مجالس في رحاب الإمام المعذّب في قعر السجون
مؤلف: الشيخ أبو علي البصريالإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره ثم الصلاة على خير خلقه وأشرف بريته وسيد رسله محمد المبعوث رحمةً للعالمين وعلى آله الغرّ الميامين لاسيما خاتمهم الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.
: ـ وبعد هذه مجالس في الإمام السابع كاظم الغيظ (الإمام موسى بن جعفر) عليهما السلام كتبتها راجياً من الله القبول.
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريته محمدٍ وآله الطاهرين المعصومين لا سيّما بقية الله في الأرضين الحجة بن الحسن المهدي (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء) وعجل الله فرجه الشريف.
وبعد: فانَّ سيرة الامام موسى بن جعفر (عليه أفضل صلوات المصلّين) غنيّة بالدروس التربوية والأخلاقية والعقائدية والسياسية وغيرها من الأمور الأخرى، وقد كتب المحققون والمؤرخون والمحدِّثون في سيرته العطرة المباركة وجزى الله مَن كتب خير الجزاء وأحببتُ أن أجمع بعض ما كتبوه على هيئة وصورة مؤلفاتنا السابقة في المجالس الرضوية والمجالس العاشورية... الخ هذا المؤلف الذي يختص في سيرة الامام موسى بن جعفرعليهالسلام وأسميناه «المجالس الكاظمية» نسبة للإمام الكاظمعليهالسلام .
ولا أدعي بأنّي قد أحطتُ في هذا الكتاب بكل ما ورد في سيرة الامام الكاظمعليهالسلام من أحداث وأمور وأحاديث ولكن ذكرنا نزراً يسيراً ممّا ورد في سيرته العطرة.
وإن مَدَّ الله في أعمارنا، نلحق هذه المجالس بمجالس اُخر انشاء الله تعالى.
يا أيُّها العزيز مسَّنا وأهلنا الضّر وجئنا ببضاعةٍ مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدَّق علينا إنَّ الله يجزي المتصدّقين.
وآخر دعوانا ان الحمدلله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمدٍ وآله الطاهرين.
حرّره خادم خدّام الائمة الهداة عبد الأمير عبد الزهرة جاسم الخياط |
المجلس الأول
الموضوع: ـ في ولادة الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام
ولد الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام بالأبواء (وهو موضعٌ ما بين مكة والمدينة) يوم الأحد لسبع خلون من شهر صفر.
وكانت أمّ الإمام موسى بن جعفرعليهماالسلام من أشراف الأعاجم، روي في البحار عن الإمام الصادقعليهالسلام قال «حميدة مصفاة من الأدناس كسبيكة الذهب ما زالت الأملاك تحرسها حتى أديت لي كرامة من الله والحجة من بعدي».
وحلفت حميدة انها رأت في منامها أنها نظرت إلى القمر وَقَعَ في حجرها فقال أبو عبداللهعليهالسلام أنها تلد مولوداً ليس بينه وبين الله حجاب (أقول: فيها إشارة إلى عصمة الإمام موسى بن جعفرعليهماالسلام لأن الذنوب تكون حجاب بين العبد وبين ربّه)
«آيات ودلالات الإمام منذ ولادته»
روى العلامة المجلسيرحمهالله
في بحاره عن أبي بصير قال كنت مع أبي عبداللهعليهالسلام
في السنة التي ولد فيها ابنه موسى فلما نزلنا الأبواء وضع لنا أبو عبداللهعليهالسلام
الغداء ولأصحابه وكانعليهالسلام
إذا وضع الطعام لأصحابه أكثره واطابه فبينا نحن نتغذى إذ اتاه رسول حميدة ان الطلق قد ضربني وقد امرتني ان لا اسبقك بانبك هذا، فقام ابو عبداللهعليهالسلام
فرحاً مسروراً فلم يلبث ان عادَ إلينا حاسراً عن ذراعيه ضاحكاً سنّه فقلنا أضحك الله سنّك وأقرّ عينك ما صنعت حميدة فقال وَهَبَ اللهُ لي غلاماً وهو خير
من برأ الله ولقد خبرّتني عنه بأمر كنت اعلمُ به منها قلت جعلتُ فداك وما خبرتك عنه حميدة قال ذكرت انه لما وَقَعَ من بطنها وقع واضعاً يديه على الأرض رافعاً رأسه إلى السماء فاخبرتها ان تلك إمارة رسول الله وإمارة الإمام من بعده.
«ابتهاج الإمام الصادقعليهالسلام بالوليد المبارك»
قال منهال القصاب وقد أطعم الامام الصادقعليهالسلام الناس ثلاثة أيام فكنت آكل فيمن يأكل فما أكل شيئاً إلى الغد حتى أعود فآكل.
محبّةُ الإمام الصادقعليهالسلام لولده موسىعليهالسلام
قيل لأبي عبداللهعليهالسلام ما بَلَغَ من حبّك ابنك موسىعليهالسلام فقالعليهالسلام وددتُ ان ليس لي ولد غيره حتى لا يشاركه في حبّي له أحد.
نبوغ الإمام الكاظم وعلمه
روى ابن شهر آشوب في المناقب عن يعقوب السراج قال دخلتُ على أبي عبداللهعليهالسلام وهو واقفٌ على رأس ابي الحسن موسىعليهالسلام وهو في المهد وهو ابن شهرين فجعل يساره طويلاً فجلست حتى فرغ فقمت إليه فقال ادن إلى مولاك فسلّم عليه فدنوت فسلمت عليه فردَّ عليَّ بلسان فصيح ثم قال لي اذهب وغيّر اسم ابنتك التي سميتها أمس فانه اسمٌ يبغضه الله وكانت ولدت لي بنتاً فسميتها الحميراء، فقال أبو عبداللهعليهالسلام انتهِ إلى أمرهِ ترشد فغيرتُ اسمها.
الإمام الكاظمعليهالسلام لا يلهو ولا يلعب
قال صفوان الجمّال دخلتُ على الصادقعليهالسلام فقلت سيّدي من الإمام بعدك قال الإمام بعدي لا يلهو ولا يلعب، فاقبل موسى بن جعفر وهو غلام صغير وله سنتان وبيده عناق مكية وهو يقول لها اسجدي لربّك، فأخذهُ أبو عبداللهعليهالسلام فضمهُ إلى صدره وقال بأبي وأمي لا يلهو ولا يلعب.
أبيات شعرية في مديح الامام موسى بن جعفرعليهالسلام :
أيّها المشتكي من الدهر ضرّا |
ومن الذنب قد تحمل وزرا |
|
زُر لموسى وللجواد مقرا |
وانتشق من شرى النبوة عطرا |
نشره ضاع في جنان الخلود:
مالك النار لم يجد لي طريقاً |
حيثُ أعددتُ حبكم لي رفيقاً |
|
قد شربتُ الولاء كأساً رحيقاً |
كيف اخشى من الجحيم حريقاً |
وبماء الولاء أورق عودي:
أهدي مديحي للإمام العالم |
أعني زعيم الحق موسى الكاظمِ |
|
ذا الحلم والفضل المؤثل والنهى |
والعلم والشرف الرفيع القائم |
* * *
لذ واستجر موتسّلاً |
إن ضاق أمرك أو تعسّر |
|
بأبي الرّضا جدّ الجوا |
د محمّد موسى بن جعفر |
* * *
يا سميّ الكليم جئتك أسعى |
والهوى مركبي وحبّك زادي |
|
مسّني الضر وانتحى بي فقري |
نحو مغناك قاصداً من بلادي |
|
ليس تقضى لنا الحوائج إلّا |
عند باب الحوائج المعتاد |
|
عند بحر الندى ابن جعفر موسى |
عند باب الرّجاء جدّ الجواد |
* * *
لُذْ إن دهتك الرزايا |
والدهرُ عيشك نكّدْ |
|
بكاظم الغيظ موسى |
وبالجواد محمّدْ |
* * *
المجلس الثاني
الموضوع: أخلاق الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام وإحسانه إلى الناس
الشيخ حسن البهبهاني
وما لعينيّ لا تبكي وقد نظرت |
بابَ الحوائج موسى فخر عدنان |
|
لهفي عليه سجيناً طول مدّته |
مازال يُنقلُ من سجنٍ إلى ثانِ |
|
جرّوه وهو يصلّي طوع بارئه |
فناصبوا الله في كفر وطغيان |
|
ساروا به في قيودٍ كبّلوه بها |
وقد جنوا ما جنوه آل سفيان |
|
روحي فداهُ بعيداً عن عشيرته |
لابل بعيد اللّقا من أيّ إنسان |
|
حتى إذا جرّعوه السمّ في رطب |
فحال من وقعه المردي بألوانِ |
|
ناءٍ عن الأهل لم يحضره من أحدٍ |
فداه أهلوه من شيبٍ وشبّان |
|
نعشُ ابن جعفر حمّالون تحمله |
فأينَ عنه سرايا آل عدنان |
|
القيد في رجلهِ والغلّ في يده |
وللعباءة شأن أعظم الشأنِ |
|
ألقوه في الجسر مطروحاً تقلّبه |
أيدي الأجانب في سرّ وإعلان |
إحسانه إلى الناس: ممّا لا شك فيه «ان خير الناس مَن نَفَعَ الناس» و «إنَّ اللهَ يُحبُّ المحسنين» وإنَّ إحسان الامام موسى بن جعفرعليهالسلام اتخذ صوراً عديدة نُشيرُ إلى قسمٍ منها:
١ ـ صلته لفقراء المدينة: كانعليهالسلام يتفقد فقراء أهل المدينة فيحمل اليهم في الليل العين والورق (المراد من العين: الدينار والذهب، والمراد من الورق: الدراهم
المضروبة) وغير ذلك فيوصله اليهم وهم لا يعلمون من أيّ جهةٍ هو. وكانعليهالسلام يصل بالمائة دينار إلى الثلاثمائة دينار، وكانت صرر موسى الكاظمعليهالسلام مثلاً.
٢ ـ إحسان الامام موسى الكاظمعليهالسلام لمحمد بن عبدالله البكري: قال محمد بن عبدالله البكري قدمتُ المدينةَ أطلبُ بها ديناً فأعياني فقلتُ لو ذهبتُ إلى أبي الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام فشكوتُ إليه فأتيته في ضيعته فخرج إليَّ ومعه غلام معه منسف فيه قديد مجزع وليسَ معه غيرهُ، فأكل وأكلتُ معه، ثم سألني عن حاجتي فذكرتُ لهُ قصتي: فدخل ولم يلبث إلّا يسيراً حتى خرج إليَّ فقال لغلامه اذهب ثم مَدَّ يَدَهُ فدفع إلي صرة فيها ثلاثمائة دينار ثم قام فولّى فقمت فركبت دابتي وانصرفت.
٣ ـ المعروف على قدر المعرفة: أقبل فقير إلى الإمام الكاظمعليهالسلام فابتسم الإمامعليهالسلام في وجهه وقال له اسألُكَ مسألةً فإن أصبتها أعطيتكَ عشرة أضعاف ما طلبت (وكان قد طَلَبَ من الإمام مائة درهم يجعلها في بضاعة) حتى يتعيش بها، فقال الرجل الفقير سَلْ؟ فقال الإمامعليهالسلام لو جُعل إليك التمنّي لنفسك في الدنيا ماذا كنتَ تتمنى؟ قال كنت أتمنى أن ارزق التقية في ديني وقضاء حقوق إخواني قالعليهالسلام ومالك لا تسأل الولاية لنا أهل البيت؟ قال ذلك قد أعطيته وهذا لم أعطه فأنا أشكر ما أعطيت وأسألُ ربّي ما مُنعت، فقالعليهالسلام أحسنت أعطوه ألفي درهم وقالعليهالسلام إصرفها في كذا (يعني في العضص فانه متاعٌ يابس).
٤ ـ إسعافه للمنكوبين: حدَّث عيسى بن محمّد بن مغيث القرطبي وبَلَغَ تسعين سنة قال: زرعتُ بطيخاً وقثّاءاً وقرعاً في موضع بالجوانيّة على بئرٍ يُقالُ لها أمُّ عظام، فلمّا قرب الخيرُ واستوى الزرع، بيّتنيّ الجراد وأتى على الزرع كُلّه وكنتُ غرمتُ على الزرعِ ثمنَ جملين ومائة وعشرين ديناراً فبينما أنا جالس إذ طلع موسى بن جعفر بن محمّدعليهمالسلام فسلّم ثمَّ قال أيش حالك؟ قلتُ: أصبحت كالصريم، بيتني الجراد، فأكلَ زرعي قال: وكم غرمت؟ قلتُ: مائة وعشرين ديناراً مع ثمن الجملين، قال: فقال: يا عرفة اعطي لأبي الغيث مائة وخمسين ديناراً، فربحك
ثلاثون ديناراً والجملان، فقلتُ يا مُبارك: ادعُ لي فيها بالبركة، فدَخَلَ ودعا، وحدَّثني عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: تمسّكوا ببقايا المصائب (أي عدم الجزع عند المصائب) ثمَّ علقت عليه الجملين وسقيته فجعل الله فيها البركة وزكت فبعتُ منها بعشرة آلاف(١).
٥ ـ كرمه وإحسانه إلى صعلوك: يُروى ان الرشيد تقدم إلى موسى بن جعفرعليهالسلام
بالجلوس للتهنئة في يوم النيروز وقبض ما يُحمل إليه فقالعليهالسلام
إنّي قد فتشتُ الأخبار عن جدي رسول الله فلم أجد لهذا العيد خبراً وإنّه سُنّة للفرس ومحاها الإسلام ومعاذ الله أن نُحي ما محاه الإسلام فقال الرشيد إنّما نفعل ذلك سياسة للجند فسألتك بالله العظيم إلّا جلست فجلسعليهالسلام
ودخلت عليه الملوك والأمراء والأجناد يهنونه ويحملون إليه الهدايا والتحف وعلى رأسه خادم الرشيد يُحصي ما يحمل فدَخَلَ في آخر الناس رجل شيخ كبير السن، فقال له يا ابن بنت رسول الله إنّي رجلٌ صعلوكٌ لا مال لي أتحفك ولكن أتحفك بثلاثة أبيات قالها جدّي في جدّك الحسينعليهالسلام
قالعليهالسلام
قل فقال:
عجباً لمصقولٍ عَلاكَ فِرنده |
يوم الهياج وقد عَلاك غبارُ |
|
ولأسهمٍ نفذتك دون حرائرٍ |
يدعون جدّك والدموع غزار |
|
هلّا تضعضعت السهام وعاقها |
عن جسمك الإجلال والإكبار |
فقالعليهالسلام
اجلس قد قبلتُ هديتك بارك الله ورفع رأسه إلى الخادم وقال امض
إلى هارون وعرفه بهذا المال وما يَصنع به فمضى الخادم وعاد وهو يقول كلّها هبة
مني له يفعل به ما أراد، فقال الكاظم
عليهالسلام
للشيخ اقبض جميع هذا المال فهو هبة
منّي لك، نعم كان أسخى أهل زمانه وابذلهم لماله، وخصوصاً لمن يذكره بجدّه
الحسين
عليهالسلام
، وكان للإمام موسى بن جعفر حالات خاصة مع مصيبة جدّه
الحسين
عليهالسلام
خصوصاً إذا دخل عليه شهر المحرَّم وكان لا يُرى ضاحكاً وكانت
_________________________
(١) (راجع بحار الأنوار ج ٤٨ ص ٢٩ نقلاً عن كشف الغمة ج ٣ ص ١٠ والخطيب البغدادي
في تأريخه ج ١٣ ص ٢٩).
تعلوه الكآبة والحزن خصوصاً إذا صار يوم العاشر كان يوم مصيبته ويقول هو اليوم الذي قُتِل فيه جدّي الحسينعليهالسلام .
يا ميّتاً تركَ الألبابَ حائرةً |
وبالعراء ثلاثاً جسمه تُركا |
ولسان حال أمه الزهراءعليهاالسلام :
گعدت يم ابنها ابكربلا الزّهرا |
تشمه ابمنحره او تبچي أو تجر حسره |
* * *
تگله النوح بعدك صار من طبعي |
وَنَه ابگبري اون اعليك نوب انعي |
|
يبني انسيت لطمت عيني او ضلعي |
ابمصابك يبني شنهو ضلعي أو كسره |
|
أو عگب ما يبني للدين ابذلت عزمك |
أو سال ابكربلا ويه أخوتك دمّك |
|
هاي آنه جيتك واگعدت يمّك |
او على افراگك ابدلّالي اسعرت جمره |
* * *
يوليدي ابها لليلة تعنيتك |
تشاهد حالتي ابعينك تمنيتك |
|
يبعد الروح انه امّك الربيتك |
يمّك جاعده يحسين عالغبره |
* * *
عليمن هالأعادي حلّلوا دمّك |
او عليمن وزّعوا باسيوفهم جسمك |
|
احچي اوياي يبني امن اهتف باسمك |
او على ذبحك دگلي ياهوا تجرّه |
* * *
أيا ناعياً إن جئت طيبة مقبلا |
فعرّج على مكسورة الضلع معولا |
|
فحدّث بما مضَّ الفؤاد مفصلا |
أفاطم لو خلت ال حسين مجدّلا |
وقد مات عطشاناً بشط فرات |
* * *
المجلس الثالث
الموضوع: بين هارون وموسىعليهالسلام
القصيدة: للشيخ محمد علي اليعقوبي
يا ابن الاُلى بلغوا من كلّ مكرمة |
شأواً بعيد المراقي لم تنله يدُ |
|
ما أنصفتكَ بنو الأعمام إذ قطعت |
أواصراً برسول الله تتّحدُ |
|
أبكيك رهن السجون المظلمات وقد |
ضاق الفضا وتوالى حولك الرّصدُ |
|
تمسي وتغدوا بنو العبّاس في فرحٍ |
وأنتَ في محبس السندي مضطهدُ |
|
دسّوا إليكَ نجيع السمّ في عنبٍ |
فاخضرّ لونك مذ ذابت به الكبدُ |
|
حتى قضيتَ غريباً فيه منفرداً |
للهِ ناءٍ غريب الدار منفردُ |
|
أبكي لنعشك والأبصار ترمقه |
مُلقىً على الجسر لا يدنو له أحدُ |
|
أبكيكَ ما بين حمّالين أربعة |
تشال جهراً وكلّ الناس قد شهدوا |
* * *
ليش بالسم يبن جعفر تنچتل |
أو للجسر بحديد سجنك تنحمل |
|
والله عند امصيبتك فكري يحير |
هاي ما صارت أو لا ظنها تصير |
|
مثلك انته أو للخصم تبگه أسير |
أو من سجن مظلم للآخر تنتقل |
|
او سجن بن شاهك اِلك تالي السجون |
او هوَّه أشدهن والذي قبله ايهون |
|
امحدّد ابطاموره واعليها العيون |
تمنع الحاول لعد شخصك يصل |
* * *
سيّدي امصابك فلا ساعة يروح |
عن خواطرنه او اِله بيهن اجروح |
|
اشما نون اشما نحن اشما ننوح |
جمرة افراگك توج او تشتعل |
* * *
سيّدي ذَچر السجن لمّن يمر |
اگلوب المحبّين تتواگد جمر |
|
او كل فرد لجلك يود يفدي العمر |
او دمع عينه اعليك من دم ايهمل |
* * *
وغريب بغداد ثوى في سجنه |
نائي الديار يحلّ دار الهون |
قال هارون ذات يوم للإمام وقد رآه في جانب الكعبة: هل أنت من بايعه الناس خفية ورضوا به إماماً؟ فقال الإمام: «أنا إمام القلوب وأنتَ إمام الجسوم»(١).
لمن هذا القصر؟
دَخَلَ الإمام الكاظمعليهالسلام
ذات مرّة أحد قصور هارون الضخمة في بغداد فراح هارون المغرور بسلطانه يتساءل ما هذه الدار؟ فقال الإمام موسى الكاظمعليهالسلام
بدون اكتراث بما حوله وبصراحة، فقالعليهالسلام
هذه دارُ الفاسقين قال وقرأ(
سَأَصْرِفُ
عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا
بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ
سَبِيلًا
)
(٢).
فاستشاط هارون غضباً... وهو يُخفي غضبه بصعوبة فقال فدارُ مَن هي؟ قالعليهالسلام : «هي لشيعَتنا فترة، ولغيرهم فتنة».
قال هارون: فما بال صاحب الدار لا يأخذها؟
قالعليهالسلام : «أخذت منه عامرة ولا يأخذها إلّا معمورة»(٣).
_________________________
(١) سيرة الأئمة ص ٣٨٨، نقلاً عن الصواعق المحرقة ص ٢٠٤.
(٢) الأعراف: ١٤٦.
(٣) نفس المصدر السابق ص ٣٩١، نقلاً عن بحار الانوار ج ٤٨، ص ١٣٨.؟؟؟
هارون رجل الشهوات والملذّات
لمّا أفْضَتْ الخلافة إلى الرشيد وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي، فراودها عن نفسها، فقالت لا أصلح لك أنّ أباك قد طاف بي، فشغف هارون بها ولم يكن ليدعها، فأرسل إلى أبي يوسف فسأله: أعندك في هذا شيء؟ فقال يا أميرالمؤمنين أو كلّما ادّعت أمة شيئاً ينبغي أن تصدّق!! لا تصدّقها فإنها ليست بمأمونة(١).
(مع العلم أن الشريعة الإسلامية تقبل في هذه الحالات إقرار المرأة على نفسها بذلك ويكون هو الأساس الذي يرتّب الأثر عليه!! ولكن الشهوات!)
الإسراف في الموائد
وأسرف هارون إسرافاً كثيراً على موائد الطعام فكان ينفق في كل يوم عشرة آلاف درهم، وربما اتخذ له الطباخون ثلاثين لوناً من الطعام(٢).
وقدّمت له مائدة كانت فيها قطع صغيرة من السمك وضعت في أوان من الذهب فاستدعى رئيس الطباخين فلما مثل بين يديه، قال له: ألم أعهد إليك أن لا تكون قطع السمك صغيرة، فقال له يا أمير المؤنين هذه السنة السمك وضعتها لتكون زينة للمائدة فسأله عن ثمنها فقال أنها كلّفت أربعة آلاف درهم.
الإسراف في الجواري
وكان هارون يهب الأموال الجزيلة لجواريه، ويجزل لهن في العطاء، فقد روى
المؤرخون أنه أوفد الحرشي إلى ناحية الموصل فجيى له أموالاً طائلة من بقايا
الخراج، فوافاه به، فأمر بصرفه أجمع إلى بعض جواريه، فاستعظم الناس في ذلك،
_________________________
(١) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٩١.
(٢) حياة الامام موسى بن جعفر للقرشي ص ٣٩ نقلاً عن المستطرق ص ٣٤١.
وتحدثوا به، وأصاب أبوالعتاهية من ذلك شبه الجنون، فقال له خالد بن أبي الأزهر: مالك يا أبا العتاهية؟ فقال: سبحان الله أيدفع هذا المال الجليل إلى أمرأة!!(١)
ولعه بالجواهر
وشغف هارون بالجواهر والأحجار الثمينة شغفاً كبيراً فبذل الأموال الطائلة لشرائها فاشترى خاتماً بمائة ألف دينار(٢).
وكان ينثر الجواهر على جواريه بغير حساب.
ولعه بالغناء
وكان هارون مولعاً بالغناء منذ حداثة سنّه، فقد نشأ بين أحضان المغنيات والمطربات، واشتمل قصره على مختلف الالات الموسيقيه(٣) وقيل ان في قصره ثلثمائة جارية من الحسان يغنين ويعزفن (نفس المصدر السابق) وكان ابراهيم الموصلي وابن جامع وزلزل الضارب في الطبقه الاولى.
وبَلَغَ من ولع هارون وشغفه بالغناء انه طلب من شقيقته عُليّة أن تُغنّيه، فقالت له: وحياتك لأعملن فيك شعراً ولأصنعنّ فيك لحناً وقالت من وقتها:
تفديك أختك قد حبوت بنعمة |
لسنا نعد لها الزمان عديلا |
الخ شعرها
وصنعت فيه لحناً من وقتها في مقام خفيف الرمل، فطرب الرشيد عليه(٤) وكان عُليّة في طليعة المغنيات في ذلك القصر، وقد عَيَّرَ بها الأسرة العباسية أبو فرار الحمداني بقوله:
منكم عُليّةُ أم منهم وكان لكم |
شيخ المغنين ابراهيم أم لهمُ |
_________________________
(١) الأغاني ٤ / ٦٧.
(٢) ابن الأثير، ج ٦، ص ٤٤.
(٣) التمدن الاسلامي ٥ / ١١٨.
(٤) سيدات البلاط العباسي ص ٢٨.
شربه للخمر
واندفع هارون إلى شرب الخمر والإدمان عليها، وكان يدعو خواص جواريه إذا أراد الشراب(١). وكان يهدي لبعض أصحابه كؤوس الخمر مملوءة (الاغاني).
وان هارون وغيره من ملوك العباسيين لم يعنون بتحريم الاسلام للخمرة، فعمدوا إلى شربها في وضح النهار وفي غلس الليل، ومن المؤسف أن يُعد هارون وأشباهه من أئمة المسلمين ومن كبار قادتهم ثم يلتمس المعاذير لما اقترفوه من عظيم الاثم والمنكر، وقد بالغ الجومرد في دفاعه عن هارون فنفى عنه شرب الخمر وقال انه ما شرب إلا النبيذ وليس ذلك محرماً في الاسلام(٢).
لعبه بالنرد
ولم يترك هارون اي لون من المحرمات في الاسلام إلا ارتكبه فمن ذلك لعبه بالنرد (لعبة وضعها أحد ملوك الفرس وتعرف عند العامة بلعب الطاولة). وهو من أنواع القمار الذي حرمه الاسلام.
ولقد ساد اللهو، وعمّت الدعارة، وانتشر المجون ولَدهورت الأخلاق، واقبرت الفضائل، في عهد هارون.
موقف الإمام الكاظم من هارون
وتميز موقف الامام موسىعليهالسلام مع حكومة هارون بالشدة والصرامة فقد حرم التعاون معها في جميع المجالات، وقد ظهر هذا الموقف جلياً في حديثه مع صفوان فقد قال له الإمام « يا صفوان، كل شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً، فالتاع صفوان وذابت نفسه لعلمه بأنه لم يخلد إلى أي معصية فانبرى للامام قائلاً: جُعلتُ فداك أي شيء؟!!
_________________________
(١) باقر شريف القرشي حياة الامام موسى الكاظم.
(٢) هارون الرشيد ١ / ٢٦٧.
