وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

مؤلف: نور الدين علي بن أحمد السّمهودي
مكتبة الحديث وعلومه

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

الجزء الثاني

تأليف

نور الدين علي بن أحمد السّمهودي

المحقق: خالد عبد الغني محفوظ



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي اختار رسوله محمداصلى‌الله‌عليه‌وسلم من أطيب الأرومات ، والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على أشرف الكائنات ، وعلى آله وصحبه الذين فدوه بالأنفس والأموال وبالآباء والأمهات. وعلى من اتبعه واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الفصل الرابع : الروايات في حنين الجذع

في خبر الجذع الذي كان يخطب إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم واتخاذه المنبر ، وما اتفق فيه ، وما جعل بدله بعد الحريق ، واتخاذ الكسوة له.

روينا في صحيح البخاري عن ابن عمر قال : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب إلى جذع ، فلما اتخذ المنبر تحول إليه ، فحن الجذع ، فأتاه فمسح يده عليه. وفيه عن جابر أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة ، فقالت امرأة من الأنصار ، أو رجل : يا رسول الله ، ألا نجعل لك منبرا؟ قال : إن شئتم ، فجعلوا له منبرا ، فلما كان يوم الجمعة رفع إلى المنبر ، فصاحت النخلة صياح الصبي ، ثم نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فضمّه إليه وهو يئن أنين الصبي الذي يسكن ، قال : كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها.

وفيه أيضا عنه : كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل ، فكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها ، فلما صنع له المنبر فكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت(١) العشار ، الحديث.

وعند النسائي في الكبرى عن جابر : اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج : أي التي انتزع ولدها منها. وعند ابن خزيمة عن أنس : فحنّت الخشبة حنين الواله(٢) . وفي روايته الأخرى عند الدارمي : خار ذلك الجذع كخوار الثور.

وفي حديث أبي بن كعب عند أحمد والدارمي وابن ماجه : فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدع وانشق. وفي حديثه : فأخذ أبيّ بن كعب ذلك الجذع لما هدم المسجد فلم يزل عنده حتى بلى وعاد رفاتا. وفي حديث أبي سعيد عند الدارمي : فأمر به أن يحفر له ويدفن ، وسيأتي أحاديث بذلك ، ولا تنافي بين ذلك ؛ لاحتمال أن يكون ظهر بعد الهدم عند التنظيف ، فأخذه أبيّ بن كعب.

__________________

(١) العشار : مفردها : العشراء ، من النّوق ونحوها : ما مضى على حملها عشرة أشهر. وفي التنزيل العزيز :( وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ ) [التكوير : ٤].

(٢) الواله : الذي اشتد حزنه حتى ذهب عقله.


وقال أبو اليمن بن عساكر في تحفته : وفي رواية فلما جلس عليه أي المنبر حنت الخشبة حنين الناقة على ولدها ، حتى نزل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فوضع يده عليها ، فلما كان من الغد رأيتها قد حوّلت ، فقلنا : ما هذا؟ قال : جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبو بكر وعمر فحولوها ، انتهى.

وفي مسند الدارمي من حديث بريدة : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا خطب قام فأطال القيام ، فكان يشق عليه قيامه ، فأتى بجذع نخلة ، فحفر له وأقيم إلى جنبه قائما للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ فكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا خطب فطال القيام عليه استند فاتكى عليه ، فبصر به رجل كان ورد المدينة فرآه قائما إلى جنب ذلك الجذع ، فقال لمن يليه من الناس : لو أعلم أن محمدا يحمدني في شيء يرفق به لصنعت له مجلسا يقوم عليه ، فإن شاء جلس ما شاء ، وإن شاء قام ، فبلغ ذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : ائتوني به ، فأتوه به ، فأمر أن يصنع له هذه المراقي الثلاث أو الأربع ، هي الآن في مسجد المدينة ؛ فوجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في ذلك راحة ، فلما فارق النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الجذع وعمد إلى هذه التي صنع له جزع الجذع فحنّ كما تحن الناقة ، حين فارقه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فزعم ابن بريدة عن أبيهرضي‌الله‌عنه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين سمع حنين الجذع رجع إليه فوضع يده عليه ، وقال : اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت ، وإن شئت أن أغرسك في الجنة ، فتشرب من أنهارها وعيونها فتحسن زينتك ، وتثمر ، فتأكل كل أولياء الله من ثمرتك وتخلد ؛ فعلت ؛ فزعم أنه سمع من النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يقول له : نعم قد فعلت ، مرتين ، فسئل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : اختار أن أغرسه في الجنة.

ولفظه عند عياض : إن شئت أردك إلى الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك ، ويكمل خلقك ، ويجدد لك خوص وثمرة ، وإن شئت أغرسك في الجنة فتأكل أولياء الله من ثمرك ، ثم أصغى له النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يسمع ما يقول ، فقال : بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله وأكون في مكان لا أبلي فيه فسمعه من يليه ، قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : قد فعلت ، ثم قال : اختار دار البقاء على دار الفناء ، فكان الحسن إذا حدث بهذا بكى وقال : يا عباد الله ، الخشبة تحن إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم شوقا إليه لمكانه ، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه ، وهو في كتاب يحيى بنحوه ، وفي حديث سهل بن سعد عند أبي نعيم : فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ألا تعجبون من حنين هذه الخشبة ، فأقبل الناس عليها فسمعوا من حنينها حتى كثر بكاؤهم.

وفي لفظ عند ابن عبد البر : فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدع وانشق ، فرجع إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فمسحه بيده حتى سكن ، ثم رجع إلى المنبر ، قال : فكان إذا صلّى صلى إليه ، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فلم يزل عنده حتى أكلته الأرضة وعاد رفاتا.

وهذا يبعد ما قدمناه من التأويل ؛ إذا ظاهره أنه لم يدفن.

ويحتمل : أن ذلك كان بعد دفنه ، ومشى يصلي إليه قريبا منه ؛ لأنه كان عند مصلّاه كما سنحققه.


وفي كتاب يحيى عن أبي سعيد : كانصلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب إلى جذع نخلة ، فأتاه رجل رومي ، فقال : أصنع لك منبرا تخطب عليه ، فصنع له منبره الذي ترون ، فلما قام عليه فخطب حنّ الجذع حنين الناقة إلى ولدها ، فنزل إليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فضمّه فسكن ، وأمر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يدفن ويحفر له.

وعن عائشةرضي‌الله‌عنها : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب إلى جذع يتساند إليه ، فمر رومي فقال : لو دعاني محمد لعملت له ما هو أرفق له من هذا ، فذكروا ذلك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأرسل إليه ، فدعاه ، فجعل له المنبر ، ثم ذكر حنين الجذع وتخيير النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم له ، قال:فقالت : فسمعنا النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يقول : فنعم ، فغار الجذع فذهب.

وعن أنس أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يخطب إلى الجذع ، فلما اتخذ المنبر وعدل إليه حن الجذع حتى أتاه فاحتضنه فسكن ، وقال : لو لم أفعل هذا لحنّ إلى يوم القيامة.

وذكر الأسفراييني أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم دعاه إلى نفسه ، فجاء يخرق الأرض فالتزمه ، ثم أمره فعاد إلى مكانه.

صانع المنبر

وفي كتاب ابن زبالة عن خالد بن سعيد مرسلا أن تميما الداري كان يرى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يشتد عليه وجع كان يجده في فخذيه يقال له الزجر ، فقال له تميم : يا رسول الله ألا أصنع لك منبرا تقوم عليه ، فإنه أهون عليك إذا قمت وإذا قعدت؟ قال : وكيف المنبر؟ قال : أنا يا رسول الله أصنعه لك ، قال : فخرج إلى الغابة فقطع منها خشبات من أثل ، فعمل له درجتين : أي غير المقعد ، فتحول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الخشبة التي كان يستند إليها إذا خطب ، ثم ذكر حنينها ، وقال : بلغنا أنها دفنت تحت المنبر.

وعن المطلب بن حنطب أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر بالجذع فحفر له تحت المنبر فدفن هنالك ، قال:والذي عمل المنبر غلام نصيبة المخزومي ، وكان المنبر من أثلة كانت قريبا من المسجد.

وعن سهل بن سعد الساعدي نحو ما في الصحيح أن رجالا أتوا سهلا وقد امتروا في المنبر مم عوده ، فسألوه عن ذلك ، فقال : والله إني لأعرف ممّ هو ، ولقد رأيته أول يوم وضع ، وأول يوم جلس عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أرسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى فلانة امرأة من الأنصار قد سماها سهل : مري غلامك النجار ، أن يعمل لي أعوادا أجلس عليها إذا كلمات الناس ، فأمرته فعملها من طرفاء الغابة ، ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأمر بها فوضعت هاهنا ، ثم رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى عليها وكبر وهو عليها ، ثم ركع وهو عليها ، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر ، هذا لفظ الصحيح ، وزاد فيه ابن زبالة : وقطعت خشب المنبر بيدي مع الذي بعثه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحملت إحدى الدرجات.


ورواه يحيى بلفظ : عمل من أثل ، يعني المنبر ، وكنت ممن حمل درجته هذه ، ثم ذكر حنين الجذع ، وفي رواية للبخاري في كتاب الهبة «فجاءوا به ـ يعني المنبر ـ فاحتمله النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فوضعه حيث ترون».

وقال الحافظ ابن حجر : صحف بعض الرواة قوله إلى فلانة امرأة من الأنصار فقال إلى علاثة (بالعين المهملة والمثلاثة) وهو خطأ ، والمرأة لا يعرف اسمها ، ونقل ابن التين عن مالك أن النجار كان مولى لسعد بن عبادة ؛ فيحتمل أنه كان في الأصل مولى امرأته ، ونسب إليه مجازا ، واسم امرأته فكيهة بنت عبيد بن دليم ، وهي ابنة عمه ؛ فيحتمل أن تكون هي المرأة ، لكن رواه ابن راهواه عن ابن عيينة وقال : مولى لبني بياضة ، ووقع عند الكرماني قيل : اسمها عائشة ، وأظنه صحّف المصحف ، ثم وجدت في الأوسط للطبراني من حديث جابر أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يصلي إلى سارية في المسجد ، ويخطب إليها ، ويعتمد عليها ، فأمرت عائشة ، فصنعت له منبره هذا ، فذكر الحديث ، وإسناده ضعيف ، ولو صح لما دل على أن عائشة هي المرادة في حديث سهل هذا إلا بتعسف ، والله أعلم.

وأسند ابن سعد في الطبقات من حديث أبي هريرة ، ورجاله ثقات إلا الواقدي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «كان يخطب وهو مستند إلى جذع ، فقال : إن القيام قد شق علي ، فقال تميم الداري : ألا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام؟ فشاور النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم المسلمين في ذلك ، فرأوا أن يتخذه ، فقال العباس بن عبد المطلب : إن لي غلاما يقال له كلاب أعمل الناس ، فقال : مره أن يعمل» الحديث.

موضع الجذع

وأسند يحيى منقطعا عن ابن أبي الزناد وغيره أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد كان موضعه عند الأسطوانة المخلّقة التي تلي القبر التي عن يسار الأسطوانة المخلّقة التي كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي عندها التي هي عند الصندوق ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن القيام قد شق علي ، وشكاصلى‌الله‌عليه‌وسلم ضعفا في رجليه ، قالوا : فقال تميم الداري ـ وكان رجلا من لخم من أهل فلسطين ـ يا رسول الله أنا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام ، قالوا : فلما أجمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وذو الرأي من أصحابه على اتخاذه قال العباس بن عبد المطلب : إن لي غلاما يقال له كلاب أعمل الناس ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : مره يعمل ، فأرسله إلى أثلة بالغابة فقطعها ثم عملها درجتين ومجلسا ، ثم جاء بالمنبر فوضعه في موضعه اليوم ، ثم راح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم الجمعة ، فلما جاوز الجذع يريد المنبر حن الجذع ثلاث مرات كأنه خوار بقرة ، حتى ارتاع الناس ، وقام بعضهم على رجليه ، فأقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى مسه بيده ، فسكن ، فما سمع له صوت بعد ذلك ، ثم رجع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى المنبر فقام عليه ،


فلم يزل كذلك في زمان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبي بكر وعمر ، فلما هدم عثمان المسجد اختلف في الجذع ، فمنهم من قال : أخذه أبي بن كعب ، فكان عنده حتى أكلته الأرضة ، ومنهم من قال : دفن في موضعه.

شهرة حديث حنين الجذع

وقال عياض : حديث حنين الجذع مشهور منتشر ، والخبر به متواتر ، أخرجه أهل الصحيح ، ورواه من الصحابة بضعة عشر.

وقال البيهقي : قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف ، ورواية الأخبار الخاصة فيها كالتكلف ، وفيه دليل على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكا كأشرف الحيوان.

وقد نقل ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن أبيه عن عمرو بن سواد عن الشافعي قال : ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا ، فقلت : أعطى عيسى إحياء الموتى ، قال : أعطى محمدا حنين الجذع حتى سمع صوته ؛ فهذا أكبر من ذلك.

الموضع الذي دفن فيه الجذع

ونقل ابن زبالة اختلافا في دفن خشبته ؛ فعن عثمان بن محمد : دفنت دوين المنبر عن يساره ، وقال بعضهم : دفنت شرقي المنبر إلى جنبه ، وقال بعضهم : دفنت تحت المنبر ، وتقدم في رواية أنه دفن في موضعه الذي كان فيه ، ومحصل الرواية المتقدمة في كلام يحيى أنه كان في جهة المشرق يسار المصلّى الشريف.

ونقل ابن زبالة عن عبد العزيز بن محمد أن الأسطوان الملطّخ بالخلوق ثلثاها أو نحو ذلك محرابها موضع الجذع الذي كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب إليه ، بينها وبين القبلة أسطوان ، وبينها وبين المنبر أسطوان.

بدعة اصطنعها الناس بسبب الجذع

قلت : وهذه الأسطوانة هي التي تقدم أنها علم المصلّى الشريف عن يمينه ، ولهذا روى عقبة ما قدمناه من القيام بمقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الصلاة لمن عدل عنها قليلا ، وهذا مستند المطري في قوله : وكان هذا الجذع عن يمين مصلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لاصقا بجدار المسجد القبلي في موضع كرسي الشمعة اليمنى التي توضع عن يمين الإمام المصلّي في مقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والأسطوانة التي قبلي الكرسي متقدمة عن موضع الجذع ؛ فلا يعتمد على قول من جعلها في موضع الجذع ، قال : وفيها خشبة ظاهرة مثبتة بالرصاص سدادة لموضع كان في حجر من حجارة الأسطوانة مفتوح قد حوط عليه بالبياض والخشبة ظاهرة ، تقول العامة : هذا الجذع الذي حن إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وليس كذلك بل هو من جملة البدع التي يجب إزالتها


لئلا يفتن بها الناس ، كما أزيلت الجزعة التي كانت في المحراب القبلي ، وذكر قصة الجزعة التي قدمناها.

وقال المجد : إن الخشبة المذكورة كان يزدحم على زيارتها والتمسح بها ، ويعتقد الناس عامة أنها الجذع ، فظن بعض الفقهاء أن هذا من المنكر الذي يتعين إزالته ، وصرح بهذا في كتبه ، إلى أن وافق على ذلك شيخنا العز بن جماعة فأمر بإزالتها ، إلى آخر ما قدمناه عنه.

قال : وكان موضع الخشبة من الأسطوان المذكور على مقدار ذراعين من الأرض ارتفاعا ، وقد طلي عليه بالقصة ، ولا عين منه ولا أثر.

قلت : الذي يظهر ـ كما قدمته ـ أن هذه الخشبة كانت من العود الذي كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يضع يده عليه ويقول : عدلوا صفوفكم ، كما تقدم ، والله أعلم.

عود إلى الاختلاف في صانع المنبر

ونقل ابن زبالة الاختلاف في الذي عمل المنبر ، فقيل : غلام نصيبة المخزومي ، وقيل: غلام للعباس ، وقيل : غلام لسعيد بن العاص يقال له باقول (بموحدة وقاف مضمومة) وقيل : غلام لامرأة من الأنصار من بني ساعدة ، أو لامرأة لرجل منهم يقال له مينا ، وقوله «يقال له مينا» يحتمل المولى وزوج المرأة ، لكن عند يحيى قال إسماعيل بن عبد الله : الذي عمل المنبر غلام الأنصارية واسمه مينا ، وعند ابن بشكوال عن أبي بن أويس : عمل المنبر غلام لامرأة من الأنصار من بني سلمة أو بني ساعدة أو امرأة لرجل منهم يقال له مينا ، وهذا محتمل كالأول ، وقيل : عمله تميم الداري ، هذا حاصل ما ذكره ابن زبالة ، وفي رواية ليحيى : عمل المنبر صباح غلام العباس (بضم المهملة بعدها موحدة خفيفة) وتقدم تسميته كلابا ، ونقل المراغي عن بعض شيوخه أن الذي عمله باقوم (بالميم) باني الكعبة لقريش ، وفي الاستيعاب عن باقوم الرومي قال : صنعت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم منبرا من طرفاء له ثلاث درجات : المقعدة ، ودرجتيه ، قال ابن عبد البر : وإسناده ليس بالقائم.

وفي طبقات ابن سعد أن الصحابة قالوا : يا رسول الله إن الناس قد كثروا ، فلو اتخذت شيئا تقوم عليه إذا خطبت ، قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما شئتم ، قال سهلرضي‌الله‌عنه : ولم يكن بالمدينة إلا نجار واحد ، فذهبت أنا وذاك النجار إلى الغابة فقطعنا هذا المنبر من أثلة ، وفي لفظ : فحمل سهل منهن خشبة ، قال المجد : إسنادهما صحيح ، وعند قاسم بن أصبغ : وكان بالمدينة نجار واحد يقال له ميمون ، فذكر الحديث ، وعند الطبراني عن سهل : كنت جالسا مع خال لي من الأنصار ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : اخرج إلى الغابة وأتني من خشبها فاعمل لي


منبرا ، الحديث. وأخرج الطبراني بإسناد فيه متروك أن اسم صانع المنبر إبراهيم ، وفي أسماء الصحابة لابن شبة مرسلا : اسمه قبيصة أو قصيبة بتقديم الصاد ، المخزومي ، مولاهم ، وعند أبي داود بإسناد جيد أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما بدّن قال تميم الداري : يا رسول الله ألا تتخذ لك منبرا يحمل ـ أو يجمع ـ عظامك ، قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : بلى ، فاتخذ له منبرا مرقاتين : أي غير المقعدة.

قال الحافظ ابن حجر : وليس في الروايات التي سمي فيها النجار قوي السند إلا هذا ، وليس فيه تصريح بأن الذي اتخذ المنبر تميم ، بل قد تبين من رواية ابن سعد المتقدمة أن تميما لم يعمله ، وأشبه الأقوال بالصواب أنه ميمون ؛ لكون الإسناد من طريق سهل ، ولا اعتداد بالأقوال الأخرى لكونها واهية.

قلت : ولا ينافيه قوله في مقدمة الشرح «باقوم أشهر الأقوال» فقد يشتهر الواهي.

وفي التحفة لابن عساكر : روينا من حديث أبي كبشة السلولي عن معاذرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن أتّخذ منبرا فقد اتخذه أبي إبراهيم ، وإن اتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم ، صلى الله عليهما وسلم.

وأسند ابن النجار من حديث أنس : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة مسندا ظهره إليها ، فلما كثر الناس قال : ابنوا لي منبرا ، فبنوا له منبرا له عتبتان ، وهو يقتضي أن المنبر كان بناء ، ويحتمل أنه أطلق على تأليفه من الأخشاب اسم البناء ، لكن قال الحافظ ابن حجر : حكى بعض أهل السير أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «كان يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب» ويعكر عليه ما تقدم في الأحاديث الصحيحة من أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب.

قلت : يحتمل أن ذلك المنبر المتخذ من الطين كان إلى جانب الجذع ، وكأنه كان بناء مرتفعا فقط ، وليس له درج ومقعدة بحيث يكمل الارتفاق به ؛ فلا ينافي ما تقدم في سبب اتخاذ المنبر من خشب ، ويؤيد ذلك ما ورد في حديث الإفك في الصحيحين عن عائشة قالت : فثار الحيان الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على المنبر ، الحديث ، وهذه القصة متقدمة على اتخاذ المنبر من الخشب ؛ فقد جزم ابن النجار بأن عمله كان سنة ثمان ، وجزم ابن سعد بأنه كان في السنة السابعة ، على أن ذكر تميم والعباس في عمله كما تقدم يقتضي تأخره عن ذلك أيضا ؛ فقد كان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان ، وقدوم تميم سنة تسع ، وفي بعض طرق الحديث : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يجلس بين أصحابه ، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو ، فطلبنا إليه أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه ، فبنينا له دكانا من طين كان يجلس عليه ، الحديث. وفي بعض طرقه أنه جاء والنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب أي : على ذلك الدكان ، والله أعلم.


وروى يحيى عن ابن أبي الزناد أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يجلس على المجلس ، ويضع رجليه على الدرجة الثانية ، فلما ولي أبو بكر قام على الدرجة الثانية ، ووضع رجليه على الدرجة السفلى ، فلما ولي عمر قام على الدرجة السفلى ، ووضع رجليه على الأرض إذا قعد ، فلما ولي عثمان فعل ذلك ست سنين من خلافته ؛ ثم علا إلى موضع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

ثم قال : قالوا فلما استخلف معاوية زاد في المنبر ، فجعل له ست درجات ، وكان عثمان أول من كسا المنبر قبطية.

أراد معاوية أن ينقل المنبر إلى الشام

قالوا : فلما قدم معاوية عام حج حرك المنبر ، وأراد أن يخرجه إلى الشام ، فكسفت الشمس يومئذ ، حتى بدت النجوم ، فاعتذر معاوية إلى الناس ، وقال : أردت أنظر إلى ما تحته ، وخشيت عليه من الأرضة. قال بعضهم : وكساه يومئذ قبطية أو لينة. ثم أسند عن سعيد ابن عمرو قصة تحريك معاوية للمنبر ، وأن الشمس كسفت ، واعتذاره بأن خشي عليه الأرضة ، وأنه كساه يومئذ قبطية يكون عليه أو لينة ، فكان يقال : هو أول من كساه ، قال يحيى : وأثبتهما عندنا أن عثمان هو أول من كساه ، وقد نقل ذلك ابن النجار عن الواقدي عن ابن أبي الزناد ، قال : فسرقت الكسوة امرأة ، فأتى بها عثمان ، فقال لها : هل سرقت؟ قولي لا ، فاعترفت ، فقطعها ، واتفق لامرأة مع ابن الزبير مثل ذلك.

وفي تاريخ الواقدي : أراد معاويةرضي‌الله‌عنه سنة خمسين تحويل منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى دمشق ، فكسفت الشمس يومئذ ، وكلمه أبو هريرةرضي‌الله‌عنه فيه ، فتركه ، فلما كان عبد الملك أراد ذلك فكلمه قبيصة فتركه ؛ فلما كان الوليد أراد ذلك فأرسل سعيد بن المسيب إلى عمر بن عبد العزيز فكلمه فيه فتركه ، فلما كان سليمان قيل له في تحويله قال : لا ؛ ها الله ، أخذنا الدنيا ونعمد إلى علم من أعلام الإسلام نريد تحويله؟ ذاك شيء لا أفعله ؛ وما كنت أحب أن يذكر هذا عن عبد الملك ولا عن الوليد! ما لنا ولهذا؟

رفع المنبر ست درجات

وأسند ابن زبالة عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال : بعث معاويةرضي‌الله‌عنه إلى مروان يأمره أن يحمل إليه منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأمر به أن يقلع ، فأظلمت المدينة ، وأصابتهم ريح شديدة ، قال : فخرج عليهم مروان فخطبهم ، وقال : يا أهل المدينة إنكم تزعمون أن أمير المؤمنين بعث إلى منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأمير المؤمنين أعلم بالله من أن يغير منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ما وضعه عليه ، إنما أمرني أن أكرمه وأرفعه ، قال : فدعا نجارا فزاد فيه الزيادة التي هو عليها اليوم ، ووضعه موضعه اليوم.

وفي رواية له عن ابن قطن : قلع مروان بن الحكم منبر رسول الله ، وكان درجتين


والمجلس ، وأراد أن يبعث به إلى معاوية ، قال : فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم ، قال : فزاد فيه ست درجات ، وخطب الناس فقال : إني إنما رفعته حين كثر الناس.

وعند يحيى في رواية أخرى : كتب معاويةرضي‌الله‌عنه إلى مروان وهو على المدينة أن أرسل لي بمنبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فخرج مروان فقلعه ، فأصابتنا ريح مظلمة بدت فيها النجوم نهارا ، ويلقى الرجل الرجل يصكه فلا يعرفه ، وذكر اعتذار مروان المتقدم ، وقال : إنما كتب إلي يأمرني أن أرفعه من الأرض ، فدعا له النجاجرة ، فعمل هذه الدرجات ورفعوه عليها ، وهي ـ أي الدرجات التي زادها ـ ست درجات ، قال : ثم لم يزد فيه أحد قبله ولا بعده.

وقال ابن زبالة عقب حديث رواه من طريق سفيان عن كثير بن زيد عن المطلب ما لفظه : والذي زاد في درج المنبر معاوية بن أبي سفيان.

قال سفيان : قال كثير : فأخبرني الوليد بن رباح قال : كسفت الشمس يوم زاد معاوية في المنبر حتى رؤيت النجوم.

وروى ابن النجار زيادة مروان فيه ، وأنه صار تسع درجات بالمجلس ، عن ابن أبي الزناد ، ثم قال : ولما قدم المهدي المدينة سنة إحدى وستين ومائة ، فقال لمالك بن أنس : إني أريد أن أعيد منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم على حاله ، فقال له مالك : إنما هو من طرفاء ، وقد سمّر إلى هذه العيدان وشد ، فمتى نزعته خفت أن يتهافت ويهلك ، فلا أرى أن تغيره ، فانصرف المهدي عن تغييره.

وروى ابن شبة قصة المهدي عن محمد بن يحيى عن محمد بن أبي فديك.

عدد درجات المنبر

قلت : وجميع ما قدمناه من كلام المؤرخين مقتض لاتفاقهم على أن منبرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان درجتين غير المجلس ونقله ابن النجار عن الواقدي ، لكن سبق في رواية الدارمي «هذه المراقي(١) الثلاث أو الأربع» على الشك ، وفي صحيح مسلم «هذه الثلاث درجات» من غير شك ، وقال الكمال الدميري في شرح المنهاج : وكانصلى‌الله‌عليه‌وسلم منبره ثلاث درج غير الدرجة التي تسمى المستراح ، ولعل مأخذه ظاهر ذلك مع حديث أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم رقي المنبر فلما رقي الدرجة الأولى قال : آمين ، ثم رقي الدرجة الثانية فقال : آمين ، ثم رقي الدرجة الثالثة فقال : آمين ، فقالوا : يا رسول الله سمعناك قلت آمين ثلاث مرات ، قال : لما رقيت الدرجة الأولى جاء جبريلعليه‌السلام فقال : شقي عبد أدرك رمضان فانسلخ عنه فلم يغفر له ، قلت :

__________________

(١) المراقي : وسائل الرقي أو آلاته ، مفردها : مرقاة.


آمين ، ثم قال : شقي عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك ، قلت : آمين ، ثم قال : شقي عبد أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة ، فقلت : آمين ، رواه يحيى بن الحسن عن جابر ، ورواه الحاكم عن كعب بن عجرة(١) وقال : صحيح الإسناد ، ولفظه : قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : احضروا المنبر ، فحضرنا ، فلما رقي درجة قال : آمين ، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال : آمين ، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال : آمين ، فلما نزل قلنا : يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه ، قال : إن جبريل عرض لي فقال : بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له ، قلت : آمين ؛ فلما رقيت الثانية قال : بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك ، فقلت : آمين ، فلما رقيت الثالثة قال : بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة ، قلت : آمين ، ويمكن حمله على أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ارتقى حينئذ على المجلس وهي الدرجة الثالثة.

مساحة المنبر

قال ابن زبالة : وطول منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة ذراعان في السماء ، وعرضه ذراع في ذراع ، وتربيعه سواء ، وفيه مما كان يلي ظهره إذا قعد ثلاثة أعواد تدور ، ذهب إحداهن ، وانقلعت إحداهن سنة ثمان وتسعين ومائة ، وأمر به داود بن عيسى فأعيد ، وفيما عمل مروان في حائط المنبر الخشب عشرة أعواد لا يتحركن ، وطول منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مرتفع في السماء مع الخشب الذي عمله مروان ـ أي الأعواد المتقدمة ـ ثلاث أذرع ونصف.

وقال عقب كلامه الآتي في ذرع ما عليه المنبر اليوم ، يعني زمنه ، ما لفظه : وطول المجلس ـ أي مجلسهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ شبران وأربع أصابع في مثل ذلك. مربع ؛ فقوله أولا : «وعرضه ذراع في ذراع» إنما أراد به مقعد المنبر ؛ لما قاله هنا في وصف المقعد بدون درجتيه ؛ ولأنه قال هنا عقب ما تقدم : وما بين أسفل قوائم منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الأول إلى رمانته خمسة أشبار وشيء ؛ وعرض درجه شبران ، وطولها شبر ، وطوله من ورائه ـ يعني محل الاستناد ـ شبران وشيء ؛ فيؤخذ من ذلك أن امتداد المنبر النبوي من أوله ـ وهو ما يلي القبلة ـ إلى ما يلي آخره في الشام أربعة أشبار وشيء ؛ لقوله : إن عرض درجه شبران ، وإن المجلس شبران وأربع أصابع ، وقوله : «وما بين أسفل قوائم منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ إلى آخره» معناه أن من طرف المنبر النبوي الذي يلي الأرض إلى طرف رمانته التي يضع عليها يده الكريمة خمسة أشبار وشيء ؛ وذلك نحو ذراعين ونصف ، وقد تقدم أن ارتفاع المنبر النبوي خاصة ذراعان ؛ فيكون ارتفاع الرمانة نحو نصف ذراع.

وقال ابن النجار : طول منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ذراعان وشبر وثلاث أصابع ، وعرضه ذراع

__________________

(١) أبو محمد ، القضاعي ، البلوي ، المدني ، حليف القوافل ، مات سنة إحدى وخمسين روى عنه البخاري ومسلم.


راجح ، وطول صدره ـ وهو مستند النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ ذراع ، وطول رمانتي المنبر اللتين كان يمسكهما بيده الكريمتين إذا جلس شبر وأصبعان ، وعرضه ذراع في ذراع ، يريد وتربيعه سواء ، ولا يخفى ما فيه من المخالفة لكلام ابن زبالة.

وقال ابن زبالة في الكلام على فضل ما بين القبر والمنبر ، بعد ذكر المرمر الذي حول المنبر ، ما لفظه : وفي المنبر من أسفله إلى أعلاه سبع كوى(١) مستطيرة من جوانبه الثلاث ، وفي جنبه الذي عمل مروان من قبل المشرق ثماني عشرة كوة(١) مستديرة شبه المربعة ، ومن قبل المغرب ثماني عشرة كوة مثل ذلك ، وكان فيه خمسة أعواد تدور ، فذهب بعضها وبقي اثنان منها ، فسقط أحدهما في سلطان داود بن عيسى على المدينة في سنة ثمان وتسعين ومائة ، فأمر به فأعيد.

وقال في موضع آخر : وفيما عمل مروان في حائط المنبر الخشب عشرة أعواد لا يتحركن ، ثم قال : وفي منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة خمسة أعواد من جوانبه الثلاث ، فذهب بعضها.

وقال بعد ما تقدم عنه في ذرع منبرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما لفظه : وذرع طول المنبر اليوم أربع أذرع ، وعرضه ذراع وشيء يسير ، وما بين الرمانة المؤخرة والرمانة التي كانت في منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم القديم ذراع وشيء ، وما بين رمانة منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الرمانة المحدثة في مقدم المنبر ذراعان وعظم الذراع ، وما بين الرمانة والأرض ثلاث أذرع وشيء ، وطول المنبر اليوم من أسفل عتبته إلى مؤخره سبع أذرع ـ أي بتقديم السين ـ وشبر ، وطوله في الأرض إلى مؤخره ست أذرع ، هذه عبارته بحروفها ، ويتعين حمل كلامه على أن امتداد المنبر في الأرض من أسفل عتبته الرخام التي أمامه إلى مؤخر المنبر سبعة أذرع وشبر ، وطول امتداده وهو في الأرض إلى مؤخره مع إسقاط العتبة ست أذرع ، حتى يلتئم كلامه ، وقد ذكر فيما قدمناه عنه أن حول المنبر مرمر مرتفع قدر الذراع ، وفيه شيء محدث غير مرتفع زاده الحسن بن زيد.

وقال في موضع آخر : والمنبر مبني فوق رخام ، وهو في وسط الرخام ، فسمي المرمر رخاما ، وقال : إن هذا الرخام حده من الأسطوانتين اللتين في قبلة المنبر ـ أي خلفه ـ إلى الأسطوانتين اللتين تليانهما مما يلي الشام ـ أي أمام المنبر ـ وقد سمى ابن النجار هذا الرخام الذي عليه المنبر دكة ، وقال : إن طولها شبر وعقد ، يعني في الارتفاع ، وسمى ذلك أبو الحسين بن جبير في رحلته حوضا ، وكأنه أخذ هذه التسمية مما ورد في أن المنبر على الحوض ، وذكر في طول هذا الرخام وعرضه ما يقرب مما قدمناه في حدود المسجد النبوي ، قال : وارتفاعه شبر ونصف.

__________________

(١) الكوى جمع كوّة : الخرق في الحائط.

(١) الكوى جمع كوّة : الخرق في الحائط.


قلت : ولما حفر متولي العمارة في زماننا أرض المسجد الشريف وسواها بأرض المصلى الشريف وجد هذا الرخام المذكور ، وارتفاعه عن أرض المصلى الشريف نحو ما ذكره ابن النجار وابن جبير ؛ ثم لما أرادوا تأسيس المنبر الرخام الآتي ذكره حفروا حول الدكة المذكورة فظهر أنها منخفضة عن أرض المصلّى الشريف التي استقر عليها الحال اليوم يسيرا ، وخلفها من جهة القبلة إفريز نحو ثلث ذراع ، وطولها سبع أذرع ، بتقديم السين ، وشبر ، وهي مجوفة شبيهة بالحوض ، فصح ما ذكره ابن جبير في تسميتها حوضا ، وصح أيضا ما سيأتي عنه من أن سعة المنبر خمسة أشبار ؛ لأن جوف هذا الحوض الذي وجدناه بما دخل من عمودي المنبر في أحجاره خمسة أشبار ، وقول ابن زبالة أولا «وذرع طول المنبر اليوم أربع أذرع» مراده ارتفاعه في الهواء مع الدرج الست التي زادها مروان ؛ فيكون طول الدرج الست ذراعين ؛ فتكون كل درجة ثلث ذراع ، فيقرب مما قدمه ابن زبالة في طول درج منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو الذي تقتضيه المناسبة.

ونقل الزين المراغي عن ابن زبالة أنه قال : طول منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بما زيد فيه أربعة أذرع ، ومن أسفل عتبته إلى أعلاه تسعة أذرع وشبر.

قلت : كذا رأيته بخط الزين ، وضبط قوله : «تسعة أذرع» بتقديم التاء الفوقية ، وهو غلط في النسخة التي وقعت له ؛ لأن الذي قدمناه عن ابن زبالة إنما هو من أسفل عتبته إلى مؤخره ، وقررناه بما تقدم ، وإنما قضينا على ذلك بالغلط لأنه حينئذ لا يلتئم أطراف كلامه ، ولأنه يقتضي أن يكون ارتفاع المنبر في الهواء تسعة أذرع ، بتقديم التاء ، وشبرا ، فإذا قام عليه القائم يقرب من سقف المسجد ، ويبعد كل البعد كون منبر في ذلك الزمان ارتفاعه هذا القدر ، وأيضا فابن زبالة قد صرح بأن الذي زاده مروان ست درج ، فيلزم أن يكون كل درجة ذراعا وشيئا ، وهو في غاية البعد ، وما نقلناه عن ابن زبالة يقرب مما ذكره ابن النجار ؛ فإنه قال عقب ما قدمناه عنه في وصف منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما لفظه : وطول المنبر اليوم ثلاثة أذرع وشبر وثلاث أصابع ، والدكة التي عليها من رخام طولها شبر وعقد ، ومن رأسه ـ أي المنبر ـ دون دكته إلى عتبته خمسة أذرع وشبر وأربع أصابع ، وقد زيد فيه اليوم عتبتان وجعل عليه باب يفتح يوم الجمعة ، انتهى ؛ فهو قريب مما ذكره ابن زبالة من أن طول المنبر ـ يعني في الهواء ـ أربعة أذرع ، وامتداده هو خاصة في الأرض من عتبته إلى مؤخره ستة أذرع ، ويوافق أيضا ما ذكره الفقيه أبو الحسين محمد بن جبير من حديث القدر ، فإنه قال : رأيت منبر المدينة الشريف في عام ثمان وسبعين وخمسمائة ، وارتفاعه من الأرض نحو القامة أو أزيد ، وسعته خمسة أشبار ، وطوله خمس خطوات ، وأدراجه ثمانية ، وله باب على هيئة الشباك مقفل يفتح يوم الجمعة ، وطوله ـ أي الباب ـ أربعة أشبار ونصف شبر ، وهذا


المنبر هو الذي وصفه ابن النجار فيما يظهر ؛ لأنه وضع تاريخه سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ، وتوفي قبل حريق المسجد سنة ثلاث وأربعين وستمائة ، وكان احتراق المسجد كما سيأتي سنة أربع وخمسين وستمائة ، وفيه احترق هذا المنبر ، وفقد الناس بركته.

