث من أهل السنّة وممن لا يشك في عدم انحيازهم إلى علي بن أبي طالب بل يميلون إلى الجهة الأخرى ، يتيقّن بصدور هذا المعنى مرارا من فم النبي المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفيما نقلنا في الباب تمام الحجة وفصل الخطاب لمن أراد الحق والصّواب ، والسلام على من اتبع الهدى وسلك سبيل الواحد الوهّاب.
«المترجم»
قلت : لقد أثار بيانك تعجبي! وكأنّك نسيت قرارنا في المجلس الأول على أن لا نستدل في احتجاجنا بالأحاديث غير المعتبرة لدى الخصم ، بل يجب أن تأتي بالشاهد وتستدل عليّ بالأحاديث المقبولة عندنا ، وهذا الحديث مردود وغير معتبر عندنا.
الشيخ عبد السلام : أظن بأنكم عزمتم أن لا تقبلوا منّا حتى رواية واحدة في فضل الشيخين!
قلت : لقد بيّنت قبل هذا : أننا أبناء الدليل حيثما مال نميل ، وأمّا ظنّك فباطل ولا يغني من الحق شيئا ، لأنّي ما قبلت روايتك لا لكونها في فضل الشيخين ، بل لأنّ الراوي متهم بالجعل والكذب حتى عند علمائكم كالخطيب البغدادي صاحب تاريخ بغداد وغيره من الأعلام المشتهرين في علم الرواية والدراية قالوا فيه ذلك عند ترجمته ، وهذا العلاّمة الذهبي المعتمد عليه في هذا الفن ، فقد قال في ترجمة عبد الرحمن بن مالك في ميزان الاعتدال ج ١٠ / ٢٣٦ / قال : هو كذّاب أفّاك وضّاع لا يشك فيه أحد.
فأنصفوا بعد ما سمعتم هذا التصريح في راوي الحديث ، هل يطمئن قلبكم وتسمح نفسكم أن تقبلوا رواياته؟!
ثم فكّروا أين حديث هذا الكذّاب الأفّاك الوضّاع من حديث جابر ، وسلمان ، وأبي سعيد ، وابن عباس ، وأبي ذر الصادق المصدّق ، فقد روى جماعة من الأعلام منهم : العلاّمة السيوطي في الجامع الكبير : ج ٦ / ٣٩٠ ، والمحب الطبري في الرياض النضرة ج ٢ / ٢١٥ ، وفي جامع الترمذي ج ٢ / ٢٩٩ ، وابن عبد البر في الاستيعاب ج ٣ / ٤٦ ، وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء ج ٦ / ٢٩٥ ،
والعلاّمة محمد بن طلحة في مطالب السئول / ١٧ ، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمة صفحة ١٢٦ ، كلهم رووا عن أبي ذر الغفاريرحمهالله تعالى بعبارات مختلفة والمعنى واحد قال [ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (ص) إلاّ بثلاث : بتكذيبهم الله ورسوله ، والتخلف عن الصلاة ، وبغضهم علي بن أبي طالبعليهالسلام .]
ونقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٤ / ٨٣ / ط دار إحياء التراث العربي / نقل عن الشيخ أبي القاسم البلخي أنه قال : وقد اتفقت الأخبار الصحيحة التي لا ريب فيها عند المحدثين ؛ على أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «لا يبغضك إلاّ منافق ولا يحبّك إلاّ مؤمن». وروى حبّة العرنيّ عن عليّعليهالسلام أنّه قال «إنّ الله عزّ وجلّ أخذ ميثاق كلّ مؤمن على حبّي ، وميثاق كل منافق على بغضي ، فلو ضربت وجه المؤمن بالسيف ما أبغضني ، ولو صببت الدنيا على المنافق ما أحبّني».
وروى عبد الكريم بن هلال عن أسلم المكيّ عن أبي الطفيل ، قال : سمعت علياعليهالسلام وهو يقول «لو ضربت خياشيم المؤمن بالسيف ما أبغضني ، ولو نثرت على المنافق ذهبا وفضّة ما أحبني ، إنّ الله أخذ ميثاق المؤمنين بحبّي ، وميثاق المنافقين ببغضي فلا يبغضني مؤمن ولا يحبّني منافق أبدا».
قال الشيخ أبو القاسم البلخي : وقد روى كثير من أرباب الحديث عن جماعة من الصحابة قالوا [ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (ص) إلاّ ببغض عليّ بن أبي طالب]. والأخبار من هذا القبيل كثيرة جدا في كتبكم واكتفينا بما نقلنا رعاية الاختصار.
والآن بعد استماعكم لهذه الروايات ، فكّروا وأنصفوا ..! أما
كان خروج عائشة على أمير المؤمنين وقتالها لهعليهالسلام قتالا لرسول الله وخروجا عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ أما كان حرب عائشة مع الإمام عليّعليهالسلام ناشئا عن بغضها له وينبئ عن عدائها لهعليهالسلام ؟ وقد بيّن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما ذكرنا أن بغض عليّ بن أبي طالب وعداؤه كفر ونفاق.
فلا أدرى بما ذا وكيف تفسّرون خروج عائشة على الامام عليّعليهالسلام ؟؟ وبما ذا تعذّرونها في القتال والحرب. مع وجود هذه الأخبار المعتبرة؟!
فكّروا في هذا الأمر وانظروا بغضّ النظر عن الحب والبغض والرضا والسخط ، بل انظروا نظر تحقيق وانصاف! وأظهروا رأيكم بعيدين عن التعصب والاختلاف. وقبل أن تبدوا رأيكم اسمحوا لي أن أنقل لكم حديثا روته أم المؤمنين عائشة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتذكّرته الآن ، وهو كما في كتاب مودّة القربى للعلاّمة الهمداني الشافعي / المودة الثالثة / قالت : قال رسول الله (ص) «إنّ الله قد عهد إليّ من خرج على عليّ فهو كافر في النار». قيل : لم خرجت عليه؟!
قالت : قد نسيت هذا الحديث يوم الجمل حتى ذكرته بالبصرة ، وأنا استغفر الله!!
الشيخ عبد السلام : إنّني أتعجّب من اعتراضك على أم المؤمنين عائشة بعد ما علمت أنّها كانت ناسية لكلام النبي (ص) وحديثه ، ولمّا تذكّرت استغفرت ربّها ، والله خير الغافرين.
قلت : يمكن أن نقول بأنّها يوم الجمل نسيت هذا الحديث ، ولكنكم تعلمون أنّها من حين تحركها من مكة وخروجها على أمير المؤمنين نصحتها سائر زوجات رسول الله (ص) ومنعنها من الخروج ، وذكّرنها بفضائل الإمام عليعليهالسلام ، وما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حقه بأنّ
حربه حربي وسلمه سلمي ، ولكنّها أبت إلاّ إثارة الفتنة!!
وإنّ أعلام مؤرّخيكم الذين أرّخوا واقعة الجمل وكبار محدثيكم ذكروا أنّ رسول الله (ص) حذّرها أن تكون صاحبة الجمل الأحمر التي تنبحها كلاب حوأب ، وحين خرجت إلى البصرة مرّت بمنطقة تسمّى الحوأب فنبحتها الكلاب ، فسألت عن اسم المكان ، فقالوا : تسمّى الحوأب. فذكرت حديث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وتحذيره لها ، فأرادت الرجوع ، ولكن طلحة والزبير وابناهما غرّوها وغيروا إرادتها وثبّتوها على عزمها الأول وهو الخروج والفتنة ، فتابعت طريقها حتى وصلت البصرة وألّبت الجيوش لقتال الإمام عليّعليهالسلام وأجّجت نار الحرب وقتل بسببها آلاف المسلمين ، فهل تعذروها بعد هذا ، وتقبلون قولها بأنّها نسيت؟! فأيّ نسيان هذا بعد التذكر؟!(١) .
__________________
(١) لكي يسمع القارئ الكريم شكوى إمامه أمير المؤمنينعليهالسلام ويعرف حقيقة واقعة الجمل ، اختطفت بعض النكات والجمل من نهج البلاغة وانقلها في هذا المجال :قال في الخطبة المرقّمة / ٢٢ ـ حين بلغه خبر الناكثين طلحة والزبير وأصحابهما ، ومطالبتهم بدم عثمان ـ «ألا وإنّ الشيطان قد ذمّر حزبه ، واستجلب جلبه ، ليعود الجور إلى أوطانه ، ويرجع الباطل إلى نصابه والله ما أنكروا عليّ منكرا ، ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا ، وإنّهم ليطلبون دما هم سفكوه!!». الخ.
وقال عليهالسلام في كلام له في الخطبة رقم ١٤٨ من نهج البلاغة ـ يصف طلحة والزبير ـ «كلّ واحد منهما يرجو الامر له ، ويعطفه عليه دون صاحبه ، لا يمنّان إلى الله بحبل ولا يمدّان إليه بسبب ، كلّ واحد منهما حامل ضبّ لصاحبه ، وعمّا قليل يكشف قناعه به!».
«والله لئن أصابوا الذي يريدون لينتزعنّ هذا نفس هذا!
وليأتينّ هذا على هذا! قد قامت الفئة الباغية ، فأين المحتسبون». وقال عليهالسلام في
__________________
خطبة له من نهج البلاغة رقمها ١٧٢ ، في ذكر أصحاب الجمل «فخرجوا يجرّون حرمة رسول الله (ص) كما تجرّ الامة عند شرائها ، متوجّهين بها الى البصرة ، فحبسا نساءهما في بيوتهما وأبرزا حبيس رسول الله (ص) لهما ولغيرهما في جيش ما منهم رجل الاّ وقد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة ، طائعا غير مكره ، فقدموا على عاملي بها ـ بالبصرة ـ وخزّان بيت مال المسلمين وغيرهم من أهلها ، فقتلوا طائفة صبرا ، وطائفة غدرا ، فو الله لو لم يصيبوا من المسلمين إلاّ رجلا واحدا متعمدين لقتله بلا جرم جرّه لحلّ لي قتل ذلك الجيش كلّه ، إذ حضروه فلم ينكروا ، ولم يدفعوا عنه بلسان ولا بيد ، دع ما أنّهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدّة التي دخلوا بها عليهم!».
وقال عليهالسلام في كلام له خاطب به أهل البصرة / نهج البلاغة الخطبة رقم ١٥٦ / قال عليهالسلام «وأمّا فلانة ـ عائشة ـ فأدركها رأي النساء ، وضغن غلا في صدرها كمرجل القين ، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إليّ ، لم تفعل. ولها بعد حرمتها الأولى ، والحساب على الله تعالى».
والآن ، لكي يطمئنّ قلب القارئ الكريم إلى واقع الأمر ويعرف عائشة ونفسيّتها أكثر من ذي قبل ، فأترك القلم بيد ابن قتيبة وهو من أعلام أهل السنّة والمتوفّى سنة ٢٧٠ هجرية ، فإنه كتب في كتابه الإمامة والسياسة / ٤٨ ، ط مطبعة الأمّة بمصر / تحت عنوان : خلاف عائشة (رض) على عليّ قال [وذكروا أنّ عائشة لما أتاها أنّه بويع لعليّ ، وكانت خارجة عن المدينة ، فقيل لها قتل عثمان وبايع الناس عليا ، فقالت : ما كنت أبالي أن تقع السماء على الأرض ، قتل والله مظلوما! وأنا طالبة بدمه!!
فقال لها عبيد : إنّ أول من طعن عليه وأطمع الناس فيه لانت ولقد قلت : اقتلوا نعثلا فقد فجر!!
__________________
فقالت : قد والله قلت وقال الناس ، وآخر قولي خير من أوله!
فقال عبيد : عذر والله ضعيف يا أمّ المؤمنين! ثم قال :
منك البداء ومنك الغير |
ومنك الرياح ومنك المطر |
|
وأنت أمرت بقتل الإما |
م وقلت لنا أنّه قد فجر «كفر» |
|
فهبنا أطعناك في قتله |
وقاتله عندنا من أمر |
قال : فلما أتى عائشة خبر أهل الشام أنّهم ردّوا بيعة عليّ وأبو أن يبايعوه ، أمرت فعمل لها هودج من حديد وجعل فيه موضع عينيها ، ثم خرجت ومعها الزبير وطلحة وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة.]
أقول : وذكر ابن قتيبة في صفحة ٥٢ تحت عنوان : كتاب أم سلمة إلى عائشة.
[قال : وذكروا أنّه لما تحدّث الناس بالمدينة بمسير عائشة مع طلحة والزبير ونصبهم الحرب لعليّ وتألّبهم الناس ، كتبت أمّ سلمة إلى عائشة : أما بعد فإنك سدة بين رسول الله وبين أمّته ، وحجابك مضروب على حرمته ، قد جمع القرآن الكريم ذيلك فلا تبذليه ، وسكّن عقيرتك فلا تضيّعيه ، الله من وراء هذه الأمة ، قد علم رسول الله مكانك ، لو أراد أن يعهد إليك ، وقد علمت أنّ عمود الدين لا يثيب بالنساء ان مال ، ولا يرأب بهنّ إن انصدع ، خمرات النساء غضّ الأبصار وضم الذيول ، ما كنت قائلة لرسول الله (ص) لو عارضك بأطراف الجبال والفلوات ، على قعود من الإبل من منهل الى منهل. إن بعين الله مهواك ، وعلى رسول الله (ص) تردين وقد هتكت حجابه الذي ضرب الله عليك عهيداه ، ولو اتيت الذي تريدين ثم قيل لي أدخلي الجنة ، لاستحييت أن ألقى الله هاتكة حجابا قد ضربه عليّ ، فاجعلي حجابك الذي ضرب عليك حصنك ، فابغيه منزلا. لك حتى تلقيه ، فإنّ أطوع ما تكونين إذا ما لزمته ، وأنصح ما تكونين إذا ما قعدت فيه ، ولو ذكّرتك كلاما قاله رسول الله (ص) لنهشتني نهش الحيّة والسلام.
__________________
فكتبت إليها عائشة : ما أقبلني لوعظك ، وأعلمني بنصحك ، وليس مسيري على ما تظنّين ، ولنعم المطلع مطلع فرقت فيه بين فئتين متناجزتين ، فإن أقدر ففي غير حرج وإن أحرج فلا غنى بي عن الازدياد منه والسلام!!]
أقول : وذكر ابن ابن قتيبة في كتابه صفحة ٥٧ قال [ولما نزل طلحة والزبير وعائشة بأوطاس من أرض خيبر ، أقبل عليهم سعيد بن العاصي على نجيب له ، فأشرف على الناس ومعه المغيرة بن شعبة ، فنزل وتوكّأ على قوس له سوداء ، فأتى عائشة فقال لها : أين تريدين يا أم المؤمنين؟ قالت : أريد البصرة ، قال : وما تصنعين بالبصرة؟ قالت : أطلب بدم عثمان! فقال : هؤلاء قتلة عثمان معك!!
ثم أقبل على مروان فقال له : وأين تريد أيضا؟ قال : البصرة.
قال : وما تصنع بها؟ قال : أطلب قتلة عثمان قال : فهؤلاء قتلة عثمان معك ، إنّ هذين الرجلين ـ طلحة والزبير ـ قتلا عثمان وهما يريدان الأمر لأنفسهما ، فلمّا غلبا عليه قالا : نغسل الدم بالدم والحوبة بالتوبة!!
ثم قال المغيرة بن شعبة : أيها الناس إن كنتم إنّما خرجتم مع أمكم فارجعوا بها خيرا لكم ، وإن كنتم غضبتم لعثمان فرؤساؤكم قتلوا عثمان!! وان كنتم نقمتم على عليّ شيئا فبيّنوا ما نقمتم عليه.
انشدكم الله فتنتين في عام واحد!! فأبوا إلاّ أن يمضوا بالناس ، فلما انتهوا إلى ماء الحوأب في بعض الطريق ومعهم عائشة ، نبحها كلاب الحوأب ، فقالت لمحمد ابن طلحة : أي ماء هذا؟ قال : هذا ماء الحوأب. فقالت : ما أراني إلاّ راجعة! قال : ولم؟ قالت : سمعت رسول الله (ص) يقول لنسائه : كأنّي بإحداكنّ قد نبحها كلاب الحوأب ، وإيّاك أن تكوني أنت يا حميراء!!
فقال لها محمد بن طلحة : تقدّمي رحمك الله ودعي هذا القول!
وأتى عبد الله بن الزبير فحلف لها بالله لقد خلفتيه أوّل الليل!!
__________________
أتاها ببيّنة زور من الأعراب فشهدوا بذلك!!
فزعموا أنّها أوّل شهادة زور شهد بها في الاسلام!!
أقول : هكذا عارضوا الحق بالباطل ، هؤلاء الضّلال الذين ضلّوا وأضلّوا ، فخالفوا كتاب الله عزّ وجلّ إذ يقول : ( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) البقرة : ٢٢٤.
فكيف إذا جعلوا الله سبحانه عرضة لأيمانهم ليشعلوا الفتنة ويشبّوا القتال بين المسلمين ، لينالوا أمانيهم الفاسدة؟!]
أقول : وذكر ابن قتيبة في صفحة ٦٣ و ٦٤ تحت عنوان تعبئة الفئتين : [.. ثم كتب عليّ إلى طلحة والزبير «أما بعد فقد علمتما أنّي لم أرد الناس حتى أرادوني ولم أبايعهم حتى بايعوني وزعمتما أنّي آويت قتلة عثمان ، فهؤلاء بنو عثمان فليدخلوا في طاعتي ثم يخاصموا إليّ قتلة أبيهم.
وما أنتما وعثمان ، إن كان قتل ظالما أو مظلوما!!
ولقد بايعتماني ، وأنتما بين خصلتين قبيحتين ، نكث بيعتكما وإخراجكما أمكما.
وكتب إلى عائشة : أما بعد فإنّك خرجت غاضبة لله ولرسوله ، تطلبين أمرا كان عنك موضوعا ، ما بال النساء والحرب والإصلاح بين الناس؟! تطلبين بدم عثمان!! ولعمري لمن عرّضك للبلاء وحملك على المعصية ، أعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان ، وما غضبت حتى أغضبت ، وما هجت حتى هيجت ، فاتقي الله وارجعي إلى بيتك».
فأجابه طلحة والزبير : إنك سرت مسيرا له ما بعده ولست راجعا وفي نفسك منه حاجة فامض لأمرك ، أما أنت فلست راضيا دون دخولنا في طاعتك ، ولسنا بداخلين فيها أبدا ، فاقض ما أنت قاض. وكتبت عائشة : جلّ الأمر عن العتاب والسلام.] فانصف أيها القارئ هل تعذر بالنسيان بعد هذا التذكير والتحذير؟! وهل لطلحة والزبير عذر في عصيانهما وخروجهم؟! «المترجم»
ألم تكن هذه المخالفات منها للقرآن الحكيم وللنبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم وصمات عار في تاريخها؟!
هل أنّ خروجها على الإمام عليّعليهالسلام ، وقتالها له كان حقا أم باطلا؟ فإذا كان باطلا فكل باطل وصمة عار لفاعله ، وإن تقولوا كان حقا ، ولستم بقائلين ، فكيف التوفيق بينه وبين الأحاديث الشريفة التي مرّت عن طرق محدثيكم وكبار علمائكم ، أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «من آذى عليا فقد آذاني». وقال «حربه حربي ، وسلمه سلمي ، ولا يبغضه إلاّ منافق». وما إلى ذلك.
بالله عليكم أنصفوا!! هل حرب عائشة وطلحة والزبير لعليّعليهالسلام وقتالهم لهعليهالسلام كان عن حبّهم لعليّ أم عن بغضهم لهعليهالسلام ؟!
لم لا تنتقدوهم ولا تأخذون عليهم هذه الخطايا الكبرى والمعاصي العظمى؟! لما ذا تمرّون على هذه الحوادث مرور الجاهلين والغافلين ، ولكن تأخذون على الشيعة بأشدّ ما يكون ، لأنهم ينتقدون أعمال الصحابة ويميزون بين الحق والباطل فيمدحون أهل الحق ويفضحون أهل الباطل أيّا كانوا؟ والجدير بالذّكر أنّنا لا نروي في الصحابة وأفعالهم القبيحة إلاّ ما رواه محدثوكم وعلماؤكم ، فلما ذا لا تنقمون عليهم ولا ترفضون رواياتهم ولا تنفون كتبهم ولا تردّونها؟! بل هذه الكتب التي ننقل عنها كلها عندكم معتبرة ومقبولة وتطبع في البلاد السنيّة وعواصمهم ، مثل مصر وبغداد ولبنان وغيرها ، من باب المثال يقول العلاّمة المسعودي في كتابه مروج الذهب ج ٢ / ٧ ، وهو يتحدّث عن وقعة الجمل ، وهجوم أصحاب عائشة على أصحاب عثمان بن حنيف بعد المعاهدة كما ذكرنا فقال [فقتل منهم سبعون رجلا غير من جرح ،
وخمسون من السبعين ضربت رقابهم صبرا من بعد الأسر ، وهؤلاء أول من قتلوا ظلما في الإسلام.]
هذا الخبر إذا نقله مؤرخوكم لا يحزّ في نفوسكم ولكن إذا نقله أحد الشيعة وقال إنّ هذا العمل كان ظلما قبيحا من عائشة وأصحابها ، تثور نفوسكم وتنفجر غيرتكم وتشتعل نيران التعصّب فيكم ، فترموننا بالكفر والضلالة وتبيحون لأتباعكم دماء الشيعة وأموالهم!!
الشيخ عبد السلام : لا يجوز عندنا التدخل في الحوادث التي جرت بين صحابة رسول الله (ص) ، فإنّا ننظر إليهم جميعا بعين الإكبار والاحترام ، فإنهم وإن اختلفوا بينهم ولكن الكل كانوا يدعون إلى الله ، ومن توجّه منهم إلى خطئه وانحراف مسيره عن الحق ، فقد تاب واستغفر مثل الزبير (رض) في البصرة ، وكذلك أم المؤمنين عائشة (رض) فإنها تبعت طلحة والزبير وأخذت بقولهما ، ولكنّها بعد ذلك عرفت بطلان كلامهما وأنهما أغرياها وحملاها معهما إلى البصرة ، فاستغفرت وتابت ، والله خير الغافرين ، وهو يقبل التوبة من عباده وهو أرحم الراحمين.
قلت : أولا : قولك : فإنّهم وإن اختلفوا بينهم ولكن الكلّ كانوا يدعون إلى الله. فهو مغالطة وكلام باطل ، لأنّ سبيل الله عزّ وجلّ واضح واحد وصراط الحق واحد كما قال تعالى :( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (١) .
وقال سبحانه :( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ
__________________
(١) سورة الأنعام ، الآية ١٥٣.
اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (١) .
ثانيا
وأما قولك : بأنّ الزبير بعد ما توجّه إلى خطئه وانحرافه عن الحق تاب واستغفر. فأقول : نعم تاب ولكن لم يعمل بشرائط التوبة ، فقد كان الواجب عليه أن يسعى في ردّ ممن اغراهم فيهديهم إلى الحق الذي عرفه في جانب الامام عليعليهالسلام ، وكان يلزم أن ينضمّ هو أيضا تحت راية الحق وجيش أمير المؤمنينعليهالسلام ولا ينعزل عن الميدان والمجاهدة.
وأما عائشة فإنّ عصيانها وذنبها معلوم لكل الناس ، ولكنّ توبتها غير معلومة ، وهي كذلك ما عملت بشرائط التوبة بل ارتكبت بعد ذلك أيضا أشياء تكشف عن حقدها وبغضها لآل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثم انّ قولك : والله خير الغافرين وهو يقبل التوبة من عباده وهو أرحم الراحمين.
كل ذلك صحيح ومقبول ولكن حفظت شيئا وغابت عنك أشياء ، فقد قال الله سبحانه :( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً ) (٢)
وكلّنا نعلم أن عائشة كانت عالمة غير جاهلة وكانت في خروجها على الإمام وقتالها لعليعليهالسلام عامدة غير ساهية ، وقد نصحتها أم سلمة قرينتها ، ونصحها الإمام عليعليهالسلام ، وكثير من الصحابة ، أن لا تخرج من بيتها ولا تغترّ بطلحة والزبير ومروان وأمثالهم ، وقد حذّرها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبلهم ، وأمرها الله عزّ وجلّ في كتابه بقوله :( وَقَرْنَ فِي
__________________
(١) سورة يوسف ، الآية ١٠٨.
(٢) سورة النساء ، الآية ١٧.
بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى ) (١) فما اعتنت بكل ذلك وخرجت وأحدثت ما أحدثت!! فكيف نحتّم بأنّ الله سبحانه قبل توبتها وهي عالمة عامدة في المعصية؟!
ثالثا : قولك : بأن طلحة والزبير أغرياها وحملاها إلى البصرة ، وأنّها عرفت بطلان كلامهما بعد ذلك الخ فإنّ قولك هذا يكشف بأنّ الحديث الذي تروونه عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» كذب وافتراء على رسول الله وهو حديث موضوع مجعول ، لأنّ عائشة وآلاف من المسلمين اقتدوا بطلحة والزبير وهما من كبار الصحابة وما اهتدوا بل ضلّوا وخسروا أنفسهم ، خسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين!!!
النواب : سيدنا المكرّم! قلتم خلال كلامكم أنّ أم المؤمنين (رض) بعد توبتها من حرب الجمل أيضا ارتكبت أشياء تكشف عن حقدها وبغضها لآل النبي (ص) فلو سمحت ، بيّن لنا تلك الأشياء بشكل واضح حتى نعرف واقع الأمر.
يوما على جمل ويوما على بغل
قلت : مما لا شك فيه أنّ عائشة كانت امرأة غير هادئة وغير رزينة فقد قامت بحركات لا يقبلها الدين القويم ولا العقل السليم ، وإن كل حركة من تلك الحركات تكفي في تسويد تاريخها بوصمات الذنب والمعصية ، منها واقعة الجمل ، وكلكم تقبلون أنها بعملها في البصرة خالفت الله ورسوله ، وهي أيضا قد اعترفت بخطئها ، ولكن تقولون
__________________
(١) سورة الأحزاب ، الآية ٣٣.
أنها تابت واستغفرت ، فإذا هي ندمت وتابت ، كان اللازم عليها أن توالي عليا وتوالي آل البيت النبوي ، ولكنها خرجت مرّة أخرى وكشفت عن ضميرها الممتلئ عداوة لآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وذلك يوم تشييع جنازة الامام الحسن بن عليعليهالسلام سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومنعت من دفنه عند جدّه كما روى ذلك كثير من مؤرخيكم وأعلامكم ، منهم العلاّمة سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص ١٩٣ ، ط بيروت ، والعلاّمة ابن أبي الحديد في شرح النهج ج ١٦ / ١٤ ، عن المدائني عن أبي هريرة ، وابو الفرج المرواني الأصبهاني في مقاتل الطالبيين / ٧٤ ، وفي روضة الصفا لمحمد خاوند / ج ٢ ، قسم وفاة الحسن [عليهالسلام ] ، وتاريخ ابن الأعثم الكوفي ، وفي روضة المناظر للعلاّمة ابن شحنة ، وأبو الفداء إسماعيل في كتابه المختصر في أخبار البشر ج ١ / ١٨٣ ط مصر ، والعلاّمة المسعودي صاحب مروج الذهب ، نقل في كتابه إثبات الوصية ١٣٦ : أنّ ابن عباس قال لها ـ أي لعائشة ـ : [أما كفاك أن يقال يوم الجمل حتى يقال يوم البغل ، يوما على جمل ويوما على بغل بارزة عن حجاب رسول الله (ص) تريدين إطفاء نور الله والله متمّ نوره ولو كره المشركون ـ إنّا لله وإنّا إليه راجعون.]
ونقل بعض المحدثين أنه قال لها :
تجمّلت تبغّلت ، وإن عشت تفيّلت |
لك التسع من الثمن ، وفي الكلّ تصرّفت |
وأراد الهاشميون أن يجرّدوا السلاح لأن بني أمية تسلّحوا أيضا ليمنعوا من دفن الحسن المجتبىعليهالسلام عند جده رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأمر عائشة ، ولكنّ الحسينعليهالسلام تدارك الموقف فقال «الله الله يا بني هاشم
لا تضيّعوا وصيّة أخي واعدلوا به إلى البقيع ، والله لو لا عهد إليّ أن لا أهريق في أمره محجمة دم لدفنته عند جدّنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مهما بلغ الأمر!». فدفنوه في البقيع(١) .
__________________
(١) ذكر كثير من المؤرخين منع عائشة لدفن الإمام الحسنعليهالسلام بجوار جده رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منهم أبو الفرج الأصبهاني في كتابه [مقاتل الطالبيين] ٧٤ قال [فأمّا يحيى بن الحسن صاحب كتاب «النسب» فإنه روى أنّ عائشة ركبت ذلك اليوم بغلا.
واستنفرت بني أميّة مروان بن الحكم ومن كان هناك منهم ومن حشمهم] وهو قول القائل فيوما على بغل ويوما على جمل.
ومنهم ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٦ / ١٤ ، ط دار إحياء التراث العربي نقل عن المدائني عن أبي هريرة : [فلما رأت عائشة السلاح والرجال وخافت أن يعظم الشر بينهم وتسفك الدماء ـ هذا كله توجيه منه ـ قالت : البيت بيتي ولا آذن لأحد أن يدفن فيه!]
ومنهم العلاّمة سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / ١٩٣ ، طبع بيروت وهذا نصّه : وقال ابن سعد عن الواقدي «لما احتضر الحسن قال : ادفنوني عند أبي يعني رسول الله» فأراد الحسين أن يدفنه في حجرة رسول الله (ص) ، فقامت بنو أميّة ومروان وسعيد بن العاص وكان واليا على المدينة فمنعوه!! قال ابن سعد : ومنهم أيضا عائشة وقالت : لا يدفن مع رسول الله (ص) أحد!!
ومنهم أبو الفداء في «المختصر في أخبار البشر» ج ١ / ١٨٣ طبع مصر قال [وكان الحسن قد أوصى أن يدفن عند جده رسول الله (ص) ، فقالت عائشة : البيت بيتي ولا آذن أن يدفن فيه.]
ومنهم اليعقوبي في تاريخه وهو من أعلام القرن الثالث الهجري قال : وقيل : إنّ عائشة ركبت بغلة شهباء وقالت : بيتي لا آذن فيه لأحد! فأتاها القاسم بن محمد ابن أبي بكر فقال لها : يا عمة ما غسّلنا رءوسنا من يوم الجمل الأحمر ، أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء؟! فرجعت.]
فرحة عائشة لشهادة الإمام عليعليهالسلام
وإذا كانت عائشة نادمة على خروجها وتابت من قتالها وحربها
__________________
ومنهم النيسابوري في روضة الواعظين / ١٤٣ ، ذكر أنّ ابن عباس خاطبها قائلا [وا سوأتاه يوما على بغل ويوما على جمل! تريدين أن تطفئي نور الله ، وتقابلين أولياءه؟!]
ولنا أن نتساءل : من أين جاء لها البيت الذي دفن فيه نبي الرحمة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ أما روى أبوها أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ، ولا دارا ولا عقارا ، وبناء عليها منع سيدة النساء فاطمة إرثها وحقّها من أبيها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولو فرضنا أن عائشة ردّت رواية أبيها وكذّبته فكم حصّتها من الإرث؟ فقد قيل لها :
لك التسع من الثمن |
وفي الكل تصرّفت؟! |
لأنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مات عن تسع زوجات وحصّة الزوجة من الإرث ثمن ٨ / ١ ما ترك الزوج من العمارات والأموال المنقولة فأمّا من الأرض فلا ترث ، وعائشة تصرّفت في الأرض خلافا لحكم الله فدفنت أباها في بيت رسول الله (ص) وسكتت عن دفن عمر أيضا.
ونصّ بعض المؤرخين كما في كتاب «الدرّة الثمينة في تاريخ المدينة» : / ٤٠٤ أنّ عائشة سمحت بدفن عبد الرحمن بن عوف في حجرة النبي (ص).
فلنا أن نتساءل : هل أنّ عبد الرحمن أولى برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من سبطه الأكبر الإمام الحسن الذي كان يقبّله في الملأ العام ويشمّه ويضمّه إلى صدره ويقول «الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا». ويقول صلىاللهعليهوآلهوسلم «اللهم إنّي أحبه وأحب من يحبه؟».
فلا أدري لأي سبب تسمح عائشة لابن عوف أن يدفن عند النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وتبعد ريحانته وفلذة كبده عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! أكان ذلك استجابة منها لرغبة الأمويين!! أم للحقد الدفين؟
«المترجم»
للامام عليعليهالسلام ، فلما ذا أظهرت الفرح حين وصلها خبر شهادة أمير المؤمنينعليهالسلام وسجدت شكرا لله تعالى؟!
كما أن أبا الفرج الأصبهاني صاحب كتاب الأغاني ، روى في كتابه مقاتل الطالبيين / ٥٤ ـ ٥٥ / بإسناده إلى إسماعيل بن راشد وهو روى بالإسناد أيضا فقال : [لمّا أتى عائشة نعي عليّ أمير المؤمنين ـعليهالسلام ـ تمثّلت :
فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى |
كما قرّ عينا بالإياب المسافر |
ثم قالت : من قتله؟ فقيل : رجل من مراد ، فقالت :
فإن يك نائيا فلقد بغاه |
غلام ليس في فيه التراب |
فقالت لها زينب بنت أم سلمة : ألعليّ تقولين هذا؟!
فقالت : إذا نسيت فذكّروني!!]
ثم روى أبو الفرج بإسناده عن أبي البختري قال : [لمّا أن جاء عائشة قتل عليّعليهالسلام سجدت!!(١) .]
أيها الحاضرون! وأيها العلماء! هل بعد هذا الخبر ، تصدّقون توبتها؟ أم تقبلون أنّها كانت خفيفة العقل ، وغير رزينة ولا متوازنة في سلوكها ومعاشرتها مع آل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
__________________
(١) نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٩ / ١٩٨ ، ط دار إحياء التراث العربي عن الشيخ أبي يعقوب وقال فيه : انه لم يكن يتشيّع. قال : ماتت فاطمة ، فجاء نساء رسول الله (ص) كلهنّ الى بني هاشم في العزاء الاّ عائشة فانها لم تأت ، واظهرت مرضا ، ونقل الى عليّعليهالسلام عنها كلام يدلّ على السرور!! «المترجم»
تناقضات عائشة في عثمان
والغريب أنكم لا تنتقدون أم المؤمنين عائشة لموقفها السلبي تجاه عثمان ، ولا تأخذون عليها جملاتها وكلماتها الشنيعة في حقه حتى رمته بالكفر ، ولكن تصبّون جام غضبكم على الشيعة وترمونهم بالكفر والضلال إذا نسبوا عثمان إلى سوء التدبير والإجحاف ، أو نسبوه إلى إتلاف بيت المال وسوء التصرّف ، وهم ينقلون كلّ ذلك من كتب أعلامكم وروى أكثر محدثيكم وأكبر مؤرخيكم أنّ عائشة كانت تؤلّب الناس وتحرّضهم على قتل عثمان ، منهم المسعودي في كتابه أخبار الزمان ، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / ٦٤ ، ط بيروت ، وأعلام المؤرخين : مثل ابن جرير وابن عساكر وابن الأثير وغيرهم ، ذكروا في أحداث قتل عثمان أن عائشة كانت تحرّض على قتله بالجملة المشهورة عنها : [اقتلوا نعثلا فقد كفر!]
وذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٦ / ٢١٥ ، ط إحياء التراث قال : قال كلّ من صنّف في السّير والأخبار : [انّ عائشة كانت من أشد الناس على عثمان ، حتى أنها أخرجت ثوبا من ثياب رسول الله (ص) ، فنصبته في منزلها ، وكانت تقول للداخلين إليها : هذا ثوب رسول الله (ص) لم يبل ، وعثمان قد أبلى سنته! قالوا : أوّل من سمّى عثمان نعثلا ، عائشة ؛ والنعثل : الكثير شعر اللحية والجسد ، وكانت تقول : اقتلوا نعثلا ، قتل الله نعثلا!!]
قال : وروى المدائني في كتاب «الجمل» قال : لما قتل عثمان ، كانت عائشة بمكة وبلغ قتله إليها وهي بشراف ، قالت : [بعد النعثل وسحقا!!]
ونقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٦ صفحة ٢١٦ قال : وقد روي من طرق مختلفة أنّ عائشة لما بلغها قتل عثمان وهي بمكة ، قالت : [أبعده الله! ذلك بما قدّمت يداه وما الله بظلاّم للعبيد!!]
حينما تقرءون في التاريخ أنّ أم المؤمنين كانت تتفوّه وتتكلّم بهذه الجمّل على عثمان ، لا تحكمون بكفرها وضلالتها!! ولكن اذا سمعتم من شيعي يتكلّم بأقلّ من هذا في عثمان ، تكفرونه وتأمرون بقتله!!
والجدير بالذكر أن أقوال عائشة في شأن عثمان متناقضة ، فقد ذكر المؤرّخون أنّها لمّا سمعت بأنّ الناس بايعوا عليّا بعد عثمان ، غيّرت كلامها وأظهرت بغضها وحقدها لعلي بن أبي طالبعليهالسلام فقالت : [لوددت أنّ السماء انطبقت على الأرض إن تمّ هذا قتلوا ابن عفّان مظلوما!!]
بالله عليكم فكّروا في هذا التناقض البيّن ، والتضارب الفاحش في كلام عائشة! أما يدلّ هذا التناقض والتضارب على عدم استقامتها؟ بل هو دليل ظاهر على تلوّنها وميولها مع أهوائها وتلبيتها لأغراضها النفسيّة ، وإنّ النفس لأمّارة بالسوء!
الشيخ عبد السلام : نعم ذكر المؤرخون هذه التناقضات في سيرة أم المؤمنين (رض) ، وهم ذكروا أيضا أنها ندمت وتابت واستغفرت ، والله سبحانه وعد التائبين بقبول التوبة والجنة ، ولذا نحن نعتقد أنّها في أعلى درجات الجنان عند رسول الله (ص).
قلت : إنّ كلامك تكرار لمقالك السابق ، وأنا لا أكرّر كلامي وجوابي لك ، ولكن هل من المعقول أنّ الدماء التي سفكت في الجمل
بسببها ، والأموال التي نهبت بأمرها ، والحرمات التي هتكت بنظرها تذهب أدراج الرياح ، ولا يحاكمها الله على أعمالها؟!
أين إذا قول الله سبحانه :( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (١) ؟!
صحيح أن الله عزّ وجلّ أرحم الراحمين ، ولكن في موضع العفو والرحمة ، وأشدّ المعاقبين في موضع النكال والنقمة.
ولا يخفى أنّ من شروط قبول التوبة ، ردّ حقوق الناس وإرضائهم ، فإنّ الله تعالى ربما يعفو عن حقه ، ولكن لا يعفو عن حقوق الناس. وعائشة تابت بالقول واللسان ، لا بالفعل والجنان ، ولذلك ما كانت مطمئنّة من قبول توبتها وغفران الله سبحانه لها وهي أعرف بنفسها ، ولذا ذكر أكابر علمائكم مثل الحاكم في المستدرك ، وابن قتيبة في المعارف ، والعلاّمة الزرندي في الأعلام بسيرة النبي (ص) ، وكذلك ابن البيّع النيسابوري ، وغيرهم ذكروا أنّ عائشة أوصت إلى عبد الله بن الزبير وسائر محارمها فقالت : [ادفنوني مع أخواتي بالبقيع فإنّي قد أحدثت أمورا بعد النبي (ص)!]
أمّا قولكم بأنّها نسيت بعض أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في شأن الإمام عليعليهالسلام وفضله ومناقبه ، ونسيت تحذير النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لها من خروجها على أمير المؤمنين ومحاربتها لهعليهالسلام ، وبعد ما وضعت الحرب أوزارها وانتهت المعركة بانتصار عليعليهالسلام وجيشه وانكسار عائشة وجيشها ، تذكّرت أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وما سمعته من فمه المبارك في ذلك فتابت واستغفرت!!
__________________
(١) سورة الزلزلة ، الآية ٧ و ٨.
أم سلمة تذكّر عائشة
فقد روى كثير من أعلام محدثيكم وكبار علمائكم خلاف ذلك ، منهم :
ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٦ / ٢١٧ ، ط دار إحياء التراث العربي روى عن أبي مخنف ـ لوط بن يحيى الأزدي ـ قال : [جاءت عائشة إلى أم سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان
فقالت أم سلمة : إنك كنت بالأمس تحرّضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول ، وما كان اسمه عندك إلاّ نعثلا ، وإنّك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أفأذكّرك؟
قالت : نعم ، قالت : أتذكرين يوم أقبلعليهالسلام ونحن معه ؛ حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال ، خلا بعليّ يناجيه فأطال ، فأردت أن تهجمي عليهما ، فنهيتك فعصيتني ، فهجمت عليهما ، فما لبثت أن رجعت باكية ، فقلت : ما شأنك؟ فقلت : إنّي هجمت عليهما وهما يتناجيان فقلت لعليّ : ليس لي من رسول الله إلاّ يوم من تسعة أيّام ، أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي!
فأقبل رسول الله (ص) عليّ وهو غضبان محمّر الوجه ، فقال : ارجعي وراءك! والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلاّ وهو خارج من الإيمان!
فرجعت نادمة ساقطة! قالت عائشة : نعم أذكر ذلك.]
ويتابع ابن أبي الحديد رواية أبي مخنف في تذكير أم سلمة لعائشة
قالت : واذكّرك أيضا [كنت أنا وأنت مع رسول الله (ص) ، وأنت تغسلين رأسه ، وأنا أحيس له حيسا ، وكان الحيس يعجبه ، فرفع (ص) رأسه وقال : يا ليت شعري ، أيّتكنّ صاحبة الجمل الأذنب ، تنبحها كلاب الحوأب ، فتكون ناكبة عن الصراط؟! فرفعت يدي من الحيس ، فقلت : أعوذ بالله وبرسوله من ذلك. ثم ضرب (ص) على ظهرك وقال : ايّاك أن تكونيها!! إيّاك أن تكونيها يا حميراء! أمّا أنا فقد انذرتك!
قالت عائشة : نعم أذكر هذا.
قالت : وأذكّرك أيضا كنت أنا وأنت مع رسول الله (ص) في سفر له ، وكان عليّ يتعاهد نعلي رسول الله (ص) فيخصفها ، ويتعاهد أثوابه فيغسلها ، فنقبت له نعل ، فأخذها يومئذ يخصفها ، وقعد في ظلّ سمرة. وجاء أبوك ومعه عمر ، فاستأذنا عليه (ص) فقمنا إلى الحجاب ، ودخلا يحادثانه فيما أراد ، ثم قالا : يا رسول الله! إنّا لا ندري قدر ما تصحبنا ، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ، ليكون لنا بعدك مفزعا.
فقال (ص) لهما : أما إنّي قد أرى مكانه ، ولو فعلت لتفرّقتم عنه ، كما تفرّقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران.
فسكتا ثم خرجا ، فلمّا خرجنا إلى رسول الله (ص) ، قلت له ، وكنت أجرا عليه (ص) منّا : من كنت يا رسول الله ، مستخلفا عليهم؟
فقال (ص) : خاصف النعل ، فنظرنا فلم نر أحدا إلاّ عليّا ، فقلت : يا رسول الله ، ما أرى إلاّ عليّا. فقال (ص) : هو ذاك. فقالت عائشة : نعم أذكر ذلك.
فقالت أم سلمة : فأيّ خروج تخرجين بعد هذا؟!
فقالت : إنّما أخرج للإصلاح بين الناس ، وأرجو فيه الأجر إن شاء الله.
فقالت : أنت ورأيك ، فانصرفت عائشة عنها.]
أقول : فاعلموا أيها الحاضرون! إنّ عائشة ما كانت ناسية مكانة الإمام عليّعليهالسلام عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومنزلته منه ، بل خرجت عالمة عامدة ، ناكرة للحق ، داعية للباطل ، عازمة على الحرب والفتنة. وهدفها وغرضها إفساد الأمر على أبي الحسن أمير المؤمنين (سلام الله عليه) ، وهي تعلم أنّه أحقّ الناس بالأمر وأولادهم بالخلافة للنصّ الأخير الذي ذكّرتها به أم سلمة (سلام الله عليها).
فإنّ حديث خاصف النعل الذي رواه كثير من أعلامكم بطرق عديدة صريح في تعيين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّا للخلافة والإمامة.
لذلك نحن نعتقد بدليل هذا الحديث وعشرات الأحاديث الصحيحة من نوعه وبأدلّة ثابتة من الكتاب الحكيم ، بأنّ علياعليهالسلام هو الإمام المفترض الطاعة بعد رسول الله ، وهو خليفته بلا فصل ، ولكن مناوئيه وحاسديه غصبوا مقامه وأخّروه بدسائس سياسية ومؤامرة شيطانية وعينوا أبا بكر للخلافة من غير نصّ ولا إجماع ، فإنّ النزاع كان قائما في السقيفة من جراء ذاك الانتصاب ، وكلّنا نعلم بأنّ سيّد الخزرج سعد بن عبادة كان مخالفا لخلافة أبي بكر إلى آخر عمره وتبعه كثير من قومه. وكذلك الهاشميون كانوا مخالفين ، وبعد خلافة أبي بكر جاء عمر بن الخطاب بانتصاب وتعيين من أبي بكر ، فلا إجماع ولا شورى! وقد سبق أن بيّنّا مخالفة طلحة وجمع آخر من الصحابة
لتعيين عمر وانتصابه للخلافة ، وأما عمر فقد أبدع طريقا آخر لتعيين خليفته ، إذ عيّن ستة نفرا من الصحابة فيهم عليّعليهالسلام وعثمان ، وأمر أن يختاروا من بينهم أحدهم ، فاذا لم يتمّ الوفاق على أحد منهم خلال ثلاثة أيّام ، أصدر حكم إعدامهم وقتلهم!! وقد آل الأمر بمكيدة عمر إلى عثمان.
فنحن نعتقد أنّ هذه الطرق المتناقضة في تعيين الخلفاء الثلاثة ، قبل الإمام عليعليهالسلام ، كلها طرق غير مشروعة ما سنّها الله ولا رسوله لأنّا لو فرضنا بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «لا تجتمع أمتي على خطأ» فلم يلحظ إجماع الأمّة في هذه الطرق الثلاثة ، ولكن خلافة الإمام عليعليهالسلام امتازت بالنصوص الصريحة من الكتاب والسنّة.
الشيخ عبد السلام : لا شك أنّ الإجماع حصل على خلافة أبي بكر بالتدريج ، ونحن نقبل بأن الإجماع ما حصل في السقيفة ولكن بعدها دخل الناس كلهم في طاعة أبي بكر (رض) وحتى الهاشميين بما فيهم عليّ والعباس بايعوا بعد وفاة فاطمة الزهراء (رضي الله عنها).
قلت : أوّلا فاطمة الزهراءعليهاالسلام وهي سيّدة نساء العالمين والمسلمين بإجماع الأمة ، ما بايعت لأبي بكر بل ماتت وهي ساخطة وناقمة عليه كما مرّ في المجالس السابقة ، كما وقد مرّ أيضا في المجالس السابقة بأن سيد الخزرج سعد بن عبادة ما بايع أبا بكر إلى أن قتل غيلة. وهذا يكفي لبطلان الإجماع الذي تدّعونه.
ثانيا : لقد أثبتنا في المجالس السالفة أنّ بيعة كثير من المسلمين في المدينة كانت بالجبر والإكراه لا عن الطوع والرضا ، وهذا خلاف شرط صحة الاجماع.
ثم لو فرضنا تصحيح خلافة أبي بكر بالإجماع المزعوم ، فكيف تصححون خلافة عمر الذي عيّنه أبو بكر بوصية منه كتبها عثمان؟!
الشيخ عبد السلام : بديهي بأنّ قول أبي بكر في تعيين عمر بن الخطاب بالخلافة أيضا مستند إلى إجماع الأمة ، لأنهم اجمعوا على طاعته وقبول رأيه ، وكان من رأيه تعيين عمر للخلافة بعده.
قلت : أوّلا إن كان كذلك ، فلما ذا ما أطعتم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في تعيين خليفته ، وهو قد عيّن عليا وصرّح به مرّات وكرّات من يوم الإنذار إلى يوم الغدير وما بعده ، ولكنكم ترفضونه بحجّة أنّ اختيار الخليفة وانتخابه من حق الأمة وأنّ نصوص النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في عليّ بن أبي طالب كانت ارشادية ، هذا مع أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان دائما يحذّر الناس من مخالفة أمره ومخالفة الامام عليعليهالسلام ، حتى أننا نرى في بعض الأحاديث الشريفة المرويّة عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم في كتبكم ، يصرّح بأنّ مخالفة عليّ كفر ، وبغضه نفاق ، وطاعته إيمان.
ثانيا : بأي دليل عقليّ أو نقليّ تقولون بأنّ قول الفرد المنصوب بالاجماع ، لا سيما في تعيين خليفته ، يكون قوله لازما وماضيا على الناس! فإنّ هذا الأمر يخالف سيرة أهل العالم لا سيّما العقلاء منهم. ولكي تعرفوا ذلك فطالعوا الكتب المدوّنة في قوانين الدول والانتخابات.
ثالثا : إن كان كلامكم صحيحا ، فلما ذا لم يعمل عمر بن الخطاب على ما خطّه أبو بكر ، بل قام بإبداع طريقة جديدة تخالف مبنى وأساس خلافته وخلافة أبي بكر من قبله. فانّ الشورى الذي شكله عمر من ستة أفراد ، لا يشابه مجالس الشورى البشريّة ، ولا يشابه الانتخابات الجمهورية ، بل أقرب ما يكون إلى الاستبداد والديكتاتورية ،
وهنا شاط الشيخ عبد السلام ولاح الغضب في وجهه فصاح :
نحن لا نسمح لكم بهذا الكلام ، والمسّ من شخصيّة الفاروق ، إلاّ أن تأتوننا بدليل وبرهان.
قلت : ما ذكره المؤرخون في وصية عمر لأبي طلحة الأنصاري في تشكيل الشورى ورجحان الكفّة التي فيها عبد الرحمن بن عوف دليل ساطع وبرهان لامع على ما قلنا ، لأنّه كان يعرف أنّ عبد الرحمن بن عوف يميل الى عثمان وأنّ سعد بن أبي وقاص حاقد على أبي الحسن وحاسد له ، فلا يميل إلى جانبهعليهالسلام ، فضمن عمر خلافة عثمان بهذه المكيدة والسياسة والكياسة وسمّاها شورى وما هي بشورى(١) !
__________________
(١) ذكر ابن أبي الحديد قصة الشورى في شرح النهج : ج ١ / ١٨٥ ـ ١٨٨ ط إحياء التراث ، قال [وصورة هذه الواقعة أنّ عمر لما طعنه أبو لؤلؤة ، وعلم أنّه ميت
قال : إنّ رسول الله مات وهو راض عن هذه الستة من قريش : عليّ ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وسعد ، وعبد الرحمن بن عوف ، وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم
ثم قال : ادعوا لي أبا طلحة الأنصاري! فدعوه له ، فقال : أنظر يا أبا طلحة ، إذا عدتم من حفرتي ، فكن في خمسين رجلا من الأنصار حاملي سيوفكم ، فخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله ، واجمعهم في بيت وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحدا منهم ، فإن اتّفق خمسة وابى واحد فاضرب عنقه ، وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب عنقيهما ، وان اتّفق ثلاثة وخالف ثلاثة فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن ، فارجع الى ما قد اتفقت عليه ، فإن أصرّت الثلاثة الأخرى على خلافها فاضرب أعناقهم ، وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمر ، فاضرب أعناق الستة ودع المسلمين يختارون لأنفسهم.]
أقول : إذا لم نسمّ هذا الأمر القاطع والحكم الصادر من الخليفة في شأن أصحاب الشورى ، بالهمجيّة والديكتاتورية ، فما ذا يسمّى؟! «المترجم»
شورى أم ديكتاتورية!!
ولنا أن نعترض على حكم عمر وتفويضه الأمر النهائي إلى عبد الرحمن بن عوف ، ونتساءل : بأي ملاك وعلى أي استناد شرعي وعرفي وعقلي ونظري يكون رأي ابن عوف مقدّما على رأي الآخرين وأصوب؟ وكيف يكون رأي الثلاثة الذين فيهم ابن عوف نافذا ، والثلاثة الأخرى ان لم توافق فمصيرهم القتل والاعدام؟!
ومن دواعي التعجب والاستغراب ، تقديم رأي عبد الرحمن بن عوف على رأي أبي الحسن علي بن أبي طالبعليهالسلام في مثل هذا الأمر ، مع روايتهم حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «عليّ مع الحق والحق مع علي».
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم «عليّ فاروق هذه الأمة يفرّق بين الحق والباطل».
وقد روى الحاكم في المستدرك ، وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء ، والطبراني في الأوسط ، وابن عساكر في تاريخه ، والعلاّمة الكنجي في كفاية الطالب ، والمحب الطبري في الرياض النضرة ، والحمويني في فرائد السمطين ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ، والسيوطي في الدرّ المنثور ، عن ابن عباس ، وسلمان ، وأبي ذر ، وحذيفة ، أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذاك فالزموا علي بن أبي طالب ، فإنّه أول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو فاروق هذه الأمة يفرّق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين(١) ».
__________________
(١) أيها القارئ الكريم لقد ورد هذا الحديث في كتب المحدثين ومسانيدهم المعتبرة ،
__________________
وأذكر لك بعضها من العامّة وأعلام السنّة حتى تسكن بها نفسك ويطمئن قلبك ، منها :
الإصابة لابن حجر : ج ٧ / القسم الأول ص ١٦٧ قال : وأخرج أبو أحمد وابن مندة وغيرهما من طريق إسحاق بن بشر الأسدي عن خالد بن الحارث عن عوف عن الحسن عن أبي ليلى الغفارية قال : سمعت رسول الله (ص) يقول «ستكون من بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب فإنه أول من آمن بي وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصديق الأكبر ، وهو فاروق هذه الأمة ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب المنافقين».
وذكره ابن عبد البر أيضا في الاستيعاب : ج ٢ / ٦٥٧ ، وابن الأثير أيضا في أسد الغابة : ج ٥ / ٢٨٧.
وفي مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٠٢ قال : وعن أبي ذر وسلمان قالا : أخذ النبي (ص) بيد علي عليهالسلام فقال «إنّ هذا أول من آمن بي ، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة ، وهذا الصديق الأكبر ، وهذا فاروق هذه الامة يفرق بين الحق والباطل ، وهذا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظالمين».
ورواه الطبراني والبزار عن أبي ذر وحده ، وذكره المناوي أيضا في فيض القدير في الشرح : ج ٤ / ٣٥٨ ، والمتقي في كنز العمال : ج ٦ / ١٥٦ ، وقال : رواه الطبراني عن سلمان وأبي ذر معا والبيهقي وابن عدي عن حذيفة. وفي الرياض النضرة للمحب الطبري : ج ٢ / ١٥٥ قال : وعن أبي ذر قال : سمعت رسول الله (ص) يقول لعلي عليهالسلام «أنت الصديق الأكبر ، وأنت الفاروق الذي تفرق بين الحق والباطل». (قال) : وفي رواية «وأنت يعسوب الدين». قال : خرّجهما الحاكم.
وهناك مصادر اخرى كثيرة ذكرت بعضها في تعليقاتنا السابقة ، وأكتفي بما ذكرت فإنّ فيها الكفاية لمن أراد الحق والهداية.
«المترجم»
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث مشهور لعمار بن ياسر ـ ونقلته لكم بإسناده وذكرت مصادره من كتبكم في الليالي الماضية ـ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
«يا عمار! إن سلك الناس كلّهم واديا وسلك عليّ وحده واديا ، فاتّبع عليا وخلّ عن الناس ، يا عمار! عليّ لا يردك عن هدى ، ولا يدلّك على ردى يا عمار! طاعة عليّ طاعتي ، وطاعتي طاعة الله».
مع هذا كله يقدّم عمر عبد الرحمن بن عوف على الإمام عليّعليهالسلام ويقدّم رأيه على رأي أمير المؤمنين سلام الله عليه ، وهذا من أفحش الظلم في حق الإمام أبي الحسنعليهالسلام .
كل عاقل منصف ، له أدنى إلمام بأمور الدولة والسياسة ، يعرف سريرة عمر وغرضه من هذا الأمر ، وهو الإطاحة بعليّعليهالسلام وخذلانه والسعي لتنزيل مقامه الشامخ ، ومكانه العليّ.
وكل من له اطّلاع وباع في كتب الرجال والأصحاب من قبيل الإصابة والاستيعاب ، وحلية الأولياء وأمثالها ، يعرف جيّدا أن علياعليهالسلام لا يقاس بعبد الرحمن ، وأعلى من سائر أعضاء الشورى في الفضل والمناقب وفي المنزلة والمقام.
وأنتم أيها الحاضرون! راجعوا كتب الحديث والتواريخ والمناقب وطالعوها وأنصفوا وفكروا ثم احكموا في رأي عمر وتعيينه عبد الرحمن حكما في الشورى ، وترجيح رأيه على الآخرين بما فيهم علي بن أبي طالبعليهالسلام !
والله ما كانت الشورى العمريّة إلاّ مكيدة ولعبة سياسية ومؤامرة تحزّبيّة من مناوئي الإمام عليّعليهالسلام ومخالفيه ، ليحرموه من حقّه ويبعدوه من مقامه للمرّة الثالثة!!
فالخلفاء «الراشدون عندكم» نالوا الخلافة وتوصّلوا إليها بأربعة
طرق ، كل واحد منهم وصل إلى الخلافة بشكل خاص وطريقة تخصّه ، فلا ندري أي طريقة منها وأي شكل من الأشكال مراد الله سبحانه ومقتضي شريعته ودينه! فإن تعيّنوا شكلا واحدا ، فالأشكال الأخرى باطلة ، وإن تقولوا : كل هذه الطرق والأشكال صحيحة وشرعية ، نعرف أنكم لا تلتزمون لتعيين الخليفة والحاكم الشرعي ، بطريق ثابت وقانون معيّن معلوم.
وأنتم الحاضرون ولا سيما العلماء الكرام ، اذا تركتم التعصّب والانحياز الى مذهب أسلافكم ومعتقد آبائكم ، ونظرتم إلى الحوادث والقضايا بعين الإنصاف والعدالة ، وبنظر التحقيق والدّلالة ، لعرفتم أنّ الحق غير ما تلتزمون به وتعتقدونه.
الشيخ عبد السلام : نعم ولكن لو أمعنّا النظر وتعمّقنا في الموضوع على أساس بيانكم وغرار كلامكم ، فإنّ خلافة سيدنا علي بن أبي طالب تتزلزل أيضا ، لأنّ الناس الذين نصبوه للخلافة وبايعوه هم الذين بايعوا من قبله من الخلفاء الثلاثة الراشدين ، ولا فرق بينه وبينهم؟!.
خلافة الإمام عليعليهالسلام منصوصة
قلت : هذا الإشكال يرد على من يعتقد بأن خلافة الإمام عليعليهالسلام ومشروعيّتها لاجماع الناس في المدينة بعد مقتل عثمان على خلافة الإمام وبيعتهم له ، ولكنّا نعتقد بالدليل والبرهان أنّ خلافة الإمام عليعليهالسلام منصوصة من الله سبحانه بالأحاديث المكرّرة من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو الخليفة الشرعي بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مباشرة وإن
غصبوا حقه وأزالوه عن مقامه طيلة سنين عديد. وحيث لم يجد أعوانا وأنصارا لإحقاق حقه ، أمسى جليس الدار صابرا محتسبا ، حتى أجمع الناس على بيعته بعد مقتل عثمان وألحّوا وأصرّوا عليه ، فقبل منهم البيعة وتعهّد ادارة أمور المسلمين.
وقد بيّنا في المجالس السابقة وذكرنا لكم النصوص المرويّة في كتبكم ومسانيدكم المعتبرة ، في تعيين النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّا خليفته على الأمّة ، وإن نسيتم حديثنا في موضوع الغدير وإمامة عليّعليهالسلام وخلافته ، فراجعوا الصحف والمجلاّت التي نشرت حوارنا ومجالسنا السابقة ، فقد استدللنا وأثبتنا ولاية عليّعليهالسلام وخلافته الشرعيّة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، وإضافة الى تواترها في كتب الشيعة فقد ذكرنا عشرات المصادر لها من كتب أعلامكم ومسانيد علمائكم ، فالأحاديث التي ذكرناها في إثبات ولاية الإمام عليعليهالسلام وخلافته متفق عليها وصحيحة بإجماع الشيعة والسنة.
ولكن لا يوجد حتى حديث واحد متّفق على صحّته بين الفريقين في ولاية وخلافة الثلاثة قبل الإمام عليّعليهالسلام ، أو في خلافة أحد الأمويين أو العباسيين.
الشيخ عبد السلام : لقد ورد عندنا عن رسول الله (ص) أنّه قال : «أبو بكر خليفتي في أمتي».
قلت : أولا هذا الحديث غير مقبول عندنا ولم يروه أحد من علماء الشيعة ، فصار غير متفق عليه.
ثانيا : لقد ذكرنا أقوال بعض أعلامكم في بطلان الأحاديث الموضوعة في فضل أبي بكر ومناقبه ، وإضافة على ما مضى أنقل لكم
قول أحد كبار علمائكم ومشاهير أعلامكم ، وهو الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي صاحب كتاب القاموس في اللغة ، قال في كتابه «سفر السعادة» [إن ما ورد في فضائل أبي بكر ، فهي من المفتريات التي يشهد بديهة العقل بكذبها.]
خلافة عليّعليهالسلام أقرب إلى الإجماع من خلافة غيره
ولا يخفى على من تدبّر في تاريخ الخلافة ، أنّ خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام كانت أقرب الى الاجماع من خلافة الثلاثة قبله ، والذين استولوا على الخلافة بعده من الأمويين والعباسيين.
فقد بيّنا عدم تحقق الإجماع في الخلفاء الذين تولّوا الأمر قبل الإمام عليعليهالسلام وكذلك الذين جاءوا بعده ، فلم يتحقق إجماع الأمة لأحدهم ، والتاريخ يشهد على ذلك ولكن تحقّق للإمام عليعليهالسلام ما يقرب من الإجماع ، فإن الّذين بايعوه بعد مقتل عثمان كانوا عامة أهل المدينة إلاّ من شذّ ، وهم أقلّ من عدد الأصابع ، وإضافة على أهل المدينة ، فقد بايعه جمع كثير من أهالي الأمصار الذين كانوا ينوبون عن أهل بلادهم وقومهم ، وهم الذين أقبلوا من البصرة والكوفة ومن مصر وغيرها من بلاد الإسلام ونزلوا المدينة المنوّرة ، ليعزلوا عثمان عن الخلافة ، أو يصلحوه ويصلحوا شأنه ودولته. فلما قتل عثمان ، أجمعوا على بيعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام .
ولا يخفى أنّ المجتمعين يومئذ في المدينة المنورة ، والذين أجمعوا على بيعة الإمام عليّعليهالسلام ، كانوا زعماء القوم وأهل الحلّ والعقد في أمصارهم وشيوخ أهل بلدانهم.
والجدير بالذكر ، أنّنا مع تحقّق هذا الأمر ـ الذي كان أقرب شيء إلى الاجماع ـ لم نجعله دليلا على خلافة الإمام عليعليهالسلام .
وإنما الدليل الثابت عندنا والبرهان المثبت لخلافة مولانا وسيدنا الإمام عليّعليهالسلام هو النصّ الإلهي في القرآن الحكيم وصريح حديث النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو مطابق لسيرة جميع الرسل والأنبياء الذين كانوا يعينون أوصياءهم وخلفاءهم بأمر الله سبحانه.
ثالثا : قلتم لا فرق بين أبي الحسن أمير المؤمنين وبين الخلفاء قبله.
فلا أدري هل تنطقون بهذا الكلام عن جهل أو تجاهل؟ لأنّ الأدلّة العقلية والنقليّة والشواهد التاريخيّة والحسيّة كلها قائمة على أنّ علياعليهالسلام يمتاز عن الخلفاء بل عن كل البشر. فلا يقاس به أحد.
امتيازات الإمام عليّعليهالسلام
كل من يطالع تاريخ حياة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام من حين ولادته في بطن الكعبة ، إلى ساعة استشهاده في سبيل الله في حال العبادة والصلاة في وسط المحراب في مسجد الكوفة ، وينظر بنظر التحقيق والتدقيق في جهاده ومواقفه ، وفي خطبه وكلماته ، وفي حركاته وسكناته ، وفي خوضه الحوادث وانزوائه ، لا يشك في أنّهعليهالسلام كان شخصية متميزة وفريدة من نوادر التاريخ وأعظم نوابغ البشر ، لذلك نرى جميع المسلمين وأكثر أعلامكم وكبار علمائكم إلاّ من شذّ ـ وهم من الخوارج والنواصب من الأمويين والبكريين ـ قالوا : بأفضليته عمّن سواه بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذلك استنادا إلى الحديث الشريف المروي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في حقه أنقله لكم مضافا إلى ما رويته
من كتب أعلامكم في الليالي الماضية في فضائله ومناقبهعليهالسلام .
روى أحمد بن حنبل في مسنده ، والموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب ، والعلاّمة الهمداني في مودّة القربى ، والحافظ أبو بكر البيهقي في السنن وغيرهم عن طرق شتى وعبارات متفاوتة في الألفاظ والمعنى واحد ، عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «عليّ أعلمكم وأفضلكم وأقضاكم ، والرادّ عليه كالرادّ عليّ ، والرادّ عليّ كالرادّ على الله ، وهو على حدّ الشرك بالله».
وقال ابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة / بعد ذكره أقوال المشاهير تحت عنوان (القول فيما يذهب إليه أصحابنا المعتزلة ، في الإمامة والتفضيل) قال [وأمّا نحن فنذهب إلى ما يذهب إليه شيوخنا البغداديون ، من تفضيلهعليهالسلام . وقد ذكرنا في كتبنا الكلامية ما معنى الأفضل؟ وهل المراد به الأكثر ثوابا أو الأجمع لمزايا الفضل والخصال الحميدة؟ وبيّنا أنّهعليهالسلام أفضل على التفسيرين معا.]
وهنا ارتفع صوت المؤذّن لصلاة العشاء ، وبعد الفراغ من الصلاة ، شربنا الشاي وتناولنا الفاكهة ، ثم شرعنا في الحديث :
أصول الفضل والكمال
قلت : تعقيبا لكلام ابن أبي الحديد ، أطرح عليكم هذا السؤال : ما هي رءوس الفضل وأصول الكمال عندكم؟
الشيخ عبد السّلام : ـ بعد أن أطرق برأسه مليّا ، رفعه وقال ـ : هي كثيرة ولكن أهمها بعد الإيمان بالله وبرسوله ، النسب الطاهر وطيب المولد والمنبت ، والعلم والتقوى.
قلت : أحسنت يا شيخ ، فلنبحث في هذه الأمور التي أشرت إليها ونحن نوافقكم على أنّ هذه الثلاثة من أمهات الفضائل والكمالات البشرية. ولا ننكر أنّ بعض الصحابة كانت فيهم خصائص وخصال حميدة ، ولكن من كان منهم جامعا لهذه الصفات الثلاثة التي أشرتم إليها بأنّها أمهات الفضائل وأصول الكمال ، فهو أفضلهم وأكملهم ، وبحكم العقل والعقلاء يكون أحق بالخلافة من سائر الصحابة.
طهارة نسب ومولد الإمام عليعليهالسلام
أمّا في النسب والمولد فلا يشك أحد بأنّ الإمام عليّعليهالسلام أشرف الصحابة في النسب ، وأفضلهم في المولد والمنبت ، لأنّه يساوي النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم في ذلك(١) ، فأمّا النسب فواضح ، وأما المنبت فقد ذكر
__________________
(١) روى الحافظ الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه «ينابيع المودة» الباب الثاني في شرف آباء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونقل روايات كثيرة في الموضوع وكلها من كتب العامّة منها ، قال [وفي الشفاء عن عائشة عنه (ص) قال : أتاني جبرئيل فقال : قلّبت مشارق الأرض ومغاربها ، فلم أر رجلا أفضل من محمد ، ولم أر ابن أب أفضل من بني هاشم] أخرجه في المناقب والمخلص المذهبي والمحاملي وغيرهم.
أقول : وقال الإمام علي عليهالسلام في نهج البلاغة خطبة رقم ٩٤ : «حتى أفضت كرامة الله سبحانه وتعالى الى محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا وأعزّ الأرومات مغرسا ، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه ، وانتجب [ـ أو ـ انتخب] منها أمناءه عترته خير العتر ، وأسرته خير الأسر وشجرته خير الشّجر ، نبتت في حرم وبسقت في كرم ، لها فروع طوال وثمر لا ينال.» الخ.
وقال الشيخ صالح التميمي ( رحمهالله ) :
المؤرخون كلهم أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد وفاة جدّه عبد المطلب ، انتقل إلى بيت أبي طالب وكان عمره الشريف يومئذ ثمان سنين ، فتكفّله عمّه ورعاه أتمّ وأجمل رعاية.
فكما حارت العقول في شخصية النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وحقيقته ، بهرت العقول أيضا في شخصيّة عليّ وحقيقته. حتى أنّ المتعصّبين من أعلامكم مثل علاء الدين القوشچي ، والجاحظ وهو يعدّ من النواصب ، وسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ، وغيرهم قالوا : [إنّنا حيارى ولا ندري كيف نفسّر كلام علي بن أبي طالب إذ يقول : «نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد».
__________________
[غاية المدح في علاك ابتداء |
ليت شعري ما تصنع الشعراء |
|
يا أخا المصطفى وخير ابن عم |
وأمير إن عدّت الأمراء |
|
معدن الناس كلها الأرض لكن |
أنت من جوهر وهم حصباء] |
وقال آخر :
(خير البريّة بعد أحمد حيدر |
الناس أرض والوصيّ سماء) |
ويقول آخر :
[حاشاك أن تسمو إليك سماء |
أنت الفضاء وما سواك هباء |
|
ومتى يحلّق نحوك العظماء؟ |
والسرّ أنت وغيرك الأسماء |
|
أولست ساقي الحوض أنت وقاسم ال |
جنّات والنيران كيف تشاء؟؟] |
هذا غيض من فيض قريحة الشعراء وشعورهم في حقه عليهالسلام ، ولكن ما لنا ولقول الشعراء البلغاء بعد أن نطق الخالق العزيز بمدحه وتفضيله وجعله نفس رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في آية المباهلة ، وأطلق النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم عليه ذلك كرّات ومرات وقال «علي كنفسي». ولا شك أنّ خير الكلام كلام الله ، وخير الحديث حديث أشرف الخلق محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم . «المترجم»
وقالعليهالسلام أيضا في الخطبة الثانية من نهج البلاغة :
«لا يقاس بآل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، من هذه الأمة أحد ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا ، هم أساس الدين وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة ، الآن إذ رجع الحق إلى أهله ، ونقل إلى منتقله(١) ».]
واعلموا أنّ اعتقاد كثير من كبار علماء السنّة وأعلامهم في الإمام عليعليهالسلام هو كذلك.
فقد روى العلاّمة الهمداني في كتابه مودّة القربى / المودّة السابعة عن أبي وائل عن ابن عمر (رض) قال : كنّا إذا عددنا أصحاب النبي (ص) قلنا أبو بكر وعمر وعثمان. فقال [له] رجل : يا أبا عبد الرحمن ، فعلي ما هو؟ قال [علي من أهل البيت لا يقاس به أحد ، هو مع رسول الله (ص) في درجته.]
وروى العلاّمة الهمداني أيضا عن أحمد بن محمد الكرزي البغدادي قال : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : سألت أبي عن التفضيل فقال : أبو بكر وعمر وعثمان ، ثم سكت. فقلت : يا أبت أين علي بن أبي طالب؟ فقال [هو من أهل البيت ، لا يقاس به هؤلاء.]
أقول : والذي يدلّ على أنّ هؤلاء وغيرهم من الصحابة لا يقاسون به ، أنّهعليهالسلام كرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خلق في عالم الأنوار قبل أن يظهر في عالم الاكدار ، والفرق بينهما كالفرق بين السماء والأرض.
__________________
(١) فقد خطب هذه الخطبة بعد ما بويع بالخلافة.
النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّعليهالسلام من نور واحد
روى جماعة من الأعلام والحفّاظ من علمائكم ، منهم أحمد بن حنبل في المسند ، والشيخ محمد بن طلحة العدوي القرشي في كتاب مطالب السئول ، والحافظ ابن المغازلي الفقيه الشافعي في كتابه المناقب / حديث رقم ١٣٠ / بسنده عن النبي (ص) قال «كنت أنا وعلي بن أبي طالب نورا بين يدي الله من قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلمّا خلق الله تعالى آدم ركّب ذلك النور في صلبه فلم يزل في نور واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب ، ففيّ النبوّة وفي عليّ الخلافة».
وقد فتح العلاّمة الهمداني بابا في كتابه مودّة القربى بعنوان / المودّة الثامنة : «في أنّ رسول الله (ص) وعليا من نور واحد ، وأعطي عليّ من الخصال ما لم يعط أحد من العالمين».
فنقل أخبارا كثيرة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بطرق شتى ، منها ما رواه عن عثمان بن عفّان عن النبي (ص) قال «خلقت أنا وعليّ من نور واحد قبل أن يخلق الله آدم بأربعة آلاف عام ، فلما خلق الله آدم ركّب ذلك النور في صلبه ، فلم يزل شيئا واحدا حتى افترقنا في صلب عبد المطلب ففيّ النبوّة وفي عليّ الوصيّة».
وروى أيضا عن عليّعليهالسلام قال «قال رسول الله (ص) : يا عليّ! خلقني الله وخلقك من نوره ، فلما خلق آدمعليهالسلام أودع ذلك النور في صلبه ، فلم نزل أنا وأنت شيئا واحدا ثم افترقنا في صلب عبد المطلب ، ففيّ النبوّة والرسالة ، وفيك الوصيّة والإمامة».
ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ٩ / ١٧١ ط دار إحياء التراث / الخبر الرابع عشر : «كنت أنا وعليّ نورا بين يدي الله عزّ وجلّ قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلمّا خلق آدم قسّم ذلك فيه وجعله جزءين ، فجزء أنا وجزء عليّ» قال ابن أبي الحديد : رواه أحمد في المسند وفي كتاب فضائل عليّعليهالسلام ، وذكره صاحب كتاب الفردوس ، وزاد فيه : «ثم انتقلنا حتى صرنا في عبد المطلب ، فكان لي النبوّة ولعليّ الوصيّة».
وروى الحافظ القندوزي في كتابه ينابيع المودّة في الباب الأول روايات كثيرة في الموضوع عن جمع الفوائد ، ومناقب ابن المغازلي وعن الفردوس للديلمي وفرائد السمطين للحمويني ومناقب الخوارزمي نعم روى أبو المؤيّد الخوارزمي في الفصل الرابع من كتابه المناقب وأيضا في الفصل الرابع من كتابه مقتل الحسينعليهالسلام روايات شتى في الموضوع.
وكذلك روى في الموضوع سبط ابن الجوزي في التذكرة / ٥٠ ط مؤسسة أهل البيت بيروت ، وابن الصبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة ، والعلاّمة الكنجي الشافعي في كتاب كفاية الطالب / الباب ٨٧ نقل عن محدّث الشام ابن عساكر وعن محدّث العراق وعن معجم الطبراني بإسنادهم بطرق شتى وعنوانه (الباب السابع والثمانون : في أنّ عليا خلق من نور النبي (ص)) وحيث انّ الروايات في الموضوع منقولة بألفاظ شتى وكلمات مختلفة والمعنى واحد ، فأقول : ربما صدرت الروايات من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في بيان هذا الموضوع كرّات ومرّات عديدة لأهميّته.
أجداد الإمام عليعليهالسلام وآباؤه مؤمنون
ولقد ثبت أنّ أجداد الامام عليّعليهالسلام كلهم كانوا مؤمنين ولم يشركوا بالله طرفة عين ، فانّ الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة التي حملته وتناقلته هي الأصلاب والأرحام التي حملت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد طهّرها الباري عزّ وجلّ من درن الشرك وأقذار الجاهليّة ، فهو عليّ ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ابن أدّ بن أدد بن اليسع بن الهميس بن بنت ، بن سلامان بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الله بن تارخ بن تاحور بن شاروع ابن أبرغو بن تالغ بن عابر بن شالح بن ارفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوه بن بارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشرعليهمالسلام هؤلاء كلهم كانوا مؤمنين بالله تعالى ، يعبدونه ولا يشركون به شيئا.
الشيخ عبد السلام : ولكنّ القرآن الحكيم يصرّح بخلاف هذا الكلام ، فقد قال تعالى في سورة الأنعام آية ٧٤ :( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) .
آزر عم إبراهيمعليهالسلام
قلت : كلام الشيخ واصل إليه من أسلافه ، وهم لمّا رأوا نسب شيوخهم وزعمائهم من الصحابة ينتهي إلى الكفر والشرك ، أرادوا دفع
هذا النقص ورفع العيب عنهم ، فتفوّهوا بهذا الكلام وعابوا على خير الأنام ، وقالوا بأنّ آزر أبا إبراهيم الخليل كان يعبد الأصنام ، وكلكم تعلمون أنّ علماء الأنساب أجمعوا على أنّ والد إبراهيم الخليلعليهالسلام كان تارخ ، وآزر كان عمه.
الشيخ عبد السلام ـ متعجبا ـ : إنّكم تقابلون القرآن الحكيم بكلام علماء الأنساب!! فإنّ الله سبحانه يصرّح بأنّ آزر أبا إبراهيم كان يعبد الأصنام ونحن نأخذ بظاهر القرآن ونترك قول من خالفه ، لأنّ الظاهر نصّ وخلافه اجتهاد.
قلت : نحن لا نجتهد في مقابل النصّ ، وإنّما نقابل النصّ بالنصّ ونستخرج المعنى المعقول المفهوم من النّصّين ، فإنّ القرآن في كثير من الأمور يفسّر بعضه بعضا. وما اشتبه علينا تفسيره فنرجع به إلى قول العترة الهادية الذين عيّنهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لذلك إذ قال «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي».
وهم قالوا بأنّ آزر كان عم إبراهيم الخليل ، فلما توفّي تارخ والد ابراهيم ، تزوّجت أمّه بآزر ، فكان إبراهيم يناديه بالأب ، وهو شيء شائع في العرف.
الشيخ عبد السلام : نحن لا نترك ظاهر الآية الشريفة :( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ ) إلاّ أن تأتوا بآية من القرآن الحكيم تفسّر كلمة الأب بالعم ، وهذا لا يوجد في القرآن.
قلت : لا تنفي ذلك ، لأنّ علمك ناقص بمفاهيم القرآن الحكيم ، وما تجهله من هذا الكتاب العظيم أكثر مما تعلمه.
ولكي يتّضح لك أنّ كلمة الأب جاءت بمعنى العم في القرآن
الحكيم ، فراجع سورة البقرة / الآية ١٣٣ في قوله تعالى :
( إِذْ قالَ (١) لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً ) .
الشاهد والدليل في الآية «اسماعيل» لأنه كان عم يعقوب واسحاق هو أبو يعقوب. ولكنّ أولاد يعقوب عدوّا إسماعيل أبا ليعقوب في عداد أبويه إبراهيم وإسحاق.
دليل آخر
وعندنا دليل آخر من القرآن الحكيم في أنّ آباء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كلهم كانوا مؤمنين بالله سبحانه يسجدون له وحده ويعبدونه إلها واحدا وهو قوله تعالى مخاطبا لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) (٢) روى الحافظ الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة / الباب الثاني / وغيره أيضا من علمائكم رووا عن ابن عباس حبر الأمّة وهو من تعلمون مقامه في المفسرين ، قال [اي تقلّبه (ص) من أصلاب الموحّدين ، نبيّ إلى نبيّ ، حتى أخرجه الله من صلب أبيه من نكاح غير سفاح من لدن آدم.]
وروى العلاّمة القندوزي حديثا آخر في الباب ورواه أيضا جمع من علمائكم منهم الثعلبي في تفسيره ، عن رسول الله (ص) قال : «أهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم وجعلني في صلب نوح في السفينة وقذف بي في صلب إبراهيم ثم لم يزل الله ينقلني من
__________________
(١) أي : إذ قال يعقوب.
(٢) الشعراء ، الآية ٢١٩.
الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة حتى أخرجني من بين أبوين لم يلتقيا على سفاح قطّ».