فقال: كراؤك جمالك من هذا الطاغية (يعني هارون)، فقال صفوان والله ما أكريته أشراً ولا بطراً ولا للصيد ولا للهو ولكن أكريته لهذا الطريق ـ يعني طريق مكة ـ ولا أتولاه بنفسي، ولكن أبعث معه غلماني فقال له الامام، يا صفوان، أيقع كراك عليهم؟ نعم جعلت فداك، فقال: أتحب بقاءهم حتى يخرج كراك؟ قال نعم، فقالعليهالسلام من أحبَّ بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان وارداً للنار.
أقول موقف الامامعليهالسلام
صريح ومطابق للقرآن الكريم، قال تعالى: «وَلَا تَرْكَنُوا
إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
». وحذّرعليهالسلام
شيعته من الدخول في سلك حكومة هارون والتلبس بأي وظيفة من وظائف دولته، فقالعليهالسلام
لزياد بن ابي سلمة: (يا زياد، لأن أسقط من شاهق فأتقطع قطعة قطعة أحب إليَّ من أن أتولى لهم عملاً أو أطأ بساط رجل منهم)(١).
كيفية سجن الإمام ؟
لما سافر هارون إلى مكة عام ١٧٩ هـ بدأ بقبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وقال مخاطباً للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
يا رسول الله إنّي اعتذر إليك من شيء أريده، أريد أن احبس موسى بن جعفر، فانه
يريد التشتت بين امتك!! وسفك دمائها، ثم أمر به، وكان الامام
عليهالسلام
روحي فداه عند
رأس النبي
صلىاللهعليهوآلهوسلم
قائم يُصلّي فقطع صلاته وحمل وهو يبكي ويقول إليك اشكو يا
رسول الله ما يرد على أهل بيتك من شرار أمتك وأقبل الناس من كل جانب يبكون
ويضجون، فلما حمل إلى بين يدي الرشيد، سلّم على الرشيد فلم يرد
عليهالسلام
وشتمه
وسبه وجفاه وقَيَّدهُ وغلّله فلما جنَّ عليه الليل أمر بقبتين فهيأ له فحمل موسى بن
جعفر
عليهالسلام
إلى أحدهما في خفاء ودفعه إلى حسان السروي وأمره أنْ يسيرَ به في
قبة إلى البصرة فيسلمه إلى عيسى بن جعفر بن أبي جعفر وهو اميرها آنذاك، ووجه
قُبة أخرى علانية نهاراً إلى الكوفة معها جماعة ليعمي على الناس أمر موسى بن
جعفر، فقدم حسان البصرة قبل التروية بيوم فدفعه إلى عيسى بن أبي جعفر نهاراً
علانيةً حتى عرف ذلك وشاع أمره فحبسه عيسى في بيت من بيوت المجلس الذي
_________________________
(١) باقر شريف القرشي، حياة موسى بن جعفر ج ٢، ص ٧٤.
يجلس فيه وأقفل عليه وشغله عند العبيد فكان لا يفتح عنه الباب إلّا في حالتين حال يخرج فيها إلى الطهور وحال يدخل اليه فيها الطعام، قال نصراني من كتاب عيسى لقد سمع هذا الرجل الصالح في أيامه في هذه الدار التي هو فيها من ضروب الفواحش، وحبس عنده سنة كاملة ثم كَتَبَ إلى الرشيد ان خذه منّي وسلّمهُ إلى مَنْ شئتَ وإلا خلّيتُ سبيلَهُ، فقد اجتهدت بأن أجد عليه حجة فما أقدر على ذلك حتى أني لأستمع عليه إذا دعا لعلّه يدعو عليّ أو عليك فما أسمعه يدعو إلا لنفسه يسأل الرحمة والمغفرة، فوجّه مَن تسلمه منه وحُمِل سراً إلى بغداد، إلى أن مضى شهيداً مسموماً غريباً في سجن السندي بن شاهك.
تنوح املاكها والكون مرجون |
علي اللي مات ويلي ابحبس هارون |
* * *
امن البصرة السجن بغداد جابه |
ابحديد او قيد ويدور ذهابه |
|
او ذبه ابسجن مظلم غلگ بابه |
او نهه السجان يمه الناس يصلون |
* * *
ابسجن والسندي بن شاهك السجان |
عليه ابكل وكت مغلج البيبان |
|
او تم اسنين للوادم فلا بان |
ما يدرون ميت والّه مسجون |
* * *
عگب گيده او حديده او ذيچ الاغلال |
دس له ابرطب سم گاطع او چتّال |
|
أكل بعضه او منّه نال ما نال |
حسبكم قال نلتوا ما تريدون |
* * *
طلع عنّه أو عافه او هاي حاله |
يعالج بالسجن محّد دناله |
|
او عگب ما مات جاب النعش شاله |
أو تعرفونه الذي شالوا أو تدرون |
* * *
وبمجلس شرطته النعش خلّوه |
عليه ناده النده والناس سمعوه |
|
امام الرافضة هذا التعرفوه |
او آمر على الجسر قاموا يعبرون |
* * *
اولن امن القصر مشرف سليمان |
نعش باب الحوائج لاح اله او بان |
|
يگلهم هلجنازة مالها أعوان |
غريبه او ما وراها ناس يمشون |
* * *
گالوا له غريب اهله امبينين |
لاچن بالمدينة اعليه بعيدين |
|
ابن عمك الكاظم گال هالحين |
دروحوا جيبو نعشه لا تخافون |
* * *
وبمفرگ طرقها عليه ناده |
هذا الطيب او طيبه اجداده |
|
او سوه ابعكس ما هارون راده |
ناده اعليه هذا البيه تنجون |
* * *
النسب والرحم لسليمان جابه |
عليه او دحجته اهروش النجابه |
|
بس لحسين ما بيّن گرابه |
يغسلونه او يچفنونه او يدفنون |
* * *
ما غسّلوه ولا لفوه في كفن |
يوم الطفوف ولا مدوا عليه ردا |
* * *
المجلس الرابع
الموضوع : قبس من عبادة الامام موسى بن جعفرعليهالسلام
القصيدة: للشيخ عبد الحسين الحيّاوي
جانب الكرخ جنب أرضك شيّد |
قبر موسى بن جعفر بن محمّد |
|
بثرى طاول الثريّا مقاماً |
دونَ أعتابهِ الملائكُ سُجّد |
|
سابع الصفوة اللتي اختارها اللـ |
ـه على الخلقِ أوصياء لأحمد |
|
هو غيثٌ إن أقلعت سحب الغيـ |
ـث وغوثٌ إن عزّ كهفٌ ومقصد |
|
أخرجوهُ من المدينةِ قسراً |
كاظماً مطلق الدّموع مُقيّد |
|
حرّ قلبي عليه يقضي سنيناً |
وهو في السجن لا يُزار فيُقصد |
|
حرّ قلبي عليه يقضي بسمّ |
بيدي ألأم الخلائق ملحد |
|
مثل موسى يُرمى على الجسر ميتاً |
لم يشيّعه للقبور موحّد |
|
حملوه والحديد برجليه |
دويٌّ له الأهاضب تنهد |
* * *
جيت ازورك وانشد الشالوها |
اجنازتك عد يا جسر خلّوها |
|
اجنازتك من سمّك ابسمه الرجس |
او عالجتها او متت وحدك بالحبس |
|
حجة الله انته على الجن والانس |
اجنازتك من السجن طلعوها |
|
اجنازتك هالحاوية العز والاسم |
من اطلعوها اشگد حدرها من الزلم |
|
گالوا هالساع ما عندك علم |
على حماميل السجن طلعوها |
* * *
بالعبا ملفوف ويصيح الخطيب |
من يحب يتفرج اجنازة غريب |
|
رافضي ايگولون مسموم او غريب |
أو شيعته بيبانها سدّوها |
* * *
أبكي لنعشِكَ والأبصارُ ترمقه |
مُلقىً على الجسرِ لا يدنو له أحدُ |
( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )
المقدمة
من المعلوم ان الله سبحانه وتعالى غنيٌ عن خلقه «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى
اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
» وممّا يقطع به، ان الله سبحانه لا تضرّه معصية مَنْ عصاه، ولا تنفعهُ طاعةُ مَنْ أطاعه.
نعم الإنسان باعتبار كونه عبداً لله سبحانه ينبغي أن يكون في طاعة مولاه وخدمته، وعبادة الله سبحانه هي خدمة الله في أرضه، وبهذه العبادة يتكامل الإنسان ويسمو ويقرب من الله تعالى (القرب المعنوي وليس المادي فتنبّه) ومن هنا صار محمداً وأهل بيته هم أقرب الخلق إلى الله سبحانه وتعالى لأنّهم أعبدُ الخلق لله عز وجل. ومنهم الامام السابع الصابر والعبد الصالح موسى بن جعفرعليهالسلام ونذكر الآن نموذجاً من عبادته كما نقلها لنا أرباب السير والتأريخ:
١ ـ خوفه من الله سبحانه: كانعليهالسلام يبكي من خوف الله كثيراً حتى تجري دموعه على لحيته، نعم قال تعالى: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ».
٢ ـ سجوده: من المعلوم أن أقرب ما يكون العبد الى الله وهو ساجد باك وكان الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام كثير السجود لله تعالى وكان كثير ما يقول في سجوده «اللهمَّ إنّي اسألك الراحة عند الموت والعفو عن الحساب» وكذلك كان يُسمع منه في سجوده «عظم الذنبُ من عبدك فليحسن العفو من عندك» وروي أنهعليهالسلام دخل
ذات ليلة مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فسجد سجدة في أوّل الليل وسمع وهو يقول في سجوده «عظم الذنبُ من عبدك فليحسن العفو من عندك يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة» فجعل يردّدها حتى أصبح.
الفضل بن الربيع يتحدَّث عن سجوده
روى الشيخ الصدوقرحمهالله عن عبدالله القروي أنّه قال: دخلتُ على الفضل بن الربيع وهو جالس على سطح فقال لي: ادن، فدنوت حتى حاذيته ثم قال أشرف على البيت في الدار فأشرفت، فقال ما ترى في البيت؟ قلت ثوباً مطروحاً، فقال: انظر حَسَناً فتأمّلتُ ونظرتُ فتيقنت، فقلتُ رجلاً ساجداً، فقال لي، تعرفه؟ قلت: لا، قال هذا مولاك، قلتُ ومَنْ مولاي؟ فقال: تتجاهل عليّ؟ فقلتُ: ما أتجاهل ولكنّي لا أعرف لي مولى فقال هذا أبو الحسن موسى بن جعفر؟ انّي أتفقّده الليل والنهار فلم أجده في وقت من الأوقات إلّا على الحال التي أخبرك بها. إنّه يُصلّي الفجر فيعقّب ساعة في دبر صلاته إلى أن تطلع الشمس ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجداً حتى تزول الشمس، وقد وكّل من يترصّد له الزوال فلست أدري متى يقول الغلام: قد زالت الشمس، إذ يثب فيبتدئ بالصلاة من غير أن يُجدّد وضوءاً فاعلم أنّه لم ينم في سجوده ولا أغفى فلا يزال كذلك إلى أن يفرغ من صلاة العصر، فاذا صلّى العصر سجد سجدة فلا يزال ساجداً إلى أن تغيب الشمس فاذا غابت الشمس وثب من سجدته فصلّى المغرب من غير أن يحدث حدثاً ولا يزال في صلاته وتعقيبه إلى أن يُصلّي العتمة، فاذا صلّى العتمة أفطر على شويّ يؤتى به ثم يُجدّد الوضوء ثم يسجد ثم يرفع رأسه فينام نومة خفيفة ثم يقوم فيجدّد الوضوء، ثم يقوم فلا يزال يُصلّي في جوف الليل حتى يطلع الفجر فلست أدري متى يقول الغلام: ان الفجر قد طلع. إذ قد وثب هو لصلاة الفجر فهذا رأيُهُ منذ حوّل إليّ، فقلت: اتق الله ولا تحدثنّ في أمره حدثاً يكون معه زوال النعمة...(١).
_________________________
(١) منتهى الآمال للقمي ص ٢٩٣.
٣ ـ تلاوته للقرآن: وكانعليهالسلام أحفظهم لكتاب الله وأحسنهم صوتاً بالقرآن وإذا قرأ يحزن ويبكي ويبكي السامعون لتلاوته، وكانت قراءته حزناً فاذا قرأ فكأنّه يخاطب إنساناً.
٤ ـ استغفاره وأدعيته: كانعليهالسلام يستغفر في كل يوم خمسة آلاف مرّة والناس يسمونه زين المجتهدين. روى الشيخ الصدوقرحمهالله عن ما جيلويه عن علي بن ابراهيم عن أبيه انّه قال: سمعت رجلاً من أصحابنا يقول: لما حبس الرشيد موسى بن جعفرعليهالسلام جنّ عليه الليل فخاف ناحية هارون أن يقتله فجدّد موسىعليهالسلام طهوره واستقبل بوجهه القبله وصلّى الله عزَّ وجل أربع ركعات ثم دعا بهذه الدعوات فقال: «يا سيّدي نجّني من حبس هارون وخلّصني من يده، يا مخلّص الشجر من بين رملٍ وطين، يا مخلص اللبن من بين فرث ودم، ويا مخلص الولد من بين مشيمة ورحم، ويا مخلّص النار من بين الحديد والحجر، ويا مخلّص الروح من بين الأحشاء والأمعاء، خلّصني من يدي هارون». قال: فلمّا دعا موسىعليهالسلام بهذه الدعوات أتى هارون رجل أسود في منامه وبيده سيف قد سلّه، فوقف على رأس هارون وهو يقول: يا هارون أطلق عن موسى بن جعفر وإلّا ضربت علاوتك بسيفي هذا، فخاف هارون من هيبته ثم دعا الحاجب فجاء الحاجب، فقال له: إذهب إلى السجن فأطلق عن موسى بن جعفر. قال: فخرج الحاجب فقرع باب السجن فأجابه صاحب السجن، فقال: من ذا؟ قال: إنّ الخليفة يدعو موسى بن جعفر فأخرجه من سجنك وأطلق عنه، فصاح السجّان: يا موسى أن الخليفة يدعوك، فقام الموسىعليهالسلام وهو يقول لا يدعوني في جوف الليل إلّا لشرّ يريد بي، فقام باكياً حزيناً مغموماً آيساً من حياته فجاء إلى هارون... فقال: سلام على هارون، فردّعليهالسلام ثم قال له هارون: ناشدتك بالله هل دعوتَ في جوف هذه الليلة بدعوات؟ فقال نعم، قال وما هنّ؟ فقال: جدّدت طهوراً وصلّيت لله عزّ وجلّ أربع ركعات ورفعت طرفي إلى السماء وقلت يا سيّدي «خلصني من يد هارون وشرّه» وذكر له من دعائه، فقال هارون: قد استجاب الله دعوتك يا حاجب أطلق عن هذا، ثم دعا بخلع فخلع عليه
ثلاثاً وحمله على فرسه وأكرمهُ وصيّره نديماً لنفسه، ثم قال: هات الكلمات، فعلّمه، فأطلق عنه وسلّمه إلى الحاجب ليسلّمه إلى الدار ويكون معه، فصار موسى بن جعفرعليهالسلام كريماً شريفاً عند هارون، وكان يدخل عليه في كلّ خميس إلى أن حبسه الثانية فلم يطلق عنه حتّى سلّمه إلى السندي بن شاهك وقتله بالسمّ.
من مبلغ الإسلام أنَّ زعيمه |
قد مات في سجن الرشيد سميماً |
|
ملقىً على جسر الرصفاة نعشه |
فيه الملائك أحدقوا تعظيماً |
* * *
يا والد الدفنو برض طوس |
اشذنبك گضيت اسنين محبوس |
|
فوگ السجن والهظم والهم |
اشذنبك يبحر الجود تنسم |
|
حگ تجري ليك العين من دم |
يبن النبي الهادي الأكرم |
|
اعلى الجسر نعشك يا مشيّم |
جابوا والمنادي تجدّم |
|
او ناده او ندا للدين هدّم |
لاچن عگب هذا تخزّم |
|
اسليمان والتشييع الك تم |
او بعد الدفن نصبوا الماتم |
|
بس السبط بالطف تخذّم |
جسمه ولا واحد اِله اهتم |
|
او حرگوا عگب عينه المخيّم |
وابحزن زينب الله يعلم |
* * *
لا مثل يومكم بعرصة كربلا |
في سالفات الدهر يوم شجون |
* * *
المجلس الخامس
الموضوع: علم الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام
القصيدة:
كمثل كظوم الغيظ موسى بن جعفر |
أبي الحسن المسموم مستودع السر |
|
فكم انست منه السجون بمعبدٍ |
بأنواره يمسي كما هالة البدر |
|
وما زال منها في السجون رهينة |
يعالج فيها لاعج البؤس والضر |
|
تقاذفه أيدي الطغاة عداوة |
بسجن إلى سجن ومصر إلى مصر |
|
فطوراً ببغداد وطوراً ببصرة |
بقيد ثقيل موهن قوة العمر |
|
قضى وهو مسموم فأيُّ موحد |
ثوى بمحياه الورى شمة البشر |
|
فلهفي على باب الحوائج قد بقي |
برغم العُلى ملقىً ثلاثاً على الجسر |
* * *
الف وسفه من بعد سجنه الشدّيد |
طَلِعوا وابرجله وايديه الحديد |
|
مدري هارون الرّجس منّه اشيريد |
طلّعه امن السّجن من دون احترام |
|
عالجسر خلّاه والمنادي يصيح |
هذا إمام الرافضة اجنازه طريح |
|
صدگ ما مش بالبلد مخلص صحيح |
اِيصيح يا وسفه او عليه يلطم الهام |
|
اربع حماميل بس الشالته |
بعض لحديدهَ او بعض لجنازته |
|
اشچان ذنبه ابن النبي و |
فريته خلو علاجسر ركن الاسلام |
* * *
چف الدهر ريته اليوم ينشال |
جرح گلبي ولا أظن بعد ينشال |
|
نعش موسى على احماميل ينشال |
أو يظل فوگ الجسر ثاوي رميه |
* * *
وضعوا على جسر الرصافة نعشه |
وعليه نادى بالهوان منادي |
قال الإمام الصادقعليهالسلام لعيسى الشلقاني:
«إن ابني هذا (موسى بن جعفر) لو سألته عمّا بين دفتي المصحف لأجابك فيه بعلم...»
المقدمة:
ان من الواضحات والمسلّمات الله عزَّ وجلَّ يؤتي العلم والحكمة لأنبياءه وأولياءه وهم صغار، فهذا عيسى بن مريمعليهالسلام أتاه الله الكتاب وهو في المهد قال تعالى: «قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا... » فقال حاكياً عن يحيى «وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا » وهكذا بالنسبة للأئمة المعصومين الذين جعلهم الله خلفاء في أرضه وحججاً على بريّته وهم الذين خلّفهم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في هذه الأمة وهم عدل الكتاب قال «إني تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إنْ تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض».
ومن هنا قال الإمام الصادقعليهالسلام لعيسى ان ابني هذا لو سألته عمّا بين دفتي المصحف لأجابك فيه بعلم، لان الإمام عنده علم الكتاب، والكتاب هو تبيان لكل شيء. ولأنقل لكم كيفية إصدار الإمام لهذه الكلمة في حقِّ ولده موسىعليهالسلام [كان أحدُ المنحرفين المعروف بأبي الخطاب (وهو محمد بن مقلاص الأسدي)] وكان من البدع التي ابتدعها أن أصحابه كلما ثقل عليهم أداء فريضة أتوه وقالوا يا أبا الخطاب خفف علينا فيأمرهم بتركها حتى تركوا جميع الفرائض واستحلوا جميع المحارم وارتكبوا المحظورات وأباح لهم أن يشهد بعضهم لبعض بالزور، وقال من
عرف الإمام فقد حل له كل شيء كان حرم عليه»(١). ولمّا بلغت بدعه والحاده الامام الصادقعليهالسلام تبرأ منه، ولعنه على رؤوس الاشهاد لانه كان من أصحابه وأتباعه ثم ارتدَّ بعد ذلك، وقد هرع عيسى الشلقاني إلى الإمام الصادقعليهالسلام يسأله عن رأيه في هذا الملحد الخطير، فقال الامام الصادقعليهالسلام : «يا عيسى ما منعك أن تلقى ابني ـ يعني الامام موسى ـ فتسأله عن جميع ما تريد؟» فانعطف عيسى نحو الامام الكاظم وكان آنذاك صبياً في المكتب فلما رآهعليهالسلام انبرى إليه مجيباً قبل أن يسأله قائلا له: «يا عيسى، ان الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق النبيين على النبوة فلم يتحولوا عنها أبداً، وأخذ ميثاق الوصين على الوصية فلم يتحولوا عنها أبداً، وأعار قوماً الايمان زماناً ثم سلبهم إياه، وإن أبا الخطاب ممن أعير الايمان ثم سلبه إياه...».
وأكبر عيسى جواب الإمام فقام إليه وضمَّه وقبّل ما بين عينيه وانطلق يقول: «بأبي أنت وأمي، ذرية بعضها من بعض والله سميعٌ عليم». ثم قفل راجعاً إلى الامام الصادقعليهالسلام فأخبره بالعجب الذي رآه من مواهب موسى بن جعفرعليهالسلام فقال له أبو عبدالله: «يا عيسى، ان ابني هذا لو سألته عمّا بين دفتي المصحف لأجابك فيه بعلم...»(٢).
ذكاء مفرط
جاء الإمام موسىعليهالسلام إلى أبيه فأجلسه في حجره وكان معه لوح فقال له: يا بني اكتب «تنح عن القبيح ولا ترده» فلما رسم ذلك قال له يا بني اجزه، فاندفع فوراً يقول: «ومن أوليته حسناً فزده» ثم ألقى الإمام شطراً آخر يطلب منه اجازته وهو «ستلقى من عدوك كل كيد» فأجازه: «إذا كادَ العدو فلا تكده» وفرح الامام الصادقعليهالسلام بمواهب ولده وعبقريته فضمه إليه قائلاً: «ذرية بعضها من بعض»(٣).
_________________________
(١) حياة الامام موسى بن جعفر باقر القرشي ص ٦٦.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) المناقب: ٢ / ٣٨٠.
مع أبي حنيفة
كان أبو حنيفة من الذاهبين إلى القول «بالجبر» والداعين إليه، وينص هذا الرأي على أن الفعل الصادر من الإنسان ليس مخلوقاً له، وليس صادراً منه باختياره، وانما هو مخلوق لله، وصادر عن إرادة الله، وإن إرادة الانسان وقدرته لا مدخل لها في ايجاد أي فعل سواء أكان صادراً منه باختياره أم مكرهاً عليه، وقد أجمعت الشيعة على بطلان ذلك. وقد سافر أبو حنيفة إلى يثرب ليحاجج الامام الصادقعليهالسلام الذي عرف بانه من خصوم هذه الفكرة، ولما انتهى اليها قصد دار الامام، وجلس في دهليز الدار ينتظر الأذن وبينما هو جالس إذ خرج صبي يدرج فبادره أبو حنيفة قائلا: «أين يضعُ الغريبُ حاجته؟».
فالتفت إليه قائلاً يا شيخ أسأت الأدب أين السلام، السلام قبل الكلام ولمّا سلّم وأعاد السؤال فأجابه: «توق شطوط الأنهار، ومساقط الثمار، وأفنية المساجد، وقارعة الطريق، وتوار خلف الجدار، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، وضع أين شئت».
وسأله مسألة ثانية قائلاً: (يا غلام، ممّن المعصية؟ هل هي من الله أو من العبد؟) وانطلق الامام فأجابه: «لا تخلو أما أن تكون من الله، وليس من العبد شيء، فليس لله أن يأخذ العبد، بما لم يفعل، وأما أن تكون من العبد ومن الله، والله أقوى الشريكين فليس للشريك القوي أن يأخذ الضعيف بذنب هو فيه سواء، وإما أن تكون من العبد، وليست من الله فان شاء عفا، وإن شاء عاقب وهو المستعين...».
سرعة بديهة
قال أبو حنيفة معترضاً على الإمام موسى الكاظمعليهالسلام
لمّا كان صغيراً، فقال وهو يُحدّث الإمام الصادقعليهالسلام
: ان ابنك موسى يُصلّي والناس تمرُّ من بين يديه؟! فقال الصادقعليهالسلام
: سَلْهُ يُجبك؟ فلمّا سأله، فقال الامام الكاظمعليهالسلام
لأبي حنيفة، يا هذا إنَّ الذي أُصلّي إليه أقرب إليَّ منهم ثم تلا قوله تعالى: «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ
الْوَرِيدِ
».
بعض أجوبته
سأله راهب: كيف طوبى اصلها في دار عيسى، وعندكم في دار محمد وأغصانها في كل دار؟
فقالعليهالسلام : الشمس قد وصل ضوءها إلى كل مكان، وكل موضع وهي في السماء. قال: وفي الجنة لا ينفذ طعامها وان اكلوا منه ولا ينقص منه شيء؟ فقالعليهالسلام : السراج في الدنيا يقتبس منه ولا ينقص منه شيء، قال: وفي الجنة ظل ممدود؟ فقالعليهالسلام : الوقت الذي قبل طلوع الشمس كله ظل ممدود، قول تعالى:( أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) قال: ما يؤكل ويشرب في الجنة لا يكون بولاً ولا غايطاً؟ فقالعليهالسلام : الجنين في بطن أمه... الخ.
قال الراهب صدقت، وأسلم، والجماعة معه(١).
من كتابٍ له إلى هارون الرشيد
كتب إليه من داخل السجن (انه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلّا انقضى معه عنك يوم من الرخاء، حتى نمضي جميعاً إلى يوم ليس فيه انقضاء، هناك يخسر المبطلون)(٢).
مع السندي بن شاهك
كان السندي بن شاهك ناصبياً وكان يضيق على موسى بن جعفرعليهالسلام
غاية
التضييق. بحيث لا يُطيق اللسان على بيانه، أنزله في قعر داره وظلم المطامير وقيّده
بقيود ثلاث ووكل عليه جماعة وأغلق وقفل عليه الأبواب، إلى ان سقاه السم
ومرض وبقي في السجن، ثم ان الامام الكاظم
عليهالسلام
دعا بالمسيب وذلك قبل وفاته
بثلاثة أيام وكان موكّلاً به فقال له يا مسيب فقال لبيك يا مولاي، قال إني ظاعن في
_________________________
(١) المناقب: ٢ / ٣٧٤.
(٢) الفصول المهمة ٢٢٧.