وقد زاد ابن جبير على ابن النجار في وصف هذا المنبر فقال : وهو مغشّى بعود الآبنوس ، ومقعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من أعلاه ظاهر قد طبق عليه لوح من الآبنوس غير متصل به يصونه من القعود عليه ؛ فيدخل الناس أيديهم إليه ويمسحونه بها تبركا بلمس ذلك المقعد الكريم ، وعلى رأس رجل المنبر الأيمن حيث يضع الخطيب يده إذا خطب حلقة فضة مجوفة مستطيلة تشبه حلقة الخياط التي يضعها في أصبعه إلا أنها أكبر منها ، وهي لاعبة تستدير في موضعها ، انتهى.

والظاهر : أن هذا المنبر غير الذي وصفه ابن زبالة لأنه لم يصفه بذلك ، ويوضح ذلك ما ذكره في الطراز لسند من المالكية حيث قال : إن منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم جعل عليه منبر كالغلاف ، وجعل في المنبر الأعلى طاق مما يلي الروضة ، فيدخل الناس منها أيديهم يمسحون منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ويتبركون بذلك ، انتهى ؛ فهذا شيء حدث بعد ابن زبالة.

وقد قال المطري : حدثني يعقوب بن أبي بكر من أولاد المجاورين ، وكان أبوه أبو بكر فراشا من قوام المسجد ، وهو الذي كان حريق المسجد على يده ، أن المنبر الذي زاده معاوية ورفع منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم تهافت على طول الزمان ، وأن بعض خلفاء بني العباس جدده ، واتخذ من بقايا أعواد منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أمشاطا للتبرك ، وعمل المنبر الذي ذكره ابن النجار فيما تقدم.

قال يعقوب : سمعت ذلك من جماعة بالمدينة ممن يوثق بهم ، وأن المنبر المحترق هو الذي جدده الخليفة المذكور ، وهو الذي أدركه ابن النجار ؛ لأن وفاته قبل الحريق.

قلت : وظاهر كلام ابن عساكر في تحفته أنه كان قد بقي من المنبر الشريف بقايا فقط إلى احتراق المسجد ، وهو من أدرك حريقه ، وأورد في كتابه ما ذكره شيخه ابن النجار ، ولفظه : وقد احترقت بقايا منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم القديمة ، وفات الزائرين لمس رمانة المنبر التي كانصلى‌الله‌عليه‌وسلم يضع يده المقدسة المكرمة عليها عند جلوسه عليه ، ولمس موضع جلوسه منه بين الخطبتين وقبلهما ، ولمس موضع قدميه الشريفتين بركة عامة ونفع عائد ، وفيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عوض من كل ذاهب ودرك من كل فائت ، انتهى. وهو صريح في بقاء ما ذكره إلى حين الحريق ، ويؤيده ما تقدم عن رحلة ابن جبير وصاحب الطراز ، بل ظفرنا بما يشهد لصحة ذلك ؛ فإنه لما أراد متولي العمارة تأسيس المنبر الرخام الآتي ذكره حفروا على الدكة التي تقدم أن المنبر


كان عليها فوجدت مجوفة كالحوض ، وبه عبر ابن جبير عنها ، فوجدوا فيما يلي القبلة منها قطعا كثيرة من أخشاب المنبر المحترق ـ أعني الذي كان فيه بقايا منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فوضعها الأقدمون في جوف ذلك المحل حرصا على البركة ، وبنوا فوقها بالآجر بحيث سدوا جوف ذلك الحوض كله ، فصار دكة مستوية ، ووضعوا المنبر الآتي ذكره عليها ، وشاهدت آثار قائمتي المنبر الشريف اللتين كان بأعلاهما رمانتاه قد نحت لهما في الحجر المحيط بالحوض المذكور على نحو ذراع وثلث من طرف باطن الحوض المذكور مما يلي القبلة ، وسعة الحوض المذكور خمسة أشبار كما ذكره ابن جبير في سعة المنبر ، وعرض جدار الحوض المذكور خلف المنبر نحو نصف ذراع ، وقد حرصت على وضع ما وجد من تلك الأخشاب في محلها ، فوضع ما بقي منها في محله من الحوض المذكور ، وبنوا عليه كما سيأتي ، والله أعلم.

ولما احترق المنبر المذكور في جملة الحريق أرسل الملك المظفر صاحب اليمن في سنة ست وخمسين منبرا له رمانتان من الصندل ، فنصب في موضع منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما ذكره المطري فمن بعده ، قال : ولم يزل يخطب عليه عشر سنين ، فلما كان في سنة ست وستين وستمائة أرسل الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري هذا المنبر الموجود اليوم أي : زمن المطري ، فقلع منبر صاحب اليمن ، وحمل إلى حاصل الحرم ، ونصب هذا المنبر مكانه ، وطوله أربع أذرع في السماء ، ومن رأسه إلى عتبته سبع أذرع يزيد قليلا ، وعدد درجاته تسع بالمقعد.

قال المجد : وله باب بمصراعين ، في كل مصراع رمانة من فضة ، ومكتوب على جانبه الأيسر اسم صانعه «أبو بكر بن يوسف النجار» وكان من أكابر الصالحين الأخيار ، وهو الذي قدم بالمنبر إلى المدينة ، فوضعه في موضعه ، فأحسن وضعه ، وأتقن نجارته وصنعته ، ثم انقطع في المدينة.

قال الزين المراغي : وبقي منبر الظاهر بيبرس يخطب عليه من سنة ست وستين وستمائة إلى سنة سبع وتسعين وسبعمائة ، فكانت مدة الخطبة عليه مائة سنة واثنتين وثلاثين سنة ، فبدأ فيه أكل الأرضة ؛ فأرسل الظاهر برقوق صاحب مصر هذا المنبر الموجود اليوم : أي زمن المراغي ، أرسله في آخر سنة سبع وتسعين وسبعمائة ، وقلع منبر الظاهر بيبرس ، انتهى.

قلت : ولم يزل هذا المنبر موجودا إلى ما بعد العشرين وثمان مائة ، كما أخبرني به جماعة من مشايخ الحرم منهم الشيخ صالح المعمر الجمال عبد الله بن قاضي القضاة عبد الرحمن بن صالح ، قال : فأرسل سلطان مصر الملك «المؤيد شيخ» هذا المنبر الموجود اليوم عام اثنين وعشرين وثمان مائة.

ثم رأيت في كلام الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر أن المنبر الموجود اليوم أرسله المؤيد


سنة عشرين وثمان مائة ؛ فهذا هو المعتمد ، لكن لم يطلع ابن حجر على ما ذكره المراغي من منبر الظاهر برقوق ، وجعل إتيان منبر المؤيد هذا بدلا عن منبر الظاهر بيبرس ، وكلام المراغي أولى بالاعتماد في ذلك ؛ فإنه كان بالمدينة حينئذ ، وعلى هذا فمدة الخطبة على منبر الظاهر برقوق ثلاث أو أربع وعشرون سنة ، ثم وضع منبر المؤيد.

وأخبرني السراج النفطي أنه صنعه أهل الشام ، وجاءوا به المؤيد ليجعله بمدرسته المؤيدية ، فوجدوا أهل مصر قد صنعوا لها منبرا ، فجهز المؤيد منبر أهل الشام إلى المدينة الشريفة ، وقال لي الجمال عبد الله بن صالح : شاهدت وضعه موضع المنبر الذي كان قبله.

قلت : ويدل على صحة ذلك ما قدمناه من اختبار ذرع ما بينه وبين المصلى الشريف ؛ إذ المنقول أن بينهما أربعة عشر ذراعا وشبرا ، وقد اختبرته من ناحية المصلى الشريف إلى ما حاذاه من المنبر في المغرب فكان كذلك ؛ فوضعه من هذه الجهة صحيح لا شك فيه ، وأما من جهة القبلة فقد قال المطري : إن المنبر الذي أدركه بينه وبين الدرابزين الذي في قبلة الروضة مقدار أربعة أذرع وربع ذراع ، وقد ذكر الزين المراغي في كتابه ما ذكره المطري من الذرع ، ولم يتعقبه ؛ فاقتضى أن المنبر الذي تقدم وضعه في زمنه وضع موضع المنبر الذي كان في زمان المطري ، وأقر أيضا قول المطري في حدود المسجد أن المنبر لم يغير عن منصبه الأول.

وقد ذكر ابن جماعة أيضا ذرع ما بين المنبر والدرابزين ، وهو يعني المنبر الموجود زمن المطري ، فقال : إن بينهما ثلاثة أذرع بذراع العمل ، وهو أزيد مما ذكره المطري بربع ذراع راجح ؛ لأن ذراع العمل كما تقدم ذراع ونصف ، وكأن المطري يعني ذراع المدينة اليوم كما يؤخذ من كلام المراغي فيوافق كلام ابن جماعة ، والذي بين هذا المنبر الموجود اليوم وبين الدرابزين المذكور ذراعان وثلث بذراع العمل ، وذلك ثلاثة أذرع ونصف من الذراع الذي قدمنا أنه المراد عند الإطلاق ؛ فيحتمل أن يكون هذا المنبر مقدم الوضع لجهة القبلة على المنبر الذي كان قبله ، وهو مقتضى ما نقله الأثبات ، لكني أستبعده للأخبار ممن لقيناه بوضعه موضع ذاك.

ثم تبين عند انكشاف الدكة التي تقدم ذكرها من آثار المنبر المحترق قديما ما علمنا به صواب ما ذكره المطري وغيره أن هذا المنبر مقدم الوضع على الذي قبله من جهة القبلة بما يقرب من ذراع ، وكذا ظهر زيادته من جهة الشام أيضا على الدكة الأصلية المتقدم وصفها بقريب من ذراع ، ووجد محرفا عنها من طرفه الشامي نحو المغرب قدر شبر لما فيها من التيامن الذي تقدمت الإشارة إليه في التنبيه الثالث من الفصل قبله ، وكنت قد أيدت وضعه بكونه أقرب إلى ما ورد فيما كان بين المنبر والجدار القبلي كما سيأتي فانكشف الحق لذي


عينين ، والذي لقيناه وأخبر بوضعه موضع المنبر الذي كان قبله هو الجمال بن صالح في آخر عمره ، وكان غير تام الضبط حينئذ ، وكنت قد أيدت خبره بأنا قد قدمنا إلى الصندوق الذي في قبلة المصلى الشريف في عرض الجدار ، وأن المصلى الشريف لم يغير باتفاق ، وأن منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان بينه وبين الجدار القبلي ممر الشاة أو ممر الرجل منحرفا ، وأقصى ما قيل فيه ذراع وشيء كما قدمناه ، فإذا أسقطت قدر ما بين طرف المصلى الشريف والدرابزين الذي أمامه مما بين المنبر اليوم والدرابزين المذكور وهو ثلاثة أذرع ونصف بقي ذراع ، وهو نحو القدر المنقول فيما بين المنبر القديم وجدار المسجد الشريف ، ثم تبين لنا مما سبق في حدود المسجد النبوي وبانكشاف المرمر الذي في قبلة المنبر تقدم الدرابزين المذكور عن ابتداء المسجد النبوي بأزيد من ذراع كما قدمناه في حدود المسجد النبوي ؛ فالصواب ما ذكره المطري ومن تبعه.

وطول هذا المنبر في السماء سوى قبته وقوائمها ، بل من الأرض إلى محل الجلوس ، ستة أذرع وثلث ، وارتفاع الخافقتين اللتين يمين المجلس وشماله ذراع وثلث ، وامتداد المنبر في الأرض من جهة بابه إلى مؤخره ثمانية أذرع ونصف راجحة ، وعدد درجه ثمانية ، وبعدها مجلس ارتفاعه نحو ذراع ونصف ، وقبته مرتفعة ، ولها هلال قائم عليها مرتفع أيضا ، وما أظن منبرا وضع قبله في موضعه أرفع منه ، وله باب بصرعتين.

وقد احترق هذا المنبر في حريق المسجد الثاني الحادث في رمضان عام ستة وثمانين وثمان مائة ، فكانت مدة الخطبة عليه نحو سبع وستين سنة.

ولما نظف أهل المدينة محله جعلوا في موضعه منبرا من آجر مطلي بالنورة ، واستمر يخطب عليه إلى أثناء شهر رجب سنة ثمان وثمانين ، فهدم رابع الشهر المذكور ، وحفروا لتأسيس المنبر الرخام الموجود اليوم ظاهر الدكة المتقدم ذكرها ، فوجدت على النحو المتقدم ، ونقضوا من بعضها قريب القامة فلم يبلغوا نهايتها ، ووجدوها محكمة التأسيس في الأرض ، فأعادوها كما كانت ، إلا ما كان فوقها من نحو أزيد من نصف ذراع من الآجر ، وسوّوا ما وجد مجوفا منها كالحوض بالبناء بعد وضع ما تقدم ذكره مما وجد بمقدمها من بقايا المنبر القديم المحترق في الحريق الأول بمقدمها أيضا ، وكانوا قد سألوني عن ابتداء حد المنبر القديم من جهة القبلة والروضة فأخبرتهم بذلك ، وأن ذلك الحوض وما به من محل قوائم المنبر الأصلي إمام يقتدى به لموافقته ما ذكره المؤرخون قديما وحديثا ، فشرعوا في وضع رخام المنبر عليها على سمت ما ظهر من الفرضة التي وجدوها في الحوض المذكور على الاستقامة من غير انحراف ، وبينها وبين طرف الدكة الشرقي خمسة أصابع ، لما ظهر من أن المنبر الأصلي كان بالحوض المذكور ، ومشاهدة محل قوائمه نقرا في الحجر وبقايا الرصاص


الذي كانت القوائم مثبتة به ، وما وصفه المؤرخون في أمر المنبر الأصلي شاهد لذلك ، ومعلوم أن الحوض الموجود في باطن تلك الدكة لا يمكن وضع المنبر فيه إلا على الاستقامة ، سيما وقد طابقت سعته ما ذكره ابن جبير في سعة المنبر الأصلي ، وإحكام تلك الدكة بحيث إنهم حفروا منها قرب القامة ، ولم يدركوا آخرها ، وإتقان فرضتي الحوض المذكور بالرصاص ، وترخيم تلك الدكة قديما ، كله قاض بجعل السلف لها من أجل وضع المنبر فيها ، كما صرح به المؤرخون ، ولم يكن السلف مع عظيم إتقانهم يجعلونها لوضع المنبر ويحرفونها عن وضعه ؛ لأن وضعها تابع لوضعه إذ جعلت من أجله ، وقد كان وضعه مشاهدا لهم ؛ لوجود المنبر النبوي بين أظهرهم وإتقانها وما سبق من المتقدمين في ذكر ترخيمها شاهد بعملها في عمارة عمر بن عبد العزيز للمسجد إن لم يكن من زمن معاويةرضي‌الله‌عنه عند تحريكه المنبر كما سبق ، ولم أرتب عند مشاهدتها في وضع المنبر بها كذلك ، وتيامن حوضها الذي كان المنبر به يسير جدا لا يخرج صدر المستقبل عن القبلة ، وقد أشار يحيى فيما قدمناه عنه في التنبيه الثالث إلى تصويب وضعه ، وأيضا فقد يكون النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وضعه متيامنا لما أوضحناه في الرسالة الموسومة بالنصيحة ، والمنبر جماد ليس بمصل حتى يحرر أمره في الاستقبال ويترك ما وجد من حدوده الأصلية المجمع عليها في الأعصر الماضية المترتب عليها حدود الروضة الشريفة ، فشرعوا في وضع رخام المنبر المذكور على النحو الذي ذكرته ، غير أنهم جعلوا جداره من جهة القبلة على الأحجار التي خلف الحوض من جهة القبلة ؛ لاقتضاء نظرهم ذلك ، ولو كان لي من الأمر شيء ما وافقت عليه.

ثم وقع من بعض ذوي النفوس ما أوضحناه في الرسالة الموسومة (بالنصيحة الواجبة القبول ، في بيان وضع منبر الرسول)صلى‌الله‌عليه‌وسلم .

والحاصل : أنهم نقضوا ما سبق ، وزادوا خلف أحجار الحوض المذكور نحو ربع ذراع العمل حتى ساوى ذلك محل المنبر المحترق من جهة القبلة ، وحرفوه على تلك الدكة لجهة المغرب أزيد من تحريف المنبر المحترق ، وجعلوا هذا المنبر في محل المحترق من جهة القبلة ومساو لطرفها الشرقي مما يلي القبلة أيضا ، وزعموا أنه لا يعول على كلام من قدمناه من الأئمة ، ويتحرر مما سبق أنه مقدم على محل المنبر الأصلي لجهة القبلة بعشرين قيراطا من ذراع الحديد ، وهو نحو ذراع اليد ، وأن المنبر النبوي لم يقع في محله نغير إلا من تاريخ وضع المنبر المحترق في زماننا لأنه خفي على واضعه ما في جوف الدكة المذكورة ، ولم يدركه أحد من مؤرخي المدينة ، وكان مفرط الطول بحيث كان قاطعا للصف الباقي من الروضة ، وقد اقتدى به واضع هذا المنبر لكونه من آبائه ، ولم يبال ولي الأمر بتفويته المنقبة العظيمة في إعادة وضع منبر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم على ما كان عليه ، وهذا المنبر ـ أعني الرخام ـ أقصر من امتداد المنبر المحترق في الأرض بنحو ثلاثة أرباع ذراع ، وعدد درجه مع مجلسه كالمحترق ، ومحل عود


المنبر الأصلي منه مما يلي الروضة وهو الذي كان بأعلاه رمانة المنبر النبوي قبل عمود هذا المنبر بأزيد من قيراط ، وذلك على نحو ذراعين وشيء من طرف المنبر المذكور من القبلة.

وقد اشتهر محله من أحجار الدكة المذكورة بسبب تحريف المنبر المذكور بحيث تغيرت حدود الروضة الشريفة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

كسوة المنبر

وفي يوم الجمعة يجعل على باب المنبر ستر من حرير أسود مرقوم بحرير أبيض وقد قدمنا أول من كسا المنبر.

وأسند ابن زبالة عن هشام بن عروة أن ابن الزبير كان يلبس منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم القباطي فسرقت امرأة قبطية فقطعها ، وقال ابن النجار : ولم يزل الخلفاء إلى يومنا هذا يرسلون في كل سنة ثوبا من الحرير الأسود له علم ذهب يكسى به المنبر ، قال : ولما كثرت الكسوة عندهم أخذوها فجعلوها ستورا على أبواب الحرم.

ستور الأبواب كسوة الحجارة

قلت : قد استقر الأمر بعد قتل الخليفة المستعصم على حمل الكسوة من مصر كما قاله الزين المراغي قال : والأبواب مستقلة اليوم بستور ، قال : وإنما يظهرونها في أوقات المهمات كقدوم أمير المدينة ، وذكر ما سيأتي في كسوة الحجرة من وقف قرية بمصر على ذلك وعلى كسوة الكعبة الشريفة ؛ فالكعبة تكسي كل عام مرة ، والحجرة والمنبر في كل ست سنين مرة.

وقال المجد : والمنبر يحمل له في كل سبعة أعوام أو نحوها من الديار المصرية كسوة معظمة ملوكية يكساها من الجمعة إلى الجمعة ، ورايتان سوداوان ينسجان أبدع نسج يرفعان أمام وجه الخطيب في جانبي المنبر قريبا من الباب.

قلت : في زماننا تمضي السبع سنين والعشر وأكثر من ذلك ولا تصل كسوة ، والذي يجعل اليوم على المنبر إنما هو الستر المتقدم ذكره مع الرايتين اللتين ذكرهما المجد ، والله أعلم.

الفصل الخامس

في فضائل المسجد الشريف

قال الله تعالى :( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) [التوبة : ١٠٨].

المسجد الذي أسس على التقوى

روينا في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في بيت لبعض نسائه ، فقلت : يا رسول الله ، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال : فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض ، ثم قال : هو مسجدكم هذا ، لمسجد المدينة.


ولأحمد والترمذي من وجه آخر عن أبي سعيد : اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال أحدهما : هو مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فسألاه عن ذلك ، فقال : هو هذا ، وفي ذلك ـ يعني مسجد قباء ـ خير كثير ، وأخرجه أحمد من وجه آخر مرفوعا ، وفي العتبية عن مالك ما لفظه : وقال : المسجد الذي ذكر اللهعزوجل أنه أسس على التقوى من أول يوم الآية هو مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم هذا ، أي مسجد المدينة ، ثم قال : أين كان يقوم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ أليس في هذا؟ ويأتونه أولئك من هنالك.

وقد قال الله سبحانه وتعالى :( وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً ) [الجمعة : ١١] فإنما هو مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وقد قال عمر بن الخطاب : لو لا أني رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو سمعته يريد أن يقدم القبلة ، وقال عمر بيده هكذا ، ما قدمتها ، ثم قدمها عمر موضع المقصورة الآن ، انتهى.

قال ابن رشد في بيانه : ما ذهب إليه مالك مروى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وذهب قوم إلى أنه مسجد قباء ، فاستدلوا بما روي أن الآية لما نزلت قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا معشر الأنصار ، إن الله قد أثنى عليكم خيرا ، الحديث ، قال : ولا دليل فيه ؛ لأن أولئك كانوا في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ لأنه كان معمورا بالمهاجرين والأنصار ومن سواهم ، قال : واستدلال مالك بقول عمر المتقدم ظاهر ؛ لأن الله تعالى لما ذكر فيه أنه أسس على التقوى لم يستجز نقض بنائه وتبديل قبلته ، إلا بما سمع من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في ذلك ورآه قد أراد أن يفعله.

قلت : ما ذكره مالك من كون مسجد المدينة هو المراد هو ظاهر ما قدمناه ، لكن قوله تعالى( مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) يقضي أنه مسجد قباء ؛ لأنه ليس المراد أول أيام الدنيا ، بل أول أيام حلولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بدار الهجرة ، وذلك هو مسجد قباء إلا أن يدعى أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم شرع في تأسيس مسجد المدينة أيضا من أول يوم قدومه لها ، أو يقال : المراد من أول يوم تأسيسه ، وسيأتي في مسجد قباء أشياء صريحة في أنه المراد ؛ فتعين الجمع بأن كلا منهما يصدق عليه أنه أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه كما هو معلوم ، وأنهما المراد من الآية ، لكن يشكل عليه كون النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أجاب عند السؤال عن ذلك بتعيين مسجد المدينة ، وجوابه أن السر في ذلك أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أراد به رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء كما هو ظاهر ما فهمه السائل ، وتنويها بمزية مسجده الشريف لمزيد فضله ، والله أعلم.

فضل مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم

وفي الصحيحين حديث أبي هريرة «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي ، والمسجد الحرام ، والمسجد الأقصى».

وعند مسلم : «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد : الكعبة ، ومسجدي ، ومسجد إيلياء».


وعند أبي داود بلفظ : «ومسجدي هذا».

وفي الكبير والأوسط للطبراني برجال ثقات عن ابن عمر ، وبرجال الصحيح عن أبي الجعد الضّمري «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ، وذكر نحو رواية الصحيحين.

وفي صحيح ابن حبان ومسند أحمد والأوسط للطبراني وإسناده حسن من حديث جابر : «خير ما ركبت إليه الرواحل مسجدي هذا والبيت العتيق».

وهو عند البزار بلفظ : «خير ما ركبت إليه الرواحل مسجد إبراهيم ومسجد محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم » ورجاله رجال الصحيح إلا عبد الرحمن بن أبي الزناد وقد وثقه غير واحد.

فضل الصلاة في مسجد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرةرضي‌الله‌عنه : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في ما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» هذا لفظ البخاري ، زاد مسلم : «فإني آخر الأنبياء ، وإن مسجدي آخر المساجد».

قلت : يريد آخر مساجد الأنبياء كما نقله المحب الطبري عن أبي حاتم ، وإلا فهو من أول مساجد هذه الأمة ، وإذا كانت الألف واللام هنا لمعهود ـ وهو مساجد الأنبياء ـ فالألف واللام أيضا في قوله «فيما سواه من المساجد» للعهد ، والمراد مساجد الأنبياء ؛ فيتحصل من معناه أن الصلاة في مسجده أفضل من الصلاة في سائر مساجد الأنبياء بألف صلاة إلا المسجد الحرام ؛ فيقتضي ذلك أن تكون الصلاة بمسجده أفضل من ألف صلاة في بيت المقدس ؛ لأنه من جملة مساجد الأنبياء ، ولم يستثن ، ويدل على ذلك ما رواه البزار عن أبي سعيد قال : ودّع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم رجل فقال له : أين تريد؟ قال : أريد بيت المقدس ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام ، وأسنده يحيى بزيادة تسمية الرجل فقال : عن الأرقم أنه تجهز يريد بيت المقدس ، فلما فرغ من جهازه جاء إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يودعه ، وقال فيه : فجلس الأرقم ولم يخرج ، وأسنده ابن النجار عن الأرقم بلفظه : إنني أريد الخروج إلى بيت المقدس ، قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ولم؟ قلت : للصلاة فيه ، قال : هاهنا أفضل من الصلاة هناك ألف مرة ، ورواه الطبراني برجال ثقات عن الأرقم بلفظ : صلاة هاهنا خير من ألف صلاة ثم.

وقد روى أبو يعلى برجال ثقات عن ميمونة قالت : يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس ، قال : أرض المحشر ، وأرض المنشر ، ائتوه فصلوا فيه ، فإن صلاة فيه كألف صلاة ـ أي في غيره من مساجد الأنبياء قبله ، ومساجد غير الأنبياء ما عدا المسجدين ـ لقيام الدليل على ذلك ؛ فتكون الصلاة بمسجد المدينة خيرا من ألف ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام والمسجد الأقصى ، فأما المسجد الأقصى فإنها أفضل من ألف صلاة فيه


فقط ، ولا يعلم قدر زيادتها في الفضل على ذلك إلا الله تعالى ، ولمثل هذا تضرب آباط الإبل ، وتستحق الرحلة ، ولا يعكر على ذلك ما رواه أحمد برجال الصحيح عن أبي هريرة وعائشة قالا : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الأقصى» لأن المحفوظ إنما هو استثناء المسجد الحرام ، وحديث أبي هريرة في الصحيح خلا قوله : «إلا المسجد الأقصى» وهو معارض بما تقدم ، ولأن الهيثمي أورده في مجمع الزوائد ثم قال : رواه أحمد ، وأعاده بعد هذا بسنده فقال : إلا المسجد الحرام ، فاتضح بذلك ما قلناه.

وأما المسجد الحرام فاختلف الناس في معنى استثنائه ، فذهب مالك في رواية أشهب عنه ـ وقاله ابن نافع صاحبه وجماعة من أصحابه ـ إلى أن معنى الاستثناء أن الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة ، إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أفضل من الصلاة فيه بدون الألف ، وذهب بعضهم إلى أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجد مكة بمائة صلاة ، وحمل على ذلك الاستثناء في الحديث المتقدم ، واحتجوا برواية سليمان بن عتيق عن ابن الزبير عن عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه : «صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة في ما سواه» فيأتي فضيلة مسجد الرسول عليه بتسعمائة ، وعلى غيره بألف ، وتعقّب بأن المحفوظ بالإسناد المتقدم «صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه ، إلا مسجد الرسول فإنما فضله عليه بمائة صلاة».

قلت : وروى الطبراني في الأوسط عن عائشة مرفوعا : «صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في غيره» لكن فيه سويد بن عبد العزيز ، قال البخاري : في حديثه نظر لا يحتمل ، وقد صح ما يقتضي رد ما ذهب إليه هؤلاء ؛ فقد روى أحمد والبزار وابن خزيمة برجال الصحيح من طريق حبيب المعلم عن عطاء عن عبد الله بن الزبير قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد ، إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا» زاد ابن خزيمة : «يعني في مسجد المدينة» لكن لفظ البزار : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه ، إلا المسجد الحرام فإنه يزيد عليه بمائة» وهي محتملة لأن يكون الضمير في «فإنه يزيد» لمسجده أو للمسجد الحرام ، وقد صحح ابن عبد البر حديث أحمد ، وقال : هو الحجة عند التنازع ، نص في موضع الخلاف ، قاطع له عند من ألهم رشده ، ولم تمل به العصبية ، قال : ولا مطعن فيه إلا لمتعسف لا يعرج على قوله في حبيب ، وقد كان الإمام أحمد يمدحه ، ويوثقه ، ويثنى عليه ، وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه ، ولم يرو عنه القطان ، وروى عنه أئمة ثقات يقتدى بهم ، ومنهم من أعله باختلاف على عطاء ؛ لأن قوما يروونه عنه عن ابن


الزبير ، وآخرين يروونه عنه عن ابن عمر ، وآخرين عنه عن جابر ، ومن العلماء من يجعل مثل هذا علة في الحديث ، وليس كذلك ؛ لأنه يمكن أن يكون عن عطاء عنهم ، والواجب أن لا يدفع خبر نقله العدول إلا بحجة.

قال البزار : هذا الحديث قد روى عن عطاء ، واختلف على عطاء فيه ، ولا نعلم أحدا قال بأنه يزيد على مسجد المدينة مائة إلا ابن الزبير ، وقد تابع حبيبا المعلم الربيع بن صبيح ؛ فرواه عن عطاء عن ابن الزبير ، ورواه عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عمر ، ورواه ابن جريح عن عطاء بن أبي سلمة عن أبي هريرة أو عائشة ، ورواه ابن أبي ليلى عن عطاء عن أبي هريرة ، انتهى.

وقال الذهبي في مختصر سنن البيهقي : إسناده صالح ، ولم يخرجه أصحاب السنن.

قلت : هذا أمر آخر ، وهو أن الحديث المذكور لما اختلف لفظه على وجهين أحدهما ليس نصا في الدلالة كما قدمناه احتمل أن تكون الرواية في الواقع به ، ومن رواه بالوجه الآخر رواه بالمعنى بحسب فهمه ، إلا أن وروده من الطرق الأخرى بذلك اللفظ توهن هذا الاحتمال ، وعلى تقدير ثبوته فهو من ابن الزبير ، وهو أعرف بفهم مرويه ؛ لأن عبد الرزاق روى عن ابن جريج قال : أخبرني سليمان بن عتيق وعطاء عن ابن الزبير أنهما سمعاه يقول : «صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيه» ويشير إلى مسجد المدينة ، وقد قال ابن عبد البر : إن رجال إسناد حديث ابن عمر علماء أجلاء ، ورواه ابن وضاح عن ابن الزبير من كلام عمر بن الخطاب بنفسه ، قال ابن حزم : وسنده كالشمس في الصحة ، وروى ابن أبي خيثمة عن أبيه حدثنا مسلم عن الحجاج عن عطاء عن عبد الله بن الزبير قال : الصلاة في المسجد الحرام تفضل على مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بمائة ضعف ، قال : فنظرنا فإذا هي تفضل على سائر المساجد بمائة ألف صلاة ، قال ابن عبد البر وابن حزم : فهذان صحابيان جليلان يقولان بفضل المسجد الحرام على مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا مخالف لهما من الصحابة ؛ فصار كالإجماع منهم على ذلك.

وفي ابن ماجه من حديث جابر مرفوعا : «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» وفي بعض النسخ : «من مائة صلاة فيما سواه» فعلى الأول معناه فيما سواه إلا مسجد المدينة ، وعلى الثاني معناه من مائة صلاة في مسجد المدينة لما تقدم عن جابر.

قلت : وقد روى يحيى حديث الصحيحين المتقدم عن جبير بن مطعم بلفظ : «إن صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد غير الكعبة» وفي رواية النسائي وغيره «إلا مسجد الكعبة» ولهذا ذهب بعضهم إلى أن المراد من المسجد الحرام


الكعبة ، وبه قال العمراني من أصحابنا وغيره ، وروى البزار عن عائشة حديث : «أنا خاتم الأنبياء ، ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء ، أحق المساجد أن يزار وتشد إليه الرواحل المسجد الحرام ومسجدي ، وصلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام».

وروى ابن ماجه مرفوعا برجال ثقات إلا أبا الخطاب الدمشقي فهو مجهول : «صلاة الرجل في بيته بصلاة ، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة ، وصلاته في المسجد الذي تجمع فيه بخمس مائة صلاة ، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة ، وصلاة في مسجدي بخمسين ألف صلاة ، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة» وهو يقتضي أن الصلاة بمسجد المدينة مساوية لمسجد بيت المقدس ، وأنهما معا على النصف من الصلاة بالمسجد الحرام ، وهو مخالف لما في الصحيح ، مع أن مفهوم العدد ليس بحجة ؛ فلا ينفي ما ثبت من الزيادة لمسجد المدينة على مسجد بيت المقدس سيما بالطريقة التي قدمناها.

وفي الطبراني ـ وهو حسن ، وفي بعض رجاله كلام ـ عن أبي الدرداء مرفوعا : «الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، والصلاة في مسجدي بألف صلاة ، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة» ورواه ابن خزيمة في صحيحه بنحوه ، والبزار وحسنه ، وقال المجد : أخرجه الترمذي وقال : حسن غريب ، قال : ولا نعلم حديثا يشتمل على فضيلة الصلاة بالمساجد الثلاثة خصوصا(١) سواه مما يصح عند الاعتبار معناه.

قلت : لم أره في الترمذي ، وقد ساقه ابن عبد البر محتجا به ، وهو غير مانع مما قدمناه من كون الصلاة بمسجد المدينة أفضل من ألف صلاة بمسجد بيت المقدس ؛ لأن العدد لا ينفي الزائد ، وكذا حديث الأوسط للطبراني برجال الصحيح عن أبي ذر : تذاكرنا ونحن عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أيما أفضل مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو بيت المقدس؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ، ولنعم المصلى هو» وقد يقال في ذلك كما قيل في نظائره من احتمال أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أخبر أولا ببعض ذلك بحسب ما أوحى إليه ، ثم أعلم بالزيادة ، ويكون حديث الأقل قبل حديث الأكثر ، ثم تفضل الله بالأكثر شيئا بعد شيء ، ومحصله ما قررناه من الأخذ بالزائد ، ويحتمل أن ينزل تلك الأعداد على اختلاف الأحوال ؛ فالحسنة بعشر أمثالها إلى غير نهاية.

__________________

(١) المساجد الثلاثة : هي الأقصى ، ومسجد المدينة ، والمسجد الحرام.


هل فضل الصلاة في المساجد الثلاثة يختص بالفرض؟

ونقل الزركشي في أعلام المساجد عن الكبير للطبراني بسند فيه مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «صلاة في مسجدي هذا بعشرة آلاف صلاة ، وصلاة في المسجد الحرام بعشرة أمثالها مائة ألف صلاة ، وصلاة الرجل في بيت المقدس بألف صلاة ، وصلاة الرجل في بيته حيث لا يراه أحد أفضل من ذلك كله».

قلت : وهو ضعيف ، ولم يورده الهيثمي في مجمعه في فضل الصلاة في المساجد الثلاث.

وهذه المضاعفة المذكورة في هذه المساجد لا تختص بالفريضة ، بل تعم الفرض والنفل ، كما قال النووي في شرح مسلم إنه المذهب.

قال الزركشي : وهو لازم تعليل الأصحاب استثناء النفل بمكة في الأوقات المكروهة بمزيد الفضيلة.

وقال الطحاوي من الحنفية : هو مختص بالفرض ، وفعل النوافل بالبيت أفضل ، وإليه ذهب ابن أبي زيد من المالكية ، وهو المرجح عندهم ، وفرق بعضهم بين أن يكون المسجد خاليا أم لا.

فإن قيل : كيف تقولون إن المضاعفة تعم الفرض والنفل وقد تطابقت الأصحاب ونص الحديث الصحيح على أن فعل النافلة في بيت الإنسان أفضل؟

قلنا : لا يلزم من المضاعفة في المسجد أن يكون أفضل من البيت كما قاله الزركشي وغيره ، وغاية الأمر أن يكون في المفضول مزية ليست في الفاضل ، ولا يلزم من ذلك جعله أفضل ؛ فإن للأفضل مزايا إن كان للمفضول مزية ، ولهذا بحث التاج السبكي مع أبيه في صلاة الظهر بمنى يوم النحر إذا جعلنا منى خارجة عن محل المضاعفة : هل يكون أفضل من صلاتها في المسجد لأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فعلها بمعنى يومئذ أو في المسجد للمضاعفة؟ فقال والده : بل في منى وإن لم يحصل بها المضاعفة ؛ فإن في الاقتداء بأفعال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما يربو على المضاعفة ، على أن الحافظ ابن حجر ذكر ما يقتضي إثبات المضاعفة للتنفل في البيوت بالمدينة ومكة ، عملا بعموم قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» فقال : وقد تقدم النقل عن الطحاوي وغيره أن ذلك ـ يعني التضعيف ـ مختص بالفرائض ؛ لحديث : «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» ويمكن أن يقال : لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه ؛ فتكون النافلة في بيت بالمدينة أو مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما ، وكذا في المسجدين ، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقا.


مرجع مضاعفة فضل الصلاة

ثم إن التضعيف المذكور يرجع إلى الثواب بتلك الأعداد ، لا إلى الإجزاء ، باتفاق العلماء كما نقله النووي وغيره ؛ فلو كانت صلوات فصلى في أحد المسجدين صلاة لم تجزه إلا عن واحدة ، وقد أوهم كلام أبي بكر النقاش في تفسيره خلاف ذلك ؛ فإنه قال : حسبت الصلاة في المسجد الحرام فبلغت صلاة واحدة بالمسجد الحرام عمر خمسة وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة ، اه. وهذا مع قطع النظر عن التضعيف بالجماعة والسواك ونحوه ، لكن هل تجمع التضعيفات أولا؟ محل بحث.