وفي رواية أخرى قال (ص) «لم يدنّسني بدنس الجاهلية».
وروى القندوزي أيضا في الباب الثاني قال : وفي كتاب أبكار الأفكار للشيخ صلاح الدين بن زين الدين الشهير بابن الصلاحقدسسره قال جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنهما) سألت رسول الله (ص) عن أول شيء خلقه الله تعالى ، قال (ص) «هو نور نبيك يا جابر». ـ والرواية مفصلة وطويلة لا مجال لذكرها كلها ، وجاء في آخرها ـ «وهكذا ينقل الله نوري من طيّب إلى طيب ، ومن طاهر إلى طاهر إلى أن أوصله إلى صلب أبي عبد الله بن عبد المطلب ، ومنه أوصله الله إلى رحم أمي آمنة ، ثم أخرجني إلى الدنيا فجعلني سيد المرسلين وخاتم النبيين ، ومبعوثا إلى كافّة الناس أجمعين ورحمة للعالمين وقائد الغر المحجّلين ، هذا كان بدء خلقة نبيّك يا جابر.
ثم قال القندوزي : وفي شرح الكبريت الأحمر للشيخ عبد القادر روى الحديث المذكور عن جابر بن عبد الله أيضا إلى آخره».
فقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم «وهكذا ينقل الله نوري من طيّب إلى طيب ، ومن طاهر إلى طاهر. دليل على أنهم كانوا مؤمنين بالله وموحّدين له.
فبرّأهم الله تعالى من الكفر والشرك ، إذ يقول الله سبحانه :( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) (١) ».
وكذلك روى القندوزي في الباب الثاني من ينابيع المودّة عن ابن عباس عن النبي (ص) أنه قال «ما ولدني في سفاح الجاهلية شيء وما
__________________
(١) التوبة ، الآية ٢٨.
ولدني إلاّ نكاح كنكاح الاسلام».
وفي نهج البلاغة / خطبة رقم ٩٤ يصف بها الأنبياء الكرام لا سيّما خاتمهم وسيدهم ، فقال : «.. فاستودعهم في أفضل مستودع وأقرّهم في خير مستقر. تناسختهم [تناسلتهم] كرائم الأصلاب إلى مطهّرات الأرحام حتى أفضت كرامة الله سبحانه وتعالى إلى محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا ، وأعزّ الأرومات مغرسا ، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه وانتخب منها أمناءه».
ولو أردنا جمع الأخبار والروايات الواردة عن طرقنا وطرقكم الخ مجلّدا ضخما ، ولكن في المنقول كفاية لمن أراد الهداية واتباع احق ، فإنّ الحق الذي يظهر من هذه الروايات والآيات يدلّ على أن آباء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأجداده كانوا موحّدين لله سبحانه ومؤمنين به عزّ وجلّ ، ومنه يثبت هذا الأمر لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام أيضا ، لأنهما صلوات الله عليهما وآلهما من شجرة واحدة ونور واحد ، كما تواتر عن طرق الشيعة ورواه أيضا كثير من أعلامكم وكبار علمائكم أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «أنا وعلي من شجرة واحدة وسائر الناس من شجر شتّى».
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم «خلقت أنا وعليّ من نور واحد». الخ ، وقد ذكر بعض مصادره من كتب أعلامكم.
فبحكم العقل ورأي العقلاء ، فإنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام أحق من غيره بخلافة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لأنه أقرب الناس إليه في المقام والمنزلة ، مع هذه المشابهات والمقارنات بينهما عليهما السّلام(١) .
__________________
(١) من المناسب نقل بعض الأبيات من قصيدة بليغة في الموضوع للمرحوم الشيخ علي الشفهيني الحلي من اعلام القرن السادس الهجري :
الشيخ عبد السلام : إذا أثبتّم بهذه الأدلّة أنّ آباء النبي (ص) من عبد الله إلى آدم كلهم كانوا مؤمنين بالله سبحانه فيتعيّن ذلك فيه ويكون من خصائصه ، فلا تشمل الأدلة والد عليّ (كرّم الله وجهه) ، فقد ثبت أنّ أبا طالب مات مشركا ولم يؤمن بالله سبحانه.
إيمان أبي طالبعليهالسلام
قلت : نعم لقد اختلف المؤرخون في إيمان أبي طالبعليهالسلام ، ولكن المحقق المنصف يعرف أنّ القول بكفر أبي طالب وشركه صادر من أعداء الإمام عليّعليهالسلام ومناوئيه من الخوارج والنواصب ، أرادوا بذلك الحطّ من كرامة عليّعليهالسلام ، وتنزيل مقامه المنيع ، وتقليل شأنه الرفيع.
ثم إن بعض الأعلام قد نقلوا هذا الخبر من غير تحقيق وتدبّر ، وتناقله آخرون من كتاب إلى كتاب بغير تعمّق وتفكّر ، حتى آل اليوم إليكم ، وأنتم تنقلونه وترسلونه إرسال المسلّمات ، ولو كنتم تتدبرون في الأخبار ، وتنقلون الروايات بعد التحقيق ، ما تفوّهتم بهذا الكلام ،
__________________
[خلقا وما خلق الوجود ، كلاهما |
نوران من نور العليّ تفضّلا |
|
في علمه المخزون مجتمعان لن |
يتفرّقا أبدا ولن يتحوّلا |
|
وتقلّبا في الساجدين وأودعا |
في أطهر الأرحام ثم تنقّلا |
|
حتى استقرّ النور نورا واحدا |
في شيبة الحمد بن هاشم يجتلى |
|
قسما لحكم ارتضاه فكان ذا |
نعم الوصي وذاك أشرف مرسلا |
|
فعليّ نفس محمد ووصيّه |
وأمينه وسواه مأمون فلا] |
«المترجم»
وما قلتم أنّ أبا طالبعليهالسلام مات مشركا. إذ إنّ جمهور علماء الشيعة وأهل البيتعليهمالسلام ، الذين جعلهم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أعلام الهداية وعدل القرآن الحكيم ، وكذلك كثير من أعلامكم مثل ابن أبي الحديد ، وجلال الدين السيوطي ، وابي القاسم البلخي ، والعلاّمة أبي جعفر الإسكافي ، وآخرين من أعلام المعتزلة ، والعلاّمة الهمداني الشافعي ، وابن الأثير ، وغيره ذهبوا إلى أنّ أبا طالبعليهالسلام أسلم في حياته واعتنق الدين الحنيف ومات مؤمنا ، بل اعتقاد الشيعة في أبي طالبعليهالسلام ، أنّه آمن بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في أول الأمر ، وأمّا إيمانه بالله سبحانه كان فطريا ولم يكفر بالله طرفة عين ، وكما في الأخبار المرويّة عن أعلام العترة وأهل البيتعليهمالسلام ، أنّه لم يعبد صنما قطّ ، وكان على دين إبراهيم الخليلعليهالسلام وهو يعدّ من أوصيائه.
وأما قول أعلامكم ومؤرخيكم وعلمائكم المحققين منهم أنّه أسلم ، فقد قال ابن الأثير في كتاب جامع الأصول : وما أسلم من أعمام النبي غير حمزة والعبّاس وأبي طالب عند أهل البيتعليهمالسلام .
ومن الواضح أنّ إجماع أهل البيتعليهمالسلام مقبول عند المسلمين ولا يحق لمؤمن أن يردّه ، لأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم جعلهم عدل القرآن ، وأرجع إليهم المسلمين في الأمور التي يختلفون فيها ، وجعل قولهم الفصل والحجّة والحق ، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم «ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا». فجعل كلام الله وأهل البيت أمانا من التيه والضّلال.
وعلى القاعدة المشهورة [أهل البيت أدرى بما في البيت ، فهم أعلم بحال آبائهم وتاريخ حياة أسلافهم.]
فالغرابة والعجب منكم إذ تتركون قول أهل البيت الطيبينعليهمالسلام ،
وتتركون قول أمير المؤمنين وسيّد الصدّيقين والصادقين الذي شهد الله ورسوله بصدقه وتقواه ، ثم تأخذون كلام المغيرة بن شعبة الفاجر وتصدقون بني أميّة والخوارج والنواصب ، المخالفين والمناوئين للإمام عليّعليهالسلام ، الذين دعاهم الحقد والحسد ، إلى جعل الأخبار والروايات الموضوعة ، للحطّ من كرامة الإمام عليّعليهالسلام وتصغير شخصيّته العظيمة. وللأسف إنّكم تتمسّكون بتلك الأخبار الموضوعة من غير تدبّر وتحقيق ، وترسلونها إرسال المسلّمات ، وتؤكّدون على صحّتها بغير علم أتاكم.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ١٤ / ٦٥ ، ط إحياء التراث العربي [واختلف الناس في إيمان أبي طالب ، فقالت الإمامية وأكثر الزيديّة : ما مات إلاّ مسلما. وقال بعض شيوخنا المعتزلة بذلك ، منهم الشيخ أبو القاسم البلخي ، وأبو جعفر الإسكافي ، وغيرهما.]
أقول : والمشهور عندنا أنّه ما تظاهر بالإسلام بل أخفى ذلك ليتمكّن من نصرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والذبّ عنه ، فإنّ المشركين من أهل مكة وقريش ، كانوا يراعون ذمّته ويقفون عند حدّهم إذا نظروا إليه ، فكانوا يهابون ، ويعظّمون جانبه إذ كانوا يحسبونه منهم.
الشيخ عبد السلام : أما سمعتم الحديث المروي عن النبي (ص) في عمه أنه قال «إنّ أبا طالب في ضحضاح من نار».
قلت : هذا الحديث مثل كثير من الأحاديث المرويّة في كتبكم ، موضوع وكذب وافتراء على النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم . فلا يخفى على المحقّق البصير ، والمنصف الخبير ، أنّ هذا الحديث وما شاكله مجعول وموضوع افتراه أعداء محمّد وآل محمّدعليهمالسلام ، وذلك في عهد الأمويين
وخاصّة معاوية بن أبي سفيان الذي خصّص أموالا طائلة لهذا الغرض الإلحادي. ولو عرفتم راوي هذا الخبر وفسقه وفجوره ، ما شككتم في كذبه وافترائه وعدم صحة أخباره.
فإنّ الراوي هو المغيرة بن شعبة ، من ألدّ أعداء الإمام عليّعليهالسلام ، وهو الذي اتّهم بالزنا في البصرة وشهد عليه ثلاثة من الشهود عند عمر ، ولمّا أراد الرابع أداء الشهادة ، قاطعه عمر بجملة فأبى الرابع من أدائها ، فخلص المغيرة ، وأقام الحدّ على الشهود(١) .
__________________
(١) لقد نقل هذا الخبر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٢ / ٢٢٧ ط دار إحياء الكتب العربية ، قال [(الطعن السادس في عمر) أنّه عطّل حدّ الله في المغيرة بن شعبة ، لما شهد عليه بالزنا ولقّن الشاهد الرابع الامتناع عن الشهادة ، اتّباعا لهواه ، فلمّا فعل ذلك عاد إلى الشهود فحدّهم وضربهم.]
فبعد نقله الأقوال ، قال في صفحة ٢٣١ [أمّا المغيرة فلا شكّ عندي أنّه زنى بالمرأة ، ولكنّي لست أخطّئ عمر في درء الحدّ عنه ، وإنما أذكر أوّلا قصته من كتابي أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ، وأبي الفرج الأصفهاني ، ليعلم أنّ الرجل زنى بها لا محالة ، ثم اعتذر لعمر في درء الحدّ عنه ، فروى ابن أبي الحديد القصة بالتفصيل ثم قال في صفحة ٢٣٩ : فهذه الأخبار كما تراها تدلّ متأمّلها على أنّ الرجل زنى بالمرأة لا محالة ، وكلّ كتب التواريخ والسّير تشهد بذلك.]
ثم نقل عن الأغاني خبرين آخرين ، قال أبو الفرج بعدهما وحكاه عنه ابن أبي الحديد في صفحة ٢٤١ [وإنّما أوردنا هذين الخبرين ليعلم السامع أنّ الخبر بزناه كان شائعا مشهورا مستفيضا بين الناس.]
أقول : هؤلاء الفسقة الفجرة ، المغيرة وأصحابه وأشباهه كانوا يضعون الأخبار ويفترون على الإمام عليّ عليهالسلام وكلّ من ينسب إليه إرضاء لرغبات معاوية ، فيشترون مرضات المخلوق بسخط الخالق.
«المترجم»
ثم نجد في رواته ، عبد الملك بن عمير ، وعبد العزيز الراوردي ، وسفيان الثوري ، الذين عدّهم علماؤكم المتخصصين بعلم الرجال في الجرح والتعديل ، مثل الذهبي في ميزان الاعتدال : ج ٢ / عدّهم من الضعفاء وردّ رواياتهم ، بل عدّ سفيان الثوري من المدلّسين الكذّابين.
فلا أدري كيف تعتمدون على رواية أولئك الكذّابين الوضّاعين؟!
الدلائل والشواهد على إيمان أبي طالبعليهالسلام
أما الدلائل المثبتة لإيمان أبي طالبعليهالسلام فكثيرة ، ولا ينكرها إلاّ من كان في قلبه مرض ، منها :
١ ـ قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة». وأشار بسبّابته والوسطى منضمّتين مرفوعين ، نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٦٩ ، ط دار إحياء الكتب العربية ومن الواضح أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يقصد بحديثه الشريف كلّ من يكفل يتيما ، فإنا نجد بعض الكافلين للأيتام لا يستحقون ذلك المقام وهو جوار سيد الأنام في الجنّة ، لأنهم إلى جنب كفالتهم لليتيم يعملون المعاصي الكبيرة ، والذنوب العظيمة ، التي يستحقون بها جهنّم لا محالة.
ولكنّه صلوات الله عليه قصد بحديثه الشريف جدّه عبد المطلب ، وعمّه أبا طالب ، الذين قاما بأمره ، وتكفّلاه ، وربّياه صغيرا ، حتى أنه صلوات الله عليه كان يعرف في مكة بيتيم أبي طالب ، بعد وفاة جده عبد المطلب ، فقد تكفّل أبو طالب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان في الثامنة من العمر ، وكان يفضّله على أولاده ويقيه بهم.
٢ ـ حديث مشهور بين الشيعة والسنّة رواه القاضي الشوكاني
أيضا في الحديث القدسي ، أنه قالصلىاللهعليهوآلهوسلم «نزل عليّ جبرئيل فقال : إنّ الله يقرؤك السلام ويقول : إنّي حرّمت النار على صلب أنزلك ، وبطن حملك ، وحجر كفلك(١) ».
__________________
(١) روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٦٧ ، ط دار إحياء الكتب العربية روى حديثا أسنده إلى أمير المؤمنين عليّعليهالسلام أنّه قال «قال رسول الله (ص) : قال لي جبرائيل : إنّ الله مشفّعك في ستة : بطن حملتك : آمنة بنت وهب ، وصلب أنزلك : عبد الله بن عبد المطلب ، وحجر كفلك : أبي طالب ، وبيت آواك :عبد المطلب ، وأخ كان لك في الجاهلية ـ قيل : يا رسول الله وما كان فعله؟ قال : كان سخيّا يطعم الطعام ، ويجود بالنوال ـ ، وثدي أرضعتك : حليمة السعديّة بنت أبي ذؤيب».
وروى في صفحة ٦٨ عن الإمام محمد بن علي الباقر عليهالسلام قال «لو وضع إيمان أبي طالب في كفّة ميزان ، وإيمان هذا الخلق في الكفة الأخرى لرجح إيمانه. ثم قال : ألم تعلموا أنّ أمير المؤمنين عليا عليهالسلام كان يأمر أن يحجّ عن عبد الله ـ والد رسول الله (ص) ـ وعن أبيه أبي طالب في حياته ، ثم أوصى في وصيّته بالحج عنهم».
وقال في صفحة ٦٩ : وروي أنّ عليّ بن الحسين عليهالسلام سئل عن هذا ـ أي عن إيمان أبي طالب ـ فقال «وا عجبا! إنّ الله تعالى نهى رسوله أن يقرّ مسلمة على نكاح كافر ، وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام ، ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات». ـ أي إذا كان أبو طالب غير مؤمن لفرّق رسول الله بينه وبين زوجته فاطمة بنت أسد حينما أسلمت.
وقال في صفحة ٧٠ : وقد روي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهالسلام أنّ رسول الله (ص) قال «إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الكفر ، فآتاهم الله أجرهم مرّتين ، وإنّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك ، فآتاه الله أجره مرّتين».
قال : وفي الحديث المشهور «إنّ جبرئيل عليهالسلام قال للنبي (ص) ليلة مات أبو طالب : أخرج منها ـ أي من مكة ـ فقد مات ناصرك».
لأبي طالبعليهالسلام حق على كل مسلم
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٨٣ و ٨٤ ، ط دار إحياء التراث العربي [ولم استجز أن أقعد عن تعظيم أبي طالب ، فإنّي أعلم أنّه لولاه لما قامت للإسلام دعامة ، وأعلم أنّ حقه واجب على كل مسلم في الدنيا إلى أن تقوم الساعة ، فكتبت :
ولو لا أبو طالب وابنه |
لما مثّل الدين شخصا فقاما |
|
فذاك بمكة آوى وحامى |
وهذا بيثرب جسّ الحماما |
|
تكفّل عبد مناف بأمر |
واودى فكان عليّ تماما |
|
فقل في ثبير مضى بعد ما |
قضى ما قضاه وأبقى شماما |
|
فلله ذا فاتحا للهدى |
ولله ذا للمعالي ختاما |
|
وما ضرّ مجد أبي طالب |
جهول لغا أو بصير تعامى |
|
كما لا يضرّ إياه الصبا |
ح من ظنّ ضوء النهار الظلاما] |
__________________
أقول : والله لو كان واحد من هذه الأخبار يرد في إسلام أيّ رجل غير أبي طالبعليهالسلام ، لتسلّمه علماء العامة ومحدّثوهم بالقبول ، وتلقّوا إسلامه وإيمانه أمرا مسلّما بلا شكّ ولا ريب ، ولكنّا ويا للأسف نجد هذه الشبهات تلقى حول إيمان أبي طالب واسلامه ، من بعض علماء العامّة ، ولعلّ السبب في ذلك لأنّه والد الإمام عليّعليهالسلام ، ولأنّ عليّا ابنه سلام الله عليه!!
«المترجم»
أشعار أبي طالبعليهالسلام في الإسلام
وأدلّ دليل على إيمان أبي طالبعليهالسلام أشعاره الصريحة بتصديق النبي ودين الإسلام ، المطبوعة في ديوانه وفي كثير من كتب التاريخ والأدب ، وقد نقل بعضها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٧١ ـ ٨١ ، ط دار إحياء الكتاب العربي ، منها ميميّته المشهورة :
[يرجّون منا خطّة دون نيلها |
ضراب وطعن بالوشيج المقوّم |
|
يرجّون أن نسخى بقتل محمد |
ولم تختضب سحر العوالي من الدّم |
|
كذبتم وبيت الله حتى تفلّقوا |
جماجم تلقى بالحطيم وزمزم |
|
وتقطع أرحام وتنسى حليلة |
حليلا ، ويغشى محرم بعد محرم |
|
على ما مضى من مقتكم وعقوقكم |
وغشيانكم في أمركم كلّ مأثم |
|
وظلم نبيّ جاء يدعو إلى الهدى |
وأمر أتى من عند ذي العرش قيّم(١) ] |
__________________
(١) القصيدة ، مطلعها كما في الديوان :
(ألا من لهمّ أخر الليل معتم |
طواني ، وأخرى النجم لمّا تفحّم) |
«المترجم»
وإليكم أيضا قصيدته اللاميّة الشهيرة والتي ذكرها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة وذكرها كثير من الأعلام وهي مطبوعة في ديوانه أنقل إلى مسامعكم بعضها :
[أعوذ بربّ البيت من كلّ طاعن |
علينا بسوء أو يلوح بباطل |
|
ومن فاجر يغتابنا بمغيبة |
ومن ملحق في الدين ما لم نحاول |
|
كذبتم وبيت الله نبزي محمدا |
ولمّا نطاعن دونه ونناضل |
|
وننصره حتى نصرّع دونه |
ونذهل عن أبنائنا والحلائل |
|
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه |
ثمال اليتامى عصمة للأرامل |
|
يلوذ به الهلاّك من آل هاشم |
فهم عنده في نعمة وفواضل |
|
لعمري لقد كلّفت وجدا بأحمد |
وأحببته حبّ الحبيب المواصل |
|
وجدت بنفسي دونه فحميته |
ودافعت عنه بالذرى والكواهل |
|
فلا زال للدنيا جمالا لأهلها |
وشينا لمن عادى وزين المحافل |
|
وأيّده ربّ العباد بنصره |
وأظهر دينا حقه غير باطل] |
ومن شعره المطبوع في ديوانه ونقله ابن أبي الحديد أيضا :
(يا شاهد الله عليّ فاشهد |
أنّي على دين النبيّ أحمد) |
(من ضلّ في الدين فإنّي مهتد)
بالله عليكم أنصفوا!! هل يجوز أن ينسب قائل هذه الأبيات والكلمات ، الى الكفر!!
والله إنّه من الظلم والجفاء أن تنسبوا أبا طالب إلى الكفر ، بعد أن يشهد الله سبحانه بأنّه ، على دين النبي أحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
الشيخ عبد السلام : أوّلا : هذه الأشعار ونسبتها إلى أبي طالب
أخبار آحاد ، غير متواترة ، ولا اعتبار بخبر الواحد.
ثانيا : لم ينقل أحد بأنّ أبا طالب أقرّ بالإسلام وتفوّه بكلمة التوحيد : لا إله الاّ الله. بل قالوا : ما أقرّ إلى أن مات.
قلت : وا عجبا! إنكم جعلتم حجّية التواتر وخبر الواحد حسب ميلكم ، فتارة تتمسكون بخبر الواحد وتصرّون على حجّيته مثل الخبر الذي رواه أبو بكر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث» قبلتم به مع تعارضه للآيات القرآنية!!
ثم إذا كان التواتر عندكم شرط صحة الخبر ، فكيف تستدلّون بحديث رواه المغيرة بن شعبة الفاسق الفاجر ، بأن أبا طالب في ضحضاح من النار ، وليس لهذا الحديث راو آخر(١) .
ولا يخفى على المحقّق البصير والمدقّق الخبير أنّ أخبار الآحاد حول إيمان أبي طالب والأشعار المنسوبة إليه لو جمعت لحصل منها التواتر المعنوي ـ أي حصل منها معنى واحد وهو إيمان أبي طالب ـ فانّ كثيرا من الأمور حصل فيها التواتر عن هذا الطريق ، مثل شجاعة الإمام عليّعليهالسلام ، فإنّ أخبار الآحاد عن بطولته في الميادين وجهاده في ساحات القتال ، كشفت عن شجاعته وبسالته بالتواتر.
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٧٠ ، ط إحياء الكتب العربية :[وأما حديث الضّحضاح من النار ، فإنّما يرويه الناس كلّهم عن رجل واحد وهو المغيرة بن شعبة ، وبغضه لبني هاشم وعلى الخصوص لعليّ ٧ مشهور معلوم ، وقصته وفسقه أمر غير خاف.]
«المترجم»
إقرار أبي طالبعليهالسلام بالتوحيد
وأما قولك : لم ينقل أحد أنّ أبا طالب أقرّ بالإسلام والتوحيد! فهو تحكّم وباطل ، فهو ادّعاء واه بغير أساس ودليل ، لأنّ الإقرار لا يكون موقوفا على صيغة معيّنة ، ولا منحصرا بتركيب واحد. بل يحصل بالنثر والشعر بأي شكل كان تركيبه إذا فهم منه الإقرار ، وكان صريحا وبليغا.
والآن أنشدكم الله أيها الحاضرون!! أيّ إقرار أصرح وأبلغ من هذا الكلام الذي قاله أبو طالب :
(يا شاهد الله عليّ فاشهد |
أنّي على دين النبي أحمد) |
وإضافة على هذا البيت وغيره من أشعاره الصريحة في إيمانه وإسلامه ، فقد روى الحافظ أبو نعيم ، والحافظ البيهقي [أنّ صناديد قريش مثل أبي جهل ، وعبد الله بن أبي أمية ، عادوا أبا طالب في مرضه الذي توفّى فيه ، وكان النبي (ص) حاضرا فقال لعمه أبي طالب «يا عم قل لا إله إلاّ الله ، حتى أشهد لك عند ربّي تبارك وتعالى». فقال أبو جهل وابن أبي أمية : يا أبا طالب أترجع عن ملّة عبد المطلب! وما زالوا به. حتى قال :
اعلموا أنّ أبا طالب على ملة عبد المطلب ولا يرجع عنها.
فسرّوا وفرحوا وخرجوا من عنده ، ثم اشتدّت عليه سكرة الموت وكان العباس أخوه جالسا عند رأسه ، فرأى شفتيه تتحركان ، فانصت له واستمع وإذا هو يقول : لا إله إلاّ الله. فتوجّه العباس إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال : يا ابن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بها ـ ولم يذكر
العباس كلمة التوحيد لأنه كان بعدُ كافراً ـ.
ولا يخفى أنّنا أثبتنا من قبل أنّ آباء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كلهم كانوا موحدين ومؤمنين بالله يعبدونه ولا يشركون به شيئا.
فلما قال أبو طالب في آخر ساعات حياته : اعلموا أنّ أبا طالب على ملّة عبد المطلب ، ولا شك أنّ عبد المطّلب كان على ملّة أبيه إبراهيم مؤمنا بالله موحّدا ، فكذلك أبو طالبعليهالسلام .
مضافا إلى ذلك فقد تفوّه ونطق بكلمة التوحيد وسمعه أخوه العبّاس يقول : لا إله إلاّ الله.
فإيمان أبي طالب ثابت عند كل منصف بعيد عن اللجاج والعناد.
موقف أبي طالبعليهالسلام من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
إذا كان أبو طالبعليهالسلام مشركا كما يزعم بعض الناس ، كان من المتوقّع أن يعارض النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من حين إعلانه النبوّة والرسالة ، إذ جاء إليه وقال : إنّ الله قد أمرني بإظهار أمري وقد أنبأني واستنبأني فما عندك يا عمّ؟
فلو كان أبو طالب غير مؤمن بكلامه وغير معتقد برسالته ، لكان من المفروض أن ينتصر لدين قريش ومعتقدات قومه ، فينهاه عن ذلك الكلام ويوبّخه ويؤنّبه ، بل يحبسه حتى يرجع عن كلامه أو يطرده ولا يؤويه ولا يحميه كآزر عم إبراهيم الخليلعليهالسلام فحينما سمع من الخليل كلاما يخالف دينه ودين قومه ، هدّده وهجره ، وقد حكى الله سبحانه ذلك في كتابه الكريم سورة مريم / ٤٣ قال حكاية عن قول إبراهيمعليهالسلام :( إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا قالَ
أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ) (١)
ولكنّ أبا طالبعليهالسلام حينما سمع ابن أخيه يقول : إنّ الله أنبأني واستنبأني ، وأمرني بإظهار أمري ، فما عندك يا عمّ؟
أيّده وأعلن نصرته له بقوله [أخرج يا ابن أخي! فإنّك الرفيع كعبا ، والمنيع حزبا ، والأعلى أبا ، والله لا يسلقك لسان إلاّ سلقته ألسن حداد ، واجتذبته سيوف حداد ، والله لنذلّلنّ لك العرب ذل البهم لحاضنها.
ثم أنشأ قائلا :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم |
حتى أوسّد في التراب دفينا |
|
فانفذ لأمرك ما عليك مخافة |
وأبشر وقرّ بذاك منه عيونا |
|
ودعوتني وزعمت أنّك ناصحي |
ولقد صدقت وكنت قبل أمينا |
|
وعرضت دينا قد علمت بأنّه |
من خير أديان البريّة دينا |
|
لو لا الملامة أو حذاري سبّه |
لوجدتني سمحا بذاك مبينا] |
ذكر هذا الشعر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٥٥ ط إحياء الكتب العربية ، ونقله سبط ابن الجوزي في التذكرة : ١٨ ، ط بيروت ، وتجده في ديوان أبي طالب أيضا.
ولو راجعتم ديوانه ، وما نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، لوجدتم أشعارا أخرى صريحة في تصديق النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفي إعلان نصرته والذبّ عنه.
فأنصفوا أيها الحاضرون ، وخاصّة أنتم أيها العلماء! هل يجوز لكم أن تنسبوا قائل هذه الكلمات إلى الكفر والشرك؟!
__________________
(١) سورة مريم ، الآية ٤٦.
أم إنّها تنبئ عن إيمان واسلام قائلها وأنّه مؤمن حقيقي ومسلم ملتزم ومتمسّك بما جاء به محمّد المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
كما اعترف بذلك بعض أعلامكم ، فقد نقل الشيخ الحافظ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة / الباب الثاني والخمسون نقل من رسالة أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ [وحامي النبي ، ومعينه ، ومحبّه ، أشدّ حبّا ، وكفيله ، ومربّيه ، والمقرّ بنبوّته ، والمعترف برسالته ؛ والمنشد في مناقبه أبياتا كثيرة ، وشيخ قريش : أبو طالب.]
لقائل أن يقول : إذا كانت هذه التصريحات من أبي طالب في تصديق النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وتأييده ونصرته والدفاع عنه ، فكيف نجد أكثر المؤرخين وأصحاب السّير ذهبوا إلى كفره أو التوقف في إيمانه؟!
والجواب : إنّ الدعايات الأمويّة ـ خاصّه في زمان معاويّة ـ لعبت دورا هامّا في مثل هذه الأمور ، فمن سنحت له الفرصة أن يأمر بسب أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالبعليهالسلام ويأمر بلعنه ولعن ولديه الحسن والحسين سبطي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وريحانتيه وحبيبيه ويشتمهم على رءوس الأشهاد وعلى منابر الإسلام والمسلمين ، حتى صارت هذه المنكرات عادة جارية حتى في قنوت الصلوات وخطب الجمعات ، فمن اتيحت له هكذا فرصة وقام بقلب الحقائق وتغيير الوقائع وتبديل الحق بالباطل وبالعكس ، فهل يأبى إنكار إيمان أبي طالبعليهالسلام وبث الدعايات في أنّه مات كافرا ، أم يعجز من ذلك ويصعب عليه؟!
والأعجب أنّ معاوية وأباه وكذلك ابنه يزيد رءوس الكفر
والنفاق ، مع كثرة الدلائل المذكورة في تاريخهم الدالّة على كفرهم وإلحادهم وعدم إيمانهم ، يظهرون للمسلمين بظاهر الإيمان بل يعدّ معاوية وابنه من أمراء المؤمنين إلى يومنا هذا ، فهؤلاء مع سوابقهم في محاربة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومعاندتهم للدين ، ودخولهم في الإسلام كرها بعد عام الفتح ، ثم نفاقهم وشقاقهم بين المسلمين وقتالهم لأمير المؤمنينعليهالسلام ، وتحرّكاتهم العدوانية وأعمالهم الشيطانية على الإسلام ، والقيام بالأعمال الوحشيّة ، والتهجّمات البشعة على بلاد المسلمين والناس الآمنين ، ونهب أموالهم ، وقتل رجالهم ، وهتك أعراضهم مثل هجوم بسر بن أرطاة على الطائف واليمن والأنبار وغيرها ، وهجوم الأعور بني مرّة مسلم بن عقبة بجيش الشام على مدينة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في واقعة الحرّة ، ونقض معاوية عهده مع الامام الحسنعليهالسلام وقتله بالسم ، وكذلك قتله حجر بن عدي وأصحابه ، وغيره من صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقتل يزيد حسيناعليهالسلام وسبي أهله وحريمه ، وغير ذلك من الأعمال العدوانية والكفر والالحاد المشهود منهم والمشهور عنهم في التاريخ ، كل هذا وتحسبونهم من أمراء المؤمنين! لعنهم الله!!
ولكن أبا طالب مع تلك المواقف المشرفة ، والسوابق المشرقة التي هي اظهر من الشمس ، تقولون ما آمن ومات مشركا!! أما يكون هذا وذاك من تأثير الدعايات الامويّة؟!
معاوية خال المؤمنين!!
الشيخ عبد السلام : لا يجوز هذه التعابير السيّئة على معاوية
ويزيد ، ولا يجوز لعنهما فإنهما من كبار خلفاء النبي (ص) ، ولا سيما معاوية (رض) فانّه خال المؤمنين وكاتب الوحي ، ولم يقتل الحسن بن علي (رض) ، بل قتلته زوجته جعدة بنت الأشعث.
قلت : من أين جاءه هذا اللقب؟ وكيف صار معاوية خال المؤمنين؟!
الشيخ عبد السلام : لأن أم حبيبة ـ زوجة رسول الله (ص) ـ هي بنت أبي سفيان وأخت معاوية ، تكون أم المؤمنين فيكون أخوها معاوية خال المؤمنين!
قلت : هل أم المؤمنين عائشة ، عندكم مقامها أعلا أم أخت معاوية أمّ حبيبة؟
الشيخ عبد السلام : زوجات رسول الله (ص) وإن كنّ كلهنّ أمهات المؤمنين كما هو تعبير القرآن الحكيم ، إلاّ أنّ عائشة تمتاز عن قريناتها وهي أفضلهن وأعلاهن مقاما(١) .
__________________
(١) هذا مخالف للنص الصريح المروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في كتبكم فأفضل نسائهصلىاللهعليهوآلهوسلم وخيرهن خديجةعليهاالسلام ، وبرواية عائشة نفسها حيث تقول : «كان النبي يكثر ذكرها» فربما قلت له : كأنما لم يكن في الدنيا امرأة إلاّ خديجة ، فيقول : كلا والله ، ما أبدلني الله خيرا منها إنها كانت وكانت : آمنت إذ كفر الناس ، وصدّقتني إذ كذبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء». (راجع تفصيل الخبر في رواياته عند البخاري في صحيحه ج ١٦ ص ٢٢٧ ـ ٢٨٢ بشرح العيني ، وعند أحمد في المسند ، وعند الطبراني من رواية ابن أبي نجيح).
كما روى الإمام علي عليهالسلام عن النبي صلّى الله عليه [وآله] أنه قال «خير نسائها مريم ، وخير نسائها خديجة.» يعني في دنيا الأولى وفي دنيا الثانية. (راجع عمدة القاري شرح صحيح البخاري : ج ١٦ في فضائل خديجة). «المترجم»
لم لا يلقّب محمد بن أبي بكر بخال المؤمنين؟
قلت : إذا كان معاوية خال المؤمنين لأنّه أخ لإحدى زوجات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فجميع أخوات زوجات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خالات المؤمنين ، وجميع إخوان زوجات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يكونون أخوال المؤمنين ، فلما ذا لقّبتم معاوية وحده بخال المؤمنين ولم تلقّبوا محمد بن أبي بكر وغيره بهذا اللقب؟!
ثم إذا كانت أخوّة معاوية لزوجة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم تعدّ فضيلة وشرفا فأبوّة حيي بن أخطب اليهودي لصفيّة زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يجب أن تعدّ له فضيلة وشرف أيضا!!
وإنما انفرد معاوية بهذا اللقب ، لأنّه تزعم المنافقين والنواصب وقاد جيوش الضلال لحرب أمير المؤمنين وسيد الوصيين وإمام المتقين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وسنّ لعنه وسبّه على منابر المسلمين!
معاوية : قاتل الإمام الحسنعليهالسلام
وأما قتله للإمام الحسن سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهو وإن لم يكن فيه مباشرا ، ولكنه كان هو السبب والمحرّض في ذلك ، فقد نقل أكثر المؤرخين والمحدّثين منهم ابن عبد البرّ في الاستيعاب ، والمسعودي في إثبات الوصيّة ، وأبو الفرج في مقاتل الطالبيين روى بسنده عن المغيرة قال [أرسل معاوية إلى ابنة الأشعث أنّي مزوّجك بيزيد ابني ، على أن تسمي الحسن بن علي ، وبعث إليها بمائة ألف درهم ، فقبلت وسمّت
الحسنعليهالسلام (١) .
وذكر كثير من المؤرّخين والمحدثين منهم ابن عبد البر في الاستيعاب ، وابن جرير الطبري في تاريخه قالوا [لما جاء معاوية نبأ وفاة الحسن بن عليّعليهالسلام كبّر سرورا ، وكبّر من كان حوله وأظهروا الفرح!]
فيا شيخ عبد السلام! بميولكم وأهوائكم تجعلون هكذا مجرم خال المؤمنين! ولا تلقّبون محمد بن أبي بكر بهذا اللقب ، لأنّه كان ربيب عليّعليهالسلام ومن حوارييه وأصحابه الصامدين وشيعته المؤمنين ، ولأنّه قال في أهل البيتعليهمالسلام :
[يا بني الزهراء أنتم عدّتي |
وبكم في الحشر ميزاني رجح |
|
وإذا صحّ ولائي لكم |
لا أبالي أيّ كلب قد نبح] |
__________________
(١) لقد ثبت أنّ معاوية كان السبب في قتل الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام فقد نقل سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص / تحت عنوان : سبب موتهعليهالسلام [قال علماء السير سمّته زوجته جعدة بنت الأشعث ، وقال السدّي : دس إليها يزيد بن معاوية أن سمي الحسن وأتزوجك ، فسمته وقال الشعبي : إنّما دسّ إليها معاوية فقال : سمّي الحسن وأزوّجك يزيدا وقال ابن سعد في الطبقات : سمه معاوية مرارا]. «انتهى كلام سبط بن الجوزي».
وقال ابن حجر في الصواعق المحرقة / آخر الباب العاشر : وفي رواية ـ قال «للحسين ـ : إنّي يا أخي سقيت السم ثلاث مرّات ، لم أسقه مثل هذه المرة ، فقال : من سقاك؟ قال : ما سؤالك عن هذا؟ أتريد أن تقاتلهم؟ أكل أمرهم إلى الله».
قال ابن حجر : وفي رواية : «لقد سقيت السمّ مرارا ما سقيته مثل هذه المرة».
أقول : ثبت أن الحسن السبط عليهالسلام قتل مسموما ، فلعنة الله على المسبّب والمباشر والراضي بذلك إلى يوم الدين. «المترجم»
فهو ابن أبي بكر وأخو عائشة أم المؤمنين ، ولا شك أنّ أبا بكر عندكم أفضل من أبي سفيان وعائشة أعلى مقاما وأجلى رتبة من أم حبيبة ، ومع ذلك لا تطلقون على محمد لقب خال المؤمنين ، بل بعض العامة يلعنونه ويتبرّءون منه.
ولما دخل عمرو بن العاص ومعاوية بن خديج مصر فاتحين ، حاصروا محمدا ومنعوا عنه الماء ولما استولوا عليه قتلوه عطشانا ، ثم جعلوا جنازته في بطن حمار ميّت وحرّقوه ، وأخبروا معاوية بذلك ، فأظهر الفرح والسرور وأمر أصحابه أيضا بإظهار الفرح.
والعجب أنكم عند ما تسمعون أو تقرءون هذه الأخبار الفجيعة ، والقضايا الفظيعة ، لا تتألّمون ولا تتأثّرون لما فعل أولئك المجرمون الملعونون بمحمد بن أبي بكر ، ولكن لا تطيقون أن تسمعوا لعن معاوية المجرم وحزبه الظالمين ، فتدافعون عنه وتقولون لا يجوز لعنه ، بل يجب احترامه لأنه خال المؤمنين!!
فلما ذا هذا التناقض في الرأي والعقيدة!
أما يكشف هذا عن التعصّب والعناد ، وعن التطرّف واللجاج!!
هل كان معاوية كاتبا للوحي؟
من الثابت الذي لا نقاش فيه أنّ معاوية أسلم بعد الفتح في العام العاشر الهجري ، وقد كان إلى ذلك الزمان جلّ القرآن الحكيم ـ القريب للكلّ ـ نازلا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكما ذكر المؤرّخون : أنّ فتح مكة كان في العام الثامن الهجري وفيه أسلم أبو سفيان إلاّ أنّ معاوية اختفى وأرسل إلى أبيه كتابا يعاتبه ويؤنّبه فيه على إسلامه ، ولمّا
انتشر الإسلام في كل الجزيرة العربية وحتى في خارجها اضطر معاوية أن يسلم ، وبعد إسلامه كان مهانا بين المسلمين ، ينظرون إليه نظرا شزرا ، فتوسّط العباس بن عبد المطلب عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يفوّض إليه أمرا حتى يحترمه المسلمون ويتركوا تحقيره وتوهينه.
فعيّنه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كاتبا لمراسلاته ، وبه لبّى طلب عمه العباس(١) .
دليل كفر معاوية وجواز لعنه
وأما دلائل كفر معاوية وعدم إيمانه وجواز لعنه ، فهي كثيرة ، ولو أردنا نقلها جميعا لاقتضى تأليف كتاب مستقل ، ولكن أنقل لكم بعضها من الكتاب والسنّة ، ومن سيرته وسلوكه ضدّ الإسلام والمسلمين. منها قوله تعالى :( وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً ) (٢) .
فقد ذكر أعلام مفسريكم مثل العلامة الثعلبي ، والحافظ العلاّمة جلال الدين السيوطي في الدر المنثور ، والفخر الرازي في تفسيره
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١ / ٣٣٨ ، ط إحياء التراث العربي :[وكان ـ معاوية ـ أحد كتّاب رسول الله (ص) ، واختلف في كتابته له كيف كانت ، فالذي عليه المحققون من أهل السيرة أنّ الوحي كان يكتبه عليّعليهالسلام وزيد بن ثابت ، وزيد بن أرقم ، وأنّ حنظلة بن الربيع التيميّ ومعاوية كانا يكتبان له إلى الملوك ولرؤساء القبائل.] «المترجم»
(٢) سورة الإسراء ، الآية ٦٠.
الكبير ، نقلوا في ذيل الآية الشريفة روايات بطرق شتى ، والمعنى واحد ، وهو أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى في عالم الرؤيا بني أمية ينزون على منبره نزو القرد ، فساءه ذلك ، فنزلت الآية ، فبنوا أمية هم الشجرة الملعونة في القرآن والمزيدة بالطغيان.
ولا شك أنّ رأسهم كان أبو سفيان ، ومن بعده معاوية ويزيد ومروان.
والآية الثانية ، الدالّة على لعن بني أمية ، قوله سبحانه وتعالى :( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ* أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ ) (١) .
ومن أكثر فسادا من معاوية حينما تولّى؟ ومن أقطع منه رحما لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! والتاريخ يشهد عليه بذلك ، وليس أحد من المؤرخين ينكر فساد معاوية في الدين وقطعه لأرحام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
والآية الثالثة ،( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ) (٢) .
وهل تنكرون إيذاء معاوية للإمام عليعليهالسلام ، ولسبطي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحسن والحسين ، ولخواص صحابة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كعمّار بن ياسر وحجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي؟ ثم أما يكون إيذاء أمير المؤمنين وشبليه ريحانتي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والصحابة الأخيار ، إيذاء لله ورسوله؟! فالآيات القرآنية التي تلعن الظالمين كلّها تشمل معاوية.
فقد قال عزّ وجلّ :( يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ
__________________
(١) سورة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الآية : ٢٢ و ٢٣.
(٢) سورة الأحزاب ، الآية ٥٧.
وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (١) .
وقال سبحانه :( أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (٢) .
وقال تعالى :( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (٣) .
وهل أحد من أهل العلم والإنصاف ينكر ظلم معاوية؟!
معاوية قاتل المؤمنين
وقال سبحانه وتعالى :( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ) (٤) وكم قتل معاوية من المؤمنين الأبرار والصحابة الأخيار؟!
أما ثبت لكم بالروايات التي نقلتها من مصادركم أنه سبّب قتل الإمام الحسن سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأن دسّ إليه السم بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث ، إذ بعث إليها مالا ، وأغراها بأن يزوجها ليزيد بن معاوية ، ففعلت ما أراد معاوية؟!
أما قتل معاوية حجر بن عدي صحابي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مع سبعة نفر من أصحابه المؤمنين؟ وقد ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب وابن الأثير في الكامل [أنّ حجر كان من كبار صحابة النبي وفضلائهم ، وقتله معاوية مع سبعة نفر من أصحابه صبرا ، لأنهم امتنعوا من لعن عليّ بن أبي طالب والبراءة منه.]
__________________
(١) سورة غافر ، الآية ٥٢.
(٢) سورة هود ، الآية ١٨.
(٣) سورة الأعراف ، الآية ٤٤.
(٤) سورة النساء ، الآية ٩٣.
وذكر ابن عساكر ، ويعقوب بن سفيان في تاريخه ، والبيهقي في الدلائل ، أنّ معاوية دفن عبد الرحمن بن حسّان العنزي حيّا ، وكان أحد السبعة الذين قتلوا مع حجر بن عدي.
أما كان قتل عمار بن ياسر صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيد جنود معاوية وعماله في صفين؟ وقد أجمع المحدّثون والعلماء أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعمّار «يا عمّار! تقتلك الفئة الباغية».
هل تنكرون حديث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أم تنكرون قتله في صفين بأيدي عمال معاوية وجنوده؟!
أما سبّب معاوية قتل الصحابي الجليل مالك الأشتر بالسم غيلة؟
أما قتل أصحابه محمد بن أبي بكر عطشانا وأحرقوا جسده؟ ولمّا سمع معاوية بذلك فرح وأيّد عملهم.
أما كان يأمر عمّاله بقتل شيعة علي بن أبي طالب وأنصار أهل بيت النبوّة؟
أما كان يرسل الجيوش لإبادة المؤمنين واستئصالهم ونهب أموالهم؟
غارة بسر بن أرطاة
ومن أقبح أعمال معاوية ، وأشنع جرائمه ، بعثه بسر بن أرطاة الظالم السفّاك إلى المدينة ومكة والطائف ونجران وصنعاء واليمن ، وأمره بقتل الرجال وحتى الأطفال ، ونهب الأموال وهتك الأعراض النواميس. وقد نقل غارة بسر بن أرطاة على هذه البلاد كثير من المؤرخين منهم : أبو الفرج الأصبهاني ، والعلاّمة السمهودي في تاريخ المدينة ـ وفاء الوفي ـ ، وابن خلّكان ، وابن عساكر ، والطبري في
تواريخهم ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٢ / ٣ ـ ١٨ ، ط دار إحياء التراث العربي ، قال في صفحة ٦ [دعا ـ معاوية ـ بسر بن أرطاة ـ وكان قاسي القلب فظّا سفّاكا للدماء ، لا رأفة عنده ولا رحمة ـ فأمره أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكة حتى ينتهي إلى اليمن ، وقال له : لا تنزل على بلد أهله على طاعة عليّ إلاّ بسطت عليهم لسانك ، حتى يروا أنهم لا نجاء لهم ، وأنّك محيط بهم ، ثم اكفف عنهم ، وادعهم إلى البيعة لي ، فمن أبى فاقتله ، واقتل شيعة عليّ حيث كانوا!!
فامتثل بسر أوامر معاوية وخرج وأغار في طريقه على بلاد كثيرة ، وقتل خلقا كثيرا حتى دخل بيت عبيد الله بن العباس ، وكان غائبا فأخذ ولديه وهما طفلان صغيران فذبحهما ، فكانت أمهما تبكي وتنشد :
ها! من أحسّ بابنيّ اللّذين هما |
كالدّرتين تشظّى عنهما الصّدف |
|
ها! من أحس بابنيّ اللذين هما |
سمعي وقلبي ، فقلبي اليوم مختطف |
|
ها! من أحسّ بابنيّ اللذين هما |
مخّ العظام ، فمخّي اليوم مزدهف |
|
نبئت بسرا وما صدّقت ما زعموا |
من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا |
|
أنحى على ودجي ابنيّ مرهفة |
مشحوذة ، وكذاك الإثم يقترف] |
وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٢ صفحة ١٧ : [وكان الذي قتل بسر في وجهه ذلك ثلاثين ألفا ، وحرّق قوما بالنار(١) .]
__________________
(١) ما كانت غارة بسر بن أرطاة الظالم السفّاك هي الوحيدة من نوعها ، بل يحدّث التاريخ عن أمثالها. وقعت بأمر معاوية ، قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٢ / ٨٥ ، ط دار إحياء التراث العربي : (غارة سفيان بن عوف الغامدي على الأنبار) روى إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب «الغارات» عن أبي الكنود ، قال : حدثني سفيان بن عوف الغامديّ ، قال [دعاني معاوية ، فقال : إنّي باعثك في جيش كثيف ذي أداة وجلادة ، فالزم لي جانب الفرات ، حتى تمرّ بهيت فتقطعها ، فإن وجدت بها جندا فأغر عليهم ؛ وإلاّ فامض حتى تغير على الأنبار ، فإن لم تجد بها جندا فامض حتى توغل في المدائن ؛ ثم أقبل إليّ واتّق أن تقرب الكوفة! واعلم أنّك إن أغرت على أهل الأنبار وأهل المدائن فكأنّك أغرت على الكوفة ؛ إنّ هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترعّب قلوبهم ، وتفرح كلّ من له فينا هوى منهم ، وتدعوا إلينا كلّ من خاف الدوائر! فاقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك ، وأخرب كلّ ما مررت به من القرى ، واحرب الأموال ، فإنّ حرب الأموال شبيه بالقتل ، وهو أوجع للقلب!]
أقول : وامتثل سفيان عليه اللعنة أوامر معاوية وقتل من قتل ونهب ما نهب ، ورجع إلى الشام فاستقبله معاوية بالفرح والسرور ورحّب به وحباه أعظم حباء ، فقد نقل ابن أبي الحديد عن سفيان بن عوف ، في شرح نهج البلاغة : ج ٢ / ٨٧ قال [فو الله ما غزوت غزاة كانت أسلم ولا أقرّ للعيون ، ولا أسرّ للنفوس منها! وبلغني والله أنّها أرعبت الناس ، فلمّا عدت إلى معاوية ؛ حدثته الحديث على وجهه ، فقال : كنت عند ظنّي بك ، لا تنزل في بلد من بلداني إلاّ قضيت فيه مثل ما يقضى فيه أميره ، وإن أحببت توليته ولّيتك ، وليس لأحد من خلق الله عليك أمر دوني.]
فانظر أيها القارئ الكريم إلى الجملة الأخيرة ؛ كيف يسلّط معاوية الطاغي هذا الظالم الباغي على خلق الله ويبسط يده ليفعل ما يشاء بلا مانع ولا رادع ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
وهل أنتم بعد في شكّ وترديد في كفر معاوية ويزيد؟! وهل تتورّعون بعد عن لعنهما ولعن من رضي بأفعالهما؟
معاوية يأمر بلعن الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام !!
من الدلائل الواضحة على كفر معاوية وأصحابه ، أمره بسبب الإمام عليعليهالسلام ولعنه على منابر المسلمين ، وإجباره الناس بهذا الذنب العظيم ، فسنّ هذا المنكر في قنوت الصلوات وخطب الجمعات.
وهذا أمر ثابت على معاوية ، سجّله التاريخ وذكره المؤرّخون من
__________________
غارة الضحّاك بن قيس الفهريّ
وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ٢ / ١١٦ ، ط إحياء التراث العربي ، قال إبراهيم بن هلال الثقفي [فعند ذلك دعا معاوية الضحّاك بن قيس الفهريّ وقال له :سر حتى تمرّ بناحية الكوفة وترتفع عنها ما استطعت ، فمن وجدته من الأعراب في طاعة عليّ فأغر عليه ، وإن وجدت له مسلحة أو خيلا فأغر عليها ، وإذا اصبحت في بلدة فامس في اخرى
فأقبل الضّحّاك ، فنهب الأموال وقتل من لقي من الأعراب ، حتى مرّة بالثعلبيّة ، فأغار على الحاجّ ، فأخذ امتعتهم ، ثم أقبل فلقي عمرو بن عميس بن مسعود الهذلي ، وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله (ص) ، فقتله في طريق الحاجّ عند القطقطانه وقتل معه ناسا من أصحابه.]
اقول : هكذا سلب معاوية وأعوانه وعامله ، الأمن والأمان من المؤمنين ، فشهروا السلاح وقطعوا الطريق وحاربوا المسلمين ، فأراقوا دماءهم ونهبوا أموالهم ، وسعوا في الأرض فسادا ، فلعنة الله عليهم وعلى جميع الظالمين والمفسدين ولعن الله كل من رضي بأفعالهم ، إلى قيام يوم الدين.
«المترجم»
الشيعة والسنّة وحتى غير المسلمين ، حتى أنّه قتل بعض المؤمنين الذين امتنعوا وأبوا ذلك ، مثل حجر بن عدي وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
وقد ثبت أيضا عند جميع علماء الإسلام بالتواتر أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «من سبّ عليا فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سبّ الله».
رواه جمع غفير من أعلامكم منهم : أحمد بن حنبل في المسند والنّسائي في الخصائص والثعلبي في تفسيره ، والفخر الرازي في تفسيره ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة والعلاّمة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ، وسبط ابن الجوزي في التذكرة ، والشيخ القندوزي الحنفي في الينابيع ، والعلاّمة الهمداني في مودّة القربى ، والحافظ الديلمي في الفردوس ، والشيخ مسلم بن حجاج في صحيحه ، والعلاّمة محمد بن طلحة في مطالب السئول والعلاّمة ابن الصبّاغ المالكي في الفصول ، والحاكم في المستدرك ، والخطيب الخوارزمي في المناقب ، وشيخ الإسلام الحمويني في الفرائد ، والفقيه الشافعي ابن المغازلي في المناقب ، والمحب الطبري في الذخائر ، وابن حجر في الصواعق ، وغيرهم من كبار علمائكم.
والخبر الذي رواه أيضا كثير من أعلامكم ومحدثيكم عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «من أذى عليّا فقد آذاني ومن آذاني فعليه لعنة الله».
وابن حجر روى خبرا أعمّ وأشمل / في الصواعق / ١٤٣ طبع الميمنية بمصر / باب التحذير من بغضهم وسبهم / قال : وصحّ أنه صلى الله عليه وسلم قال «يا بني عبد المطلب! إنّي سألت الله لكم ثلاثا : أن يثبّت قائمكم ، وأن يهدي ضالّكم ، وأن يعلّم جاهلكم ، وسألت الله أن
يجعلكم كرماء نجباء رحماء ، فلو أنّ رجلا صفن ـ وهو صف القدمين ـ بين الركن والمقام فصلّى وصام ثم لقى الله وهو يبغض آل بيت محمّد (ص) دخل النار».
وورد «من سبّ أهل بيتي فإنما يرتدّ عن الله والإسلام ، ومن آذاني في عترتي فعليه لعنة الله ومن آذاني في عترتي فقد آذى الله ، إنّ الله حرّم الجنة على من ظلم أهل بيتي أو قاتلهم أو أعان عليهم أو سبّهم».
وروى أحمد بن حنبل في المسند وروى غيره من أعلامكم أيضا عن النبي أنه قال «من آذى عليا بعث يوم القيامة يهوديّا أو نصرانيا».
وقد ذكر ابن الأثير في الكامل وغيره من المؤرخين أنّ معاوية كان في قنوت الصلاة يلعن سيدنا عليا والحسن والحسين وابن عباس ومالك الأشتر.
فما تقولون بعد هذه الأخبار والأحاديث المرويّة في كتب محدثيكم وأعلامكم ، ولا ينكرها أحد من أهل العلم؟!
وأنتم تعلمون أنّ من ضروريّات الإسلام المتّفق عليه ، أنّ من لعن أو سبّ الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم فهو كافر نجس يجب قتله.
فمعاوية ومن حذى حذوه كافر نجس ملعون.
الشيخ عبد السلام : المتّفق عليه ، كفر من سبّ الله ورسوله ، ومعاوية ما سبّ الله ورسوله ، وإنّما سب ولعن عليا كرّم الله وجهه.
قلت : أيها الشيخ ما هذا اللّفّ والدوران! ولما ذا تغالط في الكلام والبيان؟ فلا تنس قول الله العزيز في القرآن :( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (١) .
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية ٤٢.
أترفض الحديث الذي نقلته الآن من كتب أعلامكم وأئمتكم ، أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «من سبّ عليا فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله؟!».
ارجو أن لا تنس حديثنا في الليالي الماضية ، والمصادر الجمّة التي ذكرتها لكم من الأحاديث النبويّة الشريفة التي صدرت عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الموضوع ، والظاهر أنّك صرت مصداق المثل المعروف : «كلام الليل يمحوه النار».
النوّاب : نرجوكم أن تزيدونا بالأحاديث النبوية في هذا الباب ، فإنّ أحسن الحديث حديث رسول الله (ص).
قلت : لا أدري هل نقلت لكم رواية ابن عباس في هذا الباب ، أم لا؟ فقد روى العلاّمة الكنجي فقيه الحرمين ، ومفتي العراقين ، محدّث الشام وصدر الحفّاظ أبو عبد الله محمد بن يوسف القرشي ، الشهير بالعلاّمة الكنجي الشافعي ، صاحب كتاب كفاية الطالب نقل في / الباب العاشر / بسنده المتصل بيعقوب بن جعفر بن سليمان قال : حدثنا أبي عن أبيه ، قال [كنت مع أبي ، عبد الله بن العباس ، وسعيد ابن جبير يقوده ، فمرّ على صفة زمزم ، فإذا قوم من أهل الشام يشتمون علياعليهالسلام ، فقال لسعيد : ردّني إليهم ، فوقف عليهم فقال : أيّكم السابّ لله عزّ وجلّ؟ فقالوا : سبحان الله ما فينا أحد سبّ الله ، قال : أيّكم الساب رسول الله (ص)؟! قالوا : ما فينا أحد سبّ رسول الله (ص). قال : فأيّكم الساب عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ؟ فقالوا : أمّا هذا فقد كان. قال : فأشهد على رسول الله (ص) سمعته أذناي ووعاه قلبي ، يقول لعليّ بن أبي طالب : من سبّك فقد سبّني ، ومن سبّني فقد
سبّ الله ، ومن سبّ الله أكبّه الله على منخريه في النار(١) .]
لا يبغض عليا إلاّ كافر أو منافق
روى جمع غفير من أعلامكم وعلمائكم عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : «لا يحب عليا إلاّ مؤمن ، ولا يبغضه إلاّ منافق». خرّجه كثير من محدّثيكم وعلمائكم الكبار منهم :
جلال الدين السيوطي في الدرّ المنثور ، والثعلبي في تفسيره ، والعلاّمة الهمداني في مودّة القربى ، وأحمد بن حنبل في المسند ، وابن حجر في الصواعق ، والخوارزمي في المناقب ، والعلاّمة ابن المغازلي في المناقب ، والحافظ القندوزي في الينابيع ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ، والطبراني في الأوسط ، والمحب الطبري في ذخائر العقبى ، والنسائي في الخصائص ، والعلاّمة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ، ومحمد بن طلحة في مطالب السّئول ، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمة ، وغير هؤلاء جمع غفير خرّجوا هذا الحديث باسنادهم وبطرق شتى حتى كاد أن يصل حدّ التواتر ، ومن الواضح أنّ مصير الكافر والمنافق إلى النار
__________________
(١) رواه جماعة من الأعلام وعلماء العامّة باسنادهم عن ابن عباس منهم العلامة الحافظ الفقيه ابن المغازلي في كتابه مناقب الإمام علي حديث رقم / ٤٤٧ ، وأخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة : ج ٢ / ١٦٦ ، من طريق الملاّ في سيرته ، وهكذا أخرجه الموفق الخوارزمي في المناقب : ص ٨١ ، والعلامة الزرندي في نظم درر السمطين : ١٠٥.
«المترجم»
والسعير. وانقل لكم بالمناسبة ما رواه العلامة الكنجي الشافعي في آخر الباب الثالث من كتابه كفاية الطالب : بسنده المتصل بموسى بن طريف عن عباية عن علي بن أبي طالب قال «أنا قسيم النار يوم القيامة ، أقول : خذي ذا وذري ذا». هكذا رواه الحافظ أبو القاسم الدمشقي في تاريخه ، ورواه غيره مرفوعا إلى النبي (ص).
ثم قال العلاّمة الكنجي : فإن قيل هذا سند ضعيف ، قلت : قال محمد بن منصور الطوسي كنا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل : يا أبا عبد الله ما تقول في هذا الحديث الذي يروى أنّ عليا قال «أنا قسيم النار». فقال أحمد [وما تنكرون من هذا الحديث! أليس روينا أنّ النبي (ص) قال لعلي : لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق؟ قلنا بلى ، قال : فأين المؤمن؟ قلنا في الجنة ، قال : فأين المنافق؟ قلنا في النار.
قال : فعلي قسيم النار] هكذا ذكره في طبقات أحمدرحمهالله .
وقال الله سبحانه :( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ) (١) .
فمعاوية وأصحابه وأنصاره من أهل جهنم لا محالة ، بل هم في الدرك الأسفل من النار.
الشيخ عبد السلام : نحن لا ننكر هذه الأخبار والأحاديث الواردة في حق سيدنا عليّ كرّم الله وجهه ، ولكنّ الصحابة مستثنون لأنّ الله سبحانه غفر لهم وأعدّ لهم جنات النعيم كما وعدهم في آيات من الذكر الحكيم. ولا ينكر أن معاوية (رض) كان من الصحابة المقرّبين لرسول الله (ص). فيجب احترامه لصحبته للنبي (ص) ولقربه منه.
__________________
(١) سورة النساء ، الآية ١٤٥.
الصحابة ، أخيار وأشرار
قلت : لقد ناقشنا الموضوع في الليالي الماضية ، واثبتنا أنّ كثيرا ممن أدرك النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وحظى بصحبته ما كان أهلا لذلك ، ولم يكتسب منه الدّين والأخلاق الحميدة التي جاء بها ، وأمر أصحابه أن يتخلّقوا بها ، فبقوا على جهالتهم وسيّئات أخلاقهم فعصوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعاتبهم الله سبحانه في غير موضع من كتابه الحكيم. ولكي تعرفوا انّ المصاحبة والصحبة مع الأخيار والأبرار ومع الأنبياء والمرسلين ، لا تكون منقبة ولا شرفا وإنما الفضل والشرف في حسن الصحبة ، نرجع الى القرآن الكريم لنعرف تعبيره وتعريفه لهذه الكلمة ونعم الحكم الله سبحانه. قال :( ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ) (١) .
وقال :( قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ) (٢) .
وقال :( فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ) (٣) .
وفي الآية ٣٨( قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ ) الخ.
وقال تعالى :( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ) (٤) .
وقال :( كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ
__________________
(١) سورة النجم ، الآية ٢.
(٢) سورة سبأ ، الآية ٤٦.
(٣) سورة الكهف ، الآية ٣٤.
(٤) سورة الأعراف ، الآية ١٨٤.
يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى ) (١) .
وقال تعالى في سورة يوسف (الصدّيق) حكاية عنهعليهالسلام :( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) (٢) .
فنكتشف من هذه الآيات الكريمة ونعرف بأنّ الصاحب يطلق على المؤمن والكافر ، فلا خصوصيّة في الصحبة.
ومن البديهي أن الآيات الشريفة التي نزلت في مدح صحابة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لا تعمّهم بل تخصّ أخيارهم ، كما أنّ الآيات التي نزلت في ذمّهم وعتابهم أيضا تخص أشرارهم ولا تشمل الأبرار منهم.
ولا ينكر أنّ ممن كان حول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من الصحابة الذين يجالسونه ويعاشرونه كانوا منافقين ، كما نعتقد أنّ بعض أصحابه الأبرار الميامين الأخيار كانوا في أعلى مراتب الإيمان واليقين بحيث ما كان مثلهم في أصحاب الأنبياء السابقين صلوات الله عليهم أجمعين وكلكم تعلمون أنّ عبد الله بن أبيّ ، وأبا سفيان ، والحكم بن العاص ، وأبا هريرة ، وثعلبة ، ويزيد بن أبي سفيان ، والوليد بن عقبة ، وحبيب بن مسلمة ، ومسرة بن جندب ، وعمرو بن العاص ، وبسر بن أرطاة ، والمغيرة بن شعبة ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وذي الثدية ، رأس الخوارج وأمثالهم كانوا يجالسون رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويصحبونه في السفر والحضر وفي المسجد والمنزل ويتظاهرون بالإسلام ، ولكنّهم كم أشعلوا نار الفتنة والشقاق وساروا في طريق الخلاف والنفاق ، حتى طرد رسول الله
__________________
(١) سورة الأنعام ، الآية ٧١.
(٢) سورة يوسف ، الآية ٣٩.
بعضهم ، ولعن آخرين ، وقاطع جماعة منهم ، وفضح بعضهم وشهرهم على رءوس الاشهاد؟! وممّن لعنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم معاوية وأباه وأخاه.
وكم من الصحابة ارتدّوا بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأصبحوا مصداق الآية الكريمة :( وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) (١) ؟.
مضافا الى الآيات القرآنية ، توجد روايات رواها علماؤكم وأئمتكم عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم تؤيّد ما نقول. فقد روى البخاري في صحيحه خبرين عن سهل بن سعد ، وآخر عن عبد الله بن مسعود باختلاف يسير في الالفاظ ، والمعنى واحد ، أنّ رسول الله قال «أنا فرطكم على الحوض ، ليرفعنّ إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني ، فأقول : أي ربّ أصحابي! فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك!!».
وروى أحمد بن حنبل في المسند ، والطبراني في الكبير ، وأبو النصر في الإبانة ، بإسنادهم عن ابن عباس عن النبي (ص) قال «أنا آخذ بحجزكم ، أقول : اتقوا النار ، واتقوا الحدود ، فإذا متّ تركتم وأنا فرطكم على الحوض فمن ورد فقد أفلح ، فيؤتى بأقوام فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا ربّ أمّتي! فيقول : إنهم لم يزالوا بعدك يرتدّون على أعقابهم». (وفي رواية الطبراني في الكبير) فيقال «إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، مرتدّين على أعقابهم».
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ١٤٤.
فمما يثير العجب ويبعث الأسف في النفس ، أنّ معاوية وابنه يزيد مع كثرة الدلائل والشواهد على كفرهما وإنكارهما للدين والوحي(١) ، تعدّونهما مؤمنين ، بل تلقبونهما بأمير المؤمنين ، أي
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٥ / ١٢٩ ، ط إحياء التراث العربي تحت عنوان : (أخبار متفرقة عن معاوية).
وقد طعن كثير من أصحابنا في دين معاوية ، ولم يقتصروا على تفسيقه ، وقالوا عنه أنّه كان ملحدا لا يعتقد النبوّة ، وقد نقلوا عنه في فلتات كلام وسقطات ألفاظه ما يدلّ على ذلك. وروى الزبير بن بكّار في «الموفقيات» ـ وهو غير متّهم على معاوية ، ولا منسوب إلى اعتقاد الشيعة ، لما هو معلوم من حاله من مجانبة عليّ ٧ ، والانحراف عنه ـ : قال المطرف بن المغيرة بن شعبة : دخلت مع أبي على معاوية ، وكان أبي يأتيه فيتحدّث معه ، ثم ينصرف إليّ فيذكر معاوية وعقله ، ويعجب بما يرى منه ، إذ جاء ذات ليلة ، فأمسك عن العشاء ، ورأيته مغتمّا فانتظرته ساعة ، وظننت أنّه لأمر حدث فينا ، فقلت : ما لي أراك مغتمّا منذ الليلة؟ فقال : يا بنيّ ، جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم ، قلت : وما ذاك؟ قال : قلت له ـ أي لمعاوية ـ وقد خلوت به : إنّك قد بلغت سنّا يا أمير المؤمنين ، فلو أظهرت عدلا ، وبسطت خيرا ، فإنّك قد كبرت ؛ ولو نظرت إلى إخوانك من بني هاشم ، فوصلت أرحامهم ، فو الله ما عندهم اليوم شيء تخافه ، وإنّ ذلك ممّا يبقى لك ذكره وثوابه ؛ فقال : هيهات هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه؟! ملك أخو تيم فعدل ، وفعل ما فعل ، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره ؛ إلاّ أن يقول قائل : أبو بكر ؛ ثم ملك أخو عديّ ، فاجتهد وشمّر عشر سنين ، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره ؛ إلاّ أن يقول قائل :عمر. وإنّ ابن أبي كبشة ليصاح به كلّ يوم خمس مرّات : «اشهد أنّ محمدا رسول الله» فأيّ عمل يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك؟! لا والله إلاّ دفنا دفنا!!]
ثم قال ابن أبي الحديد بعد نقله للخبر [وأما أفعال المجانبة للعدالة الظاهرة ، من لبسه الحرير ، وشربه في آنية الذهب والفضّة ؛ حتى أنكر عليه ذلك أبو الدرداء ،
__________________
فقال له : إنّي سمعت رسول الله يقول «إنّ الشارب فيهما ليجرجر في جوفه نار جهنم». فقال معاوية : أمّا أنا فلا أرى بذلك بأسا.
فقال أبو الدرداء : من عذيري من معاوية! أنا أخبره عن الرسول (ص) وهو يخبرني عن رأيه! لا أساكنك بأرض أبدا.]
فهذا الخبر يقدح في عدالته ، كما يقدح أيضا في عقيدته ، لأنّ من قال في مقابل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «أمّا أنا فلا أرى بأسا فيما حرّمه رسول الله» فليس بصحيح العقيدة. ومن المعلوم أيضا من حالة استئثاره بمال الفيء ، وضربه من لا حدّ عليه ، وإسقاط الحدّ عمّن يستحقّ إقامة الحدّ عليه ، وحكمهم برأيه في الرعيّة وفي دين الله ، واستلحاقه زيادا ؛ وهو يعلم قول رسول الله (ص) : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» ، وقتله حجر بن عديّ وأصحابه ولم يجب عليهم القتل ، ومهانته لأبي ذرّ الغفاري وجبّه وشتمه وإشخاصه إلى المدينة على قتب بغير وطاء لإنكاره عليه ، ولعنه عليّا وحسنا وحسينا وعبد الله بن عباس على منابر الإسلام ، وعهده بالخلافة إلى ابنه يزيد ، مع ظهور فسقه وشربه المسكر جهارا ولعبه بالنّرد ونومه بين القيان المغنيّات واصطباحه معهنّ ولعبه بالطنبور بينهنّ ، وتطريقه بني أمية للوثوب على مقام رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وخلافته ، حتى أفضت إلى يزيد بن عبد الملك والوليد بن يزيد ، المفتضحين الفاسقين : صاحب حبابة وسلاّمة ، والآخر رامي المصحف بالسهام وصاحب الأشعار في الزندقة والإلحاد. «انتهى كلام ابن أبي الحديد».
أقول : وذكر سبط ابن الجوزي في التذكرة تحت عنوان (فصل في يزيد بن معاوية) قال [ذكر علماء السير عن الحسن البصري أنه قال : قد كانت في معاوية هنات لو لقي أهل الأرض ببعضها لكفاهم : وثوبه على هذا الأمر ، واقتطاعه من غير مشورة من المسلمين ، وادّعاؤه زيادا ، وقتله حجر بن عديّ وأصحابه ، وبتوليته مثل يزيد على الناس. قال : وذكر جدي أبو الفرج في كتاب (الردّ على المتعصّب العنيد المانع
تحسبون خلافتهما شرعية ، وتدافعون عنهما باليد واللسان ، بل بالمال والنفس وإن كان بعض أعلامكم وافقونا في كفر معاوية وابنه وكتبوا في ذلك مثل ابن الجوزي وقد ألّف كتاب «الرد على المتعصّب العنيد المانع من ذم يزيد».
__________________
من ذم يزيد) وقال : سألني سائل فقال : ما تقول في يزيد بن معاوية؟ فقلت له : يكفيه ما به فقال : أتجوّز لعنه؟ فقلت : قد أجاز العلماء الورعون ، منهم أحمد بن حنبل ، فإنّه ذكر في حقّ يزيد ما يزيد على اللعنة.]
وفي التذكرة قال : قال أحمد في المسند : حدثنا أنس بن عياض حدثني يزيد ابن حفصة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن عطاء بن يسار عن السائب ابن خلاّد [أنّ رسول الله (ص) قال «من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا».]
أقول : ورواه غير أحمد كثير من الأعلام وعلماء العامّة : ولا منكر بين المؤرخين أنّ معاوية أخاف أهل المدينة حين بعث إليه بسر بن أرطاة الظالم السفّاح ، فقتل منهم خلقا كثيرا ، وكذلك أخافهم يزيد بن معاوية ، حين بعث إليهم مسلم بن عقبة الظالم القاسي القلب ، فأباح المدينة ثلاثا فقتل خلقا كثيرا من أبناء المهاجرين والأنصار.
وقال سبط ابن الجوزي في التذكرة [وذكر المدائنيّ عن أبي قرة قال : قال هشام بن حسان ولدت ألف امرأة بعد الحرّة من غير زوج.
وغير المدائنيّ يقول : عشرة آلاف امرأة.]
أقول : ولا مجال لذكر كل الدلائل والشواهد على كفر معاوية ويزيد ، لأنه يتطلب وضع كتاب مستقل ، لذا اكتفينا بذكر قليل من كثير.
«المترجم»
والسيد محمد بن عقيل وقد ألّف كتاب «النصائح الكافية لمن يتولّى معاوية» طبع في مطبعة النجاح ببغداد سنة ١٣٦٧ هجرية. ولكن تصرّون إصرارا باطلا ، في عدم إيمان أبي طالبعليهالسلام وهو من السابقين في الإيمان والذّب عن الإسلام والدّفاع عن نبيّه صلوات الله عليه وآله.
وهذا لا يكون إلاّ من تأثير بني أمية والنواصب والخوارج فيكم.
ولا أدري متى تزيلون عن دينكم ومذهبكم شبهات أعداء آل محمّد وتأثيرات بني أمية؟! ومتى تحرّرون مذهبكم ودينكم من التعصّبات والتقيّدات المتّخذة من الآباء والأسلاف؟!
لقد حان الوقت أن تفتحوا أبصاركم وتنبشوا التاريخ وكتب السير والحوادث وتفتشوا عن الحقائق المستندة بالأدلة والبراهين العقليّة والنقلية من الكتاب الحكيم والسّنة الشريفة ، فتتمسّكوا بالحق المبين وتلتزموا بشريعة سيد المرسلين.
أما آن لكم أن تتركوا أقاويل بني أمية ودعاياتهم وأكاذيبهم ، وترجعوا إلى آل محمّد وعترته ، وتأخذوا دينكم وأحكامه ومعالمه من أهل بيتهعليهمالسلام ؟!
أما جعل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أهل البيت عدل القرآن بقوله : «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي» وجعلهم مرجعا للمسلمين فيما يختلفون فيه؟!
وأجمع آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وعترته على أنّ أبا طالبعليهالسلام كان من المؤمنين وارتحل من الدنيا بكمال الدين والإيمان.
دلائل أخرى على إيمان أبي طالبعليهالسلام
وهذا أصبغ بن نباتة من الرواة الثقات حتى عند علمائكم يروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال «والله ما عبد أبي ، ولا جدّي عبد المطّلب ، ولا هاشم ، ولا عبد مناف ، صنما قطّ».
فهل من الإنصاف أن تتركوا قول أهل بيت النبوّة والعترة الطاهرة ، وتأخذوا بكلام أعدائهم مثل المغيرة بن شعبة الفاجر؟!
أوهل من الإنصاف أن تؤولوا أشعار أبي طالب في الإسلام وفي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتصديقه لهما ، وإعلانه الإيمان بهما بكل صراحة ، فلا تقبلوا كل ذلك ، لحديث رواه كاذب فاسق فاجر ، عدوّ الإمام عليّ وعدوّ آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
وأضف على ما نقله المؤرّخون من أشعار صريحة في إيمان أبي طالب ، خطبته الغرّاء البليغة التي خطبها في خطبة أم المؤمنين خديجة الكبرى لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وذكرها عامّة المؤرّخين.
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٧٠ ، ط دار إحياء الكتب العربية : وخطبة النكاح مشهورة ، خطبها أبو طالب عند نكاح محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم خديجة ، وهي قوله : «الحمد لله الذي جعلنا من ذرّيّة إبراهيم ، وزرع إسماعيل ، وجعل لنا بلدا حراما وبيتا محجوجا ، وجعلنا الحكّام على الناس ثم أنّ محمد بن عبد الله أخي ، من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه برّا وفضلا ، وحزما وعقلا ، ورأيا ونبلا ، وإن كان في المال قل ، فإنّما المال ظلّ زائل ، وعارية مسترجعة ، وله في خديجة بنت خويلد رغبة ، ولها فيه مثل ذلك ، وما أحببتم من
الصّداق فعليّ ، وله والله بعد نبأ شائع وخطب جليل».
بالله عليكم انصفوا ، لو وضعت هذه الخطبة أمام أيّ إنسان عالم غير منحاز إلى فئة ، ألا يصدّق بأنّ قائلها إنسان مؤمن عالم حكيم سحق الماديّات وتوجّه إلى المعنويّات. والجملة الأخيرة جديرة بالتفكّر والتدبّر ، أفتراه يعلم نبأه الشائع وخطبه الجليل ، ولا يؤمن به؟!
ولو كانت هذه الخطبة البليغة صادرة من أيّ إنسان آخر ، مثلا من أبي قحافة أو الخطّاب ، أما كنتم تستدلّون بها على إيمانه؟
ونقل العلاّمة القندوزي في ينابيع المودّة / الباب الرابع عشر / عن موفق بن أحمد ـ الخوارزمي ـ بسنده عن محمد بن كعب قال [رأى أبو طالب النبي (ص) يتفل في فم عليّ أي يدخل لعاب فمه في فم عليّ فقال : ما هذا يا ابن أخي؟ فقال : إيمان وحكمة.
فقال أبو طالب لعليّ : يا بني! انصر ابن عمك ووازره.]
أما يدلّ هذا الخبر على إيمان أبي طالب؟ فإنّه لو لم يكن مؤمنا بالنبي ،صلىاللهعليهوآلهوسلم لمنعه وزجره ، ولكنّه أمر عليا بنصرته ومؤازرته.
إسلام جعفر بأمر أبيه
وكذلك ذكر علماؤكم ومحدثوكم أنّ أبا طالب أمر ابنه جعفرا أن يقف بجانب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ويؤمن به وينصره ، وذكر بعضهم أنّ أبا طالب دخل المسجد الحرام ومعه ابنه جعفر ، فرأى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم واقفا يصلي وعليّ على يمينه يصلي معه ، فقال أبو طالب لجعفر [صل جناح ابن عمك! فتقدّم جعفر فوقف على يسار النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يصلي معه ويقلّده في الركوع والسجود ، فأنشد أبو طالب قائلا :
إنّ عليا وجعفرا ثقتي |
عند ملمّ الزمان والنّوب |
|
لا تخذلا وانصرا ابن عمّكما |
أخي لأمي من بينهم وأبي |
|
والله لا أخذل النبيّ ولا |
يخذله من بني ذو حسب(١) ] |
فهل من المعقول أنّ رجلا يأمر ولده بمتابعة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (٢) ويأمره بنصرته وعدم خذلانه ، ثم هو يخالف ذاك الرسول ولا يؤمن به؟
شواهد أخرى على إيمان أبي طالبعليهالسلام
ذكر كبار علمائكم وجميع المؤرخين من دون استثناء ، أنّ قريشا حين قاطعوا بني هاشم وحاصروهم محاصرة اقتصادية واجتماعية ، التجأ بنو هاشم بأبي طالب ، فأخذهم الى شعب له يعرف بشعب أبي طالب ، قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٦٥ ، ط إحياء الكتب العربية [وكان سيّد المحصورين في الشعب ورئيسهم وشيخهم أبو طالب بن عبد المطلب ، وهو الكافل والمحامي ، وقال في صفحة ٦٤ : وكان أبو طالب كثيرا ما يخاف على رسول الله (ص)
__________________
(١) ديوان أبي طالب ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ١٤ / ٧٦ ، ط دار احياء التراث العربي.
(٢) نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٥٢ ، ط إحياء الكتب العربية من كتاب السيرة والمغازي لمحمد بن إسحاق بن يسار ، وقال : إنّه كتاب معتمد عند أصحاب الحديث والمؤرّخين. قال : إنّ أبا طالب رأى عليا يصلي. قال له : أي بني ما هذا الذي تصنع؟ قال : يا أبتاه ، آمنت بالله ورسوله وصدّقته قال له : أما انّه لا يدعوك إلاّ إلى خير ، فالزمه.
«المترجم»
البيات إذا عرف مضجعه ، يقيمه ليلا من منامه ويضجع ابنه عليّا مكانه.