هذه الليلة إلى المدينة مدينة جدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأعهد إلى علي ابني ما عهده إليَّ أبي واجعله وصيّي وخليفتي وامره بأمري، قال المسيب فقلت يا مولاي كيف تأمرني ان افتح لك الأبواب والحرس معي على الأبواب، فقال يا مسيّب ضعف يقينك في الله عزَّ وجلَّ وفينا فقلت لا يا سيّدي ادع الله أن يثبتني، فقال اللهم ثبّته ثم قال اني ادعوا الله عز وجل باسمه العظيم الذي دعا به اصف حتى جاء بسرير بلقيس فوضعه بين يدي سليمان قبل ان يرتد عليه طرفه حتى يجمع بيني وبين ابني علي بالمدينة قال المسيب فسمعتهعليهالسلام يدعو ففقدته عن مصلاه فلم أزل قائماً على قدمي حتى رأيته قد عاد إلى مكانه وأعاد الحديد إلى رجليه فخررت لله ساجداً لوجهي شكراً على ما أنعم به عليَّ من معرفته، فقال لي ارفع رأسك يا مسيب واعلم اني راحلٌ إلى الله عز وجل في ثالث هذا اليوم قال فبكيت، فقال لي لا تبك يا مسيب فان علياً ابني هو إمامك ومولاك بعدي فاستمسك بولايته فانّك لا تضل مالزمته فقلت الحمدلله. قال ثم ان سيّدي دعاني في ليلة اليوم الثالث فقال لي اني على ما عرفتك من الرحيل إلى الله عز وجل فاذا دعوت بشربة من ماء فشربتها ورأيتني قد انتفخت وارتفع بطني واصفر لوني واحمرَّ واخضرَّ وتلوَّن ألوناً فخبِّر الطاغية بوفاتي، فاذا رأيت بي هذا الحديث فاياك ان تظهر عليه أحداً ولا على من عندي إلا بعد وفاتي، قال المسيّب بن زهير فلم ازل ارقب وعده حتى دعاعليهالسلام بالشربة فشربها ثم دعاني فقال لي يا مسيب ان هذا الرجس السندي بن شاهك سيزعم انه يتولى غسلي ودفني هيهات هيهات ان يكون ذلك أبداً، فاذا حملت إلى المقبرة المعروفة بمقابر قريش فالحدوني بها ولا ترفعوا قبري فوق أربع أصابع مضربات ولا تأخذوا من تربتي شيئاً لتتبركوا به فان كل تربة لنا محرمة إلّا تربة جدّي الحسين بن عليعليهالسلام فان الله عز وجل جعلها شفاء لشيعتنا وأولياءنا قال ثم رأيت شخصاً أشبه الأشخاص بهعليهالسلام جالساً إلى جانبه وكان عهدي بسيدي الرضاعليهالسلام وهو غلام فأردت سؤاله فصاح بي سيدي موسىعليهالسلام وقال لي أليس قد نهيتك يا مسيب فلم ازل صابراً حتى مضى وغاب الشخص ثم انهيت الخبر إلى الرشيد فوافى السندي بن شاهك، وفي بحار الأنوار، عن عمر بن واقد قال ارسل اليَّ السندي بن شاهك في بعض الليل وأنا ببغداد سيتحضرني فخشيت ان يكون
ذلك لسوء يريده بي فأوصيت عيالي بما احتجت إليه وقلت انا لله وإنا إليه راجعون ثم ركبت إليه فلما رآني مقبلا قال يا أبا حفص لعلّنا ارعبناك وافزعناك قلت نعم قال فليس هناك إلا خير قلت فرسول تبعثه إلى منزلي ليخبرهم بخبري وسلامتي فقال نعم ثم قال يا أبا حفص أتدري لم أرسلت اليك فقلت لا فقال أتعرف موسى بن جعفر فقلت اي والله اني لأعرفه وبيني وبينه صداقة منذ دهر فقال من هاهنا يعرفه ممن يقبل قوله فسميِّتْ له أقواماً ووقع في نفسي أنهعليهالسلام قد مات قال فبعث وجاء بهم كما جاء بي فقال لهم هل تعرفون قوماً يعرفون موسى بن جعفرعليهالسلام فسموا له قوماً فجاء بهم فاصبحنا ونحن في الدار نيف وخمسون رجلاً ممن يعرف موسى بن جعفرعليهالسلام وقد صحبه قال ثم قام ودخل وصلينا فخرج كاتبه ومعه طوماراً فكتب اسماءنا ومنازلنا وأعمالنا وخلّانا ثم دخل إلى السندي قال فخرج السندي فضرب يده إليَّ فقال لي قم يا ابا حفص اكشف الثوب عن وجه موسى بن جعفرعليهالسلام فكشفته فرأيته ميتاً فبكيت واسترجعت ثم قال للقوم انظروا اليه فأتوا واحد بعد واحد فنظروا اليه قال تشهدون كلكم ان هذا موسى بن جعفرعليهالسلام ثم قال يا غلام اطرح على عورته منديلاً واكشفه ففعل فقال اترون به أثراً تنكرونه فقلنا لا ما نرى به شيئاً ولا نراه إلّا ميتاً قال فلا تبرحوا حتى تغسلوه وتكفنوه وتدفنوه، قال فلم نبرح حتى غسل وكفن وحمل فصلّى عليه السندي بن شاهك ودفناه(١).
عليه ضاگ الهوه أو مل من حياته |
ولا يعرف وكت بيه الصلاته |
|
لمن سموا أو بيه صارت وفاته |
عگب ما ذاب چبده وخلصب بالسم |
* * *
ثلثتيام ظل من غير تغسيل |
ما عنده عشيرة النعشه اتشيل |
|
شالوا للجسر أربع حماميل |
أو بي سمعت الناس أو غدت تلتم |
* * *
_________________________
(١) نور الابصار ص ١٧٢ ـ ١٧٣.
يهاشم لا حله بعيونكم نوم |
يحگ لي اعتب عليكم واكثر اللوم |
|
من بغداد ما وصلتكم اعلوم |
تخبركم الكاظم راح مسموم |
* * *
بنفسي الذي لاقى من القوم صابراً |
أذىً لو يلاقى أذيً ساخَ يذبك |
* * *
المجلس السادس
الموضوع: اخباره بالمغيّبات
القصيدة: للسيد مهدي الاعرجي
رحلوا وما رحلوا أُهيل ودادي |
إلا بحسن تصبّري وفؤادي |
|
ساروا ولكن خلّفوني بعدهم |
حزناً أصوب الدمع صوب عهاد |
|
وسرت بقلبي المستهام ركابهم |
تعلوا به جبلاً وتهبط وادي |
|
وخلت منازلهم فها هي بعدهم |
قفرى وما فيها سوى الأوتاد |
|
تأوي الوحوش بها فسربٌ رائحٌ |
بفناء ساحتها وسرب غادي |
|
ولقد وقفت بها وقوف مولّهٍ |
وبمهجتي للوجد قدح زنادِ |
|
أبكي بها طوراً لفرط صبابتي |
وأصيح فيها تارة وأُنادي |
|
يا دار قد ذكّرتني بعراصك الـ |
ـقفرا عراص بني النبيّ الهادي |
|
لمّا سرى عنها ابن بنت محمّد |
بالأهل والأصحاب والأولادِ |
|
مذ كاتبوه بنو الشقا اقدم فليـ |
سَ سواك نعرفُ من إمام هادي |
|
لكنّه مذ جاءهم غدروا به |
واستقبلوه في ضبأ وصحادِ |
|
تباً لهم من أمّةٍ لم يحفظوا |
عهد النبيّ بآله الأمجادِ |
|
قد شتتوهم بين مقهور ومأ |
سورٍ ومنحورٍ بسيفِ عنادِ |
|
هذا بسامرا وذاك بكربلا |
وبطوس ذاك وذاك في بغداد |
|
لهفي وهل يُجدي أسىً لهفي على |
موسى بن جعفر علّة الايجاد |
|
مازال ينقلُ في السجون معانياً |
عضّ القيود ومثقل الأصفاد |
|
قطع الرشيد عليه فرض صلاته |
قسراً وأظهر كامن الأحقاد |
|
حتى إليه دسَّ سمّاً قاتلاً |
فأصابَ أقصى منيةٍ ومراد |
|
وضعوا على جسر الرصافة نعشه |
وعليه نادى بالهوان منادي |
* * *
يا عين سيلي الدمع غدران |
أو يا گلب ذوب ابتار الأحزان |
|
الباب الحوايج سر الأكوان |
وسافه اعله موسى ماله أعوان |
|
محبوس گضّه العمر ما بان |
من حبس ابن شاهك السجان |
|
لمّن سمّه وچبده صار نيران |
وخلاه يلوج اوحيد نحلان |
لمّن گضه والچبد خلصان |
* * *
فقضى سميماً حيث لا متعطف |
عليه ولا حان هناك يعلل |
المقدمة:
( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ... ) (١).
ممّا لا شك فيه أن الله عزَّ وجلَّ اطلع أنبياءه ورسله على بعض هذه المغيّبات، فمثلاً عيسى روح اللهعليهالسلام
يُحدِّث قومه كما حكى عنه القرآن(
... وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ
وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ...
)
(٢) وهكذا بالنسبة لنبيّنا محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم
حينما أطلعه الله عزَّ وجلَّ كما في سورة الروم(
الم
*
غُلِبَتِ الرُّومُ
*
فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن
بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
*
فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّـهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ
يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ
*
بِنَصْرِ اللَّـهِ
)
(٣) وغيرها من الآيات المباركات كما في فتح مكة وغيرها من الإخبار بالأمور المستقبلية. ولا مانع من ذلك ان الله عزّ وجلّ يُطلع انبياءه ورسله عن بعض هذه المُغيّبات، لذلك ورد في الآية الشريفة من سورة الجن، الاستثناء «عالم الغيب فلا يظهرُ على غيبه أحداً إلّا من ارتضى من رسول» ونبيّنا الاكرم ارتضاه الله لدينه فاطلعه على بعض هذه المغيّبات، وكذلك الائمة المعصومين فهم ورثة الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم
، فقد روي عن الامام الصادقعليهالسلام
«قد ورثنا رسول الله في كل شيء ما عدا النبوّة والأزواج». فلا مانع من إخبارهم ببعض المُغيّبات.
_________________________
(١) سورة الجن: ٢٦ ـ ٢٧.
(٢) سورة آل عمران: ٤٩.
(٣) سورة الروم: ١ ـ ٥.
بعض ما أخبر به الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام
١ ـ روى العلامة المجلسيرحمهالله في بحار الأنوار ج ٤٨ ص ٣٢ عن الوشّاء الحسن بن عليّ قال: حججتُ أنا وخالي إسماعيل بن إلياس فكتبت إلى أبي الحسن الأوَّل وكتب خالي: إنَّ لي بنات وليسَ لي ذكر، وقد قُتل رجالنا، وقد خلّفتُ امرأتي حاملاً فادع الله أن يجعله غلاماً وسمّه، فوقّع في الكتاب قد قضى الله حاجتك فسمّه محمّداً، فقدمنا إلى الكوفة وقد وُلد له غلام قبل وصولنا الكوفة بستّة أيّام، دخلنا يوم سابعه، فقال أبو محمد هو والله اليوم رجل وله أولاد.
أقول: الإمام المعصوم ليس بينه وبين الله حجاب، ووعاءه يستوعب ويتلقى الفيض من الله سبحانه مباشرة، والإمام هو خليفة الله في أرضه ولا بدَّ ان يطّلع على أحوال رعيّته... الخ.
٢ ـ روى هشام بن أحمر أنّه ورد تاجر من المغرب ومعه جوار، فعرضهنَّ على أبي الحسنعليهالسلام فلم يختر منهنَّ شيئاً وقال: أرنا؟ فقال عندي أُخرى وهي مريضة فقال: ما عليك أن تعرضها، فأبى فانصرف ثم إنّه أرسلني من الغد إليه وقال: قل له: كم غايتك فيها؟ فقال: ما أنقصها من كذا وكذا فقلت قد أخذتها وهو لك، فقال: وهي لك ولكن من الرجل؟ فقلت: رجل من بني هاشم فقال: من أي بني هاشم؟ قلت: ما عندي أكثر من هذا.
فقال أُخبرك عن هذه الوصيفة إني اشترتيها من أقصى المغرب فلقيتني امرأة من أهل الكتاب فقالت: ما هذه الوصيفة معك؟ فقلت اشتريتها لنفسي فقالت: ما ينبغي أن تكون هذه عند مثلك، إنّ هذه الجارية ينبغي أن تكون عند خير أهل الأرض، ولا تلبث عنده إلّا قليلاً حتى تلد منه غلاماً ما يولد بشرق الأرض ولا غربها مثله، يدين له شرق الأرض وغربها، قال فأتيته بها فلم يلبث إلّا قليلاً حتّى ولدت عليّا الرِّضاعليهالسلام (١).
_________________________
(١) بحار الأنوار: ج ٤٨، ص ٣٣.
٣ ـ خير شطيطة: روى العلامة المجلسي في بحاره ج ٤٨، ص ٧٣ في خبر طويل: انه اجتمعت عصابة الشيعة بنيسابور واختاروا محمد بن عليِّ النيسابوري فدفعوا إليه ثلاثين ألف دينار وخمسين ألف درهم وشقّة من الثياب، وأتت شطيطة بدرهم صحيح وشقّة خام من غزل يدها تساوي أربعة دراهم فقالت: إنَّ الله لا يستحي من الحقِّ، قال: فثنيت درهمها وجاءوا بجزء فيه مسائل ملئ سبعين ورقة في كل ورقة مسألة وباقي الورق بياض ليكتب الجواب تحتها وقد حزمت كلّ ورقتين بثلاث حزم وختم عليها بثلاث خواتيم على كلّ حزام خاتم، وقالوا: ادفع إلى الإمام ليلة وخذ منه في غد، فان وجدت الجزء صحيح الخواتم فاكسر منها خمسة وانظر هل أجاب عن المسائل فان لم تنكسر الخواتيم فهو الإمام المستحقّ للمال فادفع إليه، وإلا فردّ إلينا أموالنا، فدخل على الأفطح عبدالله بن جعفر وجرَّبه وخرج عنه قائلاً ربّ اهدني إلى سواء الصراط، قال: فبينما أنا واقف إذا أنا بغلام يقول: أجب من تريد، فأتى بي دار موسى بن جعفر فلمّا رآني قال لي لِمَ تقنط يا أبا جعفر؟ ولِمَ تفزع إلى اليهود والنصارى؟ إليَّ فأنا حجّة الله ووليّه، ألم يعرِّفك أبو حمزة على باب مسجد جدِّي، وقد أجبتُك عمّا في الجزء من المسائل بجميع ما تحتاج إليه منذ أمس فجئني به وبدرهم شطيطة الذي وزنه درهم ودانقان الذي في الكيس الذي فيه أربعمائة درهم للوازوري، والشُقّة التي في رزمة الأخوين البلخيّين، قال: فطار عقلي من مقاله، وأتيت بما أمرني ووضعت ذلك قبله فأخذ درهم شطيطة وإزارها ثم استقبلني وقال: إن الله لا يستحيي من الحقّ يا أبا جعفر أبلغ شطيطة سلامي وأعطها هذه الصّرة وكانت أربعين درهماً ثم قال: وأهديتُ لها شقة من أكفاني من قطن قريتنا صيدا قرية فاطمةعليهاالسلام وغزل أُختي حليمة ابنة أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام ثمَّ قال: وقل لها ستعيشين تسعة عشر يوماً من وصول أبي جعفر ووصول الشقّة والدراهم فانفقي على نفسك منها ستّة عشر درهماً، وأجعلي أربعة وعشرين صدقة عنكِ وما يلزم عنكِ، وأنا أتولّى الصلاة عليك، فاذا رأيتني يا أبا جعفر فاكتم عليّ، فانّه أبقى لنفسكِ، ثمَّ قال: وأردد الأموال
إلى أصحابها، وافكك هذه الخواتيم عن الجزء وانظر هل أجبناك عن المسائل أم لا، مِن قبل أن تجيئنا بالجزء؟ فوجدت الخواتيم الصحيحة.
ففتحت منها واحداً من وسطها فوجدتُ فيه مكتوباً: ما يقول العالمعليهالسلام
في رجل قال: نذرتُ لله لأعتقنَّ كلَّ مملوك كان في رقّي قديماً وكان له جماعة من العبيد؟ الجواب بخطّه: ليعتقنّ من كان في ملكه من قبل ستة أشهر والدليل على صحة ذلك قوله تعالى: «وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
» وكل مملوك لستة أشهر فما فوق فهو قديم وفككت الختام الثاني فوجدت ما تحته: ما يقول العالم في رجل قال: والله لأتصدَّقنّ بمالٍ كثير فيما يتصدَّق؟ الجواب تحته بخطّه: إن كان الذي حلف من أرباب شياه فليتصدَّق بأربع وثمانين شاة، وإن كان من أصحاب النعم فليتصدَّق بأربع وثمانين بعيراً، وإن كان من أرباب الدراهم فليتصدَّق بأربع وثمانين درهماً والدليل عليه قوله تعالى «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي
مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ
» فعددت مواطن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
قبل نزول تلك الآية فكانت أربع وثمانين موطناً.
... فلمّا وافى خراسان وجد الذين ردّ عليهم أموالهم ارتدّوا إلى الفطحيّة وشطيطة على الحقِّ فبلّغها سلامه وأعطاها صرّته وشقّته، فعاشت كما قالعليهالسلام فلمّا توفيت شطيطة جاء الإمام على بعيرٍ له فلمّا فرغ من تجهيزها ركب بعيره وانثنى نحو البرية، وقال: عرّف أصحابك واقرأهم منّي السلام وقل لهم: إنّي ومن يجري مجراي من الأئمة لا بدَّ لنا من حضور جنائزكم في أيّ بلد كنتم، فاتقوا الله في أنفسكم(١).
أقول: الإمام الكاظمعليهالسلام روحي فداه حضر عندها مع بعد المسافة وجهَّزها أسفي عليك يا غريب كربلا مَن الذي جهّزك مَنْ الذي شيّعَك.
_________________________
(١) البحار نقلاً عن المناقب ج ٣ ص ٤٠٩.
* * *
بالله هل رفعت جنازته وهل |
صلّى صلاة الميتين إمامها |
|
بالله هل واريتموها في الثرى |
وهل استقرَّت في اللحود رمامها |
|
يا جثة ما شيّعت يوماً ولا |
نحو القبور سعت بها أقدامها |
* * *
يقول أديب آخر
ما شيعت نعشه أيدي أحبته |
ولا جنازته شيلت بتوقيرِ |
|
تهابه الوحش أن تدنو لمصرعه |
وقد أقام ثلاثاً غير مقبور |
وكأني بالحوراء زينبعليهاالسلام
نادت الحوره ابصوت يرض الغاضريه |
عنچ اشلون امشي وأخوتي على الوطيه |
|
او هذي عليَّ اعظم رزية من زماني |
بيها ابچتل احسين بربوعچ رماني |
|
اوتاه الفكر مني اوآنه المعروفه شاني |
ابجسمه اليظل عاري او على اترابچ رميّه |
|
منچ اريد اتغسِلِّيْ واتكفّنينه |
واتشيعيه او وسط لحده اتوسّدينه |
|
او نصبيله ماتم بعد دفنه لو مشينه |
او خل بيه تنعى الناعيه صبح او مسيّه |
|
عنها لسان الحال رد اعلى العقيلة |
ما الي الدفن ابن النبي چاره وحيله |
|
جسمه اموزع بالفله واشلون اشيله |
نادي بني هاشم الدفنه ابها لمسيّة |
* * *
وانچان گلتيلي بني هاشم بعيدين |
ما يسمعون الصوت ودّي طارش الحسين |
|
او خلي يصيح ابصوت عالي ذبحوا احسين |
او داسوا على جسمه ابخيل الاعوجيه |
* * *
گالت الحوره امتين الى طارش او مرسول |
وآنه بگيت ابدار غربه او كل هلي اچتول |
|
مـا عندي غير اعليل فكري اعليه مذهول |
جذبوا افراشه او فرهدوه اجلاف اميه |
* * *
يا كربلا آنه الدهر ما انصف اوياي |
خلاني ما بين الأعادي اخلاف ولياي |
|
فوگ الهزل واحسين مرمي اگبال عيناي |
او هاي الرزيّه البيها هانت كل رزيه |
* * *
انه الدهر طگني على اعيوني او عماني |
او آنه الدهر بفراگ اهل بيتي دهاني |
|
يا ريت ميته من گبل موته اخواني |
أهل الشرف واهل المعالي والحميه |
* * *
المجلس السابع
الموضوع: باب الحوائج
القصيدة: للشيخ عبد المنعم الفرطوسي
لكليم الأحشاء موسى بكائي |
وهو روح من خاتم الأنبياء |
|
قد تداعى من الهدى فيه ركن |
فتداعى للدين أسمى بناءِ |
|
وتوارى نجم الإمامة خَسْفاً |
فتوارى للحقّ أسنى ضياءِ |
|
أودعوهُ طامورةً قطّ فيها |
لم يُميّز بين الدّجى والضيّاء |
|
فسقاهُ السّندي في رطباتٍ |
شرّ سمّ سقاهُ مرّ الفناءِ |
|
وتبقّى ثلاثة دون دفن |
وهو مُلقىً ما بينهم بالعراءِ |
|
فلهُ أُسوة البقاء ثلاثاً |
دون دفنٍ بسيّد الشهداءِ |
|
حملوه والحديد ضجيج |
بين رجليه من قيود البلاءِ |
* * *
من سمع ويلي گبل هذا الشهيد |
ميتٍ شالوه وابرجله الحديد |
|
لچن ابغربه وماله من عضيد |
وأظهرت اشرارها المكتومها |
* * *
ألف يا حيف ألف وأكثر وسافه |
يظل نعشك على جسر الرصافه |
|
وطبيب الگلب ابچفك وشافه |
ايگول اولا عشيرة الهاذ تظهر |
* * *
وگف يم اجنازته ابن سويد وياه الطبيب |
شال چف ايده او شمه وارتفع منه النحيب |
|
گال هذا من عشيرة لو ابلدتكم غريب |
انچان تسأل عن سبب موته تره بالسم گضه |
* * *
على الجسر ملقىً برمضائها |
به أشفت القوم أضغانها |
موضوع المجلس السابع: باب الحوائج
قال شيخ الحنابلة «ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر إلّا سهل الله تعالى لي ما أُحب»
من أبرز الألقاب وأكثرها شيوعاً للامام الكاظم موسى بن جعفرعليهالسلام هو باب الحوائج، فقد اشتهر بين الخاص والعام أنه ما قصده مكروب أو حزين إلّا فرّج الله آلامه وأحزانه، وما استجار أحد بضريحه المقدّس إلّا قضيت حوائجه ورجع إلى أهله مثلوج القلب، يقول السيد عبد الباقي العمري:
لذ واستجر متوسلاً |
إن ضاق أمرك أو تعسّر |
|
بأبي الرضا جد الجواد |
محمد موسى بن جعفر |
|
ومناقبٌ شهد العدو بفضلها |
والفضل ما شهدت به الاعداء |
فهذا شيخ الحنابلة وعميدهم الروحي أبو علي الخلال يقول «ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر إلّا سهل الله تعالى لي ما أحب...»(١).
وقال الامام الشافعي «قبر موسى بن جعفر الترياق المجرّب».
وقد روى الخطيب البغدادي في تأريخ بغداد قصة، كان فيها شاهد عيان فقد
رأى امرأة مذهولة قد فقدت رشدها لأنها أخبرت أن ولدها اعتقلته السلطة المحلية
وأودعته السجنَ، فأخذت تهرول نحو ضريح الإمام موسى بن جعفر
عليهالسلام
مستجيرةً
_________________________
(١) باقر شريف القرشي ج ١، ص ٥١.
به، فرآها بعض الأوغاد ممّن لا يؤمن بالإمام فقال لها إلى أين؟ فقالت إلى موسى بن جعفرعليهالسلام ، فانّه قد حبس ابني، فقال لها بسخرية واستهزاء «إنه قد مات بالحبس» فاندفعت تقول بحرارة وقد لذعها قوله «اللهمَّ بحقِّ المقتول في الحبس اسألك أن تريني القدرة» فاستجاب الله لدعاءها فأطلق سراح ولدها، وأودع ابن المستهزئ في ظلمات السجون بجرم ذلك الشخص.
شفاء أحمد بن ربيعة ببركة الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام
نقل الشيخ الحائريرحمهالله في نور الأبصار نقلاً عن البحار، أن أحمد بن ربيعة كان أحد كتّاب الخليفة المقتدر بالله ظهر جرح في إحدى يديه ولم تزل تُزاد العلّة حتى اسودّت يده ونتنت وظهرت منها رائحة كريهة وأمر المعالج بقطعها استمهلهم ليلة ثم لجأ إلى أمير المؤمنينعليهالسلام واستدعى منه الخلاص فنام فرأى أمير المؤمنينعليهالسلام فيما يراه النائم وقال له يا أحمد إني لمشغول عنك إذهب إلى ولدي موسى بن جعفر وسله حتى تبرئ من علتك فلمّا انتبه اغتسل وتطيّب وأمر بأن يحملوه في محمل إلى موسى بن جعفرعليهالسلام ففعلوا ذلك وجاءوا به إلى القبر الشريف فرمى بنفسه على القبر وجعل يبكي ويتضرع ويتمسح بتراب القبر ويطلب الشفاء ثمّ مدَّ يده فلما أصبح جاءوا إليه وكشفوا عنها فإذا هي بأحسن ما يكون كأن لم يكن فيها جرح ببركة تربة موسى بن جعفر والتوسل به.
يقول الشاعر:
زر ببغداد قبر موسى بن جعفر |
قبر موسى مديحه ليس ينكر |
|
هو بابٌ إلى المهيمن تقضى |
منه حاجاتنا وتُحبى وتحبر |
|
هو حصني وعدّتي وغياثي |
وملاذي وموئلي يوم أحشر |
|
كم مريضٍ وافى إليه فعافاه |
وأعمى أتاه صحَّ وأبصر |
وفي الزيارة الجامعة الكبيرة «... مستجيرٌ بكم، زائرٌ لكم لائذٌ عائذٌ بقبوركم مستشفعٌ إلى الله عزَّ وجلَّ بكم ومُتقرّبٌ بكم إليه ومُقدِّمكم اَمام طلبتي وحوائجي...».