هل يختص التضعيف بالصلاة؟

قلت : وينبغي أن لا يختص هذا التضعيف بالصلاة ، بل سائر أنواع الطاعات كذلك قياسا على ما ثبت في الصلاة ، كما صرحوا به في مسجد مكة المشرفة ، وصرح به فيما يتعلق بالمدينة صاحب الانتصار أبو سليمان داود من المالكية ، ثم رأيته في كلام الغزالي في الإحياء كما قدمناه في فضل الخصائص ، ويشهد له ما في الكبير للطبراني عن بلال بن الحارث قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان ، وجمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها من البلدان» ونقل المجد عن أبي الفرج الأموي أنه أخرجه بسنده عن ابن عمر.

قلت : ورواه ابن الجوزي في شرف المصطفى عن ابن عمر أيضا بلفظ : «صيام شهر رمضان بالمدينة كصيام ألف شهر فيما سواها ، وصلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها».

وروى البيهقي عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، والجمعة في مسجدي هذا أفضل من ألف جمعة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وشهر رمضان في مسجدي هذا أفضل من ألف شهر رمضان فيما سواه إلا المسجد الحرام» ورواه أيضا عن ابن عمر بنحوه.

وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة فإذا ضمت إلى ما قدمناه من القياس على الصلاة ثم الاستدلال ، وقد قدمنا في حدود مسجدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الخلاف المذكور في المراد بقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «صلاة في مسجدي هذا» ، وترجيح أن ذلك يتناول ما زيد فيه.

وروى أحمد والطبراني في الأوسط ورجاله ثقات عن أنس بن مالك حديث : «من صلى


في مسجدي أربعين صلاة» زاد الطبراني : «لا تفوته صلاة كتب له براءة من النار ، وبراءة من العذاب ، وبرئ من النفاق». تقدم هذا الحديث بدون زيادة الطبراني ، وهو عند الترمذي بغير هذا اللفظ.

وروى ابن المنذر وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن من حين يخرج أحدكم من منزله إلى مسجدي فرجل تكتب حسنة ورجل تحط عنه خطيئة».

وقال البيهقي بعد ذكر حديث فضل مسجد قباء ما لفظه : ورواه يوسف بن طهمان عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وزاد : «ومن خرج على طهر لا يريد إلا مسجدي هذا ـ يريد مسجد المدينة ـ ليصلي فيه كانت بمنزلة حجة» وقد أسند ذلك ابن زبالة ومن طريقه ابن النجار عن سهل أيضا ، وفي إسناده طهمان أيضا ، وهو ضعيف عند البخاري وابن عدي ، وذكره ابن حبان في الثقات ، ولفظ ابن زبالة : «من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه كان بمنزلة حجة» وأسند هو ويحيى عن سهل بن سعد حديث : «من دخل مسجدي هذا يتعلم فيه خيرا أو يعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله ، ومن دخله لغير ذلك من أحاديث الناس كان كالذي يرى ما يعجبه وهو لغيره» وفي رواية لهما عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه : «من دخل مسجدي هذا لا يدخله إلا ليعمل خيرا أو يتعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله ، ومن دخله لغير ذلك من أحاديث الناس كان بمنزلة من يرى ما يعجبه وهو في يدي غيره».

وروى ابن ماجه عن أبي هريرة قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله ، ومن جاءه لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره» ورواه الطبراني من حديث سعد مرفوعا بمعناه ، إلا أنه قال : «من دخل مسجدي ليتعلم خيرا أو ليعلمه» ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ الطبراني لكن من حديث أبي هريرة.

وأسند ابن زبالة عن زيد بن أسلم قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من دخل مسجدى هذا لصلاة أو لذكر الله أو يتعلم خيرا أو يعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله» ولم يجعل ذلك لمسجد غيره ، وعند يحيى أيضا عن كعب أنه قال : «ما من مؤمن يغدو أو يروح إلى المسجد لا يغدو أو لا يروح إلا ليتعلم خيرا أو يعلمه أو يذكر الله أو يذكّر به إلا كان مثله في كتاب الله كمثل الجهاد في سبيل الله ، وما من رجل يغدو أو يروح إلى المسجد لا يغدو ولا يروح إلا لأخبار الناس وأحاديثهم إلا كان مثله في كتاب الله كمثل الرجل يرى الشيء يعجبه ويرى المصلين وليس منهم ، ويرى الذاكرين وليس منهم» ، وعنده أيضا عن أبي سعيد المقبري عن الثقة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا إخال إلا أن لكل رجل منكم


مسجدا في بيته» قالوا : نعم يا رسول الله ، قال : «فو الله لو صليتم في بيوتكم لتركتم مسجد نبيكم ، ولو تركتم مسجد نبيكم لتركتم سننه ، ولو تركتم سننه إذا لضللتم».

وفي الصحيح من حديث ابن عمر أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال في غزوة خيبر : «من أكل من هذه الشجرة ـ يعني : الثوم ـ فلا يقربن مسجدنا».

قال الكرماني : قال التيمي : قال بعضهم : النهي إنما هو عن مسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة ، من أجل ملائكة الوحي ، والأكثر على أنه عام ، انتهى. وقد حكى ابن بطال القول بالاختصاص عن بعض أهل العلم ووهّاه ، والله أعلم.

الفصل السادس في فضل المنبر المنيف ، والروضة الشريفة

روينا في الصحيحين حديث عبد الله بن زيد المازنيرضي‌الله‌عنه : «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» زاد البخاري من حديث أبي هريرة : «ومنبري على حوضي».

وروى أحمد وأبو يعلى والبزار وفيه علي بن زيد وقد وثق عن جابر بن عبد الله مرفوعا : «ما بين بيتي إلى منبري روضة من رياض الجنة ، وإن منبري على ترعة من ترع الجنة».

وروى أحمد برجال الصحيح عن سهل بن سعد مرفوعا : «منبري على ترعة من ترع الجنة» وفيه تفسير الترعة بالباب ، وقيل : الترعة الروضة تكون على المكان المرتفع خاصة ، وقيل : الدرجة.

ورواه يحيى عن أبي هريرة وغيره بلفظ : «على رتعة من رتع الجنة» وكذا هو في رواية لرزين ، وظنه بعضهم تصحيفا فكتب في هامشه «صوابه ترعة» وليس كذلك ، بل معناه صحيح ؛ إذ الرتع الاتساع في الخصب ، والرّتعة ـ بسكون التاء وفتحها ـ الاتساع في الخصب ، وكل مخصب مرتع.

وفي الحديث : «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» ، وروى البزار عن معاذ بن الحارث نحوه.

وفي الكبير للطبراني من طريق يحيى الحماني وهو ضعيف عن أبي واقد الليثي مرفوعا : «قوائم منبري رواتب في الجنة» ورواه ابن عساكر وابن النجار ويحيى عن أم سلمة ، وقال المجد : أخرجه عنها النسائي ، وفي رواية لابن عساكر : «وضعت منبري هذا على ترعة من ترع الجنة».

وأسند يحيى عن أبي المعلى الأنصاري وكانت له صحبة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال وهو على المنبر : «إن قدمي على ترعة من ترع الجنة».


وعن أبي سعيد الخدري : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول وهو قائم على منبره : «أنا قائم الساعة على عقر حوضي» وفي رواية له : «إني على الحوض الآن».

وأسند ابن زبالة عن نافع بن جبير عن أبيه حديث : «أحد شقي المنبر على عقر الحوض ، فمن حلف عنده على يمين فاجرة يقتطع بها حق امرئ مسلم فليتبوأ مقعده من النار» قال : وعقر الحوض من حيث يصب الماء في الحوض.

وفي سنن أبي داود من حديث جابر مرفوعا : «لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار ، أو وجبت له النار» ، ورواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححوه.

وروى النسائي برجال ثقات عن أبي أمامة بن ثعلبة مرفوعا : «من حلف عند منبري هذا يمينا كاذبة استحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا».

وفي الأوسط للطبراني وفيه ابن لهيعة عن أبي سعيد الخدري مرفوعا : «منبري على ترعة من ترع الجنة ، وما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة».

وفي الصحيحين حديث ابن عمر : «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة».

وروى أحمد برجال الصحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد حديث : «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ، ومنبري على حوضي».

وروى البزار برجال ثقات عن سعد بن أبي وقاص حديث : «ما بين بيتي ومنبري ، أو قبري ومنبري ، روضة من رياض الجنة» وفي الأوسط للطبراني وفيه متروك عن أنس بن مالك حديث : «ما بين حجرتي ومصلاي روضة من رياض الجنة» وفي رواية لابن زبالة من طريق عائشة بنت سعد عن أبيها «ما بين منبري والمصلى» وفي رواية «ما بين مسجدي إلى المصلى روضة من رياض الجنة» ورواه أبو طاهر بن المخلص في انتقائه ويحيى في أخبار المدينة بلفظ : «ما بين بيتي ومصلاي روضة من رياض الجنة» قال جماعة : المراد به مصلى العيد ، وقال آخرون : مصلاه الذي يصلي فيه في المسجد ، كذا قاله الخطابي.

قلت : ويؤيد الأول أن في النسخة التي رواها طاهر بن يحيى عن أبيه يحيى عقب الحديث المذكور ما لفظه : قال أبي : سمعت غير واحد يقولون : إن سعدا لما سمع هذا الحديث من النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بنى داره فيما بين المسجد والمصلى ، وكذا ما سيأتي في مصلى العيد من رواية ابن شبة عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص.

قلت : وهو شاهد لما سيأتي من عموم الروضة لجميع مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولما زيد فيه من جهة المغرب.


وروى عبد الله بن أحمد في زوائد المسند برجال الصحيح إلا أن فيهم فليحا ـ وقد روى له الجماعة ، وقال الحاكم : اتفاق الشيخين عليه يقوي أمره ، وقال الساجي : ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال الدارقطني : فليح يختلفون فيه ، وقال بعضهم : إنه كثير الخطأ ـ عن عبد الله بن زيد المازني قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما بين هذه البيوت ـ يعني بيوته ـ إلى منبري روضة من رياض الجنة ، والمنبر على ترعة من ترع الجنة».

معنى كون المنبر على الحوض

وقد اختلف في معنى ذلك ؛ فقال الخطابي : معنى قوله : «ومنبري على حوضي» أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد الحوض ويوجب الشرب منه ، وهذا قول الباقي ، والثاني : أن منبره الذي كان يقوم عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يعيده الله كما يعيد سائر الخلائق ، ويكون على حوضه في ذلك اليوم ، واعتمد ذلك ابن النجار ، وحكى ابن عساكر القول بأن المراد منبره بعينه الذي كان في الدنيا ، ثم قال : وهو أظهر ، وعليه أكثر الناس ، فتبع شيخه ابن النجار في ذلك ، والثالث أن المراد منبر يخلقه الله تعالى له في ذلك اليوم ، ويجعله على حوضه.

قلت : ويظهر لي معنى رابع ، وهو أن البقعة التي عليها المنبر تعاد بعينها في الجنة ، ويعاد منبره ذلك على هيئة تناسب ما في الجنة ؛ فيجعل المنبر عليها عند عقر الحوض ، وهو مؤخره ، وعن ذلك عبر بترعة من ترع الجنة ، وذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك لأمته للترغيب في العمل في هذا المحل الشريف ليفضي بصاحبه إلى ذلك ، وهذا في الحقيقة جمع بين القولين الأولين ، وسيأتي في الزيارة ما ذكره ابن عساكر من أن الزائر يأتي المنبر الشريف ، ويقف عنده ، ويدعو.

معنى أن الروضة من رياض الجنة

واختلفوا أيضا في معنى ما جاء في الروضة الشريفة ، قال الحافظ ابن حجر : محصل ما أول به العلماء ذلك أن تلك البقعة كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة وحصول السعادة بما يحصل فيها من ملازمة حلق الذكر ، لا سيما في عهدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ فيكون مجازا ، أو المعنى أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة ، فيكون مجازا أيضا ، أو هو على ظاهره ، وأن المراد أنها روضة حقيقة بأن ينقل ذلك الموضع إلى الجنة ؛ ثم قال : وهذه الأقوال على ترتيبها هذا في القوة ، وهو محتمل لتقوية الأول أو الأخير ، والأخير أقواها عندي ، وهو الذي ذهب إليه ابن النجار ، ونقله البرهان ابن فرحون في منسكه عن ابن الجوزي وغيره عن مالك ، فقال : وقوله : «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» حمله مالكرحمه‌الله على ظاهره ، فنقل عنه ابن الجوزي وغيره أنها روضة من رياض الجنة تنقل إلى الجنة ، وأنها ليست كسائر


الأرض تذهب وتفنى ، ووافقه على ذلك جماعة من العلماء ، انتهى ونقله الحطيب ابن حملة عن الداروردي ، وصححه ابن الحاج في مدخله ؛ لأن العلماء فهموا من ذلك مزية عظيمة لهذا المحل.

ثم رأيت في كلام الحافظ ابن حجر ترجيحه في موضع آخر ، فقال في الكلام على الحوض : والمراد بتسمية ذلك الموضع روضة أن تلك البقعة تنقل إلى الجنة فتكون روضة من رياضها ، أو أنها على المجاز لكون العبادة فيه تؤول إلى دخول العابد روضة الجنة ، ثم قال : وهذا فيه نظر ؛ إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة ، والخبر مسوق لمزيد شرف تلك البقعة على غيرها ، انتهى.

قلت : وأحسن من ذلك ما ذهب إليه ابن أبي جمرة من الجمع بين هذا وما قبله ، ومنه استنبطنا ما قدمناه في أمر المنبر ، فإنه لم يعول على ذكر المعنى الأول وقال بعد ذكر المعنيين الأخيرين : الأظهر ـ والله أعلم ـ الجمع بين الوجهين ؛ لأن لكل منهما دليلا يعضده ، أما الدليل على أن العمل فيها يوجب الجنة فلما جاء في فضل مسجدها من المضاعفة ، ولهذه البقعة زيادة على باقي بقعه ، وأما الدليل على كونها بعينها في الجنة فلإخبارهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن المنبر على الحوض ، لم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره ؛ وأنه حق محسوس موجود على حوضه.

قلت : وفيه نظر ؛ لما قدمناه.

قال : وقد تقرر في قواعد الشرع أن الشرع أن البقع المباركة ما فائدة بركتها لنا والإخبار بذلك إلا تعميرها بالطاعات ؛ قال : ويحتمل وجها ثالثا ؛ وهو أن تلك البقعة نفسها روضة من رياض الجنة كما أن الحجر الأسود من الجنة ؛ فيكون الموضع المذكور روضة من رياض الجنة الآن ؛ ويعود روضة في الجنة كما كان ؛ ويكون للعامل بالعمل فيه روضة في الجنة ؛ قال : وهو الأظهر ؛ لعلو مكانتهعليه‌السلام ؛ وليكون بينه وبين الأبوة الإبراهيمية في هذا شبه ، وهو أنه لما خص الخليل بالحجر من الجنة خص الحبيب بالروضة منها.

قلت : وهو من النّفاسة بمكان ، وفيه حمل اللفظ على ظاهره ، إذ لا مقتضى لصرفه عنه ، ولا يقدح في ذلك كونها تشاهد على نسبة رياض الدنيا فإنه ما دام الإنسان في هذا العالم لا ينكشف له حقائق ذلك العالم لوجود الحجب الكثيفة والله أعلم.

وتخصيص ما أحاطت به البينية المذكورة بذلك إما تعبد وإما لكثرة ترددهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بين بيته ومنبره وقرب ذلك من قبره الشريف الذي هو الروضة العظمى كما أشار إليه ابن أبي جمرة أيضا.

وقال الجمال محمد الراساني الريمي : اتفقوا على أن هذا اللفظ معقول المعنى ، مفهوم


الحكمة ، وإنما اختلفوا في ذلك المعنى ما هو ، فقيل : اللفظ على حقيقته ، وإن ذلك روضة من رياض الجنة بمعنى أنه بعينه نقل من الجنة ، أو أنه سينقل إليها ، وقيل : مجاز معناه أن العبادة فيه تؤدّي إلى الجنة ، أو لما ينزل فيه من الرحمة وحصول المغفرة ، كما سمي مجالس الذكر رياض الجنة في حديث : «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»(١) وفي رواية لأبي هريرة : «قلت : ما رياض الجنة؟ قال : المساجد ، قلت : وما الرتع؟ قال : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله والله أكبر».

وقال ابن عبد البر : لما كانصلى‌الله‌عليه‌وسلم يجلس في ذلك الموضع ويجلس الناس إليه للتعلم شبّهه بالروضة ؛ لكريم ما يجتنى فيه ، وأضافها إلى الجنة لأنها تؤول إلى الجنة ، كقوله : «الجنة تحت ظلال السيوف» أي أنه عمل يدخل الجنة.

وقال الخطابي : روضة من رياض الجنة بالطاعة فيه ، كقوله : «عائد المريض في مخرفة الجنة»(٢) أي يرجى له بذلك مخرفة الجنة ؛ فأطلق اسم المسبب على سببه كقوله : «الجنة تحت أقدام الأمهات».

هذا ما نقله الخطيب ابن حملة من المعاني ، ثم تعقب الأخير بأنه لا يبقى حينئذ لهذه الروضة مزية ، وقد فهم الناس من ذلك المزية العظيمة التي بسببها فضلها مالك على سائر البقاع.

وقد تعقب الجمال الريمي الخطيب في ذلك ، وقال : أظهر المعاني تضعيف أجر الطاعات ، وتعليم الناس وجوه الخير ؛ لاتفاق الخطابي وابن عبد البر عليه ، وهما عمدة الأمة في فقه الحديث ، ولأن النظائر تؤيده ، وأما المعنيان الآخران فلم يعزهما الخطيب إلى أحد ، فدل على ضعفهما ، ولم يذكر عياض القول بأن هذا الموضع بعينه نقل من الجنة ، وذكر ما عداه ، فدل على شذوذه ؛ لأن مثل هذا طريقه التوقيف كما جاء في الركن والمقام ، على أن القول به يؤدي إلى إنكار المحسوسات أو الضروريات ، وجواب ما ذكره الخطيب أن المزية ظاهرة ، وهو أن العمل في النظائر المتقدمة يؤدي إلى رياض الجنة ، والعمل في هذا المحل يؤدي إلى روضة أعلى من تلك الرياض.

قلت : إنما حمله على هذا ذهابه إلى أن اسم الروضة يعم جميع مسجدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأنه إذا

__________________

(١) ارتعوا أي انعموا في خصب وسعة.

(٢) المخرفة : البستان ، والسّكة بين صفين من نخيل ، والطريق الواضح ، جمع مخاريف.


ثبت لما زيد فيه حكم المضاعفة تعدى ذلك إليه ، فاختار كون التسمية بذلك مجازية ، ووضع في ذلك كتابا سماه «دلالات المسترشد ، على أن الروضة هي المسجد» وقد صنف الشيخ صفي الدين الكازروني المدني مصنفا في الرد عليه ، وقد لخصتهما مع سلوك طريق الإنصاف بينهما في كتابي الموسوم : «بدفع التعرض والإنكار ، لبسط روضة المختار» وسنذكر الصواب في ذلك ، واستدلاله على ضعف القول بأن ذلك الموضع بعينه نقل من الجنة بأن عياضا لم يذكره عجيب لاحتمال أنه لم يطلع عليه ، وقوله : «إن ذلك طريقه التوقيف كما جاء في الركن» فنقول : أي توقيف أعظم من إخبار الصادق المصدوق بذلك؟ وهو المخبر بأمر الركن والمقام ، والأصل في الإطلاق الحقيقة ، فكيف سلمه في الركن والمقام ولم يسلمه هنا؟ والذي فهمه العلماء من الحديث أن هذا الموضع روضة ، سواء كان به ذاكرون ومصلون أم لم يكن ، بخلاف حلق الذكر مثلا ، فإن ذلك يزول عنها بقيامهم ، فالروضة ما هم فيه بخلاف هذه ، ولهذا فسر الرتع هناك بالذكر ، والمراد في حديث : «الجنة تحت أقدام الأمهات» أن لزوم خدمتهن تؤدي إليها ، وقوله : «إن القول بذلك يؤدي إلى ما ذكره» عجيب ، وقد قدمنا السبب المانع من شهود ذلك على حقيقته ، وأي حسن أحسن من القول بأن ذلك روضة من الجنة أكرم الله به نبيه؟ ويؤيده أحاديث المنبر المتقدمة وما سيأتي في أحد وعير ؛ إذ لم يقل أحد إن المراد أن المتعبد عند أحد يفضي به ذلك إلى الجنة ، والمتعبد عند عير يفضي به ذلك إلى النار ، وأما قوله في بيان المزية : «إن العمل في ذلك المحل يؤدي إلى روضة أعلى» فليس في الحديث وصفه بأنه أعلى الرياض ، بل أطلق ذلك ، فإذا ثبت ذلك لغيره فلا خصوصية ، بل قد يقول الذاهب إلى تفضيل مكة : إن العمل فيها يؤدي إلى روضة أعلى وأفضل ، ولظهور مزية تلك البقعة على غيرها بذلك استدل به بعض الأئمة على تفضيل المدينة على مكة بإضافة حديث «لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها» وتعقبه ابن حزم بأن جعلها من الجنة إنما هو على سبيل المجاز ، إذ لو كانت حقيقة لكانت كما وصف الله الجنة :( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ) [طه : ١١٨] قال : وإنما المراد أن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة كما يقال في اليوم الطيب : هذا يوم من أيام الجنة.

قلت : لا يلزم من ثبوت عدم الجوع والعري لمن حل في الجنة ثبوته لمن حل في شيء أخرج منها ؛ إذ يلزمه أن ينفي بذلك عن حجر المقام كونه من الجنة حقيقة ، ولا قائل به ، ومسألة عموم الروضة لجميع مسجدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ذات خلاف ؛ فقد قال الأقشهري : سئل أبو جعفر بن نصر الداودي المالكي عن قوله : «ما بين بيتي ومنبري روضة» فقال : هو روضة كله ، ونقل الريمي عن الخطيب ابن حملة أنه قال : قوله «ما بين بيتي» مفرد مضاف قد يفيد العموم في بيوته ، ثم ذكر بيان مكان بيوته ، ثم قال : ولهذا قال السمعاني في أماليه : لما فضّل الله مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وشرفه وبارك في العمل فيه وضعفه سماه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم


روضة من رياض الجنة ، فتراه جعل المسجد كله روضة ، والمشهور أن المراد بيت خاص ، وهو بيت عائشةرضي‌الله‌عنها ؛ للرواية الأخرى «ما بين قبري ومنبري» قال ابن خزيمة : أراد بقوله ما بين بيتي الذي أقبر فيه ؛ إذ النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قبر في بيته الذي كانت تسكنه عائشة ، قال الخطيب : فعلى هذا تسامت ـ يعني الروضة ـ حائط الحجرة من القبلة والشمال من جهة الحجرة ، ولا تزال تقصر إلى جهة المنبر ، أو توجد المسامتة مستوية فلينظر ، هذا كله كلام الخطيب.

قلت : فتلخص من ذلك ثلاثة آراء : الأول : أنها المسجد الموجود في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، الثاني : أنها ما سامت المنبر والحجرة فقط ، فتتسع من جهة الحجرة وتضيق من جهة المنبر لما تقدم في مقداره ، وتكون منحرفة الأضلاع لتقدم المنبر في جهة القبلة وتأخر الحجرة في جهة الشام ، فتكون كشكل مثلث ينطبق ضلعاه على قدر المنبر ، الثالث : أنها ما سامت كلا من طرفي الحدين ، فتشمل ما سامت المنبر من مقدم المسجد في جهة القبلة وإن لم يسامت الحجرة ، ويشمل ما سامت الحجرة من جهة الشمال ، وإن لم يسامت المنبر ، فتكون مربعة ، وهي الأروقة الثلاثة : رواق المصلى الشريف ، والرواقان بعده ، وذلك هو مسقف مقدم المسجد في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأنه قد تحرر لنا في هذه العمارة التي أدركناها أن صف أسطوان الوفود ـ وهي التي كانت إلى رحبة المسجد كما سيأتي ـ واقع خلف الحجرة سواء ، حتى إن الأسطوانة التي تلي مربعة القبر في صفها الداخلة في الزور بعضها داخل في جدار الحجرة الشامي كما سيأتي بيانه.

وأما أدلة هذه الأقوال فقد استدل الريمي للأول بأشياء غالبها ضعيف مبناه على أن إطلاق الروضة من قبيل المجاز لما في ذلك من المضاعفة ونحوه ، وأحسنها ما أشار إليه الخطيب ابن حملة وأيده الريمي بأشياء ، فقال : قوله «بيتي» من قوله «ما بين بيتي» مفرد مضاف ، فيفيد العموم في سائر بيوتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد كانت بيوته مطيفة بالمسجد من القبلة والمشرق ـ وفيه بيت عائشة ـ والشام كما سيأتي عن ابن النجار وغيره ، ولم يكن منها في جهة المغرب شيء ، فعرف الحد من تلك الجهة بالمنبر الشريف ، فإنه كان في آخر جهة المغرب بينه وبين الجدار يسير ؛ لأن آخره من تلك الجهة الأسطوانة التي تلي المنبر ، والمنبر على ترعة من ترع الجنة ، فقد حدد الروضة بحدود المسجد كلها.

قلت : وهو مفرع على ما ذكره ابن النجار في تحديد المسجد من جهة المغرب ، وقد مشيت عليه في تواليفي قبل أن أقف على ما قدمته في حد المسجد ، وقد مشى على ذلك الزين المراغي فقال : ينبغي اعتقاد كون الروضة لا تختص بما هو معروف الآن ، بل تتسع إلى حد بيوتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من ناحية الشام ، وهو آخر المسجد في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ فيكون كله روضة ، وهذا


إذا فرعنا على المفرد المضاف للعموم ، وقد رجحه في كتب الأصول جماعة ، ثم ذكر ما تقدم.

قلت : وفاتهم الجميع الاستدلال بحديث زوائد مسند أحمد المتقدم بلفظ «ما بين هذه البيوت» يعني بيوته «إلى منبري روضة من رياض الجنة» والعجب أن المعتنين بأمر الروضة لم يذكروه ، مع أن فيه غنية عن التمسك بكون المفرد المضاف يفيد العموم ، فقد ناقش الصفي الكازروني في ذلك بأشياء : منها أن رواية «ما بين قبري ومنبري» بينت المراد من البيت المضاف. قلت : ليته قال رواية : «ما بين المنبر وبيت عائشة» لأنه يلزم عليه أن يكون الروضة بعرض القبر فقط ، والتخصيص بذلك بعيد ، ومن قال : «إن المراد من البيت القبر» ليس مراده والله أعلم إلا أن رواية القبر لعدم إبهامها تعين البيت ، ولعله مراد الصفي ، ولهذا قال الطبري : وإذا كان قبرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في بيته اتفقت معاني الروايات ، ولم يكن بينها خلاف ، انتهى ، ولك أن تقول : رواية «قبري» ورواية «حجرة عائشة» من قبيل إفراد فرد من العام ، وذكره بحكم العام ، وهو لا يقتضي التخصيص على الأصح ، بل يقتضي الاهتمام بشأن ذلك الفرد ، على أن القرطبي قال : الرواية الصحيحة «بيتي» ويروى «قبري» وكأنه بالمعنى ، والله أعلم.

ومنها : أن القرافي حمل إطلاق عموم اسم الجنس على ما يقع منه على القليل والكثير كالماء والمال ، بخلاف ما لا يصدق إلا على الواحد كالعبد والبيت والزوجة فلا يعم ، ولهذا لو قال عبدي حر أو امرأتي طالق لا يعم سائر عبيده ونسائه ، قال : ولم أره منقولا. قلت : قال التاج السبكي : خالف بعض الأئمة في تعميم اسم الجنس المعرف(١) والمضاف ، والصحيح خلافه ، وفصل قوم بين أن يصدق على القليل والكثير فيعم ، أو [لا](٢) فلا ، واختاره ابن دقيق العيد ، انتهى.

فقد جعل ما بحثه القرافي وجها ثالثا مفصلا ، وذلك يأبى حمل إطلاق المطلقين عليه ، فما بحثه منقول ، لكن الصحيح خلافه ، وما استدل به من عدم عموم عبدي حر وامرأتي طالق جوابه من أوجه ذكرناها في دفع التعرض ، وأحسنها ما أشار إليه الأسنوي من أن عدم العموم في ذلك لكونه من باب الأيمان ، والأيمان يسلك فيها مسلك العرف ، انتهى. ونقل

__________________

(١) في جميع المطبوعات «المعروف».

(٢) ما بين [] زيادة يقتضيها السياق.


الأزرقي في نفائسه عن ابن عبد السلام أنه قال : الذي تبين لي طلاق الجميع وعتق الجميع ، وفي كتب الحنابلة نص أحمد على أنه لو قال من له زوجتان أو عبيد «زوجتي طالق ، أو عبدي حر» ولم ينو معيّنا ، وقع الطلاق والعتق على الجميع ، تمسكا بالقاعدة المذكورة ، فقد جرى ابن عبد السلام والحنابلة على مقتضى ذلك ؛ فهذه الطرق من أحسن الأدلة ، ولكن على شمول الروضة لما بين المنبر والبيوت الشريفة فهو رأي آخر ، وقد قدمنا من الحديث ما يصرح به ، ويؤيده ما أشار إليه الريمي من أن المقتضى لكون ذلك روضة كثرة ترددهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه ، وكان يصلي قبل تحويل القبلة في طرفه الذي يلي الشام ، ومتهجّده كما سيأتي في جهة المشرق إلى الشام أيضا ، ومنبره الشريف في نهاية هذا الموضع المحدود من جهة المغرب ، ومصلاه الشريف بمقدمه وبه الأساطين الآتية ذوات الفضل.

وأما الرأي الثاني فدليله التمسك بظاهر لفظ البينية الحقيقية ، وحمل البيت على حجرة عائشةرضي‌الله‌عنها ، ويضعفه أن مقدم المصلى الشريف يلزم خروجه عن اسم الروضة حينئذ ؛ لخروجه عن موازاة طرفي المنبر والحجرة ، مع أن الظاهر أن معظم السبب في كون ذلك روضة تشرفه بجبهته الشريفة ، على أني لم أر هذا القول لأحد ، وإنما أخذته من تردد الخطيب ابن حملة المتقدم.

وأما الرأي الثالث فهو ظاهر ما عليه غالب العلماء وعامة الناس ، ووجهه حمل البيت على ما في الرواية الأخرى من ذكر حجرة عائشة ، وجعل ما تقدم في أمر خروج مقدم المصلى الشريف دليلا على أن المراد من البينية ما حاذى واحدا من الطرفين ، وأن المراد مقدم المسجد المنتهي من جهة مؤخر الحجرة الشريفة لصف أسطوان الوفود كما قدمناه ، وفي كلام الأقشهري إشارة له ، وهذا إنما علمناه في العمارة التي سنذكرها ، ولم يكن معلوما قبل ذلك ، ولهذا قال المجد في الباب الأول في فصل الزيارة من كتابه ما لفظه : ثم يأتي ـ يعني الزائر ـ إلى الروضة المقدسة ، وهي ما بين القبر والمنبر طولا ، ولم أر من تعرض له عرضا ، والذي عليه غلبة الظنون أنه من المحراب إلى الأسطوانة التي تجاهه ، وأنا لا أوافق على ذلك ، وقد بينته في موضعه من هذا الكتاب ، وذكرت أن الظاهر من لفظ الحديث يقتضي أن يكون أكثر من ذلك ؛ لأن بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بجميع مرافق الدار كان أكثر من هذا المقدار ، انتهى.

ولم يذكر في الموضع الذي أحال عليه شيئا ، وقوله «من المحراب إلى الأسطوانة التي تجاهه» كأنه يريد به الأسطوان المخلق وما حاذاها ؛ فتكون الروضة على ذلك التقدير الرواق الأول منها فقط ، وهو غلط ؛ لأن الحجرة الشريفة متأخرة عن ذلك لجهة الشام ؛ وصف


الأسطوان المذكور محاذ لطرف جدارها القبلي. وقال ابن جماعة : قد تحرر لي طول الروضة ، ولم يتحرر لي عرضها ، يريد أن طولها من المنبر إلى الحجرة ، وهو كما قال ابن زبالة ثلاثة وخمسون ذراعا وشبرا ، وقال في موضع آخر : أربعة وخمسون ذراعا وسدس.

قلت : وما ذكره أولا أقرب إلى الصواب كما اختبرناه ، فإني ذرعت بحبل من صفحة المنبر القبلية إلى طرف الحجرة القبلية فكان ثلاثة وخمسين ذراعا.

وذكر ابن جماعة ذراعا أقل من هذا ، وكأنه ذرع على الاستقامة ، ولم يعتبر الذرع من الطرفين المذكورين ، فقال : وذرعت ما بين الجدار الذي حول الحجرة الشريفة وبين المنبر فكان أربعا وثلاثين ذراعا وقيراطا بذراع العمل. قلت : وذلك نحو اثنين وخمسين ذراعا بذراع اليد الذي قدمنا تحريره ، وأما قول من قال : «إن طول الروضة اليوم ينقص عن خمسين ذراعا بثلثي ذراع» فلا وجه له إلا أن يكون اعتبر بذراع اليد المفرط الطول ، والله أعلم.

وأما نهاية الحجرة فلم تكن معلومة لابن جماعة وغيره ، وعليها يتوقف بيان العرض ، ولهذا قال الريمي : لا ندري الحجرة في وسط البناء المحيط بها أم لا؟ ولا ندري إلى أين ينتهي امتدادها؟ وغالب الناس يعتقدون أن نهايتها في محاذاة أسطوان عليرضي‌الله‌عنه ، ولهذا جعلوا الدرابزين الذي بين الأساطين ينتهي إلى صفها ، واتخذوا الفرش لذلك فقط ، والصواب ما قدمناه ؛ فقد انجلى الأمر ولله الحمد.

الفصل السابع

في الأساطين المنيفة

الأسطوان المخلق

منها الأسطوان الذي هو علم على المصلى الشريف ، ويعرف بالمخلق ، وقد قدمنا قول ابن زبالة «المخلق نحو من ثلثيها» وقول ابن القاسم «إن المصلى الشريف حيث الأسطوان المخلق» وبينا أن المراد أنها أقرب أسطوان إليه ، وأن الجذع الذي كان يخطب إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ويتكئ عليه كان هناك ، وأن الأسطوان الموجود اليوم متقدم على المحل الأول ، وأن المحل الأصلي هو موضع كرسي الشمعة التي عن يمين الإمام الواقف في المصلى الشريف ، فمن أراد التبرك بذلك فليصل هناك.

وروى ابن زبالة عن يزيد بن عبيد أنه كان يأتي مع سلمة بن الأكوع إلى سبحة الضحى ، فيعمد إلى الأسطوان دون المصحف فيصلي قريبا منهما ، فأقول : ألا تصلي هاهنا؟ وأشير له إلى بعض نواحي المسجد ، فيقول : إني رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يتحرى هذا المقام ، وهذا الحديث في الصحيحين ، ولفظ البخاري «كنت آتي مع سلمة بن الأكوع ، فيصلي عند الأسطوان التي عند المصحف ، فقلت : يا أبا سلمة أراك تتحرى الصلاة عند هذه


الأسطوانة ، قال : فإني رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يتحرى الصلاة عندها» ولفظ مسلم عن سلمة أنه كان يتحرى موضع المصحف يسبح(١) فيه ، وذكر أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يتحرى ذلك ، وقد قدمنا في الكلام على المصلى الشريف ما يبين أن المراد هذه الأسطوانة.

أسطوان القرعة

ومنها أسطوان القرعة ، وتعرف بأسطوان عائشةرضي‌الله‌عنها ، وبالأسطوان المخلق أيضا ، وبأسطوان المهاجرين.

روينا في كتاب ابن زبالة عن إسماعيل بن عبد الله عن أبيه أن عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم وثالثا كان معهما دخلوا على عائشةرضي‌الله‌عنها فتذاكروا المسجد ، فقالت عائشة : إني لأعلم سارية من سواري المسجد لو يعلم الناس ما في الصلاة إليها لاضطربوا عليها بالسهمان(٢) ، فخرج الرجلان وبقي ابن الزبير عند عائشة ، فقال الرجلان : ما تخلف إلا ليسألها عن السارية ، ولئن سألها لتخبرنه ، ولئن أخبرته لا يعلمنا ، وإن أخبرته عمد لها إذا خرج فصلى إليها ، فاجلس بنا مكانا نراه ولا يرانا ، ففعلا ، فلم ينشب أن خرج مسرعا فقام إلى هذه السارية فصلى إليها متيامنا إلى الشق الأيمن منها ، فعلم أنها هي ، وسميت أسطوانة عائشة بذلك ، وبلغنا أن الدعاء عندها مستجاب ، هذا لفظ ابن زبالة.

وفي الأوسط للطبراني عن عائشةرضي‌الله‌عنها قالت : إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : إن في مسجدي لبقعة قبل هذه الأسطوانة لو يعلم الناس ما صلوا فيها إلا أن تطير لهم قرعة ، وعند عائشة جماعة من أبناء الصحابة فقالوا : يا أم المؤمنين وأين هي؟ فاستعجمت عليهم ، فمكثوا عندها ساعة ثم خرجوا وثبت عبد الله بن الزبير فقالوا : إنها ستخبره بذلك المكان ، فارقبوه في المسجد حتى تنظروا حيث يصلي ، فخرج بعد ساعة فصلى عند الأسطوانة التي صلى إليها عامر بن عبد الله بن الزبير ، فقيل لها : أسطوانة القرعة.