فقال له عليّ ليلة : يا ابت ، إنّي مقتول؟ فقال له :
اصبرن يا بنيّ فالصبر أحجى |
كل حيّ مصيره لشعوب |
|
قدّر الله والبلاء شديد |
لفداء الحبيب وبن الحبيب |
|
لفداء الأغرّ ذي الحسب الثا |
قب والباع والكريم النجيب |
|
إن تصبك المنون فالنبل تبري |
فمصيب منها ، وغير مصيب |
|
كلّ حيّ وإن تملّى بعمر |
آخذ من مذاقها بنصيب |
فأجاب عليعليهالسلام ، فقال له :
أتأمرني بالصّبر في نصر أحمد |
ووالله ما قلت الذي قلت جازعا |
|
ولكنّني أحببت أن ترى نصرتي |
وتعلم أنّي لم أزل لك طائعا |
|
سأسعى لوجه الله في نصر أحمد |
نبيّ الهدى المحمود طفلا ويافعا] |
بالله عليكم فكّروا وانصفوا! هل يضحّي أحد بابنه إلاّ في سبيل العقيدة؟
هل من المعقول أنّ أبا طالب يقدّم ابنه عليا فداء لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو غير مؤمن به وبرسالته السماوية؟!
وذكر كثير من المؤرخين والمحدّثين منهم : سبط ابن الجوزي في كتاب تذكرة الخواصّ فقال : وقال ابن سعد حدثني الواقدي قال : [قال عليعليهالسلام «لمّا توفي أبو طالب. أخبرت رسول الله (ص) فبكى بكاء شديدا ، ثم قال : اذهب فغسّله وكفّنه وواره ، غفر الله له ورحمه».
فقال له العباس : يا رسول الله إنّك لترجو له؟ فقال «أي والله! إنّي لأرجو له». وجعل رسول الله (ص) يستغفر له أياما لا يخرج
من بيته وقال علي يرثيه :
أبا طالب عصمة المستجير |
وغيث المحول ونور الظلم |
|
لقد هدّ فقدك أهل الحفاظ |
فصلّى عليك وليّ النعم |
|
ولقّاك ربّك رضوانه |
فقد كنت للطّهر من خير عم |
فأسألكم : أما قال الله سبحانه في كتابه :( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ ) (١) ؟.
فإذا مات أبو طالب مشركا كما تزعمون ، فكيف جعل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يستغفر له أياما لا يخرج من بيته؟!
والمشهور أنّ طلب الرحمة والمغفرة للمشرك حرام.
ثم كلّنا نعلم أنّ تجهيز الميّت أي تغسيله وتكفينه من سنن الإسلام ، فإذا لم يكن أبو طالب مسلما ، فكيف يأمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عليا بتغسيله وتكفينه ومواراته؟
وهل من المعقول أنّ علياعليهالسلام وهو سيد الموحدين وإمام المتقين وأمير المؤمنين ، يرثي مشركا بذاك الرثاء الذي هو جدير أن يرثى به الأنبياء والأوصياء ، ولا سيما وصفه : «بنور الظلم» ، وأنه «صلى عليه وليّ النعم وهو الله سبحانه وتعالى ، «ولقّاك ربّك رضوانه ..» وهل الله عزّ وجلّ يلقى رضوانه المشركين؟!
فهذه كلها دلائل ناصعة ، وبراهين ساطعة في إيمان أبي طالب.
الشيخ عبد السلام : إذا كان أبو طالب مؤمنا ، فلما ذا لم يعلن إيمانه مثل حمزة والعباس؟
__________________
(١) سورة النساء ، الآية ٤٨.
قلت : إنّ إعلان حمزة إيمانه وإظهار إسلامه ، وكتمان أبي طالب إيمانه وإسلامه كان عن حكمة وتدبير ، فقد كان حمزة رجل الضّرب والحرب ، جسورا في اقتحام المعارك ، فلما أظهر إيمانه وأعلن اسلامه ، قويت شوكة المسلمين وكانوا مستضعفين ، فإسلام حمزة بعث فيهم الروح وقوّى معنوياتهم وشدّ عزائمهم. لكن أبا طالب كان رجل الحكمة والتدبير ، وكان هو آنذاك يتزعّم بني هاشم ، فكانوا تحت لوائه ، وحتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان تحت كفالته وحمايته ، وكانت قريش تراعي مقامه وشخصيّته لأنّهم يحسبونه منهم ، وعلى طريقتهم ودينهم ، فكانوا يتنازلون له ويواجهونه باللّين ، حتى أنّهم كانوا يطمعون فيه أن يسلّمهم محمداصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيقضوا عليه ويقتلوه(١) .
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٨١ و ٨٢ ، ط دار إحياء الكتب العربية : قالوا [وإنما لم يظهر أبو طالب الإسلام ويجاهر به ، لأنّه لو أظهره لم يتهيّأ له من نصر النبي (ص) ما تهيّا له ، وكان كواحد من المسلمين الذين اتّبعوه ، نحو أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما ممّن أسلم ، ولم يتمكن من نصرته والقيام دونه حينئذ ، وإنّما تمكّن أبو طالب من المحاماة عنه بالثبات في الظاهر على دين قريش وان أبطن الإسلام ، كما لو أنّ إنسانا كان يبطن التشيّع مثلا ، وهو في بلد من بلاد الكرّامية ـ أعداء للشيعة ـ وله في ذلك البلد وجاهة وقدم ، وهو يظهر مذهب الكرامية ، ويحفظ ناموسه بينهم بذلك وكان في ذلك البلد نفر يسير من الشيعة لا يزالون ينالون بالأذى والضرر من أهل ذلك البلد ورؤسائه ، فإنّه ما دام قادرا على إظهار مذهب أهل البلد ، يكون أشدّ تمكّنا من المدافعة والمحاماة عن أولئك النفر ، فلو أظهر ما يجوز من التشيّع ، وكاشف أهل البلد بذلك. صار حكمه حكم واحد من أولئك النفر ، ولحقه من الأذى والضرر ما يلحقهم ، ولم يتمكّن من الدفاع أحيانا عنهم كما كان أوّلا.] «المترجم»
ولكن يا ترى هل تنازل أبو طالب أمام قريش في شيء مما طلبوا منه في ابن أخيه ، من طرده وترك نصرته و...؟!
وأما العباس بن عبد المطلب ، فإنّه سبق إلى الاسلام وآمن بابن أخيه محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولكن بأمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كتم إيمانه أيضا ، فقد ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب أنّ العباس أراد أن يهاجر مع رسول الله (ص) إلى المدينة ، ولكن النبي (ص) أمره بالبقاء فيها وقال «بقاؤك في مكّة خير لي». فكان العباس يكتب إلى النبي (ص) أخبار مكة ويرسلها إليه ، حتى أخرجه المشركون كرها إلى بدر فكان من الأسرى ففدّى نفسه وأطلق ، ولما اقتضت الأمور وارتفعت الموانع ، أعلن إسلامه وأظهر إيمانه يوم فتح خيبر.
وقال الشيخ القندوزي في ينابيع المودّة / الباب السادس والخمسون / تحت عنوان ذكر إسلام العباسرضياللهعنه ـ وفي الباب عناوين كثيرة ـ : قال أهل العلم بالتاريخ : إنّ العباس أسلم قديما وكتم إسلامه ، وخرج مع المشركين يوم بدر فقال النبي (ص) «من لقي العباس فلا يقتله فإنه خرج مكرها». وهو يكتب أخبار المشركين من أهل مكة إلى النبي (ص) وكان المسلمون يؤمنون به وكان يحب الهجرة إلى المدينة ، لكن النبي (ص) كتب إليه «إنّ مقامك بمكة خير لك». ولمّا بشّر أبو رافع ـ رقّ النبي (ص) ـ بإسلام العباس ، أعتقه النبي (ص).
فيا ترى لو كان العباس يموت قبل إعلانه وإظهار إيمانه ، ما كان يتّهم بالشرك؟
فأبو طالب كذلك آمن بالنبي الأمينصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولكن الحكمة وحسن التدبير اقتضت أن لا يظهر ايمانه ، ليتمكّن من حماية النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ونصرته.
ولذلك ذكر المؤرّخون كلهم ، منهم ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ١٤ / ٧٠ قال [وفي الحديث المشهور : إنّ جبرائيلعليهالسلام قال لهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليلة مات أبو طالب : «أخرج منها فقد مات ناصرك»(١) .]
الشيخ عبد السلام : هل اشتهر اسلام أبي طالب على عهد النبي (ص) وهل عرفه المسلمون؟
قلت : نعم اشتهر إيمان أبي طالب وإسلامه ، وكل المؤمنين والمسلمين كانوا يذكرون أبا طالب بالخير ويعظّمونه ويحترمونه.
الشيخ عبد السلام : كيف يمكن أن يكون أمره شائعا مشهورا في عهد رسول الله وبعد النبي (ص) بثلاثين سنة تقريبا ، يكذبون على رسول الله (ص) ويضعون ويجعلون حديثا عنه ، بخلاف ذلك الأمر الشائع ، بحيث يخفونه على المسلمين ويغيّرون الواقع والحقيقة!
قلت : ليس هذه أول قارورة كسرت في الإسلام ، فإنّ هناك حقائق كثيرة أنكروها وحتى أحكام كانت على عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم شائعة. يعمل بها المسلمون ويصدّقها المؤمنون ، غيّرها المبتدعون وبدّلها المبطلون ، حتى نسيها الجيل الذي أتى بعد ذلك العهد.
__________________
(١) ذكر سبط ابن الجوزي في كتاب تذكرة الخواص : ١٩ ، ط بيروت / قال [قال ابن سعد : حدثنا الواقدي قال : دعا أبو طالب قريشا عند موته ، فقال : لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد ابن أخي وما اتبعتم أمره ، فاتّبعوه واعينوه فأرشدكم.]
أيها القارئ الكريم فكّر هل تخرج هذه الوصية إلاّ من مؤمن برسالة محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم كامل للايمان! «المترجم»
الشيخ عبد السلام : إذا كان كذلك فاذكر لنا نموذجا ، حتى نعرف!
قلت : الشواهد لقولي كثيرة ، ولكنّ الوقت لا يسمح أن اذكرها ، وإنّما أذكر نموذجا واحدا وهو حكم اتّفق عليه الجمهور ، ومستند إلى كتاب الله وسنّة رسوله وقد عمل به المسلمون والصحابة وكان شائعا بينهم ، إلاّ أن الخليفة الثاني حرّمه ومنع المسلمين من العمل به ، وهو الزواج المنقطع ، والنكاح الموقّت.
فقد ذكر المحدّثون والفقهاء وأصحاب التاريخ والسّير : أنّ الزواج الموقّت كان جاريا من عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يعمل به المسلمون في عهد أبي بكر أيضا ، وكذلك معمول به في شطر من خلافة عمر ، ولكنّه رأى بعد ذلك تحريمه ، ومنع المسلمين من العمل به ، فصعد المنبر وأعلن فقال [متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنا أحرّمهما وأعاقب عليهما.]
فجاء حكم عمر ناسخا لحكم الله ورسوله إلى يومنا هذا ، بحيث نرى حتى بعض أهل العلم من العامّة يتهجّمون على الشيعة في كتبهم ويفترون عليهم بأنّهم أهل البدع والضلال ويستشهدون لصدق كلامهم ، بأنّ الشيعة يلتزمون بالزواج الموقّت ويجيزونه ويبيحونه.
فالافتراء على أبي طالبعليهالسلام ، واتهامه بالكفر ، وقذفه بالشرك ، وتغيير واقعه في التاريخ ، وتبديل حقيقته بين كثير من الناس ، مثلكم أنتم وأمثالكم ، لم يكن بأعجب ولا أصعب ، من تغيير حكم الله وتبديل سنة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والأمر الذي عمل به أكثر الصحابة وذكر الله في كتابه بالصراحة ، وإذا به ينقلب حراما بحكم عمر بن الخطاب ، ويعيّن لفعله عقابا وعذابا صارما.
والناس يقبلون منه التغيير ويمتنعون بحكمه من حكم الله
سبحانه ، وحتى أنتم اليوم ملتزمون بحكم الخليفة وجعل حلال الله تعالى حراما.
الشيخ عبد السلام : أتريد أن تقول أنّ ألوف الملايين من المسلمين الذين جاءوا بعد عمر الفاروق كلهم عملوا على خلاف حكم الله سبحانه ورجّحوا كلام الخليفة على كلام الله وسنّة رسوله (ص)؟
والحال كل أهل العالم يعلمون بأننا نتمسّك بسنّة رسول الله (ص) ونعمل بها حتى أطلقوا علينا كلمة «أهل السنّة» وأطلقوا عليكم كلمة «الرافضة» لأنّكم رفضتم سنّة النبي (ص)(١) .
نحن أهل السنّة وأنتم الرافضة
قلت : ربّ مشهور لا أصل له ، أنتم تسمّون أهل مذهبكم ـ أهل السنّة ـ وتسمّون شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ الرافضة ـ وليس الأمر كما تدّعي بأنّ أهل العالم أطلقوا كلمة ـ أهل السنّة ـ عليكم وكلمة ـ الرافضة ـ على الشيعة. فإنّ الأصل على عكس التسميتين ، فإنكم إذا فتحتم أعينكم وأبصرتم الحقائق بقلوبكم وعقولكم لعرفتم أنّ الشيعة هم في الحقيقة أتباع القرآن الكريم وسنّة سيد المرسلين ، وغيرهم هم الذين رفضوا العمل بالقرآن والتمسّك بالسنة الشريفة.
الشيخ عبد السلام قال ـ مستهزئا ـ : أحسنت. إذ سمّيت ألوف
__________________
(١) لا يخفى على المحقّق الخبير ، والمتتبّع البصير أنّ معاوية هو الذي أطلق اسم ـ أهل السنّة والجماعة ـ على العامّة ، وأطلق كلمة ـ الرافضة ـ على شيعة الإمام عليّعليهالسلام وأتباعه ، فهو الآخر ، قد قلب الحقائق ، وبدّل واقع الأمور.
«المترجم»
الملايين من المسلمين المتمسكين بكتاب الله وسنّة رسوله (ص) روافض ليت شعري ما هو دليلك على هذا الادّعاء؟!
قلت : أراك تأثّرت من كلامي وقولي : بأننا نحن أهل السنة وأنتم الرافضة ، وأنتم منذ مئات السنين تدّعون هذا الأمر وتسمّون ألوف الملايين من شيعة آل محمد وأهل بيته الطاهرين طول التاريخ بالرافضة ، بل ترمونهم بالكفر والضلال ، بغير دليل ولا برهان ، بل ادّعاء محض وافتراء واضح البطلان.
ولكنّي كما أثبتّ في طول مناقشاتي في الليالي الماضية أنّي لا أتكلم بغير دليل ولا أستند في حديثي بالأقاويل والأباطيل ، فكذلك هذه الليلة
وأما دليلي على أنّنا نحن أتباع القرآن الحكيم وسنّة سيد المرسلين فهو حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي أثبتناه في الليالي الماضية وذكرنا مصادره من كتبكم المعتبرة ، وهو قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا».
وأنتم أعرضتم عن أهل البيت وتمسكتم بغيرهم بل تمسكتم أحيانا بأعدائهم ومخالفيهم ، وتركتم حكم الله الذي عمل به أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته ، وتمسكتم بحكم عمر الذي غيّر حكم الله وحرّم حلاله ، وكذلك أبو بكر خالف حكم الله سبحانه في عدم إعطاء خمس الغنائم لأهل البيتعليهمالسلام في صريح قوله تعالى :( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ) (١) وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته يعمل بهذه الآية الشريفة ، وقد أثبتنا ذلك في الليالي الماضية ونقلنا لكم أقوال أعلامكم بأنّ أبا بكر غيّر حكم الخمس وتبعه
__________________
(١) سورة الأنفال ، الآية ٤١.
عمر ، وأما عثمان فقد خصّه لقرباه عوض قربى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فأعطى الخمس لمروان وأبيه وأخيه وغيرهم من بني أمية الذين طردهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولعنهم. وأنتم أيضا إلى اليوم تتبعون سنّة أبي بكر وهي على خلاف سيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسنّته الشريفة.
هل اكتفيتم أم أزيدكم؟!
الشيخ عبد السلام : ما هو دليلكم من كتاب الله عزّ وجلّ على تشريع الزواج المؤقّت ، هل عندكم دليل صريح من القرآن الحكيم؟
دليلنا في تشريع الزواج المؤقّت
قلت : نعم دليلنا من القرآن الكريم في تشريع الزواج المؤقّت الآية الكريمة التي تصرّح وتقول :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) (١) .
هذا هو صريح حكم الله جلّ وعلا وما نسخ بآية أخرى ، فيكون الحكم باقيا إلى آخر الدنيا ، فإنّ حلال محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة.
الشيخ عبد السلام : كيف عرفتم أنّ هذه الآية تشير إلى الزواج المؤقّت!
فإن الاستمتاع يحصل في الزواج الدائم وإيتاء الأجور وهو المهر واجب فيه وفرض أيضا.
قلت : قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار. فلا بدّ في مثل هذه القضايا المشتبهة أن نراجع كتب التفسير ، وأنّ
__________________
(١) سورة النساء ، الآية ٢٤.
مفسّريكم مثل الطبري في تفسيره : ج ٥ والفخر الرازي في تفسيره : ج ٣ وغيرهما ذكروا في تفسير الآية الزواج المؤقّت وقالوا [بأنّ الآية نزلت في تشريع الزواج المؤقّت.]
إضافة إلى بيان مفسريكم في تفسير الآية الكريمة ، فإنكم تعلمون أنّ الله عزّ وجلّ في سورة النساء قد بيّن أنواع النكاح المشروع في الإسلام. فقال في النكاح الدائم :( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا* وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ) (١) .
وقال سبحانه في الآية ٢٤ :( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ، فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) في هذه الآية صرّح بتشريع الاستمتاع من النساء ، مقابل أجر فرض بينهما ، والاستمتاع هو زواج المتعة أو المؤقّت.
وشرّع نوعا ثالثا في النكاح وهو ملك اليمين ، فقال عزّ وجلّ :( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ ، فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ ) (٢) .
فإذا كانت آية الاستمتاع أيضا تتضمّن الزواج والنكاح الدائم فيكون ذكر هذا الموضوع في سورة واحدة مكررا ، وهذا إلى اللغو أقرب ، وحاشا كلام الله العزيز من اللغو ، والله جلّ جلاله حكيم واللغو لا يصدر من الحكيم.
__________________
(١) سورة النساء ، الآية ٢ و ٣.
(٢) سورة النساء ، الآية ٢٥.
ثم إننا نجد الكلمات والتعابير في الآيتين مختلفة ، ففي الآية الأولى يقول سبحانه :( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَ ) . وفي الآية الثانية يقول تعالى :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) . فبدّل النكاح بالاستمتاع والصداق بالأجور. كما أنّ المؤرخين قد ذكروا أنّ المسلمين على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كانوا يتزوجون بزواج المتعة وهو الزواج المؤقت. فإذا كانت آية المتعة ـ على حدّ زعمكم ـ تشير إلى الزواج الدائم لا المؤقّت ، فما هي الآية التي عرف المسلمون منها وفهموا بها الزواج المؤقّت؟
وعلى استناد أيّة آية من كلام الله العزيز شرّع لهم الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم زواج المتعة؟
روايات المتعة عن طريق أهل السنّة
أما الروايات الواردة ، والأخبار المرويّة في المتعة والزواج المؤقّت في كتبكم المعتبرة ، من علمائكم وأعلام أئمتكم ، فكثيرة لا يمكن رفضها ونقضها ، لأنّ بعضها جاءت في الصحاح ، فقد روى البخاري في صحيحه كتاب التفسير باب فمن تمتع بالعمرة الى الحج وأحمد في المسند ج ٤ / ٤٢٩ عن أبي رجاء عن عمران بن حصين أنّه قال [نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها على عهد رسول الله (ص) ، ولم ينزل قرآن بحرمتها ولم ينه عنها رسول الله (ص) حتى إذا مات ، قال رجل برأيه ما يشاء.]
وروى مسلم في صحيحه : ج ١ / ٥٣٥ ، باب نكاح المتعة / عن عطاء قال [قدم جابر بن عبد الله معتمرا ، فجئناه في منزله ، فسأله القوم
عن أشياء ثم ذكروا المتعة ، فقال : نعم استمتعنا على عهد رسول الله (ص) وعلى عهد أبي بكر وعمر(١) .]
وروى مسلم في نفس الجزء ٤٦٧ ، في نفس الباب وفي كتاب الحج / باب التقصير في العمرة / مسندا عن أبي نضرة قال [كنت عند جابر بن عبد الله إذ أتاه آت فقال : انّ ابن عبّاس وابن الزبير اختلفا في المتعتين. فقال جابر : فعلناهما مع رسول الله (ص) ثم نهانا عنهما عمر.] ورواه أحمد في المسند : ج ١ / ٢٥ بطريق آخر باختلاف يسير في اللفظ(٢) .
وروى مسلم في صحيحه نفس الجزء / باب نكاح المتعة / بسنده عن أبي الزبير قال [سمعت جابر بن عبد الله يقول : كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر ، حتى نهى عمر عنه في شأن عمرو بن حريث(٣) .]
وفي صحاحكم ومسانيدكم توجد أخبار وروايات كثيرة جدا في هذا الباب لا مجال لذكرها ، وكلها تكشف عن عمل الصحابة بالمتعة على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر وأوائل عهد عمر ، ثم نهاهم عمر
__________________
(١) ورواه أيضا أبو داود في صحيحه : ج ١٣ ، باب الصداق ، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده : ج ٣ / ٣٨٠ ، ونقله المتقي في كنز العمال : ج ٨ / ٢٩٤.
(٢) ورواه أحمد أيضا في المسند : ج ٣ / ٣٢٥ و ٣٥٦ و ٣٦٣ باختصار ، ورواه أيضا البيهقي في سننه ج ٧ / ٢٠٦ ، ورواه الطحاوي باختصار في شرح معاني الآثار في كتاب مناسك الحج / ٤٠١ ، ورواه المتقي في كنز العمال : ج ٨ / ٢٩٤ وقال :أخرجه ابن جرير.
(٣) ورواه البيهقي في سننه ج ٧ / باب ما يجوز أن يكون مهرا ، وذكره العسقلاني في تهذيب التهذيب : ج ١٠ / ٣٧١ ، ونقله المتقي في كنز العمال : ج ٨ / ٢٩٤.
«المترجم»
عنها وتوعّد من يستمتع بالرجم(١) .
__________________
(١) تأكيدا لكلام المؤلّف أنقل للقارىء الكريم بعض الروايات التي عثرت عليها في كتب علماء العامّة فقد روى أحمد في المسند : ج ٢ / ٩٥ ، بسنده عن سالم قال [كان عبد الله بن عمر يفتي بالذي أنزل الله عزّ وجلّ من الرخصة بالتمتع ، وسنّ رسول الله (ص) فيه ، فيقول ناس لابن عمر : كيف تخالف أباك وقد نهى عن ذلك! فيقول له عبد الله : ويلكم ألا تتقون الله! (إلى أن قال) فلم تحرّمون ذلك وقد أحلّه الله وعمل به رسول الله (ص)! أفرسول الله (ص) أحقّ أن تتبّعوا سنّته أم سنّة عمر!!]
أقول : وهذه الرواية صريحة بأنّ القوم رفضوا سنّة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وتمسّكوا بسنّة عمر ، فهم الرافضة ، والشيعة هم أهل السنة.
ورعاية للاختصار أذكر لكم المصادر في الموضوع من غير نقل الروايات واذا احببتم فراجعوا :
صحيح البخاري / كتاب التفسير / باب فمن تمتّع بالعمرة الى الحج وكتاب النكاح وكتاب التوحيد / باب قول الله :( هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ ) .
صحيح مسلم / كتاب الحج / باب جواز التمتع وباب التقصير في العمرة ، وفي كتاب النكاح / باب نكاح المتعة.
صحيح ابن ماجة صفحة ٢٢٠ باب التمتع بالعمرة الى الحج.
صحيح الترمذي : ج ١ / باب ما جاء في التمتع.
صحيح النسائي : ج ٢ في القرآن.
مسند أحمد بن حنبل : ج ٣ / ٣٢٥ و ٣٥٦ و ٣٦٣ و ٣٨٠ وفي ج ٤ / ٤٢٩ و ٤٣٤ و ٤٣٦ و ٤٣٨ و ٤٣٩ وفي ج ١ / ٥٢.
مسند أبي داود الطيالسي : ج ٨ / ٢٤٠ ، وفي ج ٧ / ٢١٧ ، روى بسنده عن مسلم القرشي قال [دخلنا على أسماء بنت أبي بكر فسألناها عن متعة النساء. فقالت : فعلناها على عهد النبي (ص).] وفي ج ٨ / ٢٤٧.
__________________
سنن البيهقي : ج ٥ / ٢١ وج ٧ / باب نكاح المتعة / روى فيه بسنده بطريقين عن عمر قال [متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما ، احداهما متعة النساء ولا أقدر على رجل تزوّج امرأة إلى أجل إلاّ غيّبته بالحجارة ، والأخرى متعة الحج ، افصلوا حجّكم عن عمرتكم فإنّه أتمّ لحجّكم وأتمّ لعمرتكم.] ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار / كتاب مناسك الحج : ص ٤٠١ ، وذكره المتقي في الكنز : ج ٨ / ٢٩٤ بطريقين وقال : أخرجهما ابن جرير ، ورواه جمع آخر من الأعلام.
سنن البيهقي : ج ٥ / ١٦ وروى في صفحة ٢١ عن ابن عمر بطريقين أنّه كان يفتي بالمتعة فقيل له [أتخالف أباك وقد نهى عنها؟ قال لهم ابن عمر : ويلكم ألا تتقون الله فلم يحرّمون ذلك وقد أحلّه الله وعمل به رسول الله (ص) ، أفرسول الله (ص) أحقّ أن تتبّعوا سنّته أم سنّة عمر!] وفي الرواية الثانية قال [أفكتاب الله عزّ وجلّ أحقّ أن يتبع أم عمر!]
سنن الدارمي : ج ٢ / ٣٥ روى بسنده عن محمد بن عبد الله بن نوفل قال [سمعت عام حجّ معاوية يسأل سعد بن مالك كيف تقول بالتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال : حسنة جميلة. فقال : قد كان عمر ينهى عنها ، فأنت خير من عمر! قال : عمر خير مني وقد فعل ذلك النبي (ص) وهو خير من عمر.]
ومن المصادر في الموضوع : شرح معاني الآثار للطحاوي في كتاب مناسك الحج ص ٣٧٣ و ٣٧٤ و ٤٠١ وفي كتاب النكاح / باب نكاح المتعة روى بسنده عن سعيد ابن جبير مضمون الرواية الآتية في مسند أحمد.
وفي مسند أحمد : ج ٤ / ٣ روى بسنده عن أبي إسحاق بن يسار قال : إنّا لبمكّة إذ خرج علينا عبد الله بن الزبير فنهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج وأنكر أن يكون الناس صنعوا ذلك مع رسول الله (ص). فبلغ ذلك عبد الله بن عباس فقال [وما علم ابن
__________________
الزبير بهذا ، فليرجع إلى أمه أسماء بنت أبي بكر فليسألها فإن لم يكن الزبير رجع إليها حلالا وحلّت. فبلغ ذلك أسماء ، فقالت : يغفر الله لابن عباس والله لقد أفحش ، قد والله صدق ابن عباس لقد حلّوا وأحللنا وأصابوا النساء.]
كتاب الموطّأ لمالك بن أنس إمام المذهب المالكي / في قسم الحج / باب ما جاء في التمتع.
ومسند محمد بن إدريس الشافعي إمام المذهب الشافعي : ص ٩٤ و ٢١٦.
كنز العمال : ج ٨ / ٢٩٣ روى عن ابن عمر قال [قال عمر : متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج.] وفي صفحة ٢٩٤ عن أبي قلابة وقال فيه [أنا أنهى عنهما وأضرب فيهما.] (قال) أخرجه ابن جرير وابن عساكر.
الإصابة لابن حجر العسقلاني : ج ٣ / القسم ١ / ١١٤ و ١٣٣ وفي ج ٨ / القسم ١ / ١١٣.
حلية الأولياء لأبي نعيم الحافظ : ج ٥ / ٢٠٥.
التفسير الكبير للفخر الرازي / في تفسير قوله تعالى : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَ ) الخ قال : وروى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن عليّ بن أبي طالب عليهالسلام أنه قال «لو لا أنّ عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى إلاّ شقيّ».
الطحاوي في شرح معاني الآثار ، في كتاب النكاح / باب نكاح المتعة ، روى بسنده عن عطاء عن ابن عباس قال [ما كانت المتعة الا رحمة رحم الله بها هذه الامة ولو لا نهي عمر بن الخطاب عنها ما زنى الا شقي.]
ورواه السيوطي أيضا في تفسير الدرّ المنثور في تفسير الآية الكريمة ، عن عطاء عن ابن عباس.
أقول [هذه الروايات بعض ما عثرت عليه في مصادر العامّة المعتبرة لديهم ولا يمكن ردّها لأنّ أكثرها جاءت في الصحاح ، وهي صريحة بأنّ عمر نهى عن متعة الحج ومتعة النساء ، وهو يعلم علم اليقين بأنّ الله ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم شرّعاها ، فغيّر وبدّل دين
إضافة على ما نقلت لكم ، فإنّ مفسريكم قد نقلوا روايات حاصلها أنّ جماعة من الصحابة منهم أبيّ بن كعب وابن عباس وعبد الله بن مسعود وسعيد بن جبير والسدّي وغيرهم ، كانوا يقرءون الآية هكذا : فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى.
رواها جار الله الزمخشري في الكشّاف عن ابن عباس ، ومحمد ابن جرير الطبري في تفسيره والفخر الرازي في تفسير مفاتيح الغيب ، والثعلبي في تفسيره ، ونقل العلاّمة النووي في شرح صحيح مسلم في باب نكاح المتعة عن القاضي عياض عن المازري أنه روى عن عبد الله بن مسعود : فما أسمعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى.
ويروي الفخر الرازي عن أبيّ بن كعب وعن ابن عباس مثله ثم قال : والأمّة ما أنكروا عليهما في هذه القراءة فكان ذلك إجماعا على صحّة ما ذكرنا.
ويقول بعده بورقة : فإنّ تلك القراءة لا تدلّ إلاّ على أنّ المتعة كانت مشروعة ، ونحن لا ننازع فيه.
__________________
الله وحكمه ، وقد قال تعالى :( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) المائدة : ٤٤.
وجاء في الخبر عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه : ج ٩ / ٢٢٩ وج ٦ / ٣٤٤ وابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب : ج ٤ / ٢٣٧ كلاهما عن ابن عمر عن النبي (ص) قال «من قال في ديننا برأيه فاقتلوه». وتوجد روايات أخرى بهذا المعنى في أكثر الصحاح والمسانيد فتدبّر وخذ النتيجة.] «المترجم»
الشيخ عبد السلام : نعم نتّفق معكم بأنّ المتعة كانت في زمن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وربّما نسخها ، فما دليلكم على عدم نسخها؟
قلت : أوّلا كلامكم في النسخ ادّعاء محض ، ولا بدّ للمدّعي من إقامة الدليل لإثبات ادّعائه ، فنحن نطالبكم بالدليل.
ولكن مماشاة لكم وتلبية لطلبكم أقول : دليلنا على عدم نسخها في زمن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الروايات التي ذكرناها ولا سيما قول عمر : (متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا أحرّمهما وأعاقب عليهما.) في بعضها [وأنا أنهى عنهما.]
كما أن عمل الأصحاب وسيرتهم في خلافة أبي بكر على ذلك أيضا(١) .
الشيخ عبد السلام : ولكن نستفيد من القرآن نسخ المتعة إذ يقول سبحانه :( إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) (٢) .
فقد ذكر سبحانه في هذه الآية الكريمة سببين للحلّيّة وهما الزوجيّة وملك اليمين ، ونسخ المتعة لأنّها ليست تزويجا ، فلا إرث بينهما ولا نفقة ولا طلاق ولا عدّة ، وهذه كلها من لوازم الزوجيّة.
__________________
(١) قال ابن حجر العسقلاني في «الإصابة» ج ٣ / القسم ١ / ١١٤ : وقال ابن حزم في «المحلّى» : ثبت على تحليل المتعة بعد النبي (ص) من الصحابة ، ابن مسعود وابن عباس وجابر وسلمة ومغيرة ابنا أميّة بن خلف. (قال ابن حجر) وذكر آخرين. (انتهى).
أقول : الصحيح أنهم ثبتوا على تحليل المتعة بعد عمر لأنه هو الذي حرّمها.
وهؤلاء خالفوا عمر وثبتوا على حكم الله ورسوله (ص).
«المترجم»
(٢) سورة المؤمنون ، الآية ٦.
حكم المتعة غير منسوخ في القرآن
قلت : لا تدلّ هذه الآية على نسخ حكم المتعة ، بل هي في حدّ الزوجيّة ثم هذه الآية في سورة : [المؤمنون] وهي مكّيّة وتشريع المتعة في سورة النساء ، وهي مدنيّة ، فكيف الناسخ نزل قبل المنسوخ؟!
وأما قولك : بأنّ المتعة ليس فيها لوازم الزوجيّة من الإرث والنفقة والطلاق والعدّة.
فأقول : كلامك يدلّ على عدم اطلاعك لفقهنا وعدم مطالعتك لكتب علمائنا ، فإنّهم أثبتوا أنّ جميع آثار الزوجيّة تترتّب على المتعة ، إلاّ ما خرج بالدليل ، ولا يخفى أنّ الله سبحانه أسقط بعض شروط الزوجيّة ولوازمها ، لغرض التسهيل والتخفيف في هذا النوع من النكاح والتزويج.
ثم اعلم إنّ الإرث والنفقة ليسا من اللوازم الثابتة للزوجيّة فقد أفتى فقهاء الإسلام من الشيعة والسنّة : أنّ الزوجة الكتابيّة والناشزة والتي قتلت زوجها ، لا ترث منه ولا تستحق النفقة. مع العلم أنّ الزوجيّة باقية ، اذ لا يجوز لها أن تتزوّج برجل آخر ، وتجب عليها عدّة الوفاة ـ أربعة أشهر وعشرة أيّام ـ إذا توفّى الزوج.
وأما الطلاق في المتعة ، فإنّ حكم الطلاق بانقضاء الأجل المسمّى والمدّة المعيّنة ، أو بأن يهب الرجل ما تبقّى من المدّة ويتنازل عن حقه ، ويجب عليها العدّة وأقلّها خمسة وأربعين يوما ، والمشهور أن ترى المرأة طهرين ، أمّا إذا مات الرجل قبل انقضاء الأجل المسمّى وقبل أن يهبها ما تبقى من المدّة ، فيجب على المرأة أن تعتدّ عدة الوفاة ـ أربعة أشهر وعشرة أيّام ـ وهي عدّة المتوفّى عنها زوجها.
الشيخ عبد السلام : لقد روى بعض علمائنا روايات تصرّح بأنّ النبي (ص) نسخ حكم المتعة ، فبعضها تشير بأنّ النبي (ص) نسخها عند ما فتح خيبر ، وبعضها تقول نسخها يوم فتح مكة ، وبعضها تقول في حجّة الوداع وبعضها في تبوك وبعضها في عمرة القضاء.
قلت : أوّلا : ـ هذا الاختلاف الفاحش دليل قويّ على وضع تلك الأخبار وكذبها. ومن الواضح أنّ غرض الواضعين والجاعلين تبرئة عمر وتنزيهه.
ثانيا : ـ لو قايسنا هذه الأخبار مع الروايات التي نقلناها من صحاحكم ومسانيدكم ومصادر أعلامكم ، وجدناها واهية ضعيفة بحيث لا تعدّ شيئا.
ثالثا : ـ كلام عمر كما نقلناه من كتبكم المعتبرة [متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا أحرّمهما ، وما قال : كانتا ونسختا ، بل قال : أنا أحرّمهما.] فلو كانت آية ناسخة لاستند بها ولو كان حديث ناسخ من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لاستدل به. ولكنّه أسند التحريم الى نفسه.
ونحن نجد في مصادركم وصحاحكم روايات صريحة بعدم نسخ المتعة وقد نقلنا بعضها لكم ، فإنّ في القائلين بعدم النسخ نجد بعض الصحابة الكبار مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبي ذر وعمران بن حصين وغيرهم. وتبعهم كبار علمائكم وقالوا بعدم نسخ حكم المتعة ، منهم جار الله الزمخشري في الكشّاف فإنّه بعد ما ينقل رواية ابن عبّاس يقول [آية المتعة من محكمات القرآن وما نسخت.]
ومنهم مالك بن أنس فإنّه أفتى بجواز المتعة وعدم نسخها ، كما
نقل عنه سعد الدين التفتازاني في كتابه شرح المقاصد ، والعلاّمة برهان الدين الحنفي في كتابه الهداية ، وابن حجر العسقلاني في فتح الباري وغيرهم نقلوا أنه قال في موضع من كتابه [هو جائز لأنّه كان مباحا مشروعا واشتهر عن ابن عباس حلّيّتها وتبعه على ذلك أكثر أهل اليمن وأهل مكة من أصحابه. وقال في موضع آخر :
هو جائز لأنّه كان مباحا فيبقى إلى أن يظهر ناسخه.]
فنعرف من كلام مالك بأنّه إلى زمانه ـ عام ١٧٩ من الهجرة ـ ما كانت روايات النسخ ، وإنّما وضعها الكاذبون الجاعلون بعد هذا الزمن وهي من وضع وجعل المتأخّرين.
والذين قالوا بتحريم المتعة استندوا على كلام عمر وما استدلّوا بغير قوله [وأنا أحرّمهما وأعاقب عليهما.] وهو دليل باطل ، لأنّه ليس من حق عمر ، التشريع فإنّ الشارع هو الله العزيز الحكيم ، والنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مبيّن لأمّته ما أوحي إليه من ربّه ، من أحكام الدين والشريعة.
الشيخ عبد السلام : نعم ليس من حق عمر (رض) ولا من حق غيره ، التشريع ولكن قول عمر الفاروق سند قويّ ودليل محكم لنا في كشف الحق ، فإنّه لا يحكم بشيء إلاّ على استناد ما سمعه من النبي (ص) ، والعتب على المسلمين الحاضرين في مجلس الخليفة (رض) إذ لم يسألوه عن دليل التحريم ، وإنّما قبلوا منه بغير اعتراض ، لما يعرفون فيه من الصدق والصلاح ، فلذلك صار قوله لنا دليلا محكما وسندا مقبولا.
قلت : هذه كلها مغالطات وتوجيهات ، وقد قيل حبّ الشيء يعمي ويصم ، وأنتم من فرط حبكم لعمر ، تسعون في توجيه أعماله
المخالفة لصميم الإسلام ونصّ القرآن ، وتفسّرون كلامه على خلاف ظاهره ، لأنّه يصرّح [أنا أحرّمهما وأعاقب عليهما.]
وأنتم تقولون : بأنّه لا يحكم بشيء إلاّ على استناد ما سمعه من النبي ؛ وتلقون العتب على المسلمين الحاضرين في مجلسه إذ لم يسألوه عن دليل التحريم ، والرجل ليس له دليل إلاّ أنّ رأيه قد قطع بذلك.
وأما قولك : بأن الحاضرين قبلوا منه بغير اعتراض ؛ فهو مخالف لما رواه أعلامكم ، بأنّ ابنه عبد الله كان يفتي على خلاف رأي أبيه وكذلك جمع من الصحابة والتابعين كما ذكرنا لكم.
وأما قولك : بأنّ قول عمر دليل محكم وسند مقبول لديكم.
ليت شعري بأيّ نصّ شرعي من الكتاب أو السنّة أصبح قول عمر دليلا محكما وسندا مقبولا؟!
هذا الذي ليس فيه نصّ من الكتاب أو السنّة ، تجعلوه لأنفسكم حجّة وتلتزمون به وتتمسكون به أشدّ التزام وتمسّك ، وتعرضون عن الخبر الذي وصل حد التواتر وهو حديث الثقلين ، فلا تعملون بقول العترة ولا تتمسكون بهم ، علما أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قد قال : «ما إن تمسّكتم بهما ـ أي بالقرآن والعترة ـ لن تضلوا بعدي أبدا» فقد جعلهماصلىاللهعليهوآلهوسلم أمانا من التيه والضلال.
هل يجوز للمجتهد أن يخالف النصّ؟
الشيخ عبد السلام : إنكم تعلمون أنّ جماعة من علمائنا المحققين قالوا : إنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يضع الأحكام باجتهاد رأيه ، فلذلك يجوز لمجتهد آخر أن ينقض حكمه إذا توصّل رأيه إلى خلاف قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ولذلك نقضه عمر وقال [أنا أحرّمهما.]
قلت : ما كنت أتوقع منك هذا الكلام يا شيخ عبد السلام! فإنّك لتصحيح غلطة ارتكبت غلطات ، بالله عليكم هل يصح الاجتهاد مقابل النصّ؟ وهل يجوز لإنسان أن يخالف القرآن ويخالف حكم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بزعم الاجتهاد؟! أما يكون كلام الشيخ غلوا في حق عمر وإجحافا في حق النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ إذ يساوي رأي عمر برأي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بل يرجّحه على رأي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ! وكلام الشيخ خلاف صريح لصريح القرآن الحكيم لقوله تعالى :( قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَ ) (١) .
فإذا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يجوز له أن يبدّل حكما من الأحكام ، فكيف تجيزون لعمر؟! وعلى فرض اجتهاده فلا يجوز لمجتهد أن يخالف النصّ المسلّم(٢) .
والقائلون بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يضع الأحكام باجتهاده وبرأيه ، كلامهم باطل وليس على أساس عقلي وعلمي بل هو مخالف لصريح
__________________
(١) سورة يونس ، الآية ١٥.
(٢) الاجتهاد عبارة عن الحصول على قدرة علميّة لفهم الأحكام الشرعيّة واستنباطها من كلام الله العزيز الحكيم وسيرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وحديثه.
فيلزم أن يكون رأي المجتهد في بيان الحكم الشرعي مستندا بالكتاب الحكيم أو سنّة النبي الكريم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لا مناقضا لهما ، فلا يحق للمجتهد أن يفتي مخالفا لهما معتمدا على رأيه.
«المترجم»
القرآن الحكيم أيضا لقوله عزّ وجلّ :( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى ) (١) .
وقوله تعالى :( قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَ ) (٢) .
وكلامكم يخالف صريح كلام الله العزيز.
الشيخ عبد السلام : لا شك أنّ الخليفة (رض) حكم بصلاح المسلمين ، وحرّم المتعة لأنّه كما جاء في كتاب الإصابة للعسقلاني ج ٣ / القسم ١ / ١١٤ عن عمر بن شبّة قال [واستمتع سلمة بن أميّة من سلمى مولاة حكيم بن أميّة بن الأوقص الأسلمي ، فولدت له ، فجحد ولدها ، فبلغ ذلك عمر فنهى عن المتعة.]
فحرّم عمر (رض) المتعة حتى لا يشيع هذا الأمر ولا يتكرّر ، وكلّنا نعلم أنّ الأولاد الذين جحدهم آباؤهم ، ينكرهم المجتمع أيضا ، فيسبّبون فسادا كبيرا ، من أجل ذلك ولكي لا يكثر الفساد ، نهى عمر عن المتعة.
قلت : ولكن هذا حاصل حتى في النكاح الدائم أيضا ، فكم من رجل جحد ولده وأنكر ما ولدته زوجته ، فهلاّ نهى عمر عن النكاح الدائم أيضا؟!
أفهل تكليف الخليفة ومسئوليته في قبال عمل سلمة بن أميّة وإنكاره ولده ، أن يحرّم حلال الله ويغيّر حكمه ويبدّل دينه؟! أم كان المفروض أن يعظ سلمة ويأمره بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن يقابله بالحكمة والموعظة الحسنة ، فيوقظ وجدانه ويقوّي إيمانه فيشعره
__________________
(١) سورة النجم ، الآية ٣ و ٤.
(٢) سورة الاحقاف ، الآية ٩.
بالمسئوليّة ، ثم يحكم بإلحاق الولد بسلمة بن أميّة لقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الولد للفراش» ، وما كان لسلمة أن ينكر العقد ، لأنّه كما نقرأ في الكتب أنّهم كانوا يشهدون العدول على العقد في المتعة ، فقد روى في كنز العمال : ج ٨ / ٢٩٤ عن سليمان بن يسار عن أم عبد الله ابنة أبي خيثمة [أنّ رجلا قدم من الشام فنزل عليها ، فقال : إنّ العزوبة قد اشتدّت عليّ فابغيني امرأة أتمتّع معها. قالت : فدللته على امرأة فشارطها ، وأشهدوا على ذلك عدولا ، فمكث معها ما شاء الله أن يمكث ، ثم إنه خرج ، فأخبر بذلك عمر بن الخطّاب فأرسل إليّ فسألني : أحقّ ما حدّثت؟ قلت : نعم. قال : فإذا قدم فآذنيني به. فلما قدم ، أخبرته فأرسل إليه ، فقال : ما حملك على الذي فعلته؟ قال : فعلته مع رسول الله (ص) ثم لم ينهنا عنه حتى قبضه الله ، ثم مع أبي بكر فلم ينه عنه حتى قبضه الله. ثم معك فلم تحدث لنا فيه نهيا. فقال عمر : أما والذي نفسي بيده : لو كنت تقدّمت في نهي لرجمتك ، بينوا حتى يعرف النكاح من السفاح.] وأخرجه ابن جرير أيضا.
وأما قولك : إنّ الخليفة حكم بصلاح المسلمين.
فإنّ الله ورسوله أعرف بصلاح الخلائق ، والخالق أعلم بمصالح مخلوقه ولا شكّ أنّ الله سبحانه وتعالى شرّع المتعة والنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم سنّها لحكمة حكيمة ومصلحة عظيمة للمؤمنين ولكن عمر نقضها.
وقد جاء في الخبر كما في شرح معاني الآثار للطحاوي / كتاب النكاح / باب نكاح المتعة / روى بسنده عن عطاء عن ابن عباس ، قال [ما كانت المتعة إلاّ رحمة رحم الله بها هذه الأمّة ، ولو لا نهي عمر بن الخطاب عنها ما زنى إلاّ شقي.]
وروى الثعلبي والطبري في تفسيريهما وأحمد في المسند في تفسير آية المتعة [عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام قال «لو لا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي».]
فتحريم عمر للزواج المؤقّت ، زاد في الفحشاء ولم يقلّل الفساد ، وإنّ اثر نهيه المتعة كان بعكس ما تقولون ، وبخلاف ما تزعمون.
ولنترك هذا البحث الذي جاء استطرادا ، لأنّ البحث كان حول إيمان أبي طالبعليهالسلام فقلنا : إنّه كان مؤمنا ومات مؤمنا إلاّ أنّ أعداء الإمام عليعليهالسلام أرادوا تنقيصه والحطّ من كرامته وشخصيته ، فوصموا أباه ـ شيخ بني هاشم وكافل النبي وحاميهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ بوصمة الكفر والشرك ، وأشاعوه بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بوضع حديث افتروه على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو (حديث الضحضاح) فخبر عدم إيمان أبي طالبعليهالسلام إن هو إلاّ من أكاذيب بني أمية وأباطيلهم ، وشيوع الخبر جاء بتبليغ منهم بحيث غطّى على خبر إيمانه ، فقلّبوا الحقيقة وغيّروا الواقع حتى التبس الحق على المسلمين.
فلمّا وصل حديثنا إلى هذا المكان ، استبعد الشيخ عبد السلام ذلك ، وقال : لا يمكن لأحد أن يقلب الحقيقة ويغيّر الواقع الذي كان شائعا في عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فيبدّله بحيث يلتبس الأمر على المسلمين ، فينكروا الحقيقة ويقولوا بغير الواقع.
فقلنا : إنّ هذه ليست بأول قارورة كسرت في الإسلام.
فطلب مثالا ليكون مصداقا آخر وشاهدا على كلامنا ، فمثّلنا له بتحريم عمر متعة الحج ومتعة النساء ، فصرّح قائلا [متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أحرّمهما وأعاقب عليهما] والشاهد تمسكهم بقول
عمر وتركهم سنّة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فثبت بأنّ الحكومة والقوّة تلعب دورا هامّا في إخفاء الواقع ونشر الأكاذيب ولبس الحق ، وإشاعة الباطل باسم الحق ، ولا يخفى في هذه الأمور دور الدعايات والأحاديث الزائفة المجعولة بواسطة رجال ممن عرفوا بصحبة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم فلا أطيل الكلام في الموضوع أكثر من هذا ، ومن أراد من الحاضرين أن يتعمّق أكثر ويحقّق في الموضوع ويبحث فيه أكثر مما قلنا فليراجع الكتب المعتبرة عند العامّة من أعلامهم ، مثل السيوطي ، وأبي القاسم البلخي ، ومحمد بن إسحاق ، وابن سعد الكاتب ، وابن قتيبة ، والواقدي ، والشوكاني ، والتلمساني ، والقرطبي ، والبرزنجي والشعراني ، والسبحمي ، وأبي جعفر الإسكافي ، وغيرهم من علماء العامّة الذين اعترفوا في كتبهم بإيمان أبي طالبعليهالسلام . وقد كتب بعضهم رسالة مستقلة في الموضوع.
الكعبة مولد الإمام عليّعليهالسلام
وأما الفضيلة الأخرى التي امتاز بها الإمام عليّعليهالسلام وتعدّ من فضائله الخاصة به ، إذ لم يحدث مثله لأحد قبله ولا بعده ، ألا وهو مولده في وسط بيت الله الحرام في الكعبة المشرّفة ، وقد حدث ذلك بإرادة الله سبحانه وبدعوة منه لفاطمة بنت أسد والدة أمير المؤمنينعليهالسلام إذ انشقّ لها ركن البيت لما استجارت به تطلب من الله تعالى أن يسهّل عليها الولادة ، فدخلت في الكعبة وعاد الركن فالتأم والتصق. إنّما حدث ذلك لكي لا يقول أحد أنّ ولادة علي بن أبي طالب داخل الكعبة كانت عن صدفة وليس فيها كرامة لهعليهالسلام .
وكما في بعض الأخبار المرويّة أنّ فاطمة بنت أسد بقيت في الكعبة ثلاثة أيّام ضيفة على ربّها ، فصار الناس يتحدّثون في المجالس والنوادي عن هذا الحادث الخارق والأمر الغريب ، وفي اليوم الثالث عند اجتماع الناس وتزاحمهم في المسجد الحرام ، وإذا بالركن ينشق ثانيا ، وتخرج فاطمة بنت أسد وعلى يديها ولدها الكريم عليّعليهالسلام ، ويعدّ علماء الإسلام شيعة وسنّة هذه الفضيلة من خصائص أمير المؤمنينعليهالسلام ، وقد قال الحاكم في المستدرك ، والعلاّمة ابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة / الفصل الأول ص ١٤ :
ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه وهي فضيلة خصّه الله تعالى بها إجلالا له وإعلاء لمرتبته وإظهارا لتكريمه(١) .]
__________________
(١) روى العلاّمة أبو عبد الله محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب / الباب السابع في مولدهعليهالسلام / وهو في الفصل الثالث بعد الأبواب المائة التي ذكرها في مناقب الإمام عليعليهالسلام .
روى بسنده المتصل بمسلم بن خالد المكّي عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال [سألت رسول الله عن ميلاد علي بن أبي طالب ، فقال : لقد سألتني عن خير مولود ولد في شبه المسيح عليهالسلام . إنّ الله تبارك وتعالى خلق عليا من نوري وخلقني من نوره وكلانا من نور واحد ، ثم إنّ الله عزّ وجلّ نقلنا من صلب آدم عليهالسلام في اصلاب طاهرة إلى أرحام زكيّة ، فما نقلت من صلب إلاّ وعلي معي فلم نزل كذلك حتى استودعني خير رحم وهي آمنة ، واستودع عليا خير رحم وهي فاطمة بنت أسد.
قال عليهالسلام : وكان في زماننا رجل زاهد عابد يقال له المبرم بن دعيب بن الشقبان ، قد عبد الله تعالى مائتين وسبعين سنة لم يسأل الله حاجة ، فبعث الله إليه أبا طالب فلما أبصره المبرم قام إليه وقبّل رأسه وأجلسه بين يديه ، ثم قال له : من أنت؟ فقال :
__________________
رجل من تهامة. فقال : من أيّ تهامة؟ فقال : من بني هاشم ، فوثب العابد فقبّل رأسه ثانية ثم قال : يا هذا إنّ العليّ الأعلى ألهمني إلهاما ، قال أبو طالب : وما هو؟ قال : ولد يولد من ظهرك وهو وليّ الله عزّ وجلّ.
فلما كانت الليلة التي ولد فيها عليّ ، أشرقت الأرض فخرج أبو طالب وهو يقول : أيها الناس ولد في الكعبة وليّ الله عزّ وجلّ. فلمّا أصبح دخل الكعبة وهو يقول :
يا ربّ هذا الغسق الدجيّ |
والقمر المنبلج المضيّ |
|
بيّن لنا من أمرك الخفيّ |
ما ذا ترى في اسم ذا الصبيّ؟ |
قال : فسمع صوت هاتف يقول :
يا أهل بيت المصطفى النبيّ |
خصصتم بالولد الزكيّ |
|
إنّ اسمه من شامخ العليّ |
عليّ اشتقّ من العليّ] |
قال العلامة الكنجي : تفرّد به مسلم بن خالد المكيّ الزنجيّ وهو شيخ الشافعي ـ إمام المذهب ـ وتفرّد به عن الزنجي عبد العزيز بن عبد الصمد وهو معروف عندنا ، والزنجي لقب لمسلم وسمي بذلك لحسنه وحمرة وجهه وجماله. انتهى.
وقال بعد هذا الخبر أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود النجّار بقراءتي عليه ببغداد ، قلت له : قرأت على الصفّار بنيسابور : أخبرتني عمتي عائشة ، أخبرنا ابن الشيرازي ، أخبرنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري قال [ولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بمكة في بيت الله الحرام ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة ثلاثين من عام الفيل ، ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه ، إكراما له بذلك وإجلالا لمحلّه في التعظيم.]
أقول : إنّ خبر مولد عليّ عليهالسلام في وسط الكعبة مشهور ، وقد نقله كثير من الأعلام وعلماء العامّة وذكره شعراؤهم ونقلت عنهم بعضها سابقا في تعليقاتي على هذا الكتاب. «المترجم»
اسم «عليّعليهالسلام » نزل من عند الله تعالى
والفضيلة الأخرى التي امتاز بها الإمام عليّعليهالسلام على سائر الصحابة إنّ اسمه الشريف جاء له من عند الله تبارك وتعالى من عالم الغيب.
الشيخ عبد السلام : إنّ هذا الكلام غريب جدّا ، أفهل كان أبو طالب نبيّا يوحى إليه ، حتى نقول بأنّ اسم ابنه نزل أو جاء من عند الله؟! إن هذا إلاّ من أقاويل الشيعة يختلقونها من فرط حبهم لسيدنا عليّ كرّم الله وجهه ، وليس لهذا الاسم ربط بعالم الغيب ، بل اختاره أبو طالب لولده.
قلت : ليس كلامي بغريب ، وإنّما استغربته لأنّك لا تعتقد بولاية الإمام عليعليهالسلام . فإنّك تظنّ أنّ هذا الاسم جعل على الإمام عليعليهالسلام حين ولادته ، وليس كذلك ، فإنّ الله تعالى قد ذكر في جميع الكتب السماويّة اسمي محمد وعلي عليهما الصلاة والسلام بصفة النبوّة والإمامة ، وإنّ هذين الاسمين المباركين كتبهما الله عزّ وجلّ وجعلهما على السماوات والأرضين وعلى أبواب الجنة وعلى العرش العظيم ، قبل أن يخلق آدم أبو البشر بآلاف السنين ، فلا يختصّ بزمن أبي طالبعليهالسلام .
الشيخ عبد السلام : أليس هذا الكلام غلوّا في حق عليّ كرّم الله وجهه؟ فقد قارنتموه بسيد المرسلين (ص) وذكرتم اسمه مع اسم النبي (ص) مكتوبا في عالم الملكوت وحتى على العرش العظيم. نعم اسم رسول الله (ص) كوجوده ونفسه فوق كل شيء ، وليس له قرين ،
ولكنكم بالتمسّك بخبر ضعيف ، غير معتبر تحتجّون علينا ، بل وتجعلونه سندا مقبولا ودليلا معقولا لفتوى فقهائكم فيفتون بوجوب ذكر عليّ بعد اسم النبي (ص) في الأذان.
فتبسّمت ضاحكا من قوله. وقلت : لا يا أخي إنّني غير مغال في حق أمير المؤمنين وسيد الوصيين وقائد الغرّ المحجّلين ، ابن عم الرسول وزوج البتول وسيف الله المسلول اسد الله الغالب مظهر العجائب والغرائب وصاحب الفضائل والمناقب الإمام عليّ بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه.
نحن ما قرنّا اسمه مع اسم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا نحن سجلنا اسمه مع اسم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في السماوات والعرش العظيم ، بل الله عزّ وجلّ هو قرن اسم وليّه علي بن أبي طالب مع اسمه واسم نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكتب اسمه مقارنا لاسمه العزيز واسم حبيبه على أبواب الجنان كما ورد في روايات أعلامكم وعلمائكم بأسنادهم لا باسناد ضعيفة كما زعمت ، وقد أثبتوا تلك الروايات ونقلوها في مصادركم المعتبرة لدى كبار علمائكم وأعلام محدثيكم الذين لو ضعّفتهم فقد ضعّفت مذهبك ، فليس لك ولا لأيّ واحد منكم إلاّ الخضوع لمقامهم والتسليم لآرائهم وقبول ما رووا في مسانيدهم وتصانيفهم.
الشيخ عبد السلام : لو تتفضل بذكر بعض تلك الروايات التي نقلها كبار علمائنا وأعلام محدثينا.
قلت : روى الطبري في تفسيره وابن عساكر في تاريخه في ترجمة الإمام عليعليهالسلام ، وروى العلاّمة الكنجي القرشي الشافعي في كفاية الطالب / باب ٦٢ ، والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء ، والعلامة
القندوزي في الينابيع / باب ٥٦ حديث ٥٢ نقلا من ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري ، رووا بأسانيدهم إلى أبي هريرة ـ مع اختلاف يسير في الألفاظ واتحاد المعنى ـ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «مكتوب على ساق العرش ، لا إله إلاّ الله ، وحده لا شريك له ، ومحمد عبدي ورسولي ، أيّدته بعليّ بن أبي طالب».
وروى جلال الدين السيوطي في الخصائص الكبرى : ج ١ / ١٠ ، وفي الدرّ المنثور في أوائل سورة الإسراء ، نقلا عن ابن عساكر وابن عدي أنّهما رويا عن أنس بن مالك عن النبي (ص) قال «ليلة أسري بي إلى السماء رأيت مكتوبا على ساق العرش : لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أيّدته بعليّ».
وروى القندوزي في الينابيع / باب ٥٦ ، نقلا عن ذخائر العقبى للطبري عن أبي الحمراء عن النبي (ص) قال «ليلة أسري بي إلى السماء ، نظرت إلى الساق الأيمن من العرش فرأيت مكتوبا محمد رسول الله ، أيّدته بعليّ ونصرته به». وقال : أخرجه الملاّ في سيرته.
وروى القندوزي أيضا في الباب نقلا عن كتاب «المناقب السبعون» الحديث التاسع عشر / عن جابر بن عبد الله قال «قال رسول الله (ص) : مكتوب على باب الجنّة قبل أن يخلق الله السموات والأرض بألفي عام ، محمد رسول الله ، وعلي أخوه». قال رواه ابن المغازلي.
أقول : ورواه أحمد في المناقب ، والعلاّمة الهمداني في كتابه مودّة القربى / المودّة السادسة ، والخطيب الخوارزمي في المناقب ، وابن شيرويه في الفردوس ، كلهم عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، كما مرّ.
وتذكرت حديثا جميلا مناسبا لموضوع الحوار ، أخرجه العلاّمة الهمداني الشافعي في مودّة القربى / المودة الثامنة / عن عليّعليهالسلام أنّه قال له النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم «إنّي رأيت اسمك مقرونا باسمي في أربعة مواطن :
١ ـ فلمّا بلغت البيت المقدس في معراجي إلى السماء وجدت على صخرة بها ، لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، أيّدته بعليّ وزيره.
٢ ـ ولمّا انتهيت إلى سدرة المنتهى ، وجدت عليها ، إنّي أنا الله لا إله إلا انا وحدي ، محمد صفوتي من خلقي ، أيّدته بعليّ وزيره ونصرته به.
٣ ـ ولما انتهيت الى عرش رب العالمين فوجدت مكتوبا على قوائمه ، إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا ، محمد حبيبي من خلقي ، أيّدته بعليّ وزيره ونصرته به.
٤ ـ فلمّا وصلت الجنة وجدت مكتوبا على باب الجنة لا إله إلاّ أنا ، ومحمد حبيبي من خلقي ، أيّدته بعليّ وزيره ونصرته به».
وروى الثعلبي في تفسيره ـ كشف البيان ـ ، والطبري في تفسيره في تفسير الآية ٦٢ من سورة الأنفال :( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ) عن أبي هريرة وعن ابن عباس أنّها نزلت في عليّ. ثم رووا عن النبي (ص) «رأيت مكتوبا على العرش : لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، محمد عبدي ورسولي أيّدته ونصرته بعلي بن أبي طالب».
أخرجه القندوزي أيضا في الينابيع الباب الثالث والعشرون عن أبي نعيم الحافظ عن أبي هريرة ، وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس حبر الأمّة ، قال القندوزي : وروى عن أنس بن مالك نحوه ، ثم
نقل عن كتاب الشفاء : روى ابن قانع القاضي عن أبي الحمراء قال : قال رسول الله (ص) «لما أسري بي إلى السماء إذا على العرش مكتوب : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله أيّدته بعليّ».
وروى ابن المغازلي الفقيه الشافعي في كتابه المناقب / حديث رقم ٨٩ بسنده عن ابن عباس قال «سئل النبي (ص) عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه. قال : سأله بحق محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت عليّ ، فتاب عليه(١) ».
وأخرجه عنه القندوزي في الينابيع / الباب الرابع والعشرون.
أكتفي بهذا المقدار من الروايات والأخبار وأظن أنّ الشيخ استوفى جوابه : بأنّ الله تعالى قرن اسم وليه علي بن أبي طالب باسمه واسم حبيبه ونبيّه ، لا نحن ، والخبر ليس بضعيف ولا عن طريق واحد بل وصل إلينا من طرق شتّى ، ونقله علماء المسلمين من السنّة والشيعة.
وأما كلامك يا شيخ : بأنه هل كان أبو طالب نبيا يوحى إليه؟
فأقول : الوحي لا يلازم النبوّة ، فقد أوحى الله تعالى إلى أم موسى وما كانت في مقام النبوّة ، والله سبحانه يصرّح في ذلك بقوله عزّ وجلّ :( وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ ، فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (٢) .
__________________
(١) وكذلك أخرجه عن ابن المغازلي صاحب تفسير اللوامع : ج ١ / ٢١٩.
وأخرجه السيوطي في الدرّ المنثور : ج ١ / ٦٠ وقال : أخرجه ابن النجّار. «المترجم»
(٢) سورة القصص ، الآية ٧.
وربّما أوحى الله تعالى إلى غير الإنسان كما في قوله سبحانه :( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) (١) .
وممّا لا شكّ فيه أنّ الوحي له مراتب فالمرتبة الأعلى والأقوى منها تحصل للأنبياء ، والأدنى منها تحصل لغير الأنبياء بإرادة الله القادر المنّان.
كما أنّنا نستفيد من كلام الله تعالى ، أنّ أوامره إلى عباده وهدايتهم لمقاصده ، لا تنحصر بطريق الوحي ، فإنه قادر أن يبلّغها لمن يريد بأي طريق شاء ، ولو بخلق النداء والصوت ، كما حدث ذلك لمريم ابنة عمران ، فقد قال سبحانه :( فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا* وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا* فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) (٢) .
فكما إن الله عز وجلّ بلّغ مراده إلى أم موسى بالوحي ، وإلى أمّ عيسى بالنداء ، فقد بلّغ أبا طالب أيضا بأنّه انتخب اسم عليّ واشتقّه من اسمه الأعلى لوليد الكعبة ، فسمّاه عليّا.
ولا نقول بأنّ الوحي الذي كان ينزل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نزل على أبي طالب ولا نعتقد نبوّته ، وانما نقول بأنّ الله تعالى نبّه أبا طالب وبلّغه إمّا بالنداء أو بمشاهدته لوحا مكتوبا أن يسمّي ولده بالاسم المشتق من اسم الله العليّ الأعلى ، فيسمّيه عليا وقد فعل أبو طالب
__________________
(١) سورة النحل ، الآية ٦٨.
(٢) سورة مريم ، الآية ٢٤ ـ ٢٦.
ذلك ، ولم ننفرد نحن بهذا القول ، بل وافقنا فيه بعض أعلامكم أيضا.
روى العلاّمة الهمداني الشافعي في كتابه مودّة القربى / المودّة الثامنة ، ونقل عنه الحافظ القندوزي في كتابه ينابيع المودّة / الباب السادس والخمسون : عن العباس بن عبد المطلبرضياللهعنه قال : [لما ولدت فاطمة بنت أسد عليّا سمّته باسم أبيها أسد ، ولم يرض أبو طالب بهذا الاسم فقال : هلمّ حتى نعلو [جبل] أبا قبيس ليلا وندعو خالق الخضراء لعلّه ينبئنا في اسمه ، فلمّا أمسيا خرجا وصعدا أبا قبيس ودعيا الله تعالى ، فأنشأ أبو طالب شعرا :
يا ربّ هذا الغسق الدجيّ |
والفلق المنبلج المضيّ |
|
بيّن لنا عن أمرك المقضيّ |
بما نسمّي ذلك الصبي؟ |
فاذا خشخشة من السماء ، فرفع أبو طالب طرفه فإذا لوح مثل زبرجد أخضر فيه أربعة أسطر فأخذه بكلتي يديه وضمّه إلى صدره ضمّا شديدا فإذا مكتوب :
خصّصتما بالولد الزكيّ |
والطاهر المنتجب الرضيّ |
|
واسمه من قاهر عليّ |
عليّ اشتق من العليّ |
فسر أبو طالب سرورا عظيما وخرّ ساجدا لله تبارك وتعالى وعقّ [عنه] بعشر من الإبل ، وكان اللوح معلّقا في بيت الله الحرام يفخر به بنو هاشم على قريش حتى غلب الحجاج بن الزبير.] انتهى كلام العلاّمة الهمداني.
أقول : وهذه الرواية عطف على ما سبق وتدلّ على أنّ أبا طالب كان مؤمنا بالله موحّدا له سبحانه متوجّها إليه في مهامّه وحوائجه.
وأمّا قولك يا شيخ : بأنّ فقهاء الشيعة يفتون بوجوب ذكر
عليّعليهالسلام في الأذان. فهو كذب وافتراء ، ولو كنت صادقا فاذكر لنا فتوى واحد من فقهائنا.
نعم نحن نذكر اسم الإمام عليّعليهالسلام ونشهد له بالولاية والإمامة ، بقصد الندب وإجهارا بالحق ، لأنّا نعرف مندوبيّة ذلك ومطلوبيّة ذكر اسم عليّ بالولاية والإمامة بعد ذكر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بالرسالة ، نعرفه ممّا ذكرنا من الروايات في كتبكم المعتبرة والتي مرّت مع ذكر المصادر الكثيرة ، بأنّ الله عزّ وجلّ قرن اسم عليّعليهالسلام مع اسم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذكر عليا بعد ذكر حبيبه ورسوله محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى في عرشه العظيم وعلى أبواب الجنان قبل أن يخلق الأرض والسماوات.
ونكتفي بهذا ونرجع إلى صلب الموضوع في الحوار وهو ذكر أمهات الفضائل وأصول المناقب الثابتة لعليّعليهالسلام .
زهد الإمام عليّعليهالسلام وتقواه
والفضيلة الثانية التي امتاز بها ولا يساويه أحد فيها فضيلة الزهد والتقوى. وأجمع علماء الاسلام عامّة ، وجمهور المحدثين وأصحاب السيرة والتاريخ بأنّ عليّ بن أبي طالب كان أزهد الناس بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأورعهم واتقاهم ، حتى أنّ العلاّمة ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة نقل قول الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز أنّه قال : [ما علمنا أحدا كان في هذه الأمّة بعد النبي (ص) أزهد من عليّ بن أبي طالب(١) .]
__________________
(١) وجاء في كتاب تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي / الباب الخامس في ذكر ورعه
__________________
وزهد وعبادتهعليهالسلام / قال [أخبرنا غير واحد ، ثم ذكر الإسناد إلى محمد بن قيس عن أبي شهاب قال : كان عمر بن عبد العزيز (رض) يقول : ما علمنا أنّ أحدا من هذه الأمة بعد رسول الله (ص) أزهد من عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، ما وضع لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة.]
وبه قال عبد الله بن أحمد بن حنبل.
قال ابن أبي الحديد في مقدمته على شرح نهج البلاغة وهو يصفه [وأمّا الزهد في الدنيا فهو سيّد الزهّاد ، وبدل الأبدال ، وإليه تشدّ الرحال ، ما شبع من طعام قطّ ، وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا.
قال عبد الله بن أبي رافع : دخلت إليه يوم عيد ، فقدّم جرابا مختوما ، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا ، فقدّم فأكل. فقلت : يا أمير المؤمنين ، فكيف تختمه؟
قال : خفت هذين الولدين أن يلتّاه بسمن أو زيت.
وكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة وليف أخرى ونعلاه من ليف ، وكان يلبس الكرباس الغليظ.
وكان يأتدم اذا ائتدم بخلّ أو بملح فإن ترقّى عن ذلك فبعض نبات الأرض ، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل. ولا يأكل اللحم إلا قليلا ، ويقول : لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان. وهو الذي طلّق الدنيا ، وكانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الإسلام إلاّ من الشام ، فكان يفرّقها.]
ونقل ابن أبي الحديد في ج ٢ / ٢٠١ ، ط دار إحياء الكتب العربية / قال : وروى معاوية بن عمار عن جعفر بن محمد عليهالسلام ، قال «ما اعتلج على عليّ عليهالسلام أمران في ذات الله سبحانه ، إلاّ أخذ بأشدّهما ، ولقد علمتم أنّه كان يأكل ـ يا أهل الكوفة ـ عندكم من ماله بالمدينة ؛ وأن كان ليأخذ السويق فيجعله في جراب ويختم عليه مخافة أن تزاد عليه من غيره ؛ ومن كان أزهد في الدنيا من عليّ عليهالسلام ؟!».
ونقل أعلام محدثيكم في كتبهم عن الأحنف بن قيس قال : [دخلت على عليّ بن أبي طالب وقت إفطاره إذ دعا بجراب مختوم فيه سويق الشعير.
فقلت : يا أمير المؤمنين لم أعهدك بخيلا فكيف ختمت على هذا الشعير؟!
فقال : لم اختمه بخلا ولكن خفت أن يلينه الحسن أو الحسين بسمن أو زيت.
قلت : هما حرام عليك؟ قال : لا ولكن يجب على الأئمة أن
__________________
وروى في صفحة ٢٠٠ عن بكر بن عيسى ، قال [كان عليّعليهالسلام يقول : يا أهل الكوفة ، إذا أنا خرجت من عندكم بغير راحلتي ورحلي وغلامي فلان ؛ فأنا خائن ، فكانت نفقته تأتيه من غلّته بالمدينة بينبع.]
ونقل محمد بن طلحة العدوي النصيبي في كتابه مطالب السئول / الفصل السابع / فقال إنّه عليهالسلام كان قد ولى على عكبرا رجلا من ثقيف فقال هذا الوالي : [قال لي عليهالسلام إذا صلّيت الظهر غدا فعد إليّ. قال : فلمّا كان الغد وصلّيت الظهر غدوت إليه فلم أجد عنده حاجبا يحبسني دونه ، فوجدته جالسا وعنده قدح وكوز ماء ، فدعا بوعاء مشدود عليه ختم فلمّا كسر الختم وحلّه فإذا فيه سويق فأخرج منه فصبّه في القدح وصب عليه ماء وشرب وسقاني ، فلم أصبر فقلت : يا أمير المؤمنين أتصنع هذا بالعراق وطعام العراق كثير؟! فقال : أما والله ما أختم عليه بخلا ولكنّني أبتاع قدر ما يكفيني فأخاف أن يوضع في من غيره وأنا أكره أن يدخل بطني إلاّ طيّبا ، فلذلك احترزت بما ترى. فإيّاك وتناول ما لا تعلم حله.]
رواه أيضا سبط بن الجوزي في التذكرة / الباب الخامس / بسنده عن عبد الملك بن عمر ورواه آخرون من أعلام العامة.
«المترجم»
يغتذوا بغذاء ضعفاء الناس وافقرهم ليراهم الفقير فيرضى عن الله تعالى بما هو فيه ، ويراهم الغني فيزداد شكرا وتواضعا(١) .]
ونقل المحدّثون عن سويد بن غفلة وغيره ، قال [دخلت على عليّ ابن أبي طالب في الكوفة فرأيت بين يديه رغيفا من شعير وقدحا من لبن والرغيف يابس ، تارة يكسره بيده وتارة بركبتيه ، فشقّ عليّ ذلك.
فعاتبت جارية له يقال لها فضّة فقلت : ألا ترحمين هذا الشيخ وتنخلين له هذا الشعير ، أما ترين نشارته على وجهه وما يعاني منه؟!
فقالت : إنّه عهد إلينا أن لا ننخل له طعاما قطّ. فالتفت عليّ إليّ وقال : ما تقول لها؟ فأخبرته وقلت : يا أمير المؤمنين! ارفق بنفسك.
فقال : ويحك يا سويد ما شبع رسول الله (ص) من خبز برّ ثلاثا حتى لقي الله ، ولا نخل له طعام قط ، يا ابن غفلة! ذلك أحرى أن يذل النفس ويقتدي بي المؤمنون ، وألحق برسول الله (ص)(٢) .]
ونقل العلاّمة القندوزي في الينابيع / الباب الحادي والخمسون / قال : أخرج الموفق بن أحمد الخوارزمي عن عدي بن ثابت قال : أوتي عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه بفالوذج فأبى أن يأكل منه وقال [إنه شيء لم يأكل منه رسول الله (ص) فلا أحب أن آكل منه(٣) .]
__________________
(١) رواه سبط ابن الجوزي في التذكرة / الباب الخامس ، ورواه الحافظ القندوزي في الينابيع / الباب الحادي والخمسون.
(٢) رواه سبط ابن الجوزي عن سويد بن غفلة والقندوزي عن علقمة. ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب والطبري في تاريخه.
«المترجم»
(٣) الفالوذج : نوع من الحلوى.
وفي الخبر المرويّ عن أهل البيتعليهمالسلام [أنّ الإمام عليعليهالسلام في الليلة التي ضرب فيا بسيف ابن ملجم لعنه الله ، كان ضيفا عند ابنته زينب الكبرىعليهاالسلام فقدّمت له الفطور في طبق فيه قرصان من خبز الشعير ، وقصعة فيها اللبن حامض ، وقليل من الملح ، فلما نظر الإمام إلى فطوره عاتب ابنته قائلا : بنيّة! متى رأيت أباك يجلس على مائدة فيها إدامان؟ ارفعي اللّبن فإنّ في الملح كفاية ، ثم أكل قرصا واحدا مع الملح وحمد الله تعالى. ثم قال : في حلال الدنيا حساب وفي حرامها عذاب وعقاب(١) .
زهده في ملبسه
لقد وصف المحدّثون والمؤرخون ملبوس الإمام عليّعليهالسلام فقالوا : كان كرباسا خشنا غليظا ورخيصا ، بعض قدّره بثلاث دراهم ، وبعض
__________________
(١) جاء في كتاب أمير المؤمنينعليهالسلام إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة ، كما في نهج البلاغة : «.. وإنّما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلق ، ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع ، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى ، أو أكون كما قال القائل :
وحسبك عارا أن تبيت ببطنة |
وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ |
أأقنع من نفسي بأن يقال لي أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو اكون أسوة لهم في جشوبة العيش.». الخ.
«المترجم»
بخمسة دراهم ، وكان لباسه مرقّعا تارة بجلد وتارة بالليف ، ونقل سبط ابن الجوزي في التذكرة / الباب الخامس ، عن الزمخشري أنّه روى في كتابه ربيع الأبرار ، عن أبي النّوار أنّه قال [والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ولقد قيل لي ألا تستبدلها فقلت للقائل : ويحك أعزب! فعند الصباح يحمد القوم السرى.]
ونقل أكثر أصحاب السيرة والتاريخ من أعلامكم ، منهم محمد ابن طلحة في كتابه مطالب السئول / الفصل السابع / قال [ومنها ـ أي من قضايا زهدهعليهالسلام ـ أنّه خرج إلى الناس وعليه إزار مرقوع ، فعوتب في لبسه. فقال : يخشع القلب بلبسه ، ويقتدي به المؤمن إذا رآه عليّ(١) ] قال [وقد اشترى يوما ثوبين غليظين فخيّر بشر ـ وهو خادمه ـ فيهما فأخذ واحدا ولبس هو واحد.]
نعم هكذا عاش سلام الله عليه ، يأكل الخبز الشعير اليابس ويؤكل الفقراء واليتامى البرّ بالعسل والتمر بالزيت ، وكان يلبس الخشن ، ويلبس الأرامل واليتامى والمعوزين ملابس فاخرة ، أثمن مما كان يلبس هوعليهالسلام . وكان يقول «يجب على أئمة الحق أن يتأسّوا بأضعف رعيتهم في الأكل والملبس».
ضرار بن ضمرة يصف علياعليهالسلام
نقل المحدّثون من أعلامكم كابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، والحافظ أبي نعيم في حلية الأولياء ج ١ / ٨٤ ، والعلامة الشبراوي في الإتحاف بحبّ الأشراف : ٨ ، ومحمد بن طلحة في
__________________
(١) رواه أيضا العلاّمة سبط ابن الجوزي في التذكرة / الباب الخامس. «المترجم»
مطالب السّئول / الفصل السابع ، والعلاّمة نور الدين بن صبّاغ المالكي في الفصول المهمّة ١٢٨ ، والقندوزي في الينابيع : باب ٥١ ، وسبط ابن الجوزي في التذكرة / الباب الخامس آخر الباب ، وغير هؤلاء من علمائكم والخبر مشهور عن ضرار بن ضمرة الضبائي قال في مجلس معاوية [اشهد بالله لقد رأيت علي بن أبي طالب في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، قابضا على لحيته ، يتململ تململ السّليم ، ويبكي بكاء الحزين ويقول : يا دنيا غرّي غيري ، أبي تعرّضت؟ أم إليّ تشوّقت؟ هيهات هيهات ، طلّقتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعمرك قصير وخطرك كبير وعيشك حقير ، آه من قلّة الزاد وبعد السّفر ووحشة الطريق.] فبكى معاوية وقال : رحم الله أبا الحسن لقد كان والله كذلك(١) .
__________________
(١) أرى أن انقل للقارىء الكريم خبر ضرار بن ضمرة بكامله لما فيه من فوائد جمّة ، أنقله من كتاب تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ، قال في آخر الباب الخامس ، بإسناده إلى جدّه أبي الفرج بن الجوزي وهو بإسناده المتّصل عن محمد بن السّائب الكلبي عن أبي صالح قال [دخل ضرار بن ضمرة على معاوية فقال له : يا ضرار! صف لي عليا! فقال : أو تعفني؟ قال : لا أعفيك قالها مرارا.
فقال ضرار : أما إذ لا بدّ ، فكان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ويحكم عدلا ، يتفجّر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته ، كان والله غزير الدمعة كثير الفكرة ، يقلّب كفّه ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب ، كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويبتدئنا إذا أتيناه ، ويأتينا إذا دعوناه ، ونحن والله مع قربه منّا ودنوّه إلينا لا نكلّمه هيبة له ، ولا نبتديه لعظمه ، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدين ، ويحبّ المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ،
بالله عليكم أنصفوا! من من الزعماء والرؤساء والملوك والأمراء ، هكذا عامل الدنيا وزهرتها وتغاضى عن زينتها وزخرفها؟!
