الأخلاق في القرآن
الجزء الأوّل
آية الله العظمى
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
الاهداء :
الى الذين عشقوا القرآن الكريم
إلى رواد ماء الحياة من هذا الينبوع الصافي
الى الذين يريدون أن يفهموا القرآن ويعلموا به
بمساعدة مجموعة من الفضلاء
١ ـ محمد جعفر الامامي
٢ ـ محمدرضا الاشتياني
٣ ـ عبدالرسول الحسني
٤ ـ محمد الاسدي
٥ ـ حسين الطوسي
٦ ـ سيد شمس الدين الروحاني
٧ ـ محمد محمدي الاشتهاردي
المقدمّة :
لا يخفى أنّ المسائل الأخلاقيّة ، تخطى بأهميّةٍ كبيرةٍ في كلّ زمانٍ ، ولكنّ في عصرنا الحاضر ، إكتسبت أهمية خاصة ، وذلك :
١ ـ إنّ قوى الإنحراف وعناصر الشرّ والفساد ، قد إزدادت في هذا العصر ، أكثر من جميع العصور السّالفة ، فإذا كان التّحرك في الماضي في خطّ الباطل والإنحراف ، يكلّف الإنسان مبلغاً من المال ، أو شيئاً من الجهد ، ففي هذا الزّمان وبسبب التّقدم العلمي والتّطور الحضاري ، أصبحت أدوات الفساد في متناول الجميع ، هذا من جهةٍ :
٢ ـ ومن جهةٍ اخرى ، إنّنا نعيش في هذا العصر ضخامة المقاييس ، فبينما كانت المقاييس والموازين محدودةً في الماضي ، وبتبع ذلك نرى محدوديّة المفاسد الإجتماعية والأخلاقيّة ، فإنّ القتل في هذا الزّمان بسبب أسلحة الدّمار الشّامل ، والفساد الأخلاقي بسبب انتشار أشرطة الفيديو والسّينما الخليعة ، وكذلك ما يفرزه «الأنترنيت» من معلوماتٍ فاسدةٍ ، ويضعها في متناول الجميع ، كلّ ذلك يحكي عن إنفجار في دائرة الفساد والإنحراف ، وكسر القوالب الضّيقة الّتي كانت تحدد قوى الباطل في الماضي ، ليسري إلى خارج الحدود ، ويصل إلى أقصى بقعةٍ في العالم.
وإذا كان إنتاج المواد المخدّرة في السّابق ، ينحصر بقريةٍ أو منطقةٍ محدودةٍ ، ولا يتجاوز ضرره سوى المناطق المجاورة ، فاليوم نرى أنّ الابتلاء بمرض الإدمان ، ومن خلال عمليّة التّهريب الواسعة لعصابات الموت ، قد غطى أجواء العالم أجمع.
٣ ـ ومن جهةٍ ثالثةٍ ، أنّنا نشاهد توسّعاً هائلاً في العلوم النّافعة لِلبشر ، في مختلف جوانب الحياة في علوم الطّب والفضاء ، والإتصالات والمواصلات وأمثال ذلك ، وكذلك الحال في
العلوم الشّيطانية ووسائل الفساد والإنحراف ، حيث تطورت بشكل مذهلٍ ، الى حدٍ إنّ القوى الشيطانيّة التي تقف وراء إنتاج أدوات الإفساد الإجتماعي ، يتوصلون إلى تحقيق أهدافهم بطرق ملتويةٍ كثيرةٍ ويسيرةٍ ، ومثل هذه الظّروف والأجواء تحتم علينا الإهتمام بالمسائل الأخلاقية أكثر من أيّ وقت مضى ، وإلّا فعلينا أن نتوقّع الكارثة ، أو الكوارث التي تشلّ في الناس إرادة المواجهة ، وتحولهم إلى كياناتٍ مهزوزةٍ أمام حالات الخطر.
ويجب على العلماء الواعين والمفكّرين المخلصين ، أن يتحركوا من موقع التّكاتف فيما بينهم ، لتعميق الأخلاق في قلوب الناس ، وتفعيل عناصر الخير في وجدانهم ، والانتباه إلى الخطر المحيط بالأخلاق ، بحيث إنّ البعض أنكر فائدتها من الأساس ، أو ذهب إلى أنّها غير ضروريّةٍ ، والبعض الآخر تعامل معها من موقع المصلحة والبرُاجماتية ، للوصول إلى مطامعه السّياسية.
ولحسن الحظ فإنّنا كمسلمين ، نمتلك مصدراً عظيماً للمعارف الأخلاقيّة ، وهو القرآن الكريم ، الذي لا يُدانيه أيّ مصدر ديني آخر في العالم.
ورغم أنّ العلماء والمفسّرين ، قد تناولوا البحوث القرآنية في دائرة الأخلاق ، بالبحث والدّراسة ، إلّا أنّ هذه الأبحاث والدراسات جاءت متفرقة ولا تفي بالغرض ، ولهذا إفتقرت السّاحة الثقافية والتّفسيرية ، إلى كتابٍ أو كُتبٍ لدراسة هذا الموضوع ، بالإستيحاء من الآيات القرآنية ، فكان هذا الكتاب الذي بين أيديكم وبإسم : (الأخلاق في القرآن) ، إستجابة عمليّةً لِهذه الحاجة الماسّة في حركة الواقع الثّقافي والدّيني ، لسدّ هذه الثّغرة في صرح البناء الثقافي والحضاري للإسلام.
وجاء هذا الكتاب ، بعد بحوثٍ ودراسات في التّفسير الموضوعي للقرآن الكريم شملت المعارف والعقائد الإسلاميّة في دورته الاولى ، ولتكون الدّورة الثّانية ، مختصّةً ببحوث الأخلاق الإسلاميّة في القرآن الكريم.
وبحمد الله فقد إنتهينا من هذه الأبحاث الأخلاقية في ثلاث أجزاء ، تناول الجزء الأوّل منها ، دراسة المسائل الأخلاقيّة الكليّة في دائرة الأخلاق ، وهذا هو الكتاب الذي بين أيديكم ،
حيث يمكن الإستفادة منه بعنوان كتابٍ درسي للرّاغبين ، ويتكفل الجزء الثاني والثالث ، ببيان تفاصيل هذه المسائل الكليّةً وجزئيّاتها ومصاديقها.
نأمل أن تكون هذه الأبحاث الأخلاقية ، المستوحاة من أجواء القرآن الكريم ، خطوة اخرى على طريق حلّ المشاكل الأخلاقيّة والثقافيّة للإنسان ، في حركة الحياة والواقع الإجتماعي ، ونسأل الله تعالى أن ينظر إليها بنظرة القبول ، ويجعلها ذخيرةً لنا يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون ، ونرجو من الاخوة أن يتفضلوا علينا بإرشادنا إلى موضع النّقص إن وجد.
والحمد لله ربّ العالمين
ربيع الأول ١٤١٩ ه. ق
١
أهميّة الأبحاث الأخلاقيّة
تنويه :
هذا البحث يعدّ من أهم الأبحاث القرآنيّة ، ويعتبر من أهمّ أهداف الأنبياء كذلك ، إذ لو لا الأخلاق ، لما فهم الناس الدّين ولَما إستقامت دنياهم : وكما قال الشّاعر :
وإنما الامم الأخلاق ما بَقيتْ |
فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذَهبوا |
فلا يُعتبر الإنسان إنساناً إلّا باخلاقه ، وإلّا سوف يصبح حيواناً ضارياً كاسراً ، يحطّم ويكتسح كلّ شيء ، وخصوصاً وهو يتمتّع بالذّكاء الخارق ، فيثير الحروب الطّاحنة ، لغرض الوصول لأهدافه الماديّة غير المشروعة ، ولأجل أن يبيع سلاحه الفتّاك ، يزرع بذور الفُرقة والنّفاق ويقتل الأبرياء!
نعم ، يمكن أن يكون متمدّناً في الظّاهر ، إلّا أنّه لا يقوم له شيء ، ولا يميّز الحلال من الحرام ، ولا يفرّق بين الظّلم والعدل ، ولا الظّالم والمظلوم!
بعد هذه الإشارة نعرّج على القرآن الكريم لنستوحي من آياته الكريمة التالية ، تلك الحقيقة :
١ ـ ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ
الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (١) .
٢ ـ ( لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (٢) .
٣ ـ ( كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) (٣) .
٤ ـ ( رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (٤) .
٥ ـ ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) (٥) .
٦ ـ ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) (٦) .
٧ ـ ( وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ) (٧) .
الآيات الأربع الأُول : تقرّر حقيقةً واحدةً ، ألا وهي ، أنّ إحدى الأهداف المهمّة ، لبعثة النّبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، هو تزكية النّفوس وتربيّة الإنسان ، وبلورة الأخلاق الحسنة ، في واقعه الوجداني ، بحيث يمكن أن يقال : إنّ تلاوة الآيات وتعليم الكتاب والحكمة التي أشارت إليها الآية المباركة الاولى ، يعُد مقدمة لمسألة تزكية النّفوس وتربية الإنسان ، والذي بدوره يشكّل الغاية الأساسيّة لعلم الأخلاق.
ولأجل ذلك يمكن تعليل تقدم كلمة : «التزكية» ، على : «التعليم» ، في الآيات الثلاث ، من حيث إنّ «التّزكية» هي الهدف والغاية النهائيّة ، وإن كان «التّعليم» من الناحية العمليّة مقدمٌ عليها.
__________________
١ ـ سورة الجُمعة ، الآية ٢.
(٢). سورة آل عمران ، الآية ١٦٤.
(٣). سورة البقرة ، الآية ١٥١.
(٤). سورة البقره ، الآية ١٢٩.
(٥). سورة الشّمس : الآيات ٩ و ١٠.
(٦). سورة الأعلى : الآيات ١٤ و ١٥.
(٧). سورة لقمان ، الآية ١٢.
وإن نظرنا«للآية الرابعة» : من بحثنا هذا ، وتقديمها لكلمة التّعليم على التّزكية ، فهي ناظرةٌ إلى المسألة من حيث الترتب العملي الطبيعي لها ، بإعتبار أنّ التّعليم مقدمةٌ «للتربية والتّزكية».
ولهذا نرى أنّ الآيات الأربع الاولى ، كلّ منها تنظر إلى المسألة من منظارها الخاص.
وليس بعيداً إحتمال رأيٌ آخر ، من التّفسير في الآيات المباركة الأربع ، وهو أنّ الغرض ، من التّقديم والتّأخير الحاصل لهذين الكلمتين : (التّربية والتعليم) ، بإعتبار أنّ إحداها تؤثّر في الاخرى ، يعني كما أنّ التعليم الصّحيح يكون سبباً في الصّعود بالأخلاق ، وتزكية النّفوس ، تكون تزكية النفوس هي الاخرى مؤثّرة في رفع المستوى العلمي ، لأنّ الإنسان بوصوله للحقيقة العلميّة ، يكون قد تطهر من «العناد» و «الكِبر» و «التّعصب الأعمى» ، حيث تكون الأخيرة مانع من التّقدم العلمي ، ومعها سوف يُران على قلبه على حد تعبير القرآن الكريم ، ولن يرى الحقيقة كما هي في الواقع.
ويمكن الإشارة الى نكات اخرَى في الآيات الكريمة الأربعُ :
الآية الاولى : تشير إلى أنّ بعث رسول يُعلِّم الأخلاق ، هي من علامات حضور الباري تعالى في واقع الإنسان لتفعيل عناصر الخير في وجدانه ، وأنَّ النقطة المعاكسة (للتربية والتعليم) هي الضّلال المبين ، فهي تبين مدى إهتمام القرآن الكريم بالسلوك الأخلاقي للإنسان في حركة الحياة.
الآية الثّانية : نجد فيها أن إرسال رسول يُزكيهم ويُعلّمهم الكتاب والحكمة ، هي من المنن والمواهب الإلهيّة العظيمة ، التي منّ الله بها علينا ، وهي دليل آخر على أهميّة الأخلاق.
الآية الثّالثة : وهي الآية التي نزلت بعد آيات تغيير القبلة ، من القدس الشّريف إلى الكعبة المشرّفة ، حيث عُدَّ هذا التغيير من النّعم الإلهيّة الكبرى ، وأنّ هذه النعمة هي كإرسال الرسول للتعليم والتّزكية وتعليم الإنسان اموراً لم يكن يعلمها ولن يتمكن من الوصول إليها إلّا عن طريق الوحي الإلهي(١) .
__________________
١ ـ ففي جملة : «ويعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون» ، إشارةً إلى أنّ الوصول إلى هذا العلم ، لا يمكن الّا بالوَحي.
الآية الرّابعة : تتحدث عن أنّ إبراهيم الخليلعليهالسلام ، وبعد إكماله لبناء الكعبة ، طلب من الباري تعالى : أن يخلق من ذريّته امّةً مسلمةً ؛ وأن يبعث فيهم رسولاً من ذريّته ، ليزكّيهم في دائرة التربية الأخلاقيّة ، ويعلّمهم الكتاب والحكمة.
الآية الخامسة : نجد أن القرآن الكريم ، وبعد ذكر أحدَ عشرَ قَسَماً مهماً ، وهي من أطول الأقسام في القرآن ، ـ قسماً بالشّمس والقمر والنّجوم والنفس الإنسانية ـ ، وبعد ذلك قال :( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) .
وهذا التأكيد المتكرّر والشّديد في هذه الآيات ، يدلّ على أنّ القرآن الكريم ، يولّي أهميّةً بالغةً لمسألة الأخلاق ، وأنّ التّزكية هي الهدف الأهم للإنسان ، وتكمن فيها كلّ القيم الإنسانيّة ، بحيث تكون نجاة الإنسان بها.
ونفس المعنى أعلاه ورد في :«الآية السّادسة» ، واللّطيف فيها أَنّ ذكر التّزكية جاء قبل الصلاة ، وذكر الله تعالى ، إذ لو لا التّزكية وصفاء الرّوح لا يكون للصّلاة معنى ، ولا لذكر الله.
وجاء في«الآية الأخيرة» ، ذكر لُقمان الحكيم ، حيث عبّر عن علم الأخلاق بالحكمة ، فقال :( وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ) .
وبالنّظر للآيات الشّريفة ، نرى أنّ خصوصيّة : «لقمان الحكيم» ، هي تربية النّفوس والأخلاق ، ومنها يتّضح أنّ المقصود من الحكمة هنا ، هو الحكمة العمليّة وتعاليمها المؤدّية إليها ، وبعبارة اخرَى يعني : «التّعليم» لأجل «التّربية».
ويجب الإنتباه وكما ذكرنا مراراً ، إلى أنّ أصل معنى «الحكمة» هو لجام الفرس ، وبعدها أطلقت على كلّ شيء رادعٍ ، وبإعتبار أنّ العلوم والفضائل الأخلاقيّة ، تردع الإنسان عن الرّذائل فأطلقت عليها هذهِ الكلمة.
النّتيجة :
نستوحي من هذهِ الآيات ، الإهتمام الكبير للقرآن الكريم بالمسائل الأخلاقيّة وتهذيب
النفوس ، بإعتبارها مسألةً أساسيّةً ، تنشأ منها وتبتني عليها جميع الأحكام والقوانين الإسلاميّة ، فهي بمثابة القاعدة الرّصينة والبناء التحتي ، الذي يقوم عليه صرح الشّريعة الإسلاميّة.
نعم إنّ التّكامل الأخلاقي للفرد والمجتمع ، هو أهم الأهداف التي تعتمد عليه جميع الأديان السّماوية ، إذ هو أساس كلّ صلاحٍ في المجتمع ، ووسيلةٍ رادعةٍ لمحاربة كلّ أنواع الفساد والإنحراف ، في واقع الإنسان والمجتمع البشري في حركة الحياة.
والآن نعطف نظرنا إلى الروايات الإسلاميّة ، لنرى أهميّة هذه المسألة فيها :
أهميّة الأخلاق في الرّوايات الإسلاميّة :
لقد أولت الأحاديث الشّريفة لهذه المسألة أهمية بالغةً سواء كانت في الروايات الواردة عن الرّسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، أم عن طريق الأئمّة المعصومينعليهمالسلام ، ونورد بعضاً منها :
١ ـ الحديث المعروف عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :
«إِنّما بُعثتُ لأُتمَمَ مكارمَ الأخلاقِ» (١) .
وجاء في حديثٍ آخر :«إنّما بُعثتُ لأُتمَمَ حُسنَ الأخلاقِ» (٢) .
وجاء في آخر :«بُعثتُ بمكارمِ الأخلاقِ ومحاسِنها» (٣) .
ونرى أن كلمة «إنّما» تفيد الحصر ، يعني أنّ كلّ أهداف بعثة الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، تتلخص في التّكامل الأخلاقي.
٢ ـ وجاء في حديثٍ عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، حيث قال :
«لَو كُنّا لا نَرجو جنّةً ولا ناراً ولا ثواباً ولا عِقاباً ، لكان يَنبغي لَنا أن نُطالِبَ بِمكارمِ الأخلاقِ فإنّها ممّا تَدُلُّ على سبيلِ النجاحِ» (٤) .
__________________
١ ـ كنز العمّال : ج ٣ ، ص ١٦ ، ح ٥٢١٧٥.
٢ ـ المصدر السابق ، ح ٥٢١٨.
٣ ـ بحار الأنوار : ج ٦٦ ، ص ٤٠٥.
٤ ـ مستدرك الوسائل ، ج ٢ ، ص ٢٨٣ الطبعة القديمة.
يبيّن لنا هذا الحديث أهمية الأخلاق وفضائلها ، إذ هي ليست سبباً في النجاة في الاخرى فقط ، بل هي سبب لصلاح الدّنيا أيضاً ، (وسنتناول هذا البحث مفصّلاً في القريب العاجل إن شاء الله تعالى).
٣ ـ الحديث الآخر الذي ورد عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، حيث قال :
«جَعَلَ اللهُ سُبحانَهُ مكارمَ الأخلاقِ صِلةً بينه وبين عبادِهِ فحسب أَحدِكُم أَن يتمسّكَ بخُلقٍ مُتَّصلٍ باللهِ» (١) .
وبعبارةٍ اخرى : أنّ الباري تعالى هو المعلم الأكبر للأخلاق ، وهو مربّي النّفوس ، ومصدر لكلّ الفضائل ، والقرب منه تعالى لا يتمّ إلّا بالتّحلي بالأخلاق الإلهيّة.
وعلى هذا نرى أنّ كلّ فضيلةٍ يتحلى بها الإنسان ، تؤدي إلى تعميق العلاقة بينه وبين ربّه ، وتقربه من الذّات المقدّسة أكثر فأكثر.
وحياة المعصومينعليهمالسلام كلّها تبيّن هذهِ المسألة ، فإنّهم كانوا دائماً يدعون إلى الأخلاق ، والتّحلي بالفضائل ، وهم القُدوة الحسنة في سلوك هذا الطريق ، وسنتطرق في المستقبل إلى نماذج من أخلاقيّاتهمعليهمالسلام ، ويكفي شرفاً للرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، أنّ الله تعالى نعته في سورة القَلم :
( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) .(٢)
إشارات مهمة :
١ ـ تعريف علم الأخلاق
أخلاق جمعخُلق (على وزن قُفل) ، وخُلُق على وزن افُق ، وعلى حد تعبير الرّاغب في كتابه المفردات ، أنّ هاتين الكلمتين ترجعان إلى أصلٍ واحدٍ ، وهو«خلق» بمعنى الهيئة والشّكل الذي يراه الإنسان بعينه ، والخُلق بمعنى القوى والسّجايا الذاتية للإنسان.
ولذا يمكن القول بأنّ : «الأخلاق هي مجموعة الكمالات المعنويّة والسّجايا الباطنيّة
__________________
١ ـ تنبيه الخواطر ، ص ٣٦٢.
٢ ـ سورة القلم ، الآية ٤.
للإنسان» ، وقال بعض العلماء : إنّ الأخلاق أحياناً تُطلق على العمل والسّلوك ، الذي ينشأ من الملكات النفسانية للإنسان أيضاً ، (فالأولى الأخلاق الصفاتية والثانية السلوكيّة).
ويمكن تعريف الأخلاق من آثارها الخارجيّة أيضاً ، حيث يصدر أحياناً من الإنسان فعل إعتباطي ولكن عند ما يتكرّر ذلك العمل منه : (مثل البخل وعدم مساعدة الآخرين) ، يكون دليلاً على أنّ ذلك الفعل يمدّ جذوره في أعماق روح ذلك الإنسان ، تلك الجذور تسمى بالخُلق والأخلاق.
وفي ذلك قال«ابن مِسكَوَيه» ، في كتاب«تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق» : إنّ الخُلق هو تلك الحالة النفسانيّة التي تدعو الإنسان ، لأفعالٍ لا تحتاج إلى تفكّر وتدبّر»(١) .
وهو نفس ما إشار إليه المرحومالفيض الكاشاني في كتاب«الحقائق» ، حيث يقول : «إعلم أنّ الخُلق هو عبارة عن هيئة قائمة في النفس ، تصدر منها الأفعال بسهولة من دون الحاجة إلى تدبّر وتفكّر»(٢) .
وعليه قسمّوا الأخلاق إلى قسمين : الملكات التي تنبع منها الأعمال والسّلوكيات الحسنة وتسمى «الفضائل » ، واخرى تكون مصدراً للأعمال والسلوكيات السّيئة وتسمى الرذائل.
ومن هنا يمكن أن نعرّف علم الأخلاق بأنّه : «علمً يُبحَث فيه عن المَلكات والصّفات الحسنة والسيئة وآثارها وجذورها».
وبعبارة اخرَى : «علمٌ يُبحَث فيه عن اسس إكتساب هذهِ الصفات الحسنة ، وطُرق محاربة الصّفات السّيئة ، وآثارها على الفرد والمجتمع».
طبعاً وكما ذكرنا سابقاً ، يُطلق على الأعمال والأفعال النّابعة من هذهِ الصفات أحياناً«الأخلاق» ، فمثلاً الشّخص الذي يعيش في حالةٍ من الغضب والحدّة دائماً ، يقال عنه بأنّه ذو أخلاقٍ رديئةٍ ، وبالعكس عند ما يكون الشّخص كريماً ، فيقولون أنّ الشّخص الفلاني يتحلى بأخلاقٍ طيِّبةٍ ، وفي الحقيقة أن هذين الإثنين هما عِلّة ومعلول للآخر ، بحيث ، يطلق إسم أحداهما على الآخر.
__________________
١ ـ تهذيب الأخلاق ، ص ٥١.
٢ ـ الحقائق ، ص ٥٤.
وعرّف بعض الغربيين الأخلاق بما يُوافق تعاريفنا لها ، فمثلاً في كتاب : «فلسفة الأخلاق» ، لشخصٍ يدعى(جكسون) ، وهو أحد فلاسفة الغرب ، عرّف الأخلاق فيه بقوله : (علمُ الأخلاق عبارةٌ عن التّحقيق في سلوك الإنسان على الصورة التي ينبغي أن يكون عليها)(١) .
وللبعض مثل«فولكيه» ، رأي آخر في المسألة ، حيث عرّفوا علم الأخلاق بأنّه : (مجموعة قوانين السّلوك التي يستطيع الإنسان بواسطتها أن يصل إلى هدفه)(٢) .
هذا هو كلام اناس لا يعيرون للقيم الإنسانيّة أهميّة ، والمهم عندهم الوصول إلى الهدف كيفما كان وكيفما إتّفق ، إذ الأخلاق عندهم ليست إلّا وسيلةً تُمكّن الإنسان من الوصول إلى الهدف!.
٢ ـ علاقة الأخلاق بالفلسفة
الفلسفة في معناها ومفهومها الكلي ، تعني : معرفة العالم بما لدى الإنسان من قدرة ، وبهذا المعنى يمكن أن تدخل جميع العلوم تحت هذا المفهوم الكلّي ، بحيث نرى في الأعصار السّابقة والقديمة ، عند ما كانت العلوم محصورةً ومعدودةً كانت الفلسفة تلقي الضوء عليها جميعاً ، والفيلسوف كان له الباع الطويل في جميع العلوم ، وفي ذلك الوقت قسّمت الفلسفة إلى قسمين :
أ ـ الامور التي لا دخل للإنسان فيها ، والتي تستوعب جميع العالم ، عدا أفعال الإنسان.
ب ـ الامور التي تنضوي تحت إختيار الإنسان وله دخل فيها ، يعني أفعال الإنسان.
فالقسم الأول يسمّى بالحكمة النظريّة ، وتقسم إلى ثلاثة أقسام :
الفلسفة الاولى أو الحكمة الالهيّة : وهي التي تتناول الأحكام الكلية للوجود والمبدأ والمعاد.
٢ ـ الطّبيعيات : وفيها أقسام مختلفة.
__________________
١ ـ فلسفة أخلاق ، ص ٩.
٢ ـ الأخلاق النظريّة ، ص ١٠.
٣ ـ الرّياضيات : وهي أيضاً لها فروع متعددة.
وأما التي تتعلق بأفعال الإنسان ، فتسمى بالحكمة العمليّة ، وهي بدورها تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
١ ـ الأخلاق والأفعال : التي تكون سبباً في سعادة أو ضلال الإنسان ، وتكون جذورها ومصدرها النفس الإنسانيّة.
٢ ـ تدبير المنزل : وكل ما يتعلق بالعائلة.
٣ ـ سياسة وتدبير المدن : والتي تتناول طرق إدارة المجتمعات البشرية.
وهكذا فقد أفردوا للأخلاق حقلها الخاص بها ، في مقابل (تدبير البيت) و (سياسة المدن). وعليه يمكن القول بأنّ علم الأخلاق هو فرع من :«الفلسفة العملية» أو«الحكمة العمليّة».
ولكنّ تعدد العلوم في عصرنا الحاضر دعى للفصل بينها ، وغالباً ما تأتي الفلسفة والحكمة ، والفلسفة بمعنى الحكمة النظريّة من نوعها الأوّل ، وهي الامور التي تتعلق بالعالم والكون وكذلك المبدأ والمعاد.
ويوجد اختلاف بين الفلاسفة ، في أيّهما أفضل :الحكمة النظريّة أمالحكمة العمليّة ، فقسم إدّعى الأفضلية للُاولى ، وقسم آخر إدّعى الأفضلية لِلثانية ، وعند التّدقيق في مدّعاهم نرى ، أنّ الإثنين على حق وهذا ليس بحثنا الآن.
وسنتعرض لعلاقة الأخلاق بالفلسفة ، في موارد اخرى في المستقبل ، إن شاء الله تعالى.
٣ ـ علاقة الأخلاق بالعِرفان
أمّا بالنسبة لعلاقة (الأخلاق) ب (العرفان) و (السير والسلوك إلى الله) ؛ فيمكن القول أنّالعرفان أكثر ما ينظر للمعارف الإلهيّة ، ولكن ليس عن طريق العلم والإستدلال ، بل عن طريق الشّهود الباطني ، بمعنى أنّ قلب الإنسان يجب أن يكون كالمرآة الصافية ، لدرجةٍ يستطيع فيها أن يرى الحقيقة لتزول عنه الحُجب ، وليرى بقلبه الذّات الإلهيّة وأسمائه وصفاته ، ومنها يصل إلى العشق الإلهي الحق.
وبما أنّ علم الأخلاق ، له اليد الطُولى في المساعدة على دفع ورفع الرذائل ، والتي هي بمثابة الحُجب على القلوب ، فمن البديهي أن تكون الأخلاق من اسس ومقدمات العرفان الإلهي.
وأما«السّير والسّلوك إلى الله» ، والذي يكون هدفه النّهائي هو معرفة الله والقرب منه ، فهو في الحقيقة مجموعة من «العرفان» و «الأخلاق» ، فما كان من«السّير والسّلوك الباطني» ، فهو نوع من «العرفان» ، الذي يوصل الإنسان يوماً بعد يوم للذات الإلهيّة ، ويرفع عن قلبه الحجب والأدران ، ويمهد الطّريق إليه ؛ وما كان من«السّير والسّلوك الخارجي» : فهو نفس الأخلاق التي تهدف لتهذيب النفوس ، وليس فقط لأجل الحياة الماديّة المرفّهة.
٤ ـ علاقة العلم بالأخلاق
بالنّسبة للآيات السّابقة وكما ذكرنا أنّ القرآن الكريم ، أتىب : «تعليم الكتاب والحكمة» إلى جانب :«التزكية والتّهذيب الأخلاقي» ، فتارةً يقدِّم «التّزكية» على «التّعليم» ، واخرىُ يقدِّم «التعليم» على التزكية ، وهو أمر يُبيّن مدى العلاقة الوثيقة التي تربط بين الإثنين.
وهذا يعني أنّ الإنسان ، عند ما ينفتح على المعرفة ، وتكون لديه خبرةٌ بالأعمال الحسنة والسيئة ، ويعرف عواقب «الفضيلة» و «الرذيلة» ، فممّا لا شك فيه أنّها ستؤثر في تربيته ، بحيث يمكن القول أنّ كثيراً من الرذائل ناتجة من عدم الإطّلاع والفهم. ومن ذلك يمكن القول ؛ أنَّه إذا ما إستطعنا أن ننهض بالمستوى العلمي للأفراد ، وبعبارةٍ اخرى : إذا أمكننا نشر الثقافة بين الناس ، فستحل الفضائل مكان الرّذائل ، وإن كان هذا الأمر ليس كليّاً.
ومع الأسف الشديد ، نرى أنّ البعض بالغوا فيها لدرجة الإفراط والتّفريط.
فبعض إتّبعوا الحكيم سُقراط اليوناني ، حيث كان يعتقد بأنّ العلم والحكمة هي منشأ الأخلاق الحميدة ، والرّذائل الأخلاقيّة منشؤها الجهل ، ولذلك فإنّه كان يعتقد أيضاً أنّه ولأجل محاربة الفساد والرّذائل الأخلاقية وإحلال الفضائل الأخلاقية محلّها ، يجب العمل على رفع المستوى العلمي للمجتمع ، وبالتّالي تتساوى (الفضيلة) مع (المعرفة).
هؤلاء يدّعون أنّه لا يوجد إنسان يتجه نحو الرّذيلة وهو على علم بها ، وإذا ما شخّصَ الإنسان الفضيلة فسوف لن يتركها ، ولذلك يتوجّب علينا كسب العلم ، ومعرفة الخير وتمييزه من الشر لنا ولغيرنا ، كي تزرع في نفوسنا بذور الفضائل الأخلاقية!.
وفي المقابل يوجد من ينفي هذهِ العلاقة بين الإثنين بالكامل ، لأنّ العلم والذكاء للإنسان المجرم سيكون عاملاً مساعداً له في إرتكاب جرائم أخطر ، وعلى حدّ تعبير المثل الذي يقول :(إذا كان مع اللص مصباحاً فانه سوف ينتفي البضائع الجيدة).
ولكن الحق والإنصاف أنّه ليس بإمكاننا نفي تأثير العلم بالكامل ، ولا نفي معلولية أحداهما للاخر.
والشّاهد على ذلك المُثل الحيّة التي نراها في المجتمع ، فكثيراً ما شاهدنا اناساً كانوا يفعلون الرذائل ، وعند ما أدركوا قبح فعالهم ونتائجها السيئة ، أقلعوا عنها وإتجهوا نحو الفضائل ، ووجدنا هذا الأمر حتى في وقتنا الحاضر هذا.
وفي المقابل نعرف أشخاصاً عندهم المعرفة التامة بالخير والشرّ ، ولكنهم يُصرّون على الشرّ وهو متأصل في نفوسهم.
وكلّ ذلك لأنّ الإنسان لديه بُعدان : بعد العلم والادراك وبُعد عملي ، وهو الميول والغرائز والشّهوات ، ولأجل ذلك فساعةً يميل الى هذا ، وساعةً يُرجحُ ذلك.
والذي يقول بأحد القولين ، فانه يفترض أنّ الإنسان فيه بُعدٌ واحد لا أكثر ، ويغفل عن وجود البعد الآخر.
ونشير هنا إلى الآيات القرآنية التي وردت في هذا الباب ، والتي أكدت على التّأثير المتبادل بين عُنصر الجهل وسوء العمل ، قال تعالى :
( أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ؛ ) (١) .
ويوجد شبيه لهذا المعنى في سورة النساء : الآية (١٧) ، وسورة النحل : الآية (١١٩).
ومن البديهي أنّ الجهل المذكور ليس هو الجهل المطلق الذي لا يوائم التوبة ، بل هو مرتبةٌ من مراتب الجهل ، فإذا إرتفع فسوف يهتدي الإنسان بعدها للطّريق القويم.
__________________
١ ـ سورة الأنعام ، الآية ٥٤.
وذكرنا في الجزء الأول من دورة نفحات القرآن أنّ الجهل هو السبب لكثير من الضلالات ، فهو ـ الجهل ـ سبب للكفر وإشاعة الفساد والتعصب والعناد والتقليد الأعمى والفُرقة وسوء الظّن والجسارة وقلّة الأدب ، وفي واحدةٍ يمكن القول ، أنّ الجهل عامل لإفساد كثير من القِيم(١) .
ومن جهة اخرَى تُصرِّح الآيات الشريفة بوجود حالة العناد في الإنسان ، مع علمه بأنّه يتحرك في طريق الظّلم والطغيان ، مثل آل فرعون ، حيث يتحدث عنهم القرآن الكريم :
( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ) (٢) .
وكذلك ما ورد بالنسبة إلى بعض أهل الكتاب ، كما قال الباري تعالى :( وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٣) .
وورد هذا المعنى في ما بعدها من الآيات(٤) .
وقد يكون المراد من الآية هو موضوع الكَذب ، ولكنّه أيضاً يؤيّد مدّعانا ، لأنّ قبح الكذب حكم به العقل والشّرع ، وهو من الامور الواضحة التي لا تخفى على أحد.
فالحقائق والتجارب أثبتت ، أنّ المعرفة والعلم بنتائج الأخلاق الرذيلة على الفرد والمجتمع ، يمكنه أن يكون في كثير من الموارد ، عاملاً مهماً في ردع الإنسان عن غيّه والرّجوع إلى ساحة الصّواب ، ولكن ومن جهة اخرَى ، أيضاً نجد أنّ هناك من يعرف الرّذيلة حقَّ معرفتها ؛ ولكنه يُصرّ عليها ويعاند على سلوك طريق الإنحراف ، والطريقة الوسطى في الحقيقة هي الجادّة وتنطبق على الواقع أكثر.
__________________
١ ـ نفحات القرآن ، الدّورة الاولى ، ج ١ ص ٨٦ ـ ٩٨.
٢ ـ سورة النّمل ، الآية ١٤.
٣ ـ آل عمران ، الآية ٧٥.
٤ ـ سورة آل عمران ، الآية ٧٨.
٥ ـ هل أن الأخلاق قابلة للتغيير؟
إنّ مصير علم الأخلاق وكلّ الأبحاث الأخلاقية ، يتوقف على الإجابة عن هذا السؤال ، إذ لو لا قابليتها للتغيير لأصبحت كلّ برامج الأنبياء التربويّة والكتب السماويّة ، ووضع القوانين والعقوبات الرّادعة ، لا فائدةٍ ولا معنى لها.
فنفس وجود تلك البرامج التربويّة وتعاليم الكتب السماويّة ، ووضع القَوانين في المجتمعات البشريّة ، هو خير دليل على قابليّة التغيير في الملكات والسلوكيّات الأخلاقيّة لدى الإنسان ، وهذه الحقيقة لا يعتمدها الأنبياءعليهمالسلام فحسب ، بل هي مقبولةٌ لدى جميع العقلاء في العالم.
والأَعجبْ من هذا ، والغريب فيه ؛ أنَّ علماء الأخلاق والفلاسفة ألّفوا الكتب الكثيرة حول هذا السؤال : «هل أنّ الأخلاق قابلة للتغيير أم لا»؟!
فالبعض يقول : إنّ الأخلاق غير قابلة للتغيير ، فمن كانت ذاته ملوَّثة في الأصل يكون مجبولاً على الشرّ ، وعلى فرض قبوله لعمليّة التّغيير ، فإنّه تغيير سطحي ، وسرعان ما يعود إلى حالته السّابقة.
ودليلهم على ذلك ، بأنّ الأخلاق لها علاقةٌ وثيقةٌ مع الرّوح والجسد ، وأخلاق كلُّ شخصٍ تابعة لكيفية وجود روحه وجسمه ، وبما أنّ روح وجسد الإنسان لا تتبدلان ، فالأخلاق كذلك لا تتبدل ولا تتغير.
وفي ذلك يقول الشاعر أيضاً :
إذا كان الطّباع طِباعَ سوءٍ |
فلا أدبٌ يفيد ولا أديبُ |
واستدلوا على ذلك أيضاً ، بمقولة تأثر الأخلاق بالعوامل الخارجية ؛ وأنّ الأخلاق تخضع لمؤثّراتٍ خارجيَّةٍ من قبيل الوعظ والنّصيحة والتأديب ، فبزوال هذهِ العوامل ، تعود الأخلاق لحالتها الاولى ، فهي بالضّبط كالماء البارد ، الذي يتأثر بعوامل الحرارة ، فعند زوال المؤثّر ، يعود الماء لحالته السّابقة.
ومما يؤسف له وجود هذا الّنمط من التّفكير والإستدلال ، حيث أفضى لتردي المجتمعات البشريّة وسُقوطها!
أمّا المؤيدون لتغيير الأخلاق ، فقد أجابوا على الدّليلين السّابقين وقالوا :
١ ـ لا يمكن إنكار علاقة الأخلاق وارتباطها بالرّوح والجسم ، ولكنه في حدّ (المقتضي) ؛ وليس (العلّةَ التّامةَ) لها ، وبعبارةٍ اخرَى يمكن أن تهيّىء الأرضيّة لذلك ، لكن ذلك لا يعني بالضّرورة أنّها ستؤثر تأثيراً قطعيّاً فيها ، من قبيل مَن يولد من أبوين مريضين ، فإنّ فيه قابليةٌ على الابتلاء بذلك المرض ، ولكن وبالوقاية الصّحيحة ، يمكن أن يُتلافى ذلك المرض من خلال التّصدي للعوامل الوراثية المتجذرة في بدن الإنسان.
فالأفراد الضّعاف البَنية يمكن أن يصبحوا أشداء ، بالإلتزام بقواعد الصّحة وممارسة الرّياضة البدنية ، وبالعكس يمكن للأشداء ، أن يصيبهم الضّعف والهزال ، إذا لم يلتزموا بالامور المذكورة أعلاه.
وعلاوةً على ذلك يمكن القول ؛ أنّ روح وجسم الإنسان قابلانِ للتغيير ، فكيف بالأخلاق التي تعتبر من معطياتهما؟
نحن نعلم ، أنّ كلّ الحيوانات الأهليّة اليوم ، كانت في يومٍ ما بَرّيّةً ووحشيّةً ، فأخذها الإنسان وروّضها وجعل منها أهليةً مطيعةً له ، وكذلك كثير من النّباتات والأشجار المثمرة ، فالذي يستطيع أن يُغيِّر صفات وخُصوصيّات النبّات والحيوان ، ألا يستطيع أن يغيّر نفسه وأخلاقه؟
بل توجد حيوانات روّضِت ، لِلقيام بأعمالٍ مخالفةٍ لطبيعتها ، وهي تُؤدّيها بأحسن وجهٍ!.
٢ ـ وممّا ذُكر أعلاه ، يتبيّن جواب دليلهمِ الثّاني ، لأنّ العوامل الخارجيّة قد يكون لها تأثيرها القوي جداً ، ممّا يؤدّي إلى تغير خصوصيّاتها الذاتيّة بالكامل ، وستؤثر على الأجيال القادمة أيضاً ، من خلال العوامل الوراثيّة ، كما رأينا في مثال : الحيوانات الأهليّة.
ويقصّ علينا التأريخَ قصصاً ، لُاناسٍ كانوا لا يراعون إلّاً ولا ذِمّةً ، ولكن بالتّربية والتّعليم تغيّروا تَغيُّراً جَذريّاً ، فمنهم من كان سارقاً محترفاً ؛ فأصبح عابداً متنسّكاً مشهوراً بين الناس.
إنّ التعرّف على كيفية نشوء الملكات الأخلاقيةٍ السّيئة يعطينا القُدرة والفرصة لإزالتها ، والمسألة هي كالتّالي : إنّ كلّ فعلٍ سيّءٍ أو حسنٍ يخلّف تأثيره الإيجابي أو السّلبي في الروح
الإنسانية ، بحيث يجذب الروح نحوه تدريجياً ، وبالتّكرار سوف يتكرّس ذلك الفعل في باطن الإنسان ، ويتحول إلى كيفيّةٍ تسمى :(بالعادة) ، وإذا إستمرت تلك العادة تحوّلت إلى(مَلَكَةٍ).
وعلى هذا ، وبما أنّ المَلَكات والعادات الأخلاقيّة السّيئة ، تنشأ من تكرار العمل ، فإنّه يمكن مُحاربتها بواسطة نفس الطّريقة ، طبعاً لا يمكننا أن ننكر تأثير التّعليم الصّحيح والمحيط السّالم ، في إيجاد المَلَكات الحَسنة ، والأخلاق الصّالحة ، في واقع الإنسان وروحه.
وهناك«قولٌ ثالثٌ» ، : وهو أنّ بعض الصّفات الأخلاقيّة قابلةٌ لِلتغير ، وبعضها غير قابل ، فالصّفات الطّبيعيّة والفطريّة غير قابلةٍ لِلتغير ، ولكنّ الصّفات التي تتأثّر بالعوامل الخارجيّة يمكن تغييرها(١) .
وهذا القول لا دليل عليه ، لأنّ التّفصيل بين هذهِ الصّفات ، مدعاة لقبول مَقولة الأخلاق الفطريّة والطبيعيّة ، والحال أنّه لم يثبت ذلك ، وعلى فرض ثُبوته ، فمن قال بأنّ الصّفات الفطريّة غير قابلةٍ لِلتغيّر والتّبدّل؟. ألم يتمكن الإنسان من تغيير طِباع الحيوانات البريّة؟.
ألا يمكن لِلتربية والتّعليم ، أن تَتَجذّر في أعماق الإنسان وتغيّره؟.
الآيات والرّوايات التي يستدل بها ، على إمكانيّة تغيّر الأخلاق :
ما ذكرناه آنفاً كان على مستوى الأدلة العقليّة والتّأريخيّة ، وعند رجوعنا للأدلة النّقلية ، يعني ما وصل إلينا من مبدأ الوحي وأحاديث المعصومينعليهمالسلام ، سوف تتبيّن لنا المسألة من خلاله بصورةٍ أفضل لأنّه :
١ ـ إنّ الهدف من بعث الأنبياء والرّسل وإنزال الكتب السّماوية ، إنّما هو لأجل تربية وهداية الإنسان ، وهذا أقوى دليل على إمكان التربية ، وترشيد الفضائل الأخلاقيّة لدى جميع أفراد البشر ، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى :
( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ
__________________
١ ـ أيّد هذه النظريّة المحقق النّراقي في كتابه جامع السعادات : ج ١ ، ص ٢٤.
وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (١) .
وأمثالها من الآيات الكريمة التي تبيّن لنا أنّ الهدف من بعثة الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله : هوتعليم وتزكية كل اولئك الذي كانوا في ضلالٍ مبينٍ.
٢ ـ كلّ الآيات التي توجّه الخطاب الإلهي إلى الإنسان ، مثل :( يا بَنِي آدَمَ ) و ( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) و ( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ) و ( يا عِبادِيَ ) ، تشمل أوامر ونواهي تتعلق بتهذيب النّفوس ، وإكتساب الفضائل الأخلاقيّة ، وهي بدورها خير دليل على إمكانيّة تغيير «الأخلاق الرّذيلة» ، وإصلاح الصّفات القبيحة في واقع الإنسان ، وإلّا ففي غير هذه الصّورة تَنتفي عُموميّة هذه الخطابات الإلهيّة ، فتصبح لغواً بدون فائدةٍ.
وقد يقال : إنّ هذهِ الآيات ، غالباً ما تشتمل على الأحكام الشرعيّة ، وهذه الأحكام تتعلق بالجوانب العمليّة والسلوكيّة في حياة الإنسان ، بينما نجد أنّ الأخلاق ناظرةٌ للصفات الباطنيّة؟
ولكن يجب أن لا ننسى ، أنّ العلاقة بين «الأخلاق» و «العمل» ، هي : علاقة اللّازمِ والَملزومِ لِلآخر ، وبمنزلة العلّة والمعلول ، فالأخلاق الحسنة تُعتبر مصدراً للأعمال الحسنة ، والأخلاق الرذيلة مصدراً للأعمال القبيحة ، وكذلك الحال في الأعمال ، فإنّها من خلال التّكرار تتحول بالتّدريج ، إلى ملكاتٍ وصفاتٍ أخلاقيّةٍ في واقع الإنسان الداخلي.
٣ ـ القول والاعتقاد بعدم إمكان التّغيير للأخلاق ، مدعاة للقول والإعتقاد بالجَبر ؛ لأنّ مفهومها هو : أنّ صاحب الخُلق السّيء والخُلق الحسن ، ليسا بقادرين على تغيير أخلاقهم ، وبما أنّ الأعمال والسّلوكيات تعتبر إنعكاساً للصفات والملكات الأخلاقيّة ، ولِذا فمثل هؤلاء يتحرّكون في سلوكياتهم من موقع الجَبر ، لكننا نرى أنّهم مكلّفين بفعل الخيرات وترك الخبائث ، وعليه يترتب على هذا القول جميع المفاسد التي تترتب على مقولة الجبر(٢) .
٤ ـ الآيات الصّريحة التي ترغّب الإنسان في تهذيب أخلاقه ، وتُحذّره من الرذائل ، هي أيضاً دليلٌ محكمٌ على إمكانيّة تغير الصفات والطّبائع الإنسانية ، مثل قوله تعالى :( قَدْ أَفْلَحَ
__________________
١ ـ سورة الجمعة : الآية ٢ ، ويوجد نفس المعنى والمضمون في الآية ١٦٤ من سورة آل عمران.
٢ ـ انظر : اصول الكافي ، ج ١ ص ١٥٥ ، وكشف المراد ، بحث القضاء والقدر وما يترتب على ذلك من مفاسد المذهب الجَبري.
مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) (١) .
فالتّعبير بكلمة دَسّاها ، والتي هي في الأصلِ بمعني : خلطُ الشيّءِ بشيءٍ آخر غير مرغوب فيه من غير جنسه ، مثل«دسّ الحنطة بالتراب» ، يبيّن لنا أنّ الطّبيعة الإنسانيّة مجبولةٌ على الصفاء والنّقاوة والتقوى ، والتلويث ، والرذائل تعرض عليها من الخارج وتنفذ فيها ، والاثنان قابلان للتّغير والتّبدل.
نقرأ في الآية (٣٤) من سورة فُصّلت :( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) .
تُبيّن لنا هذهِ الآية أنّ العداوات المتأصّلة والمتجذّرة في الإنسان : بالمحبّة والسّلوك السليم ، يمكن أن تتغير وتتبدل إلى صداقةٍ حميمةٍ بالتّحرك في طريق المحبّة والسّلوكيات السليمة ، ولو كانت الأخلاق غير قابلةٍ للتغير ، لما أمكن الأمر بذلك.
ونجد في هذا المجال أحاديث إسلامية ، تؤكّد هذا المعنى أيضاً ، من قبيل الأحاديث التالية :
١ ـ الحديث المعروف الذي يقول :«إنّما بُعثتُ لُاتمم مكارم الاخلاق» (٢) هو دليل ساطعٌ على إمكانيّة تغيير الصّفات الأخلاقيّة.
٢ ـ الأحاديث الكثيرة التي تحث الإنسان على حسن الخُلق ، كالحديث النّبوي الشريف الآتي :«لَو يَعلَمُ العَبدُ ما فِي حُسنِ الخُلقِ لَعَلِمَ أَنّهُ يَحتاجُ أن يكونَ لَهُ خُلقٌ حسنٌ» (٣) .
٣ ـ وكذلك الحديث النبوي الشريف الآخر حيث يقول :
«الخُلقُ الحسنُ نِصفُ الدِّينِ» (٤) .
٤ ـ نقرأ في حديثٍ عن أمير المؤمنينعليهالسلام :«الخُلقُ الَمحمُودُ مِن ثِمارِ العَقلِ وَالخُلقُ المَذمُومُ مِن ثِمارِ الجُهلِ» (٥) .
__________________
١ ـ سورة الشّمس ، الآية ٩ و ١٠.
٢ ـ سفينة البحار (مادة خلق).
٣ ـ بحار الأنوار ، ج ١٠ ، ص ٣٦٩.
٤ ـ بحار الأنوار ، ج ٧١ ، ص ٣٨٥.
٥ ـ غرر الحكم ، ١٢٨٠ ـ ١٢٨١.
وبما أنّ كلاً من «العلم» و «الجهلَ» قابلان للتغيير ؛ فتتبعها الأخلاق في ذلك أيضاً.
٥ ـ وفي حديثٍ آخر ، جاء عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :
«إنّ العَبدَ لَيَبلُغُ بِحُسنِ خُلقِهِ عَظيمَ دَرجاتِ الآخِرَةِ وَشَرفِ المَنازِلِ وَأَنّهُ لَضَعِيفُ العِبادةِ» (١) .
حيث نجد في هذا الحديث ، مقارنةً بين حُسن الأخلاق والعبادة ، هذاأولاً.
وثانياً : إنّ الدرجات العُلى في الآخرة تتعلق بالأعمال الإختياريّة.
وثالثاً : التّرغيب لكسب الأخلاق الحسنة ، كلّ ذلك يدلّ على أنّ الأخلاق أمرٌ إكتسابي ، وغير خارجة عن عنصر الإرادة في الإنسان.
مثيل هذهِ الرّوايات والمعاني القَيّمة كثيرٌ ، في مضامين أحاديث أهل البيتعليهمالسلام ، وهي إن دلّت على شيءٍ فإنّها تدلّ على إمكانِيَّة تغيّر الأخلاق ، وإلّا فستكون لغواً وبلا فائدةٍ(٢) .
٦ ـ وفي حديث آخر ورد عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، نقرأ فيه أنّه قال لأحد أصحابه وأُسمه جرير بن عبد الله :«إنّك امرُءٌ قَد أحسنَ اللهُ خَلقَكَ فأَحسِنْ خُلْقَك» (٣) .
وخلاصة القول أنّ رواياتنا مليئةٌ بهذا المضمون ، حيث تدلّ جميعها على أنّ الإنسان قادر على تغيير أخلاقه(٤) .
ونختم هذا البحث بحديثٍ عن الإمام عليعليهالسلام ، يحثّنا فيه على حُسن الخلق ، حيث قالعليهالسلام :«الكَرَمُ حُسنُ السّجيةِ وَإجتنابِ الدَّنِيّةِ» (٥) .
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٥ ، ص ٩٣.
٢ ـ أُصول الكافي ، ج ٢ في باب حسن الخلق ص ٩٩ ، نقلرحمهالله : ١٨ رواية حول هذا الموضوع.
٣ ـ سفينة البحار مادة خلق.
٤ ـ راجع أصول الكافي ، ج ٢ ؛ وروضة الكافي ؛ ميزان الحكمة ، ج ٣ ؛ سفينة النجاة ، ج ١.
٥ ـ غُرر الحِكم.
أدلّة مُؤيّدي نظرية ثبات الأخلاق ، وعَدم تغيّرها :
وفي مقابل ما ذكرناه آنفاً ، إستدلّ البعض برواياتٍ يظهر منها أنّ الأخلاق غير قابلةٍ للتغيير ، ومنها :
١ ـ الحديث المعروف الوارد عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، حيث قال :
«النّاسُ مَعادِنٌ كَمَعادِنِ الذَّهبِ وَالفِضَّةِ ، خِيارُهُم فِي الجَاهِليّةِ خِيارُهُم فِي الإسلامِ».
٢ ـ الحديث الآخر الوارد أيضاً عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :
«إذا سَمِعتُم أَنَّ جَبَلاً زالَ عَن مَكانِهِ فَصدِّقُوهُ ، وَإذا سَمِعتُم بِرَجُلٍ زَالَ عَن خُلقِهِ فَلا تُصَدِّقُوهُ! فإنَّهُ سَيعُودُ إلى ما جُبِلَ عَلَيهِ» (١) .
الجواب :
إنّ تفسير مثل هذهِ الروايات ، وبالنّظر للأدلة السّابقة ، والروايات التي تصرّح بإمكانية تغير الأخلاق ، ليس بالأمر العسير ، لأنّ النّقطة المهمّة والمقبولة في المسألة ، أنّ نفوس الناس بالطبع متفاوتة ، فبعضها من ذَهبٍ والبعض الآخر من فضّةٍ ، ولكنّ هذا لا يدلّ على عدم إمكانية تغيير هذه النفوس والطبائع.
وبعبارةٍ اخرَى : إنّ مثل هذهِ الصّفات النّفسية في حدّ المقتضي : ليس علّةً تامّةً ، ولذلك رأينا وبالتجربة أشخاصاً تغيّرت أخلاقهم بالكامل ، ويعود الفضل في ذلك للتربية والتعليم.
وعلاوةً على ذلك ، إنّنا إذا أردنا أن نعمّم الحكم ، في الحديث الشّريف ، على جميع النّاس ، فهذا يعني أنّهم كلّهم ذَووا خُلقٍ حَسنٍ. فبعضهم حسنٌ والبعض الآخر أحسَن ، (كما هو الحال في الذّهب والفضّة). وعليه فَلَن يبقى مكانٌ للأخلاق السّيئة في طبع الإنسان. (فتأمّل).
وبالنّسبة للحديث الثاني ، نرى أنّ المسألة أيضاً هي من باب المُقتضي ، وليس علّةً تامّةً ، أو بعبارة اخرَى : إنّ الحديث ناظرٌ لأغلبية الناس ، وليس جميعهم ، وإلّا لخالف مضمون الحديث ، صريح التّأريخ ، الذي حكى لنا قَصصاً حقيقيّةً عن أفرادٍ إستطاعوا تغيير أنفسهم
__________________
١ ـ جامع السّعادات ، ج ١ ، ص ٢٤.
وبقوا على ذلك حتّى الممات.
ولخالف أيضاً التّجارب اليوميّة ، التي رأينا فيها الكثير من الأشخاص الفاسدين ، غيّروا طريقة حياتهم بسبب التّعليم والتربية ، وإستمروا يسيرون في خطّ الهداية والصّلاح حتى الممات.
وخُلاصة القول : أنّه وفي نفس الوقت الذي تختلف فيه سَجايا النّاس ، لا يوجد أحد مجبور على الرّذائل والأخلاق السّيئة ، وكذلك الحال بالنسبة للأخلاق الحسنة ، فذَوُوا السّجايا الطيّبة إذا ما إتّبعوا هواهم ، سيسقطون إلى الحضيض ، وذَووا السّجايا الخبيثة ، قادرون على بناء أنفسهم وذاتهم ، من موقع التّهذيب والتزكية ، والوصول إلى أعلى درجات الكمال الرّوحي.
ويجب التّنويه إلى أنّ بعض الأفراد الفاسدين والمفسدين ، ولأجل توجيه أعمالهم المخالفة للطريق السّليم ، يتذرّعون بحججٍ واهيةٍ من هذا القبيل ؛ وأنّ الله تعالى قد جَبَلنا على ذلك الخُلق السّيء. وإن شاء أن يُغيّرنا لفعل؟!
وعلى كلّ حال ، فإن الإعتقاد بعدم إمكانيّة تغيير الأخلاق ، ليس له نتيجةٌ إلّا الوقوع في وادي الإعتقاد بالَجبر ، ورفض ما دعا إليه الأنبياء ، والقول بأنّ سعي علماء الأخلاق وأطّباء النفس في إصلاح النفوس ، هو سعيٌ غير مثمر ، ويترتب على ذلك بالتّالي فساد المجتمعات البشرية.
٦ ـ المَسار التّأريخي لِعلم الأخلاق
نختم البحث أعلاه ، بشرح مقتضب للمسار التأريخي لعلم الأخلاق :
فمما لا شك فيه أنّ الأبحاث الأخلاقية ، ولدت مع أوّل قدم وضعها الإنسان على الأرض ، لأن النّبي آدمعليهالسلام لمُ يعلّم أبناءه الأخلاق فقط ، بل إنّ البّاري تعالى ، عند ما خلقه وأسكنه الجنّة ، أفهمه المسائل الأخلاقيّة والأوامر والنّواهي ، في دائرة السّلوك الأخلاقي مع الآخرين.
واتخذ سائر الأنبياءعليهمالسلام طريق تهذيب النّفوس والأخلاق ، والتي تكمَن فيها سعادة
الإنسان ، حتى وصل الأمر إلى السيّد المسيحعليهالسلام ، حيث كان القسم الأعظم من تعاليمه ، هو أبحاثٌ أخلاقيّةٌ ، فَنَعَته حواريّوه وأصحابه بالمعلِّم الأكبر للأخلاق.
ولكن أعظم مُعلِّمي الأخلاق ، هو : رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لأنّه رفع شعار :«إنّما بُعثت لُاتمّم مكارَم الأخلاق».
وقال عنه الباري تعالى :( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (١) .
ويوجد قديماً بعض الفَلاسفة ، مَنْ لُقّب بمعلّم الأخلاق ، مثل :إفلاطون ، وأرسطو ، وسُقراط ، وجَمعٌ آخر من فَلاسفة اليونان.
وعلى كلّ حال ، فإنّه وبعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فإنّ الأئمّةعليهمالسلام هم أكبر معلّمي الأخلاق ، وذلك بشهادة الأحاديث التي نُقلت عنهم ، حيث ربّوا أشخاصاً بارزين يمكن أن يعتبر كلّ واحد منهم مُعلِّماً لعصرهِ.
فحياة المعصومينعليهمالسلام وأتباعهم ، هي خيرُ دليلٍ على سُمّو نفوسهم ، ورفعة أخلاقهم ، في حركة الواقع.
ويبقى السّؤال في أنّه متى تأسّس علم الأخلاق في الإسلام ، ومن هم مشاهيره؟. وهذا البحث مذكورٌ بالتّفصيل في الكتاب القيّم :تأسيس الشّيعة لعلوم الإسلام ، بقلم آية الله الشّهيد الصّدرقدسسره . ولا بأس بالإشارة إلى بعض ما جاء فيه ، حيث قسّم السيد الصدر الموضوع إلى ثلاثة أقسام :
أ ـ يقول إنّ أوّل من أسّس علم الأخلاق ، هو الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، (وذلك من خلال الرّسالة التي كتبها لإبنه الإمام الحسنعليهالسلام ) بَعد رجوعه من صفّين ، حيث بيّن الاسس الأخلاقيّة ، وتطرق للمَلكات الفاضلة والصّفات الرذيلة ، وحلّلها بأحسن وجهٍ(٢) .
ونقل هذهِ الرّسالة ، بالإضافة إلى السيّد الرّضي في نهج البلاغة ، الكثير من علماء الشّيعة أيضاً.
ونقلها كذلك بعض علماء أهل السُنّة ، مثل :أبو أحمد بن عبد الله العسكري ، في كتابه
__________________
١ ـ سورة القلم ، الآية ٤.
٢ ـ رسالة الامام السّجادعليهالسلام الحقوقية ، ودعاء مكارم الأخلاق ، وكثير من الأدعية والمناجاة في طليعة الآثار الأخلاقية الإسلامية المعروفة ، بحيث لا يوازيها أثر ولا يصل إلى مقامها شيء.
الزّواجر والمواعظ ، حيث أوردها كلّها وقال :
(لو كانَ مِنَ الحِكمةِ ما يجب أن يُكتبَ بالذّهبِ لكانتْ هذِهِ).
ب ـ أوّل من كتب كتاباً في دائرة (علم الأخلاق) ، هو :إسماعيل بن مهران أبو النصر السكوني ، وهو من علماء القرن الثاني ، وأسماه :المؤمن والفاجر ، (وهو أوّل كتاب أخلاقي عُرف في الإسلام).
ج ـ بعدها يذكر بعض من أسماء أكابر العلماء في هذا المجال ، (وإن كانوا لم يألفّوا كُتباً فيها) مثل :
«سلمان الفارسي» ، حيث قال في حقّه الإمام عليعليهالسلام :
«سَلمانُ الفارسِي مِثلُ لُقمانِ الحَكيمِ ، عَلِمَ عِلمَ الأوّلِ والآخرِ ، بحرٌ لا يُنزفُ ، وهو مِنّا أهلَ البيتِ» (١) .
٢ ـ «أبو ذَرْ الغَفاري» ، والذي بقيَ طويلاً يُروّج للأخلاق الإسلاميّة ، وهو الّنموذج الحيّ لها ، والمشاحنات التي كانت بينه وبين الخليفة الثّالث «عَثمان» ، و «معاوية» ، في المسائل الأخلاقيّة معروفةٌ لدى الجميع ، حيث أودت بحياته ، ومات في سبيل ذلك الطّريق القويم.
٣ ـ «عَمّار بن ياسِر» ، وقد ذكر أمير المؤمنينعليهالسلام في حقّه وحقّ إخوانه وأصحابه المخلصين ، يبيّن منزلتهم الأخلاقية السّامية ، فقال :«أينَ إِخواني الّذين رَكِبُوا الطَّريقَ وَمَضوا عَلَى الحَقِّ ، أينَ عَمّارُ ثُمَّ ضَربَ يَدَهُ عَلَى لِحيَتِهِ الشَّريفَةِ الكَريمَةِ فأطالَ البُكاءَ ، ثُمَّ قَالَ : اوَّهْ عَلى إِخواني الَّذِينَ تَلَوا القُرآنَ فأحكَمُوهُ ، وَتَدّبَرُوا الفَرضَ فأقامُوهُ ، أَحْيَوا السُّنّةَ وأماتُوا البِدعَةَ» (٢) .
٤ ـ «نوف البكّالي» ، كان مثال الزّهد والعبادة وحُسن الأخلاق ، وتوفّي بعد السّنة (٩٠) للهجرة.
٥ ـ «محمد بن أبي بكر» ، كان من خُلّص أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام ، ويحذو حَذو الإمام
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٢٢٢ ، ص ٣٩١.
٢ ـ نهج البلاغة ، خطبه ١٨٢.
في الزّهد والعبادةِ والأخلاق.
٦ ـ «الجارود بن المنذر» ، كان من أصحاب الأئمّة الرابع والخامس والسادسعليهمالسلام ، ومن كبار العلماء في العِلم والعمل ، وله مقامٌ رفيعٌ جدّاً.
٧ ـ «حذيفة بن المنصور» ، كان من أصحاب الأئمّة : الباقر والصادق والكاظمعليهمالسلام ، وقيل عنه : (أنّه أخذ عن اولئك العظام ، وقد نبغ في مكارم الأخلاق وتهذيب النفس).
٨ ـ «عثمان بن سعيد العمري» ، هو أحد الوكلاء الأربعة للإمام المهديعليهالسلام ، ومن أحفاد عمّار بن ياسررحمهالله ، وقالوا فيه : (ليس له ثانٍ في المعارف والأخلاق والفقه والأحكام).
وكثيرٌ من العظماء الّذين يطول ذكرهم.
ونودُّ الإشارة إلى أنّ كثيراً من الكتب الأخلاقيّة ، وعلى مدى التأريخ الإسلامي ، قد كُتبت ، ونذكر منها :
١ ـ من القَرن الثّالث ، كتاب :«المانعاتُ من دخول الجنّة» ، بقلم جعفر بن أحمد القُمي ، وهو من كبار العلماء في عصره.
٢ ـ من القَرن الرّابع ، كتاب :«الآداب» وكتاب«مكارم الأخلاق» ، بقلم عليّ بن أحمد الكوفي.
٣ ـ كتاب :«طهارة النّفس» أو«تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق» ، بقلم إبن مَسكويه ، والمُتوَفّى في القَرن الخامس ، فهو من الكتب المعروفة في هذا المجال ، وله كتاب آخر في علم الأخلاق ، وإسمه«آداب العرب والفُرس» ، ولكن شهرته ليست كشهرة الكتاب المذكور آنفاً.
٤ ـ كتاب :«تنبيه الخاطر ونزهةُ الناظر» ، والذي عُرِفب : «مجموعة ورّام» ، أحد الكتب المعروفة أيضاً في هذا المجال وكاتبه«ورّام بن أبي الفوارس» ، من علماء القَرن السّادس الهجري.
٥ ـ ونرى في القَرن السّابع كتابي :«الأخلاق النّاصرية وأوصاف الأشراف وآداب المتعلمين» ، للشيخ خَواجة نصير الطّوسيرحمهالله ، فكلّ واحد منها مَعلَم من مَعالم التّصنيف في هذا المجال ، في ذلك القرن.
٦ ـ وفي باقي القُرون نرى كتباً مثل :«إرشاد الديلمي» ، «مصابيح القلوب للسبزواري» ،
«مكارم الأخلاق لحسن بن أمين الدين» ، و «الآداب الدينية لأمين الدين الطّبرسي» ، و «المحجة البيضاء للفيض الكاشاني» ، وهو كتاب قيّم جداً في هذا العلم ، و :«جامع السّعادات» و «معراج السّعادة» ، وكتاب :«أخلاق شبّر» ، وكثير من الكتب الاخرى(١) .
والمرحوم العلّامة الطّهراني ، أورد عشرات التّصانيف في كتابه المعروف ب :«الذريعة» (٢) .
ويجب الإشارة إلى أنّ كثيراً من الكتب الأخلاقيّة ، طُبعت بعنوان كتب :السير والسلوك إلى الله ، والبعض الآخر طُبع بعنوان :الكتب العرفانيّة ، وتطرّق البعض الآخر لمسائل الأخلاق في فصل أو فصلين ، ككتاب :«بحار الأنوار» و «اصول الكافي» ، حيث يُعدّان من أفضل مصادر هذا العلم.
__________________
١ ـ مُلخص ومُقتبس من كتاب تأسيس الشّيعة لعلوم الإسلام. الفصل الأخير.
٢ ـ الذريعة ، ج ١.
٢
دور الأخلاق في الحياة والحضارة الإنسانيّة
يعتقد البعض من غير المطّلعين ، أنّ المسائل الأخلاقيّة تمثل أمراً خاصاً في حدود الحياة الشّخصية للإنسان ، أو أنّها مسائل مقدّسة معنويّة ، لا تفيد إلّا في الحياة الاخرويّة ، وهو أشتباه محظ ، لأن أكثر المسائل الاخلاقيّة لها أثرها في واقع الحياة الإجتماعيّة للإنسان ، سواء كانت ماديّة أم معنويّة ، فالمجتمع البشري بلا أخلاق ، سينقلب إلى حديقةِ حيواناتٍ لا يُجدي معها إلّا الأقفاص ، لِردع أفعال الحيوانات البشريّة عن أفعالها الضّارة ، وستُهدر فيها الطّاقات ، وتحطّم فيها الإستعدادات ، وسيكون الأمان والحريّة لعبة بيد ذوي الأهواء ، وستفقد الحياة الإنسانية مفهومها الواقعي.
وعند ما نتحرى التأريخ ، نرى أنّ كثيراً من الأقوام البشريّة قد حَلّ بهم البوار ، وتمزقوا شرّ مُمَزّق نتيجةً لإنحرافاتهم الأخلاقيّة.
وكم رأينا في التأريخ حُكّاماً ، عرّضوا شعوبهم لمصائب أليمةٍ وويلاتٍ ، نتيجةً لضعفهم الأخلاقي!!. وكم يوجد من امراء فاسدين وقيادات عسكريّة متعنّتة ، عرّضوا حياة جنودهم للخطر الفادح ، بسبب استبدادهم بالرّأي وعدم المشورة.
والحقيقة أنّ الحياة الفرديّة للإنسان ، لا لَطافةَ ولا شفافيّة لها بدون الأخلاق. ولن تصل العوائل إلى برِّ الأمان من دونها ، ولكنّ الأهمَّ من ذلك هو الحياة الإجتماعيّة للبشر ، فما لم
يتمسك أفراد المجتمع بالأخلاق ، فستكون نهاية المجتمع أليمة وموحشة جدّاً.
ولرب قائل يقول : إنّ السّعادة والتكامل في واقع المجتمع البشري ، يمكن أن يتحقّقا في ظِلِّ العمل بالقوانين والأحكام الصّحيحة ، من دون الإعتماد على مبادىء الأخلاق في الفرد.
ونقول له : إنّ العمل بالقوانين ، من دون وجود قاعدةٍ متماسكةٍ من القِيم الأخلاقيّة لدى الفرد غير ممكن ، لأنّه إذا لم يتوفر الدّاعي الذّاتي للإنسان ، فالسّعي الظّاهري لن يُجدي نفعاً.
فالقوّة والضّغط من أسوأ الأدوات لتنفيذ القوانين والضّوابط ، ولا يصحّ إستعمالها إلّا في الضّرورات ، وبالعكس فإنّ الإيمان والأخلاق ، يُعتبران من أفضل الأساليب لتنفيذ أيّة قرارات.
بعد هذه الإشارة ، نعود للآيات القرآنيّة الناظّرة إلى هذه المسألة المهمّة ، لنستوحي منها بعض المعاني في هذا المجال :
١ ـ «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَاخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ»(١) .
٢ ـ ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) (٢) .
٣ ـ ( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) (٣) .
٤ ـ ( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ) (٤) .
٥ ـ ( وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ولا
__________________
١ ـ سورة الأعراف ، الآية ٩٦.
٢ ـ سورة فصّلت ، الآية ٣٤ و ٣٥.
٣ ـ سورة آل عمران ، الآية ١٥٩.
٤ ـ سورة سبأ ، الآية ٣٤.
يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) (١) .
٦ ـ ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ـ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ) (٢) .
٧ـ ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ) (٣) .
٨ ـ ( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (٤) .
٩ ـ ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) (٥) .
١٠ ـ ( وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) (٦) .
تفسير وإستنتاج :
«الآية الاولى» : تكلّمت عن الرّابطة بين بركات الأرض والسّماء وبين التّقوى ، حيث يُصرِّح فيها بأنّ التّقوى ، سبب البركات التي تنزل من السّماء على الناس ، وبالعكس فإنّ عدم التّقوى والتّكذيب بآيات الله ، سبب لنزول العذاب :( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) .
فبركات الأرض والسّماء لها معنى وسيع جداً ، بحيث يشمل : نزول الأمطار ، وإنبات النّباتات ، وكثرة الخيرات ، وكثرة القوى البشريّة.
«البركة» : أصلها الثّبات والإستقرار ، وبعدها اطلقت على كلّ نِعمةٍ وموهبةٍ تبقى ثابتةً لا تتغير ، ولذلك فإنّ الموجودات غير المبارك فيها ، تكون غير ثابتةٍ وتفنى بسرعةٍ.
__________________
١ ـ سورة القصص ، الآية ٧٧ و ٧٨.
٢ ـ سورة نوح ، الآية ١٠ إلى ١٢.
٣ ـ سورة المائدة ، الآية ٦٦.
٤ ـ سورة النحل ، الآية ٩٧.
٥ ـ سورة طه ، الآية ١٢٤.
٦ ـ سورة الأنفال ، الآية ٤٦.
إن الكثير من الامم لديها إمكاناتٌ ماديّةٌ كبيرةٌ ، ومعادن ومصادر للثروة تحت الأرض ، وكذلك لديها أنواع الصّناعات ، ولكن بسبب أعمالهم السيئة والتي لها علاقة مُباشرة بإنحطاطهم الأخلاقي ، فإنّ تلك المواهب والمنن الإلهيّة ، ستتعرض للإهتزاز وتفقد البركة في مضمونها الإجتماعي ، حيث تُستعمل تلك النعم الإلهيّة في الغالب ، لتعجيل فنائهم وزوال نعيمهم من موقع النقمة الإلهيّة.
وقد صرّح القرآن الكريم بذلك ، حيث قال في سورة التوبة في الآية (٨٥) :( وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ )
نعم إنّ هذه النِّعم إذا إقترنت بفساد الأخلاق ، فستكون سبباً لعذاب الدنيا وخُسران السّعادة في الآخرة!.
وبعبارةٍ اخرَى ، إذا إقترنت هذه المواهب الإلهيّة ، بالإيمان والأخلاق والقيم الإنسانية ، فستجلب الرّفاه والسعادة والعمران للمجتمع البشرى ، وهذا هو الشّيء الذي تُشير إليه الآية الآنفة الذّكر.
وبالعكس فيما لو سلك الإنسان معها ، اسلوب البُخل والظُّلم والإستبداد ، وسوء الخُلق وإتّباع الأهواء ، فستكون من وسائل الإنحطاط والفساد والإنحراف!.
«الآية الثانية» : تتحرك في إطار بيان طريقةٍ مُهمّةٍ ومُؤثرةٍ جداً لدفع العداوات والضّغائن ، وتوضّح أيضاً دور الأخلاق في إزالتها :( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) .
ويضيف قائلاً : إنّ هذا الأمر ، أي سِعة الصّدر ، أمرٌ لا يقدر عليه كلّ أحد ، بل يختصّ بها من اوتي حظّاً عظيماً من الإيمان والتّقوى ، فيقول :( وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) .
إنّ إحدى المشاكل الكبيرة للمجتمعات البشريّة ، هي تراكم الحقد والكراهيّة في النفوس ، وفي حال وصولها الذّروة ، فإنّ من شأنها أن تفضي إلى إشعال نيران الحروب ، التي تحرق معها
كلّ شيء وتحوله إلى رماد.
ومع تحرك الإنسان من موقع :( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ، فستذوب الأحقاد والكراهيّة كالثّلج في الصّيف ، وستتخلص المجتمعات البشريّة من خطر الحروب ، وتقلّ الجنايات ، وتنفتح البشريّة على أجواء المحبّة والتعاون والتّكامل الإجتماعي.
وكما يقول القرآن الكريم ، : إنّ هذا المستوى الأخلاقي لا يصدر من كائن من يكن ، حيث يتطلب قوّة الإيمان والتّقوى والتربية الأخلاقيّة.
ومن الطبيعي أنّ الخُشونة إذا ما قابلتها الخُشونة ، والسّيئة دُفعت بالسّيئة ، فستطّرد هذه السّلبيات وتتوسع يوماً بعد يوم ، وبالتّالي ستجر الويلات والمآسي على المجتمع البشري.
ومن البديهي أنّ : (مسألة( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ) ، لها شروطٌ وحدودٌ وإستثناءاتٌ ، سنشرحها بالتّفصيل في المستقبل إن شاء الله.
«الآية الثالثة» : تحدثت عن تأثير حُسن الخُلق في جلب وجذب الناس ، وبيّنت أنّ المدير المتخلق بالأخلاق الإلهيّة إلى أيّ حدّ يكون موفقاً في عمله ، وكيف يجمع القلوب المُتنافرة ويوحِّدها التوحيد الذي يصعد بها إلى الرّقي والكمال الإجتماعي :
( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) .
ففي هذه الآية ، نرى التّأثير العميق لحسن الأخلاق في تقدّم أمر الإدارة ، وجلب وجذب القلوب ووحدة الصّفوف ، والنّجاح على مُستوى التّفاعل الإجتماعي لأفراد المجتمع ؛ فأثر حسن الأخلاق لا يتحدّد بحدود البُعد الإلهي والمعنوي فقط ، بل له آثاره الوسيعة في حياة الإنسان الماديّة.
والأوامر الثّلاثة التي جاءت في ذيل الآية ، يعني مسألة : «العَفو عن الخَطأ» و «طلب المغفرةِ من الباري تعالى» و «المشورة في الامور» ، هي أيضاً تصبّ في دائرة تفعيل عناصر الأخلاق في النّفس ، لأنّ تلك الأخلاق النّابعة من الرّحمة والتّواضع ، تكون سبباً للعفو و
الإستغفار وتصحيح الأخطاء السّابقة ، وإحترام شخصيّة ووجود الإنسان أيضاً.
«الآية الرابعة» : تبيّن الآثار السّلبية لبعض الأخلاق السيئة ، حيث يقف في مقابل الأنبياء الإلهيين ، جماعة من المترفين ، وهم المُنعّمين الذين ملأ الكبَر والأنانيّة أنفسهم ووجودهم :( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ) .
وبعدها يعقّب قائلاً : أنّ الغُرور وصل بهم إلى درجةٍ كبيرةٍ ، فقالوا :( وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) .
فمثل هذه الأخلاق القبيحة ، تُعدّ سبباً في التّصدي للإصلاح الإجتماعي ، على مُستوى قتل رجال الحقّ ، وخنق أصوات طلّاب الحقيقة ، وبالتالي زرع بذور الفساد والظّلم والطغيان في المجتمعات ، وهنا يتّضح نموذج آخر من آثار الأخلاق السّيئة في المجتمعات البشريّة.
والعجيب في الأمر ، أنّ روحيّة الإستكبار النّاشئة من الرّفاه المادي وسبوغ النّعمة ، هي السّبب في التّورط في مُستنقع الخطيئة وإرتكاب أخطاء فاضحة جدّاً ، فإعتقدوا بأنّ وفور النّعمة وكثرتها ، هو دليل للقرب الإلهي ، وقالوا : لو لا قُربنا من الله تعالى لما آتانا تلك النّعم!؟. وبذلك أنكروا جميع القيم الأخلاقيّة والمعنويّة ، ولكنّ القرآن الكريم في الآية التاليّة يُفنّد منطقهم الواهي ، ويجعل المعيار هو الإيمان والعمل الصّالح.
فلم يكن موقف المترفين المشركين من قُريش بالوحيد في عصرهم ، فهذا هو موقف جميع المترفين في الأقوام السّالفة مع الأنبياء والمصلحين.
«الآية الخامسة» : تنظر لوجهٍ آخر من المسألة ، وتبيّن قصّة«قارون» الغني المغرور والأناني وهو من بني إسرائيل.
فعند ما نصحه أهل العلم والمعرفة من قومه ، وقالوا له :( وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ
لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) وقال وبكلّ تكبّر وغُرور :( قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ) .
يعني أنّ الله لا دخل له في وفور النّعمة عليّ ، ولكنّ علمي ودرايتي بالامور هي السّبب في ذلك ؛ وهكذا أودى به الكِبَر والغُرور إلى السّقوط في وادي إنكار الآيات الإلهيّة ، وبالتّالي التّحرك من موقع التعاون مع أعداء الحقّ والعدالة ، وفي لحظةٍ وحادثةٍ عجيبةٍ ، خُسِفَت به وَبِأمواله الأرض.
وهنا نرى كيف أنّ الرّذائل الأخلاقيّة ، بإمكانها تغيير وجوه الأشخاص والمجتمعات ، ومنعهم من الوصول إلى الخير والسّعادة.
والطّريف في الأمر ، أنّنا نقرأ في الآيات التي قبلها ، بأنّ قومه قالوا له :( إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) .
ومن البديهي أنّ الإسلام لا يعارض الفرح والسّرور ، ولكنّ المقصود هنا الفرح النّاشيء من الغَفلة والغرور ونِسيان الله تعالى ، والمقترن بالظّلم والفساد ومُمارسة الخطيئة والذي بدوره يجرّ الإنسان لِلعربدة والجُموح والفساد ، وكلّ ذلك منشؤه الصّفات القبيحة التي تضرب بجرانها في القلب.
«الآية السادسة» : نقرأ فيها شكوى النّبي نوحعليهالسلام إلى الباري تعالى ، فنرى في طيّاتها معانٍ تُشير إلى تأثير أعمال الإنسان ، والأخلاق التي تدعم تلك الأعمال ، في الحياة الفرديّة والإجتماعيّة للإنسان ، فيقول :( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ* وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ) .
وفي الإستمرار في قراءة تلك الآيات ، نرى عصيانهم وتمرّدهم على الأوامر الإلهيّة ، وكذلك تبيّن الآيات صفاتهم القبيحة ، والتي هي بمثابة المنَبع الآسن الذي يمدهم بالذّنوب.
ويمكن القول أنّ ما ذُكر آنفاً ، هو العلاقة المعنويّة والإلهيّة بين الإستغفار وترك الذنوب ، وبين زيادة النعم ، ولا يوجد منع من سراية هذه العلاقة لتشمل البُعد الظّاهري والبُعد المعنوي ، لذلك نقرأ في آيةٍ اخرى من القرآن الكريم :( ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ) (١) .
__________________
١ ـ سورة الروم ، الآية ٤١.
وقد ورد هذا المعنى في سورة هود بشكل آخر على لسان الرسولصلىاللهعليهوآله ، في خطابه لُمشركي مكّة :( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) (١) .
لا شك أنّ الّتمتع «بالمتاع الحسن» ، لأجلٍ مُسمّى ، هو إشارةٌ إلى المواهب الماديّة الدنيويّة ، فهي رهينة الإستغفار والتّوبة من الذّنب ، والعودة إلى الباري تعالى ، والتّخلق بالأخلاق الحسنة.
ولا شكّ أنّ الصّفات القبيحة هي الأساس والأصل لأنواع الذّنوب ، والذّنوب بدورها سبب لنشر الفساد في المجتمع وتفكيك لِعُرى الوحدة ، وأواصر الصّداقة والاخوّة والاعتماد بين الناس ، وبالتّالي التّأخر في العُمران والّنمو الإقتصادي والرّفاه المادي ، والتّكامل المعنوي وسلامة النّفوس.
وفي«الآية السابعة» : إشارةٌ إلى حالة أهل الكتاب وعصيانهم وطغيانهم ، فيقول :( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ) .
ونرى هنا أيضاً تقريراً ، للعلاقة الوطيدة بين العمل الصالح والتّقوى من جهةٍ ، ونزول البركة السّماوية والأرضية من جهةٍ اخرى ، وهذه العلاقة يمكن أن تحمل الجانب المعنوي أو الطّبيعي ، أو بالأحرى الإثنين معاً.
نعم فإنّ الفيوضات الإلهيّة لا حدّ لها ، ويتوجب علينا تحصيل الأهليّة والقابليّة ، لنتصل بالمصدر الأصلي للفيض ، ولكن الإفراط والتّفريظ والعُدول عن جادّة الإعتدال والتّوازن ، سوّدت وجه الحياة الإنسانيّة ، وسلبت منها الراحة.
فالحروب المدمّرة تعرّي النفوس الإنسانيّة من الفضيلة والصّلاح ، وتُزهق الثّروات الماديّة والمعنويّة ، وتفضي بالإنسان إلى الزّوال.
__________________
١ ـ سورة هود ، الآية ٣.
وجُملة :( وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ) ، تعني كلّ الكتب السّماوية ، ومن جُملتها القرآن الكريم ، وذلك لأنّ اصولها في الواقع واحدةٌ ، رغم أنّه وبمرور الزّمان ، وحركة المجتمع الإسلامي في خط التّكامل والتّطور ، نزلت أوامر وأحكام أكثر تطوراً من السابق.
«الآية الثامنة» : نستوحي منها تعبيراً جديداً عن علاقة الحياة الطيبة بالأعمال الصالحة ، (والصّفات التي هي منشأ لتلك الأعمال) ، فتقول الآية :( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) .
الآيات السّابقة ، كانت تؤكّد على تأثير الأخلاق على آفاق وأبعاد حركة الإنسان في الحياة الإجتماعية ، وفي الآية هذه نجد أنّها تتناول الحياة الفردية ، فيذكر فيها أنّ كلّ إنسانٍ من ذكر وانثى ، إذا ما آمن وعمل صالحاً فسيحيى حياةً طيّبةً.
ولا نرى في هذه الآية أيّةَ إشارةٍ إلى أنّ«الحياة الطيّبة» محدودةٌ بيوم القيامة فقط ، بل تشير ظاهراً إلى (الحياة الطيّبة) في الدنيا ، أو تستوعب المفهوم العام للحياة في الدنيا والآخرة.
ولكن ما هي الحياة الطيّبة؟
إختلف المفسّرون في تفسير معنى الحياة الطيّبة ، فبعض فسّرها باللقمة الحلال ، وقال آخر أنّها القناعة والرضا بما قسمه الله تعالى ، وقال البعض أنّها العبادة مع لقمة الحلال ، وقال آخرون أنّها التّوفيق لطاعة الله تعالى ، وتبنّى آخرون تفسيرها بالنّظافة من جميع الأوساخ والأدران ، مثل الظّلم والخيانة والعدوان والذلّة والطّهارة والنّظافة والرّاحة ، فكلّها تندرج تحت ذلك المفهوم ، ولكن بالنّظر إلى جملة :( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ ) ، النّاظرة للأجر الاخروي ، يتبيّن أنّ المقصود من كلمة«الحياة الطيّبة» ، هو الإشارة للحياة السّليمة في هذه الدنيا.
«الآية التاسعة» : تقرر أنّ الإعراض عن ذكر الله تعالى والغفلة عنه ، هو السّبب في ضَنَك العيش وصعوبة الحياة ، فيقول الله تعالى :( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) .
ونعلم أنّ ذكر الله ومعرفة اسمائه وصفاته المقدسة ، هو منبع لكلّ الكمالات ، بل هو عَين الكمال ، فذِكره سبب لتربيه وترشيد الفضائل الأخلاقيّة في واقع الإنسان ، والصّعود به إلى آفاقٍ معنويّةٍ ساميةٍ ، في عالم التّخَلّق بالأسماء والصّفات الإلهيّة ، وهذا الخُلق هو مصدر الأعمال الصَّالحة ، وهو السّبب في الإنفتاح على الحياة السعيدة وتطهيرها ، وبالعكس ، فإنّ الإعراض عن ذكر الله تعالى ، يبعده عن مصدر النّور الإلهي ، ويقترب به من الخُلق الشّيطاني والجوّ الظّلماني ، ممّا يؤدي بالإنسان إلى أن يعيش ضنك العيش ، وينحدر في مُنزلق النّهاية المأساويّة في حركة الحياة ، وهذه هي آيةٌ اخرى تبيّن بصراحةٍ ، علاقة الإيمان والأخلاق مع الحياة الفردية والإجتماعية للبشر.
وقد فسّر بعض أرباب اللّغة ، كلمة «معيشةٍ ضنكا» : بالحياة والمعيشة التي يتكسّب فيها من الحرام ، لأنّ مثل هذه المعيشة ، هي سبب القَلق والإضطراب الرّوحي في كثير من الامور.
وعلى حدّ تعبير بعض المفسّرين : إنّ الأفراد غير المؤمنين ، يغلب عليهم الحِرص الشّديد في امور الدنيا ، وعندهم عطشٌ مادي لا ينفذ ، وخوف من زوال النّعمة ، ولأجل ذلك يغلب عليهم البخل ، والصّفات الذّميمة الاخرى التي تضعهم في نارٍ محرقةٍ من الآلام الروحيّة والضّغوط النفسية ، (بالرغم من توفر الإمكانات الماديّة الكثيرة عندهم).
وعند ما يعيشون العمى في الآخرة ؛ فإنّما هو بسبب العمى في هذه الدنيا عن السير في طريق الحقّ والسّعادة ، وغرقهم في ظلمات الشّهوات الماديّة.
وسنشرح في نهاية هذا القسم هذه المسألة شرحاً وافياً.
«الآية العاشرة» : تتطرق لأحد الآثار السّيئة للعداوة والنّزاع ، الموجب لتدمير عُرى الوحدة ومُصادرة القوّة والقدرة ، فتقول :( وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) .
ومن البديهي أنّ المنازعات والإختلافات في حركة الواقع الإجتماعي ، إنّما هي من إفرازات الأخلاق الرّذيلة المنحطّة الكامنة في أعماق النّفس البشريّة مثل : الأنانيّة ، التكبّر ،
الحرص ، الحقد ، الحسد ، وأمثال ذلك من عناصر الشرّ والانحراف ، ويترتب على ذلك توكيد عناصر الفشل والإنحطاط ، وزوال عناصر العزّة والقوّة من واقع المجتمع البشري.
والجدير بالذّكر ، أنّ القُرآن عبّر هنا ب :( تَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) .
«الريح» في الأصل بمعنى«الهواء» ، وهي كناية عن :«القدرة والقوّة والغلبة» ، ويمكن إستيحاء هذا المعنى من أنّ الرّيح عند ما تُحرّك رايات القبيلة ؛ فانّه يُعدّ مظهراً للقوّة والغَلبة ، وعليه يكون مفهوم الجُملة ؛ أنّ الإختلاف هو سبب زوال قوّتكم وعظمتكم وقدرتكم.
أو أنّ المفهوم مقتبس من هبوب الرّياح الموافقة ، والتي هي سبب في سرعة حركة السّفن للوصول إلى المكان المقصود ، ومع إنعدامها تتوقف الحركة.
ويقول صاحب «التّحقيق» : يُوجد علاقة بين الرّوح والرّيح ، فالرّوح ما يحدث في ما وراء الطّبيعة ، والرّيح بمعنى الحدوث في الطّبيعة.
وجاءت كلمة«ريح» في بعض الموارد ، بمعنى العَطر الجميل ، مثل :( إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ) (١) .
وعلى هذا يمكن القول أنّ معنى الجملة هو : أنّ الإتحاد يفضي إلى إنتشار نفوذكم ورائحتكم في العالم ، وإذا ما إختلفتم ، فستفقدون نُفوذكم في العالم.
وعلى أيّة حال فأيّاً كان السّبب في الإختلاف ، سواء كان : (الأنانيّة ، الإنتفاعيّة ، الحسد ، البخل ، والحقد وغيرها) ، فسيكون له الأثر السّلبي في الحياة الإجتماعيّة وتخلّفها ، ومن هنا تتجلى علاقة المسائل الأخلاقية بالمسائل الإجتماعية في حركة الواقع الإجتماعي للبشر.
النتيجة :
نستوحي من الآيات الآنفة الذّكر ، أنّ الخُلق السّامي الإنساني ، لا يقتصر تأثيره على السّلوك المعنوي والاخروي للإنسان فحسب ، بل له الأثر الكبير في الحياة الماديّة والدنيويّة
__________________
١ ـ سورة يوسف ، الآية ٩٤.
للبشر ، وعليه لا ينبغي أن نتصور أنّ المسائل الأخلاقيّة ، مُنحصرة بالفرد وَحده على حساب الحياة الإجتماعية ، بل العكس صحيح ؛ فالأخلاق على علاقة قويّة ووطيدة مع الحياة الإجتماعيّة ، وأيّ تحوّل إجتماعي في واقع الحياة البشرية ، لا يمكن أن يحصل إلّا على أساس التّحول الأخلاقي.
وبتعبير آخر : إنّ النّاس الذين يعيشون في مجتمع كبير ، ويرغبون في حياةٍ سعيدةٍ مقرونةٍ بالسّلم والتعاون المشترك ، يجب عليهم على الأقل أن يَصِلوا إلى رُشدٍ أخلاقي ، يدركون معه الحقائق المتعلقة بإختلاف أفراد الإنسان فكراً وروحاً وعاطفةً ، لأنّ الأفراد يختلفون عن بعضهم البعض ، فلا نتوقع أبداً من الآخرين أن يتبعونا في كلّ شيء ، والمهم في المسألة هو السّعي في الحفاظ على الاصول المشتركة بين المجتمع ، وإختلاف الأذواق والأفكار يجب التّجاوز عنه ، إلى حيث اللّيونة والحلم وسِعة الصّدر والنّظر إلى المستقبل ، فلا يمكن لنفرين أن يُجسّدا بينهما تعاوناً حقيقيّاً في حركة الحياة ولمدّةٍ طويلةٍ ، إلّا بعد التحلّي بأحد الاصول الأخلاقيّة الآنفة الذّكر.
ومن البديهي أنّ التّهيؤ الأخلاقي لهضم نقاط الإختلاف ، والوصول إلى الوحدة والقدرة والعظمة ، هو أمر لازم وضروري ، وهو أمر لا يتحقق بالكلام فقط ، بل يحتاج إلى تهذيبٍ وتعليمٍ وتربيةٍ لنفوس الأفراد ، كي يصل المجتمع إلى الّنمو والتّكامل في المجالات الأخلاقية.
علاقة الحياة الماديّة بالمسائل الأخلاقيّة في الرّوايات الإسلاميّة :
ما إستفدناه من الآيات القرآنية في الموضوع الآنف الذّكر ، له أصداءٌ واسعةٌ في الرّوايات الإسلاميّة أيضاً ؛ حيث يحكي عن التّأثير العميق للصفات الأخلاقيّة في الحياة الفرديّة والاجتماعيّة ، ونشير إلى قسمٍ منها :
١ ـ نقرأ في حديثٍ عن أمير المؤمنينعليهالسلام :«فِي سِعةِ الأخلاقِ كُنُوزُ الأرزاقِ» (١) .
٢ ـ ورد في حديثٍ آخر عن الإمام الصّادقعليهالسلام ، قال :«حُسنُ الخُلقِ يَزيدُ في الرِّزقِ» (٢) .
٣ ـ ورد في حديثٍ آخر عن أمير المؤمنينعليهالسلام : كيف أنّ الأخلاق الحسنة تُؤثّر في جلب النّاس وتحكيم أواصر الصّداقة بينهم :«مَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ كَثُرَ مُحِبُّوهُ وَآنَسَتِ النُّفُوسُ بِهِ» (٣) .
٤ ـ ورد في حديثٍ آخر عن الإمام الصادقعليهالسلام ، يتطرّق فيه إلى هذا المعنى بصراحةٍ أكثر ، فيقول :«إِنَّ البِرَّ وَحُسنَ الخُلقِ يَعْمُرانِ الدِّيارَ وَيَزيدَانِ فِي الأَعمَارِ» (٤) .
ولا شكّ أنّ تصاعد العمران وتماسك المجتمعات ، يكون من خلال الإتحاد والتعاون بين أفراد المجتمع وطوائفه المختلفة ، وكلّ ما يؤدّي إلى تقوية روح الاتحاد والتّعاون بين الناس ، يُعتَبر من العوامل المهمّة في تحكيم المرتكزات الأساسيّة لبقاء المجتمع ، وتفعيل حركة العمران فيه ، وبالنسبة إلى طول العمر ، نجد أنّه معلول غالباً ، إلى الحياة الهادئة والبعيدة عن حالات القلق والإضطراب ، وفي ظلّ التّعاون المشترك بين الأفراد. وكلّ هذه الامور تُعدّ من معطيات الأخلاق الحسنة في حركة الإنسان والحياة.
٥ ـ وفي هذا المضمار ورد في حديثٍ عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، قال :«حُسنُ الخُلقِ يُثبِّتُ المَوَدَّة» (٥) .
وتوجد أيضاً أحاديث مُتعدّدة ، تحكي عن تأثير سوء الخُلق في إيجاد الكراهيّة في النفوس ، وتوهين الرّوابط بين الأفراد ، وأنّه يورث النّفور والتّشتّت وضنك المعيشة وسلب الرّاحة والطّمأنينة.
٦ ـ ورد في حديثٍ عن الإمام عليعليهالسلام :«مَنْ ساءَ خُلْقُهُ ضاقَ رِزقُهُ» (٦) .
٧ ـ وجاء في حديثٍ آخر أيضاً عن عليعليهالسلام ، أنّه قال :«مَنْ ساءَ خُلْقُهُ أَعْوَزَهُ الصَّدِيقُ والرَّفِيقُ» (٧) .
__________________
١ ـ بحار الانوار ج ٧٥ ص ٥٣.
٢ ـ المصدر السابق. ٦٨ ص ٣٩٤
٣ ـ غرر الحكم.
٤ ـ بحار الانوار ج ٦٨ ص ٣٩٥.
٥ ـ المصدر السابق ٧٤ ص ١٤٨.
٦ ـ غرر الحكم.
٧ ـ المصدر السابق.
٨ ـ وجاء أيضاً عن عليعليهالسلام :«سُوءُ الخُلقِ نَكدُ العَيشِ وعَذَابُ النَّفسِ» (١) .
٩ ـ سأل الإمام عليعليهالسلام :مَنْ أَدومُ النّاسِ غَمّاً ، قال : «أَسوَؤهم خُلقاً» (٢) .
١٠ ـ وأخيراً نورد نصيحة لقمان الحكيم لإبنه ، وهي :«وإِيّاكَ والضَّجَرِ وَسُوءُ الخُلقِ وَقِلَّةِ الصَّبرِ فَلا يَسْتَقِيمُ عَلَى هذِهِ الخِصالِ صاحِبُ» (٣)
__________________
١ ـ غرر الحكم.
٢ ـ مستدرك الوسائل ، ج ٢ ، ص ٣٣٨ (الطبعة القديمة).
٣ ـ بحار الأنوار ، ج ١٠ ، ص ٤١٩.
٣
المذاهب الأخلاقيّة
يوجد في علم الأخلاق مذاهبٌ كثيرةٌ ، إنحرف أكثرها ، وآلَ بها الأمر إلى مُخالفة الأخلاق ، فمعرفتها ليس بالأمر الصّعب وخصوصاً في ظِلّ الهدي القُرآني ؛ فيقول القرآن الكريم :
( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (١) .
فأتت هذه الآية ، بعد ذكر قسمٌ مهمٌّ من العقائد والبرامج العمليّة والأخلاقيّة في الإسلام ، وقد تضمنّت عشرة أوامر إسلاميّة ، جاءت لِتوصي المسلمين بأن يتحركوا في العقيدة في خط الإستقامة ، بعيداً عن السّبل الاخرى التي تورثهم الفُرقة والإنحراف ، عن خطّ الإيمان بالله تعالى.
المذاهب الأخلاقيّة مثلها مِثلُ سائر المناهج الفردية الإجتماعية ، فهي تستمد اصولها من النّظرة الكليّةلمفهوم العالم ، وهذان المفهومان : «الأخلاق والنظرة الكونية» ، منسجمان ومرتبطان مع بعضهما بصورة وثيقة جدّاً ، فالّذين يفصلون : «معرفة العالم» ، النظريّة عن
__________________
١ ـ سورة الأنعام ، الآية ١٥٣.
الأخلاق والأوامر والنواهي الأخلاقية للعقل العملي ، وينكرون أية علاقة بينهما ، إنطلاقاً من أنّ معرفة العالم والكائنات الطبيعيّة تعتمد على الدلائل المنطقيّة والتجربيّة ، والحال أنّ «الأوامر» و «النّواهي» الأخلاقية ، هي سلسلة من القضايا تحكم السّلوك ، فهؤلاء أغفلوا نقطةً مهمةً ، ألا وهي أنّ الأوامر الأخلاقيّة تصبح حكيمةً ، إذا ما كوّنت لها علاقةً بالعالم الخارجي ، وإلّا فستكون اموراً اعتباريةً فارغةً وغير مقبولةٍ ، ويوجد هنا أمثلةٌ واضحةٌ تبيّن المطلب بصورةٍ جيّدةٍ :
عند ما يُصدر الإسلام حكماً ب : «حرمة شرب الخمر» ، أو في القوانين الدوليّة : حول «خطر المخدرات» ، فهذه أوامر إلهيّة أو بشريّة إستمدت اصولها من سلسلة الكائنات الواقعيّة ، لأنّ الحقيقة المحضة ؛ أنّ الشّراب والمخدّرات لها أثر تخريبي خطر على روح وجسم الإنسان ، فلا يسلم من تأثير هذه المواد الضّارة والمدمّرة أيّ إنسان ، وهذه الحقيقة هي سبب لذلك (الأمر) ، و (النّهي).
وعند ما نقول أنّ الأحكام الإلهيّة ناشئة من المصالح والمفاسد ؛ فإنّنا بالضّبط نستوحي ذلك من خلال القاعدة التي تقول :«كلّما حكم به العقل حكم به الشّرع» ، وهي أيضاً تُقرر وجود علاقة وثيقة بين الواقع والأحكام : (الأوامر والنّواهي).
فما يُشرّع من قوانين في المجالس التّشريعيّة البشريّة ، ودراسة عواقبها الفرديّة والإجتماعيّة ووضع القوانين على أساسها ، يصب في نفس ذلك المصب بالضّبط.
وخلاصة القول : أنّه من الُمحال على الحكيم أن يصدر حكماً بعيداً عن الواقعيات في حياة البشر ، وإلّا فلن يكون قانوناً بل هو لَغو في لَغو ، ولأنّ الواقع هو واحد لا أكثر ، فمن الطّبيعي أن يكون الطريق الصّحيح والمستقيم والقانون الأمثل واحد لا غير ، ممّا يدعونا للسّعي الحثيث لإصابة الحق والواقع والأحكام والقوانين التي نشأت عنها.
إن ما ذُكر آنفاً يبيّن علاقة النّظريات الكليّة ، في مجموعة الوجود وخلق الإنسان بالمسائل الأخلاقيّة ، ومن هنا فإنّ نشوء المذاهب الأخلاقيّة وتنوعها ، يكمن في هذا السبب بالذات.
وبالنّظر إلى ما ذُكر أعلاه ، نستعرض الآن المذاهب الأخلاقية :
١ ـ الأخلاق في مدرسة الموحّدين :
هؤلاء يذهبون إلى أنّ الله تعالى خالق الكائنات كلّها ، فنحن منه ونعود إليه. والهدف من خلق الإنسان ، هو التّكامل في الجوانب المعنويّة والروحيّة ، وما دام التقدم المادي والتّطور الحضاري للبشرية ، يتحرك في خطّ التكامل المعنوي ، فهو يُعتبر هدفاً معنويّاً أيضاً.
ويمكن تعريف التّكامل المعنوي بأنّه : «القرب من الله تعالى ، والسّير على الطّريق الذي يقرّب الإنسان لصفات الكمال الإلهيّة».
وإعتماداً على هذا المعيار ، فإنّ الأخلاق من وجهه نظر هذا المذهب ، هي كلّ صفات الأفعال التي تساعد الإنسان في سيره على هذا الطريق ، والتّقييم الأخلاقي في هذا المذهب ، يدور حول القِيَم والمُثل والكَمالات الرّوحية والمعنويّة والقُرب من الله تعالى.
٢ ـ الأخلاق المادية :
من المعلوم أنّ المادّيين لهم مذاهب متعددّة ، والمعروف منها الشيوعيّة ، حيث يرون كلّ شيء من خلال منظار المادّة ، ولا يؤمنون بالله والمسائل الروحيّة والمعنويّة ، ويقولون بأصالة الإقتصاد ، ويعطون للتأريخ ماهيّةً ماديّةً وإقتصاديةً ، فكلّ شيء يؤدي إلى تقوية الإقتصاد الشّيوعي في المجتمع ، فانّه يعتبر من الأخلاق أو على حد تعبيرهم :«كلّ شيء يعجّل في الثورة الشيوعيّة ، فهو الأخلاق» ، فمثلاً المعيار الأخلاقي للكَذب والصّدق ، يقاس بمدى تأثير ذلك السّلوك الأخلاقي على الثّورة ، فإذا أدّى الكذب إلى التسّريع بالثورة فهو أمر أخلاقي ، وإذا أضرّ الصّدق بالثّورة ، فهو أمر غير أخلاقي!
والمذاهب الماديّة الاخرى كذلك ، فكلّ مذهب يُفسّر الأخلاق حسب ما يرتئيه مسلكه ، فالّذين يقولون بأصالة اللّذة ، والإستفادة من اللذائذ الماديّة ، لا يوجد شيء عندهم بإسم الأخلاق ، أو بالأحرى أنّ الأخلاق عندهم ، هي الصّفات والأفعال الّتي تمهد الطّريق للوصول إلى اللذّة.
وأمّا الّذين أعطوا الأصالة للفرد والمصالح الشخصيّة ، والمجتمع محترم عندهم ما دام
منسجماً مع منافع الفرد الشّخصية ، (كما هو الحال في المذاهب الغربية الرأسمالية) ، فهم يفسّرون الأخلاق بالامور التي توصلهم إلى مصالحهم الماديّة والشخصيّة ، ويضحّون بكلّ شيء لأجل هذه الغاية.
٣ ـ الأخلاق من وجهة نظر الفلاسفة العقليّين :
أمّا الفلاسفة الذين يقولون بأصالة العقل ، ويذهبون إلى أنّ غاية الفلسفة هي :(صَيرورة الإنسان عالماً عقليّاً مضاهياً للعالم العيني) ، ففي مجال الأخلاق ، يفسّرون الأخلاق بالصّفات والأعمال التي تساعد الإنسان على تحكيم العقل ، وسيطرته على القوى والنّوازع البدنية ، بعيداً عن الخضوع للشّهوات والطّبائع الحيوانيّة ، والأهواء النّفسية في حركة الحياة.
٤ ـ الأخلاق في مذهب محوريّة الغير :
جماعة اخرى من الفلاسفة أعطت الأصاله للمجتمع ، وقالوا أنّ الأصالة للجماعة لا للفرد ، فهم يفسّرون الأخلاق بالأفعال التي يكون الغير فيها هو الهدف ، وكلّ فعل يعود بالنّفع للإنسان نفسه ، فهو فعل غير أخلاقي ، والأفعال التي يكون محورها نفع الغير تكون أخلاقيّة.