قال عتيق : وهي الأسطوانة التي هي واسطة بين القبر والمنبر : عن يمينها إلى المنبر أسطوانتان ، وبينها وبين القبر أسطوانتان ، وبينها وبين الرحبة أسطوانتان ، وهي واسطة بين ذلك ، وهي تسمى أسطوانة القرعة ، هذا لفظ الأوسط.

__________________

(١) السّبحة : صلاة التطوع وهي مواضع السجود.

(٢) السهم : القدح يقارع به أو يلعب به في الميسر ، أي الحظ والنصيب ، وما يفوز به الظافر بالقرعة.


وقال ابن زبالة : حدثني غير واحد من أهل العلم منهم الزبير بن حبيب أن الأسطوان التي تدعى أسطوان عائشة هي الثالثة من المنبر ، والثالثة من القبر ، والثالثة من القبلة ، والثالثة من الرحبة ، أي قبل زيادة الرواقين الآتي ذكرهما المتوسطة للروضة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم صلى إليها بضع عشرة المكتوبة ثم تقدم إلى مصلاه الذي وجاه المحراب في الصف الأوسط ، أي الرواق الأوسط ، وأن أبا بكر وعمر والزبير بن العوام وعامر بن عبد الله كانوا يصلون إليها ، وأن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها ، وكان يقال لذلك المجلس مجلس المهاجرين ، انتهى.

وقد ذكر ابن النجار هذه الرواية عن الزبير بن حبيب ، وزاد : وقالت عائشة فيها : لو عرفها الناس لاضطربوا على الصلاة عندها بالسهمان ، فسألوها عنها فأبت أن تسميها ، فأصغى إليها ابن الزبير فسارّته بشيء ، ثم قام فصلى إلى التي يقال لها أسطوان عائشة ، قال : فظن من معه أن عائشة أخبرته أنها تلك الأسطوانة ، فسميت أسطوان عائشة ، قال : وأخبرني بعض أصحابنا عن زيد بن أسلم قال : رأيت عند تلك الأسطوانة موضع جبهة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم رأيت دونه موضع جبهة أبي بكر ، ثم رأيت دون موضع جبهة أبي بكر موضع جبهة عمر ، ويقال : الدعاء عندها مستجاب ، هذا لفظ رواية ابن النجار عقب ما قدمناه من رواية ابن زبالة. وزاد فيما ذكره ابن زبالة عقب قوله : «إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى إليها المكتوبة بضع عشرة ، ثم تقدم إلى مصلاه اليوم» ما لفظه : وكان يجعلها خلف ظهره ، قلت : ولم أره في كلام غيره ، والظاهر أن مراده أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يستند إليها إذا جلس هناك ، لا أنه يجعلها خلف ظهره إذا صلى ؛ لما ذكره عن زيد بن أسلم من أنه رأى موضع جبهة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عندها ، ووصف هذه الأسطوانة بالمخلقة يؤخذ مما تقدم عن ابن زبالة من قول أبي هريرة «وكان مصلاهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي يصلي فيه بالناس إلى الشام من مسجده أن تضع موضع الأسطوان المخلقة خلف ظهرك ثم تمشي إلى الشام» إلى آخر ما تقدم قلت : وهذه الأسطوان بصف الأساطين التي خلف الإمام الواقف بالمصلى الشريف ، وهي الثالثة من القبلة وكانت الثالثة أيضا من رحبة المسجد كما تقدم ، وذلك قبل أن يزاد في مسقف مقدم المسجد الرواقان الآتي بيانهما في رحبته ، وبهما صارت خامسة من الرحبة.

أسطوان التوبة

ومنها أسطوان التوبة ، وتعرف بأسطوان أبي لبابة بن عبد المنذر أخي بني عمرو بن عوف الأوسي أحد النقباء ، واسمه رفاعة ، وقيل غير ذلك ، سميت به لأنه ارتبط إليها حتى أنزل الله توبته كما قدمناه في غزوة بني قريظة.

وقال الأقشهري : اختلف أهل السير والتفسير في ذنب أبي لبابة ، فقال قوم : كان من


الذين تخلفوا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في غزوة تبوك ، وقال ابن هشام تبعا لابن إسحاق : سببه قضية بني قريظة واستشارتهم إياه ، وأسند يحيى عن عبد الرحمن بن يزيد قصته معهم ، وأنهم قالوا له : أننزل على حكم محمد؟ قال : نعم ، وأشار بيده إلى حلقه ، وهو الذبح. وفي رواية أخرى أنه لما جاءهم قام إليه الرجال ، وأجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه ، فرق لهم ، فكان منه ما تقدم ، قال أبو لبابة : فو الله ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله. قال يحيى في الرواية المتقدمة : فلم يرجع إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومضى إلى المسجد ، وارتبط إلى جذع في موضع أسطوانة التوبة ، وأنزل اللهعزوجل فيه :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [الأنفال : ٢٧] وفي رواية : فربط نفسه في السارية ، وحلف لا يحل نفسه حتى يحله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو تنزل توبته ، قال : فجاءت فاطمةرضي‌الله‌عنها تحله ، فقال : لا ، حتى يحلني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنما فاطمة بضعة مني ، وفي رواية لابن النجار أن أبا لبابة عاهد الله تعالى أن لا يطأ بني قريظة أبدا ، وقال : لا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا ، وأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لما بلغه خبره ـ وكان قد استبطأه ـ «أما لو جاءني لاستغفرت الله له ، فاما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه» فأنزلت توبته ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في بيت أم سلمة ، قالت : فسمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من السحر يضحك ، فقلت : مم تضحك أضحك الله سنك؟ قال : تيب على أبي لبابة ، قلت : ألا أبشره بذلك يا رسول الله؟ قال : بلى إن شئت ، فقامت على باب حجرتها قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت : يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك ، قال : فثار الناس إليه ليطلقوه ، قال : لا والله حتى يكون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الذي يطلقني بيده ، فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.

وروى البيهقي في الدلائل عن سعيد بن المسيب قصة أبي لبابة في بني قريظة ، وأنه تخلف في غزوة تبوك ، فلما قفل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم جاءه يسلم عليه ، فأعرض عنه ، ففزع أبو لبابة ، فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم سبعا بين يوم وليلة في حر شديد لا يأكل فيهن ولا يشرب قطرة.

وروى مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن أبا لبابة ارتبط إليها بسلسلة ربوض ، والربوض : الثقيلة(١) ، بضع عشرة ليلة ، حتى ذهب سمعه فما يكاد يسمع ، وكاد بصره يذهب ، وكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة وإذا أراد أن يذهب لحاجته حتى يفرغ ثم تأتي به فيرده في الرباط كما كان.

__________________

(١) سلسلة ربوض : سلسلة ضخمة ثقيلة ، وفي الحديث : «أنه ارتبط بسلسلة ربوض إلى أن تاب الله عليه».


وأورد الزمخشري قصة أبي لبابة في تفسيره قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ ) [الأنفال : ٢٧] الآية ، وقال فيها : قال أبو لبابة : فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله ، فنزلت أي : الآية المتقدمة ، فشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال : والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي ، فمكث سبعة أيام حتى خر مغشيا عليه ، ثم تاب الله عليه ، وذكر في القصة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم جاءه فحله فقال : إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب ، وأن أخلع من مالي ، فقالعليه‌السلام : «يجزئك الثلث أن تتصدق به».

ونقل ابن النجار عن إبراهيم بن جعفر أن السارية التي ربط إليها ثمامة بن أثال الحنفي هي السارية التي ارتبط إليها أبو لبابة ، ونقل ذلك أيضا عن ابن شبة.

وروى البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ) [التوبة : ١٠٢] الآية ، قال : كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في غزوة تبوك ، فلما حضر رجوع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد ، فلما رآهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : من هؤلاء؟ قالوا : هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك ، الحديث ، وفيه توبة الله عليهم وأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أرسل إليهم وأطلقهم.

وروى ابن زبالة عن عمر بن عبد الله بن المهاجر عن محمد بن كعب أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يصلي نوافله إلى أسطوانة التوبة.

وفي رواية له عن عمر بن عبد الله ، لم يذكر ابن كعب ، أنه قال في أسطوان التوبة : كان أكثر نافلة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إليها ، وكان إذا صلّى الصبح انصرف إليها ، وقد سبق إليها الضعفاء والمساكين وأهل الضر وضيفان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤلفة قلوبهم ومن لا مبيت له إلا في المسجد ، قال : وقد تحلقوا حولها حلقا بعضها دون بعض ، فينصرف إليهم من مصلاه من الصبح ، فيتلو عليهم ما أنزل الله عليه من ليلته ، ويحدثهم ويحدثونه ، حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطّول والشرف والغنى فلم يجدوا إليه مجلسا ، فتاقت أنفسهم إليه وتاقت نفسه إليهم ، فأنزل الله تعالى :( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) [الكهف : ٢٨] إلى منتهى الآيتين ، فلما نزل ذلك فيهم قالوا : يا رسول الله اطردهم عنا ، ونكون نحن جلساءك وإخوانك ولا نفارقك ، فأنزل اللهعزوجل :( وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) [الأنعام : ٥٢] إلى منتهى الآيتين.

وفي العتبية عن مالك وصف أسطوان التوبة بالمخلقة ، وقد قدمنا في الكلام على المصلى الشريف ما ذكره ابن زبالة من خلوقها وخلوق غيرها من الأساطين.

وروى ابن زبالة خبر مالك بن أنس المتقدم عن عبد الله بن أبي بكر بنحو ما تقدم ،


وقال فيه : وهي الأسطوان المخلق نحو من ثلثيها ، تدعى أسطوان التوبة ، منها حل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أبا لبابة حين نزلت توبته ، وبينها وبين القبر أسطوان.

وأسند أيضا عن ابن عمر أنه كان يقول في الأسطوان التي ارتبط إليها أبو لبابة : هي الثانية من القبر ، وهي الثالثة من الرحبة.

قلت : كانت الثلاثة من الرحبة قبل تجدد الأسطوانتين المشار إليهما في أسطوانة القرعة بسبب تجدد الرواقين الآتي ذكرهما ، وهذه الأسطوانة إلى جانب الأسطوانة المتقدم ذكرها من جهة المشرق ؛ فهي الرابعة من المنبر ، والثانية من القبر ، والثالثة من القبلة ، والخامسة في زماننا من رحبة المسجد ، وفيها اليوم هيئة محراب من الجص تتميز به عن سائر الأساطين ، لكنه أزيل في الحريق الثاني.

وفهم البدر بن فرحون من رواية ابن عمر المتقدمة أنها التي تلي هذه الأسطوانة في جهة المشرق ، وهي اللاصقة بالشباك اليوم كما سيأتي ، فقال : إن أسطوان التوبة هي اللاصقة بالشباك على ما قاله عبد الله بن عمر ، وتبعه مالك بن أنس ، وما قيل إنها غيرها فغلط أوجبه أشياء يطول ذكرها ، انتهى كلامه.

قلت : بل الصواب ما قدمناه في بيانها ، ومنشأ ما فهمه عدّه للأسطوانة اللاصقة بجدار القبر ، فحمل قول ابن عمر أنها الثانية من القبر ، وقول مالك بينها وبين القبر أسطوان على الأسطوانة اللاصقة بالشباك اليوم ، وقد علم من كلامهم في أسطوان القرعة أنهم لا يعدون اللاصقة بجدار القبر لما تقدم من قولهم فيها : إنها الثالثة من المنبر والثالثة من القبر ، ولو عدوا اللاصقة بجدار القبر لكانت الرابعة من القبر ، وأيضا فاللاصقة بجدار القبر أحدثها عمر بن عبد العزيز ، ولم يدرك ذلك ابن عمر ، وأوضح من ذلك أن ابن زبالة قال : إن بين أسطوان التوبة وبين جدار القبر الشريف عشرين ذراعا ، وقد اعتبرت ذلك من الأسطوانة التي ذكرناها فكان كذلك.

وقال أيضا فيما قدمناه عنه : «إن ذرع ما بين مصلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبينها سبع عشرة ذراعا» وقد قدمنا في المصلى الشريف ما يقتضي صحة ذلك عند اختبارنا لما بينهما مع بيان أن المصلى الشريف في طرف الحفر الذي يلي المغرب ، وإن جعل المصلى الشريف على تلك الهيئة حادث ، وفي نسخة من ابن زبالة «تسع عشرة ذراعا» بتقديم التاء ، فإن صحت فقد علمت أنه لم يكن المصلى الشريف في عهد ابن زبالة على هذه الهيئات ، بل كانت الأرض مستوية ، فكأنه اعتبر الذراع من ابتداء طرف المصلى الشريف الغربي ، ومنه إلى الأسطوان


المذكور تسع عشرة ذراعا بتقديم التاء ، وأما ذرع ما بين المصلى الشريف والأسطوانة التي يعنيها البدر فخمس وعشرون ذراعا ، فلا يصح إرادتها بوجه.

وأسند ابن زبالة ويحيى في بيان معتكف النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ابن عمر أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «كان إذا اعتكف طرح له فراشه ووضع له سرير وراء أسطوانة التوبة».

وروى ابن ماجه عن نافع أن ابن عمر أراه المكان الذي كان يعتكف فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم روى عن نافع عن ابن عمر أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «كان إذا اعتكف طرح له فراشه ووضع له سرير وراء أسطوانة التوبة». قال البدر بن فرحون : ونقل الطبراني في معجمه عن ابن عمررضي‌الله‌عنهما أن ذلك مما يلي القبلة «يستند إليها».

قلت : ورواه البيهقي بسند حسن ، ولفظه أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «كان إذا اعتكف يطرح له فراشه أو سريره إلى أسطوانة التوبة مما يلي القبلة يستند إليها» ونقل عياض عن ابن المنذر أن مالك بن أنس كان له موضع في المسجد ، قال : وهو مكان عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه ، وهو المكان الذي كان يوضع فيه فراش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا اعتكف ، كذا قال الأويسي.

أسطوان السرير

ومنها : أسطوان السرير ، أسند ابن زبالة ويحيى في بيان معتكف النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عقب ذكر ما تقدم من وضع فراشه وسريره وراء أسطوان التوبة عن محمد بن أيوب أنه «كان للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم سرير من جريد فيه سعفه(١) يوضع بين الأسطوان التي تجاه القبر وبين القناديل ، كان يضطجع عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ».

قلت : وهذه الأسطوانة هي اللاصقة بالشباك اليوم في شرقي أسطوان التوبة وابن فرحون يجعلها إليها كما تقدم ، ويؤيده ما تقدم في أسطوان التوبة من أن سريرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يوضع إليها ، إلا أن يجاب بأنه كان يوضع مرة عند هذه ومرة عند تلك ، بدليل أنه تقدم في أسطوان التوبة أن وضع ذلك كان مما يلي القبلة يستند إليها ، وذكر في هذه أنه «كان يوضع بينها وبين القناديل» وذلك في جهة شرقيها.

وقال البدر بن فرحون : روينا بالسند الصحيح إلى ابن عمررضي‌الله‌عنهما أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «كان إذا اعتكف يطرح له وسادة ، ويوضع له سرير من جريد فيه سعفه ، يوضع له فيما بين الأسطوان التي وجاه القبر الشريف وبين القناديل ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يضطجع عليه»

__________________

(١) الجريدة : سعفة طويلة تقشّر من خوصها ، والسعفة : جريد النخل وورقه ، وورق النخل اليابس.


قال أبو وحرة ـ بحاء مهملة ـ السعدي وهو يذكر السرير ويمدح آل الزبير لقرب مجلسهم منه :

وإذا غدا آل الزبير غدا النّدى

وإذا انتدى فإليهم ما ينتدي

وإذا هم راحوا فإنهم هم

أهل السرير وأهل صدر المسجد

أسطوان المحرس

ومنها : أسطوان المحرس(١) ، ويسمى أسطوان أمير المؤمنين علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه .

قال يحيى : حدثنا موسى بن سلمة قال : سألت جعفر بن عبد الله بن الحسين عن أسطوان علي بن أبي طالب ، فقال : إن هذه المحرس ، كان علي بن أبي طالب يجلس في صفحتها التي تلي القبر مما يلي باب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يحرس النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

قال الجمال المطري وتبعه من بعده : وهو مقابل الخوخة التي كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يخرج منها إذا كان في بيت عائشة إلى الروضة للصلاة ، وهي خلف أسطوان التوبة من جهة الشمال.

قلت : هي الأسطوان الذي يصلي عندها أمير المدينة يجعلها خلف ظهره ، ولذا قال الأقشهري : إن أسطوان مصلى علي كرم الله وجهه اليوم أشهر من أن تخفى على أهل الحرم ، ويقصد الأمراء الجلوس والصلاة عندها إلى اليوم ، وذكر أنه كان يقال لها مجلس القلادة لشرف من كان يجلس فيه ، وذلك إنما هو في أسطوان الوفود لما سيأتي.

أسطوان الوفود

ومنها : أسطوان الوفود ، قال المطري : هي خلف أسطوان المحرس من جهة الشمال ، كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يجلس إليها لوفود العرب إذا جاءته ، وكانت مما يلي رحبة المسجد قبل أن يزاد في السقف القبلي الرواقان ، وكانت تعرف أيضا بمجلس القلادة ، يجلس إليها سروات الصحابة وأفاضلهم رضوان الله عليهم.

وقال الأقشهري ، ومن خطه نقلت : وأما الأسطوان الذي كان يجلس إليهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم لوفود العرب إذا جاءته ، فقال : إذا عددت الأسطوان التي فيها مقام جبريلعليه‌السلام كانت هي الثالثة ، انتهى ، وكأنه سقط من خطه فاعدد فقال : وقد أخذه من تحفة ابن عساكر ، وقد رأيت في نسخة معتمدة منها موضع بياض بعد «فقال».

وهذا مطابق لما تقدم عن المطري ؛ لأن الأسطوان التي فيها مقام جبريل هي مربعة القبر كما سيأتي ، وبينها وبين أسطوان الوفود المذكور أسطوان.

__________________

(١) المحرس : مكان أقام به حرسا.


وقال ابن زبالة : حدثنا غير واحد من أهل العلم منهم عبد العزيز بن محمد أن الأسطوان التي إلى الرحبة التي في صف أسطوان التوبة بينها وبين أسطوان التوبة مصلى علي بن أبي طالب ، وأنه المجلس الذي يقال له مجلس القلادة ، كان يجلس فيه سراة الناس قديما.

وأورده المجد ، وزاد في آخره : وإنما سمي القلادة لشرف من كان يجلس إليها من بني هاشم وغيرهم.

أسطوان مربعة القبر

ومنها أسطوان مربعة القبر ، وسيأتي أنه يقال له أيضا أسطوان مقام جبريلعليه‌السلام ، وقد تقدم فيما نقله الأقشهري في أسطوان الوفود ما يشهد له.

وأسند ابن زبالة ويحيى عن سليمان بن سالم عن مسلم بن أبي مريم وغيره : كان باب بيت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في المربعة التي في القبر ، قال سليمان : قال لي مسلم : لا تنس حظك من الصلاة إليها ؛ فإنها باب فاطمةرضي‌الله‌عنها الذي كان علي يدخل عليها منه.

قلت : وهي في حائز عمر بن عبد العزيز عند منحرف الصفة الغربية منه إلى جهة الشمال ، في صف أسطوان الوفود ، بينهما الأسطوانة اللاصقة بالشباك التي شرقي أسطوان الوفود ، وسيأتي لها مزيد بيان إن شاء الله تعالى.

ومن فضلها ما أسنده يحيى عن أبي الحمراء قال : شهدت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أربعين صباحا يجيء إلى باب علي وفاطمة وحسن وحسين حتى يأخذ بعضادتي الباب ويقول : السلام عليكم أهل البيت :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) [الأحزاب:٣٣] وفي رواية له : رابطت بالمدينة سبعة أشهر كيوم واحد ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يأتي باب علي كل يوم فيقول : الصلاة ، الصلاة ، ثلاث مرات( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) وقد حرم الناس الصلاة إلى هذه الأسطوان لإدارة الشباك الدائر على الحجرة الشريفة وغلق أبوابه.

أسطوان التهجد

ومنها : أسطوان التهجد ، أسند يحيى عن عيسى بن عبد الله عن أبيه قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يخرج حصيرا كل ليلة إذا انكفت الناس فيطرح وراء بيت علي ، ثم يصلي صلاة الليل ، فرآه رجل فصلى بصلاته ، ثم آخر فصلى بصلاته ، حتى كثروا ، فالتفت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فإذا بهم ، تأمر بالحصير فطوي ثم دخل ، فلما أصبح جاءوه فقالوا : يا رسول الله ، كنت فصلى الليل فنصلي بصلاتك ، فقال : إني خشيت أن ينزل عليكم صلاة


الليل ثم لا تقوون عليها ، قال عيسى بن عبد الله : وذلك موضع الأسطوان التي على طريق باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مما يلي الزوراء.

قلت : صحّف بعضهم هذه اللفظة فقال : مما يلي الدور ، ورأيت بخط الأقشهري : لعله مما يلي دوره ، انتهى. والظاهر أن الرواية مما يلي الزور ـ بالزاي ـ يعني الموضع المزور في بناء عمر بن عبد العزيز خلف الحجرة كما سيأتي والله أعلم.

قال عيسى : وحدثني سعيد بن عبد الله بن فضيل قال : مر بي محمد بن الحنفية وأنا أصلي إليها ، فقال لي : أراك تلزم هذه الأسطوانة ، هل جاءك فيها أثر؟ قلت : لا ، قال : فالزمها فإنها كانت مصلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الليل.

قلت : تقدم في حدود المسجد النبوي ما يقتضي أن الموضع المذكور كان خارج المسجد تجاه باب جبريل قبل تحويله إلى محله اليوم ، وهو موافق لما سيأتي عن المؤرخين في بيان موضع هذه الأسطوانة ، والمعروف من حالهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن قيامه في غير رمضان إنما كان في بيته ، وهذا الموضع ليس منه ، وفيما سبق مع أحاديث قيام رمضان ما يوهم أن القصة المذكورة كانت فيه ، ففي صحيح البخاري عن زيد بن ثابت أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «اتخذ حجرة ، قال : حسبت أنه قال : من حصير ، في رمضان فصلى فيها ليالي فصلى بصلاته ناس ـ الحديث» ورواه مسلم عنه بلفظ أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «اتخذ حجرة في المسجد من حصير ، فصلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيها ليلا ، حتى اجتمع إليه ناس ، فذكره نحوه» وفي رواية لأبي عوانة عن زيد «اتخذ حجرة من حصير في المسجد في رمضان ـ الحديث». ولعلها القبة التي كان يعتكفصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيها في رمضان ، فقد روى الطبراني في الكبير عن أبي ليلى قال : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم اعتكف في قبة من خوص ، وفي الكبير والأوسط عن معيقيب قال : «اعتكف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في قبة من خوص بابها من حصير والناس في المسجد» وأسند يحيى عن أبي حازم مولى الأنصار قال : «اعتكف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في المسجد في رمضان في قبة على بابها حصير» ، وعن ابن عمر قال : بنى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بيتا من سعف في المسجد في آخر شهر رمضان يصلي فيه.

وقال المطري في بيان موضع هذه الأسطوانة : هي خلف بيت فاطمةرضي‌الله‌عنها ، والواقف إليها يكون باب جبريل المعروف قديما بباب عثمان على يساره ، وحولها الدرابزين : أي لاصقا بها يمينا ويسارا ، وهو الشباك الدائر على الحجرة الشريفة وعلى بيت فاطمةرضي‌الله‌عنها ، وقد كتب فيها بالرخام : هذا متهجّد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وقال ابن النجار : هذه الأسطوانة وراء بيت فاطمة من جهة الشمال ، وفيها محراب إذا توجه المصلى إليه كانت يساره إلى باب عثمان المعروف اليوم بباب جبريل.

قلت : وقد جدد محرابها في هذه العمارة التي أدركناها أولا ، وزيد في رخامه فوق


المحراب الأول ، وكتبوا في ذلك بالرخام بروز الأمر بتجديد عمارة الحجرة الشريفة من السلطان الأشرف قايتباي ـ أعز الله أنصاره! ـ وأن ذلك على يد الخواجا الجناب الشمسي ابن الزمن ، وتاريخ العمارة المذكورة ، كل ذلك مكتوب بالرخام في أعلى محراب الأسطوانة المذكورة ، ثم لما جاء الحريق الحادث بعد تمام هذا التأليف أزال ذلك كله ، ثم اقتضى رأيهم عند بناء الدعائم التي اتخذوها للقبة المحاذية لأعلى الحجرة والعقود التي خلفها إبدال هذه الأسطوانة بدعامة اتخذوا فيها محرابا.

وهذه الأسطوانة آخر الأساطين التي ذكر لها أهل التاريخ فضلا خاصا ، وإلا فجميع سواري المسجد الشريف لها فضل ؛ ففي البخاري من حديث أنس قال : لقد أدركت كبار أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يبتدرون السواري عند المغرب ، قال ابن النجار : فعلى هذا جميع سواري مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يستحب الصلاة عندها ؛ لأنه لا يخلو أن كبار الصحابة صلوا إليها ، والله أعلم.

الفصل الثامن

في الصّفة وأهلها ، وتعليق الأقناء لهم بالمسجد

وصف الصفة وموضعها

قال عياض : الصفة ـ بضم الصاد وتشديد الفاء ـ ظلة في مؤخر مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يأوي إليها المساكين ، وإليها ينسب أهل الصّفة على أشهر الأقاويل.

وقال الحافظ الذهبي : إن القبلة قبل أن تحوّل كانت في شمالي المسجد ، فلما حوّلت القبلة بقي حائط القبلة الأعلى مكان أهل الصفة.

وقال الحافظ ابن حجر : الصفة مكان في مؤخر المسجد النبوي مظلل أعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل ، وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر.

وقد سرد أسماءهم أبو نعيم في الحلية فزادوا على المائة ، وقد أخرج أبو نعيم في الحلية من مرسل الحسن قال : بنيت صفّة في المسجد لضعفاء المسلمين.

وقال المجد نقلا عن الدارقطني : الصفة هي ظلة كان المسجد في مؤخرها ، ثم قال المجد : وذكر ابن جبير في رحلته عند ذكر قباء قال : وفي آخر القرية تلّ مشرف يعرف بعرفات يدخل إليه على دار الصفة حيث كان عمار وسلمان وأصحابهما المعروفون بأهل الصفة ، وكأن هذا وهم ، والله أعلم.

قلت : يظهر من قول عياض فيما قدمناه عنه «على أشهر الأقوال» أن في ذلك خلافا ؛ فيكون ما ذكره ابن جبير أحد الأقوال ، لكنه مرجوح أو مؤول بأن من ذكر من أهل الصفة اتخذوا تلك الدار بعد ، فاشتهرت بذلك.


أهل الصفة

وقد روى ابن سعد في مرسل يزيد بن عبد الله بن قسيط : كان أهل الصفة ناسا فقراء لا منازل لهم ، فكانوا ينامون في المسجد لا مأوى لهم غيره.

وروى البيهقي عن عثمان بن اليمان قال : لما كثرت المهاجرون بالمدينة ولم يكن لهم دار ولا مأوى أنزلهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المسجد ، وسماهم أصحاب الصفة ، فكان يجالسهم ويأنس بهم.

وأسند يحيى عن فضالة بن عبيد قال : كنا نصلي مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيخر قوم من قامتهم من الخصاصة(١) ، حتى يقول الأعرابي : مجانين ، وهم أهل الصفة ، فإذا صلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أتاهم فوقف عليهم ، فقال : لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فقرا وحاجة.

وفي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن أصحاب الصفة كانوا ناسا فقراء ، وأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال مرة : من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس ـ الحديث.

وفيه من حديث أبي هريرة قال : لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء قد ربطوه ، فمنها ما يبلغ نصف الساقين ، ومنها ما يبلغ الكعبين ، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته.

وفيه من حديث أبي هريرة أيضا أنه كان يقول : والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع ، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ، ولقد قعدت يوما في طريقهم الذي يخرجون منه ، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا يستتبعني ، فمر ولم يفعل ، ثم مر بي أبو القاسمصلى‌الله‌عليه‌وسلم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ، ثم قال : أبا هر ، قلت : لبيك يا رسول الله ، قال : الحق ، فمضى فتبعته ، فدخل فاستأذن ، فأذن لي ، فدخلت فوجدنا لبنا في قدح ، فقال : من أين هذا اللبن؟ فقالوا : أهداه لك فلان أو فلانة ، قال : أبا هر ، قلت : لبيك يا رسول الله ، قال : الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي ، وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد ، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ، ولم يتناول منها شيئا ، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها ، فساءني ذلك ، فقلت : وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوّى بها ، فلما جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم ، وما

__________________

(١) الخصاصة : سوء الحال والفقر والحاجة.


عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟ ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد ، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا ، فاستأذنوا فأذن لهم ، فأخذوا مجالسهم من البيت ، قال : يا أبا هريرة ، قلت : لبيك يا رسول الله ، قال : خذ فأعطهم ، فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فاخذه فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ، ثم انتهيت إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد روي القوم كلهم ، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم ، وقال : يا أبا هر ، قلت : لبيك يا رسول الله ، قال : بقيت أنا وأنت ، قلت : صدقت يا رسول الله ، قال : اقعد فاشرب ، فقعدت فشربت ، فقال : اشرب ، فشربت ، فما زال يقول اشرب حتى قلت : لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا ، قال : فأرني ، فأعطيته القدح ، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة.

وقد وقع لأبي هريرةرضي‌الله‌عنه قصة أخرى في تكثير الطعام مع أهل الصفة.

وأخرج ابن حبان من طريق مسلم بن حيان عن أبيه عنه قال : أتت عليّ ثلاثة أيام لم أطعم ، فجئت أريد الصفة ، فجعلت أسقط ، فجعل الصبيان يقولون : خر أبو هريرة ، حتى انتهيت إلى الصفة ، فوافيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أتى بقصعة من ثريد ، فدعا عليها أهل الصفة وهم يأكلون منها ، فجعلت أتطاول كي يدعوني ، حتى قاموا وليس في القصعة إلا شيء في نواحيها ، فجمعهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فصارت لقمة ، فوضعها على أصابعه فقال لي : كل باسم الله ، فو الذي نفسي بيده ما زلت آكل منه حتى شبعت.

وروى أبو نعيم في الحلية من حديث معاوية بن الحكم فقال : بينا أنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الصفة ، فجعل يوجه الرجل مع الرجل من الأنصار ، والرجلين والثلاثة ، حتى بقيت في أربعة ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خامسنا ، فقال : انطلقوا بنا ، فقال : يا عائشة عشّينا ـ الحديث.

وروى أيضا من طريق نعيم المجمر عن أبي هريرة : كنت من أهل الصفة ، وكنا إذا أمسينا حضرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيأمر كل رجل فينصرف برجل أو أكثر ، فيبقى من بقي عشرة أو أقل أو أكثر ، فيؤتي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعشائه فيتعشى معهم ، فإذا فرغنا قال : ناموا في المسجد.

وروى ابن شبة عن طلحة البصري قال : كان من قدم المدينة فكان له بها عريف نزل على عريفه ، ومن لم يكن له بها عريف نزل الصفة ، فكنت فيمن نزل الصفة ، فوافقت رجلين كان يجرى علينا في كل يوم مدّين من تمر من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فانصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فناداه رجل من أهل الصفة : يا رسول الله أحرق التمر بطوننا وتحرفت علينا الحرف ، فمال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى منبره فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر ما لقي من قومه حتى إن كان ليأتي علي وعلى صاحبي بضعة عشر يوما ما لنا طعام إلا البرير ، فقدمنا على إخواننا من الأنصار وجل


طعامهم التمر ، فواسونا ، ولو أجد لكم الخبز واللحم لأطعمتكم ، ولكن لعلكم ستدركون زمانا أو من أدركه منكم يلبسون فيه مثل أستار الكعبة ويغدى ويراح عليكم بالجفان.

مبدأ تعليق الأقناء

وقال ابن النجار : روى أهل السير أن محمد بن مسلمة رأى أضيافا عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في المسجد ، فقال : ألا نفرق هذه الأضياف في دور الأنصار ، ونجعل لك في كل حائط قنوا ليكون لمن يأتيك من هؤلاء الأقوام ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : بلى ، فلما جدّ ماله جاء بقنو فجعله في المسجد بين ساريتين ، فجعل الناس يفعلون ذلك ، وكان معاذ بن جبل يقوم عليه ، وكان يجعل حبلا بين الساريتين ثم تعلّق الأقناء على الحبل ، وتجمع العشرين وأكثر فيهش عليهم بعصا من الأقناء فيأكلون حتى يشبعون ، ثم ينصرفون ويأتي غيرهم فيفعل بهم مثل ذلك ، فإذا كان الليل فعل لهم مثل ذلك.

قلت : بوّب البخاري للقسمة وتعليق القنو في المسجد ، ولم يذكر في الباب تصريحا بتعليق القنو ، فأشار بذلك إلى ما رواه النسائي عن عوف بن مالك الأشجعي قال : خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبيده عصا ، وقد علق رجل قنو حشف ، فجعل يطعن في ذلك القنو ، ويقول : لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب من هذا ، إن رب هذه الصدقة يأكل حشفا يوم القيامة ، وليس على شرط البخاري ، وإن كان إسناده قويا ، فأشار إليه بالتبويب ولم يذكره كعادته.

وروى ابن زبالة عن إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه أن ناسا كانوا يقدمون على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا شيء لهم ، فقالت الأنصار : يا رسول الله ، لو عجلناك قنوا من كل حائط لهؤلاء ، قال : أجل فافعلوا ، ففعلوا ، فجرى ذلك إلى اليوم ، فهي الأقناء التي تعلق في المسجد عند جدار النخل فيعطاها المساكين ، وكان عليها على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم معاذ بن جبل.

وقال يحيى : حدثني هرون بن موسى عن غير واحد من أهل المدينة أن الناس أصابتهم في ثمارهم عاهة من العاهات في زمن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما على أحدكم لو بعث بقنو من نخله للمساكين ، فبعث ذلك الناس ، واستعمل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على الأقناء معاذ بن جبل ، فكان يمد حبلا بين جذعين ويعلق عليه الأقناء ، فرفع الله تلك العاهة ، فصارت سنة ، ولم تزل الأئمة عليها إلى اليوم.

وروى يحيى أيضا عن عاصم بن سويد قال : سمعت أبي يقول : عويم بن ساعدة أتى بقنو إلى مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأتسى الناس به أهل العالية وأهل السافلة.

وأخرج ثابت في الدلائل أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «أمر من كل حائط بقنو يعلق في المسجد» يعني للمساكين.


وفي رواية له : وكان عليها معاذ بن جبل : أي على حفظها ، أو على قسمتها ، والله أعلم.

الفصل التاسع

في الحجرة الشريفة ، وبيان إحاطتها بالمسجد الشريف إلا من جهة المغرب

قد تقدم أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما بنى مسجده الشريف بنى بيتين لزوجتيه عائشة وسودةرضي‌الله‌عنهما على نعت بناء المسجد من لبن وجريد النخل.

قال ابن النجار : وكان لبيت عائشة مصراع واحد من عرعر أو ساج(١) ، قال : ولما تزوج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم نساءه بنى لهن حجرا ، وهي تسعة أبيات ، وهي ما بين بيت عائشةرضي‌الله‌عنها إلى الباب الذي يلي باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، انتهى. ومراده بالباب الذي يلي باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الباب الذي في الجهة المقابلة له من المغرب ، وهو المعروف الآن بباب الرحمة ، وإنما حملنا كلامه على ذلك لأنه وقع في كلامه استعمال الباب الذي يليه بمعنى الباب الذي يقابله ، ولأنه قال عقبه : قال أهل السير : ضرب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الحجرات ما بينه وبين القبلة والشرق إلى الشام ، ولم يضربها في غربيه ، وكانت خارجة من المسجد مديرة به إلا من المغرب ، وكانت أبوابها شارعة في المسجد ، انتهى.

وكأن الخطيب ابن حملة فهم من هذا اختلافا في مواضع الحجر ، فقال : قيل كانت كلها في جهة المشرق ، وقيل : في جهات المسجد ما عدا المغرب.

قلت : ويرجح ما قررناه ما رواه ابن الجوزي في شرف المصطفى بسنده إلى محمد بن عمر قال : سألت مالك بن أبي الرجال : أين كانت منازل أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ فأخبرني عن أبيه عن أمه أنها كانت كلها في الشق الأيسر إذا قمت إلى الصلاة إلى وجه الإمام في وجه المنبر هذا أبعدها ، ولما توفيت زينب أدخل ـ أي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أم سلمة بيتها ، انتهى ، ووجه المنبر ووجه الإمام يعني إذا قام على المنبر بجهة الشام في جهة الباب المعروف الآن بباب الرحمة قبل أن ينقل إلى محله اليوم ، وهو يقتضي أنه لم يكن من الحجر شيء في جهة القبلة ، إلا أن تكون الرواية إلى وجه الإمام وفي وجه المنبر فيوافق ما تقدم عن أهل السير.

وأسند ابن زبالة عن محمد بن هلال قال : أدركت بيوت أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كانت من جريد مستورة بمسوح الشعر(٢) مستطيرة في القبلة وفي المشرق والشام ، ليس في غربي

__________________

(١) العرعر : جنس أشجار وجنبات من الصنوبريات ، فيه أنواع تصلح للأحراج وللتزيين ، والساج : ضرب من الشجر يعظم جدا ، ويذهب طولا وعرضا ، وله ورق كبير.

(٢) المسوح أو الأمساح مفردها : المسح : كساء من الشعر ، والجادّة من الأرض.