الزهد عطيّة الله تعالى لعليّعليهالسلام
روى كثير من علمائكم المحدّثين ، منهم العلاّمة محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب / باب ٤٦ / بإسناده الى عمار بن ياسر قال : سمعت رسول الله (ص) يقول لعليّ بن أبي طالب «إنّ الله قد زيّنك بزينة لم يتزين العباد بزينة أحبّ إلى الله منها ، الزهد في الدنيا ، وجعلك لا تنال من الدنيا شيئا ولا تنال الدنيا منك شيئا ، ووهب لك حبّ المساكين فرضوا بك إماما ورضيت بهم أتباعا ، فطوبى لمن أحبّك وصدّق فيك ، وويل لمن أبغضك وكذّب عليك ، فأمّا الذين أحبّوك وصدّقوا فيك ، جيرانك في دارك ورفقاؤك في قصرك ، وأمّا الذين أبغضوك وكذبوا عليك فحق على الله أن يوقفهم موقف الكذّابين يوم القيامة(١) ». «ثم قال : هذا حديث حسن».
__________________
ولا يبأس الضعيف من عدله ، فاشهد بالله
ولمّا انتهى من كلامه ، بكى معاوية وقال : رحم الله أبا حسن فقد كان والله كذلك ، ثم قال : فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ فقال : حزن من ذبح ولدها في حجرها ، فلا ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها.]
«المترجم»
(١) قال محمد بن طلحة العدوي النصيبي في كتابه مطالب السئول / الفصل السابع :[وأما زهده فقد شهد له بذلك رسول الله (ص) ، وأخبر أنّ الله تعالى حلاّه من
عليعليهالسلام امام المتقين
امّا في التقوى فهو سيد المتقين والممتاز باعلا درجات اليقين والانسان كلما ازداد يقينا ازداد تقوى ، وهو الذي اشتهر عنه الخبر كما نقله كثير من أعلام محدّثيكم وكبار علماءكم منهم محمد بن طلحة العدوي النصيبي في كتابه مطالب السئول / الفصل السابع قال [وقد
__________________
الزهد بحليته ، وحباه بزينة بزّته ، وكساه بزّة زينته فقال (ص) ما رواه الحافظ أبو نعيم (رض) بسنده في حليته «يا علي! إنّ الله تعالى قد زيّنك بزينة لم يزيّن العباد بزينة أحبّ إلى الله منها هي زينة الأبرار عند الله ، الزهد في الدنيا ، فجعلك لا ترزأ من الدنيا شيئا ولا ترزأ الدنيا منك شيئا».
ونقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٩ / ١٦٦ ، ضمن الأحاديث الواردة في فضائل علي عليهالسلام قال [الخبر الأول : يا عليّ ، إنّ الله قد زيّنك بزينة لم يزيّن العباد بزينة أحبّ إليه منها ، هي زينة الأبرار عند الله تعالى ، الزهد في الدنيا ، جعلك لا ترزأ من الدنيا شيئا ولا ترزأ الدنيا منك شيئا ، ووهب لك حب المساكين ، فجعلك ترضى بهم أتباعا ، ويرضون بك إماما.] قال : رواه أبو نعيم الحافظ في كتابه المعروف بحلية المتقين ، قال : وزاد فيه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في المسند : [فطوبى لمن أحبّك وصدّق فيك ، وويل لمن أبغضك وكذّب فيك.]
ورواه جلّ أعلام العامّة الذين كتبوا في المناقب والفضائل منهم ابن المغازلي في المناقب : ح رقم ١٤٨ ، والمحب الطبري في الذخائر : ١٠٠ وفي الرياض : ج ٢ / ٢٢٨ ، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٢١ و ١٣٢ وقال رواه الطبراني ، والمتقي في كنز العمال : ج ٥ ص ٣٥ وفي أسد الغابة : ج ٤ / ٢٣ وغيرهم أيضا.
«المترجم»
كان عليعليهالسلام منطويا على يقين لا غاية لمداه ولا نهاية لمنتهاه وقد صرّح بذلك تصريحا مبينا فقالعليهالسلام «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا». فكانت عبادته الى الغاية القصوى تبعا ليقينه وطاعته في الذروة العليا لمتانة دينه.
ولقد لقّبه الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم بإمام المتقين ، كما روى ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٩ / ١٧٠ ، الخبر الحادي عشر من الأحاديث التي ذكرها في فضائل الامام عليعليهالسلام . ورواه الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء والعلاّمة الهمداني في كتابه مودّة القربى والعلاّمة محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / باب ٥٤ عن أنس بن مالك قال : قال لي رسول الله (ص) «يا أنس أسكب لي وضوء ، فتوضّأ ثم قام وصلّى ركعتين ثم قال (ص) : يا أنس أوّل من يدخل عليك من هذا الباب هو أمير المؤمنين وإمام المتقين وسيد المسلمين وقائد الغرّ المحجّلين وخاتم الوصيين». قد وردت الرواية بألفاظ مختلفة وانا انقلها كما يخطر ببالي.
قال أنس : قلت : اللهم اجعله رجلا من الأنصار وكتمته ، إذ جاء علي فقال (ص) «من هذا يا أنس؟ قلت : علي بن أبي طالب. فقام النبي (ص) مستبشرا فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه ويمسح عرق عليّ بوجهه ، قال عليّ : يا رسول الله لقد رأيتك صنعت بي شيئا ما صنعت بي قبل. قال : وما يمنعني وأنت تؤدّي عني وتسمعهم صوتي وتبيّن لهم ما اختلفوا فيه بعدي».
وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد قالعليهالسلام «مرحبا بسيد المسلمين وإمام المتقين». رواه عن الحافظ أبي نعيم في الحلية.
وقال محمد بن طلحة في كتابه مطالب السئول / آخر الفصل الرابع / أمّا حصول صفة التقوى له فقد أثبتها رسول الله (ص) بأبلغ الطرق وأعلاها فأنه قال له يوما : «مرحبا بسيد المسلمين وإمام المتقين». ثم قال : إذا وصفه بكونه إمام أهل التقوى كان مقدّما عليهم بزيادة تقواه.
وروى الحاكم في المستدرك : ج ٣ / ١٣٨ ، والشيخان مسلم والبخاري في صحيحيهما عن النبي (ص) قال «أوحي إليّ في علي أنّه سيّد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغرّ المحجّلين(١) ».
وروى العلاّمة الكنجي في كفاية الطالب / باب ٤٥ بسنده عن عبد الله بن أسعد بن زرارة قال : قال رسول الله (ص) «لمّا أسري بي إلى السماء انتهى بي إلى قصر من لؤلؤ فراشه من ذهب يتلألأ ، فأوحى إليّ وأمرني في عليّ بثلاث خصال : بأنّه سيد المسلمين ، وإمام المتّقين وقائد الغر المحجّلين(٢) ».
وروى أحمد في المسند أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوما خاطب عليا
__________________
(١) ورد في كثير من الكتب عن كبار علمائهم ، منهم : الخطيب البغدادي في تاريخه : ج ٤ / ٤١ بطرق شتى عن أبي الأزهر ثم قال : ورواه محمد بن حمدون النيسابوري ، وأخرجه الذهبي أيضا في ميزان الاعتدال : ج ٢ / ٦١٣ و ١٢٨ في «ط» ، وابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب : ج ١ / ١٢ ، والجزري في أسد الغابة : ج ١ / ٦٩ وج ٣ / ١١٦ ، والموفّق الخوارزمي في المناقب / ٢٢٩ ، والهيثمي في المجمع : ج ٩ / ١٢١ وقال : رواه الطبراني في الكبير ، وأخرجه أيضا المحبّ الطبري في ذخائر العقبى / ٧٠ ، والمتقي في منتخب الكنز : ج ٥ / ٣٤ وقال :أخرجه ابن النجار. ورواهما جمع آخر.
«المترجم»
(٢) ورد في كثير من الكتب عن كبار علمائهم ، منهم : الخطيب البغدادي في تاريخه : ج ٤ / ٤١ بطرق شتى عن أبي الأزهر ثم قال : ورواه محمد بن حمدون النيسابوري ، وأخرجه الذهبي أيضا في ميزان الاعتدال : ج ٢ / ٦١٣ و ١٢٨ في «ط» ، وابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب : ج ١ / ١٢ ، والجزري في أسد الغابة : ج ١ / ٦٩ وج ٣ / ١١٦ ، والموفّق الخوارزمي في المناقب / ٢٢٩ ، والهيثمي في المجمع : ج ٩ / ١٢١ وقال : رواه الطبراني في الكبير ، وأخرجه أيضا المحبّ الطبري في ذخائر العقبى / ٧٠ ، والمتقي في منتخب الكنز : ج ٥ / ٣٤ وقال :أخرجه ابن النجار. ورواهما جمع آخر.
«المترجم»
فقال : «يا عليّ! النظر إلى وجهك عبادة ، إنّك إمام المتّقين وسيّد المؤمنين ، من أحبّك فقد أحبّني ومن أحبّني فقد أحبّ الله ، ومن أبغضك فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله».
من الواضح أنّه إذا وصف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أحدا واعطاه اللّقب فانّ مدحه للشخص يفرق عن سائر الناس ، فربما وصف الناس ملكا وسلطانا بما لا يليق به فيغالون في الوصف والمدح ، كمدح كثير من المؤرخين لكثير من الوزراء والأمراء والسلاطين. ولكنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منزّه من التملّق والمغالاة في مدح الأشخاص ، ولا يقول إلاّ حقا ، ولا يصف إلاّ واقعا ، بل في مثل هذه القضايا فهوصلىاللهعليهوآلهوسلم ( ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى ) (١) .
ولا سيما في هذا الأمر ، إذ يؤكّد فيقول «ليلة أسري بي إلى السماء أوحي إليّ وأمرني في عليّ بثلاث خصال : بأنه سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغرّ المحجّلين». فهذه خصائص عظيمة ومقامات كريمة خصّ الله تعالى بها وليّه عليّ بن أبي طالب على لسان خاتم أنبيائه وسيّد رسله ، وبعد وصف ربّ العالمين وبيانه المبين لأمير المؤمنين سلام الله عليه لا يسع المسلمين إلا الخضوع أمامه والخشوع له والتسليم لأمره.
الشيخ عبد السلام : كلّما قلته من مناقب وفضائل سيدنا عليّ كرم الله وجهه فهو قليل من كثير ونحن نعرف أكثر مما قلتم حتى أنّ معاوية (رض) قال فيه [عقمت النساء أن يلدن مثل علي بن أبي طالب.]
قلت : فكما أنّهعليهالسلام قد امتاز بنسبه ونورانية خلقته من حيث
__________________
(١) سورة النجم ، الآية ٣ و ٤.
الورع والتقوى ، فهو مقدّم على الجميع من هذه الجهة أيضا.
وقد قال الله الحكيم في كتابه الكريم :( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) (١) .
فإذا كان أهل التقوى أكرم العباد عند الله تبارك وتعالى ، فما بالكم بإمام المتقين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ؟
وهنا قد خطر شيء في بالى وهو السؤال التالي : هل يحتمل في إمام المتقين أن يتّبع الهوى ويعصي ربّه لأجل الدنيا؟
الشيخ عبد السلام : لا يحتمل ذلك في سيدنا عليّ كرم الله وجهه ، كيف وهو الذي طلّق الدنيا ثلاثا ، كما ذكرتم فيما نقلتم من ضرار بن ضمرة! فمقام سيدنا عليّ كرم الله وجهه أجلّ من أن ينسب إليه ذلك.
قلت : فعلى ذلك كانت أعمال الإمام عليّعليهالسلام من حركاته وسكناته وقيامه وقعوده وتكلّمه وسكوته وموافقته ومخالفته وحربه وسلمه ، كلّها لله تعالى وإحقاقا للحق.
الشيخ عبد السلام : نعم هكذا كان سيدنا عليّ كرّم الله وجهه.
فاقضوا أيها المنصفون!!
قلت : إذا كان كذلك ، يجب أن تفكروا في عدم مبايعة الإمام عليّعليهالسلام لأبي بكر في أوّل الأمر ، بل اعترض على خلافته اعتراضا شديدا.
والمفروض أنّ المتقي ولا سيما إمام المتّقين ، لا يترك الحق ولا يعارضه ، وحديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي نقلته لكم في بعض الليالي
__________________
(١) سورة الحجرات ، الآية ١٣.
الماضية إذ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم «علي مع الحق والحقّ مع عليّ حيثما دار».
فإذا كانت خلافة أبي بكر حقا! فلما ذا وكيف لا يبايعه الامام عليعليهالسلام ؟
بل عارضه بشدّة ، حتى انتهى الأمر إلى اقتحام دار فاطمة وعليّ ، وآل الهجوم إلى قتل الجنين ـ محسن ـ ووفاة السيدة فاطمةعليهاالسلام و...
[وقد ذكرنا ذلك بالتفصيل في الليلة الماضية ، مع ذكر المصادر من كتبكم] وإذا كانت خلافة أبي بكر باطلا وخلافا ، فلما ذا أنتم تتمسكون بالباطل إلى يومنا هذا؟
الشيخ عبد السلام : إنّي أتعجب من كلام الشيعة حيث يقولون : سيدنا علي كرم الله وجهه لم يبايع أبا بكر (رض) ، فقد ذكر المؤرّخون كلهم حتى مؤرخيكم : بأن سيدنا علي (كرم الله وجهه) بايع أبا بكر بعد وفاة فاطمة الزهراء ، ولم يخالف الإجماع.
قلت : العجب في كلامك هذا ، وكأنّك نسيت حديثنا وحوارنا في الليالي الماضية ، حيث أثبتنا أنهعليهالسلام أجبر وأكره على البيعة ، فعدم رغبته وعدم مطاوعته في بيعة أبي بكر دليل على بطلان خلافته ، ثم أنت تعترف بأنهعليهالسلام ما بايع إلاّ بعد وفاة الزهراء سيّدة النساءعليهاالسلام ، وصرّح أعلامكم كالبخاري ومسلم وغيرهما أنّ وفاتها كانت بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بستة أشهر ، فهل في هذه المدة كان عليّعليهالسلام تاركا للحق وسالكا غير سبيل المتقين؟!
الشيخ عبد السلام : لقد كان سيدنا علي كرم الله وجهه أعرف من غيره بتكليفه ولا يجوز لنا أن نتدخّل في خلافات الصحابة ونجدّد قضايا مرّت عليها الدهور والقرون!!
قلت : إنّ هذا الكلام انهزام من الواقع والحق وليس بجواب مرضيّ في الحوار ، لأن تلك الخلافات تمسّنا أيضا. إذ يجب على كلّ مسلم بل كل إنسان أن يبحث عن الحقائق ، ويلتزم بالحق ، ويعتنقه ، ويصدّق الواقع المعلوم ، ويبتعد عن الكذب والموهوم.
الشيخ عبد السلام : إذا أردت بهذا الاستدلال والبرهان أن تبيّن أنّ أبا بكر (رض) كان باطلا وخلافته كانت غير مشروعة ومناقضة لدين الله! فلما ذا سكت وسكن الإمام علي كرم الله وجهه! بل كان عليه أن ينهض ويثور على الخليفة وأنصاره ، ويسترجع حقّه ويبطل الباطل ، وهو ذلك الشجاع الذي لا تأخذه في الله لومة لائم.
سكوت بعض الأنبياء واعتزالهم عن أممهم
قلت : نحن نعتقد بأنّ الأنبياء والأوصياء يعملون في المجتمع ويتعاملون مع أممهم على أساس الأوامر التي يتلقونها من الله عزّ وجلّ ، لذلك لا نعترض عليهم ولا ننتقد أعمالهم بأنهم لما ذا سكتوا أو لما ذا لم يقاتلوا أو لما ذا تكلموا؟!
واذا راجعنا تاريخ الأنبياء ، نجد كثيرا منهم كانوا مغلوبين مقهورين أو مهجورين ومنعزلين ، فهذا القرآن الحكيم يحدثنا عن نوح وهو من أولي العزم وشيخ الأنبياء :( فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) (١) .
ويحدثنا عن اعتزال ابراهيم الخليل لقومه قائلا :
__________________
(١) سورة القمر ، الآية ١٠.
( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي ) (١) .
الشيخ عبد السلام : أظن أنّهعليهالسلام اعتزل عنهم قلبا لا جسما.
[فهو وإن كان مخالفا لهم قلبا ، ولكنه كان يعيش بينهم ويشاركهم].
قلت : ولكن لو راجعت التفاسير لوجدت أنّ أكثر المفسرين قالوا : بأنّهعليهالسلام فارقهم بجسمه أيضا وابتعد عنهم ، فالفخر الرازي في تفسيره الكبير : ج ٥ / ٨٠٩ قال [الاعتزال للشيء هو التباعد عنه ، والمراد إنّي أفارقكم في المكان وأفارقكم في طريقتكم.]
وذكر أرباب السير والتاريخ أنّ إبراهيم هاجر من بابل ، وسكن الجبال مدّة سبعة أعوام ، ثم رجع إليهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، وأن يتركوا عبادة الأصنام ، ثم جرى ما جرى حتى ألقوه في النار ، فجعلها الله سبحانه عليه بردا وسلاما.
ويحدّثنا القرآن الحكيم عن فرار موسى بن عمران وخروجه من بلده خائفا ، فيقول :( فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (٢) .
ويحدثنا الله تعالى في كتابه عن مخالفة قوم موسى لأخيه وخليفته هارون ، وأنّهم عبدوا العجل الذي صنعه السامريّ ، فلما عاد إليهم موسى ورأى انقلابهم وكفرهم وسكوت هارون على أفعالهم المخالفة للدين وللشريعة الإلهية ، عاتبه على ذلك ، كما نفهم من قول الله سبحانه :( وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ، قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ
__________________
(١) سورة مريم ، الآية ٤٨.
(٢) سورة القصص ، الآية ٢١.
اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ ) (١) .
تشابه أمر عليّعليهالسلام بهارون
فكما أنّ هارون كان خليفة أخيه موسى بن عمران في قومه ، ولكنهم لم يأخذوا بقوله وخالفوه وتوجّهوا إلى العجل الذي صنعه السامريّ لهم فعبدوه ، ولما منعهم هارون من ذلك ، وقال لهم [هذا شرك وكفر بالله ، عزّ وجلّ] هاجموه وكادوا يقتلونه ، ولمّا لم يجد أعوانا وأنصارا سكن وسكت وتركهم في غيّهم وطغيانهم يعمهون.
كذلك أمير المؤمنين وسيد الوصيين عليعليهالسلام ـ الذي شبّهه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بهارون في حديث المنزلة وقد ذكرناه في الليالي السالفة مع المصادر الموثوقة والمعتبرة عندكم ـ لمّا رأى القوم بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم انقلبوا على أعقابهم وتركوا الحق وخالفوا أمر ربهم فوعظهم وأرشدهم ، ولكنهم هاجموه وكادوا يقتلونه ، فسكت وسكن وتحمّل وصبر.
وذكر كبار علمائكم : أنّ عمر وأصحابه لمّا جاءوا بعليّعليهالسلام إلى المسجد ، وطلبوا منه البيعة ، وهدّدوه بالقتل إن لم يبايع ، نظر إلى قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأشار إليه مخاطبا : يا( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (٢) .
__________________
(١) سورة الأعراف ، الآية ١٥٠.
(٢) ذكر ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم المتوفى سنة ٢٧٠ من أكبر علماء السنة وأشهر أعلامهم ، قال في كتابه الامامة والسياسة تحت عنوان : كيف كانت بيعة
__________________
علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه قال [وإنّ أبا بكر (رض) تفقّد قوما تخلّفوا عن بيعته عند عليّ كرم الله وجهه ، فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار عليّ فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنّها على من فيها. فقيل له : يا أبا حفص إنّ فيها فاطمة ، فقال : وإن.
فخرجوا فبايعوا إلاّ عليّا فإنّه زعم أنّه قال : حلفت أن لا أخرج ، ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن. فوقفت فاطمة (رض) على بابها فقالت : لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم ، تركتم رسول الله (ص) جنازة بين أيدينا قطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا ولم تردّوا لنا حقا. فأتى عمر أبا بكر فقال له : ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة! فقال أبو بكر لقنفذ وهو مولى له : اذهب فادع لي عليّا. قال : فذهب إلى عليّ فقال له : ما حاجتك؟ فقال : يدعوك خليفة رسول الله. فقال علي : لسريع ما كذّبتم على رسول الله (ص). فرجع فأبلغ الرسالة.
قال : فبكى أبو بكر طويلا. فقال عمر ثانية : أن لا تمهل هذا المتخلّف عنك بالبيعة.
فقال أبو بكر (رض) لقنفذ : عد إليه فقل له : أمير المؤمنين يدعوك لتبايع. فجاءه قنفذ فأدّى ما أمر به. فرفع عليّ صوته فقال : سبحان الله لقد ادّعى ما ليس له.
فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة. فبكى أبو بكر طويلا. ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة فدقّوا الباب ، فلمّا سمعت أصواتهم ، نادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله! ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب وابن أبي قحافة؟!
فلمّا سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين وكادت قلوبهم تنصدع وأكبادهم تنفطر ، وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا عليا. فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع. فقال : إن أنا لم أفعل فمه؟
قالوا : إذا والله الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك. قال : إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله. قال عمر : أما عبد الله فنعم ، وأما أخو رسوله فلا. وأبو بكر ساكت
ثم إنّ سيرة خاتم النبيينصلىاللهعليهوآلهوسلم خير دليل لنا ، وهوصلىاللهعليهوآلهوسلم كتم رسالته في مكة عشر سنين ثم أعلنها ثلاث سنين لا يطالب أهلها إلاّ بكلمة التوحيد ، هاتفا : قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا ، وسكت عن سائر عاداتهم الجاهليّة ، ومع ذلك هجموا عليه إلى الدار وأرادوا قتله ، ففرّ منهم مهاجرا إلى يثرب ، لأنّه لم يكن له أنصار في مكة يتمكنون من حمايته والذّبّ عنه. وقد قيل :
الفرار مما لا يطاق من سنن المرسلين.
والأعجب من هذا أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى عند ما أصبح مقتدرا وحاكما ما تمكّن من تغيير ما كان يرى تغييره لازما.
الشيخ عبد السلام : هذا كلام غريب وأمر عجيب! كيف عجز رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من تغيير ما كان يلزم تغييره؟!
قلت : هذا الأمر العجيب الغريب عندكم قد نقله بعض كبار أعلامكم منهم أحمد بن حنبل في المسند ، والعلاّمة الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت : قال لي رسول الله (ص) «يا عائشة! لو لا أنّ قومك حديثوا عهد بشرك ؛ لهدمت الكعبة ،
__________________
لا يتكلم. فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك!! فقال : لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه.
فلحق عليّ بقبر رسول الله (ص) يصيح ويبكي وينادي : يا ( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي ) .]
أقول : والحديث ذو شجون ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
«المترجم»
فألزقتها بالأرض ، وجعلت لها بابين : بابا شرقيّا وبابا غربيّا ، وزدت فيها ستّة أذرع من الحجر ، فإنّ قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة(١) ».
فإذا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يقدم على مثل ذلك الأمر المهم رعاية لبعض المصالح ، فكذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام وهو تلميذ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمتعلم منه ، فهوعليهالسلام رعاية لبعض الجهات الدينية العامّة والمصالح الإسلاميّة الهامّة سكت وسكن وصبر وتحمّل كل ما أوردوه عليه من الظلم والجفاء ، بسبب البغضاء والشحناء التي كانت مكتومة في صدورهم ومكنونة في قلوبهم ، وقد كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يعلم ذلك فيخبر عليا في حياته ويبكي على غربته ومظلوميته ، كما روى الخوارزمي في مناقبه والعلاّمة الفقيه ابن المغازلي أيضا في مناقبه : [أنّ النبي (ص) يوما نظر إلى عليّعليهالسلام فبكى ، فقال له : ما يبكيك يا رسول الله صلّى الله عليك؟ قال (ص) : ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها حتى أفارق الدنيا. قالعليهالسلام : فما أصنع يا رسول الله؟ قال : تصبر ، فيعطيك ربّك أجر الصابرين(٢) ].
__________________
(١) صحيح مسلم : ج ٢ / كتاب الحج باب «٦٩» نقض الكعبة وبنائها : رواه بطرق شتى وكلها بالإسناد إلى عائشة بألفاظ مختلفة.
«المترجم»
(٢) المذكور في متن الكتاب إنما هو الترجمة العربيّة لما ذكره السيد المؤلف بالفارسية ، وأما نصّ الحديث كما في ينابيع المودّة للعلاّمة القندوزي الباب الخامس والأربعون ، قال [أخرج الموفق بن أحمد الخوارزمي ، والحمويني بالإسناد عن أبي عثمان النهدي عن عليّ كرّم الله وجهه قال «كنت أمشي مع رسول الله (ص) فأتينا على حديقة ، فاعتنقني وأجهش باكيا ، فقلت : ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال
لما ذا قعد عليّعليهالسلام ولم يطالب بحقه؟
إنّ علياعليهالسلام كان متفانيا في الله سبحانه ، فلا يريد شيئا لنفسه ولا يطلب المصالح الشخصيّة ، بل أثبت في حياته وسلوكه أنّهعليهالسلام كان وراء المصالح العامّة ، وكان يبتغي مرضاة الله تعالى بالحفاظ على الدين ، وإبقاء شريعة سيد المرسلين. ولا يخفى أن الإسلام في ذلك الوقت كان بعد جديدا ولم ينفذ في قلوب أكثر معتنقيه ، فكانوا مسلمين بألسنتهم ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم ، لذا كان الإمام عليعليهالسلام يخشى من حرب تقع بين المسلمين إذا جرّد السيف لمطالبة حقه بالخلافة التي كانت له لا لغيره ، أو مطالبة فدك لفاطمة الزهراءعليهاالسلام أو مطالبة إرثها من أبيها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الذي منعها أبو بكر بحجّة الحديث الذي افتراه على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث»!
فسكت عليّعليهالسلام وسكن لكي لا تقع حرب داخلية ، لأنّه كان يرى في المطالبة بحقه في تلك الظروف الزمنية زوال الدين
__________________
(ص) : أبكي لضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك إلاّ بعدي ، فقلت : في سلامة من ديني؟ فقال : في سلامة من دينك»].
أقول : ورواه العلاّمة الكنجي الشافعي في كتاب كفاية الطالب الباب السادس والستون بالإسناد إلى ابن عساكر وهو بإسناده إلى أنس بن مالك ـ والرواية أكثر تفصيلا ممّا في المناقب والينابيع ـ ثم قال العلاّمة الكنجي بعد نقل الرواية : هذا حديث حسن رزقناه عاليا بحمد الله ومنّه. وهذا سياق الحافظ مؤرّخ الشام ، في مناقب أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام .
«المترجم»
وإفناء الإسلام لو وقعت حرب بين المسلمين. وقد كان أكثرهم ينتظرون الفرصة حتى يرتدّوا إلى الكفر.
لذلك جاء في روايات أهل البيت والعترة الطاهرةعليهمالسلام : «أنّ فاطمة الزهراء سلام الله عليها لما رجعت من المسجد بعد ما خطبت خطبتها العظيمة وألقت الحجج على خصومها ، خاطبت أبا الحسنعليهالسلام وهو جالس في البيت فقالت : يا ابن أبي طالب اشتملت شملة الجنين ، وقعدت حجرة الظنين ، نقضت قادمة الأجدل ، وخانك ريش الأعزل! هذا ابن أبي قحافة يبتزّني نحلة أبي وبلغة ابنيّ ، لقد أجهر في خصامي وألفيته الألدّ في كلامي الخ.
فأجابها عليعليهالسلام : نهنهي عن نفسك يا ابنة الصفوة وبقية النبوّة ، فما ونيت عن ديني ولا أخطأت مقدوري. فإن كنت تريدين البلغة فرزقك مضمون وكفيلك مأمون. وما أعدّ لك أفضل مما قطع عنك.
قالوا : فبينما عليعليهالسلام يكلّمها ويهدّأها وإذا بصوت المؤذّن ارتفع ، فقال لها عليّعليهالسلام : يا بنت رسول الله! إذا تحبين أن يبقى هذا الصوت مرتفعا ويخلد ذكر أبيك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فاحتسبي الله واصبري.
فقالت : حسبي الله. وامسكت».
[فضحّى عليعليهالسلام بحقه وحق زوجته فاطمة وسكت عن المغتصبين ، حفظا للدين وشريعة سيد المرسلين من الضياع والانهيار.]
أسباب قعود عليعليهالسلام
نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١ / ٣٠٧ ، ط إحياء الكتب العربية عن المدائني عن عبد الله بن جنادة ، ونقله غير ابن أبي
الحديد أيضا ، أنّهعليهالسلام خطب في أول إمارته وخلافته بالمدينة المنوّرة : [فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر النبي وصلّى عليه ثم قال «أما بعد ، فإنّه لما قبض الله نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قلنا : نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس ، لا ينازعنا سلطانه أحد ، ولا يطمع في حقنا طامع ، إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبيّنا ، فصارت الإمرة لغيرنا وصرنا سوقة ؛ يطمع فينا الضعيف ، ويتعزّز علينا الذليل ؛ فبكت الأعين منّا لذلك ، وخشنت الصدور وجزعت النفوس ، وأيم الله لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين ، وأن يعود الكفر ويبور الدين ، لكنّا على غير ما كنّا لهم عليه». الخ.]
ونقل ابن أبي الحديد أيضا بعد هذه الخطبة في صفحة ٣٠٨ تحت عنوان : خطبته عند مسيره للبصرة ، قال : وروى الكلبي أنّه لمّا أراد عليّعليهالسلام المسير إلى البصرة ، قام فخطب الناس ، فقال بعد أن حمد الله وصلى على رسوله (ص) «إنّ الله لمّا قبض نبيّه ، استأثرت علينا قريش بالأمر ، ودفعتنا عن حقّ نحن أحق به من الناس كافّة. فرأيت أنّ الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم ، والناس حديثوا عهد بالإسلام ، والدين يمخض مخض الوطب ، يفسده أدنى وهن ، ويعكسه أقلّ خلف.». الخ.
ولعليعليهالسلام في نهج البلاغة كتاب إلى أهل مصر ، بعثه مع مالك الأشتررحمهالله تعالى ، جاء فيه : «أما بعد ؛ فإنّ الله سبحانه بعث محمداصلىاللهعليهوآلهوسلم ، نذيرا للعالمين ومهيمنا على المرسلين ، فلمّا مضىصلىاللهعليهوآلهوسلم ، تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فو الله ما كان يلقى في روعي ، ولا يخطر ببالي أنّ العرب تزعج
هذا الأمر من بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن أهل بيته ، ولا أنّه منحّوه عنّي من بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه ، فأمسكت بيدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما ، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل يزول منها ما كان ، كما يزول السراب وكما يتقشّع السّحاب ، فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق ، واطمأنّ الدين وتنهنه».
ونقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٦ / ٩٤ ، ـ ط إحياء الكتب العربي تحت عنوان : خطبة الإمام عليّعليهالسلام بعد مقتل محمد بن أبي بكر ، قال : وروى إبراهيم ـ صاحب كتاب الغارات ـ عن رجاله عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال : خطب عليعليهالسلام بعد فتح مصر ، وقتل محمد بن أبي بكر. فنقل خطبة بليغة ذكر فيها وقائع أليمة وقعت بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذكر بعض ما كتبه لأهل مصر الذي نقلته لكم قبل هذا ، وأشار في خطبته إلى الشورى التي أمر بها عمر بن الخطاب ، وخرج بالنتيجة قائلا :
«فصرفوا الولاية إلى عثمان وأخرجوني منها ثم قالوا : هلمّ فبايع وإلاّ جاهدناك ؛ فبايعت مستكرها وصبرت محتسبا ، فقال قائلهم : يا ابن أبي طالب ، إنّك على هذا الأمر لحريص ؛ فقلت : أنتم أحرص منّي وأبعد أيّنا أحرص؟ أنا الذي طلبت ميراثي وحقّي الذي جعلني الله ورسوله أولى به ، أم أنتم اذ تضربون وجهي دونه وتحولون بيني وبينه! فبهتوا ، والله لا يهدي القوم الظالمين».
فيحصل من هذه الكلمات والجمل أنّهعليهالسلام قعد عن حقه وسكت. رعاية لما هو أهم ، إذ أنّه كان يعلم بأنّ المنافقين وأعداء الدين يترصدون ويتربّصون ليوقعوا بالمسلمين ويقضوا على الدين ، وإذا كان الإمام عليعليهالسلام يقوم بمطالبة حقه ويجرّد الصمصام ، لاغتنم المنافقون واليهود والنصارى الفرصة وقضوا على الإسلام. لذلك صبر وتحمّل وسكت عن حقه وتنازل. بعد ما احتجّ عليهم وأثبت حقّه في الأشهر الست التي ما بايع فيها كما في كتب أعلامكم ، فكانعليهالسلام يتكلّم مع رءوس المهاجرين والأنصار ويستدلّ على حقوقه المغصوبة بالآيات البيّنات والسنن الواضحات والأمور الظاهرات ، فبعد ما بيّن لهم الحق وأتمّ عليهم الحجج بايع مكرها لا طائعا فصبر على أمرّ من العلقم وأحرّ من الجمر ، كما أشار إلى حاله في الخطبة الشقشقية المرويّة في نهج البلاغة وهي معروفة قالعليهالسلام :
«أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة وانّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى ينحدر عني السّيل ولا يرقى إليّ الطير فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه ، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى ، أرى تراثي نهبا ، حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطّاب بعده.». الخ.
ولا أطيل عليكم أكثر من هذا ، إنّما ذكرت لكم بعض كلماته وخطبهعليهالسلام لنعرف آلامه القلبيّة من تلك الأحداث ثم نعرف علل قعوده وسكوته عن حقه.
هل الخطبة الشّقشقية للإمام عليعليهالسلام ؟
الشيخ عبد السلام : أوّلا : ليس في هذه الخطبة ما يدلّ على تألمات سيدنا عليّ كرّم الله وجهه.
ثانيا : المشهور أنّ هذه الخطبة من إنشاء الشريف الرضي ، ألحقها بخطب أمير المؤمنين وليست من إنشاء سيدنا عليّ ، وقد ثبت في التاريخ أنه ما كان ناقما على خلافة الخلفاء الراشدين قبله بل كان راضيا منهم ومن منجزاتهم.
قلت : كلام الشيخ ينبعث من إفراطه في حبّ الخلفاء والتعصّب لهم ، وإلاّ فإنّ تألّمات الإمام عليّعليهالسلام واضحة في غير الخطبة الشقشقيّة أيضا وهي لا تخفى على كلّ من تابع الأحداث والقضايا التي وقعت وحدثت بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا سيّما على المتتبّع لخطب الإمام وكتبه وكلماته واحتجاجاته مع مناوئيه وخصومه.
وأما كلامك بأنّ هذه الخطبة من إنشاء السيد الرضي (رضوان الله تعالى عليه) ، فهو افتراء منك على ذلك السيد الزاهد العابد الورع التقيّ ، فإنّه أجلّ وأورع من أن يضع خطبة وينسبها إلى سيد الأوصياءعليهالسلام ، فإنّ هذا الكلام بعيد عن الإنصاف ، وبعيد من أهل التحقيق ، ولقد تبعت أسلافك ، وهم تبعوا المعاندين المتعصّبين ، وإلاّ لو كنت تطالع كتب أعلامكم وتحقّق عن الخطبة في تصانيف علمائكم لوجدت اعترافهم وتصريحهم بأنّها من خطب الإمام عليعليهالسلام لا محالة.
والشارحون لنهج البلاغة من علمائكم مثل ابن أبي الحديد ،
والشيخ محمد عبده مفتي الديار المصريّة ، والشيخ محمد الخضري في كتاب محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية صفحة ٢٧ وغيرهم قد صرّحوا أنّ الخطبة الشقشقية من بيان الإمام عليّعليهالسلام وردّوا القائلين بأنّها من إنشاء الشريف الرضي ، وهم بعض المعاندين والمتعصّبين من المتأخّرين ، وإلاّ فأكثر من أربعين عالم من الفريقين الشيعة والسنّة شرحوا كتاب نهج البلاغة وكلهم أذعنوا بأن الخطبة الشقشقية أيضا من كلام الإمام عليعليهالسلام لأنها على نسق خطبة الأخرى ، إذ بيانهعليهالسلام يمتاز ببلاغة منفردة تخصّه ولا يمكن لأحد أن يشابهه ويقلّده فيها حتى الشريف الرضي على ما كان يتمتع به من الأدب الرفيع والفصاحة والبلاغة في التكلم والكتابة ، فهو عاجز أن ينسج مثل الخطبة الشقشقية ، وهذا ليس كلامي وإنما هو كلام علمائكم الكبار مثل الشيخ محمد عبده والعلاّمة ابن أبي الحديد فإنّه نقل في آخر شرحه على الخطبة الشقشقيّة في الجزء الأول ، عن المصدّق بن شبيب أنّه قال لابن الخشّاب وهو من اساتذة هذا الفن [إنّ كثيرا من الناس يقولون إن الخطبة الشقشقيّة من كلام الرضيّرحمهالله تعالى. فقال : أنّى للرضي ولغير الرضيّ هذا النفس وهذا الأسلوب! قد وقفنا على رسائل الرضيّ وعرفنا طريقته وفنّه في الكلام المنثور ، وما يقع مع هذا الكلام في خلّ ولا خمر.]
الخطبة الشقشقيّة كانت قبل مولد الرضيّ
وبغضّ النظر عن البلاغة الخاصة بكلام الإمام عليّعليهالسلام والمقايسات التي أشار إليها ابن الخشّاب وغيره ، فإنّ كثيرا من علماء
الفريقين قالوا : إنّهم وجدوا هذه الخطبة في الكتب المنتشرة قبل أن يولد الشريف الرضيّ وقبل أن يولد أبوه أبو أحمد النقيب ـ نقيب الطالبيين ـ ، فقد نقل ابن أبي الحديد في آخر شرحه للخطبة ، عن الشيخ عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشّاب أنّه قال [والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنّفت قبل أن يخلق الرضيّ بمائتي سنة ، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها ، وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضيّ.]
ثم قال ابن أبي الحديد : وقد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة ، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة. ووجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر بن قبه ـ أحد متكلمي الإماميّة ـ المشهور المعروف بكتاب «الإنصاف» ، وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخيرحمهالله ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضيّرحمهالله تعالى موجودا. انتهى.
وقال كمال الدين ابن ميثم البحراني الحكيم المحقّق في كتابه شرح نهج البلاغة في الخطبة : إنّي وجدت هذه الخطبة في كتاب الإنصاف لابن قبه ، وهو متوفى قبل أن يولد الشريف الرضيّ.
ووجدتها أيضا بخطّ الوزير ابن فرات ، كان قد كتبها قبل ميلاد الرضيّ بستّين سنة.
فالدلائل والبيّنات قائمة على أنّ الخطبة كانت في الكتب والمصنّفات قبل أن يولد الشريف الرضيّرحمهالله تعالى. ولكنّ المعاندين المتعصّبين خلقوا هذه الفرية بأنّ الشقشقية من كلام الشريف
الرضي ، حتى يجدوا لأنفسهم مفرّا من الجواب.
وعلى فرض صحّة كلامهم ، فلو فرّوا وأعرضوا عن قبول الخطبة ومحتواها من هذا الطريق ، فما يصنعون مع سائر الخطب التي تعرّض فيها أمير المؤمنينعليهالسلام أيضا إلى الحوادث والوقائع التي أحدثوها في الاسلام ، فيشكو فيها الإمام عليعليهالسلام ، ويبدي ظلامته ، ويفشي مكنون صدره وآلام قلبه من سوء سلوك القوم وظلمهم له ولأهل بيت المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
وقد أشرنا إلى بعضها في المجالس السالفة ، ومع ذلك فالشيخ عبد السلام ـ سلّمه الله ـ يقول : ما كان علي ناقما من خلافة الراشدين قبله ، وكان راضيا على ما أنجزوا ، ولا أعلم كيف عرف رضاه وهوعليهالسلام كان في كل فرصة ومناسبة يعرب عن سخطه من عمل القوم؟ ويقول : إنّهم أخّروه عن مقامه وهو أولى بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من غيره ، كما في الخطبة المرقمة ١٩٠ في شرح ابن أبي الحديد. قال «ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنّي لم أردّ على الله ولا على رسوله ساعة قطّ ، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال ، وتتأخّر الأقدام ، نجدة أكرمني الله بها.
ولقد قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإنّ رأسه لعلى صدري ، ولقد سالت نفسه في كفّي ، فأمررتها على وجهي ولقد ولّيت غسله والملائكة أعواني ، فضجّت الدار والأفنية ، ملأ يهبط وملأ يعرج ، وما فارقت سمعي هينمة منهم ، يصلّون عليه ، حتى واريناه في ضريحه ، فمن ذا أحقّ به منّي حيا وميّتا؟!
ثم قال : فو الذي لا إله إلاّ هو ، إنّي لعلى جادّة الحق ، وإنّهم
لعلى مزلّة الباطل».
ليت شعري ما يقول الشيخ وأتباعه في هذه الخطبة وأمثالها؟
وبأيّ بيان تريدون أن يفشي الإمام عليّعليهالسلام سخطه وعدم رضاه في خلافة أبي بكر والذين تقدّموا عليه وأخّروه؟
فحق الإمام عليعليهالسلام واضح ولائح ، وفضله وعلوّه على غيره ظاهر باهر ، ولا يمكن إخفاؤه بالكلمات( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ) (١) .
الشيخ عبد السلام : إنّي أؤجّل جوابي إلى الليلة المقبلة إن شاء الله والآن نختم المجلس فقد طال بنا وتعب الحاضرون.
فتوادعنا وخرجوا.
__________________
(١) سورة التوبة ، الآية ٣٢.
المجلس العاشر
ليلة الأحد ـ الثالث من شعبان المعظم
اجتمع القوم أوّل الليل ـ وكان صاحب البيت قد استعدّ للاحتفال بذكرى ميلاد الإمام أبي عبد الله الحسينعليهالسلام سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي يصادف ذلك اليوم فهيّأ الفواكه والحلويّات ، وبعد تناولها ، بدأ حضرة النوّاب عبد القيوم خان وقال :
أيها العلماء! اسمحوا لي بطرح سؤال قبل أن تدخلوا في موضوع الليلة الماضية ، والسؤال موجّه لسماحة السيد وأطلب منه الجواب.
قلت : أنا على أتمّ الاستعداد لذلك.
سؤال : حول علم عمر
النوّاب : اجتمع في بيتي صباح هذا اليوم كثير من الأصدقاء والأقرباء ، وكان بعضهم ممن لازم حضور مجالس البحث والحوار في كلّ الليالي الماضية ، وشرعوا بالحديث عن المناقشات والموضوعات التي طرحت فيها ، وأبدوا آراءهم في النتائج الحاصلة منها ، وكانت الصحف والمجلاّت التي نقلت تلك الأبحاث والمناظرات موجودة
عندهم يراجعونها عند الضرورة ، وكان كلام الحاضرين يدور حول المواضيع المطروحة. وإذا بولدي (عبد العزيز) ـ وهو طالب في إحدى المدارس الإسلاميّة ـ يقول : إنّ أستاذنا المعلّم ـ قبل أيّام ـ تكلم خلال الدرس عن الصحابة الذين برزوا وامتازوا في علم الفقه فذكر الخليفة عمر ، والإمام علي كرّم الله وجهه ، وعبد الله بن عبّاس ، وعبد الله بن مسعود ، وعكرمة ، وزيد بن ثابت (رضي الله عنهم) وقال بأن عمر بن الخطاب كان أبرزهم في علم الدين وأفقههم في أحكام الشرع المبين. حتى أنّ عليّ بن أبي طالب الذي اشتهر بعلمه وفقهه كان في بعض المسائل يتحيّر فيراجع الفاروق عمر بن الخطاب ويحصل على الجواب.
قال النواب : والجدير بالذكر أنّ أهل مجلسنا الحاضرين في داري كلهم أيّدوا ما نقله ولدي عن معلّمه ، وقالوا بأنّ علماءنا أيضا يقولون بذلك ، وهو ثابت عند كلّ المسلمين.
ولكنّي بقيت ساكتا متوقفا في الموضوع ، لأني جاهل وليس لي علم بالتاريخ والسيرة حتى أعرف صحّة مقال المعلم أو خطئه. لذلك وعدت ولدي والحاضرين أن أطرح هذا الموضوع هذه الليلة في مجلسنا هذا ، لكي نستفيد من محضر العلماء الحاضرين لا سيّما سماحة السيد المعظّم.
أفيدونا! جزاكم الله خير جزاء المحسنين.
قلت : كلام هذا المعلّم يثير تعجّبي ، ولكن العوام لا يؤاخذون في مثل هذه الأمور ، لأنّهم غالبا يسلكون طريق الإفراط والتفريط ، وهذا المعلم الجاهل سلك سبيل الغلوّ والإفراط ، لأنّه ادّعى ما لم يقله أحد من علمائكم ، حتى أنّ ابن حزم لمّا ذكر في بعض مقالاته هذا الأمر
المخالف للواقع ، خطّأه كبار علمائكم وردّوا عليه مقالته ، والجدير بالذكر أنّ عمر بن الخطّاب هو أيضا ما ادّعى هذا الأمر في حياته ، وربما لم يرض من أحد أن يقول ذلك.
نعم ذكر أكثر المؤرّخين سياسة عمر ، وإدارته وفطنته ، ولكنهم لم يذكروا فقهه وعلمه بأحكام الدين ، بل ذكروا أنّه جهل كثيرا من المسائل التي طرحت عليه وعجز عن الجواب ، فراجع فيها ابن مسعود أو الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام بالمدينة المنورة.
وقد قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة [أنّ عبد الله بن مسعود كان من فقهاء المدينة ، وكان عمر بن الخطّاب يصحبه معه ولا يفارقه ليرجع إلى رأيه في المسائل الفقهيّة.]
الشيخ عبد السلام : كأنّك تريد أن تقول بأنّ عمر الفاروق (رض) ما كان يعلم المسائل الفقهيّة والأحكام الشرعيّة فيحتاج الى ابن مسعود أو الإمام عليّ (رضي الله عنهما) ، وهذا ما لم نسمعه قبل اليوم.
قلت : أيها الشيخ لا تهرّج ولا تغالط ، فإنّي ما قلت بأنّ عمر ما كان يعلم المسائل الفقهيّة ، وإنّما قلت إنّه في كثير من المسائل كان يراجع الإمام عليّعليهالسلام أو ابن مسعود أو ابن عباس ، لأنّه كان يجهلها.
نعم أقول ولا أنكر ما قلت : أنّ عمر بن الخطاب كان يجهل كثيرا من المسائل والأحكام الدينيّة ، وهذا ليس من عندي بل ذكره كبار أعلامكم ، والجدير بالذكر ما رواه علماؤكم في الكتب المعتبرة والمصادر المنتشرة ، عن اعتراف الخليفة بذلك في قضايا جديرة ومناسبات كثيرة.
الشيخ عبد السلام : لو سمحت اذكر لنا من تلك القضايا
حتى نعرفها.
كلّ الناس أفقه من عمر حتى ربّات الحجال
لقد ذكر كثير من كبار علمائكم وأعلام محدثيكم ومفسريكم بطرق شتى وألفاظ مختلفة والمعنى واحد ، أن الخليفة عمر صعد المنبر في المسجد وخطب فقال : لا يبلغني أنّ امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ ارتجعت ذلك منها ، فردّت عليه امرأة قائلة : ما جعل الله لك ذلك ، إنّه تعالى قال في سورة النساء :( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ) (١) ؟.
فقال عمر [كل الناس افقه من عمر ، حتى ربّات الحجال! ألا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت؟!]
هذا نصّ ما رواه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١ / ١٨٢ ، ط إحياء الكتب العربية ، وأخرجه السيوطي في الدر المنثور : ج ٢ / ١٣٣ وابن كثير في تفسيره : ج ١ / ٣٦٨ ، والزمخشري في تفسير الكشّاف : ج ١ / ٣٥٧ ، والنيسابوري في غرائب القرآن : ج ١ / في تفسير الآية الكريمة ، والقرطبي في تفسيره : ج ٥ / ٩٩ ، وابن ماجه في السنن : ج ١ ، والسندي في حاشية السنن : ج ١ / ٥٨٣ ، والبيهقي في السنن : ج ٧ / ٢٣٣ ، والقسطلاني في إرشاد الساري : ج ٨ / ٥٧ ، والمتّقي في كنز العمال : ج ٨ / ٢٩٨ ، والحاكم النيسابوري في المستدرك : ج ٢ / ١٧٧ ، والباقلاني في التمهيد / ١٩٩ ، والعجلوني
__________________
(١) سورة النساء ، الآية ٢٠.
في كشف الخفاء : ج ١ / ٢٧٠ ، والشوكاني في فتح القدير : ج ١ / ٤٠٧ ، والذهبي في تلخيص المستدرك ، والحميدي في الجمع بين الصحيحين ، وابن الأثير في النهاية ، وغيرهم رووا بأسانيدهم عن طرق متعددة هذا الخبر وإن كانت ألفاظ بعضهم مختلفة ، ولكنّهم متفقون في المعنى.
فتحصّل من الخبر أنّ عمر كان جاهلا حتّى بالأحكام المنصوصة في القرآن الحكيم.
الشيخ عبد السلام : كلامكم مردود ، فإنّ الخليفة عمر (رض) كان عارفا بكتاب الله العزيز وكان حافظا لكثير من القرآن. وإنّما أراد من كلامه حمل الناس على العمل والالتزام بسنّة رسول الله (ص).
قلت : يا شيخ لقد اجتهد الخليفة فأخطأ ، وقد اعترف بخطئه ، وتراجع عن قوله ، وإنّ إصرارك لتصحيح خطأ الخليفة ذنب لا يغفر لأنّ الخليفة قد أخطأ جاهلا بالآية الكريمة ، ولمّا ردّت عليه المرأة ، قبل منها ، وتريد أنت تصحيح الخطأ بعد ما علمت أنّه مخالف لكتاب الله عزّ وجلّ.
ولا يخفى أنّ جهل الخليفة بكلام الله عزّ وجلّ لم ينحصر في هذا المورد ، بل هناك مورد آخر ، نقله أيضا كبار أعلامكم ، ورواه كل المؤرخين من غير استثناء.
إنكار عمر موت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
اتفق أصحاب الحديث والتاريخ أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لما توفّي أنكر عمر موته ، وكان يحلف بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ما مات ولا يموت ، فلو كان عمر يحفظ القرآن أو يتفكر فيه ، ما أنكر موت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لقوله
تعالى :( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) (١) وقوله سبحانه :( أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) (٢) .
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٢ / ٤٠ ، ط دار إحياء الكتب العربية :
وروى جميع أصحاب السيرة أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا توفي كان أبو بكر في منزله بالسّنح ، فقام عمر بن الخطّاب فقال [ما مات رسول الله صلى الله عليه ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كلّه ، وليرجعنّ فليقطّعنّ أيدي رجال وأرجلهم ممّن أرجف بموته ، لا أسمع رجلا يقول : مات رسول الله إلاّ ضربته بسيفي.]
فجاء أبو بكر وكشف عن وجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال : بأبي وأمّي! طبت حيّا وميّتا ، ثم خرج والناس حول عمر ، وهو يقول لهم : إنّه لم يمت ويحلف ، فقال له : أيها الحالف ، على رسلك! ثم قال : [من كان يعبد محمدا فإنّ محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت. قال الله تعالى :( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) (٣) .
وقال عزّ وجلّ :( أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) (٤) .
قال عمر : فو الله ما ملكت نفسي حيث سمعتها أن سقطت إلى الأرض ، وعلمت أنّ رسول الله صلى الله عليه قد مات.]
فإذا كان عمر تاليا لكتاب الله العزيز آناء الليل وأطراف النهار ، عارفا لرموز القرآن وتعاليمه ، ما أنكر موت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم جازما بحيث يحلف عليه ويهدّد من خالفه في معتقده بالسيف!!
__________________
(١) سورة الزمر ، الآية ٣٠.
(٣) سورة الزمر ، الآية ٣٠.
(٢) سورة آل عمران ، الآية ١٤٤.
(٤) سورة آل عمران ، الآية ١٤٤.
وأمّا جهله وعدم معرفته بأحكام الله سبحانه فمذكور أيضا في كتب أعلامكم. ولقد اشتهر عنه في ذلك قضايا كثيرة لم ينكرها أحد من علمائكم ، وأنا أذكر بعضها لينكشف الواقع للحاضرين.
لو لا عليّ لهلك عمر
[١] الزناة الخمسة
روى الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين قال : في خلافة عمر بن الخطّاب ، جاءوا بخمسة رجال زنوا بامرأة وقد ثبت عليهم ذلك. فأمر الخليفة برجمهم جميعا. فأخذوهم لتنفيذ الحكم ، فلقيهم الإمام علي بن أبي طالب وأمر بردّهم ، وحضر معهم عند الخليفة وسأله هل أمرت برجمهم جميعا؟ فقال عمر [نعم فقد ثبت عليهم الزنا ، فالذنب الواحد يقتضي حكما واحدا.
فقال عليّ : ولكن حكم كل واحد من هؤلاء الرجال يختلف عن حكم صاحبه.
قال عمر : فاحكم فيهم بحكم الله فإني سمعت رسول الله (ص) يقول «عليّ أعلمكم ، وعليّ أقضاكم».
فحكم الإمام عليّعليهالسلام بضرب عنق أحدهم ، ورجم الآخر ، وحدّ الثالث وضرب الرابع نصف الحدّ ، وعزّر الخامس.
فتعجّب عمر واستغرب فقال : كيف ذلك يا أبا الحسن؟!
فقال الإمام عليّ : أمّا الأوّل : فكان ذميّا ، زنى بمسلمة فخرج عن ذمّته ، والثاني : محصن فرجمناه ، وأمّا الثالث : فغير محصن فضربناه
الحدّ ، والرابع : عبد مملوك فحدّه نصف ، وأمّا الخامس : فمغلوب على عقله فعزّزناه.
فقال عمر : لو لا علي لهلك عمر ، لا عشت في أمّة لست فيها يا أبا الحسن!]
[٢] الزانية الحامل
ذكر كثير من أعلامكم منهم : أحمد في المسند ، والبخاري في الصحيح ، والحميدي في الجمع بين الصحيحين ، والقندوزي في الينابيع / باب الرابع عشر / عن مناقب الخوارزمي ، والفخر الرازي في الأربعين / ٤٦٦ ، والمحب الطبري في الرياض : ج ٢ / ١٩٦ وفي ذخائر العقبى / ٨٠ ، والخطيب الخوارزمي في المناقب / ٤٨ ، ومحمد بن طلحة العدوي النصيبي في مطالب السئول / الفصل السادس ، والعلاّمة محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب / آخر باب ٥٩ ، ـ والنصّ للأخير ـ قال [روي إنّ امرأة أقرّت بالزنا ، وكانت حاملا فأمر عمر برجمها ، فقال عليّعليهالسلام إن كان لك سلطان عليها فلا سلطان لك على ما في بطنها. فترك عمر رجمها(١) .]
__________________
(١) واخرج الكنجي في الباب قبل هذه القضيّة ، قضيّة أخرى قال [روي أنّ عمر أمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر ، فرفع ذلك إلى عليّعليهالسلام ، فنهاهم عن رجمها وقال : أقلّ مدّة الحمل ستة أشهر. فأنكروا ذلك. فقال : هو في كتاب الله تعالى ، قوله عزّ اسمه :( وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) ثم بيّن مدّة إرضاع الصغير بقوله :( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ) ، فتبيّن من مجموع الآيتين أنّ أقلّ مدة الحمل ستة أشهر ، فقال عمر : لو لا علي لهلك عمر.]
أقول : لقد اشتهر هذا القول من عمر في حق الإمام عليّ عليهالسلام في كتب أعلام
[٣] المجنونة التي زنت
وكذلك روى أحمد في المسند ، والمحب الطبري في ذخائر العقبى / ٨١ وفي الرياض / ١٩٦ ، والقندوزي في الينابيع / باب ١٤ ، وابن حجر في فتح الباري : ج ١٢ / ١٠١ ، وأبو داود في السنن : ج ٢ / ٢٢٧ ، وسبط ابن الجوزي في التذكرة تحت عنوان [فصل في قول عمر بن الخطاب : أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن] ، وابن ماجة في السنن : ج ٢ / ٢٢٧ ، والمناوي في فيض القدير : ج ٤ / ٣٥٧ ، والحاكم في المستدرك : ج ٢ / ٥٩ ، والقسطلاني في إرشاد الساري : ج ١٠ / ٩ ، والبيهقي في السنن : ج ٦ / ٢٦٤ ، والبخاري في صحيحه باب لا يرجم المجنون والمجنونة ، هؤلاء وغيرهم من كبار أعلامكم رووا بأسانيدهم من طرق شتى قالوا [أتي عمر (رض) بامرأة قد زنت فأمر برجمها فذهبوا ليرجموها فرآهم الإمام عليّعليهالسلام في الطريق ، فقال : ما شأن هذه؟ فأخبروه فأخلى سبيلها ، ثم جاء إلى عمر فقال له : لم رددتها؟ فقالعليهالسلام : لأنّها معتوهة آل فلان ، وقد قال رسول الله (ص) :
__________________
العامّة حتى كاد أن يكون من المتواترات المسلّم صدورها منه ، حتى أنّ سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص فتح فصلا بعنوان : (فصل في قول عمر [أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن ، وما ورد في هذا المعنى) ثم نقل قضايا كثيرة حكم فيها الإمام عليعليهالسلام ، كان عمر يجهلها ولذا كرّر قوله : لو لا علي لهلك عمر] أو ما بمعناه. «المترجم»
«رفع القلم عن ثلاث : عن النائم حتى يستيقظ والصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق». فقال عمر : لو لا علي لهلك عمر(١) .]
ولقد ذكر ابن السّمّان في كتابه «الموافقة» روايات كثيرة من هذا القبيل فيها قد أخطأ عمر في الحكم ، حتى وجدت في بعض الكتب قريبا من مائة قضيّة من هذا القبيل ، ولكن ما نقلناه من كتب الأعلام يكفي لإثبات المرام.
وإنّما نقلت هذه الروايات ، تبيانا للحق وكشفا للحقيقة ، حتى يعرف حضرة النوّاب وابنه عبد العزيز وذلك المعلّم الذي زعم كذبا وادّعى باطلا ، ويعرف الذين أيّدوا مقال المعلم الجاهل وصدّقوه عن جهلهم ، ويعرف الحاضرون أجمع ، بأنّ الخليفة عمر بن الخطّاب ربّما كان عارفا بالسياسة وإدارة البلاد وتسيير العباد ، ولكن ما كان عالما بالفقه والأحكام الدينيّة وما كان عارفا بدقائق كلام الله العزيز وحقائق كتابه المجيد(٢) .
__________________
(١) ذكر هذه القضيّة ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٢ / ٢٠٥ ، ط إحياء الكتب العربي ذكرها ضمن المطاعن الواردة على عمر ، قال [الطعن الثالث ، خبر المجنونة التي امر برجمها ، فنبّهه أمير المؤمنينعليهالسلام وقال «إنّ القلم مرفوع عن المجنون حتى يفيق». فقال عمر : لو لا علي لهلك عمر]. وذكر بحثا طويلا في الموضوع ، فراجع.
«المترجم»
(٢) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١ / ١٨١ ، دار إحياء الكتب العربية [وكان عمر يفتي كثيرا بالحكم ثم ينقضه. ويفتي بضدّه وخلافه.]
وروى في ج ١٢ قضايا تدل على عدم فهمه لدقائق القرآن الكريم. فقال في صفحة ١٥ [مرّ عمر بشاب من الأنصار وهو ظمآن فاستسقاه ، فخاض له عسلا ،
__________________
فردّه ولم يشرب وقال : إنّي سمعت الله سبحانه يقول :( أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها ) الأحقاف : ٢٠ ، فقال الفتى : إنها والله ليست لك ، فاقرأ يا أمير المؤمنين ما قبلها :( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ) الخ ، أفنحن منهم! فشرب وقال : كل الناس أفقه من عمر!] وروى في صفحة ١٧ قال [وكان يعسّ ليلة فمرّ بدار سمع فيها صوتا ، فارتاب وتسوّر ، فرأى رجلا عند امرأة وزقّ خمر ، فقال : يا عدوّ الله ، أظننت أنّ الله يسترك وأنت على معصية! فقال : لا تعجل يا أمير المؤمنين! ان كنت اخطأت في واحدة فقد أخطأت [أنت] في ثلاث : قال الله تعالى :( وَلا تَجَسَّسُوا ) الحجرات : ١٢ ، وقد تجسّست.
وقال : ( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) البقرة : ١٨٩. وقد تسوّرت.
وقال : ( فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا ) النور : ٦١. وما سلّمت. فقال : هل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال : نعم ، والله لا أعود. فقال : اذهب فقد عفوت عنك.
وروى في صفحة ٣٣ قال [خرج عمر يوما إلى المسجد وعليه قميص في ظهره أربع رقاع ، فقرأ «سورة عبس» حتى انتهى إلى قوله : ( وَفاكِهَةً وَأَبًّا ) فقال : ما الأبّ؟
ثم قال : إنّ هذا لهو التكلّف! وما عليك يا ابن الخطّاب ألاّ تدري ما الأب؟!]
وقال في صفحة ٦٩ : أسلم غيلان بن سلمة الثقفي عن عشر نسوة ، فقال له النبي (ص) [اختر منهنّ أربعا وطلّق ستا ، فلمّا كان على عهد عمر طلّق نساءه الأربع ، وقسّم ماله بين بنيه ، فبلغ ذلك عمر. فأحضره فقال له : إنّي لأظنّ الشيطان فيما يسترق من السمع ، سمع بموتك فقذفه في نفسك ، ولعلّك لا تمكث إلاّ قليلا! وأيم الله لتراجعن نساءك ، ولترجعنّ في مالك ، أو لأورّثنهنّ منك ، ولآمرنّ بقبرك فيرجم ، كما رجم قبر أبي رغال.]
ولقد اتّفق جلّ علماء الاسلام أو كلّهم ، وثبت بالدلائل الواضحة والشواهد اللائحة أنّ أمير المؤمنين علياعليهالسلام أعلم أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأقضاهم وأعرفهم بالفقه وأحكام الدين. وصرّح بهذا الرأي كثير من علماء السّنّة وأعلامهم ، منهم : العلاّمة نور الدين بن صبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة / الفصل الثالث في ذكر شيء من
__________________
أقول : لا أدري بأيّ دليل من القرآن والسّنّة أصدر هذا الحكم؟! ولا يخفى أنّ حكمه مخالف لحكم الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ونقل في صفحة ١٠٢ قال [وجاء رجل إلى عمر ، فقال : إنّ ضبيعا التميمي لقينا فجعل يسألنا عن تفسير حروف من القرآن. فقال : اللهم أمكني منه ، فبينا عمر يوما جالس يغدّي الناس إذ جاءه الضبيع وعليه ثياب وعمامة ، فتقدّم فأكل ، حتى إذا فرغ ، قال : يا أمير المؤمنين ما معنى قوله تعالى :( وَالذَّارِياتِ ذَرْواً* فَالْحامِلاتِ وِقْراً ) ؟ سورة الذاريات : ١ و ٢.
قال : ويحك أنت هو فقام إليه فحسر عن ذراعيه ، فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته ، فإذا له ضفيرتان ، فقال : والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك ، ثم أمر به فجعل في بيت [أي حبسه] ثم كان يخرجه كلّ يوم فيضربه مائة ، فإذا أبرأ أخرجه فضربه مائة أخرى ، ثم حمله على قتب وسيّره إلى البصرة ، وكتب إلى أبي موسى يأمره أن يحرّم على الناس مجالسته ، وأن يقوم في الناس خطيبا ، ثم يقول : إنّ ضبيعا قد ابتغى العلم فأخطأه ، فلم يزل وضيعا في قومه وعند الناس حتى هلك ، وقد كان من قبل سيّد قومه.]
أقول : ليت شعري بأيّ حق عامل الرجل بهذه القسوة!! وبأيّ مستند شرعيّ أو عرفيّ حكم على الضبيع بالنفي من بلده وقومه؟! وذلّله بعد أن كان سيّدا عزيزا ، أكان يحق لعمر ذلك؟ أكان الضبيع يستحق ذلك الضرب والهتك والتبعيد و..؟!! «المترجم»
علومه قال : فمنها علم الفقه الذي وهو مرجع الأنام ومنبع الحلال والحرام ، فقد كان عليّ مطّلعا على غوامض أحكام الإسلام ، منقادا له جامحه بزمامه ، مشهودا له فيه بعلوّ محلّه ومقامه. ولهذا خصّه رسول الله (ص) بعلم القضاء ، كما نقله الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي رحمة الله عليه في كتابه المصابيح ، مرويّا عن أنس بن مالك أنّ رسول الله (ص) لمّا خصّص جماعة من الصحابة كلّ واحد بفضيلة خصّص عليا بعلم القضاء ، فقال صلى الله عليه وسلّم «وأقضاكم عليعليهالسلام ».
وروى هذا الحديث أيضا محمد بن طلحة العدوي في كتابه مطالب السئول / الفصل السادس / قال : ومن ذلك ـ أي الأحاديث الواردة في علم الإمام علي ـ ما نقله القاضي الإمام أبو محمد الحسين ابن مسعود البغوي : أنّ رسول الله (ص) خصّص جماعة من الصحابة كلّ واحد بفضيلة وخصّص عليّا بعلم القضاء. فقال «وأقضاهم عليعليهالسلام ».
قال محمد بن طلحة : وقد صدع بالحديث بمنطوقه وصرّح بمفهومه أنّ أنواع العلم وأقسامه قد جمعها رسول الله (ص) لعليّعليهالسلام دون غيره. وبعد تفصيل الحديث والخبر قال في أواخر الصفحة : فالنبي (ص) قد أخبر بثبوت هذه الصّفة العالية لعليّعليهالسلام مع زيادة فيها على غيره بصيغة (أفعل التفضيل) ولا يتّصف بها إلاّ بعد أن يكون كامل العقل ، صحيح التمييز ، جيّد الفطنة ، بعيدا عن السهو والغفلة ، يتوصّل بفطنته إلى وضوح ما أشكل وفصل ما أعضل ، ذا عدالة تحجزه أن يحوم حول حمى المحارم ، ومروّة تحمله على محاسن الشّيم ومجانبة
الدنايا ، صادق اللهجة ظاهر الأمانة ، عفيفا على المحظورات ، مأمونا في السخط والرّضا ، عارفا بالكتاب والسنّة ، والاتّفاق والاختلاف ، والقياس ولغة العرب بحيث يقدّم المحكم على المتشابه والخاص على العام والمبيّن على المجمل والناسخ على المنسوخ وبعد تفصيل وشرح مبسّط للعلوم اللازمة للقضاء ، قال : فظهر لك أيّدك الله تعالى أنّ رسول الله (ص) حيث وصف علياعليهالسلام بهذه الصفة العالية بمنطوق لفظه المثبت له فضلا فقد وصفه بمفهومه بهذه العلوم المشروحة المتنوّعة الأقسام فرعا وأصلا ، وكفى بذلك دلالة لمن خصّ بهديّة الهداية قولا وفعلا على ارتقاء عليّعليهالسلام في مناهج معارج العلوم إلى المقام الأعلى الخ.
والجدير بالذكر أنّ عمر بن الخطاب ـ الذي يحسبه الجاهلون المتعصّبون أمثال ذاك المعلم ومؤيّديه بأنّه أفقه وأعلم من الإمام عليعليهالسلام ـ قد أعلن كرّات ومرّات وقال [لو لا علي لهلك عمر] أو بعبارات اخرى تتضمّن نفس المعنى ، حتى أنّ كبار علمائكم قالوا [أنّ عمر في سبعين موضع حينما عجز عن الفصل والقضاء راجع علي بن أبي طالب ، ولمّا حكم في القضيّة وبيّن الدلائل الشرعيّة والعقليّة في حكمه وقضائه ، قال عمر : لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن.]
ولقد قال أحمد بن حنبل في المسند ، ومحبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى كما نقل عنهما الحافظ القندوزي في ينابيع المودّة / باب ٥٦ ، وكذلك في كتاب الرياض النضرة للطبري أيضا : ج ٢ / ١٩٥ ، رووا أنّ معاوية قال [إنّ عمر بن الخطاب إذا أشكل عليه شيء أخذ من علي بن أبي طالب.
ونقل أبو الحجاج البلوي في كتابه «الف باء» ج ١ / ٢٢٢ قال : لما وصل معاوية خبر قتل عليّعليهالسلام ، قال : لقد ذهب الفقه والعلم بموت علي بن أبي طالب.]
وهكذا يروى عن سعيد بن المسيب أنّه قال [كان عمر (رض) يتعوّذ من معضلة ليس لها أبو الحسن(١) .]
__________________
(١) هذا الخبر ذكره جمع كثير من علماء العامة وأعلامهم منهم :
الحاكم النيسابوري في المستدرك رواه عن سعيد بن المسيّب ورواه عنه أيضا ابن عبد البرّ في الاستيعاب : ج ٢ / ٤٨٤ ، ورواه محب الدين الطبري في ذخائر العقبى / ٨٢ ، فإنّه بعد ما ذكر مراجعة عمر بن الخطاب إلى الإمام علي عليهالسلام في حكم المرأة التي ولدت لستة أشهر ، قال : وعن سعيد بن المسيّب أنّه قال [كان عمر يتعوّذ من معضلة ليس لها أبو الحسن.] قال الطبري : أخرجه أحمد بن حنبل وأبو عمر.
وروى العلامة سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص مسائل وقضايا شتى راجع فيها عمر علياعليهالسلام وأخذ منه حكمها ، وذكرها في فصل بعنوان : (فصل في قول عمر ابن الخطاب [أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن ، وما ورد في هذا المعنى) فنقل في أوله مقال سعيد بن المسيّب عن كتاب «الفضائل» لأحمد بن حنبل ، ثم نقل قضايا ، قال عمر في إحداها [لو لا عليّ لهلك عمر.
وقال في اخرى : اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب.
وقال في أخرى : لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب.
ونقل المتقي في كنز العمال : ج ٣ / ٥٣ ، عن عمر أنّه قال : اللهم لا تنزل بي شدّة إلاّ وأبو الحسن إلى جنبي.]
وروى الطبري أيضا في ذخائر العقبى / ٨٢ ، مراجعة عمر في قضاياه المعضلة وأموره المشكلة ، ثم قوله [اللهم لا تنزلنّ بي شديدة إلاّ وأبو الحسن إلى جنبي ، وذكر أنّ عمر كان يقول لعليّ إذا سأله ففرّج عنه : لا أبقاني الله بعدك يا علي.]
وقال الطبري : وعن أبي سعيد الخدري أنّه سمع عمر يقول لعلي ـ وقد سأله عن معضل فأجابه ـ [أعوذ بالله أن أعيش في يوم لست فيه يا أبا الحسن.]
والعبارات في هذا المعنى كثيرة جدا. «المترجم»
وقال أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي في شرح «الفتح المبين» : [كانت الصحابة (رضي الله عنهم) يرجعون إليه ـ أي إلى عليّعليهالسلام ـ في أحكام الكتاب ويأخذون عنه الفتاوى ، كما قال عمر بن الخطاب (رض) في عدّة مواطن : لو لا علي لهلك عمر.]
وقال النبي (ص) «أعلم أمّتي علي بن أبي طالب».
فتحصّل من كتب التاريخ والسير أنّ عمر بن الخطّاب كان ضعيفا في الفقه وعلم الأحكام ، لذلك كان في أغلب القضايا يراجع من حضره من الصحابة العارفين بالفقه وأحكام الشريعة. وربّما اشتبه في المسائل الدينيّة والأحكام الشرعيّة التي كان يعرفها أكثر المسلمين ، فكان الحاضرون ينبّهونه ويرشدونه إلى الصواب.
الشيخ عبد السلام : لا نسمح لك أن تتكلّم هكذا على خليفة المسلمين وتنسب إليه الجهل والاشتباه ، نحن لا نتحمل منكم هذا التجاسر ، ولا شك أنّ كلامكم بعيد عن الصواب ، وقائله مفتر كذّاب!!
قلت : على مهلك يا شيخ! قف عند حدّك ولا تهرّج ، تريد بهذا الكلام أن تحرّك أحاسيس الحاضرين من أهل السنّة ، ولكنّهم عرفوا في الليالي السالفة والمناقشات الماضية بأنّي لا أتكلم بغير دليل وبرهان ، وهذه المرة كالمرّات الأخرى ، إنّما قلت ما قلت من كتب كبار علمائكم ومسانيد أعلامكم ، فإن كان في كلامي تجاسر على عمر فليس مني بل من علمائكم ، وإن كان الكلام بعيدا عن الصواب ، وقائله مفتر كذّاب ـ كما زعمت ـ فقائله بعض أعلامكم وأئمتكم.
الشيخ عبد السلام : هذا الكلام غير مقبول ، ولا أظن قائله إلاّ
أحد المردودين غير المعتبرين لدى عامّة أهل السّنّة ، والجدير أنّك لمّا تنقل خبرا في إثبات كلامك ، تقول : نقله أعلامكم وأئمتكم ، ولم تذكر اسم القائل ، فنراه ليس من أعلامنا وأئمتنا ، بل هو كاتب سنيّ غير معتبر ، ولا يعتمد أعلامنا على كتابه ، لذلك أنا لا أقبل منك نقل الرواية والخبر في هذا الموضوع إلاّ من الأئمة الأعلام الذين نرجع إليهم في أمور ديننا ، كأصحاب الصحاح والمسانيد أو السنن التي نعتمد عليها.
قلت : لقد أسهبت في البيان وذربت باللسان وقضيت خلاف الحق والوجدان ، وأنا أترك التحكيم للحاضرين لا سيما أهل العلم والإيمان ، ولكي تعرف زيف كلامك وتعلم صدق مقالي ، أذكر لكم من الكتب التي تقبلونها وتعتمدون عليها في أمور الدين والمذهب من الصحاح والمسانيد المعتبرة لديكم ، أذكر اشتباها واحدا من عشرات الاشتباهات التي ارتكبها الخليفة عمر بن الخطاب مضافا إلى ما مرّ ، وأكتفي بذلك رعاية للوقت.
عمر : لا يعرف التيمّم وأحكامه!!
جاء في صحيح مسلم / باب التيمّم ، وذكره أيضا الحميدي في كتابه الجمع بين الصحيحين ، وأحمد بن حنبل في مسنده ج ٤ / ٢٦٥ و ٣١٩ ، والبيهقي في السنن : ج ١ / ٢٠٩ ، وأبو داود في السنن : ج ١ / ٥٣ ، وابن ماجة في السنن : ج ١ / ٢٠٠ ، والنسائي في السنن : ج ١ / ٥٩ الى ٦١ ، هؤلاء كلّهم عندكم من الأئمة والأعلام المعتمد عليهم في مسائل الحلال والحرام وجميع أحكام الإسلام ، وذكر
أيضا جمع كثير من علمائكم الكرام غير هؤلاء ذكروا بأسانيدهم عن طرق كثيرة رووا بألفاظ مختلفة والمعنى واحد ، وأنقله من صحيح مسلم / كتاب الطهارة / في باب التيمّم / روى بسنده عن عبد الرحمن بن أبزي [أنّ رجلا أتى عمر فقال : إنّي أجنبت فلم أجد ماء. فقال : لا تصلّ.]
فقال عمّار [أما تذكر يا أمير المؤمنين! إذ أنا وأنت في سريّة فأجنبنا فلم نجد ماء. أمّا أنت فلم تصلّ وأمّا أنا فتمعّكت في التراب ـ وفي صحيح النسائي / باب التيمم : فتمرّغت في التراب ـ فصلّيت.
فقال النبي (ص) «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفّيك».
فقال عمر : اتّق الله يا عمّار! قال : إن شئت لم أحدّث به.]
فمن هذا الخبر يظهر زيف كلام ذلك المعلم الجاهل وبطلان زعمه ومدّعاه بأنّ عمر أحد الفقهاء الكبار ، إذ كيف يمكن لفقيه لازم صحبة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم طيلة أعوام ، وسمع منهصلىاللهعليهوآلهوسلم أحكام الاسلام ، وتلا كلام الله العزيز في القرآن حيث يقول :( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (١) .
فيفتي بترك الصلاة الواجبة ، عند فقدان الماء!!
هل يصحّ أن يقال لهكذا مفتي أنه فقيه أو عالم بأحكام الدين؟! والجدير بالذكر ، أنّ مسئلة التيمّم من المسائل المبتلى بها في المسلمين ، فلذا يعرفها حتى عوام المسلمين والسّوقيين منهم الملتزمين بالصلاة
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٦.
والعبادة ، فكيف بأصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ وكيف بحاكم المسلمين؟!
ليس لأحد أن يقول بأنّ عمر كان متعمّدا في فتواه بترك الصلاة ، أو كان يقصد تبديل حكم الله والإخلال أو التغيير في دين الله سبحانه ، ولكن لنا أن نقول : بأنّه ما كانت له الإحاطة الكافية بجميع أحكام الدين ومسائل الشّرع المبين ، وكم فرق بينه وبين من كان محيطا بجميع مسائل الإسلام وأحكام العبادات والحلال والحرام ، وكان سريع الجواب حتى في جزئيّات الأحكام ، ولا يخفى عليه شيء من أمور الدين صغيرا كان أو كبيرا؟!
الشيخ عبد السلام : ما كان أحد غير رسول الله (ص) يتصف بصفة أنه لا يخفى عليه شيء من أمور الدين صغيرا كان أو كبيرا.
قلت : نعم بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما كان أحد من الصحابة يتصف بهذه الصفة العظمى ، إلاّ باب علمه ووارث مقامه علي بن أبي طالبعليهالسلام ولذلك خاطب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أصحابه قائلا «أعلمكم عليّ».
إحاطة الإمام عليّعليهالسلام بالعلوم
روى العلاّمة موفق بن أحمد الخوارزمي في كتابه المناقب بأنّ يوما سأل الخليفة عمر بن الخطاب ، الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام إذ رآه يجيب سريعا على كل ما يسأل بغير تأنّ وتفكّر. فقال [يا علي! كيف تجيب على المسائل سريعا بالبداهة من غير تفكير؟!
فبسط عليعليهالسلام كفّه وسأله : كم عدد أصابع الكف؟ فأجاب عمر سريعا من غير تأخير : خمسة.
فقال له عليّ : كيف أسرعت في الجواب من غير تفكير؟
فأجاب عمر : إنّه واضح ، لا يحتاج إلى تفكير.
فقال عليعليهالسلام : اعلم أنّ كل شيء عندي واضح بهذا الوضوح فلا أحتاج إلى تفكير في جواب أي سؤال(١) .]
__________________
(١) لا يشك المحقق البصير والمدقق الخبير ، بأنّ أحدا من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يقاس بالإمام عليّعليهالسلام في العلم والمعرفة ، فهو أعلمهم قاطبة وكلهم كانوا يحتاجون إليه في علم الدين وكانوا يراجعونه في المسائل والأحكام وكان غنيّا عنهم ، روى العلاّمة القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة / الباب الرابع عشر في غزارة علمهعليهالسلام ، روايات كثيرة في هذا المعنى وكلها من الكتب المعتبرة لدى العامّة.
فقال : وعن الكلبي ، قال ابن عباس [علم النبي (ص) من علم الله سبحانه وعلم عليّ من علم النبي (ص) ، وعلمي من علم عليّ. وما علمي وعلم الصحابة في علم عليّ إلاّ كقطرة في سبعة أبحر.]
وفي أواخر الباب روى عن المناقب ، عن عمّار بن ياسر (رض) قال [كنت مع أمير المؤمنين عليهالسلام سائرا فمررنا بواد مملوءة نملا. فقلت : يا أمير المؤمنين ترى أحدا من خلق الله تعالى يعلم عدد هذا النمل؟
قال : نعم يا عمار ، أنا أعرف رجلا يعلم عدده ، ويعلم كم فيه ذكر وكم فيه أنثى.
فقلت من ذلك الرجل؟
فقال : يا عمار ما قرأت في سورة يس ، الآية ١٢ : ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ) !
فقلت : بلى يا مولاي ، قال : أنا ذلك الإمام المبين.]
وروى أيضا عن أبي ذر (رض) قال [كنت سائرا مع عليّ عليهالسلام ، إذ مررنا بواد نمله كالسيل ، فقلت : الله أكبر جلّ محيصه فقال عليهالسلام : لا تقل ذلك ، ولكن قل جلّ بارؤه.