الإمام في سجن السندي بن شاهك
كان من أشدّ السجون على إمامنا موسى بن جعفرعليهالسلام سجن السندي بن شاهك وكان طامورةً لا يُعرف فيها الليل من النهار، وفي هذا السجن زاره ابن سويد ولما أراد النزول قال له الامامعليهالسلام لحظة يا بن سويد لأسرج لك، يقول فلما نظرت وإذا بسلاسل الحديد والقيود في رجلي الامامعليهالسلام وقد أشار السيد ابن طاووس في زيارة الامامعليهالسلام : «... والمعذَّب في قعر السجون وظلم المطامير، ذي الساق المرضوض بعَلَق القيود»
وكذلك ورد في زيارة الجامعة لأئمة المؤمنين: «ومُكبَّل في السجن قد رُضَّت بالحديد أعضائه». يقول ابن سويد فسألت الامام بمسائل فأجاب عنها وقلت له مسألة واحدة يا سيّدي، فقال لي سَل؟ قلتَ متى الفرج لقد ضاقت صدورنا؟ فقالعليهالسلام ان الفرجَ قريب متى؟ قال يوم الجمعة، وأين؟ قال ضحىً على الجسر ببغداد، يقول ابن سويد خرجت وأنا لا تكاد تحملني رجلاي من الفرح والسرور وأقبلتُ إلى الشيعة أقولُ لهم البشارة البشارة، إمامكم سوف يخرج يوم الجمعة ضحىً على الجسر ببغداد، قال ابن سويد وبينما نحن وقوف بيوم الجمعة على الجسر وإذا بجنازة يحملها أربع من السجانين والمنادي ينادي هذا إمام الرافضة.
تحل جسمي وغده ينلظم بالسم |
وثغري بالفرح ما يوم بسم |
|
على المات ابسجن هارون بالسم |
ونعشه على الجسر خلوه رميه |
* * *
عالجسر خلوه فرجه لليروح ولليرد |
والمنادي عليه ينادي والنده ايذوب الچبد |
|
مر طبيب البلد شافه وگام ينشد والنشد |
مال هالميت عشيرة ابثاره تطلب لا تهيد |
* * *
گالوله غريب أهله امبينين |
لچن بالمدينة اعليه بعيدين |
|
ابن عمّك الكاظم گال هالحين |
انزلوا واخذوه نعشه او لا تخافون |
* * *
جابه أو غسّله او حنّطه او لفّه |
ابحبرته او شال تابوته اعلى چتفه |
|
مشه مكشوف راسه حافي خلفه |
كثر تشييعهم والناس يبچون |
* * *
ولا واحد حضر لحسين ذاك اليوم |
يخلّص جثته من سحگ خيل الگوم |
|
يواريه أو يخلص زينب او چلثوم |
او يخلص اطفال تبچي اولا يهيدون |
|
لهفي على الجسم المعظمّ يشتكي |
من بعد رشق النبل رضّ جياد |
* * *
المجلس الثامن
الموضوع: كرامات الامام موسى بن جعفرعليهالسلام
القصيدة: للشيخ محمّد الملّا
لم تجر ذكرى يومهم في مسمع |
إلّا وغادرت السّلوّ هشيما |
|
فمن الّذي يهدي المضلّ إلى الهدى |
من بعدهم أو ينصف المظلوما |
|
وبلطفه يغني الورى وبسيفه |
يجلو عن الدّين الحنيف هموما |
|
هذا قضى قتلاً وذاك مغيّبا |
خوف الطّغاة وذا قضى مسموما |
|
من مبلغ الإسلام أنّ زعيمه |
قد مات في سجن الرّشيد سميما |
|
فالغيّ بات بموته طرب الحشا |
وغدا لمأتمه الرّشاد مقيما |
|
ملقىً على جسر الرّصافة نعشه |
فيه الملائك أحدقوا تعظيما |
* * *
ويل قلبي على الذي أمسى وَحيد |
بالحبس لمن گضة بسمِّ الرشيد |
|
عالجسر جابوه وبرجله الحديد |
بالعبا ملفوف مسلوب الثياب |
* * *
ياگلب ذوب وتفسّر وانفطِرْ |
واجذب الونّة لعد يوم الحشر |
|
على الذي بالحبس مات وعَلجسر |
جنازته ظلّت على وجه التراب |
* * *
كرامات الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام كثيرة نذكر بعضها:
مع شقيق البلخي
قال شقيق البلخي: خرجتُ حاجّاً في سنة تسع وأربعين ومائة فنزلت القادسية، فبينا أن أنظر إلى الناس في زينتهم وكثرتهم، فنظرتُ إلى فتى حسن الوجه شديد السمرة ضعيف، فوق ثيابه ثوب من صوف مشتمل بشملة في رجليه نعلان وقد جلس منفرداً، فقلت في نفسي، هذا الفتى من الصوفية يريدُ أن يكون كلّاً على الناس في طريقهم والله لأمضينّ إليه ولأُوبخنّه، فدنوت منه، فلمّا رآني مقبلاً قال: يا شقيق( اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) (١) ثم تركني ومضى، فقلت في نفسي إن هذا الأمر عظيم قد تكلّم بما في نفسي ونطق باسمي، وما هذا إلّا عبدٌ صالح لألحقنّه ولأسألنّه أن يحلّلني فأسرعت في أثره فلم ألحقهُ وغاب من عيني، فلمّا نزلنا واقصة وإذا به يُصلّي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري، فقلت: هذا صاحبي أمضي إليه وأستحلّه، فصبرتُ حتّى جلس، وأقبلت نحوه فلمّا رآني مقبلاً قال: يا شقيق اتل «وإنّي لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثمَّ اهتدى» ثمَّ تركني ومضى، فقلت: إنَّ هذا الفتى لمن الأبدال، لقد تكلَّم على سرّي مرَّتين فلما نزلنا زُبالة إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقي ماءاً فسقطت الركوة من يده في البئر وأنا أنظر إليه، فرأيته قد رمق السماء وسمعته يقول:
أنت شربي إذا ظمئت إلى الماء |
وقوتي إذا أردت الطعاما |
«اللهمَّ سيّدي مالي غيرها فلا تعدمنيها»، قال شقيق: فوالله لقد رأيت البئر وقد
ارتفع ماؤها فمدَّ يده وأخذ الركوة وملؤها ماء، فتوضأ وصلّى أربع ركعات، ثمَّ مال
إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحرّكه ويشرب، فأقبلت
إليه وسلّمت عليه فردَّ عليَّ السلام فقلت أطعمني من فضل ما أنعم الله عليك، فقال
يا شقيق لم تزل نعمة الله علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنّك بربّك ثمَّ ناولني الركوة
فشربت منها فاذا هو سويق وسكّر فوالله ما شربتُ قط ألذّ منه ولا أطيب ريحاً
_________________________
(١) سورة الحجرات: ١٢.
فشبعت ورويت وأقمت أيّاماً لا أشتهي طعاماً ولا شراباً، ثمَّ لم أره حتّى دخلنا مكّة، فرأيته ليلةً إلى جنب قبّة الشراب في نصف الليل قائماً يُصلّي بخشوع وأنين وبكاء فلم يزل كذلك حتّى ذهب اللّيل، فلمّا رأى الفجر جلس في مصلّاه يسبّح ثمَّ قام فصلّى الغداة، وطاف بالبيت اسبوعاً وخرج فتبعته وإذا له غاشية وموال وهو على خلاف ما رأيته في الطريق، ودار به الناس من حوله يسلّمون عليه، فقلت لبعض من رأيته يقرب منه: من هذا الفتى؟ فقال: هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام فقلت: قد عجبت أن يكون هذه العجائب إلّا لمثل هذا السيّد ولقد نظم بعض المتقدّمين واقعة شقيق معه في أبيات شعرية:
سل شقيق البلخيّ عنه وما |
عاين منه وما الذي كان أبصر |
|
قال لمّا حججت عاينت شخصاً |
شاحب اللون ناحل الجسم أسمر |
|
سائراً وحده وليس له زاد |
فما زلت دائماً أتفكّر |
|
وتوهَّمت أنه يسأل الناس |
ولم أدر أنّه الحجُّ الأكبر |
|
ثم عاينته ونحن نزولُ |
دون فيدٍ على الكثيب الأحمر |
|
يضع الرمل في الأناء ويشربه |
فناديته وعقلي محيّر |
|
اسقني شربة فناولني منه |
فعاينته سويقاً وسكّر |
|
فسألت الحجيج من يك هذا؟ |
قيل هذا الامام موسى بن جعفر |
مع علي بن يقطين وابراهيم الجمّال
روى العلامة المجلسيرحمهالله في بحاره ج ٤٨: ص ٨٥، عن محمد بن علي الصوفي: استأذن إبراهيم الجمّالرضياللهعنه على أبي الحسن علي بن يقطين الوزير فحجبه، فحجَّ عليُّ بن يقطين في تلك السنة فاستأذن بالمدينة على مولانا موسى بن جعفر فحجبه، فرآه ثاني يومه فقال عليُّ بن يقطين: يا سيّدي ما ذنبي؟ فقال: حجبتك لأنّك حجبت أخاك إبراهيم الجمّال وقد أبى الله ان يشكر سعيك أو يغفر لك إبراهيم الجمّال فقلت: سيّدي ومولاي مَن لي بابراهيم الجمّال في هذا الوقت وأنا بالمدينة وهو بالكوفة؟ فقال إذا كان اللّيل فامض إلى البقيع وحدك من غير أن يعلم بك أحد من أصحابك وغلمانك واركب نجيباً هناك مُسرَّجاً قال: فوافى البقيع وركب
النجيب ولم يلبث أن أناخهُ على باب إبراهيم الجمّال بالكوفة فقرع الباب وقال: أنا علي بن يقطين.
فقال إبراهيم الجمّال من داخل الدار: وما يعمل عليُّ بن يقطين الوزير ببابي؟! فقال عليُّ بن يقطين: يا هذا إنَّ أمري عظيم وآلى عليه أن يأذن له: فلمّا دخل قال: يا ابراهيم إنَّ المولىعليهالسلام أبى أن يقبلني أو يغفر لي، فقال: يغفر الله لك فآلى عليُّ بن يقطين على إبراهيم الجمّال أن يطأ خدّه فامتنع إبراهيم من ذلك فآلى عليه ثانياً ففعل، فلم يزل إبراهيم يطأ خدَّه وعليُّ بن يقطين يقول: «اللهمَّ اشهد، ثمَّ انصرف وركب النجيب وأناخه من ليلته بباب المولى موسى بن جعفرعليهالسلام بالمدينة، فأذن له ودخل عليه فقبله»(١).
خبر دراعة خزسوداء
روى ابن شهرآشوب في المناقب الجزء السابع ص ٢٨٩: قال: حمل الرشيد في بعض الأيام إلى علي بن يقطين ثياباً أكرمه بها وفيها دراعة خزسوداء من لباس الملوك مثقلة بالذهب، فأنفذ ابن يقطين بها إلى موسى بن جعفر مع مال كثير، فلما وصل إلى أبي الحسن قبل المال وردَّ الدراعة وكتب إليه احتفظ بها ولا تخرجها من بيتك فسيكون لك بها شأن تحتاج اليها معه، فلمّا كان بعد أيام تغيّر علي بن يقطين على غلام له فصرفه عن خدمته، فسعى الغلام به إلى الرشيد فقال انه يقول بامامة موسى بن جعفر ويحمل اليه خمس ماله في كل سنة وقد حمل إليه الدراعة التي أكرمه بها أمير المؤمنين فغضب الرشيد غضباً شديداً وقال: ان كان الأمر على ما تقول أزهقت نفسه فانفذ باحضار ابن يقطين وقال: عليَّ بالدراعة التي كسوتك بها إليَّ الساعة فانفذ خادماً وقال آتيني بالسفط الفلاني، فلما جاء به وضعه بين يدي الرشيد وفتحه فنظر إلى الدراعة بحالها مطوية مدفونه في الطيب فسكن الرشيد من غضبه وقال: انصرف راشداً فلن أصدِّق بعدها ساعياً، وأمر أن يُتبع بجائزة سنية وتقدّم بضرب الساعي حتى مات منه.
_________________________
(١) بحار: ج ٤٨، نقلاً عن عيون المعجزات ص ٩٠.
أقول: كما سُعي بعلي بن يقطين كذلك سُعي بالامام موسى بن جعفر، وكان محمد بن اسماعيل بن الصادقعليهالسلام سعى بعمه موسى إلى الرشيد، وذلك لمّا ورد الرشيد إلى الحجاز فقال: أما علمت ان في الارض خليفتين يُجبى اليهما الخراج فقال الرشيد: ويلك أنا ومن؟ قال موسى بن جعفر وأظهر أسراره، فقبض عليه (اي على الامام موسى الكاظم) وكان قائماً يُصلّي عند رأس النبي فقطع عليه صلاته وحمل ولم يزل ينقل من سجن إلى سجن آخر.
سعى بابن خيرِ الرُسلِ يا خابَ سَعْيُهُ |
فغادَرَهُ رَهنَ الحبوس مُقيّدا |
|
ودسَّ له سُمّاً فأورى فؤادَهُ |
وكُلَّ فُؤادٍ منهُ حُزناً تَوقَّدا |
* * *
عجيبه مصيبته والله عجيبه |
من سجن السجن الظالم يجيبه |
وچبده من الألم زايد لهيبه |
* * *
يا گلب ذوب وتفطر وانكسر |
واجذب الحسرة لعد يوم الحشر |
|
على الذي بالحبس مات وعَلجسر |
جنازته ظلّت على وجه التراب |
* * *
اصبح الناعي يحيدر شابچ العشرة ويون |
عالگبر يفتر ودَمعه يشب لصبَّ المِزن |
|
گوم شوف ابنك ينادي اليوم گوَّض بالسجن |
وتم ثلث تيام ميّت بالسجن لچن وحيد |
* * *
بأبي ثاوياً ببغداد قاسى |
كُرباتٍ حتى قضى محبوسا |
* * *
المجلس التاسع
الموضوع : الامام الكاظمعليهالسلام والتقية وتحرزه عنها في مقام اتمام الحجة
القصيدة: للسيد مهدي الأعرجي
يا جنة الفردوس ما بال الحشى |
قد بات يصلي منكِ ذاتَ وقودِ |
|
ذهبت بزهرتكِ الليالي السوديا |
تباً لهاتيكَ الليالي السودِ |
|
لم تحتفل لكِ في عهودٍ مثل ما |
لأبن (الرضا) لم تحتفل بعهودِ |
|
جلبوه قسراً من مدينة جدّه |
نحو المدائن موثقاً بقيود |
|
حبسوه في (طامورةٍ) لم ينفجر |
ليلَ الشقا عن صبحها بعمود |
|
تبّت يد الرجس (الرشيد) بفعله |
إذ ليس فيها قد جنى برشيدِ |
|
أوحى إلى (سنديّة) يسمّه |
سمّاً تذوب به صخور البيد |
|
فقضى سميماً في السجون مُشرّداً |
في منزل عمّن يحبُّ بعيد |
* * *
شنهو الذنب سواه حتى ايبعدونه |
عن الوطن وابسجن مظلم يذبونه |
|
او هارون آمر بعد سجنه يسمّونه |
أو گضّه عليه او بعد ما اتفيد الندامه |
* * *
او آمر يشيلون النعش اربع حماميل |
واعلى الجسر خلوه وابرجله الزناجيل |
|
او صاح المنادي ابصوت خله المدمع ايسيل |
يالشيعة هذا ايمامكم خلصت أيّامه |
المقدمة
كان هارون الرشيد طاغوت زمانه وقد بلغ هارون إلى اوج قدرة الخلافة وصارت سعة الممالك التي تحت حكومته إلى حيث نقل انه خاطب السحاب في السماء بقوله «أينما تمطرين يأتيني خراجك» وكان من شدّة حرصه على الخلافة والإمارة أن خاطب ولده المأمون «والله لو نازعتني في هذا الأمر أخذتُ الذي فيه عيناك فانَّ الملك عقيم».
وقد كانت شدّة التقية حول الامام موسى الكاظمعليهالسلام بحيث يحتشم التصريح باسمه الشريف بين عامة الناس حتى أن في الروايات المروية عنهعليهالسلام ربّما اقتصرت عند التسمية عنه بالفقيه، والعالم، والعبد الصالح والشيخ(١) وأمثالها حذراً عن التصريح به بما لا يوجد مثله في روايات آبائه الكرام وأبنائه المعصومين.
الامام الكاظمعليهالسلام والتقية وتحرزه عنها في مقام اتمام الحجة
لقد ورد عنهعليهالسلام في التقية: «أن أكرم الناس عند الله أعملهم بالتقية». وروى في المحاسن للبرقي ص ٢٥٨ بسنده عن عبدالله بن حبيب عن موسى بن جعفرعليهالسلام في قول الله عز وجل «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ »، قالعليهالسلام : اشدّكم تقية. والظاهر ان مورد التقية كانت في غير مقام اتمام الحجة، واما في بيان العقائد الحقة والاحكام الالهية، فانما تسوغ اذا حصل اتمام الحجة ببيان آخر صدر منه او من امام آخر تمت به الحجة. ولذلك ترى ان الحمل على التقية انما يجوز عند الفقهاء اذا كان هناك حديث معارض له، وعند ذلك ورد الأمر بالأخذ بما خالف العامة والغاء ما وافقهم واسقاطه عن الحجية.
ملاحظة: نقل عن آية الله العظمى الكوهكمريقدسسره
انه يقول في ابحاثه الفقهية
اني لم أجد مورداً صدَرَ عنهم
عليهمالسلام
في مقام التقية كلام يخالف الواقع بل كل ما
صدر عنهم في مقام التقية فله محل صحيح، والتقية مجرد إيهام الخلاف وبالدقة
_________________________
(١) وهذا الأخير ورد في حديث ابن مسكان في الكافي ج ١ ص ٣٧٣.
في معنى كلامهم يُعرف معناه الصحيح على طبق الواقع، مثال ذلك: ان المنصور سأل الصادقعليهالسلام عن يوم الفطر وحيث كانعليهالسلام في المحذور من الحكم بيوم الفطر في قبال المنصور، الذي كان يدعى امامة الامة وخلافة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم قال في جوابه «ذلك للإمام ان افطرت افطرنا» فأوهم للمنصور انه يقول: ان المنصور هو الإمام وانهعليهالسلام لا يفطر إلا بحكم المنصور لانه الإمام، ولكن الدقة في معنى كلامه تعطي الاذعان بانهعليهالسلام لم يقل إلا الحق، فانه يقوله ذلك للإمام. كلام كلي معناه ان الحكم يختص بالامام، واما ان الامام هو المنصور فهو خارج من معناه، وانما التقية في مقام العمل ولذلك صح قولهعليهالسلام ان افطرت افطرنا.
«ووصية لعلي بن يقطين بان يتوضأ على وضوء العامة»
روى المفيد في الإرشاد عن محمد بن اسماعيل عن محمد بن الفضل قال: اختلفت الرواية بين أصحابنا في مسح الرجلين في الوضوء أهو من الأصابع إلى الكعبين أم من الكعبين إلى الإصابع فكتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن موسىعليهالسلام جعلت فداك ان اصحابنا قد اختلفوا في مسح الرجلين فان رأيت ان تكتب إليّ بخطك ما يكون عملي عليه فعلت انشاءالله تعالى.
«فكتب إليه أبو الحسنعليهالسلام فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء والذي آمرك به في ذلك ان تتمضمض ثلثا وتستنشق ثلثا وتغسل وجهك ثلثا وتخلل شعر لحيتك وتغسل يدك من اصابعك إلى المرفقين وتمسح راسك كله وتمسح ظاهر اذنيك وباطنها وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثاً ولا تخالف ذلك إلى غيره».
فلما وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجب مما رسم له فيه مما أجمع العصابة على خلافه. ثم قال: مولاي اعلم بما قال وانا ممتثل لامره فكان يعمل في وضوءه على هذا الحد ويخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالاً لأمر ابي الحسنعليهالسلام وسعى بعلي بن يقطين إلى الرشيد وقيل له انه رافضي مخالف لك. فقال الرشيد لبعض خاصته قد كثر عندي القول في علي بن يقطين والقرف له بخلافنا وميله إلى الرفض ولست أرى في خدمته لي تقصيراً وقد امتحنته مراراً فما ظهرت منه على ما
يقرف به واحبّ ان استبرئ امره من حيث لا يشعر بذلك فيحترز مني فقيل له ان الرافضة يا أمير المؤمنين يخالف الجماعة في الوضوء فتخففه ولا ترى غسل الرجلين فامتحنه من حيث لا يعلم بالوقوف على وضوئه.
فقال: اجل ان هذا الوجه يظهر به امره ثم تركه مدة وناطه بشيء من الشغل في الدار حتى دخل وقت الصلاة وكان علي بن يقطين يخلوا إلى حجرة في الدار لوضوئه وصلاته فلما دخل وقت الصلاة وقف الرشيد من وراء الحائط بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو فدعى بالماء فتمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً وخلل شعر لحيته وغسل يديه الى المرفقين ثلاثا ومسح رأسه واذنيه وغسل رجليه ثلاثاً والرشيد ينظر إليه. فلما رآه قد فعل ذلك لم يملك نفسه حتى أشرف عليه من حيث يراه ثم ناداه كذب يا علي بن يقطين من زعم انك من الرافضة وصلحت حاله عنده وورد عليه كتاب أبي الحسنعليهالسلام ابتدأ «من الآن يا علي بن يقطين توضأ كما أمر الله غسل وجهك مرة فريضة واخرى اسباغاً واغسل يديك من المرفقين كذلك وامسح راسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك فقد زال ما كان يخاف عليك والسلام».
عدم مبالاة الإمام الكاظمعليهالسلام بسطوة هارون في مقام إتمام الحجة
قال الشيخ الجليل الحسن بن علي الحرّاني: ان موسى بن جعفرعليهالسلام دخل اليه وقد عمد على القبض عليه، لاشياء كذبت عليه عنده، فاعطاه طوماراً طويلاً فيه مذاهب وشنعة نسبتها إلى شيعته (فقرأه) ثم قال له «يا أمير المؤمنين نحن أهل البيت منينا بالتقوّل علينا، وربنا غفور ستور أبى أن يكشف اسرار عباده إلّا في وقت محاسبته( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) . إلى أن قال: ثم قال له اني اريد أن اسألك عن العباس وعليّ بما صار عليّ أولى بميراث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من العباس، والعباس عم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وصنو أبيه «فقال له موسىعليهالسلام : اعفني. قال: والله لا اعفينك، فاجبني. قال: فان لم تعفني فآمنّي. قال: آمنتك. قال موسىعليهالسلام : ان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يورث من قدر على الهجرة فلم يهاجر، ان اباك العباس آمن ولم
يهاجر وان عليّاً آمن وهاجر وقال الله تعالى:(
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم
مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا
)
، فالتمع لون هارون وتغيّر وقال: مالكم لا تنسبون إلى علي وهو أبوكم وتنسبون إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وهو جدّكم؟ فقال موسىعليهالسلام
: ان الله نسب المسيح عيسى بن مريمعليهالسلام
إلى خليله ابراهيمعليهالسلام
بامه مريم البكر البتول التي لم يمسها بشر في قوله:(
وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ
وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ
وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ
)
فنسبه بأمه وحدها إلى خليله ابراهيمعليهالسلام
كما نسب داود وسليمان وايوب وموسى وهارونعليهمالسلام
بابائهم وامهاتهم فضيلة لعيسىعليهالسلام
ومنزلة رفيعة بأمه وحدها. وذلك قوله في قصة مريمعليهاالسلام
:(
إِنَّ اللَّـهَ
اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ
)
بالمسيح من غير بشر وكذلك اصطفى ربنا فاطمةعليهاالسلام
وطهرها وفضلها على نساء العالمين بالحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة».
فقال له هارون وقد اضطرب وساءه ما سمع:
«ما ورد عن الامام الكاظمعليهالسلام في ابطال القياس»
عن محمد بن حكيم، قال: قلت لابي الحسنعليهالسلام : انا نتلاقى فيما بيننا فلا يكاد يرد علينا شيء إلا وعندنا فيه شيء وذلك شيء أنعم الله به علينا بكم، وقد يرد علينا الشيء وليس عندنا فيه شيء وعندنا ما يشبهه فنقيس على أحسنه؟ فقال: لا، وما لكم للقياس، ثم قال لعن الله أبا فلان، كان يقول: قال علي وقلت، وقالت الصحابة وقلت.
ثم قال: كنت تجلس إليه؟ قلت: لا ولكن هذا قوله، فقال أبو الحسنعليهالسلام إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا، وإذا جاءكم ما لا تعلمون فها (ووضع يده على فمه) فقلتُ ولم ذاك؟ قال: لان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أتى الناس بما اكتفوا به على عهده وما يحتاجون إليه من بعده إلى يوم القيامة(١).
_________________________
(١) المحاسن ص ٢٠١٢ ـ ٢٠١٣.
تعريضهعليهالسلام لفقهاء أهل العامة على فتواهم بغير علم
ومما صدر عن الامام السابععليهالسلام في قبال فقهاء أهل العامة تعريضهم بالفتوى بغير علم قال ابوالحسنعليهالسلام : «من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة الارض وملائكة السماء»(١).
تعريضهعليهالسلام لفقهاء أهل العامة على عملهم في الاحكام الشرعية بالرأي
بيّن الامام السابععليهالسلام ان العمل بالرأي في الاحكام بدعة ومستلزم للهلاك وانّ ترك الرجوع إلى أهل البيت في استعلام الاحكام الشرعية ضلالة. وفي ذلك روى الكليني عن يونس بن عبدالرحمن قال قلت لابي الحسن الأولعليهالسلام : «بما أوحّد الله؟ فقال: يا يونس لا تكونن مبتدعاً، مَنْ نَظَر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ضل، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر»(٢).
إفحامهعليهالسلام للفقيه المعروف بـ (ابي يوسف القاضي)
قال ابو يوسف للمهدي وعنده موسى بن جعفرعليهالسلام تأذن لي ان اسأله عن مسائل ليس عنده فيها شيء؟ فقال له: نعم، فقال لموسى بن جعفرعليهالسلام اسألك؟ قال: نعم، قال: ما تقول في التظليل للمحرم، قال: لا يصلح، قال: فيضرب الخباء في الأرض ويدخل البيت؟ قال: نعم، قال: فما الفرق بين هذين؟ قال ابو الحسنعليهالسلام : ما تقول في الطامث أتقضي الصلاة؟ قال: لا، قال: فتقضي الصوم؟ قال: نعم، قال: ولم؟ قال: هكذا جاء، قال أبو الحسنعليهالسلام وهكذا جاء، فقال المهدي لابي يوسف: ما أراك صنعت شيئاً؟ قال: رماني بحجر دامغ.
