وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى الجزء 1

مؤلف: نور الدين علي بن أحمد السّمهودي
مكتبة الحديث وعلومه
ISBN: 2-7451-3818-9

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

الجزء الأول

تأليف

نور الدين علي بن أحمد السّمهودي

المحقق: خالد عبد الغني محفوظ



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

تقديم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيّد ولد آدم محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أمّا بعد.

فهذا كتاب في تاريخ المدينة المنوّرة مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو كتاب اختصره مؤلّفه من كتاب آخر له بعنوان «اقتفاء الوفا بأخبار دار المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وسلم ».

اختصره مع توسّط غير مفرط كما يقول في مقدمة الكتاب.

وقد رتّبه على ثمانية أبواب مفصّلة في المقدمة.

وإذ نعيد ـ في دار الكتب العلمية ـ نشر هذا الكتاب ، نشير إلى أنّنا لم نثقل حواشيه إلا بما دعت الضرورة إليه ، كضبط الغريب وشرحه ، وتخريج الآيات الكريمة ، وبعض التعاليق الموجزة ، ووضع بعض العناوين الفرعية.

راجين من الله سبحانه وتعالى أن يجعل عملنا هذا في سجلّ حسناتنا ، وأن ينفع به القرّاء الكرام ، إنه على كل شيء قدير.

والحمد لله أولا وآخرا.



ترجمة المصنّف(١)

هو الإمام الحجّة نور الدين أبو الحسن علي بن عبد الله بن أحمد الحسني الشافعي السمهودي. مؤرخ المدينة المنوّرة ومفتيها.

ولد في سمهود (بصعيد مصر) سنة ٨٤٤ ه‍ (١٤٤٠ م) ونشأ في القاهرة ، واستوطن المدينة سنة ٨٧٣ ه‍.

من مؤلفاته :

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وسلم : وهو الكتاب الذي بين أيدينا.

خلاصة الوفاء : اختصر به الأول.

جواهر العقدين : في فضل العلم والنسب.

الفتاوى : وهي مجموع فتاواه.

الغماز على اللماز : رسالة في الحديث.

درّ السموط : رسالة في شروط الوضوء.

الأنوار السنية في أجوبة الأسئلة اليمنية.

العقد الفريد في أحكام التقليد.

وغيرها.

توفي السمهودي في المدينة المنورة سنة ٩١١ ه‍ (١٥٠٦ م).

__________________

(١) انظر الأعلام للزركلي ٤ / ٣٠٧.



بسم الله الرّحمن الرّحيم

وبه نستعين ، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه.

خطبة المؤلف

أما بعد : حمد الله على آلائه(١) ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف أنبيائه ، وعلى آله وأصحابه وأصفيائه ؛ فقد سألني من طاعته غنم ، ومخالفته غرم ، أن أختصر تأليفي المسمى ب «اقتفاء الوفا ، بأخبار دار المصطفى» ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم ! وزاده شرفا وفضلا لديه! ـ اختصارا مع توسط غير مفرط ، هذا مع كونه بعد لم يقدّر إتمامه بتكامل أقسامه ؛ لسلوكي فيه طريقة الاستيعاب ، وجمع ما افترق من معاني تلك الأبواب ، وتلخيص مقاصد جميع تواريخ المدينة التي وقفت عليها ، وإضافة ما اقتضى الحال أن يضاف إليها ، مع عروض الموانع ، وترادف الشواغل والقواطع ، فأجبته إلى سؤاله ؛ لما رأيت من شغفه(٢) بذلك وإقباله ، مع ما رأيت في ذلك من الإتحاف بأمور لا توجد في غيره من المختصرات بل ولا المبسوطات ، سيما فيما يتعلق بأخبار الحجرة الشريفة ، ومعالمها المنيفة ، فإني قد استفدته عيانا ، وعلمت أخبارها إيقانا ، بسبب ما حدث في زماننا من العمارة التي سنشير إليها ، ونقف في محلها عليها ؛ لاشتمالها على تجديد ما كاد أن يهي(٣) في الحجرة الشريفة من الأركان ، وإحكام ما أحاط بها من البنيان. وتشرفت بالخدمة في إعادة بنيانها ، وتجنبت شهود نقض أركانها ، وحظيت بالوقوف على عرصتها ، وتمتعت بانتشاق(٤) تربتها ، ونعمت العين بالاكتحال بأرضها الشريفة ، ومحال الأجساد المنيفة ، فامتلأ القلب حياء ومهابة ، واكتسى من ثياب الذال أثوابه ، هذا وقد جبلت القلوب(٥) على الشغف بأخبار هذا المحل وأحواله ، كما هو دأب كل محب مغرم واله(٦) ، ولله درّ القائل :

__________________

(١) الآلاء : جمع الألى أي النعم.

(٢) شغف به : أحبه وأولع به».

(٣) يهي : يسقط.

(٤) انتشق تربتها : شم تربتها.

(٥) جبل الله الخلق : خلقهم وطبعهم. وفي الأثر : «جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها».

(٦) الواله : الذي اشتد حنينه حتى ذهب عقله.


أملياني حديث من سكن الجز

ع ولا تكتباه إلا بدمعي

فاتني أن أرى الدّيار بطرفي

فلعلّي أرى الديار بسمعي

ولعمري إن الاعتناء بذاك وضبطه وإفادته من مهمّات الدين ، وإن النظر فيه مما يزيد في الإيمان واليقين ؛ لما فيه من معرفة معاهد دار الإيمان ، ونشر أعلامها المرغمة للشيطان ، وتذكر آياتها الواضحة التبيان ، والمرجو من الله تعالى أن يكون كتابنا هذا تحفة لمحبّي دار الأبرار ، ومن سكن بها من الأخيار ، ووفد عليها من الوفّاد ، وقد بذلت الجهد في تهذيبه وتقريبه ، رجاء دعوة تمحو الأوزار(١) ، وتقيل العثار ، ونظرة قبول من المصطفى المختار ،صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى آله الأطهار ، وصحابته الأخيار!

وسميته «وفاء الوفا ، بأخبار دار المصطفى»صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وشرف وعظم!

ورتّبته على أبواب :

أبواب الكتاب

الباب الأول : في أسماء هذه البلدة الشريفة.

الباب الثاني : في فضائلها ، وبدء شأنها ، وما يؤول إليه أمرها ، وما يتعلق بذلك ، وفيه ستة عشر فصلا : الأول : في تفضيلها على غيرها من البلاد ، الثاني : في الحث على الإقامة بها ، والصبر على لأوائها(٢) وشدتها ، وكونها تنفي الخبث والذنوب ، ووعيد من أرادها وأهلها بسوء أو أحدث بها حدثا أو آوى محدثا ، الثالث : في الحديث على حفظ أهلها وإكرامهم ، والتحريض على الموت بها ، واتخاذ الأصل ، الرابع : في بعض دعائهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لها ولأهلها ، وما كان بها من الوباء ، ودعائه بنقله ، الخامس : في عصمتها من الدجال والطاعون ، السادس : في الاستشفاء بترابها وتمرها ، السابع : في سرد خصائصها ، الثامن : في صحيح ما ورد في تحريمها ، التاسع : في بيان عير وثور اللذين وقع تحديد الحرم بهما ، العاشر : في أحاديث أخر تقتضي زيادة الحرم على ذلك التحديد وأنه مقدر ببريد ، الحادي عشر : في بيان ما في هذه الأحاديث من الألفاظ المتعلقة بالتحديد ، ومن ذهب إلى مقتضاها ، الثاني عشر : في حكمة تخصيص هذا المقدار المعين بالتحريم ، الثالث عشر : في أحكام هذا الحرم الكريم ، الرابع عشر : في بدء شأنها ، وما يؤول إليه أمرها ، الخامس عشر : فيما ذكر من وقوع ما ورد من خروج أهلها وتركهم لها ، السادس عشر :

__________________

(١) الأوزار : جمع وزر : الذنب. و ـ الحمل الثقيل.

(٢) اللأواء : ضيق المعيشة. و ـ شدة المرض.


في ظهور نار الحجاز التي أنذر بها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فظهرت من أرضها ، وانطفائها عند وصولها إلى حرمها.

الباب الثالث : في أخبار سكانها في سالف الزمان ، ومقدمهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إليها ، وما كان من أمره بها في سني الهجرة ، وفيه اثنا عشر فصلا. الأول : في سكانها بعد الطوفان ، وما ذكر في سبب سكنى اليهود بها ، وبيان منازلهم ، الثاني : في سبب سكنى الأنصار بها ، الثالث : في نسبهم ، الرابع : في ظهورهم على اليهود ، وما اتفق لهم مع تبّع ، الخامس : في منازلهم بعد إذلال اليهود ، وشيء من آطامهم(١) وحروبهم ، السادس : في ما كان بينهم من حرب بغاث ، السابع : في مبدأ إكرام الله لهم بهذا النبي الكريم ، وذكر العقبة الصغرى ، الثامن : في العقبة الكبرى وما أفضت إليه(٢) ، التاسع : في مبدأ هجرتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، العاشر : في دخولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أرض المدينة وتأسيس مسجد قباء ، الحادي عشر : في قدومه باطن المدينة المنيفة ، وسكناه بدار أبي أيوب الأنصاري ، وخبر هذه الدار ، ومؤاخاته بين المهاجرين والأنصار ، الثاني عشر : في ما كان من أمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في سنين الهجرة.

الباب الرابع : فيما يتعلق بأمور مسجدها الأعظم ، والحجرات المنيفات ، وما كان مطيفا بها من الدور والبلاط ، وسوق المدينة ، ومنازل المهاجرين ، واتخاذ السور ، وفيه سبعة وثلاثون فصلا : الأول : في أخذهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لموضع مسجده الشريف ، وكيفية بنائه ، الثاني : في ذرعه وحدوده التي يتميز بها عن سائر مسجده اليوم ، الثالث : في مقامه الذي كان يقوم به قبل تحويل القبلة وبعده ، وما جاء في تحويلها ، الرابع : في خبر الجذع ، واتخاذ المنبر ، وما اتفق فيه ، الخامس : في فضل المسجد الشريف ، السادس : في فضل المنبر المنيف والروضة الشريفة ، السابع : في الأساطين(٣) المنيفة ، الثامن : في الصّفّة وأهلها ، وتعليق الأقناء(٤) لهم بالمسجد ، التاسع : في حجرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبيان إحاطتها بمسجده إلا من جهة المغرب ، العاشر : في حجرة ابنته فاطمةرضي‌الله‌عنها ، الحادي عشر : في الأمر بسد الأبواب ، وبيان ما استثنى من ذلك ، الثاني عشر : في زيادة عمررضي‌الله‌عنه في المسجد ، الثالث عشر : في البطيحاء التي بناها بناحيته ، ومنعه من إنشاد الشعر ورفع الصوت فيه ، الرابع عشر : في زيادة عثمانرضي‌الله‌عنه ،

__________________

(١) الآطام جمع الأطم : الحصن.

(٢) أفضت إليه : النتائج التي ترتبت عليه.

(٣) الأساطين مفردها الأسطوانة : العمود. و ـ السارية.

(٤) الأقناء جمع قنو : العذق بما فيه من الرطب.


الخامس عشر : في المقصودة التي اتخذها به ، السادس عشر : في زيادة الوليد على يد عمر بن عبد العزيز ، السابع عشر : فيما اتخذه عمر فيها من المحراب والشرفات والمنارات والحرس ، ومنعهم من الصلاة على الجنائز فيه ، الثامن عشر : في زيادة المهدي ، التاسع عشر : فيما كانت عليه الحجرة المنيفة الحاوية للقبور الشريفة في مبدأ الأمر ، العشرون : في عمارتها بعد ذلك ، والحائز الذي أدير عليها ، الحادي والعشرون : فيما روي في صفة القبور الشريفة بها ، وأنه بقي هناك موضع قبر لعيسى عليه الصلاة والسلام ، وتنزل الملائكة حافين بالقبر الشريف ، وتعظيمه ، والاستسقاء به ، الثاني والعشرون : فيما ذكر من صفتها وصفة الحائز الدائر عليها ، وما شاهدناه مما يخالف ذلك ، الثالث والعشرون : في عمارة اتفقت بها بعد ما تقدم ، على ما نقله بعضهم ، وما نقل من الدخول إليها وتأزيرها بالرخام ، الرابع والعشرون : في الصندوق الذي في جهة الرأس الكريم والمسمار الفضة المواجه للوجه الشريف ، ومقام جبريلعليه‌السلام ، وكسوة الحجرة وتحليتها ، الخامس والعشرون : في قناديلها ومعاليقها ، السادس والعشرون : في الحريق الأول القديم المستولي على تلك الزخارف المحدثة بها وبالمسجد وسقفها وما أعيد من ذلك ، السابع والعشرون : في اتخاذ القبة الزرقاء تمييزا للحجرة الشريفة والمقصورة الدائرة عليها ، الثامن والعشرون : في عمارتها المتجدّدة في زماننا ، على وجه لم يخطر قط بأذهاننا ، وما حصل من إزالة هدم الحريق من ذلك والمحل الشريف ، ومشاهد وضعه المنيف ، وتصوير ما استقر عليه أمر الحجرة ، التاسع والعشرون : في الحريق الحادث في زماننا بعد العمارة السابقة ، وما ترتب عليه ألحقته هنا مع إلحاق ما تقدمت الإشارة إليه في الفصول ؛ لحدوثه بعد الفراغ من مسوّدة كتابنا هذا ، وفي آخره خاتمة فيما نقل من عمل نور الدين الشهيد لخندق مملوء من الرصاص حول الحجرة ، الثلاثون : في تحصيب المسجد(١) ، وأمر البزاق فيه ، وتخليقه(٢) ، وإجماره ، وشيء من أحكامه ، الحادي والثلاثون : فيما احتوى عليه من الأروقة والأساطين والبلوعات والسقايات والحواصل ، وغير ذلك ، الثاني والثلاثون : في أبوابه وخوخاته ، وما يميّزها من الدور المحاذية لها ، الثالث والثلاثون : في خوخة آل عمررضي‌الله‌عنه ، الرابع والثلاثون : فيما كان مطيفا به من الدور ، الخامس والثلاثون : في البلاط وما حوله من منازل المهاجرين ، السادس والثلاثون : في سوق المدينة ، السابع والثلاثون : في منازل القبائل من المهاجرين ، وما حدث من اتخاذ السور.

__________________

(١) حصّب المسجد : فرشه بصغار الحصى.

(٢) الخلاق : ضرب من الطيب ، أعظم أجزائه الزعفران. إجماره : تبخيره بالمجمر.


الباب الخامس : في مصلّى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الأعياد ، وغير ذلك من مساجد المدينة التي صلى فيها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو جلس مما علمت عينه أو جهته ، وفضل مقابرها ، ومن سمي ممن دفن بها ، وفضل أحد والشهداء به ، وفيه سبعة فصول : الأول : في مصلّى الأعياد ، الثاني: في مسجد قباء ، وخبر مسجد الضرار ، الثالث : في بقية المساجد المعلومة العين في زماننا ، الرابع : فيما علمت جهته من ذلك ، ولم يعلم عينه ، الخامس : في فضل مقابرها ، السادس : في تعيين بعض من دفن بالبقيع من الصحابة وأهل البيت رضوان الله عليهم ، والمشاهد المعروفة بها ، السابع : في فضل أحد والشهداء به.

الباب السادس : في آبارها المباركات ، والعين والغراس والصدقات ، التي هي للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم منسوبات ، وما يعزى إليه(١) من المساجد التي صلّى فيها في الأسفار والغزوات ، وفيه خمسة فصول : الأول : في الآبار المباركات ، وفيه تتمة في العين المنسوبة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم والعين الموجودة في زماننا ، الثاني : في صدقاتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وما غرسه بيده الشريفة ، الثالث : فيما ينسب إليه من المساجد التي بين مكة والمدينة بالطريق التي كان يسلكهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم الرابع : في بقية المساجد التي بينهما بطريق ركب الحاج في زماننا ، وطريق المشيان ، وما قرب من ذلك ، الخامس : في بقية المساجد المتعلقة بغزواته وعمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

الباب السابع : في أوديتها وأحمائها(٢) وبقاعها وجبالها وأعمالها ومضافاتها ، ومشهور ما في ذلك من المياه والأودية ، وضبط أسماء الأماكن المتعلقة بذلك ، وفيه ثمانية فصول : الأول : في فضل وادي العقيق وعرصته وحدوده ، الثاني : فيما جاء في إقطاعه وابتناء القصور به وطريق أخبارها ، الثالث : في العرصة وقصورها ، وشيء مما قيل فيها وفي العقيق من الشعر ، الرابع : في جماواته ، وأرض الشجرة ، وثنية الشريد ، وغيرها من جهاته ، وفيه خاتمة في سرد ما يدفع فيه من الأودية وما به من الغدران ، الخامس : في بقية أودية المدينة ، السادس : فيما سمي من الأحماء ومن حماها وشرح حال حمى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالنقيع ، السابع : في شرح بقية الأحماء ، وأخبارها ، الثامن : في بقاع المدينة وأعراضها وأعمالها ومضافاتها وأنديتها وجبالها وتلاعها(٣) ، ومشهور ما في ذلك من الآبار والمياه والأودية ، وضبط أسماء الأماكن المتعلقة بذلك وبالمساجد والآطام والغزوات ، وشرح حال ما يتعلق بجهات المدينة وأعمالها من ذلك ، على ترتيب حروف الهجاء.

__________________

(١) يعزى إليه : يسند إليه.

(٢) الأحماء : مواضع فيها كلأ يحمى من الناس أن يرعى.

(٣) التلاع : ما ارتفع من الأرض. و ـ مسيل الماء من أعلى إلى أسفل.


الباب الثامن : في زيارتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفيه أربعة فصول : الأول : في الأحاديث الواردة في الزيارة نصّا ، الثاني : في بقية أدلتها ، وبيان تأكد مشروعيتها ، وقربها من درجة الوجوب ، حتى أطلقه بعضهم عليها ، وبيان حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في قبره ، وشدّ الرحال إليه ، وصحة نذر زيارته ، والاستئجار للسلام عليه ، الثالث : في توسّل الزائر ، وتشفّعه بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى ربه تعالى ، واستقباله لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في سلامه وتوسّله ودعائه ، الرابع : في آداب الزيارة والمجاورة ، والتبرك بتلك المساجد والآثار ، وهذا الباب وإن كان من حقه التقديم ، لكنه لما كان كنتيجة الكتاب ، ومقدماته ما تقدمه من الأبواب ، ختمت به أقسامه ؛ ليكون المسك ختامه ، وسر الوجود تمامه ، وتفاؤلا بأن يفتح لي به ثمانية أبواب الجنة ، ويعظم لي بسببه سوابغ المنة(١) ، وبالله لا سواه أعتصم ، وأسأله العصمة مما يصم(٢) ، فهو حسبي ونعم الوكيل.

__________________

(١) المنة : الإحسان والإنعام.

(٢) يصمه وصما : يعيبه.


الباب الأول

في أسماء هذه البلدة الشريفة

أعلم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى ، ولم أجد أكثر من أسماء هذه البلدة الشريفة ، وقد استقصيتها بحسب القدرة حتى إني زدت على شيخ مشايخنا المجد الشيرازي اللغوي ـ وهو أعظم الناس في هذا الباب ـ نحو ثلاثين اسما ، فرقمت على ذلك صورة ليتميزوها ، وأنا أوردها مرتّبة على حروف المعجم.

أثرب

الأول : أثرب ـ كمسجد ، بفتح الهمزة وسكون المثلاثة وكسر الراء وباء موحدة ـ لغة في «يثرب» الآتي ، وأحد الأسماء كألملم ويلملم ، قيل : سميت بذلك لأنه اسم من سكنها عند تفرّق ذرية نوحعليه‌السلام في البلاد ، وهل هو اسم للناحية التي منها مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو للمدينة نفسها ، أو لموضع مخصوص من أرضها؟ أقوال ، الأول لأبي عبيدة ، والثاني عن ابن عباسرضي‌الله‌عنهما ، ومشى عليه الزمخشري ، والثالث هو المعني بقول محمد بن الحسن أحد أصحاب مالك ويعرف بابن زبالة : وكانت يثرب أم قرى المدينة ، وهي ما بين طرف قناة إلى طرف الجرف ، وما بين المال الذي يقال له البرني إلى زبالة ، وقد نقل ذلك الجمال المطري عنه ، وزاد في النقل أنه كان بها ثلاثمائة صائغ من اليهود ، وابن زبالة إنما ذكر أن ذلك كان بزهوة ، وقد غاير بينها وبين يثرب ، وكأن الجمال فهم اتحادهما ، وقد قال عقب نقله لذلك عنه : وهو يعني يثرب معروفة اليوم بهذا الاسم ، وفيها نخيل كثيرة ملك لأهل المدينة وأوقاف للفقراء وغيرهم ، وهي غربي مشهد سيدنا حمزة ، وشرقي الموضع المعروف بالبركة مصرف عين الأزرق ، ينزلها الحاج الشامي في وروده وصدوره ، وتسميها الحجاج عيون حمزة ، وهي إلى اليوم معروفة بهذا الاسم ، أعني يثرب ، وربما قالوا فيها «أثارب» بصيغة الجمع ، وبه عبر البرهان ابن فرحون في مناسكه ، فلك أن تعده اسما آخر ، وهذا الموضع يثرب قال المطري : كان به منازل بني حارثة بطن ضخم من الأوس ، قال : وفيهم نزل قوله تعالى في يوم الأحزاب :( وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ) [الأحزاب : ١٣] ورجح به القول الثالث ، وذلك أن قريشا


ومن معهم نزلوا يوم الأحزاب ويوم أحد أيضا على ما ذكره المطري برومة وما والاها بالقرب من منازل بني حارثة من الأوس ومنازل بني سلمة من الخزرج ، وكان الفريقان مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في مركز الحرب ، ولذلك خافوا على ذراريهم وديارهم العدو يوم أحد ؛ فنزل فيها :( إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما ) [آل عمران : ١٢٢] قال عقلاؤهم : ما كرهنا نزولها لتولي الله إيانا ، ودفع الله عنهم ببركة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وصدق نياتهم ، وقيل : إن القائل لبني حارثة : «يا أهل يثرب لا مقام لكم» هو أوس بن قيظي ومن معه ، وقيل : غير ذلك.

قلت : ويرجح القول الثالث أيضا قول الحافظ عمر بن شبّة النميري(١) : قال أبو غسان : وكان بالمدينة في الجاهلية سوق بزبالة في الناحية التي تدعى يثرب ، انتهى. ولا شك في إطلاق يثرب على المدينة نفسها ، كما ثبت في الصحيح ، وشواهده أشهر من أن تذكر ، وسيأتي في الفصل الرابع عشر من الباب الثاني ما يقتضي أن الله تعالى سماها قبل أن تعمر وتسكن ، فإما أن يكون موضوعا لها ، أو هو من باب إطلاق اسم البعض على الكل ، أو من باب عكسه على الخلاف المتقدم.

وروى ابن زبالة وابن شبة نهيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن تسمية المدينة يثرب ، وفي تاريخ البخاري حديث : من قال يثرب مرة فليقل المدينة عشر مرات» ، وروى أحمد وأبو يعلى حديثا : «من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله ، وهي طابة» ورجاله ثقات ، وفي رواية «فليستغفر الله ثلاثا» ولهذا قال عيسى بن دينار : من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة ، وكره بعض العلماء تسميتها بذلك ، وما وقع في القرآن من تسميتها به إنما هو حكاية عن قول المنافقين ، ووجه كراهة ذلك إما لأنه مأخوذ من الثّرب ـ بالتحريك ـ وهو الفساد ، أو لكراهة التثريب وهو المؤاخذة بالذنب ، أو لتسميتها باسم كافر ، وقد ينازع في الكراهة بما في حديث الهجرة في الصحيحين من قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فذهب وهلي(٢) إلى اليمامة أو هجر ، فإذا هي المدينة يثرب» وحديث مسلم : «إنه وجهت إلى أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب» وكذا جاء في غيرهما من الأحاديث ، وقد يجاب بأن ذلك كان قبل النبي.

أرض الله

الثاني : «أرض الله» قال الله تعالى :( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ) [النساء :

__________________

(١) عمر بن شبة النميري له ترجمة في تهذيب التهذيب (٧ / ٤٦٠) وفي خلاصة الخزرجي (٢٨٣ بولاق) وثّقه الدارقطني ، مات سنة ٢٦٢ من الهجرة.

(٢) ذهب وهلي : ذهب وهمي.


٩٧] ذكر مقاتل والثعلبي وغيرهما أن المراد به المدينة ، وفي هذه الإضافة من مزيد التعظيم ما لا يخفى.

الهجرة

الثالث : «أرض الهجرة» كما في حديث «المدينة قبّة الإسلام».

أكالة البلدان

الرابع : «أكالة البلدان» لتسلطها على جميع الأمصار ، وارتفاعها على سائر بلدان الأقطار ، وافتتاحها منها على أيدي أهلها فغنموها وأكلوها.

أكالة القرى

الخامس : «أكالة القرى» لحديث الصحيحين «أمرت بقرية تأكل القرى» وقد استدل به مثبتو الاسم قبله ، وهو أصرح في هذا ؛ للفرق بين البلدة والقرية.

الإيمان

السادس : «الإيمان» قال الله تعالى مثنيا على الأنصار( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ ) [الحشر : ٩] وأسند ابن زبالة عن عثمان بن عبد الرحمن وعبد الله بن جعفر قالا : سمّى الله المدينة الدار والإيمان ، وأسند ابن شبة عن الثاني فقط. وقال البيضاوي في تفسيره ، قيل سمى الله المدينة بالإيمان لأنها مظهره ومصيره. وروى أحمد الدينوري في كتابه المجالسة في قصة طويلة عن أنس بن مالك «أن ملك الإيمان قال : أنا أسكن المدينة ، فقال ملك الحياء : وأنا معك» فأجمعت الأمة على أن الإيمان والحياء ببلد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وسيأتي في حديث «الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها»(١) .

البارة والبرة

السابع : «البارة» ، الثامن «البرة» هما من قولك : امرأة بارة وبرة ، أي : كثيرة البر ، سميت بذلك لكثرة برها إلى أهلها خصوصا وإلى جميع العالم عموما ؛ إذ هي منبع الأسرار وإشراق الأنوار ، وبها العيشة الهنية ، والبركات النبوية.

البحرة والبحيرة

التاسع : «البحرة» بفتح أوله وسكون المهملة. العاشر : «البحيرة» تصغير ما قبله.

__________________

(١) أرز أرزا وأروزا : لجأ. و ـ لاذ.


الحادي عشر : «البحيرة» بفتح أوله ـ نقلت ثلاثتها عن منتخب كراع ، والأولان عن معظم ياقوت ، والاستبحار : السعة ، ويقال : هذه بحرتنا ، أي : أرضنا أو بلدتنا ، سميت بذلك لكونها في متسع من الأرض ، وفي الصحيح قول سعد في قصة ابن أبيّ(١) «ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه» رواه ابن شبة بلفظ «أهل هذه البحيرة» وقال عياض في المشارق : البحرة مدينة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ويروى البحرة ، والبحيرة : بضم الباء مصغرا وبفتحها على غير التصغير ، وهي الرواية هنا ، ويقال «البحر» أيضا بغير تاء ساكن الحاء ، وأصله القرآن وكل قرية بحرة. انتهى.

الثاني عشر : «البلاط» بالفتح ـ نقل عن كتاب ليس لابن خالويه ، وهو لغة الحجارة التي تفرش على الأرض ، والأرض المفروش بها والمستوية الملساء ، فكأنها سميت به لكثرته فيها ، أو لاشتمالها على مواضع تعرف به كما سيأتي في الباب الرابع إن شاء الله تعالى.

البلد

الثالث عشر : «البلد» قال تعالى :( لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ) [البلد : ١] قال الواسطي فيما نقله عن عياض : أي : يحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بمكانك فيه حيا وببركتك ميتا ، يعني المدينة ، وقيل : المراد مكة ، ونقل عن ابن عباس ، وبه استدل من ذكره في أسمائها ، ورجّحه عياض لكون السورة مكية ، والبلد لغة صدر القرى.

بيت الرسول

الرابع عشر : «بيت الرسول»صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال تعالى :( كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ ) [الأنفال : ٥] ، قال المفسرون : أي : من المدينة لأنها مهاجره ومسكنه فهي في اختصاصها به كاختصاص البيت بساكنه ، أو المراد بيته بها.

ندد وتندر

الخامس عشر : «تندد» بالمثناة الفوقية والنون وإهمال الدالين.

السادس عشر : «تندر» براء بدل الدال الأخيرة مما قبله ، وسيأتي دليلهما في يندد ويندر بالمثناة التحتية ، وأن المجد صوّب حذف ما عدا يندر بالتحتية.

الجابرة

السابع عشر : «الجابرة» لعده في حديث «للمدينة عشرة أسماء» سميت به لأنها تجبر

__________________

(١) هو عبد الله بن أبيّ ابن سلول ، أبوه أبيّ ، وسلول أمه ، وهو رأس المنافقين ، وكان أهل المدينة قد أجمعوا قبل هجرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم على أن يجعلوه ملكا عليهم.


الكسير ، وتغني الفقير ، وتجبر(١) على الإذعان لمطالعة بركاتها ، وشهود آياتها : وجبرت البلاد على الإسلام.

جبار

الثامن عشر : «جبار» كحذام ، رواه ابن شبة بدل الجابرة في الحديث المذكور.

الجبارة

التاسع عشر : «الجبارة» نقله صاحب كتاب أخبار النواحي مع الجابرة والمجبورة عن التوراة.

جزيرة العرب

العشرون : «جزيرة العرب» قال ابن زبالة : كان ابن شهاب يقول : جزيرة العرب المدينة ، وسيأتي في حديث ابن عباس : «خرجت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من المدينة ، فالتفت إليها وقال : إن الله برّأ هذه الجزيرة من الشرك» ونقل الهروي عن مالك أن المراد من حديث «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» المدينة خاصة ، والصحيح عن مالك كقولنا أن المراد الحجاز.

الجنة الحصينة

الحادي والعشرون : «الجنة الحصينة» بضم الجيم ، وهي الوقاية ؛ لما حكاه بعضهم من قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في غزوة أحد «أنا في جنة حصينة ـ يعني المدينة ـ دعوهم يدخلون نقاتلهم» وروى أحمد برجال الصحيح حديث : «رأيت كأني في درع حصينة ، ورأيت بقرا تنحر ، فأولت الدرع الحصينة المدينة» وهذا هو المذكور في كتب السير.

الحبيبة

الثاني والعشرون : «الحبيبة» لحبه لهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد» وسيأتي مزيد بيان لذلك في اسمها المحبوبة.

الحرم

الثالث والعشرون : «الحرم» بالفتح بمعنى الحرام ؛ لتحريمها ، وفي حديث مسلم «المدينة حرم» وفي رواية «إنها حرم آمن».

حرم رسول الله

الرابع والعشرون : «حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم » لأنه الذي حرمها ، وفي الحديث : «من

__________________

(١) تجبر على الإذعان : تكره على الخضوع.


أخاف أهل حرمي أخافه الله» ، وروى ابن زبالة حديث : «حرم إبراهيم مكة وحرمي المدينة».

حسنة

الخامس والعشرون : «حسنة» بلفظ مقابل السيئة ، قال تعالى :( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ) [النحل : ٤١] قال المفسرون : مباءة حسنة(١) ، وهي المدينة ، وقيل : حسنة اسم المدينة ، وقد اشتملت على الحسن الحسي والمعنوي.

الخيرة

السادس والعشرون : «الخيّرة» بتشديد المثناة التحتية كالنيرة.

السابع والعشرون : «الخيرة» كالذي قبله إلا أن الياء مخففة ، تقول : رجل خيّر وخير ، وامرأة خيّرة وخيرة ، بالتشديد والتخفيف ، بمعنى ، وهو الكثير الخير ، وإذا أردت التفضيل قلت : فلان خير الناس ، وفي الحديث : «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» وسيأتي حديث «المدينة خير من مكة».

الدار

الثامن والعشرون : «الدار» لقوله تعالى :( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ ) [الحشر : ٩] على ما سبق في الإيمان ، سميت به لأمنها والاستقرار بها وجمعها البناء والعرصة.

دار الأبرار

التاسع والعشرون : «دار الأبرار». الثلاثون «دار الأخيار» لأنها دار المصطفى المختار ، والمهاجرين والأنصار ، ولأنها تنفي شرارها ومن أقام بها منهم فليست في الحقيقة له بدار ، وربما نقل منها بعد الدفن على ما جاء في بعض الأخبار.

دار الإيمان

الحادي والثلاثون : «دار الإيمان» كما في حديث «المدينة قبة الإسلام ودار الإيمان» إذ منها ظهوره وانتشاره ، وسيأتي في حديث «الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها».

دار السنة ونحوها

الثاني والثلاثون : «دار السنة». الثالث والثلاثون : «دار السلامة». الرابع والثلاثون: «دار الفتح». الخامس والثلاثون : «دار الهجرة» ؛ ففي صحيح البخاري قول عبد الرحمن لعمررضي‌الله‌عنهما «حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة» وفي رواية الكشميهني

__________________

(١) المباءة : المنزل. و ـ تبوأ المكان : نزله وأقام به.


«والسلامة» وقد فتحت منها مكة وسائر الأمصار ، وكانت بها عصابة الأنصار ، ومهاجرة النبي المختارصلى‌الله‌عليه‌وسلم والمهاجرين الأبرار ، ومنها انتشرت السنة في الأقطار.

ذات الحجر

السادس والثلاثون : «ذات الحجر» لاشتمالها عليها ، قال أبو بكررضي‌الله‌عنه مثنيا على الأنصار : ما وجدت لنا ولهذا الحيّ من الأنصار مثلا إلا ما قال طفيل الغنوي :

أبوا أن يملّونا ولو أنّ أمّنا

تلاقي الّذي يلقون منّا لملّت

هم خلطونا بالنّفوس وأولجوا

إلى حجرات أدفأت وأظلّت

ذات الحرار

السابع والثلاثون : «ذات الحرار» لكثرة الحرار بها ، وفي قصة خنافر بن التوأم الحميري الكاهن عن رئيه من الجن وقد وصف له دين الإسلام ، فقال له خنافر : من أين أبغى هذا الدين؟ قال : من ذات الأحرين ، والنفر الميامين ، أهل الماء والطين ، قلت : أوضح ، قال : الحق بيثرب ذات النخل والحرة ذات النعل ، قال الأصمعي : أحرون وحرار جمع حرة.

ذات النخل

الثامن والثلاثون : «ذات النخل» وهو وذات الحجر مما استعمله المتأخرون في أشعارهم ، وقد نسجت على منوالهم حيث قلت في مطلع قصيدة :

أشجان قلبي بذات النّخل والحجر

وأختها تلك ذات الحجر والحجر

تقسّم القلب بين البلدتين ؛ فلا

أنفك من لهب الأشواق في سعر

وفي أحاديث الهجرة «أريت دار هجرتي ذات نخل وحرة»(١) ، وقال عمران بن عامر الكاهن يصف البلاد لقومه : ومن كان منكم يريد الراسخات في الوحل ، المطعمات في المحل(٢) ، فليلحق بالحرة ذات النخل. وروي كما سيأتي بيثرب ذات النخل

السلقة

التاسع والثلاثون : «السلقة» ذكره أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أمين الأقشهري في أسمائها المنقولة عن التوراة ، ولم نضبطه ، وهو محتمل لفتح اللام وكسرها ، والسّلق بالتحريك : القاع الصفصف(٣) ، وسلقت البيض : أغليته بالنار ، والمسلاق : الخطيب البليغ ،

__________________

(١) الحرّة : أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت (ج) حرار.

(٢) المحل : انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلإ.

(٣) الصفصف : المستوي من الأرض لا نبات فيه. و ـ الأرض المنبسطة بين الجبال.


وربما قيل للمرأة السليطة : سلقة ـ بكسر اللام ـ فتسميتها بذلك لاتساعها وبعدها عن جبالها ، أو للأوائها ، أو لشدة حرها وما كان بها من الحمى الشديدة ، أو لأن الله تعالى سلط أهلها على سائر البلاد فافتتحوها.

سيدة البلدان

الأربعون : «سيدة البلدان» لما أسنده الديلمي من الحلية لأبي نعيم عن ابن عمر مرفوعا «يا طيبة يا سيدة البلدان».

الشافية

الحادي والأربعون : «الشافية» لحديث «ترابها شفاء من كل داء» وذكر الجذام والبرص ، ولقد شاهدنا من استشفى بترابها من الجذام فنفعه الله به ، والاستشفاء بتربة صعيب من الحمى مشهور ، كما سيأتي ، ولما صح في الاستشفاء بتمرها ، وذكر ابن مسدي الاستشفاء من الحمى بكتابة أسمائها وتعليقها على المحموم ، وسيأتي أنها تنفي الذنوب فتشفى من دائها.

طابة وطيبة

الثاني والأربعون : «طابة» بتخفيف الموحدة. الثالث والأربعون : «طيبة» بسكون المثناة التحتية.

الرابع والأربعون : «طيّبة» بتشديدها. الخامس والأربعون : «طائب» ككاتب ، وهذه الأربعة مع اسمها المطيبة أخوات لفظا ومعنى ، مختلفات صيغة ومبنى ، وقد صح حديث «إن الله سمى المدينة طابة» وفي رواية «إن الله أمرني أن أسمي المدينة طابة» وروى ابن شبة وغيره : كانوا يسمون يثرب ، فسماها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم طيبة ، وفي حديث «للمدينة عشرة أسماء هي المدينة وطيبة وطابة» ورواه صاحب النواحي بلفظ طابت بدل طيبة ، وعن وهب بن منبه : والله إن اسمها في كتاب الله ـ يعني التوراة ـ طيبة وطابة ، ونقل عن التوراة تسميتها بالمطيبة أيضا ، وكذا بطابة والطيبة ، وتسميتها بهذه الأسماء إما من الطيب بتشديد المثناة ، وهو الطاهر ؛ لطهارتها من أدناس الشرك ، أو لموافقتها من قوله تعالى :( بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) [يونس : ٢٢] أو لحلول الطيب بهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو لكونها كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها ، وإما من الطيب ـ بسكون المثناة ـ لطيب أمورها كلها ، وطيب رائحتها ، ووجود ريح الطيب بها ، قال ابن بطّال : من سكنها يجد من ترتبها وحيطانها رائحة حسنة ، وقال الإشبيلي : لتربة المدينة نفحة ، ليس طيبها كما عهد من الطيب ، بل هو عجب من الأعاجيب ، وقال ياقوت :


من خصائصها طيب ريحها ، وللمطر فيها رائحة لا توجد في غيرها ، وما أحسن قول أبي عبد الله العطار :

بطيب رسول الله طاب نسيمها

فما المسك ما الكافور ما المندل الرّطب

ظباب

السادس والأربعون : «ظباب» ذكره ياقوت ، ولم يضبطه ، وهو إما بكسر المهملة أو بفتح المعجمة ؛ فالأول بمعنى القطعة المستطيلة من الأرض ، والثاني من ظبب وظبظب إذا حمّ ؛ لأنها كانت لا يدخلها أحد إلا حمّ ، قاله المجد.

العاصمة

السابع والأربعون : «العاصمة» لأنها عصمت المهاجرين ووقتهم أذى المشركين ، ولما تقدم في «الجنة الحصينة» ويحتمل : أن يكون بمعنى المعصومة لعصمتها قديما بجيوش موسى وداودعليهما‌السلام المبعوث إلى من كان بها من الجبابرة ، وحفظها حديثا نبي الرحمةصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى صارت حرما آمنا ، لا يدخلها الدجال ولا الطاعون ، ومن أرادها بسوء أذابه الله.

العذراء

الثامن والأربعون : «العذراء» بإهمال أوله وإعجام ثانيه ، منقول عن التوراة ، سميت به لحفظها من وطء العدو القاهر في سالف الزمان ، إلى أن تسلمها مالكها الحقيقي سيد الأنام ، مع صعوبتها وامتناعها على الأعداء ، ولذلك سميت البكر بالعذراء.

العرّاء

التاسع والأربعون : «العرّاء» بإهمال أوله وثانيه وتشديده ، بمعنى الذي قبله ، قال أئمة اللغة : العراء الجارية العذراء ، كأنها شبهت بالناقة العراء التي لا سنام لها وصغر سنامها كصغر نهد العذراء أو عدمه ؛ فيجوز أن يكون تسمية المدينة بذلك لعدم ارتفاع أبنيتها في السماء.

العروض

الخمسون : «العروض» كصبور ، وقيل : هو اسم لها ولما حولها ؛ لانخفاض مواضع منها ومسائل أودية فيها ، وقال الخليل : العروض : طريق في عرض الجبل ، وعرض الرجل إذا أتى المدينة ؛ فإن المدينة سميت عروضا لأنها من بلاد نجد ، ونجد كلها على خط مستقيم طولاني والمدينة معترضة عنها ناحية على أنها نجدية.


الغرّاء

الحادي والخمسون : «الغرّاء» بالغين المعجمة ـ تأنيث الأغر ، وهو ذو الغرة من الخيل : أي : البياض في مقدم وجهه ، والغرة أيضا : خيار كل شيء ، وغرة الإنسان : وجهه ، والأغر : الأبيض من كل شيء ، والذي أخذت اللحية جميع وجهه إلا القليل ، ومن الأيام الشديد الحر ، والرجل الكريم ، والغراء : نبت طيب الرائحة ، والسيدة الكبيرة في قبيلتها ؛ فسميت المدينة بذلك لشرف معالمها ، ووضوح مكارمها ، واشتهارها ، وسطوع نورها ، وبياض نورها ، وطيب رائحتها ، وكثرة نخلها ، وسيادتها على القرى ، وكرم أهلها ، ورفعة محلها.

غلبة

الثاني والخمسون : «غلبة» محركة بمعنى الغلب ؛ لظهورها واستيلائها على سائر البلاد ، وهو اسم قديم جاهلي ، قال ابن زبالة : حدثني داود بن مسكين الأنصاري عن مشيخته قالوا : كانت يثرب في الجاهلية تدعى غلبة ، نزلت اليهود على العماليق فغلبتهم عليها ، ونزلت الأوس والخزرج على اليهود فغلبوهم عليها ، ونزل الأعاجم على المهاجرين فغلبوهم عليها ، كذا في النسخة التي وقفت عليها من كتاب ابن زبالة ، ونقله المجد عن الزبير بن بكار راوي كتاب ابن زبالة ، وقال فيه بدل قوله ونزل الأعاجم : ونزل المهاجرون على الأوس والخزرج فغلبوهم عليها.

الفاضحة

الثالث والخمسون : «الفاضحة» بالفاء والضاد المعجمة والحاء المهملة ـ نقله بعضهم عن كراع ، ومأخذها ما سيأتي في معنى كونها تنفي خبثها من أنها تميزه وتظهره فلا يبطن بها أحد عقيدة فاسدة أو يضمر أمرا إلا ظهر عليه ، وافتضح به ، بخلاف غيرها من البلاد ، وقد شاهدنا ذلك كثيرا بها.

القاصمة

الرابع والخمسون : «القاصمة» بالقاف والصاد المهملة ـ نقل عن التوراة سميت به لقصمها كل جبار عناها(١) ، وكسر كل متمرد أتاها ، ومن أرادها بسوء أذابه الله.

قبة الإسلام

الخامس والخمسون : «قبة الإسلام» لحديث «المدينة قبة الإسلام».

قرية الأنصار

السادس والخمسون : «قرية الأنصار» قال ابن سيدة : القرية ـ بفتح القاف وكسرها ـ

__________________

(١) عناها : أرادها. و ـ قصدها بسوء.


المصر الجامع ، من قريت الماء في الحوض ، إذا جمعته ، وقال أبو هلال العسكري : العرب تسمي كل مدينة صغرت أو كبرت قرية ، قلت : وسيأتي في معنى «المدينة» ما يقتضي أنه يعتبر في مسماها زيادتها على القرية ونقصها على المصر ، وقيل : يطلق عليه ، والأنصار : واحدهم ناصر ، سموا بذلك لنصرهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإيوائهم له وللمهاجرين ، فمدحهم الله بقوله :( وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا ) [الأنفال : ٧٢] فسماهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الأنصار ، وكان يقال لهم قبل ذلك الأوس والخزرج ، وفي الحديث عن غيلان بن جرير قال : قلت لأنس بن مالك : أرأيتم اسم الأنصار ، كنتم تسمون به أم سماكم الله؟ قال : بل سمانا الله. وسيأتي في حديث «إن الله قد طهر هذه القرية من الشرك» فلك أن تعده اسما آخر.

قرية رسول الله

السابع والخمسون : «قرية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم » لما سيأتي في عصمتها من الدجال من قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ثم يسير حتى يأتي المدينة ، ولا يأذن له فيها ؛ فيقول : هذه قرية ذاك الرجل» يعني النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

قلب الإيمان

الثامن والخمسون : «قلب الإيمان» أورده ابن الجوزي في الوفاء في حديث «المدينة قبة الإسلام».

المؤمنة

التاسع والخمسون : «المؤمنة» إما لتصديقها بالله حقيقة كذوي العقول ؛ إذ لا بعد في خلق الله تعالى قوة في الجماد قابلة للتصديق والتكذيب ، وقد سمع تسبيح الحصى في كفهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو مجازا لاتصاف أهلها بذلك ، ولانتشار الإيمان منها ، واشتمالها على أوصاف المؤمن من النفع والبركة وعدم الضرر والمسكنة ، وإما لإدخالها أهلها في الأمان من الأعداء ، وأمنهم من الدجال والطاعون ، وروى ابن زبالة في حديث «والذي نفسي بيده إن ترتبها لمؤمنة» وروى «أنها مكتوبة في التوراة مؤمنة».

المباركة

الستون : «المباركة» ؛ لأن الله تعالى بارك فيها بدعائهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لحديث «اللهم اجعل


بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة» وغيره من الأحاديث الصحيحة الكثيرة ، وآثار تلك الدعوات من الأمور الظاهرات.

مبوأ الحلال والحرام

الحادي والستون : «مبوّأ الحلال والحرام» رواه الطبراني في حديث «المدينة قبة الإسلام» والتبوؤ : التمكن والاستقرار ، سميت به لأنها محل تمكن هذين الحكمين واستقرارهما ، وفي بعض النسخ «مثوى» بالمثلاثة الساكنة بدل الموحدة ، والأول هو الذي رأيته بخط الحافظ أبي الفتح المراغي.

مبين الحلال والحرام

الثاني والستون : «مبين الحلال والحرام» رواه ابن الجوزي والسيد أبو العباس القرافي في حديث «المدينة قبة الإسلام» بدل الذي قبله ، سميت به لأنها المحل الذي ابتدأ فيه ببيان الحلال والحرام.

المجبورة

الثالث والستون : «المجبورة» بالجيم ـ ذكره في حديث «للمدينة عشرة أسماء» ونقل عن الكتب المتقدمة ، وسميت به لأن الله تعالى جبرها بسكنى نبيه وصفيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حيا وضمها لأعضائه الشريفة ميتا بعد نقل حمّاها ، وتطييب مغناها ، والحث على سكناها ، وتنزل البركات بمدها وصاعها ؛ فهي بهذا السر الشريف مسرورة ، وبهذه المنح العظيمة محبورة ، تسحب ذيل الفخار ، على سائر الأقطار.

المحبة

الرابع والستون : «المحبة» بضم الميم وبالحاء المهملة وتشديد الموحدة ـ نقل عن الكتب المتقدمة.

المحبّبة

الخامس والستون : «المحببة» بزيادة موحدة على ما قبله.

المحبوبة

السادس والستون : «المحبوبة» نقل عن الكتب المتقدمة أيضا ، وهذه ثلاثة مع ما تقدم من اسمها الحبيبة من مادة واحدة ، سميت بذلك لما تقدم من حبهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لها ودعائه بذلك ، وجاء ما يقتضي أنها أحب البقاع إلى الله تعالى ، ويؤيده أنه تعالى اختارها لحبيبهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حيّا وميتا ؛ فهي محبوبة إلى الله تعالى ورسوله وسائر المؤمنين ، ولهذا ترتاح النفوس لذكرها ، وتهيم القلوب لشهود سرها.


المحبورة

السابع والستون : «المحبورة» من الحبر ، وهو السرور ، وكذلك الحبر والحبور والحبرة ، لما تقدم في الحبورة ، أو هو من الحبرة بمعنى النعمة ، والحبرة أيضا المبالغة فيما وصف بجميل ، والمحبار من الأرض : السريعة النبات الكثيرة الخيرات.

المحرمة

الثامن والستون : «المحرمة» لما سيأتي في تحريمها.

المحفوفة

التاسع والستون : «المحفوفة» لأنها محفوفة بالبركات ، وملائكة السموات ، محفوظة من المخاوف والأوجال ، وعلى أبوابها وأنقابها(١) الملائكة يحرسونها من الطاعون والدجال ، وسيأتي حديث «المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة ، على كل نقب منها ملك ، لا يدخلها الدجال ولا الطاعون».

المحفوظة

السبعون : «المحفوظة» لأن الله تعالى حفظها من الدجال والطاعون وغيرهما ، وفي حديث «القرى المحفوظة أربع» وذكر المدينة منها ، وفي حديث آخر رويناه في فضائل المدينة للمفضل الجندي «المدينة مشتبكة بالملائكة ، على كل نقب منها ملك يحرسها» فلك أن تسميها المحروسة أيضا.

المختارة

الحادي والسبعون : «المختارة» لأن الله تعالى اختارها للمختار من خلقه في حياته ومماته.

مدخل صدق

الثاني والسبعون : «مدخل صدق» قال الله تعالى :( وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ) [الإسراء : ٨٠] ، قال بعض المفسرين : مدخل صدق : المدينة ، ومخرج صدق : مكة،

__________________

(١) الأنقاب : جمع نقب. الطريق الضيق في الجبل.


وسلطانا نصيرا : الأنصار ، وروي ذلك عن زيد بن أسلم ، ويدل له ما رواه الترمذي وصححه في سبب نزول الآية.

المدينة

الثالث والسبعون : «المدينة». الرابع والسبعون : «مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم » من مدن بالمكان إذا أقام ، أو من دان إذا أطاع ، فالميم زائدة ؛ لأن السلطان يسكن المدن فتقام له طاعة فيها ، أو لأن الله تعالى يطاع فيها ، والمدينة : أبيات مجتمعة كثيرة تجاوز حد القرى كثرة وعمارة ، ولم تبلغ حد الأمصار ، وقيل : يقال لكل مصر. والمدينة وإن أطلق على أماكن كثيرة فهو علم مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهجر كونه علما في غيرها ، بحيث إذا أطلق لا يتبادر إلى الفهم غيرها ؛ ولا يستعمل فيها إلا معرفة ، قيل : لأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سكنها ، وله دانت الأمم ولأمته ، والنكرة اسم لكل مدينة ، وقد نسبوا للكل مديني ، وإلى مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم مدني ، للفرق ، وتسميتها بذلك متكررة في القرآن العظيم ، ونقل عن التوراة.

المرحومة

الخامس والسبعون : «المرحومة» نقل عن التوراة ، سميت به لأنها دار المبعوث رحمة للعالمين ، ومحل تنزيل الرحمة من أرحم الراحمين ، وأول بلد رحمت بسيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

المرزوقة

السادس والسبعون : «المرزوقة» لأن الله تعالى رزقها أفضل الخلق فسكنها ، أو المرزوق أهلها أرزاقا حسية ومعنوية ومن فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ولا يخرج أحد منها رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه كما جاء في الحديث.

مسجد الأقصى

السابع والسبعون : «مسجد الأقصى» نقله التادلي في منسكه عن صاحب المطالع.

المسكينة

الثامن والسبعون : «المسكينة» نقل عن التوراة ، وذكر في حديث «للمدينة عشرة أسماء» وروي عن علي يرفعه «إن الله تعالى قال للمدينة : يا طيبة ، يا طابة ، يا مسكينة ، لا تقبلي الكنوز ، أرفع أجاجيرك على أجاجير(١) القرى» عن كعب أنه وجد ذلك في التوراة ،

__________________

(١) الأجاجير : السطوح التي لا سترة عليها.


والأجاجير : السطوح ، وأصل المسكنة الخضوع ، فسميت بذلك إما لأن الله تعالى خلق فيها الخضوع والخشوع له ، وإما لأنها مسكن المساكين ، سكنها كل خاضع وخاشع ، وفي الحديث «اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين».

المسلمة

التاسع والسبعون : «المسلمة» كالمؤمنة ، وقد قدمناه ، والإسلام يطلق على الانقياد والانقطاع إلى الله تعالى ، فسميت بذلك إما لأن الله تعالى خلق فيها الانقياد والانقطاع إليه ، وإما لانقياد أهلها بالطاعة والاستسلام ، وفتح بلدهم بالقرآن ، لا بالسيف والسهام ، وانقطاعهم إلى الله ورسوله ، وتبتلهم لنصره وتحصيل سوله(١) .

مضجع الرسول

الثمانون : «مضجع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم » لما سيأتي في حفظ أهلها وإكرامهم من قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «المدينة مهاجري ومضجعي في الأرض».

المطيبة

الحادي والثمانون : «المطيّبة» بضم أوله وفتح ثانيه ـ تقدم مع أخواته في الطيبة.

المقدسة

الثاني والثمانون : «المقدسة» لتنزّهها ولطهارتها من الشرك والخبائث ، ولأنها يتبرك بها ويتطهر عن أرجاس الذنوب والآثام.

المقر

الثالث والثمانون : «المقرّ» بالقاف : من القرار كما رأيته في بعض كتب اللغة وسيأتي في دعائهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لها قوله : «اللهم اجعل لنا بها قرارا ورزقا حسنا».

المكتان

الرابع والثمانون : «المكّتان» قال سعد بن أبي سرح في حصار عثمان :

أرى الأمر لا يزداد إلّا تفاقما

وأنصارنا بالمكّتين قليل

وقال نصر بن حجاج فيما كتب به إلى عمررضي‌الله‌عنه بعد نفيه إياه من المدينة لما سمع امرأة تترنم به في شعرها لجماله :

حقّقت بي الظّنّ الذي ليس بعده

مقام ؛ فما لي بالنّديّ كلام

__________________

(١) سوله : سؤاله. وفي التنزيل الكريم :( قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ) [سورة طه : الآية ٣٦].


فأصبحت منفيّا على غير ريبة

وقد كان لي بالمكّتين مقام

والظاهر : أن المراد المدينة ؛ لأن قصة عثمان ونصر بن حجاج كانتا بها ، وأطلق ذلك لانتقال أهل مكة أو غالبهم إليها وانضمامهم إلى أهلها ، وقد ذكر البرهان القيراطي المكتين في أسماء مكة ، قال التقي الفاسي : ولعله أخذه من قول ورقة بن نوفل :

ببطن المكتين على رجائي

قال السهيلي : ثنّى مكة ـ وهي واحدة ـ لأن لها بطاحا وظواهر(١) ، وإنما مقصد العرب في هذه الإشارة إلى جانبي كل بلدة ، أو أعلى البلد وأسفلها ، فيجعلونها اثنين على هذا المعنى ، انتهى. ويحتمل أن تكون التثنية فيما استشهدنا به من قبيل التغليب وأن المراد مكة والمدينة ، فيسقط الاستشهاد به.

المكينة

الخامس والثمانون : «المكينة» لتمكنها في المكانة والمنزلة عند الله تعالى.

مهاجر الرسول

السادس والثمانون : «مهاجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم » ؛ لقوله : «المدينة مهاجري».

الموفية

السابع والثمانون : «الموفّية» بتشديد الفاء ـ من التوفية ، ويجوز تخفيفها ، إذ التوفية والإيفاء بمعنى ؛ سميت به لتوفيتها حق الواردين ، وإحسانها نزل الوافدين حسّا ومعنى ، أو لأن سكانها من الصحابة الموفون بما عاهدوا الله عليه.

الناجية

الثامن والثمانون : «الناجية» بالجيم من نجا إذا خلص أو أسرع ، أو من نجاه وناجاه سارّه ، أو من النّجوة للأرض العالية ، سميت بذلك لنجاتها من العتاة والطاعون والدجال ، ولإسراعها في الخيرات ، وسبقها إلى حيازة السبق بأشرف المخلوقات ، ولارتفاع شأنها بين الورى ، ورفع أجاجيرها على أجاجير القرى.

نبلاء

التاسع والثمانون : «نبلاء» نقل من كراع ، وأظنه بفتح النون وسكون الموحدة ممدودا ، من النبل ـ بالضم والسكون ـ وهو الفضل والنجابة ، ويقال : امرأة نبيلة في الحسن ، بينة النبالة ، وأنبل النخل : أرطب ، والنّبلة ـ بالضم ـ الثواب والجزاء والعطية.

__________________

(١) البطاح : الباطن. الظواهر : الظاهر.


النحر

التسعون : «النحر» بفتح النون وسكون الحاء المهملة ـ سميت به إما لشدة حرها ، كما يقال : نحر الظهيرة ، ولذا شاركتها مكة فيه ، وإما لإطلاق النحر على الأصل ، وهما أساس بلاد الإسلام وأصلها.

الهذراء

الحادي والتسعون : «الهذراء» ذكره ابن النجار بدل العذراء نقلا عن التوراة ، وتبعه جماعة كالمطري ؛ فلذلك أثبتناه ، وإن كان الصواب إسقاطه كما بيناه في الأصل ، وقد رويناه في كلام من أثبته بالذال المعجمة ، فالتسمية به لشدة حرها ، يقال : يوم هاذر شديد الحر ، أو لكثرة مياهها وسوانيها المصوّتة عند سوقها ، يقال : هذر في كلامه ، إذا أكثره ، والهذر ـ محركا ـ الكثير الرديء ، ويحتمل أن يكون بالمهملة من «هدر الحمام» إذا صوّت ، والماء انصب وانهمر ، والعشب طال ، وأرض هادرة : كثيرة النبات.

يثرب

الثاني والتسعون : «يثرب» لغة في أثرب ، وقد تقدم الكلام عليه فيه ، وليست المذكورة في قول الشاعر :

وعدت وكان الخلف منك سجيّة

مواعيد عرقوب أخاه بيترب(١)

لأن المجد قال : أجمعوا فيه على تثنية التاء وفتح الراء ، وقال : هي مدينة بحضرموت ، قيل : كان بها عرقوب صاحب المواعيد ، مع أن المجد صحّح أنه من قدماء يهود مدينة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وفي مشارق عياض قيل : إن يثرب المذكورة في البيت مثل يثرب المدينة النبوية ، وقيل : قرية باليمامة ، وقيل : إنما هي يترب بمثناة فوقية وراء مفتوحة اسم تلك القرية ، وقيل : اسم قرية من بلاد بني سعد من تميم ، كما اختلف في عرقوب هذا ؛ فقيل : رجل من الأوس من أهل المدينة ، وقيل : من العماليق أهل اليمامة ، وقيل : من بني سعد المذكورين اه. وأما قول هند بنت عتبة :

لنهبطنّ يثربه

بغارة منشعبه

فالظاهر أن الهاء فيه للسكت ، فلس اسما آخر.

يندد

الثالث والتسعون : «يندد» ذكره كراع هكذا بالمثناة التحتية ودالين ، وهو إما من النّدّ

__________________

(١) السجيّة : الخلق والطبيعة. (ج) سجايا.


وهو الطيب المعروف ، وقيل : العنبر ، أو من النّد للتل المرتفع ، أو من الناد وهو الرزق.

يندر

الرابع والتسعون : «يندر» بإبدال الدال الأخيرة من الاسم قبله راء ، ذكره المجد عند سرد الأسماء ، ولم يتكلم عليه بعد ، لما سنذكره ، وإنباته لوقوعه كذلك في حديث «للمدينة عشرة أسماء» في بعض الكتب ، وفي بعضها بمثناة فوقية ودالين ، وفي بعضها كذلك مع إبدال الدال الأخيرة راء ؛ فتحرر من مجموع ذلك أربعة أسماء : اثنان بالمثناة التحتية ، واثنان بالفوقية ، وذلك المستند في تقديمها في محلها ، وقال المجد : إن ذلك كله تصحيف ، وإن الصواب يندد بالمثناة التحتية ودالين ، وفيه نظر ؛ لأن الزركشي عند ذكر أسماء المدينة جمع بين اثنين من هذه الأربعة وقال : ذكرهما البكري ؛ فيحتمل ثبوت الأخيرين ، وحديث «للمدينة عشرة أسماء» رواه ابن شبة من طريق عبد العزيز بن عمران ، وسردها فيه ثمانية فقط ، ثم روى من طريقه أيضا عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب سمى الله المدينة الدار والإيمان ، قال : وجاء في الحديث الأول ثمانية أسماء ، وجاء في هذا اسمان ، فالله أعلم أهما تمام العشرة أم لا اه. ورواه ابن زبالة كذلك إلا أنه سرد تسعة فزاد اسم الدار ، وأسقط العاشر ، ونقل ابن زبالة أن عبد العزيز بن محمد الدراوردي قال : بلغني أن للمدينة في التوراة أربعين اسما ، والله أعلم.


الباب الثاني

في فضائلها ، وبدء شأنها وما يؤول إليه أمرها ، وظهور النار المنذر بها من أرضها ، وانطفائها عند الوصول إلى حرمها ، وفيه ستة عشر فصلا.

الفصل الأول في تفضيلها على غيرها من البلاد

مكة أفضل أم المدينة

قد انعقد الإجماع على تفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة ، حتى على الكعبة المنيفة ، وأجمعوا بعد على تفضيل مكة والمدينة على سائر البلاد ، واختلفوا أيهما أفضل ؛ فذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ومالك بن أنس وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة ، وأحسن بعضهم فقال : محل الخلاف في غير الكعبة الشريفة ، فهي أفضل من المدينة ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة إجماعا ، وحكاية الإجماع على تفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة نقله القاضي عياض ، وكذا القاضي أبو الوليد الباجي قبله كما قال الخطيب ابن جملة ، وكذا نقله أبو اليمن ابن عساكر وغيرهم ، مع التصريح بالتفضيل على الكعبة الشريفة ، بل نقل التاج السبكي عن ابن عقيل الحنبلي أن تلك البقعة أفضل من العرش.

وقال التاج الفاكهي : قالوا : لا خلاف أن البقعة التي ضمت الأعضاء الشريفة أفضل بقاع الأرض على الإطلاق حتى موضع الكعبة ، ثم قال : وأقول أنا : أفضل بقاع السموات أيضا ، ولم أر من تعرض لذلك ، والذي أعتقده أن ذلك لو عرض على علماء الأمة لم يختلفوا فيه ، وقد جاء أن السموات تشرفت بمواطئ قدميهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بل لو قال قائل : إن جميع بقاع الأرض أفضل من جميع بقاع السماء شرفها لكون النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حالّا فيها لم يبعد ، بل هو عندي الظاهر المتعين.

الأرض أفضل أم السماء؟

قلت : وقد صرح بما بحثه من تفضيل الأرض على السماء ابن العماد نقلا عن الشيخ تاج الدين إمام الفاضلية.

قال : وقالوا : إن الأكثرين عليه ؛ لأن الأنبياء خلقوا من الأرض وعبدوا الله فيها ، ودفنوا بها اه.


وقال النووي : المختار الذي عليه الجمهور أن السموات أفضل من الأرض ، وقيل : إن الأرض أشرف ؛ لأنها مستقر(١) الأنبياء ومدفنهم ، وهو ضعيف.

قلت : وكأن وجه تضعيفه للثاني أن الكلام عن مطلق الأرض ، ولا يلزم من تفضيل بعضها لكونها مدفن الأنبياء تفضيل كلها ، وضعف أيضا بأن أرواح الأنبياء في السموات والأرواح أفضل من الأجساد ، وجوابه ما سنحققه إن شاء الله تعالى من حياة الأنبياء في قبورهم ، صلوات الله وسلامه عليهم.

وقال شيخنا المحقق ابن إمام الكاملية في تفسير سورة الصف : والحق أن مواضع الأنبياء وأرواحهم أشرف من كل ما سواها من الأرض والسماء ، ومحل الخلاف في غير ذلك كما كان يقرره شيخ الإسلام البلقيني.

قال الزركشي : وتفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة للمجاورة ، ولهذا يحرم للمحدث مس جلد المصحف.

عود لتفضيل مكة أو المدينة

قال القرافي : ولما خفي هذا المعنى على بعض الفضلاء أنكر حكاية الإجماع على تفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة ، وقال : التفضيل إنما هو بكثرة الثواب على الأعمال ، والعمل على قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم محرم ، قال : ولم يعلم أن أسباب التفضيل أعم من الثواب ، والإجماع منعقد على التفضيل بهذا الوجه لا بكثرة الثواب ، ويلزمه أن لا يكون جلد المصحف ـ بل ولا المصحف نفسه ـ أفضل من غيره لتعذر العمل فيه ، وهو خرق للإجماع.

قلت : وما ذكره من التفضيل بالمجاورة مسلّم ، لكن ما اقتضاه من عدم التفضيل لكثرة الثواب في ذلك ممنوع لما سنحققه.

كلام للعز بن عبد السلام

وأصل الإشكال لابن عبد السلام فإنه قال في أماليه : تفضيل مكة على المدينة أو عكسه معناه أن الله يرتب على العمل في إحداهما من الثواب أكثر مما يرتبه على العمل في الأخرى ؛ فيشكل قول القاضي عياض : أجمعت الأمة على أن موضع القبر الشريف أفضل ؛ إذ لا يمكن أحد أن يعبد الله فيه.

__________________

(١) مستقر الأنبياء : موطن دعوتهم في حياتهم ، ومدفنهم بها بعد وفاتهم.


كلام للتقي السبكي

قال التقي السبكي : وقد رأيت جماعة يستشكلون نقل هذا الإجماع ، وقال لي قاضي القضاة السروجي الحنفي : طالعت في مذهبنا خمسين تصنيفا فلم أجد فيها تعرضا لذلك ، قال السبكي : وقد وقفت على ما ذكره ابن عبد السلام من أن الأزمان والأماكن كلها متساوية ، ويفضلان بما يقع فيهما ، لا بصفات قائمة بها ، ويرجع تفضيلها إلى ما ينيل الله العباد فيهما ، وأن التفضيل الذي فيهما أن الله يجود على عباده بتفضيل أجر العاملين فيهما ، قال السبكي : وأنا أقول : قد يكون التفضيل لذلك ، وقد يكون لأمر آخر فيهما ، وإن لم يكن عمل ؛ فإن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة ، وله عند الله من المحبة ، ولساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه ، وليس ذلك لمكان غيره ، فكيف لا يكون أفضل الأماكن؟ وليس محل عمل لنا ، فهذا معنى غير تضعيف الأعمال فيه ، وأيضا فباعتبار ما قيل : إن كل أحد يدفن بالموضع الذي خلق منه ، وأيضا فقد تكون الأعمال مضاعفة فيها باعتبار أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حي ، وأن أعماله مضاعفة أكثر من كل أحد ؛ فلا يختص التضعيف بأعمالنا نحن.

قلت : وهذا من النفاسة بمكان ، على أني أقول : الرحمات والبركات النازلة بذلك المحل يعم فيضها الأمة ، وهي غير متناهية ؛ لدوام ترقياته عليه الصلاة والسلام ، وما تناله الأمة بسبب نبيها هو الغاية في الفضل ، ولذا كانت خير أمة بسبب كون نبيها خير الأنبياء ، فكيف لا يكون القبر الشريف أفضل البقاع مع كونه منبع فيض الخيرات؟ ألا ترى أن الكعبة على رأي من منع الصلاة فيها ليست محل عملنا ، أفيقول عاقل بتفضيل المسجد حولها عليها لأنه محل العمل مع أن الكعبة هي السبب في إنالة تلك الخيرات؟ وأيضا فاهتمامهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأمر أمته معلوم ، وإقبال الله عليه دائم ، وهو بهذا المحل الشريف ، فتكثر شفاعته فيه لأمته وأمداده إياهم ، وقد ورد في حديث «وفاتي خير لكم» وجاء بيان ذلك بأن «أعمالكم تعرض عليّ ؛ فإن رأيت خيرا حمدت الله ، وإن رأيت غير ذلك استغفرت لكم» وفي رواية «استوهبت الله ذنوبكم» وله شواهد تقويه ، وسيأتي في الباب الثامن أن المجيء المذكور في قوله تعالى :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ ) [النساء : ٦٤] الآية حاصل بالمجيء إلى قبره الشريف أيضا ، فزيارته والمجاورة عنده من أفضل القربات ، وعنده تجاب الدعوات ، وتحصل الطلبات ، فقد جعله الله تعالى سببا في ذلك أيضا ، فهو روضة من رياض الجنة ، بل أفضل رياضها ، وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لقاب قوس


أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها» بل لو تعلق متعلق بما قررناه من كون القبر الشريف منبع جميع الخيرات وهو بالمدينة فتكون هي أفضل لكان له وجه.

وقد قال الحكيم الترمذي في نوادره : سمعت الزبير بن بكار يقول : صنّف بعض أهل المدينة في المدينة كتابا ، وصنف بعض أهل مكة في مكة كتابا ، فلم يزل كل واحد منهما يذكر بقعته بفضيلة ، يريد كل واحد منهما أن يبرز على صاحبه بها ، حتى برز المدني على المكي في خلّة واحدة عجز عنها المكي ، وأن المدني قال : إذ كل نفس إنما خلقت من تربته التي يدفن فيها بعد الموت ، وكان نفس الرسول إنما خلقت من تربة المدينة ؛ فحينئذ تلك التربة لها فضيلة بارزة على سائر الأرض.

يخلق الإنسان من تربة الأرض التي يدفن فيها

قلت : ويدل لما ذكر من أن النفس تخلق من تربة الدفن ما رواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح وله شواهد صحيحة عن أبي سعيد ، قال : «مرّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عند قبر ، فقال : قبر من هذا؟ فقالوا : فلان الحبشي يا رسول الله ، فقال : لا إله إلا الله ، سيق من أرضه وسمائه إلى التربة التي منها خلق» ورواه الحكيم الترمذي بنحوه عن أبي هريرة ، ورواه البزار عن أبي سعيد بنحوه ، وفيه عبد الله والد ابن المديني وهو ضعيف ، وروى الطبراني في الأوسط نحوه عن أبي الدرداء ، وفيه الأحوص بن حكيم ، وثّقه العجلي ، وضعفه الجمهور ، وروي في الكبير أيضا نحوه عن ابن عمر ، وقال الذهبي في بعض رواته :ضعفوه ، وأسند ابن الجوزي في الوفاء عن كعب الأحبار : لما أراد اللهعزوجل أن يخلق محمداصلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر جبريل فأتاه بالقبضة البيضاء التي هي موضع قبرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فعجنت بماء التسنيم ، ثم غمست في أنهار الجنة ، وطيف بها في السموات والأرض ، فعرفت الملائكة محمدا وفضله قبل أن تعرف آدمعليه‌السلام ، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سرد خصائصها.

وقال الحكيم الترمذي في حديث : «إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة" : إنما صار أجله هناك لأنه خلق من تلك البقعة ، وقد قال الله تعالى :( مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ ) [طه : ٥٥] الآية ، قال : فإنما يعاد المرء من حيث بدئ منه ، قال : وروي أن الأرض عجّت(١) إلى ربها لما أخذت تربة آدمعليه‌السلام ، فقال لها : سأردها إليك ، فإذا مات دفن في البقعة التي منها تربته.

وعن يزيد الجريري قال : سمعت ابن سيرين يقول : لو حلفت حلفت صادقا بارّا غير شاك ولا مستثن أن الله تعالى ما خلق نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا أبا بكر ولا عمر إلا من طينة واحدة ثم ردهم إلى تلك الطينة.

__________________

(١) عجّ ، عجا وعجّة : رفع صوته وصاح. ويقال : عجّ إلى الله بالدعاء.


وروى ابن الجوزي في الوفاء عن عائشة قالت : لما قبض النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم اختلفوا في دفنه ؛ فقالوا : أين يدفن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ فقال علي : إنه ليس في الأرض بقعة أكرم على الله من بقعة قبض فيها نفس نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وروى يحيى أن عليا قال لما اختلفوا : لا يدفن إلا حيث توفاه اللهعزوجل ، وأنهم رضوا بذلك.

قلت : ويؤخذ مما قاله على مستند نقل الإجماع السابق على تفضيل القبر الشريف ؛ لسكوتهم عليه ، ورجوعهم إلى الدفن به.

ولما قال الناس لأبي بكررضي‌الله‌عنه : يا صاحب رسول الله ، أين يدفن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ قال : في المكان الذي قبض الله تعالى روحه فيه ؛ فإن الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب ، رواه الترمذي في شمائله ، والنسائي في الكبرى ، وإسناده صحيح ، ورواه أبو يعلى الموصلي ، ولفظه : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «لا يقبض النبي إلا في أحب الأمكنة إليه».

قلت : وأحبها إليه أحبها إلى ربه ؛ لأن حبه تابع لحب ربه إلا أن يكون حبه عن هوى نفس ، وما كان أحب إلى الله ورسوله كيف لا يكون أفضل ، ولهذا أخذت تفضيل المدينة على مكة من قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما في الصحيح : «اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد» أي بل أشد ، أو وأشد ، كما روي به ، ومن إجابة دعوتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يحرك دابته إذا رآها من حبها.

وقد روى الحاكم في مستدركه حديث : «اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي ، فأسكنّي في أحب البقاع إليك» وفي بعض طرقه أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قاله حين خرج من مكة ، وفي بعضها أنه وقف بالحزورة(١) ، وفي بعضها بالحجون(٢) فقاله ، وقد ضعفه ابن عبد البر.

قيل : ولو سلمت صحته فالمراد أحب البقاع إليك بعد مكة ؛ لحديث : «إن مكة خير بلاد الله» وفي رواية : «أحب أرض الله إلى الله» ولأنه قد صح لمسجد مكة من المضاعفة زيادة على ما صح لمسجد المدينة كما سيأتي.

قلت : فيما قدمناه من دعائهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بحبها أشد من حب مكة مع ما أشرنا إليه من إجابة دعائهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن أنه تعالى لا يجعلها أحب إلى نبيه إلا بعد جعلها أحب إليه تعالى غنية عن صحة هذا الحديث ، وكون المراد منه ما ذكر خلاف الظاهر ، وما ذكر لا يصلح مستندا في

__________________

(١) الحزورة : الرابية الصغيرة.

(٢) الحجون : جبل بمكة.


الصرف عن الظاهر ؛ لأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قصد به الدعاء للدار التي تكون هجرته إليها ، فطلب من الله أن يصيرها أحب البقاع إليه تعالى ، والحب من الله تعالى إنالة الخير والتعظيم للمحبوب ، وهذا يمكن تجدده بعد أن لم يكن ، وقوله : «إن مكة خير بلاد الله وأحبها إليه» محمول على أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قاله في بدء الأمر قبل ثبوت الفضل للمدينة ، فلما طالت إقامتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمدينة وأظهر الله دينه ، وتجدد لها ما سيأتي من الفضائل حتى عاد نفعها على مكة ، فافتتحها الله وسائر بلاد الإسلام منها ؛ فقد أنالها الله تعالى وأنال بها من الخير ما لم ينله غيرها من البلاد ، وظهر إجابة الدعوة الكريمة ، وأنها صارت خير أرض الله وأحبها إليه بعد ذلك ، ولهذا لم يعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى مكة بعد فتحها.

فإن قيل : إنما لم يعد إليها لأن الله افترض عليه المقام بدار هجرته.

قلنا : لم يكن الله ليفترض عليه المقام بها إلا وهي أفضل ؛ لكرامته عنده ، وقد حثّصلى‌الله‌عليه‌وسلم على الاقتداء به في سكناها والإقامة بها ، وقال : «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون».

فإن قيل : قال التقي الفاسي : ظن بعض أهل عصرنا أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن مكة خير بلاد الله» حين خرج من مكة للهجرة ، وليس كذلك ؛ لأن في بعض طرق الحديث أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال ذلك وهو على راحلته بالحزورة ، وهو لم يكن بهذه الصفة حين هاجر ؛ لأن الأخبار تقتضي أنه خرج من مكة مستخفيا ، ولو ركب بالموضع المشار إليه ـ وهو الذي يقول له عوام مكة عزوة ـ لأشعر ذلك بسفره.

قلنا : جاء في رواية لابن زبالة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين أمره الله بالخروج قال : «اللهم إنك أخرجتني» الحديث ، وقد وقع في رواية لابن حبان في حديث الهجرة «فركبا ـ يعني هو وأبو بكر ـ حتى أتيا الغار ـ وهو ثور ـ فتواريا فيه» وسيأتي في أحاديث الهجرة ما يقتضي أنهما توجها إلى الغار ليلا بعد أن ذرّصلى‌الله‌عليه‌وسلم ترابا على رءوس جماعة من الكفار كانوا يرصدونه ، وقرأ أوائل يس يستتر بها منهم ، فلم يروه ، فلا يمتنع أن يكون راكبا في هذا الموضع.

وأما أمر مزيد المضاعفة لمسجد مكة ، فجوابه أن أسباب التفضيل لا تنحصر في المضاعفة ، ألا ترى أن فعل الصلوات الخمسة للمتوجه إلى عرفات وظهر يوم النحر بمنى أفضل من فعلها بمسجد مكة ، وإن اشتمل فعلها بالمسجد على المضاعفة إذ في الاتّباع ما يربو عليها ، ولهذا قال عمررضي‌الله‌عنه بمزيد المضاعفة لمسجد مكة كما سيأتي مع قوله بتفضيل المدينة ، وغايته أن للمفضول مزية ليست للفاضل ، ويؤيد ذلك ما سيأتي مع أن المضاعفة تعم الفرض والنفل ، وأن النفل بالبيت أفضل ، على أنه إن أريد بالمسجد الحرام في حديث المضاعفة الكعبة فقط كما ستأتي الإشارة إليه ، فالجواب أن الكلام فيما


عداها ، مع أن دعاءهصلى‌الله‌عليه‌وسلم للمدينة بضعفي ما بمكة من البركة ، ومع البركة بركتين شامل للأمور الدينية والدنيوية ، وقد يبارك في العدد القليل فيربو نفعه على الكثير ، ولهذا استدل به على تفضيل المدينة لأكثرية المدعو به لها من البركة الشاملة.

ولا يرد على ما قررناه ما جاء في فضل الكعبة الشريفة ؛ إذ الكلام فيما عداها ، ولهذا روى مالك في الموطأ أن عمررضي‌الله‌عنه قال لعبد الله بن عياش المخزومي : أنت القائل لمكة خير من المدينة؟ فقال عبد الله : هي حرم الله وأمنه ، وفيها بيته ، فقال عمر : لا أقول في حرم الله ولا في بيت الله شيئا ، ثم قال عمر : أنت القائل لمكة خير من المدينة؟ فقال عبد الله : هي حرم الله وأمنه ، وفيها بيته ، فقال عمر : لا أقول في حرم الله ولا في بيت الله شيئا ، ثم انصرف ، وفي رواية لرزين : فاشتد على ابن عياش ، فانصرف.

ولا يرد أيضا ما بمكة من مواضع النسك ؛ لتعلق النسك بالكعبة ، وأيضا فقد عوّض الله المدينة عن العمرة ما سيأتي في مسجد قباء ، وعن الحج ما سيأتي مرفوعا : «من خرج لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه كان بمنزلة حجة» ، وهذا أعظم ؛ لكونه أيسر ، ويتكرر في اليوم والليلة مرارا ، والحج لا يتكرر ، ويؤخذ منه أنه يضاف إلى ما جاء في المضاعفة بمسجدها الحجة لمن أخلص قصده للصلاة.

ولا يرد أيضا كونهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أقام بمكة بعد النبوة أكثر من إقامته بالمدينة ، على الخلاف فيه ؛ لأن إقامته بالمدينة كان سببا في إعزاز دين الله وإظهاره ، وبها تقررت الشرائع ، وفرضت غالب الفرائض ، وأكمل الله الدين ، واستقر بهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى قيام الساعة.

وقد ثبت في محبتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم للمدينة ما لم يثبت مثله لمكة ، وحثّ على الإقامة والموت بها ، والصبر على لأوائها وشدتها ، كما ستقف عليه ، وسيأتي حديث : «اللهم لا تجعل منايانا بمكة» وحديث : «ما على الأرض بقعة أحب إلي من أن يكون قبري بها منها» يعني المدينة ، قالها ثلاث مرات.

وقد شرع الله لنا أن نحب ما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يحبه ، وأن نعظم ما كان يعظمه ، وإذا ثبت تفضيل الموت بالمدينة ثبت تفضيل سكناها ، لأنه طريقه هذا ، وقد روى الطبراني في الكبير والمفضل الجندي في فضائل المدينة وغيرهما عن رافع بن خديجرضي‌الله‌عنه قال : أشهد سمعت ـ وفي رواية «لسمعت» ـ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «المدينة خير من مكة» ، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن الرداد ، وقد ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : كان يخطئ ، وقال أبو حاتم : ليس بقوي ، وقال أبو زرعة : ليّن ، وقال الأزدي : لا يكتب حديثه ، وقال ابن عدي : روايته ليست محفوظة ، ولهذا قال ابن عبد البر : هو حديث ضعيف ، وفيما قدمناه غنية عنه.


وفي الصحيحين حديث : «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» ويأرز كمسجد أي : ينقبض ويجتمع وينضم ويلتجئ ، وقد رأينا كل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لحبه في النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيشمل ذلك جميع الأزمنة ؛ لأنه في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم للتعلم منه ، وفي زمن الصحابة والتابعين للاقتداء بهم ، ومن بعد ذلك لزيارته ، وفضل بلده ، والتبرك بمشاهدة آثاره ، والاتباع له في سكناها.

وروينا في فضائل المدينة للجندي حديث : «يوشك الإيمان أن يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» يعني : يرجع إليها الإيمان.

وأسند ابن زبالة حديث : «لا تقوم الساعة حتى يحاز الإيمان إلى المدينة كما يحوز السيل الدّمن».

وقد تقدم في الأسماء حديث الصحيحين : «أمرت بقرية تأكل القرى ، يقولون يثرب وهي المدينة» قال ابن المنذر : يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها ؛ فمعناه أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكاد تكون عدما ، وهذا أبلغ من تسمية مكة «أم القرى» ؛ لأن الأمومة لا تنمحي معها ما هي له أم ، لكن يكون لها حق الأمومة ، انتهى.

وجزم القاضي عبد الوهاب بهذا الاحتمال.

وروى البزار عن عليرضي‌الله‌عنه حديث : «إن الشياطين قد يئست أن تعبد ببلدي هذا» يعني : المدينة «وبجزيرة العرب ، ولكن التحريش بينهم» وله أصل في صحيح مسلم من حديث جابر.

وروى أبو يعلى بسند فيه من اختلف في توثيقه وبقية رجاله ثقات عن العباسرضي‌الله‌عنه قال : خرجت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من المدينة فالتفت إليها وقال : «إن الله قد برأ هذه الجزيرة من الشرك» وفي رواية : «إن الله قد طهّر هذه القرية من الشرك ، إن لم تضلّهم النجوم ، قال : ينزل الله الغيث ، فيقولون : مطرنا بنوء(١) كذا وكذا» وقد تقدم في الأسماء تسميتها بالمؤمنة والمسلمة ، وأنه لا مانع من إجرائه على ظاهره فهو مقتض للتفضيل ، سيما وسببه ما سبق من كونهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خلق من تربتها.

وقد استدل أبو بكر الأبهري من المالكية على تفضيلها على مكة بما سبقت الإشارة إليه من أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مخلوق من تراب المدينة ، وهو أفضل البشر ، فكانت تربته أفضل الترب. قال الحافظ ابن حجر : وكون تربته أفضل الترب لا نزاع فيه ، وإنما النزاع هل يلزم من ذلك أن تكون المدينة أفضل من مكة؟ لأن المجاور للشيء لو ثبت له جميع مزاياه

__________________

(١) النوء : المطر الشديد. و ـ النجم إذا مال للغروب.


لكان لجار ذلك المجاور نحو ذلك ؛ فيلزم أن يكون ما جاور المدينة أفضل من مكة ، وليس كذلك اتفاقا ، كذا أجاب به بعض المتقدمين ، وفيه نظر ، انتهى.

قلت : لم يبين وجه النظر ، ولعل وجهه أن الأفضل لقوة أصالته في الفضل يفيد مجاوره الأفضلية لمزية هذه المجاورة الخاصة ، وهي منتفية عن مجاور المجاور ، ألا ترى أن جلد المصحف قد ثبت له مزية التعظيم للمجاورة ، ولم يلزم من ذلك ثبوت نحوها لمجاوره ، وأيضا فالمقتضى لتفضيل المدينة خلقهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من تربتها ، وهذا لا يوجد لمجاورها ، والله أعلم.

الفصل الثاني

وعد من صبر على شدها

في الحث على الإقامة بها ، والصبر على لأوائها وشدتها ، وكونها تنفي الخبث والذنوب ، ووعيد من أرادها وأهلها بسوء أو أحدث بها حدثا أو آوى محدثا.

روينا في الصحيحين حديث «من صبر على لأوائها وشدتها كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة».

وفي صحيح مسلم عن سعيد مولى المهري أنه جاء إلى أبي سعيد الخدري ليالي الحرة ، فاستشاره في الجلاء من المدينة ، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله ، وأخبره أن لا صبر له على جهد المدينة ولأوائها ، فقال : ويحك! لا آمرك بذلك ، إني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «لا يصبر» وفي رواية «لا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» وفي رواية «فقال أبو سعيد : لا تفعل ، الزم المدينة» وذكر الحديث بزيادة قصة.

وفي مسلم وفي الموطأ والترمذي عن يحنّس مولى مصعب بن الزبير أنه كان جالسا عند ابن عمر في الفتنة ، فأتته مولاة له تسلم عليه ، فقالت : إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن ، اشتد علينا الزمان ، فقال لها عبد الله : اقعدي لكاع(١) ، ولفظ الترمذي : اصبري لكاع. فإني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة».

فإن قيل : ما معنى التردد في قوله : «شفيعا أو شهيدا»؟ وما معنى هذه الشفاعة مع عموم شفاعتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟

__________________

(١) لكاع : يقال في سبّ المرأة بالحمق : يا لكاع.


قلنا : ذكر عياض ما ملخصه أن بعض مشايخه جعل «أو» للشك من الراوي ، وأن الظاهر خلافه لكثرة رواته بذلك ، بل الظاهر أنه من لفظهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فإما أن يكون أعلم بهذه الجملة هكذا ، وإما أن تكون «أو» للتقسيم ، ويكون شفيعا للعاصين وشهيدا للمطيعين ، أو شهيدا لمن مات في حياته وشفيعا لمن مات بعده ، قال : وهذه الشفاعة أو الشهادة زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعاملين في القيامة وعلى شهادته على جميع الأمم ، فيكون لتخصيصهم بذلك مزية وزيادة منزلة وحظوة قال : ويحتمل أن يكون «أو» بمعنى الواو. قلت : ويدل له ما رواه البزار برجال الصحيح عن عمررضي‌الله‌عنه بلفظ : «فمن صبر على لأوائها وشدتها كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة» وأسنده ابن النجار بلفظ : «كنت له شفيعا وكنت له شهيدا يوم القيامة» وأسنده المفضل الجندي في فضائل المدينة عن أبي هريرة أيضا بلفظ : «لا يصبر أحد على لأواء المدينة» وفي نسخة : «وحرها إلا كنت له شفيعا وشهيدا» قال القاضي : وإذا جعلنا «أو» للشك فإن كانت اللفظة شهيدا فالشهادة أمر زائد على الشفاعة المجردة المدخرة لغيرهم من الأمة ، وإن كانت اللفظة شفيعا فهذه شفاعة غير العامة تكون لأهل المدينة بزيادة الدرجات أو تخفيف الحساب أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامات كإيوائهم في ظل العرش أو كونهم في روح(١) وعلى منابر أو الإسراع بهم إلى الجنة أو غير ذلك من خصوص الكرامات. قلت : ويحتمل : أن يجمع لهم ببركة شفاعتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو شهادته الخاصة بين ذلك كله ؛ فالجاه عظيم ، والكرم واسع ، وتأيد الوصية بالجار يؤيد ذلك ، ويحتمل أيضا : أن يكون المراد مع ذلك البشرى بموتهم على الإسلام ؛ لأن شفاعته وشهادتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المذكورة خاصة بالمسلمين ، وكفى بذلك نعمة ومزية ، وسيأتي الإشارة إلى نحو ذلك في أول الباب الثامن.

وفي الموطأ والصحيحين حديث : «تفتح اليمن فيأتي قوم يبسّون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» الحديث.

وقوله «يبسون» بفتح المثناة التحتية أوله وضم الباء الموحدة وكسرها ، ويقال أيضا بضم المثناة وكسر الموحدة ـ يسوقون بهائمهم سوقا شديدا ، وقيل : البسّ : سرعة الذهاب.

المدينة تنفي الخبث

وفي مسلم حديث «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه أو قريبه : هلم إلى الرخاء ، هلم إلى الرخاء ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، والذي نفسي بيده لا يخرج

__________________

(١) كونهم في روح : في راحة.


أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه ، ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبث ، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد».

وفي الصحيحين : «أمرت بقرية تأكل القرى ، يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد» وفي رواية لابن زبالة : «إن المدينة تنفي خبث الرجال» وفي رواية : «خبث أهلها كما ينفي الكير خبث الحديد». وفي صحيح البخاري حديث : «إنها طيبة تنفي الذنوب كما ينفي الكير خبث الفضة».

وفي الصحيحين قصة الأعرابي الذي جاء من الغد محموما فقال : أقلني بيعتي ، فأبىصلى‌الله‌عليه‌وسلم فخرج الأعرابي ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيّبها».

قوله : «أقلني بيعتي» أي : انقض العهد حتى أرجع إلى وطني ، وكأنه كان قد بايع على هجرة الإقامة. وقوله : «تنفي خبثها» يحتمل أن يكون بمعنى الطرد والإبعاد لأهل الخبث ، وقصة الأعرابي المذكور ظاهرة فيه ، وخصه ابن عبد البر بزمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والظاهر كما قال النووي عدم التخصيص ؛ ففي الصحيح : «لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها» يعني عند ظهور الدجال ، وسيأتي في الفصل الخامس في حديث أحمد وغيره برجال الصحيح قصة خروج من بالمدينة من المنافقين إلى الدجال ، ثم قال : «وذلك يوم التخليص ، ذلك يوم تنفي المدينة الخبث» وقال عمر بن عبد العزيز مشفقا إذ خرج منها لمن معه : أتخشى أن نكون ممن نفت المدينة؟ وقد طهرها الله تعالى ممن كان بها من أرباب الأديان المخالفين لدين الإسلام ، وأهلك من كان بها من المنافقين ، وهؤلاء هم أهل الخبث الكامل ، ومن عداهم من أهل الخبث والذنوب قد يكون طرده وإبعاده إن استمر على ذلك بآخرة الأمر بنقل الملائكة له إلى غيرها من الأرض كما أشار إليه الأقشهري قال : ويكون قوله : «تنفي خبثها ، وتنفي الذنوب» أي أهل ذلك ، على طريقة حذف المضاف ، ويحتمل أن يكون بمعنى طرد أهل الخبث الكامل ، وهم أهل الشقاء والكفر ، لا أهل السعادة والإسلام ؛ لأن القسم الأول ليس قابلا للشفاعة ولا للمغفرة ، وقد وعدصلى‌الله‌عليه‌وسلم من يموت بها بالشفاعة لهذا وجب انتفاء القسم الأول منها ، ويحتمل أن يكون بمعنى تخليص النفوس من شرهها وميلها إلى اللذات بما فيها من اللأواء والشدة ، ويؤيده رواية «إنها طيبة تنفي الذنوب» الحديث ، ويكون نفيها للذنوب على ظاهره ، سيما وقد اشتملت على عظيم المضاعفات ، وتنوع المثوبات ، وتوالي الرحمات ، وقد قال تعالى :( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) [هود : ١١٤] مع ما لأهلها من الشفاعة والشهادة الخاصة ، وما بها من تضاعف البركات ، ويحتمل أن يكون بمعنى أنه لا يخفى حال من انطوى فيها على خبث ، بل تظهر طويته كما هو مشاهد بها ، ولم أر الآن من نصّ على هذا الاحتمال ،


وهو في حفظي قديما ، ويؤيده ما في غزوة أحد في الصحيح من أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما خرج إلى أحد رجع ناس من أصحابه ـ أي وهم المنافقون ـ فقالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «المدينة كالكير» الحديث ، ولهذا سميت بالفاضحة كما قدمته ، مع أن الذي ظهر لي من مجموع الأحاديث واستقراء أحوال هذه البلدة الشريفة أنها تنفي خبثها بالمعاني الأربعة.

وقوله : «وتنصع» بالفوقانية المفتوحة والنون والمهملتين كتمنع ـ أي : تخلص ، والناصع : الخالص الصافي ، و «طيبها» بفتح الطاء والتشديد منصوبا على أنه مفعول هذا هو المشهور فيه ، والله أعلم.

وعيد من أراد أهلها بسوء

وفي صحيح مسلم من حديث جابر في تحريم المدينة مرفوعا : «ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص ، أو ذوب الملح في الماء».

قال عياض : قوله «في النار» يدفع إشكال الأحاديث التي لم تذكر فيها هذه الزيادة ، ويبين أن هذا حكمه في الآخرة. قال : وقد يكون المراد به أن من أرادها في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كفي المسلمون أمره ، واضمحل كيده كما يضمحل الرصاص في النار. قال : ويحتمل أن يكون المراد من كادها اغتيالا وطلبا لغرتها فلا يتم له أمر ، بخلاف من أتى ذلك جهارا. قال : وقد يكون في اللفظ تقديم وتأخير : أي أذابه الله كذوب الرصاص في النار ، ويكون ذلك لمن أرادها في الدنيا فلا يمهله الله ولا يمكن له سلطانا ، بل يذهبه عن قرب ، كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أمية مثل مسلم بن عقبة ، فأهلك في منصرفه منها. ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله على أثر ذلك ، وغيرهما ممن صنع صنيعهما ، انتهى.

وهذا الاحتمال الأخير هو الأرجح ، وليس في الحديث ما يقتضي أنه لا يتم له ما أراد منهم ، بل الوعد بإهلاكه ، ولم يزل شأن المدينة على هذا حتى في زماننا هذا لما تظاهرت طائفة العياشي بإرادة السوء بالمدينة الشريفة لأمر اقتضى خروجهم منها حتى أهلك الله تعالى عتاتهم مع كثرتهم في مدة يسيرة.

وقد يقال : المراد من الأحاديث الجمع بين إذابته بالإهلاك في الدنيا وبين إذابته في النار في الأخرى ، والمذكور في هذا الحديث هو الثاني ، وفي غيره الأول ؛ ففي رواية لأحمد برجال الصحيح من جملة حديث : «من أرادها بسوء» يعني المدينة «أذابه الله كما


يذوب الملح في الماء» وكذا في مسلم أيضا ، وفي فضائل المدينة للجندي حديث «أيما جبّار أراد المدينة بسوء أذابه الله تعالى كما يذوب الملح في الماء» وفي رواية لمسلم «من أراد أهل هذه البلدة بسوء ـ يعني المدينة ـ أذابه الله تعالى كما يذوب الملح في الماء» في رواية له أيضا «من أراد أهل هذه البلدة بدهم أو بسوء» ، وروى البزار بإسناد حسن حديث : «اللهم اكفهم من دهمهم ببأس» يعني أهل المدينة «ولا يريدها أحد بسوء إلا أذابه الله كما يذوب الملح في الماء».

وقوله : «دهمهم» محركا أي : غشيهم بسرعة ، وقوله في الحديث قبله «بدهم» بفتح أوله وإسكان ثانيه ـ أي بغائلة وأمر عظيم ، ولذا قيل : المراد غازيا مغيرا عليها.

وفي البخاري حديث «لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء» وأسند ابن زبالة عن سعيد بن المسيب أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أشرف على المدينة فرفع يديه حتى رؤي عفرة إبطيه ثم قال : «اللهم من أرادني وأهل بلدي بسوء فعجّل هلاكه» وروى الطبراني في الأوسط برجال الصحيح حديث : «اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل» وفي رواية لغيره : «من أخاف أهل المدينة أخافه الله يوم القيامة ، وغضب عليه ، ولم يقبل منه صرفا ولا عدلا» وروى النسائي حديث : «من أخاف أهل المدينة ظالما لهم أخافه الله ، وكانت عليه لعنة الله» الحديث ، ولابن حبان نحوه ، وروى أحمد برجال الصحيح عن جابر بن عبد اللهرضي‌الله‌عنهما أن أميرا من أمراء الفتنة قدم المدينة ، وكان قد ذهب بصر جابر ، فيل لجابر : لو تنحيت عنه ، فخرج يمشي بين ابنيه ، فنكب ، فقال : تعس من أخاف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ! فقال ابناه ، أو أحدهما : يا أبت ، فكيف أخاف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد مات؟ فقال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي».

بسر بن أرطاة يغزو المدينة

قلت : والظاهر أن الأمير المشار إليه هو بسر بن أرطاة.

قال القرطبي : ذكر في رواية ابن عبد البر أن معاويةرضي‌الله‌عنه بعد تحكيم الحكمين أرسل بسر بن أرطأة في جيش ، فقدموا المدينة ، وعاملها يومئذ لعليرضي‌الله‌عنه أبو أيوب الأنصاري ـرضي‌الله‌عنه ! ـ ففر أبو أيوب ولحق بعلي ، ودخل بسر المدينة ، وقال لأهلها : والله لو لا ما عهد إلى أمير المؤمنين ما تركت فيها محتلما إلا قتلته ، ثم أمر أهل المدينة بالبيعة لمعاوية ، وأرسل إلى بني سلمة فقال : ما لكم عندي أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله ، فأخبر جابر ، فانطلق حتى جاء أم سلمة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال لها : ما ذا ترين فإني أخشى أن أقتل ، وهذه بيعة ضلال ، فقالت : أرى أن


تبايع ، وقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع ، فأتى جابر بسرا فبايعه ، وهدم بسر دورا بالمدينة ، ثم انطلق.

وفي رواية ستأتي في الفصل الخامس عشر أن أهل المدينة فرّوا يومئذ حتى دخلوا الحرة حرة بني سليم ، والله أعلم.

وفي الكبير للطبراني حديث : «من آذى أهل المدينة آذاه الله ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، ولا يقبل منه صرف ولا عدل».

وروى ابن النجار حديث : «من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

وعيد من أحدث بها حدثا

وفي الصحيحين في أحاديث تحريم المدينة : «فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» ولفظ البخاري : «لا يقبل منه صرف ولا عدل» قيل : الصرف الفريضة ، والعدل التطوع ، ونقل عن الجمهور ، وقيل : عكسه ، وقيل : الصرف التوبة ، والعدل الفدية ، قيل : والمعنى لا يقبل الله فريضته ونافلته أو توبته قبول رضا ، ولا يجد في القيامة فداء يفتدى به من يهودي أو نصراني ، بخلاف سائر المذنبين ، وقيل غير ذلك ، ومعنى هذا اللعن المبالغة في الإبعاد عن رحمة الله تعالى والطرد عن الجنة أول الأمر لأنه كلعن الكفار.

قال القاضي : ومعنى قوله : «من أحدث فيها حدثا إلى آخره» من أتى فيها إثما أو آوى من أتاه وضمه إليه وحماه ، وآوى بالمد والقصر ، قال : واستدلوا به على أن ذلك من الكبائر ؛ لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة.

قلت : فيستفاد منه أن إثم الصغيرة بها كإثم الكبيرة بغيرها ؛ لصدق الإثم بها ، بل نقل الزركشي عن مالكرحمه‌الله ما يقتضي شمول الحديث المذكور للمكروه كما بيناه في الأصل ، وذلك لأن الإساءة بحضور الملك ليست كالإساءة في أطراف المملكة ، وفقنا الله تعالى لحسن الأدب في هذه الحضرة الشريفة بمنّه وكرمه!!


الفصل الثالث

في الحث على حفظ أهلها ، وإكرامهم ، والتحريض على الموت بها واتخاذ الأصل.

الوصية بحفظ أهلها

روينا في كتاب ابن النجار عن معقل بن يسار قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «المدينة مهاجري ، فيها مضجعي ، ومنها مبعثي ، حقيق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر ، من حفظهم كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة ، ومن لم يحفظهم سقي من طينة الخبال» قيل للمزني : ما طينة الخبال؟ قال : عصارة أهل النار. قلت : قال بعضهم : المراد بالمزني معقل بن يسار ، وتفسير طينة الخبال بذلك رفعه مسلم ، والحديث في الكبير للطبراني بسند فيه متروك ، ولفظه «المدينة مهاجري ومضجعي في الأرض ، حق على أمتي أن يكرموا جيراني ما اجتنبوا الكبائر ، فمن لم يفعل ذلك سقاه الله من طينة الخبال» قلنا : يا أبا يسار ، وما طينة الخبال؟ قال : عصارة أهل النار.

وروى القاضي أبو الحسن علي الهاشمي في فوائده عن خارجة بن زيد عن أبيه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «المدينة مهاجري وفيها مضجعي ، ومنها مخرجي ، حق على أمتي حفظ جيراني فيها ، من حفظ وصيتي كنت له شهيدا يوم القيامة ، ومن ضيّعها أورده الله حوض الخبال ، قيل : وما حوض الخبال يا رسول الله؟ قال : حوض من صديد أهل النار».

وروى ابن زبالة عن عطاء بن يسار وغيره حديث : «إن الله جعل المدينة مهاجري ، وبها مضجعي ، ومنها مبعثي ، فحق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر ، فمن حفظ فيهم حرمتي كنت له شفيعا يوم القيامة ، ومن ضيع فيهم حرمتي أورده الله حوض الخبال». وفي رواية له : «المدينة مهاجري ، وبها وفاتي ، ومنها محشري ، وحقيق على أمتي أن يحافظوا جيراني ما اجتنبوا الكبيرة ، من حفظ فيهم حرمتي كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة».

وفي مدارك عياض قال محمد بن مسلمة : سمعت مالكا يقول : دخلت على المهدي فقال : أوصني ، فقلت : أوصيك بتقوى الله وحده ، والعطف على أهل بلد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وجيرانه ؛ فإنه بلغنا أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «المدينة مهاجري ، ومنها مبعثي ، وبها قبري ، وأهلها جيراني ، وحقيق على أمتي حفظ جيراني ؛ فمن حفظهم فيّ كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة ، ومن لم يحفظ وصيتي في جيراني سقاه الله من طينة الخبال».