٥ ـ الأخلاق في المذهب الوجداني :
قسم من الفلاسفة قالوا بأصالة الوجدان لا العقل ، ويمكن تسميتهمب : «الوجدانيّين» ، أو بمؤيّدي :«الحسن والقبح العقلي» ، وقصدهم من ذلك العقل العملي لا النّظري ، فالأخلاق عندهم عبارةٌ عن سلسلة من الامور الوجدانيّة غير البرهانيّة ، أي أنّها تُدرك بدون حاجةٍ إلى منطقٍ واستدلالٍ ، فمثلاً الإنسان يدرك أنّ العدل حسنٌ ، والظّلم قبيحٌ ، ويُشخّص أنّ الإيثار والشّجاعة أمران جيّدان ، الأنانيّة والظّلم والبخل امورٌ قبيحةٌ ، ولا يحتاج في إدراك هذا المعنى ، إلى إستدلال عقلي من خلال دراسة تأثير هذه الأفعال والسّلوكيات في واقع الفرد والمجتمع.
وعليه يجب أن نتحرك من موقع تقوية الوجدان الأخلاقي في الإنسان ، ونُزيل من الطّريق كلّ ما يُضعف الوجدان ، وبعدها سنرى أنّ الوجدان قاضٍ وحاكمُ جيّدٌ لتشخيص الأخلاق
الحسنة من القبيحة.
المؤيدون : «للحُسن والقُبحِ العقليين» ، رغم أنّهم يتكلّمون دائماً عن العقل ، ولكن ومن الواضح أنّهم يقصَدون العقل الوجداني ، لا العقل الإستدلالي ، فهم يقولون إنّ حُسن الإحسان ، وقبح الظّلم في الدائرة الأخلاقيّة لا يحتاج فيهما إلى دليل وبرهان ، فالإنسان السّليم النّفس يعيش هذه المفاهيم الأخلاقية ، من موقع الوضوح في الرؤيّة والبداهة ، وعلى هذا فإنّهم يقولون بالأصالة للوجدان في دائرة الأخلاق.
ولكن الكثير منهم لا ينكرون سكوت الوجدان عن بعض الامور ، وعدم إدراكه لها ، وهنا يجب الإستعانة بالشّريعة والوحي لفصل الامور الأخلاقية عن غيرها ، وبالإضافة إلى ذلك ، إذا ورد تأييد من الشّرع لما حكم به العقل ، فإنّ ذلك سيكون عاملاً مهماً في ترسيخ هذه المفاهيم في عالم الوجدان ، وترجمتها على مستوى الممارسة والعمل.
النّتيجة :
بعد الإشارة إلى أهمّ المذاهب الأخلاقية في هذا الفصل ، تتبيّن خصوصيات المذهب الأخلاقي للإسلام بصورةٍ كاملةٍ ، حيث يرى أنّ :
(أساس هذا المذهب الأخلاقي ، هو الإيمان بربوبيّة الله تعالى ، الذي هو الكمال المطلق ومُطلق الكمال وأوامره ساريةٌ وجاريةٌ على جميع العالم ، وكمال الإنسان في تطبيق صفاته الجلالية والجماليّة ، والقرب من الله تعالى أكثر فأكثر).
وهذا لا يعني أنّه لا أثر للصفات الأخلاقية في إنقاذ الإنسان والمجتمع البشري ، من عناصر الشّر وقوى الإنحراف ، ولكن وفي نظرةٍ إسلاميّةٍ عالميّةٍ صحيحةٍ ، أنّ العالم عبارةٌ عن وحدةٍ متماسكةٍ ، وأنّ واجب الوجود هو قُطب هذه الدائرة ، وما عداه مُتّصل به ومُعتمد عليه ، وفي الوقت نفسه هناك علاقة وإنسجام تام بين المخلوقات ، فكلّ شيء يساعد على إصلاح المجتمع البشري وتطهيره من البؤر وأشكال الخلل الأخلاقي ، فسيكون عاملاً مؤثراً في
إصلاح الفرد في دائرة السّلوك الأخلاقي ، وبالعكس.
وبعبارة اخرى : إنّ القيم الأخلاقيّة لها إزدواجيّة في التأثير ، فتصنع الفرد والمجتمع على السّواء ،
والذين يتصورون أنّ المسائل الأخلاقيّة هدفها الغير وليس النّفس على أشتباه كبير ، لأنّ مصلحة الإثنين في الواقع واحدةٌ ، لا تتجزّأ إلّا في مراحل مقطعيّة محدودة وقصيرة ، وقد تقدّم الحديث عن هذا المفهوم ، وسيأتي في المستقبل إن شاء الله تعالى.
ملاحظات :
١ ـ الأخلاق والنسبيّة
هل أنّ الأخلاق الحسنة والقبيحة ، والرّذائل والفضائل ، جيدةٌ أو قبيحةٌ ذات أبعاد مطلقةٌ في كلّ مكان وزمان ، أم أنّ هذه الصفات نسبيّة ؛ فربّما تكون في مكان وزمان آخر جيدة أو سيئة؟
الذين يقولون أنّ الأخلاق نسبيّة ينقسمون إلى قسمين :
الفئة الاولى : هم الّذين يقولون بنسبيّة عالم الوجود كلّه ، فإذا كان الوجود والعدم نِسبّيان ، فإنّ الأخلاق تدخل في هذه الدائرة أيضاً.
الفئة الثانية : هم الذين لا يرون أنّ هناك علاقةُ بين عالم الوجود وبين الأخلاق ، فالمعيار عندهم لمعرفة الأخلاق الجيّدة من غيرها هو المجتمع ، وقبوله وعدم قبوله لها ، وهذا يعني أنّ الشّجاعة ربّما تكون فضيلة عند مجتمعٍ ، في ما لو كانت مقبولةٌ ، وقد تكون نفس تلك الفضيلة رذيلة في مجتمعٍ آخر.
وهذه الفئة ، لا تعتقد بالحُسن والقُبح الذاتي للأفعال أيضاً ، والمعيار هو قبول وعدم قبول المجتمع لها.
وقد رأينا في البحث السّابق ، أنّ المسائل الأخلاقيّة تعتمد على معايير للقياس ، تكون وليدة النّظرات الكونيّة ، فالمذهب الذي يعتبر المجتمع هو الأصل والأساس لقبول الامور ، و
بشكلها المادي ، فان أفراده لا وسيلة لهم إلّا القبول بنسبيّة الأخلاق ، لأنّ المجتمع البشري يكون دائماً في حالة تغيّر وتحوّل ، وعلى هذا فليس من العجيب في أمر هذه الجماعة أنّهم جعلوا الرأي العام للمجتمع ، هو المرجع لتشخيص الحَسن والقَبيح من الأخلاق.
ونتيجةُ مثل هذه العقيدة ، معلومةٌ وواضحةٌ قبل أن تظهر للوجود ؛ لأنّها تُسبب في تبعيّة القيم الأخلاقية للمجتمعات البشريّة ، والتّوافق مع الظّروف ومتغيرات وأحوال ذلك المجتمع ، والحال أنّ المجتمع هو الذي يجب أن يتبع الاصول الأخلاقيّة : لِتُصلح مفاسده.
فمن وجهة نظر هذه الجماعة ، أنّ وأد البنات وهنّ أحياء ، في زمن المجتمع الجاهلي العربي القديم ، هو أمر أخلاقي ، وكذلك الغارات التي كانت تشنّها القبائل على بعضها البعض ، وتعتبر عندهم من المفاخر ، ولأجلها كانوا يُحبّون الأولاد ويقدّرونهم ، حتى يكبروا ويحملوا السّلاح ليحاربوا مع آبائهم ، فهي أيضاً أمر أخلاقي ، وكذلك الجنسيّة المثليّة المتفشيّة في الغرب ، تُعتبر من وجهة نظرهم أمراً أخلاقيّاً؟!
فالعواقب الخطيرة التي تحملها أفكار هذه المذاهب في حركة الواقع الإجتماعي ، لا تخفى على عاقلٍ طبعاً.
ولكن في الإسلام ، فإن المعيار الأخلاقي والفضائل والرّذائل ، تُعيّن من قبل الباري تعالى ، وذاته ثابتةٌ لا تتغير ، فالمُثل والقِيم الأخلاقيّة ستكون ثابتةً ولا تتغير ، ويجب أن تكونَ هي القاعدةُ الأصلُ للأفراد والمجتمع في سلوكهم الأخلاقي ، لا أن تكون الأخلاق تابعةٌ لرغبات ومُيول المجتمع.
الموحدون يعتقدون أنّ الفطرة والوجدان الإنساني إذا لم تتلوث ؛ فستبقى ثابتةً أيضاً ، بإعتبارها تمثل النّور المنعكس عن الذّات المقدسة للباري تعالى ، وعلى هذا فإنّ الأخلاقيّات تعتمد على الوجدان ، وبعبارةٍ اخرَى فإنّ القُبحَ والحُسنَ العَقليان : (المقصود العقل العملي لا النّظري) ، يثبتان أيضاً.
الإسلام ينفي نسبيّة الأخلاق :
طرح القرآن الكريم في آياتٍ عديدةٍ كلمة«الطيّب والخبيث» بصورةٍ مطلقةٍ ، ولم يجعل
للمجتمعات البشرّية دور في صياغة القيم في هذا المجال ، فنقرأ في الآية (١٠٠) من سورة المائدة :( قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ) .
وفي الآية (١٥٧) من سورة الأعراف في وضعها للرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ) .
وفي سورة البقرة الآية (٢٤٣) يقول الله تعالى :( إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) .
وفي الآية (١٠٣) من سورة يوسفعليهالسلام يقول الله تعالى :( وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) .
في هذه الآيات يُعتبر الإيمان والطّهارة والشّكر ، من القيم والمُثل وإن كان أكثر الناس يخالفون ذلك ، والكفر والخُبث وكفران النعمة ، تعتبر في مقابل القِيم ، رغم أنّ الأكثريّة تتحرك في هذا الخط.
وقد ذكر أمير المؤمنينعليهالسلام ، هذا المعنى كثيراً في خُطَبِه في نهج البلاغة. وأنّ قبول وعدم قبول الأكثريّة لُخلقٍ أو عملٍ ما ، لا يكون مِعياراً للفضيلة والرّذيلة وكذلك الحُسن والقُبح.
فقال الإمامعليهالسلام في خطبةٍ :«يا أَيّها النّاسُ لا تَستَوحِشُوا في طَرِيقِ الهُدى لِقِلَّةِ أَهلِهِ فإنَّ النّاسَ قَد إِجتَمَعُوا عَلى مائِدةٍ شِبَعِها قَصِيرٌ وَجُوعِها طَوِيلٌ». (١)
وقال في خطبة اخرَى :«حَقٌّ وَباطِلٌ ، وَلِكلٍّ أهلِ ؛ فَلإن أمِرَ الباطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ وَلإن قَلَّ الحَقُّ فَلَرُبَّما وَلَعَلّ» (٢) .
فكلّ هذه النّصوص الإسلاميّة تنفي النسبيّة في الأخلاق ، ولا تعتبر قبول الأكثريّة في المجتمع معياراً لها.
ويوجد في القرآن الكريم والروايات الإسلاميّة ، شواهد كثيرة على هذه المسألة ، لو جمعت لبلغت كتاباً كبيراً.
__________________
١ ـ نهج البلاغة ، الخطبة ١ و ٢.
٢ ـ نهج البلاغة ، الخطبة ١٦.
سؤال :
وهنا سؤال يفرض نفسه وهو : إنّ النسبيّة في الأخلاق قد تكون مقبولةً في بعض الموارد في الشّرائع السّماويّة ، (وخُصوصاً الإسلام) ؛ فمثلاً يعتبر الكذب ضد القيم والمُثل وعملاً غير أخلاقي ، لكنّ الكذب لغرض الإصلاح بين الناس أو في مقام المشورة ، يعتبر عملاً أخلاقيّاً ، وهذه المسألة ليست بقليلة الموارد في التعاليم الإسلامية ، فيعتبر هذا نوعاً من قبول النسبيّة للأخلاق.
الجواب :
إنّ نسبيّة الأخلاق والحُسن والقُبح مطلبٌ ، والإستثناء مطلب آخر.
وبعبارةٍ اخرَى : لا يوجد أصل ثابت في النسبيّة ، فالكذب لا هو حسن ولا هو قبيح ، وكذلك العدل والإحسان أو الظّلم والطّغيان ، فحُسنها وقُبحها لا يتبيّن للإنسان إلّا إذا قبلتها الأكثريّة من موقع القيم أو رفضتها كذلك.
ولكن في الإسلام والتعاليم السّماوية ، فالكذب والظّلم والبخل والحسد والحقد ، كلّها تعتبر ضد القيم والمُثل ، سواء قبلتها أكثريّة الناس أم لا ، وبالعكس ، فالإحسان والعدالة والصّدق والأمانة ، قيم ومُثل رفيعةٌ سواء قبلها المجتمع ، أم لا.
فهذا هو الأصل الكلّي للمسألة ، ولا مانع من وجود الإستثناء له ، فالأصل كما هو واضحٌ من إسمه أساس وجذر الشيء ، والإستثناء بمنزلة بعض الفروع والأوراق الزّائدة ، ووجود بعض الإستثناءات في كلّ قاعدةٍ لا يمكن أن يكون دليلاً على نسبيّتها ، فإذا تجلّى لنا هذا الفرق بين هذين الإثنين ، أمكننا تجنّب الوقوع في كثير من الأخطاء.
ويجب الإلتفات أيضاً الى أنّ الموضوعات يمكن أن تتغيّر بمرور الزّمان أيضاً ، فالأحكام التابعة للموضوعات تتغيّر أيضاً ، وهذا الأمر لا يمكن أن يُعتبر دليلاً على النسبيّة.
بيان ذلك : إنّ لكلّ حكمٍ موضوعه الخاص ؛ العدوان على الآخرين يعتبر جنايةً قابلةً للقصاص والتّعقيب ، ولكن يمكن أن يتغيّر الموضوع ، في يد الطّبيب والجرّاح الذي يمسك
المِبضع لينقذ حياة المرضى ، فيفتح بمشرطه القلب ويخرج الغدد الخبيثة ، فالموضوع يتغيّر هنا ، فلا يمثّل هذا العمل جناية ، بل يستحق عمله التّقدير والجائزة.
فلا يمكن لأحد أن يعتبر تغيّر الأحكام والموضوعات دليلاً على النسبيّة ، والنسبيّة تقوم على أساس تبدّل الأحكام ، بالرّغم من عدم تحوّل وتغيّر الموضوع الماهَوي ، والموضوعي بالنسبة للأشخاص أو الأزمان المختلفة.
وأحكام الشّرع كذلك ، فالخمر حرام ونجس ، ولكن من الممكن وبعد مرور عدّة أيّام ، أو بإضافة مادّةٍ ما يمكن تحويله إلى خلّ طاهر محللّ ، فلا يمكن لأحدٍ أن يعتبر هذه من نسبيّة الأحكام ، والنسبيّة هنا أن يكون الخمر حلال عند مُستحلّيه وحرامٌ عند مانعيه ، من دون أن يتغيّر شيء في ماهيّة الخمر.
في المسائل الأخلاقيّة أيضاً ، يمكن أن نصادف موضوعات ، تكون للوهلة الأولى من الفضائل ، ولكن وبالتّحول في دائرة الموضوع ، يمكن أن تتغيّر إلى رذيلةٍ ؛ فعدم الخوف مثلاً وإلى حد الإعتدال يُعتبر شجاعة وفضيلةٌ ، ولكن إذا تعدّى الحدود ، فيكون تهوّراً ويدخل في حيّز الرّذائل.
وكذلك في الامور الاخرى التي تُشابهها ، فالكذب يعتبر منشأ للمفاسد الكثيرة ، وسبباً لزوال الثّقة بين النّاس ، ولكن إذا كان لغرض الإصلاح بين الناس ، فهو حلالٌ وفضيلةٌ.
ويمكن أن يعتبر البعض ، هذه الامور والتغيّرات في المواضيع من النسبيّة ، ولا نزاع فيما بيننا في التّسمية ، ومثل هذا النزاع يعتبر لفظيّاً ، لأنّه مثل هذه الموارد تعتبر من قبيل التغيّر في الموضوع والماهيّة ، وإذا كان قصد أصحاب النسبيّة هذا ، فلا بأس ، ولكنّ المشكلة في أن يكون المعيار : للفضيلة والرّذيلة والحُسن والقُبح الأخلاقيين ، هو قبول أكثريّة المجتمع.
ومن مجموع ما تقدم ، نستنتج أنّ نسبيّة الأخلاق مردودة ، من وجهة نظر الإسلام والقرآن والمنطق والعقل ، وطرح مسألة النسبيّة تلك تُعتبر أو تُساوي عدم الأخلاق ، لأنّه وطبقاً للنظريّة النسبيّة للأخلاق ، فإنّ كلّ رذيلةٍ إنتشرت في المجتمع فهي فضيلةٌ ، وكلّ مرضٍ أخلاقي تفشّى بين الناس ؛ فهو صحّةٌ وسلامةٌ ، وبدلاً من أن تكون الأخلاق عاملاً لرقيّ المجتمع في خطّ
التّكامل الحضاري ، فستتحول إلى عامل لنشر الفساد والانحطاط.
٢ ـ التّأثير المتقابل بين (الأخلاق و (السّلوك)
علاقة الأخلاق والعمل ، وتأثير الأخلاق في السّلوك أمر لا يخفى على أحد ، لأنّ الأعمال عادةً تنبع من الصّفات الداخليّة في النّفس الإنسانية ، فالشّخص الذي تسيطر حالة البخل والحسد والكِبَر على قلبه وفكره وروحه ، فمن الطّبيعي أن تكون أعماله على نفس الشّاكلة ، فالحسود يتحرك في أعماله دائماً من موضع هذه الخصلة الذميمة ، التي هي كالشّعلة المتّقدة في روحه ، تسلب الرّاحة منه ، وكذلك الأفراد المتكبرين ، مشيتهم وكلامهم وقيامهم وقعودهم ، كلّها تعطي حالة الغرور فيهم ، وتشير إلى روح التَّكبر في نفوسهم ، وهذا الحكم يشمل الصفات ، والأخلاقيّة الصّالحة والطالحة على السّواء.
ولأجل ذلك ، يعتبر بعض المحقّقين مثل هذه الأعمال ، أعمالاً أخلاقية ، يعني أعمال تنشأ من الأخلاق الصّالحة والطّالحة بصورةٍ بحتةٍ ، وفي مقابل الأعمال التي تصدر أحياناً من الإنسان ، تحت تأثير الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، والإرشاد والنّصح مثلاً ، من دون أن يكون لها جذر أخلاقي ، وطبعاً مثل هذه الأعمال تعتبر أقلّ بالنسبة للأعمال الأخلاقيّة.
وهنا يمكن أن نستنتج ، أنّه ولأجل إصلاح المجتمع وإصلاح أعمال الناس ، يتوجب علينا إصلاح جذور الأعمال الأخلاقيّة ، لأنّ أغلب الأعمال تعتمد على الجذور الأخلاقيّة ، وعلى هذا كان أكثر سعي الأنبياءعليهمالسلام والمصلحين الإجتماعيين الإسلاميين ، يصبّ في هذا السبيل ، لأنّه وبالتّربية الصّحيحة ، تنمو وتتبلور الفضائل الأخلاقيّة في كلّ فرد من أفراد المجتمع ، وتصل الرذائل إلى أدنى الحدود ، وبذلك يمكن إصلاح الأعمال التي تترشح من الصّفات الأخلاقيّة ، والإشارة في بعض الآيات القرآنية إلى «التّزكية» ، تصبّ في هذا المصب أيضاً ، هذا من جهةٍ :
ومن جهةٍ اخرى ، أنّ التّكرار لفعل ما يمكن أن يكون له الأثر في تكوين الأخلاق ، لأنّ كلّ
فعل يفعله الإنسان سيؤثر في روحه ونفسه ، وسيعمِّق ذلك الأثر حتى يصبح عادةً ، وإذا تكرّر بصورة أكبر فسيتعدّى مرحلة العادة ، ويتبدّل إلى «مَلَكةٍ» و «حالةٍ» ، تدخل في الخصوصيّات الأخلاقيّة للإنسان.
وعلى ذلك ، فإنّ العمل والأخلاق لهما تأثيرٌ مُتقابل ، ويمكن أن يكون أحدهما سبباً للآخر.
ولهذه المسألة شواهدٌ كثيرةٌ في القرآن الكريم منها :
١ ـ في الآية (١٤) من سورة«المطفّفين» ، وبعد الإشارة إلى الصفات القبيحة لطائفةٍ من أهل النار ، والمعذبين ، قال الله تعالى :( كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) .
وهذه الآية دليلٌ على أنّ الأعمال القبيحة تجثم على القلب ، كما يجثم الصّدأ على الحديد ، وتُزيل النّور والصّفاء الفطري الدّاخلي للإنسان وتُطفئهُ ، وتصوغه بقالبها.
٢ ـ في الآية (٨١) من سورة البقرة قال الله تعالى :( بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) .
والقصد من الإحاطة للخطيئة ، هو تراكم إفرازات الخطيئة في نفس الإنسان حتى تصل النّفس إلى مرحلة الختم ، والطّبع ، وتتطبّع بالذنوب ، فلا يُفيد فيها النّصح والموعظة ولا الإرشاد ، وكأنّه قد تغيّرت ماهيّة ذلك الإنسان ، وصفاته الإخلاقية في واقعه النفسي ، بل وبالإصرار على الذّنوب ، فإن المعتقدات الدينيّة للفرد ستطالها يد التّغيير أيضاً.
كما وأشارت الآية (٧) من سورة البقرة الواردة في بعض الكفار المعاندين ، إلى هذا المعنى أيضاً ، حيث تقول :( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) .
ومن الواضح أنّ الباري تعالى شأنه : لا يتعامل مع أحد من الناس من موقع العداوة والخُصومة ، ولكنّ الواقع أنّ آثار أعمال الناس هي التي تضع الحُجب والحواجز على الحواسّ ، فلا تُدرك الحقيقة ، (ونسبة هذه الامور للباري تعالى ، إنّما هو لأجل أنّ الله تعالى هو مُسبّب الأسباب وكلّ شيء إنّما يصدر عن ذاته المقدّسة).
وفي الآية (١٠) من سورة «الرّوم» يتعدى ذلك ويقول الله تعالى : إنّ الأفعال السيّئة تغيّر
عقيدة الإنسان وتُؤدي به إلى الحضيض :( ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ ) .
ومنها يتبيّن أنّ الأعمال والصّفات القبيحة وارتكاب الذنوب ، إذا ما أصرّ وإستمرّ عليها الإنسان ، ستمتد إلى أعماق نفس الإنسان ، ولا تؤثّر على أخلاقه فحسب ، بل تقلب عقائده رأساً على عقب أيضاً.
ونقرأ في آيةٍ اخرى من القرآن الكريم : أنّ الإصرار على الذنب وتكراره وسوء العمل ، يُميت عند الإنسان حسّ الّتمييز والتّشخيص ، بحيث يرى الحسن قبيحاً والقبيح حَسناً ، فنقرأ في الآية (١٠٣ و ١٠٤) من سورة الكهف حيث تقول :( هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) .
٣ ـ وفي آيةٍ اخرَى يصرح القرآن الكريم بأن الإصرار على الكذب وخُلف الوعد مع الله سبحانه ، سيورث الإنسان صفة النّفاق في قلبه ، فيقول الله تعالى :( فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ) .
ويعلم القاري الكريم أنّ «يكذَّبون» : هو فعل مضارع ويدل على الإستمرار ، حيث يُبيّن تأثير هذا العمل السّيء وهو الكذب في ظهور روح النّفاق ؛ لأننا نعلم أنّ الكذب وخاصّةً في لباس الإنسان الصادق ، ليس هو إلّا إختلاف الظّاهر والبّاطن ، والنّفاق الباطني هو تبديل هذه الحالة إلى ملكةٍ.
التّأثير المتقابل للأخلاق والعمل في الأحاديث الإسلاميّة :
الحقيقة أنّ الأعمال الصالحة والطالحة تؤثر في روح الإنسان وتبلورها ، وتحكّم الخلق السيّ ، والحسن فيها ، ولهذا الأمر صدىً واسعاً في الأحاديث الإسلاميّة ، ونذكر منها هذه الأحاديث الثلاثة الآتية :
١ ـ نقرأ في حديثٍ عن الإمام الصادقعليهالسلام : كان أبي يقول :«ما مِن شيءٍ أفسدُ لِلقلَبِ مِن
خَطيئةٍ ، إنّ القَلبَ ليُواقِع الخَطِيئةَ فَما تَزالُ بِهِ حتّى تَغلِبَ عَلَيهِ فَيَصِيرَ أعلاهُ أسفَلَهُ» (١) .
طبعاً هذا الحديث ، أكثر ما ينظر إلى تحول وتغيّر الأفكار وتأثّرها بالذنّوب ، ولكن وبصورة كليّة ، فهو يبيّن تأثير الذّنوب في تغيير روح الإنسان.
٢ ـ في حديثٍ آخر عن الإمام الصادقعليهالسلام :«إذا أذنَبَ الرّجلُ خَرَجَ في قَلبِهِ نُكتَةٌ سَوداءٌ ، فإنْ تَابَ إنمَحَتْ وَإنْ زَادَ زادَتْ ، حتّى تَغلِبَ عَلى قَلبِهِ ، فَلا يَفلِحُ بَعدَها أبداً» (٢) .
ولأجل ذلك نبّهت الأحاديث الإسلاميّة على خطورة الإصرار على الذّنب ، وأنّ الإصرار على الذّنوب الصّغيرة يتحول إلى الكبائر(٣) .
وجاء هذا المعنى في الحديث المعروف ، عن الإمام عليّ بن موسى الرّضاعليهالسلام ، في معرض جوابه للمأمون ، وفيه تبيان كُلّي حول مسائل الحلال والحرام ، والفرائض والسّنن ، فمن المسائل التي أكّد عليها الإمامعليهالسلام ، هو أنّه جعل الأصرار على الذّنب ، من الذّنوب الكبيرة(٤) .
٣ ـ جاء في كتاب (الخصال) ، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال :«أربعُ خِصالٍ يُمِتْنَ القَلبَ : الذَّنبُ عَلَى الذَّنبِ ...». (٥)
وجاء مُشابه لهذا المعنى في تفسير «الدُّر المنثور»(٦) .
هذه التّعبيرات توضّح جيّداً أنّ تكرار عملٍ ما ، له تأثير في قلب وروح الإنسان بصورةٍ قطعيةٍ ، ويصبح مصدراً لتكوين الصّفات : الرّذيلة والقبيحة ، ولأجل ذلك جاءت الأوامر للمؤمن إذا ما أذنب وأخطأ ، بالتّوبة السّريعة ، ليمحي آثارها من القلب ، ولئلّا تصبح عنده على شكل «حالةٍ» و «مَلكةٍ» وصفةٍ باطنيّةٍ ، فجاء في الأحاديث الشّريفة ، أنّه يتوجب على الإنسان أن يجلو الصّدأ من على قلبه ، كما نقرأ في الحديث عن الرّسول الكريمصلىاللهعليهوآله :
__________________
١ ـ أصول الكافي ، ج ١٢ ، بابّ الذّنوب ، ح ١ ص ٢٦٨.
٢ ـ المصدر السابق ، ج ١٣ ، ص ٢٧١.
٣ ـ بحار الأنوار ، ج ١ ، ٣٥١.
٤ ـ المصدر الساق ، ص ٣٦٦.
٥ ـ الخصال ، ج ١ ، ص ٢٥٢.
٦ ـ الدر المنثور ، ج ٦ ، ص ٣٢٦.
«إنّ القُلُوبَ لَتَرِينُ كَما يَرِينُ السّيفُ ، وَجَلاؤها الحَدِيثُ» (١) .
٣ ـ الأخلاق الفرديّة والإجتماعيّة
المسألة الاخرى الّتي يتوجب ذكرها هُنا هي : هل أنّ المسائل الأخلاقيّة تتشكل من خلال علاقة النّاس بالآخرين ، بحيث أنّ الإنسان إذا ما عاش وحيداً فريداً لا يكون لديه مفهوم حول الأخلاق ، أو أنّ بعض المفاهيم الأخلاقيّة لها موارد في سلوك الإنسان حتى لو عاش لِوَحده ، بالرّغم من أنّ أعظم المسائل الأخلاقيّة ، تتجلى أكثر في عمليّة علاقة الأشخاص مع بعضهم البعض ، ولهذا يمكن تقسيم الأخلاق إلى قسمين : فرديّة وإجتماعيّة؟.
للجواب عن هذا السّؤال ، يجب أن نلفت أنظاركم ، إلى البحث الذي جاء في كتاب «زندگى در پرتو أخلاق» ، «الحياة على ضوء الاخلاق» وسنورده بالكامل هنا :
(يعتقد البعض أنّ كلّ الاسس الأخلاقية ، تعود إلى العلاقات الإجتماعية مع الآخرين ، فلو إنعدم المجتمع وعاش الإنسان وحيداً فريداً ، أو أنّ كلّ إنسان عاش مستقلاًّ عن الآخر ، لا يعرف عنه شيء ، فلن يكون هناك مفهوم للأخلاق أصلاً! ، لأنّ الحسد والتّواضع والكِبَر ، وحُسن الظّن ، والعدالة والجَور والعفّة والكَرم ، كلّها من المسائل الّتي لا يتجلى مفهومها إلّا بوجود المجتمع خاصّة ، وتعامل النّاس مع بعضهم البعض ، وبناءً على هذا ، فإنّ الإنسان بدون المجتمع ، يساوي الإنسان من دون أخلاق).
(ولكن بعقيدتنا ، وعلى الرّغم من الإعتراف ، بأنّ كثيراً من الفضائل والرّذائل الأخلاقيّة ، لها علاقة مباشرة بالحياة الإجتماعية ، ولكنّها ليست بصورةٍ مطلقةٍ ، فكثيرٌ من الأخلاق لها جوانب فردية ، وتصدق على الإنسان الوحيد بصورةٍ خاصةٍ ، فمثلاً الصّبر والجزع ، والشّجاعة والخوف ، والمشاجرة والكسل ، وأمثال ذلك من الحالات والصّفات النّفسية التي تفرضها حالات الصّراع مع الطّبيعة ، وكذلك الغفلة والشّعور اتّجاه الخالق الكريم ، والشّكر والكفران لنعمه التي لا تُحصى ، وما شابه تلك الامور ، الّتي بحثها علماء الأخلاق في كتبهم ، وعدّوها
__________________
١ ـ تفسير نور الثقلين ، ج ٥ ، ص ٥٣١ ، ح ٢٣.
من الفضائل أو الرّذائل ، فكلّ تلك الامور يمكن أن تدخل في الإطار الفردي للسّلوك ، وتصدق على الإنسان المعزول عن المجتمع ومن هنا يتبيّن أنّ الأخلاق على قسمين : «أخلاقٌ فرديّةٌ» و «أخلاقٌ إجتماعيّةٌ». ومن المعلوم أنّ الأخلاق الإجتماعيّة ، التي لها الثّقل الأكبر في علم الأخلاق ، وصياغة شخصيّة الإنسان : تدور حول هذا المحور ، وإن كنّا لا ننسى أيضاً أنّ الأخلاق الفرديّة لها وزنها ، ووضعها الخاص بها)(١) .
ولا شكَّ أنّ هذا التّقسيم ، لا يقلّل من قيمة المسائل الأخلاقيّة ، ولكنّه يُقسّم المباحث الأخلاقيّة إلى درجاتٍ من حيث الأهميّة ، ولا داعي لإتلاف الوقت في معرفة وتمييز الأخلاق ، هل أنّها فردية أم إجتماعية ، وما أشرنا إليه آنفاً ، يكفي للإحاطة بمعرفةٍ إجماليّةٍ حول هذا الموضوع.
ولا يمكن انكار أنّ الأخلاق الفردية ، لها تأثيرها غير المباشر في القضايا الإجتماعية أيضاً.
__________________
١ ـ زندگى در پرتو أخلاق ، ص ٢٩ ـ ٣١.
٤
دعائم الأخلاق
إذا شبّهنا الأخلاق بشجرة باسقةٍ مثمرةٍ ، معرضةٍ للآفات والأخطارِ ، فدعامتها الأخلاقيّة يمكن أن نُشبّهها بالفلّاح ، أو الماء الذي يجري من تحتها ، ولو لا الماء والفلّاح ليَبِست تلك الشّجرة ، أو لأصيبت بأنواع الآفات والأمراض ، حتى تموت أو يغدو ثمرها قليلاً.
وقد إختلف علماء الأخلاق والفلاسفة ، في صياغة الدّعائم الأساسيّة للأخلاق بشكلٍ كبيرٍ ، فكلُّ مجموعةٍ تذكر آرائها ونظراتها حول المسألة ، تبعاً لرأيها ونظرتها في مسألة معرفة العالم. ونشير هنا إلى عدّة نماذج مهمّة :
١ ـ دَعامة الإنتفاع
يوصي البعض بالأخلاق ، لأنّها تعود على الإنسان بالنّفع المادّي المباشر ، فمثلاً تُراعي إحدى المؤسّسات الإقتصادية ، أصل الأمانة والصّدق بشكلٍ دقيقٍ جدّاً ، وتعطي المعلومات الواقعيّة لزبائنها بدون أيِّ تلاعب ، فمثل هذه المؤسّسة ستكون بعد سنوات ، مورد ثقة النّاس ومحل إعتمادهم ، مما سيعود عليها بالنّفع الكبير الطّائل.
وبناءً على ذلك ، قد يتحرك الأشخاص في سلوكهم الأخلاقي ، كلٌّ حسب موقعه. فمثلاً عند ما يكون موظّفاً في المصرف أو البنك ، فهو يُراعي منتهى الأمانة والدّقة ، لكي يعود على
البنك بالنّفع الكبير ، ولكن يمكن أن يتحول إلى خائن ، بمجرد أن يضع قدمه خارج المصرف ، لّانّ فائدته ستكون في الخيانة حينها.
وقد نرى تاجراً ، يحرص أن يكون في منتهى الأدب واللّطف واللّياقة مع زبائنه ، لأجل كسب المزيد منهم ، ولكنّه مع عائلته وأولاده ، يكون في منتهى الفضاضة ، لا لشيء إلّا لأنّ الأخلاق الحسنة مَحلُّها في محلّ عمله ، وستعود عليه بالنّفع المادي الأكثر.
فمثل هذه الأخلاق لا دعامة لها ، إلّا النّفع والإستغلال ، وأهمّ عيبٍ في المسألة ، هو أنّه لا يعير للأخلاق أهميّةً ولا أصالةً ، لأنّه يستمر في إستغلاله ، سواءً كان عن طريق الأخلاق ، أم بعقيدته التي هي ضدّ الأخلاق.
وذهب البعض الآخر إلى صياغة حِكمةٍ معدّلةٍ لهذا النمّط من الأخلاق ، ونادوا بالأخلاق لا من أجل المصالح الشّخصيّة ، ولكن لتعود على مصلحة البشر جميعاً ، لإعتقادهم بأنّ الأسس الأخلاقيّة إذا تزلزلت في المجتمع ، فستتحول الحياة إلى جهنّم تحرق كلّ شيء ، وستتحول أدوات الإلفة والتعاون في المجتمع ، إلى حطبٍ يُبقي النار مشتعلةً ، في حركة الواقع الإجتماعي المضطرب.
هذا النّوع من التّفكير يعتبر أرقى من سابقه ، ولكنّ الأخلاق هنا مجرد وسيلةٍ لجلب النّفع والرّاحة والرّفاه ، ولا أساس للفضائل الأخلاقية فيها.
فالماديّون لا يمكنهم أن يتجنبوا مثل هذا النوع من التّفكير ، لأنّهم لا يعتقدون بالوَحي ولا نُبوّة الأنبياء ، وينزلون بالأخلاق من السّماء إلى الأرض ، ويجعلونها مُجرد وسيلةٍ للإنتفاع والرّاحة والاستغلال لا أكثر.
ولا شكَّ ولا ريب ، في أنّ الأخلاق لها مثل هذه المعطيات الماديّة الإيجابية ، في وعي الناس كما أشرنا سابقاً ، ولكن السّؤال هو : هل أنّ أسس ودعائم الأخلاق ، تنحصر في هذه المرتكزات الماديّة ، أو أنّ مثل هذه المرتكزات والمعطيات ، يجب أن تُدرس على أساس أنّها من المسائل الجانبيّة ، والمتفرّعة على علم الأخلاق؟.
وعلى أيّة حال ، فإنّ الإيمان بالأخلاق الّتي يكون أساسها النّفع والإستغلال ، يخدش
أصالة الأخلاق ، ويقلل من قيمتها وقدسيّتها ، ومن ناحيةٍ اخرى فإنّ الإنسان في حالة تقاطع مصلحته مع الأخلاق ، فإنّه سيضرب بالأخلاق عَرض الحائط ، ويتّبع مصلحته الشخصيّة ، الّتي إعتبرها دعامته وأساسه ، في حركة السّلوك الإجتماعي والأخلاقي.
٢ ـ الدّعامة العقليّة
الفلاسفة الّذين يعتقدون بحكومة العقل ولزوم اتّباعِه في كلّ شيء ، يعتبرون دعامة الأخلاق هي إدراك العقل : للقبيح والحسن من الأفعال والصّفات الأخلاقيّة ، فمثلاً يقولون أنّ العقل يُدرك جيّداً أنّ الشّجاعة فضيلةٌ والجبنُ رذيلةٌ ، والأمانةُ والصّدقُ فضيلةٌ وكمالٌ ، والخيانةُ والكذبُ نقصانٌ ، ونفس إدراك العقل لها ، هو الباعث والمحرّك لإتّباع الفضائل وترك الرذائل.
وقال البعض الآخر ، إن إدراك الوجدان هو الأساس ، فيقولون : أنّ الوجدان وهو العقل العملي ، أهمّ شيء في الإنسان ، لأنّ العقل النّظري يمكن أن يُخطيء ، ولكن الوجدان والضّمير ليس كذلك ، وبإمكانه أن يقود البشريّة إلى ساحل الأمن والسّعادة.
وعليه ، وبما أنّ الوجدان يقول : إنّ الأمانة والصّدق والإيثار ، والسّخاء ، والشّجاعة هي امور حسنةٌ وجيّدةٌ ، فهو بمفرده يكون دافعاً ومُحرّكاً ، نحو نيل تلك الأهداف والفضائل.
وكذلك بالنّسبة للبُخل ، والأنانيّة وأمثالها ، فإنّ الوجدان يقول أنّها قبيحة ، وذلك يكفي في الإرتداع عنها وتركها.
وهنا تتحد الدّعامة العقلية والوجدانيّة ، فهما تعبيران مختلفان لحقيقةٍ واحدةٍ.
ولا شكّ أنّ وجود هذا الأساس والدّعامة للأخلاق ، لا يخلو من حقيقةٍ ، وهو في حدّ ذاته دافعٌ حسنٌ للسّعي إلى تربية النّفوس ، وترشيد الفضائل الأخلاقية ، في واقع الإنسان والمجتمع.
ولكن وبالنّظر إلى ما ذكرناه في بحث الوجدان(١) ، فإنّ الوجدان يمكن أن يُخدع ، هذا من جهةٍ ، ومن جهةٍ اخرَى : أنّ الوجدان وبالتّكرار لفعل القبائح والرّذائل ، فإنّه سيأنس بها
__________________
١ ـ الرّجاء الرجوع إلى ، كتاب قادةٍ عظماء ، ص : (٦٣ ـ ١٠٦).
ويتعوّد عليها ، بل قد يفقد الحسّاسيّة بالكامل تجّاه هذه الامور ، أو يتحرك في إدراكه لها ، من موقع التأييد للرذائل على حساب إهتزاز الفضائل.
ومن جهةٍ ثالثةٍ ، إنّ الوجدان أو العقل العملي ، رغم أهميّته وقداسته ، فإنّه كالعقل النّظري قابل للخطأ ، ولا يمكن الإعتماد عليه وحده ، بل يحتاج إلى أُسس ودعامات أقوى ، يُطمأن إليها في تشخيص الحُسن والقُبح ، بحيث لا يمكن خُداعها ولا تخطئتها ، ولا تتأثر بالتّكرار ، ولا تتغيّر أو تتحول.
وخلاصة الأمر : أنّ الوجدان الأخلاقي ، أو العقل الفِطري والعقل العملي ، أو أيّ تعبيرٍ آخر يُعبّر عنه ، هو أساسٌ ودعامةٌ جيَّدة ، ولا بأس بها لنيل الفضائل الأخلاقيّة ، ولكن وكما أشرنا آنفاً ، تعوزه بعض الأمور ، ولا يُكتفى به وحده.
٣ ـ دعامة الشخصيّة
يتحلّى البعض بالقيم الأخلاقيّة ، لأنّها دليلٌ وعلامةٌ للشخصيّةِ أو الرجولةِ والمروءة ، وكلّ إنسانٍ عند ما يرى ، أنّ شخصيّته بين النّاس متوقفةٌ على الصّدق والأمانة ، فسيتحرك على مستوى التّحلي بها ومُراعاتها ، وكذلك عند ما يرى ، أنّ الناس يحترمون الشّجاع والوفي والرّحيم ، فسيكون طالب الشخصية والإحترام ، أوّل المطبّقين لها على نفسه ، حتى يمدحهُ الناس.
والعكس صحيح ، فإنّه عند ما يرى أنّ الناس لا يحترمون الجبان ، ولا البخيل ، ولا الخائن ، ولا ضعيف الإرادة ، ولا قيمة لهم في نظر المجتمع ، فسوف يسعى لهجر هذه الرذائل ، وتطهير نفسه منها.
وعليه يَتحصَّل لدينا : دعامةٌ وأساسٌ آخر للمسائل الأخلاقيّة.
ولكن وبالتّدقيق والتحقيق ، نرى أنّ هذا الأساس والدّعامة ، يعود إلى مسألة الوجدان ، غاية الأمر ، أنّ المطروح هنا هو وجدان المجتمع ، لا الوجدان الفردي ، يعني أنّ ما يوافق الوجدان العام للمجتمع ، فهو فضيلةٌ وعلامةٌ للشخصيّة ، ومن الأخلاق الفاضلة وعكسه
يدخل في الرذائل ، وما يُقرّه الرأي العام للمجتمع ، يكون هو الدّافع للفضائل والرّادع عن الرّذائل. ونحن لا ننكر أنّ الوجدان العمومي للمجتمع ، يمكن أن يشخّص القِيَم من اللّاقيم ، ويحثّ الأفراد للإهتمام بالمسائل الأخلاقيّة في خطّ التّربية والتّكامل.
ولكن ما ذكر من نواقص وإشكالات ، حول الوجدان الفردي ، هو نفسه يصدق على وجدان المجتمع.
فيمكن للمجتمع أن يُخطأ ، وإذا ما وقع هذا الأساس للأخلاق ، تحت طائلة الدعاية والإعلام القوي من قبل الحكومات ، فبالإمكان أن ينقلب رأساً على عقب ، وتكون الفضائل رذائل في منظومة القيم والمثل الأخلاقية ، كما حدّثنا التّأريخ عن نماذج كثيرة من هذا القبيل ، ففي عصر الجاهليّة مثلاً كان يُعتبر وَأْد البنات من المكرمات ، عند شريحةٍ كبيرةٍ من المجتمع آنذاك ، ويُعتبر فضيلةً أخلاقيةً ، (وذلك للمفهوم السّائد في ذلك الوقت وقت ، من أنّه الطّريق للنّجاة من العار والشّنار ، والحيلولة دون وقوع النّساء في الأسر في الحروب)(١) .
ونرى في عصرنا الحاضر ، وفي المجتمعات البشريّة المتقدّمة والمتطوّرة ، أنّ المتموّلين ولأجل الوصول لأهدافهم غير المشروعة ، وبالدعاية يخدعون الوجدان العمومي للمجتمع ، ويقلبون القيم الأخلاقيّة الإيجابية ، إلى مُضادّاتها في دائرة السّلوك الأخلاقي.
بالإضافة إلى أنّ الوجدان والضّمير في الإنسان ، هو من بَوارِق الرّحمة الإلهيّة ، ونموذج لمحكمة العدل الإلهي العظيمة ، عند الإنسان في هذا العالم ، ولكن ومع ذلك ، فالضّمير ليس بمعصوم عن الخطأ ، ويمكن أن ينحرف ، وإذا لم يتّخذ الإنسان تدابير لازمة لإصلاحه وتزكيته ، فلعلّه يبقى على خطئه لسنين طويلة.
__________________
١ ـ يقول الشّاعر الجاهلي :
الموتُ أخفى سِترةً للبناتِ |
ودفنها يُردى من المكرماتِ |
|
ألم تر أنّ الله عزّ اسمه |
قد وضع النعشَ بجنب البنات |
وكما تلاحظون أنّ هذا الشاعر الجاهلي ، يعتبر تلك الجناية الكبرى مكرمْة وإفتخاراً.
٤ ـ الدّعامة الإلهيّة
من المعلوم أنّ ما ذكر من الدّعامات والأسس ، لا يخلو من واقعيّةٍ على مستوى دفع الإنسان نحو الفضائل الأخلاقيّة ، ولكن وكما أشرنا إليه سابقاً أنّها لا تخلو ولا تسلم من الخطأ والانحراف ، مثل دعامة الإنتفاع والاستغلال التي تأخذ طريقها في أيّ وقت وزمان ، فتارةً تسير مع الأخلاق واخرى تُعارضها.
والبعض الآخر من الدّعامات له قدرةٌ محدودةٌ في تحريك الإنسان ، ومشوبةٌ بالنّقص والقصور ولربّما أخطأت واشتبهت.
والدّافع الوحيد الخالي عن الخطأ والإشتباه ، والعاري من كلّ نقص في دائرة المسائل الأخلاقيّة ، هو الدّافع الإلهي الذي يكون مصدره الله تعالى ، والوحي ، في إطار التّعاليم الدينيّة.
وهنا لا تعتبر الفضائل الأخلاقيّة وسيلةً للإنتفاع والإستغلال ، ولا هي وسيلةٌ للرفاه الإجتماعي ، (وإن كانت الأخلاق قطعاً ، وسيلةً للرّفاه والعمران والهدوء ، وتؤمّن المنافع الماديّة أيضاً).
فالأصالة هنا للدوافع الروحيّة والمعنويّة ، أو بعبارةٍ اخرَى ، أنّ الذّات الإلهيّة المنزّهة ، والّتي هي الكمال المطلق ، ومُطلق الكمال ، وجميع صفاته الجماليّة والجلاليّة ، تكون هي المحور الأصلي للمسألة ، وكلّ إنسان يسعى في المُضي قُدماً ، للوصول إلى الكمال المطلق ، ويتحرّك في حياته المعنوية ، من موقع تفعيل نور أسماء الصّفات الإلهيّة في نفسه ، ليشبهه ويتقرب إليه أكثر وأكثر يوماً ، بعد يوم (وإن كانت ذاته المقدّسة منزهّةً عن الشبيه الحقيقي) ، ويصل إلى الكمال المطلق ، فلا حدّ للكمال هناك ، وبذلك يعيش بكلّ وجوده ، حالة الإستغراق من الحبّ لله تعالى ، والكمال المطلق ، وتُنير وجوده وباطنه ، أنوارُ وصفاتُ الذّات المقدّسة ، بحيث يطلب الكمال والرّقي ، في الدّرجات العليا في كلّ لحظةٍ ، فلا يتقيّد بالمنافع الماديّة ، ولا يطلب الأخلاق للشخصيّة والاحترام ، ولا يكون هدفه الضّمير وحده ، بل لديه هدفٌ أسمى وأعلى من كلّ تلك الامور.
فلا يأخذ معلوماته من العقل والوجدان فقط ، بل يستعين بالوَحي أيضاً ، ليميّز في ظلّه القيم
الحقيقيّة من الكاذبة ، وليمشي بخطى ثابتةٍ مع إيمانٍ ويقينٍ كاملين في هذا الطريق ، والقرآن الكريم ، هو خير دليلٍ في هذا المضمار ، ويُصرّح القرآن الكريم ، بأنّ الأعمال الأخلاقيّة هي وليدة الإيمان بالله واليوم الآخر ، ودائماً ما يردف : (العمل الصالح) بالإيمان ، وعرّف العمل الصالح ، بالّثمرة لشجرة الإيمان.
ومثّل الإيمان ، بالشّجرة الطيّبة ، وجذورها ثابتة في روح وأعماق الإنسان ، وفروعها وأوراقها وارفة ، تؤتي بثمارها كلّ حين ، وأشار إشارة جميلةً فقال الله تعالى :
( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) (١) .
ومن البديهي ، أنّ الشجرة التي تمدّ جذورها في أعماق القلوب ، وتتفرع أغصانها من جميع أعضاء الإنسان ، وترتفع في سماء حياته ، هي شجرةٌ وارفةٌ لا يؤثّر فيها جفاف الخريف ، ولا تقلعها العواصف أبداً.(٢)
وجاء أيضاً في سورة «والعصر» ، نفس هذا المعنى ولكن بتعبير آخر ، فالقاعدة ولكن
الكلّية هو الخسران والتّضييع للإنسان ، والمستثنون من ذلك هم المؤمنون ، في أوّل الأمر ، ثم الّذين يعملون الصّالحات ويتواصون بالحقّ والصّبر :
( وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) .
وجاء نفسُ هذا المعنى وبتعبيرٍ جميلٍ آخر ، في الآية (٢١) من سورة النور ، فيقول الله
__________________
١ ـ سورة ابراهيم ، الآية ٢٤ و ٢٥.
٢ ـ إختلف المفسّرون في ما هو المقصود من الشّجرة الطيّبة؟ ، وهل يوجد مثل هذا التشبيه في الخارج أم لا؟. وهنا كلام كثير ، فالبعض قال : أنّ الشجرة الطيّبة هي كلمة لا إله إلّا الله ، وبعض قال : أنّها أوامر الباري تعالى ، وآخَرون قالوا أنّها الإيمان ، وفي الواقع أنّ هذه كلّها تعود إلى حقيقةٍ واحدةٍ ، وإختلفوا أيضاً في هل أنّ هذه الشجرِة لها واقع خارجي ، وأنّ أصلها ثابت في الأرض وأوراقها وفروعها في السّماء ومثمرة في كلّ وقتٍ وحِينٍ ، حقيقةً ، أو لا؟.ولكن يجب أن لا ننسى أنّ كلّ تشبيه لا يتوجب أن يكون له وجود خارجي ، فعند ما نقول : أنّ القرآن الكريم كشمسٍ لا غروب لها ، وبالطّبع فلا وجود للشّمس التي لا غروب لها ، والقصد من ذلك هو التّشبيه بالشمس لا أكثر ، حيث يمكن أن تختلف خصائص هذه الشمس في الخارج.
تعالى :( وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ) .
وعليه ، فإنّ سمُوّ الأخلاق والعمل والتّزكية الكاملة لا تتمّ ، إلّا بالإيمان بالله ورحمته الواسعة.
وجاء نفس هذا المعنى في سورة (الأعلى) فيقول الله تعالى :
( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) (١) .
فطبقاً لهذه الآيات ، فإنّ التّزكية الأخلاقيّة والعمليّة ، لها علاقةٌ وثيقةٌ بإسم الله تعالى والصّلاة والدّعاء ، هذا إذا ما إستمدّت أسسها منه سُبحانه وتعالى ، وحينها ستكون عميقةً ودائمةً ، وإذا ما إعتمدت على أسسٍ اخرَى ، فستكون واهيةً وعديمة المحتوى.
في الآية (٩٣) من سورة المائدة ، جاء وصف جميل ، للعلاقة الوثيقة بين التّقوى والأعمال الأخلاقيّة بالإيمان : فقال الله تعالى :( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) .
في هذه الآية الشّريفة ، تقدّمت التّقوى مرّة على الإيمان والعمل الصّالح ، وتأخرت اخرَى ، وتقدمت مرّةً على الإحسان ، لأنّ التّقوى الأخلاقيّة والعمليّة تتقدم على الإيمان في مرحلةٍ ما ، وهي التّحضير لقبول الحقّ والإحساس بالمسؤوليّة للبحث عنه.
ثم إنّ الإنسان عند ما يعرف الحقّ ويؤمن به ، فستتكون في نفسه مرحلةٌ أعلى وأقوى من التّقوى ، وتكون مصدراً لأنواع الخيرات.
وبهذا التّرتيب ، تتبيّن العلاقة الوثيقة بين الإيمان والتّقوى.
وخلاصة القول : إنّ أقوى وأفضل الدّعائم للأخلاق ، هو الإيمان بالله ، والإحساس بالمسؤوليّة اتّجاهه ، ومثل هذا الإيمان هو أبعد مدىً وأرحب افقاً من المسائل المادّية ، ولا يبدّل ولا يعوّض بشيٍء ، فهو يرافق الإنسان في كلّ مكان ولا ينفصل عنه أبداً ، ولا يوجد شيء أفضلُ منه.
__________________
١ ـ سورة الأعلى ، الآية ١٤ و ١٥.
ولذلك فإنّنا نرى ، أنّ أقوى مظاهر الأخلاق ، كالإيثار والتّضحية تتجسّد في حياة أولياء الله تعالى.
ونرى أيضاً ، في المجتمعات الماديّة التي توزِن كلّ شيء بمعيار النّفع ، أنّ الأخلاق فيها ضعيفةٌ جدّاً ، وفي الأغلب أنّ المعترف به رسميّاً عند الجميع ، هو النّفع الشّخصي المادّي ، فالصّدق والأمانة والوفاء وما شابه ذلك ، هي أخلاق حسنةٌ وسلوكيّات جيدةٌ ، ما دامت تعود بالنّفع على الفرد ، وعند تعرّض النّفع المادي للخطر ، فستفقد لونها وقيمتها!!.
فالأبوان العجوزان ، ولعدم نفعهما ، فمصيرهما أن يعيشا في زاوية النسيان ، ويتمّ نقلهما إلى مراكز ودور العجزة ، لينتظرا أجلهما المحتوم.
وبمجرّد أنّ يبلغ الأطفال مرحلة الرّشد والمراهقة ، فإنّ مصيرهم الانفصال عن اسرهم ، لا لكي يستقلّوا إقتصاديّاً ، بل لكي يُنسوا إلى الأبد.
وكذلك الأزواج ، فهم شركاء في الحياة ما دام في الحياة الزوجية نفعٌ ولذّة ، وإلّا فلا حاجة إلى العلاقة الزّوجيّة ولا ضرورة للإلتزام بتبعاتها ، ولذلك فإننا نرى أنّ الطّلاق هناك كأيسر ما يكون ، وشايع إلى درجةٍ خطيرةٍ ، ففي المذاهب الماديّة التي لا تقوم على أساسٍ إلهي في دائرة الأخلاق ، يكون الإستشهاد لديهم لنيل المقاصد السّامية ، هو الإنتحار بعينه ، والكرم الذي يؤدي إلى تبذير الأموال ، ليس هو إلّا نوعٌ من الجنون ، والعّفة والإستقامة على طريق الفضيلة ، ليست هي إلّا ضَعفٌ في النّفس ، والزُّهد بالعالم المادي ، ليس هو إلّا سذاجةً وجهلاً بالحياة.
وما نراه اليوم من التنافس المحموم على الماديات ، ومراكز القدرة في هذه المجتمعات ، ورؤساء تلك الدول ، هو أفضل وخير نموذج يعبّر عمّا لديهم من معايير للأخلاق الماديّة.
والشّاهد على ذلك ، ما يصدر من الإنتهازيّة والتّعامل المزدوج للقوى الإستعماريّة تجاه (حقوق الإنسان) ، فعند ما تكون حقوق الإنسان ، سبباً لتعرّض منافعهم للخطر ، فسوف يتجاهلونها ويجعلونها وراء ظهورهم ، ويذبحون القيم الإنسانيّة على مذبح المصالح الماديّة.
فأخطر المجرمين والمعتدين على حقوق الإنسان ، يصبحون مسالمين ومصلحين ، وبالعكس
فإنّ الشخص الذي يريد أن يدافع عن حقّه في مقابلهم ، يكون هو الشّيطان بعينه ، ويجب أن يُقمع بأيّ وسيلةٍ كانت.
فنراهم يدافعون عن الديمقراطيّة وحكومة الشّعب ، دفاعاً مُستميتاً ، وفي نفس الوقت نراهم وفي زاوية أخرى من العالم ، يدافعون عن أسوَأ وأظلم المستبدّين الديكتاتورييّن لا لشيءٍ ، الّا لأن الأخلاق عندهم ليست هي : إلّا النّفع في بُعده المادي والشّخصي. والإنسان المادي لا يمتلك صورةً واضحةً عن الأخلاق في دائرة التّعامل مع الآخرين ، بل مفاهيم ضبابيّةً وصورةً قاتمةً.
والملاحظة الاخرى الّتي تجدر الإشارة إليها ، أنّ المادييّن لا يرون في سلوكهم الأخلاقي ، غير زمانهم ومكانهم الّذي هم فيه الآن ، ولا أهميّة عندهم لما فَعل الماضون ، ولا ما سيفعله اللّاحقون ، إلّا أن يكون له علاقةٌ بحاضرهم ، ومنطقهم يتمثّل به قول الشّاعر ، حيث يقول :
إن أنا مِتُّ فلا |
طلعت شمس الضّحى على أحدِ |
ولكن الموحّدين المعتقدين بالحياة الآخرة ، ومحكمة العدل الإلهي في يوم القيامة ، يعتقدون أنّ معطيات الأخلاق وبركاتها المعنوية ، جارية حتى بعد الممات ، ولو إمتدّت لِالاف السّنين ، وسيثاب الإنسان عليها في الاخرى ، ولذلك لا يتعاملون مع الواقع الدنيوي ، من موقع الزّمان الحاضر فقط ، بل من موقع التّفكير في الغد البعيد والحياة الخالدة.
وقد جاء في الحديث المعروف عن الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال :
«إذا مات المؤمن إنقطع عمله إلّا من ثلاث ، صدقةٍ جاريةٍ ـ أي الوقف ـ أو علمٍ يُنتفع به أو ولدٍ صالحٍ يدعو له» (١) .
فالإيمان بالآخرة دافعٌ وحافزٌ آخر ، للحثّ على الأعمال ، الأخلاقية المهمة ، مثل الصّدقة الجارية والآثار العلميّة المفيدة وتربية الأولاد الصّالحين ، والحال أنّ لا مفهوم لهذه الامور لدى المادييّن.
وقد قسّم المرحوم الشّهيد (مُطهّري) ، في كتاب «فلسفة الأخلاق» ، الأنانيّة إلى ثلاثة أقسام : (للنّفس ، وللعائلة ، وللقوميّة) ، وعدّها كلّها من الأنانيّة ، التي تقف في الطّرف المقابل
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٢ ، ص ٤٢.
للأخلاق ، ونقل كلاماً عن «كوستاف لوبون» ، في كتابه المعروف (حضارة الإسلام والعرب) ، ورأينا أن ننقله هنا إكمالاً للفائدة.
فقد ذكر هذا الكاتب الغربي ، في معرض حديثه عن الشّعوب الشرقيّة ، وأنّهم لماذا وقفوا من الحضارة الغربيّة موقفاً سلبيّاً؟ فعللّ ذلك بالقول :
(أولاً : لعدم القابليّة لديهم لإستقبال هذه الثّقافة ،وثانياً : إنّ حياتهم ومعيشتهم تختلف عن حياتنا ومعيشتنا ، فحياتهم بسيطةُ وساذجةٌ ، بخلاف ما نحن عليه من التّعقيد الحضاري في واقع الحياة ، ثم يردف قائلاً : ولا يخفى مدى الظّلم الذي إرتكبته الشّعوب الغربّية في حقهم. (وهو عامل مهم آخر).
وبعدها أشار إلى الظّلم الذي إرتكبه الغربيّون ، في أمريكا والهند والصّين ، وخصوصاً كان يؤكد على قصّة الحرب المعروفة ، ب : (حرب التّرياك) ، التي شنّها الإنجليز على شعب الصيّن ، لأجل السّيطرة عليهم ، فنشروا إستعمال التّرياك بين الشعب ، لأجل التّسلط عليهم ، وليميتوا فيهم روح المقاومة ، ويكسروا شوكتهم ، ولكنّ الصّينيين توجهّوا للخدعة ، وتحرّكوا للتّصدي للإنجليز ، الذين صوّبوا مدافعهم ، وانتصروا عليهم بقوّة السّلاح الفتّاك ، وإنتشر بين الأهالي إستعمال التّرياك ، بحيث جاءت الإحصائيات : (في ذلك الزمان) ، أنه في كل سنةٍ يموت حوالي ال (٦٠٠) ألف نفر ، جرّاء إستعمالهم للتّرياك.(١)
نعم فعند ما لا تقوم الأخلاق على قاعدةٍ متماسكةٍ ، من الإيمان والقيم المعنويّة في واقع الإنسان ، فسوف تأخذ بالذّبول والتّراجع ، لصالح المنافع الشّخصيّة والنّوازع الدنيويّة العاجلة.
ملاحظة :
ما ذكرناه آنفاً حول دعامة الأخلاق ، من وجهة نظر الإيمان بالمبدأ والمعاد ، لا يعني إنكار الدّور الفعّال ، ل : «العقل الفطري» في تعميق المسائل الأخلاقيّة ، فالضّمير والوجدان في الحقيقة ، هو رسول الله في أعماق البشر ، ومن جهةٍ اخرى له الأثر الكبير في تحكيم المباني الأخلاقيّة ، بشرط أن يصاحبها عنصر الإيمان ، وتتخلص من حجب الأنانيّة وهوى النّفس.
__________________
١ ـ فلسفة الأخلاق ، ص ٢٨٣ بتضرّف.
وأكّد القرآن الكريم ، على هذه المسألة مرّات عديدة ، ففي الآية (١٠٠) من سورة «يونس» ، يقول الله تعالى :( وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) .
وفي الآية (٢٢) من سورة «الأنفال» ، نقرأ :( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) .
ويقول الله سبحانه ، عن الّذين يستهزئون بالصّلاة : في سورة (المائدة) الآية (٥٨) :
( اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) .
وهكذا يتبيّن من خلال ما ذُكر آنفاً ، خلاصة رؤية القرآن المجيد للمسائل الأخلاقية.
٥
الأخلاق والحريّة
هناك أبحاثٌ كثيرةٌ ، في مسألة الأخلاق والحريّة ، وهل أنّ الأخلاق تُحدّد وتُقيّد حريّة الإنسان؟ وهل أنّ هذا التّقييد هو في صالح الإنسان أم لا؟
فبإعتقادنا أنّ هذه الأبحاث ، ناشئةٌ من التّفسير الخاطيء لمعنى الحريّة ، ومنها :
١ ـ يُقال : أنّ الأخلاق تقوم بتحديد حريّة الإنسان ، وتعمل على كبت القابليّات في المحتوى الدّاخلي للإنسان.
٢ ـ وتارةً يقولون : إنّ الأخلاق تقمع الغرائز ، وتمنع من تحقّق السّعاد الواقعيّة للفرد ، ولو لم يكن في الغرائز فائدةٌ ، فلما ذا خلقها الله تعالى؟.
٣ ـ وتارةً اخرَى يقولون : إنّ البّرامج الأخلاقيّة ، تخالف فلسفة أصالة اللّذة ، ونحن نعلم أنّ الهدف من الخلق ، هو «اللّذة» التي يريد أن يصل إليها الإنسان.
٤ ـ واخرى يقولون ، وفي النّقطة المعاكسة لها : أساساً إنّ البشر ليس حُرّاً في سلوكه الأخلاقي ، بل هو مجبور وواقع تحت تأثير عوامل كثيرة ، ولذلك فلا تصل النوبّة للوصايا الأخلاقيّة.
٥ ـ وأخيراً يقولون : إنّ الأخلاق مبنيّة على أساس إطاعة الله تعالى ، وهي لا تخلو من الخوف أو الطّمع ، وكلّ هذه الامور تتقاطع مع الأخلاق!
هذا التّناقض في الأقوال ، إن دلّ على شي ، فهو دليلٌ على عدم التّقييم الصّحيح لمفهوم الحرّية ، هذا من جهةٍ ، ومن جهةٍ اخرَى لم تُدرس الأخلاق الدينيّة ، وخصوصاً الأخلاق الإسلاميّة ، دراسةً كافيةً ووافيةً.
ولذلك يجب أن ندرس في بادي الأمر ، مسألة الحريّة. ولماذا يطلب الإنسان الحريّة بكلّ وجوده؟ ، ولماذا يجب أن يكون الإنسان حرّاً؟ ، وما هو دور الحريّة في تربية الجسم والرّوح؟ ، وبكلمةٍ واحدةٍ : ما هي «فلسفُة الحريّة»؟.
إنّ الجواب على كلّ هذه الأسئلة يتلخّص في ما يلي :
يوجد في داخل الإنسان قابلياتٌ وملكاتٌ وقوى خفيّةٌ ، لا تخرج من القوّة إلى الفعل إلّا بالحريّة ، والإنسان يسعى للتّكامل ، ويتحرك على مستوى ترشيد إستعداداته وقُدراته ، فهو يطلب الحريّة لأجل ذلك.
ولكن هل أن الحرّية التي تساعد على تفعيل قدرات الإنسان ، هي حرية بلا قيد ولا شرط ، أم أنّها الحريّة المتحرّكةِ في إطارٍ من التّنظيرٍ العقلي والدّيني؟.
ويُمكن تبيان هذا المطلب مع ذكر مثالين :
إفترضوا أنّ هناك فلّاحاً ، قررّ أن يزرع أنواع الورود والفواكه في بستانه ، وتحرّك لتحقيق هذا الغرض ، على مستوى حرث الأرض وغرس النّباتات وسقيها في موعدها في كلّ مرّةٍ ، فَمن البديهي أن تكون الشّجرة مغروسةً في الفضاء الحرّ ، لتأخذ قِسطها من النّور والهواء والمطر ، وستمدّ جذورها في الأرض بحرّيةٍ ، وإذا لم تتوفر لها تلك العوامل ، فلن تثمرَ ولن يحصلَ الفلّاح على ثمن أتعابه ، وبناءً على ذلك ، فإنّ حريّة الجذور والأوراق ، ضروريّة لكي تعطي الثمر ، ولكن من الممكن أن ينحرف غُصن من الأغصان في تلك الشّجرة ، فيقطعه الفلّاح بلا رحمةٍ ولا رأفةٍ ، لأنّ هذا الغَصن يستهلك قوّة الشّجرة ، فلا أحد له الحقّ في الإعتراض على الفلّاح ، بسبب هذا العمل.
ويمكن أن يُقَوِّم الفلّاح الشّجرة المائلة ، أو الفرع المعوّج ، بشدّه إلى خشبةٍ مستقيمة ، فكذلك لا حقّ لأحدٍ أن يعترض عليه في ذلك ، ويقول له : لماذا قيّدت الشّجرة بهذا القيد ، ولم
تتركها حرّةً ، لأنّه سيقول : إنّ الشّجرة يجب أن تكون حرّةً لكي تُثمر ، لا أن معوّجة فتذهب بأتعابي سُدىً.
وكذلك بالنسبة للإنسان ، فلديه ملكاتٌ وقابلياتٌ مُتنوّعةٌ ومهمّةٌ ، وإذا ما نُظِّرت تَنظيراً صحيحاً ، فستصعد به إلى أعلى درجات الرّقي والكمال المادّي والمعنوي ، فهو حرٌّ في الإستفادة من قابلياته في الطّريق السّليم ، لا أن يُهدِر هذه القابليّات في الطرق المنحرفة.
فالذّين فسرّوا الحريّة ، بمعناها العام الشّامل بلا قيد ولا شرط ، ففي الحقيقة لم يفهموا معنى الحريّة ، فالحريّة هي الإستفادة من الطّاقات في الطّريق الصّحيح ، الذي يوصله للأهداف العُليا : (ماديةٌ كانت أم معنويةٌ).
ومثالٌ آخر ، حرّية المرورِ والعبورِ في الطّرق الواسعة والضّيقة ، فالغرض هو وصول الإنسان لمقصده ، ولكن هذا لا يعني أبداً ، عدم الإلتزام بقوانين المرور ، حيث يؤدي إلى الهرج والمرج ، والفَوضى في حركة المرور.
فلا يوجد إنسانٌ عاقلٌ يقول : إنّ التّقيد بقوانين المرور ورعايتها ، مثل التّوقف عند الضّوء الأحمر ، أو عدم المرور في طريقٍ ما ، أو السّير على الجانب الأيمن ، وما شابهها من الامور ، التي توجب تحديد حريّة السّائق ، فالكلّ سوف يستهزيء بمثل هذا الكلام ، حيث يقال له ، إنّ الحرّية يجب أن تكون ؛ ضمن المقررات والقوانين التي تراعى من أجل سلامة الإنسان وأموال وممتلكات الآخرين ولا تسبب في الهرج والمرج ، وقتل الأبرياء دون مُبرِّر ، أو تفضي إلى عدم الوصول بسلامةٍ للمقصد والغاية.
فكثيرٌ من هذه الحريّات هي كاذبةٌ ، ونوعٌ من التّقييد الحقيقي.
فالشّاب الذي يسىء الإستفادة من حريته ، ويستعمل المخدّر المميت ، فهو في الواقع يكون قد أمضى حُكم أسرِهَ وتَسلّط الغير عليه ، فالحريّة التي تُصاحب الإلتزام بالموازين الأخلاقية ، هي التي تُعطي للإنسان الحريّة الحقيقيّة وتجعله متمكنّاً من نفسه ومسيطراً على أهوائه ونوازعِهِ النّفسية ، وكم هو جميل كلام أمير المؤمنينعليهالسلام ، حيث يقول :
«إنّ تقوى الله مفتاحُ سَدادٍ ، وذخيرةُ مَعادٍ ، وعتقٌ من كلّ مَلكةٍ ، ونجاةٌ من كلّ هلكةٍ» (١) .
وممّا ذُكر آنفاً ، تتجلى الحريّة الحقيقيّة من الكاذبة ، ويتمّ منع إستغلال هذا المفهوم المقدّسُ في طريق الإنحراف والزّيغ ، فلا يحقّ لأحدٍ أن يتذرّع ، بكبتِ الأخلاق لطاقاتِ الإنسان ، ويستشكِل على القِيم الأخلاقيّة.
وممّا تقدّم أيضاً ، تتّضح الإجابة على من يدّعي ، قمع الأخلاق للغرائز ، وأنّ الله تعالى خلق الغرائز في الإنسان ، لتحقيق الغرض منها ، وأشباعها بأدوات الحريّة والتّحرر من قيود الأخلاق.
فالغرائز في الإنسان ، مثلها كمثل قطراتُ المطر ، تنزل من السّماء بِقدرٍ لتُحيي الأرض ، ولو لا فائدتها ، لما أنزلها الباري تعالى ، ولكن هذا لا يعني فسح المجال لتلك القطرات لِتَتجَمَّع ، وتكوّن السّيول لإهلاك الحرث والنّسل ، بل يجب أن تُقام السّدود في طَريقها ، وفتح منافذ صغيرة منها لتمد الحياة البشرية بالماء ، وتكون الفائدة فيها أعمّ وأشمل ، فيما لو سيطر عليها الإنسان ، وأخضعها لضوابط معيّنة ، وكذلك الحال بالنّسبة لغرائز الإنسان ، فإذا اطلق لها العِنان ، فستبُيد كلّ شيٍء أمامها ، وتدّمر كلّ شيٍء في حركةِ الحياة الفرديّة والإجتماعية للإنسان.
ويُستنتج مما ذُكر سابقاً ، أنّ الأخلاق لا تقف سدّاً في طريق الإنسان ، ولا تمنعه من ترشيد قابلياته وملكاته ، ولا تقمع الغرائز في واقعه ، بل إنّ الأخلاق وسيلةٌ للوصول للكمال المنشود ، في حركة الإنسان والحياة.
ومن خلال التّفسير الصّحيح للحرية ، الذي ذكرناه آنفاً تتّضح الإجابة على أسئلة المخالفين للأخلاق.
__________________
١ ـ نهج البلاغة ، الخطبة ٢٣٠.
الإعتقاد بالجَبر ، وبالمسائل اللأخلاقيّة :
لا شك أنّه يوجد إرتباطٌ وعلاقةٌ وثيقةٌ ، بين الإعتقاد بحريّة الإرادة للإنسان ، و «المسائل الأخلاقيّة» ، وكما أشرنا سابقاً ، أنّ نفي حريّة الإنسان ، هو نفيٌ وتعطيلٌ لجميع المفاهيم الأخلاقيّة.
وبناءً على هذا نجد ، أنّ الأديان الإلهيّة المتعهّدة بتربية وتهذيب النفوس والأخلاق ، من أقوى المدافعين عن حرّية الإنسان!.
وبناءً على هذا أيضاً ، نجد في القرآن الكريم آياتٌ عديدةٌ وكثيرةٌ تبلغ المئات ، تثبّت الإختيار وحريّة الإرادة للإنسان ، وتنفي الجَبر عنه ، وقد ذُكرت في مباحث الجَبر والإختيار(١) .
فالأمر والنّهي والتّكاليف الاخرى ، والدّعوة إلى الثّواب والعقاب ، والحساب والمحاكم والقوانين والعقوبات ، كلها امور تؤكّد على مسألة الإختيار ، وحريّة الإرادة عند الإنسان.
وإذا ما شاهدنا بعض الآيات تُوافق مذهب الجَبر ، فهي ناشئةٌ من عدم الإنتباه والتّوجه الصحيح لتفسير تلك الآيات ، فتلك الآيات ناظرةٌ إلى نفي التّفويض ، ولا تثبت الجبر ، والشّاهد عليها هو القرآن الكريم نفسه ، وقد أشرنا إليها سابقاً ، وليس هنا محلّ للبحث فيها.
فالإعتقاد بالجَبر ، وسلب حريّة الإنسان ، يمكن أن يكون عاملاً مهمّاً ، لكلّ تحلّل أخلاقي ، فالُمجرم ولتبرير أفعاله المشينة يتذرّع بالجَبر ، وأنّه لا يستطيع أن يُغيّر مصيره المحتوم عليه ، ولذلك يتحرّك في خطّ الإنحراف ، وينحدر في مُنزلقات المعاصي أكثر ، فالتّاريخ يُحدثنا ، عن مجرمين خاضوا غمار الجريمة ، استناداً إلى مُبّررات مذهب الجَبر ، وكانوا يعذرون أنفسهم ، في إرتكابهم لتلك الأعمال والذّنوب ، ويقولون :
(إذا كنّا صالحين أو طالحين ، فليس لنا من الأمر شيء ، فالُمبدع الأزلي هو الذي زرع فينا ذلك ، وجعل مصيرنا أن نكون من أهل الشّقاء! ، فلا المحسنين لهم الحق بالإفتخار بإحسانهم ،
__________________
١ ـ الرجاء الرجوع إلى التّفسير الأمثل : (الفهرس الموضوعي ص ٩٩) ، وإلى أنوار الأصول ، ج ١ ، بحث الجَبر والإختيار.
ولا على المسيئين ملامة!).
وبناءً على ذلك ، فقد تحرّك الأنبياءعليهمالسلام ، قبل كلّ شيء لتوكيد الإرادة الإنسانيّة ، وخصوصاً نبيّ الإسلامصلىاللهعليهوآله ، ولأجل تحكيم الاسس الأخلاقيّة وتهذيب النّفوس.
وعلى كلّ حال ، فبحث الجَبر والإختيار ، والمسائل الاخرى مثل القضاء والقدر ، والهداية والضّلالة ، والسّعادة والشّقاء ، من وجهة نظر القرآن الكريم ، هو بحثٌ مستقلٌ وسيعٌ ، سنتطرق لتفسيره الموضوعي في المستقبل إن شاء الله ، والهدف هنا هو الإشارة لهذه المسألة ، وتأثيرها في المسائل الأخلاقية ، وليس الدخول في تفاصيلها فعلاً.
أمّا الذين يتحركون من موقع اللّذة ، ويعتبرونها من أهمّ القيم ، فهؤلاء لا يعتبرون الأخلاق من المُثل النّبيلة والسّلوكيات الحسنة ، لأنّها لا تُوافق اصولهم ، وكما قال«آريس تيب» ، الذي وُلد قبل الميلاد : الخير هو اللّذة ، ولا شرّ سوى الألم ، والهدف النّهائي للإنسان في الحياة : هو الّتمتع بلذائذ الدنيا ، ولا يجب التّفكير بنتائجها الصّالحة أو السيئة)(١) .
هذا وقد غاب عن اولئك ، أنّنا وعلى فرض حصرنا اللذائذ في الماديّات فقط ، وتركنا اللّذائذ المعنويّة الّتي هي أعلى وأسمى لذّةٍ للرّوح ، فلا يمكن الوصول للذائذ الماديّة إلّا برعاية الأخلاق ، وذلك لأنّ الّتمتع والالتذاذ بالشّيء ، من دون قيد أو شرطٍ ، يعقبه ألم شديد على مستوى النّفس والبدن ، ولأجله يجب أن نصرف النّظرً عن تلك اللذّة التي يعقبها ألم أقوى وأشد.
وهذا الكلام وإن كان قد صدر ، ممّن يُعتبرون في عداد الفلاسفة ، ولكنّه في الحقيقة يشبه كلام المعتاد على الأفيون ، الّذي إذا نصحوه قالوا له : إنّ لذّتك هذه ستسبب لك المتاعب والآلام العظام ، فيجيب : إنّ اللّذة الحاضرة هي الأصل ، ولا يعلم ما ذا سيكون في الغد ، ولكن الذي ينتظره في الغد ، ليس سوى المرض العصبي ، والإرهاق والقلق ، وما إلى ذلك
__________________
١ ـ علم الأخلاق أو الحكمة العمليّة ، ص ٢٤٣.
من إفرازات الإدمان على تلك المواد المخدّرة ، وسيعيش النّدم الشّديد في تلك الحال ، ويتأسف على ما إقترفته يداه ، ولكن أنىّ للتأسّف أن يحلّ المشكلة ، وقد اغلق عليه سبيل العودة ، إلى الحريّة والكرامة كما هو الغالب.
فالوصايا الأخلاقية ، للحثّ على العفّة والأمانة والصّدق والرجولة ، كلّها من هذا القبيل ، والمجتمع الذي تتفشى فيه الخطيئة والخيانة ، كيف يعيش أفراده حالة اللّذّة المعنويّة والسّعادة ، في حركة الحياة والواقع الإجتماعي؟
فالناس الّذين ملأ البخل وجودهم ، ويطلبون كلّ شيءٍ لنفعهم ولذّتهم الشّخصية ، لا تكون لديهم حصانةٌ أمام المشكلات ، وسيكونون عرضةً للتّمزق والتشرذم ، لأدنى أزمةٍ على مستوى الحياة الدنيويّة ، لأنّ الفرد في ذلك المجتمع يكون وحيداً فريداً ، والصّمود أمام المشكلات ، لمن يعيش الوحدة والإنفراد ، أمرٌ في غاية الصّعوبة ، ولكن إذا تفشّت روح التّعاون والسّخاء والرجولة في المجتمع ، فسينطلق الناس من موقع مساعدة بعضهم البعض ، وعند ما يقع أحد الناس في مأزقٍ ، فسيعينه الآخرون ، فلا يشعر الفرد بالوحدة هناك ، بل سيجد في نفسه عنصر المقاومة والصّمود أمام المشكلات والأزمات.
وهذا ما أشرنا إليه سابقاً بالتّفصيل ، وبالإعتماد على الآيات القرآنيّة الكريمة ، بأنّ الاصول الأخلاقيّة عند تطبيقها ، لها بُعدان وفائدتان : معنويّة وماديّة ، ومع غضّ النّظر عن البُعد المعنوي ، فالبُعد المادي فيها له شموليّةٌ واسعةٌ ، ويستحق معها التمسّك بكلّ الاصول الأخلاقيّة ، كي نعمّر دنيانا ونجعل منها جنّةً مليئةً باللّذة ، ونتجنّب النّار المحرقة ، المتولدة من الوقوع في وَحِل المفاسد الأخلاقيّة.
والآن نبحث في المذهب القائل : بأنّ الأخلاق الدينيّة على مستوى الممارسة والتّطبيق ، والّتي تنشأ في الحقيقة من طاعة الله تعالى خوفاً أو طمعاً. وهذه الامور تُعتبر مضادّةً للأخلاق؟(١) .
__________________
١ ـ يرجى الرجوع لكتاب : (تجديد حيات معنوي جامعة) ، ص ١٦٩.
ويمكن أن يُنتقد هذا الكلام من جهتين :
١ ـ التّعبير بالخوف والطّمع ، تعبيرٌ غير صحيح ، والصّحيح أن يُقال ، بأنّ بعض أتباع الأديان ، ولأجل نَيل السّعادة الاخرويّة ، والنّجاة من العقوبات الناشئة من العدل الإلهي ، يتخلّقون بالأخلاق الحسنة ، لكنّه ليس أمراً يخالف الأخلاق ، لأنّه يُبدّل لذّة الحياة الفانية بلذّة الآخرة الباقية ، ويُفدي المصادر الصغيرة بالمواهب الكبيرة.
٢ ـ هل يرتكب الشخص أمراً مخالفاً للأخلاق ، لأنّه لا يكذب ولا يخون ، بدافع من خشيته من فضيحة الكذب والخيانة؟ ، أو ذاك الذي يمتنع من الشّراب ، ويتجنب المادة المخدّرة ، ليحافظ على صحته وسلامته ، هل يكون عمله هذا منافياً للقيم الأخلاقية؟
وكذلك الشّخص الذي يُداري النّاس ويتواضع لهمُ ويعاملهم بأدبٍ وإحترام ، لئلّا يفقدهم ولا يبقى وحيداً فريداً في هذه الدنيا ، فهل يرتكب بذلك عملاً مُخالفاً للأخلاق؟.
والخلاصة : إنّ كلّ عملٍ أخلاقي ، له آثار ومنافع ماديّة في حركة الإنسان والحياة ، ولا يمكن تسميّة تلك الآثار بالطّمع ، وكذلك الحال في الإمتناع ، عن بعض السّلوكيات المشينة والأفعال القبيحة ، لا يمكن أن يعبّر عنه ، بالخوف والجُبن في دائرة الصّفات الأخلاقيّة.
٦
اصول المسائل الأخلاقيّة في القرآن الكريم
قبل الخَوض في هذا البحث ، يتحتم علينا إلقاء نظرة على اصول المسائل الأخلاقيّة فيالمذاهب الاخرى :
١ ـ جَمعٌ من الفلاسفة القدماء ، الذين يُعتبرون من المؤسّسين لعلم الأخلاق ، جعلوا للأخلاق أربعة اسس ، أو بالأحرى لخّصوا الفضائل الأخلاقيّة في أربعة اصول ، هي :
١ ـ الحكمة.
٢ ـ العفّة.
٣ ـ الشجاعة.
٤ ـ العدالة.
وأحياناً يضمّون إليها العبوديّة لله تعالى ، ويجعلونها خمسة اصول.
ويعتبر المؤسّس لهذا المذهب هو«سقراط» ، فكان يعتقد أنّ : (الأخلاق تعتمد على معرفة الحسن والقبيح من الأفعال ، والفضيلة بصورةٍ مطلقةٍ ليست هي إلّا العلم والحكمة ؛ أمّا العلم في مورد الخوف أو الإقدام ، يعني العلم والاطّلاع على الشّيء الذي يتوجب على الإنسان الخوف منه ، أو عدم الخوف من شيءٍ ما يعتبر من «الشّجاعة» ، وإذا كان في صدد المُنى النفسية ، فيدّعي ب :«العفّة» ، وإذا كان العلم بالقواعد الحاكمة على ملاقات الناس وروابطهم مع بعضهم
البعض ، فالمقصود منه هو«العدالة» ، وإذا كان العلم في دائرة وظائف الإنسان مع خالقه هو«التدين والعبودية» ، فهذه الفضائل الخمسة ، يعني : الحكمة ، والشجاعة ، والعفّة ، والعدالة ، والعبودية ، هي الاصول الاولى للأخلاق السُّقراطيّة)(١) .
وكثير من علماء الإسلام الذين كتبوا وبحثوا في علم الأخلاق ، قبلوا هذه الاصول الأربعة أو الخمسة ، ودقّقوا فيها أكثر ، وبنوا لها اصولاً أقوى وأفضل من سابقتها ، وجعلوها أساساً لرؤاهم الأخلاقيّة في كلّ المجالات.
يقولون في نظرتهم الجديدة لهذه الاصول :
إنّ نفس وروح الإنسان فيها ثلاثة قوى هي :
١ ـ قوّة «الإدراك» وتشخيص الحقائق.
٢ ـ قوّة جلب المنفعة أو بتعبير آخر «الشّهوة» ، (بمعناها الوسيع ، لا الجنسيّة فقط وتشمل كلّ طلبٍ وإرادةٍ).
٣ ـ القوّة الدّافعة أو بتعبير آخر «الغضب».
وبعدها إعتبروا الإعتدال في كلّ قوّةٍ ، هو إحدى الفضائل الأخلاقيّة ، وأطلقوا على الفضائل المنبعثة من هذه القوى ب : «الحكمة» و «العفّة» و «الشّجاعة» ، بالترتيب.
وأضافوا أيضاً : كلّما أصبحت قوّة الشّهوة والغضب خاضعة لسلطة القوّة المدركة ، وتمييز الحقّ من الباطل ، فسوف ينتج عندنا الأصل الرّابع وهو «العدالة».
وبعبارةٍ اخرى : إنّ تحقيق الإعتدال في كلّ من القوى الثّلاثة ، يعتبر فضيلةً ، وهذا الإعتدال يسمّى ب : «الحكمة» أو «العفّة» أو «الشّجاعة» ، وتركيبها مع بعضها البعض ، يعني تبعيّة الشّهوة والغضب للقوّة المدركة ، يعتبر فضيلةً اخرَى تسمّى «العدالة» ، وكثيراً ما نرى أنّ الإنسان لديه الشّجاعة وفي حدّ إعتدال قوّة الغضب ، لكنّه لا يوجّهها التّوجيه الصّحيح ، ولا يستعملها الإستعمال الصحيح ، «كما لو إستعملها في الحروب غير الهادفة» ، فهنا قد تكون لديه شجاعة ولكنّها لا تعني العدالة ، أمّا لو إستعمل صفة (الشّجاعة) في نطاق الأهداف السّامية
__________________
١ ـ سير حكمت در اروپا ، ج ١ ، ص ١٨ ، مع شيء من التلخيص.
العقلائيّة ، أي مزجها مع الحكمة ، فسيحقّق عندها حالة «العدالة».
وعليه ، فإنّ هذه الفئة من علماء الإسلام ، جعلوا كلّ الفضائل والصّفات الإنسانيّة البارزة ، تحت أحد هذه الاصول ، وبإعتقادهم أنّه لا توجد فضيلة ، إلّا وتندرج تحت أحد هذه العناوين الأربعة ، وبالعكس فإنّ الرذائل دائماً ، تأخذ طريق الإفراط والتّفريط لهذه الفضائل الأربعة.
ومن أراد التّفصيل والاطّلاع على هذا المذهب الأخلاقي ؛ فليراجع كتاب :«إحياء العلوم» وكتاب «المحجّة البيضاء» (١) .
نقد وتحليل :
إنّ التّقسيم الرّباعي المذكور ، ليس وكما يبدو أنّه شيء مُبتكر من قبل حكماء الإسلام ، بل هو نتيجة تحليلات علماء إلاسلام لكلمات حكماء اليونان ، وإسترفادهم من نظرياتهم وآرائهم بعد تنقيحها ، رغم وجود إشارات لها في مصادرنا الروائيّة ، كما جاء في الرواية المرسلة المنسوبة للإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، حيث قال :
«الفَضائِلُ الأربَعَة أَجناسٍ : أحَدُهُما : الحِكْمَةُ وَقِوامُها فِي الفِكرَةِ ، والثَّانِي : العِفَّةُ وَقِوامُها في الشَّهوَةِ ، وَالثَّالِثُ : القُوَّةُ وَقِوامُها فِي الغَضَبِ ، وَالرّابِعُ : العَدلُ وَقِوامُهُ في إِعتِدالِ قُوى النَّفسِ» (٢) .
فكما ترون ، أنّ هذا الحديث لا يوافق بصورةٍ كاملةٍ ، تلك التّقسيمات الأربعة التي ذكرها علماء الأخلاق ، بل هو قريبٌ منها ، وكما أشرنا سابقاً أنّ الحديث مُرسلٌ وسندُه لا يخلو من إشكال.
وعلى كلّ حال فإنّ هذه الاطروحة ، الّتي ذكرها علماء الأخلاق ، أو حُكماء الإغريق
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٥ ، ص ٩٦ و ٩٧.
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٧٥ ، ص ٨١ ، ح ٨٦.
واليونان ، ترد عليها هذه المآخذ :
١ ـ بعض الملكات الأخلاقية ، «والّتي هي جزءٌ من الفضائل الأخلاقيّة قطعاً» ، نلاقي صُعوبةً في إدخالها تحت أحد هذه الاصول الأربعة ، فمثلاً (حُسن الظّن) ، يُعتبر من الفضائل ، ويقابله (سُوء الظن) ، فإذا أردنا إدخاله تحت أحد هذه الاصول ، فيجب أن ينضوي في دائرة الحكمة ، والحال أنّنا لا يمكننا أن نجعله من فروع الحكمة ، لأنّ حُسن الظّن شيءٌ آخر غير التّشخيص الصّحيح للواقعيات ، ورُبّما ينفصل عنه بوضوح ، بمعنى أنّ القرائن الظنيّة تشير إلى صدور الذّنب والخطأ من شخصٍ ما ، لكن وبحسن الظنّ يتجاوز عنها.
وكذلك الصّبر على النوائب ، والشكر على النّعمة ، فهو بلا شك يعتبر من الفضائل ، لكنّنا لا نستطيع أن نجعله في دائرة قوّة التّشخيص والإدراك ، ولا في مسألة جلب المنافع ولا دفع المضار ، خُصوصاً إذا كان الشّخص الصّابر والشّاكر ، لا يرتجي منها نفعاً مستقبلياً ، وتمسّكه بها إنّما كان لقيمتها الذاتيّة ، (أي : الصّبر والشّكر).
وقد يوجد غير قليل من أمثال هذه الفضائل ، التي لا يمكن أن نجعلها وندرجها تحت أحد هذه العناويين.
٢ ـ «الحكمة» تعتبر من اصول الفضائل الأخلاقيّة ، والإفراط والتّفريط فيها تُعتبر من الرّذائل الأخلاقيّة ، والحال أنّ الحكمة ترجع إلى تشخيص الحقائق والوقائع ، وتعود الأخلاق للعواطف والغرائز والملكات النفسيّة ، ولا تعود لإدراكات العقل ، وعليه لا يُقال إنّ الُمتفتح الذّهن هو حسن الأخلاق ، فالأخلاق يمكن أن تكون وسيلةً وأداةً للعقل ، ولا تُعتبر قوّة العقل والإدراك من الأخلاق ، أو بعبارةٍ اخرى : أنّ العقل وقوّة الإدراك هي الموجّهة لعواطف وغرائز الإنسان ، في حركة الحياة والسّلوك ، وتعطيها شكلها الأَوفق ، والأخلاق هي كيفيّةٌ تعرض على الغرائز والميول الإنسانيّة.
٣ ـ الإصرارُ على أنّ الفضائل الأخلاقيّة دائماً ، هو الحدّ الأوسط بين الإفراط والتّفريط : لا يبدو سليماً ، وإن كان في الأغلب هو كذلك ، لأنّنا نجد موارد لا يتحقّق فيها الإفراط ، فمثلاً القُوّة العقليّة ، كلّما كانت أقوى كانت أفضل ، ولا يُتصوّر فيها إفراط ، فليس من الصحيح جعل
«الدّهاء والمكر» ، هو الإفراط في القوّة العقلية ، لأنّ «الدّهاء والمكر» لا ينشأ من الذّكاء والفهم ، بل هو نوعٌ من الإنحراف والإشتباه في المسائل ، للعجلة في الحكم على الامور وما يُشابهها.
فالرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وصل إلى درجةٍ في العقل والفكر ، بحيث اطلق عليه العَقلُ الكلّ ، فهل هذا مخالفٌ للفضيلة؟!
وصحيحٌ أنّ العقل والذّكاء المُفرط ، يسبّب آلاماً ومصاعب لا يلاقيها الغافلون ، غير المطّلعين ، ولكنّه مع ذلك يعتبر من الفضائل والكمالات.
وكذلك «العدالة» ، حسبوها من الفضائل الأخلاقيّة ، والإفراط والتّفريط فيها هو «الظّلم» و «الإنظِلام» ، أي (قبول الظّلم) ، والحال أنّ قبول الظّلم والانصياع له لا يمكن أن يُعتبر من التّفريط في العدالة أبداً ، بل هو مقولةٌ اخرى.
وبناءً على ذلك ، فمسألة الإعتدال في صِفات الفضيلة ، في مقابل الإفراط والتّفريط للصّفات الرّذيلة ، يمكن أن يكون مقبولاً في أغلب الموارد ، ولكن لا يمكن أن يُعتبر حُكماً عامّاً ، وأصلاً أساسياً في البحوث الأخلاقيّة.
النتيجة : أنّ الاصول الأربعة التي أعدّها القدماء للأخلاق ، هي في الواقع إكمالٌ لما جاء به فلاسفةُ اليونان القُدماء ، لكنّها لا يمكن أن تكون نموذجاً ومقسماً جامعاً للصّفات الأخلاقيّة ، وإن كانت تصدق على كثيرٍ من المسائل الأخلاقيّة.
العودة للُاصول الأخلاقيّة في القرآن الكريم :
نعود لتحليل الاصول الأخلاقيّة التي نستوحيها من القرآن الكريم ، فنحن نعلم أنّ القرآن الكريم لم يُنظّم ككتابٍ تقليدي ، في أبوابٍ وفصولٍ ، كما هو المتعارف اليوم ، بل هو مجموعةٌ من القاءات الوحي السّماوي ، نزل بالتّدريج على حسب الحاجة والضّرورة ، ولكن وبالإستفادة من طريقة التّفسير الموضوعي ، يمكن وضعه في مثل هذه القوالب.
ومن التّقسيمات الّتي يمكن إستيحاؤها وإستفادتها من مجموع الآيات القرآنية ، هو تقسيم
اصول الأخلاق إلى أربعة أقسامٍ :
١ ـ المسائل الأخلاقيّة المتعلّقة بالخالق.
٢ ـ المسائل الأخلاقيّة المتعلّقة بالخَلق.
٣ ـ المسائل الأخلاقيّة المتعلّقة بالنّفس.
٤ ـ المسائل الأخلاقيّة المتعلّقة بالكون والطّبيعة.
فمسألة شكر المُنعم والخضوع أمام الباري تعالى ، والرّضا والتسّليم لأوامره ، وما شابهها ، يُعتبر من المجموعة الاولى.
والتواضع ، والإيثار ، والمحبّة ، وحُسن الخلق ، والمُواساة ، تدخل في دائرة المجموعة الثّانية.
تزكية النّفس وتطهير القلب من الأدران ، وتفعيل عناصر الخير ، لمقاومة الضّغط والتّحديات التي يُواجهها الإنسان في حركة الواقع والحياة ، تدخل في نطاق المجموعة الثّالثة.
وأمّا عدم الإسراف والتّبذير ، وإتلاف المواهب الإلهيّة ؛ فإنّه يُعتبر من القسم الرّابع.
كلّ هذه الاصول الأربعة ، لها جذور واصول في القرآن الكريم ، وسنشير إلى كلّ واحدٍ منها في المباحث الموضوعيّة الآتية.
وبالطبع فإنّ هذه الشّعب الأربعة ، تختلف عمّا جاء في كتاب«الأسفار» للفيلسوف المعروف :«ملّا صدرا الشّيرازي» ، وأتباع مذهبه ، فهؤلاء وطِبقاً لطريقة العُرفاء ، شبّهوا الإنسان وحركته التكامليّة : ب : (المسافر) ، وعبّروا عن مسائل بناءِ الذّات وصياغة الشّخصية بالسّير والسّلوك ، وجعلوا للإنسان أربعةَ أسفارٍ ، هي مَطمع السّالكين والعُرفاء ، وأولياء الله :
١ ـ السّفر من الخلق إلى الحقّ.
٢ ـ السّفر بالحقّ في الحقّ.
٣ ـ السّفر من الحقّ إلى الخلق بالحقّ.
٤ ـ السفر بالحقّ في الخلق.
ومن المعلوم أنّ هذه الأسفار أو المراحل الأربعة لبناء الذات ، والسّير والسّلوك إلى الله تعالى ، تتحرك بإتجاهٍ آخر غير ما نحن بصددِه ، وإن كانت تتشابه في بعض أقسام الفروع
الأربعة ، للأخلاق الآنفة الذّكر.
وتوجد في القرآن الكريم آيات ، نعتقد أنّها رَسمت الاصول الكليّة للأخلاق ، ومن هذه الآيات ، الآيات الوادرة في (سورة لُقمان) والّتي تبدأ من هذه الآية :
( وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ) (١) .
إنّ أوّل ما يشرع فيه الإنسان في مضمار العقائد والمعارف ، هو شُكر المُنعم ، وأوّل خطوةٍ في طريق معرفة الله تعالى ، هي مسألة شكر المُنعم ، أو بعبارةٍ اخرى ، كما صرّح علماء العقائد والكلام : إنّ الدّافع للحركة إلى الله تعالى هو شكر النّعمة ، لأنّ الإنسان عند ما يفتح عينه ، يرى نفسه غارقاً في بحر النّعم ، فيدعوه الضّمير مُباشرةً إلى معرفة المُنعم ، وهذا هو بداية الطّريق لمعرفة الله تعالى.
وبعدها تتطرّق الآية لمسألة التّوحيد وتقول :( لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) .
وفي المرحلة الاخرى ، يتناول القرآن الكريم مسألة المعاد ، وهي الأساس الثّاني والمهم للمعارف الدّينية ويقول :( يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ ) (٢) .
ثم يتطرق للُاصول الأساسيّة للأخلاق والحكمة العمليّة ، ويشير للُامور التاليّة :
١ ـ مسألة إحترام الوالدين وشكرهم بعد شكر الخالق :( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ ) ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ» ) (٣) .
٢ ـ إعطاء الأهميّة للصلاة ، وعلاقته بالله والدعاء والخضوع له :( أَقِمِ الصَّلاةَ ) (٤) .
٣ ـ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر :( وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (٥)
٤ ـ الصّبر على نوائب الدّهر :( وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ ) (٦) .
__________________
١ ـ سورة لقمان ، الآية ١٢.
٢ ـ سورة لقمان ، الآية ١٦.
٣ ـ سورة لقمان ، الآية ١٤.
٤ ـ سورة لقمان ، الآية ١٧.
٥ ـ سورة لقمان ، الآية ١٧.
٦ ـ سورة لقمان ، الآية ١٧.
٥ ـ حُسن الخُلق مع النّاس :( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ) (١) .
٦ ـ التواضع وترك الكِبر مع النّاس والخلق :( وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ) (٢) .
٧ ـ الإعتدال في المشي وفي كلّ شيء :( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ) (٣) .
وعلى هذا التّرتيب ، نرى أنّ القسم الأكبر من الفضائل الأخلاقيّة ، جاءت في الآيات القرآنيّة تحت عنوان :«حكمةٌ لقمان» ، التي تشمل الشّكر والصبر وحُسن الخلق والتوّاضع والإعتدال والدّعوة للإحسان ، ومقاومة النّوازع والأهواء النّفسانيّة ، كلّ ذلك في ضِمن سبعِ آياتٍ ، من الآية (١٣ إلى ١٩).
وجاء في الآيات الثلاث من سورة الأنعام ، التي تبدأ بالآية (١٥١) وتنتهي بالآية (١٥٣) ، عشرة أوامر مهمّة ، تناولت مبادىء مهمّة من الاصول الأخلاقيّة ، ومن جملتها : ترك الظّلم للأولاد ، ورعاية الأيتام ، ومُراعاة العدالة مع الجميع ، وترك العصبيّة للأقارب والأصدقاء والقبيلة ، في دائرة نقض اصول العدالة ، وكذلك الإجتناب من القبائح والرّذائل الظّاهرية والباطنيّة ، وإحترام حقوق الوالدين ، والإجتناب عن كلّ ما يُسبّب التّفرقة وإلأبتعاد عن كلّ شرك(٤) .
اصول الأخلاق الإسلاميّة في الرّوايات :
إستعرضت الأحاديث والرّوايات الإسلاميّة ، الاصول الأخلاقيّة الحسنة والسيئة ، بطريقتها الخاصّة ، لا كما جاء في كتب حُكماء اليونان ومن جملتها :
١ ـ في الحديث المعروف الذي جاء في كتاب :(اصول الكافي) ، عنالإمام الصادق عليهالسلام : أنّ
__________________
١ ـ سورة لقمان ، الآية ١٨.
٢ ـ سورة لقمان ، الآية ١٨.
٣ ـ سورة لقمان ، الآية ١٩.
٤ ـ لمزيد من التوضيح لهذه الأوامر العشرة ، يمكن الرجوع لتفسير الأمثل : ج ٦ ، ذيل تفسير هذه الآيات الثلاث.
أحد أصحاب الإمامعليهالسلام وإسمه«سماعة بن مهران» ، قال : كنت عند أبي عبد اللهعليهالسلام وجماعة من مواليه ، فجرى ذكر العقل والجهل ، فقال أبو عبد اللهعليهالسلام : «إعرفوا العقل وجنده ، والجهل وجنده تهتدوا» ، فقلت : جُعلت فِداك لا نعرف إلّا ما عرّفتنا ، فقال أبو عبد اللهعليهالسلام :
«إنّ الله عزوجل ، خلق العقل ، وهو أوّل خلقٍ من الرّوحانيين عن يمين العرش ، من نوره فقال له : أدبِر فأدبر ؛ ثمّ قال له : أقبِل فأقبل ؛ فقال الله تبارك وتعالى : خلقتك خَلقاً عظيماً وكرّمتك على جميع خلقي ، قال : ثمّ خلق الجهل ، من البحر الاجاج ظلمانياً ، فقال له : أدبر فأدبر ؛ ثم قال له : أقبل فلم يُقبِل فقال له : إستكبرت ، فلعنه. ثمّ جعل للعقل خمسة وسبعين جنداً ، فلمّا رأى الجهل ما أكرم الله به العقل ، وما أعطاه أضمرَ له العداوة ، فقال الجهل : يا ربّ هذا خلق مثلي ، خلقته وكرّمته وقوّيته ، وأنا ضِدّه ولا قوّة لي به ، فأعطني من الجند مثل ما أعطيته ، فقال الله تعالى : نعم ، فإن عَصيت بعد ذلك أخرجتك وجندك من رحمتي. قال : قد رضيت. فأعطاه خمسة وسبعين جنداً. فكان ممّا أعطى العقل من الخمسة والسّبعين الجند :
الخير هو وزير العقل ، وجعل ضدّه الشرّ وهو وزير الجهل ؛
والإيمان وضدّه الكفر ؛
والتصديق وضدّه الحُجود ؛
والرّجاء وضدّه القُنوط ؛
والعدل وضدّه الجور ؛
والرّضا وضدّه السخط ؛
والشّكر وضدّه الكُفران ؛
والطّمع وضدّه اليأس ؛
والتوكّل وضدّه الحِرص ؛
والرّأفة وضدّه القسوة ؛
والرّحمة وضدّها الغضب ؛
والعلم وضدّه الجهل ؛
والفهم والحمق ؛
والعفّة وضدّها التهتك ؛
والزّهد وضدّه الرّغبة ؛
والرّفق وضدّه الخرق ؛
والرّهبة وضدّها الجرأة ؛
والتّواضع وضدّه الكِبر ؛
والتؤدة وضدّها التّسرع ؛
والحلم وضدّه السّفه ؛
والصّمت وضدّه الهذر ؛
والاستسلام وضدّه الإستكبار ؛
والتّسليم وضدّه الشّك ؛
والصّبر وضدّه الجزَع ؛
والصّفح وضدّه الإنتقام ؛
والغنى وضدّه الفقر ؛
والتّذكّر وضدّه السّهو ؛
والحفظ وضدّه النسيان ؛
والتعطّف وضدّه القطيعة ؛
والقنوع وضدّه الحرص ؛
والمؤاساة وضدّها المنع ؛
والمودّة وضدّها العداوة ؛
والوفاء وضدّه الغدر ؛
والطّاعة وضدّها المعصية ؛
والخُضوع وضدّه التّطاول ؛
والسّلامة وضدّها البلاء ؛
والحبّ وضدّه البغض ؛
والصّدق وضدّه الكذب ؛
والحقّ وضدّه الباطل ؛
والأمانة وضدّها الخيانة ؛
والإخلاص وضدّه الشّوب ؛
والشّهامة وضدّها البلادة ؛
والفهم وضدّه الغباوة ؛
والمعرفة وضدّها الإنكار ؛
والمداراة وضدّها المكاشفة ؛
وسلامة الغيب وضدّه المماكرة ؛
والكتمان وضدّه الإفشاء ؛
والصلاة وضدّها الإضاعة ؛
والصّوم وضدّه الإفطار ؛
والجهاد وضدّه النُكول ؛
والحجّ وضدّه نبذ الميثاق ؛
وصَون الحديث وضدّه الّنميمة ؛
وبرّ الوالدين وضدّه العُقوق ؛
والحقيقة وضدّها الرّياء ؛
والمعروف وضدّه المُنكر ؛
والسّتر وضدّه التّبرج ؛
والتقيّة وضدّها الإذاعة ؛
والإنصاف وضدّه الحميّة ؛
والتهيئة وضدّها البغي ؛
والنّظافة وضدّها القذر ؛
والحياء وضِدّه الجلع ؛
والقصد وضدّه العدوان ؛
والرّاحة وضدّها التّعب ؛
والسّهولة وضدّها الصّعوبة ؛
والبركة وضدّها المحق ؛
والعافية وضدّها البلاء ؛
والقوام وضدّه المكاثرة ؛
والحكمة وضدّها الهواء ؛
والوقار وضدّه الخفّة ؛
والسّعادة وضدّها الشّقاوة ؛
والتّوبة وضدّها الإصرار ؛
والاستغفار وضدّه الإغترار ؛
والمحافظة وضدّها التّهاون ؛
والدّعاء وضدّه الإستنكاف ؛
والنّشاط وضدّه الكسل ؛
والفرح وضدّه الحُزن ؛
والالفة وضدّها الفُرقة ؛
والسخاء وضدّه البخل ؛
فلا تجتمع هذه الخصال كلّها من أجناد العقل ، إلّا في نبيّ أو وصيّ نبي ، أو مؤمن قد إمتحن الله قلبه للإيمان ، وأمّا سائر ذلك من موالينا فإنّ أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتّى يستكمل ، وينفي من جنود الجهل. فعند ذلك يكون في الدرجة
العليا مع الأنبياء والأوصياء ؛ وإنّما يُدرك ذلك بمعرفة العقل وجنوده ، وبمجانبة الجهل وجنوده. وفّقنا الله وإيّاكم لطاعته ومرضاته» (١) .