هارون الرشيد للإمام حد فدكاً حتى أردها اليك
فقال الامامعليهالسلام
لا أحدَّها إلا بحدودها قال وما حدودها؟ قال إن حددتها لم
تردها قال بحقِّ جدِّك إلا فعلت؟! قال
عليهالسلام
أما الاحد الأول فعدن فتغير وجه الرشيد
_________________________
(١) المحاسن ٢٠٥.
(٢) الكافي ١ / ٥٦.
وقال ايهاً قال والحد الثاني سمرقند فاربدَّ وجهه قال والحد الثالث افريقيا فاسودَّ وجهه وقال هيه قال والرابع سيف البحر مما يلي الجزر وارمينيه قال الرشيد فلم يبق لنا شيء فتحوّل إلى مجلسي قال موسىعليهالسلام قد علمتك انني ان حددتها لم تردَّها فعند ذلك عزم على قتله، فقال بحقِّ القبر والمنبر وبحق قرابتك من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخبرني أنت تموت قبلي أو أنا أموت قبلك لأنك تعرف هذا من علم النجوم فقال له موسىعليهالسلام آمني حتى أخبرك فقال لك الأمان فقالعليهالسلام انا أموت قبلك وما كذبت ولا أكذب ووفاتي قريب ثم ان هارون اذن له في الانصراف فتوجه إلى الرقة ثم تقولوا عليه شيئاً فاستعاده هارون واطعمه السم فتوفى (عليه السلام وصلوات الله عليه) في حبس السندي بعد ما كان يضيق عليه غاية التضييق إلى ان سقاه السم بأمر الرشيد في رطبات مسمومة فلما أكل عشر رطبات تغير لونه فقال كل منها قال حسبك قد بلغت ما تحتاج اليه فيما أمرت به ثم أنه احضر القضاة والعدول قبل وفاة بأيّام وأخرجه اليهم وقال إن الناس يقولون إن ابا الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام في ضنك شديد وها هو ذا لا علّة به ولا مرض فقالعليهالسلام ايتها الجماعة اعلموا اني مقتول بالسم وسأحمر في آخر هذا اليوم حمرة شديدة واصفر غداً وابيض بعد غد وامضي إلى رحمة الله ورضوانه. رحم الله مَن نادى وا اماماه وا كاظماه واسيّداه.
للقيدِ في رجليه خشخشة |
وبه أضرّ السّجن والدّنفُ |
|
ما زال تقذفه السّجون فمن |
سجن لأضيق منه ينقذفُ |
|
حتّى قضى بالسمّ محتدماً |
حزناً بكاه المجد والشرف |
|
حملته حمّالون أربعه |
إذ لا وقار به مذ انصرفوا |
* * *
عليه ضاگ الهوه أو مل من حياته |
ولا يعرف وكت بيه الصلاته |
|
لمن سموا أو بيه صارت وفاته |
عگب ما ذاب چبده وخلص بالسم |
* * *
ثلث تيام ظل من غير تغسيل |
ما عنده عشيره النعشه اتشيل |
|
شالوا للجسر أربع حماميل |
أو بي سمعت الناس أو عدت تلتم |
* * *
وضعوه فوق الجسر مطر |
وحاً على نهج العبور |
* * *
المجلس العاشر
الموضوع : علي بن يقطين وبعض نشاطاته
القصيدة: عبدالمجيد البغدادي الحلّي
وأمضّ الخطوب أن يقطع الأد |
نون أو يقتفوا الدنيّ الخسيسا |
|
خلفت عصبة الشقاق بنو |
العم فنالوا من ابن جعفر موسى |
|
بلغوا من أبي الرّضا أن سقوه |
السّم عند اغترابه مدسوسا |
|
بأبي ثاوياً ببغداد قاسى |
كربات حتّى قضى محبوسا |
|
شيّعت نعشه النفوس ولكن |
رزؤه شيّع الأسى والنفوسا |
|
كيف نامت على الهوان حمولاً |
من على الضّيم لا تطيق الجلوسا |
|
أتناست باب الحوائج فهر |
وهو في قيده يعاني الحبوسا |
|
أفك القوم بالنّداء عليه |
فانجلى ما تقوّلوا معكوسا |
|
حيث كان الرشيد في الظّلم فرعو |
ن وموسى فيها تحمّل موسى |
|
فتولّى منه سليمان أمراً |
كان من دون الرشيد يؤوسا |
* * *
اولن من الگصر مشرف اسليمان |
نعش باب الحوايج لاح إله وبات |
|
يگلهم هالجنازة مالها اعوان |
غريبه اولا وراها ناس يمشون |
|
گالوله غريب اهله امبينين |
لاچن بالمدينة اعله بعيدين |
|
ابن عمّك الكاظم گال هالحين |
انزلوا واخذوا نعشه او لا تخافون |
* * *
جابه وغسّله او حنّطه او لفّه |
ابحبرته او شال تابوته اعلى چتفه |
|
مشه مكشوف راسه حافي خلفه |
كثر تشييعهم والناس يبچون |
* * *
ولا واحد حضر لحسين ذاك اليوم |
يخلّص جثته من سحك خيل الگوم |
|
يواريه او يخلّص زينب او چلثوم |
أو يخلص أطفال تبچي ولا يهيدون |
ترجمته
علي بن يقطين، كوفي الأصل بغدادي المسكن، ثقةٌ جليل القدر من أجلّاء الأصحاب، وجيهاً عند الامام موسى الكاظمعليهالسلام ، وكان أبوه يقطين من الدعاة للعباسيين ووقع في محنةٍ عظيمة أيام مروان الحمار، لأنَّ مروان طلبه ففرَّ من وطنه واختفى ووُلد علي ابنه بالكوفة عام (١٢٤ هـ) وفرّت زوجة يقطين أيضاً مع ولديها علي وعبيد أولاد يقطين من خوف مروان إلى المدينة، وما زالوا مختفين حتى قُتل مروان واستولى العباسيون على الحكم فخرج يقطين وجاءت زوجته مع أولاده إلى الكوفة وطنهم وصار يقطين من أعوان السفاح والمنصور ومع هذا كان شيعيّاً وقائلاً بالإمامة وهكذا أبناؤه، وفي بعض الأحيان كان يحمل الأموال إلى الامام الصادقعليهالسلام فوُشِيَ به عند المنصور والمهدي لكنّ اللهُ نجّاه من كيدهم وبقي يقطين بعد ولادة ابنه علي تسع سنين وتوفي ١٣٣ هـ وكان يقطين يبيع الأبزار (التوابل).
بشَّرهُ الامام الكاظمعليهالسلام
عن عبدالله بن يحيى الكاهلي قال: كنت عند أبي إبراهيمعليهالسلام إذ أقبل علي بن يقطين فالتفت إلى أصحابه فقال: من سره أن يرى رجلاً من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلينظر إلى هذا المقيل! فقال له رجل من القوم: هو إذن من أهل الجنة؟ فقال أبو الحسنعليهالسلام أما أنا فأشهد أنه من أهل الجنة(١).
_________________________
(١) اختصار رجال الطوسي: ٢ / ٧٣٠.
علي بن يقطين بذل ماله ومودته للإمام الكاظمعليهالسلام
روى بكر بن محمد الأشعري أن أبا الحسن الأولعليهالسلام قال: إني استوهبت علي بن يقطين من ربي عزّ وجلّ البارحة فوهبه لي، إن علي بن يقطين بذل ماله ومودته، فكان لذلك منّا مستوجباً(١).
دعاء الامام الكاظمعليهالسلام في موقف عرفة لعلي بن يقطين
روي عن داود الرقي إنّه قال: دخلتُ على أبي الحسنعليهالسلام يوم النحر، فقال مبتدئاً ما عَرَضَ في قلبي أحد وأنا على الموقف إلّا علي بن يقطين، فانّه ما زال معي وما فارقني حتى أفضتُ(٢).
مائة وخمسين رجلاً حجّوا عنه في عام واحد
قال سليمان بن الحسين، كاتب علي بن يقطين: «أحصيت لعلي بن يقطين من وافى عنه في عام واحد مائة وخمسين رجلاً، أقل من أعطاه منهم سبع مائة درهم، وأكثر من أعطاه عشرة آلاف درهم»(٣).
كان يرسل أمواله إلى الامام الكاظمعليهالسلام
في معجم السيد الخوئي ١٣ / ٢٤٧ عن إسماعيل بن سلام، وإسماعيل بن جميل،
قالا: بعث إلينا علي بن يقطين فقال: اشتريا راحلتين وتجنبا الطريق، ودفع إلينا
أموالاً وكتباً حتى توصلا ما معكما من المال والكتب إلى أبي الحسن موسى
عليهالسلام
ولا يعلم بكما أحد، قالا: فأتينا الكوفة فاشترينا راحلتين ووضعنا لها العلف وقعدنا
نأكل، فبينا نحن كذلك إذ راكب قد أقبل ومعه شاكري فلما قرب منا فإذا هو
_________________________
(١) رجال الطوسي: ٢ / ٧٣٢.
(٢) منتهى الآمال للمحدث القمي: ٢ / ٣٨٨.
(٣) اختصار معرفة لرجال الطوسي: ٢ / ٣٣٢.
أبوالحسنعليهالسلام فقمنا إليه وسلمنا عليه، ودفعنا إليه الكتب وما كان معنا، فأخرج من كمّه كتباً فناولنا إياها فقال: هذه جوابات كتبكم، فقلنا إن زادنا قد فنيَ فلو أذنت لنا فدخلنا المدينة فزرنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتزودنا بزاد، فقال: هاتا ما معكما من الزاد، فأخرجنا الزاد فقلّبه بيده، فقال: هذا يبلغكما إلى الكوفة، وأما رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقد رأيتماه، وإني صليتُ معهم الفجر، وإني أريد أن أُصلي معهم الظهر، إنصرفا في حفظ الله!
الامام الكاظمعليهالسلام أجازه في عمله مع هارون
قال علي بن يقطين للامام الكاظمعليهالسلام : أما ترى حالي وما أنا فيه؟ فقال: يا علي إنّ لله تعالى أولياء مع أولياء الظلمة ليدفع بهم عن أوليائه وأنت منهم يا علي(١).
وفي البحار استأذن علي بن يقطين الامام الكاظمعليهالسلام في ترك عمل السلطان فلم يأذن له وقال: لا تفعل فانَّ لنا بك أنساً ولإخوانك بك عزّاً وعسى أن يجبر الله بك كسراً ويكسر بك نائرةَ المخالفين عن أوليائه.
يا علي كفّارة أعمالكم الإحسان إلى إخوانكم. إضمن لي واحدة وأضمن لك ثلاثاً: إضمن لي أن لا تلقي أحداً من أوليائنا إلّا قضيت حاجته وأكرمته وأضمن لك ان لا يظلّك سقف سجن أبداً ولا ينالك حدّ سيف أبداً ولا يدخل الفقر بيتك أبداً، يا علي من سرَّ مؤمناً فبالله بدأ وبالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ثنّى وبنا ثلّث(٢).
أقول: من أدخل سروراً على مؤمن أدخله على الله سبحانه والرسول والأئمة فكيف بمن أدخلَ السرور على فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، وذلك من خلال إسعادها في بكاءها على ولدها الحسينعليهالسلام المظلوم الشهيد وإقامة مجالسه وإبكاء الناس على مصيبته.
_________________________
(١) نفس المصدر السابق: ٢ / ٧٣٠ ـ ٧٣١.
(٢) البحار: ٤٨ / ١٣٦.
وكأني بلسان حال مولاتي الزهراءعليهاالسلام
وينه اليواسيني ابدمعته |
على ابني الذي حزوا رگبته |
|
وظلت ثلث تيام جثته |
اويلاه يبني الماحضرته |
ولا غسلت جسمه او دفنته |
أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً |
وقد مات عطشاناً بشط فرات |
المصدر: شعراء القطيف ص ٢٢٩
* * *
المجلس الحادي عشر
الموضوع: السجون التي مَرَّ بها الامام موسى بن جعفرعليهالسلام
القصيدة: للشاعر الحاج منصور الجشي
مُصابٌ أطلَّ على الكائنات |
فأوحشَ بالثكلِ أزمانَها |
|
وأفجعنا وجمع الورى |
وأوقد في القلب نيرانَها |
|
فلله سهمٌ رمى المكرمات |
فهدّ عُلاها وبنيانَها |
|
ألم تدر يا دهر من ذا رميت |
أصبتَ بسهمك فرقانَها |
|
أصبتَ بسهمكَ قلبَ الوجودِ |
وهدَّمتَ واللهِ أركانَها |
|
غداة ابن جعفر موسى قضى |
مُذابَ الحشاشة حرَّانها |
|
قضى مُستضاماً بضيق السجون |
يُكابدُ بالهمِّ أشجانَها |
|
أيهنى لعينيَّ طيبَ الكرى |
وهل تألفُ النفس سلوانَها |
|
وبابُ الحوائج في مهلكٍ |
عليه الفضا ضاق حيرانَها |
|
أتاحَ لهُ السمّ أشقى الورى |
فألهبَ أحشاهُ نيرانَها |
|
وألمه بثقل القيود |
ولم يرع في الحقّ ديّانها |
|
على الجسر مُلقىً برمضائها |
به أشفت القومُ أضغانَها |
* * *
ظل مطروح والسندي ينادي اعليه |
ابذاك النده الما واحد گدر يطريه |
|
حميت النسب بسليمان هاجت بيه |
اجه يمه او فل وجها وبچه وشمه |
* * *
ناده غلمانه او ويلاده اريد |
اتشيعونه ابرغم هارون الرشيد |
|
شيعوه او نزعوا منه الحديد |
وصار للوادم عليه نوح وعويل |
* * *
وبعد تشييعه ابوسط لحده اندفن |
والدموع عليه من دم اذرفن |
|
آه بس احسين ظل ابلا چفن |
عالترب مطروح وابدمّه غسيل |
أبيات الحسچه للاستاذ المرحوم الشيخ محمد سعيد المنصوريرحمهالله
يا سائلاً وشظايا القلب في شجن |
هل جهّزوا لقتيلٍ ماتَ ممتحنِ |
|
أجبته بقلبٍ والهٍ حَزَن |
ما غسلوه ولا لقوهُ في كفن |
يوم الطفوفِ ولا مدّوا عليه ردا
من دعاء الامامعليهالسلام : «يا سيّدي نجني من حبس هارون وخلصني من يده يا مخلص الشجر من بين رملٍ وطين، ويا مخلص اللبن من بين فرث ودم ويا مخلص الولد من بين مشيمةٍ ورحم، ويا مخلص النار من الحديد والحجر... خلصني من يد هارون».
المقدمة: الأسباب التي دعت هارون لسجن الامامعليهالسلام
١ ـ سمو شخصية الامامعليهالسلام : الامام موسى الكاظمعليهالسلام من ألمع الشخصيات الإسلامية في ذلك العصر، فهو أحد أوصياء الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما دان بإمامته جمهورٌ كبيرٌ من المسلمين، وقد أجمع المسلمون على اختلاف مذاهبهم على إكبار الامام وتقديره وقد تحدَّث الناس في عصره عن علومه وتقواه وورعه ومكارمه، وكان هارون نفسه ممّن يجلّه ويعتقد بأن الخلافة الإسلامية هو أولى بها منه، كما حدَّث بذلك المأمون، فقد قال لندمائه، أتدرون من علّمني التشيّع؟ فانبروا جميعاً قائلين: لا والله ما نعلم، علّمني ذلك الرشيد، فقالوا كيف ذلك؟ والرشيد كان يقتل أهل هذا
البيت؟ قال: كان يقتلهم على الملك لانَّ المُلك عقيم ثم أخد يحدثهم عن ذلك قائلاً: لقد حججت معه سنة فلما انتهى إلى المدينة قال لا يدخل عليَّ رجل من أهلها أمن المكيين سواء كان من أبناء المهاجرين والأنصار أو من بني هاشم حتى يعرفني بنسبه وأسرته، فأقبلت إليه الوفود تترى وهي تعرّف الحاجب بأنسابها، فيأذن لها، وكان يمنحها العطاء حسب مكانتها ومنزلتها، وفي ذات يوم اقبل الفضل بن الربيع حاجبه وهو يقول له: رجل على الباب، زعم أنه موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام ، فلما سمع ذلك هارون أمر جلساءه بالوقار والهدوء ثم قال لرئيس تشريفاته إئذن له، ولا ينزل إلا على بساطي. وأقبل الامامعليهالسلام وقد وصفه المأمون فقال إنه شيخٌ قد انهكته العبادة كأنه شن بال قد كلمَّ السجود وجهه، فلما رآه هارون قام إليه وأراد الامام أن ينزل عن دابته، فصاح الرشيد لا والله إلا على بساطي فمنعه الحجاب من الترجل ونظرنا إليه بالإجلال والإكبار والاعظام، وسار راكب إلى البساط، والحجاب وكبار القوم محدقون به، واستقبله هارون فقبل وجهه وعينيه، وأخذ بيده حتى صيّره في صدر مجلسه وأقبل يسأله عن أحواله ويحدّثه ثم قال له:
يا أبا الحسن ما عليك من العيال؟ قال الامام يزيدون على الخمسمائة. قال هارون: أولاد كلهم؟ قال الامام: لا أكثرهم موالي وحشمي وأما الولد فلي نيف وثلاثون ثم بين له عدد الذكور والإناث، فقال هارون: لم لا تتزوج النسوة من بني عمومتهن؟ فقال الامامعليهالسلام : اليد تقصر عن ذلك. فقال هارون: ما حالُ الضيعة؟ قال الامامعليهالسلام تعطي في وقت وتمنع في آخر، قال هارون: فهل عليك دين؟ قال الامامعليهالسلام : نعم، قال هارون: كم؟ قال الامامعليهالسلام : نحو من عشرة آلاف دينار، قال هارون: يا بن عم، أنا أعطيك من المال ما تزوج به أولادك وتعمر به الضياع. قال الامامعليهالسلام : وصلتك رحم يا بن العم، وشكر الله لك هذه النية الجميلة، والرحم ماسة واشجة، والنسب واحد، والعباس عم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وصِنو أبيه وعم علي بن أبي طالبعليهالسلام وصنو أبيه، وما أبعدك الله من أن تفعل ذلك وقد بسط يدك وأكرم عنصرك وأعلى محتدك، فقال هارون: أفعل ذلك يا أبا الحسن وكرامة، فقال له
الامامعليهالسلام : إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد فرض على ولاة العهد أن ينعشوا فقراء الأمة، ويقضوا على الغارمين، ويؤدوا عن المثقل ويكسو العاري وأنت أولى من يفعل ذلك. قال هارون: أفعل ذلك يا أبا الحسن.
ثم انصرف الامامعليهالسلام فقام هارون تكريماً له فقبل ما بين عينيه ووجهه ثم التفت إلى أولاده فقال لهم: قوموا بين يدي عمكم وسيدكم، وخذوا بركابه وسووا عليه ثيابه وشيعوه إلى منزله، فانطلقوا مع الامام بخدمته وأسرعليهالسلام إلى المأمون فبشَّرهُ بالخلافة وأوصاه بالإحسان إلى ولده، ولمّا فرغوا من القيام بخدمة الامام وإيصاله إلى داره قال المأمون: كنتُ أجراُ ولد أبي عليه، فلما خلا المجلس قلت له: يا أمير المؤمنين، من هذا الرجل؟ الذي عظمته وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه ثم أمرتنا بأخذ الركاب له. قال هارون: هذا إمام الناس وحجة الله على خلقه وخليفته على عباده، قال المأمون: يا أمير المؤمنين أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟
قال هارون: أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة والقهر وموسى بن جعفرعليهالسلام إمام حق، والله يا بني إنّه لأحق بمقام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منّي ومن الخلق جميعاً والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذتُ الذي فيه عينيك فان المُلك عقيم... الخ(١).
٢ ـ حقد هارون: كان الحقدُ من مقومات ذات الرشيد، ومن أبرز صفاته النفسية لقد حَسَدَ الرشيد البرامكة لما ذاع اسمهم وتحدثت الناس عن مكارمهم فقد أخذ الحقد ينخر في قلبه حتى أنزل بهم العقاب الأليم فمحا وجودهم وأزال ظلهم.
وكذلك لم يرق لهارون أن يرى في المجتمع من هو أفضل منه، والجماهير تؤمن بأن الامام الكاظمعليهالسلام هو أولى بالأمر من غيره، وانه في القمة العليا علماً وفضلاً وأن المسلمين أجمعوا على تعظيمه، فساءه ذلك فقدم على ارتكاب الجريمة فأودع الامام في ظلمات السجون(٢).
_________________________
(١) حياة موسى بن جعفرعليهالسلام للشيخ باقر شريف القرشي: ٢ / ٤٤٣ ـ ٤٤٦.
(٢) حياة موسى بن جعفرعليهالسلام للقرشي: ٤٤٩ ـ ٤٥٠.
٣ ـ حرصه على الملك: كان هارون حريصاً على ملكه متفانياً في حب سلطانه فهو يُضحى في سبيله جميع المقدسات والقيم، وقد عبَّر عن مدى حرصه على سلطته بكلمته المعروفه: «لو نازعني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأخذتُ الذي فيه عيناه»(١).
٤ ـ بغضه للعلويين: لقد ورث هارون عداء العلويين وبغضهم من آبائه وسلفه الذين نكلوا بالعلويين، وصبوا عليهم وابلاً من العذاب الأليم، وساقوهم إلى القبور والسجون، وطاردوهم حتى هربوا خائفين هائمين على وجوههم، وزاد هارون على أسلافه، فدفن العلويين وهم أحياء وأشاع في بيوتهم الثكل والحزن والحداد، وفرض عليهم الإقامة الإجبارية في بغداد، وجعلهم تحت المراقبة، ولم يسمح للاتصال بهم وحرمهم من جميع حقوقهم الطبيعية. وكان أبغض شيء عليه أن يرى عميد العلويين موسى بن جعفرعليهالسلام في دعة واطمئنان وأمان، فعَمَد إلى سجنه وحرمان الامة الاسلامية من علومه ومن الاستفادة من نصائحه(٢).
٥ ـ الوشاية به: وعَمدَ فريقٌ من باعة الضمير إلى السعي بالامامعليهالسلام والوشاية به عند الطاغية هارون ليتزلفوا إليه بذلك، وكانت وشاية هؤلاء المجرمين بالامام ذات طوابع متعددة وهي:
أ ـ جباية الأموال له: انطلق بعض الأشرار، فأخبر هارون بأن الامام تُجبى له الأموال الطائلة من شتى الأقطار الإسلامية وإنّه اشترى بها ضيعة تسمى «البسرية» اشتراها بثلاثين ألف دينار، فأشار ذلك كوامن الغيظ والحقد في نفس هارون، فان سياسته كانت تجاه العلويين تقضي بفقرهم ووضع الحصار الاقتصادي عليهم، فان فقرهم أحب إليه من غناهم ـ كما قال لولده المأمون ـ وقد ذهب ابن الصباغ إلى أن هذه الوشاية من جملة الأسباب التي دعت إلى سجن الامامعليهالسلام (٣).
_________________________
(١) نفس المصدر السابق: ٤٥٠.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) نفس المصدر السابق: ٢٥١ ـ ٢٥٢.
ب ـ طلب الخلافة: وهناك مجموعة من السعاة لهارون على إمامنا الكاظمعليهالسلام بحجة انه يطلب الخلافة قد سخّرهم بعض أعوان هارون ليتقرّب من هارون مثل يحيى البرمكي وغيره.
٦ ـ احتجاج الامام: من الأسباب التي حفزت هارون لاعتقال الإمام وزجّهُ في غياهب السجون، احتجاجهعليهالسلام عليه بأنه أولى بالنبي العظيمصلىاللهعليهوآلهوسلم من جميع المسلمين فهو أحد أسباطه ووريثه وأنّه أحقُّ بالخلافة مِن غيره وقد جرى احتجاجهعليهالسلام معه في مرقد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وذلك حينما زاره هارون وقد احتفَّ به الوجوه والأشراف وقادة الجيش وكبار الموظفين بالدولة فقد أقبل بوجهه على الضريح المقدَّس وسلّم عَلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قائلاً: «السلام عليك يا بن العم» وقد اعتزَّ بذلك على من سواه وافتخر على غيره برحمه الماسّة من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وإنّه إنّما نال الخلافة لقربه من الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان الإمامعليهالسلام آنذاك حاضراً فسلّمَ على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قائلاً: «السلام عليك يا أبتِ» ففقد الرشيد صوابه واستولّت عليه موجات من الأستياء حيث قد سبقه الامامعليهالسلام إلى ذلك المجد والفخر فاندفع قائلاً بنبرات تقطرُ غضباً: «لِمَ قلت أنّك أقرب إلى رسول الله منّا؟؟» فأجابهُعليهالسلام بجواب لم يتمكن الرشيد من الردَّ عليه أو المناقشة فيه قائلاً: «لو بُعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيّاً فخطبَ منك كريمتك هل كنت تجيبهُ إلى ذلك؟» فقال هارون سبحان الله وكنتُ أفتخر بذلك على العرب والعجم.
فقال الامامعليهالسلام : «لكنّه لا يخطب منّي ولا أزوّجه لانّه والدنا لا والدكم فلذلك نحن أقربُ إليه منكم». اذن فالإمام أولى بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من هارون وأحقَّ بالخلافة فهو سبطه ووارثه. لذلك ازداد هارون غيظاً على الامام وزجَّ به في السجن.
القبض على الإمامعليهالسلام
وفي اليوم الثاني ألقى القبض على الامامعليهالسلام فالقت الشرطة القبض على الامامعليهالسلام وهو قائمٌ يُصلّي لربّه عند رأس جدّه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقطعوا عليه صلاته ولم
يمهلوه من إتمامها، وكان إعتقاله في شهر شوال لعشر بقين منه عام ١٧٩ هـ وخاف الرشيد من وقوع الفتنة وحدوث الاضطراب، فأمر بتهيأة قبتين فأوعز بحمل إحديهما إلى الكوفة والأخرى إلى البصرة ليوهم على الناس أمر الامامعليهالسلام ويخفي عليهم خبر إعتقاله، وأمر بحمل الامامعليهالسلام إلى البصرة في غلس الليل البهيم.
سجنه في البصرة
وسارت القافلة بقيادة «حسان السروي» الذي وكِّل بحراسة الامام والمحافظة عليه، حتى سلّمه إلى عيسى بن جعفر في البصرة قبل التروية بيوم، فحبسه عيسى في بيت من بيوت المحبس، وأقفل عليه أبواب السجن، فكان لا يفتحها إلّا في حالتين، إحداهم في حالة خروجه إلى الطهور، والأخرى لإدخال الطعام له.