وروى مالك في الموطأ أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان جالسا وقبر يحفر بالمدينة ، فاطّلع رجل في القبر فقال : بئس مضجع المؤمن! فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «بئس ما قلت» قال الرجل : إني


لم أرد هذا ، إنما أردت القتل في سبيل الله ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا مثل للقتل في سبيل الله ، ما على الأرض بقعة أحب إلي من أن يكون قبري بها منها» يعني المدينة ، ثلاث مرات.

وروى ابن شبة في أخبار مكة عن سعيد بن أبي هند قال : سمعت أبي يذكر أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «كان إذا دخل مكة قال : اللهم لا تجعل منايانا بمكة حتى نخرج منها» ورواه أحمد في مسنده برجال الصحيح عن ابن عمر مرفوعا ، إلا أنه قال : «حتى تخرجنا منها».

وروى مالك والبخاري ورزين العبدري أن عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه قال : اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ، واجعل موتي في بلد رسولك ، زاد رزين أن ذلك كان من أجلّ(١) دعاء عمر.

وسبق ما جاء في أن الإنسان يدفن في التربة التي خلق منها ؛ فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأكثر أصحابه وأفضلهم خلقوا من تربة المدينة ، وقد ثبت حديث : «من مات بالمدينة كنت له شفيعا يوم القيامة» ورواه البيهقي بلفظ : «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت ، فمن مات بالمدينة كنت له شفيعا وشهيدا» وفي رواية له : «فإنه من يمت بها أشفع له ، أو أشهد له» وقد ذكر هذه الرواية ابن حبان في صحيحه.

وروى الترمذي وابن حبان في صحيحه وابن ماجه والبيهقي وعبد الحق وصححه حديث «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها ، فإني أشفع لمن يموت بها» ولفظ ابن ماجه «فإني أشهد» بدل «فإني أشفع» ورواه الطبراني في الكبير بسند حسن ، ولفظه «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت ؛ فإنه من مات بها كنت له شهيدا ـ أو شفيعا ـ يوم القيامة» ورواه ابن رزين بنحوه ، وزاد «وإني أول من تنشق عنه الأرض ، ثم أبو بكر ، ثم عمر ، ثم آتي أهل البقيع فيحشرون ، ثم أنتظر أهل مكة فأحشر بين أهل الحرمين» وفي رواية لابن النجار «فأخرج أنا وأبو بكر وعمر إلى البقيع فيبعثون ، ثم يبعث أهل مكة».

وروى الطبراني حديث «أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة ، ثم أهل مكة ، ثم أهل الطائف» وأخرجه الترمذي بالواو بدل ثم ، وسيأتي في فضل البقيع زيادة تتعلق بذلك.

وبالجملة : فالترغيب في الموت في المدينة لم يثبت مثله لغيرها ، والسكنى بها وصلة إليه ؛ فيكون ترغيبا في سكناها ، وتفضيلا لها على غيرها ، واختيار سكناها هو المعروف من حال السلف ، ولا شك أن الإقامة بالمدينة في حياتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أفضل إجماعا ، فنستصحب ذلك بعد وفاته حتى يثبت إجماع مثله برفعه.

__________________

(١) أجلّ : أعظم وأقوى.


وأسند ابن شبة في أخبار مكة عن إسماعيل بن سالم قال : سألت عامرا عن فتيا أفتى بها حبيب بن أبي ثابت ، فقال : ألا يفتي حبيب نفسه حيث نزل مكة وهي قرية أعرابية ، ولأن أنزل دوران أحب إلي من أن أنزل مكة ، وهي قرية هاجر منها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وعن الشعبي أنه كان يكره المقام بمكة ، ويقول : هي دار أعرابية ، هاجر منها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : ألا يفتي حبيب نفسه حيث يجاور بمكة وهي دار أعرابية ، وقال عبد الرزاق في مصنفه : كان أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يحجون ثم يرجعون ، ويعتمرون ثم يرجعون ، ولا يجاورون.

قلت : ولم أظفر عن السلف بنقل في كراهة المجاورة بالمدينة الشريفة ، بخلاف مكة ، لكن اقتضى كلام النووي في شرح مسلم حكاية الخلاف فيها ، وكأنه قاس المدينة على مكة من حيث إن علة الكراهة وهي خوف الملل وقلة الحرمة للأنس وخوف ملابسة الذنوب لأن الذنب بها أقبح ، ونحوه موجود بالمدينة ، ولهذا قال : والمختار أن المجاورة بهما جميعا مستحبة إلا أن يغلب على ظنه الوقوع في المحذورات المذكورة.

وقال الزركشي عقب نقل كلام النووي : إن الظاهر ضعف الخلاف في المدينة أي : لما قدمناه من الترغيب فيها ، ولأن كل من كره المجاورة بمكة استدل بترك الصحابة الجوار بها ، بخلاف المدينة فكانوا يحرصون على الإقامة بها ، وقد روى الطبراني في الأوسط حديث «من غاب عن المدينة ثلاثة أيام جاءها وقلبه مشرب جفوة» وأسند ابن أبي حثمة حديث «من كان له بالمدينة أصل فليتمسك به ، ومن لم يكن له بها أصل فليجعل له بها أصلا ولو قصرة» قال ابن الأثير : القصرة محركة أصل الشجرة ، أي ولو نخلة واحدة ، والقصرة أيضا : العنق ، وقال الخطابي : القصرة النخلة ، وقرأ الحسن( إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ) [المرسلات : ٣٢] وفسروه بأعناق النخل ، ورواه الطبراني في الكبير بلفظه إلى قوله «فليجعل له بها أصلا» وقال عقبه : «فليأتين على الناس زمان يكون الذي ليس له بها أصل كالخارج منها المجتاز إلى غيرها» ورواه ابن شبة أيضا بنحوه ، ثم أسند عن الزهري أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا تتخذوا الأموال بمكة ، واتخذوها الأموال في دار هجرتكم ؛ فإن المرء مع ماله» وأسند أيضا عن ابن عمر حديث «لا تتخذوا من وراء الروحاء مالا ، ولا تردوا على أعقابكم بعد الهجرة ولا تنكحوا بناتكم طلقاء أهل مكة ، وأنكحوهن بأترابهن فأترابهن» أي : مستويات في السن في ثلاث وثلاثين سنة.

وهذا كله متضمّن للحث على سكنى المدينة وتفضيله على سكنى مكة ، وهي جديرة بذلك ؛ لأن الله تعالى اختارها لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قرارا ، وجعل أهلها شيعة له وأنصارا ، وكانت لهم


أوطانا ، ولو لم يكن إلا جوارهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بها وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم «ما زال جبريل يوصيني بالجار» الحديث ، ولم يخص جارا دون جار ، ولا يخرج أحد عن حكم الجار وإن جار ، ولهذا اخترت تفضيل سكناها على مكة ، مع تسليم مزيد المضاعفة لمكة ؛ إذ جهة الفضل غير منحصرة في ذلك ؛ فتلك لها مزيد العدد ، ولهذه تضاعف البركة والمدد ، ولتلك جوار بيت الله ، ولهذه جوار حبيب الله وأكرم الخلق على الله ، سر الوجود ، والبركة الشاملة لكل موجود.

قال عياض في المدارك : قال مصعب : لما قدم المهدي المدينة استقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال ، فلما بصر بمالك انحرف المهدي إليه فعانقه وسلّم عليه وسايره ، فالتفت مالك إلى المهدي فقال : يا أمير المؤمنين ، إنك تدخل الآن المدينة فتمر بقوم عن يمينك ويسارك ، وهم أولاد المهاجرين والأنصار ، فسلم عليهم ؛ فإنه ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة ، ولا خير من المدينة ، قال : ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله؟ فقال : إنه لا يعرف قبر محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم عندهم فينبغي أن يعرف فضلهم على غيرهم ، ففعل المهدي ما أمره به ، فأشار مالك ـرحمه‌الله ! ـ إلى أن المقتضى للتفضيل هو وجود قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بها ، ومجاورة أهلها له.

الفصل الرابع

في بعض دعائهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لها ولأهلها ، وما كان بها من الوباء ، ونقله

حب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم للمدينة

روينا في الصحيحين حديث «اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد» ورواه رزين العبدري والجندي بالواو بدل «أو» مع أن أوفى تلك الرواية بمعنى بل ، وقد صح عنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في محبة المدينة ما لم يرد مثله لمكة ؛ ففي صحيح البخاري وجامع الترمذي حديث «كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا قدم من سفر فنظر إلى جدران المدينة أوضع راحلته(١) ، وإن كان على دابة حركها من حبها» وفي رواية لابن زبالة «تباشرا بالمدينة» ، وفي رواية له «كان إذا أقبل من مكة فكان بالأثاية طرح رداءه عن منكبيه وقال : هذه أرواح طيبة» وقد تكرر دعاؤهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بتحبيب المدينة إليه كما سيأتي ، والظاهر أن الإجابة حصلت بالأول ، والتكرير لطلب الزيادة ، وفي كتاب الدعاء للمحاملي وغيره عن أنسرضي‌الله‌عنه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه «كان إذا قدم من سفر من أسفاره فأقبل على المدينة يسير أتم السير ، ويقول : اللهم اجعل لنا بها قرارا ، ورزقا حسنا».

__________________

(١) أوضع راحلته : حملها على السير السريع.


دعاؤهصلى‌الله‌عليه‌وسلم للمدينة بالبركة

وفي الصحيحين حديث «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة». وفي مسلم «اللهم بارك لنا في تمرنا ، وبارك لنا في مدينتنا ، وبارك لنا في صاعنا ، وبارك لنا في مدّنا ، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك ، وإني عبدك ونبيك ، وإنه دعاك لمكة ، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه» وفيه أيضا «اللهم بارك لنا في مدينتنا ، اللهم بارك لنا في صاعنا ، اللهم بارك لنا في مدنا ، اللهم بارك لنا في مدينتنا ، اللهم اجعل مع البركة بركتين» وفيه أيضا وفي الترمذي حديث «كان الناس إذا رأوا أول الثمرة جاءوا به إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فإذا أخذه قال : اللهم بارك لنا في تمرنا ، وبارك لنا في مدينتنا ، وبارك لنا في صاعنا ، وبارك لنا في مدنا» الحديث ، وهو يقتضي تكرر هذا الدعاء بتكرر ظهور التمرة والإتيان بأولها ، وفي الترمذي ـ وقال : حسن صحيح ـ عن عليرضي‌الله‌عنه «خرجنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى إذا كنا بحرة السقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ائتوني بوضوء ، فتوضأ ثم قال فاستقبل القبلة فقال : اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك ، ودعاك لأهل مكة بالبركة ، وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم مثلي ما باركت لأهل مكة ، مع البركة بركتين». ورواه ابن شبة في أخبار مكة بنحوه ، إلا أنه قال : «حتى إذا كنا بالحرة بالسقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ائتوني بوضوء ، فلما توضأ قام فاستقبل القبلة ثم قال» الحديث بنحوه ، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد ، ولفظه : «خرجنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى إذا كنا عند السقيا التي كانت لسعد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم :اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة بالبركة ، وأنا محمد عبدك ورسولك وإني أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم مثل ما باركت لأهل مكة ، واجعل مع البركة بركتين» هكذا في النسخة التي وقعت لنا ، ولعله «مثلي» كما في الرواية السابقة ، ويؤخذ منه الإشارة إلى أن المدعو به ستة أضعاف ما بمكة من البركة ، وفي حديث رواه ابن زبالة عن أبي هريرة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «خرج إلى ناحية من المدينة ، وخرجت معه ، فاستقبل القبلة ورفع يديه حتى إني لأرى بياض ما تحت منكبيه ، ثم قال : اللهم إن إبراهيم نبيك وخليلك دعاك لأهل مكة ، وأنا نبيك ورسولك أدعوك لأهل المدينة ، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم ، وقليلهم وكثيرهم ، ضعفي ما باركت لأهل مكة ، اللهم من هاهنا وهاهنا وهاهنا ، حتى أشار إلى نواحي الأرض كلها ، اللهم من أرادهم بسوء فأذبه كما يذوب الملح في الماء» وفي الأوسط للطبراني ورجاله ثقات عن ابن عمر قال : «صلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الفجر ، ثم أقبل على القوم فقال : اللهم بارك لنا في مدينتنا ، وبارك لنا في مدنا


وصاعنا» الحديث ، وفي الكبير له ورجاله ثقات عن ابن عباس نحوه ، وروى أحمد والبزار وإسناده حسن عن جابر قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم نظر يوما إلى الشام فقال : اللهم أقبل بقلوبهم ، ونظر إلى العراق فقال : اللهم مثل ذلك ، ونظر قبل كل أفق ففعل ذلك ، وقال : اللهم ارزقنا من ثمرات الأرض ، وبارك لنا في مدنا وصاعنا» وفي الصحيحين حديث «اللهم بارك لهم في مكيالهم ، وبارك لهم في صاعهم ، وبارك لهم في مدهم» قال القاضي في الكلام عليه : البركة هنا بمعنى النمو والزيادة ، وتكون بمعنى الثبات ، فقيل : يحتمل أن تكون هذه البركة دينية ، وهي ما تتعلق بهذه المقادير في الزكاة والكفارات ؛ فتكون بمعنى الثبات لثبات الحكم بها وبقائه ببقاء الشريعة ، ويحتمل أن تكون دنيوية من تكثير الكيل والقدر بهذه الأكيال حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة ، أو ترجع البركة إلى كثرة ما يكلأ بها من غلاتها وثمراتها ، وفي هذا كله ظهر إجابة دعوتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال النووي : الظاهر أن المراد البركة في نفس المكيل في المدينة ، بحيث يكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها. قلت : هذا هو الظاهر فيما يتعلق بأحاديث الكيل ، وأما غيرها فعلى عمومه في سائر الأمور الدينية والدنيوية. وروينا في فضائل المدينة للجندي حديث : «اللهم حبّب إلينا المدينة ، كحبنا مكة وأشد ، وصححها لنا ، وبارك لنا في مدها وصاعها ، وانقل حماها ، واجعلها بالجحفة» وروى أحمد برجال الصحيح عن أبي قتادة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «صلى بأرض سعد بأصل الحرة عند بيوت السقيا ، ثم قال : اللهم إن إبراهيم خليلك وعبدك ونبيك دعاك لأهل مكة ، وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة مثلي ما دعاك به إبراهيم لمكة ، أدعوك أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم وثمارهم ، الله حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة ، واجعل ما بها من وباء بخم» الحديث ، وقوله «بخم» بضم الخاء المعجمة وتشديد الميم ـ مكان قرب الجحفة كما سيأتي في موضعه ، وروى ابن زبالة حديث «لما قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة وعك فيها أصحابه» وفيه «فجلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على المنبر ، ثم رفع يده ، ثم قال : اللهم انقل عنا الوباء» فلما أصبح قال : أتيت هذه الليلة بالحمى ، فإذا بعجوز سوداء ملبّبة في يدي الذي جاء بها ، فقال : هذه الحمى ، فما ترى فيها؟ فقلت : اجعلوها بخمّ».

الدعاء بنقل وبائها

وفي مسلم حديث عن عائشةرضي‌الله‌عنها : «قدمنا إلى المدينة وهي وبية فاشتكى أبو بكر ، واشتكى بلال ، فلما رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم شكوى أصحابه قال : «اللهم حبّب إلينا


المدينة كما حببت مكة أو أشد ، وصححها ، وبارك لنا في صاعها ومدها ، وحوّل حمّاها إلى الجحفة».

وهو في البخاري بلفظ : «لما قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال ـرضي‌الله‌عنهما ! ـ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول :

كلّ امرئ مصبّح في أهله

والموت أدنى من شراك نعله

وكان بلال إذا قلع عنه يرفع عقيرته ويقول :

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة

بواد وحولي إذخر وجليل

وهل أردن يوما مياه مجنّة

وهل يبدون لي شامة وطفيل

اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء ، ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد ، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا ، وصححها لنا ، وانقل حمّاها إلى الجحفة» قالت : وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله ، وكان بطحان يجري نجلا ، تعني ماء آجنا(١) .

ورواه في الموطأ بزيادة : «وكان عامر بن فهيرة يقول :

قد ذقت طعم الموت قبل ذوقه

إن الجبان حتفه من فوقه»

ورواه ابن إسحاق بزيادة أخرى ، ولفظه : «لما قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى ، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم ، وصرفه الله عن نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قالت : فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال مولى أبي بكر مع أبي بكر في بيت واحد ، فأصابتهم الحمى ، فدخلت عليهم أعودهم ، وذلك قبل أن يضرب الحجاب ، ولهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك ، فدنوت من أبي بكر ، فقلت : كيف تجدك يا أبت؟ أي كيف تجد نفسك ، فقال :

كل امرئ

البيت المتقدم ، فقلت : والله ما يدري أبي ما يقول ، ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة ، فقلت : كيف تجدك يا عامر؟ فقال :

لقد وجدت الموت قبل ذوقه

إن الجبان حتفه من فوقه

كل امرئ مجاهد بطوقه

كالثور يحمي جلده بروقه(٢)

قالت : فقلت ما يدري عامر ما يقول ، وقالت : وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته وقال :

__________________

(١) أجن الماء : تغير لونه وطعمه ورائحته ، البطحان : واد بالمدينة.

(٢) الروق : قرن الدابة.


ألا ليت شعري

البيتين.

ورواه ابن زبالة بلفظ : «لما قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة وعك أصحابه ، فخرج يعود أبا بكر ، فوجده يهجر(١) ، فقال : يا رسول الله :

لقد لقيت الموت قبل ذوقه

البيت المتقدم ، فخرج من عنده ، فدخل على بلال فوجده يهجر وهو يقول :

ألا ليت شعري

البيتين المتقدمين ، ودخل على أبي أحمد بن جحش فوجده موعوكا ، فلما جلس إليه قال :

وا حبذا مكّة من وادي

أرض بها تكثر عوّادي

أرض بها تضرب أوتادي

أرض بها أهلي وأولادي

أرض بها أمشي بلا هادي

فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فدعا أن ينقل الوباء من المدينة فيجعله بخم.

وفي رواية له أنه «أمر عائشة بالذهاب إلى أبي بكر ومولييه ، وأنها رجعت وأخبرته بحالهم ، فكره ذلك ، ثم عمد إلى بقيع الخيل ـ وهو سوق المدينة(٢) ـ فقام فيه ووجهه إلى القبلة ، فرفع يديه إلى الله فقال : «اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد ، اللهم بارك لأهل المدينة في سوقهم ، وبارك لهم في صاعهم ، وبارك لهم في مدهم ، اللهم انقل ما كان بالمدينة من وباء إلى مهيعة».

قوله «رفع عقيرته» أي صوته ، وقوله «بواد» روى «بفخ» وهو وادي الزاهر ، والجليل ـ بالجيم ـ الثمام ، ومجنة ـ بكسر الميم وفتحها ـ سوق بأسفل مكة ، وقال الأصمعي : بمر الظهران ، وشامة وطفيل : جبلان يشرفان على مجنة ، قاله ابن الأثير ، قال : ويقال «شابة» بالباء الموحدة ، وهو جبل حجازي ، قال المحب الطبري : وروايته بالباء الموحدة بخط شيخنا الصاغاني ، وكتب عليها صح ، وقال الطبري : والأشهر أنهما جبلان على مراحل من مكة من جهة اليمن ، وقال الخطابي : عينان. وقوله «بطوقه» أي بطاقته ، وقوله «بروقه» أي بقرنه ، و «مهيعة» هي الجحفة أحد المواقيت المشهورة ، وخم : بقربها ، وإنما دعاصلى‌الله‌عليه‌وسلم بنقل الحمى إليها لأنها كانت دار شرك ، ولم تزل من يومئذ أكثر بلاد الله حمى ، قال بعضهم : وإنه ليتقى شرب الماء من عينها التي يقال لها عين خم ، فقلّ من شرب منها إلا حم.

__________________

(١) هجر المريض : هذي في مرضه وفي نومه.

(٢) البقيع : المكان المتسع فيه أشجار مختلفة. و ـ مقبرة أهل البقيع. و ـ هو سوق المدينة.


وروى البيهقي حديث عائشة من طريق هشام بن عروة عن أبيه ، وفيه «قال هشام : فكان المولود يولد بالجحفة فلا يبلغ الحلم حتى تضرعه الحمى(١) ».

وقال الخطابي : كان أهل الجحفة إذ ذاك يهودا ، وقيل : إنه لم يبق أحد من أهلها إلا أخذته الحمى.

قال النووي : وهذا علم من أعلام نبوتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فإن الجحفة من يومئذ وبية ، ولا يشرب أحد من مائها إلا حم.

وبطحان : من أودية المدينة كما سيأتي ، والماء الآجن : المتغير الطعم واللون.

الوباء بالمدينة جاهلي قديم

واتفق أهل الأخبار أن الوباء بالمدينة كان شديدا ، حتى روى ابن إسحاق عن هشام بن عروة قال : كان وباؤها معروفا في الجاهلية ، وكان الإنسان إذا دخلها وأراد أن يسلم من وبائها قيل له : انهق ، فينهق كما ينهق الحمار.

وفي دلائل النبوة من طريق هشام عن أبيه عن عائشة قالت : «قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة وهي أوبأ أرض الله ، وواديها بطحان نجل يجري عليه الأثل» قال هشام : وكان وباؤها معروفا في الجاهلية ، وكان إذا كان الوادي وبيا فأشرف عليه الإنسان قيل له : انهق نهيق الحمار ، فإذا فعل ذلك لم يضره وباء ذلك الوادي ، قال الشاعر حين أشرف على المدينة :

لعمري لئن عشّرت من خيفة الرّدى

نهيق الحمار إنني لجزوع

قالت عائشة : فاشتكى أبو بكر ، الحديث.

ثنية الوداع

وروى ابن شبة عن عامر بن جابر قال : كان لا يدخل المدينة أحد إلا من طريق واحد ، من ثنية الوداع ، فإن لم يعشّر بها ـ أي : ينهق كالحمار عشرة أصوات في طلق واحد ـ مات قبل أن يخرج منها ، فإذا وقف على الثنية قيل : قد ودع ، فسميت ثنية الوداع ، حتى قدم عروة بن الورد العبسي ، فقيل له : عشر بها ، فلم يعشر ، وأنشأ يقول :

لعمري لئن عشّرت من خشية الردى

نهاق الحمار إنني لجزوع

ثم دخل فقال : يا معشر يهود ، ما لكم وللتعشير؟ قالوا : إنه لا يدخلها أحد من غير أهلها فلم يعشّر بها إلا مات ، ولا يدخلها أحد من غير ثنية الوداع إلا قتله الهزال ، فلما ترك عروة التعشير تركه الناس ودخلوا من كل ناحية.

__________________

(١) أضرعته الحمّى : أوهنته.


تحويل الوباء من دلائل النبوة

وتحويل الوباء من أعظم المعجزات ؛ إذ لا يقدر عليه جميع الأطباء ، وفي البخاري حديث «رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة ، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة» وفي الأوسط للطبراني نحوه ، وفي كتاب ابن زبالة «أصبح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يوما ، فجاءه إنسان كأنه قدم من ناحية طريق مكة ، فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : هل لقيت أحدا؟ قال : لا ، إلا امرأة سوداء عريانة ثائرة الشعر ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : تلك الحمى ، ولن تعود بعد اليوم أبدا» وفيه أيضا حديث : «اللهم حبّب إلينا المدينة ، وانقل وباءها إلى مهيعة ، وما بقي منه فاجعله تحت ذنب مشعط» وحديث : «إن كان الوباء في شيء من المدينة فهو في ظل مشعط». قال المجد : هو جبل أو موضع بالمدينة. قلت : سيأتي عن ابن زبالة في المنازل أن بني حديلة ابتنوا أطمين أحدهما يقال له «مشعط» كان موضعه في غربي مسجد بني حديلة ، وفي موضعه بيت يقال له بيت أتى نبيه ، ثم أورد عقبه الحديث المذكور ، فأفاد أنه هو المراد ، وفيه أيضا حديث : «أصح المدينة من الحمى ما بين حرّة بني قريظة والعريض» وهو يؤذن ببقاء شيء من الحمى بالمدينة ، وأن الذي نقل عنها أصلا ورأسا سلطانها وشدتها ووباؤها وكثرتها بحيث لا يعد ما بقي بالنسبة إليه شيئا ، ويحتمل أنها رفعت أولا بالكلية ، ثم أعيدت خفيفة لئلا يفوت ثوابها كما أشار إليه الحافظ بن حجر ، ويدل له ما روى أحمد برجال الصحيح وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن جابر : استأذنت الحمى على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : من هذه؟ فقالت : أم ملدم ، فأمر بها إلى أهل قباء ، فلقوا ما لا يعلمه إلا الله تعالى ، فأتوه فشكوا ذلك إليه ، فقال : ما شئتم ، إن شئتم دعوت الله ليكشفها عنكم ، وإن شئتم تكون لكم طهورا ، قالوا : أو تفعل؟ قال : نعم ، قالوا : فدعها» ورواه الطبراني بنحوه ، وقال فيه : «إن شئتم تركتموها وأسقطت بقية ذنوبكم ، قالوا : فدعها يا رسول الله» وروى أحمد ورجاله ثقات حديث : أتاني جبريل بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة ، وأرسلت الطاعون بالشام ، فالطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم ورجز على الكفار» والأقرب أن هذا كان في آخر الأمر بعد نقل الحمى بالكلية ، لكن قال الحافظ ابن حجر : لما دخلصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة كان في قلة من أصحابه ، فاختار الحمى لقلة الموت بها على الطاعون لما فيها من الأجر الجزيل ، وقضيتها إضعاف الأجساد ، فلما أمر بالجهاد دعا بنقل الحمى إلى الجحفة ، ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل في سبيل الله ، ومن فاته ذلك حصلت له


الحمى التي هي حظ المؤمن من النار ، ثم استمر ذلك بالمدينة ، يعني بعد كثرة المسلمين تمييزا لها على غيرها ، انتهى ، وهو يقتضي عود شيء من الحمى إليها بآخرة الأمر ، والمشاهد في زماننا عدم خلوها عنها أصلا ، لكنه كما وصف أولا ، بخلاف الطاعون ، فإنها محفوظة عنه بالكلية كما سيأتي ، والأقرب أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما سأل ربه تعالى لأمته أن لا يلبسهم شيعا ولا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعه ذلك فقال في دعائه : «فحمى إذا أو طاعونا» أراد بالدعاء بالحمى للموضع الذي لا يدخله طاعون كما سنشير إليه في الفصل الآتي ؛ فيكون ما بالمدينة اليوم ليس هو حمى الوباء ، بل حمى رحمة بدعائهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما سنوضحه ، والله أعلم.

الفصل الخامس

في عصمتها من الدجال والطاعون

حراسة المدينة من الدجال والطاعون

روينا في الصحيحين وغيرهما حديث «على أنقاب المدينة ملائكة يحرسونها ، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» وفيهما أيضا حديث «ليس من بلد إلا سيطؤها الدجال ، إلا مكة والمدينة ، ليس نقب من أنقابها إلا عليه ملائكة صافين يحرسونها ، فينزل السبخة ، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات ، فيخرج إليه كل كافر ومنافق» وفي رواية «فيأتي سبخة الجرف ، فيخرج إليه كل منافق ومنافقة» وفي البخاري حديث «لا يدخل المدينة رعب المسيح ، لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان» وفي مسلم حديث «يأتي المسيح من قبل المشرق وهمته المدينة حتى ينزل دبر أحد ، ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام ، وهناك يهلك» وفي الصحيحين «قصة خروج الرجل الذي هو خير الناس ، أو من خير الناس ، من المدينة إلى الدجال إذا نزل بعض سباخها فيقول له : أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم » الحديث بطوله.

قال معمر فيما رواه أبو حاتم : يرون هذا الرجل هو الخضرعليه‌السلام .

وروى أحمد والطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح عن جابر بن عبد الله قال : «أشرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على فلق(١) من أفلاق الحرة ونحن معه ، فقال : نعم الأرض المدينة ، إذا خرج الدجال ، على كل نقب من أنقابها ملك لا يدخلها ، فإذا كان ذلك رجفت المدينة بأهلها ثلاث رجفات لا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه ، وأكثرهم ـ يعني من يخرج إليه ـ النساء ، وذلك يوم التخليص ، ذلك يوم تنفي المدينة الخبث كما ينفي

__________________

(١) الفلق : الطريق المطمئن بين الربوتين.


الكير خبث الحديد ، يكون معه سبعون ألفا من اليهود ، على كل رجل منهم ساج وسيف محلى ؛ فيضرب قبته بهذا المضرب الذي بمجتمع السيول» الحديث بطوله ، ولفظ الطبراني «يا أهل المدينة ، اذكروا يوم الخلاص ، قالوا : وما يوم الخلاص؟ قال : يقبل الدجال حتى ينزل بذباب ، فلا يبقى في المدينة مشرك ولا مشركة ، ولا كافر ولا كافرة ، ولا منافق ولا منافقة ، ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه ، ويخلص المؤمنون ، فذلك يوم الخلاص» وروى أحمد برجال الصحيح أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يوم الخلاص ، وما يوم الخلاص؟ ثلاثا ، فقيل له : وما يوم الخلاص؟ قال : يجيء الدجال فيصعد أحدا فيقول لأصحابه :أترون هذا القصر الأبيض؟ هذا مسجد أحمد ، ثم يأتي المدينة فيجد بكل نقب منها ملكا مصلتا ، فيأتي سبخة الجرف ، فيضرب رواقه ، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات ، فلا يبقى منافق ولا منافقة ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه ، فذلك يوم الخلاص» وقال الحافظ ابن حجر : إن أحمد والحاكم أخرجا من رواية محجن بن الأدرع رفعه «يجيء الدجال فيصعد أحدا فيطلع فينظر إلى المدينة فيقول لأصحابه : ألا ترون إلى هذا القصر الأبيض؟ هذا مسجد أحمد ، ثم يأتي المدينة فيجد في كل نقب من أنقابها ملكا مصلتا سيفه» وبقيته بلفظ الحديث المذكور ، إلا أنه قال في آخره : «فتخلص المدينة ، فذلك يوم الخلاص» والمراد بالرواق الفسطاط ، ولابن ماجه من حديث أبي أمامة «ينزل عند الطريق الأحمر عند منقطع السبخة» ولأحمد من حديث ابن عمر «ينزل الدجال في هذه السبخة بمرقناة» أي : ممرها ، وفي عقيق المدينة للزبير بن بكار عن أبي هريرة «ركب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى مجتمع السيول ، فقال : ألا أخبركم بمنزل الدجال من المدينة؟ ثم قال : هذا منزله ، يريد المدينة ، لا يستطيعها ، يجدها متمنطقة بالملائكة ، على كل نقب من أنقابها ملك شاهر سلاحه ، لا يدخلها الدجال ولا الطاعون ، فيزلزل بالمدينة وبأصحاب الدجال زلزلة ، لا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه ، وأكثر من يتبعه النساء ، فلا يعجز الرجل أن يمسك سفيهته».

قلت : يستفاد منه أن المراد من قوله في الأحاديث المتقدمة : فترجف المدينة يعني بسبب الزلزلة ، فلا يشكل بما تقدم من أنه لا يدخل المدينة رعب المسيخ الدجال فيستغنى عما جمع به بعضهم من أن الرعب المنفي هو أن لا يحصل لمن بها بسبب قربه منها خوف ، أو هو عبارة عن غايته ، وهو غلبته عليها ، والمراد بالرجفة إشاعة مجيئه وأن لا طاقة لأحد به ؛ فيتسارع حينئذ عليه من كان يتصف بالنفاق أو الفسق ، قاله الحافظ ابن حجر ، وما قدمناه أولى.

وفي الأوسط للطبراني حديث «ينزل الدجال حذو المدينة ، فأول من يتبعه النساء والإماء» وفي حديث رواه أحمد والطبراني واللفظ له ورجاله ثقات في وصف الدجال «ثم


يسير حتى يأتي المدينة ، ولا يؤذن له فيها ، فيقول : هذه قرية ذاك الرجل ، ثم يسير حتى يأتي الشام فيهلكه اللهعزوجل عند عقبة أفيق» وروى أبو يعلى حديث الجساسة المشهور في الصحيح بإسنادين أحدهما رجاله رجال الصحيح وزاد فيه «هو المسيح تطوى له الأرض في أربعين يوما ، إلا ما كان من طيبة ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : وطيبة المدينة ، ما باب من أبوابها إلا وملك مصلت سيفه يمنعه ، وبمكة مثل ذلك» وفي البخاري والترمذي حديث «المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله تعالى».

وروى أحمد ورجاله ثقات وابن شبة برجال الصحيح حديث «المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة ، على كل نقب منها ملك لا يدخلها الدجال ولا الطاعون» ، وروى أحمد مرسلا وابنه متصلا وكذا الطبراني ورجاله ثقات حديث «ذكر لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم رجل خرج من بعض الأرياف ، حتى إذا كان قريبا من المدينة ببعض الطريق أصابه الوباء ؛ ففزع الناس ؛ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إني لأرجو أن لا يطلع علينا نقابها» يعني : المدينة ؛ ونقابها وأنقابها : طرقها وفجاجها ؛ واحدها نقب ، بكسر النون.

وقوله في الرواية المتقدمة «فلا يقربها الدجال ولا الطاعون» فيقتضي جواز دخول الطاعون المدينة ، ويرده الجزم في سائر الأحاديث ، والصواب حفظها منه كما هو المشاهد.

وقد استشكل قرن الدجال بالطاعون مع أن الطاعون شهادة ورحمة فكيف يتمدح بعدمه؟

والجواب من وجوه : أحدها : أن كونه كذلك ليس لذاته ، وإنما المراد ترتب ذلك عليه ، وقد ثبت تفسيره من رواية أحمد «بوخز أعدائكم من الجن» ؛ فيكون الإشارة بذلك إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من الطعن ، كما أن الدجال ممنوع منها ، ألا ترى أن قتل الكافر المسلم شهادة ، ولو ثبت لمحل أن الكفار لا تسلط عليه لحاز بذلك غاية الشرف ، ثانيها : أن أسباب الرحمة لم تنحصر في الطاعون ، وقد عوضهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم عنه الحمى حيث اختارها عند ما عرضا عليه كما تقدم ، وهي مطهرة للمؤمن وحظه من النار ، والطاعون يأتي في بعض الأعوام ، والحمى تتكرر في كل حين ، فيتعادلان ، وفيه نظر ؛ لأن تكثير أسباب الرحمة مطلوب ، ولأنه لا يدفع إشكال التمدح بعدمه ، ثالثها : أنه وإن اشتمل


على الرحمة والشهادة فقد ورد أن سببه أشياء تقع من الأمة كظهور بعض المعاصي ، وقد روى أحمد بأسانيد حسان وصحاح عن شرحبيل بن حسنة وغيره «أنه ـ يعني الطاعون ـ رحمة ربكم ، ودعوة نبيكم ، وموت الصالحين قبلكم» وروى أحمد أيضا تفسير كونه دعوة نبيكم عن أبي قلابة بأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سأل ربهعزوجل ألا يهلك أمته بستة ، فأعطيها ، وسأله ألا يسلط عليهم عدوّا من غيرهم ، فأعطيها ، وسأله ألا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض ، فمنعه ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وسلم في دعائه : فحمى إذا أو طاعونا» كرره ثلاثا ؛ فقد تضمن الطاعون نوعا من المؤاخذة ؛ لأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم دعا به ليحصل كفاية إذاقة بعضهم بأس بعض ، ويكون هلاكهم حينئذ بسبب لا يعصون به ، بل يثابون ؛ فحفظ الله تعالى بلد نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الطاعون المشتمل على الانتقام إكراما لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وجعل لهم الحمى المضعفة للأبدان عن إذاقة بعضهم بأس بعض والمطهرة لهم ؛ فقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «فحمى إذا» أي : للموضع الذي لا يدخله الطاعون ، بل عصم منه وهو جواره الشريف ، وقوله «أو طاعونا» أي للموضع الذي لم يعصم منه ، وهو سائر البلاد ، هذا ما ظهر لي في فهم هذه الأحاديث ، وهو يقتضي شرف الحمى الواقعة بالمدينة وفضلها ؛ لأنها دعوة نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ورحمة ربنا أيضا ؛ لأنها من لازم دعوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولأنها جعلت في مقابلة الطاعون الذي هو رحمة لغيرهم ؛ فتكون الحمى رحمة لهم ؛ فهي غير حمى الوباء الذاهبة من المدينة ، رابعها ـ ذكره الحافظ ابن حجر نقلا عن القرطبي ـ وهو أن المعنى لا يدخل إلى المدينة من الطاعون مثل الذي وقع في غيرها كطاعون عمواس(١) ، قال الحافظ ابن حجر : وهو يقتضي أن الطاعون يدخلها في الجملة ، وليس كذلك ؛ فقد جزم ابن قتيبة وتبعه جمع جم من آخرهم النووي بأن الطاعون لا يدخل المدينة أصلا ، ولا مكة أيضا ، لكن نقل جماعة أنه دخل مكة في الطاعون العام سنة تسع وأربعين وسبعمائة ، بخلاف المدينة فلم يذكر أحد قط أنه دخلها أصلا ، ثم ذكر الحافظ ابن حجر الحديث المتقدم المشتمل على ذكر مكة أيضا ، ثم قال : وعلى هذا فالذي نقل أنه وجد بمكة ليس كما ظن ناقله كونه طاعونا ، بل وباء ، وهو أعم من الطاعون ، أو يجاب بجواب القرطبي المتقدم ، قال : ولعله بنى جوابه على أن الطاعون ما ينشأ عن فساد الهوى فيقع به الموت الكثير ، وليس كذلك ؛ ففي الصحيح قول أبي الأسود : قدمت المدينة وهم يموتون بها موتا ذريعا ؛ فهذا وقع بالمدينة وهو وباء ، ولكن الشأن في تسميته طاعونا ، قال : والحق أن المراد بالطاعون في هذه الأحاديث الذي ينشأ

__________________

(١) عمواس : كورة من فلسطين بالقرب من بيت المقدس.


عن طعن الجن فيهيج به الدم في البدن فيقتل ، فهذا لم يدخل المدينة قط. قلت : نقل الزركشي عن القرطبي أنه فسر الطاعون بالموت العام الفاشي ، وهو صريح في أنه أراد ما فهمه عنه الحافظ ابن حجر ، ويرده قوله في الحديث المتقدم «حتى إذا كان قريبا من المدينة ببعض الطريق أصابه الوباء فأفزع الناس» فإن المراد فيه بالوباء الطاعون المعروف بعلاماته عندهم ، وإلا فموت الشخص الواحد لا يفزع ولا يسمى موتا عاما ، ويبعد جعل الموت العام بمجرده شهادة ، وقد أخبر بعض الأولياء بمشاهدة الجن يقظة يطعنون الناس في بعض سني الطاعون ، ورأيته أنا كذلك مناما ، ورأيت أن بيني وبينهم حائلا ، فحماني الله منه في تلك السنة ، على أنه لو سلّم أن المراد ما ذكره القرطبي فالإشكال المتقدم باق ؛ إذ يقال : لم لم يكثر بالمدينة وهو رحمة؟ فالحق ما قدمناه ، وهذا ـ كما قال بعضهم ـ من المعجزات العظيمة المستمرة التي هي من أعلام نبوتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأن الأطباء بأجمعهم قد عجزوا عن دفع الطاعون عن بلد ما في دهر من الدهور. وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة ، مع أنه يقع بالحجاز الشريف ، ويدخل قرية الينبع وجدة والفرع والصفراء والخيف وغير ذلك من الأماكن القريبة من المدينة ، ولا يدخلها هي كما شاهدنا ذلك في طاعون أواخر سنة إحدى وثمانين وثمانمائة مع أوائل التي بعدها ؛ فإنه عم أكثر الأماكن القريبة من المدينة ، وكثر بجدة ، واختلف في دخوله مكة ، والذي تحققناه كثرة الموت بها في ذلك الزمان ، وكثرت الحمى بالمدينة ، لكن لم يكثر بها موت ، وبالجملة فهي محفوظة منه أتم الحفظ ؛ فلله الحمد والمنة.

الفصل السادس

في الاستشفاء بترابها ، وبتمرها ، وما جاء فيه

ما جاء في أن ترابه شفاء

روينا في كتاب ابن النجار والوفاء لابن الجوزي حديث «غبار المدينة شفاء من الجذام» وفي جامع الأصول لابن الأثير وبيّضا لمخرجه عن سعدرضي‌الله‌عنه قال : «لما رجع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من تبوك تلقاه رجال من المخلّفين من المؤمنين ، فأثاروا غبارا ، فخمر ـ أو فغطى ـ بعض من كان مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنفه ، فأزال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم اللثام عن وجهه ، وقال : والذي نفسي بيده إن في غبارها شفاء من كل داء» قال : وأراه ذكر «ومن الجذام والبرص» وقد أورده كذلك رزين العبدري في جامعه ، وهو مستند ابن الأثير في إيراده ، قال الحافظ المنذري : ولم أره في الأصول.


الاستشفاء بتراب صعيب

وروى ابن رزين أيضا عن ابن عمر نحوه ، إلا أنه قال : «فمد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يده فأماطه عن وجهه ، وقال : أما علمت أن عجوة المدينة شفاء من السقم ، وغبارها شفاء من الجذام» ورواه ابن زبالة مختصرا عن صيفي بن أبي عامر ، ولفظه «والذي نفسي بيده إن تربتها لمؤمنة ، وإنها شفاء من الجذام» وروي أيضا عن أبي سلمة : بلغني أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «غبار المدينة يطفي الجذام». قلت : وقد رأينا من استشفى بغبارها من الجذام ، وكان قد أضرّ به كثيرا ؛ فصار يخرج إلى الكومة البيضاء ببطحان بطريق قباء ويتمرغ بها ويتخذ منها في مرقده ، فنفعه ذلك جدّا. وروى ابن زبالة ويحيى بن الحسن بن جعفر العلوي وابن النجار كلاهما من طريقه «أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أتى بلحارث ، فإذا هم روبى(١) ، فقال : ما لكم يا بني الحارث روبى؟ قالوا : أصابتنا يا رسول الله هذه الحمى ، قال : فأين أنتم عن صعيب؟ قالوا : يا رسول الله ما نصنع به؟ قال : تأخذون من ترابه فتجعلونه في ماء ، ثم يتفل عليه أحدكم ويقول : بسم الله ، تراب أرضنا ، بريق بعضنا ، شفاء لمريضنا ، بإذن ربنا ، ففعلوا ، فتركتهم الحمى» قال ابن النجار عقبه : قال أبو القاسم طاهر بن يحيى العلوي : صعيب : وادي بطحان دون الماجشونية ، وفيه حفرة مما يأخذ الناس منه ، وهو اليوم إذا وبأ إنسان أخذ منه. قلت : قد رأيت ذلك في نسخة كتاب يحيى التي رواها ابنه طاهر بن يحيى عنه ، والماجشونية هي الحديقة المعروفة اليوم بالمدشونية ، وقال ابن النجار عقبه : وقد رأيت أنا هذه الحفرة اليوم ، والناس يأخذون منها ، وذكروا أنهم قد جربوه فوجدوه صحيحا ، قال :وأخذت أنا منه أيضا. قلت : وهذه الحفرة موجودة اليوم ، مشهورة سلفا عن خلف ، يأخذ الناس منها وينقلونه للتداوي ، وقد بعثت منها لبعض الأصحاب أخذا مما ذكروه في أخذ نبات الحرم للتداوي ، ثم رأيت الزركشي قد قال : ينبغي أن يستثنى من منع نقل تراب الحرم تربة حمزةرضي‌الله‌عنه ؛ لإطباق السلف والخلف على نقلها للتداوي من الصداع ، فقلت عند الوقوف عليه : أين هو من تراب صعيب لما قدمناه فيه؟ بخلاف ما ذكره إذ لا أصل له ، وذكر المجد أن جماعة من العلماء ذكروا أنهم جربوا تراب صعيب للحمى فوجدوه صحيحا ، قال : وأنا بنفسي سقيته غلاما لي مريضا من نحو سنة تواظبه الحمى ، فانقطعت عنه من يومه ، وذكر المجد أيضا في موضع آخر كيفية الاستشفاء به أنه يجعل في الماء ويغتسل به ، وكذا ذكره الجمال المطري عند ذكر صعيب فقال : وفيه حفرة يؤخذ من ترابها ويجعل في الماء ويغتسل به من الحمى. قلت : فينبغي أن يجعل في الماء ثم يتفل عليه ، وتقال الرقية الواردة ، ثم يجمع بين الشرب والغسل منه ، ويستأنس للغسل بما رويناه عن جزء وأبي مسعود بن

__________________

(١) روبى : (ج) روبان : من فترت نفسه من نعاس ومرض ، فاختلط عقله ورأيه من شدة الإعياء.


الفرات الرازي عن ثابت بن قيس «أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عاده وهو مريض فقال : أذهب الباس ربّ الناس(١) ، عن ثابت بن قيس بن شماس ، ثم أخذ كفا من بطحاء ، فجعله في قدح من ماء ، ثم أمر فصب عليه» وفي الصحيحين حديث «كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا اشتكى الإنسان أو كانت به قرحة أو جرح قال بإصبعه هكذا ، ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها ، وقال : بسم الله ، تربة أرضنا ، بريق بعضنا ، يشفي سقيمنا ، بإذن ربنا» ورواه أبو داود بنحوه ، وفي رواية «يقول بريقه ، ثم قال به في التراب : تربة أرضنا» وروى ابن زبالة «أن رجلا أتى به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبرجله قرحة ، فرفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم طرف الحصير ، ثم وضع أصبعه التي تلي الإبهام على التراب بعد ما مسها بريقه ، وقال : بسم الله ، ريق بعضنا ، بتربة أرضنا ، ليشفي سقيمنا ، بإذن ربنا ، ثم وضع أصبعه على القرحة ، فكأنما حل من عقال» وروى أيضا حديث «تراب أرضنا ، شفاء لقرحنا ، بإذن ربنا» وأن أم سلمة كانت تنعت من القرحة تراب الضبة.

ما جاء في أن تمرها شفاء

وفي مسلم حديث «من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره شيء حتى يمسي» وفي الصحيحين حديث «من تصبّح بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر» ورواه أحمد برجال الصحيح بلفظ «من أكل سبع تمرات عجوة مما بين لابتي المدينة على الريق لم يضره يومه ذلك شيء حتى يمسي» قال فليح : وأظنه قال «وإن أكلها حين يمسي لم يضره شيء حتى يصبح» ورواه ابن زبالة بلفظ «من تصبح بسبع تمرات من العجوة» لا أعلمه إلا قال «من العالية لم يضره يومئذ سم ولا سحر» وفي صحيح مسلم حديث «إن في عجوة العالية شفاء ، أو إنها ترياق أول البكرة» وروى أحمد برجال الصحيح حديثا فيه «واعلموا أن الكمأة دواء العين ، وأن العجوة من فاكهة الجنة» وروى النسائي وأبو داود الطيالسي والطبراني في الثلاثة بسند جيد حديث «الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين ، والعجوة من الجنة ، وهي شفاء من السم» وقد صح في سنن أبي داود عن سعد بن أبي وقاص قال «مرضت مرضا ، فأتاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يعودني ، فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي ، فقال : إنك رجل مفئود ، ائت الحارث بن كلدة أخا ثقيف فإنه رجل يتطبب ، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة ، فليجأهن(٢) ثم ليلدّك بهن» ورواه الطبراني لكن عن سعد بن أبي رافع.

قوله «فليجأهن» أي فليدقهن ، قال عياض : وقال ابن الأثير فليجأهن أي : فليدقهن ،

__________________

(١) الباس : الشدة ، و ـ العذاب الشديد. و ـ يضرب لكل شيء يخاف منه الشر.

(٢) وجأ التمر : دقّه حتى تلزّج.


وبه سميت الوجيئة ، وهو تمر يبل بلبن ثم يدق حتى يلتئم(١) ، ومنه الحديث «أنه دعا سعدا فوصف له الوجيئة» وقوله «ثم ليلدّك» أي : يسقيك ، يقال : لدّه باللّدود ، إذا سقاه الدواء في أحد جانبي الفم.

وفي كامل ابن عدي حديث «ينفع من الدؤام أن يأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة كل يوم يفعل ذلك سبعة أيام» وفي غريب الحديث للخطابي عن عائشةرضي‌الله‌عنهما «أنها كانت تأمر للدؤام والدوار بسبع تمرات عجوة في سبع غدوات على الريق» والدؤام والدوار : ما يأخذ الإنسان في رأسه فيدومه ، ومنه تدويم الطائر ، وهو : أن يستدير في طيرانه ، قال الخطابي : كون العجوة عوذة من السم والسحر إنما هو من طريق التبرك بدعوة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا لأن طبعها يفعل شيئا ، وقال النووي : في تخصيصها دون غيرها وعدد السبع من الأمور التي علمها الشارع ، ولا نعلم نحن حكمتها ؛ فيجب الإيمان بها ، واعتقاد فضلها ، وما ذكره المازري والقاضي في هذا باطل ، وقصدت بذلك التحذير من الاغترار به ، انتهى. وأشار به لقول القاضي في أثناء تعليل ذلك : إنه لتأثير في الأرض أو الهواء ، ولقول المازري : لعل ذلك كان لأهل زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة ، أو لأكثرهم ؛ إذ لم يثبت استمرار وقوع الشفاء في زمننا غالبا ، وإن وجد ذلك في الأكثر حمل على أنه أراد وصف غالب الحال ، انتهى.

وقد جعله ابن التين احتمالا ، وزاد عليه آخر أعجب منه ، فقال : يحتمل أن يكون المراد نخلا خاصّا من المدينة لا يعرف الآن ، ويحتمل : أن يكون ذلك خاصّا بزمانهصلى‌الله‌عليه‌وسلم انتهى.

وهو مردود ؛ لأن سوق الأحاديث وإيراد العلماء لها وإطباق الناس على التبرك بعجوة المدينة وتمرها يرد التخصيص بزمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مع أن الأصل عدمه ، ولم تزل العجوة معروفة بالمدينة يأثرها الخلف عن السلف ، يعلمها كبيرهم وصغيرهم علما لا يقبل التشكيك.

وقال الداودي : هي من أوسط التمر كما هو المشاهد اليوم. وقال غيره : هي من أجود تمر المدينة ، ومراده أنها ليست من رديه. وقال ابن الأثير : العجوة ضرب من التمر أكبر من الصّيحاني يضرب إلى السواد ، وهو مما غرسه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بيده بالمدينة.

وذكر هذا الأخير البزار أيضا ، فلعل الأوداء(٢) التي كاتب سلمان الفارسي أهله عليها وغرسهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم بيده الشريفة بالفقير أو غيره من العالية كانت عجوة ، والعجوة(٣) توجد بالفقير

__________________

(١) الوجيئة : تمر يدق حتى يخرج نواه ، ثم يبل بلبن أو سمن حتى يلزم بعضه بعضا ، ثم يؤكل.

(٢) الأوداء : صغار الفسيل.

(٣) العجوة : ضرب من أجود التمر بالمدينة.


إلى يومنا هذا ، ويبعد أن يكون المراد أن هذا النوع إنما حدث بغرسهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأن جميع ما يوجد منه من غرسه كما لا يخفى.

وروى ابن حبان عن ابن عباس ل «كان أحب التمر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم العجوة» وفي حديث ضعيف «خير تمركم البرني ، يخرج الداء ، ولا داء فيه» ورواه ابن شبة بنحوه خطابا لوفد عبد القيس في ثمارهم ، وكذا الحاكم في مستدركه ، وفي مسلم حديث «يا عائشة بيت لا تمر فيه جياع أهله» قالها مرتين أو ثلاثا ، وفيه أيضا حديث «لا يجوع أهل بيت عندهم التمر» وفي الكبير والصغير للطبراني ورجال الصغير رجال الصحيح عن ابن عباس «كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أتي بالباكورة من الثمار وضعها على عينيه ثم قال : اللهم كما أطعمتنا أوله فأطعمنا آخره ، ثم يأمر به للمولود من أهله» ولفظ الكبير «كان إذا أتى بالباكورة من التمر قبّلها وجعلها على عينيه» الحديث ، وفي نوادر الحكيم الترمذي عن أنس بن مالك قال «كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أتى بالباكورة من كل شيء قبّلها ووضعها على عينه اليمنى ثلاثا ، ثم على عينه اليسرى ثلاثا ، ثم يقول : اللهم» الحديث بنحوه.

وروى البزار بسند فيه ضعيف حديث «يا عائشة إذا جاء الرطب فهنئني» ورويناه في الغيلانيات ، وفيها أيضا حديث «كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يعجبه أن يفطر على الرطب في أيام الرطب ، وعلى التمر إذا لم يكن رطب ، ويختم بهن ، ويجعلهن وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا» وفيها حديث «كلوا التمر على الريق ؛ فإنه يقتل الدود».

وأنواع تمر المدينة كثيرة ، ذكرنا ما أمكن جمعه منها في الأصل فبلغ مائة وبضعا وثلاثين نوعا : منها النوع المسمى بالصّيحاني ، وقد أسند الصدر إبراهيم بن محمد بن مؤيد الحموي في كتابه فضل أهل البيت عن جابررضي‌الله‌عنه قال «كنت مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يوما في بعض حيطان المدينة ، ويد علي في يده ، قال : فمررنا بنخل ، فصاح النخل : هذا محمد سيد الأنبياء ، وهذا علي سيد الأولياء أبو الأئمة الطاهرين ، ثم مررنا بنخل فصاح النخل : هذا محمد رسول الله ، وهذا علي سيف الله ، فالتفت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى علي ، فقال له : يا علي سمّه الصيحاني ، فسمي من ذلك اليوم الصيحاني» وهو حديث غريب ؛ فكان هذا سبب تسمية ذلك النوع بهذا الاسم ؛ لأن تلك النخلات كانت منه ، ويحتمل أن يكون المراد تسمية ذلك الحائط بهذا الاسم ، وبالمدينة اليوم موضع بجفاف يعرف بالصيحاني.

وروى بعضهم هذا الحديث عن علي بألفاظ فيها نكارة ، وفي آخره «يا علي سمّ نخل المدينة صيحانيا لأنهن صحن بفضلي وفضلك».


الفصل السابع

في سرد خصائصها

وهي كثيرة لا تكاد تنحصر ، وها أنا ذاكر ما حضرني منها الآن وإن شاركتها مكة في بعضه ، فأقول وبالله التوفيق :

الخاصة الأولى : ما تقدمت الإشارة إليه من كونهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خلق من طينتها ، وكذا أبو بكر وعمررضي‌الله‌عنهما وأكثر الصحابة والسلف ممن دفن بها وروى أن الله تعالى بعث جبريل وميكائيل ليقبضا قبضة من الأرض بقدميه ، فصار بعض الأرض بين قدميه وبعض الأرض موضع أقدامه ، فخلقت النفس مما مس قدم إبليس ؛ فصارت مأوى الشر ، ومن التربة التي لم يصل إليها قدم إبليس أصل الأنبياء والأولياء.

قال في العوارف : وكانت درة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم موضع نظر الله تعالى من قبضة عزرائيل لم يمسها قدم إبليس.

وقيل : لما خاطب الله السموات والأرض بقوله :( ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ) [فصلت : ١١] الآية أجاب من الأرض موضع الكعبة ومن السماء ما يحاذيها.

وعن ابن عباس : أصل طينة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من سرة الأرض بمكة ، يعني الكعبة ، وهو مشعر بأن ما أجاب من الأرض درتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن الكعبة دحيت الأرض ؛ فصارصلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الأصل في التكوين.

قال في العوارف عقبه : وتربة الشخص مدفنه ، فكان مقتضى ذلك أن يكون مدفنه هناك ، لكن قيل : لما تموج الماء رمى الزبد إلى النواحي ، فوقعت جوهرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى ما يحاذي تربته الشريفة بالمدينة ، فكان مكيا مدنيا.

قلت : فلمكة الفضل بالبداية ، وللمدينة بالاستقرار والنهاية.

الثانية : اشتمالها على البقعة التي انعقد الإجماع على تفضيلها على سائر البقاع ، كما تقدم تحقيقه.

الثالثة : دفن أفضل الأمة بها والكثير من الصحابة الذين هم خير القرون.

الرابعة : أنها محفوفة بأفضل الشهداء الذين بذلوا نفوسهم في ذات الله بين يدي نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ فكان شهيدا عليهم.

ونقل عياض في المدارك وابن الجوزي في منسكه أن مالكا كان يقول في فضل المدينة : هي دار الهجرة والسنة ، وهي محفوفة بالشهداء ، وبها خيار الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .


الخامسة : أن الله تعالى اختارها دارا وقرارا لأفضل خلقه وأكرمهم عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

السادسة : أن الله تعالى اختار أهلها للنصرة والإيواء.

السابعة : أن سائر البلاد افتتحت بالسيف ، وافتتحت هي بالقرآن ، كما هو مروي عن مالك ، ورفعه ابن زبالة من طريقه.

الثامنة : أن الله تعالى افتتح منها سائر بلاد الإسلام ، حتى مكة المشرفة ، وجعلها مظهر دينه القويم.

التاسعة : ما ذكره عياض من الاتفاق على وجوب الهجرة إليها قبل فتح مكة ، ووجوب سكناها لنصرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومواساته بالأنفس ، قال ومن هاجر قبل الفتح فالجمهور على منعه من الإقامة بمكة بعد الفتح ، ورخص له في الإقامة ثلاثة أيام بعد قضاء نسكه.

العاشرة : أنه يبعث أشراف هذه الأمة يوم القيامة منها ، على ما نقله عياض في المدارك عن مالك في ضمن أشياء في فضل المدينة ، قال وهذا لا يقوله مالك من عند نفسه.

الحادية عشرة : ما تقدم في الأسماء من تسميتها بالمؤمنة والمسلمة ، وإن ترتبتها لمؤمنة ، وأنه لا مانع من أن الله خلق ذلك فيها.

الثانية عشرة : إضافتها إلى الله تعالى في قوله( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً ) [النساء ٩٧] على ما تقدم في الأسماء ، وقد جاءت الأرض غير مضافة إلى الله تعالى والمراد بها مكة ، وذلك في قوله تعالى( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ ) [الأنفال ٢٦].

الثالثة عشرة : إضافة الله إياها إلى رسوله بلفظ البيت في قوله( كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ ) [الأنفال ٥] على ما تقدم في الأسماء.

الرابعة عشرة : إقسام الله تعالى بها في قوله( لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ) [البلد ١] على ما سبق في الأسماء ، أي نحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بك ، و «لا» زائدة للتأكيد ، ويدل عليه قراءة الحسن والأعمش «لأقسم».

الخامسة عشرة : أن الله بدأ بها في قوله( وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ) [الإسراء ٨٠] فمدخل صدق هي ، ومخرجه مكة كما تقدم ، مع أن القياس البداءة بالمخرج لموافقة الواقع. فإن قيل التقديم للاهتمام بأمر المدخل ، قلنا في الاهتمام به كفاية.

السادسة عشرة : تسميتها في التوراة بالمرحومة ونحوه ، ومخاطبة الله إياها كما تقدم.


السابعة عشرة دعاؤهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بحبها كمكمة وأشد ، وتسميتها بالحبيبة وغيره مما تقدم ، ودعاؤه أن يجعل الله له بها قرارا ورزقا حسنا.

الثامنة عشرة : تحريكه صلى‌الله‌عليه‌وسلم دابته أو إيضاعها إذا أبصر جدرانها عند قدومها ، وأنه كان إذا أقبل من مكة فكان بالأثاية طرح رداءه عن منكبيه وقال «هذه أرواح طيبة» كما تقدم.

التاسعة عشرة : اهتمامه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأمر الدعاء لها بالبركة وغير ذلك.

العشرون : تحريمها على لسان أفضل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه إكراما له ، وكونه لا جزاء فيها على القول به دليل عظيم حرمتها حيث لم يشرع فيها جابر.

الحادية والعشرون تأسيس مسجدها الشريف على يدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعمله فيه بنفسه ، ومعه خير الأمة المهاجرون الأولون والأنصار المقدمون.

الثانية والعشرون : اختصاصها بالمسجد الذي أنزل الله فيه( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ) [التوبة ١٠٨].

الثالثة والعشرون : كون ما بين بيته ومنبره روضة من رياض الجنة ، وفي رواية «ما بين منبري وهذه الحجر» يعني حجرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وسيأتي بيان أن ذلك يعم مسجدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على ما هو المشهور بين الناس في تحديد المسجد الشريف ؛ ولهذا قال بعضهم هذا المسجد هو المسجد الذي لا تعرف بقعة في الأرض من الجنة غيره.

الرابعة والعشرون : كون منبره الشريف على ترعة من ترع الجنة ، وأن قوائمه رواتب في الجنة ، وفي رواية «ومنبري على حوضي».

الخامسة والعشرون : ما ورد في مسجده الشريف من المضاعفة الآتي بيانها.

السادسة والعشرون : حديث «من صلّى في مسجدي هذا أربعين صلاة كتب له براءة من النار ، وبراءة من العذاب ، وبرئ من النفاق» رواه الطبراني في الأوسط.

السابعة والعشرون : ما سيأتي أن من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة فيه كان بمنزلة حجة ، وأن الخارج إليه من حين يخرج من منزله فرجل تكتب حسنة ورجل تحط خطيئة.

الثامنة والعشرون : أن إتيان مسجد قباء يعدل عمرة كما سيأتي.

التاسعة والعشرون : حديث «صيام شهر رمضان في المدينة كصيام ألف شهر فيما سواها ، وصلاة الجمعة في المدينة كألف صلاة فيما سواها» فسائر أفعال البر كذلك كما قيل به في مكة ، وبه صرح أبو سليمان داود الشاذلي في الانتصار ، ثم رأيته في الإحياء ، قال إن الأعمال في المدينة تتضاعف ، قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم «صلاة في مسجدي هذا» الحديث ، ثم قال فكذلك كل عمل بالمدينة بألف انتهى ، وقال ابن الرفعة في المطلب وقد ذهب


بعض العلماء إلى أن الصيام بالمدينة أفضل من الصلاة ، والصلاة بمكة أفضل من الصيام ، مراعاة لنزول فرضيتهما ، انتهى.

قلت : ويؤخذ من هذه العلة أن كل عبادة شرعت بالمدينة فهي بها أفضل منها بمكة ، ولك أن تعد هذا خاصة مستقلة.

الثلاثون : حديث «لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق».

الحادية والثلاثون : تأكد التعلم والتعليم بمسجدها كما سيأتي.

الثانية والثلاثون : اختصاصه بمزيد الأدب وخفض الصوت ؛ لكونه بحضرة سيد المرسلين ، واختصاصه عند بعضهم بمنع أكل الثوم ونحوه من دخوله ؛ لاختصاصه بملائكة الوحي.

الثالثة والثلاثون : أنه لا يجتهد في محرابه ؛ لأنه صواب قطعا ؛ فلا مجال للاجتهاد فيه حتى باليمنة واليسرة ، بخلاف محاريب المسلمين ، والمراد مكان مصلاهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال الرافعي وفي معناه سائر البقاع التي صلّى فيهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا ضبط المحراب ، قلت وفي ضبطه بغيرها عسر أو تعذر.

الرابعة والثلاثون : أن ما بين منبره صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومسجد المصلى روضة من رياض الجنة، وهذا جانب كبير من هذه البلدة.

الخامسة والثلاثون : حديث «أحد على ترعة من ترع الجنة» وحديث «أحد جبل يحبنا ونحبه».

السادسة والثلاثون : حديث «إن بطحان على ترعة من ترع الجنة».

السابعة والثلاثون : وصف العقيق بالوادي المبارك ، وأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يحبه ، وفي رواية «يحبنا ونحبه».

الثامنة والثلاثون : حثه صلى‌الله‌عليه‌وسلم على الإقامة بها.

التاسعة والثلاثون : حثه على اتخاذ الأصل بها.

الأربعون : حثه على الموت بها ، والوعد على ذلك بالشفاعة أو الشهادة أو هما.

الحادية والأربعون : حرصه صلى‌الله‌عليه‌وسلم على موته بها.


الثانية والأربعون : كون أهلها أول من يشفع لهم ، واختصاصهم بمزيد الشفاعة والإكرام كما تقدم.

الثالثة والأربعون : بعث الميت بها من الآمنين على ما سيأتي.

الرابعة والأربعون : أنه يبعث من بقيعها سبعون ألفا على صورة القمر يدخلون الجنة بغير حساب ، ومثله في مقبرة بني سلمة ، وتوكل ملائكة بمقبرة البقيع كلّما امتلأت أخذوا بأطرافها فكفئوها في الجنة.

الخامسة والأربعون : بعث أهلها من قبورهم قبل سائر الناس.

السادسة والأربعون : شهادته ـ أو شفاعته ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم لمن صبر على لأوائها وشدتها.

السابعة والأربعون : وجوب شفاعتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لمن زاره بها.

الثامنة والأربعون : استجابة الدعاء بها عند القبر الشريف ، ويقال إنه مستجاب عند الأسطوان المخلق ، وعند المنبر ، وفي زاوية دار عقيل بالبقيع ، وبمسجد الفتح بعد صلاة الظهر يوم الأربعاء ، واستجابة الدعاء بمسجد الإجابة ومسجد السقيا وبالمصلى عند القدوم ، وعند بركة السوق في يوم العيد ، وعند أحجار الزيت وبالسوق ، لما سيأتي عند ذكر هذه الأماكن من ورود ذلك عنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بها.

التاسعة والأربعون : كونها تنفي خبثها.

الخمسون : كونها تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة.

الحادية والخمسون : الوعيد الشديد لمن ظلم أهلها أو أخافهم.

الثانية والخمسون : من أرادها وأهلها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء ، وفي رواية أذابه الله في النار ، ويؤخذ من ترتيب الوعيد على الإرادة مساواة المدينة لحرم مكة في هذا ، وفيه قال تعالى( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ ) [الحج ٢٥] الآية ، ويتمسك للمساواة أيضا بقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «كما حرم إبراهيم مكة» فقول ابن مسعود ما من بلدة يؤاخذ العبد فيها بالهم قبل الفعل إلا مكة وتلا الآية مشكل ، وأيضا فالهم العارض الوارد من غير عزم لا مؤاخذة به مطلقا بالاتفاق ، وأما الثابت الذي يصحبه التصميم فالعبد مؤاخذ به بمكة وبغيرها ، وإنما خصوصية الحرم تعظيم العذاب لمن همّ فيه لجرأته ؛ ولذا روى أحمد في معنى الآية بإسناد صحيح مرفوعا «لو أن رجلا همّ فيه بإلحاد وهو بعدن أبين لأذاقه الله عذابا أليما».

الثالثة والخمسون : الوعيد الشديد لمن أحدث بها حدثا أو آوى محدثا ، وتقدم تفسير الحديث بالإثم مطلقا ، وأنه دال على أن الصغيرة بها كبيرة ؛ وللوعيد الشديد في ذلك ؛


لأنها حضرة أشرف المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وسلم وسوء الأدب على بساط الملك ليس كالإساءة في أطراف المملكة.

قال بعض السلف : إياك والمعصية فإن عصيت ولا بد فليكن في مواضع الفجور ، لا في مواضع الأجور ؛ لئلا يتضاعف عليك الوزر ، أو تعجل لك العقوبة.

فإن قيل هذا قول بتضعيف السيئات في الحرم ، والراجح خلافه ؛ لقوله تعالى :( وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ) [الأنعام : ١٦٠].

قلنا : تحرير النزاع أن القائل بالمضاعفة أراد مضاعفة مقدارها : أي : عظمها ، لا العدد ، فإن السيئة جزاؤها سيئة ، لكن السيئات قد تتفاوت عقوبتها باختلاف الأشخاص والأماكن ، كما أن تقدير كل أحد بما يليق به في الزجر ، فجزء السيئة مثلها ، ومن المماثلة رعاية ما اقترن بها مما دل على جرأة مرتكبها ، ولا تكتب إلا واحدة ، والله أعلم.

الرابعة والخمسون : الوعيد لمن لم يكرم أهلها وأن إكرامهم وحفظهم حق على الأمة ، وأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم شفيع ـ أو شهيد ـ لمن حفظهم فيه.

الخامسة والخمسون : حديث «من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبيّ».

السادسة والخمسون : حديث «من غاب عن المدينة ثلاثة أيام جاءها وقلبه مشرب جفوة»(١) وإنه «لا يخرج أحد منها رغبة عنها إلا أخلف الله تعالى فيها خيرا منه» كما في حديث مسلم ، قال المحب الطبري : فيه إشعار بذم الخروج منها ، وذهب بعضهم إلى أنه مخصوص بمدة حياتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأما بعد وفاته فقد خرج نفر كثير من كبار الصحابة ، وذهب آخرون إلى أنه عام أبدا ، قال الطبري : وهو ظاهر اللفظ ، نعم هو مخصوص بالمستوطن ، لا من نوى الإقامة بها مدة ثم ينقلب إلى وطنه.

السابعة والخمسون : إكرام الله لها بنقل وبائها وتحويل حماها.

الثامنة والخمسون : الاستشفاء بترابها ، وما تقدم في ثمارها.

التاسعة والخمسون : عصمتها من الطاعون.

الستون : عصمتها من الدجال ، وخروج الرجل الذي هو خير الناس ـ أو من خير الناس ـ إليه منها ، وقوله له : أشهد أنك الدجال ، وأنه لا يسلّط عليه بآخرة الأمر ، وبهذا تتميز على مكة ، والسر فيه أن سيد المرسلين ـ وهو حجة الله على العباد ـ بالمدينة.

الحادية والستون : ما في حديث الطبراني من قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «وحق على كل مسلم زيارتها».

الثانية والستون : سماعه صلى‌الله‌عليه‌وسلم سلام من سلّم وصلاة من صلّى عليه عند قبره الشريف ، ورده عليه.

__________________

(١) مشرب الرجل : ميله وهواه.


الثالثة والستون : اختصاصها بملك الإيمان والحياء ، كما تقدم في الأسماء.

الرابعة والستون : كون الإيمان يأزر إليها.

الخامسة والستون : اشتباكها بالملائكة وحراستهم لها.

السادسة والستون : كونها أول أرض اتخذ بها مسجد لعامة المسلمين في هذه الأمة.

السابعة والستون : كون مسجدها آخر مساجد الأنبياء ، وآخر المساجد التي تشد إليها الرحال ، وكونه أحق المساجد أن يزار كما سيأتي.

الثامنة والستون : كثرة المساجد والمشاهد والآثار بها ، بل البركة عامة منبثة بها ، ولهذا قيل لمالك : أيما أحب إليك المقام هنا يعني المدينة أو بمكة؟ فقال : هاهنا ، وكيف لا أختار المدينة وما بها طريق إلا سلك عليها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وجبريلعليه‌السلام ينزل عليه من عند رب العالمين في أقل من ساعة؟

التاسعة والستون : ما يوجد بها من رائحة الطيب الزكية ، على ما تقدم في الأسماء.

السبعون : طيب العيش بها ، على ما تقدم هناك أيضا.

الحادية والسبعون : استحقاق من عاب تربتها للتعزير ؛ فقد أفتى مالك فيمن قال «تربة المدينة رديئة» بأن يضرب ثلاثين درة ، وأمر بحبسه ، وكان له قدر ، وقال : ما أحوجه إلى ضرب عنقه ، تربة دفن فيها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يزعم أنها غير طيبة؟

الثانية والسبعون : الوعيد الشديد لمن حلف يمينا فاجرة عند منبرها.

الثالثة والسبعون : استحباب الدخول لها من طريق والرجوع في أخرى ، لما سيأتي في مسجد المعرّس(١) .

الرابعة والسبعون : استحباب الاغتسال لدخولها.

الخامسة والسبعون : استحباب الدعاء والطلب من الله الموت بها.

السادسة والسبعون : أنها دار إسلام أبدا ؛ لحديث «إن الشياطين قد يئست أن تعبد ببلدي هذا».

السابعة والسبعون : أنها آخر قرى الإسلام خرابا ، رواه الترمذي وقال : حسن غريب ، ورواه ابن حبان بلفظ «آخر قرية في الإسلام خرابا المدينة».

الثامنة والسبعون : تخصيص أهلها بأبعد المواقيت وأفضلها ؛ تعظيما لأجورهم.

التاسعة والسبعون : ذهب بعض السلف إلى تفضيل البداءة بالمدينة قبل مكة ، وهي مسألة عزيزة ، وممن نص عليها ابن أبي شيبة في مصنفه فروى عن علقمة والأسود وعمرو بن ميمون أنهم بدءوا بالمدينة قبل مكة ، وأن نفرا من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كانوا

__________________

(١) المعرّس : المكان ينزل فيه المسافر آخر الليل.


يبدؤون بالمدينة ، وفي المناسك الكبير للإمام أحمد رواية ابنه عنه : سئل عمن يبدأ بالمدينة قبل مكة ، فذكر بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد وعطاء ومجاهد قالوا : إذا أردت مكة فلا تبدأ بالمدينة وابدأ بمكة ، فإذا قضيت حجك فامرر بالمدينة إن شئت ، وعن إبراهيم النخعي ومجاهد : إذا أردت مكة للحج والعمرة فاجعل كل شيء لها تبعا ، ثم روى أن نفرا من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كانوا يبدؤون بالمدينة إذا حجوا ، يقولون : نبدأ من حيث أحرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم . قلت : وهذا أرجح ؛ لتفضيل ميقات المدينة ، وإتيان المدينة أولا وصلة إليه ، مع ما فيه من البداءة بزيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإيثارها ، ولعله السبب عند من بدأ بالمدينة ممن تقدم ذكره من التابعين كما قال السبكي. ونقل الزركشي عن العبدي شارح الرسالة من المالكية أنه قال : المشي إلى المدينة لزيارة قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس ، انتهى. والخلاف فيما إذا لم تكن المدينة على طريقه ؛ لأن مأخذ من رجّح البداءة بمكة المبادرة إلى قضاء الفرض ، ولهذا قال الموفق ابن قدامة : قال أحمد : وإذا حج الذي لم يحج قط ـ يعني من غير طريق الشام ـ لا يأخذ على طريق المدينة ؛ لأني أخاف أن يحدث به حدث ، فينبغي أن يقصد مكة من أقصر الطرق ولا يتشاغل بغيره ، قال السبكي : وهو في العمرة متجه ؛ لإمكان فعلها متى وصل ، وأما الحج فله وقت مخصوص فإذا كان متسعا لم يفت بمروره بالمدينة شيء. قلت : ومع ذلك فهو في الفرض ، ولهذا قال في الفصول : نقل صالح وأبو طالب : إذا حج للفرض لم يمر بالمدينة ؛ لأنه إن حدث به حدث الموت كان في سبيل الحج ، وإن كان تطوعا بدأ بالمدينة ، انتهى. وممن نص على المسألة أيضا الإمام أبو حنيفة على ما نقله أبو الليث السمرقندي ، وقال : إن الأحسن البداءة بمكة.

الثمانون : اختصاص أهلها في قيام رمضان بستّ وثلاثين ركعة ، على المشهور عند الشافعية ، قال الرافعي والنووي : قال الشافعي : رأيت أهل المدينة يقومون بتسع وثلاثين ركعة ، منها ثلاث للوتر ، قال أصحابنا : وليس لغير أهل المدينة ذلك ؛ لشرفهم بمهاجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقبره ، ثم قال الرافعي : وسبب فعل أهل المدينة ذلك أن الركعات العشرين خمس ترويحات ، وكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعا ، ويصلون ركعتي الطواف أفرادا ، وكانوا لا يفعلون ذلك بين الفريضة والتراويح ولا بين التراويح والوتر ، فأراد أهل المدينة أن يساووهم في الفضيلة ، فجعلوا مكان كل أسبوع ـ أي : مع كل ركعتيه ـ ترويحة ؛ فحصل أربع ترويحات هي ستة عشر ركعة ، انتهى.

ونقل الروياني في البحر هذا السبب عن الشافعي. وقال القاضي أبو الطيب الطبري :


قال الشافعي : لا يجوز لغير أهل المدينة أن يماروا أهل مكة ولا ينافسوهم لأن الله فضّلهم على سائر البلاد ، انتهى. وحاصل التوجيه أن الحسد في الخير مطلوب ، وهو في الحقيقة غبطة كما حسد المهاجرون ـ لما لم يكن لهم ما يتصدقون به ـ الأنصار فقالوا : ذهب أهل الدثور بالأجور(١) ، فأثبت أهل المدينة هذا العدد بضرب من الاجتهاد ليلحقوا بأهل مكة ، وقد تشارك البلدان في الفضائل حتى اختلف في تفضيل كل منهما على الأخرى ، وجعل لأهل المدينة ما يحصل به ثواب الاعتمار والحج ، وامتازت المدينة بالمهاجر والقبر ، فجعل لأهلها طريق إلى تحصيل تلك الفضيلة السابقة مع إقامتهم بها ، ولعله لو لم يشرع لهم ذلك لحملتهم الرغبة في الخير على الانتقال إلى مكة ، وسكنى المدينة مطلوب ، وأما غيرهم فليس له شيء من هذا الفضل ، فكيف يتأتى له مساواة أهل مكة؟ فلم يشرع لهم ذلك ، هذا وإجماع أهل المدينة حجة عند مالك ، والقيام بهذا العدد بالمدينة باق إلى اليوم إلا أنهم يقومون بعشرين ركعة عقب العشاء ، ثم يأتون آخر الليل فيقومون بستة عشر ركعة ، فوقع لهم خلل في أمر الوتر نبّهنا عليه في كتاب «مصابيح القيام ، في شهر الصيام» وكنت قد ذكرت لهم ما يحصل به إزالة ذلك ، ففعلوه مدة ، ثم غلبت الحظوظ النفسية على بعضهم فعاد الأمر كما كان.

الحادية والثمانون : زيادة البركة بها ، على مكة المشرفة ، وقد قدمنا حديثا يشير إلى أن المدعو به لها ستة أضعاف ما بمكة من البركة ، والمصرح به في الأحاديث «ضعفي ما جعلت بمكة من البركة» وفي بعضها «مثل ما جعلت بمكة من البركة ومع البركة بركتين».

الثانية والثمانون : نقل عن مالك أن خبر الواحد إذا عارضه إجماع أهل المدينة قدم إجماعهم، ولهذا روي حديث خيار المجلس ثم قال : وليس لهذا عندنا حد معلوم ولا أمر معمول به ؛ لما اختص به أهل المدينة من سكناهم مهبط الوحي ومعرفتهم بالناسخ والمنسوخ ، فمخالفتهم تقتضي علمهم بما أوجب ترك العمل من ناسخ أو دليل راجح ، والمحققون على أن البقاع لا أثر لها في ذلك ، وقد بلغ ابن أبي ذئب ـ وهو من أقران مالك ـ مخالفته للحديث فأغلظ في ذلك لأن العصمة إنما تثبت في إجماع جميع الأمة ، ويؤخذ من كلام مالك اختصاص ذلك بعمل أهل ذلك العصر من أهل المدينة.

__________________

(١) أهل الدثور : أصحاب الأموال الكثيرة.


الثالثة والثمانون : حديث النسائي والبزار والحاكم واللفظ له «يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل فلا يجدوا عالما أعلم من عالم المدينة» وقال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، وقد كان ابن عيينة يقول : نرى هذا العالم مالك بن أنس ، انتهى. قال الزركشي : وفيما حكاه عن سفيان نظر ؛ لما في صحيح ابن حبان أن إسحاق بن موسى قال : بلغني عن ابن جريح أنه كان يقول : نرى أنه مالك بن أنس ، فذكرت ذلك لسفيان بن عيينة فقال : إنما العالم من يخشى الله ، ولا نعلم أحدا كان أخشى لله من العمري ، قال التوربشتي في شرح المصابيح : يعني عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، كان من عباد الله الصالحين المشائين في بلاده وعباده بالنصيحة. بلغنا أنه كان يخرج إلى البادية ليتفقد أهلها شفقة عليهم وأداء الحق النصيحة فيهم ، وقد أخرج الترمذي الحديث وحسّنه ، وتكلم ابن حزم فيه ، ثم قال : ولم يتعين هذا في مالك ؛ لأنه كان في عصره جماعة لا يفضل على واحد منهم ، وكان بالمدينة من هو أجل منه كسعيد بن المسيب ؛ فهذا الحديث أولى به. وقال ابن عيينة : ولو سئل أيّ الناس أعلم؟ لقالوا : سفيان الثوري ، قال ابن حزم : وإن صح هذا الحديث فإنما إذا قرب قيام الساعة وأرز الإيمان إلى المدينة وغلب الدجال على الأرض خلا مكة والمدينة ، وأما حتى الآن فلم يأت صفة ذلك الحديث ؛ لأن الفقه انقطع من المدينة جملة ، واستقر في الآفاق ، انتهى. ولا يخلو عن نزاع.

الرابعة والثمانون : تحريم نقل أحجار حرمها وترابه كما سيأتي بيانه.

الخامسة والثمانون : لو نذر تطييب مسجد المدينة وكذا الأقصى ففيه تردد لإمام الحرمين ؛ لأنا إن نظرنا إلى التعظيم ألحقناهما بالكعبة ، أو إلى امتياز الكعبة بالفضل فلا ، وكلام الغزالي في آخر باب النذر يقتضي اختصاصه بالمسجدين كما فرضناه ، لا في غيرهما من المساجد ، والإمام طرده في الكل ، وحيث كان الملحظ ما ذكر فينبغي أن لا يتوقف فيما لو نذر تطييب القبر الشريف.

السادسة والثمانون : إذا نذر زيارة قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لزمه الوفاء بذلك وجها واحدا ، وفي وجوب الوفاء في زيارة قبر غيره وجهان ، قاله ابن كجّ ، وأقره عليه الرافعي والنووي وغيرهما.

السابعة والثمانون : قيام مسجدها مقام المسجد الأقصى كالمسجد الحرام فيما لو نذر الصلاة أو الاعتكاف في الأقصى ؛ فإن الأصح لزومه به ، وأجزأ مسجد المدينة لزيادة فضله ، ولو نذرهما بمسجد المدينة لم يجزه فعل ذلك بالأقصى ويجزيه بالمسجد الحرام.

الثامنة والثمانون : الاكتفاء بزيارة قبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمن نذر إتيان مسجد المدينة ، كما قال الشيخ أبو علي تفريعا على القول بلزوم إتيانه كما قاله الشافعي والبويطي وعلى أنه لا بد من ضم قربة إلى الإتيان كما هو الأصح تفريعا على اللزوم ، وعلله الشيخ أبو علي


بأن زيارتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من أعظم القربات ، وتوقف في ذلك الإمام من جهة أنها لا تتعلق بالمسجد وتعظيمه ، قال : وقياسه أنه لو تصدق في المسجد أو صام يوما كفاه ، وفيه نظر ، على أن الصحيح ما نص عليه في المختصر من عدم لزوم الإتيان ، وإن كان اللزوم أرجح دليلا ، ورجح الرافعي تفريعا على اللزوم ضم صلاة أو اعتكاف ، وكذا إذا نذر إتيان الأقصى ، فإن نفس المرور لما لم يكن في نفسه مزية انصرف النذر إلى ما يقصد فيه من القرب وبهذا يترجح ما قاله الشيخ أبو علي ، لأن إتيان مسجد المدينة يقصد للصلاة والاعتكاف والزيارة بخلاف غيره.

التاسعة والثمانون : قال ابن المنذر : إذا نذر أن يمشي إلى مسجد الرسول والمسجد الحرام لزمه الوفاء به لأنه طاعة ؛ ومن نذر أن يمشي إلى بيت المقدس كان بالخيار : إن شاء مشى إلى المسجد الأقصى ، وإن شاء مشى إلى المسجد الحرام ؛ لحديث أن رجلا قال للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في مسجد بيت المقدس ، قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «صلّ هنا ، ثلاثا» انتهى. ويعلم مما تقرر في إجزاء مسجد المدينة عن الأقصى في الإتيان والصلاة إجزاؤه هنا كالمسجد الحرام ، والذي اقتضاه كلام البغوي تصحيح عدم لزوم المشي في مسجد المدينة والأقصى ، وهو الذي رجحوه.

التسعون : قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في أحاديث تحريمها «ولا يحمل فيها سلاح لقتال».

الحادية والتسعون : قوله فيها أيضا : «ولا تلتقط لقطته إلا لمن أشاد بها».

الثانية والتسعون : إذا قلنا بضمان صيدها وقطع شجرها فالصحيح أنه يسلب الصائد كما يسلب قتيل الكفار ، وهذا أبلغ في الزجر من الجزاء.

الثالثة والتسعون : جواز نقل ترابها للتداوي.

الرابعة والتسعون : ظهور نار الحجاز التي أخبر بهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم مما حولها ؛ لأنها للإنذار ، فاختصت ببلد النذير ، ثم لما بلغت الحرم وكان محرّمه المبعوث بالرحمة خمدت وطفئت ، على ما سيأتي.

الخامسة والتسعون : دعاؤه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالبركة في سوقها.

السادسة والتسعون : ما سيأتي في سوقها من أن الجالب إليه كالمجاهد في سبيل الله.

السابعة والتسعون : أن المحتكر فيه كالملحد في كتاب الله.

الثامنة والتسعون : ما سيأتي في بئر غرس من أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم «رأى أنه أصبح على بئر من آبار الجنة ، فأصبح على بئر غرس» ورؤيا الأنبياء حق ، عليهم الصلاة والسلام!

التاسعة والتسعون : ما سبق في ثمارها من أن العجوة من الجنة ؛ فقد اشتملت المدينة على شيء من أرض الجنة ومياهها وثمارها ، والله أعلم.


الفصل الثامن

في الأحاديث الواردة في تحريمها ، وهي كثيرة

روينا في الصحيحين منها حديث عبد الله بن زيد «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها» ، وفي لفظ «ودعا لأهلها ، وإني حرمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكة» الحديث.

وفي البخاري حديث أبي هريرةرضي‌الله‌عنه «حرم ما بين لابتي المدينة على لساني» قال : وأتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بني حارثة فقال : «أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم ، ثم التفت فقال : بل أنتم فيه» وسيأتي بيان منازلهم ، وفيه أيضا عنه : لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما بين لابتيها حرام» وهو في مسلم بزيادة ، ولفظه «جرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما بين لابتي المدينة» قال أبو هريرة : فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها ، وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى.

وفي مسلم أيضا عن عاصم الأحول : «سألت أنسا أحرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة؟ قال : نعم ، هي حرام : لا يختلى خلاها(١) ، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».

وفيه أيضا حديث رافع بن خديجرضي‌الله‌عنه «إن إبراهيم حرم مكة ، وإني أحرم ما بين لابتيها» يريد المدينة.

وفيه أيضا حديث جابر «إن إبراهيم حرم مكة ، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها : لا تقطع عضاهها ، ولا يصاد صيدها».

وفيه أيضا من حديث أبي سعيد الخدري «اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما ، وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها ، أن لا يهراق فيها دم ، ولا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا يخبط(٢) فيها شجرة إلا لعلف» الحديث.

وفيه أيضا من حديث أنس «اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيمعليه‌السلام مكة».

قلت : المراد بجبليها عير وثور ، وهما المعبر عنهما في الحديث قبله بمأزميها على ما صوبه النووي ، ونسبة تحريم مكة لإبراهيمعليه‌السلام دليل لما ذهب إليه جماعة من أنها لم تزل حلالا كغيرها إلى زمن إبراهيمعليه‌السلام ، فحرمت ، والثاني ـ وصححه النووي ، ونقل عن الأكثرين ـ أنها لم تزل حراما منذ خلق الله السموات والأرض ، ثم أظهر الله

__________________

(١) اختلى : قطع ونزع. الخلا : الرطب من النبات.

(٢) خبط الشجرة بالمخبط : ضربها به ليسقط ورقها.


تعالى ذلك على لسان نبيه إبراهيمعليه‌السلام . قال الزركشي : وفيه جمع بني الأحاديث. قلت : الأحكام قديمة ؛ لأنها خطاباته تعالى ، والحادث إنما هو تعلقاتها بالمكلفين ، فإذا كان ظهور تحريمها على لسان إبراهيمعليه‌السلام فذلك أول تعلق الحكم التكليفي ، فما معنى ما يقوله الثاني من تحريمها يوم خلق الله السموات والأرض مع انتفاء التعلق التكليفي حينئذ؟ ويجوز أن يكون بمعنى أن الله تعالى أظهر ذلك لملائكته يوم خلق السموات والأرض وعرفهم به ، وتأخر تعلق التكليف به حتى ظهر على لسان نبيه إبراهيمعليه‌السلام وهذا لا يأباه القول الأول ، بل يسلمه ، وهو حسن ، وبه يجتمع معنى الأحاديث ، ولا يخفى أن خطاب الله تعالى بتحريم المدينة قديم أيضا ، وتأخره من حيث التكليف إلى أن أظهره النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليس فيه حط لرتبتها ، بل دليل كمالها حيث ادخر الله ذلك حتى جعله على لسان أشرف المرسلين صلوات الله وسلامه عليه ، مع أنهم ذكروا في معنى تحريم إبراهيم لها احتمالين : أحدهما : أنه بأمر الله تعالى له ، والثاني : أنه دعا لها فحرمها الله بدعوته ، ويقال مثله في تحريمهصلى‌الله‌عليه‌وسلم للمدينة.

وقوله : «ما بين لابتيها» أي : حرّتيها الشرقية والغربية والمدينة بينهما ، ولها أيضا حرة بالقبلة وحرة بالشام ، لكنهما يرجعان إلى الشرقية والغربية لاتصالهما بهما ، ولهذا جمعهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم كلها في اللابتين كما نبه عليه الطبري.

قال النووي : وهو حد الحرم من جهة المشرق والمغرب ، وما بين جبليها بيان لحده من جهة الجنوب والشمال ، قال : ومعنى قوله «ما بين لابتيها» اللابتان وما بينهما ، والمراد تحريم المدينة ولابتيها.

قلت : ويؤيده أن اللابتين شرقا وغربا في محاذاة أحد الجبلين الآتي بيانهما ، وأن منازل بني حارثة في محاذاة اللابة الغربية على ما اقتضاه كلاه المطري فيما قدمناه عنه من الباب الأول في ترجمة أثرب ، والذي ترجح عندي أن منازلهم كانت باللابة الشرقية مما يلي العريض وما قارب ذلك ؛ لأن الإسماعيلي روى الحديث المتقدم بلفظ : «ثم جاء بني حارثة وهم في سند الحرة» أي : الجانب المرتفع منها ، وسيأتي في منازلهم ما يبين أن المراد الحرة الشرقية ، وليس الموضع الذي ذكره المطري في سند واحدة من الحرتين ، والله أعلم. ويؤيد أيضا ما قاله النووي أن البيهقي روى في المعرفة حديث الصحيفة عن علي بلفظ : «إن إبراهيم حرم مكة ، وإني أحرم المدينة ما بين حرتيها وجمامها : لا يختلى خلاها ، ولا ينفر صيدها ، ولا يلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها» يعني : أنشد «ولا


يقطع شجرها إلا أن يعلف رجل بعيرا ، ولا يحمل فيها سلاح لقتال» الحديث ، ورواه أحمد كذلك أيضا ، وهو حديث صحيح ، وجمام المدينة ثلاثة كما سيأتي ، وهي مما يلي حرتها الغربية من جهة المغرب والحرة بين الجمام والمدينة.

وروى مسلم حديث الصحيفة بلفظ : «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور» والبخاري بلفظ : «المدينة حرم ما بين عاير إلى كذا» وأبو داود بلفظ : «المدينة حرام ما بين عاير إلى ثور» ثم زاد فيه وقال : إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا يختلى خلاها ، ولا ينفر صيدها ، ولا يلقط لقطتها إلا من أشاد بها ، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال ، ولا أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره» ورواه الطبراني برجال موثّقين مختصرا ، ولفظه عن أبي جحيفة أنه دخل على عليرضي‌الله‌عنه فدعا بسيفه ، فأخرج من بطن السيف أدما عربيا ، فقال : ما ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم شيئا غير كتاب الله الذي أنزل إليه وقد بلغته غير هذا ، فإذا : بسم الله الرحمن الرحيم ، محمد رسول الله قال : «لكل نبي حرم وحرمي المدينة».

الفصل التاسع

في بيان عير وثور

وهما المراد بجبليها كما تقدم.

موقع جبل عير

أما عير ـ بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف بلفظ العير مرادف الحمار ، ويقال : عاير ـ فجبل كبير مشهور في قبلة المدينة بقرب ذي الحليفة ميقات المدينة.

موقع جبل ثور

وأما ثور ـ بالمثلاثة بلفظ الثور فحل البقر ـ فجبل صغير خلف أحدكما سنحققه ، فإنه خفي على جماعة من فحول العلماء فاستشكلوا الحديث ، وقالوا : ليس بالمدينة ثور ، إنما هو بمكة ، ولهذا في أكثر روايات البخاري من عاير إلى كذا ، وفي بعضها من عير إلى كذا ، ولم يبين النهاية ، فكأنه يرى أن ذكر ثور وهم فأسقطه ، وترك بعض الرواة موضع ثور بياضا ليتبين الوهم ، وضرب آخرون عليه.

الاختلاف في وجود جبل ثور بالمدينة

وقال المازري : نقل بعض أهل العلم أن ذكر ثور هنا وهم من الراوي ؛ لأن ثورا بمكة ، والصحيح «إلى أحد».

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : عير وثور جبلان بالمدينة ، وأهل المدينة لا يعرفون


بها جبلا يقال له ثور ، وإنما ثور بمكة ، قال : فإذا نرى أن الحديث أصله «ما بين عير إلى أحد».

قلت : وكذا رواه الطبراني برجال ثقات ، بلفظ : «ما بين عير وأحد حرام ، حرّمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم » وهو كذلك في رواية لابن زبالة.

وقال الحازمي : الرواية الصحيحة «ما بين عير إلى أحد» وقيل : «إلى ثور» وليس له معنى ، وتكلف بعضهم فقال : إلى بمعنى مع ، كأنه جعل المدينة مضافة إلى مكة في التحريم لأن ثورا بها.

وقال الموفق بن قدامة : يحتمل أن المراد تحريم قدر ما بين ثور وعير اللذين بمكة ، أو سمى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الجبلين اللذين بطرفي المدينة عيرا وثورا ارتجالا ، انتهى. وهو يقتضي إنكار وجود عير بالمدينة أيضا.

وقد قال الزركشي : نقل عياض عن بعضهم أنه ليس بالمدينة ولا ما يقرب منها جبل يعرف بأحد هذين الاسمين ، أعني عيرا وثورا. قال ياقوت في معجمه : وهذا وهم ، فإن عيرا جبل مشهور بالمدينة ، وقال ابن السيد : عير جبل بقرب المدينة ، وعبارة عياض في المشارق : عير وعاير المذكوران في حرم المدينة في أكثر الروايات عير ، وفي حديث علي عاير ، قال الزبير بن بكار : هو جبل بالمدينة ، وقال عمه مصعب : لا يعرف بالمدينة عير ولا ثور ، انتهى.

وقال في المطالع : أكثر رواة البخاري ذكروا عيرا ، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا ، ومنهم من ترك مكانه بياضا ، والأصل في هذا التوقف قول مصعب الزبيري : ليس بالمدينة عير ولا ثور ، وأثبت غيره عيرا ، ووافقه على إنكار ثور.

قلت : سيأتي في ترجمة عير من فصل البقاع عن مصعب الزبيري ما يقتضي إثباته له ، وشهرة عير غير خافية بين العلماء ، إنما الغرابة في ثور.

وقال النووي عقب نقل الحازمي المتقدم : ويحتمل : أن ثورا كان اسما لجبل هناك : إما أحد ، وإما غيره ، فخفي اسمه.

وقال صاحب البيان والانتصار : قد صحت الرواية بلفظ ثور ؛ فلا ينبغي الإقدام على توهيم الرواة بمجرد عدم العرفان ، فإن أسماء الأماكن قد تتغير ، أو تنسى ولا يعلمها كثير من الناس ، قال : وقد سألت بمكة عن وادي محسّر وغيره من أماكن تتعلق بالنسك ، فلم أخبر عنها مع تكرر مجيء الناس إليها ، فما ظنك بغيرها؟ وأيضا فقد يكون للشيء اسمان فيعرف أحدهما دون الآخر.

وقال المجد : لا أدري كيف وقعت المسارعة من هؤلاء الأعلام إلى إثبات وهم في


الحديث المتفق على صحته ، بمجرد ادعاء أن أهل المدينة لا يعرفون جبلا يسمى ثورا ، وذكر احتمال طرق التغيير في الأسماء والنسيان لبعضها ، قال : حتى إني سألت جماعة من فقهاء المدينة وأمرائها وغيرهم من الأشراف عن فدك ومكانها فكلهم أجابوا بعدم معرفة موضع يسمى بذلك في بلادهم ، مع أن هذه القرية لم تبرح في أيدي الأشراف والخلفاء يتداولونها إلى أواخر الدولة العباسية ، فكيف بجبل صغير لا يتعلق به كبير أمر ، مع أنه معروف بين أهل العلم بالمدينة ، ونقل بعض الحفاظ وصفه بذلك خلفا عن سلف؟ اه.

قلت : قد حكى البيهقي في المعرفة قول أبي عبيد : أهل المدينة لا يعرفون جبلا يقال له ثور ، ثم قال البيهقي : وبلغني عن أبي عبيدة أنه قال في كتاب الجبال : بلغني أن بالمدينة جبلا يقال له ثور ، انتهى.

ونقل المجد في ترجمة عير عن نصر أنه قال : عير جبل يقابل الثنية المعروفة بشعب الجوز ، وثور جبل عند أحد ، انتهى. فدل على أن ما اشتهر في زماننا وقبله من وجود ثور بالمدينة له أصل في الزمن القديم ، وإن خفي على بعضهم ، وقد أخبرني بوجوده جماعة كثيرة من الخواص ، وأروني إياه خلف أحد ، ونقل جماعة عن المحدث أبي محمد عفيف الدين عبد السلام بن مزروع البصري نزيل المدينة المشرفة أنه رآه غير مرة ، وأنه لما خرج رسولا من صاحب المدينة إلى العراق كان معه دليل يذكر له الأماكن والأجبل ، فلما وصلا إلى أحد إذا بقربه جبل صغير ، فسأله : ما اسم هذا الجبل؟ فقال له : يسمى ثورا ، وقد حكى عنه نحو هذا القطب الحلبي في شرح البخاري ، وقال المحب الطبري : أخبرني الثقة الصدوق الحافظ العالم المجاور بحرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحا إلى ورائه جبل صغير يقال له ثور ، وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال ، فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور ، قال الطبري : فعلمنا بذلك أن ما تضمنه الحديث صحيح ، وعدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه ، انتهى.

وقد رد الجمال المطري في تاريخه على من أنكر وجود ثور ، وقال : إنه خلف أحد من شماليه ، صغير مدور ، يعرفه أهل المدينة خلف عن سلف.

وقال الأقشهري : وقد استقصينا من أهل المدينة تحقيق خبر جبل يقال له ثور عندهم ، فوجدنا ذلك اسم جبل صغير خلف جبل أحد يعرفه القدماء دون المحدثين من أهل المدينة ، والذي يعلم حجة على من لا يعلم ، اه.


وقال العلامة أبو العباس بن تيمية : عير جبل عند الميقات يشبه العير ، وهو الحمار ، وثور جبل في ناحية أحد ، وهو غير جبل ثور الذي بمكة.

وروى بعض شراح المصابيح أن الله تعالى لما كلم موسىعليه‌السلام على الجبل تقطع ست قطع ، فصارت ثلاث بمكة : حراء ، وثبير ، وثور ، وثلاث بالمدينة : عير ، وثور ، ورضوى ، وكأن ثورا سمي باسم فحل البقر لشبهه به ، وهو إلى الحمرة أقرب ، وقد صح بما قدمناه أن أحدا من الحرم ؛ لأن ثورا حده من جهة الشام كما أن عيرا حده من جهة القبلة ، ويقوم ذلك على الرواية التي فيها ذكر أحد بدل ثور ، لما في ذلك من الزيادة عليها ، وأنها من باب ذكر فرد مما شمله ذلك العموم بحكم العموم فلا تخصص ، مع إفادتها لإدخال ما حاذى أطراف أحد شرقا وغربا ، وما وقع في الشرحين والروضة وغيرهما من التحديد بما بين اللابتين وبما بين عير وأحد مبني على ما تقدم من أن الرواية الصحيحة «أحد» لعدم وجود ثور ؛ فقد اتضح الحال ، ولله الحمد.

الفصل العاشر

في أحاديث تقتضي زيادة الحرم

على ذلك التحديد ، وأنه مقدر ببريد

أعلم أن قوله في حديث مسلم «وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى» ظاهر في التحريم لذلك القدر ؛ إذ حول المدينة إنما هو حرمها ، وحمى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي ليس بحرم لم يكن حول المدينة على ما سيأتي بيانه ، ولأن التقي السبكي قال : إن في سنن أبي داود تحديد حرم المدينة ببريد من كل ناحية ، قال : وإسناده ليس بالقوي ، والذي رأيته في أبي داود عن عدي بن يزيد «حمى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كل ناحية من المدينة بريدا بريدا ، لا يخبط شجره ، ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل» رواه البزار بنحوه ، ورواه ابن زبالة بلفظ «حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم شجر المدينة بريدا في بريد منها ، وأذن في المسد(١) والمنجدة ومتاع الناضح أن يقطع منه» والمنجدة : عصا الناضح(٢) .

وروى المفضل الجندي عن سعد بن أبي وقاصرضي‌الله‌عنه أنه قال : في قصة العبد الذي وجده يعضد ـ أو يخبط ـ عضاها بالعقيق : «سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : من وجد من يعضد أو يخبط(٣) شيئا من عضاه المدينة بريدا في في بريد فله سلبه ، فلم أكن لأرد شيئا أعطانيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ».

__________________

(١) المسد : الحبل المضفور المحكم الفتل. و ـ المحور من الحديد تدور عليه البكرة.

(٢) المنجدة : (ج) مناجد : عود ينفش به الصوف أو القطن. و ـ عصا تحث بها الدّابة.

(٣) عضد : جزّ وقطع. العضاة : كل شجر له شوك صغر أو كبر. الواحدة : عضاهة.


وروى البزار عن جابر قال : «حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة بريدا من نواحيها».

وفي الأوسط للطبراني ـ وفيه ضعيف ـ عن كعب بن مالك قال : «حرّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الشجر بالمدينة بريدا في بريد ، وأرسلني فأعلمت على الحرم : على شرف ذات الحبيش ، وعلى شريب ، وعلى أشراف مخيض».

ورواه ابن النجار بلفظ : «حرّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة بريدا في بريد ، وأرسلني فأعلمت على الحرم : على شرف ذات الجليس ، وعلى مشيرب ، وعلى أشراف المجتهر ، وعلى تيم» ورواه ابن زبالة بهذا اللفظ ، إلا أنه أسقط أشراف المجتهر ، وأبدل تيم بثيب ، وزاد «وعلى الحفياء وعلى ذي العشيرة».