فالحديث أعلاه ، حديث جامع لُاصول وفروع الأخلاق الإسلامية ، وبحثها بعض المؤلّفين والكتّاب في كتبٍ مستقلةٍ.
٢ ـ نقرأ في الكلمات القصار للإمام عليعليهالسلام ، في نهج البلاغة ، عند ما سُئل الإمامعليهالسلام عن الإيمان ، (يتبيّن من ذيل الحديث ، أنّ المقصود من الإيمان هو الإيمان العلمي والعملي ، الذي يشمل الاصول الأخلاقيّة).
أجاب الإمامعليهالسلام :
«الإيمانُ عَلَى أَربَعِ دَعائِمَ ، عَلَى الصَّبْرِ واليَقِينِ وَالعَدلِ وَالجِهادِ».
ثم أضاف قائلاً :«والصَّبرُ مِنْها عَلَى أَربَعِ شُعَبٍ ، عَلَى الشَّوقِ وَالشَّفَقِ وَالزُّهدِ وَالتَّرَقُبِ».
(الإشتياق للجنّة والمنح الإلهيّة ، والخوف من العقاب والنّار ، دافعٌ للأعمال الصّالحة ورادع عن السيئات). والزّهد بالدنيا وزبرجها يهوّن المصائب ، وإنتظار الموت ونهاية الحياة ، تحثّ الإنسان لِفعل الأعمال الصّالحة.
وبعدها يضيفعليهالسلام :
«واليَقِينُ مِنها عَلَى أَربَعِ شُعَبٍ ، عَلى تَبصِرَةِ الفِطْنَةِ وَتَأَوُّلِ الحِكْمَةِ وَمَوعِظَةِ العِبرَةِ وَسُنَّةِ الأَوَّلِينَ».
ثمّ أضافعليهالسلام :
«وَالعَدْلُ مِنها عَلَى أَربَعِ شُعَبٍ ، عَلَى غَائِصِ الفَهمِ ، وَغَورِ العِلمِ ، وَزُهْرَةِ الحُكْمِ ، وَرَساخَةِ الحِلْمِ».
وقالعليهالسلام خِتاماً :
__________________
١ ـ أصول الكافي ، ج ١ ، ص ٢٠ إلى ٢٣ ، ح ١٤.
«وَالجِهادُ مِنها عَلَى أَربَعِ شُعَبٍ ، عَلَى الأمرِ بِالمَعرُوفِ والنَّهِي عَنِ المُنكَرِ ، والصِّدقِ فِي المَواطِنِ ، وَشَنآنِ الفَاسِقِينَ».
وبعدها يبيّن شعب الكفر ، ويشرحها واحداً تَلْو الآخر(١) .
فكما تلاحظون أنّ الإمام عليعليهالسلام ، رسم الاصول الإسلامية للإيمان والكفر ، بدقّةٍ متناهيةٍ ، وآثارها في المحتوى الداخلي للإنسان وعلى سلوكه الخارجي ، والتي تشمل الأخلاق العمليّة ، فذكر لكلّ فرعٍ ، فرعاً آخر ، وتحليل هذه الجزئيات يتطلب كتابة مقالة اخرى.
٣ ـ نقرأ في حديثٍ آخر عن الإمام عليعليهالسلام :
«أَربَعٌ مَنْ اعطِيهُنَّ فَقَدْ اوتِيَ خَيرَ الدُّنيا والآخِرَةِ ، صِدقُ حَدِيثٍ وَأَداءُ أَمانةٍ ، وَعِفَّةُ بَطنٍ وَحسنُ خُلُقٍ» (٢) .
٤ ـ ـ وجاء في حديثٍ آخر عن الإمام الصادقعليهالسلام ، في نفس هذا المعنى ، بتلخيصٍ أكثر ، حيث جاء إليه أحد الأشخاص ، وطلب منه أن يُعلّمه أمراً يكون فيه خير الدنيا والآخرة ، وبشكلٍ موجز ، فقال الإمامعليهالسلام في معرض جوابه :«لا تِكْذِب تَكِذْبَ» (٣) .
والحقيقة هي كذلك ، لأنّ جذور كلّ الفضائل تمتد إلى حديث الصّدق ، فالإنسان لا يكذب على الناس ولا على نفسه ولا على الله تعالى ، وعند ما يقول في صلاته :( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، ينبغي أن لا يكون فيها كاذباً أبداً ، بل يبتعد عن كلّ ما هو شيطاني ، وهوى النفس ، وتكون حركته في دائرة خضوعه وتسليمه لله فقط ، ولا يعتمد على المال والجاه والقدرة والمقام ، ويترك ما سوى الله تعالى ويكون إعتماده الأوّل والأخير على لطف الله تعالى ومعونته ، فإذا أصبح الإنسان كذلك ، فسوف يعيش الحياة المعنويّة في جميع فروع واصول الأخلاق.
__________________
١ ـ الكلمات القصار ، نهج البلاغة ، الكلمة ٣١ (مع التلخيص) وكذلك في اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٣٩١ ، باب دعائم الكفر وشعبه.
٢ ـ غرر الحكم.
٣ ـ تحف العقول ، ص ٢٦٤.
٥ ـ ونقرأ في الرّوايات الإسلاميّة تعابير مثل :«أفضل الأخلاق» ، أو«أكرم الأخلاق» ، أو«أحسن الأخلاق» ، أو«أجمل الأخلاق» ، وفي هذه إشارةٌ اخرى لأقسامٍ مهمّةٍ من الاصول الأخلاقيّة ، منها :
سئل الباقر عليهالسلام عن أفضل الأخلاق ، فقال : «الصَّبرُ والسّماحَةُ» (١) .
وفي حديثٍ آخر عن الإمام عليعليهالسلام ، قال :
«أَكْرمُ الأَخلاقِ السَّخَاءُ وَأَعمُّها نَفعاً العَدْلُ» (٢) .
وفي حديث آخر عن الإمام عليعليهالسلام أيضاً ، قال :
«أَشْرَفُ الخِلائِقِ التَّواضُعُ والحِلمُ وَلِينُ الجانِبِ» (٣) .
وفي حديثٍ آخر عن الإمام الصادقعليهالسلام ، حيث سئل :
«أَيُّ الخِصالِ بِالمَرءِ أَجْمَلُ فَقالَ : وِقارٌ بلا مَهانَةٍ ، وَسَماحُ بِلا طَلَبِ مُكافَاةٍ ، وَتَشاغُلٌ بِغَيرِ مَتاعِ الدُّنيا» (٤) .
٦ ـ أيضاً في حديثٍ عن الإمام الصادقعليهالسلام ، بيّن فيه اصول الأخلاق السّيئة ، وعبّر عنها باصول الكفر ، فقال :
«اصُولُ الكُفرِ ثَلاثَةٌ : الحِرصُ ، والاستِكبارُ وَالحَسَدُ».
وأردف قائلاً في بيان وتوضيح الاصول الثلاثة :
«فَأَمّا الحِرصُ فإِنَّ آدَمَ حَينَ نُهِيَ عَنِ الشَّجَرَةِ حَمَلَهُ الحِرصِ أَنْ أَكَلَ مِنها ، وَأَمَّا الإِستِكبَارُ فَإبِلِيسُ حِينَ امِرَ بِسُّجُودِ لآدَمَ إِستَكبَرَ ، وَأَمّا الحَسَدُ فَإبنا آدَمَ حَيثُ قَتَلَ أَحَدَهُما صاحِبَهُ» (٥)
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٣٦ ، ص ٣٥٨.
٢ ـ غرر الحكم.
٣ ـ المصدر السابق.
٤ ـ اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٢٤٠.
٥ ـ اصول الكافى ، ج ٢ ، ص ٢٨٩.
وعلى هذا الأساس فإنّ مصدر جميع المصائب الكبرى ، التي حدثت في عالم الإنسانية ، منذ صدر الخليقة ، هي هذه الصّفات الثّلاثة ، فالحِرص : طرد آدم من الجنّة ، والاستكبار : طرد إبليس عن ساحة القدس إلى الأبد ، والحسد : هو أساس كلّ قتلٍ وجنايةٍ حدثت في العالم
٧ ـ ونختم كلامنا هذا بحديثٍ عن الرّسول الكريمصلىاللهعليهوآله قال ، الإمام الصادقعليهالسلام ، أنّ الرسولصلىاللهعليهوآله قال :
«إِنَّ أَوَّلَ مَنْ عُصِيَ اللهُ عزَّ وجَلَّ بِهِ سِتٌّ : حُبُّ الدُّنيا ، وَحُبُّ الرِّياسَةِ ، وَحُبُّ الطَّعامِ ، وَحُبُّ النَّومِ ، وَحُبُّ الرَّاحَةِ ، وَحُبُّ النِّساءِ» (١) .
لقد تبيّن من مجموع ما ذكر آنفاً ، اصول الفضائل والرّذائل الأخلاقيّة ، ولكن وكما يُستفاد من مجموع الرّوايات ، أنّه لا يوجد عدد خاص ومعيّن ، لهذه القيم والمبادىء الأخلاقية ، لأنّ الأخلاق الحسنة والقبيحة ، لها دوافع ومقاصد متعدّدة ومتنوعة ومختلفة ، أو بعبارة اخرى : كما أنّ الصّفات الجسميّة للإنسان ، لا عدد ولا حصر لها ، فكذلك الصّفات الروحانيّة ، والملكات الأخلاقيّة الصّالحة والطّالحة ، لا عدد ولا حصر لها.
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٩ ، ص ١٠٥ ، ح ٣.
٧
إرتباط المسائل الأخلاقيّة مع بعضها
تنويه :
غالباً ما تكون الفضائل الأخلاقيّة ، مترابطةٌ في ما بينها برابطةٍ وثيقةٍ ، كما هو الحال في الرّذائل وعلاقتها الوثيقة مع بعضها ، وعلى هذا يصعب التّفكيك والفصل بينها في الغالب.
وهذا التّرابط قد يكون بسبب الجُذور المشتركة بينها ، وربّما يكون بسبب الّثمرات المترتبة عليها ونتائجها في حركة الإنسان والحياة.
وفي القسم الأول ، وهو البحث في الجذور المشتركة بين القيم في المنظومة الأخلاقية ، لدينا أمثلةٌ واضحةٌ ، ففي كثير من الموارد ، تكون الغيبة وليدة الحسد ، ويسعى الحسود دائما لفضح وتعرية محسوده ، والإستهانة بشخصيته من موقع التّهمة والافتراء والتّكبر ، والتّحرك على مستوى تحقير وتهميش الآخرين ، فكلّ هذه الرّذائل يمكن أن تكون من إفرازات الحسد أيضاً.
وبالعكس ، فمن كان يعيش علوّ الهمّة ، وسمّو الطبع ، فسوف لا يقف في مقابل الشهوات الرخيصة والطمع فيها فحسب ، بل تكون لديه حصانةٌ ضدّ : الحسد والكِبر والغرور والتملّق ، أيضاً.
وبالنسبة للنتائج والثمرات ، نرى هذا الإرتباط بصورةٍ أوضح ، فالكذب يمكن أن يكون مصدراً لأكاذيب اخرى ، وربّما ولتوجيه أخطائه وذنوبه ، يرتكب الشخص أخطاءً اخرى ، و
يتحرك لُممارسة جرائم عديدة في عمليّة التّغطية على جُرمه الأول ، وبالعكس ، فإنّ العمل الأخلاقي مثل الأمانة ، من شأنه أن يولّد المحبّة والصّداقة والتعاون والارتباط الوثيق بين أفراد المجتمع.
ويوجد لدينا في الرّوايات إشارات إلى هذا المعنى ، فنقرأ في حديثٍ عن مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام ، أنّه قال :
«إذا كَانَ في الرَّجُلِ خَلَّةٌ رائِعةٌ فانتَظِر أَخَواتِها» (١) .
وفي حديثٍ آخر عن الإمام الصادقعليهالسلام ، أنّه قال :
«إنَّ خِصالَ المَكارِمِ بَعضُها مُقَيَّدٌ بِبَعضِها».
وأشار في ذيل هذا الحديث :
«صِدْقُ الحَدِيثِ وَصِدْقُ البَأسِ وإِعطاءُ السَّائِلِ وَالمُكافَاتُ بِالصَّنَائعِ وأَداءُ الأَمانَةِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَالتَّوَدُّدَ إِلى الجارِ والصَّاحِبِ وقِرى الضَّيفِ وَرَأسُهُنَّ الحَياءُ» (٢)
وفي الواقع فإنّ الحياء ، وهو روح النّفور من الذّنب والقّبائح ، يمكن أن يكون مصدراً لجميع الأفعال الأخلاقية المذكورة أعلاه ، كما أنّ الصّدق يُقرّب الإنسان للأمانة ، ويعمّق فيه روح التّصدي للقبائح ، ويثير في أعماق وجدانه ، عناصر الخير والمحبّة مع الأقارب والأصدقاء والجيران.
ونقرأ في حديثِ ثالثٍ عن الإمام الباقرعليهالسلام ، أنّه قال :
«إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ للشِّرِّ أَقفَالاً وَجَعَلَ مَفاتِيحَ تِلكَ الأَقفَالِ الشَّراب ، وَالكِذْبُ شَرٌّ مِنَ الشَّرابِ» (٣) .
وفيه إشارةٌ إلى أنّ الكذب ، يمكن أن يكون مصدراً لأنواعٍ كثيرةٍ من الآثام والذّنوب.
وجاء ما يشبه هذا المعنى ، في حديثٍ عن الإمام العسكريعليهالسلام ، فقال :
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٦ ، ص ٤١١ ، ح ١٢٩.
٢ ـ المصدر السابق ، ص ٣٧٥.
٣ ـ المصدر السابق ، ج ٦٩ ، ص ٢٣٦ ، ح ٣.
«جُعِلَتْ الخَبَائِثُ في بَيتٍ وَجُعِلَ مِفتَاحُها الكِذْبُ» (١) .
ونختم هذا الموضوع ، بحديثٍ عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، حيث جاء رجل إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال له : يا رسول الله إنّي إرتكبت في السّر أربع ذنوبٍ ، الزّنا وشرب الخمر والسّرقة والكذب ،فأَيّتَهُنَّ شِئتَ تَركتُها لك ، (لم يكن يريد أن يقلع عنها أجمع ، وإكراماً للرّسول ؛ يريد أن يقلع عن واحدةٍ فقط؟!.
فقال له الرسولصلىاللهعليهوآله :«دَع الكَذِبَ».
فذهب الرجل ، وكلما أراد أن يهمّ بالخطيئة ، يتذكر عهده مع الرسولصلىاللهعليهوآله ، ويقول ربّما سألني ، وعليّ أن أكون صادقاً في الجواب ، فيجري عليّ الحدّ ، وإن كذبت فقد نقضت العهد مع الرسولصلىاللهعليهوآله ، ممّا إضطّره أخيراً لتركها أجمع.
فرجع ذلك الرجل للرسولصلىاللهعليهوآله ، وقال له :
«قَدْ أَخَذتَ عَليَّ السَّبِيلَ كُلَّهُ فَقَد تَركتُهُنَّ أجمع» (٢) .
ونستنتج ممّا ذُكر آنفاً : أنّه في كثيرٍ من الموارد ، ولأجل تربية وتهذيب النّفوس والأخلاق ، أو لإصلاح بعضها ، يجب أن نبدأ من الجُذور ، وكذلك الإستعانة بالمقارنات والأخلاق الاخرى المتعلقة بها.
__________________
١ ـ بحارالأنوار ؛ ج ٦٩ ، ص ٢٦٣.
٢ ـ شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد ؛ ج ٦ ، ص ٣٥٧.
٨
من أين نبدأ؟
تعرفنا على كلّيات علم الأخلاق ، ونتائجه وآثاره ومقاصده وفُروعه ، والآن آن الأوان ، وبما لدينا من المعلومات والمعارف الكلّية ، البِدء في طريق تهذيب النّفس ، أو الإنتقال من المسائل الذهنيّة إلى ميدان الممارسة والتّطبيق ، ومن الكلّيات إلى الجزئيات.
ويجب التّوقف هنا ، لتهيئة لوازم سفرنا الروحاني ، حتى لا نصاب في سلوكنا لذلك الطّريقُ بالحيرة والضّلالة وعدم التّنظيم والتّنظير ، وعليه فلا بدّ من الإلتفات إلى امور :
١ ـ ثلاثة رُؤى في كيفيّة التعامل مع المسائل الأخلاقيّة.
٢ ـ هل يحتاج الإنسان في كل مرحلة إلى استاذٍ ومرشدٍ؟
٣ ـ دور الواعظ الخارجي والواعظ الداخلي.
٤ ـ الامور التي تُساعد الإنسان في عملية الوصول إلى هذا الهدف ؛ مثل ذكر الله والعبادة والأدعية ، الزّيارات ، النصائح المتكررة ، التلقين.
٥ ـ طهارة المحيط.
ثلاث نظريّات في كيفيّة التعامل مع المسائل الأخلاقيّة :
النظريّة الأولى :
رأيٌ يقول : إنّ تهذيب النفس ، نوع من الجهاد ومحاربة أعداء الداخل ، الّذين يتحرّكون
لإيقاع الإنسان في مستنقع الرّذيلة ، وشراك الخطيئة.
هذا الرأي مقتبسٌ في الأصل ، من حديث الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، المعروف ، عند ما خاطب الرسولصلىاللهعليهوآله ، قومٌ من المجاهدين ، رجعوا لتوّهم من الغزو فقال :
«مَرحَباً بِقَومٍ قَضَوا الجِهادَ الأَصغَرَ وَبَقيَ عَلَيهِم الجِهادُ الأَكبَرُ ، فَقِيلَ يا رَسُولَ اللهِ ، ما الجِهادُ الأكبرُ ، قالَ : جِهادُ النَّفسِ» (١) .
وجاء في البحار في ذيل هذا الحديث : ثُمّ قَالَصلىاللهعليهوآله :
«أَفضَلُ الجِهادِ مَنْ جاهدَ نَفْسَهُ الَّتي بَينَ جَنْبَيهِ» (٢) .
هذا وقد فُسّرت بعض الآيات التي وردت في دائرة الجهاد ، بالجهاد الأكبر ، إمّا لأنّها تخصّ الجهاد مع النفس ، أو لمدلولها العام في حركة السياق القرآني ، الذي يتناول القِسمين للجهاد.
وجاء في تفسير القمي ، في ذيل الآية (٦) من سورة العنكبوت :( وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) ، قَالَعليهالسلام :«ومن جاهد نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَواتِ وَاللَّذَّاتِ وَالمَعاصِي» (٣) .
ويمكن أن نستوحي هذا المعنى من هذه الآية ، من حيث إنّ فائدة الجهاد تعود على الإنسان نفسه ، ويتّضح ويتجلّى أكثر في الجهاد مع النفس ، وخصوصاً أنّ الآية التي جاءت قبلها ، تكلّمت عن لقاء الله :( مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ ) ، ونعلم أنّ لقاء الله ، والشهود والقرب منه ، هو الهدف الأصلي للجهاد مع النفس.
وكذلك جاء في آخر آيةٍ من سورة العنكبوت :( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) .
وهذه الآية أيضاً ناظرةٌ حسب الظاهر إلى الجهاد الأكبر ، وذلك لقرينة :(فينا) ، وجملة :( لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) ، أو تتضمن مفهوماً عاماً يستوعب كلا النَّحوين من الجهاد.
وجاء أيضاً في الآية (٧٨) من سورة الحج :( وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما
__________________
١ ـ وسائل الشيعة ، ج ١١ ، ص ١٢٢ (باب ١ ، جهاد النفس).
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٧ ، ص ٦٥.
٣ ـ تفسير القمي ، ج ٢ ، ص ١٤٨ ؛ بحار الانوار ، ج ٦٧ ، ص ٦٥.
جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) .
فقد فسّر أغلب المفسّرين كلمة الجهاد بمعناها ومفهومها العام ، الذي يشمل الجهاد الأصغر والأكبر ، أو بخصوص معنى الجهاد الأكبر ، وكما قال المرحوم العلّامة الطّبرسي في كتابه مجمع البيان ، أنّ أكثر المفسّرين ذهبوا إلى أنّ المقصود من حقّ الجهاد ، هو إخلاص النيّة والأعمال والطّاعات لله تعالى(١) .
وقد ذكر العلّامة المجلسيرحمهالله هذه الآية ، في زمرة الآيات النّاظرة للجهاد الأكبر(٢) كذلك.
وجاء في الحديث المعروف عن أبي ذرّرحمهالله أنّه قال :قُلتُ يا رسُولَ اللهِ أَيُّ الجِهادِ أَفضَلُ؟
فَقالَ صلىاللهعليهوآله : «أَنْ يُجاهِدَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَهَواهُ» (٣) .
وكما ورد في حديث : جنود العقل وجنود الجهل ، هذا المعنى أيضاً ، إذ يُشبّه حياة الإنسان بساحةِ حربٍ ، العقلُ جنوده في جهةٍ ، والجهلُ وهوى النّفس وجنودهما في الجهة المقابلة ، فهذان المعسكران ، يعيشان دائماً في حالة حربِ سِجالٍ ، ومن خلال هذا النّزاع ، ومعطيات حالات الصّراع في أعماق النّفس ، تتولد الكمالات المعنويّة للإنسان ، وذلك عند ما ينتصر العقل وجنوده ، والنّصر الآني ، هو السّبب في التّقدم النّسبي للكمالات الإنسانيّة.
النظريّة الثّانية : نظريّة الطّب الرّوحاني
فقد ذهبوا إلى أنّ الرّوح كجسم الإنسان ، تُصاب بأنواع الأمراض ، ولأجل الشّفاء يتوجب اللّجوء إلى أطبّاء النّفس والرّوح ، والاستعانة بأدوية الأخلاق الخاصّة ، حتى تبقى الرّوح سالمةً ونشطةً وفعّالةً.
والجدير بالذكر ، أنّ القرآن الكريم أشار إلى الأمراض الأخلاقية والروحية ، في إثنى عشر موضعاً ، وعبّر عَنها بالمرض(٤) ، ومنها الآية (١٠) من سورة البقرة ، إعتبرت النِّفاق من
__________________
١ ـ مجمع البيان ، ج ٧ ، ص ٩٧.
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٧ ، ص ٦٣.
٣ ـ ميزان الحكمة ، ج ٢ ، ص ١٤١.
٤ ـ سورة البقرة ، الآية ١٠ ؛ سورة المائدة ، الآية ٥٢ ؛ سورة الأنفال ، الآية ٤٩ ؛ سورة التوبة ، الآية ١٢٥ ؛ سورة الحج ، الآية ٥٣ ؛ سورة النور ، الآية ٥٠ ؛ سورة الأحزاب ، الآية ١٢ و ٣٢ و ٦٠ ؛ سورة محمد ، الآية ٢٠ و ٢٩ ؛ سورة المدثر ، الآية ٣١.
زمرة الأمراض الروحية ، فقالت :( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً ) ؛ بسبب إصرارهم على النّفاق.
وفي الآية (٣٢) من سورة الأحزاب ، وصفت عبيد الشّهوة بمرضى القلوب ، الذين يتحيّنون الفرص لإصطياد النّساء العفيفات ، حيث خاطب الباري تعالى نساء النبيصلىاللهعليهوآله ، فقال :( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) .
وجاء في الآيات الاخرى نفس هذا المعنى ، أو أوسع منه ، بحيث تناولت الآيات ، جميع الإنحرافات الأخلاقيّة والعقائديّة.
وفي معنى عميق آخر ، عبّر القرآن الكريم ، عن القلوب المليئة بنور المعرفة والأخلاق والتّقوى : بالقلوب السليمة. وجاء ذلك على لسان النّبي إبراهيمعليهالسلام ، حيث قال :( وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ* يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (١) .
«السّليم» من مادة«السّلامة» ، وتقع في مقابل الفساد والإنحراف والمرض ، و «القلب السّليم» كما جاء في الرّوايات عن المعصومينعليهمالسلام ، في تفسير هذه الآية ، أنّه القلب الذي خَلا من غير الله تعالى ، (منزّه من كلّ مرضٍ أخلاقي وروحي).
وقال القرآن الكريم في مكانٍ آخر : إنّ إبراهيمعليهالسلام عند ما طلب من الباري تعالى : القلب السّليم ، (كما أشارت الآيات الآنفة الذّكر) ، تحقّق له ما يُريد ، وشملته رحمة ولطف الله تعالى ، وأصبح ذا قلبٍ سليمٍ ، فنقرأ في الآيات (٨٣ و ٨٤) من سورة الصافات :
( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ* إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) .
نعم ، فإنّ إبراهيمعليهالسلام كان يتمنى أن يكون ذا قلبٍ سليمٍ ، وبالسّعي والإيثار ومحاربة الشرك ، وهو النفس من موقع عبادة الله ، إستطاع أن يصل بالنّهاية إلى ذلك المقام.
ونجد في الأحاديث الإسلامية ، إشاراتٌ كثيرةٌ حول هذا الموضوع ، ومنها :
__________________
١ ـ سورة الشعراء ، الآية ٨٧ الى ٨٩.
١ ـ يصف الإمام عليعليهالسلام ، الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله في نهج البلاغة ، فيقول :«طَبِيبٌ دَوّارٌ بِطِبّهِ قَدْ أَحْكَمَ مَراهِمَهُ وَأَحمَى مَواسِمَهُ يَضَعُ ذِلِكَ حَيثُ الحاجة إِلَيهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمى وآذانٍ صُمٍّ وَأَلسِنَةٍ بُكْمٍ ، مُتَتَبِّعٌ بِدوَائِهِ مَواضِعَ الغَفلَةِ وَمَواطِنَ الحَيرَةِ» (١) .
٢ ـ ورد في تفسير القلب السّليم ، الذي ذُكر في الايتين الشّريفتين أعلاه ، رواياتٌ كثيرةٌ ، فنقرأ أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، سئل :ما القَلبُ السّلِيم.
فقالصلىاللهعليهوآله :«دِينٌ بِلا شَكٍّ وَهُوىً ، وَعَمَلٌ بِلا سُمْعَةٍ وَرِياءٍ» (٢) .
ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الباقرعليهالسلام :«لا عِلْمَ كَطَلَبِ السَّلامَةِ ، ولا سَلامَةَ كَسَلامَةِ القَلبِ» (٣) .
وجاء في حديثٍ آخر عن أمير المؤمنينعليهالسلام :«إِذا أَحَبَّ اللهُ عَبداً رَزَقَهُ قَلبَاً سَلِيماً وَخُلْقاً قَويمَاً» (٤) .
٣ ـ وقد ورد التعبير عن الأخلاق الرّذيلة ، في الروايات بأمراض القلب.
فورد في حديث عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال :
«إِيّاكُم وَالمراءَ وَالخُصُومَةَ فإنّهما يُمرِضانِ القُلُوبَ عَلَى الإِخوانِ ، وَيَنْبُتُ عَلَيهما النِّفاقَ» (٥) .
وجاء أيضاً عن الإمام الصّادقعليهالسلام أنّه قال :
«ما مِنْ شَيءٍ أَفْسَدَ لِلقَلبِ مِنْ خَطِيئَتِهِ» (٦) .
٤ ـ ونقرأ عن الإمام عليعليهالسلام أيضاً :
«أَلا وَمِنَ البَلاءِ الفاقَةُ ، وَأَشَدُّ مِنَ الفاقَةِ مَرَضُ البَدَنِ ، وَأَشَدُّ مِنْ مَرَضِ البَدنِ مَرَضُ القَلبِ». (٧)
__________________
١ ـ نهج البلاغة ، الخطبة ١٠٨.
٢ ـ مستدرك الوسائل ، ج ١ ، ص ١٠٣ (الطبعة الجديدة).
٣ ـ بحارالأنوار ، ج ٧٥ ، ص ١٦٤.
٤ ـ غُرر الحِكم ، ج ٣ ، ص ١٦٧ ، (طبعة جامعة طهران).
٥ ـ بحار الأنوار ، ج ٧٠ ، ص ٣٩٩.
٦ ـ المصدر السابق ، ص ٣١٢.
٧ ـ نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، كلمة ٣٨٨.
٥ ـ وجاء أيضاً عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، في معرض حديثه عن الحسد ، وأنّه كان ولا يزال على طول التأريخ مرضٌ نفسي عضال ، فقال :
«أَلا إنَّهُ قَدْ دَبَّ إِلَيكُم داءُ الامَمِّ مِنْ قَبلِكُم وَهُوَ الحَسَدُ ، لَيسَ بِحالِقِ الشَّعْرِ ، لَكِنَّهُ حالِقُ الدِّينِ ، ويُنجِي فِيهِ أَنْ يَكُفَّ الإِنسانُ يَدَهُ وَيَحْزُنَ لِسانَهُ وَلا يَكُونَ ذا غَمزٍ عَلَى أَخِيهِ المُؤمِنُ» (١) .
٦ ـ وقد ورد في التّعبير عن الرذائل الأخلاقيّة ، في كثيرٍ من الرّوايات ب : «الدّاء» ومفهومها المرض ، وجاء مثلاً في الخطبة (١٧٦) من نهج البلاغة ، حيث يصف الإمامعليهالسلام فيها القرآن الكريم :
«فَإسْتَشفُوهُ مِنْ أَدواءِكُم فَإِنَّ فِيهِ شِفاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ وَهُوَ الكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالغيُّ والضَّلالُ».
ونرى أيضاً هذا التعبير في روايات كثيرة اخرى.
وخلاصة القول ، إنّ الفضائل والرّذائل ، وطبقاً لهذه النظرية والرؤية ، علامةٌ لسلامة ومرض الرّوح عند الإنسان ، والأنبياءعليهمالسلام والأئمّة المعصومينعليهمالسلام ، كانوا معلمي أخلاق ، وأطباء نفسيين ، وتعاليمهم تجسّد في مضمونها الدّواء النّافع والعلاج الشافي.
وعلى هذا ، فكما هو الحال في الطّب المادي ، ولأجل الوصول إلى الشّفاء الكامل ، يحتاج المريض إلى الدواء ، ويحتاج إلى الحُمية من بعض الأكلات ، فكذلك في الطّب النّفسي والرّوحي الأخلاقي ، يحتاج إلى الإمتناع عن أصدقاء السّوء ، والمحيط الملّوث بالمفساد الأخلاقيّة ، وكذلك الإمتناع عن كلّ ما يَساعد على تفّشي الفساد ، في واقع الإنسان النفسي ، ومحتواه الداخلي.
فالطّب المادي جعل العمليّة الجراحيّة كعلاجٍ لبعض الحالات ، وكذلك جعل الطّب
__________________
١ ـ ميزان الحكمة ، ج ١ ، ص ٦٣٠.
الرّوحي الحدود والتّعزيرات والعُقوبات كوسيلةٍ ، ودواءٍ رادعٍ ، عن الأعمال المنافيَة للأخلاق ، وهي بِمنزلة إجراء العمليّة الجراحيّة في الطّب المادي.
وكما نرى في الطّب المادي ، أنّه جعل العلاج في مرحلتين ، مرحلة الوقاية : وهي المحافظة على الصّحة البدنيّة ، والثّانية : مرحلة العلاج للمريض ، فكذلك في الطّب الرّوحي والأخلاقي ، يمرّ بمرحلتين : مرحلة الإرشاد والتعليم من قبل معلمي الأخلاق ، للمحافظة على نفوس الناس من التلّوث بالرذائل ، والثّانية : مرحلة العلاج للمذنبين الملوّثين بالرّذائل.
وما جاء في الخطبة (١٠٨) من نهج البلاغة ، في وصف الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، ومعالجاته بالمراهم والكيّ للجروح ، يبيّن مدى التّنوع في الطّب الرّوحي ، كما هو الحال في الطّب المادي.
ففي الطّب المادي (الجسماني) ، توجد مجموعة إرشاداتٍ وأوامر كليّة لعلاج الأمراض ، وقسمٌ من الأوامر التي تخص كلّ مرض بذاته ، فكذلك الطّب الرّوحي ، فالتّوبة وذكر الله والعبادات الاخرى ، والمحاسبة والمراقبة للنفس ، هي اصولٌ كليّةٌ للعلاج ، وكلّ مرضٍ أخلاقي ، نجد الأوامر والإرشادات الخاصة به ، مذكورةٌ في الكتب الإسلاميّة والأخلاقيّة.
النظريّة الثالثة : نظريّة السّير والسّلوك
وقد شبّه الإنسان في هذه النظريّة ، بمسافر إنطلق من نقطةِ العدم ، إلى لقاء الله تعالى ، ويتحرك في سلوكه بهدف لقاء الله ، والقرب من الذّات المقدّسة اللّامتناهية.
ففي هذا السّفر ، وكما هو الحال بالنسبة لأسفارنا الماديّة ، يجب تحضير المركب والمتاع ، وإزالة الموانع التي تقف في الطّريق ، والتّفكير في كيفية التّصدي للّصوص وقطاع الطّريق والأعداء ، للمحافظة على المال والأرواح ، فهذا السّفر الرّوحاني والمعنوي ، فيه منازل وطرق ملتوية وصعبة العبور ، ومطبّاتٌ خطرةٌ ، ولا يمكن العبور منه بسلامة ، إلّا بمعونة الدليل المطّلع والعارف بالطّريق ، والعُبور منها واحداً بعد واحدٍ حتّى الوصول إلى محطّ الرّحال ومنزل المقصود.
ويصرّ البعض أنّ السّير والسّلوك إلى الله تعالى ، ومعرفته ومنازله ، وزاده وأدلّائه ، و
الطّريق الموصل إليه ، هو علمٌ غير علم الأخلاق ، ومنفصلٌ عنه ، ولكن وبنظرةٍ أوسع ، نرى أنّ السير والسّلوك الرّوحي ، يلتقي في نفس الطّريق التي تهدف إليه التربية الأخلاقية ، وتحصيل الفضائل في خط التّكامل المعنوي ، أو على الأقل أنّ الأخلاق الإلهيّة هي أحد أبعاد السّير والسّلوك الرّوحاني.
وعلى أيّة حال ، فإنّ الآيات والروايات ، أشارت إلى هذه النّظرية أيضاً ، ومنها : الآية (١٥٦) من سورة البقرة ، حيث تقول :( الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) .
فمن جهةٍ ، يرى الإنسان نفسه أنّه مُلكٌ لله تعالى ، ومن جهةٍ اخرى ، يرى نفسه أنّه مُسافر ، ويتحرّك بإتّجاه الله تعالى شأنه.
ونقرأ أيضاً في سورة العَلق :( إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى ) (١) .
وجاء في سورة الإنشقاق :( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) (٢) .
وجاء في سورة الرّعد :( رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها .يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) (٣) .
ويوجد أكثر من (٢٠ آية) ، تحدثت عن أن لقاء الله تعالى ، في الواقع هو مقصود السّالكين إلى الله والعارفين به ، ويعني اللّقاء المعنوي والرّوحي مع المحبوب ، والمقصود الذي لا مثيل له.
وصحيحٌ أنّ هذه الآيات ، وآياتُ الرّجوع إلى الله تعالى ، تستوعب جميع هذه المعاني ، ولكن هذا لا يمنع من أنّ سير وسلوك المؤمن والكافر ، من ناحية الفِطرة والخلقة ، هو بإتّجاه الباري تعالى ، فبعضٌ ينحرف عن طريق الفطرة ، فيسقط في وادٍ سحيقٍ ، ولكن أولياء الله ومع إختلافهم بالمراتب ، يصلون إلى المقصود ، مثل الحيامن التي تسير جميعاً في عالم الرّحم لِتكوين الجَنين ، فبعضها تموت في المراحل الأولى بسبب بعض الآفات ، وتتوقف عن الحركة ، وبعضها يستمر في طريقه ، ليصل أحدها إلى الهدف.
وأفضل وأوضح من هذه التّعابير ، هو تعبير القرآن الكريم ، حيث يقول : «( فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ
__________________
١ ـ سورة العلق ، الآية ٨.
٢ ـ سورة الإنشقاق ، الآية ٦.
٣ ـ سورة الرّعد ، الآية ٢.
التَّقْوى ) ، (وعادةً كلمة : الزّاد ، تقال للطعام الذي يحمله المسافر معه ، ولكنّها في الأصل موضوعةٌ لمعنى أشمل : بحيث تشمل كلَّ ذخيرةٍ).
وعلى هذا الأساس يقول : إنّ التّقوى هي خيرُ الزّاد ، وهي إشارةٌ إلى سير الإنسان في طريق التّوحيد الخالص ، وعلى كلّ حال فإنّ هذا السّفر الرّوحاني يحتاج إلى زادٍ ، وزاده لا بدّ وأن يكون معنوياً أيضاً.
ونرى مثل هذا التعبير ، واردٌ بكثرةٍ في الرّوايات الإسلاميّة.
وفي موارد متعدّدةٍ من نهج البلاغة ، أتى ذكر التّزود للآخرة :
ففي الخطبة (١٥٧) يقول الإمامعليهالسلام :«فَتَزَوَّدوا فِي أَيّامِ الفَناءِ لأَيَّامِ البَقَاءِ».
وفي الخطبة (١٣٢) نرى تعبيراً أوضح ، فيقولعليهالسلام :
«إِنّ الدُّنيا لَمْ تُخْلَقُ لَكُم دارَ مُقامٍ ، بَل خُلِقَتْ لَكُم مَجازاً لِتَزَوَّدُوا مِنها الأَعمَالَ إِلَى دارِ القَرارِ».
وجاء في الخطبة (١٣٣) ، تعبير ألطَف وأدَق ، فقالعليهالسلام :
«وَالبَصِيرُ مِنها مُتَزَوُّدُ والأَعمى لَها مُتَزَوُّدُ».
وهناك آيات في القرآن الكريم ، يمكن أن تحمل في مضمونها إشاراتٌ لهذه النظريّة ، ومنها :
( صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (١) ، و( الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) (٢) ، و( سَبِيلِ اللهِ ) ، موجودةٌ في آياتٍ كثيرةٍ من القرآن الكريم ، و( لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) (٣) ، وأمثالها يمكن الإشارة بها إلى هذه النظرية.
__________________
١ ـ سورة إبراهيم ، الآية ١.
٢ ـ فاتحة الكتاب ، الآية ٦.
٣ ـ سورة الأنفال ، الآية ٣٦.
٩
تنوع الطّرق لأرباب السّير والسّلوك
من الجدير بالذكر ، أنّ أرباب السّير والسّلوك ، والعلماء الذين سلكوا هذا الطريق ، واتخذوا من القرآن الكريم والسّنة الشّريفة دليلاً لهم ، (لا الصّوفيين الذين تأثروا بالمذاهب غير الإسلاميّة الأجنبيّة) ، فكلّ واحد من اولئك الأفاضل إقَتَرح طريقةً تختص به ، أو بتعبيرٍ أدق ، إتّخذوا منازل ومراحل ، سنأتي بها بصورةٍ ملخّصة ، حتّى يكتمل البحث ، ويكون أكثر فائدة :
١ ـ السّير والسّلوك المنسوب : «للسيد بحر العلوم»
هناك كتاب منسوب للعلّامة الفقيه العالم :«السيد بحر العلوم» ، ورغم أنّ بعض أبحاثه لا يمكن القول بصدورها منه ، إلّا أنّ بعض أقسامه والحقّ يقال ، في غاية الأهميّة ، فقد ذكر السّيد في هذا الكتاب أربعة عوالم ومنازل ، مهمّة للسّير والسّلوك إلى الله تعالى ، والقرب منه ، وهي :
١ ـ الإسلام.
٢ ـ الإيمان.
٣ ـ الهجرة.
٤ ـ الجهاد.
وكلّ واحد من هذه العوالم الأربعة ، ذكر له ثلاث مراحل ، فيصبح المجموع إثني عشرةَ مرحلةً ، وبعد تجاوز هذه المراحل الإثني عشر ، يصل السّالك إلى الله ، وإلى عالم الخُلوص والفناء ، والمراحل أو المنازل الإثني عشر هي :
المنزل الأول : الإسلام الأصغر ، والقصد منه هو إظهار الشّهادتين والتّصديق بهما في الظّاهر ، وأداء الوظائف الدينيّة.
المنزل الثاني : الإيمان الأصغر ، وهو عبارة عن التّصديق القلبي والاعتقاد الباطني بكل المعارف الإسلاميّة.
المنزل الثالث : الإسلام الأكبر ، وهو عبارةٌ عن التّسليم في مقابل كلّ حقائق الإسلام ، والأوامر والنّواهي الإلهيّة.
المنزل الرابع : الإيمان الأكبر ، وهو عبارةٌ عن روح ومعنى الإسلام الأكبر ، والّذي ينتقل من مرتبة الطاعة ، إلى مرتبة الشّوق والرّضا والرّغبة.
المنزل الخامس : الهجرة الصّغرى ، وهي الإنتقال من «دار الكفر» ، إلى «دار الإسلام» ، وهي شبيهةٌ بهجرة المسلمين ، من مكّة التي كانت مقرّ للكفار إلى المدينة.
المنزل السّادس : الهجرة الكبرى ، وهي الهجرة والابتعاد عن أهل الذنوب والعصيان ، وعدم الجلوس مع الظّالمين والملّوثين.
المنزل السابع : الجهاد الأكبر ، وهو عبارةٌ عن محاربة جنود الشّيطان ، بالإستمداد من جنود الرّحمان ، وهي جنود العقل.
المنزل الثامن : منزل الفتح والظّفر على جنود الشيطان ، والتّحرر من سلطتهم ، والخروج من عالم الجهل والطّبيعة.
المنزل التاسع : الإسلام الأعظم ، وهو عبارةٌ عن الغلبة على جنود الشّهوة والآمال البعيدة ، فتنتصر العوامل الموقظة الخارجية ، على العوامل الإنحرافيّة الداخليّة ، وهنا يكون القلب ، مركزاً للأنوار الإلهيّة ، والإضافات الرّبانيّة.
المنزل العاشر : الإيمان الأعظم ، وهو الفناء في الله تعالى ، ومرحلة الدّخول في عالم :
( فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي ) ، وعندها تظهر حقيقة العبوديّة لله تعالى في واقع النّفس.
المنزل الحادي عشر : الهجرة العظمى ، وهي هجرة الذّات ونسيانها ، والسّفر إلى عالم الوجود المطلق ، والتّوجه الكامل للذّات المقدّسة للباري تعالى ، وهي الّتي تدخل في جملة خطاب :( وَادْخُلِي جَنَّتِي ) .
المنزل الثّاني عشر : الجهاد الأعظم ، فبعد هجرة الذّات ، يتوسل بالله تعالى أن يمحو كلّ آثار الأنا ، ويضع القدم على بساط التّوحيد المطلق.
فبعد أن تُطوى هذه العوالم الإثنا عشر ، يدخل في عالم الخُلوص ، ويكون مصداقاً لقوله تعالى :( بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) .(١)
كيفية السّير والسّلوك في هذه الطريقة :
في رسالة السّير والسّلوك المنسوبة للعلّامة بحر العُلوم ، وبعد ذكره للعوالم والمنازل المذكورة آنفاً ، يتطرق إلى كيفية السّير في هذا الطريق الصعب ، والملىء بالمفاخر ، ويذكر (٢٥) أمراً للوصول إلى المقاصد العليا ، ونذكرها بشكل مختصر :
فالسّالك إلى الله تعالى ، والمريد للقرب منه ، لأجل الوصول إلى هذه العوالم ، وبعد إطّلاعه الكامل على اصول الدين وفروعه ، وأحكامه الإسلامية من الطُرق المعتبرة ، يشدُّ الرحال ويأخذ طريقه في عملية السّلوك ، من خلال الإلتزام بالمراحل ال (٢٥) ، ليصل إلى المقصود :
أولاً : ترك الآداب والرّسوم والعادات التي تقف عقبةً في الطريق ، وتغرقه في بحر الآثام.
ثانياً : العزم القاطع للسّير في هذا الطّريق ، فلا يخاف شيئاً ، ولا يتردّد ، وليعتمد على لُطف الله تعالى.
ثالثاً : الرّفق ومُداراة النّفس ، فلا يحمّلها أكثر من طاقتها ، كي لا تنفر ولا تنطفيء جذوتها ،
__________________
١ ـ للإطّلاع ، يرجى مراجعة : رسالة السّير والسّلوك للمرحوم السيّد بحر العلومقدسسره ، وفيه تفاوت وإختلاف بينه وبين رسالة العلّامة الطباطبائي ، لبّ اللّباب ، وهنا في الواقع تلفيق من الإثنين.
ولئلّا تنقطع عن المسير.
رابعاً : الوفاء ، وهو الوفاء بالبقاء على العهد في التّوبة ، وتركه للذّنوب وَعدم العودة إليها ، وليكون وفيّاً مع استاذه أيضاً.
خامساً : الثّبات والدّوام ، يعني الدّوام على ما إختاره من برامج لنفسه ، حتى تُصبح عادةً عنده ، وليغلق طريق العودة على نفسه.
سادساً : المُراقبة ، وهي عبارة عن الإنتباه لنفسه في كل الامور والأحوال ، ولِئلا تصدر منه المخالفة.
سابعاً : المحاسبة ، كما جاء في حديث :«لَيسَ مِنّا مَنْ لَم يُحاسِبْ نَفسَهُ كُلَّ يَوم» (١) .
ثامناً : المؤآخذة ، حيث يوآخذ نفسه في كلّ خطأ يصدر منه ويعاقبها.
تاسعاً : المسارعة ، يعني يعمل بمقتضى أمر :( سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) (٢) ، الوارد في القرآن الكريم ، فيُسارع في كلّ خير ، لئلّا يسبقه الشّيطان ويوسوس له في تركه.
عاشراً : خُلوص الباطن ، وهو تطهير الباطن ، بحيث لا يكون أدنى غش في قلبه ، والحب التام لرسول اللهصلىاللهعليهوآله صاحب الشّريعة ، والأوصياء المعصومينعليهمالسلام .
الحادي عشر : الأدب ، حفظ حُرمة الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وأوصياءه المعصومينعليهمالسلام ، بحيث لا يلفظ بلفظ يدل على عدم الرّضا منهم ، والإعتراض عليهمعليهمالسلام ، وحفظ حرمة الأكابر ، ولبيان حاجته في الدّعاء لا يستعمل ألفاظاً تدل على الأمر والنّهي.
الثاني عشر : النيّة ، وتعني إخلاص القصد في هذا المسير والحركة ، وجميع الأعمال لله تعالى.
الثالث عشر : الصّمت ، ويعني الإكتفاء بالمقدار اللّازم من الكلام.
الرابع عشر : الجوع وقلّة الأكل ، وهو من الشّروط المهمّة لسلوك هذا الطريق ، ولكن ليس للحدّ الذي يبعث على الضّعف وعدم القدرة.
__________________
١ ـ إرشاد القلوب للديلمي ، باب ٣٩.
٢ ـ سورة آل عمران ، الآية ١٣٣.
الخامس عشر : الخلوة ، وهي عبارةٌ عن العزلة عن أهل العصيان ، وطلّاب الدنيا وأصحاب العقول الناقصة ، والتّوجه الخالص لله عند العبادة والذّكر ، والإبتعاد عن الضّوضاء وعناصر التّشويش الذهني.
السادس عشر : السّهر ، وخصوصاً في الثّلث الأخير من الليل ، الذي أكدّت عليه الآيات والرّوايات.
السابع عشر : الدّوام على الطّهارة ، وهو أن يكون على وضوء دائماً ، حيث ينوّر الباطن بأنوارٍ خاصّةٍ.
الثامن عشر : التّضرع لله تعالى ، والتحرك على مستوى اظهار الخضوع له ، أكثر وأكثر.
التاسع عشر : عدم إعطاء النفس ما تريد وإن كان مُباحاً ، بالقدر الذي يستطيع.
العشرون : كتمان السّر ، وهو من أهم الشّروط ، وهو ما يؤكد عليه أساتذة هذا الأمر ، حتى لا يجرّ الإنسان للرياء والتّظاهر ، وإذا ما حصلت له المكاشفة ، يجب أن لا يخبر أحد لئلّا يُصاب بالعجب.
الواحد والعشرون : يجب الإلتزام في عمليّة السّلوك المعنوي باستاذ ، سواء كان الأستاذ عامّاً للسّير والسّلوك أو خاصّاً ، وهو رسول اللهصلىاللهعليهوآله والأئمّة المعصومينعليهمالسلام .
ويجب على السّالك الإنتباه إلى أنّ هذه المرحلة ، هي مرحلةٌ دقيقةٌ جداً ، حتى لا يختبر أحداً ولا يطّلع على صلاحيّته العلميّة والدينية ، ولا يعمتد على إرشاداته بصورة كليّة ، لأنّه يوجد بعض الشياطين يتلبّسون بلباس الأساتذة ، وذئاب تلبس ثوب الرّاعي ، فتحرف السّالك عن الجادّة.
ويقول المرحوم العلّامة الطباطبائي في هذا المجال : إنّ الإطّلاع على العلوم والأسرار الغريبة ، وما وراء الطّبيعة وأسرار الإنسان ، والمشي على الماء والنار والإخبار بالمغيّبات ، كلّها لا تؤكد أنّ ذلك الإنسان قد وصل إلى مرحلة الكمال ، لأنّ كلّ تلك الامور تحصل في مرتبة المكاشفة الرّوحيّة ، والطّريق طويل حتّى الوصول إلى الكمال.
الثاني والعشرون : «الأوراد» ، وهي عبارةٌ عن الأذكار التي تفتح للسّالك الطّريق والمرور
من المطّبات الصّعبة ، وتعينه في المسير إلى الله تعالى.
الثالث والعشرون : نفي الخواطر ، وهو تسخير القلب ، والحكومة عليه والّتمركز الفكري ، بحيث لا يمر من خاطره شيء ، إلّا بإختياره وإذنه ، أو بتعبير آخر ، لا يشغل تفكيره الأفكار المُشوّشة ، وهو من الامور الصّعبة.
الرابع والعشرون : التّفكر ، والقصد منه أنّ السّالك يسعى من خلال التّفكير الصحيح ، والعميق ، في إكتساب المعرفة الحقّة ، ويحصر تفكيره في عالم الصّفات ، والأسماء الإلهيّة وتجلّياته وأفعاله.
الخامس والعشرون : الذِكّر ، والمراد منه التّوجه القلبي للذّات المقدّسة للباري تعالى ، وليس الذّكر اللّساني الذي يسمّى بالوِرد ، أو بعبارةٍ اخرى ، يكون كلّ نظره جمال الإله ، ولا يرى شيئاً غيره.
هذه هي خلاصة ، ما نسب للعلّامة بحر العلوم في دائرة السّير والسّلوك ، وتبعه في ذلك مع إختلاف يسيرٍ ، العلّامة الطّباطبائي ، وذلك كما جاء في رسالته «لبّ اللباب».
٢ ـ طريقة المرحوم الملكي التّبريزي
وهو المرحوم «الحاج ميرزا جواد الآقا تبريزي» ، وهو من الاساتذة المعروفين في السّير والسّلوك إلى الله ، وقد إنتهج في رسالته(لقاء الله) ، نهجاً يختلف عمّا جاء به في الرّسالة المنسوبة للعلّامّة بحر العلوم.
فهو يُذكر في البداية ، أنّ لقاء الله هو الغاية القصوى ، والهدف الأعلى ، للسّير والسّلوك ، ويستشهد لذلك بآياتٍ متعدّدةٍ من القرآن الكريم ، وكذلك بالروايات الكثيرة لُمدّعاه ، ويصرّح بأنّ لقاء الله تعالى ليس هو المشاهدة العينية ، لأنّ الباري تعالى منزّه عن الكيفيات التي توجب رؤيته بالبصر ، ولا هو لقاء النّعيم والثّواب في يوم القيامة ، بل هو نوع من«الشّهود» ، واللّقاء القلبي والروحي والمشاهدة بالبصيرة.
وبعدها يقترح برنامجاً للسّير في هذا الطريق الطويل ، والمحفوف بالمخاطر ، ويتلخص في عدّة امور :
١ ـ العزم والنيّة لسلوك هذا الطريق.
٢ ـ التّوبة النّصوح من الأعمال السّالفة ، وهي التّوبة التي تنفذ في أعماق الوجدان والوعي ، في واقع النفس ، وتعمل على تغييره ، وغسل آثار الذّنوب وأدران الخطايا من جسمه وروحه.
٣ ـ حمل الزّاد للطريق ، وذكرَ له عدّة برامج :
الف : صباحاً ، المشارطة : (يشرط على نفسه أن لا يمضي إلّا في طريق الحق) ، وفي النّهار المراقبة : (الإنتباه لئلّا يحيد عن الطريق) ، ومساءً المحاسبة : (لنفسه على ما فعله في النّهار).
ب ـ التّوجه للأوراد والأذكار ، ووظائف اليقظة والمنام.
ج ـ التّوجه لصلاة اللّيل ، والخَلوة بالله تعالى ، وإحياء الليل وترويض النفس في حالات النوم والأكل ، بحيث لا يتجاوز عن الحدّ الضروري.
٤ ـ الإستفادة من سوط السّلوك ، وهو عبارة عن مُؤاخذة النّفس وتوبيخها ، لتوجُّهِها للدنيا وتقصيرها في طلب الحق ، وعدم وفائها ، وإطاعة الشّيطان في معصية الله تعالى ، ويستغفر الله على كلّ ذلك ويعزم على السّعي في طريق الإخلاص والإيمان والصلاح.
٥ ـ عند التّحول ، وفي هذه المرحلة ، وقبل كلّ شيء ، يجب أن يفكّر في الموت ، ليميت حبّ الدنيا في قلبه ويصلح الصّفات القبيحة عنده ، وهو دواءٌ نافعٌ في هذا المجال ، (وبعدها يفكر في عظمة الله وأسماءه وصفاته ، ويذكر أولياء الحق ، وليسعى بأن يُشابِههم في صفاتهم).
٦ ـ عند القرب من منزل المقصود ، يشير إلى أنّ الإنسان لديه ثلاثة عوالم :
١ ـ عالم الحسّ والطّبيعة.
٢ ـ عالم الخيال والمثال.
٣ ـ عالم العقل والحقيقة.
فعالم الحسّ والطّبيعة كلّه ظلمات ، وإذا لم يعبره فلن يستطيع الوصول لعالم المثال ، وهو العالم الذي تكون فيه الحقائق لها صورٌ عاريةٌ عن المادّة.
وما دام يراوح في عالم المثال ، فلن يستطيع الوصول إلى عالم العقل ، الذي هو عالم الحقيقة والأصل للنفس الإنسانية ، الذي لا صورة ولا مادة فيه ، فإذا وصل لعالم العقل ، وأدرك نفسه خاليةٌ عن المادة والصّورة ، فسيصل إلى معرفة الباري تعالى ، ويكون مصداق لقوله :«مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَد عَرَفَ رَبَّهُ (١) » (٢) .
٣ ـ طريقةٌ اخرَى
في رسالة «لقاء الله» للعالم والمحقق الكبير ، الآقا المصطفوي ، أشار إلى برنامج آخر للسّير والسّلوك ، في رسالته الجامعة والغنية ، والمعتمدة على الآيات والأخبار ، حيث أشار أولاً إلى الآيات المتعلّقة بلقاء الله ، وبعدها شرع في تفسير معنى اللّقاء ؛ أنّ المراد منه اللّقاء المعنوي والرّوحي ، وأضاف أنّ الإنسان ولأجل وصوله للقاء الله تعالى في هذا السير المعنوي ، عليه أن يكسر حدود المادة والمكان والزّمان ، وكذلك الحدود الذّاتية لكلّ المُمكنات ، ويفنى في عالم اللّاهوت ، ويكون المخاطب لقوله تعالى :( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (٣) .
وأقترح خمسة مراحل للوصول إلى المقصود الأكبر :
المرحلة الاولى : التّحرك على مستوى تكميل وتقوية الإعتقادات ، والتّوجه الخاص لُاصول الدّين.
المرحلة الثانية : التّوبة من الذنوب ، والتّحرك من هذا الموقع للإتيان بالأعمال الصّالحة وأداء الواجبات.
المرحلة الثالثة : السّعي الجاد لتطهير النّفس من الرذائل ، وتحليتها بالفضائل الأخلاقية.
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٢ ، ص ٣٢.
٢ ـ للتفصيل يرجى الرجوع إلى رسالة لقاء الله المرحوم التبريزيقدسسره .
٣ ـ سورة الفجر ، الآية ٢٧ إلى ٣٠.
المرحلة الرابعة : محو الأنانيّة ، والفناء في مُقابل عظمة الحق.
وفي هذه المرحلة التي ينقطع الإنسان فيها عن التّعلقات المادية ، من الأهل والأموال والأولاد واللّذات ، تكون الشّهوات الماديّة والخياليّة قد تغيّرت وتبدّلت ، إلى تعلّقٍ وإرتباطٍ روحي ومعنوي ، والذي يبقى هو التّعلق بالذّات والنّفسٍ ، وهذا التعلّقً متجذّر وقويّ لدرجةٍ كبيرةٍ جدّاً ، ولشدّة ظهوره : خفي ، وتبقى ملاحظةٌ واحدةٌ وهي ، أنّ هدف السّالك في جميع هذه المراحل هو الوصول إلى لقاء الله ، وفي الواقع والباطن أنّ كلّ عمل يكون قد أدّاه هو له ولنفسه.
وبعبارة اخرى : كان يُريد الوصول إلى المقامات العليا ، والقُرب من الله تعالى ، والحصول على الكمالات المعنوية والروحية ، فكلّ ذلك كان بدافع النّفس والذّات ، وليس لِلهدف الأصلي ، ولذلك فهو عند وصوله لمثل هذا المقام يفرح غاية الفرح ، ولكن إذا وصل غيره إلى هذا المقام ، فسوف لن يكون فرحاً لهذا الحد ، وهنا يجب أن تُحذف «الأنا» وتُنسى ، ويكون المحبوب للسّالك هو تجلّي الله سبحانه ، لا من خلال حبّ الذّات ، أو بعبارةٍ أوضح ، يجب أن تُمحى «الأنا» ، وهي الحِجاب الأكبر والمانعُ الأقوى ، وآخر الحُجب للوصول إلى الله تعالى ولقائه.
ولإزالة هذا المانع ، توجد عدّة طرق :
١ ـ طريق التّوجه القلبي لله تعالى ، والتّوحيد الذّاتي والصّفاتي والأفعالي ، ومنه يفهم أنّ غيره لا شيء في مُقابله.
٢ ـ التّفكر والإستدلال للوقوف بوجه «الأنانية» وحجاب النفس ، بمعنى أن يرى أنّ الله تعالى غير محدودٍ بحدٍّ ، وهو الأزلي والحقّ المطلق ، والنفس هي الموجود المحدود في كلّ شيء ، وفي منتهى الضّعف والعجز والفقر والحاجة إلى الله تعالى ، ومن دون المدد الإلهي فإنّها لا تستطيع الصّمود ولا لِلِحظةٍ واحدةٍ.
٣ ـ المعالجة بالأضداد ، بمعنى أنّه كلّما أحسّ بوجود «الأنا» في وعيه ، يعالج هذا الموقف بالتّوجه لله والصّالحين من عباده ، لكي يعيش في الحضور الدّائم مع الباري تعالى.
المرحلة الخامسة : في هذه المرحلة يصبح السّالك إنساناً ملكوتياً ، ويدخل في عالم
الجبروت!. والقصد من الدخول في مرحلة الجبروت ، هو أنّ الإنسان يصل إلى مرحلةٍ من الصّفاء والإخلاص ، يكون فيها مندّكاً في ذاتِ الله تعالى ، وله نفوذٌ وسلطةٌ على الامور ، فيتحرك في أداء وظائفه الإلهيّة ، وإرشاد الناس ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، من موقع المسؤولية والإنضباط في خط الرّسالة ، ويكون على بصيرةٍ كاملةٍ من أمره.
أو الأحرى ، ينسى نفسه ، ويكون على علمٍ بكلّ المسائل والوظائف والأحكام والآداب الشرعية ، وطرق السّير والسّلوك ، ويكون تشخيصه لِلأمراض والأدوية دقيق جدّاً ، كالطّبيب الحاذق الذي يعرف الدّاء والدّواء ويشخصه جيّداً(١) .
والجدير بالذّكر أنّه قد استدلّ لكلّ هذه المطالب في كتابه ، بالآيات والرّوايات الإسلاميّة ، كشاهدٍ على مُدّعاه.
خلاصة ما تقدم من مذاهب السّير والسّلوك :
يُستفاد ممّا تقدّم من تعليمات أرباب هذا الفن ، والطريق : (الذين مشوا في نهج الإسلام الأصيل وطريق أهل البيتعليهمالسلام لا المتصوفة) ، اصولٌ مشتركةٌ في عمليّةِ السّيرِ والسّلوك إلى الله وهي :
١ ـ أنّ الهدف الأصلي ، هو لقاء الله وشهود ذاته المقدسة ، بالبصيرة والحُضور الروحي المعنوي عنده.
٢ ـ للوصول لهذا الهدف ، ينبغي التّحرك أولاً من موقع التوبة من جميع الذنوب والرذائل الأخلاقية ، والتّحلي بالفضائل.
٣ ـ في هذا الطريق يجب أن لا ينسى الآداب الأربعة : المشارطة ، والمراقبة ، والمحاسبة ، والمعاقبة ، يعني يُشترط في الصّباح على نفسه ، أن لا يذنب ولا يخالف رضا الباري تعالى ، ويراقب نفسه في طول النّهار وفي اللّيل وعند النوم ، يجلس للمحاسبة ، وإذا ما صدرت منه مخالفةٌ يعاقب نفسه بتركه لأنواع اللّذائذ.
٤ ـ التّصدي لهوى النفس من موقع المخالفة ، لأنّ الهوى هو من أكبر السّدود في هذا
__________________
١ ـ للإطّلاع ، يرجى الرجوع إلى كتاب : «لقاء الله» ، للعلّامة الكبير المُصطفوي.
الطّريق ، ومخالفته هي من أوجب الواجبات.
٥ ـ التّوجه لأذكارٍ وأورادٍ وردت في الشّرع المقدس ، وأمثال :«لا حَولَ وَلا قُوَّةَ بِالله» ، وذكر( لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) ، وذكر«يا الله» و «يا حَيُّ» «يا قَيُّوم» وهي الزاد في هذا الطّريق والسبب للقوّة.
٦ ـ التوجه القلبي لحقيقة التّوحيد للذات والصّفات والأفعال لله تعالى ، والغرق في صفات كماله وجماله ، وهي زاد آخر لهذا الطريق الوعر المليء بالمطبّات والتّحديات الصعبة.
٧ ـ كسر أكبر الأصنام ، وهو صنم الأنانيّة والّذات الفرديّة ، وهو من أهم الشّروط للوصول للمقصود.
٨ ـ وقد إشترط البعض الإستعانة بالاستاذ ، والسّير في هذا الطريق تحت إشرافه ، فيكون كالطبيب الذي يعمل على معالجته ، والبعض لا يعتمدون على الاستاذ ، وحصل في كثير من الموارد ، وللأسف الشديد ، الوقوع في حبائل الشيطان ، وذلك بسبب الإعتماد على الاستاذ ، حيث يعتبرونه كالملاك ، فيذهب دينهم وإيمانهم وأخلاقهم إدراج الرّياح!.
ويرى البعض الآخر ، أنّ وظيفة الإرشاد والسير على هدي الأنبياء والأولياء ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هي آخر المراحل ، ولكن كثيراً منهم لم يذكروا شيئاً ، وتركوا السّالك بحاله.
والغرض من الإتيان بهذا البحث ، في المباحث الأخلاقية ، في هذا الكتاب ، هو :
أولاً : سرد عصارة من التّفكرات التي لها علاقة بالمباحث الأخلاقية ، حتى يتنور القاريء ويتحرك في طريق التّهذيب وإصلاح الذّات.
ثانياً : نحذّر طلاب الحقيقة ، أنّ الحدّ بين الحقّ والباطل ضيئل جدّاً ، فكثيرٌ من الشّباب من ذوي القلوب النّقية ، كان هدفهم الوصول إلى الحقّ والعين الصّافية ، ولكنّهم إنجرفوا في طريق الضّلالة ، وتركوا طريق العقل والشّرع ، ولذلك تاهوا في وادي الحيرة ، وغرقوا في مستنقع الخطيئة ، ولم يسلموا من مخالب الذّئاب الضّارية ، الذين يرتدون مسوح الزّهد والقداسة ، فأضاعوا وفقدوا كلّ ما لديهم.
١٠
هل يلزم وجود المُرشد في كلّ مرحلةٍ؟
يعتقد كثير من أرباب السّير والسّلوك ، أنّ السّائرين في طريق الكمال والفضيلة ، والتقوى والأخلاق ، والقرب إلى الله تعالى ، يجب أن يكونوا تحت إشراف الاستاذ والمرشد ، كما ذكر في رسالة السّير والسلوك للعلّامة بحر العلوم ، ورسالة لبّ الألباب للمرحوم العلّامة الطّباطبائي ، في الفصل الحادي والعشرون من وظائف السّائر إلى الله ، هو التّعليم والتعلم تحت نظر وإشراف الاستاذ ، سواء كان الاستاذ عالِم كالعلماء الذين مشوا في هذا الطريق ، أم الأساتذة الخصوصيين ، وهم الأنبياء الأئمة والمعصومينعليهمالسلام .
ولكن المطّلعين من أهل الفن ، يُحذّرون السّائرين على طريق التّقوى والتّهذيب ، من عدم الإلتجاء بسهولة لأيٍّ كان ، وإذا لم يطمئنّوا إطمئناناً كافياً ، ولم يختبروا صلاحيتهم العلميّة والدينية ، فلا يسلّموهم أنفسهم ، ولا يكتفوا حتى بإخبارهم للمستقبليات ، ولا أعمالهم غير الطبيعيّة ، ولا حتى مرورهم على الماء والنار ، لأنّ صدور هذه الأعمال ممكن من المرتاضين غير المهذّبين أيضاً.
وقال البعض الآخر : إنّ الرّجوع للُاستاذ لازم في المراحل الأوليّة ، وأمّا بعد السّير وعبور عدّة مراحل ، فلا يحتاج إلى الاستاذ ، والرّجوع للُاستاذ الخصوصي وهو الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله والأئمّة المعصومينعليهمالسلام ، حتّى نهاية المراحل ، يكون لازماً وضرورياً.
وقد إستدلوا على لزوم الرّجوع للُاستاذ تارةٌ ، بهذه الآية الشّريفة ، التي تقول :( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (١) .
فرغم أنّها تتناول التعليم لا التربية ، ولكن الحقيقة أنّ التربية تعتمد على التّعليم في كثير من الموارد ، فلذلك يجب الرّجوع للمطلعين في مثل هذه الموارد ، وهذا المعنى يختلف إختلافاً واضحاً عن إختيار شخصٍ خاص ليكون ناظراً على أعمال وأخلاق الإنسان.
ويستشهد القائلون بضرورةِ المرشد تارةٌ اخرى ؛ بحكاية موسى مع الخضرعليهماالسلام ، فقد كان موسىعليهالسلام بحاجةٍ للخضر ، مع ما أنّه كان من الأنبياء وأولي العزم ، وقطع قسماً من الطّريق بمساعدتهعليهالسلام .
ولكن وبإلقاء نظرةٍ فاحصةٍ على قصّة موسى والخضرعليهماالسلام ، نرى أنّ موسىعليهالسلام عند ما تعلم من الخضرعليهالسلام ، إنّما كان بأمر من الله تعالى لأجل الاطّلاع على أسرار الحكمة الإلهيّة بالنسبة للحوادث التي تحدث في هذا العالم ، والاخرى أنّ علم موسىعليهالسلام كان عملاً ظاهرياً ، «ويتعلّق بدائرة التّكليف» ، وعلم الخضرعليهالسلام علماً باطنياً ، (خارج عن دائرة التكليف)(٢) ، وهذا الأمر يختلف عن مسألة إختيار الاستاذ والمرشد ، في كل مراحل التّهذيب للنفس والسيّر في طريق التّقوى ، وإن كان يشير ولو بالإجمال إلى أهميّة كسب الفضيلة ، في محضر الاستاذ في خط التّكامل المعنوي.
وقد يستشهد لذلك أيضاً بحكاية لقمان الحكيم وإبنه ، فهو استاذ إلهي أخذ بيد إبنه وساعده في سلوك ذلك الطريق(٣) .
ونقل العلّامة المجلسي في بحار الانوار ، عن الإمام السجّادعليهالسلام أنّه قال :«هَلَكَ مَنْ لَيسَ لَهُ حَكِيمٌ يَرشُدُهُ» (٤) .
ولكن ومن مجموع ما ذُكر ، لا يمكن إستفادة لزوم المرشد في دائرة السّلوك الأخلاقي و
__________________
١ ـ سورة الأنبياء ، الآية ٧.
٢ ـ يرجى مراجعة تفسير الأمثل ، ذيل الآية ٦٠ إلى ٨٢ من سورة الكهف.
٣ ـ يرجى الرجوع لتفسير الأمثل ، في تفسير سورة لقمان.
٤ ـ بحار الانوار ، ج ٧٥ ، ص ١٥٩.
تهذيب النفس ، بحيث إذا لم يكن تحرك الإنسان في خطّ التّهذيب النّفسي والتّزكية الأخلاقية ، تحت إشراف المرشد ، فسوف يختل برنامج التربية والأخلاق والتّقوى ، ويتعطل السّير والسّلوك في حركة الواقع النفسي والمعنوي لدى الفرد ، لأنّ الكثير من الأشخاص إلتزموا بالرّوايات والآيات والأحاديث الإسلامية ، وعملوا بها ، ووصلوا إلى مقاماتٍ عالية ودرجاتٍ كبيرةٍ دون الإستعانة بمرشدٍ أو معلّمٍ خاصٍ على مستوى التّربية الأخلاقيّة ، وطبعاً لا يمكن إنكار فائدة الأساتذة والمرشدين وتوجيهاتهم القيّمة ، فهم عناصر جيّدة للوصول إلى المقصود من أقرب الطرّق ، ومعدّات فاعلةٌ لمواجهة المشاكل الأخلاقيّة لتحديات الواقع ، وحلّها وفق مستجدّات الواقع ومستلزمات العقيدة.
وجاء في نهج البلاغة أيضاً :«أيُّها النّاسُ استَصبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصبَاحٍ ، وَاعظٌ مُتَّعِظٌ» (١) .
ولكن وللأسف نجد في كثير من الموارد ، أنّ النّتيجة كانت عكسيّة ، فكثير من الأشخاص عرّفوا أنفسهم بأنّهم مرشدون للناس في سلوك سبيل التّربية والتّهذيب ، ولكن اتّضح بأنّهم قطّاع طُرق ، وكمْ من الأشخاص الطّاهرين الطالبين للحقّ إنخدعوا بهم ، وساروا في طريق التّصوف أو الإنحراف ، وسقطوا في منحدر الرّذيلة ، وارتكبوا مفاسد أخلاقية كبيرة ؛ وعليه فنحن بدورنا نحذّر السّائرين على هذا الطّريق ، إذا ما أرادوا الإستفادة من الحضور ، عند استاذ ومرشدٍ في المسائل الأخلاقيّة ، فيجب أن يتوخّوا جانب الحذر والإحتياط ، وليتأكدوا من حقيقة الأمر ، ولا يغترّوا بالمظاهر الخادعة ، بل ليتفحّصوا عن سوابقهم ، وليشاوروا أصحاب الفنّ في هذا المجال ، كي يصلوا إلى غايتهم المنشودة.
دور الواعظ الداخلي (الباطني):
تكلّمنا عن دور الواعظ الخارجي بصورةٍ كافيةٍ ، والآن جاء دور الواعظ الداخلي ؛ حيث يستفاد من بعض الأخبار والروايات الإسلامية أنّ الضّمير الحيّ هو الواعظ الداخلي والباطني للإنسان ، وله دور مهم في السّير على طريقِ التّكامل الأخلاقي والتّقوى ، وبالأحرى
__________________
١ ـ نهج البلاغة ، الخطبة ١٠٥.
لا يمكن السّير بدونه ، في مواجهة التحديات الصّعبة وقوى الإنحراف.
فقد جاء في حديثٍ عن الإمام على بن الحسينعليهماالسلام ، أنّه قال :
«يا إبنَ آدمَ إِنَّكَ لا تَزَالُ بِخَيرٍ ما كانَ لَكَ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِكَ ، وَما كانَتِ الُمحاسَبَةُ مِن هَمِّكَ» (١) .
ونُقل أيضاً عنهعليهالسلام ، مشابهٌ لهذا المعنى ، مع قليلٍ من الإختلاف(٢) .
وجاء في نهج البلاغة أيضاً ، أنّ :
«وَاعَلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حتّى يَكُونَ لَهُ مِنْها وَاعِظٌ وَزَاجرٌ ، لَم يَكُن لَهُ مِنْ غَيرِها لا زَاجرٌ وَلا واعِظٌ» (٣) .
ومن البديهي أنّ الإنسان في هذا الطّريق يحتاج إلى واعظٍ قبل كلّ شيء ، ليكون معه في كلّ حال ، : ويعلم أسراره الداخلية ، ويكون رقيباً عليه ومعه دائماً ، وأيّ عاملٍ أفضل من الواعظ الداخلي وهو الوجدان ، يتولي القيام بهذا الدّور ، وينبّه الإنسان إلى منزلقات الطّريق ، وتعقيدات المسير ، ويصدّه عن الإنحراف والسّقوط في الهاوية.
ونقرأ في حديثٍ عن الإمام عليّعليهالسلام :
«إِجْعَلْ مِنْ نَفْسِكَ عَلى نَفْسِكَ رَقِيباً» (٤) .
وجاء في حديثٍ آخر عنهعليهالسلام :
«يَنبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُهَيمِناً عَلى نَفْسِهِ مُراقِباً قَلْبَهُ ، حافِظاً لِسانَهُ» (٥) .
__________________
١ ـ بحارالأنوار ، ح ٧٥ ، ص ١٣٧.
٢ ـ المصدر السابق.
٣ ـ نهج البلاغة ، الخطبة ٩٠.
٤ ـ غرر الحكم.
٥ ـ المصدر السابق.
١١
العناصر اللّازمة لتربية الفضائل الأخلاقيّة
إضافةً لما ذكرنا من برنامج للصّعود بالإنسان في أجواء التربية الأخلاقيّة ، يوجد هناك عناصر اخرى ، لها أثرها الكبير في منح الإنسان قوّة التّصدي ، لحالات الضعف أمام الرّذائل الأخلاقيّة ، وتقوية اصول الفضائل في واقع الإنسان ، وحركته التّكاملية في الحياة ، ومنها :
١ ـ طهارة وصفاء المحيط
ممّا لا شك فيه أنّ المحيط الذي يعيش فيه الإنسان ، يعكس أثره الكبير على سلوكيّات وروحيّات ذلك الإنسان ، حيث يسترفد كثيراً من صفاته وأفعاله من المحيط الإجتماعي والثّقافي ، فالمحيط النّظيف والطّاهر غالباً ما يفرز اناساً طاهرين ، والعكس صحيح.
ورغم أنّ الإنسان يمكن أن يعيش نظيفاً وطاهراً في الوسط الملّوث ، وبالعكس يمكنه أن يسير في طريق الرّذيلة والإثم في المحيط الطّاهر ، وبعبارةٍ اخرى إنّ الظّروف الإجتماعيّة والثّقافية التي يعيش فيها الإنسان ، ليست العلّة التّامة في صلاح وإنحراف الإنسان ، ولكنّها يمكن أن تُهيىء الأرضية لذلك قطعاً ، وهذا ممّا لا يقبل الإنكار.
وقد يقول البعض ، بأنّ الإنسان يخضع لإجبار المحيط والمجتمع ، «فيبقى الإنسان كما هو الموجود فعلاً» ، ولكننا ننكره جملة وتفصيلاً ، من دون أن ننكر دور العوامل القويّة في عمليّة
إخضاع الفرد لمتطلبات الواقع وتحدياته ، في أجواء التّفاعل الإجتماعي.
بعد هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم ، ونقرأ الآيات التي تؤيّد تأثير المحيط في شخصيّة الإنسان ، بالدّلالة الإلتزاميّة ، أو المطابقيّة للكلام ، لنستوحي منها المفهوم القُرآني في هذا الإطار :
١ ـ( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ) (١) .
٢ ـ( وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) (٢) .
٣ ـ( وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ) (٣) .
٤ ـ ( يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) (٤) .
٥ ـ ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ) (٥) .
تفسير وإستنتاج :
«الآية الاولى» تحدّثت عن تأثير المحيط في أعمال وأفعال الإنسان ، ببيانٍ لطيفٍ وجذّابٍ ، وقد إختلف المفسّرون في تفسير هذه الآية ، وذهب كلّ واحدٍ منهم إلى رأي
فبعضهم قال : إنّ المراد منها ، أنّ ماء الوحي الرّقراق كقطرات المطر ، ينزل على أرض
__________________
١ ـ سورة الاعراف ، الآية ٥٨.
٢ ـ سورة الأعراف ، الآية ١٣٨.
٣ ـ سورة نوح ، الآية ٢٦ و ٢٧.
٤ ـ سورة العنكبوت ، الآية ٥٦.
٥ ـ سورة النساء ، الآية ٩٧.
القلوب فترتوي منه القلوب الطاهرة ، وتنبتُ ورود المعرفة وفواكه التّقوى والطّاعة اللّذيذة ، ولكن القلوب السّوداء والملوثة ، لا تتأثر به من موقع الإستفادة في حركة الحياة ، وعند ما نرى أنّ ردود الفعل ، قبال دعوات الأنبياء ، وتعاليم الوحي ليست متساوية عند الجميع ، فهذا لا يدلّ على وجود النقص والخلل في فاعليّة الفاعل ، بل أنّ الإشكال إنّما هو في قابليّة القابل(١) .
والأمر الآخر أنّ الغرض من بيان هذا المثال ، هو أن يكون طلب الفضائل والمحاسن من محلّها المناسب ، لأنّ السّعي في المحل غير المناسب ليس هو إلّا إهدار وتضييع للطاقات(٢) .
الإحتمال الثالث ، في تفسير هذه الآية ويمكن الإستفادة منه هنا ، هو أنّ في هذا المثال شبّه الإنسان بالنبات ، ولكن الأرض التي تنبت فيها النباتات إمّا حلوة أو سبخة ، ممّا تنعكس تأثيراته على النّبات أيضاً ، وفي المحيط الملّوث ، لا يمكن تربية الإنسان في إطار التعاليم الإلهيّة والقيم الأخلاقيّة ، مهما كانت التعليمات وأساليب التربية قويّةٌ ومؤثرةٌ ، فكما أنّ قطرات المطر المُوجبة لبعث الحياة للأرض ، لا يمكن أن تؤثر في الأرض السّبخة ، فكذلك الحال في عناصر التربية في المحيط الملّوث ، وبناءً عليه ، يجب علينا أن نهتم بإصلاح المحيط الإجتماعي ، والثّقافي ، الذي نعيشه ونتفاعل معه دائماً ، للتوصل إلى تهذيب النفوس ، وتحكيم الأخلاق الصالحة ، في واقع الإنسان والحياة.
وبالطّبع لا يوجد تقاطع بين التفسيرات الثلاثة المتقدّمة ، والمثال الآنف الذّكر ، يمكن أن يكون ناظراً لهذه التفسيرات الثّلاثة على السّواء.
نعم ، فإنّ المحيط الإجتماعي الملّوث بالرذيلة ، هو عدوّ للفضائل الأخلاقيّة ، والحال أنّ المحيط السّالم والطّاهر ، يهيىء أحسن وأفضل الفرص ، لغرض تهذيب النّفوس ، في معارج الكمال الرّوحي والمعنوي.
وقد ورد في الحديث المعروف عن الرّسول الأعظمصلىاللهعليهوآله مُخاطباً أصحابه :
«إِيّاكُم وَخَضراءِ الدِّمَنِ» ، قِيلَ يا رَسُولَ اللهِ وَمَنْ خَضراءُ الدِّمَنِ قال صلىاللهعليهوآله : «المَرأةُ
__________________
١ ـ هذا التفسير جاء به الفخر الرازي ، وأتى به بعنوان الإحتمال الأول في معنى الآية ، : (تفسير الفخر الرازي ، ج ١٤ ، ص ١١٤) ونقله جماعَة اخرى عن إبن عباس
٢ ـ جاء هذا التفسير في مجمع البيان ، في تفسيره لسورة الحديد في ذيل الآية الآنفة الذكر.
الحَسناءِ فِي مَنْبَتِ السُّوءِ» (١) .
هذا التّشبيه البليغ ، يمكن أن يكون إشارةً ، لتأثير المحيط الصّالح والسّيء في شخصية الإنسان ، على المستوى الإيجابي والسّلبي ، أو هو إشارةٌ لمسألة الوراثة ، وتأثيرها على مُجمل الشّخصية ، أو إشارةٌ للإثنين معاً.
وفي«الآية الثانية» : إشارةٌ لقوم بني إسرائيل ، الّذين بقوا لسنواتٍ طويلةٍ ، تحت إشراف وتعليمات النّبي موسىعليهالسلام ، في عمليّة الهداية الرّوحية والمعنويّة ، وفي مجال التوحيد وسائر الاصول الدينيّة ، ورأوا بامّ أعينهم المعجزات الإلهيّة ، كإنفلاق البحر لهم ، ونجاتهم من براثن فرعون وجنوده ، ولكن وبمجرد أن صادفوا في طريقهم للشام والأرض المقدسة ، قوماً يعبدون الأصنام ، تأثّروا بهم وبمحيطهم الملّوث ، وقالوا :( يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ) .
فتعجّب موسىعليهالسلام من هذا الإنقلاب ، وغضب غضباً شديداً ، من قولهم هذا وقال لهم :( إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) .
وأخذ يبيّن لهم مفاسد عبادة الأصنام.
والعجيب أنّ قوم بني إسرائيل ، وبعد التّوضيحات الصّريحة والمكرّرة لموسىعليهالسلام ، بقوا تحت تأثير هذا المحيط المسموم السّلبي ، بحيث إستطاع السّامري أن يتحرك من موقع إغوائهم ، وتفعيل عناصر الإنحراف لديهم في غيبة موسىعليهالسلام ، والّتي إستغرقت عدّة أيّام ، حيث صنع لهم صنماً من ذهبٍ ، وتبعه الغالبيّة من هؤلاء القوم ، وتحوّلوا من أجواء التّوحيد إلى أجواء الشّرك.
فهذا الأمر يمثل علامةً واضحةً على تأثير المحيط السّلبي ، في صياغة السّلوك الإنساني ، من موقع الانحراف والزيغ في دائرة المسائل الأخلاقية ، بل وحتّى العقائديّة أيضاً ، ولا شك أنّ بني إسرائيل وقبل مرورهم باولئك القوم ، كانت لديهم الأرضيّة المساعدة لعبادة الأصنام ، وذلك إثر بقائهم مع الوثنييّن المصرييّن لمدةٍ طويلةٍ ، فعند ما رأوا ذلك المنظر ، عادوا في دائرة الذّاكرة إلى ذلك الماضي الأسود ، وعلى كل حال فإنّ كلّ هذه الامور ، هي دليل واضح على تأثير
__________________
١ ـ وسائل الشيعة ، ج ١٤ ، ص ١٩ ، ح ٧ ـ بحار الانوار ، ج ١٠٠ ، ص ٢٣٢ ، ح ١٠.
المحيط الإجتماعي ، في أخلاق وعقائد الإنسان في حركة الواقع النّفسي.
وفي«الآية الثالثة» : نجد شاهداً آخر على تأثير المحيط على أفكار وأفعال الإنسان ، وهو ما نراه في سلوك نوحعليهالسلام ، ودعاؤه على قومه الكفّار بالفناء والَمحق.
إنّ نوحاًعليهالسلام لم ينطلق في دعائه عليهم من موقع الذات والانفعال ، بل من موقع العقل والبرهان ، فقال الله تعالى في القرآن الكريم ، على لِسان نوحٍ :( إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ) .
فهم في الحال الحاضر كفّار ومنحرفون ، وفي حالة إستمرارهم في التّكاثر والتّناسل فسوف يؤثّرون على أولادهم في عمليّة الإيحاء لهم بالكفر ، ويربّوهم تربيةً منحرفةً.
ومن«الآيتين الرابعة والخامسة» ، نستوحي لزوم الهجرة من المجتمع والمحيط المنحرف ، حيث يخاطب الباري تعالى عباده في الآية الرابعة ، يقول :( يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) .
وفي الآية الخامسة ، يحذّر المؤمنين من البقاء في المجتمع الغارق في الضّلالة ، ويؤكّد لهم لزوم الهجرة ، وأنّ عذرهم غير مقبول في حالة البقاء والتكاسل ، فقال :( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ) .
وفي الحقيقة إنّ مسألة الهجرة هي من الاصول الأساسيّة في الإسلام ، وقد شيّد الإسلام دعائمه عليها ، حيث تتضمن عمليّة الهجرة ، حكمٌ وغاياتٌ عديدةٌ وأهمّها الهروب والفرار من المحيط الملّوث ، والنجاة من تأثيراته السيّئة على واقع الإنسان ومحتواه الداخلي.
وليست الهجرة مختصة بزمان صدر الإسلام ، كما يعتقد البعض ، بل هي جارية في كلّ عصرٍ وزمانٍ يتعرض فيها المسلمون لضغوط قوى الشرك والفساد والكفر ، التي تشكّل عناصر ضغطٍ على الرّوح المنفتحة على الله والخير ، وليفرّوا بدينهم وأخلاقهم وعقائدهم من أجواء المحيط الملّوث ، فجاء في الحديث عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :
«مَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ أَرْضٍ إِلى أَرْضٍ وَإِنْ كانَ شِبراً مِنَ الأَرضِ إِستَوجَبَ الجَنَّةَ وَكانَ
رَفِيقَ مُحَمَّدٍ صلىاللهعليهوآله وَإِبراهِيمَ عليهالسلام » (١) .
فالتأكيد على مقدار الشّبر ، إنّما يدلّ على أهميّة المسألة في دائرة الإحتفاظ بالإيمان ؛ فلو تسنّى للإنسان ذلك ، وبأيّ مقدارٍ وأيّ زمانٍ ومكانٍ ، فمعناه التوافق مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله وإبراهيمعليهالسلام في خطّ الرّسالة والدّين.
والخلاصة ، أنّ المحيط والمجتمع الذي يعيش فيه الإنسان ، كان ولا يزال عاملاً مهمّاً في تكوين وصياغة شخصية الإنسان ، وأخلاقه ومؤثّراً فيها ، وإن كان الأمر ليس على وجه الجَبر ، وبناءً على ذلك فإنّ تطهير أجواء المحيط الإجتماعي من أهم العوامل لتهذيب الأخلاق وتربية الملكات الفاضلة في المحتوى الداخلي للإنسان.
وإذا لم يستطع أنّ يغيّر الإنسان من أجواء المحيط شيئاً ، فيجب عليه أن يُهاجر ويترك ذلك المحيط الغارق في الزّيغ والضّلالة ، وكما أنّ الإنسان ، وعند ما تتعرض حياته المادية للخطر ، يتحرك من موقع الإبتعاد والهجرة من أرضه ، فكذلك عليه أن يُهاجر منها ، عند ما تتعرض قِيمَهُ الأخلاقيّة وحياته المعنويّة ، التي هي أهم من حياته الماديّة ، للخطر ، ولا ينبغي أن يتذرّع بأنواع الحجج والأعذار ، ليبقى فيها بحجّة أنّها أرضي وأرضَ آبائي ، وغير ذلك من الأعذار والتّبريرات الواهية ، ويستسلم لعناصر التّلوث والإنحراف التي تؤثر عليه وعلى أولاده ، في الدائرة السّلبية ولا يهاجر منها؟
فيتوجب على جميع علماء الأخلاق ، أن يتحركوا في عمليّة التربية ، لغرض إحياء الفضائل الأخلاقية ، وتفعيل عناصر الخير والإيمان ، من خلال إصلاح المحيط والمجتمع ، وبدون ذلك ، فإنّ السّعي الفردي والآني في هذا الخط ، سيكون أثره ضعيفاً في حركة التّربية والتّهذيب.
٢ ـ دور الأصدقاء والعِشرة
والموضوع الآخر ، الذي أثبتت التجربة تأثيره العميق على السلوك الأخلاقي ، وإتّفق عليه جميع علماء الأخلاق والتربية والتعليم ، هو عنصر الأصدقاء ودور المعاشرة معهم ، ففي
__________________
١ ـ نور الثقلين. ج ١ ، ص ٥٤١.
حال كون الصّديق فاسداً ومنحرفاً ، في دائرة السّلوك الأخلاقي ، فسيؤثّر على صديقه السليم ، من موقع الانحراف كذلك ، والعكس صحيح أيضاً ، فالكثير من المؤمنين ، والأقوياء الإرادة ، إستطاعوا أن يؤثّروا على زملائهم الفاسدين ، على مستوى الهداية والإصلاح ، بحيث جعلوا منهم اناساً أتقياء ، وملتزمين في دائرة السّلوك الدّيني والأخلاقي.
ونعود للقرآن الكريم ، والآيات الّتي تتناول هذ الموضوع :
١ ـ ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ* وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ* حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ) (١) .
٢ ـ ( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ* يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ* أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ* قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ* فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ* قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ* وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) (٢) .
٣ ـ ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً* يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً ) (٣) .
تفسير وإستنتاج :
الآيات الاولى ، التي وردت في محلّ البحث ، تحدّثت عن جلوس الشّيطان ، مع الغافلين عن ذكر الله ، من منطق الغُواية ، وتوضح تأثير قرين السّوء ، في السّلوك الأخلاقي للإنسان ومستقبله ، فتقول أولاً :( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) (٤) .
__________________
١ ـ سورة الزخرف ، الإية ٣٦ إلى ٣٨.
٢ ـ سورة الصافات ، الآية ٥١ إلى ٥٧.
٣ ـ سوره الفرقان ، الآية ٢٧ إلى ٢٩.
٤ ـ ذكروا معانٍ مختلفة لكلمة «نُقيّض» ، والتي هي من مادة قيض ، فالبعض قال : إنّها بمعنى التسبيب ، والبعض الآخر : بمعنى التقدير ، والبعض الآخر : كالراغب قال : هي بمعنى إستيلاء القيض على البيض ، وهو القشر الأعلى.
وبعدها يُبيّن القرآن الكريم ، دور قرين السّوء في حركة الإنسان والحياة ، فإنّ الشّياطين يوصدون طريق الهداية والحركة إلى الله تعالى ، أمام الإنسان ، ويقفوا عقبةً في طريق الوصول إلى الهدف المقدس ، والأنكى من ذلك ، أنّ هؤلاء المنخدعين يحسبون أنّهم مهتدون :( وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) .
وبعدها يتطرّق القرآن الكريم إلى النتيجة ، فيقول : إنّ هذا الإنسان عند ما يرد في عرصات القيامة ، وعند حضور الجميع عند الله تبارك وتعالى ، وكشف الأسرار والحقائق ، يقول لقرينه الشّيطاني :( حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ) .
حيث نستوحي من هذه التعبيرات ، بأنّ قرين السّوء ، يمكن أن يحرف الإنسان من موقع الأغواء ، عن طريق الباري تعالى ، ويصدّه عن سبيل الهداية والصّلاح ، فيهدم عليه دعائم الأخلاق ، ويشوّه الواقع النّفسي والفكري له ، فينخدع هذا المسكين ويحسب أنّه على هدىً ، فإرجاعه عن غيّه ، والعودة به إلى الصّراط المستقيم ، سيكون ضرباً من المحال ، ولن يستيقظ من أوهام الغفلة ، إلّا وقد فات الأوان ، وبعد غلق طريق العودة عليه.
وكذلك يُستفاد من الآية الشريفة ، أنّ قرين السّوء يبقى دائماً مع الإنسان في حياته الاخرويّة الأبديّة ، وكم هو مؤلم ، أن يرى الشّخص المسبّب في بؤسه وهلاكه ، يعيش معه دوماً ، ولن تنفع معه اليوم الأماني والآمال بالإنفصال عنه ومفارقته ، فيقول :( وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ ) (١) .
وفي مضمون الآيات الآنفة الذّكر ، الآية (٢٥) من سورة فصّلت ، فتقول :
( وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ) .
«الآية الثانية» : من هذه الآيات محل البحث ، تتحدث عن الأشخاص الذين عاشوا مع
__________________
١ ـ سورة الزخرف ، الآية ٣٩.
أصحاب السّوء ، وكانوا يتحركون معهم في أجواء الضّلالة والإنحراف ، ولكن اللّطف الإلهي شملهم ، وإستطاعوا بسعيهم وجدّهم في التّحرك بعيداً عن وساوس الشّيطان ، وأنقذوا أنفسهم من الوقوع في براثنه ، بعد أن كانوا قد وصلوا إلى حافّة الهاوية ، فُهنا يتحدث القرآن الكريم عن تأثير قرين السّوء في تكوين عقائد الإنسان وأخلاقه ، ولكن ليس بالشّكل الذي يكون فيه الإنسان مجبوراً وغيرُ قادرٍ على إنقاذ نفسه من شراك الزيغ فقال :( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ* قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ* أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ) (١) .
وفي هذا الأثناء يذكر قرينه القديم ، ويشرع بالبحث عنه ، فينظر من أعالي الجنّة ، فإذا به يراه في أعماق الجحيم :( فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ ) .
فقال له :( قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ* وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) .
فنرى من هذه الآيات ، أنّ قرين السّوء بإمكانه أن يؤدي بالإنسان إلى الجحيم ، لو لا الإيمان والتّقوى ولطف الله تعالى في واقع الإنسان.
وفي«الآية الثالثة» : نرى التأسف الشّديد والتأثرّ العميق ، الذي يعيشه الظالمون في يوم القيامة ، بسبب إختيارهم ومصاحبتهم لأصدقاء السّوء ، لأنّهم كانوا العامل الأساس في محنتهم الفعلية :
( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً* يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً ) .
وبناءً على ذلك فإنّ الظّالم في يوم القيامة ، أول ما يتأسف على تركه الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وقطعه للعلاقة معه ، وبعدها يتأسف على توثيق العلاقة مع أصدقاء السّوء ، وبعدها يصرّح ، أنّ
__________________
١ ـ سورة الصافات ، الآية ٥٠ إلى ٥٣.
العامل الأصلي لضلاله ، هو نفس هؤلاء الأصدقاء المنحرفين ، ومرضى القلوب ، وأن تأثيرهم عليه كان أشدّ من تأثير النداءات الإلهيّة : (طبعاً عند المنحرفين فقط).
وأمّا«الآية الأخيرة» : فقد تحدثت عن أصدقاء السوء ، وعبّرت عنهم بجنود الشيطان وأنّهم من شياطين الإنس ، والجدير بالذكر ، أنّ التعبير عن تأسّف هذه الجماعة ، ورد بجملة : «وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ...» ، وهي أعلى مراحل التّأسف ، ففي البداية ، يعضّ الإنسان إصبعه بدافع الندم ، وفي مرحلةٍ أقوى يعضّ باطن كفّه ، وفي مرحلةٍ أشدّ يعضّ على يديه الإثنتين ، وهو في الحقيقة نوعٌ من الإنتقام من نفسه ، وأنّه لماذا قصّر في حقّ نفسه ورماها في التهلكة؟
فما يُستفاد من الآيات الآنفة الذّكر ، هو أنّ الأصدقاء والأصحاب ، لهم أثرهم الكبير في سعادة أو شقاء الإنسان ، ليس على مستوى التّأثير في السّلوك الأخلاقي فحسب ، بل وعلى مستوى العقائد أيضاً ، فهنا يجب على المرشد أن يهتم في عمليّة صيانة الأفراد من الزيغ والإنحراف ، ويرعاهم بتوجيهاته بعيداً عن أجواء التلوّث ، وخصوصاً في عصرنا الحاضر ، الذي إنتشرت فيه وسائل الفساد ، عن طريق رِفاق السّوء بصورةٍ مُخيفةٍ ، وأصبحت سبباً من أسباب الإنحراف والسّير في خطّ الباطل.
دور الأخلّاء في الرّوايات الإسلاميّة :
وردت روايات وأحاديث مستفيضة في هذا المضمار عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، والأئمّة الأطهارعليهمالسلام ، تعكس أهميّة هذه المسألة ، ففي حديث الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال :«المَرءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ وَقَرِينِهِ» (١) .
وجاء هذا المعنى أيضاً في حديثٍ آخر ، نقل عن الإمام الصادقعليهالسلام ، أنّه قال :
«وَلا تَصحَبُوا أَهْلَ البِدَعِ وَلا تُجالِسُوهُم فَتَصيرُوا عِنْدَ النّاسِ كَواحِدٍ مِنْهُم».
__________________
١ ـ اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٣٧٥ : باب مجالسة أهل المعاصي ، ح ٣.
قالَ رَسُولُ اللهِ صلىاللهعليهوآله : «المَرءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ وَقَرِينِهِ» (١) .
ونفس هذا المعنى ورد عن الإمام عليعليهالسلام أيضاً ، وفيه تصوير عن حالة التّأثير المُتقابل ، في دائرة التّفاعل المشترك بين الأفراد فقال :
«مُجالَسةِ الأخيارِ تَلحَقُ الأَشرارِ بالأخيارِ وَمُجالِسةِ الأَبرارِ لِلفُجَّارِ تَلحَقُ الأبرارِ بِالفُجَّارِ».
وجاء في ذيل هذا الحديث ، عبارةٌ في غاية الأهميّة ، حيث يقول :«مَنْ إِشتَبَهَ عَلَيكُمِ أَمرُهُ وَلَم تَعرِفُوا دِينَهُ فانظُرُوا إِلى خُلَطائِهِ» (٢) .
وفي بعض الروايات ، ورد هذا المعنى في دائرة الّتمثيل ، فقال :«صُحبَةُ الأَشرارِ تَكسِبُ الشَّرَّ كَالرِّيحِ إُذا مَرَّتْ بِالنَّتِنِ حَمَلَتْ نَتِناً» (٣) .
ويُستفاد من هذه التّعبيرات : أنّه وكما أنّ المعاشرة والصّحبة للأراذل ، تهيىء الأرضية لحركة الإنسان نحو الانزلاق في طريق الشر ، فإنّ المعاشرة مع الأَخيار تنير قلب الإنسان بضياء الهدى ، وتحُيي فيه عناصر الخير.
ونقرأ هذا المعنى في حديث عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، أنّه قال :«عَمارَةُ القُلُوبِ في مُعاشَرَةِ ذَوِي العُقُولِ» (٤) .
وجاء في حديثٍ آخر عنهعليهالسلام ، أنّه قال :«مُعاشَرَةُ ذَوِي الفَضائِلِ حَياةُ القُلُوبِ» (٥) .
فتأثير الُمجالسة على قدرٍ من الأهميّة ، بحيث قال فيه النّبي سليمانعليهالسلام :
«لا تَحْكُمُوا عَلى رَجُلٍ بِشيءٍ حَتّى تَنْظُرُوا إِلى مَنْ يُصاحِبُ فَإِنَّما يُعْرَفُ الرَّجُلُ بِأَشكَالِهِ وَأَقرَانِهِ ؛ ويُنْسَبُ إِلى أَصحابِهِ وَأَخدَانِهِ» (٦) .
ونقرأ في حديثٍ جاء عن لقمان الحكيم ، في نصائحه لإبنه ، فقال له :
__________________
١ ـ اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٣٧٥ : باب مجالسة أهل المعاصي ، ح ٣.
٢ ـ كتاب صفات الشيعة ، للصدوق ، (طبقاً لنقل بحار الانوار ، ج ٧١ ، ص ١٩٧).
٣ ـ غُرر الحِكم.
٤ ـ المصدر السابق.
٥ ـ المصدر السابق.
٦ ـ بحار الأنوار ، ج ٧١ ، ص ١٨٨.
«يا بُنَيَّ صاحِبِ العُلَماءَ ، وأَقرِبْ مِنْهُم ، وَجالِسهُم وَزُرهُم فِي بِيُوتِهِم ، فَلَعَلَّكَ تَشْبَهُهُم فَتَكُونَ مَعَهُم» (١) .
وعلى كلّ حال ، فإنّ الرّوايات الشّريفة ، مليئة بمثل هذه النصائح ، في دائرة الإهتمام بالرّفقة وأثر الصّديق في أخلاق وسلوك الإنسان ، ولو جُمعت في إطارٍ واحدٍ لأمكن تأليف بحثٍ شاملٍ كاملٍ في هذا المضمار.
ونختم الكلام بحديث عن الإمام عليعليهالسلام ، في وصاياه لإبنه الحسن الُمجتبىعليهالسلام :
«قارِنْ أَهْلَ الخَيرِ ، تَكُن مِنْهُم ، وبايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ مِنْهُم» (٢) .
تأثير العِشرة في التحليلات المنطقيِّة :
يقولون : إنّ أحسن وأفضل دليلٍ لإمكان الشيء ، هو وقوعه ، وفي موضوع بحثنا ، فإنّ رؤية نماذج عينيّة من مُعاشرة بعض الأفراد للأراذل ، وكيف أنّها أصبحت مصدراً لأنواع المفاسد والإنحرافات الخُلقيّة لهم ، وبالعكس ، فإنّ مُصاحبة الأخيار ، ساهمت لدى البعض ، على تطهير أنفسهم ، من شوائب الرّذيلة والزّيغ ، وهذه الموارد هي خير دليلٍ على بحثنا هذا.
فالتشبيه القديم القائل : إنّ الأخلاق القبيحة ، مثل الأمراض السّارِيَة ، تنتشر بين الأصدقاء والأقارب بسرعةٍ فائقةٍ ، هو تشبيهٌ صحيحٌ ، خصوصاً في الموارد التي يكون فيها الشخص ، حَدث السّن أو ضعيف الإعتقاد والإيمان ، وتكون نفسه مستعدّةً لقبول أخلاق الآخرين ، فالمُعاشرة لمثل هؤلاء الأفراد ، مع أصدقاء السّوء ، تكون بمثابة سهمٍ مُهلكٍ وقاتلٍ في دائرةِ الإيمان ، وعناصر الخَير في الشّخصية ، وقد شاهدنا الكثير من الأفراد والأشخاص من الطيّبين ، الذين تغيّروا بالكامل بسبب معاشرتهم لرفقاء السوء ، وتحوّل مجرى حياتهم من أجواء الخير إلى أجواء الشّر ، وهُناك إثباتاتٌ وأدلّةٌ مختلفةٌ من تقرير هذه الحالةٌ في واقع الإنسان من النّاحية النّفسية والرّوحية :
__________________
١ ـ بحارالأنوار ، ج ٧١ ، ص ١٨٩.