المسجد شيء منها ، وكان باب عائشة مواجه الشام ، وكان بمصراع واحد من عرعر أو ساج. وأسند يحيى من طريق الواقدي عن عبد الله بن يزيد الهذلي قال : رأيت بيوت أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين هدمها عمر بن عبد العزيز كانت من لبن(١) ، ولها حجر من جريد مطرورة بالطين ، عددت تسعة أبيات بحجرها ، وهي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى منزل أسماء بنت حسن اليوم.

قلت : وقوله «إلى الباب الذي يلي باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم » قد تقدم ما يؤخذ منه أن المراد به باب الرحمة ، وقوله «إلى منزل أسماء إلى آخره» يقتضي أن البيوت المذكورة كان بعضها خارجا عن سمت(٢) المسجد ؛ لأن بيت أسماء المذكور كان في مقابلة الباب الذي كان يلي باب النساء من شاميه ، ويبعد أن يكون المسجد النبوي ممتدا إلى تلك الجهة في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لكن سيأتي في بيت فاطمةرضي‌الله‌عنها ما يصرح بأن بيتها كان ينتهي إلى الباب المذكور ؛ فيحتمل أن المسجد كان ممتدا إليه ، ويحتمل أن بعض البيت المذكور لم يكن في محاذاة المسجد ، على أن البخاري روى في صحيحه حديث «كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في المسجد وعنده أزواجه فرجعن ، فقال لصفية بنت حيي : لا تعجلي حتى أنصرف معك ، وكان بيتها في دار أسامة ، فخرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم معها ـ الحديث».

وفي رواية له عن صفية قالت : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم معتكفا ، فأتيته أزوره ليلا ، فحدثته ثم قمت ، فانقلبت ، فقام معي ليقلبني ، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد ، فمر رجلان من الأنصار ـ الحديث.

وفي رواية له أنها جاءت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تزوره وهو معتكف في المسجد في العشر الأواخر من رمضان ، ثم قامت تنقلب ، فقام معها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى إذا بلغ قريبا من باب المسجد عند باب أم سلمة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مر بهما رجلان من الأنصار ـ الحديث ، وهو يقتضي أن صفية لم يكن مسكنها في الحجر المحيطة بالمسجد.

ولم يتعرض ابن شبة لاتخاذ أسامة لدار ، وذكر أن أباه اتخذ دارين إحداهما دخلت في المسجد لما زيد فيه ، ولعلها المرادة والله أعلم.

ولنرجع إلى بقية ما أسنده يحيى عن عبد الله بن زيد ، قال : ورأيت بيت أم سلمة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وحجرتها من اللبن ، فسألت ابن ابنها ، فقال : لما غزا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم دومة الجندل بنت حجرتها بلبن ، فلما قدم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم نظر إلى اللبن ودخل عليها أول نسائه ، فقال : ما هذا البناء؟ فقالت : أردت يا رسول الله أن أكف أبصار الناس ، فقال : يا أم سلمة إن من شر ما

__________________

(١) اللّبن : ضرب من الطين يا بنى به دون أن يطبخ.

(٢) السمت : الطريق الواضح ، والمقصود هنا طريق المسجد.


ذهب فيه مال المسلم البنيان ، قال الواقدي : فحدثت بهذا الحديث معاذ بن محمد الأنصاري ، فقال : سمعت عطاء الخراساني في مجلس فيه عمران بن أبي أنس يقول وهو فيما بين القبر والمنبر : أدركت حجرات أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود ، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمرنا بهدم حجر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فما رأيت يوما كان أكثر باكيا من ذلك اليوم. قال عطاء : فسمعت سعيد بن المسيب يقول : والله لوددت أنهم تركوها على حالها ينشأ ناشئ من المدينة ويقدم قادم من الآفاق فيرى ما اكتفى به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في حياته ، ويكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر فيها ، قال معاذ : فلما فرغ عطاء الخراساني من حديثه قال عمران بن أبي أنس : كان فيها أربعة أبيات بلبن لها حجر من جريد ، وكانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها على أبوابها مسوح الشعر ، ذرعت الساتر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع وعظم الذراع ، فأما ما ذكرت من كثرة البكاء فلقد رأيتني في المسجد وفيه نفر من أبناء أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو أمامة بن سهل وخارجة بن زيد وإنهم ليبكون حتى أخضل لحاهم الدمع ، وقال يومئذ أبو أمامة : ليتها تركت حتى ينقص الناس من البنيان ويروا ما رضي الله لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومفاتيح خزائن الدنيا بيده.

وروى رزين عن عبد الله بن يزيد الهلالي قال : رأيت بيوت أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين هدمها عمر بن عبد العزيز يدخلها في المسجد مبنية باللبن حولها حجر من جريد ممدودة إلا حجرة أم سلمة ، وذكر نحو ما تقدم باختصار.

وقال ابن الجوزي في الوفاء : قال محمد بن عمر : كانت لحارثة بن النعمان منازل قرب المسجد وحوله ، وكلما أحدث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أهلا(١) نزل له حارثة عن منزله حتى صارت منازله كلها لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأزواجه.

قلت : وظاهره يخالف ما تقدم من أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بنى أولا بيتين لزوجتيه ، وأنه لما تزوج نساءه بنى لهن حجرا ، وظاهره أنه كان كلما أحدث زوجة أحدث لها بناء حجرة ، فيحمل ما هنا على أن حارثة كان ينزل له عن مواضع المساكن ، وكانصلى‌الله‌عليه‌وسلم يبنيها.

ونقل الزركشي عن الشمس الذهبي أنه قال : لم يبلغنا أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بنى له تسعة أبيات حين بنى المسجد ، ولا أحسبه فعل ذلك ، إنما كان يريد بيتا واحدا حينئذ لسودة أم المؤمنين ، ثم لم يحتج إلى بيت آخر حتى بنى لعائشةرضي‌الله‌عنها ، في شوال سنة اثنين ، فكأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بناها في أوقات مختلفة ، انتهى.

وهو مقتضى ما قدمناه ، غير أنه مخالف لما قدمناه في بيت عائشةرضي‌الله‌عنها ، لما

__________________

(١) أي كلما تزوج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وسلم).


تقدم أنه بناه مع بناء المسجد ، وهو الظاهر ؛ لأنها كانت حينئذ زوجته ، غير أنه لم يبن لها فتأهب لذلك بأن بنى لها حجرتها.

وذكر الأقشهري أن ابن عبد البر روى من طريق الزبير بن بكار عن عائشةرضي‌الله‌عنها خبرا طويلا في قدومها المدينة قالت فيه : ثم إنا قدمنا المدينة ، فنزلت مع آل أبي بكر ، ونزل آل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عليه ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يا بني مسجده وأبياتا حول المسجد ، فأنزل فيها أهله ، فمكثنا أياما ، ثم قال أبو بكر : يا رسول الله ما يمنعك أن تبني بأهلك؟ قال : الصداق ، فأعطاه أبو بكر اثنتي عشرة أوقية ونشا(١) فبعث بها إلينا ، وبنى لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في بيتي هذا الذي أنا فيه ، وهو الذي توفي فيه ودفن فيه.

المشربة

قلت : ولم أر في كلام المؤرخين من تعرض للمشربة التي اعتزل فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما آلى من نسائه شهرا ، ومقتضى ذلك أنه لم يكن بابها من بيت واحدة منهن ليتأتى عدم الدخول عليهن ، والذي في الصحيح قول حفصة : هو ذاقي المشربة ، وفي رواية تسميتها علّبة ، وفي رواية غرفة ، وقد بوب عليه البخاري باب هجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم نساءه في غير بيوتهن ، وفي رواية «هو في خزانته في المشربة» وفي رواية «فإذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في مشربة يرقى عليها بعجلة» وفي رواية «فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قاعد على أسكفة المشربة(٢) مدل رجليه على نقير من خشب وهو جذع يرقى عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وينحدر».

وقال السهيلي : قال الحسن البصري : كنت أدخل بيوت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنا غلام مراهق وأنال السقف بيدي ، وكان لكل بيت حجرة ، وكانت حجرة من أكسية من خشب عرعر.

وورد أن بابهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يقرع بالأظافير : أي : لا حلق له.

وقال مالك : كان المسجد يضيق عن أهله ، وحجر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليست من المسجد ، ولكن أبوابها شارعة في المسجد.

وقال ابن سعد : أوصت سودة ببيتها لعائشةرضي‌الله‌عنها ، وباع أولياء صفية بنت حيي بيتها من معاوية بمائة ألف وثمانين ألف درهم ، واشترى معاوية من عائشة منزلها

__________________

(١) النش : نصف كل شيء. يقال : نشّ أوقية. ووزن مقداره عشرون درهما.

(٢) أسكفة المشربة : عتبة المشربة.


بمائة ألف وثمانين ألف درهم ، وقيل : بمائتي ألف ، وشرط لها سكناها حياتها ، وحمل إليها المال ، فما قامت من مجلسها حتى قسمته ، وقيل : بل اشتراه ابن الزبير من عائشة ، وبعث إليها خمسة أجمال تحمل المال ، وشرط لها سكناها حياتها ، ففرقت المال.

وأسند ابن زبالة عن هشام بن عروة قال : إن ابن الزبير ليعتد بمكرمتين ما يعتد أحد بمثلهما : أن عائشة أوصته ببيتها وحجرتها ، وأنه اشترى حجرة سودة.

قلت : وهذا يقتضي أن الحجر الشريفة كانت على ملك نسائهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويؤيده ما تقدم من تصرف أم سلمة وبنائها لحجرتها في غيبتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويعارضه ما تقدم من أن زينب بنت خزيمة لما توفيت أدخل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أم سلمة بيتها ، وقد أضيفت البيوت في القرآن العظيم مرة إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومرة إليهن ، والظاهر أن الإضافة الأولى هي الحقيقية ؛ لما تقدم من أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بناها ، ولأنه كان يجب عليه إسكانهن ، غير أن لهن فيها بعده حق السكنى لحبسهن لحقهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وقال الزبير بن المنير : إن غرض البخاري حيث ترجم بقوله «باب ما جاء في بيوت أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم » وما نسب من البيوت إليهن وقول اللهعزوجل ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ ) [الأحزاب : ٣٣]( لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ) [الأحزاب : ٥٣] أن يبين أن بهذه النسبة تحقيق دوام استحقاقهن البيوت ما بقين ؛ لأن نفقتهن وسكناهن من خصائص النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والسر فيه حبسهن عليه ، انتهى. ويحتمل أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان قد ملّك بعضهن بيتها ، أو ملكهن كلهن كما ذهب إليه بعضهم.

قال الطبري : قيل : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ملّك كلا من أزواجه البيت التي هي فيه فسكّن بعده فيهن بذلك التمليك ، وقيل : إنما لم ينازعن في مساكنهن لأن ذلك من جملة مئونتهن التي كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم استثناه لهن مما كان بيده أيام حياته حيث قال : ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة ، قال الطبري : وهذا أرجح ، ويؤيده أن ورثتهن لم يرثوا عنهن منازلهن ، ولو كانت البيوت ملكا لهن لانتقلت إلى ورثتهن ، وفي ترك ورثتهن حقوقهم منها دلالة على ذلك ، ولهذا زيدت بعدهن في المسجد لعموم نفعه للمسلمين ، انتهى.

وقد يناقش فيما ذكره من عدم إرث ورثتهن لمنازلهن ؛ إذ لا يلزم من عدم نقله انتفاءه مع أن في قصة إدخال بيت حفصة في المسجد وما وقع من آل عمر في أمر طريق بيت حفصة ما يشهد لأن ورثتهن ورثوا ذلك ، ويحتمل أن إدخال الحجر في المسجد كان بعد شرائها من الورثة ، وقد تقدم عن ابن سعد ما يشهد لذلك ، وقد قال في طبقاته أيضا : أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال : مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم يوص إلا بمسكن أزواجه وأرض ، انتهى. وهذا يحتمل الوصية للأزواج بذلك ، ويحتمل غيره ، والله أعلم.

وادعى المهلب أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان قد حبس عليهن بيوتهن ، ثم استدل به على أن من


حبس دارا جاز له أن يسكن منها في موضع ، وتعقّبه ابن المنير بمنع أصل الدعوى ، وقد ترجم ابن شبة لعلم دور أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمدينة ، وذكر عن جماعة منهن اتخاذ دور في أماكن متفرقة من المدينة ، فتلك غير الحجر المذكورة ، والظاهر أن اتخاذهن لذلك كان بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والله أعلم.

الفصل العاشر

في حجرة فاطمة بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ورضي‌الله‌عنها

أسند يحيى عن عيسى بن عبد الله عن أبيه أن بيت فاطمةرضي‌الله‌عنها في الزور الذي في القبر ، بينه وبين بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم خوخة.

وأسند عن عمر بن علي بن عمر بن علي بن الحسين قال : كان بيت فاطمة في موضع الزور مخرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت فيه كوة إلى بيت عائشةرضي‌الله‌عنها ، فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا قام إلى المخرج اطلع من الكوة إلى فاطمة فعلم خبرهم ، وأن فاطمةرضي‌الله‌عنها قالت لعلي : إن ابني أمسيا عليلين فلو نظرت لنا أدما(١) نستصبح به(٢) ، فخرج علي إلى السوق فاشترى لهم أدما ، وجاء به إلى فاطمة فاستصبحت ، فدخلت عائشة المخرج في جوف الليل فأبصرت المصباح عندهم ، وذكر كلاما وقع بينهما ، فلما أصبحوا سألت فاطمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يسد الكوة ، فسدها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وأسند يحيى عقب ذلك حديث عائشة «قلت : يا رسول الله ندخل كنيفك فلا نرى شيئا من الأذى ، فقال : الأرض تبلع ما يخرج من الأنبياء من الأذى فلا يرى منه شيء» فأشعر صنيع يحيى أن المراد من المخرج موضع الكنيف ، وأفهم ذلك أن المخرج المذكور كان خلف حجرة عائشةرضي‌الله‌عنها ، بينها وبين بيت فاطمةرضي‌الله‌عنها ، وذلك يقتضي أن يكون محله في الزور ، أعني الموضع المزور شبه المثلث في بناء عمر بن عبد العزيز في جهة الشام.

ويشهد لذلك ما أسنده يحيى عن مسلم عن ابن أبي مريم أن عرض بيت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الأسطوانة التي خلف الأسطوان المواجهة الزور ، قال : وكان بابه في المربعة التي في القبر.

وقد أسند أبو غسان كما قاله ابن شبة عن مسلم بن سالم بن مسلم بن أبي مريم قال : عرّس عليرضي‌الله‌عنه بفاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الأسطوان التي خلف الأسطوان

__________________

(١) الأدم : ما يستمرأ به الخبز. والمراد هنا الزيت.

(٢) نستصبح به : نوقد به المصباح.


المواجهة الزور ، وكانت داره في المربعة التي في القبر ، قال سليمان : وقال مسلم : لا تنس حظك من الصلاة إليها ؛ فإنه باب فاطمة التي كان علي يدخل إليها منه ، وقد رأيت حسن بن زيد يصلي إليها.

وقد ذكرنا في فضل أسطوان مربعة القبر ما ورد من أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «كان يأتي باب علي كل يوم» وفي رواية «عند صلاة الصبح» وفي رواية يحيى «إلى باب علي وفاطمة وحسن وحسين حتى يأخذ بعضادتي الباب ويقول : السلام عليكم أهل البيت» وفي رواية فيقول «الصلاة الصلاة الصلاة ، ثلاث مرات ، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا» وذكرنا أيضا أن أسطوان التهجد خلف بيت فاطمةرضي‌الله‌عنها .

وروى الطبراني من حديث أبي ثعلبة : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ، ثم يثني بفاطمة ، ثم يأتي أزواجه ، وفي لفظ : ثم بدأ ببيت فاطمة ، ثم يأتي بيوت نسائه.

وأسند يحيى عن محمد بن قيس قال : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا قدم من سفر أتى فاطمة فدخل عليها وأطال عندها المكث ، فخرج مرة في سفر وصنعت فاطمة مسكتين(١) من ورق وقلادة وقرطين ، وسترت باب البيت لقدوم أبيها وزوجها ، فلما قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ودخل عليها ، ووقف أصحابه على الباب لا يدرون أيقيمون أم ينصرفون لطول مكثه عندها ، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد عرف الغضب في وجهه ، حتى جلس على المنبر ، ففطنت فاطمة أنه فعل ذلك لما رأى من المسكتين والقلادة والستر ، فنزعت قرطيها وقلادتها ومسكتيها ونزعت الستر وبعثت به إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقالت للرسول : قل له تقرأ عليك ابنتك السلام ، وتقول لك : اجعل هذا في سبيل الله ، فلما أتاه قال : قد فعلت فداها أبوها ، ثلاث مرات ، ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد ، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ، ثم قام فدخل عليها.

وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال : قدم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قوم عراة كانوا غزاة بالروم ، فدخل على فاطمة وقد سترت سترا قال : أيسرك أن يسترك الله يوم القيامة؟ فأعطنيه ، فأعطته ، فخرج به فشقه لكل إنسان ذراعين في ذراع.

وعن عليرضي‌الله‌عنه قال : زارنا النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فبات عندنا والحسن والحسين نائمان ، واستسقى الحسن ، فقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى قربة لنا فجعل يعصرها في القدح ثم جعل يصبه ، فتناول الحسين فمنعه ، وبدأ بالحسن ، فقالت فاطمة : يا رسول الله كأنه أحب إليك ، قال :

__________________

(١) المسك : الأساور والخلاخيل من القرون أو العاج ونحوها.


إنما استسقى أول ، ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إني وإياك وهذا وهذا الرقد يعني عليا يوم القيامة في مكان واحد ، وعن أبي سعيد الخدري أيضا مثله.

وعن علي قال : زارنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فعملنا له خزيرة(١) ، وأهدت لنا أم أيمن قعبا من لبن وصحفة من تمر ، فأكل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأكلنا معه ، ثم وضّأت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فمسح رأسه وجبهته بيده ، ثم استقبل القبلة فدعا بما شاء ، ثم أكبّ إلى الأرض بدموع غزيرة ، يفعل ذلك ثلاث مرات ، فتهيبنا رسول الله أن نسأله ، فوثب الحسين على ظهر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبكى ، فقال له : بأبي وأمي ما يبكيك؟ قال : يا أبت رأيتك تصنع شيئا ما رأيتك تصنع مثله ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا بني سررت بكم اليوم سرورا لم أسرّ بكم مثله قط ، وإن حبيبي جبريلعليه‌السلام أتاني وأخبرني أنكم قتلى ، وأن مصارعكم شتى ، فأحزنني ذلك ، ودعوت الله تعالى لكم بالخيرة.

وقال ابن النجار : وبيت فاطمة اليوم حوله مقصورة وفيه محراب ، وهو خلف حجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

قلت : المقصورة اليوم دائرة عليه وعلى حجرة عائشةرضي‌الله‌عنها كما سيأتي بيانه ، والمحراب الذي ذكره خلف حجرة عائشة من جهة الزور بينه وبينه موضع تحترمه الناس ولا يدوسونه بأرجلهم ، يذكر أنه موضع قبر فاطمةرضي‌الله‌عنها كما هو أحد الأقوال الآتية فيه ، وقد اقتضى ما قدمناه أن بيت فاطمةرضي‌الله‌عنها كان فيما بين مربعة القبر وأسطوان التهجد ، وأنه عرّس بها إلى الأسطوان الذي إليه المحراب الموجود اليوم في بيتها ؛ لأن الأسطوان المواجه للزور هو الأسطوان الذي في صف المربعة اللاصق بالجدار الداخل من الحجرة الشريفة ، كان بعضه في حائطها الشامي ، وأدخل كله فيه في العمارة التي أدركناها ، وخلفه الأسطوانة التي التقى عندها زاويتا الزور ، وخلفها الأسطوانة التي إليها المحراب المذكور ؛ فيصدق عليها ما تقدم في كلام ابن شبة نقلا عن رواية أبي غسان من أن عليارضي‌الله‌عنه عرّس بفاطمة إلى الأسطوان التي خلف الأسطوان المواجه الزور ، لكن قال ابن شبة قبل ذلك ما لفظه : واتخذ علي بن أبي طالب بالمدينة دارين إحداهما دخلت في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهي منزل فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم التي كان يسكن ، وموضعها من المسجد بين دار عثمان بن عفان التي في شرقي المسجد وبين الباب المواجه دار أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس في شرقي المسجد ، والأخرى دار علي التي بالبقيع ، وهي بأيدي ولد علي على حوز الصدقة ، اه.

وقوله «بين دار عثمان» أي ما يحاذيها ، وقوله «وبين الباب المواجه دار أسماء» أي ما

__________________

(١) الخزير : لحم يقطع قطعا صغارا ثم يطبخ بماء كثير وملح ، فإذا اكتمل نضجه ذرّ عليه الدقيق وعصد به.


يحاذيه أيضا ، وسيأتي أن هذا الباب كان بعد باب النساء مقابلا لرباط النساء المعروف اليوم برباط السبيل ، وهو بعيد من وجوه :

أحدها : ما تقدم في أسطوان التهجد من أنه كان خلف بيت فاطمة.

الثاني : أنهم متفقون على أن باب جبريل المقابل لدار عثمان كان موجودا في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكيف يصح كون دار علي في ذلك الموضع.

الثالث : أن عمر بن الخطاب أول من زاد في المسجد وأحدث باب النساء ، وهو فيما بين باب جبريل والباب الذي ذكره ابن شبة ، وبيت فاطمة إنما أدخله في المسجد الوليد ، وسنذكر ما اتفق عند إدخاله في زيادة الوليد.

وقد يقال : إن الشارع كان بين المسجد النبوي وبين بيت فاطمة من جهة مؤخره ، فيتأتى مع ذلك اتخاذ عمر لباب النساء من غير تعرض لبيت فاطمة ، وكذا يقال في باب جبريل : إنه كان في محاذاة موضعه اليوم ، لكن كان الشارع بينه وبين بيت فاطمة من تلك الجهة. ويؤيد ذلك أنهم لما حفروا للدعامة الغربية التي إليها باب الحجرة الشامي عند بناء القبة والعقود التي حولها بالحجرة الشريفة بعد الحريق الذي أدركناه وجدوا في محاذاة باب جبريل أمام باب الحجرة المذكور درجا تحت الأرض آخذة لجهة الشام ، وقد سبق في حدود المسجد النبوي ما يقتضي أن جداره في المشرق كان هناك ، فترجح عندي أن تلك الدرج كانت لباب جبريلعليه‌السلام ، وأنه كان هناك قبل تحويله ، والله أعلم.

الفصل الحادي عشر

في الأمر بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد الشريف

وبيان ما استثنى من ذلك.

قال البخاري : باب قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر ، قاله ابن عباس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد وصله البخاري في الصلاة بلفظ سدوا عني كل خوخة ، فكأنه ذكره هنا بالمعنى ، ثم أسند البخاري في الباب حديث أبي سعيد الخدري قال : خطب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الناس وقال : إن الله خيّر عبدا بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ذلك العبد ما عند الله ، قال : فبكى أبو بكر ، فتعجبنا لبكائه أن يخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن عبد خيّر ، فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم هو المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن أمنّ الناس علي في صحبته وما له أبو بكر ، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر ، ولكن أخوة الإسلام ومودته ، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر.


ورواه مسلم من طريق مالك بن أنس بنحوه ، وقال : لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر.

والخوخة : طاقة في الجدار تفتح لأجل الضوء ، ولا يشترط علوها ، وحيث تكون سفلى يمكن الاستطراق منها لاستقراب الوصول إلى مكان مطلوب ، وهو المقصود هنا ، لهذا أطلق عليها باب ، وقيل : لا يطلق عليها باب إلا إذا كانت تغلق.

وفي حديث ابن عباس المشار إليه في الصلاة أن ذلك في مرضهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي مات فيه ، ولمسلم من حديث جندب : سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول قبل أن يموت بخمس ليال ، وذكر الحديث.

وروى عبد الله بن أحمد برجال ثقات عن ابن عباس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار ، سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر.

وروى الطبراني بإسناد حسن عن معاويةرضي‌الله‌عنه نحوه ، وفيه أن ذلك بعد أن صب عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من سبع قرب من آبار شتى ، ولفظه : انظروا هذه الأبواب الشوارع في المسجد فسدوها إلا ما كان من باب أبي بكر.

وروى أبو يعلى ـ ورجاله ثقات ـ عن عائشة نحوه أيضا.

وفي طبقات ابن سعد : أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخي ثنا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : إن أعظم الناس علي منّا في صحبته وذات يده أبو بكر ، فأغلقوا هذه الأبواب الشارعة كلها في المسجد إلا باب أبي بكر.

وقال قتيبة بن سعيد : قال الليث بن سعد : قال معاوية بن صالح : فقال ناس : أغلق أبوابنا وترك باب خليله ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : قد بلغني الذي قلتم في باب أبي بكر ، وإني أرى على باب أبي بكر نورا ، وأرى على ابوابكم ظلمة.

وفيها أيضا : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني الزبير بن موسى عن أبي الحويرث قال : لما أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالأبواب تسد إلا باب أبي بكر قال عمر : يا رسول الله دعني افتح كوة أنظر إليك حين تخرج إلى الصلاة ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا.

قال الخطابي وابن بطال : في هذا الحديث إشارة قوية إلى استحقاق أبي بكررضي‌الله‌عنه للخلافة ، ولا سيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلا أبو بكر.

قال الحافظ ابن حجر : وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة ، والأمر بالسد كناية عن طلبها ، كأنه قال : لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا بكر فإنه لا حرج عليه في طلبها ،


وإلى هذا جنح ابن حبان ، وقوى بعضهم ذلك بأن منزل أب بكر كان بالسّنح(١) من عوالي المدينة فلا يكون له خوخة إلى المسجد.

قال الحافظ ابن حجر : وهذا الاستناد ضعيف ؛ لأنه لا يلزم من كون منزله كان بالسّنح أن لا يكون له دار مجاورة للمسجد ، ومنزله الذي كان بالسنح هو منزل أصهاره من الأنصار ، وقد كان له إذ ذاك زوجة أخرى ، وهي أسماء بنت عميس ، بالاتفاق ، وأم رومان على القول بأنها كانت باقية يومئذ ، وقد ذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة أن دار أبي بكر التي أذن له في إبقاء الخوخة منها إلى المسجد كانت ملاصقة للمسجد ، ولم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض من وفد عليه فباعها فاشترتها منه حفصة أم المؤمنين بأربعة آلاف درهم.

قلت : وسيأتي بقية ما ذكره في إدخالها في المسجد في زيادة عمررضي‌الله‌عنه .

وقال ابن شبة أيضا في ذكر دور بني تيم : اتخذ أبو بكررضي‌الله‌عنه دارا في زقاق البقيع قبالة دار عثمان الصغرى ، واتخذ منزلا آخر أيضا عند المسجد ، وهو المنزل الذي قال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : سدوا عني هذه الأبواب إلا ما كان من باب أبي بكر.

قال أبو غسان : أخبرني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أن عمه أخبره أن الخوخة الشارعة في دار القضاء في غربي المسجد خوخة أبي بكر الصديق التي قال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : سدوا عني هذه الأبواب إلا ما كان من خوخة أبي بكر الصديق ، واتخذ أبو بكر أيضا بيتا بالسنح ، اه كلام ابن شبة.

وقال الجمال المطري : وأما خوخة أبي بكررضي‌الله‌عنه فإن ابن النجار قال : قال أهل السير : إن باب أبي بكر كان عربي المسجد ، ونقل أيضا أنه كان قريب المنبر ، ولما زادوا في المسجد إلى حده في الغرب نقلوا الخوخة(٢) وجعلوها في مثل مكانها أولا ، كما نقل باب عثمان إلى موضعه اليوم.

قال المطري : وباب خوخة أبي بكر اليوم هو باب خزانة لبعض حواصل الحرم ، إذا دخلت من باب السلام كانت على يسارك قريبا من الباب.

قلت : وهذه الخزانة جعل في جهتها عند عمارة المدرسة الأشرفية ثلاثة أبواب ، ومحل الخوخة من ذلك الباب الثالث من على يسارك إذا دخلت من باب السلام ، وتعرف قديما بخزانة النورة لوضعها فيها للعمارة.

__________________

(١) السّنح : موضع بعوالي المدينة فيه منازل بني الحارث بن الخزرج.

(٢) الخوخة : باب صغير وسط باب كبير نصب حاجزا بين دارين ـ وهو الكوّة في البيت تؤدّي إليه الضوء.


وكلامه في ذلك يوافق ما ذكره ابن زبالة فإنه قال : وحدثني محمد بن إسماعيل عن إسحاق بن مسلم أن الخوخة التي إلى جنب باب زياد في غربي المسجد الشارعة في رحبة القضاء هي يمنى خوخة أبي بكر ، لما زيد في المسجد نحّيت فجعلت يمناها : أي : في موازاتها من جهة اليمين ، ورحبة القضاء خلف الخوخة المتقدم وصفها من جهة الحصن العتيق المتخذ مدرسة للسلطان الأشرف بعد الحريق الذي أدركناه.

قال الحافظ ابن حجر : وقد جاء في سد الأبواب التي حول المسجد أحاديث يخالف ظاهرها ما تقدم : منها حديث سعد بن أبي وقاص قال : أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد ، وترك باب علي ، أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قوي ، وفي رواية للطبراني في الأوسط رجالها ثقاة : فقالوا يا رسول الله سددت أبوابنا ، فقال : ما أنا سددتها ولكن الله سدها ، وعن زيد بن أرقم قال : كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : سدوا هذه الأبواب إلا باب علي ، فتكلم ناس في ذلك ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إني والله ما سددت شيئا ولا فتحته ، ولكن أمرت بشيء فاتبعته ، أخرجه أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات.

قلت : لفظ رواية أحمد : عن زيد بن أرقم قال : كان لنفر من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أبواب شارعة في المسجد ، قال : فقال يوما : سدوا هذه الأبواب إلا باب علي ، فتكلم أناس في ذلك ، فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد فإني قد أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي ، فقال فيه قائلكم ، وإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته ، الحديث.

وعن ابن عباس قال : أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأبواب المسجد فسدت إلا باب علي ، وفي رواية : وأمر بسد أبواب المسجد غير باب علي ؛ فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره ، أخرجهما أحمد والنسائي ، ورجالهما ثقات.

وعن جابر بن سمرة قال : أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بسد الأبواب كلها غير باب علي ، فربما مر فيه وهو جنب ، أخرجه الطبراني.

وعن ابن عمر : كنا نقول في زمن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : رسول الله «خير الناس ، ثم أبو بكر ، ثم عمر ، ولقد أعطى علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم : زوجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ابنته وولدت له ، وسد الأبواب إلا بابه في المسجد ، وأعطى له الراية يوم(١) خيبر ، أخرجه أحمد ، وإسناده حسن.

وأخرج النسائي من طريق العلاء بن عرار ـ بمهملات ـ قال : قلت لابن عمر : أخبرني عن علي وعثمان ، فذكر الحديث ، وفيه : وأما علي فلا تسأل عنه أحدا ، وانظر إلى منزله من

__________________

(١) يوم خيبر : يوم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لأعطين الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله».


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قد سد أبوابنا في المسجد وأقر بابه ، ورجاله رجال الصحيح ، إلا العلاء وقد وثقه يحيى بن معين وغيره.

قال الحافظ ابن حجر : وهذه الأحاديث تقوي بعضها بعضا ، وكل طريق منها صالحة للاحتجاج ، فضلا عن مجموعها ، وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات ، وأخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص وزيد بن أرقم وابن عمر مقتصرا على بعض طرقه عنهم ، وأعلّه ببعض من تكلم فيه من رواته ، وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق ، وأعله أيضا بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر ، وزعم أنه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر.

قال الحافظ ابن حجر : وقد أخطأ في ذلك خطأ شنيعا ؛ فإنه سلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة ، مع أن الجمع بين القصتين ممكن.

وقد أشار إلى ذلك البزار في مسنده فقال : ورد من روايات أهل الكوفة بأسانيد حسان في قصة علي ، وورد من روايات أهل المدينة في قصة أبي بكر فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالجمع بينهما بما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري ـ يعني الذي أخرجه الترمذي ـ أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنبا غيري وغيرك ، والمعنى أن باب علي كان إلى جهة المسجد ، ولم يكن لبيته باب غيره ؛ فلذلك لم يؤمر بسده.

ويؤيد ذلك ما أخرجه إسماعيل القاضي في أحكام القرآن من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يأذن لأحد أن يمر في المسجد وهو جنب إلا لعلي بن أبي طالب ؛ لأن بيته كان في المسجد ، ومحصل الجمع أن الأمر بسد الأبواب وقع مرتين ، ففي الأولى استثنى عليا لما ذكره من كون بابه كان إلى المسجد ولم يكن له غيره ، وفي الأخرى استثنى أبا بكر ، ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما في قصة علي على الباب الحقيقي ، وما في قصة أبي بكر على الباب المجازي ، والمراد به الخوخة كما صرح به في بعض طرقه ، وكأنهم لما أمروا بسد الأبواب سدوها وأحدثوا خوخا يستقربون الدخول إلى المسجد منها ، فأمروا بعد ذلك بسدها.

فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين المذكورين ؛ وبها جمع بينهما الطحاوي في مشكل الآثار ، والكلاباذي في معاني الأخبار ، وصرح بأن بيت أبي بكر كان له باب من خارج المسجد وخوخة إلى داخل المسجد ، وبيت علي لم يكن له باب إلا من داخل المسجد ، انتهى ما أورده الحافظ بن حجر في ذلك.

قلت : والعبارة تحتاج إلى تنقيح ؛ لأن ما ذكره بقوله «ومحصل الجمع» طريقة أخرى في الجمع غير الطريقة المتقدمة ؛ إذ محصل الطريقة المتقدمة أن البابين بقيا ، وأن المأمورين بالسد


هم الذين كان لهم أبواب إلى غير المسجد مع أبواب من المسجد ، وأما علي فلم يكن بابه إلا من المسجد ، وأن الشارعصلى‌الله‌عليه‌وسلم خصّه بذلك ، وجعل طريقه إلى بيته المسجد لما سبق ، فباب أبي بكر هو المحتاج إلى الاستثناء ، ولذلك اقتصر الأكثر عليه ، ومن ذكر باب علي فإنما أراد بيان أنه لم يسد ، وأنه وقع التصريح بإبقائه أيضا ، والطريقة الثانية تعدد الواقعة ، وأن قصة علي كانت متقدمة على قصة أبي بكررضي‌الله‌عنهما .

ويؤيد ذلك ما أسنده يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن عبد الله بن مسلم الهلالي عن أبيه عن أخيه قال : لما أمر بسد أبوابهم التي في المسجد خرج حمزة بن عبد المطلب يجر قطيفة له حمراء ، وعيناه تذرفان يبكي يقول : يا رسول الله أخرجت عمك وأسكنت ابن عمك ، فقال : ما أنا أخرجتك ولا أسكنته ، ولكن الله أسكنه ، فذكر حمزةرضي‌الله‌عنه في القصة يدل على تقدمها.

وروى البزار وفيه ضعفاء قد وثقوا عن عليرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم :انطلق فمرهم فليسدوا أبوابهم ، فانطلقت فقلت لهم ، ففعلوا إلا حمزة ، فقلت : يا رسول الله قد فعلوا إلا حمزة ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : قل لحمزة فليحول بابه ، فقلت : إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يأمرك أن تحول بابك ، فحوله ، فرجعت إليه وهو قائم يصلي ، فقال : ارجع إلى بيتك.

وروى البزار بإسناد قال الهيثمي : فيه من لم أعرفه ، عن عليرضي‌الله‌عنه قال : أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بيدي ، فقال : إن موسى سأل ربه أن يطهر مسجده بهارون ، وإني سألت ربي أن يطهر مسجدي بك وبذريتك ، ثم أرسل إلى أبي بكر أن سد بابك ، فاسترجع ثم قال : سمع وطاعة ، فسد بابه ، ثم أرسل إلى عمر ، ثم أرسل إلى العباس بمثل ذلك ، ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب علي ، ولكن الله فتح باب علي وسد أبوابكم».

قلت : ذكر العباس بدل حمزة هنا وفيما سيأتي فيه نظر ؛ لأنه يقتضي تأخر ذلك ؛ لأنه إنما قدم المدينة عام الفتح.

وأسند ابن زبالة ويحيى من طريقه عن رجل من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : بينما الناس جلوس في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ خرج مناد فنادى : أيها الناس سدوا أبوابكم ، فتحسحس(١) الناس لذلك ولم يقم أحد ، ثم خرج الثانية فقال : أيها الناس سدوا أبوابكم ، فلم يقم أحد ، فقال الناس : ما أراد بهذا؟ فخرج فقال : أيها الناس سدوا أبوابكم قبل أن ينزل العذاب ، فخرج الناس مبادرين ، وخرج حمزة بن عبد المطلب يجر كساءه حين نادى

__________________

(١) تحسحس الناس : تحركوا ببطء. حسحس للشيء : توجّع وأظهر إحساسه بالألم منه.