وروي أيضا عن كعب بن مالك أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «حمى الشجر ما بين المدينة إلى وعيرة ، وإلى ثنية المحدث ، وإلى أشراف مخيض ، وإلى ثنية الحفياء ، وإلى مضرب القبة ، وإلى ذات الجيش : من الشجر أن يقطع ، وأذن لهم في متاع الناضح أن يقطع من حمى المدينة».

وروي أيضا عن سلمان بن كعب الديا ناري أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «نزل بمضرب القبة وقال : ما بيني وبين المدينة حمى لا يعضد ، فقالوا : إلا المسد ، فأذن لهم في المسد».

وروي أيضا من طريق مالك بن أنس عن أبي بكر بن حزم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال في الحمى : «إلى مضرب القبة» قال مالك : وذلك نحو من بريد.

وروي أيضا عن جابر مرفوعا «كل دافعة دفعت علينا من هذه الشعاب فهي حرام أن تعضد ـ أو تخبط ، أو تقطع ـ إلا لعصفور قتب أو مسد محالة أو عصا حديدة»(١) .

وفي الأوسط للطبراني بإسناد حسن عن الحسن بن رافع أنه سأل جابر بن عبد الله فقال : لنا غنم وغلمان ، ونحن وهم بثرير ، فهم يخبطون على غنمهم هذه الثمرة ، يعني الحبلة ـ قال خارجة : وهي ثمر السّمر ـ قال جابر : لا يخبط ولا يعضد حمى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولكن هشوا هشا ، ثم قال جابر : إن كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليمنع أن يقطع المسد ، قال خارجة : والمسد مرود البكرة.

وروى ابن زبالة عن أبي سعيد الخدري قال : بعثتني عمتي إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تستأذنه في مسد ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اقرأ عمتك السلام ، وقل لها : لو أذنت لكم في مسد طلبتم ميزابا ، ولو أذنت لكم في ميزاب طلبتم خشبة ، ثم قال : حماي من حيث استاقت بنو فزارة لقاحي».

__________________

(١) القتب : الرحل الصغير على قدر سنام البعير. المسد : الحبل المضفور المحكم الفتل. و ـ المحور من الحديد تدور عليه البكرة.


الفصل الحادي عشر

في بيان ما في هذه الأحاديث من الألفاظ المتعلقة بالتحديد ، ومن ذهب إلى مقتضاها.

ذات الجيش

قوله : «شرف ذات الجيش» قال ابن زبالة : ذات الجيش : لقب ثنية الحفيرة من طريق مكة والمدينة ، وقال المطري : هي وسط البيداء ، والبيداء هي التي إذا رحل الحجاج من ذي الحليفة استقبلوها مصعدين إلى جهة الغرب ، وهي على جادة الطريق.

قلت : ويؤيده قول ياقوت : ذات الجيش موضع بعقيق المدينة ، أراد بقربه ، أو لأن سيلها يدفع فيه كما سيأتي ، وقد رأيته يطلق ذلك على ما يدفع في العقيق وإن بعد عنه. وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد الأسدي في وصف الطريق بين مكة والمدينة : إن من ذي الحليفة إلى الحفيرة ستة أميال ، قال : وهي متعشّى ، وبها بئر طيبة وحوض ، وعمر بن عبد العزيز هو الذي حفر البئر ، وبها أبيات ومسجد ، اه. ومقتضاه أن يكون ثنية الحفيرة بعد البئر ، فلعلها ثنية الجبل المسمى اليوم بمفرح ، وهناك واد قبل وادي تربان يسمونه سهمان ينطبق عليه الوصف المذكور ، وهو موافق لقول من قال : ذات الجيش واد بين ذي الحليفة وتربان. فأطلق اسمها على الوادي التي هي فيه ، ولقول عياض : ذات الجيش على بريد من المدينة ، وهو ظاهر رواية الطبراني المتقدمة ، لكنه مخالف لما سيأتي في معنى التحديد بالبريد ، وهناك حبس النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في ابتغاء عقد عائشةرضي‌الله‌عنها ، ونزلت آية التيمم ، والترديد في حديث عائشة : «حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش» كأن سببه قرب الموضعين ، وهو ظاهر في المغايرة بينهما. وقال أبو علي الهجري : ذات الجيش : شعبة على يمين الخارج إلى مكة بحذاء الحفيرة ، قال : وصدر الحفيرة وما قبل من الصلصلين يدفع في بئر أبي عاصية ، ثم يدفع في ذات الجيش ، وما دبر منها يدفع في البطحاء ، ثم تدفع البطحاء من بين الجبلين في وادي العقيق ، وذات الجيش تدفع في وادي أبي كبير ، وهو فوق مسجد الحرم والمعرس ، وطرف أعظم الغربي يدفع في ذات الجيش ، وطرفه الثاني يدفع في البطحاء.

قلت : وأعظم ـ ويقال عظم كما سيأتي ـ جبل معروف اليوم على جادة مكة ، قال المطري : وهو في شامي ذات الجيش ، ويشهد له ما سبق عن الهجري.

شريب

قوله «شريب» الظاهر أنه مشيرب تصغير مشرب كما في الرواية الأخرى ، وهو


ما بين جبال في شامي ذات الجيش ، بينها وبين خلائق الضبوعة ، والضبوعة منزل عند يليل(١) .

أشراف مخيض

قوله : «أشراف مخيض» بلفظ المخيض من اللبن ـ هي جبال مخيض من طريق الشام ، قاله ابن زبالة ، وقال الهجري : مخيض واد يصب في أضم على طريق الشام من المدينة ، انتهى ؛ فكأنه يطلق على الجبال وواديها ، وقال المطري : جبل مخيض هو الذي على يمين القادم من طريق الشام ، حين يفضي من الجبال إلى البركة التي هي مورد الحجاج من الشام ، ويسمونها عيون حمزة.

أشراف المجتهر

قوله : «أشراف المجتهر» كذا رواه ابن النجار ، وتبعه المطري ، ولم يبيناه ، وقال المجد : هكذا وقع بالجيم والهاء المفتوحة ، فإن صح فهو اسم موضع بالمدينة ، وإلا فيحتمل أن يكون تصحيف «المحيصر» بالحاء والصاد المهملتين تصغير «المحصر» موضع قريب من المدينة. قلت : الأقرب أنه تصحيف المخيض ؛ لمجيئه بدله في بقية الروايات.

الحفياء

قوله «الحفياء» قال ابن زبالة : هي بالغابة في شامي المدينة ، وقال الهجري : وراء الغابة بقليل ، وسيأتي في ترجمتها أن بينها وبين المدينة نحو ستة أميال.

ذو العشيرة

قوله : «ذي العشيرة» تصغير عشرة من العدد ، قال ابن زبالة : شرقي الحفياء ، وقال المطري : نقب في الحفياء.

ثيب

قوله : «ثيب» بفتح المثلاثة ثم مثناة تحتية ساكنة ثم موحدة ـ كذا في النسخة التي وقعت عليها من ابن زبالة ، وقال : إنه جبل في شرقي المدينة ، وكذا هو في العقيق للزبير بن بكار ، وكذا رأيته مضبوطا بالقلم في أصل معتمد من تهذيب ابن هشام ؛ فإنه قال في غزوة السويق : فخرج أبو سفيان حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له ثيب من المدينة على بريد أو نحوه ، وكذا هو في العقيق لأبي علي الهجري ، إلا أنه قال عقبه : ثيئب كتيعب ، فاقتضى أن الياء الساكنة بعدها همزة ، ويشهد لذلك ما سيأتي في أسماء البقاع في

__________________

(١) يليل : موضع قرب وادي الصفراء.


ترجمة الشظاة من شعر عباس بن مرداس ، وفي كتاب ابن شبة في حديث سلمة الآتي أول الباب السابع : فقلت يا رسول الله ، تباعد الصيد ، فأنا أصيد بصدور قناة نحو تيب ، كذا رأيته مضبوطا بالقلم من غير همزة ، لكنه بالمثناة من فوق ، ووقع في كتاب ابن النجار وتبعه المطري تيم بفتح المثناة الفوقية والتحتية وبالميم. قلت : وفي شرقي المدينة جبل يعرف اليوم بهذا الاسم ، وقال المجد : إنه تصحيف ، والصواب يتيب ، بلفظ مضارع تاب إذا رجع ، فهو بالتاء المثناة من فوق ، ولذا ذكره في مادتها من القاموس ، وقال في مادتها أيضا تيأب كفعلل موضع ، ولم يتعرض لذلك في الثاء المثلاثة.

وعيرة

قوله : «وعيرة» ـ بفتح أوله من الوعورة ، وهو خشونة الأرض ـ جبل شرقي ثور ، وهو أكبر من ثور وأصغر من أحد.

ثنية المحدث

وقوله : «ثنية المحدث» لم أر من تكلم عليه من مؤرخي المدينة وغيرهم ، والعجب من المجد كيف أهمله مع إيراده الحديث في كتابه.

مضرب القبة

قوله : «مضرب القبة» قال المجد كالمطري : ليس اليوم معروفا ، ولا تعلم جهته ، قال : والذي يظهر أنه ما بين ذات الجيش من غربي المدينة إلى مخيض.

قلت : قال أبو علي الهجري : مضرب القبة بين أعظم وبين الشام نحو ستة أميال ، أي من المدينة ، وقد تقدم قول مالك عقب التحديد به : وذلك نحو من بريد ، ولعله يريد مجموع الحرم.

ثرير

قوله : «بثرير» لم أر من تكلم عليه حتى المجد.

غزوة ذي قرد

قوله : «من حيث استاقت بنو فزارة لقاحي» كانت لقاحهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ترعى بالغابة وما حولها ، فأغار عليها عيينة بن حصن الفزاري يوم ذي قرد ، واتفق لسلمة بن الأكوع ما اتفق من استنقاذ اللقاح ووصول الفرسان إليه وهو يقاتلهم ويرميهم بالنبل ، وسميت غزوة ذي قرد بالموضع الذي كان فيه القتال.

والتحديد بهذه الأماكن مؤيد لكون مجموع الحرم بريدا ، ولذلك قال ابن زبالة عقب ما تقدم عنه : وذلك كله يشبه أن يكون بريدا في بريد ، انتهى. ويحمل عليه قول أبي هريرة


في حديث مسلم : «وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى» لأن ذلك هو البريد أي : ستة أميال من جهة قبلتها ، وستة أميال من جهة شاميها ، وكذلك في المشرق والمغرب ، ومثله حديث «حمى كل ناحية من المدينة بريدا» أي من القبلة إلى الشمال بريدا ، ومن المشرق إلى المغرب بريدا ، وقد أخذ بذلك مالكرحمه‌الله ، لكن فرّق بين حرم الشجر وحرم الصيد ، وجعل البريد حرم الشجر ، وما بين اللابتين حرم الصيد.

قال عياض في الإكمال : قال ابن حبيب : تحريم ما بين اللابتين مخصوص بالصيد ، قال : وأما قطع الشجر فبريد في دور المدينة كلها ، بذلك أخبرني مطرف عن مالك ، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن وهب ، انتهى. وحكى الباجي في المنتقى مثله عن ابن نافع ، ونقل ابن زبالة عن مالك أنه قال : الحرم حرمان ؛ فحرم الطير والوحش من حرة واقم ـ أي : وهي الحرة الشرقية ـ إلى حرة العقيق ـ أي وهي الغربية ـ وحرم الشجر بريد في بريد ، وقال البرهان بن فرحون : حرم الصيد ما بين حرارها الأربع ، وسماهما أربعا لوجود الحرتين المذكورتين في الجهات الأربع ؛ لانعطاف بعض الشرقية والغربية من جهة الشمال والقبلة ، ولم يعول أصحابنا في تحديد الحرم على البريد مع ما فيه من الزيادة ؛ لأن أدلته ليست بالقوية ، فعولوا على ما اشتملت عليه الأحاديث الصحيحة من الجبلين واللابتين ، على أن إطلاق أحاديث التحريم مقتض لعدم الفرق بين حرم الشجر وحرم الصيد ، سواء كان الحرم بريدا أو دونه ، غير أن في أحاديث البريد ما يشعر بأنه للشجر ، مع أن ابن زبالة ـ ومحله من الضعف معلوم ـ روي عن ابن بشير المازني أنه سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يحرّم ما بين لابتيها ـ يعني : المدينة ـ من الصيد ، وعن أبي هريرة وغيره نحوه ، وفي رواية له «من الطير أن يصاد بها» وقد يقال : هو من باب إفراد فرد مما حرم بالذكر.

فإن قيل : قوله في حديث مسلم : «حرم ما بين لابتيها ، وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى» دال على الفرق المذكور.

قلنا : ممنوع ؛ لأن غايته أن يراد بالحمى الحرم ، فكأنه قال : وجعل اثني عشر ميلا حولها حرما ؛ إذ ليس فيه أنه جعله حمى الشجر.

مقدار البريد والفرسخ والميل

تتمة : البريد أربع فراسخ ، والفرسخ ثلاثة أميال ، والميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع بذراع اليد على الأصح ، كما صححه ابن عبد البر وغيره ، وهو الموافق لاختيار ما ذكره من المسافات في الحرم المكي وغيره ، وذراع اليد ـ على ما ذكره المحب الطبراني والنووي وغيرهما ـ أربعة وعشرون أصبعا ، كل أصبع ست شعيرات مضمومة بعضها إلى بعض ، وغلط النووي القلعي في قوله «ثلاث شعيرات» ومقدار الذراع المذكور من ذراع


الحديد المستعمل في القماش بمصر الآن ذراع إلا ثمن ذراع ، كما اعتبرته أنا وغيري ، ومشى عليه التقي الفاسي في تاريخ مكة المشرفة ، وليكن ذلك على ذكر منك إذا مررت بشيء مما ضبطناه في المسافات في كتابنا هذا ، وقيل : الميل ستة آلاف ذراع ، ومشى عليه النووي ، وهو بعيد ، ولعل قائله هو الذي يجعل الإصبع في الذراع ثلاث شعيرات فقط ، وقيل : الميل ألفا ذراع ، والصواب ما قدمناه ، والله أعلم.

الفصل الثاني عشر

في حكمة تخصيص هذا المقدار المعين بالتحريم

حكمة التخصيص

اعلم أن المفهوم من تحريم ذلك تشريف المدينة الشريفة وتعظيمها به لحلول أشرف المخلوقين صلوات الله وسلامه عليه ، وانتشار أنواره وبركاته بأرضها ، وكما أن الله تعالى جعل لبيته حرما تعظيما له جعل لحبيبه وأكرم الخلق عليه ما أحاط بمحله حرما تلتزم أحكامه ، وتنال بركاته ، ويوجد فيه من الخير والبركة والأنوار المنتشرة والسلامة العاجلة والآجلة ما لا يوجد في غيره ، ولهذا حث النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بني حارثة على الكون به ، كما أشار إليه بقوله : «أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم» ثم التفت فقال : «بل أنتم فيه» وذلك لخصوصية الكون فيه على الكون خارجه ، وتخصيص ذلك المقدار إما أن يكون لما شاهدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه من أمر رباني ، وسر روحاني بثه الله فيه إلى تلك الحدود المتقدمة ، وقد ذكر أهل الشهود أنهم يشاهدون الأنوار منبثة في الحرم وأهله إلى حدوده ، ولها منابع تفيض عنها ، وذلك في الحرمين جميعا ، فترتبت الأحكام الظاهرة على تلك الحقائق الباطنة ، ولهذا لما بلغت النار الآتي ذكرها طرف هذا الحرم الشريف طفئت كما سيأتي ، وإما أن يكون بمقتضى أمر إلهي ، ووحي رباني لا ندركه نحن ؛ إذ العقول البشرية قاصرة عن إدراك معاني الأحكام المتلقاة عن النبوة ، وإنما يظهر لها لايحه من شوارق مطالعها عند التأييد والتسديد ، هدانا الله لإدراكها بمنه وكرمه.

وجوه تذكر في حكمة التحديد

وقد قيل في حكمة تحديد الحرم المكي أشياء يمكن مثلها هنا ؛ فقيل : لما أهبط آدم إلى الأرض أرسل الله ملائكة حفوا بمكة من كل جانب ووقفوا في موضع أنصاب الحرم يحرسون آدمعليه‌السلام ، فصار ذلك حرما. وقيل : لما وضع الخليلعليه‌السلام الحجر الأسود في الكعبة حين بناها ـ وهو من أحجار الجنة ـ أضاء الحجر من الجهات الأربع ، فحرم الله تعالى الحرم من حيث انتهى النور. وقيل : إن الله تعالى أمر جبريلعليه‌السلام


أن ينزل بياقوتة من الجنة ، فنزل بها ، فمسح بها رأس آدم ، فتناثر الشعر منه ، فحيث بلغ نورها صار حرما ، وهو من جنس ما قبله. وقيل غير ذلك ؛ وحينئذ فيحتمل : أن تكون الملائكة الموكلة بحراستهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وحراسة بلده الشريف قائمة بتلك الحدود ، فانتهى الحرم إليها ، ويحتمل : أن درته الشريفة التي خلق منها لما كان مأخذها موضع قبره الشريف ، وهو أعظم رياض الجنة ، واشتمل مسجده أيضا على روضة من رياض الجنة ، انبثت الأنوار من ذلك إلى ما لا يعلم غايته إلا الله ، ولكن أبصار الناظرين لها غايات ؛ فقد يكون انتهاؤها إلى تلك الحدود فانتهى الحرم إليها ، ويحتمل أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم قدومه إلى المدينة انتشرت الإضاءة ، وشوهد وصولها إلى تلك الحدود ، وسيأتي قول أنس بن مالك في وصف يوم قدومهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما رأيت مثل ذلك اليوم قط ، والله لقد أضاء منها كل شيء ، يعني : المدينة ، والله أعلم.

الفصل الثالث عشر

في أحكام هذا الحرم الشريف ، وفيه مسائل

الأولى : القول في تحريم الصيد وقطع الشجر

اتفق الشافعي ومالك وأحمد على تحريم صيد حرم المدينة ، واصطياده ، وقطع شجره. وقال أبو حنيفة : لا يحرم شيء من ذلك ، والأحاديث الصحيحة الصريحة حجة عليه ، وقد قدمنا جملة منها ، ولو لم يكن إلا قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «كما حرم إبراهيم مكة» لكان كفاية ؛ فإنه يتمسك به في كل ما لم يقم دليل على افتراق الحرمين فيه. وروى أبو داود ـ وسكت عليه ، قال النووي : وهو صحيح أو حسن ، أي : كما هو قاعدته فيما يسكت عليه ـ أن سعد بن أبي وقاصرضي‌الله‌عنه أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فسلبه ثيابه ، فجاء مواليه فكلموه فيه ، فقال : إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «حرم هذا الحرم ، وقال : من أخذ أحدا يصيد فيه فليسلبه فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه» وسيأتي عنه نحوه في قطع الشجر ، وفي الموطأ عن أبي أيوب الأنصاري أنه وجد غلمانا قد ألجؤوا ثعلبا إلى زاوية ، فطردهم عنه ، قال مالك : لا أعلم إلا أنه قال : أفي حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يصنع هذا؟ وروى الطبراني برجال الصحيح مثله عن زيد بن ثابت بدل أبي أيوب ، وفي الموطأ أيضا أن رجلا قال : دخل علي زيد بن ثابت وأنا بالأسواف(١) ، وقد اصطدت نهسا(٢) فأخذه من يدي ، فأرسله. ورواه

__________________

(١) الأسواف : موضع بين الحرتين ، ببعض أطراف المدينة.

(٢) النهس : طائر من الفصيلة الصردية لونه كستنائي وهو أكبر من العصفور ، ضخم الرأس والمنقار ، شرس الطباع.


الطبراني أيضا مع تسمية المبهم ، ولفظه : عن شرحبيل بن سعيد قال : أخذت نهسا ـ يعني طائرا ـ بالأسواف ، فأخذه مني زيد بن ثابت فأرسله ، وقال : أما علمت أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حرم ما بين لابتيها. وفي رواية له «أتانا زيد بن ثابت ونحن في حائط لنا ، ومعنا فخاخ ننصب بها ، فصاح وطردنا ، وقال : ألم تعلموا أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حرم صيدها. ورواه أحمد أيضا ـ وكذا الشافعي في حرملة ـ عن شرحبيل بن سعد ، وقد وثّقه ابن حبان وضعفه غيره ، ولفظه : دخل علينا زيد بن ثابت حائطا ونحن غلمان ننصب فخاخا للطير ، فطردنا وقال : إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حرم صيدها». ورواه ابن زبالة بلفظ : كنت مع بني زيد بن ثابت بالأسواف ، فأخذوا نهسا ، فاستفتح زيد بن ثابت وهو في أيديهم ، فدفعوه في يدي وفروا ، فدخل زيد ، فأخذه من يدي فأرسله ، ثم لطم في قفاي وقال : لا أم لك ، ألم تعلم ، وذكر الحديث المتقدم. وروى الطبراني عن حاجب مولى زيد بن ثابت قال : دخل علي زيد بن ثابت وأنا بالأسواف قد اصطدت نهسا ، فأخذ بأذني من قفاي وقال : تصيد هاهنا وقد حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما بين لابتيها؟

والنّهس ، كصرد : طائر يشبهه وليس بالصرد ، وقيل : إنه اليمام.

وفي الكبير للطبراني برجال ثقات عن عبد الله بن عباد الزرقي ـ قال الهيثمي : ولم أجد من ترجمه ـ قال : كنت أصيد العصافير في بئر أهاب ، وكانت لهم ، قال : فرآني عبادة بن الصامت وقد أخذت العصفور ، فينزعه مني فيرسله ، ويقول : أي بني ، إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حرم ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم مكة.

وروى ابن زبالة ومن طريقه البزار عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال : اصطدت طيرا بالقنبلة(١) ، فلقيني أبي عبد الرحمن ، فعرك أذني ، ثم أخذه مني فأرسله ، وقال : إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حرم صيد ما بين لابتيها.

وفي أبي داود عن مولى لسعد ، أن سعدا وجد عبيدا من عبيد المدينة يقطعون شجرا من شجر المدينة ، قال : فأخذ متاعهم ، وقال يعني لمواليهم : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «ينهى أن يقطع من شجر المدينة شيء ، وقال : من قطع شيئا فلمن أخذه سلبه» ورواه مسلم عن إسماعيل بن محمد بن عامر بن سعد ، ولفظه : أن سعدا ركب إلى قصره بالعقيق ، فوجد عبدا يقطع شجرا ، أو يخبطه ، فسلبه ، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم ـ أو عليهم ـ ما أخذ من غلامهم ، فقال : «معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم » ورواه المفضل الجندي عنه ، ولفظه : أن سعدا ركب إلى قصر له بالعقيق ، فوجد عبدا يقطع شجرة ، فأخذ سلبه ، وذكره بنحوه. ورواه أيضا عن عبد الله بن عمر ، ولفظه : أن

__________________

(١) القنبلة : مصيدة يصاد بها أبو براقش.


سعدا وجد إنسانا يعضد ، أو يخبط ، عضاها بالعقيق ، فأخذ فأسه ونطعه وشيئا سوى ذلك ، فاطلع العبد إلى ساداته فأخبرهم الخبر ، فركبوا إلى سعد فقالوا : الغلام غلامنا ، فاردد إليه ما أخذت منه ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وذكر ما قدمناه عنه في الفصل العاشر ، وقال في آخره : «فلم أكن لأرد شيئا أعطانيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم » ورواه ابن زبالة من طرق بنحوه. وفي بعضها أن سعد بن أبي وقاص وجد جارية لعاصية السلمية تقطع الحمى فضربها وسلبها شملة لها وفأسا كانت معها ، فدخلت عاصية السلمية إلى عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه فاستعدت على سعد ، فقال : اردد إليها يا أبا إسحاق شملتها وفأسها ، فقال : «لا ، والله لا أرد إليها غنيمة غنمنيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سمعته يقول : من وجدتموه يقطع الحمى فاضربوه واسلبوه» واتخذ من فأسها مسحاة فما زال يعمل بها حتى لقي الله. وفي بعضها : أخذ سعد بن أبي وقاص جارية لعاصية السلمية تقطع شجرا بالعقيق ، فنزع سلبها ، وذكر نحوه. وروى أيضا عن سعد قال : غنّمنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من وجدناه يقطع من شجر حرم المدينة الرطب منه. وعن زيد بن أسلم نحوه. وروى الجندي عن عبد الكريم بن أبي المخارق قال : أتى عمر بن الخطاب ناحية من المدينة فوجد غلاما لبعضهم في حائط ، فقال : هل يأتيك هاهنا أحد يحتطب؟ قال : نعم ، فقال له عمر : إن رأيت منهم أحدا فخذ فأسه وحبله ، قال : وثوبه؟ قال : فأبى ، وفس نسخة فأفتى ، وفي رواية عنه : أن عمر قال لغلام قدامة بن مظعون : أنت على هؤلاء الحطابين ، فمن وجدته احتطب فيما بين لابتي المدينة فلك فأسه وحبله ، قال : وثوباه؟ قال عمر : ذلك كثير.

وقد اختلف القائلون بالتحريم في حرم المدينة بالنسبة إلى الضمان بالجزاء ، فعن أحمد روايتان ، وللشافعي أيضا قولان كالروايتين : الجديد منهما عدم الضمان وهو قول مالك ؛ لأنه ليس بمحل نسك ، فأشبه مواضع الحمى ووج الطائف(١) ، والقديم الضمان ، وهو المختار كما قاله النووي وغيره ، لحديث سعد المتقدم ، والجواب عنه مشكل ، وعلى هذا فالأصح أنه يسلب الصائد وقاطع الشجر والكلأ كما يسلب القتيل من الكفار حتى يؤخذ فرسه وسلاحه ، وقيل : الثياب فقط ، ويكون ذلك للسالب على الأصح ، وقيل : لفقراء المدينة كما أن جزاء صيد مكة لفقرائها ، وقيل : يوضع في بيت المال وسبيله سبيل السهم المرصد للمصالح. قال الشيخ أبو محمد : ويعطى المسلوب إزارا يستر به عورته ، فإذا قدر على ما يستر به عورته أخذه منه ، واختار الروياني أنه يترك له ، وصوبه النووي. قال الرافعي : والذي يسبق إلى الفهم من الحديث وكلام الأئمة أنه يسلب إذا اصطاد ، ولا يشترط الإتلاف ، ولفظ الغزالي في الوسيط : لا يسلب حتى يصطاد أو يرسل الكلب ،

__________________

(١) الوجّ : واد بين الطائف ومكة.


ويحتمل التأخير إلى الإتلاف ، انتهى. ولا فرق في هذا بين صيد وصيد ، ولا بين شجرة وشجرة ، وكأن السلب في معنى العقوبة لمتعاطي ذلك. قال السراج البلقيني : ولو كان الصائد أو قاطع الشجر في حرم المدينة عبدا هل يسلب ثيابه كما اتفق لسعد بن أبي وقاص؟ قال : والذي يقتضيه النظر أنه لا يسلب العبد ؛ فإنه لا ملك له ، وكذلك لو كان على الصائد ثوب مستأجر أو مستعار فإنه لا يسلب ، ولم أر من تعرض له ، انتهى. قلت : التحقيق التفصيل بين ما إذا أمره السيد أو من في معناه بذلك وبين ما إذا لم يأمره ، ويحمل ما اتفق لسعد على الأول ، ولو كان على الصائد والمحتطب ثياب مغصوبة لم تسلب بلا خلاف ، كما نقله في شرح المهذب ، ونقله في المطلب عن البحر ، ثم قال : وينبغي أن تكون المستعارة كذلك ، ولو لم يشاهده أحد يصطاد فالظاهر أنه يجب عليه حمل السلب إلى نائب الإمام ، ولو تحدث بحضرة أحد فسمعه فهل يجوز له أن يسلبه؟ الظاهر عندي لا ، انتهى. ولو أدخل إلى حرم المدينة صيدا لم يلزمه إرساله ، وله ذبحه به اتفاقا ، وكذا حرم مكة عندنا. وقد روى البيهقي أن أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كانوا يقدمون مكة فيرون بها في الأقفاص القماري(١) واليعاقيب ، وهذا محمل حديث «يا أبا عمير ، ما فعل النغير(٢) » أو أنه كان قبل تحريم المدينة ؛ لأنه في أول الهجرة ، وتحريم المدينة كان بعد رجوعهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من خيبر ، كما أوضح ذلك الحافظ ابن حجر. وقد تمسك أبو حنيفة بقصة أبي عمير فيما ذهب إليه من عدم تحريم صيد المدينة ؛ لذهابه في حرم مكة إلى وجوب الإرسال على من أدخل إليه صيدا من خارجه ، قال : فلو حرم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم صيد المدينة لما أقر النغير في يد أبي عمير. وجوابه ما تقدم ، قال البيهقي : والذاهب إلى عدم تحريم الصيد وغيره بالمدينة زعم أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إنما أراد بقاء رينة المدينة وبهجتها لتستوطن كما منع من هدم آطام المدينة لذلك ، قال أبو هريرةرضي‌الله‌عنه : نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن هدم آطام المدينة ، وقال : إنها زينة المدينة ، أي فالنهي للتنزيه. قال البيهقي : والنهي عندنا على التحريم حتى تقوم دلالة على التنزيه ، قال : واستدل المخالف بحديث سلمة «أما إنك لو كنت تصيد بالعقيق لشيّعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت ، فإني أحب العقيق» قال البيهقي : وهو حديث ضعيف ، ومن يدعي العلم بالآثار لا ينبغي له أن يعارض الأحاديث الثابتة في حرم المدينة لهذا الحديث الضعيف ، وقد يجوز أن يكون الموضع الذي كان سلمة يصيد فيه خارجا من حرم المدينة ، والموضع الذي رأى فيه سعد بن أبي وقاص غلاما يقطع شجرا من حرم المدينة داخله ، حتى لا يتنافيان ، ولو اختلفا كان الحكم لرواية

__________________

(١) القماري : واحدها القمريّ : ضرب من الحمام مطوّق حسن الصوت.

(٢) النّغير مصغر النّغر (ج) نغران : فرخ العصفور. و ـ البلبل.


سعد لصحة حديثه وثقة رجاله ، دون حديث سلمة. قلت : مع أن الذي في الصحيح من حديث سعد لا تعرض فيه لأن القطع كان بالعقيق ، وركوبه إلى قصره بالعقيق لا يقتضي أن القطع كان به ، بل يقتضي أن القطع في موضع من الحرم خارج ، على أن ما يلي ذا الحليفة من العقيق ليس من الحرم عندنا لخروجه عما بين اللابتين ، والمالكية وإن اعتبروا البريد فحرم الصيد عندهم ما بين اللابتين كما تقدم ، مع امتداد العقيق إلى النقيع(١) ؛ فبعضه خارج عن الحرم بكل حال ، فصح ما قاله البيهقي ، وقصر سعد مع قصور العقيق في الطرف الداخل منه في الحرم عندنا ؛ لكونه بالحرة الغربية. هذا ، مع احتمال حديث سلمة لكونه كان قبل تحريم المدينة ، والله أعلم.

الثانية : ما يستثنى مما يحرم

استثنى المطري تبعا لابن النجار جواز أخذ ما تدعو الحاجة إليه للرحل ـ بالحاء المهملة ـ والوسائد ، من شجر حرم المدينة ، وما تدعو الحاجة إليه من حشيشه للعلف ، بخلاف مكة ، هكذا قالاه ، وسبقهما إليه ابن الجوزي من الحنابلة فقال في منسكه : إن المدينة تفارق مكة في أنه يجوز أن يؤخذ من شجر المدينة ما تدعو الضرورة إليه للرحل وشبهه ، انتهى ، ومأخذهم في ذلك ما تقدم في الفصل العاشر في بعض تلك الأحاديث المشتملة على الترخيص في ذلك ونحوه ، مع ما رواه ابن زبالة من حديث : يا رسول الله ، إنا أصحاب عمل ونضح ، وإنا لا نستطيع أن ننتاب أرضا ، فرخص لهم في القائمتين والوسادة والعارضة والأسنان ، فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط ، والكلام أولا في توجه الاستدلال بذلك من حيث الإسناد ، مع أنا قدمنا في غضون تلك الأحاديث ما يقتضي المنع ، سيما حديث الطبراني بإسناد حسن إذ فيه قول جابر : لا يخبط ولا يعضد حمى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولكن هشوا هشا ، ثم قال جابر : إن كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليمنع أن يقطع المسد. قال خارجة : والمسد مرود البكرة ، ومن تأمل كلام أصحابنا الشافعية لا يفهم منه سوى استواء الحرمين في ذلك ؛ لقولهم : إنه يجوز أخذ حشيش حرم مكة لعلف الدواب على الأصح. وقد قال النووي في الكلام على قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في حديث مسلم المتقدم «ولا يخبط شجره إلا لعلف» : إن فيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف ، بخلاف خبط الأغصان وقطعها فإنه حرام ، انتهى. وقد قال هو وغيره في شجر مكة : إنه يجوز أخذ أوراقها لكنها لا تهش حذرا من أن يصيب لحاها. وفي شرح المهذب : يجوز أخذ ورقها والأغصان الصغيرة للسواك ونحوه ، انتهى ؛ فقد استوى الحرمان في ذلك. وقد قال

__________________

(١) النقيع : البئر الكثيرة الماء. وهو موضع قريب من المدينة.


الغزالي في البسيط والوسيط في حرم مكة : إنه لو قطع منه للحاجة التي يقطع لها الإذخر(١) كتسقيف البيوت ونحوه ففيه الخلاف في قطعه للدواء : أي : والأصح جوازه ، وتبعه على ذلك صاحب الحاوي الصغير ؛ فجوز القطع للحاجة مطلقا ، ولم يخص الدواء ، وقل من تعرض للمسألة ، ومنه يؤخذ جواز ما استثناه المطري ، لكن مع استواء الحرمين في ذلك. وقال القاضي عياض : قال المهلب : قطع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم النخل من المدينة حين بنى مسجده ، وذلك يدل على أن النهي لا يتوجه لقطع شجرها للعمارة وجهة الإصلاح ، وأن يقطع شجرها ليتخذ موضعه جنانا وعمارة ، وأن توجه النهي إنما هو لقطع الإفساد واستبقاء بهجة المدينة وخضرتها في عين الوارد إليها ، انتهى. ونحوه ما روى ابن زبالة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لبني حارثة في طرف من الحمى «أعطيكم على أنه من قطع شجرة غرس مكانها نخلة» ومحل ابن زبالة من الضعف معروف ، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إنما قطع النخل وهو شجر يستنبته الآدميون ، وفيه خلاف ؛ فالذي ذهب إليه المالكية والحنفية جواز قطعه في حرم مكة فضلا عن المدينة ، وهو أحد القولين عندنا ، لكن الأصح إلحاقه بالذي ينبت بنفسه ، والجواب عنه باحتمال كونه قبل تحريم المدينة ، أو أنه قطعه لحاجة العمارة ؛ فإن المتجه جوازه كما تقدم عن الغزالي ، ولم يزل أهل المدينة يسقفون بيوتهم بما يقطعون من نخلها. وقد نقل الواقدي في الحرم المكي عن ابن الزبير الترخيص في قطع شجر الحرم المكي للعمارة لكن مع الفداء ، على أن الماوردي قال فيما يستنبته الآدميون : محل الخلاف فيما أنبت في موات الحرم ، فإن أنبته في أملاكه لم يحرم بلا خلاف ، انتهى. وأما ما يستنبت من غير الشجر كالحنطة والخضروات فيجوز قطعه بلا خلاف ، وكذا ما يتغذى به مما ينبت بنفسه كالرجلة المسماة بالبقلة الحمقاء ونحو ذلك ؛ لأنه في معنى الزرع ، صرح باستثنائه المحب الطبري في شرح التنبيه ، وهو ظاهر ؛ لأنه إذا جاز الأخذ لإطعام البهائم فالآدمي أولى.

الثالثة : ما ذكروه في الأخذ للدواء ونحوه يتناول تحصيله وادخاره لذلك الغرض ، وإن لم يكن السبب قائما ، إلا أن عبارة الروضة : ولو احتيج إلى شيء من نبات الحرم للدواء. وفي شرح المهذب أنه يجوز أخذ النبات للعلف ، ولو أخذه ليبيعه ممن يعلف به لم يجز ، ومقتضاه أن الدواء كذلك ، وظاهر إطلاق الماوردي الجواز مطلقا ، وهو ظاهر استناد بعضهم إلى نقل السنا المكي من غير نكير.

دية القتل الخطأ في المدينة مغلظة

الرابعة : تغلّظ الدية في الخطأ على القاتل في حرم المدينة كمكة في وجه الصحيح خلافه ، ومأخذه عموم قوله «كما حرم إبراهيم مكة».

__________________

(١) الإذخر : حشيشة تسقف بها البيوت فوق الخشب ولها رائحة طيبة.


وقد اختار السراج البلقيني هذا الوجه ، قال : لأن الخلاف في ذلك مبني على الخلاف في ضمان صيدها ، والمختار عند النووي ضمان صيدها بسلب الصائد. قلت : وما قاله متّجه ؛ لعموم قوله «كما حرم إبراهيم مكة» وإنما اختصت مكة بمنع الكافر من دخولها مطلقا ، بخلاف المدينة فيجوز أن يدخلها بإذن الإمام أو نائبه للمصلحة ؛ لأن المشركين أخرجوا منها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فعاقبهم الله بالمنع من دخولها بكل حال تعظيما لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم واستحسن الروياني في البحر التسوية بين مكة والمدينة في أن من مات من الكفار بهما يخرج ويدفن خارجهما ، وعلى القول باختصاصه بمكة موجبه ما قدمناه.

الخامسة : حكم لقطة حرم المدينة سوّى صاحب الانتصار من أصحابنا بين حرم مكة والمدينة في أن لقطتهما لا تحل للتملك ، بل للحفظ أبدا ، وقال الدارمي : لا تلحق لقطة حرم المدينة بحرم مكة في ذلك. قلت : والذي يقتضيه الدليل ترجيح الأول ؛ للنص على ذلك في الأحاديث المتقدمة في الفصل الثامن ، وإن كان الأصحاب خصوا مكة بالذكر.

حكم المقاتلة في حرم المدينة

السادسة : مقتضى قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الأحاديث المتقدمة أيضا «ولا يحمل فيها سلاح لقتال» أن يأتي فيها ما نقل من الخلاف في حرم مكة من أن المقاتلة الجائزة في غيره تحرم فيه كقتال البغاة به(١) ، بل يضيق عليهم إلى أن يخرجوا أو يفيئوا(٢) كما ذهب إليه جماعة.

وقال الجمهور : يقاتلون ؛ لأن هذا القتال من حقوق الله ، وحفظها في الحرم أولى ، والحرم لا يعيذ عاصيا. وذهب الحسن البصري إلى أنه لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة ؛ للنهي عن القتال فيه ، فلا يحمل ما هو من أسبابه ، ولقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة» رواه مسلم.

حكم الاستنجاء بحجارة الحرم

السابعة : حكى الماوردي وجهين في جواز الاستنجاء بحجارة الحرم ، قال ظاهر المذهب سقوط الفرض بذلك مع تأثيمه. قلت : ينبغي حمله على من نقله من الحرم ليستنجي به في الحل مثلا ، وإلا فهو مشكل ؛ إذ لا خلاف في إباحة البول في الحرم ، فالاستنجاء بالحجارة كذلك ، وعبارة شرح المهذب في النقل عن الماوردي بعد حكاية الوجهين في سقوط فرض الاستنجاء بالذهب والديباج : وطردهما الماوردي في الاستنجاء

__________________

(١) البغاة : جمع باغي : الخارج عن القانون.

(٢) الفيئة : التوبة الحسنة.


بحجارة الحرم ، انتهى. وهي محتملة لما قررناه ، وقد نقل النووي عدم جواز الأكل في الأواني المعمولة من تراب الحرم ، على ما قاله الدميري ، ولا شك أنه إنما عنى به المنع منه لمن أخرجها من الحرم كما لا يخفى.

حكم نقل تراب الحرم المدني

الثامنة : جزم النووي بتحريم نقل تراب الحرم المدني وأحجاره ، اكتفاء بما ذكره من الخلاف في الحرم المكي ، وصحح فيه التحريم ، والرافعي الكراهة ، ونقلها النووي عن كثيرين أو الأكثرين ، ونقلها القاضي أبو الطيب عن نص الشافعي في القديم ، ونقل التحريم عن نصه في الجامع الكبير ؛ وقال في الأم في حجارة الحرم وترابه : لا خير في أن يخرج منها شيء إلى الحل ، لأن له حرمة باين بها ما سواها من البلدان ، فلا أرى ـ والله أعلم ـ أن جائزا لأحد أن يزيله من الموضع الذي باين به البلدان ؛ إذ يصير كغيره.

وروى الشافعي عن ابن عباس وابن عمررضي‌الله‌عنهما كراهة ذلك. قال الشافعي : وقال غير واحد من أهل العلم : لا ينبغي أن يخرج من الحرم شيء إلى غيره. وحكى الشافعي عن أبي يوسف أنه قال : سألت أبا حنيفة عن ذلك فقال : لا بأس به. قال أبو يوسف : وحدثنا شيخ عن رزين مولى علي بن عبد الله بن عباس أن عليا كتب إليه أن يبعث إليه بقطعة من المروة(١) فيتخذه مصلى يسجد عليه ، ونقل القاضي أبو الطيب عن الشافعي أنه قال : رخص بعض الناس في ذلك ، واحتج بشراء البرام من مكة ، وهو غلط ؛ فإن البرام ليست من حجارة الحرم ، بل تحمل من مسيرة يومين وثلاثة من الحرم ، وحكى في شرح المهذب اتفاق الأصحاب على أن الأولى أن لا يحمل تراب الحل وأحجاره إلى الحرم ؛ لئلا يحدث لها حرمة لم تكن ، قال : ولا يقال «إنه مكروه» مع إطلاقه في الروضة والمناسك كراهته ، فكأنه أراد بها معنى خلاف الأولى. وقول صاحب البيان «قال الشيخ أبو إسحاق : لا يجوز إدخال شيء من تراب الحل وأحجاره إلى الحرم» محمول على نفي الإباحة بمعنى استواء الطرفين ، كما وقع مثله في مواضع ، وبناء آدم البيت من أجبل ليست من الحرم كلبنان وطور سيناء : إما لأن تحريم الحرم إنما تعلق حكمه وظهر على لسان إبراهيمعليه‌السلام ، وإما لأن شرعه اقتضى ذلك ، مع أن الظاهر استثناء نقل حجارة الحل لمصلحة يقتضيها الحال ، وما نقله أهل السير من أنهم كانوا يأخذون من تراب قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأمرت عائشةرضي‌الله‌عنها بجدار فضرب عليهم ، لا متمسك فيه ؛ إذ لم يعرف الفاعل ، بل الظاهر أنه ممن لا يحتج بفعله ، وأمر عائشة بضرب الجدار يقتضي المنع من

__________________

(١) المرو : حجارة بيض رقاق برّاقة تقدح منها النار.


ذلك ، على أنه ليس فيه أنه كان يؤخذ للنقل من الحرم ، وقد نقل أبو المعلى السبتي ـ وكذا خليل والتادلي المالكيون ـ كلام النووي في المنع من نقل تراب الحرم وأقروه ؛ فالظاهر أنه جار على قواعدهم ؛ إذ منها سد الذرائع. وقد قيل في سبب عبادة الأصنام : إن بعضهم كان يصحب معه الحجر من الحرم ليتبرك به ، واستشكله البرهان بن فرحون بأمور : منها ما تقدمت الإشارة إلى جوابه ، ومنها الإجماع على نقل ماء زمزم واستهداء النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم له من سهيل بن عمرو فبعث إليه منه ، وجوابه أن ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم ، مع أنه يخلف ؛ فأشبه الحشيش الذي يخلف ، ولهذا قال الشافعي : فأما ماء زمزم فلا أكره الخروج به ، والماء ليس بشيء يزول ولا يعود ، انتهى. مع أن المحذور المتقدم في الأحجار لا يتوقع مثله في الماء ؛ إذ المقصود من نقله شربه وهو ظاهر ، بخلاف الحجر وشبهه ؛ فإن القصد التبرك به ، وهو شيء لم يأذن به الله تعالى ولا رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولذا أقول : إن من نقل من فخار الحرم كالكراريز(١) لحاجة استعمالها جاز له ، ويحمل كلام من أطلق المنع على ما يراد للتبرك أو مع عدم الحاجة إليه ، وإذا جاز أخذ حشيش الحرم للتداوي فهذا أولى ، وإذا كان الاحتياج إلى آنية الذهب والفضة يجوّز استعمالها فهذا أولى ، فإن أريد نقل ذلك لحاجة متوقعة في المستقبل فينبغي تخريجه على ما تقدم في أخذ نبات الحرم للدواء ونحوه ، وقد قدمنا فيما جاء في ترابه استثناء تربة صعيب لما جاء فيها من التداوي ، وأن الزركشي استثنى تربة حمزةرضي‌الله‌عنه لإطباق الناس على نقلها للتداوي بها من الصداع ، وحكى البرهان ابن فرحون عن الإمام العالم أبي محمد عبد السلام بن إبراهيم بن ومصال الحاحاني ، قال : نقلت من كتاب الشيخ العالم أبي محمد صالح الهزميري قال : قال صالح بن عبد الحليم : سمعت أبا محمد عبد السلام بن يزيد الصنهاجي يقول : سألت أحمد بن يكوت عن تراب المقابر الذي كان الناس يحملونه للتبرك هل يجوز أو يمنع؟ فقال : هو جائز ، وما زال الناس يتبركون بقبور العلماء والشهداء والصالحين ، وكان الناس يحملون تراب قبر سيدنا حمزة بن عبد المطلب في القديم من الزمان. قال ابن فرحون عقبه : والناس اليوم يأخذون من تربة قريبة من مشهد سيدنا حمزة ، ويعملون منها خرزا يشبه السبح ، واستدل ابن فرحون بذلك على جواز نقل تراب المدينة ، وقد علمت مما تقدم أن نقل تربة حمزةرضي‌الله‌عنه إنما هو للتداوي ؛ ولهذا لا يأخذونها من نفس القبر ، بل من المسيل الذي عنده المسجد(٢) ، ولئن صح مشروعية التبرك بتراب قبور

__________________

(١) الكراريز : أكواز ضيقة الرأس. واحدها : كراز.

(٢) المسيل الذي من جهة أحد ، لا من القبلة.


الصالحين فهو أمر خاص بها لا دلالة فيه على جواز نقل مطلق تراب الحرم ، وهو أمر لم يأذن به الله تعالى ولا رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والخير كله في الاتباع ، وقد قالت الحنابلة أيضا : يكره نقل حصى الحرم وترابه إلى غيره ، ولا يدخل غيره إليه ، ونقلوا عن أحمد أنه قال : الإخراج أشد ، انتهى. ويجب على من أخرج شيئا من تراب الحرم أو حجره أن يرده إليه ، ولا ضمان عليه في ترك الرد ، قال الكمال الدميري : وإذا نقل تراب أحد الحرمين إلى الآخر هل يزول التحريم ـ أي فينقطع وجوب الرد ـ أو يفرق بين نقله للأشرف وعكسه؟ فيه نظر ، والله أعلم.

الفصل الرابع عشر

في ذكر بدء شأنها ، وما يؤول إليه أمرها

روى ابن لهيعة بسنده إلى عائشة مرفوعا : «إن مكة بلد عظّمه الله ، وعظّم حرمته ، خلق مكة وحفها بالملائكة قبل أن يخلق شيئا من الأرض كلها بألف عام ، ووصلها بالمدينة ، ووصل المدينة ببيت المقدس ، ثم خلق الأرض كلها بعد ألف عام خلقا واحدا» قال العلامة المقدسي في بعض تأليفاته : هذا حديث غريب جدّا ، بل منكر.

وعن سليمان عن أبي عمرو الشيباني عن عليرضي‌الله‌عنه : كانت الأرض ماء ، فبعث الله ريحا فمسحت الأرض مسحا ، فظهرت على الأرض زبدة ، فقسمها أربع قطع ، خلق من قطعة مكة ، والثانية المدينة ، والثالثة بيت المقدس ، والرابعة الكوفة. وهو أثر واه.

وروينا في الكبير للطبراني أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن اللهعزوجل اطلع إلى أهل المدينة وهي بطحاء قبل أن تعمر ليس فيها مدر ولا بشر ، فقال : يا أهل يثرب ، إني مشترط عليكم ثلاثا وسائق إليكم من كل الثمرات : لا تعصي ، ولا تعلي ، ولا تكبّري ، فإن فعلت شيئا من ذلك تركتك كالجزور لا يمنع من أكله.

وأخرج النسائي من رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس في حديث الإسراء قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل» الحديث ، وفيه : «فركبت ومعي جبريل ، فسرت فقال : انزل فصلّ ، ففعلت ، فقال : أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجر» يعني بفتح الجيم.

ووقع في حديث شداد بن أوس عند البزار والطبراني أنه قال : «أول ما أسري بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مر بأرض ذات نخل ، فقال له جبريل : انزل فصل ، فنزل فصلى ، فقال : صليت بيثرب» الحديث.


وروى رزين عن أنس يرفعه «لما تجلى الله لجبل طور سيناء تشظى ستة أشظاظ(١) » وفي رواية غير رزين «شظايا ، فنزلت بمكة ثلاثة : حراء ، وثبير ، وثور ، وفي المدينة :أحد ، وعير ، وورقان» وفي رواية «ورضوى» بدل عير ، ولا يشكل ذلك بكون رضوى بينبع ؛ لأن الينبع من توابع المدينة ومضافاتها كما سيأتي ، ورواه بعض شراح المصابيح بلفظ «عير ، وثور ، ورضوى» ومنه يؤخذ حكمة أخرى في تحديد الحرم بعير وثور ، وسيأتي بيان أول من سكنها بعد الطوفان في أخبار سكانها.

وروينا في الإمام للشافعي حديث «أسكنت أقل الأرض مطرا ، وهي بين عيني السماء عين الشام وعين اليمن» ورواه ابن زبالة بزيادة «فاتخذوا الغنم على خمس ليال من المدينة».

وروى أيضا حديث «يا معشر المهاجرين إنكم بأقل الأرض مطرا ، فأقلوا من الماشية ، وعليكم بالزرع ، وأكثروا فيه من الجماجم».

وروى الشافعي أيضا حديث «توشك المدينة أن تمطر مطرا لا يكن أهلها(٢) البيوت ، ولا يكنهم إلا مظال الشعر».

وروى أيضا : «توشك المدينة أن يصيبها مطر أربعين ليلة لا يكن أهلها بيت من مدر».

وروى ابن زبالة حديث «كيف بك يا عائشة إذا رجع الناس بالمدينة وكانت كالرمانة المحشوة؟ قالت : فمن أين يأكلون يا نبي الله؟ قال : يطعمهم الله من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومن جنات عدن».

وأورد المرجاني في كتابه أخبار المدينة عن جابر مرفوعا «ليعودن هذا الأمر إلى المدينة كما بدأ منها ، حتى لا يكون إيمان إلا بها» الحديث.

وروى أحمد برجال ثقات «يوشك أن يرجع الناس إلى المدينة حتى يصير مسالحهم بسلاح» ومسالحهم : جمع مسلح ، وهم القوم الذين يحفظون الثغور ، وسلاح ـ كقطام ـ موضع بقرب خيبر.

وفي مسلم حديث : «تبلغ المساكن أهاب أو يهاب» بكسر المثناة التحتية.

وروى أحمد في حديث طويل أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «خرج حتى أتى بئر الأهاب ، قال : يوشك البنيان أن يأتي هذا المكان» وبئر أهاب : سيأتي أنها بالحرة الغربية.

وروى أبو يعلى عن زيد بن وهب قال : حدثني أبو ذررضي‌الله‌عنه قال : قال لي

__________________

(١) الأشظاظ : شظايا مفردها شظية : الفلقة تتناثر من جسم صلب. و ـ رءوس الأضلاع السفلى وهي شبيهة بالغضاريف.

(٢) كنّ الشيء : ستره.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا بلغ البناء ـ أي : بالمدينة ـ سلعا فارتحل إلى الشام» فلما بلغ البناء سلعا قدمت الشام.

وروى ابن زبالة حديث «ليوشكن الدين أن ينزوي إلى هذين المسجدين ، ويوشكن أن يتشاحوا على موضع الوتد بالحمى كشح أحدكم أن ينقص من داره إلى جانب المسجد ، وليوشكن أن يبلغ بنيانهم يهيقا» قالوا : يا رسول الله ، فمن أين يأكلون؟ قال : «من هنا وهاهنا» يشير إلى السماء والأرض.

ويهيقا أوله آخر الحروف : موضع بقرب المدينة على ما سيأتي عن المجد آخر الباب السابع.

وذكر ابن زبالة الشجرة التي يضاف إليها مسجد ذي الحليفة ، ثم روي عن أبي هريرةرضي‌الله‌عنه : «لا تقوم الساعة حتى يبلغ البناء الشجرة».

وروي أيضا عنه : «أريتك شرف السيالة وشرف الروحاء ؛ فإنه منازل أهل الأردن إذا أجيز الناس إلى المدينة».

وفي الكبير للطبراني في حديث : «سيبلغ البناء سلعا ، ثم يأتي على المدينة زمان يمر السفر على بعض أقطارها فيقول : قد كانت هذه مدة عامرة من طول الزمان وعفو الأثر».

وروى النسائي عن أبي هريرة حديث : «آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة» ورواه الترمذي بنحوه ، وقال : حسن غريب ، ورواه ابن حبان بلفظ : «آخر قرية في الإسلام خرابا المدينة».

وروى أبو داود عن معاذ مرفوعا : «عمران بيت المقدس خراب يثرب ، وخراب يثرب خروج الملحمة ، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية ، وفتح القسطنطينية وخروج الدجال» وروى أبو داود أيضا مرفوعا «الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر».

وفي ابن شبة عن أبي هريرة : «ليخرجن أهل المدينة من المدينة خير ما كانت ، نصفا زهوا ، ونصفا رطبا ، قيل : من يخرجهم منها يا أبا هريرة؟ قال : أمراء السوء».

وفيه أيضا عن أبي هريرةرضي‌الله‌عنه مرفوعا نحوه ، وأن عبد الله بن عمر كان يردّ عليه ، فقال له أبو هريرة : لم تردّ علي؟ فوالله لقد كنت أنا وأنت في بيت حين قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يخرج منها أهلها خير ما كانت» فقال ابن عمر : أجل ، قد كنت أنا وأنت في بيت ، ولكن لم يقله ، إنما قال : «أعمر ما كانت» ولو قال : «خير ما كانت» لكان ذلك وهو حي وأصحابه ، فقال أبو هريرة : صدقت والذي نفسي بيده ، وفيه عنه أيضا : «ليجيئن الثعلب حتى يقيل في ظل المنبر ، ثم يروح لا ينهنهه أحد».


وفي رواية عنه : «لا تقوم الساعة حتى يجيء الثعلب فيربض على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا ينهنهه أحد» وفيه أيضا عن شريح بن عبيد أنه قرأ كتابا لكعب : «ليغشين أهل المدينة أمر يفزعهم حتى يتركوها وهي مذللة(١) ، وحتى يبول السنانير على قطايف الخز ما يروعها شيء ، وحتى يخرق الثعالب في أسواقها ما يروعها شيء».

وفي الصحيحين حديث «لتتركون المدينة» ولفظ مسلم : «لتتركن المدينة على خير ما كانت مذللة ثمارها لا يغشاها إلا العوافي» يريد عوافي الطير والسباع «وآخر من يحشر منها راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدانها وحوشا» ولفظ مسلم «حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرّا على وجوههما» وهو في الموطأ بلفظ : «لتتركن المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخل الكلب أو الذئب فيغذى على بعض سواري المسجد».

ورواه ابن شبة ولفظة : «فيغذى على سواري المسجد أو المنبر».

ويغدي ـ بالغين والذال المعجمتين ـ أي يبول عليها دفعة دفعة ، يقال : غذت المرأة ولدها بالتشديد ، إذا أبالته ، وبالتخفيف إذا أطعمته.

وفي ابن زبالة ـ وتبعه ابن النجار ـ حديث «لا تقوم الساعة حتى يغلب على مسجدي هذا الكلاب والذئاب والضباع فيمر الرجل ببابه فيريد أن يصلى فيه فما يقدر عليه».

وفي ابن شبة بسند صحيح حديث : «أما والله لتدعنها مذللة أربعين عاما للعوافي ، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع» ورواه ابن زبالة بنحوه.

وروى أحمد برجال الصحيح أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «صعد أحدا ، فأقبل على المدينة وقال : ويل أمها قرية ، يدعها أهلها كأينع ما تكون» الحديث ، وفي رواية له : «ويل أمك قرية ، يدعك أهلك وأنت خير ما تكونين».

وروي أيضا بإسناد حسن حديث للبشير بن راكب في حب وادي المدينة : «فليقولن لقد كان في هذه مرة حاضرة من المؤمنين».

وروى أيضا برجال ثقات حديث : «المدينة يتركها أهلها وهي مرطبة ، قالوا : فمن يأكلها؟ قال : السباع والعائف».

الفصل الخامس عشر

فيما ذكر من وقوع ما أخبر بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم

من خروج أهلها وتركها ، وذكر كائنة الحرة المقتضية لذلك

قد اختلف الناس : متى يكون هذا الترك؟ فقال القاضي عياض : إن هذا جرى في

__________________

(١) مذللة : مسهّلة وممهدة.


العصر الأول ، وإنه من المعجزات ، فقد تركت المدينة على أحسن ما كانت حين انتقلت الخلافة إلى الشام والعراق ، وذلك أحسن ما كانت من حيث الدين والدنيا : أما الدين فلكثرة العلماء بها ، وأما الدنيا فلعمارتها واتساع حال أهلها ، قال : وذكر الأخباريون في بعض الفتن التي جرت بالمدينة وخاف أهلها أنه رحل عنها أكثر الناس ، وبقيت ثمارها للعوافي(١) ، وخلت مدة ، ثم تراجع الناس إليها.

وحكى البدر ابن فرحون في شرح الموطأ ، ومن خطه نقلت ، عن القاضي أيضا أنه قال : وقد حكى قوم كثيرون أنهم رأوا ما أنذر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من تغذية الكلاب على سواري مسجدها ، انتهى.

وقال النووي : الظاهر المختار أن الترك للمدينة يكون آخر الزمان عند قيام الساعة ، ويوضحه قصة الراعيين من مزينة ، فإنهما يخران على وجوههما حين تدركهما الساعة ، ولفظ مسلم واضح في ذلك ؛ فإنه قال «ثم يحشر راعيان» ويؤيده كونها آخر قرى الإسلام خرابا.

قلت : ويؤيده رواية ابن شبة المتقدمة «ليدعنها مذللة أربعين عاما للعوافي» وهذا لم يقع اتفاقا ، على أنه ورد ما يقتضي أن الترك للمدينة يكون متعددا ، فلعل ما ذكره القاضي هو المرة الأولى ، وبقي الترك الذي يكون آخر الزمان ؛ لأن ابن شبة روى حديث «ليخرجن أهل المدينة من المدينة ، ثم ليعودن إليها ، ثم ليخرجن منها ، ثم لا يعودون إليهما ، وليدعنها وهي خير ما يكون مونعة(٢) ».

وروي أيضا عن عمر مرفوعا «يخرج أهل المدينة منها ثم يعودون إلها فيعمرونها حتى تمتلئ وتبني ، ثم يخرجون منها فلا يعودون إليها أبدا».

وروى ابن شبة عن أبي هريرة قال : «آخر من يحشر رجلان رجل من جهينة وآخر من مزينة فيقولان : أين الناس؟ فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعلب ، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس».

وروي أيضا عن حذيفة بن أسيد قال : «آخر الناس محضرا رجلان من مزينة يفقدان الناس ، فيقول أحدهما لصاحبه : قد فقدنا الناس منذ حين ، انطلق بنا إلى شخص من بني فلان ، فينطلقان فلا يجدان بها أحدا ، ثم يقول : انطلق بنا إلى المدينة ، فينطلقان فلا يجدان بها أحدا ، ثم يقول : انطلق بنا إلى منزل قريش ببقيع الغرقد ، فينطلقان فلا يريان إلا السباع والثعالب ، فيوجهان نحو البيت الحرام».

__________________

(١) العواف : ما يظفر به الإنسان والحيوان ليلا من صيد ونحوه.

(٢) المونعة : الثمرة الناضجة.


قلت : وكأنهما إذا توجها نحو البيت الحرام ينزل إليهما الملكان قبل ذهابهما ؛ فلا يخالف ما تقدم ، فالظاهر أن ما ذكره القاضي هو الترك الأول ، وسببه فيما يظهر كائنة الحرة ، وقد تقدم من حديث أبي هريرة أنه قيل له : من يخرجهم منها يا أبا هريرة؟ قال : أمراء السوء ، وروى الشيخان ـ واللفظ لمسلم ـ عن أبي هريرة مرفوعا «يهلك أمتي هذا الحي من قريش ، قالوا : فما تأمرنا؟ قال : لو أن الناس اعتزلوهم».

وروى مسلم عن حذيفةرضي‌الله‌عنه قال : «قام فينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مقاما ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به ، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه» الحديث ، وفي رواية عنه : أخبرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بما هو كائن إلى أن تقوم القيامة ، فما من شيء إلا قد سألته ، إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة ، وروى الترمذي حديثا «إذا مشت أمتي المطيطا(١) ، وخدمتهم بنات فارس والروم ، رد الله بأسهم بينهم ، وسلط شرارهم على خيارهم». وروى ابن شبة عن أبي هريرةرضي‌الله‌عنه قال : «والذي نفسي بيده ليكونن بالمدينة ملحمة يقال لها الحالقة ، لا أقول حالقة الشعر ، ولكن حالقة الدين ، فاخرجوا من المدينة ولو على قدر بريد».

وروى ابن أبي شيبة عنه أنه قال : اللهم لا تدركني سنة ستين ، ولا إمرة الصبيان ، يشير إلى أن أول الأغيلمة كان في سنة ستين ، وهو كذلك ، كما قاله الحافظ ابن حجر ، فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها ، فأشار إلى دولة يزيد وفيها كانت وقعت الحرة ، وتسمى حرة واقم ، وحرة زهرة.

وروى الواقدي في كتاب الحرة عن أيوب بن بشير المعادي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «خرج سفرا من أسفاره ، فلما مر بحرة زهرة وقف واسترجع ، فسيء بذلك من معه ، فظنوا أن ذلك من أمر بسفرهم ، فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله ، ما الذي رأيت؟ فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أما إن ذلك ليس من سفركم هذا ، قالوا : فما هو يا رسول الله قال؟ يقتل في هذه الحرة خيار أمتي بعد أصحابي».

وروي أيضا عن سفيان بن أبي أحمد قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أشرف على بني عبد الأشهل أشار بيده ، فقال : «يقتل بهذه الحرة خيار أمتي» وروي أيضا عن كعب قال : نجد في التوراة أن في حرة شرقي المدينة مقتلة تضيء وجوههم يوم القيامة صنعا» وروى أيضا أنه ذكر عند ابن عباس قتلى الحرة ، فقال ابن عباس : يرحمهم‌الله ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «يقتل بحرة زهرة خيار أمتي».

__________________

(١) المطيطاء : التبختر في المشي ومد اليدين.


وروى البيهقي في الدلائل خبر أيوب بن بشير المتقدم ، ثم قال : هذا مرسل وقد روي عن ابن عباس في تأويل قوله تعالى :( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها ) [الأحزاب : ١٤] قال : لأعطوها ، يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة. ورواه بالسند إلى ابن عباس وقال : إنه مؤكد لمرسل ابن بشير ، وسيأتي في حرة واقم ما رواه ابن زبالة من أن السماء مطرت على عهد عمررضي‌الله‌عنه ، فخرج مع أصحابه حتى أتوا حرة واقم وشراجها تطرد ، فقال كعب : أما والله يا أمير المؤمنين لتسيلن هذه الشراج بدماء الناس كما تسيل بهذا الماء ، فدنا منه ابن الزبير فقال : يا أبا إسحاق ومتى ذلك؟ فقال : إياك أن تكون على رجلك أو يدك!

وروى ابن زبالة عن كعب أيضا : إنا نجد في كتاب الله : حرة شرقي المدينة يقتل بها مقتله تضيء وجوههم يوم القيامة كما يضيء القمر ليلة البدر.

وقعة الحرة

قلت : وسياق كلام القرطبي يقتضي أنها هي السبب في خروج أهل المدينة المذكور في كلام عياض ؛ فإنه ذكر نحو كلام عياض ، وقال : فلما انتهى حالها ـ يعني المدينة ـ كمالا وحسنا تناقص أمرها إلى أن أقفرت جهاتها ، وتوالت الفتن فيها ؛ فخاف أهلها ، فارتحلوا عنها ، ووجّه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري في جيش عظيم من أهل الشام ، فنزل بالمدينة ، فقاتل أهلها ، فهزمهم وقتلهم بحرة المدينة قتلا ذريعا ، واستباح المدينة ثلاثة أيام ، فسميت وقعة الحرة لذلك ، ويقال لها : حرة زهرة ، وكانت الوقعة بموضع يعرف بواقم على ميل من المسجد النبوي ، فقتل بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين ، وهم ألف وسبعمائة ، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان ، وقتل بها من حملة القرآن سبعمائة رجل ، ومن قريش سبعة وتسعون قتلوا ظلما في الحرب صبرا ، قال : وقال الإمام الحافظ ابن حزم في المرتبة الرابعة : وجالت الخيل في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبالت ، وراثت بين القبر والمنبر أدام الله تشريفها وأكرهوا الناس أن يبايعوا ليزيد على أنهم عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق ، وذكر له يزيد بن عبد الله بن زمعة البيعة على حكم القرآن والسنة ، فأمر بقتله ، فضربت عنقه صبرا ، وذكر الأخباريون أنها خلت من أهلها ، وبقيت ثمارها للعوافي كما قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم وفي حال خلائها غذت الكلاب على سواري المسجد ، انتهى كلام القرطبي.

سبب نقمة يزيد بن معاوية على أهل المدينة

وروى الطبراني في خبر طويل عن عروة بن الزبير قال : لما مات معاويةرضي‌الله‌عنه تثاقل عبد الله بن الزبير عن طاعة ابنه يزيد ، وأظهر شتمه ، فبلغ ذلك يزيد ، فأقسم لا


يؤتى به إلا مغلولا ، وإلا أرسل إليه ، فقيل لابن الزبير : ألا نصنع لك أغلالا من فضة تلبس عليها الثوب وتبر قسمه فالصلح أجمل بك؟ قال : فلا أبرّ الله قسمه ، ثم قال :

ولا ألين لغير الحق أسأله

حتى يلين لضرس الماضغ الحجر

ثم دعا إلى نفسه ، فوجه إليه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري في جيش أهل الشام ، وأمرهم بقتال أهل المدينة ، فإذا فرغ من ذلك صار إلى مكة ، قال : فدخل مسلم بن عقبة المدينة ، وهرب منه يومئذ بقايا أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعاث فيها ، وأسرف في القتل ، ثم خرج منها ، فلما كان في بعض الطريق مات واستخلف حصين بن نمير الكندي ، ثم ذكر حصاره ابن الزبير ، ورميه بالمنجنيق ، واحتراق الكعبة ، قال : وبلغ حصين بن نمير موت يزيد بن معاوية فهرب.

قلت : وسبب أمر يزيد بقتال أهل المدينة ما ذكره الإمام ابن الجوزي قال : لما دخلت سنة اثنين وستين ولّى يزيد عثمان بن محمد بن أبي سفيان المدينة ، فبعث إلى يزيد وفدا من المدينة ، فلما رجع الوفد أظهروا شتم يزيد ، وقالوا : قدمنا من عند رجل ليس له دين ، يشرب الخمر ، ويعزف بالطنابير ، ويلعب بالكلاب ؛ وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه. وقال المنذر : أما وإله لقد أجازني مائة ألف درهم ، ولا يمنعني ما صنع أن أصدقكم عنه ؛ والله إنه يشرب الخمر ، وإنه ليسكر حتى يدع الصلاة ؛ ثم بايعوا لعبد الله بن حنظلة الغسيل ؛ وأخرجوا عثمان بن محمد عامل يزيد ؛ وكان ابن حنظلة يقول : يا قوم ؛ ما خرجنا على يزيد حتى خفت أن نرمى بالحجارة من السماء ؛ والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت الله فيه بلاء حسنا ؛ وكانت قصة الحرة سنة ثلاث وستين ؛ وفي هذه السنة أخرج أهل المدينة عامل يزيد المتقدم ذكره.

قلت : وفي كتاب الحرة للواقدي ما ملخصه : أن أول ما هاج أمر الحرة أن ابن ميناء كان عاملا على صوافي(١) المدينة ـ وبها يومئذ صواف كثيرة ـ حتى كان معاوية يجد بالمدينة وأعراضها مائة ألف وسق وخمسين ألف وسق ، ويحصد مائة ألف وسق حنطة ، واستعمل يزيد على المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان ؛ وأن ابن ميناء أقبل بشرج له من الحرة يريد الأموال التي كانت لمعاوية ؛ فلم يزل يسوقه ولا يصده عنه أحد حتى انتهى إلى بلحارث بن الخزرج ، فنقب النقيب فيهم ، فقالوا : ليس ذلك لك ، هذا حدث وضرر علينا ، فأعلم الأمير عثمان بن محمد بذلك ، فأرسل إلى ثلاثة من بلحارث ، فأجابوه إلى أن يمر به ، فأعلم ابن ميناء فغدا بأصحابه فذبّوهم(٢) ، فرجع إلى الأمير فقال : اجمع لهم

__________________

(١) الصوافي : الأملاك ، والأرض مات أهلها ولا وارث لها. و ـ الضياع كان يستخلصها السلطان لخاصته.

(٢) ذبّ عنه : دفع عنه ومنع.


من قدرت ، وبعث معه بعض جند ، وقال : مر به ولو على بطونهم ، فغدا ابن ميناء متطاولا عليهم ، وعدا من يذبهم من الأنصار ، ورفدتهم قريش(١) فذبوهم حتى تفاقم الأمر ؛ فرجع ولم يعمل شيئا. وكتب عثمان بن محمد إلى يزيد يخبره بذلك ، ويحرضه على أهل المدينة جميعا ؛ فاستشاط غضبا ؛ وقال : والله لأبعثن إليهم الجيوش ، ولأوطئنها الخيل. انتهى.

وقال ابن الجوزي : قال أبو الحسن المدائني ـ وكان من الثقات ـ : أتى أهل المدينة المنبر فخلعوا يزيد ، فقال عبد الله بن أبي عمرو بن حفص المخزومي : قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي ، ونزعها عن رأسه ، إني لأقول هذا وقد وصلني وأحسن جائزتي ، ولكن عدو الله سكر. وقال آخر : قد خلعته كما خلعت نعلي ؛ حتى كثرت العمائم والنعال.

ثم ولوا على قريش عبد الله بن مطيع ؛ وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة. ثم حاصر القوم من كان بالمدينة من بني أمية في دار مروان. فكتب مروان ومن معه إلى يزيد : إنا قد حصرنا ومنعنا العذب ، فيا غوثاه. فوصل الكتاب إليه. فبعث إلى مسلم بن عقبة ـ وهو شيخ كبير ـ فجاء حتى دخل عليه ، وقال له : اخرج وسر بالناس ، فخرج مناديه ، فنادى : أن تسيروا إلى الحجاز على أخذ أعطياتكم كملا ومعونة مائة دينار توضع في يد الرجل من ساعته. فانتدب لذلك اثنا عشر ألف رجل. وكتب يزيد إلى ابن مرجانة أن اغز ابن الزبير ، فقال : لا والله لا أجمعها للفاسق أبدا قتل ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإغزاء البيت وقال يزيد لمسلم : إن حدث بك حادث فاستخلف حصين بن نمير السكوني. وقال له : ادع القوم ثلاثا ، فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم ، وإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا بما فيها من مال أو سلاح أو طعام فهو للجند ، فإذا مضت الثلاث فاكفف عنهم ، وانظر علي بن الحسين فاستوص به ، فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه ، فلما بلغ أهل المدينة إقبال الحصين وثبوا على من كان محصورا من بني أمية ، وقالوا : لا نكف عنكم حتى نضرب أعناقكم أو تعطونا عهد الله وميثاقه ألا تبغوا غائلة(٢) ، ولا تدلوا لنا على عورة ، ولا تظاهروا علينا عدوا ، فاعطوهم العهد على ذلك ، فأخرجوهم من المدينة ، فخرجوا حتى لقوا مسلم بن عقبة ، وأرسل إليه مروان ابنه عبد الملك فأشار عليه أن يأتيهم من ناحية الحرة ، وأن ينتظرهم ثلاثا ففعل ، فلما مضت الثلاث قال : يا أهل المدينة ، ما تصنعون؟ قالوا :

__________________

(١) رفدتهم قريش : أعانتهم وساعدتهم على طردهم.

(٢) الغائلة (ج) غوائل : الفساد والشر.


نحارب ، قال : لا تفعلوا وادخلوا في الطاعة ، قالوا : لا نفعل ، وكانوا قد اتخذوا خندقا ، فنزل منهم جماعة ، وحمل ابن الغسل على الخيل حتى كشفها ، وقاتلوا قتالا شديدا ، وجعل مسلم يحرض أصحابه ، وكان به مرض ؛ فنصب له سرير بين الصفين وقال : قاتلوا عن أميركم ؛ وأباح مسلم المدينة ثلاثا يقتلون الناس ويأخذون الأموال ، ورفعوا على النساء ؛ وقاتل عبد الله بن مطيع حتى قتل هو وبنون له سبعة ؛ وبعث برأسه إلى يزيد ؛ فأفزع ما جرى من بالمدينة من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

ونقل الواقدي أن القوم لما قربوا تشاور أهل المدينة في الخندق خندق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ وشكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية ؛ وعملوا في الخندق خمسة عشر يوما ، وكان لقريش ما بين راتج إلى مسجد الأحزاب ، والأنصار ما بين مسجد الأحزاب إلى بني سلمة ، وللموالي ما بين راتج إلى بني عبد الأشهل ، فلما وصل القوم عسكروا بالجرف ، وبعثوا رجالا من رجالهم ، فأحدقوا بالمدينة من كل ناحية ، فما يجدون مدخلا ، والناس متلبسون السلاح قد قاموا على أفواه الخنادق يرمون بالنبل والحجارة ، وجلس مسلم بناحية واقم ، فرأى أمرا هائلا ، فاستعان بمروان وكان وعده بوجه في ذلك لما لقيه بوادي القرى ؛ فخرج مروان حتى جاء بني حارثة ، فكلم رجلا منهم ورغبه في الصنيعة(١) ، وقال : تفتح لنا طريقا فاكتب بذلك إلى يزيد فيصل أرحامكم ، ففتح لهم طريقا من قبلهم حتى أدخل له الرجال من بني حارثة إلى بني عبد الأشهل ، وجاء الخبر عبد الله بن حنظلة وكان بناحية الصورين في أصحابه ، وأقبل عبد الله بن مطيع وكان من ناحية ذباب ، وأقبل ابن هريرة في الموالي يطوف بهم على الخنادق ، وأقبل ابن ربيعة وكان من ناحية بطحان ، فاجتمعوا جميعا من حيث يدخل أهل الشام ، قال محمود بن لبيد : قد حضرت يومئذ ، فإنما أتينا من قومنا بني حارثة ، وكان مروان حين أخرج عمل به عمل قبيح ، فكلم رجلا فأدخله ومعه فارس ثم جعلت الخيل تتحدر على أثره ، وقد وقفنا بني عبد الأشهل فقاتلنا ما وجدنا حتى عاينا الموت وكثرت القوم وتفرق الناس فقتلوا في كل وجه.

وروى الواقدي أيضا أن قصر بني حارثة كان أمانا لمن أراد أهل الشام أن يؤمنوه ، وكانت بنو حارثة آمنين ، وأول دار انتهبت والحرب بعد لم ينقطع دار بني عبد الله الأشهل ، انتهى.

وأخرج ابن أبي خيثمة بسند صحيح إلى جويرية بن أسماء : سمعت أشياخ أهل

__________________

(١) الصنيعة : كل ما عمل من خير أو إحسان. (ج) صنائع.


المدينة يتحدثون أن معاويةرضي‌الله‌عنه لما احتضر دعا يزيد فقال له : إن لك من أهل المدينة يوما ، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإني عرفت نصيحته ، فلما ولي يزيد وفد عليه عبد الله بن حنظلة وجماعة ، فأكرمهم وأجازهم ، فرجع فحرض الناس على يزيد ، وعابه ، ودعاهم إلى خلع يزيد ، فأجابوه ، فبلغ ذلك يزيد ، فجهز إليهم مسلم بن عقبة ، فاستقبلهم أهل المدينة بجموع كثيرة ، فهابهم أهل الشام وكرهوا قتالهم ، فلما نشب القتال سمعوا في جوف المدينة التكبير ؛ وذلك أن بني حارثة أدخلوا قوما من الشاميين من جانب المدينة ، فترك أهل المدينة القتال ، ودخلوا المدينة خوفا على أهليهم ، فكانت الهزيمة ، وقتل من قتل ، وبايع مسلم الناس على أنهم خول(١) ليزيد يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم بما شاء ، انتهى.

وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند صحيح عن ابن عباس قال : جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها ) [الأحزاب : ١٤] يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة في وقعة الحرة ، قال يعقوب : وكانت وقعة الحرة سنة ثلاث وستين ، اه.

قالوا : وكلمات امرأة مسلم بن عقبة في ولدها ، وقالت : أنا مولاتك ، وابني في الأسر ؛ فقال : عجلوه لها ؛ فضربت عنقه وقال : أعطوها رأسه ، أما ترضين ألّا تقتلي حتى تكلمي في ابنك؟!

قلت : وسموه مسرفا لإسرافه في القتل.

ونقل الواقدي في كتاب الحرة أن يزيد دخل على مسرف وكان قد جعله في علية لمرضه ؛ فقال له : لو لا مرضك لكنت أنت صاحب هذا الأمر ، لما أعرف نصيحتك ، قال مسرف : أنشدك الله يا أمير المؤمنين ألا تولي أمرهم غيري ؛ فإني والله أنا صاحبهم ، رأيت في النوم شجرة غرقد تصيح بأغصانها : يا ثارات عثمان ، فأقبلت وجعلت الشجرة تقول : على يدي مسلم بن عقبة ، حتى جئتها فأخذتها ، فعبرت ذلك أني أكون القائم بأمر عثمان ؛ فهم قتلته ، قال يزيد : فسر إليهم على بركة الله ، فأنت صاحبهم ، وانظر إذا قدمت المدينة ، فمن عاقك عن دخولها أو نصب لك حربا فالسيف السيف ، لا تبق فيهم ، وأنهبها ثلاثا ، وأجهز على جريحهم ، واقتل مدبرهم ، وإياك أن تبقي عليهم ، وإن لم يعرضوا لك فامض إلى ابن الزبير.

وروى ابن الجوزي من طريق المدائني عن جويرية أن مسلما نظر إلى قتلى الحرة فقال : لئن دخلت النار بعدها إني لشقي ، وأسر أسرى فحبسهم ثلاثة أيام لم يطعموا ،

__________________

(١) الخول : عطيّة الله من النعم والعبيد والإماء وغيرهم من الأتباع والحشم.


وجاءوا بسعيد بن المسيب فقالوا : بايع ، فقال : أبايع على سيرة أبي بكر وعمر ، فأمر بضرب عنقه ، فشهد رجل أنه مجنون ، فخلى عنه.

عدد القتلى في وقعة الحرة

وعن المدائني أيضا عن شيخ من أهل المدينة قال : سألت الزهري : كم كانت القتلى يوم الحرة؟ قال : سبعمائة من وجوه الناس قريش والأنصار والمهاجرين ، ومن وجوه الموالي وممن لا يعرف من عبد وحر وامرأة عشرة آلاف ، وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين.

وفي كتاب الحرة للواقدي قال : حدثني عبد الله بن جعفر قال : سألت الزهري : كم قتل من الناس يومئذ؟ قال : أما من وجوه الناس فأكثر من سبعمائة من قريش والأنصار ووجوه الموالي ، ثم عدّد علي من قتل حتى ما كنت أرى أنه بقي أحد إلا قتل يومئذ ، ثم قال الزهري : ولقد قتل ممن لا يعرف من الموالي والعبيد والصبيان والنساء أكثر من عشرة آلاف ، ودخلوها لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين.

قلت : وقال القرطبي لليلتين بقيتا من ذي الحجة ، وعن الأقشهري عن أبي معشر والواقدي أنها يوم الأربع لليلتين خلتا من ذي الحجة ، قلت : ولم أره في كتاب الواقدي ، ولعله سبق قلم ، والله أعلم.

وذكر المجد أنهم سبوا الذرية ، واستباحوا الفروج ، وأنه كان يقال لأولئك الأولاد من النساء اللاتي حملن : أولاد الحرة ، قال : ثم أحضر الأعيان لمبايعة يزيد ، فلم يرض إلا أن يبايعوه على أنهم عبيد يزيد ، فمن تلكأ أمر بضرب عنقه ، وجاءوا بعلي بن عبد الله بن عباس ، فقال الحصين بن نمير : يا معشر اليمن عليكم ابن أختكم ، فقام معه أربعة آلاف رجل ، فقال لهم مسلم : أخلعتم أيديكم من الطاعة؟ فقالوا : أما فيه فنعم ، فبايعه على أن ابن عم يزيد ، انتهى.

وعن المدائني أيضا عن محمد بن عمر قال : قال ذكوان مولى مروان : شرب مسلم بن عقبة دواء بعد ما أنهب المدينة ، ودعا بالغداء ، فقال له الطبيب : لا تعجل فإني أخاف عليك إن أكلت قبل أن تكمل الدواء ، قال : ويحك! إنما كنت أحب البقاء حتى أشفي نفسي من قتلة عثمان ، فقد أدركت ما أردت ، فليس شيء أحب إلي من الموت على طهارتي ؛ فإني لا أشك أن الله قد طهّرني من ذنوبي بقتل هؤلاء الأرجاس.

قلت : هذا من عظيم حمقه ، قاتله الله وأشقاه! فإن هذا مما يزيد في عظيم جرمه.


من قتل من الصحابة يوم الحرة

وممن قتل صبرا يومئذ من الصحابة : عبد الله بن حنظلة الغسيل ـ قال ابن حزم : قتل مع ثمانية من بنيه ـ وعبد الله بن زيد حاكي وضوء النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومعقل بن سنان الأشجعي ـ وكان شهد فتح مكة ، وكان معه راية قومه يومئذ ـ وفيه يقول الشاعر :

ألا تلكم الأنصار تبكي سراتها

وأشجع تبكي معقل بن سنان

ومحمد بن عمرو بن حزم الأنصاري ، وقد ذكر ابن جرير الطبري الإمام أن عبد الله بن الغسيل كان يقول :

بعدا لمن رام الفساد وطغى

وجانب القصد وأسباب الهدى

لا يبعد الرحمن إلا من عصى

ثم تقدم فقاتل حتى قتل ، وقتل معه أخوه لأمه محمد بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري ، وأبوه كان خطيب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين ورد وفد تميم ، وجعل مسلم بن عقبة يطوف على القتلى ومعه مروان بن الحكم ، حتى مر على عبد الله بن الغسيل وهو ماد أصبعه السبابة ، فقال مروان : أما والله لئن نصبتها ميتا لطالما نصبتها حيا.

وروى عن محمد بن كعب القرظي قال : قال مروان لعبد الله بن حنظلة الغسيل وقد رآه مشيرا بإصبعه وقد يبست : لئن أشرت بها ميتا لطالما دعوت وتضرعت بها إلى الله تعالى ، فقال رجل من أهل الشام : إن كان هو كما تقول فما دعوتنا إلا لقتل أهل الجنة ، فقال مروان : خالفوا ونكثوا.

وفي الذيل على ابن النجار للعراقي : ذكر محمد بن سعد في الطبقات أن مروان بن الحكم كان يحرض مسلم بن عقبة على أهل المدينة ، وجاء معه معينا له حتى ظفر بهم ، وانتهبت المدينة ، فلما قدم مروان على يزيد شكر له ذلك وأدناه.

وروى ابن الجوزي بسنده إلى سعيد بن المسيب قال : ما أصلي لله تعالى صلاة إلا دعوت على بني مروان.

وبسنده أيضا إليه قال : لقد رابني ليالي الحرة ما في المسجد أحد من خلق الله غيري ، وإن أهل الشام ليدخلون زمرا يقولون : انظروا إلى هذا الشيخ المجنون ، ولا يأتي وقت صلاة إلا سمعت أذانا من القبر ، ثم أقيمت الصلاة فتقدمت فصليت وما في المسجد أحد غيري.

وبسنده أيضا إلى المدائني عن أبي قرة قال : قال هشام بن حسان : ولدت بعد الحرة ألف امرأة من غير زوج.


وعن المدائني أيضا عن أبي عبد الرحمن القرشي عن خالد الكندي عن عمته أم الهيثم بنت يزيد قالت : رأيت امرأة من قريش تطوف ، فعرض لها أسود فعانقته وقبلته ، فقلت : يا أمة الله ، أتفعلين هذا بهذا الأسود؟ فقالت : هو ابني ، وقع علي أبوه يوم الحرة.

ونقل العراقي في ذيله عن شيخه أبي المظفر السمعاني أنه روي بسنده إلى أبي غزية الأنصاري قال : كان قوم من أهل المدينة يجتمعون في مجلس لهم بالليل يسهرون فيه ، فلما قتل الناس قتلوا ونجا منهم رجل فجاء إلى مجلسه فلم يحس منهم أحدا ، ثم جاء الليلة الثانية فكذلك ، ثم جاء الثالثة فكذلك ، فتمثل بهذا البيت :

ألا ذهب الكماة وخلّفوني

كفى حزنا بذكرى للكماة

قال : فنودي من المجلس :

فدع عنك الكماة فقد تولّت

ونفسك فابكها قبل الممات

فكلّ جماعة لا بدّ يوما

يفرّق بينها شعب الشّتات

وروى الطبراني عن أبي هارون العبدي قال : رأيت أبا سعيد الخدريرضي‌الله‌عنه ممعط اللحية(١) ، فقلت : تعبث بلحيتك؟ قال : لا ، هذا ما لقيت من ظلمة أهل الشام ، دخلوا زمن الحرة ، فأخذوا ما كان في البيت من متاع أو خرثي(٢) ، ثم دخلت طائفة أخرى فلم يجدوا في البيت شيئا فأسفوا أن يخرجوا بغير شيء ، فقالوا : أضجعوا الشيخ ، فجعل كل يأخذ من لحيتي خصلة.

حرق مسلم بن عقبة والخلاف فيه

وروي أيضا عن محمد بن سعيد خبرا قال فيه : فلما جاء يزيد خلاف ابن الزبير ودعاؤه إلى نفسه دعا مسلم بن عقبة المري وقد أصابه الفالج وقال : إن أمير المؤمنين ـ يعني أباه ـ عهد إلي في مرضه إن رابني من أهل الحجاز ريب أن أوجهك إليهم ، وقد رابني ، فقال : إني كما ظن أمير المؤمنين ، اعقد لي وعبّ الجيوش ، قال : فورد المدينة فأباحها ثلاثا ، ثم دعا إلى بيعة يزيد على أنهم أعبد له قن في طاعة الله ومعصيته ، فأجابوه إلى ذلك ، إلا رجلا واحدا من قريش أمه أم ولد ، فقال له : بايع ليزيد على أنك عبد في طاعة الله ومعصيته ، قال : بل في طاعة الله ، فأبى أن يقبل ذلك منه ، فقتله ، فأقسمت أمه قسما لئن أمكنها من مسلم حيا أو ميتا أن تحرقه بالنار ، فلما خرج مسلم بن عقبة من المدينة اشتدت علته فمات ، فخرجت أم القرشي بأعبد لها إلى قبر مسلم ، فأمرت به أن ينبش من عند رأسه فلما وصلوا إليه إذا بثعبان قد التوى على عنقه قابضا بأرنبة أنفه

__________________

(١) ممعط اللحية : تساقط شعرها من داء ونحو ذلك.

(٢) الخرثى : أثاث البيت ، أو أردأ المتاع والغنائم.


يمصها ، قال : فكاع(١) القوم عنه ، وقالوا : يا مولاتنا انصرفي فقد كفاك الله شره ، وأخبروها ، فقالت : لأوفين الله بما وعدته ، ثم قالت : انبشوه من عند الرجلين ، فنبشوا ، فإذا بالثعبان لاو ذنبه برجليه ، قال : فتنحت وصلت ركعتين ، ثم قالت : اللهم إنك تعلم أني إنما غضبت على مسلم بن عقبة اليوم لك فخل بيني وبينه ، ثم تناولت عودا فمضت إلى ذنب الثعبان فانسل من مؤخر رأسه فخرج من القبر ، ثم أمرت به ؛ فأخرج من القبر ثم أحرق بالنار.

قلت : وفي كتاب الحرة للواقدي أن الثابت بالبلد عندنا أن مسرفا لما دفن بثنية المشلل(٢) وكانت أم ولد ليزيد بن عبد الله بن ربيعة تسير وراء العسكر بيومين أو ثلاثة حتى جاءها الخبر بذلك ، فانتهت إليه ، فنبشته ثم صلبته على المشلل ، قال الضحاك : فحدثني من رآه مصلوبا يرمى كما يرمى قبر أبي رغال.

وحدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث قال : والله ما خلصت إليه ، ولقد نبشت عنه ولكنها لما انتهت إلى لحده وجدت أسود من الأساود منطويا على رقبته فاتحا فاه ، فانصرفت عنه.

وقال ابن الجوزي : لما دخلت سنة أربع وستين ـ وقد فرغ مسلم من قتال أهل المدينة ـ سار متوجها إلى مكة ، واستخلف على المدينة روح بن زنباع ، وسار إلى ابن الزبير ؛ فمات في الطريق.

قلت : وذلك مصداق ما جاء في من يقصد أهل المدينة بسوء ؛ فأهلكه الله سريعا.

قال القرطبي : أهلكه الله منصرفه عن المدينة ، ابتلاه الله بالماء الأصفر في بطنه ؛ فمات بقديد بعد الوقعة بثلاث ليال.

وقال الطبري : مات بهرشى بعد الوقعة بثلاث ليال ، وكان لحماقته الموفرة يقول عند موته : اللهم إني لم أعمل عملا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله أحب إلي من قتال أهل المدينة ، ولئن دخلت النار بعدها إني لشقي ، ثم دعا حصين بن نمير السكوني وقال له :أمير المؤمنين ولاك بعدي. فأسرع السير ، ولا تؤخر ابن الزبير ، وأمره أن ينصب المجانيق على مكة ، وقال : إن تعوذوا بالبيت فارمه ، وحاصر مكة أربعة وستين يوما جرى فيها قتال

__________________

(١) كاعوا عنه : ابتعدوا عنه.

(٢) المشلل : جبل يهبط منه إلى قديد.


شديد ، وقذفت الكعبة بالمجانيق يوم السبت ثالث ربيع الأول ، وأخذ رجل قبسا في رأس رمح فطارت به الريح فاحترق البيت ، فجاءهم نعي يزيد بن معاوية إهلال ربيع الآخر ، وكان بين الحرة وبين موته ثلاثة أشهر ، وقال القرطبي : دون ثلاثة أشهر ؛ لأنه توفي بالذبحة وذات الجنب في نصف ربيع الأول ، فلقد ذاب ذوب الرصاص ، واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشام ، فذلوا حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلا أخذ بلجام دابته فنكس عنها ، فقال لهم بنو أمية : لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشام ، ففعلوا ، ومضى ذلك الجيش حتى دخلوا الشام.

وكانت وقعة الحرة ، وقتل الحسين ، ورمي الكعبة بالمنجنيق من أشنع شيء جرى في أيام يزيد.

وقال عبد الرحمن بن سعيد بن زيد أحد العشرةرضي‌الله‌عنهم :

فإن تقتلونا يوم حرّة واقم

فنحن على الإسلام أول من قتل

ونحن قتلناكم ببدر أذلة

وأبنا بأسلاب لنا منكم نفل

فإن ينج منها عائذ البيت سالما

فكلّ الذي قد نابنا منكم جلل(١)

يعني بعائذ البيت عبد الله بن الزبير.

وهذه الكائنة غير الإغزاء المذكور في حديث البيداء ؛ ولهذا روى ابن شبة عن أبي المهزم عن أبي هريرةرضي‌الله‌عنه قال : يجيء جيش من قبل الشام حتى يدخل المدينة ، فيقتلون المقاتلة ، ويبقرون بطون النساء ، ويقولون : الحبلى في البطن : اقتلوا صبابة الشر ، فإذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم فلا يدرك أسفلهم أعلاهم ولا أعلاهم أسفلهم ، قال أبو المهزم : فلما جاء جيش ابن ذبحة قلنا : هم ، فلم يكونوا هم.

قلت : وقد جاء في بعض الأخبار بيان أن ذلك الجيش جيش السفياني ، يبعثه لقتال المهدي.

وقال يحيى بن سعيد : لم تترك الصلاة في هذا المسجد منذ كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا ثلاثة أيام : يوم قتل عثمان ، ويوم الحرة ، قال مالك : ونسيت الثالث ، وفي العتبية عن مالك أنه بلغه ذلك عن سعيد بن المسيب بمعناه ، قال ابن رشد : واليوم الثالث الذي ذكر مالك أنه نسيه ، قال محمد بن عبد الحكم : هو يوم خرج به أبو حمزة الخارجي ، وكان خروجه ـ فيما ذكروا ـ في دولة مروان بن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلفاء بني أمية.

__________________

(١) الجلل : هيّن يسير. و ـ الشيء الكبير العظيم.


مسير أبي حمزة إلى المدينة

قال خليفة بن خياط : سار أبو حمزة في أول سنة ثلاثين ومائة ، يريد المدينة ، واستخلف على مكة إبراهيم بن الصباح الحميري ، وجعل على مقدمته فلح بن عقبة السعدي ، وخرج أهل المدينة والتقوا بقديد يوم الخميس لتسع خلون من صفر سنة ثلاثين ومائة ، وفلح في ثلاثين ألف فارس ، فقال لهم : خلوا طريقنا فنأتي هؤلاء الذين بغوا علينا وجاروا في الحكم فإنا لا نريد قتالكم ، فأبوا ؛ فقاتلوهم فانهزم أهل المدينة ، وجاءهم أبو حمزة فقال له علي بن الحصين : اتبع هؤلاء القوم ، وأثخن على جريحهم ، فإن لكل زمان حكما ، والإثخان في مثل هؤلاء أمثل ، قال : ما أرى ذلك ، ومضى أبو حمزة إلى المدينة فدخلها يوم الإثنين لثلاث عشر خلت من صفر ، ففي يوم دخوله إياها ـ والله أعلم ـ خلي مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من أن يجمع فيه ، وأصيب من قريش يومئذ ثلاثمائة رجل ، ومن آل الزبير اثنا عشر رجلا ، فما سمع الناس بواكي أوجع للقلوب من بواكي قديد ، ما بقي بالمدينة أهل بيت إلا فيهم بكاء ، وقالت نائحة تبكيهم :

ما للزمان وما ليه

أفنى قديد رجاليه

فلأبكينّ سريرة

ولأبكين علانيه

قلت : وذكر الذهبي عن خليفة بن خياط في خبر أبي حمزة هذا ما ملخصه : أن عبد الله بن يحيى الأعور الكندي المسمى طالب الحق ـ بعد أن ملك حضرموت وصنعاء ـ بعث إلى مكة أبا حمزة الخارجي الأباضي المذكور ، فخاف عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك ـ وكان واليا على مكة والمدينة ـ وخذله أهل مكة ، ففارقها في النفر الأول ، وقصد المدينة ، فغلب أبو حمزة على مكة ، ثم سار منها بعد أن استخلف عليها ، فلقي بقديد الجيش الذي أرسله عبد الواحد بن سليمان لقتاله ، فظفر أبو حمزة ، وسار إلى المدينة فدخلها ، وقتل فيها جماعة منهم أربعون رجلا من بني عبد العزى ، وجهز إليه مروان عسكرا ، فلقي بوادي القرى فلحا ، وهو على مقدمة أبي حمزة ، فاقتتلوا ، فقتل فلح وعامة أصحابه ، ثم أدركوا أبا حمزة بمكة ، فقتلوه في خلق من أصحابه ، ثم ساروا لطالب الحق فقتلوه ، انتهى ملخصا.

قلت : ولا يحتمل أن ما نقل عن الأخباريين في الخروج من المدينة إنما كان في هذه الكائنة أو قبل ذلك كله في كائنة بسر بن أرطأة ، فإن القرطبي قال : وذكر أبو عمرو الشيباني قال : لما وجه معاويةرضي‌الله‌عنه بسر بن أرطأة لقتل شيعة عليرضي‌الله‌عنه


سار إلى أن أتى المدينة ، فقتل ابني عبيد الله بن العباسرضي‌الله‌عنهما ، وفر أهل المدينة حتى دخلوا الحرة حرة بني سليم ، ولكنه بعيد ، والأقرب ما قدمناه ، والله أعلم.

الفصل السادس عشر

في ظهور نار الحجاز التي أنذر بها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فظهرت بأرض المدينة وأطفأها الله تعالى عند وصولها إلى حرمها ، كما سنوضحه.

الأحاديث الواردة في هذه النار

روينا في مسند أحمد برجال ثقات عن أبي ذر قال : أقبلنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فرأينا ذا الحليفة ، فتعجل رجال إلى المدينة ، وبات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبتنا معه ، فلما أصبح سأل عنهم ، فقيل : تعجلوا إلى المدينة ، فقال : «تعجلوا إلى المدينة والنساء ، أما إنهم سيدعونها أحسن ما كانت» ثم قال : «ليت شعري متى تخرج نار بأرض اليمن من جبل الوراق تضيء منها أعناق الإبل ببصرى بروكا كضوء النهار» ورواه ابن شبة من غير ذكر «بأرض اليمن» ولفظه «ليتركنها أحسن ما كانت ، ليت شعري متى تخرج نار من جبل الوراق تضيء لها أعناق الإبل ببصرى بروكا كضوء النهار».

وأخرج الطبراني في آخر حديث لحذيفة بن أسد : وسمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من رومان ـ أو ركوبة ـ تضيء منها أعناق الإبل ببصرى».

قلت : وركوبة كما سيأتي : ثنية قريبة من ورقان ، ولعله المراد بجبل الوراق ، قال الحافظ ابن حجر : ورومان لم يذكره البكري. ولعل المراد رومة البئر المعروفة بالمدينة ، ثم نقل عن البكري أن ركوبة بني المدينة والشام ، وسيأتي رده.

وهذه النار مذكورة في الصحيحين في حديث «لا تقوم الساعة حتى تظهر نار بالحجاز» ، ولفظ البخاري : «تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى».

وروى الطبراني بسند فيه ضعيف عن عاصم بن عدي الأنصاري قال : سألنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حدثنا ما قدم ، فقال : «أين حبس سيل؟» قلنا : لا ندري ، فمر بي رجل من بني سليم ، فقلت : من أين جئت؟ فقال : من حبس سيل ، فدعوت بنعلي ، فانحدرت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقلت : يا رسول الله ، سألتنا عن حبس سيل ، فقلنا : لا علم لنا به ، وإنه مر بي هذا الرجل فسألته فزعم أن به أهله ، فسأله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «أين أهلك؟»


فقال : بحبس سيل ، فقال : «أخرج أهلك منها ؛ فإنه يوشك أن تخرج منه نار تضيء أعناق الإبل ببصرى».

وحديث : «يوشك نار تخرج من حبس سيل تسير سير بطيئة الإبل ، تسير النهار وتقيم الليل» الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى من رواية رافع بن بشير السلمي عن أبيه. قال الحافظ الهيثمي : رواه أحمد والطبراني ، ورجال أحمد رجال الصحيح ، غير رافع ، وهو ثقة ، انتهى.

وفي مسند الفردوس عن عمر حديث : «لا تقوم الساعة حتى يسيل واد من أودية الحجاز بالنار يضيء له أعناق الإبل ببصرى» وأخرجه ابن عدي في كامله من طريق عمر بن سعيد التنوخي عن ابن شهاب عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رفعه ، وعمر بن سعيد ذكره ابن حبان في الثقات ، وكتبه ابن عدي والدارقطني.

بيان أن المدينة يمانية كما أنها حجازية

وقد ظهرت هذه النار بالمدينة الشريفة كما سنبينه ، ولا إشكال في كون المدينة حجازية ، وأما كونها يمانية فقد نص عليه الشافعي. قال البيهقي في المعرفة : قال الشافعي : ومكة والمدينة يمانيتان. قلت : وقد ذكر الشافعي في الأم حديث : «أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا» الحديث ، ثم روى «أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقف على ثنية تبوك فقال : ما هاهنا شام ، وأشار بيده إلى جهة الشام ، وما هاهنا يمن ، وأشار بيده إلى جهة المدينة» هكذا نقلته من الأم بهذا اللفظ ، وهو في مسند الشافعي بلفظ «ما هاهنا شام ، وأشار بيده إلى الشام ، ومن هاهنا يمن ، وأشار بيده إلى جهة المدينة» قال ابن الأثير في شرحه : الغرض منه بيان حد الشام واليمن ، وقد جعل المدينة من اليمن ، اه. والعجب أن النووي قال في فتاويه : مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليست يمانية ولا شامية ، بل هي حجازية ، قال : وهذا لا خلاف فيه بين العلماء ، وكأنه لم يقف على هذا.

وأما حبس سيل فقد قيل : إن حبس ـ بالضم ثم السكون ـ بين حرة بني سليم والسوارقية ، وقد كان إقبال هذه النار من المشرق في جهة طريق السوارقية كما سيأتي ، وقال نصر : حبس سيل ـ بالفتح ـ إحدى حرتي بني سليم. قلت : وأهل المدينة اليوم


يسمون السد الآتي وصفه فيما أحدثته هذه النار بالحبس. وفي كلام ياقوت ما يقتضي أنه كان يسمى بالسد قبل هذه النار ؛ فإنه لم يدركها ، ومع ذلك قال : إن أعلى وادي قناة عند السد يسمى بالشظاة ، اه.