ما قام به الامامعليهالسلام في سجن البصرة
أ ـ تفرغه للعبادة: وأقبل الامامعليهالسلام على عبادة الله فحيّر الألباب وأبهر العقول بعبادته وانقطاعه إلى الله فكان يصوم في النهار ويقوم في الليل، وكان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم انك تعلمُ أنّي كنتُ أسألكَ أن تفرغني لعبادتك، اللهمَّ وقد فعلت فلك الحمد».
ب ـ اتصال العلماء به: أقبل علماء البصرة ورواة الحديث إلى الامامعليهالسلام فاتصلوا به من طريقٍ خفيٍ وكان منهم ياسين الزياتي وروى عنه. (حياة الام موسى بن جعفر للقرشي)
أوعز هارون لعيسى بقتل الامامعليهالسلام
ولما وصلت رسالة هارون الرشيد لعيسى بقتل الامامعليهالسلام ثقل عليه الأمر وجمع خواصه وثقاته فعرض عليهم الأمر فاشاروا إليه بالتحذير من ارتكاب الجريمة فكتب إلى الرشيد: «يا أمير المؤمنين كتبتَ إليَّ في هذا الرجل وقد اختبرته طول مقامه بمن حسبته عيناً عليه لينظروا جبلته وأمره وطويّته ممّن له المعرفة والدراية
فلم يكن منه سوء قط ولم يذكر أمير المؤمنين إلّا بخير ولم يكن له تطلّع إلى ولاية ولا خروج ولا شيء من أمر الدنيا ولا دعا قط على أمير المؤمنين، فان رأى اميرالمؤمنين من أن يعفيني من أمره أو ينفذ من يتسلّمه منّي وإلا أطلقت سراحه». وقد بقي في سجن عيسى سنة كاملة.
نقل الامامعليهالسلام إلى بغداد
فحُمِلَ الامامعليهالسلام مُقيّداً إلى بغداد تحفُّ به الشرطة والحراس، فأمر الرشيد باعتقاله عند الفضل ابن الربيع فحبسه في بيته، ولم يعتقله في السجون العامة «كالمطبق» وغيره نظراً لخطورة الامامعليهالسلام وسمو مكانته وعظم شخصيته.
إنشغاله بالعبادة في سجن الفضل بن الربيع
كان هارون يُراقب بنفسه ما يقوم به الامامعليهالسلام ويتطلّع على شؤونه خوفاً من أن يتصل به أحد من الناس، أو يكون الفضل قد رفّهَ عليه، فأطلَّ من أعلى القصر على السجن فرأى ثوباً مطروحاً في مكان خاص لم يتغير عن موضعه، فقال للفضل:
ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع؟! فقال الفضل: يا أمير المؤمنين ما ذاك بثوبٍ، وإنما هو موسى بن جعفر له في كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال، فقال هارون: أما إنَّ هذا من رهبان بني هاشم؟!
فقال الفضل: يا أمير المؤمنين مالكَ قد ضيقت عليه في الحبس؟!
فقال هارون: هيهات لا بدَّ من ذلك.
دعاء الامام في السجن
لقد حُجب الامامعليهالسلام عن عياله وأطفاله وشيعته، ينقل من حبس إلى حبس، فالتجأ إلى الله سبحانه يخلّصهُ من سجن هارون، فجدّد طهوره وصلّى لربّه أربع ركعات ثم دعا في غلس الليل البهيم: «يا سيّدي: نجني من حبس هارون وخلصني من يده، يا مخلص الشجر من بين رملٍ وطين، ويا مخلص النار من بين الحديد
والحجر، ويا مخلص اللبن من بين فرث ودم ويا مخلص الولد من بين مشيمة ورحم ويا مخلص الروح من بين الأحشاء والأمعاء خلصني من يد هارون»(١).
استجاب الله دعاءه وأطلق سراحه في غلس الليل بسبب رؤيا رآها هارون فخاف وأطلق سراح الامامعليهالسلام وأعطاه ثلاثين ألف درهم.
وكان الامام الكاظمعليهالسلام قد رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال له يا موسى لقد سُجنت مظلوماً، قل هذه الكلمات فانّك لا تبقى في الحبس هذه الليلة، فقلت له بأبي أنت وأمي ما أقول فقال قل: «يا سامع كل صوت ويا سابق الفوت، ويا كاسي العظام لحماً ومنشرها بعد الموت أسألك باسمائك الحسنى وباسمك الاعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطّلع عليه أحدٌ من المخلوقين، يا حليماً ذا أناة لا يقوى على أناته ياذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً، ولا يحصى عدداً، فرّج عنّي».
وفرّج الله عنه، فخلى هارون سبيله، وقد مكث في سجن الفضل مدة طويلة من الزمن لم يعينها التأريخ.
وبقيَ الامامعليهالسلام بعد اطلاق سراحه في بغداد لم ينزح عنها إلى يثرب وكان يدخل على هارون الرشيد في كل اسبوع مرّة في يوم الخميس(٢).
وأكبر الظن ان الرشيد فرض عليه الاقامة الجبرية. وقد ذهب لذلك السيد مير علي الهندي فقال: «وقد حدث مرتين ان سمح الرشيد لهذا الامام الوديع بالرجوع إلى الحجاز ولكن شكوكه تستولي عليه فيبقيه في الحبس»(٣).
وكان الامامعليهالسلام بذل جهوده وهو في بغداد لإرشاد الناس وهدايتهم إلى طريق الحق، فقد اهتدى بشر الحافي وتاب على يده حتى صار من عيون الصالحين والمتقين.
_________________________
(١) نفس المصدر السابق: ٤٧٢ ـ ٤٧٣.
(٢) نفس المصدر السابق: ٤٧٥.
(٣) نفس المصدر السابق: ٤٧٦ نقلاً عن مختصر تاريخ العرب: ٢٠٩.
سجن الفضل بن يحيى البرمكي
ولما ذاع صيت الامام وانتشر فضله وعلمه وحب الناس له، خاف هارون على ملكه فأوعز إلى اعتقال الامامعليهالسلام عند الفضل بن يحيى البرمكي، وذات يوم أرسل هارون على الفضل وهو غضبان يطلب منه أن يأتي بالامامعليهالسلام وكان هارون يريد قتله، فدعا الامامعليهالسلام بدعاء جدّه أمير المؤمنينعليهالسلام : «اللهمَّ بك أساور وبك أحاول وبك أجاور وبك أصول وبك انتصر وبك أموت وبك أحيى أسلمتُ نفسي إليك وفوضت أمري إليك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم إنّك خلقتني ورزقتني وسترتني عن العباد بلطف ما خولتني اغنيتني، فاذا هويت رددتني وإذا عثرت قومتني وإذا مرضت شفيتني وإذا دعوت أجبتني يا سيدي: ارض عني فقد أرضيتني»(١).
قال هارون للفضل فرأيتُ أقواماً قد أحدقوا بداري بأيديهم حراب قد غرسوها في أصل الدار يقولون إن آذى ابن رسول الله خسفنا به وبداره الأرض وإن أحسن اليه انصرفنا عنه وتركناه. لذلك خاف هارون وأمر أن يأتي بغالية، فأتيَ بها، فطيَّب الامام بيده وأمر أن يحمل بين يديه خلع وبدرتان ودنانير فقال الامامعليهالسلام لولا أني أرى أزوّج بها من عزاب بني أبي طالب لئلا ينقطع نسله ما قبلتها أبداً. ومرّةً ثانية اصدر هارون أوامره باعتقال الامامعليهالسلام عند الفضل بن يحيى وأوعز إليه أن يقتل الامامعليهالسلام فامتنع الفضل وخاف من الله ولانه كان ممن يذهب إلى الامامة ويدين بها، وهذا هو السبب في اتهام البرامكة بالتشيع(٢). ثم إنَّ هارون نكل بالفضل وأمر أن يضرب مائة سوط.
في سجن السندي بن شاهك
وأخيراً لم يجد هارون من ينفّذ رغباته في موسى بن جعفرعليهالسلام
سوى هذا
الشرير الوغد اللئيم فنقله إلى سجنه وأمره بالتضييق عليه، فاستجاب الأثيم لذلك،
_________________________
(١) نفس المصدر السابق: ٤٧٩.
(٢) نفس المصدر السابق: ٤٨٠.
فقابل الامام بكل جفوة وقسوة، والامام صابر محتسب في محبس بدار المسيب الواقع قرب باب الكوفة وفيه كانت وفاته، وقال بعض المؤرخين إنّه حبس في بيت السندي وإنه كان مع أهله وعياله ولم نعلم أن دار السندي هل هي دار المسيب أم غيرها؟(١)
وقد ضيَّق عليه السندي وقيّده بثلاثين رطلاً من الحديد وكان يقفل الباب في وجهه ولا يدعه يخرج إلا للوضوء، وكان السندي من أشد الناس بغضاً لأبي طالبعليهالسلام .
سم الامامعليهالسلام
ثم ان الرشيد عمد إلى رطب فوضع فيه سماً فاتكاً وأمر السندي أن يقدمه إلى الامام ويحتم عليه أن يتناول منه، وقيل ان الرشيد أوعز إلى السندي في ذلك فأخذ رطباً ووضع فيه السم وقدَّمه للامام فأكل منه عشر رطبات، فقال له السندي زد على ذلك، فرمقه الامام بطرفه وقال له حسبك قد بلغت ما تحتاج إليه. فسرى السم في جسد إمامنا رحم الله المنادي وا إماماه واسيّداه.
قضى نحبه وافجعتاه لوحده |
غريباً بقعر السجن وهو مصفّدُ |
* * *
الكاظم عگب ابوه امعذّبينه |
مدّه بالسجون امغيبينَه |
|
شنهو اللي عمل ويّاه هارون |
خلّه الكاظم ابچم سجن مسجون |
|
ابطوامير الذي متشوفه العيون |
او عليه تسئل الشيعة راح وينه |
|
تالي صار عدهم خَبَر عَنّه |
ابسجن هارون ريّسها المچنّه |
|
گالوا عسى الباري ايعوده النه |
او من يرجع اله ننصب الزينه |
|
ضلّوا يرتجون ايعود ليهم |
او لنه الطارش ايحشّم عليهم |
|
ابجسر بغداد كاظمهم يجيهم |
افرحوا گالوا عسى سالم يجينه |
|
اطلعوا طلعه طبگ نسوه او رجاجيل |
اولن هذه الجنازه اعلى الحماميل |
|
ثلاث ارطال في رجله الزناجيل |
الحديد اويه الجنازه شايلينه |
_________________________
(١) نفس المصدر السابق: ٤٨٧.
* * *
ارتجت شيعته من علم الاگشر |
او گالوا هذا ريسنه بن جعفر |
|
اسليمان انتهض بيها او عليه طر |
ابن عمّه يگول الحاملينه |
* * *
هذا الطيّب المن صلبه طيبين |
الجدّه المصطفى المختار ياسين |
|
او بن حيدر علي والد السبطين |
اومه فاطمه الزهره الحزينه |
* * *
الشيعة انتهضت ابذمّة اسليمان |
او شيّعت بالمعزّة عالي الشأن |
|
بس جدّه البگه اعلى الترب عريان |
امجرّد بالحوافر ساحگينه |
* * *
المجلس الثاني عشر
الموضوع : مراسيم الغسل والتكفين والتشييع
القصيدة:
مُصابٌ له طاشت عقولُ ذوي الحجا |
إذا ما تعفّى كلُّ رزءٍ تجددا |
|
فَعَنْ رشدِهِ تاهَ الرشيدُ غوايةً |
وفارقَ نهجَ الحقِّ بغياً وأبعدا |
|
سعى بابن خيرِ الرّوس يا خابَ سعيُهُ |
فغادرَهُ رهنَ الحبوس مقيّدا |
|
ودسَّ لهُ سمّاً فأورى فؤاده |
وكُلَّ فؤادٍ منهُ حزناً توقّدا |
|
وهاكَ استمعْ ما يُعقبُ القلبَ لوعةً |
ويُنضحهُ دماً على الخدِّ خدّدا |
|
غداةَ المنادي اعلنَ الشتمَ شامتاً |
على النعشِ ياللناس ما أفضَعَ النِّدا |
|
أيحملُ موسى والحديدُ برجله |
كَما حُمِلَ السّجادُ عانٍ مقيّداً |
* * *
بالحبس گضه العمر لمّن گضه |
طاح ركن الدين واسودّ الفضا |
|
يوم نادوا هذا امام الرافضه |
العجب كل العجب منع العذاب |
|
يا گلب ذوب او تفطّر وانفطر |
واجذب الحسره لعد يوم الحشر |
|
اعله الذي بالحبس مات او عالجـ |
سر اجنازته ظلّت على وجه التراب |
|
عالج اولاج اوگضه نحبه غريب |
اولا حضر موته گرابه او لا صحيب |
|
ويل گلبي يوم جس نبضه الطبيب |
گال مسموم انحرم ماي الشراب |
* * *
بأبي ثاوياً ببغداد قاسى |
كرباتٍ حتى قضى محبوسا |
لقد مات أبرّ الناس بالناس، وأعطفهم على الضعفاء والفقراء الذي أثلج قلوبهم بصراره وهباته وعطاياه، وكشف عنهم مرارة العيش لقد مات أحلم الناس، وأكظمهم للغيظ والمكروه... ففي ذمة الله أيُّها الامام العظيم، لقد مضيت إلى الله شهيداً سعيداً، فسلامٌ عليك يابن رسول الله يوم ولدت ويوم مت واستشهدت، ويوم تبعث حيا.
تحقيق الشرطة في موت الامامعليهالسلام
قامت الشرطة بدورها في التحقيق في هذا الحادث الذي تعرض له الامام لتبرأ ساحة هارون من المسؤولية، أما التحقيق فقد قام به السندي أولاً والرشيد ثانياً، أما ما قام به السندي فكان في مواضع ثلاثة:
الأول: ما حدث به عمرو بن واقد، قال أرسل إلى السندي ابن شاهك في بعض الليل وأنا ببغداد سيحضرني، فخشيت أن يكون لسوءٍ يريدهُ بي، فأوصيت عيالي بما احتجت إليه وقلت إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ثم ركبت إليه، فلما رآني مقبلاً قال لي:
يا أبا حفص، لعلنا أرعبناك وأزعجناك؟ فقال: نعم.
فقال: ليس هنا إلّا الخير.
فرسول تبعثه إلى منزلي ليخبرهم خيري
فقال: نعم.
ولما هدأ روعه وذهب عنه الخوف، قال له السندي: يا أبا حفص أتدري لم أرسلت إليك؟
فقال: لا.
فقال: أتعرف موسى بن جعفرعليهالسلام ؟
فقال: اي والله إني أعرفه وبيني وبينه صداقة منذ دهر.
فقال: هل ببغداد ممن يقبل قوله تعرفه أنه يعرفه؟
فقال: نعم، ثم أنه سمى له أشخاصاً ممن يعرفون الامام، فبعث خلفهم، فقال لهم هل تعرفون قوماً يعرفون موسى بن جعفر؟ فسموا له قوماً فأحضرهم وقد استوعب الليل بفعله حتى انبلج نور الصبح، ولما كمل عنده الشهود نيف وخمسون رجلا أمر باحضار كاتبه ـ ويعرف اليوم بكاتب الضبط ـ فأخذ بتسجيل أسماءهم ومنازلهم وأعمالهم وصفاتهم وبعد انتهائه من الضبط دخل على السندي فعرفه بذلك، فخرج من محله والتفت إلى عمر: «قم يا أبا حفص: فاكشف الثوب عن وجه موسى بن جعفر».
قال عمرو: فكشفت الثوب عن وجه الامام وإذا به قد مات والتفت السندي إلى الجماعة فقال لهم: انظروا إليه، فدنا واحد بعد واحد فنظروا إليه ثم قال لهم: «تشهدون كلكم أن هذا موسى بن جعفر؟».
ـ نعم.
ثم أمر غلامه بتجريد الامام من ملابسه، ففعل الغلام ذلك ثم التفتَ إلى القوم فقال لهم: «أترونَ به أثراً تنكرونه؟».
فقالوا: لا، ثم سجل شهادتهم وانصرفوا(١).
الموضع الثاني: انه استدعى الفقهاء ووجوه أهل بغداد وفيهم الهيثم بن عدي وغيره فنظروا إلى الامام وهو ميت لا أثر به وشهدوا على ذلك(٢).
الموضع الثالث: انه لما وضع الجثمان المقدَّس على حافة القبر جاء رسول من قبل السندي فأمر بكشف وجه الامام للناس ليروه أنه صحيح لم يحدث به حدث(٣).
_________________________
(١) بحار الأنوار.
(٢) حياة موسى بن جعفر للقرشي: ٢ / ٥١٩ ـ ٥٢٠.
(٣) نفس المصدر السابق.
هذه الاجراءات المهمة التي اتخذها السندي بن شاهك انما جاءت لتبرير ساحة الحكومة من المسؤلية، وتنزيهها عن ارتكاب الجريمة، ولكنَّ الامام موسى بن جعفرعليهالسلام قد أفسد عليه صنعه وكشف للناس ان هارون هو الذي اغتاله بالسم.
الأمور التي قام بها هارون لرفع الشبهة
أولاً: إنّه جمع شيوخ الطالبيين والعباسيين، وسائر أهل مملكته، والحكام فقال لهم: «هذا موسى بن جعفر قد مات حتف أنفه، وما كان بيني وبينه ما استغفر الله منه ـ يعني في قتله ـ فانظروا إليه».
فدخل على الامام سبعون رجلاً من شيعته، فنظروا إليه وليس به أثر جراحة ولا خنق(١).
ولم يُجدِ ذلك هارون فانَّ الحق لابدَّ أن يظهر، وقد عرف الخاص والعام ان هارون هو الذي اغتال الامام وهو المسؤول عن دمه.
وضعه على الجسر
بالله يا يا للمسلمين، مثل الامام موسىعليهالسلام ، إمام المسلمين وسيد المتقين والعابدين وعملاق الفكر الاسلامي يلقى على جسر الرصافة وهو ميت ينظر اليه القريب والبعيد وتتفرج عليه المارة، قد أحاطت بجثمانه المقدس الشرطة، وكشفت وجهه للناس قاصدين بذلك انتهاك حرمته.
لقد حاول الرشيد يفعله هذا إذلال الشيعة واهانتهم، وقد أثر ذلك في نفوسهم ـ فظلوا يذكرونه في جميع مراحل تأريخهم مقروناً باللوعة والحزن ـ يقول المرحوم الشيخ محمد ملة:
من مبلغ الاسلام أن زعيمه |
قد مات في سجن الرشيد سميما |
|
ملقى على جسر الرصافة نعشه |
فيه الملائك أحدقوا تعظيما |
_________________________
(١) بحار الأنوار.
ويقول الخطيب الفذ المرحوم الشيخ محمد علي اليعقوبي:
مثل موسى يرمى على الجسر ميتاً |
لم يشيعه للقبور موحد |
|
حملوه وللحديد برجليه هز |
يج له الأهاضب تنهد |
النداء الفظيع
يالروعة الخطب، يالهول المصاب، فقد أمر السندي جلاوزته أن ينادوا على جثمان الإمام بذل النداء المؤلم الذي تذهب النفوس لهوله أسىً وحسرات، فبدل أن يأمرهم بالحضور لجنازة الطيب ابن الطيب أمرهم أن ينادوا وابعكس ذلك(١).
وضعوا على جسر الرصافة نعشه |
وعليه نادى بالهوان مُنادِ |
* * *
والاعظم والأشد من مات شالوه أربع حماميل |
||
وعلى الجسر مرو بيه او نعشه امن الحديد ايميل |
||
امام الرافضة اينادون والوادم دمعها ايسيل |
||
ويروط الجسر منها او كل الناس ملتمه |
||
حكيم الروم من شافه تغيّر ونخطف لونه |
||
فرك چفه وعرف سمّه أو سالت دمعة اعيونه |
||
عشر انچان اله ايگلهم هلمّيت يحضرونه |
||
أو تشهر للسمر والبيض كلها او تطلب أبدمه أو تشهر |
||
* * *
_________________________
(١) حياة موسى بن جعفر للقرشي: ٢ / ٥٢٢.
ماجت كل أرض بغداد من گوّض شديد الباس |
||
وبچتله استقر هارون وستافت بني العباس |
||
ما يدري اشجره اسليمان بس يسمع ضجيج الناس |
||
گالوله او شهر سيفه او صال او طشر اللّمه |
||
* * *
او خله اعليه المنادي ينادي والدمع ساجم |
||
هذا الطيّب الماصوف وبن الطيب الكاظم |
||
خلّه الوادم اتشيله او شالت نعشه الوادم |
||
والشيعه اطلعت تبچي او كلها ابنحره اتشمّه |
||
* * *
گام أو غسّله اسليمان بيده او يسچب العبرة |
||
او خلف اجنازته اتحفه او شگ زيچه او حفر گبره |
||
او من هال التراب اعليه حن گلبه وجذب حسره |
||
او سوه الماتم ابداره او هل دمعه اعلى بن عمه |
||
* * *
عاده او جرت عند الناس حين اللي يموت إنسان |
||
كل إخوته ايشيلونه او لا يبگه على التربان |
||
هم ميت ثلث تيام شفتوا يضل بلايه اچفان |
||
بس ابلا چفن مطروح بالطف ضل ابو اليمّه |
||
* * *
تهابه الوحش أن تدنو لمصرعه |
وقد أقامَ ثلاثاً غير مقبور |
* * *
المجلس الثالث عشر
الموضوع : أبناء الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام
القصيدة: للسيد محسن الأمين
المجالس السنة مجلد ٢ ص ٥٥٢
خلها تطوي الفلاطياً يداها |
لا تعفها فلقد طاب سراها |
|
قصدها الزوراء تنحو تربة |
طاب من مثوى الجوادين شذاها |
|
بأريج المسك يزري نشرها |
وعلى شهب السما يسمو حصاها |
|
فاذا لاحت لعينيك فقف |
واخلع النعلين في وادي طواها |
|
تر أنواراً لموسى لمعت |
نار موسى قبسات من سناها |
|
واذا كف الجواد انبجست |
لك كان الغيث في فيض نداها |
|
تفخر الزوراء في موسى على |
طور سيناء وتسمو في علاها |
|
قف بها وقفة عبد وأطل |
وقفة العيس بها والثم ثراها |
|
واذر دمع العين في ساحاتها |
فلمن تدخر العين بكاها |
|
وابك فيها كاظم الغيظ الذي |
مات مسموماً بأيدي أشقياها |
* * *
على الكاظم ينوح ويبجي الدين |
وگع بالحبس وحده وماله امعين |
* * *
بس ما طاح سدّوا بابه اعليه |
ظل وحده ولا واحد گرب ليه |
|
تگبّل مدد أيده وعدل رجليه |
گضت روحه يويلي او فرگ البين |
* * *
نهض نهضة فرح من تالي الليل |
بعد باب الحوائج عازم ايشيل |
|
شال اجنازته اعله اربع حماميل |
فوگ الجسر تتفرّج الصوبين |
* * *
في السمّ يقضي حيثُ لا مِن راحمٍ |
أو مُشفقٍ او مَنْ به يتلطّفُ |
|
فبكى له الرّوحُ الأمينُ كما غدى |
محرابه يَبكي ويبكي المُصحَفُ |
أنجب الامام موسىعليهالسلام الذرية الطاهرة والنسل الطيّب فكانوا من خيرة أبناء المسلمين ـ في ذلك العصر ـ تقوى وصلاحاً وهدياً وورعاً وابتعاداً من مآثم الحياة وأباطيلها، وقد نشأ الكثيرون منهم نشأة دينية كاملة لأن الإمامعليهالسلام قد وجههم الوجهة الصالحة، فسكبَ في نفوسهم المثل العليا والايمان بالله والتفاني في سبيل العقيدة قال ابن الصباغ في حقّهم: «ان لكل واحد من أولاد أبي الحسن موسىعليهالسلام فضلاً مشهوداً»(١).
وقال الشيخ الطبرسي: «إن لكل واحد من أولاد أبي الحسن موسىعليهالسلام فضلاً ومنقبةً مشهودة»(٢).
لقد ورثوا الفضل والشرف والمجد عن آبائهم فكانوا في سلوكهم وهديهم أمثلة رائعة للفضيلة والكمال(٣).
ورواة الأثر قد اختلفوا في عددهم اختلافاً كثيراً وفيما يلي ذلك:
الأول: انهم ثلاثة وثلاثون الذكور منهم ١٦ والاناث ١٧.
الثاني: سبعة وثلاثون الذكور ١٨ والاناث ١٩.
الثالث: ثمانية وثلاثون الذكور ٢٠ والاناث ١٨.
_________________________
(١) الفصول المهمة: ص ٢٥٦ ط.ايران.
(٢) أعلام الورى.
(٣) حياة موسى بن جعفر للقرشي: ٢ / ٣٧٧.
الرابع: أربعون الذكور منهم ١٨ والاناث ٢٢.
الخامس: ستون الذكور ٢٣ والاناث ٣٧.
وسوف نذكر عرضاً موجزاً لقسمٍ منهم.
١ ـ الامام علي بن موسى الرضاعليهالسلام
هو الإمام الثامن من أئمة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ولدعليهالسلام في يثرب سنة ١٤٨ هـ واستشهد على يد المأمون العباسي في طوس عام ٢٠٣ هـ وقد تحدّث ابراهيم بن عباس عن سمو أخلاق الامامعليهالسلام : «ما رأيتُ ولا سمعتُ بأحد أفضل من علي بن موسى الرضا، وشهدتُ منه مالم أشاهد من أحدٍ، ما رأيته جفا أحداً بكلامٍ قط ولا رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغُ منه، وما ردَّ أحداً عن حاجةٍ قدر عليها، ولا مدَّ رجليه بين يدي جليس قط، ولا اتكأ بين يدي جليس قط، ولا رأيته يشتم أحداً من مواليه ومماليكه، ولا رأيته تفل قط، ولا رأيته يقهقه في ضحكه، بل كان ضحكه التبسم، وكان إذا خلا ونصبت الموائد أجلس على مائدته مماليكه ومواليه حتى البواب والسائس، وكان قليل النوم بالليل كثير الصوم ولا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر ويقول ان ذلك يعدل صيام الدهر وكان كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك منه لا يكون إلا في الليالي المظلمة، فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقوه...»(١).
وقال عبدالسلام بن صالح الهروي: «ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضاعليهالسلام ولا رآه عالم إلا شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع له المأمون في مجالس له عدداً من علماء الأديان، وفقهاء الشريعة والمتكلمين، فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي منهم أحد إلّا أقرَّ له بالفضل، وأقر على نفسه بالقصور ولقد سمعته يقول: كنت أجلس في (الروضة) والعلماء بالمدينة متوافرون فاذا الواحد منهم عن مسألة أشاروا لي بأجمعهم، وبعثوا إليَّ المسائل فأجيب عنها...»(٢).