فو الذي صوّرني وصوّرك ، إنّي أحصي عددهم ، وأعلم الذكر منهم والأنثى بإذن الله عزّ وجلّ.]
أيّها القارئ الكريم : الروايات في باب إحاطة علم الإمام عليّ عليهالسلام بالأشياء كثيرة في كتب الفريقين ، وقد ذكرت نموذجا منها. «المترجم»
اعتراف معاوية وإقراره بعلم الإمام عليّعليهالسلام
لقد تذكّرت الآن خبرا أنقله للحاضرين الكرام من باب :
(وفضائل شهد العدوّ بذكرها |
والفضل ما شهدت به الأعداء) |
نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، وابن حجر في الصواعق المحرقة / ١٠٧ طبع المطبعة الميمنيّة بمصر / قال : وأخرج أحمد [بن حنبل] : [أنّ رجلا سأل معاوية عن مسئلة ، فقال : اسأل عنها عليّا فهو أعلم.
فقال : يا أمير المؤمنين! جوابك فيها أحبّ إليّ من جواب علي.
قال : بئسما قلت ، لقد كرهت رجلا كان رسول الله (ص) يعزه بالعلم عزا ، ولقد قال له : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ، وكان عمر إذا أشكل عليه شيء أخذ منه ، قال ابن حجر : وأخرجه آخرون بنحوه(١) .]
عجز عمر في حلّ المعضلات وخضوعه لعليّعليهالسلام
نقل جمع من أعلامكم وكبار علمائكم منهم العلاّمة نور الدين
__________________
(١) وذكر ابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة : ٢٤ و ٢٥ ، طبع دار إحياء الكتب العربية [ولمّا قال محفن بن أبي محفن لمعاوية : جئتك من عند أعيا الناس ـ وقصد علياعليهالسلام ـ قال له :
ويحك! كيف يكون أعيا الناس! فو الله ما سنّ الفصاحة لقريش غيره.]
«المترجم»
المالكي في كتابه الفصول المهمة / ١٨ ، في القسم الثالث من الفصل الأول / ونسب الكلام المرموز إلى رجل مجهول. ولكن العلاّمة الكنجي الشافعي روى بإسناده في كتاب كفاية الطالب / الباب السابع والخمسون عن حذيفة بن اليمان أنّه لقي عمر بن الخطّاب فقال له عمر [كيف أصبحت يا ابن اليمان؟ فقال : كيف تريدني أصبح؟! أصبحت والله أكره الحق ، وأحبّ الفتنة ، وأشهد بما لم أره ، وأحفظ غير المخلوق ، وأصلّي على غير وضوء ، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء. فغضب عمر لقوله وانصرف من فوره وقد أعجله أمر وعزم على أذى حذيفة لقوله ذلك.
فبينا هو في الطّريق إذ مرّ بعلي بن أبي طالب ، فرأى الغضب في وجهه ، فقال : ما أغضبك يا عمر؟!
فقال : لقيت حذيفة بن اليمان فسألته كيف أصبحت؟ فقال : أصبحت أكره الحق ، فقالعليهالسلام : صدق ، يكره الموت وهو حق.
فقال : يقول : وأحب الفتنة ، قال (ع) : صدق ، يحب المال والولد ، وقد قال الله تعالى :( أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) (١) . فقال : يا علي يقول : واشهد بما لم أره. فقالعليهالسلام : صدق ، يشهد لله بالوحدانيّة والموت والبعث والقيامة والجنة والنار والصراط ولم ير ذلك كلّه. فقال : يا علي وقد قال : إنّني أحفظ غير المخلوق ، قالعليهالسلام : صدق ، يحفظ كتاب الله تعالى القرآن وهو غير مخلوق ، قال : ويقول : أصلّي على غير وضوء. فقالعليهالسلام : صدق ، يصلّي على ابن عمّي رسول الله (ص) على غير وضوء ، وهي جائزة.
فقال : يا أبا الحسن قد قال : أكبر من ذلك ، فقال (ع) : وما هو؟
__________________
(١) سورة الأنفال ، الآية ٢٨.
قال : قال : إنّ لي في الأرض ما ليس لله في السماء. قالعليهالسلام : صدق ، له زوجة ، وتعالى الله عن الزوجة والولد.
فقال عمر : كاد يهلك ابن الخطاب لو لا علي بن أبي طالب.
ثم قال العلاّمة الكنجي : هذا ثابت عند أهل النقل ذكره غير واحد من أهل السّير.]
وقد روى العلماء أخبارا كثيرة وقضايا عسيرة من هذا القبيل كانت تحدث في خلافة الشيخين أبي بكر وعمر ، فكانا يعجزان عن حلّها وفهمها فكانا يرجعان بها إلى الإمام عليّعليهالسلام فيعطيهم الجواب ، لا سيما المسائل التي كان يطرحها علماء اليهود والنصارى والماديّون ، فكانت معضلات علميّة ومشكلات كلاميّة لم يتمكن أحد من الصحابة ردّها والإجابة عليها بالصواب إلاّ سيد الوصيين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ولقد روى أكثر أعلامكم وكبار علمائكم في كتبهم بعض تلك القضايا منهم : البخاري ومسلم في الصحيحين ، والنيسابوري في التفسير ، وابن المغازلي في المناقب ، ومحمد بن طلحة العدوي في الباب الرابع من كتابه مطالب السّئول ، والحميدي في الجمع بين الصحيحين ، وأحمد بن حنبل في المسند ، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمة : ص ١٨ ، وابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب / ٣٣٧ ، طبع حيدرآباد ، وفي الإصابة ج ٢ / ٥٠٩ ، طبع مصر ، والقاضي روزبهان في إبطال الباطل ، والمحب الطبري في الرياض النضرة : ج ٢ / ١٩٤ ، وابن الأثير الجزري المتوفّى سنة ٣٦٠ هجرية في أسد الغابة : ج ٤ / ٢٢ ، وابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هجرية في كتابه تأويل مختلف الحديث : ٢٠١ ـ ٢٠٢ طبع مصر ،
وابن عبد البر القرطبي في الاستيعاب ج ٢ / ٤٧٤ وج ٣ / ٣٩ ، وابن كثير في تاريخه : ج ٧ / ٣٥٩ ، والسيوطي في تاريخ الخلفاء : ٦٦ ، والسيد مؤمن الشبلنجي في نور الأبصار : ص ٧٣ ، والعلاّمة السمهودي في جواهر العقدين ، والحاج أحمد أفندي في هداية المرتاب / ١٤٦ و ١٥٢ ، والشيخ محمد الصبّان في إسعاف الراغبين : ص ١٥٢ ، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص في الباب السادس ، وابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة ، والمولى علي القوشچي في شرح التجريد : ص ٤٠٧ ، والخوارزمي في المناقب / ٤٨ و ٦٠ ، وابن حجر في الصواعق المحرقة : ص ١٠٧ طبع المطبعة الميمنيّة بمصر ، والعلاّمة ابن قيّم الجوزية في كتاب الطرق الحكمية / ٤٧ و ٥٣ ، تجد في هذه المصادر قضايا عسيرة ومشاكل كثيرة راجع فيها الشيخان أيام خلافتهما ، عليّاعليهالسلام وهو حكم فيها ، وخاصّة عمر بن الخطاب ، فقد كان يقول عبارته المشهورة بعد كل معضلة حلّها الإمام عليّعليهالسلام [أعوذ بالله من معضلة ليس فيها أبو الحسن ، ويقول في بعضها الآخر : لو لا علي لهلك عمر. وقوله : كاد يهلك ابن الخطاب لو لا علي بن أبي طالب.]
ولقد تحصّل من هذه الأخبار أنّهم كانوا يحتاجون إلى الإمام عليعليهالسلام لحلّ القضايا والحكم فيها ، وكانوا يحتاجون إلى رأيه وقضائه في فصل النزاع والتخاصم ، وبحكم العقل ونظر العقلاء فإنّ الأعلم مقدّم على غيره وهو أحقّ أن يتّبع ، وقال الله سبحانه :( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (١) ؟
__________________
(١) سورة يونس ، الآية ٣٥.
وقال عزّ وجلّ :( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (١) ؟
فهل كان من الحق والإنصاف أن يتقدّموا على الأعلم والأفضل والأحق وأن يؤخّروا من قدّمه الله تعالى وفضّله على غيره؟!
الإمام عليعليهالسلام وخلافة من سبقوه
الشيخ عبد السلام : لا ينكر أحد فضائل ومناقب سيدنا عليّ كرّم الله وجهه إلاّ معاند متعصّب أو جاهل متعنّت. ولكن ثبت عند أهل العلم والتحقيق أيضا بأنّ عليا رضي بخلافة الراشدين وسلّم الأمر إليهم وبايعهم بالطوع والرغبة ، فليس لنا بعد ذلك ولا يصحّ منّا أن نجدّد ذكر الحوادث التي تبعث الاختلاف بين المسلمين وتشبّ نار الفرقة والنزاع بين المؤمنين.
أليس من الأفضل أن ننسى الماضي ونترك هذه الأبحاث ونتّحد مع بعض ونتّبع الواقع ونخضع للتاريخ؟
فلا ينكر أحد من أهل العلم والاطّلاع أنّ الخلافة ثبتت لأبي بكر ، وبعده استقرّت لعمر بن الخطاب ، وبعده تعيّن عثمان بن عفّان لها. فمع تسليمنا وخضوعنا لمقام سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه وتفوّقه العلمي والعملي وقرابته من رسول الله (ص) وجهاده ، ندعوكم أن تخضعوا أيضا لخلافة الراشدين قبل الامام عليّ حتى نحسبكم مثل أحد المذاهب الأربعة المؤيدة من قبل عامّة المسلمين.
وقلت : بأننا لا ننكر تفوّق سيدنا عليّ كرّم الله وجهه في العلم والعمل ولكن أظنكم تصدّقوني بأنّ أبا بكر (رض) كان أولى بالخلافة
__________________
(١) سورة الزمر ، الآية ٩.
لكبر سنّه ، وكثرة تجاربه ، وعلمه بالسياسة ، وإدارة الأمور ، ولوجود هذه الامتيازات فيه أجمعوا على خلافته ، فإنّ سيدنا عليّ كرم الله وجهه كان حينذاك شابا غير محنّك في أمور السياسة والإدارة ، وحتى من بعد وفاة رسول الله (ص) بخمسة وعشرين عام لمّا بايعوه بالخلافة لم يستقر له الأمر لعدم سياسته وحدثت في أيّامه حروب طاحنة بين المسلمين فسفكت الدّماء وزهقت النفوس ، كل ذلك بسبب خطئه في الإدارة والسياسة.
قلت : لقد خلطت الحابل بالنابل ، وضربت السليم بالسّقيم ، فلا بدّ لي أن أميّز بين كلامك ، وأضع كل جملة في موضعها وأجيبك عليها.
مثل مناسب ولا مناقشة في الأمثال
أولا : لقد جاء في الأمثال : أنّ عجوزا طلبت من ولدها ـ وكان سارقا ـ أن يأتي لها بكفن من كسب حلال.
فجاء الولد وهو شاب قويّ إلى بيّاع الأكفان ـ وكان شيخا ضعيفا ـ قريبا من بيت العجوز ، فأخذ منه كفنا ولم يعطه الثمن ، ولمّا أراد أن يذهب ، طالبه صاحب الكفن بالثمن ، فقال السارق : ليس عندي ثمنه وأريد منك أن تحلّه لي.
فقال الشيخ : لا أحلّه. إمّا أن تعطي الثمن أو تردّ الكفن! فغضب السارق وأخذ بتلابيب الشيخ وضربه حتى سقط على الأرض وبدأ يركله برجله ، ويسحقه بأقدامه ، ويقول : هبني الثمن وحلّل الكفن وإلاّ قتلتك!!
فقال الشيخ بصوت منخفض ـ وهو تحت أقدام السارق ـ : وهبتك الثمن وحلّلت الكفن.
فقال السارق : لا أقبل. إلاّ ان تصيح بصوت رفيع ، تسمعك أمّي في بيتها.
فصاح الشيخ بكل صوته : وهبتك الثمن وحللت الكفن.
فتركه وجاء الى أمه العجوز وأعطاها الكفن.
وقال لها : يا أمّاه سمعت صوت الشيخ يقول : حللت الكفن! قالت : نعم يا ولدي جزاك الله خيرا!!
أقول : فلو درت العجوز بصنيع ولدها الظالم بالشيخ المظلوم ، هل كانت تؤيّده وتقول له : جزاك الله خيرا؟!
إنّ كلامك بأنّ علياعليهالسلام كان راضيا بخلافة الراشدين قبله ، وأنّه بايعهم بالطوع والرغبة ، فقد تكرّر ونحن أجبنا عليه من قبل بالإجابات القانعة المستندة الى كتبكم وتواريخكم ، بأنّهم أجبروه على البيعة بحرق بابه ، وإسقاط ولده المحسن ، وإيذاء زوجته وهي سيدة نساء العالمين ، وإخراجه من البيت حاسرا قد جرّدوا السيف على رأسه ، وهدّدوه بالقتل إن لم يبايع ؛ وما إلى ذلك من حوادث أليمة وفجائع عظيمة.
فلو تظاهر الإمام عليعليهالسلام بالرضا فإنّما كان رضاه مثل رضا الشيخ بيّاع الأكفان ، عن كره وإجبار ، لا كما تزعمون عن طوع ورغبة. فكيف رضي وهوعليهالسلام إلى آخر عمره كان يشتكي من أعمالهم ويتذمّر؟
وكما نرى في خطبه وكلماته وكتبه في نهج البلاغة ، كان كلّما وجد فرصة مناسبة يبدي ظلامته ويقول «صبرت وفي العين قذى وفي
الحلق شجى». فأين هذا الكلام من الرضا؟
ثانيا : قلتم : أليس من الأفضل أن ننسى الماضي ونترك هذه الأبحاث ونتّحد مع بعض ...؟ كما قلتم قبله ، ولا يصح منّا أن نجدّد ذكر الحوادث التي تبعث الاختلاف والفرقة بين المسلمين.
فأقول : نحن في طول التاريخ كنا نراعي جانب الاتحاد ، وكنّا نحذّر من الفرقة والاختلاف ، ونبتعد عن التخاصم والنزاع ، ولو راجعتم التاريخ ومررتم بالأحداث لأذعنتم لقولي ، ولقد مضى في أبحاثنا أنّ الإمام عليّعليهالسلام إنّما سكت وسكن مدة خمس وعشرين سنة ـ مدة حكومة الثلاثة قبله ـ حذرا من الاختلاف والفرقة بين الأمّة ولقد تحمّل ما لو نزل على صمّ الصخور لتصدّعت وصارت هباء منثورا.
وكذلك الإمام المجتبى الحسن السبط سلام الله عليه ، إنّما هادن معاوية ليوحّد بين المسلمين ويحسم النزاع والتخاصم ، ولكن معاوية سحق شروط الإمام الحسنعليهالسلام التي كان قد وقّع عليها. وبعده أيضا كانت الشيعة في كل عصر وزمان دعاة الاتحاد والائتلاف ، وأنتم كنتم تعملون بالعكس والخلاف ، وذلك بتصدير الفتاوى ضد الشيعة ، والافتراء عليهم ، واتهامهم بالكفر ، وتسميتهم بالرافضة ، وإباحة أموالهم ودمائهم وأعراضهم و... ، ومن باب الدفاع عن النفس كنا نردّ عليكم ونثبت بالمنطق والدليل بأنّنا مؤمنون ومسلمون ولسنا بكافرين ومشركين.
لا يصح اختيار دين بغير دليل!!
ثالثا : أما قولك : أليس من الأفضل أن ننسى الماضي ونتحد مع بعض ونتّبع الواقع؟
فأقول : بل الأفضل أن نعتبر من الماضي ولا نكرر أخطاء أسلافنا الماضين ولا سيما في أمر الدين.
والأفضل أيضا أن نتحد مع بعض ، ولكن يجب أن يكون اتحادنا على قبول الحق ، فيلزم قبل الاتحاد أن نبحث ونناقش لنعرف الحق فنتقبّله ونتمسك به كلّنا ، وهذا هو الاتحاد الممدوح والذي يريده الله تعالى.
وأما قولك : فنتّبع الواقع ونخضع للتاريخ. فهو كلام أوهن من بيت العنكبوت. وفيه ضرب من المغالطة ، لأنك بهذا الكلام تريد منّا أن نتّبع من غلب ، ونخضع لمن حكم ، وما أكثر الظالمين الذين غلبوا المظلومين وما أكثر الطغاة الذين حكموا في العالم. فليس كل من غلب وحكم حقيق بأن نتّبعه ونخضع له.
وأما فيما هو بحثنا وهو الخلافة ، فإنّ التاريخ يحدّث ويحكي بأنّه بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم انقسم المسلمون واختلفوا ، فقسم منهم تبعوا أبا بكر وبايعوه وخضعوا لحكمه وخلافته ، والقسم الآخر خالفوه ورفضوا حكمه وخلافته ، وتبعوا عليا وأطاعوه مستندين في عملهم بالقرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فالواجب علينا اليوم أن ننظر إلى أقوال الطرفين ودلائلهم ونختار مذهب أحدهما بالدليل والبرهان ، فإنّه لا يصح التقليد في أصول الدين والمذهب. فهل يعذر أبناء اليهود والنصارى إذ اتّبعوا ملّة آبائهم وقلّدوا أسلافهم بحجّة القول :( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) (١) ؟
بل يجب على كلّ مكلّف أن يتديّن بدين الله تعالى عن دراسة
__________________
(١) سورة الزخرف ، الآية ٢٣.
وتحقيق ، ولا بدّ له من دليل عقلي في اختيار الدين والمذهب.
فلا يصحّ أن يتبع الهوى فيميل إلى من أحبّ ويختار مذهبه ، فإنّ اختيار الدين والمذهب يجب أن يكون على أساس المنطق القويم والعقل السليم.
ما هو دليلي على اختياري التّشيع؟
أتظنّون أنّي اخترت مذهب التشيّع ، لأنّي وجدت آبائي على هذا المذهب فقلّدتهم تقليد أعمى؟ لا والله!
فانّي من حين عرفت نفسي وأحسست بحاجتي إلى دين أتديّن به وأعمل بأحكامه وتعاليمه ، بدأت أطالع في الأديان السماويّة وغيرها ، حتى أنّي طالعت أقوال الماديين والوجوديين أيضا ، لكي أعرف الحق والحقيقة. فاخترت الإسلام عن معرفة ودراية ، ثم درست أصوله وفروعه بدقة وتحقيق ، فوحّدت الباري جلّ وعلا وعبدته وفوّضت إليه أموري كلها ، وطالعت تاريخ سيد المرسلين وفهمت رسالته الشريفة ، وقد ثبت عندي بالأدلّة العقليّة وبمقايسة دينه بسائر الأديان أنّ الإسلام هو الدين الأكمل والمعتقد الأفضل.
ثم نظرت إلى اختلاف المذاهب وتاريخ تأسيسها في الإسلام ، وطالعت الأحداث التي حدثت بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقضيّة الخلافة وتشكيل السقيفة وما بعدها ، وطالعت تاريخ الخلفاء وأعمالم ، وكنت معتمدا في دراستي ومطالعاتي على مصادر الفريقين وكتب علماء الطرفين ومحدّثيهم ومتكلّميهم ومؤرّخيهم.
وأشهد الله أنّي وصلت إلى حقّانيّة مذهب الشيعة ، وحقيقة
أقوالهم وعقائدهم ، وعرفت حقّ الإمام عليعليهالسلام بالولاية والخلافة وأنّ الآخرين قد غصبوا حقّه.
وأقسم بالله أنّي ما حصلت على هذه النتائج والحقائق إلاّ من الروايات والأخبار المذكورة في كتب علماء العامّة وأعلامهم ، وفي صحاحهم ومسانيدهم المعتبرة والموثوقة التي لا يجوز عندهم ردّها ، ولقد اعتمدت في بحث الخلافة والإمامة خاصّة ، على تآليف وتصانيف علماء السّنة وطالعتها ، أكثر من مطالعتي لكتب الشيعة. لأنّ الدلائل التي ذكرها علماء الشيعة في كتبهم ، كانت أكثرها من كتب علماء السنّة وأعلامهم. فرجعت الى المصادر فوجدت فيها الدلائل أكمل وأتم. ولكن علماء السنة عند ما يذكرون الآية القرآنية وشأن نزولها في الامام عليّعليهالسلام ، أو يذكرون حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في فضل الإمام عليّعليهالسلام فإنهم ينظرون إليها نظرا سطحيا ، ويمرّمون عليها من غير تحقيق وتدقيق ، فلا يتعمّقون في معانيها والمقصود منها ، ولو نظروا فيها بنظر التحقيق لوجدوا فيها نصوصا صريحة في خلافة الإمام عليّعليهالسلام وإمامته ، وشهدوا كما نشهد بأنّ الإمام عليّعليهالسلام وليّ الله وحجة الله وخليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الأول بلا فصل.
الشيخ عبد السلام : لا توجد في كتبنا المعتبرة نصوص في ولاية سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه وإمامته ولزوم طاعته على الأمّة!!
قلت : أظنّك يا شيخ كثير النسيان ، وكأنّك لم تذكر من أحاديثنا ومحاوراتنا إلا قليلا ، فلذا أدعوك للرجوع إلى الصّحف والمجلاّت التي نشرت مناقشاتنا الماضيّة ، فإنّنا ذكرنا فيما سبق في كلامنا نصوصا كثيرة من القرآن الحكيم وحديث النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم في إمامة علي بن أبي
طالب ولزوم طاعته ومتابعته ، وسأذكر بعضها من باب( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) (١) .
الآيات والروايات في لزوم طاعة عليّعليهالسلام
أمّا النصوص في ولاية الإمام عليّعليهالسلام فكثيرة منها ما رواه الحافظ الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة / باب ٣٧ عن الفردوس للديلمي ، وعن أبي نعيم الحافظ ، وعن محمد بن إسحاق المطّلبي صاحب كتاب المغازي ، وعن الحاكم ، والحمويني ، والخوارزمي ، وابن المغازلي ، وبعضهم أسند إلى ابن عباس ، وبعضهم إلى ابن مسعود ، وبعضهم إلى أبي سعيد الخدري أنهم قالوا : لمّا نزلت الآية الكريمة :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) (٢) .
قال النبي (ص) «إنّهم مسئولون عن ولاية علي بن أبي طالب(٣) ».
__________________
(١) سورة الذاريات ، الآية ٥٥.
(٢) سورة الصافات ، الآية ٢٤.
(٣) رواه جمع كثير من كبار علماء العامّة وأعلامهم ، منهم ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة في الفصل الأول من الباب الحادي عشر ، يذكر فيه الآيات النازلة في فضل أهل البيتعليهمالسلام ، فقال : الآية الرابعة ، قوله تعالى :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) أخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري أنّ النبي (ص) قال :وقفوهم إنّهم مسئولون ، عن ولاية عليّ (انتهى كلام ابن حجر).
وأخرجه العلاّمة الآلوسي في تفسيره المسمّى بروح المعاني ، في تفسير الآية ، ورواه العلاّمة الكشفي الترمذي في (مناقب مرتضوي) نقل عن ابن مردويه في مناقبه وعن أحمد بن حنبل في مسنده ، عن أبي سعيد الخدري أنه [يسأل في القيامة عن ولاية علي بن أبي طالب]. [ونقل عن فردوس الأخبار عن ابن عباس وأبي سعيد قالا عن النبي (ص) قال : يسألون عن الإقرار بولاية علي بن أبي طالب.]
ثم إنّنا نجد في كثير من الأخبار المرويّة في كتبكم المعتبرة ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يختار الإمام عليّ من دون كلّ الصحابة ، فيجعله باب علمه ويأمر المسلمين بلزوم طاعته بل يجعل طاعته طاعة الله سبحانه.
فقد روى أحمد بن حنبل في المسند ، والمحب الطبري في ذخائر العقبى ، والخطيب الخوارزمي في المناقب ، والحافظ القندوزي في الينابيع ، والعلاّمة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ، عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال» يا معشر الأنصار! ألا أدلّكم على ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا
__________________
وأخرجه الشيخ أبو بكر بن مؤمن في كتاب رسالة الاعتقاد : وأخرج العلاّمة الكنجي في كتابه كفاية الطالب / الباب الثامن والستون / صفحة ١٢٠ ، طبع مطبعة الغري.
قال : وروى ابن جرير الطبري ، وتابعه الحافظ أبو العلاء الهمداني. وذلك ذكره الخوارزمي عن أبي إسحاق عن ابن عباس في قوله تعالى : ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) يعني [عن ولاية عليّ عليهالسلام .]
ورواه العلاّمة أبو نعيم الحافظ في كتابه ما نزل من القرآن في عليّ.
وأخرج سبط بن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص / الباب الثاني / قال : ومنها في الصافات قوله تعالى : ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) . قال : قال مجاهد [عن حبّ علي عليهالسلام .]
أقول : هذا التفسير يأتي بالمعنى الأعم ، وأما بالمعنى الأخصّ فلا.
لأنّ ما يوجب التوقف عند الصراط ويقتضي السؤال عنه. فهو الولاية بمعنى الإمامة ، فإنّ حبّ الإمام عليّ عليهالسلام لم يجعل بانفراده أصلا اعتقاديا يسأل عنه كما يسأل عن الرب وعن الكتاب وعن النبي ، فالسؤال عن الولاية أي الخلافة التالية للنبوّة ، فهذا التفسير هو الذي يقتضيه الحال والمقال.
«المترجم»
بعدي أبدا؟ قالوا : بلى.
قال : هذا عليّ فأحبّوه وأكرموه واتّبعوه ، إنّه مع القرآن والقرآن معه ، إنّه يهديكم إلى الهدى ولا يدلّكم على الرّدى ، فإنّ جبرائيل أخبرني بالذي قلته».
وكذلك روى كثير من علمائكم ونقلته لكم في الليالي السالفة ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعمار بن ياسر «يا عمّار إن سلك الناس كلهم واديا وسلك عليّ واديا فاسلك وادي عليّ وخلّ عن الناس».
وكذلك ذكرت لكم في الليالي الماضية من كتب أعلامكم : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال تكرارا وأعلن مرارا بين أصحابه «من أطاع عليّا فقد أطاعني ، ومن أطاعني فقد أطاع الله عزّ وجلّ».
فلا يخفى على العالم المتتبّع أنّ مثل هذه الأحاديث كثيرة جدّا في كتبكم ، وقد صحّحها كبار أعلامكم وأئمتكم ، حتى كاد يحصل منها التواتر المعنوي في لزوم متابعة الإمام عليّعليهالسلام ووجوب طاعته.
مع العلم بأنّنا ما وجدنا ولا وجد غيرنا حتى حديثا واحدا عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول للمسلمين بأن يطيعوا بعده أبا بكر أو عمر أو عثمان ، ولا يوجد في الكتب حديث واحد عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال فيه بأنّ أحد هؤلاء الثلاثة وصيّه أو باب علمه ، أو خليفته.
ومع ذلك ، تريدون منّا أن نوافقكم في قولكم بأنّ الإمام عليّعليهالسلام هو رابع الخلفاء الراشدين ، ونقدّم عليه أولئك الذين لن نجد حتى في كتبكم ما ينبئ بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عيّنهم أوصياء وخلفاء له ، وأئمّة على المسلمين!!
فهل هذا يوافق حكم العقل؟ وهل هو صحيح عند العقلاء
وأصحاب الضمير والوجدان؟!
ثم فكّروا ، وأنصفوا! ألا يكون هذا الطلب والأمر الذي تريدون منّا ، مخالفا لما أراده الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
اتحاد المسلمين
أمّا قولك : أليس من الأفضل أن نتّحد؟
فنقول : إنّنا نتمنّى ذلك ، ولا نزال نسعى لتحقيق هذا الأمر ، ونسأل الله تعالى أن يوحّد المسلمين على الهداية وعدم الضلالة ، وهذا لا يكون الاّ بالتمسك بالثّقلين كما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا».
ولقد ذكرت لكم في الليالي الماضية مصادر هذا الحديث الشريف من كتبكم المعتبرة ، وقد صرّح بعض علمائكم أنه من الأحاديث المتواترة.
ويبيّن لنا القرآن الكريم كذلك أساس الاتحاد وعدم التفرق فيقول :( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (١) .
قال ابن حجر في الصواعق المحرقة(٢) في تفسير الآية : أخرج الثعلبي في تفسير هذه الآية عن جعفر الصادقرضياللهعنه أنه قال «نحن حبل الله الذي قال الله تبارك وتعالى :( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) ». فالاتحاد يصبح ممكنا إذا كان على أساس التمسّك بالقرآن وأهل البيتعليهمالسلام ، وإلاّ فلا يمكن ذلك ولا يتحقّق أبدا. كما نرى
__________________
(١) سورة آل عمران ، الآية ١٠٣.
(٢) الصواعق المحرقة / الباب الحادي عشر / الفصل الأول / الآية الخامسة.
بعض علمائكم وأعلامكم يكتبون على الشيعة في كتبهم ويفترون عليهم ويتّهمونهم بالكفر والشرك ، وهو ادّعاء بلا دليل. فامنعوا أوّلا هؤلاء المتعصّبين المعاندين التابعين للخوارج والنواصب من هذه التهجّمات والتعسّفات ، وردّوا أقاويلهم وأباطيلهم ، حتى يتحقّق إن شاء الله التّقارب والاتحاد بين الشيعة وأهل السنّة ، مع غضّ النظر عن الاختلافات الموجودة بينهم في العقائد والقواعد الدينيّة ، كالتقارب والاتحاد بين المذاهب الأربعة ، مع غض النظر عن كل الاختلافات الموجودة بينهم ، مع أننا نجد في كتبهم أنّهم كانوا يكفّرون بعضهم بعضا ، لشدّة اختلافاتهم ، ـ وقد نقلت لكم بعض تكفيرهم بعضهم في الليالي الماضية ـ ومع ذلك نرى أتباع ايّ واحد من المذاهب الأربعة يتمتّع بالحريّة الكاملة في كل البلدان والمدن الإسلاميّة ، فيعمل برأي إمامه ويقوم بعباداته كلّها على أساس مذهبه من غير مانع ورادع ، حتى لو كان أهل تلك المدن من أتباع مذهب آخر.
ولكن نحن الشيعة على حسب مذهب أئمة أهل البيت ـ وهم العترة الهادية ـ يجب أن نسجد على التراب ، فنأخذ معنا قطعة من الطين اليابس فنسجد عليه ، وإذا بكم تهرّجون ضدّنا وتفترون علينا فتقولون لجهالكم بأنّ الشيعة عبّاد الصنم ، وتستدلّون لهم بسجودنا على الطينة اليابسة ، فتلبسون عليهم الأمر وتدلّسون عليهم ، بأنّ الطينة صنم ، والشيعة يعبدونه!!
الشيخ عبد السلام : إذن فلما ذا تختلفون أنتم في صلاتكم وسجودكم مع المسلمين؟! ولو كنتم توافقونهم ما حدث هذا الاشتباه أو سوء التعبير والفهم. وأنا أنصحكم إن كنتم تريدون رفع الاتّهام عن
أنفسكم ، فصلّوا كما يصلّي المسلمون عامّة.
قلت : هذا الاختلاف إنما هو مثل اختلافكم أنتم اتباع الشافعي مع سائر المذاهب.
الشيخ عبد السلام : نحن نختلف في الفروع وأنتم تختلفون في الأصول.
قلت : أوّلا : السجود جزء من الصلاة ، والصلاة من فروع الدين.
ثانيا : اختلافكم مع اتباع مالك وأحمد وأبي حنيفة لم يكن في الفروع فحسب بل تعدّى إلى الأصول أيضا بحيث نجد في الكتب كما قلت آنفا يفسّق ويكفّر بعضكم بعضا.
الشيخ عبد السلام : التكفير والتفسيق من عمل المتعصّبين والجاهلين ، وإلاّ فاجماع علماء العامّة وأعلام أهل السنّة على أنّ العمل بفتوى أيّ واحد من الأئمة الأربعة صحيح ، والعامل مأجور ومثاب.
قلت : بالله عليكم فكّروا وانصفوا!! لما ذا العمل برأي الأئمة الأربعة صحيح والعامل به مأجور ومثاب ـ مع العلم أن تعيين هؤلاء الأربعة إنّما كان بأمر أحد الملوك واسمه «بيبرس» كما في خطط المقريزي كما مرّ قوله في الليالي الماضية ـ مع شدّة اختلافهم في الفروع وحتى في أصول الدين؟ ولكن تجعلون العمل برأي أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، والأخذ بنظر العترة الهادية يوجب الكفر! مع العلم بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أرجع أمّته إليهم إذا اختلفوا في الرأي. فأمر أن يؤخذ برأيهم
لأنّهم على الهدى والصواب ، ومخالفهم يكون في العمى والضلال(١) .
__________________
(١) نقل ابن حجر في الصواعق المحرقة / الباب الحادي عشر / الفصل الأول في الآيات الواردة فيهم / الآية الرابعة / نقل في ذيلها حديث الثقلين بطرق كثيرة ، وقال في نهاية كلامه وفي رواية صحيحة «إنّي تارك فيكم أمرين لن تضلّوا ان تبعتموهما وهما : كتاب الله وأهل بيتي عترتي». وزاد الطبراني «إني سألت ذلك لهما فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصّروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم».
ثم قال : اعلم أنّ لحديث التّمسك بذلك طرقا كثيرة وردت عن نيّف وعشرين صحابيا ومرّ له طرق مبسوطة وفي بعض تلك الطرق أنّه قال ذلك بحجّة الوداع بعرفة ، وفي أخرى أنّه قال بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي أخرى أنّه قال ذلك بغدير خم ، وفي أخرى أنه قال لمّا قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف كما مرّ ، ولا تنافي إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماما بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.
وفي رواية عند الطبراني عن ابن عمر [آخر ما تكلّم به النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : «اخلفوني في أهل بيتي ..». وبعد نقل روايات وكلمات قال تنبيه : سمّى رسول الله (ص) القرآن وعترته ـ وهي بالمثناة الفوقية : الأهل والنسل والرهط الأدنون ـ ثقلين لأنّ الثقل كل نفيس خطير مصون ، وهذان كذلك إذ كل منهما معدن للعلوم اللدنيّة والأسرار والحكم العليّة ، والأحكام الشرعيّة ، ولذا حث صلىاللهعليهوآلهوسلم على الاقتداء والتمسّك بهم والتعلّم منهم ، وقال (ص) «الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت». وقيل سمّيا ثقلين : لثقل وجوب رعاية حقوقهما.]
ثم الذين وقع الحث عليهم منهم إنّما هم العارفون بكتاب الله وسنّة رسوله ، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب ، ويؤيّده الخبر السابق : «ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم» وتميّزوا بذلك عن بقيّة العلماء لأنّ الله أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا ، وشرّفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة ، وقد مرّ بعضها وسيأتي
فسوء التعبير وسوء الفهم منكم بالنسبة لنا ، لم يكن لأجل اختلافنا معكم في الأعمال ، وإنّما منشؤه حبنا وولاؤنا لأهل البيت والعترة الطاهرةعليهمالسلام وبغضنا لأعدائهم وظالميهم. وإلاّ فإنّ الاختلاف في الأعمال والأحكام موجود بين نفس المذاهب الأربعة في الأصول والفروع من الطهارة إلى الديات ، والجدير أنّ بعض فتاوي أئمتكم مخالفة لصريح القرآن واجتهادا خلاف النصّ ، ومع ذلك تغضّون النظر وتوجّهون الفتوى بشيء من التوجيه وتعذرون المفتي بأنّه عمل
__________________
قال : وفي أحاديث الحث على التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة ، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك ، ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض ـ كما يأتي ـ ويشهد لذلك الخبر السابق : «في كل خلف من أمّتي عدول من أهل بيتي». قال ابن حجر [ثمّ أحقّ من يتمسّك به منهم إمامهم وعالمهم عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، لما قدّمناه من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته. ومن ثمّ قال أبو بكر : عليّ عترة رسول الله (ص) ، أي الذين حث على التمسّك بهم فخصّه لما قلنا. قال : وكذلك خصّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بما مرّ يوم غدير خم ، والمراد بالعيبة والكرش في الخبر السابق آنفا ، أنّهم موضع سرّه ، وأمانته ، ومعادن نفائس معارفه وحضرته ، إذ كل من العيبة والكرش مستودع لما يخفى فيه مما به القوام والصلاح ، لأنّ الأول : لما يحرز فيه نفائس الأمتعة والثاني : مستقرّ الغذاء الذي به النموّ وقوام البنية. وقيل : هما مثلان لاختصاصهم بأموره الظاهرة والباطنة ، إذ مظروف الكرش باطن ، والعيبة ظاهر ، وعلى كلّ فهذا غاية في التعطّف عليهم والوصيّة بهم.]
أقول : إنّما نقلت هذا الكلام ليهتدي من يهتدي عن بيّنة ، ويضلّ من ضلّ عن بيّنة ، و ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ ) .
«المترجم»
بالقياس والاستحسان.
ولكن الشيعة لا عذر لهم في سجودهم على التراب وهو مع كونه على أساس النّصوص وعمل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقوله : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» ، يوجب عندكم كفر الشيعة وشركهم والعياذ بالله سبحانه وتعالى.
الشيخ عبد السلام : أرجو أن تذكر بعض تلك الفتاوى التي أصدرها أئمة أهل السنّة على خلاف القرآن الكريم!!
قلت : فتاواهم المخالفة للنصوص كثيرة ولو أردتم الاطّلاع على جملتها أو جلّها فراجعوا كتاب «الخلاف في الفقه» تأليف العلاّمة الكبير والبحر الغزير والفقيه البصير شيخ الطائفة الإماميّة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (رحمهالله تعالى)(١) .
ولكي يعرف الحاضرون الكرام بأنّي ما كذبت على أئمتهم وما افتريت على فقهائهم ، أذكر بعض النماذج من تلك الفتاوى المخالفة لصريح القرآن الكريم.
فتوى أبي حنيفة : بجواز الوضوء بالنبيذ
كل مسلم له أدنى اطّلاع واقلّ معرفة بأحكام الدين والمسائل الشرعيّة ، أو يتلو كتاب الله العزيز بتفكّر وتدبّر ، يعلم بأنّه إذا حضر وقت الصلاة وأراد أن يؤديها يجب عليه الوضوء أولا لقوله تعالى :
__________________
(١) وكتاب النصّ والاجتهاد للإمام شرف الدين عليه رحمة ربّ العالمين يذكر فيه فتاوى القوم والنصوص المعارضة لها من الكتاب والسنّة فراجع.
«المترجم»
( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) (١) ويجب أن يتمّ الغسل بالماء القراح ، واذا لم يوجد الماء القراح المطلق ، فيجب التيمم حينئذ ، لقوله سبحانه :( ... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) (٢) .
وعلى هذا يكون إجماع الشيعة وأتباع مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل ، وخالف أبو حنيفة الإجماع برأيه وأفتى بأنّه لو فقد الماء وهو في السفر وأراد إقامة الصلاة فيتوضّأ بنبيذ التمر ، ولو كان مجنبا يغتسل به. وكلّنا نعلم بأنّ النبيذ يكون ماء مضافا ، وهو ليس بالماء المطلق الذي ذكره الله سبحانه في القرآن الحكيم ، ولذا نجد في صحيح البخاري بابا عنوانه : (لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكّر).
الحافظ محمد رشيد : إنّي على مذهب الإمام الشافعي ، وأوافقكم على انّ الوضوء لا يجوز إلا بالماء المطلق ، وكذلك الغسل ، وعند فقدانه يجب التيمم فلا يجوز عندنا الوضوء والغسل بالنبيذ. ولكن اظنّ أنّ هذه الفتوى منسوبة للإمام أبي حنيفة ولم تكن فتواه وإن اشتهر عنه ونسبت إليه ، ولكن ربّ مشهور لا أصل له.
قلت : دفاعك مبني على الظنّ ، وقال الله سبحانه :( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (٣) . ولقد نقل جمع كثير هذه الفتوى عن أبي حنيفة الفخر الرازي في تفسيره المسمّى بمفاتيح الغيب : ج ٣ / ٥٥٢ في تفسير آية التيمّم أو آية الوضوء ، قال في المسألة الخامسة : قال الشافعيرحمهالله : لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر ، وقال أبو حنيفةرحمهالله :
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٦.
(٢) سورة النساء ، الآية ٤٣.
(٣) سورة يونس ، الآية ٣٦.
يجوز ذلك في السفر.
وكذلك نقلها ابن رشيد في كتابه بداية المجتهد.
الشيخ عبد السلام : لم تكن فتوى الإمام الأعظم مخالفة للنصّ ، بل هي موافقة لعمل رسول الله (ص) كما في بعض النصوص المرويّة.
قلت : تفضّل بذكر تلك النصوص.
الشيخ عبد السلام : منها الخبر المروي عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود قال : إنّ رسول الله (ص) قال لي في ليلة الجنّ : «عندك طهور؟ قلت : لا ، إلاّ شيء من نبيذ في إداوة. قال (ص) : تمرة طيّبة وماء طهور ، فتوضّأ».
وجاء عن طريق آخر ، روى عباس بن وليد بن صبيح الحلاّل عن مروان بن محمد الدمشقي عن عبد الله بن لهيعة عن قيس بن الحجّاج عن حنش الصنعاني عن عبد الله بن عباس عن ابن مسعود أنّه قال : إنّ رسول الله (ص) قال له ليلة الجنّ «معك ماء؟ قال : لا ، إلاّ نبيذا في سطيحة ، قال رسول الله (ص) : تمرة طيّبة وماء طهور. صبّ عليّ ، قال : فصببت عليه فتوضّأ به».
ومن الواضح أنّ عمل النبي (ص) حجّة لنا ، فأيّ نصّ أظهر من العمل؟
قلت : لو كنت تعرف قول علمائكم الأعلام في رواة هذا الخبر ما احتججت به. ومن الواضح أنّ العلماء قبل أن يبنوا على الخبر ويعملوا به فإنهم يحققون حول رواته. فإذا حصل الوثوق بهم والاعتماد عليهم قبلوا روايتهم وعملوا بها ، وإلاّ أعرضوا عنها ولم يعملوا بها.
لذلك قبل أن نبحث في أصل الموضوع ، نبحث عن إسناد الخبر
ورواته ، فنقول : أولا : أبو زيد مولى عمرو بن حريث ، مجهول عند علماء الرواية والدراية ، ولم يعبئوا بروايته وردّ عليه الترمذي وغيره ، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال : إنّه مجهول ، وإنّ الحديث والخبر الذي نقله عن ابن مسعود غير صحيح. وقال الحاكم لن نجد غير هذا الخبر من هذا الرجل وهو مجهول ، وعدّه البخاري من الضعاف لذا نرى القسطلاني والشيخ زكريا الأنصاري وهما اللذان شرحا صحيح البخاري ، قالا في شرحهما في باب : لا يجوز الوضوء بالنبيذ ، والخبر المروي عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث ، ضعيف.
وأمّا الخبر الثاني : فهو أيضا مردود لجهات عديدة : أوّلا : هذا الحديث والخبر غير مشهور ولم ينقله بهذا الطريق أحد من علمائكم وأعلامكم غير العلاّمة ابن ماجة القزويني. وثانيا : عدم نقل علمائكم الخبر بهذا الطريق معلوم بأنّهم ما اعتمدوا على بعض رواته وسلسلة سنده كما قال الذهبي في ميزان الاعتدال وذكر أقوال العلماء في الأمر فقال : عباس بن وليد لم يوثّق ولم يسلم من جرح أرباب الجرح والتعديل فتركوه. وكذلك مروان بن محمد الدمشقي فإنّه من المرجئة الضّلال ، وحكم الذهبي وابن حزم بضعفه ، وهكذا عبد الله بن لهيعة فإنّ علماءكم عدوّه من الضعفاء ، فإذا كان في رواة هذا الحديث عدد من الضعفاء أو كان أحدهم ضعيفا فإن الرواية تسقط عن الاعتبار.
ثالثا : بناء على الأخبار التي رواها علماؤكم بطرقهم عن عبد الله ابن مسعود فإنّه في ليلة الجن لم يكن أحد مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كما نقل أبو داود في السنن في باب الوضوء ، والترمذي في صحيحه عن علقمة قال : سألوا ابن مسعود : من كان منكم مع رسول الله (ص) ليلة الجن؟
فقال : ما كان معه أحد منّا.
رابعا : ليلة الجنّ كانت في مكة قبل الهجرة ، ونزول آية التيمّم كان في المدينة المنوّرة بإجماع المفسرين. فعلى فرض صحّة الخبر فإنّ آية التيمّم نزلت ناسخة له.
ولهذه العلل فأنا أتعجّب من الشيخ عبد السلام ، سلّمه الله! كيف يتمسّك بخبر مجهول ضعيف مردود من جهات عديدة عند العلماء الاعلام ، فيتمسك به لينصر رأي أبي حنيفة الذي يعارض نصّ كلام الله العزيز ، كما ذكرنا؟
النوّاب : هل المقصود من النبيذ ، هذا الشراب المسكر الذي يحرّمه أكثر العلماء؟
قلت : النبيذ قسمان : قسم غير مسكر وهو طاهر وحلال ، وذلك عبارة عن الماء المضاف إليه التمر ، وقبل أن يحدث فيه انقلاب وفوران يصفّى ويشرب ، وهو شراب حلو طيّب الطعم والرائحة. وقسم آخر يبقى التمر في الماء حتى يحدث فيه الانقلاب والفوران ، فيتغيّر طعمه ورائحته ، ويكون مسكرا حراما. والنبيذ الذي محلّ بحثنا هو النبيذ غير المسكر ، وإلاّ فبإجماع المسلمين لا يجوز الوضوء بالنبيذ المسكر ، كما مرّ بأنّ البخاري فتح بابا في صحيحه بعنوان [باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر].
غسل الرجلين في الوضوء مخالف للنصّ القرآني
ومن فتاوى أئمتكم المناقضة لكلام الله والمخالفة للنصّ الصريح فتواهم في الوضوء بوجوب غسل الرجلين ، مع العلم بأنّ الله عزّ وجلّ
يقول :( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) .
وكلنا نعرف الفرق بين الغسل والمسح.
الشيخ عبد السلام : توجد أخبار مرويّة في كتبنا توجب غسل الرجلين.
قلت : الأخبار والروايات تكون معتبرة إذا لم تكن مناقضة للقرآن الحكيم ، ونحن نرى كلام الله العزيز يصرّح بمسح الرجلين ، فأيّ اعتبار لتلك الأخبار والروايات المغايرة للقرآن؟!
فآية الوضوء صريحة بالغسل ثم المسح بقوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) (١) .
فقد عطفت أرجلكم على ما قبلها أي :( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) .
الشيخ عبد السلام : إذا كان العطف على ما قبلها فيلزم أن تكون ارجلكم ـ مجرورة ـ مثل برؤسكم ، وحيث نراها منصوبة فيكون العطف على جملة : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم.
قلت : أوّلا : الأقرب يمنع الأبعد ، فإن جملة :( وَامْسَحُوا ) أقرب إلى كلمة :( أَرْجُلَكُمْ ) فلا مجال لعمل جملة :( فَاغْسِلُوا ) . ثمّ المقدّر في العطف كلمة :( وَامْسَحُوا ) ، فيكون( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) و( امْسَحُوا أَرْجُلَكُمْ ) . فتكون أرجلكم منصوبة لمحلّ امسحوا وكذلك لقاعدة النصب بنزع الخافض وهي القاعدة المقبولة عند النحاة والمعمول بها كما في القرآن الحكيم قوله تعالى :
__________________
(١) سورة المائدة ، الآية ٦.
( وَأعدَّ لهم جنّات تجري تحتَها الانهار ) (١) .
أي: تجري من تحتّها الأنهار، فنصبت كلمة تحتها لحذف حرف الجرّ وكذلك قوله سبحانه:( وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً ) (٢) تقديره : واختار موسى من قومه ولكن كلمة قومه نصبت لحذف «من» وذلك للقاعدة التي ذكرناها.
وكذلك في آية الوضوء نصبت كلمة :( أَرْجُلَكُمْ ) لحذف الباء عنها فتكون منصوبة بنزع الخافض.
وإذا أردتم تفصيلا أكثر فراجعوا تفسير الفخر الرازي فله بحث مفصّل في تفسير الآية الكريمة ويخرج من البحث بنتيجة وجوب المسح لا الغسل.
فتواهم بجواز المسح على الخفّ
وأعجب من فتواهم بوجوب غسل الرجلين في الوضوء ، فتواهم بجواز وكفاية المسح على الخفّين في الوضوء ، وهذا خلافه لنصّ القرآن أظهر من الأول. ومن بواعث العجب والاستغراب في نفس كلّ عاقل فتواهم بعدم كفاية المسح على الرجلين بل وجوب غسلهما في الوضوء ، ولكن كفاية مسح الخفّين في الوضوء دون غسل الرجلين ، فكيف المسح على الخفّين يحلّ محلّ غسل الرجلين؟ فاعتبروا يا أولي الألباب!!
الشيخ عبد السلام : لقد أفتى الأئمة الكرام (رضي الله عنهم)
__________________
(١) سورة الأعراف ، الآية ١٥٥.
بجواز مسح الخفين في الوضوء وكفايته عن غسل الرجلين عند ضرورة سفر أو وجود خطر ، بدليل الروايات الموجودة في كتبنا التي تحكي عمل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك.
قلت : لقد ذكرنا لكم مرارا حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الإعراض عن الروايات والأحاديث التي تروى عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتكون معارضة لكلام الله ومغايرة للقرآن الحكيم ، فأمرصلىاللهعليهوآلهوسلم بإسقاطها وعدم اعتبارها. وعلى هذا نجد روايات كثيرة جدّا ردّها وأسقطها علماؤكم وأعرضوا عنها وأعلنوا بأنها من الموضوعات.
وأمّا الأخبار والروايات التي وردت في كتبكم عن جواز المسح على الخفين في الوضوء ، فهي متعارضة ومختلفة ، وعليها نشأ الاختلاف في آراء الأئمة الأربعة ، فبعضهم أجاز ذلك في السفر دون الحضر ، وبعضهم أجاز ذلك في السفر والحضر وغير ذلك.
قال ابن رشيد الأندلسي في كتابه بداية المجتهد ج ١ ص ١٥ و ١٦ / قال في الموضوع : سبب اختلافهم تعارض الأخبار في ذلك. وقال في موضع آخر : والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في ذلك.
فكيف يجوز لكم عقلا وشرعا العمل بالأخبار المتعارضة والمتضاربة ، والمخالفة لنصّ القرآن؟! وكلنا نعلم أن الأصل والقاعدة المعمول بها عند تعارض الأخبار أن يؤخذ بالخبر الموافق للقرآن ويترك غيره.
فتواهم بجواز مسح العمامة
والنص الصريح في القرآن الحكيم على مسح الرأس بقوله تعالى :( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) . وعلى أساسه أفتى ائمة أهل البيت والعترة
الهاديةعليهمالسلام بوجوب مسح بعض الرأس لوجود الباء وهي باء التبعيض.
وأفتى الشافعي ، ومالك ، وأبو حنيفة بوجوب مسح الرأس أيضا ، ولكن خالفهم أحمد بن حنبل وإسحاق والثوري والأوزاعي فأفتوا بجواز وكفاية مسح العمامة التي على الرأس في الوضوء ، فلا حاجة لكشف الرأس. هذا ما نقله عنهم الفخر الرازي في تفسيره الكبير في تفسير الآية الكريمة. وأنتم تعلمون ـ كما أن كلّ عاقل يعلم ـ بأنّ العمامة غير الرأس حتى إذا كانت على الرأس ، فإنّ الرأس عرفا ولغة يطلق على جزء من بدن الإنسان ، وهو أعلى الأجزاء وقمّة البدن ، ويتشكل من عظم الجمجمة واللحم والجلد والشعر الذي يكون على ذلك العظم ، وأمّا العمامة شيء آخر وهي قطعة من قماش تلف على الرأس.
لما ذا تفرّقون بين المسلمين؟
نحن وانتم كلنا مسلمون ، واختلاف الشيعة وأهل السنّة كاختلاف أتباع المذاهب الأربعة فيما بينهم علما أنّ اختلافهم لم يكن في الفروع فقط ، بل اختلفوا في الأصول أيضا ، ومع ذلك يغضّون النظر عن اختلافاتهم ، ويتحمّل أتباع كلّ مذهب أتباع المذاهب الأخرى من غير صدام وصراع ، ومن غير نزاع وعراك ، فيعمل كل منهم ويلتزم برأي رئيس مذهبه ، دون أن يعارضه أحد من أتباع المذاهب الثلاثة الأخرى.
ولكن أكثر هؤلاء إذا رأوا الشيعة يعملون بما يخالفهم ، هاجموهم ورموهم بالكفر والشرك ، مع علمهم بأنّ الشيعة يلتزمون
بقول أئمة أهل البيتعليهمالسلام ويتمسكون بالعترة الهادية ويأخذون عنهم.
وحتى في هذا المجلس الذي انعقد للتفاهم والنقاش السليم ، كم ذكرتم أعمال الشيعة واستدللتم بها على كفرهم وشركهم لجهلكم بواقع الأمر ، ولما كشفنا لكم الحقيقة وسمعتم إلى دلائلنا ، اعتذرتم ورجعتم عن قولكم. وقد تكرر منكم الهجوم ومنّا الدفاع ، ومع تكرار اعتذاركم إلينا لم يتوقف تهجمكم علينا ، وآخر ذلك صدر بصيغة العتاب والنّصح وهو قول الشيخ عبد السلام ـ سلّمه الله ـ في أوائل البحث إذ قال : وأنا أنصحكم ، إن كنتم تريدون رفع الاتهام عن أنفسكم ، فصلّوا كما يصلّي المسلمون عامّة.
ومع احترامي لجناب الشيخ وتقديري لنصحه ، أقول : نحن وأنتم متفقون على وجوب الصلاة في اليوم خمس مرّات ، ومتفقون على عدد ركعاتها وهي : في الصبح ركعتان والظهر أربع ومثلها العصر وفي المغرب ثلاث ركعات وفي العشاء أربع ، لكن في فروع الصلاة ومسائلها توجد اختلافات كثيرة بين كل المذاهب والفرق الإسلامية لا بين الشيعة والسنّة فحسب ، فكما يختلف واصل بن عطاء مع أبي الحسن الأشعري في الأصول والفروع ، ويختلف الأئمة الأربعة في أكثر المسائل الفقهية ، ويختلف سائر علمائكم وأصحاب الرأي والاجتهاد من أعلامكم مثل داود وكثير وسفيان الثوري وحسن البصري والأوزاعي وقاسم بن سلام وغيرهم ، فآراؤهم تختلف في المسائل والأحكام ورأي أئمة أهل البيتعليهمالسلام وفتاواهم في المسائل والأحكام أيضا تختلف مع المذاهب الأربعة وغيرهم.
فإذا كان اختلاف الرأي يوجب التّهجّم والاتّهام ، فلما ذا لا يكون التّهجّم والاتهام على غير الشيعة ، يعني : اتباع المذاهب الأربعة؟ مع
العلم أنّ أئمتهم يفتون في بعض المسائل على خلاف ما أنزل الله تعالى ، كما ذكرنا نماذج منها!!
ولكنّا إذا خالفنا العامّة في صلاتنا ، بأن سجدنا على طينة يابسة فبدل أن يسألونا عن الدليل والسبب ، يتّهمونا بعبادة الأصنام ويسمّون تلك الطينة التي نسجد عليها بالصنم ، فلما ذا هذا الجهل والجفاء؟! ولما ذا هذا التفريق بين المسلمين؟!
الشيخ عبد السلام : كما قلتم بأنّ مجلسنا هذا إنما انعقد للتعارف والتفاهم ، وأنا أشهد الله سبحانه بأنّي لم اقصد الإساءة إليكم والتجاسر عليكم ، فإذا صدر مني ما يسوء فسببه عدم اطلاعنا على مذهبكم وعدم مطالعتنا لكتبكم ، فما كنّا نعرفكم حق المعرفة ، لأنّا ما عاشرناكم ولا جالسناكم وإنما سمعنا وصفكم من لسان غيركم وتلقّيناها بالقبول من دون تحقيق ، فالتبست علينا كثير من الحقائق ، ومع تكرار الاعتذار ، أرجوكم أن تبيّنوا لنا سبب سجودكم على الطينة اليابسة؟
لماذا نسجد على التربة؟
قلت : أشكر شعوركم الطيّب وبيانكم الحلو العذب. وأشكركم على هذا الاستفهام ، لأنّ السؤال والاستفهام أجمل طريقة وأعقل وسيلة لإزاحة أيّ شبهة وإبهام.
وأمّا جواب السؤال : راجعوا كتب التفاسير واللغة فإنّهم قالوا في معنى السجود : وضع الجبهة على الأرض للعبادة ، وهو منتهى الخضوع ، ولقد
أفتى أئمتكم بأنّ كل ما يفرش به الأرض يجوز السجود عليه سواء كان من صوف أو قطن أو إبريسم أو شيء آخر ، فأجازوا السجود على كل شيء حتى أفتى بعضهم بجواز السجود على العذرة اليابسة!
لكن فقهاءنا تبعا لأئمة أهل البيت من العترة الهاديةعليهمالسلام قالوا بعدم جواز السجود إلاّ على الأرض أو ما انبتته مما لا يؤكل ولا يلبس ، فالبساط والفرش لا يصدق عليه اسم الأرض ، بل يكون حاجزا بينها وبين الجبهة. لذلك فنحن نأخذ طينة يابسة ـ تسهيلا للأمر ـ ونسجد عليها في الصلاة.
لماذا السجود على التربة الحسينية؟
الشيخ عبد السلام : نحن نعلم بأنّكم تخصّصون تراب كربلاء للسجود فتصنعون منه أشكالا مثل الأصنام فتقدّسونها وتحملونها في مخابئكم وتقبّلونها وتوجبون السجود عليها. وهذا العمل يخالف سيرة المسلمين ، ولذلك يهاجمونكم ويشنّون عليكم تلك التهم والكلمات غير اللائقة بكم.
قلت : هذه المعلومات التي أبديتها هي من تلك المسموعات التي سمعتها من مخالفينا وأعدائنا ، وتلقّيتها بالقبول بدون تحقيق وتفحّص ، وإنّ من دواعي الأسف وجود هذه الحالة ، إذ تذعنون بشيء من غير تحقيق فترسلونها إرسال المسلّمات ، وتنتقدون الشيعة في أشياء وهميّة ليس لها وجود ، وقد قيل : «ثبّت العرش ثم انقش» ، وإنّ كلامكم بأنّنا نصنع من تراب كربلاء أشكالا مثل الأصنام فنقدّسها كلام فارغ وتقوّل باطل وليس إلاّ اتهاما وافتراء علينا ، وغرض المفترين إلقاء العداوة
والبغضاء بيننا وبينكم. وتمزيق المسلمين وتفريقهم ، كل ذلك لأجل الوصول إلى مصالحهم الشخصيّة ومنافعهم الماديّة الفرديّة كما قيل : «فرّق تسد».
ولو كنتم ـ قبل الحين وقبل أن تصدّقوا كلام المغرضين ـ تفتشون عن الواقع وتحققون عن الموضوع ، بأن تسألوا من الشيعة الذين تعرفونهم وتجاورونهم : ما هذه الطينة التي تسجدون عليها؟ لسمعتم الجواب : أنّنا نسجد لله سبحانه على التراب ، خضوعا وتعظيما له عزّ وجلّ ، لقالوا : لا يجوز عندنا السجود بقصد العبادة لسوى الله سبحانه وتعالى.
السجود على تراب كربلاء غير واجب عندنا
واعلم أيها الشيخ بأن علماءنا وفقهاءنا لم يوجبوا السجود على تراب كربلاء كما زعمت! ويكفيك مراجعة كتبهم الفقهيّة ورسائلهم العمليّة التي تتضمّن الفروع والمسائل الأوليّة في العبادات والمعاملات وغيرها ، فإنّهم أجمعوا على جواز السجود على الأرض سواء التراب أو الحجر والمدر والرمال وغيرها من ملحقات الأرض وعلى كل ما يطلق عليه الأرض عدا المعادن ، وكذلك أجازوا السجود على كلما تنبتها من غير المأكول والملبوس. هذا بحكم السنّة الشريفة ، والأوّل بحكم الكتاب العزيز. ولذا قالوا بأنّ السجود على الأرض أفضل ، وبعض فقهائنا أجاز السجود على النبات من غير المأكول والملبوس عند فقدان مشتقّات الأرض. لذلك وعملا بالأفضل نحمل معنا طينة يابسة
لكي نضعها على الفرش والبساط ونسجد عليها في الصلوات ، لأنّ أكثر الأماكن مفروشة بما لا يجوز السجود عليه كالبسط المحاكة من الصوف أو القطن وما شابه ذلك ، وتسهيلا للأمر فإننا نحمل معنا الطينة اليابسة ، لنسجد عليها في الصلاة ، وأمّا إذا صادف أن وقفنا على التراب للصلاة ، فلا نضع الطينة اليابسة بل نسجد على نفس التراب مباشرة ، إذ يتحقّق السجود الذي أراده الله تعالى من عباده المؤمنين.
الشيخ عبد السلام : لكنّا نرى أكثركم تحملون تربة كربلاء وتقدسونها ، وكثيرا ما نرى الشيعة يقبّلونها ويتبرّكون بها ، فما معنى هذا؟ وهي ليست إلاّ تربة كسائر التراب.
فضيلة السجود على تربة كربلاء
قلت : نعم نحن نسجد على تراب كربلاء ، ولكن هذا لا يعني الوجوب فلا يوجد فقيه واحد من فقهاء الشيعة في طول التاريخ أفتى بوجوب السجود على تراب كربلاء. وإنّما أجمعوا على جواز السجود على تراب أي بلد كان ، إلاّ أنّ تراب كربلاء أفضل وذلك للروايات الواردة عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام بأنّ السجود على تراب كربلاء يخرق الحجب السبع ، يعني «يصل إلى عرش الرحمن والصلاة تقع مقبولة عند الله سبحانه وتعالى».
وهذا تقدير معنوي لجهاد الإمام الحسينعليهالسلام ، إذ إنّه أقدم على الشهادة في سبيل الله لأجل إحياء الصلاة وسائر العبادات. فتقديس التربة التي أريق عليها دماء الصفوة من آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وتقديس
التربة التي تحتضن الأجساد المخضّبة بدماء الشهادة والجهاد المقدس ، والتربة التي تضم أنصار دين الله وأنصار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته الأطهار ، تقديسها تقديس للدين وللنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولكل المكارم والقيم ولكل المثل العليا التي جاء بها سيد المرسلين وخاتم النبيّين محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم . ولكن مع كل الأسف نرى بعض من ينتسبون إلى أهل السنّة ـ وهم أشبه بالخوارج والنواصب ـ يفترون على الشيعة بأنّهم يعبدون الإمام الحسين ، ويستدلّون لإثبات فريتهم وباطلهم ، بسجود الشيعة على تراب قبر الحسينعليهالسلام !! مع العلم بأنّه لا يجوز عندنا عبادة الإمام الحسينعليهالسلام ولا عبادة جدّه المصطفى وأبيه المرتضى اللذين هما أعظم رتبة وأكبر جهادا من الحسينعليهالسلام .
وأقول بكل وضوح : بأنّ عبادة غير الله سبحانه وتعالى كائنا من كان ، كفر وشرك. ونحن الشيعة لا نعبد إلاّ الله وحده لا شريك له ولا نسجد لغيره أبدا. وكل من ينسب إلينا غير هذا فهو مفتر كذّاب.
الشيخ عبد السلام : الدلائل التي نقلتموها في سبب تقديسكم لتراب كربلاء إنّما هي دلائل عقليّة مستندة إلى واقعة تاريخية أو بالأحرى هي دلائل عاطفيّة ، ونحن بصدد الاستماع إلى أدلّة نقليّة ، فهل توجد روايات معتبرة تحكي تقديس النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم واعتنائه بتراب كربلاء؟
اهتمام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بتربة كربلاء
قلت : أمّا في كتب علمائنا المحدّثين ونقلة الأخبار والروايات فقد ورد الكثير عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في تقديس تربة كربلاء واهتمامهم واعتنائهم بها وهم قد رغّبوا شيعتهم بالسجود
عليها وفضّلوها على سائر التراب ، وكلامهم سند محكم لنا ودليل أتم للعمل بدين الله عزّ وجلّ.
وأمّا الروايات المنقولة في كتبكم فكثيرة أيضا ، منها : كتاب الخصائص الكبرى للعلاّمة جلال الدين السيوطي ، فقد ذكر روايات كثيرة عن طريق أبي نعيم الحافظ والبيهقي والحاكم وغيرهم ، وهم بالإسناد إلى أم المؤمنين أم سلمة وعائشة ، وأم الفضل زوجة العباس عم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وابن عباس وأنس بن مالك وغيرهم ، ومن جملة تلك الروايات قول الراوي [رأيت الحسين في حجر جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفي يده تربة حمراء وهو يشمها ويبكي ، فقلت : ما هذه التربة يا رسول الله؟ وممّ بكاؤك؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم «كان عندي جبرئيل فأخبرني أنّ ولدي الحسين يقتل بأرض العراق ، وجاءني بهذه التربة من مصرعه».
ثم ناولها لأم سلمة (رض) وقال لها «انظري إذا انقلبت دما عبيطا فاعلمي بأنّ ولدي الحسين قد قتل».
فوضعتها أم سلمة في قارورة وهي تراقبها كل يوم ، حتى إذا كان يوم عاشوراء من سنة ٦١ هجرية فإذا بالتربة قد انقلبت دما عبيطا ، فصرخت : وا ولداه وا حسيناه. واخبرت أهل المدينة بقتل الحسينعليهالسلام (١) .]
__________________
(١) روى ابن حجر الهيثمي في كتاب الصواعق المحرقة / ص ١١٥ ، ط الميمنية بمصر قال : «الحديث الثامن والعشرون» : أخرج ابن سعد والطبراني عن عائشة أنّ النبي (ص) قال «أخبرني جبريل أنّ ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطّف ، وجاءني بهذه التربة فأخبرني أنّ فيها مضجعه».
__________________
الحديث التاسع والعشرون : أخرج أبو داود والحاكم عن أم الفضل بنت الحرث أنّ النبي (ص) قال «أتاني جبريل فأخبرني أنّ أمّتي ستقتل ابني هذا ـ يعني الحسين ـ وأتاني بتربة حمراء».
(وأخرج) أحمد «لقد دخل عليّ البيت ملك لم يدخل عليّ قبلها فقال لي : إنّ ابنك هذا حسينا مقتول ، وإن شئت اريتك من تربة الأرض التي يقتل بها ، قال : فأخرج تربة حمراء».
الحديث الثلاثون : أخرج البغوي في معجمه من حديث أنس أنّ النبي (ص) قال : «استأذن ملك القطر ربّه أنّه يزورني ، فأذن له ، وكان في يوم أم سلمة فقال رسول الله (ص) : يا أمّ سلمة! احفظي علينا الباب لا يدخل أحد ، فبينا هي على الباب إذ دخل الحسين فاقتحم فوثب على رسول الله (ص) فجعل رسول الله (ص) يلثمه ويقبّله.
فقال له الملك : أتحبه؟ قال : نعم. قال : إنّ أمّتك ستقتله وإن شئت أريك المكان الذي يقتل به. فأراه ، فجاء بسهلة أو تراب أحمر ، فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها».
قال ثابت : كنّا نقول إنها كربلاء ، وأخرجه أيضا أبو حاتم في صحيحه ، وروى أحمد نحوه ، وروى عبد بن حميد وابن أحمد نحوه أيضا ، لكن فيه أنّ الملك جبرئيل ، فإن صحّ فهما واقعتان ، وزاد الثاني أيضا : أنّه صلى الله عليه وسلم شمّها وقال : «ريح كرب وبلاء». ـ والسهلة بكسر اوّله رمل خشن ليس بالدقاق الناعم ـ وفي رواية الملا وابن أحمد في زيادة المسند قالت ـ أي أم سلمة ـ : ثم ناولني كفّا من تراب أحمر وقال «إنّ هذا من تربة الأرض التي يقتل بها ، فمتى صار دما فاعلمي أنّه قد قتل. قالت أم سلمة : فوضعته في قارورة عندي وكنت أقول : إنّ يوما يتحوّل فيه دما ليوم عظيم».
__________________
وفي رواية عنها : «فأصبته يوم قتل الحسين وقد صار دما».
وفي أخرى ـ أي رواية أخرى ـ ثم قال يعني جبريل «ألا أريك تربة مقتله؟ فجاء بحصيات فجعلهن رسول الله (ص) في قارورة ، قالت أم سلمة : فلما كانت ليلة قتل الحسين ، سمعت قائلا يقول :
أيّها القاتلون جهلا حسينا |
أبشروا بالعذاب والتذليل |
|
لقد لعنتم على لسان بن داود |
وموسى وحامل الإنجيل |
قالت : فبكيت وفتحت القارورة فإذا الحصيات قد جرت دما».
وأخرج ابن سعد عن الشعبي قال [مرّ علي رضياللهعنه بكربلاء عند مسيره إلى صفّين وحاذى نينوى ـ قرية على الفرات ، فوقف وسأل عن اسم هذه الأرض؟
فقيل : كربلاء ، فبكى حتى بلّ الأرض من دموعه. ثم قال «دخلت على رسول الله (ص) وهو يبكي ، فقلت : ما يبكيك؟ قال (ص) : كان عندي جبريل آنفا وأخبرني ، أنّ ولدي الحسين يقتل بشاطئ الفرات بموضع يقال له : كربلاء ، ثم قبض جبريل قبضة من تراب شمّني إيّاه ، فلم أملك عينيّ أن فاضتا». ورواه أحمد مختصرا عن عليّ.
وأخرج أيضا ـ أي ابن سعد ـ [أنّه صلى الله عليه وسلّم كان له مشربة ، درجتها في حجرة عائشة يرقى إليها إذا أراد لقى جبريل. فرقى إليها وأمر عائشة أن لا يطلع إليها أحد. فرقى حسين ولم تعلم به. فقال جبريل : من هذا؟ قال (ص) : ابني ، فأخذه رسول الله (ص) فجعله على فخذه. فقال جبريل : ستقتله أمّتك. فقال (ص) : ابني؟! قال : نعم وإن شئت أخبرتك الارض التي يقتل فيها ، فأشار جبريل بيده إلى الطّف بالعراق فأخذ منها تربة حمراء ، فأراه إيّاها وقال : هذه من تربة مصرعه.]
هذا ما اردنا نقله من كتاب الصواعق المحرقة.
__________________
ولا يخفى أنّ حديث التربة ورد بأسانيد وبطرق شتّى رواه كبار علماء العامّة وأعلامهم ، منهم : العلاّمة ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد : ج ٢ / ٢١٩ ، طبع الشرقيّة بمصر ، والعلاّمة المحب الطبري في ذخائر العقبى صفحة ١٤٧ ، طبع القدسي بالقاهرة ، والحافظ الذهبي الدمشقي في ميزان الاعتدال : ج ١ / ٨ ، طبع القاهرة ، والعلاّمة المتقي في كنز العمال : ج ٣ / ١١١ ، طبع حيدرآباد ، والعلاّمة السيوطي في الخصائص الكبرى : ج ٢ / ١٢٥ ، طبع حيدرآباد ، والعلاّمة الحرّاني القشيري في تاريخ الرقة ٧٥ / طبع القاهرة ، والعلاّمة ابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمة : ١٥٤ / طبع الغري ، والعلاّمة الشبلنجي في نور الأبصار ١١٦ ، ط مطبعة المليجية بمصر ، والعلاّمة عبد الغفّار الهاشمي في كتابه أئمة الهدى ٩٦ ، طبع القاهرة ، والعلاّمة الخوارزمي في مقتل الحسين : ج ٢ / ٩٤ ، والعلاّمة الطبراني في المعجم الكبير ، كما نقل عنه الصواعق ، والعلاّمة العسقلاني في تهذيب التهذيب : ج ٢ / ٣٤٦ ، طبع حيدرآباد ، والعلاّمة أبو زرعة في طرح التثريب : ج ١ / ٤١ ، طبع مصر ، والعلاّمة الهيثمي في مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٨٩ ، طبع القدسي بالقاهرة ، والعلاّمة الشيخ صفي الدين الخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال ٧١ ، طبع مصر ، والعلاّمة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ٢٧٩ ، طبع الغري ، والعلامة الزرندي الحنفي في نظم درر السمطين ٢١٥ ، ط مطبعة القضاء بمصر.
والعلاّمة عبد القادر الحنبلي في الغنية لطالبي طريق الحق : ج ٢ صفحة ٥٦ ، طبع مصر ، والعلاّمة ابن الأثير الجزري في النهاية : ج ٢ صفحة ٢١٢ ، طبع الخيرية بمصر ، والعلاّمة جمال الدين محمد بن مكرم في لسان العرب : ج ١١ / ٣٤٩ ، طبع دار الصادر بيروت ، والعلاّمة الصدّيقي الفتني في مجمع بحار الأنوار : ج ٢ / ١٦١ ، طبع لكهنو ، والعلاّمة ابن عساكر في تاريخه الكبير / في ترجمة
__________________
الحسينعليهالسلام : ج ٤ صفحة ٣٣٧ و ٣٣٨ ، والعلاّمة باكثير الحضرمي في وسيلة المآل صفحة ١٨٢ ، نسخة مكتبة الظاهرية بدمشق ، وابن الأثير الجزري أيضا في تاريخه الكامل : ج ٣ / ٣٠٣ ، طبع المنيرية بمصر.
هؤلاء كلهم رووا بأسانيد عديدة وطرق متعدّدة حديث التربة بألفاظ شتى عن أم سلمة سلام الله عليها.
ورواه جمع من علماء أهل السنّة عن ابن عباس رضي الله عنهم ، منهم : الحافظ أبو الفداء في البداية والنهاية : ج ٦ / ٢٣٠ ، طبع السعادة بمصر نقله عن مسند أبي بكر البزّار ، ومنهم : الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر في مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٩١ ، طبع القدسي بالقاهرة ، رواه عن البزّار أيضا وقال : رجاله ثقاة.
وروى حديث التربة جماعة من أعلام أهل السنة عن الإمام علي عليهالسلام ، منهم : أحمد ابن حنبل في المسند : ج ١ / ٨٥ ، طبع الميمنية بمصر ، والعلاّمة الذهبي في تاريخ الإسلام : ج ٣ / ٩ ، طبع مصر ، وفي سير أعلام النبلاء : ج ٣ / ١٩٣ ، طبع مصر ومنهم : العلاّمة المتقي الهندي في كنز العمال : ج ١٣ / ١١٢ ، طبع حيدرآباد ، ومنهم : العلامة الطبراني في المعجم الكبير ومنهم : الخوارزمي في مقتل الحسين : ج ١ / ١٧٠ طبع الغرى ، والعلامة المحب الطبري في ذخائر العقبى ١٤٧ طبع القدسي بمصر ، والعلاّمة العسقلاني في تهذيب التهذيب : ج ٢ / ٣٤٦ ، ط حيدرآباد ، والعلاّمة سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص : ص ٢٢٥ ، طبع مؤسسة أهل البيت / بيروت. والعلاّمة السيوطي في الخصائص الكبرى : ج ٢ / ١٢٦ ، طبع حيدرآباد.
والعلاّمة محمد بن حوت البيروتي في أسنى المطالب ٢٢ ، ط مصطفى الحلبي.
والعلاّمة المناوي في الكواكب الدّرّيّة : ج ١ / ٥٦ ، ط الأزهريّة بمصر والعلاّمة القندوزي في ينابيع المودّة / ٣١٩ ، طبع إسلامبول.
وروى حديث التربة معاذ بن جبل في حديث مفصّل ، أخرجه العلاّمة الطبراني في
__________________
المعجم الكبير وأخرجه عن طريق الطبراني الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٨٩ ، طبع القدسي بالقاهرة وأخرجه العلاّمة الخوارزمي في مقتل الحسين : ج ١ / ١٦٠ ، ط الغري والمتقي الهندي في كنز العمال : ج ١٣ / ١١٣ ، طبع حيدرآباد الدكن ، أخرجه عن طريق الديلمي.
والعلاّمة البدخشي في (مفتاح النجا) أيضا عن طريق الديلمي.
وروى جماعة من أعلام أهل السنّة حديث التربة عن عائشة منهم : الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٨٧ ، طبع القدسي بالقاهرة ، أخرجه عن المعجم الكبير للطبراني ، والخوارزمي في (مقتل الحسين) والمتقي الهندي في كنز العمال : ج ١٣ / ١١١ ، ط حيدرآباد ، وابن حجر في الصواعق كما مرّ آنفا ، والمناوي في الكواكب الدريّة : ج ١ / ٤٥ ، طبع الأزهريّة بمصر ، والعلاّمة القندوزي في الينابيع / ٣١٨ ، ط اسلامبول والعلاّمة النبهاني في الفتح الكبير : ج ١ / ٥٥ ، طبع مصر ، والعلاّمة البدخشي في مفتاح النجا : ١٣٤ ، والعلاّمة القلندر الهندي في الروض الأزهر : ١٠٤ ، طبع حيدرآباد ، وأكثرهم رووا الحديث عن عائشة عن طريق ابن سعد والطبراني.
وروى حديث التربة جماعة من أعلام العامّة عن أبي أمامة منهم العلاّمة الهيثمي في مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٨٩ ، ط القدسي بالقاهرة ، وقال في آخره : رواه الطبراني ورجاله موثوقون. ومنهم العلاّمة الذهبي في تاريخ الاسلام : ج ٣ / ١٠ ، طبع مصر ، وفي كتابه الآخر (سير أعلام النبلاء) ج ٣ / ١٩٤ ، طبع مصر.
وروى حديث التربة جمع من أعلام أهل السنّة عن زينب بنت جحش ، منهم الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٨٨ ، طبع القدسي بالقاهرة ، وقال : رواه الطبراني بإسنادين ، ومنهم العلاّمة المتقي الهندي في (كنز العمال) ج ١٣ / ١١٢ ، طبع حيدرآباد الدكن ، والعلاّمة البدخشي في مفتاح النجا : ص ١٣٥
__________________
رواه من طريق الطبراني وأبي يعلى. ومنهم العلاّمة العسقلاني في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية صفحة ٩ / طبع الكويت ، أخرجه عن طريق أبي يعلى.
وروى حديث التربة جماعة من أعلام العامّة عن أم الفضل بنت الحارث ، منهم الحاكم في المستدرك : ج ٣ / ١٧٦ ، طبع حيدرآباد ، وقال : حديث صحيح ، والعلاّمة ابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمة صفحة ١٥٤ ، ط الغري ، وابن حجر في الصواعق كما مرّ آنفا ، أخرجه عن أبي داود والحاكم ، والعلاّمة المتقي الهندي في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش المسند : ج ٥ / ١١١ ، ط الميمنيّة بمصر ، والعلاّمة ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية : ج ٦ / ٢٣٠ ، طبع القاهرة ، رواه عن طريق البيهقي ، والعلاّمة الذهبي في (تلخيص المستدرك) المطبوع في ذيل المستدرك : ج ٣ / ١٧٦ ، حيدرآباد ، والعلاّمة السيوطي في الخصائص الكبرى : ج ٢ / ١٢٥ ، ط حيدرآباد ، رواه عن طريق الحاكم والبيهقي ، والعلامة الخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح : ٥٧٢ ، ط دهلي ، والعلامة أحمد بن يوسف الدمشقي في أخبار الدول وآثار الأول : ١٠٧ ، ط بغداد ، والعلاّمة البدخشي في مفتاح النجا ١٣٤ رواه عن البيهقي من دلائل النبوّة ، والعلاّمة القندوزي في الينابيع / ٣١٨ ، ط اسلامبول نقلا عن المشكاة ، وفي صفحة ٣١٩ رواه عن أبي داود والحاكم ، والعلاّمة الشبلنجي في (نور الأبصار) ١١٦ طبع مصر ، والعلاّمة الخوارزمي في (مقتل الحسين) ج ١ / ١٥٨ طبع الغري ، والعلاّمة النبهاني في (الفتح الكبير) ج ١ / ٢٢ طبع مصر.