وظهور النار المذكورة بالمدينة الشريفة قد اشتهر اشتهارا بلغ حد التواتر عند أهل الأخبار ، وكان ظهورها لإنذار العباد بما حدث بعدها ؛ فلهذا ظهرت على قرب مرحلة من بلد النذير صلوات الله وسلامه عليه ، وتقدمها زلازل مهولة ، وقد قال تعالى :( وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً ) [الإسراء : ٥٩] وقال تعالى :( ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ) [الإسراء : ١٦] ولما ظهرت النار العظيمة الآتي وصفها ، وأشفق منها أهل المدينة غاية الإشفاق ، والتجئوا إلى نبيهم المبعوث بالرحمة ، صرفت عنهم ذات الشمال ، وزاحت عنهم الأوجال ، وظهرت بركة تربتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في أمته ، ولعل الحكمة في تخصيصها بهذا المحل ـ مع ما قدمناه من كونه حضرة النذير ـ الرحمة لهذه الأمة فإنها لو ظهرت بغيره وسلطان القهر والعظمة التي هي من آثاره قائم لربما استولت على ذلك القطر ولم تجد صارفا ؛ فيعظم ضررها على الأمة ، فظهرت بهذا المحل الشريف لحكمة الإنذار ، فإذا تمت قابلتها الرحمة فجعلتها بردا وسلاما ، إلى غير ذلك من الأسرار.

ابتداء الزلزلة التي حدثت بالمدينة

وكان ابتداء الزلزلة بالمدينة الشريفة مستهلّ جمادى الآخرة أو آخر جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وستمائة ، لكنها كانت خفيفة لم يدركها بعضهم مع تكررها بعد ذلك ، واشتدت في يوم الثلاثاء على ما حكاه القطب القسطلاني ، وظهرت ظهورا عظيما اشترك في إدراكه العام والخاص ، ثم لما كان ليلة الأربعاء ثالث الشهر أو رابعه في الثلث الأخير من الليل حدث بالمدينة زلزلة عظيمة أشفق الناس منها ، وانزعجت القلوب لهيبتها ، واستمرت تزلزل بقية الليل ، واستمرت إلى يوم الجمعة ولها دوي أعظم من الرعد ، فتموج الأرض ، وتتحرك الجدارات ، حتى وقع في يوم واحد دون ليله ثمانية عشر حركة على ما حكاه القسطلاني.

وقال القرطبي : قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة ، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة ، واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت ، وظهرت بقريظة بطرف الحرة ، ترى في صفة البلد العظيم ، عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج وموادن ، وترى رجال يقودونها ، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته ، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق له دوي كدوي الرعد ، يأخذ الصخور بين يديه ، وينتهي إلى محط الركب العراقي ، واجتمع من


ذلك ردم صار كالجبل العظيم ، فانتهت النار إلى قرب المدينة ، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد ، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر ، وقال لي بعض أصحابنا : رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام ، وسمعت أنها رئيت من مكة ومن جبال بصرى ، اه.

وقال النووي : تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام.

ونقل أبو شامة عن مشاهدة كتاب الشريف سنان قاضي المدينة الشريفة وغيره أن في ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة حدث بالمدينة في الثلث الأخير من الليل زلزلة عظيمة أشفقنا منها وباتت في تلك الليلة تزلزل ، ثم استمرت تزلزل كل يوم وليلة مقدار عشر مرات ـ وفي كتاب بعضهم أربع عشرة مرة ـ قال : والله لقد زلزلت مرة ونحن حول الحجرة فاضطرب لها المنبر إلى أن سمعنا منه صوتا للحديد الذي فيه ، واضطربت قناديل الحرم الشريف ، زاد القاشاني : ثم في اليوم الثالث ـ وهو يوم الجمعة ـ زلزلت الأرض زلزلة عظيمة ، إلى أن اضطربت منام المسجد ، وسمع لسقف المسجد صرير عظيم ، قال القطب : فلما كان يوم الجمعة نصف النهار ظهرت تلك النار ، فثار من محل ظهورها في الجو دخان متراكم غشى الأفق سواده ، فلما تراكمت الظلمات وأقبل الليل سطع شعاع النار ، فظهرت مثل المدينة العظيمة في جهة المشرق ، والحكمة في ظهورها في يوم الجمعة غير خافية ، ففي الحديث «من أفضل أيامكم يوم الجمعة : فيه خلق آدم ، وفيه قبض ، وفيه النفخة ، وفيه الصعقة ، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ» الحديث ، وفي الحديث أيضا : «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة : فيه خلق آدم ، وفهي أهبط ، وفيه تيب عليه ، وفيه مات ، وفيه تقوم الساعة ، وما من دابة إلا وهي مصيخة حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة ، إلا الجن والإنس ، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه» رواه أبو داود ، وهو اليوم الذي ادخره الله لهذه الأمة ، وأكمل فيه دينهم ؛ فأراد الله أن يخوف عباده فيه بذلك ليردهم إليه ، فتلك النار نعمة في صورة نقمة ، ولهذا وجلت(١) منها القلوب وأشفقت ، وأيقن الناس أن العذاب قد أحاط بهم. قال القاضي سنان : وطلعت إلى الأمير ـ وكان عز الدين منيف بن شيحة ـ وقلت له : قد أحاط بنا العذاب ، ارجع إلى الله ، فأعتق كل مماليكه ، ورد على الناس مظالمهم ـ زاد القاشاني : وأبطل المكس ـ ثم هبط الأمير للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبات في المسجد ليلة الجمعة وليلة السبت ، ومعه جميع أهل المدينة حتى النساء والصغار ، ولم يبق أحد في النخل إلا جاء إلى الحرم الشريف ، وبات الناس يتضرعون

__________________

(١) وجلت منها القلوب : خافت وفزعت.


ويبكون ، وأحاطوا بالحجرة الشريفة كاشفين رءوسهم مقرّين بذنوبهم مبتهلين مستجيرين بنبيهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم . قال القطب : ولما عاين أمير المدينة ذلك أقلع عن المخالفة ، واعتبر ، ورجع عما كان عليه من المظالم وانزجر ، وأظهر التوبة والإنابة ، وأعتق جميع مماليكه ، وشرع في رد المظالم ، وعزم أهل المدينة على الإقلاع عن الإصرار وارتكاب الأوزار ، وفزعوا إلى التضرع والاستغفار ، وهبط أميرهم من القلعة مع قاضيهم الشريف سنان وأعيان البلد ، والتجئوا إلى الحجرة الشريفة ، وباتوا بالمسجد الشريف بأجمعهم حتى النساء والأطفال ؛ فصرف الله تعالى عنهم تلك النار العظيمة ذات الشمال ، ونجوا من الأوجال ، فسارت تلك النار من مخرجها وسالت ببحر عظيم من النار ، وأخذت في وادي أحيليين وأهل المدينة يشاهدونها من دورهم كأنها عندهم ، ومالت من مخرجها إلى جهة الشمال واستمرت مدة ثلاثة أشهر على ما ذكره المؤرخون.

مدة النار

وذكر القطب القسطلاني في كتاب أفرده لهذه النار ، وهو ممن أدركها ، لكنه كان بمكة فلم يشاهدها : أن ابتداءها يوم الجمعة السادس من شهر جمادى الآخرة ، وأنها دامت إلى يوم الأحد السابع والعشرين من رجب ، ثم خمدت ، فجملة ما أقامت اثنان وخمسون يوما ، لكنه ذكر بعد ذلك أنها أقامت منطفية أياما ، ثم ظهرت ، قال : وهي كذلك تسكن مرة وتظهر أخرى ؛ فهي لا يؤمن عودها ، وإن طفئ وقودها ، انتهى ؛ فكأن ما ذكره المؤرخون من المدة باعتبار انقطاعها بالكلية ، وطالت مدتها ليشتهر أمرها فينزجر بها عامة الخلق ويشهدوا من عظمها عنوان النار التي أنذرهم بها حبيب الحق.

قوة النار

وذكر القسطلاني عمن يثق به أن أمير المدينة أرسل عدة من الفرسان إلى هذه النار للإتيان بخبرها ، فلم تجسر الخيل على القرب منها ، فترجل أصحابها وقربوا منها ، فذكروا أنها ترمي بشرر كالقصر ، ولم يظفروا بجلية أمرها ، فجرد عزمه للإحاطة بخبرها ، فذكر أنه وصل منها إلى قدر غلوتين بالحجر ولم يستطع أن يجاوز موقفه من حرارة الأرض وأحجار كالمسامير تحتها نار سارية ومقابله ما يتصاعد من اللهب ، فعاين نارا كالجبال الراسيات ، والتلال المجتمعة السائرات ، تقذف بزبد الأحجار كالبحار المتلاطمة الأمواج ، وعقد لهيبها


في الأفق قتاما حتى ظن الظان أن الشمس والقمر كسفا إذ سلبا بهجة الإشراق في الآفاق ، ولو لا كفاية الله كفتها لأكلت ما تقدم عليه من الحيوان والنبات والحجر ، انتهى.

وذكر الجمال المطري ما يخالف بعض هذا ؛ فإنه قال : أخبرني علم الدين سنجر العزي من عتقاء الأمير عز الدين منيف بن شيحة صاحب المدينة قال : أرسلني مولاي الأمير عز الدين بعد ظهور النار بأيام ، ومعي شخص من العرب ، وقال لنا ونحن فارسان : اقربا من هذه النار ، وانظرا هل يقدر أحد على القرب منها ، فإن الناس يهابونها لعظمها ، فخرجت أنا وصاحبي إلى أن قربنا منها ؛ فلم نجد لها حرا ، فنزلت عن فرسي ، وسرت إلى أن وصلت إليها ، وهي تأكل الصخر والحجر ، فأخذت سهما من كنانتي ، ومددت به يدي إلى أن وصل النصل إليها فلم أجد لذلك ألما ولا حرا ، فعرق النصل ولم يحترق العود ، فأدرت السهم وأدخلت فيها الريش فاحترق الريش ولم يؤثر في العود.

وذكر المطري قبل ذلك أنها كانت تأكل كل ما مرت عليه من جبل وحجر ، ولا تأكل الشجر ، قال : وظهر لي في معنى ذلك أنه لتحريم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم شجر المدينة ؛ فمنعت من أكل شجرها لوجوب طاعتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على كل مخلوق.

قلت : وذكر القسطلاني أن هذه النار لم تزل مارة على سبيلها حتى اتصلت بالحرة ووادي الشظاة ، وهي تسحق ما والاها ، وتذيب ما لاقاها من الشجر الأخضر والحصى من قوة اللظى ، وأن طرفها الشرقي أخذ بين الجبال فحالت دونه ثم وقفت ، وأن طرفها الشامي ـ وهو الذي يلي الحرم ـ اتصل بجبل يقال له وعيرة على قرب من شرقي جبل أحد ، ومضت في الشظاة الذي في طرفه وادي حمزةرضي‌الله‌عنه ، ثم استمرت حتى استقرت تجاه حرم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فطفئت ، قال : وأخبرني شخص أعتمد عليه أنه عاين حجرا ضخما من حجارة الحرة كان بعضه خارجا عن حد الحرم ، فعلقت بما خرج منه ، فلما وصلت إلى ما دخل منه في الحرم طفئت وخمدت ، انتهى.

وهذا أولى بالاعتماد من كلام المطري ؛ لأن المطري لم يدرك هذه النار وإن أدرك من أدركها ، بخلاف القطب فإنه أدركها ، واعتنى بجمع أخبارها ، وأفردها بالتصنيف ، ولم يقف عليه المطري ، وهذا أبلغ في الإعجاز ، حيث لم تدخل هذه النار حرمه الشريف ؛ إذ هي للإنذار والتخويف وهو نبي الرحمةصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

ضوء النار

وقد نقل أبو شامة عن مشاهدة كتاب القاضي سنان الحسيني أن سيل النار انحدر مع وادي الشظاة حتى حاذى جبل أحد ، وكادت النار تقارب حرة العريض وخاف الناس منها خوفا عظيما ، ثم سكن قتيرها الذي يلي المدينة ، وطفئت مما يلي العريض بقدرة الله


تعالى ، فرجعت تسير في الشرق ، وهو مؤيد لما ذكره القطب ، ومشاهدة آثارها اليوم تقضي بذلك.

قال المطري : وأخبرني بعض من أدركها من النساء أنهن كن يغزلن على ضوئها بالليل على أسطحة البيوت بالمدينة الشريفة.

وقال القسطلاني : إن ضوءها استوى على ما بطن من القيعان(١) ، وظهر من القلاع ، حتى كأن الحرم النبوي عليه الشمس مشرقة ، وجملة أماكن المدينة بأنوارها محدقة ، ودام على ذلك لهبها حتى تأثر له النيران ، وصار نور الشمس على الأرض تعتريه صفرة ، ولونها من تصاعد الالتهاب يعتريه حمرة ، والقمر كأنه قد كسف من اضمحلال نوره ، قال : وأخبرني جمع ممن توجه للزيارة على طريق المشيان أنهم شاهدوا ضوءها على ثلاثة مراحل للمجدّ ، وآخرون أنهم شاهدوها من جبال ساية.

قلت : نقل أبو شامة عن مشاهدة كتاب الشريف سنان قاضي المدينة أن هذه النار رئيت من مكة ومن الفلاة جميعها ، ورآها أهل ينبع.

قال أبو شامة : وأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها بالمدينة أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب.

وقال المجد : والشمس والقمر في المدة التي ظهرت بها ما يطلعان إلا كاسفين.

قال أبو شامة : وظهر عندنا بدمشق أثر ذلك الكسوف من ضعف النور على الحيطان ، وكنا حيارى من سبب ذلك ، إلى أن بلغنا الخبر عن هذه النار ، وكل من ذكر هذه النار يقول في آخر كلامه : وعجائب هذه النار وعظمتها يكلّ(٢) عن وصفها البنان والأقلام ، وتجل عن أن يحيط بشرحها البيان والكلام ؛ فظهر بظهورها معجزة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لوقوع ما أخبر به وهي هذه النار ؛ إذ لم تظهر من زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قبلها ولا بعدها نار مثلها.

هل رؤيت النار ببصرى

وقال القسطلاني : إن جاء من أخبر برؤيتها ببصرى فلا كلام ، وإلا فيحتمل أن يكون ذكر ذلك في الحديث على وجه المبالغة في ظهورها ، وأنها بحيث ترى ، وقد جاء من أخبر أنه أبصرها بتيماء ، وبصرى منها مثل ما هي من المدينة في البعد.

قلت : قد تقدم عن القرطبي أنه بلغه أنها رئيت من جبال بصرى ، وصرح الشيخ عماد الدين بن كثير بما يقتضي أنه أضاءت من هذه النار أعناق الإبل ببصرى ، فقال : أخبرني قاضي القضاة صدر الدين الحنفي قال : أخبرني والدي الشيخ صفي الدين مدرس مدرسة

__________________

(١) القيعان : (ج) قاع ، أرض سهلة مستوية مطمئنة عما يحيط بها من الجبال والآكام ، تنصبّ إليها مياه الأمطار فتمسكها ثم تنبت العشب.

(٢) كلّ : كلولا وكلالة : ضعف وعجز.


بصرى أنه أخبره غير واحد من الأعراب صبيحة الليلة التي ظهرت فيها هذه النار ممن كان يحاضره ببلد بصرى أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء تلك النار ، فقد تحقق بذلك أنها الموعود بها ، والحكمة في إنارتها بالأماكن البعيدة من هذا المظهر الشريف حصول الإنذار ، ليتم به الانزجار ، كما اتفق لأهل المدينة ، وفي هذا المعنى يقول قائلهم :

يا كاشف الضّرّ صفحا عن جرائمنا

لقد أحاطت بنا يا ربّ بأساء

نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها

حملا ونحن بها حقا أحقّاء(١)

زلازلا تخشع الصّمّ الصّلاب لها

وكيف تقوى على الزلزال شمّاء(٢)

أقام سبعا يرجّ الأرض فانصدعت

عن منظر منه عين الشمس عشواء

بحر من النار تجري فوقه سفن

من الهضاب لها في الأرض إرساء

ترمي لها شررا كالقصر طائشة

كأنها ديمة تنصبّ هطلاء

تنشقّ منها بيوت الصخر إن زفرت

رعبا ، وترعد مثل السعف أضواء

منها تكاثف في الجو الدخان إلى

أن عادت الشمس منه وهي دهماء

قد أثرت سعفة في البدر لفحتها

فليلة التم بعد النور عمياء

تحدت النيرات السبع ألسنها

بما تلاقي بها تحت الثرى الماء

وقد أحاط لظاها بالبروج إلى

أن صار يلفحها بالأرض أهواء

فباسمك الأعظم المكنون إن عظمت

منا الذنوب وساء القلب أسواء

فاسمح وهب وتفضل بالرضى كرما

وارحم فكلّ لفرط الجهل خطّاء

فقوم يونس لما آمنوا كشف الت

عذيب عنهم وعمّ القوم نعماء

ونحن أمة هذا المصطفى ، ولنا

منه إلى عفوك المرجو دعّاء

هذا الرسول الذي لولاه ما سلكت

محجة في سبيل الله بيضاء

فارحم وصلّ على المختار ما خطبت

على علا منبر الأوراق ورقاء

مبدأ ظهور النار

قال المؤرخون : وكان ظهور هذه النار من صدر واد يقال له وادي الأحيليين وقال البدر بن فرحون : إنها سالت في وادي أحيليين ، وموضعها شرقي المدينة على طريق السوارقية مسيرة من الصبح إلى الظهر.

قال القطب القسطلاني : ظهرت في جهة المشرق على مرحلة متوسطة من المدينة في

__________________

(١) الحقيق : الحريص.

(٢) الشماء : المراد بها الجبال أو المكان المرتفع.


موضع يقال له قارع الهيلاء على قرب من مساكن قريظة شرقي قباء ، فهي بين قريظة وموضع يقال له أحيليين ، فثارت من هذا القاع ، ثم امتدت فيه آخذة في الشرق إلى قريب من أحيليين ، ثم عرجت واستقبلت الشام سائلة إلى أن وصلت إلى موضع يقال له قرين الأرنب بقرب من أحد ، فوقفت وانطفت وانصرفت ، انتهى.

من فوائد هذه النار

قال المؤرخون : واستمرت هذه النار مدة ظهورها تأكل الأحجار والجبال ، وتسيل سيلا ذريعا في واد يكون طوله مقدار أربعة فراسخ وعرضه أربعة أميال وعمقه قامة ونصف ، وهي تجري على وجه الأرض والصخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك(١) ، فإذا خمد اسودّ بعد أن كان أحمر ، ولم يزل يجتمع من هذه الحجارة المذابة في آخر الوادي عند منتهى الحرة حتى قطعت في وسط وادي الشظاة إلى جهة جبل وعيرة ، فسدت الوادي المذكور بسد عظيم من الحجر المسبوك بالنار ولا كسد ذي القرنين ، يعجز عن وصفه الواصف ، ولا مسلك لإنسان فيه ولا دابة.

قلت : وهذا من فوائد إرسال هذه النار ؛ فإن تلك الجهة كثيرا ما يطرق منها المفسدون لكثرة الأعراب بها ؛ فصار السلوك إلى المدينة متعسّرا عليهم جدّا.

قال القسطلاني : أخبرني جمع ممن أركن إلى قولهم إن النار تركت على الأرض من الحجر ارتفاع رمح طويل على الأرض الأصلية.

قال المؤرّخون : وانقطع وادي الشظاة بسبب ذلك ، وصار السيل إذا سال ينحبس خلف السد المذكور حتى يصير بحرا مد البصر عرضا وطولا ، فانخرق من تحته في سنة تسعين وستمائة لتكاثر الماء من خلفه ، فجرى في الوادي المذكور سنتين كاملتين ، أما السنة الأولى فكان قد ملأ ما بين جانبي الوادي ، وأما الثانية فدون ذلك ، ثم انخرق مرة أخرى في العشر الأول بعد السبعمائة فجرى سنة كاملة أو أزيد ، ثم انخرق في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة وكان ذلك بعد تواتر أمطار عظيمة في الحجاز ، فكثر الماء وعلا من جانبي السد ومن دونه مما يلي جبل وعيرة وتلك النواحي ، فجاء سيل طام لا يوصف ، ولو زاد مقدار ذراع في الارتفاع وصل إلى المدينة ، وكان أهل المدينة يقفون خارج باب البقيع على التل الذي هناك فيشاهدونه ويسمعون خريرا توجل القلوب دونه ، فسبحان القادر على ما يشاء!

__________________

(١) الآنك : الرصاص.


النذر الحادثة في عام النار والذي يليه

ومن العجائب أن في السنة التي ظهرت فيها هذه النار احترق المسجد الشريف النبوي بعد انطفائها كما سيأتي ، وزادت دجلة زيادة عظيمة فغرق أكثر بغداد وتهدمت دار الوزير ، وكان ذلك إنذارا لهم ، وليتهم اتعظوا.

ثم في أول السنة التي تلي هذه السنة وقعت الطامة الكبرى ، وهي أخذ التتار لبغداد وقتل الخليفة المستعصم وبعده المسلمون ، وبذل السيف ببغداد نيفا وثلاثين يوما ، وأخرجت الكتب فألقيت تحت أرجل الدواب ، وشوهد بالمدرسة المستنصرية معالف الدواب مبنية بالكتب موضع اللبن(١) ، وخلت بغداد من أهلها ، واستولى عليها الحريق على ما ذكره سعيد الذهلي ، واحترقت دار الخلافة ، وعم الحريق أكثر الأماكن حتى القصور البرانية وترب الرصافة مدفن ولاة الخلافة ، وشوهد على بعض حيطان منها مكتوب :

إن ترد عبرة فهذا بنو

العباس دارت عليهم الدائرات

استبيح الحريم إذ قتل الأحي

اء منهم وأحرق الأموات

ثم كثر الموت والفناء ببغداد ، وطوى بساط الخلافة منها من ذلك الزمان ، فلله الخلق والأمر!

وقد نظم بعضهم خروج هذه النار وغرق بغداد ، وأصلحه أبو شامة منبها على أن الأمرين في سنة بقوله :

سبحان من أصبحت مشيئته

جارية في الورى بمقدار

في سنة أغرق العراق ، وقد

أحرق أرض الحجاز بالنار

بعض ما يناسب هذه النار

قال المجد : ومما يناسب هذه النار ويضاهيها ما حكاه ابن جبير أنه رأى من أخبره أن في بحر رومية جزيرتين يخرج منهما النار دائما ، قال : وأبصرنا الدخان صاعدا منهما ، وتظهر بالليل نار حمراء ذات ألسن تصعد في الجو ، قال : وأعلمنا أن خروجها من جبلين يصعد منهما نفس ناري شديد ، وربما قذف فيها الحجر فتلقى به مسودا إلى الهواء بقوة ذلك النفس ، وتمنعه من الانتهاء إلى القعر ، قال : وأما الجبل الشامخ الذي بالجزيرة المعروف بجبل النار فشأنه أيضا عجيب ، وذلك أن نارا تخرج منه في بعض السنين كالسيل

__________________

(١) اللّبن : المضروب من الطين النيئ يا بنى به دون أن يطبخ.


العرم ؛ فلا تمر بشيء إلا أحرقته ، حتى تنتهي إلى البحر فتركب ثبجه(١) طائرة على صفحته حتى تغوص فيه.

شأن خالد بن سنان العبسي

قلت : وأقرب من ذلك في مناسبة هذه النار ما ذكره ابن شبة في أخبار المدينة ـ عند ذكر خالد بن سنان العبسي الذي قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما جاءته بنته «هذه ابنة نبي ضيعه قومه» ـ فروى ابن شبة في خبره من طرق ما ملخصه أنه كان بأرض الحجاز نار يقال لها نار الحدثان (حرة بأرض بني عبس) تعشى الإبل(٢) بضوئها من مسيرة ثماني ليال ، وربما خرج منها العنق فذهب في الأرض فلا يبقي شيئا إلا أكله ، ثم يرجع حتى يعود إلى مكانه ، وإن الله تعالى أرسل إليها خالد بن سنان ، فقال لقومه : يا قوم ، إن الله أمرني أن أطفئ هذه النار التي قد أضرت بكم فليقم معي من كل بطن رجل ، فخرج بهم حتى انتهى إلى النار فخط عليهم خطا ثم قال : إياكم أن يخرج أحد منكم من هذا الخط فيحترق ، ولا ينوهن باسمي فأهلك ، وجعل يضرب النار ويقول : بدا بدا(٣) كل هدي لله مودا ، حتى عادت من حيث جاءت ، وخرج يتبعها حتى ألجأها في بئر في وسط الحرة منها تخرج النار ، فانحدر فيها خالد. وفي درة الغواص : فإذا هو بكلاب تحتها فرضهن بالحجارة ، وضرب النار حتى أطفأها الله على يده ، ومعهم ابن عم له ، فجعل يقول : هلك خالد ، فخرج وعليه بردان ينطفان(٤) من العرق وهو يقول : كذب ابن رايعة المعزى لأخرجنّ منها وثيابي تندى ، فسموا بني ذلك الرجل «بني راعية المعزى» إلى اليوم ، وفي رواية أن قومه سالت عليهم نار من حرة النار في ناحية خبير ، والناس في وسطها ، وهي تأتي من ناحيتين جميعا ، فخافها الناس خوفا شديدا. وفي رواية : وهي تخرج من شق جبل من حرة يقال لها حرة أشجع ، فقال لهم خالد بن سنان : ابعثوا معي إنسانا حتى أطفئها من أصلها ، فخرج معه راعي غنم ، وهو ابن راعية ، حتى جاء غارا تخرج منه النار. وفي رواية : أنها كانت تخرج من بئر ، ثم قال خالد للراعي : أمسك ثوبي ، ثم دخل في الغار ، وفي رواية : أنه انطلق في ناس من قومه حتى أتوها ، وقال لهم : إن أبطأت عنكم فلا تدعوني باسمي ، فخرجت كأنها خيل شقر يتبع بعضها بعضا ، فاستقبلها خالد فجعل يضربها بعصاه ويقول :هديا هديا ، كل نهب مودى ، زعم ابن راعية المعزى ، أني لا أخرج منها وثيابي تندى ،

__________________

(١) ثبج البحر : وسطه (ج) أثباج وثبوج.

(٢) عشا بصره : ساء بصره ليلا.

(٣) بدا بدا : تبدّدي وتفرّقي.

(٤) نطف ـ نطفانا : جهد حتى نطف عرقه.


حتى دخل معها الشعب ، فأبطأ عليهم ، فقال بعضهم : لو كان حيّا لخرج إليكم ، فقالوا : إنه قد نهاها أن ندعوه باسمه ، قال : ادعوه باسمه ، فو الله لو كان حيّا لخرج إليكم بعد ، فدعوه باسمه ، فخرج وهو آخذ برأسه ؛ فقال : ألم أنهكم أن تدعوني باسمي؟ قد والله قتلتموني ، احملوني وادفنوني ، فإذا مرت بكم حمر معها حمار أبتر ، وفي رواية فإذا دفنتموني وأتى عليّ ثلاثة أيام فأتوا قبري ، فإذا عرضت لكم عانة(١) من حمر وحش وبين يديها عير فانبشوني فإني أقوم فأخبركم ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فأتوا القبر بعد ثلاث وسنحت لهم الحمر ، فأرادوا نبشه ، فمنعهم قوم من أهل بيته ، وقالوا : لا ندعكم تنبشون صاحبنا فنعير بذلك ، وفي رواية : فيكون سبة علينا ، فتركوه.

وفي رواية لابن القعقاع بن خليد العبسي عن أبيه عن جده ، قال : بعث الله خالد بن سنان نبيا إلى بني عبس ، فدعاهم فكذبوه ، فقال قيس بن زهير : إن دعوت فأسيل علينا هذه الحرة نارا اتبعناك ؛ فإنك تخوفنا بالنار ، وإن لم تسل نارا كذبناك ، قال : فذلك بيني وبينكم؟

قالوا : نعم ، قال : فتوضأ ثم قال : اللهم إن قومي كذّبوني ولم يؤمنوا برسالتي إلا أن تسيل عليهم هذه الحرة نارا ، فأسلها عليهم نارا ، قال : فطلع مثل رأس الحريش(٢) ، ثم عظمت حتى عرضت أكثر من ميل ، فسالت عليهم ، فقالوا : يا خالد ارددها فإنا مؤمنون بك ، فتناول عصا ثم استقبلها بعد ثلاث ليال فدخل فيها فضربها بالعصا ، فلم يزل يضربها حتى رجعت ، قال : فرأيتنا نعشى الإبل على ضوء نارها ضلعا الربذة وبين ذلك ثلاث ليال.

قف على كرامة لتميم الداري

وروى له ابن شبة أخبارا أخرى مع قومه ، وروى البيهقي في دلائل النبوة في باب «ما جاء في الكرامة التي ظهرت على تميم الداري شرفا للمصطفىصلى‌الله‌عليه‌وسلم وتنويها باسم من آمن به ، عن معاوية بن حرمل ، وذكر خبرا في قدومه المدينة ، وقول عمر له : اذهب إلى خير المؤمنين فانزل عليه ، ثم قال : فبينا نحن ذات يوم إذ خرجت نار بالحرة ، فجاء عمررضي‌الله‌عنه إلى تميم الداريرضي‌الله‌عنه ، فقال : قم إلى هذه النار ، فقال : يا أمير المؤمنين ومن أنا؟ قال : فلم يزل به حتى قام معه ، قال : وتبعتهما فانطلقا إلى النار ، فجعل تميم يحوشها(٣) بيده حتى دخلت الشعب ، ودخل تميم خلفها ، فجعل عمر يقول : ليس من رأى كمن لم ير ، قالها ثلاثا ، والله أعلم.

__________________

(١) العانة : القطيع من حمر الوحش. العير : الحمار.

(٢) الحريش : جنس حيوانات من كثيرات الأرجل الشفوية.

(٣) حاش ـ الدواب ـ حوشا : ساقها وجمعها.


الباب الثالث

في أخبار سكانها في سالف الزمان ، ومقدمهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إليها ،

وما كان من أمره بها في سنين الهجرة ، وفيه اثنا عشر فصلا

الفصل الأول

في سكانها بعد الطوفان ، وما ذكر في سبب نزول اليهود بها ، وبيان منازلهم

نزول عبيل بيثرب

أسند الكلبي عن ابن عباس أن مخرج الناس من السفينة نزلوا طرف بابل ، وكانوا ثمانين نفسا ، فسمى الموضع سوق الثمانين ، قال : وطول بابل مسيرة عشرة أيام واثني عشر فرسخا ، فمكثوا بها حتى كثروا ، وصار ملكهم نمروذ بن كنعان بن حام ، فلما كفروا بلبلوا ، فتفرقت ألسنتهم على اثنين وسبعين لسانا ، ففهّم الله العربية منهم عمليق وطسم ابني لوذا بن سام ، وعادا وعبيل ابني عوص بن أرم بن سام ، وثمود وجديس ابني جاثق بن أرم بن سام ، وقنطور بن عابر بن شالخ بن أرفحشذ بن سام ، فنزلت عبيل يثرب ، ويثرب اسم ابن عبيل ، ثم أخرجوا منها فنزلوا الجحفة ، فجاءهم سيل أجحفهم فيه ، فلهذا سميت جحفة ، فرثاهم رجل منهم فقال :

عين جودي على عبيل وهل ير

جع من فات بيضها بالسحام؟

عمروا يثربا وليس بها شف

ر ولا صارخ ولا ذو سنام

غرسوا لينها بمجرى معين

ثم حفوا النخيل بالآجام

أول من سكن يثرب

وقال أبو القاسم الزجاجي : أول من سكن المدينة عند التفرق يثرب بن قاينة ابن مهلائيل بن أرم بن عبيل بن عوص بن أرم بن سام بن نوحعليه‌السلام ، وبه سميت يثرب ، وروي عن ابن عباس ما يدل له.

سكنى العماليق المدينة

وقال ياقوت : كان أول من زرع بالمدينة ، واتخذ بها النخل ، وعمر بها الدور والآطام ، واتخذ بها الضياع ، العماليق ، وهم بنو عملاق بن أرفخشذ بن سام بن نوح ،


وكانت العماليق ممن انبسط في البلاد ، فأخذوا ما بين البحرين وعمان والحجاز كله إلى الشام ومصر ، وجبابرة الشام وفراعنة مصر منهم ، وكان منهم بالبحرين وعمان أمة يسمون جاسم ، وكان ساكن المدينة منهم بنو هف وبنو مطرويل ، وكان ملكهم بالحجاز الأرقم بن أبي الأرقم.

وأسند ابن زبالة عن زيد بن أسلم أن ضبعا رؤيت وأولادها رابضة في حجاج عين رجل من العماليق ـ والحجاج ، بكسر أوله وفتحه : العظم الذي ينبت عليه الحاجب ـ قال زيد بن أسلم : وكان تمضي أربعمائة سنة وما يسمع بجنازة.

قوم من اليهود ينزلون المدينة

وأسند رزين عن أبي المنذر الشرقي قال : سمعت حديث تأسيس المدينة من سليمان بن عبيد الله بن حنظلة الغسيل ، قال : وسمعت أيضا بعض ذلك من رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عمار بن ياسر ، قال : فجمعت حديثهما لكثرة اتفاقه وقلة اختلافه ، قالا : بلغنا أنه لما حج موسى صلوات الله عليه حج معه أناس من بني إسرائيل ، فلما كان في انصرافهم أتوا على المدينة ، فرأوا موضعها صفة بلد نبي يجدون وصفه في التوراة بأنه خاتم النبيّين ، فاشتورت طائفة منهم على أن يتخلفوا به ، فنزلوا في موضع بني قينقاع ، ثم تألفت إليهم أناس من العرب فرجعوا على دينهم ، فكانوا أول من سكن موضع المدينة.

وذكر بعض أهل التواريخ أن قوما من العمالقة سكنوه قبلهم ، قلت : وهو الأرجح.

داود النبي يغزو سكان المدينة

وأسند ابن زبالة مصدّرا به كتابة في بدء من سكنها عن مشيخة من أهل المدينة قالوا : كان ساكن المدينة في سالف الزمان صعل وفالج ، فغزاهم داود النبي عليه الصلاة والسلام ، وأخذ منهم مائة ألف عذراء ، قالوا : وسلط الله عليهم الدود في أعناقهم فهلكوا ، فقبورهم هذه التي في السهل والجبل ، وهي التي بناحية الجرف ، وبقيت امرأة منهم تعرف بزهرة ، وكانت تسكن بها ، فاكترت من رجل وأرادت الخروج إلى بعض تلك البلاد ، فلما دنت لتركب غشيها الدود ، فقيل لها : إنا لنرى دودا يغشاك ، فقالت : بهذا هلك قومي ، ثم قالت : ربّ جسد مصون ، ومال مدفون ، بين زهرة ورانون ، قالوا : وقتلها الدود.


قلت : وداود بعد موسىعليهما‌السلام ، وكان يدعو إلى شريعته.

وقد عبّر ابن النجار عما سبق بقوله : قال أهل السير : أول من نزل المدينة بعد غرق قوم نوح قوم يقال لهم صعل وفالج ، وذكر قصة داود ملخصة ، ثم قال : قالوا : وكان قوم من الأمم يقال لهم : بنو هف وبنو مطر وبنو الأزرق فيما بين مخيض إلى غراب الضائلة إلى القصاصين إلى طرف أحد ؛ فتلك آثارهم هنالك.

وروى ابن زبالة عند ذكر جماء أم خالد بوادي العقيق عن عثمان بن عبد الرحمن قال : وجد قبر في الجماء عليه حجر مكتوب فيه فهبط بالحجر فقرأه رجل من أهل اليمن ، فإذا فيه : أنا عبد الله رسول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سليمان بن داود إلى أهل يثرب ، وأنا يومئذ على الشمال.

وروى أيضا عن عمر بن سليم الزرقي قال : رقينا الجماء فوجدنا قبرا إرميا على رأسها عنده حجران مكتوبان لا تقرأ كتابتهما ، فحملناهما ، فثقل علينا أحدهما فرميناه في الجماء ، وأخذت الآخر ، فكان عندي ، فعرضته على أهل التوراة من يهود فلم يعرفوه ، ثم عرضته على أهل الإنجيل من النصارى فلم يعرفوه ، فأقام عندي حتى دخل المدينة رجلان من أهل ماه ، فسألتهما : هل كان لكم كتاب؟ قالا : نعم ، فأخرجت إليهما الحجر ، فقرآه فإذا فيه : أنا عبد الله الأسود رسول رسول الله عيسى بن مريم إلى أهل قرى عرينة ، وقالا : نحن كنا أهل هذه القرية في أس(١) الدهر ، وسيأتي بقية ما جاء في ذلك في رابع فصول الباب السابع.

مهلك العماليق بالحجاز

وأسند ابن زبالة أيضا عن عروة بن الزبير قال : كانت العماليق قد انتشروا في البلاد ، فسكنوا مكة والمدينة والحجاز كله ، وعتوا عتوّا كبيرا ، فلما أظهر الله موسىعليه‌السلام على فرعون وطئ الشام وأهلك من بها ، يعني من الكنعانيين وقيل : بعث إليهم بعثا ، فأهلك من كان بها منهم ، ثم بعث بعثا آخر إلى الحجاز للعماليق ، وأمرهم أن لا يستبقوا أحدا منهم بلغ الحلم ، فقدموا عليهم ، فأظهرهم الله فقتلوهم ، حتى انتهوا إلى ملكهم الأرقم بن أبي الأرقم فقتلوه ، وأصابوا ابنا له ـ وكان شابا من أحسن الناس ـ فضنوا به عن القتل ، وقالوا : نستحييه حتى نقدم به على نبي الله موسىعليه‌السلام فيرى فيه رأيه ، فأقبلوا وهو معهم ، فقبض الله موسى قبل قدوم الجيش ، فلما سمع بهم الناس تلقوهم فسألوهم فأخبروهم بالفتح ، وقالوا : لم نستبق منهم إلا هذا الفتى ، فإنا لم نر شابا أحسن

__________________

(١) الأس : الأساس. و ـ من الدهر : قدمه.


منه ، فتركناه حتى نقدم به على نبي الله موسىعليه‌السلام فيرى فيه رأيه ، فقالت لهم بنو إسرائيل : إن هذه لمعصية منكم لما خالفتم أمر نبيكم ، لا والله لا تدخلون علينا بلادنا أبدا ، فقال الجيش : ما بلد إذ منعتم بلادكم بخير من البلد الذي خرجتم منه ، وكان الحجاز إذ ذاك أشجر بلاد الله وأظهره ماء ، قال : وكان هذا أول سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق.

سبب نزول اليهود المدينة

وفي الروض الأنف عن أبي الفرج الأصبهاني أن السبب في كون اليهود بالمدينة ـ وهي وسط أرض العرب ـ أن بني إسرائيل كانت تغير عليهم العماليق من أرض الحجاز ، وكانت منازلهم يثرب والجحفة إلى مكة ، فشكت بنو إسرائيل ذلك إلى موسى ، فوجه إليهم جيشا ، وذكر نحو ما تقدم ، ثم قال : وأصح من هذا ما ذكره الطبري أن نزول بني إسرائيل بالحجاز كان حين وطئ بختنصر بلادهم بالشام وخرب بيت المقدس ، انتهى.

وحكى ابن النجار عن بعض العلماء أن سببه أن علماءهم كانوا يجدون صفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في التوراة ، وأنه يهاجر إلى بلد فيه نخل بين حرتين ، فأقبلوا من الشام يطلبون الصفة ، فلما رأوا تيماء وفيها النخل نزلها طائفة منهم ، وظن طائفة أنها خيبر فنزلوها ، ومضى أشرفهم وأكثرهم فلما رأوا يثرب سبخة وحرة وفيها النخل قالوا : هذه البلد التي تكون مهاجر النبي العربي عليه الصلاة والسلام ، فنزل النضير بطحان ، ثم حكى ما سيأتي من نزول قريظة والنضير بمذينيب ومهزور.

وحكى ياقوت عن بعض علماء الحجاز من يهود أن سبب نزولهم الحجاز أن ملك الروم حين ظهر على بني إسرائيل وملك الشام خطب إلى بني هرون ، وفي دينهم أن لا يزوجوا النصارى ، فخافوه وأنعموا له ، وسألوه أن يشرفهم بإتيانه إليهم ، فأتاهم ، ففتكوا به وبمن معه ، ثم هربوا حتى لحقوا بالحجاز فأقاموا بها ، وزعم بنو قريظة أن الروم لما غلبوا على الشام خرج قريظة والنضير وهدل هاربين من الشام يريدون من كان بالحجاز من بني إسرائيل ، فوجه ملك الروم في طلبهم ؛ فأعجزوا رسله ، وانتهى الرسل إلى ثمد(١) بين الحجاز والشام فماتوا عنده عطشا ، فسمي الموضع «ثمد الروم» وهو معروف بذلك ، والله أعلم أي ذلك كان.

وروى بعض أهل السير عن أبي هريرةرضي‌الله‌عنه ، قال : بلغني أن بني إسرائيل لما أصابهم ما أصابهم من ظهور بخت نصر عليهم وفرقتهم وذلتهم تفرقوا ، وكانوا يجدون

__________________

(١) الثمد : الماء القليل الذي ليس له مدد. و ـ المكان يجتمع فيه الماء.


محمداصلى‌الله‌عليه‌وسلم منعوتا في كتابهم ، وأنه يظهر في بعض هذه القرى العربية في قرية ذات نخل ، ولما خرجوا من أرض الشام كانوا يعبرون كل قرية من تلك القرى العربية بين الشام واليمن يجدون نعتها نعت يثرب ، فينزل بها طائفة منهم ، ويرجون أن يلقوا محمدا فيتبعونه ، حتى نزل من بني هرون ممن حمل التوراة بيثرب منهم طائفة ، فمات أولئك الآباء وهم يؤمنون بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه جاء ، ويحثون أبناءهم على اتباعه إذا جاء ، فأدركه من أبنائهم فكفروا به وهم يعرفونه : أي حسدا للأنصار حيث سبقوهم إليه.

وقال ابن زبالة عقب ما قدمناه عنه من عود الجيش من بني إسرائيل إلى الحجاز وسكناهم المدينة : فركحوا منها حيث شاءوا ـ أي : تفسحوا وتبوؤوا ـ فكان جميعهم بزهرة ، وكانت لهم الأموال بالسافلة ، وزهرة ثبرة ـ أي أرض سهلة بين الحرة والسافلة مما يلي القف ـ ونزل جمهورهم بمكان يقال له يثرب بمجتمع السيول مما يلي زغابة ، قالوا : وكانت يثرب سقيفة طويلة فيها بغايا يضرب إليهن من البلدان ، وكانوا يروحون في قرية يثرب ثمانين جملا جونا(١) سوى سائر الألوان.

ثم أسند عن محمد بن كعب القرظي أنه قال : وخرجت قريظة وإخوانهم بنو هدل وعمرو أبناء الخزرج بن الصريح بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوى بن جبر بن النحام بن عازر بن عيرز بن هرون بن عمرانعليه‌السلام والنضير بن النحام بن الخزرج بن الصريح بعد هؤلاء ، فتبعوا آثارهم ، فنزلوا بالعالية على واديين يقال لهما مذينيب ومهزور ، فنزلت بنو النضير على مذينيب واتخذوا عليه الأموال فكانوا أول من احتفر بها ـ أي بالعالية ـ الآبار وغرس الأموال ، قال : ونزل عليهم بعض قبائل العرب فكانوا معهم ، فاتخذوا الأموال ، وابتنوا الآطام والمنازل.

وأسند هو وابن شبة أيضا عن جابر مرفوعا : أقبل موسى وهارون حاجّين فمرا بالمدينة ، فخافا من يهود ، فخرجا مستخفيين ، فنزلا أحدا ، فغشى هارون الموت ، فقام موسى فحفر له ولحد ، ثم قال : يا أخي إنك تموت ، فقام هارون فدخل في لحده ، فقبض(٢) عليه موسى التراب.

__________________

(١) الجون : الأسود تخالطه الحمرة.

(٢) حثا عليه التراب : أهال عليه التراب.


قلت : وإسناد ابن شبة لا بأس به ، غير أن فيه رجلا لم يسمّ ، وسماه ابن زبالة ، وذلك المسمى لا بأس به أيضا ، لكن ابن زبالة لا يعتمد عليه في ذلك ، وهو دال على أن اليهود نزلوا المدينة في زمن موسىعليه‌السلام ، وطالت مدتهم بها في حياته ، حتى وقع منهم ما يقتضي خوفه منهم عند مروره ، وهو إنما يتأتى على ما قدمناه من أنه لما حج ومعه ناس من بني إسرائيل فرأوا موضع المدينة صفة بلد خاتم النبيين ، فاشتورت طائفة منهم على أن يتخلفوا به ، ويكون ما اتفق لموسى وهارونعليهما‌السلام في حجة أخرى بعد ذلك ، وسيأتي في مسجد عرق الظبية بالروحاء حديث «ولقد مر به موسى بن عمران حاجّا ومعتمرا في سبعين ألفا من بني إسرائيل» ومن الغريب ما نقل الحافظ ابن حجر عن كتاب الأنواء لعبد الملك بن يوسف قال : إن قريظة كانوا يزعمون أنهم من ذرية شعيب نبي اللهعليه‌السلام ، وإن ذلك محتمل ؛ فإن شعيبا كان من بني جذام القبيلة المشهورة ـ قال الحافظ ابن حجر : وهو بعيد جدّا ـ ونقل ابن زبالة ما حاصله : أن ممن كان من العرب مع يهود قبل الأنصار بنو أنيف حي من بلي ، ويقال : إنهم بقية من العماليق ، وبنو مريد حي من بلى ، وبنو معاوية بن الحارث بن بهثة بن سليم ، وبنو الجذماء حي من اليمن ، وكانت الآطام عزّ أهل المدينة ومنعتهم التي كانوا يتحصنون فيها من عدوهم ، وروى حديث النهي عن هدم آطام المدينة ، قال : وكان لبني أنيف بقباء : الأجش عند البئر التي يقال لها لاوة ، وأطمان فيما بين المال الذي يقال لها الماثة والمال الذي يقال له القائم ، وآطام عند بئر عذق وغيرها ، قال شاعرهم فيها :

ولو نطقت يوما قباء لخبرت

بأنّا نزلنا قبل عاد وتبّع

وآطامنا عاديّة مشمخرّة

تلوح فتنكى من نعادي وتمنع

بقايا اليهود بالمدينة

وكان ممن بقي من اليهود ـ حين نزلت عليهم الأوس والخزرج ـ جماعات منها بنو القصيص وبنو ناغصة كانوا مع بني أنيف بقباء ، وكان بقباء رجل من اليهود يقال «إنه من بني النضير» كان له أطم يقال له «عاصم» كان في دار ثوبة بن حسين بن السائب بن أبي لبابة ، وفيه البئر الذي يقال لها قباء ، وقيل : إن بني ناغصة حي من اليمن كانت منازلهم في شعب بني حرام حتى نقلهم عمر بن الخطاب إلى مسجد الفتح ، ومنها بنو قريظة في دارهم المعروفة بهم اليوم ، وكان لهم بها آطام : من ذلك أطم الزبير بن باطا القرظي ، كان موضعه في موضع مسجد بني قريظة ، وأطم كعب بن أسد يقال له بلحان بالمال الذي يقال له الشجر ، وله يقول الشاعر :

من سره رطب وماء بارد

فليأت أهل المجد من بلحان


وكان مع قريظة في دارهم إخوتهم بنو هدل وبنو عمرو المقدم ذكرهم ، وإنما سمي هدلا بهدل كان في شفته ، ومن ولده ثعلبة وأسد ابنا سعيّة وأسد بن عبيد ورفاعة بن سموأل وسخيت ومنبه ابنا هدل ، ومنها بنو النضير في النواعم ، ومنهم كعب بن الأشرف ، وكان لهم عامة أطم في المال الذي يقال له فاضجة ، وأطم في زقاق الحارث دبر قصر ابن هشام دون بني أمية بن زيد كان لعمر بن جحاش ، وأطم البويلة ، وغير ذلك ، هذا ما ذكره ابن زبالة.

ونقل ابن عساكر عن الواقدي أنه قال : كانت منازل بني النضير بناحية الغرس.

قلت : والظاهر أنهم كانوا بالنواعم ، وتمتد منازلهم وأموالهم إلى ناحية الغرس وإلى ناحية الصافية وما معها من صدقات النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبعض منازلهم كانت بجفاف ؛ لأن فاضجة به ، ورأيت بالحرة في شرقي النواعم آثار حصون وقرية بقرب مذينيب يظهر أنها من جملة منازلهم ، وأن ما في قبلة ذلك في شرقي العهن من منازل بني أمية بن زيد كما سيأتي ، ومنها بنو مريد في بني خطمة وناعمة إبراهيم بن هشام ، وكان لهم أطم يعرف بهم فيه بئر ، ومنها بنو معاوية في بني أمية بن زيد ، ومنها بنو ماسكة بقرب صدقة مروان بن الحكم مما يلي صدقة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وكان لهم الأطمان اللذان في القف في القرية ، ومنها بنو محمم في المكان الذي يقال له بنو محمم ، وكان لهم المال الذي يقال له خناقة ، معروف اليوم ، وكان رجل منهم قطع يد رجل في الجاهلية فقال المقطوع : أعطني خناقة عقلا بيدي ، فأبى ، وحفر للذي قطعه كوة في خناقة ، ثم أخرج يده منها من وراء الحائط وقال : اقطع ، فقطع يده ، فقال حين قطع يده :

الآن قد طابت ذرى خنافة

طابت فلا جوع ولا مخافة

ومنها بنو زعورا عند مشربة أم إبراهيم بن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولهم الأطم الذي عندها ، وكان الأطم الذي في مال جحاف لبعض من كان هناك من اليهود ، ومنها بنو زيد اللات ، قال ابن زبالة : وهم رهط عبد الله بن سلام ، كانوا قريبا من بني غصينة ، ومنها بنو قينقاع عند منتهى جسر بطحان مما يلي العالية ، وكان هناك سوق من أسواق المدينة ، وكان لهم الأطمان اللذان عند منقطع الجسر على يمينك وأنت ذاهب من المدينة إلى العالية إذا سلكت الجسر ، وغير ذلك ، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن بني قينقاع هم رهط عبد الله بن سلام ، خلاف ما تقدم عن ابن زبالة ، قال الحافظ ابن حجر : وهم من ذرية يوسف الصديقعليه‌السلام ، ومنها بنو حجر عند المشربة التي عند الجسر ، ولهم أطم يعرف بهم ، ومنها بنو ثعلبة وأهل زهرة بزهرة ، وهم رهط الفطيون ، وهو ملكهم الذي كان يفتض نساء أهل المدينة قبل أن يدخلن على أزواجهن ، وكان لهم الأطمان اللذان على


طريق العريض حين يهبط من الحرة ، وكانت بزهرة جماع من اليهود وكانت من أعظم قرى المدينة ، وقد بادوا ، ومنها ناس كانوا بالجوانية ـ بفتح الجيم وتشديد الواو والياء المثناة من تحت : موضع بقرب أحد في شمالي المدينة كما سيأتي ـ ولهم أطمان صارا لبني حارثة بن الحارث وهما صرار والريان ، ولذلك يقول نهيك بن سياف :

لعل صرارا أن تعيش بياره

ويسمع بالريان تبنى مشاربه

وكانت بنو الحذماء المتقدم ذكرهم ـ وهم حي من اليمين ـ ما بين مقبرة بني عبد الأشهل وبين قصر ابن عراك ، ثم انتقلوا إلى راتج ، ومنها بنو عكوة في يماني بني حارثة ، ومنها بنو مرابة في شامي بني حارثة ، ولهم الأطم الذي يقال له الشبعان في ثمغ صدقة عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه ، ومنها ناس براتج ، وهو أطم سميت به الناحية ، وهو الذي يقول له قيس بن الخطيم :

ألا إن بين الشرعبيّ وراتج

ضرابا كتخديم السبال المعضد

ومنها ناس بالشوط والعنابس والوالج وزبالة إلى عين فاطمة حيث كان يطبخ الآجر لمسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم وكان لأهل الشوط الأطم الذي يقال له الشرعبي ، وهو الأطم الذي دون ذباب ، وقد صار لبني جشم بن الحارث بن الخزرج أي الأصغر يعني إخوة بني عبد الأشهل ، وكان لأهل الوالج أطم بطرفه مما يلي قناة ، وكان لبعض من هناك من اليهود الأطمان اللذان يقال لهما الشيخان بمفضاهما المسجد الذي صلّى فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين سار إلى أحد ، وكان لأهل زبالة الأطمان عند كومة أبي الحمراء الرابض والذي دونهما ، ومنها أهل يثرب ، وكانوا جماعا من اليهود بها وقد بادوا فلم يبق منهم أحد.

قلت : ونقل رزين عن الشرقي أن يهود كانوا نيفا وعشرين قبيلة ، وقال ابن النجار : إن آطامهم كانت تسعة خمسين أطما ، وللعرب النازلين عليهم قبل الأنصار ثلاثة عشر أطما ، وقد ذكر ابن زبالة أسماء كثير منها حذفناه لعدم معرفته في زماننا.

فهذا علم من سكن المدينة بعد الطوفان إلى قدوم الأوس والخزرج.

الفصل الثاني

في سبب سكنى الأنصار بها

قصة مأرب وسيل العرم غسان

نقل ابن زبالة وغيره أن اليهود لم تزل هي الغالبة بالمدينة ، الظاهرة عليها ، حتى كان من أمر سيل العرم ما كان وما قص الله من قصته في مائه يعني قصة أهل مأرب ، ومأرب مهموز : أرض سبأ المعنية بقوله تعالى :( بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ) [سبأ : ١٥] عن ابن عباس أنها كانت أخصب البلاد وأطيبها ، تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل فتعمل بيديها أي بمغزلها وتسير


بين ذلك الشجر ، فيمتلئ مما يتساقط فيه من الثمر ، فطغوا ، وقيل : بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيّا يدعونهم إلى الله ، ويذكرونهم نعمة الله عليهم ، فكذبوهم ، وقالوا : ما نعرف لله نعمة ، قال المسعودي : وكان طول بلدهم أكثر من شهرين للراكب المجد ، وكذلك عرضها ، وكان أهلها في غاية الكثرة مع اجتماع الكلمة والقوة ، وكانوا كما قص الله من خبرهم بقوله :( وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها ) يعني : قرى الشام( قُرىً ظاهِرَةً ) [سبأ : ١٨] يعني متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها ، فكانوا آمنين في بلادهم ، تخرج المرأة لا تتزود شيئا ، تبيت في قرية ، وتقيل في أخرى حتى تأتي الشام ، فقالوا :( رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا ) [سبأ : ١٩] لأنهم بطروا النعمة وملوها ، وقالوا : لو كان جني جناتنا أبعد كان أجدر أن نشتهيه ، وتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزودوا الأزواد ، فجعل الله لهم الإجابة كما قال :( فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ) [سبأ : ١٩] وعن الضحاك أنهم كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، فسلط عليهم سيل العرم ، قيل : العرم : المطر الشديد ، وقيل : جرذ أعمى فنقب عليهم السد ، وكان فرسخا في فرسخ بناه لقمان الأكبر العادي ، وكان بناه للدهر على زعمه ، وكان يجتمع إليه مياه اليمن ثم تتفرق في مجاري على قدر حاجة جنانهم ، وقيل : بناه سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، وساق إليه سبعين واديا ، ومات قبل أن يكمله فأكمله بعده ملوك حمير ، وكان أولاد حمير بن سبأ وأولاد كهلان بن سبأ سادة اليمن في ذلك الزمان ، وكان كبيرهم وسيدهم جد الأنصار عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد ، ويقال : الأسد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، ذكر نسبه كذلك ابن هشام وابن حزم وابن الكلبي فيما نقله عنه ابن عبد البر ، ونقل غيره عنه أنه جعل ثعلبة بين حارثة وبين امرئ القيس ، وكانت الأنصار تقول : سمى عمرو مزيقياء لأنه كان يلبس في كل يوم حلتين ثم يمزقهما لئلا يلبسهما أحد بعده ، وقيل لأبيه «ماء السماء» لجوده وقيامه عند الجدب مقام الغيث ، وكان لعمرو مزيقياء أخ كاهن لم يعقب يسمى عمران ، وكانت زوجة عمرو مزيقياء يقال لها طريفة من حمير ، وكانت كاهنة ، فولدت له ثلاثة عشر رجلا ، ولدت ثعلبة وهو الذي أخرج جرهم من مكة هو وأخواته ، ومن انخرع معه من الأزد على ما نقله رزين ، ونقل أن والد ثعلبة ـ وهو عمرو بن عامر ـ توفي قبل


غلبة ثعلبة لجرهم ، وثعلبة أبو الأوس والخزرج ، وولدت له أيضا حارثة والد خزاعة على ما سيأتي ، وقيل : غير ذلك ، وولدت له أيضا جفنة والد غسان ، سموا باسم ماء نزلوا عليه يقال له : غسان ، والأشهر أنهم بنو مازن بن الأزد بن الغوث ، وولدت له أيضا وداعة ، وأبا حارثة ، والحارث ، وعوفا ، وكعبا ، ومالكا ، وعمران ، هؤلاء أعقبوا كلهم ، والثلاثة الباقون لم يعقبوا.

غسان

وقال ابن حزم : إن غسان هم بنو الحارث وجفنة ومالك وكعب بني عمرو مزيقياء ، شربوا كلهم من ماء غسان ، بخلاف بقية ولد عمرو مزيقياء فلم يشربوا من ذلك الماء ، فليسوا غسان ، وكان لعمرو بن عامر بمأرب من القصور والأموال ما لم يكن لأحد.

أول خبر سيل العرم

ونقل رزين أنه كان أول شيء وقع بمأرب من أمر سيل العرم أن عمران بن عامر رأى في كهانته أن قومه سيمزقون ويباعد بين أسفارهم ، وأن بلادهم ستخرب ، فذكر ذلك لأخيه عمرو بن عامر ؛ فكان بين التصديق والتكذيب ، فبينا طريفة امرأته ذات يوم نائمة إذ رأت فيما يرى النائم أن سحابة غشيت أرضهم فأرعدت وأبرقت ، فذعرت ذعرا شديدا ، فسكّنوها ، فقالت : يا عمرو بن عامر ، الذي رأيت في الغيم ، أذهب عني النوم ، رأيت غيما أرعد وأبرق ، طويلا ثم أصعق ، فما وقع على شيء إلا احترق ؛ فما بعده إلا الفرق(١) ، فلما رأوا ما بها خفضوها(٢) حتى سكنت ، ثم إن عمرو بن عامر دخل حديقة ومعه جاريتان له ، فبلغ ذلك طريفة خرجت نحوه ، فلما خرجت من بيتها عارضها ثلاث مناجذ ـ وهي دواب تشبه اليرابيع ـ منتصبات على أرجلهن واضعات أيديهن على أعينهن ، فلما رأتهن طريفة وضعت يدها على عينها وقعدت على الأرض ، فلما ذهبت المناجذ خرجت مسرعة ، فلما عارضها خليج الحديقة التي فيها عمرو وثبت من الماء سلحفاة فوقعت في الطريق على ظهرها ، وجعلت تروم(٣) الانقلاب وتستعين بيدها فلا تستطيع ، فتحذف التراب على نفسها ، وتقذف بالبول من تحتها ، فلما رأت طريفة ذلك جلست على الأرض حتى عادت السلحفاة إلى الماء ، ثم مضت طريفة حتى دخلت الحديقة التي فيها عمرو بن عامر حين انتصف النهار في ساعة شديد حرها ، وإذا الشجرة من غير ريح تتكفأ ،

__________________

(١) الفرق : الجزع وشدة الخوف.

(٢) خفضوها : سكّنوا قلبها وهدّؤوا روعها.

(٣) رام الشيء ـ روما ومراما : طلبه.


فمرت حتى دخلت على عمرو ، فلما رآها قال : هلمي يا طريفة ، فقالت : والنور والظلماء ، والأرض والسماء ، إن الماء لغائر ، وإن الشجر لهالك ، فقال عمرو : ومن أخبرك بذلك؟ قالت : أخبرتني المناجذ ، بسنين شدائد ، يقطع فيها الولد الوالد ، وسلحفاة تحذف بالتراب حذفا ، وتقذف بالبول قذفا ، ورأيت الشجر من غير ريح ولا مطر تكفأ ، قال : وما ترين ذلك؟ قالت : داهية وكيمة(١) ، وأمور جسيمة ، قال : أما إن كان ذلك فلك الويل. قالت : أجل وما لعمرو فيها من نيل ، مما يجيء به السيل ، فألقى بنفسه على الفراش وقال : ما هذا الذي تقولين إلا أمر جليل ، وخلف قليل ، وأخذ القليل خير من تركه ، قال عمرو : وما علامة ما تذكرين؟ قالت : إذا رأيت جرذا يكثر في السد الحفر ، ويقلب منه بيديه الصخر ، فاعلم أن قد وقع الأمر. فانطلق عمرو إلى السد ينظر فإذا جرذ يقلب بيديه ورجليه الصخرة ما يقلها خمسون رجلا من أسد ، فرجع إلى طريفة فأخبرها. ثم رأى عمرو رؤيا أنه لا بد من سيل العرم ، وقيل : إن آية ذلك أن ترى الحصى قد ظهر في شرب النخل ، فذهب فرأى ذلك ، فعرف أن ذلك واقع ، وأن بلادهم ستخرب ، فكتم ذلك وأخفاه ، وأجمع على أن يبيع كل شيء له بأرض سبأ ويخرج منها هو وولده ، فخشي أن يستنكر الناس ذلك ، فاحتال في الأمر ، فأمر بإبل فنحرت ، وبغنم فذبحت ، وصنع طعاما واسعا ، وبعث إلى أهل مأرب بأجمعهم ، وكان فيمن دعا يتيم كان رباه وأنكحه ، وقال له فيما بينه وبينه : إذا أنا جلست أطعم الناس فاجلس بجنبي ثم نازعني الحديث واردد عليّ مثل ما أقول لك ، وافعل بي مثل ما أفعل بك ، فكلمه عمرو في شيء ، فرد عليه ، فضرب عمرو وجهه وشتمه ، ففعل اليتيم به مثله ، فصاح عمرو : وا ذلاه ، اليوم ذهب فخر عمرو ومجده ، فحلف ليقتلنه ، فلم يزالوا به حتى تركه ، وقال : والله لا أقيم ببلدة صنع بي هذا فيه أبدا ، ولأبيعن أموالي كلها وأرحل عنكم ، فاغتنم الناس غضبه واشتروا منه أمواله ، فباع جميع عقاره ، وتبعه ناس من الأزد فباعوا أموالهم ، ولما كثر البيع استنكر الناس ذلك ، فأمسكوا ، فلما اجتمع عند عمرو بن عامر أثمان أمواله أخبر الناس بأمر سيل العرم ، فخرج من مأرب ناس كثير ، وأقام بها من قضي عليه بالهلاك ، هذا ما نقله رزين في تاريخه وقد اقتفيت أثره في ذلك في كتابي.

وذكر ابن هشام في سيرته نحوه ، وقال : إن الأسد ـ يعني الأزد ـ قالوا : لا نتخلف عن عمرو بن عامر ، فباعوا أموالهم وخرجوا معه ، وقيل : كانت طريفة زوجة ثعلبة ، وإنه صاحب القصة والمحتال في بيع ماله.

__________________

(١) وكيمة داهية : مصيبة محزنة.


وقال ياقوت : إن عمرو بن عامر مات قبل سيل العرم ، وصارت الرئاسة إلى أخيه عمران بن عامر الكاهن ، وكان عاقرا لا يولد له ، وإنه صاحب القصة مع طريفة الكاهنة ، وإنها أقبلت عليه يوما وقالت : والظلمة والضياء ، والأرض والسماء ، ليقبلن إليكم الماء ، كالبحر إذا طما ، فيدع أرضكم فلا يسفى عليها الصبا ، وذكر القصة ، وأنه احتال لبيع أمواله بأن قال لحارثة أحد أولاد أخيه عمرو بن عامر إذا اجتمع الناس إليّ فإني سآمرك بأمر فأظهر فيه العصيان فإذا ضربت رأسك بالعصا فقم إليّ والطمني ، فقال : وكيف يلطم الرجل عمه؟ فقال : افعل يا بني فإن في ذلك صلاحك وصلاح قومك ، وذكر القصة ، قال : فجاء بعد رحيلهم بمديدة السيل وقد خرب الجرذ السد فلم يجد مانعا ، فغرق البلاد حتى لم يبق من جميع الأرضين والكروم إلا ما كان في رءوس الجبال والأمكنة البعيدة مثل ذمار(١) وحضرموت وعدن ، وذهبت الضياع والحدائق والجنان ، وجاء السيل بالرمل وطمّها ، فمضى على ذلك إلى اليوم ، وباعد الله بين أسفارهم كما سألوا.

عمرو بن عامر يصف البلاد لقومه

ونقل رزين أن عمرو بن عامر الكاهن قال لهم عند خروجهم : سأصف لكم البلاد ، فقال : من كان منكم ذا همّ بعيد ، وجمل شديد ، ومراد حديد ، فليلحق بقصر عمان المشيد ؛ فسكنها أزدعمان. قال : ومن كان منكم ذا هم غير بعيد ، وجمل غير شديد ، ومراد غير حديد ؛ فليلحق بالشعب من كرود ـ وهي من أرض همدان ـ فكان الذين سكنوه وداعة بن عمرو بن عامر فانتسبوا في همدان. قال : ومن كان منكم ذا هم مدن ، وجمل معن ، فليلحق بالثنى من شن ، وهو بالسراة ، فسكنه أزدشنوءة. قال : ومن كان منكم ذا جلد وبصر ، وله صبر على أزمات الدهر ، فليلحق ببطن مر ، فسكنته خزاعة. قال : ومن كان منكم يريد الراسخات في الوحل ، المطعمات في المحل ، فليلحق بالحرة ذات النخل ؛ فكان الذين سكنوها الأوس والخزرج. قال : ومن كان يريد الخمر والخمير ، والديباج والحرير ، والأمر والتأمير ، فليلحق ببصرى وسدير ـ وهما من أرض الشام ـ فكان الذين سكنوه آل جفنة بن غسان. قال : ومن كان يريد الثياب الرقاق ، والخيول العتاق ، والكنوز من الأرزاق ، فليلحق بالعراق ؛ فكان الذين لحقوا بالعراق جذيمة الأبرش ومن كان بالحيرة من غسان.

قلت : وقيل : إن الذي سجع لهم بذلك طريفة الكاهنة ، وإنها قالت : ومن كان منكم يريد الراسخات في الوحل ، المطعمات في المحل ، فليلحق بيثرب ذات النخل.

__________________

(١) ذمار : قرية بالقرب من صنعاء.


وروى ابن زبالة سجع عمرو بن عامر في المدينة بلفظ : من كان يريد الراسيات في الوحل ، المطعمات في المحل ، المدركات بالذحل(١) ، فليلحق بيثرب ذات النخل ؛ فلما سمعوا ذلك القول خرج عمرو بن عامر بجميع ولده ومن معه من الأزد يريد أرضا يقيمون بها ، ففارقهم وداعة بن عامر فسكن همدان ، ثم سار عمرو حتى إذا كان بين السراة ومكة أقام هنالك ناس من الأزد ، وأقام معهم عمران بن عمرو بن عامر ، ثم سار عمرو في باقي ولده وفي ناس من بني مازن من الأزد حتى نزلوا ماء يقال له غسان ، وغلب عليهم اسمه حتى قال شاعرهم :

إمّا سألت فإنّا معشر نجب

الأزد نسبتها والماء غسان

نزول خزاعة في مكة

قال أبو المنذر الشرقي : ومن ماء غسان انخزع لحيّ ـ واسمه ربيعة بن حارثة بن عمرو بن حارثة ـ فأتى مكة فتزوج بنت عامر الجرهمي ملك جرهم ، فولدت له عمرو بن لحي الذي غيّر دين إبراهيم ، فسمى ولده خزاعة لأن أباهم انخزع من غسان.

وقال غيره ما يخالف ذلك ؛ فروى الأزرقي أن عمرو بن عامر سار هو وقومه لا يطؤون بلدا إلا غلبوا عليه ، فلما انتهوا إلى مكة ـ وأهلها جرهم قد قهروا الناس وحازوا ولاية البيت على بني إسماعيل وغيرهم ـ أرسل إليهم ثعلبة بن عمرو بن عامر يقول : يا قوم إنا خرجنا من بلادنا ، فلم ننزل بلدا إلا فسح أهله لنا فنقيم معهم حتى نرسل روّادنا إلى الشام والمشرق ، فحيث ما قيل لنا إنه أمثل لحقنا به ، فأبت جرهم ذلك ، فأرسل إليهم ثعلبة : إنه لا بد لي من المقام ، فإن تركتموني نزلت وحمدتكم وواسيتكم في الماء والمرعى ، وإن أبيتم أقمت على كرهكم ثم لم ترتعوا معي إلا فضلا ولا تشربوا إلا رنقا ـ يعنى الكدر ـ فإن قاتلتموني قاتلتكم ، ثم إن ظهرت عليكم سبيت النساء وقتلت الرجال ، ولم أترك أحدا منكم ينزل الحرم أبدا ، فأبت جرهم ، فاقتتلوا ثلاثة أيام ، ثم انهزمت جرهم ، فلم ينفلت منهم إلا الشريد ، وأقام ثعلبة بمكة وما حولها بعساكره حولا ، فأصابتهم الحمى ، وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى ، فدعوا طريفة الكاهنة فشكوا إليها الذي أصابهم ، فقالت : قد أصابني الذي تشكون ، ثم ذكر الأزرقي سجعها في أمر الدلالة على البلاد في هذا المحل وهو غى سجع عمران بن عامر عند تفرقهم من سبأ ، ثم ذكر لحوق كل فرقة منهم ببلدها على النحو الذي قدمناه ، وأن الأوس والخزرج ابني حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ـ وهم الأنصار ـ نزلوا بالمدينة ، ثم قال : وانخزعت خزاعة بمكة ،

__________________

(١) الذحل : الحقد و ـ الثأر.


فأقام بها ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو لحيّ ، فولي أمر مكة ، فهذا يقتضي أنهم إنما افترقوا من مكة ، ولا شك أن منها افترق الذين وصلوا إليها.

نزول ثعلبة بن عمرو في المدينة

وقال ياقوت : إنهم لما ساروا من اليمن عطف ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السما بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن الراد بن الغوث نحو الحجاز ، فأقام ما بين الثعلبية إلى ذي قار ، وباسمه سميت الثعلبية ، فنزلها بأهله وولده ومن تبعه ، فأقام هناك يتبع مواقع القطر ، فلما كثر ولده وقوي ركنه سار بهم نحو المدينة وبها يهود فاستوطنوها ؛ فأقاموا بها بين قريظة والنضير وخيبر وتيماء ووادي القرى ، ونزل أكثرهم بالمدينة.

الفصل الثالث

في نسبهم

قد قدمنا انتسابهم إلى عمرو مزيقياء ، وانتساب عمرو إلى قحطان.

نسب قحطان

وقال ابن رزين نقلا عن الشرقي : أصل الأنصار الأوس والخزرج وهما من ولد ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يعرب بن قحطان ، وكأنه سقط من النسخة بعد الغوث «بن نبت» فإنه بين مالك والغوث كما قدمناه ، وجماع قبائل اليمن تنتهي إلى قحطان ، وقحطان اختلف في نسبه ، فالأكثرون قالوا : إنه عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ، وقيل : هو من ولد هود نفسه ، وقيل : ابن أخيه ، ويقال : قحطان أول من تكلم بالعربية ، وهو والد العرب المتعربة ، وأما إسماعيل فهو والد العرب المستعربة ، وأما العرب العاربة فكانوا قبل ذلك كعاد وثمود وطسم وجديس وعمليق وغيرهم ، وقيل : إن قحطان أول من قيل له : أبيت اللّعن(١) ، وعم صباحا. وذهب الزبير بن بكار إلى أن قحطان من ذرية إسماعيلعليه‌السلام ، وأنه قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إسماعيلعليه‌السلام ، ويدل له تبويب البخاري بأن نسبة اليمن إلى إسماعيل ، وأورد فيه الحديث المتضمن لمخاطبة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بني أسلم بأنهم من بني إسماعيل ، وأسلم هو ابن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس صاحب النسب المتقدم ، فدل على أن اليمن بني قحطان من بني

__________________

(١) أبيت اللّعن : أن تأتي ما تلعن به وعليه.


إسماعيل ، وهو ظاهر قول أبي هريرة في الصحيحين في قصة هاجر «فتلك أمكم يا بني ماء السماء» يخاطب الأنصار ؛ لأن جدهم عامرا والد عمرو كان يلقب بذلك ، كما تقدم ، أو أراد أبو هريرةرضي‌الله‌عنه العرب كلهم ؛ لكثرة ملازمتهم الفلوات التي بها مواقع القطر ، وهذا متمسّك من ذهب إلى أن جميع العرب من ولد إسماعيلعليه‌السلام .

قال ابن حبان في صحيحه : كل من كان من ولد إسماعيل يقال له «ابن ماء السماء» لأن إسماعيل ولد هاجر ، وقد ربي بماء زمزم وهي من ماء السماء ، ورجح عياض أن مراد أبي هريرة الأنصار خاصة ، ونسبتهم إلى جدهم المعروف بماء السماء ، انتهى. ودلالته على أن قبائل اليمن كلها من ولد إسماعيل ظاهرة.

قال الحافظ ابن حجر : وهو الذي يترجح في نقدي ، وقد ذكر ابن عبد البر من طريق القعقاع بن أبي حدرد أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «مرّ بناس من أسلم وخزاعة وهم يتناضلون فقال : ارموا بني إسماعيل» وأسلم وخزاعة قد تقدم نسبهما في قبائل اليمن التي جماع نسبتها قحطان ، ومما يؤيد ذلك قول المنذر بن عمرو جد حسان بن ثابت الأنصاري :

ورثنا من البهلول عمرو بن عامر

وحارثة الغطريف مجدا مؤثّلا

مآثر من آل ابن نبت بن مالك

ونبت بن إسماعيل ما إن تحوّلا

وأول ذلك كله المخالفون بتأويلات بعيدة ، بل الذي أميل إليه أن العرب كلهم من ولد إسماعيل صلوات الله وسلامه عليه ، وإن لم يتم ذلك فالعرب الذين لهم الشرف بالتقديم في الكفاءة وغيرها شرعا هم بنو إسماعيل ، ويدل له قول بعض أصحابنا في الإمامة : إذا لم يوجد قرشي مستجمع للشروط نصب كناني ، فإن لم يكن فرجل من ولد إسماعيل صلوات الله وسلامه عليه ، فإن تعذر انتقلنا إلى العجم ، ولم يقولوا انتقلنا إلى بقية العرب ، لكن في التتمة للمتولي : فإن لم يوجد من ولد إسماعيلعليه‌السلام يولّى جرهمي ، وجرهم أصل العرب ، فإن لم يوجد فرجل من ولد إسحاقعليه‌السلام ، اه. وهو مخالف لقول البغوي في التهذيب : فإن لم يوجد ولد إسماعيل فمن العجم ، وأيضا فالمتولي جعل جرهما متأخرين عن ولد إسماعيل ، وجعل لهم فضلا في الجملة على العجم ، كذا قدم بعض العجم على بعض ، وإسماعيل أبو العرب الذين شرف نسبهم بمشاركة نسبة أشرف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ، وهو الأسّ في ذلك ،


وعربي اللسان لا عبرة به ، على أن في مستدرك الحاكم من حديث ابن عباس «أول من نطق بالعربية إسماعيل» لكن في الصحيح أن إسماعيل تعلم العربية من جرهم الذين نزلوا مع أمه.

أول من تكلم بالعربية

قال ابن إسحاق : وكان جرهم وأخوه قطورا ابنا قحطان أول من تكلم بالعربية عند تبلبل الألسن.

قلت : وهو جار على رأي من يقول : إن العرب كلها ليست من ولد إسماعيل.

وروى الزبير بن بكار في النسب من حديث علي بإسناد حسن قال : أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل ؛ فبهذا القيد يجمع بين الخبر المتقدم وبين ما في الصحيح ، فيكون أوليته في ذلك بحسب الزيادة في البيان ، لا الأولية المطلقة ، فيكون بعد تعلم أصل العربية من جرهم ألهمه الله العربية الفصيحة المبينة ؛ فعلى تقدير تسليم أن العرب كلهم ليسوا من ولد إسماعيل فالمستحق للشرف إنما هو عربية إسماعيل ، فيمتاز بنوه بما تقدم.

وقال ابن دريد في الوشاح : أول من نطق بالعربية يعرب بن قحطان ، ثم إسماعيل ، ونقل ابن هشام عن الشرقي أن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا حمير وجرهم ، وكله جار على خلاف ما قدمناه من أن العرب كلها من ولد إسماعيل ، والله أعلم.

أم الأنصار ونسبها

وأم الأنصار في قول الكلبي : قيلة بنت عمرو بن جفنة ، وقال ابن حزم : هي بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة بن عمرو مزيقياء ، ويقال : بنت كاهل بن عذرة من قضاعة ، وقضاعة من حمير عند الأكثر ، واشتهرت الأنصار ببني قيلة ولهم يقول القائل :

بهاليل من أولاد قيلة ، لم يجد

عليهم خليط من مخالطة عتبا

مطاعيم في المقري ، مطاعين في الوغى

يرون عليهم فعل آبائهم نحبا

(١) وذكر رزين عن الشرقي عقب ما قدمناه عنه من أن الأنصار أصلهم الأوس والخزرج وهما من ولد ثعلبة بن عمرو ، فقال : فولد لثعلبة بن عمرو بن حارثة الأوس والخزرج ، وأمهما قيلة ؛ فولد الأوس مالكا ، ومن مالك قبائل الأوس كلها ، فولد لمالك عمرو وعوف ومرة ، ويقال لهم أوس الله ، وهم الجعادرة ، سموا بذلك لقصر فيهم.

__________________

(١) المقري : الذي يقري الضيف. نحبا : نذرا.


قلت : وسيأتي ما يخالف هذا مع بيان قبائل الأوس المنتشرة من هؤلاء.

وروى الخرائطي أنه لما حضرت الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو الوفاة اجتمع عليه قومه ، فقالوا : قد حضر من أمر الله ما ترى ، وقد كنا نأمرك في شبابك أن تتزوج فتاة ، وهذا أخوك الخزرج له خمسة بنين وليس لك ولد غير مالك ، فقال : لن يهلك هالك ، ترك مثل مالك ، إن الذي يخرج النار من الرينة قادر أن يجعل لمالك نسلا ، ورجالا بسلا ، وكل إلى موت ، ثم أقبل على مالك فقال : أي بني ، المنية ولا الدنية ، وذكر حكما سجع بها ، قال : ثم أنشأ يقول :

شهدت السبايا يوم آل محرّق

وأدرك عمري صيحة الله في الحجر

فلم أر ذا ملك من الناس واحدا

ولا شوقه إلا إلى الموت والقبر

فعلّ الذي أردى ثمودا وجرهما

سيعقب لي نسلا على آخر الدهر

تقربهم من آل عمرو بن عامر

عيون لدى الداعي إلى طلب الوتر

فإن تكن الأيام أبلين جدّتي

وشيبن رأسي والمشيب مع العمر

فإنّ لنا ربّا علا فوق عرشه

عليما بما يأتي من الخير والشر

ألم يأت قومي أنّ لله دعوة

يفوز بها أهل السعادة والبرّ

إذا بعث المبعوث من آل غالب

بمكة فيما بين زمزم والحجر

هنالك فابغوا نصره ببلادكم

بني عامر ؛ إن السعادة في النصر(١)

ثم قضى من ساعته.

وقال ابن حزم : إن بني عامر بن عمرو بن مالك بن الأوس كانوا كلهم بعمان لم يكن منهم بالمدينة أحد ؛ فليسوا من الأنصار.

قال الشرقي : وولد الخزرج بن حارثة أخو الأوس أيضا خمس بنين. وتفرقوا بطونا كثيرة.

قلت : وهم عمرو ، وعوف ، وجشم ، وكعب ، والحارث ، وسيأتي بيان ما انتشر من قبائلهم.

وقال ابن حزم : إن عقب السائب بن قطن بن عوف بن الخزرج لم يكن منهم أحد بالمدينة ، كانوا بعمان ؛ فليسوا من الأنصار ، وذكر نحو ذلك في بعض بني الحارث بن الخزرج الأكبر كما سيأتي ، وذكر أيضا أن بعض بني جفنة بن عمرو مزيقياء كانوا بالمدينة في عداد الأنصار ، والله أعلم.

__________________

(١) ابغوا : أعينوه على طلبه.


الفصل الرابع

في تمكنهم بالمدينة ، وظهورهم على يهود ، وما اتفق لهم مع تبع

قال الشرقي : لما قدمت الأوس والخزرج المدينة تفرقوا في عاليتها وسافلتها ، ومنهم من نزل مع قوم من بني إسرائيل في قراهم ، ومنهم من نزل وحده لا مع بني إسرائيل ولا مع العرب الذين كانوا قد تألفوا إلى بني إسرائيل ، وكانت الثروة في بني إسرائيل ، كانوا نيفا على عشرين قبيلة ، ولهم قرى أعدّوا بها الآطام ، فنزلت الأوس والخزرج بينهم وحواليهم.

إقامة الأوس والخزرج مع اليهود

وقال ابن زبالة عن مشيخة من أهل المدينة قالوا : أقامت الأوس والخزرج بالمدينة ، ووجدوا الأموال والآطام والنخيل في أيدي اليهود ، ووجدوا العدد والقوة معهم ، فمكثت الأوس والخزرج ما شاء الله ، ثم إنهم سألوهم أن يعقدوا بينهم جوارا وحلفا يأمن به بعضهم من بعض ، ويمتنعون به ممن سواهم ، فتعاقدوا وتحالفوا واشتركوا وتعاملوا ، فلم يزالوا على ذلك زمانا طويلا ، وأمرت(١) الأوس والخزرج وصار لهم مال وعدد ، فلما رأت قريظة والنضير حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دورهم وأموالهم ، فتنمروا لهم حتى قطعوا الحلف الذي كان بينهم ، وكانت قريظة والنضير أعدّ وأكثر ، وكان يقال لهما الكاهنان ، وبنو الصريح ، وفي ذلك يقول قيس بن الخطيم مثنيا عليهم :

كنا إذا رامنا قوم بمظلمة

شدت لنا الكاهنان الخيل واعتزموا

نسوا الرهون وآسونا بأنفسهم

بنو الصّريح فقد عفّوا وقد كرموا

قصة الفطيون ملك اليهود الطاغية

فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم خائفين أن تجليهم يهود ، حتى نجم(٢) منهم مالك بن العجلان أخو بني سالم بن عوف بن الخزرج وسوّده(٣) الحيان الأوس والخزرج ، وكان الفطيون ـ أي بالفاء المكسورة ، وقال ياقوت : الفيطوان ـ ملك اليهود بزهرة ، وكانت لا تهدى عروس بيثرب من الحيين الأوس والخزرج حتى تدخل عليه فيكون هو الذي يفتضها قبل زوجها ، فتزوجت أخت مالك بن العجلان رجلا من قومها ، فبينا مالك في

__________________

(١) أمرت : كثر مالها.

(٢) نجم : ظهر ونبغ.

(٣) سوّد فلان : جعله سيدا.


نادي قومه إذ خرجت أخته فضلا ، فنظر إليها أهل المجلس ، فشق ذلك على مالك ، ودخل فعنّفها وأنبها ، فقالت : ما يصنع بي غدا أعظم من ذلك ، أهدى إلى غير زوجي ، فلما أمسى مالك اشتمل على السيف ودخل على الفطيون متنكرا مع النساء ، فلما خف من عنده عدا عليه فقتله وانصرف إلى دار قومه ، ثم بعث هو وجماعة من قومه إلى من وقع بالشام من قومهم يخبرونهم بحالهم ويشكون إليهم غلبة اليهود ، وكان رسولهم الرمق بن زيد بن امرئ القيس أحد بني سالم بن عوف بن الخزرج ، وكان قبيحا دميما شاعرا بليغا ،فمضى حتى قدم على أبي جبيلة أحد بني جشم بن الخزرج الذين ساروا من يثرب إلى الشام ، وقال بعضهم : كان أبو جبيلة من ولد جفنة بن عمرو بن عامر قد أصاب ملكا بالشام وشرفا.

قلت : قد تقدم أن أبناء جفنة من غسان ، وكانوا بالشام ملوكا.

ولما ذكر ابن حزم بني جشم بن الخزرج قال : فولد جشم غضب ، فولد غضب مالك ، فولد مالك عبد حارثة ، فولد عبد حارثة حبيب ، فولد حبيب عبد الله ، فولد عبد الله أبا جبيلة الملك الغساني الذي جلبه مالك بن العجلان لقتل اليهود ، انتهى.

وفيه نظر ؛ إذ ليس من بطون الخزرج غساني كما يؤخذ مما قدمناه عن ابن حزم أيضا ، والمشهور ما قدمناه ، قالوا : فشكا إليه حالهم وغلبة اليهود عليهم ، وما يتخوفون منهم ، وأنهم يخشون أن يخرجوهم ، وأنشده من شعره. فتعجب من شعره وبلاغته وقبحه ودمامته ، وقال : عسل طيب في وعاء خبيث. فقال الرمق : أيها الملك ، إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه لسانه وقلبه. فقال : صدقت ؛ وأقبل أبو جبيلة في جمع كثير لنصرة الأوس والخزرج. كذا قاله ابن زبالة.

وقد نقل رزين عن الشرقي ما يقتضي أن مالك بن العجلان هو الذي توجّه بنفسه ، وأن ما ذكر من سيرة الفطيون في افتضاض الأبكار إنما كانت في غير الأوس والخزرج ، وأنه أراد أن يسير فيهم بذلك ، فقتله مالك بن العجلان ، فإنه قال : إن الفطيون كان قد شرط ألّا تدخل امرأة على زوجها حتى تدخل عليه ، فلما سكن الأوس والخزرج المدينة أراد أن يسير فيهم بتلك السيرة ؛ فتزوجت أخت مالك بن العجلان رجلا من بني سليم ، فأرسل الفطيون رسولا في ذلك وكان مالك أخوها غائبا ، فخرجت تطلبه ، فمرت بقوم أخوها فيهم ، فنادته ، فقال أخوها : لقد جئت بسبّة يا هنتاه ، تناديني ولا تستحيي؟ فقالت : الذي يراد بي أكبر ، فأخبرته ، فقال لها : أكفيك ذلك ، فقالت : وكيف؟ فقال : أتزيا بزي النساء وأدخل معك عليه بالسيف فأقتله ، ففعل ، ثم خرج حتى قدم الشام فنزل على أبي


جبيلة ، وكان نزلها حين نزلوا هم المدينة ، فجيّش جيشا عظيما ، وأقبل كأنه يريد اليمن واختفى معهم مالك بن العجلان ، فجاء فنزل بذي حرض ، وأرسل إلى أهل المدينة من الأوس والخزرج فأتوا إليه فوصلهم وأعطاهم ، ثم أرسل إلى بني إسرائيل ـ يعني اليهود ـ وقال : من أراد الحباء(١) من الملك فليخرج إليه ، وإنما فعل ذلك خيفة أن يتحصنوا في الحصون فلا يقدر عليهم ، فخرج إليه أشراف بني إسرائيل كلهم ، فأمر لهم بطعام حتى اجتمعوا ، فقتلهم من عند آخرهم ، فلما فعل ذلك صار الأوس والخزرج أعز أهل المدينة ؛ ففي ذلك يقول البلوي يمدح مالكا فيما فعل :

فليشهدنّ بما أقول عصابة

بلويّة وعصابة من سالم

هل كان للفطيون عقر نساكم

حكم النصيب وليس حكم الحاكم

حتى حباه مالك عن عرسه

حمراء تضحك عن نجيع قاتم

ثم ذكر أبياتا نسبها إلى أبي يزيد بن سالم أحد بني سالم بن عوف بن الخزرج مدح بها أبا جبيلة ونسبها ابن زبالة للرمق فإنه قال : إن الأوس والخزرج قالوا لأبي جبيلة لما قدم لنصرهم : إن علم القوم ما تريد تحصنوا في آطامهم فلم تقدر عليهم ، ولكن ادعهم للقائك وتلطفهم حتى يأمنوك ويطمئنوا فتستمكن منهم ، فصنع لهم طعاما وأرسل إلى وجوههم ورؤسائهم ، فلم يبق من وجوههم أحد إلا أتاه ، وجعل الرجل منهم يأتي بحامته وحشمه(٢) رجاء أن يحبوهم ، وكان قد بنى لهم حيّزا وجعل فيه قوما فأمرهم أن يقتلوا من دخل عليهم منهم ، ففعلوا حتى أتوا على وجوههم ورؤسائهم ، فعزت الأوس والخزرج بالمدينة ، واتخذوا الديار والأموال والآطام ، فقال الرمق يثني على أبي جبيلة :

لم تقض دينك من حسان

وقد عنيت وقد عنينا

قضيت همك في الحسان

فقد عنيت وقد عنينا

وفي رواية رزين :

الراشقات المرشقا

ت الجازيات بما جزينا

أمثال غزلان الصّرا

ثم يأتزرن ويرتدينا

الرّيط والدّيباج والحلي

المفصل والبرينا(٣)

وأبو جبيلة خير من

يمشي ، وأوفاه يمينا

__________________

(١) الحباء : ما يحبو به الرجل صاحبه ويكرمه به.

(٢) حامته وحشمه : خاصته من أهله وخدمه.

(٣) البرة : كل حلقة من سوار وقرط وخلخال وما أشبه ذلك.


وأبرّهم برا وأع

لمهم بهدي الصالحينا

القائد الخيل الصوا

نع بالكماة المعلمينا

أبقت لنا الأيام والحر

ب الملمة تعترينا

كبشا له در يغل متو

نها الذكر السمينا

ومعاقلا شمّا وأسيا

فا يقمن وينحنينا

ومحلة زوراء تج

حف بالرجال الظالمينا

وفي بعض الروايات أن مالك بن العجلان لما قتل الفطيون قصد اليمن إلى تبّع الأصغر ؛ فشكا إليه ما كان الفطيون يسير فيهم ، فعاهد أن لا يقرب امرأة ولا يمس طيبا ولا يشرب خمرا حتى يسير إلى المدينة ويذل من بها من اليهود ؛ ففعل ذلك.

وذكر ابن قتيبة في معارفه تبّع بن حسان ، قال : وهو تبع الأصغر آخر التبابعة ، وذكر أنه صار إلى الشام وملوكها غسان فأطاعته ، قال : وصار إلى ابن أخيه الحارث وهو بالمستقر من ناحية هجر فأتاه قوم كانوا وقعوا إلى يثرب ممن خرج مع عمرو مزيقياء وحالفوا اليهود بيثرب ـ أي وهم الأنصار ـ فشكوا اليهود ، وذكروا سوء مجاورتهم ، ونقضهم الشرط الذي شرطوه لهم عند نزولهم ، ومتّوا(١) إليه بالرحم ، فأحفظه ذلك(٢) ، فصار إلى يثرب ونزل في سفح أحد ، وبعث إلى اليهود ، فقتل منهم ثلاث مائة وخمسين رجلا صبرا ، وأراد خرابها ، فقام إليه رجل من اليهود قد أتت عليه مائتان وخمسون سنة فقال : أيها الملك ، مثلك لا يقتل على الغضب ، وأمرك أعظم من أن يطير بك برق أو يسرع بك لجاج ، فإنك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية ، قال : ولم؟ قال : لأنها مهاجر نبي من ولد إسماعيل يخرج من عند هذه البنية ، يعني البيت الحرام ، فكف تبع ومضى ومعه هذا اليهودي ورجل آخر من اليهود عالم ، وهما الحبران ، فأتى مكة ، وكسا البيت ثم رجع إلى اليمن ومعه الحبران وقد دان بدينهما وآمن بموسىصلى‌الله‌عليه‌وسلم اه.

فلعل مالك بن العجلان كان قد توجه إلى جهة ملك غسان وبها تبّع المذكور فوقع من كل منهما نصره ، فأضافه قوم إلى تبع ، وقوم إلى أبي جبيلة الغساني.

قالوا : ولعنت اليهود مالك بن العجلان في كنائسهم وبيوت عباداتهم ، فبلغه ذلك ، فقال:

تحامى اليهود بتلعانها

تحامي الحمير بأبوالها(٣)

__________________

(١) متّوا : تقربوا.

(٢) أحفظه ذلك : أغضبه ذلك.

(٣) تلعن القوم : التعنوا.


وما ذا عليّ بأن يلعنوا

وتأتي المنايا بإذلالها

وقالت سارة القرظية ترثي من قتل من قومها :

بأهلي رمّة لم تغن شيئا

بذي حرض تعفّيها الرياح

كهول من قريظة أتلفتهم

سيوف الخزرجية والرماح

ولو أذنوا بأمرهم لحالت

هنالك دونهم حرب رداح(١)

قال أهل السير : ثم انصرف أبو جبيلة راجعا إلى الشام ، وقد ذلّل الحجاز والمدينة ، ومهّدها للأوس والخزرج.

ونقل المجد عن ياقوت أن تبّعا كان بالمدينة ، فإنه قال : وعكس ياقوت قصة افتضاض الأبكار ؛ فجعل أنها كانت باليمامة ، وأن أهل المدينة مع تبّع هم الذين أزالوا هذه الفضيحة من اليمامة ، ثم أورد كلام ياقوت ، وليس مضمونه ما ذكره ؛ بل مضمونه أن من كان يفعل فيهم هذه الفضيحة باليمامة احتالوا في دفعها وقتلوا من كان يفعل بهم ذلك وغلبوا عليهم ، فهرب منهم شخص ولحق بتبع فنصره تبع مع أهل المدينة ، وهو خبر ممتنع فلنورده تبعا للمجد ، قال ياقوت : إن طسما وجديسا من ولد لاوذ بن إرم بن لاوذ بن سام بن نوحعليه‌السلام أقاموا باليمامة ، وكثروا بها ، حتى ملكوا عليهم عمليق الطّسمي ـ وكان جبارا غشوما ، وكان قد قضى بقضاء جائر بين امرأة وزوجها من جديس ، فأنشدت المرأة أبياتا بلغته ، فأمر ألا تزوج بكر من جديس حتى تدخل عليه فيكون هو الذي يفترعها(٢) ـ ولقوا منه ذلا ، حتى زوجت منهم أخت الأسود بن غفار سيد جديس ، وكان جلدا ، فلما كانت ليلة الإهداء خرجت والقيان(٣) حولها لتحمل إلى عمليق وهن يضربن بمعازفهن ويقلن :

أبدى بعمليق وقومي فاركبي

وبادري الصبح بأمر معجب

فسوق تلقين الذي لم تطلبي

وما لبكر دونه من مهرب

ثم أدخلت على عمليق فافترعها ، وقيل : كانت أيدة(٤) ، فامتنعت عليه ، فخاف العار فوجأها(٥) بحديدة في قبلها فأدماها ، فخرجت وقد تقاصرت إليها نفسها فشقّت ثوبها من خلفها ودماؤها تسيل ، فمرت بأخيها في جمع من قومه وهي تبكي وتقول :

__________________

(١) حرب رداح. و ـ كتيبة رداح : كثيرة جرارة.

(٢) افترع البكر : افتض بكارتها.

(٣) القيان : الإماء والجواري. وغلب على المغنيات.

(٤) الأيدة : القوية الشديدة.

(٥) وجأها : دفعها ووخزها.


لا أحد أذلّ من جديس

أهكذا يفعل بالعروس

في أبيات ، فأغضب ذلك أخاها ، ووقفها على نادي قومه ، وهي تقول :

أيجمل أن يؤتى إلى فتياتكم

وأنتم رجال فيكم عدد الرمل

أيجمل تمشي في الدما فتياتكم

صبيحة زفّت في العشاء إلى بعل

فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه

فكونوا نساء لا تغب من الكحل

ودونكم ثوب العروس فإنما

خلقتم لأثواب العروس وللغسل

فلو أننا كنا رجالا وكنتم

نساء لكنا لا نقر على الذل

فموتوا كراما أو أميتوا عدوكم

وكونوا كنار شب بالحطب الجزل

وإلا فخلوا بطنه وتحمّلوا

إلى بلد قفر وهزل من الهزل

فللموت خير من مقام على أذى

وللفقر خير من مقام على ثكل

فدبّوا إليه بالصّوارم والقنا

وكل حسام محدث العهد بالصّقل

ولا تجزعوا للحرب قومي فإنما

يقوم رجال للرجال على رجل

فيهلك فيها كل وغل مواكل

ويسلم فيها ذو الجلادة والفضل

فامتلأت جديس غيظا ، ونكسوا رءوسهم حياء ، وتشاوروا في الأمر ، فقال الأسود : أطيعوني فإنه عز الدهر ، وقد رأيت أن أصنع للملك طعاما ثم أدعوه وقومه ، فإذا جاءونا قتلت الملك ، وقام كل منكم إلى رئيس منهم فقتله ، فلا يبقى للباقين قوة ، فنهتهم أخت الأسود عن الغدر ، وقالت : ناجزوهم فلعل الله أن ينصركم عليهم لظلمهم ؛ فعصوها فقالت :

لا تغدرنّ فإنّ الغدر منقصة

وكل عيب يرى عيبا وإن صغرا

إني أخاف عليكم مثل تلك غدا

وفي الأمور تدابير لمن نظرا

حشّوا سعيرا لهم فيها مناجزة

فكلكم باسل أرجو له الظفرا

فأجابها أخوها :

شتان باغ علينا غير متئد

يغشى الظلامة لا يبقى ولن يذرا

إنا لعمرك لا نبدي مناجزة

نخاف منها صروف الدهر من ظفرا

إني زعيم بطسم حين تحضرنا

عند الطعام بضرب يهتك الفقرا


وصنع الأسود الطعام ، ودفن كل منهم سيفه تحته في الرمل مجردا ، فلما جلس الملك وقومه للأكل وثبت عليهم جديس حتى أبادوهم ، ثم قتلوا باقيهم ، فهرب رجل من طسم حتى لحق بتبّع تبان أسعد بن كلكيكرب ، وقيل : بحسان بن تبّع الحميري وكان بالمدينة ، فاستغاثه ، وذكر أبياتا فيها غدر جديس بهم ، فوعده بنصره ، ثم رأى منه تباطؤا فقال :

إني طلبت لأوتاري ومظلمتي

بال حسّان آل العز والكرم

المنعمين إذا ما نعمة ذكرت

والواصلين بلا قربى ولا رحم

قصة زرقاء اليمامة

في أبيات أخرى ، فسار تبع من المدينة في جيوشه ، حتى إذا كان عند جبل على ليلة من اليمامة قال له الطسمي : توقف أيها الملك فإن لي أختا متزوجة في جديس يقال لها يمامة أبصر خلق الله على بعد ، وإني أخاف أن ترانا فتنذرهم بنا ، فأقام تبع ، وأمر رجلا فصعد الجبل ليرى ما هناك ، فدخل في رجله شوكة بالجبل ، فأكب يستخرجها ، فأبصرته اليمامة ، وكانت زرقاء العين ، فقالت لهم : إني أرى على الجبل الفلاني رجلا وما أظنه إلا عينا ، فقالوا : ما يصنع؟ فقالت : إما يخصف(١) نعلا أو ينهش كتفا ، فكذبوها ، ثم قال الطسمي لتبع : إن بصرها بالليل أنفذ فمر أصحابك ليقطعوا من الشجر أغصانا ليستتروا بها فيشبهوا(٢) عليها الأمر ، ففعلوا ، حتى إذا دنوا من اليمامة ليلا ؛ فنظرت اليمامة فقالت : يا جديس سارت إليكم الشجر ، أو جاءتكم أوائل خيل حمير ، فكذبوها ، فصبّحتهم حمير ، فهرب الأسود في نفر من قومه لجبلي طيء وفتح أهل المدينة حصون اليمامة ، وامتنع عليهم حصن زرقاء اليمامة ؛ فصابره تبع حتى افتتحه ، وقبض عليها ، وسألها : كيف أبصرتهم؟ فأخبرته بخبر الذي صعد الجبل ، فسأله تبع ، فقال : صعدت فانقطع شراك نعلي وأصابتني شوكة ؛ فعالجت إصلاحها وإصلاح قبالي بفمي ، فقال لها : أنّى لك هذا؟ قالت : كنت آخذ حجرا أسود فأدقه وأكتحل به : فكان يقوي بصري ، فيقال : إنها أول من اكتحل بالإثمد ، فأمر تبع بقلع عينيها ليرى ما فيهما ، فوجد عروقها كلها محشوة بالإثمد ، وخربت اليمامة يومئذ ؛ لأن تبعا قتل أهلها ، ولم يخلف بها أحدا ، ورجع إلى المدينة.

هذا ما ذكره المجد عن ياقوت باختصار ، وليس فيه عكس القضية ؛ فيجوز أن يقع بكل من اليمامة والمدينة مثل هذا ، والظاهر أن قصة اليمامة كانت بعد قصة المدينة.

__________________

(١) يخصف نعلا : يصلح نعلا.

(٢) اشتبه عليها الأمر : اختلط عليها الأمر.


ونقل رزين عن الشرقي أن أبا جبيلة لما فرغ من نصر أهل المدينة رجع إلى الشام ؛ فأقبل تبع الأخير ـ وهو كرب بن حسان بن أسعد الحميري ، والتبابعة كلهم من حمير ـ يريد المشرق كما كانت التبابعة تفعل ؛ فمر بالمدينة ، فخلف فيها ابنا له ومضى حتى قدم الشام ، ثم سار حتى قدم العراق ، فلما كان بالعراق قتل ابنه بالمدينة غيلة(١) فأقبل راجعا يريد تخريب المدينة ، فنزل بسفح أحد ، فاحتفر بئرا ثم أرسل إلى أشراف المدينة ، فلما جاءهم الرسول قال بعضهم : إنما أراد أن يملكنا على قومنا ، وقال أحيحة : والله ما دعاكم لخير ، وكان لأحيحة رئيّ من الجن فخرجوا وخرج أحيحة معه بقينة وخمر وخباء ، فضرب الخباء وجعل فيه القينة والخمر ، ثم دخل على تبع أول الناس. فتحدث معه ، ففطن بالشر ، ثم قال : إن أصحابي يصلونك إلى الظهر ، فاستأذن في الخروج إلى الخيمة ، فأذن له ، فشرب وجعلت القينة تغنيه بأبيات صنعها لها تقول :

لتبكني قينة ومزهرها

وتبكني قهوة وشاربها

وتبكني عصبة إذا اجتمعت

لا يعلم الناس ما عواقبها

وهو يقلّ من الشراب ، وجاء أصحابه قريبا من الليل ، فأمر لهم تبع بضيافة ، فلما كان في جوف الليل أرسل إليهم ليقتلهم ، ففطن أحيحة ، فقال للقينة : أنا سائر إلى أهلي ، فإذا طلبني الملك فقولي : هو نائم ، فإذا ألحوا فقولي : يقول لك : أما أحيحة فقد ذهب فاغدر بقينته أو دع ، وانطلق فتحصن في حصنه ، فحاصروه ثلاثا يقاتلهم بالنهار ، وإذا كان بالليل يرمي إليهم بتمر ويقول : هذا ضيافتكم. فأخبروا تبعا أنه في حصن حصين ، فأمرهم أن يحرقوا نخله ، واشتعلت الحرب بين تبع وأهل المدينة من اليهود والأوس والخزرج ، وتحصنوا في الآطام ، فخرج رجل من أصحاب تبع حتى جاء بني عدي بن النجار ، فدخل لهم حديقة ، فرقي على عذق منها. فأخذ يجده(٢) ، فنزل إليه صاحب العذق(٣) فقتله وجره إلى بئر وألقاه فيها ، وهو يقول :

جانا يجدّ نخيلنا

وكان الجداد لمن قد أبر(٤)

فزاد ذلك تبعا حنقا(٥) ، وجرد إلى بني النجار خيلا ، فقاتلهم بنو النجار ورئيسهم يومئذ عمرو بن طلحة أخو بني معاوية بن مالك بن النجار ، ورمى عسكر تبع حصون

__________________

(١) الغيلة : الغدر.