_________________________
(١) حياة موسى بن جعفر للقرشي: ٢ / ٣٨٠ نقلاً عن كشف الغمة: ٣ / ١٠٦.
(٢) كشف الغمة: ٣ / ١٠٧.
وقد أشاد الامام موسىعليهالسلام بمواهب ولده الرضا وعلمه لبنيه: «هذا أخوكم علي بن موسى عالم آل محمد فأسألوه عن أديانكم واحفظوا ما يقول لكم فإني سمعت جعفر بن محمد يقول لي (إن عالم آل محمد لفي صلبك وليتني أدركته فانه سمي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب)»(١).
ـ وكانعليهالسلام يرعى الفقراء كثيراً.
ـ كثيراً ما يبادر إلى التصدّق ولا سيّما في الليالي الحالكة وفي الخفاء.
ـ يجلس إلى المائدة مع مواليه ويأكل معهم.
ـ لا يميز بين المماليك والأشراف، ولا بين الأقرباء والغرباء إلّا بالتقوى.
ـ يُقسّم أفضل طعامه للجائعين قبل التناول.
ـ يجالس الفقراء.
ـ يشترك في تشييع الجنائز.
ـ لا يضحك عالياً ولا يقهقه في ضحكه أبداً بل كان ضحكه التبسم.
ـ يقدّم قضاء الحوائج (حوائج المؤمنين) على سائر الأعمال.
ـ كانعليهالسلام متواضعاً ويجلس على الحصير.
ـ لا يكسر قلب أحد بكلامه.
ـ لا يقطع كلام أحدٍ أبداً.
ـ لا يردّ طالب حاجة وهو يقدر عليها.
ـ لا يمدّ رجله بين يدي جلسائه.
ـ لسانه لا يفتر عن ذكر الله عز وجل.
_________________________
(١) نفس المصدر السابق.
ـ يحترز من الإسراف.
ـ يعود المرضى.
ـ حليم في غاية الحلم.
ـ كانعليهالسلام يتلو القرآن كثيراً.
ـ ينام في الليل قليلاً ويقضي أكثره بالعبادة.
من المدينة إلى «مَرْو»
وبعد أن اعتلى المأمون كرسيّ الحكم بعث كتاباً إلى الامام الرضاعليهالسلام استدعاه إلى خراسان، فامتنع الامام من الذهاب، إلّا أنّ المأمون أصرَّ على ذلك، وأرسل إليه الكتب تَترى لكي يُعلِمه أنه لا يكفّ عنه وبعث المأمون إثر الكتب المتواترة رسولين إلى المدينة. هما رجاء بن أبي الضحّاك وياسر الخادم. فدخلا على الإمام فور وصولهما إلى المدينة وبيّنا له فحوى مهمتهما بالقول: إنَّ المأمون أمرنا بإشخاصك إلى خراسان.
ولمّا وصل إلى خراسان عرض عليه المأمون الخلافة فأبى الإمام أن يقبلها، وبعد ذلك عرض عليه ولاية العهد فأبى الامام ان يقبلها طائعاً ولمّا هدده بالقتل على قبولها قبلها الامام كارهاً بشروط وكان ذلك في عام ٢٠١هـ، وفي عام ٢٠٣هـ قضى امامنا الرضاعليهالسلام شهيداً مسموماً من قبل المأمون العباسي، وقد روي عن الامام الرضاعليهالسلام قال: «والله ما منّا إلا مقتول شهيد».
فقيل له: ومَن يقتلك يابن رسول الله؟
قال: «شرُّ خلقِ الله في زماني، يقتلني بالسمّ»(١).
ودفن في طوس، فسلامٌ عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.
_________________________
(١) عيون أخبار الرضا: ٢ / ٢٥٦.
٢ ـ فاطمة المعصومة: وهي شقيقة الامام علي بن موسى الرضاعليهالسلام وكانت تحب أخاها الرضاعليهالسلام حباً شديداً، وكما حمله المأمون إلى مرو ليعهد له بولاية العهد خرجت فاطمة في اثره وذلك في سنة ٢٠١ هـ فلما وصلت إلى «ساوه» مرضت فسألت عن المسافة التي بينها وبين قم فقالوا لها عشر فراسخ فأمرت بحملها إلى قم فحملت اليها ونزلت في بيت موسى بن خزرج الأشعري، وقيل أن أهالي قم استقبلوها فلما وصلت أخذ موسى بن خزرج بزمام ناقتها واقدمها إلى داره وكانت عنده سبعة عشر يوماً ثم توفيت، فأمر بتغسيلها وتكفينها وذكر المحدّث القميرحمهالله والعلامة المجلسيرحمهالله : (أقبلا شخصين ملثمين مسرعين أخذا الجنازة ودفناها وغابا عن الأبصار) وبنى موسى على قبرها سقيفة من البواري إلى أن بنت عليها زينب بنت محمد بن علي الجواد عليها قبة. وحدث الحسن بن محمد القمي عن فضل زيارتها قال: كنت عند الامام الصادقعليهالسلام فقال: «ان لله حرماً وهو مكة ولرسوله حرماً وهو المدينة ولأمير المؤمنين حرماً وهو الكوفة ولنا حرماً وهو قم، وستدفن فيه امرأة من ولدي تسمى فاطمة من زارها وجبت له الجنة»(١).
قال ذلكعليهالسلام قبل ولادة الامام موسى(٢).
وكذلك ورد عن الامام الرضاعليهالسلام أنه قال: «من زارها عارفاً بحقّها وجبت له الجنة».
وذكر صاحب ناسخ التواريخ عن الامام الرضاعليهالسلام : «من زار قبر المعصومة بقم كان كمن زارني» وروي عن الامام الجوادعليهالسلام أنه قال: «من زار قبر عمتي بقم وجبت له الجنة»(٣).
٣ ـ القاسم: وحيد عصره في تقواه وصلاحه، وكان الامام الكاظمعليهالسلام يكن في نفسه أعظم الحب والود لولده القاسم لما يراه منه من الهدي والصلاح(٤).
_________________________
(١) حياة موسى بن جعفر للقرشي: ٤٣٩.
(٢) تحفة العالم: ٣٦.
(٣) راجع كامل الزيارات لابن قولويه القمي.
(٤) حياة موسى بن جعفر للقرشي: ٢ / ٤٢٩.
فكانعليهالسلام يثني عليه ويشيد به ويقومه على سائر أبناءه ما عدا ولده الامام الرضاعليهالسلام فقد روى يزيد بن سليط قال: طلبت من الامام موسىعليهالسلام أن يعيّن لي الامام من بعده فقالعليهالسلام : «أخبرك يا أبا عمارة إني خرجت فأوصيت إلى ابني علي، ولو كان الأمر لي لجعلته في القاسم ابني لحبي ورأفتي عليه، ولكن ذلك إلى الله تعالى...»(١).
ومن مظاهر تكريمه له انه كان ينتبه للقيام ببعض مهامه، فقد روى سليمان الجعفري، قال رأيت أبا الحسن يقول لابنه القاسم: قم يا بني فاقرأ عند رأس أخيك سورة «الصافات» حتى تتمها، فلما أخذ القاسم في قرائتها فلما بلغ قوله تعالى: «أَهُمْ
أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا
» لفظ الفتى نفسه الأخير وأخذ القوم في تجهيزه فانبرى يعقوب بن جعفر إلى الامام فقال له: كنا نعهد الشخص إذا نزل به الموت يقرأ عنده سورة «يس» فصرت تأمرنا بقراءة سورة «الصافات» فقالعليهالسلام
: «لم تقرأ عند مكروب من موت قط إلا عجل الله راحته»(٢).
ولما أمعن هارون في تتبع العلويين وقتلهم وارهاقهم نزح القاسم من يثرب متخفياً كاتماً لاسمه حتى لا يُعرف، فانتهى إلى «سورى» فأقام فيها غريباً مشرّداً عن أهله ووطنه، وقد نَخَرَ الحزن قلبه وأضناه السقام حتى دنا اليه الموت وهو في فجر الصبا وفي ذلك الوقت عرَّف نفسه، ومضى غريباً ومرقده الشريف يق في «سورى» وتعرف البقعة الطيبة في هذا الوقت بـ (ناحية القاسم) وهي احدى نواحي قضاء الهاشمية التابع إلى محافظة بابل «الحلة» ونسب إلى الامام الرضاعليهالسلام أنه قال: «من لم يقدر على زيارتي فليزر أخي القاسم»(٣).
ونص السيد الجليل علي بن طاووس على استحباب زيارة المرقد الطاهر وذكر له زيارة خاصة(٤). وله كرامات كثيرة يعرفها كثير من العراقيين.
_________________________
(١) اصول الكافي.
(٢) اصول الكافي.
(٣) حياة موسى بن جعفر للقرشي: ٢ / ٤٣٣.
(٤) مصباح الزائرين لابن طاووس.
٤ ـ أحمد: أمه أم ولد وكانت من السيدات المحترمات تدعى «أم أحمد» وكان الامام الكاظمعليهالسلام شديد التلطف بها، ولما توجه من المدينة إلى بغداد أودع عندها مواريث الامامة وقال لها: كل من جاءك وطلب منك هذه الأمانة في أي وقت من الأوقات فاعلمي بأني قد استشهدت وانه هو الخليفة من بعدي والامام المفترض الطاعة عليك وعلى سائر الناس وأمر ابنه الرضاعليهالسلام بحفظ الدار، ولما سمه الرشيد في بغداد، جاء اليها الامام الرضاعليهالسلام فطالبها بالأمانة، فقالت له أم أحمد: لقد استشهد والد فقال بلى والآن فرغت من دفنه فاعطيني الأمانة التي سلَّمها إليك أبي حين خروجه إلى بغداد وأنا خليفته والإمام الحق على جميع الأنس والجن فشقّت أم أحمد جيبها وردت عليه الأمانة وبايعته بالأمامة(١).
وكان أحمد من عيون المتقين والصالحين، وقد أعتق ألف مملوك متقرباً بها إلى الله تعالى.
ومما يدلُّ على صلاحه وورعه أنه لما شاع خبر وفاة الامام موسى في المدينة اجتمع أهلها على باب «أم أحمد» وخرج الناس ومعهم أحمد وقد ظنوا أنه الامام من بعد أبيه وذلك لما عليه من الجلاة ووفور العبادة وإظهار تعاليم الإسلام فظنوا أنه هو الخليفة والإمام بعد أبيه فبايعوه بالإمامة فأخذ منهم البيعة. وصعد المنبر وخطب الناس خطبة بليغة وكان منها: «أيها الناس، كما أنكم جميعاً في بيعتي فاني في بيعة أخي علي بن موسى الرضاعليهالسلام وأعلموا أنه الامام والخليفة من بعد أبي وهو ولي الله، والفرض عليَّ وعليكم من الله والرسول طاعته بكل ما يأمرنا، فكل من كان حاضراً فخضع لكلامه، وخرجوا من المسجد يقدمهم أحمد وحضروا عند الامام الرضاعليهالسلام فأقروا بامامته(٢).
والمشهور انه توفي في شيراز أيام المأمون بعد وفاة أخيه علي الرضا(٣).
_________________________
(١) حياة موسى بن جعفر للقرشي: ٢ / ٤١٠ نقلاً عن تحفة العالم: ٢ / ٨٧.
(٢) نفس المصدر السابق: ٢ / ٤١١.
(٣) الكنى والألقاب: ٢ / ٣١٧.
ويعرف قبره قبل بسيد السادات ويعرف الآن «شاه چراغ» وبقي قبره مخفياً، ولكنه ظهر في عهد الأمير مقرب الدين مسعود بن بدر فبنى عليه بناءاً، وقيل وجد في قبره كما هو صحيحاً طرياً لم يتغير وفي يده خاتم نقش عليه «العزة لله، أحمد بن موسى» فعرفوه به.
٥ ـ الحسين: يلقب بالسيد علاء الدين(١) وكان سيداً جليل القدر رفيع الشأن ومما يدل على سمو مكانته رواية البزنطي، فقد جاء فيها أنه سئل الامام الجوادعليهالسلام أي عمومتك أبرّ بك؟ فقال: الحسين قال الامام الرضاعليهالسلام صدق والله، هو والله أبرهم به وأخيرهم.
وقال المرحوم السيد جعفر آل بحر العلوم، إن قبره بشيراز.
٦ ـ حمزة: يكنى أبا القاسم، أمه أم ولد، كان عالماً فاضلاً كاملاً مهيباً جليلاً رفيع المنزلة، عالي الرتبة، مقدراً عند الخاصة والعامة سافر مع أخيه الامام الرضاعليهالسلام إلى خراسان، وكان واقفاً في خدمته ساعياً في مآريه طالباً لرضائه ممتثلاً لأمره، فلما وصل إلى «سوسعد» إحدى قرى «ترشير» خرج عليهم قوم من أتباع المأمون فقتلوه، وقبره في «بسنتان» وقد أعقب ولدين، أحدهما علي والآخر القاسم أبا محمد وإليه تنتمي السادة الصفوية، وصرحت بعض المصادر أن قبره في الري بالقرب من قبر السيد الجليل شاه عبدالعظيم(٢).
٧ ـ محمد: يكنى أبا ابراهيم، كان كريماً جليلاً موقراً يعرف بالعابد لكثرة وضوئه وصلاته، فكان في كل ليلة يتوضأ ويصلي ويرقد قليلاً ثم يقوم لعبادة الله تعالى حتى يتبلج نور الصبح، قال بعض شيعة أبيه ما رأيته قط إلا ذكرت قول الله تعالى: «كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ».
وقال الرواة إنه دخل شيراز واختفى بها وأخذ يستنسخ القرآن الكريم ومن أجرته أعتق الف مملوك.
_________________________
(١) تحفة العالم: ٢ / ٣١.
(٢) حياة موسى بن جعفر للقرشي: ٢ / ٤١٩ ـ ٤٢٠.
أعقب سبعة أولاد منهم أربع بنات وهن: السيدة حكيمة وكلثم وبريهة وفاطمة، والرجال: جعفر ومحمد وابراهيم الذي يُعرف بالمجاب وسبب تلقيبه بذلك ـ فيما يقول المؤرخون ـ انه سلم على قبر جده الامام الحسينعليهالسلام فسمع صوت من القبر الشريف: وعليك السلام يا ولدي، وقد دفن بجار جده الامام الحسينعليهالسلام وفيه يقول بعض ولده مفتخراً به وبجده الامام موسىعليهالسلام :
من اين للناس مثل جدي |
موسى وابنه المجاب |
|
اذ خاطب السيد وهو رمس |
اجابه اكرم الجواب |
توفي السيد محمد العابد بشيراز ودفن فيها وكان قبره مخفياً إلى زمان بك بن سعد بن زنكي فبنى له قبة في محلة «باغ قتلغ» وقد جدد بناؤه عدة مرات في زمان السلطان نادر خان...(١).
٨ ـ صالح: أعقب السادة الشهرين بالشجعان، ولهم شجرة، وقد توفي في تجريش، وقبره مشيد وعليه بناية ضخمة(٢).
٩ ـ آمنة: توفيت في مصر، وقبرها هناك يزار.
١٠ ـ حكيمة: أمرها أخوها الامام الرضاعليهالسلام بأن تحضر عند الخيزران (أم الامام الجوادعليهالسلام ) عند ولادتها به، وقد روت كيفية ولادته وما جرى له من المعجز آنذاك.
١١ ـ فاطمة الصغرة: قبرها في «بادكوبه» يقع في وسط مسجد بناؤه قديم.
١٢ ـ ابراهيم الاصغر: يلقب بالمرتضى وهو المشهور بابراهيم المجاب وهو أصغر ولد أبيه، وأمه نوبية اسمها بخية وذكر العبيدلي النسابة ان ابراهيم الصغير بن الكاظم كان عالماً عابداً وهو المعقب المكثر جد المرتضى والرضي قيل دفن في كربلاء بالحائر الحسيني.
١٣ ـ إبراهيم الأكبر: وكان سخياً شجاعاً كريماً، تقلد الإمرة على اليمن في أيام
المأمون من قبل محمد بن محمد بن زيد بن علي الذي بايعه أبو السرايا بالكوفة
_________________________
(١) نفس المصدر السابق: ٤٣٥.
(٢) كنز الانساب.
ومضى إليها ففتحها وأقام بها مدّة إلى أن كان من أمر أبي السرايا ما كان، فأخذ له الأمان من المأمون(١).
١٤ ـ اسحق: ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الرضاعليهالسلام وكان يلقب بالأمين وتوفي سنة ٢٤٠هـ في المدينة(٢).
١٥ ـ إسماعيل: وهو صاحب الجعفريات، وقبره في مصر، قال النجاشي، سكن مصر وولده بها، وله كتب يرويها عن أبيه عن آبائهعليهمالسلام . منها: كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصوم، كتاب الحج، كتاب الجنائز، كتاب الطلاق، كتاب النكاح، كتاب الحدود، كتاب الدعاء، كتاب السنن والآداب، كتاب الرؤيا(٣).
١٦ ـ جعفر: ويقال له الخواري، ويقال لولده الخواريون والشجريون لأن أكثرهم بادية حول المدينة يرعون الشجر، وفي مشجر العميدي، كان جعفر موصوفاً بالشجاعة والفروسية، وعده أبو نصر البخاري من خلص الموسوية الذين لم يجد أحداً يشك فيهم من النساب(٤).
١٧ ـ زيد: وهو الخارج بالبصرة أيام الأمين والمأمون، عقد له محمد بن محمد ابنه زيد بن علي على الأهواز أيام أبي السرايا، ولما دخل البصرة وغلب عليها أحرق دور بني العباس فقيل له زيد النار، وحاربه الحسن بن سهل فظفر به. وأرسله إلى مرو مقيداً، فعفا عنه المأمون، ثم سقاه السم وقتله وقبره بمرو(٥).
وذكر الشيخ عباس القميرحمهالله
في منتهى الآمال، وعظم فعل زيد على الامام
الرضا
عليهالسلام
فحلف أن لا يكلّمه أبداً، ومن جملة ما قالهعليهالسلام
لزيد: يا زيد أغرّك قول سفلة
أهل الكوفة: إنّ فاطمة
عليهاالسلام
أحصنت فرجها فحرّم الله ذريتها على النار؟ ذلك للحسن
_________________________
(١) الارشاد: ٢ / ٢٤٥ الامام موسى بن جعفر سيرة وتأريخ ص ١٠٠.
(٢) بحار الأنوار: ٤٨ / ٢٨٤ الامام موسى بن جعفر سيرة وتأريخ: ص ١٠١.
(٣) نفس المصدر: ٤٨ / ٣١٤ الامام موسى بن جعفر سيرة وتأريخ: ص ١٠٢.
(٤) بحار الأنوار: ٤٨ / ٢٨٤ الامام موسى بن جعفر سيرة وتأريخ: ص ١٠٢.
(٥) تاريخ الطبري: ١٠ / ٢٣١.
والحسينعليهماالسلام
خاصّة إن كنت ترى انّك تعصي الله عز وجل وتدخل الجنة وموسى بن جعفرعليهالسلام
أطاع الله ودخل الجنّة، فأنت إذن اكرم على الله تعالى من موسى بن جعفرعليهالسلام
والله ما ينال أحد ما عند الله تعالى إلّا بطاعته وزعمت انّك تناله بمعصيته؟! فبئس ما زعمت، فقال له زيد: أنا أخوك وابن أبيك، فقال له أبوالحسنعليهالسلام
: أنت أخي ما أطعت الله عزَّ وجلَّ انّ نوحاًعليهالسلام
قال: «رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ
الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ
» فقال الله تعالى: «يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ
غَيْرُ صَالِحٍ
...» فأخرجه الله تعالى عز وجل من أن يكون من أهله بمعصيته(١).
وذكر الشيخ المفيدرحمهالله من جملة أولاده العباس وهارون وعبدالله وعبيدالله والفضل وسليمان والحسن ورقية وأم أبيها ورقية الصغرة (كلثوم) وأم جعفر ولبابة وزينب وخديجة وعليّة وحسنة وبريهة وعبّاسة وأم سلمة وميمونة وأم كلثوم، وقال الشيخ المفيدرحمهالله ولكلّ واحد من ولد أبي الحسن موسىعليهالسلام فضلٌ ومنقبة مشهورة.
أقول: أولاد الامام موسى بن جعفرعليهالسلام ظلموا، قتلوا، شرّدوا، كما صنعوا بالائمة الطاهرين من أبناء الزهراعليهاالسلام وقبورهم شتى والعزاء لمولاتي الزهراءعليهاالسلام . نعزّيها بأبناءها على لسان الشاعر:
هالنوح يا فاطم على منهو توحين |
نوحچ على المسموم لو نوحچ على احسين |
|
نادت ودمع العين على الخد بادي |
لو تسألوني يا خلگ كلهم أولادي |
|
لچن مصاب احسين ساطي في فؤادي |
أعظم مصيبة هوَّنتها امصيبة حسين |
|
دهري رماني بالرزايا بكل غالي |
وشتّت اولادي عن يميني وعن شمالي |
|
ما شوف يوم من الحزن مرتاح بالي |
البعيد عني والذي مني قريبين |
|
منهم ابسامرا ومنهم في خراسان |
ومنهم بارض طيبه ومنهم بارض كوفان |
|
اعظم مصيبة مصيبة المذبوح عطشان |
حسين وينه اللي يواسيني على احسين |
|
لا تحسبوني للرضا في طوس ما جيت |
ولا إلى بغداد ما رحت أو تعنّيت |
|
كلهم عليهم نوَّحت والدمع هلّيت |
واعظم عليَّ لو نعى الناعي على احسين |
_________________________
(١) منتهى الآمال: ٢ / ٣٧٧ ـ ٣٧٨.
* * *
أبچي على اولادي ذبايح يوم عاشور |
لنصب عليهم ماتمي في وسط الگبور |
|
وانسيت ضلعي اللي ابسد الباب مكسور |
كل البچه والنوح والصيحة على احسين |
* * *
هذا بسامرا وذاك بكربلا |
وبطوس ذاك وذاك في بغداد |
* * *
المجلس الرابع عشر
الموضوع : أسباب استدعاء الامام الكاظمعليهالسلام وسجنه
القصيدة: للشيخ اليعقوبي ديون الذخائر
ما أنصفتك بنو الأعمام إذ قطعت |
أواصراً برسول الله تتحد |
|
أبكيكَ رهن السجون المظلمات وقد |
ضاق الفضا وتوالى حولك الرصدُ |
|
لبثت فيهن أعواماً ثمانيةً |
ما بارحتك القيود الدهم والصفد |
|
تُمسي وتغدو بنو العباس في مرحٍ |
وأنت في محبس السندي مضطهدُ |
|
دسوا إليك نقيع السم في رطب |
فاخضرَّ لونك مذ ذابت به الكبدُ |
|
حتى قضيت غريب الدار منفرداً |
لله ناءٍ غريب الدار منفردُ |
|
أبكي لنعشِكَ والأبصار ترمقه |
ملقىً على الجسر لا يدنو له أحدُ |
|
أبكيكَ ما بين حمالين أربعة |
تشال جهراً وكل الناس قد شهدوا |
* * *
يگلبي على الكاظم تولم |
يعيني اعليه سحّي الدمع من دم |
|
غريب وبالحبس ويولج بالسم |
يتگلب يسار ونوبه ايمين |
* * *
عالج ولاج وگضى نحبه غريب |
لا حضر موته صحابه اولا قريب |
|
ويل گلبي يوم جس نبضة الطبيب |
گال مسموم او مَضْ بيه الصواب |
* * *
أيُحملُ موسى والحديدُ برجلهِ |
كما حُمِلَ السجّاد عان مُقيّدا |
المقدمة
الامام موسى بن جعفرعليهالسلام مجمع الفضائل ومكارم الأخلاق الحسنة والتُقى والكرم. فالقلوب تهوي إليه وتتوجه نحو ومن هنا قال الامام الكاظمعليهالسلام لهارون: «أنا إمام القلوب، وأنت إمام الجسوم»(١).
والعباسيون تعاملوا مع أهل البيتعليهمالسلام وفق معايير ثابتة تقوم على أساس التصدّي لمدرسة أهل البيت ومطاردة شيعتهم وقمع الطالبين والنكاية بهم بسبب هاجس الخوف من نشاط الامامعليهالسلام والغيرة من دوره الفاعل والمحرّك في الحياة الاسلامية.
لذلك هناك مجموعة من الأسباب التي أدَّت إلى استدعاء الامامعليهالسلام وسجنه وهي:
١ ـ الخوف من عمل الأمامعليهالسلام : ولعلَّ من أبرز الشواهد على ذلك ماروي أن هارون العباسي (لعنه الله) لمّا صار إلى المدينة وَصَلَ كل هاشمي أو قرشي أو مهاجري أو أنصاري ممن دَخَلَ عليه بخمسة آلاف درهم وما دونها إلى مائتي دينار، على قدر شرفه وهجرة آبائه، وحين دخل الامام الكاظمعليهالسلام رحّب به، وعند منصرفه من الحج أمر بصرّة سوداء فيها مائتا دينار أرسلها إليه، فسأله المأمون وكان جريئا عليه: يا أمير المؤمنين، تعطي أبناء المهاجرين والأنصار وسائر قريش وبني هاشم ومن لا يعرف حسبه ونسبه خمسة آلاف دينار إلى مادونها، وتعطي موسى بن جعفر وقد أعظمته وأجللته مائتي دينار؟! أخسّ عطيّة أعطيتها أحداً من الناس، فقال: اسكت لا أمّ لك، فاني لو أعطيت هذا ما ضمنته له، ما كنت آمنه أن يضرب وجهي غداً بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وأعينهم(٢).
_________________________
(١) ينابيع المودة القندوزي: ٣ / ١٢٠.
(٢) عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ١ / ٨٨.
٢ ـ الحقد والغيرة: إنَّ دأبَ الطغاة في كل عصر هو احتكار أسباب العظمة والتعالي لذواتهم، فتستعر نفوسهم غيرةً وحقداً على كل شخصية مرموقةٍ في المجتمع تتميّز برجاحة العلم والحلم والزهد والكرم الشجاعة وغيرها.
ومن أوضح الأمثلة على غيرة هارون اللئيم من الإمام الكاظمعليهالسلام في موقف افتخر فيه الامامعليهالسلام على هارون حين جاء مكة حاجاً، فأتى قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم زائراً له وحوله قريش وأفياء القبائل ومعه موسى بن جعفرعليهالسلام ، فلما انتهى إلى القبر قال: «السلام عليك يا رسول الله يا بن عمي، افتخاراً على مَنْ حوله، لأنه كان في مقام استعراض لذلك يريد التضليل على الناس بالايحاء بأنه أقربهم إلى الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وبذلك فهو أحق بالخلافة.