ورواه جماعة من أعلام العامّة عن أنس بن مالك ، منهم : أبو نعيم الحافظ في دلائل النبوّة ٤٨٥ طبع حيدرآباد ، وأحمد في المسند : ج ٤ / ٢٤٢ ، طبع الميمنيّة بمصر ، والعلاّمة المحب الطبري في ذخائر العقبى ١٤٦ ، طبع القدسي بمصر ، قال : خرّجه البغوي في معجمه ، وخرّجه أبو حاتم في صحيحه ، والعلاّمة الخوارزمي في مقتل الحسين : ج ١ صفحة ١٦٠ طبع الغري ، والعلاّمة الذهبي في تاريخ الاسلام :
__________________
ج ٣ صفحة ١٠ طبع مصر ، وفي سير أعلام النبلاء : ج ٣ / ١٩٤ ، طبع مصر ، والحافظ ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية : ج ٦ / ٢٢٩ ، ط القاهرة ، والعلاّمة الهيثمي في مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٨٧ ، طبع القدسي بمصر ، وابن حجر في الصواعق كما ذكرناه عنه آنفا ، وجلال الدين السيوطي في الخصائص :ج ٢ / ١٢٥ ، طبع حيدرآباد / قال : وأخرج البيهقي وأبو نعيم ، عن أنس الخ ، وفي كتابه الآخر الحبائك في أخبار الملائك ٤٤ طبع دار التقريب بالقاهرة ، والعلاّمة الشعراني في (مختصر تذكرة الشيخ أبي عبد الله القرطبي) ١١٩ ط مصر ، والعلاّمة النبهاني في الأنوار المحمدية ٤٨٦ ط الأدبية بيروت ، والعلاّمة البرزنجي في (الإشاعة في أشراط الساعة) ٢٤ / ط مصر ، والعلاّمة القندوزي في (ينابيع المودة) الباب الستّون / قال : وأخرج البغوي في معجمه وأبو حاتم في صحيحه وأحمد بن حنبل وابن أحمد وعبد بن حميد وابنه أحمد ، عن أنس الخ ، والعلاّمة الحمزاوي في مشارق الأنوار : ١١٤ طبع الشرقية بمصر.
ورواه بعض أعلام العامة عن أبي الطفيل ، منهم الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٩٠ طبع القدسي في القاهرة ، وقال : رواه الطبراني وإسناده حسن.
ورواه بعض أعلام العامّة عن سعيد بن جمهان ، منهم الحافظ محمد بن قايماز الدمشقي المشهور بالذهبي في (تاريخ الاسلام) ج ٣ / ١١ طبع مصر ، وفي كتابه الآخر (سير أعلام النبلاء) ج ٣ / ١٩٥ طبع مصر.
أقول : وأمّا في خصوص تقبيل النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وتقديسه تربة كربلاء فقد وردت روايات في كتب أعلام أهل السنّة منهم : الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري في (المستدرك) ج ٤ / ٣٩٨ طبع حيدرآباد ، قال ـ وذكر السند إلى عبد الله بن وهب بن زمعة ـ قال : أخبرتني أمّ سلمة (رض) [أنّ رسول الله (ص) اضطجع ذات ليلة للنوم فاستيقظ وهو حائر ، ثم اضطجع فرقد ، ثم استيقظ وهو حائر دون ما رأيت
ولقد أجمع علماؤنا أنّ أوّل من اتخذ من تراب كربلاء ـ بعد استشهاد أبي عبد الله الحسين سيد الشهداء وانصاره وصحبه السعداء الشهداء الأوفياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ هو الإمام السجاد زين العابدين ، إذ حمل معه كيسا من تلك التربة الزاكية الطيّبة ، فكان يسجد على بعضها ، وصنع ببعضها مسباحا يسبّح به. وهكذا فعل أئمة أهل البيتعليهمالسلام من بعده ، وهم أحد الثقلين ، فيلزم الاقتداء بهم والأخذ بقولهم وفعلهم لقول النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم «إني تارك
__________________
به المرّة الأولى ، ثم اضطجع فاستيقظ وفي يده تربة حمراء يقبّلها.
فقلت : ما هذه التربة يا رسول الله؟! قال «أخبرني جبريل عليه الصلاة والسلام : أنّ هذا يقتل بأرض العراق ـ للحسين ـ. فقلت لجبريل : أرني تربة الأرض التي يقتل بها ، فهذه تربتها». قال : هذا حديث صحيح.]
ورواه العلاّمة الطبراني في (المعجم الكبير) ص ١٤٥ مخطوط ، بإسناده إلى أم سلمة عن طريق آخر ، فذكر الحديث بعين ما تقدّم عن المستدرك لكنّه أسقط قولها [ثم اضطجع ، إلى قولها : فاستيقظ]. وذكر بدل قوله حائر : خائر النفس.
ورواه المحب الطبري في (ذخائر العقبى) ١٤٧ طبع القدس بالقاهرة عن طريق ثالث بالإسناد إلى أم سلمة بعين ما تقدّم عن (المستدرك) من قوله [استيقظ وهو حائر دون ما رأيت] الخ لكنّه ذكر بدل كلمة حائر : خائر.
فإذا كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقبّل تربة كربلاء باعتبار أنّها تكون مضجع ولده الحسين في المستقبل ، كيف لا يجوز لنا ان نقبّل تلك التربة ونقدّسها بعد أن أريقت عليها دماء الحسين وأصحابه وآله الأبرار الطيبين الأخيار ، وصارت لهم مرقدا إلى يوم الحساب؟ فصلوات الله وسلامه عليهم وعلى أبدانهم وأرواحهم ، ولقد طابوا وطابت الأرض التي دفنوا فيها.
«المترجم»
فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ، وهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».
فالتمسك بهم وبقولهم وفعلهم أمان من الضلال وموجب لدخول الجنّة معهم إن شاء الله تعالى.
ولقد روى شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي رضوان الله تعالى عليه ، في كتابه مصباح المتهجّد ، بأنّ الإمام الصادق جعفر بن محمد عليهما السّلام كان يحمل معه شيئا من تربة كربلاء في منديل أصفر ، وكان وقت الصلاة يفتح ذلك المنديل ويسجد على تلك التربة ، وكان يقول : إنّ السجود على تراب قبر جدّي الحسينعليهالسلام غير واجب ولكن أفضل من السجود على غيره من بقاع الأرض. وهذا رأي جميع فقهاء الشيعة بلا استثناء.
فكانت الشيعة أيضا تحمل من تراب كربلاء في مناديل معهم ، فإذا صار وقت الصلاة فتحوا المنديل وسجدوا على التراب الذي فيه ؛ وبعد ذلك فكّروا بصنع قطعات يسهل حملها ، فمزجوا تراب كربلاء بالماء وجعلوا منه قطعات من الطين اليابس تسهيلا لحمله ونقله فكلّ من أحبّ يأخذ معه طينة يابسة يحملها معه فإذا صار وقت الصلاة ، وضعها حيث يشاء فيسجد عليها ، وهو من باب الفضيلة والاستحباب ، وإلاّ فنحن نسجد على كلّ ما يطلق عليه اسم الأرض ، من الحجر والمدر والتراب والحصى والرمل من كل بقاع الأرض.
والآن فكروا هل يصح منكم ـ وأنتم علماء القوم ـ أن تهاجموا الشيعة المؤمنين ، لأجل سجودهم على تراب كربلاء؟ فتلبسوا الواقع
على أتباعكم ، فيظنّون بأنّ الشيعة كفار ومشركون ، يعبدون الأصنام ، ومن المؤسف أنّ بعض علماء أهل السنة أيضا يماشي عامة الناس ويؤيّدهم من غير أن يتحقق في الموضوع ، ليعرف ما هو دليل الشيعة على عملهم وما هو معنى ومغزى سجودهم على الطينة اليابسة؟!
ولو كان علماء العامّة يحقّقون في ذلك لعرفوا أنّ الشيعة أكثر خضوعا وأكثر تذلّلا لله عزّ وجلّ ، إذ يضعون جباههم ـ وهو أفضل مواضع الجسم ـ على التراب الذي يسحق بالأقدام ، يضعون جباههم عليه خضوعا لله وعبوديّة له سبحانه ، وهكذا يتصاغرون أمام عظمة الله تعالى ويتذلّلون له عزّ وجلّ.
فالعتب على علماء العامّة إذ يتّبعون بعض أسلافهم في إثارة التّهم والافترءات والأكاذيب على الشيعة ، بغير تحقيق وتدبّر ، فنحن ندعوهم إلى التفكّر والتعمّق في معتقداتهم ومعتقداتنا ، ونطلب منهم بإلحاح أن يحقّقوا المسائل الخلافية بيننا وبينهم ، فيعرفوا دلائلنا ، لعلّهم يجدوا الحقّ فيتّبعوه.
كما نؤكّد عليهم أن يمرّوا بفتاوى أئمة المذاهب الأربعة ، ليجدوا سخافة الرأي وغريب النّظر فيها من قبيل جواز نكاح الأم ، ونكاح الولد الأمرد في السفر ، أو المسح على العمامة والخفّين في الوضوء والوضوء بالنبيذ ، أو السجود على العذرة اليابسة وغيرها من الفتاوى العجيبة والآراء الغريبة(١) . والأغرب تسليم سائر علمائكم لتلك
__________________
(١) توجد هذه الفتاوى وغيرها في كتاب الفقه على المذاهب الخمسة وهو كتاب علمي تحقيقي تأليف حجة الاسلام والمسلمين الشيخ محمد جواد مغنيةرحمهالله تعالى.
«المترجم»
الآراء وعدم نقضها ، ولكنّهم يطعنون في رأي أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، ويتجرءون على ردّهم ، والتجاسر على رمي شيعتهم الذين يتبعونهم بالكفر والشرك ، وربما أفتوا بجواز قتل الشيعة وإباحة أموالهم ، فبهذه الفتاوى والأعمال يضعّفون جانب الإسلام ، ويعبّدون الطريق لسلطة اليهود والنصارى على رقاب المسلمين وبلادهم.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوحّد بين المسلمين ويؤلّف قلوبهم ويلقي بيننا وبينكم المودّة والمحبّة إنّه سميع مجيب.
الرجوع الى موضوع نقاشنا في الليلة الماضية
نكتفي بهذا المقدار من العتاب والتظلّم ، ونرجع إلى موضوع الحوار والنقاش الذي تركناه ناقصا في الليلة الماضية. وهو ردّنا لكلام فضيلة الشيخ عبد السلام ، إذ قال : حيث كان أبو بكر أكبر سنا من سيدنا علي كرّم الله وجهه ، أجمع الأصحاب على تقديمه في الخلافة فبايعوه وأخّروا عليا.
فأقول : أولا : ادّعاء الإجماع باطل لمخالفة بني هاشم قاطبة ، وكذلك مخالفة الذين اجتمعوا في بيت السيدة فاطمةعليهاالسلام ، وهكذا سعد ابن عبادة فإنّه خالف خلافة أبي بكر وما بايعه إلى آخر عمره ، وتبعه أكثر قومه لأنّه كان صاحب الحلّ والعقد فيهم وكانوا له خاضعين تابعين(١) .
__________________
(١) أقول : لا شك ولا ريب أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة من فلتات الجاهليّة ، وقد صرّح بذلك عمر بن الخطاب ، راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ٢ / ٢٢ وما بعدها / ط دار إحياء الكتب العربية بيروت.
__________________
فأين الفلتة من الإجماع؟!
ولو نظرنا إلى الحوادث والوقائع التي كانت عقيب السقيفة والمعارضات التي بدت من المهاجرين والأنصار لخلافة أبي بكر ، عرفنا أنّ الإجماع ما تمّ أبدا ، وإنّما بايع بعض وعارض آخرون ، ثم خضعوا خوفا من القتل. كما روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١ / ٢١٩ ، ط دار إحياء الكتب العربية بيروت. [وقال البرّاء بن عازب : وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة ، وهم محتجزون بالازر الصنعانيّة ، لا يمرّون بأحد إلاّ خبطوه ، وقدّموه فمدّوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه ؛ شاء ذلك أو أبى ؛ فأنكرت عقلي
قال : ورأيت في الليل ، المقداد وسلمان ، وأبا ذر وعبادة بن الصامت وأبا الهيثم بن التيّهان وحذيفة وعمّارا ، وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين.]
ونقل أيضا ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٦ / ١٩ ، عن الزبير بن بكّار أنّه قال : فلما بويع أبو بكر ، أقبلت الجماعة التي بايعته تزفّه زفّا إلى مسجد رسول الله (ص) ، فلمّا كان آخر النهار ، افترقوا إلى منازلهم ، فاجتمع قوم من الأنصار وقوم من المهاجرين ، فتعاتبوا فيما بينهم ، فقال عبد الرحمن بن عوف : يا معشر الأنصار ، إنّكم وإن كنتم أولي فضل ونصر وسابقة ؛ ولكن ليس فيكم مثل أبي بكر ولا عمر ولا عليّ ولا أبي عبيدة.
فقال زيد بن أرقم : إنّا لا ننكر فضل من ذكرت يا عبد الرحمن. وإنّ منّا لسيّد الأنصار : سعد بن عبادة ، ومن أمر الله رسوله أن يقرئه السلام ، وأن يؤخذ عنه القرآن : أبيّ بن كعب ، ومن يجيء يوم القيامة امام العلماء : معاذ بن جبل ، ومن أمضى رسول الله (ص) شهادته بشهادة رجلين : خزيمة بن ثابت ؛ وإنّا لنعلم أنّ ممّن سمّيت من قريش من لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد : علي بن أبي طالب.
__________________
ونقل ابن أبي الحديد في ص ٢١ قال : وروى الزبير بن بكّار ، قال : روى محمد بن إسحاق أنّ أبا بكر لما بويع افتخرت تيم بن مرّة.
قال : وكان عامّة المهاجرين وجلّ الانصار لا يشكّون أنّ عليا هو صاحب الأمر بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وأما الذين عارضوا خلافة أبي بكر ولم يبايعوه ، منهم : ، سعد بن عبادة سيد الخزرج وزعيمهم ، قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٦ / ١٠ : فكان لا يصلّي بصلاتهم ، ولا يجتمع بجماعتهم ، ولا يقضي بقضائهم ، ولو وجد أعوانا لضاربهم ، فلم يزل كذلك حتى مات أبو بكر
فلم يلبث سعد بعد ذلك إلاّ قليلا حتى خرج إلى الشام ، فمات بحوران ولم يبايع لأحد ، لا لأبي بكر ولا لعمر ولا لغيرهما.
ومنهم خالد بن سعيد بن العاص ، كما في شرح نهج البلاغة : ج ٦ / ٤١ ، قال ابن أبي الحديد نقلا عن أبي بكر الجوهري وهو بإسناده إلى مكحول قال [إنّ رسول الله (ص) استعمل خالد بن سعيد بن العاص على عمل ، فقدم بعد ما قبض رسول الله (ص) وقد بايع الناس أبا بكر ، فدعاه إلى البيعة ، فأبى ، فقال عمر : دعني وإيّاه ، فمنعه أبو بكر ، حتى مضت عليه سنة.]
وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١ / ٢١٨ ، ط دار إحياء الكتب العربية ، تحت عنوان : اختلاف الرأي في الخلافة بعد وفاة رسول الله (ص) [لما قبض رسول الله (ص) واشتغل علي عليهالسلام بغسله ودفنه ، وبويع أبو بكر ؛ خلا الزبير وأبو سفيان وجماعة من المهاجرين بعبّاس وعليّ عليهالسلام لإجالة الرأي الخ ، وقد استعرض في هذا الفصل بعض الخلافات التي شبّت عقيب بيعة أبي بكر ، إلى أن قال : بأنّ أبا بكر وعمر وأبا عبيدة والمغيرة ، دخلوا على العباس وذلك في الليلة الثانية من وفاة رسول الله (ص) ، فبدأ أبو بكر بالكلام إلى أن قال للعباس : فقد
__________________
جئناك ، ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا ، ولمن بعدك من عقبك ، إذ كنت عمّ رسول الله (ص) وإن كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول الله (ص) ومكان أهلك ، ثم عدلوا بهذا الأمر عنكم ، وعلى رسلكم بني هاشم ؛ فإنّ رسول الله (ص) منّا ومنكم.
فاعترض كلامه عمر ، وخرج إلى مذهبه في الخشونة والوعيد وإتيان الأمر من أصعب جهاته ، فقال : إي والله. وأخرى : إنّا لم نأتكم حاجة إليكم ، ولكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم ، فيتفاقم الخطب بكم وبهم ، فانظروا لأنفسكم ولعامّتهم. ثم سكت.
فتكلّم العباس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إنّ الله ابتعث محمدا (ص) نبيّا كما وصفت ووليّا للمؤمنين إلى أن قال لأبي بكر : فإن كنت برسول الله (ص) طلبت ـ الخلافة ـ فحقّنا أخذت ، وإن كنت بالمؤمنين فنحن منهم ؛ ما تقدمنا في أمركم فرطا ولا حللنا وسطا. ولا نزحنا شحطا ؛ فإن كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين ، فما وجب إذ كنّا نحن كارهين. وما أبعد قولك : إنّهم طعنوا من قولك إنّهم مالوا إليك! وأمّا ما بذلت لنا ، فإن يكن حقك أعطيتناه فأمسكه عليك ، وإن يكن حقّ المؤمنين فليس لك أن تحكم فيه ، وإن يكن حقّنا لم نرض لك ببعضه دون بعض.
وما أقول هذا أروم صرفك عمّا دخلت فيه ، ولكن للحجّة نصيبها من البيان. وأمّا قولك : إنّ رسول الله (ص) منّا ومنكم. فإنّ رسول الله (ص) من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها.
وأما قولك يا عمر : إنّك تخاف الناس علينا. فهذا الذي قدمتموه أوّل ذلك ، وبالله المستعان.]
وروى ابن أبي الحديد أيضا في شرح نهج البلاغة : ج ٦ / ١١ ، ط دار إحياء التراث
ثانيا : أما قولك بأن أبا بكر كان أحق بالخلافة من الإمام عليّعليهالسلام لأنّه كان أكبر سنّا ، فمردود أيضا ، ولا يخفى على من درس التاريخ وسيرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بأنّ رسول الله كان يولّي عليا مهامّ الأمور ، مع وجود المسنّين ، لكنّه كان يرى عليا لائقا وأهلا لتولّي الأمور المهام
__________________
العربي قال [وذهب عمر ومعه عصابة إلى بيت فاطمة ، منهم أسيد بن خضير وسلمة بن أسلم ، فقال لهم : انطلقوا فبايعوا ، فأبوا عليه ؛ وخرج إليهم الزبير بسيفه ، فقال عمر : عليكم الكلب ، فوثب عليه سلمة بن أسلم ، فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار ، ثم انطلقوا به وبعليّ ومعهما بنو هاشم ، وعليّ يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله (ص) ، حتى انتهوا به إلى أبي بكر ، فقيل له : بايع ، فقال : أنا أحقّ بهذا الأمر منكم ، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار ، واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله (ص) ، فأعطوكم المقادة وسلّموا إليكم الإمارة ، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار. فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم ، واعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم ، وإلاّ فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون.]
فقال عمر : إنّك لست متروكا حتى تبايع. فقال له عليّ «أحلب يا عمر حلبا لك شطره! أشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا! ألا والله لا أقبل قولك ولا أبايعه». فقال له أبو بكر : فإن لم تبايعني لم أكرهك ، فقال عليّ «يا معشر المهاجرين ، الله الله! لا تخرجوا سلطان محمد (ص) عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم ، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه ، فو الله يا معشر المهاجرين لنحن ـ أهل البيت ـ أحقّ بهذا الأمر منكم ، ما كان منّا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بالسنّة ، المضطلع بأمر الرّعية! والله إنّه لفينا ، فلا تتبعوا الهوى ، فتزدادوا من الحقّ بعدا».
بالله عليكم أيّها الإخوان! أنصفوا! أين هذا الكلام من الإجماع؟!
«المترجم»
ولا يرى للمسنّين لياقة وكفاءة مثل الإمام عليّعليهالسلام .
وإنّ عزل أبي بكر من تبليغ الآيات الأولى من سورة براءة ، ونصب عليّعليهالسلام مكانه من أجلى مصاديق ذلك وأظهرها وأشهرها.
النوّاب : أرجو أن تبيّنوا لنا هذا الموضوع ، لأنّكم في إحدى الليالي السالفة أيضا أشرتم إليه وما شرحتموه ، ويبدو أنّ هذه القضيّة من الأمور المهمة والمسلّمة ، لأنّي ما أحسست مخالفة وإنكارا من علمائنا ، حينما تشيرون إليها.
الله جلّ جلاله عزل أبا بكر ونصب علياعليهالسلام
قلت : لقد أجمع علماء المسلمين وأهل التاريخ والسّير والمفسّرون بأنّ آيات أول سورة براءة حين نزلت على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفيها ذم المشركين والبراءة منهم وإعلان الحرب عليهم ، بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أبا بكر بالآيات ليؤذّن بها في موسم الحج ويسمعها المشركين ، وكان ذلك سنة تسع من الهجرة ، فلما انطلق أبو بكر نحو مكة ومعه جماعة من المسلمين ، دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليا فقال له : أخرج بهذه الآيات ، فإذا اجتمع الناس إلى الموسم فأذّن بها حتى يسمع كل من حضر من المشركين فيبلّغوا أهل ملّتهم ، أن لا يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ، ودفع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ناقته العضباء إلى الإمام عليّعليهالسلام فركبها وسار حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة ، فأخذ منه الآيات وأبلغه أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فرجع أبو بكر إلى المدينة فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله هل نزل فيّ قرآن؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم «لا ولكن لا يبلّغ عني إلاّ أنا أو رجل منّي».
وأمّا عليّعليهالسلام فقد ذهب بالآيات وأذّن بها في الحج ويوم النحر
وأسمعها كل من حضر من المشركين ، كما أمره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
النوّاب : هل ذكر أعلام العامّة وكبار علماء السنّة هذا العزل والنصب في كتبهم ، أم أنّ الشيعة انفردوا بنقل هذا الخبر؟
قلت : لقد بيّنت لكم آنفا ، أنّ علماء الإسلام من محدّثين ومؤرخين ومفسرين ذكروا الخبر ونشروه في كتبهم ، وسأذكر لكم بعضها لكي تطمئنّ قلوبكم بحقيقة الخبر وصدقه :
صحيح البخاري : ج ٤ و ٥ ، والجمع بين الصحاح الستة ج ٢ ، وسنن البيهقي صفحه ٩ و ٢٢٤ ، وجامع الترمذي : ج ٢ / ١٣٥ ، وسنن أبي داود ، ومناقب الخوارزمي ، وتفسير الشوكاني : ج ٢ / ٣١٩ ، ومطالب السئول ، وينابيع المودة / باب ١٨ ، والرياض النضرة وذخائر العقبى / ٦٩ ، وتذكرة الخواص لسبط بن الجوزي تحت عنوان : تفسير معنى قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ولا يؤدّي عنّي إلاّ عليعليهالسلام ، وكتاب خصائص مولانا علي بن أبي طالب للنسائي / ٢٠ ، طبع التقدّم بالقاهرة نقل الحديث والخبر عن ستة طرق ، والبداية والنهاية لابن كثير الدمشقي : ج ٥ / ٣٨ وج ٧ / ٣٥٧ ، والإصابة لابن حجر العسقلاني : ج ٢ / ٥٠٩ ، وتفسير الدرّ المنثور للسيوطي : ج ٣ / ٢٠٨ في أول تفسير سورة براءة ، والطبري في جامع البيان : ج ١٠ / ٤١ ، والثعلبي في تفسير كشف البيان ، وابن كثير أيضا في تفسيره : ج ٢ / ٣٣٣ ، وروح المعاني للآلوسي : ج ٣ / ٢٦٨ والصواعق المحرقة لابن حجر المكّي / ١٩ ، طبع الميمنية بمصر ، ومجمع الزوائد للحافظ الهيثمي : ج ٧ / ٢٩ ، وكفاية الطالب للعلاّمة الكنجي الشافعي / باب ٦٢ رواه مسندا عن أبي بكر ، ثمّ قال : هكذا رواه الإمام أحمد في مسنده ، ورواه أبو نعيم الحافظ ،
وأخرجه الحافظ الدمشقي في مسنده بطرق شتى ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند : ج ١ / ٣ و ١٥١ ، وج ٣ / ٢٨٣ ، وج ٤ / ١٦٤ و ١٦٥ ، والمستدرك للحاكم : ج ٢ / ٥١ و ٣٣١ ، وكنز العمال : ج ١ / ٢٤٦ ـ ٢٤٩ وج ٦ / ١٥٤ في فضائل عليعليهالسلام . ورواه غير هؤلاء وهو من الأخبار المتواترة.
السيد عبد الحي : حينما أسمع أو أقرأ هذا الخبر ، يتبادر سؤال في نفسي وهو : أن رسول الله (ص) في مثل هذه الأمور لا يقدم إلاّ بإشارة من الله سبحانه ، فكيف بعث أوّلا أبا بكر (رض) ثم عزله وبعث سيدنا عليا كرم الله وجهه؟ يا ترى ما الحكمة في هذا العمل؟! وهو لا يخلو من شيء لا من الاستخفاف وشبهه!!
لما ذا عزل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أبا بكر؟
قلت : لم يذكر أحد العلماء والمحدثين في الكتب سببا منصوصا لعمل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنما ذكروا بعض الأسباب الاحتماليّة ، أشهرها ما نقله ابن حجر في صواعقه / ١٩ ، وسبط ابن الجوزي في تذكرته تحت عنوان : تفسير قوله (ص) : ولا يؤدّي عنّي إلاّ علي جاء فيه ، وقال الزهري [إنّما أمر النبي (ص) علياعليهالسلام أن يقرأ براءة دون غيره لأنّ عادة العرب أن لا يتولّى العهود إلاّ سيد القبيلة وزعيمها أو رجل من أهل بيته يقوم مقامه كأخ أو عم أو ابن عم فأجراهم على عادتهم ،] قال : وقد ذكر أحمد في الفضائل بمعناه. (انتهى ما نقلناه من التذكرة).
وأما هذا في نظري غير تامّ ، لأنّه لو كان كذلك لما بعث رسول
الله (ص) أبا بكر أوّلا. بل كان من بادئ الأمر يبعث عمّه العباس وهو ذو شيبة وكان يعدّ الشيخ ذا السّنّ من بني هاشم ، وإنما الذي يظهر من هذا الأمر ، أنّ الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم أرادا أن يظهرا مقام الإمام عليّعليهالسلام ومنزلته ، وأنّه سفير النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والذي هو كفو وأهل لينوب عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
نعم أرادا كشف هذه الحقيقة حتى يستنبط شيعة عليعليهالسلام منها الرّدّ القانع والجواب القاطع على كلامكم الزائف وقولكم بأنّ أبا بكر أحق بالخلافة من عليّعليهالسلام لأنّه كان أسنّ منه.
وإذا كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يبعث علياعليهالسلام بادئ الأمر ، ما كان يلفت النظر ولم يكن له هذا الصّدى والانعكاس الذي حصل من عزل أبي بكر ونصب الإمام عليّعليهالسلام وذلك بأمر من جبرئيل عن الله عزّ وجلّ إذ قال «لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك».
فيحصل من هذا الخبر المتواتر أنّ نيابة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والقيام مقامه لا يرتبط بكبر السنّ أو حداثته ، وإنّما يلزم فيه الكفاءات ، واللياقات التي كانت في الإمام عليّعليهالسلام ولم تكن في أبي بكر ، ولذا عزل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ بأمر الله سبحانه ـ أبا بكر ونصب الامام عليّ لأداء تلك المهمّة ، فهو المقدّم عند الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم على أبي بكر وغيره.
السيد عبد الحيّ : لقد ورد في بعض الأخبار عن أبي هريرة بأنّ عليا كرم الله وجهه التحق بأبي بكر بأمر النبي (ص) ، وذهبا معا إلى مكة فعلي بلّغ الآيات النازلة في أوّل سورة البراءة ، وأبو بكر علّم الناس مناسك الحج ، فكلاهما متساويان في التبليغ.
قلت : هذا الخبر من وضع البكريين وأكاذيبهم وهو غير مشهور
ويعارضه الخبر المتواتر المسلّم عليه وهو عزل أبي بكر بأمر الله سبحانه ونصب الإمام عليّعليهالسلام مكانه وتبليغه الآيات بوحده. ومن الواضح لزوم التمسك بالخبر المرويّ في الصحاح والمسانيد والمجمع عليه بين الرواة والمحدّثين ، وطرح الخبر الضعيف المعارض.
والنتيجة الحاصلة من هذا الخبر أنّ السنّ غير دخيل في نيابة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وخلافته ، بل اتفاق العقلاء والنبلاء بلزوم العلم والتقوى في الامام الذي يتعيّن لقيادة الامّة.
ولهذا قدّم الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم علياعليهالسلام إذ كان أعلم الصحابة حتى قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حقه «عليّ باب علمي ومبيّن لأمّتي ما أرسلت به من بعدي(١) ». فخصّه دون غيره بهذه الفضيلة العالية والمنقبة السامية.
__________________
(١) أيها القارئ الكريم هذا الحديث مشهور عند المحدثين والعلماء ولذا لم يذكر المؤلف مصدرا له وأرسله إرسال المسلّمات ، ولكني أذكر بعض مصادره ليطمئن قلبك ، فأقول : رواه العلاّمة القندوزي في الينابيع صفحة ٢٧٩ ، طبع المكتبة الحيدريّة ، أخرجه في ضمن المناقب السبعين في فضائل أهل البيت فقال : الحديث التاسع والعشرون ، عن أبي الدرداءرضياللهعنه قال «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عليّ باب علمي ومبيّن لأمتي ما أرسلت به من بعدي ، حبّه إيمان وبغضه نفاق والنظر إليه رأفة ومودّته عبادة» ، قال : رواه صاحب الفردوس وهو الديلمي في فردوس الأخبار وأخرجه العلاّمة الهمداني الشافعي في كتابه مودّة القربى في أواخر المودّة السابعة قال [أبو ذر رفعه : عليّ باب علمي ومبيّن لأمتي ما أرسلت به من بعدي ، حبّه إيمان وبغضه نفاق والنظر إليه رأفة وعبادة] قال : رواه أبو نعيم الحافظ بإسناده.
ونقله المتقي الهندي في كنز العمال : ج ٦ / ١٥٦ وقال : أخرجه الديلمي عن أبي ذر.
أقول : واعلم أنّ علماء المسلمين اتّفقوا بأنّ عليا عليهالسلام كان أعلم الناس بعد رسول
__________________
اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وذلك لما روي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن طريق سلمان (رض) قال «أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب». أخرجه المتقي الهندي في كنز العمّال : ج ٦ / ١٥٦ وقال : أخرجه الديلمي ، والمناوي أيضا أخرجه في كنوز الحقائق : ص ١٨ ، ونقله القندوزي أيضا في الينابيع / الباب الرابع عشر في غزارة علمه ، نقله عن الموفق بن أحمد بسنده عن سلمان رضي الله عنه. وذكره ضمن المناقب السبعين في فضائل أهل البيت «الحديث السادس والعشرون» عن سلمان. وذكره أيضا العلاّمة الهمداني في كتابه مودّة القربى / في المودّة الخامسة ، والسابعة عن سلمان أيضا.
وروى المتقي في كنز العمال : ج ٦ / ١٥٦ عن النبي (ص) أنه قال «علي بن أبي طالب أعلم الناس بالله والناس». قال : أخرجه أبو نعيم الحافظ.
ونقل العلاّمة القندوزي في ينابيع المودّة / الباب الرابع عشر في غزارة علمه : عن محمد بن علي الحكيم الترمذي في شرح الرسالة الموسومة بالفتح المبين قال ابن عباس (رض) وهو إمام المفسرين [العلم عشرة أجزاء لعليّ تسعة أجزاء وللناس العشر الباقي وهو أعلمهم به]. الخ ثم قال الترمذي : ولهذا كانت الصحابة (رض) يرجعون إليه في أحكام الكتاب ويأخذون عنه الفتاوى كما قال عمر بن الخطاب في عدّة مواطن [لو لا علي لهلك عمر]. وقال (ص) «أعلم أمتي عليّ بن أبي طالب».
وقال القندوزي في الباب : أخرج ابن المغازلي بسنده عن أبي الصباح عن ابن عباس (رض) قال «قال رسول الله (ص) : لمّا صرت بين يدي ربي كلّمني وناجاني ، فما علمت شيئا إلا علّمته عليا فهو باب علمي». ونقله في الباب أيضا عن الموفق بن أحمد الخوارزمي بنفس الإسناد بتفصيل أكثر.
وروى القندوزي في الباب أيضا فقال : وعن الكلبي قال ابن عبّاس [علم النبي (ص) من علم الله وعلم عليّ من علم النبي (ص) وعلمي من علم عليّ ، وما
__________________
علمي وعلم الصحابة في علم عليّ إلاّ كقطرة في سبعة أبحر] ـ أقول : ومما يزيد في أهميّة الكلام أنّ قائله ملقب بحر الأمة ـ ونقل القندوزي في الباب أيضا فقال :إنّ ابن المغازلي وموفق الخوارزمي أخرجا بسنديهما عن علقمة عن ابن مسعود (رض) قال : كنت عند النبي (ص) فسئل عن علم عليّ. فقال [قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي عليّ تسعة أجزاء والناس جزءا واحدا وهو أعلم به منه.]
ـ أقول : ولا يخفى أنّ خبر تقسيم العلم والحكمة إلى عشرة أجزاء الخ مشهور عن ابن عباس أيضا وقد نقل القندوزي بعض مصادره في الباب المذكور ـ.
وروى العلاّمة الهمداني في كتابه مودّة القربى / المودّة الثالثة عشر عن عكرمة عن ابن عباس (رض) قال «قال رسول الله (ص) لعبد الرحمن بن عوف : يا عبد الرحمن إنكم أصحابي ، وعلي بن أبي طالب أخي ومنّي وأنا من عليّ فهو باب علمي ووصيّي».
وروى أيضا في / المودة الثالثة : عن هاشم بن البريد قال ابن مسعود [قرأت سبعين سورة على رسول الله (ص) وقرأت البقيّة على أعلم هذه الأمة بعد نبيّنا (ص) عليّ ابن أبي طالب.]
وأخرج الإمام أحمد في المسند : ج ٥ / ٢٦ ، في حديث طويل قال النبي (ص) لفاطمة «أو ما ترضين أنّي زوجتك أقدم أمتي سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما».
وذكره المتقي في كنز العمال : ج ٦ / ١٣٥ ، وقال : أخرجه أحمد بن حنبل والطبراني ، وذكره أيضا الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٠١ و ١١٤ ، وقال : رواه أحمد والطبراني برجال وثّقوا.
وجاء في رواية أسد الغابة : ج ٥ / ٥٢٠ والمتقي في الكنز : ج ٦ / ٣٩٦ أنّ النبي (ص) قال «يا فاطمة فو الله لقد أنكحتك أكثرهم علما وأفضلهم حلما وأولهم سلما». قال المتقي : أخرجه ابن جرير وصححه ، والدولابي في الذريّة الطاهرة.
__________________
وفي الكنز أيضا : ج ٦ / ١٥٣ ، قال (ص) «أما ترضين أنّي زوجتك أول المسلمين إسلاما وأعلمهم علما.» الخ قال : أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ، وأخرجه الطبراني والخطيب عن ابن عباس.
وفي الكنز أيضا : ج ٦ / ١٥٣ ، قال (ص) «زوّجتك خير أهلي ، أعلمهم علما وأفضلهم حلما وأوّلهم سلما». قال أخرجه الخطيب ـ البغدادي ـ في المتفق والمفترق عن بريدة. وفي الكنز أيضا ، عن أبي إسحاق قال : إنّ علياعليهالسلام لمّا تزوّج فاطمة قال لها النبي (ص) «لقد زوجتكه وإنّه لأوّل أصحابي سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما». قال : أخرجه الطبراني ، ورواه الحافظ الهيثمي أيضا في مجمعه : ج ٩ / ١٠١ وفي مجمع الزوائد أيضا : ج ٩ / ١١٣ ، روى عن سلمان (رض) قال : قلت : يا رسول الله إنّ لكلّ نبيّ وصيّا ، فمن وصيّك؟
فسكت عنّي. فلمّا كان بعد رآني فقال (ص) «يا سلمان ، فأسرعت إليه ، قلت : لبيك. قال : تعلم من وصيّ موسى؟
قال : نعم يوشع بن نون. قال (ص) : لم؟ قلت : لأنّه كان أعلمهم يومئذ.
قال (ص) : فإنّ وصيّي وموضع سرّي وخير من أترك بعدي وينجز عدتي ويقضي ديني ، علي بن أبي طالب». قال : رواه الطبراني. (أقول) لا يخفى أنّ جواب النبي (ص) لسلمان «فإن وصيي وموضع سرّي». الخ تفريع على تعليل سلمان وصاية يوشع بن نون لموسى بن عمران بأنّه كان أعلمهم يومئذ ، فالتفريع معناه أنّ عليا عليهالسلام أيضا وصيي لأنّه أعلمهم.
وروى ابن الأثير في أسد الغابة : ج ٦ / ٢٢ ، عن يحيى بن معين بسنده عن عبد الملك ابن سليمان قال : قلت لعطاء [أكان في أصحاب محمد (ص) أعلم من عليّ عليهالسلام ؟ قال : لا والله لا أعلم.]
وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب : ج ٢ / ٤٦٢ والمناوي في فيض القدير : ج ٣ / ٤٦
النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بعث عليا سفيرا إلى اليمن
ولقد نقل كبار علمائكم وأعلامكم خبر إرسال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم علياعليهالسلام إلى اليمن ليقضي بين أهلها ويرشدهم ، وأنّ النسائي وهو أحد أصحاب الصحاح عندكم ، روى في الخصائص العلويّة ست روايات بإسناده إلى الإمام عليّعليهالسلام بطرق مختلفة مضمونها أنّهعليهالسلام قال «بعثني النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى اليمن فقلت : إنّك تبعثني وأنا شاب ، إلى قوم هم أسنّ مني ، فكيف أقضي بينهم؟ فقال (ص) : إنّ الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك ـ أي على الحقّ ـ(١) ».
__________________
في الشرح ، والمحب الطبري في الرياض النضرة : ج ٢ / ١٩٤ وقال : أخرجه القلعي ، وفي الصواعق المحرقة : الفصل الثالث في ثناء الصحابة والسلف عليه ـعليهالسلام ـ قال : وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب قال [لم يكن أحد من الصحابة يقول سلوني إلاّ عليّ ، وقد اشتهر عنهعليهالسلام : سلوني قبل أن تفقدوني.]
أقول : فانصفوا ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) ؟ «المترجم»
(١) لقد روى هذا الخبر جمع من أعلام العامّة منهم : أحمد في المسند : ج ١ / ٨٣ ، ط الميمنية بمصر ، والعلاّمة ابن سعد في الطبقات : ج ٢ / ٣٣٧ طبع دار الصارف بمصر ، والعلاّمة أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء : ج ٤ ص ٣٨١ ط السعادة بمصر ، وقال : رواه أبو معاوية ، وجرير ، وابن نمير ، ويحيى بن سعيد عن الأعمش.
وأخرجه القاضي أبو بكر بن وكيع في أخبار القضاء : ج ١ / ٨٤ ط مصر ، والعلاّمة البيهقي في السنن الكبرى : ج ١٠ / ٨٦ ، ط حيدرآباد الدكن ، والعلاّمة أبو اليقظان في شرف النبي ، والمحب الطبري في الرياض النضرة : ج ٢ ص ١٩٨ ط محمد أمين الخانجي بمصر ، وفي كتابه الآخر ذخائر العقبي : ٨٣ ط مكتبة القدسي بمصر ،
ورواه العلاّمة الراغب الاصبهاني في محاضرات الأدباء ، فيظهر من الخبر أنّ السنّ لا يكون ملحوظا عند الله ورسوله (ص) في مثل هذه الأمور يعني الحكم والقضاء بين الناس ، وإنما الملحوظ العلم والعدالة والكفاءات الأخرى مثل الورع والنصّ من رسول الله (ص) الذي ينطق
__________________
والراغب الأصفهاني في محاضرات الأدباء : ج ٤ ص ٤٧٧ ط مكتبة الحياة بيروت ، والعلاّمة الأمر تسري في أرجح المطالب : ص ٣٩ و ٤٨٠ ط لاهور وأخرجه في ص ١١٩ وقال : أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة والبزّار وأبو يعلي وابن حبّان والحاكم ، باختلاف يسير. وأخرجه الحافظ الطيالسي في مسنده ص ١٩ ط حيدرآباد الدكن ، والعلاّمة ابن كثير في البداية والنهاية : ج ٥ / ١٠٧ ط السعادة بمصر ، والعلاّمة أبو الحسن النباهي المالكي في قضاة الأندلس ص ٢٣ ط دار الكاتب بالقاهرة ، والعلاّمة عبد الغني الدمشقي في ذخائر المواريث : ج ٣ / ١٤ ، والعلاّمة الشيباني في تيسير الوصول : ج ٢ / ٢١٦ ، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين ، والعلاّمة الزرندي في نظم درر السمطين : ص ١٢٧ ط مطبعة القضاء والعلاّمة محمد بن طولون الدمشقي في الشذورات الذهبية : ص ١١٩ ط بيروت ، والعلامة المتقي في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش المسند : ج ٥ / ٣٦ ط الميمنية والعلاّمة الشيخ عمر بن علي الجندي في طبقات الفقهاء : ص ١٦ ط مصر ، والعلاّمة ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٢ / ٢٣٦ طبع القاهرة ، والعلاّمة البستوي الحنفي في محاضرة الأوائل : ص ٦٢ ط الآستانة ، والعلاّمة الكنجي في كتاب كفاية الطالب ، خصّ الباب الخامس عشر بهذا الخبر ورواه بسنده ثم قال : هذا حديث حسن المتن والسند.
أقول : هذا ما توصلت إليه من المصادر المعتبرة والكتب المنتشرة ، وربما توجد مصادر أخرى ولكن فيما ذكرت كفاية لإثبات الحق والواقع.
«المترجم»
عن الله سبحانه.
عليّعليهالسلام هادي الأمّة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وقد نصّ القرآن الحكيم في ذلك لعليّعليهالسلام وصرّح به النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا نزلت الآية الكريمة :( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) (١) .
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم «أنا المنذر وعليّ الهاد». وفي رواية خاطب علياعليهالسلام وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم «أنا المنذر وأنت الهادي وبك يهتدي المهتدون». هكذا رواه جمع من أعلامكم ومفسريكم منهم الثعلبي في تفسيره كشف البيان ، ومحمد بن جرير الطبري في تفسيره ، والعلاّمة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / باب ٦٢ مسندا عن تاريخ ابن عساكر ، والشيخ سليمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة / آخر الباب السادس والعشرين / رواه عن الثعلبي والحمويني والحاكم الحسكاني وابن صبّاغ المالكي ، والعلاّمة الهمداني في مودة القربى ، والخوارزمي في المناقب عن ابن عباس وعن الإمام عليعليهالسلام وعن أبي بريدة السلمي روايات عديدة وبطرق شتى رووا باختلاف في الألفاظ وبمعنى واحد ، وهو أنّ رسول الله (ص) قال «أنا المنذر ، وخاطبا عليا فقال : وأنت الهادي وبك يهتدي المهتدون بعدي».
ولو كان هذا النصّ يرد في شأن أي واحد من الأصحاب ، لكنّا نتّبعه ونتمسّك به ، كما تبعنا علياعليهالسلام وتمسّكنا به لوجود هذا النصّ
__________________
(١) سورة الرعد ، الآية ٨.
الجليّ وأمثاله في حق عليّعليهالسلام نطق بها النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم (١) .
الفرق بين السياسة الدينية والدنيوية
ثم إنّ الشيخ عبد السلام قال : بأنّ علياعليهالسلام ما كان عارفا بإدارة البلاد ومن عدم سياسته حدثت الاضطرابات والحروب الدامية أيام خلافته بين المسلمين.
فأقول في جوابه : إنّ هذا الكلام تحريف للحقائق وتلبيس للوقائع ، والشيخ إنما نقل كلام الأسلاف المعاندين والمعادين للإمام عليّعليهالسلام ولا أدري ما هو مرادهم ومقصودهم من كلمة السياسة
__________________
(١) أقول : روى الحاكم الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل : ج ١ / ٢٩٣ الى ٣٠٣ ، ط الأعلمي بيروت ، روى من تسع عشرة طريقا ـ أي من رقم ـ ٣٩٨ الى ٤١٦ ـ بأنّ المنذر في الآية الكريمة :( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) هو سيد المرسلين [محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والهادي هو علي بن أبي طالبعليهالسلام .]
وروى غير من ذكرهم المؤلّف الكريم من أعلام العامة جمع منهم : شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين في الباب ٢٨ / تحت الرقم ١٢٣ والعسقلاني في لسان الميزان : ج ٢ / ١٩٩ ، والسيوطي في الدر المنثور في تفسير ذيل الآية الكريمة وقال : أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة ، والديلمي وابن عساكر ، وابن النجار ، وأخرجه المتقي في كنز العمال : ج ٦ ص ١٥٧ عن الديلمي وعن ابن عباس ، ورواه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد : ج ٧ / ٤١ وقال : رواه عبد الله بن أحمد والطبراني في الصغير والاوسط ، ورجال المسند ثقات. ورواه الحاكم النيسابوري في المستدرك : ج ٣ / ١٢٩ وقال : هذا حديث صحيح الإسناد.
واعلم أنّ هناك مصادر أخرى من العامة ، ولكن فيما ذكرنا كفاية لمن أراد الهداية.
«المترجم»
والإدارة؟ فإن كانت السياسة والإدارة عندهم بمعنى الكذب والدّجل والظلم والنفاق ومزج الحق بالباطل والتلبيس والتدليس ـ كما نرى أبناء الدنيا يرتكبونها لأجل الحصول على الحكم والسلطان ـ فإنّي أصدّقكم بأنّ علي بن أبي طالبعليهالسلام كان يفقد هذه السياسة والإدارة ، لأنّها بعيدة عن الدين والإسلام ، أمّا إذا فسرنا السياسة بالإدارة الحكيمة المقرونة بالعدل والإنصاف بأن يساوي بين الرعيّة ويأخذ الحق من الظالم ويردّه للمظلوم ، ولا تأخذه في الله لومة لائم في إقامة الحدود وسدّ الثغور وتنفيذ الأحكام ، فالإمام عليعليهالسلام أعظم سياسي وأحكم إداري في الإسلام. ولقد يحدثنا التاريخ أنّه لمّا بويع بالخلافة عزل الولاة والحكّام الذين كانوا من قبل عثمان بن عفّان ، وهم الذين ـ بسوء تصرفاتهم ـ سبّبوا ثورة المسلمين على خليفتهم عثمان فقتلوه.
وذكر المؤرخون أنّ ابن عباس أشار على ابن عمه أمير المؤمنين في معاوية فقال [ولّه شهرا وأعزله دهرا]. وكذا المغيرة أشار عليه بذلك ، ولكنّهعليهالسلام قال «لا والله لا أبقيه ساعة واحدة على ولايته ، وما كنت أطلب النصر بالجور! فلو أبقيت معاوية وأمثاله على ولاياتهم وأقررتهم على مظالمهم وجرائمهم ، بم أجيب الله سبحانه؟ وكيف ألقاه في يوم الحساب؟!».
وكان يقولعليهالسلام «لو لا التقوى لكنت أدهى العرب ، والله ما معاوية بأدهى منّي ولكنّه يغدر ويمكر». وقد تكرّر منهعليهالسلام هذا الكلام وشبهه كما في تاريخ الطبري ، وفي العقد الفريد لابن عبد ربه ، وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
فكلام الشيخ بأنّ الاضطرابات والحروب التي وقعت أيام خلافة
الإمام عليّعليهالسلام كانت من عدم سياسته وسوء إدارته وتدبيره ، فغير صحيح وباطل ، إذ من الواضح أنّ لتلك الحروب والاضطرابات أسباب وعلل أخرى.
أسباب الاضطرابات والحروب في خلافة الإمام عليّعليهالسلام
أولا : الوقائع والأحداث التي وقعت وحدثت بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كاستبداد القوم بالأمر من غير مشاورة الإمام عليّ والعبّاس وسائر رجال بني هاشم ، وهجومهم على بيت الرسالة وإحراقهم الباب وضرب فاطمةعليهاالسلام حتى قتلوا جنينها المسمّى محسنا ، وسحبهم الإمام عليّعليهالسلام إلى المسجد ليبايع أبا بكر ، ومنعهم حق أهل بيت النبوّة من الخمس الذي عيّنه الله تعالى لهم في كتابه ، هذه الأحداث الأليمة وأمثالها جرّأت المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، الحاقدين على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وعترته الطاهرة ، فأظهروا مكنونات صدورهم ، والضغائن الكامنة في نفوسهم ولا سيما في عهد الإمام عليّعليهالسلام وخلافته التي كانت بعد أحداث قتل عثمان بن عفّان ، فجعلوا ذلك وسيلة وحجّة لإيجاد الاضطرابات والخلافات بين المسلمين ، فعملوا كلّ ما في وسعهم لشبّ نيران الإحن وإثارة الحروب والفتن ، حتى صار ما صار وحدث ما حدث.
ثانيا : كما قال هوعليهالسلام «ما ترك لي الحق من صديق». فإنّ طبيعة البشر كما قال الله سبحانه :( أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ) (١) والإمام
__________________
(١) سورة المؤمنون ، الآية ٧٠.
عليّعليهالسلام كان يعمل بالعدل ويحقّ الحق ويبطل الباطل ، فما تحمّله أكثر الناس وخاصّة أبناء الدنيا والطامعين في بيت المال وحقوق الفقراء ، ولا سيما الذين تعوّدوا في خلافة عثمان على نهب بيت المال واستملاك الأموال العامّة والتصرّف فيها واللعب بها ، وهؤلاء كانوا يجدون بغيتهم عند معاوية فمالوا إليه ونصروه ، والناس إلى أشباههم أميل.
ثالثا : فتّشوا في التاريخ عن أسباب واقعة الجمل ، وكيف حدثت؟ ولما ذا؟! تجدونها أسباب دنيوية لا دينيّة ، فإنّ طلحة والزبير أرادا ولاية البصرة والكوفة ، حبّا للرئاسة والدنيا وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «حبّ الدنيا رأس كل خطيئة».
وكان الإمام عليّعليهالسلام يعرف طلحة والزبير حقّ المعرفة ولم يجد فيهما الورع اللاّزم في الوالي وكذلك ليست فيهم الكفاءات الأخرى ، لذلك لم يتنازل الإمام عند رغبتهما ولم يلبّي طلبهما(١) فذهبا إلى أم
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ١١ / ١٠ ، ط دار إحياء الكتب العربية :[وأراد طلحة أن يولّيه البصرة ، وأراد الزبير أن يولّيه الكوفة فلما شاهدا صلابته في الدين وقوّته في العزم وهجره الادهان والمراقبة ، ورفضه المدالسة والمواربة ، وسلوكه في جميع مسالكه منهج الكتاب والسنّة ، وقد كانا يعلمان ذلك قديما من طبعه وسجيّته ، وكان عمر قال لهما ولغيرهما : إنّ الأجلح إن وليها ليحملنّكم على المحجّة البيضاء والصراط المستقيم ، وكان رسول الله (ص) من قبل قال : وأن تولّوها عليّا تجدوه هاديا مهديّا. إلاّ أنّه ليس الخبر كالعيان ولا القول كالفعل ولا الوعد كالإنجاز ، وحالا عنه ، وتنكّرا له ، ووقعا فيه ، وعاباه وغمصاه ، وتطلّبا له العلل والتأويلات ، وتنقّما عليه الاستبداد وترك المشاورة ، وانتقلا من ذلك إلى الوقيعة فيه بمساواة الناس في قسمة المال ، وأثنيا على عمر وحمدا سيرته وصوّبا
__________________
رأيه. وقالا إنّه كان يفضّل أهل السوابق ، وضلّلا علياعليهالسلام فيما رآه وقالا : إنّه أخطأ ، وأنّه خالف سيرة عمر واستنجدا عليه بالرؤساء من المسلمين ، كان عمر يفضّلهم وينفّلهم في القسم على غيرهم ـ والناس أبناء الدنيا ويحبّون المال حبّا جمّا ـ فتنكّرت على أمير المؤمنينعليهالسلام بتنكّرهما قلوب كثيرة الخ.]
ثم قال ابن أبي الحديد في صفحة ١٥ ـ ١٦ : ثم نرجع إلى الحديث الاول ، فنقول : [إنّ طلحة والزبير لما أيسا من جهة عليّ عليهالسلام ومن حصول الدنيا من قبله ، قلّبا له ظهر المجنّ. فكاشفاه وعاتباه قبل المفارقة عتابا لاذعا وتأخّرا عنه أيّاما ، ثم جاءاه فاستأذناه في الخروج إلى مكة للعمرة ، فأذن لهما بعد أن أحلفهما ألاّ ينقضا بيعته ، ولا يغدرا به ، ولا يشقّا عصى المسلمين ، ولا يوقعا الفرقة بينهم ، وأن يعودا بعد العمرة إلى بيوتهما بالمدينة ، فحلفا على ذلك كلّه ، ثم خرجا ففعلا ما فعلا.]
قال [وروى شيخنا أبو عثمان ، لمّا خرج طلحة والزبير إلى مكة ، وأوهما الناس أنّهما خرجا للعمرة ، قال علي عليهالسلام لأصحابه «والله ما يريدان العمرة ، وإنّما يريدان الغدرة ( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) الفتح :» ١٠.]
قال : وروى الطبراني في التاريخ : لما بايع طلحة والزبير عليا عليهالسلام سألاه أن يؤمّرهما علي الكوفة والبصرة ، فقال «بل تكونان عندي أتجمّل بكما ، فإنّني استوحش لفراقكما».
أقول : وما كان معاوية بأحسن منهما وهو أيضا ما قاتل عليا عليهالسلام إلا من أجل الملك والدنيا ولقد نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ١٥ / ١٢٣ ، ط دار إحياء الكتب العربية كتاب معاوية إلى علي عليهالسلام جاء فيه [وقد كنت سألتك الشام على أن تلزمني لك بيعة وطاعة ، فأبيت ذلك عليّ.]
ثم نقل جواب الإمام علي عليهالسلام في ج ١٦ / ١٥٤ ، من نفس الطبعة / جاء فيه : فأمّا
__________________
«سؤالك المتاركة والإقرار لك على الشام. فلو كنت فاعلا ذلك اليوم ، لفعلته أمس».
أقول : فالذين يأخذون على أمير المؤمنين سلام الله عليه سياسته وينتقدون إدارته وتدبيره ، كأنّهم يريدون منه أن يداهن هؤلاء الذين حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها ، أتباع الهوى وطلاّب الدنيا ومبتغي الملك والرئاسة مهما كلّف الثمن حتى إذا توقّف ذلك على إراقة دماء عشرات الآلاف من المسلمين والمؤمنين ، ولكن حاشا علي بن أبي طالب أن يخضع لهؤلاء ويطيعهم ، كيف؟ وقد قال الله الحكيم : ( فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ* وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) سورة القلم ، الآية ٨ و ٩.
ثم اعلم أنّ كل دم سفك بأمر الله ورسوله بسيف عليّ أو غيره ، فإنّ العرب بعد النبي (ص) عصّبت تلك الدماء ، بعليّ بن أبي طالب عليهالسلام وحده ، لأنّه لم يكن في رهطه من يستحق في عادتهم وسنّتهم الجاهلية أن يعصب به تلك الدماء إلاّ بعليّ وحده ، وهذه عادة العرب إذا قتل منها قتلى طالبت بتلك الدماء القاتل ، فإن مات أو تعذّرت عليها مطالبته طالبت بها أمثل الناس من أهله ، وحيث كان علي : عليهالسلام نفس رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وأقرب الناس إليه وأحبّ أهله له حتى قال (ص) فيه «علي مني وأنا من علي». وقال (ص) «حربه حربي وسلمه سلمي». وقال (ص) «من أحبّه فقد أحبّني ، ومن أبغضه فقد أبغضني». وأمثال هذه الأحاديث الشريفة ، التي تكشف عن الاتحاد والتآلف بين عليّ وبين النبيّ (ص). فالذين أحجموا عن أذى رسول الله (ص) في حياته خوفا من سيفه وسوطه إذ كان صاحب الجيش والعدّة وأمره مطاع وقوله نافذ ، فخافوا منه واتّقوه وأمسكوا عن إظهار بغضه وعداوته ، «فلما مضى المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى دار المقامة والخلد ، انتهزوا الفرصة وانتهكوا الحرمة وغادروه على فراش الوفاة وأسرعوا لنقض البيعة ومخالفة المواثيق المؤكّدة فحشر سفلة الأعراب وبقايا الأحزاب ، الفسقة الغواة والحسدة البغاة أهل النكث والغدر والخلاف والمكر ، والقلوب المنتنة من قذر الشرك ، والأجساد المشحنة من درن
__________________
الكفر ، الذين أضبّوا على النفاق وأكبّوا على علائق الشقاق ، فهجموا على دار النبوّة والرسالة ومهبط الوحي والملائكة ومستقرّ سلطان الولاية ومعدن الوصيّة والخلافة والإمامة حتى نقضوا عهد المصطفى في أخيه علم الهدى والمبيّن طريق النجاة من طرق الرّدى ، وجرحوا كبد خير الورى في ظلم ابنته واضطهاد حبيبته واهتضام عزيزته بضعة لحمه وفلذة كبده ، وخذلوا بعلها وصغّروا قدره واستحلّوا محارمه وقطعوا رحمه وأنكروا أخوته وهجروا مودّته ونقضوا طاعته وجحدوا ولايته وأطمعوا العبيد في خلافته ، وقادوه إلى بيعتهم مصلتة سيوفها مقذعة أسنّتها وهو ساخط القلب هائج الغضب شديد الصبر كاظم الغيظ يدعونه إلى بيعتهم التي عمّ شومها الإسلام وزرعت في قلوب أهلها الآثام وبدّلت الأحكام وغيّرت المقام ، وأباحت الخمس للطلقاء وسلّطت أولاد اللعناء على الفروج والدماء ، وخلطت الحلال بالحرام واستخفّت بالإيمان والإسلام وهدمت الكعبة وأغارت على دار الهجرة يوم الحرّة وأبرزت بنات المهاجرين والأنصار للنّكال والسّوءة وألبستهنّ ثوب العار والفضيحة ، ورخّصت لأهل الشبهة في قتل العترة وأهل بيت الصّفوة وإبادة نسله واستيصال شأفته وسبي حرمه وقتل أنصاره وكسر منبره وقلب مفخره وإخفاء دينه وقطع ذكره». [هذه مقاطع وعبارات من زيارة أئمة المؤمنينعليهمالسلام ].
نعم هكذا عاملوا الإمام عليّ سلام الله عليه ومع ذلك ما انخمدت نائرة أضغانهم وما انطفأت جمرة أحقادهم ، حتى أحدثوا فاجعة الطّف الأليمة ، ولمّا ناشدهم الحسين بن علي عليهالسلام سبط رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قائلا «ويلكم بما تقاتلونني بقتيل منكم قتلته ، أو مال استملكته ، أو دم سفكته ، أو حكم من أحكام الله سبحانه بدّلته؟!».
قالوا : إنّما نقاتلك بغضا لأبيك ، لما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين!!
المؤمنين عائشة وكانت مستعدّة لإعلان الخلاف على أمير المؤمنين فأثاراها وثارت وألّبت الناس على أمير المؤمنين سلام الله عليه وسبّبت قتل المسلمين وسفك دماء الأبرياء المؤمنين! فهل بعد هذا يصحّ أن نقول : أنّ حرب الجمل كانت لسوء تدبير الإمام عليّعليهالسلام وعدم سياسته! أم أنّها كانت بسبب أطماع طلحة والزبير واحقاد عائشة على الإمام عليّعليهالسلام وبغضها لآل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ ولا يخفى أنّها بقتالها وإعلان مخالفتها لخلافة الإمام علي مهّدت لمعاوية وعمرو بن العاص وأعطتهما الشرعيّة الكاذبة في مخالفتهما للامام عليّعليهالسلام وقتالهما له.
نعم ، والله هي التي أسّست وشرّعت مخالفة أمير المؤمنينعليهالسلام وقتاله والحرب عليه. مع أنّها كانت قد سمعت من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : «يا علي حربك حربي وسلمك سلمي ، ويقول : إنّ الله قد عهد إليّ أن من خرج على عليّ فهو كافر في النار(١) ».
__________________
ولمّا وضعوا رأس الحسين عليهالسلام أمام يزيد بن معاوية وحوله بنات رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم سبايا ، جعل يضرب الرأس الشريف بخيزرانة عنده ويترنّم : ليت أشياخي ببدر شهدوا الخ نعم والله ما كربلاء لو لا السقيفة!!
«المترجم»
(١) لقد ذكرنا في التعليقات السابقة بعض مصادر هذين الحديثين الشريفين ونذكر الآن بعض المصادر حتى يطمئن قلب القارئ الكريم.
أما حديث حربك حربي وسلمك سلمي فهو مشهور جدا حتى قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٤ / ٢٢١ ، طبع القاهرة : قد ثبت أنّ رسول الله (ص) قال لعلي عليهالسلام : «حربك حربي وسلمك سلمي».
إخبار النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن حروب عليّعليهالسلام بعده
ولقد روى أعلام العامّة في كتبهم بأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخبر عن قتال عليّعليهالسلام للناكثين والقاسطين والمارقين ، والمراد من الناكثين طلحة والزبير وجيشهما ، ومن القاسطين معاوية وابن العاص وأتباعهما ، ومن المارقين الخوارج. وهذه الفئات الثلاثة كلهم كانوا بغاتا مستوجبين القتل.
وأمّا الذين ذكروا حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإخباره عن الناكثين والقاسطين والمارقين ، وأمره صلوات الله عليه الإمام عليّعليهالسلام بحربهم وقتالهم ، فأكثر محدثي السنّة وعلماء العامّة منهم أحمد بن حنبل في المسند وسبط ابن الجوزي في التذكرة والعلاّمة القندوزي في ينابيع المودة ، وأبو عبد الرحمن النسائي في الخصائص ، ومحمد بن طلحة العدوي في مطالب السّئول ، والعلاّمة الكنجي الشافعي في كفاية
__________________
وقال في نفس المجلّد والصفحة : قال رسول الله (ص) لعليعليهالسلام في ألف مقام «أنا حرب لمن حاربت وسلم لمن سالمت».
وأمّا الحديث الثاني فقد رواه جماعة من أعلام العامّة ، منهم العلاّمة القندوزي في ينابيع المودّة صفحة ٢٤٧ طبع اسلامبول ، ورواه العلاّمة الهمداني الشافعي في مودّة القربى / المودّة الثالثة ، ورواه العلاّمة المولى محمد صالح الترمذي في المناقب المرتضوية / صفحة ١١٧ طبع بمبئي ، كلهم عن عائشة قالت : قال رسول الله (ص) : «إنّ الله قد عهد إليّ من خرج على عليّ فهو كافر في النار».
أما كان في هذا حاجز لها عن حرب الجمل وقتالها الامام عليّ عليهالسلام ؟!
«المترجم»
الطالب / الباب السابع والثلاثون : في أنّ علياعليهالسلام قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، ولقد روى العلاّمة الكنجي في هذا الباب ، بسنده المتّصل بسعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمّ سلمة : «هذا علي بن أبي طالب لحمه من لحمي ودمه من دمي وهو منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ؛ يا أم سلمة هذا عليّ أمير المؤمنين وسيد المسلمين ووعاء علمي ووصيي وبابي الذي أوتى منه ، أخي في الدنيا والآخرة ومعي في المقام الأعلى ، يقتل القاسطين والناكثين والمارقين». ثم قال العلاّمة الكنجي : وفي هذا الحديث دلالة على أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وعد علياعليهالسلام بقتل هؤلاء الطوائف الثلاث ، وقول الرسول (ص) حقّ ووعده صدق ، وقد أمرصلىاللهعليهوآلهوسلم عليا بقتالهم ، روى ذلك أبو أيّوب عنه وأخبر أنّه قاتل المشركين والناكثين والقاسطين وأنّهعليهالسلام سيقاتل المارقين(١) . «انتهى كلام الكنجي».
__________________
(١) وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ٣ / ٢٩٧ ، ط دار إحياء الكتب العربية عن ابن ديزيل وهو بسنده عن أبي صادق قال : قدم علينا أبو أيوب الأنصاري العراق فأهدت له الأزد جزرا فبعثوها معي ، فدخلت إليه فسلّمت عليه ، وقلت له : يا أبا أيّوب ، قد كرّمك الله عزّ وجلّ بصحبة نبيّه (ص) ونزوله عليك ، فمالي أراك تستقبل الناس بسيفك تقاتلهم ، هؤلاء مرّة وهؤلاء مرّة! قال [إنّ رسول الله (ص) عهد إلينا أن نقاتل مع عليّ الناكثين ، فقد قاتلناهم ، وعهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين ، فهذا وجهنا إليهم ـ يعني معاوية وأصحابه ـ وعهد إلينا أن نقاتل معه المارقين ، ولم أرهم بعد]. رواه أيضا عن أبي صادق بطريق آخر ، صاحب كنز العمال : ج ٦ / ٨٨ ، باختلاف يسير في الألفاظ. وقال : أخرجه ابن عساكر وروى ما بمعناه عن أبي أيوب أيضا العلاّمة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / الباب
__________________
السابع والثّلاثون بسنده عن مخنف بن سليم عن أبي أيوب الأنصاري ، ورواه أيضا عن طريق مخنف ، أسد الغابة : ج ٤ / ٣٣ ، وذكره المتّقي أيضا في كنز العمال : ج ٦ / ٨٨ ، وقال : أخرجه ابن جرير ، وذكره الهيثمي في مجمعه ج ٩ / ٢٣٥ ، عن طريق مخنف بن سليم أيضا ، وقال : رواه الطبراني.
ونقل الحاكم في المستدرك : ج ٣ / ١٣٩ ، بسنده عن عقاب بن ثعلبة قال [حدثني أبو أيوب الانصاري في خلافة عمر بن الخطاب ، قال : أمر رسول الله (ص) عليّ بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين] ، وأخرجه في نفس الصفحة ، بسنده عن الأصبغ بن نباتة عن أبي أيوب أيضا ، ولكن بألفاظ أخرى.
وروى الخطيب البغدادي في تاريخه : ج ١٣ / ١٨٦ ، بسنده عن علقمة والأسود قالا [أتينا أبا أيّوب الأنصاري عند منصرفه من صفين فقلنا له : يا أبا أيوب إنّ الله أكرمك بنزول محمد (ص) وبمجيء ناقته تفضّلا من الله وإكراما لك حتى أناخت ببابك دون الناس ، ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب به أهل لا إله إلاّ الله!
فقال : يا هذا إنّ الرائد لا يكذب أهله ، وإنّ رسول الله (ص) أمرنا بقتال ثلاثة مع عليّ عليهالسلام : بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ، فأمّا الناكثون فقد قاتلناهم أهل الجمل طلحة والزبير وأمّا القاسطون فهذا منصرفنا من عندهم ـ يعني معاوية وعمروا ـ وأمّا المارقون فهم أهل الطرقات وأهل السعيفات وأهل النخيلات وأهل النهروانات ، والله ما أدري أين هم؟ ولكن لا بدّ من قتالهم إن شاء الله.]
قال : وسمعت رسول الله (ص) يقول لعمار «تقتلك الفئة الباغية وأنت إذ ذاك مع الحق والحق معك ، يا عمار بن ياسر! إن رأيت عليّا قد سلك واديا وسلك الناس واديا غيره ، فاسلك مع عليّ فإنّه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من هدى ، يا عمار! من تقلّد سيفا أعان به عليا على عدوّه ، قلّده الله يوم القيامة وشاحين من درّ ، ومن تقلّد سيفا أعان به عدو عليّ عليه قلّده الله يوم القيامة وشاحين من نار».
__________________
قلنا : يا هذا! حسبك رحمك الله حسبك رحمك الله!]
وروى الخطيب البغدادي في تاريخه أيضا : ج ٨ / ٣٤٠ بسنده عن خليد العصري قال : سمعت أمير المؤمنين علياعليهالسلام يقول يوم النهروان «أمرني رسول الله (ص) بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين».
وروى ابن الأثير الجزري في أسد الغابة : ج ٤ / ٣٢ بسنده عن أبي سعيد الخدري قال [أمرنا رسول الله (ص) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ، فقلنا : يا رسول الله! أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من؟ فقال (ص) : مع علي بن أبي طالب ، معه يقتل عمار بن ياسر.]
وروى الحافظ الهيثمي في مجمعه ج ٧ / ٢٣٨ قال : وعن أبي سعيد قال : سمعت عمّارا ونحن نريد صفين ، يقول [أمرني رسول الله (ص) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين] قال : رواه الطبراني. وروى الهيثمي أيضا في نفس الصفحة قال : وعن عليّ عليهالسلام قال «عهد إليّ رسول الله (ص) في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين».
قال : وفي رواية اخرى «أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين». قال : رواه البزّار والطبراني في الأوسط. وروى الهيثمي أيضا في مجمعه ج ٩ ص ٢٣٥ قال : وعن عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ قال [أمر رسول الله (ص) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين] قال : رواه الطبراني. وروى المتقي في كنز العمال : ج ٦ ص ٣١٩ عن ابن مسعود أيضا قال : خرج رسول الله (ص) فأتى منزل أم سلمة (رض) فجاء عليّ عليهالسلام فقال رسول الله (ص) «يا أم سلمة! هذا والله قاتل القاسطين والناكثين والمارقين من بعدي». قال : أخرجه الحاكم في الأربعين وابن عساكر.
أقول : وذكره المحب الطبري أيضا في الرياض النضرة : ج ٢ / ٢٤٠ وقال : أخرجه الحاكمي.
وروى الجزري في أسد الغابة أيضا : ج ٤ / ٣٣ بسنده عن علي بن ربيعة قال :
ونحن نعتقد أن قتال الإمام عليّعليهالسلام ضدّ هذه الفرق الثلاث كقتال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ضدّ الكفار والمشركين.
الشيخ عبد السلام : بأي دليل تعتقدون بهذا المعتقد علما بأنّ الذين قاتلوا عليا كرّم الله وجهه كانوا مسلمين يشهدون بالتوحيد ويقرّون بالرسالة ويعملون بالقرآن ، ويصلّون ويصومون؟!
قلت : دليلنا حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم المشهور والمشهور في كتب أعلامكم ومحدّثيكم مثل النسائي في الخصائص صفحة ٤٠ / طبع التقدم بالقاهرة / بسنده إلى أبي سعيد الخدري ، والعلاّمة القندوزي في ينابيع المودّة / الباب الحادي عشر نقل عن كتاب جمع الفوائد عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله (ص) «إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله». فقال أبو بكر (رض) : أنا؟ فقال
__________________
سمعت علياعليهالسلام على منبركم هذا يقول «عهد إليّ رسول الله (ص) أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارق». ورواه المتقي في كنز العمال : ج ٦ ص ٨٢ عن طريق علي بن ربيعة أيضا ، وقال : أخرجه البزّار وأبو يعلي.
وروى السيوطي في الدّرّ المنثور عند تفسير قوله تعالى : ( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ) في سورة الزخرف ، الآية ٤١ روى عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي (ص) قال «نزلت في علي بن أبي طالب ، إنّه ينتقم من الناكثين والقاسطين بعدي». قال الله عزّ وجلّ : ( وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ) الجن : ١٥ فبهذا النص الصريح يكون معاوية واصحابه الذين قاتلوا عليّا عليهالسلام ، حطب جهنّم لا محاله.
أكتفي بهذا المقدار ، وهناك روايات كثيرة أخرى بطرق شتى في كتب أعلام العامة.
«المترجم»
(ص) : لا. فقال عمر (رض) : أنا؟ فقال (ص) : لا ولكن خاصف النعل. قال : وكان أعطى عليا نعله يخصفها. للموصلي(١) . «انتهى
__________________
(١) أقول : هذا الحديث اشتهر وانتشر في الكتب المعتبرة ولقد رواه كبار علماء العامّة ومحدثيهم منهم أحمد بن حنبل في المسند : ج ٣ / ٣٣ عن أبي سعيد وفي ص ٨٢ أيضا رواه عنه بطريقين والحاكم في مستدرك الصحيحين : ج ٣ / ١٢٢ ، رواه بطريقين عن أبي سعيد.
وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء : ج ١ / ٦٧ بسنده عن أبي سعيد الخدري أيضا.
وابن الأثير في أسد الغابة : ج ٤ / ٣٢ رواه بسنده عن أبي سعيد ، وفي أسد الغابة : ج ٣ / ٢٨٢ قال : روى السري بن إسماعيل عن عامر الشعبي عن عبد الرحمن ابن بشير قال : كنّا جلوسا عند النبي (ص) إذ قال «ليضربنّكم رجل على تأويل القرآن كما ضربتكم على تنزيله. فقال أبو بكر : أنا هو؟ قال : لا قال عمر : أنا هو؟
قال : لا ، ولكن خاصف النّعل». وكان علي عليهالسلام يخصف نعل رسول الله (ص).
ونقله العلامة القندوزي في الينابيع / الباب الحادي عشر من كتاب الإصابة عن عبد الرحمن بن بشير الأنصاري أيضا. وجاء في آخره : فانطلقنا فإذا عليّ يخصف نعل رسول الله (ص) في حجرة عائشة فبشّرناه.
أقول : وحدثته في الإصابة : ج ٤ / القسم الأول صفحة ١٥٢ ، قال : وأخرج الباوردي وابن مندة من طريق سيف بن محمد عن السري بن يحيى عن الشعبي عن عبد الرحمن بن بشير الخ.
وروى ابن حجر في الإصابة أيضا : ج ١ / القسم ١ / ٢٢ / بسنده عن الأخضر بن أبي الأخضر عن النبي (ص) قال «أنا أقاتل على تنزيل القرآن وعليّ يقاتل على تأويل». وأخرجه المتقي أيضا في كنز العمال : ج ٦ / ١٥٥ ، وقال : أخرجه الدارقطني في الافراد. وفي كنز العمال أيضا في نفس الصفحة روى عن النبي (ص) قال «إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ، قيل : أبو بكر وعمر؟ قال : لا ولكنه خاصف النعل». ـ يعني عليا ـ قال : أخرجه أحمد في
كلام القندوزي».
فالظاهر من هذه الروايات ما نعتقده نحن كما قلت ، فإنّ حرب
__________________
مسنده ، وأبو يعلى في مسنده ، والبيهقي في شعب الإيمان ، والحاكم في المستدرك ، وأبو نعيم في حليته ، وسعيد بن منصور في سننه ، كلهم عن أبي سعيد.
ورواه الحافظ الهيثمي في مجمعه : ج ٥ / ١٨٦ عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله (ص) يقول الخ. قال الهيثمي : رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. أقول : ورواه المحب الطبري أيضا في الرياض النضرة : ج ٢ / ١٩٢ ، وقال : أخرجه أبو حاتم.
وروى المتّقي في كنز العمال : ج ٦ / ٣٩٠ عن أبي ذر قال : كنت مع رسول الله (ص) وهو ببقيع الفرقد فقال «والذي نفسي بيده إنّ فيكم رجلا يقاتل الناس من بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت المشركين على تنزيله. وهم يشهدون أن لا إله إلاّ الله ، فيكبر قتلهم على الناس حتى يطعنوا على وليّ الله ويسخطوا عمله كما سخط موسى أمر السفينة ، وقتل الغلام ، وإقامة الجدار. وكان خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لله رضى وسخط ذلك موسى». قال : أخرجه الديلمي.
وروى ابن عبد البر في الاستيعاب : ج ٢ / ٤٢٣ عن أبي عبد الرحمن السّلمي قال : [شهدنا مع عليّ صفين فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفين إلاّ رأيت أصحاب محمد (ص) يتبعونه كأنّه علم لهم ، وسمعت عمارا يقول يومئذ لهاشم بن عتبة : يا هاشم تقدم الجنة تحت الأبارقة ، اليوم ألقى الاحبّة محمدا وحزبه ، والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنّا على الحق وأنهم على الباطل ثم قال :
نحن ضربناكم على تنزيله |
فاليوم نضربكم على تأويله |
|
ضربا يزيل إلهام عن مقيله |
أو يرجع الحقّ إلى سبيله] |
أقول : الروايات في هذا الباب كثيرة ونكتفي بهذا المقدار.
«المترجم»
الإمام عليّعليهالسلام مع الناكثين والقاسطين والمارقين إنما كانت مثل حرب النبي (ص) مع الكفار والمشركين. إذ لو كانت هذه الطوائف الثالث من المسلمين لما كان رسول الله (ص) يأمر عليا وخيار أصحابه مثل أبي أيوب وعمار بن ياسر بقتالهم ومحاربتهم.
والحاصل من بحثنا أنّ الاضطرابات والحروب التي حدثت في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام لم تكن بسبب سوء سياسة أبي الحسنعليهالسلام وسوء تدبيره وإدارته كما زعم الشيخ عبد السلام ، وإنما كانت بسبب كفر المخالفين وأحقاد المنافقين وحسد الحاسدين. ولو يراجع نهج البلاغة وتطالع عهود الإمام عليّعليهالسلام إلى عماله ولا سيما عهده الذي كتبه إلى مالك الأشتر حين ولاّه مصر ، وكتبه الى محمد بن أبي بكر وعثمان بن حنيف وابن عباس وغيرهم لأذعنتم أنّ الإمام عليّعليهالسلام بعد رسول الله (ص) أسوس الناس وأكيسهم وأحسنهم إدارة وأصحّهم تدبيرا كما كان أورعهم وأتقاهم وأعلمهم بكتاب الله وتفسيره وتأويله وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومجمله ومفصله وعامّة وخاصّه وظاهره وباطنه ، وعنده علم الغيب والشهود.
الشيخ عبد السلام : نرجو توضيح معنى الجملة الأخيرة ، فكيف يكون سيدنا عليّ كرّم الله وجهه عالم الغيب والشهود؟ فهذا كلام مبهم وغريب ومخالف لعقائد عامة المسلمين.
قلت : المقصود من علم الغيب هو العلم ببواطن الأمور وأسرار الكون التي تكون خفيّة إلاّ على الأنبياء والأوصياء والأولياء الذين اصطفاهم ربهم وأعطاهم من علمه ، كلّ على مقدار ظرفه ووعاء قلبه ولا شك أنّ خاتم النبيينصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيد المرسلين كان أعلمهم ومن بعده
علي بن أبي طالبعليهالسلام إذ كان تلميذه فعلّمه كلّ ما كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم علمه من الله تعالى.
الشيخ عبد السلام : ما كنت أتوقع من جنابكم أن تتكلّموا بكلام الغلات وعوام الشيعة ، لأنّك كنت في المجالس السالفة تتبرّأ من الغلات ومما يقوله عوام الشيعة وجهّالهم.
قلت : إنّ كلامي لم يكن غلوّا ولا مخالفا للقرآن الكريم ولكنك سقطت في الشبهة التي سقط فيها أسلافكم وإذا كنت تمعن النظر وتدقّق الفكر في كلامي ، ما رميتني بالغلوّ والجهل.
لا يعلم الغيب إلاّ الله سبحانه
الشيخ عبد السلام : إنّ كلامكم واعتقادكم يخالف نصّ الكتاب الحكيم وصريح القرآن الكريم إذ قال سبحانه وتعالى :( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) (١) .
هذه الآية تدل على أنّ علم الغيب يختصّ بالله عزّ وجلّ ، وكل من يعتقد بأنّ غير الله تعالى يعلم الغيب فقد غلى وأشرك المخلوق في علم الخالق ووصف العبد بصفة الله الواحد الأحد.
وإنّ كلامكم بأنّ عليا كرم الله وجهه كان عنده علم الغيب هو غلوّ في حقه إذ فضّلتموه على رسول الله (ص) وقدمتموه عليه لأنه (ص) كما قال له الله العزيز :( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما
__________________
(١) سورة الأنعام ، الآية ٥٩.
شاءَ اللهُ ، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (١) .
وقال تعالى في سورة الهود / ٣١ :( وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ) .
وفي سورة النمل / ٦٥ :( قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) .
فإذا كان رسول الله وخاتم النبيين (ص) بصريح القرآن الحكيم لا يعلم الغيب ، فكيف تقولون بأن عليا كرّم الله وجهه كان عنده علم الغيب؟ والله تعالى يقول :( وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ) (٢) .
قلت : نحن لا ننكر هذه الآيات الكريمة بل نعتقد ونتمسك بها ، ولكنك حفظت شيئا وغابت عنك أشياء.
فلقد ذكرت الآيات ولم تتدبّر فيها ولم تنظر إلى الآيات الاخرى التي تصرّح بأنّ الله تعالى يتفضل على بعض عباده من علم الغيب الذي عنده.