(٢) جدّ الشيء : قطعه.

(٣) العذق : كل غصن له شعب.

(٤) أبّر النخل : أصلحه.

(٥) حنق عليه : اشتد غيظه.


الأنصار بالنبل ، فلقد جاء الإسلام والنبل فيها ، وجزع في القتال فرس تبع فحلف لا يبرح حتى يخربها بزعمه ، فسمع بذلك أحبار من اليهود فنزلوا إليه وقالوا : أيها الملك إن هذه البلدة محفوظة ، فإنا نجد اسمها في الكتاب طيبة ، وإنها مهاجر نبي من بني إسماعيل من الحرم ، وهي تكون قراره فلن تسلط عليها ، فأعجب تبع بقولهم ، فصرف تبع نبته عنها ، وأمر أهل المدينة فتبايعوا مع العسكر ، وكان تبع قد استوبأ بئره(١) التي حفر ، فمرض ، فجاءته امرأة من بني زريق اسمها فاكهة براوية(٢) من بئر رومة فأعجبه فاستلذه ، فلما كان رحيله قال لها : يا فاكهة ما نترك في موضعنا من شيء إذا رحلنا فهو لك ، فأخذت ذلك ، فاستغنت منه ، وخرج تبع يريد اليمن ومعه من الأحبار الذين نهوه عن خراب المدينة رجلان أو ثلاثة ، فقال لهم : تسيرون معي أياما آنس بحديثكم ، فكانوا يحدثونه عن الكتاب وعن قصة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فلم يتركهم حتى وصلوا معه إلى اليمن ؛ فهم كانوا أول يهودي دخل اليمن ، واتفق في مسيرة قصة إكسائه الكعبة.

وقد قدمنا في بعض الروايات أن مالك بن العجلان لما قتل ملك اليهود قصد اليمن إلى تبع الأصغر ، وأنه الذي نصرهم على يهود ، ولعل هذا مراد ياقوت لقوله «إن يهود كانوا أهل المدينة حتى أتاهم تبع فأنزل معهم بني عمرو بن عوف» لكن نقل المجد وغيره عن المبتدأ لابن إسحاق أنه قال في بيت أبي أيوب الذي نزله النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مقدمه المدينة : إن تبعا الأول بناه لما مر بالمدينة ، قال في المبتدأ : واسمه تبان أسعد بن كلكيكرب ، وكان معه أربعمائة عالم ، فتعاقدوا على أن لا يخرجوا منها ، فسألهم تبع عن سر ذلك ، فقالوا : إنا نجد في كتبنا أن نبيا اسمه محمد هذه دار مهاجره ؛ فنحن نقيم لعل أن نلقاه ، فأراد تبع الإقامة معهم ، ثم بنى لكل واحد من أولئك دارا واشترى له جارية وزوجها منه وأعطاه مالا جزيلا ، وكتب كتابا فيه إسلامه ، ومنه :

شهدت على أحمد أنه

رسول من الله باري النّسم(٣)

فلو مدّ عمري إلى عمره

لكنت وزيرا له وابن عم

وختمه بالذهب ودفعه إلى كبيرهم ، وسأله أن يدفعه إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إن أدركه ، وإلا فمن أدركه من ولده أو ولد ولده ، وبنى للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم دارا لينزلها إذا قدم المدينة ، فتداول

__________________

(١) استوبأ البئر : استوخمها. و ـ وجدها وبيئة.

(٢) الراوية : المزادة فيها الماء. (ج) روايا.

(٣) النسم : الخلق والناس.


الدار الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب وهو من ولد ذلك العالم ، وأهل المدينة الذين نصروه كلهم من أولاد أولئك العلماء ، انتهى.

زاد غير المجد : ويقال : إن الكتاب الذي فيه الشعر كان عند أبي أيوب حين نزل عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فدفعه له ، وهو غريب ، وكتب التواريخ متظاهرة(١) على ما قدمناه في أمر الأنصار ونسبهم.

وقد ذكر السهيلي إيمان تبّع بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وذكر البيتين ، وروى حديث «لا تسبوا تبّعا فإنه كان مؤمنا».

وروى عبد الرزاق عن وهب بن منبه قال : نهى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن سب أسعد وهو تبّع. قال وهب : وكان على دين إبراهيم.

وروى أحمد من حديث سهل بن سعيد رفعه «لا تسبوا تبّعا فإنه كان قد أسلم» وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس مثله ، وإسناده أصلح من إسناد سهل ، وأما ما رواه عبد الرزاق عن أبي هريرة مرفوعا «لا أدري تبع كان لعينا أم لا» فمحمول على أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قاله قبل أن يعلم بحاله.

وقال المرجاني : إن أبا كرب بن أسعد الحميري آمن بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة سنة ، وقال : «شهدت على أحمد ـ البيتين المقدمين» وإن أباه أسعد هو تبّع الذي كسا الكعبة ، ونقله عن حكاية ابن قتيبة ، والذي رأيته في المعارف لابن قتيبة أن أسعد أبا كرب الحميري هو الموصوف بما ذكره. وروى ابن زبالة أن تبعا لما قدم المدينة وأراد إخراجها جاءه حبران من قريظة يقال لهما سحيت ومنبه فقالا : أيها الملك انصرف عن هذه البلدة فإنها محفوظة ، وإنها مهاجر نبي من بني إسماعيل اسمه أحمد يخرج في آخر الزمان ، فأعجبه ما سمع منهما ، فصدقهما وكفّ(٢) عن أهل المدينة.

الفصل الخامس

في منازل قبائل الأنصار بعد إذلال اليهود ، وشيء من آطامهم ، وما دخل بينهم من الحروب ، وهو نافع في معرفة جهات المساجد التي لا تعرف اليوم ، وغير ذلك.

اعلم أن ابن زبالة نقل ما حاصله أن الأوس والخزرج بعد انصراف أبي جبيلة ونصره

__________________

(١) متظاهرة : متوافقة.

(٢) كفّ عنهم : انصرف وامتنع عنهم.


لهم تفرقوا في عالية المدينة وسافلتها ، واتخذوا الأموال والآطام ، فنزل بنو عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج الأصغر وبنو حارثة بن الحارث بن الخزرج الأصغر بن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة فكلاهما من الأوس دار بني عبد الأشهل قبلي دار بني ظفر مع طرف الحرة الشرقية ، قاله المطري ، والذي يظهر لي أن منازلهم كانت قريبة من منازل بني ظفر في شاميها وتمتد إلى الحرة المعروفة اليوم بدشم وما حولها ، بل سيأتي في ترجمة الخندق ما يقتضي أن منازلهم كانت بالقرب من الشيخين. وابتنى بنو عبد الأشهل أطما يقال له «واقم» وبه سميت الناحية واقما ، وكان لحضير بن سماك ، وله يقول شاعرهم :

نحن بنينا واقما بالحره

بلازب الطين وبالأصره

وله يقول خفاف بن ندبة :

لو أنّ المنايا جزن عن ذي مهابة

لهبن حضيرا يوم أغلق واقما(١)

يطيف به حتى إذا الليل جنّه

تبوّأ منه مضجعا متناغما

وأطما يقال له : «الرعل» بالمال الذي يقال له واسط لصخرة أم بني عبد الأشهل ، وله يقول شاعرهم يوم بعاث :

نحن بنو صخرة أرباب الرعل

وآطاما غير ذلك ، وابتنى بنو حارثة أطما اسمه «المسيّر» صار لبني عبد الأشهل بعد خروج بني حارثة من دارهم ؛ فإن بني حارثة تحولوا من دارهم هذه إلى غربي مشهد سيدنا حمزةرضي‌الله‌عنه في الموضع المعروف اليوم بيثرب ؛ فكانت بها منازلهم على ما قدمناه عن المطري في الباب الأول. والذي تحرر لي من مجموع كلام الواقدي وابن زبالة وغيرهما أن منازلهم التي استقروا بها وجاء الإسلام وهم فيها كانت في شامي بني عبد الأشهل بالحرة الشرقية. ويؤيد ذلك ما سيأتي في ترجمة الخندق من أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم خطه من أجمة الشيخين طرف بني حارثة كما رواه الطبراني.

وقد قال المطري كما سيأتي عنه : الشيخان : موضع بين المدينة وبين جبل أحد ، على الطريق الشرقية مع الحرة إلى جبل أحد. ويؤيده أيضا أن المطري قد ذكر أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم غدا إلى أحد يوم وقعته على الطريق الشرقية المذكورة ، وسيأتي أنه بات بالشيخين.

__________________

(١) جزن تجاوزن. ذو المهابة : ذو الهيبة. هاب. خاف.


وفي المعارف لابن قتيبة عن ابن إسحاق : فلما سارت قريش لحرب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والمسلمون حتى نزلوا بيوت بني حارثة ، فأقاموا بقية يومهم وليلتهم. ثم خرج في غد ، وذكر انخزال(١) عبد الله بن أبيّ ؛ فتحرر أن بيوت بني حارثة عند الشيخين وفي ناحيتهما.

وقد ذكر ابن إسحاق وغيره أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أجاز ذلك اليوم في حائط لمربع بن قيظ ، واتفق له معه ما سيأتي ذكره : ومربع هذا من بني حارثة وأيضا فقد قدمنا في الفصل الرابع في تحريمها قول أبي هريرة في رواية الإسماعيلي : ثم جاء ـ يعني النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ بني حارثة وهم في سند الحرة. اه. وليس الموضع الذي ذكره المطري في سند الحرة ، بخلاف الموضع الذي قدمناه ، مع أنه يحتمل أن بعض منازل بني حارثة كانت بالموضع الذي ذكره المطري أيضا.

قال ابن زبالة : وابتنوا بها ـ أي بدارهم الثانية ـ أطما يقال له «الريان» عند مسجد بني حارثة كان لبني مجدعة بن حارثة ، وسبب خروج بني حارثة من دار بني عبد الأشهل حرب كانت بينهم وبين عبد الأشهل ، وو الى بنو ظفر بني عبد الأشهل ، ثم هزمهم بنو حارثة وقتلوا سماك بن رافع وكان باغيا ، قتله مسعود أبو محيصة الحارثي ، وظفرت بهم بنو حارثة فأجلوهم أولا ؛ فلحقوا بأرض بني سليم ، فسار حضير بن سماك ببني سليم حتى قاتل بني حارثة ، فقتل منهم ، واشتد عليهم الحصار بأطمهم المسير المتقدم ذكره في دار بني عبد الأشهل ، فسارت بنو عمرو بن عوف وبنو خطمة إليهم ، وقالوا : إما أن تخلّوا سبيلهم ، وإما أن تأخذوا عقل(٢) صاحبكم ، وإما أن تصالحوهم ، فاختاروا أن يجلوهم ، فخرج بنو حارثة إلى خيبر فكانوا بها قريبا من سنة ، ثم رق لهم حضير وطلب صلحهم ، فخرجت السفراء في ذلك حتى اصطلحوا ، وأبت بنو حارثة أن ينزلوا دارهم مع بني عبد الأشهل ، ونزلوا الدار المعروفة بهم اليوم ، اه.

ونزل بنو ظفر وهو كعب بن الخزرج الأصغر بن عمرو بن مالك بن الأوس دارهم شرقي البقيع عند مسجدهم : أي المعروف بمسجد البغلة بجوار بني عبد الأشهل.

وذكر ابن حزم في الجمهرة أن بطون بني عمرو بن مالك بن الأوس [وهم]

__________________

(١) انخزل : ارتد وضعف.

(٢) عاقلة الرجل : ديته. و ـ ودّاه فعقل ديته بالعقل في فناء ورثته.


النبيت : منهم ظفر ، وحارثة ، وبنو عبد الأشهل ، وبنو زعورا بن جشم بن الحارث أخي عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس.

ولم يذكر ابن زبالة بني زعورا في هذه البطون ، بل ولا في بطون الأنصار كلها.

وذكر ابن حزم أن منهم مالك بن التيهان وبني أوس بن عتيك وغيرهم ، وقال في موضع آخر : فولد جشم عبد الأشهل ، بطن ضخم ، وزعورا بطن ، وهم أهل راتج.

ونزل بنو عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس قباء ؛ فابتنوا أطما يقال له «الشّنيف» عند دار أبي سفيان بن الحارث بين أحجار المراء وبين مجلس بني الموالي ، كان لبني ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف ، وأطما في دار عبد الله بن أبي أحمد ، كان لكلثوم بن الهدم من بني عبيد بن زيد بن أظلم أخي بني عبيد بن زيد بن مالك ، وأطما يقال له واقم كان بقباء لأحيحة بن الجلاح الجحجبي ثم صار لبني عبد المنذر بن رفاعة في دية جدهم رفاعة بن زر بن زيد بن أمية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف ، وله يقول كعب بن مالك :

فلا تتهدّد بالوعيد سفاهة

وأوعد شنيفا إن عصيت وواقما

وكان في رحبة بني زيد بن مالك بن عوف أربعة عشر أطما يقال لها : الصّياصي ، وكان لهم أطم بالمسكبة شرقي مسجد قباء ، وأطم يقال له «المستظل» كان موضعه عند بئر غرس ، كان لأحيحة ثم صار لبني عبد المنذر في دية جدهم رفاعة ، ثم خرجت بنو جحجبا بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف من قباء حين قتلوا رفاعة بن زر وغنما أخا بني عمرو بن عوف فسكنوا العصبة ، وهي غربي مسجد قباء ، قال سعد بن عمرو الجحجبي لبشر بن السائب : تدري لم سكنا العصبة؟ قال : لا ، قال : لأنا قتلنا قتيلا منكم في الجاهلية ، فقال بشر : والأمانة لوددت أنكم قتلتم منا آخر وأنكم وراء عير ، يعني الجبل الذي غربي العصبة.

وابتنى أحيحة بن الجلاح بالعصبة أطما يقال له «الضحيان» وهو الأطم الأسود الذي بالعصبة ، وكان عرضه قريبا من طوله ، بناه أولا من بثرة بيضاء(١) فسقط ، يعني من حجارة الحرار البيض. وكان يرى من المكان البعيد ، وفيه يقول أحيحة :

وقد أعددت للحدثان حصنا

لو أنّ المرء تنفعه العقول

طويل الرأس أبيض مشمخرّ

يلوح كأنه سيف صقيل

وابتنوا هم وبنو مجدعة أطما يقال له «الهجيم» عند المسجد الذي صلّى فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد تقدم أن بني أنيف كانوا مع اليهود بقباء ، وأنهم حي من بلى ؛ فلذلك لم يذكر ابن

__________________

(١) البثرة (ج) بثور : حجارة صغيرة.


زبالة منازلهم هنا ، وسيأتي في المساجد عن المطري وتبعه المجد أن بني أنيف بطن من الأوس ، وأن منازلهم كانت بين بني عمرو بن عوف وبين العصبة ، ومأخذ المطري في نسبتهم إلى الأوس قول أهل السير في المغازي : شهد من الأوس كذا وكذا رجلا ، ثم يذكرون فيهم بعض بني أنيف ؛ وذلك لأنهم حلفاء الأوس ، لا لأنهم منهم ، نبه عليه ابن إسحاق حيث قال : شهد بدرا من الأوس بضع وستون رجلا ، فذكر من بني جحجبا جماعة ، ثم قال : ومن حلفائهم من بني أنيف أبو عقيل ، ثم نسبه إلى بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة ، لكن استفدنا من كلام المطري أن منازلهم بين العصبة وقباء ، ويستفاد مما قدمناه عن ابن زبالة أن من منازلهم بئر عذق وما حولها والمال الذي يقال له القائم ، وذلك معروف بقباء.

وخرجت بنو معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف فسكنوا دارهم التي وراء بقيع الغرقد المعروفة بهم ، ولا يشكل عليه ما سيأتي في دور بني النجار من الخزرج من أن حديلة لقب لمعاوية بن عمرو بن مالك بن النجار للاشتراك في الاسم ، ولكن الشهرة ببني معاوية لهؤلاء ، وأولئك يعرفون ببني حديلة ، وقد اشتبه ذلك على المطري فقال في مسجد بني معاوية ـ وهو مسجد الإجابة ـ ما لفظه : هو مسجد بني معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار ، ثم قال في دور بني النجار : إن بني حديلة هم بنو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار ، ودارهم عند بئر حاء ، ثم قال : ودار بني دينار بين دار بني معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار أهل مسجد الإجابة ، ودار بني حديلة ، فذكر أولا أنهم هم ، ثم غاير بينهما ، والصواب المغايرة ، وأن بني حديلة من الخزرج ، وبني معاوية من الأوس ، وقد صرح بتغايرهما أهل السير ، ونسبوهما كما ذكرنا ، ومسجد الإجابة لبني معاوية من الأوص ، والذي أوقع المطري في هذا ما سيأتي عن عياض في بني حديلة إن شاء الله تعالى.

ومن بني معاوية هؤلاء حاطب بن قيس ، وفيه كانت حرب حاطب كما ذكره ابن حزم.

وخرجت بنو السميعة ـ وهم بنو لوذان بن عمرو بن عوف ـ فسكنوا عند زقاق ركيح ، وابتنوا أطما يقال له «السعدان» وموضعه في الربع (حائط هناك) ذكره ابن زبالة ، ولعل الربع هو الحديقة المعروفة اليوم بالربعي ، وكان بنو السميعة يدعون في الجاهلية بنو الصماء ، فسماهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بني السميعة.

ونزل بنو واقف والسلم ابنا امرئ القيس بن مالك بن الأوس عند مسجد الفضيخ ، فكانا هنالك وولدهما.


وابتنى بنو واقف أطما يقال له «الزيدان» وله يقول قيس بن رفاعة :

وكيف أرجو لذيذ العيش بعدهم

وبعد من قد مضى من أهل زيدان

كان لهم عامة موضعه في قبلة مسجد الفضيخ ، وأطما كان موضعه عند بئر عائشة الواقفي ، وغير ذلك ، ثم كان بين السّلم وواقف كلام ، فلطم واقف وهو الأكبر عين السلم ـ وكان شرسا ـ فحلف لا يساكنه ، فنزل السلم على بني عمرو بن عوف ، فلم يزل ولده فيهم ، (ومن بقيتهم سعد بن خيثمة بن الحارث) ثم انقرضوا سنة تسع وتسعين ومائة.

وكان لبني السلم حصن شرقي مسجد قباء ، ذكره ابن زبالة ، وقد ذكر ابن حزم انقراض جميع بني السلم ، قال : وكان قد بلغ عددهم في الجاهلية ألف مقاتل.

قلت : وفي قبلة مسجد الفضيخ عند الحديقة المعروفة بالأشرفية والسابور آثار آطام وقرية وحصن عظيم ، فهي منازل بني واقف.

ونزل بنو وائل بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس في دارهم المعروفة بهم ، وابتنوا أطما يقال له : «الموجا» كان موضعه في مسجد بني وائل.

ونزل بنو أمية بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس في دارهم المعروفة بهم التي بها الكبا يمر فيها سيل مذينيب بين بيوتهم ثم يلتقي هو وسيل بني قريظة بفضاء بني خطمة ، ويؤخذ مما ذكره ابن زبالة في منازل بني النضير بالنواعم قربه منزل بني أمية بن زيد منهم.

وفي صحيح البخاري عن عمررضي‌الله‌عنه قال : كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد ، وهي من عوالي المدينة ، نتناوب النزول على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

قال ابن زبالة : وابتنوا أطما يقال له : «أطم العذق» كان عند الكبا المواجهة مسجد بني أمية ، وأطما كان في دار آل رويفع التي في شرقي مسجد بني أمية.

ونزل بنو عطية بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس بصفنة فوق بني الحبلى ، وصفنة ـ كجفنة ـ بإهمال أوله سميت بذلك لارتفاعها عن السيول فلم تشرب بشيء منها ، وابتنوا فيها أطما اسمه «شاس» كان لشاس بن قيس أخي بني عطية بن زيد ، وهو الذي على يسارك في رحبة مسجد قباء مستقبل القبلة ، ووائل وأمية وعطية بنو زيد هم الجعادرة ، سموا به لأنهم كانوا إذا أجاروا جارا قالوا له : جعدر حيث شئت أي : اذهب حيث شئت ، فلا بأس عليك ، فقال الرمق بن زيد :

وإن لنا بين الجواري وليدة

مقابلة بين الجعادر والكسر

متى تدع في الزيدين زيد بن مالك

وزيد بن قيس تأتها عزة النصر


قالوا : والكسر أمية وعبيد وضبيعة بنو زيد بن مالك بن عوف ، كان يقال لهم كسر الذهب وذلك أراد الرمق بقوله «والكسر» كذا قاله ابن زبالة ، ونقل رزين أن الجعادرة الأوس كلهم فإنه قال فيما نقل عن الشرقي : فولد الأوس مالكا ومن مالك قبائل الأوس كلها ، فولد لمالك عمرو وعوف ومرة ، ويقال لهم : أوس الله ، وهم الجعادرة ، سموا بذلك لقصر فيهم ، اه.

قلت : وسيأتي عن ابن إسحاق في آخر الفصل السابع ما يقتضي أن أوس الله هم بنو أمية بن زيد ووائل وواقف وخطمة ، والله أعلم.

ونزل بنو خطمة ـ وخطمة هو عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس ـ دارهم المعروفة بهم ، وابتنوا بها الآطام ، وغرسوا النخيل ، فابتنوا بها أطما يقال له «صع ذرع» ليس فيه بيوت ، جعلوه كالحصن الذي يتحصنون فيه للقتال ، وكان لخطمة كلها ، وكان موضعه عند مهراس بني خطمة ، وإنما سمي «صع ذرع» لأنه كان عند بئر بني خطمة التي يقال لها ذرع ، وابتنى أمية بن عامر بن خطمة أطما كان موضعه في مال الماجشون الذي يلي صدقة أبان بن أبي حدير.

قلت : والظاهر أنه المسمى اليوم «بالمجشونية» فإن اسمه الأصلي «الماجشونية» على ما تقدم في تربة صعيب.

وقال المطري : منازل بني خطمة لا يعرف مكانها اليوم ، إلا أن الأظهر أنهم كانوا بالعوالي شرقي مسجد الشمس ؛ لأن تلك النواحي كلها ديار الأوس ، وما سفل من ذلك إلى المدينة ديار الخزرج ، اه.

وفي قوله : «وما سفل إلخ» نظر ، والذي يظهر أن أول منازل الخزرج في هذه الجهة منازل بني الحارث كما سيأتي ، وفوقها بنو خطمة ، وسيأتي في وادي بطحان ووادي مهزور ما يؤيد ذلك.

وكان بنو خطمة متفرقين في آطامهم ، لم يكن في قصبة دارهم منهم أحد ، فلما جاء الإسلام اتخذوا مسجدهم ، وابتنى رجل منهم عند المسجد بيتا سكنه ، فكانوا يسألون عنه كل غداة مخافة أن يكون السبع عدا عليه ، ثم كثروا في الدار حتى كان يقال لهم غزة ، تشبيها بغزة الشام من كثرة أهلها.

وقد انتهى الكلام في منازل الأوس وهذه منازل الخزرج.

قال ابن زبالة : ونزل بنو الحارث بن الخزرج الأكبر بن حارثة وهم بلحارث دارهم المعروفة بهم بالعوالي : أي : شرقي وادي بطحان وتربة صعيب ، يعرف اليوم بالحارث بإسقاط بني ، وابتنوا أطما كان لبني امرئ القيس بن مالك وخرج جشم وزيد ابنا الحارث بن


الخزرج وهما التوأمان فسكنا السنح ، وهذا هو المراد بقول ابن حزم : كان سكنى بني الحارث بالسّنح على ميل من مسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم انتهى.

قال ابن زبالة : وابتنوا أطما يقال له «السّنح» وبه سميت الناحية ، ويقال بل اسمه «الريان» انتهى. وبالسّنح كان منزل أبي بكر الصديقرضي‌الله‌عنه بزوجته بنت خارجة بن زيد ، قاله عياض ، قال : وهو منازل بني الحارث بن الخزرج بعوالي المدينة ، وبينه وبين منزل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ميل ، انتهى. فكأن السنح ـ وهو كما قال عياض وغيره بالسين المهملة ثم النون ـ بالقرب من منازل بني الحارث بالعوالي. وخرج عتبة بن عمر بن خديج بن عامر بن جشم بن الحارث بن الخزرج فسكن الشوط وكوم الكومة يقال لها «كومة أبي الحمراء» ثم رجع في السنح. وخرجت بنو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج حتى سكنوا الدار التي يقال لها «جرار سعد» مما يلي سوق المدينة ، وخرجت بنو الأبجر وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج وهم بنو خدرة أخوة بني خدارة فسكنوا دارهم المعروفة ببني خدرة ، وابتنوا أطما يقال له «الأجرد» وهو الأطم الذي يقال لبئره البصة ، كان لمالك بن سنان جد أبي سعيد الخدري ، وذكر ابن حزم للحارث بن الخزرج الأكبر ابنا اسمه الخزرج ابن الحارث ، وقال فيه : فولد الخزرج كعبا ، فسار بعض بنيه إلى الشام مع غسان ، فليس من الأنصار ، ثم سمى من بقي منهم الأنصار.

ونزل سالم وغنم ابنا عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأكبر الدار التي يقال لها «دار بني سالم» على طرف الحرة الغربية غربي الوادي الذي به مسجد الجمعة ببطن رانونا ، وابتنوا آطاما : منها «المزدلف» أطم عتبان بن مالك ، قاله المطري ، وقال : المزدلف هو الأطم الذي بناه عتبان بن مالك ، كان لمالك بن العجلان السالمي ، وله يقول مالك «إنّي بنيت للحروب المزدلف» ومنها «الشماخ» كان خارجا عن بيوت بني سالم من جهة القبلة ، ومنها أطم «القواقل» وهو الذي في طرف بيوت بني سالم مما يلي ناحية العصبة ، كان لبني سالم بن عوف ، وتسميته بذلك يرجح ما ذكره ابن سيد الناس من أن القواقل(١) بنو غنم وبنو سالم ابني عوف ، سموا بذلك لأنهم كانوا إذا أجاروا جارا قال له : قوقل حيث شئت ، وأفهم سياق بعضهم أن القواقل بعض بني سالم بن غنم ، وهم بنو الحبلى ، وما

__________________

(١) قوقل : ارتقى في الجبل وصعد.


قدمناه هو الظاهر ؛ لما سيأتي في خروجهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من قباء إلى المدينة. وقال ابن حزم : ولد عوف بن عمر وسالم بطن ، وغنم بطن ، وعنز بطن ، وهو قوقل ، وذكر من ولده عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن قوقل بن عوف بن عمرو.

ونزل بنو غصينة حي من بلى حلفاء لبني سالم عند مسجد بني غصينة.

ونزل بنو الحبلى ـ بلفظ المرأة الجبلى ـ واسمه مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأكبر الدار المعروفة بهم بين قباء وبين دار ابني الحارث بن الخزرج التي شرقي وادي بطحان وصعيب ، كذا قاله المطري ، وأظن مستنده ما تقدم في منازل الأوس من قول ابن زبالة : ونزل بنو عطية بن زيد بن قيس بصفنة فوق بني الحبلى إلى آخره ، وقال ابن حزم : كانت دار بني الحبلى بين دار بني النجار وبين بني ساعدة.

قلت : وسيأتي في خروجهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من قباء إلى المدينة ما يؤيده ، وكذلك مرورهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعبد الله بن أبي في ذهابه لعيادة سعد بن عبادة ، وما ذكره من أن الحبلى اسمه مالك بن سالم ذكره ابن زبالة ، وقال ابن هشام : الحبلى سام بن غنم بن عوف ، وإنما سمي الحبلى لعظم بطنه ، انتهى.

وذكر ابن حزم نحوه ، والظاهر أن الحبلى كان يطلق على سالم والد مالك المذكور ، ثم اشتهر به ابنه هذا من بني بنيه ، وحينئذ فيحمل ما تقدم عن ابن زبالة في نزول بني عطية بن زيد بصفنة فوق بني الحبلى ، على أن المراد

دار سالم بن غنم في دار بني سالم ؛ لكونه ذكر في آطام بني الحبلى هؤلاء ما يوافق كلام ابن حزم في نزولهم قرب دار بني ساعدة ، فقال : وابتنوا آطاما منها «مزاحم» بين ظهران بيوت بني الحبلى ، وهو لعبد الله بن أبي بن سلول. ومنها أطم كان بين مال عمارة بن نعيم البياضي وبين مال ابن زمانة. ومنها أطم كان في جوف بيوتهم. انتهى. وسيأتي في منازل بني ساعدة ذكر الحماضة ، وهي مذكورة في منازل بني بياضة ، وقد صرح ابن حزم وغيره من أهل السير وعلماء النسب بأن عبد الله بن أبي من بني الحبلى من الخزرج ؛ فالظاهر أن ما وقع للحافظ ابن حجر في حديث زوجة ثابت بن قيس بن شماس في الخلع من أن عبد الله بن أبي من بني مغالة من بني النجار وهم. نعم داره غربي المسجد قريبة من دار بني مغالة فيما يظهر. والله أعلم.

ونزل بنو سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن شاردة بن تزيد (بالمثناة من فوق) بن جشم بن الخزرج الأكبر ما بين مسجد القبلتين إلى المذاد أطم بني حرام في سند تلك الحرة ، وكانت دارهم هذه تسمى خربى. قال ابن زبالة : فسماها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «طلحة» كذا هو في نسخة ابن زبالة بالطاء ، ونقله عنه الزين المراغي أيضا كذلك كما رأيته بخطه.


ولعل الصواب ما ذكره المجد في تاريخه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم سماها «صلحة» بضم الصاد المهملة وسكون اللام ، وقال في قاموسه : خربا كحبلى : منزلة كانت لبني سلمة غيّرهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم وسماها صالحة.

ونزل بنو سواد بن غنم بن كعب بن سلمة عند مسجد القبلتين إلى أرض ابن عبيد الديا ناري ، ولهم مسجد القبلتين ، قاله ابن زبالة ، وهو يرد ما سيأتي عن المطري وغيره من أن المسجد لبني حرام ، وابتنوا أطما يقال له «الأغلب» كان على المهد الذي عليه الأحجار التي يستريح عليها السقاءون حين يفيضون من زقاق رومة إلى بطحان ، وأطمأ يقال له «خيط» في شرقي مسجد القبلتين على شرف الحرة وعند منقطع السهل من أرض بني سلمة ، وأطما يقال له «منيع» في يماني مسجد القبلتين على ظهر الحرة يمين الحزن الذي في أرض ابن أبان أو دون ذلك قليلا.

ونزل بنو عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة عند مسجد الخربة إلى الجبل الذي يقال له الدويخل جبل بني عبيد ، ولهم مسجد الخربة ، وابتنوا «الأشنق» وهو المواجه لمسجد الخربة ، كان للبراء بن معرور صخر بن حسان بن سنان بن عبيد ، وابتنوا «الأطول» عند قبلة مسجد الخربة أو عن يسارها.

ونزل بنو حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة عند مسجد بني حرام الصغير الذي بالقاع بين الأرض التي كانت لجابر بن عتيك والأرض التي كانت لمعبد بن مالك ، وكانوا بين مقبرة بني سلمة إلى المذاد ، والمذاد : هو الذي يقول له كعب بن مالك :

فليأت مأسدة تسن سيوفها

بين المذاد وبين جزع الخندق

وهو أطم لهم سميت به الناحية ، وابتنوا أطما يقال له «جاعس» كان في السهل بين الأرض التي كانت لجابر بن عتيك وبين العين التي عملها معاوية بن أبي سفيان ، كان لعمرو بن الجموح جد جابر بن عبد الله بن عمرو.

قلت : وهذه العين لعلها التي ذكر ابن النجار أنها تأتي إلى النخل الذي بأسفل المدينة حوالي مسجد الفتح ، يعني في غربيه ، ويعرف ذلك الموضع بالسّيح ـ بالسين المهملة والمثناة التحتية ـ كما قال المطري ، والله أعلم.

وابتنى بنو مر بن كعب بن سلمة ـ وهم حلفاء بني حرام ـ أطما يقال له «أخنس» وهو الأسود القائم في بني سلمة في غربي الحائط الذي كان لجابر بن عتيك مما يلي جبل بني عبيد ، ذكره ابن زبالة.

وقوله «عند مسجد بني حرام الصغير» يفهم أن لهم مسجدا آخر كبيرا ، وهو الآتي في منزلهم الثاني بشعب سلع ، وسيأتي في المساجد وصف مسجد بني حرام الذي صلّى فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأنه بالقاع ، وأنه لم يصل في مسجدهم الأكبر.


وكل هؤلاء بنو سلمة ، وكانوا بهذه الدور ، وكلمتهم واحدة ، وملكوا عليهم أمّة بن حرام ، فلبث فيهم زمانا حتى هلك رجل من بني عبيد ذو أموال كثيرة ، له ولد واحد اسمه صخر ، فأراد أمة أن ينزع طائفة من أمواله فيقسمها في بني سلمة ، فعظم ذلك على صخر ، وشكا ذلك على بني عبيد وبني سواد ، وقال : إن فعل أمة ذلك لأضربنه بالسيف ، وسألهم أن يمنعوه إن هو فعل ، فأطاعوا له ، فلما فعل أمة ذلك ضربه صخر فقطع حبل عاتقه ، وقامت دونه بنو عبيد وبنو سواد ، فنذر أمة أن لا يؤويه ظل بيت ما عاش حتى يقتل بنو سلمة صخرا أو يأتوه به فيرى فيه رأيه ، وجلس أمة عند الضرب الذي فوق مسجد الفتح مما يلي الجرف في الشمس ، فمرت به وليدة حطابة فقالت : مالك يا سيدي هنا في الشمس؟ فقال :

إن قومي أجمعوا لي أمرهم

ثم نادوا لي صخرا فضرب

إنني آليت لا يسترني

سقف بيت من حرور ولهب

أبدا ما دام صخر آمنا

بينهم يمشي ولا يخشى العطب

فذهبت الجارية ، فأخبرتهم ، فربطوا صخرا ثم أتوه به ، فعفا عنهم وأخذ الذي كان يريد أن يأخذ من أمواله ؛ فهذا خبر ما دخل بين بني سلمة.

وروى ابن شبة عن جابر بن عبد الله أن بني سلمة قالوا : يا رسول الله ، نبيع دورنا ونتحول إليك ، فإن بيننا وبينك واديا؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اثبتوا فإنكم أوتادها ، وما من عبد يخطو إلى الصلاة خطوة إلا كتب الله له أجرا».

وروى أيضا عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة قال : شكا أصحابنا ـ يعني بني سلمة وبني حرام ـ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن السيل يحول بينهم وبين الجمعة ، وكانت دورهم مما يلي نخيلهم ومزارعهم في مسجد القبلتين ومسجد الخربة ، فقال لهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «وما عليكم لو تحولتم إلى سفح الجبل» يعني سلعا ، فتحولوا ؛ فدخلت حرام الشّعب ، وصارت سواد وعبيد إلى السفح.

قلت : وشعب بني حرام معروف بسلع ، وهناك آثار منازلهم وآثار مسجدهم في غربي جبل سلع على يمين السالك إلى مساجد الفتح من الطريق القبلية ، وعلى يسار السالك إلى المدينة وعلى مقربة من محاذاته في جهة المغرب حصن خل.

وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن جابر بن عبد الله قال : كان السيل يحول بين بني حرام وبين مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فنقلهم عمر بن الخطاب إلى الشعب ، وكلهم قوما


كانوا فيه من أهل اليمن يقال لهم بنو ناغضة ، فانتقلوا إلى الشعب الذي تحت مسجد الفتح ، فآثارهم هناك ، واشترت بنو حرام غلاما روميّا من أعطياتهم ، وكان ينقل الحجارة من الحرة وينقشها ، فبنوا مسجدهم الذي في الشعب وسقفوه بخشب وجريد ، وكان عمر بن عبد العزيز زاد فيه مدماكين من أعلاه ، وطابق سقفه ، وجعل فيه ذيت مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

قلت : وآثار خرز أساطينه وما تكسر منها موجود اليوم فيه ، يعرف محله بالشعب المذكور.

وقد روى المجد في فضل المساجد الخبر المتقدم ، إلا أنه قال : وجعل فيه ذيت مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم قال : والذيت الساج الذي يظهر على الحائط ، انتهى. ولم يضبطه غير أنه بالذال في كتابه ، والذي في كتاب ابن زبالة ويحيى ما قدمناه ، والله أعلم.

ونزل بنو بياضة وزريق ابنا عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج الأكبر ، وبنو حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب ، وبنو عذارة وهم بنو كعب بن مالك بن غضب ، وبنو الليل وهم بنو عامر بن مالك بن غضب ، وبنو أجدع وهم بنو معاوية بن مالك بن غضب دار بني بياضة. قال المطري : فيما بين دار بني سالم بن عوف بن الخزرج التي عند مسجد الجمعة إلى وادي بطحان قبلي دار بني مازن بن النجار.

قلت : الذي يترجح عندي أن دارهم كانت في شامي دار بني سالم بن عوف وقبلي دار بني مازن ، ممتدة في الحرة الغربية ، حتى إن في كلام ابن زبالة ما يقتضي أن بعض منازلهم تمتد إلى منازل بني ساعدة لما سنذكره.

وابتنوا بدارهم الآطام ، وروى ابن زبالة أنه كان بدارهم تسعة عشر أطما ، وأن الذي أحصاه لبني أمية بن عامر بن بياضة خاصة ثلاثة عشر أطما : منها أطم أسود في يماني أرض فراس بن ميسرة ، كان في الحرة ، ومنها «عقرب» كان في شامي المزرعة المسماة بالرحابة في الحرة على الفقارة ، ومنها «سويد» كان في شامي الحائط الذي يقال له الحماضة ، ولصاحبه كانت الحماضة ، وسيأتي ذكر الحماضة في منازل بني ساعدة ، لكن يبعد أن يكون هي المراد هنا ، ومنها «اللواء» كان موضعه في حد السرارة بينه وبين زاوية الجدار الشامي الذي يحيط على الحماضة عشرون ذراعا ، ومنها أطم كان في السرارة ، والسرارة : ما بين أرض ابن أبي قليع إلى منتهى الحماضة ، وما بين الأطم الذي يقال له


اللواء إلى الجدار الذي يقال له بيوت بني بياضة ، والجدار الذي بناه زياد بن عبيد الله لبركة السوق وسط السرارة ، قاله ابن زبالة ، وهو يقتضي أن السرارة قرب سوق المدينة ، ويؤيده ذكر الحماضة في منازل بني ساعدة ، لكن الظاهر أن المراد ببركة السوق هنا بركة كانت مما يلي سيل بطحان ورانونا ؛ لأن ابن شبة قال في سيل رانونا : إنه يقترن بذي صلب ، يعني موضع مسجد الجمعة ، ثم يستبطن السرارة حتى يمر على قعر البركة ، ثم يفترق فرقتين ، إلى آخر ما سيأتي عنه.

ونقل رزين أن السرارة بين بني بياضة والحماضة. ثم ذكر ابن زبالة بقية آطامهم ، وذكر ما يقتضي أن ما حول السرارة هو أقصى بيوت بني بياضة. ثم قال : وابتنى بنو حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج الأطم الذي في أدنى بيوت بني بياضة الذي دونه الجسر الذي عند ذي ريش. ثم قال : فلبث بنو غضب بن جشم بن الخزرج ـ أي الفرق المذكورين كلهم ـ في دار بني بياضة ، وأمرهم جميع ، ثم إن زريق بن عامر هلك فأوصى ببنيه إلى عمه حبيب بن عبد حارثة ، فكان حبيب يكلفهم النّضح بأيديهم ، فلما اشتد عليهم عدوا عليه فقتلوه ، فحالف بنو حبيب بني بياضة على نصرهم على بني زريق ، فخافت بنو زريق أن يكثروهم. وكانت بنو بياضة حينئذ أثرى من بني زريق ، فخرجوا من دار بني بياضة حتى حلوا دارهم المعروفة بهم قبليّ المصلى وسور المدينة الموجود اليوم وداخله بالموضع المعروف بذروان وما والاه ، وابتنوا آطاما منها أطم في زاوية دار كبير بن الصلت بالمصلى ، وأطما يقال له «الريان» عند سقيفة آل سراقة التي يقال لها «سقيفة الريان» وأقام بنو عمرو بن عامر بن زريق مع بني بياضة ، ولهم الأطم الذي في شامي أرض فراس بن ميسرة في أدنى بيوت بني بياضة مما يلي السبخة ، فلبثوا هناك حتى انتقل رافع بن مالك هو وولده قبيل الإسلام فسكنوا طرف السبخة ما بين الأساس إلى طرف السبخة إلى الدار التي فيها يسكن إسحاق بن عبيد بن رفاعة ، وكان يقال لرافع بن مالك «الكامل» لأن أهل الجاهلية كانوا يقولون لمن كان كاتبا شاعرا «الكامل» وانتقل سائر بني عمرو بن عامر بعد ذلك ، فاشتروا من بني عوف بن زريق بعض دورهم وحقوقهم ، وخرجت بنو عوف بن زريق قبيل الإسلام إلى الشام ؛ فيزعمون أن هنالك ناسا منهم ، ولبث بنو بياضة وبنو حبيب زمانا لا يقاتلون بني زريق ، والرسل تجري بينهم ، وبنو زريق يدعونهم إلى الصلح والدية ، وعرضوا على بني حبيب أن يقطعوا لهم طائفة من ديارهم ، فقبلوا ذلك ، ووضعوا الحرب ، وسمي الزقاق الذي دفعوه لهم «زقاق الدية» وانتقل بنو مالك بن زيد بن حبيب بن عبد حارثة من بني بياضة ، ونزلوا الناحية التي ودت بنو زريق ، وابتنوا أطما كان لبني المعلى بن لوذان ، وتخلف بنو الصمة بن حارثة بن


الحارث بن زيد بن حبيب في بني بياضة ، فلبثت بنو المعلى بن لوذان في بني زريق ما شاء الله.

ثم إن عبيد بن المعلى قتل حصن بن خالد الزرقي ، فأراد بنو زريق أن يقتلوه ، ثم بدا لهم أن يدوا حصن بن خالد من أموالهم عن عبيد على أن يحالفهم بنو المعلى ، ويقطعون حلفهم مع بني بياضة ، ففعلوا ، وكان عامر بن زريق بن عبد حارثة والد زريق وبياضة لما حضرته الوفاة أوصى ابنه بياضة بالصبر في الحروب وشدة البأس ، وأوصاه بأخيه زريق وكان أصغرهما ، فقال بعض شعرائهم في ذلك :

بالصّبر أوصى عامر بياضه

ويقال للأوس والخزرج : أبطأهم فرة وأرعهم كرة بنو بياضة وبنو زريق وبنو ظفر ، وإن الأوس والخزرج لم يلتقوا في موطن قط إلا كان لهذه القبائل فضل بيّن على غيرهم من بطون الأوس والخزرج.

وأما بنو عذارة بن مالك بن غضب بن جشم فكانوا أقل بطون بني مالك بن غضب عددا ، وكانوا قوما ذوي شراسة وشدة أنفس ، فقتلوا قتيلا من بعض بطون بني مالك بن غضب إما من بني اللين أو بني أجدع ، وأبى أهل القتيل الدية ، وذهبوا إلى بني بياضة ليعينوهم على بني عذارة حتى يعطوهم القاتل ، فكلمات بنو بياضة بني عذارة في ذلك ، فأبوا أن يخلوا بينهم وبينه ، فأرادت بنو بياضة أن يأخذوه عنوة(١) ، فخرجوا من دار بني بياضة حتى نزلوا قباء على بني عمرو بن عوف فحالفوهم وصاهروهم ، وامتنعوا من بني بياضة ، ثم إنه دخل بين بني عذارة وبين بني عمرو بن عوف قبيل الإسلام أمر ، فأجمعوا أن ينتقلوا من عندهم إلى بني زريق ، وكرهوا أن يرجعوا إلى بني بياضة ، فجاؤوهم وذكروا لهم ذلك ، فلقوهم بما يحبون ، وسددوا رأيهم(٢) ، وأتوا أبا عبيدة سعيد بن عثمان الزرقي فذكروا له ذلك ، فرحب بهم وذكر شرفهم وفضلهم ، ثم قال : إني أشير عليكم أن ترجعوا إلى أخوالكم ـ يعني : بني عمرو بن عوف ـ ولا تنتقلوا إلى بني زريق ، فإن في أخلاقكم شراسة وفي أخلاق بني زريق مثلها ، فتفرقوا عن رأيه ، فلم يزالوا كذلك إلى أن فرض المهدي للأنصار سنة ستين ومائة ، فانتقلوا بديوانهم إلى بني بياضة ، وكان بطنان من بطون بني مالك بن غضب ممن كان بدار بني بياضة ـ لا ندري أهم من الليلن أم من أجدع ـ كان

__________________

(١) عنوة : قسرا.

(٢) سدد رأيه : أصاب في قوله وفعله.


بينهم ميراث في الجاهلية ، فاشتجروا فيه ، فلما رأوا أنهم لا يستقيمون فيه على أمر تداعوا إلى أن يدخلوا حديقة كانت في بني بياضة فيقتتلوا فيها ، فدخلوا جميعا ثم أغلقوها ، فاقتتلوا حتى لم يبق منهم عين تطرف ، فسميت تلك الحديقة «حديقة الموت» وكان بنو مالك بن غضب سوى بني زريق ألف مقاتل في الجاهلية ، وأما بنو أجدع فلم يبق منهم أحد ، وأما بنو اللين فكان بقي منهم رجلان ثم انقرضا لا عقب لهما.

وذكر ابن حزم : أن زيد بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب المتقدم ذكر بنيه كان له أخ ، وهو عبد الله بن حبيب ، وأن عبد الله بن حبيب هذا ولد أبى جبيلة الغساني الذي جلبه مالك بن العجلان لقتل اليهود بالمدينة كما قدمنا الإشارة إليه ، والله أعلم.

ونزل بنو ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر مفترقين في أربع منازل : فنزل بنو عمرو وبنو ثعلبة ابنا الخزرج بن ساعدة دار بني ساعدة التي بين السوق ـ أي سوق المدينة ـ وبين بني ضمرة ؛ فهي في شرقي سوق المدينة مما يلي الشام. وقال المطري : قرية بني ساعدة عند بئر بضاعة ، والبئر وسط بيوتهم. قال ابن زبالة : فابتنوا أطما يقال له «معرض» في الدار المواجهة مسجد بني ساعدة ، وهو آخر أطم بني بالمدينة ، وقدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة وهم يبنونه ، فاستأذنوه في إتمامه ، فأذن لهم فيه ، وله يقول شاعرهم :

ونحن حمينا عن بضاعة كلّها

ونحن بنينا معرضا فهو مشرف

فأصبح معمورا طويلا فدى له

وتخرب آطام بها وتصفصف

وأطما في دار أبي دجانة الصغرى التي عند بضاعة ، ونزلت بنو قشبة ـ واسم قشبة عامر بن الخزرج بن ساعدة ـ قريبا من بني حديلة ، وابتنوا أطما عند خوخة عمرو بن أمية الضّمري.

قلت : فمنزلهم في شرقي بني ضمرة ، والمنزل المذكور قبل ، والله أعلم.

ونزلت بنو أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة ـ وهم رهط سعد بن عبادة الدار التي يقال لها جرار سعد وهي جرار كان يسقي الناس فيها الماء بعد موت أمه. قال ابن زبالة : عرض سوق المدينة ما بين المصلى إلى جرار سعد بن عبادة.

قلت : فهي مما يلي السوق ، فإما أن يكون من جهة المشرق والمصلى حده من جهة المغرب ، فيشهد ذلك لأنها الموضع المعروف اليوم بين أهل درب السويقة بسقيفة بني ساعدة ، ويكون إطلاق السقيفة على ذلك المحل صحيحا ، لا كما قال المطري : إنها بقرية ببني ساعدة عند بئر بضاعة ؛ لأن سعد بن عبادة لم يكن هناك ، وإنما كان مع رهطه في منزلهم ، والسقيفة كانت عند منزله ، وإما أن يكون جرار سعد مما يلي السوق من جهة


الشام ، ويكون المصلى حده القبلي ، وهذا هو الأرجح ؛ لأن الجهة التي بالمشرق مما تقدم إنما هي من منازل بني زريق ، والله أعلم.

قال ابن زبالة : فابتنوا أطما يقال له واسط ، وقد تقدم أن بني خدارة نزلوا بجرار سعد أيضا ، فكأنها كانت منزلها ، وبنو خدارة من بني الحارث بن الخزرج كما تقدم ، فدارهم المرادة في حديث عيادة سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج ، لا دار بني الحارث المعروفة بهم لبعدها جدا عن منازل بني ساعدة ، وليسوا قوم سعد إلا من حيث إن الكل من الخزرج.

وفي حديث عائشة في الصحيح بعد قول عروة لها : ما كان يعيشكم؟ قالت : الأسودان التمر والماء ، إلا أنه قد كان لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم جيران من الأنصار كانت لهم منائح ، الحديث.

قال الحافظ ابن حجر في بيان ذلك : جيرانهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الأنصار سعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو بن حزم وأبو أيوب وسعد بن زرارة ؛ فيبعد كون سعد بن عبادة في دار بني الحارث لعده في الجيران ، ومأخذ الحافظ ابن حجر في ذلك ما رواه ابن سعد عن أم سلمة قالت : كان الأنصار يكثرون إلطاف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : سعد بن عبادة ، وسعد بن معاذ ، وعمارة بن حزم ، وأبو أيوب ، وذلك لقرب جوارهم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم انتهى ، والله أعلم.

ونزلت بنو وقش وبنو عنان ابنا ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة الدار التي يقال لها «بنو ساعدة» ويقال لها أيضا «بنو طريف» وهي بين الحماضة وجرار سعد ، وسيأتي في ترجمة الشوط ما يقتضي أن لبني ساعدة منزلا في شامي مسجد الراية ، والظاهر أنه هذا المنزل ، والله أعلم.

ونزل بنو مالك بن النجار دارهم المعروفة بهم ، فابتنى بنو غنم بن مالك أطما يقال له «فويرع» وفي موضعه دار حسن بن زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب ،رضي‌الله‌عنه !

قلت : وهي الدار المقابلة لدار جعفر الصادق التي في قبلة المدرسة الشهابية ، كما سيأتي نقله عن ابن شبة.

وابتنى بنو مغالة ـ وهم بنو عدي بن عمرو بن مالك ، ومغالة أم عدي ـ أطما يقال له «فارع» وهو الأطم الذي واجه دور بني طلحة بن عبيد الله ، ودخل في دار [جعفر] بن يحيى بن خالد بن برمك ، وله يقول حسان بن ثابت :

أرقت لتوماض البروق اللوامع

ونحن نشاوى بين سلع وفارع

قاله ابن زبالة.


وقال الزين المراغي : إن هذا الأطم كان لثابت والد حسان بن ثابت ، وإنه دخل في الدار المواجهة لباب الرحمة التي كانت دار عاتكة ، ومأخذه في ذلك أن دار عاتكة من جملة دار جعفر بن يحيى ، لكن سيأتي من كلام ابن زبالة ويحيى عند ذكر أبواب المسجد أن دار جعفر بن يحيى ، لكن سيأتي من كلام ابن زبالة ويحيى عند ذكر أبواب المسجد أن دار جعفر بن يحيى دخل فيها بيت عاتكة وفارع أطم حسان بن ثابت ، وبيّنا محله هناك في شامي الدار المذكورة ، أعني دار عاتكة ، وفارع هذا هو الأطم الذي كانت به صفية عمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم الخندق وعندها حسان.

وفي مسلم في حديث ابن صياد «فوجده عند أطم بني مغالة».

قال عياض : بنو مغالة كل ما كان على يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل المسجد النبوي.

وابتنى بنو حديلة (بضم الحاء المهملة) وهو ـ كما قال ابن زبالة وغيره ـ لقب معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار أطما يقال له «مشعط» كان في غربي مسجدهم الذي يقال له «مسجد أبي» يعني أبي بن كعب ، وفي موضعه بيت يقال له «بيت أبي نبيه» وقد أسند ابن زبالة عقب ذكره الحديث المتقدم «إن كان الوباء في شيء فهو في ظل مشعط» وذكر ابن شبة قصر بني حديلة ، وقال : بناه معاوية بن أبي سفيانرضي‌الله‌عنه ليكون حصنا ، قال : وله بابان : باب شارع على خط بني حديلة ، وباب في الزاوية الشرقية اليمانية عند دار محمد بن طلحة التّيمي ، وفي وسطه بئر حاء ، انتهى.

وقال عياض في المشارق : بئر حاء : موضع يعرف بقصر بني حديلة ، وقد قال ابن إسحاق : بنو عمرو بن مالك بن النجار هم بنو حديلة ، أي لأن حديلة بطن منهم ؛ لما قدمناه من أنه لقب أبيهم معاوية بن عمرو بن مالك.

قلت : فليس بنو حديلة هؤلاء بني معاوية من الأوس أهل مسجد الإجابة كما قدمناه ولكن الاشتراك في الاسم أوجب الوهم ، فقد وقع للقاضي عياض في المشارق ما يخالف كلام عامة الناس ، فقال : قال الزبير : كل ما كان من المدينة عن يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بنو مغالة ، والجهة الأخرى أي التي على يسارك بنو حديلة ، وهم بنو معاوية وهم من الأوس.

قال الجوهري : هي قرية من قرى الأنصار ، قال القاضي : هم بطن من الأنصار سميت جهتهم بهم ، وهم أيضا بنو حديلة (بحاء ودال مهملتين) وحديلة أمهم ، انتهى.

والذي نقله غيره عن الزبير أن بني حديلة من بني النجار من الخزرج ، وبنو معاوية من الأوس غيرهم ، وقد قدمناه عن ابن زبالة شيخ الزبير ، وقد ذكر ابن حزم في الجمهرة


معاوية من الأوس ، وذكر بني حديلة من الخزرج ، فقال وولد مالك بن النجار معاوية وأمه حديلة فنسب إليها ، والظاهر أن قول القاضي «وهم من الأوس» ليس من كلام الزبير في هذا الموضع ، ولكن القاضي لما رأى قوله «وهم بنو معاوية» ظن أنهم بنو معاوية من الأوس ، وهذا موجب ما وقع للمطري من الخبط في هذا المحل ، حيث غاير بينهما مرة وجعلهما متحدين أخرى ، ولا يصح الجمع بما ذكره المراغي من احتمال أن يكون بنو معاوية بطنا أو فخذا من بني حديلة ؛ لما قدمناه.

وابتنى بنو مبذول ـ واسمه عامر بن مالك بن النجار ـ أطما يقال له «السلج» وأطما كان في دار آل حييّ بن أخطب كان لبني مالك بن مبذول ، وأطما كان في دار سرجس مولى الزبير التي إلى بقيع الزبير كان لآل عبيد بن النعمان أخي النعمان بن عمرو بن مبذول ، وبقيع الزبير ذكر في أماكن يؤخذ منها أنه كان في شرقي الدور التي تلي قبة المسجد النبوي إلى بني زريق ، وإلى بني غنم ، وإلى البقال(١) كما سيأتي.

ونزل بنو عدي بن النجار دارهم المعروفة بهم غربي المسجد النبوي ، على ما قاله المطري ، وكان بها الأطم الذي في قبلة مسجدهم ، وابتنوا أطما يقال له «أطم الزاهريرة» امرأة سكنته كان في دار النابغة عند المسجد الذي في الدار.

ونزل بنو مازن بن النجار دارهم المعروفة بهم قبلى بئر البصة ، وتسمى الناحية اليوم أبو مازن ، غيّرها أهل المدينة.

قال المطري : وابتنوا بها أطمين أحدهما يقال له «واسط» قلت : والذي يؤخذ من كلام ابن شبة الآتي في منازل القبائل أن منازل بني مازن كانت في قبلة المدينة شرقي منازل بني زريق قريبة منها ، والله أعلم.

ونزل بنو دينار بن النجار دارهم التي خلف بطحان المعروفة بهم ، وابتنوا أطما يقال له «المنيف» عند مسجدهم الذي يقال له مسجد بني دينار ، قاله ابن زبالة ، وقال المطري في بيان هذا المسجد : ودار بني دينار بن النجار بين دار بني حديلة ودار بني معاوية أهل مسجد الإجابة ، ودار بني حديلة عند بئر حاء ، اه.

ولا أدري من أين أخذ هذا ، وما ذكره ابن زبالة أقرب وأولى بالاعتماد لأمور سنذكرها في بيان مسجدهم.

قال ابن زبالة : وزعم بنو دينار أنهم نزلوا أولا دار أبي جهم بن حذيفة العدوي ، وكانت امرأة منهم هنالك ، وكان لها سبعة إخوة ، فوقفت على بئر لهم بدار أبي جهم ومعها مدرى لها من فضة فسقط منها في البئر ، فصرخت بإخوتها ، فدخل أولهم يخرجه

__________________

(١) البقال : اسم موضع.


فأسر ، فاستغاث ببعض إخوته حتى دخلوا جميعا فماتوا في تلك البئر ، فهذه منازل بني النجار.

قال المطري وتبعه من بعده : إن دار النابغة المتقدمة في بني عدي كانت غربي مسجد الرسول ، وهي دار بني عدي بن النجار ، ومسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم وما يليه من جهة الشرق دار بني غانم بن مالك بن النجار ، ودور بني النجار بالمدينة وما حولها من الشمال إلى مسجد الإجابة ، والنجار : هو تيم الله بن ثعلبة ، وسمي بذلك لأنه ضرب رجلا فنجره ، فقيل له : النجار ، وفي دور بنيه هؤلاء قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «خير دور الأنصار بنو النجار ثم بنو عبد الأشهل» وهم من الأوس كما سبق. وفي رواية أخرى : «ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ قالوا : بلى ، قال : بنو عبد الأشهل ، وهم رهط سعد بن معاذ ، قالوا : ثم من يا رسول الله قال : ثم بنو النجار» وراويهما واحد ، وقد صحتا ، فاختلف عليه ، وتقديم بني النجار روى عن أنس من غير اختلاف عليه ، ولها مؤيدات أخرى ، وهم أخوال عبد المطلب جد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولذلك نزل عليهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما سيأتي ، ثم ذكر في الرواية المذكورة بعد بني عبد الأشهل بني الحارث بن الخزرج أي الأكبر «ثم بنو ساعدة» وقال في هذه الرواية أيضا «وفي كل دور الأنصار خير» وكأن المفاضلة وقعت بحسب السبق إلى الإسلام ، وبحسب مساعيهم في إعلام كلمة الله.

قال ابن زبالة عقب ذكر جميع منازل الأنصار المتقدمة : ونزل بنو الشطبة حين قدموا من الشام ميطان ، فلم يوافقهم ، فتحولوا قريبا من جذمان ، ثم تحولوا فنزلوا براتج ، فهم أحد قبائل راتج الثلاث ، وقد ذكر راتج في منازل يهود فقال : وكان براتج ناس من اليهود ، وكان راتج أطما سميت به تلك الناحية ، ثم صار لبني الجذماء ، ثم صار بعد لأهل راتج الذين كانوا حلفاء بني عبد الأشهل ، وهو الذي يقول له قيس بن الخطيم :

ألا إن بين الشّرعبى وراتج

البيت.

وقد قدمنا عن ابن حزم أن أهل راتج هم بنو زعورا بن جشم أخي عبد الأشهل بن جشم ، وذكر أيضا أن من أهل راتج بني سعد بن مرة بن مالك بن الأوس.

وقال المطري : راتج جبيل صغير غربي وادي بطحان ، وبجنبه جبيل آخر صغير يقال له : جبل بني عبيد ، انتهى. وسيأتي ما ينازع فيه مع بيان أن راتجا في ناحية مسجد الراية.


الفصل السادس

فيما كان بينهم من حرب بعاث

نقل رزين عن الشرقي أن الأوس والخزرج لبثوا بالمدينة ما شاء الله وكلمتهم واحدة ، ثم وقعت بين الأوس والخزرج حروب كثيرة حتى لم يسمع قط في قوم أكثر منها ولا أطول.

الحروب قبل بعاث

أولها : حرب سمير ، وسببه رجل من بني ثعلبة كان حليفا لمالك بن العجلان ، قتله رجل من الأوس يقال له سمير بالمهملة مصغرا. ثم حرب كعب بن عمرو ، ثم يوم السرارة ، وهو موضع بين بني بياضة والحماضة ، ثم يوم الديك ، وهو موضع أيضا ، ثم حرب بعاث ، وهو كان آخرها ، قتل فيه سراة الأوس والخزرج ورؤسائهم.

قلت : في كلام بعضهم أنه كان بين الأوس والخزرج وقائع من أشهرها يوم السرارة ، ويوم فارع ، ويوم الفجار الأول والثاني ، وحرب حضير بن الأسلت ، وحرب حاطب بن قيس ، إلى أن كان آخر ذلك يوم بعاث ، فقول الخطابي «يوم بعاث يوم مشهور كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج ، وبقيت الحرب قائمة مائة وعشرين سنة إلى الإسلام على ما ذكره ابن إسحاق وغيره» مؤول بأن حروب الأوس والخزرج كلها قبل بعاث وبعده مكثت هذه المدة ، وإلا فهو مردود ، وسيأتي تعيين تاريخ يوم بعاث.

سبب حرب بعاث

وكان سببه أن الحروب المتقدمة كلها كان الظفر في أكثرها للخزرج على الأوس ، حتى ذهبت الأوس لتحالف قريظة ، فأرسلت إليهم الخزرج : لئن فعلتم فأذنوا بحرب ، فتفرقوا وأرسلوا إلى الخزرج : إنا لا نخالفهم ، ولا ندخل بينكم ، فقالت الخزرج لليهود : فأعطونا رهائن ، وإلا فلا نأمنكم ، فاعطوهم أربعين غلاما من بينهم ، ففرقهم الخزرج في دورهم ، فلما أيست الأوس من نصرة اليهود حالفت بطونا من الخزرج منهم بنو عمرو بن عوف ، وقال سائرهم : والله لا نصالح حتى ندرك ثأرنا ، فتقاتلوا ، وكثر القتل في الأوس لما خذلهم قومهم ، وخرج سعد بن معاذ الأشهلي ، فأجاره عمرو بن الجموح الحرامي ، فلما رأت الأوس أن أمرهم إلى قل عزموا على أن يكونوا حلفا للخزرج في المدينة ، ثم اشتوروا في أن يحالفوا قريشا ، فأظهروا أنهم يريدون العمرة ، وكان بينهم أن من أراد حجا أو عمرة لم يعرض له ، فأجار أموالهم بعدهم البراء بن معرور ، فأتوا مكة فحالفوا قريشا ، ثم جاء أبو جهل ـ وكان غائبا ـ فنقض حلف قريش بحيلة احتالها.


قلت : روى ابن شبة عن أفلح بن سعيد ما يخالفه في نسبة ذلك لأبي جهل مع بيان الحيلة ، فقال : خرجت الأوس جالية من الخزرج حتى نزلت على قريش بمكة فحالفتها ، فلما حالفتهم قال الوليد بن المغيرة : والله ما نزل قوم قط على قوم إلا أخذوا شرفهم وورثوا ديارهم ، فاقطعوا حلف الأوس ، فقالوا : بأي شيء؟ قال : إن في القوم حمية ، قولوا لهم : إنا نسينا شيئا لم نذكره لكم ، إنا قوم إذا كان النساء بالبيت فرأى الرجل امرأة تعجبه قتلها ولمسها بيده ، فلما قالوا ذلك للأوس نفرت وقالوا : اقطعوا الحلف بيننا وبينكم ، فقطعوه ، انتهى.

فلما لم يتم لهم الحلف ذهبت النبيت إلى خيبر ـ قلت : أراد بالنبيت بعضهم ، وهم بنو حارثة ؛ لما قدمناه من أن النبيت يطلق عليهم وعلى بني عبد الأشهل وبني ظفر وبني زعورا ، والذي انتقل من هؤلاء إلى خيبر هم بنو حارثة فقط كما سبق ، إلا أن يريد غيره ـ فأقاموا بها سنة ، وماتت منهم عجوز فقالوا «أهون حادث موت عجوز في سنة» فذهب مثلا ، فلما رأت الخزرج أن قد ظفرت بالأوس افتخروا عليهم في أشعارهم ، وقال عمرو بن النعمان البياضي : يا قوم إن بياضة بن عمرو أنزلكم منزل سوء ، والله لا يمس رأسي غسلا حتى أنزلكم منازل بني قريظة والنضير وأقتل رهنهم ، وكان لهم غزار المياه وكرام النخل ، وقال رجل منهم أيضا شعرا يتغنى به يذكر جلاء النبيت إلى خيبر وأخذهم الرهن من اليهود :

هلمّ إلى الأحلاف إذ رقّ عظمهم

وإذ أصلحوا ما لا لجذمان ضائعا

إذا ما امرؤ منهم أساء عمارة

بعثنا عليهم من بني العير جادعا

فأما الصّريح منهم فتحمّلوا

وأما اليهود فاتخذنا بضائعا

وذاك بأنا حين نلقى عدوّنا

نصول بضرب يترك العز خاشعا

فبلغ قولهم قريظة والنضير وهم المعينون بالصريح لأنهم من بني الكاهن بن هارون ، وبلغ ذلك أيضا من كان في المدينة من الأوس ، فمشوا إلى كعب بن أسد القرظي ، فدعوه إلى المحالفة على الخزرج ، ففعل ، ثم تحالفوا مع قريظة والنضير ، ثم أرسلوا بذلك إلى النبيت فقدموا فأخذت الخزرج في قتل الرهن ، فقال لهم كعب بن أسد القرظي : إنما هي ليلة ثم تسعة أشهر وقد جاء الخلف ، وأرسلوا إلى الأوس وقالوا لهم : انهضوا إلينا ، فنأتيهم بأجمعنا ، فجاءت الخزرج إلى عبد الله بن أبي فقالوا : مالك لا تقتل الرهن؟ فقال : لا أغدرهم أبدا ، وأنتم البغاة ، وقد بلغني أن الأوس تقول : منعونا الحياة فيمنعونا الموت ، وو الله ما يموتون أو تهلكون عامتكم ، فقال له عمرو بن النعمان : انتفخ والله سحرك ، فقال : إني لا أحضركم ، ولكأني أنظر إليك قتيلا يحملك أربعة في كساء.


فاجتمع الخزرج ورأسوا عليهم عمرو بن النعمان قلت : الذي ذكره ابن حزم أن رئيس الخزرج يومئذ هو والد النعمان ، وهو رحيلة بن ثعلبة البياضي ، والله أعلم. فاقتتلوا في بعاث ، وهو موضع عند أعلى قوري ، وكانت الدّبرة على الخزرج ، وقتل عمرو بن النعمان ، وجيء به تحمله أربعة كما قال له ابن أبي ، وحلفت اليهود لتهدمن حصن عبد الله بن أبي ، وكان أبو عمرو الراهب مع الأوس ، وكانت تحته جميلة بنت أبي ، وهي أم حنظلة الغسيل ، فلما أحاطوا بالحصن قال لهم عبد الله : أما أنا فلم أحضر معهم ، وهؤلاء أولادكم الذين عندي فإنني لم أقتل منهم أحدا ، ونهبت الخزرج فعصوني ، وكان جل من عنده من الرهن من أولاد بني النضير ، ففرحوا حين سمعوا بذلك ، فأجاروه من الأوس ومن قريظة ، فأطلق أولادهم وحالفهم ، ولم يزل حتى ردهم حلفاء الخزرج بحيل تحيّل بها ، وكان رئيس الأوس في هذه الحرب حضير الذي قال له «حضير الكتائب» والد أيد بن حضير ، وبها قتل ، وقال خفاف بن ندبة يرثي حضيرا :

أتاني حديث فكذّبته

وقالوا : خليلك في المرمس

فيا عين بكى حضير الندى

حضير الكتائب والمجلس

وكان رئيس الخزرج عمرو بن النعمان البياضي كما تقدم أيضا ، قال بعضهم : وكان النصر فيها أولا للخزرج ، ثم ثبّت حضير الأوس فرجعوا وانتصروا.

وذكر أبو الفرج الأصبهاني أن سبب ذلك أنه كان من قاعدتهم أن الأصيل لا يقتل بالحليف ، فقتل رجل من الأوس حليفا للخزرج ، فأرادوا أن يقيدوه فامتنعوا ، فوقعت بينهم الحرب لأجل ذلك.

وكان يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنين على الأصح ، وقيل : بأربعين سنة ، وقيل : بأكثر ، وهو اليوم الذي تقول فيه عائشةرضي‌الله‌عنها كما في الصحيح «كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في دخولهم في الإسلام ، فقدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد افترق ملؤهم وقتلت سراتهم» يعني الأوس والخزرج ، ومعناه أنه قتل فيه من أكابرهم من كان لا يؤمن أن يتكبر ويأنف أن يدخل في الإسلام لتصلبه في أمر الجاهلية ولشدة شكيمته حتى لا يكون تحت حكم غيره ، وقد كان بقي منهم من هذا النمط عبد الله بن أبيّ بن سلول ، وقصته في ذلك مشهورة ، وكذلك أبو عامر الراهب الذي سماه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالفاسق ، قال أهل السير : قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة وسيد أهلها عبد الله بن أبي بن سلول ، كان من الخزرج ثم من بني عوف بن الخزرج ثم من بني الحبلى ، لا يختلف في شرفه في قومه اثنان ، لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين حتى جاء الإسلام غيره ، ومعه في الأوس رجل هو في قومه من الأوس شريف مطاع أبو عامر بن


صيفي بن النعمان أحد بني ضبيعة بن زيد ، وهو أبو حنظلة الغسيل ، وكان قد ترهب ولبس المسوح ، فشقيا بشرفهما : أما عبد الله بن أبي فلما انصرف عنه قومه إلى الإسلام ضغن ورأى أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قد استلبه ملكا ، فلما راى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارها مصرا على نفاق وضغن ، فكان رأس المنافقين ، وإليه يجتمعون ، وهو القائل في غزوة بني المصطلق( لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ ) [المنافقين : ٨] وأما أبو عامر فأبى إلا الكفر والفراق لقومه حين اجتمعوا على الإسلام. وأتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين قدم المدينة فقال : ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال : جئت بالحنيفية دين إبراهيم ، قال : فأنا عليها ، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنك لست عليها ، قال : إنك أدخلت يا محمد في الحنيفية ما ليس منها ، قال : ما فعلت ، ولكني جئت بها بيضاء نقية ، قال : الكاذب أماته الله طريدا غريبا وحيدا ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أجل ، فمن كذب ففعل الله ذلك به ، فكان هو ذاك عدو الله : خرج إلى مكة مفارقا الإسلام ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تقولوا الراهب ، ولكن قولوا الفاسق» فلما افتتح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مكة خرج إلى الطائف ، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام ، فمات بها طريدا غريبا وحيدا.

وروى بعضهم أنه لم يكن في الأوس والخزرج رجل أوصف لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم من أبي عامر المذكور ، وكان يألف اليهود ويسائلهم فيخبرونه بصفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم خرج إلى يهود تيماء وإلى الشام ، فسأل النصارى فأخبروه بذلك ، فرجع وهو يقول : أنا على دين الحنيفية ، وترهب ولبس المسوح ، وزعم أنه ينتظر خروج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فلما ظهر بمكة لم يخرج إليه ، فلما قدم المدينة حسد وبغى ، وذكر إتيانه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بنحو ما سبق ، إلا أنه قال : فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الكاذب أماته الله وحيدا طريدا» قال : آمين ، ثم ذكر خروجه إلى مكة ، وزاد : فكان مع قريش يتبع دينهم وترك ما كان عليه ؛ فهذا مصداق ما ذكرت عائشةرضي‌الله‌عنها .

الفصل السابع

في مبدأ إكرام الله لهم بهذا النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم

وذكر العقبة الصغرى

اعلم أن تلك الحروب المتقدمة لم تزل بين الأوس والخزرج حتى أكرمهم الله باتباعهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وذلك أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يعرض نفسه في كل موسم من مواسم العرب على قبائلهم ، ويقول : ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ، فيأبونه ويقولون : قوم الرجل أعلم به.

وذكر ابن إسحاق عرضه عليه الصلاة والسلام نفسه على كندة وعلى كلب وعلى بني


حنيفة ، قال : ولم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم ، وقال موسى بن عقبة عن الزهري : فكان في تلك السنين ـ أي التي قبل الهجرة ـ يعرض نفسه على القبائل ، ويكلم كل شريف قوم ، لا يسألهم إلا أن يؤووه ويمنعوه ، ويقول : لا أكره أحدا منكم على شيء ، بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالة ربي ، فلا يقبله أحد.

وذكر الواقدي دعاءهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بني عبس إلى الإسلام ، وأنه أتى غسان في منازلهم بعكاظ وبني محارب كذلك ، ولم يزلصلى‌الله‌عليه‌وسلم يدعو إلى دين الله ، ويأمر به كل من لقيه ورآه من العرب ، إلى أن قدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف من الأوس ، وكان يسمى «الكامل» لجلده وشعره ، وهو القائل :

فرشني بخير طالما قد بريتي

فخير الموالي من يريش ولا يبري

فدعاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الإسلام ، فلم يبعد ولم يجب ، ثم انصرف إلى يثرب ، فلم يلبث أن قتل يوم بعاث.

قال ابن إسحاق : فإن كان رجال من قومه ليقولون : إنا نراه قد قتل وهو مسلم ، وقدم مكة أبو الحيسر أنس بن رافع وهو في فتية من قومه بني عبد الأشهل يطالبون الحلف ، فدعاهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الإسلام ، فقال رجل منهم اسمه إياس بن معاذ وكان شابا : هذا والله خير مما قدمنا ، فضربه أبو الحيسر وانتهره ، فسكت ، ثم لم يتم لهم الحلف ، فانصرفوا إلى بلادهم ، ومات إياس بن معاذ فقيل : إنه مات مسلما.

وقال رزين في ذكر هذه القصة : ثم جاءت الأوس تطلب أن تحالف قريشا ، فجاءهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعرض نفسه عليهم ، وقال : اسمعوا مني ، هل لكم في خير مما جئتم له؟ وتلا عليهم القرآن ، ثم قال : بايعوني واتبعوني ، فإنكم ستجمعون بي ، فقال عمرو بن الجموح : هذا أي قوم والله خير لكم مما جئتم له ، فانتهروه ، وقالوا : ما جئنا لهذا ، ولم يقبلوا عليه ، ثم انصرفوا ، فكانت وقعة بعاث.

وقال ابن زبالة : إنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يعرض نفسه على القبائل فيأبونه ، حتى سمع بنفر من الأوس قدموا في المنافرة التي كانت بينهم ، فأتاهم في رحالهم ، فقالوا : من أنت؟ فانتسب لهم ، وأخبرهم خبره ، وقرأ عليهم القرآن ، وذكر أنهم أخواله ، وسألهم أن يؤووه ويمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : والله هذا صادق ، وإنه للنبي الذي يذكر أهل الكتاب ويستفتحون به عليكم ، فاغتنموه وآمنوا به ، فقالوا : أنت رسول الله ، قد عرفناك وآمنا بك وصدقناك ، فمرنا بأمرك فإنا لن نعصيك ، فسر بذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وجعل يختلف إليهم ، ويزدادون فيه بصيرة ، ثم أمرهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يدعوا قومهم إلى دينهم ،


فسألوه أن يرتحل معهم ، فقال : حتى يأذن لي ربي ، فلحقوا بأهلهم المدينة ، ثم شخصوا إليه في الموسم فكان من أمر العقبة ما كان ، وهو مخالف لما تقدم من أن النفر من الأوس لم يقبلوا.

وقد أخرج الحاكم وغيره بإسناد حسن عن عليرضي‌الله‌عنه قال : لما أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب وخرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب ، وتقدم أبو بكر وكان نسابة ، فقال : من القوم؟ قالوا : ربيعة ، فذكر حديثا طويلا في مراجعتهم وتوقفهم أخيرا عن الإجابة ، ثم قال : ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج ، وهم الذين سماهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الأنصار ، لكونهم أجابوه إلى إيوائه ونصره ، قال : فما نهضنا حتى بايعوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وقال ابن إسحاق في ذكر العقبة الأولى : لما أراد اللهعزوجل إظهار دينه خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار ، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم ، فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج ، قال : أمن موالي(١) يهود؟ قالوا : نعم ، قال : أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا : بلى ، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام ، وكان مما صنع الله لهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم ، وكانوا أهل علم وكتاب ، وكانوا هم أهل شرك أصحاب أوثان ، وكانوا قد غزوهم في بلادهم ، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم : إن نبيا مبعوث قد أظل زمانه نتبعه نقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فلما كلم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض : تعلموا إنه للنبي الذي توعدكم به يهود ، فلا تسبقنكم إليه ، فأجابوه فيما دعاهم إليه ، وقالوا له : إنا تركنا قومنا ، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ، ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم ليدعوا قومهم ، فلما جاءوهم لم يبق دار من دور قومهم إلا وفيها ذكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : وهم ـ يعني أصحاب العقبة الأولى ـ فيما ذكر لي ستة نفر من الخزرج ، وهم : أبو أمامة أسعد بن زرارة ، وعوف بن الحارث ، كلاهما من بني غنم بن مالك بن النجار ، ورافع بن مالك بن العجلان الزرقي ، وقطبة بن عامر بن حديدة ، وجابر بن عبد الله بن رئاب ، وعقبة بن عامر بن نابي ، وهؤلاء الثلاثة من بني سلمة.

وقال موسى بن عقبة عن الزهري وأبي الأسود عن عروة : هم أسعد بن زرارة ، ومعاذ بن عفراء وهي أمه ، وهو ابن عمرو بن الجموح من بني غنم بن مالك بن النجار أيضا ، ورافع بن مالك ، ويزيد بن ثعلبة البلوي ، ثم من بني غصينة حليفهم ، وأبو الهيثم

__________________

(١) الموالي : المناصرين (ج) مولى.


مالك بن التيهان الأوسي ، ثم من بني جشم أخي عبد الأشهل بن جشم ، وعويم بن ساعدة الأوسي ، ثم من بني أمية بن زيد ، ويقال : كان فيهم عبادة بن الصامت الخزرجي ثم من بني غنم أخي سالم بن عوف ، وذكوان الزرقي ، فيكونون ثمانية ، ومنهم من عدهم سبعة فأسقط جابر بن عبد الله أو عبد الله بن زيد ، وقيل : إنما أسلم في العام الأول اثنان فقط ، هما أسعد بن زرارة وذكوان.

قال ابن إسحاق في ذكر العقبة ـ يعني : الثانية لما قدمه ، وبعضهم يسميها الأولى ـ : فلما كان الموسم ـ يعني : من العام المقبل ـ وافاه منهم اثنا عشر رجلا ، فذكر الستة الذين قدمهم غير جابر بن عبد الله ، وزاد : ذكوان الزرقي ، وعبادة بن الصامت ، ويزيد بن ثعلبة ، والعباس بن عبادة بن نضلة الغنمي السالمي الخزرجي ، ومعاذ بن عفراء ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وعويم بن ساعدة ، قال : فبايعهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عند العقبة على بيعة النساء : أي على وفق بيعة النساء التي نزلت بعد الفتح ،( عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً ) [الممتحنة : ١٢] إلى آخر الآية ، ولم يكن أمر بالقتال بعد ، بل كان جميع ذلك قبل نزول الفرائض ما عدا التوحيد والصلاة ، وأرسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم معهم مصعب بن عمير ليفقههم في الدين ويعلمهم الإسلام ، فكان يصلي بهم ، وقيل : بعثه إليهم بعد ذلك بطلبهم ليعلمهم ويقرئهم القرآن ، فكان يسمى «المقرئ» وهو أول من سمي به ، فنزل على أسعد بن زرارة ، وقيل : بعث إليهم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم ؛ فكان مصعب بن عمير يؤمهم ، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض ، فجمّع بهم أول جمعة في الإسلام ، وفي الدارقطني عن ابن عباس أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كتب إلى مصعب بن عمير أن يجمّع بهم فجمّع بهم وكانوا اثني عشر.

قال الزهري : وعند ابن إسحاق أول من جمّع بهم أبو أمامة أسعد بن زرارة ، وفي أبي داود من طريق عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال : كان أبي إذا سمع الأذان للجمعة استغفر لأسعد بن زرارة ، فسألته ، فقال : كان أول من جمّع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات. قلت : كم أنتم يومئذ؟ قال : أربعون. قال البيهقي : ولا يخالف هذا ما روي عن الزهري من تجميع مصعب بن عمير بهم وأنهم كانوا اثني عشر ؛ إذ مراد الزهري أنه أقام الجمعة بمعونة النفر الاثنى عشر الذين بايعوا في العقبة وبعثهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في صحبتهم أو على أثرهم حين كثر المسلمون ، ومنهم أسعد بن زرارة ، فالزهري أضاف التجمع إلى مصعب لكونه الإمام ، وكعب أضافه إلى أسعد لنزول مصعب أولا عليه ونصره له وخروجه به إلى دور الأنصار يدعوهم إلى الإسلام ، وأراد الزهري بالاثني عشر عدد الذين خرجوا به ، وكانوا له ظهرا ، ومراد كعب جميع من صلّى معه ، هذا وقول كعب متصل ، وقول الزهري منقطع ، اه.


وروى الطبراني مرسلا في خبر طويل قال فيه عن عروة : ثم بعثوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن ابعث إلينا رجلا من قبلك يدعو الناس بكتاب الله ؛ فإنه أدنى أن يتبع(١) ؛ فبعث إليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار ، فنزل في بني غنم على أسعد بن زرارة ، فجعل يدعو الناس ، ويفشو الإسلام ، وهم في ذلك مستخفون بدعائهم ، ثم إن أسعد بن زرارة أقبل هو ومصعب بن عمير حتى أتيا مرقا أو قريبا منها ، فجلسا هنالك ، وبعثا إلى رهط من أهل الأرض ، فأتوهم مستخفين ، فبينا مصعب بن عمير يحدثهم ويقص عليهم القرآن أخبر بهم سعد بن معاذ ، فأتاهم في لأمته(٢) ومعه الرمح حتى وقف عليه فقال : غلام يأتينا في دارنا ، هذا الوحيد الفريد الطريد الغريب ليسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم ، لا أراكما بعد هذا بشيء من جوارنا ، فرجعوا ، ثم إنهم عادوا الثانية ببئر مرق أو قريبا منها فأخبر بهم سعد بن معاذ الثانية ، فتوعدهم بوعيد دون الأول ، فلما رأى أسعد منه اللين قال : يا ابن خالة ، اسمع من قوله ، فإن سمعت منكرا فاردده بأهدى منه ، وإن سمعت خيرا فأجب إليه ، فقال : ما ذا يقول؟ فقرأ عليه مصعب :( حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) [الزخرف : ١ ـ ٣] فقال سعد : وما أسمع إلا ما أعرف ، فرجع وقد هداه الله ، ولم يظهر أمر الإسلام حتى رجع إلى قومه ، فدعا بني عبد الأشهل إلى الإسلام وأظهر إسلامه ، وقال : من شك فيه من صغير أو كبير فليأتنا بأهدى منه ، فو الله لقد جاء أمر لتحزّنّ فيه الرقاب ، فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلامه ودعائه إلا من لا يذكر فكانت أول دار من دور الأنصار أسلمت بأسرها ، ثم إن بني النجار اشتدوا على أسعد بن زرارة ، وأخرجوا مصعب بن عمير ، فانتقل إلى سعد بن معاذ ، فلم يزل يدعو ويهدي على يديه ، حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس ، وأسلم أشرافهم ، وأسلم عمرو بن الجموح ، وكسرت أصنامهم ، فكان المسلمون أمر أهلها ، ورجع مصعب بن عمير إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم اه.

وقد روى هذه القصة ابن إسحاق عمن سمى من شيوخه بزيادة ونقص ، فقال : إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر ، فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر على بئر يقال لها بئر مرق ، فجلسا فيه واجتمع إليهما رجال ممن أسلم ، فلما سمع بذلك سعد بن معاذ وأسيد بن حضير ـ وهما يومئذ سيدا قومهما بني عبد الأشهل ـ وكلاهما مشرك ، قال سعد لأسيد : لا أبا لك! انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا ، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا ؛ فإنه لو لا أن أسعد

__________________

(١) أدنى أن يتبع : أولى أن يتبع.

(٢) اللامة : أداة الحرب كلها. وتشمل جميع أنواع السلاح.


ابن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك ، هو ابن خالتي ، فأخذ أسيد حربته ثم أقبل إليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب : هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه ، قال : فوقف عليهما متشتما ، فقال : ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا ، اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة ، فقال له مصعب : أو تجلس فتسمع ؛ فإن رضيت أمرا قبلته ، وإن كرهته كف عنك ما تكره ، قال : أنصفت ، ثم ركز حربته وجلس إليهما ، فكلمه مصعب بالإسلام ، وقرأ عليه القرآن ، فقالا فيما يذكر عنهما : والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم ، ثم قال : ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له : تغتسل فتطهر ، وتطهر ثيابك ثم تتشهد شهادة الحق ، ثم تصلي ، فقام ففعل ذلك ، ثم قال لهما : إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه ، وسأرسله إليكما الآن سعد بن معاذ ، ثم انصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم ، فلما نظر إليه سعد مقبلا قال : أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما وقف على النادي قال له سعد : ما فعلت؟ قال : كلمات الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأسا ، وقد نهيتهما فقالا : نفعل ما أحببت ، وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك ، فقام سعد مغضبا مبادرا متخوفا للذي ذكر له ، فأخذ الحربة من يده ثم قال : والله ما أراك أغنيت شيئا ، ثم خرج إليهما ، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما ، فوقف عليهما متشتما ثم قال : يا أبا أمامة ، أما والله لو لا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني ، أتغشانا في دارينا بما نكره ، وقد قال أسعد لمصعب بن عمير أي مصعب ، جاءك والله سيد من وراءه من قومه ، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان ، فقال له مصعب : أو تقعد فتسمع ، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره ، قال سعد : أنصفت ، ثم ركز الحربة فجلس ، فعرض عليه الإسلام ، وقرأ عليه القرآن ، قالا : فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتسهله ، ثم قال لهما : كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم؟ فذكرا له ما تقدم ، ففعله ، ثم أقبل عامر إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير ، فلما رآه قومه مقبلا قالوا : نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما وقف عليهم قال : يا بني عبد الأشهل ، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا : سيدنا ، أفضلنا رأيا ، وأيماننا نقبية(١) ، قال : فإن كلام رجالكم ونسائكم حرام علي حتى تؤمنوا بالله ورسوله ، قال : فو الله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا

__________________

(١) فلان ميمون النقيبة : مبارك السجية والطبيعة.


مسلما أو مسلمة ، ورجع مصعب إلى منزل أسعد بن زرارة ، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام ، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف ، وتلك أوس الله ، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس ابن صيفي بن الأسلت ، وكان شاعرا لهم قائدا يسمعون منه ويطيعون ، فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومضى بدر وأحد والخندق ، ثم أسلموا كلهم.

وفي التأريخ الأوسط للبخاري أن أهل مكة سمعوا هاتفا يهتف قبل إسلام سعد بن معاذ :

فإن يسلم السّعدان يصبح محمد

بمكّة لا يخشى خلاف المخالف

فيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا

ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف

أجيبا إلى داعي الهدي وتمنّيا

على الله في الفردوس منية عارف

في أبيات أخرى.

وذكر لها رزين سببا آخر كما سيأتي ، وهذا أصح ، ولم يذكر ابن إسحاق في الخبر المتقدم إسلام عمرو بن الجموح ، بل ذكره بعد ذكر العقبة الآتية كما سنذكره ، نعم ابنه معاذ شهد العقبة.

الفصل الثامن

في العقبة الكبرى

وبعضهم يسميها العقبة الثانية ، ومقتضى ما قدمناه أن تسمى الثالثة.

قال ابن إسحاق : ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين للقائهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومبايعته في الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك ، حتى قدموا مكة ، فواعدوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق ، حين أراد الله بهم ما أراد : من كرامته ، والنصر لنبيه ، وإعزاز الإسلام وأهله ، وإذلال الشرك وأهله.

وروى ابن إسحاق وصححه ابن حبان من طريقه عن كعب بن مالك قال : خرجنا حجاجا مع مشركي قومنا ، وقد صلينا وفقهنا(١) ، ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا ، فذكر شأن صلاته إلى الكعبة ، قال : فلما وصلنا إلى مكة ولم نكن رأينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قبل ذلك ، فسألنا عنه ، فقيل : هو مع العباس في المسجد ، فدخلنا فجلسنا إليه ، فسأله البراء عن القبلة ، ثم خرجنا إلى الحج وواعدناه العقبة ، فلما كانت الليلة التي واعدنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لها. وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا ومعنا عبد الله بن عمرو والد

__________________

(١) فقه الأمر : أحسن إدراكه وفهمه.


جابر. ولم يكن أسلم قبل ، فعرفناه أمر الإسلام ، فأسلم حينئذ وصار من النقباء(١) ، قال : فنمنا تلك الليلة في قومنا في رحالنا ، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تسلل القطا مستخفين ، فاجتمعنا في الشعب عند العقبة ثلاثة وسبعين رجلا ، ومعنا امرأتان : أم عمارة بنت كعب إحدى نساء بني مازن ، وأسماء بنت عمر بن عدي إحدى نساء بني سلمة ، قال : فجاء ومعه العباس ، فتكلم فقال : إن محمدا منا من حيث علمتم ، وقد منعناه ، وهو في عز ، وقد أبى إلا الانحياز إليكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وذاك ، وإلا فمن الآن ، قال : فقلنا : قد سمعنا ما قلت ، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت ، فتكلم ، فدعا إلى الله ، وقرأ القرآن ، ورغب في الإسلام ، ثم قال : أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ، قال : فأخذ البراء بن معرور بيده ، فقال : نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا ، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أصحاب الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر ، فاعترض القول والبراء يكلم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أبو الهيثم بن التيهان فقال : يا رسول الله ، إن بيننا وبين الرجال ـ يعني اليهود ـ حبالا ونحن قاطعوها ، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ، قال : فتبسم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم قال : بل الدم الدم والهدم الهدم(٢) ، أنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم ، وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم ، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا ، تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الأوس : فمن الخزرج أسعد بن زرارة نقيب بني النجار ، وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة نقيبا بني الحارث بن الخزرج ورافع بن مالك بن العجلان نقيب بني زريق ، والبراء بن معرور وعبد الله بن عمرو بن حرام نقيبا بني سلمة ، وعبادة بن الصامت نقيب القبائل وفي الطبراني أنه نقيب بني عدي من الخزرج ، فكأنه نقيب الجميع ، وسعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو نقيبا بني ساعدة ـ ومن الأوس أسيد بن حضير نقيب بني عبد الأشهل ، وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر نقيبا بني عمرو بن عوف.

قال ابن إسحاق : وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان ، ولا يعدون رفاعة.

قلت : فيكون أبو الهيثم نقيبا ثانيا لبني عبد الأشهل فإنه منهم ، وقد صرحوا به.

__________________

(١) النقيب : كبير القوم المعنيّ بشئونهم. (ج) نقباء.

(٢) دم هدم : دم مهدور.


وجعلصلى‌الله‌عليه‌وسلم النقباء على عدة الأسباط ، وروى أنه نقب على النقباء أسعد بن زرارة ، فتوفي بعد والمسجد النبوي يا بنى ، قيل : فاجتمعت بنو النجار إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وسألوه أن يجعل منهم شخصا بدله نقيبا عليهم ، فقال لهم : أنتم أخوالي ، وأنا فيكم ، وأنا نقيبكم ، وكرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يخص بها بعضهم دون بعض ، فكان ذلك من فضل بني النجار الذي يعدون.

قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال للنقباء : أنتم كفلاء على قومكم كفالة الحواريين لعيسى بن مريم ، قالوا : نعم.

وحدث عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نضلة أخو بني سالم بن عوف : يا معشر الخزرج ، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا : نعم ، قال : إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس ، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت(١) أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن ، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على ما ذكرت لكم فهو والله خير الدنيا والآخرة ، قالوا : فإنا نأخذه على ما قلت ، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال : الجنة ، قالوا : ابسط يدك ، فبسط يده فبايعوه.

قال عاصم : ما قال ذلك العباس إلا ليشد العقد في أعناقهم ، وقال غيره : أراد التأخير تلك الليلة رجاء أن يحضر عبد الله بن أبي بن سلول فيكون أقوى للأمر.

أول من بايع

قال ابن إسحاق : فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يده ، وبنو عبد الأشهل يقولون : بل أبو الهيثم بن التيهان ، وفي حديث كعب المتقدم أنه البراء ابن معرور ، ثم بايع القوم.

وفي المستدرك عن ابن عباس : كان البراء بن معرور أول من بايع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بيعة العقبة ، وعند أحمد عن جابر وعند الحاكم في الإكليل عن كعب بن مالك : قال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت ، فقال : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم ، قالوا : فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال : الجنة ، قالوا : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقيل ، فنزل( إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) [التوبة : ١١١] الآية.

وفي حديث كعب المتقدم بعد ذكر صراخ الشيطان أن العباس بن نضلة قال للنبي

__________________

(١) نهكت أموالكم مصيبة : أذهبت أموالكم مصيبة.


صلى‌الله‌عليه‌وسلم : والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لم أومر بذلك ، ولكن ارجعوا إلى رحالكم ، فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها ، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا فقالوا : يا معشر الخزرج ، إنه بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا ، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تشب الحرب بيننا وبينهم منكم ، فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء ، وما علمناه ، ولقد صدقوا لم يعلموه.

وفي حديث غير كعب أنهم أتوا عبد الله بن أبي ، فقال لهم : إن هذا الأمر جسيم ، ما كان قومي ليتفوتوا علي بمثل هذا ، وما علمته كان ، وروي أن مشركي الأنصار الذين حجوا في ذلك العام كانوا خمسمائة نفر ، وأن أهل العقبة كانوا سبعين نفرا.

عدة أهل البيعة

وفي لفظ عن ابن إسحاق : من الأوس أحد عشر رجلا : ومن القبائل أربعة نفر حلفاء الخزرج ، وكان من بني الحارث بن الخزرج اثنان وستون رجلا ، فكأنه أدخل في الخزرج حلفاءهم الأربعة ، وإلا فتزيد العدة على ثلاثة وسبعين أربعة.

وروى رزين أن أهل العقبة كانوا سبعين رجلا وامرأتان ؛ فإنه روى حديث العقبة هذه عن عبادة بن الصامت بنحو حديث كعب المتقدم ، فقال : قال عبادة بن الصامت : فلما كان العام المقبل أتينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ونحن سبعون رجلا وامرأتان من قومنا ، فواعدنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عند مسجد شعب العقبة ، عن يسارك وأنت ذاهب إلى منى ، فلما توافينا عنده جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومعه عمه العباس ، وقال : يا معشر الخزرج ، وهذا الاسم يغلب على الأوس والخزرج جميعا إذ ذاك ، إن محمدا منا حيث علمتم ، وقد منعناه كما بلغكم ، فإن كنتم تعلمون أنكم تقدرون على منعه ، وإلا فذروه فهو مع قومه في عز ومنعة ، فقام البراء بن معرور فقال : قد سمعنا ما قلت ، وإنا ما ضربنا إليه أكباد الإبل إلا وقد علمنا أنه نبي ، فبايعنا يا رسول الله ، واشترط لنفسك ولربك ما شئت ، فحمد الله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ودعا إلى الله ، ورغّب في الإسلام ، ثم قال : أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم ، فأخذ البراء بيده ، وقال : نعم والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعك مما نمنع منه أزرنا ، ونحن أهل الحلقة والحصون والحروب ، فقام أبو الهيثم بن التيهان فقال : يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا ، ونحن قاطعوها ، فهل عسيت إن نصرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : بل الدم الدم والهدم الهدم ، المحيا محياكم ، والممات مماتكم ، وأحارب من حاربكم ، وأسالم من سالمكم ، أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونوا نقباء على الناس ، فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من


الأوس ، فبينما هم في ذلك إذ صرخ الشيطان يقول : يا أهل الجباجب ، وهي المنازل ، هل لكم في الصباة(١) قد اجتمعوا على حربكم ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم هذا أزب العقبة لأفرغن لك أي عدو الله ، ارجعوا إلى رحالكم ، نصركم الله ، فقال له العباس بن عبادة بن نضلة : والذي بعثك بالحق نبيا لئن شئت لنميلن بأسيافنا غدا علي مني ، فقال له : لم أومر بذلك ، ثم ذكر قصة كلام قريش في ذلك وحلف مشركي قومهم لهم عن ذلك ، قال : ثم إنهم قالوا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أتخرج معنا؟ قال : ما أمرت به.

قال رزين : وقد قيل إنه وقع بين قريش والأنصار كلام في سبب خروج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم معهم ، ثم ألقي الرعب في قلوب قريش فقالوا : ليس يخرج معكم إلا في بعض أشهر السنة ، ولا يتحدث العرب بأنكم غلبتمونا ، فقالت الأنصار : الأمر في ذلك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ونحن سامعون لأمره ، فأنزل الله على رسوله( وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ ) [الأنفال : ٦٢] أي : إن كان كفار قريش يريدون المكر بك فسيمكر الله بهم ، فانصرفت الأنصار إلى المدينة.

وقيل : إن قريشا بدا لهم فخرجوا في آثارهم ، فأدركوا منهم رجلين كانا تخلفا في أمر ، فردوهما إلى مكة : المنذر ، وعباس بن عبادة ، فأدركهما جبير بن مطعم والحارث بن أمية ، فخلصاهما ولحقا أصحابهما.

قلت : والذي ذكره غيره أن الرجلين هما المنذر وسعد بن عبادة ، فأما المنذر فأعجز القوم ونجا ، وأما سعد فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته ، وكان ذا شعر كثير ، ثم خلصه منهم جبير بن مطعم والحارث بن أمية ؛ لأنه كان يجير لهما تجارهما ويمنعهم أن يظلموا ببلده.

إسلام عمرو بن الجموح

وذكر رزين عقب ما تقدم عنه إسلام عمرو بن الجموح كما ذكره أهل السير عقب ذلك أيضا ، وكان عمرو شيخا كيرا من سادات بني سلمة ، وشهد معاذ ابنه العقبة ، وكان لعمرو في داره صنم من خشب يعبده يدعى مناة ، فكان معاذ ابنه ومعاذ بن جبل وفتيان بني سلمة يدلجون بالليل على صنم عمرو فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس منكسا على رأسه ، فإذا أصبح قال عمرو : من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ ثم يغدو يلتمسه ، حتى إذ وجده غسله وطيبه ثم يقول : والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزيته ، فتكرر ذلك ، فطهره يوما وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال : إني والله لا أعلم من يصنع بك

__________________

(١) الصباة : الخارجون عن دينهم. مفردها : صابئ.


ما ترى ، فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك ، فلما نام أخذوا السيف وقرنوا كلبا ميتا بالصنم بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر ، فلم يجده عمرو في مكانه ، فخرج حتى وجده كذلك ، فلما أبصر ما به وكلمه من أسلم من قومه فأسلم وحسن إسلامه ، وقال في ذلك :

والله لو كنت إلها لم تكن

أنت وكلب وسط بئر في قرن

أفّ لملقاك إلها مستدن

الآن فتّشناك عن سوء الغبن

الحمد لله العلي ذي المنن

الواهب الرزاق ديّان الدين

هو الذي أنقذني من قبل أن

أكون في ظلمة قبر مرتهن

الفصل التاسع

في هجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إليها

رؤيا النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم دار هجرته

روينا في الصحيحين حديث «رأيت أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل ، فذهب وهلي إلى اليمامة أو هجر ، فإذا هي المدينة يثرب» ووقع للبيهقي من حديث صهيب «أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرّتين ، فإما أن يكون هجر أو يثرب» ولم يذكر اليمامة ، وللترمذي من حديث جرير «أوحى إلي : أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك ، المدينة أو البحرين أو قنسرين» واستغربه ، وفيه نظر ؛ لمخالفته لما في الصحيح من ذكر اليمامة ، وأما هجر فيصح التعبير بها عنها لكونها من بلاد البحرين ، وأما قنسرين فهي من أرض الشام ، ويحتمل أن يكون أري ما في الصحيح وأوحى إليه بالتخيير قبل أو بعد ، فاختار المدينة.

وقال ابن التين : أري النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أولا دار هجرته بصفة تجمع المدينة وغيرها ، ثم أري الصفة المختصة بالمدينة فتعينت.