٢ ـ نهج البلاغة ، وصيّة الإمام عليعليهالسلام للإمام الحسنعليهالسلام (رسالة ٣١).
١ ـ من جملة الامور الّتي توصل إليها علماء النّفس ، هو وجود روح الُمحاكاة في الإنسان ، يعني أنّ الأفراد ينطلقون في حركة الحياة ، من موقع الشّعور أو اللّأشعور ، بمُحاكاة أصدقائهم وأقاربهم ، فالأشخاص الّذين يعيشون حالة الفرح والسرور ، ينشدون الفرحة والحُبور من حواليهم ، والعكس صحيح.
فالأفراد المُتشائمين ، الذين يعيشون اليأس وسوء الظن ، يؤثرون على أصحابهم ، ويجعلونهم يعيشون حالة سوءِ الظّن ، وهذا الأمر يبين لنا السّبب في تأثير الأصدقاء بعضهم بالبعض الآخر بسرعةٍ.
٢ ـ مَشاهدة القبائح وتكرارها ، يُقلّل من قبحها في نظر المشاهد ، وبالتدريج تصبح أمراً عاديّاً ، ونحن نعلم أنّ إحدى العوامل المؤثّرة في ترك الذنوب والقبائح ، هو الإحساس بقبحها في الواقع النّفسي للإنسان.
٣ ـ تأثير التّلقين في الإنسان غير قابل للإنكار ، وأصدقاء السّوء يؤثرون دائماً على رفقائهم في دائرة الفكر والسّلوك من خلال عمليّة التلقين والايحاء ، فيقلبون عناصر الشرّ في إعتقادهم إلى عناصر الخير ، ويغيّرون حسّ التّشخيص لديهم لعناصر الخير والشرّ في منظومة القيم ، فتختلط عليهم الامور ، في خطّ المستقبل وكيفيّة التعامل مع الغير.
٤ ـ المُعاشرة لرفاق السّوء ، يشدّد سوء الظن في الإنسان مع الجميع ، وتفضي به هذه الحالة النّفسية السلبيّة إلى السّقوط في وادي الذّنوب والفساد الأخلاقي ، فنقرأ في حديث عن أمير المؤمنينعليهالسلام :«مُجالَسَةُ الأَشرارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بالأَخيارِ» (١) .
وجاء في حديث آخر عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، أنّ معاشرة رفاق السّوء تميت القلب ، فقال :
«أَربَعٌ يُمِتنَ القَلبَ وَمُجالَسَةُ المَوتى ؛ فَقِيلَ لَهُ يا رَسُولَ اللهِ وَمَا المَوتى؟ ، قَالَ صلىاللهعليهوآله : كُلُّ غَنِيٍّ مُسْرِفٍ» (٢) .
وهذا الموضوع ، يعني سريان الحُسن والقُبح الأخلاقي بين الأصدقاء ، في أجواء المُعاشرة إلى درجةٍ من الوضوح ، ممّا حدى بالشّعراء إلى نظم الشعر في هذا المضمار ، من قبيل قولهم :
__________________
١ ـ صفات الشيعة ، الصدوق نقلاً عن بحارالأنوار ، ج ٧١ ، ص ١٩٧.
٢ ـ الخصال ، (طبقاً لنقل بحار الأنوار ، ج ٧١ ، ص ١٩٥).
عن المرء لا تسلْ وسلْ عن قرينه |
فكلّ قرينٍ بالمقارن يقتدي |
٣ ـ تأثير الاسرة والوراثة في الأخلاق
من المعلوم أنّ أوّل مدرسةٍ لتعليم القيم الأخلاقيّة ، يدخلها الإنسان هي الاسرة ، فكثيرٌ من اسس الأخلاق ، تنمو في واقع الإنسان هناك ، فالمحيط السّليم أو الملّوث للُاسرة ، له الأثر العميق في صياغة السّلوك الأخلاقي ، لأفراد الاسرة ، إنّ على مستوى الأخلاق الحسنة أو السيئة ، فالحجر الأساس للأخلاق في واقع الإنسان يوضع هناك.
وتتبيّن أهميّة الموضوع ، عند ما يتّضح أنّ الطفل في حركته التكامليّة ، ومسيرته في خط التّربية :
أولاً : يتقبّل ويتأثر بالمحيط بسرعةٍ كبيرةٍ.
ثانياً : إنّ ما يتعلمه الطّفل في صغره ، سوف ينفذ إلى أعماق نفسه وروحه ، وقد سمعنا الحديث الشريف عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، يقول فيه :
«العِلمُ فِي الصِّغَرِ كالنَّقشِ فِي الحَجَرِ» (١) .
فالطفل يستلهم كثيراً من سجايا أبيه وامّه واخوته وأخواته ، فالشّجاعة والسّخاء والصّدق والوفاء ، وغيرها من الصّفات والسّجايا الأخلاقيّة الحميدة ، يأخذها ويكسبها الطّفل من الكبار بسهولةٍ ، وكذلك الحال في الرّذائل ، حيث يكسبها الطّفل من الكبار بسهولةٍ أيضاً.
وبالإضافة إلى ذلك ، فإنّ الطّفل يكسب الصّفات من أبويه عن طريقٍ آخر ، وهو الوراثة ، فالكر وموسومات لا تنقل الصفات الجسمانية فحسب ، بل تنقل الصفات الأخلاقيّة أيضاً ، ولكن من دون تدخل عنصر الإجبار ، حيث تكون هذه الصّفات قابلةٌ للتغيير ، ولا تسلب المسؤوليّة من الأولاد أيضاً.
وبعبارةٍ اخرى ، أنّ الأبوين يؤثران على الطّفل أخلاقياً من طريقين ، طريق التّكوين ، و
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ١ ، ص ٢٢٤.
طريق التّشريع ، والمراد من التّكوين هو الصفات والسّجايا المزاجيّة والأخلاقيّة المتوفرة في الكروموسومات والجينات ، والّتي تنتقل لا إرادياً للطفل في عمليّة الوراثة.
والطريق التشريعي يتمثل في إرشاد الأبناء ، من خلال أساليب التّعليم والتّربية للصفات الأخلاقيّة ، التي يكتسبها الطفل من الأبوين بوعي وشعور.
ومن المعلوم أنّ أيّاً من هذين الطّريقين ، لا يكون على مستوى الإجبار ، بل كلّ منهما يُهيّىء الأرضيّة لنمو ورشد الأخلاق في واقع الإنسان ، ورأينا في كثيرٍ من الحالات أفراداً صالحين وطاهرين ، لأنّ بيئتهم كانت طاهرةً وسليمةً ، والعكس صحيح أيضاً. ولا شك من وجود إستثناءات في الحالتين تبيّن أنّ تأثير هذين العاملين ، وهي : «التربية والوراثة» ، لا يكون تأثيراً على مستوى جَبر ، بل يخضع لأدوات التّغيير وعنصر الإختيار.
ونعود بعد هذه الإشارة إلى أجواء القرآن الكريم ، لنستوحي من آياته الكريمة ما يرشدنا إلى الحقيقة :
١ ـ «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً»(١) .
٢ ـ ( فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا ) (٢) .
٣ ـ ( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (٣) .
٤ ـ ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ ) (٤) .
٥ ـ ( يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ) (٥)
تفسير واستنتاج :
«الآية الاولى» : تتحدث عن نوح ودعائه على قومه بالهلاك ، حيث إستدلّ على ذلك
__________________
١ ـ سورة نوح ، الآية ٢٧.
٢ ـ سورة آل عمران ، الآية ٣٧.
٣ ـ سورة آل عمران ، الآية ٣٣ و ٣٤.
٤ ـ سورة التحريم ، الآية ٦.
٥ ـ سورة مريم ، الآية ٢٨.
بقوله :( إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ) .
فهذا الكلام يدلّ على أنّ الفجار والمنحرفين ، لا يلدون إلّا الفجّار والمنحرفين ، ولا يستحقون الحياة الكريمة من موقع الرّحمة ، بل يجب أن ينزل عليهم العذاب أينما وجدوا وحلّوا ، والحقيقة أنّ البيئة ، وتربية الاسرة وكذلك الوراثة ، كلّها عوامل تؤثر في الأخلاق والعقيدة ، في حركة الحياة والإنسان ، والمهم في الأمر أنّ نوحاًعليهالسلام ، قطع بكفر وفساد أولادهم اللّاحقين ، لأنّ الفساد إنتشر في المجتمع بصورةٍ كبيرةٍ جدّاً ، فلا يمكن لأحدٍ أن يفلت منه بسهولةٍ ، وطبعاً وجود مثل هذه العوامل ، لا يعني سلب الإرادة من الإنسان ، وقد ذهب البعض إلى أنّ نوحعليهالسلام ، توجّه لهذه الملاحظة عن طريق الوحي الإلهي ، عند ما قال له الباري تعالى :( أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ) (١) .
ومن الواضح ، أنّ هذه الآية لا تشمل الأجيال القادمة ، لكنّه لا يُستبعد أنّهعليهالسلام حكم عليهم بالإعتماد على الامور الثلاثة السّابقة الذّكر ، وهي : (البيئة ، وتربية الاسرة ، وعامل الوراثة).
وقد ورد في بعض الرّوايات أنّ الكفّار من القوم ، كانوا يأتون بصبيانهم المميزين عند نوحعليهالسلام ، ويقول الأب لإبنه ؛ أترى هذا الشّيخ يا بُني؟ إنّه شيخٌ كذّاب ، فلا تقترب منه ، هكذا أوصاني أبي ، «وافعل أنت ذلك مع إبنك أيضاً».
وظلّ الأمر على هذا المنوال على تعاقب الأجيال(٢) .
وفي«الآية الثانية» : يحدثنا القرآن الكريم عن السيّدة مريمعليهاالسلام ، والتي تعتبر من أهم وأبرز الشخصيات النسائية في العالم ، وقد ورد في النّصوص الدينيّة ، ما يبيّن أنّ مسألة التربية والوراثة والبيئة ، لها أهميّة كبيرةٌ في رسم وصياغة شخصيّة الإنسان ، في خطّ الحقّ أو الباطل ، ولأجل تربية أفرادٍ صالحين ، يجب علينا التّوجه لتلك الامور.
ومن جملتها ، حالة الام في زمان الحَمل ، فترى أنّ امّ مريم كانت تستعيذ بالله تعالى من
__________________
١ ـ سورة هود ، الآية ٣٦.
٢ ـ تفسير الفَخر الرازي ، والمُراغي ، للآية مَورد بحثنا.
الشّيطان الرجيم ، وكانت تتمنى دائماً أن يكون من خُدّام بيت الله ، بل نذرت أن يكون وليدها كذلك.
فتقول الآية الكريمة :( فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً ) .
تشبيه الإنسان الطّاهر بالنبات الحَسن ، هو في الحقيقة إشارةٌ إلى أنّ الإنسان كالنبات ، يجب ملاحظته ملاحظةً دقيقةً ، فالنبات ولأجل أن ينبت نباتاً حسناً مثمراً ، يجب في بادىء الأمر الإستفادة من البذور الصّالحة ، والإعتناء به من قبل الفلّاح في كل مراحل رشده ، إلى أن يصبح شجرةً مثمرةً ، فكذلك الطفل في عَمليّة التربية ، حيث ينبغي التّعامل معه من منطلق الرّعاية والعناية ، وتربيته تربيةً صحيحةً ، لأنّ عامل الوراثة يؤثر في نفسه وروحه ، والاسرة التي يعيش فيها ، وكذلك البيئة والمحيط الذي يَتعايش معه ، كلّها تمثل عناصر ضاغطة في واقعه النّفساني والمزاجي.
والجدير بالذّكر ، أنّ الله سبحانه جاء بجملة :( وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا ) في ذيل الآية ، وهي الكفالة لمريمعليهاالسلام (١) ، ومعلوم حال من يتربى على يد نبيٍّ من أنبياء الله تعالى ، بل الله تعالى هو الذي إختاره لكفالتها ورعايتها.
فلا غرابة والحال هذه ، أن تصل مريمعليهاالسلام لدرجاتٍ ساميةٍ ، من الإيمان والتّقوى ، والأخلاق والتربية ، ففي ذيل هذه الآية ، يقول القرآن الكريم :
( كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) .
نعم فإنّ التربية الإلهيّة : تُثمر الأخلاق الإلهيّة ، والرزق من الله في طريق التّكامل المعنوي للإنسان.
وقد ورد في«الآية الثالثة» : مقدّمةٌ لقضية مريمعليهاالسلام ، وكفالة زكريّاعليهالسلام لها ، وفيها الكلام عن تأثير العامل الوراثي ، وعامل التربية في تكريس الطهارة والتقوى والفضيلة ، في مضمون
__________________
١ ـ يجب التنويه إلى أنّ «كفل» ، إذا قُرىء بدون التّشديد ، يعنى : التّعهد بالإدارة والكفالة ، وا ذا قُرىء بالتّشديد بمعنى : إختيار الكفيل لآخر ، وبناءً على ذلك فإنّ الله تعالى إختار زكريّاعليهالسلام لتربية مريمعليهاالسلام ، «وكفّل» : أخذ مفعولين ، أحدهما : (هاء) ، يعود إلى مريمعليهاالسلام ، والآخر إلى : زكرياعليهالسلام .
الإنسان ومحتواه الداخلي ، فقال تعالى :( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .
فالذرّية التي بعضها من بعضٍ ، إشارة لعامل الوراثة أو التربية الاسريّة ، أو كلاهما وهو شاهد حيٌّ يؤيد مُدّعانا من تأثير عناصر الوراثة والتربية ، في الشّخصيّة ومعطياتها في خط التّقوى والفضيلة.
وأشارت الرّوايات التي نُقلت في ذيل هذه الآية ، لذلك المعنى(١) أيضاً ، وعلى كل حال ، فإنّ الآيات الآنفة الذّكر ، تدلّ على مدى تأثير معطيات التربية والبيئة والوراثة ، في نفسية الإنسان ، وأثرها العميق في صياغة قابليّاته ، والإرتفاع به للتّصدي لمقام الرئاسة المعنويّة على الخلق ، ولا يمكن إنكار تلك المَعطيات ، ولا يمكن أبداً مُقايسة هؤلاء الأطهار الذين عاشوا أجواءَ الفضيلة ، بالّذين ورثوا الكفر والفساد والنّفاق من آبائهم وأجدادهم.
وفي«الآية الرابعة» : خاطب الباري تعالى المؤمنين وقال لهم :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ ) .
وقد تَلت هذه الآية ، الآيات الّتي جاءت في بداية سورة التّحريم ، والتي حذّرت فيها نساء النّبيصلىاللهعليهوآله من أعمالهنّ ، وبعدها ذكر المطلب بصورة حكمٍ عامٍّ شمل كلّ المؤمنين.
ومن المعلوم أنّ المقصود من هذه النار ، هي نار الآخرة ، ولا يمكن الإتقاء من تلك النار ، إلّا بالإهتمام بعمليّة التعليم والتربية السّليمة في واقع الاسرة ، والتي بدورها توجب ترك المعاصي ، والإقبال على الطّاعة وتقوى الله تعالى. وبناءً على ذلك فإنّ هذه الآية تعيّن وتبيّن وظيفة ربّ الاسرة ، ودوره في التّربية والتعليم ، وكذلك تبيّن أهميّة وتأثير عنصر التربية والتعليم ، في ترشيد الفضائل والأخلاق الحميدة ، والسيّرة الحسنة.
ويجب الإهتمام في ترجمة هذا البرنامج ، إلى عالم الممارسة والتطبيق ، من أوّل لبنةٍ توضع في بناء الاسرة ، أي منذ إجراء عقد الزّواج والرّباط المُقدس ، ويجب الإهتمام بإسلوب التربية ، من أوّل لحظةٍ يولد فيها الطّفل ، ويستمر البرنامج التّربوي في كلّ المراحل التي تعقبها.
__________________
١ ـ يرجى الرجوع إلى نور الثقلين : (ج ١ ، ص ٣٣١).
فنقرأ في حديثٍ عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، أنّه عند ما نزلت هذه الآية الشّريفة ، سأله أحد أصحابه ، عن كيفيّة الوقاية من النار ، له ولعياله ، فقال له الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :
«تَأمُرُهُم بِما أَمَرَ اللهُ وَتَنهاهُم عَمّا نَهاهُم اللهُ إنْ أَطاعُوكَ كنْتَ قَدْ وَقَيتَهُم وَإِنْ عَصَوكَ كُنْتَ قَدْ قَضَيتَ ما عَلَيكَ» (١) .
ويجب أن يكون معلوماً ، أنّ الأمر بالمعروف يعدّ من الوسائل الناجعة لوقاية الاسرة من الإنحراف والسّقوط في هاوية الجحيم ، ولأجل الوصول إلى هذا الهدف ، علينا الإستعانة بكلّ الوسائل المتاحة لدينا ، وكذلك الإستعانة بالجوانب العملية والنفسية والكلامية ، ولا يُستبعد شمول الآية لمسألة الوارثة ، فمثلاً أكل لقمة الحلال عند إنعقاد النّطفة وذكر الله ، يُؤثر إيجابياً في تكوين النّطفة ، وتنشئة الطّفل وحركته في المستقبل في خطّ الإيمان.
«الآية الخامسة والأخيرة» : تشير إلى قصّة مريمعليهاالسلام وولادتها للمسيحعليهالسلام ، الذي وُلد من دون أب ، وتعجّب قومها من ذلك الأمر الفظيع بنظرهم! ، فقال الباري تعالى على لسان قومها :( يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ) .
فهذا التعبير ، (وخصوصاً نقل القرآن الكريم من موقع الإمضاء والتأييد) ، إن دل على شيء فهو يدلّ على معطيات عوامل الوراثة من الأب والام ، وكذلك تربية الاسرة وتأثيرها في أخلاق الطفل ، وكلّ الناس لمسوا هذه الأمر بالتجربة ، فإذا شاهدوا أمراً مُخالفاً للمعهود ، إستغربوا وتعجّبوا.
ومن مجموع ما تقدم ، يمكننا أن نستوحي هذه الحقيقة ، وهي أنّ الوراثة والتربية ، من العوامل المهمّة ، في رسم وغرس القيم الأخلاقيّة في حركة الواقع النفسي للإنسان ، إن على مستوى الأخلاق الحسنة أو السيئة.
__________________
١ ـ نور الثقلين : (ج ٥ ، ص ٣٧٢).
الأخلاق والتربية في الأحاديث الإسلاميّة :
لا شكّ أنّ المدرسة الأولى للإنسان ، هي واقع الاسرة ، فمنها يتعلم الإنسان الدّروس الاولى للفضيلة أو الرذيلة. وإذا ما تناولنا مفهوم التربية بشكله العام : «التكوين والتشريع» ، فإنّ أوّل مدرسةٍ يدخلها الإنسان ، هي رحم الام وصلب الأب ، والّتي تؤتي معطيّاتها بصورةٍ غير مباشرةٍ على الطفل ، وتهيىء الأرضيّة للفضيلة ، أو الرّذيلة في حركته المستقبليّة.
وقد ورد في الأحاديث الإسلاميّة ، تعبيراتٌ لطيفةٌ ودقيقةٌ جدّاً في هذا المجال ، نشير إلى قسم منها :
١ ـ قال عليٌّعليهالسلام :«حُسْنُ الأَخلاق بُرهانُ كَرَمِ الأَعراقِ» (١) .
وبناءً عليه فإنّ الاسر الفاضلة ، غالباً ما تقدّم للمجتمع أفراداً متمّيزين على مستوى الأخلاق الحسنة ، وبالعكس فإنّ الأفراد الطالحين ، ينشؤون غالباً من عوائل فاسدة.
٢ ـ ورد في حديث آخر عن الإمام عليعليهالسلام أنّه قال :
«عَلَيكُم فِي طَلبِ الحَوائِجِ بأشراف النُّفُوسِ وَذَوي الاصُولِ الطَّيِّبَةِ ، فإِنَّها عِنْدَهُم أَقضى ، وَهِي لَدَيهِم أَزكَى» (٢) .
٣ ـ وفي عهد الإمام عليعليهالسلام لمالك الأشتررحمهالله ، ووصاياه له في إختيار الضّباط للجيش الإسلامي ، قال له :
«ثُمَّ الصَقْ بِذَوي المُروُءاتِ والأَحسابِ وَأَهلِ البُيُوتاتِ الصَّالِحَةِ والسَّوابِقِ الحَسَنَةِ ثُمَّ أَهْلِ النَّجدَةِ وَالشَّجَاعَةِ والسَّخاءِ وَالسَّمَاحَةِ فإِنَّهُم جِماعُ مِنَ الكَرَمِ وَشُعَبٌ مِنَ العُرفِ» (٣) .
٤ ـ وورد عن الإمام الصادقعليهالسلام ، حديث يُبيّن تأثير الآباء الفاسدين على شخصية الأطفالِ وسلوكهم الأخلاقي ، فقال :«أَيَّما إِمرَأَةٍ أَطاعَتْ زَوجَها وَهُوَ شارِبٌ لِلخَمْرِ ، كَانَ لَها مِنَ الخَطايا بِعَدَدِ نُجُومِ السَّماءِ وَكُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ مِنْهُ فَهُوَ نَجِسٌ» (٤) .
__________________
١ ـ غُرر الحِكم.
٢ ـ المصدر السابق.
٣ ـ نهج البلاغة.
٤ ـ لئالي الأخبار.
وقد ورد النّهي الأكيد ، في رواياتٍ اخرى كثيرةٍ عن تزويج الشّارب للخمر ، والسّيء الأخلاق(١) .
٥ ـ وقد ورد في الحديث النبوي المشهور ، بالنّسبة إلى تأثير تربية الأب والام على الأولاد ، أنّه قال :
«كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ حتى يَكُونَ أَبواهُ هُمَا اللَّذانِ يُهِوِّدانِهِ وَيُنَصِّرانِهِ» (٢) .
فالتربية التي تعمل على تغيير إيمان وعقيدة الطّفل ، كيف لا تعمل على تغيير سلوكه الأخلاقي في الدّائرة الإجتماعية؟
٦ ـ وهذا الأمر جعل مسألة التربية الصّالحة ، من أهم حقوق الطّفل على الوالدين ، فنقرأ في الحديث النبوي الشّريف :
«حَقُّ الوَلَدِ عَلى الوَالِدِ أَنْ يُحْسِنَ إسمَهُ وَيُحْسِنَ أَدَبَهُ» (٣) .
فمن الواضح أنّ مداليل الأسماء ، لها أثرها الأكيد على نفسيّة وروحيّة الطّفل ، فأسماء الشّخصيات الكبيرة من أهل التّقوى والفضيلة ، تجذب الإنسان المُسمّى بأسمائهم إليهم ، وتدعوه للتّقرب إليهم ، وبالعكس ، فإنّ أسماء الفسقة والكفّار ، تقرّب من يتسمى بأسمائهم منهم أيضاً(٤) .
٧ ـ ونقرأ في النبوي الشريف أيضاً :«ما نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ أَفضَلَ مِنْ أَدبٍ حَسَنٍ» (٥) .
٨ ـ وقال الإمام السجّادعليهالسلام ، بتعبيرٍ أوضح :
«وَإِنَّكَ مَسؤولٌ عَمَّا وَلِّيتَهُ بِهِ مِنْ حَسَنِ الأَدبِ وَالدَّلالَةِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالمَعُونَةَ لَهُ عَلَى طَاعَتِهِ»(٦) .
٩ ـ وقال الإمام عليعليهالسلام ، بأنّ أخلاق الأبوين ، هي عبارةٌ عن ميراث الأبناء منهما ،
__________________
١ ـ وسائل الشيعة ، ج ١٤ ، ص ٥٣ و ٥٤.
٢ ـ تفسير مجمع البيان ، ذيل الآية ٣٠ من سورة الروم.
٣ ـ كنز العمّال ، ٤٥١٩٢.
٤ ـ وسائل الشيعة ، ج ١٥ ، ص ١٢٢ و ١٣٢.
٥ ـ كنز العمّال ، ح ٤٥٤١١.
٦ ـ بحار الأنوار ، ج ٧١ ، ص ٦ (جوامع الحقوق).
فيقولعليهالسلام :«خَيرُ ما وَرَّثَ الآباءُ الأَبناءَ الأَدَبَ» (١) .
١٠ ـ ونختم هذا البحث بحديثٍ آخر عن الإمام علىعليهالسلام ، حيث بيّن الإمامعليهالسلام ، شخصيته للجهّال الذين يقيسونه بغيره ، فقال :
«وَقَدْ عَلِمْتُم مَوضِعي مِنْ رَسُولِ اللهِ بِالقَرابَةِ القَريبَةِ وَالمَنزِلَةِ الخَصِيَّةِ ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنا وَلِيدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدرِهِ يَرفَعُ لِي كُلَّ يَومٍ عَلَماً مِنْ أَخلاقِهِ وَيَأَمُرُنِي بِالإِقتِداءِ ..».
واللطيف في الأمر ، أنّ الإمامعليهالسلام وفي أثناء حديثه ، بيّن قسماً من أخلاق الرّسولصلىاللهعليهوآله ، فقال :
«وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ صلىاللهعليهوآله مِن لَدُنْ أَن كانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مَنْ مَلائِكَتِهِ يَسلُكُ بِهِ طَرِيقَ المَكارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخلاقِ العالَمِ لَيلَهُ ونَهارَهُ» (٢) .
وصحيح أنّ الصفات النفسية والأخلاقيّة ، سواء كانت سيئة أم حسنة ، فهي تنبع من باطن الإنسان وإرادته ، ولكن لا يمكن إنكار معطيات البيئة وأجواء المحيط ، في تكوين وترشيد الأخلاق الحسنة والسّيئة ، وكذلك عنصر الوراثة من الوالدين والاسرة بصورة أعم ، وتوجد شواهد عينيّة كثيرة ، وأدلة قطعيّة على ذلك ، ترفع الشّك والترديد في المسألة.
وبناءً على ذلك ، ولأجل بناء مجتمعٍ صالحٍ وأفرادٍ سالمين ، علينا الإهتمام بتربية الطّفل تربيةً سليمةً ، والإنتباه لعوامل الوراثة وأخذها بنظر الإعتبار ، في واقع الحياة الفرديّة والإجتماعيّة.
٤ ـ معطيّات العلم والمعرفة في التربية
ومن العوامل الاخرى ، في عمليّة تهذيب الأخلاق وترشيدها ، هو الصعود بالمستوى
__________________
١ ـ غُرر الحِكم.
٢ ـ نهج البلاغة ، الخطبة ١٩٢ ، (الخطبة القاصعة).
العلمي والمعرفي للأفراد ، فإنّ التجربة أثبتت أنّ الإنسان ، كلّما إرتقى مستواه في دائرة العلوم والمعارف الإلهيّة ، أينعت سجاياه الإنسانيّة ، وتفتحت فضائله الأخلاقيّة ، والعكس صحيح ، فإنّ الجهل وفقدان المعارف الإلهيّة ، يؤثر تأثيراً شديداً على دعامات واسس الفضيلة ، ويهبط بالمستوى الأخلاقي للفرد ، في خطّ الإنحراف والباطل.
وفي بداية هذا الكتاب ، في مبحث علاقة العلم بالإخلاق ، ذكرنا أبحاثاً مختصرةً عن الأواصر الحاكمة بين هذين العاملين ، وأشرنا إلى أنّ بعض الفلاسفة والعلماء ، بالغوا في الأمر وإدعوا أنّ : «العلم يساوي الأخلاق».
وبعبارة اخرى : أنّ العلم أو الحكمة والمعرفة ، هي المنبع الرّئيسي للأخلاق ، «كما نُقل عن سقراط الحكيم» ، وأنّ الرّذائل الأخلاقيّة سببها الجهل.
فمثلاً المتكبّر والحاسد ، إنّما إبتلى بهذين الرذيلتين ، بسبب عدم علمه بواقع الحال ، فلا توجد عنده صورةٌ واضحةٌ عن أضرارهما وتبعاتهما السلبيّة ، على واقع الإنسان الدّاخلي ، ويقولون أنّه لا يوجد إنسان يخطو خطوةً نحو القبائح عن وعيٍ وعلمٍ بها.
وبناءً على ذلك ، إذا تمّ الصّعود بالمستوى العلمي لدى أفراد المجتمع ، فإنّ ذلك بإمكانه ، أن يكون عاملاً مساعداً ، لتشييد صرح الهيكل الأخلاقي السّليم في المجتمع.
وبالطّبع فإنّ هذا الكلام فيه نوع من المُغالاة والمُبالغة ، ويُنظر للمسألة من زوايةٍ خاصّةٍ ، رغم أننا لا ننكر أنّ العلم يُعدّ من العوامل المهمّة لتهيئة الأرضيّة ، وخَلقِ الأجواء الملائمة لِسيادة الأخلاق ، بناءً على ذلك فإنّ الأفراد الاميّين والجهلة ، يكونون أقرب إلى منحدر الضّلالة والخطيئة ، وأمّا العلماء الواعون ، فيكونون على بصيرةٍ من أمرهم ويبتعدون عن الرّذيلة ، من موقع الوضوح في الرّؤية ، ولا ننسى أنّ لكلّ قاعدةٍ شَواذ.
وقد ورد في القرآن الكريم هذا المعنى ، في بيان الهدف من البعثة :( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (١) .
__________________
١ ـ سورة الجمعة ، الآية ٢.
وبناءً على ذلك ، فإنّ النّجاة من الضّلال المبين ، والطّهارة من الأخلاق الرّذيلة والذنوب ، تأتي بعد تلاوة الكتاب المجيد ، وتعليم الكتاب والحكمة ، وهو دليلٌ واضحٌ على وجود العلاقة والإرتباط بين الإثنين.
وقد أوردنا في الجزء الأوّل من الدّورة الاولى من نفحات القرآن الكريم ، شواهد حيّةً وكثيرةً من الآيات القرآنية ، حول علاقة العِلم والمعرفة بالفضائل الأخلاقيّة ، وكذلك علاقة الجهل بالرذائل الأخلاقيّة ، ونشير هنا بشكل مختصرٌ إلى عشرة نماذج منها :
١ ـ الجهل مصدرٌ للفساد والإنحراف
نقرأ في الآية (٥٥) من سورة الّنمل :
( أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) .
فقرن هنا الجهل ، بالإنحراف الجنسي والفساد الأخلاقي.
٢ ـ الجهل سبب للإنفلات والتّحلل الجنسي
ورد في الآية (٣٣) من سورة يوسف على لسان يوسفعليهالسلام ، في أنّ الجهل قرينٌ للتحلل الجنسي ، فقال تعالى :( قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ) .
٣ ـ الجهل أحد عوامل الحسد
ورد في الآية (٨٩) من سورة يوسفعليهالسلام ، أنّه عند ما جلس يوسفعليهالسلام على عرش مصر ، وتحدّث مع إخوانه الذين جاءوا من كنعان إلى مصر ، لإستلام الحنطة منه ، فقال :
( قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ) .
أي أنّ جهلكم هو السبب في وقوعكم في أسر الحسد ، الذي دفعكم إلى تعذيبه ، والسّعي لقتله ، والقائه في البئر.
٤ ـ الجهل مصدر التّعصب والعناد واللؤم
في الآية (٢٦) من سورة الفتح ، نرى أنّ تعصّب مشركي العرب في الجاهلية ، كان بسبب جهلهم وضلالهم :
( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ) .
٥ ـ علاقة الجهل بالذرائع
تاريخ الأنبياء مليءٌ بمظاهر التبرير ، وخلق الذّرائع من قبل الأقوام السّالفة ، في مواجهة أنبيائهم ، وقد أشار القرآن الكريم مراراً إلى هذه الظاهرة ، ومرًّة اخرى يشير إلى علاقة الجهل بها ، فنقرأ في الآية (١١٨) من سورة البقرة :
( وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ) .
فالتأكيد هنا على أنّ عدم العلم أو الجهل ، هو الذي يتولى خلق الأرضيّة للتذرع ، وتبيّن الآية الكريمة ، العلاقة الوثيقة بين هذا الإنحراف الأخلاقي مع الجهل ، وكما أثبتته التجارب أيضاً.
٦ ـ علاقة سوء الظنّ مع الجهل
ورد في الآية (١٥٤) من سورة آل عمران ، الكلام عن مُقاتلي احد :
( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ». )
ولا شك في أنّ سوء الظّن ، هو من المفاسد الأخلاقيّة ، ومصدر لكثير من الرذائل الفردية والإجتماعيّة في حركة الواقع والحياة ، وهذه الآية تبيّن علاقة الظّن بالجهل بصورةٍ واضحةٍ.
٧ ـ الجهل مصدر لسوء الأدب
ورد في الآية (٤) من سورة الحجرات ، إشارةً للّذين لا يحترمون مقام النبوة ، وقال إنّهم قوم لا يعقلون :
( إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) .
فقد كانوا يزاحمون الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، في أوقات الرّاحة ، وفي بيوت أزواجه ، ويُنادونه بأعلى أصواتهم قائلين :يا مُحَمِّد! يا مُحَمِّد! اخرُجُ إلَينا.
فكان الرّسولصلىاللهعليهوآله ينزعج كثيراً من سوء أدبهم وقلّة حيائهم ، ولكن حياؤه يمنعه من البوح لهم ، وبقي كذلك يتعامل معهم من موقع الحياء ، حتى نزلت الآية ، ونبّهتهم لضرورة التأدّب أمام الرسولصلىاللهعليهوآله ، وشرحت لهم كيف يتعاملون معهصلىاللهعليهوآله ، من موقع الأدب والإحترام.
وفي تعبير :( أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) ، إشارة لطيفة للسّبب الكامن وراء سوء تعاملهم ، وقلّة أدبهم وجسارتهم ، وهو في الغالب عبارةٌ عن هُبوط المستوى العلمي ، والوعي الثقافي لدى الأفراد.
٨ ـ أصحاب النّار لا يفقهون
لا شك أنّ أصحاب النّار هم أصحاب الرذائل ، والملوّثين بألوان القبائح ، وقد نوّه إليهم القرآن الكريم ، وعرّفهم بالجُهّال ، وعدم التّفقه ، ويتّضح منه العلاقة بين الجهل وإرتكاب القبائح ، فنقرأ في الآية (١٧٩) من سورة الأعراف :
( وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) .
فقد بيّنت هذه الآية وآيات كثيرةٌ اخرى ، العلاقة الوطيدة بين الجهل ، وبين أعمال السوء وإرتكاب الرذائل.
٩ ـ الصبر من معطيات العلم
الآية (٦٥) من سورة الأنفال ، تنبّه المسلمين على أنّ الصّبر الذي يقوم على أساس الإيمان والمعرفة ، بإمكانه أن يمنح المسلمين قوّة للوقوف بوجه الكفّار ، الذين يفوقون المسلمين عدداً وعدّةً ، تقول الآية :
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) .
نعم فإنّ جهل الكافرين ، هو السبب في عدم إستطاعتهم في الصّمود بوجه المؤمنين ، وفي مقابل ذلك فإنّ وعي المؤمنين هو السّبب في صمودهم ، بحيث يُعادل كلّ واحدٍ منهم عشرة أنفارٍ من جيش الكفّار.
١٠ ـ النّفاق والفرقة ينشآن من الجهل
أشار القرآن الكريم في الآية (١٤) من سورة الحشر إلى يهود (بني النضير) ، الذين عجزوا عن مُقاومة المسلمين ، لأنّهم كانوا مُختلفين ومُتفرقين ، رغم أنّ ظاهرهم يحكي الوحدة والإتفاق ، فقال :
( لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) .
وبناءً على ذلك فإنّ النّفاق والفرقة والتشتت ، وغيرها من الرذايل الأخلاقيّة ، الناشئة من جهلهم وعدم إطّلاعهم على حقائق الامور.
النتيجة :
تبيّن ممّا جاء في أجواء تلك العناوين العشرة السّابقة ، التي وردت في سياق بعض الآيات القرآنية ، علاقة الفضيلة بالعلم من جهة وعلاقة الرذيلة بالجهل ، من جهةٍ اخرى ، وقد ثبت لنا بالتجربة ومن خلال المشاهدة ، أنّ أشخاصاً كانوا منحرفين بسبب جهلهم ، وكانوا يرتكبون القبيح ويمارسون الرّذيلة في السّابق ، ولكنّهم إستقاموا بعد أن وقفوا على خطئهم ، وتنبّهوا إلى جهلهم ، وأقلعوا عن فعل القبائح والرذائل ، أو قلّلوها إلى أدنى حدٍّ.
والدّليل المنطقي لهذا الأمر واضح جدّاً ، وذلك لأنّ حركة الإنسان نحو التّحلي بالصّفات والكمالات الإلهيّة ، يحتاج إلى دافعٍ وقصدٍ ، وأفضل الدّوافع هو العلم بفوائد الأعمال الصّالحة ومضار القبائح ، وكذلك الإطّلاع والتعرّف على المبدأ والمعاد ، وسلوكيات الأنبياء والأولياء
ومذاهبهم الأخلاقية ، فكلّ ذلك بإمكانه أن يكون عاملاً مساعداً ، يسوق الإنسان للصّلاح والفلاح ، والإبتعاد عن الفساد والباطل في حركة الحياة والواقع.
وبالطّبع المراد من العلم هنا ، ليس هو الفنون والعلوم الماديّة ، لأنّه يوجد الكثير من العلماء في دائرة العلوم الدنيويّة ، ولكنّهم فاسدين ومفسدين ويتحركون في خط الباطل والإنحراف ، ولكن المقصود هو العلم والاطّلاع على القيم الإنسانية ، والتعاليم والمعارف الإلهيّة العالية ، التي تصعد بالإنسان في مدارج الكمال المعنوي والأخلاقي ، في مسيرته المعنوية.
علاقة «العلم» و «الأخلاق» في الأحاديث الإسلاميّة :
الأحاديث الإسلاميّة من جهتها ، مشحونة بالعبارات الحكيمة الّتي تبيّن العلاقة الوثيقة بين العلم والمعرفة من جهةٍ ، وبين الفضائل الأخلاقيّة من جهةٍ اخرى ، وكذلك علاقة الجهل بالرّذائل أيضاً. وهنا نستعرض بعضاً منها :
١ ـ بيّن الإمام عليعليهالسلام علاقة المعرفة بالزهد ، الذي يُعدّ من أهمّ الفضائل الأخلاقيّة ، فقال :
«ثَمَرةُ المَعرِفَةِ العُزُوفُ عِنْ الدُّنيا» (١) .
٢ ـ وَوَرد في حديثٍ آخر عنهعليهالسلام ، قال :
«يَسيرُ المَعرِفةِ يُوجِبُ الزُّهدَ فِي الدُّنيا» (٢) .
والمعرفة هنا يمكن أن تكون إشارةً لمعرفة الباري تعالى ، فكلّ شيء في مقابل ذاته المقدّسة لا قيمة له ، فما قيمة القَطرة بالنسبة للبحر ، ونفس هذا المعنى يمثّل أحد أسباب الزهد في الدنيا وزبرجها ، أو هو إشارةٌ لعدم ثبات الحياة في الدّنيا ، وفناء الأقوام السّابقة ، وهذا المعنى أيضاً يحثّ الإنسان على التّحرك في سلوكه وأفكاره ، من موقع الزّهد ، ويوجّهه نحو الآخرة والنّعيم المقيم ، أو هو إشارةٌ لجميع ما ذُكر آنفاً.
__________________
١ ـ غرر الحكم.
٢ ـ المصدر السابق.
٣ ـ وَوَرد عنهعليهالسلام في حديث آخر ، بيان علاقة الغِنى الذّاتي ، وترك الحرص على الامور الدنيوية ، بالعلم والمعرفة ، فقال :
«مَنْ سَكَنَ قلْبَهُ العِلْمُ بِاللهِ سُبحانَهُ سَكَنَهُ الغِنى عَنْ الخَلْقِ» (١) .
ومن الواضح أنّ الذي يعيش المعرفة ، بالصّفات الجماليّة والجلاليّة للباري تعالى ، ويرى أنّ العالم كلّه ، هو إنعكاسةٌ أو ومضةٌ ، من شمس ذاته الأزليّة الغنيّة بالذات ، فيتوكل عليه فقط ، ويرى نفسه غنيّاً عن الناس أجمعين ، في إطار هذا التوكّل والاعتماد المطلق على الله تعالى.
٤ ـ وجاء في حديث عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، حول معرفة الله وعلاقتها بحفظ اللّسان من الكلام البذيء ، والبطن من الحرام ، فقالصلىاللهعليهوآله :
«مَنْ عَرَفَ اللهَ وَعَظَمَتَهُ مَنَعَ فاهُ مِنْ الكَلامِ وَبَطْنَهُ مِنَ الحَرامِ» (٢) .
٥ ـ وَرَد عن الإمام الصّادقعليهالسلام ، علاقة المعرفة بالخوف منه تبارك وتعالى ، الذي هو بدوره مصدر لكلّ أنواع الفضائل ، فقال :
«مَنْ عَرَفَ اللهَ خافَ اللهَ وَمَنْ خافَ اللهَ سَخَتَ نَفْسَهُ عَنِ الدُّنيا» (٣) .
٦ ـ بالنّسبة للعفو وقبول العذر من الناس ، قال أمير المؤمنينعليهالسلام :«أَعْرَفُ النَّاسِ بِاللهِ أَعْذَرَهُم لِلنّاسِ وإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُم عُذراً» (٤) . (ومن البديهي أنّ هذا الحديث ناظرٌ إلى المسائل الشخصيّة ، لا المسائل الإجتماعيّة).
٧ ـ حول معرفة الله وترك التكبّر ، قالعليهالسلام :
«وَإِنَّهُ لا يَنبَغِي لَمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللهِ أنْ يَتَعَظَّمُ» (٥) .
٨ ـ حول العلم والعمل ، قالعليهالسلام :
«لَن يُزَّكى العَمَلُ حتّى يُقارِنَهُ العِلْمُ» (٦) .
__________________
١ ـ غرر الحكم.
٢ ـ اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٢٣٧.
٣ ـ المصدر السابق ، ص ٦٨ ، ح ٤.
٤ ـ غُرر الحِكم.
٥ ـ نهج البلاغة ، الخطبة ١٤٧.
٦ ـ غُرر الحِكم.
ومن المعلوم أنّ طهارة العمل لا تنفكّ عن طهارة الأخلاق.
٩ ـ ونقرأ في حديثٍ آخر عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، حول هذا الموضوع :
«بِالعِلمِ يُطاعُ اللهُ وَيُعبَدُ وَبالعِلمِ يُعْرَفُ اللهُ وَيُوَحَّدُ وَبِهِ تُوصَلُ الأَرحامُ وَيُعْرَفُ الحَلالُ وَالحَرامُ وَالعِلمُ إِمامُ العَمَلِ». (١)
ففي هذا الحديث ، إعتبر كثيراً من السّلوكيّات الأخلاقيّة الإيجابيّة ، هي ثمرةٌ من ثمار العلم والمعرفة.
١٠ ـ ورد نفس هذا المعنى بصراحةٍ أقوى عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، أنّه قال :
«ثَمَرَةُ العَقلِ مُداراةُ النَّاسِ» (٢) .
وفي مقابل الأحاديث التي تتحدث عن العلم والمعرفة ، وعلاقتها بالفضائل الأخلاقيّة توجد أحاديث شريفة اخرى ، وردت في المصادر الإسلاميّة حول علاقة الجهل بالرذائل ، وهي تأكيد آخر لموضوع بحثنا هذا ومنها :
١ ـ في حديثٍ عن عليعليهالسلام قال :«الجَهلُ أَصلُ كُلِّ شرٍّ» (٣) .
٢ ـ وورد أيضاً عنهعليهالسلام :«الحِرصُ وَالشَّرَهُ والبُخلُ نَتِيجَةُ الجَهلِ» (٤) .
لأنّ الحريص أو الطّماع ، غالباً ما يتحرك في طلب امورٍ زائدةٍ عن إحتياجه ، وفي الحقيقة فإنّ ولعه بالمال والثّروة والمواهب الماديّة ، ولعٌ غير منطقي وغير عقلائي ، وهكذا حال البخيل أيضاً فبِبُخله يحرص ، ويحافظ على أشياء لن يستفيد منها في حياته ، بل يتركها لغيره بعد موته.
٣ ـ ونقل عنهعليهالسلام في تعبيرٍ جميلٍ :
«الجَاهِلُ صَخْرَةٌ لا يَنْفَجِرُ مائُها! وَشَجَرَةٌ لا يَخْضَرُّ عُودُها! وَأَرْضٌ لا يَظهَرُ عُشْبُها!» (٥) .
__________________
١ ـ تحف العقول ، ص ٢١.
٢ ـ غُرر الحِكم.
٣ ـ المصدر السابق.
٤ ـ المصدر السابق.
٥ ـ المصدر السابق.
٤ ـ وَوَرد عنهعليهالسلام أيضاً ، في إشارةٍ إلى أنّ الجاهل يعيش دائماً في حالة إفراطٍ أو تفريطٍ ، فقال :
«لا تَرى الجَاهِلَ إلّا مُفْرِطاً أو مُفَرِّطاً» (١) .
فطبقاً للرأي المعروف عن علماء الأخلاق ، أنّ الفضائل الأخلاقيّة هي الحد الأوسط بين الإفراط والتفريط ، الذي ينتهي إلى السّقوط في الرذائل ، ويُستفاد من الحديث أعلاه ، أنّ العلاقة بين الجهل من جهة والرذائل الأخلاقيّة ، من جهةٍ اخرى ، هي علاقةٌ وطيدةٌ جدّاً.
٥ ـ يقول كثير من علماء الأخلاق ، أنّ الخُطوة الاولى لإصلاح الأخلاق ، وتهذيب النّفس ، هي المحافظة على اللّسان والإهتمام بإصلاحه ، وقد ورد في الأحاديث الإسلاميّة ، تأكيد على علاقة الجهل ببذاءة اللّسان ، فنقرأ في حديثٍ عن الإمام الهاديعليهالسلام :«الجَاهِلُ أَسِيرُ لِسانِهِ» (٢) .
وخُلاصة القول ، أنّ الرّوايات الإسلاميّة الكثيرة أكدت على علاقة العلم بالأخلاق الحسنة ، والجهل بالأخلاق السيّئة ، وكلّها تؤيد هذه الحقيقة ، وهي أنّ إحدى الطّرق المؤثرة لتهذيب النّفوس ، هو الصّعود بالمستوى العلمي والمعرفي لِلأفراد ، ومعرفة المبدأ والمعاد ، والعلم بمعطيات الفضائل والرذائل الأخلاقية ، في واقع الإنسان والمجتمع.
هذا الصعود بالمستوى العلمي للأفراد على نحوين :
النحو الأول : زيادة المعرفة بسلبيات السّلوك المنحرف ، والإطّلاع على أضرار الرذائل الأخلاقية بالنسبة للفرد والمجتمع ، فمثلاً عند ما يُحيط الإنسان علماً ، بأضرار المواد المخدّرة أو المشروبات الكحولية ، وأنّ أضرارها لا يمكن اصلاحها على المستوى القريب ، فذلك العلم سيهيّىء الأرضيّة في روح الإنسان ، للإقلاع عن تلك السلوكيّات المضرّة ، وبناءً عليه فكما أنّه يجب تعريف النّاس بمضرّات المخدرات ، والمشروبات الكحولية ، وعلينا تعريف النّاس بطرق مُحاربة الرّذائل وإحصاء عُيوبها ، وأساليب تنمية الفضائل ، وإستجلاء محاسنها ، ورغم أنّ ذلك لا يُمثّل العلّة التّامة لإحداث حالة التغيير ، والتّحول في الإنسان ، ولكّنه بلا شك يمهّد
__________________
١ ـ نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الرقم ٧٠.
٢ ـ بحار الانوار ، ج ٧٥ ، ص ٣٦٨.
ويهيّئ الأرضيّة المساعدة لذلك.
القسم الثاني : الصّعود بالمستوى العلمي بصورةٍ عامّةٍ ، فعند ما يطّلع الإنسان على المعارف الإلهيّة ، ومنها المبدأ والمعاد ، وأقوال الأنبياء والأولياء ، وما شابه ذلك ، فإنّ الإنسان سيجد في نفسه ميلاً نحو الفضائل ، ورغبةً في الإبتعاد عن الرّذائل.
وبعبارةٍ اخرى : إنّ تدنّي المستوى العلمي بالامور العقائدية ، كفيل بخلق محيطٍ مناسب لنمو الرذائل ، والعكس صحيحٌ فإنّ زيادة المعرفة تبعث في روح الإنسان الرّغبة والشّوق نحو ممارسة الفضيلة.
٥ ـ دور الثّقافة الإجتماعيّة في تربية الفضائل والرذائل :
الثّقافة عبارة عن مجموعةٍ من الامور ، التي تبني فكر وروح الإنسان ، وتمنحه الدّافع الأصلي للتحرك نحو المسائل المختلفة.
وعلى مستوى المِصداق ، تمثّل الثّقافة مجموعةً من العقائد ، والتاريخ والأدب والفن ، والآداب والرّسوم لمجتمعٍ ما.
وقد تكلمنا في السّابق عن بعض معطيات البيئة والمحيط والمعرفة ، ودورها في إيجاد الفضائل والرّذائل ، ونتطرّق الآن لباقي أقسام الثّقافة الإجتماعيّة ، ودورها في تحكيم وتقوية عناصر الخير ، ودعامات الفضائل في واقع النّفس ، أو تعميق عناصر الرّذيلة فيها.
وأحد هذه الامور ، العادات والتقاليد والسّنن لقومٍ من الأقوام ، فإذا إستوحت مقوّماتها من الفضائل ، فستكون مؤثّرة في خلق الأجواء المناسبة لتربية وتهذيب النّفوس ، وأمّا لو إسترفدت قوتها وحياتها من الرّذائل الأخلاقيّة ، فستكون البيئة مهيّئة لتقبل أنواع القبائح أيضاً.
وَوَرد في القرآن الكريم إشاراتٌ واضحةٌ في هذا المجال ، تبيّن كيفيّة إنحراف الأقوام السّابقة ، بسبب الثّقافة المنحرفة والتقاليد والأعراف المنحطة لديهم ، والّتي أدّت بهم إلى السّقوط في
منزلقات الخطيئة ، والإنحدار في هاوية الرذائل الأخلاقية ، ومنها :
١ ـ( وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (١) .
٢ ـ( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ» ) (٢) .
٣ ـ( إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ* قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ ) (٣) .
٤ ـ( وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) (٤) .
٥ ـ( وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) (٥) .
٦ ـ( وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) (٦) .
٧ ـ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) (٧) .
تفسير وإستنتاج :
ما نستوحيه من الآيات الكريمة محلّ البحث ، هو أنّ ثقافة الأقوام والامم السّالفة ، لها دورٌ
__________________
١ ـ سورة الأعراف ، الآية ٢٨.
٢ ـ سورة البقرة ، الآية ١٧٠.
٣ ـ سورة الأنبياء ، الآية ٥٢ و ٥٣.
٤ ـ سورة الزخرف ، الآية ٢٣.
٥ ـ سورة الأعراف ، الآية ٨٢.
٦ ـ سورة النّحل ، الآية ٥٨ و ٥٩.
٧ ـ سورة الفتح ، الآية ٢٩.
فاعل في تربية ونمو الصفات الأخلاقيّة ، أيّاً كانت ، فإذا كانت الثّقافة السّائدة بمستوى مرموق ، فمن شأنها أن تفرز لنا أفراداً ذوي صفاتٍ حميدةٍ وأخلاقٍ عاليةٍ ، والعكس صحيح ، والآيات الكريمة السّابقة الذّكر ، تُشير إلى المعنيين أعلاه.
ففي«الآية الاولى» : نقرأ قول الأقوام السّالفة ، الّذين يعيشون الإنحراف ، ويمارسون الخطيئة من موقع الوضوح في الرؤية ، فإذا سُئلوا عن الدّافع لمثل هذه التصرفات الشائنة ، والسلوكيات المنحرفة ، قالوا بلغة التّبرير :( وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا ) .
ولم يكتفوا بذلك بل تعدّوا الحدود ، وقالوا :( وَاللهُ أَمَرَنا بِها ) .
بناءً على ذلك ، فإنّهم إتخذوا سُنّة الّذين مَضوا من قبلهم دليلاً على حسن أعمالهم ، ولم يخجلوا من أفعالهم القبيحة ، على مستوى النّدم والإحساس بالمسؤوليّة ، بل كانوا يعطوها الصّبغة الشرعيّة أيضاً.
«الآية الثّانية» : طرحت نفس المعنى ولكن بشكل آخر ، فعند ما كان الأنبياء يدعون أقوامهم إلى الشريعة الإلهيّة النّازلة من عند الله تعالى ، كانوا يتحرّكون في المقابل من موقع العناد والتكبّر ، ويقولون بِغرور : (سنتّبع سنّة آبائنا).
ولم يكن سبب ذلك ، إلّا لأنّهم وجدوا آبائهم يؤمنون بها ويتّبعونها ، وبذلك لبست ثياب القداسة وإعتبروها ديناً في حركة الحياة والواقع ، فهي عندهم أفضل من آيات القرآن الكريم ، وشرائع الباري تعالى :( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا ) ، وعليه ، فلما ذا فضّلوا العمل بسنّة الجهلاء ، على إتّباع آيات الوحي الإلهي؟.
ويضيف القرآن الكريم قائلاً :( أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) .
وَوَرد في«الآية الثّالثة» : الكلام عن السّنن وعادات الأقوام أيضاً ، ودور الثّقافة الخاطئة في صياغة الأعمال المتقاطعة مع الأخلاق ، ففي بيان يشابه الآيات الماضية ، نقرأ قصّة إبراهيم
وعبدة الأصنام في بابل ، فعند ما كان يلومهم إبراهيمعليهالسلام لعبادتهم الأصنام التي لا تضرّ ولا تنفع ، كانوا يقولون بصراحة : وجدنا آباءنا لها عاكفين :( إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ* قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ ) .
فأجابهم إبراهيمعليهالسلام بأشدّ الكلام وأغلظه ، بقوله :( قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) .
ولكن وللأسف الشديد ، إنتقل هذا الضّلال المبين إلى الأجيال ، جيلاً بعد جيل ، فأصبح جزءاً من ثقافتهم ، وأكسبه توالي الزّمن عليه مسوح القداسة ، فلم يمح قبحه فحسب ، بل أصبح من إفتخاراتهم على المستوى الحضاري والدّيني.
«الآية الرابعة» : توحي لنا نفس المعنى ، ولكن بشكلٍ آخر ، ففي معرض جوابهم على السّؤال القائل : لماذا تعبدون هذه الأصنام رغم أنّكم تعيشون سلامة العقل؟ ، تقول الآية على لسانهم :( بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) .
فليس أنّهم لم يعتبروا هذه الحماقة ، ضلالةً فحسب ، بل إعتبروها هدايةً وفلاحاً ، ورثوه عن آبائهم الماضين ، وذكرت «الآية التي بعدها» أنّ هذا هو طريق ومنطق كلّ المترفين على طول التاريخ ، وقالت :( وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) .
ومن البديهي أنّ ذلك التقليد الأعمى ، الذي كان يظهر جميلاً في ظلّ تلك القبائح ، له أسبابٌ كثيرةٌ وأهمّها تبدّل ذلك القُبح إلى سُنّةٍ وثقافةٍ بمرور الزّمن.
وورد نفس هذا المعنى في الآية (١٠٣ و ١٠٤) من سورة المائدة ، فقد إبتدع عرب الجاهليّة بدَعاً ما أنزل الله بها من سلطان ، فكانوا يحلّون الطعام الحرام ويحرّمون الطعام الحلال ، وكانوا يتمسكون بالخرافات والعادات السيئة ، ولا يقلعون عنها أبداً ، ويقولون :( حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ) .
ويتبيّن ممّا تقدم من الآيات الكريمة ، تأثير العادات الخاطئة والسّنن البائدة ، في قلب
الامور رأساً على عقب ، بحيث يضحى الخطأ صواباً في الواقع الأخلاقي والفكري لدى النّاس.
وفي«الآية الخامسة» : يوجد موضوع جديد بالنّسبة لِدَور العادات والسّنن في تحول القيم الأخلاقيّة ، وهو : أنّ قوم لوط الذين سوّدوا وجه التّأريخ بأفعالهم الشّنيعة ، (ولِلأسف الشّديد ، نرى في عصرنا الحاضر ، أنّ الحضارة الغربيّة أقرّت تلك الأفعال على مستوى القانون أيضاً) ، فعند ما دعاهم لوطعليهالسلام ، والقلّة من أصحابه ، إلى التّحلي بالتّقوى والطّهارة في ممارساتهم وأفعالهم ، تقول الآية أنّهم إغتاظوا من ذلك بشدّةٍ :( وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) .
فالبيئة الملوّثة ، والسّنن الخاطئة والثّقافة المنحطّة أثّرت فيهم تأثيراً سلبياً ، ممّا حدى بهم إلى إعتبار الطّهارة والتّقوى جنايةً ، والرّذيلة والقبائح من عناصر العزّة والإفتخار ، ومن الطّبيعي ، فإنّ الرذائل تنتشر بسرعةٍ في مثل هذه البيئة ، التي تعيش أجواء الإنحطاط والخطيئة ، وتندرس فيها الفضائل كذلك.
«الآية السادسة» : تقصّ علينا قصّة وأدِ البنات الُمريعة في العصر الجاهلي ، ولم يكن سبب ذلك سوى تحكيم الخُرافات والسّنن الخاطئة في واقع الفكر والسلوك لدى الأفراد ، فقد كانت ولادة البنت في الجاهليّة عاراً على المرء ، وإذا ما بُشّر أحدهم بالانثى يظلّ وجهه مسودّاً من فرط الألم ، والخجل ، على حدّ تعبير القرآن الكريم(١) :( وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) .
ولا شكّ أنّ القتل من أقبح الجرائم ، وخصوصاً إذا كان القتيل طفلاً وليداً جديداً ، ولكن
__________________
١ ـ قال بعض المفسّرين : بناءً على العلاقة الوثيقة بين القلب والوجه ، فإذا ما فرح الإنسان ، يتحرك الدّم الشّفاف نحو الوجه ويصبح الوجه مضيئاً ونورانياً ، وعند ما يهتم ويغتم الإنسان فإنّ الدورة الدموية تقل سرعتها ويصفّر الوجه ويسود ، وتعتبر هذه الظاهرة ، علامةً للفرح أو الحُزن : (تفسير روح المعاني ذيل الآية الشريفة).
السّنن الخاطئة والتقاليد الزائفة ، التي كانوا عليها مَحَقت القُبح من هذه الجريمة النّكراء ، وجعلت منها فضيلةً.
وبالنّسبة لوأد البنات الفضيع ، جاء في بعض التّفاسير : أنّ البعض من هؤلاء الجاهلين ، كانوا يستخدمون اسلوب الدّفن للبنات ، وبعض يغرقونهن ، والبعض الآخر كانوا يفضّلون رميهنّ من أعلى الجبل ، وقسم آخر كانوا يذبحون بناتهم(١) ، وأمّا بالنسبة لظهور هذا الأمر عند العرب ، وتأريخه والدافع الأصلي له ، فقد وردت أبحاثٌ مفصّلة لا يسع المقام لذكرها الآن(٢) .
والكلام في كيفيّة تمهيد الطريق للرذائل الأخلاقيّة ، من خلال تلك السّنن الخاطئة ، والعادات الزّائفة ، وكيف تحلّ الرذائل مكان الفضائل ، هو دليلٌ وشاهدٌ آخر على أنّ الثّقافة تُعتبر من الدّواعي المهمّة لتفعيل عناصر الفضيلة ، أو تقوية قوى الإنحراف والرذيلة ، في واقع الإنسان ، وبالتّالي فإنّ أوّل ما يتوجب على المصلحين ، في حركتهم الإصلاحية ، هو إصلاح ثقافة المجتمع والسير بها في خط العقل والدّين.
ونرى في عصرنا الحاضر ثقافات زائفة ، لا تتحرك بعيداً عمّا كان في عهد الجاهليّة ، حيث أضحت مصدراً لأنواع الرذائل الأخلاقيّة في حركة الحياة الإجتماعية ، وقد إنعقد في السّنوات الأخيرة مؤتمراً عالمياً في بكين عاصمة الصين ، وشارك فيه أغلب دول العالم ، ونادى فيه المشاركون بالعمل لتثبيت ثلاثة اصول ، وأصرّوا عليها من موقع إحترام حقّ الإنسان وهي :
١ ـ حريّة العلاقات الجنسيّة للمرأة.
٢ ـ الجنسيّة المثليّة.
٣ ـ حرّية إسقاط الجنين.
وقد واجهت هذه الامور معارضةً شديدةً من قبل بعض الدول الإسلامية ، ومنها الجمهورية الإسلامية.
ومن الطبيعي ، عند ما يُدافع نواب الدّول المتحضّرة عن مثل هذه الامور الشنيعة ، تحت
__________________
١ ـ تفسير روح المعاني ، ج ١٤ ، ص ١٥٤ ، في ذيل الآية المبحوثة.
٢ ـ تفسير الأمثل ، ذيل الآية ٥٨ من سورة النحل.
ذريعة الدفاع عن حقوق المرأة ، فأيّة ثقافةٍ سوف تظهر للوجود؟ ، وأيّة رذائل ستنتشر في المجتمع؟ ، الرذائل التي لا تضرّ بالمسائل الأخلاقيّة للناس فحسب ، بل وستؤثر أيضاً على حياتهم الإجتماعيّة والإقتصاديّة ، من موقع إهتزاز المبادىء الإنسانيّة في منظومة القيم.
«الآية السابعة» : تستعرض علاقة الفضائل بثقافة المحيط والبيئة ، فما وردنا من أحاديث عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، تبيّن مدى الرّقي الأخلاقي الذي حصل في المجتمع المظلم آنذاك ، نتيجة النّهضة الفكريّة والأخلاقيّة التي جاء بها الإسلام إلى ذلك المجتمع ، فيقول القرآن الكريم :
( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) .
وعبارة : «فالذين معه» ، لا تحصر هذه المعيّة في زمانِ خاصٍّ ، ومكانٍ معيّنٍ ، بل تمتد إلى المعيّة في القيم الأخلاقيّة ، والأفكار الأنسانيّة ، فكلّ من يقبل تلك الثّقافة الإلهيّة المحمديّة يكون من مصاديق الآية.
علاقة الآداب والسّنن بالأخلاق في الرّوايات الإسلاميّة :
أعطى الإسلام أهميةً كبيرةً لهذه المسألة ، ألا وهي ، سنّ السنن الصّالحة ، والإبتعاد عن السنن السّيئة ، وللمسألة إنعكاساتٌ وأصداءٌ كبيرةٌ في الأحاديث الإسلامية ، ويستفاد من مجموع تلك الأحاديث ، أنّ الهدف هو سنّ العادات الصّالحة ، كي تتهيّأ الأرضية اللّازمة للتحلّي بالأخلاق الحميدة ، وإزالة الرذائل الأخلاقية من واقع النفس والسّلوك ، ومنها :
١ ـ ما ورد عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :«خَمْسٌ لا أَدَعُهُنَّ حَتّى المَماتِ الأَكْلُ عَلَى الحضِيضِ مَعَ العَبِيدِ ، وحَلْبُ العَنزِ بِيَدي وَلَبْسُ الصُّوفِ وَالتَّسلْيمُ عَلَى الصِّبيانِ ، لَتَكُونَ سُنَّةً مِنْ بَعدِي» (١) .
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٧٣ ، ص ٦٦.
والهدف من كلّ ذلك ، هو إيجاد روح التّواضع عند الناس من خلال الإقتداء بالرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، في حركة السّلوك الإجتماعي.
٢ ـ وجاء في حديثٍ آخر عنهصلىاللهعليهوآله . أنّه قال :
«مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً عُمِلَ بِها مِنْ بَعْدِهِ كانَ لَهُ أَجْرَهُ وَمِثلَ اجُورِهِمْ مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ اجُورِهِمْ شَيئَاً ، ومَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيَّئَةً فَعُمِلَ بِها مِنْ بَعْدِهِ كانَ عَلَيهِ وِزْرَهُ وِمثلَ أَوزارِهِم مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوزَارِهِمْ شَيئاً» (١) .
وورد في بحارالأنوار نفس هذا المضمون.
ونقل هذا الحديث بتعابير مختلفةٍ عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، والإمام الباقر والإمام الصّادقعليهماالسلام ، وهو يُبيّن أهمية الّتمهيد للأعمال الأخلاقيّة ، وأنّ التّابع والمتبوع هما شريكان في الثواب والعقاب ، والهداية والضّلال.
٣ ـ ولذلك أكّد الإمام عليعليهالسلام ، على مالك الأشتر هذا المفهوم أيضاً ، لحفظ السنن الصالحة ، والوقوف في وجه من يريد أن يكسر حرمتها ، فيقول :
«لا تَنْقُضْ سُنَّةً صالِحَةً عَمِلَ بِها صُدُورُ هذِهِ الامَّةِ وإجتَمَعَتْ بِها الالفَةُ وَصَلُحَتْ عَلَيها الرَّعِيَّةٌ ، ولا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشيءٍ مِنْ ماضِي تِلكَ السُّنَنِ فَيَكُونُ الأَجرُ لِمَنْ سَنَّها وَالوِزرُ عَلَيكَ بِما نَقَضَتْ مِنْها» (٢) .
وبما أنّ السّنن الحسنة تساعد على تعميق عناصر الخير ، ونشر الفضائل الأخلاقيّة في واقع المجتمع ، فهي تدخل في مصاديق الإعانة على الخير ونشر السّنن الحميدة ، وأمّا إحياء السّنن القبيحة والرذائل الأخلاقية ، فتدخل في مصاديق الإعانة على الإثم والعدوان ، ونعلم أنّ فاعل الخير والدّال عليه شريكان في الأجر ، وكذلك فاعل الشّر والدّال عليه شريكان في العقاب أيضاً ، من دون أن يقل من ثواب العاملين ، أو عقابهم شيء.
والسّنة الحسنة بدرجةٍ من الأهمية ، بحيث قال الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، في الرواية المعروفة في
__________________
١ ـ كنز العمال ، ح ٤٣٠٧٩ ، ج ١٥ ، ص ٧٨٠.
٢ ـ نهج البلاغة ، رسالة ٥٣.
حقّ جدّه الكريم :
«كَانَتْ لِعَبدِ المُطَّلِبِ خَمساً مِنَ السُّنَنِ أَجراها اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الإِسلامِ : حِرَّمَ نَساءَ الآباءِ عَلَى الأبناءِ ، وَسَنَّ الدِّيَةَ فِي القَتْلَ مأَةٍ مِنَ الإبلَ ، وَكَانَ يَطُوفُ بِالبَيتِ سَبَعَةَ أَشواطٍ ، وَوَجَدَ كَنزاً فَأَخْرَجَ مِنْهُ الخُمسَ ، وَسَمّى زَمزَمَ حِينَ حَفَرَها سِقايَةَ الحاجِّ».
ويستخلص من مجموع ما تقدم أنّ الآداب والسّنن والعادات ، لها معطياتٌ مهمّةٌ ، على مستوى إيجاد الفضائل أو تكريس الرّذائل على حدّ سواء ، ولذلك أكّد عليها الإسلام تأكيداً شديداً وجعل الثّواب لمن يسنّ السّنن الصالحة ، والعقاب لمن يسنّ السّنن الرّذيلة ، وإعتبرها من الذنوب الكبيرة.
٦ ـ علاقة العمل بالأخلاق
صحيح أنّ أعمال الإنسان تتبع أخلاقه الظاهريّة والباطنيّة ، بحيث يمكن القول أنّ الإنسان يتأثر في سلوكه العملي ، بأخلاقه الباطنية الكامنة في عالم اللّاشعور ، ولكن من جهةٍ اخرى ، يمكن لأعمال الشّخص أن تؤُثر في أخلاقه ، من خلال صياغة المضمون للصّفات الأخلاقيّة في واقع الإنسان ومحتواه الباطني ، ومعناه أنّ عمليّة الممارسة المستمرة ، لعملٍ ما حسناً كان أو قبيحاً ، سيؤثر في نفسيّة الإنسان ، ويحوّل ذلك العمل إلى حالةٍ باطنيّةٍ ، وبالإستمرار يصبح من ملكات الإنسان الأخلاقيّة الحسنة ، أو القبيحة ، وبناءً عليه فإنّ من الطرق المؤثرة لتهذيب النّفوس ، هو تهذيب الأعمال في حركة الواقع الخارجي ، فمن مارس الأعمال القبيحة ، فسوف تتحول على أثر التّكرار إلى ملكةٍ سيّئةٍ في أعماق روحه ، وتكون السّبب في ظهور الرّذائل الأخلاقيّة في دائرة السّلوك والممارسة.
وبناءً على ذلك نرى التأكيد في الرّوايات على أنّ يستغفر الناس بسرعةٍ عند الخطأ ، ويغسلوا تلك الآثار بماء التوبة ، كي لا تخلّف آثارها السّلبية على القلب ، وتتحول إلى ملكاتٍ أخلاقيّةٍ قبيحةٍ.
وبعكسها نجد التأكيد على تكرار الأعمال الصّالحة ، بشكلٍ مستمرٍ كي تصبح عادةً عند
الإنسان ، في واقعه النفسي والروحي.
بعد هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم ، ونستعرض الآيات الشّريفة التي تشير إلى هذا المعنى :
١ ـ «( كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» ) (١) .
٢ ـ ( كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (٢) .
٣ ـ ( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ) (٣) .
٤ ـ ( وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ» ) (٤) .
٥ ـ ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) (٥) .
٦ ـ ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً ) (٦) .
٧ ـ ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) (٧) .
تفسير وإستِنْتاجٌ :
في«الآية الاولى» : نجد إشارةً إلى معطيات الذّنوب السّلبية على قلب روح الإنسان ، فهي تسلب الصّفاء والنّورانية منه ، وتحلُّ الظّلمة مكانه ، فيقول الله تعالى في القرآن الكريم :( كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) .
فجملة :( بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) ، جاءت بصيغة الفعل المضارع ، الذي يدلّ على الإستمرار ،
__________________
١ ـ سورة المطففّين ، الآية ١٤.
٢ ـ سورة يونس ، الآية ١٢.
٣ ـ سورة فاطر ، الآية ٨.
٤ ـ سورة النمل ، الآية ٢٤.
٥ ـ سورة الكهف ، الآية ١٠٣.
٦ ـ سورة النساء ، الآية ١٧.
٧ ـ سورة التوبة ، الآية ١٠٢
بمعنى أنّ الأعمال القبيحة ، بإمكانها أن توجد تغييرات وتحولات كبيرة ، في قلب الإنسان وروحه ، فهي كالصّدأ الذي يحجب نورانيّة وصفاء المرآة ويكدّرها.
فالرّذيلة تُقسّي القلب وتسلبه الحَياء ، في مقابل الذّنب ، فيغلب عليه الشّقاء والظّلمة ، أمّا «الرّين» على وزن «عين» ، فهو الصّدأ يعلو على الأشياء الثمينة ، نتيجةً لرطوبة الجوّ ، فيكوّن طبقةً حمراء تُغطّي ذلك الشّيء ، وهو علامة على فساد ذلك الفِلِز.
فإختيار هذا التعبير هو إختيار مُناسب جدّاً ، حيث أكدت عليه الرّوايات الإسلامية ، مراراً وتكراراً ، وبحثنا الآتي سيكون حول هذا الموضوع.
وفي«الآية الثانية» : تعدّت مرحلة الرّين وأشارت إلى مرحلة «التّزيين» ، وبناءً عليه فالتكرار لعملٍ ما ، يبعث على تزيينه في عين الإنسان ونظره ، وتتوافق معه النفس الإنسانية ، لدرجةٍ يعتبره الإنسان من المواهب والإفتخارات التي يتميز بها على الآخرين ، فيقول الله تعالى :( كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) .
فجملة :( عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) ، وكذلك «المسرفين» ، هي دليلٌ واضحٌ على تكرارِ الذّنب من قبلهم ، فالتّكرار لها ، لا يمحو قُبحها فقط ، بل وبالتّدريج ستتحول الخطيئة إلى فضيلةٍ في نظرهم ، وهذا يعني في الحقيقة المسخ لشخصيّة الإنسان ، وهو من النتائج المشؤومة لتكرار الذّنوب.
وهناك خلافٌ حول الفاعل ، الذي يزيّن لهؤلاء الأفراد أعمالهم القبيحة
فقد ورد في بعض الآيات الكريمة ، إنتساب ذلك الفعل إلى الباري تعالى ، وإعتبره كعقابٍ لهم ، لأنّهم أصرّوا على الذّنوب ، فالتّزيين هو إستدراج لهم ، وليذوقوا وبال أعمالهم فقال الله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ ) (١) .
وفي الآية (٤٣) من سورة الأنعام ، نسب ذلك الفعل للشّيطان الرّجيم ، فيقول عن الكفّار
__________________
١ ـ سورة النمل ، الآية ٤.
المعاندين ، الذين لا يحبون النّاصحين :
( وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) .
ومرةً اخرى نسب ذلك الفعل للأصنام ، فيقول الله تعالى :( وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ ) (١) .
واخرى (وكما ورد في الآية التي هي مورد بحثنا الآن) ، ورد بصورة الفعل المبني للمجهول :
( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ) .
وبنظرةٍ فاحصةٍ نرى ، أنّ هذه التّعابير لا تتقاطع فيما بينها ، بل أحدها يكمّل الآخر ، فمرةً تكون الزّينة عاملاً على تكرار العمل ، فالتّكرار يُقلّل من قبح العمل ، ويصل إلى مرحلةٍ لا يحسّ معها بالذّنب ، وبالإستمرار يحسُن في نظر صاحبه ، فيُقيّده ولا يستطيع التّحرر من ذلك الفخ ، الذي نُصب له ، وهي حقيقةٌ يمكن للإنسان أن يلمسها ، بالتتّبع والنّظر لحال المجرمين.
وفي موارد اخرى ، فإنّ الوساوس الشّيطانية الخارجيّة ، والوساوس الباطنيّة النفسيّة ، تزيّن للإنسان سوء عمله ، ويصل الأمر به إلى إرتكاب الكبائر ، بحجة أنّه يؤدّي واجبه الدّيني فيغتاب شخصاً ما ، بدون ذنبٍ وهو يتصور أنّه على حقٍّ ، ولكن الحسد في الواقع هو الذي يدفعه الى ذلك ، والتأريخ مليءٌ بمثل هذه الجنايات الفظيعة ، فوساوس النّفس والشّيطان لا تعمل على التّستر على قبح العمل فقط ، بل تجعله من إفتخاراته.
وربّما يعاقب الباري تعالى ، أشخاصاً لعنادهم ، وعدم قبولهم النّصحية ، ولا يكون العقاب إلّا بتزيين سوء عمل الإنسان ، لتشتدّ عقوبته ويفتضح أكثر فأكثر.
ويجب التّنويه ، إلى أنّه وطبقاً للتّوحيد الأفعالي ، فإنّ كلّ عملٍ وأثرٍ موجودٍ في هذا العالم ، يمكن أن يُنسب إلى الله تعالى ، لأنّ ذاته المقدّسة هي علّةٌ العلل ، ولا يعني هذا الأمر أنّ الأفراد قد اجبروا على أفعالهم ، فالحمد لله الذي جعل القوّة والقدرة على الفعل ومنَحها لِعباده ، واللعنة على الذين يستعملون تلك القوّة في دائرة الشر والذّنوب.
وربّما تقتضي طبيعة الأشياء ، التّزيين والزخرفة ، فنقرأ في الآيه (١٤) من سورة آل عمران :
__________________
١ ـ سورة الأنعام ، الآية ١٣٧.
( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) .
وإحدى العوامل لتزيين الأعمال القبيحة في نظر الشّخص ، التّكرار لها ، فهو يُؤثر في نفس وروح الإنسان ، ويغيّر أخلاقه ، والعكس صحيحٌ ، فإنّ تكرار الأعمال الحسنة يصبح ملكةً بالتدريج عند الإنسان ، ويبدّله إلى أخلاقٍ فاضلةٍ ، ولذلك ولأجل تهذيب النّفوس ونمو الفضائل الأخلاقيّة ، نوصي السّالكين في هذا الطّريق ، بالإستعانة بتكرار الأعمال الصّالحة ، وأن يحذروا من تكرار الأعمال السيئة ، فالأوّل هو المعين الناصح للإنسان ، والثاني عدوّ غدّار.
و «الآية الثالثة» : تتحدث عن تزيين سوء أعمال الإنسان أيضاً ، فيقول تعالى :( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ) .
فكما جاء في تفسير الآية السّابقة : فإنّ من العوامل لتزيين سوء الأعمال هو التّكرار ، والتّطبيع عليها ، والتّدريج يؤدّي إلى أن يفقد الإنسان ، الإحساس بِقُبحها ، وسوف يولع بها ويفتخر أيضاً.
واللّطيف أنّ القرآن الكريم ، عند ما يسأل ذلك السّؤال ، لا يذكر النّقطة المقابلة لها ، بصورةٍ مباشرةٍ ، ويفسح المجال للسّامع ، أن يتصور النّقطة المقابلة بنفسه ، ويتفهمها أكثر ، فهو يريد أن يقول : هل أنّ هذا الفرد ، يتساوى مع من يميّز الحق من الباطل في حركة الحياة؟ ، أو هل أنّ هؤلاء الأفراد ، يشبهون الأفراد من ذوي القلوب الطّاهرة ، الذين يعيشون حالة الإهتمام بمحاسبة أنفسهم ، والبعد عن القبائح ...؟.
ويجب الإنتباه ، الى أنّ الله تعالى يقول ، في ذيل الآية مخاطباً رسوله الكريم :
( فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ) .
وهو في الحقيقة عقابٌ للّذين يفعلون القبائح ، فيجب أن تكون عاقبتهم كذلك.
وقد جاء في تفسير ، «في ظلال القرآن» : أنّ الباري تعالى إذا أراد أن يهدي الإنسان للخير ، «بسبب نيّته وعمله» ، فيجد في قلبه الحساسيّة والتّوجه الخاص لسوء الأعمال ، فهو دائماً على حذرٍ من الشّيطان والخطأ والزّيغ ولا يأمن الإختبار ، وينتظر المَدد الإلهي دائماً ، وهنا يكون
الفصل بين طريق الهداية والفلاح ، وبين خطّ الضّلال والهلاك(١) .
وقد ورد ، أنّ أحد أصحاب الإمام الكاظمعليهالسلام ، (او أحد أصحاب الإمام الرضاعليهالسلام ) ، قال : سألت الإمامعليهالسلام ما هو العجب الذي يبطل عمل الإنسان؟
فقالعليهالسلام :«العُجبُ دَرَجاتٌ مِنْها أَنْ يُزَيَّنَ لِلعَبْدِ سُوءُ عَمَلِهِ فَيَراهُ حَسَناً فَيُعْجِبُهُ وَيَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنعاً» (٢) .
و «الآية الرابعة» : تتحدث عن مَلِكَة سَبأ ، وعاقبتها والأخبار التي جاء بها الهدهد لسليمانعليهالسلام ، من تلك الأرض واولئك القوم :
«وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ».
فالشّمس مع نورها الوهّاج ، وعظمتها وفائدتها ؛ لكنّ طلوعها وغروبها ، وإنحجابها بالغيوم ، تبيّن أنّها هي بدورها أيضاً تابعة لقوانين الكون ، ولا إرادة لها أبداً ، ولا تستحق التقدير. ولكنّ الآباء علّمت الأبناء ، والتربية الخاطئة والسُنّة الضّالة ، وتكرار العمل ، حَدَت بالنّاس لتصوّر القبيح في صورةٍ حسنةٍ ، وفي بعض البلدان ، يعبدون البقر ، ويؤدّون الطّقوس أمامها ، وهو مدعاةٌ للسّخريّة والضَّحِك ، ولكنهم يفتخرون بذلك. ومن العوامل المهمّة لذلك ، هو التّكرار لذلك العمل الذي عوّد الإنسان على القبيح وجعله حسناً.
وقد يُنسب هذا الفعل للشّيطان ، ولكن في الحقيقة ، الشّيطان له وسائل متعدّدة للغواية ، ومنها التّكرار للقبيح والتعوّد عليه.
«الآية الخامسة» : لها نفس المحتوى الوارد في الآيات السابقة ، ولكن بتعبيراتٍ جديدةٍ ، حيث قال تعالى ، مخاطباً رسوله الكريم :( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) .
__________________
١ ـ تفسير في ظلال القرآن ، ج ٦ ، ص ٦٧٥.
٢ ـ نور الثقلين ، ج ٤ ، ص ٣٥١ ، ح ٣٠.
فالكلام عن المتضرّر الأوّل في المعركة ، وهو الذي يصرف عمره وفكره وطاقته في الطّريق الغلط ، وهو يحسب أنّه يُحسن صُنعاً ، وهو فرحٌ ومسرورٌ ويفتخر بذلك.
فلما ذا يُبتلى الإنسان بهذه المصائب؟ ، ليس ذلك إلّا لأنّه تعوّد على القبائح ، وإتّباع هوى النّفس ، والأنانية والعجب ، فتجعل الحُجب على قلبه وعقله ، فلا يرى الحقيقة واضحةً صائبةً كما هي.
والنتيجة لهذا الأمر ، جاءت في الآية التي بعدها فقال تعالى :( أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) .
وفسرت الروايات الإسلاميّة ، هذه الآية بتفسيرٍ وتعبيراتٍ متعددةٍ ، وكلٌّ منها هو في الحقيقة مصداقٌ للآية ، فبعضها فسّرت الآية بالمنكرين لولاية أمير المؤمنينعليهالسلام ، وبعضها فسّرت الآية بالرّهبان المسيحيين ، فهم الذين يتركون الدنيا بالكامل ولذائذها ، وهم في الحقيقة مخطئون ، ويتحرّكون في دائرة الفكر والعمل في الطّريق المنحرف.
والبعض الآخر من الروايات ، ذكرت في تفسيرها أنّهم أهل البدع من المسلمين ؛ واخرى فسّروها ، بخوارج النّهروان ، وقال آخرون : أنّها نزلت في أهل البدع من اليهود والنّصارى ، فكلّ هؤلاء الأشخاص على خطأ وأعمالهم مليئةٌ بالإجرام والظّلم ، ولكنهم كانوا يحسبون أنّهم على صواب.
وتجدر الإشارة إلى أنّ ، جملة : «حبطت أعمالهم» ، التي جاءت في ذيل الآية ، هي من مادة «حبط ،» ومن معانيها المعروفة هو البعير أو حيوان آخر ، يأكل العلف بشراهةٍ ، حتى العلف السّام والضار بحيث يؤدي إلى إنتفاخ بطنه ، وقد يؤدّي به في بعض الأحيان للموت ، فالبعض يتصور أنّ ذلك هو دليل على قوته وقدرته ، ولكنّ الحقيقة هي غير ذلك ، بل هو المرض بعينه ، أو مقدمةٌ لموته ، ولكن الجهّال يعتبرونها من القوّة والقدرة.
وقسمٌ من النّاس يبتلون بمثل هذه العاقبة ، فيكون كلّ سعيهم وقوتهم لهلاك أنفسهم ، وهم يتصورون أنّهم سلكوا طريق السّعادة والرفاه.
«الآية السادسة» : تتناول مسألة قبول التّوبة من قبل الله تعالى ، لمن تتوفر فيهم بعض الشّرائط :
١ ـ الّذين يعملون السّوء بجهالةٍ ولا يعرفون عواقب الذّنوب على نحو الحقيقة.
٢ ـ الّذين تابوا بسرعةٍ من أعمالهم القبيحة ، فاولئك الّذين تشملهم الرّحمة الإلهيَّة ، ويقبل الله تعالى توبتهم ، فقال :
( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً ) .
والمراد من كلمة «الجهالة» ، التي وردت في الآيه ، ليس هو الجهل المطلق الذي يوجب العذر ؛ لأنّ العمل في حالات الجهل المطلق ، لا يعتبر من الذنب ، بل هو الجهل النّسبي الذي لا يعلم معه عواقب ومعطيات الذّنوب في حركة الواقع والحياة.
وأمّا جملة :( يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ) ، فقال البعض أنّها قبل الموت ، ولكن إطلاق كلمة «قريب» ، على فترة ما قبل الموت ، التي ربّما تستغرق (٥٠) سنة أو أكثر ، لا تكون مناسبة لهذا النوع من التّفسير ، وإستدل مؤيّدوا هذه النظريّة ، برواياتٍ لا تشير إلى هذا التفسير ، ولكنّها بيانٌ مستقلٌ ومنفصلٌ عنه.
وقال البعض الآخر ، إنّها الزّمان القريب لإرتكاب الذّنب ، حتى تمسح التوبة الآثار السّيئة للذنب في روح ونفس الإنسان ، وفي غير هذه الصّورة ، فستبقى الآثار في القلب ، وهو ما يناسب كلمة القريب عُرفاً ولغةً.
«الآية السابعة» : تناولت مسألة الزكاة ومعطياتها ، فجاء الأمر للرّسول الكريم :( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ) ».
ويتحدث القرآن الكريم عن الزّكاة ، وبيان معطياتها الأخلاقيّة والمعنويّة ، في خطّ التربية ، ويقول :( تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) ».
نعم ، فإنّ دفع الزكاة يحدّ من الرّكون إلى الدنيا وزخارفها ، ويقمع البخل في واقع النفس
البشريّة ، ويحث الإنسان على مراعاة حقوق الآخرين ، ويغرس فيه حبّ السّخاء والإنسانيّة.
وعلاوةً على ذلك ، فإن دفع الزّكاة يقف بوجه المفاسد النّاشئة عن الفقر والحرمان ، وبأداء تلك الفريضة الإلهيّة ، نكون قد شاركنا في إزالتها نهائياً ، من واقع المجتمع ، لذلك فإنّ الزّكاة تسهم في رفع الرّذيلة والفقر في حركة الإنسان والحياة ، وتُحلّي الإنسان بالفضائل الأخلاقيّة ، وهذا الأخير هو موضوع بحثنا ، وهو دور العمل الصّالح والطّالح ، في تحريك عناصر الخير والشّر ، والفضائل والرذائل الأخلاقية ، في واقع الإنسان والمجتمع.
وجاء نفس هذا التعيبر بشكلٍ آخر في آية الحجاب فيقول تعال :( إِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) (١) .
فهذه الآية الشّريفة ، تبيّن بوضوح أنّ التعفف في العمل يبعث على طهارة ونظافة القلب ، وبالعكس فإنّ الجرأة على إرتكاب المنكر وعدم الحياء ، يلوّث روح وقلب الإنسان ، ويعمّق في نفسه الميل إلى الرذائل الأخلاقيّة.
النّتيجة :
كان الهدف من شرح الآيات الآنفة الذّكر ، هو معرفة تأثير الأعمال في الأخلاق ، وبلورتها لروح الإنسان ، فلأجل بناء الذّات وتهذيب النّفس ، يتوجب مراقبة أعمالنا من موقع الحذر والإنضباط والمسؤوليّة ، لأنّ تكرار الذّنب والإثم يذهب بقبحه من جهة ، ومن جهة اخرَى يمنح الإنسان التعوّد عليه ، وبالتدريج يصبح ذلك العمل ملكةً لديه ، ولا يزعجه فقط ، بل ويتحول إلى عنصر فخرٍ من إفتخاراته.
__________________
١ ـ سورة الأحزاب ، الآية ٥٣.
كيفيّة تأثير «العمل» ، في «الأخلاق» في الرّوايات الإسلاميّة :
تعكس الأحاديث الإسلامية بوضوح ، ما تقدّم من علاقة العمل بالأخلاق في الآيات الكريمة ، ذلك المطلب بوضوح ، ومن تلك الأحاديث :
١ ـ نقرأ في حديث عن الإمام الصّادقعليهالسلام أنّه قال :
«ما مِنْ عَبْدٍ إلّا وَفِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيضاءٌ فَإذَا أَذْنَبَ ذَنْباً خَرَجَ في النُّكْتَةِ نِكْتَةٌ سَوداءٌ فَإنْ تابَ ذَهَبَ ذَلِكَ السَّوادُ ، وإنْ تَمادَى فِي الذُّنُوبِ زَادَ ذَلِكَ السَّوادُ حتَّى يُغَطِّي البَياضَ ، فَإذَا غَطّى البَياضَ لَمْ يَرْجِعْ صاحِبُهُ إلَى خَيرٍ أَبَداً ، وَهُوَ قَولُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ : «بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»(١) .
فهذه الرواية ، تُبيّن بوضوح ، أنّ تراكم الذّنوب يُفضي إلى ظهور الرذائل في سلوكيات الإنسان ، ويدفعه بإتجاه الإبتعاد عن الفضائل ، ممّا يورّث النّفس الإنسانيّة الغرق في الظّلام الكامل ، وعندها لا يجد الإنسان فرصةً للرجوع إلى طريق الخير ، والانفتاح على الله والإيمان.
٢ ـ الوصيّة المعروفة عن أمير المؤمنينعليهالسلام لابنه الحسنعليهالسلام ، حيث قال له :«إنَّ الخَيرَ عادَةٌ» (٢) .
وورد نفس هذا المضمون ، في كنز العمّال ، في حديثٍ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال :«الخَيرُ عادَةٌ والشَّرُ لَجاجَةٌ» (٣) .
وأيضاً نقل نفس هذا الحديث ، وبشكل آخر ، عن الإمام السجّادعليهالسلام ، أنّه قال :
«أُحِبُّ لِمَنْ عَوَّدَ مِنْكُمْ نَفْسَهُ عادَةً مِنَ الخَيرِ أَنْ يَدُومَ عَلَيها» (٤) .
فيستفاد من هذه الروايات ، أنّ تكرار العمل ، سواء كان صالحاً أم طالحاً ، يسبّب في وجود حالة الخير أو الشر عند الإنسان ، فإذا كان خيراً فسيشكل مباديء الخير في نفسه ، وإن كان شرّاً فكذلك ، وبكلمةٍ واحدةٍ هو التأثير المتقابل للأعمال ، والأخلاق في حركة الحياة ، و
__________________
١ ـ اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٢٧٣ ، ح ٢٠.
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٧٤ ، ص ٢٣٢.
٣ ـ كنز العمّال ، ح ٢٨٧٢٢.
٤ ـ بحار الأنوار ، ج ٤٦ ، ص ٩٩.
الواقع النّفسي للإنسان.
٣ ـ ورد في حديثٍ آخر ، عن عليعليهالسلام في وصيّته المعروفة ، للإمام الحسنعليهالسلام :
«وَعَوّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ عَلَى المَكْرُوهِ ، وَنِعْمَ الخُلُقُ التَّصَبُّرُ في الحَقِّ» (١)
ويتبيّن هنا أيضاً ، أنّ «العادة» هي وليدة ، التكرار ، للعمل مع الصّبر على صعوبات الحياة ، من موقع الحقّ والمسؤوليّة.
٤ ـ ورد في الرّوايات ، التّعجيل بالتّوبة وعدم التّسويف ، لئلّا تبقى آثار الذّنوب فاعلةً في القلب ، ممّا يؤدّي إلى تحولها إلى ملكةٍ أخلاقيّةٍ راسخةٍ في النفس ، فنقرأ في حديثٍ عن الإمام الجوادعليهالسلام ، أنّه قال :
«تَأَخِيرُ التَّوبَةِ إِغتِرارٌ ، وَطُولُ التَّسْوِيفِ حَيرَةٌ وَالإِصرارِ عَلَى الذَّنبِ آمن لِمَكْرِ اللهِ» (٢) .
وجاء في النّبوي الشّريف حديث آخر ، لطيف عن التّوبة وتأثيرها الإيجابي ، في تلاشي الذّنوب من واقع النّفس ، فقال :
«مَنْ تابَ تَابَ اللهُ عَلَيهِ وَأُمِرَتْ جَوَارِحَهُ أَنْ تَسْتُرَ عَلَيهِ ، وَبِقاعُ الأرْضِ أَنْ تَكْتُمَ عَلَيهِ وَأُنْسيَتِ الحَفَظَةُ ما كانَتْ تَكْتُبُ عَلَيهِ» (٣) .
فهذا الحديث يبيّن أنّ التوبة ، تغسل الذّنوب وتعيد الصّفاء والقداسة الأخلاقيّة للإنسان.
وجاء هذا المعنى بصورة أوضح ، في الحديث عن أمير المؤمنينعليهالسلام :«التَّوبَةُ تُطَهِّرُ القُلُوبَ وَتَغْسِلُ الذُّنُوبَ» (٤) .
فهذا الحديث يبيّن أنّ الذنب يترك آثاره في القلب ، في عمليّة تطبيع نفسي لعناصر المزاج ، ولكن التّوبة تزيل هذه الآثار ، ولا تفسح المجال لتشكّل تلك الأخلاق السلبية ، في المحتوى الداخلي للفرد.
وورد في التعيبر عن التّوبة بأنّها «طهور» ، في رواياتٍ عديدةٍ ، وهو يحكي عن علاقة
__________________
١ ـ نهج البلاغة ، رسالة ٣١.
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٦ ، ص ٣٠.
٣ ـ كنز العمّال ، ج ١٠ ، ص ٧٩.
٤ ـ غُرر الحِكم ، ح ٣٨٣٧.
الذّنب بظهور الحالات الباطنيّة القبيحة(١) .
وورد في المناجاة : الخمسة عشر ، المعروفة للإمام السجادعليهالسلام ، في القسم الأول منها ، وهي مناجاة التّائبين :
«وَأَماتَ قَلْبِي عَظِيمَ جِنايَتِي فأَحْيهِ بِتَوبَةٍ مِنْكَ يا أَمَلِي وَبُغْيتَي» (٢) .
نعم! فإنّ الذّنب يكدّر القلب ويلوث النفس الإنسانية ، وبتكرار الذنب فإنّ القلب يذبل ويموت ، ولكنّ التوبة بإمكانها ، أن تعيد النّشاط والحياة للقلوب ، لتعيش جو الإيمان والطُّهر.
وبناءً عليه ، فإنّه يتوجب على السائرين إلى الله تعالى ، تحكيم دعائم الفضائل الأخلاقيّة ، في وجدانهم وسلوكياتهم ، ولينتبهوا لمعطيّات وتبعات أعمالهم الإيجابيّة والسّلبية ، فكلّ واحدٍ من تلك الأعمال سيؤثر في القلب ، فإنّ كان خيراً فخَير ، وإن كان شَرّاً فشرّ.
٧ ـ علاقة «الأخلاق» و «التّغذية»
ربّما سيتعجب البعض من هذا العنوان ، وما هي علاقة الأخلاق والروحيّات والملكات النّفسية بالغذاء ، فالأولى للرّوح والثّانية للجسم ، ولكن بالنّظر للعلاقة الوثيقة ، بين الجسم والروح في حركة الحياة والواقع ، فلن يبقى مجالاً للتعجب ، فكثيراً ما تسبّب الأزمات الرّوحية في الإصابة بأمراضٍ جسديّةٍ ، تضعف جسم الإنسان وتشل عناصر القوّة فيه ، فيبيض الشّعر ، وتظلم العين ، وتخور القوى عند الإنسان والعكس صحيح أيضاً ، فإنّ الفرح وحالات الرّاحة التي يمرّ بها الإنسان ، تنمي جسمه وتقوّي فكره ، وقديماً توجّه العلماء لتأثير الغذاء على روحيّة الإنسان وسلوكه المعنوي ، وتغلغَلت هذه المسألة في ثقافات الناس ، على مستوى الموروث الفكري والوعي الاجتماعي ، فمثلاً شِرب الدّم يبعث على قساوة القلب ، والعقيدة السّائدة هي أنّ العقل السّليم في الجسم السّليم.
ولدينا آياتٌ وروايات تشير إلى هذا المعنى ، ومنها الآية (٤١) من سورة المائدة ، فقد
__________________
١ ـ بحار الانوار ، ج ٩٦ ، ص ١٢١ ، وج ٩١ ، ص ١٣٢.
٢ ـ المصدر السابق ، ج ٩١ ، ص ١٤٢.
أشارت إلى فئةٍ من اليهود الذين مارسوا أنواعاً كثيرةً من الجرائم بحقّ الإسلام والمسلمين من قبيل التّجسس وتحريف الحقائق الواردة في الكتب السّماويّة ، فقال الباري تعالى :( أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ) .
ويعقّب مباشرةً قائلاً :( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) .
وهذا التعبير يبيّن أنّ عدم طهارة قلوبهم ، إنّما كان نتيجة لأعمالهم ، الّتي منها تكذيب الرّسول والآيات الإلهيّة ، وأكلهم للحرام بصورةٍ دائمةٍ ، ومن البعيد في خطّ البّلاغة والفصاحة ، أن يأتي بأوصاف لا علاقة لها بجملة :( لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ) .
ومنها يعلم أنّ أكل السّحت يسوّد القلب ويُميته ، ويكون سبباً لنفوذ عناصر الرّذيلة ، والزيغ ، والإبتعاد عن الخير والفضائل.
وفي الآية (٩١) من سورة المائدة ، ورد الحديث عن شرب الخمر ولعب القمار ، فقال عزّ من قائل :( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ) .
ولا شك فإنّ العداوة والبغضاء ، هي من الحالات الباطنيّة ، التي ترتبط برابطةٍ وثيقةٍ مع شرب الخمر ولعب القمار ، كما ورد في الآية الشريفة ، وهو دليل على أنّ أكل السّحت والشّراب الحرام يساعد على بروز الرذائل الأخلاقية ، وتكريس حالات العداء والخصومة بين الأفراد ، في خط الشيطان.
ونقرأ في الآية (٥١) من سورة المؤمنون ، قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً ) .
ويعتقد بعض المفسّرين أنّ تقارن ذكر هذين الأمرين : وهما «أكل الطّيبات والعمل الصالح» ، هو خير دليلٍ على وثاقة العلاقة بينهما ، وهي إشارةٌ إلى أنّ إختلاف وتنوّع الأكلات والأطعمة ، له معطيات أخلاقية مختلفة ومتنوّعة أيضاً ، فأكل الطيّبات ، يطيّب الرّوح ويصلح العمل ، وبالعكس فإنّ الأكل الحرام يُظلم الرّوح ، ويخبّث العمل(١) .
وقد إستدلّ في تفسير «روح البيان» ، وبعد إشارته لعلاقة العمل الصّالح بأكل الطيّبات ،
__________________
١ ـ يرجى الرجوع إلى تفسير الأمثل ، ذيل الآية ٥١ ، من سورة المؤمنون.
بالأشعار التالية :
وأشار في تفسير : «الإثني عشري» ، في ذيل هذه الآية ، إلى علاقة نورانيّة القلب وصفائه ، والأعمال الصّالحة بأكل الحلال(١) .
علاقة التّغذية بالأخلاق في الرّوايات الإسلاميّة :
هذه العلاقة لم ترد في الآيات القرآنية بصورةٍ واضحة ، ولا يوجد لها سوى إشاراتٌ خفيفةٌ ، ولكن هذا الأمر : «علاقة التّغذية بالأخلاق» ، له صدى واسع في الرّوايات ، ونورد منها :
١ ـ نقرأ في الرّوايات الواردة ، أنّ من شروط إستجابة الدّعاء هو الإمتناع عن أكل الحرام ، حيث جاء شخص إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وقال له :
احِبُّ أنْ يُستَجاب دُعائِي ، فقال له رسول الله صلىاللهعليهوآله : «طَهِّرْ مَأَكَلَكَ وَلا تَدْخُلْ بَطْنَكَ الحَرامَ» (٢) .
وجاء في حديثٍ آخر عنهصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال :«مَنْ أَحَبَّ أنْ يُستَجابَ دُعاءهُ فَليُطَيِّبْ مَطْعَمَهُ وَمَكْسَبَهُ» (٣) .
ونقرأ في حديثٍ آخر عن الإمام الصادقعليهالسلام ، أنّه قال :«أَنَّ اللهَ لا يَسْتَجِيبُ دُعاءً بِظَهْرِ قَلبٍ قاسٍ» (٤) .
ويستنتج من ذلك ، أنّ الأكل الحرام يُقسّي القلب ، ولأجله لا يستجاب دعاء آكلي الحرام ، وتتوضح العلاقة الوثيقة بين خبث الباطن وأكل الحرام ، في ما ورد عن الإمام الحسينعليهالسلام ، في حديثه المعروف في يوم عاشوراء ، ذلك الحديث المليء بالمعاني البليغة ، أمام اولئك القوم
__________________
١ ـ تفسير الإثني عشري ، ج ٩ ، ص ١٤٥.
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٩٠ ، ص ٣٧٣.
٣ ـ المصدر السابق ، ص ٣٧٢.
٤ ـ المصدر السابق ، ص ٣٠٥.
المعاندين للحقّ من أهل الكوفة ، فعند ما آيس من تحولهم إلى دائرة الحقّ والإيمان ، وإستيقن أنّهم لن يستجيبوا له في خط الرسالة قال لهم : إنّكم لا تسمعون إلى الحق لأنّه قد :«مُلِئَتْ بُطُونُكُم مِنَ الحَرامِ فَطبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِكُم» (١) .
٢ ـ ويبيّن حديث آخر ، علاقة الأكل الحرام بعدم قبول الصّلاة والصّيام والعبادة ، ومنها ما ورد عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :«مَنْ أَكَلَ لُقْمَةَ حَرامٍ لَنْ تُقْبَلَ لَهُ صلاةُ أَربَعِينَ لَيلَةً ، وَلَمْ تُسْتَجَبْ لَهُ دَعوَةُ أَربَعِينَ صَباحاً ، وَكُلُّ لَحْمٍ يُنٌبِتُهُ الحَرامُ فَالنَّارُ أَولَى بِهِ ، وَإنَّ اللُّقْمَةَ الواحِدَةَ تُنْبِتُ اللَّحْمَ» (٢) .
ومن الطبيعي فإنّ قبول الصّلاة له شروطٌ عديدةٌ ، ومنها : حضور القلب وطهارته من الدّرن والغفلة ، والحرام يسلب منه تلك الطّهارة والصّفاء ، ويخرجه من أجواء النّور والإيمان.
٣ ـ نقل عن الرسول الأكرامصلىاللهعليهوآله ، والأئمّةعليهمالسلام ، أنّ :«مَنْ تَرَكَ اللَّحْمَ أَربَعِينَ صَباحاً ساءَ خُلُقُهُ» (٣) .
وهذا الحديث يبيّن نصيحة طِبيّةً مهمّةً ، وهي أنّ الإنسان إذا ترك أكل اللّحم ، لمدّة طويلة ، فسيورثه سوء الخلق والإنقباض في النّفس ، في دائرة التّفاعل مع الآخرين ، وورد في مقابله العكس أيضاً ، وهو ذمّ الإفراط في تناول اللّحم والإكثار منه ، فإنّ من شأنه أن يورثه نفس الأعراض والأمراض الخُلقية.
٤ ـ وقد ورد في كتاب : «الأطعمة والأشربة» ، روايات ذكرت العلاقة بين الأطعمة والأخلاق الحسنة والسيئة ومنها :
ما ورد عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله أنّه قال :«عَلَيكُم بِالزَّيتِ فإنّهُ يَكْشِفُ المُرَّةَ وَيُحْسِّنُ الخُلُقَ» (٤) .
٥ ـ في حديث آخر عن الإمام الصادقعليهالسلام قال :«مَنْ سَرَّهُ أنْ يَقِلَّ غَيْظَهُ فَلْيَأكُلْ لَحمَ الدُّراجِ» (٥) .
__________________
١ ـ نقلاً عن كتاب «سخنان عليعليهالسلام از مدينة تا كربلا» ، ص ٢٣٢.
٢ ـ سفينة البحار ، ج ١ ، مادة الأكل.
٣ ـ وسائل الشيعة ، ج ١٧ ، ص ٢٥ ، الباب ١٢.
٤ ـ المصدر السابق ، ص ١٢.
٥ ـ فروع الكافي ، ج ٦ ، ص ٣١٢.
وهذا الحديث يبيّن بصورة جيدة علاقة الغذاء بالغضب والصّبر.