سدوا أبوابكم ، قال : ولكل رجل منهم باب إلى المسجد أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم ، قال : وجاء علي حتى قام على رأس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : ما يقيمك؟ ارجع إلى رحلك ، ولم يأمره بالسد ، فقالوا : سدّ أبوابنا وترك باب علي وهو أحدثنا ، فقال بعضهم : تركه لقرابته ، فقالوا : حمزة أقرب فيه ، وأخوه من الرضاعة وعمه ، وقال بعضهم تركه من أجل ابنته ، فبلغ ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فخرج إليهم بعد ثالثة فحمد الله وأثنى عليه محمرا وجهه ـ وكان إذا غضب احمر عرق في وجهه ـ ثم قال : أما بعد ذلكم فإن الله أوحى إلى موسى أن اتخذ مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا هو وهارون وأبناء هارون شبرا وشبيرا ، وإن الله أوحى إلي أن أتخذ مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا أنا وعلي وأبناء علي حسن وحسين ، وقد قدمت المدينة ، واتخذت بها مسجدا ، وما أردت التحول إليه حتى أمرت ، وما أعلم إلا ما علّمت ، وما أصنع إلا ما أمرت ، فخرجت على ناقتي ، فلقيني الأنصار يقولون : يا رسول الله انزل علينا ، فقلت : خلوا الناقة فإنها مأمورة حتى نزلت حيث بركت ، والله ما أنا سددت الأبواب وما أنا فتحتها ، وما أنا أسكنت عليا ، ولكن الله أسكنه.

وروى أحمد بإسناد حسن عن سعد بن مالك قال : أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد ، وترك باب عليرضي‌الله‌عنه ، ورواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط ، وزاد : قالوا : يا رسول الله سددت أبوابنا كلها إلا باب علي ، قال : ما أنا سددت أبوابكم ، ولكن الله سدها.

وأسنده يحيى عنه بلفظ : أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر بالأبواب فسدت إلا باب علي ، فقال العباس : يا رسول الله سددت أبوابنا إلا باب علي ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما أنا سددتها ولا أنا فتحتها.

وعن جابر بن سمرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : سدوا أبواب المسجد إلا باب علي ، فقال رجل : اترك لي قدر ما أخرج وأدخل ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لم أومر بذلك ، قال : اترك بقدر ما أخرج صدري يا رسول الله ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لم أومر بذلك ، وانصرف ، قال رجل : فبقدر رأسي يا رسول الله ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لم أومر بذلك ، وانصرف واجدا(١) باكيا حزينا ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لم أومر بذلك ، سدوا الأبواب إلا باب علي.

ورواه الطبراني عن جابر مختصرا ، وفي ناصح بن عبد الله ، وهو متروك ، ولفظ الطبراني : أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بسد الأبواب كلها غير باب عليرضي‌الله‌عنه ، فقال

__________________

(١) واجدا : حزينا غاضبا.


العباس : يا رسول الله اترك لي قدر ما أدخل أنا وحدي وأخرج ، فقال : ما أمرت بشيء من ذلك ، فسدها كلها غير باب علي ، قال : وربما مر وهو جنب.

وأسند ابن زبالة ويحيى من طريقه عن عمرو بن سهل أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر بسد الأبواب الشوارع في المسجد ، قال له رجل من أصحابه : يا رسول الله دع لي كوة أنظر إليك منها حين تغدو وحين تروح ، فقال : لا والله ولا مثل ثقب الإبرة.

قلت : وقد اقتضى ذلك المنع من الخوخة أيضا ، بل ومما دونها ، عند الأمر بسد الأبواب أولا ، فإن صح ذلك فيحمل الإذن بعده في اتخاذ الخوخ ، ثم كانت قصة أبي بكر بعد ذلك.

وفي طبقات ابن سعد : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني عبد الرحمن بن الواقفي عن صالح ابن حسان عن أبي البداح بن عاصم بن عدي قال : قال العباس بن عبد المطلب : يا رسول الله ما بالك فتحت أبواب رجال في المسجد ، وما بالك سددت أبواب رجال في المسجد؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا عباس ما فتحت عن أمري ولا سددت عن أمري ، والله أعلم.

الفصل الثاني عشر

في زيادة عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه في المسجد

سيأتي في الفصل الرابع عشر من رواية البخاري وأبي داود عن ابن عمر أن أبا بكررضي‌الله‌عنه لم يزد في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم شيئا ، وزاد فيه عمر ، وسيأتي في رواية لأبي داود أن سواري المسجد نخرت في خلافة أبي بكر ، فبناها بجذوع النخل ، وهو لا ينافي رواية أنه لم يزد فيه ، وقال أهل السير : لم يزد أبو بكر في المسجد شيئا لأنه اشتغل بالفتح ، فلما ولي عمر قال : إني أريد أن أزيد في المسجد ، ولو لا أني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «ينبغي أن يزاد المسجد» ما زدت فيه شيئا.

وفي تاريخ اليافعي أن زيادته فيه كانت في سنة سبع عشرة ، وذكر غيره أنه زاد في هذه السنة في المسجد الحرام ، ولم يتعرض لتاريخ زيادته في مسجد المدينة.

وأسند ابن زبالة عن أنس قال : لما توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وولي أبو بكر لم يحول المسجد ، فلما ولي عمر جعل أساطينه من لبن ، ونزع الخشب ، ومده في القبلة ، وكان حد جدار عمر من القبلة ، على أول أساطين القبلة التي إليها المقصورة : أي التي كانت بين صف الأساطين التي تلي القبلة على الرواق القبلي.

والذي في صحيح البخاري وسنن أبي داود كما سيأتي أن عمررضي‌الله‌عنه زاد في المسجد ، وبناه على بنائه في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم باللّبن والجريد ، وأعاد عمده خشبا ، وهذا


مخالف لما في رواية ابن زبالة من أن عمر جعل أساطينه من لبن ، والمعوّل عليه رواية الصحيح.

وروى أحمد عن نافع أن عمررضي‌الله‌عنه زاد في المسجد من الأسطوانة إلى المقصورة ، وقال عمر : لو لا أني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «ينبغي أن نزيد في مسجدنا» ما زدت.

وأسند يحيى عن ابن عمر أن عمررضي‌الله‌عنهما قال : لو لا أني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «ينبغي أن نزيد في المسجد» ما زدت في المسجد شيئا.

وفي رواية له أن ابن عمر قال : إن الناس كثروا في عهد عمر ، فقال له قائل : يا أمير المؤمنين لو وسّعت في المسجد ، فقال عمر : لو لا أني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «إني أريد أن أزيد في قبلة مسجدنا» ما زدت فيه.

وأسند ابن زبالة عن مسلم بن حباب أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال يوما وهو في مصلاه في المسجد : «لو زدنا في مسجدنا» وأشار بيده نحو القبلة ، فأدخلوا رجلا وأجلسوه في موضع مصلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم رفعوا يد الرجل وخفضوها حتى رأوا أن ذلك نحو ما رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم رفع يده ، ثم مدوا مقاطا(١) فوضعوا طرفه بيد الرجل ، ثم مدوه ، فلم يزالوا يقدمونه ويؤخرونه حتى رأوا أن ذلك فيه بما أشار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الزيادة ، فقدم عمر القبلة ، فكان موضع جدار عمر في موضع عيدان المقصورة.

بين عمر والعباس

وقال ابن سعد : أنا يزيد بن هارون ، أنا أبو أمية بن يعلى عن سالم أبي النضر قال : لما كثر المسلمون في عهد عمررضي‌الله‌عنه وضاق بهم المسجد فاشترى عمر ما حول المسجد من الدور إلا دار العباس بن عبد المطلب وحجر أمهات المؤمنين ، فقال عمر للعباس : يا أبا الفضل ، إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم ، وقد ابتعت ما حوله من المنازل نوسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين ، فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها ، وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين أوسّع بها في مسجدهم ، فقال العباس : ما كنت لأفعل ، قال : فقال له عمر : اختر مني إحدى ثلاث : إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت المال ، وإما أن أخطك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين ، وإما أن تصدّق بها على المسلمين فتوسع في مسجدهم ، فقال : لا ، ولا واحدة

__________________

(١) المقاط : الحبل. و ـ ومقود الفرس. و ـ رشاء الدّلو. (ج) مقط.


منها ، فقال عمر : اجعل بيني وبينك من شئت ، فقال : أبي بن كعب ، فانطلقا إلى أبي فقصّا عليه القصة ، فقال أبي : إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالا : حدّثنا ، فقال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : إن الله أوحى إلى داود أن ابن لي بيتا أذكر فيه ، فخط له هذه الخطة خطة بيت المقدس ، فإذا تربيعها بزاوية بيت رجل من بني إسرائيل ، فسأله داود أن يبيعه إياها ، فأبى ، فحدث داود نفسه أن يأخذه منه ، فأوحى الله إليه : أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتا أذكر فيه ، فأردت أن تدخل في بيتي الغصب ، وليس من شأني الغصب ، وإن عقوبتك ألّا تبنيه ، قال : يا رب فمن ولدي ، قال : فمن ولدك ، فأخذ عمر بمجامع أبي بن كعب فقال : جئتك بشيء فجئت بما هو أشد منه ، لتخرجن مما قلت ، فجاء يقوده حتى دخل المسجد ، فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيهم أبو ذر ، فقال أبي : نشدت الله رجلا سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يذكر حديث بيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره ، فقال أبو ذر : أنا سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقال آخر : أنا سمعته ، يعني من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : فأرسل أبيا ، قال : فأقبل أبي على عمر فقال : يا عمر أتتهمني على حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ فقال عمر : والله يا أبا المنذر ما اتهمتك عليه ، ولكن أردت أن يكون الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ظاهرا ، قال : وقال عمر للعباس : اذهب فلا أعرض لك في دارك ، فقال العباس : أما إذا قلت ذلك فإني قد تصدقت بها على المسلمين أوسع عليهم في مسجدهم ، فأما وأنت تخاصمني فلا ، قال : فخط له عمر داره التي هي اليوم ، وبناها من بيت مال المسلمين.

في سنن البيهقي قبل كتاب الرجعة عن أبي هريرةرضي‌الله‌عنه قال : لما أراد عمررضي‌الله‌عنه أن يزيد في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقعت زيادته على دار العباسرضي‌الله‌عنه ، فأراد عمر أن يدخلها في المسجد ويعوضه منها ، فأبى ، وقال : قطيعة(١) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاختلفا ، فجعل بينهما أبيّ بن كعبرضي‌الله‌عنه ، فأتياه في منزله ، وكان يسمى سيد المسلمين ، فأمر لهما بوسادة ، فألقيت لهما فجلسا عليها بين يديه ، فذكر عمر ما أراد ، وذكر العباس قطيعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال أبيّرضي‌الله‌عنه : إن اللهعزوجل أمر عبده ونبيه داود أن يا بني له بيتا ، قال : أي رب ، وأين هذا البيت؟ قال : حيث ترى الملك شاهرا

__________________

(١) القطيعة : الجزء من الأرض يملّكه الحاكم لمن يريد من أتباعه منحة. (ج) قطائع.


سيفه ، فرآه على الصخرة ، وإذا ما هناك يومئذ أندر لغلام من بني إسرائيل ، فأتاه داودعليه‌السلام . فقال : إني قد أمرت أن أبني هذا المكان بيتا لله تعالى ، فقال له الفتى : الله أمرك أن تأخذ مني بغير رضاي؟ قال : لا ، فأوحى الله إلى داود إني قد جعلت في يدك خزائن الأرض فأرضه ، فأتاه داودعليه‌السلام فقال : إني قد أمرت برضاك ، فلك بها قنطار من ذهب ، فقال : قد قبلت ، فيا داود هي خير أم القنطار؟ فقال : بل هي ، قال : فأرضني ، قال : فلك بها ثلاث قناطير ، فلم يزل يشدد على داود حتى رضي منه بتسع قناطير ، قال العباسرضي‌الله‌عنه : اللهم لا آخذ لها ثوابا ، وقد تصدقت بها على جماعة المسلمين ، فقبلها عمر ، فأدخلها في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

قلت : وهذا يفهم أن داود صلوات الله وسلامه عليه بنى بين المقدس ، وأنه أول من بناه ، والرواية المتقدمة تقتضي أن سليمان صلوات الله وسلامه عليه هو الذي بناه ، ويؤيده ما روى الطبراني من حديث رافع بن عميرة مرفوعا قال : قال اللهعزوجل لداود : ابن لي بيتا في الأرض ، وإن داود ـعليه‌السلام ـ بنى المسجد ، فلما تم السور سقط ثلثاه ، فشكا ذلك إلى الله تعالى ، فأوحى الله إليه إنه لا يصلح أن يا بني لي بيتا ، وذكر قصة غير ما تقدم ، فشق ذلك على داود ، فأوحى الله تعالى إليه : إني سأقضي بناءه على يد ابنك سليمان.

وروى النسائي من حديث عمرو بن العاص مرفوعا بإسناد صحيح أن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثا ـ الحديث.

وسواء كان الباني له داود أو سليمانعليهما‌السلام يشكل عليه ما في الصحيحين عن أبي ذر : سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن أول مسجد وضع على الأرض ، فقال : المسجد الحرام ، قلت : ثم أي؟ قال : المسجد الأقصى ، قلت : وكم بينهما؟ قال : أربعون عاما ، ووجه الإشكال كما ذكره ابن الجوزي أن إبراهيمعليه‌السلام بنى الكعبة وبينه وبين سليمان أكثر من ألف سنة ، وقد مشى ابن حبان على ظاهر الحديث المذكور ، فقال : فيه رد على من زعم أن بين داود وإبراهيم ألف سنة ، ولو كان كما قال لكان بينهما أربعون سنة ، وهذا عين المحال ؛ للاتفاق على طول الزمان بين إبراهيم وموسىعليهما‌السلام ، ثم إن نص القرآن أن قصة داود في قتل طالوت كانت بعد موسى بمدة.

وأجاب ابن الجوزي بأن الإشارة في حديث الصحيحين إلى أول البناء ، ووضع أساس المسجد ، وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة ، ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس ؛ فقد روى أن أول من بنى الكعبة آدم ، ثم انتشر ولده في الأرض ، فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس بعد ذلك بأربعين سنة ، ثم بنى إبراهيم الكعبة بنص القرآن.


وذكر ابن هشام في كتاب التيجان أن آدمعليه‌السلام لما بنى البيت أمره جبريلعليه‌السلام بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه ، فبناه ونسك فيه(١) .

وأجاب بعضهم بأن داود وسليمانعليهما‌السلام إنما كان لهما من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه ، والذي أسسه هو يعقوب بن إسحاقعليهما‌السلام بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا القدر.

ويشكل على ذلك ذكر القصة المتقدمة ؛ لأنه حينئذ لا يحتاج إلى شراء أرضه ، نعم قال الخطابي : يشبه أن يكون المسجد الأقصى وضع قبل داود وسليمان ، ثم زادا فيه ووسعاه فأضيف إليهما بناؤه ، فيحتمل حينئذ أن القصة المتقدمة وقعت فيما وقع الأمر بزيادته فيه ، ويؤيد ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي يحيى الضرير زيد بن الحسن البصري حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب أنه قال للعباسرضي‌الله‌عنهما : إني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : نزيد في المسجد ، ودارك قريبة من المسجد ، فأعطناها نزيدها فيه ، وأقطع لك أوسع منها ، قال : لا أفعل ، قال : إذا أغلبك عليها ، قال : ليس لك ذلك ، قال : فأجعل بيني وبينك من يقضي بالحق ، قال : ومن هو؟ قال : حذيفة بن اليمان ، قال : فجاؤوا إلى حذيفةرضي‌الله‌عنه ، فقصوا عليه ، فقال حذيفة : عندي في هذا خبر ، قالوا : وما ذاك؟ قال : إن داود النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أراد أن يزيد في بيت المقدس ، وقد كان بيت قريب من المسجد ليتيم ، فطلب إليه فأبى ، فأراد أن يأخذه منه ، فأوحى اللهعزوجل إليه إن أنزه البيوت عن الظلم لبيتي ، قال : فتركه ، فقال له العباس : فبقي شيء؟ قال : لا ، قال : فدخل عمر المسجد فإذا ميزاب للعباس شارع في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يسيل ماء المطر منه ، فقال عمر بيده فقلع الميزاب ، فقال : هذا الميزاب لا يسيل في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال له العباس : والذي بعث محمدا بالحق إنه هو الذي وضع هذا الميزاب في هذا المكان ونزعته أنت يا عمر ، فقال عمررضي‌الله‌عنه : ضع رجليك على عنقي لترده إلى ما كان ، ففعل ذلك العباس ، ثم قال العباسرضي‌الله‌عنه [قد أعطيتك الدار تزيدها] في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فزادها عمر في المسجد ، ثم قطع للعباس دارا أوسع منها بالزوراء ، وقال الحاكم : هذا الحديث كتبناه [عن أبي جعفر وأبي علي الحافظ](٢) ولم يكتبه إلا بهذا الإسناد ، والشيخان لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ،

__________________

(١) نسك فيه : تزهد وتعبّد فيه. ـ وأصل مأخذه النسيكة : سبيكة الفضة الخالصة.

(٢) ما بين [] بياض بالأصل ، وهذه الزيادة من كتاب المستدرك لأبي عبد الله الحاكم.


قال : وقد وجدت له شاهدا من حديث أهل الشام ، ثم ساقه من طريق شعيب الخراساني عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه لما أراد أن يزيد في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقعت منازعة على دار العباس ، فذكر نحوه.

وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن عبد الله بن أبي بكر قال : كان للعباس بيت في قبلة المسجد ، وكثر الناس ، وضاق المسجد ، فقال عمر للعباس : إنك في سعة فأعطني بيتك هذا أوسع به في المسجد ، فأبى العباس ذلك عليه ، فقال عمر : إني أثمنك وأرضيك ، قال : لا أفعل ، لقد ركب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على عاتقي وأصلح ميزابه بيده فلا أفعل ، قال عمر : لآخذنه منك ، فقال أحدهما لصاحبه : فاجعل بيني وبينك حكما ، فجعلا بينهما أبي بن كعب ، فأتياه فاستأذنا على الباب ، فحبسهما ساعة ثم أذن لهما وقال : إنما حبستكما أني كنت كما كانت الجارية تغسل رأسي ، فقص عليه عمر قصته ، ثم قص عباس قصته ، فقال : إن عندي علما مما اختلفتما فيه ، ولأقضين بينكما بما سمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، سمعته يقول : إن داود لما أراد أن يا بني بيت المقدس وكان بيت ليتيمين من بني إسرائيل في قبلة المسجد فأراد منهما البيع فأبيا عليه ، فقال : لآخذنه ، فأوحى اللهعزوجل إلى داود : إن أغنى البيوت عن المظلمة بيتي ، وقد حرمت عليك بنيان بيت المقدس ، قال : فسليمان ، فأعطاه سليمان ، فقال عمر لأبي : ومن لي بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال هذا؟ فقال أبي لعمر : أتظن أني أكذب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ لتخرجن من بيتي ، فخرج إلى الأنصار فقال : أيكم سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول كذا وكذا؟ فقال هذا : أنا ، وقال هذا : أنا ، حتى قال ذلك رجال ، فلما علم ذلك عمر قال : أما والله لو لم يكن غيرك لأجزت قولك ، ولكني أردت أن أستثبت.

وفي رواية ليحيى عن أبي الزناد أن عمر بن الخطاب لما زاد في المسجد دعا من كان له إلى جانبه منزل فقال : اختاروا مني بين ثلاث خصال : إما البيع فأثمن ، وإما الهبة فأشكر ، وإما الصدقة على مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأجابه الناس ، وكان للعباس دار عن يمين المسجد ، فدعاه عمر ، فقال : يا أبا الفضل اختر مني بين ثلاث خصال ، وذكر نحو ما تقدم ، فقال العباس : ما أجيبك إلى شيء مما دعوتني إليه ، فقال عمر : إذا أهدمها ، فقال العباس : مالك ذلك ، وذكر التحاكم إلى أبي ، وقصة بيت المقدس مع مخالفة في ذكر قصته لبعض ما تقدم.

وفي رواية له عن ابن عمر أن عمررضي‌الله‌عنه كلّم العباس في داره ، وكانت في ما بين موضع الأسطوان المربعة التي تلي دار مروان بن الحكم ، قطيعة كان قطع له النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكلمه عمررضي‌الله‌عنه يدخلها في المسجد ، وأعطاه بها ثمنا حسنا ، وقال : يا أبا الفضل إن الناس قد شكوا ضيق مسجدهم ، وأحبوا الاتساع ، فأبى العباس أن يبيعه ، فقال عمر :


أنا أعطيك خيرا منها في أي نواحي المدينة شئت ، فأبى العباس ذلك ، فقال عمر : فتصدق على الناس ، فأبى فقال عمر : لآخذنه ، فقال العباس : ليس ذلك لك ، قال عمر : اجعل بيني وبينك رجلا ، فجعلا أبي بن كعب ، فأتياه فحبسهما ساعة ثم أذن لهما ثم قال : إن جاريتي كانت تغسل رأسي ، فأيكما يستعدي على صاحبه؟ فقال عمر : أنا ، جعلناك حكما بيننا ، وما رأيت من أمر لزمنا ، فقال أبي : ما تقول يا أبا الفضل؟ قال : أقول ذلك ، فذهب عمر يتكلم ، فقال أبي : تكلم يا أبا الفضل ، دعه يا ابن الخطاب يتكلم لمكانه من نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فتكلم العباس فقال : هذه خطة خطها لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وابتنيتها وبناها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم معي ، وهو والله شد هذا الميزاب الذي يصب في المسجد ، وذكر القصة أيضا ، وأن العباس قال : أما إذ قضيت به لي فهو صدقة على المسلمين أما والله يا عمر لقد هدمت الميزاب وما شددته إلا ورجلاي على عاتقي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال عمر : فو الله لا تشده إلا ورجلاك على عاتقي ، قال : ثم هدم الدار ووسع في المسجد وغيّر جذوعا كانت على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان أسفلها قد أكلته الأرضة.

وقد أورد رزين في كتابه خبر ابن عمر المتقدم ، ولفظه : عن نافع عن ابن عمر قال : إن الناس كثروا في عهد عمررضي‌الله‌عنه ، فقالوا له : يا أمير المؤمنين لو وسّعت لنا في المسجد ، فزاد فيه عمر ، فكلم عمر العباس في داره ، وكانت لاصقة بالمسجد ، وقال له : أعطيك خيرا منها وتصدق بها على الناس ، فأبى العباس ، وقال : خطها لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ووضع ميزابها بيده ، فقال عمر : فإني آخذها ، قال العباس : ليس لك ذلك ، فجعلا بينهما أبيا ، فحجبهما ساعة ثم أذن لهما فقصا عليه خبرهما ، فقال : إني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : لما أراد داودعليه‌السلام أن يا بني بيت المقدس كان ليتيمين من بني إسرائيل بيت في الموضع الذي خط أن يا بني المسجد عليه ، فقال لهما : بيعاه مني ورغبهما في الثمن ، فباعاه ثم قالا له : الذي أخذت منا خير أم الذي أعطيتنا؟ قال الذي أخذت ، قالا : فإنا لا نجيز البيع ، فزادهما حتى كان ذلك منهما ومنه سبع مرات ، فقال : أزيدكما كذا وكذا على أن لا تسألاني ، فقالا له : نبيعك بحكمنا ولا نسألك ، قال : افعلا ، فطلبا منه مالا كثيرا ، فتعاظم ذلك داود ، فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى داود : إن كنت إنما تعطيهما من مالك فأنت أعلم ، وإن كنت إنما تعطيهما من رزقنا فأعطهما حتى يرضيا فإن أغنى البيوت عن مظلمة بيتي ، وقد حرمت عليك بناءه ، فقال داود : يا رب فأعطه سليمان ، فقضى به أبي للعباس.

فقال العباس : أما إذ قضيت لي به فهو صدقة على المسلمين ، فذهب عمر فهدم الميزاب


فأسف العباس لما وضعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بيده ، وقال : والله لقد وضعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإن رجليه لعلى عاتقي ، فقال عمر للعباس : والله لتردنه ورجلاك على عاتقي ، فرده ، ثم قال عمر للعباس : اهدم الآن بيدك.

وقد روى أن نزع الميزاب كان قبل ذلك لأجل أنه كان يسكب الماء داخل المسجد للزوقه به(١) ، انتهى لفظ رواية رزين.

وروى يحيى بسند جيد عن سفيان ابن عيينة عن موسى بن أبي عيسى قال : كان في دار العباس ميزاب يصب في المسجد ، فجاء عمر فقلعه ، فقال العباس : إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي وضعه بيده ، فقال عمر للعباس : لا يكن لك سلّم إلا ظهري حتى ترده مكانه.

وروى ابن إسحاق عن أسباط بن محمد عن هشام بن سعد عن عبد الله بن عباس قال : كان للعباس ميزاب على طريق عمر ، فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان ، فلما وافى الميزاب صب فيه ماء من دم الفرخين ، فأصاب عمر ، فأمر عمر بقلعه ، ثم رجع فطرح ثيابه ، ثم لبس غيرها ، ثم جاء فصلى بالناس ، فأتاه العباس فقال : والله إنه الموضع الذي وضعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال عمر للعباس : فأنا أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه ، ففعل ذلك العباس.

ورواه الإمام أحمد في مسنده من حديث هشام بن سعد عن عبيد الله بن عباس أخي عبد الله فذكره ، وكذا رواه ابن سعد ، وقال ابن أبي حاتم : إنه سأل أباه عنه ، وقال : هو خطأ ، وأخرجه ابن سعد من طريق موسى بن عبيدة عن يعقوب أن عمر خرج في يوم جمعة ، فذكره بنحوه.

وروى يحيى عن أبي مصعب الزهري الفقيه قال : حدثنا يوسف بن الماجشون عن الثقة أنه كان في دار مروان ميزاب يصب على الناس إذا خرجوا من المسجد في المطر ، وكانت دار مروان للعباس بن عبد المطلب ، فأمر عمر بن الخطاب بذلك الميزاب فنزع ، فجاءه العباس ابن عبد المطلب فقال : أما والله لوضعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بيده ، قال : فأعاده عمر حيث كان ، وقال : والله لا تعيده إلا وأنت على رقبتي ، فأعاده العباس يومئذ على رقبة عمر.

قلت : وهذه الدار بقية من التي وقع النزاع المتقدم فيها ، ونسبتها إلى مروان لما سيأتي أنها دخلت في داره ، وروى أنها مربدها ، فكأن هذا الميزاب كان في تلك البقية ، فيجمع بين الروايات بأنه كان للدار المذكورة ميزابان : ميزاب يصب في المسجد ، وميزاب يصب في الطريق ، واتفق في كل منهما قصة ، ويؤيد ذلك ما رواه يحيى في زيادة عثمان رضي الله

__________________

(١) لزق به : اتصل به ، لا يكون بينهما فجوة.


عنه عن الأعمش قال : بنى عباس بن عبد المطلب داره التي إلى جنب المسجد ، فجعل يرتجز يقول:

بنيتها باللبن والحجاره

والخشبات فوقها مطاره

يا ربنا بارك لأهل الداره

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : اللهم بارك في هذه الداره ، قال : وجعل العباس ميزابها لاصقا بباب المسجد يصب عليه ، فطرحه عمر بن الخطاب ، فقال عباس : أما والله ما شده إلا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإنه لعلى منكبي ، فقال له عمر : لا جرم والله لا تشده إلا وأنت على منكبي ، فشده عمر ، وابتاع عثمان بن عفان تلك الدار فزادها في المسجد إلا ثلاثة عشر ذراعا أو أربعة عشر ذراعا ، فقال : لا أدري كان ابتاع البقية أم لا؟

قلت : فالذي يظهر أن العباس أبقى لنفسه بقية الدار بعد أخذ ما احتيج إلى زيادته منها ، وأنه كان في تلك البقية ميزاب ، فلما أحدث عمر الباب الذي عند دار مروان كما سيأتي صار الميزاب يصب على الباب في طريق المسجد ، ثم اشترى عثمان من تلك البقية ما احتاج إلى إدخاله في زيادته.

وروى ابن أبي الدنيا قصة دار العباس هذه مطولة ، وقال : إن العباس قال لعمر : أما والله ما شده إلا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنا معه ، حملني والله على عاتقه حين شده ، قال : وبعض الناس يقول : بل العباس حمل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

قال محمد بن عقبة ـ يعني رواية ـ : ما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليضع قدميه على رقبة أبيه أو عمه ، ولكنه حمل العباس على عاتقه ، وقول يحيى في رواية ابن عمر المتقدمة «وكانت ـ يعني دار العباس ـ فيما بين الأسطوان المربعة التي تلي دار مروان بن الحكم» أي والباب الذي يلي دار مروان لدخول بعضها في دار مروان. قال الزين المراغي : وسيأتي بيان المربعة ، أي في زيادة عثمانرضي‌الله‌عنه ، وقد ذكر هناك تبعا للمطري أنها الأسطوانة التي في وصف الأساطين التي تلي القبلة ، وقد رفع أسفلها مربعا قدر الجلسة.

قلت : والتي تليها مربعة أيضا ، وهي التي تلي دار مروان ؛ فهي المراد هنا كما قدمنا الإشارة إليه في تحديد المسجد النبوي ، وهي الخامسة من المنبر في جهة المغرب ، فيكون ابتداء زيادة عمررضي‌الله‌عنه من جهة المغرب من الأسطوانة المذكورة ، خلاف قول المطري والمراغي إن المربعة التي ذكراها قبل هذه منتهى زيادة عمررضي‌الله‌عنه ، وكيف يكون منتهى زيادته مع كونها مبتدأ دار العباس التي هي أول الزيادة؟ وأيضا فذرع ما بين الأسطوان التي ذكراها والحجرة الشريفة نحو تسعين ذراعا ، وقد قال يحيى في رواية ابن عمر أيضا «إن المسجد كان طوله أي من القبلة إلى الشام على عهد عمررضي‌الله‌عنه أربعين


ومائة ذراع وعرضه عشرون ومائة ، وطول السقف أي ما بينه وبين الأرض أحد عشر ذراعا» انتهى. وكيف يصح أن يكون الأسطوان المذكور نهاية زيادته؟ بل ابتداء زيادته من الأسطوان التي تليها ، فيكون زيادته بعد الأسطوان المذكورة في جهة المغرب عشرين ذراعا ، لما قدمناه من رواية أن المسجد كان عرضه مائة ذراع فزيادته عشرون ، وذلك نحو أسطوانين ، فيكون نهاية المسجد في زمنه من تلك الجهة الأسطوانة السابعة من غربي المنبر ، ومن المشرق الحجرة الشريفة ، لأنه لم يزد في تلك الجهة شيئا ، ومن القبلة صف الأساطين التي تلي القبلة ، وكانت إليها المقصورة الآتي ذكرها ، وقد احترقت ، ومن بقاياها خشبة في سفل الأسطوان التي في هذا الصف عن يسار مستقبل المحراب العثماني ، مثبتة تلك الخشبة في الأسطوان المذكور مما يلي الأرض ، وقد زالت في الحريق الثاني ؛ فزيادة عمررضي‌الله‌عنه من جهة القبلة الرواق المتوسط بين الروضة ورواق القبلة ، وذلك نحو عشرة أذرع ، وأما الشام فيستفاد من كون المسجد كان طوله في زمنه أربعين ومائة ذراع ، وأن منها في جهة القبلة نحو عشرة أذرع أنه يمتد في زمنه بعد الحجرين المتقدم ذكرهما في حدود المسجد الأصلي اللذين في صحنه نحو ستين ذراعا ؛ لأنا قدمنا أن من مقدم المسجد الأصلي إليها نحو السبعين فقط.

وبقي أمر آخر لم أر من نبه عليه ، وهو أن حجر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان بعضها في جهة الشام كما تقدم ، ومقتضى ما قدمناه من رواية ابن سعد ـ وهو ظاهر ما سيأتي في زيادة الوليد ـ أن عمررضي‌الله‌عنه لم يدخل منها شيئا في المسجد ، وإنما أدخلها الوليد ، فكأن عمر ترك ما كان منها في جهة الشام قائما على حاله ، وصار المسجد حواليها.

وقال السيد القرافي في ذيله : واشترى عمر أيضا نصف موضع كان خطه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لجعفر بن أبي طالب وهو بالحبشة دارا بمائة ألف فزاده في المسجد.

قلت : سيأتي من رواية يحيى أن الذي شرى ذلك عثمانرضي‌الله‌عنه ، كذا في النسخة التي رواها ابن ابنه الحسن بن محمد عنه ، ثم رأيت في النسخة التي رواها ابنه طاهر عنه ما ذكره القرافي ، ولم يذكر ابن زبالة ويحيى وغيرهما إدخال عمر دار أبي بكررضي‌الله‌عنه في المسجد ، ويتعين أن يكون عمر هو الذي أدخلها ؛ لما سبق في الفصل قبله من أن باب خوختها كان غربي المسجد ، وأن الخوخة المجعولة في محاذاتها عند إدخال الدار هي الخوخة الموجودة اليوم غربي المسجد ، وهذا لا خلاف فيه عند المؤرخين ، ولهذا قال ابن النجار نقلا عن أهل السير : كانت خوخة أبي بكر في غربي المسجد ، فعلمنا بذلك أن دار أبي بكر كانت في غربي المسجد ، وأن عمررضي‌الله‌عنه أدخلها ، لكن قال الحافظ ابن حجر : إن ابن شبة ذكر في أخبار المدينة أن دار أبي بكر التي أذن له في إبقاء الخوخة منها إلى


المسجد كانت ملاصقة للمسجد ، ولم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض من وفد عليه ، فباعها ، فاشترتها منه حفصة أم المؤمنين بأربعة آلاف درهم ، فلم تزل بيدها إلى أن أرادوا توسيع المسجد في خلافة عثمان ، فطلبوها منها ليوسعوا بها المسجد ، فامتنعت وقالت : كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيل لها : نعطيك دارا أوسع منها ونجعل لك طريقا مثلها ، فسلّمت ورضيت.

قلت : هذه القصة إنما ذكرها ابن شبة في دار حفصة التي في قبلة المسجد ، وذكر معها شراءها لدار أبي بكر المذكورة بصيغة تقتضي التضعيف ، واقتضى ذلك أن دار أبي بكر كانت في قبلة المسجد على تلك الرواية الضعيفة ، وأن طريق آل عمر اليوم منها ، فنسب إليه الحافظ ابن حجر الجزم به ، وليس الأمر كذلك كما سنوضحه إن شاء الله تعالى في الفصل الرابع عشر.

وقال يحيى في روايته المتقدمة : وجعل أساطينه من جذوع نخل وسقفه بالجريد ذراعين فوق المسجد سترة حائطه ثلاثة أذرع ، وعبر ابن النجار عن ذلك بقوله : وسقفه جريد ذراعان ، وبنى فوق ظهره سترة ثلاثة أذرع ، انتهى. والذي يظهر أن في عبارة يحيى خللا ، وتبعه عليه ابن النجار ، وأن المراد ما ذكره رزين في هذه الرواية بعينها ، فإنه قال فيها : وجعل عمر سترة المسجد فوقه ذراعين أو ثلاثة ، فكأن لفظ «أو» سقط قبل قوله ثلاثة أذرع.

وقال يحيى ورزين عقب ذلك : وكان بنى أساسه بالحجارة إلى أن بلغ قامة ، زاد يحيى : وكان لبنه ضربه بالبقيع ، وجعل له ستة أبواب : بابين عن يمين القبلة ، وبابين عن يسارها ، وبابين خلف القبلة ، ولم يغير باب عاتكة ـ أي المعروف بباب الرحمة ـ ولا الباب الذي كان يدخل منه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو فتح الباب الذي عند القبر ، فهذان البابان من الشق الأيسر : أي المشرق ، وفتح الباب الذي عند دار مروان بن الحكم ، وفتح بابين من مؤخر المسجد ، انتهى.

وقوله : «إنه لم يغير باب عاتكة ، ولا الباب الذي كان يدخل منه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم » مسلم في الباب الذي كان يدخل منه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم . قال المراغي تبعا للمطري : وهو باب جبريل ؛ لأنه لم يزد في جهة المشرق شيئا ، وأما باب عاتكة ففيه نظر ؛ لأنه زاد من جهة المغرب كما تقدم ، فالمراد بكونه لم يغير أنه أخره في محاذاة الباب الأول ، وهذه الرواية تقتضي أن الباب المعروف اليوم بباب النساء لم يكن موجودا في زمن عمررضي‌الله‌عنه ؛ لأن المستفاد مما ذكره أن الباب الذي زاده في جهة المشرق جعله عند القبر ، ولعله تصحيف ؛ لأنه إذا لم يزد من جهة المشرق شيئا كيف يحدث بابا عند القبر ويترك الجهة التي زادها من جهة الشام بغير باب؟ والمنقول كما سيأتي أن إحداث الباب الذي عند القبر إنما هو في زيادة الوليد ، وسيأتي


في سبب تسميته باب النساء أن عمررضي‌الله‌عنه قال حين بنى المسجد : هذا باب النساء ، كما رواه يحيى ؛ فتبين أن باب النساء هو الباب الباقي في جهة المشرق على عهد عمررضي‌الله‌عنه ، وأنه الذي أحدثه ، وسيأتي في زيادة عثمان عند ذكر اقتصاره على الأبواب التي جعلها عمر ما هو كالصريح في ذلك ، والله أعلم.

وفي البخاري تعليقا عن أبي سعيد قال : أمر عمر ببناء المسجد ، وقال : أكنّ الناس(١) من المطر ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس.

وروى ابن شبة ويحيى من طريق عبد العزيز بن عمران عن مليح بن سليمان عن ابن أبي عمرة قال : زاد عمر بن الخطاب في المسجد من شاميه ، ثم قال : لو زدنا فيه حتى نبلغ به الجبانة كان مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، زاد يحيى : وجاء الله بعامر ، وعبد العزيز هو ابن أبي ثابت ، تركوه ، كانت كتبه قد احترقت فحدّث من حفظه فاشتد غلطه.