الله سبحانه يفيض من علمه على من يشاء
إنّ العلم على قسمين : ـ علم ذاتي وهو علم الله تعالى ، وعلم عرضيّ واكتسابيّ وهو علم البشر ـ وهذا على قسمين أيضا : علم تعليمي وهو علم التلميذ يأخذه من معلّمه وإن كان بإرادة الله ومشيّته
__________________
(١) سورة الأعراف ، الآية ١٨٨.
(٢) سورة آل عمران ، الآية ١٧٩.
فهو المعلم الحقيقي لقوله تعالى :( خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ ) (١) .
وقوله تعالى :( فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) (٢) .
القسم الآخر : هو العلم اللدنيّ ، وهو علم يلقيه الله سبحانه في قلب من يشاء وهو قوله تعالى :( فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) (٣) .
وكذلك العلم الذي أفاضه على آدمعليهالسلام وألقاه في قلبه مرّة واحدة ، بقوله تعالى :( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ) (٤) .
وهذا العلم يحصل من غير الطرق العاديّة أي بغير معلّم ومدرّس ولا يحتاج إلى كتاب وقلم وقرطاس.
الشيخ عبد السلام : هذه الآيات تشير إلى مطلق العلم ولكنّ علم الغيب مستثنى من هذا العام ، بدليل الآيات التي تلوتها آنفا ، وقد قالوا : إنّ القرآن يفسّر بعضه بعضا.
قلت : بدليل أنّ القرآن يفسر بعضه بعضا ، فإنّ الآيات التي تلوتها في انحصار علم الغيب بالله تعالى تكون من القسم العام ، وقد خصّ الله تعالى بعض عباده الذين اصطفى ، بقوله عزّ وجلّ :( عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً* لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا
__________________
(١) سورة الرحمن ، الآية ٣ و ٤.
(٢) سورة البقرة ، الآية ٢٣٩.
(٣) سورة الكهف ، الآية ٦٥.
(٤) سورة البقرة ، الآية ٣١.
رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ) (١) .
وأمّا الآية الأخيرة التي تلاها الشيخ عبد السلام فإنّه بترها ولم يتمّمها ليحصل غرضه ، وإنّ مثله كمن يبتر كلمة التوحيد ـ لا إله إلاّ الله ، فيتلفّظ بأوّلها ويترك آخرها ، وكذلك هذه الآية الكريمة فإنّ أوّلها يدلّ على معتقد الشيخ ، وإذا تلوناها إلى آخرها فنجدها تفنّد معتقد الشيخ وتؤيّد معتقدنا وهي كما في سورة آل عمران / ١٧٩ :( وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ولا يخفى على أهل العلم معنى الاستثناء في الآية الكريمة ، والقاعدة العربيّة : الاستدراك بعد النفي إثبات كما أنّ الاستثناء بعد النفي في كلمة لا إله إلاّ الله إثبات للتوحيد. وكذلك الاستثناء في الآية التي تلوتها آنفا من سورة الجن( عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ) جاء الاستثناء بعد الجملة النافية ، فهو إثبات أي : يظهر على غيبه من ارتضى من رسول.
وفي آية اخرى يصرّح تعالى بأنّه يوحي إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ويعطيه من أنباء الغيب ، قوله تعالى :( تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ) (٢) وقوله تعالى :( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ) (٣) .
ثم إذا لم تعتقد بمعتقد الشيعة بأنّ الله تعالى يفيض من علم الغيب
__________________
(١) سورة الجن ، الآية ٢٦ ـ ٢٨.
(٢) سورة هود ، الآية ٤٩.
(٣) سورة الشورى ، الآية ٥٢.
الذي عنده على بعض عباده الصالحين من الأنبياء والأولياء ، فكيف تفسّر قول عيسى بن مريمعليهالسلام في سورة آل عمران / الآية ٤٩ :( وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فإخبار الأنبياء والأولياء بالمغيّبات فهو من آيات الله تعالى ولا يخفى أنّ الله سبحانه لا يعطيهم العلم المطلق بجميع المغيّبات وإنما يطلعهم على الغيب حسب المصلحة والحكمة وعند اقتضاء الضرورة ، ولهذا المعنى تشير الآية الكريمة :( وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ ) (١) .
الخلفاء الاثنا عشر عندهم علم الغيب
الشيخ عبد السلام : لو فرضنا صحة هذا الكلام ، فإنّه يختصّ بالأنبياء ، فما هو الدليل على تعدّي علم الغيب من رسول الله (ص) إلى سيدنا علي كرم الله وجهه؟ وإذا كان عليّ مثل رسول الله (ص) يطّلع على الغيب ، فيلزم أن نعتقد ذلك في الخلفاء الراشدين أيضا لأنّهم قاموا مقام النبي (ص) وتسلّموا مسئوليته في أمته من بعده.
قلت : نعم يلزم أن يطّلع خلفاء رسول الله (ص) على الغيب أيضا ، لأنّهم قاموا مقامه وألقيت مسئوليته توجيه الأمة وإرشادهم بعد النبي (ص) على عواتقهم.
ولكن من هم خلفاؤه؟ أهم الذين لقّبوا بالراشدين ، أم الذين عرّفهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم للأمّة بقوله «خلفائي بعدي اثنا عشر؟». وفي بعض الروايات نصّ عليهم بأسمائهم وألقابهم وهم الذين نعتقد نحن
__________________
(١) سورة الأعراف ، الآية ١٨٨.
الشيعة بإمامتهم ونتمسك بقولهم ونلتزم بطريقتهم ومذهبهم(١) .
__________________
(١) حديث كون الخلفاء اثني عشر ، من الأحاديث المشهورة حتى عدوّه من المتواترات ، ولقد ذكره أصحاب الصحاح والمسانيد منهم : الترمذي في صحيحه : ج ٩ / ٦٦ ، ط الصاوي بمصر ، أخرج بسنده عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله (ص) «يكون من بعدي اثنا عشر أميرا كلهم من قريش». ورواه عنه أيضا البخاري بسنده في الصحيح : ج ٩ ص ٨١ ، ط الأميرية بمصر ، وأحمد في المسند : ج ٥ / ٩٢ ، ط الميمنية بمصر كما في البخاري سندا ومتنا ، والعلاّمة أبو عوانة في المسند : ج ٤ ص ٣٩٦ ، ط حيدرآباد ، ذكره من طرق شتى في صفحة ٣٩٧ و ٣٩٨ و ٣٩٩ ، والحافظ أبو حجاج المزّي في تحفة الأشراف لمعرفة الأطراف : ج ٢ / ١٥٩ ط دار القيامة بمبئي ، والعلاّمة ابن الأثير الجزري في جامع الأصول : ج ٤ / ٤٤٠ ط مصر ، والعلامة النابلسي في شرح ثلاثيات مسند أحمد : ج ٢ / ٥٤٤ ط الإسلامي ببيروت ، والعلاّمة ابن كثير الدمشقي في كتابه قصص الأنبياء : ج ١ / ٣٠١ ط دار الكتب الحديثة ، والحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد : ج ١٤ / ٣٥٣ ، طبع السعادة بمصر ، والعلامة الصنعاني في مشارق الأنوار ، والعلامة ابن الملك في مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار : ج ٢ / ١٩٣ طبع الآستانة ، وابن حجر في الصواعق المحرقة / ١٨٧ ، ط عبد اللطيف بمصر ، والعلامة المناوي في كنوز الحقائق / حرف الباء ، والعلامة الشيخ محمود أبو رية في أضواء على السنة المحمدية : ص ٢١٠ ط القاهرة.
وروى جمع من الأعلام عن جابر بن سمرة قال : سمعت النبي (ص) قال : «يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش».
منهم البخاري في التاريخ الكبير : ج ١ / قسم ١ / ص ٤٤٦ ، ط حيدرآباد وأحمد في المسند : ج ٥ / ٩٢ ، ط الميمنيّة بمصر ، وأبو عوانة في مسنده : ج ٤ / ٣٩٦ ، ط حيدرآباد ، والعلامة ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية : ج ٦ / ٢٤٨ ط السعادة بمصر ، وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء : ج ٤ / ٣٣٣ ط السعادة بمصر ، والحافظ الطبراني في المعجم الكبير / ص ٩٤ نسخة جامعة طهران.
__________________
والقاضي وكيع الأندلسي في أخبار القضاة / ١٧ ، ط الاستقامة بالقاهرة.
وروى جماعة من الأعلام وعلماء العامّة عن عبد الله بن مسعود عن النبي (ص) أنه قال : «الخلفاء بعدي اثنا عشر كعدد نقباء بني إسرائيل» منهم : العلامة الهمداني في مودة القربى / ٩٤ ، ط لاهور ، وابن كثير الدمشقي في تفسير القرآن / المطبوع بهامش فتح البيان ج ٣ / ٣٠٩ طبع بولاق مصر ، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ج ٥ / ١٩٠ ، ط مكتبة القدسي بالقاهرة ، والسيوطي في تاريخ الخلفاء : ص ٧ ط السعادة بمصر ، والعلاّمة ابن حمزة الحسيني الحنفي الدمشقي في البيان والتعريف : ج ١ / ٢٣٩ ط حلب ، رواه من طريق ابن عدي في الكامل ، وابن عساكر في التاريخ عن ابن مسعود ، والعلامة عبيد الله الحنفي في أرجح المطالب / ٤٤٨ ط لاهور ، والحاكم في مستدرك الصحيحين : ج ٤ / ٥٠١ ، عن مسروق عن ابن مسعود ، والعلامة العسقلاني في فتح الباري : ج ١٣ / ١٧٩ ، ط البهيّة بمصر ، روى الحديث من طريق أحمد وأبي يعلى والبزار عن ابن مسعود ، وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء / ٦١ ط السعادة بمصر : وأخرج أبو القاسم البغوي بسند حسن عن عبد الله بن عمر (رض) قال : سمعت رسول الله (ص) يقول «يكون خلفي اثنا عشر خليفة».
أقول : وتوجد روايات أخرى كثيرة في هذا الباب بألفاظ قريبة مما ذكرنا ، ولقد فتح العلاّمة القندوزي بابا في كتابه ينابيع المودّة أسماه الباب السابع والسبعون في تحقيق حديث بعدي اثني عشر خليفة وأنقل بعض الروايات التي أخرجها والتحقيق الذي ذكره في آخر الباب ، قال : وفي جمع الفوائد ، جابر بن سمرة رفعه «لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة ، وسمعت كلاما من النبي (ص) لم أفهمه ، فقلت لأبي : ما يقول؟ قال : كلهم من قريش».
للشيخين ـ أي مسلم والبخاري ـ والترمذي وأبي داود بلفظه.
__________________
ذكر يحيى بن الحسن في كتاب العمدة من عشرين طريقا في أنّ الخلفاء بعد النبي (ص) اثنا عشر خليفة كلهم من قريش.
في البخاري من ثلاثة طرق ، وفي مسلم من تسعة طرق ، وفي أبي داود من ثلاثة طرق ، وفي الترمذي من طريق واحد وفي الحميدي من ثلاثة طرق.
قال القندوزي : وفي المودة العاشرة من كتاب مودّة القربى للسيد علي الهمداني ، عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال : كنت مع أبي عند النبي (ص) فسمعته يقول «بعدي اثنا عشر خليفة ، ثم أخفى صوته. فقلت لأبي ما الذي أخفى صوته؟ قال : قال (ص) كلهم من بني هاشم». وعن سماك بن حرب مثل ذلك.
وعن الشعبي عن مسروق قال : بينا نحن عند ابن مسعود نعرض مصاحفنا عليه إذ قال له فتى : هل عهد إليكم نبيكم كم يكون من بعده خليفة؟ قال : إنك لحديث السن وإنّ هذا شيء ما سألني عنه أحد قبلك [نعم عهد إلينا نبينا (ص) أنه يكون بعده اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل.]
وقال القندوزي بعد نقله للروايات في هذا الباب : قال بعض المحققين : إنّ الأحاديث الدالة على كون الخلفاء بعده (ص) اثنا عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة ، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان علم أنّ مراد رسول الله (ص) من حديثه هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلّتهم عن اثني عشر ، ولا يمكن أن يحمل على الملوك الأمويّة لزيادتهم على اثني عشر ولظلمهم الفاحش ، ولكونهم غير بني هاشم لأنّ النبي (ص) قال «كلهم من بني هاشم». في رواية عبد الملك عن جابر ، وإخفاء صوته صلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا القول يرجّح هذه الرواية ، لأنهم لا يحسنون خلافة بني هاشم ، ولا يمكن أن يحمل على الملوك العباسيّة لزيادتهم على العدد المذكور ولقلّة رعايتهم الآية : ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) وحديث الكساء ، فلا بدّ
أما الذين سمّيتموهم أنتم وآباؤكم بخلفاء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فإنّهم كانوا يجهلون كثيرا من الظواهر فكيف بعلم الغيب؟! ولقد رويتم في كتبكم أنّ الخلفاء الثلاث كثيرا ما كانوا يراجعون الإمام عليّعليهالسلام أو غيره من الصحابة في الأحكام والمسائل الدينيّة التي كانت ترد عليهم ، ولا سيما عمر بن الخطّاب الذي قال في أكثر من مورد [لو لا عليّ لهلك عمر ، ولا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن] كما نقلنا بعضها من كتب أعلامكم ومحدثيكم.
وأما سؤالكم عن دليلنا على أنّ علياعليهالسلام كان يحظى بعلم الغيب ، فالأحاديث المرويّة في كتبكم عن رسول الله (ص) في علم عليّعليهالسلام ، أدلّ دليل على كلامنا ، منها : حديث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم «أنا مدينة العلم وعليّ بابها ومن أراد العلم فليأت الباب».
__________________
من أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته (ص) ، لأنهم كانوا أعلم أهل زمانهم وأجلّهم وأورعهم وأتقاهم وأعلاهم نسبا وأفضلهم حسبا وأكرمهم عند الله ، وكان علومهم عن آبائهم متصلا بجدهم (ص) وبالوراثة واللّدنيّة كذا عرفهم أهل العلم والتحقيق وأهل الكشف والتوفيق ، ويؤيّد هذا المعنى ، أي أنّ مراد النبي (ص) الأئمة الاثني عشر من أهل بيته ، ويشهد له ويرجّحه حديث الثقلين والأحاديث المتكررة المذكورة في هذا الكتاب ـ الينابيع ـ وغيرها ، وأما قوله (ص) كلهم تجتمع عليه الأمة ، في رواية عن جابر بن سمرة فمراده (ص) أنّ الأمة تجتمع على الإقرار بإمامة كلهم وقت ظهور قائمهم المهدي (رضي الله عنهم) «انتهى كلام القندوزي». «المترجم»
الشيخ عبد السلام : لم تثبت صحة هذا الحديث في مصادرنا وعند أعلامنا ، فهو موضوع ، ولقد عدّه أكثر علمائنا من الآحاد الضعاف.
الإمام عليعليهالسلام باب مدينة علم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بنصّ أحاديثكم
قلت : إنّي لأتعجّب من كلام الشيخ إذ يضعّف هذا الحديث الذي عدّه كثير من علماء العامّة من المتواترات ، ونقله كثير من أعلام أهل السنّة في كتبهم وأقرّوا بصحّته منهم :
السيوطي في جمع الجوامع ، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار والسيد محمد البخاري في تذكرة الأبرار ، والحاكم النيسابوري في مستدرك الصحيحين ، والفيروزآبادي في نقد الصحيح ، والمتقي في كنز العمّال ، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب ، وجمال الدين الهندي في تذكرة الموضوعات ، وقد قال : فمن حكم بكذبه فقد أخطأ.
والأمير محمد اليماني في الروضة النديّة ، والحافظ أبو محمد السمرقندي في بحر الأسانيد وابن طلحة العدوي في مطالب السئول ، وغيرهم من أعلامكم الذين حكموا بصحة حديث «أنا مدينة العلم.». الخ.
ولقد وصل هذا الحديث إلى علماء الدين من طرق شتى وأسناد كثيرة متصلة بالصحابة والتابعين منهم : أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام وأبي محمد الحسن السبطعليهالسلام ، وحبر الأمة عبد الله بن عباس ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وعبد الله بن مسعود ، وحذيفة بن
اليمان ، وعبد الله بن عمر ، وأنس بن مالك ، وعمرو بن العاص من الصحابة.
والإمام السجاد علي بن الحسينعليهالسلام ومحمد بن علي الباقرعليهالسلام وأصبغ بن نباتة ، وجرير الضبيّ ، وحارث بن عبد الله الهمداني الكوفي ، وسعد بن طريف الحنظلي ، وسعيد بن جبير الأسدي ، وسلمة بن كهيل الحضرمي ، وسليمان بن مهران الأعمش ، وعاصم بن حمزة السلولي ، وعبد الله بن عثمان القاري المكي ، وعبد الرحمن بن عثمان ، وعبد الله بن عسيلة المرادي ، ومجاهد بن جبير أبي الحجاج المخزومي ، من التابعين.
وأمّا العلماء الأعلام والمحدثين العظام الذين أخرجوا هذا الحديث في كتبهم ومسانيدهم ، فكثير جدا ولا يسعني أن أذكرهم كلّهم ، ولذا أكتفي بمن يحضرني أسماؤهم ، حتى يعرف جناب الشيخ زيف كلامه ، وأرجو أن لا يتّبع قول أسلافه بعد سماع مصادر الحديث ، ومعرفة صحّته وتواتره عند أهل الحديث. وأطلب منه بعد هذا أن لا يتكلّم من غير تحقيق.
جملة من مصادر العامّة للحديث
١ ـ محمد بن جرير الطبري ، المفسّر والمؤرخ في القرن الثالث المتوفّى عام ٣١٠ ه في تهذيب الآثار.
٢ ـ الحاكم النيسابوري المتوفى عام ٤٠٥ ه في المستدرك : ج ٣ / ١٢٦ و ١٢٨ و ٢٢٦.
٣ ـ أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي المتوفى عام ٢٨٩ ه في صحيحه.
٤ ـ جلال الدين السيوطي المتوفى عام ٩١١ ه في جمع الجوامع ، والجامع الصغير ج ١ / ٣٧٤.
٥ ـ سليمان بن أحمد الطبراني المتوفى عام ٣٦٠ ه في الكبير والأوسط.
٦ ـ الحافظ أبو محمد السمرقندي المتوفّى عام ٤٩١ ه في بحر الأسانيد.
٧ ـ أبو نعيم الحافظ المتوفّى عام ٤٣٠ ه في معرفة الصحابة.
٨ ـ الحافظ ابن عبد البر القرطبي المتوفّى عام ٤٦٣ ه في الاستيعاب : ج ٢ / ٤٦١.
٩ ـ الحافظ الفقيه ابن المغازلي المتوفى عام ٤٨٣ ه في كتابه المناقب.
١٠ ـ الحافظ الديلمي المتوفى عام ٥٠٩ ه في فردوس الأخبار.
١١ ـ الموفق بن أحمد الخطيب الخوارزمي المتوفى عام ٥٦٨ ه في المناقب : ص ٤٩ وفي مقتل الحسين (ع) : ج ١ / ٤٣.
١٢ ـ العلاّمة ابن عساكر الدمشقي المتوفى عام ٥٧١ ه في تاريخه الكبير.
١٣ ـ العلامة أبو الحجاج الأندلسي المتوفى عام ٦٠٥ في «ألف باء» ج ١ / ٢٢٢.
١٤ ـ العلامة ابن الأثير الجزري المتوفى عام ٦٣٠ ه في أسد الغابة : ج ٤ / ٢٢.
١٥ ـ العلاّمة محب الدين الطبري المتوفى عام ٦٩٤ ه في الرياض النضرة : ج ١ / ١٢٩ ، وفي ذخائر العقبى / ٧٧.
١٦ ـ العلامة شمس الدين الذهبي المتوفى عام ٧٤٨ ه في تذكرة الحفاظ : ج ٤ / ٢٨.
١٧ ـ بدر الدين الزركشي المتوفى عام ٧٤٩ ه في فيض القدير : ج ٣ / ٤٧.
١٨ ـ الحافظ الهيثمي المتوفى ٨٠٧ ه في مجمع الزوائد : ج ٩ / ١١٤.
١٩ ـ العلامة الدميري المتوفى عام ٨٠٨ ه في حياة الحيوان : ج ١ / ٥٥.
٢٠ ـ شمس الدين محمد بن محمد الجزري المتوفى ٨٣٣ ه في أسنى المطالب / ص ١٤.
٢١ ـ ابن حجر العسقلاني المتوفى عام ٨٥٢ ه في تهذيب التهذيب : ج ٧ / ٣٣٧.
٢٢ ـ بدر الدين العيني الحنفي المتوفى عام ٨٥٥ ه في عمدة القاري : ج ٧ / ٦٣١.
٢٣ ـ المتقي الهندي المتوفى عام ٩٧٥ ه في كنز العمال : ج ٦ / ١٥٦.
٢٤ ـ عبد الرءوف المناوي المتوفى عام ١٠٣١ ه في فيض القدير : ج ٣ / ٤٦.
٢٥ ـ الحافظ العزيزي المتوفى عام ١٠٧٠ ه في السراج المنير : ج ٢ / ٦٣.
٢٦ ـ محمد بن يوسف الشامي المتوفى ٩٤٢ ه في سبل الهدى والرشاد في أسماء خير العباد.
٢٧ ـ العلامة الفيروزآبادي المتوفى عام ٨١٧ ه في نقد الصحيح.
٢٨ ـ أحمد بن حنبل المتوفى عام ٢٤١ ه في المسند وفي المناقب.
٢٩ ـ محمد بن طلحة الشافعي المتوفى عام ٦٥٢ ه في مطالب السئول.
٣٠ ـ شيخ الإسلام إبراهيم بن محمد الحمويني المتوفى عام ٧٢٢ ه في فرائد السمطين.
٣١ ـ شهاب الدين الدولت آبادي المتوفى عام ٨٤٩ ه في هداية السعداء.
٣٢ ـ العلاّمة السمهودي المتوفى عام ٩١١ ه في جواهر العقدين.
٣٣ ـ القاضي فضل بن روزبهان في إبطال الباطل.
٣٤ ـ نور الدين بن الصبّاغ المتوفى عام ٨٥٥ ه في الفصول المهمة.
٣٥ ـ ابن حجر المكي المتوفى عام ٩٧٤ ه في الصواعق المحرقة.
٣٦ ـ جمال الدين الشيرازي المتوفى عام ١٠٠٠ ه في الأربعين.
٣٧ ـ علي القاري الهروي المتوفى ١٠١٤ ه في المرقاة في شرح المشكاة.
٣٨ ـ محمد بن علي الصّبّان المتوفى عام ١٢٠٥ ه في إسعاف الراغبين / ١٦٥.
٣٩ ـ القاضي الشوكاني المتوفى عام ١٢٥٠ ه في الفوائد المجموعة.
٤٠ ـ شهاب الدين الآلوسي المتوفى عام ١٢٧٠ ه في تفسير روح المعاني.
٤١ ـ محمد الغزالي في إحياء العلوم.
٤٢ ـ العلاّمة الهمداني الشافعي في مودّة القربى.
٤٣ ـ أحمد بن محمد العاصمي في زين الفتى في شرح سورة هل أتى.
٤٤ ـ شمس الدين محمد السّخاوي المتوفى عام ٩٠٢ ه في المقاصد الحسنة.
٤٥ ـ العلاّمة القندوزي المتوفى عام ١٢٩٣ ه في الينابيع / باب ١٤.
٤٦ ـ سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمّة.
٤٧ ـ صدر الدين الفوزي الهروي في نزهة الأرواح.
٤٨ ـ كمال الدين الميبدي في شرح الديوان.
٤٩ ـ الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي المتوفى عام ٤٦٣ ه في تاريخ بغداد : ج ٢ / ٣٧٧ وج ٤ / ٣٤٨ وج ٧ / ١٧٣.
٥٠ ـ محمد بن يوسف الكنجي المتوفى عام ٦٥٨ ه في كفاية الطالب / الباب الثامن والخمسون ، بعد نقله للروايات قال : فقد قال العلماء من الصحابة والتابعين وأهل بيته بتفضيل عليّعليهالسلام وزيادة علمه وغزارته وحدّة فهمه ووفور حكمته وحسن قضاياه وصحّة فتواه ، وقد كان أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من علماء الصحابة يشاورونه
في الأحكام ويأخذون بقوله في النقض والإبرام اعترافا منهم بعلمه ووفور فضله ورجاحة عقله وصحّة حكمه ، وليس هذا الحديث : «أنا مدينة العلم وعلي بابها» في حقه بكثير ، لأنّ رتبته عند الله وعند رسوله (ص) وعند المؤمنين من عباده أجلّ وأعلا من ذلك.
ولا يخفى أنّ العلاّمة أحمد بن محمد بن صدّيق المغربي القاطن في مصر ، ألّف كتابا في تصحيح وتأييد هذا الحديث الشريف وأسماه بفتح الملك العليّ بصحّة حديث باب مدينة العلم عليّ وقد طبع سنة ١٣٥٤ هجرية في مطبعة الإعلاميّة بمصر.
وهناك المزيد ، ونكتفي بذلك ، حتى نسمع منكم بقية الشبهات والأسئلة.
السيد عديل أختر(١) : ما أحسن الأحاديث النبويّة وخاصّة إذا كانت في فضل سيدنا علي كرم الله وجهه ، فإني رأيت كثيرا في كتبنا أنّ رسول الله (ص) قال «ذكر عليّ عبادة». ولقد رأيت في كتاب مودّة القربى للعالم الفاضل والزاهد الكامل العلاّمة مير سيد علي الهمداني الشافعي قال في المودّة الثانية / روى بسنده إلى أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت : سمعت رسول الله (ص) يقول «ما من قوم اجتمعوا يذكرون فضائل محمّد وآل محمّد إلاّ هبطت ملائكة من السماء حتى لحقت بهم تحدّثهم فإذا تفرّقوا عرجت الملائكة وقالت الملائكة الآخرون لهم إنّا نشمّ رائحة منكم ما شممنا رائحة أطيب منها. فتقول لهم : كنا مع قوم كانوا يذكرون فضائل آل محمد (ص). فيقولون : اهبطوا بنا إليهم! فيقولون : إنهم قد تفرقوا ، فيقولون : اهبطوا بنا إلى المكان
__________________
(١) هو من علماء البلد وإمام مسجد لأهل السنّة والجماعة.
الذي كانوا فيه!».
فالرجاء أن تزيدونا من الأحاديث الشريفة التي نطق بها النبي (ص) في فضائل ومناقب سيدنا عليّ ، ولا سيما في علمه.
حديث : أنا دار الحكمة وعلي بابها
قلت : من الأحاديث التي نطق بها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في بيان علم الإمام علي وحكمته هو الحديث المشهور في كتب الفريقين أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «أنا دار الحكمة وعليّ بابها ، ومن أراد الحكمة فليأت الباب». رواه جمع كثير من علمائكم وأعلام محدثيكم منهم : أحمد في المناقب والمسند ، والحاكم في المستدرك ، والمتقي في كنز العمال : ج ٦ / ٤٠١ ، وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء : ج ١ / ٦٤ ، ومحمد ابن صبّان في إسعاف الراغبين ، وابن المغازلي في المناقب ، والعلاّمة السيوطي في الجامع الصغير وجمع الجوامع واللئالي المصنوعة ، والترمذي في صحيحه : ج ٢ / ٢١٤ ، ومحمد بن طلحة العدوي في مطالب السّئول ، والشيخ العلاّمة القندوزي في ينابيع المودّة ، وسبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة ، وابن حجر المكي في الصواعق المحرقة ، ضمن الفصل الثاني من الباب التاسع ، والمحب الطبري في الرياض النضرة وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين ، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمة ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ، وآخرون من علمائكم الكبار ، بالإضافة إلى جمهور علماء الشيعة.
ولقد رواه محمد بن يوسف العلاّمة الكنجي في كتابه كفاية الطالب وخصّص له الباب الواحد والعشرون وبعد نقله الحديث قال :
هذا حديث حسن عال ، وقد فسّرت الحكمة بالسنّة لقوله عزّ وجلّ :( وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ) (١) ، الآية ، يدل على صحة هذا التأويل ، وقد قال رسول الله (ص) : «إنّ الله تعالى أنزل عليّ الكتاب ومثله معه». أراد بالكتاب القرآن ، ومثله معه ما علّمه الله تعالى من الحكمة وبيّن له من الأمر والنهي والحلال والحرام ، فالحكمة هي السنّة فلهذا قال «أنا دار الحكمة وعلي بابها».
ولقد روى ابن عساكر في تاريخه مع ذكر السند ، والخطيب الخوارزمي في المناقب ، وشيخ الاسلام الحمويني في فرائد السمطين ، والديلمي في فردوس الأخبار والكنجي الشافعي في كفاية الطالب الباب الثامن والخمسون ، والعلامة القندوزي في ينابيع المودة / الباب الرابع عشر ، وابن المغازلي الشافعي في المناقب حديث رقم ١٢٠ وغيرهم من كبار علمائكم رووا عن ابن عباس وجابر بن عبد الله الأنصاري أنّ النبي (ص) أخذ بيد عليّعليهالسلام فقال «هذا أمير البررة وقاتل الكفرة منصور من نصره ، مخذول من خذله ، ثم مدّ بها صوته. فقال : أنا مدينة العلم وعليّ بابها فمن أراد العلم فليأت الباب».
وروى صاحب المناقب الفاخرة عن ابن عباس أنّ النبي (ص) قال «أنا مدينة العلم وعلي بابها ومن أراد علم الدين فليأت الباب. ثم قال لعليّعليهالسلام : يا عليّ أنا مدينة العلم وأنت الباب ، كذب من زعم أنّه يصل إلى المدينة ، إلاّ من الباب».
وأخرج الحديث ابن أبي الحديد في مواضع عديدة من شرح نهج البلاغة ، وشيخ الإسلام الحمويني عن ابن عباس ، وأخرجه الموفق الخوارزمي في المناقب عن عمرو بن العاص ، وأخرجه محب الدين
__________________
(١) سورة النساء ، الآية ١١٣.
الطبري في ذخائر العقبى ، وأحمد في المسند والعلاّمة علي بن شهاب الهمداني في مودّة القربى ، وحتى ابن حجر ـ مع كثرة تعصّبه ـ في الصواعق المحرقة ضمن الفصل الثاني من الباب التاسع / الحديث التاسع من الأربعين حديثا في فضائل الإمام علي أخرجه عن البزار والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله ، وأخرجه عن ابن عدي عن عبد الله ابن عمر وعن الحاكم والترمذي عن عليّعليهالسلام كلهم رووا عن رسول الله (ص) قال «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب». فالحديث مشهور ومنشور في كتب كبار علمائكم ، وهو بحكم العقل والعقلاء دليل على إمامة الإمام عليّ وخلافته وأنّه مقدّم على غيره ، لأنّ العلماء في كل أمة وملّة مقدّمون على الجاهلين ، وخاصة تأكيد النبي (ص) في الحديث ، بأنّ من أراد العلم فليأت الباب ، أو كذب من زعم أنه يصل الى المدينة إلاّ من الباب ، وإضافة على كل هذا قول الله سبحانه :( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (١) .
ومن الواضح أنّ الألف واللام في كلمة العلم تفيد الجنس أي كل علم كان عند الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم من علم الدين والدنيا وعلم الظاهر والباطن وأسرار الكون والخلقة لا يمكن الوصول إليها إلاّ عن طريق الإمام عليّعليهالسلام .
بالله عليكم أنصفوا! هل كان للناس بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يغلقوا هذا الباب الذي فتحه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمّته كي يتوصّلوا منه إلى الحقائق الدينية والدقائق العلميّة التي أودعها الله سبحانه نبيّه المصطفى ورسوله
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية ١٨٩.
المرتضى الذي هو من أجلى مصاديق الآية الشريفة :( عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ) (١) فلقد ارتضاه الله سبحانه وأعطاه من غيبه أكثر مما أعطى لسائر الأنبياء والمرسلين؟
الشيخ عبد السلام : نحن لا ننكر حديث رسول الله (ص) : «أنا مدينة العلم وعلي بابها» وإن ناقش بعض العلماء في سند الرواية وضعّفه ، وبعض ادّعى فيه التواتر وصحّحه ، وبعض ناقش في مدلول الحديث ، ولكن مع غضّ النظر عن كل المناقشات المطروحة حول الحديث ، فلا يدلّ على أنّ سيدنا عليا كرم الله وجهه كان عنده علم الغيب والباطن.
عليعليهالسلام عالم بظاهر القرآن وباطنه
قلت : لا شك ولا ريب أنّ أساس علم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم هو كتاب الله العزيز ، وكما ورد في الأحاديث المرويّة عن طرقكم والمذكورة في مصادركم ، أنّ الإمام أمير المؤمنين عليّعليهالسلام كان أعلم الناس ـ بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ بعلوم القرآن ظاهره وباطنه ، ولقد روى أبو نعيم الحافظ في الحلية : ج ١ / ٦٥ ، والعلاّمة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / الباب الرابع والسبعون ، والعلاّمة القندوزي في ينابيع المودّة / الباب الرابع عشر نقلا من كتاب فصل الخطاب عن عبد الله بن مسعود قال : [إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلاّ له ظهر وبطن ، وان عليّ بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن.]
كما ويحصل من جملة من الروايات المشهورة عندكم والمنشورة
__________________
(١) سورة الجن ، الآية ٢٥ و ٢٦.
في كتبكم ، أنّ علياعليهالسلام كان علمه لدنيّا لأنّه كان المرتضى من بين الخلق بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولقد ارتضاه الله واصطفاه وجعله وليّا.
ولقد روى أبو حامد الغزالي في كتابه في بيان العلم اللدنيّ عن عليّعليهالسلام أنه قال «ولقد وضع رسول الله (ص) لسانه في فمي وزقّني من لعابه ، ففتح لي ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب».
وروى العلاّمة القندوزي في ينابيع المودّة / الباب الرابع عشر في غزارة علمه ، عن الأصبغ بن نباتة قال : سمعت أمير المؤمنينعليهالسلام يقول «إنّ رسول الله (ص) علّمني ألف باب وكل باب منها يفتح ألف باب ، حتى علمت ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وعلمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب».
وروى في الباب عن ابن المغازلي بسنده عن عليّعليهالسلام قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «يا علي أنا مدينة العلم وأنت بابها كذب من زعم أنّه يدخل المدينة بغير الباب قال الله عزّ وجلّ :( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) وقال علي : علمني رسول الله (ص) ألف باب من العلم فانفتح من كل واحد منها ألف باب».
وروى القندوزي أيضا في الباب الرابع عشر ، عن ابن المغازلي بسنده عن أبي الصباح عن ابن عباس (رض) قال : قال رسول الله (ص) «لما صرت بين يدي ربّي كلّمني وناجاني فما علمت شيئا إلاّ علّمته عليّا فهو باب علمي».
وكذلك نقل في الباب من الموفق بن أحمد الخوارزمي أيضا عن أبي الصباح عن ابن عباس عن النبي (ص) قال «أتاني جبرئيل بدر نوك من الجنّة فجلست عليه ، فلمّا صرت بين يدي ربّي كلّمني وناجاني فما
علمت شيئا إلاّ علّمته عليا فهو باب علمي ، ثم دعاه إليه فقال : يا علي! سلمك سلمي وحربك حربي وأنت العلم فيما بيني وبين أمّتي».
وأما الخبر المروي عن عليّعليهالسلام «علّمني رسول الله ألف باب من العلم.». فمروي في كثير من مصادركم وأخرجه كبار أعلامكم مثل : أحمد في المسند وفي المناقب ، ومحمد بن طلحة العدوي في مطالب السئول ، والموفق الخوارزمي في المناقب وأبي حامد الغزالي ، وجلال الدين السيوطي والثعلبي والمير سيد علي بن شهاب الهمداني بألفاظ مختلفة ومن طرق شتى نقلوه في كتبهم. ولقد روى الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء ، والمولى علي المتقي في كنز العمال : ج ٦ / ٣٩٢ وأبو يعلى وغيرهم ، بإسنادهم إلى عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله (ص) في مرض موته «ادعوا إليّ أخي ، فجاء أبو بكر فأعرض عنه.
ثم قال : ادعوا إليّ أخي. فجاء عثمان ، فأعرض عنه ، ثم دعي له علي فستره بثوبه وأكبّ عليه. فلمّا خرج من عنده قيل له : ما قال لك؟ قال : علّمني ألف باب كل باب يفتح ألف باب».
وأخرج الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء : ج ١ / ٦٥ ، ومحمد الجزري في أسنى المطالب / ص ١٤ ، والعلاّمة الكنجي في كفاية الطالب / الباب الثامن والأربعون ، رووا بإسنادهم عن أحمد بن عمران ابن سلمة عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : كنت عند النبي (ص) فسئل عن عليّعليهالسلام فقال (ص) : «قسمت الحكمة عشرة أجزاء ، فأعطي عليّ تسعة أجزاء والناس جزءا واحدا». ثم قال العلامة الكنجي : هذا حديث حسن عال تفرّد به أحمد
بن عمران بن سلمة وكان ثقة عدلا مرضيّا.
وكذلك رواه جماعة من أعلامكم بالإسناد إلى علقمة عن عبد الله وفيه زيادة ونصّه «قسمت الحكمة على عشرة أجزاء ، فأعطي عليّ تسعة أجزاء والناس جزءا واحدا وهو أعلم بالعشر الباقي». أخرجه الموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب والمتقي في الكنز : ج ٥ / ١٥٦ و ٤٠١ وابن المغازلي في الفضائل والقندوزي في الينابيع / الباب الرابع عشر بنفس الطريق عن ابن مسعود ، وأخرجه محمد بن طلحة العدوي في مطالب السّئول عن حلية الأولياء.
ونقل العلامة القندوزي في الينابيع في الباب الرابع عشر عن محمد بن علي الحكيم الترمذي في شرح الرسالة الموسومة بالفتح المبين عن ابن عباس قال «العلم عشرة أجزاء ، لعليّ تسعة أجزاء وللناس عشر الباقي وهو أعلمهم به».
وأخرج القندوزي في الباب ، والمتقي في كنز العمال : ج ٦ / ١٥٣ والموفق الخوارزمي في المناقب / ٤٩ ، وفي مقتل الحسين : ج ١ / ٤٣ ، والديلمي في فردوس الأخبار ، أنّ النبي (ص) قال : أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب».
علي تلميذ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
نستنتج من الروايات السابقة أنّ علم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما تلقّاه من الوحي قد علّم به الإمام عليّعليهالسلام .
ونحن الشيعة لا نقول بأنّ الإمام عليّ والأئمة الأحد عشر من ولده سلام الله عليهم أجمعين ، كانوا مثل رسول الله (ص) في تلقّي
العلوم من الله عزّ وجلّ مباشرة أبو بواسطة الوحي. بل نعتقد بأنّ رسول الله (ص) الذي ارتضاه الله جلّ وعلا وأعطاه من العلوم ما لم يعطه لأحد من العالمين وأطلعه على الغيب أكثر مما أطلع عليه جميع الأنبياء والمرسلين ، اتّخذ عليا أخا له ووارثا لعلومه وموضعا لأسراره إذ وجده أهلا لذلك ، فما بقي عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم شيء من ودائع النبوة وعلوم الوحي والرسالة من الظاهر والباطن والغيب والشهود إلاّ وأودعه في علي بن أبي طالب وعلّمه إيّاه(١) . وعليّعليهالسلام أودع تلك العلوم في بنيه الأئمة الأحد عشر ، توارثوها بإرادة الله تعالى واحدا تلو الآخر ، واليوم ودائع النبوة وأعلام الرسالة وعلوم الوحي كلّها مودعة عند الإمام المهدي المنتظر ، الحجة الثاني عشر وآخر أئمة أهل البيتعليهمالسلام .
ولقد روى القندوزي في الينابيع في الباب الرابع عشر ، أنّ علياعليهالسلام كان يقول «سلوني عن أسرار الغيوب فإنّي وارث علوم
__________________
(١) وترى في نهج البلاغة عبارات كثيرة في مواضع عديدة صرح فيها علي سلام الله عليه على ما أطلعه عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من علم الغيب الذي منحه الله عزّ وجلّ ، فقال في الخطبة المرقمة ١٧٦ أوّلها «أيّها الناس غير المغفول عنهم إلى أن قالعليهالسلام : والله لو شئت أن أخبر كلّ رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت ولكن أخاف أن تكفروا فيّ برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . ألا وإنّي مفضيه إلى الخاصّة ممن يؤمن ذلك منه. والذي بعثه بالحق واصطفاه على الخلق ، ما أنطق إلاّ صادقا ، ولقد عهد إليّ بذلك كلّه وبمهلك من يهلك ومنجى من ينجو ، ومآل هذا الأمر وما أبقى شيئا يمرّ على رأسي إلاّ أفرغه في أذنيّ ، وأفضى به إليّ».
ولقد أثبت عليهالسلام كلما ادّعاه واختصّ به ، وما ادّعاه أحد غيره.
«المترجم»
الأنبياء والمرسلين. ونقل عنه قبل هذا في نفس الباب ، قال «سلوني قبل أن تفقدوني فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض.». الخ.
ونقل القندوزي في الباب أيضا قال : وفي مسند أحمد بسنده عن ابن عباس : وقال علي على المنبر «سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عن كتاب الله ، وما من آية إلاّ وأنا أعلم حيث أنزلت ، بحضيض جبل أو سهل أرض ، سلوني عن الفتن ، فما من فتنة إلاّ وقد علمت من كسبها ومن يقتل فيها». وقال أحمد روى عنه نحو هذا كثيرا.
وكذلك نقل القندوزي في الباب من الموفق بن أحمد الخوارزمي وعن الحمويني بسنديهما عن أبي سعيد البحتري قال : رأيت عليا جلس على المنبر فكشف عن بطنه وقال «سلوني قبل أن تفقدوني ، فإنّما بين الجوانح منّي علم جمّ ، هذا سفط العلم ، هذا لعاب رسول الله (ص) ، هذا ما زقّني رسول الله (ص) زقّا زقّا».
ونقل القندوزي في الباب عن مسند الإمام أحمد ومناقب موفق ابن أحمد الخوارزمي بسنديهما عن سعيد بن المسيّب قال : لم يكن أحد من الصحابة يقول : سلوني إلاّ عليّ بن أبي طالب. ورواه عنه ابن حجر في الصواعق أيضا.
ولا يخفى أن معتقدنا نحن الشيعة أنّ كلّ ما كان عند الإمام عليّ سلام الله عليه من أنواع العلوم فإنّه اكتسبها وتعلّمها من سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد (ص). ولقد أملى عليه النبي (ص) من علومه الباطنية وأسراره الغيبية بكل ما يحدث في العالم ويقع في المستقبل ، وكتب عليّعليهالسلام كل ذلك بالرموز والحروف المقطّعة وقد اشتهر بين
العلماء بعلم الجفر الجامع ، وهذا العالم مما خصّ به عليعليهالسلام وأبنائه الأئمة المعصومون سلام الله عليهم أجمعين.
كما ذكر ذلك الغزالي في بعض تصانيفه وقال [إنّ عند علي بن أبي طالب كتاب يسمّى بالجفر الجامع لشئون الدنيا والآخرة وهو يشتمل على كل العلوم والحقائق ويحوي على دقائق الأسرار وخواصّ الأشياء وآثار الحروف والأسماء وتأثيرات العوالم العلويّة والسفليّة وكل ما في الأرض والسماء ولا يطلع على ذلك الكتاب أحد غير علي بن أبي طالب وأولاده الأحد عشر وهم الذين حازوا درجة الولاية وتوصّلوا إلى مقام الإمامة ، وقد وصلهم الكتاب وعلومه بالوراثة.]
ولقد أشار وصرّح باختصاص هذا العلم وذلك الكتاب بالإمام عليّ وأبنائه المعصومين ، العلاّمة القندوزي في كتابه ينابيع المودة / الباب الثامن والستون / وفيه قد نقل في الموضوع شرحا مبسوطا من كتاب الدرّ المنظّم للشيخ كمال الدين محمد بن طلحة الحلبي الشافعي.
وكذلك ذكر صاحب شرح المواقف وهو من علماء العامّة قال : إنّ الجفر والجامعة كتابان لعليّ بن أبي طالب قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف ، الحوادث إلى انقراض العالم ، وأولاده يحكمون بهما.
النواب : ما هو منشأ هذا الكتاب المسمّى بالجفر الجامع؟ وكيف وصل ليد سيّدنا عليّ كرم الله وجهه؟
قلت : في العام العاشر الهجري ، بعد ما رجع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من حجة الوداع هبط جبرئيل وأخبرهصلىاللهعليهوآلهوسلم باقتراب أجله ودنوّ منيّته. فدعا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ربّه ورفع يديه وقال «اللهم وعدك الذي وعدتني ، إنّك لا تخلف الميعاد».
فطلب من الله عزّ وجلّ وفاء الوعد المعهود بينهما.
فأوحى الله تعالى إليهصلىاللهعليهوآلهوسلم «أن خذ عليا معك واذهبا إلى جبل أحد فإذا صعدتما الجبل فاجلس مستدبر القبلة وناد الوحوش وحيوانات الصحراء ، فتجتمع الحيوانات أمامك ، وتجد بينها معزا وحشيا أحمر اللون قصير القرن ، فأمر عليا فليأخذه ويذبحه ويسلخ جلده من طرف رقبته ، ثم يدبغه ، ولمّا فعل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما أمره ربّه ، نزل جبرئيل ومعه دوات وقلم أعطاهما للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ليعطيهما للامام عليّعليهالسلام حتى يكتب ما يقوله جبرئيل وكان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يملي ما يسمعه على الإمام عليّعليهالسلام فيكتبه على ذلك الجلد المدبوغ ، وهذا الجلد لا يندرس ولا يبيد وهو الآن موجود عند الإمام المنتظر المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف ، ويوجد في ذلك الجلد كل ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وهذا الجلد هو الكتاب الذي عبّر عنه الغزالي بالجفر الجامع وقال فيه من علوم المنايا والبلايا والقضايا وفصل الخطاب».
النواب : كيف يسع جلد ماعز ليحتوي على كل ما يحدث إلى يوم القيامة ، ويحتوي على العلوم التي أشرتم إليها وذكرها الغزالي؟
قلت : لقد ذكرنا أنها مذكورة بطريقة الرمز والحروف وأنّ مفتاح تلك الرموز ومعاني تلك الحروف هو علم خاص بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلّمه علياعليهالسلام ثم ورثه أولاده الائمة الأحد عشر ، ولا يقدر على حل رموزه وفهم علومه غيرهم ، وقد جاء في الخبر : «أنّ علياعليهالسلام فتح ذلك الجلد مرة أمام ولده محمد بن الحنفيّة فما فهم شيئا منه».
وأمّا الأئمة المعصومونعليهمالسلام فكانوا في أكثر الأحيان يستخرجون من ذلك الكتاب القضايا والحوادث التي كانوا يخبرون بها قبل وقوعها.
الإمام الرضاعليهالسلام يخبر عن موته من الجفر والجامعة
ولقد روى كثير من علمائكم أنّ المأمون لمّا عرض ولاية العهد على الإمام الرضا وأخذ له البيعة وكتب كتابا له بذلك بخطه وأعطاه إلى الإمامعليهالسلام ليوقّع أدناه ويختمه بإمضائه وختمه الشريف ، فكتب هذه العبارات خلف الكتاب كما في كتاب شرح المواقف «أقول وأنا عليّ بن موسى بن جعفر : إنّ أمير المؤمنين عضّده الله بالسداد ووفّقه للرشاد عرف من حقنا ما جهله غيره ، فوصل أرحاما قطعت ، وآمن نفوسا فزعت ، بل أحياها وقد تلفت ، وأغناها إذ افتقرت ، مبتغيا رضى ربّ العالمين وسيجزي الله الشاكرين. ولا يضيع أجر المحسنين ، وإنّه جعل إليّ عهده والإمرة الكبرى إن بقيت بعده إلى أن كتب في آخره : ولكنّ الجفر والجامعة يدلاّن على ضدّ ذلك( وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ) (١) ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ ) (٢) ». وهكذا رواه العلامة سعد بن مسعود بن عمر التفتازاني في كتاب شرح مقاصد الطالبيين في علم أصول الدين(٣) .
__________________
(١) سورة الأحقاف ، الآية ٩.
(٢) سورة الأنعام ، الآية ٥٧.
(٣) وروى العلاّمة الشهير بابن الطقطقي البغدادي في كتابه «الفخري» ص ١٦١ طبع بغداد ، إنّ الإمام الرضاعليهالسلام كتب فيما كتب خلف كتاب العهد : «.. إنّي قد أجبت امتثالا للأمر وإن كان الجفر والجامعة يدلاّن على ضدّ ذلك». وروى الحافظ عبد الكريم الرافعي في كتابه التدوين : ج ٤ / ٥١ ط طهران : «... والجفر والجامعة يدلاّن على الضدّ من ذلك( وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ
الصحيفة السماويّة
ولقد ورد في روايات أهل البيتعليهمالسلام خبر صحيفة نزلت على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قبيل وفاته فأعطاها لعلي بن أبي طالبعليهالسلام وفيها علوم كثيرة مما يجري في العالم ولا سيما ما يجري عليهم وما يجب عليهم من مقابلة الأحداث والوقائع ، ولقد أوصاهم الله سبحانه فيها بوصايا مهمّة ، ولذلك نقل هذا الخبر تحت عنوان (الوصيّة) المؤرخ الجليل والحبر النبيل الشهير بالمسعودي المتوفى عام ٣٤٦ من الهجرة النبويّة ، قال في كتابه إثبات الوصيّة [فلمّا قرب أمرهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنزل الله جلّ وعلا إليه من السماء كتابا مسجّلا نزل به جبرئيلعليهالسلام مع أمناء الملائكة فقال جبرئيل : يا رسول الله! مر من عندك بالخروج من مجلسك إلاّ وصيّك ليقبض منّا كتاب الوصيّة ويشهدنا عليه.
فأمر رسول الله (ص) من كان عنده في البيت بالخروج ما خلا أمير المؤمنينعليهالسلام وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام .
فقال جبرئيل : يا رسول الله إنّ الله يقرأ عليك السلام ويقول لك : هذا كتاب بما كنت عهدت وشرطت عليك واشهدت عليك ملائكتي وكفى بي شهيدا.
فارتعدت مفاصل سيدنا محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : هو السلام ومنه
__________________
يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ ) ، لكنّي امتثلت أمر أمير المؤمنين وآثرت رضاه والله يعصمني وإيّاه وهو حسبي وحسبه ونعم الوكيل». وكذلك أخرجه بنصّه العلاّمة محمد مبين الهندي في كتابه وسيلة النجاة ص ٣٧٨ طبع لكهنو. ورواه آخرون باختلاف يسير في الألفاظ. «المترجم»
السلام وإليه يعود السلام ، صدق الله ، هات الكتاب. فدفعه إليه ، فدفعه من يده إلى عليّعليهالسلام وأمره بقراءته وقال : هذا عهد ربّي إليّ وأمانته وقد بلّغت وأدّيت.
فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : وأنا أشهد لك بأبي أنت وأمي بالتبليغ والنصيحة والصدق على ما قلت ، ويشهد لك به سمعي وبصري ولحمي ودمي. فقال له النبي (ص) : أخذت وصيّتي وقبلتها منّي وضمنت لله تبارك وتعالى ولي الوفاء بها؟ قال : نعم عليّ ضمانها وعلى الله عزّ وجلّ عوني.
وكان فيما شرطه فيها على أمير المؤمنينعليهالسلام : الموالاة لأولياء الله والمعاداة لأعداء الله والبراءة منهم ، والصبر على الظلم وكظم الغيظ وأخذ حقك منك وذهاب خمسك وانتهاك حرمتك ، وعلى أن تخضب لحيتك من رأسك بدم عبيط.
فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : قبلت ورضيت وإن انتهكت الحرمة وعطّلت السنن ومزّق الكتاب وهدمت الكعبة وخضبت لحيتي من [دم] رأسي صابرا محتسبا.
فأشهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جبرئيل وميكائيل والملائكة المقرّبين على أمير المؤمنينعليهالسلام .
ثم دعا رسول الله (ص) فاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام فأعلمهم من الأمر مثل ما أعلمه أمير المؤمنين وشرح لهم ما شرح له. فقالوا مثل قوله. وختمت الوصيّة بخواتيم من ذهب لم تصبه النار ودفعت إلى أمير المؤمنين.]
وفي الوصيّة سنن الله جلّ وعلا وسنن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وخلاف
من يخالف ويغيّر ويبدّل ، وشيء من شيء من جميع الأمور والحوادث بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو قول الله عزّ وجلّ في سورة يس ، الآية ١٢ :( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ) . «انتهى».
فأوصياء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وخلفائه يمثّلونه في أخلاقه وصفاته وهم ورثوا علومه وفضائله ، ولقد أعلنصلىاللهعليهوآلهوسلم وعرّف علياعليهالسلام باب علمه لأمّته وأمر من أراد العلم بإتيانهعليهالسلام . ومما يؤكّد بأنّ عليّاعليهالسلام وارث علوم النبوة وأنّه عيبة علوم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قولهعليهالسلام «سلوني قبل أن تفقدوني». ولا يمكن لأحد أن يعلن بهذا الكلام إلاّ إذا كان محيطا بجميع العلوم ، وهذا الأمر لا يتسنّى إلا لمن كان متّصلا بمنبع العلوم وبالعالم الأعلى ، ويحضى بالعلم اللّدنّي الذي يتلقّاه من الله تعالى.
ولقد اتفق العلماء والمحدّثون على أنّه ، انفرد عليّعليهالسلام من بين الخلق بهذا الإعلان ، وما قاله أحد سواه(١) .
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٣ / ١٩٦ ، ط دار إحياء الكتب العربية في شرح كلام الإمام عليعليهالسلام : «أيها الناس. سلوني قبل أن تفقدوني فلأنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الأرض». قال [أجمع الناس كلّهم على أنّه لم يقل أحد من الصحابة ولا أحد من العلماء : «سلوني» غير علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ذكر ذلك ابن عبد البر المحدّث في كتاب «الاستيعاب» والمراد بقوله :«فلأنا أعلم بطرق السماء منّي بطرق الأرض» ما اختصّ به من العلم بمستقبل الأمور ، ولا سيّما في الملاحم والدول.
وقد صدّق هذا القول عنه (ع) ما تواتر عنه من الإخبار بالغيوب المتكرّرة ، لا مرّة ولا مائة مرّة ، حتى زال الشك والريب في أنّه إخبار عن علم ، وأنّه ليس على طريق الاتفاق ، قال : وقد ذكرنا كثيرا من ذلك فيما تقدّم من هذا الكتاب.] «انتهى كلام ابن أبي الحديد». «المترجم».
قال الحافظ ابن عبد البر الأندلسي في كتابه الاستيعاب في معرفة الأصحاب : انّ كلمة سلوني قبل أن تفقدوني ، ما قالها أحد غير علي ابن أبي طالب إلاّ كان كاذبا.
ولقد روى العلاّمة أبو العباس أحمد بن خلّكان في كتابه وفيات الأعيان ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد : ج ١٣ / ١٦٣ ، بأنّ مقاتل بن سليمان ـ وكان من أعلام العلماء عندكم وكان سريعا جدّا في جواب المسائل ـ أعلن يوما على المنبر وبين حشد من الناس فقال : سلوني عما دون العرش!
فقام شخص وسأله : من حلق رأس آدمعليهالسلام في الحج؟ فحاد عن الجواب ، فسأله آخر : كيف تهضم النملة أكلها؟ ألها معدة ومصران؟ فنكّس مقاتل بن سليمان رأسه خجلا ، ولم يجبه! ثم قال : إنّ الله فضحني بهذه الأسئلة التي ألقاها على ألسنتكم ، لأنّي أعجبت بكثرة علمي فجاوزت حدّي.
مصادر قولهعليهالسلام : سلوني قبل أن تفقدوني
نعم ذكر العلماء قضايا من هذا القبيل عن الذين ادّعوا هذا الأمر ولكن أخزاهم الله على رءوس الأشهاد.
وكما بيّن كثير من كبار علمائكم : أنّه ما ادّعى أحد من الصحابة غير علي بن أبي طالب هذا المدّعى.
روى أحمد في المسند ، وموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب ، والخواجه كلان الحنفي كما في الينابيع ، والعلاّمة البغوي في المعجم ومحبّ الدين الطبري في الرياض النضرة : ج ٢ / ١٩٨ ، وابن حجر في
الصواعق تحت عنوان : ٧٦ الفصل الثالث في ثناء الصحابة والسلف عليه. كلهم رووا عن سعيد بن المسيّب قال : لم يكن من الصحابة يقول : سلوني ، إلاّ عليّ بن أبي طالب.
والجدير أنّهعليهالسلام أعلن ذلك مرارا وتكرارا لا مرّة واحدة ، فلقد روى العلاّمة ابن كثير في تفسيره : ج ٤ وابن عبد البر في الاستيعاب ، والقندوزي في ينابيع المودّة ، مؤيّد الدين الخوارزمي في المناقب ، وأحمد في المسند ، والحمويني في الفرائد ، وابن طلحة الحلبي في الدرّ المنظوم ، والعلاّمة الهمداني في مودّة القربى ، وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء ، ومحمد بن طلحة العدوي في مطالب السّئول ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، وغيرهم من محققيكم ومحدثيكم ، رووا عن طرق شتى وبألفاظ عديدة عن عامر بن وائلة وعبد الله بن عباس وأبي سعيد البحتري وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود وغيرهم [بأنّهم سمعوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام على المنبر يقول : أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني ، فإنّ بين جوانحي لعلما جمّا ، سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخرين.]
وفي سنن أبي داود ص ٣٥٦ ، ومسند أحمد ج ١ / ٢٧٨ ، وصحيح البخاري : ج ١ / ٤٦ وج ١٠ / ٢٤١ ، رووا بأسانيدهم : أنّ علياعليهالسلام قال «سلوني عما شئتم ، ولا تسألوني عن شيء إلاّ أنبأكم به».
ونقل العلاّمة القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة في الباب الرابع عشر ، عن موفق بن أحمد الخوارزمي وشيخ الإسلام الحمويني بإسنادهما عن أبي سعيد البحتري قال : رأيت عليارضياللهعنه على منبر الكوفة وعليه مدرعة رسول الله (ص) وهو متقلّد بسيفه ومتعمم
بعمامته (ص) ، فجلس على المنبر فكشف عن بطنه وقال «سلوني قبل أن تفقدوني ، فإنّما بين الجوانح مني علم جمّ هذا سفط العلم ، هذا لعاب رسول الله (ص) ، هذا ما زقّني رسول الله زقّا زقّا ، فو الله لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الله التوراة والإنجيل فيقولان ، صدق عليّ قد أفتاكم بما انزل فيّ وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون».
وكذلك أخرج شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين ، ومؤيد الدين الخوارزمي في المناقب ، بأنّ علياعليهالسلام قال فوق المنبر : «سلوني قبل أن تفقدوني ، فو الذي فلق الحبة وبرء النسمة لا تسألوني عن آية من كتاب الله إلاّ حدّثتكم عنها متى نزلت بليل أو نهار ، في مقام أو مسير في سهل أم في جبل ، وفي من نزلت في مؤمن أو منافق وما عنى الله بها ، أم عام أم خاص.
فقام ابن الكوّاء ـ وهو من الخوارج ـ فقال :
أخبرني عن قوله تعالى :( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (١) ؟ فقالعليهالسلام : أولئك نحن وأتباعنا في يوم القيامة ، غرّاء محجّلين رواء مرويين يعرفون بسيماهم».
وروى أحمد في المسند ، والعلاّمة القندوزي في الينابيع في الباب الرابع عشر ، عن ابن عباس ، أنّ عليا قال على المنبر «سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عن كتاب الله ومن آية إلاّ وأنا أعلم حيث أنزلت بحضيض جبل أو سهل أرض ، وسلوني عن الفتن فما من فتنة إلاّ وقد علمت من كسبها ومن يقتل فيها».
__________________
(١) سورة البيّنة ، الآية ٧.
وأخرج ابن سعد في الطبقات والعلاّمة الكنجي في كفاية الطالب الباب الثاني والخمسون ، وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء : ج ١ / ٦٨ ، بإسنادهم عن علي بن أبي طالبعليهالسلام أنه قال «والله ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيمن نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت ، إنّ ربّي وهب لي قلبا عقولا ولسانا طلقا. وفي نفس الكتب أيضا : سلوني عن كتاب الله فإنّه ليس من آية إلاّ وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار ، في سهل أم في جبل».
وكذلك روى الموفق الخوارزمي في المناقب عن الأعمش عن عباية ابن ربعي أنّه قال : كان علي (رض) كثيرا يقول «سلوني قبل أن تفقدوني! فو الله ما من أرض مخصبة ولا مجدبة ولا فئة تضل مائة أو تهدي مائة إلاّ وأنا أعلم قائدها وسائقها وناعقها إلى يوم القيامة».
وروى جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء : ص ١٢٤ وبدر الدين الحنفي في عمدة القارئ ومحب الدين الطبري في الرياض النضرة : ج ٢ / ١٩٨ ، والسيوطي أيضا في تفسير الإتقان : ج ٢ / ٣١٩ ، وابن حجر العسقلاني في فتح الباري : ج ٨ / ٤٨٥ ، وفي تهذيب التهذيب : ج ٧ / ٣٣٨ رووا أنّ علياعليهالسلام قال «سلوني! والله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلاّ أخبرتكم ، وسلوني عن كتاب الله فو الله ما من آية إلاّ وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار ، في سهل أم في جبل».
أما تدل هذه الكلمات والعبارات على اطلاع قائلها على المغيّبات وعلمه بالمستقبل وما سوف يحدث في العالم. ولقد أثبت ذلك فيما أخبر عن حال بعض الأشخاص ، وإليك نماذج من ذلك :
الإمام عليعليهالسلام يخبر عن قاتل ولده الحسينعليهالسلام
روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة روايات كثيرة تحكي عن إخبار عليّعليهالسلام عن الأمور الغيبيّة فقال في الجزء الثاني : ٢٨٦ ، ط دار إحياء الكتب العربيّة : روى ابن هلال الثقفي في كتاب «الغارات» عن زكريّا بن يحيى العطّار عن فضيل عن محمد بن عليّ قال : لمّا قال عليّعليهالسلام «سلوني قبل أن تفقدوني ، فو الله لا تسألونني عن فئة تضلّ مائة وتهدي مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها وسائقها ، قام إليه رجل فقال : أخبرني بما في رأسي ولحيتي من طاقة شعر ، فقال له عليّعليهالسلام : والله لقد حدّثني خليلي أنّ على كل طاقة شعر من رأسك ملكا يلعنك ، وأنّ على كلّ طاقة شعر من لحيتك شيطانا يغويك ، وأنّ في بيتك سخلا يقتل ابن رسول الله (ص) ـ وكان ابنه ـ قاتل الحسينعليهالسلام ـ يومئذ طفلا يحبو وهو سنان بن أنس النخعيّ ـ».
اخبارهعليهالسلام عن عاقبة خالد بن عرفطة
ونقل ابن أبي الحديد في نفس الصفحة التي ذكرتها آنفا قال : وروى الحسن بن محبوب عن ثابت الثمالي عن سويد بن غفلة أنّ علياعليهالسلام خطب ذات يوم ، فقام رجل من تحت منبره فقال [يا أمير المؤمنين! إنّي مررت بوادي القرى ، فوجدت خالد بن عرفطة قد مات ، فاستغفر له ، فقالعليهالسلام «والله ما مات ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة ، صاحب لوائه حبيب بن عمار ـ حمار ـ».
فقام رجل آخر من تحت المنبر ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أنا حبيب
بن عمار ـ حمار ـ وإنّي لك شيعة ومحب ، فقال : أنت حبيب بن حمار ـ عمار ـ؟ قال : نعم ، فقال له ثانية : والله إنّك لحبيب بن حمار ـ عمار ـ؟ فقال : إي والله! قال : أما والله إنّك لحاملها ولتحملنّها ، ولتدخلنّ بها من هذا الباب». ـ وأشار إلى باب الفيل بمسجد الكوفة ـ قال ثابت : فو الله ما متّ حتى رأيت ابن زياد ، وقد بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن عليعليهالسلام ، وجعل خالد بن عرفطة على مقدّمته وحبيب ابن حمار ـ عمار ـ صاحب رايته ، فدخل بها من باب الفيل.]
إخبارهعليهالسلام عن حكومة معاوية وظلمه للشيعة
وأنّ من يطالع نهج البلاغة يجد فيه عبارات كثيرة في إخبار عليّعليهالسلام عن الملاحم والفتن وظهور بعض السلاطين وخروج صاحب الزنج واستيلائه على البصرة وهجوم المغول وچنگيز على بلاد الإسلام وحكومتهم بها وإخبارهعليهالسلام عن سيرة بعض من يدّعون الخلافة وظلمهم الفضيع وعملهم الفجيع للناس عامّة وللشيعة خاصّة ، ولا سيما إذا راجعتم شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ٢ / ٢٨٦ ـ ٢٩٦ وج ١٠ / ١٣ ـ ١٥ ط دار إحياء الكتب العربية ، وقد نقل في ج ٤ / ٥٤ من نفس الطبعة قال «ومن كلام لهعليهالسلام لأصحابه : أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم ، مندحق البطن ، يأكل ما يجد ، ويطلب ما لا يجد ، فاقتلوه ولن تقتلوه. ألا وإنّه سيأمركم بسبّي والبراءة منّي ، فأمّا السبّ فسبّوني ، فإنّه لي زكاة ولكم نجاة ، وأمّا البراءة فلا تتبرّءوا منّي ، فإنّي ولدت على الفطرة ، وسبقت إلى الإيمان والهجرة».
فصرّح ابن أبي الحديد وغيره من كبار علمائكم ممن شرح نهج البلاغة ، أنّهعليهالسلام عنى بهذه الأوصاف معاوية عليه اللعنة ، فهو الذي لما غلب على الشيعة وأصحاب الإمام عليّعليهالسلام أمرهم بسبّه ولعنه والتبرّي منه صلوات الله عليه وقتل من أبى منهم وامتنع مثل حجر بن عدي وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ولقد دامت هذه السنّة السيئة والبدعة المشئومة ثمانين سنة على المنابر والصلوات وفي خطب الجمعات.
إخبارهعليهالسلام عن مقتل ذي الثدية
ومن إخبار الإمام عليعليهالسلام بالمغيّبات ، خبر مقتل ذي الثدية في معركة النهروان وكان رأس الخوارج(١) . ولقد أخبرعليهالسلام أيضا في حرب
__________________
(١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ٢ / ٢٦٥ ، ط دار إحياء الكتب العربية ، تحت عنوان : أخبار الخوارج وفي الصحاح المتفق عليها أنّ رسول الله (ص) بينا هو يقسم قسما جاء رجل من بني تميم ، يدعى ذا الخويصرة ، فقال : اعدل يا محمد! فقال (ص) «قد عدلت. فقال له ثانية : اعدل يا محمد! فإنّك لم تعدل! فقال (ص) : ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل! ثم أخبر (ص) عنه وقال : فسيخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة وبعد ما وصفهم قال (ص) : آيتهم رجل أسود مخدج اليد ، إحدى يديه كأنّها ثدي امرأة».
وقال ابن أبي الحديد في صفحة ٢٧٧ من نفس الجزء : وروى العوّام بن حوشب عن أبيه ، عن جدّه يزيد بن رويم ، قال : قال عليّ عليهالسلام «يقتل اليوم أربعة آلاف من الخوارج ، أحدهم ذو الثدية».
النهروان وقال قبل أن تقع «لا يفلت منهم عشرة ، ولا يهلك منكم عشرة». وكان كما أخبر ولقد روى هذا الخبر أكثر علمائكم وكبار أعلامكم وهو من عبارات نهج البلاغة. وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ٥ / ص ٣ ، ط دار إحياء التراث العربي / قال في ذيل العبارة وفي شرحها : هذا الخبر من الأخبار التي تكاد تكون متواترة ، اشتهاره ونقل الناس كافّة له. وهو من معجزاته وأخباره المفصّلة عن الغيوب(١) .
__________________
فلمّا طحن القوم ورام استخراج ذي الثدية فاتبعه ، أمرني أن أقطع له أربعة آلاف قصبة ، وركب بغلة رسول الله (ص) وقال «اطرح على كلّ قتيل منهم قصبة». فلم أزل كذلك وأنا بين يديه ، وهو راكب خلفي والناس يتبعونه حتى بقيت في يدي واحدة فنظرت إليه وإذا وجهه أربد ، وإذا هو يقول : والله ما كذبت ولا كذبت ، فإذا خرير ماء عند موضع دالية ، فقال : فتّش هذا ففتّشته ، فإذا قتيل قد صار في الماء ، وإذا رجله في يدي فجذبتها وقلت : هذه رجل انسان ، فنزل عن البغلة مسرعا ، فجذب الرجل الأخرى وجررناه حتى صار على التراب فإذا هو المخدج «ذو الثدية». فكبّر عليعليهالسلام بأعلى صوته ، ثم سجد ، فكبّر الناس كلهم. «المترجم»
(١) أقول : وعقّب ابن أبي الحديد كلامه في شرح العبارة قائلا : والأخبار على قسمين :[أحدهما الأخبار المجملة ، ولا إعجاز فيها : نحو أن يقول الرجل لأصحابه : إنكم ستنصرون على هذه الفئة التي تلقونها غدا : فإن نصر جعل ذلك حجّة له عند أصحابه وسمّاها معجزة ، وإن لم ينصر ، قال لهم : تغيّرت نيّاتكم وشككتم في قولي ، فمنعكم الله نصره ، ونحو ذلك من القول ، ولأنّه قد جرت العادة أنّ الملوك والرؤساء يعدون أصحابهم بالظّفر والنصر ، ويمنّونهم الدّول ، فلا يدلّ وقوع ما يقع من ذلك على إخبار عن غيب يتضمّن إعجازا.
والقسم الثاني : في الأخبار المفصّلة عن الغيوب ، مثل هذا الخبر ، فإنّه لا يحتمل التلبيس ، لتقييده بالعدد المعيّن في أصحابه وفي الخوارج ، ووقوع الأمر بعد الحرب
__________________
بموجبه ومن غير زيادة ولا نقصان ، وذلك الامر إلهيّ عرفه من جهة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعرفه رسول الله (ص) من جهة الله سبحانه. والقوّة البشريّة تقصر عن إدراك مثل هذا ، ولقد كان له من هذا الباب ما لم يكن لغيره.]
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ٧ / ٤٧ ، ط دار إحياء الكتب العربية : تحت عنوان : فصل في ذكر أمور غيبيّة ، أخبر بها الإمام ثم تحققت قال [واعلم أنه عليهالسلام قد أقسم في هذا الفصل بالله الذي نفسه بيده أنّهم لا يسألونه عن أمر يحدث بينهم وبين القيامة إلاّ أخبرهم به ، وأنّه ما صحّ من طائفة من الناس يهتدي بها مائة وتضلّ بها مائة إلاّ وهو مخبر لهم ـ ان سألوه ـ برعاتها وقائدها وسائقها ومواضع نزول ركابها وخيولها ، ومن يقتل منها قتلا ، ومن يموت منها موتا ، وهذه الدعوى ليست منه عليهالسلام ادّعاء الربوبيّة ، ولا ادّعاء النبوّة ، ولكنه كان يقول : إنّ رسول الله (ص) أخبره بذلك. ولقد امتحنّا إخباره فوجدناه موافقا ، فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة ، كإخباره عن الضربة يضرب بها في رأسه فتخضب لحيته ، وإخباره عن قتل الحسين ـ ابنه ـ عليهما السّلام ، وما قاله في كربلاء حيث مرّ بها ، وإخباره بملك معاوية الأمر من بعده ، وإخباره عن الحجّاج ، وعن يوسف بن عمر ، وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان ، وما قدمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم ، وصلب من يصلب ، وإخباره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين وإخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لمّا شخص عليهالسلام إلى البصرة لحرب أهلها ، وإخباره عن عبد الله بن الزبير ، وقوله فيه : «خبّ ضبّ ، يروم أمرا ولا يدركه ، ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا ، وهو بعد مصلوب قريش» وكإخباره عن هلاك البصرة بالغرق ، وهلاكها تارة أخرى بالزّنج ، وكاخباره عن ظهور الرايات السّود من خراسان ، وتنصيصه على قوم من أهلها يعرفون ببني رزيق وهم آل مصعب الذين منهم طاهر بن الحسين وولده وإسحاق بن إبراهيم ،
__________________
وكانوا هم وسلفهم دعاة الدولة العباسيّة ، وكإخباره عن الأئمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر والداعي وغيرهما ، وكإخباره عن مقتل النفس الزكيّة بالمدينة وقوله : إنّه يقتل عند أحجار الزيت ، وكقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباب حمزة ـ الصحيح باخمرى ـ : يقتل بعد أن يظهر ، ويقهر بعد أن يقهر ، وكإخباره عن قتلى وجّ ـ وأظن هم قتلى فخّ الذين استشهدوا في عهد الهادي العباسي ، وهم من أبناء الحسن المجتبى سبط رسول الله (ص) ـ وقوله فيهم «هم خير أهل الأرض».
وكإخباره عن المملكة العلويّة بالمغرب ، وتصريحه بذكر كتامة وهم الذين نصروا أبا عبد الله الداعي المعلّم ، وكقوله وهو يشير إلى أبي عبد الله المهدي «وهو أوّلهم ثم يظهر صاحب القيروان الغضّ البضّ ، ذو النسب المحض ، المنتجب من سلالة ذي البداء ، المسجّى بالرداء». وكان عبيد الله المهدي أبيض مترفا مشربا بحمرة : رخص البدن ، تار الأطراف. وذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمد عليهما السّلام ، وهو المسجّى بالرداء لأنّ أباه أبا عبد الله الصادق عليهالسلام سجّاه بردائه لما مات ، وأدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته وتزول عنهم الشبهة في أمره.
وكإخباره عن بني بويه وقوله فيهم «ويخرج من ديلمان بنو الصيّاد». إشارة إليهم ، وكان أبوهم صيّاد السمك يصيد منه بيده ما يتقوّت هو وعياله بثمنه ، فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة ، ونشر ذريّتهم حتى ضربت الأمثال بملكهم.
وكقوله عليهالسلام فيهم : ثم يستشري أمرهم حتى يملكوا الزّوراء ، ويخلعوا الخلفاء ، فقال قائل : فكم مدّتهم يا أمير المؤمنين؟ فقال : مائة أو تزيد قليلا.
فأمّا خلعهم للخلفاء فإنّ معز الدولة خلع المستكفي ، ورتّب عوضه المطيع ، وبهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة خلع الطائع ورتّب عوضه القادر ، وكانت مدة ملكهم كما أخبر عليهالسلام .
وكإخباره عليهالسلام لعبد الله بن العباس رحمهالله تعالى عن انتقال الأمر إلى أولاده «فإنّ
أليس هذا إخبارا بالغيب والعلم بالمستقبل والأمور التي لم تقع بعد؟ ولو أنصفتم لعرفتم أنّ مقام الولاية الإلهية والخلافة الربّانيّة التي تجلّت في هذا العبد الصالح والوليّ الفالح يميّزه عن سائر الخلفاء ، أين الثرى من الثريّا؟ وأين مدّعي الخلافة ممن رفعه الله مقاما عليّا؟!
فإذا لم يكن الإمام عليّعليهالسلام متصلا بالعالم الأعلى ومنبع العلم الربّاني والعلم اللّدنّي ، كيف أخبر عن المغيّبات وأخبر عن الحوادث التي تقع في المستقبل البعيد أو القريب مثل إخباره عن مقتل ميثم التمّار ـرحمهالله تعالى ـ وأخبر أنّ قاتله عبيد الله بن زياد وهو يصلبه على جذوع النخل ، وأخبر عن مقتل جويرية ورشيد الهجري وعمرو ابن الحمق الخزاعي على يد عمال معاوية وأعوانه ، وأخبر عن كيفيّة قتلهم واستشهادهم ، ولقد أخبر عن مقتل ولده الحسينعليهالسلام واستشهاده مع أهل بيته وأنصاره في أرض كربلاء. وهذه الأخبار مذكورة في تاريخ الطبري ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ، ومقتل الحسين أو مناقب الخوارزمي
__________________
علي بن عبد الله لمّا ولد ، أخرجه أبوه عبد الله إلى عليّعليهالسلام ، فأخذه وتفل في فيه وحنّكه بثمرة قد لاكها ، ودفعه إليه وقال : خذ إليك أبا الأملاك».
هكذا الرواية الصحيحة ، وهي التي ذكرها أبو العباس المبرّد في كتاب الكامل.
[وبعد نقل ابن أبي الحديد كل هذا الكلام قال] : وكم له من الإخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى ، مما لو أردنا باستقصائه لكرّسنا له كراريس كثيرة ، وكتب السّير تشتمل عليها مشروحة. انتهى كلام ابن أبي الحديد.]
«المترجم»
وغيرهم ، فإنهم ذكروا هذه القضايا بالتفصيل.
إخبارهعليهالسلام بأنّ ابن ملجم قاتله
لقد ذكر أكثر أعلامكم وكبار علمائكم منهم العلاّمة ابن الأثير في كتابه أسد الغابة : ج ٤ / ٢٥ ، قال : لمّا حضر عبد الرحمن بن ملجم المرادي عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنشد قائلا :
أنت المهيمن والمهذّب ذو النّدى |
وابن الضراغم في الطراز الأوّل |
|
الله خصّك يا وصيّ محمد |
وحباك فضلا في الكتاب المنزل |
إلى آخر أبياته. فعجب الحاضرون من طلاقة لسانه وفرط علاقته بالإمام عليّعليهالسلام .
وذكر ابن حجر في الصواعق المحرقة ٨٠ ، ط الميمنية بمصر قال : وروي أنّ عليا جاءه ابن ملجم يستحمله فحمله ثم قالرضياللهعنه :
«أريد حياته ويريد قتلي |
عذيري من خليلي من مرادي |
ثم قال : هذا والله قاتلي.
فقيل له : ألا تقتله؟ فقال : فمن يقتلني». «انتهى».
فلا يقال : إذا كان يعلم أنّ ابن ملجم قاتله فلما ذا تركه ولم يحبسه؟!
لأنّه سلام الله عليه كان مأمورا بالظاهر ومقيّدا بالشرع ، فليس لحاكم أن يعاقب أحدا إلاّ إذا ارتكب جرما ، فلذا لمّا قال الأصحاب لعليّعليهالسلام : إذا كنت تعلم أنّه قاتلك فاقتله. فقالعليهالسلام : لا يجوز
القصاص قبل الجناية.
يقول الكاتب الإنجليزي ـ كارليل ـ في كتابه الأبطال : إنّ علي بن أبي طالب قتل لعدله.]
اي إذا كان ظالما مثل كثير من الملوك والحكّام ، وما كان مقيّدا بالدين والقانون لقتل ابن ملجم ، كما يقتل الملوك كلّ من أساءوا الظنّ فيه حتى إذا كان المظنون أخوهم وابنهم أو أعزّ وأقرب الناس إليهم.
ولكنّ الامام عليّ سلام الله عليه هو الوحيد في التاريخ الذي كان يعرف قاتله ويعرّفه الناس ، ولا يقضي عليه وتركه حرّا وما حبسه ولا نفاه ، ولمّا ضربه ابن ملجم بسيفه أوصى وقال صلوات الله وسلامه عليه : انظروا إذا أنا قتلت من ضربته ، فاضربوه ضربة بضربة ، ولا تمثّلوا به ...!
ونستنتج من هذه الأخبار أنّ من ارتضاه الله تعالى ومنحه علم الغيب يلزم أن يكون معصوما عادلا ، وألاّ يقوم بالتعدّي والظلم استنادا على علمه ، قبل حدوث الجناية وقبل أن يقع شيء مما علمه ، وبذلك يبطل التقدير الإلهي ، وهذا محال. لذا جاء في رواية الصواعق المحرقة آنفا [أنّ علياعليهالسلام لمّا قال : هذا والله قاتلي ـ وأشار إلى ابن ملجم ـ فقيل لهعليهالسلام : ألا تقتله؟ فقالعليهالسلام : فمن يقتلني؟]
فأسألكم أيها الحاضرون والمستمعون! أما تدلّ هذه الأخبار والروايات في كتب كبار علمائكم ، على علم الامام عليّعليهالسلام بالمغيّبات وأنّه كان يمتاز عن سائر الناس وسائر الصحابة ، بهذه الميزة العظمى والفضيلة الكبرى؟
يجب تقديم الأعلم والأفضل
فإنّ العقلاء في كل زمان ومكان لا يسمحون بتقديم الجاهل على العالم ولا يجوز عندهم متابعة الأفضل للمفضول بل يجب انقياد الجاهل للعالم والمفضول للفاضل.