٦ ـ في روايةٍ مفصّلة وردت في تفسير العياشي ، نقلها عن الإمام الصّادقعليهالسلام ، حيث سئل عن علّة تحريم الدم ، فقالعليهالسلام :
«وَأَمَّا الدَّمُ فَإَنَّهُ يُورِثُ الكَلَبَ وَقَسْوَةَ القَلبِ وَقِلَّةَ الرَّأفَةِ وَالرَّحمَةِ لا يُؤمِنُ أَنْ يَقْتُلَ وَلَدَهُ وَوالِدَهُ».
وفي القسم الآخر من نفس الرواية ، قالعليهالسلام :
«وَأَمَّا الخَمْرُ فإنَّه حَرَّمَها لِفِعْلِها وَفَسادِها وَقَالَ إِنَّ مُدْمِنَ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ ، وَيُورِثُ إِرتِعاشَاً وَيُذْهِبَ بِنُورِهِ وَيَهْدِمَ مُرُوَّتَهُ» (١) .
٧ ـ ونقل في الكافي روايات متعددة ، عن العنب وعلاقته بإزالة الغم ، ومنها ما روي عن الإمام الصادقعليهالسلام ، أنّه قال :«شَكى نَبِيٌّ مِنَ الأنبِياءِ إِلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الغَمَّ فَأَمَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَكْلِ العِنَبِ» (٢) .
فنلاحظ تأكيداً أشدّ على علاقة التغذية بالمسائل الأخلاقية ، التي تعكس الحالة النفسية للفرد.
٨ ـ الأحاديث التي وردت في أكل الرمان كثيرة ، وأنّها تنوّر القلب وتدفع وساوس الشيطان ، فجاء عن الإمام الصّادقعليهالسلام :
«مَنْ أَكَلَ رُمّانَةً عَلَى الرِّيقِ أَنارَتْ قَلْبَهُ أَربَعِينَ يَوماً» (٣) .
٩ ـ وَردت روايات متعددة في باب «الأكل» ، نرى فيها العلاقة المطّردة بين التغذية والمسائل الأخلاقيّة ، في دائرة الصّفات والحالات النفسية ، ومنها الحديث الوارد عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، في وصيته لجعفر بن أبي طالب رضى الله عنه ، فقال له :«يا جَعْفِرُ كُلِ السَّفَرجَلَ فَإِنّهُ يُقَوي القَلْبَ وَيُشْجِعُ الجَبَانَ» (٤) .
١٠ ـ ونقل عن الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، حديث يروي علاقة فضول الطعام بقساوة القلب ،
__________________
١ ـ تفسير البرهان ، ج ١ ، ذيل الآية ٣ ، سورة المائدة ؛ ومستدرك الوسائل ، ج ١٦ ، ص ١٦٣.
٢ ـ الكافي ، ج ٦ ، ص ٣٥١ ، ح ٤.
٣ ـ المصدر السابق ، ص ٣٥٤ ، ح ١١.
٤ ـ المصدر السابق ، ص ٣٥٧ ، ص ٤.
فنقل عنهصلىاللهعليهوآله في كتاب «أعلام الدّين» :
«إِيَّاكُم وَفُضُولَ المَطْعَمِ فَإِنّهُ يَسِمُ القَلْبَ بِالقَسوَةِ وَيُبْطِئ بِالجَوارحِ عَنِ الطّاعَةِ وَيَصُمُّ الهِمَمَ عَنْ سِماعِ المَوعِظَةِ».
«فضول الطعام» : يمكن أن تكون إشارةً لإدخال الطعام على الطعام ، والأكل الزّائد عن الحاجة ، أو أنّها تدل على تناول الطّعام المتبقي من الوجبات السّابقة ، أي بقايا الطعام الفاسد ، وعلى أيّة حال ، فإنّ الحديث يدل على علاقة التّغذية بالمسائل الأخلاقية ، التي تُؤطّر سلوك الإنسان في حركة الحياة.
وورد هذا المعنى أيضاً في بحار الأنوار الذي نقل الحديث عن رواة أهل السنة ، ونقلوه أيضاً عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله (١) .
ويستفاد من هذا الحديث ثلاثة امور :
١ ـ إنّ الأكل الزائد يُقسّي القلب.
٢ ـ ويقعد الإنسان عن العبادة في دائرة الكسل والاسترخاء.
٣ ـ يُصمّ آذانه في مقابل الوعظ ، فلا تؤثر فيه النّصيحة والموعظة في خطّ التربية ، وهذا الأمر ملموس فعلاً ، فإنّ الإنسان يثقل عند الأكل الكثير ، ولا يكاد أن يؤدّي عبادته من موقع الشّوق والرّغبة ، ولا يبقى لديه نشاط في خطّ العِبادة ، وبالعكس في حالة ما إذا تناول طَعاماً خفيفاً ، فسيكون دائماً على نشاطٍ في حركة الإيمان ، ويؤدّي عباداته ووظائفه في وقتها المعين لها.
وكذلك بالنّسبة للصّيام ، فهو يرقّق القلب ويهيئ الإنسان لقبول المواعظ ، وبالعكس عند ما يكون الإنسان مليء البطن ، فإنّه لا يكاد يفكر في شيءٍ من عوالم الغيب ، ولا يعيش في أجواء المَلكوت.
١١ ـ وقد بيّنت الأحاديث الشريفة أيضاً ، علاقة العسل بصفاء القلب ، فنقل عن أمير
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٧٤ ، ص ١٨٢.
المؤمنينعليهالسلام ، أنّه قال :«العَسَلُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ داءٍ وَلا داءَ فِيهِ يُقِلُّ البَلْغِمَ وَيُجَلِّي القَلْبَ» (١) .
النّتيجة :
تبيّن ممّا ذكر آنفاً ، العلاقة الوثيقة بين الغذاء والروحيّات والأخلاق ، ونحن لا ندّعي أبداً أنّ الأكل والغذاء هو العلّة التّامة لبلورة الأخلاق ، ولكنّه يمثل عاملاً مُساعداً في ذلك ، بحلاله وحَرامه ، وأنواعه.
ويقول علماء العصر الحاضر ، أنّ السّلوكيات الأخلاقية عند الإنسان ، تنطلق من خلال ترشّح بعض الهرمونات من الغدد الموجودة في جسم الإنسان ، والغُدد بدورها ، تتأثر مباشرةً بما يأكله الإنسان ، وعلى هذا الأساس ، فإنّ لحومَ ، الحيوانات تحمل نفس الصّفات النفسيّة الموجودة في الحيوان ، فالضّواري تفعّل فِعْلَ عناصر التّوحش في الإنسان ، والخنزير يذهب بالغيرة عند الإنسان ، وهكذا فإنّ لحم أيّ حيوان ، يخلف بصماته على روح آكله مباشرةً ، وينقل إليه صفاته.
هذا من الناحية الماديّة الطبيعيّة ، وأمّا من الناحيّة المعنويّة ، فإنّ أكل الحرام يُظلم الروح والقلب ، ويُضعف الفضائل الأخلاقيّة كما تقدم.
وأخيراً نختم هذا البحث ، بنقل قصّةٍ تاريخيةٍ نقلها المسعودي في مروجه ، فقال :
نقل عن الفضل بن الرّبيع أنّ «شريك بن عبد الله» ، دخل يوماً على «المهدي» ، الخليفة العبّاسي في وقتها فقال له المهدي العباسي : «أي شريك» ، أعرض عليك ثلاثة امور ، عليك أن تختار إحداها ، فقال ما هي؟ ، فقال له : إمّا أن تقبل منصب القضاء ، أو أن تعلّم إبني ، أو تأكل معنا على مائدتنا ، ففكّر شريك قليلاً ، وقال إنّ الأخيرة أسهلها ، فحجزه المهدي ، وقال لطبّاخه ، حضّر له أنواعاً من أطباق أمخاخ الحيوانات ، المخلوطة بالسّكر والعسل.
فعند ما أكلَ شريك من ذلك الطعام اللّذيذ ، «وطبعاً الحرام» ، قال الطبّاخ للمهدي ، إنّ هذا الشّيخ لن يُفلح أبداً بعد هذا الطّعام ، فقال الرّبيع : وفعلاً قد صدقت نبوءة الطبّاخ ، فإنّ شريك
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٣ ، ص ٣٩٤.
بعدها قبل منصب القضاء ، وعلّم أبناء المهدي أيضاً(١) .
الصفات والأعمال الأخلاقيّة :
من المعلوم أنّ كلّ فعلٍ يفعله الإنسان له أصلٌ وأساس في باطنه ومحتواه الدّاخلي ، أو بعبارةٍ اخرى ، إنّ الأعمال هي مرآة باطن الإنسان ، فإحداهما بمنزلة الجذر ، والاخرى بمنزلة السّاق والأوراق والّثمر.
وبناءً عليه : فإنّ الأعمال الأخلاقيّة ، لا تنفك عن الصّفات الأخلاقيّة ، فمثلاً النّفاق ، له جذوره في روح الإنسان ، ويحكي عن إزدواجيّة ذلك الشّخص ، وعدم توحيده في دائرة الإيمان ، فهذه الصّفة الباطنيّة تحثّ الإنسان على سلوك طريق النّفاق والرّياء مع الغير.
الحسد أيضاً من الصّفات الباطنيّة السلبيّة ، حيث يتمنى معه الشّخص الحاسد ، زوال النّعم التي أعطاها الباري تعالى لغيره ، وتتجلى هذه الصّفة الذّميمة في أعماله وأفعاله ، التي يريد بها التّصدي لسعادةِ ذلك المحَسود من موقع العداوة والخصومة.
الكِبَر والغُرور ، هي صفاتٌ باطنيّة كذلك ، نشأت من جهل الإنسان لقدره ومقامه ، وهي ناشئةٌ من عدم تحمل الإنسان لثقل المواهب الإلهيّة ، التي يُعطيها الباري له ، ويتبيّن هذا الأمر من تصرفاته ، وعدم إعتنائه بالغير ، وبذاءة لسانه وتحقيره للآخرين.
ورُبّما ، ولأجل ذلك لم يفرق علماء الأخلاق بين هذين الإثنين في كتبهم الأخلاقيّة ، فمرّةً يعرّجون على الصّفات الداخلية للإنسان ، واخرى يتطرّقون للأعمال الخارجيّة ، التي تستمد مقوّماتها من عالم الصّفات الباطنيّة ، فيطلق على الأول : «الصّفات الأخلاقية» ، وعلى الثاني : «الأعمال الأخلاقيّة».
وطبعاً الأعمال الأخلاقية ، هي موضوع المباحث الفقهيّة لدى الفُقهاء ، ولكن ومع ذلك ، فإنّ علماء الأخلاق قد تناولوها بالبحث في دائرة السّلوك الأخلاقي للفرد ، ومن الطّبيعي فإنّ نظرة عالِم الأخلاق ، تختلف عن نظرة الفقيه ، فالفقيه يبحث المسألة في إطار الأحكام الخمسة :
__________________
١ ـ سفينة البحار ، مادة «شريك» ؛ ومروج الذهب ، ج ٣ ، ص ٣١٠.
(الحُرمة ، الوُجوب ، والإستحباب ، والكراهة ، والإباحة) ، ولربّما تطرّق للثواب والعقاب ، للأعمال في نطاق الحياة الآخرة ، ولكن عالِم الأخلاق ينظر إليها من منظار كمال الرّوح والنّفس ، أو إنحطاطها وتسافلها في خطّ الإنحراف ، وبهذا يتبيّن الفرق بين الصّفات والأفعال الأخلاقية ، ويتمّ من خلالها تمييز نظر الفقيه عن نظر عالِم الأخلاق.
١٢
الخُطى العمليّة في طريق التّهذيب الأخلاقي
نتطرّق في هذا الفصل للعوامل الّتي تساعد على تربية ، ونمو «الفضائل الأخلاقيّة» ، وتقرّب الإنسان من الله تعالى خطوةً خطوة ، وهذا البحث ، غاية الأهميّة في علم الأخلاق ، ويتناول اموراً عديدة :
الخطوة الاولى : التّوبة
يقول كثير من علماء الأخلاق ، إنّ الخطوة الاولى لتهذيب الأخلاق والسّير إلى الله ، هي «التّوبة» ، التّوبة التي تمحو الذّنوب من القلب وتبيّض صفحته وتجعله يتحرك في دائرة النور ، وتنقله من دائرة الظّلمة ، وتخفف ثقل الذّنوب من خزينه النّفساني ، ورصيده الباطني ، وتمهّد الطّريق للسّير والسّلوك إلى الله تعالى ، في خط الإيمان وتهذيب النّفس.
يقول المرحوم : «الفيض الكاشاني» ، في بداية الجزء السابع من كتابه : «المحجّة البيضاء» ، الذي هو في الواقع ، بداية الأبحاث الأخلاقيّة :
(فإنّ التّوبة من الذنوب ، والرّجوع إلى ستار العُيوب وعلّام الغيوب ، مبدأ طريق السّالكين ، ورأس مال الفائزين ، وأوّل إقدام المريدين ، ومفتاح إستقامة المائلين ومطلع الإصطفاء والاجتباء للمقرّبين!).
وبعدها يشير إلى حقيقةٍ مهمّةٍ ، وهي أنّ أغلب بني آدم يتورطون غالباً بالمعاصي ، ويشير إلى معصية آدم : (التي هي في الواقع ، من ترك الأولى) ، وتوبته منها ، ويقول : «وما أجدر بالأولاد الإقتداء بالآباء والأجداد ، فلا غرو إن أذنب الآدمي وإجترم ، فهي شنشنةٌ يعرفها من أخزم ، ومن أشبه أباه ، فما ظَلم ، ولكنّ الأب إذا جبر بعد كسر ، وعمّر بعد أن هدم ، فليكن النزوع إليه في كلا طرفي ، النّفي والإثبات والوجود والعدم ، ولقد قلع آدم سنّ النّدم ، وتندّم على ما سبق منه وتقدّم ، فمن إتّخذه قدوةً في الذنب دون التّوبة فقد زلّت به القدم ، بل التجرد لمحض الخير دأب الملائكة المقرّبين ، والتجرُّد للشرّ دون التّلافي ، سجيّة الشّياطين ، والرّجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشرّ ضرورة الآدميين ، فالمتجرّد للخير ملك مقرّب ، عند الملك الدّيان ، والمتجرّد للشرّ شيطان ، والمتلافي للشرّ بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان.
والمصرّ على الطّغيان ، مسجّل على نفسه بنسب الشّيطان ، فأمّا تصحيح النّسب بالتجرّد لمحض الخير إلى الملائكة ، فخارج عن حيّز الإمكان ، فإنّ الشرّ معجون مع الخير ، في طينة آدم ، عجناً محكماً لا يخلّصه إلّا إلى إحدى النارين : نار الندم أو نار جهنم»(١) .
أو بعبارة اخرى : أنّ الإنسان غالباً ما يُخطيء ، وخصوصاً في بداية سيره إلى الله تعالى ، فإذا ما وجد أنّ أبواب العودة موصدةٌ في وجهه ، فسيورثه اليأس الكامل ، ويبقى يُرواح في مكانه ، ولذلك فإنّ التّوبة تعتبر من الاصول المهمّة في الإسلام ، فهي تدعو كلَّ المذنبين إلى العمل لإصلاح أنفسهم ، والدّخول في دائرة الرّحمة الإلهيّة ، والسّعي لجبران ما مضى.
وقد بيّن الإمام السّجادعليهالسلام ، في مناجاته : «مناجاة التائبين» أفضل وأحلى صورة لها ، فقال :
«إِلَهي أَنْتَ الّذِي فَتَحْتَ لِعبادِكَ باباً إِلى عَفْوِكَ سَمَّيْتَهُ التَّوبَةَ فَقُلْتَ تُوبُوا إِلى اللهِ تَوبَةً نَصُوحاً ، فَما عُذْرُ مِنْ أَغْفَلَ دُخُولَ البابِ بَعْدَ فَتْحِهِ» (٢) .
والجدير بالذكر أنّ الباري تعالى يحبّ التّائبين ، لأنّ التّوبة تعتبر الخطوة الاولى لكي
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٧ ، ص ٦ و ٧ ، مع التلخيص.
٢ ـ المناجاة الخمسة عشر للإمام السجادعليهالسلام ، المناجاة الاولى ؛ بحار الأنوار ، ج ٩٤ ، ص ١٤٢.
يعيش الإنسان في أجواء السّعادة والحياة الكريمة.
وقد ورد عن الإمام الباقرعليهالسلام :«إِنّ اللهَ تَعالى أشَدُّ فَرَحاً بِتَوبَةِ عَبْدِهِ ، مِنْ رَجُلٍ أَضَلَّ راحِلَتَهُ وَزادَهُ ، فِي لَيلَةٍ ظَلْماءَ فَوَجَدها» (١) .
فهذا الحديث مزج بكنايات خاصة وعبارات جذابة ، ليبيّن أنّ التّوبة في الواقع ، الزّاد والرّاحلة لعبور الإنسان من وادي الظّلمات ، ليصل إلى معدن النّور والرّحمة ، ويعيش حالات الكرامة في الصفات الإنسانيّة.
وعلى أيّة حال ، فإنّ ما يطرح في مبحث التّوبة امورٌ عديدةٌ ، أهمّها هي :
١ ـ حقيقة التّوبة.
٢ ـ وجوب التّوبة.
٣ ـ عمومية التّوبة.
٤ ـ أركان التّوبة.
٥ ـ قبول التّوبة ، هل عقلي أو نقلي؟
٦ ـ تقسيم التّوبة وتجزئتها.
٧ ـ دوام التّوبة.
٨ ـ مراتب التّوبة.
٩ ـ معطيات وبركات التّوبة.
١ ـ حقيقة التّوبة
«التوبة» في الأصل ، هي الرجوع عن الذّنب «هذا إذا ما نسبت للمذنبين» ، ولكن الآيات القرآنية والرّوايات نسبتها إلى الباري تعالى ، وعليه فيصبح معناها : الرجوع إلى الرّحمة
__________________
١ ـ اصول الكافي ، ج ٢ ، باب التوبة ، ص ٤٣٥ ، ح ٨.
الإلهيّة ، تلك الرحمة التي سُلبت من الإنسان إثر إرتكابه للمعصية والذّنب ، فبعد عودته لموقع العبودية والعبادة ، تمتد إليه الرّحمة الإلهيّة من جديد ، وبناءاً على ذلك فإنّ أحد أسماء الباري تعالى ، هو (التواب).
و «التّوبة» في الحقيقة : هي مشترك لفظي أو معنوي بين الله وعباده ، (ولكن إذا ما نُسبت للعبد ، تتعدى بكلمة «إلى» ، وإذا ما نُسبت للباري تعالى ، فهي تتعدى بكلمة «على»)(١) .
وورد في «المحجّة البيضاء» ، عن حقيقة التّوبة فقال : «إعلم أنّ التّوبة عبارةٌ عن معنى ينتظم ويلتئم ، من ثلاثة امورٍ مرتّبةٍ : علم وحال وفعل ، فالعلم أوّل والحال ثان والفعل ثالث ، أمّا العلم فهو معرفة عِظم ضرر الذنوب ، وكونها حجاباً بين العبد وبين كلّ محبوب ، فإذا عرفت ذلك معرفةً محقّقةً بيقينٍ غالب على قلبه ، ثار من هذه المعرفة ، تألّمٌ للقلب بسبب فوات المحبوب ، فإنّ القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألّم ، فإن كان فواته بفعله تأسّف على الفعل المفوّت ، فيسمّى تألّمه بسبب فعله المفوّت لمحبوبه ندماً ، فإذا غلب هذا الألم على القلب وإستولى ؛ إنبعث من هذا الألم في القلب ، حالةً اخرىً تسمّي إرادةً وقصداً إلى فعلٍ له تعلّق بالحال وبالماضي والإستقبال.
فثمر نور هذا الإيمان مهما أشرق على القلب ، نار الندم فيتألّم به القلب ، حيث يبصر بإشراق نور الإيمان أن صار محجوباً عن محبوبه»(٢) .
وهو الشّيء الذي يدعوه البعض : بالثّورة الروحيّة والنفسيّة ، ويعتبرون التّوبة نوعاً من الإنقلاب الرّوحي ، في باطن الإنسان على كلّ شيء ، وتحثّه هذه الحالة على إتخاذ موقف جديد ، حيال أعماله وبرامجه الآتية ، من موقع الوضوح في الرّؤية لعناصر الخير والشرّ.
٢ ـ وجوب التّوبة
إتّفق علماء الإسلام على وجوب التّوبة ، وكذلك فإنّ القرآن قد صرّح بها في الآية (٨)
__________________
١ ـ تفسير الفخر الرازي وتفسير الصّافي ، ذيل الآية ٣٧ من سورة البقرة.
٢ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٧ ، ص ٥.
من سورة التّحريم :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) .
إنّ كلّ الأنبياء عند ما يتقلدّون أعباء الرّسالة ، فأوّل شيء يدعون إليه هو التّوبة ، لأنّه بدون التّوبة وتنقية القلب ، لا يوجد مكان للتّوحيد والفضائل في أجواء النّفس وواقع الإنسان.
فالنّبي هودعليهالسلام ، أوّل ما دعى قومه : إلى التّوبة والإستغفار ، فقال تعالى :( وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) (١)
وكذلك النّبي صالحعليهالسلام ، جعل التّوبة أساساً لعمله ودعوته ، فقال تعالى :( فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) (٢) .
ثم النّبيّ شعيبعليهالسلام ، الذي تحرك في دعوته من هذا المنطلق ، فقال تعالى :( وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ) (٣) .
ودعمت الروايات ذلك الأمر ، وأكّدت على وجوب التّوبة الفوريّة ، ومنها :
١ ـ وصية الإمام عليعليهالسلام لإبنه الإمام الحسنعليهالسلام :
«وَإِنْ قَارَفْتَ سَيِّئَةً فَعَجِّلْ مَحوَها بِالتَّوبَةِ» (٤) .
طبعاً حاشا للإمام أن يقترف الذّنوب ، ولكن قصد الإمام عليعليهالسلام هنا ، تنبيه الآخرين إلى هذا المعنى.
٢ ـ قال الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، لإبن مسعود :
«يا بنَ مَسْعُودَ لا تُقَدِّمِ الذَّنْبَ وَلا تُؤَخِرِ التَّوبَةَ ، وَلَكِنْ قَدِّمِ التَّوبَةَ وَأَخِّرِ الذَّنْبَ» (٥) .
٣ ـ وفي حديثٍ آخر ، قال الإمام عليعليهالسلام :«مُسَوِّفُ نَفْسِهِ بِالتَّوبَةِ مِنْ هُجُومِ الأَجَلَ عَلَى أعْظَمِ الخَطَرِ». (٦)
__________________
١ ـ سورة هود ، الآية ٥٢.
٢ ـ سورة هود ، الآية ٦١.
٣ ـ سورة هود ، الآية ٩٠.
٤ ـ بحار الأنوار ، ج ٧٤ ، ص ٢٠٨.
٥ ـ بحار الأنوار ، ج ٧٤ ، ص ١٠٤.
٦ ـ مستدرك الوسائل ، ج ١٢ ، ص ١٣٠.
٤ ـ وقال الإمام الرضاعليهالسلام نقلاً عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :
«لَيسَ شَيءٌ أَحَبُّ إلَى اللهِ مِنْ مُؤمِنٍ تائِبٍ أو مُؤمِنَةٍ تائِبَةٍ» (١) .
ويمكن أن يكون هذا الحديث دليلاً على وجوب التّوبة ، لأنّها أحبّ الأشياء إلى الله تعالى في دائرة السّلوك البشري.
مضافاً إلى ذلك ، هناك دليلٌ عقلي على وجوب التّوبة ، وهو أنّ العقل يحكم ، بوجوب دفع الضّرر المحتمل أو المتيقن ، وتحضير وسائل للنجاة من العذاب الإلهي ، وبما أنّ التّوبة هي أفضل وسيلةٍ للنجاة من العذاب ، فلذلك يحكم العقل السليم بوجوبها ، فالعاصين أنّى لهم الخلاص ، من العذاب الدّنيوي والاخروي ، ولمّا يتوبوا بعد؟!
نعم ، فإنّ التّوبة واجبةٌ ، بدليل القرآن والرّوايات والعقل ، إضافةً إلى قبول المسلمين لها أجمع ، وبناءً عليه فإنّ الأدلّة الأربعة تحكم بوجوب التّوبة ، ووجوبها فوري ، وقد تطرق علم الاصول لهذا الأمر ، على أساس أنّ الأوامر كلّها ظاهرةٌ في الوجوب ما لم يثبت العكس.
٣ ـ عموميّة التوبة
لا تختص التّوبة بذنبٍ من الذنوب ، أو شخص من الأشخاص ، ولا تتحدّد بزمانٍ ولا مكانٍ ولا عمرٍ محدد.
وعليه فإنّ التّوبة تشمل جميع الذّنوب وتستوعب كلّ فردٍ في أي مكانٍ أو زمانٍ كان ، وإذا ما إحتوت على كلّ الشّروط ، فستُقبل من قبل الباري تعالى ، والاستثناء الوحيد الذي لا تُقبل فيه التّوبة ، والذي أشار إلى القرآن الكريم ، هو : التّوبة عند حضور الموت ، أو نزول العذاب الإلهي ، (كما تاب فرعون في آخر لَحَظات عمره) ، فعندها لن تُقبل توبته ، لأنّ التّوبة عندها ليست توبةً حقيقيّةً ، ولا هي صادرةٌ من الشّخص من موقع الإختيار ، فيقول الباري تعالى :
( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ
__________________
١ ـ مستدرك الوسائل ، ج ١٢ ، ص ١٢٥.
الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) »(١) .
ونقرأ في قصّة فرعون : عند ما إنفلق البحر لموسىعليهالسلام ، وتبعه فرعون وجنوده ، واغرِق فرعون ، فقال :( آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (٢) .
ولكنّه سمع الجواب مباشرةً ، فقال تعالى :( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) (٣) .
وأمّا بالنسبة للُامم السّابقة ، فقال تعالى :( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ) .
فأجابهم القرآن الكريم :( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ ) (٤)
وكذلك بالنّسبة للحدود الإلهيّة ، عند ما يقع المجرم في أيدي العدالة ، فلن تقبل توبته ، لأنّه لم يتب واقعاً بل خوفاً من العقاب لا غير.
فالتّوبة التي لا تقبل من الباري تعالى ، هي التّوبة التي تخرج من شكلها الإختياري في مسيرة الإنسان.
وقال البعض : توجد ثلاثة موارد اخرى لا تقبل فيها التوبة :
الأول : «الشّرك» ، حيث يقول القرآن الكريم :( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) (٥) .
ولكن هذا الأمر يبتعد عن الصّواب والصّحة ، بل أنّ الآية لم تتكلم عن التّوبة ، ولكنّها تحدثت عن العفو عن المشرك من دون توبةٍ ، وإلّا فانّ كلّ الأشخاص قبل الإسلام ، تابوا من شركهم وقبلت توبتهم ، وكذلك كلّ من يدخل في الإسلام في عصرنا الحاضر ، فتوبته مقبولةٌ
__________________
١ ـ سورة النّساء ، الآية ١٨.
٢ ـ سورة يونس ، الآية ٩٠.
٣ ـ سورة يونس ، الآية ٩١.
٤ ـ سورة غافر ، الآية ٨٤ و ٨٥.
٥ ـ سورة النّساء ، الآية ٤٨.
عند جميع علماء المسلمين ، ولكن إذا مات المُشرك وهو على شِركه ، فلن يتوب الله تعالى عليه ، أمّا في حالة أن يموت على التّوحيد ، ولكنّه قد إرتكب ذنوباً في سالف حياته ، فمن الممكن أن يعفو عنه الله تعالى ، وهذا ما نستوحيه من مفهوم الآية الكريمة.
وخلاصة القول ، أنّ المشركين لن يشملهم العفو الإلهي المنفتح على الخلق ، بل هو للمؤمنين الموحّدين ، والتّوبة تغفر كلّ الذنوب حتى الشّرك.
ثانياً وثالثاً : يجب أن تكون التّوبة مُباشرةً بعد الذنب ، ولا تؤخّر إلى وقتٍ بعيدٍ ، وكذلك يجب أن يكون إرتكاب الذنب عن جهالةٍ لا عن عنادٍ ، ونقرأ في الآية (١٧) من سورة النساء :( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً ) .
والجدير بالملاحظة ، أنّ كثيراً من المفسّرين ، حملوا هذه الآية على التّوبة الكاملة ، لأنّه من الطّبيعي ، عند ما يُذنب الإنسان من موقع العناد والغيّ ، ثم يتوجّه لحقيقة الحال ، ويندم على أفعاله السّابقة ، فإنّ الباري تعالى يتوب عليه ، وقد حدّثنا التأريخ عن نماذج كثيرةً وأفراداً كانوا في صفوف المُعاندين والأعداء ، ثم رجعوا عن غيّهم وتابوا ، وعادوا إلى حضيرة الإيمان والصّلاح.
ومن المعلوم حتماً ، لو أنّ الإنسان أمضى عمره بالذّنوب والعصيان ، ولكن تاب بعدها توبةً نصوحاً ، وتحول من دائرة المعصية والإثم ، إلى دائرة الطّاعة والإيمان ، فإنّ الله تعالى سيقبل توبته لا محالة.
ونقرأ في الحديث المشهور عن النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال :
«مَنْ تابَ إِلى اللهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِسَنَةٍ تابَ اللهُ عَليهِ ، وَقَالَ : ألا وَسنَةُ كَثِيرَ ، مَنْ تابَ إِلى اللهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِشَهْرٍ تابَ اللهُ عَلَيهِ ، وَقَالَ : شَهْرُ كَثِيرٌ ، مَنْ تابَ إِلى اللهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِجُمْعَةٍ تابَ اللهُ عَلَيهِ ، قَالَ : وَجُمْعَةُ كَثيرٌ ، مَنْ تابَ إِلى اللهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِساعَةٍ تابَ اللهُ عَلَيهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَساعَةُ كَثِيرٌ ، مَنْ تابَ إِلى اللهِ قَبْلَ أنْ يُغَرغِرَ بِالمَوتِ تابَ اللهُ عَلَيهِ» (١) .
__________________
(١) مستدرك الوسائل ، ج ١٢ ، ص ١٤٥ ، (باب صحة التوبة في آخر العمر ، ح ٥).
وطبعاً القصد منه ، التّوبة بجميع شرائطها ، فمثلاً إذا كان في عنقه حقوق الناس فعليه أن يوصي بها لمن هو بعده ، ثم يتوب بعدها.
وتوجد آياتٌ كثيرةٌ ، تدلّ على شمولية التوبة لجميع الذّنوب ، ومنها :
١ ـ نقرأ في الآية (٥٣) من سورة الزمر :( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) .
٢ ـ نقرأ في الآية (٣٩) من سورة المائدة :( فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
٣ ـ نقرأ في الآية (٥٤) من سورة الأنعام :( أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
ففي هذه الآية نرى ، أنّ سوء العمل مطلقٌ ويشمل كلّ الذّنوب ، ومع ذلك فلا تُحجب عنه التّوبة وطريق العودة.
٤ ـ نقرأ في الآية (١٣٥) من سورة آل عمران :( وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) .
وهنا الظّلم أيضاً يشمل جميع الذنوب ، لأنّ الظلم مرّة يقع على الغير واخرى على النفس ، ووعدت هذه الآية ، جميع المذنبين بالتّوبة عن جميع ذنوبهم وآثامهم ، في أطار الذّكر والإستغفار.
٥ ـ نقرأ في الآية (٣١) من سورة النّور ، حيث خاطبت جميع المؤمنين :( وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) .
فكلمة «جميعاً» تدعو جميع المذنبين للتوبة ، ولو لا شموليّة وعموميّة التّوبة ، لما صحّت هذه الدّعوة القرآنية.
والجدير بالملاحظة ، أنّ الآيات المذكورة آنفاً ، مرّةً تؤكّد على الإسراف ، واخرى على الظّلم ، ومرّةً على سوء العمل ، والوعد الإلهي بالمغفرة لجميع هذه العناوين ، في حال إنضوائها
تحت عنوان التّوبة ، عن كل سوءٍ وظلمٍ وإسرافٍ يقترفه الإنسان ويتوب منه ، فإنّ الله تعالى سيتوب عليه.
ووردت رواياتٌ كثيرةٌ في هذا المجال ، في مصادر الفريقين ، السّنة والشّيعة ، وأنّ باب التّوبة مفتوح حتى اللّحظات الأخيرة من العُمر ، ما لم يرى الإنسان الموت بعينه.
ويمكن الرجوع إلى الرّوايات في كتبٍ ، مثل : بحار الأنوار(١) ، واصول الكافي(٢) ، والدرّ المنثور(٣) ، وكنز العمّال(٤) ، وتفسير الفخر الرازي(٥) ، وتفسير القُرطبي(٦) ، وتفسير روح البيان(٧) ، وتفسير روح المعاني(٨) . وكتب اخرى ، ويمكن القول أنّ هذا الحديث هو من الأحاديث المتواترة.
٤ ـ أركان التّوبة
كما نعلم ، أنّ حقيقة التّوبة هو الرّجوع إلى ساحة الباري تعالى ، والإقلاع عن العِصيان ، في ما لو كان ناشئاً من النّدم على ما سبق من الأعمال السّيئة ، ولازم النّدم هو العلم بأنّ الذنب يحيل بين المذنب والمحبوب الحقيقي ، ويترتب عليه العزم والتّصميم على عَدم العودة ، وعلى التّحرك لجبران ما فات ، ومحو آثار الذنوب السّابقة من باطن وجوده وخارجه ، ويتحرّك كذلك في دائرة إعادة الحقوق الباقية في ذمّته ، وأكّد القرآن الكريم ، في كثير من الآيات على هذا المعنى ، وجعل التّوبة مقارنةً للإصلاح :
١ ـ الآية (١٦٠) من سورة البقرة ، وبعد الإشارة إلى ذنب كتمان الآيات الإلهيّة وو العقاب الذي يترتب على ذلك قالت :( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) .
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٦ ، ص ١٩ وج ٢ ، ص ٤٤٠.
٢ ـ اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٤٤٠.
٣ ـ الدرّ المنثور ، ج ٢ ، ص ١٣١.
٤ ـ كنز العمّال ، ح ١٠١٨٧ و ١٠٢٦٤.
٥ ـ تفسير الفخر الرازي ، ج ١٠ ، ص ٧ ، في ذيل الآية أعلاه.
٦ ـ تفسير القرطبي ، ج ٣ ، ص ١٦٦ ، في ذيل الآية أعلاه.
٧ ـ تفسير روح البيان ، ج ٢ ، ص ١٧٨ ، ذيل الآية أعلاه.
٨ ـ تفسير روح المعاني ، ج ٤ ، ص ٢٣٣.
٢ ـ الآية (٨٩) من سورة آل عمران ، وبعد إشارتها لمسألة الإرتداد وعقابها ، يقول تعالى :( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
٣ ـ الآية (١٤٦) من سورة النساء ، وبعد إشارتها للمنافقين ، وعاقبة أمرهم السّيئة ، تذكر :( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ ) .
٤ ـ وفي الآية (٥) من سورة النّور ، وبعد ذكرها للعقوبة الشّديدة المترتبّة على القَذَف ، في الدنيا والآخرة ، ذكرت :( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
٥ ـ وبالتالي نرى عنصر التّوبة ، بمثابة قانون كلّي يستوعب في نطاقه جميع الذّنوب ، فقال تعالى في الآية (١١٩) من سورة النحل :( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
٦ ـ ورد شبيه لهذا المعنى ، في الآية (٨٢) من سورة طه :( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) .
وأشارت الآية الكريمة هنا ، بالإضافة إلى رُكني التّوبة الأساسييّن ، وهما : العودة إلى الله ، والعمل الصالح ، وجُبران الماضي ، ذكرت مسألة الإيمان والهداية.
والحقيقة أنّ الذنوب تقلل نور الإيمان في قلب الإنسان ، وتحرفه عن الطّريق ، وعليه فإنّه بالتّوبة يجدّد إيمانه وهدايته ، في نطاق إصلاح الباطن.
٧ ـ وورد في سورة الأنعام ، الآية (٤٥) ، معنى مشابه أيضاً :( أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
وممّا ذكر من الآيات الآنفة ، تتضح لنا مسألة التّوبة بصورةٍ كاملةٍ ، فالتّوبة الحقيقيّةُ ليست بلفظ الإستغفار وحده ، والنّدم على ما مضى ، والإقلاع عنه في المستقبل ، بل تتعدّى إلى دائرة الإنفتاح على العمل ، لإصلاح كلّ التّقصيرات والمفاسد الّتي صدرت منه في السّالف ، ومحو آثارها من نفسه وروحه ومن المجتمع ، لتحصيل الطّهارة الكاملة في واقع الإنسان والحياة ، وطبعاً بالقدر الممكن.
فهذه هي التّوبة الحقيقيّة ، وليس الإستغفار وحده!.
والجدير بالذّكر أنّ كلمة «الإصلاح» ، ورد ذكرها دائماً بعد ذكر التّوبة ، كالآيات الآنفة الذّكر ، ومعناها واسعٌ يشمل كلّ ما فات ، من قصورٍ وتقصيرِ يُبعد الإنسان عن خطّ الإيمان ، ومنها :
١ ـ التّائب يجب أن يُؤدّي جميع الحقوق لُمستحقيها ، فإنّ كانوا أحياء فَبِها ، وإلّا فلورثتهم.
٢ ـ إذا كان قد تعامل مع الآخرين ، من موقع الإهانة والغيبة ، وغيرها من الامور السلبية في دائرة السلوك ، فيجب عليه طلب الحلية منهَ ورَدّ إعتباره ما دام الآخر يعيش في هذه الدنيا ، وإن كان قد وافاه الأجل ، فعليه أن يتحرّك على مستوى إرسال الثّواب لروحه ، كي ترضى.
٣ ـ أن يَقْضي ما فاته من العبادات : كالصّلاة والصّيام ودفع الكفارات.
٤ ـ نعلم أنّ ممارسة الخطيئة والوقوع في منحدر الذنوب ، يُظلم الرّوح ويسوّد القلب ، فعلى التّائب السّعي لتنوير قلبه بالطّاعة والعّبادة ، لتنفتح روحه على الله تعالى ، في أجواء الإيمان.
وأفضل وأكمل تفسير ورد لمعنى الإستغفار ، هو ما ورد عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، في كلماته القصار في نهج البلاغة :
قالعليهالسلام لقائلٍ قال بحضرته :«أَسْتَغْفِرُ اللهَ» ـ وكان الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام يعرف سوابقه وأعماله ـ«ثَكَلَتْكَ امُّكَ أَتدرِي مَا الاسْتِغْفارُ؟ الإسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ العِلِّيينَ ، وَهوَ إسمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعانٍ».
أَوَّلُها النَّدمُ عَلى مَا مَضى.
والثَّانِي العَزْمُ عَلَى تَرْكِ العَودِ إِلَيهِ أَبَداً.
والثَّالِثُ أنْ تُؤَدِّي إِلَى الَمخْلُوقِينَ حُقُوقَهُم حَتَّى تَلقَى اللهَ أَمْلَسَ لَيسَ عَلَيكَ تَبِعَةٌ.
الرّابِعُ أنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيكَ ضَيَّعْتَها فَتُؤَدِّيَ حَقَّها.
الخَامِسَ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلى السُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالأحزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ الجِلْدَ بِالعَظمِ ، وَيَنْشَأَ بَينَهُما لَحْمٌ جَدِيدٌ.
والسَّادِسَ أَن تُذِيقَ الجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ : «أَسْتَغْفِرُ اللهَ» (١) .
__________________
١ ـ نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة ٤١٧.
ونقل نفس هذا المعنى في وروايةٍ اخرى ، عن كميل بن زياد عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقال :يا أمِيرَ المؤمنين العَبْدُ يُصِيبُ الذَّنْبَ فَيَسْتَغْفِرُ اللهَ مَنْهُ فَما حَدُّ الإستِغْفَارِ؟.
فقال الإمامعليهالسلام :«يا ابْنَ زِيادٍ التَّوبَةُ».
قلت :بَسْ.
قالعليهالسلام :«لا».
قلت :فَكَيفَ؟
قالعليهالسلام :«إنَّ العَبْدَ إِذا أَصابَ ذَنْبَاً يَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللهَ بِالتَّحْرِيكِ».
قلت :وَما التَّحْرِيكُ؟.
قالعليهالسلام :«الشَّفَتَانِ وَاللِّسانِ يُرِيدُ أَنْ يَتْبِعَ ذَلِكَ بِالحَقِيقَةِ».
قلت :وَما الحَقِيقَة؟.
قالعليهالسلام :«تَصْدِيق فِي القَلْبِ وَإِضْمارُ أَنْ لا يَعُودَ إلَى الذَّنْبِ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنْهُ».
فقلت :«فإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنَ المُسْتَغْفِرينَ».
قالعليهالسلام :«لا».
فقال كميلرحمهالله ، قلت :فَكَيفَ ذاكَ.
فقال الإمامعليهالسلام :«لِأَنَّكَ لَمْ تَبْلُغْ إِلَى الأَصْلِ بَعْدَهُ».
فقال كميلرحمهالله :فَأَصْلِ الإِسْتِغْفارِ ما هُوَ؟.
فقال الإمامعليهالسلام :«الرُّجُوعُ إِلَى التَّوبَةِ مِنَ الذَّنْبِ الَّذي إِسْتَغْفَرْتَ مِنْهُ وَهِيَ أَوَّلُ دَرَجَةِ العابِدِينَ».
ثم قال الإمامعليهالسلام :«وَتَركُ الذَّنْبِ والاستِغفارِ اسمٌ وَاقِعٌ لِمعانٍ سِتّ».
ثم ذكر نفس المراحل السّتة ، المذكورة في قصار الكلمات لنهج البلاغة ، مع قليلٍ من الاختلاف(١) .
ويمكن أن يقال : إنّ التّوبة إذا كانت كما ذكرها أمير المؤمنينعليهالسلام ، فلن يوجد تائب حقيقي أبداً.
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٦ ، ص ٢٧.
ولكن يجب الّتنبّهُ إلى أنّ بعض الشروط السّتة ، هي في الحقيقة من كمال التّوبة ، كما في الشّرط الخامس والسّادس ، أمّا الشّروط الأربعة الاخرى ، فهي من الشّروط الواجبة واللّازمة ، أو كما يقول بعض المحقّقين : إنّ القسم الأول ، والثّاني من أركان التّوبة ، والثّالث والرابع هما من الشروط اللّازمة ، والخامس والسّادس من شروط الكمال(١) .
وجاء في حديثٍ آخر عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال :«أمّا عَلامَةُ التَّائِبِ فَأَرْبَعَةٌ : النّصِيحةُ للهِ فِي عَمَلِهِ وَتَركُ الباطِلِ وَلُزُومِ الحَقِّ وَالحِرصُ عَلَى الخَيْرِ» (٢) .
ويجب الإنتباه ، أنّ الذّنب إذا تسبّب في إضلال الآخرين ، مثل الدّعاية المضلّة ، والبِدعة في الدّين ، سواء كان عن طريق البيان ، أو عن طريق الكتابة ، فيجب عليه إرشاد الضّالين بالقدر الّذي يستطيع ، وإلّا فلن تُقبل توبته.
ومنه يتّضح صعوبة سلوك طريق التوبة ، بالنّسبة إلى المحرّفين للآيات الإلهيّة ، والمُبتَدِعين في دين الله تعالى ، والذين يتحرّكون على مستوى إضلال الناس ، وسوقهم إلى الإنحراف.
فليس من الصحيح ، أن يُضلّ شخصٌ عدداً غفيراً من النّاس ، في الملأ العام ، أو بكتاباته ومقالاته ، ثمّ يجلس في زاوية البيت ، ويستغفر الله تعالى ليعفو عنه ، فمثل هذه التّوبة ، لن تُقبلَ أبداً.
وكذلك الذي يهتك حرمة أحد الأشخاص أمام الملأ ، ثم يستحلّ منه على إنفراد ، أو يتوب في خَلوته ، فلن تُقبل مثل هذه التّوبة ، ما لم يرد إعتبار ذلك الشخص ، أمام الملأ العام.
وبناءً على هذا ، فإنّنا نقرأ في الرّوايات عن أشخاصٍ هَتكوا حُرمة الغير ، واجري عليهم الحَد ، فإنّ توبتهم لن تقبل ، إلّا إذا رجعوا عن غيّهم وكلامهم.
وقد ورد في حديث مُعتبر ، عن الإمام الصادقعليهالسلام ، قال الرّاوي : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن المحدود إذا تاب ، أتقبل شهادته؟ ، فقال :
«إذا تابَ وَتَوبَتُهُ أَنْ يَرْجَعَ مِمّا قالَ وَيُكِذِّبَ نَفْسَهُ عِنْدَ الإِمامِ وَعِنْدَ المُسْلِمِينَ ، فإذا فَعَلَ
__________________
١ ـ كتاب «گفتار معنوي» ، للمرحوم الشهيد مطهري ، ص ١٣٩.
٢ ـ تُحف العقول ، ص ٣٢.
فَإِنَّ عَلَى الإِمامِ أَنْ يَقْبَلَ شَهادَتَهُ بَعْدَ ذَلِك» (١) .
وَوَرد في حديثٍ آخر :«أَوصى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلى نَبِيٍّ مِنَ الأنبِياءِ ، قُلْ لِفُلانَ وَعِزَّتِي لَو دَعَوتَنِي حَتّى تَنْقَطِعَ أَوصالُكَ ، ما اسْتَجَبْتُ لَكَ ، حَتّى تَرّدَ مَنْ ماتَ إِلى ما دَعَوتَهُ إِلِيهِ فَيَرْجَعَ عَنْهُ» (٢) .
فهذا الحديث يبيّن أهميّة مسألة الإصلاح ، والسّعي لجبران الخلل من موقع التّوبة ، وإلى أيّ حدٍّ يمتد في آفاق الممارسة العمليّة ، وبدون ذلك ستكون التّوبة صوريّة أو مقطعيّة.
وآخر ما يمكن أن يقال في هذا المجال ، أنّ من يقنع من الإستغفار بالإسم ، مُقابل كثرة الذّنوب والمعاصي ، ولا يسعى في تحصيل أركانه وشروطه ، فكأنّه قد إستهزأ بنفسه ، وبالتّوبة وبالإستغفار.
وفي ذلك يقول الإمام الباقرعليهالسلام :
«التّائِبُ مِنَ الذَّنِبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لِهُ ، وَالمُقِيمُ عَلَى الذَّنْبِ وَهُوَ مُسْتَغْفِرٌ مِنْهُ كالمُستَهزِىء» (٣) .
٥ ـ قبول التوبة : هل هو عقلي أم نقلي؟
إتّفق علماء الأخلاق أنّ التّوبة الجامعة للشّرائط ، مقبولة عند الله تعالى ، ويدل على ذلك الآيات والرّوايات ، ولكن يوجد نقاش حول قبول التّوبة ، هل هو عَقلي أم عقلائي ، أم نَقلي؟.
ويعتقد جماعة ، أنّ سقوط العقاب الإلهي ، هو تفضل من الباري تعالى ، فبعد تحقق التّوبة من العبد ، يمكن للباري تعالى أن يتوب على عبده ويغفر له ، أو لا يغفر له ، كما هو المُتعارف بين النّاس ، عند ما يقوم أحد الأشخاص بظلم الغَير ، فِللمظلوم أن يغفر له ، أو لا يعفو عنه.
وترى جماعةٌ اخرى ، أنّ العقاب يسقط حتماً بعد التّوبة ، وعدم قبول عُذر المجرم ، من الله تعالى ، بعيدٌ وقبيحٌ ، ولا يصدر منه تعالى.
__________________
١ ـ وسائل الشيعة ، ج ١٨ ، ص ٢٨٣ ، ج ١ باب ٣٧ ، من أبواب الشّهادات.
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٩ ، ص ٢١٩.
٣ ـ اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٤٣٥ ، باب التوبة ، ح ١٠.
وهنا يمكن قبول رأي ثالث ، وهو أنّ قبول التّوبة أمر عقلائي ، يعني أنّ العقل وإن لم يوجب قبول التّوبة والعُذر ، ولكنّ بناءَ العُقلاء في العالم كلّه ، مبنيٌّ على قبول عذر الخاطيء ، وإقالة عثرته ، إذا ما عاد عن غَيّه ، وأصلح أعماله السّيئة ، وجَبر ما كسره ، وأرضى خصمائه بطرقٍ مختِلفَةٍ ، فهذا الموقف هو بناء العقلاء في العالم أجمع ، فلو أصرّ شخص على نفي هذا المبدأ العقلائي ، ولم يقبله في سلوكه إتجّاه المُعتذر ، فسيعتبر حقوداً وخارجاً عن موازين الإنسانية والأخلاق.
ولا شك أنّ الله تعالى ، وهو القادر والغني عن العالمين ، أَوْلى وأجدر من عباده بالعفو والمغفرة ، وقبول عذر التائب ، وعدم إنزال العقاب عليه.
ويمكن القول بأكثر من ذلك ، وهو وجوب قبول التّوبة ، لدى العقل الذي يعتمد على قاعدة : «قُبح نَقض الغَرض».
وتوضيح ذلك : نحن نعلم أنّ الباري تعالى ، غنيٌّ عن عباده وطاعة العالمين ، وإن كلّفنا بشيءٍ فهو لطفٌ منه ، للسير في خطّ التّكامل والتّربية ، فالصّلاة والصّيام تُربّي النّفس وتُقرّب الإنسان من الله تعالى ، وكذلك سائر الواجبات ، فلها قِسطٌ في عمليّة التّكامل الإنساني.
فنقرأ عن الحج : «لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُم»(١) .
ونقرأ في الآيات الاخرى ، أنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر(٢) ، والصّوم سبب للتّقوى(٣) ، والزّكاة لتطهير الأفراد والمجتمع من الرذائل الأخلاقيّة والإنحرافات(٤) .
وإعتبرت الرّوايات الإيمان ، سبباً للطهارة من الشّرك ، والصّلاة لِدرء الكِبَر عن الإنسان ، والحجّ سبباً لوحدة المسلمين ، والجهاد لِعزّة المسلمين(٥)
وعليه فإنّ كلّ التّكاليف الإلهيّة ، هي من أسباب سعادة الإنسان ، وتكامله في خط الإيمان
__________________
١ ـ سورة الحج ، الآية ٢٨.
٢ ـ سورة العنكبوت ، الآية ٤٥.
٣ ـ سورة البقرة ، الآية ١٨٣.
٤ ـ سورة التوبة ، الآية ١٠٣.
٥ ـ نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، مقتبسة من جملة رقم (٢٥٢).
والحقّ والتّكامل ، هذا هو الهدف الأصلي للإنسان ، في دائرة الوصول لمرتبة القرب الإلهي ، والعبودية الحقّة ، قال الباري تعالى : «وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ»(١) .
ولا شك فإنّ وجوب التّوبة ، وقبولها من قبل الباري تعالى ، يشكّل إحدى حلقات التّكامل المعنوي للإنسان ، لأنّ الإنسان من طبيعته الخطأ ، فإذا أوصد الباب دونه ، فلن يتكامل أبداً.
وإذا ما احيط الإنسان علماً بالتّوبة ، وأنّ الباري فتح الباب أمامه بشرط إصلاح ما مضى ، فمثل هذا الإنسان يكون أقرب للسّعادة والتّكامل ، ويبتعد عن الإنحراف والخطأ في مسيرة الحياة.
والنّتيجة : أنّ عدم قبول التّوبة يؤدي إلى نقض الغرض ، لأنّ الهدف من التّكاليف والطّاعة ، هو تربية وتكامل الإنسان ، وعدم قبولها لا ينسجم مع هذا الغرض ، ومن البعيد عقلاً على الحكيم ، أن ينقض غرضه.
وعلى كلّ حال ، فإنّ التّوبة وقبولها لها علاقةٌ وثيقةٌ بالتّكامل الإنساني ، وبدونها سينتفي الدّافع والقصد للتّكامل ، وسيكون الإنسان في غاية اليأس من النّجاة ، مما يشجعه على الّتمادي في إرتكاب المعاصي ومُمارسة الجريمة ، ولذلك فإنّ كلّ المربّين ، سواء كانوا إلهيين أم ماديّين ، يؤكّدون على مسألة التّوبة ، ويجعلون الطّريق مفتوحاً دائماً أمام الخاطئين ، كَي يُحرّكوا فيهم روح الأنابة ، ودافع الإصلاح والحركة نحو الكمال المُطلق.
وعليه فإنّ التوبة بشرائطها ، لم تحكم بها الآيات والرّوايات فقط ، بل هي ثابتة بحكم العقل وسيرة العُقلاء ، وهذا أمرٌ لا يمكن تجاهله البتّة.
٦ ـ التّبعيض في التّوبة
هل يمكن للإنسان أن يقيم على بعض الذّنوب ، ويتوبَ عن البعض الآخر؟ ؛ فمثلاً إذا كان يشربُ الخَمر ويغتابُ الناس ، فهل يصحّ منه الإقلاع عن الخمر فقط ، بينما يستمر في خط الغِيبة؟
__________________
١ ـ سورة الذّاريات ، الآية ٥٦.
يقول البعض : إنّ التّوبة يجب أن تكون شاملةً لكلّ الذّنوب ، لأنّ المسألة تعود إلى عِصيان الباري تعالى ، وَهَتك حُرمته ، فالنّادم يجب أن يترك كلّ الذّنوب ، لا أنّ يُصِرّ عليها.
لكن هذا الكلام مُجانب للصواب ، حيث يمكن القول بصحّة التّجزئة في عمليّة التّوبة ، (وصرّح بها بعض العلماء ، مثل المرحوم النّراقي في «معراج السعادة» ، وقد نقلها عن أبيهرحمهالله ) ، لأنّه ربّما يكون الإنسان ، على إطّلاعٍ كاملٍ على آثار بعض الذّنوب وَعَواقبها السّيئة ، أو هو عند الله أشدّ وأقبح ، ولأجل ذلك فإنّه يتركه على مستوى الممارسة ويتوب منه ، أمّا بالنّسبة للذنوب التي هي أقلّ قُبحاً ، أو أقل عِقاباً ، أو لأنّ علمه بها وإطلاعه على ما يترتب عليها من المفاسد ، ليس كافياً بالدّرجة التي تردعه عنه ، فإنّه يستمر في ممارستها.
فأكثر التائبين هم كذلك ، فغالباً ما يقلعون عن بعض الذّنوب ، ويبقون على البَعض ، ولم يردنا شيءٌ من قبل الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، أو الأئمّة الأطهارعليهمالسلام ، أو علماء الإسلام ، ينفي قبول مثل هذه التوبة ، ويؤكّد على التوبة الكاملة الشاملة لكلّ الذنوب التي يرتكبها الإنسان.
ونرى في الآيات الشّريفة ، إشارات واضحة على معنى التّجزئة في التّوبة ، وصحّة القول بالتّفكيك ، فمثلاً بالنّسبة للمُرابين ، يقول تعالى :( وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ) (١) .
وبالنّسبة للمرتدين بعد الإيمان ، يقول تعالى :( أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ) (٢) .
وبالنّسبة للمحاربين والمتسببّين في ضَلال الناس والمجتمع ، فبعد ذكر ما يستحقون من العِقاب الشّديد ، يقول تعالى :( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٣) .
وأمّا بالنّسبة للأعمال المنافية للعفّة ، فيقول تعالى :( فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً ) (٤) .
وفي مكان آخر أشار إلى الذّنوب ، مثل : الشّرك ، وقتل النفس ، والزنا ، وعقوباتها ، فقال :
__________________
١ ـ سورة البقرة ، الآية ٢٧٩.
٢ ـ سورة آل عمران ، الآية ٧٨ و ٧٩.
٣ ـ سورة المائدة ، الآية ٢٤.
٤ ـ سورة النساء ، الآية ١٦.
( إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ) (١) .
ورغم أنّ بعض الآيات ، تناولت بعض العقوبات الدنيويّة ، والعفو عنها بالتّوبة ، لكنّ الحقيقة أنّه لا يوجد فرق من هذا اللحاظ ، فإذا ما غفرت في الدنيا فستغفر في الآخرة قطعاً.
والخُلاصة : أنّه لا يوجد مانعٌ من التّفكيك والتّفريق ، بين الذّنوب من جهاتها الَمختلفة ، مثل : (الفرق في ميزان المعلومات ، الدّوافع ، وقُبح الذّنوب) ، ولكنّ التّوبة الكّاملة الشّاملة ، هي التّوبة التي تستوعب جميع الذنوب ، بدون التّفريق بينها في خطّ العودة إلى الله تعالى.
٧ ـ دوام التّوبة
التّوبة يجب أن تكون مستمرةً ودائمةً ، هذا من جهةٍ ، فعند ما يُخطيء الإنسان إثر وساوسه النّفسية «النّفس الأمّارة» ، عليه أن يُقدِم على التّوبة لتدخل في مرحلة : «النّفس اللّوامة» ، وبعدها تصل إلى مرحلة : «النّفس المطمئنة» ، لتقلع جذور الوَساوس من أساسها.
ومن جهةٍ اخرى : وبعد توبته من الذنب ، عليه أن يُراقب نفسه بإستمرار ، وليحذر من نقض العهد مع الباري تعالى ، في المستقبل أو بعبارة اخرى : إذا وجد في نفسه بقايا لِلميل إلى الذّنب ، والرّغبة في الإثم ، عليه أن يُجاهد نفسه ، ويتحرك في مجال تهذيبها من هذه الشّوائب ، ليكونَ في صفّ التّائبين والُمجاهدين.
بعضَ علماء الأخلاق ، تطرّقوا لبحوثٍ لا طائل لها ، وهوَ هلْ : مقام التائب ومجاهدته وممارسته لعناصر الذّنوب في الخارج أفضل ، أم التّائب الذي يقلع جذور الذّنب من قلبه(٢) ؟
وليس من المُهم الأفضليّة ، بل المُهم هو العمل على تكريس حالة الإنضباط ، في جو المسؤوليّة وعدم العودة لممارسة الذّنب ، ولرعاية هذا الأمر يتوجب اتّباع امور ، منها :
١ ـ الابتعاد عن أجواء الذّنب ، وعدم مُجالسة أهل المعاصي ، لأنّ التّائب يكون في البداية ضعيف القلب جداً ، كالمريض في بدايةُ شفائه من مرضه ، فأدنى شيء ، بإمكانه أن يثير في نفسه
__________________
١ ـ سورة الفرقان ، الآية ٧٠.
٢ ـ راجع المحجّة البيضاء ، ج ٧ ، ص ٧٥.
مشاعر الخطيئة ، بالمستوى الذي يشلّ فيه إرادة الصّمود ، ويحوله إلى كيانٍ مهزوزٍ ، أمام حالات المرض ، ويُشدّده عليه ، وكالمُعتاد على الأفيون ، التّارك له للتَوِّ أيضاً ، يتأثر بالأجواء الملوّثة بسرعةٍ.
٢ ـ عليه هجر أصدقاء السّوء ، وتجديد النّظر في علاقته معهم ، والفرار منهم كالفرار من الوحوش الضّارية.
٣ ـ في حالات وقوعه في دائرة وسوسة الشّيطان ، يشتغل بذكر الله تعالى :( أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (١) .
٤ ـ لِيفكر دائماً بالذّنب الّذي تاب منه ، وإفرازاته ، ويجعلها نصب عينه ، لِئّلا يغفل وينسى مضرّاته ، وإلّا ستهجم عليه الوَساوسُ والدّوافعُ لإيقاعه في هُوّةِ الخطيئة مرّةً اخرى.
٥ ـ لِيتّعظ بقصص الماضين والسّابقين ومن وقعوا في المَهالك ، جرّاء معاصيهم ، وحتّى الأنبياء المعصومين ، ولتركهم الأوْلى أحياناً ، مثلاً ، يُفكّر في قصّة آدمعليهالسلام ، والسّبب الّذي أدّى إلى خسرانه ، ذلك المُقام السّامي وطَرده من الجنّة ، أو حكاية يونس النّبيعليهالسلام ، الذي حُبس في بَطن الحوت ، ويَعقوب الَذي ابتلي بفراق ولده.
فكلّ ذلك يؤثر إيجابياً ، في تفعيل عناصر الإرادة والصّمود ، في خطّ الإيمان والإنفتاح على الله تعالى.
٦ ـ التّفكير بالعقوبات التي وضعها الباري للعاصين ، وليجعل هذه الحقيقة أمام عينه دائماً ، وهي أنّ معاودته لإرتكاب الذّنوب ، يمكن أن يؤدي به إلى إستحقاق عقوبةٍ أشدّ وأقوى.
وفي المقابل ، ليفكر برحمة الله تعالى ولُطفه ، وهو اللّطيف الخبير الغفور ، فرحمته بإنتظار التّوابين العائدين إلى خطّ الإستقامة والإيمان ، وليُحدّث نفسه بعدم تضييع هذا المقام ، الذي وصل إليه بعد تعبٍ وعناءِ ، في واقع العمل والمُثابرة.
٧ ـ ليشغل وقته بالبرامج الصّحيحة السّليمة ، والتمّتع بغير الُمحرّم ، ولا يدع فراغاً في أوقاته ، يفضي به أن يعيش التّخبط في الوَساوس الشّيطانية مرّةً اخرى.
__________________
١ ـ سورة الرّعد ، الآية ٢٨.
وقد سُئل أحد العُلماء ، عن قولهصلىاللهعليهوآله :«التّائِبُ حَبِيبُ اللهِ» ، فقال : إنّما يكون التّائب حبيباً إذا كان فيه جميع ما ذكره في قوله تعالى :( التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (١) .
٨ ـ مراتب التّوبة
ذكر علماء الأخلاق ، درجات ومراتب مختلفة للتّوبة والتّائبين.
ويمكن تقسيم التّائبين من جهةٍ ، إلى أربعة أقسامٍ :
القسم الأوّل : اولئك التّائِبون الذين لا يقلعون عن الذنوب ، ولا يتأسفون على ما فعلوا ، حيث وقفوا عند مرحلة النّفس الأمّارة ، وعاقبتهم غير معلومةٍ أصلاً ، فَمِن المُمكن أن يعيش حالةَ التّوبة في آخر أيّام حياته ، وتكون عاقبته الحُسنى ، ولكنّ الطامّة الكبرى ، عند ما يتفق موتهم مع معاودتهم للذنب ، وهناك ستكون عاقبتهم السّوآى ، وفيها الخُسران الأبدي.
القسم الثاني : التّائبون بحق الّذين يستمرون في طريق الحقّ والطّاعة ، ويتحرّكون في خطّ الإستقامة ، ولكن الشّهوات تغلبهم أحياناً ، فيكسرون طوق التّوبة ، ويرتكبون بعض الذّنوب ، من موقع الشّعور بالضّعف أمامها ، ولكنّهم لا يقعون في هذا الخطأ ، من موقع الّتمرد والجُحود والعِناد ، على وعي الموقف ، بل من موقع الغفلة والإندفاع العفوي في حالات الضّعف ، الّتي تفرزها حالات الصّراع مع النّفس الأمّارة ، ولهذا يحدثون أنفسهم بالتّوبة من قريب ، هؤلاء الأشخاص وصلوا إلى مرحلة النّفس اللّوامة ، والأمل بنجاتهم أقوى.
القسم الثّالث : التوّابون الذين يجتنبون كَبائِر الإثم ، ويتمسّكون باصول الطّاعات ، ولكنهم قد يقعون في حبائل المعصية ، لا عن قصدٍ وعمدٍ ، ولذلك يتوبون مباشرةً عن الذّنب ، فيلومون أنفسهم ويعزمون على التّوبة والعودة إلى خطّ الإستقامة بإستمرار ، ويعيشون حالة الإبتعاد عن الذّنب دائماً.
__________________
١ ـ سورة التّوبة ، الآية ١١٢.
النّفس اللّوامة لهذه المجموعة ، مهيمنةٌ عليهم ، ويعيشون على مقربةٍ من النّفس المُطمئنّة ، والأمل بنجاتهم أكبر.
القسم الرابع : التّوابون بعزمٍ وقوةٍ إرادةٍ ، في طريق الطّاعة لله تعالى ، فلا تهزّهم العَواصف التي تفرضها حالات الصّراع مع الخَطيئة ، ولا يخرجون من أجواء التّقوى ، صحيح أنّهم ليسوا بمعصومين ، ولَرُبّما فكّروا بالمعصية ، ولكنّهم محصّنين مُبعدين عنها ، فَقِوى الإيمان والعقل عندهم ، سَلبت هوى النّفس فاعليّته في واقعهم الباطني ، وكبّلته بالسّلاسل الغلاظ ، في خطّ التّزكية والجهاد الأكبر ، فلا سبيل للشّيطان والأهواء عليهم.
فاولئك هم أصحاب : «النّفوس المطمئنّة» ، الذين نعتتهم الآيات (٢٧ الى ٣٠) من سورة الفَجر ، وخُوطِبوا بأبلغ خِطابٍ ، فقال عز من قائل :( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ) .
فدخلت بإفتخارٍ في أجواء النّور والقُرب الإلهي :( فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي ) .
ومن جهةٍ اخرى ، فإنّ لِلتوبةِ مراحل على مستوى المصاديق أيضاً :
المرحلة الاولى : التّوبة من الكفر إلى الإيمان.
المرحلة الثّانية : التّوبة من الإيمان الموروث التّقليدي ، والتّحرك نحو الإيمان الحقيقي المُستحكم.
المرحلة الثّالثة : التّوبة من الذّنوب الكبيرة الخَطرة.
المرحلة الرّابعة : التّوبة من الذّنوب الصّغيرة.
المرحلة الخامسة : التّوبة من التّفكير بالذّنب ، والخواطر المشوبة بالمعصية ، وإن لم يرتكب الُمخالفة في دائرة الفعل والمُمارسة.
فكلّ فرقةٍ من العباد لهم توبة ، فتوبة الأنبياء من إضطراب السّر ، (في كلّ لحظةٍ لم يتوجهوا فيها إلى الله تعالى بالباطن والسِّر).
وتوبةُ الأصفياء من كلّ تنفّس بغير ذكر الله(١) .
__________________
١ ـ فسّر المرحوم المجلسي : التّنفس بنفس ذلك المعنى ، ولكنّ بعض كتب اللّغة ، فسّرته : بالخطابات الطّويلة.
وتوبةُ الأولياء من تلوين الخطرات.
والخَواص من الإشتغال بغير الله.
وتوبة العوام من الذّنوب.
وكلّ واحدٍ منهم ، يشتمل على نوعٍ من المعرفة والعلم ، في أصل توبته ، ومُنتهى أمره(١) .
٩ ـ معطيات وبركات التّوبة
إذا كانت التّوبة توبةً حقيقيةً وواقعيةً ونابعةً من الأعماق ، فلا بدّ من أن تقع مورد القَبول من قبل الله تعالى ، العَفوّ الغَفور ، وستنشر خيرها بركاتها على صاحبها في حركة الحياة ، وتُغطَّي على ما صدر منه من معاصي ، أدّت به إلى السّقوط في منحدر الضّلال والزّيغ.
مثل هذا الإنسان ، يعيش أجواء الحَذر الدّائم من مجالس السّوء والعصيان ، ومن كلٍّ عوامل الذّنب والوساوس ، والتّداعيات الاخرى ، الّتي توقعه في وحلّ المعصية مرّةً اخرى.
ويعيش حالة الخجل والنّدم ، ويدأب بإستمرار لتحصيل رضا الله تعالى ، وجبران ما فاته من الطّاعات.
هذه هي العلاقات الفارقة لهم ، عن المتظاهرين والمرائين.
قال قسم من المفسّرين ، في معرض تفسيرهم للآية الشّريفة :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ) (٢) .
قالوا : إنّ المراد من التّوبة النّصوح ، هي تلك التّوبة التي تفعّل في الإنسان عناصر الخير من موقع النّصيحة ، وتتجلى في روح التّائب على مستوى حثها له ، للقضاء على جذور العصيان في باطنه ، قضاءً تامّاً بلا رجعةٍ بعدها.
وفسّرها قسم آخر ، بالتّوبة الخالصة ، وقال آخرون إنّ : «النّصوح» من مادّة «النّصاحة» ، وهي بمعنى الخِياطة والتّرقيع ، لما حدث من تمزيق ، وبما أنّ الذّنوب : الإيمان والدّين فتقوم
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ٦٨ ، ص ٣١.
٢ ـ سورة التحريم ، الآية ٨.
التّوبة بتوصيلها ببعض ، وتعيد التّائب إلى حضيرة الأولياء ، كما تجمع الخياطة بين قطع الثّوب(١) .
إنّ بركات وفوائد التّوبة جمّةٌ لا تُحصى ، وقد أشارت إليها الرّوايات والآيات العديدة ، ومنها :
١ ـ تمحو وتُفني الذّنوب ، كما ورد في ذيل الآية :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ) ، ورد( عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ) (٢) .
٢ ـ تمنح التّائب بركات الأرض والسّماء ، كما ورد في الآيات (١٠ و ١١ و ١٢) من سورة نوحعليهالسلام :( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ) .
٣ ـ تبدل التّوبة السّيئات حسنات ، كما ورد في سورة الفرقان الآية (٧٠) :( إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ) .
٤ ـ يتعامل الله مع هذا الإنسان ، من موقع السّتر على الذّنوب ، وينسي الملائكة الكاتبين ذنبه ، ويأمر أعضاء بدنه بالستر عليه يوم القيامة ، وكتمان أمره ، فقد ورد في الحديث عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال :«إِذا تابَ العَبْدُ تَوبَةً نَصُوحاً أَحَبَّهُ اللهُ وَسَتَرَ عَلَيهِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ» ، فَقُلْتُ : وَكَيفَ يَسْتُرُ؟ قَالَ : «يُنْسِي مَلَكَيهِ ما كَتَبَا عَلَيهِ مِنَ الذُّنُوبِ ، وَيُوحِي إِلَى جَوَارِحِهِ : اكْتُمِي عَلَيهِ ذُنُوبَهُ ، وَيُوحِي إِلى بِقاعِ الأَرْضِ : اكْتُمِي ما يَعْمَلُ عَلَيكَ مِنَ الذُّنُوبِ ، فَيَلْقَى اللهَ حِينَ يَلْقَاهُ وَلَيسَ عَلَيهِ شَيءٌ يَشْهَدُ عَلَيهِ بِشَيءٍ مِنَ الذُّنُوبِ» (٣) .
٥ ـ التّائب الحقيقي ، يُحبّه الله تعالى ، لدرجةٍ أن ورد في الحديث :«إِنّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَعطَى التّائِبِينَ ثَلاثَ خِصالٍ ، لَو أَعطى خِصْلَةً مِنْها جَمِيعَ أَهْلِ السَّمواتِ والأَرضَ لَنَجَوا بِها».
وبعدها يشير إلى الآية الشريفة :( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (٤) .
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٦ ، ص ١٧.
٢ ـ سورة التحريم ، الآية ٨.
٣ ـ اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٤٣٠ ، (باب التوبة ، ح ١).
٤ ـ سورة البقرة ، الآية ٢٢٢.
وقال :«مَنْ أَحَبَّهُ اللهُ لَمْ يُعَذِّبْهُ».
ثمّ يُعرّج على الآية :( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (١) »(٢) .
إلى هنا نصل إلى خاتمة بحثنا ، في الخطوة الاولى لتهذيب الأخلاق ، وهي التّوبة ، وتوجد مطالب اخرى في هذا المجال ، يمكن الإستفادة منها في بحوثٍ مُستقلةٍ.
نعم ، فإنّه ما لم ينجلِ عن القلب والروح صدأ الذُنوب ، ويتحرك الإنسان لتطهير النّفس من مخلفات المعصية بماء التّوبة ، فلن يشرق القلب بنور ربّه ، ولن يتمكن هذا الإنسان من السّير على خطّ الإيمان ، والسّلوك إلى الله تعالى والفوز بجواره ، ولن يذوقَ طعم التجلّيات العرفانيّة ، في حركة الحياة المعنويّة.
هذا هو أوّل محطٍّ للرحال ، وأهمّها ، ولا يمكن تخطّيه إلّا بعزمٍ صادقٍ وإرادةٍ راسخةٍ ، يدعمها لطفٌ إلهي وتوفيقٌ ربّاني ، ولا يُلقّيها إلّا ذو حظٍّ عظيمٍ.
الخطوة الثّانية : المشارطة
تكلمنا سابقاً بصورةٍ مقتضبةٍ ، عن بعض برامج وخُطى السّير والسّلوك ، المشتركة بين كبار العلماء والسّائرين على ذلك الدّرب ، ويصل البحث بنا عن التّوبة ، إلى واقع التفصيل لتلك المباحث ، مدعوم بالآيات والرّوايات الشّريفة :
__________________
١ ـ سورة غافر ، الآية ٧ الى ٩.
٢ ـ اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٤٣٢.
الخطوة التالية التي ذكرها علماء الأخلاق ، في خطّ الإلتزام الدّيني بعد التّوبة : «المشارطة» :
والقصد منها هو الإشتراط على النّفس وتذكيرها وتنبيهها ، وأفضل الأوقات لها هو بعد صلاة الفَجر ، والتنوّر بأنوار هذه العبادة الإلهيّة ، الكبيرة العظيمة عند الله تعالى ، فيذكّر نفسه ويوصيها بأن تَتحرك في طريق الخَير والصّلاح ، فإذا ما إنقضى العُمر فلن يفيد النّدم ، ولا يمكن الإستدراك ، وليجعل نصب عينيه هذه الآية الشّريفة :( وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ) (١) ، فإذا ما ضاع العُمر ، فلن ينفع شيءٌ بعده :( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) (٢) .
وعليه أنّ يُحدِّث نَفسه ، ويقول لها : تصوّري أنّ العُمر قد إنقضى ، وزالت الحُجب وتجلّت الحقائق المُرّة ، وبرزت مَعالم العَذاب ، وهَولِ المطّلع ، ومُنكَر وَنكير ، فحينئذٍ تشعرين بِحالة النَّدم على ما عَمِلْتِ ، وتقولين :( رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ) (٣) .
وعلى فرض إنّك لم تسمعي جواب : «كلّا» ، وأعادوكِ الى الدنيا فهل ستتعظين وتُكَفّرين عمّا قصرتِ في جَنب الله؟؟
ثمّ يوصي نفسه بجوارحه السّبعة : العَين والاذن واللّسان واليّد والرّجل والبطن والفَرج ، فهذه الجوارح مُنصاعَةٌ لكِ اليوم وفي خدمتك ، فلا تقحميها في المعاصي ، فإنّ لجهنَّم سبعة أبوابٍ ، لكلِّ باب جماعةٌ خاصةٌ من النّاس ، يدخلون جهنّم منها ، فعليك بالسيّطرة الدّقيقة على الجوارح لئَّلا تنحرف عن الطّريق القويم ، والهدف المرسوم لها ، وبذلك توصَد أبواب جهنم دونها ، وتفتح أبواب الجنان لها؟.
ويُوصي النّفس بالمُراقبة لِجوارحه ، للإستعانة بها في طريق الطّاعة لا المعصية ، فهي نِعَمٌ كبيرةٌ مُحاسب عليها الإنسان غداً.
ونَجد في أدعية الإمام السجادعليهالسلام ، تأكيداً لمسألة المُشارطَة في حركة الإنسان المنفتح على الله.
__________________
١ ـ سورة العصر ، الآية ١ و ٢.
٢ ـ سوره العصر ، الآية ٣ و ٤.
٣ ـ سورة المؤمنون ، الآية ١٠٠.
ففي الدّعاء ، رقم (٣١) المعروف بدعاء التّوبة ، يقول الإمامعليهالسلام «وَلَكَ يا رَبِّ شَرطِي أَلّا أَعُودَ في مَكْرُوهِكَ ، وَضَماني أَنْ لا أَرجَعَ في مَذْمُومَكَ وَعَهْدِي أَنْ أَهْجُرَ جَمِيعَ مَعاصِيك».
وكذلك الحال في الآيات القرآنية ، فإنّ أصحاب الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، كانوا من خلال إرتباطهم مع الله تعالى ، بنحوٍ من العهدِ والميثاقِ ، يُطبّقون نوعاً من المُشارطة على أنفسهم ، في خط الرّسالة والمسؤولية ، ففي الآية (٢٣) من سورة الأحزاب ، نقرأ :( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (١) .
وكان البعض الآخر ، ينقضون العهد مع الباري تعالى ، بعد توكيدها ، فورد في سورة الأحزاب ، الآية (١٥) :( وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً ) .
وَوَرَد في حديثٍ عن أمير المؤمنينعليهالسلام :«مَنْ لَمْ يَتَعاهَدْ النَّقْصَ مِنْ نَفْسِهِ غَلَبَ عَلَيهِ الهَوى ، وَمَنْ كانَ في نَقْصٍ فَالمَوتُ خَيرٌ لَهُ» (٢) .
«فالمُشارطة» إذن : هي من الخُطى المهمّة لَتِهذيب الأخلاق ، ولولاها لتراكمت سُحب الغفلة والغُرور ، على قلب وروح الإنسان ، ولَحادَت به عن الطرّيق القويم ، والجادّة المستقيمة.
الخطوة الثّالثة : المراقبة
«المُراقبة» من مادة : «الرَقَبَة» ، وبما أنّ الإنسان يحني رقبته عند مراقبة الأشياء والأوضاع ، فاطلِقَت على كلّ أمر يُحتاج فيه إلى المواظبة والتّحقيق.
وهذا المُصطلح عند علماء الأَخلاق ، يُطلق على «مراقبة النّفس» ، وهي مرحلةٌ تاليةٌ لمرحلة المُشارطة ، يعني أنّه يتوجّب على الإنسان ، وبعد مُعاهدته ومُشارطته لنفسه بالطّاعة
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٧ ، ص ٦٤.
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٧ ، ص ٦٤.
للأوامر الإلهيّة ، والإجتناب عن الذّنوب ، عليه المُراقبة والمُواظبة على طهارته المعنوية ، لأنّه في أدنى غفلةٍ ، فإنّ النّفس ستَنقُض كلّ العُهود والمواثيق ، وتَسلُك به في خطّ المعصية مرّةً اخرى.
وطبعاً يجب أن لا ننسى ، أنّ الإنسان وقبل مراقبته لِنفسه ، فإنّ الملائكة تراقب أعماله ، فيقول القرآن الكريم : «وإنّ عَلَيكُم لَحافِظِينَ»(١) .
فالحافظون هنا هم الذين يتولون عملية المراقبة لأعمال الإنسان ، وذلك بقرينة الآيات التي تردُ بعدها ، فتقول :( يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ) (٢) .
وفي الآية (١٨) من سورة (ق) يقول تعالى :( ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) .
وفوق هذا وذاك ، فإنّ الله تعالى مِن ورائهم محيط بكلّ شيء ، وفي الآية (١) من سورة النساء ، نقرأ :( إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) .
وكذلك في سورة الأحزاب ، الآية (٥٢) :( وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ) .
وفي الآية (١٤) من سورة العلق :( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى ) .
والآية (٢١) من سورة سَبأ :( وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) .
ولكن المحلّقين في أجواء التّقوى وتهذيب النّفس ، يراقبون أفعالهم وسلوكياتهم ، قبل مراقبة الله تعالى لهم ، ويعيشون الوَجَلَ والخَوف من أعمالهم وفعالهم ، وفي مُراقبةٍ دائمةٍ ، لِئَلّا يصدر منهم ما يسلب تلك النّعمة ، والحالة العرفانيّة التي يعيشونها مع الله تعالى شأنه.
أو بعبارةٍ اخرى : الرّقيب الباطني يعيش معهم وعلى يقظةٍ دائماً ، بالإضافة إلى الرّقابة الخارجيّة ، وخوف الله تعالى.
وفي الحقيقة ، فإنّ الإنسان في هذه الدنيا ، حاله حالَ الذي يمتلك جوهرةً ثمينةً ، يريد أن يقايضها بمتاع له ولعيالِه ، ومن حَوالَيهِ السرّاق وقطاعُ الطّريق ، ويخاف عليها من السّرقة أو البيع بِثَمنٍ بَخْسٍ ، وإن غفل عنها لِلَحظةٍ فسيُضَيّعها ، وتذهب نفسه عليها حَسراتٍ.
__________________
١ ـ سورة الإنفطار ، الآية ١٠.
٢ ـ سورة الإنفطار ، الآية ١٢.
والسّائر في خطّ التّوبة والمراقبة ، يعيش الحالة هذه أيضاً ، فإنّ الشّياطين من الجِنّ والإنس مُترصّدون لِغوايته ، هذا بالإضافة إلى النّفس الأمّارة ، وهوى النّفس ، فإذا لم يُراقب نفسه وأعماله ، فلا يأمن معها ، مِنْ أن تسرق جوهرة الإيمان والتّقوى ، وينتقل من هذه الدنيا ، خالي الوفاض وصفَر اليدين ، وفي الآيات والرّوايات إشاراتٌ كثيرةٌ ، وتلميحاتٌ متنوعةٌ حول هذه المرحلة ، ومنها :
١ ـ الآية (١٤) من سورة العَلَق :( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى ) .
فهي إشارةٌ إلى مراقبة الله تعالى لَه ، وعليه مُراقبة أعماله أيضاً.
وَوَجَّه في آيَةٍ اخرى الخطاب لِلمؤمنين :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) (١) .
فَجُملة :( وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ ) ، تبيّن لنا في الحقيقة مفهوم المراقبة للنفس ، على مستوى السّلوك والعمل.
وَوَرَد نفس المعنى ، ولكن بشكلٍ مُقتضبٍ ، في سورة عَبَس ، الآية (٢٤) :( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ) ، (من الحلال والحرام)(٢) .
٢ ـ ورد عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، في تفسير الإحسان في الآية :( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ) ، فقال :«الإحسانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَراهُ فَإِنْ لَم تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَراكَ» (٣) .
ومن الطّبيعي فإنّ المُعايشة مع هذه الحقيقة ، وهي أنّ البّاري تعالى معنا أينما كُنّا ، والرّقيب علينا ، من شأنه أن يخلق فينا روح الرّقابة ، ونكون معها دائبين على الإنسجام ، مع خطّ الرّسالة من موقع الإلتزام.
٣ ـ ورد حديثٌ عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، أنّه قال :«يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُهَيمِناً عَلى
__________________
١ ـ سورة الحشر ، الآية ١٨.
٢ ـ هذا على ما جاء في بعض التّفاسير ، وقد جاء في تفاسير اخرى ، أنّ المقصود هو النّظر والإعتبار بخلقة الله تعالى ، لإنكشاف الآيات والملاحظات التّوحيدية عند الإنسان ، ولا تنافي بين التّفسيرين.
٣ ـ كنز العمّال ، ج ٣ ، ص ٢٢ ، ح ٥٢٥٤ ؛ بحار الأنوار ، ج ٢٥ ، ص ٢٠٤.
نَفْسِهِ مُراقِبَاً قَلْبَهُ ، حافِظاً لِسانَهُ» (١) .
٤ ـ جاء عن الإمام الصادقعليهالسلام :«مَنْ رعى قَلْبَهُ عَنِ الغَفلَةِ وَنَفْسَهُ عَنِ الشّهْوَةِ وَعَقْلَهُ عَنِ الجَهْلِ ، فَقَدْ دَخَلَ في دِيوانِ المتَنَبِّهينَ ثُمَّ مَنْ رعى عَمَلَهُ عَنِ الهوى ، وَدِيْنَهُ عَنِ البِدعَةِ وَمالَهُ عَنِ الحَرامِ ؛ فَهُوَ مِنْ جُملَةِ الصَّالِحِينَ» (٢) .
٥ ـ ما ورد في الحديث القُدسي :«بُؤساً لِلقانِطِينَ مِنْ رَحْمَتِي وَيا بُؤساً لَمَنْ عصاني وَلمْ يُراقِبُني» (٣) .
٦ ـ جاء في إحدى خطب أمير المؤمنينعليهالسلام ، أنّه قال :«فَرَحِمَ اللهُ إمرءاً رَاقَبَ رَبَّهُ وَتَنكَّبَ ذَنْبَهُ ، وَكابَرَ هَواهُ ، وَكَذَّبَ مُناهُ» (٤) .
٧ ـ وقد ورد في نهج البلاغة أيضاً :«فإتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرَ قَلْبَهُ وَرَاقَبَ فِي يَومِهِ غَدَهُ» (٥) .
نعم فإنّ «الرقابة» على النفس أو المُراقبة لله تعالى ، أو ليوم القيامة ، كلّها تعكس حقيقةً واحدةً ، ألا وهي النّظارة والرّقابة الفاحصة الدّقيقة الشّديدة للإنسان على أعماله ، في كلّ حالٍ وزمانٍ ومكانٍ.
وخلاصة القول : إنّ السّائر إلى الله تعالى ، وبعد «المشارطة» مع نفسه وربّه ، وبعد تهذيب النفس وتربيتها على طاعة الله وعبوديّته ، عليه المراقبة والمداومة على العهد الذي قطعه على نفسه في خطّ التوبة ، كالّدائن الذي يطلب من مدينه وفاء ديونه ، فأيّ غفلة عن مخاطر المسير ، ستعود عليه بالضّرر الفاحش ، وتؤخره عن الرّكب كثيراً.
الخطوة الرّابعة : المحاسبة
رابع خطوة ذكرها العلماء والسالكون في هذا المجال ، هي : «المحاسبة» للنفس ، في
__________________
١ ـ غُرر الحِكَم.
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٩٧ ، ص ٦٨.
٣ ـ المصدر السابق ، ج ٧٤ ، ص ٣٤٩.
٤ ـ اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٦٧.
٥ ـ نهج البلاغة ، الخطبة ٨٣ ، «الخطبة الغرّاء».
كلّ يوم أو كلّ شهر أو كلّ سنة ، فَلْينظر الإنسان ما ذا قدّم من أعمالٍ حسنةٍ ، أو إرتكب من أعمالٍ قبيحةٍ ، ويُفكر في ما بَدَر منه ، من طاعةٍ أو عصيانٍ لله تعالى ، أو لهوى النّفس. فيحاسب نفسه حساباً عسيراً ، كالتّاجر الذي يحسب فوائده وعوائده من تجارته التي إتّجر بها ، وهل عادت عليه بالنّفع أم الضرر؟. فكذلك السّائر إلى الله تعالى في خطّ الإيمان والتوبة ، عليه أن يُحاسب نفسه بأدقّ ممّا يفعله التاجر مع أمواله وتجارته.
والُمحاسبة للدين أو للدنيا ، لا تخلو من فائدتين : إذا بيّنت الفاتورة ، الرّبح الوفير ، فَهو دليلٌ على صحّةِ العمل والدّوام عليه ، وإذا ما بيّنت العكس ، فهو الدّليل على الخطأ والخطر ، فربّما تلاعب أحد موظّفيه ، أو خانه بالإختلاس وما شابهها من الامور ، فعليه الإسراع في التثبّت والتّفحص والإصلاح.
وتخبرنا الآيات الكريمة ، عن وجود النّظم والحسابات الدقيقة في عالم الوجود ، وتدعو الإنسان للتّفكر فيها جيّداً ، ومنها :( وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ* أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ) (١) .
ونقرأ في آيةٍ اخرى :( وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ) (٢) .
وكذلك :( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) (٣) .
ومن جهةٍ اخرى ، نجد أنّ القرآن الكريم ، قد أخبر في آياتٍ متعددةٍ ، عن وجود حسابٍ دقيقٍ في يوم القيامة ، كما ذكر على لسان لُقمان الحكيم لإبنه :( يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) (٤) .
وكذلك :( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ ) (٥) .
__________________
١ ـ سورة الرّحمن ، الآية ٧ و ٨.
٢ ـ سورة الرّعد ، الآية ٨.
٣ ـ سورة الحِجْر ، الآية ٢١.
٤ ـ سورة لقمان ، الآية ١٦.
٥ ـ سورة البقرة ، الآية ٢٨٢.
ومسألة الحساب هذه مهمّةٌ ، لدرجة أنّ أحد أسماء يوم القيامةِ ، هو : «يوم الحِساب» :( إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ) (١) .
ويكون الإنسان هو الحَسيب على نفسه :( اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) (٢) .
وبالنّظر لهذه الامور والظّروف ، فإنّ كلّ شيءٍ في الدنيا والآخرة يكون بِحساب ، فكيف يمكن لإنسان أن يغفل عن مُحاسبة نفسه ، ومن وراءه يومٌ ثقيلٌ ، وكلّ شيءٍ بميزانٍ ومقدارٍ :ومن يعمل مثقالَ ذرّةٍ خيراً يَرَه ، ومن يعمل مثقال ذرّةٍ شراً يَره) فكلّ ما ذكر آنفاً ، يحمل إلينا رسالةً ودعوة ، لإثارة عناصر الإنتباه وعدم الغفلة عن الحساب والمحاسبة ، فأنت إذا أردت أن تكون مُخفّاً في يوم الحساب ، عليك الإسراع بمحاسبة نفسك هنا في الدنيا ، قبل أن تحاسب في الاخرى ، ويقال فيها : ولاتَ حينَ مناصٍ.
أمّا الروايات ، فقد أشبعت الأمر بحثاً ، ومنها :
١ ـ ما ورد عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، في حديثه المعروف :«حاسِبُوا أَنْفُسَكُم قَبلَ أَنْ تُحاسَبُوا ، وَزِنوها قَبْلَ أَنْ تُوزَنوا وَتَجَهَّزُوا للعَرضِ الأَكْبَرِ» (٣) .
٢ ـ وعنهصلىاللهعليهوآله مخاطباً أبا ذررحمهالله :«يا أَباذَر حاسِبْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُحاسَبُ فَإِنَّهُ أَهونُ لِحِسابِكَ غَداً وَزِن نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُ» (٤) .
٣ ـ وَوَرد عن عليعليهالسلام أنّه قال :«ما أَحَقُّ للإنسانِ أَنْ تَكُونَ لَهُ ساعَةٌ لا يَشْغُلُهُ شاغِلٌ يُحاسِبُ فِيها نَفْسَهُ ، فَيَنظُرِ فِيما إكْتَسَبَ لَها وَعَلَيها في لَيلِها وَنَهارِها» (٥) .
فهذا الحديث يبيّن لنا بوضوح ، مسألة المحاسبة في ساعات الفراغ ، وهي من الامور الجديرة بالإنسان الكامل ، الذي يعيش همّ المسؤوليّة ، في دائرة حركته المنفتحة على الله تعالى.
٤ ـ ما ورد عن الإمام الصادقعليهالسلام ، بنفس المعنى ولكن بشكلٍ آخر ، فيقولعليهالسلام :«حَقٌ عَلى
__________________
١ ـ سورة ص ، الآية ٢٦.
٢ ـ سورة الإسراء ، الآية ١٤.
٣ ـ بحار الأنوار ، ج ٩٧ ، ص ٧٣.
٤ ـ أمالي الطوسي ، (مطابقاً لما نقل عن ميران الحكمة) ج ٨ ، ص ٦٠٩.
٥ ـ مستدرك الوسائل ، ج ١٢ ، ص ١٥٤.
كُلِّ مُسْلِمٍ يَعْرِفُنا ، أَنْ يُعْرِضَ عَمَلَهُ في كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ عَلى نَفْسِهِ ، فَيَكُونَ مُحاسِبَ نَفْسِهِ ، فَإنّ رَأَى حَسَنَةً استَزادَ مِنْها وَإِنْ رأَى سَيِّئَةً إِسْتَغْفَرَ مِنْها لِئلّا يُخْزى يَومَ القِيامَةِ» (١) .
٥ ـ ما نُقل عن الإمام موسى الكاظمعليهالسلام :«يا هُشامُ لَيسَ مِنّا مَنْ لَمْ يُحاسِبْ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يَومٍ ، فإنْ عَمِلَ حَسَنَةً استَزَادَ مِنْها وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً إِسْتَغْفَرَ اللهُ مِنْها وَتابَ» (٢) .
فالروايات جمّةٌ في هذا المجال ومن أراد الإكثار ، عليه مراجعة مستدرك الوسائل : كتاب الجهاد ، أبواب جهاد النفس(٣) .
هذه الرّوايات كلّها تبيّن أهميّة المسألة في الإسلام ، وأنّ مَنْ لم يحاسب نفسه فهو ليس من أتباع الأئمّةعليهمالسلام ، الحقيقيين!.
وكما أشارت الرّوايات إلى فلسفة وحكمة هذا الأمر ، فهو يزيد من الحسنات ، ويمنع الإنسان من السّقوط في وادي الهلاك والقبائح ، ويُساعده في إنقاذه من بحر الغفلة والضّياع ، وهَلّا ساوينا الامور الماديّة بالمعنويّة الروحيّة ، ففي الماديّات يُحسب حساب كلّ شيءٍ ، ولكلٍّ دفتره الخاص به ، دفترٌ : يومي ، وسنوي ، وشهري ، وللمخزن وو. ولسنا مُستعدّين من وضع ولو ورقةٍ واحدةٍ نحاسب فيها أنفسنا ، على ما فعلت في دائرة الطّاعة والمعصية ، للهِ تعالى!!.
هذا مع وجود فرق كبير بين الأمرين ، ولا يُقاس أحدهما بالآخر ، أو كما يقال شَتّان ما بين الثَّرى والثُّريّا ، فنقرأ حديثاً عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، يقول :«لا يَكُونَ العَبدُ مُؤمناً حتّى يُحاسِبَ نَفْسَهُ أَشد مِنْ مُحاسَبَةِ الشّريكِ شَرِيكَهُ ، وَالسَّيِّدِ عَبْدَهُ» (٤) .
فهذا الموضوع مهم لِلغاية ، إلى درجةٍ أنّ العلماء كتبوا فيه كتباً عديدةً ، ومنهم السيد إبن طاووس الحليرحمهالله المتوفي فى سنة «٦٦٤ للهجرة» في كتابه محاسبة النّفس ، وكتاب محاسبة النّفس في إصلاح عمل اليوم والإعتذار من الأمس ، للمرحوم الحاج ميرزا علي الحائري
__________________
١ ـ تحف العقول ، ص ٢٢١.
٢ ـ مستدرك الوسائل ، ج ١٢ ، ص ١٥٣.
٣ ـ المصدر السابق ، ج ١٢ ، ص ١٥٢ ـ ١٥٦ ؛ اصول الكافي ، ج ٢ ، باب محاسبة العمل ، ص ٤٥٣ ، ح ٢.
٤ ـ محاسبة النّفس ، لإبن طاووسرحمهالله ، ص ١٤ ؛ بحار الأنوار ، ج ٦٧ ، ص ٧٢ ، ح ٢٢.
المرعشي ، (المتوفى في سنة ١٣٤٤ للهجرة) ، ومحاسبة النّفس للسيّد علي المرعشي ، المتوفى في سنة (١٠٨٠ للهجرة(١) ).
ويجدر هنا الإشارة إلى عدّة ملاحظات :
١ ـ كيفيّة محاسبة النّفس وإستنطاقها
وأفضل طريقٍ لذلك ، ما ورد عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، نقلاً عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، فقال :«أَكْيَسَ الكيَسِينَ مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ ...» فَقَالَوا : يا أَميرِ المُؤمِنِينَ وَكَيفَ يُحاسَبُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ؟.
قال : إذا أَصْبَحَ ثُمَّ أَمسى رَجَعَ إِلى نَفْسِهِ وَقَالَ : يا نَفسُ إِنَّ هذا يَومٌ مضى عَلَيكِ لا يَعُودُ إِلَيكِ أَبَداً ، وَاللهُ سائِلُكِ عَنْهُ فَيما أَفْنَيتَهُ ، فَما الَّذِي عَمِلْتَ فِيهِ؟ أذَكَرْتَ اللهَ أَمْ حَمَدْتَه؟ أقَضَيتِ حَقَّ أَخٍ مُؤمِنٍ؟ أَنْفَّسْتَ عَنْهُ كُربَتَهُ؟ أحَفِظتِيهِ بِظَهرِ الغَيبِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِه؟ أحَفِظتِيهِ بَعْدَ المَوتِ فِي مُخلِّفِيهِ؟ أَكَفَفتِ عَنْهُ غَيبَةِ أَخٍ مُؤمِنْ بِفَضْلِ جاهَك؟ أَأعَنْتَ مُسلِماً؟ ما الَّذِي صَنَعْتِ فِيهِ؟ فَيَذكُرَ ما كانَ مِنْهُ ، فإنْ ذَكَرَ أَنّهُ جَرى مِنهُ خَيرَ حَمَدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَهُ عَلى تَوفِيقِهِ ، وإِنْ ذَكرَ مَعْصِيةً أَو تَقْصِيراً اسْتَغْفَرَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَزَمَ عَلى تَرْكِ مَعاوَدَتَهُ وَمحا ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِتَجْدِيدٍ الصّلاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيّبِينَ وَعَرَضَ بَيعَةَ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِى نَفْسِهِ وَقَبُولِها ، وإِعادَة لَعَنَ شانِئِيهِ وَأَعدَائِهِ ، وَدَافِعِيه عَنْ حُقُوقِهِ ، فَإِذا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : لَستُ اناقِشُكَ فِي شيءٍ مِنْ الذُّنُوبِ مَعَ مُوالاتِكَ أَولِيائِي وَمُعادَاتِك أَعدَائِي» (٢) .
نعم فإنّها أفضل طريقةٍ لمحاسبة النّفس ، وإلجامها عن الّتمادي في خطّ العصيان والّتمرد.
٢ ـ ما هي معطيات محاسبة النّفس؟
الإجابة على هذا السؤال ، ظهرت جليةً في طيّات بُحوثنا السّابقة ، والحَريّ بنا هنا
__________________
١ ـ الذّريعة ، ج ٢.
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٧٠ ، ص ٦٩ و ٧٠.
الإستعانة بالأحاديث التي وردت عنهمعليهمالسلام ، منها :
ما ورد عن الإمام عليعليهالسلام :«مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ وَقَفَ عَلَى عُيوبِهِ ، وَأَحاطَ بِذُنُوبِهِ ، واستَقالَ الذُّنُوبَ وَأَصْلَحَ العُيوبَ» (١) .
وأيضاً عنهعليهالسلام :«مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ سَعَدَ» (٢) .
وعنهعليهالسلام :«ثَمَرَةُ الُمحاسِبِةِ صلاحُ النَّفْسِ» (٣) .
ويقول بعض العلماء في هذا الفن ، إنّ المحاسبة يجب أن تكون شبيهة ، بالمحاسبة بين الشّريكين ، فإذا ما وجد النّفع إستمر معه وبارك في خُطاه ، وإلّا فسيكون ضامناً للخسارة في الحاضر والمستقبل.
وأهمّ رأسمالٍ عند الإنسان : هو عمره ، فإذا ما قضاه بالخير والمنفعة ، فهو الفائز ، ولكنه سوف يعيش الخسارة في إرتكابه لِلذنوب ، فموسم هذه التّجارة هي أيّامه ، وشريكه في المعاملة هو النّفس الأمّارة.
فأوّل ما يطالبها بالفرائض ، فإذا ما أدّتها فليشكر الباري تعالى ، وليبارك خُطاه ، وإذا ما ضيّعت فريضة ما ، فليطالبها بقضائها وإذا كان فيها نقص ، فليجبرها بالنّوافل ، وعند المعصية يطالبها بالتّكفير عنها ، كما يفعل التاجر مع شريكه ، في أتفه الامور والمبالغ التي لا قيمة لها ، كي لا يُغبن في المعاملة ، وخصوصاً أنّ الإنسان ، يواجه عدوّاً لدوداً مخادعاً ، وهو النفس الأمّارة ، وليحاسب نفسه كما تحاسبه الملائكة ، في تداعيات أفكاره ، وخواطر نفسه في قيامه وفي قُعوده ، ولما ذا تكلّم ، ولما ذا سكن؟ ، وهكذا في كلّ ساعةٍ وكلِّ يومٍ ، وعلى كلّ فعلٍ وعملٍ ، وإذا ما تهاون في الأمر ، فسوف تتراكم على قلبه وروحه الذّنوب والعيوب ، والأنكى من ذلك أنّ الإنسان ينسى ما يفعله بسهولةٍ ، ولكنّ الكرام الكاتبين ، لا يغفلون ولا يفترون في عملهم ، فقال الباري تعالى :( أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ ) (٤)(٥) .
__________________
(١) غرر الحكم
(٢) المستدرك ج ١٢٦ ص ١٥٤
(٣) غرر الحكم
(٤) سوره المجادله الايه ٦
٥ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٨ ، ص ١٦٨ ، (مع التلخيص).
ومسك الخِتام ، نورد حديثاً يبيّن كيفيّة الحساب في يوم القيامة ، عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال :«لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ يَومَ الَقيامَةِ ، حَتّى يُسْئَلَ عَنْ أَرْبَعٍ : عَنْ عُمْرِهِ فِي ما أَفناهُ وَعَنْ شَبابِهِ فَي ما أَبلاهُ ، وَعَنْ مالِهِ مِنْ أَينَ كَسَبَهُ وَفي ما أَنْفَقَهُ وَعَنْ حُبِّنا أَهْلَ البَيتِ» (١) .
الخطوة الخامسة : المعاتبة والمعاقبة
بعد «المحاسبة» ، يأتي دور المُعاتبة والمُعاقبة للنّفس على أخطائها وأغلاطها ، فالحساب بدون إظهار ردّ الفعل ، لا فائدة فيه ولا ثمرة ، ونتيجته ستكون عكسيةً ، بل تحمل النّفس على الجرأة والجسارة والعناد ، في حركة الحياة والواقع ، فكما يحاسب الرّئيس موظفيه عن تقصيرهم ، ويعاقبهم بنوعٍ ما ، وكلٌّ حسب حجم تقصيره ، فكذلك يفعل السّائرون في طريق الباري ، فإذا ما جَمَحَت بهم أنفسهم يوماً ، فسوف يعاقبونها لجرأتها على سيّدها ومولاها.
وأكّد القرآن الكريم على هذه المسألة ، فأقسَم بالنّفسِ اللّوامة ، لأهميتها :( لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) (٢) ،(٣) .
ونحن نعلم أنّ النّفس اللوامة ، هي الضّمير الحي الذي يردع صاحبه عن إرتكاب المعاصي ، وهو نوع من العِقاب للنفس.
ومن الواضح أنّ العقاب للنفس له درجاتٌ ومراتبٌ ، وأوّل ما يبدأ من حالة الملامة ، ثمّ يشدّد العقاب ، وذلك بحرمان النّفس من بعض اللذائذ الدنيوية لفترة من الزّمن.
وأشار القرآن الكريم ، لنموذجٍ رائعٍ حول هذا الموضوع ، وذلك بالنّسبة للثلاثة الذين
__________________
١ ـ خصال الصدوق ، ص ٢٥٣.
٢ ـ سورة القيامة ، الآية ٢.
٣ ـ المعروف بين المفسّرين : أنّ «لا» زائدة وللتأكيد ، والجدير بالملاحظة أنّه وردت تفسيرات مختلفة «للنفس اللّوامة» ، فبعض قال : أنّها إشارةٌ للكفّار والعاصين الذين يلومون أنفسهم في يوم القيامة ، وبعض أشاروا إليهم في هذه الدنيا ، أنّهم يستحقون الملامة في الدنيا قبل الآخرة ، ولكنّ المعنى : «الوجدان أو الضمير المستيقظ» ، أنسب من الجميع ، وقَسَمٌ القرآن بهاٌ دليلٌ على أفضليّتها على باقي الامور.
تخلّفوا في غزوة تَبوك ، وأمر الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، الناس بمقاطعتهم في كلّ شيءٍ ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، فعاقبوا أنفسهم على فعلتهم ، وإنشغلوا بالتّوبة ، وإنعزلوا عن الناس بالكامل ، وبعد مدّة تاب الله تعالى عليهم ، ونزلت الآية الكريمة :( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (١) .
فجملة : «وضاقت عليهم أنفسهم» ، ربّما تكون إشارةً إلى مسألة : «معاقبة النّفس» ، بالعزلة التي إختاروها لأنفسهم ، فقبلها الباري تعالى منهم ، وَورد في شأن النّزول للآية (١٠٢) من سورة التوبة :( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
فهي تشير إلى قصة : «أبو لُبابة الأنصاري» ، وهو أحد أصحاب النّبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، ولكنّه تهاوَن عن نَصرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، في غزوة تَبوك ، وبعدها ندم أشدّ الندم ، فأراد أن يُكفّر عن فِعلته ، فذهب إلى مسجد النّبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وربط نفسه إلى أحد أعمدته ، وأقسم أنّ لا يطلق نفسه إلّا بموافقة الله ورسوله ، أو يتوب الله تعالى عليه ، فبقي على هذه الصورة حتى تاب الله تعالى عليه ، ونزلت الآية ، وصرّحت بقبول الله تعالى لِتوبته.