فدنا موسى بن جعفرعليهالسلام فقال: السلام عليك يا أبة، أسألكُ الله الذي اصطفاك واجتباك وهداك وهدى أن يصلّي عليك فتغيّر وجه هارون وتبيَّن فيه الغضب، وقال: هذا الفخر يا أباالحسن حقاً، ولم يحتملها هارون، فلم يزل ذلك في نفسه حتى استدعاه وسجنه فأطال سجنه، فلم يخرج إلّا ميتاً مقيداً مسموماً»(١).
٣ ـ الوشاية: ومن الذين وشوا بالإمام هو محمد بن إسماعيل بن جعفر
الصادق
عليهالسلام
وفي هذه الرواية أن محمد بن إسماعيل بن جعفر استأذن الإمام
الكاظم
عليهالسلام
في الخروج إلى العراق فأذن له، وقال له: «أوصيك أن تتقي الله في
دمي، فقال: لعن الله من يعسى في دمك، ثم ناوله أبو الحسن
عليهالسلام
(٤٥٠) ديناراً
فقبضها محمد، ثم أمر لف بألف وخمسمائة درهم كانت عنده، فقلت له في ذلك
واستكثرته، فقال هذا ليكون أوكد لحجتي إذا قطعني ووصلته. قال: فخرج إلى
العراق واستأذن على هارون فأمر بدخوله، وقال يا أمير المؤمنين، خليفتان في
الأرض موسى بن جعفر بالمدينة يُجبى له الخراج، وأنت بالعراق يُجبى لك
_________________________
(١) تاريخ بغداد: ١٣ / ٣١.
الخراج، فقال والله: فقال: والله، قال فأمر له بمائة ألف درهم، فلمّا قبضها وحملت إلى منزله أخذته الذبحة في جوف ليلته فمات، وحُوِّل من الغد المال الذي حمل إليه إلى الرشيد»(١).
وقال ابن شهرآشوب: «كان محمد بن إسماعيل بن الصادقعليهالسلام عند عمه موسى الكاظمعليهالسلام يكتب له الكتب إلى شيعته في الآفاق، فلما ورد هارون الحجاز سعى بعمه إلى هارون، فقال الرشيد: ويلك أنا ومن؟ قال: موسى بن جعفر، وأظهر أسراره، فقبض عليه، وحظي محمد عند هارون، ودعا عليه موسى الكاظمعليهالسلام بدعاء استجابه الله فيه وفي أولاده(٢).
٤ ـ مناظرة الرشيد في مسألة فدك:
فدك هو رَمْز لحق مغتصب وخلافة مسلوبة، روى المؤرخون أن هارون الرشيد قال لموسى بن جعفرعليهالسلام : «حدّ فدكاً حتى أردها إليك، فيأبى الإمام حتى ألحَّ عليه هارون، فقالعليهالسلام لا آخذها إلّا بحدودها، قال: وما حدودها؟ قال: إن حددتها لم تردها؟ قال: بحق جدك إلا فعلت، قال أما الحد الأول فعدن، فتغير وجه الرشيد وقال: إيهاً، قال والحد الثاني سمرقند، فاربدّ وجهه، والحد الثالث افريقية، فاسودّ وجهه وقال: هيه، قال: والرابع سيف البحر مما يلي الجزر وأرمينية قال الرشيد، فلم يبقَ لنا شيء، فتحول إلى مجلسي، قال موسىعليهالسلام : قد أعلمتك أنني إن حددتها لم تردها، فعند ذلك عزم على قتله».
إنَّ موقف الامام الكاظمعليهالسلام
كان مع هارون موقفاً صريحاً لا لين فيه، فانه يراه
غاصباً لمنصب الخلافة ومختلساً للسلطة والحكم مما دعا هارون ان يودع الامام
السجن
عليهالسلام
وذلك بعد أن أصدر أوامره بإلقاء القبض على الامام، فألقت الشرطة
عليه القبض وهو قائم يصلّي لربّه عند رأس جده النبي
صلىاللهعليهوآلهوسلم
فقطعوا عليه صلاته ولم
_________________________
(١) رجال الكشي: ٢٦٣ / ٤٧٨.
(٢) مناقب اكابي طالب: ٣ / ٤٤٠.
يمهلوه من اتمامها فحمل من ذلك المكان الشريف، وقيد وهو يذرف الدموع ويوجه شكواه إلى جده الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم قائلاً: «إليك أشكوا يا رسول الله»(١).
ولم يحترم هارون قداسة القبر الشريف، فهتك حرمته، وحرمة أبناءه التي هي أولى بالرعاية والمودة من كل شيء، كما لم يحترم الصلاة التي هي أقدس عبادة في الإسلام فقطع عليه صلاته وأمر بتقييده وحمل إليه الامام وهو يرسف في ذل القيود فلما مثل عنده جفاه وأغلظ له في القول، وكان اعتقاله في سنة (١٧٩هـ) في شهر شوال لعشرٍ بقين منه(٢).
قطع الرشيد عليه فرض صلاته |
قسراً وأظهر كامن الأحقاد |
|
حتى إليه دسَّ سمّاً قاتلاً |
فأصاب أقصى منيةٍ ومراد |
* * *
عجيب امصيبته والله عجيبه |
من سجن السجن ظالم يجيبه |
او چبده امن الولم زايد لهيبه |
ولم يزلعليهالسلام يُنقل من سجن إلى سجن حتى قضى إمامنا نحبه صابراً محتسباً مسموماً في سجن السندي بن شاهك.
هلن دمه ابدال الدمع يعيون |
على الگظه غريب ابسجن هارون |
|
امگيد بالحديد أو زرگ المتون |
أجل چا وين هاشم ما يحضرون |
الجثة الكاظم خل يشيعون |
_________________________
(١) حياة الامام موسى بن جعفرعليهالسلام
لمحقق الشيخ باقر شريف القرشي ج ٢ ص ٢٦٤ ـ
٢٦٥ نقلاً عن المناقب ٢ / ٣٨٥.
(٢) حياة الامام موسى بن جعفر للشيخ باقر شريف القرشي ج ٢ ص ٤٦٥ نقلاً عن البحار
١١ / ٢٩٦ ط. القديمة.
چف الدهر ريته اليوم ينشال |
جرح گلبي ولا أظن بعد ينشال |
|
نعش موسى على احماميل ينشال |
أو يظل فوگ الجسر ثاوي رميه |
* * *
ونادوا على جسر الرصافة حوله |
نداءً له السبع الطباق تزلزلُ |
* * *
المجلس الخامس عشر
الموضوع : مواقف الإمامعليهالسلام إزاء تصرفات السلطة
القصيدة: للسيد مهدي الأعرجي
جلبوهُ قسراً من مدينة جدّهِ |
نحو المدائنِ موثقاً بقيود |
|
حبسوهُ في «طامورةٍ» لم يَنفجرْ |
ليلَ الشقا عنْ صبحها بعمودِ |
|
تبتْ يد الرجس (الرشيد) بفعلهِ |
إذْ ليسَ فيما قد جنى برشيدِ |
|
أوحى إلى (سنديّه) ليسمهُ |
سماً تذوب به صخور البيدِ |
|
فقضى سميماً في السجون مشرَّداً |
في منزلٍ عمَّن يحبُ بعيدِ |
|
وضعوا على جسر الرصافةِ نعشه |
وعليه جهراً بالإهانةِ نودي |
* * *
ثلثتيام ظل من غير تغسيل |
ما عنده عشيرة النعشه اتشيل |
|
شالوا للجسر أربع حماميل |
أو بي سمعت الناس أو غدت تلتم |
* * *
اشحال ابنه الرضا لمن گصد ليه |
أو عاين للحديد أو شاف رجليه |
|
ظل يبچي إعلى حاله أو ينحب اعليه |
حتى انچتل بخريسان بالسم |
* * *
من مبلغ الإسلام أنَّ زعيمهُ |
قد مات في سجن الرشيد سميما |
١ ـ موقفه في السجن:
بعث الامام موسى بن جعفرعليهالسلام برسالة وهو في السجن إلى هارون: «إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلّا انقضى عنك معه يوم من الرخاء حتى نفضي جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون»(١).
السجن عند الامام الكاظمعليهالسلام مدرسة للعبادة والطاعة والصبر يسخرها الانسان العارف لبلوغ مدارج الكمال، فصَبَرَ الامام الكاظمعليهالسلام راضياً بما قضاه الله حتى سمّي الكاظم لما تحمّل من صعاب وما كظم من غيظ عما فعله الظالمون به.
لذلك كان يشكر الله الامامعليهالسلام ويقول: «اللهمَّ إنّك تعلم أني كنت أسألكَ أن تفرّغني لعبادتك اللهمَّ وقد فعلت، فلك الحمد»(٢).
لقد واجه الامام الكاظمعليهالسلام السجن بروح ملؤها الصبر، فلم يهن ولم ينكل، ولم يظهر الإذعان والخضوع إلى السلطان الجائر فقد قيل لهعليهالسلام وهو في الحبس: «لو كتبت إلى فلان يكلم فيك الرشيد؟ فقال: حدثني أبي عن آبائه: إن الله عز وجل أوحى إلى داود، يا داود، إنه ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي دوني... إلّا وقطعتُ عنه أسباب السماء وأسخت الأرض من تحته»(٣).
٢ ـ موقفه من الرشيد:
للإمام حالات معينة مع الرشيد حسب متطلبات المرحلة والوقت الذي يملي عليه الموقف، ففي بعض الأحيان يكون الموقف:
أ ـ الموعظة: فقد روي عن إسماعيل بن بشر بن عمّار، قال: كتب هارون الرشيد إلى أبي الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام عِظني وأوجز قال: فكتب إليه: ما من شيءٍ تراه عينك إلّا وفيه موعظةُ(٤).
_________________________
(١) الامام موسى الكاظمعليهالسلام سيرة وتأريخ ص ٧٣ عن تذكرة الخواص ص ٣٦٠.
(٢) نفس المصدر السابق ص ٧٤ نقلاً عن الإرشاد ٢ / ٢٤٠.
(٣) نفس المصدر السابق نقلاً عن تأريخ اليعقوبي ٢ / ٤١٤.
(٤) نفس المصدر السابق نقلاً عن أمالي الصدوق: ٥٩٩.
وروى عن عبد العظيم الحسني عن محمد بن علي عن أبيه، قال: «دخل موسى ابن جعفرعليهالسلام على هارون الرشيد، وقد استخفه الغضب على رجلٍ، فقال له الامام الكاظمعليهالسلام : إنّما تغضب لله عزّ وجل، فلا تغضب له بأكثر مما غضب لنفسه»(١).
وكذلك قال الرشيد للإمام الكاظمعليهالسلام : «إنّي قاتلك! فقال الامام: لا تفعل، فإني سمعت أبي يقول: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّ العبد يكون واصلاً لرحمه وقد بقي من أجله ثلاث سنين فيمدها الله حتى ثلاثين سنة، ويكون العبد قاطعاً لرحمه وقد بقي من أجله ثلاثون سنة فيصيرها الله حتى يجعلها ثلاث سنين»(٢).
ب ـ قد تكون المواجهة أشد وأكثر وقعاً كما في المناظرات التي ردّ الامامعليهالسلام شبهات الرشيد ومنها كيفية انتسابهم إلى جدهم المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم وفضلهم على بني العباس. وهذا نص الحوار:
دَخَلَ الامام موسى بن جعفرعليهالسلام ذات يوم على الرشيد فقال الرشيد للإمامعليهالسلام : لِمَ جوزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويقولون لكم: يا بني رسول الله وأنتم بنو علي، وإنما ينسبُ المرءُ إلى أبيه، وفاطمة إنما هي وعاء، والنبيّ جدكم من قبل أمكم؟ فقلت يا أمير المؤمنين، لو أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه؟ فقال: سبحان الله! ولم لا أجيبه؟ بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك، فقلت: لكنهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يخطب إليَّ ولا أُزوجه فقال ولِمَ؟ فقلت: لأنه ولدني ولم يلدك، فقال أحسنت يا موسى.
ثم قال: كيف قلتم: إنا ذرية النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والنبي لم يعقب، وإنما العقب للذكر لا للأنثى، أنتم ولد البنت، ولا يكون لها عقب؟
فقلت: أسألك بحق القرابة والقبر تومن فيه إلّا ما أعفيتني عن هذه المسألة،
فقال: لا أو تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي، وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام
زمانهم، كذا أُنهي إليَّ، ولستُ أعفيك في كل ما أسألك عنه، حتى تأتيني فيه
_________________________
(١) نفس المصدر السابق ص ٧٥ نقلاً عن عيون أخبار الرضا ١ / ٢٩٢.
(٢) نفس المصدر السابق ص ٧٥ نقلاً عن ربيع الأبرار للزمخشري ٣ / ٥٥٣.
بحجة من كتاب الله تعالى، وأنتم تدّعون معشر ولد علي أنه لا يسقط عنكم منه شيء ألف ولا واو إلّا تأويله عندكم واحتججتم بقوله عزّ وجل(
مَّا فَرَّطْنَا فِي
الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ
)
(١) وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم، فقلت: تأذن لي في الجواب؟ فقال: هات! فقلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ
الرَّحِيمِ... وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَٰلِكَ
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ
مَن أبو عيسى يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: ليس لعيسى أب، فقلت إنما ألحقناه بذراري الأنبياءعليهمالسلام
من طريق مريمعليهاالسلام
وكذكل أُلحقنا بذراري النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
من قبل أمنا فاطمةعليهاالسلام
.
أزيدك يا أمير المؤمنين؟ قال: هات! قلت: قول الله عز وجل(
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ
مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ
وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّـهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ
)
(٢).
فكان تأويل قوله (أبناءنا) الحسن والحسين، ونساءنا (فاطمةعليهاالسلام ) وأنفسنا (علي بن أبي طالب)(٣).
٣ ـ مقاطعة الدولة:
من جملة المواقف التي اتخذها الامام الكاظمعليهالسلام
مقاطعة الدولة وتحريم
الانضواء في أجهزتها إلّا في حالات خاصة (كما بالنسبة لعلي بن يقطين) وهذا ما
نلمسه بشكل واضح بالنسبة لصفوان بن مهران الجمّال من أصحابه قال صفوان
«دخلت على أبي الحسن الأول
عليهالسلام
فقال لي يا صفوان كل شيء منك حسن
وجميل ما خلا شيئاً واحداً، قلت: جعلت فداك، أي شيء؟ قال: اكراؤك جمالك
من هذا الرجل ـ يعني هارون ـ قال والله ما أكريته أشراً ولا بطراً ولا للصيد ولا
للهو، ولكنّي أكريته لهذا الطريق ـ يعني طريق مكة ـ ولا أتولاه بنفسي، ولكن
_________________________
(١) سورة الانعام: ٣٨.
(٢) سورة آل عمران: ٦١.
(٣) عيون أخبار الرضا ١ / ٨٣.
أبعث معه غلماني فقال يا صفوان، أيقع كراؤك عليهم؟ قلت: نعم، جعلت فداك، قال: فقال لي: أتحبّ بقاءهم حتى يخرج كراؤك؟ قلت نعم، قال: مَن أحبّ بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم ورد النار، قال صفوان فذهبت فبعت جمالي عن آخرها.
ولهذا الموقف أسباب أهمّها
١ ـ أنَّ السلطة العباسية قد أمعنت في إقصاء الأمّة عن قيادة الامة ومارست معهم شتّى أساليب الظلم والجور والقتل والسجن وغيرها، لذلك فإنَّ التعاون مع تلك السلطات هو تعبير عن حالة الرضا عن ذلك الموقف.
٢ ـ العمل في أجهزة الدولة العباسية يغيِّر عن الاعتراف والإقرار بشرعيتها وأحقيّة ممارستها.
٣ ـ هذا الموقف بمثابة دعوة صريحة للأمة إلى الأنفتاح على مبادئها الرسالية وتوعيتها على واقع الظلم والفساد(١).
تباً لهم من أمةٍ لم يحفظوا |
عهد النبي بآله الأمجاد |
|
قد شتتوهم بين مقهور ومأ |
سورٍ ومتخورٍ بسيف عناد |
|
لهفي وهل يجدي أسىً لهفي |
على موسى بن جعفر علة الايجاد |
|
ما زال ينقل في السجون معانياً |
عضَّ القيود ومثقل الأصفاد |
* * *
يا گلبي ذوب أو يا دمع عيني تفجّر |
للي گضه ابسجن الرجس گلبه تفطر |
|
امر الطاغي اتشيل ابن جعفر حماميل |
شالوا الجنازه او لا مشت خلفه رياجيل |
|
واعله الجسر ذبوه وابرجله زناجيل |
واگلوب شيعتهم عليه ابنار تسعر |
* * *
_________________________
(١) الامام موسی الكاظمعليهالسلام سيرة وتأريخ علی موسی الكعبي ص ٧٨ ـ ٧٩.
شيعة علي الكرار فجعتهم شديدة |
من عاينوه امغلل او بالساگ گيده |
|
مطروح فوگ الجسر ما فكوا حديده |
صاحت يبوا ابراهيم يومك صاير أگشر |
* * *
وضعوا على جسر الرصافة نعشه |
وعليه نادى بالهوان منادي |
* * *
الخاتمه
اللهمَّ لك الحمدُ ولك الشكر على ما وفقتنا من كتابة هذه المجالس، وأعنتنا على ذلك، فلك الحمد.
وبعد فهذه المجالس مع اختصارها لا تفي بسيرة الامام العظيم موسى بن جعفر (عليه الاف التحية والثناء) ولكن أحببنا أن نكتب في سيرة الامام الكاظمعليهالسلام الصابر، وأسأل الله سبحانه أن يمدَّ في أعمارنا لنكمل هذه المجالس في طبعةٍ جديدة لغير هذه الطبعة لنضيف لها ما لم يتسع المجال لكتابته في هذه الطبعة والله من وراء القصد وهو وليُّ التوفيق «وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ »
يوم الأربعاء العاشر من شهر شعبان ١٤٣٤هـ |
شكر وتقدير
إلى كل مَن رفدنا بكتابٍ أو خدمةٍ أو معروفٍ في إصدار هذا الكتاب، لا سيما من أشرف على صف الحروف وتنضيدها وإخراج الكتاب ومن صمّم الغلاف ومن طبعه وشكراً لناشر الكتاب، وقد روي عن الامام الرضاعليهالسلام أنّه قال «مَن لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر الخالق» فالشكر لجميع من ساهم في إخراج وإصدار هذا الكتاب ومنهم الشاب الموفّق السيد محمد شبّر على عناءه واهتمامه ومثابرته فجزاه الله خير جزاء المحسنين.
كما لا يفوتني أن أشكر الأخ العزيز الأستاذ الحاج عادل المياحي على جهوده والحاج الأستاذ ابو رضوان والشاب الموَّفق الحاج محمّد مهدي الغفوري وكل مَن ساهم فجزى الله جميعاً خير الجزاء.
المصادر
١ ـ القرآن الكريم
٢ ـ بحار الأنوار للعلامة المجلسي
٣ ـ نور الابصار للشيخ محمد مهدي المازندراني الحائري
٤ ـ حياة الامام موسى بن جعفرعليهالسلام للشيخ باقر شريف القرشي
٥ ـ الامام موسى الكاظمعليهالسلام سيرة وتأريخ الاستاذ علي موسى الكعبي
٦ ـ حياة الامام علي بن موسى الرضاعليهالسلام للشيخ باقر شريف القرشي
٧ ـ ديوان محمد علي اليعقوبي
٨ ـ ديوان شعراء الامام الحسينعليهالسلام جمع المرحوم محمد باقر الايرواني النجفي
٩ ـ فلك النجاة
١٠ ـ وسيلة الدارين
١١ ـ رياض المدح والرثاء للشيخ سلمان البحراني
١٢ ـ مجمع المصائب للهنداوي
١٣ ـ الروضة الدكسنية محمد حسن الدكسن
١٤ ـ ديوان الجمرات الودية ملا عطية الجمري
١٥ ـ ديوان الفائزيات الكبرى
١٦ ـ سيرة الأئمة الشيخ مهدي بيشوائي
الفهرست
المقدمة ٧
المجلس الأول ١١
الموضوع: ـ في ولادة الإمام موسى بن جعفر عليهالسلام ١١
«آيات ودلالات الإمام منذ ولادته» ١١
«ابتهاج الإمام الصادق عليهالسلام بالوليد المبارك» ١٢
محبّةُ الإمام الصادق عليهالسلام لولده موسى عليهالسلام ١٢
نبوغ الإمام الكاظم وعلمه ١٢
الإمام الكاظم عليهالسلام لا يلهو ولا يلعب ١٢
المجلس الثاني ١٥
الموضوع: أخلاق الإمام موسى بن جعفر عليهالسلام وإحسانه إلى الناس ١٥
المجلس الثالث ١٩
الموضوع: بين هارون وموسى عليهالسلام ١٩
لمن هذا القصر؟ ٢٠
هارون رجل الشهوات والملذّات ٢١
الإسراف في الموائد ٢١
الإسراف في الجواري ٢١
ولعه بالجواهر ٢٢
ولعه بالغناء ٢٢
شربه للخمر ٢٣
لعبه بالنرد ٢٣
موقف الإمام الكاظم من هارون ٢٣
كيفية سجن الإمام ؟ ٢٤
المجلس الرابع ٢٧
الموضوع : قبس من عبادة الامام موسى بن جعفر عليهالسلام ٢٧
المقدمة ٢٨
الفضل بن الربيع يتحدَّث عن سجوده ٢٩
المجلس الخامس ٣٣
الموضوع: علم الإمام موسى بن جعفر عليهالسلام ٣٣
المقدمة: ٣٤
ذكاء مفرط ٣٥
مع أبي حنيفة ٣٦
سرعة بديهة ٣٦
بعض أجوبته ٣٧
من كتابٍ له إلى هارون الرشيد ٣٧
مع السندي بن شاهك ٣٧
المجلس السادس ٤١
الموضوع: اخباره بالمغيّبات ٤١
المقدمة: ٤٢
بعض ما أخبر به الإمام موسى بن جعفر عليهالسلام ٤٣
المجلس السابع ٤٩
الموضوع: باب الحوائج ٤٩
موضوع المجلس السابع: باب الحوائج ٥٠
شفاء أحمد بن ربيعة ببركة الإمام موسى بن جعفر عليهالسلام ٥١
الإمام في سجن السندي بن شاهك ٥٢
المجلس الثامن ٥٥
الموضوع: كرامات الامام موسى بن جعفر عليهالسلام ٥٥
كرامات الإمام موسى بن جعفر عليهالسلام كثيرة نذكر بعضها: ٥٦
مع علي بن يقطين وابراهيم الجمّال ٥٧
خبر دراعة خزسوداء ٥٨
المجلس التاسع ٦١
الموضوع : الامام الكاظم عليهالسلام والتقية وتحرزه عنها في مقام اتمام الحجة ٦١
المقدمة ٦٢
الامام الكاظم عليهالسلام والتقية وتحرزه عنها في مقام اتمام الحجة ٦٢
«ووصية لعلي بن يقطين بان يتوضأ على وضوء العامة» ٦٣
عدم مبالاة الإمام الكاظم عليهالسلام بسطوة هارون في مقام إتمام الحجة ٦٤
«ما ورد عن الامام الكاظم عليهالسلام في ابطال القياس» ٦٥
تعريضه عليهالسلام لفقهاء أهل العامة على فتواهم بغير علم ٦٦
تعريضه عليهالسلام لفقهاء أهل العامة على عملهم في الاحكام الشرعية بالرأي ٦٦
إفحامه عليهالسلام للفقيه المعروف بـ (ابي يوسف القاضي) ٦٦
هارون الرشيد للإمام حد فدكاً حتى أردها اليك ٦٦
المجلس العاشر ٦٩
الموضوع : علي بن يقطين وبعض نشاطاته ٦٩
ترجمته ٧٠
بشَّرهُ الامام الكاظم عليهالسلام ٧٠
علي بن يقطين بذل ماله ومودته للإمام الكاظم عليهالسلام ٧١
دعاء الامام الكاظم عليهالسلام في موقف عرفة لعلي بن يقطين ٧١
مائة وخمسين رجلاً حجّوا عنه في عام واحد ٧١
كان يرسل أمواله إلى الامام الكاظم عليهالسلام ٧١
الامام الكاظم عليهالسلام أجازه في عمله مع هارون ٧٢
المجلس الحادي عشر ٧٥
الموضوع: السجون التي مَرَّ بها الامام موسى بن جعفر عليهالسلام ٧٥
يوم الطفوفِ ولا مدّوا عليه ردا ٧٦
المقدمة: الأسباب التي دعت هارون لسجن الامام عليهالسلام ٧٦
القبض على الإمام عليهالسلام ٨٠
سجنه في البصرة ٨١
ما قام به الامام عليهالسلام في سجن البصرة ٨١
أوعز هارون لعيسى بقتل الامام عليهالسلام ٨١
نقل الامام عليهالسلام إلى بغداد ٨٢
إنشغاله بالعبادة في سجن الفضل بن الربيع ٨٢
دعاء الامام في السجن ٨٢
سجن الفضل بن يحيى البرمكي ٨٤
في سجن السندي بن شاهك ٨٤
سم الامام عليهالسلام ٨٥
المجلس الثاني عشر ٨٧
الموضوع : مراسيم الغسل والتكفين والتشييع ٨٧
تحقيق الشرطة في موت الامام عليهالسلام ٨٨
الأمور التي قام بها هارون لرفع الشبهة ٩٠
وضعه على الجسر ٩٠
النداء الفظيع ٩١
المجلس الثالث عشر ٩٣
الموضوع : أبناء الإمام موسى بن جعفر عليهالسلام ٩٣
من المدينة إلى «مَرْو» ٩٧
المجلس الرابع عشر ١٠٧
الموضوع : أسباب استدعاء الامام الكاظم عليهالسلام وسجنه ١٠٧
المقدمة ١٠٨
المجلس الخامس عشر ١١٣
الموضوع : مواقف الإمام عليهالسلام إزاء تصرفات السلطة ١١٣
١ ـ موقفه في السجن: ١١٤
٢ ـ موقفه من الرشيد: ١١٤
٣ ـ مقاطعة الدولة: ١١٦
ولهذا الموقف أسباب أهمّها ١١٧
الخاتمه ١١٩
شكر وتقدير ١٢٠
المصادر ١٢١
الفهرست ١٢٢