إذن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأصحابه في الهجرة

ثم أذن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأصحابه في الهجرة إلى المدينة ، وأقام بمكة ينتظر أن يؤذن له في الخروج ، فتوجه بين العقبتين جماعة منهم ابن أم مكتوم ، ويقال : إن أول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة عبد الأسد المخزومي زوج أم سلمة ، وذلك أنه أوذي لما رجع من الحبشة ، فعزم على الرجوع إليهما ، ثم بلغة قصة الاثني عشر من الأنصار فتوجه إلى المدينة ، فقدمها بكرة ، وقدم بعده عامر بن ربيعة عشية ، ثم توجه مصعب بن عمير ليفقه من أسلم من الأنصار كما تقدم ، ثم توالى خروجهم بعد العقبة الأخيرة ، فخرجوا أرسالا :


منهم عمر بن الخطاب ، وأخوه زيد ، وطلحة بن عبيد الله ، وصهيب ، وحمزة بن عبد المطلب ، وزيد بن حارثة ، وعبيدة بن الحارث ، وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير ، وعثمان بن عفان ، وغيرهم ، حتى لم يبق معهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكة إلا علي بن أبي طالب والصديقرضي‌الله‌عنهما ، كذا قاله ابن إسحاق وغيره ، والظاهر أن المراد لم يبق من أعيانهم ؛ لما روي من أن من كان بمكة ممن يطيق الخروج من المسلمين خرجوا بعد خروجهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من مكة ، فطلبهم أبو سفيان وغيره من المشركين ، فردوهم وسجنوهم ، فافتتن منهم ناس ؛ ففي هذا دلالة على بقاء جماعة غير الصديق وعليرضي‌الله‌عنهما مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حينئذ ، فلما رأت قريش ذلك علموا أن أصحابه قد أصابوا منعة ، ونزلوا دارا ، فحذروا(١) خروج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إليهم ، فاجتمعوا بدار الندوة ليأتمروا في أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وفيهم أبو جهل ، وزعم ابن دريد في الوشاح أنهم كانوا أنهم كانوا خمسة عشر رجلا ، وفي المولد لابن دحية كانوا مائة رجل ، وجاءهم إبليس في صورة شيخ نجدي فقال : أدخلوني معكم ، فلن تعدموا مني رأيا ، فأدخلوه ، فقال بعضهم : نخرجه من بين أظهرنا ، وقال آخرون : بل نحبسه ولا يطعم حتى يموت ، فقال أبو جهل : قد رأيت أصلح من رأيكم : أن يعطى خمس رجال من خمس قبائل سيفا سيفا فيضربونه ضربة رجل ، فيتفرق دمه في هذه البطون ، فلا يقدر لكم بنو هاشم على شيء ، فقال النجدي : لا أرى غير هذا ، فأخبر جبريل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأنزل الله على نبيه :( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) [الأنفال : ٣٠] فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لعلي : نم على فراشي وتسجّ ببردي فلن يخلص إليك منهم أمر ، فترد هذه الودائع إلى أهلها ، لأن كفار قريش كانت تودع عنده لأمانته ، وكان اسمه عندهم الأمين الصادق ، وأتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أبا بكر الصديق فأعلمه ، وقال : قد أذن لي ، فقال : الصحبة يا رسول الله ، وكان إنما حبس نفسه عليه لما ثبت في الصحيح أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما ذكر لأصحابه رؤياه المتقدمة هاجر من هاجر منهم قبل المدينة ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة ، وتجهز أبو بكر قبل المدينة ، فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي ، فقال له :وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال : نعم ، فحبس نفسه على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليصحبه ، وكان عمر قد تقدم إلى المدينة ، وعلف أبو بكر راحلتين كانت عنده الخبط(٢) أربعة أشهر ، فعرض على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إحداهما ، فقال : بالثمن ، وفي رواية ابن إسحاق قال : لا أركب بعيرا ليس هو لي ، فقال : فهو لك ، قال : لا ولكن بالثمن الذي ابتعتها به ، قال : أخذتها

__________________

(١) حذروا : قدّروا واعتقدوا.

(٢) الخبط : ما سقط من ورق الشجر بالخبط والنفض.


بكذا وكذا ، قال : قد أخذتها بذلك ، قال : هي لك ، والحكمة فيه ـ كما أفاده بعضهم ـ أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أحب ألّا تكون هجرته إلا من مال نفسه ، وذكر ابن إسحاق أن الناقة التي أخذها هي الجدعاء ، وأنها كانت من إبل بني الحريش ، وكذا في رواية أخرجها ابن حبان ، وأنها الجدعاء ، وأفاد الواقدي أن الثمن كان ثمان مائة درهم ، وأن المأخوذة هي القصوى ، وأنها كانت من نعم بني قشير ، وأنها عاشت حتى ماتت في خلافة الصديق ، وكانت مرسلة ترعى في النقيع ، وفي طبقات ابن سعد أن ثمنها ثمان مائة درهم ، اشتراها أبو بكر من نعم بني قشير ، وأخذ النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم منه القصوى بثمنها ، وسيأتي من رواية يحيى الحسيني أيضا أنها القصوى ، وجاء عن ابن عباس أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أذن له في الهجرة إلى المدينة بقوله تعالى :( وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) [الإسراء : ٨٠] أخرجه الترمذي وصححه هو والحاكم ، فذهب أبو بكر إلى عبد الله بن أريقط قاله ابن عقبة. وفي تهذيب ابن هشام «عبد الله بن أرقد» وفي رواية الأموي عن ابن إسحاق «ابن أريقد» وفي الغنية عن مالك اسمه «رقيط من بني الديل من كنانة» فاستأجره ، وكان هاديا خرّيتا(١) : أي ماهرا بالهداية ، وكان على دين الكفار. قال النووي : لا نعلم له إسلاما ، فأمره أن يأتيهما بعد ثلاث في غار ثور ، ثم انصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى منزله ، فجاءه عليرضي‌الله‌عنه ، واجتمعت قريش على باب الدار ليقتلوه بزعمهم ، فقال لهم أبو جهل : لا تقتلوه حتى يجتمعوا ، يعني الخمسة من القبائل الخمس ، وجعل يقول لهم : هذا محمد كان يزعم لكم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوك العرب والعجم ، ويكون لكم في الآخرة جنات تأكلون منها ، وإن لم تتابعوه يكون له فيكم ذبح في الدنيا ، ويوم القيامة نار تحرقون فيها ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : نعم والله كذا أقول ، وكذا يكون ، وأنت أحدهم ، ثم أخذ حفنة من تراب فرماها في وجوههم ، فأخذ على أبصارهم ولم على أصمختهم فجعل على رأس كل رجل منهم ترابا وهو يقرأ أول سورة يس يستتر بها منهم إلى «فهم لا يبصرون» وتلا :( وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ) [الإسراء : ٤٥] ثم أتى منزل أبي بكر ، فخرجا من خوخة كانت له ، وأتيا غار ثور ، وأقام المشركون ساعة ، فجعلوا يتحدثون ، فجاءهم رجل كان إذ ذاك بعيدا منهم فقال لهم : وما تنتظرون؟ فقالوا : أن نصبح فنقتل محمدا ، قال : قبحكم الله وخيبكم ، أو ليس قد خرج عليكم وجعل على رءوسكم التراب ، قال أبو جهل : أو ليس هو ذاك مسجى ببرده؟ الآن كلمنا ، فلما أصبحوا قام علي من الفراش ، فقال أبو جهل : صدقنا ذلك المخبر ، فاجتمعت قريش ،

__________________

(١) الخرّيت : الدليل الحاذق بالدلالة.


وأخذت الطرق ، وجعلت الجعائل(١) لمن جاء به ، فانصرفت أعينهم ولم يجدوا شيئا ، فجاء الديلي بعد ثلاث بالراحلتين ، ولا ينافي هذا ما وقع في رواية هشام بن عروة عند ابن حبان حيث قال : فركبا حتى أتيا الغار فتواريا ؛ لاحتمال أنهما ركبا غير هاتين الراحلتين ، أو هما ثم ذهب بهما عامر بن فهيرة إلى الديلي.

وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب في الحديث المتقدم أن عليا رقد على فراش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يوري عنه ، وباتت قريش تحلف وتأتمر ، أيهم يهجم على صاحب الفراش فيوثقه ، حتى أصبحوا فإذا بعلي ، فسألوه فقال : لا علم لي ، فعلموا أنه فر منهم.

وروى أحمد بإسناد حسن عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) الآية فذكر تشاور قريش ثم قال : فبات علي على فراشهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وخرج هو حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يعني ينتظرونه حتى يقوم فيفعلون به ما اتفقوا عليه ، فلما أصبحوا ورأوا عليا رد الله مكرهم فقالوا : أين صاحبك هذا؟ قال : لا أدري ، فاقتصّوا أثره(٢) ، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم ، فصعدوا الجبل ، فمروا بالغار ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاث ليال ، وذكر نحوه موسى بن عقبة عن الزهري ، وكله مقتض لأن الخروج إلى الغار كان في بقية تلك الليلة ، وكان ذلك بعد العقبة شهرين وليال ، وقال الحاكم : بثلاثة أشهر أو قريبا منهم ، ويرجح الأول ما جزم به ابن إسحاق من أنه خرج أول يوم من ربيع الأول ؛ فيكون بعد العقبة بشهرين وبضعة عشر يوما ، وكذا جزم به الأموي ، فقال : خرج لهلال ربيع الأول ، وقدم المدينة لاثني عشر خلت منه ، وعلى هذا كان خروجه يوم الخميس ، وهو الذي ذكره محمد بن موسى ، لكن قال الحاكم : تواترت الأخبار بأن الخروج كان يوم الإثنين ، وجمع الحافظ ابن حجر بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس : أي في أثناء ليلته لما قدمناه ، وخروجه من الغار ـ يعني غار ثور ـ ليلة الإثنين ؛ لأنه أقام فيه ثلاث ليال ، ومن روى ليلتين لعله لم يحسب أول ليلة ، وأما حديث الحاكم «لبثت مع صاحبي» يعني : أبا بكر «في الغار بضعة عشر يوما ، ما لنا طعام إلا ثمر البرير» أي الأراك ، فقال الحاكم : معناه مكثنا مختفين من الكفار في الغار وفي الطريق بضعة عشر يوما ، وقال الحافظ ابن حجر : الذي يظهر أنها قصة أخرى ، لما في الصحيح من أن عامر بن فهيرة كان يروح عليهما في الغار باللبن ، وكذا قصة نزولهما بخيمة أم معبد ، وغير ذلك ، وكان مدة مقامهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكة بعد النبوة بضع عشر سنة. وقال عروة :

__________________

(١) الجعائل : ما جعل على العمل من أجر أو رشوة. مفردها : الجعالة.

(٢) اقتصوا أثره : تتبعوا أثره.


عشرا ، وقال ابن عباس : خمس عشر سنة ، وفي رواية عنه : ثلاث عشرة ، ولم يعلم بخروجه إلا علي وآل أبي بكر ، وكان من قصة نسج العنكبوت وغيره من أمر الغار ما كان ، وانطلق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبو بكر ، ومعهما عامر بن فهيرة يخدمهما يردفه أبو بكر ويعقبه ، والدليل ، فأخذ بهم في أسفل مكة حتى أتى بهما طريق السواحل أسفل من عسفان ، ثم عارض الطريق على أمج(١) ، ثم نزل من قديد خيام أم معبد الخزاعية من بني كعب ، وبقية المنازل إلى قباء ذكرها ابن زبالة ، وقد أوضحناه في الأصل ، واتفق في مسيرهم قصة سراقة عارضهم يوم الثلاثاء بقديد على ما ذكره ابن سعد وغيرها من القصص المشتملة على الآيات البينات.

قال رزين : وأقامت قريش أياما لا يدرون أين أخذ محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم فسمعوا صوتا على أبي قبيس وهو يقول :

فإن يسلم السّعدان يصبح محمد

من الأمن لا يخشى خلاف المخالف

فقالت قريش : لو علمنا من السعدان ، فقال :

أيا سعد سعد الأوس كن أنت مانعا

ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف

أجيبا إلى داعي الهدى وتبوّءا

من الله في الفردوس زلفة عارف

فعلموا إذ ذاك أنه أخذ طريق المدينة.

قلت : والأقرب ما تقدم من إنشاد هذه الأبيات قبل ذلك ؛ لأن السعدين كانا قد أسلما قبل ، ثم سمعوا قائلا بأسفل مكة لا يرى يقول :

جزى الله ربّ الناس خير جزائه

رفيقين قالا : خيمتي أم معبد

قصة أم معبد

قلت : وروى هذا مع الأبيات الآتية مما سمع حينئذ ، وقيل : سمعوا هاتفا على أبي قبيس يقول :

جزى الله خيرا والجزاء بكفه

رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد

هما رحلا بالحقّ وانتزلا به

فقد فاز من أمسى رفيق محمد

فما حملت من ناقة فوق رحلها

أبرّ وأوفى ذمة من محمد

وأكسى لبرد الخال قبل ابتذله

وأعطى لرأس السانح المتجدد

ليهن بني كعب مكان فتاتهم

ومقعدها للمؤمنين بمرصد

وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قد مرّ بأم معبد ، فاستسقاها لبنا ، فقالت : ما عندنا من لبن ،

__________________

(١) أمج : موضع بين المدينة ومكة.


ونحن في سنة(١) ، فنظر إلى شاة قد نحلت عجفاء من الهزال ، فقال : قرّبي لي هذه الشاة ، فقربتها ، فمسح ضرعها بيده المباركة وسمّى ودعا ، ثم قال : هات قدحا ، فجاءت بقدح ، فحلب فيه حتى امتلأ ، فأمر أبا بكر أن يشرب ، فقال : بل أنت فاشرب يا رسول الله ، قال : ساقي القوم آخرهم شربا ، فشرب أبو بكر ، ثم حلب فشرب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم حلب فشربت أم معبد ، ثم حلب فقال : ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءك ، ثم ركبوا وساروا ، فلما أتى أبو معبد أخبرته بما رأت ، وسقته اللبن ، فعلم أنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فركب راحلته وخرج في أثره يطلب أن يسلم ، فقيل : إنه قال في طريقه :

جزى الله ربّ الناس خير جزائه

رفيقين قالا خيمتي أم معبد

هما نزلاها بالهدى فاهتدت به

فقد فاز من أمسى رفيق محمد

فيا لقصيّ ما زوى الله عنكم

به من فعال لا تجارى وسودد

ليهن بني كعب مكان فتاتهم

ومقعدها للمؤمنين بمرصد

سلوا أختكم عن شاتها وإنائها

فإنكم إن تسألوا الشّاة تشهد

دعاها بشاة حائل فتحلّبت

له بصريح ضرة الشاة مزبد

 

فغادرها رهنا لديها لحالب

يرددها في مصدر ثم مورد

وقال الشرقي : بلغني أن أبا معبد أدركهما ببطن ريم ، فبايع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وانصرف.

قلت : وذكر غير رزين هذه الأبيات كلها فيما سمع بأسفل مكة من القائل الذي لا يدرون ، فلما سمع حسان بن ثابت شاعر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بذلك جعل يجاوب الهاتف ويقول:

لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم

وقدّس من يسري إليهم ويغتدي

ترحّل عن قوم فضلت عقولهم

وحلّ على قوم بنور مجدّد

هداهم به بعد الضلالة ربّهم

وأرشدهم ؛ من يتبع الحق يرشد

وهل يستوي ضلّال قوم تسكعوا

عمى وهداة يهتدون بمهتد(٢)

لقد نزلت منه على أهل يثرب

ركاب هدى رحّلت عليهم بأسعد

نبي يرى ما لا يرى الناس حوله

ويتلو كتاب الله في كل مسجد

وإن قال في يوم مقالة غائب

فتصديقها في اليوم أو في ضحى غد

ليهن أبا بكر سعادة جدّه

بصحبته ؛ من يسعد الله يسعد

__________________

(١) السنة : القحط والجدب.

(٢) تسكع : لم يهتد لوجهته.


خروج أبي بريدة لاستقبال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم

قال أبو سليمان الخطابي : لما شارف النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة لقيه بريدة الأسلمي في سبعين من قومه بني أسلم ، فقال : من أنت؟ قال : بريدة فقال لأبي بكر : برد أمرنا وصلح ، ثم قال : ممن؟ قال : من أسلم ، قال : سلمنا ، ثم قال : ممن؟ قال : من بني سهم ، قال : خرج سهمنا(١) .

وقد روى ابن الجوزي في شرف المصطفى من طريق البيهقي موصولا إلى بريدة قال : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يتطير ، وكان يتفاءل ، وكانت قريش جعلت مائة من الإبل لمن يأخذ نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيرده إليهم حين توجه إلى المدينة ، فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني سهم ، فلقي نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : من أنت؟ قال : أنا بريدة ، فالتفت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى أبي بكر الصديقرضي‌الله‌عنه فقال : يا أبا بكر ، برد أمرنا وصلح ، ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ممن أنت؟ قال : من أسلم ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأبي بكر : سلمنا ، ثم قال : ممن؟ قال : من بني سهم ، قال : خرج سهمك ، فقال بريدة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : من أنت؟ قال : أنا محمد بن عبد الله رسول الله ، فقال بريدة : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعا ، فلما أصبح قال بريدة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء ، فحل عمامته ثم شدّها في رمح ثم مشى بين يديهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا رسول الله تنزل على من؟ فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن ناقتي هذه مأمورة ، قال بريدة : الحمد لله الذي أسلمت بنو سهم طائعين.

وفي الصحيح أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام ، فكسا الزبير رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبا بكر ثياب بياض.

وروى أن طلحة كان قدم من الشام ومعه ثياب أهداها لأبي بكر من ثياب الشام ، فلما لقيه أعطاه ، فلبس منها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبو بكر.

قال الحافظ ابن حجر : فيحتمل : أن كلا من طلحة والزبير أهدى لهما ، والذي في السّير هو طلحة ؛ فالأولى الجمع ، وعند ابن أبي شيبة ما يؤيده ، وإلا فما في الصحيح أصح.

__________________

(١) خرج سهمنا : أي فزنا وظفرنا.


الفصل العاشر

في دخولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أرض المدينة ، وتأسيس مسجد قباء

كان المسلمون بالمدينة قد سمعوا بمخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فكانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة أول النهار فينتظرونه ، فما يردهم إلا حرّ الشمس ، فبعد أن رجعوا يوما أو في رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه ، فبصر برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه مبيضين ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا بني قيلة ـ يعني الأنصار ـ وفي رواية : يا معشر العرب ، هذا جدكم ، يعني حظكم ـ وفي رواية : صاحبكم الذي تنتظرونه ـ فثار المسلمون إلى السلاح ، فتلقّوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بظهر الحرة ، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف بقباء على كلثوم بن الهدم ، قيل : وكان يومئذ مشركا ، وبه جزم ابن زبالة ، وقال رزين : نزل في ظل نخلة ، ثم انتقل منها إلى دار كلثوم أخي بني عمرو بن عوف ، وفي «أخبار المدينة» ليحيى الحسيني جد أمراء المدينة اليوم في النسخة التي رواها ابنه طاهر بن يحيى عنه من طريق محمد بن معاذ ، قال : حدثنا مجمّع بن يعقوب عن أبيه وعن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش عن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة قالا : صلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بظهر حرّتنا ، ثم ركب فأناخ إلى عذق عند بئر غرس قبل أن تبزغ الشمس وما يعرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من أبي بكر ، عليهما ثياب متشابهة ، فجعل الناس يقفون عليهم حتى بزغت الشمس من ناحية أطمهم الذي يقال له «شنيف» فأمهل أبو بكر ساعة حتى خيل إليه أنه يؤذي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بحر الشمس ، فقام فستر على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بردائه ، فعرف القوم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فجعلوا يأتون فيسلمون على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قلت لمجمّع بن يعقوب : إن الناس يرون أنه جاء بعد ما ارتفع النهار وأحرقتهم الشمس ، قال مجمع : هكذا أخبرني أبي وسعيد بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن يزيد قال : ما بزغت الشمس إلا وهو جالس في منزلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

قلت : ولم أر هذا الخبر في النسخة التي رواها ولد ابن يحيى عن جده ، وقوله «عند بئر غرس» الظاهر أنه تصحيف ، ولعله «بئر عذق» لبعد بئر غرس من منزلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بقباء ، بخلاف بئر عذق ، وإلا فهو قادح فيما يعرفه الناس اليوم من أن بئر غرس هي هي المعروفة بمحلها الآتي بيانه.

وفي كتاب يحيى أيضا عن محمد بن إسماعيل بن مجمّع قال : لما نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على كلثوم بن الهدم هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة قال : يا نجيح ، لمولى له ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والتفت إلى أبي بكر : أنجحت ، أو أنجحنا ، فقال : أطعمنا رطبا ، قال :


فأتوا بقنو من أم جرذان فيه رطب منصف وفيه زهو(١) ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما هذا؟ قال : عذق أم جرذان ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : اللهم بارك في أم جرذان ، وقد أخرجه أبو سعيد في شرف المصطفى من طريق الحاكم ، وقال قوم بمنزلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على سعد بن خيثمة. وقد رواه يحيى أيضا ، قال رزين : والأول أصح اه.

اختلاف العلماء في تاريخ مقدمة المدينة

وقال الحاكم : إنه الأرجح ، قال : وقد قاله ابن شهاب وهو أعرف بذلك من غيره ، وقال بعضهم : كان سعد عزبا ، فكانصلى‌الله‌عليه‌وسلم يجلس مع أصحابه في بيته ، فلذلك قيل : إنه نزل عنده ، ويشهد له ما نقله ابن الجوزي عن ابن حبيب الهاشمي قال : نزل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم على كلثوم ، وكان يتحدث في منزل سعد بن خيثمة ، ويسمى «منزل العزاب» وفي الصحيح : فتلقوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بظهر الحرة ، فعدل بهم(٢) ذات اليمين حتى ينزل بهم في بني عمرو بن عوف ، وفي رواية له : علو المدينة وقباء معدودة من العالية ، وكأن حكمته التفاؤل له ولدينه بالعلو ، وذلك يوم الإثنين نهارا عند الأكثر ، قال الحافظ ابن حجر : وهو المعتمد ، وشذ من قال يوم الجمعة. قلت : لعل مراد هذا القائل القدوم الآتي للمدينة نفسها بعد الخروج من قباء ، وقيل : ليلة الإثنين ؛ لقوله في مسلم «ليلا» قال الحافظ ابن حجر : ويجمع بأن القدوم كان آخر الليل ، فدخل نهارا. قلت : وفيه نظر ، وكان ذلك أول ربيع الأول على ما رواه موسى بن عقبة عن ابن شهاب ، وقيل : لثمان خلون منه. وفي الإكليل عن الحاكم : تواترت الأخبار بذلك ، وفي رواية جرير بن حازم عن ابن إسحاق : قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول ، ونحوه عن أبي معشر ، ولكن قال : ليلة الإثنين ، ومثله عن ابن البرقي ، وثبت كذلك في أواخر صحيح مسلم ، وفي رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق : لاثنتي عشرة ليلة خلت منه حين اشتد الضحى ، وهذا ما جزم به الكلبي فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر. وحكاه ابن الجوزي في شرف المصطفى عن الزهري فقال : قال الزهري : قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ، وبه جزم النووي في السّير من الروضة ، وكذا ابن النجار ، ونقل المراغي هذا عن النووي وابن النجار فقط ، وتعجب من عدم موافقته لشيء من الأقوال ، وكأنه فهم أن مرادهما المدينة نفسها بعد الخروج من قباء ، وليس ذلك مرادهما ؛ فإن ابن النجار عبر بقوله : فعدل بهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف ، وذلك يوم الإثنين لاثني عشر من شهر ربيع الأول ، وأما النووي وإن عبر بالمدينة فليس مراده

__________________

(١) نصف البسر والثمر : رطّب نصفه : زها البسر : تلوّن بحمرة أو صفرة.

(٢) عدل بهم : عطف بهم.


سوى ذلك ، والعلماء كلهم يطلقون على ذلك قدوم المدينة. وفي شرف المصطفى لابن الجوزي عن ابن عباسرضي‌الله‌عنهما قال : ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم الإثنين ، واستنبئ يوم الإثنين ، ورفع الحجر يوم الإثنين ، وخرج مهاجرا من مكة يوم الإثنين ، وقدم المدينة يوم الإثنين ، وقبض يوم الإثنين. وفي روضة الأقشهري : قال ابن الكلبي : خرج من الغار ليلة الإثنين أول يوم من ربيع الأول ، وقدم المدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت منه. قال أبو عمر : وهو قول ابن إسحاق إلا في تسمية اليوم. وعند أبي سعيد في شرف المصطفى من طريق أبي بكر بن حزم : قدم لثلاث عشرة من ربيع الأول ، وهذا الجمع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال. وعنده من حديث عمر : ثم نزل على بني عمرو بن عوف يوم الإثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول ، ولعل الرواية خلتا ليوافق ما تقدم. ونقل ابن زبالة عن ابن شهاب أن ذلك كان في النصف من ربيع الأول ، وقيل : كان قدومه في سابعه ، وجزم ابن حزم بأنه خرج من مكة لثلاث ليال بقين من صفر ، وهذا يوافق قول هشام بن الكلبي إنه خرج من الغار ليلة الإثنين أول يوم من ربيع الأول ، فإن كان محفوظا فلعل قدومه قباء كان يوم الإثنين ثامن ربيع الأول ، وإذا ضم ذلك إلى ما سيأتي عن أنس أنه أقام بقباء أربع عشرة ليلة خرج منه أن دخوله المدينة نفسها كان لاثنين وعشرين منه ، لكن الكلبي جزم بأنه دخلها لاثنتي عشرة خلت منه ؛ فعلى قوله تكون إقامته بقباء أربع ليال فقط ، وبه جزم ابن حبان ؛ فإنه قال : أقام بها الثلاثاء والأربعاء والخميس ، يعني وخرج يوم الجمعة ، فلم يعتد بيوم الخروج ، وكذا قال موسى بن عقبة : إنه أقام فيهم ثلاث ليال ؛ فكأنه لم يعد يوم الدخول ولا الخروج. وعن قوم من بني عمرو بن عوف أنه أقام فيهم اثنين وعشرين يوما ، حكاه ابن زبالة. وفي البخاري من حديث أنس «أقام فيهم أربع عشرة ليلة» وهو المراد في رواية عائشة بقولها «بضع عشرة ليلة» وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب : أقام فيهم ثلاثا ، قال : وروى ابن شهاب عن مجمع بن حارثة أنه أقام اثنتين وعشرين ليلة. وقال ابن إسحاق : أقام فيهم خمسا ، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أكثر من ذلك. قال الحافظ ابن حجر : أنس ليس من بني عمرو بن عوف ؛ فإنه من الخزرج ، وقد جزم بأربع عشرة ليلة ، فهو أولى بالقبول ، وأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالتاريخ فكتب من حين الهجرة في ربيع ، رواه الحاكم في الإكليل ، وهو معضل ، والمشهور أن ذلك كان في خلافة عمررضي‌الله‌عنه ، وأن عمر قال : الهجرة فرقت بين الحق والباطل ، فأرخ بها ، وابتدأ من المحرم بعد إشارة علي وعثمانرضي‌الله‌عنهما بذلك ، وقد ذكرنا ما قيل في


سببه في الأصل ، وأفاد السهيلي أن الصحابةرضي‌الله‌عنهم أخذوا التأريخ بالهجرة من قوله تعالى :( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) [التوبة : ١٠٨].

ابتداء التأريخ من الهجرة

وفي الصحيح أنهم لما قدموا قام أبو بكر للناس : أي يتلقاهم ، وجلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فطفق من جاء من الأنصار يحيى أبا بكر ، حتى أصابت الشمس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه ، فعرف الناس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم . وفي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال : وجلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم صامتا ، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يكن رآه يحسبه أبا بكر ، حتى إذا أصابته الشمس أقبل أبو بكر بشيء أظله به ، وفي رواية ابن إسحاق : حتى رأينا أبا بكر ينحاز له عن الظل ، فعرفناه بذلك.

ونزل أبو بكررضي‌الله‌عنه على حبيب بن إساف أحد بني الحارث بن الخزرج بالسنح ، ويقال : على خارجة بن زيد منهم.

وأقام عليرضي‌الله‌عنه بعد مخرجهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أياما ، قال بعضهم : ثلاثة ، حتى أدى للناس ودائعهم التي كانت عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وخلفه لردها ، ثم خرج فلحق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بقباء ، فنزل على كلثوم بن الهدم ، قال فيما رواه رزين : فبينا أنا بائت عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا برجل يضرب باب امرأة ، فخرجت فأعطاها شيئا وانصرف ، ثم فعل ذلك ليلة ثانية أيضا ، فذكرت ذلك لها فقالت : هذا سهل بن حنيف يغدو كل ليلة على أصنام قومه فيكسرها ثم يأتي بها لأوقدها حطبا ، وقد علم أن ليس لي من الحطب شيء.

وروى يحيى عن عبد العزيز بن عبيد الله بن عثمان بن حنيف قال : لما نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على بني عمرو بن عوف ، وقد كان بين الأوس والخزرج ما كان من العداوة ، وكانت الخزرج تخاف أن تدخل دار الأوس ، وكانت الأوس يخاف أن تدخل دار الخزرج ، وكان أسعد بن زرارة قتل نبتل بن الحارث يوم بعاث ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أين أسعد بن زرارة؟ فقال سعد بن خيثمة ومبشر بن عبد المنذر ورفاعة بن عبد المنذر : كان يا رسول الله أصاب منا رجلا يوم بعاث ، فلما كانت ليلة الأربعاء جاء أسعد إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم متقنّعا بين المغرب والعشاء ، فلما رآه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : يا أبا أمامة ، جئت من منزلك إلى هاهنا وبينك وبين القوم ما بينك؟ قال أبو أمامة : لا والذي بعثك بالحق ما كنت لأسمع بك في مكان إلا جئت ، ثم بات عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى أصبح ، ثم غدا فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم


لسعد بن خيثمة ورفاعة ومبشر ابني عبد المنذر : أجيروه ، قالوا : أنت يا رسول الله فأجره فجوارنا في جوارك ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : يجيره بعضكم ، فقال سعد بن خيثمة : هو في جواري ، ثم ذهب سعد بن خيثمة إلى أسعد بن زرارة في بيته فجاء بن مخاصرة يده في يده ظهرا حتى انتهى به إلى بني عمرو بن عوف ، ثم قالت الأوس : يا رسول الله كلنا له جار ، فكان أسعد بن زرارة بعد يغدو ويروح إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم انتهى.

وكان لكلثوم بن الهدم بقباء مربد ، والمربد : الموضع الذي يبسط فيه التمر لييبس ، فأخذه منه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأسسه وبناه مسجدا كما رواه ابن زبالة وغيره.

وفي الصحيح عن عروة : فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة ، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى ، وفي رواية عبد الرزاق عنه قال : الذين بنى فيهم المسجد الذي أسس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف ، وكذا في حديث ابن عباس عند ابن عائد ، ولفظه : ومكث في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال ، واتخذ مكانه مسجدا فكان يصلي فيه ، ثم بناه بنو عمرو بن عوف ؛ فهو الذي أسس على التقوى.

وروى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن المسعودي عن الحكم بن عتيبة قال : لما قدم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فنزل بقباء قال عمار بن ياسر : ما لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بد من أن يجعل له مكانا يستظل به إذا استيقظ ويصلي فيه ، فجمع حجارة فبنى مسجد قباء ، فهو أول مسجد بني ، يعني لعامة المسلمين أو للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمدينة ، وهو في التحقيق أول مسجد صلّى فيه بأصحابه جماعة ظاهرا ، وإن كان قد تقدم بناء غيره من المساجد ، فقد روى ابن أبي شبة عن جابر قال : لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سنتين نعمر المساجد ونقيم الصلاة ، ولذا قيل : كان المتقدمون في الهجرة من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والأنصار بقباء قد بنوا مسجدا يصلون فيه ، يعني هذا المسجد ، فلما هاجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وورد قباء صلى بهم فيه إلى بيت المقدس ، ولم يحدث فيه شيئا : أي : في مبدأ الأمر ؛ لأن ابن شبة روى ذلك ، ثم روى أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بنى مسجد قباء وقدم القبلة إلى موضعها اليوم ، وقال : جبريل يؤم بي البيت ، وقد اختلف في المراد بقوله تعالى :( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) فالجمهور على أن المراد به : مسجد قباء ، ولا ينافيه قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لمسجد المدينة «هو مسجدكم هذا» إذ كل منهما أسس على التقوى على ما سيأتي إيضاحه.

وفي الكبير للطبراني ـ وفيه ضعيف ـ عن جابر بن سمرة قال : لما سأل أهل قباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يا بني لهم مسجدا قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ليقم بعضكم فيركب الناقة» فقام أبو بكررضي‌الله‌عنه فركبها فحركها فلم تنبعث ، فرجع فقعد ، فقام عمررضي‌الله‌عنه فركبها


فلم تنبعث ، فرجع فقعد ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأصحابه : «ليقم بعضكم فيركب الناقة» فقام عليرضي‌الله‌عنه فلما وضع رجله في غرز الركاب وثبت به ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أرخ زمامها ، وابنوا على مدارها فإنها مأمورة».

وروى الطبراني ـ وفيه من لم يعرف ـ عن جابر أيضا قال : لما قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة قال لأصحابه : «انطلقوا بنا إلى أهل قباء نسلم عليهم ، فأتاهم فسلم عليهم ، فرحّبوا به ، ثم قال : يا أهل قباء ائتوني بأحجار من هذه الحرة ، فجمعت عنده أحجار كثيرة ، ومعه عنزة له(١) ، فخط قبلتهم ، فأخذ حجرا فوضعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم قال : يا أبا بكر ، خذ حجرا فضعه إلى حجري ، ثم قال : يا عمر خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر أبي بكر ، ثم قال : يا عثمان خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر عمر ، ثم التفت إلى الناس فقال : ليضع كل رجل حجره حيث أحب على ذلك الخط.

متى بني مسجد قباء

قلت : وهو يقتضي أن هذا البنيان لم يكن عند قدوم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى قباء ، بل بعد قدوم عثمانرضي‌الله‌عنه من الحبشة ؛ فإنه كان قد هاجر إلى أرض الحبشة فارا بدينه مع زوجته رقية بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وكان أول خارج إليها ، ثم هاجر الهجرة الثانية إلى المدينة ؛ فيمكن أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أسسه عند قدومه ، ثم بناه بعد ذلك ، وإلا فلم يكن عثمانرضي‌الله‌عنه حاضرا ، كذا نبه عليه بعضهم ولهذا قال السهيلي : أول من وضع حجرا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم أبو بكر ، ثم عمر ، ولم يذكر عثمان ، ثم قال : وصلّى فيه نحو بيت المقدس قبل أن يأتي المدينة ، انتهى. وسيأتي عند ذكره في المساجد عن عمررضي‌الله‌عنه أنه قال : والذي نفسي بيده لقد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبا بكر وأصحابه ننقل حجارته على بطوننا ، ويؤسسه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وجبريل يؤم به البيت ، ولم أر من نبه على تعيين زمان قدوم عثمان من الحبشة ، وسيأتي في بنائهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لمسجد المدينة أخبار تقتضي حضور عثمان له ، وهو محتمل أيضا للبناء الأول والثاني ، وسبق في الفصل قبله عد عثمان فيمن قدم المدينة قبل مقدم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إليها ، وهو كذلك في كلام ابن إسحاق.

وقال المحب الطبري : الظاهر أن قدوم عثمان من الحبشة كان قبل هجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو بعدها وقبل وقعة بدر ؛ لأنه صح أنه كان في وقعة بدر متخلفا في المدينة على زوجته رقية بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وكانت مريضة ، ووقعة بدر في الثانية ، وكان قدوم أكثر مهاجري الحبشة في السابعة كما سيأتي ، والله أعلم.

__________________

(١) العنزة : أطول من العصا وأقصر من الرمح في أسفلها زجّ كزجّ الرمح يتوكأ عليها الشيخ الكبير.


وفي الكبير للطبراني ورجاله ثقات عن الشموس بنت النعمان قالت : نظرت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين قدم ونزل وأسس هذا المسجد مسجد قباء ، فرأيته يأخذ الحجر أو الصخرة حتى يهصره الحجر ، وأنظر إلى بياض التراب على بطنه أو سرته ، فيأتي الرجل من أصحابه ويقول : بأبي وأمي يا رسول الله أعطني أكفك ، فيقول : لا ، خذ مثله ، حتى أسسه ، ويقول : إن جبريلعليه‌السلام هو يؤم الكعبة ، قالت : فكان يقال : إنه أقوم مسجد قبلة.

قلت : قد صح أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يستقبل بيت المقدس حتى نسخ ذلك ، وجاءت القبلة وهم في صلاة الصبح فأخبرهم ، وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة ؛ فيحتمل : أن جبريلعليه‌السلام كان يؤم به البيت ليستدل به على جهة بيت المقدس لتقابل الجهتين ، ولعلمه بما يؤول إليه الأمر من استقبال الكعبة ، أو أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان مخيّرا في ابتداء الهجرة في التوجه إلى بيت المقدس أو إلى الكعبة كما قاله الربيع فأمّ به جبريل البيت لذلك ، واختياره الصلاة لبيت المقدس أولا لاستمالة اليهود ، أو أن استقبال الكعبة كان مشروعا في ذلك الوقت ثم نسخ ببيت المقدس ثم نسخ بالكعبة ، لما قاله ابن العربي وغيره من أن القبلة نسخت مرتين ، أو أن ذلك تأسيس آخر غير التأسيس الأول ، ويدل لهذا الأخير ما قدمناه من راوية ابن شبة.

وقوله في حديث الشموس المتقدم «حتى يهصره الحجر» أي : يميله. وأورده المجد من رواية الخطابي بلفظ آخر ، فقال : وروى الخطابي عن الشموس بنت النعمان قالت : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين بنى مسجد قباء يأتي بالحجر قد صهره(١) إلى بطنه فيضعه ، فيأتي الرجل يريد أن يقله فلا يستطيع حتى يأمره أن يدعه ويأخذ غيره ، ثم قال : صهره وأصهره إذا ألصقه بالشيء ، ومنه اشتقاق الصهر في القرابة.

وروى ابن شبة أيضا أن عبد الله بن رواحة كان يقول وهم يبنون في مسجد قباء :

أفلح من يعالج المساجدا

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «المساجدا» فقال عبد الله :

ويقرأ القرآن قائما وقاعدا

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «وقاعدا» فقال عبد الله :

ولا يبيت الليل عنه راقدا

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «راقدا» ، والله أعلم.

__________________

(١) صهر الشيء إليه : قرّبه وأدناه.


الفصل الحادي عشر

في قدومهصلى‌الله‌عليه‌وسلم باطن المدينة ، وسكناه بدار أبي أيوب الأنصاري ، وأمر هذه الدار ، وما آلت إليه ، وما وقع من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.

قال أهل السير : ثم إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أرسل إلى ملأ بني النجار ، فجاؤوا متقلدين بالسيوف ، وكانوا أخواله ، وذلك أن هاشم بن عبد مناف تزوج منهم امرأة ، وهي سلمى بنت عمرو ، فجاءه منها ولد ، فلما مات هاشم وكبر الغلام مر به قوم من قريش فأبصروه وقد ترعرع وهو ينتضل(١) ويقول : أنا القرشي ، فجاؤوا وأخبروا عمه المطلب بن عبد مناف ، فذهب فجاء به ، فدخل به مكة وهو ردفه وعليه ثياب السفر ، فقالت قريش : هذا عبد المطلب ، فغلب عليه هذا الاسم ؛ فلذلك كان أخواله بني النجار ، فقالوا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : اركبوا آمنين مطاعين.

وفي البخاري من حديث أنس : قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فنزل في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف ، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ، ثم أرسل إلى بني النجار فجاؤوا بالسيوف ، ثم رواه البخاري بلفظ آخر ، فقال : قدم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فنزل جانب الحرة ، ثم بعث إلى الأنصار فجاؤوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبا بكر فسلموا عليهما ، وقالوا : اركبا آمنين مطاعين ، فركب حتى نزل جانب دار أبي أيوب.

قال الحافظ ابن حجر : تقديره فنزل جانب الحرة فأقام بقباء المدة التي أقام بها وبنى بها مسجده ، ثم بعث إلى آخره.

وفي التأريخ الصغير للبخاري عن أنس أيضا قال : إني لأسعى مع الغلمان إذ قالوا : محمد جاء ، فننطلق فلا نرى شيئا ، حتى أقبل وصاحبه ، فكمنا(٢) في بعض جوانب المدينة ، وبعثا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما(٣) ، فاستقبله خمسمائة من الأنصار ، فقالوا : انطلقا آمنين مطاعين ، الحديث ، ففيه طي لذكر قصة قباء ، إلا أن يريد أن ذلك وقع في مبدأ الأمر عند نزولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بقباء ، وهو ما اقتضاه رواية رزين ، فإنه قال : عن أنس قال : كنت إذ قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة ابن تسع سنين ، فأسمع الغلمان والولائد يقولون : جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فنذهب فلا نرى شيئا ، حتى جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبو بكر ، فكمنا في

__________________

(١) انتضل القوم : استبقوا بالرمي. و ـ يفتخروا.

(٢) كمنا : استخفا في مكمن لا يفطن له.

(٣) يؤذن بهما : ينذر بهما ويخبر عنهما.


خرب في طرف المدينة ، وأرسلا رجلا يؤذن لهما الأنصار ، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار ، حتى انتهوا إليهما ، قال : فما رأيت مثل ذلك اليوم قط ، والله لقد أضاء منها كل شيء ، ونزلا على كلثوم بن الهدم ، ثم ذكر تأسيس مسجد قباء ، ثم قال : ثم خرج منها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يريد المدينة ، فلا يمر بدار من دور الأنصار إلا عرضوا عليه ، وذكر نحو ما سيأتي ؛ فهو صريح في أن ذلك كان عند مقدمهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في بدء الأمر.

وكان خروجهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من قباء يوم الجمعة ، وتعيينه من الشهر مرتب على ما تقدم في قدومها.

وروى يحيى أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما شخص : أي : من قباء ، اجتمعت بنو عمرو بن عوف فقالوا : يا رسول الله أخرجت ملالا أم تريد دارا خيرا من دارنا؟ قال : إني أمرت بقرية تأكل القرى ، فخلوها ـ أي ناقته ـ فإنها مأمورة فخرجصلى‌الله‌عليه‌وسلم من قباء ، فعرض له قبائل الأنصار كلهم يدعوه ويعدوه النصرة والمنعة ، فيقول : خلوها فإنها مأمورة ، حتى أدركته الجمعة في بني سالم ، فصلى في بطن الوادي الجمعة وادي ذي صلب.

قلت : قيل كانت هذه أول جمعة صلاها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمدينة ، وقيل : إنه كان يصلي الجمعة في مسجد قباء في إقامته هناك ، والله أعلم.

وروى أيضا عن عمارة بن خزيمة قال : لما كان يوم الجمعة وارتفع النهار دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم براحلته ، وحشد المسلمون ، ولبسوا السلاح ، وركب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ناقته القصوى ، والناس معه عن يمينه وعن شماله وخلفه : منهم الماشي والراكب ، فاعترضنا الأنصار فما بدار من دورهم إلا قالوا هلم يا رسول الله إلى العز والمنعة والثروة ، فيقول لهم خيرا ، ويدعو ، ويقول : إنها مأمورة ، خلوا سبيلها ، فمر ببني سالم ، فقام إليه عتبان بن مالك ، ونوفل بن عبد الله بن مالك بن العجلان وهو آخذ بزمام راحلته يقول : يا رسول الله انزل فينا فإن فينا العدد والعدة والحلقة ، ونحن أصحاب العصا والحدائق والدرك ، يا رسول الله قد كان الرجل من العرب يدخل هذه البحرة خائفا فيلجأ إلينا فنقول له : قوقل حيث شئت ، فجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يتبسم ويقول : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، فقام إليه عبادة بن الصامت وعباس بن الصامت بن نضلة بن العجلان فجعلا يقولان : يا رسول الله انزل فينا ، فيقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : بارك الله عليكم ، إنها مأمورة ، فلما أتى مسجد بني سالم ـ وهو المسجد الذي في الوادي ـ فجمّع بهم فخطبهم ، ثم أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن يمين الطريق حتى جاء بني الحبلى ، فأراد أن ينزل على عبد الله بن أبي ، فلما رآه ابن أبي وهو


عند مزاحم أي الأطم محتبيا قال : اذهب إلى الذين دعوك فانزل عليهم ، فقال سعد بن عبادة لا تجد(١) يا رسول الله في نفسك من قوله ، فقد قدمت علينا والخزرج تريد أن تملكه عليها ، ولكن هذه داري ، فمر ببني ساعدة فقال له سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو وأبو دجانة : هلم يا رسول الله إلى العز والثروة والقوة والجلد ، وسعد يقول : يا رسول الله ليس من قومي أكثر عذقا(٢) ولا فم بئر مني مع الثروة والجلد والعدد والحلقة ؛ فيقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : بارك الله عليكم ، وجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : يا أبا ثابت خلّ سبيلها فإنها مأمورة ، فمضى ، واعترضه سعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة وبشير بن سعد فقالوا : يا رسول الله لا تجاوزنا فإنا أهل عدد وثروة وحلقة ، قال : بارك الله فيكم ، خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، واعترضه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو ـ أي : من بني بياضة ـ يقولان : يا رسول الله هلم إلى المواساة والعز والثروة والعدد والقوة ، نحن أهل الدرك يا رسول الله ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، ثم مر ببني عدي بن النجار ـ وهم أخواله ـ فقام أبو سليط وصرمة بن أبي أنيس في قومهما فقالا : يا رسول الله نحن أخوالك هلم إلى العدد والمنعة مع القرابة ، لا تجاوزنا إلى غيرنا يا رسول الله ، ليس أحد من قومنا أولى بك منا لقرابتنا بك ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، ويقال : إن أول الأنصار اعترضه بنو بياضة ، ثم بنو سالم ، ثم مال إلى ابن أبي ، ثم مر على بني عدي بن النجار ، حتى انتهى إلى بني مالك بن النجار.

قلت : وقول بني عدي بن النجار «نحن أخوالك» لأنهم أقاربه من جهة الأمومة ؛ لأن سلمى بنت عمرو أحد بني عدي بن النجار كانت أم جده عبد المطلب ، وقول البراء في حديث الصحيح «إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده ، أو قال أخواله ، من الأنصار» فيه تجوز من حيث إنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إنما نزل على إخوتهم بني مالك بن النجار ، أو أراد أنه نزل بخطة بني النجار لتقارب منازلهم الجميع ومنهم بنو عدي.

وقال الحافظ ابن حجر في المقدمة في الكلام على الحديث المذكور : هم من بني عمرو بن عوف من الخزرج ، وكانت أم عبد المطلب جد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم منهم ، واسمها سلمى ؛ فهم أجداده حقيقة ، وأخواله مجازا ، والشك من راوي الخبر ، انتهى.

وهو وهم ، سببه اشتباه النزول الأول بقباء بهذا النزول الذي وقع فيه الاستقرار ، وليس بنو عمرو بن عوف ممن يوصف بذلك ، وقد تنبه له في الشرح ؛ فذكره على الصواب كما قدمناه ، والله أعلم.

__________________

(١) الوجد : الحزن والغضب.

(٢) أكثر عذقا : أكثر نخلا.


وروى رزين أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سار من قباء ومعه جماعة من الأنصار في السلاح وجميع المهاجرين ، وذكر صلاة الجمعة ، قال : ثم ركب فجاء بني الحبلى فأراد أن ينزل على عبد الله بن أبي بن سلول ، وكان جالسا محتبيا عند أطم له ، فقال : اذهب إلى الذين دعوك فانزل عليهم ، فقال سعد بن عبادة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا تجد عليه ، فإن أهل هذه البحرة كانوا قد أجمعوا على أن يعصّبوه(١) ويتوّجوه ، فلما رد الله عليه ذلك بالحق الذي أعطاك شرق لذلك(٢) .

قلت : الذي في الصحيح ذكر سعد لذلك في قصة عيادتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم له من مرض بعد سكناه بالمدينة ، والذي في كتب السير عن ابن إسحاق أن الجمعة أدركته في وادي رانونا فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة ، وكانوا أربعين ، وقيل : مائة ، فأتاه عتبان بن مالك في رجال من بني سالم فقالوا : يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة ، قال : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، لناقته ، فخلوا سبيلها ، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة ، فأجابهم بمثل ما تقدم ، فخلوا سبيلها ، حتى إذا وازنت دار بني الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بلحارث ، فأجابهم بما تقدم ، فخلوا سبيلها ، فانطلقت حتى إذا مرت بدار عدي بن النجار ـ وهم أخواله دنيا ـ اعترضهم سليط بن قيس في رجال منهم ، فأجابهم بمثل ما تقدم ، حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم وثبت وسارت غير بعيد ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به ، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ، ثم تلحلحت وأرزمت(٣) ووضعت جرانها(٤) فنزل عنها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وفي رواية أنها لما وثبت من مبركها الأول بركت على باب أبي أيوب الأنصاري ، ثم ثارت منه وبركت في مبركها الأول ، وفي رواية فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : هذا المنزل إن شاء الله.

وذكر ابن سيد الناس بعد قصة بني سالم أن راحلته انطلقت حتى وازنت دار بني بياضة ، فذكر قصتهم ، ثم قال : فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة اعترضه سعد بن عبادة ، وذكر قصتهم ، ثم قال : فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع ، وذكر قصتهم ، ثم ذكر القصة كما قدمناه.

__________________

(١) عصّبه القوم : سوّدوه وجعلوه سيدا عليهم.

(٢) شرق لذلك : غصّ وضاق صدره لذلك.

(٣) تحلحلت : تحركت عن موضعها. أرزمت : اشتد صوتها.

(٤) الجران : باطن العنق من البعير وغيره.


وذكر يحيى في رواية أخرى أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد أن سار من بني سالم تيامن ، فأتى منزل ابن أبي ، ثم مضى في الطريق والطريق يومئذ فضاء حتى انتهى إلى سعد بن عبادة ، ثم اعترضت له بنو بياضة عن يساره ، ثم مضى حتى أتي بني عدي بن النجار ، ثم أتى إلى بني مازن بن النجار ، فقامت إليه وجوههم ، ثم مضى حتى انتهى إلى باب المسجد وقد حشدت(١) بنو مالك بن النجار فهم قيام ينتظرونه إلى أن طلع فهش إليه أسعد بن زرارة وأبو أيوب وعمارة بن حزم وحارثة بن النعمان يقول : يا رسول الله قد علمت الخزرج أنه ليس ربع أوسع من ربعي ، قال : فبركت بين أظهرهم ، فاستبشروا ، ثم نهضت كأنها مذعورة ترجّع الحنين(٢) ، فساءهم ذلك ، وجعلوا يعدون بجنبها حتى أتت إلى زقاق الحبشي ببئر جمل فبركت والنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عليها مرخ لها زمامها ثم قامت عودها على بدئها تزيد في المشي حتى بركت على باب المسجد وضربت بجرانها وعدلت ثفناتها(٣) ، وجاء أبو أيوب والقوم يكلمونه في النزول عليهم ، فأخذ رحله فأدخله ، فنظر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى رحله وقد حط فقال : «المرء مع رحله».

وذكر رزين اعتراض بني سالم له وقوله «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» ثم قال : فمر ببني بياضة فكذلك ، ثم ببني ساعدة فكذلك ، ثم بدار بني الحارث بن الخزرج فكذلك ، ثم مر بدار عدي بن النجار فكذلك ، فمضت حتى إذا أتت دار بني مالك بن المجار بركت على باب المسجد اليوم ، ولم ينزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين بركت ، ثم وثبت فسارت غير بعيد ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها الأول ، فنزل إذا ذاك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : أي الدور أقرب؟ فقال أبو أيوب : داري ، هذا بابي ، وقد حططنا رحلك فيها ، فقال : «المرء مع رحله» فمضت مثلا.

وروى ابن زبالة أنها لما بركت بباب أبي أيوب جعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يريد أن ينزل فتحلحل فيطيف حولها أبو أيوب فيجد جبار بن صخر أخا بني سلمة ينخسها برجله ، فقال أبو أيوب : يا جبار عن منزلي تنخسها؟ أما والذي بعثه بالحق لو لا الإسلام لضربتك بالسيف ، فنزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في منزل أبي أيوب ، وقر قراره ، واطمأنت داره ، ونزل معه زيد بن حارثة.

وعند الحاكم عن أنس : جاءت الأنصار فقالوا : إلينا يا رسول الله ، فقال : دعوا الناقة فإنها مأمورة ، فبركت على باب أبي أيوب.

__________________

(١) احتشد القوم : اجتمع القوم.

(٢) ترجع الحنين : عادت ومدّت صوتها.

(٣) الثفنة : الركبة. و ـ الجزء من جسم الدابة تلقى به الأرض فيغلظ ويجمد.


وروى الطبراني في الأوسط وفيه صديق بن موسى ـ قال الذهبي : ليس بالحجة ـ عن عبد الله بن الزبير أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قدم المدينة فاستناخت راحلته بين دار جعفر بن محمد بن علي ودار الحسن بن زيد ، فأتاه الناس فقالوا : يا رسول الله المنزل ، فانبعثت به راحلته ، فاستناخت ثم تحلحلت ، وللناس ثم عريش كانوا يرشونه ويعمرونه ويبردون فيه ، حتى نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن راحلته فآوى إلى الظل فنزل فيه ، فأتاه أبو أيوب فقال : يا رسول الله منزلي أقرب المنازل إليه أفأنقل رحلك؟ قال : نعم ، فذهب برحله إلى المنزل ، ثم أتاه آخر فقال : يا رسول الله انزل علي ، فقال : إن الرجل مع رحله حيث كان ، وثبت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في العريش اثنتي عشرة ليلة حتى بنى المسجد.

قلت : دار جعفر بن محمد هي التي في قبلة دار أبي أيوب ملاصقة لها ، ودار الحسن ابن زيد تقابلها من جهة المغرب ، بينهما الشارع.

وعند ابن عائذ وسعيد بن منصور أن ناقتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم استناخت به أولا ، فجاءه ناس فقالوا : المنزل يا رسول الله ، فقال دعوها ، فانبعثت حتى استناخت عند موضع المنبر من المسجد ، ثم تحلحلت ، فنزل عنها ، فأتاه أبو أيوب فقال : منزلي أقرب المنازل فاذن لي أن أنقل رحلك ، قال : نعم ، وأناخ الناقة في منزله.

وقال الواقدي : أخذ أسعد بن زرارة بزمام راحلته فكانت عنده ، ونقله الحافظ ابن حجر عن ابن سعد ونقل الأقشهري ، في روضته عن ابن نافع صاحب مالك في أثناء كلام نقله عن مالك أن ناقتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما أتت موضع مسجده بركت وهو عليها ، وأخذه الذي كان يأخذه عند الوحي ، ثم ثارت من غير أن تزجر وسارت غير بعيد ، ثم التفتت ، ثم عادت إلى المكان الذي بركت فيه أول مرة فبركت ، فسرّي عنه ، فأمر أن يحط رحله ، في بعض الروايات أن القوم لما تنازعوا أيهم ينزل عليه قال : إني أنزل على أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك.

وفي البخاري من حديث عائشة أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب ، فقال : أيّ بيوت أهلنا أقرب؟ أيّ أخوال جده ، فقال أبو أيوب : أنا يا نبي الله ، هذه داري ، وهذا بابي ، قال : فانطلق فهيئ لنا مقيلا(١) .

وفي رواية لابن زبالة : اختار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على عينه ، فنزل منزله وتخيره ، وأراد أن يتوسط الأنصار كلها.

قال المطري : وهو غير مناف لما تقدم من قوله : «دعوها فإنها مأمورة» ؛ لأن الله اختار له ما كان يختار لنفسه.

__________________

(١) المقيل : المكان الذي تؤخذ فيه القيلولة.


وفرح أهل المدينة بمقدمهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إليهم فرحا شديدا ؛ ففي البخاري من حديث البراء : «ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم » الحديث ، وروى أبو داود أن الحبشة لعبت بحرابهم فرحا بقدومهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

قال رزين : وصعدت ذوات الخدور على الأجاجير(١) يقلن :

طلع البدر علينا

من ثنيّات الوداع

وجب الشكر علينا

ما دعا لله داع

وفي رواية :

أيها المبعوث فينا

جئت بالأمر المطاع

والغلمان والولائد يقولون : جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فرحا به.

وفي شرف المصطفى : لما بركت الناقة على باب أبي أيوب خرج جوار من بني النجار يضربن بالدفوف ويقلن :

نحن جوار من بني النجار

يا حبذا محمد من جار

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أتحببناني؟ قلن : نعم يا رسول الله ، فقال : والله وأنا أحبكن ، قالها ثلاثا ، وفي رواية : «يعلم الله إني أحبكن».

وأخرج الحاكم من طريق إسحاق بن أبي طلحة : فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدف وهن يقلن ، وذكر البيت المتقدم.

وروى عن أنس قال : لما خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من مكة أظلم منها كل شيء ، فلما دخل المدينة أضاء منها كل شيء ، ورواه ابن ماجه بلفظ : لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة أضاء منها كل شيء ، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء. ورواه أبو داود بلفظ : لما قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحا بقدومهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وما رأيت يوما كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة ، أضاء منها كل شيء ، الحديث. ورواه ابن أبي خيثمة عنه بلفظ : شهدت يوم دخول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة ، فلم أر يوما أحسن منه ولا أضوأ.

وروى يحيى عن عبد الله بن سلام : لما قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة انجفل الناس(٢) إليه ، وقيل : قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فجئت أنظر ، فلما تبينت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، فكان أول شيء سمعته يتكلم قال : أيها الناس ، أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلون الجنة بسلام ، وهذا الحديث بنحوه في الترمذي وصححه.

__________________

(١) الأجاجير : سطوح المنازل.

(٢) انجفل الناس : قدموا إليه مسرعين.


وبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة أعطاهما خمسمائة درهم وبعيرين ، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم بنتيه وسودة زوجته وأم أيمن زوج زيد بن حارثة وأسامة بن زيد ، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر فيهم عائشة وأختها أسماء زوج الزبير وأمها أم رومان ، فلما قدموا المدينة أنزلهم في بيت حارثة بن النعمان.

وقال رزين : إن أبا بكر أرسل عبد الله بن أريقط مع زيد بن حارثة ليأتيه بعائشة وأم رومان أمها وعبد الرحمن.

قال بعضهم : ووجدوا طلحة بن عبيد الله على خروج ، فخرج معهم ، فقدموا كلهم.

وروى ابن إسحاق عن أبي أيوب الأنصاري قال : لما نزل عليّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في بيتي نزل في السفل وأنا وأم أيوب في العلو ، فقلت له : يا نبي الله ، بأبي أنت وأمي ، إني أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي ، فاظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل ، فقال : يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت ، قال : فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في سفله ، وكنا فوقه في المسكن ، فلقد انكسر حب لنا(١) فيه ماء ، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفا أن يقطر على رأس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم منه شيء فيؤذيه.

قلت : وذكر بعضهم أن ذلك هو سبب سكناه في العلو بعد ذلك ، والذي في صحيح مسلم عن أبي أيوب أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم نزل عليه ، فنزلصلى‌الله‌عليه‌وسلم في السفل وأبو أيوب في العلو ، فانتبه أبو أيوب ليلة فقال : نمشي فوق رأس النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟! فتنحوا وباتوا في جانب ، ثم قال للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : السفل أرفق ، فقال : لا أعلو سقيفة وأنت تحتها ، فتحول النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في العلو وأبو أيوب في السفل.

وقد قدمنا في آخر الفصل الرابع أن ابن إسحاق ذكر أن هذا البيت بناه تبّع الأول لما مرّ بالمدينة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ينزله إذا قدم المدينة ، فتداول البيت الملاك إلى أن صار لأبي أيوب ، وأن أبا أيوب من ذرية الحبر الذي أسلمه تبع كتابه.

وقد نقل الحافظ ابن حجر ذلك عن حكاية ابن هشام في التيجان ، قال : وأورده ابن عساكر في ترجمة تبع ، فما نزلصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا في بيته ، وقد ابتاع المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بيت أبي أيوب هذا من ابن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري بألف دينار ، فتصدق به ، وهو في شرقي المسجد المقدس كما سيأتي في الدور المطيفة بالمسجد.

وقد اشترى الملك المظفر شهاب الدين غازي بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب بن شادي عرصة دار أبي أيوب هذه ، وبناها مدرسة للمذاهب الأربعة ،

__________________

(١) الحب : الجرّة.


ووقف عليها أوقافا بميّافارقين التي هي دار ملكه ، وبدمشق لها وقف آخر أيضا ، ولها بالمدينة الشريفة أيضا وقف من النخيل وغيرها ، غير أنه شمل ذلك ما عم الأوقاف ، وكان بها كتب كثيرة نفيسة فتفرقت أيدي سبا ، وآل حال هذه المدرسة إلى التعطيل ، فسكنها بعض نظارها ، فتشاءمت على عياله ، واتصل ذلك بسلطان مصر فخرج منها ، والمدرسة قاعتان : كبرى ، وصغرى ، وفي إيوان الصغرى الغربي خزانة صغيرة جدا ، فما يلي القبلة فيها محراب.

قال المطري : يقال إنها مبرك ناقة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وكانت إقامتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بهذه الدار كما أفاده ابن سعد سبعة أشهر : أي : بتقديم السين على الباء ، حتى بنى مساكنه. وقال رزين : أقام عند أبي أيوب من شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الثانية ، وقال الدولابي : شهرا ، وفي كتاب يحيى عن زيد بن ثابت : لما نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على أبي أيوب لم يدخل منزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم هدية أول من هدية دخلت بها عليه قصعة مثرودة خبز بر وسمنا ولبنا فأضعها بين يديه ، فقلت : يا رسول الله أرسلت بهذه القصعة أمي ، فقال : بارك الله فيها ، ودعا أصحابه فأكلوا ، فلم أرم الباب(١) حتى جاءت قصعة سعد بن عبادة على رأس غلام مغطاة ، فأقف على باب أبي أيوب فأكشف غطاءها لأنظر ، فرأيت ثريدا عليه عراق ، فدخل بها على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال زيد : فقد كنا في بني مالك بن النجار ما من ليلة إلا على باب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم منا الثلاثة والأربعة يحملون الطعام ويتناوبون بينهم ، حتى تحول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من بيت أبي أيوب ، وكان مقامه فيه سبعة أشهر ، وما كانت تخطئه جفنة سعد بن عبادة وجفنة أسعد بن زرارة كل ليلة.

وفيه أنه قيل لأم أبي أيوب : أيّ الطعام كان أحب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنكم عرفتم ذلك لمقامه عندكم؟ قالت : ما رأيته أمر بطعام فصنع له بعينه ، ولا رأيناه أتى بطعام قط فعابه.

وقد أخبرني أبو أيوب أنه تعشى عنده ليلة من قصعة أرسل بها سعد بن عبادة طفيشل(٢) فقال أبو أيوب : فرأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ينهل تلك القدر ما لم أره ينهل غيرها ، فكنا نعملها له ، وكنا نعمل له الهريس وكانت تعجبه ، وكان يحضر عشاءه خمسة إلى ستة عشر كما يكون الطعام في الكثرة والقلة.

__________________

(١) لم أرم الباب : لازمته.

(٢) طفيشل : نوع من الأدم.


وفيه عن أبي أيوب أنهم تكلفوا له طعاما فيه بعض هذه البقول ، فلما أتوه به كرهه وقال لأصحابه : كلوا فإني لست كأحدكم ، إني أخاف أن أوذي صاحبي(١) .

وفي كتاب رزين عنه بعد ذكر نزوله عليه قال : وما مرت ليلة من نحو السنة إلا وتأتيه جفنة سعد بن معاذ ثم سائر الناس ، يتناوبون ذلك نوبا ، قال أبو أيوب : فصنعت له ليلة طعاما ، وجعلت فيه ثوما ، فلم يأكل منه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ففزعت فنزلت إليه فقلت له : أحرام هو؟ فقال : إني أناجي ، وأنا أكرهه لذلك ، وأما أنتم فكلوه ، قال : فقلت : فإني أكره ما تكره يا رسول الله.

المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين

قال ابن إسحاق : وكتب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود(٢) ، وعاهدهم ، وأقرهم على دينهم وأموالهم ، واشترط لهم ، وآخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار ، فقال فيما بلغنا : تاخوا في الله أخوين أخوين ، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال : هذا أخي.

قلت : كانت هذه المؤاخاة بعد مقدمهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بخمسة أشهر ، وقيل : ثمانية ، وهو يا بني المسجد ، وقيل : بعده ، وقيل : قبله ، وذكره أبو حاتم في السنة الأولى ، والظاهر أن ابتداءها كان فيها ، واستمرت على حسب من يدخل في الإسلام أو يحضر ، كما يعلم من تفاصيلها ، قيل : وكانوا تسعين رجلا من كل طائفة خمسة وأربعون ، وقيل : مائة ، آخى بينهم على الحق والمواساة والتوارث ، وكانوا كذلك إلى أن نزل بعد بدر( وَأُولُوا الْأَرْحامِ ) [الأنفال : ٧٥] الآية.

وقال الواقدي : لما قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة آخى بين المهاجرين ، وآخى بين المهاجرين والأنصار.

وقال ابن عبد البر : كانت المؤاخاة مرتين : الأولى قبل الهجرة بمكة بين المهاجرين ، فآخى بين أبي بكر وعمر ، وهكذا حتى بقي عليرضي‌الله‌عنه فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أما ترضى أن أكون أخاك؟ قال : بلى يا رسول الله ، قال : فأنت أخي في الدنيا والآخرة ، والمواخاة الثانية ما تقدم من مواخاة المهاجرين والأنصار ، وهي المرادة بقول الحسن : كان التوارث بالحلف ؛ فنسخ بآية المواريث.

__________________

(١) البقول : المراد بها البصل والثوم والكراث.

(٢) وادع فلان : صالحه وسالمه وهادنه.


ولأبي داود عن أنس بن مالك : حالف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا ، وحديث «لا حلف في الإسلام» معناه : حلف التوارث ، والحلف على ما منع الشرع منه ، وعبر رزين عن المواخاة بين المهاجرين والأنصار فيما نقله عن أبي حاتم بقوله : ثم آخى بين أصحابه ، ودعا لكل واحد منهم دعوة ، وقال : أبشروا أنتم في أعلى غرف الجنة ، وقال لعلي : ما أخرتك إلا لنفسي ، أنت أخي ووارث علمي ، وأنت معي في الجنة في قصري مع ابنتي ، وقصة المؤاخاة الأولى أقر بها الحاكم ؛ فذكر المؤاخاة بين أبي بكر وعمر ، وذكر جماعة ، ثم قال : فقال علي : يا رسول الله ، إنك آخيت بين أصحابك فمن أخي؟ قال : أنا أخوك.

وقد أنكر ابن تيمية في الرد على ابن المطهر الرافضي المؤاخاة بين المهاجرين خصوصا مؤاخاة النبي لعلي ، قال : لأنها شرعت للإرفاق والتألف ؛ فلا معنى لها بينهم ، وهو رد للنص وغفلة عن حقيقة الحكمة في ذلك ، مع أن بعضهم كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة ، والارتفاق ممكن ، وقد كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقوم بعلي من عهد الصبا ، واستمر ذلك.

وأخرج الحاكم وابن عبد البر بسند حسن أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «آخى بين الزبير وابن مسعود» وهما من المهاجرين.

اليهود تحاول الإفساد بين الأوس والخزرج

والتأم شمل الحيين الأوس والخزرج ببركتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فمر شاس بن قيس ـ وكان شيخا من اليهود شديد الضغن على المسلمين والحسد لهم ـ على نفر من الأوس والخزرج في مجلس يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية ، فقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد ، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار ، فأمر شابا من يهود كان معه فقال : اجلس إليهم ثم اذكر يوم بعاث ، وما كان فيه ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار ، ففعل الشاب ذلك ، فتنازع القوم وتفاخروا ، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب ، وهما أوس بن قيظي وجبار بن صخر ، فتقاولا ، ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم رددناها الآن جذعة ، وغضب الفريقان جميعا ، وقالوا : قد فعلنا ، موعدكم الظاهرة ، وهي الحرة ، فخرجوا إليها ، وبلغ ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال : يا معشر المسلمين ، الله الله ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام ، وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألف به بينكم؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدوهم ، فبكوا ، وعانق الأوس


والخزرج بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس ، فأنزل الله في شأنه :( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) [آل عمران : ٩٨ ـ ٩٩] ، وأنزل الله في الذين صنعوا ما صنعوا من الحيين :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) إلى قوله :( كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) [آل عمران : ١٠٠ ـ ١٠٣].

وكان حيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر من أشد يهود للعرب حسدا لما خصهم الله برسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ فكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا فأنزل الله تعالى فيهما :( وَدَّ كَثِيرٌمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ ) إلى قوله :( حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [البقرة : ١٠٩].

وحدثت صفية بنت حييرضي‌الله‌عنها قالت : كنت أحبّ ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر ، لم ألقهما قط مع ولدهما إلا أخذاني دونه ، فلما قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة غدا عليه أبي وعمي مغلّسين(١) ، فلم يرجعا حتى كان مع غروب الشمس ، فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا ، فهششت إليهما كما كنت أصنع. فو الله ما التفت إلي واحد منهما ، مع ما بهما من الغم ، وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي : أهو هو؟ قال : نعم والله ، قال : أتعرفه وتثبته؟ قال : نعم ، قال : فما في نفسك منه؟ قال : عداوته والله ما بقيت ، فشقيا بجسدهما ، والله أعلم.

الفصل الثاني عشر

فيما كان من أمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بها في سني الهجرة

إلى أن توفاه الله عزوجل مختصرا

وقد لخصه رزين من تأريخ أبي حاتم ، فزدت فيه نفائس ميزتها ، فأقول في أولها «قلت» وفي آخرها «والله أعلم» وقد أقامصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين بالإجماع كما حكاه النووي.

السنة الأولى من الهجرة : وقد تقدم بعض ما فيها من بناء مسجد قباء وغيره.

وقال أبو حاتم : كان فيها بناء المسجد النبوي ، ومات أسعد بن زرارة والمسجد يا بنى ؛ فكان أول من دفن بالبقيع من المسلمين.

__________________

(١) الغلس : ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح.


قلت : ومن هذا يعلم أن عثمان بن مظعون أول من دفن به من المهاجرين ، جمعا بين النقلين ، ومات كلثوم بن الهدم قبل أسعد بن زرارة ؛ فهو أول من مات من الأنصار بعد مقدم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقيل : توفي أسعد بن زرارة في الثانية ، والله أعلم.

ومات البراء بن معرور قبل قدوم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأوصى أن يوجّه إلى الكعبة ، وصلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على قبره ، وكانت الأنصار يتقربون إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالهدايا رجالهم ونساؤهم ، وكانت أم سليم تتأسف على ذلك ، وما كان لها شيء ، فجاءت بابنها أنس ، وقالت : يخدمك أنس يا رسول الله؟ قال : نعم.

قلت : الذي في الصحيح عن أنس «قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة ليس له خادم ، فأخذ أبو طلحة بيدي ، فانطلق بي إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا رسول الله إن أنسا غلام كيّس(١) فليخدمك ، قال : فخدمته ، الحديث ، وقد يجمع بأنها جاءت به أولا ، وانطلق به أبو طلحة ثانيا ؛ لأنه وليه وعصبته ، وهذا غي مجيئه به لخدمتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في غزوة خيبر كما يفهمه لفظ الحديث ، والله أعلم.

ثم زيد في صلاة الحضر ركعتين بعد مقدمه المدينة بشهر.

قلت : قال السهيلي : إن ذلك كان بعد الهجرة بعام أو نحوه ، والذي عليه الأكثر أن الصلاة نزلت بتمامها من بدء الأمر ، والله أعلم.

ووعك أصحابه فدعا بنقل وبائها إلى الجحفة ، وقال : «اللهم حبب إلينا المدينة» ثم آخى بين أصحابه كما سبق ، ثم مات الوليد بن المغيرة بمكة ، وولد عبد الله بن الزبير ، جاءت أمه أسماء بعد الهجرة فنفست به في قباء في شوال ، فكان أول مولود ولد في الإسلام بها بعد الهجرة ، وكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تفل في فيه.

قلت : سيأتي في مسجد دار سعد بن خيثمة من المساجد التي لا تعلم عينها أن الذهبي قال : إن عبد الله ولد في الثانية ، والله أعلم.

ثم عقد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لواء لابن عمه عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب على ستين من المهاجرين ليس فيهم أنصاري ، وهي أول راية عقدت في الإسلام ، ورمى فيها سعد بن أبي وقاص بسهم ، فكان أول سهم رمي به في الإسلام ، فالتقى مع أبي سفيان بن حرب ، وقيل : عكرمة بن أبي جهل ، وكان في مائة من المشركين ببطن رابغ ويعرف بودان فانحاز

__________________

(١) كيّس : فطن. والكياسة : تمكن النفوس من استنباط ما هو أنفع.


إلى المسلمين من المشركين المقداد بن عمرو بن الأسود وعتبة بن غزوان ، وكان حامل اللواء لعبيدة مصلح بن أثاثة.

أول راية عقدت في الإسلام

قلت : وذكر أبو الأسود في مغازيه عن عروة ، ووصله ابن عائذ من حديث ابن عباس : «أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما وصل إلى الأبواء بعث عبيدة بن الحارث في ستين رجلا» وذكر القصة ، فيكون ذلك في السنة الثانية ، وبه صرّح بعض السير ، والله أعلم.

ثم عقد لواء لعمه حمزة على ثلاثين من المهاجرين ـ قيل : ومن الأنصار ـ ليتعرض عير قريش ، فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب ، فحجب بينهم مجدي بن عمرو ، وكان حليفا للفريقين ، وانصرفوا من غير قتال ، وكان حامل لواء حمزة يومئذ أبو مرثد.

قلت : قدم بعضهم هذه على سرية عبيدة ، وقال : إن لواء حمزة أول لواء عقد في الإسلام ، ورجح ابن إسحاق الأول ، وقال : إنما أشكل أمرهما أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم شيعهما جميعا ، وذكر أبو عمر أن أول راية عقدت لعبد الله بن جحش. وقيل : إن سرية حمزة هذه كانت في السنة الثانية ، والله أعلم.

زواج عائشة

ثم بنى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعائشة وهي بنت تسع ، وكان عقد بها في مكة قبل الهجرة بثلاث وهي بنت ست.

زواج سودة بنت زمعة

قلت : وعقد على سودة بنت زمعة بعد عائشة ـ وقيل : قبلها ، وبنى بها بمكة ـ وكان بناؤه بعائشة على رأس تسعة أشهر ـ وقيل : ثمانية ، وقيل ثمانية عشر شهرا ـ من قدومه ، والله أعلم.

ثم عقد لواء لسعد بن أبي وقاص في عشرين يريدون عير قريش في ذي القعدة ، فخرجوا على أقدامهم يكمنون(١) بالنهار ويسيرون بالليل ، وكان حامل اللواء لسعد المقداد بن عمرو ، فلم يجدوا شيئا ، ثم جاء أبو قيس بن الأسلت ليسلم ، فلقيه ابن أبيّ ابن سلول ، فقال : تربص(٢) حتى ترى ، فرجع فمات كافرا.

__________________

(١) يكمنون : يستخفون في مكمن لا يفطن له.

(٢) تربص : انتظر به خيرا أو شرّا يحل به.


إسلام عبد الله بن سلام

قلت : وأسلم عبد الله بن سلام في أول قدومهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ ففي البخاري من حديث عائشة التصريح بأنه جاء قبل دخولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم دار أبي أيوب لما سمع بقدومهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم رجع إلى أهله ، ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأبي أيوب : اذهب فهيئ لنا مقيلا ، فقال : قوما على بركة الله ، أي هو وأبو بكر ، قالت : فلما جاء نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم جاء عبد الله بن سلام فقال : أشهد أنك رسول الله وأنك قد جئت بحق ، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم ، فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت ؛ فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ ، فأرسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فدخلوا عليه ، فقال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا معشر اليهود ، ويلكم! اتقوا الله ، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا ، وأني جئتكم بحق ، فأسلموا ، قالوا : ما نعلمه ، قال : فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا : ذاك سيدنا وابن سيدنا ، وأعلمنا وابن أعلمنا ، قال : أفرأيتم إن أسلم ، قالوا : حاشا لله ما كان ليسلم ، قال : أفرأيتم إن أسلم ، قالوا : حاشا لله ما كان ليسلم ، كرر عليهم ذلك ثلاثا فيقولون له ذلك ، قال : يا ابن سلام اخرج عليهم ، فخرج عليهم ، فقال : يا معشر اليهود ، اتقوا الله فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنه جاء بحق ، فقالوا : كذبت ، فأخرجهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم . وفي رواية أن عبد الله بن سلام سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن أشياء ، فلما أعلمه بها أسلم ، وفي هذه الرواية ذكر قصة اليهود المتقدمة ، وأن عبد الله بن سلام لما خرج إليهم وتشهد قالوا : شرنا وابن شرنا ، وتنقصوه ؛ فقال : هذا كنت أخاف يا رسول الله ، ونصبت أحبار اليهود العداوة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بغيا وحسدا : منهم حيي بن أخطب ، وأبو رافع الأعور ، وكعب بن الأشرف ، وعبد الله بن صوريا ، والزبير بن باطا ، وشمويل ، ولبيد بن الأعصم ، وغيرهم ، ودخل منهم جماعة في الإسلام نفاقا ، وانضاف إليهم من الأوس والخزرج منافقون ، وأرى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الأذان ، وقيل : كان ذلك في السنة الثانية عند ما شاورصلى‌الله‌عليه‌وسلم أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة ؛ إذ كان اجتماعهم قبل بمناد «الصلاة جامعة» والله أعلم.

السنة الثانية من الهجرة

السنة الثانية : فلما جاء العاشر من المحرم أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بصومه ، وقال : «نحن أحق بموسى من اليهود» ثم زوج عليا بفاطمة.

قلت : وذلك قبل بدر ، في رجب على الأصح ، وبنى بها في ذي الحجة كما سيأتي ، وكان لها خمس عشرة سنة ، وقل : ثمان عشرة ، وقيل : تزوجها بعد أحد ، والله أعلم.

ثم غزا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بنفسه إلى الأبواء وهي من ودان على ستة أميال مما يلي المدينة.


قلت : ولتقاربهما أطلق عليها «غزوة ودان» ، والله أعلم.

واستخلف على المدينة سعد بن عبادة ، وكان حامل لوائه سعد بن أبي وقاص ، ثم رجع ، ولم يلق كيدا ، فانصرف بعد ما وادع مجدي بن عمرو الضمري ، ثم غزا في مائتين من أصحابه إلى ناحية رضوى ، وحامل لوائه سعد بن أبي وقاص ، ثم رجع ولم يلق كيدا.

قلت : وهي غزوة «بواط» خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يريد تجار قريش أيضا ، حتى بلغ بواط من ناحية رضوى ، وقال ابن هشام : واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون ، وفي نسخة السائب بن مظعون ، وقال الواقدي : سعد بن معاذ ، والله أعلم.

ثم أغار على سرح المدينة كرز بن جابر الفهري ، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في أثره في المهاجرين ، وحامل لوائه علي بن أبي طالب ، فانتهى إلى بدر ، وفاته كرز ، وهذه بدر الأولى.

قلت : ذكر ذلك ابن إسحاق بعد «العشيرة» بليال ، والله أعلم.

ثم بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عبد الله بن جحش في سرية ، وهم الذين قتلوا في الشهر الحرام في اثني عشر نفسا ، فأضل عتبة بن غزوان وسعد بن أبي وقاص راحلتيهما ، فتخلفا عنهم ، ومضى العشرة حتى لقوا جماعة من قريش : منهم عثمان بن عبد الله بن المغيرة ، وافتدى من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والحكم ابن كيسان ، أسلم ، وقتلوا عمرو بن الحضرمي.

قلت : ذكرها بعضهم بعد العشيرة ، ووصلوا نخلة على يوم وليلة من مكة ، فمرت بهم عير قريش تحمل زبيبا وأدما من الطائف معها الجماعة المذكورون في آخر يوم من رجب ، فاستأسروا الأسيرين ، وقتلوا عمرا ، واستاقوا العير ، وكانت أول غنيمة في الإسلام ، والله أعلم.

ثم خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى العشيرة ، فوادع بني مدلج وحفاءهم ، ثم رجع.

قلت : وكان خروجه فيها يعترض عيرا لقريش ، ففاتته بأيام ، واستخلف أبا سلمة بن عبد الأسد ، والله أعلم.

التوجه إلى الكعبة

قال أبو حاتم : وبلغني أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يحب أن يوجه إلى الكعبة ، فقال عمررضي‌الله‌عنه : يا رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى فدعا الله تعالى ، فأنزل( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ ) إلى قوله :( وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) [البقرة : ١٤٤] وقت صلاة الظهر يوم الثلاثاء النصف من شعبان ثانية سني الهجرة.

قلت : سيأتي ما فيه من الخلاف في الفصل الثالث من الباب بعده ، والله أعلم.

ثم نزلت فريضة الصوم في شعبان ، فصاموا رمضان ، فلما فرض رمضان لم يأمرهم بصيام عاشوراء ولا نهاهم.


ثم كانت غزوة بدر في رمضان لاثنتي عشرة ليلة خلت منه ، وقيل : يوم جمعة صبيحة سبع عشرة منه ، وقيل : صبيحة أربع وعشرين منه ، وكان المسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر.

قلت : الراجح القول الثاني ، وخرجت الأنصار معهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيها ، ولم تكن قبل ذلك خرجت معه ، ومعهم ثلاثة أفراس ، وكان المشركون ألفا ، ويقال ، تسعمائة وخمسين رجلا معهم مائة فرس ، وهذه بدر الثانية لما تقدم ، والله أعلم.

ثم قتل عمير بن عدي الخطمي العصماء امرأة من الأنصار ، وهي زوج يزيد الخطمي ، كانت تؤذي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الشعر ، فقتلها ، ثم جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا ينتطح فيها عنزان».

قلت : قال في الاكتفاء : إن العصماء هذه نافقت لما قتل أبو عفك (بالفاء وإهمال أوله) وقالت شعرا تعيب الإسلام وأهله ، وتؤنب الأنصار في اتباعهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإن عميرا رجع إلى قومه بعد قتلها يومئذ كثير موجهم(١) في شأنها ، ولها بنون خمسة رجال ، فقال : يا بني خطمة ، أنا قتلت بنت مروان ، يعني العصماء ، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ، فذلك اليوم أول ماء الإسلام في دار بني خطمة ، وكان يستخفي بإسلامه فيهم من أسلم ، ويومئذ أسلم رجال منهم لما رأوا من عز الإسلام ، انتهى. والذي رواه ابن سيد الناس عن ابن سعد أنه قال بعد ذكر قتل عمير للعصماء : ثم في شوال كانت سرية سالم بن عمير إلى أبي عفك اليهودي ، وكان أبو عفك من بني عمرو بن عوف شيخا قد بلغ عشرين ومائة ، وكان يحرض على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ويقول الشعر ، فقال سالم بن عمير وهو أحد البكائين وممن شهد بدرا : علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه ، وذكر قتله إياه ، وهو مخالف لما قدمناه عن الاكتفاء من تقديم قتل أبي عفك على قتل العصماء ، وذكر ابن سعد أيضا أن قتل العصماء كان لخمس ليال بقين من شهر رمضان ، وأن عميرا كان ضرير البصر ، وسماه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم البصير ، قيل : وكان أول من أسلم من بني خطمة ، وكان إمام قومه وقارئهم ، وكان يدعى «القارئ» ، والله أعلم.

ثم خطب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قبل الفطر بيومين يعلّم الناس زكاة الفطر.

قلت : وقيل : في أول شوال ، وصلّى صلاة الفطر ، وفيها فرضت زكاة الأموال أيضا ، وقيل : في الثالثة ، وقيل : في الرابعة ، وقيل : قبل الهجرة ، وثبتت بعدها ، والله أعلم.

ثم غزا بني قينقاع في شوال.

__________________

(١) ماج القوم : اختلفت أمورهم واضطربت.


قلت : قد تقدم أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان قد وادع اليهود ، وكانوا يرجعون إلى ثلاث طوائف : بني قينقاع ، والنضير ، وقريظة ، فنقض الثلاثة العهد طائفة بعد طائفة ، فأول من نقض منهم بنو قينقاع فحاربهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد بدر في شوال ، فألقى الله الرعب في قلوبهم ، فنزلوا على حكمه ، فأراد قتلهم ، فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له ، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات ، وفي الاكتفاء : وكان منشأ أمرهم ، يعني في نقض العهد ، أن امرأة من العرب قدمت بجلب(١) لها ، فباعته بسوق بني قينقاع ، وجلست إلى صائغ بها ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها ، فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفت سوأتها ، فضحكوا بها ، فصاحت ، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقلته ، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه ، فوقع الشر بينهم وبين المسلمين ، فحاصرهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى نزلوا على حكمه.

وروي أن ابن أبيّ قال للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا محمد ، أحسن في موالي ، فأعرض عنه ، وأنه قال : أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة ، إني والله امرؤ أخشى الدوائر ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : هم لك ، وقال مغلطاي في غزوة بني قينقاع ، قال الحاكم : هذه وبني النضير واحد ، وربما اشتبهتا على من لا يتأمل ، وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكر أنهم أول من نقض العهد : فغزاهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم بني النضير ، وأغرب الحاكم فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني النضير كان في زمن واحد ولم يوافق على ذلك ؛ لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر على قول عروة ، أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق ، وذكر الواقدي أن إجلاء بني قينقاع كان في شوال سنة اثنتين ، يعني بعد بدر بشهر ، ويؤيده ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال : لما أصاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قريشا يوم بدر جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال : يا معشر يهود ، أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشا ، فقالوا : إنهم كانوا لا يعرفون القتال ، ولو قاتلتنا لعرفت أنا الرجال ؛ فأنزل الله :( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ ) إلى قوله :( لِأُولِي الْأَبْصارِ ) [آل عمران : ١٢ ـ ١٣] وأصابصلى‌الله‌عليه‌وسلم من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف ودر عين أحدهما تسمى فضة والأخرى تسمى السغدية (بالسين المهملة والغين المعجمة) قال بعض الحفاظ : وكانت السغدية درع داودعليه‌السلام التي لبسها حين قتل جالوت ، والله أعلم.

غزوة السويق

قلت : سميت به لأنه كان أكثر زاد المشركين ، وغنمه المسلمون لأن أبا سفيان خرج

__________________

(١) الجلب : ما جلب من إبل وغنم ومتاع من البادية للتجارة.


في مائتي راكب ، وقيل : في أربعين ، حتى أتوا العريض ، فحرق نخلا ، وقتل رجلا من الأنصار وأجيرا له ، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في طلبه ، وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخففون للهرب فيلقون جرب السويق ، فأخذها المسلمون فرجعوا ، وذلك بعد بدر ، فإن أبا سفيان حلف بعدها أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا ، ففعل ذلك ، ورأى أن يمينه انحلت ، والله أعلم.

ثم مات عثمان بن مظعون في ذي الحجة ، فهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة ، ثم صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم صلاة العيد ، ثم ضحى بكبش ، ثم بنى علي بفاطمة في ذي الحجة.

قلت : وقال النووي : وتوفيت في ذي الحجة منها رقية ابنتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لكن ذكر أهل السير ما يقتضي أن وفاتها كانت في رمضان منها ، والله أعلم.

السنة الثالثة من الهجرة

السنة الثالثة : ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من لكعب بن الأشرف»؟ فقال محمد بن مسلمة : أنا له ، ثم قتله.

قلت : ابن الأشرف كان أصله عربيا من نبهان على ما قاله ابن إسحاق ، أتى أبوه المدينة فخالف بني النضير ، فشرف فيهم ، وتزوج بنت أبي الحقيق ، فولدت له كعبا ، وكان جسيما شاعرا ، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر ، وخرج إلى مكة وأنشدهم الأشعار ، وبكى أصحاب القليب(١) من قريش ، ونزل فيهم على المطلب بن أبي وداعة السهمي ، وعنده عاتكة بنت أبي العيص ابن أمية ، فهجاه حسان وهجا امرأته عاتكة ، فطردته ، فرجع إلى المدينة وشبب بنساء المسلمين ، وكان يهجو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ويحرض عليه كفار قريش ، وقيل : صنع طعاما وواطأ يهود أن يدعو النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فإذا حضر فتكوا به ، ثم دعاه ، فأعلمه جبريل فقام منصرفا وقال : «من لكعب بن الأشرف» فانتدب له محمد بن مسلمة في نفر ، واحتال عليه حتى نزل له ليلا فقتله ، وقيل : أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سعد بن معاذ أن يبعث رهطا ليقتلوه ، والله أعلم.

غزوة الكدر

ثم غزا غزوة الكدر ، وكان حامل لوائه علي بن أبي طالب ، فرجع ولم يلق كيدا.

قلت : خرج فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يريد بني سليم ، واستخلف سباع بن عرفطة ، وقيل :

__________________

(١) القليب : البئر. أصحاب القليب : المشركون الذين قتلوا ببدر ، وطرحوا بالبئر.


ابن أم مكتوم ، فبلغ ماء يقال له الكدر ، وتعرف بغزوة «قرقرة» ، ويقال نجران ، فلم يلق أحدا ، والله أعلم.

غزوة أنمار

ثم غزا غزوة أنمار ، فجاءه دعثور فوجده نائما تحت الشجرة ، فاستيقظ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو قائم على رأسه بالسيف ، فقال له دعثور : من يمنعك مني؟ قال : الله ، فوقع السيف من يده ، وأخذه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : من يمنعك مني؟ قال : لا أحد ، قال : اذهب لشأنك ، فولى وهو يقول : محمد خير مني ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : نعم ، وأنا أحق بذلك منك ، فنذرت غطفان برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فهربوا.

غزوة ذي أمر

قلت : هذه غزوة ذي أمر ، وسماها الحاكم غزوة أنمار ، وسمى بعضهم الأعرابي غورث ، ويقال : كان ذلك في ذات الرقاع ، ولا مانع من تعدد ذلك ، وكأن أبا حاتم رأى اتحادهما فلم يذكر ذات الرقاع ، وهي بنخل عند بعضهم ؛ فلذلك لم يذكرها أيضا ، والله أعلم.

ثم كانت سرية القردة ، وكان أميرها زيد بن حارثة ، فلقي بها عير قريش ، فأخذها ، وأسر فرات بن حيان ، وبلغ الخمس من تلك الغنيمة عشرين ألفا.

سرية القردة

قلت : والقردة ماء من مياه نجد ، فإن قريشا بعد بدر خافوا طريقهم التي كانوا يسلكون إلى الشام ، فسلكوا طريق العراق ، وكان في هذه العير أبو سفيان بن حرب ومعه فضة كثيرة هي عظم تجارتهم ، والله أعلم.

ثم كانت أحد.

غزوة أحد

قلت : كانت في شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور ، وشذ من قال : سنة أربع ، وقال ابن إسحاق : لإحدى عشرة ليلة خلت منه ، وقيل : لسبع ليال ، وقيل : لثمان ؛ وقيل : لتسع ، وقيل : في نصفه ، وقال مالك : كانت بعد بدر بسنة ، وفيه تجوز ، لأن بدرا كانت في رمضان باتفاق ، فهي بعدها بسنة وشهر لم يكمل ، ولهذا قال مرة أخرى : كانت بعد الهجرة بإحدى وثلاثين شهرا.

وكان السبب فيها أنه لما قتل الله من قتل من كفار قريش يوم بدر ورجع من بقي منهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيرهم ، فكلموا أبا سفيان ومن له في العير مال في


الاستعانة بها على حرب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ففعلوا ، وقيل : كان المال خمسين ألف دينار ، فسلم إلى أهل العير رءوس أموالهم ، وعزلت الأرباح ، وكانوا يربحون في تجارتهم الديا نار دينارا ، وجهزوا الجيش بذلك ، وحركوا من أطاعهم من القبائل ، وخرجوا بأحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة ، وخرجوا معهم بالظعن(١) لئلا يفروا ، فخرج أبو سفيان ـ وكان قائدهم ـ بهند بنت عتبة ، وكذلك سار أشرافهم خرجوا بنسائهم ، وكان جبير بن مطعم أمر غلامه وحشيا الحبشي بالخروج مع الناس ، وقال له : إن قتلت حمزة عم محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعمي طعمة بن عدي فأنت عتيق ، فأقبلوا حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة ، قاله ابن إسحاق ، ووادي قناة خلف عينين بينه وبين أحد ، فإن عينين في مقابلة أحد ، فنزلوا هم أمام عينين مما يلي المدينة وفي غربيه لجهة بئر رومة ؛ فلا يخالف ما سيأتي عن المطري ، ونقل ابن عقبة أن أبا سفيان سار بجمعه حتى طلعوا من بئر الجماوين ، ثم نزلوا ببطن الوادي الذي قبل أحد ، وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر ، وتمنوا لقاء العدو ، وأرى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليلة الجمعة رؤيا ، فلما أصبح قال : رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح ، والله خير ، ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته(٢) ، أو قال به فلول ، فكرهته وهما مصيبتان ، ورأيت أني في درع حصينة ، وأني مردف كبشا ، قالوا : ما أولتها؟ قال : أولت البقر بقرا يكون فينا ، وأولت الكبش كبش الكتيبة [٣] ، وأولت الدرع الحصينة المدينة ، فامكثوا فإن دخل القوم الأزقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت ، ونقل ابن إسحاق أيضا أن عبد الله بن أبي قال : يا رسول الله ، أقم بالمدينة ، ولا تخرج إليهم ، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه ، فدعهم ، فقال أولئك القوم : يا نبي الله كنا نتمنى هذا اليوم ، وأبى كثير من الناس إلا الخروج ، فلما صلّى الجمعة وانصرف دعا باللأمة فلبسها ، ثم أذن في الناس بالخروج ، فندم ذوو الرأي منهم ، فقالوا : يا رسول الله امكث كما أمرتنا ، فقال : ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب أن يرجع حتى يقاتل ، فخرج بهم وهم ألف رجل ، وكان المشركون ثلاثة آلاف. وقال المطري : إن نزول قريش يوم أحد بالمدينة كان يوم الجمعة ، قال : وقال ابن إسحاق : يوم الأربعاء.

قال المطري : فنزلوا برومة من وادي العقيق ، وصلّى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الجمعة بالمدينة ، ثم

__________________

(١) الظعينة : الراحلة يرتحل عليها. و ـ الهودج.

(٢) الظّبة : حدّ السيف والسنان والخنجر وما أشبهها.


خرج هو وأصحابه على الحرة الشرقية حرة واقم ، وبات بالشيخين موضع بين المدينة وبين جبل أحد على الطريق الشرقية مع الحرة إلى جبل أحد ، وغدا صبح يوم السبت إلى أحد ، انتهى. ونقل الأقشهري أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم دعا بثلاثة أرماح فعقد ثلاثة ألوية ؛ فدفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير ، ولواء الخزرج إلى الحباب بن المنذر بن الجموح ، وقيل : إلى سعد بن عبادة ، ولواء المهاجرين إلى علي بن أبي طالب ، وقيل : إلى مصعب بن عمير ، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ، ثم ركب فرسه ، وتقلد القوس ، ثم أخذ قناته بيده ، وفي المسلمين مائة دارع ، وخرج السعدان أمامه سعد بن معاذ وسعد بن عبادة والناس على يمينه وشماله ، فمضى حتى إذا كان بالشيخين ـ وهما أطمان ـ التفت فنظر إلى كتيبة حسنة لها زجل(١) ، فقال : ما هذه؟ قالوا : حلفاء ابن أبي من يهود ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا نستنصر بأهل الشرك ، فلما بلغوا الشوط انخذل عبد الله بن أبي بثلث الناس ، انتهى.

وفي الاكتفاء أن مخيريقا كان من أحبار يهود ، فقال لهم يومئذ ، لقد علمتم إن نصر محمد عليكم لحق ، فتعللوا بسبتهم ، فقال لهم : لا سبت لكم ، وأخذ سيفه وعدته فلحق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقاتل معه حتى قتل بعد أن قال : إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء ، وفيه قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «مخيريق خير يهود» انتهى.

وروى الطبراني في الكبير والأوسط برجال ثقات عن أبي حميد الساعدي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم خرج يوم أحد حتى إذا جاوز ثنية الوداع فإذا هو بكتيبة حسناء ، فقال : من هؤلاء؟ قالوا : عبد الله بن أبي في ستمائة من مواليه من اليهود من بني قينقاع ، فقال : وقد أسلموا؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : مروهم فليرجعوا ، فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين.

قال الأقشهري عقب كلامه السابق : وعرض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من عرض ورد من رد في ذلك الموضع ، يعني بالشيخين ، وأذن بلال المغرب فصلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأصحابه ، وبات بذلك الموضعصلى‌الله‌عليه‌وسلم واستعمل على الحرس في تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين يطوفون بالعسكر ، وأدلج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في السحر وهو يرى المشركين ودليله أبو خيثمة الحارثي ، فانتهى إلى موضع القنطرة ، فحانت الصلاة فصلى بأصحابه الصبح صفوفا عليهم السلاح ، قال : وقال مجاهد والكلبي والواقدي : غدا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من منزل عائشة على رجليه إلى أحد ، فجعل يصف أصحابه للقتال كما يقوّم القدح ، وقال ابن إسحاق : لما خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى أحد حتى إذا كان بالشوط انخذل عبد الله بن أبي في ثلاثمائة ، وفي رواية بثلث الناس ، وقال : أطاعهم وعصاني ، وقال ابن عقبة : فبقيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في سبعمائة ،

__________________

(١) الزجل : صوت الناس.


فلما رجع عبد الله بن أبي سقط في أيدي طائفتين من المؤمنين ـ وهما بنو حارثة وبنو سلمة ـ وقال الأقشهري : فبقي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في سبعمائة ، ومعه فرسه وفرس لأبي بردة بن نيار ، وهذه رواية الواقدي ، والذي رواه ابن عقبة ـ كما سيأتي ـ أنه لم يكن مع المسلمين فرس ، وفي الاكتفاء بعد ذكر انخذال ابن أبي أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مضى حتى سلك في حرة بني حارثة ، ثم قال : من رجل يخرج منا على القوم من كثب ، أي من قرب ، من طريق لا يمر بنا عليهم؟ فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة : أنا يا رسول الله ، فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قيظي ، وكان منافقا ضرير البصر ، فلما سمع حس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن معه قام فحثا في وجوههم التراب ويقول : إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي ، وذكر أنه أخذ حفنة من تراب ، ثم قال : والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك ، فابتدره القوم ليقتلوه ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر ، فمضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى نزل الشعب من أحد ، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد. وقال الأقشهري : وجعل أحدا خلف ظهره ، واستقبل المدينة ، وجعل عينين الجبل عن يساره ، وقال ابن عقبة : وصفّ المسلمون بأصل أحد ، وصف المشركون بالسبخة ، وتعبوا للقتال ، وعلى خيل المشركين ـ وهي مائة فرس ـ خالد بن الوليد ، وليس مع المسلمين فرس ، وصاحب لواء المشركين طلحة بن عثمان ، وأمّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عبد الله بن جبير على الرماة وهم خمسون رجلا ، وعهد إليهم أن لا يتركوا منازلهم. ونقل الأقشهري أنه جعلهم على جبل عينين. وفي الاكتفاء أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لأميرهم : انضح الخيل عنا لا يأتونا من خلفنا ، إن كان لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك ، وظاهر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بين درعين ، وتعبأ قريش ، وهم ثلاثة آلاف ومعهم مائة فرس قد جنبوها ، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد ، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل ، وقد كان أبو عامر الراهب من الأوس خرج عن قومه إلى مكة مباعدا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فكان يعد قريشا أن لو لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان ، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم هو في الأحابيش وعبدان أهل مكة ، فنادى : يا معشر الأوس أنا أبو عامر ، قالوا : فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق ، وبذلك سماه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وكان يسمى في الجاهلية الراهب ، فلما سمع ردهم عليه قال : لقد أصاب قومي بعدي شر ، ثم قاتلهم قتالا شديدا ، ثم راضخهم بالحجارة ، انتهى.

وروى البزار ـ ورجاله ثقات ـ عن الزبير بن العوام قال : عرض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سيفا يوم أحد فقال : من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام أبو دجانة فقال : يا رسول الله أنا آخذه بحقه ، فأعطاه إياه ، فخرج ، فأتبعته فجعل لا يمر بشيء إلا أفراه(١) وهتكه ، حتى أتى نسوة في سفح الجبل ومعهن هند وهي تقول :

__________________

(١) فرى الشيء : فتّته وشقّه.


نحن بنات طارق

نمشي على النمارق

والدر في المخانق

والمسك في المفارق(١)

إن تقبلوا نعانق

ونفرش النمارق

أو تدبروا نفارق

فراق غير وامق

(٢) يعني تحرضهم بذلك ، قال : فحمل عليها ، فنادت بالصحراء فلم يجبها أحد ، فانصرف عنها ، فقلت له : كل سيفك رأيته فأعجبني غير أنك لم تقتل المرأة ، قال : فإنها نادت فلم يجبها أحد ، فكرهت أن أضرب بسيف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم امرأة لا ناصر لها.

وفي الاكتفاء : ذكر الزبيررضي‌الله‌عنه أن سيف عبد الله بن جحش انقطع يوم أحد ، فأعطاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عرجونا ، فعاد في يده سيفا قائمه منه ، فقاتل به ؛ فكان ذلك السيف يسمى العرجون ، ولم يزل بعد يتوارث حتى بيع من بغا التركي بمائتي دينار.

وروى البزار برجال الصحيح عن بريدة أن رجلا قال يوم أحد : اللهم إن كان محمد على الحق فاخسف به ، قال : فخسف به.

وقال ابن إسحاق : قتل أصحاب لواء المشركين وهم تسعة بأحد واحد بعد واحد.

وقال غيره : أحد عشر آخرهم غلام لبني طلحة.

وقال ابن عقبة : وكان صاحب لواء المسلمين مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار ، فبارز طلحة بن عثمان من بني عبد الدار فقتله ، وحمل المسلمون على المشركين حتى أجهضوهم(٣) ، وحملت خيل المشركين فنضحهم الرماة بالنبل ثلاث مرات ، فدخل المسلمون عسكر المشركين فانتهبوه ، فرأى ذلك الرماة ، فتركوا مكانهم ، ودخلوا العسكر ، فأبصر ذلك خالد ومن معه ، فحملوا على المسلمين في الخيل ، فمزقوهم ، وصرخ صارخ : قتل محمد ، أخراكم ، فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون ، وانهزم طائفة منهم وتفرق سائرهم ، ووقع فيهم القتل ، وثبت نبي الله حين انكشفوا عنه وهو يدعوهم في أخراهم ، حتى رجع إليه بعضهم وهو عند المهراس في الشعب ، وتوجه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يلتمس أصحابه ، فاستقبله المشركون فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته ، فمر مصعدا(٤) في الشعب ومعه طلحة والزبير ، وقيل : معه طائفة من الأنصار منهم سهل بن بيضاء والحارث بن الصمة ، واشتغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم يقطعون الآذان

__________________

(١) الفرق : الفاصل بين صفين من الشعر. المخنق : العنق ، النحر.

(٢) الوامق : المحب الذي يحب الآخر لغير ريبة.

(٣) أجهضوهم : نحّوهم وأزالوهم.

(٤) صعّد في الشعب : نظر إلى أعلاه وأسفله يتأمله.