ومن الواضح ، أنّ أبا لُبابة كان قد تحرك من موقع مُحاسبة النفس ، ومُعاقبتها على فِعلتها ، وهو دليلٌ على أنّ السّير والسّلوك إلى الله تعالى ، كان موجوداً على عهد الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله .
وأمّا جملة :( خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ) ، فهي أيضاً ربّما تكون إشارةً لذلك المعنى أيضاً ، وأَتحفتنا الرّوايات أيضاً ، وأرشدتنا إلى موضوع بحثنا ، ومنها :
١ ـ ما ورد عن عليعليهالسلام ، أنّ قال في أوصاف المتّقين ، في نهج البلاغة :
«إِن اسْتَصْعَبَتْ عَلَيهِ نَفْسُهُ في ما تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِها سُؤلَها فِي ما تُحِبُّ» (٢) .
والمقصود منه ، أن يمنع نفسه في حالة جموحها ، من النوم والرّاحة والأكل والشّرب ،
__________________
١ ـ سورة التوبة ، الآية ١١٨.
٢ ـ نهج البلاغة ، الخطبة ١٩٣.
لتتأدّب ولتنصاع إليه.
٢ ـ ما ورد في غُرر الحِكَم ، عن ذلك الإمامعليهالسلام الهمام ، أنّه قال :«إِذا صَعُبَتْ عَلَيكَ نَفْسُكَ فاصْعَبْ لَها تَذِلُّ لَك».
٣ ـ وعنهعليهالسلام :«مَنْ ذَمَّ نَفْسَهُ أَصلَحَها ، وَمَنْ مَدحَ نَفْسَهُ ذَبَحها» (١)
٤ ـ وعنهعليهالسلام ، قال :«دَواءُ النَّفْسِ الصَّومُ عَنِ الهوى وَالحَمِيةُ عَنْ لَذّاتِ الدُّنيا» (٢) .
ويحدّثنا التأريخ عن نماذجٍ كثيرةٍ من أصحاب النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، والعلماء الكبار ، والمؤمنين المخُلصين ، الذين إذا مسّهم إغواء الشّيطان ، وإرتكبوا بعض الذنوب ، كانوا يسارعون في وضع أنفسهم تحت طائلة العقاب ، لئلّا يتكرّر هذا العمل منهم مرّةً اخرى في المستقبل ، ومنها :
١ ـ ورد أنّ أحد أصحاب النّبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وإسمه «ثَعلبة»(٣) ، كان من الأنصار ، وكان يُؤاخي «سعيد بن عبد الرحمن» ، وهو من المهاجرين ، وصاحَبَ سعيدٌ الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله في إحدى غزواته ، وخَلّف ثعلبة في المدينة ، مُعتمداً عليه في حلّ مشاكل بيته وعائلته ، وما يحتاجونه من باقي الامور المعيشيّة ، وفي يوم ما ، إحتاجت امرأة «سعيد» إلى شيءٍ ، فوقفت خلف الباب ، تتحدّث مع ثعلبة في ذلك الأمر ، فوسوس له الشّيطان في ممارسة الإثم ، فكشف عن حجابها ، فرآها جميلةً جدّاً ، فأراد أن يضمّها إلى صدره ، ولكنّها نهرته قائلة له : ما تفعل يا ثعلبة ، أمِنَ الحقِّ أن يكون أخوك في الجِهاد ، وأنت تُريد بأهلِهِ السّوء؟!
إنتبه ثعلبةُ من نومه وغفلته ، وأيقظه هذا النّداء من غيّه ، فَصاحَ وفرّ على وجهه في البيداء باكياً ، وهو يقول :«إِلَهِي أَنْتَ المُعرُوف بِالغُفرانِ وأَنا المَوصُوفُ بِالعِصيانِ» (٤) .
فبقي في الصحراء مدّةً طويلةً مُعاقباً نفسه ، مَضيّقاً عليها لِما صدر منه ، وفي قصّةٍ طويلةٍ
__________________
١ ـ غُرَر الحِكَم.
٢ ـ المصدر السابق ، ح ٥١٥٣.
٣ ـ ثعلبة كان إسماً لعدّة من أصحاب النّبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وثَعلبةُ هذا ، غير ثعلبة بن حاطِب الأنصاري ، الذي إمتنع عن أداء الزكاة ، فطرده الرّسول والمسلمون.
٤ ـ ذكرت هذه القصة في كتبٍ كثيرةٍ ، منها خزينة الجواهر ، ص ٣٢٠ ، وكذلك في تفسير الفخر الرازي ، في ذيل هذه الآية ، بصورة ملخصة ، ج ٩ ، ص ٩.
تحكي أنّه عاد بعدها إلى الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وتاب على يده ، فنزلت الآية أدناه لتوكيد قبول توبته ، وهي الآية (١٣٥) من سورة آل عمران :( وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) .
٢ ـ نقل عن حالات الفقيه الكبير ، المرحوم آية الله ، البروجرديقدسسره ، عند ما كان يجلس للدرس مع طلابه ، فربّما بَدَر منه أثناء النّقاش ، أن يرفع صوته بالتّوبيخ لأحد طلّابه ، ولم يكن ذلك منه إلّا من باب المحبّة ، وعلاقة الأب مع إبنه ، فكان يندم مباشرةً ويعتذر ، وينذر للصوم في غَدِه ليُكفّر عن فعله ، رغم أنّه لم يصدر منه ما يخالف الشّرع.
٣ ـ نقلُ أحد كِبار عُلماء الأخلاق ، عن أحد الوعّاظ ، أنّه عند ما كان يصعد على المِنبَر للوعظ والخطابة ، وقبل الشّروع كان يُسلّم على الحسينعليهالسلام ، ولا يبدأ بكلامه حتى يسمع الجواب منهعليهالسلام ، هذه الحالة المعنوية ، لم تحصل لديه إلّا بعد حادثةٍ حدثت له مع أحد الوعّاظ ، حيث قَرّر في يوم من الأيّام مع نفسه ، يكسر مجلس ذلك الواعظ المعروف ، بإيراده كلاماً أبلغ وأحلى من كلام ذلك الشّيخ ، فتنبّه لِخَطئه ، وأخذ على نفسه بعدم إرتقاء المنبر لمدّة (٤٠) يوماً ، عِقاباً لنفسه على فعلتها تلك ، فالقي في قلبه ذلك النّور وتلك الحالة الإلهيّة.(١)
وزبدة الكلام ، أنّه وللحصول على النتائج والمعطيات ، المرجوّة من المراقبة والمحاسبة ، أن يتحرك الشّخص في عملية التّزكية ، من موقع معاقبة النفس عند زلَلِها وجُموحها عن الطريق ، وإلّا فلا يمكن تَوخّي النّتائج المطلوبة في نطاق التّهذيب والتّزكية ، وهذا لا يعني أننا نُمضي أعمال وفعال بعض الصّوفيين المنحرفين ، كما أورد بعضها الغزالي في كتابه : «إحياء العلوم» ، فما يفعلوه من أعمال خَشنةٍ مُتهوِّرة ، وسلوكياتٍ شاذةٍ ، في دائرة معاقبة النفس وجُبران تقصيرها ، لا تَمُتّ إلى الدّين بصلةٍ ، وقصدنا من المعاقبة ، هي أعمالٌ مشروعةٌ في دائرة المفاهيم الإسلاميّة ، كالصّوم ، ومخالفة الهوى ، وحرمان النفس من بعض لذّاتها المادية ، التي لا تخدش في سماحة الدين ورأفته ، بل هي من اسسه.
__________________
١ ـ وكذلك قصّة علي بن يقطين ، وإبراهيم الجمّال المعروفة.
وكما يقول المرحوم النّراقي ، في «معراج السّعادة» :
إذا صدرت من الشّخص مخالفةٌ ؛ ما فعليه تأديب نفسه وترويضها ، بالعبادات الثّقيلة مثلاً ، أو بإنفاق الأموال التي يحبّها ويجمعها ، أو يقوم يتجويع نفسه عند أكله لِلُقمة الحرام ، أو يؤدب نفسه بالسّكوت ، ويمدح الشّخص الذي يغتابه ، أو يجبرها بذكر الله تعالى ، وإذا إستهان أو استصغر أحداً من الناس لفقره ، فليكرمه بالمال الكثير ، وكذلك الحال في بقيّة المعاصي ، والموبقات التي صدرت منه ، ولكلٍّ بِحَسَبِه»(١) .
الخطوة السّادسة : «النيّة» و «إخلاص النيّة»
تناول العلماء في بداية مباحثهم الأخلاقية ، مسألة «النيّة» و «إخلاص النيّة» ، وفرّقوا بينهما وقالوا : إنّ «النيّة» شيءٌ ، و «إخلاصُ النيّة» شيءٌ آخر ، لكنّهم لم يذكروا فروقاً واضحةً ومشخّصَةً ، فأدخلوا إخلاص النيّة في مبحث النيّة ، بحيث يصعب الّتمييز بينهما.
ولأجل التّفريق والّتمييز بينهما ، يمكن القول : إنّ المقصود من «النيّة» : هو العَزمُ والإرادةُ الرّاسختين لفعلٍ ما ، بقطع النّظر عن الدّافع الإلهي ، أو المادي الذي يقف خلفها.
بالطّبع إذا أراد الإنسان أن يرى ثمرة عمله ، في دائرة الواقع وحركة الحياة ، فعليه أن يدخل إلى ساحة العمل والسّلوك ، بإرادةٍ قويّةٍ ، وعزمٍ راسخ ، لا تُزلزِلهُ التّحديات ، ولا تهزّه الصّعاب ، سواءً في نطاق تحصيل العلم ، أو في الزّراعة والتجارة والسّياسة.
والخُلاصة : إنّ كلّ عملٍ إيجابي ، نريد أن نصل به إلى النتائج المرجوّة ، علينا في البداية ، أن نتقدم نحو ميدان العمل والممارسة ، بقلبٍ ثابتٍ وإرادةٍ بعيدةٍ عن التّردد ، وبالطبع فإنّ هذا الأمر لا يتمّ إلّا بالتنظير له ، في مرحلةٍ سابقةٍ ، ودراسةِ كلّ جوانبه والامور المحيطة به ، من عوائد ونتائج إيجابيّة أو سلبيّة ، والعقبات التي يمكن أن تقف بوجهه ، وبعدها المُضي قُدُماً بخطى ثابتةٍ نحو الهدف ، في خطّ العمل والتّطبيق.
__________________
١ ـ معراج السعادة ، الطّبعة الجديدة ، ص ٧٠٣ ، (مع شيءٍ من التّلخيص).
ولأجل السّير في طريق تهذيب الأخلاق والسلوك إلى الله تعالى ، نحتاج إلى نيّة جادّةٍ ، وإرادةٍ حاسمةٍ ، لأنّ ضعف الإرادة ، يمثّل أكبر عائقٍ أمام تحقيق ما يطمح إليه الإنسان ، في دائرة التّكامل الأخلاقي ، فأيّ مانع يقف بوجهه ، سُرعان ما يُولّي دُبُرَه ويعود أدراجَه ، فالضّعف في عنصر الإرادة ، بإمكانه أن يتَسرّب إلى سائر القوى الباطنيّة ، وبالعكس ، فإنّ القويُّ الإرادة ، سيقوم بتوظيف قِواه ، وملكاته الداخليّة ، ويدفعها بقوةٍ نحو الهدف المنشود.
وهذا هو الأمر ، الذي عبّر عنه القرآن الكريم ب : «العزم» ، وقد سُمّي الأنبياء العظام ، لعزمهم القوي ، وإرادتهم الحديديّة ، ب الأنبياء أولو العزم)(١)
فخاطب القرآن الكريم ، الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، قائلاً :( فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) (٢) .
وبالنسبة لآدمعليهالسلام ، قال :( وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) (٣) ، حيث تناول من الشّجرة الممنوعة ، ولم تكن لديه إرادةٌ قويةٌ في خطّ الطّاعة.
أمّا في دائرة الرّوايات الشّريفة ، فنرى أنّها توّجهت إلى عنصر العزم ، وأكّدت عليه من موقع الأهميّة. ومنها :
ما نقل عن الإمام موسى الكاظمعليهالسلام ، في أدعية رجب ، نقرأ :«وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَفضَلَ زَادِ الرَّاحِلِ إِلَيكَ عَزْمُ إِرادَةٍ يَخْتارُكَ بِها وَقَدْ ناجاكَ بِعَزمِ الإِرادَة قَلبي» (٤) .
وفي حديث آخر عن الصّادقعليهالسلام ، قال :«إِنّما قَدَّرَ اللهُ عَوْنَ العِبادِ عَلى قَدْرِ نَيّاتِهِم ، فَمَن صَحَّتْ نِيَّتَهُ تَمَّ عَوْنُ اللهِ لَهُ ، وَمَنْ قَصُرَتْ نِيَّتَهُ قَصُرَ عَنْهُ العَوْنَ بِقَدْرِ الَّذِي قَصَّرَهُ» (٥) .
وفي حديثٍ آخر ، عنهعليهالسلام :«ما ضَعُفَ بَدَنٌ عَمّا قَوِيتْ عَلَيهِ النِّيَّةُ» (٦) .
فهذا الحديث ، يبيّن لنا فاعليّة الإرادة ، ودورها في الصّعود بالقوى الجسمانيّة ، إلى أبعد الحدود والمراتب في حركة الإنسان.
__________________
١ ـ ورد في مقاييس اللغة : أن العزم في الأصل بمعنى القطع ، والإرادة القاطعة اخذت منه.
٢ ـ سورة آل عمران ، الآية ١٥٩.
٣ ـ سورة طه ، الآية ١١٥.
٤ ـ نقله المحدّث القمي في مفاتيحه ، عن إبن طاووسرحمهماالله تعالى ، وهو في أعمال شهر رجب المُرجّب.
٥ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٧ ، ص ٢١١.
٦ ـ المصدر السابق ، ص ٢٠٥ ، ح ١٤.
ومن المعاني الاخرى «لِلنيّة» ، هو إختلاف الدّوافع ، بالنّسبة لِلأعمال الّتي تكون على هيئةٍ واحدةٍ في الظّاهر ، فالذّهاب للجهاد ، يمكن أن يكون الباعث له هو كسب الغنائم ، أو الإستعلاء على النّاس ، أو يكون دافِعُهُ نصرة الحقّ ، ودفع الظّلم ، وإطفاء نار الفِتن ، وأمثال ذلك.
فالذّهاب لِلحرب ، واحدٌ في الشّكل والظّاهر ، ولكن شتّان بين النّوايا السّليمة ، وبين النّوايا المغرضة.
ولأجل ذلك ، أتت الأوامر بإصلاح النيّة ، وتنقيتها من الشّوائب ، قبل السّلوك في أيّ طريق ، وما السّالك في خطّ الله ، والكمال المعنوي بِمُستثنى عن ذلك ، فهل أنّ هدفه من سلوك سبيل التهذيب والرياضة ، هو التّكامل المعنوي ، والوصال الحقيقي ، أم أنّه يريد كسب عنصر القّوة في عالم النفس ، والتّسلط على ما وراء الطّبيعة ، ليشار إليه بِالبَنان؟!.
وما وردنا من حديثٍ :«إِنّما الأَعمالُ بالنِّيَّاتِ» ، هو إشارةٌ لهذا المعنى ، وَوَرد الحديث في موسوعة : بحار الأنوار ، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال :«إِنّما الأَعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكُلِّ امرِءٍ ما نَوى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ، فَهِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ ، وَمَنْ كانَتْ هِجرَتُهُ إِلى دُنيا يُصِيبَها أو إِمرَأَةٍ يَتَزَوَّجَها فَهِجْرَتُهُ إِلى ما هاجَرَ إِلَيهِ» (١) .
وكذلك الحديث الوارد عن عليعليهالسلام ، حيث يقول :«عَلى قَدْرِ النِّيَّةِ تَكُونُ مِنَ الله عَطِيَّةٌ» (٢) .
فهو إشارةٌ إلى نفس المعنى الآنف الذكر.
ويُستفاد مما تقدم ، أنّه ولأجل الوصول إلى المقاصد والأهداف المنشودة ، في أيّ أمرٍ وعملٍ ، وخصوصاً المصيريّة منها ، علينا أن نتحرّك في دائرة العمل ، بإرادةٍ قويّةٍ وعزمٍ راسخٍ ، في مُواجهة التحدّيات الصّعبة ، لتحقيق الأهداف المرسومة ، وبدون ذلك ، سيحل فينا عنصر اليأس والحيرة والضّياع.
وكذلك هو حال السّائر في طريق تهذيب النّفس ، وإصلاح الخَلل في واقعه الداخلي ، عليه البِدء بإرادةٍ حديديّةٍ ، ويدعمها بالتوكّل على الباري تعالى ، في عمليّة السّلوك المعنوي ، ويمكن
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٧ ، ص ٢١١ ، وورد في هامشه ، أن هذا الحديث متفق عليه عند جميع المسلمين ، ثم يشير إلى كلام البخاري في صحيحه ، في كتاب الإيمان ، ص ٢٣.
٢ ـ غُرر الحِكَم ، ح ١٥٩٤.
أن يتساءل المرءُ عن كيفيّةِ تَحصيل هذه الإرادة القويّة ، في واقعه الدّاخلي والنّفسي.
والجواب واضح جِدّاً ، فَنفس الهدفِ المنشودِ ، هو الحافز الأصلي الذي يدفع الإنسان نَحوه ، فكُلّما كان الهدف سامِياً ، كان السّير إليه أقوى وأشد ، والخُطى نَحوه أثبت.
فإذا أذعن الإنسان لهدف الحقيقة ، وهيَ : أنّ وجوده ، والهدف من خلقته ، ليس هو إلّا تهذيب الأخلاق والقربُ من الله تعالى ، وبِغَفلته أو تَغافُله عنها ، سيقع في مستنقع الرّذائل ، وينحدر في وادي الظّلمات ، فإذا صدّق تلك الحقيقة ، وتعمّق فيها ، أكثر وأكثر ، فسوف يسير على بصيرةٍ من أمره ، ثابتَ الخُطى ، هادىءَ البال ، مرتاحَ الضّمير ، رابطَ الجّأش ، بل وأكثر من ذلك ، سيفدي روحه في هذا السّبيل ، ويكون مِصداقاً ل : «عَجّلْتُ إليك رَبِّ لِتَرضى».
ويمكن القول في جملة واحدة ، أنّ الإرادة القويّة منشؤها المعرفة الكاملة ، من موقع الوضوح في الرّؤية وسمّو الهدف ، في وعي الإنسان.
الإخلاص :
المراد من «الإخلاص» ، هو : إخلاص النيّة ، وأن يكون الهدف ، في دائرة الفكر والسّلوك : هو الله تعالى فقط.
وقد يكون هناك أشخاص من ذوي الإرادة القويّة ، تمنحهم القوّة للوصول إلى أهدافهم ، إلّا أنّ الدّافع الحقيقي لهم ، هو : النّفع المادي والمصلحة الذّاتية ، ولكنّ أولياء الله والسّالكين في خطّ الحقّ والإيمان ، يتمتعون بإخلاص النيّة لله تعالى ، إلى جانب الإرادة القويّة.
ونرى في القرآن الكريم والرّوايات الإسلاميّة ، أن عنصر : «الإخلاص» ، إلى درجةٍ من الأهميّة ، بحيث يُعدّ العامل الأساس في حركة الإنسان والحياة ، للفوز في الدنيا والآخرة ، وكلّ عملٍ في الإسلام ، لا يقبل إلّا إذا توفّر عنصر الإخلاص لله تعالى ، هذا من جهةٍ :
ومن جهةٍ اخرى : نرى أنّ الإخلاص يعدّ من أصعب الامور ، ولا يصل إلى الدّرجة العليا من الإخلاص إلّا المقرّبون ، رغم أنّ حالة الإخلاص محمودةٍ في أيّ مرحلةٍ ومرتبةٍ.
ولنرجع الآن لِلقرآن الكريم ، لنستوحي من آياته مسألة الإخلاص. فبعض الآيات تتحدث عن المخلِصين ، والبعض الآخر عن المخلَصين من موقع الثناء ، والّتمجيد بهم ، ومنها :
١ ـ في الآية (٥) من سورة البيّنة :( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) .
حيث تتبيّن أهميّة هذا الموضوع ، بالنّظر إلى أنّ الدّين له مفهومٌ واسعٌ يستوعب في إطاره ، كلّ العقائد والأعمال الباطنيّة والخارجيّة ، فالضّمير في : وما امروا ، يعود على جميع أتباع المذاهب الإلهيّة والأديان السماوية ، والإخلاص والصلاة والزكاة ، تمثّل : عناصر مشتركة بين الجميع ، فهذا التّعبير في الآية ، يبيّن حقيقةً واحدةً ألا وهي أنّ جميع الأوامر الإلهيّة مستقاةٌ من حقيقة التّوحيد والإخلاص ، في خطّ الطّاعة والعبوديّة.
٢ ـ وفي آية اخرى ، نجد أنّ القرآن الكريم يوجّه خطابه إلى جميع المسلمين ، ويقول :( فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ) (١) .
٣ ـ وفي مكان آخر ، يخاطب الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، ويقول :( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ) (٢) .
ويُستشف من هذه الآيات وآياتٍ اخرى ، أنّ الإخلاص هو أساس الدّين ودعامته ، التي يرتكز عليها في عمليّة تثبيت الإنسان ، في خطّ الإيمان والإنفتاح على الله تعالى.
وسنتعرّض لِشرح معنى المخلِصين والمخلَصين ، والفرق بينهما في ما بعد ، ولكن توجد هنا عباراتٌ على درجةٍ من الأهميّة ، على مستوى المفاهيم القرآنية :
١ ـ الآية : (٣٩ و ٤٠) من سورة الحِجر ، تتحدثان عن الشيطان ، بعد ما طرد من رحمة الله سبحانه إلى الأبد ، فقال بعنادٍ :( وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) .
فتبيّن هذه الآية ، حالة المخلَصين من عباده ، وأنّها إلى درجةٍ من القوّة والإستحكام ، حتى الشّيطان قد يأس منهم.
٢ ـ الآية : (٣٩ و ٤٠) من سورة الصافات ، تتحدثان عن وعد الله تعالى لعباده المخلَصين ،
__________________
١ ـ سورة غافر ، الآية ١٤.
٢ ـ سورة الزّمر ، الآية ١١.
بثوابٍ لا يعلمه إلّا الباري تعالى ، فيقول :( وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ ) .
٣ ـ الآية : (١٢٧ و ١٢٨) من سورة الصافات ، أيضاً صعدت بمقام المخلَصين ، إلى درجةٍ أنّهم معفوّون من الحساب والحضور في المحكمة الإلهيّة ، ويدخلون الجنّة مباشرة.
٤ ـ الآية : (١٥٩ و ١٦٠) من نفس السورة ، وصفت المخلَصين ، بأنّهم الوحيدون الذين يصحّ منهم وصف الذات المقدسة ، ممّا يدلّ على عمق معرفتهم الحقيقة بحقيقة الالوهيّة :( سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ* إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ ) .
فوصفهم للهِ ، لا إشكال فيه.
٥ ـ الآية : (٢٤) من سورة يوسف ، تحدّثت عن الحصانة الإلهيّة للنبي يوسفعليهالسلام ، في مقابل وساوس إمرأة العزيز الشّيطانيّة ، فقال :( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) .
أمّا ما الفرق بين المخلِصين والمخلَصين؟ ، هنا نجد تفسيراتٌ كثيرةٌ ، ويمكن القول أنّ أفضل هذه التّفاسير ، هو الذي يقول : أنّ «المخلِص» هو الذي يتحرك في طريق الإخلاص لله تعالى ، بعيداً عن كلّ الشّوائب والأدران والمقاصد غير الإلهيّة ، في دائرة الفكر والنيّة ، ويتحرك بعيداً عن الرّذائل والقبائح ، في دائرة الفعل والمُمارسة ، أمّا «المخلَصين» ، فهو الذي تحضره العناية الربانيّة ، والمدد الإلهي ، لرفع آخر شائبة من قلبه ، ويشمله لطف الربّ لتخليصه من كلّ ما لا يحب ويرضى.
وتوضيح ذلك : إنّ الشّوائب التي تصيب قلب الإنسان ووجوده على نوعين :
نوعٌ يكون الإنسان منها على بصيرةٍ ، ويسعى لإزالتها من واقع وجوده ، بإخلاص النيّة والعقيدة والعمل ، ويُوفّق في مسعاه.
أمّا النّوع الآخر ، فهو خفي لا يحسّ به الإنسان في مسارب النّفس والرّوح ، كما ورد في الحديث النبوي الشريف :«إِنَّ الشِّركَ أَخفَى مِنْ دَبِيبِ الَّنملِ عَلى صَخْرَةٍ سَوداءٍ في لَيْلَةٍ ظَلْماءٍ» (١) .
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٩ ، ص ٩٣.
فهنا لا يمكن العبور من هذه المطبّات ، إلّا بتوفيقٍ من الباري تعالى ، وتسديدٍ إلهي يشمل حال السّائرين إليه ، وبدونه ستبقى الشّوائب عالقة في القلب والنّفس ، وكأنّ الباري تعالى يريد أن يُتحف هؤلاء المخلِصين ، الذين لم يتخلّصوا تماماً من عَلَق الشّوائب ، ووصلوا بالقرب من النّهاية ، بأن يبدل شوائبهم باليّقين ، بلطفه وعنايته ، ويجعلهم في عداد المخلَصين.
فعند وصول الإنسان إلى هذه المرحلة ، يكون في مأمَنٍ من الأهواء ، ومن الوساوس الشّيطانية ، بما يمثّل من تحدّيات صعبة في طريق التّكامل ، وبالتّالي ينقطع طمع الشّيطان فيه ، ويظهر عجزه عن إغوائه بصورةٍ رسميّةٍ.
وهنا يستقر المخلَصين في النّعيم الخالد ، ويرتعون بالمواهب الإلهيّة ، ويكون ثناؤهم وتوصيفهم ، للذات المقدّسة بالصّفات الجماليّة والجلاليّة الإلهيّة ، قد صبغت بصبغة التّوحيد الخالص ، وبما أنّهم صفّوا حساباتهم في هذه الدنيا ، فستكون عاقبتهم أنّهم سيدخلون الجنّة بغير حساب.
ويصف الإمام عليعليهالسلام في بعض خطبه ، التي وردت في نهج البلاغة ، اولئك المخلصين ، فيقول :«قَدْ أَخْلَصَ للهِ فَاسْتَخْلَصَ» (١) .
وقال الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :«فَعِنْدَ ذَلِكَ إسْتَخْلَصَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنُبُوَّتِهِ وَرِسالَتِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ المُشَرِّفَةِ الطَّيِّبَةِ مُحَمَّداً اخْتَصَّهُ للِنُبُوَّةِ وَاصطَفاهُ بِالرِّسالَةِ» (٢) .
وفي حديثٍ آخر عن أحد المعصومينعليهمالسلام أنّه قال :«وَجَدْتُ ابنَ آدَمَ بَينَ الشَّيطانِ فَإنْ أَحَبِّهُ اللهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمائَهُ ، خَلَّصَهُ وَآسْتَخْلَصَهُ وَإِلّا خَلّى بَينَهُ وَبَينَ عَدُوِّهِ» (٣) .
والخلاصة ، إنّ الإخلاص في النيّة والفكر والعمل ، هو من أهمّ الخُطى في عمليّة التّهذيب والتّربية والسّير إلى الله تعالى.
__________________
١ ـ نهج البلاغة ، الخطبة ٨٧.
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ١٤ ، ص ٥٢٠.
٣ ـ المصدر السّابق ، ج ٥ ، ص ٥٥.
الإخلاص في الرّوايات الإسلاميّة :
وأتحفتنا الروايات بزخم كبير من المفاهيم ، التي تدور حول محور الإخلاص ، ونشير إلى بعضٍ منها :
١ ـ ما جاءنا عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال :«ثَلاثٌ لا يَغُلُّ عَلَيهِنَّ ، قَلْبُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ، إِخلاصُ العَمَلِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالنَّصِيحَةِ لِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ ، واللُّزُومَ لِجَماعَتِهِم» (١) .
٢ ـ ما ورد عنهصلىاللهعليهوآله ، في حديثٍ آخر :«الإِخلاصُ سِرٌّ مِنْ أَسرارِي اسْتَودِعَهُ قَلْبَ مَنْ أَحَبَبْتُهُ مِنْ عِبادِي» (٢) .
٣ ـ قال الإمام عليعليهالسلام :«الإِخلاصُ أَشرَفُ نِهايَةٍ» (٣) .
٤ ـ في حديث آخر عنهعليهالسلام ، قال :«الإِخلاصُ أَعلَى الإِيمانِ» (٤) .
٥ ـ وعنهعليهالسلام :«فِي إِخلاصِ الأَعمالِ تَنافَسَ اولُوا النُّهى وَالألبابِ» (٥) .
٦ ـ ما ورد في أهميّة الاخلاص بحيث أنّ الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، قسّم المؤمنين وِفق درجات إخلاصهم ، فقال :«بِالإِخلاصِ تَتَفاضَلُ مَراتِبُ المُؤمِنِينَ» (٦) .
٧ ـ وفي بيان أنّ آخر مرحلةٍ من مراحل اليّقين ، هو الإخلاص ، قال الإمام عليعليهالسلام :«غايَةُ اليَقِينِ الإِخلاصُ» (٧) .
٨ ـ ما ورد من معطيات الاخلاص على مستوى العمل ، لدرجة أنّ قليلاً منه يكفي للنّجاة ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :«أَخْلِصَ قَلْبَكَ يَكْفَيكَ القَلِيلَ مِنَ العَمَلِ» (٨) .
٩ ـ وقال عليعليهالسلام :«الإِخلاصُ عِبادَةُ المُقَرِّبِينَ» (٩) .
١٠ ـ ونختم هذه الأحاديث ، بحديث عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، أنّه قالعليهالسلام :«طُوبى لِمَنْ
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٨ ، ص ١٢٥ ـ وأورد الحديث بالكامل : الصدوق في ، خصاله ، باب الثلاثة ، ص ١٦٧.
٢ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٨ ، ص ١٢٥.
٣ ـ تصنيف الغرر ، ص ١٩٧ ، الرقم (٣٨٩٤).
٤ ـ غرر الحكم ، ج ١ ، ص ٣٠.
٥ ـ المصدر السّابق ، ج ١ ، ص ٥١٣.
٦ ـ ميزان الحكمة ، مادة خلص ، ج ١ ، ص ٧٥٤.
٧ ـ غُرر الحِكم ، ج ٢ ، ص ٥٠٣.
٨ ـ بحار الأنوار ، ٧٠ ، ص ١٧٥ ، ذيل الحديث ١٥.
٩ ـ غرر الحِكم ، ج ١ ، ص ٢٥ (الرقم ٧١٨).
أَخْلَصَ للهِ العِبادَةَ وَالدُّعاءِ ، وَلَمْ يَشْغَلْ قَلْبَهُ بِما تَرى عَيناهُ ، وَلَمْ يَنْسَ ذِكْرَ اللهِ بِما تَسْمَعُ اذُناهُ وَلَمْ يَحْزَنْ صَدْرُهُ بِما اعطِي غَيْرَهُ» (١) .
حقيقة الإخلاص :
يقول المرحوم الفيض الكاشاني ، في المحجّة البيضاء حول هذا الموضوع : «إعلم أنّ كلّ شيء يتصور أن يشوبه غيره ، فإذا صفا عن شوبه ، وخلص عنه سمّي خالصاً وسُمّي الفعل المصفّى ، المخلص إخلاصاً ، قال الله تعالى :( وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ) (٢) ، فإنّما خلوص اللّبن ، أن لا يكون فيه شوب من الدم والفرث ، ومن كلّ ما يمكن أن يتمزج به والاخلاص ، يضادّه الإشراك ، فمن لا يكون مخلصاً فهو مشرك ، إلّا أنّ للشّرك درجاتٍ ، والإخلاص في التوحيد يضادّه الشرك في الإلهيّة ، والشّرك منه خفي ومنه جلّي وكذلك الإخلاص»(٣) .
وكذلك ما ورد من تعبيرات لطيفةٍ في الرّوايات ، تبيّن الإخلاص الحقيقي والمخلصين الحقيقيين ، منها :
١ ـ الحديث الوارد عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال :«إِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً ، وَما بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِخلاصِ ، حَتّى لا يُحِبَّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى شَيءٍ مِنْ عَمَلٍ للهِ» (٤) .
٢ ـ نقل عنهصلىاللهعليهوآله :«أَمّا عَلامَةُ الُمخْلِصِ فَأَربَعَةٌ ، يُسْلمُ قَلْبَهُ وَتُسلمُ جَوارِحُهُ ، وَبَذَلَ خَيْرَهُ وَكَفَّ شَرَّهُ» (٥) .
٣ ـ في حديث آخر عن الإمام الباقرعليهالسلام ، أنّه قال :«لا يَكُونُ العَبْدُ عابِداً للهِ حَقَّ عِبادَتِهِ
__________________
١ ـ اصول الكافي ، ص ١٦.
٢ ـ سورة النّحل ، الآية ٦٦.
٣ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٨ ، ص ١٢٨.
٤ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٩ ، ص ٣٠٤.
٥ ـ تُحف العقول ، ص ١٦.
حَتّى يَنْقَطِعَ عَنِ الخَلْقِ كُلُّهُ إِلَيهِ ، فَحِينَئِذٍ يَقُولُ هذا خالِصٌ لِي فَيَتَقَبِّلَهُ بِكَرَمِهِ» (١) .
٤ ـ وأخيراً يقول الإمام الصادقعليهالسلام :«ما أَنْعَمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَبْدٍ أَجَلَّ مِنْ أَنْ لا يَكُونَ فِي قَلْبِهِ مَعَ اللهِ غَيْرُهُ» (٢) .
الآن بعد ما عرفنا أهميّة الإخلاص ، ودوره العميق في سلوك طريق الحق والقرب من الله ، والسّير في حركة الإنسان في خط الإيمان والتوحيد ، يبقى هنا سؤال يفرض علينا نفسه ، وهو كيف يمكننا تحصيل الأخلاص؟
لا شك أنّ الإخلاص في النيّة ، هو وليد الإيمان واليقين العميق بالمعارف الإلهيّة ، وكلمّا كان الإنسان متيقناً على مستوى التّوحيد الأفعالي ، وأنّ كلّ شيء في عالم الوجود يبدأ من الله تعالى ويعود إليه ، وهو المؤثر الأول وعلّة العلل وأنّ الاسباب والعِلل الجليّة والخفيّة خاضعة لأمره وتدبيره ، فحينئذٍ يكون سلوك هذا الإنسان مُنسجماً مع هذه العقيدة ، بالمستوى الذي يكون فيه عمله في غاية الخُلوص ، لأنّه لا يرى مُؤثّراً في الوجود غير الله ، يثير في نفسه الدّوافع المضادّة للإخلاص ، والحركة في غير طريق التّوحيد.
وعكست الرّوايات هذه الحقيقة ، فقال الإمام عليعليهالسلام :«الإخلاصُ ثَمَرَةُ اليَقِينِ» (٣) .
وعنهعليهالسلام :«ثَمَرَةُ العِلْمِ إِخلاصُ العَملِ» (٤) .
وأخيراً تناول الإمام عليعليهالسلام المسألة بشيءٍ من التفصيل ، فقال :«أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ ، وَكَمالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصدِيقُ بهِ ، وَكَمالُ التَّصدِيقِ بِهِ ، تَوحِيدُهُ ، وَكَمالُ تِوحِيدهِ الإِخلاصُ لَهُ» (٥) .
موانع الإخلاص :
أشار علماء الأخلاق الأفاضل إلى هذه المسألة إشارات دقيقة وواضحة ، فقال البَعض ، إنّ
__________________
١ ـ مستدرك الوسائل ، ج ١ ، ص ١٠١.
٢ ـ المصدر السابق.
٣ ـ غُرر الحِكم ، ج ١ ، ص ٣٠ (الرقم ٩٠٣).
٤ ـ المصدر السابق ، ص ١٧ ، (الرقم ٤٤٤).
٥ ـ نهج البلاغة ، الخطبة ١.
موانع الإخلاص وآفاته على نحوين : جليّةٌ ، وخفيّةٌ. فبعضها خطر جداً ، والبعض الآخر أضعف ، والشّيطان والنّفس الأمّارة ، يسعيان لتكدير صفاء القلب ، وتلويثه بالرّياء ، بالمستوى الذي يحوّل الإنسان إلى كيان مهزوزٍ ، أمام حالات الخطر ، ويشلّ فيه إرادة المُواجهة.
فَبعضٌ من مراحل الرّياء واضحةٌ للعيان ، بحيث يمكن لكلّ فرد التّوجه إليها ، مثلما يأمر الشّيطان المصلي بالتوءدة بصلاته ، كي يراه الناس ويقولوا هذا إنسانٌ مؤمنٌ ، فلا يتحرّكون من موقع الغِيبة له والوَقيعة فيه.
فهذه من حيل الشّيطان الجليّة.
ويمكن أن تكون وساوس الشيطان بصورةٍ أخفى ، حيث تتلبّس بلباس الطّاعة ، فمثلاً ، يلقي في نفسك : أنّك إنسانٌ معروفٌ ، والنّاس تشير إليك بالبَنان ، ويجب أن تكون طاعتك وعبادتك على أتمّ الصّحة ، لكي يقتدي بك الناس في أعمالهم ، وستكون شريكاً معهم في ثوابهم ، فَهنا ستستسلم لأحابيل الرّياء من دون أن تشعر.
أو تكون الخُدع والحيل أشدّ وأقوى وأخفى ، فمثلاً يقول للمصلّي إنّ العبادة في السرّ يجب أن تكون مثلها في العلانية ، والذي تكون عبادته في السّر ، أدنى مستوى من العلانية ، يعتبر من المرائين ، وبهذه الصّورة يدفعه ليحسن صلاته وينمّق عبادته في الخفاء ، ليكون كذلك في صلاته أمام الناس ، وهذا نوعٌ من الرّياء الخَفي ، ويمكن أن يغفل عنه الكثيرون ، وكذلك المراحل الأخفى والأشد(١) .
نعم فإنّ آفات الإخلاص كثيرةٌ ، ولا يستطيع أيّ إنسانٍ العبور منها ، إلّا بتوفيق ربّاني ، ولطفٍ إلهي.
ونجد هذا المعنى كذلك في الرّوايات الإسلاميّة ، حيث أتحفتنا بما يلزم ، للتنبيه على آفات الإخلاص ومنها :
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٨ ، ص ١٣٣.
ما ورد عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، حيث قال :«كَيفَ يَستَطِيعُ الإخلاصُ مَنْ يَغْلِبَهُ الهوى» (١) .
وفي الواقع فإنّ ما ذُكر في الحديثٍ ، آنفاً ، هو أهم وأقوى آفات الإخلاص ، نعم فإنّ هوى النفس ، يكدّر عين الإخلاص ويُظلِمُها.
وعنهعليهالسلام ، قال :«قَلِّلِ الآمالَ تَخْلُصُ لَكَ الأعمالُ» (٢) .
والجدير بالذّكر ، أنّ الوساوس يمكن أن تأتي بشكلٍ آخر ، فتقول للمُصلي لا تذهب لِصلاة الجماعة ، لأنّ نيّتك يمكن أن تتلّوث بالرّياء أمام الناس ، وعليك بإقامة الصّلاة في بيتك ، لكي تعيش أجواء الإخلاص في خطّ العبادة والصلاة ، وتتخلص من براثن الرّياء!!.
أو يدعوه لترك المستحبات لنفس السّبب ، لِيحرمه من ثوابها.
ولعل هذا هو السّبب في دعوة القرآن الكريم ، للإنفاق بالسرّ والعَلانية :( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (٣) .
ونختم بحثنا بملاحظةٍ مُهمّةٍ ، ألا وهيَ ، أنّ الإخلاص في السرّ ، ليس بتلك الدرجة من الصّعوبة والأهميّة ، بل المهم هو أن يعيش الإنسان ، حالة الإخلاص في العلانية ، وأمام مرأى ومسمعٍ من الناس.
معطيات الإخلاص :
بما أنّ حالة الإخلاص ، تُمثّل أغلى جوهرةٍ تُحفظ في خزانة الرّوح ، وما يترتّب على هذه الحالة من معطيات إيجابيةٍ مهمّةٍ ، فقد أوردت الرّوايات تلك المسألة ، بصورةٍ بليغةٍ جميلةٍ ، ومنها :«ما أَخْلَصَ عَبْدٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ أَربَعِينَ صَباحاً إلّا جَرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةُ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسانِهِ» (٤) .
__________________
١ ـ غرر الحكم ج ٢ ص ٥٥٣ الرقم ٤.
٢ ـ المصدر السابق ح ٢٩٠٦.
٣ ـ سوره البقره الايه ٢٧٤.
٤ ـ عُيون أخبار الرضا ، ج ١ ، ص ٦٩ ، بحار الأنوار ، ج ٦٧ ، ص ٣٤٢.
وفي حديثٍ آخر عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، أنّه قال :«عِنْدَ تَحققُ الإخلاصُ تَسْتَنِيرُ البَصائِرُ» (١) .
وَوَرد عنهعليهالسلام أيضاً :«فِي إخلاصِ النيّاتِ نَجاحُ الامورِ» (٢) .
ويتّضح من ملاحظة هذا الحديث ، أنّ النيّة كلّما أخلصت ، كان الإهتمام بِباطن الأعمال أقوى ، أو بتعيبرٍ أدق : إنّ الجَودة والدّقة على مستوى السّلوك والعمل ، ستكون في ذَروتها ، ونجاح العمل سيكون مضموناً ، والعَكس صحيحٌ ، فإذا كان الهدف يتركز على معالم الظاهر فقط ، دون أن يولّي أهميّةً للمحتوى ، فسيكون مصير العمل إلى الفَشل والخَيبة.
ولذلك قال أمير المؤمنينعليهالسلام :«لَو خَلُصَتِ النِّيَّاتُ لَزَكَّتِ الأَعمالُ» (٣) .
الرّياء :
النقطة المقابلة للإخلاص هي : «الرّياء» ، وقد ورد ذمّه بكثرةٍ في الآيات والروايات الشريفة ، التي نهرت النّاس من هذا العمل المُشين ، وإعتبرته من أوضح مصاديق الشّرك الخفي ، وعلّة بطلان الأعمال ، وعلامة من علامات النّفاق.
ونجد فيها أنّ الرّياء يهدم الفضائل ، ويزرع بذور الرّذائل في روح الإنسان ، وُ يشغله عن الهدف الأساسي الحقيقي ، في خطّ الرّسالة والإستقامة.
وهو أداةٌ قويةٌ مؤثرةٌ بيد الشّيطان الرّجيم ، لإضلال وصرف النّاس عن الطّريق الصّحيح ، وتحويلهم من دائرة الإيمان ، إلى دائرة الكفر والإنحراف.
ونعود هنا للآيات القرآنية الكريمة ، التي ترينا وجه المرائي القبيح ، والنّتائج السلبيّة المترتّبة على الرّياء :
١ ـ ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ
__________________
١ ـ غُرر الحِكم ، ج ٢ ، ص ٤٩٠ ، الرقم ١٢.
٢ ـ المصدر السّابق ، ص ١٤ ، الرقم ٦٨.
٣ ـ المصدر السّابق ، ص ٦٠٣ ، الرقم ١١.
صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) (١) .
٢ ـ ( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) (٢) .
٣ ـ ( إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً ) (٣) .
٤ ـ ( وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً ) (٤) .
٥ ـ ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) (٥) .
٦ ـ ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ* وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ ) (٦) .
تفسير وإستنتاج :
«الآية الاولى» : تبيّن أن المنّ بالصدقات وإيذاء الآخرين ، يدخل في عداد الرّياء ويمحق أعمال الخير ، وتبيّن أنّ المرائي لا يعيش الإيمان بالله ولا باليوم الآخر ،( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ) ، وبعدها يشبّه هؤلاء الناس بمثل الذي يُنفق أمواله من موقع الرّياء :( كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) .
وجاء في ذيل الآية : تشبيهٌ جميلٌ جدّا لأعمالهم العقيمة ، التي لا تثمر في نطاق المعنويّات وترتب الثّواب ، فأعمالهم كالصّخر الذي يعلوه التراب ، فيَشتَبِه الفلاح في أمره ، فيبذر فيه البذور بأمل الخصب والزّرع ، فيأتي المطر ويزيل كلّ شيءٍ ، فقال :( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ
__________________
١ ـ سورة البقرة ، الآية ٢٦٤.
٢ ـ سورة الكهف ، الآية ١١٠.
٣ ـ سورة النّساء ، الآية ١٤٢.
٤ ـ سورة النساء ، الآية ٢٨.
٥ ـ سورة الأنفال ، ٤٧.
٦ ـ سورة الماعون ، الآية ٤ إلى ٧.
فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً ) .
ومن المؤكد أنّ مثل هذا العمل والزرع ، لن يثمر أو يورق ، فكذلك سبحانه وتعالى ، لا يهدي من ينطلق في تعامله مع الله تعالى من موقع الرّياء والكفر ،( لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) .
فعرّفت الآية مثل هؤلاء الأفراد بالمرائين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ومرّة اخرى عرّفتهم بالكافرين ، الذين تتحرك أعمالهم كالسّراب المخادع ، الذي لا قيمة له ، لأنّهم بذروا أعمالهم في أرض الرّياء السّبخة التي لا تصلح للزراعة ، ويوجد إحتمال آخر في تفسير الآية ، وهو أنّ المرائي نفسه بمثابة قطعة الصّخر ، التي لا يثبت عليها التراب ، ولا يفيد معه أيّ بذرٍ من بذور الخير والصّلاح.
نعم! فأرواحهم مريضةٌ وأعمالهم عقيمة ، لا تقوم على أساس من الخير ، ونيّاتهم مشوبة بدرن الرّياء والشّرك الخَفي.
واللّطيف : أنّ الآية التي تلتها في سورة البقرة ، شبّهت أعمال المخلصين ، بجُنينةٍ لا بذور فيها إلّا بذور الصّلاح ، فأصابها وابلٌ فنبتت نَباتاً حسناً ، فأثمرت ثمراً مضاعفاً ومُباركاً فيها.
«الآية الثانية» : خاطبت الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وأمرته بإيصال التّوحيد الخالص للنّاس ، إنسجاماً مع خطّ الرّسالة ، وبإعتبار أَنَّ التّوحيدَ أصلٌ أساسي في الإسلام :( قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) .
وبذلك يستوحي المؤمن من جو الآية الكريمة ، أنّ الأعمال يجب أن تكون خالصةً ومنزّهةً من أدران الشّرك :( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) .
وعليه فإنّ الشّرك في العبادة ، يهدم أساس التّوحيد ، والإعتقاد بالمعاد في حركة الإنسان والحياة ، أو بتعبيرٍ أدق : فإنّ جواز السّفر إلى الجنّة الخالدة ، يتمثل بِخُلوص العمل في دائرة السّلوك والنيّة.
وجاء في شأن نزول الآية : قال إبن عباس : أنّها نزلت في جُندب بن زهير العامري ، قال : يا
رسول الله إنّي أعمل العمل لله تعالى ، واريد به وجه الله تعالى ، إلّا أنّه إذا إطّلع عليه أحد من الناس سرّني ؛ فقال النّبيصلىاللهعليهوآله :«إنَّ اللهَ طَيِّبٌ وَلا يَقْبَلُ إِلّا الطَّيِّبَ وَلا يَقْبَلُ ما شُورِكَ فِيهِ» (١) .
وجاء في شأن نزول الآية أيضاً ، قال طاووس : قال رجل : يا رسول لله! إني احبّ الجهاد في سبيل الله تعالى واحبّ أن يرى مكاني ، فنزلت الآية.(٢)
وَوَرد مثل هذا المضمون بالنّسبة للإنفاق وصِلة الرّحم(٣) ، وتبيّن أنّ الآية الآنفة : نزلت بعد الأسئلة المختلفة ، في الأعمال المشوبة بغير الأهداف الإلهيّة ، وقد إعتبرت المُرائي على حدّ من يعيش حالة الشّرك بالله والشّخص الذي لا إيمان له بالآخرة.
ونقرأ في حديثٍ آخر ، عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :«مَنْ صَلّى يُرائي فَقَدْ أَشرَكَ ، وَمَنْ صامَ يُرائِي فَقَدْ أَشرَكَ ، وَمَنْ تَصَدَّقَ يُرائي فَقَدْ أَشرَكَ ، ثُمَّ قَرَأ : فَمَنْ كانَ يَرجُوا لِقاءَ رَبِّهِ ...» (٤) .
«الآية الثّالثة» : بيّنت أنّ الرّياء هو من فعل المنافقين :( إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً ) .
والجدير بالذكر أنّ النّفاق عبارةٌ عن إزدواجية الظّاهر والباطن ، وكذلك الرّياء فهو إزدواجية الظاهر والباطن ، حيث يتحرك المرائي في أعماله لجلب الأنظار ، فمن الطّبيعي أن يكون الرّياء من برامج المنافقين.
«الآية الرابعة» : إعتبرت الأعمال التي ينطلق بها الإنسان من موقع الرّياء ، مساويةٌ لعدم الإيمان بالله تعالى واليوم الأخر :( وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً ) .
وعليه فإنّ المرائين هم أصحاب الشيطان ، الذين يفتقدون الإيمان الحقيقي بالمبدأ والمعاد.
__________________
١ ـ تفسير القُرطبي ، ج ١١ ، ص ٦٩.
٢ ـ المصدر السابق.
٣ ـ المصدر السابق.
٤ ـ الدر المنثور ، (طبقاً لتفسير الميزان ، ج ١٣ ، ص ٤٠٧).
«الآية الخامسة» : تنهى المسلمين من التشبّه بأعمال المشركين الكفّار ، الذين لا يفعلون شيئاً إلّا للرياء والتّفاخر فقط :( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) .
فطبقاً للقرائن والشواهد الموجودة ، وتصديق المفسّرين ، فإنّ هذه تشير إلى خروج المشركين من قريش في يوم بَدر ، بحليّهم وزينتهم وقد جلبوا معهم آلات الطّرب واللّعب واللهو والنبّيذ ، وهم يقصدون جلب أنظار أصحابهم من المشركين الوثنيين.
وجاء في بعض التّفاسير ، أنّ منطقة بدر ، كانت تعتبر من المراكز التّجارية لعرب الجاهليّة في وقتها ، وأنّ أبا جهل جاء بوسائل الطرب والجواري ، لغرض مُراءاة النّاس ، وفَقْأ العيون كما يقول المثل الشّائع.
وعلى كلّ حال ، فإنّ القرآن الكريم قد نهى المؤمنين من أمثال هذه الأعمال الشائنة ، ودعاهم إلى ترويض النّفس بالإخلاص والتّقوى ، للتغلب على تلك الحالات النفّسية الخطرة ، وأن لا ينسوا مصير المُرائين وأتباع الشّيطان في معركة بدر.
«والآية الأخيرة» : من الآيات مورد البحث ، نجدها تذّم الرّياء ولكن بصورة اخرى فتقول :( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ* وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ ) .
فقد جاءت كلمة «الويل» ، في (٢٧) مورداً من القرآن ، وإختصّت في الأغلب بالذّنوب الكبيرة الخطرة جدّاً ، وهنا تحكي عن شدّة قُبح ذلك العمل في واقع الإنسان وروحه.
إنّ ما ورد في الآيات الآنفة الذكر ، يوضح إلى درجةٍ كبيرةٍ ، قُبحَ هذه الخطيئة ، وأخطارها وآثارها السلبيّة على سعادة الإنسان في حركة الحياة ، ومن الواضح فإنّ الرّياء يقف حَجرَ عثرةٍ في طريق تهذيب النّفس ، وطهارة القلب والرّوح للإنسان المؤمن.
الرّياء في الرّوايات الإسلاميّة :
تطرقت الرّوايات لهذا الأمر بقوّةٍ وأهميّة بالغةٍ ، وعرّفت الرّياء بأنّه من أخطر الذّنوب ، ومنها :
١ ـ ما وَرد عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال :«أَخْوَفَ ما أَخافُ عَلَيكُمْ الرّياء والشَّهوةُ الخَفِيّةُ» (١) .
ويمكن أن يكون المراد من الشّهوة الخفيّة ، هو المقاصد الخفيّة للرياء.
٢ ـ وأيضاً ما نقل عنهصلىاللهعليهوآله :«أَدنى الرِّياءِ شِركٌ» (٢) .
٣ ـ وأيضاً عنهصلىاللهعليهوآله :«لا يَقْبَلُ اللهُ عَملاً فِيهِ مِقدارُ ذَرَّةٍ مِنْ رِياءٍ» (٣) .
٤ ـ وعنهصلىاللهعليهوآله :«إِنَّ المُرائِي يُنادى يَومَ القِيامَةِ يا فاجِرُ يا غادِرُ يا مُرائي ضَلَّ عَمَلُكَ وَحَبَطَ أَجْرُكَ إِذْهَبْ فَخُذْ أَجْرَكَ مِمَّن كُنْتَ تَعْمَلُ لَهُ» (٤) .
٥ ـ وقال أحد أصحاب الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله في يوم ما باكياً ، فقلت : ما يُبكيك يا رسول الله؟ فقال :«إنّي تَخَوَّفْتَ عَلى أُمَّتِي الشَّركَ ، أَمّا إِنّهُمْ لا يَعَبُدُونَ صَنَماً وَلا شَمْساً وَلا قَمَراً وَلا حَجرَاً ، وَلَكِنَّهُم يُراؤُونَ بِأَعْمالِهِم» (٥) .
٦ ـ وفي حديث آخر عنهصلىاللهعليهوآله قال :«إِنَّ المَلَكَ لَيَصْعَدُ بِعَمَلِ العَبْدِ مُبْتَهِجاً بِهِ فَإِذا صَعَدَ بِحَسَناتِهِ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِجْعَلُوها فِي سِجِّينٍ إِنَّهُ لَيسَ إِيَّايَ أَرادَ بِها» (٦) .
٧ ـ وأيضاً عنهصلىاللهعليهوآله :«يَقُولُ اللهُ سُبْحانَهُ إِنِّي أَغْنَى الشُّرَكاءِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلاً ثُمَّ أَشْرَكَ فِيهِ غَيرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِىءٌ وَهُوَ لِلَّذِي أَشرَكَ بِهِ دُونِي» (٧) .
هذه الأحاديث السّبعة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، بيّنت أنّ إثم الرّياء بدرجةٍ من الشدّة ، بحيث لا
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٦ ، ص ١٤١.
٢ ـ المصدر السابق.
٣ ـ المصدر السّابق.
٤ ـ المصدر السابق.
٥ ـ المصدر السابق.
٦ ـ اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٢٩٥.
٧ ـ ميزان الحكمة ، ج ٢ ، ص ١٠١٧ ، الطبعة الجديدة.
يضاهيه شيءٌ من الذّنوب والخطايا ، وما ذلك إلّا للنتائج السّيئة للرّياء في نفس وروح الإنسان ، وكذلك على مستوى الفرد والمجتمع.
أمّا ما ورد عن الأئمّةعليهمالسلام :
٨ ـ ما ورد عن الإمام الصادقعليهالسلام ، ينقل عن جدّهعليهالسلام :«سَيأَتِي عَلَى النَّاسِ زَمانٌ تَخْبَثُ فِيهِ سَرائِرِهُمْ وَتَحْسُنُ فِيهِ عَلانِيَّتِهِم ، طَمَعاً في الدُّنيا لا يُريدُونَ بِهِ ما عِنْدَ رَبِّهِم يَكُونَ دِينُهُمْ رِياءً ، لا يُخالِطُهُم خَوْفٌ ، يَعُمُّهُمُ اللهُ بِعِقابٍ فَيَدْعُونَهُ دُعاءَ الغَرِيقِ فلا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ» (١) .
٩ ـ وفي حديثٍ آخر عن الإمام الصادقعليهالسلام ، أنّه قال :«كُلُّ رِياءٍ شِرْكٌ ، إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِلنَّاسِ كانَ ثَوابُهُ لِلنّاسِ ، وَمَنْ عَمِلَ للهِ كانَ ثَوابُهُ عَلَى اللهِ» (٢) .
١٠ ـ وفي حديث عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، قال :«المُرائِي ظاهِرُهُ جَمِيلٌ وَباطِنُهُ عَلِيلٌ» (٣) .
وقال أيضاً :«ما أَقْبَحَ بِالإِنسانِ باطِناً عَلِيلاً وَظاهِراً جَمِيلاً» (٤) .
وما ورد عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وعن الأئمّة الهداة ، في هذا المجال كثير.
فلسفة تحريم الرّياء :
قد يتعجّب البعض الذين يعيشون السّذاجة الفكريّة ، عند نظرهم وللوهلة الاولى ، للروايات التي تتعرض لمسألة الرّياء ، ونتائج المرعبة ، ويتصورون أنّ عمل الإنسان إذا كان سليماً ومنتجاً في واقعه الخارجي ، فأيّاً كانت النيّة والدّافع ، فلن يؤثر ذلك في تغيير العمل ، فالذي يبني مُستَشفاً! أو مسجداً أو يعبّد الطّرق والجسور وغيرها من الامور التي تصبّ في الصّالح العام للناس ، فعمله صحيحٌ وحسنٌ مهما كانت نيّته ، فلْندَع النّاس يفعلوا الخير ، وما لنا والنيّة!!
__________________
١ ـ اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٢٩٦.
٢ ـ المصدر السابق ، ص ٢٩٣.
٣ ـ أمالي الصّدوق ، ص ٣٩٨ ؛ غرر الحكم ، ج ١ ، ص ٦٠ ، الرقم ١٦١٤.
٤ ـ غُرر الحِكم ، ج ٢ ، ص ٧٤٩ ، الرقم ٢٠٩.
ولكن الخطأ الفادح يكمن هنا لأنّه :أولاً : إنّ كلّ عملٍ وفعلٍ يترتب عليه نوعان من ردود الفعل ، أحدهما ما ينعكس أثره في نفس الإنسان ، والآخر ما يترتب على الفعل في الخارج ، فالمُرائي يحطّم نفسه من الدّاخل ويُبعدها عن التّوحيد والدّين الحنيف ، ويوقعها في وادي الشّرك ، ويعتبر عزّته وإحترامه رهنٌ بيدَ النّاس ، وينسى قُدَرة الباري تعالى في دائرة التّصرف في عالم الوجود ، وبهذا يكون الرّياء نوعاً من الشّرك بالله تعالى ، ويُفضي إلى نتائج وخيمة على مستوى الأخلاق والقِيَم الإنسانية.
وثانياً : بالنّسبة للعمل الخارجي ، الذي يقصد به الرّياء والسّمعة ، فالمجتمع هو الخاسر الأوّل في هذا المضمار ، لأنّ المرائي يسعى لتحسين عمله ، على مستوى الظّاهر فحسب دون الإهتمام بالباطن ، ممّا يُفضي إلى تحويل العمل ، إلى إنحراف وإفسادٍ على المستوى الإجتماعي.
وبعبارةٍ اخرى : إنّ المجتمع الذي يتّخذ من الرّياءِ مركباً ، في ممارسات الأفراد ، سيكون كلّ شيءٍ فيه بلا مُحتوى ، ك : (الثقافة ، الإقتصاد ، السياسة ، الصحة والنظام والقوى الدفاعية) وكلّها ستهتم بالظّاهر فقط ، ولا يكون الهدف منها نيل السّعادة الحقيقيّة للأفراد ، بل سيركضون وراء كلّ شيءٍ برّاقٍ وجميلِ الظاهر ، وأمّا باطنه ، فالله العالم.
وهذا النّوع من الإتجاه ، يورد صدمات وضربات ومضرّات في حركة الواقع الإجتماعي ، لا تخفى على ذهن الفطن الكيّس.
علامات المُرائي :
قد يصاب بعض الأشخاص ، لدى مطالعتهم لتلك الأحاديث التي تُشدّد على المرائي بالوسَوسة النّاشئة من الإبهام في تشخيص موضوع الرّياء ، ورغم أنّ الجَدير بالإنسان التّشديد في مسألة الرّياء ، لأنّ نفوذه خفيٌّ جدّاً ، وكم حَدَث للإنسان ، أن يعمل عملاً ويبقى لفترةٍ طويلةٍ غير ملتفتٍ لأصابته بالرّياء ، كالقصّة المعروفة عن أحد المؤمنين السّابقين ، حيث نقل عنه ، أنّه قضى صلوات جماعته كلّها ، التي صلّاها في سنوات من عمره الطويل ، ولمّا سألوه عن السّبب قال : إنّي كنت دائماً اصلّي الجماعة في الصّف الأول ، وفي يوم من الأيّام تأخّرت
بعض الشّيء ، فلم أجد مكاناً في الصّف المقدّم ، فإضطررت للوقوف خلف الجميع ، فشعرت في نفسي بالأذى من ذلك ، وتنبّهت لهذه المسألة ، فأعدت جميع الصّلوات لأنّها كانت رياء؟!
بالطّبع ، الإفراط والتّفريط في هذه المسألة ، مَثَلُه كَمَثَلِ بقيّةِ المسائل ، غير محمودٍ ، وخطأٌ محضٌ ، والمفروض التَّنبّه للرياء من خلال تتبع مقدماته وعلاماته ، ولا نَدع مجالاً للوساوس في إطار إكتشاف هذه الحالة السّلبية ، في دائرة السّلوك الخارجي ، والواقع النّفسي ، ولعلماء الأخلاق الأفاضل أبحاثٌ لطيفةٌ في هذا المضمار ، ومنهم العلّامة المرحوم الفَيض الكاشاني ؛ ، فقد طرح سؤالاً في كتابه : «المحجّة البيضاء» ، وقال : فبأيّ علامةٍ يُعرف العالم والواعِظ ، أنّه صادق مخلصٌ في وعظه ، غير مريدٍ رئاء النّاس؟.
قال في جواب هذا السؤال : «فاعلم أنّ لذلك علاماتٍ ، إحداها أنّه لو ظهر من هو أحسن منه وعظاً وأغزرُ منه علماً ، والنّاس له أشدّ قبولاً ، فرح به ولم يحسده ، نعم لا بأسَ بالغِبطة ، وهي : أن يتمنّى لنفسه مثل عمله ، والاخرى أنّ الأكابِر إذا حَضروا مجلسه لم يتغيّر كلامه ، بل يبقى كما كان عليه ، فينظر إلى الخلق بعينٍ واحدةٍ ، والاخرى : أن لا يحبّ إتّباع النّاس له في الطريق ، والمشي خلفه في الأسواق ، ولذلك علاماتٌ كثيرةٌ يطول إحصاؤها»(١) .
وأفضل المعايير لمعرفة المرائي من غيره ، هو ما وردنا عن الأئمّة الأطهار ، ومن جملة الأحاديث :
١ ـ في حديثٍ عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، قال :«أَمّا عَلامَةُ المُرائي فَأرْبَعَةٌ : يَحْرُصُ في العَمَلِ للهِ إِذا كانَ عِنْدَهُ أَحَدٌ وَيَكْسَلُ إِذا كانَ وَحْدَهُ وَيَحْرُصُ في كُلِّ أَمْرِهِ عَلَى الَمحمَدَةِ وَيُحْسِنُ سَمْتَهُ بِجُهْدِهِ» (٢) .
٢ ـ وَوَرد في نفس هذا المعنى في حديثٍ عن أمير المؤمنين ، بألفاظٍ جميلةٍ ، فقال :«لِلمُرائي أرْبَعة عَلاماتٍ :
يَكْسَلُ إذا كانَ وَحدَهُ ،
وَيَنْشُطُ إِذا كانَ في النّاسِ ،
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٦ ، ص ٢٠٠.
٢ ـ تُحف العقول ، ص ١٧.
وَيَزِيدُ في العَمَلِ إِذا اثنِيَ عَلَيهِ ،
وَيَنْقُصُ مِنْهُ إِذا لَمْ يُثْنَ عَلَيهِ» (١) .
وورد نفس هذا المعنى عن لقمان الحكيم أيضاً(٢) .
وخلاصة القول : إنّ كلّ عملٍ ، كان القصد منه المباهاة للناس ، فهو دليلٌ على الرّياء ، ومهما كان هذا القصد غامضاً وخفيّاً في دائرة الوعي ، فهو دليلٌ على إزدواجيّة شخصيّة الإنسان في التعامل مع نفسه ، في الخلأ والملأ.
وهذا الأمر في الحقيقة بالغ في الدقّة والغموض ، لدرجةٍ أنّ الإنسان يخدع وجدانه وضميره ، بإتيان نفس الأعمال التي يأتي بها في الملأ ، وبدرجةٍ عاليةٍ من الجودة والحُسن ، في خلوته ليقنع نفسه أنّه لا يُرائي ، لأنّه يساوي بأعماله في الظّاهر والباطن ، ولكنّ الحقيقة هي إزدواجيّة ذلك الشّخص ، ففي كلا الحالتين يكون مرائياً.
بالطّبع يجب إجتناب الإفراط والتّفريط في هذه المسائل ، لأننا وجدنا اناساً إمتنعوا من أداء كثيرٍ من الواجبات وحُرموا من الثّواب حذراً أو خوفاً من الرّياء ، فلم يؤلّفوا كتاباً ، ولم يرشدوا أحداً من النّاس ، ولم يصعدوا المنابر ، لا لِشيءٍ إلّا لأنّهم كانوا يعيشون الخوف من الوقوع في الرّياء؟!
وقد ورد في الرّوايات ، أنّ من يقصد القُربة إلى الله تعالى ، إذا أتى بعملٍ ما علانيةً ، وعرف به الناس وفرح هو من ذلك ، ما دام قصده هو التّقرب إلى الله سبحانه وتعالى ، فلن يؤثّر ذلك على عمله(٣) .
ولا يخفى على القارىء الكريم ، أنّ القصد من هذا الأمر ، هو تشجيع النّاس إلى سلوك طريق الخير والصّلاح ، وإمضاء أعمالهم المتقرّب بها إلى الله تعالى ، في السّر والعلانية ، والمهم هو قصد القُربة وإخلاص النيّة فقط.
وجاءت الآيات والرّوايات ، مؤكّدةً لهذا المعنى ، وحثّت الإنسان على الإنفاق والتّصدق
__________________
١ ـ شرح نهج البلاغة ، إبن أبي الحديد ، ج ٢ ، ص ١٨٠.
٢ ـ الخصال : (طبقاً لنقل ميزان الحكمة ، ج ٢ ، ص ١٠٢٠) ، الطّبعة الجديدة.
٣ ـ راجع وسائل الشّيعة ، ج ١ ، الباب ١٥ ، من أبواب مقدمة العبادات ، ص ٥٥.
في السرّ والعلانية ، وهذا إن دلّ على شيءٍ فإنّه يدلّ على إمكانيّة الإتيان بالأعمال علانيةً ، وبدوافع إلهيّة بعيداً عن الرّياء.
ويوجد خمسُ آياتٍ شجّعت على الإنفاق سرّاً وعلانيةً ، أو سِرّاً وجهراً(١) .
مضافاً إلى أنّ قسماً كبيراً من العبادات ، يؤدّى في العلانية ، فإذا ما لم يتسلط الإنسان على نفسه في خط الإلتزام الديني ، ويُمسك بزمامها في دائرة النّوازع الذاتيّة ، فَسيخسر هو والمجتمع كثيراً من أشكال الثّواب والخير ، وستختل أركان بعض العبادات في خطّ الممارسة والعمل.
علاجُ الرِّياء :
يوجد طريقان لِمُعالجة حالة الرّياء ، فالرّياء مَثَلُه كَمَثَلِ سائر الأخلاق السلبيّة والسّلوكيّات الذّميمة ، ففي بادىء الأمر ، علينا التّركيز على معرفةِ العِلَل ، وجذور هذه الحالة السّلبية في الواقع النّفسي ، لأجل القضاء عليها ، ثم التّحرك نحو دراسة عواقبها المؤلمة ، والكشف عنها في عمليّة التّصدي لها ، وتوخي جانب الحَذر منها.
بالطّبع لقد أشرنا آنفاً ، أنّ الرّياء هو : «الشّرك الأفعالي» ، والغفلة عن حقيقة التّوحيد ، فإذا ما تأصلت حقيقة التّوحيد الأفعالي في قلوبنا ، وإستحكمت في نفوسنا ، وإستيقنّا أنّ العزّة لله جميعاً ، من موقع المشاهدة الوجدانية ، ورأينا أنّ الرّزق والضرّ والنّفع بيده وهو المسخّر للقلوب ، فسوف لن نختار سواه بدلاً ، ولن نُدنّس أنفسنا وأفعالنا بحالة الرّياء الشّنيعة ، التي لا تنسجم مع خطّ التّوحيد في دائرة الأفعال ، فالذي يعيش اليقين الرّاسخ بهذه الحقيقة ، وهي أنّ مَنْ يكون مع الله تعالى ، يكون كلّ شيءٍ معه ، وبدونه فهو لا شيء ، ويرى بعين البصيرة ، مِصداق قوله تعالى :( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ) (٢) .
__________________
١ ـ سورة البقرة ، الآية ٢٧٤ ؛ الرّعد ، ٢٢ ؛ إبراهيم ، ٣١ ؛ النّحل ، ٧٥ ؛ فاطر ، ٢٩.
٢ ـ سورة آل عمران ، الآية ١٦٠.
وإذا أدركنا هذه الحقيقة القرآنية التي تقرر أنّ العزّة لله تعالى :( أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ) (١) .
أجل إذا ترسّخَ الإيمان بهذه الحقائق الإيمانيّة في أعماق الرّوح ، فلا يجد الإنسان في نفسه باعثاً على الرّياء والنّفاق ، وكسب الجاه والمقام لدى الناس والمُفاخرة والمُباهاة.
وقال بعض علماء الأخلاق ، إنّ دعامة الرّياء وأساسِه هو حبّ الجاه والمُقام ، وعند تحليلنا لمفهوم الرّياء ، نجد أنّه يتكون من ثلاثة أركانٍ :
«حبّ الثّناء والمدح من الناس» ، و «الفرار من مذمّتهم» ، و «الطّمع لِما في أيديهم».
ثم يضرب لذلك مثلاً وهو المجاهد في سبيل الله ، فتارةً يكون قصدُه المُباهاة والمفاخرة ، وإظهار شجاعته وبطولاته للناس ، واخرى خوفاً من أن يتّهمه الناس بالجُبن والخوف ، وثالثةً يكون دافعه الحصول على الغنائم ، والفائز الوحيد ، هو الذي يدافع عن الحقّ والدّين لا غير.
هذا من جهةٍ ، ومن جهةٍ اخرى ، عند ما يتأمل الإنسان في سلبيات الرّياء وأضراره ونتائجه القاتلة ، نرى أنّه كالنّار التي تقع على عبادات الإنسان وطاعاته ، فتحوّلها إلى رماد تذروه الرّياح ، ولا يقتصر الأمر على ذلك فحسب ، بل هو ذنبٌ عظيمٌ يسوّد وجه صاحبه في الدّنيا والآخرة
الرّياء : حشرة الإرضة التي تَنخر دَعامات بيت سعادة الإنسان ، لينهار به في وادٍ سحيقٍ من الشّقاء والظلّام
والرّياء بدوره نوعٌ من أنواع الكفر والنّفاق والشّرك
والرّياء يسحق الشّخصيّة والحريّة والكرامة ، وأشدّ النّاس بؤساً يوم القيامة ، المراؤون.
فهذه حقائقٌ تردع الإنسان ، وتبعده عن ذلك الأمر الشّينع.
ولا ننسى أنّ المرائي سيفتَضِح ، إن عاجلاً أو آجلاً في هذه الدّنيا ، وستظهر حقيقته الزّائفة على فلتات لسانه وشَطحات كلماته ، وهذا العامل له قسطٌ من التأثير في عمليّة الرّدع النّفسي ، لحالة الرّياء في واقع الإنسان ، مضافاً إلى أنّ لذّة العمل الصالح ، والنيّة الطيّبة التي تطرأ على
__________________
١ ـ سورة النّساء ، الآية ١٣٩.
الإنسان ، لا تقاس بشيءٍ ، وهو أمرٌ يكفي لإخلاص النيّة.
ويعتقد البعض ، أنّ إحدى طرق المعالجة ، هي السّعي إلى إخفاء العبادات والحسنات ، ولا يُمارسها في العلن ، ليتخلّص تدريجيّاً من هذه العقدة المستعصيّة في الذّات المرائيّة.
ولكن هذا لا يعني ، عدم الحضور في صلاة الجَماعة والجُمعة والحج ، لأنّها تعدّ أيضاً خسارةً كُبرى لا تُعوّض.
هل النّشاط في العبادة يُنافي الإخلاص؟
يُراود هذا السّؤال أذهان الكثيرين ، وهو أنّهم يشعرون بنشاطٍ روحي ، بعد الإتيان بالعبادة بالمستوى المطلوب ، فهل أنّ هذا الشّعور بالنّشاط ، يتقاطع مع الإخلاص ، أو أنّه علامةٌ على الرياء؟.
والجواب : أنّ النّشاط إذا إستمدّ اصوله ، من التّوفيق الإلهي والنّور المعنوي المستقى من العبادة ، ومعطياتها على روح الإنسان ، فلا تَثريب ولا ضير ، ولا يُنافي الإخلاص في النيّة ، أمّا لو كان النّشاط ينشأ من مشاهدة الناس له ، فإنّه يُنافي الإخلاص ، رغم أنّه لا يكون سبَباً في بُطلان الأعمال ، شريطةَ أن لا يتغيّر مقدار وكيفيّة العمل بسبب مشاهدة الناس له.
وَوَرد هذا المعنى في الرّوايات الإسلاميّة :
منها ما وَرد عن أحد أصحاب الإمام الباقرعليهالسلام ، أنّه قال : سألتُ الإمامعليهالسلام ، عن الرّجل يعمل الشّيء من الخير ، فيراه إنسانٌ فيسّره ذلك.
قالعليهالسلام :«لا بَأْسَ ، ما مِنْ أَحَدٍ إِلا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ في النّاسِ الخَيرُ ، إذا لَمْ يَكُنْ صَنَعَ ذَلِكَ لذَلِكَ» (١) .
وفي حديثٍ آخر عن أبي ذررحمهالله ، ـ عند ما سأل الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ـ ، قال : قلت يا رسول
__________________
١ ـ وسائل الشيعة ، ج ١ ، ص ٥٥.
الله : الرّجل يعملُ العمل لنفسه ويحبّه الناس.
قالصلىاللهعليهوآله :«تِلكَ عاجِلُ بُشرى المُؤمِنِ» (١) .
ما الفرق بين الرّياء والسّمعة :
هذا سؤال يفرض نفسه أيضاً ، فهل يوجد فرق بين الرّياء والسّمعة؟ ، وهل أنّهما يتنافيان مع إخلاص النيّة ، ويوجبان بطلان العمل؟.
الجواب : الرّياء : هو فعل الخير أمام مرآى ومسمع من النّاس ، لكسب الوجاهة لديهم ، وليشار إليه بالبنان من موقع المدح والثّناء.
وأمّا السّمعة ، فهي أداء أفعال الخير بعيداً عن أنظار النّاس ، ولكن لِيُفهمَهم لاحقاً أنّه هو الذي فعل هذه الامور ، ليكتسب بذلك وجاهةً لديهم ، والحقيقة أن الدّافع لِكِلا الإثنين غير إلهي ، فالأوّل يؤدّي عمل الخير أمام مرآى الناس ، والثّاني بصورةٍ غير مُباشرةٍ وعن طريق السّماع ، ولا فرق بينهما في دائرة فساد النيّة ، وبطلان العمل وفقدان قصد القربة.
ولكن إذا فسّرنا السمعة بأنّها أداء الفعل بقصد القُربّة ، ولكن إذا علم النّاس في الآجل ومدحوه وأثنوا عليه ، فإنّه يفرح بذلك ، فلا شكَّ بأنّ هذه الحالة لا توجب بُطلان العمل.
ويمكن أن يتحرك الإنسان في سلوكيّاته وأعماله ، بقصد القُربة المطلقة ، ولكنّه يرويها للناس بعد ذلك ليحتل مكانةً بينهم ، «وهذا العمل يُسمى بالرّياء اللّاحق» ، فهذا السّلوك أيضاً لا يُبطل العمل ، لكنّه يُقِّلل من قيمته إلى أدنى حدّ ، وخصوصاً من النّاحية الأخلاقيّة.
وقد تحدّث بعض من كبار الفُقهاء ، عن كيفيّة نفوذ وتوغّل الرّياء في أعمال الإنسان ، وقالوا أنّها على عَشرِ صُوَرٍ :
الصّورة الاولى : أن يكون قصده من الفعل : مشاهدة النّاس له ، ولا شكّ ببطلانها.
__________________
١ ـ وسائل الشيعة ، ج ١ ، ص ٥٥.
الصورة الثّانية : أن يكون الهدف فيها الباري تعالى ، والرّياء مَعاً ، وهذه الحالة أيضاً موجِبةُ : للبطلان والإحباط.
الثّالثة : أن يُرائي في جزءٍ من الأعمال الواجبة ، كما لو مارس الرّياء في الرّكوع ، أو السّجود وحده في الصّلاة الواجبة ، ولا شك في كونه يستوجب البُطلان ، حتى لو كان هناك مجالاً للإستدراك ، وحاله حالَ ما لو فقد وضوءه وهو في أثناء الصّلاة ، وإن كان الأحوط أن يأتي بالجزء الذي وقع فيه الرّياء ، ثم إعادة الصّلاة بعد الإنتهاء.
الصّورة الرّابعة : الرّياء في الجزء المستحب ، كما في القُنوت ، فهو أيضاً من دواعي البُطلان.
الخامسة : أصلُ العمل والقَصد ، يكون الله تعالى ، ولكنّه يؤدّيه في مكانٍ عام : (كالمسجد) ، من دون قصد ربّاني فيه ، وهو باطلٌ أيضاً.
السّادسة : أن يُرائي في وقت العمل ، فأصل الصّلاة لله تعالى ، ولكنّه يُرائي في أدائها في أوّل وقتها ، فعمله باطلٌ أيضاً.
السّابعة : أن يُرائي في بعض خُصوصيات وأوصاف العمل ، كما لو صلّى الجماعة ، وهو في حالةٍ من الخشوع والخضوع المُفتعلة ، وهو باطلٌ أيضاً ، فالموصوف يتبع الأوصاف في هذه الحالة.
الثّامنة : أن تأتي بالعمل قربةً إلى الله ، ولكنّه يرائي في مقدّمات العمل ، فيذهب إلى المسجد بقصد الصّلاة والثّواب ، ولكنّ حركته نحو المسجد بقصد الرّياء. فالكثير من الفُقهاء لا يرون بُطلان العمل لمثل هذا النوع من الرّياء ، لأنّ مقدّمات الرّياء حدثت بعيداً عن العمل ، وهو ما تقتضيه القاعدة الفِقهيّة.
التّاسعة : أن يُؤدّي بعض الأوصاف الخارجيّة بنيّة الرّياء ، كما لو صلّى للهِ تعالى ، ولكنّه يحنّك نفسه رياءً ، فالبِّرغم من قبح هذا العمل ، ولكنّه لا يُبطل الصلاة.(١)
عاشراً وأخيراً : أن يتحرّك في إتيانه بالعمل ، من موقع القربة المطلقة لله تعالى ، ولكن إذا
__________________
١ ـ نَسترعي الانتباه : إلى أنّ التّحنيك في الصّلاة لم يثبت استحبابه ، وما ورد في الرّوايات فهو يشمل كلّ الحالات والأوقات ، وفي وقتنا الحاضر يحتمل أن يكون من لِباس الشّهرة.
شاهده الناس ، فإنّه يشعر في قرارة نفسه بالفرح ، من دون أن يؤثّر ذلك على كيفيّة العمل ، فهذا القسم لا يوجب البُطلان أيضاً ، لأنّه لا يعدّ من الرّياء.
ونصل هنا إلى نهاية بحثنا حول الرّياء ، وإن كنّا قد أعرضنا عن كثيرٍ من الامور ، إجتناباً للتّطويل.
الخطوة السّابعة : السّكوت وإصلاح اللّسان
تناولت الرّوايات الإسلاميّة هاتين المسألتين ، بمزيدٍ من الإهتمام ، وكذلك علماء الأخلاق ، أكّدوا عليهما في أبحاثهم التّربوية ، لإعتقادهم أنّ السّير والسّلوك إلى الله تعالى ، لنْ يتحقّق في واقع الإنسان إلّا بالسّكوت ، وحفظ اللّسان من الذنوب التي قد يقع الإنسان فيها من خلال الكلام ، وإن كان ، قد أتعب نفسه في الرياضات الرّوحيّة وأنواع العبادات.
أو بتعبيرٍ أدَقْ : إنّ مفتاح مسيرة التهذيب والسّلوك إلى الله تعالى هو الإلتزام بِذَينك الأمرين ، ومن لم يستطع السّيطرة على لسانه ، فلن يُفلح في الوصول ، إلى الأهداف السّامية والمقاصد العالية.
وبعد هذه الإشارة نعود إلى بحثنا الأساسي ، ودراسة الآيات والرّوايات التي وَرَدت في هذا المِضمار.
السّكوت في الآيات القرآنيّة الكريمة :
في كِلا المَوردين ، إعتبر القرآن الكريم ، هذه المسألة من القيم السّامية ، في خطّ الإيمان والأخلاق ، ففي بادِىء الأمرِ ، إستعرض قصّة مريمعليهاالسلام ، فعند ما كانَت في وضعها المُتأزّم ، وتفكيرها في حملها وحالة الطلق التي أصابتها ، ووحدتها في تلك الصّحراء المريعة ، وقد هوّمت نحوها الهُموم من كلِّ جانبٍ ، وأشدّها إفتراءات بني إسرائيل عليها ، فتمنّت الموت في تلك السّاعة من بارِئها ، ولكن جاءها النّداء ، أن لا تحزن ولا تغتم ، فإنّ الله معها وهو الذي يتكفّل
أمرها ، وهذا ما تُحدِّثنا به الآيات التالية : «فَأَجَاءَهَا الْمخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَني مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً* فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَني قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً* وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً* فَكُلِي وَاشْرَبي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولي إِنّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمانِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً»(١) .
وإختلف المفسّرون في الذي نادى مريمعليهاالسلام ، فقال بعضهم : إنّه جِبرائيلعليهالسلام ، وسياق الآية قرينةٌ على هذا المعنى ، وقال البَعض الآخر ، كالعلّامة الطّباطبائيرحمهالله ، إنّه إبنها عيسىعليهالسلام ، وكلمة : «من تحتها» ، تناسب هذا المعنى ، لأنّه كان بين أقدامها ، علاوة على أنّ أغلب الضّمائر في الآية الشّريفة ، تعود على المسيحعليهالسلام ، وتَتَناسب أيضاً مع كلمة «نادى» ، وعلى كلٍّ فإنّ مَحَطَّ نظرنا ، هو الأمرُ بنذر السّكوت ، فأيّاً كان المُنادي ، جبرائيلعليهالسلام ، أو المسيحعليهالسلام ، فإنّ المهم هو ، أنّ ذلك النّذر ، يفضله ويرجحّه الباري تعالى ، وخصوصاً أنّ ذلك الأمر ، كان سائداً في وقتها ، وهو من الأعمال التي يُتقرّب بها إلى الله سبحانه وتعالى ، فلذلك لم يعترض على مريمعليهاالسلام أحد ، بالنّسبة إلى هذا العمل بالذّات.
ويوجد إحتمالٌ آخرٌ لصوم مريمعليهاالسلام ، وهو الصّوم عن الطّعام والشّراب ، بالإضافة لصوم السّكوت.
أمّا في الشّريعة الإسلاميّة ، فإنّ صوم السّكوت حرام ، لتغيّر الظّروف المكانيّة والزمانيّة ، وقد وَرد عن الإمام علي بن الحسين السّجادعليهالسلام ، أنّه قال :«وَصَومُ الصَّمتِ حَرامٌ» (٢) .
وَوَرد في نفس هذا المعنى في حديثٍ آخر ، في وصايا النّبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، إلى الإمام عليعليهالسلام (٣) .
وَوَرد عن الإمام الصّادقعليهالسلام ، أنّه قال :«وَلا صَمْتَ يَوماً إِلَى اللّيلِ» (٤) .
والطّبع ، فإنّ من آداب الصّوم عندنا ، هو المحافظة على اللّسان وباقي الجوارح من الذّنوب ، قال الإمام الصادقعليهالسلام في هذا الصّدد :«إِنّ الصّومَ لَيسَ مِنْ الطّعامِ والشَّرابِ وَحْدَهُ إِنَّ مَريَمَ
__________________
١ ـ سورة مريم ، الآية ٢٣ إلى ٢٦.
٢ ـ وسائل الشيعة ، ج ٧ ، ص ٣٩٠ ، باب تحريم صوم الصّمت.
٣ ـ المصدر السابق.
٤ ـ المصدر السابق.
قَالتْ إِنّي نَذَرتُ لِلرَّحمانِ صَوماً أي صمْتاً فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُم وَغُضُّوا أَبْصارَكُم» (١) .
ومن هذه الآية والرّوايات الشّريفة ، التي وردت في تفسيرها ، تتبيّن أهميّة وقيمة السّكوت ، في خطّ التّربية والتّهذيب.
وفي الآية (١٠) من نفس السورة ، توجد إشارةٌ اخرى لفضيلة السّكوت ، وذلك عند ما وهب الباري تعالى يحيىعليهالسلام ، لنبيّه الكريم زكريّاعليهالسلام ، فخاطب الباري تعالى ، وقال :( قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ) ، فقال له :( قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ) ، ولا تحركه إلّا بذكر الله.
وصحيح أنّ هذه الآية لم تَحمد ولم تَذم السّكوت ، ولكن قيمة السّكوت تتّضح ، من جعله : آيةَ النّبي زكرياعليهالسلام .
وورد نفس هذا المعنى ، في الآية (٤١) من سورة آل عمران ، فبعد تلقّيه البشارة من الباري تعالى ، طلب أن يجعل له آيةً في دائرة تقديم الشّكر للباري تعالى ، فقال له :( قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً ) .
وإحتمل بعض المفسّرين ، أنّ إمتناع زكرياعليهالسلام عن الكلام ، كان بإختياره ولم يكن مجبوراً عليه ، والحقيقة أنّه كان مأموراً بالسّكوت لمدّة ثلاثة أيّام.
يقول الفَخر الرّازي ، نقلاً عن «أبي مسلم» : أنّ هذا النحو من التّفسير جميلٌ ومعقولٌ ، لكنّه مخالفٌ لسياق الآية ، فزكريّاعليهالسلام طلب آيةً لمّا بُشّر بيحيى ، والسّكوت الإختياري لا يكون دليلاً على هذا المعنى ، إلّا بتكلّف وتحميل على المفهوم من الآية الشّريفة.
وعلى أيّةِ حال فإنّ هذا الاختلاف في تفسير الآية ، لا يُؤثّر على ما نحن فيه ، لأنّ غرضنا من إيراد هذه الآيات ، هو التّنويه بقيمة السّكوت في القرآن الكريم ، بإعتباره آيةً من الآيات الإلهيّة.
__________________
١ ـ نور الثّقلين ، ج ٣ ، ص ٣٣٢.
السّكوت في الروايات الإسلاميّة :
ما ورد عن : «الصّمت» ، في الروايات الإسلاميّة ، أكثر من أن يُحصى ، فقد أشارت الروايات إلى عدّة نقاطٍ وملاحظاتٍ دقيقة وهامة جدّاً في هذا الصّدد ، وبيّنت ثمرات جميلةً للصّمت ، ومنها :
١ ـ دَور السّكوت في تعميق التّفكير ، وثبات العقل ، فقد قال الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :«إِذا رَأَيْتُمْ المُؤمِنَ صَمُوتاً فَآدْنُوا مِنْهِ فَإِنَّهُ يُلْقي الحِكْمَةَ ، وَالمُؤمِنُ قَليلُ الكَلامِ كَثِيرٌ العَمَلِ وَالمُنافِقُ كَثِيرُ الكَلامِ قَلِيلُ العَمَلِ» (١) .
٢ ـ وجاء عن الإمام الصّادقعليهالسلام ، أنّه قال :«دَلِيلُ العاقِلِ التَّفَكُّرُ وَدَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمتُ» (٢) .
٣ ـ ما ورد عن الإمام عليعليهالسلام ، أنّه قال :«أَكْثِرْ صَمْتَكَ يَتَوفَر فِكْرُكَ ويَستَنيرُ قَلْبُكَ وَيَسلَم النّاسُ مِنْ يَدِكَ» (٣) .
فيظهر من هذه الرّوايات ، العلاقة الوثيقة الدقيقة ، التي تربط التّفكر بالسّكوت ، ودليله واضح ، لأنّ القوى الفكريّة سوف تفقد التوحّد والإنسجام ، وتصيبها حالةٌ من التّشتت والإنفلات ، في حالات الكلام الزّائد ، وعند ما يتخذ الإنسان السّكوت جِلباباً له ، فستَتَمَركز قِواه الفكريّة ، ممّا يعينه على التّفكير الصّحيح ، وبالتّالي إنفتاح أبواب الحِكمة بِوَجهه ، ولا يُلّقى الحكمة إلّا ذو حَظٍّ عظيمٍ.
٤ ـ يُستَشفّ من بعض الأخبار ، أنّ السكوت هو أهمّ العبادات ، فنقرأ في مواعظ الرّسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، لأبي ذررحمهالله ، قال :«أَرْبَعَ لا يُصِيبَهُنَّ إلّا مُؤمِنْ ، الصَّمْتُ وَهُوَ أَوَّلَ العِبادَةِ» (٤) .
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٧٥ ، ص ٣١٢.
٢ ـ المصدر السابق ، ص ٣٠٠.
٣ ـ ميزان الحكمة ، ج ٢ ، ص ١٦٦٧ ، الرقم ١٠٨٢٥.
٤ ـ المصدر السابق ، مادة الصّمت ، ح ١٠٨٠٥.
٥ ـ ويُستفاد من الرّوايات الواردة ، أنّ كثرة الكلام تزرع القساوة في القلب ، فقد ورد عن الإمام الصادقعليهالسلام ، حديثٌ يقول فيه :«كانَ المَسِيحُ عليهالسلام يَقُولُ لا تكثروا الكَلامَ في غَيرِ ذِكْرِ اللهِ فَإنَّ الَّذِينَ يكْثِرُونَ الكَلامَ في غَيرِ ذِكْرِ اللهِ قاسِيَةٌ قُلُوبُهُم وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ» (١) .
٦ ـ ما ورد عن الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام ، أنّه قال :«إِنَّ الصَّمْتَ بابٌ مِنْ أَبوابِ الحِكْمَةِ ، إِنَّ الصَّمْتَ يَكْسِبُ الَمحَبَّةَ إِنَّهُ دَليلٌ عَلَى كُلِّ خَيرٍ» (٢) .
فقوله إنّ السّكوت يكسب المحبّة ، لأنّ أكثر المشاحنات والملاحاة ، تصدر عن اللّسان ، والسّكوت يسدّ أبواب الشّر.
٧ ـ السّكوت نجاةٌ من الذّنوب ، ومفتاح دخول الجنة ، فقد ورد في حديثٍ عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، قَالَ لِرَجُلٍ أَتاهُ : أَلا أَدُلُّكَ عَلى أَمْرٍ يُدخِلُكَ اللهُ بِهِ الجَنَّةَ؟ ، قَالَ : بَلى يا رَسُولَ الله ، قالصلىاللهعليهوآله :«.... فاصْمُتْ لِسانَكَ إلّا مِنْ خَيرٍ ، أَما يَسُرُّكَ أَنْ تَكُونَ فِيكَ خِصلَةٌ مِنْ هُذِهِ الخِصال تَجُرُّكَ إِلى الجَنَّةِ» (٣) .
٨ ـ والسّكوت علامةُ الوقار ، فقد ورد عن الإمام عليعليهالسلام :«الصَّمْتُ يَكْسِبُكَ الوِقارُ ، وَيَكْفِيكَ مَؤُونَةَ الإِعتِذارِ» (٤) .
فالثّر ثار كثير الخطأ ، كثير الإعتذار والنّدم ، لما يصدر منه مِنْ شطحات ، من موقع الغفلة والإندفاع العاطفي والإنفعال النّفسي.
٩ ـ وعنهعليهالسلام ، في حديث أوضح وأجلى ، فقال :«إِنْ كانَ في الكَلامِ بَلاغَةٌ فَفي الصَّمْتِ سَلامَةٌ مِنَ العِثارِ» (٥) .
فالصّمت قد يكون ، أبلغ من أيّ كلامٍ في بعض الموارد!.
١٠ ـ ما ورد عن الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام ، أنّه قال :«نِعْمَ العَونُ الصَّمْتُ في مَواطِنٍ كَثِيرةٍ وَإِنْ كُنْتَ فَصِيحاً» (٦) .
__________________
١ ـ اصول الكافى ج ٢ ص ١١٤ (باب الصمت وحفظ اللسان ح ١١).
٢ ـ المصدر السابق ص ١١٣.
٣ ـ اصول الكافى ج ٢ ص ١١٣.
٤ ـ غرر الحكم الرقم ١٨٢٧.
٥ ـ المصدر السابق الرقم ٣٧١٤.
٦ ـ ميزان الحِكمة ، مادّة صمت ، ح ١٠٨٢٦.
وهناك رواياتٌ كثيرةٌ في هذا المجال ، لم نذكرها هنا ، خوفاً من الإطالة والخروج عن مِحَور البحث.
إزالة وَهم :
إنّ كلّ ما ورد في الآيات والأحاديث الشّريفة ، من معطيات الصّمت الإيجابيّة في حياة الإنسان وواقعه ، من قَبيل تعميق الفكر ومنع الإنسان من الوقوع في الخطأ ، وصيانته من كثيرٍ من الذّنوب ، وحفظ وَقاره وشَخصيّته ، وعدم الحاجة إلى الإعتذار المُكَرّر ، وأمثالُ ذلك ، كِلّ هذا لا يعني أن السكوت ، يمكن أن يتخذه الإنسان قاعدةً على الدّوام ، فالسّكوت المَطلق مذمومٌ بدوره ، وخسارةٌ اخرى لا تُعوّض.
والغاية ممّا تقدم ، في مَدح السّكوت والصّمت في الآيات والرّوايات الإسلامية ، هي منع اللّسان عن الثّرثرة وفضول الكلام ، في خط التّربية ومصداق ، أن : «قلْ خيراً وإلّا فاسْكت» ، وإلّا فالسّكوت في كثيرٍ من الامور ، حَرامٌ مَسلّمٌ.
ألم يذكر القرآن الكريم في سورة الرحمن نعمة البيان باعتبارها من أسمى إفتخارات البشر؟
ألا تقام أكثر وأغلب العبادات كالصلاة وتلاوة القرآن الكريم ومراسم الحج والذكر باللسان؟
ولو لا اللسان ، فكيف سيتمكن المؤمن من إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكيف سيكون دور الإرشاد والتربية والتعليم ، وكيف سيتمكن العلماء والمصلحين من أداء دورهم في عملية هداية الناس وإرشادهم إلى طريق الحق والسعادة؟!
فالمذموم هو الافراط والتفريط والطريق الوسطى هي الجادّة!
وما صدر من إمامنا السجادعليهالسلام في هذا المضمار هو خير مرشد ودليل في هذا المجال ، حيث سأله شخص عن أيهما الأفضل : الكلام أو السكوت؟ فقالعليهالسلام :
«لِكُلِّ وَاحدٍ مِنْهُما آفاتٌ فَإذا سَلِما مَنَ الآفاتِ فَالكَلامُ أَفْضَلُ مِنَ السُّكُوتِ ، قِيلَ
كَيفَ ذَلِكَ يا بنَ رَسُولِ الله صلىاللهعليهوآله ؟ قَالَ : لِأَنّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ما بَعَثَ الأَنْبِياءَ وَالأَوصياءَ بِالسُّكُوتِ ، إِنَّما بَعَثَهُم بِالكِلامِ ، وَلا اسْتَحَقَّتِ الجَنَّةُ بِالسُّكُوتِ وَلا اسْتَوجَبَتْ وِلايَةً بِالسُّكُوتِ ولا تِوَقِّيتِ النّارُ بِالسُّكُوتِ إِنَّما ذَلِكَ كُلُّهُ بِالكَلامِ ، وَما كُنْتُ لِأعدِلَ القَمَرَ بِالشَّمْسِ إِنَّكَ تَصِفُ فَضْلَ السُّكُوتِ بِالكَلامِ وَلَسْتَ تَصِفُ فَضْلَ الكَلامِ بِالسُّكُوتِ» (١) .
أجل لا شك أنّ لكلٍّ من الصّمت والكلام ، محاسنه ومَساويه ، والحقّ أنّ إيجابيات الكلام أكثر ، ولكن متى؟ ، فقط : عند ما يصل الإنسان ، إلى مراحل سامية من التّهذيب للنفس ، في معراج الكمال المعنوي ، وأمّا من كان في بداية الطّريق ، فعليه التّحلي بالسّكوت رَيْثَما تتعمق في نفسه تلك الملكات الرّوحانية ، التي يكتسبها الإنسان في حركة الانفتاح على الله ، أو كما يُقال ، ريثما يملك السّالك لسانه عن ممارسة اللّغو والكلام الباطل ، وبعدها يجلس لِلوَعظ والإرشاد.
وبالإمكان بيان معيارٍ جيّدٍ لهذه الحالة ، فنحن إذا أردنا في يومٍ من الأيّام ، تسجيل ما يصدر منّا من كلماتٍ وألفاظٍ على آلة التسجيل ، ثم أصغينا لهذه الأحاديث والكلمات ، منِ موقع الإنصاف وبعيداً عن التّعصب ، فَسَنرى الشّريط ملىءٌ بالتّفاهات والتّرّهات ، ولن يبقى من الكلام المفيد إلّا كلماتً أو جملاً قليلةً ، تتعلق بالغايات الإلهيّة والحاجات الضرورية ، في حركة الحياة والواقع العملي.
ويبقى أمرٌ أخير ، تجدر الإشارة إليه ، أَلا وهو ، أنّ «الصّمت» و «السّكوت» وَردا بمعنى واحد في معاجم اللّغة ، ولكن بعض علماء الأخلاق ذهب إلى وجود فرق بينهما ، فان السّكوت هو التّرك المُطلق للكلام ، والصّمت هو التّرك المقصود للكلام الزائد واللّغو ، أي : «تركُك ما لا يُعينك» ، وهدف السّالك الحقيقي في إطار تهذيب النّفس ، والسّلوك المعنوي ينسجم مع : [الصّمت] لا [السّكوت].
إصلاح اللّسان :
ما تقدم آنفاً من أهمية السّكوت أو الصّمت ، ودوره في تهذيب النّفوس ، والأخلاق في
__________________
١ ـ بحار الانوار ، ج ٦٨ ، ص ٢٧٤.
خطّ السّير والسّلوك إلى الله ، هو في الحقيقة من الطّرق الحياتيّة للوقاية من آفات اللّسان ، لأنّ اللّسان في الحقيقة ، هو المفتاح للعلوم والثّقافة والعقيدة والأخلاق ، وإصلاحه يُعدّ أساساً لِكلّ الإصلاحات الأخلاقيّة في واقع الإنسان ، والعَكس صحيح ، ولأجله فإنّ الحديث عن إصلاح اللّسان ، أوسع منَ مبحث السّكوت وأَشمل.
وقد إكتسب مبحث إصلاح اللّسان ، أهميّةً بالغةً في الأبحاث الأخلاقيّة بإعتباره ، تُرجمان القلب ورَسول العَقل ، ومفتاح شخصيّة الإنسان ، ونافذة الرّوح على آفاق الواقع.
وبعبارةٍ اخرى : إنّ ما يرتسم على صفحات الرّوح والنّفس ، يظهر قبل كلّ شيء على فَلتات اللّسان ، واللّطيف في الأمر أنّ قُدامى الأطباء ، كانوا يُشخّصون المرض ، ويتعرّفون على سلامة الشّخص ومزاجه عن طريق اللّسان ، فَلَم تكن عندهم هذه الإمكانيّات المعقدّة التي بأيدينا اليوم ، فالطّبيب الحاذق ، كان يتحرك في عمليّة تشخيصه ، لأمراض الباطن عن طريق اللسان ، حيث يَنكشِف له من خلال ظاهر اللّسان ولونه ، الأمراض الكامنة في خَبايا جسم صاحبه.
وهكذا الحال بالنّسبة لأمراض الرّوح والعقل والأخلاق ، فيمكن للّسان أن يكشف لنا المفاسد الأخلاقيّة ، والسّلبيات النّفسية والتّعقيدات الرّوحية ، التي تعتلج في صدر وروح الإنسان أيضاً.
وعليه ، فإنّ علماء الأخلاق يرون ، أنّ همّهم الأول والأخير حفظ وإصلاح اللّسان ، ويعتبرونها خُطوةً مهمّةً ومؤثرةً في طريق التّكامل الرّوحي والأخلاقي ، وقد عكس لنا أميرُ المؤمنينعليهالسلام ، ذلك الأمر في حديثه الذي قال فيه :«تَكَلَّمُوا تُعرَفُوا فإنّ المَرءَ مَخبُوءٌ تَحتَ لِسانِهِ» (١) .
وجاء في حديثٍ آخر ، عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :
«لا يَسْتَقِيمُ إِيمانُ عَبدٍ حَتّىْ يَسْتَقِيمَ قَلْبُهَ ولا يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ حَتّى يَستَقِيمَ لِسانْهُ» (٢) .
__________________
١ ـ نهج البلاغة ، الكلمة ٣٩٢ ، من قصار كلماتهعليهالسلام .
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٨ ، ص ٢٨٧ ، المحجّة البيضاء ، ج ٥ ، ص ١٩٣.
ونعود بعد هذه الإشارة إلى أصل بحثنا ، ونقسّمه إلى أربعة محاور.
١ ـ أهميّة اللّسان بإعتباره نعمة إلهية كبيرة.
٢ ـ العلاقة الوثيقة بين إصلاح اللّسان ، وإصلاح روح وفكر الإنسان وأخلاقه.
٣ ـ آفاتُ اللّسان.
٤ ـ الاصول والأسس الكليّة ، لِعلاج آفاتِ اللّسانِ.
في المحور الأوّل : تحدّث القرآن الكريم ، في آيتين من سورة «البلد» و «الرّحمان» ، بِأبلغ الكلام.
فنقرأ في سورة البَلد ، الآيات (٨ ـ ١٠) :( أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ) .
فبيّنت هذه الآيات الشّريفة ، النّعم والمواهب الإلهيّة الكبيرة على الإنسان في الحياة ، من قَبيل نِعمة العين واللّسان والشفتان ، كأدواتٍ وجوارحٍ يستخدمها الإنسان لمعرفة الخَير والشّر.
نعم ، فإنّ الحقيقة ، أنّ أعجب جوارح الإنسان هي اللّسان ، قطعةٌ من البدن ، حَمَلَتْ وحُمّلت أثقل الوظائف ، فاللّسان علاوة على دوره في بلع الطّعام ومَضغِه ، فإنّه يؤدي واجِبَهُ بِمهارةٍ فائقةٍ من دون أيّ إشتباهٍ ، في أداء هذه المهمّة الكبيرة ، وَلَوْلا مهارته في تَقليب اللّقمة بين الأسنان ، فما ذا سيكون حالنا! ، وبعد الأكل يقوم بعمليّة تنظيف الفم والأسنان أيضاً.
والأهمّ من ذلك والأعجب ، هو كيفيّة الكلام ، بواسطة حركات اللّسان السّريعة ، والمرتّبة والمنظّمة في جميع الجهات.
واللّطيف في الأمر ، أنّ الله سبحانه وتعالى ، قد سهّل عمليّة الكلام ، بصورةٍ كبيرةٍ بحيث أنّ اللّسان لا يملّ ولا يكلّ من النّطق والتّحدث إلى هذا وذاك ، ومن دون تكلفةٍ ونفقةٍ ، والأعجب من ذلك ، قابلية الإنسان للكلام ، وتكوين الجمل والكلمات المختلفة ، كموهبةٍ إلهيةٍ ، وملكة أصليّةٍ في روح الإنسان وفطرته ، بالإضافة إلى إستعداده وقدرته ، لتكوين وتأليف اللّغات المختلفة ، وتعددها إلى الآلاف ، وكلّما مرّ الزمان إزداد عددها وتنوّعها بتنوع الأقوام
والجماعات البشريّة.