وروى يحيى من طريق ابن زبالة وهو ضعيف : حدثني محمد بن إسماعيل عن ابن أبي ذئب قال : قال عمر بن الخطاب : لو مد مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى ذي الحليفة لكان منه ، ورواه ابن شبة من طريق أبي غسان المدني بدل ابن زبالة ، وعلى كل حال هو معضل.

وروى ابن شبة ويحيى والديلمي في مسند الفردوس بسند فيه متروك عن أبي هريرةرضي‌الله‌عنه أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : لو بنى هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي ، وكان أبو هريرة يقول : لو مد هذا المسجد إلى باب داري ما عدوت أن أصلي فيه ، ثم قال يحيى : وحدثنا هارون بن موسى نبأ عمر بن أبي بكر الموصلي عن ثقات من علمائه قالوا : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : هذا مسجدي ، وما زيد فيه فهو منه ، ولو بلغ بمسجدي صنعاء كان مسجدي.

قلت : وهو منقطع ، لكن اجتماع هذه الروايات تقوي ما قدمناه في آخر الفصل الثاني عن مالكرحمه‌الله من أن المضاعفة الواردة في المسجد النبوي تعم ما زيد فيه ، والله أعلم.

الفصل الثالث عشر

في البطيحاء التي بناها عمررضي‌الله‌عنه بناحية المسجد ، ومنعه من

إنشاد الشعر ورفع الصوت فيه ، وما جاء في ذلك

روى ابن شبة ويحيى بسند جيد عن سالم بن عبد الله أن عمر ـ يعني ابن الخطاب ـ اتخذ

__________________

(١) أكنّ الناس من المطر : أحميهم وأسترهم منه.


مكانا إلى جانب المسجد يقال له «البطيحاء» وقال : من أراد أن يلغط أو يرفع صوتا أو ينشد شعرا أو يرفع صوتا فليخرج إليه ، ولفظ يحيى : أن عمر بن الخطاب بنى في ناحية المسجد رحبة تدعى البطيحاء ، ثم قال : من أراد أن يلغظ أو ينشد شعرا أو يرفع صوتا فليخرج إلى هذه الرحبة ، زاد ابن شبة عقيب روايته من طريق محمد بن يحيى : قال محمد : وقد دخلت تلك البطيحاء في المسجد فيما زيد فيه بعد عمررضي‌الله‌عنه .

وذكر ابن شبة في موضع آخر ما يبين أن البطيحاء كانت في جهة شرقي المسجد مما يلي مؤخره زمن عمررضي‌الله‌عنه ، فإنه قال : اتخذ خالد بن الوليد داره التي كانت بالبطيحاء ، إلى آخر ما سيأتي عنه ، مع بيان أنها الرباط المعروف اليوم برباط السبيل في شرقي المسجد.

وروى ابن شبة أيضا بسند جيد عن ابن عمر أن عمررضي‌الله‌عنه كان إذا خرج من الصلاة نادى في المسجد : إياكم واللغط ، ويقول : ارتفعوا في أعلى المسجد.

ورواه يحيى بلفظ : كان إذا خرج إلى الصلاة.

وروى ابن شبة بسند جيد إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن عمررضي‌الله‌عنه سمع ناسا من التجار يذكرون تجارتهم والدنيا في المسجد ، فقال : إنما بنيت هذه المساجد لذكر الله ، فإذا ذكرتم تجاراتكم ودنياكم فاخرجوا إلى البقيع.

وروى أيضا عن شيخه سليمان بن داود قال : حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه سمع صوت رجل في المسجد ، فقال : أتدري أين أنت؟ كأنه كره الصوت.

وعن عبد الرحمن بن حاطب قال : كان بين عثمان وطلحة تلاح في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فبلغ عمررضي‌الله‌عنه ، فأتاهم وقد ذهب عثمان وبقي طلحة ، فقال : أفي مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تقولان الهجر وما لا يصلح من القول؟ قال : فجثا طلحة على ركبتيه وقال : إني والله لأنا المظلوم المشتوم ، فقال : أفي مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تقولان الهجر وما لا يصلح من القول؟ ما أنت مني بناج ، فقال : الله الله يا أمير المؤمنين ، فو الله إني أنا المظلوم المشتوم ، فقالت أم سلمة من حجرتها : والله إن طلحة لهو المظلوم المشتوم ، قال : فكف عمررضي‌الله‌عنه .

وعن السائب بن يزيد قال : كنت مضطجعا في المسجد ، فحصبني رجل(١) ، فرفعت رأسي ، فإذا عمررضي‌الله‌عنه فقال : اذهب فأتني بهذين الرجلين ، فجئت بهما ، فقال : من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا : من أهل الطائف ، قال : لو كنتما من أهل البلد ما فارقتماني حتى أوجعكما جلدا ، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟!

__________________

(١) حصبني : رماني بحجارة صغيرة.


وعن طارق بن شهاب أن عمررضي‌الله‌عنه أتى برجل في المسجد وقد أخذ في شيء ، فقال : أخرجاه من المسجد فاضرباه ، أو اضربوه.

وروى يحيى عن نافع أن عمر بينما هو في المسجد عشاء إذ سمع ضحك رجل ، فأرسل إليه فقال : من أنت؟ فقال : أنا رجل من ثقيف ، فقال : أمن أهل البلد أنت؟ فقال : بل من أهل الطائف ، فتوعده فقال : لو كنت من أهل البلد لنكّلت بك ، إن مسجدنا هذا لا ترفع فيه الأصوات.

وعن ابن سيرين أن ابن مسعود سمع رجلا يرفع صوته في المسجد ، فسبه ، فقيل له : ما كنت فحّاشا ، فقال : أمرنا بهذا.

وروى ابن زبالة ويحيى عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب مر بحسان بن ثابت وهو ينشد في المسجد ، فلحظ إليه ، فقال حسان : قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك ، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال : أنشدك الله هل سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول «أجب عني ، اللهم أيده بروح القدس» قال : اللهم نعم ، وقد رواه البخاري في الصحيح بنحوه ، وفي رواية ليحيى عقب قوله : «قد كنت أنشد فيه من هو خير منك» فانصرف عمر وقد عرف أنه يريد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفي رواية ذكرها الحافظ ابن حجر فقال : كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك ، وفي الترمذي من طريق أبي الزناد عن عروة عن عائشة قالت : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ينصب لحسان منبرا في المسجد ، فيقوم عليه يهجو الكفار.

وأما ما رواه ابن خزيمة في صحيحه والترمذي وحسنه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن تناشد الأشعار في المساجد ، قال الحافظ ابن حجر : صحيح إلى عمرو ، فمن يصحح نسخته يصححه ، وفي هذا المعنى عدة أحاديث ، لكن في أسانيدها مقال ، والجمع بينها وبين ما تقدم أن يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين ، وهو مراد عمر بقوله : من أراد أن ينشد شعرا فليخرج إلى هذه ، يعني البطيحاء ، والمأذون فيه ما سلّم من ذلك ، وقيل : المنهي عنه ما إذا كان غالبا على المسجد حتى يتشاغل به من فيه ، وأبعد بعضهم فأعمل أحاديث النهي ، وادعى نسخ الإذن ، ولم يوافق على ذلك. وروى ابن زبالة عن علي بن زيد بن جدعان قال : أنشد كعب بن زهير رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في المسجد أبياتا :

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول(١)

والله أعلم.

__________________

(١) وعجزه :

متيم إثرها لم يفد مكبول


الفصل الرابع عشر

في زيادة عثمان بن عفانرضي‌الله‌عنه

روينا في صحيح البخاري وسنن أبي داود عن نافع أن عبد الله ـ يعني ابن عمر ـ أخبره أن المسجد كان على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مبنيا باللبن ، وسقفه الجريد ، وعمده خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا ، وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم باللبن والجريد ، وأعاد عمده خشبا ، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة ، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصّة(١) ، وجعل عمده من حجارة منقوشة ، وسقفه بالساج.

وروى أبو داود أيضا ـ وسكت عليه ـ عن عطية عن ابن عمررضي‌الله‌عنهما قال : إن مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كانت سواريه على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من جذوع النخل ، أعلاه مظلل بجريد النخل ، ثم إنها نخرت في خلافة أبي بكررضي‌الله‌عنه فبناها بجذوع النخل وبجريد النخل ، ثم إنها نخرّت في خلافة عثمانرضي‌الله‌عنه فبناها بالآجر ، فلم تزل ثابتة حتى الآن ، هكذا رأيته في أصول متعددة معتمدة من السنن ، وأورده المجد بلفظ : ثم إنها نخرت في خلافة عمر ـ بدل أبي بكر ـ ولم أره في شيء من النسخ.

وفي هذا الخبر ما يقتضي أن السبب في بناء عثمان للمسجد كون الجذوع التي هي السواري نخرت ، وأن عثمان بناها بالآجر لا الحجر ، فلعل البعض كان في زمنه مبنيا بالآجر وهو بعيد ، وما تقدم من رواية الصحيح أصح.

وفي صحيح مسلم عن محمود بن لبيد أن عثمان بن عفان أراد بناء المسجد ، فكره الناس ذلك ، وأحبوا أن يدعه على هيئته ، فقال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : من بنى «مسجدا لله» بنى الله له في الجنة مثله.

وفيه وفي البخاري عن عبيد الله الخولاني أنه سمع عثمان عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول : إنكم قد أكثرتم ، وإني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : من بنى مسجدا للهعزوجل ، الحديث.

وقوله في الرواية الأولى إن عثمان أراد بناء المسجد يبين أن المراد من قوله حين بناء المسجد حين أراد بناءه ، إلا أن يكون ذلك قد تكرر من عثمان لتكرر كلامهم قبل البناء وبعده ، وهو الأقرب ، وقوله «وأحبوا أن يدعه على هيئته» أي بجذوع النخل واللبن كما فعل عمررضي‌الله‌عنه لموافقته لفعلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولهذا قال البغوي في شرح السنة : لعل الذي كره الصحابة من عثمان بناؤه بالحجارة المنقوشة ، لا مجرد توسيعه ، اه. ويؤيده ما سيأتي من

__________________

(١) القصّ : الجصّ. وسمي موضع قرب المدينة بذي القصّة لأن به الجصّ.


أن الناس شكوا إليه ضيق المسجد ؛ فقوله : «لما أراد عثمان بناء المسجد» أي : على الهيئة التي بناه عليها ، ويؤخذ من هذا إطلاق البناء المرغّب فيه في حق من جدد ووسع ؛ لأن عثمان لم يبن المسجد كله إنشاء ، وقوله «إنكم أكثرتم» أي : الكلام بالإنكار ونحوه.

وروى يحيى عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال : لما ولي عثمان بن عفان سنة أربع وعشرين كلمه الناس أن يزيد في مسجدهم ، وشكوا إليه ضيقه يوم الجمعة ، حتى إنهم ليصلون في الرحاب ، فشاور فيه عثمان أهل الرأي من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأجمعوا على أن يهدمه ويزيد فيه ، فصلى الظهر بالناس ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ، إني قد أردت أن أهدم مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأزيد فيه ، وأشهد لسمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة ، وقد كان لي فيه سلف وإمام سبقني وتقدمني عمر بن الخطاب ، كان قد زاد فيه وبناه ، وقد شاورت أهل الرأي من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأجمعوا على هدمه وبنائه وتوسيعه ، فحسّن الناس يومئذ ذلك ودعوا له ، فأصبح فدعا العمال وباشر ذلك بنفسه ، وكان رجلا يصوم الدهر ويصلي الليل ، وكان لا يخرج من المسجد ، وأمر بالقصّة المنخولة تعمل ببطن نخل ، وكان أول عمله في شهر ربيع الأول من سنة تسع وعشرين ، وفرغ منه حين دخلت السنة لهلال المحرم سنة ثلاثين ، فكان عمله عشرة أشهر.

قلت : قوله أولا «لما ولي عثمان سنة أربع وعشرين» إلى قوله «فأصبح ودعا العمال» يفهم أنه في تلك السنة ، وقوله أخيرا «وكان أول عمله إلى آخره» يأباه ، وما ذكره أخيرا هو الصواب المذكور في كلام غيره ؛ فيحمل ما ذكره أولا على أنه لم يشرع في المشاورة والعمارة عقب كلام الناس له ، بل استمر تلك السنين ، وربما تكرر الكلام فخطبهم في السنة التي وقعت فيها العمارة.

وقد روى رزين الخبر المذكور عن المطلب المذكور بلفظ : لما ولي عثمان وكان سنة أربع من خلافته كلمه الناس أن يزيد في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وشكوا إليه ضيقه ، فشاور عثمان أهل الرأي ، فأشاروا عليه بذلك ، وذكر نحو ما تقدم ، وينبغي حمله أيضا على أن الكلام وقع من الناس سنة أربع من خلافته وتأخرت العمارة إلى سنة تسع وعشرين ـ بتقديم المثناة الفوقية على السين ـ وإلا فهو مخالف لما تقدم ؛ لأن عثمانرضي‌الله‌عنه ولي غرة المحرم افتتاح سنة أربع وعشرين ، فسنة أربع من خلافته هي سنة سبع وعشرين ـ بتقديم السين على الموحدة ـ والأول هو الأصح ؛ فقد روى يحيى وابن زبالة أن عثمان زاد في المسجد قبل أن يقتل بأربع سنين ، وعثمان قتل في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.

وقال الحافظ ابن حجر : كان بناء عثمان للمسجد سنة ثلاثين على المشهور ، وقيل : في


آخر سنة من خلافته ؛ ففي كتاب السير عن الحارث بن مسلم عن ابن وهب : أخبرني مالك أن كعب الأحبار كان يقول عند بنيان عثمان المسجد : لوددت أن هذا المسجد لا ينجز(١) ؛ فإنه إذا فرغ من بنيانه قتل عثمان ، قال مالك : فكان كذلك.

قال الحافظ ابن حجر : ويمكن الجمع بأن الأول كان تاريخ ابتدائه ، والثاني تاريخ انتهائه.

قلت : قد تقدم ما يردّ هذا الجمع ، وأن الفراغ منه كان في سنة ثلاثين ، لكن يمكن أن عثمانرضي‌الله‌عنه أحدث فيه عمارة أخرى آخر سنة من خلافته وقد وصل ابن شبة ما نقله مالك عن كعب ؛ فروى بسنده من طريق الأعمش عن أبي صالح قال : قال كعب ومسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يا بنى : والله لوددت أنه لا يفرغ من برج إلا سقط برج ، فقيل له : يا أبا إسحاق أما كنت تحدثنا أن صلاة فيه أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام ، قال : بلى ، وأنا أقول ذلك الآن ، ولكن فتنة نزلت من السماء ليس بينها وبين أن تقع إلا شبر ، ولو فرغ من بناء هذا المسجد وقعت ، وذلك عند قتل هذا الشيخ عثمان بن عفان ، فقال رجل : وهل قاتله إلا كقاتل عمر ، قال : بل مائة ألف أو يزيدون ، ثم يحل القتل ما بين عدن أبين إلى دروب الروم(٢) .

وروى يحيى عن أفلح بن حميد عن أبيه قال : لما أراد عثمان أن يكلم الناس على المنبر ويشاورهم قال له مروان بن الحكم : فداك أبي وأمي ، هذا أمر خير لو فعلته ولم تذكر لهم ، فقال : ويحك! إني أكره أن يروا أني أستبد عليهم بالأمور ، قال مروان : فهل رأيت عمر حيث بناه وزاد فيه ذكر ذلك لهم؟ قال : اسكت ، إن عمر اشتد عليهم فخافوه ، حتى لو أدخلهم في جحر ضب دخلوا ، وإني لنت لهم حتى أصبحت أخشاهم ، قال مروان بن الحكم : فداك أبي وأمي لا يسمع هذا منك فيجترأ عليك.

وعن عبد الرحمن بن سفينة قال : رأيت القصّة تحمل إلى عثمان وهو يا بني مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من بطن نخل ، رأيته يقوم على رجليه والعمال يعملون فيه حتى تأتي الصلاة فيصلي بهم ، وربما نام ثم رجع ، وربما نام في المسجد.

وعن خارجة بن زيد قال : هدم عثمان بن عفان المسجد وزاد في قبلته ، ولم يزد في شرقيه ، وزاد في غربيه قدر أسطوان ، وبناه بالحجارة المنقوشة والقصة وعسب النخل

__________________

(١) أنجز الشيء : أتمه وقضاه.

(٢) الدروب مفردها الدرب : المضيق بين الجبال. و ـ كل مدخل إلى بلاد الروم.


والجريد ، وبيضه بالقصة ، وقدر زيد بن ثابت أساطينه فجعلها على قدر النخل ، وجعل فيه طيقان مما يلي المشرق والمغرب ، وذلك قبل أن يقتل بأربع سنين ، وزاد فيه إلى الشام خمسين ذراعا.

وعن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه قال : زاد عثمان في المسجد قبل أن يقتل بأربع سنين فزاد من القبلة ، فوضع جداره على حد المقصورة اليوم ، وزاد فيه من المغرب أسطوانا بعد المربعة ، وزاد فيه من الشام خمسين ذراعا ، ولم يزد من المشرق شيئا ، وزعم المطري وتبعه المراغي أن المراد بهذه المربعة المربعة المتقدم وصفها في تحديد المسجد النبوي في زيادة عمررضي‌الله‌عنه ، وهي الأولى من المربعتين اللتين يليان القبلة في صف الأسطوان الرابع من المنبر في جهة المغرب ، وجعلا نهاية زيادة عثمان إلى الأسطوانة التي تليها في المغرب المقابلة للطراز المتقدم وصفه ، فقالا : أراد بالمربعة الأسطوانة التي تليها في المغرب التي في القبلة التي رفع أسفلها مربعا قدر الجلسة ، وهي منتهى زيادة عثمان من المغرب ، وقبالة الأسطوانة التي زادها عثمان في الحائط القبلي طرازا آخر من العصابة السفلى إلى سقف المسجد ، وهو حد زيادة عثمان ، انتهى.

ومحصله أن زيادة عثمان هي الرواق الكائن بين الأسطوانتين المذكورتين ، ولم أر من سبقهما لذلك ، وقد قدمنا في تحديد المسجد النبوي ما يقتضي أن الطراز المذكور في موازاة حد المسجد النبوي على الراجح ، وأن زيادة عمر وعثمانرضي‌الله‌عنهما من بعد ذلك في جهة المغرب ، وأن عمررضي‌الله‌عنه جعل المشرق إلى المغرب مائة وعشرين ذراعا ، وأن من المربعة التي ذكرا أنها نهاية زيادته إلى الحجرة الشريفة ينقص عن تسعين ذراعا ، وإلى محاذاة الطراز نحو المائة ؛ فيبقى لعمر في جهة المغرب بعد الطراز رواقان آخران ؛ فيكون نهاية المسجد في زمنه الأسطوانة السابعة من المنبر ، وفي صف السابعة من المنبر أسطوان أسفله مربع لكنه ليس مرتفعا عن الأرض بقدر الجلسة ، بل تربيعه على وجه الأرض ، وقد زال تربيعه في العمارة الحادثة بعد الحريق الثاني ، وليس هو في صف الأساطين التي تلي القبلة ، بل في صف الأساطين التي خلف محراب الحنفية ؛ فالظاهر أن هذه المربعة هي المرادة هنا ؛ فيكون لعثمانرضي‌الله‌عنه في جهة المغرب الرواق الذي بعدها ؛ فيكون نهاية المسجد في زمانه الأسطوانة الثامنة من المنبر في جهة المغرب ، ويدل على صحة ذلك ما سيأتي أن الوليد زاد بعد عثمانرضي‌الله‌عنه في جهة المغرب أسطوانين ، ولم يزد أحد بعد الوليد في جهة المغرب شيئا ، والباقي من الأسطوانة الثامنة من المنبر أسطوانتان فقط في جهة المغرب ، فهما زيادة الوليد ، وهناك أسطوان مربعة مرتفعة قدر الجلسة أيضا أمام الأسطوانة بوجاه الداخل من باب السلام ، الظاهر أنها جعلت علامة لنهاية زيادة عثمانرضي‌الله‌عنه ، وابتداء زيادة


الوليد ، وإن قلنا بأن نهاية المسجد النبوي المربعة الأولى التي تلي القبلة كما سبقت الإشارة إليه فحينئذ يكون لعمررضي‌الله‌عنه منها إلى جهة المغرب أسطوانتان فيكون نهاية زيادة الأسطوانة السادسة من المنبر ، وفي صفها أسطوان مربع قدر الجلسة أيضا أمام الأسطوانة المثمنة اليوم ، وتكون زيادة عثمانرضي‌الله‌عنه إلى الأسطوانة التي بعدها في جهة المغرب وهي السابعة ، وتبقى للوليد منها إلى جدار المسجد ثلاثة أساطين ، وسيأتي في عمارته رواية تقتضي ذلك ، على أن الذي أفهمه من كلام متقدمي المؤرخين كما قدمناه في حدود المسجد أن المربعة حيث أطلقت في جهة المغرب فالمراد بها الأسطوانة المقابلة لمربعة القبر في جهة المغرب عند ركن صحن المسجد قبل زيادة الرواقين الآتي بيانهما ، وهي المثمنة اليوم ، وفي ركني الصحن الشاميين أسطوانتان على هيأتها أيضا ، وتثمينها حادث كما تقدم بيانه ، ويعبرون عنها بالمربعة الغربية ، وهي السادسة من المنبر ؛ فيترجح بذلك أنها نهاية زيادة عمر وابتداء زيادة عثمانرضي‌الله‌عنه ، ولو كان كما زعم المطري ومن تبعه لكان بعد نهاية زيادة عثمانرضي‌الله‌عنه في المغرب خمس أساطين ، فيكون كلها للوليد ، ولا قائل بذلك ، وفيما قدمناه في تحديد المسجد النبوي كفاية في رد ما قالاه.

وروى يحيى عن عبد الله بن عطية بن عبد الله بن أنيس قال : بنى عثمان المسجد بالحجارة المنقوشة والقصة ، وجعل عمده حجارة منقوشة ، وبها عمد الحديد فيها الرصاص ، وسقفه ساجا ، وجعل طوله ستين ومائة ذراع ، وعرضه خمسين ومائة ذراع ، وجعل أبوابه ست أبواب على ما كان على عهد عمررضي‌الله‌عنه : باب عاتكة ، أي المعروف بباب الرحمة ، والباب الذي يليه أي يقرب من محاذاته في المشرق ، وهو باب النساء ، وباب مروان : أي المعروف بباب السلام ، والباب الذي يقال له باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أي المعروف بباب جبريل ، وبابين في مؤخر المسجد.

قلت : قوله : «وجعل طوله ستين ومائة ذراع» مخالف لما تقدم من كونه زاد فيه من جهة الشام خمسين ذراعا ؛ لأنه قد تقدم أن عمررضي‌الله‌عنه جعل طول المسجد أربعين ومائة ذراع ، فلو زاد فيه عثمان خمسين ذراعا لكان طوله في زمنه تسعين ومائة ذراع ، على أن الأقرب أن طوله في زمن عثمان كان ستين ومائة ذراع ، لما سيأتي في الزيادة بعده. وقوله «وعرضه خمسين ومائة ذراع» مخالف لما تقدم من كونه لم يزد من جهة المغرب سوى أسطوانة واحدة ، ولم يزد في جهة المشرق شيئا ، بل هذه الرواية خطأ ؛ للاتفاق على أن عثمانرضي‌الله‌عنه لم يزد من جهة المشرق شيئا ؛ فيكون نهايته في زمنه الحجرة الشريفة ، وذرع المسجد اليوم من جداره الغربي إلى جدار الحجرة الشريفة لا يبلغ خمسين ومائة ذراع ، بل ينقص عن ذلك أكثر من سبعة أذرع ، ثم تبقى زيادة الوليد من جهة المغرب ، وهي متفق


عليها أيضا ؛ فالصواب أنه لم يزد من المغرب سوى أسطوانة ، وأن عرض المسجد في زمنه نحو مائة وثلاثين ذراعا ، والله أعلم.

وروى يحيى كما في النسخة التي رواها ابنه عن أبي الحسن المدائني أنه قال في حديث ساقه : إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم خط لجعفر بن أبي طالب دارا وهو بأرض الحبشة ، فاشترى عثمان نصفها بمائة ألف ، فزادها في المسجد.

قلت : تقدم في زيادة عمررضي‌الله‌عنه نقل مثل ذلك عن فعل عمررضي‌الله‌عنه ؛ فيحتمل أن كلا منهما شرى نصف ذلك وأدخله مرتبا ، والله أعلم.

وروى ابن زبالة عن عبد الله بن عمر بن حفص قال : مدّ عمر بن الخطاب جدار القبلة إلى الأساطين التي إليها المقصورة اليوم ، ثم زاد عثمان بن عفان حتى بلغ جداره اليوم ، قال : فسمعت أبي يقول : لما احتيج إلى بيت حفصة قالت : فكيف بطريقي إلى المسجد؟ فقال لها : نعطيك أوسع من بيتك ، ونجعل لك طريقا مثل طريقك ، فأعطاها دار عبيد الله بن عمر ، وكانت مربدا(١) .

قلت : وهذه العبارة محتملة لأن القائل «نعطيك إلى آخره» عمر أو عثمانرضي‌الله‌عنهما ، ويرجح الثاني أنه أورده في سياق زيادة عثمانرضي‌الله‌عنه ، وأنه روى عقبة عن عبد الرحمن بن سعد عن أشياخه أن عمر قدم جدار القبلة إلى المقصورة ، ثم قدمه عثمان إلى موضعه اليوم ، وأخل بقية دار العباس بن عبد المطلب مما يلي القبلة والشام والمغرب ، وأدخل بعض بيوت حفصة بنت عمر مما يلي القبلة ، فقام المسجد على تلك الحال حتى زاد فيه الوليد.

قلت : تقدم في زيادة عمررضي‌الله‌عنه أن الحافظ ابن حجر نقل عن ابن شبة أن دار أبي بكر التي أذن له في إبقاء الخوخة منها إلى المسجد اشترتها حفصة أم المؤمنين ، فلم تزل في يدها إلى أن أرادوا توسيع المسجد في خلافة عثمان ، فطلبوها منها ليوسع بها في المسجد ، فامتنعت وقالت : كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيل لها : نعطيك دارا أوسع منها ونجعل لك طريقا مثلها ، فسلمت وضيت ، والذي ذكره ابن شبة في علم دور أزواج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما سنذكره عنه في الدور التي كانت حول المسجد من أن حفصة اتخذت دارها التي في قبلة المسجد لها خوخة في المسجد ، فورثها عبد الله بن عمران وذكر ما سيأتي في أصل هذه الدار من كونها كانت مربدا كما سيأتي ، ثم ذكر لحفصة دارا أخرى ، ثم قال : وأخبرني مخبر قال : كان بيت أبي بكر الذي أذن له النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في إبقاء خوخته بيد عبد الله بن

__________________

(١) المربد : موقف الإبل ومحبسها ، وبه سمي مربد البصرة. وربد بالمكان : أقام به. و ـ حبس به. و ـ التمر خزنه في المربد. (ج) مرابد.


عمر ، وهو البيت الذي على يمينك إذا دخلت دار عبد الله من الخوخة التي في المسجد ، فتلقاك هناك خوخة في جوف الخوخة التي هي الطريق المبوب ، فتلك الخوخة خوخة أبي بكر ، قال : وكانت حفصة ابتاعت ذلك المسكن من أبي بكر ، والدار الذي ذكرت فوق هذه الشارعة على باب دار عبد الله إلى جنب دار هشام ، فباع أبو بكررضي‌الله‌عنه ذلك المسكن وتلك الدار من حفصة بأربعة آلاف درهم ، ونقدها عنها عثمان بن عفان ، وإنما باع ذلك أبو بكر لناس قدموا عليه من بني تميم فسألوه.

ثم قال ابن شبة : حدثنا محمد بن يحيى عن عبد الله بن عمر بن حفص قال : سمعت أبي يقول : لما احتيج إلى بيت حفصة قالت : وكيف طريقي في المسجد؟ فقيل لها : نعطيك أوسع من بيتك ونجعل لك طريقا مثل طريقك ، فأعطاها دار عبد الله بن عمر ، وكانت مربدا ، انتهى. والذي يقتضيه قوله «وأخبرني مخبر» تضعيف هذه الرواية.

وقد روى في ذكر دور بني تيم كما قدمناه أن دار أبي بكر المذكورة كانت شارعة في دار القضاء في غربي المسجد ، وقد صدّر كلامه بأن أصل دار حفصة إنما هو المربد ، وختم كلامه بذلك. وقوله «لما احتيج إلى بيت حفصة» المراد به سكنها ، هو الذي كان شارعا في المسجد في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما سيأتي بيانه ، والله أعلم.

وتقدم في زيادة عمررضي‌الله‌عنه ما رواه يحيى من أن عثمانرضي‌الله‌عنه شرى دار العباس فزادها في المسجد إلا ثلاثة عشر ذراعا أو أربعة عشر ذراعا ، فقال الراوي : لا أدري أكان ابتاع البقية أم لا ، وحملناه على أن المراد بدار العباس ما بقي منها بعد ما زاده عثمانرضي‌الله‌عنه ، والظاهر أن تلك البقية هي التي دخلت في دار مروان. وقد ذكر ابن زبالة ويحيى وابن النجار اتخاذ مروان لداره عقب ذكر زيادة عثمانرضي‌الله‌عنه ؛ فيحتمل أنه اتخذها في حال زيادة عثمانرضي‌الله‌عنه أو بعده ، وهو الظاهر ؛ لأنهم ذكروا أنه اتخذ لها خوخة في المسجد من جهة القبلة ، ثم قال : أخشى أن أمنعها ، فجعل لها بابا عن يمينك حين تدخل ، ثم جعل الباب الثالث الذي على باب المسجد ، كما سيأتي ، والله أعلم.

الفصل الخامس عشر

في المقصورة التي اتخذها عثمانرضي‌الله‌عنه في المسجد

وما كان من أمرها بعده

روى ابن زبالة وابن شبة عن عبد الرحمن بن سعد عن أشياخه أن أول من عمل المقصورة بلبن عثمان بن عفان ، وأنه كانت فيه كوى ينظر الناس منها إلى الإمام ، وأن عمر بن عبد العزيز هو الذي جعلها من ساج حين بنى المسجد.

وروى الأول أيضا عن عيسى بن محمد بن السائب ومحمد بن عمرو بن مسلم بن


السائب ابن خباب وعمر بن عثمان بن عبد الرحمن أن عثمان بن عفان أول من وضع المقصورة من لبن ، واستعمل عليها السائب بن خباب ، وكان رزقه دينارين في كل شهر ، فتوفي عن ثلاثة رجال : مسلم ، وبكير ، وعبد الرحمن ، فتواسوا في الديا نارين ، فجريا في الديوان على ثلاثة منهم إلى اليوم ، قال ابن زبالة : وقال مالك بن أنس : لما استخلف عثمان بعد مقتل عمر بن الخطاب عمل عثمان مقصورة من لبن ، فقام يصلي فيها للناس خوفا من الذي أصاب عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه ، وكانت صغيرة.

وروى يحيى هذا كله في زيادة عثمانرضي‌الله‌عنه ، ثم روى في زيادة الوليد عن عبد الحكم بن عبد الله بن حنطب قال : أول من أحدث المقصورة في المسجد مروان بن الحكم ، بناها بالحجارة المنقوشة ، وجعل لها كوى ، وكان بعث ساعيا(١) إلى تهامة ، فظلم رجلا يقال له دب ، فجاء دب إلى مروان ، فقام حيث يريد أن يقوم مروان ، حتى إذا أراد أن يكبر ضربه بسكين فلم يصنع شيئا ، فأخذه مروان فقال : ما حملك على ما صنعت؟ قال : بعثت عاملا فأخذ ذودي بمرة(٢) ، وتركني وعيالي لا يجد شيئا ، فقلت : أذهب إلى الذي بعثك فاقتله ؛ فهو أصل هذا ، فجاء ما ترى ، فحبسه مروان حينا في السجن ، ثم أمر به فاغتيل سرا ، فكانت المقصورة.

ورواه ابن شبة بنحوه ، إلا أنه سمى الرجل في موضع دبا ، وفي آخر ذبابا ، وقال : بعثت عاملك ، فأخذ مني بقرة ، فتركني وعيالي لا نجد شيئا ، وأنا امرؤ خبيث النفس ، فقلت : أذهب إلى الذي بعثه فأقتله فهو أصل هذا ، فجاء ما ترى ، فحبسه مروان في الحبس حينا ، ثم أمر به فاغتيل سرا ، وعمل المقصورة.

قلت : وجزم بذلك في العتبية فيما حكاه ابن رشد في بيانه ، فقال في كتاب الصلاة : مسألة قال مالك : أول من جعل المقصورة مروان بن الحكم حين طعنه اليماني ، قال : فجعل مقصورة من طين ، وجعل فيها تشبيكا ، انتهى. قال ابن رشد في شرح ذلك : وجه قوله هذا الإعلام بأن المقصورة محدثة لم تكن على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا على عهد الخلفاء بعده ، وإنما أحدثها الأمراء للخوف على أنفسهم ، فاتخاذها في الجوامع مكروه انتهى.

وفي شرح مسلم للنووي أن أول من اتخذ المقصورة في المسجد معاويةرضي‌الله‌عنه حين ضربه الخارجي ، انتهى.

__________________

(١) الساعي : عامل الصدقات. (ج) سعاة.

(٢) الذود : القطيع من الإبل بين الثلاث إلى العشر. وفي الحديث : «ليست فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة». وفي المثل : «الذود إلى الذود إبل» : يضرب في اجتماع القليل إلى القليل حتى يؤدّي إلى الكثير.

(خ) أذواد.


وأفهم كلام ابن زبالة أنها كانت في زمن عمر بن عبد العزيز مرتفعة عن أرض المسجد ؛ لأنه ذكر في زيادة المهدي أنه أمر بالمقصورة فهدمت وخفضت إلى مستوى المسجد ، وكانت مرتفعة ذراعين عن وجه المسجد ، فأوطأها مع المسجد ، وكأن المراغي فهم أن المراد بذلك سقف المقصورة لا أرضها ، فإنه قال في زيادة المهدي : وخفض سقف المقصورة ، وكانت مرتفعة ذراعين عن وجه المسجد فأوطئوها المسجد ، انتهى.

ورأيت لفظة «سقف» ملحقة بخطه ، والظاهر أن ذلك هو المراد ، وذكر المطري ما يقتضي أن المهدي جعلها من خشب على الرواق القبلي بأجمعه ، وهو مراد ابن جبير بقوله في رحلته ـ بعد أن ذكر أن في الجهة القبلية من المسجد خمس بلاطات ـ يعني أروقة ، قال : والبلاط المتصل بالقبلة من الخمس المذكورة تحويه مقصورة تكنفه طولا من غرب إلى شرق ، والمحراب فيها ، انتهى.

وقد احترقت هذه المقصورة في حريق المسجد الأول ، والله أعلم.

الفصل السادس عشر

في زيادة الوليد بن عبد الملك على يد عمر بن عبد العزيز

نقل رزين أن المسجد بعد أن زاد فيه عثمانرضي‌الله‌عنه لم يزد فيه علي ولا معاويةرضي‌الله‌عنهما ، ولا يزيد ولا مروان ، ولا ابنه عبد الملك شيئا ، حتى كان الوليد بن عبد الملك ـ وكان عمر بن عبد العزيز عامله على المدينة ومكة ـ بعث الوليد إلى عمر بن عبد العزيز بمال وقال له : من باعك فأعطه ثمنه ، ومن أبي فاهدم عليه وأعطه المال ، فإن أبى أن يأخذه فاصرفه إلى الفقراء ، انتهى.

وقال ابن زبالة : حدثني عبد العزيز بن محمد عن بعض أهل العلم قال : قدم الوليد بن عبد الملك حاجا ، فبينا هو يخطب الناس على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ حانت منه التفاتة فإذا بحسن بن حسن بن علي بن أبي طالب في بيت فاطمة في يده مرآة ينظر فيها ، فلما نزل أرسل إلى عمر بن عبد العزيز فقال : لا أرى هذا قد بقي بعد ، اشتر هذه المواضع ، وأدخل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في المسجد ، واسدده.

وروى يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن عبد العزيز بن محمد بنحوه.

وروى أيضا عن موسى بن جعفر بن أبي كثير قال : بينما الوليد يخطب على المنبر إذ انكشفت الكلة(١) عن بيت فاطمةعليها‌السلام ، وإذا حسن بن حسن يسرّح لحيته ، وهو يخطب على المنبر ، فلما نزل أمر بهدم بيت فاطمةرضي‌الله‌عنها .

__________________

(١) الكلّة : ستر رقيق مثقّب يتوقّى به من البعوض وغيره. (ج) كلل.


قال يحيى : وحدثني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليرضي‌الله‌عنهما مثله ، وزاد فيه أن حسن بن حسن وفاطمة بنت الحسين أبوا أن يخرجوا منه ، فأرسل إليهم الوليد بن عبد الملك : إن لم تخرجوا منه هدمته عليكم ، فأبوا أن يخرجوا ، فأمر بهدمه عليهم وهما فيه وولدهما ، فنزع أساس البيت وهم فيه ، فلما نزع أساس البيت قالوا لهم : إن لم تخرجوا قوّضناه(١) عليكم ، فخرجوا منه حتى أتوا دار علي نهارا.