والأنوف والفروج ويبقرون البطون ، وهم يظنون أنهم أصابوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأشراف أصحابه ، فقال أبو سفيان يفتخر بإلهه : «اعل هبل» فناداه عمر : الله أعلى وأجل ، ورجع المشركون إلى أثقالهم.

الرسول يقتل أبي بن خلف

قال ابن إسحاق : كان أول من عرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد الهزيمة ، وتحدث الناس بقتله ، كعب بن مالك الأنصاري ، قال : عرفت عينيه يزهران تحت المغفر ، فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين ، أبشروا هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأشار إلي أن أنصت ، فلما عرف المسلمون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم نهضوا به ، ونهض معهم نحو الشعب معه أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير والحارث بن الصمة ورهط من المسلمين ، فلما أسند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول : أين محمد؟ لا نجوت إن نجا ، فقال القوم : يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا؟ فقال : دعوه ، فلما دنا تناول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ، يقول بعض القوم : فلما أخذها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها(١) عن فرسه مرارا ، وكان أبي بن خلف يلقى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكة فيقول : يا محمد إن عندي العود فرسا أعلفه كل يوم فرقا(٢) من ذرة أقتلك عليه ، فيقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنا أقتلك إن شاء الله ، فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم ، قال : قتلني والله محمد ، فقالوا : ذهب والله فؤادك ، والله إن يك بأس ، قال : إنه قد كان ، قال بمكة : أنا أقتلك ، فوالله لو بصق علي لقتلني ، فمات عدو الله بسرف وهم قافلون(٣) إلى مكة ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما قاله يومئذ : اشتد غضب الله على رجل قتله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فسحقا لأصحاب السعير.

وفي الصحيح عن عائشة قالت : لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة ، فصاح إبليس : أي عباد الله ، أخراكم ، فرجعت أولاهم ، فاجتلدت مع أخراهم ، فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه فنادى : أي عباد الله ، أبي أبي ، فقالت : فو الله ما احتجزوا حتى قتلوه ، فقال حذيفة : يغفر الله لكم.

ونقل الأقشهري أن أبا سفيان بن حرب قال يومئذ لبني عبد الدار : إنكم ضيعتم اللواء يوم بدر ، فأصابنا ما رأيتم ، فادفعوا اللواء إلينا نكفكم ، وإنما أراد تحريضهم على القتال

__________________

(١) تدأدأ : تمايل.

(٢) الفرق : مكيال يساوي ثلاثة آصع.

(٣) قافلون : عائدون.


والثبات ، فغضبوا وأغلظوا له ، وأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سأل : من يحمل لواء المشركين؟ قيل : عبد الدار ، قال : نحن أحق بالوفاء منهم؟ أين مصعب بن عمير؟ فقال : ها أنا ، قال : خذ اللواء ، فأعطاه اللواء ، وإن حمزةرضي‌الله‌عنه حمل على عثمان بن طلحة حامل لواء المشركين فقطع يده وكتفه حتى انتهى إلى مؤتزره(١) ، ثم إن أصحاب اللواء قتلوا واحدا بعد واحد ، فانكشف المشركون منهزمين ، ونساؤهم يدعون بالويل والثبور ، وتبعهم المسلمون يضعون فيهم السلاح ، ووقفوا يأخذون الغنائم ، فلما رأى الرماة ذلك أقبل جماعة منهم وخلوا الجبل ، فكر خالد بالخيل ، فتبعه عكرمة ، فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم وقتلوا أميرهم عبد الله بن جبير ، وانتقضت صفوف المسلمين ، ونادى إبليس : قتل محمد ، وثبت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما يزول ، يرمي عن قوسه حتى صارت شظايا ، ويرمي بالحجارة ، وثبت معه عصابة من الصحابة أربعة عشر من المهاجرين فيهم أبو بكر وعمر وسبعة من الأنصار ، اه.

وروى النسائي عن جابر قال : لما ولّى الناس يوم أحد كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في اثني عشر رجلا من الأنصار فيهم طلحة.

ووقع عند الطبري من طريق السدي قال : تفرق الصحابة فدخل بعضهم المدينة ، وانطلق بعضهم فوق الجبل ، وثبت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يدعو الناس إلى الله ، فرماه ابن قميئة بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله ، فتراجع إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثلاثون رجلا ، فجعلوا يذبون عنه(٢) ، فحمله منهم طلحة وسهل بن حنيف ، فرمي طلحة بسهم فيبست يده ، وقال بعض من فر إلى الجبل : ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي يستأمن لنا من أبي سفيان ، فقال أنس بن النضر : يا قوم إن كان محمد قتل فإن رب محمد لم يقتل ، فقاتلوا على ما قاتل عليه ، ثم ذكر قصة قتله ، وقصد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الجبل ، فأراد رجل من أصحابه أن يرميه بسهم ، فقال : أنا رسول الله ، فلما سمعوا ذلك فرحوا به ، واجتمعوا حوله ، وتراجع الناس.

وروى أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال : رأيت عن يمين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعن يساره يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال ، ما رأيتهما قبل ولا بعد ، وقد أخرجه الشيخان ، وفي رواية لمسلم : يعني جبريل وميكائيل ، وقول مجاهد : «لم تقاتل الملائكة يومئذ ولا قبله ولا بعده ، إلا يوم بدر». قال البيهقي : أراد به أنهم لم يقاتلوا يوم أحد عن القوم حين عصوا الرسول ولم يصبروا على ما أمرهم به.

__________________

(١) المؤتزر : النصف الأسفل من البدن. و ـ الموضع الذي يلبس فيه الإزار.

(٢) ذبّ عنه : دافع عنه.


وعن عروة بن الزبير : كان الله وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين ، وكان قد فعل ، فلما عصوا أمر الرسول وتركوا مصافهم وتركت الرماة عهده إليهم وأرادوا الدنيا رفع عنهم مدد الملائكة ، وأنزل الله :( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ) [آل عمران : ١٥٢] فصدق الله وعده ، وأراهم الفتح ، فلما عصوا أعقبهم البلاء.

وعند ابن سعد : ثبت معهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سبعة من الأنصار وسبعة من قريش.

وفي مسلم من حديث أنس : أفرد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش طلحة وسعد.

وقال ابن إسحاق : حدثني حميد الطويل عن أنس قال : كسرت رباعية النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم أحد ، وشج في وجهه ، فجعل يسيل الدم على وجهه ، وجعل يمسح الدم وهو يقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فأنزل الله تعالى :( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) [آل عمران : ١٢٨] الآية.

وروى بن إسحاق من حديث سعد بن أبي وقاص قال : ما حرصت على قتل رجل قط حرصي على قتل أخي عتبة بن أبي وقاص لما صنع برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وذكر ابن هشام في حديث أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقاص أخا سعد هو الذي كسر رباعية النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم السفلى ، وجرح شفته السفلى ، وأن عبد الله بن شهاب هو الذي شجه في جبهته ، وأن عبد الله بن قميئة جرحه في وجنته ، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ، وأن مالك بن سنان مص الدم من وجهه ، ثم ازدرده(١) ، فقال له : لن تمسك النار.

وفي الطبراني من حديث أبي أمامة قال : رمى عبد الله بن قميئة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم أحد فشج وجهه ، وكسر رباعيته ، وقال : خذها وأنا بن قميئة ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يمسح الدم عن وجهه : ما لك أقمأك الله ، فسلط الله عليه تيس جبل ، فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة.

وقال السهيلي : الذي كسر رباعية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عتبة بن أبي وقاص أخو سعد ، لم يولد من نسله ولد فبلغ الحلم إلا وهو أبخر أو أهتم ، يعرف بذلك في عقبه.

وروى ابن الجوزي عن محمد بن يوسف الفريابي قال : لقد بلغنى أن الذين كسروا رباعية النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يولد لهم صبي فنبتت له رباعية.

وقيل : كان سبب الهزيمة أن ابن قميئة الليثي قتل مصعب بن عمير ، وكان مصعب إذا

__________________

(١) ازدرد اللقمة : ابتلعها.


لبس لأمته يشبه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فلما قتله ظن أنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فرجع إلى قريش وقال : قد قتلت محمدا ، فازدادوا جرأة وصاح إبليس من العقبة : قتل محمد ، فلما سمع المسلمون ذلك وهم متفرقون كانت الهزيمة ، فلم يلو أحد على أحد(١) .

والصواب أن السبب مخالفة الرماة للأمر ، وهذا مؤكد له ومتمم ، مع أن الأصل في ذلك ـ مع إرادة الله تعالى ـ ما اتفق ببدر من أخذ الفداء ، فقد أخرج الترمذي والنسائي عن علي أن جبريل هبط فقال : خيّرهم في أسارى بدر القتل أو الفداء على أن يقتل منهم من قابل مثلهم ، قالوا : الفداء ويقتل منا ، وقال الترمذي : حسن ، وذكر غيره له شواهد تقويه ، ولهذا جاء في الصحيح أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة ، وقتلوا سبعين ، وأسروا سبعين. وفيه أيضا أن المشركين أصابوا يوم أحد من المسلمين سبعين ، ولفظه من حديث البراء قال : لقينا المشركين يومئذ ، وأجلس النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم جيشا من الرماة ، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير ، وقال : لا تبرحوا ، فإن رأيتمونا ظهرنا عليهم(٢) فلا تبرحوا(٣) ، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا ، فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن ، فأخذوا يقولون : الغنيمة الغنيمة ، فقال عبد الله : عهد إلي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ألّا تبرحوا ، فأبوا ، فلما أبوا صرف الله وجوههم ، فأصيب سبعون قتيلا.

ووقع عند مسلم من طريق ابن عباس عن عمر في قصة بدر قال : فلما كان يوم أحد قتل منهم سبعون وفروا ، وكسرت رباعية النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهشمت البيضة على رأسه ، وسال الدم على وجهه ، فأنزل الله تعالى :( أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها ) [آل عمران : ١٦٥] الآية ، والمراد بكسر الرباعية ـ وهي السن التي تلي الثنية والناب ـ أنها كسرت فذهب منها فلقة ، ولم تقلع من أصلها ، وقوله «وفروا» أي : بعضهم ، أو أطلق ذلك باعتبار تفرقهم ، والواقع أنهم صاروا ثلاث فرق : فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة ، فما رجعوا حتى انقضى القتال ، وهم قليل ، وهم الذين نزل فيهم :( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ) [آل عمران : ١٥٥] وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قتل ، فصار غاية الواحد منهم أن يذب عن نفسه ، أو يستمر على نصرته في القتال إلى أن يقتل ، وهم أكثرهم ، وفرقة بقيت مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم تراجع إليهم القسم الثاني شيئا فشيئا لما عرفوا أنه حي ، وما ورد من الاختلاف في العدد محمول على تعدد المواطن في القصة.

__________________

(١) لا يلو أحد على أحد : لا يقيم عليه ولا ينتظره.

(٢) ظهر على عدوه : غلبه.

(٣) برح مكانه : زال عنه وغادره.


ووقع عند أبي يعلى في حديث عمر المتقدم : فلما كان عام أحد عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء ، فقتل منهم سبعون.

وفي الاكتفاء : أنه لما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم اللواء علي بن أبي طالب ، فقاتل في رجال من المسلمين ، ولما اشتد القتال جلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يومئذ تحت راية الأنصار ، وأرسل إلى علي أن قدم الراية ، فتقدم فقال : أنا أبو القصم ، فناداه أبو سعد بن أبي طلحة : هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟ قال : نعم ، فبرزا بين الصفين ، فاختلفا ضربتين : فضربه علي فصرعه ، ثم انصرف ولم يجهز عليه(١) ، فقال له أصحابه : أفلا أجهزت عليه؟ فقال : إنه استقبلني بعورته ، فعطفتني عليه الرحم ، وعرفت أن الله قد قتله.

وقد قيل : إن سعد بن أبي وقاص هو الذي قتل أبا سعد هذا.

وروى الطبراني برجال الصحيح عن ابن عباس قال : دخل علي بن أبي طالب على فاطمة يوم أحد فقال : خذي هذا السيف غير ذميم ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لئن كنت أحسنت القتال فقد أحسنه سهل بن حنيف وأبو دجانة بن خرشة.

وذكر في الاكتفاء دخول الحلقتين من حلق المغفر في وجنتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنه وقع في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر الراهب ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون ، فأخذ علي بيده ، ورفعه طلحة حتى استوى قائما ، ومص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجهه ، ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجههصلى‌الله‌عليه‌وسلم فسقطت ثنيته ، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى ، ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال سعد : فلقد رأيته يناولني النبل ويقول : «ارم فداك أبي وأمي» ، وأصيب يومئذ عين قتادة بن النعمان فردها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بيده ، فكانت أحسن عينيه ، وأصيب فم عبد الرحمن بن عوف فهتم ، وجرح عشرين جراحة أو أكثر أصابه بعضها في رجله فعرج ، فلما انتهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الشعب ومعه أولئك النفر من أصحابه ، فبينا هم في الشعب إذ علت عالية من قريش : الجبل ، فقال : اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا ، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل ، ونهض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها فلم يستطع ، وقد كان بدّن(٢) وظاهر بين درعين(٣) ، فجلس تحته طلحة بن

__________________

(١) أجهز على الجريح : أسرع في قتله وتمم عليه.

(٢) بدن : سمن و ـ ضخم.

(٣) ظاهر بين الدرعين : طابق بينهما.


عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أوجب طلحة»(١) وصلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يومئذ الظهر قاعدا من الجراح التي أصابته ، وصلّى المسلمون خلفه قعودا.

وفي الصحيح من حديث البراء أن أبا سفيان ـ حين أراد الانصراف ـ قال : «لنا العزى ولا عزى لكم» فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أجيبوه ، قالوا : ما نقول؟ قال : «قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم».

وفيه أيضا أن أبا سفيان أشرف يوم أحد فقال : أفي القوم محمد؟ فقال : لا تجيبوه ، فقال : أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال : لا تجيبوه ، قال : أفي القوم ابن الخطاب؟ فلما لم يجبه أحد قال : إن هؤلاء قتلوا ، ولو كانوا أحياء لأجابوا ، فلم يملك عمر نفسه فقال : كذبت يا عدو الله ، قد أبقى الله لك ما يخزيك.

قال ابن إسحاق : فلما أجاب عمر أبا سفيان قال له : هلم إلي يا عمر ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لعمر : ائته فانظر ما شأنه ، فجاء ، فقال له أبو سفيان : أنشدك بالله يا عمر أقتلنا محمدا ، فقال عمر : اللهم لا ، وإنه ليسمع كلامك الآن ، قال : أنت أصدق عندي من ابن قميئة وأبر ، ثم نادى أبو سفيان : إنه قد كان في قتلاكم مثل ، والله ما رضيت وما سخطت ، وما أمرت وما نهيت ، ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى : إن موعدكم بدر العام القابل ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لرجل من أصحابه : «قل : نعم ، هو بيننا وبينكم موعد» ثم بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم علي بن أبي طالب فقال : اخرج في آثار القوم فانظر ما ذا يصنعون وما ذا يريدون ، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة ، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة ، والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم ، فخرج علي فرآهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة ، وفزع الناس لقتلاهم ، وانتشروا يبتغونهم ، وسيأتي خبرهم وتعيينهم إن شاء الله تعالى في الفصل السادس من الباب الخامس ، وبكى المسلمون يومئذ على قتلاهم ، فسر المنافقون ، وظهر غش اليهود ، وفارت المدينة بالنفاق.

الحكم التي في قصة أحد

قال العلماء : وكان في قصة أحد من الحكم والفوائد أشياء عظيمة.

منها : تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية ، وشؤم ارتكاب النهي ؛ لما وقع من الرماة.

ومنها : أن عادة الرسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة.

__________________

(١) أوجب : استحق الجنة الثواب.


ومنها : إظهار أهل النفاق حتى عرف المسلمون أن لهم عدوا بين أظهرهم.

ومنها : أن في تأخير النصر هضما للنفس.

ومنها : أن الله هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم ، فسبب لهم ذلك ليبلغوها.

ومنها : أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء ، فساقها لهم بين يدي الرسول ليكون شهيدا عليهم.

قال ابن إسحاق : وفي شأن أحد أنزل الله ستين آية من آل عمران.

وروى ابن أبي حاتم من طريق المسور بن مخرمة قال : قلت لعبد الرحمن بن عوف : أخبرني عن قصتكم يوم أحد ، قال : اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجدها :( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ) إلى قوله :( أَمَنَةً نُعاساً ) [آل عمران : ١٢١ ـ ١٥٤].

أبو عزة الجمحي ومقتله

ثم خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد الوقعة مرهبا لعدوه حتى انتهى إلى حمراء الأسد ، فأخذ في وجهه ذلك أبا عزّة الجمحي ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قد منّ عليه يوم بدر بغير فداء ، وأخذ عليه أن لا يظاهر(١) عليه أحدا ، وكان شاعرا ، فقال له صفوان بن أمية : إنك امرؤ شاعر فأعنّا بلسانك ، ولم يزل به حتى خرج معهم ، فلما أخذه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : يا رسول الله أقلني فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول : خدعت محمدا مرتين ، اضرب عنقه يا زبير ، فضرب عنقه.

تحريم الخمر السنة الرابعة من الهجرة غزوة الرجيع غزوة بني النضير.

وفي رواية أنه قال له : «إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت» فضرب عنقه.

تحريم الخمر

وفي هذه السنة أيضا حرمت الخمر ، ويقال : في التي بعدها ، وقال الحافظ ابن حجر : الذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح سنة ثمان ، واستدل بشيء فيه نظر.

وتزوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حفصة بنت عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنهما في شعبان على الأصح ، وقيل : في التي قبلها ، وزينب بنت خزيمة أم المساكين في رمضان ، فمكثت عنده شهرين أو ثلاثة ، وقيل : ثمانية أشهر ، وماتت ، وولد الحسن بن علي في منتصف رمضان ،

__________________

(١) لا يظاهر أحدا عليه : لا يساعد أحدا عليه.


وعلقت أمه بالحسين بعد خمسين ليلة ، وتزوج عثمان أم كلثوم بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والله أعلم.

السنة الرابعة من الهجرة

السنة الرابعة : وكانت بئر معونة أولها في المحرّم.

قلت : في الصحيح من رواية أنس قال : إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أتاه رعل وذكوان وعصية وبنو لحيان ، فزعموا أنهم قد أسلموا ، واستمدوه على قومهم ، فأمدهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بسبعين من الأنصار ، قال أنس : كنا نسميهم القراء ، يحطبون بالنهار ويصلون بالليل ، فانطلقوا بهم حتى بلغوا بئر معونة غدروا بهم وقتلوهم ، فقنت شهرا يدعو على رعل وذكوان وبني لحيان ، وفي بعض الروايات ما يقتضي أن الذين استمدوا لم يظهروا الإسلام ، بل كان بينهم وبين النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عهد ، وأنهم غير الذين قتلوا القراء لكنهم من قومهم ، وهو الذي في كتب السير وقد بين ابن إسحاق في المغازي وكذلك موسى بن عقبة عن ابن شهاب أسماء الطائفتين ، وأن أصحاب العهد هم بنو عامر ورأسهم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ، المعروف بملاعب الأسنة ، وأن الطائفة الأخرى من بني سليم ، وأن عامر بن أخي ملاعب الأسنة أراد الغدر بأصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فدعا بني عامر إلى قتالهم ، فامتنعوا وقالوا : لا نخفر(١) ذمة أبي براء ، فاستصرخ عليهم عصية وذكوان من بني سليم ، فأطاعوه وقتلوهم ، قالوا : ومات أبو براء بعد ذلك آسفا على ما صنع به عامر بن الطفيل ، وقيل : أسلم أبو براء عند ذلك ، وقاتل حتى قتل ، وعاش عامر بن الطفيل حتى مات كافرا بدعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أصابته غدة كغدة البعير(٢) ، ولم يكن القراء المذكورون كلهم من الأنصار ، بل كان بعضهم من المهاجرين مثل عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ونافع بن ورقاء الخزاعي وغيرهما ، كما يؤخذ من الصحيح أيضا ، والله أعلم.

ثم كانت غزوة الرجيع في صفر.

غزوة الرجيع

قلت : ذكرها ابن إسحاق في الثالثة قبل بئر معونة ، والرجيع : موضع ببلاد هذيل ، والله أعلم.

ثم كانت غزوة بني النضير.

__________________

(١) لا نخفر العهد : لا ننقض العهد ولا نغدر به.

(٢) غدة البعير : طاعون الإبل.


غزوة بني النضير

قلت : ذكرها بعضهم في الثالثة قبل أحد ، وقال الزهري : كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد ، وذكرها ابن إسحاق في الرابعة بعد بئر معونة وأن سببها أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم جاءهم يستعينهم في دية ، وجلس إلى جنب جدار لهم ، فخلا بعضهم ببعض ، وأمروا عمرو بن جحاش أن يرقى فيلقي عليه صخرة ، فأتاه الخبر من السماء ، فقام مظهرا أن يقضي حاجة ، وقال لأصحابه : لا تبرحوا ، ورجع مسرعا إلى المدينة ، فأمر بحربهم والمسير إليهم ، وأمر بقطع النخل والتحريق ، قال : وحاصرهم ست ليال ، فسألوا أن يجلوا من أرضهم على أن لهم ما حملت الإبل ، فصولحوا على ذلك ، فاحتملوا إلى خيبر وإلى الشام ؛ فكانت أموالهم لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة ، ووافق ابن إسحاق على ذلك جل أهل المغازي ، وأصح منه ما رواه ابن مردويه بسند صحيح أنهم أجمعوا على الغدر ، فبعثوا إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : اخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا ، فإن آمنوا بك اتبعناك ، فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر ، فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير ، فأخبر أخوها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأمر بني النضير قبل أن يصل إليهم ، فرجع وصبّحهم بالكتائب ، فحصرهم يومه ، ثم غدا على بني قريظة فحاصرهم ، فعاهدوه ، فانصرف عنهم إلى بني النضير فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل(١) إلا السلاح ، فاحتملوا أبواب بيوتهم ؛ فكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها ويحملون ما يوافقهم من خشبها ، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام.

ورواه أيضا عبد بن حميد في تفسيره ، وروى أيضا من طريق عكرمة أن غزوتهم كانت صبيحة قتل كعب بن الأشرف ، وروى أن قريشا كتبوا لبني النضير يحثونهم على حرب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأضمروا الغدر بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولما حرق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم نخلهم قال حسانرضي‌الله‌عنه يعير قريشا من أبيات :

وهان على سراة بني لؤي

حريق بالبويرة مستطير

فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، ولم يكن أسلم حينئذ :

أدام الله ذلك من صنيع

وحرق في نواحيها السعير

ستعلم أيّنا منها بنزه

وتعلم أي أرضينا تضير

أي : ستعلم أينا منها ببعد ، وأي الأرضين أرضنا أو أرضكم يحصل لها الضير : أي الضرر ؛ لأن بني النضير إذا خربت أضرت بما جاورها وهو أرض الأنصار لا أرض

__________________

(١) ما أقلت الإبل : ما نقلته.


قريش ، ونقل ابن سيد الناس عن أبي عمرو الشيباني أن الذي قال البيت المتقدم المنسوب لحسان هو أبو سفيان بن الحارث ، وأنه لما قال :

وعزّ على سراة بني لؤي

بدل «هان» قال : ويروى «بالبويلة» بدل «بالبويرة» وأن المجيب له بالبيتين المتقدمين هو حسان ، وما قدمناه هو رواية البخاري.

قال ابن سيد الناس : وما ذكره الشيباني أشبه.

قلت : كأنه استبعد أن يدعو أبو سفيان في حالة كفره على أرض بني النضير ، وقد قدمنا وجهه ، وكان أشراف بني النضير بنو الحقيق وحيي بن أخطب ، فكانوا في من سار إلى خيبر ، فدان(١) لهم أهلها ، وأسلم منهم يامين بن عمير وأبو أسعد بن وهب ، فأحرزا أموالهما.

وروى ابن شبة عن الكلبي قال : لما ظهر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم على أموال بني النضير قال للأنصار : إن إخوانكم من المهاجرين ليست لهم أموال ، فإن شئتم قسمت هذه الأموال بينهم وبينكم جميعا ، وإن شئتم أمسكتم أموالكم فقسمت هذه فيهم ، قالوا : بل اقسم هذه فيهم واقسم لهم من أموالنا ما شئت ، فنزلت :( وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ) [الحشر : ٩]. وقال ابن إسحاق : قسمهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم في المهاجرين إلا سهل بن حنيف وأبو دجانة ، ذكرا فقرا فأعطاهما منها ، والله أعلم.

ثم ولد الحسين بن علي.

قلت : المشهور في ولادته أنها في الثالثة كما قدمناه ، والله أعلم.

ثم كانت بدر الموعود.

قلت : هي بدر الثالثة لما تقدم ، والله أعلم.

ثم كان مقتل سلام بن مشكم أي أبي رافع ، ويقال : عبد الله بن أبي الحقيق وهي سرية عبيد الله بن عتيك. ثم رجم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم اليهوديين اللذين كان يحني أحدهما على الآخر.

زواج أم سلمة هند بنت أبي أمية

قلت : وفيها في شوال تزوج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أم سلمة هند ـ وقيل : رملة ـ بنت أبي

__________________

(١) دان لهم أهلها : خضع لهم أهلها وأطاعوهم.


أمية ، وهي أول من هاجر مع زوجها أبي سلمة إلى الحبشة ثم هاجرت إلى المدينة ، كذا ذكر بعض أهل السير ، وقال أبو عمر : تزوجهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم سنة اثنتين بعد بدر في شوال.

غزوة ذات الرقاع

وفيها غزوة ذات الرقاع بعد بني النضير بشهرين عند ابن إسحاق ، وقيل : في الخامسة ، وذكرها البخاري بعد خيبر لما في الصحيح من حضور أبي موسى الأشعري فيها ، وهو من أصحاب السفينة ، ولا مانع من التعدد ، والله أعلم.

السنة الخامسة من الهجرة

السنة الخامسة : ثم فك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سلمان من الرق ، ثم خرج إلى دومة الجندل ، فرجع ولم يلق كيدا. ثم توفيت أم سعد بن عبادة.

ثم كسف القمر في جمادى الآخرة ؛ فصلى بهم كصلاة كسوف الشمس.

قلت : وجعلت اليهود يضربون بالطساس ، ويقولون : سحر القمر. وروى ابن حبان في صحيحه أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى لكسوف القمر ، والله أعلم.

ثم أصابت قريشا شدة ، فبعث إليهم بفضة يتألفهم بها. ثم وفد بلال بن الحارث المزني ، فكان أول وافد مسلم إلى المدينة. ثم قدم ضمام بن ثعلبة ، ثم غزا المريسيع في شعبان ، وفيها أنزلت آية التيمم بسبب عقد عائشةرضي‌الله‌عنها .

قلت : وسيأتي أن الأشبه أن بني المصطلق هي هذه ، والله أعلم.

ثم غزوة الخندق.

غزوة الخندق

قلت : هكذا ذكره ابن إسحاق ، وهو المعتمد ، وقال موسى بن عقبة : كانت في شوال سنة أربع ، وصححه النووي في الروضة ، مع قوله بأن بني قريظة في الخامسة ، وهو عجيب ؛ لما سيأتي من أنها كانت عقيب الخندق ، سميت بذلك لحفر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الخندق بإشارة سلمان الفارسي ، وتسمى بالأحزاب لاجتماع طوائف من المشركين فيها على الحرب ، وهم الذين سماهم الله تعالى الأحزاب ، وأنزل الله في ذلك صدر سورة الأحزاب ، وذلك أن حيي بن أخطب في نفر من بني النضير خرجوا من خيبر إلى مكة ، فحرضوا قريشا على الحرب ، وخرج كنانة بن أبي الحقيق يسعى في بني غطفان ويحضهم على قتال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على أن لهم نصف ثمر خيبر ، فأجابه عيينة بن حصن الفزاري ، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل إليهم طليحة بن خويلد فيمن أطاعه ، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش ، فنزلوا مر الظهران ، فجاءهم من أجابهم من بني سليم ، وكانوا قد استمدوهم فصاروا في جمع عظيم ـ ذكر ابن إسحاق بأسانيد أن عدتهم عشرة آلاف ، قال :


وكان المسلمون ثلاثة آلاف ـ وقيل : كان المسلمون ألفا ، والمشركون أربعة آلاف ـ وذكر موسى بن عقبة أن مدة الحصار كانت عشرين يوما ، ونزلت قريش بمجتمع السيول من رومة بني الجرف وزغابة ، وغطفان ومن تبعهم من أهل نجد بذنب نقمى إلى جانب أحد.

وفي رواية ابن مردويه عن ابن عباس : ونزل عيينة في غطفان ومن معهم من أهل نجد إلى جانب أحد بباب نعمان ، وخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع ، والخندق بينه وبين القوم ، وجعل النساء والذراري في الآطام.

وقال ابن إسحاق : نزلت قريش بمجتمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وتهامة ، ونزل عيينة في غطفان ، وذكر ما تقدم من رواية ابن عباس المذكورة.

وروى الطبراني ورجاله ثقات عن رافع بن خديج قال : لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة ، فجعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم النساء والصبيان والذراري فيه ، وقال : إن لم يكن أحد فالمعن بالسيف ، فجاءهن رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له «نجدان» أحد بني جحاش على فرس حتى كان في أصل الحصن ، ثم جعل يقول للنساء : أنزلن إلي خير لكن ، فحركن السيف ، فأبصره أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فابتدر الحصن(١) قوم فيهم رجل من بني حارثة يقال له : ظفر بن رافع ، فقال : يا نجدان ابرز ، فبرز إليه ، فحمل عليه فقتله ، وأخذ رأسه فذهب به إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وروى البزار بإسناد ضعيف عن الزبير بن العوامرضي‌الله‌عنه أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما خرج للخندق جعل نساءه وعمته صفية في أطم يقال له «فارع» وجعل معهم حسان بن ثابت ، فرقي يهودي حتى أشرف على نساء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى عمته ، فقالت صفية : يا حسان قم إليه حتى تقتله ، قال : لا ، والله ما ذاك فيّ ، ولو كان في لخرجت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قالت صفية : فاربط

السيف على ذراعي ، ثم تقدمت إليه حتى قتلته ، وقطعت رأسه ، فقالت له : خذ الرأس فارم به على اليهود ، قال : ما ذاك فيّ ، فأخذت هي الرأس فرمت به على اليهود ، فقالت اليهود : قد علمنا أن لم يك يترك أهله خلوفا ليس معهم أحد ، فتفرقوا وذهبوا.

وروى أحمد بإسناد قوي عن عبد الله بن الزبير قال : كانت صفية في حصن حسان بن ثابت يوم الخندق ، أي : وهو المسمى بفارع ، فذكر الحديث في قتلها اليهودي وقولها لحسان : انزل فاسلبه(٢) ، فقال : ما لي بسلبه حاجة.

__________________

(١) ابتدر الحصن قوم : أسرع إليه جماعة.

(٢) سلب القتيل : ما يؤخذ من القتيل من ثياب وسلاح ودابة.


وروى الطبراني هذه القصة عن صفيةرضي‌الله‌عنها في غزوة أحد ، وفي إسناده اثنان ، قال الهيثمي : لم أعرفهما ، وبقية إسناده ثقات ، والمذكور في كتب السير أن هذه القصة في الخندق ، وأن بعضهم كان بحصن بني حارثة وبعضهم بفارع ، وأن صفيةرضي‌الله‌عنها لما فرغت من قتل اليهودي ورجعت إلى الحصن قالت لحسان : انزل فاسلبه ، فإني لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل ، قال : ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب.

قال السهيلي : محمل هذا الحديث عند الناس أن حسان كان جبانا شديد الجبن ، وقد دفع بعض العلماء هذا وأنكره ، وقال : لو صح هذا لهجي حسان به ، فإنه كان يهاجي الشعراء ، وكانوا يردون عليه فما عيّره أحد بجبن ، وإن صح فلعل حسان كان معتلا في ذلك اليوم بعلة منعته من شهود القتال ، انتهى.

وروى الطبراني برجال الصحيح عن عروة مرسلا أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أدخل نساءه يوم الأحزاب أطما من آطام المدينة ، وكان حسان بن ثابت رجلا جبانا ، فأدخله مع النساء ، فأغلق الباب ، وذكر القصة.

وممن ذكر القصة في الخندق ابن إسحاق ، ويؤيده أن اليهود إنما غدروا في الخندق ، وذلك أن حيي بن أخطب توجه إلى بني قريظة ، فلم يزل بهم حتى غدروا ، وبلغ المسلمين غدرهم ، فاشتد بهم البلاء والحصار حتى تكلم معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف وأوس بن قيظي أخو بني حارثة وغيرهما من المنافقين بالنفاق ، وأنزل الله تعالى :( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ) [الأحزاب : ١٢] الآيات. قال ابن عباس : وكان الذين جاءوهم من فوقهم بنو قريظة ، ومن أسفل منهم قريش وغطفان ، وكان حيي بن أخطب أتى كعب بن أسد صاحب عقد بني قريظة وعهدهم ، فأغلق باب حصنه دونه ، وقال : لم أر من محمد إلا وفاء وصدقا ، فقال له : إني جئتك بعز الدهر ، جئتك بقريش وغطفان على قادتهما وسادتهما قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه ، فقال له كعب : جئتني والله بذلّ الدهر ، وبجهام قد هراق(١) ماءه فهو يرعد ويبرق وليس فيه شيء ، فلم يزل حتى نقض كعب عهده وبرئ مما كان بينه وبين محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم فاشتد الخوف بالمسلمين.

قال ابن إسحاق : ولم يقع بينهم حرب إلا مراماة بالنبل ، ولكن كان عمرو بن عبد ود العامري اقتحم هو ونفر معهم خيولهم من ناحية ضيقة من الخندق ، فبارزه علي فقتله ، وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي ، فبارزه الزبير فقتله ، ويقال : قتله علي ،

__________________

(١) الجهام : السحاب لا ماء فيه. هراق : أفرغ.


ورجعت بقية الخيول منهزمة ، وقيل : اقتتلوا ثلاثة أيام قتالا شديدا حتى يحجز الليل بينهم ، سيما في اليوم الثالث ، حتى شغلهم القتال عن صلاة العصر والمغرب ـ وقيل : والظهر ـ وذلك قبل أن ينزل قوله تعالى :( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً ) [البقرة : ٢٣٩] قال مالك : ولم يستشهد يوم الخندق إلا أربعة أو خمسة ، وذكر غيره ستة ، وهم : سعد بن معاذ كما سيأتي ، وأنس بن أوس بن عتيك ، وعبد الله بن سهيل ، وهم من بني عبد الأشهل ، وثعلبة بن غنمة ، والطفيل بن النعمان ، وهما من بني سلمة ، وكعب بن زيد من بني دينار بن النجار.

وكان من المناوشات بين الفريقين أن مات بعض بني عمرو بن عوف من أهل قباء ، فاستأذن أقرباؤه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليدفنوه ، فأذن لهم ، فلما خرجوا إلى الصحراء لدفن ميتهم وافقوا ضرار بن الخطاب وجماعة من المشركين بعثهم أبو سفيان ليمتاروا له من قريظة على إبل له ، فحملوا على بعضها قمحا ، وعلى بعضها شعيرا ، وعلى بعضها تمرا وتبنا للعلف ، فلما رجعوا وبلغوا ساحة قباء وافقوا الذين كانوا يدفنون ميتهم ، فناهضهم المسلمون وغلبوهم ، فجرح ضرار جراحات ، فهرب هو وأصحابه ، وساق المسلمون الإبل بما عليها إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وكان للمسلمين في ذلك سعة من النفقة.

إسلام نعيم بن مسعود الأشجعي

ثم أتى نعيم بن مسعود الأشجعي إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مسلما ، ولم يعلم به قومه ، فقال له : خذل عنا(١) ، فمضى إلى بني قريظة ، وكان نديما لهم ، فقال : قد عرفتم محبتي ، قالوا : نعم ، فقال : إن قريشا وغطفان ليست هذه بلادهم ، وإنهم إن رأوا فرصة انتهزوها ، وإلا رجعوا إلى بلادهم وتركوكم في البلاد مع محمد ، ولا طاقة لكم به ، قالوا : فما ترى؟ قال : لا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا ، فقبلوا رأيه ، فتوجه إلى قريش فقال لهم : إن اليهود ندموا على الغدر بمحمد ، فراسلوه في الرجوع إليه ، فراسلهم بأنا لا نرضى حتى تبعثوا إلى قريش فتأخذوا منهم رهنا فأقتلهم ، ثم جاء غطفان بنحو ذلك ، فلما أصبح أبو سفيان بعث عكرمة بن أبي جهل إلى بني قريظة بأنا قد ضاق بنا المنزل ، ولم نجد مرعى ، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ، فأجابوهم إن اليوم يوم السبت ، ولا نعمل فيه شيئا ، ولا بد لنا من الرهن منكم لئلا تغدروا بنا ، فقالت قريش : هذا ما حذركم نعيم ، فراسلوهم ثانيا : إنا لا نعطيكم رهنا ، فإن شئتم أن تخرجوا فافعلوا ، فقالت قريظة : هذا ما أخبرنا نعيم ، ثم بعث الله عليهم الريح فما تركت لهم بناء إلا هدمته ، ولا إناء إلا أكفته ، لا تقر

__________________

(١) خذّلهم : احملهم على الفشل وترك القتال.


لهم قرارا ولا نارا ولا بناء ، فقام أبو سفيان فقال : يا معشر قريش ، والله ما أصبحتم بدار مقام(١) ، لقد هلك الكراع والخف ، وأخلفتنا بنو قريظة ، ولقينا من شدة الريح ما ترون ، فارتحلوا فإني مرتحل ، فتحملت قريش وإن الريح لتغلبهم على بعض أمتعتهم ، وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا(٢) راجعين إلى بلادهم ، وقالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا».

وفي الذيل على أخبار المدينة لابن النجار لصاحبه العراقي عن الكلبي أنه قال : إن الملائكة اتبعوا الأحزاب حتى بلغوا الروحاء يكرون في أدبارهم ، فهربوا لا يلوون على شيء(٣) ، والله أعلم.

ثم كانت غزوة بني قريظة.

غزوة بني قريظة

قلت : قال أبو الربيع الكلاعي في الاكتفاء : ولما أصبح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة ومعه المسلمون ، فلما كانت الظهر أتاه جبريل ـ ويقولون فيما ذكر ابن عقبة أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان في المغتسل عند ما جاءه جبريل ، وهو يرجّل رأسه(٤) ، قد رجّل أحد شقيه ، فجاءه جبريل على فرس عليه اللأمة وأثر الغبار ، حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز ، فخرج إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال له جبريل : غفر الله لك! قد وضعتم السلاح؟ قال : نعم ، قال جبريل : ما وضعت الملائكة السلاح بعد ، وما رجعت إلا من طلب القوم ، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة ، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم ، اه.

وفي رواية أخرى أنه قال : انهض إليهم فلأضعضعنهم ، فأدبر جبريل ومن معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار ، وأصله في البخاري في باب مرجع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الأحزاب من رواية أنس ، قال : كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في سكة بني غنم من موكب جبريل.

ورواه ابن سعد من طريق حميد بن هلال مطولا ، لكن ليس فيه أنس ، وأوله : كان بين النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين بني قريظة عهد ، فلما جاءت الأحزاب نقضوه وظاهروهم ، فلما هزم الله الأحزاب تحصنوا ، فجاء جبريل فقال : يا رسول الله ، انهض إلى بني قريظة ، فقال : إن

__________________

(١) دار المقام : مكان الإقامة.

(٢) انشمروا راجعين : انكفأوا عائدين أدراجهم.

(٣) لا يلوون على شيء : لا يهتمون لشيء.

(٤) رجّل رأسه : سوّى شعره وزيّنه.


في أصحابي جهدا ، قال : انهض إليهم فلأضعضعنهم ، قال : فأدبر جبريل ومن معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار.

قلت : زقاقهم هو عند موضع الجنائز في شرقي المسجد ، كما علم من ذكر منازلهم.

وفي رواية : لما انصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الخندق والمسلمون ، ووضعوا السلاح ، أتى جبريل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم معتجرا بعمامة(١) من استبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج ، فقال : أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال : نعم ، فقال : ما وضعت الملائكة السلاح بعد ، وما رجعت إلا من طلب القوم ، إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة ، فأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بلالا فأذن في الناس : من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة ، وقدم علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة ، وابتدرها الناس ، وحاصرهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خمسا وعشرين ليلة في رواية ، وفي أخرى خمس عشرة ، وعند ابن سعد عشرة ، حتى أجهدهم الحصار ، وقذف في قلوبهم الرعب ، فعرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد وقال لهم : إما أن تؤمنوا بمحمد فو الله إنه نبي أو تقتلوا نساءكم وأبناءكم وتخرجوا مستقتلين ليس وراءكم ثقل(٢) وتبيتوا المسلمين ليلة السبت ، فقالوا : لا نؤمن ولا نستحل السبت ، وأي عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا؟ وأرسلوا إلى أبي لبابة بن عبد المنذر أخي بني عمرو بن عوف من الأوس ، وكانوا حلفاءهم ، فاستشاروه في النزول على حكم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأشار إلى حلقه ، يعني الذبح ، ثم ندم ، فتوجه إلى المسجد النبوي ، وارتبط بسارية تعرف به اليوم حتى تاب الله عليه ، واستشهد من المسلمين خلاد بن سويد من بني الحارث بن الخزرج ، طرحت عليه امرأة من بني قريظة رحى فقتلته ، وأمرصلى‌الله‌عليه‌وسلم بقتلها بعد ذلك ، ومات في الحصار أبو سنان بن محصن الأسدي أخو عكاشة بن محصن ، فدفنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في مقبرة بني قريظة التي تدافن فيها المسلمون لما سكنوها ، ولم يصب غير هذين ، فلما اشتد بهم الحصار أذعنوا(٣) أن ينزلوا على حكم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال الأوس : قد فعلت في موالي الخزرج ـ أي : بني قينقاع ـ ما علمت ، قال : ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا : بلى ، قال : فذلك إلى سعد بن معاذ ، وكان سعد قد أصابه سهم في أكحله(٤) يوم الخندق ، فأتاه قومه ، فحملوه على حمار ، ثم أقبلوا معه يقولون : يا أبا عمرو ، أحسن في مواليك فإن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم ، فلما أكثروا

__________________

(١) اعتجر بالعمامة : لفّها على رأسه وردّ طرفها على وجهه.

(٢) الثقل : الحمل الثقيل. و ـ متاع المسافر.

(٣) أذعنوا : انقادوا وأقروا.

(٤) الأكحل : وريد في وسط الذراع يفصد أو يحقن.


قال : لقد آن لسعد ألّا تأخذه في الله لومة لائم ، فجاء سعد فرد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الحكم إليه ، فقال سعد : فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال ، وتقسم الأموال ، وتسبى الذراري والنساء ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : قد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة : سماوات ، ثم استنزلوا ، فحبسهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في المدينة ، ثم خرجصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق ، ثم بعث إليهم ، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق وفيهم عدو الله حيي بن أخطب ؛ فإنه كان قد عاهد كعب بن أسد لئن رجعت قريش وغطفان لأدخلن معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك ، فلما رجعت الأحزاب دخل معه في حصنه ، فكان ذلك ، فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بقتل من أنبت منهم ، ومن لم ينبت استحياه ، ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة كانت طرحت رحى على خلاد بن سويد كما سبق.

وعند ابن سعد من مرسل حميد بن هلال : أن سعد بن معاذ حكم أيضا أن يكون دارهم للمهاجرين دون الأنصار ، فلامه الأنصار ، فقال : أحببت أن يستغنوا عن دوركم.

واختلف في عدتهم ؛ فعند ابن إسحاق كانوا ستمائة ، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة كانوا سبعمائة ، وقال السهيلي : المكثر يقول : إنهم ما بين الثمانمائة إلى السبعمائة ، وفي النسائي وابن ماجه بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل ، وكان الزبير بن باطا القرظي قد مر على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بعاث ، فجاءه ثابت لما قتل بنو قريظة وهو شيخ كبير ، وذكّره بذلك ، ثم ذهب فاستوهبه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فوهبه إياه ، فأتاه فقال : شيخ كبير لا أهل له ولا ولد ، فما يصنع بالحياة؟ فاستوهب له امرأته وولده ، فقال : أهل بيت بالحجاز لا مال لهم ، فما بقاؤهم؟ فاستوهب له ماله ، فأتاه فأعلمه ، فقال : أي ثابت ما فعل فلان وفلان ، وصار يذكر قومه ويصفهم ، فقال له : قتلوا ، قال : فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتني بالقوم ، فو الله ما في العيش بعد هؤلاء من خير ، فقدمه ثابت فضرب عنقه.

ثم قسم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين ، وأسهم للخيل ، فكان أول فيء وقعت فيه السهمان(١) ، وأخرج منه الخمس ، واصطفى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خناقة إحدى نساء بني عمرو بن قريظة ، فكانت عنده حتى توفي ، وكان يحرص عليها أن يتزوجها ، فقالت : تتركني في ملكك فهو أحق علي وعليك ، فتركها ، وقد كانت حين سباها كرهت الإسلام ، فوجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بذلك من أمرها ، فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال : إن هذا لثعلبة بن شعبة يبشرني بإسلام ريحانة ، فكان كذلك ، وقيل : إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أعتقها وتزوجها ، وإنها ماتت

__________________

(١) السّهمان : القرعة. و ـ النصيب.


في حياته مرجعه من حجة الوداع ، وهذا الأثبت عند الواقدي ، وبعضهم يقول : هي من بني النضير.

ولما انقضى شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ فمات شهيدا.

وفي البخاري ما يقتضي أن قريظة كانوا قد حاربوا قبل ذلك مع بني النضير ، وأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم منّ عليهم ، ولم أر التصريح بذلك ، ولم يتعرض له الحافظ ابن حجر في شرحه ، وقد قدمنا في بني النضير من رواية ابن مروديه ما يشهد له ، ولفظ البخاري : عن ابن عمر قال : حاربت النضير وقريظة ، فأجلى بني النضير ، وأقر قريظة ومنّ عليهم ، حتى حاربت قريظة ، فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأموالهم وأولادهم بين المسلمين ، إلا بعضهم لحقوا بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأمنهم وأسلموا ، وأجلى يهود المدينة كلهم : بني قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلام ، ويهود بني حارثة ، وكل يهودي بالمدينة ، اه.

ورواه أبو داود بنحوه ، إلا أنه قال : حتى حاربت قريظة بعد ذلك ، يعني بعد محاربتهم الأولى وتقريرهم ، ويؤخذ من ذلك أن إجلاء من بقي من طوائف اليهود بالمدينة كان بعد قتل قريظة.

وفي البخاري أيضا من حديث أبي هريرةرضي‌الله‌عنه قال : بينما نحن في المسجد خرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : انطلقوا إلى يهود ، فخرجنا حتى إذا جئنا بيت المدراس(١) قال :أسلموا تسلموا ، واعلموا أن الأرض لله ولرسوله وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض ، فمن يجد منكم بما له شيئا فليبعه ، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ولرسوله ، وهو مقتض لأن ذلك كان بعد خيبر ؛ لأن إسلام أبي هريرة بها في السنة السابعة ، والله أعلم.

ثم كانت سرية عبيد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد الهذلي ثم اللحياني بعرنة(٢) ، وفيها سقط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن فرسه(٣) فجحش ، وفيها دفت دافة العرب(٤) ، فنهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث.

قلت : وتزوج زينب بنت جحش ، وهي بنت عمته أميمة ، وقيل : في الثالثة ، وبسبها نزلت آية الحجاب ، وأسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ، والله أعلم.

السنة السادسة من الهجرة

السنة السادسة : في أولها أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بثمامة بن أثال أسيرا ، ثم كسفت الشمس ثانية بعد الكسوف الذي كان يوم مات ابنه إبراهيم.

__________________

(١) المدراس : موضع يدرس فيه كتاب الله ، ومنه مدارس اليهود.

(٢) العرنة : موقف بعرفات.

(٣) جحش شقه : انخدش جلده.

(٤) دفت الدافة : جماعة من الناس تقبل من بلد إلى بلد.


قلت : لعل في النسخة خللا لما سنذكره من ولادة إبراهيم في الثامنة ووفاته في العاشرة ، فالكسوف في السادسة هو الكسوف الأول ، وفيها نزل حكم الظهار ، والله أعلم.

وفيها قتل المشركون سرية محمد بن مسلمة ولم يفلت منهم غيره ، وكانوا عشرة ، ثم كانت سرية علي بن أبي طالب إلى فدك في مائة رجل ، ثم كانت سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل ، فظهر عليهم ، فزوجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تماضر بنت الأصبغ بن عمرو الكلبي وهو ملكهم ، ثم أجدب الناس فاستسقى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في رمضان في موضع المصلى فسقوا ، ثم أرسل زيد بن حارثة في سرية ، فسبى سلمة بن الأكوع في تلك السرية بنت مالك بن حذيفة ، ثم كانت الحديبية ، ثم أغار عيينة بن حصن الفزاري على لقاح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فاستنقذها.

قلت : قد قدمنا في حدود الحرم أن لقاحهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كانت ترعى بالغابة وما حولها ، فأغار عليها عيينة يوم ذي قرد ، وهو الموضع الذي كان فيه القتال ، سميت الغزوة به ، وتسمى أيضا غزوة الغابة.

قال ابن إسحاق : لما قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من غزوة بني لحيان وكان في شعبان سنة ست ، لم يقم إلا ليالي قلائل حتى أغار عيينة في خيل من غطفان على لقاح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالغابة ، وفيها رجل من بني غفار وامرأته ، فقتلوا الرجل ، واحتملوا المرأة في اللقاح ، وكان أول من نذر بهم سلمة بن الأكوع ، غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم ، فأشرف في ناحية سلع ، ثم صرخ : وا صباحاه ، ثم خرج يشتد في آثار القوم حتى لحقهم ، فجعل يردهم بالنبل ويقول إذا رمى : خذها وأنا ابن الأكوع ، واليوم يوم الرضّع ، فإذا وجهت الخيل نحوه هرب ، ثم عارضهم ، وهكذا ، وبلغ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم صياحه ، فصرخ بالمدينة : الفزع ، الفزع ، فترامت الخيل إليه ، فلما اجتمعوا أمّر عليهم سعد بن زيد الأشهلي ، وقال : اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس ، فقتل أبو قتادةرضي‌الله‌عنه حبيب بن عيينة بن حصن وغشاه برده ، وأقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في المسلمين ، فإذا حبيب مسجى ببرد أبي قتادة ولكنه قتيل ، فظنوه هو ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ليس بأبي قتادة ولكنه قتيل له ، وأدرك عكاشة بن محصنرضي‌الله‌عنه أوبارا وابنه عمر بن أوبار ، وهما على بعير واحد ، فانتظمهما بالرمح ، فقتلهما جميعا ، واستنقذوا بعض اللقاح ، وسار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى نزل بالخيل من ذي قرد ، وتلاحق به الناس ، وأقام عليه يوما وليلة ، وقال له سلمة : يا رسول الله لو سرّحتني في مائة رجل لاستنقذت


بقية السرح وأخذت بأعناق القوم ، فقال لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنهم ليقرون في غطفان ، فقسمصلى‌الله‌عليه‌وسلم في أصحابه في كل مائة جزورا ، وأقاموا عليها ، ثم رجع ، وأفلتت امرأة الغفاري على ناقة من اللقاح حتى قدمت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبرته الخبر ، وقالت : إني نذرت لله أن أنحرها إن أنجاني الله عليها ، فتبسم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : بئس ما جزيتيها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها ، إنه لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين ، هذه رواية ابن إسحاق ، وقد ذكر فيها قتل اثنين من المسلمين.

وخرّج مسلم القصة عن سلمة مطولة ومختصرة ، وخالف ما ذكره ابن إسحاق في مواضع : منها أنها كانت بعد انصرافهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الحديبية ، وجعلها ابن إسحاق قبلها ، ومنها : أن فيه أن اللقاح كانت ترعى بذي قرد ، وكذا هو في البخاري ، وقال ابن إسحاق : بالغابة ، وكذا هو في حديث سلمة الطويل ، ولهذا قال عياض : إن الأول غلط ، ويمكن الجمع بأنها كانت ترعى تارة هنا وتارة هناك ، ومنها : أنه قال فيه : خرجت قبل أن يؤذن بالأولى فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال : أخذت لقاح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فصرخت ثلاث صرخات : يا صباحاه ، فأسمعت ما بين لابتي المدينة ، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم وقد أخذوا بذي قرد يسقون من الماء ، وفي رواية لمسلم ما يقتضي أن سلمة كان مع السرح(١) لما أغير عليه ، وأنه قام على أكمة(٢) وصاح : يا صباحاه ، ثلاثا ، وهذا يرجح أن السرح كان بالغابة ، ويبعد كونه بذي قرد ، ولو كان بذي قرد لما أمكنه لحوقهم ، ومنها : أن فيه أنه استنقذ سرح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بجملته ، ومنها : أنه قال فيه : فرجعنا إلى المدينة ، فو الله ما لبثنا بها إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال القرطبي : لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية ، انتهى.

وما في الصحيح من التاريخ لها أصح مما في السير ، ويمكن الجمع بتكرر الواقعة ، ويؤيده أن الحاكم ذكر في الإكليل أن الخروج إلى ذي قرد تكرر ؛ ففي الأولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أحد ، وفي الثانية خرج إليها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في ربيع الآخر سنة خمس ، والتالية هي المختلف فيها ، انتهى. والله أعلم.

ثم كانت قصة العرنيين.

قصة العرنيين

قلت : وذلك أن ثمانية منهم ، وفي رواية من عكل ، قدموا فأسلموا واجتووا(٣)

__________________

(١) السّرح : ما يغدى به ويراح. و ـ الماشية.

(٢) الأكمة : التل المرتفع.

(٣) اجتووا المدينة : لم يوافقهم هواءها واستوبئوه.


المدينة ، وقالوا : إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف ، فبعثهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى لقاحه ، وفي رواية «إبل الصدقة» وكأنهما كانا معا ، فصح الإخبار بالبعث لكل منهما ، ليشربوا من أبوالها وألبانها ، فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الإبل ، فبعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في طلبهم كرز بن خالد الفهري في عشرين ، فأتى بهم ، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وطرحهم في الحرة يستسقون فلا يسقون ، حتى ماتوا ، هذا محصل ما في الصحيح ، وذكر أهل السير أن اللقاح كانت ترعى ناحية الجماوات ، وفي رواية بذي الجدر غربي جبل عير على ستة أميال من المدينة ، وذكر ابن سعد عن ابن عقبة أن أمير الخيل يومئذ سعيد بن زيد أحد العشرة ، فأدركوهم فربطوهم وأردفوهم على خيلهم ، وردوا الإبل ، ولم يفقدوا منها إلا لقحة واحدة من لقاحهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تدعى الحنا ، فسأل عنها ، فقيل : نحروها ، فلما دخلوا بهم المدينة كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالغابة.

غزوة بني المصطلق (المريسيع)

قال بعضهم : وذلك مرجعه من غزوة ذي قرد ، فخرجوا بهم ، نحوه ، فلقوه بالزغابة ، فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم وصلبوا هناك ، والله أعلم.

ثم غزا بني المصطلق ، ومر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في انصرافه على المريسيع. وفيها كانت قصة الإفك.

قلت : قد قدم غزوة المريسيع في السنة الخامسة ، وذكر أن فيها أنزلت آية التيمم ، وقد اقتضى كلامه أن المريسيع وقعت مرتين : في الأولى التيمم ، وفي الثانية الإفك ، وفيه جمع بين ما ذكره كثير من أهل السير من أن المريسيع سنة خمس وبين ما نقله البخاري عن ابن إسحاق أنها سنة ست ، لكن قد ثبت في الصحيح أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك ؛ فلو كانت المريسيع التي هي غزاة بني المصطلق سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا ؛ لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة ، وكانت سنة خمس ، وقيل : أربع ؛ فالأشبه أن بني المصطلق والمريسيع واحد ، كلاهما في سنة خمس.

وقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد أن التيمم كان في غزاة بني المصطلق ، وجزم به في الاستذكار ، وسبقه إليه ابن سعد وابن حبان.

وفي البخاري «غزوة بني المصطلق» ، وهي غزوة المريسيع» وفي الطبراني حديث : كنا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق ، وبنو المصطلق بطن من خزاعة ، وكان رئيسهم الحارث بن أبي ضرار ، وكان معه عليه الصلاة والسلام بشر كثير ، خرج بهم إليهم لما بلغه أنهم يجمعون له ، وكان معه ثلاثون فرسا وأم سلمة وعائشة ، فهزمهم وأسر


من الكفار جمعا عظيما ، وتزوج جويرية بنت الحارث رئيسهم ، فأعتق الناس ما بأيديهم من الأسرى لمكانها ، وفي هذه الغزاة قال ابن أبي :( لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ ) [المنافقين : ٨] وقال :( لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ) [المنافقين : ٧] وذلك أن ابن أبي خرج في عصابة من المنافقين مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فلما رأوا أن الله قد نصر رسوله وأصحابه أظهروا قولا سيئا ، واقتتل رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار ، فظهر عليه المهاجري ، فقال ذلك ابن أبي لقومه ، فأخبر زيد بن أرقم بذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأجهد ابن أبي يمينه ما فعل ، فحزن زيد بن أرقم لذلك ، فأنزل الله تصديقه ، واستأذن عبد الله بن عبد الله بن أبي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في قتل أبيه فيما رواه عروة بن الزبير ، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا تقتل أباك ، ولما كان بينهم وبين المدينة يوم تعجل عبد الله بن عبد الله بن أبي حتى أناخ على مجامع طرق المدينة حتى جاء أبوه فقال له ابنه : لا والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وتعلم اليوم من الأعز ومن الأذل ، فقال له : أنت من بين الناس؟ فقال : نعم ، أنا من بين الناس ، فانصرف عبد الله حتى لقي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فاشتكى إليه ما صنع ابنه ، فأرسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى ابنه «أن خلّ عنه» فدخل المدينة ، رواه ابن شبة.

وفي هذه السنة فرض الحج على الصحيح ، كما سيأتي ، والله أعلم.

السنة السابعة من الهجرة

السنة السابعة : فيها قصة أبي سفيان مع هرقل في الشام ، وفي أولها كتب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الملوك وبعث إليهم رسله ، ثم كانت خيبر.

قلت : واستصفى صفية بنت حيي بن أخطب من المغنم ، فأعتقها وتزوجها ، وجاءته مارية القبطية هدية وبغلته دلدل ، وأسلم أبو هريرة ، وسمتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم زينب بنت الحارث زوجة سلام بن مشكم ، ثم صار النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى وادي القرى ، فحاصر أهله ليالي وأصاب غلامه مدعم سهم غرب(١) فقتله ، وفي رجوعه إلى المدينة كان النوم عن صلاة الصبح ، وروى بعضهم أنه كان في الرجوع من غزوة تبوك ، وقال الواقدي : وفي المحرم منها جاء رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم ـ وكان حليفا في بني زريق ، وكان ساحرا ـ فقالوا له : يا أبا الأعصم ، أنت أسحرنا ، وقد سحرنا محمدا فلم نصنع شيئا ، ونحن نجعل لك جعلا على أن تسحره لنا سحرا ينكؤه ، فجعلوا له ثلاثة دنانير ، وذكر قصة سحره ، وفي رواية عن

__________________

(١) سهم غرب : لا يدرى راميه ، فضاع غريمه.


الزهري بإسناد صحيح أن المدة التي مكث النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيها في السحر سنة ، وفي رواية أربعين ليلة ، والله أعلم.

وفيها جاءته أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وتزوج بها ، ثم كانت عمرة القضية وتزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية.

السنة الثامنة من الهجرة

السنة الثامنة : فيها كانت مؤتة ، ثم كان الفتح ، ثم غزوة هوازن ، ثم غزوة الطائف ، وأمر على مكة عتاب بن أسيد ، وأسلم مالك بن عوف النضري ، وتألف المؤلفة من غنائم هوازن ، ثم انصرف إلى المدينة في آخر ذي القعدة.

قلت : وفي هذه السنة ولد ابنه إبراهيم من مارية القبطية ، وحلق رأسه يوم سابعه ، وتصدق بزنة شعره فضة ، وعقّ عنه بكبشين(١) ، ومات في عاشر ربيع الأول من السنة العاشرة وسنه عام ونصف ، وقيل : عام وثلث ، وفي الثامنة أيضا توفيت ابنته زينب ، وهي أكبر أولاده ، وكانت زوج أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس الذي أثنى عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في صهارته ، تزوجها قبل البعثة ، ولما قدم عليها مسلما ردها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالنكاح الأول على الصحيح لقدومه عقب تحريم المسلمات على المشركين ، وذلك بعد صلح الحديبية ، والله أعلم.

السنة التاسعة من الهجرة

السنة التاسعة : فيها هجر نساءه شهرا ، ثم تتابعت الوفود ، ثم فرض الحج.

قلت : قد اختلف في وقته ، فقيل : قبل الهجرة ، وهو غريب ، والمشهور بعدها ، فقيل : سنة خمس ، وجزم به الرافعي في موضع ، وقيل : ست ، وصححه الرافعي في موضع آخر ، وكذا النووي ، وقيل : سبع ، وقيل : ثمان ، وقيل : تسع ، وصححه عياض ، والله أعلم.

وأمّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على الحج أبا بكررضي‌الله‌عنه ، ثم نزلت براءة ، فأرسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ؛ لينبذ إلى الناس عهدهم.

قلت : وفيها في شهر رجب كانت غزوة تبوك ، وهي آخر غزواتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على ما ذكره ابن إسحاق ، والله أعلم.

السنة العاشرة من الهجرة

السنة العاشرة : في أولها قدم عدي بن حاتم بوفد طيء ، ثم قدم وفد بني حنيفة ، ثم

__________________

(١) العقيقة : الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم سبوعه عند حلق شعره.


وفد غسان ، ثم وفد نجران الذين كانت فيهم قصة المباهلة ، ثم جاء جبريل يعلم الناس دينهم ، ثم غزا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تبوكا.

قلت : وهو مخالف لما قدمناه عن ابن إسحاق من كونها في التاسعة ، والله أعلم.

ثم أذن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم للناس بالحج في حجة الوداع ورجع ، ثم مرض في صفر لعشر بقين منه ، وتوفيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول يوم الإثنين ، انتهى ما ذكره رزين عن أبي حاتم.

قلت : وشهر ربيع هذا من الحادية عشرة ، وكان ابتداء مرضه في بيت ميمونة ، وقيل : زينب بنت جحش ، وقيل : ريحانة ، وذكر الخطابي أن ابتداءه يوم الإثنين ، وقيل : السبت ، وقيل : الأربعاء ، وحكى في الروضة قولين في مدته ، فقيل : أربعة عشر ، وهو الذي صدّر به ، وقيل : ثلاثة عشر ، وعليه الأكثر ، وقيل : عشرة ، وبه جزم سليمان التيمي ، ومقتضى ما تقدم أن المدة تزيد على عشرين يوما ، ولم أر من صرح به ، ولا خلاف في أن الوفاة كانت يوم الإثنين ، وكونه من ربيع الأول ، كاد يكون إجماعا ، لكن في حديث ابن مسعود عند البزار : في حادي عشر رمضان ، وكونها في ثاني عشر ربيع الأول هو ما عليه الجمهور ، وذهب جماعة إلى أنها في أوله ، ورواه يحيى عن ابن شهاب ، وقال : حين زاغت الشمس ، وعن أسماء بنت أبي بكر أنه توفي للنصف من ربيع الأول ، وقيل : ثانيه ، ورجحه السهيلي ، واستشكل قول الجمهور بأنهم اتفقوا على أن الوقفة في حجة الوداع كانت الجمعة ، فأول ذي الحجة الخميس ، فمهما فرضت الشهور الثلاثة توامّ أو نواقص أو بعضها ، لم يصح كون الوفاة يوم الإثنين مع كونه ثاني عشر ربيع الأول ، وأجاب البارزي باحتمال وقوع الثلاثة كوامل ، واختلاف أهل مكة والمدينة في هلال ذي الحجة : فرآه أهل مكة ليلة الخميس ، ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة ، فحصلت الوقفة برؤية أهل مكة ، ثم رجعوا إلى المدينة فأرخوا برؤية أهلها ، فكان أول ذي الحجة الجمعة ، وهو وما بعده كوامل ، فأول ربيع الأول الخميس ، وثاني عشرة الاثنين ، ولا يخفى بعد هذا الجواب ، وقد جزم سليمان التيمي أحد الثقات بأن بدء مرضهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يوم السبت الثاني والعشرين من صفر ، ومات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول ، ومنه يعلم أن صفر كان ناقصا ، ولا يمكن أن يكون أول صفر السبت إلا إن كان ذو الحجة والحرم ناقصين ؛ فيلزم عليه نقص ثلاثة أشهر متوالية ، وأما على قول من قال : «أول ربيع الأول» ؛ فيكون اثنان ناقصين وواحد كاملا ، وكذا على قول من قال : «للنصف منه».

وقال البدر ابن جماعة : يحمل قول الجمهور لاثنتي عشرة ليلة خلت : أي بأيامها ، فيكون موته في اليوم الثالث عشر ، وتفرض الشهور كوامل ؛ فيصح قول الجمهور ، ويعكر


عليه ما فيه من مخالفة أهل اللسان في قولهم «لاثنتي عشرة» فإنهم لا يفهمون منها إلا مضي الليالي ، وأن ما أرخ بذلك يكون واقعا في الثاني عشر.

قال الحافظ ابن حجر : فالمعتمد قول أبي مخنف أنه في ثاني ربيع الأول ، وكأن سبب غلط غيره تغيير ذلك إلى الثاني عشر ، وتبع بعضهم بعضا في الوهم.

وغسلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم علي بوصيته ، والعباس وابنه الفضل يعينانه ، وقثم وأسامة وشقران يصبون الماء ، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة ـ وسحول : بلدة باليمن ـ وعن جعفر بن محمد عن أبيه : كفن في ثوبين صحاريين مما يصنع بعمان من كرسف(١) وبرد حبرة ، وفي الإكليل ورواه يحيى عن علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه : كفن في سبعة أثواب ، وصلّى عليه في حجرته بغير إمام ؛ ونقل الأقشهري عن الحسين بن محمد الصدفي أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى عليه في وسط الروضة من مسجده ، ثم حمل إلى بيته ودفن فيه.

قلت : هذا إنما هو معروف في أبي بكر وعمررضي‌الله‌عنهما ، وفي مستدرك الحاكم ومسند البزار بسند ضعيف أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أوصى أن يصلوا عليه أرسالا بغير إمام ، ودفنصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليلة الأربعاء ، وقيل : يومها ، وقيل : يوم الثلاثاء بعد أن عرف الموت في أظفاره ، وقال قائلون : ندفنه بمسجده ، وآخرون بالبقيع ، ثم اتفقوا على دفنه ببيته ، فحمل بالفراش ، وحفر له في موضع الفراش ، وروى يحيى عن ابن أبي مليكة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : ما هلك نبي إلا دفن حيث تقبض روحه ، وأوصى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في مرضه بإخراج المشركين من جزيرة العرب كما في الصحيح من حديث ابن عباس أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر بذلك ، ولفظه : وأمرهم بثلاث ، فقال : «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيرهم» والثالثة إما سكت عنها ، وإما أن قالها فنسيتها. قال سفيان : هذا ـ أي قوله والثالثة إلى آخره ـ من قول سليمان : أي شيخ سفيان ، قال الداودي : الثالثة هي الوصية بالقرآن ، وقال المهلب : بل هي تجهيز جيش أسامة ، وقواه ابن بطال بأن الصحابة لما اختلفوا على أبي بكر في تنفيذ جيش أسامة ، قال لهم أبو بكر : إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عهد بذلك عند موته.

وقال عياض : يحتمل أن يكون قوله : «لا تتخذوا قبري وثنا» فإنها ثبتت في الموطأ مقرونة بالأمر بإخراج اليهود ، ويحتمل أن يكون ما وقع في حديث أنس أنها قوله : «الصلاة وما ملكت أيمانكم».

__________________

(١) الكرسف : القطن.


والذي أجلى المشركين من جزيرة العرب هو عمررضي‌الله‌عنه ؛ ففي الصحيح من حديث ابن عمر أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما ظهر على أهل خيبر أراد أن يخرج اليهود منها ، وكانت الأرض لما ظهر عليها لله وللرسول وللمؤمنين ، فسأل اليهود رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يتركهم على أن يكفوا العمل ولهم نصف الثمر ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «نقركم على ذلك ما شئنا» فأقروا حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحاء.

وفي الصحيح أيضا عن ابن عمر : لما فدع(١) أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبا ، فقال : إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان عامل يهود خيبر على أموالهم وقال : نقركم على ما أقركم الله ، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك ، فعدي عليه من الليل ، ففدعت يداه ورجلاه ، وليس لنا هناك عدو غيرهم ، هم عدونا وتهمتنا ، وقد رأيت إجلاءهم ، فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني الحقيق ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أتخرجنا وقد أقرنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ وعاملنا على الأموال ، وشرط ذلك لنا ، فقال عمر : أظننت أني نسيت قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة» فقال : كانت هذه هزيلة من أبي القاسمصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : كذبت يا عدو الله ، فأجلاهم عمر ، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالا وإبلا وعروضا من أقتاب وحبال وغير ذلك.

وظاهر هذا أن عمررضي‌الله‌عنه إنما استند في إجلائهم لهذه القصة.

وروى ابن زبالة عن مالك عن ابن شهاب أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا يبقى دينان في جزيرة العرب».

قال ابن شهاب : ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج(٢) واليقين أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا يبقى دينان في جزيرة العرب» فأجلى يهود خيبر ، قال مالك : وقد أجلى عمر بن الخطاب يهود نجران وفدك.

وروى البيهقي من حديث عمر مرفوعا : «لئن عشت إلى قابل لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب» وخرجه مسلم بدون «لئن عشت» وفي مسند أحمد والبيهقي عن أبي عبيدة قال : كان آخر ما تكلم به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب» الحديث.

وروى أحمد بسند جيد عن عائشة قالت : آخر ما عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن قال : «لا يترك بجزيرة العرب دينان».

__________________

(١) الفدع : عوج في المفاصل كأنها قد فارقت مواضعها ؛ وأكثر ما يكون في رسغ اليد أو القدم.

(٢) أتاه الثلج : الرضى والاطمئنان واليقين.


قال الجويني والقاضي حسين من أصحابنا : الجزيرة هي الحجاز ، والمشهور أن الحجاز بعض الجزيرة.

ولما مات النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يتفرغ أبو بكررضي‌الله‌عنه لإخراجهم ، فأجلاهم عمررضي‌الله‌عنه وهم زهاء أربعين ألفا ، ولم ينقل أن أحدا من الخلفاء أجلاهم من اليمن مع أنها من الجزيرة ؛ فدل على أن المراد الحجاز فقط.

وحكى أن بعض اليهود أظهر كتابا ، وادعى أنه كتاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بإسقاط الجزية عن أهل خيبر ، وفيه شهادة الصحابة ؛ فعرض على أبي بكر الخطيب البغدادي فقال : هذا مزور ؛ لأن فيه شهادة معاوية ، وهو أسلم عام الفتح ، فلم يحضر ما جرى ، وفيه شهادة سعد بن معاذ ، وقد مات في بني قريظة بسهم أصابه في الخندق ، وذلك قبل خيبر بسنتين ، وذلك من فوائد علم التاريخ ، والله أعلم.


الباب الرابع

فيما يتعلق بأمور مسجدها الأعظم النبوي ، والحجرات المنيفات ، وما كان مطيفا به من الدور والبلاط ، وسوق المدينة ، ومنازل المهاجرين ، واتخاذ السور ، وفيه سبعة وثلاثون فصلا.

الفصل الأول

في أخذهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لموضع مسجده الشريف ، وكيفية بنائه

تقدم أن ناقتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما بركت عند باب المسجد قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هذا المنزل إن شاء الله» وفي كتاب يحيى عن الزهري أنها بركت عند مسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين ، وكان مربدا(١) لغلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين بركت راحلته : هذا إن شاء الله المنزل ، وقال : اللهم أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ، قاله أربع مرات.

وروى رزين نحوه عن أنس ، ولفظه : فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هذا المنزل إن شاء الله» ثم أخذ في النزول فقال : «ربّ أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين» ولم يقل قاله أربعا.

وفي كتاب يحيى عن الزهري أيضا أن المربد كان لسهل وسهيل ، وأنهما كانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة ، وأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال حين بركت به راحلته : «هذا المنزل إن شاء الله» ثم دعا الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا ، فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله ، فأبى أن يقبله هبة حتى ابتاعه منهما ، ثم بناه مسجدا.

قال يحيى تبعا لابن زبالة : وقال بعضهم : كان لغلامين يتيمين لأبي أيوب هما سهل وسهيل ابنا عمرو ، فطلب المربد من أبي أيوب ، فقال أبو أيوب : يا رسول الله المربد ليتيمين ، وأنا أرضيهما ، فأرضاهما ، فأعطاه لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فاتخذه مسجدا. وعند ابن إسحاق أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : لمن هذا؟ يعني المربد ، فقال له معاذ بن عفراء : هو لسهل وسهيل ابني عمرو يتيمان لي ، وسأرضيهما منه ، فاتخذه مسجدا ، فأمر به أن يا بني. ويؤيده أنه وقع في مرسل ابن سيرين عند أبي عبيد في الغريب أنهما كانا في حجر معاذ بن عفراء. والذي في صحيح البخاري أنهما كانا في حجر أسعد بن زرارة ، كذا هو في رواية الجميع إلا أبا ذر ، ففي روايته سعد بإسقاط الألف ، ورواية الجماعة هي الوجه ؛ إذ كان أسعد من السابقين إلى الإسلام ، وهو المكنى بأبي أمامة ، وأما أخوه سعد فتأخر إسلامه.

__________________

(١) المربد : موقف الإبل ومحبسها. و ـ المحبس.


وقد يجمع باشتراك من ذكر في كونهما كانا في حجورهم ، أو بانتقال ذلك بعد أسعد إلى من ذكر واحدا بعد واحد ، سيما وقد روى ابن زبالة عن ابن أبي فديك قال : سمعت بعض أهل العلم يقولون : إن أسعدا توفي قبل أن يا بني المسجد ، فابتاعه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من ولي سهل وسهيل.

وروى ابن زبالة في خبر : كان مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لسهل وسهيل ابني أبي عمرو من بني غنم ، فأعطياه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فبناه مسجدا.

وفي الصحيح أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أرسل إلى ملأ بني النجار بسبب موضع المسجد ، فقال : يا بني النجار ، ثامنوني(١) بحائطكم هذا ، فقالوا : لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. وعند الإسماعيلي «إلا من الله» وهو ظاهر في أنهم لم يأخذوا له ثمنا.

وفي رواية في باب الهجرة من الصحيح بعد ذكر تأسيس مسجد قباء : ثم ركب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم راحلته ، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول بالمدينة ، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين ، وكان مربدا للتمر لسهل وسهيل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين بركت به راحلته : هذا إن شاء الله المنزل ، ثم دعا الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا ، فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله ، فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ، ثم بناه مسجدا.

ووقع في رواية ابن عيينة : فكلم عمهما ـ أي الذي كانا في حجره ـ أن يبتاعه منهما ، فطلبه منهما فقالا : ما تصنع به؟ فلم يجد بدا من أن يصدقهما ، فأخبرهما أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أراده ، فقالا : نحن نعطيه إياه ، فأعطياه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فبناه ، أخرجه الجندي. وطريق الجمع بين ذلك ـ كما أشار إليه الحافظ ابن حجر ـ أنهم لما قالوا لا نطلب ثمنه إلا إلى الله سأل عن من يختص بملكه منهم ، فعينوا له الغلامين ، فابتاعه منهما أو من وليهما أن كانا غير بالغين. وحينئذ فيحتمل أن الذين قالوا : «لا نطلب ثمنه إلا إلى الله» تحملوا عنه للغلامين بالثمن ، فقد نقل ابن عقبة أن أسعد عوّض الغلامين عنه نخلا له في بني بياضة. وتقدم أن أبا أيوب قال : هو ليتيمين لي ، وأنا أرضيهما ، فأرضاهما ، وكذلك معاذ بن عفراء ، فيكون ذلك بعد الشراء. ويحتمل أن كلا من أسعد وأبي أيوب وابن عفراء أرضى اليتيمين بشيء ، فنسب ذلك لكل منهم. وقد روي أن اليتيمين امتنعا من قبول عوض ، فيحمل ذلك على بدء الأمر ، لكن يشكل على هذا ما نقل عن التاريخ الكبير لابن سعد أن الواقدي قال : إنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم اشتراه من ابني عفراء بعشرة دنانير ذهبا ، دفعها أبو بكر الصديق ، وقد يقال : إن الشراء وقع من ابني عفراء لأنهما كانا وليين لليتيمين ، ورغب أبو بكر في

__________________

(١) ثامنوني بحائطكم : ساوموني بحديقتكم.


الخير كما رغب فيه أسعد ، وأبو أمامة ومعاذ بن عفراء ، فدفع لهم أبو بكر العشرة ، ودفع كل من أولئك ما تقدم ، ولم يقبلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بلا ثمن أولا لكونه لليتيمين ، لكن ابن سيد الناس نقل عن البلاذري أنه قال عقب كلامه الآتي : فعرض ـ يعني أسعد ـ على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يأخذها ويغرم لليتيمين ثمنها ، فأبى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك ، وابتاعها منه بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر ، انتهى ؛ فيحتمل أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أخذ أولا بعض المربد ، ثم أخذ بعضا آخر ؛ لما سيأتي من أنه زاد فيه مرة أخرى ؛ فليست القصة متحدة. ورأيت بخط الأقشهري في كلام نقله عن أبي جعفر الداودي عن عبد الله بن نافع صاحب مالك أن المسجد كان مربدا لابني عفراء.

قلت : يحتمل نسبته إليهما لولايتهما على اليتيمين ، أو أن لليتيمين أما تسمى عفراء ، وأما ابنا عفراء المشهوران فهما معاذ ومعوذ ابنا الحارث ، والذي في الصحيح من تسمية الغلامين سهل وسهيل أصح ، والله أعلم.

وفي كتاب يحيى ما يقتضي أن أسعد بن زرارة كان قد بنى بهذا المربد مسجدا قبل مسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ فإنه قال : حدثنا بكر ثنا محمد بن عمر ثنا معاذ بن محمد عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال : سمعت أم سعد بنت سعد بن الربيع تقول : أخبرتني النوار بنت مالك أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي بالناس الصلوات الخمس ، ويجمع بهم في مسجد بناه في مربد سهل وسهيل ابني رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار ، قالت : فأنظر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما قدم صلّى بهم في ذلك المسجد وبناه ، فهو مسجده اليوم.

ونقل ابن سيد الناس عن ابن إسحاق أن الناقة بركت على باب مسجدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يومئذ ليتيمين من بني مالك بن النجار في حجر معاذ بن عفراء سهل وسهيل ابني عمرو ، ثم قال : وذكر أحمد بن يحيى البلاذري ، قال : فنزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عند أبي أيوب ، ووهبت له الأنصار كل فضل كان في خططها ، وقالوا : يا نبي الله إن شئت فخذ منازلنا ، فقال لهم خيرا ، قالوا : وكان أبو أمامة أسعد بن زرارة يجمّع بمن يليه في مسجد له ، فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي فيه ، ثم إنه سأل أسعد أن يبيعه أرضا متصلة بذلك المسجد كانت في يديه ليتيمين في حجره يقال لهما سهل وسهيل ابنا رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم ، كذا نسبهما البلاذري ، وهو يخالف ما سبق عن ابن إسحاق وغيره ، والأول أشهر ، انتهى ، وتشهيره للأول ـ وهو كون الغلامين ابني عمرو ـ تقدم ما يقتضيه ، لكن تقدم أيضا ما يقتضي الثاني ، وهو الأرجح فقدم صرح ابن حزم في الجمهرة ، ورواه ابن زبالة عن ابن شهاب ، وكذا ذكره ابن عبد البر. وذكر السهيلي فيما نقله عنه الذهبي ما يحصل به الجمع


ويرفع الخلاف إلا أن فيه بعض مخالفة لما تقدم ، فقال : سهل بن عمرو الأنصاري النجاري أخو سهيل صاحب المربد ، وكانا في حجر أسعد بن زرارة ، ينسبان إلى جدهما ، وهما ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمرو بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن النجار ، انتهى. فعلى هذا يكون سقط من الرواية المتقدمة ابن عمرو بين رافع وأبي عمرو ، وتصحف عبيد بعائذ ، والله أعلم.

وقال المجد : ذكر البيهقي المسجد فقال : كان جدارا مجدرا ليس عليه سقف ، وقبلته إلى القدس ، وكان أسعد بن زرارة بناه ، وكان يصلي بأصحابه فيه ، ويجمّع بهم فيه الجمعة قبل مقدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالنخل التي في الحديقة وبالغرقد أن يقطع ، وكان فيه قبور جاهلية ، فامر بها فنبشت ، وأمر بالعظام أن تغيّب ، وكان في المربد ماء مسحل فسيره حتى ذهب ـ والمسحل : ممشى ماء المطر ، انتهى. ولم أره في المعرفة للبيهقي ، ولا في السنن الكبير ، ولا في الدلائل ، والمعروف أنه كان مربدا للتمر : أي يجفّف فيه التمر ، وكأنه سماه حديقة لاشتماله على نخل ؛ ففي الصحيحين أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «لما أخذه كان فيه نخل وقبور المشركين وخرب ، فأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالنخل فقطع ، وبقبور المشركين فنبشت ، وبالخرب فسويت ، فصفوا النخل قبلة له ، وجعلوا عضادتيه حجارة» وقد قدمنا الكلام على قطع هذا النخل في أحكام الحرم ، وكأن معنى صف النخل قبلة له جعلها سواري في جهة القبلة ليسقف عليها كما في الصحيح «كان المسجد على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مبنيا باللبن ، وسقفه الجريد ، وعمده خشب النخل» وسيأتي فيما أسند يحيى أنه كان في جوف الأرض ـ أي أرض المربد ـ قبور جاهلية ، فامر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالقبور فنبشت ، فرمى بعظامها ، فأمر بها فغيبت ، وكان في المربد ماء مستنجل(١) فسيره حتى ذهب» ووقع في رواية عطاف بن خالد عند ابن عائذ أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «صلى فيه وهو عريش اثني عشر يوما ، ثم بناه وسقفه» وسيأتي ما يشهد له.

وأسند ابن زبالة عن أنس قال : بناه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ يعني المسجد ـ أول ما بناه بالجريد ، قال : وإنما بناه باللبن بعد الهجرة بأربع سنين.

قلت : وهو واه أو مؤول ، والمعروف خلافه.

وأسند أيضا عن شهر بن حوشب قال : لما أراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يحجر بناء المسجد قيل له : عريش كعريش أخيك موسى سبع أذرع ، وأسنده يحيى من غير طريقه عن شهر أيضا بلفظ : لما أراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يا بني المسجد ، وأورده رزين بلفظ : لما أراد

__________________

(١) استنجل الماء : صفّى ماء النّزّ من أرضه.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بناء المسجد قال : قيل لي : عريش كعريش أخيك موسى سبعة أذرع ، ثم الأمر أعجل من ذلك. وأسند يحيى عن الحسن قال : لما قدم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة قال : ابنوا لي مسجدا عريشا كعريش موسى ، ابنوه لنا من لبن. وأورده رزين بلفظ : لما أخذ في بناء المسجد قال : ابنوا لي عريشا كعريش موسى ، ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى ، والأمر أعجل من ذلك ، قيل : وما ظلة موسى؟ قال : كان إذا قام فيه أصاب رأسه السقف ، وعمل فيه بنفسهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ترغيبا لهم ؛ ففي الرواية المتقدمة في الصحيح عقب قوله : «حتى ابتاعه منهما» وطفق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ينقل معهم اللبن في ثيابه ، ويقول وهو ينقل اللبن :

هذا الحمال لا حمال خيبر

هذا أبرّ ربّنا وأطهر

ويقول :

اللهم إنّ الأجر أجر الآخرة

فارحم الأنصار والمهاجرة

قال ابن شهاب : فتمثلصلى‌الله‌عليه‌وسلم بشعر رجل من المسلمين ، ولم يبلغنا في الأحاديث أنه تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات ، زاد ابن عائذ في آخره : التي كان يرتجزهن وهو ينقل اللبن لبناء المسجد.

والحمال مخفّف بمهملة مكسورة : أي هذا المحمول من اللبن أبر عند الله من حمال خيبر ، أي ذات التمر والزبيب. وقوله «ربّنا» أي يا ربنا. وأسند يحيى عن الزهري في معنى قوله «هذا الحمال لا حمال خيبر» قال : كانت يهود إذا صرمت نخلها جاءتهم الأعراب بركائبهم فيحملون لهم عروة بعروة إلى القرى ، فيبيعون ، يكون لهذا نصف الثمن ولهؤلاء نصفه ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك. وفي الرواية المتقدمة في الصحيح عقب قوله : «وجعلوا عضادتيه حجارة» فجعلوا ينقلون ذلك الصخر وهم يرتجزون ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم معهم ، يقولون :

اللهم لا خير إلا خير الآخرة

فانصر الأنصار والمهاجرة

ويذكر أن هذا البيت لعبد الله بن رواحة.

وعن الزهري : بلغني أن الصحابة كانوا يرتجزون به ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ينقل معهم ويقول:

اللهم لا خير إلا خير الآخرة

فارحم المهاجرين والأنصار

وكان لا يقيم الشعر ، قال الله تعالى :( وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ ) [يس : ٦٩]


وفعل ذلك احتسابا وترغيبا في الخير ؛ ليعمل الناس كلهم ، ولا يرغب أحد بنفسه عن نفس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولهذا أسند ابن زبالة عن مجمع بن يزيد أنه قال عقب ذلك : وعملوا فيه ودأبوا ، فقال قائل من المسلمين :

لئن قعدنا والنّبيّ يعمل

ذاك إذا للعمل المضلّل

وأسند أيضا أن علي بن أبي طالب كان يرتجز وهو يعمل فيه يقول :

لا يستوي من يعمر المساجدا

يدأب فيها قائما وقاعدا

ومن يرى عن الغبار حائدا

وأسند هو أيضا ويحيى من طريقه والمجد ، ولم يخرجه ، عن أم سلمةرضي‌الله‌عنها قالت : بنى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مسجده ، فقرب اللبن وما يحتاجون إليه ، فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فوضع رداءه ، فلما رأى ذلك المهاجرون الأولون والأنصار ألقوا أرديتهم وأكسيتهم ، وجعلوا يرتجزون ويعملون ويقولون :

لئن قعدنا والنبيّ يعمل

البيت.

وكان عثمان بن عفانرضي‌الله‌عنه رجلا نظيفا متنظفا ، وكان يحمل اللبنة فيجافي بها عن ثوبه ، فإذا وضعها نفض كمه ، ونظر إلى ثوبه ، فإن أصابه شيء من التراب نفضه ، فنظر إليه علي بن أبي طالب فأنشأ يقول :

لا يستوي من يعمر المساجدا

الأبيات المتقدمة.

فسمعها عمار بن ياسر ، فجعل يرتجز بها وهو لا يدري من يعني بها ، فمر بعثمان فقال : يا ابن سمية ، ما أعرفني بمن تعرض ، ومعه جريدة فقال : لتكفن أو لأعترضن بها وجهك ، فسمعه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو جالس في ظل بيتي ، يعني أم سلمة ، وفي كتاب يحيى «في ظل بيته» ـ فغضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم قال : إن عمار بن ياسر جلدة ما بين عيني وأنفي ، فإذا بلغ ذلك من المرء فقد بلغ ، ووضع يده بين عينيه ، فكف الناس عن ذلك ، ثم قالوا لعمار : إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قد غضب فيك ، ونخاف أن ينزل فينا القرآن ، فقال : أنا أرضيه كما غضب ، فقال : يا رسول الله مالي ولأصحابك؟ قال : مالك وما لهم؟ قال : يريدون قتلي ، يحملون لبنة لبنة ويحملون علي اللبنتين والثلاث ، فأخذ بيده فطاف به في المسجد ، وجعل يمسح وفرته(١) بيده من التراب ويقول : يا ابن سمية لا يقتلك أصحابي ، ولكن تقتلك الفئة الباغية.

__________________

(١) الوفرة : الشعر المجتمع على الرأس ، أو ما جاوز شحمة الأذن.


وقد ذكر ابن إسحاق القصة بنحوه كما في تهذيب ابن هشام ، قال : وسألت غير واحد من أهل العلم بالشعر عن هذا الرجز فقالوا : بلغنا أن علي بن أبي طالب ارتجز به ، فلا ندري أهو قائله أم غيره ، وإنما قال ذلك عليرضي‌الله‌عنه مطايبة ومباسطة كما هو عادة الجماعة إذا اجتمعوا على عمل ، وليس ذلك طعنا.

وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل أبي جعفر الخطمي قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يا بني المسجد وعبد الله بن رواحة يقول :

أفلح من يعالج المساجدا

فيقولها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيقول ابن رواحة :

يتلو القرآن قائما وقاعدا

فيقولها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وفي الصحيح في ذكر بناء المسجد : وكنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين ، فرآه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فجعل ينفض التراب عنه ويقول : «ويح عمار تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» وقال : يقول عمار : أعوذ بالله من الفتن.

وأسند ابن زبالة ويحيى عن مجاهد قال : رآهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهم يحملون الحجارة على عمار ، وهو يا بني المسجد ، فقال : «ما لهم ولعمار؟ يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ، وذلك فعل الأشقياء الأشرار».

وأسند الثاني أيضا عن أم سلمة قالت : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه يبنون المسجد ، فجعل أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يحمل كل رجل منهم لبنة لبنة وعمار بن ياسر لبنتين لبنة عنه ولبنة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقام إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فمسح ظهره وقال : «يا ابن سمية لك أجران وللناس أجر ، وآخر زادك من الدنيا شربة من لبن ، وتقتلك الفئة الباغية».

وفي الروض للسهيلي : أن معمر بن راشد روى ذلك في جامعه بزيادة في آخره ، وهي : فلما قتل يوم صفين دخل عمرو على معاويةرضي‌الله‌عنهما فزعا فقال : قتل عمار ، فقال معاوية : فما ذا؟ فقال عمرو : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «تقتله الفئة الباغية» فقال معاوية : دحضت(١) في بولك ، أنحن قتلناه؟ إنما قتله من أخرجه.

وروى البيهقي في الدلائل عن عبد الرحمن السلمي أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول لأبيه عمرو : قد قتلنا هذا الرجل ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه ما قال ، قال : أي رجل؟ قال : عمار بن ياسر ، أما تذكر يوم بنى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المسجد ؛ فكنا نحمل

__________________

(١) دحضت : زلقت.


لبنة لبنة ، وعمار يحمل لبنتين لبنتين ، فمر على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «تحمل لبنتين لبنتين وأنت ترحض(١) ، أما إنك ستقتلك الفئة الباغية ، وأنت من أهل الجنة» فدخل عمرو على معاوية فقال : قتلنا هذا الرجل وقد قال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما قال ، فقال : اسكت ، فوالله ما تزال تدحض في بولك ، أنحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه ، جاءوا به حتى ألقوه بيننا.

قلت : وهو يقتضي أن هذا القول لعمار كان في البناء الثاني للمسجد ؛ لأن إسلام عمرو كان في الخامسة كما سبق.

وأسند ابن زبالة عن حسن بن محمد الثقفي قال : بينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يا بني في أساس مسجد المدينة ومعه أبو بكر وعمر وعثمانرضي‌الله‌عنهم ، فمر به رجل فقال : يا رسول الله ما معك إلا هؤلاء الرهط؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : هؤلاء ولاة الأمر من بعدي.

وروى أبو يعلى برجال الصحيح إلا أن التابعي لم يسم عن عائشةرضي‌الله‌عنها قالت : لما أسس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مسجد المدينة جاء بحجر فوضعه ، وجاء أبو بكر بحجر فوضعه ، وجاء عمر بحجر فوضعه ، وجاء عثمان بحجر فوضعه ، قالت : فسئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذلك ، فقال : هذا أمر الخلافة من بعدي.

وتقدم في تأسيس مسجد قباء نحو ذلك من غير ذكر أمر الخلافة.

وقال الأقشهري في روضته : روى صاحب السيرة ولم يسمه أن جبريلعليه‌السلام أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : يا محمد ، إن الله يأمرك أن تبني له بيتا ، وأن ترفع بنيانه بالرهص والحجارة ـ والرهص : الطين الذي يتخذ منه الجدار ـ فقال : كم أرفعه يا جبريل؟ قال : سبعة أذرع ، وقيل : خمسة أذرع ، ولما ابتدأ في بنائه أمر بالحجارة وأخذ حجرا فوضعه بيده أولا ، ثم أمر أبا بكر فجاء بحجر فوضعه إلى جنب حجر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم عمر كذلك ، ثم عثمان كذلك ، ثم عليا ، انتهى ما ذكره الأقشهري ومن خطه نقلته.

وروى البيهقي في الدلائل عن سفينة مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : لما بنى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم المسجد وضع حجرا ، ثم قال : ليضع أبو بكر حجره إلى جنب حجري ، ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبي بكر ، ثم قال : ليضع عثمان حجره إلى جنب حجر عمر ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هؤلاء الخلفاء من بعدي».

وأسند يحيى عن أسامة بن زيد عن أبيه قال : خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومعه حجر ، فلقيه أسيد بن حضير فقال : يا رسول الله أعطنيه ، فقال : اذهب فاحتمل غيره ، فلست بأفقر إليه مني.

__________________

(١) رحض المحموم : عرق حتى كأنه غسل جسده.


وعن مكحول قال : لما كثر أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قالوا : اجعل لنا مسجدا ، فقال : خشبات وثمامات ، عريش كعريش أخي موسى صلوات الله عليه ، الأمر أعجل من ذلك.

ورواه رزين وزاد فيه : فطفقوا ينقلون اللبن وما يحتاجون إليه ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ينقل معهم ، فلقيه رجل ومع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لبنة فقال : أعطنيها يا رسول الله ، فقال : اذهب فخذ غيرها ، فلست بأفقر إلى الله مني.

ونقل المجد عن رواية محمد بن سعد نحوه ، قال : وجاء رجل يحسن عجن الطين ، وكان من حضرموت ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : رحم الله امرأ أحسن صنعته ، وقال له : الزم أنت هذا الشغل فإني أراك تحسنه.

وفي كتاب يحيى من طريق ابن زبالة عن الزهري : كان رجل من أهل اليمامة يقال له طلق من بني حنيفة يقول : قدمت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يا بني مسجده ، والمسلمون يعملون فيه معه ، وكنت صاحب علاج وخلط طين ، فأخذت المسحاة أخلط الطين والنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ينظر إلي ويقول : إن هذا الحنفي لصاحب طين.

وروى أحمد عن طلق بن علي قال : بنيت المسجد مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فكان يقول : قربوا اليمامي من الطين فإنه أحسنكم له مسكا وأشدكم منكبا.

وعنه أيضا قال : جئت إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه يبنون المسجد ، قال : فكأنه لم يعجبه عملهم ، قال : فأخذت المسحاة فخلطت بها الطين ، فكأنه أعجبه أخذي المسحاة وعملي فقال : دعوا الحنفي والطين فإنه من أصنعكم للطين.

وأسند ابن زبالة ويحيى من طريقه في أثناء كلام عن ابن شهاب في قصة أخذ المربد ، قال : فبناه مسجدا ، وضرب لبنه من بقيع الخبخبة ناحية بئر أبي أيوب بالمناصع والخبخبة : شجرة كانت تنبت هناك.

وأسند يحيى من طريق عبد العزيز بن عمر عن يزيد بن السائب عن خارجة بن زيد بن ثابت قال : بنى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مسجده سبعين في ستين ذراعا أو يزيد ، ولبّن لبنه من بقيع الخبخبة ، وجعله جدارا ، وجعل سواريه خشبا شقة شقة ، وجعل وسطه رحبة ، وبنى بيتين لزوجتيه.

قال عبد العزيز : فسألت زيدا : أين بقيع الخبخبة؟ قال : بين بئر أبي أيوب وتلك الناحية ، وهذا بقيع الغرقد لبقيع المقبرة ، وقال : سألت عبد العزيز عن بقيع الخبخبة فقال : هي ـ أي الخبخبة ـ يسار بقيع الغرقد حين تقطع الطريق وتلقاها عند مسجد يحيى ، فقلت : ومن يحيى صاحب المسجد الذي ذكرت؟ فقال : يحيى بن طلحة بن عبيد الله.

قلت : بقيع الخبخبة لا يعرف اليوم كما ذكره شيخ مشايخنا الزين المراغي ، لكن


الخارج من درب البقيع إذا مشى في البقيع لجهة مشهد سيدنا عثمان بن عفانرضي‌الله‌عنه وصار مشهد سيدنا إبراهيم بن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على يمينه يكون على يساره طريق تمر بطرف الكومة ، فإذا سلكها انتهى بعد رأس العطفة التي على يمينه إلى حديقة تعرف قديما بأولاد الصيفي بها بئر ينزل إليها بدرج تعرف ببئر أيوب قديما وحديثا ، وعن يسار الخارج من درب البقيع أيضا إذا سلك طريق سيدنا حمزة في شامي الحديقة المعروفة بالرومية حديقة تعرف بالرباطية وقف رباط اليمنة بها بئر. قال المراغي : تعرف ببئر أيوب أيضا ، يتبرك بها الناس ، وهي بالقرب من الحديقة المعروفة بدار فحل ، وهي عن يسار بقيع الغرقد أيضا ، قال الزين المراغي : ولعلها أقرب إلى المراد.

قلت : والذي يظهر أن الأولى هي المراد ، لما سنبينه في الآبار.

وفي كتاب رزين ما لفظه : عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : كان بناء مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالسميط لبنة على لبنة ، ثم بالسعيدة لبنة ونصف أخرى ، ثم كثروا فقالوا : يا رسول الله لو زيد فيه ، فبنى بالذكر والأنثى ، وهي لبنتان مختلفتان ، وكانوا رفعوا أساسه قريبا من ثلاثة أذرع بالحجارة ، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخرة مائة ذراع ، وكذا في العرض ، وكان مربعا ، وفي رواية جعفر : ولم يسطح ، فشكوا الحر فجعلوا خشبه وسواريه جذوعا ، وظللوا بالجريد ثم بالخصف ، فلما وكف(١) عليهم طينوه بالطين ، وجعلوا وسطه رحبة ، وكان جداره قبل أن يظلل قامة وشيئا ، انتهى. والظاهر أنه ليس جميعه من كلام جعفر ؛ بدليل قوله في الأثناء «وفي رواية جعفر».

وقد ذكر ابن زبالة ويحيى من غير طريقه كلام جعفر متمحضا فأسندا عنه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان بناء مسجده بالسميط لبنة لبنة ، ثم إن المسلمين كثروا فبناه بالسعيدة ، فقالوا : يا رسول الله لو أمرت من يزيد فيه ، فقال : نعم ، فأمر به فزيد فيه ، وبنى جداره بالأنثى والذكر ، ثم اشتد عليهم الحر فقالوا : يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فظلل ، قال : نعم ، فأمر به فأقيمت فيه سواري من جذوع النخل ، ثم طرحت عليها العوارض(٢) والخصف والإذخر(٣) ، فعاشوا فيه ، وأصابتهم الأمطار ، فجعل المسجد يكف عليهم ، فقالوا : يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فطيّن ، فقال : لا ، عريش كعريش موسى ، فلم يزل كذلك

__________________

(١) وكف سطح البيت : قطر بالماء.

(٢) العوارض : قطع الخشب. الخصف : جلة تعمل من الخوص ليحفظ فيها التمر.

(٣) الإذخر : حشيشة تسقف بها البيوت فوق الخشب ولها رائحة طيبة.


حتى قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وكان جداره قبل أن يظلل قامة ، فكان إذا فاء الفيء ذراعا وهو قدمان يصلي الظهر ، فإذا كان ضعف ذلك صلّى العصر ، ثم نقلا عنه تفسير السميط والسعيدة والأنثى والذكر بما تقدم ، ولم يذكرا ذرعا.

وفي الإحياء عن الحسن مرسلا : لما أرادصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يا بني مسجد المدينة أتاه جبريل فقال : ابنه سبعة أذرع طولا في السماء ، ولا تزخرفه ، ولا تنقشه ، انتهى.

وتقدم فيما نقله الأقشهري عن صاحب السيرة عن جبريلعليه‌السلام في ارتفاعه سبعة أذرع ، وقيل : خمسة.

وأسند يحيى عن أسامة بن زيد عن أبيه قال : خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومعه حجر ، فلقيه أسيد بن حضير ، وذكر ما قدمناه ، ثم قال : قال ـ يعني زيدا ـ ورفعوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ، وكان في جوف الأرض قبور جاهلية ، فأمر بالقبور فنبشت فرمى بعظامها ، وأمر بها فغيبت ، وكان في المربد ماء مستنجل فسربه حتى ذهب ، وكان الذين أسسوا المسجد جعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع ، وفي الجانبين الآخرين مثل ذلك فهو مربع ، ويقال : إنه كان أقل من مائة ذراع ، وجعل قبلته إلى بيت المقدس ، وجعل له ثلاثة أبواب : باب في مؤخره ، أي وهو في جهة القبلة اليوم ، وباب عاتكة الذي يدعى باب عاتكة ويقال باب الرحمة ، والباب الذي كان يدخل منه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو باب آل عثمان اليوم ، وهذان البابان لم يغيرا بعد أن صرفت القبلة ، ولما صرفت القبلة سد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الباب الذي كان خلفه وفتح هذا الباب ، وحذاء هذ الباب ـ أي ومحاذيه ـ هذا الباب الذي سد. وعبر ابن النجار عن ذلك بقوله : ولما صرفت القبلة سد الباب الذي كان خلفه وفتح بابا حذاءه. قال المجد : أي تجاهه ، انتهى.