فليس عجيباً عند ما يتحدث عنها القرآن الكريم ، ويقول أنّها أعظم النعم؟
والجدير بالذكر ، أنّ الآية الكريمة ذكرت الشّفتين إلى جانب اللّسان ، فهما في الحقيقة يُساعدان اللّسان في التّلفظ بالكثير من الحروف ، وتنظيم الأصوات والكلمات في عمليّة التّكلم.
ومن جهةٍ اخرى فإنّ الشّفتين ، أفضل وسيلة للسّيطرة على اللّسان ، كما حدّثنا بذلك رسولنا الكريمصلىاللهعليهوآله ، عن الباري تعالى ، أنّه قال :«يا ابنَ آدَمَ إِنْ نازَعكَ لِسانُكَ فِى ما حَرَّمَتُ عَلَيكَ فَقَدْ أَعَنْتُكَ بِطَبَقَتَينِ فأطْبِق» (١) .
وفي بداية سورة الرّحمان : (الآيات ١ ـ ٤) ، يشير سُبحانه إلى نعمة البيان ، التي هي ثمرة من ثمرات اللّسان ، وبعد ذكر إسم «الرّحمان» ، التي وسعت رحمته كلّ شيءٍ ، يشير سُبحانه إلى أهمّ وأفضلّ المواهب الإلهيّة ، يعني القرآن الكريم ، ثم خلقة الإنسان ، ثم يعرّج على موهبة البيان لدى الإنسان :( الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ ) .
وبناءاً عليه فإنّ نعمة البيان ، هي أهمّ موهبةٍ أعطاها الله سبحانه ، لعباده بعد خلقهم.
وإذا ما أردنا أن نستعرض دور البيان ، في تكامل ورُقي الإنسان ، ودوره الفاعل في بناء الحضارة الإنسانيّة ، عندها سنكون على يقينِ بأنّه لو لا تلك النّعمة الإلهيّة ، والموهبة الربّانية ، لما إستطاع الإنسان أن ينقل خبراته وتجاربه للأجيال المتعاقبة ، ولما تقدّم العِلم ، ولما إنتشر الدّين والأخلاق والحضارات بين الامم السّابقة واللّاحقة.
ولنتصور أنّ الإنسان ، في يوم من الأيّام ، سيفقد هذه الموهبة ، فممّا لا شك فيه أنّ المجتمع البشري ، سيعود في ذلك اليوم إلى أجواء التّخلف الحضاري ، والإنحطاط في جميع الصُّعد.
عُنصر «البيان» ، تتوفر فيه أداةٌ ونتيجةٌ ، وبما أنّنا إعتدنا عليه ، فلذلك نتعامل مع هذه الظّاهرة من موقع اللّامبالاة وعدم الإهتمام ، لكنّ الحقيقة هي غير ذلك ، فهو عملٌ دقيقٌ معقّدٌ فنّيٌ لا مثيل له ولا نظير. لأنّه من جهة ، تتعاون الأجهزة الصوتيّة فيما بينها ، من الرئة إلى الهواء الداخل إلى الأوتار الصوتيّة ، والتي بدورها تتعاون ، مع : اللّسان والشّفتان والأسنان والحلق
__________________
١ ـ مجمع البيان ، ج ١٠ ، ص ٤٩٤ ، ذيل الآية المبحوثة ، نور الثقلين ، ج ٥ ، ص ٥١٨.
والفم ، لتكوين وتأليف الأصوات بسرعةٍ فائقةِ دقيقةٍ جدّاً ، حتى يصل إلى الحُنجرة ، التي تقوم بتقطيعه وتقسيمه حسب الحاجة.
ثم إنّ قصّة وضع اللّغات البشريّة ، وتعدّدها وتنوّعها هي قصةٌ عجيبةٌ ومعقدةٌ ، وتزيد من أهميّة الموضوع ، «يقول بعض العلماء : أنّ عددَ لُغات العالم ، وصل إلى حوالي (٣٠٠٠) لغة».
ونحن نعلم أنّ هذا العدد لن يتوقف عند هذا الحد ، وأنّ عدد اللّغات في تزايدٍ مُستمرٍ.
فهذه النّعمة الإلهيّة ، هي من أهم وأغرب وألطف النّعم ، والتي لها دورٌ فاعلٌ في حياة الإنسان وتكامله ورقيّه ، وهي الوسيلة ، لتقارب البشر وتوطيد العلاقات فيما بينهم ، على جميع المستويات.
وقد إنعكست هذه المسألة ، في الرّوايات بصورةٍ واسعةٍ ، ومنها ما وَرد عن أمير المؤمنينعليهالسلام :«ما الإِنسانَ لَو لا اللّسانُ إِلّا صُورَةٌ مُمَثَّلَةٌ أَو بَهَيمَةٌ مُهمَلَةٌ» (١) .
والحقُّ ما قاله الإمامعليهالسلام ، لأنّه لو لا اللسان فعلاً لَما إمتاز الإنسان عن الحيوان ، وَوَرد في حديثٍ آخر ، عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :«الجَمالُ فِي اللّسانِ» (٢) .
ونقل هذا الحديث بصورة اخرى ، عن أمير المؤمنينعليهالسلام :«الجَمالُ في اللّسانِ والكَمالِ في العَقلِ» (٣) .
ونختم بحديثٍ آخرٍ عن عن الإمام عليعليهالسلام ، فقال :«إِنّ فِي الإِنسانِ عَشَرَ خِصَالٍ يُظْهِرُها لِسانُهُ ، شاهِدٌ يُخْبِرُ عَنِ الضَّميرِ ، وَحاكِمٌ يَفْصِلْ بَينَ الخِطابِ ، وَناطِقٌ يَرُدُّ بِهِ الجَوابَ ، وَشافِعٌ يُدْرِكُ بِهِ الحاجَةَ ، وَواصِفٌ يَعْرِفُ بِهِ الأشياءَ ، وَأَمِيرٌ يأمُرُ بِالحَسَنِ ، وَوَاعِظٌ يَنهى عَنِ القَبِيحِ ، وَمُعَزٍّ تَسْكُنُ بِهِ الأحزانُ ، وَحاضِرٌ (حامِدٌ) تُجْلى بِهِ الضَّغائِنُ ، وَمُونِقٌ تَلَذُّ بِهِ الأَسماعُ» (٤) .
ولحسن الختام ، نعرج على كتاب : «المحجّة البيضاء» في «تهذيب الأحياء».
__________________
١ ـ غُرر الحِكم ، الرقم (٩٦٤٤).
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٧٤ ، ص ١٤١ ، ح ٢٤.
٣ ـ المصدر السّابق ، ج ٧٥ ، ص ٨٠ ، ح ٦٤.
٤ ـ الكافي ، ج ٨ ، ص ٢٠ ، ح ٤.
ففي بداية الكلام ، وتحت عنوان : «كتاب آفات اللّسان» ، يقول :
(فإنّ اللّسان من نعم الله العظيمة ، ومن لطائف صُنعه الغريبة ، فإنّه صغيرٌ جرمه ، عظيمٌ طاعته وجرمه ، إذ لا يستبين الكفر والإيمان ، إلّا بشهادة اللّسان ، وهما غاية الطّاعة والطغّيان ، ثمّ إنّه ما من موجودٍ أو معدومٍ ، خالق أو مخلوق ، متخيّل أو معلوم ، مظنون أو موهوم إلّا واللّسان يتناوله ، ويتعرّض له بإثباتٍ أو نفي ، فإنّ كلّ ما يتناوله العلم ، يُعرب عنه اللّسان ، إمّا بحقّ أو باطلٍ ، ولا شيء إلّا والعلم متناول له ، وهذه خاصيّة لا توجد في سائر الأعضاء ، فإنّ العين لا تصل إلى غير الألوان والصّور ، والأذن لا تصل إلى غير الأصوات ، واليد لا تصل إلى غير الأجسام ، وكذا سائر الأعضاء ، واللّسان رَحب الميدان ، ليس له مردّ ولا لمجاله مُنتهى ولا حدّ ، فله في الخير مجال رَحب ، وله في الشرّ مجرى سحب ، فمن أطلق عذبة اللّسان وأهمله مرخى العِنان ، سَلك به الشّيطان في كلّ ميدان ، وساقه إلى شفا جرفٍ هار).(١)
علاقة اللّسان بالفكر والأخلاق :
لا شك أنّ اللّسان هو نافذة الرّوح ، وهو يعني أنّ شخصيّة الإنسان مخبوءةٌ تحت لِسانِه ، وبالعكس فإنّ كلمات كلّ إنسانٍ لها دورٌ في بلورة وصياغة روحه ونفسيّته ، فالتّأثير بين الكلام وشخصيّة المتكلم ، هو تأثيرٌ مُتقابلٌ.
والآية الوحيدة التي تناولت ، علاقة اللّسان بالفكر والأخلاق ، هي الآية (٣٠) من سورة محمدصلىاللهعليهوآله ، بالشّكل الذي يشخّص معها الإنسان ، ما يدور في خُلد طَرفه المقابل ، عن طريق حديثه وكلامه معه ، ولذلك فإنّ الإنسان ، سعى قديماً وحديثاً للتّركيز على هذا الأمر ، لمعرفة خبايا وبواطن الرّجال عن طريق المحادثة والطّب النّفسي ، فنقرأ في هذه الآية ، التي نزلت لتفضح المنافقين ، قوله تعالى :( وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ) .
وعلى حدّ تعريف الرّاغب ، في : «مفردات القرآن» ، أنّ معنى «اللّحن» ، هو الخطأ في الإعراب ، أو الانحراف عن قواعد اللّغة ، أو قلب الكلام من الصّراحة إلى الكناية ، و
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٥ ، ص ١٩٠.
الإشارات ، «ولحن القول» المقصود في الآية ، هو المعنى الأخير ، وهي الكنايات والتّعبيرات ذات المعاني المتعدّدة ، والحمالة لوجوهٍ.
ففي حديثٍ عن أبي سعيد الخدُري قال :
(لَحْنُ القَولِ بُغْضُهُم عَلي بنَ أَبي طالبٍ ، وَكُنَّا نَعْرِفُ المُنافِقِينَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ بِبُغْضِهِم عَلي بنَ أَبي طالِبٍ) (١) .
ولم تنسَ الروايات حظها في هذا المجال ، فقد وَرد :
١ ـ «ما أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيئَاً إلّا ظَهَرَ فِي فَلَتاتِ لِسانِهِ وَصَفَحاتِ وَجِهِهِ» (٢) .
فهذا الحديث يمكن أن يكون أساس الطبّ والعلوم النّفسية ، والحقيقة أنّ اللّسان هو مرآة الرّوح.
٢ ـ وعنهعليهالسلام أيضاً :«الإِنسانُ لُبُّهُ لِسانُهُ» (٣) .
٣ ـ وعنهعليهالسلام أيضاً :«قُلْتُ أَربَعاً ، أَنْزَلَ اللهُ تَصدِيقي بِها في كِتابِهِ ، قُلْتُ المَرءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ فإذا تَكَلَّمَ ظَهَرَ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُم فِي لَحْنِ القَولِ) (٤) ، قُلْتُ فَمَنْ جَهِلَ شَيئَاً عاداهُ ، فَأَنْزَلَ اللهُ ؛ (بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) (٥) ، وَقُلْتُ قِيمَةُ كُلُّ امرِءٍ ما يُحْسِنُ ، فَأَنْزَلَ اللهُ ، فِي قِصَّةِ طالُوتَ (إِنَّ اللهَ اصطفَاهُ عَلَيكُم وَزَادهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسمِ) (٦) ، وَقُلْتُ القَتلُ يُقِلُّ القَتلَ ، فَأَنْزَلَ اللهُ ، وَلَكُم فِي القِصاصِ حياةٌ يا اولِي الأَلبابِ) (٧) » (٨) .
٤ ـ وفي حديثٍ آخرٍ عنهعليهالسلام أيضاً قال :«يُسْتَدَلُّ عَلى عَقْلِ كُلِّ امرِءٍ بِما يَجرِي عَلَى لِسانِهِ» (٩) .
__________________
١ ـ مجمع البيان ، ج ٦ ، ص ١٠٦ ، ونقل كثير من أهل الحديث هذه القصة ، كأحمد بن حنبل في الفضائل ، وإبن عبد البر في «الإستيعاب» والذهبي في «تاريخ أوّل الإسلام» وإبن الأثير في «جامع الاصول» ، وغيرها.
٢ ـ نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة ٢٦.
٣ ـ بحار الأنوار ، ج ٧٨ ، ص ٥٦.
٤ ـ سورة محمد ، الآية ٣٠.
٥ ـ سورة يونس ، الآية ٣٩.
٦ ـ سورة البقرة ، الآية ٢٤٧.
٧ ـ سورة البقرة ، الآية ١٧٩.
٨ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٨ ، ص ٢٨٣.
٩ ـ غرر الحكم.
وقالعليهالسلام أيضاً :«إِياكَ والكَلامَ في ما لا تَعْرِفُ طَرِيقَتَهُ وَلا تَعْلَمَ حَقِيقَتَهُ فَأنَّ قَولَكَ يَدُلُّ عَلى عَقْلِكَ وَعِبادَتِكَ تُنْبَؤُ عَنْ مَعْرِفَتِكَ» (١) .
والحقيقة أنّ اللّسان له دور حيوي وفعّال ، في حياة الإنسان وبناء شخصيته ، وهو أمرٌ لا يخفى على أحدٍ ، وله أصداءٌ واسعةٌ في الرّوايات الإسلاميّة ، وما ورد آنفاً ليس إلّا نَزَرٌ قليلٌ من ذاك الكمّ الكثير.
وبالطّبع فإنّ النّعم الإلهيّة العظيمة ، هي رأسمالٌ عظيمٌ لبناء الذّات في طريق التّكامل المعنوي ، وكلّما إزدادت النعم الإلهيّة ، وتوسّعت ، إزداد الأمر خطورةً ، للحفاظ عليه من الآفات والأخطار في دائرة التّحديات الصعبة ، التي تحاول القضاء على شخصيّة الإنسان.
والمعروف : «أنّه إلى جانبِ كلِّ جبلٍ عظيمٍ وادٍ سحيقٍ» ، ففي جانب كلّ نعمةٍ وموهبةٍ ، هناك خطرٌ محدقٌ ، فالطّاقة الذريّة مثلاً إذا استعملت في الأغراض السلميّة ، والإعمار ، فستبني وتُعمّر دنيا الإنسان ، وإذا ما استعملت في الشر فستفني العالم في دقائق معددوة.
ومنها نفتح باب الحديث ، على آفات اللّسان.
آفات اللّسان :
كما أشرنا أنّ فوائد اللّسان وبركاته البنّاءة عديدةٌ ، وكذلك آثاره السلبيّة ، وما يترتب عليه من ذنوبٍ وآثامٍ ، ونتائجٍ مخرّبةٍ على مستوى الفرد والمجتمع ، وقد ذكر العلّامة المرحوم الفيض الكاشانيرحمهالله ، في كتابه : «المحجّة البيضاء» ، والغزالي في كتابه : «إحياء العلوم» ، بحوثاً مطوّلة ، فذكر الغزالي عشرين نوعاً من أنواع الإنحرافات والأخطار للّسان :
١ ـ الكلام في ما لا يعني الإنسان ، «وليس له أثر مادّي ولا معنوي في حياة الإنسان».
٢ ـ الثّرثرة والكلام اللّغو.
__________________
١ ـ غرر الحكم.
٣ ـ الجدال والمراء.
٤ ـ الخصومة والنّزاع واللّجاج في الكلام.
٥ ـ التّكلم حول المنكرات ، مثل الشّراب والقمار وما شابهه.
٦ ـ التكلّف في الكلام ، والتّصنع في السّجع والقافية.
٧ ـ البَذاءة
٨ ـ اللّعن لغير مستحقّيه.
٩ ـ الغِناء.
١٠ ـ المِزاح الرّكيك.
١١ ـ السّخرية والإستهزاء بالآخرين.
١٢ ـ إفشاء أسرار الناس.
١٣ ـ الوعود الكاذبة.
١٤ ـ الكذب والأخبار الكاذبة.
١٥ ـ الغيّبة.
١٦ ـ النمَّيمة.
١٧ ـ النّفاق في اللّسان ، «أو كما يقال ذو اللسانين».
١٨ ـ المدح لِغَير مُستَحقّيه.
١٩ ـ الكلام والتّحدث بدون تفكّر وتدبّر ، حيث يُصاحبه الوقوع في الخطأ والاشتباه عادة.
٢٠ ـ التّساؤل عن الامور المعقدّة والغّامضة ، التي تخرج عن قُدرة المسؤول ، هذا وإنّ الدّقة في البحث ، أثبتت لنا أنّ الآفات لا تَنحصر بهذه الامور فقط ، فالمرحوم الكاشاني والغزالي ، ربّما لم يكن قَصدهما ، إحصاء جميع عناصر الخلل والزّيغ في اللّسان ، ولذلك فإنّنا نضيف إلى هذه الموارد العشرين ، موارد اخرى ، وهي :
١ ـ التّهمة.
٢ ـ الشّهادة بالباطِل.
٣ ـ مدح النّفس.
٤ ـ نشر الشّائعات والأكاذيب ، التي لا تعتمد على أساس ، وإشاعة الفَحشاء والمُنكر ، وإن كان من باب الإحتمال.
٥ ـ البذاءَة والخُشونة في الكلام.
٦ ـ الإصرار العَقيم : (كما أصرّ أصحاب بقرة بني إسرائيل).
٧ ـ ايذاء الآخرين بالكلام الجارِح.
٨ ـ المذمّة لغير مُستحقيها.
٩ ـ الكُفران وعدم الشّكر باللّسان.
١٠ ـ الدّعاية لِلباطِل ، والتّرغيب على الذَنب ، والأمر بالمُنكر ، والنّهي عن المعروف.
وغَنيٌّ عن البيان ، أنّ ما تقدّم آنفاً لا يشكل جميع خطايا اللّسان ، بل يمكن القول أنّ هذه الموارد الثّلاثين ، من امهّات المِوارد في هذا الصّدد.
والجدير بالذّكر ، أنّ البَعضِ أفرطوا في هذا المجال ، ونسبوا إلى اللّسان ذُنوباً هو بَريءٌ منها ، كَإظهار الفقر والمَسكنة والبدعة في الدّين ، والتّفسير بالرّأي والجاسوسيّة ما شابَهها ، فكلٌّ منها يعتبر ذنباً مُستقلًّا ، فربما إرتكبت باللّسان أو بالقلم ، أو بوسائل اخرى ، وتصنيفها في عداد ذنوب اللّسان ، ليس بالشّيء المُناسب ، لأنّه على هذا الأساس ، يمكن تصنيف جميع الذّنوب في قائمة ذنوب اللّسان ، حيث إنّها ترتكب بنوعٍ ما ، بواسطة اللّسان ، أو أنّ لها علاقة به ، كالرّياء والحسد والتكبر والقتل والزّنا.
والبعض أَقَدم على كلّ خطيئةٍ من خَطايا اللّسان ، وقسّمها إلى أقسامٍ عديدةٍ ، وجعل كلّ قسم منها ، في فرع خاصٍّ وعنوانٍ مستقلٍ ، مثل الجَسارة مع الأستاذ أو الوالدين ، أو تلقيبّهم بألقاب نابيةٍ.
وعلى كلّ حال ، علينا إتخاذ جانب الإعتدال في كلّ شيءٍ ، وإن كانت هذه التّقسيمات ، في الحقيقة لا تؤثّر في أصلِ البحث.
الاسس الكليّة للوقاية من أخطار اللّسان :
تبيّن ممّا سَبق ، أنّ اللّسان في الوقت الذي يعدّ فيه نعمةً إلهيةً عظميةً ، هو في نفس الوقت ، خطرٌ جدّاً إلى درجةٍ أنّ بإمكانه ، أن يكون مصدرَ الخطايا والذّنوب ، وأن يَهبُط بالإنسان في خطّ الباطل ، إلى أسفل السّافلين ويجره إلى الحَضيض.
ولأجله علينا التّفكير ، في الاصول التي تُعيننا في تجنّب أخطاره الكبيرة ، أو تقليلها إلى أقصى حد.
ونستعين في دائرة الكشف عن أخطار اللّسان ، بتوجيهات أئمّتنا العظامعليهمالسلام ورواياتهم ، وكذلك نَستعين بِبَعض من كلمات علماء الأخلاق ، حيث وضعوا لنا اصولاً واسساً وخطوطاً عامةً ، عليها التَّعويل في حركتنا المعنويّة المتجهة نحو الله تعالى ، ومنها :
١ ـ الإنتباه الحَقيقي لأخطار اللّسان
للوقاية من أخطار أيّ موجودٍ خطرٍ علينا ، في البِداية نَلتَزِم حالة الإنتباه والتّوجه الّتام ، لما يترتب عليه من أخطار ، فعند ما يستيقظ الإنسان كلّ يومٍ صباحاً ، عليه أن يُوصي نفسه ومعها على مستوى الحَذر ، من شطَحات لسانه وأفكاره ، لأنّ هذا العضو من البدن إذا تعامل معه الإنسان ، من موقع الإنضباط في خطّ المسؤوليّة ، فسوف يصعد به إلى أوج السّعادة والكَمال ، وإذا أطلق له العِنان ، فسيورد صاحبه في المهالك ، فهو وَحشٌ ضارَي لا همّ له إلّا التّدمير والتّخريب ، وقد ورد هذا المعنى بصورةٍ جمليةٍ وتعبيراتٍ مؤثّرةٍ في رواياتنا الشّريفة ، منها ما ورد عن سعيد بن جُبير ، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، حيث قال :
«إذا أَصبَحَ إبنُ آدَمَ أَصْبَحَتْ الأَعْضاءُ كُلُّها تَشْتَكِي اللِّسانَ أَي تَقُولُ إِتَّقِ اللهَ فِينا فَإِنَّكَ إِنْ اسْتَقَمْتَ إِسْتَقَمنا وَإِنْ إِعوَجَجْتَ إِعوَجَجنا» (١) .
وجاء عن إمامنا السّجادعليهالسلام :
«إِنَّ لِسان إبنِ آدَمَ يُشْرِفُ عَلى جَمِيعِ جَوارِحِهِ كُلَّ صَباحُ فَيَقُولُ كَيفَ أَصْبَحْتُم؟!
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٥ ، ص ١٩٣.
فَيَقُولُونَ بِخَيرٍ إِنْ تَرَكْتَنا وَيَقُولُونَ اللهَ اللهَ فِينا ، وَيُناشِدُونَهُ وَيَقُولُونَ إِنَّما نُثابُ وَنُعاقَبُ بكَ». (١)
٢ ـ السّكوت
تطرّقنا سابقاً لمباحث السّكوت ، بصورةٍ وافيةٍ ، ونقلنا آيات وروايات كثيرة في هذا الصّدد ، فكلّما كانَ الكلام أقل ، كان الزّلل كذلك ، وكلّما كان السّكوت أكثر ، كانتْ السّلامة تحيط بالإنسان في حركة الحياة والواقع ، عِلاوةً على ذلك فإنّ إلتزام السّكوت في أغلب الحالات ، يعوّد الإنسان السّيطرة على لسانه والحدّ من جموحه ، والوصول في هذه الحالة النّفسية ، إلى درجةٍ لا يقول إلّا الحقّ ، ولا يتكلّم إلّا بما يُرضي الله تعالى.
ويجب الإنتباه إلى أنّ المراد من السّكوت ، ليس هو السكوت المطلق ، فكثيرٌ من امورنا الحياتيّة لا يتحقّق إلّا بالكلام ، من قبيل كثيرٍ من الطّاعاتِ والعبادات ، ونشر العلوم والفَضائل ، وإصلاح ذاتِ البَين ، وأمثال ذلك ، فالمقصود قلّة الكلام والإجتناب عن فُضوله ، فقد قال الإمام عليعليهالسلام :
«مَنْ كَثُرَ كَلامُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ ، مَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَياؤُهُ ، وَمَنْ قَلَّ حَياؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعَهُ ماتَ قَلْبُهُ ، وَمَنْ ماتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النّارَ» (٢) .
ونقل هذا التّعبير ، بصورةٍ اخرى عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله (٣) .
وفي حديثٍ آخر عن الإمام عليعليهالسلام ، أنّه قال :«الكَلامُ كَالدَّواءِ قَلِيلُهُ يَنْفَعُ وَكَثِيرهُ قاتِلٌ» (٤) .
٣ ـ حِفظ اللّسان : «التفكّر أولاً ثّم الكَلام»
إذا فكّر الإنسان في مضمون كلامه ، ودوافعه ونتائجه ، فسيكون بإمكانه أن يَتجنّب كثيراً من الشّطحات ، والذّنوب التي تنطلق من موقع الغفلة ، نعم فإنّ إطلاق العِنان لِلّسان من موقع اللّامبالاة والإستهانة ، بإمكانه أن يوقعه في أنواع الذّنوب والمَهالك في حركةِ الحياة.
__________________
١ ـ الكافي ، ج ٢ ، ص ١٥ ، ح ١٣.
٢ ـ نهج البلاغة ، الكلمات القِصار ، الكلمة ٣٤٩.
٣ ـ النحجّة البيضاء ، ج ٥ ، ص ١٩٦.
٤ ـ غُرر الحِكم ، الرقم ٢١٨٢.
وَوَرد في حديثٍ عن الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال :
«إِنَّ لِسانَ المُؤمِنِ وَراءَ قَلْبِهِ ، فَإِذا أَرادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشيءٍ تَدَبِّرَهُ بِقَلْبِهِ ، ثُمَّ أَمضاهُ بِلِسانِهِ وإنَّ لِسانَ المُنافِقِ أَمامَ قَلْبِهِ ، فَإِذا هَمَّ بِشيءٍ أَمضاهُ بِلِسانِهِ وَلَم يَتَدَبَّرْهُ بِقَلْبِهِ» (١) .
وَوَرد نفسُ هذا المعنى ، مع بعض الإختلاف في كلمات أمير المؤمنينعليهالسلام ، في الخُطبة (١٧٦) من نهج البلاغة.
ونقرأ في تعبيرٍ آخر ورد عن الإمام الحسن العسكريعليهالسلام ، أنّه قال :«قَلْبُ الأَحْمَقِ في فَمِهِ ، وَفَمُ الحَكِيمِ فِي قَلْبِهِ» (٢) .
فَمن البَديهي ، أنّ المراد من القلب هُنا هو العقل والفكر ، وَوُجود اللّسان في موقع الأمام أو الخلف ، هو كنايةٌ عن التدبّر والتفكّر في محتوى الكلمات والألفاظ ، قبل النّطق بها ، وبالفِعل كم يكون جميلاً ، لو أنّنا حسبنا لكلامنا حسابه ، وفكّرنا في كلّ كلمةٍ نريد أن نقولها ، والدّوافع والنّتائج التي ستعقبها ، وهل أنّها من اللّغو أو ممّا يفضي إلى إيذاء مؤمنٍ ، أو إلى تأييد ظالم وأمثال ذلك ، أو أنّها تنطلق من موقع الدّوافع الإلهيّة ، ولغرض حماية المظلوم ، وفي طريقٌ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكسب مَرضاة الله تعالى؟!.
ونَختم هذا الكلام ، بحديثٍ جامعٍ لجميع الموارد المذكورة آنفاً ، يمنح قلب الإنسان نوراً وصفاءً ، وقد ورد عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال :
«إِنْ أَحبَبتَ سَلامَةَ نَفْسِكَ وَسَترَ مَعايبِكَ ، فَاقْلِل كَلامَكَ وَأَكْثِر صَمْتَكَ ، يَتَوفَّرْ فِكْرُكَ وَيَستَنِرُ قَلْبُكَ». (٣)
هذه هي خلاصة دور اللّسان في تهذيب النّفس ، وطهارة الأخلاق والاصول الكلّية لحفظ اللّسان ، وبالطّبع سوف نقدم شرحاً وافياً ، لتفاصيل أهمّ الإنحرافات والذّنوب اللّسانيّة ، كالغيبة والتّهمة والكَذب والَنميمة ونشر الأكاذيب وإشاعة الفحشاء ، وذلك في المجلّد الثاني من الكتاب ، إن شاء الله تعالى ، بعد الإنتهاء من بيان الاصول الكلّية لِلقيم الأخلاقيّة.
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٥ ، ص ١٩٥.
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٧٥ ، ص ٣٧٤.
٣ ـ غُرر الحكم ، ص ٢١٦ ، ص ٤٢٥٢.
الخُطوة الثّامنة : معرفة الله تعالى ومعرفة النّفس
من الخَطوات الاولى في طريق إصلاح النّفس ، والتّهذيب الرّوحي ، وبلورة الأخلاق والملكات الأخلاقية السّامية ، في واقع الإنسان هي : «معرفة النّفس».
فكيف يمكن للإنسان أن يرقى في درجات الكمال الرّوحي ويتحرك على مُستوى إصلاح عُيوبه ، والتّخلص من رذائله الأخلاقيّة ، والحال أنّه لا يعرف نفسه من موقع الوعي لذاته؟
وهل للمريض أن يذهب إلى الطّبيب ، ولمّا يعرف أنّه مُصابٌ بالمرض؟
وهل لِلتائه الضّال عن الطّريق ، أن يعرف وجهته ، ويتحرك في طريق العثور على الجادة الصّحيحة ، قبل أن يعرف أنّه ضالٌ عن الطريق؟
وهل للإنسان أن يُهيّىء أسباب ووسائل الدّفاع عن نفسه ، وهو لا يعرف أنّ العدوّ قد كَمَن له على باب داره؟
من الطّبيعي ، أنّ الإجابة عن هذه الأسئلة هو بالنّفي ، فكَذلك من لا يعرف نفسه ولا عيوبه فإنّه لن يستطيع أن يتحرّك في عملّية إصلاح نفسه ، ولن يستفيد من أطبّاء الرّوح ، في خطّ التّربية والتّهذيب.
وبهذه الإشارة نعود إلى صُلب الموضوع ، لنبيّن علاقة معرفة النّفس بِتهذيبها ، وكذلك العلاقة بين : معرفة الله وتهذيب النّفس.
١ ـ علاقة معرفة النّفس بتهذيبها
كيف يُمكن لمعرفة النّفس أن تكون سبباً في تهذيب النّفس؟ دليلُهُ واضحٌ وبَيّنٌ ، لأنّه :
أولاً : إنّ الإنسان عن طريق معرفة نفسه ، سوفَ يعَي كرامةَ نفسه ، وشرفَ ذاتِه ، وعظمةَ الصّنع الإلهي في هذه الخِلقة ، وبالتّالي سَيُدرِك ، أهميّة الرّوح الإنسانيّة ، التي هي نفحةٌ من نفحات قُدسه ، نعم فإنّه سَيُدْرِك أنّ الجوهَرة الّثمينة ، التي منحه الله تعالى إيّاها ، عليه ألّا يُضيّعها ولا يَبيعها بأبخسِ الأثمان ، فلن يُضيّعها إلّا من كانَ يعيش الرّذائل الأخلاقيّة ، ومن غَرِق
بِوحل الذّنوب ، ومستنقع الخَطيئة.
ثانياً : الإنسان بمعرفته لنفسه ، سيطّلع على الأخطار التي تحدق به ، جرّاء مِيوله النّفسية ، وعنصر الهَوى ودوافع الشّهوة ، التي تقع في خطّ التّقابل ، مع سعادته وتكامله المعنوي في حركة الواقع النّفساني ، وسيكون بإمكانه التّحرك في دائرة المُواجهة الواعية ، للوقوف بوجهها والتّصدي لها.
ومن البديهي ، أنّ الإنسان الذي لا يَخبُر نفسه لن يكون على إحاطةٍ بوجود تلك الدوافع ، ويبقى كالغافل عمّا يدور حواليه ، بينما يكون الأعداء قد إحتوشوه من كلّ جانبٍ ، وهو لا يُحرّك ساكناً ، وبالطّبع فإنّ هذا الشّخص ، سيتلقّى ضرباتٍ قاصمةٍ من عدوّه ، وبعدها يخضع لواقع السّيطرة من قِبل العدو ، وأنّى له ساعتها ، التّدبير والتّفكير من موقع الشّعور الهادِىء ، والبعيد عن الإنفعال والتّوتر!!.
ثالثاً : بمعرفة النّفس ، ستظهر له خَبايا نفسه ، وإستِعداداتِها المختلفة ، ولأجل رُقيّها وكمالها والسّير بها إلى الله ، سيسعى الإنسان في خطّ التربيّة والتّهذيب ، لِبلورة تلك الإستعدادات والكَمالات ، ويستخرج كُنوزها من واقعه الذّاتي ، ليقترب بواسطتها من آفاق السّماء.
وحال الشّخص الذي لا يتعامل مع ذاته ، من موقع المعرفة والوَعي ، كحال الذي دَفَن في بيته كُنوزاً ، وهو لا يعلم بها ، وهو بأمسّ الحاجة إليها لفقره المُدقع ، فيموت جوعاً بدون أن يجد في نفسه باعثاً على الانتفاع بها ، في واقع الحياة.
رابعاً : إنّ كلّ واحدةٍ من المفاسد الأخلاقيّة ، لها جذورها في النّفس الإنسانيّة ، وبمعرفة النّفس ، سيسعى الإنسان في عمليّة قلع تلك الجُذور ، من واقع النّفس وغلق تلك الرّوافد التي تمدّها بالماء الآسن ، ومُعالجة هذا الواقع السّلبي ، بفتح روافد الماء الصّافي الرّقراق الذي يمدّها بالحَياة والوِصال الحقيقي المنفتح على الإيمان والصفاء النّفسي.
خامساً : والأهم من هذا وذاك ، فإنّ معرفة النّفس ، تؤدّي إلى معرفة الربّ ، ومعرفة صفاته الجلاليّة والجماليّة ، والتي هي من أقوى الدّوافع الذاتيّة ، لتربية المَلَكات الأخلاقيّة ، والكَمالات الإنسانيّة ، وطريقٌ قويمٌ لِلنجاة من الإنحطاط والرّذيلة ، والصّعود بها إلى أعلى
مراتب الكمال المعنوي ، وآفاق المَثل الإنسانيّة.
وإذا أضفنا إلى ذلك كلّه هذه الحقيقة ، وهي أنّ الرّذائل تقلب حلاوة السعادة إلى مرارة الشّقاء ، وتجرّ البشريّة إلى حيث الويلات والدّمار ، فعندها ستتّضح مدى الأهميّة القُصوى ، لمعرفة النّفس في حياة الإنسان والمجتمع البشري.
وقد وَرد في كتاب :«إعجاز الطبّ النّفسي» ، للكاتب«كارل منينجر» : (معرفة النّفس عبارة عن الإحاطة بقوى الخير والمحبّة ، ومعرفة عناصر الشّر والكراهيّة في النفس الإنسانيّة ، وأيّ تجاهلٍ وتغافلٍ عن وجود هذه القوى والعناصر في أنفسنا ، وفي الغير ، بإمكانه أن يُعرّض اسس الحياة للإهتزاز والخلَل)(١) .
وفي كتاب :«الإنسان ذلك المجهول» ، وردت جملةٌ تعتبر شاهداً حيّاً على مدّعانا ، فيقول : (لسوء الحظ فإنّ الإنسان المعاصر ، لم يتحرّك على مستوى التّعرف على نفسه ، إلى جانب التّقدم الصّناعي والتّطور العلمي ، ولم يوفّق برنامج الحياة ، وفق واقعه الطّبيعي ، والفِطري ، لذلك فَمع ما في الحياة العصريّة من زينةٍ وتفاخرٍ ، لكنّها لم توصل الإنسان للسّعادة المنشودة ، فالتّقدم الذي حصل على مستوى العلم والتّكنولوجيا ، لم يحصل بتدبيرٍ وتفكيرٍ ، بل حصل عن طريق الصّدفة الَمحضة ، فلو ركّز : «غاليلو» و «نيوتن» و «لافوازيه» ، وغيرهم من العلماء على جسم وروح الإنسان ، لربّما تغيّرت الدنيا ، ولمّا أصحبت كما هي عليه الآن»(٢) .
وبناءاً عليه ، فإنّ إحدى العقوبات التي أعدّها الباري تعالى ، لِلمُعرضين عن الله من موقع الّتمرد على الحقّ ، وحذّر الباري تعالى ، المسلمين من الوقوع فيها ، هي نسيان النّفس ، والغفلة عن الذّات :( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) (٣) .
٢ ـ معرفة النّفس في الرّوايات الإسلاميّة
وقد أغنتنا الرّوايات الشّريفة ، الواردة عن النّبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، والائمّة الهداةعليهمالسلام ، في هذا
__________________
١ ـ إعجاز الطّب النّفسي ، ص ٦.
٢ ـ الإنسان ذلك المجهول ، ص ٢٢.
٣ ـ سورة الحشر ، الآية ١٩.
المجال ، ومنحتنا زَخماً معرفيّاً كبيراً ، على مستوى بيان مَعطيّات معرفة النّفس ، وأثرها الإيجابي في حركة الإنسان ، في خطّ التّكامل المعنوي ، والأخلاقي ، ومنها :
١ ـ ما ورد عن الإمام عليعليهالسلام ، أنّه قال :«نالَ الفَوزَ الأَكبَرَ ، مَنْ طَفَرَ بِمَعرِفَةِ النَّفسِ» (١) .
٢ ـ ويقولعليهالسلام ، في النّقطة المُقابلة لِهذا :«مَنْ لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ بَعُدَ عَنْ سَبِيلِ النَّجاةِ ،وَخَبَطَ في الضَّلالِ وَالجَهالاتِ» (٢) .
٣ ـ وَوَرد في حديث آخر ، عن هذا الإمام الهمامعليهالسلام :«العارِفُ مَنْ عَرِفَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَها وَنَزَّهَها عَنْ كُلِّ ما يُبَعِّدُها» (٣) .
ويُستفاد من هذا التّعبير ، أنّ معرفة النّفس سببٌ للتحرر من قيود الأهواء ، وأسر الشّهوات ، وتطهير النفس من الرذائل الأخلاقيّة.
٤ ـ ونقرأ في حديث آخر ، عن هذا الإمام الكبيرعليهالسلام :«أَكْثَرُ النّاسِ مَعْرِفَةً لِنَفْسِهِ ،أَخْوَفُهُم لِرَبِّهِ» (٤) .
ونَستوحي من هذا الحديث الشّريف ، العلاقة الوثيقة بين الإحساس بالمسؤوليّة ، من موقع الخَوف من الله تعالى ، الذي يعدّ منطلقاً لتهذيب النّفس في خطّ التّقوى ، وبين معرفة النّفس.
٥ ـ وَوَرد في حديثٍ آخر ، عن الإمام نفسه ، يقول :«مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ جاهَدَها وَمَنْ جَهِلَ نَفْسَهُ أَهْمَلَها» (٥) .
فطبقاً لهذا الحديث الشريف ، فإنّ الدعامة الأصلية لجهاد النفس ، أو الجهاد الأكبر ، كما ورد التّعبير عنه في الروايات الإسلاميّة ، هي معرفة النّفس.
٦ ـ وجاء في نهج البلاغة ، في قصار الكلمات لأمير المؤمنينعليهالسلام :«مَنْ كَرُمَتْ عَلَيهِ نَفْسُهُ
__________________
١ ـ غُرر الحِكم ، ح ٩٩٦٥.
٢ ـ المصدر السابق ، ح ٩٠٣٤.
٣ ـ غُرر الحِكم ، طبقاً للميزان ، ج ٦ ، ص ١٧٣.
٤ ـ المصدر السابق ، ح ٣١٢٦.
٥ ـ تفسير الميزان ، نقلاً عن ميزان الحكمة ، ج ٣ ، ص ١٨٨١ ، المادة : المعرفة.
هانَتْ عَلَيهِ شَهَواتُهُ» (١) .
فالشّخص الذي عرف نفسه ، على مستوى كرامتها الذّاتية ، لا يعيش الذّلة في إطار الخضوع للشّهوات ، والإستسلام للأهواء والنّوازع النّفسيّة.
٧ ـ كما أنّ معرفة النّفس ، تعتبر ركناً مُهمّاً في تهذيب النّفس ، في خطّ التّكامل الأخلاقي والمعنوي ، فالجهل بِكرامة النّفس ، سبب للإبتعاد عن الله تعالى ، ولِذا ورد في حديثٍ آخر ، عن الإمام العاشر : (الإمام الهاديعليهالسلام ):«مِنْ هانَتْ عَلَيهِ نَفْسُهُ فَلا تأَمَنْ شَرَّهُ» (٢) .
ومِن مَضمون ما تقدّم ، يتبيّن بوضوح ، أنّ من الدّعامات الأساسيّة للفضائل الأخلاقية ، والتّكامل المعنوي ، هو معرفة النّفس ، ولن يصل الإنسان إلى غايته المَنشودة ، إلّا بعد عبور ذلك الممر الصّعب ، ولذلك أكّد علماء الأخلاق ، كثيراً على هذه المسألة ، لِكي لا يغفل عنها السّائرون في الطّريق إلى الله تعالى.
٣ ـ معرفة النّفس طريقٌ لمعرفة الرّبّ
يقول الباري تعالى :( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) (٣) .
وَوَرد في آية اخرى ، قوله تعالى :( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) (٤) .
وإستدلّ بعض المحقّقين ، بالآية الشّريفة ، التي تتحدث عن عالَم الذَّرْ ، على هذه الحقيقة أيضاً ، وهي أنّ : «معرفة النّفس» ، تعتبر الأساس والقاعدة : «لمعرفة الله تعالى» حيث تقول الآية الكريمة :( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا ) (٥) .
ونقرأ في تفسير الميزان : «فالإنسان وإن بلغ من التّكبر والخُيلاء ما بلغ ، وغرّته مساعدة
__________________
١ ـ نهج البلاغة ، قصار الكلمات ، الكلمة ٤٠٩.
٢ ـ تُحف العقول ، من قصار كلمات الإمام الهاديعليهالسلام .
٣ ـ سورة فصّلت ، الآية ٥٣.
٤ ـ سورة الذّاريات ، الآية ٢١.
٥ ـ سورة الأعراف ، الآية ١٧٢.
الأسباب ما غَرّتهُ وإستهوته ، لا يسعه أن ينكر أنّه لا يملك وجود نفسه ، ولا يستقلّ بِتدبير أمره ، ولو ملك نفسه ، ـ لوقاها ممّا يكرهه من الموت ، وسائر آلام الحياة مَصائبها ، ولإستقلّ بتدبير أمره ، لم يفتقر إلى الخضوع ، قبال الأسباب الكونيّة.
فالحاجة إلى ربٍّ : ـ مَلِكٍ مُدَبّرٍ ـ ؛ حقيقة الإنسان ، والفقر مكتوبٌ على نفسه ، والضعف مطبوعٌ على ناصيته ، لا يخفى ذلك على إنسانٍ له أدنى الشّعور الإنساني ، والعالم والجاهل ، والصّغير والكبير ، والشّريف والوضيع ، في ذلك سواء.
فالإنسان في أيّ منزلٍ من منازلِ الإنسانية نزل ، يشاهد من نفسه أنّ له رباً يملكه ويدبّر أمره ، وكيف لا يشاهد ربّه ، وهو يشهد حاجته الذاتيّة؟
ولذا قيل : إنّ الآية تشير إلى ما يشاهده الإنسان في حياته الدنيا. أنّه محتاج في جميع جهات حياته ، من وُجوده وما يتعلق به وجوده من اللّوازم والأحكام ، ومعنى الآية أنّا خلقنا بني آدم في الأرض ، وفرّقناهم ، وميّزنا بعضهم من بعضٍ بالتّناسل والتّوالد ، وأوقفناهم على إحتياجهم ومربوبيتهم لنا ، فإعترفوا بذلك قائلين ، بلى شَهِدنا أنّك ربّنا»(١) .
وبناءاً على ذلك ، يثبت لنا أنّ التّعرف على حقيقة الإنسانيّة ، بخصوصياتها وصفاتها ، هي السّبب والأساس لمعرفة الباري تعالى شأنه.
والحديث المعروف ، الذي يقول :«مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عِرَفَ رَبَّهُ» ، ناظر إلى هذه المسألة بالذات.
وقد نقل هذا الحديث مرّةً عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، ومرّةً اخرى عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، ومرّةً نُقل عن صُحف إدريسعليهالسلام .
فجاء في بحار الأنوار نقلاً عن صحف إدريسعليهالسلام ، في الصّحيفة الرّابعة ، والتي هي صحيفة المعرفة :«مَنْ عَرَفَ الخِلْقَ عَرَفَ الخالِقَ ، وَمَنْ عَرَفَ الرِّزْقَ عَرَفَ الرَّازِقَ ، وَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ» (٢) .
__________________
١ ـ تفسير الميزان ، ج ٨ ، ص ٣٠٧ ، ذيل الآية المبحوثة ، (مع التلخيص).
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٩٢ ، ص ٤٥٦ ؛ ج ٥٨ ، ص ٩٩ ؛ ج ٦٦ ، ص ٢٩٣ ، ونقل عن المعصومعليهالسلام ، وفي ج ٢ ، ص ٣٢ عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله .
وعلى كلّ حالٍ ، فإنّ مضمون هذا الحديث قد ورد بطرق متعدّدة ، في كتاب بحار الأنوار ، عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، أو أحد المعصومينعليهمالسلام ، أو إدريس النبيعليهالسلام ، وكذلك ورد عن الإمام عليعليهالسلام ، في : «غُرر الحِكَم»(١) .
وقال العلّامة الطّباطبائي ، في تفسيره : «أنّ الشّيعة والسّنة قد نقلوا هذا الحديث عن الرسولصلىاللهعليهوآله ، وهو حديثٌ مشهورٌ»(٢) .
التّفاسير السّبعة ، لحديث من عَرف نفسه :
وقد وردت تفاسيرٌ عديدةٌ لهذا الحديث ، ومنها :
١ ـ يشير هذا الحديث إلى :«بُرهان النّظم» ، فكلّ إنسانٍ يتعرف على عجائب الخِلقة ، في روحه وجِسمه ، وما تتضمّن من النّظم المعقد والمحيّر في تفاصيلها الدقيقة ، فسوف ينفتح له طريق إلى الله تعالى ، فإنّ هذا النّظم والإنتِظام والدّقة في الخلقة ، لا يمكن أن ينشأ ، إلّا بتدبير عالم قادر مبدىء معيد.
٢ ـ ويمكن أن يكون هذا الحديث ، إشارةً إلى بُرهان :«الوجود والإمكان» ، فعند ما ينظر الإنسان ويُدقّق في تفاصيل وُجوده ونشأته ، يرى أنّه وجودٌ مستقلٌ ، من عِلمه وقُدرته وذَكائه وسَلامته ، فكلّها تحتاج إلى وجوده سُبحانه ، ومن دونه ، فَهو لا شيء وسينتهي وجوده ، وفي الحقيقة هو كالمعاني الحرفيّة ، التي بدون المعاني الإسميّة ، لن يكتمل لها معنى ، كجملة : «ذهبتُ إلى المسجد» ، فكلمة «إلى» ، وحدها لا مفهوم لها إطلاقاً ، من دون إرتكازها على كلمتي : «ذهبت» و «المسجد» ، وكذلك الحال في وجودنا بالنّسبة إلى الله تعالى ، فكلّ شخصٍ يحسّ في نفسه هذا الإحساس ، سيعرف ربّه من موقع الإعتماد والإيمان أكثر ، لأنّ وجود الممكن محال ، بدون وجود الواجب.
__________________
١ ـ غُرر الحِكم ، ص ٧٩٤٦.
٢ ـ الميزان ، ج ٦ ، ص ٤٦٩ ، في البحث الرّوائي ، ذيل الآية ١٠٥ ، من سورة المائدة.
٣ ـ ويمكن لهذا الحديث ، أن يدلّنا على :«برهان العلّة والمعلول» ، فكلّ إنسان يَتَفكر في نفسه ، قليلاً فسوف يعرف أنّه معلول ، لعلّةٍ اخرى منذ وجوده ، وعند ما ينظر لأبيه سيراه هو أيضاً معلولاً لعلّةٍ اخرى ، وهكذا حتى يصلَ إلى علّةِ العلل ، وإلّا يلزم التسّلسل ، وبطلان التّسلسل ، أمرٌ مفروغٌ عنه لدى الحكماء(١) .
وعليه ، يجب أن تصل العلل إلى العلّة الاولى ، التي لا تحتاج إلى عِلّة ، فعلّة العِلل : وجوده في ذاته ، فعند ما يرى الإنسان نفسه بهذا الوصف ، فإنّه سيصل إلى الباري سبحانه وتعالى ، من خلال هذا القانون العقلي.
٤ ـ ويمكن أن يكون هذا الحديث ، إشارة إلى«بُرهان الفطرة» ، فعند ما يعرف الإنسان في تأمل حَنايا نفسه ، وجَوانب فطرته ، فسوف يتجلّى له نورُ التّوحيد ، وينفتح على الله تعالى ، ويصل من «معرفة النفس» ، إلى «معرفة الله» ، ولن يحتاج إلى دليلٍ آخر يقوده إلى الله تعالى.
٥ ـ ويمكن أن يكون الحديث ، ناظراً إلى مسألة :«صفات الله تعالى» ، بمعنى أنّ الإنسان عند ما يرى محدوديّته ، في دائرة حالاته وصفاته في عامل الإمكان ، سيصل إلى نقاطِ ضعفهُ ويُدرك من خلال محدوديّته في مجال الصّفات البشريّة ، لا محدوديّة الله تعالى ، لأنّه لو كان مخلوقاً مثله ، لكان محدوداً أيضاً ، ومن فنائه إلى بَقائه تَبارك وتعالى ، لأنّه لو كان مخلوقاً أيضاً لكان فانياً ، وكذلك يُدرك من خلال إحتياجاته وفَقره ، إستغناء الله وعدم حاجته عمّا سواه ، ويُدرك قوّة الباري من خلال فَقره وحاجته هو وهكذا ، وهذا ما يشير إلى كلام أمير المؤمنينعليهالسلام ، في أوّل خطبةٍ ، حيث يقول :
«وَكَمالُ الإِخلاصِ لَهُ نَفي الصِّفات عَنْهُ ، لِشَهادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّها غَيرُ المَوصُوفِ ، وَشَهادَةِ كُلِّ مَوصُوفٍ أَنَّهُ غَيرُ الصِّفَةِ» (٢) .
٦ ـ ونقل العلّامة المجلسيرحمهالله ، تفسيراً آخر لهذا الحديث ، عن بعض العلماء ، أنّه قال : (الرّوح لطيفةٌ لاهوتيّة في صفةٍ ناسوتيّةٌ : دالّةٌ من عشرة أوجهٍ ، على وحدانيّة الله وَرَبّانِيَّتِهْ :
١ ـ لما حرّكت التهيكَل ودبّرته ، علمنا أنّه لا بدّ لِلعالم من مُحرّكٍ ومُدبِّرٍ.
__________________
١ ـ من أراد التّوضيح ، فيراجع كتاب : «نفحات القرآن ج ٢».
٢ ـ نهج البلاغة ، الخطبة ١.
٢ ـ دلّت وحدتها على وحدته.
٣ ـ دلّ تحريكها لِلجسد على قدرته.
٤ ـ دلّ إطّلاعها على ما في الجسد على علمه.
٥ ـ دلّ إستواؤها إلى الأعضاء على إستوائه إلى خلقه.
٦ ـ دلّ تقدّمها عليه وبقاؤها بعده ، على أزلَهِ وأَبده.
٧ ـ دلّ عدم العلم بكيفيّتها ، على عدم الإحاطة به.
٨ ـ دلّ عدم العلم بمحلّها من الجسد ، على عدم أينيتّه.
٩ ـ دلّ عدم مسّها على إمتناع مسّه.
١٠ ـ دلّ عدم إبصارها على إستحالة رؤيته)(١) .
٧ ـ التّفسير الآخر لهذا الحديث ، هو أنّ جملة :«مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ» ، هي من قَبيل التّعلّق بالمحال ، يعني بما أنّ الإنسان لا يستطيع أن يعرف نفسه ، فهو لن يعرف ربّه بصورةٍ حقيقيةٍ.
ولكن التّفسير الأخير هذا غير مناسب ، والتّفاسير السّابقة أنسب لسياق الحديث ، ولا ضَير من إحتواء ذلك الحديث الشريف ، لكلّ تلك المعاني الجليلة.
نعم ، فإنّ كلّ إنسان يعرف نفسه ، سيعرف ربّه ، ومعرفة النّفس هي طريقٌ لمعرفة الرّب ، وهي أهمّ وسيلةٍ لتهذيب الأخلاق ، وطهارة النّفس والرّوح ، فذاته المقدسة هي مصدر لكلّ الكمالات والفضائل ، وأهمّ طريقٍ للسّير والسّلوك في خط بناء الذات ، وتهذيب الأخلاق ، هو معرفة النّفس ، ولكنّ معرفة النّفس تقف دونها موانعٌ كثيرةٌ ، لا بدّ من إستعراضها وبحثها.
موانع معرفة النّفس :
أوّل خطوةٍ تُتَّخذ ، لعلاج الأمراض البدنيّة هي معرفتها ، وعليه ففي وقتنا الحاضر ، يمكن
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٦١ ، ص ٩٩ ـ ١٠٠.
تشخيص أغلب الأمراض ، بالأشعّة السّينيّة ، والسّونار ، والمختبرات المختلفة لتحاليل الدّم والبول ، وما شابهها من الامور ، حيث يستطيع الطّبيب بمعونتها ، من تشخيص مواضع الخلل البدني بدقةٍ ، وبالتالي يكون بإمكانه ، وضع الأدوية والعلاجات لذلك المرض ، وكذلك الحال في الأمراض الروحيّة والنفسيّة على مستوى التّشخيص والمعالجة ، فإنّنا إن لم نشخّص أمراضنا الرّوحيّة ، بمساعدة الطّبيب الحقيقي للنفس ، ولم نتمكن من العثور على جذور الرّذائل الأخلاقيّة ، في واقعنا النّفسي ، فسوف لا يمكننا الوصول إلى طريقةٍ لعلاج هذه الأمراض ، وجُبران مواضع الخَلل في عالم النّفس.
ولكن أغلب الناس ، يتجاهلون الأعراض الخطيرة للأمراض ، وذلك لِغَلبة الأنانيّة عليهم وحبّ الذات ، الذي لا يسمح لهم برؤية النّقص على حقيقته ، وهذا الهروب من الحقيقة ، غالباً ما ينتهي إلى عواقب غير حميدة ، ولا يتوجه إليها الإنسان إلّا بعد فوات الأوان ، وبعد تجاوز المرض مرحلة العلاج ، ففي الأمراض الأخلاقيّة ، والإنحرافات النّفسية ، غالباً ما يكون حبّ الذات والأنانية ، مانعاً قويّاً لِلناس ، يحول دون معرفة صفاتهم الرّذيلة ، وعيوبهم الأخلاقيّة والإعتراف بها ، بل ويتذرعون بالأعذار المختلفة ، في عملية التغطية اللّاشعورية ، على تشوّهات الأنا ليكون الشّخص متعالياً عن النّقد والنّقص ، وبذلك يعيش مثل هذا الإنسان ، حالةَ الوَهم في ثياب الواقع.
والحقيقة أنّ الأعترافَ بالخطأ فَضيلةٌ ، ويحتاج إلى عزمٍ جدّي ، وإرادةٍ راسخةٍ ، وإلّا فان الإنسان سيتحرك على مستوى تغطية عيوبه ، ويُدرجها في طيّ النسيان ، ليخدع بها نفسه ومن حواليه ، بالظّواهر الخادعة والعناوين الزائفة.
نعم فإنّ الوقوف على العيوب والنقص ، في واقع الذّات أمرٌ مرعبٌ ومريعٌ ، وغالبيّة النّاس يهربون من واقعهم في حركة الحياة ، ولا يريدون أنّ يعترفوا بأخطائهم من موقع تحمّل المسؤوليّة ، لكنّ الهروب من الحقيقة ، سيعود بالضّرر الكبير على صاحبه ، وسيدفع الإنسان الّثمن غالياً على المستوى البعيد ، جرّاء ذلك!. وعلى كلّ حال ، فإنّ المانع الحقيقي ، والحِجاب الأصلي لمعرفة الذّات ، هو حجاب حبّ الذّات ، والأنانيّة والتّكبر ، وما لم تنقشع هذه الحُجب ،
وتلك الغَشاوات عن النّفس ، فلن يستطيع الإنسان أن يعرف ذاته ، ونوازعها وستغلق دونه أبواب المعرفة الاخرى ، التي تريد به النّهوض والوصول إلى الحقّ ، في خطّ التّكامل المعنوي ، والتّحذيرات التي صدرت من رسولنا الكريمصلىاللهعليهوآله ، شاهدٌ حيٌّ على مدّعانا ، منها :
«إذا أَرادَ اللهُ بِعَبدٍ خَيراً فَقَّهَهُ في الدِّينِ وَزَهّدَهُ في الدُّنيا وَبَصَّرَهُ عُيوبَهُ» (١) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام ، في حديثٍ آخر :«جَهْلُ المَرءِ بِعُيوبِهِ مِنْ أَكبَرِ ذُنُوبِهِ» (٢) .
ويُفرض علينا هذا السؤال نفسه ، وهو أنّه كيف يستطيع الإنسان ، أن يُزيل تلك الغَشاوات والحُجب ، التي ترين على نفسه وروحه؟.
هنا أتحفنا الفيض الكاشاني في هذا المجال ، بنصائح قيمةٍ ، فقال :
(اعلم أنّ الله تعالى ، إذا أراد بعبدٍ خيراً بصّره بعيوب نفسه ، فَمن كَملت بَصيرته لم تخف عليه عيوبه ، وإذا عرف العيوب أمكنه العلاج ، ولكنّ أكثر الخلقِ جاهلون بعيوب أنفسهم ، يرى أحدهم القَذى في عينِ أخيه ولا يرى الجذع في عينه هو ، فمن أراد أن يقف على عيب نفسه ، فله أربع طُرق :
الأوّل : أنّ يجلس بين يدي بصيرٍ بعيوب النّفس ، مطّلعٌ على خَفايا الآفات ، ويحكّمه على نفسه ، ويتّبع إشارته في مجاهداته ، وهذا قد عزّ في هذا الزمان وجوده.
الثاني : أن يطلب : صديقاً صدوقاً بصيراً متديّناً ، فينصبه رقيباً على نفسه ، ليُراقب أحواله وأفعاله ، فما يكرهه من أخلاقهِ وأفعاله وعيوبه الباطنة والظّاهرة ، ينبّهه عَلَيها. فهكذا كان يفعل الأكابر من أئمّة الدّين ، كان بعضهم يقول :«رحم الله إمرءً أهدى إليّ عيوبي» (٣) ، وكلّ من كان أوفر عقلاً وأعلى منصباً ، كان أقلّ إعجاباً وأعظم اتّهاماً لنفسه ، إلّا أنّ هذا أيضاً قد عزّ ، فقلّ في الأصدقاء من يترك المُداهنة ، فيخبر بالعَيب ، أو يترك الحسد فلا يزيد على القدر الواجب ، فلا يَخلو أصدقاؤك عن حَسودٍ ، أو صاحب غرض ، يرى ما ليس بعيب عيباً ، أو عن
__________________
١ ـ نهج الفصاحة ، ص ٢٦ ، وورد نفس هذا المعنى عن الإمام الصّادقعليهالسلام ، في اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ١٣٠.
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٧٤ ، ص ٤١٩.
٣ ـ تُحف العقول ، ص ٣٦٦.
مُداهنٍ يُخفي عنك بعض عُيوبك ، لهذا كان داود الطائي قد إعتزل عن النّاس ، فقيل له : لِمَ لا تُخالط النّاس؟ ، قال : ما ذا أصنع بأقوامٍ يخفون عنّي ذُنوبي.
ان أهل الدين يحبون أن يُنبّهوا على عُيوبهم ، بنصيحة غيرهم ، وقد آلَ الأُمر إلى أمثالنا ، بأن وأبغضُ الخلق إلينا من يَنصحنا ، ويُعرّفنا عيوبنا ، ويكاد أن يكون هذا مُفصِحاً عن ضَعف الإيمان ، فإنّ الأخلاق السّيئة : حيّاتٌ وعقاربٌ لدّاغةٌ ، ولو نبّهنا منبّهٌ على أنّ تحت ثوبنا عقرباً ، لشكرنا له ذلك وفرحنا به ، وإشتغلنا بإبعاد العقرب وقتلها ، وإنّما أذى العقرب على البدن ، ويدوم ألمها يوماً أو بعض يوم ، ونكايةُ الأخلاق الردّية على صميم القلب ، وعسى أن يدوم بعد الموت ، أبداً أو آلافاً من السّنين ، ثمّ إنّا لا نفرح بمن ينبّهنا عليها ، ولا تشتغل العداوة معه عن الإنتفاع بنصحه.
الطّريق الثّالث : أن يستفيد معرفة عيوب نفسه ، من لسان أعدائه ، فإنّ عين السّخط تُبدي المساوي ، ولعلّ إنتفاع الإنسان بعدوٍّ مشاحن ، يذكرّ عيوبه ، أكثر من إنتفاعه بصديقٍ مداهنٍ ، يُثني عليه ويمدحه ، ويخفي عنه عُيوبه.
الطّريق الرّابع : أن يخالط الناس ، فكلّ ما يراه مذموماً ، فيما بين الخَلق فيطالب نفسه بتركه ، وما يراه محموداً يطالب نفسه به وينسب نفسه ، إليه ، فإنّ المؤمن مرآةُ المؤمن ، فيرى في عيوبِ غيره عيوبُ نفسه ، وليعلم أنّ الطّباعَ مُتقاربةٌ في إتّباع الهوى ، فما يتّصف به واحد من الأقران أعظم منه ، أو عن شيء منه ، فيتفقّد نفسه ويطهّرها عن كلّ ما يذمّه من غيره ، وناهيكَ بهذا تأديباً ، فلو ترك النّاس كلّهم ما يكرهونه من غيرهم ، لإستغنوا عن المؤدّب ، قيل لِعيسىعليهالسلام : من أدَّبك؟ فقال : «ما أدّبَني أحد ، رأيت جهلَ الجاهل فجانبته»(١) .
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٥ ، ص ١١٢ الى ١١٤.
الخُطوة التّاسعة : العبادة والدّعاء تصقل مرآة القلب :
الخُطوة الاخرى ، هي العبادة والدّعاء ، ولأجل التّعرف على دور ، العِبادة والدّعاء في بناء وتهذيب النّفوس ، علينا أولاً التّعرف ، على حقيقة ومفهوم العبادة والدّعاء.
الواقع أنّ الحديث عن هذا الموضوع ، طويلٌ وعريضٌ ، وقد تناوله العلماءُ ، العظماءُ ، في كتبهم الأخلاقيّة والتفسيريّة والفقهيّة ، بصورةٍ مُفصّلةٍ ووافيةٍ ، ولكن يمكن القول وبإختصارٍ شديدٍ : علينا قبل معرفة حقيقة العبادةِ ومفهومها ، أوّلاً أن ندرس مفهوم كلمة «عبد» ، وهي الأصل والجَذر اللّغوي ، لكلمة : «العِبادة».
«العبُد» لُغة تُطلق على الإنسان ، الذي لا حول له ولا قوّة ، في مقابِل مولاه ، فإرادته تابعةٌ لإرادة مَولاه ، ولا يملك شيئاً في عرضِ ما يملكه مولاه ، ولا حقَّ له في التّقصير في طاعة سيّده.
وعليه فإنّ العبودية ، هي آخر وأقصى مراحل الخُضوع والخُشوع ، في مقابل السيّد ، حيث إنّ كلّ شيءٍ في حياته يراهُ من هبته وإنعامه وإكرامه ، ومن هنا يتبيّن لنا بوضوح ، أنّه لا أحد يستحقّ هذه الدّرجة من العِبادة ، ويكون مَعبوداً سوى الله تعالى ، فهو الفَيض اللّامتناهي الذي لا ينقطع أبداً.
ومن بُعدٍ آخر ، أنّ «العُبوديّة» : هي قمّة ونهاية التّكامل المعنوي ، للرّوح في حركة التّكامل المعنوي للإنسان ، وغايةُ ما يطمح إليه الإنسان ، من حالة القُرب من الله تعالى ، والتّسليم المُطلق لِلذات المُقدسة ، فالعبادة لا تنحصر بالرّكوع والسّجود والقيام والقُعود ، بل إنّ روح العِبادة هي التّسليم المطلق لله تعالى ، ولذاته المُقدسة والمَنزّهة من كلٍّ عيبٍ ونقصٍ.
ومن البديهي أنّ العبادة ، هي أفضل وسيلةٍ للرّقي المعنوي ، وتحصيل الكَمال المطلق ، في حركة الإنسان والحياة ، وتقف حائلاً أمام كلّ رذيلةٍ ، فإنّ الإنسان يسعى لِلقُرب من معبوده ، لِتَتَجلى في نفسه إشعاعاتٌ من نور قُدسه وجَلاله وجَماله ، ويكون مظهراً ومرآةً لصفات الجمال والكَمال الإلهيّة ، في واقعه النّفسي وسلوكه العملي.
وفي حديثٍ عن الإمام الصادقعليهالسلام ، أنّه قال :«العبُودِيّةُ جَوهَرَةٌ كُنْهُها الرُّبُوبِيَّةُ» (١) .
__________________
١ ـ مصباح الشّريعة ، ص ٥٣٦ ، نقلاً عن ميزان الحكمة ، مادة «عبد».
وهو إشارة لتلك الإنعكاسة الربّانية ، التي تتجلّى في العبد جرّاء العِبادة الخالصةِ ، المنفتحة على الله ، حيث يصل بواسطتها إلى درجاتٍ من الرّقي والكمال ، بحيث يمكنه معها السّيطرة على الكَون ، ويكون صاحبٌ بالولاية التَّكوينيّة ، أو هو : كالحديد الأسود ، الذي يحمّر جرّاء مجاورته لِلنار ، وهذه الحرارة والنّورانية ليست من ذاته ، لكنّها من معطيات تلك النار.
ومنها نعود لِلقرآن الكريم ، لنستوحي ممّا فيه من آياتٍ حول العبادة ، وما لها من دورٍ في تنمية الفضائل الأخلاقية :
١ ـ ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (١) .
٢ ـ ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (٢) .
٣ ـ ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) (٣) .
٤ ـ ( إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ) (٤) .
٥ ـ ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) (٥) .
٦ ـ ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (٦) .
٧ ـ ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (٧) .
تفسير وإستنتاج :
تتحرك الآيات الآنفة الذّكر ، لتؤكّد لنا حقيقةً واحدةً ، ألا وهي ، أنّ كلّ إنسانٍ يريد
__________________
١ ـ سورة البقرة ، الآية ٢١.
٢ ـ سورة البقرة ، الآية ١٨٣.
٣ ـ سورة العنكبوت ، الآية ٤٥.
٤ ـ سورة المعارج ، الآية ١٩ إلى ٢٤.
٥ ـ سورة التّوبة ، الآية ١٠٣.
٦ ـ سورة الرّعد ، الآية ٢٨.
٧ ـ سورة البقرة ، الآية ١٥٣.
الوصول إلى الكمال المطلقُ ويتحرك على مستوى تهذيب النّفس ، عليه أنّ يسلك طريق العبادة ، فالسّائر في خطّ الإستقامة والتّربية ، ولأجل أن يبني نفسه ، ويحصل على ملكة التّقوى ، عليه أنّ يَعبُد ويَدعو الله تعالى ، من موقع العِشق والشّوق ليوفقه في ذلك ، ويطلب منه العَون ، لإزالة شوائب نفسه ، لِتّتصل النّقطة بالبحر ، ولِتَنْدَكّ ذاته بالذّات الأزليّة ، ويتحول نحاس وجوده ، في بوتقة العِشق ، إلى ذهبٍ خالصٍ.
هنا تحرّكت«الآية الأُولى» ، لتخاطب جميع الناس بدون إستثناء ، أن يسلكوا إلى الله من موقع العِبادة ، وأرشدتهم لِطريق التقوى ، فقالَ تعالى :( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) .
والتّأكيد على مسألة الخلقة للأوّلين ، لعلها تقع في دائرة تنبيه العَرب الجاهلين ، الذين كانوا يستدلون بعبادتهم للأصنام ، بسنّة آباهم ، فيقول الباري : إنّنا خلقناكم والجِبلّة الأولين ، نعم فهو الخالق والمالك لكلّ شيءٍ ولا يستحق العبادة أحدٌ إلّا هو ، وإذا ما توجه الإنسان ، حقيقةً نحو الباري تعالى ، فستتفتح في جوانحه عناصر الخير والتّقوى ، لأنّ ما يوجد من الشّوائب في النفس ، إنّما هو بِسبب التّوجه لغير الله ، من موقع العبادة الزّائفة.
فهذه الآية تبيّن معالم الرّابطة والعلاقة الوثيقة ، بين العبادة التقوى.
وتطرقت«الآية الثّانية» ، للحديث عن عبادةٍ مهمّةٍ ، وهي الصّوم وعلاقته بالتّقوى ، فقال :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) .
ومن المعلوم أنّ الصّوم يُنوّر القلب ويجلوه ، بحيث يحسّ معه الإنسان أنّه يعيش القُرب من الحسنات ، والبُعد عن السّيئات والقَبائح ، والإحصائيات التي ترد في هذا الشّهر من المصادر المختصّة عن الجرائم ، تشير إلى أنّها تصل إلى أدنى مستوى ، في شهر رَمضان ، وأنّ الشرّطة في هذا الشّهر المُبارك ، يتفرّغون لِلأهتمام بامورٍ اخرى ، إداريّة عالقة بالأشهر الماضية!!.
وهذا الأمر إنّ دلّ على شيءٍ ، فهوَ يدلّ على أنّ الإنسان ، كلّما إقترب من الله تعالى ، في خطّ العبوديّة والطّاعة ، فإنّه يبتعد عن الموبقات والآثام ، والقبائح بنفس المقدار.
وأشارت«الآية الثّالثة» ، إلى علاقة الصّلاة بالنّهي عن الفَحشاء والمنكر ، وخاطبت الرّسول الكريمصلىاللهعليهوآله ، بإعتباره قدوة واسوة للآخرين ، فقالت :( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) .
«فالفَحشاء والمنكر» ، عبارةٌ عَنْ مجموعة الأفعال غير الأخلاقيّة ، التي تنبع وتنشأ من الصّفات الأخلاقيّة ، والنّزعات الشّريرة الموجودة في مطاوي النّفس البشرية ، حيث تؤثّر بدورها في سلوك الإنسان ، وتفرز الأخلاق الظاهريّة لَه ، و «الصّلاة» تمثّل أَداةَ ردعٍ لتلك الأخلاق المنحرفة ، في دائرة السّلوك ، لأنّ الأذكار والأدعية ، تعمل على تهذيب النّفس ، وترويضها وتطويعها في طريقِ الخَير والصّلاح ، وحالة القُرب من الباري تعالى ، هذه هي التي تتولى إبعاد الإنسان عن منبع الشّر والرّذيلة ، الذي هو عبارةٌ عن هوى النّفس وحبّ الدنيا ، من خلال الإنفتاح على آفاق المَلكوت ، لِتَغرف نفسه من أنوار القُدس ، وترتفع به إلى عالم الخلودِ والكَمالِ المُطلق.
فالمصلّي الحقيقي سيبتعد عن الفحشاء والمنكر لا مُحالة ، لأنّ الصّلاة والعِبادة تَصون النّفس من المنكرات ، وتحول دون إختراق الرذائل للنّفس الإنسانية ، وتعمل على تَفعيل عناصر الخَير ، في أعماق الوِجدان.
وتحدّثت«الآية الرابعة» عن حالة الجَزع والبخل ، اللّذان هما من السجّايا الوضيعة في واقع الإنسان ، وخُصوصاً الجَزع في حالة سيطرة المشكلات والشّرور ، والبُخل في حالة إنفتاح أبواب الثّراء أمام الإنسان ، وإستثنت الآية المصلّين ، وقالت :( إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ) .
فهذه الآيات الكريمة ، تبيّن لنا بصورِةٍ جيدةٍ ، أنّ التّوجه لله تعالى ، والسّير في خطّ العبادة والدُّعاء والمناجات ، له دورٌ هامّ في مَحو الرّذائل الأخلاقيّة ، من قبيل البُخل والجّزع من واقع النّفس.
وتشيرُ«الآية الخامسة» ، إلى تطهير النّفس ، بواسطة «الزّكاة» ، والتي بدورها تُعتبر ، من العبادات الإسلامِيَّةِ المُهِمَّةِ ، في ديننا الحنيف ، فتقول :( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) .
وجُملة :( تُزَكِّيهِمْ بِها ) ، هي دليلٌ واضحٌ على هذه الحقيقة ، وهي أنّ الزّكاة تعمل على تطهير النفس ، من البَخل والحِرص وحُبِّ الدنيا ، وتزرع في نفسه صفة الكرم ، وحبّ الخير لِلناس ، وتثير في نفسه الحركة ، على مستوى حمِاية الفقراء والمحتاجين.
وما ورد من روايات في هذا الصدد ، تبيّن هذه الحقيقة أيضاً ، ومنها الحديث النبوي الشريف :«ما تَصَدَّقَ أَحَدُكُم بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ ـ وَلا يَقْبَلُ اللهُ إلّا الطّيِّبَ ـ ، إلّا أَخَذَها الرَّحمانُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كانَتْ تَمْرَةً فَتَربُو مِنْ كَفِّ الرَّحمانِ في الجِنان حَتّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الجَبَلِ» (١) .
هذا الحديث الشّريف يبيّن تلك العلاقة الوثيقة المباشرة ، بين هذه العبادة المهمّة وبين توطيد العلاقة مع الله تعالى ، وتفعيل الحالات المعنوية في واقع الإنسان ومحتواه الداخلي.
وتتحرك«الآية السّادسة» ، من موقع الإشارة إلى عبادة مهمّةٍ اخرَى ، وهي عبادة : «الذِّكر» ، للهِ تعالى ، وما لَها من دورٍ في بعث الطّمأنينة ، في واقع الرّوح فتقول :( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) .
فالطّمأنينة تقترنُ دائماً مع التّوكل على الباري تعالى ؛ وعدم الوقوع في أسر الماديّات والامور الدنيويّة ، من الإنخداع بِبَريق الدُنيا ، والطّمع والبُخل والحَسد وما شابهها من الامور ، فَمع وجود هذه الحالات السّيئة في واقع النفس ، فسوف لن يذوق الإنسان معها الرّاحة والطّمأنينة.
وعليه ، فإنّ ذكر الله تعالى بإمكانه إزالة هذه الصّفات السّلبية عن القلب ، وتطهير النّفس منها لِتَتَهيأ الأرضيّة المساعدة ، في تَفتّح براعم السّكينة والطّمأنينة في واقع القلب والرّوح.
أو بتعبيرٍ أدق ، إنّ جميع الإضطرابات الرّوحية ، وأشكال القلق النّفسي ، في واقع الذّات
__________________
١ ـ صحيح مسلم ، ج ٢ ، ص ٧٠٢ ، طبع بيروت.
البشريّة ، ناشئة من هذه الرّذائل الأخلاقيّة ، وستزول وتقلع جذورها بذكر الله ، الذي يعمل على تسكين روح الإنسان ، وتجفيف مصادر القلق هذه ، لِتحل محلّها السّكينة والهدوء النّفسي(١) .
وأخيراً تناولت«الآية السّابعة» ، دور الصّلاة والصّيام في رفع المعنويات ، وتقوية عناصر الخير في وجدان الإنسان :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) .
وقد فسّرت بعض الرّوايات الإسلاميّة الصّبر بالصيام(٢) ، من حيث كون الصّوم أحد المَصاديق البارزة لِلصبر ، وإلّا فالصّبر له مفهومٌ وسيعٌ يشمل كلّ أنواع المُقاومة ، والتّحدي لِلأهواء النّفسانية والوساوس الشيطانية ، في طريق طاعة الله تعالى ، وكذلك تَستوعب الآية حالة الصّبر على المصائب والمحن ، التي تصيب الإنسان في حركة الواقع.
وقد وَرد في حديثٍ عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، أنّه كلّما أهمّه شيءٌ إندفع مُسرعاً نحو الصّلاة ، وبعدها يتلو هذه الآية ثلاث مرّاتٍ :«كانَ عَليٌّ عليهالسلام إذا أَحالَهُ أَمْرٌ فَزِعٌ قامَ إِلى الصَّلاةِ ثُمَّ تَلا هذِهِ الآيةَ : ( اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) »(٣) .
نعم فإنّ العبادة ترسخ في النّفس محاسنها ، وتصقلها وتعمل على تفعيل عناصر الخير فيها ، من : التّوكّل والشّهامة والصّبر والإستقامة ، وتستأصل الرّذائل الأخلاقيّة من قَبيل : الجُبن والشّك والإضطراب والتّوتر النّاشيء من حالات الصّراع ، وحبّ الدنيا وتزيحها عن واقع النّفس ، وبهذا تحيي العبادة في واقع النّفس ، شطراً مُهمّاً من الفضائل الأخلاقية ، وكذلك تقوم بإلغاء الكثير من عناصر الشّر ، وقوى الإنحراف والرّذيلة من وجود الإنسان.
__________________
١ ـ للتفصيل يرجى مراجعة التفسير الأمثل ، ذيل الآية الآية الشريفة المبحوثة.
٢ ـ مجمع البيان ، ج ١ ، ذيل الآية ٤٥ من سورة البقرة ، التي تشابه الآية التي نحن في صددها ، وتفسير البرهان ، ج ١ ، ص ١٦٦ ، ذيل ١٥٣ ، سورة البقرة ، ففي حديثٍ عن الصّادقعليهالسلام ، قال في الآية «الصّبرُ هُو الصّوم» : بحار الأنوار ، ج ٩٣ ، ص ٢٩٤.
٣ ـ اصول الكافي ، (طبقاً لنقل الميزان ، ج ١ ، ص ١٥٤).
النّتيجة :
نستنتج ممّا ذُكر آنفاً : أنّ العِبادة لَها دورها الفاعل ، والعميق في تَهذيب الأخلاق ، ويمكن تَلخيص هذا المعنى في عدّة نقاط :
١ ـ إنّ التوجه لِلمبدأ ، والإحساس بحضور الله تعالى ، مع الإنسان في كلّ وقتٍ ومكانٍ ، يدفع الإنسان نحوَ المزيد من مُراقبة أعماله وحركاته وسكناته ، ويُساعده على السّيطرة على ميوله الذّاتية ، وأهوائه النفسيّة ، لأنّ العالم محضر الله ، والمعصية في حال الحضور ، تمثّل الإنحراف عن خطّ الحقّ ، وبالتّالي فهي عين الوقوع في لُجّة الكُفران للنعمة.
٢ ـ إنّ التّوجه لصفات جَلاله وجَماله ، التي وردت في العبادات والأدعية ، يثير في نفس الإنسان حالةً من لُزوم الإقتباس ، من تلك الأنوار القُدسيّة ، ويعيشها في واقعه الرّوحي ، ليسير في طريق التّكامل الأخلاقي.
٣ ـ التّوجه للمَعاد والمحكمة الإلهيّة العظيمة في يوم القيامة ، يمثّل أداةً فاعلةً لتطهير وتزكيّة النّفس ، خوفاً من العقاب والحِساب في غدٍ.
٤ ـ العِبادة والدّعاء ، تضفي على الإنسان هالاتٍ من النّور لا توصف ، فلا تستطيع معها ظُلمات الرّذيلة أن تقف أمامها ، فيحسّ الإنسان بالقُرب الإلهي ، وصفاء الضّمير بعد كلّ عبادةٍ ، شريطَة أن تكونَ مقرونةً بحضور القلب.
٥ ـ إنّ مضامين العبادات والأدعية ، غنيٌّ جدّاً بالتّعاليم والآداب الأخلاقيّة ، فهي ترسمُ الطّريق لِلسالك نحو الله تعالى ، وهي في الحقيقة دروسٌ قيّمةٌ ، توصل الإنسان السّالك لِهدفه السّامي ، من أقصر طريقٍ ، وبدونِ العبادة والمُناجاة ، وخاصّةً في حالات الخَلوة مع الله ، تعالى ولا سيّما في وقت السّحر ، فسوف لن يصل الإنسان إلى غايته المنشودة.
تأثير العبادة في صقل الرّوح في الرّوايات الإسلاميّة :
لهذه المسألة ، صَداً وَاسعاً في الرّوايات الإسلاميّة ، ونشير إلى بعضٍ منها ، تاركين التّفاصيل
إلى البحوث الموسّعة :
١ ـ أشارت جميع الرّوايات الإسلاميّة ، التي تناولت فلسفة الأحكام ، إلى دور العبادة في تَهذيب النّفوس وصفاء القلوب ، فقال الإمام عليعليهالسلام ، في قِصار كلماته :
«فَرَضَ اللهُ الإِيمانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّركِ ، والصَّلاةَ تَنْزِيهاً عَنِ الكِبْرِ وَالزَّكاةَ تَسبِيباً لِلرِّزْقِ وَالصِّيامَ إِبتِلاءً لِإِخلاصِ الخَلْقِ» (١) .
وَوَرد نفس هذا المعنى ، مع إختلافٍ بسيطٍ في خُطبة الزّهراءعليهاالسلام فإنّها تقول :«فَجَعَلَ اللهُ الإِيمانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّركِ ، والصَّلاةَ تَنْزِيهاً عَنِ الكِبْرِ وَالزَّكاةَ تَزكِيَّةً لِلنَّفْسِ وَنَماءً في الرِّزْقِ وَالصِّيامَ تَثبيتاً لِلإِخلاصِ» (٢) .
٢ ـ ويشبّه الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله الصّلاة بنهرٍ جاري ، يتولى تطهير البدن كلّ يومٍ خمس مرّاتٍ ، حيث يقول :«إِنّما مَثلُ الصَّلاةِ فِيكُم كَمَثلَ السّري ـ وهو النهر ـ عَلى بابِ أَحَدِكُم يَخرُجُ إِلَيهِ في اليَومِ وَاللَّيلَةُ ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ خَمسُ مرّاتٍ ، فَلا يَبْقى الدَّرنُ عَلَى الغَسلِ خَمْسُ مرّاتٍ ، وَلَم تَبْقَ الذُّنُوبُ عَلى الصَّلاةِ خَمسُ مِّراتٍ» (٣) .
وعليه فقد ذكرت هذه الرّوايات ، لكلّ عبادةٍ : دوراً خاصّاً في عمليّة تهذيب النّفوس الإنسانيّة.
٣ ـ وَوَرد في حديثٍ آخر عن الإمام الرضاعليهالسلام ، يشرح فيه السّبب ، الذي شرّع الله تعالى بِسَببِه العبادة ، فيقول :
«فَإنْ قالَ فَلِمَ تَعبَّدَهُم؟ قِيلَ لِئَلا يَكُونُوا ناسِينَ لِذِكْرِهِ وَلا تارِكِينَ لِأَدَبِهِ وَلا لاهِينَ عَنْ أَمْرِهِ وَنَهْيهِ إِذا كانَ فِيهِ صَلاحُهُم وَقِوامُهُم ، فَلَو تُرِكُوا بِغَيرِ تَعَبُّدٍ لَطالَ عَلَيهِم الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُم» (٤) .
فيتّضح من ذلك أنّ العبادة ، تجلو القلب وتُبلوِر الرّوح وتَحثّ على ذكر الله تعالى ، الذي هو
__________________
١ ـ نهج البلاغة ، قِصار الكلمات ، الكلمة ٢٥٢.
٢ ـ يرجى الرجوع إلى كتاب : حياة السيدة الزهراءعليهاالسلام .
٣ ـ المحجّة البيضاء ، ج ، ص ٣٣٩ ، كتاب أسرار الصّلاة.
٤ ـ عيون أخبار الرضاعليهالسلام ، طِبقاً لنقل نور الثقلين ، ج ١ ، ص ٣٩ ، ح ٣٩.
مدعاة لإصلاح الظاهر والباطن.
٤ ـ وَوَرد في حديث آخر ، عن الإمام الرّضاعليهالسلام ، وفي مَعرض حديثه لإحصاء فوائد الصّلاة ، أنّه قال :
«مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإِيجابِ وَالمُداوَمَةِ عَلى ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِاللَّيلِ وَالنَّهارِ لِئَلا يَنْسَى العَبْدُ سَيِّدَهُ وَمُدَبِّرَهُ وَخَالِقَهُ ، فَيَبْطُرَ وَيَطْغى وَيَكُونَ فِي ذِكْرِهِ لِرَبِّهِ وَقِيامِهِ بَينَ يَدَيهِ زاجِراً لَهُ عَنِ المَعاصِي وَمانِعاً لَهُ عَنْ أَنْواعِ الفَسادِ» (١) .
٥ ـ وَوَرد عن الإمام الصادقعليهالسلام ، في دور الصّلاة وميزان قبولها ، أنّه قال :
«مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ أَنْ قُبِلَتْ صَلاتُهُ أَمْ لَم تُقْبَلْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ مَنَعَتْ صَلاتُهُ عِنَ الفَحشاءِ وَالمُنْكَرِ ، فَبِقَدَرِ ما مَنَعَتْهُ قُبِلَتْ» (٢) .
فهذا الحديث يُبيّن بوضوح ، أنّ صحّة الصّلاة وقبولها ، لها علاقةٌ طرديّةٌ بالأخلاق والدّعوة إلى الخير وترك الشّر ، ومن لم تؤثّر صلاته ، في تفعيل عناصر الخير والصّلاح في وجدانه ، فعليه أن يعيد النّظر فيها حتماً ، لأنّها وإن كانت مسقطة للتكليف ، إلّا أنّها غير مقبولةٍ لدى الباري تعالى.
٦ ـ وفي فلسفة الصّيام ، قال الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :
«إِنَّ الصَّومَ يُمِيتُ مُرادَ النَّفْسِ وَشَهْوَةَ الطَّبْعِ الحَيوانِي ، وَفِيهِ صَفاءُ القَلْبِ وَطَهارَةِ الجَواحِ وَعَمارَةُ الظَّاهِر وَالباطِنِ ، وَالشُّكْرُ عَلَى النِّعَمِ ، وَالإِحْسانِ إِلى الفُقَراءِ ، وَزِيادَةُ التَّضَرُّعِ وَالخُشُوعِ ، وَالبُكَاءِ وَجَعَلَ الإِلتِجاءِ إِلى اللهِ ، وَسَبَبُ إِنْكِسارِ الهِمَّةِ ، وَتَخْفِيفِ السَّيِّئاتِ ، وَتَضعِيفِ الحَسَناتِ وَفِيهِ مِنَ الفَوائِدِ ما لا يُحْصى» (٣) .
فقد ذكر هذا الحديث الشّريف ، أربعة عشر صفةً إيجابيةً للصّوم في واقع النّفس ، وهي مجموعةٌ من الفضائل والأفعال الأخلاقيّة ، تصعد بالإنسان في مدارج الكمال المعنوي والإلهي.
__________________
١ ـ وسائل الشيعة ، ج ٣ ، ص ٤.
٢ ـ مجمع البيان ، ج ٨ ، ص ٢٨٥ ، ذيل الآية ٤٥ من سورة العنكبوت.
٣ ـ بحار الأنوار ، ج ٩٣ ، ص ٢٥٤.
٧ ـ ونختم هذا البحث الواسع ، بحديثٍ عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، أنّه قال :«دَوامُ العِبادَةِ بُرهانُ الظَّفَرِ بِالسَّعادَةِ» (١) .
ومن أراد التّفصيل أكثر فليراجع : «وسائل الشّيعة» ، الأبواب الاولى من العِبادات ، وكذلك ما ورد في : «بحار الأنوار».
نعم فإنّ كلّ من يطلب السّعادة ، عليه أن يتحرك بإتّجاه توثيق العلاقة مع الله تعالى ، من موقع الدّعاء والعبادة.
النّتيجة :
نستنتج من هذه الرّوايات الشّريفة التي أوردناها ، والاخرى التي أَعْرضنا عنها لِلإختصار ، أنّ علاقة العبادة بصفاء الرّوح ، وتهذيب النّفوس ، وتفعيل القيم الأخلاقيّة في واقع الإنسان ، علاقةٌ طرديّةٌ ، وكلّما تحرّك الإنسان في عبادته ، من موقع الإخلاص لله تعالى ، كان أثرها في نفسه أقوى وأشدّ.
وهذا الأمر محسوس جدّاً ، فالمخلص الذي يؤدي عبادته بحضور قلبٍ ، فإنّه يحسُ بالنّور والصفاء في قلبه ، والميل إلى الخير والنّزوع عن الشّر ، ويجد في روحه العبوديّة والخشوع والخضوع الحقيقي ، بإتجاه خالقه وبارئه.
وهذا الأخير في الحقيقة هو العامل المشترك بين جميع العبادات ، وإن كان لكلّ منها تأثير خاص على النفس ، فالصّلاة تنهى عن الفَحشاء والمنكر ، والصّيام يقوّي الإرادة وينشط العقل ، لِيْسيطر على جميع نوازع النّفس ، والحج يمنح الإنسان بُعداً معنوياً ، يجعله بعيداً عن زخارف الدّنيا وزبرجها ، والزّكاة تقمع البخل في واقع النّفس ، وتقضي على أشكال الطّمع والحرص على الدنيا.
وذِكر الله يَهدىء الرّوح ، ويمنحها الطّمأنينة والرّاحة ، وكلّ ذكرٍ من الأذكار ، تتجلّى فيه
__________________
١ ـ غُرر الحِكم ، الرقم ٤١٤٧.
صفةٌ من صفاتِ جَلاله وجَماله سبحانه وتعالى ، التي تتولّى ترغيب الإنسان في السّلوك إلى الله ، والإنسجام مع خطّ الرّسالة.
وعليه فإنّ الشّخص الذي يؤدّي العبادة على أتمّ وجهٍ ، سينتفع من فوائدها في دائرة المعطيات العامة ، وكذلك تمنحه العبادات آثارها الإيجابيّة الخاصّة ، بما يحقّق له بلورة فضائله الأخلاقيّة ، وملكاته النفسانيّة في واقع وجوده ، فالعِبادة تشكّل الخطوة والحجر الأساس ، لبناء النّفس ، في خطّ التّقوى والإيمان ، والإنفتاح على الله ، شَريطة الانس بمثل هذه المعاني الروحيّة ، والتّعرف على فلسفة العبادة ، فلا ينبغي أن نقنع بالمحافظة على قوى الجسم وحده ، ولأهميّة مَبحث الذّكر خصّصنا له بَحثاً مُستقلًّا عن باقي البحوث.
ذِكر الله وتربية الرّوح :
أعطى علماء الأخلاق ، الأهميّة القُصوى لِلذكر ، وذلك تبعاً لما ورد ، في الرّوايات الإسلاميّة والقرآن الكريم ، واعتبروه من العناصر المهمّة في خطّ العبادة ، وتطهير النّفس وتهذيبها ، وذكروا لكلّ مرحلةٍ من مراحل السّير والسّلوك ، الذّكر الخاص بها.
فمثلاً في مرحلة التّوبة ، ينبغي للسالك في طريق الحقّ ، الإهتمام بِذِكر :«يا غَفّار» ، وفي مرحلة محاسبة النّفس :«يا حَسيب» ، وفي مرحلة إستنزال الرّحمة :«يا رحمان» و «يا رَحيم» . وَهَلُمَّ جرّا.
وهذه الأذكار تتناسب وحالات الإنسان ، والسّلوك الذي يسلكه الإنسان في خطّ الإستقامة ، والإلتزام بها على كلّ حالٍ حسنٍ ، ولا تختص بعنوان : قصد الوُرود إلى ساحة الرّحمة الإلهيّة.
نعم فإنّ ذكر الله تعالى ، من أكبر العبادات وأفضل الحسنات ، في عمليّة التّصدي للتحديات النّفسية الصّعبة ، وتحقيق الصّيانة من الوساوس الشّيطانية.
ذكرُ الله ، يخرق حُجب الأنانيّة والغرور والنّوازع النّفسانية ، التي تُعدّ من أَقوى العوامل ، لِهَدم سعادة الإنسان ، ويمنح الإنسان وعياً في أجواء السّلوك إلى الله تعالى ، من الأخطار التي
تهدّد سعادته ، ويرسم له معالم مسيرته في حركة الحياة والواقع.
ذكر الله تعالى : هو المطر الذي ينزل على أرض القَلب ، لِيسقي بذور التّقوى والفضيلة ، ويعمل على تقويتها وتنميتها. والحقيقة أنّ المحاولة للإحاطة بعظمة هذه العبادة ، وإحصاء معطيّاتها على مستوى تهذيب النّفس ، لا تفي بالغرض ، ولا تحيط بأهميتها في خطّ السّلوك المعنوي للإنسان.
بعد هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم ، لنستوحي من آياته ، أهميّة ذكر الله تعالى :
١ ـ ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» ) (١) .
٢ ـ ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) (٢) .
٣ ـ ( إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) (٣)
٤ ـ ( اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي ) (٤) .
٥ ـ ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ) (٥) .
٦ ـ ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» ) (٦) .
٧ ـ ( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ) (٧) .
٨ ـ ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً* هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ) (٨) .
__________________
١ ـ سورة الرّعد ، الآية ٢٨.
٢ ـ سورة العنكبوت ، الآية ٤٥.
٣ ـ سورة طه الآية ١٤.
٤ ـ سورة طه ، الآية ٤٢.
٥ ـ سورة طه ، الآية ١٢٤.
٦ ـ سورة الكهف ، الآية ٢٨.
٧ ـ سورة النّجم ، الآية ٢٩.
٨ ـ سورة الأحزاب ، الآية ٤١ إلى ٤٣.
٩ ـ ( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ) (١) .
١٠ ـ ( رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ) (٢) .
تفسير وإستنتاج :
«الآية الاولى» : تطرّقت للحديث عن دور ذكر الله تعالى ، في خلق حالة الطّمأنينة في القلوب ؛ لِتتولّى إنقاذ الإنسان من حالات الزلّل والتّوتر ، وتوجهه فيها إلى تحقيق الفضائل الأخلاقية في واقع النّفس ، فيقول تعالى :( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ ) .
ثمّ يبيّن قاعدةً كليّةً ، تقول :( أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) .
فما يجول في خاطر الإنسان وخُلدِه ، من الحُزن من المستقبل والتّفكير بالرّزق ، والموت والحياة والمرض وما شابهها من امور الدنيا ، كلّها تدفع الإنسان للتّفكير الجاد في مصيره ، وتسلب منه الرّاحة النّفسية ، وتَورثه القلق الحقيقي نحو المستقبل المجهول.
وكذلك عناصر : البخل والطّمع ، والحرص ، هي أيضاً من الامور التي تزرع القلق والتّوتر في نفس الإنسان ، ولكن عند ما يتجسّد ذِكر الله الكريم ، الغني القوي ، الرّحمن الرّحيم ، الرزّاق في وعي الإنسان ، ويعيش الإيمان بأنّ الله تعالى ، هو الواهب والمانع الحقيقي ، فعند ما تَتَجسّد هذه المعاني والمفاهيم ، وتتفاعل مع بعضها في واقع الإنسان في حركة الحياة ، فسوف يعيش الإطمئنان ، والسّكينة أمام تحدّيات الواقع ، فكلّ شيءٍ يراه مسيّراً لقدرة الله تعالى وإرادته المطلقة ، وما شاء كانَ وما لَمْ يَشأ لم يكن.
وبهذا سيطمئن الإنسان ، ويسلّم أمره إلى بارئِه ، وستزرع في نفسه حالة التّقوى وحبّ الفضائل ، وهو ما نَقرأه في الآية الشّريفة :
( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (٣) .
__________________
١ ـ سورة المائدة ، الآية ٩١.
٢ ـ سورة النّور ، الآية ٣٧.
٣ ـ سورة الفجر ، الآية ٢٧ إلى ٣٠.
وتحركت«الآية الثّانية» ، بعد ذكرها لمعطيات الصّلاة ، على مستوى النّهي عن الفحشاء والمُنكر :( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) ، إلى تقرير هذه الحقيقة وهي :( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) .
نعم ، فإنّ ذكر الله هو روح الصّلاة ، والرّوح أشرف شيءٍ في عالم الوجود ، فإذا ما منَعت الصّلاة عن الفحشاء والمُنكر ، فإنّما ذلك بسبب تضمّنها لذكر الله ، لأنّ ذكر الله هو الذي يذكّر الإنسان بالنّعم ، التي غرق بها الإنسان في واقع الحياة ، وتذكّر نِعم الله ، بِدوره يمنع الإنسان من العصيان والطّغيان ، وسيخجل من إرتكاب الذّنوب ، هذا من جهةٍ.
ومن جهةٍ اخرى ، سيدعو الإنسان للتّفكير بيوم القيامة ، الذي لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون ، ويوم تنشر الصّحف وتَتطاير الكُتب ، ويعيش المُسيئون الفضيحة والعار ، في إنتظار ملائكة العذاب التي تأخذهم إلى الجحيم ، ويكتب الفوز والنّصر للمحسنين ، وسيكون في إستقبالهم ملائكة الرّحمة الذين يقولون لهم ، ادخلوها بسلامٍ آمِنين ، فذِكر هذه الامور ، وتجَسيدها في وعي الإنسان ، سيدفع إلى التّوجه نحو الفضائل ، ويمنعه من مُمارسة الرّذيلة والإثم.
وقال بعض المفسّرين ، إنّ جُملة :( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) ، إشارةً إلى أنّ ذِكر الله تعالى ، هو أسمى وأرقى العبادات ، في مسيرة الإنسان المعنويّة.
ويوجد إحتمالٌ آخرٌ ، وهو أنّ المقصود من :( وَلَذِكْرُ اللهِ ) ، هو ذِكر الله لِعبده ، (وذلك في مقابل ذكر العبد لله تعالى)(١) .
حيث يصعد ذكر الله تعالى به ، إلى أسمى وأعلى درجات العبوديّة ، في آفاقها الواسعة ، ولا شيء أفضل من هذه الحالة المعنويّة للإنسان ، ولكنّ الإحتمال الأوّل ، يتناسب مع معنى الآية أكثر.
«الآية الثّالثة» : ذكرت أوّل كلامٍ لله تعالى ، مع نبيّه موسىعليهالسلام ، في وادي الطّور الأيمَنِ ، في البُقعة المباركة عند الشّجرة ، فسمع موسىعليهالسلام النداء قائلاً :( إِنَّني أَنَا اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاٌعْبُدْني
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء ، ج ٢ ، ص ٢٦٦.
وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) .
والحقيقة أنّ الآية ذكرت ، أنّ الهدف والفلسفة الأصليّة للصّلاة ، هي ذكر الله تعالى ، وما ذلك إلّا لأهميّة الذّكر ، في حركة الإنسان المنفتحة على الله تعالى ، وخُصوصاً أنّها ذكرت مسألة الصّلاة ، وذكر الله بعد بحث التّوحيد مباشرةً.
«الآية الرابعة» خاطبت الأخوين موسى وهارونعليهماالسلام ، من موقع نَصبهما لِمقُام النّبوة والسّفارة الإلهيّة ، وأمرتهما بمحاربة قوى الإنحراف والزّيغ ، والتّصدي لفرعون وأعوانه :( اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي ) .
فالأمر بذكر الله تعالى وعدم التّواني فيه ، لِلوقوف بوجه طاغية : مثلَ فِرعون ، هو أمرٌ يحكي عن دور الذّكر وأبعاده الوسيعة ، وأهميّته الكبيرة في عمليّة السّلوك إلى الله تعالى ، فذِكر الله يمنح الإنسان عناصر القّوة والشّجاعة ، في عمليّة مواجهة التّحديات الصّعبة ، لِلواقع المُنحرف.
وَوَرد في تفسير : «في ظِلال القرآن» ، في مَعرض تفسيره لهذه الآية ، قوله : (إنّ الله تعالى أمر موسى وهارونعليهماالسلام ، أن اذكروني ، فإنّ ذِكري ، هو سِلاحكم ووسيلتكم لِلنجاة»(١) .
وبعض المفسّرين فسّروا كلمة «الذّكر» ، الواردة في الآية ، بإبلاغ الرّسالة ، وقال البعض الآخر ، أنّها مطلق الأمر بالذّكر ، وقال آخرون : إنّها ذِكر الله تعالى خاصّةً ، والحقيقة أنّه لا فرق بين التّفسيرات الثّلاثة ، ويمكن أن تجتمع كلّها في مفهوم الآية.
ومن المعلوم أنّ الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، ولِاجل أن يستمر في إبلاغ الرّسالة ، والتّحرك في خطّ الطّاعة والتّصدي لقوى الباطل والإنحراف ، عليه أن يستمد القوّة والقدرة من ذكر الله تعالى ، والتّوجه إليه في واقع النّفس والقلب.
__________________
١ ـ في ظِلال القرآن ، ج ٥ ، ص ٤٧٤.
وتناولت«الآية الخامسة» ، إفرازات ونتائج ، الإعراض عن ذكر الله تعالى في حركة الإنسان ، قال تعالى :( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) .
فعذابهم بالدّنيا أنّهم يعيشون ضنك العيش ، وفي الآخرة العمى ، وفَقد البَصر!.
فضنك العيش ، ربّما يكون بتضييق الرّزق على من يعيش الغفلة عن ذكر الله تعالى ، أو ربّما بإلقاء الحرص على قلب الغني ، فيتحرك في تعامله مع الآخرين ، من مَوقع الطّمع والبُخل ، فلا يكاد يُنفق درهماً في سبيل الله ، ولا يعين فقيراً ولو بشقّ تَمرةٍ ، فيكون مِصداق حديث أمير المؤمنينعليهالسلام ، حيث يقول :«يَعِيشُ فِي الدُّنيا عَيْشَ الفُقَراءَ وَيُحاسَبُ فِي الآخِرَةِ حِسابَ الأَغِنياء» (١) .
ففي الحقيقة أنّ أغلب الأغنياء وبسبب حرصهم الشّديد على النّفع المادي ، يعيشون في حالة قلقٍ دائمةٍ ، ولا ينتفعون من أموالهم بالقدر الكافي ، وتكون عليهم حسرات في الدّنيا والآخرة.
ولكن لماذا يُحشر أعمى؟
وَلَربّما لِتشابُه الأحداث هناك ، مع الأحداث في الدنيا ، فالغافل عن ذكر الله تعالى في الدنيا ، ولإعراضه عن الحقيقة وآيات الله تعالى ، وتَجاهله لدواعي الحقّ والخير في باطنه ، فإنّه لا يرى الحقّ بعين البصيرة ، في حركة الحياة والواقع ، ولذلك سوف يُحشر أعمى في عَرصات القِيامة.
كيف يكون ذِكر الله؟
فسّرت الكثير من الرّوايات الإسلاميّة ، ذِكر الباري تعالى : «بالحج» ، وَوَرد في البعض الآخر ، أنّ الذّكر هنا : بمعنى الولاية لأمير المؤمنينعليهالسلام .
والحق أنّ الإثنين هما مِصداقان من مَصاديق ذكر الله تعالى ، فالحجّ هو مجموعةٌ من
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٩ ، ص ١١٩.
الأعمال والسّلوكيات ، تذكّر بالله تعالى ، وكذلك عليعليهالسلام ، فذِكره والنّظر إليه عبادةٌ ، تُعمّق في الإنسان روح الإيمان ، وتُذكّره بالله تعالى.
«الآية السّادسة» : خاطبت الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، من موقع النّهي عن طاعة الأشخاص الذين يعيشون في غفلةٍ ، وحثّته على معاشرة الّذين يذكرون ربّهم ، صباحاً وبِالغَداة والعَشِي ، ولا يريدون إلّا الله تعالى ، فقال تعالى :
( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) .
ومن المعلوم أنّ الله سبحانه وتعالى ، ما كان ليعذّب أحداً بالغفلة عن ذكره ، بل لأنّ مثل هؤلاء الأشخاص ، ينطلقون في تعاملهم مع الحقّ ، من موقع العناد والّتمرد والتّكَبّر والتعصّب لِلباطل.
وبناءاً عليه ، فإنّ القصد من الإغفال هو سلب نعمة الذّكر منه ، لِيلاقي جزاءه في الدّنيا قبل الآخرة ، ولهذا ، فإنّ ذلك لا يستلزم الجَبر.
ولا نرى أحداً من هذه الجماعة ، إلّا مُتّبعاً لِهواه ، مُتّخذاً سبيل الإفراط والتَّفريط في كلّ فعاله ، لذلك تعقّب الآية قائلةً :( وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) .
ويُستفاد من هذه الآية ، أنّ الغفلة عن ذِكر الله تعالى ، تؤثّر سلباً في أخلاق وروح الإنسان ، وتُؤدّي به إلى وادي الأهواء ، وتجرّه إلى منحدرِ الأنانية.