وإنّ أفضليّة الإمام عليّعليهالسلام وأعلميّته أمر ثابت لجميع الأمة من الصحابة والتابعين والمتقدمين والمتأخرين حتى أنّ ابن أبي الحديد في مقدّمته على شرح نهج البلاغة قال : الحمد لله الذي قدم المفضول على الأفضل.
وهذا التعبير والبيان يثير التعجّب في كل إنسان ولا سيّما من عالم مثل ابن أبي الحديد ، لأنّ فيه نسبة عمل خلاف العقل والحكمة إلى الله العليم الحكيم سبحانه وتعالى عما يصفون! فإنّ تقديم المفضول على الأفضل مخالف للحكمة والعقل ويأباه كل إنسان ذي فهم وإدراك فكيف بالله عزّ وجلّ؟ وهو يقول في كتابه الكريم :( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (١) ؟.
ويقول :( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٢) ؟.
والجدير بالذّكر أنّ ابن أبي الحديد صاحب التعبير الآنف يقول أيضا في شرح نهج البلاغة : ج ١ / ص ٤ ، طبع مصر [أنّهعليهالسلام أفضل البشر بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأحقّ بالخلافة من جميع المسلمين.]
__________________
(١) سورة الزمر ، الآية ٩.
(٢) سورة يونس ، الآية ٣٥.
ولقد أمر النبي (ص) المسلمين أن يأخذوا العلم من عليّعليهالسلام ويرجعوا إليه من بعده بقوله (ص) «ومن أراد العلم فعليه بالباب ، أو فليأت الباب».
فالذي أمر النبي (ص) الأمة أن يرجعوا إليه ويتعلّموا منه أحق بالخلافة والإمامة ، أم غيره؟!
الشيخ عبد السلام : إذا كان علي كرم الله وجهه هو المقدّم كما تزعمون ، لأنّه أعلم وأفضل الناس بعد رسول الله (ص) ، فلما ذا لم نجد نصّا من النبي (ص) يلزم فيه المسلمين على متابعة سيدنا عليّ كرم الله وجهه؟
قلت : لا أدري هل الشيخ عبد السلام ـ سلّمه الله ـ مبتلى بالنسيان أم يتناسى أحاديثنا السالفة في الليالي الماضية ، فإنّ أكثر الحاضرين يذكرون ، وكذلك الصحف والمجلاّت الناشرة للمحاورات السابقة موجودة والكل شاهد على أنّي ذكرت عشرات الأحاديث النبويّة الشريفة من كتبكم ومصادركم الموثوقة ، تتضمّن النصوص الخفيّة والجليّة في وجوب متابعة الإمام عليّعليهالسلام وإطاعته وعدم مخالفته ، وبعد كل ذلك كأنّ الشيخ يفتح الموضوع من جديد ويرجع إلى بداية المناقشات فيطالب بالنصّ الصادر من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على وجوب ولزوم متابعة الامام عليعليهالسلام !!
ومع غضّ النظر عن المناقشات السالفة ، لو أردنا أن نعرف ما الذي ألزم الناس أن يتبعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ لكان الجواب : لأنّه كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يعلم من الله ما لا يعلمون. فأسأل فضيلة الشيخ : هل علوم
النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كانت خاصّة لهداية البشر في زمان حياته المباركة ، أم كانت كذلك لجميع البشر إلى يوم القيامة؟
الشيخ عبد السلام : من الواضح أنّه كان هديا لجميع البشر إلى يوم القيامة.
قلت : بارك الله فيك فإذا لم يكن من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أيّ نصّ في تعيين الخليفة والإمام إلاّ حديثه الشريف المتواتر : أنا مدينة العلم وعلي بابها ومن أراد العلم فليأت الباب ، لكفى في إثبات خلافة الإمام عليّعليهالسلام وأنّه المعيّن بالنصّ الجليّ.
ولقد أجمع علماء الإسلام على أنّ علي بن أبي طالب كان أعلم الأمة وأعلم الصحابة لحديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي رواه جمع من كبار علمائكم وأعلام محدثيكم مثل أحمد في مسنده ، والخوارزمي في المناقب ، وأبي نعيم الحافظ في كتابه نزول القرآن في عليّ ، والعلاّمة القندوزي في ينابيع المودّة ، والعلاّمة الهمداني في مودّة القربى وحتى ابن حجر المتعصّب في صواعقه وغيرهم بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال «أعلم أمتي علي بن أبي طالب فلا يقاس به أحد من الصحابة في العلم والفضيلة».
كما روى ابن المغازلي في المناقب ، ومحمد بن طلحة العدوي في مطالب السّئول ، وشيخ الاسلام الحمويني في فرائد السمطين ، والعلاّمة القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة / الباب الرابع عشر ، في غزارة علمهعليهالسلام ، روى عن الكلبي عن عبد الله بن عباس قال [علم النبي (ص) من علم الله ، وعلم عليّ من علم النبي (ص) ، وعلمي من علم عليّعليهالسلام ، وما علمي وعلم الصحابة في علم عليّ إلاّ
كقطرة بحر في سبعة أبحر(١) .]
وقالعليهالسلام في آخر الخطبة المرقمة ١٠٨ من نهج البلاغة «نحن شجرة النبوّة ومحطّ الرسالة ومختلف الملائكة ومعادن العلم وينابيع الحكم».
قال ابن أبي الحديد في شرحه ج ٧ / ٢١٩ ، ط دار إحياء الكتب العربية : فأما قوله [ومعادن العلم وينابيع الحكم : يعني الحكمة أو الحكم الشرعيّ ، فإنّه وإن عنى بها نفسه وذريّته ، فإنّ الأمر فيها ظاهر جدا ، قال رسول الله (ص) : أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب ، وقال (ص) : أقضاكم عليّ. والقضاء أمر يستلزم علوما كثيرة ـ وبعد نقله روايات أخرى ـ يقول :
وبالجملة فحاله في العلم حال رفيعة جدا لم يلحقه أحد فيها ولا قاربه ، وحقّ له أن يصف نفسه بأنّه معادن العلم وينابيع الحكم ، فلا أحد أحقّ بها منه بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ]. انتهى.
وأخرج ابن عبد البر في الاستيعاب : ج ٣ / ٣٨ ، ومحمد بن طلحة العدوي في مطالب السّئول ، والقاضي الإيجي في المواقف ص ٢٧٦ عن النبي (ص) أنه قال «أقضاكم عليّ».
__________________
(١) وقال ابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة [ومن العلوم علم تفسير القرآن وعنه أخذ ومنه فرّع ، وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحّة ذلك لأنّ أكثره عنه وعن عبد الله بن عباس ، وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له ، وانقطاعه إليه ، وأنّه تلميذه ، وقيل له : أين علمك من علم ابن عمك؟
فقال : كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط.]
«المترجم»
وأخرج السيوطي في تاريخ الخلفاء : ص ١١٥ ، وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء : ج ١ / ٦٥ ، ومحمد الجزري في أسنى المطالب : ص ١٤ ، وابن سعد في الطبقات ، وابن كثير في تاريخه ج ٧ / ٣٥٩ ، وابن عبد البر في الاستيعاب : ج ٤ / ٣٨ ، وابن حجر في صواعقه في الفصل الذي يذكر فيه ثناء الصحابة لعليعليهالسلام ، وغيرهم أخرجوا عن عمر بن الخطاب أنه قال [عليّ أقضانا] ولقد نقل العلاّمة القندوزي الحنفي في كتاب ينابيع المودّة / الباب الرابع عشر / عن كتاب الدرّ المنظم لابن طلحة الحلبي الشافعي قال : اعلم أنّ جميع أسرار الكتب السماويّة في القرآن وجميع ما في القرآن في الفاتحة وجميع ما في الفاتحة في البسملة وجميع ما في البسملة في باء البسملة وجميع ما في باء البسملة في النقطة التي هي تحت الباء ، وقال الإمام عليّ كرم الله وجهه «أنا النقطة التي تحت الباء». انتهى وأخرج العلاّمة القندوزي أيضا في الباب ، عن ابن عباس أنّه قال : أخذ بيدي الإمام عليّ ليلة مقمرة فخرج بي إلى البقيع بعد العشاء وقال «اقرأ يا عبد الله. فقرأت : بسم الله الرحمن الرحيم ، فتكلم لي في أسرار الباء إلى بزوغ الفجر».
وروى القندوزي في الباب عن الدّر المنظّم ، وروى الخوارزمي في المناقب ، وابن طلحة العدوي في المطالب : أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام قال «سلوني عن أسرار الغيوب فإنّي وارث علوم الأنبياء والمرسلين».
وروى القندوزي في الباب أيضا ، وأحمد في المسند ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة «أنّ علياعليهالسلام قال على المنبر : سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عن طرق السماوات فإنّي أعلم بها من طرق الأرض».
لا يخفى أنّ هذا الكلام منهعليهالسلام ـ ولا سيما في ذلك الزمان الذي ما كان البشر بعد يتصوّر ويفكّر في طرق السماوات ، ولا كان يعقل ويصدّق بأن للسماوات طرقا كطرق الأرض ـ أكبر دليل على أنّ علمه كان لدنيّا ونازلا إليه من ربّ السماء بواسطة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
والجدير بالذكر ، أنّهم لما سألوه عن الكرات السماويّة والأسرار الفلكيّة ، أجابهم بموجب الاكتشافات العلميّة الحديثة وعلى خلاف ما كانوا يعتقدون آنذاك من نظريّة بطلميوس وغيرها.
جوابهعليهالسلام عن الكرات السماوية
روى العالم الفاضل والمحدّث الجليل الثقة العدل الشيخ علي بن إبراهيم القمي ـ من أعلام القرن الثالث الهجري ـ في كتابه المعروف بتفسير القمي. ضمن تفسيره سورة الصافّات ، وكذلك العلاّمة اللغوي والعالم الديني الورع الزاهد التقي فخر الدين الطريحي في كتابه مجمع البحرين ، وكان يعيش قبل ثلاثمائة سنة تقريبا ، روى في مادة كوكب.
وروى العلاّمة الجليل والمحدّث النبيل المولى محمد باقر المجلسيرحمهالله في بحار الأنوار مجلّد السماء والعالم ، قالوا بأنّهعليهالسلام سئل عن الكواكب في السماء فقال في جوابهم «هذه الكواكب مدائن مثل المدائن التي في الأرض. تربطها أعمدة من نور».
هذا الكلام ـ في ذلك الزمان الذي ما كانت فيه هذه الوسائل والآلات الكاشفة للكرات والسّيّارات الفلكيّة ـ يعدّ من المعاجز العلميّة التي تدلّ على أنّ قائلها إنّما كان يستوحي علمه من السماء ومن الخالق
العظيم. لأنّ هذا الكلام على خلاف ما كان يعتقده العلماء والفلكيّون في ذلك العصر. وبعد مضيّ أكثر من ألف سنّة انكشف صحة كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام . ولقد كان لأولاده الأئمة المعصومين سلام الله عليهم كلام من هذا القبيل أيضا وهو كثير وقد جمعه أحد علمائنا الكبار في كتاب سمّاه ـ الهيئة والإسلام ـ.
حديث مع المستشرق الفرنسي مسيو جوئن
من المناسب أن أحدّثكم بحديث حدث في سفري هذا من العراق إلى بلادكم وهو : أنّي لمّا ركبت السفينة والباخرة من ميناء البصرة وتوجّهت إلى الهند ، صادف أن رافقني في الغرفة التي كنت فيها المستشرق الفرنسي مسيو جوئن وكان يجيد العربية والفارسية الى جانب لغته الفرنسية فتصادقنا مدّة سفرنا الذي طال أيّاما كثيرة وكنت وإيّاه في طول الطريق نتحادث عن الأمور العلميّة والدينية وكنت مهتما بإرشاد الرجل إلى الإسلام من خلال حديثي عن اعتقاداتنا الحقة وتعاليم ديننا السامية الواصلة إلينا من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته وعترته والتي تشكّل مذهب الشيعة الإمامية.
وفي يوم من الأيّام أقرّ الرجل وقال : إنّي أعترف بأنّ دين الاسلام يشتمل على تعاليم سامية ، وعقائد عالية ، ومعنويات عظيمة ، بحيث لا توجد مثلها في سائر الأديان وحتى المسيحية ولكنّ أتباع الديانة المسيحية توصّلوا في الاكتشافات العلميّة والاختراعات الصناعيّة.
وتقدّموا في الأمور الماديّة إلى أبعد الغايات وسبقوا المسلمين وأتباع الديانات الأخرى في توفير وسائل الراحة والسعادة في الحياة.
قلت له : كلامك صحيح ولا ننكر ذلك ، ولكن أساس هذه العلوم التي أدّت إلى تلك الاكتشافات العلميّة والاختراعات الصناعية بيد الغربيين كان منبعها وأساسها من الإسلام والمسلمين ، والتاريخ يشهد بأنّ الغربيين إلى القرن الثامن الميلادي كانوا يعيشون في بربريّة وهمجيّة ، في حين كان المسلمون يحملون راية العلم وكانوا آنذاك دعاة التمدّن والتقدّم والصلاح. كما يعترف بذلك كبار أعلامكم مثل ارنست رنان الفرنسي ، وكارليل الإنجليزي ، وندرمال الألماني وغيرهم.
وقبل أيّام وجدت كتابا عند أحد زملائي الكرام وهو النواب محمد حسين خان قزلباش ، من شخصيات الهند ، يقيم في كربلاء والكاظمية ، ناولني ذلك الكتاب وقال إنّه كتاب قيّم كتبه أحد المستشرقين الفرنسيين وترجمه من الفرنسيّة إلى الهنديّة السيد الفاضل والعالم الكامل السيد علي بلجرامي الهندي ، واسمه : تاريخ تمدّن العرب لمؤلفه جوستاف لوبون الحائز على شهادات الدكتوراه في الطب والحقوق والاقتصاد.
قال النوّاب محمد حسين خان : ولقد أثبت فيه المؤلف بالدلائل والبراهين بأنّ كل ما عند الغربيين من العلم والتمدّن والصناعات وحتى التعاليم الأخلاقيّة وآداب المعاشرة والإدارة وسياسة البلاد وتدبير الجيوش والعساكر والمهام الاجتماعيّة والفرديّة وغيرها ، إنما اكتسبوها وتعلّموها من العرب ، فإنّ العرب سبقوا كل الشعوب والملل إلى هذه لأمور الحسنة.
ومن الواضح أنّ المقصود من العرب ، هم المسلمون لأنّ العرب قبل ظهور الإسلام ، كانوا يعيشون في جاهلية وبربريّة بحيث سمّاهم
المؤرّخون بعرب الجاهليّة ولكنّهم بفضل الاسلام أصبحوا روّاد العلم والتمدّن والصلاح والنظام في العالم.
فقال المسيو جوئن : نعم إنّي طالعت وقرأت هذا الكتاب في باريس.
فانّ المؤلف الدكتور جوستاف لوبون زميلي ولقد أهدى لي كتابه بيده ، وهو كتاب علمي تحقيقي تاريخي استدلالي.
مقال جوستاف لوبون في تأثر الغرب بالتمدن الإسلامي
ولقد ترجم لي الأستاذ صادق خان قزلباش وهو يسكن مدينة الكاظمية أيضا. بعض أوراق ذلك الكتاب ، منها الفصل الثاني من الباب العاشر تحت عنوان : تأثير الغرب بالتمدن الإسلامي ، وأنا أشكره كثيرا. وأقدّم إليكم هذا المقال بالمناسبة يقول جوستاف لوبون : إنّ أثر التمدن الإسلامي في الغرب لا يقلّ عن الأثر الذي أوجده في الشرق ، وبالإسلام تمدّنت أوربا. وإذا أردنا أن نعرف مدى هذا التأثير ، يلزم أن نطالع تاريخ أوربا قبل ظهور الإسلام.
ففي القرن التاسع والعاشر الميلادي أي في الزمن الذي وصل التمدّن الإسلامي إلى القمّة في بلاد إسپانيا ـ الأندلس سابقا ـ وحصل التقدّم العلمي والحضاري والاجتماعي والتجاري في تأسيس مراكز ، لم يكن في كل بلاد الغرب مركز واحد للعلم والحضارة ، أو تعليم الآداب الاجتماعيّة والتجاريّة. وكان كلّ شيء منحصرا في الكنائس وفي يد القساوسة والرهبان الجاهلين الذين كانوا يدّعون العلم والمعرفة ويجبرون الناس على الالتزام والتمسّك بالانحرافات والخزعبلات التي
كانوا ينسبونها إلى الدين!
ومن القرن الثاني عشر الميلادي توجّه بعض الغربيين إلى الأندلس ودخلوا المراكز العلميّة التي أسسها المسلمون هناك وتلمّذوا عند العلماء المسلمين ، وأصبحوا علماء فاهمين وعادوا إلى بلاد أوربا ، وعملوا لإنقاذ شعوبهم من جهل القساوسة والخرافات المنتسبة إلى الدين.
فكل علماء العالم يجب أن يعرفوا حق المسلمين وتأثير التعاليم الإسلاميّة في انتشار العلم وترغيب الناس في تحصيل العلوم ، ولا سيما علمائنا في الغرب يجب أن يعرفوا أنّ للمسلمين حق الحياة عليهم ، ولو سمّينا تمدّن الغرب بتمدّن الإسلام والعرب كان صحيحا.
هذا رأي أحد المستشرقين وأحد علمائكم المحققين ، وأنت مثل كثير من الأوربيين تفتخر وتتباها بالاكتشافات والاختراعات الحديثة في الغرب وتنسون ذلك الماضي المظلم ولا تتفكّرون في النور الذي أزاح عنكم ذلك الجهل والظلام المطبق والنور هو نور الاسلام والعلم الذي أوصلكم بفضل الإسلام ولو طالعتم وقرأتم تاريخ الجزيرة العربيّة قبل الإسلام أيضا ، لرأيتهم أسوأ حالا من الغربي آنذاك ، فلا علم ولا نظام ولا دولة ولا قانون و...
ولمّا جاءهم الإسلام ، فبفضل خاتم الأنبياء والتعاليم السامية التي جاء بها من عند الله عزّ وجلّ صارت الجزيرة من أرقى بلاد العالم ، وانطلق منها المسلمون ينشرون تلك التعاليم الراقية والأحكام العالية ، في حين كانت پاريس التي هي اليوم مهد التمدّن والحضارة الحديثة ، كانت يوم ذاك تعاني من البربرية والوحشية الحاكمة بين أهلها بكل
ضراوة وقساوة.
قلت لمسيو جوئن : إنكم تعلمون أنّ أوربا في القرن السابع والثامن الميلادي في عهد الإمبراطور شارلمان ملك فرنسا ، حصلت على شيء من النظام والتقدّم الحضاري والاجتماعي ولكن لا تقاس مع البلاد الاسلامية حينذاك ، ولقد كانت الروابط والعلاقات الدبلوماسيّة حسنة بين شارلمان وبين هارون الرشيد ولتوثيق العلاقات تبودلت بينهما هدايا وتحف ، بدأ بها الإمبراطور شارلمان وأجابه هارون بإرسال جملة من الهدايا مثل المجوهرات الثمينة والملابس الفاخرة التي كانت من صنع وحياكة المسلمين ، وكان منها فيل كبير لم ير الأوربيون مثله في بلادهم ، وبعث ساعة كبيرة صنعها المسلمون العرب وكانت تبيّن ساعات الليل والنهار بدقّات منظّمة رنّانة بصوت يحدث على أثر سقوط أثقال حديدية في طاسة كبيرة برنزية وقد نصبها الفرنسيّون على المدخل الرئيسي لعمارة الحكومة والتي كان الامبراطور يسكنها ، هذا ما أثبته ونقله الدكتور جوستاف لوبون في كتابه ونقله أيضا غيره من المستشرقين والعلماء الغربيين. وإن أحببتم أن تعرفوا التمدنين الإسلامي والغربي في ذلك الزمان فراجعوا تواريخكم وطالعوا قضيّة إرسال هدايا الرشيد إلى الإمبراطور شارلمان وتلك الساعة التي تعدّ أول ساعة من نوعها في أوربا ، والجدير بالذكر أن المؤرخين الغربيين يكتبون أنّه لما نصبت هذه الساعة على المدخل الرئيسي لبيت الإمبراطور ، اجتمع الناس ينظرون إليها متعجبين فلمّا رأوا حركات المؤشّرات وسمعوا تلك الدقّات الرنّانة التي كانت تحدث على أثر سقوط كريّات حديديّة في الطاسة البرنزية ، قالوا فيما بينهم إنّ
الشيطان الذي كان الرهبان والقساوسة يحذّروننا منها وأنّها أكبر عدوّ للإنسان قد اختفى في هذا الشيء وهو الذي يحرّك المؤشّرات ويلقى الكريّات في الطاسة ، فأخذوا المعاول والفئوس وهجموا نحو دار الحكومة وبيت الإمبراطور ، فلما عرف الملك كلامهم وعرف أنّ مقصدهم هدم الساعة وتحطيمها دخل معهم من باب المفاوضة والتفاهم ، فاختاروا من بينهم كبارهم فصعدوا عند الساعة ونظروا إلى كيفية عملها ومحرّكاتها ، وفتّشوها فلم يجدوا فيها غير قطعات خشبية وحديدية وبرنزيّة ، فتنازلوا عن رأيهم واعتذروا إلى الإمبراطور!!
فالمسلمون كانوا متقدمين وسابقين على الغربيين في هذه العلوم والفنون والصناعات والاكتشافات بل هم المؤسسون لأكثر هذه الأشياء والعلوم والفنون إلاّ أنّهم تكاسلوا بعد حين واغترّوا فسبقهم الغربيون وتقدّموا عليهم بما تعلّموه منهم.
ثم إنّ تقدّم الغربيين لا يرتبط بالسيد المسيحعليهالسلام وبدينه حتى تقولوا بأن أتباع المسيح تقدّموا على المسلمين ، فإذا كان هذا الكلام صحيحا ، فلما ذا عاش أتباع المسيحعليهالسلام في وحشيّة وبربريّة وجاهلية جهلاء قريب الألف عام بعد صلب السيد المسيح على حدّ زعمكم ولم يتحوّلوا ولم ينتظموا ولم يتأدّبوا بالآداب ولم يتقيّدوا بالقانون والأحكام إلاّ بعد انتشار الإسلام في العالم
وقد طال الحديث حول الموضوع في ذلك.
الإمام عليعليهالسلام والاكتشافات الحديثة
ثم قلت له : أنّ الفرق بين أئمة الإسلام وبين علماء العالم غير
الأنبياء ، أنّ العلماء توصّلوا إلى ما توصّلوا من الاكتشافات بالأسباب والوسائل ، ولكنّ أئمتنا كشفوا عن كثير من الأسرار بغير وسائل وآلات. ثم قرأت عليه بعض الأخبار المرويّة عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام في تعريف وتوصيف بعض الحشرات الصغيرة التي لا ترى بالعين المجرّدة ، وقد وصفوها في زمن لم تكن المكرسكوبات وأمثالها مخترعة بعد واليوم بعد مضيّ أكثر من ألف سنّة توصّل علماؤكم الغربيّون إلى تلك الأوصاف بالآلات الحديثة والأجهزة الدقيقة. وكذلك كلامهمعليهمالسلام في الكرات السماويّة والسيّارات الفلكية ، فأنتم اليوم تتباهون وتفتخرون ببعض مكتشفاتكم الفلكيّة والمجرّات والأقمار والسيّارات الفضائيّة وقد توصّلتم إليها بالأجهزة الاكتشافية والآلات العظيمة بينما توصّل إليها أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام بدون أجهزة وآلات ، ومثال ذلك أنّه لمّا سئل عن الكواكب والنجوم ، قال : «إنها مدائن مثل المدائن التي في الأرض». فلمّا قرأت عليه هذا الخبر ـ أطرق مسيو جوئن إلى الأرض متفكرا ـ.
ثم قال : أرجوك أن تذكر لي الكتب التي نقلت هذا الخبر قبل اختراع التلسكوب والاكتشافات الحديثة.
فذكرت له أسماء المصادر القديمة فسجّلها وكتب نصّ الخبر ، وقال : أنا الآن في طريقي إلى باريس وسأنزل في لندن وأراجع مكتباتها العامّة لغرض الحصول على هذه المصادر التي سجّلتها. وإن لم أجد هذه المصادر في لندن فسوف أفتّش عنها في باريس وفي سائر بلاد أوربا ، فإذا كان الخبر كما نقلتم وذكرتم في تلك المصادر القديمة ـ التي كتبت قبل اختراع هذه الآلات والأجهزة ـ عن الكرات السماوية
والعوالم الفلكيّة فسأختار الديانة الإسلاميّة ، لأنّ الذي يخبر عن الكرات السماويّة في ذلك الزمان بهذه الدقّة والصحّة وبدون أجهزة وآلات ، إنّما يكون متّصلا بالخالق العظيم ويكتسب معلوماته منه ، والذي يكون متصلا بخالق الكون يلزم أن يكون قد أخذ دينه أيضا من الخالق ، ودينه الحق ، ونحن يجب علينا أن نتبعه ونأخذ ديننا منه ، [انتهى].
أيها الحاضرون الكرام هذا حكم ورأي رجل عالم فاهم وهو بعيد عن الخلافات المذهبيّة الحادثة بين المسلمين ولكنّه حكم على أساس القاعدة العلمية والأصول العقلية. وعليها يجب أن نعرف أيضا المتّصل بخالق الكون والآخذ علومه ودينه منه عزّ وجلّ حتى نتبعه ونقتدي به.
وليس بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أحد على هذه الصفة إلاّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام إذا كان أعلم الأمة وأفضلهم وأورعهم وأعلاهم حسبا ونسبا وهو التلميذ الأوحد الذي احتوى على كل علوم خاتم الأنبياء محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو منتهى كل العلوم التي انتشرت بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بين المسلمين واكتسبه العلماء في الدين.
ابن أبي الحديد يصف علوم الإمام عليعليهالسلام
قال ابن أبي الحديد في مقدمته على شرح نهج البلاغة [وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة ، وتنتهي إليه كلّ فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ، ومجلّي حلبتها ، كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى
مثاله احتذى. وقد عرفت أنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم ، ومعلومه أشرف الموجودات. ومن كلامهعليهالسلام اقتبس ، وعنه نقل ، وإليه انتهى ومنه ابتدأ ومن العلوم علم الفقه ، وهوعليهالسلام أصله وأساسه ، وكلّ فقيه في الإسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه ، ومن العلوم علم تفسير القرآن ، وعنه أخذ ومنه فرّع ، واذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك ، ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوّف وقد عرفت أنّ أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون ، وعنده يقفون
ومن العلوم علم النحو والعربيّة ، وقد علم الناس كافّة أنّه هو الذي ابتدعه وأنشأه ، وأملى على أبي الأسود الدّؤليّ جوامعه وأصوله ، من جملتها : الكلام كلّه ثلاثة أشياء «اسم وفعل وحرف ، ومن جملتها تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة ، وتقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع والنصب والجرّ والجزم».
وهذا يكاد يلحق بالمعجزات ، لأنّ القوّة البشريّة لا تفي بهذا الحصر ، ولا تنهض بهذا الاستنباط.] «انتهى».
في ذكرى ميلاد الإمام الحسينعليهالسلام
هذه الليلة ليلة ميلاد الإمام أبي عبد الله الحسين سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فبهذه المناسبة أنقل هذا الخبر الذي رواه جمع من المحدثين والعلماء منهم شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين : ج ٢ / ١٥١ ، تحت رقم ٤٤٦ ، وهو من أعلامكم وكبار علمائكم ، وأنقل منه الخبر
بسنده عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله (ص) يقول «إنّ لله تبارك وتعالى ملكا يقال له : دردائيل ، فسلب الله أجنحته فلمّا ولد الحسينعليهالسلام أوحى الله تعالى إلى مالك خازن النار : أن أخمد النيران عن أهلها لكرامة مولود ولد لمحمد (ص) في دار الدنيا. وأوحى الله تعالى إلى رضوان خازن الجنان : أن زخرف الجنان وطيّبها لكرامة مولود ولد لمحمّد (ص) في دار الدنيا ، وأوحى الله تعالى إلى الملائكة أن قوموا صفوفا بالتسبيح والتمجيد والتكبير لكرامة مولود ولد لمحمّد (ص) في دار الدنيا ، وأوحى الله تعالى إلى جبرئيلعليهالسلام : أن اهبط إلى نبيي محمد (ص) في ألف قبيل من الملائكة أن يهنّئوا محمدا (ص) بمولوده. وأخبره أنّي قد سمّيته الحسين فهنّئه وعزّه وقل له : يا محمد يقتله شرّ أمّتك فويل للقاتل ، وويل للسائق ، وويل للقائد.
قاتل الحسين أنا منه بريء وهو منّي بريء ، لأنه لا يأتي يوم القيامة أحد من المجرمين إلاّ وقاتل الحسين أعظم جرما منه ، قاتل الحسين يدخل النار يوم القيامة مع الذين يزعمون أنّ مع الله إلها آخر ، والنار أشوق إلى قاتل الحسين من الجنّة إلى من أطاع الله.
فهبط جبرئيل على النبي (ص) فهنّأه كما أمره الله تعالى وعزّاه ، فقال له النبي (ص) : أتقتله أمّتي؟ قال : نعم فقال (ص) : ما هؤلاء بأمّتي ، أنا بريء منهم ، والله بريء منهم. قال جبرئيل : وأنا بريء منهم.
فدخل النبي (ص) على فاطمةعليهاالسلام فهنّأها وعزّاها. فبكت فاطمة ثم قالت : يا ليتني لم ألده. قاتل الحسين في النار. فقال النبي (ص) :
وأنا أشهد بذلك يا فاطمة ، ولكنّه لا يقتل حتى يكون إماما ، يكون منه الأئمة الهادية هم : الهادي علي ـ والمهتدي الحسن ـ والعدل الحسين والناصر علي بن الحسين ـ والسّفّاح(١) محمد بن علي ، والنفّاع جعفر بن محمد ـ والأمين موسى بن جعفر ـ والمؤتمن عليّ بن موسى ـ والإمام محمد بن علي ـ والفعّال علي بن محمد ـ والعلاّم الحسن بن علي ـ ومن يصلّي خلفه عيسى بن مريم. «المهديعليهالسلام ». فسكنت فاطمة من البكاء ، ثم أخبر جبرئيل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بقصّة الملك [دردائيل] وما أصيب به.
قال ابن عباس : فأخذ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الحسين فأشار به إلى السماء ، ثم قال : اللهمّ بحق هذا المولود عليك ، لا بل بحقك عليه فارض عن دردائيل وردّ عليه أجنحته ومقامه فردّ الله تعالى أجنحته ومقامه.» «الحديث».
فيا إخواني ، أيها الحاضرون ، فكّروا وأنصفوا هل بعد هذا الخبر وأمثاله وبعد هذه المناقشات والمحاورات التي دارت بيننا في هذه الليالي العشرة ، يبقى شك ويوجد ريب عندكم ، بأنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام هو الخليفة والإمام على أمة الإسلام بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن بعده الأئمة الكرام من أبنائه الهادين المهديين بأمر الله الخالق العلاّم؟
ثم رفعت يديّ إلى السماء وقلت : اللهم اشهد أنّي كشفت لهم الحقائق وأوضحت لهم طريق الحقّ من بين الطرائق بالدليل والاحتجاج ، فإن رفضوه وأصرّوا على باطلهم فقد سلكوا سبيل الغيّ
__________________
(١) السّفاح : هنا بمعنى الفصيح ، القادر على الكلام ، والرجل المعطاء ، وليس بمعنى سفك الدّماء. راجع لسان العرب مادة (سفح).
عن عناد ولجاج.
النوّاب يعلن تشيّعه
النوّاب : أيها السيد الجليل! أنا وجماعة من زملائي حضرنا كل مجالس البحث والحوار بكل ولع ولهفة واستمعنا المناقشات وتتبّعنا الأحاديث والمواضيع المطروحة بالفكر والدقّة شوقا إلى معرفة الحق وكشف الحقيقة.
وقد ثبت عندنا وظهر لنا في كل ذلك بأنّ الحقّ معكم وفيكم. وكنّا نظنّ من قبل ، عكس ذلك بل كنّا على يقين بأننا على حق وأنتم على باطل.
ولكن بعد المحاورات والمناظرات الكثيرة التي دارت بينكم وبين جمع من علمائنا في هذا المجلس العام وتناقلتها الصحف والمجلاّت ، ظهر الحق وزهق الباطل ، وأنا على يقين بأنّ كثيرا من الحاضرين ومن البعيدين الذين قرءوا الصحف وتتبّعوا المناقشات أيضا سوف يعلنون ما نعلنه الآن أنا وزملائي وهم من الأعيان والشخصيّات المعروفة في هذه البلاد ، أمّا أنا فاسمي نوّاب عبد القيّوم ، وزملائي هم : السيد أحمد عليّ شاه ، وغلام إمامين ، وغلام حيدر خان ، وعبد الأحد خان ، وعبد الصمد خان نعلن أننا منذ الآن على مذهب الشيعة الإمامية ، فإنّنا اعتنقنا مذهب أهل البيت ، ونعلن في هذا المجلس بأنّ الإمام عليّ مع الحق والحق مع عليّعليهالسلام كما أعلن النبي (ص) ، ونعتقد بأنّه الخليفة الأوّل لرسول الله (ص) وأنّ الذين تقدّموا عليه ، إنما غصبوا حقّه وظلموه ، ونعتقد بأنّ الأئمة بعده هم أبناؤه : الإمام الحسن سبط رسول
الله (ص) ، وبعده الحسين شهيد كربلاء ، وبعده التسعة المعصومون من أبناء الحسين. ونحن إنما تركنا مذهب آبائنا وطريقة أسلافنا عن علم ويقين وإيمان بما صرنا إليه واعتنقناه.
قلت : أحمد الله وأشكره إذ هداكم إلى الحق ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله.
وأحمد الله وأشكره على ما وفّقني من بيان الحقّ وتوضيح الحقائق ، وانا فرح ومسرور جدّا بتشيّعكم واعتناقكم مذهب أهل البيتعليهمالسلام وأسأل الله تعالى أن يوفّق الأخوة الآخرين أيضا بالتفكّر والتحقيق وترك التّعصّب والعناد ، فإنّ الحقّ واضح لمن أراده.
ثم قمت من مجلسي وقام الجمع وأقبل نحوي النوّاب عبد القيّوم مع زملائه المتشيّعين المهتدين فاحتضنتهم وعانقتهم وهم قبّلوا جبهتي وقبّلتهم.
فقال الحافظ مودّعا : إنّا فتنّا بحسن بيانكم وقوّة احتجاجكم وطيب أخلاقكم ، وإنّ فراقكم يعزّ علينا ، ولو كانت مجالستكم تطول شهورا ما مللناها وكنّا نلتزم بالحضور.
قلت : أشكر ألطافكم وحضوركم ، وإنّ الأيّام بيننا كثيرة ، وأنا أفارقكم وأسافر ، على أمل الرجوع إليكم واللقاء معكم إن شاء الله تعالى.
ثم تقدّم إليّ سائر العلماء ، وبعدهم الشخصيّات والأعيان الذين كانوا في المجلس ، وكلّ أبدى أسفه من اختتام مجالسنا وكانوا يبدون شوقهم ورغبتهم في استمرار المناقشات ، وكنت أقول لهم : أسأل الله تعالى أن يوفّقني للسفر إليكم مرة أخرى وأن نجلس معكم ونحادثكم
أكثر مما جالسناكم وحادثناكم.
وهكذا انتهت الليالي العشرة والمحاورات ، وكلّ من الطرفين كان متلهّفا ومتعطّشا لاستمرارها.
أسأل الله تعالى أن يوفّق جميع المسلمين لقبول الحق وأن يفتحوا بينهم باب التفاهم والحوار السليم لمعرفة الحق والصراط المستقيم ، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
فهرس الكتاب
المحتوي |
الصفحة |
المحتوي |
الصفحة |
مقدمة (الناشر ـ المترجم ـ المؤلف) |
٥ |
المحتوى الصفحة هجرتنا إلى طهران |
٧٢ |
السفر إلى ساليكوت |
٩ |
المجلس الثاني |
٧٩ |
في بيشاور |
١٠ |
حقيقة الشيعة وبدايتها |
٨٦ |
موضوع البحث |
١١ |
مقام هؤلاء الأربعة في الإسلام |
٩٧ |
من بركات المنبر |
١٢ |
التشيّع ليس حزبا سياسيا |
٩٩ |
المجلس الأول |
١٥ |
أسباب تشيّع الإيرانيين |
١٠١ |
بدء المناظرة |
١٧ |
دولة آل بويه |
١٠٥ |
شجرة المؤلف |
١٩ |
شيعة إيران في عهد المغول |
١٠٧ |
أولاد البتول ذرية الرسول |
٢٢ |
الإسلام يرفض التعصّب القومي |
١١١ |
الاستدلال بكتب العامة ورواياتهم |
٢٤ |
التمييز العنصري سبب الحروب |
١١٢ |
صلاة العشاء |
٣٤ |
الغلاة ليسوا من الشيعة |
١١٥ |
الجمع بين الصلاتين |
٣٥ |
الصلاة والسلام على الآل سنّة |
١٢٤ |
الجمع عند علماء الفريقين |
٣٩ |
المجلس الثالث |
١٢٩ |
عود على بدأ |
٤٧ |
مذهب الزيدية |
١٣٠ |
التشاور دأب النبلاء |
٥١ |
الكيسانية |
١٣١ |
ترجمة الأمير السيّد أحمد |
٥٣ |
القدّاحية |
١٣٢ |
اكتشاف الجسد الشريف |
٥٤ |
الغلاة |
١٣٣ |
ترجمة الأمير السيّد علاء |
٥٦ |
خلاصة عقائدنا |
١٣٤ |
ترجمة الأمير السيّد محمد العابد |
٥٨ |
ردّ الإجماع المزعوم |
١٤٠ |
لما ذا دفن الإمام علي سرا؟ |
٦٠ |
رؤية الله سبحانه |
١٤١ |
شهادة زيد بن علي |
٦١ |
الأخبار الخرافية |
١٤٤ |
شهادة يحيى بن زيد |
٦٤ |
خبر عن إمامنا الحسين (ع) |
١٥٠ |
سرّ وصيّة الإمام عليّ (ع) |
٦٦ |
أقسام الشرك |
١٥٨ |
اكتشاف قبر الإمام عليّ (ع) |
٦٧ |
الشرك الجلي |
١٥٨ |
أبناء إبراهيم المجاب |
٧٠ |
المحتوي |
الصفحة |
المحتوي |
الصفحة |
النذر عندنا |
١٦١ |
المجلس الرابع |
٢٢٧ |
الشرك الخفي |
١٦٣ |
معنى الإمام في اللغة |
٢٢٩ |
الشرك في الأسباب |
١٦٥ |
سدّ باب الاجتهاد عند العامة |
٢٣٠ |
الشيعة نزيهون من أنواع الشرك |
١٦٦ |
انفتاح باب الاجتهاد عند الشيعة |
٢٣١ |
عقيدة الشيعة في التوسل |
١٦٨ |
السياسة تحصر المذاهب في أربعة |
٢٣٣ |
آل محمد هم الوسيلة |
١٦٩ |
الأئمة الأربعة |
٢٣٦ |
حديث الثقلين |
١٧٠ |
مقام الإمام عند الشيعة الإمامية |
٢٤٠ |
حول البخاري وصحيحه |
١٧١ |
مراتب الأنبياء |
٢٤٤ |
حرمة النبيّ الأكرم |
١٧٤ |
النبوّة الخاصّة |
٢٤٥ |
احتياطيات البخاري |
١٧٦ |
إثبات مرتبة النبوّة |
٢٤٧ |
بعض مصادر حديث الثقلين |
١٧٧ |
إسناد حديث المنزلة |
٢٤٨ |
حديث السفينة |
١٧٩ |
شرح أحوال الآمدي |
٢٥٠ |
قتل الشهيد الأول |
١٩٢ |
حكم الخبر الواحد عند العامة |
٢٥٣ |
قتل الشهيد الثاني |
١٩٣ |
المجلس الخامس |
٢٧٣ |
كلام خان خيوه |
١٩٧ |
يوم الإنذار |
٢٨٤ |
هجوم الأزبك |
١٩٨ |
تصريحات أخرى في خلافة علي (ع) |
٢٨٦ |
قتل الشهيد الثالث |
٢٠٠ |
نقل حديث في فضل أبي بكر |
٢٩٩ |
في آداب زيارة أمير المؤمنين (ع) |
٢٠٣ |
أبي هريرة |
٣٠١ |
صلاة الزيارة والدعاء بعدها |
٢٠٤ |
ابن عبد ربه |
٣٠٥ |
تقبيل قبور الأئمة |
٢٠٥ |
ابن حزم |
٣٠٨ |
بقاء الروح بعد الموت |
٢٠٨ |
ابن تيمية |
٣٠٩ |
دفاع الشيخ عبد السلام عن معاوية ويزيد |
٢١١ |
الكلام في : أبي هريرة |
٣١٤ |
ردّنا على كلام الشيخ |
٢١٢ |
أبو هريرة مع بسر بن أرطاة |
٣١٦ |
دلائل كفر يزيد العنيد |
٢١٤ |
الحديث في فضل أبي بكر |
٣٢٢ |
جواز لعن يزيد |
٢١٦ |
أحاديث مدسوسة |
٣٢٤ |
رمز قبر الجنديّ المجهول |
٢٢٢ |
أهل الجنّة كلّهم شباب |
٣٢٦ |
هدم القبور الأئمة |
٢٢٤ |
المحتوي |
الصفحة |
المحتوي |
الصفحة |
أحبّ الرجال إلى النبي (ص) عليّ |
٣٣٧ |
إيذاؤه عمّار بن ياسر |
٤٥٢ |
خبر الطير المشوي |
٣٣٩ |
إيذاؤه أبا ذرّ الغفاري |
٤٥٣ |
نحن نتّبع الحق؟ |
٣٤٥ |
أبو ذر أصدق الناس |
٤٥٩ |
الصحبة ليست فضيلة |
٣٥٥ |
عليّ مصداق «رحماء بينهم» |
٤٦٢ |
حقائق لا بدّ من كشفها |
٣٥٦ |
مقايسة بين علي وعثمان |
٤٦٦ |
السكينة والتأييد من خصوصيات النبي (ص) |
٣٥٧ |
عفوه عن الأعداء |
٤٦٨ |
المجلس السادس |
٣٦٣ |
معاوية يمنع وعليّ يسمح |
٤٦٩ |
الآيات النازلة في شأن عليّ (ع) |
٣٦٥ |
آية الولاية ونزولها في الإمام عليّ (ع) |
٤٧١ |
النبيّ مربي عليّ ومعلّمه |
٣٦٩ |
شبهات وردود |
٤٧٤ |
عليّ أوّل من آمن |
٣٧٢ |
عود على بدء |
٤٧٨ |
شبهة على الموضوع وردّها |
٣٧٧ |
نبوة النبي (ص) |
٤٨١ |
فضيلة سبق عليّ إلى الإيمان |
٣٧٩ |
هل يستمر الحوار؟ |
٤٨٣ |
ميزة إيمان عليّ (ع) |
٣٨٣ |
المجلس السابع |
٤٨٩ |
عليّ أفضل الأمّة |
٣٨٥ |
علي «ع» نفس رسول الله (ص) |
٤٩٠ |
علي أفضل بدليل المباهلة |
٣٩١ |
الاستدلال بآية المباهلة |
٤٩٤ |
فضيلة المبيت على فراش النبي (ص) |
٣٩٤ |
تفصيل المباهلة |
٤٩٥ |
مصادر قول عمر |
٤٠٠ |
شواهد من الأحاديث |
٤٩٩ |
عليّ حبيب الله ورسوله |
٤١٦ |
استدلال آخر |
٥٠٢ |
إعطاؤه الراية يوم خيبر |
٤١٨ |
الإمام علي «ع» جامع فضائل الأنبياء |
٥٠٥ |
سيرة عثمان |
٤٢٦ |
مقايسته بالأنبياء |
٥٠٩ |
توليته بني أميّة |
٤٣٠ |
دعوى إجماع الأمة على خلافة أبي بكر |
٥١٨ |
فجور وإليه في الكوفة |
٤٣٥ |
إجماع أم مؤامرة!! |
٥٢٠ |
أسباب الثورة |
٤٣٨ |
لا إجماع على خلافة أبي بكر |
٥٣٤ |
موقف علي |
٤٤١ |
مخالفة العترة لخلافة أبي بكر |
٥٣٨ |
موقف الصحابة |
٤٤٣ |
تفنيد الدليل الثاني |
٥٣٩ |
موقف عثمان من صحابة النبي المقرّبين |
٤٤٨ |
علي «ع» فاروق بين الحق والباطل |
٥٤٢ |
المحتوي |
الصفحة |
المحتوي |
الصفحة |
رد الدليل الثالث |
٥٤٨ |
رضا الله سبحانه عن الصحابة |
٦٤٢ |
وثائق تاريخية |
٥٥٦ |
أصحابي كالنجوم |
٦٤٣ |
فاجعة سقط الجنين |
٥٦١ |
مؤامرة لقتل النبي (ص) |
٦٤٥ |
يلزم الدفاع عن المظلوم وإثبات حقه |
٥٦٣ |
صحابة ولكن كاذبون |
٦٤٦ |
شبهات وردود |
٥٦٤ |
بمن نقتدي في خلافة السقيفة |
٦٤٧ |
أبيات شعر للعلامة الزمخشري |
٥٦٥ |
انحراف بعض الصحابة |
٦٤٨ |
إسناد حديث حب علي «ع» حسنة |
٥٦٧ |
ضعف سند حديث (أصحابي كالنجوم) |
٦٥٤ |
البكاء على الحسين ستة نبوية |
٥٧٢ |
هل تلتزمون بعصمة الصحابة |
٦٥٥ |
فوائد المجالس الحسينية |
٥٧٧ |
صحابي يشرب الخمر |
٦٥٦ |
نهضة حسينية لا حكومة دنيوية |
٥٨٢ |
من هم الصادقون |
٦٦١ |
خطبة الحسين عند الخروج من مكة |
٥٨٥ |
نقض بعض الصحابة للعهود |
٦٦٣ |
ما هو سبب نهضة الحسين (ع)؟ |
٥٨٧ |
حديث الولاية في غدير خم |
٦٦٣ |
نتيجة البحث |
٥٩٣ |
تأكيد جبرئيل بالبيعة لعلي |
٦٦٩ |
فوائد زيارة مشاهد آل رسول الله (ص) |
٥٩٥ |
بعض الصحابة اتبعوا الهوى |
٦٧٠ |
المجلس الثامن |
٦٠١ |
الغزالي ونقض عهد الولاية |
٦٧٢ |
الفرق بين الإسلام والإيمان |
٦٠٢ |
كتاب سر العالمين تأليف الغزالي |
٦٧٣ |
مراتب الإيمان |
٦٠٣ |
ضريبة تجاهر السنة بالحق |
٦٧٤ |
لما ذا ترفضون الشيعة |
٦٠٦ |
اتهام ابن عقدة بالرفض |
٦٧٤ |
لما ذا نتبع علي «٧» وأبناءه |
٦٠٧ |
دفن الطبري في بيته ومقاطعة تشييعه |
٦٧٥ |
نتّبع العلم والعقل |
٦١٦ |
قتل النسائي |
٦٧٦ |
خلفاء النبي (ص) اثنا عشر |
٦٢٠ |
ما معنى كلمة «مولى» |
٦٧٧ |
الإمام الصادق (ع) وموقعه العلمي |
٦٢٣ |
احتجاج علي (ع) بحديث الغدير |
٦٨٦ |
ظهور المذهب الجعفري |
٦٢٧ |
الذين نقضوا العهد |
٧٠٤ |
الصحابة وزوجات النبي (ص) |
٦٣٢ |
فدك وما يدور حولها |
٧١٥ |
سب الصحابة لا يوجب الكفر |
٦٣٣ |
فدك حق فاطمة |
٧١٦ |
احترام النبي (ص) لأصحابه |
٦٤٠ |
هل الأنبياء لا يورّثون؟ |
٧١٧ |
استدلال الزهراء وخطبتها |
٧١٨ |
المحتوي |
الصفحة |
المحتوي |
الصفحة |
احتجاج علي « عليهالسلام» في فدك |
٧٢١ |
بغض عائشة لآل النبي (ص) |
٨٢٠ |
ردّ الخليفة على فاطمة وعلي |
٧٢٢ |
ايذاء عائشة للنبي (ص) في حياته |
٨٢٢ |
استغراب ابن أبي الحديد |
٧٢٤ |
امتياز نساء النبي على سائر النساء |
٨٢٥ |
عقاب من سبّ عليا |
٧٢٧ |
خروج عائشة على أمير المؤمنين |
٨٢٦ |
الدليل الثاني في رد أبي بكر |
٧٣٠ |
فضائل الإمام علي (ع) ومناقبه |
٨٣٢ |
الإمام علي (ع) وصيّ النبي (ص) |
٧٣٣ |
علي (ع) خير البرية والبشر |
٨٤٦ |
مات النبي (ص) ورأسه في حجر علي |
٧٣٨ |
حب علي (ع) إيمان وبغضه كفر |
٨٥١ |
مفهوم الوصاية وأهميتها |
٧٤١ |
يوما على جمل ويوما على بغل |
٨٦٩ |
خبر : إن الرجل ليهجر |
٧٤٦ |
فرحة عائشة لشهادة الإمام علي (ع) |
٨٧٢ |
تأسّف ابن عباس |
٧٤٨ |
تناقضات عائشة في عثمان |
٨٧٤ |
الحكم في امرأة ولدت لستة أشهر |
٧٦٣ |
أم سلمة تذكّر عائشة |
٨٧٧ |
ردّ عمر ابن عبد العزيز فدك |
٧٦٧ |
شورى أم ديكتاتورية؟ |
٨٨٣ |
المأمون وردّه فدك |
٧٦٨ |
خلافة الإمام علي (ع) منصوصة |
٨٨٦ |
فدك كانت نحلة لفاطمة |
٧٦٩ |
خلافة علي (ع) أقرب إلى الإجماع |
٨٨٨ |
توجيه العامة عمل أبي بكر |
٧٧١ |
امتيازات الإمام علي (ع) |
٨٨٩ |
خزيمة ذو الشهادتين |
٧٧٢ |
أصول الفضل والكمال |
٨٩٠ |
من هم الصادقون |
٧٧٤ |
طهارة نسب ومولد الإمام علي (ع) |
٨٩١ |
عليّ (ع) مدار الحق والقرآن معه |
٧٧٩ |
النبي (ص) وعلي (ع) من نور واحد |
٨٩٤ |
من أطاع عليا فقد أطاع النبي (ص) |
٧٨٣ |
أجداد الإمام علي (ع) وآباؤه مؤمنون |
٨٩٦ |
إشكال في شمول آية التطهير |
٧٨٨ |
آزر عم ابراهيم |
٨٩٦ |
آية التطهير لا تشمل زوجات النبي |
٧٨٨ |
إيمان أبي طالب |
٩٠١ |
عودا إلى فدك |
٧٩٢ |
دلائل إيمان أبي طالب (ع) |
٩٠٥ |
من آذى عليا فقد آذى الله |
٨٠٠ |
لأبي طالب حق على كل مسلم |
٩٠٧ |
خطبة علي (ع) ابنة أبي جهل كذب |
٨٠٥ |
أشعار أبي طالب في الإسلام |
٩٠٨ |
المجلس التاسع |
٨١٥ |
اقرار أبي طالب بالتوحيد |
٩١١ |
الشيعة وعائشة |
٨١٧ |
موقف أبي طالب من النبي (ص) |
٩١٢ |
معاوية خال المؤمنين!! |
٩١٥ |
المحتوي |
الصفحة |
المحتوي |
الصفحة |
ابن أبي بكر خال المؤمنين |
٩١٧ |
لما ذا قعد علي (ع) ولم يطالب بحقه |
٩٩٧ |
معاوية قاتل الإمام الحسن (ع) |
٩١٧ |
أسباب قعود علي (ع) |
٩٩٨ |
هل كان معاوية كاتبا للوحي؟ |
٩١٩ |
هل الخطبة الشقشقية للإمام علي؟ |
١٠٠٢ |
دليل كفر معاوية وجواز لعنه |
٩٢٠ |
الخطبة الشقشقية قبل الرضيّ |
١٠٠٣ |
معاوية قاتل المؤمنين |
٩٢٢ |
المجلس العاشر |
١٠٠٧ |
غارة بسر بن أرطاة |
٩٢٣ |
سؤال حول علم عمر |
١٠٠٧ |
معاوية يأمر بلعن الإمام أمير المؤمنين |
٩٢٦ |
كل الناس أفقه من عمر |
١٠١٠ |
لا يبغض عليا إلا كافر أو منافق |
٩٣٠ |
انكار موت رسول الله (ص) |
١٠١١ |
الصحابة أخيار وأشرار |
٩٣٢ |
لو لا علي ٧ لهلك عمر |
١٠١٣ |
دلائل أخرى على إيمان أبي طالب |
٩٣٩ |
قضية الزّناة الخمسة |
١٠١٣ |
اسلام جعفر بأمر أبيه |
٩٤٠ |
قضية الزانية الحامل |
١٠١٤ |
شواهد أخرى على إيمان أبي طالب |
٩٤١ |
المجنونة التي زنت |
١٠١٥ |
نحن أهل السنة وأنتم الرافضة |
٩٤٨ |
عمر : لا يعرف التيمم وأحكامه!! |
١٠٢٣ |
دليلنا في تشريع الزواج المؤقت |
٩٥٠ |
إحاطة الإمام علي (ع) بالعلوم |
١٠٢٥ |
روايات المتعة عن طريق أهل السنة |
٩٥٢ |
اعتراف معاوية وإقراره بعلم علي |
١٠٢٧ |
حكم المتعة غير منسوخ في القرآن |
٩٥٩ |
عجز عمر في حل المعضلات |
١٠٢٧ |
هل يجوز للمجتهد أن يخالف النص؟ |
٩٦٢ |
الإمام علي (ع) وخلافة من سبقوه |
١٠٣١ |
الكعبة مولد الإمام علي (ع) |
٩٦٧ |
لا يصح اختيار دين بغير دليل! |
١٠٣٤ |
اسم علي (ع) نزل من عند الله تعالى |
٩٧٠ |
ما هو دليلي على اختياري التشيع؟ |
١٠٣٦ |
زهد الإمام علي (ع) وتقواه |
٩٧٧ |
الآيات والروايات في طاعة علي |
١٠٣٨ |
زهده في ملبسه |
٩٨١ |
اتحاد المسلمين |
١٠٤١ |
ضرار ابن ضمرة يصف عليا |
٩٨٢ |
فتوى أبي حنيفة بجواز الوضوء بالنبيذ |
١٠٤٦ |
الزهد عطية الله تعالى لعلي (ع) |
٩٨٤ |
غسل الرجلين مخالف للقرآن |
١٠٥٠ |
علي (ع) إمام المتقين |
٩٨٥ |
فتواهم بجواز المسح على الخف |
١٠٥٢ |
فاقضوا أيها المنصفون؟؟ |
٩٨٩ |
فتواهم بجواز مسح العمامة |
١٠٥٣ |
سكوت بعض الأنبياء واعتزالهم |
٩٩١ |
لما ذا تفرقون بين المسلمين؟ |
١٠٥٤ |
تشابه أمر عليّ (ع) بهارون |
٩٩٣ |
المحتوي |
الصفحة |
المحتوي |
الصفحة |
لما ذا نسجد على التربة |
١٠٥٦ |
إخباره عن مقتل ذي الثدية |
١١٤١ |
لما ذا السجود على التربة الحسينية |
١٠٥٧ |
إخباره بأن ابن ملجم قاتله |
١١٤٦ |
السجود على تراب كربلاء غير واجب |
١٠٥٨ |
يجب تقديم الأعلم والأفضل |
١١٤٨ |
فضيلة السجود على تربة كربلاء |
١٠٥٩ |
جوابه (ع) عن الكرات السماوية |
١١٥٣ |
اهتمام النبي (ص) بتربة كربلاء |
١٠٦٠ |
حديث مع المستشرق الفرنسي |
١١٥٤ |
الرجوع إلى موضوع الليلة الماضية |
١٠٧٢ |
تأثّر الغرب بالتمدن الإسلامي |
١١٥٦ |
الله عزل أبا بكر ونصب عليا (ع) |
١٠٧٧ |
الإمام علي (ع) والاكتشافات الحديثة |
١١٥٩ |
لما ذا عزل النبي (ص) أبا بكر |
١٠٧٩ |
ابن أبي الحديد يصف علم علي |
١١٦١ |
النبي (ص) بعث عليا إلى اليمن |
١٠٨٥ |
في ذكرى ميلاد الإمام الحسين (ع) |
١١٦٢ |
علي (ع) هادي الأمة بعد النبي (ص) |
١٠٨٧ |
النوّاب يعلن تشيعه |
١١٦٥ |
الفرق بين السياسة الدينية والدنيوية |
١٠٨٨ |
مجموعة من الصور تتعلق بالكتاب |
١١٦٨ |
أسباب الحروب في خلافة علي |
١٠٩٠ |
إخباره عن مقتل ذي الثدية |
١١٤١ |
إخبار النبي (ص) عن حروب علي |
١٠٩٥ |
إخباره بأن ابن ملجم قاتله |
١١٤٦ |
لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه |
١١٠٤ |
يجب تقديم الأعلم والأفضل |
١١٤٨ |
الله سبحانه يفيض من علمه على من يشاء |
١١٠٥ |
جوابه (ع) عن الكرات السماوية |
١١٥٣ |
الخلفاء الاثنا عشر عندهم علم الغيب |
١١٠٨ |
حديث مع المستشرق الفرنسي |
١١٥٤ |
الإمام علي باب مدينة علم الرسول |
١١١٣ |
تأثّر الغرب بالتمدن الإسلامي |
١١٥٦ |
جملة من مصادر العامة للحديث |
١١١٤ |
الإمام علي (ع) والاكتشافات الحديثة |
١١٥٩ |
حديث أنا دار الحكمة وعلي بابها |
١١٢٠ |
ابن أبي الحديد يصف علم علي |
١١٦١ |
علي (ع) عالم بظاهر القرآن وباطنه |
١١٢٣ |
في ذكرى ميلاد الإمام الحسين (ع) |
١١٦٢ |
علي (ع) تلميذ رسول الله (ص) |
١١٢٦ |
النوّاب يعلن تشيعه |
١١٦٥ |
الإمام الرضا يخبر عن موته |
١١٣١ |
مجموعة من الصور تتعلق بالكتاب |
١١٦٨ |
الصحيفة السماوية |
١١٣٢ |
||
قول علي سلوني قبل أن تفقدوني |
١١٣٥ |
||
الإمام علي يخبر عن قاتل الحسين |
١١٣٩ |
||
إخباره عن عاقبة خالد ابن عرفطة |
١١٣٩ |
||
إخباره عن حكومة معاوية وظلمه للشيعة |
١١٤٠ |
الفهرس
كلمة الناشر ١
مقدمة المترجم ٣
المقدّمة ٥
السفر إلى سيالكوت ٩
في بيشاور ١٠
موضوع البحث ١١
من بركات المنبر ١٢
المجلس الأول ١٥
بدء المناظرة ١٧
شجرة المؤلّف ١٩
أولاد البتول عليهاالسلام ذرية الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ٢٢
الاستدلال بكتب العامة ورواياتهم ٢٤
صلاة العشاء ٣٤
مسألة الجمع أو التفريق بين الصلاتين ٣٥
الجمع بين الصلاتين عند علماء الفريقين ٣٩
عود على بدأ ٤٧
التشاور دأب النبلاء ٥١
ترجمة الأمير السيّد أحمد ٥٣
اكتشاف الجسد الشريف ٥٤
ترجمة الأمير السيّد علاء الدين حسين ٥٦
ترجمة الأمير السيّد محمد العابد ٥٨
لما ذا دفن الإمام علي عليهالسلام سرّا؟ ٦٠
شهادة زيد بن عليّ عليهالسلام ٦١
شهادة يحيى بن زيد ٦٤
سرّ وصيّة الإمام أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام ٦٦
اكتشاف قبر الإمام أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام ٦٧
أبناء إبراهيم المجاب ٧٠
هجرتنا إلى طهران ٧٢
المجلس الثاني ٧٩
حقيقة الشيعة وبدايتها ٨٦
مقام هؤلاء الأربعة في الإسلام ٩٧
التشيّع ليس حزبا سياسيا ٩٩
أسباب تشيّع الإيرانيّين ١٠١
دولة آل بويه ١٠٥
شيعة إيران في عهد المغول ١٠٧
الإسلام يرفض التعصّب القومي ١١١
التمييز العنصري سبب الحروب ١١٣
الغلاة ليسوا من الشيعة ١١٥
الصلاة والسلام على الآل سنّة ١٢٤
المجلس الثالث ١٢٩
مذهب الزيدية ١٣٠
الكيسانية ١٣١
القدّاحية ١٣٢
الغلاة ١٣٣
خلاصة عقائدنا ١٣٤
ردّ الإجماع المزعوم ١٤٠
رؤية الله سبحانه عند أهل السنّة ١٤١
الأخبار الخرافية في الصحيحين ١٤٤
نرجع إلى الخبر المرويّ عن إمامنا الحسين عليهالسلام(١) ١٥٠
أقسام الشرك ١٥٨
«الشرك الجليّ» ١٥٨
«النذر عندنا» ١٦١
«الشرك الخفي» ١٦٣
الشرك في الأسباب ١٦٥
الشيعة نزيهون من أنواع الشرك ١٦٦
عقيدة الشيعة في التوسّل ١٦٨
آل محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم هم الوسيلة ١٦٩
حديث الثقلين ١٧٠
حول البخاري وصحيحه ١٧١
هتك حرمة النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم في الصحيحين ١٧٤
«احتياطات البخاري» ١٧٦
بعض مصادر حديث الثقلين ١٧٧
حديث السفينة ١٧٩
قتل الشهيد الأوّل ١٩٢
قتل الشهيد الثاني ١٩٣
كلام خان خيوه ١٩٧
هجوم الأزبك ١٩٨
قتل الشهيد الثالث ٢٠٠
في آداب زيارة أمير المؤمنين عليهالسلام ٢٠٣
«صلاة الزيارة والدعاء بعدها» ٢٠٤
«تقبيل قبور الأئمّة عليهمالسلام وعتبة روضاتهم المقدّسة» ٢٠٥
بقاء الروح بعد الموت ٢٠٨
دفاع الشيخ عبد السلام عن معاوية ويزيد ٢١١
ردّنا على كلام الشيخ ٢١٢
دلائل كفر يزيد العنيد ٢١٤
جواز لعن يزيد ٢١٦
رمز قبر الجنديّ المجهول ٢٢٢
هدم قبور أهل البيت عليهمالسلام في البقيع ٢٢٤
المجلس الرابع ليلة ٢٢٧
معنى الإمام في اللغة ٢٢٩
سدّ باب الاجتهاد عند العامّة ٢٣٠
انفتاح باب الاجتهاد عند الشيعة ٢٣١
السياسة تحصر المذاهب في أربعة ٢٣٣
مطاعن الأئمّة الأربعة ٢٣٦
مقام الإمام عند الشيعة الإمامية ٢٤٠
مراتب الأنبياء ٢٤٤
النبوّة الخاصّة ٢٤٥
إثبات مرتبة النبوّة لعليّ عليهالسلام ٢٤٧
إسناد حديث المنزلة ٢٤٨
شرح أحوال الآمدي ٢٥٠
حكم الخبر الواحد عند العامة ٢٥٣
المجلس الخامس ٢٧٣
يوم الإنذار ٢٨٤
تصريحات اخرى في خلافة عليّ عليهالسلام ٢٨٦
نقل حديث في فضل أبي بكر ، وردّه ٢٩٩
دليل لعن أبي هريرة ٣٠١
مفتريات ابن عبد ربّه ٣٠٥
مفتريات ابن حزم ٣٠٨
مفتريات ابن تيميّة ٣٠٩
الكلام في ذمّ أبي هريرة ٣١٤
أبو هريرة مع بسر بن أرطاة ٣١٦
ردّ الحديث في فضل أبي بكر ٣٢٢
أحاديث مدسوسة ٣٢٤
أهل الجنّة كلّهم شباب ٣٢٦
أحبّ الرجال إلى النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم عليّ عليهالسلام ٣٣٧
خبر الطير المشويّ ٣٣٩
نحن نتّبع الحقّ! ٣٤٥
الصحبة ليست فضيلة ٣٥٥
حقائق لا بدّ من كشفها ٣٥٦
السكينة والتأييد من خصوصيات النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ٣٥٩
المجلس السادس ٣٦٣
الآيات النازلة في شأن عليّ عليهالسلام ٣٦٥
النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم مربّي علي عليهالسلام ومعلّمه ٣٦٩
شبهة على الموضوع وردّها ٣٧٧
فضيلة سبق عليّ عليهالسلام إلى الإيمان ٣٧٩
ميزة إيمان عليّ عليهالسلام ٣٨٣
عليّ عليهالسلام أفضل الأمّة ٣٨٥
عليّ عليهالسلام أفضل بدليل المباهلة ٣٩١
فضيلة المبيت على فراش النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ٣٩٤
مصادر قول عمر ٤٠٠
عليّ عليهالسلام حبيب الله ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم ٤١٦
إعطاؤه الراية يوم خيبر ٤١٨
سيرة عثمان ٤٢٦
توليته بني اميّة ٤٣٠
فجور وإليه في الكوفة ٤٣٥
أسباب الثورة على عثمان ٤٣٨
موقف عليّ عليهالسلام من عثمان ٤٤١
موقف الصحابة من عثمان ٤٤٣
موقف عثمان من صحابة النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم المقرّبين ٤٤٨
إيذاؤه عمّار بن ياسر ٤٥٢
إيذاؤه أبا ذرّ الغفاري ٤٥٣
أبو ذر أصدق الناس ٤٥٩
عليّ عليهالسلام مصداق ( رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) ٤٦٢
مقايسة بين علي عليهالسلام وعثمان ٤٦٦
عفوه عن الأعداء ٤٦٨
معاوية يمنع وعليّ عليهالسلام يسمح ٤٦٩
آية الولاية ونزولها في الإمام عليّ عليهالسلام ٤٧١
شبهات وردود ٤٧٤
عود على بدء ٤٧٨
شكّ عمر في نبوة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ٤٨١
هل يستمر الحوار؟ ٤٨٣
المجلس السابع ٤٨٩
كيف يكون الإمام علي نفس رسول الله؟ ٤٩٠
الاستدلال بآية المباهلة ٤٩٤
تفصيل المباهلة ٤٩٥
شواهد من الأحاديث ٤٩٩
استدلال آخر ٥٠٢
الإمام عليّ عليهالسلام جامع فضائل الأنبياء ٥٠٥
مقارنته بالأنبياء عليهمالسلام ٥٠٩
دعوى : إجماع الأمة على خلافة أبي بكر ٥١٨
إجماع أم مؤامرة!! ٥٢٠
لا إجماع على خلافة أبي بكر ٥٣٤
مخالفة العترة لخلافة أبي بكر ٥٣٨
تفنيد الدليل الثاني ٥٣٩
عليّ عليهالسلام فاروق بين الحقّ والباطل ٥٤٢
ردّ الدليل الثالث ٥٤٨
وثائق تاريخية ٥٥٦
فاجعة سقط الجنين ٥٦١
يلزم الدفاع عن المظلوم وإثبات حقّه ٥٦٣
شبهات وردود ٥٦٤
أبيات شعر للعلاّمة الزمخشري ٥٦٥
إسناد حديث حبّ عليّ حسنة ٥٦٧
البكاء على الحسين عليهالسلام سنّة نبويّة ٥٧٢
فوائد المجالس الحسينية ٥٧٧
نهضة حسينية لا حكومة دنيوية ٥٨٢
خطبة الحسين عليهالسلام عند الخروج من مكّة ٥٨٥
ما هو سبب نهضة الحسين عليهالسلام ؟ ٥٨٧
نتيجة البحث ٥٩٣
فوائد زيارة مشاهد آل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ٥٩٥
المجلس الثامن ٦٠١
الفرق بين الإسلام والإيمان ٦٠٢
مراتب الإيمان ٦٠٣
لما ذا ترفضون الشيعة!! ٦٠٦
لما ذا نتّبع عليّا وأبناءه عليهمالسلام ٦٠٧
نتّبع العلم والعقل ٦١٦
خلفاء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم اثنا عشر ٦٢٠
ظهور المذهب الجعفري ٦٢٧
مطاعن الشيعة في الصحابة وزوجات النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ٦٣٢
سبّ الصحابة لا يوجب الكفر ٦٣٣
احترام النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لأصحابه ٦٤٠
أصحابي كالنجوم! ٦٤٣
مؤامرة لقتل النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم !! ٦٤٥
صحابة ولكن كاذبون ٦٤٦
بمن نقتدي في خلافة السقيفة؟ ٦٤٧
انحراف بعض الصحابة ٦٤٨
ضعف سند حديث «أصحابي كالنجوم» ٦٥٤
هل تلتزمون بعصمة الصحابة؟ ٦٥٥
صحابيّ يشرب الخمر! ٦٥٦
من هم الصادقون؟ ٦٦١
نقض بعض الصحابة للعهود ٦٦٣
حديث الولاية في غدير خم ٦٦٣
تأكيد جبرئيل عليهالسلام بالبيعة لعلي عليهالسلام ٦٦٩
بعض الصحابة اتبعوا الهوى ٦٧٠
كلام الغزالي في نقض الصحابة عهد الولاية ٦٧٢
كتاب سرّ العالمين تأليف الغزالي ٦٧٣
ضريبة تجاهر السنة بالحق ٦٧٤
أـ اتهام ابن عقدة بالرفض ٦٧٤
ب ـ دفن الطبري في بيته ومقاطعة تشييعه!! ٦٧٥
ج ـ «قتل النسائي» ٦٧٦
ما معنى كلمة «مولى»؟ ٦٧٧
القرينة الثانية ٦٨٠
احتجاج علي عليهالسلام بحديث الغدير ٦٨٦
القرينة الرابعة ٦٩٣
القرينة الخامسة ٧٠٠
الذين نقضوا العهد ٧٠٤
أكثرهم نقضوا العهد ٧٠٨
فدك وما يدور حولها ٧١٥
فدك حق فاطمة عليهاالسلام ٧١٦
هل الأنبياء لا يورّثون؟ ٧١٧
استدلال الزهراء عليهاالسلام وخطبتها ٧١٨
احتجاج علي عليهالسلام في فدك ٧٢١
ردّ الخليفة على فاطمة وعليّ عليهما السّلام ٧٢٢
استغراب ابن أبي الحديد(١) ٧٢٤
عقاب من سب عليا عليهالسلام ٧٢٧
الدليل الثاني في ردّ أبي بكر ٧٣٠
الإمام علي وصي النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ٧٣٣
مات النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ورأسه في حجر علي عليهالسلام ٧٣٨
مفهوم الوصاية وأهمّيتها ٧٤١
خبر : إنّ الرجل ليهجر ٧٤٦
تأسّف ابن عباس ٧٤٨
الحكم في امرأة ولدت لستة أشهر ٧٦٣
ردّ عمر بن عبد العزيز فدك ٧٦٧
المأمون وردّه فدكا ٧٦٨
فدك كانت نحلة لفاطمة عليهاالسلام ٧٦٩
توجيه العامّة عمل أبي بكر ٧٧١
خزيمة ذو الشهادتين ٧٧٢
علي عليهالسلام مدار الحق والقرآن معه ٧٧٩
إشكال في شمول آية التطهير ٧٨٨
آية التطهير لا تشمل زوجات النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ٧٨٨
عود إلى فدك ٧٩٢
من اذى عليا فقد آذى الله ٨٠٠
خطبة علي عليهالسلام ابنة أبي جهل كذب وافتراء ٨٠٥
المجلس التاسع ٨١٥
الشيعة وعائشة!! ٨١٧
بعض عائشة لآل النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ٨٢٠
إيذاء عائشة للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته ٨٢٢
امتياز نساء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم على سائر النساء ٨٢٥
خروج عائشة على أمير المؤمنين عليهالسلام ٨٢٦
فضائل الامام علي عليهالسلام ومناقبه ٨٣٢
علي عليهالسلام خير البرية والبشر ومن أبي فقد كفر ٨٤٦
حبّ عليّ إيمان وبغضه كفر ونفاق ٨٥١
يوما على جمل ويوما على بغل ٨٦٩
فرحة عائشة لشهادة الإمام علي عليهالسلام ٨٧٢
تناقضات عائشة في عثمان ٨٧٤
أم سلمة تذكّر عائشة ٨٧٧
خلافة الإمام علي عليهالسلام منصوصة ٨٨٦
خلافة عليّ عليهالسلام أقرب إلى الإجماع من خلافة غيره ٨٨٨
امتيازات الإمام عليّ عليهالسلام ٨٨٩
أصول الفضل والكمال ٨٩٠
طهارة نسب ومولد الإمام علي عليهالسلام ٨٩١
النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّ عليهالسلام من نور واحد ٨٩٤
أجداد الإمام علي عليهالسلام وآباؤه مؤمنون ٨٩٦
آزر عم إبراهيم عليهالسلام ٨٩٦
دليل آخر ٨٩٨
إيمان أبي طالب عليهالسلام ٩٠١
الدلائل والشواهد على إيمان أبي طالب عليهالسلام ٩٠٥
لأبي طالب عليهالسلام حق على كل مسلم ٩٠٧
أشعار أبي طالب عليهالسلام في الإسلام ٩٠٨
إقرار أبي طالب عليهالسلام بالتوحيد ٩١١
موقف أبي طالب عليهالسلام من النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ٩١٢
معاوية خال المؤمنين!! ٩١٥
معاوية : قاتل الإمام الحسن عليهالسلام ٩١٧
هل كان معاوية كاتبا للوحي؟ ٩١٩
دليل كفر معاوية وجواز لعنه ٩٢٠
معاوية قاتل المؤمنين ٩٢٢
غارة بسر بن أرطاة ٩٢٣
معاوية يأمر بلعن الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام !! ٩٢٦
لا يبغض عليا إلاّ كافر أو منافق ٩٣٠
الصحابة ، أخيار وأشرار ٩٣٢
دلائل أخرى على إيمان أبي طالب عليهالسلام ٩٣٩
إسلام جعفر بأمر أبيه ٩٤٠
شواهد أخرى على إيمان أبي طالب عليهالسلام ٩٤١
نحن أهل السنّة وأنتم الرافضة ٩٤٨
دليلنا في تشريع الزواج المؤقّت ٩٥٠
روايات المتعة عن طريق أهل السنّة ٩٥٢
حكم المتعة غير منسوخ في القرآن ٩٥٩
هل يجوز للمجتهد أن يخالف النصّ؟ ٩٦٢
الكعبة مولد الإمام عليّ عليهالسلام ٩٦٧
اسم «عليّ عليهالسلام » نزل من عند الله تعالى ٩٧٠
زهد الإمام عليّ عليهالسلام وتقواه ٩٧٧
زهده في ملبسه ٩٨١
ضرار بن ضمرة يصف عليا عليهالسلام ٩٨٢
الزهد عطيّة الله تعالى لعليّ عليهالسلام ٩٨٤
علي عليهالسلام امام المتقين ٩٨٥
فاقضوا أيها المنصفون!! ٩٨٩
سكوت بعض الأنبياء واعتزالهم عن أممهم ٩٩١
تشابه أمر عليّ عليهالسلام بهارون ٩٩٣
لما ذا قعد عليّ عليهالسلام ولم يطالب بحقه؟ ٩٩٧
أسباب قعود علي عليهالسلام ٩٩٨
هل الخطبة الشّقشقية للإمام علي عليهالسلام ؟ ١٠٠٢
الخطبة الشقشقيّة كانت قبل مولد الرضيّ ١٠٠٣
المجلس العاشر ١٠٠٧
سؤال : حول علم عمر ١٠٠٧
كلّ الناس أفقه من عمر حتى ربّات الحجال ١٠١٠
إنكار عمر موت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ١٠١١
لو لا عليّ لهلك عمر ١٠١٣
[١] الزناة الخمسة ١٠١٣
[٢] الزانية الحامل ١٠١٤
[٣] المجنونة التي زنت ١٠١٥
عمر : لا يعرف التيمّم وأحكامه!! ١٠٢٣
إحاطة الإمام عليّ عليهالسلام بالعلوم ١٠٢٥
عجز عمر في حلّ المعضلات وخضوعه لعليّ عليهالسلام ١٠٢٧
الإمام علي عليهالسلام وخلافة من سبقوه ١٠٣١
مثل مناسب ولا مناقشة في الأمثال ١٠٣٢
لا يصح اختيار دين بغير دليل!! ١٠٣٤
ما هو دليلي على اختياري التّشيع؟ ١٠٣٦
الآيات والروايات في لزوم طاعة عليّ عليهالسلام ١٠٣٨
اتحاد المسلمين ١٠٤١
فتوى أبي حنيفة : بجواز الوضوء بالنبيذ ١٠٤٦
غسل الرجلين في الوضوء مخالف للنصّ القرآني ١٠٥٠
فتواهم بجواز المسح على الخفّ ١٠٥٢
فتواهم بجواز مسح العمامة ١٠٥٣
لما ذا تفرّقون بين المسلمين؟ ١٠٥٤
لماذا نسجد على التربة؟ ١٠٥٦
لماذا السجود على التربة الحسينية؟ ١٠٥٧
السجود على تراب كربلاء غير واجب عندنا ١٠٥٨
فضيلة السجود على تربة كربلاء ١٠٥٩
اهتمام النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بتربة كربلاء ١٠٦٠
الرجوع الى موضوع نقاشنا في الليلة الماضية ١٠٧٢
الله جلّ جلاله عزل أبا بكر ونصب عليا عليهالسلام ١٠٧٧
لما ذا عزل النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أبا بكر؟ ١٠٧٩
النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بعث عليا سفيرا إلى اليمن ١٠٨٥
عليّ عليهالسلام هادي الأمّة بعد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ١٠٨٧
الفرق بين السياسة الدينية والدنيوية ١٠٨٨
أسباب الاضطرابات والحروب في خلافة الإمام عليّ عليهالسلام ١٠٩٠
إخبار النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم عن حروب عليّ عليهالسلام بعده ١٠٩٦
لا يعلم الغيب إلاّ الله سبحانه ١١٠٤
الله سبحانه يفيض من علمه على من يشاء ١١٠٥
الخلفاء الاثنا عشر عندهم علم الغيب ١١٠٨
الإمام علي عليهالسلام باب مدينة علم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بنصّ أحاديثكم ١١١٣
جملة من مصادر العامّة للحديث ١١١٤
حديث : أنا دار الحكمة وعلي بابها ١١٢٠
علي عليهالسلام عالم بظاهر القرآن وباطنه ١١٢٣
علي تلميذ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ١١٢٦
الإمام الرضا عليهالسلام يخبر عن موته من الجفر والجامعة ١١٣١
الصحيفة السماويّة ١١٣٢
مصادر قوله عليهالسلام : سلوني قبل أن تفقدوني ١١٣٥
الإمام علي عليهالسلام يخبر عن قاتل ولده الحسين عليهالسلام ١١٣٩
اخباره عليهالسلام عن عاقبة خالد بن عرفطة ١١٣٩
إخباره عليهالسلام عن حكومة معاوية وظلمه للشيعة ١١٤٠
إخباره عليهالسلام عن مقتل ذي الثدية ١١٤١
إخباره عليهالسلام بأنّ ابن ملجم قاتله ١١٤٦
يجب تقديم الأعلم والأفضل ١١٤٨
جوابه عليهالسلام عن الكرات السماوية ١١٥٣
حديث مع المستشرق الفرنسي مسيو جوئن ١١٥٤
مقال جوستاف لوبون في تأثر الغرب بالتمدن الإسلامي ١١٥٦
الإمام علي عليهالسلام والاكتشافات الحديثة ١١٥٩
ابن أبي الحديد يصف علوم الإمام علي عليهالسلام ١١٦١
في ذكرى ميلاد الإمام الحسين عليهالسلام ١١٦٢
النوّاب يعلن تشيّعه ١١٦٥