وذكر الأقشهري في خبر عن ابن عمر ما يخالف هذا ، فإنه قال : وعن عبد الله بن عمر قال : كان مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في زمانه من اللبن ، وسقفه من غصن النخل ، وله ثلاثة أبواب : باب في مؤخره ، وباب عاتكة وهو باب الرحمة ، والباب الذي كان يدخل منه وهو باب عثمان ، وهو الذي يسمى اليوم باب جبريل ، ولما صرفت القبلة سد الباب الذي خلفه وفتح الباب الآخر ، وهو الذي يسمى باب النساء ، انتهى. وهو غريب ، ولعل قوله : «وهو الذي يسمى باب النساء» من تصرفه وفهمه في معنى الخبر ، ولذلك أورد عقبه حديث أبي داود مرفوعا «لو تركنا هذا الباب للنساء» لكن أبو داود بيّن أن الأصح أنه من قول عمر كما سيأتي ، وعلى ما ذكره فلم يجعل للمسجد بعد التحويل بابا خلفه ، وباب عن يمين المصلى ، وباب عن يسار المصلى ، ثم انتهوا إلى البناء باللبن ، فجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يحمل معهم اللبن في ثيابه ويقول :


هذا الحمال لا حمال خيبر

الرجز المتقدم.

وروى أحمد عن أبي هريرة أنهم كانوا يحملون اللبن إلى بناء المسجد ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم معهم ، قال : فاستقبلت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو عارض لبنة على بطنه ، فظننت أنها شقت عليه ، فقلت : ناولنيها يا رسول الله ، قال : خذ غيرها يا أبا هريرة فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة.

زيادة النبي في مسجده

قلت : وهذا في البناء الثاني ، أي لأن أبا هريرة لم يحضر البناء الأول ؛ لأن قدومه عام فتح خيبر.

وأسند ابن زبالة من طريق ابن جريج عن جعفر بن عمرو قال : كان المربد لسهل وسهيل ابني عمرو فأعطياه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فبناه ، وأعان أصحابه أو بعضهم بنفسه في عمله ، وكان علي بن أبي طالب يرتجز وهو يعمل فيه ، قال : وبناه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مرتين : بناه حين قدم أقل من مائة في مائة ، فلما فتح الله عليه خيبر بناه وزاد عليه مثله في الدور.

وروى الطبراني بإسناد فيه ضعيف عن أبي المليح عن أبيه قال : قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لصاحب البقعة التي زيدت في مسجد المدينة ـ وكان صاحبها من الأنصار ـ فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لك بها بيت في الجنة» قال : لا ، فجاء عثمان فقال له : «لك بها عشرة آلاف درهم» فاشتراها منه ، ثم جاء عثمان إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا رسول الله اشتر مني البقعة التي اشتريتها من الأنصاري ، فاشتراها منه ببيت في الجنة ، فقال عثمان : إني اشتريتها بعشرة آلاف درهم ، فوضع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لبنة ، ثم دعا أبا بكر فوضع لبنة ، ثم دعا عمر فوضع لبنة ، ثم جاء عثمان فوضع لبنة ، ثم قال للناس : «ضعوا» فوضعوا.

وروى الترمذي وحسّنه في حديث قصة إشراف عثمان على الناس يوم الدار عن ثمامة بن حزن القشيري أن عثمانرضي‌الله‌عنه قال : أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي ، فأنتم اليوم تمنعونني أن أصلي فيها ركعتين ، قالوا : اللهم نعم ، الحديث ، وأخرجه الدارقطني أيضا ، وكذا أحمد بنحوه.

وأخرجا أيضا حديثا طويلا عن الأحنف بن قيس فيه : أن عثمانرضي‌الله‌عنه قال : أهاهنا علي؟ قالوا : نعم ، قال : أهاهنا طلحة؟ قالوا : نعم ، قال : أنشدكم بالله الذي لا إله


إلا هو أتعلمون أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : أمن يبتاع مربد بني فلان غفر الله له ، فابتعته بعشرين ألفا أو خمسة وعشرين ألفا ، فأتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقلت : قد ابتعته ، فقال : اجعله في مسجدنا وأجره لك ، قالوا : اللهم نعم.

وأخرج خيثمة بن سليمان في فضائل عثمان عن قتادة قال : كانت بقعة إلى جنب المسجد فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : من يشتريها ويوسعها في المسجد له مثلها في الجنة ، فاشتراها عثمان ، فوسعها في المسجد.

وأسند ابن زبالة عن خالد بن معدان قال : خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على عبد الله بن رواحة وأبي الدرداء ومعهما قصبة يذرعان بها المسجد ، فقال : ما تصنعان؟ فقالا : أردنا أن نبني مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على بنيان الشام ، فيقسم ذلك على الأنصار ، فقال : هاتياها ، فأخذ القصبة منهما ، ثم مشى بها حتى أتى الباب ، فدحا بها(١) ، وقال : كلا ، ثمام وخشيبات وظلة كظلة موسى ، والأمر أقرب من ذلك ، قيل : وما ظلة موسى؟ قال : إذا قام أصاب رأسه السقف.

وروى البيهقي في الدلائل من طريق يعلى بن شداد عن عبادة أن الأنصار جمعوا مالا فأتوا به النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا : يا رسول الله ابن بهذا المسجد وزينه ، إلى متى نصلي تحت هذا الجريد؟ فقال : ما بي رغبة عن أخي موسى ، عريش كعريش موسى.

وروى البيهقي أيضا عن الحسن في بيان عريش موسى قال : إذا رفع يده بلغ العريش ، يعني السقف.

وعن ابن شهاب : كانت سواري المسجد في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم جذوعا من جذوع النخل ، وكان سقفه جريدا وخوصا ليس على السقف كثير طين ، إذا كان المطر امتلأ المسجد طينا ، إنما هو كهيئة العريش.

وفي الصحيح في ليلة القدر : وإني أريت أني أسجد في ماء وطين ، فمن كان اعتكف مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فليرجع ، فرجعنا وما نرى في السماء قزعة(٢) فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد ، وكان من جريد النخل ، وأقيمت الصلاة ، فرأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يسجد في الماء والطين ، حتى رأيت أثر الطين في جبهته.

الفصل الثاني

في ذرعه وحدوده التي يتميز بها عن سائر المسجد اليوم

اعلم أن الذراع حيث أطلق فالمراد به ذراع الآدمي ، وقد قدمنا في تحديد الحرم

__________________

(١) دحا بها : دفعها ورماها.

(٢) القزع : قطع السحاب المتفرقة في السماء.


أنه ذراع غير ثمن من ذراع الحديد المستعمل بمصر وبمكة ، وهو شبران تقريبا ، وقد تحصلنا كما تقدم في ذرع المسجد على أربع روايات : الأولى : سبعون ذراعا في ستين أو يزيد ، والثانية : مائة ذراع في مائة ، وأنه مربع ، والثالثة : أنه أقل من مائة ذراع ، وهذا صادق بالأولى فليحمل عليها ، الرابعة : أنه بناه أولا أقل من مائة في مائة ، ثم بناه وزاد عليه مثله في الدور ، ولا يصح أن يراد بذلك الأذرع قطعا ؛ لأنها تقتضي أنه بعد البناء الثاني صار أحد امتداديه إما الطول أو العرض نحو مائتي ذراع ، والامتداد الآخر نحوها ، ولا شك أن حد مسجدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من جهة المشرق غايته الحجرة الشريفة ، فعرضه من جدارها إلى جدار المسجد الغربي ، وذرع هذا القدر اليوم بعد الزيادات المجمع عليها لا تبلغ مائة وخمسين ذراعا كما اختبرته ، بل تنقص أزيد من ستة أذرع ، وقد أجمع المؤرخون على أن عمر وعثمانرضي‌الله‌عنهما زادا في المسجد من هذه الجهة ، ثم غيرهما من الخلفاء ؛ فالظاهر أن المراد من هذه الرواية الأشبار لا الأذرع ، فيقتضي أن المسجد النبوي بعد البناء الثاني صار أحد امتداديه مائتي شبر ، والامتداد الآخر نحوها ؛ فيوافق رواية مائة ذراع في مثلها ، على أن ما ذكره المتأخرون من التحديد بالأمور الآتية يقتضي أنه لم يكن مائة ذراع ؛ فهو مقتض لترجيحهم الرواية الأولى ، وهي سبعون ذراعا في ستين ، وتكون السبعون للطول والستون للعرض.

وقد نقل النووي ذلك في منسكه عن خارجة بن زيد أحد فقهاء المدينة السبعة ، ولفظه : بنى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مسجده سبعين ذراعا في ستين أو يزيد ، وهو الذي جزم به ابن النجار فقال : بنى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مسجده مربعا ، وجعل قبلته إلى بيت المقدس ، وطوله سبعين ذراعا في ستين ذراعا أو يزيد ، انتهى.

هذا ، وقد قال يحيى قبيل ما جاء في حجر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : حدثني هارون قال : حدثنا محمد بن يحيى ـ يعني صاحب مالك ـ قال : فيما كان انتهى إلينا من ذرع مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من القبلة إلى حده الشامي أربعة وخمسون ذراعا وثلثا ذراع ، وحده من المشرق إلى المغرب ثلاث وستون ذراعا ، يكون ذلك مكسرا ثلاثة آلاف وأربعمائة وأربعة وأربعين ذراعا ، انتهى.

وقال ابن النجار : اعلم أن حدود مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أي : الذي كان في زمنه ـ من القبلة الدرابزينات التي بين الأساطين التي في قبلة الروضة ، ومن الشام الخشبتان المغروزتان في صحن المسجد ، وأما من المشرق إلى المغرب فهو من حجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الأسطوان الذي بعد المنبر ، وهو آخر البلاط ، انتهى.


وفيما ذكره ابن النجار مناقشة : أما ما ذكره من التحديد بالدرابزينات من جهة القبلة وبالخشبتين من جهة الشام ، فالخشبتان اليوم غير معروفتين ، وقد نبه على فقدهما الزين المراغي ، وكلام المطري يفهمه ، ولم أر لهما ذكرا في كلام المتقدمين ، نعم ذكر ابن زبالة كلاما فيه غموض يقتضي تحديد بعض جهات المسجد بعودين علا الكبس على أحدهما ، وأن الآخر كان موجودا في زمانه ، فلعل ذلك مأخذ ابن النجار ، وعبارة ابن زبالة تنبو(١) عن ذلك ؛ إذ لم يذكرهما في حد جهة الشام ، والحد من هذه الجهة اليوم ـ على ما يعرف في زماننا ـ الحجران الآتي ذكرهما في صحن المسجد ، وسيأتي ما يقتضي رد ذلك.

وذكر ذلك ابن جماعة في منسكه فقال : قد عرّف المتأخرون مقدار المسجد الذي كان عليه أولا فقالوا : كان على التربيع من الحجرة المقدسة إلى مكان السارية السابعة من جهة المغرب ، ومن موضع الدرابزين الذي هو بين الأساطين المتصل بالصندوق أمام المصلى الشريف إلى موضع الحجرين المغروزين في صحن المسجد الشريف ، انتهى.

ومستنده في ذلك قول المطري في الحجرين المذكورين يذكر أنهما حد المسجد من جهة الشام والمغرب ، قال : لكنهما ليسا على سمت المنبر الشريف ، بل هما داخلان إلى جهة المشرق بمقدار أربعة أذرع أو أقل ، وكذا متقدمان إلى القبلة بمثل ذلك ، قال : لأني اعتبرت ذلك بالذرع فوجدتهما ليسا على ذرع المسجد الأول.

قلت : كونهما داخلين عن سمت المنبر إلى جهة المشرق بما ذكر لا يقدح في كونهما الحد المذكور ؛ لأن المراد أن جهة المغرب هناك في سمتهما ، كما أن المراد أن جهة الشام في سمتهما ، لا أنها ما يحاذي الحجرين فقط ، ووقع الاستغناء عن تحرير ابتداء جهة المغرب بما تقدم له نقلا عن ابن النجار من الأسطوانة التي تلي المنبر من تلك الجهة ، كما استغنى بكون الحجرة الشريفة حده من جهة المشرق ؛ إذ لم يذكر حد لجهة المشرق مما يلي الحجرين في جهة الشام ، وفي الحقيقة لم يقصد بهما سوى بيان جهة الشام ، على أنه يحتمل أن مقدم المسجد كان أعرض من مؤخره كما هو موجود اليوم ، فيكون الحجران حده من جهة المغرب حقيقة ، وأما قوله إنهما متقدمان إلى القبلة بأربعة أذرع وإنهما ليسا على ذرع المسجد الأول يعني السبعين التي ذكرها ابن النجار فقد بناه على ما قاله أيضا من أن الدرابزينات التي ذكرها ابن النجار من جهة القبلة متقدمة على موضع الحائط القبلي ؛ لأن الحائط القبلي كان محاذيا لمصلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإنما جعل هذا الصندوق الذي في قبلة المصلى الشريف أي بين المصلى والدرابزينات سترة بين المقام الشريف وبين الأسطوانات ، قال : وورد أيضا أنه كان بين الحائط القبلي وبين المنبر ممر الشاة ، وبين

__________________

(١) تنبو : تختلف.


المنبر والدرابزين اليوم مقدار أربعة أذرع وربع ذراع ، والمنبر لم يغير من جهة القبلة ، وكذا المصلى الشريف ، انتهى. فلم يعتبر الذرع من الدرابزينات.

وقد اختبرت أنا ذلك بنفسي من الدرابزينات المذكورة إلى الحجرين المذكورين فكان سبعين ذراعا بذراع اليد المتقدم ذكره ، وقد قال ابن جماعة : إنه اختبر ذلك بذراع العمل فكان ستة وأربعين ذراعا وثلثي ذراع ؛ فهو موافق لذرعنا ، بل يرجح قليلا ؛ لأن ذراع العمل ذراع ونصف راجح من ذراع اليد.

وأما ما ذكره المراغي في كتابه من الذرع فغير موافق لذرعنا ؛ لأنه اعتمد في ذلك كما صرح به على ذراع المدينة الشريفة اليوم ، وقد اختبرته فوجدته يزيد على ذراع اليد الذي حررناه بأكثر من قيراط ، وقول المطري : «إن بين المنبر والدرابزين اليوم مقدار أربعة أذرع وربع» مخالف لما اختبرناه ؛ فإن بينهما ثلاثة أذرع ونصف بالذراع الذي حررناه ، لكن سيأتي أن المنبر اليوم ليس هو ذلك ، وأنه قد اتضح لنا عند الحفر لتأسيس المنبر الرخام الآتي ذكره صحة ما قاله المطري ، وأن المنبر الذي أدركناه قدّم عن محل المنبر الأصلي لجهة القبلة أزيد من نصف ذراع ، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى.

وقد ذكر ابن زبالة ويحيى من طريقه نقلا عن غير واحد من أهل العلم تحديد المسجد الشريف من هذه الجهة فقالا : وعلامته في القبلة حروف المرمر الذي المنبر وسطه ، وعلامته من الشام أربعة طيقان من ناحية المشرق والمغرب ، وعلامة الطيفان الأربع أنهن مخضرات الأجواف بالفسيفساء كلهن.

قلت : والمرمر اليوم لا يظهر منه شيء. لكن يؤخذ من كلام ابن زبالة في وصف هذا المرمر أنه كان دكة مرتفعة حول المنبر قدر الذراع ، وأنه ممتد من المغرب قدر ثلاثة أذرع ، ومن المشرق ثلاثة ، ومن القبلة ثلاثة ، فإنه قال : حدثني محمد بن إسماعيل قال : رأيت طنفسة(١) كانت لعبد الله بن حسن بن حسن تطرح قبالة المنبر على مرمر كان هناك ، قال : فحبس عبد الله بن حسن سنة أربعين ومائة ، وبقيت الطنفسة بعده أياما ، ثم رفعت ، قال : ثم إن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليرضي‌الله‌عنهم لما ولي المدينة سنة خمسين ومائة في خلافة أبي جعفر نقض المرمر ووسعه من جوانبه كلها حتى ألحقه بالسواري ، فكلمه أبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان أن يدع له مصلاه فتركه ولم يلحق المرمر بالأساطين المقدمة ؛ فالمرمر اليوم هو الذي عمل الحسن بن زيد ، والمرمر الذي حول المنبر المرتفع عن المرمر الذي عمل الحسن بن زيد بين ستة أساطين ثلاثة أذرع من قبل القبلة وثلاثة أذرع من قبل المشرق وثلاثة أذرع من قبل المغرب ، وهو مرتفع عن الأرض نحوا من ذراع ، انتهى.

__________________

(١) الطنفسة : النمرقة فوق الرّحل. و ـ البساط.


وقال في موضع آخر : عرض المرمر الذي حول المنبر ثمانية أذرع ، وطوله ثماني عشرة ذراعا ، وسماه في موضع آخر رخاما ، وهو يطلق عليه لغة ، وسيأتي ذكر هذه الدكة التي المنبر في وسطها عن ابن النجار حيث قال : وارتفاع الدكة التي المنبر عليها شبر وعقد ، فكأن الكبس علا ؛ فإنها كانت ذراعا في زمن ابن زبالة ، وفي زمن ابن النجار شبرا وعقدا ، ثم علا الكبس فلم يوجد اليوم ، وقد ظهر أثرها وأثر الرخام المذكور عند حفر ما حول المنبر الشريف ، وشاهدت الرخام الذي في قبلته كما سيأتي ، وتلخص من هذا أن المرمر كان في جهة القبلة ثلاثة أذرع بعد المنبر ، والظاهر أن عرض جدار المسجد الشريف أدخل في ذلك من جهة القبلة ؛ فقد روى يحيى في ترجمة ما جاء في زيادة الوليد أن عمر بن عبد العزيز أحضر رجالا من قريش فأروه مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والذي زاد فيه عمر ، والذي زاد فيه عثمان ، فعلم عمر بن عبد العزيز المسجد الأول الذي كان على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فكان جدار القبلة من وراء المنبر ذراعا وأكثر من ذراع. وروى ابن زبالة أخبارا تتضمن أن جدار القبلة كان بينه وبين المنبر قدر ممر العنز ، وفي العتبية ممر الرجل منحرفا ، وفي الصحيح عن سهل : كان بين مصلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين الجدار ممر الشاة. وفيه أيضا عن سلمة : كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزه ؛ فتعين ما أشرنا إليه من إدخال جدار المسجد في ذلك الممر الذي جعل علامة في جهة القبلة ، وأما الطاقات الأربع التي ذكرها علامة لنهاية المسجد من جهة الشام فغير معروفة اليوم ، إلا أنه سيأتي فيما نقله المرجاني عن الحارث المحاسبي ما يبين محلها.

وأما الجواب على ما ذكر المطري من كون الدرابزينات متقدمة فالظاهر أن ابن النجار فهم أن المراد إدخال عرض الجدار الذي كان موجودا في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما تقرر عندنا من أن جدار المسجد من جملة المسجد ، ويؤيده ما تقدم من التحديد بالمرمر من تلك الجهة ، وما سيأتي في الفصل الثاني عشر من رواية أحمد عن نافع أن عمررضي‌الله‌عنه زاد في المسجد من الأسطوانة ـ أي التي عند المصلى الشريف ـ إلى المقصورة ؛ لأن ذلك هو الرواق الذي بين الأساطين التي في قبلة الروضة وبين الأساطين التي تليها في القبلة. وقد قال المراغي : إن الذي ظهر له أن الصندوق الذي في قبلة المصلى الشريف جعل في مكان الجدار القديم ، ويشهد له ما سيأتي عن يحيى في ذرع ما بين المصلى الشريف وجدار القبلة اليوم ، لكن عرض هذا الصندوق ذراعان ، وبينه وبين الدرابزين أرجح من نصف ذراع ، وذلك فيما يظهر أزيد من عرض الجدار القديم بنحو الذراع ؛ لأني شاهدت لبنا أخرج من جدران الحجرة الشريفة في العمارة التي أدركناها أولا يزيد في الطول على الذراع ، وعرضه نصف ذراع ، وسمكه ربع ذراع ، وفيه شيء مرتفع طوله وعرضه وسمكه واحد ، وكل ثنتين منه طول لبنة مما قدمناه ، والذي يظهر أنه كان من بقايا لبن الحجرة


الشريفة التي كانت مبنية به أولا جعل للتبرك لأنه أتى غير مستو ، والجدار مبني بالحجارة الوجوه المحكمة وبالقصة ؛ فلا يناسبه وضع ذلك فيه ، ولهذا جعل بين الحجارة الوجوه في أعالي الجدار ، وقد تقدم أن الذي استقر عليه عرض الجدار في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الأنثى والذكر ، وهما لبنتان مختلفتان ، واللبنتان المختلفتان من هذا اللبن الذي رأيناه أو اللبنة ونصف الأخرى وهو السعيدة يزيد على ذراع ونصف يسيرا ، فيكون ذلك هو عرض الجدار في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ويشهد له ما شاهدناه أيضا في عرض جدار الحجرة الشريفة على ما سنذكره ، ثم اتضح الحال بظهور المرمر الذي في قبلة المنبر ؛ فإنا وجدنا بينه وبين الدرابزين المذكور أرجح من ذراع ، وبينه وبين طرف محل المنبر الأصلي من جهة القبلة ثلاثة أذرع سواء ، كما ذكر ابن زبالة ، فذلك هو عرض الجدار مع ما كان بين المنبر وبينه.

وأما ما ذكره ابن النجار من التحديد بالأسطوانة التي تلي المنبر من جهة المغرب وأنها آخر البلاط وبالحجرة الشريفة من جهة المشرق ؛ فالبلاط الذي ذكره لا يوجد اليوم ، وكأنه يريد به الرخام الذي كان المنبر وسطه ، وقد عبر عن ذلك ابن جماعة كما تقدم بقوله : من الحجرة إلى مكان السارية السابعة من جهة المغرب ، فإن السابعة من صف الأساطين المذكورة هي التي تلي المنبر من المغرب إن عددنا الأسطوان الملاصق للحجرة ، ولم أر لما ذكره ابن جماعة مستندا في كلام المؤرخين سوى ما ذكره ابن النجار ؛ فيتعين الحمل على الأسطوانة المذكورة ، وقد ذرعت ما بين الأسطوانة التي تلي المنبر عند ظهره من المغرب إلى حائز عمر بن عبد العزيز الذي داخله الحجرة الشريفة بمقط ؛ فكانت مساحته سبعة وخمسين ذراعا ونصف ذراع راجح ، وعرض الحائز المذكور ذراع وربع راجح ، كما تحرر لي عند عمارة ما نقض منه ، وليس بينه وبين جدار الحجرة من هذه الجهة فضاء أصلا ، بل هو لاصق به ليس بينهما مغرز إبرة خلاف ما ذكره المؤرخون ؛ فيكون ما بين الأسطوانة المذكورة والحجرة الشريفة تسعة وخمسون ذراعا ينقص يسيرا ، وكأن ابن النجار جرى على قول من تقدمه من المؤرخين في أن بين الحائز وجدار الحجرة فضاء من هذه الجهة ، وظن أن عرض الحائز أكثر مما ذكرناه ؛ فجعل نهاية قولهم في عرض المسجد ستين ذراعا أو يزيد إلى الأسطوانة التي تلي المنبر أو أن ذلك القدر الناقص لتفاوت الأذرعة ، على أن الظاهر أن ابن جماعة لم يعتبر الأسطوانة اللاصقة بالحجرة ، وأنه جعل السارية السابعة هي التي تلي السارية التي تلي المنبر في جهة المغرب ، وهي الثانية من المنبر في تلك الجهة ، فإنه قال : إنه ذرع ما بين الأسطوانة السابعة إلى حائز الحجرة الشريفة فكان ذلك اثنين وأربعين ذراعا وثلثي ذراع بذراع العمل.

قلت : وقد اعتبرت ما ذكره من الذرع بذراع العمل فرأيته ينتهي إلى الأسطوانة الثانية


من المنبر في جهة المغرب ، وذرعته بذراع اليد الذي حررناه فكان خمسا وستين ذراعا ، وهو مطابق لما قاله ابن جماعة ولما اختبرناه بذراع العمل ؛ لأن ذراع العمل ذراع وثلث من ذراع الحديد المستعمل بمصر ، وذلك اثنان وثلاثون قيراطا ، والذراع الذي حررناه أحد وعشرون قيراطا ، فذراع العمل ذراع ونصف قيراط بالذراع الذي حررناه ، وقد مال المراغي إلى اعتبار التحديد بهذه الأسطوانة ـ أعني الثانية من المنبر ـ فإنه ذكر عدم وجود البلاط اليوم ، ثم قال : لكني اعتبرت ذرعه من المشرق إلى المغرب على رواية يحيى ثلاثة وستين ، وهي من أقل الروايات ؛ فكان من جدار الحجرة الشريفة يعني الحائز الظاهر إلى الأسطوانة الثانية من المنبر لا التي بعده ستون ذراعا تقريبا ، قال : وعلى هذا يكون عرض جدار عمر بن عبد العزيز وما بينه وبين جدار الحجرة الشريفة الأصلي ثلاث أذرع تقريبا ، انتهى. ولا يخفى ما فهم ؛ لأنه جعل المسافة المذكورة ستين ذراعا تقريبا وهي خمسة وستون تحريرا ، وتبع من تقدمه من المؤرخين في ثبات فضاء بين حائز عمر بن عبد العزيز وجدار الحجرة ، فخمن أن ذلك مع عرض الحائز ثلاثة أذرع ، وقد علمت أن عرض الحائز ذراع وربع يرجح يسيرا ، وليس بينه وبين جدار الحجرة شيء.

وقد روى ابن زبالة ويحيى من طريقه أشياء في تحديد المسجد وذرعه يقتضي أن جدار المسجد الشريف في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من جهة المشرق لم ينته إلى حائز عمر بن عبد العزيز ، بل الحائز وبعض ما يليه من المغرب في موضع حجرة عائشةرضي‌الله‌عنها ، وأن جدار حجرة عائشة كان فيما بين الأساطين اللاصقة بجدار القبر وبين الأساطين التي بينها المقصورة الدائرة على الحجرة الشريفة ، وأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان قد بنى المسجد أولا وجعله ثلاث أساطين عن يمين المنبر في المغرب وثلاث أساطين عن يساره في المشرق ، وأن نهايته من جهة المشرق كانت أولا أسطوان التوبة ؛ لأنها تكون في موضع الجدار بعد الأساطين الثلاث ، وأن مساحة ذلك من المشرق إلى المغرب ثلاث وستون ذراعا ، وقيل :خمس وخمسون ، وأنه زاد فيه بعد ذلك من المشرق والمغرب ، ومع ذلك لم ينته زيادته في المشرق إلى موضع حائز عمر بن عبد العزيز ، وأنه لم يزد فيه من جهة القبلة ولا من جهة الشام.

قلت : وهو موافق لما روى أنه كان مائة ذراع كما سنبينه ، ويرجحه عندي أن المنبر الشريف يكون حينئذ متوسطا للمسجد ؛ إذ يبعد أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يتوسط أصحابه ويقف على منبر في طرفهم ، وكون المسجد النبوي لا ينتهي إلى موضع حائز عمر بن عبد العزيز كما قدمناه خلاف ما عليه متأخرو المؤرخين ، لكنه حسن ؛ إذ يبعد أن يا بني عمر بن عبد العزيز حائزه في شيء من المسجد ، وينتقص الروضة الشريفة به ، حاشاه من ذلك ، والذي صح


أن محل القبور الشريفة في صفة بيت عائشة ، ولا بد للصفة من مرافق ، فيظهر أن الحائط الذي في جوف الحائز هو حائط الصفة ، والحائز فيما خرج عنها من بقية البيت.

ثم ظفرت في كلام المرجاني نقلا عن الحارث المحاسبي بما يصرح بذلك ، لما سيأتي من أنه ذكر في تحديد المسجد ستة أساطين من جهة شرقي المنبر ، ثم قال : والروضة ما بين القبر والمنبر ، فما كان منها في الأسطوانة السادسة التي حددت لك عن يمين المنبر فليس من المسجد الأول ، وإنما كان من حجرة عائشةرضي‌الله‌عنها فوسع به المسجد ، وهو من الروضة ، انتهى.

ولنورد عبارة ابن زبالة فإن يحيى روى ذلك عنه من غير زيادة ولا مخالفة مع ما فيها من أشياء لا تعرف اليوم ، ولكن إفادة هذه الأمور الغريبة التي لم يذكرها متأخرو المؤرخين اقتضت إيرادنا لذلك فنقول : أسند ابن زبالة عن عبيد بن عمر بن حفص بن عاصم أن مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان ثلاث أساطين مما يلي المشرق ، وثلاث أساطين مما يلي المغرب ، سوى ما خرج في الرحبة أي الأساطين المصفوفة من الرحبة إلى القبلة ، ولو لا ما سيأتي من التصريح بأن هذه الست كانت ثلاثة منها على يمين المنبر وثلاثة عن يساره ـ يعني في البناء الأول ـ لحملنا ذلك على أن ابتداء هذه الست من الأسطوانة التي تلي المنبر ؛ فيكون نهايتها الأسطوان التي يلي أسطوان التوبة ، ويكون جدار الحجرة بعدها ، فيوافق التحديد المتقدم ، لكنه قال عقبه : وقال جمهور الناس من أهل العلم وغيرهم : هو إلى الفرضتين اللتين في الأسطوانتين اللتين دون المربعتين الغربية والتي في القبر.

قلت : لا تعرف اليوم في المسجد القديم مربعة غربية ، غير أن الذي ظهر لي ـ من مقابلتها بمربعة القبر ومما سيأتي في بيان الحائز الذي عمل لمنع ماء المطر أن يغشى المسقف القبلي ـ أنها الأسطوانة العظيمة المثمنة اليوم في المسقف القبلي ، فإنها كانت ركن رحبة المسجد في هذا المسقف من جهة المغرب ، كما أن مربعة القبر كانت ركن الرحبة في جهة المشرق ، قبل زيادة الرواقين اللذين ذكرهما في المسقف القبلي كما يؤخذ من مواضع في كلام ابن زبالة ويحيى ، والذي يظهر أن تثمين الأسطوانة المذكورة حادث ، وإنما كانت مربعة ، كما ثمنوا ما ظهر من مربعة القبر وما يلي الحجرة منها باق على تربيعه ، ومربعة القبر هي التي في نهاية الصفحة الغربية من الحائز الدائر على الحجرة من جهة الشام ، وتعرف بأسطوان مقام جبريلعليه‌السلام كما سيأتي إيضاحه ، والأسطوان التي دونها هي الملاصقة بالشباك الدائر على الحجرة اليوم ، وهي بين المربعة وبين أسطوان الوفود ؛ فيكون جدار الحجرة على هذا كان فيما بين مربعة القبر والتي يليها.

قال ابن زبالة عقب ما قدمناه عنه : واحتجوا بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يعتكف في


المسجد في موضع مجلس بني عبد الرحمن بن الحارث ، وأن عائشةرضي‌الله‌عنها كانت ترجل رأسه وهو معتكف في المسجد وهي في بيتها ، وكان مالك بن أنس يقول : الجدار من المشرق في حد القناديل التي بين الأساطين التي في صفها أسطوان التوبة وبين الأساطين التي تلي القبر ، وأرفه عمر بن عبد العزيز من ورائها في الأسطوانة التي تلي القبر.

قلت : ما نقله عن مالك صريح فيما قدمناه من أن جدار المسجد الشرقي كان فيما بين الأساطين اللاصقة بالقبر وبين الأساطين المقابلة لها ؛ فيكون في محاذاة القناديل الآخرة من القبلة إلى الشام فيما بين هذه الأساطين ، ويكون عمر بن عبد العزيز أخره إلى الأسطوان اللاصق بجدار القبر ، وسيأتي ما يصرح بذلك من كلام المحاسبي أيضا وأما قوله : «واحتجوا إلى آخره» فوجه الاحتجاج أن معتكفهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان لاصقا بحجرته ، بحيث إن عائشةرضي‌الله‌عنها كانت ترجل رأسه وهو في معتكفه وهي في بيتها ، ولهذا أورد ابن زبالة عقبه حديث «كان يدنو مني وأنا حائض فأرجله وهو في المسجد» ومجلس بني عبد الرحمن بن الحارث الذي ذكره ابن زبالة لا يعرف اليوم ، وروى ابن زبالة ويحيى في بيان معتكفهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أشياء سنذكرها إن شاء الله تعالى ، والمناسب لما نحن فيه منها : أنه كان للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم سرير من جريد فيه سعفه يوضع بين الأسطوان التي وجاه القبر وبين القناديل ، كان يضطجع عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقوله : «التي وجاه القبر» يريد به المواجهة له ، وهي اللاصقة بشباك الدائر على الحجرة اليوم في صف أسطوان التوبة ، بل قيل : إنها أسطوان التوبة كما سيأتي ، وهذا مطابق لما ذكره مالك من أن الجدار كان في حد القناديل المذكورة.

وأسند ابن زبالة أيضا عن غير واحد من أهل العلم أن مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان ثلاث أساطين عن يمين المنبر وأنت مستقبل القبلة في موضع معتكف حسن بن زيد الذي كان يعتكف فيه ، ومن الشق الآخر إلى أسطوان التوبة ، وكان ذرعه من المشرق إلى المغرب ثلاثة وستين ذراعا ، وقال عبد الرحمن بن سعد عن أشياخه : كان خمسين في خمسين.

قلت : فيكون الحجر التي في شرقي المسجد أدخلت بعد أو بعضها في الزيادة الآتية أو أنها لم تستقر في شرقيه إلا بعد ذلك.

ثم قال ابن زبالة : قالوا : وعلامة مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أي الذي بني عند مقدمه من مكة ـ وذكر علامات كانت في السقف المحترق والفسيفساء التي زالت فلا تعرف اليوم ، ثم قال : وعلامة مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي بني عند مقدمه من خيبر قالوا : ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المسجد من القبلة في تلك البنية في حده الأول ، وزاد فيه من ناحية


المشرق إلى الأسطوان التي دون المربعة التي عند القبر ، وعلامة تلك الأسطوان أن لها نجافا(١) طالعا في الرحبة من بين الأساطين ، ومن المغرب إلى الأسطوان التي تلي المربعة التي لها نجاف أيضا من بين الأساطين ، وظهر ذلك أي حد المسجد بحجارة ، وعبارة يحيى : وقد صمد بحجارة تحت الحصباء ، منها أرفة عند الأسطوان التي بين أسطوان التوبة وبين القبر في صف الأسطوان التي لها نجاف ، ومن المغرب مثل ذلك بأرفة حجارة في الأرض مبنية ، وترك مما يلي الشام لم يزد فيه ، انتهى كلام ابن زبالة بحروفه.

وقوله : «ومن المغرب مثل ذلك» أي ظهر الحد بأرفة حجارة في الأرض ، ولا أدري معنى قوله بأرفة(٢) .

وذكر ابن زبالة أيضا في موضع آخر ذرع مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي كان في زمنه ، يعني ما استقر عليه في آخر الأمر ، ثم قال : وحده من شرقي المنبر أربع أساطين ، ومن غربيه أربع أساطين ، انتهى.

والعجب من ابن النجار فمن بعده من المؤرخين حيث لم يتعرضوا لهذا ، لكن ابن النجار اعتذر في أول كتابه بأنه كان مجاورا بالمدينة ، ولم تكن كتبه حاضرة عنده ، وذكر ما يقتضي أنه كتب ذلك مما علق بفكره ، والمطري جرى على منواله ، وابن زبالة ويحيى عمدة في ذلك ؛ فإنهما أقدم من أرخ للمدينة لأن ابن زبالة هو محمد بن الحسن أحد أصحاب الإمام مالك بن أنس ، ويؤخذ من كلامه أنه وضع كتابه في صفر سنة تسع وتسعين ومائة ، وأما يحيى فهو من أصحاب أصحابه ، وكانت وفاته سنة سبع وسبعين ومائتين عن ثلاث وستين سنة ، وأما ابن شبة فكان معاصرا ليحيى وقبله بيسير ، ولم أظفر من كتابه بهذا المحل المشتمل على ذكر المسجد ، ولو ظفرت به لكان الشفاء ؛ فإنه يوضح الأمور إيضاحا تاما ، وهو إمام ثقة ، وابن زبالة وإن كان ضعيفا لكن اعتضد بموافقة يحيى له وروايته لكلامه من غير تعقيب.

ثم ظفرت في كلام المرجاني نقلا عن المحاسبي بما يوافق كلامه ؛ فهو العمدة عندي.

قال المرجاني : قال الحارث بن أسد المحاسبي : حد المسجد الأول ستة أساطين في عرضه عن يمين المنبر إلى القناديل التي حذاء الخوجة ، وثلاث سوار عن يساره من ناحية المنحرف منه ، ومنتهى طوله من قبلته إلى مؤخره حذاء تمام الرابع من طيقان المسجد

__________________

(١) النجاف : الناتئ المشرف على الشيء.

(٢) الأرفة : علامة تنصب ، تبين الحدّ بين الأرضين.


اليوم : أي في زمنه ، وما زاد على ذلك فهو خارج عن المسجد الأول ، قال ـ يعني المحاسبي ـ وقد روى عن مالك أنه قال : مؤخر المسجد بحذاء عضادة الباب الثاني من الباب الذي يقال له باب عثمان ، أعني العضادة الآخرة السفلى ، وهو أربع طيقان من المسجد ، ثم قال : والروضة ما بين القبر والمنبر ، إلى آخر ما قدمناه عنه.

وقوله «عن يمين المنبر» أي في جهة المشرق ، لما سبق عنه خلاف ما تقدم في كلام ابن زبالة ، فإنه عنى يمين مستقبل المنبر ، والطيقان التي ذكرها لها ذكر في كلام ابن زبالة ويحيى كما تقدم ، وهي غير موجودة اليوم ، والباب الثاني من باب عثمان هو المعروف اليوم بباب النساء ؛ فهو صريح في رد ما تقدم من تحديد جهة الشام بالحجرين الموجودين اليوم في صحن المسجد ، ومؤيد للرواية المتقدمة في الذرع ، وهي رواية مائة ذراع في مائة ذراع ؛ لأنه يقرب من ذلك.

وقد تحصلنا من هذا مع ما تقدم عن المتأخرين على خلاف في نهاية المسجد النبوي من جهة المغرب.

فأحد الأقوال : أنه إلى الأسطوانة التي تلي المنبر من تلك الجهة ، وهو الذي عوّل عليه ابن النجار ومن اتبعه.

والثاني : أنه إلى التي تليها ، وهي الثانية من المنبر من تلك الجهة أيضا ، وهما بعيدان.

والثالث : أنه إلى الأسطوانة الثالثة من المنبر في تلك الجهة ، وقد اقتضى كلام ابن زبالة أن ذلك حد المسجد قبل زيادة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه ، خلاف ما يظهر من كلام المحاسبي.

والرابع : أنه إلى الأسطوانة الرابعة من المنبر ؛ لما تقدم من أنه كان على ثلاثة أساطين عن يمين المنبر ؛ فيكون جداره الغربي في موضع الأسطوانة الرابعة في صفها من جهة القبلة أسطوان مربع من أسفله عن الأرض بقدر الجلسة ، وفي صفه من جهة الشام أسطوان محراب الحنفية المحدث.

والخامس : أنه إلى الأسطوانة الخامسة من المنبر ؛ لما تقدم من أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم زاد فيه بعد فتح خيبر من جهة المغرب بقدر أسطوان آخر ، كما يؤخذ مما تقدم ، ولما صرح به ابن زبالة كما قدمناه أيضا حيث قال في حده : وعن غربيه أربع أساطين ؛ فينتهي حده إلى الأسطوانة الخامسة من المنبر ، وهي التي تلي الأسطوانة المذكورة في جهة المغرب في صفها ، وهي مربعة من أسفلها بقدر الجلسة أيضا ، وفي صفها من جهة الشام الأسطوان التي تلي محراب الحنفية من جهة المغرب ، فهاتان المربعتان هما اللتان يتردد فيما يكون منهما في موازاة حد المسجد النبوي من جهة المغرب ، وقد ذهب تربيعهما في العمارة


المتجددة في زماننا بعد الحريق ؛ والمربعة الثانية ـ أعني الخامسة من المنبر ـ هي التي يترجح عندي أيضا ؛ لأن تجاهها في حائط القبلة طراز آخذ من السقف نازل إلى العصابة السفلى الظاهرية ، لكنه انقشر بعضه عند إصلاح العصابة العليا وتبييض الجدار في العمارة التي أدركناها أولا ، وذهب منه ما كان بين العصابتين ، وبعض ما فوق العليا ، وبقي منه ما بين العصابة العليا والسقف ، ثم ذهب بقيته في الحريق الحادث في زماننا ، وبقي موضعه أصباغ ملونة في الجدار من صناعة الأقدمين ، وقد ذهب ذلك عند هدم الجدار القبلي ؛ فالظاهر أنه علامة نهاية المسجد النبوي من هذه الجهة ، خلاف ما سيأتي عن المطري في جعله علامة لنهاية زيادة عثمانرضي‌الله‌عنه ؛ لوجوه : الأول : أني ذرعت من الأسطوان التي المنبر إلى الأسطوان المحاذية لهذا الطراز ؛ فكان ذلك سبعا وثلاثين ذراعا ، فإذا أضفنا ذلك إلى الذرع المتقدم فيما بين الأسطوان التي تلي المنبر وبين الحجرة الشريفة ، وهو نحو الستين ذراعا كما تقدم ، قارب ذلك المائة التي تقدمت الرواية بها.

الثاني : أنه يبعد أن يجعل هذا الطراز لزيادة عثمانرضي‌الله‌عنه كما زعمه المطري ، ويترك التعليم للمسجد الأصلي والاعتناء به أشد. وقد قال ابن زبالة : إن له علامات في الفسيفساء ، والظاهر أن الفسيفساء لما زالت جعل هذا بدلها.

الثالث : أنه سيأت أن عمر لما زاد في المسجد جعل عرضه مائة وعشرين ذراعا ، وأنه لم يزد فيه من جهة المشرق شيئا ؛ فيكون نهاية المسجد في زمنه من جهة المشرق الحجرة الشريفة ، وقد علمت أن من الحجرة الشريفة إلى ما يحاذي الطراز المذكور ينقص عن المائة ، فكيف يكون نهاية زيادة عثمان؟ وعثمان قد زاد أسطوانا من جهة المغرب على زيادة عمر ، فلو كان ذلك الطراز نهاية زيادة عثمان لزم أن يكون عرض المسجد في زمن عمر نحو التسعين ، ولا قائل به.

الرابع : أنه سيأتي أن عثمانرضي‌الله‌عنه لم يزد في جهة المغرب غير أسطوانة واحدة ، وأن زيادة الوليد من المغرب أسطوانتان ، ولا شك أن من الأسطوانة التي تحاذي الطراز المذكور إلى جدار المسجد الغربي خمس أساطين ، فإذا سقط منها ثلاث أساطين لعثمانرضي‌الله‌عنه وللوليد بقي أسطوانتان لزيادة عمررضي‌الله‌عنه ، وهما يقربان من عشرين ذراعا التي زادها عمررضي‌الله‌عنه على المائة كما سيأتي.

الخامس : أن موضع المنبر لم يغير كما سيأتي ، ويبعد كل البعد أن يجعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم موضع منبره في طرف مسجده ولا يتوسط أصحابه في حال قيامه.

السادس : أنه سيأتي أن عمررضي‌الله‌عنه زاد في المسجد شيئا من دار العباس وأن


ما بقي منها زاد عثمانرضي‌الله‌عنه بعضه ، وما بقي دخل في دار مروان بن الحكم.

وروى يحيى في قصة زيادتها ما يصرح بأنها كانت ملاصقة بجدار المسجد النبوي ، بل روي أنه كان لها ميزاب يصب فيه ، وقد نقل يحيى أنها كانت فيما بين الأسطوان المربعة التي تلي دار مروان بن الحكم ، أي والباب الذي يلي دار مروان بن الحكم ؛ لما تقدم من دخول بعضها في دار مروان ؛ فوجب أن تكون المربعة المذكورة أول دار العباس وآخر المسجد النبوي.

السابع : ما قدمناه من أن المربعة الغربية إذا أطلقت ، فالمراد بها الأسطوانة التي كانت ركن صحن المسجد في المغرب عند نهاية المسقف القبلي قبل زيادة الرواقين الآتيين فيه ، وهي المثمنة اليوم ؛ فهي المرادة بما تقدم عن الجمهور من أن المسجد النبوي كان إلى الفرضتين اللتين في الأسطوانتين اللتين دون المربعتين الغربية والتي في القبر كما نقله ابن زبالة ، ولا شك أن الأسطوانة الخامسة من المنبر في جهة المغرب دون المربعة المذكورة ؛ لأن المربعة المذكورة هي السادسة من المنبر ، فوضح أنها المراد بذلك ، فيكون الجمهور على رواية أن المسجد كان مائة في مائة ، ومما يرجح هذه الرواية أيضا ما تقدم عن المحاسبي من تحديد مؤخر المسجد الأول نقلا عن مالك بعضادة الباب الثاني من باب جبريل ـ وهو باب النساء ـ وما سيأتي من أن باب الرحمة ـ ويعرف بباب عاتكة ـ لم يغيره عمررضي‌الله‌عنه ، يعني أنه نقله فأخره فقط وجعله في تجاه الباب الأول ، لأنه زاد في المسجد من جهة المغرب ، وبين باب الرحمة وبين الحجرين اللذين ذكر أنهما حد المسجد من جهة الشام تفاوت ظاهر ؛ لتأخره عن موازاتهما كثيرا ، وكأنهما إنما جعلا هناك تميزا لفوهتي بالوعة عندهما الحجران المذكوران هناك ؛ فالذي يترجح في النقد رواية المائة وما ذكرناه من التحديد ، ويحتمل أن ابن النجار لما رأى اختلاف الروايات أراد الأخذ بالأقل لأنه المحقق فذكر التحديد المتقدم ، وتبعه من بعده ، على أنه اعتذر في أول كتابه بغيبة كتبه ، وأن الحفظ قد يزيد وينقص ، ولما اتضح ذلك للمقر الشجاعي شاهين الجمالي ناظر الحرم الشريف النبوي وشاد عمائره وشيخ خدامه اتخذ لأعالي الأسطوانة الخامسة من المنبر من صف الأساطين التي في قبلة المنبر طرازا متصلا بالسقف منقوشا فيه أن ذلك هو الذي استقر عليه الأمر في نهاية المسجد النبوي وحده ، فالله تعالى يوفقه للمداومة على حفظ الحدود ، ويلحقه بالمقر بين الشهود.

ويتفرع على ذلك مسألة ذكرها النووي فقال في شرح مسلم والمناسك وغيرهما : إن الصلاة إنما تتضاعف في المسجد الذي كان في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم دون بقية الزيادات ، ولم يحك غيره ، لكن الخطيب بن حملة نقل عن المحب الطبري أن المسجد المشار إليه في حديث


المضاعفة هو ما كان في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مع ما زيد فيه ، لأخبار وآثار وردت في ذلك ، واستحسنه ابن حملة على ما ذهب إليه النووي في كتبه من التخصيص ، مع أن البرهان ابن فرحون نقل في شرحه لابن الحاجب الفرعي أنه لم يخالف في هذه المسألة غير النووي ، وأن الشيخ محب الدين الطبري نقل في كتابه الإحكام أن النووي رجع عن ذلك ، قال : ونقل أبو عبد الله بن فرحون في شرح مختصر الموطأ أنه وقف على كتاب من كتب المالكية فيه أن مالكا سئل عن ذلك فقال : ما أراهعليه‌السلام أشار بقوله : «في مسجدي هذا» إلا لما سيكون من مسجده بعده ، وأن الله أطلعه على ذلك ، انتهى.

قلت : أما قوله «إنه لم يخالف في ذلك إلا النووي» فممنوع ؛ فقد نقل ذلك ابن الجوزي في الوفاء عن ابن عقيل الحنبلي ، وأما ما نقله عن الإحكام للطبري فقد راجعتها فرأيته ترجم لبيان أن مسجدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المشار إليه بالتفضيل هو الموجود في زمنه مع ما زيد فيه ، وأورد بعض الأخبار الآتي ذكرها في آخر الفصل الثاني عشر ، ثم قال : وقد يتوهم بعض من لم يبلغه ذلك قصر الفضيلة على الموجود في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لمكان الإشارة ، وقد وقع ذلك لبعض أئمة العصر ، فلما رويت له ما سبق جنح إليه وتلقاه بالقبول ، انتهى.

فكأن ابن فرحون فهم أن المراد من قولهم «بعض أئمة العصر» النووي.

وأما ما حكاه عن مالك فقد نقله الأقشهري في روضته عن عبد الله بن نافع صاحب مالك عن مالك ، ولفظه في أثناء كلام : قيل له ـ أي لمالك ـ فحد المسجد الذي جاء فيه الخبر هو على ما كان في عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو على ما هو الآن؟ قال : بل هو على ما هو الآن ، قال : لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أخبر بما يكون بعده ، وزويت له الأرض فأري مشارقها ومغاربها ، وتحدث بما يكون بعده ، فحفظ ذلك من حفظه في ذلك الوقت ، ونسي ذلك من نسيه ، ولو لا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون المهديون أن يزيدوا فيه بحضرة الصحابة ولم ينكر عليهم ذلك منكر ، انتهى.

قلت : ومتمسك من ذهب إلى التخصيص الإشارة في قوله «مسجدي هذا» ولعلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إنما جاء بها ليدفع توهم دخول سائر المساجد المنسوبة إليه بالمدينة غير هذا المسجد ، لا لإخراج ما سيزاد فيه ، وقد سلّم النووي أن المضاعفة في المسجد الحرام تعم ما زيد فيه ، فليكن مسجد المدينة كذلك ، كما أشار إليه ابن تيمية ، قال : وهو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين وعملهم ، وكان الأمر عليه في عهد عمر وعثمانرضي‌الله‌عنهما ، فإن كلّا منهما زاد في قبلة المسجد ، وكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه ، ويمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده ، وأن يكون الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده ، قال :


وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا ، إلا أن بعض المتأخرين ذكر أن الزيادة ليست من مسجده ، وما علمت له سلفا في ذلك.

وسيأتي في زيادة عمر بن الخطاب ما ورد من الأخبار والآثار المقوية لذلك وليست مسألة الحلف على أن لا يدخل هذا المسجد فزيد فيه من هذا القبيل ، لأن الأيمان مبناها على العرف.

الفصل الثالث

في مقامه الذي كان يقوم بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الصلاة قبل تحويل القبلة ،

وبعد ما جاء في تحويلها

روينا في البخاري عن البراء بن عازبرضي‌الله‌عنه قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة ، فأنزل الله تعالى :( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ) [البقرة : ١٤٤] فتوجه نحو الكعبة وقال السفهاء من الناس وهم اليهود :( ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [البقرة : ١٤٢] فصلى مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم رجل ، ثم خرج بعد ما صلى ، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس فقال : هو يشهد أنه صلّى مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنه توجه نحو الكعبة ، فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة.

وأسند يحيى عن ابن عباس قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا وقف يصلي انتظر أمر الله في القبلة ، وكان يفعل أشياء مما لم يؤمر بها ولم ينه عنها من فعل أهل الكتاب ، قال : فبينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلّي ، فأشار له جبريل : يا محمد صلّ إلى البيت ، وصلّى جبريلعليه‌السلام إلى البيت ، قال : فدار النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى البيت ، قال : فأنزل الله تعالى :( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ) إلى( وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) [البقرة : ١٤٤] قال : فقال المنافقون : حن محمد إلى أرضه وقومه ، وقال المشركون : أراد محمد أن يجعلنا له قبلة ، وأن يجعلنا له وسيلة ، وعرف أن ديننا أهدى من دينه ، وقالت اليهود للمؤمنين : ما صرفكم إلى مكة وتركتم قبلة موسى ويعقوب والأنبياء؟ والله ما أنتم إلا تعبثون ، وقال المؤمنون : لقد ذهب منا قوم ماتوا ما ندري أكنّا نحن وهم على قبلة أم لا؟ فأنزل الله تعالى في ذلك :( سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ) إلى قوله :( إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) [البقرة : ١٤٢ ـ ١٤٣].

وروى ابن زبالة عن عثمان بن عبد الرحمن قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا وقف يصلي انتظر أمر الله في القبلة ، وكان يفعل أشياء مما لم يؤمر بها ولم ينه عنها من فعل أهل


الكتاب ، فبينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي الظهر في مسجده قد صلّى ركعتين إذ نزل عليه جبريل فأشار إليه أن صلّ إلى البيت ، وصلّى جبريل إلى البيت ، وذكر نحو ما تقدم.

وأسند يحيى عن رافع بن خديج قال : صلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين ، وأمر أن يوجّه إلى المسجد الحرام ، فاستدار ، قال رافع : فأتانا آت ونحن نصلي في بني عبد الأشهل فقال : إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أمر أن يوجه إلى الكعبة ، قال : فأدارنا إمامنا إلى الكعبة ودرنا معه.

وعن ابن عمر قال : بينما نحن في صلاة الصبح بقباء جاءهم رجل فقال : إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، ألا فاستقبلوها ، وكانت قبلة الناس إلى الشام ، فاستداروا وتوجّهوا إلى الكعبة ، وهو في الصحيحين بلفظ : كانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة ، وفي لفظ : كانوا ركوعا في صلاة الصبح.

وعن عثمان بن محمد بن الأخنس أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى بأصحابه فيه ـ يعني في مسجد القبلتين ـ الظهر ، فلما صلّى ركعتين أمر أن يوجه إلى الكعبة ، فاستدار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الكعبة ، واستقبل الميزاب.

وعنه أيضا نحوه ، وأن الفريضة كانت الظهر ، وأنها يومئذ كانت أربع ركعات.

وعن سعيد بن المسيب قال : صلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا ، وصرفت القبلة قبل بدر بشهرين ، والثبت عندنا أنها صرفت في الظهر في مسجد القبلتين.

وفي رواية أخرى عنه : صلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد أن قدم المدينة نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ، ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين.

وعن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده قال : صرفت القبلة يوم الإثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا.

وفي مسلم عن البراء بن عازب : صلّيت مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا حتى نزلت الآية التي في البقرة :( وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) [البقرة : ١٤٤] فنزلت بعد ما صلّى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فانطلق رجل من القوم فمر بناس من الأنصار وهم يصلون ، فحدثهم بالحديث ، فولّوا وجوههم قبل البيت.

تاريخ تحويل القبلة

وفي رواية له عنه أيضا : ستة عشر شهرا ، أو سبعة عشر شهرا ، على الشك.

وعند الزمخشري : صرفت القبلة ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في مسجد بني سلمة ـ يعني مسجد


القبلتين ـ وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر ، فتحول في الصلاة ، واستقبل الميزاب ، وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال.

وروى ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق تويلة بنت أسلم قالت : صليت الظهر والعصر في مسجد بني حارثة ، فاستقبلت مسجد إيلياء ، فصلينا سجدتين : أي ركعتين ، ثم جاءنا من يخبرنا أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قد استقبل البيت الحرام ، فتحول النساء مكان الرجال ، والرجال مكان النساء ، فصلينا السجدتين الباقيتين إلى البيت الحرام.

قال الحافظ ابن حجر : وهذه القصة المرادة بقوله في الحديث المتقدم «فمر على قوم من الأنصار يصلون في صلاة العصر نحو بيت المقدس» فهؤلاء القوم هم بنو حارثة ، والمار عباد بن بشر ، ووصل الخبر وقت الصبح إلى أهل قباء ، فلا منافاة بين الحديثين.

وسيأتي في مسجد القبلتين أن ابن زبالة نقل أن القبلة صرفت ونفر من بني سلمة يصلون الظهر في مسجد القبلتين ، فأتاهم آت فأخبرهم وقد صلوا ركعتين فاستداروا حتى جعلوا وجوههم إلى الكعبة ، فبذلك سمي مسجد القبلتين.

قال المجد : فعلى هذا كان مسجد قباء أولى بهذه التسمية.

مدة الصلاة إلى بيت المقدس

وعند أبي القاسم القشيري في لطائف التفسير : صلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى بيت المقدس بعد قدومه المدينة مهاجرا ستة عشر شهرا عن قتادة ، وقيل : سبعة عشر شهرا عن ابن عباس ، وقال أنس : كان تسعة أشهر أو عشرة أشهر ، وقال معاذ بن جبل : ثلاثة عشر شهرا استمالة لقلوب اليهود أن يصلي إلى قبلتهم ربما يرغبون في دينه ، ثم إنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كره موافقتهم في أمر القبلة لما قالوا : لو لا أن ديننا حق لما صلّى إلى قبلتنا ، ولما استن بسنتنا ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وسلم لجبريل : وددت أن ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها ، فقال جبريل : إنما أنا ملك عبد ، لا أملك شيئا ، فسل ربك ، فصعد جبريل السماء ، وخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الصحراء نحو أحد يصلي هاهنا ركعتين وهاهنا ركعتين ، ويدعو الله أن يجيز له في ذلك ، فلم يزل كذلك يديم النظر إلى السماء ، حتى دخل ناحية أحد ، فأنزل الله تعالى في رجب بعد زوال الشمس قبل الظهر :( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ) [البقرة : ١٤٤] الآية ، وصرفت القبلة ، وذلك قبل بدر بشهرين ، وفي السير لابن حبان : حولت بعد سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام ، وحديث البراء المتقدم رواه ابن خزيمة في صحيحه «ستة عشر شهرا» على الجزم كرواية مسلم الأولى ، وقال الشيخ شرف الدين الدمياطي : حوّلت القبلة نصف رجب بعد خمسة عشر شهرا ونصف ، ونقل النووي في سير الروضة عن محمد بن حبيب الهاشمي أن التحويل يوم الثلاثاء النصف من شعبان من السنة الثانية. ونقل المجد عن ابن


حبيب أنها حوّلت في النصف من شعبان في الركعة الثالثة ، وقيل : في صلاة العصر. وعند النحاس بعد بضعة عشر شهرا. وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك : صرفت في جمادى ، قال : وهو أولى الأقوال بالصواب. وقال ابن جرير عن معاذ : بعد ثلاثة عشر شهرا من مقدمه المدينة ، قال : وعن أنس عشرة أو تسعة أشهر ، انتهى ما نقله المجد.

وقال ابن سعد : يقال : إنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين ، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام ، فاستدار ودار معه المسلمون ، ويقال : زار النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أمّ بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة وصنعت له طعاما ، وحانت الظهر فصلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأصحابه ركعتين ، ثم أمر فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب ، فسمي مسجد القبلتين. قال ابن سعد : قال الواقدي : هذا أثبت عندنا.

أول صلاة إلى الكعبة

وفي الصحيح أن أول صلاة صلاها ـ أي متوجها إلى الكعبة ـ صلاة العصر.

قال الحافظ ابن حجر : التحقيق أن أول صلاة صلاها في بني الظهر ، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر. قال : وأسانيد الروايات المتقدمة ـ أعني رواية ثلاثة عشر شهرا وتسعة عشر شهرا ونحوها ـ شاذة. قال : وأما رواية الصحيح فطريق الجمع بين رواية سبعة عشر شهرا وستة عشر ، ورواية الشك في ذلك : أن من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا ، وألغى الأيام الزائدة ، ومن جزم بسبعة عشر شهرا عدهما معا ، ومن شك تردد في ذلك ، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف ، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح ، وبه جزم الجمهور ، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس ، وقول ابن حبان : «سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام» مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأول.

وقال الربيع : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في ابتداء الهجرة مخيرا في التوجه إلى بيت المقدس أو الكعبة ، إلا أنه أمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس ، فكان التوجه إليه فرضا ، وإن كان مخيرا فيه كالمخير في كفارة اليمين أي واحد اختار فهو فرض عليه ، وقال ابن عباس : بل كان الفرض التوجه إلى بيت المقدس ثم نسخ.

وقال ابن العربي وغيره : نسخت القبلة مرتين.

إلى أيّ جهة كانت الصلاة بمكة قبل الهجرة؟

وقال ابن رشد في البيان : ولم يختلف في أن صلاتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كانت بالمدينة إلى بيت المقدس حتى حولت القبلة ، وإنما اختلف في صلاته بمكة قبل قدومه المدينة ، فروى أنها كانت إلى الكعبة ، وروى أنها كانت إلى بيت المقدس ، وروى أنه كان يصلي إلى بيت


المقدس والكعبة بين يديه ـ أي بين الركنين اليمانيين ـ وحكى ابن عبد البر الاختلاف في صلاتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكة : هل كانت إلى الكعبة ، أو بيت المقدس؟ ثم قال : وأحسن من ذلك قول من قال : كان يصلي بمكة مستقبل القبلتين يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس.

وروى الطبري وغيره عن ابن عباس قال : لما هاجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى المدينة واليهود أكثر أهلها يستقبلون بيت المقدس أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها سبعة عشر شهرا ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم ، فكان يدعو وينظر إلى السماء فنزلت ، وهو ظاهر في أن استقبال بيت المقدس كان بوحي ، لا باجتهاد من النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنه إنما وقع بعد الهجرة ، لكن أخرج أحمد عن ابن عباس : «كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه» فيجمع بأنه لما هاجر أمر بأن يستمر على الصلاة لبيت المقدس.

وروى الطبري أيضا من طريق ابن جريح قال : صلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أول ما صلّى إلى الكعبة ، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة ، وصلّى ثلاث حجج ، وهاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا ، ثم وجّهه الله إلى الكعبة.

كيف حرّرت قبلة مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟

وقال ابن النجار : وصلّى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه ـ أي : في مسجده ـ إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا ، ثم أمر بالتحول إلى الكعبة ، فأقام رهطا على زوايا المسجد ليعدل القبلة ، فأتاه جبريلعليه‌السلام فقال : يا رسول الله ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة ، ثم قال بيده هكذا ، فأماط كل جبل بينه وبينها ، فوضع القبلة وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون نظره شيء ، فلما فرغ قال جبريلعليه‌السلام هكذا ، فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها ، وصارت قبلته إلى الميزاب.

وأسند يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن الخليل بن عبد الله الأزدي عن رجل من الأنصار أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أقام رهطا على زوايا المسجد ليعدل القبلة ، فأتاه جبريلعليه‌السلام فقال : يا رسول الله ، ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة ، ثم قال بيده هكذا ، فأماط كل جبل بينه وبين القبلة ، فوضع تربيع المسجد وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون نظره شيء ، فلما فرغ قال جبريلعليه‌السلام بيده هكذا ، فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها ، وصارت قبلته إلى الميزاب.

وعن نافع بن جبير من طرق مرفوعا : ما وضعت قبلة مسجدي هذا حتى رفعت إليّ الكعبة فوضعتها أؤمها.

وعن ابن عجلان قال : وضع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قبلة مسجده وجبريل قائم ينظر إلى الكعبة ، ثم كشف له ما بينه وبينها.


وعن ابن شهاب مرفوعا : ما وضعت قبلة مسجدي هذا حتى فرج لي ما بيني وبين الكعبة فوضعتها أؤمها.

وأسند العراقي في ذيله من طريق أبي علي بن شاذان بسنده عن إبراهيم بن دينار عن مالك بن أنس عن زيد بن أنس عن زيد بن أسلم قال : قال ابن عمر : وضع جبريلعليه‌السلام القبلة لرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمدينة ، تفرد به عن مالك ومحمد بن إبراهيم ـ قلت : وهو ثقة.

وفي العتبية : قال مالك : سمعت أن جبريلعليه‌السلام هو الذي أقام لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قبلة المسجد مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مسجد المدينة ، انتهى.

وأسند ابن زبالة عن أبي هريرة قال : كانت قبلة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الشام ، وكان مصلاه الذي يصلي فيه بالناس إلى الشام في مسجده أن تضع موضع الأسطوان المخلّق اليوم خلف ظهرك ثم تمشي إلى الشام ، حتى إذا كنت بيمنى باب آل عثمان كانت قبلته ذلك الموضع.

قال الذهبي : هذه القبلة كانت في شمالي المسجد ، فلما حولت القبلة بقي حائط القبلة الأولى مكان أهل الصفة ، انتهى. والأسطوانة المخلقة هي التي تدعى أسطوان عائشةرضي‌الله‌عنها فيما قاله المطري ، وسيأتي ما نقله ابن زبالة فيها من أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم صلى إليها المكتوبة بضعة عشر يوما بعد أن حولت القبلة ، ثم تقدم إلى مصلّاه الذي وجاه المحراب في الصف الأوسط ، هذا لفظه بحروفه.

وقوله : «وجاه المحراب» يريد المحراب العثماني الكائن في جدار القبلة.

وقال المطري : إن الحائط القبلي ـ أي الأول ـ كان محاذيا لمصلى النبي (؛ لما ورد أن الواقف في مصلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تكون رمانة المنبر الشريف حذو منكبه الأيمن ، قال : فمقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يغير باتفاق ، وكذلك المنبر لم يؤخر عن منصبه الأول : أي من جهة القبلة ؛ لما سيأتي أنه زيد فيه من جهة الشام ، قال : وإنما جعل هذا الصندوق الذي قبالة مصلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سترة بين المقام وبين الأسطوانات ، انتهى.

وسيأتي في ذكر الجذع الذي كان يخطب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إليه اختلاف في محله : هل هو عن يمين المصلى الشريف أو عن يساره لجهة القبر الشريف؟

وسيأتي ما عبر به ابن النجار في حكاية الرواية الأولى حيث قال : كان في موضع الأسطوانة المخلّقة التي عن يمين محراب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عند الصندوق والرواية الثانية هي المرادة بما أسنده يحيى عن ابن أبي الزناد وغيره من علماء المدينة أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يخطب إلى جذع في المسجد كان موضعه عند الأسطوانة المخلقة التي تلي القبر : أي في جهة القبر التي عن يسار الأسطوانة المخلقة التي كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي عندها التي هي عند الصندوق ، هذا لفظه ، والغرض من إيراده هنا قوله : «التي عن يسار الأسطوانة المخلقة


إلى آخره» فهذه الأسطوانة المشار إليها ـ أعني التي كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي إليها ـ هي التي عن يمين الواقف في المصلى الشريف من جهة القبلة ، وعلم أن وضع الصندوق هناك كان من الزمن القديم ، لكنه كان صندوق مصحف كما سيأتي ، ووصفها بالمخلقة لا يشكل عليك بما اشتهر من وصف أسطوانة المهاجرين ـ وهي أسطوانة عائشة ـ بالمخلقة ، فالوصف بالمخلقة يطلق على أساطين متعددة كما سنوضحه ، ولهذا اشتمل هذا الكلام على وصف كل من هاتين الأسطوانتين بهذا الوصف.

ونقل المرجاني أن في العتبية ما لفظه : أحب مواضع التنفل في مسجد رسول الله مصلاه حيث العمود المخلق ، انتهى.

وقال ابن القاسم : أحب مواضع الصلاة في مسجدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في النفل العمود المخلق ، وفي الفرض في الصف الأول ، قال ابن رشد : في كون العمود المخلق كان قبلة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو أقرب إلى قبلتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قول ابن القاسم وسماعه.

قلت : وهو دال على أن العمود المخلق هو الذي عند المصلى الشريف ، ولهذا روى ابن وهب عن مالك أنه سئل عن مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقيل له : أي المواضع أحب إليك الصلاة فيه؟ قال : أما النافلة فموضع مصلاه ، وأما المكتوبة فأول الصفوف ، انتهى. فعبر هنا عن العمود المخلق بمصلاه. ورأيت في جامع العتبية من البيان لابن رشد ما لفظه : قال مالك : ليس العمود المخلق قبلة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقبلة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم هو حذو قبلة الإمام ، وإنما قدمت القبلة حذو قبلة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم سواء.

قال ابن رشد عقبه : وقد مر في كتاب الصلاة عن ابن القاسم أن مصلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم هو العمود المخلق ، خلاف قول مالك هنا ، انتهى. وقول مالك : «وإنما قدمت القبلة» يشير به إلى المحراب الذي في جدار القبلة بزيادة عثمانرضي‌الله‌عنه ، وهذا الذي ذكره يكاد أن يكون قطعيا ، وليس مراد ابن القاسم إلا أن العمود المخلق أقرب شيء إلى قبلة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيعرف به ، ولهذا نقل ابن النجار عن مالك ما يقتضى أن الأسطوانة المذكورة علم لمصلّى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ فإنه قال : قال مالك بن أنس : أرسل الحجاج بن يوسف إلى أمهات القرى بمصاحف ، فأرسل إلى المدينة بمصحف منها كبير ، وكان في صندوق عن يمين الأسطوانة التي عملت علما لمقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وقال ابن زبالة فيما سيأتي عنه : إن الخيزران لما أمرت بأن تخلق المسجد أشار عليهم إبراهيم بن الفضل فزادوا في خلوق أسطوانة التوبة والأسطوان التي هي علم عند مصلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فخلقوهما حتى بلغوا بهما أسفلهما ، وزادوا في الخلوق في أعلاهما ، انتهى. وقد توهم جماعة أن المراد من كلام ابن القاسم ، وما نقل عن مالك ، الأسطوانة


المعروفة اليوم بالمخلقة ، وهي التي بأوسط الروضة ، وهو مردود ؛ لأن الأسطوانة المذكورة ليست علما على مصلى الرسولعليه‌السلام اتفاقا ، ومنشأ الوهم ظنهم اختصاصها بوصف المخلقة ، وممن اعتقد ذلك الحافظ ابن حجر فقال في الكلام على قول يزيد بن عبيد : «كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف» ما لفظه : هذا دال على أنه كان للمصحف موضع خاص به ، ووقع عند مسلم بلفظ : يصلي وراء الصندوق ، وكأنه كان للمصحف صندوق يوضع فيه ، قال : والأسطوانة المذكورة حقق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسطة في الروضة ، وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين ، وأسرت بها عائشة لابن الزبير ، ثم وجدت ذلك في تاريخ المدينة لابن النجار ، وذكره قبله محمد بن الحسن في أخبار المدينة ، هذا كلام الحافظ ابن حجر ، ومراده بمحمد بن الحسن ابن زبالة ، وليس في كلامه ولا في كلام ابن النجار ما يقتضي أن الأسطوانة التي عند الصندوق هي أسطوانة المهاجرين ، إلا من حيث وصف كل منهما بالمخلقة ، فتوهم اتحادهما ، وليس كذلك ، والله أعلم.

محراب المسجد النبوي ، ومتى صنع؟

وسيأتي أن المسجد الشريف لم يكن له محراب في عهدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا في عهد الخلفاء بعده ، وأن أول من أحدثه عمر بن عبد العزيز في عمارة الوليد ، وزعم الأقشهري في روضته أن مصلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في موضع الصندوق ، وفي موضعه اليوم المحراب المرخم المرتفع عن المصلى الشريف وبنائه ، فإنه قال ومن خطه نقلت : إنه قيل : إن منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يتغير تقديما ولا تأخيرا ؛ فالزيادة وقعت في المنبر شماليا لا غير ، وحد المنبر الأصلي اليوم مساوية مع مصلى الإمام ، ومصلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أمامه في موضع الصندوق اليوم فهو خارج عن حد المنبر ، انتهى. واستنتج من ذلك أن يكون ما حاذى الصندوق يمنة ويسرة ، قال : وهو مما زاده عمر روضة من رياض الجنة ، قال : لأن المصلى الشريف روضة بلا شك ، أي فما حاذاه كذلك ، وهو عجيب لم أر من سبقه إليه ، وما زعمه من أن حد المنبر ـ يعني من القبلة ـ مساو لمصلى الإمام اليوم ، يريد به أن نهاية مصلى الإمام اليوم مساوية لنهاية المنبر من جهة القبلة ، فإنه صور ذلك بخطه كما ذكرناه ، وكأنه توهم أن مصلاهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان في محراب بارز عن سمت المسجد ؛ لأنه جعل ما عن يمينه ويساره من زيادة عمررضي‌الله‌عنه ، ولم يقل به أحد ، مع أن ما زعمه من الاستواء لا يشهد له عقل ولا نقل ؛ لأن المنبر الذي كان في زمنه هو المنبر الذي كان في زمن المطري ، فإنهما متعاصران ، وقد سبق عن المطري في الفصل قبله أن بين المنبر والدرابزين الذي في القبلة مقدار أربع أذرع وربع ، وأنه اتضح لنا صحة ما قاله ، وذلك هو محل المنبر النبوي كما


سنوضحه ، وعرض الصندوق المذكور وما بعده إلى الدرابزين المذكور ذراعان ونصف راجح ، والمنبر الذي أدركناه أولا لم يكن بينه وبين الدرابزين القبلي سوى ثلاثة أذرع ونصف راجحة ، ومع ذلك فحد المنبر متأخر عن حد مصلى الإمام من جهة القبلة بنحو الذراع ، وعلى ما ذكره المطري ـ وهو الصواب ـ يكون متأخرا بأزيد من ذلك ، وذلك فيما يظهر هو القدر الوارد فيما كان بين المنبر والجدار القبلي ، وأوضح من ذلك في الرد عليه أن يحيى نقل في كتابه عن محمد بن يحيى صاحب مالك قال : وجدنا ذرع ما بين مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي كان بعهده إلى جدار القبلة اليوم الذي فيه المحراب عشرين ذراعا وربعا ، وهذه هي الزيادة التي زيدت بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم انتهى.

قال المراغي : وقد اعتبرته من وجه سترة مصلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى جدار القبلة فكان كذلك ، وبه يظهر أن المصلى الشريف لم يغير عن مكانه ، وأن الصندوق إنما جعل في مكان الجدار الأول ، انتهى.

وقد اعتبرت ما ذكره من جدار المسجد القبلي إلى طرف المصلى الشريف المحاذي لطرف صندوق السترة ، فكان ذلك إحدى وعشرين ذراعا ونصف وربع يرجح قيراطا ، فإذا أسقط من ذلك عرض الجدار ـ وهو ذراع ونصف راجح ـ كان الباقي عشرين ذراعا وربعا كما ذكره يحيى ، وقد علمت أن الصندوق المذكور له أصل قديم هناك ، فكيف يكون في موضع المصلى الشريف ولا ينبه عليه أحد؟ بل يذكرون ما يدل على خلافه ، بل كيف يمكنون من ذلك ، ويحرمون المسلمين التيمن بمكانه؟ هذا مما يكاد العقل يحيله.

وقال النووي في مناسكه ما لفظه : وفي إحياء علوم الدين أنه ـ أي : المصلى ـ يجعل عود المنبر حذاء منكبه الأيمن ، ويستقبل السارية التي إلى جانبها الصندوق ، وتكون الدائرة التي في قبلة المسجد بين عينيه ، فذلك موقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم انتهى.

قلت : وكأن المراد من استقبال السارية المذكورة جعلها عن جهة اليمين كما عليه وضع المصلى اليوم. وقد ذكر ابن زبالة هذه الأسطوانة ثم قال : حدثني إبراهيم بن محمد عن غير واحد منهم خارجة بن عبد الله بن كعب بن مالك قال : إذا عدلت عنها ـ أي عن الأسطوانة المذكورة ـ قليلا وجعلت الجزعة التي في المقام بين عينيك والرمانة التي في المنبر إلى شحمة أذنك قمت في مقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وكأن الرمانة المذكورة كانت في أعلى عمود المنبر النبوي ، ولذا عبر به في الإحياء.

وسيأتي أنه لما حفر بعد الحريق الثاني لتأسيس المنبر الرخام وجدوا محل المنبر الأصلي شبه حوض من حجر ، وفي جانبيه من المشرق والمغرب فرضتان منقورتان في الحجر بهما شيء من الرصاص بحيث لا يخفى على من أحاط علما بصفة المنبر النبوي


أنهما محل عموديه كانا محكمين بالرصاص فيهما ، وقد وقعت في المصلى الشريف مما يلي مؤخره ، وتأملت الفرضة التي مما تلي الروضة فوجدتها في محاذاة يميني ، فظهر أنها المرادة.

وأما الجزعة فذكر المطري أن هذه الجزعة كانت في المحراب القبلي المقابل للمصلى الشريف ، وأنها أزيلت منه ، قال : وما حققه الغزالي عند ذكر المصلى الشريف بقوله : «إذا وقف المصلى في مقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم تكون رمانة المنبر حذو منكبه الأيمن ويجعل الجزعة التي في القبلة بين عينيه فيكون واقفا في مصلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إنما كان قبل حريق المسجد ، وقبل أن يجعل هذا اللوح القائم في قبلة مصلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أي فإنه صار يحجب عن مشاهدة ما في المحراب القبلي ، قال : وإنما جعل بعد حريق المسجد ، قال : وكان يحصل بتلك الجزعة فتنة كبيرة وتشويش على من يكون بالروضة الشريفة من المجاورين وغيرهم.

وذلك أنه كان يجتمع إليها الرجال والنساء ، ويقال : هذه خرزة فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وكانت عالية لا تنال بالأيدي ، فتقف المرأة لصاحبتها حتى ترقى على ظهرها وكتفيها حتى تصل إليها ، فربما وقعت المرأة وانكشفت عورتها ، وربما وقعتا معا.

فلما كان سنة إحدى وسبعمائة جاور الصاحب زين الدين أحمد بن محمد المعروف بابن حنا المصري ، فرأى ذلك ، فاستعظمه وأمر بقلع الجزعة ، فقلعت ، قال : وهي الآن في حاصل الحرم ، ثم توجه إلى مكة في أثناء السنة فرأى أيضا ما يقع من الفتنة عند دخول البيت الحرام ، وتعلق الناس بعضهم ببعض ، وحمل النساء على أعناق الرجال للاستمساك بالعروة الوثقى في زعمهم ، فأمر بقلع ذلك المثال ، وزالت تلك البدعة أيضا ، ولله الحمد.

قلت : والظاهر أن هذه الجزعة هي التي ذكرها ابن جبير في رحلته في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة لما قدم المدينة ، قال : رأيت على المحراب مسمارا مثبتا في جداره فيه شبه حق صغير لا يعرف من أي شيء هو يزعمون أنه كأس كسرى ، وشاهدت على رأس المحراب حجرا مربعا أصفر قدر شبر في شبر ظاهر البريق والبصيص ، يقال : إنه مرآة كسرى ، والله أعلم بحقيقة ذلك كله ، انتهى.

ثم رأيت في العقد لابن عبد ربه ـ وهو أقدم من ابن جبير ـ أن على ترس يعني المحراب العثماني فضة ثابتة غليظة في وسطها مرآة مربعة ذكر أنها كانت لعائشةرضي‌الله‌عنها ، ثم فوقه إزار رخام فيه نقوش صفائح ذهب مثمنة فيها جزعة مثل جمجمة الصبي الصغير مسمرة ، ثم تحتها إلى الأرض إزار رخام مخلق بالخلوق فيه الوتد الذي كانصلى‌الله‌عليه‌وسلم يتوكأ عليه في المحراب الأول ، انتهى.


قلت : وقد سألت عن هذه الجزعة المتولى لأمر حاصل الحرم الشريف وخازن داره ـ وكان قديم الهجرة ـ وغيرهما فقالوا : إنه ليس عندهم بالحاصل شيء من ذلك ، ولعل ذلك ذهب فيما أخذه الأمير جماز عند كسر حاصل الحرم الشريف ، وقد وسع المحراب القبلي عما كان عليه وزيد في طوله بعد هدم الجدار القبلي بعد الحريق الثاني.

وقال ابن زبالة : إن ذرع ما بين المنبر ومقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي كان يصلي فيه حتى توفيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أربعة عشر ذراعا وشبرا.

قلت : وقد ذرعت ما بين المنبر الموجود قبل الحريق الثاني وأعلى الحفرة الذي ينزل منه إلى درجتها من ناحية مؤخر المصلى الشريف ، فكان أربعة عشر ذراعا ، وعرض الدرجة شبر راجح ؛ فصح ذلك ، وأما حده من جهة المشرق فسيأتي أن جعله على هذه الهيئة الموجودة اليوم أمر حادث.

وقد قال ابن زبالة : إن ذرع ما بين مصلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من مسجده الأول وبين أسطوان التوبة سبع عشرة ذراعا ، وأسطوان التوبة في جهة المشرق ، وقد ذرعت ما بينها وبين درجة الحفرة الشرقية فكانت ست عشرة ذراعا ، فعلمنا بذلك أن المصلى الشريف في جانب الحفرة الغربي ، وأن ما يلي المشرق منها ليس منه ، ويشهد له ما سبق من كلام مالك والإحياء لذكرهما السارية التي عندها الصندوق ، بل في خط الأقشهري في مصنفه في الزيادة ضبط قول ابن زبالة فيما بين المصلى الشريف وأسطوان التوبة تسع عشرة ذراعا ـ بتقديم التاء على السين ـ وقد ذرعت ما بين طرف أسطوان التوبة الشرقي وبين طرف الحفرة الغربي فكان كذلك.

ونقل الأقشهري أيضا عن أبي غسان أحد أصحاب مالك أن ما بين الحجرة الشريفة ومقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي كان يقوم فيه ثمانية وثلاثون ذراعا ، وأنا ما بينه وبين المنبر الشريف مثل ما سبق عن ابن زبالة ، وقد اختبرت ما بين طرف الحفرة الغربي ورخام جدار الحجرة الشريفة فكان ثمانية وثلاثين ذراعا ، فعلمنا أن المحاف عليه في حد المصلى الشريف هو طرف الحفرة الغربي ، ولم تكن هذه الحفرة في الزمن القديم ، ولهذا قال المجد : حكى ابن النجار الإجماع على أن المصلى الشريف لم يغير بتقديم وتأخير ، وإنما غيرت هيئته في هذا العصر الأخير بجعل المصلى شبه حفير أو حوض صغير منخفض عن موقف المأمومين نحو ذراع بسبب ترخيمه وتكاثر الرمل المفروش به الروضة.

قلت : وهو الآن شبه حوض مربع ينزل إليه بدرجة طوله ذراعان ونصف وثمن ، وعرضه ذراعان ونصف ونصف ثمن ، لكن زادوا في طوله في العمارة الحادثة بعد الحريق أرجح من نصف ثمن ذراع ونحوه في العرض.


قال البدر بن فرحون وغيره : وما زال العلماء الأئمة يتحرجون من ذلك ، وفي أيام القاضي السراج ـ وهو أول قاض ولي لأهل السنة ـ فمن بعده كانت ترفع تلك الحفيرة بالرمل حتى تزول الكراهة ، إلى أيام الشرف الأسيوطي ، فأراد طمس الحفرة أو رفعها وإزالة الخشب المنقوش أمامها الآتي ذكره ، فقام عليه بعض الناس من الخدام ، واستعانوا عليه بالأشراف ، فكف وانتقل عن المحراب ، وصار يصلي إلى الأسطوانة التي تقابل أسطوانة الوفود ـ أي من مقدم الروضة ـ ولزمها إلى أن مات ، وصار من الفقهاء من يرفع الكراهة بما يحصل من القرب إلى مقامهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وموضع قدمه ، وهذه نزغة ؛ فقد كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه في الموقف سواء ، فمن خالف سنته بالهوى فقد غوى.

قلت : وهذه الحفرة بعيدة من موقف النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لعلو الأرض ؛ لما سيأتي عن البدر بن فرحون أنهم وجدوا عند تجديد المنارة التي بباب السلام باب مروان وتحصيب المسجد الشريف القديم بعد حفر قامة ، ولما اتضح لنا في العمارة الآتي ذكرها ؛ فقد اعتبرت أرض الحجرة الشريفة وأرض المسجد ، فكان بينهما من التفاوت ذراعان ونصف وأزيد ، لكن مقتضى ما ظهر من الرخام الذي وصفه ابن زبالة حول المنبر ومشاهدتنا لما انكشف منه فيما بين المنبر والأساطين التي خلفه عدم بعض أرض هذه الحفرة من محل الموقف الشريف في ذلك العصر ؛ لأن نسبة ما بين هذه الحفرة والرخام المذكور أقل من نصف ذراع ، وقد حققت مسألة انخفاض المصلى الشريف في كتابي الموسوم «بكشف الجلباب والحجاب عن القدوة في الشباك والرحاب» ولم يتحرر لي ابتداء ترخيم المصلى الشريف وجعله على هذه الهيئة ، وسماه ابن جبير في رحلته بالروضة الصغيرة ، وقال : إن الإمام يصلي بالروضة الصغيرة المذكورة إلى جانبها الصندوق ، وقال قبل ذلك في وصفها : وبإزائها لجهة القبلة عمود مطبق يقال : إنه على بقية الجذع الذي حنّ للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى حافتها في القبلة منها الصندوق ، انتهى.

ولم يذكر فيها ترخيما ولا انخفاضا ، مع ذكره لذلك في المحل الذي عليه المنبر كما سيأتي ، والظاهر أن حدوث انخفاض المصلى الشريف بما حوله تجدد بعد الحريق الأول ، وقد اقتضى رأي متولي العمارة الحادثة بعد الحريق الثاني أن يخفض أرض المسجد حتى تكون مساوية للمصلى الشريف ، فقطع من الأرض نحو ذراع ؛ فكانوا يجدون طبقة من التراب ، وتليها طبقة من الرمل ، حتى وصلوا إلى الأرض المساوية للمصلى الشريف ، وظهر لهم الرخام الذي كان عليه المنبر الشريف بعد حفر نحو نصف ذراع ، وحصل بذلك إزالة هذه البدعة ، ولله الحمد والمنة.

وكان في قبلة المصلى الشريف صندوق خشب بديع الصنعة يعلوه محراب قد أمتج


الصناع فيه نتائج مبدعة من صنعة النجارة ، والمحراب المذكور شبه باب نقنطر لموضع لطيف على ظهر الصندوق المذكور مكتوب في داخله أمام مستقبله بعد البسملة آية الكرسي ، وعلى ظاهر الباب المقنطر بعد البسملة( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ) [البقرة : ١٤٤] الآية ، وفيه صنعة عجيبة وصبغ باللازورد وتذهيب عجيب يشغل الخاطر ، ويفرق القلب الحاضر ؛ إذ لا قلب أجمع وأعلى وأرفع من قلب سيد الأنام. عليه أفضل الصلاة والسلام ، وقد قال في شأن الخميصة من أجل تلك الأعلام «اذهبوا بخميصتي(١) هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم ، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي» وسيأتي أنه لما قال عمر بن عبد العزيز بعد زخرفة المسجد لعمرو بن عثمانرضي‌الله‌عنه : بناؤنا أحسن أم بناؤكم؟ فقال له : بنيناه بناء المساجد ، وبنيتموه بناء الكنائس.

وقال مالك فيما نقله عنه صاحب التبصرة : كره الناس ما فعل في قبلة المسجد بالمدينة من التزاويق ؛ لأنه يشغل الناس في صلاتهم ، وأرى أن يزال كل ما يشغل الناس عن الصلاة ، وإن عظم ما كان أنفق فيه فالله تعالى يبعث لهذا المصلى الشريف من يزيل عنه هذه الزخارف ويسويه كما كان في زمن المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد أدعم هذا المحراب الخشبي من ورائه بدعامة شبه التاج العظيم حتى اتصل بالدرابزين الذي بين الأساطين في قبلة الروضة ، وبرز عنها ، وجعل في أعلاه وعن يمينه وشماله مع امتداد الروضة مغارز لفرخات القناديل المسماة بالبزاقات تسرج في ليالي الزيارات ، وفي داخله كسوة جليلة من الحرير من جنس كسوة الحجرة الشريفة ذات طراز منسوج ، وقد احترق ذلك كله في الحريق الثاني الآتي ذكره ، وذلك بعد تمام هذا التأليف ، فاقتضى رأي متولي العمارة الحادثة بعد ذلك إبداله بمحراب مرخّم في دعامة تبني في محل الصندوق المذكور ، فحفروا هناك لأساسها نحو القامة ، فوجدوا هناك قبرا بدا لحده مسدودا باللبن أخرجوا منه بعض العظام ، ووجدوا الأقدمين لما أسسوا الأسطوانة التي عنده حرفوا أساسها عنه قليلا ، فتركوه على حاله ، وأسسوا للمحراب المذكور ، ورخموه بالرخام الملون ترخيما بديعا فيه صبغ ذهبي وغيره ، وهو أبهى منظرا من الأول ، وجعلوا أرض المحراب المذكور مرفعة قليلا على المصلى الشريف ؛ لأنه إنما جعل في محل الصندوق الذي كان أمام المصلى الشريف ، فليتنبه لذلك ، والله أعلم.

تنبيهات ـ الأول : قال البخاري في صحيحه «باب قدركم ينبغي أن يكون بين المصلى والسترة» ثم روى عن سهل بن سعد قال : كان بين مصلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين الجدار ممر

__________________

(١) الخميصة : ثوب أسود أو أحمر له أعلام.


المشاة ، ثم روى عن سلمة ـ يعني : ابن الأكوع ـ قال : كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة ، تجوزها : أي المسافة ، وهي ما بين المنبر والجدار ، وقوله في الحديث الأول «كان بين مصلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم » أي : مقامه في صلاته ، وكذا هو في رواية أبي داود ، وقوله : «وبين الجدار» أي : جدار المسجد مما يلي القبلة كما صرح به من طريق ابن غسان في الاعتصام ، ومنه يعلم ما في قول النووي في شرح مسلم : يعني بالمصلى موضع السجود ، والحديث الثاني رواه الإسماعيلي بلفظ : كان المنبر على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليس بينه وبين حائط القبلة إلا قدر ما تمر العنز. قال الكرماني في بيان مطابقته للتبويب : إن ذلك من حيث إنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يقوم بجنب المنبر : أي ولم يكن لمسجده محراب ، فيكون مسافة ما بينه وبين الجدار نظير ما بين المنبر والجدار ، فكأنه قال : الذي ينبغي أن يكون بين المصلى وسترته قدر ما كان بين منبرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وجدار القبلة.

قلت : وكأن الكرماني بنى ذلك على ما عهده في غالب المساجد من أن مصلى الإمام يكون إلى جانب المنبر ، وقد تقدم بيان ما بينهما من المسافة وحكاية الإجماع على أنه لم يغير ، وأيضا فلا يلزم من كونهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يصلي إلى جانب المنبر أن يكون بينه وبين الجدار نظير ما بين المنبر والجدار كما لا يخفى ، وأوضح مما ذكره ـ كما قال الحافظ ابن حجر ـ ما ذكره ابن رشد من أن البخاري أشار إلى حديث سعد بن سهل الذي في باب الصلاة على المنبر فإن فيه أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «قام على المنبر حين عمل ، وصلّى عليه» فاقتضى ذلك أن ما بين المنبر والجدار يؤخذ منه موضع قيام المصلى.

قلت : لكن يلزم من ذلك التأخر عند السجود ؛ لأن ذلك المقدار لا يتأتى فيه السجود ، وقد ثبت رجوعهصلى‌الله‌عليه‌وسلم القهقرى(١) من أجل السجود لما صلّى على المنبر لعدم تأتيه عليه.

وقال ابن بطال : هذا أقل ما يكون بين المصلى وسترته ، يعني قدر ممر الشاة ، وقيل : أقل ذلك ثلاثة أذرع ؛ لحديث بلال أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «صلى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع» كما في الصحيح ، وجمع الداودي بأن أقله ممر الشاة ، وأكثره ثلاثة أذرع ، وجمع بعضهم بأن الأول في حال القيام والقعود ، والثاني في حال الركوع والسجود ، قاله الحافظ ابن حجر.

قلت : ويلزمه التأخر عن موقفه الأول عندهما كما قدمناه ، وهو متعين ؛ إذ لا يتأتى

__________________

(١) رجع القهقرى : رجع على عقبيه.


السجود في أقل من ثلاثة أذرع ، ولهذا كان حريم المصلّي الذي يكون بينه وبين سترته ثلاثة أذرع عندنا.

وقال ابن الصلاح : قدروا ممر الشاة بثلاث أذرع.

قال الحافظ ابن حجر : ولا يخفى ما فيه.

قلت : الظاهر أن البخاري إنما أورد حديث سلمة المشتمل على بيان ما بين المنبر والجدار ليستدل به على مقدار ممر الشاة ، فإن ما بينهما كان معلوما عندهم ، وقد تقدم عن العتبية أنه كان بينهما قدر ما يمر الرجل منحرفا ، والذي اقتضى حمل ابن الصلاح ممر الشاة على ما ذكره أن ذلك هو القدر الذي يتأتى فيه السجود مع الاستمرار في الموقف.

وقد قال البغوي : استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود ، وكذلك بين الصفوف ، وقد ورد الأمر بالدنو من السترة مع بيان حكمة ذلك ، وهو ما رواه أبو داود وغيره مرفوعا : «إذا صلّى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته» ، قال الحافظ ابن حجر : وهو حديث حسن ، والله أعلم.

التنبيه الثاني : في العود الذي كان في المصلى الشريف.

روينا في كتاب يحيى عن مصعب بن ثابت قال : طلبنا علم العود الذي كان في مقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فلم نقدر على أحد يذكر لنا فيه شيئا ، قال مصعب : حتى أخبرني محمد بن مسلم بن السائب صاحب المقصورة قال : جلس إلى أنس بن مالك ، فقال : تدري لم صنع هذا العود؟ وما أسأله عنه ، فقلت : لا والله ما أدري لم صنع ، فقال أنس : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يضع عليه يمينه ثم يلتفت إلينا فيقول : استووا ، واعدلوا صفوفكم.

وعن أنس بن مالك قال : لما سرق العود الذي كان في المحراب فلم يجده أبو بكر حتى وجده عمررضي‌الله‌عنهما عند رجل من الأنصار بقباء قد دفن في الأرض أكلته الأرضة ، فأخذ له عودا ، فشقه فأدخله فيه ، ثم شعبه(١) ، فرده في الجدار ، وهو العود الذي وضعه عمر بن عبد العزيزرحمه‌الله في القبلة ، وهو الذي في المحراب اليوم باق فيه.

وعند أبي داود عن محمد بن أسلم صاحب المقصورة قال : صلّيت إلى جنب أنس بن مالك يوما فقال : هل تدري لم صنع هذا العود؟ فقلت : لا والله ، قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يضع يده عليه فيقول : «استووا واعدلوا صفوفكم».

قلت : سيأتي في الكلام على الجذع أن الأسطوانة المتقدم ذكرها التي هي علم

__________________

(١) شعبه : أصلح صدعه.


المصلّى الشريف كان بها خشبة ظاهرة محكمة بالرصاص ، يقول الناس : إنها من الجذع الذي حن للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأن المطري قال : إن الأمر ليس كذلك ، وإن العز ابن جماعة أمر بإزالتها ، فأزيلت عام خمس وخمسين وسبعمائة.

قال المجد : ورأى بعض العلماء أن إزالتها كانت وهما منهما ، وذلك أن إتقان هذه الخشبة ، وترصيصها بين حجارة الأسطوان وإبرازها لم يكن سدى ، وإنما شاهد الحال يشهد بأنه كان من عمل عمر بن عبد العزيز ؛ فالظاهر أنه كان من الجذع.

قلت : بل الظاهر أنها ليست منه ؛ إذ لم ينقل بقاء شيء منه ، بل الظاهر أنها من هذا العود المذكور ؛ لما قدمناه فيه ، ولما سيأتي عن ابن النجار.

وقول الزيني المراغي : «إن احتمال ذلك كان يمكن تسليمه قبل حريق المسجد ، أما بعده فمردود ؛ لأنه بقي من حريق المسجد بقايا خشب كثيرة كما سنحققه».

وقول المؤرخين : «إنه لم يبق ولا خشبة واحدة» مردود ؛ فقد شاهدت عند إزالة هدم الحريق من الحجرة الشريفة ما لا يحصى من أطراف الخشب المحترق ، حتى ميزاب الحجرة الشريفة رأيته من عرعر(١) فيما أظن احترق بعضه وبقي منه قدر الذراع ، وأخذ الناس كثيرا من تلك الأخشاب ، واتخذ متولي العمارة وغيره منها سبحا كثيرة ، وعبارة ابن النجار صريحة فيما ذكرناه من كون العود المذكور كان بالأسطوانة المذكورة ، فإنه ترجم عليه بقوله : «ذكر العود الذي في الأسطوانة التي عن يمين القبلة» ، ثم روى عن أهل السير خبر مصعب بن ثابت المتقدم.

وشيوع أن تلك الخشبة من الجذع قديم ، فقد قال ابن جبير في رحلته : إن بإزاء الروضة ـ يعني المصلى الشريف منها ـ لجهة القبلة عمودا مطبقا يقال : أنه على بقية الجذع الذي حنّ للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقطعة منه وسط العمود ظاهرة يقبلها الناس ويبادرون للتبرك بلمسها ومسح خدودهم فيها ، وعلى حافتها في القبلة منها الصندوق ، انتهى.

واستفيد منه أيضا أن وضع الصندوق هناك كان قبل حريق المسجد في زمنه ، وسبب الشيوع المذكور في تلك الخشبة ما سيأتي من أن الجذع كان قريبا من محل الأسطوانة المذكورة ؛ فالظاهر أن الخشبة المذكورة كانت قريبا منه في الجدار ، فجعلت في تلك الأسطوانة لقربها من المحل الأول ؛ فقد روى يحيى أيضا عن أنس بن مالك أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «كان يستمسك بعود كان في القبلة ، ثم يلتفت عن يمينه وعن شماله ، فإذا استوت الصفوف كبر».

__________________

(١) العرعر : جنس أشجار وجنبات من الصنوبريات ، فيه أنواع تصلح للأحراج وللتزيين.


وروى ابن زبالة عن عمرو بن مسلم قال : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين أسن قد جعل له العود الذي في المقام ، إذا قام في الصلاة توكأ عليه ، قال : ثم ألصق إليه عود معه ، وروى أيضا هو ويحيى من طريقه عن مسلم بن خباب قال : لما قدم عمررضي‌الله‌عنه القبلة فقد العود الذي كان مغروسا في الجدار ، فطلبوه ، فذكر لهم أنه في مسجد بني عمرو بن عوف أخذوه فجعلوه في مسجدهم ، فأخذه عمر فرده إلى المحراب ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا قام إلى الصلاة أمسكه بكفه يعتمد عليه ، ثم يلتفت في شقه الأيمن فيقول : عدّلوا صفوفكم ، ثم يلتفت إلى الأيسر فيقول مثل ذلك ، ثم يكبر للصلاة ، وذلك العود من طرفاء الغابة(١) .

هل مصلاهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على عين القبلة أو جهتها؟

التنبيه الثالث : أسند يحيى عقب ما تقدم عن ابن عباس قال : كنت أرى صفحة خد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم اليمنى في مسجده يتيامن.

وعن عروة : كان الزبير بن العوام وأناس من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يتيامنون ويقولون : إن البيت تهامي ، قال يحيى : وسمعت غير واحد من مشايخنا ممن يقتدى به يقول : المنبر على القبلة.

قلت : لعل ما ذكره من التيامن في غير المصلى الشريف ، والذي ذكره أصحابنا أنه لا يجتهد في محراب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأنه صواب قطعا ؛ إذ لا يقر على خطأ ؛ فلا مجال للاجتهاد فيه حتى لا يجتهد في اليمنة واليسرة ، بخلاف محاريب المسلمين ، سيما وقد تقدم أنه وضعه وجبريل يؤم به البيت ، والمراد بمحرابهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مكان مصلاه ، فإنه لم يكن في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم محراب ، نعم إن ثبت تيامنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في مكان مصلاه فما نقله متجه ، ويؤيده أن الدكة التي ظهرت في محل المنبر ووجد فيها آثار قوائم المنبر النبوي كما سيأتي متيامنة ، ولذا حرّضت على بقائها على ما وجدت عليه فبقيت على حالها ، إلا أنهم وضعوا المنبر عليها غير متيامن فصار محرفا عنها ، وعبارة النووي في التحقيق : وكل موضع صلّى فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وضبط موقفه تعين ، ولا يجتهد فيه بتيامن ولا تياسر ، انتهى.

وقال الشيخ محب الدين الطبري في شرح التنبيه ، ومن خطه نقلت : إن قيل محرابهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على عين الكعبة ؛ إذ لا يجوز فيه الخطأ ، فيلزم مما قلتم أنه لا يصح صلاة من بينه وبينه من أحد جانبيه أكثر من سمت الكعبة إلا مع الانحراف.

قلنا : من أين لكم أنه على يمين الكعبة؟ فيجوز أن يكون ذلك ولا خطأ بناء على أن

__________________

(١) الطرفاء : جنس من النبات منه أشجار وجنبات من الفصيلة الطرفاوية ، ومنه الأثل.


الفرض الجهة ، نعم إن روي في الصحيح أنه نصب على العين فنقول : مقتضى الدليل ما ذكرتموه على القولين ، أما على العين فظاهر ، وأما على الجهة فإنما ذلك عند عدم المشاهدة ، وهذا المحراب منزل منزلة الكعبة فمشاهده كمشاهدها ، إلا أن إجماع الصحابةرضي‌الله‌عنهم على بناء مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم واسعا وصلاتهم في أقطاره من غير أن ينقل الانحراف عنهم دليل على طرد حكم البعد في كل مكان ، سواء تحقق صوب عين الكعبة أم لا ، توسعة وتعميما للحكم ، وتحقيقا للقول بأن فرض البعيد هو الجهة مطلقا ، ولا أعلم أحدا تكلم في هذه المسألة ، والظاهر فيها ما ذكرته ، انتهى.

وفيه نظر ، بل صلاة من بينه وبين المصلى الشريف أكثر من سمت الكعبة صحيح ، واعتبار العين من غير انحراف لما تقرر من أن المسامتة تصدق مع البعد ، ألا ترى أن الدائرة إذا عظمت اتسعت الخطوط فيسامت الخط الخارج من جبين المصلى الكعبة ظنا ، وهو المكلف به في البعد ، نعم هذا يقتضي جواز الاجتهاد بالتيامن والتياسر لمن بينه وبين المصلى الشريف أكثر من سمت الكعبة إلا أن ينقل عدمه عن الصحابة في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مع إقرارهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لهم على ذلك ، والله أعلم.

قد تم ـ بمعونة الله تعالى وحسن توفيقه ـ الجزء الأول من كتاب «وفاء الوفا ، بأخبار دار المصطفى» تأليف العلامة المحقق ، والمؤرخ المدقق ، نور الدين علي السمهوري ، أحد علماء القرن العاشر الهجري ، ويليه ـ إن شاء الله تعالى ـ الجزء الثاني منه ، وأوله «الفصل الرابع ، في خبر الجذع الذي كان يخطب إليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ إلخ» نسأل الله الذي بيده تتم الصالحات أن يعين على إكماله ، بمنه وفضله ؛ إنه لا معين سواه ، ولا يوفق للخير غيره.


فهرس الجزء الأول

تقديم ٣

أبواب الكتاب ٨

الفصل الأول في تفضيلها على غيرها من البلاد ٣١

الفصل الثاني ٣٩

دعاؤه صلى‌الله‌عليه‌وسلم للمدينة بالبركة ٤٩

النذر الحادثة في عام النار والذي يليه ١٢٢

الحكم التي في قصة أحد ٢٢٧

الفصل الثالث ٢٧٥


وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى الجزء ١

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

مؤلف: نور الدين علي بن أحمد السّمهودي
المحقق: خالد عبد الغني محفوظ
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: مكتبة الحديث وعلومه
ISBN: 2-7451-3818-9
الصفحات: 293