نعم ، فإنّ روح وقلبَ الإنسان ، لا يسع إثنان ، فإمّا «الله تعالى» ، وإمّا «هوى النّفس» ، ولا يمكن الجمع بينهما.
فالهَوى هو مصدر الغَفلة عن الله تعالى ، وخلقه ، وسَحق جميع القِيم والاصول الأخلاقية ، وبالتّالي فإنّ هَوى النّفس ، يغرق الإنسان في عُتمة ذاته الضّيقة ، ويُعمي بصره عن كلِّ شيءٍ يدور حوله في واقع الحياة ، والإنسان الذي يتحرّك من موقع الهَوى ، لا يرى إلّا إشباع شَهواته ،
ولا مفهوم عنده لمفاهيم أخلاقيّة ، مِثلَ : صلة الرحم وَالمُروّة والإيثار.
«الآية السابعة» : خاطبت الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله أيضاً ، من موقع التّحذير ، عن مُخالطة المُعْرِض عن ذِكر الله تعالى ، فقالت :( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ) .
في تفسير«ذِكر الله» ، قال البعض : أنّ المراد منها في هذه الآية ، هو القرآن الكريم ، وإعتبرها البعض الآخر ، إشارةً لِلأدلّة العقليّة والمنطقيّة ، وقال آخرون ، أنّها الإيمان ، والظّاهر أنّ ذكر الله تعالى ، له مفهومٌ واسعٌ يشمل كلّ ما ذُكر آنفاً.
وذَكر آخرون ، أنّ هذه الآية تدعو لترك جهاد هؤلاء ، ولهذا السّبب ، نُسخت بآيات الجهاد التي نزلت بعدها ، والحقّ أنّه لا نَسخ في البَيّن ، وكلّ ما في الأمرِ ، أنّها تمنع من مُجالسة الغافلين عن ذِكر الله تعالى ، ولا مُنافاة بينها وبين مسألة الجهاد بشرائطها الخاصة.
وأخيراً تبيّن هذه الآية ، العلاقة والرّابطة الوثيقة بين : «حبّ الدنيا» و «الغفلة عن ذِكر الله» ، فكَما أنّ ذِكر الله تعالى له خصائصه ، ومعطياته الإيجابية على الإنسان ، على مستوى تَقوية عناصر الفضيلة وترشيد القيم الأخلاقيّة ، فكذلك الغفلة لها آثارها ، ونتائجها السلبيّة على روح الإنسان ، على مستوى تقوية عناصر الشّر والرذيلة فيها.
«الآية الثّامنة» : خاطبت جميع المؤمنين ، ودعتهم إلى ذِكر الله تعالى ، والخروج من دائرة الظّلمات إلى دائرة النّور ، فتقول :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً* هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ) ».
والجدير بالذّكر في هذا الأمر ، أنّ الآية الكريمة ، بعد الأمر بالذّكر الكثير ، والتّسبيح له بكرةً وأصيلاً ، تخبرنا عن أنّ الله تعالى ، سيصلّي هو وملائكته علينا ، ويخرجنا من الظّلمات إلى النّور ، ألَيسَ ذلك هو هدفنا في حركة الحياة ، أَلَيس ذلك هو مُبتغانا من الإلتزام في خطّ الرّسالة ، وكلّ ما نريده هو ، أنّ الذّكر وصلاة الربّ والملائكة علينا ، سيزرع فينا روح التّوفيق
لِلطاعة والسّير في طريق الخَير ، ويقلع من واقعنا بذور الشرّ ، وجذور الفساد ، ولتحل محلّها عناصر الفَضيلة والنّسك والأخلاق الحميدة؟!.
وقد وَرد في تفسير الميزان ، أنّ ذيل الآية الكريمة ، هو بِمنزلة التبيّن لعلّة الأمر ،ب : «الذّكر الكثير» ، وهو يؤيّد ما أشرنا إليه آنفاً(١) .
وقد وَردت تفاسيرٌ مختلفةٌ ، وآراءٌ مُتغايرةٌ لعبارة :«الذّكر الكثير» ، فقال بعضهم ، أن لا يُنسى الله تعالى في كلّ وقتٍ ومكانٍ.
وقال بعضٌ آخرٌ أنّه الذّكر والتّسبيح ، بأسماء وصفات الله الحُسنى.
وذكرت روايات اخرى ، أن المقصود به ، هو التّسبيحات الأربعة ، أو تسبيح الزّهراءعليهاالسلام .
وقال إبن عباس : كلّ أوامر الله تعالى تنتهي إلى غايةٍ ما ، إلّا الذّكر فلا حدّ له أبداً ، ولا عُذر لتاركه أبداً.
وعلى كلّ حالٍ ، فإنّ«الذّكر الكثير» ، له مفهومٌ واسعٌ ، ويمكن أن يجمع بين طيّاته كلّ ما ذكر آنفاً.
أمّا ما ذكر من ، «الظّلمات» و «النّور» في هذه الآية ، فما المقصود منه؟.
إختلفوا في تفسيرها أيضاً ، فقال البعض أنّها الخُروج من ظلمات الكفر إلى الإيمان ، وقال الآخرون ، أنّها الخروج من ظلمات عالم المادة ، إلى نور الأجواء المعنويّة والرّوحانية ، وقال بعضٌ آخر ، إنّها الخروج من ظلمات المعصية إلى نور الطّاعة ، ولا تَنافي في البَين هنا.
إضافةً إلى أنّها ، تشمل الخروج من ظلمات الرّذائل الأخلاقيّة إلى نور فضائلها ، وهي أهمّ معطيات ذِكر الله جلّ شَأنه.
«الآية التّاسعة» : حذّرت المؤمنين من نتائج مُعاقرة الخَمرة والقِمار ، فقال تعالى :( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ) .
فذكرت هذه الآية ، ثلاثة مفاسد لِشرب الخمر والمقامرة :
إيقاع العداوة بين النّاس ، والردع والصدّ عن ذكر الله ، وعن الصّلاة ، ويستفاد من ذلك أنّ
__________________
١ ـ تفسير الميزان ، ج ١٦ ، ص ٣٢٩ ، ذيل الآية المبحوثة.
ذكر الله ، كالصّلاة والمحبّة بين النّاس ، أمرٌ ضروري وحياتي للإنسان في واقعه النّفسي ، والحِرمان منه ، يعتبر خَسارةً كُبرى لا تُعوّض.
بالإضافة إلى أنّه يستفاد من جوِّ الآية ، وجود علاقةٍ بين : «الغفلة عن ذِكر الله ، والصّلاة» ، و «ظهور العداوة والشّحناء والمفاسد الأخلاقيّة الاخرى» ، وهذا هو بيت القصيد ، وما نُريد التّوصل إليه.
وفي«الآية العاشرة» : والأخيرة ، أشارةٌ إلى رجالٍ ، أحاطهم الله تعالى بأنوارِ قُدسه ، في بيوتٍ ليس فيها إلّا ذِكرُه وتَسبيحُه والتّقديسُ له ، وهي الآية : (٣٦ و ٣٧) من سورة النّور ، فقالت :( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ، * رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ ) .
وبناءً عليه ، فإنّ أوّل خُصوصيات الرّجال الإلهيين : هو المُداومة على ذِكر الله في أي وقتٍ وفي كلّ مكانٍ ، حيث لا تغرّهم الدّنيا ، بغرورها وزخارفها وملاهيها الجميلة الخدّاعة ، وهو أسمى إفتخار يعيشونه في واقعهم.
ثم تذكر الآية ، خصوصيّات اخرى ، لهؤلاء المؤمنين في دائرة السّلوك الدّيني ، من قبيل إقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة.
النّتيجة :
نستنتج ممّا ذُكر آنفاً من الآيات الكريمة ، والآيات الاخرى التي لم نذكرها تجنّباً لِلأطالة ، أن ذكر الله تعالى يورث الإنسان إطمئنان القَلب ، ويَنهى عن الفحشاء والمنكر ، ويزّود النّفس بالقُدرة والقُوّة الّلازمة ، في مقابل التّحديات الصّعبة لِلعدو الدّاخلي والخارجي ، ويميت الرّذائل الأخلاقيّة في قلب الإنسان ، كالحِرص والبُخل وحبّ الدنيا ، الذي هو رأس كلّ خطيئةٍ.
فلا ينبغي للسّائر في خطّ التّقوى والإيمان ، أن يغفل عن هذا السّلاح الفعّال ، فهو الدّرع
الحصين لكلّ من يريد أن يتحرّك ، على مستوى تهذيب النّفس وتربية عناصر الفضيلة فيها ، وهو السدّ المنيع للمؤمنين ، مقابل قوى الشّر والانحراف ، وسلاحهم الذي يمدّهم بالقوّة والعزيمة ، في مقابل الأعداء ، والأخطار التي تحدق بهم في هذه الدنيا ، المليئة بالوُحوش الضّارية الكاسرة ، التي لا تعرف الرّحمة والشّفقة ، وليكن ذِكرُهم للهِ كَذِكرهم لأنفسهم ، بل أشدّ وأقوى.
علاقة ذِكر الله ، بِتهذيب النّفوس في الأحاديث الإسلاميّة :
إنّ إستعراض الكلام ، عن أهميّة ذِكر الله في الأحاديث الإسلاميّة ، لا يتّسع له هذا الُمختصر ، وما نَبتغيه في هذا المجال ، هو أنّ ذكرَ الله ، يعدّ من العوامِلَ المهمّة في تهذيب النّفوس وتشذيب الأخلاق وبناء الرّوح ، وقد أغنتنا الرّوايات في هذا المجال ، وما وَرد عن المعصومين الأربعة عشر ، إلى ما شاء الله ، ولكنّنا نختار منها ما يلي :
١ ـ نقرأ في حديثٍ عن الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، أنّه قال :«مَن عَمَّرَ قَلْبَهُ بِدَوامِ الذِّكرِ حَسُنَتْ أَفْعالُهُ في السِّرِّ وَالجَهْرِ» (١) .
فقد بيّن الحديث الشّريف ، هذه العلاقة والرّابطة بوضوحٍ تامٍّ.
٢ ـ نقرأ في حديثٍ آخر عن الإمامعليهالسلام نفسه ، حيث قال :«مُداومَةُ الذِّكرِ قُوتُ الأَرواحِ وَمِفْتاحُ الصَّلاحِ» (٢) .
٣ ـ وعنهعليهالسلام أيضاً ، قال :«أصلُ صلاحِ القَلبِ إِشتِغالُهُ بِذِكْرِ اللهِ» (٣) .
٤ ـ وأيضاً في حديث آخر عنهعليهالسلام ، قال :«ذِكرُ الله دَواءُ أَعلالِ النُّفُوسِ» (٤) .
٥ ـ وعنهعليهالسلام ، قال :«ذِكرُ اللهِ رَأسُ مالِ مُؤمِنٍ ، وَرِبْحُهُ السَّلامَةُ مِنَ الشَّيطانِ» (٥) .
__________________
١ ـ تصنيف دُرر الحِكم ، ص ١٨٩ ، الرقم ٣٦٥٨.
٢ ـ المصدر السّابق ، الرقم ٣٦٦١.
٣ ـ المصدر السّابق ، ص ١١٨ ، الرقم ٣٦٠٨.
٤ ـ المصدر السّابق ، ص ١٨٨ ، الرقم ٣٦١٩.
٥ ـ المصدر السّابق ، الرقم ٣٦٢١.
٦ ـ وأيضاً عن هذا الإمام الهمامعليهالسلام ، أنّه قال :«الذِّكْرُ جَلاءُ البَصائِرِ وَنُورُ السَّرائِرِ» (١) .
٧ ـ وأيضاً عن إمام المتقينعليهالسلام ، قال :«مَنْ ذَكَرَ اللهَ سُبحانَهُ أَحيَى قَلبَهُ وَنَوَّرَ عَقْلَهُ وَلُبَّهُ» (٢)
٨ ـ وأيضاً عن الإمام نفسهعليهالسلام ، أنّه قال :«إسْتَديمُوا الذِّكْرَ فَإنَّهُ يُنِيرُ القَلبَ وَهُوَ أَفْضَلُ العِبادَةِ» (٣)
٩ ـ وَرد في «ميزان الحكمة» ، عن الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، أنّه قال :«اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً خالِصاً ، تَحْيُوا بِهِ أَفْضَلَ الحَياةِ وَتَسْلُكُوا بِهِ طُرُقَ النَّجاةِ» (٤) .
١٠ ـ وَوَرد عن الإمام عليعليهالسلام في نهج البلاغة ، في وصيّته المعروفة لإبنه الإمام الحسنعليهالسلام ، أنّه قال :«اوصِيكَ بِتَقوَى اللهِ يا بُنَيَّ! وَلُزُومِ أَمْرِهِ وَعِمارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ» (٥) .
١١ ـ وَرد في غُرر الحِكم ، عن مولى الموحدين أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، قال :«ذِكْرُ اللهِ مَطْرَدَةُ لِلشَّيطانِ».
١٢ ـ وَلِحُسن الخِتام ، نَختم هذا البحث ، بحديثٍ عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وإن كانت هناك رواياتٌ وافرةٌ لا يسعها هذا المختصر ، قال :«ذِكْرُ اللهِ شِفاءُ القُلُوبِ» (٦) .
ونَستلهم ممّا ذُكر آنفاً ، أنّ ذِكر الله تعالى ، له علاقةٌ وثيقةٌ وقريبةٌ جدّاً بتهذيب النّفوس ، فهوُ ينَوّر القلب ، ويجلو الرّوح من عناصر الكِبَر والغُرور والبخل والحَسد ، والأهمّ من ذلك أنّه يطرد الشّيطان الرجيم ، من واقع الإنسان الدّاخلي ، وَيُعيد لِلنفس ثِقتها.
وعلى حدِّ تعبير بعض العلماء الأكارم ، أنّ القلب لا يَخلو من أمرين ، لا يجتمعان في مكانٍ واحدٍ ، فإمّا أن يتّجه لِذكر الله سُبحانه وتعالى ويغذيه بنوره ويطرد منه الظّلمات والشّيطان ، وإمّا أن يكون مَرتعاً ومَلعباً لِلشَيطان الرّجيم ووساوسه ، يوجهه حيث يشاء.
ومن جهةٍ اخرى ، فإنّ الذّات المقدسة هي مصدر لكلِّ الكمالات ، وذكر الله تعالى يُؤدّي
__________________
١ ـ تصنيف دُرر الحِكم ، ص ١٨٩ ، الرقم ٣٦٣١.
٢ ـ المصدر السّابق ، لرقم ٣٦٤٥.
٣ ـ المصدر السّابق ، الرقم ٣٦٥٤.
٤ ـ ميزان الحكمة ، ج ٢ ، ص ٦٩ الطبعة الجديدة.
٥ ـ نهج البلاغة ، الكتاب ٣١.
٦ ـ كنز العمّال ، ح ١٧٥١.
إلى أنّ الإنسان يقترب من ذلك المصدر في كلّ يومٍ ، وبالتّالي يتحرك في طريق الإبتعاد عن الرّذائل الأخلاقيّة والأهواء النّفسانية ، التي تنبع من النّقص المعنوي في واقع النّفس.
وبناءً على ذلك يجب الإستعانة بهذا السّلاح الماضي ، والنّور المخترق لِلظلمات ، لِلعبور من متاهات هذا الطّريق الموحش المُظلم ، المحفوف بالأخطار الجسيمة ، إلى جادّة السّلام ، والكمال الإلهي في عالم النّفس ، ممّا يورث إستقرارها وإتّصالها ببارئها.
ونُكمِّل بحثنا بثلاثِ نقاطٍ ، وملاحظاتٍ ، لا تخلو من فائدة :
١ ـ ما هي حقيقة الذِّكر
يقول «الرّاغب» في كتاب «المُفردات» : إنّ الذِّكر له مَعنيان ، فمرّةً حضور الشّيء في الذّهن ، ومرّةً بمعنى حفظِ المَعارف والإعتقادات الحقّة في باطن الرّوح.
وقال الأعاظم من علماء الأخلاق : إنّ «ذكرَ الله تعالى» ، ليس هو لِقَلقَةِ لِسانٍ ، أو مجرّد التّسبيح والتّحميد والتّهليل والتّكبير ، في دائرة الألفاظ والكلمات ، بل هو التّوجه الحقيقي للهِ تعالى ، والإذعان لِقُدرته والإحساس بوجوده أينَما كُنّا.
ولا شكّ أنّ مِثلَ هذا الذّكر هو المطلوب ، وهو الغاية القصوى والدّافع للإتجاه نحو الحسنات ، والإعراض عن السّيئات والقَبائح.
ولذلك نقرأ عن الرّسول الكريمصلىاللهعليهوآله في حديثٍ في هذا المضمار :
«وَلَيْسَ هُوَ سُبحانَ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ وَلا إِلهَ إِلّا اللهِ وَاللهُ أَكْبرُ ، وَلَكِنْ إِذا وَرَدَ عَلى ما يَحْرُمُ عَلَيهِ ، خافَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُ وَتَرَكَهُ» (١) .
ونقل ما يقرب لهذا المعنى في حديث عن الإمامين : الصّادق والباقرعليهماالسلام (٢) .
ونقل حديث آخر عن عليعليهالسلام ، أنّه قال :«الذِّكْرُ ذِكْرانِ : ذِكْرٌ عِنْدَ المُصِيبَةِ ، حَسَنْ جَمِيلٌ وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ ذِكْرُ اللهِ عِنْدَ ما حَرَّمَ اللهُ عَلَيكَ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حاجِزاً» (٣) .
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٩٠ ، ص ١٥١ ، ح ٤.
٢ ـ المصدر السّابق ، ح ٥ و ٦.
٣ ـ المصدر السّابق ، ج ٧٥ ، ص ٥٥.
ونستنتج من ذلك ، أنّ الذّكر الحقيقي ، هو الذّكر الذي يترك أثره الإيجابي في أعماق روح الإنسان ، ويفعّل إتجاهاته الفكريّة والعمليّة في خطّ التّقوى والإلتزام الدّيني ، ويربّي في النّفس والرّوح ، عناصر الخير والصّلاح ، ويدعو الإنسان إلى الله العزيز الحكيم.
ومن يذكر الله تعالى على مستوى اللّسان ، ويتبع الشّيطان على مستوى المُمارسة والعمل ، فهو ليس بِذاكِرٍ حقيقي ، ولا يذكر الله من موقع الإخلاص ، بل هو كما قال الإمام علي بن موسى الرّضاعليهالسلام :«مَنْ الذِّكْرِ ولَمْ يَسْتَبِقْ إِلى لِقائِهِ فَقَدْ إسْتَهزَءَ بِنَفْسِهِ» (١) .
٢ ـ مراتب الذّكر
ذكر علماء الأخلاق ، أن ذّكر الله تعالى ، على مراتب ومراحل :
المرحلة الاولى : الذِّكر اللّفظي ، حيث يجري فيها الإنسان أسماء الله الحُسنى ، وصفات جَماله وجَلاله ، على لسانه ، من دون التّوجه إلى معانيها ومُحتواها ، كما يفعل كثيرٌ من المصلّين السّاهين في صلاتهم ، وهو نوع من الذّكر ، وله تأثيره المحدود على آفاق النّفس والفِكر! ولكن لماذا؟.
لأنّه أولاً : يعتبر مقدمةً لِلمراحل التّالية.
وثانياً : أنّه لا يخلو من التّوجه الإجمالي نحو الله تعالى ، لأنّ المصلي وعلى أيّةِ حالٍ ، يعلم أنّه يصلّي وهو واقفٌ بين يَدَيِّ الله تعالى ، ولكنّه لا يتوجه لما يقول بصورةٍ تَفصيليَّةٍ ، ولكن مع ذلك فهذا النّوع من الذّكر ، لا يؤثّر في حياة الإنسان ، على مستوى تهذيب النّفس وتربية الأخلاق.
المرحلة الثانية : الذّكر المعنوي ، وهو أن يلتفت الإنسان لمعاني الأذكار التي تجري على لسانه ، ومن البديهي أنّ التّوجه لمعاني الأذكار ، وخصوصيّة كلّ واحدةٍ منها ، سيعمّق الإمتداد المعنوي لمضامين الذّكر في واقع الإنسان ، وبالإستمرار والمداومة سيحسّ الذّاكر ، بمعطيات هذا الذّكر في نفسه وروحِهِ.
المرحلة الثّالثة : الذّكر القلبي ، وقالوا في تفسيره ، إنّه الإحساس الوجداني بحضور الله
__________________
١ ـ بحارالأنوار ، ج ٧٥ ، ص ٣٥٦ ، ح ١١.
تعالى ، في أجواء القلب ، ثم جريان ذكر الله على اللّسان ، فعند ما يرى عجائب خلقته ، ودقائق صنعته ، من أرضٍ وسماءٍ ومخلوقاتٍ ، وما بثّ فيها من دابّةٍ ، سيقول :«العَظَمَةُ للهِ الوَاحِدِ القهَّارِ».
فهذا الذّكر نابعٌ من القلب ، وينبىءُ عن حالةٍ باطنيّةٍ في داخل الإنسان.
ومرّةَ يشهد الإنسان في نفسه ، نوعاً من الحُضور المعنوي لله تعالى ، من دون واسطةٍ ، فيترنّم بأذكارٍ ، مثل«يا سُبُّوحُ وَيا قُدُّسُ» أو«سُبحانَكَ لا إِلَهَ إِلّا أَنْتَ».
وهذا الأذكار القلبيّة ، لها دورها الفاعل في تهذيب النّفوس وتربية الفضائل الأخلاقيّة ، كما عاشت الملائكة هذا النوع من الذّكر ، عند ما شاهدوا آدمعليهالسلام ، وسِعة علمه وإطلّاعه على الأسماء الإلهيّة ، فقالوا :( سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) (١) .
وأشار القرآن الكريم ، إلى مراحلٍ من الذّكر ، فقال :( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ) (٢) .
وفي مكانٍ آخر ، يقول :( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ) (٣) .
ففي الآية الاولى ، نجد تقريراً على مستوى التّوجه لِلذكر اللّفظي العميق ، ثم التّبتل والإنقطاع إلى الله تعالى ، أَيْ : التّحرك من موقع الإبتعاد عن الناس ، والإتصال بالله تعالى في خطّ العبادة والذّكر.
والآية الثّانية : تتحدث عن الذّكر القلبي ، الذي يؤدّي إلى أن يعيش الإنسان ، حالة التّضرع والخوف من الباري تعالى ، في أجواء الذكر الخفي ، فتتحرك عمليّة الذّكر بشكلٍ بطيءٍ من الباطن وتجري على اللّسان.
__________________
١ ـ سورة البقرة ، الآية ٣٢.
٢ ـ سورة المزّمل ، الآية ٨.
٣ ـ سورة الأعراف ، الآية ٢٠٥.
٣ ـ موانع الذّكر
لا توجد موانع تقف في طريق الذّكر اللّفظي ، فيمكن لِلإنسان أن يذكر أسماء وصفات الله الجماليّة والجلاليّة ، ويجريها على لِسانه في أيِّ وقتٍ شاء ، إلّا أن يكون الإنسان مُنشغلاً وغارقاً في الدّنيا ، لدرجةٍ لا يبقى وقتٌ لِلذكر اللّفظي.
أمّا الذّكر القلبي والمعنوي ، فتقف دونه موانعٌ وسدودٌ كثيرةٌ ، أهمّها ما يَكمُنْ في واقع الإنسان نفسه ، فبالرّغم من أنّ الله تبارك وتعالى ، مع الإنسان في كلِّ مكانٍ وزمانٍ ، وأقرب إلينا من كلّ شيءٍ :( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (١) .
أو كما ورد في الحديث العلوي المشهور :«ما رأَيتُ شَيئاً إلّا وَرَأيتُ اللهَ قَبلَهُ وَبَعدَهُ وَمَعَهُ».
ولكن مع ذلك ، فإنّ كثيراً من أعمال الإنسان وصفاته الشّيطانيّة ، تضع الحُجب على عينه ، فلا يُحسّ بوجود الله تعالى أبداً ، من موقع الحضور والشّهود القلبي ، وكما يقول الإمام السّجادعليهالسلام ، في دعاء أبي حمزة الثمالي :«وإنَّكَ لا تَحتَجِبُ عَنْ خَلْقِكَ إِلّا أَن تَحجُبَهُم الأَعمالُ دُونَكَ» ، وأهم تلك الحُجب ، هي «الأنانيّة» التي تذهل الإنسان عن ذكر ربه.
فالأناني لا يعيش مع الله تعالى من موقع الوُضوح في الرّؤية ، لأنّ الأنانيّة من أنواع الشّرك التي لا تتناسب مع حقيقة التّوحيد!.
ونقرأ في حديثٍ عن عليٍّعليهالسلام أنّه قال :«كُلُّ ما أَلهى مِنْ ذِكْرِ اللهِ فَهُوَ مِنْ إِبلِيسَ» (٢) .
وفي حديث آخر عن عليِّعليهالسلام أنّه قال :«كُلُّ ما أَلهى عَنْ ذِكْرِ اللهِ فَهُوَ مِنْ المَيسرِ» (٣) .
ونعلم أن المَيسر ، جُعِل في القرآن الكريم ، رديفاً لعبادة الأوثان(٤) .
ونختم هذا الكلام عن موقع الذّكر ، بحديثٍ عن الرّسول الأكرم ، وقد جاء في معرض تفسيره للآية الكريمة :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ، وَ
__________________
١ ـ سورة ق ، الآية ١٦.
٢ ـ ميزان الحكمة ، ج ٢ ، ث ٩٧٥ ، الطّبعة الجديدة مبحث الذّكر.
٣ ـ المصدر السّابق.
٤ ـ راجع الآية ٩٠ من سورة المائدة.
مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» ) (١) .
قالصلىاللهعليهوآله :«هُم عِبادٌ مِنْ امَّتي ، الصَّالِحُونَ مِنْهُم لا تُلهِيهِم تِجارَةٌ ولا بَيعْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعنِ الصَّلاةِ المَفرُوضَة الخَمْسِ» (٢) .
نعم فإنّهم في كلّ حركاتهم وسكناتهم ، يبتغون وجه الله تعالى ، ولا غير.
__________________
١ ـ سورة المنافقين ، الآية ٩.
٢ ـ ميزان الحكمة ، ج ٢ ، ص ٩٧٥ ، الطبعة الجديدة.
١٣
القُدوات في خطّ الإستقامة
إشارة :
كلّ إنسانٍ يسعى للسّير قُدُماً ، تبعاً للُاسوة التي يتأسّى بها ، ليواكب معها ويعيش في رحابها ، وفي آفاقها الواسعةٌ ولتنعكس صفاتها في نفسه وذاته.
وبعبارةٍ اخرى ، فإنّه يوجد في قلب كلّ إنسان ، مكانٌ فارغٌ لا يشغله إلّا الأبطال والقُدوات والمُثل ، ولهذا السّبب فإنّ الامم البشريّةً تفتخر بأبطالها الحقيقييّن أو تخترع لنفسها أبطالاً من افق خيالها ، بحيث تُشكل قسماً من ثقافة الامم والشّعوب ، وأنساقاً تحتيّةً تبني عليها تأريخها ، فتفتخر ببطولاتهم وتشيد بهم في معطياتهم ، وتسعى دائماً لِلاقتداء بهم في صفاتهم وبطولاتهم.
علاوةً على أنّ (المحاكاة) ، هي أصلٌ مُسَلّم به ، من الاصول النّفسية في واقع الإنسان وحركته في الحياة ، وطبقاً لهذا الأصل والأساس ، فإنّ الإنسان يسعى ليصبغ نفسه بصِبغة الآخرين ، ويحاكيهم على مستوى الممارسة والسّلوك ، (خُصوصاً) الأبطال ، وينجذب لأعمالهم وصفاتهم التي تمثل قيماً مطلقة في وعيه وثقافته.
وهذا التّأثير والتّأثر والجذب والإنجذاب ، بالنّسبة إلى الأفراد الذين يؤمنون بالقُدوة والرّمز أقوى وأَشد.
وبناء على ذلك ، نجد في الإسلام أصلين مهمّين ، في دائرة المفاهيم الدينيّة ، بإسم «التّولّي» و «التبرّي».
أو بعبارةٍ اخرى : «الحبُّ في الله» و «البغض في الله» ، وكلٌّ منهما ، يحكي لنا عن حقيقةٍ مهمّةٍ في واقع الإنسان ، وتَماشياً مع هذا الأصل المهمّ في دائرة المعتقد ، فإنّه يتوجب على الإنسان المسلم ، أن يُحبّ من يحبّه الله ، ويكره من يُبغضه الله تعالى ، وأن يتّخذ من الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، والأئمّة المعصومينعليهالسلام ، اسوةٌ له في حركته المنفتحة على الله والحقِّ.
وهذا الأمر بدرجةٍ من الأهمية ، بحيث ورد في القرآن الكريم ، أنّه من علامات الإيمان ، وفي الرّوايات الشّريفة عرّف بأنّه :«أَوثَقْ عُرى الإِيمانِ» وأنّ حركة الإنسان في خطّ الإيمان ، لا تكون مثمرةً بدون : «التّولّي» و «التّبرّي» ، ومعه سوف تقبل منه سائر العبادات والطّاعات.
وهذين الأمرين ، يعني التولّي والتبرّي ، أو الحب في الله والبُغض في الله ، هُما من أهمِّ الخُطى المؤثّرة ، على مُستوى تهذيب النّفوس والقلوب ، والسّير إلى الله تعالى في خطّ الإستقامة.
وعلى هذا الأساس ، نرى أنّ كثيراً من علماء الأخلاق ، وأرباب السّير والسّلوك ، يؤكّدون على ضرورة اتخاذ الاستاذ والمُرشد في خطّ التّربية والتّهذيب ، وسنتناوله في المستقبل إن شاء الله تعالى ، بصورةٍ وافيةٍ.
والآن نعرج على الآيات القرآنية ، لنستوحي منها ما يتعلق بمسألة التولّي والتبّري ، ودورهما في صِياغة السّلوك الدّيني للإنسان :
الآيات :
١ ـ ( قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) (١) .
٢ ـ ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَ
__________________
١ ـ سورة الممتحنة ، الآية ٤.
اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (١) .
٣ ـ ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً ) (٢) .
٤ ـ ( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (٣) .
٥ ـ ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ) (٤) .
٦ ـ ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (٥) .
٧ ـ ( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» ) (٦) .
٨ ـ ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (٧) .
تفسير وإستنتاج :
يتّضح من آيات سورة المُمتحنة ، أنّ بعض المؤمنين السّذج ، وخلافاً لأوامر الشّريعة وتعليمات الإسلام ، كانوا على علاقةٍ سريّةٍ بالأعداء.
__________________
١ ـ سورة الممتحنة ، الآية ٦.
٢ ـ سورة الأحزاب ، الآية ٢١.
٣ ـ سورة المجادلة ، الآية ٢٢.
٤ ـ سورة الممتحنة ، الآية ١٢.
٥ ـ سورة التوبة ، الآية ٧١.
٦ ـ سورة البقرة ، الآية ٢٥٧.
٧ ـ سورة التوبة ، الآية ١١٩.
وقد جاء في شأن النّزول للآيات الاولى من هذه السّورة الشّريفة ، وقبل فتحِ مكّة المشرّفة أنّه كتب أحد الأشخاص ، إسمه«حاطِب بن أبي بلتعة» ، لكفّار قريش رسالةً سلّمها بيد إمرأةٍ ، إسمها«سارة» ، حذّرهم فيها ، من أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، يعدّ العدّة لفتح مكّة ، فعليهم أنّ يستعدّوا لِلقتال ، فإنّ الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، قادم.
حدثِ هذا الأمر ، والرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، يتهيأ ويعدّ العدّة ، وهو يسعى حثيثاً لِئَلّا يصل هذا الخبر إلى المشركين ، حرصاً منه على أن لا تُراق في ذلك دماءٌ كثيرةُ ، وأن يتمّ الفتح بدون مقاومة ، فأخذت هذه المرأة الرّسالة ، وأخفتها في جَدائلها ، وتحرّكت مسرعةً نحو مكّة.
فأخبر الأمين جبرائيلعليهالسلام ، الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله بالخبر ، فأرسل على أثرها الإمام عليصلىاللهعليهوآله ، وقال لها : أخرجي ما عندك ، فأنكرت في البداية ، ولكنّها إستسلمت أخيراً تحت واقع التّهديد بالقتل ، وسلّمت الرّسالة لِعليعليهالسلام ، وهو بدوره سلّمها لِلرسول الكريمصلىاللهعليهوآله .
فأمرصلىاللهعليهوآله بإحضار حاطِب ووبّخه كثيراً ، فإعتذر حاطب عن فعلته بأعذارٍ واهيةٍ ، لكنّ الرسولصلىاللهعليهوآله قبلها صوريّاً ، فما ورد في الآيات الاولى ، من السّورة هو تحذيرٌ للمسلمين ، لإجتناب مثل هذه الأعمال ، وبيان واحدٍ من الاصول والمباديء الإسلاميّة المهمّة ، على مستوى التّبري من الأعداء وموالاة الأولياء ، أو كما قِيل :«الحُبُّ فِي اللهِ وَالبُغْضُ فِي اللهِ».
وفي بداية السّورة ، تحرّكت الآية الكريمة لتخاطب جميع المؤمنين ، من موقع التّحذير ، من إقامة العلاقة الودّية والعاطفيّة مع الأعداء ، وقالت :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ ) .
ونعلم أنّه عند ما تتقاطع أواصر «المحبّة والصّداقة» مع أواصر ««العَقائد والقِيم» ، فالنّصر سيكون حليف أواصر المحبّة والصّداقة ، على حساب إهتزاز العقيدة ، وبذلك ينحدر الإنسان في خطّ البّاطل ، فما نراه من التّأكيد على :«الحُبُّ فِي اللهِ وَالبُغْضُ في اللهِ» ، أو تولّي الأولياء والتّبري من الأعداء ، نابعٌ من هذا الأساس.
ثمّ تستمر الآيات ، «وبالذّات في الآية الرابعة» ، على حثّ المسلمين على الإقتداء بإبراهيم
النبيعليهالسلام ، وأصحابه المخلصين ، وأنّهم اسوةٌ حسنةٌ للمؤمنين ، الذين يتحرّكون من موقع الرسالة :( قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) .
الاسوة «على وزن لُقمة» ، تحمل مَعْناً مصدرياً ، بمعنى التّأسي والاتّباع للآخرين ، وبمعنى آخر هو الإقتداء بالآخرين.
ومن البديهي أنّ هذا الأمر ، يمكن أن يكون على مُستوى الفضيلة أو الرّذيلة ، ولذلك فإنّ الآية الشّريفة ، عبّرت عن إبراهيمعليهالسلام بأنّه قدوةٌ حسنةٌ ، لأنّه قطع كلّ أواصر المحبة ووشائج الموّدة ، التي كانت بينه وبين قومه ، في سبيل عقيدته وتوحيده لله تعالى.
يقول «الرّاغب» في «مفرداته» ، إنّ كلمة «الأسى» على وَزن (عَصا) ، وهي بمعنى الغمّ والألم ، فكلمة اسوةٌ أخذت من هذه المادة ، ويقال لِلمصاب بمصيبةٍ : «لكَ بِفلانٍ اسوةٌ».
ولكنّ بعض أرباب اللّغة ، مثل : إبن فارس في «المقاييس» ، فصّل بين المعنيين ، فقال : «أنّ الأوّل ناقصٌ (واوي) ، والثّاني ناقصٌ (يائي)» ، وعلى كلّ حالٍ فإنّ القرآن المجيد ، حثّ المسلمين على مسألة :«الحُبُّ فِي اللهِ وَالبُغْضُ فِي اللهِ» ، وجعل لهم إبراهيمعليهالسلام قدوةً ، لأنّ إختيار القدوة الصّالحة لحركة الإنسان ، في خطّ التّقوى والإيمان ، له دورٌ عميقٌ في طهارة روح الإنسان ، وأفكاره وسلوكياته.
وهذا هو ما يؤكّد عليه علماء والأخلاق ، في عمليّة السّير والسّلوك إلى الله ، فإنّ إختيار القدوة يُعدّ أهمَّ خطوةٍ لحركة الإنسان في طريق الرّقي.
«الآية الثانية» : إستمراراً لبحثنا الآنف الذّكر ، تتحدث عن إبراهيمعليهالسلام وصحبه ، فتقول :
( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) .
وفرّق هذه الآية عن الّتي قبلها ، في أمرين :
الأوّل : إنّ هذه الآية أكّدت على مسألة :«الحُبُّ في اللهِ وَالبُغْضُ في اللهِ» ، بأنّها من
علامات الإيمان بالله والمعاد.
الثاني : إنّ التّأكيد على هذا الأمر ، لا ينبع من حاجة الباري إليه ، بل هو من حاجة الإنسان إليه ، في مساره التّكاملي والمعنوي إلى الله تعالى ، ولحِفظ سَلامة المجتمع البشري في حركة الواقع والحياة.
«الآية الثّالثة» : ناظرةٌ إلى غَزوة الأحزاب ، وهي في الحقيقةِ تشيرُ إلى مُلاحظةٍ مُهمّةٍ جِدّاً ، ألا وهي : أنّ الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وبالرّغم من الأزمات النّفسية والتّحديات الصّعبة في تلك الظّروف ، وسوء ظنّ بعض المسلمين الجدد ، بالوعد الإلهي بالنّصر في ميادين الوَغى ، فإنّه بَقي صامِداً ينظّر لِلحرب ، ويستخدم أفضل التّكتيكات العسكريّة ، إنتظاراً لِلّحظة الحاسمة ، وكان ينتظر الفُرصة للإنقضاض على عدوّة ، فكان يَمزح مع أصحابه ليقوّي من معنوياتهم ، وأخذ المِعوَل بنفسه لِيحفُر الخَندق بيده ، ويُشجع أصحابه ويذكّرهم بالله تعالى وثوابه ، ويبشّرهم بالفتوحات المُقبلة العَظيمة.
وهذا الأمر تَسبّب في تماسك المسلمين ، ومقاومتهم أمامَ عدوّهم ، وجيشه الجرّار المتفوق عليهم بالعدّة والعَدَد ، بالتّالي الإنتصار عليهم ، فقال تعالى :
( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً ) .
فالرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، لا يُتأَسّى به فقط في ميادين الجِهاد الأصغر ، بل وكذلك في ميادين الجِهاد الأكبر ، ألا وهو جهاد النّفس والتّصدي لِلأهواء المُضلّة ، من موقع المحاربة ، فَمن يتّخذِه اسوةً حسنةً في هذا المضمار ، فإنّه سيصل من أقرب الطّرق وأسرعها ، إلى غايته وهدفِه المَنشود.
والجدير بالذّكر ، أنّ هذه الآية ، علاوةً على ذكرها لِمسألة الإيمان بالله واليوم الآخر :( لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ) ، أكّدت على ذِكر الله تعالى بجملة :( وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً ) . فهم يقتدون بقائدهم الربّاني ويستلهمون منه الإيمان ، وذِكر الله كثيراً حيث يحرك فيهم الذّكرُ
الكثيرِ ، عنصر الإهتمام للمسؤوليات التي القيت على عاتقهم ، وَمَنْ أَفضل من الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، لِيكون لهم اسوةً وقدوةً ، في خطّ الإلتزام الدّيني والأخلاقي والإنفتاح على الله؟
«الآية الرابعة» : نوهت إلى النّقطة المقابلة ، ألا وَهَي : البُغض في الله تعالى في خطّ الحقّ ، فتقول :( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
فهذه الآية الشريفة ، صرّحت وأرشدت ، إلى الطريق التي يجب على المؤمن سلوكها ، عند تقاطع الطّرق ، وتضارب «العلاقة الإلهيّة» مع «العلاقات الاسريّة» ، فلو أنّ الآباء والإخوة والأقرباء ، تحرّكوا في خطّ الباطل والإنحراف والكُفر ، فإنّ طريق الله هي الجادّة الحقيقيّة ، لِلإلتحاق بالرّكب الإلهي المقدس.
وما ورد في هذه الآية ، من قوله تعالى :( أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) .
ليس إلّا تأكيداً على المعنى المتقدم ، وتشجيعاً لذلك الأمرالمهم الحياتي ، أي أنّ«الحُبُّ فِي اللهِ وَالبُغْضُ فِي اللهِ» ، نابعٌ من الإيمان ، وطريق التّكامل الحقيقي في خطّ الإيمان ، السّلوك المعنوي ، وبعبارةٍ اخرى : إنّ هذين الأمرين ، يؤثّر أحدهما في الآخر بصورةٍ مُتقابلةٍ ، مع فارقٍ واحدٍ ، وهو أنّه يجب الإبتداء في عمليّة السّلوك المعنوي ، بالإيمان بالمبدأ والمعاد ، والتّكامل المعنوي يكون ، من حصّة :«الحُبُّ في اللهِ وَالبُغْضُ في اللهِ».
«الآية السّادسة» : تطرّقت لأواصر المحبّة المعنويّة بين المؤمنين ، وقالت :( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» ) .
فهذا الرّباط المعنوي ، يتّخذ من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وإقام الصّلاة وإِيتاء الزّكاة ، وطاعة الله ورسوله ، أساساً ودَعامةً في صياغة السّلوك ، حيث يعين الفرد ، على إستلهام الأخلاق الحَسنة والأعمال النّافعة ، من الآخرين ، فيكون كلّ واحدٍ منهم اسوةً للآخر ، ومن أراد الإلتحاق بهذه الجماعة ، عليه أن يكون مُشابهاً لها في دائرة الفكر والسّلوك ، دون الجماعات المنحرفة الضّالة المضلّة ، التي يجب عليه البَراءة منها والإبتعاد عنها.
وفي الحقيقة ، فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الذي يُعدّ عاملاً مُساعداً وفَعّالاً ، في عمليّة تهذيب وتربية النّفوس ، يدعوهم إلى الإلتزام بالإنضباط الدّيني والأخلاقي ، من موقع النّصيحة والتّواصي بالحقّ.
«الآية السّابعة» : فرّقت بين المؤمنين والكافرين ، على مستوى السّلوك في واقع الحياة ، فالمؤمنون يتّخذون من صفات جَماله وجَلاله ، اسوةً لهم في مسيرتهم المعنويّة والأخلاقيّة ، والكافرون اسوتهم الطّاغوت ، حيث تكون أعمالهم وصفاتهم إنعكاس لأِعمال وَصفات الطّاغوت ، فقالت :( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) .
فالخروج من الظّلمات إلى النّور ، يعتبر نتيجةً وثمرةً لِلإيمان بالله تعالى وولايته ، والخروج من النّور إلى الظّلمات ، هو من معطيات الطّاغوت وولايته.
والنّور والظّلمة هنا ، لهما مفهومٌ واسعٌ جِدّاً ، بحيث يستوعبان ، جميع الفضائل والقبائح والحسنات والسّيئات.
نَعم ، فإنّ الشّخص الذي يعيش في أجواء المَلكوت ، وفي ظلّ ولاية «الله» ، فإنّه سيبدأ رِحلته وهِجرته ، من الرّذائل إلى الفضائل ومن القبائح إلى الجَمال الرّوحي ، ومن السّيئات إلى الحسنات ، لأنّ صِفات جَماله وجَلاله ، هي اسوته الحقّة في رحلته المعنويّة.
فذاته المُقدّسة ، منزّهةٌ عن كلِّ عيبٍ ونقصٍ ، وهو الرّؤوف الرّحيم ، الجَواد الكَريم ، وهكذا يتحرّك نحو التّحلي بالفضائل الأخلاقية الاخرى ، لأنّ هدفه هو وِصال الَمحبوب والمَعبود.
والعَكس صحيحٌ ، فإنّ الحركة من الفَضائل إلى الرّذائل هي من شأن عَبدَةِ الطّاغوت والأَوثان ، التي لا تنفع في شيءٍ أبداً.
«الآية الثّامنة» : خاطبت المؤمنين من موقع النّصيحة ، بإلتزام طريق التّقوى وصحبة المؤمنين ، وقالت :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) .
في الحقيقة أنّ الجملة الثّانية ، في الآية الشّريفة :( كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ، هي إكمال لِلجملة الاولى :( اتَّقُوا اللهَ ) .
نعم ، فإنّه يتوجب على السّالك لِطريق التّقوى والزّهد والطهّارة ، أن يكون مع الصّادقين وتحت ظلّهم ، وقد وَرد في الرّوايات من الطّرفين : السنّة والشّيعة ، وفي الكُتب المُعتبرة ، أنّ المِصداق الأكمل لهذه الآية ، هو الإمام عليعليهالسلام ، أو أهلَ بيتهعليهمالسلام .
وهذه الرّوايات ، موجودةٌ في كتبٍ ، مثل :«الدّر المَنثور لِلسَيوطي» و «المَناقب لِلخَوارِزمي» و «دُرَر السّمطين لِلزرندي» و «شَواهد التّنزيل للحَسَكاني» ، وغيرها من الكُتب الاخرى(١) .
وكِذلك أوردها :«الحافظ سُليمان القُندوزي» في«يَنابيع المَودّة» ، و «العلّامة الحمويني» في«فَرائد السّمطين» ، و «الشّيخ ابو الحَسن الكازروني» في«شَرف النّبي» (٢) .
وقد وَرد في بعض الأحاديث ، وبعد نزول الآية الآنفة الذّكر ، أنّ سلمان الفارسيرحمهالله ، سأل الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، وقال له : هل أنّ هذه الآية عامّةٌ أو خاصّةٌ؟ ، فأجاب النّبي الأكرمصلىاللهعليهوآله :
«أَمّا المَأمُورُونَ فَعامَّةُ المُؤمِنِينَ وَأَمَّا الصَّادِقُونَ فَخَاصَّةُ أَخِي عَلِيٌّ وَأَوصِيائُهُ مِنْ بَعْدِهِ إِلى يَومِ القِيامَةِ» (٣) .
__________________
١ ـ لِلتفصيل يرجى الرجوع إلى كتب : «نفحات القرآن» ، ج ٩.
٢ ـ المصدر السابق.
٣ ـ ينابيع المودة ، ص ١١٥.
ومن الطّبيعي فإنّ إتّباع الإمام عليعليهالسلام وأوصياءه ، جاريةٌ ومستمرةٌ إلى يومِ القيامة ، للإهتداء بِهَديِهِم ، والإقتداء بفعالهم وأخلاقهم في حركة الحياة.
النّتيجة :
يُستفاد ممّا ذكر آنفاً ، من الآيات التي إستعرضت مسألة«التّولّي والتّبرّي» ، أنّ مسألة الوُصول إلى مرتبة القُرب من الذّات المقدّسة ، وتولّي أولياءه من عباده الصّالحين ، والتّبرّي من الظّالمين والغاوين ، وفي كلمةٍ واحدةٍ :«الحُبُّ في اللهِ وَالبُغْضُ في اللهِ» ، تعدّ من أهمِّ المسائل والمفاهيم ، في دائرة التّعليمات القُرآنية ، ولها دورها الكبير وأثرها العميق ، في مُجمل المسائل الأخلاقيّة ، في حركة الإنسان المعنويّة.
وهذا الأساس القرآني والمفهوم الإسلامي ، له دورُه المُباشر في جميع المَسائل الحياتيّة ، إن على المستوى الفَردي أو الاجتماعي ، الدنيوي أو الاخروي ، لا سِيّما في المسائل الأخلاقيّة والسّلوك الأخلاقي لِلأفراد ، في تعاملهم وتَفاعلهم مع الآخرين ، في حركة الحَياة والُمجتمع.
فهذه المفردة العقائديّة ، في دائرة المفاهيم الإسلاميّة ، بإمكانها أن تبني نفوس المؤمنين على إتّباع الصّالحين والطّاهرين ، وإتخاذهم اسوة حسنة ، خُصوصاً الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله وأهل بيتهعليهمالسلام ، في كلّ خطوةٍ يخطوها الإنسان المُؤمن في خطّ الإيمان ، وبذلك تكون من العوامل المهمّة ، للوصول إلى الهدف الحقيقي من وراء خلقة الإنسان ، ألا وَهِيَ تهذيب النّفوس وتربية الفَضائل الأخلاقية في واقع النّفس البشريّة.
التولّي والتبرّي في الرّوايات الإسلاميّة :
وَردت أحاديثٌ مستفيضةٌ في هذا الصّدد ، سواء عن طريق أهلِ السُّنة أو الشّيعة ، وطَرحت موضوع التبرّي والتولّي بقوّةٍ ، وأكّدت عليه بصورةٍ شديدةٍ ، قلّما نَجِدُ لها نظيراً ، بالنّسبة إلى المواضيع الاخرى.
ولا شَكَّ أنّ هذه الأهميّة ، نابعةٌ من المعطيات الإيجابيّة الكِثيرة ، لِمسألة التّولي لأِولياء الله ، والبراءة من أَعداءِه تعالى ، حيث توثّق عُرى الإيمان وأواصِر المحبّة والصّداقة ، مع أولياء الله تعالى ، وتُعمّق حالةَ الإبتعاد والنّفور من الظّالمين الفاسقين ، وتنعكس هذه النّتائج على إيمان الشّخص وأَخلاقه وتَقواه ، من موقع القوّة والصّفاء والإمتداد في واقع الإنسان ومحتواه الداخلي ، وتحثّ هذه الأحاديث النّاس ، على إختيار القُدوة الصّالحة في عمليّة السّير والسّلوك ، في طريق الله سبحانه وتعالى.
ونُشير هنا إلى مجموعةٍ من الأحاديث الشّريفة ، في هذا المجال ، جمعت من كُتبٍ مُختلفةٍ :
١ ـ قال عليٌّعليهالسلام في خطبته القاصعة ، وفي وصفه للرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :
«وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ مِنْ لَدُنْ أَنْ كانَ فَطِيماً أَعَظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طِرِيقَ الَمكارِمِ وَمَحاسِنَ أَخلاقِ العالَمِ ، لَيلَهُ وَنَهارَهُ وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ إِتِّباعَ الفَصِيلِ أَثَرَ امِّهِ يَرْفَعُ لي في كُلِّ يِومٍ مِنْ أَخلاقِهِ عَلَماً وَيَأَمُرُني بِالإِقتِداءِ بِهِ» (١) .
ويبيّن هذا الحديث ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نفسهُ كان له من يرشده ويهديه ، ولديه القدوة الحسنة على شكل ملكٍ من ملائكة الله العِظام.
وكذلك الإمام عليعليهالسلام ، جعل من الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله قدوةً له ، فكان يتبعه في كلّ اموره وحركاته وسكناته ، فيتعلم منه كلّ يوم أمراً جديداً ، عِلماً مفيداً ، وأخلاقاً نبيلةً.
فلّما كان كُلٌّ من الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله وعليعليهالسلام ، يحتاجان إلى القُدوة الحسنة ، في بداية المسير إلى الله ، فكيف بحال الباقين؟
٢ ـ الحديث المعروف : «بْنِيَ الإسلام ...» ، الذي وَرد من طُرق متعدّدةٍ عن المَعصومين ، ومنها ما ورد عن زُرارة عن الباقرعليهالسلام ، أنّه قال :
«بُني الإِسلامُ عِلى خَمْسَةِ : عَلَى الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ والحَجِّ وَالصِّومِ وَالولايَةِ» ، قَالَ زُرارَةُ ، فَقُلتُ : وَأَيُّ شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ؟ ، فَقالَ : الوَلايَةُ أَفْضَلُ لَانّها مِفتاحُهُنَّ وَالوالي هُوَ الدَّلِيلُ عَليهِنَّ» (٢) .
__________________
١ ـ نهج البلاغة ، الخطبة ١٩٢.
٢ ـ أصول الكافي ، ج ٢ ، ص ١٨.
ومن هذا الحديث يُستفاد ، أنّ الإقتِداء بالقُدوة الصّالحة ، يعين الإنسان على إحياء سائر البرامج ، الدينية والمسائل العباديّة الفردية والإجتماعيّة ، وهي إشادةٌ واضحةٌ بدور الولاية ، في مسألة تهذيب النّفوس وتحصيل مكارم الأخلاق.
٣ ـ عن الإمام الصّادقعليهالسلام : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأصحابه :
«أيُّ عُرَى الإِيمانِ أَوثَقُ؟ ، فَقَالُوا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، وَقَالَ بَعْضُهُم الصَّلاةِ ، وَقَالَ بَعْضُهُم الزَّكاةُ ، وَقَالَ بَعْضُهُم الصِّيامُ ، وَقَالَ بَعْضُهُم الحجُّ والعُمْرَةُ ، وَقَالَ بَعْضُهُم الجِهادُ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلىاللهعليهوآله : لَكُلِّ ما قُلْتُم فَضْلٌ وَلَيسَ بِهِ ، وَلَكِنْ أَوثَقُ عُرَى الإِيمانِ الحُبُّ فِي اللهِ وَالبُغْضُ فِي اللهِ وَتَوَلِّي أَولِياءِ اللهِ وَالتَّبَرِّي مِنْ أَعداءِ اللهِ» (١) .
وقد حرّك الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، أذهان أصحابه بهذا السّؤال. وهكذا كانت سيرة الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، عند ما كان يريد أن يطرح موضوعاً مهمّاً ، فبعض منهم أبدى جهله ، وبعض منهم قال الصّيام و... ولكن في نفس الوقت ، الذي أكّد رسول الله على أهميّة تلك الامور في الإسلام ، قال :«الحُبُّ فِي اللهِ وَالبُغْضُ فِي اللهِ».
والتّعبير بكلمة : «عُرى» جَمع «عُروة» ، هي بمثابة حلقة الوصل لِلقرب من الله تعالى ، وإشارةٌ إلى أنّ السّلوك إلى الله ، لا يتمّ إلّا من خلال التمسّك بهذه العروة ، والصّعود بواسطتها إلى مراتب سامية من الكمال المعنوي ، وليس ذلك إلّا لأنّ الحبّ في الله والإقتداء بأولياء الله ، عاملٌ مهمٌّ في تسهيل الحركة في جميع إتّجاهات الخير والصّلاح.
وبإحياء هذا الأصل ، سوف تنتعش بقيّة الاصول الدّينيّة ، ولكن مع إهماله وترك العمل به ، فإنّ سائر الاصول ستَضعف وتَموت.
٤ ـ وفي حديثٍ آخر عن الإمام الصّادقعليهالسلام ، أنّه قال لجابر الجُعفيرحمهالله :
«إِذا أَرَدتَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ فِيكَ خَيراً فَانظُرْ إِلى قَلْبِكَ فَإنْ كانَ يُحِبُّ أَهْلَ طاعَةِ اللهِ وَيُبْغِضُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ ، فَفِيكَ خَيرٌ وَاللهُ يُحِبُّكَ ، وَإِنْ كانَ يُبْغِضُ أَهْلَ طاعَةِ اللهِ وَيُحِبُّ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ ،
__________________
١ ـ أصول الكافي ، ج ٢ ، ص ١٢٥ ، ح ٦.
فَليسَ فَيكَ خَيرٌ ، وَاللهُ يُبْغِضُكَ وَالمَرءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (١) .
وَجُملة :«والمَرء معَ من أحبّ» ، هي إشارةٌ جميلةً ولطيفةً إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ هذه العِلاقة ستمتد وتستمر إلى يوم القيامة ، وهي دليلٌ واضحٌ على أهميّة مسألة «الوِلاية» ، في المباحث الأخلاقيّة.
٥ ـ في حديثٍ آخر عن الإمام الباقرعليهالسلام ، قال : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال :
«وُدُّ المُؤمِنِ لِلمُومِنِ فِي اللهِ مِنْ أَعْظَمِ شُعَبِ الإِيمانِ ، أَلا وَمَنْ أَحَبَّ فِي اللهِ وَأَبْغَضَ فِي اللهِ وَأَعطى فِي اللهِ وَمنَعَ فِي اللهِ فَهُوَ مِنْ أَصفِياءِ اللهِ» (٢) .
٦ ـ في حديثٍ آخر عن الإمام علي بن الحسينعليهالسلام ، أنّه قال :
«إِذا جَمَعَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الأَوَّلِينَ وَالآخَرِينَ ، قامَ مُنادٍ فَنادى يُسْمِعُ النّاسَ ، فَيَقُولُ : أَينَ المُتَحابُّونَ في اللهِ ، قالَ : فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنْ النّاسِ ، فَيُقالُ لَهُم إِذْهَبُوا إِلَى الجَنَّةِ بِغَيرِ حِسابٍ ، قَالَ : فَتَلَقَّاهُم المَلائِكَةُ فَيَقُولُونَ إِلى أَينَ؟ فَيَقُولُونَ إِلى الجَنَّةِ بِغَيرِ حِسابٍ! ، قَالَ : فَيَقُولُونَ فَأَيُّ ضَرْبٍ أَنْتُم مِنْ النّاسِ؟ ، فَيَقُولُونَ نَحْنُ المُتَحابُونَ فِي اللهِ ، قَالَ : فَيَقُولُونَ وَأَيُّ شَيء كانَتْ أَعمالُكُم؟ ، قَالُوا كُنّا نُحِبُّ في اللهِ وَنُبْغِضُ فِي اللهِ ، قَالَ فَيَقُولُونَ ، ( نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ) » (٣) .
وتعبير«نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ » يبيّن أنّ المحبّة لأولياء الله والبغض لأعداء الله هو أكبر مصدر للخير في واقع الإنسان والحياة والمانع عن الشر والانحراف في مسيرة التكامل الأخلاقي.
٧ ـ وَرد في حديثٍ عن الرّسول الكريمصلىاللهعليهوآله :
«إنَّ حَولَ العَرشِ مَنابِرٌ مِنْ نُورٍ ، عَلَيها قَومٌ لِباسُهُم وَوُجُوهُهُم نُورٌ ، ليسُوا بِأَنْبِياءٍ يَغْبِطَهُمُ الأَنْبِياءُ وَالشُّهَداءُ ، قالُوا يا رَسُولَ اللهِ حَلِّ لَنا ، قَالَ : هُم المُتَحابُّونَ في اللهِ وَالمُتَجالِسُونَ فِي اللهِ وَالمُتَزاوِرُونَ في اللهِ» (٤) .
__________________
١ ـ اصول الكافى ، ج ٢ ، ص ١٢٦.
٢ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٦ ، ص ٢٤٠ ، ح ١٤.
٣ ـ بحارالأنوار ، ج ٦٦ ، ص ٢٤٥ ، ح ١٩ ، اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ١٢٦.
٤ ـ بحار الأنوار ، ج ٦٦ ، ص ٣٥٢ ، ح ٣٢.
٨ ـ وإكمالاً للحديث أعلاه ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
«لَو أَنَّ عَبدَينِ تَحابا فِي اللهِ أَحَدُهُما بِالمِشْرِقِ وَالآخرُ بِالمَغْرِبِ لَجَمَعَ اللهُ بَينَهُما يَومَ القِيامَةِ وَقَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله : أَفْضَلُ الأَعْمالِ الحِبُّ في اللهِ والبُغْضُ في اللهِ» (١) .
ويبيّن هذا الحديث ، أنّ أوثق العُرى والأواصر في دائرة العلاقات الإجتماعيّة ، هي آصرة الدّين التي تُحقّق التّوافق والوئام بين الأفراد ، وتدفعهم لِلمحبّة لله وفي الله ، وهذه الحالة تؤثّر في النّفوس ، من موقع التّزكية والتّهذيب.
٩ ـ نقرأ في الحديث القُدسي ، قال الله تعالى لموسىعليهالسلام :
«هَلْ عَمِلْتَ لي عَمَالاً؟! ، قالَ صَلَّيتُ لَكَ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ لَكَ ، قَالَ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى ، وَأَمّا الصّلاةَ فَلَكَ بُرهانٌ ، والصَّومَ جُنَّةٌ والصَّدَقَةُ ظِلُّ ، والذِّكْرُ نُورٌ ، فَأَيُّ عَمَلٍ عَمِلْتَ لِي؟! ، قَالَ مُوسى : دُلَّني عَلى العَمَلِ الِّذي هُوَ لَكَ ، قَالَ يا مُوسى هَلْ وَالَيتَ لي وَلِيّاً وَهَلْ عادَيتَ لِي عَدُوّاً قطُّ ، فَعَلِمَ مُوسى إِنَّ أَفْضَلَ الأَعمالِ ، الحُبِّ في اللهِ والبُغْضُ في اللهِ» (٢) .
١٠ ـ ونختم هذا البحث ، بحديثٍ آخر عن الإمام الصّادقعليهالسلام ، (رغم وجود الكثير من الأحاديث الشّريفة في هذا الموضوع ، أنّه قال :
«مَنْ أَحَبَّ للهِ وَأَبْغَضَ للهِ وَأَعْطىْ للهِ وَمَنَعَ للهِ فَهُوَ مِمَّنْ كَمُلَ إِيمانُهُ» (٣) .
ونَستوحي من الأحاديث العشرة الآنفة الذّكر ، أنّ الإسلام قد أعطى الأهميّة القُصوى ، لمسألة الحُبّ في الله والبغض في الله ، وإعتبرها أفضل الأعمال ، وعلامة كمال الدّين ، وأسمى من : الصّلاة والزّكاة والصّيام والحج والإنفاق في سبيل الله تعالى ، ومن يَتَحلّى بهذه الصّفة ، يكون مع الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله في الجنّة ، بحيث يغبطه فيها الأنبياء والشّهداء والصّديقين.
__________________
١ ـ بحارالأنوار ، ج ٦٦ ، ص ٣٥٢ ، ح ٣٢.
٢ ـ بحارالأنوار ، ج ٦٦ ، ص ٣٥٢ ، ح ٣٢.
٣ ـ المصدر السّابق ، ص ٨ ، ح ١٠. ٢٣
فهذه التّعبيرات وغيرها ، تبيّن لنا دور وفعّاليّة مسألة التبرّي والتّولّي ، في جميع البرامج الدّينية والإلهيّة ، ودليل هذا الأمر واضحٌ جدّاً ، لأنّ الإنسان المؤمن ، عند ما يُحِبّ القُدوة الإلهيّةُ والإنسان الكامل ، لتقواه وإيمانه وفضائله الأخلاقية ، فإنّ ذلك من شأنه ، أن ينعكس على روحه وسُلوكه صفاتِ وسلوك هذه القدوة ، ويدفعه لِلتأسّي بها في أعماله وحركاته وسَكناته!
وهذا هو بالفعل ، ما يَصبو وَيدعو إليه علماء الأخلاق ، بإعتباره أصلاً أساسياً في تهذيب وتربية النّفوس ، وأنّ الإقتداء بالقُدوة الصّالحة ، من شأنه أن يكون شرطاً أساسياً ، لأن يسلك بالإنسان طريق الهداية والصّلاح ، في خطّ الإيمان والإنفتاح على الله تعالى.
ومن الأدلّة المهمّة ، التي أوردها القرآن الكريم ، وأكّد عليها رسوله الكريمصلىاللهعليهوآله ، هو التّذكير بأَنبياء الله تعالى وأفعالهم وتأريخهم وحياتهم ، والغَرض من ذلك كُلّه ، الإقتداء بهم وإتّباع سيرتهم.
جديرٌ بالذّكر ، أنّ كلّ إنسانٍ يحبُّ البطولات والأبطال ، ويحبُّ أن يَقتدي بأحد الأبطال ، ليجعله اسوةً وقدوةً في حياته في جميع أبعاده المختلفة.
عمليّة إنتخاب مثل هؤلاء الأبطال ، يؤثر على حياة الإنسان ، من موقع صياغة الشّخصية وكيفيّة السّلوك ، وعلى فرض حدوثِ تغيّرٍ في نظرة الإنسان نحو القُدوة ، فَستتغير حياتُه بالكامل ، تَبعاً لها.
والكثير من الأفراد أو الشعوب ، لمّا لم يُسعفهم الحظّ في إتخاذ القُدوة الصّالحة ، تَوسّلوا بأبطالٍ مزيّفين ، كَي يُعوّضوا النّقص الحاصل لديهم في هذا المجال ، وأدخلوهم في ثقافتهم وتأريخهم ، وألّفوا في سيرتهم الأساطير والحكايات ، والبطولات الخياليّة.
والبيئة والدّعاية السّليمة أو المغرضة ، لَها دورها في إختيار اولئك الأبطال ، فيُمكن أن يكونوا من رجال الدّين ، والسّياسة ، أو وجوهٌ رياضيّةٌ أو تمثيليّةٌ.
وهذا الميل البَشري لِلأبطال ، والقُدوات الإنسانية ، يمكن أن يوجّه بالصّورة الصّحيحة ، ويفعّل دوره في تربية الفضائل الأخلاقيّة والسّلوكيات الحسنة ، في الحياة الفرديّة والإجتماعيّة.
وبناءً على ذلك ، فإنّ الآيات والرّوايات أكّدت على هذه الضّرورة ، وهي مسألة التولّي والتّبرّي ، وإتّخاذ أولياء الله قدوةً واسوةً حسنةً ، وبدونها ستبقى برامج التّربية والتّهذيب ، ناقصةُ الُمحتوى والمُضمون.
قصّة موسى والخَضرعليهماالسلام :
إتّخاذُ المعلّم والدّليل ، في طريق السّير والسّلوك إلى الله تعالى ، من الأهميّة بمكانٍ ، بحيث أُمِرَ بَعض الأنبياء ، في بُرهةٍ من الزّمن ، للحُضورَ عند الاستاذ أو المُرشد.
ومن ذلك قصّة موسىعليهماالسلام والخضر ، المليئة بالمفاهيم والمضامين العميقة ، والتي وَردت في سَورة الكهف ، من القرآن المجيد.
فقد امِرَ موسىعليهالسلام ، لأجل إسترفاد بعض العلوم ، التي تحمل الجانب العملي والأخلاقي أكثر من الجانب النّظري ، أُمِرَ بالذّهاب إلى عالم زمانه ، لِيَستقي منه العِلم ، وقد عرّفه القرآن الكريم ، بأنّه :( عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) .
فشدّ موسىعليهالسلام ، الرّحال فعلاً مع أحد أصحابه ، متّجهاً نحو المكان الذي يتواجد فيه الخِضرعليهالسلام ، ومع غَضّ النّظر عَمّا صادفاه في الطّريق إليه ، وَصل مُوسىعليهالسلام إلى المكان الموعود ، فقال له الخِضرعليهالسلام ، :( إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) ، ولكنّ موسىعليهالسلام وعده بالصّبر.
توالت الأحداث الثّلاثة ، واحدة بعد الاخرى ، المعروفة والواردة في القرآن الكريم : أولها خَرق السّفينة الّتي كانوا عليها ، فإعترض موسىعليهالسلام ، وذكّره بخَطر الغَرق لِلسفينة بِمن فيها ، فقال له الخِضر :( أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) فندم وإختارعليهالسلام السّكوت ، حتى يوضّح له ملابسات الأمر.
ولَم يَمض قليلاً ، حتى صادفوا صَبيّاً فقتله ، الخِضرعليهالسلام مباشرةً من دونِ توضيحٍ ودليلٍ ، فهذا الأمرُ المُريع أثارَ موسىعليهالسلام مرّةً اخرى ، ونسِيَ ما تَعهّد به ، وإعترض على استاذه بأشدّ من الّتي قَبلها ، فقال :( أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ) .
ولِلمرّة الثّانية ، ذكّر الخِضر موسىعليهالسلام بالعهد الذي قطعه على نفسه ، وقال له : إذا تكرّر
منك هذا العمل لِلمرّة الثّالثة ، فسوف تَنقطع العلاقة بيني وبينك ، وننفصل في هذا السّفر ، فعلم موسىعليهالسلام ، أنّ في قَتل الغلام سِرّاً مُهمّاً ، فآثر السّكوت ، ليتّضح له السرّ فيما بعد.
وتَلَتها الحادثة الثّالثة ، وقد وردوا في قَريةٍ ، فلم يُضيفوهما ولم يعبؤوا بِهما ، فَوجد الخِضرعليهالسلام جداراً يُريد أن يَنقضّ ، فَأقامَهعليهالسلام ، وطلب العَون من موسىعليهالسلام في هذا الأمر ، فَرمَّم الجِدار ، فضاق موسى ذَرعاً بالأمر ، فَصاح :( لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ) .
فأين يكون موضع التّعامل مع هؤلاء من موقع الرّحمة ، مع كلّ تلك القساوة التي واجهوها من أهل تلك القرية؟.
وهنا أعلن الخِضرعليهالسلام إنفصاله عن موسىعليهالسلام ، لأنّه نقض العَهد ثلاثَ مرّاتٍ ، ولكنّه وقبل الفِراق ، أعلمه بالأسرار لتلك الحوادث الثّلاثة ، فقال له : إنّ السّفينة كانت لِمساكين ، وكان عندهم ملكٌ يأخذ كلّ سفينةٍ سَليمةٍ غَصباً ، فَأعَبْتُها كَيْ لا يأخذها منهم ، والشّاب المقتول ، كان يستحق الإعدام ، لأنّه كافرٌ ومرّتدٌ ، وكان الخوف على أبويه من موقع التّأثير عليهما ، ولئّلا يحملهما على الكفر.
والجِدار كان ليتيمين في المدينة ، وكان تَحته كنزٌ لَهُما ، وكان أبوهما صالحاً ، فأراد ربّك أن يستخرجا كنزهما فيما بَعد ، ليعيشا بذلك المال ، ثم أكدّ عليه أن كلّ ذلك كان بأمر الله تعالى ، وليس تصرّفاً من وَحي أفكاري(١) .
رجع بعدها موسىعليهالسلام ، محّملاً بمعارفٍ وعلومٍ في غاية الأهميّة.
ونحن بدورنا نستلهم من تلك القصّة ، عدّة دروسٍ ، منها :
١ ـ العثور على معلّمٍ مطّلع حكيمٍ للتعلّم عنده ، والإستنارة من نور علمه ، أمرٌ من الأهميّة بمكان ، بحيث امِرَ رسول من رُسل اولى العزم بذلك ، وقد قطع المسافات الطويلة كي يَدرس عنده ، ويقتبس من فَيض علمه.
٢ ـ عَدم تعجّل الامور ، وإنتظار الفرصة المُناسبة ، أو كما يُقال : «إنّ الامور مرَهونةٌ بِأَوقاتها».
__________________
١ ـ مضمون الآيات : (٦ ـ ٨٠) ، من سورة الكهف ، (مع التلخيص).
٣ ـ الحوادث الجارية حولنا ، ربّما تحمل ظاهِراً وباطناً ، وعلينا عدم النّظر إلى الظّاهر فقط ، لِئلّا نخطأ في الحكم على الامور ، من موقع العجلة وعدم التّأنّي ، وعلينا الأخذ بنظر الإعتبار بَواطِنها.
٤ ـ عدم الإنضباط والإلتزام بالعهود ، ربّما يَحرم الإنسان من بعض البركات المَعنويّة إلى الأبد.
٥ ـ الدّفاع عن الأيتام والمستضعفين ، والوقوف في وجه الظّالمين والكفار ، يُعتبر واجباً على المؤمنين ، الذين يتحرّكون في خطّ الرّسالة والمسؤوليّة ، وقد تُدفع في سبيل ذلك الأثمان الباهظة.
٦ ـ أينما وصل الإنسان في مراحل العِلم والرّقي ، عليه أن لا يتغترّ بعلمه ، ولا يتصور أنّه وصل إلى حدّ الكمال ، لأنّه قد يتسبب هذا التّصور ، في تجميد حركة الإنسان الصّاعدة ، والقناعة بما عِنده من العلم.
٧ ـ إنّ للهِ تعالى جُنوداً وألطافاً خفيّةً تنصرُ المظلوم ، بِطرقه المختلفة ، وكلّ إنسانٍ مؤمنٍ ، عليه أن يتوقّعها في كلّ لحظةٍ.
وهناك نقاطٌ مفيدةٌ اخرى أيضاً.
وهذه القصّة سواء كانت تحمل أهدافاً حقيقةً لتعليم موسىعليهالسلام ، أم أنّها تحمل نِداءاتٍ للناس ؛ لكي يتعلموا ويقتدوا بالأعاظم من البشر ، لا تختلف عما نحن بصدده.
والخُلاصة : أنّ القدوة والدّليل والاسوة ، هو أمرٌ لا بدّ منه للاستزادة من العلوم ، وتهذيب النّفوس في خطّ التّكامل المعنوي وبناء الذّات.
١٤
الوجه الآخر للولاية ، ودوره في تهذيب النّفوس
لا ينحصر دور الإعتقاد بالولاية ، في المسائل الأخلاقية وتهذيب النّفوس والسّير إلى الله تعالى ، على إتّخاذ القُدوات الصّالحة والإقتداء بكلامهم وفِعالهم ، بل وبحسب إعتقاد بعض الأعاظِم والعُلماء ، يوجد هناك نوعٌ آخر من الولاية ، هو فرعٌ من الولاية التّكوينية ، يستطيع معها القادُة الإلهِيّيون ، وبواسطة نفوذهم الرّوحي المباشر ، في عالم الوجود والتّكوين ، من معرفة النّفوس المستعدّة للتربية والإصلاح ، والتّصرف المعنوي المَباشر ، في المستوى الرّوحي لِلإنسان في خطّ التّربية.
وتوضيح ذلك : إنّ الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله والأئمّة المعصومينعليهمالسلام ، هَمْ القلب النّابض للُامّة الإسلاميّة ، وكلّ عضوٍ من الأعضاء ، يكون له إرتباطٌ وثيقٌ بالقلب ، سيتسنى لذلك العَضو أن يسترفِد من المنبع مَنافع أكثر ، أو أنّهم بمنزلة الشّمس المشرقةِ ، فكُلّما إنقشعت سُحب الأنانية عن القلب ، فإنّ تلك الأشعّة ستتولى تربية عناصر الخير في النّفس ، فَتورقُ وتثمرُ ، وتنعكس آثارها على شخصيّة الإنسان ، في إطار السّلوك والفِكر.
وهنا تأخذ الولاية شَكلاً آخر ، وتنحى مَنْحاً يختلف عن السّابق ، وسيكون الكلام فيها عن المَعطيات الخفيّة الغامضة ، في دائرة التّأثير التّربوي ، غير التي نعرفها سابقاً ، في دائرة التّصرفات الظّاهريّة.
يقول القرآن الكريم :( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً* وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً ) .
فهذه الشّمس المنيرة ، وهذا السّراجُ المنير ، يتولّى وظيفتين ، فمن جِهة أنّه يُضيء لِلإنسان الطريق إلى الله تعالى ، ليعرف الطّريق الصّحيح والجادة المؤدّية إلى الحقّ والصّلاح ، ويبتعد عن حافّة الهاوية.
ومن جهةٍ اخرى ، فإنّ هذا النّور الإلهي ، يؤثّر لا شعوريّاً في واقع الإنسان ، ويتولى إصلاح النّفس في خطّ التّربية الأخلاقيّة ، ويساعدها في عمليّة التّكامل والرّقي.
وكَنموذجٍ على ذلك ، ما نقرأه في الحديث المرفوع عن «هِشام بن الحَكم» ، ومناظرته مع «عَمرو بن عُبيد» ، العالم بِعلم الكلام السّني ، عند ما ذَهب هشام إلى البصرة ، وأجبره ببيانٍ لطيفٍ ومنطقي ، على الإعتراف بِلزوم وجود الإمام في كلّ عصرٍ وزمانٍ.
قال هشام : بلغني ما فيه عَمرو بن عبيد ، وجلوسه في مسجد البصرة ، فعظُم ذلك عليّ ، فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة ، فأتَيت مَسجد البَصرة ، فإذا أنا بحلقةٍ كبيرةٍ فيها عَمرو بن عبيد ، وعليه شَملةٌ سوداءٌ ، متّزراً بها ، من صوفٍ وشملةٌ مرتدياً بها ، والنّاس يسألونه ، فإستفْرَجت النّاس فأَفرَجوا لي ، ثمّ قَعدت في آخر القَوم ، على رَكبتي ، ثم قلت : أيّها العالم ، إِنّي رجلٌ غريبٌ تأذن ، لي في مسألةٍ!.
فقال لي : نَعم.
فقلت له : أَلك عَينٌ؟
فقال : يا بُنيّ أيّ شيءٍ هذا السّؤال ، وشيء تراه كيف تَسأل عنه.
فقلت : هكذا مَسألتي.
فقال : يا بُنيّ سَلُ وإن كانت مَسألتك حَمقاء.
قلت : أجبني فيها.
قال لي : سَلْ.
قلتُ : ألكَ عينٌ؟
قال : نَعم.
قلت : فما تَصنع بها؟.
قال : أرى بها الألوان والأشخاص.
قلت : ألكَ أنفٌ؟
قال : نَعم.
قلتُ : فما تصنع به؟
قال : أشمٌّ به الرّائحة.
قلتُ : ألكَ فمٌ؟
قال : نَعم.
قلتُ : فما تصنع به؟.
قال : أذوقُ بِهِ الطّعام.
قلت : ألك اذنٌ.
قال : نَعم.
قلتُ : فما تصنع بها؟.
قال : أسمع بها الصّوت.
قلت : أَلك قلب؟.
قال : نعم.
قلتُ : فما تصنع به؟
قال : اميّز به كلّما ورد على هذه الجَوارح والحَواس.
قلتُ : أوَلَيس في هذه الجَوارح غِناً عن القلب؟.
فقال : لا.
قلتُ : وكيف ذلك ، وهي صحيحةٌ سليمةٌ؟.
قال : يا بُني إنّ الجوارح إذا شكّت في شيءٍ ، شمّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ، ردّته إلى القَلب
فيسْتَيقِن اليَقين ويُبطل الشّك.
فقلت له : فإنّما أقام الله القلب ؛ لِشّك الجَوارح؟.
قال : نعم.
قلتُ : لا بدّ من القلب ، وإلّا لم تَستَيقن الجوارح؟.
قال : نعم.
فقلتُ له : يا أبا مَروان ، فالله تَباركَ وتعالى ، لم يترك جوارحك حتّى جَعل لها إماماً ، يُصحِّح لها الصّحيح ، ويتيقّن له ما شكّ فيه ، ويترك هذا الخَلق كلّهم في حِيرتهم وشَكّهم وإختلافهم ، لا يُقيم لهم إماماً يردّون إليه شَكّهم وحِيرتهم ، ويُقيم لَك إماماً لِجوارحك ، تردّ إليه حيرتك وشَكّك؟
قال : فَسكت ولم يقل شَيئاً ، ثم إلتفتَ إليّ ، فقال لي : أنتَ هُشام بن الحكم؟ ، فقلتُ : لا. قال من جُلسائه؟ ، قلت : لا ، قال : فَمن أَنتَ ، فقلت : من أهلِ الكوفة. قال : فأنت إذاً هوَ ، ثمّ ضمّني إليه ، وأَقعدني في مَجلسه ، وزالَ عن مجلسه ، وما نطَق حتّى قُمت.
قال : فَضحِك أبو عبد اللهعليهالسلام ، وقال : يا هُشام من عَلّمك هذا؟.
قلتُ : شيءٌ أخذته منك ، وألّفته.
فقال الإمام : «هذا والله مكتوبٌ في صُحف إبراهيم وَموسى».(١)
نعم ، فإنّ الإمام بمنزلةِ القَلب ، لِعالَم الإنسانيّة ، وهذا الحديث يمكن أن يكون إشارةً ، لِلولاية والهداية التّشريعيّة أو التّكوينية ، أو الإثنين معاً.
وكذلك ما ورد ، في حديث أبي بَصير وجاره التوّاب ، هو شاهدٌ آخر على هذا المَطلب :
قال أبو بَصير : كان لي جارٌ يتبعِ السّلطان ، فأصابَ مالاً فإتّخذ قِياناً ، وكان يجمع الجَموع ويشربُ المُسكِر ويُؤذيني ، فشكوته إلى نفسه غيرَ مَرّة ، فلم يَنتَهِ ، فلّما ألحَحَتَ عليه ، قال : يا هذا أنا رجلٌ مُبتلى ، وأنت رجلٌ معافى ، فلو عرّفتني لِصاحبك رَجوتُ أن يَستنقذني اللهُ بك ، فوقع ذلك في قلبي ، فلما صِرت إلى أبي عبد اللهعليهالسلام ، ذكرتُ له حاله.
__________________
١ ـ اصول الكافي ، ج ١ ، ص ١٢٩ ، ح ٣ ، باب الإضطرار إلى الحجّة ، (مع التّلخيص).
فقال لي : «إذا رجعت إلى الكُوفة ، فإنّه سيأتيك ، فقل له : يقول لك جعفر بن محمد : دعْ ما أنت عليه ، وأَضمِنْ لك على الله الجنّة».
قال أبو بَصير : فلمّا رجعت إلى الكوفة ، أتاني فيمن أتى ، فاحْتبستُه حتّى خَلا منزلي. فقلت :
يا هذا ، إنّي ذكرتُك لأِبي عبد اللهعليهالسلام ، فقال : «أَقرِأه السّلام وقل له : يترك ما هو عليه ، وأَضمن له على الله الجنّةَ».
فَبَكى ، ثمّ قال : الله ، قال لك جعفرعليهالسلام هذا؟
قال : فحلفت له ، أن قال لي ما قلت لك.
فقال لي : حَسبُك وَمَضى ، فلما كان بعد أيّامٍ بعث إليّ ودعاني ، فإذا هو خَلف باب داره عُريان.
فقال : يا أَبا بصير ، ما بقي في منزلي شيءٌ ، إلّا وخرجت عنه ، وأنا كما ترى.
فَمشيت إلى إخواني ، فجمعت له ما كسوته به ، ثمّ لم يأت عليه إلّا أيّاماً يسيرةً ، حتّى بعث إليّ : أنّي عليل فآئْتني ، فجعلت أختلف إليه ، واعالجه حتّى نزل به الموت.
فكنت عِنده جالساً وهو يجود بِنفسه ، ثم غُشي عليه غشيةً ثم أفاق ، فقال : يا أبا بَصير ، قد وفّى صاحبك لنا ، ثم مات ، فَحَججت فأتيت أبا عبد اللهعليهالسلام ، فإستأذنت عليه ، فلمّا دخلت قال مبتدئاً من داخل البيت ، وإحدى رجليّ في الصّحن والاخرى في دهليز داره : «يا أبا بَصير قد وفّينا لصاحبك».(١)
بالطّبع يمكن أن يقال : إنّ هذا الحديث حمل في طيّاته ، جانب التّوبة العاديّة المعروفة بين الناس ، ولكنّنا نقول : إن ذلك الرّجل المذنب والمليء بالمعاصي ، من رأسه إلى أخُمص قدمه ، لم يكنِ ليُغيّر طريقة حياته ، واتّخاذه جانب الصّلاح والفلاح ، وعلى حدّ إعترافه هو ، بأنّه لو لا الإمامعليهالسلام وعنايته ، لم يكن له أن يتحول من دائرة الظلّمة والمعصية ، إلى دائرة النّور والهداية.
ويوجد إحتمالٌ قويٌّ ، وهو أنّ هذا الإنقلاب والتّحول ، في روح وسلوك هذا الرجل المذنب المستعد لِلتوبة ، كان بسبب التّدخل الرّوحي للإمامعليهالسلام ، وتصرفه في محتواه النّفسي ، و
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٤٧ ، ١٤٥ ١٤٦ ، ج ١٩٩.
ذلك لوجود نقطةٍ مضيئةٍ وبصيصٍ من الأمل في أعماق قلبه ، وهو تمسّكه بالولاية ، حيث أدّى إلى أن يتحرّك الإمامعليهالسلام إلى نجدته وإنقاذه ، في آخر لحظات حياته وأيّام عمره.
والّنموذج الآخر لهذا التّأثير المعنوي ، والولاية التكوينيّة في تهذيب النّفوس المستعدّة ، هو ما نقله العلّامة المجلسيرحمهالله في بحار الأنوار ، عن الإمام الكاظمعليهالسلام ، والجارية التي أرسلها هارون إليه.
فقد وَرد أنّ هارون الرّشيد ، أنفذَ إلى موسى بن جعفرعليهالسلام جاريةً خصيفةٌ ، لها جمالٌ ووضاءةٌ لتخدمه في السّجن ، فقال له :( بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ) (١) ، لا حاجة لي في هذه ولا في أمثالها ، قال : إستطار هارون غَضباً ، وقال : إرجع إليه وقل له : ليس بِرضاك حبَسناك ، ولا بِرضاك أخذناك ، وإترك الجارية عنده وإنصرف.
قال : فَمضى ورجع ، ثم قام هارون عن مجلسه ، وأنفذَ الخادم إليه ليتفحص عن حالها ، فرآها ساجدةً لربّها لا ترفعُ رأسها ، تقول : قُدّوسٌ سُبحانك سُبحانك.
فقال هاورن : سَحرها والله موسى بن جعفر بسحره ، عليّ بها ، فأتى بها وهي تَرتَعد ، شاخصةً نحو السّماء بصرها ، فقال : ما شأنك؟.
قالت : شأني الشّأن البديع ، إنّي كنت عنده واقفةً ، وهو قائمٌ يصلّي ليله ونهاره ، فلمّا إنصرف عن صلاته بوجهه ، وهو يسبّح الله ويقدّسه ، قلت : يا سيّدي هلْ لك حاجة اعطيكها؟
قال : وما حاجتي إليك؟
قلت : إنّي ادخلت عليك لِحوائجك.
قال : ما بالُ هؤلاء؟.
قالت : فآلتفتُ فإذا روضةٌ مزهرةٌ ، لا أبلغ آخرها من أوّله بنظري ، ولا أوّلها من آخرها ، فيها مجالسُ مفروشة بالوِشيّ والدّيباج ، وعليها وصفاً وَوَصائِف ، لم أر مثل وجوههم حُسناً ، ولا مِثل لباسهم لِباساً ، عليهم الحَرير الأخضر ، والأكليلُ والدّر والياقوت ، وفي أيديهم الأباريق والمَناديل ، ومن كلّ الطّعام ، فخَررت ساجدةً حتّى أقامني هذا الخادم ؛ فرأيت نفسي حيثُ كنت.
__________________
١ ـ سورة النّمل ، الآية ٣٦.
فقال هارون : يا خبيثة ، لعلّكِ سجدت فَنمت فرأيت هذا في مَنامك؟.
قالت : لا والله يا سيّدي ، إلّا قبل سُجودي ، رأيت فسجدت من أجلِ ذلك.
فقال هاورن : إقبض هذه الخبيثة إليك ، فلا يسمع هذا مِنها أحد ، فأقبلت في الصّلاة ، فإذا قيل لها في ذلك ، قالت : هكذا رأيتَ العَبد الصّالحعليهالسلام ، فسئلت عن قولها ، قالت : إنّي لما عَييت من الأمر نادتني الجواري ، يا فلانة أبعدي عن العبد الصّالح ، حتّى ندخل عليه ، فنحن له دونك ، فما زالت كذلك حتّى ماتت ، وذلك قبل موتِ موسىعليهالسلام بأيّامٍ يسيرةٍ(١) .
وفي هذه القصّة ، نشاهد نموذجاً آخر من تأثير الإمامعليهالسلام ، في روح تلك الجارية المستعدّة للتّربية والإصلاح الرّوحي ، والهداية في طريق الحقّ والعودة إلى الله تعالى.
والخلاصة : أنّ تاريخ الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، والأئمّة الهداةعليهمالسلام ، حافل بمثل هذه الحوادث ، حيث يتّفق لبعض الأشخاص ، أن يلتقوا مع النّبي أو الإمام ، فينقلب مَساره في حركة الحياة والواقع ويتغيّر كلياً ، ويتحوّل إلى النّقطة المقابلة ، في حين أنّ هذا التغيّر ، ما كان ليحصل بواسطة الأسباب العادية ، بحسب الظّاهر ، وهذا الأمر يدلّ على أنّ الإنسان الكامل ، هو الذي تولى هذه العمليّة التغييريّة ، في هؤلاء الأشخاص من خلال التّصرف والتّدخل في النّفوس ، وهو ما نسمّيه بالولاية التكوينيّة.
ومن المؤكّد أنّ هذه العناية ، واللّطف والتّوجه ، لم يكن إعتباطاً ، بل هو لوجود نقاط قوّة في شخصيّة الفرد المُعتنى به ، لتشمله العناية الإلهيّة ، بواسطة الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، والأئمّة الطّاهرينعليهمالسلام .
كلام العلّامة الشّهيد المطهّري :
نترك الكلام والقَلم هنا ، للعلّامة الشّهيد المطهّريقدسسره ، حيث يقول في كتابه :«ولاءها و
__________________
١ ـ بحار الأنوار ، ج ٤٨ ، ص ٢٣٩ ، نقلاً عن المناقب ، ج ٣ ، ص ٤١٤ ، (مع شيءٍ من التّخليص).
ولايتها» : (تستعمل هاتين الكلمتين عادة في أربع موارد : ولاء المحبة : (أي المحبّة لأهل البيت)عليهمالسلام ، وولاء الإمامة ، بمعنى التّأسي بالأئمّةعليهمالسلام ، وجعلهم القدوة لأعمالنا وسلوكيّاتنا ، وولاء الزّعامة ، بمعنى حقّ القيادة الاجتماعيّة والسّياسية للأئمّةعليهمالسلام ، وولاء التّصرف ، أو الولاء الرّوحي وهو أسمى هذه المراحل).
وبعدها يوضّح الأوّل والثّاني والثّالث ، ثمّ يعرج على المعنى الرّابع ، الذي هو مورد بحثنا ويقول : (إنّ التّصرف الرّوحي والمعنوي ، هو نوعٌ من القُدرة والتّسلط الخارق للتكوين ، بمعنى أنّ الإنسان ومن خلال عبوديّته الحقّة لله تعالى ، يحصل على مقام القُرب الإلهي المعنوي والرّوحي ، ونتيجة لهذا القُرب ، يصبح إنساناً كاملاً ، يتحرك في طريق هداية الناس نحو المعنويات ، ويتسلط على الضّمائر ، وتكون له قدرة الشّهود على الأعمال ، وبالتّالي يصير حُجّة الله في زمانه!
فمن وجهَة نظر الشّيعة ، أنّ كلّ زمان لا يخلو من إنسانٍ كاملٍ ، يتمتع بقدرة التّصرف الغيبي في العالم والإنسان ، وناظرٌ وشاهدٌ على الأرواح والقلوب ، وهذا الإنسان هو حجّةُ الله على الأرض.
والمقصود من التّصرف ، أو الولاية التكوينيّة ، ليس كما يعتقد بعض الجهّال ، من أن يتولى الإنسان الكامل ، مسألة القَيوميّة والتدبير في العالم ، بحيث يكون الخالق والرّازق والمفوض ، من جانب الله تعالى.
وهذا الإعتقاد ، رغم أنّه لا يعتبر شركاً ، بل هو كما ورد في القرآن ، بالنّسبة إلى الملائكة :«المُدَبِّراتُ أَمرَاً ( فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً» ) ، فهو بإذن الله تعالى ، والقرآن يُخبرنا أنّ لا : نَنسب مسائل الخلقة والرّزق والموت والحَياة ، إلى غير الله تعالى.
ولكن المقصود ، هو أنّ الإنسان الكامل ، ولقربه من الله تعالى ، يصل إلى مرحلةٍ تكون له الولاية في التّصرف في : (بعض امور) العالم.
ثم يضيف قائلاً : ويكفي هنا أن نشير إشارةً إجماليةً إلى هذا المطلب ، وتوضيح اسسه بالإعتماد وعلى المفاهيم والمعاني القرآنية ، لِئلّا يعتقد البعض ، أنّ هذا جزافاً من الكلام.
فلا شك أنّ مسألة الولاية ، بمعناها الرّابع ، هي من المسائل العرفانيّة ، ومجرد كونها عرفانيّة ، لا يعني نكرانها بالكامل.
ثمّ يشرح بإسهاب ، معطيات القرب من الله تعالى ، ويستنتج منها ، ما يلي :
فعلى هذا الأساس ، من المحال على الإنسان ، وبعد قربه وطاعتِه للهِ تعالى ، ألّا يصل إلى مقام الملائكة ، بل وأرقى ، أو على الأقل يساوي الملائكة في مقامهم ، الملائكة التي تدبّر وتتصرف في عالم الوجود ، بإذن الله تعالى»(١) .
ويمكن أن نخرج من هذا الحديث بنتيجة ، وهي أنّ العلاقة المعنويّة ، والإرتباط بالإنسان الكامل ، يمكن أن يساعد الإنسان في عمليّة التّصرف ، والنّفوذ في حياة الاناس المستعدّين والمتقبلين للإصلاح ، وسوقهم تدريجياً في خطّ التّهذيب الأخلاقي ، وإبعادهم من جو الرّذائل إلى جو الفضائل الأخلاقية والكمالات الروحيّة.
الاستغلال السّيء :
تتعرض المفاهيم البنّاءة والصّحيحة ، للُامم والشّعوب في كلّ زمانٍ ومكانٍ للإستغلال والتّحريف دائماً ، وهذا الإستغلال في الحقيقة لا يؤثر على صحة وقداسة أصل المسألة.
ولم تكن مسألة القدوة الأخلاقيّة في خطّ التربية والتّهذيب ، ولزوم الإستفادة من الاستاذ العامّ والخاصّ ، لأجل السّلوك إلى الله وتهذيب الأخلاق ، مستثناة من هذا الأمر ، فجماعةُ من الصّوفيّة طَرحوا أنفسهم ، بعنوان : «مُرشد» أو «شيخ الطّريقة» و «القُطب» ، ودعوا الناس لإتّباعهم والتّسليم المُطلق إليهم ، بل وتعدّوا الحُدود ، وقالوا إذا ما شاهدتم سلوكاً يصدر من الشّيخ ، مخالفاً للشريعة ، فلا عليك ولا ينبغي عليك الإعتراض ، لأنّ ذلك يخالف روح التّسليم المُطلق للمرشد.
ويُستفاد ومن كلمات «الغزالي» ، المؤيد للصّوفية ، في فصولِ متعددّةٍ من كتابه «إحياء العلوم» ، هذا المعنى أيضاً ، حيث يُشمّ منها رائحة الصوفيّة ، والحقيقة أنّ فِرقاً من الصّوفية ،
__________________
١ ـ كتاب ولاءها وولايتها ، ص ٥٦ ، وما بعدها.
تعتبره من كبار أعلامها ، فقد قال في الفصل (٥١) من الجزء الخامس ، الباب الخامس :
(نَظَرُ الصّوفية إنّ أدب المريدين في مقابل شيوخهم هو ، أن يجلس المريد مقابل الشّيخ مسلوب الإختيار ، فلا يتصرف في نفسه وماله إلّا بأمره وأفضلُ أدب المُريد أمام الشّيخ : هو السّكوت والخمود والجمود ، إلى أن يملي عليه شيخه ، ما يراه له صلاحاً في أعماله وأفعاله وكلّما رآى من شيخه خِلافاً ، وعسُر عليه فَهمه ، تذكّر حكاية مُوسى والخِضرعليهماالسلام ، فإنّ الخضر قد عمل أعمالاً أنكرها مُوسى ، ولكن عند ما كشف له الخِضر أسرارها إنتبه مُوسى ، وعليه فكلّما فعل الشّيخ ، كان له عُذراً بلسان العِلم والحِكمة)(١) .
ويقول العارف العّطار ، في أحوال يوسف بن حسين الرّازي ، عند ما أمره ذو النّون المَصري : (مرشده) ، الخُروج من بلدِه والعودة إلى دياره ، طلب يوسف منه برنامجاً يعمل به ، فقال له ذُو النّون : عليك بِنسيان ما قرأته ، وامح كلّ ما كتبته ، ليُزال الحِجاب!.
ونقل عن أبي سعيد ، قوله للمُريدين :
«رَأسُ هذا الأمرِ ، كَبْسُ الَمحابِرِ وَخرَقُ الدَّفاتِر وَنِسيانِ العِلمِ» (٢) .
ونقل عن أحوال وحالات «أبو سعيد الكندي» ، أنّه كان قد نزل في الخانقاه ، وإجتمع عنده جمعٌ من الدّراويش ، وكان يطلب العلم سرّاً ، وفي يوم من الأيّام سقطت من جيبه محبرةٌ ، فإنكشف سرّه : «وهو أنّه من هواة تحصيل العلم» ، فقال له أحد الصّوفيين : (استر عليك عَورتك)(٣) .
ولا شك فإنّ الجو الحاكم هناك ، كان نتيجةً لتعاليم مرشدهم في هذا الأمر ، ولكنّ الحقيقة أنّ الاسلام قد أكّد على خلاف هذا المسلك ، ففي الحديث الوارد عن الصّادقعليهالسلام ، عن الرّسول الأكرمصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال :«وُزِّنَ مِدادُ العُلَماءِ بِدِماءِ الشُّهدَاءِ ، فَرُجّحَ مِدادُ العُلَماءُ عَلى دِماءِ الشُّهَدَاءِ» (٤) .
فانظر إلى الفرق بين المسلكين!!.
__________________
١ ـ احياء العلوم ، ج ٥ ، ص ١٩٨ ـ ٢١٠ ، (مع التلخيص).
٢ ـ أسرار التّوحيد ، ص ٣٢ و ٣٣ ، طبعة طهران.
٣ ـ نقد العلم والعلماء ، ص ٣١٧.
٤ ـ بحار الأنوار ، ج ٢ ، ص ١٦ ، ح ٣٥.
ولأجل الإطّلاع على كيفيّة التّحريف والإنزلاق في منحدر الإفراط والتّفريط ، وكيف تنحرف مسألةٌ معينةٌ عن المنطق والشّرع ، لدى وقوعها بأيدي مَنْ لا أَهليّة له ، على التّنظير في امور الدّين؟ ، وكيف تَتعرض للإستغلال والتّشويه ، علينا إلقاء نظرة على كلام : «كيوان القِزويني المُلقّب ب منصور علي شاه» ، حيث يُعتبر من أقطاب الصّوفية ، فقد بيّن حدود وصلاحيّات القُطب ، وقال :
«لِلقطب أن يدّعي عشرةَ خُصوصيّات :
١ ـ أنّ عندي باطنُ الولاية التي كانت عند الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله مع فرقٍ واحدٍ هو ، أنّه المؤسس وأنا المروّج والمدير والحارس!.
٢ ـ عندي القُدرة على تربية الأفراد ، وتهذيب نفوسهم ، وإزالة العناصر الخبيثة والخصائص الشّريرة ، في واقعهم ونزعها ونقلها إلى الكفّار.
٣ ـ أنا حرّ من قيود الطّبع والنّفس.
٤ ـ يجب أن تؤدى جميع عِبادات ومُعاملات المُريدين ، بإجازةٍ وموافقةٍ منّي.
٥ ـ كلّ إسمٍ القّنه لِلمُريدين ، وأجيزهم بذكره في القلب أو اللّسان ، يكون هو ذلك الإسم فقط هو الله ، ويسقط الباقي من درجة الإعتبار.
٦ ـ كلّ المعارف الدينيّة والعقائديّة ، إن كانت قد حصلت بموافقتي ، فهي صحيحة ، وإلّا فهي عينُ الزّيف ، ومَحض الخَطأ.
٧ ـ أنا مفترضُ الطّاعة ، ولازمُ الخِدمة ، ولازم الحفظ.
٨ ـ أنا حرٌّ في عقائدي.
٩ ـ أنا ناظرٌ للأحوال القَلبيّة لمريديّ دائماً.
١٠ ـ أنا قسيم النّار والجنّة(١) .
هذا الكلام أشبهُ بالهَذيان منه إلى البَحث المَنطقي ، رغم أنّه قد لا يقبله أغلب الصّوفيين ، ولكن مجرد أنّه يرى نفسه بِعنوان : «قُطب» ، وإدّعائه أن للأقطابِ ، إختياراتٌ وصلاحيّاتٌ لم
__________________
١ ـ إستوار نامه ، ص ٩٥ ـ ١٠٦ ، (مع التّلخيص).
يدّعيها حتى الأنبياء لأنفسهم ، فإن ذلك يكفي ، في تبيان مدى إستغلال هؤلاء المدّعين ، لمثل هذه العناوين الضّبابيّة وحاجة الناس للمعلم ، في أمر السّير والسّلوك إلى الله تعالى ، وما يمكن أن يترتّب على ذلك ، من عواقبٍ سلبيّةٍ على مستوى ، سَوقِ النّاس في خَطّ الباطل.
فهذه الإدّعاءات ، بعض منها من خواصّ الأنبياء ، والاخرى لم يجرء على ادّعائها أحد من الأنبياء والأئمّةعليهمالسلام ، وأيّ شخصٍ له قليلٌ من الإلمامٌ بالدّين ، سيتوجه إلى فَضاعةِ الأمرِ وخُطورته.
وإذا ما رَجعنا إلى كُتب أهل التّصوف ، مثل ،«تَذكرة الأَولياء» لِلشيخ العَطار ، و «تاريخ التّصوف» ، و «نفحات الانس» ، وبعض أبحاث«إحياء العُلوم» ، نرى أنّ الإدّعاءات والخُصوصيّات التي يضعوها لِلأقطاب ، وشيخُ طريقتهم : فضيعةٌ ، ولذلك فإنّ بعض مُحقّقي الشّيعة وفقهائهم ، وقفوا بِشدّةٍ وقوّةٍ ، مقابل هذه الطّائفة ، حتى أنّ هذا الموقف تسبّب بإيذاء بعض الّذين يتعاملون مع المفاهيم الدينيّة ، من موقع الجهل والسطحيّة ، لكن الحقيقة أنّ المثقفين والمطّلعين ، يعلمون أنّ إطلاق العِنان لمثل هذه الأفكار المُنحرفةُ من شأنه أن يَقضي ، على فُروعِ واصولِ الدّين الحَنيفِ بصورةٍ كاملةٍ.
نَصل هُنا وإيّاكم إلى نِهاية أبحاثنا ، عن كلّيات المسائل الأخلاقيّة ، في ظلّ الآيات القرآنية ، أبحاثٌ تعتبر الأساس والقاعدة الّتي يقومُ عليها صَرحُ الأخلاق وتهذيب النّفوس ، وتفتحُ أمامنا أبواب المباحثِ المستقبليّة ، حول مصاديق الرّذائل والفضائِل ، واحدةً بعد اخرى.
إلهنا! :
«إنّ الوصول إلى أوج الفضائل الأخلاقيّة والحياة ، في أجواء القُرب منك ، لا تُستطاع إلّا بتَوفيقك وتَسديدِك ، فَأعنّا بعونَك ، وجُد علينا بفضلك ، وَقرّبنا مِنك ، واجعلنا من أصحاب النّفوس المطمئنّة ، لندخل فيمن يقعونَ مَورداً لخطابك ، : «فَادْخُلي فِي عِبَادِي* وَادْخُلي جَنَّتي».
رَبّنا! :
إنّ حَبائلَ الشّيطانِ قويّةٌ ، وسهامَه مَهلكةٌ ، وهوى النّفس عدوٌّ لا يرحم ، ورذائل ـ النّفس كالأشواك تُوخز الرّوحَ وتُؤذيها ، ولا يُنجينا من ذلك كلّهُ إلّا عنايتُك الخاصّة ولطفُك الخَفي.
ربّنا! :
إننا نُسلّمُ الأمرَ إليكَ في خِتام حديثنا ، ونقرأ الدّعاء المعروفَ الواردَ عن الرّسول الكريمصلىاللهعليهوآله ، ونقول : «اللهُمَّ لا تَكِلنِي إِلى نَفْسِي طَرفَةَ عِينٍ أَبَداً »(١) .
تمّ والحمد لله
الجزء الأول
من كتاب الأخلاق في القرآن
في ٢٤ / ٣ / ١٣٧٦ ه. ش المصادف ٨ / صفر ١٤١٨ ه. ق
__________________
(١) بحار الأنوار ، ج ١٨ ، ص ٢٠٤.
الفهرس
الاهداء : ١
أهميّة الأبحاث الأخلاقيّة ٩
دور الأخلاق في الحياة والحضارة الإنسانيّة ٣٣
المذاهب الأخلاقيّة ٤٧
دعائم الأخلاق ٦٣
الأخلاق والحريّة ٧٥
اصول المسائل الأخلاقيّة في القرآن الكريم ٨٣
إرتباط المسائل الأخلاقيّة مع بعضها ٩٩
من أين نبدأ؟ ١٠٣
تنوع الطّرق لأرباب السّير والسّلوك ١١٣
هل يلزم وجود المُرشد في كلّ مرحلةٍ؟ ١٢٥
العناصر اللّازمة لتربية الفضائل الأخلاقيّة ١٢٩
الخُطى العمليّة في طريق التّهذيب الأخلاقي ١٨٩
القُدوات في خطّ الإستقامة ٣١٣
الوجه الآخر للولاية ، ودوره في تهذيب النّفوس ٣٣١
الفهرس ٣٤٥