وروى ابن زبالة عن منصور مولى الحسن بن علي قال : كان الوليد بن عبد الملك يبعث كل عام رجلا إلى المدينة يأتيه بأخبار الناس وما يحدث بها ، قال : فأتاه في عام من ذلك ، فسأله ، فقال : لقد رأيت أمرا لا والله ما لك معه سلطان ولا رأيت مثله قط ، قال : وما هو؟ قال : كنت في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإذا منزل عليه كلة ؛ فلما أقيمت الصلاة رفعت الكلة وصلى صاحبه فيه بصلاة الإمام هو ومن معه ، ثم أرخيت الكلة ، وأتى بالغداء فتغدى هو وأصحابه ، فلما أقيمت الصلاة فعل مل ذلك ، وإذا هو يأخذ المرآة والكحل وأنا أنظر ، فسألت ، فقيل : إن هذا حسن بن حسن ، قال : ويحك! فما أصنع هو بيته وبيت أمه ، فما الحيلة في ذلك؟ قال : تزيد في المسجد وتدخل هذا البيت فيه ، قال : فكتب إلى عمر بن عبد العزيز يأمره بالزيادة في المسجد ويشتري هذا المنزل ، قال : فعرض عليهم أن يبتاع منهم فأبوا ، وقال حسن : والله لا نأكل له ثمنا أبدا ، قال : وأعطاهم به سبعة آلاف دينار أو ثمانية ، فأبوا ، فكتب إلى الوليد بن عبد الملك في ذلك ، فأمره بهدمه وإدخاله ، وطرح الثمن في بيت المال ، ففعل ، وانتقلت منه فاطمة بنت حسين بن علي إلى موضع دارها بالحرة فابتنتها.

قلت : وسيأتي بقية هذا الخبر في ذكر بئرها ، إن شاء الله تعالى.

قال ابن زبالة : وحدثني غير واحد من أهل العلم منهم : إبراهيم بن محمد الزهري عن أبيه عن عبد الرحمن بن حميد ، ومحمد بن إسماعيل عن محمد بن عمار عن جده ، ومحمد بن عبد الله عن عبيد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمر بن حفص وعبد العزيز بن محمد عن عبيد الله ابن عمر بن حفص ، وسليمان بن محمد بن أبي سبرة ومحمد بن طلحة عن عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان ، وبعضهم يزيد على بعض ، أن عمر بن عبد العزيز لما جاءه كتاب الوليد بهدم المسجد والزيادة فيه بعث إلى رجال من آل عمر ، فقال : إن أمير المؤمنين كتب إلى أن أبتاع بيت حفصة ، وكان عن يمين الخوخة : أي خوخة آل عمر ، وكان بينه وبين منزل عائشة الذي فيه قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم طريق ، وكانتا يتهاديان الكلام وهما في منزليهما من قرب ما بينهما ، فلما دعاهم قال : إن أمير المؤمنين قد أمرني أن أبتاع هذا المنزل وأدخله في

__________________

(١) قوّضناه عليكم : هدمناه عليكم. و ـ انقاض الجدار أو الكثيب : تهدم وانهال.


المسجد ، قالوا : ما نبيعه بشيء ، قال : إذا أدخله في المسجد ، قالوا : أنت وذاك ، أنت وذاك ، فأما طريقنا فإنا لا نقطعها ، فهدم البيت وأعطاهم الطريق ووسعها لهم حتى انتهى بها إلى الأسطوان ، وكانت قبل ذلك ضيقة قدر ما يمر الرجل منحرفا.

قال عبد العزيز بن محمد : فكنت أسمع عبيد الله بن عمر يقول : لا أخرجني الله من الدنيا حتى أراها قد سدت ،

إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : لا يلقى الصور الصور.

قلت : وسنورد بقية هذا الخبر.

وروى يحيى في قصة هذه الدار عن مالك بن أنس في جملة خبر أن الحجاج قال لعبيد الله ابن عبد الله بن عمر : بعني منزل حفصة ، قال : لا والله ما كنت لآخذ لبيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثمنا أبدا ، قال : إذا والله أهدمه ، قال : والله لا تهدمه إلا على ظهري ، فأمر الحجاج صائحا صاح الناس بالعتل(١) والمساحي والفوس ، فقام عبد الله فدخل بيت حفصة ، وجاء الغوغاء بالعتل والفوس ، فأمرهم الحجاج بهدمه ، فصعدوا ليهدموه وعبيد الله فيه ، فجاءت بنو عدي إلى عبيد الله فقالوا له : ما أضعفك! هو يتأسف على قتل أبيك ويزع عن قتلك ، فأخرجوه ، فهدمه الحجاج ، وكتب إلى الوليد يعلمه ما صنع ، وامتناع عبيد الله من الثمن ، فكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز يأمره يعرض على عبيد الله الثمن ، فإن أبى جعل له مكرمة بدله في المسجد ، فجعل له عمر الخوخة التي في قبلة المسجد التي إلى دار حفصة اليوم ، وهو يقتضي أن الذي هدم دار حفصة هو الحجاج.

وعن جعفر بن وردان عن أبيه قال : لما استعمل الوليد عمر بن عبد العزيز على المدينة أمره بالزيادة في المسجد وبنيانه واشتراء ما حوله من المشرق والمغرب والشام ، فلما خلص إلى القبلة قال له عبيد الله بن عبد الله بن عمر : لست أبيع هذا ، هو من حق حفصة ، وقد كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يسكنها ، فقال له عمر : ما أنا بتارككم أو أدخلها المسجد ، فلما كثر الكلام بينهما قال له عمر : أجعل لكم في المسجد بابا تدخلون منه ، وأعطيكم دار الدقيق مكان هذا الطريق ، وما بقي من الدار فهو لكم ، ففعلوا ، وأخرج بابهم في المسجد وهو الخوخة التي في المسجد تخرج في دار حفصة بنت عمر ، وأعطاهم دار الدقيق ، وقدّم الجدار في موضعه اليوم ، وزاد في المشرق ما بين الأسطوان المربعة إلى جدار المسجد اليوم ، ومعه عشرة أساطين من مربعة القبر إلى الرحبة إلى الشام ، ومده في المغرب أسطوانين ، وأدخل فيه حجرات أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأدخل فيه دور عبد الرحمن بن عوف الثلاث التي كان يقال لها القرائن اللاتي يقول فيهن أبو قطيفة بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط :

__________________

(١) العتلة : عمود قصير من الحديد له رأس عريض يهدم به الحائط. ويقلع به الشجر والحجر. (ج) عتل.


ألا ليت شعري هل تغير بعدنا

بقيع المصلّى أو كعهدي القرائن

وقد سمعنا من يقول : القرائن كانت جنابذ ثلاثا لعبد الرحمن بن عوف ، انتهى.

قلت : وأخبار المؤرخين متطابقة على أن حجر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أدخلت في المسجد بأمر الوليد ، وقد قدمنا في الفصل التاسع قول عطاء الخراساني : أدركت حجرات أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود ، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمر بإدخال حجر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فما رأيت يوما كان أكثر باكيا من ذلك اليوم ، قال عطاء : فسمعت سعيد بن المسيب يقول : والله لوددت أنهم تركوها على حالها ، لكن نقل الزين المراغي عن السهيلي أنه نقل أن الحجر والبيوت خلطت بالمسجد في زمن عبد الملك بن مروان ، قال : ويرده تصريح رزين وغيره بضد ذلك.

قلت : ولعل مراد من نسب ذلك إلى عبد الملك أنه جعلها للمسلمين يصلون فيها لضيق المسجد من غير هدم لها ، وقد كان الناس يصلون فيها قبل إدخالها في المسجد في يوم الجمعة ، فقد نقل مالكرحمه‌الله عن الثقة عنده أن الناس كانوا يدخلون حجر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلون فيها يوم الجمعة بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان المسجد يضيق عن أهله ، قال : وحجر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليست من المسجد ، ولكن أبوابها شارعة في المسجد ، انتهى.

وأما بقية خبر ابن زبالة المتقدم فقد قال عقب ذلك : ثم سام(١) عمر بن عبد العزيز بني عبد الرحمن بن عوف بدارهم ، فأبوا ، فهدمها عليهم وأدخلها في المسجد ، قال عبد الرحمن بن حميد : فذهب لنا متاع في هدمهم ، وأدخل حجرات أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مما يلى المشرق ومن الشام ، وأخل القرائن دور عبد الرحمن بن عوف وأدخل دار عبد الله بن مسعود التي يقال لها دار القراء ، وأبيات هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، وأدخل فيه من المغرب دارا كانت لطلحة بن عبيد الله ، ودارا كانت لأبي سبرة بن أبي رهم كانت في موضع المربعة التي في غربي المسجد ، ودارا لعمار بن ياسر كانت إلى جنب دار أبي سبرة ، وبعض دار العباس بن عبد المطلب ، فأعلم ما دخل منها في المسجد ، فجعل منابر سواريها التي تلي السقف أعظم من غيرها من سواري المسجد ، وأدخل دارا كانت لمخارق مولى العباس بن عبد المطلب.

قلت : قوله «وأدخل إلى آخره» وإن كان مبنيا لما لم يسم فاعله ، لكن إيراده هنا يقتضي أن ذلك كله في زيادة الوليد المذكورة ، وفيه نظر ؛ لما تقدم من أن عثمانرضي‌الله‌عنه زاد

__________________

(١) سام : ساوم ، مساومة وسواما : فاوضه في البيع والابتياع. و ـ البائع بالسلعة : غالى بها.


في المسجد أسطوانا بعد المربعة ، فيكون زيادة الوليد بعد ذلك في جهة المغرب ، فلا يصح إدخاله لدار أبي سبرة ؛ لقوله إنها كانت في موضع المربعة ، إلا أن يريد بالمربعة هنا الأسطوانة التي عن يمينك إذا دخلت من الباب الذي يلي دار مروان ، وهو باب السلام ، وهي الثانية من الباب المذكور ، فإنها أول زيادة الوليد ؛ لقوله في رواية يحيى المتقدمة «ومده في المغرب أسطوانين» لكن قال ابن شبة نقلا عن ابن أبي يحيى : إنه كانت لأبي سبرة بن أبي رهم دار موضعها عند الأسطوان المربعة التي في المسجد اليمانية الغربية ، وكانت جديدة ، وكانت هناك دار لعمار بن ياسر ، فأدخلتا في المسجد ، انتهى. وهو ظاهر في أن المراد بالمربعة الأسطوان المثمنة اليوم التي قدمنا وصفها في زيادة عثمانرضي‌الله‌عنه ، وقوله «وبعض دار العباس بن عبد المطلب» ظاهر أيضا في أن الوليد أدخل من دار العباس شيئا ، ولعله مما كان بقي منها وأدخله مروان في داره ، فيستفاد منه أن الوليد أدخل بعض دار مروان وهو ظاهر ؛ لما قدمناه من أن دار مروان كانت ملاصقة للمسجد في جهة المغرب ولها خوخة فيه ، ولا شك أنه اتخذها قبل زيادة الوليد ، فإن وفاة مروان كانت في سنة خمس وستين بعد أن أقام في الخلافة عشرة أشهر.

ولنرجع إلى تكميل خبر ابن زبالة المتقدم ، قال : قالوا : وكتب الوليد بن عبد الملك إلى ملك الروم «إنا نريد أن نعمر مسجد نبينا الأعظم ، فأعنّا فيه بعمال وفسيفساء» ، قالوا : فبعث إليه بأحمال من فسيفساء وبضعة وعشرين عاملا ، وقال بعضهم : بعشرة عمال ، وقال : قد بعثت إليك بعشرة يعدلون مائة ، وبثمانين ألف دينار عونا له.

قلت : روى ذلك يحيى أيضا ، وذكر في رواية أخرى عن قدامة بن موسى أن ملك الروم ، بعث إليه بأربعين. يعني عاملا سمن الروم ، وبأربعين من القبط ، وبأربعين ألف مثقال ذهب. وفي رواية لرزين : فبعث إليه ثلاثين عاملا ، وأربعين من الروم ، ومثلهم من القبط ، وبثمانين ألف مثقال ، وبأحمال من الفسيفساء ، وبأحمال من سلاسل القناديل ، انتهى.

ولنرجع إلى تكميل خبر ابن زبالة له أيضا ، قال عقب ما تقدم : وبعث بهذه السلاسل التي فيها القناديل ، قالوا : وهدمه عمر بن عبد العزيز سنة إحدى وتسعين ـ أي بتقديم التاء الفوقية على السين ـ وبناه بالحجارة المنقوشة المطابقة وقصّة بطن نخل ، وعمله بالفسيفساء والمرمر ، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب ، وهدم حجر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأدخلها في المسجد ، ونقل لبن المسجد ولبن الحجرات فبنى به داره التي بالحرة فهو فيها اليوم له بياض على اللبن ، قال : فبينما أولئك العمال يعملون في المسجد إذ خلا لهم المسجد فقال بعض أولئك العمال من الروم : ألا أبول على قبر نبيهم ، فتهيأ لذلك فنهاه أصحابه ، فلما همّ أن


يفعل اقتلع فألقى على رأسه ، فانتثر دماغه ، فأسلم بعض أولئك النصارى ، وعمل أحد أولئك الروم على رأس خمس طاقات في جدار القبلة في صحن المسجد صورة خنزير ، فظهر عليه عمر بن عبد العزيز فامر به فضربت عنقه ، وقال بعض أولئك العمال الذين عملوا الفسيفساء : إنا عملناه على ما وجدنا من صور شجر الجنة وقصورها ، انتهى خبر ابن زبالة.

وفي خبر يحيى المتقدم عن قدامة بن موسى أن عمر بن عبد العزيز أخمر النورة التي تعمل بها الفسيفساء سنة ، وحملوا القصة من بطن نخل منخولة ، وعمل الأساس بالحجارة والجدار بالحجارة المطابقة والقصة ، وجعل عمد المسجد من حجارة حشوها عمد الحديد والرصاص ، وكان طوله مائتي ذراع وعرضه في مقدمته مائتين وفي مؤخره ثمانين ومائة ، وهو من قبل كان مقدمه أعرض ، انتهى.

وما ذكره في ذرع عرض المسجد غير صحيح ؛ لما سيأتي عن ابن زبالة في الفصل الحادي والثلاثين أنه ذكر في موضع آخر أن عرض المسجد من مقدمه في زمنه مائة وخمسة وستون ذراعا ، وعرضه من مؤخره مائة وثلاثون ذراعا ، وسيأتي أيضا أن الذي حررناه أن عرضه اليوم من مقدمه في جهة القبلة مائة ذراع وسبعة وستون ذراعا ونصف ، وأن عرضه من مؤخره في جهة الشام مائة وخمسة وثلاثون ذراعا ، ولا شك أن المسجد لم ينقص من عرضه شيء ، فهذا الذرع المذكور في هذه الرواية غير صحيح ، وقد نقله ابن النجار عن أهل السير ، وتعقبه المطري بنحو ما ذكرناه.

وروى ابن زبالة عن محمد بن عمار عن جده قال : لما صار عمر بن عبد العزيز إلى جدار القبلة دعا مشيخة من أهل المدينة من قريش والأنصار والعرب والموالي فقال لهم : تعالوا أحضروا بنيان قبلتكم ، لا تقولوا غير عمر قبلتنا ، فجعل لا ينزع حجرا إلا وضع مكانه حجرا ، فكانت زيادة الوليد بن عبد الملك من المشرق إلى المغرب ستة أساطين ، وزاد إلى الشام من الأسطوان المربعة التي في القبر أربع عشر أسطوانا منها عشر في الرحبة وأربع في السقائف الأولى التي كانت قبل ، وزاد من الأسطوان التي دون المربعة إلى المشرق أربع أساطين في السقائف ، فدخل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في المسجد ، وبقي ثلاث أساطين في السقائف.

قلت : فاستفدنا من ذلك أن الستة أساطين التي زادها في المشرق والمغرب ليس منها في جهة المغرب سوى اثنتين ، وأن أربعة منها في جهة المشرق ؛ فيكون ابتداء زيادته في


المشرق من الأسطوان الاصق اليوم بالشباك الدائر حول الحجرة الشريفة على ما قدمناه في تحديد المسجد النبوي ، وذلك هو المراد بقوله «من الأسطوان التي دون المربعة إلى المشرق» وقوله «وبقي ثلاث أساطين» أي من الأربعة المذكورة «في السقائف» أي المسقف الشرقي كما هو اليوم ، لكن في رواية يحيى المتقدمة أنه زاد في المشرق ما بين الأسطوان المربعة أي مربعة القبر إلى جدار المسجد يعني الشرقي ؛ فعلى هذا يكون له في المشرق ثلاثة أساطين فقط ؛ فيحتمل أن يكون له في المغرب ثلاث أيضا ، وقوله «وزاد إلى الشام من الأسطوان المربعة التي في القبر ـ إلى آخره» معناه أنه لما أحدث المسقف الشرقي جعل ابتداءه مما يلي رحبة المسجد مربعة القبر ، وجعل في صفها إلى جهة الشام أربع عشر أسطوانا منها عشر في الرحبة وأربع في السقائف التي كانت قبل : أي في المسقف الشامي ، فيكون قد صيّر المسقف الشامي رحبة ، وجعل المسقف الشامي بعد أربع عشر أسطوانا ، فهذا معنى زيادته لهذا العدد.

ويستفاد منه : أن جدار المسجد من جهة الشام في زمنه كان بعد ثمان عشرة أسطوانة ، من مربعة القبر ؛ لأنك إذا ضممت أربع أساطين للسقائف التي أحدثها بدل الأولى إلى الأربع عشرة المذكورة بلغ ذلك ، فيكون محل الجدار المذكور قريبا مما يوازي الأسطوان التي قبل المسقف الشامي بأسطوان فيما يليه من الرحبة ، وذلك موافق لما تقدم من أنه جعل طوله ـ يعني من القبلة إلى الشام ـ مائتي ذراع ، فيتحرر من ذلك أن زيادته من جهة الشام على ما ذكر من الذرع في زمن عثمانرضي‌الله‌عنه أربعون ذراعا ، ويحتمل أن يكون معنى قوله «وزاد إلى الشام من الأسطوان المربعة التي في القبر أربع عشرة أسطوانة» أن المسجد ينتهي في جهة الشام في زمنه بعد أربع عشرة أسطوانا من المربعة إلى جهة الشام ؛ فيكون الجدار الشامي في موازاة الأسطوانة الخامسة من طرف الدكاك التي هي المسقف الشامي ، وهناك أسطوان في الصف الأوسط من المسقف الشرقي مربع أسفله قدر الجلسة ؛ فعلى هذا يكون علامة لذلك ، لكنه مخالف لما تقدم من أنه جعل طوله مائتي ذراع ، بل يكون طوله على هذا التقدير نحو مائة وستين ذراعا ، وذلك هو ما تقدم في طوله زمن عثمانرضي‌الله‌عنه ، فيكون هذا الاحتمال مردودا ، ولكن سيأتي في زيادة المهدي ما يقتضيه ، والله أعلم.

وروى يحيى عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عمن يثق به من مشايخ البلد أن عمر بن عبد العزيز أمر حين بنى المسجد بأسفل الأساطين فجعل قدر سترة اثنين يصليان إليها وقدر مجلس اثنين يتساندان إليها.

وعن صالح بن كيسان قال : لما جاء كتاب الوليد من دمشق لهدم المسجد سار خمس عشرة ، فجرد في ذلك عمر بن عبد العزيز ، قال صالح : واستعملني على هدمه وبنائه ،


فهدمناه بعمال المدينة فبدأنا بهدم بيوت أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حتى قدم علينا الفعلة الذين بعث بهم الوليد ، وقال ابن زبالة فيما رواه عن محمد بن عمار عن جده : وكان في موضع الجنائز ـ أي شرقي المسجد في زمان الوليد بن عبد الملك ـ نخلتان إذا أتى بالموتى وضعوا عندهما فيصلي عليهم ، فأراد عمر بن عبد العزيز قطعهما حين ولي عمل المسجد للوليد بن عبد الملك ، وذلك في سنة ثمان وثمانين ، فاقتتلت فيهما بنو النجار من الأنصار ، فابتاعهما عمر بن عبد العزيز فقطعهما.

قلت : ولا ينافي ذلك ما تقدم من أن عمر هدم المسجد في سنة إحدى وتسعين ، لجواز أن يكون ولايته لذلك سنة ثمان وثمانين ، واستمر في تحصيل الأهبة وشراء الأماكن وتخمير النورة(١) إلى سنة إحدى وتسعين.

وفيما رواه يحيى عن حفص بن مروان عن أبيه أن عمر مكث في بنائه ثلاث سنين.

قلت : فعلى هذا يكون قد فرغ منه في آخر سنة ثلاث وتسعين ، وهي السنة التي عزل فيها عمر عن المدينة ، وفيه رد لقول من زعم أن هدمه كان في سنة ثلاث وتسعين ، لكن في رواية لابن زبالة ما يقتضي أن البداءة في هدم المسجد وعمارته كانت في سنة ثمان وثمانين ؛ فإنه قال فيها : وابتدأ عمر بن عبد العزيز بناء المسجد سنة ثمان وثمانين ، وفرغ سنة إحدى وتسعين ، وفيها حج الوليد.

قال : ولما فرغ عمر بن عبد العزيز من بنيان المسجد أرسل إلى أبان بن عثمان ، فحمل في كساء خز حتى انتهى به إليه ، فقال : أين هذا البناء من بنيانكم؟ فقال : بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس ، قال : وقال الوليد حين رأى خوخة آل عمر : صانعتهم لمكان الخوخة ، هكذا في النسخة التي وقعت لنا ، ولعلها لمكان الخؤلة ؛ لأن المطري قال : إن الوليد قال له : صانعت أخوالك ، وقد كانت أم عمر بن عبد العزيز منهم.

وروى يحيى عن جعفر بن وردان عن أبيه ما يقتضي أن المخاطب لأبان بن عثمان هو الوليد ؛ فإنه قال : فلما قدم الوليد حاجا جعل يطوف في المسجد وينظر إليه ويصيح بعمر : هاهنا ، ومعه أبان بن عثمان ، فلم استنفد الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان وقال : أين بناؤنا من بنائكم؟ قال أبان : إنا بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس.

قلت : وكان قد اعتنى عمر بتحسينه ؛ فقد روى يحيى عن النضر بن أنس قال : كان عمر ابن عبد العزيز إذا عمل العامل الشجرة الكبيرة من الفسيفساء فأحسن عملها نفّله(٢)

__________________

(١) النورة : حجر الكلس.

(٢) نفّله : أعطاه زيادة على نصيبه الواجب له.


عمر ثلاثين درهما ، وذكر هو وابن زبالة ما كان فيه من الكتابات داخله وخارجه وعلى أبوابه فتركناه لزواله.

وروى ابن زبالة عن إبراهيم بن محمد الزهري عن أبيه قال : ولما قدم الوليد بن عبد الملك المدينة حاجا بعد فراغ عمر بن عبد العزيز من المسجد جعل يطوف في المسجد وينظر إلى بنيانه ، فقال لعمر بن عبد العزيز حين رأى سقف المقصورة : ألا عملت السقف كله مثل هذا ، قال : إذا يا أمير المؤمنين تعظم النفقة جدا ، قال : وإن ، قال : وكان نفقته في ذلك أربعين ألف دينار.

وروى ابن النجار هذا الخبر عن أهل السير بهذا اللفظ ، إلا أنه قال : فقال : يا أمير المؤمنين إذا تعظم النفقة جدا ، قال : وإن ، قال : أتدري كم أنفقت على عمل جدار القبلة وما بين السقفين؟ قال : وكم ، قال : خمسة وأربعون ألف دينار ، وقال بعضهم : أربعون ألف دينار ، قال : والله لكأنك أنفقتها من مالك ، وقيل : كانت النفقة في ذلك أربعين ألف مثقال ، انتهى.

وذكر يحيى رواية ابن زبالة المتقدمة من غير طريقه ، وقال عقب قوله : «وكانت النفقة في ذلك أربعين ألف دينار» قال : ثم انتهى إلى القبر فقال ابن الوليد لعمر بن عبد العزيز : من هذا في القبر؟ قال : رسول الله وأبو بكر وعمر ، قال : فأين أمير المؤمنين عثمان؟ قال : فأعرض عنه ، فألح عليه ، فقال : دفن في حال تشاغل من الناس وقد أسيء أدبك.

وروى ذلك ابن زبالة أيضا ، وزاد فقال : وسمعت بعض أهل العلم يقول : السائل بكار بن عبد الملك ، وكان ضعيفا.

وقال ابن شبة : حدثنا أيوب بن عمر بن أبي عمرو ، قال : أخبرني موسى بن عبد العزيز قال : قال عمر بن عبد العزيز لي : اتكأ الوليد على يدي حين قدم المدينة ، فجعل يطوف المسجد ينظر إلى بنائه ، ثم أتى بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فوقف عليه ، ثم أقبل علي فقال : أمعه أبو بكر وعمر؟ قلت : نعم ، قال : فأين أمير المؤمنين عثمان؟ قال : فالله أعلم إني لظننت أنه لا يبرح حتى يخرجهما ، فقلت : يا أمير المؤمنين إن الناس كانوا حين قتل عثمان في فتنة وشغل فذاك الذي منعهم من أن يدفنوه معهم ، فسكت.

وروى يحيى أنه جعل المقصورة من ساج ، قال : وكانت قبل من حجارة ، وأن الواقدي قال : حدثني عبد الله بن يزيد قال : كان عمل القبط مقدم المسجد ، وكانت الروم تعمل ما خرج من السقف جوانبه ومؤخره ، فسمعت سعيد بن المسيب يقول : عمل هؤلاء أحكم ، يعني القبط.


الفصل السابع عشر

فيما اتخذه عمر في المسجد في زيادة الوليد من المحراب والشّرفات والمنائر ،

واتخاذ الحرس ، ومنعهم من الصلاة على الجنائز فيه

أول من أحدث المحراب والشرفات

أسند يحيى عن عبد المهيمن بن عباس عن أبيه قال : مات عثمان وليس في المسجد شرفات ولا محراب ، فأول من أحدث المحراب والشرفات عمر بن عبد العزيز ، وعن القاسم وسالم أنهما نظرا إلى شرفات المسجد فقالا : إنها من زينة المسجد ، وأسند أيضا من طريق ابن زبالة ورأيته فيه أن عمر بن عبد العزيز هو الذي عمل الرصاص على طنف(١) المسجد والميازيب التي من الرصاص ، فلم يبق من الميازيب التي عمل عمر بن عبد العزيز غير ميزابين : أحدهما في موضع الجنائز ، والآخر على الباب الذي يدخل منه أهل السوق الذي يقال له باب عاتكة ، ولم يكن للمسجد شرفات حتى عملها عبد الواحد بن عبد الله النصري ، وهو وال على المدينة ، سنة أربع ومائة ، انتهى.

فهذا يقتضي أن عمر بن عبد العزيز لم يحدث الشرفات في زيادة الوليد ، بل ولا في زمن خلافته بعده ، لأن وفاته كانت في رجب سنة إحدى ومائة.

وفي سنن البيهقي عن أنس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «ابنوا المساجد واتخذوها جماء» وعن ابن عمر : نهانا ـ أو نهينا ـ أن نصلي في مسجد مشرف.

قال أبو عبيد : الجم التي لا شرف لها ، حكاه في شرح المهذب.

قال الزين المراغي : وليس للمسجد شرفات منذ حريقه ، وقد جددت له شرفات سنة سبع وستين وسبعمائة في أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد صاحب مصر ، انتهى.

والمراد بالشرفات المذكورة ما على ما أحاط بجدرات صحن المسجد من جوانبه الأربعة ، وبينها فرج شبه طاقات الشباك ، وهي المرادة فيما حكاه البدر بن فرحون عن القاضي فخر الدين بن مسكين الفقيه الشافعي أنه كان يجلس في مصلاه حتى تطلع الشمس فيصلي الضحى ، وأنه رأى الناس يرتقبون بصلاتهم الشيخ أبا عبد الله بن فرحون ولد البدر ، قال : وكان يقوم إذا وصلت الشمس في الحائط الغربي إلى تحت الشبابيك الصغار ، قال : فاجتمعت به ، وكنت به جاهلا ، فقلت له : رأيتك تقوم للضحى قبل وقتها ، وقد نهى النبي

__________________

(١) الطنف : ما برز من الجبل ونحوه ، وكأنه جناح. و ـ السقيفة تشرع وتبنى فوق باب الدار ونحوها للوقاية من المطر. و ـ إفريز الحائط. و ـ ما أشرف خارجا عن البناء.


صلى‌الله‌عليه‌وسلم عنها حتى ترتفع الشمس وتبيض ، فالتفت إليّ وقال : بعد اليوم نؤخر كما قلت ، وسكت عني.

قلت : وإنما ذكرت ذلك لأن كثيرا من الناس اليوم يشرعون في الصلاة عند وقوع الشمس على رءوس الشراريف ، وذلك قبل ارتفاع الشمس كرمح ، والله أعلم.

المنارات التي عملها عمر بن عبد العزيز

وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن محمد بن عمار عن جده ، قال : جعل عمر بن عبد العزيز لمسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين بناه أربع منارات في كل زاوية منه منارة.

قال كثير بن حفص : وكانت المنارة الرابعة مطلة على دار مروان ، فلما حج سليمان بن عبد الملك أذن المؤذن ، فأطل عليه ، فأمر سليمان بتلك المنارة فهدمت إلى ظهر المسجد ، وبابها على باب المسجد ، وفي نسخة يحيى «وبابها على المسجد مما يلي دار مروان من قبل المسجد».

قلت : فكان المسجد بعد ذلك له ثلاث منارات فقط ، وهو المراد من قول ابن زبالة في موضع آخر : ولمسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثلاث منارات طول كل منارة ستون ذراعا ، وقال في موضع آخر : وطول المنارة الشرقية اليمانية في السماء خمس وخمسون ذراعا ، والمنارة الشرقية الشامية خمس وخمسون ، والمنارة الغربية الشامية ثلاث وخمسون ، وعرض المنارات ثمان أذرع في ثمان أذرع ، اه.

وذكر ابن جبير في رحلته ما يقتضي أن المنارتين الشاميتين كانتا صغيرتين ، بخلاف الشرقية اليمانية ، فإنه قال : وللمسجد المبارك ثلاث صوامع إحداها في الركن الشرقي المتصل بالقبلة ، والاثنتان في ركني الجهة الجوفية صغيرتان كأنهما على هيئة برجين ، والصومعة الأولى المذكورة على هيئة الصوامع.

قلت : فكأن الشاميتين غيرتا بعد ابن جبير ؛ فإنهما اليوم على هيئة الشرقية اليمانية المعروفة اليوم بالرئيسية ؛ لاختصاص الرئيس بها ، وكان طول المنارة الرئيسية في زماننا أولا من رأس هلالها إلى أسفلها خارج المسجد بالبلاط سبعة وسبعين ذراعا ، بتقديم السين ، ثم سقط منها نحو ثلثها بسبب الصاعقة التي نشأ عنها حريق المسجد الثاني كما سيأتي ، فاقتضى الحال هدم جميعها ، ثم أعيدت فكان طولها اليوم أزيد من مائة ذراع ، فصارت أطول المنارات ، ثم ظهر منها خلل بعد ، فبعث السلطان الأشرف الشجاعي شاهين الجمالي وأمره بهدمها ، فهدمها غير محكم ، فحفر أساسها إلى الملك ، وأعادها متقنة جدا في عرض جدارها الشرقي من موضع الجنائز شرقي المسجد ، وزاد في ارتفاعها أيضا حتى بلغ زيادة عن مائة وعشرين ذراعا ، وطول المنارة الشرقية الشامية وهي المعروفة بالسنجارية تسعة ـ بتقديم التاء


على السين ـ وسبعون ذراعا ، وطول الشامية الغربية المعروفة بالخشبية اثنان وسبعون ذراعا ـ بتقديم السين فيهما ـ كل ذلك من أعلى الهلال إلى الأرض الخارجة عن المسجد ، وبه يعلم أن المنارات التي كانت في زمن ابن زبالة ليست هي الموجودة اليوم.

قال المطري : ولم يزل المسجد على ثلاث منارات إلى أن جددت المنارة الرابعة ، وذكر في موضع آخر تجديدها ، فقال بعد ذكر خوخة مروان المتقدم ذكرها في ركن المسجد الغربي : إنه شاهد الخوخة المذكورة عند بناء المنارة الكبيرة المتجددة في سنة ست وسبعمائة ، أمر بإنشائها السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون.

قال المطري : وكان باب الخوخة عليها ، وهو من ساج ، فلم يبل إلى هذا التاريخ ، كان مروان يدخل من داره إلى المسجد منها ، وقد انسدت ـ يعني الخوخة ـ بحائط المنارة الغربي اه.

قلت : وقد ذكر البدر بن فرحون بناء هذه المنارة فإنه أدرك ذلك ، وذكر أنه لم يوجد عند الحفر أثر لما ذكر من وجود منارة قبلها ، فقال ما ملخصه ؛ إنه لما حج سلار وبيبرس كلمهما شيخ الخدام شبل الدولة كافور المظفري المعروف بالحريري في بناء المنارة التي بباب السلام اليوم ، فأنعما(١) ، ثم خشي أنهما يشتغلان عن ذلك ويستثقلان النفقة ، فقال : أنا لا أطلب منكم مالا ، عندي من قناديل الذهب والفضة ما يقوم بها وزيادة ، فأنعما له بإرسال الصناع ، وأمر بالحفر لها في مكانها اليوم ، فلم ينزلوا إلا قليلا إذ وجدوا باب مروان ابن الحكم أسفل من أرض المسجد بقدر قامة ، ثم وجدوا تحصيب المسجد في أيام مروان بالرمل الأسود يشبه أن يكون من جبل سلع ، ثم نزلوا في الأساس حتى بلغوا الماء ، ثم أمر الحريري من كان بالمدينة يتعانى البناية كالشيخ إبراهيم البنا والشيخ علي الفراش الحجار وغيرهما ممن ليس له في البناية كبير قدم ، فدكوا الأساس ، فلما حضر الصناع في الموسم قال مقدمهم للشيخ : لا تبنى حتى تنقض ذلك ، فإنّا لا نأمن عاقبته ، فامتنع الشيخ ، فرجع إلى مصر من حينه ، فقال الشيخ لمن كان معه من المعلمين : اعملوا أنتم ، فعملوها على ما هي عليه اليوم ، وعمّ نفعها ؛ لأنها متوسطة المدينة حتى إن رئيس المؤذنين محمد بن إبراهيم قال لي : لو تركت لي هذه المأذنة لكفيت المدينة ، وهو حق ؛ فإن امتداد المدينة وقوة عمارتها من جهة المغرب ، يعني في محاذاة المنارة المذكورة.

قال : وكان بعض المؤرخين يذكر أنه كان هناك مأذنة مشرفة على دار مروان ، فهدمها

__________________

(١) أنعم فلان : أحسن وزاد. و ـ صار في النعيم.


غيرة على أهله من مؤذنيها ، فلم يوجد لذلك صحة ولا أثر البتة ، انتهى ما ذكره ابن فرحون.

قلت : وجواب ما ذكره أخيرا أن تلك المنارة تحتمل أن تكون على باب المسجد وسطحه مما يلي دار مروان ، وليس لها في الأرض أساس ، ويدل على ذلك قوله في الرواية المتقدمة : وبابها على المسجد ، أو على باب المسجد ؛ فلا يلزم من عدم وجود أثرها عند الحفر عدم وجودها أصلا ورأسا في تلك الجهة ، ولم يتعرضوا لذرع هذه المنارة ، وكانت أطول منارات المسجد. وقد ذرعتا من أعلى هلالها إلى الأرض ، فكان ذلك خمسة وتسعين ذراعا ـ بتقديم التاء على السين ـ لكن صارت المنارة الرئيسية المجددة بعد الحريق أطول منها كما سبق ، والله أعلم.

ويظهر من سياق ما تقدم أن أول جعل المنارات في المسجد كان في زيادة الوليد ، ويشهد لذلك ما رواه ابن إسحاق وأبو داود والبيهقي أن امرأة من بني النجار قالت : كان بيتي من أطول بيت حول المسجد ، وكان بلال يؤذن عليه الفجر كل غداة ، فيأتي بسحر ، فيجلس على البيت لينظر إلى الفجر ، فإذا رآه تمطى ، ثم قال : اللهم إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك ، قالت : ثم يؤذن.

وروى خالد بن عمرو عن أبي برزة الأسلمي قال : من السنة الأذان في المنارة والإقامة في المسجد.

وروى غيره أن الأذان في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان على أسطوانة في دار عبد الله بن عمر التي في قبلة المسجد.

قال ابن زبالة : حدثني محمد بن إسماعيل وغيره قال : كان في دار عبد الله بن عمر أسطوان في قبلة المسجد يؤذن عليها بلال يرقى إليها بأقتاب(١) ، والأسطوان مربعة قائمة إلى اليوم يقال لها المطمار ، وهي في منزل عبيد الله بن عبد الله بن عمر.

قلت : والظاهر أنها المرادة بقوله في الرواية المتقدمة في قصة الخوخة التي جعلت بدل طريق بيت حفصة : ووسعها لهم حتى انتهى بها إلى الأسطوان.

وقال الأقشهري ، ومن خطه نقلت : عن عبد العزيز بن عمران قال : كان في دار عبد الله ابن عمر أسطوان في قبلة المسجد يؤذن عليها ، وهي مربعة قائمة إلى اليوم. قال الأقشهري : وهي باقية إلى يومنا هذا ، قال ، يعني عبد العزيز : وكان يقال لها المطمار.

وأسند يحيى من طريق عبد العزيز بن عمران عن قدامة العمري عن نافع عن ابن عمر ، قال : كان بلال يؤذن على منارة في دارة حفصة ابنة عمر التي تلي المسجد ، قال : وكان يرقى

__________________

(١) الأقتاب : مفردها (القتب) : الرّحل الصغير على قدر سنام البعير.


على أقتاب فيها ، والأسطوان في البيت الذي كان بيد عبيد الله بن عمر الذي يقال له بيت عبد الله بن عمر ، وقد كانت خارجة من مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لم تكن فيه ، وليست فيه اليوم ، والظاهر أنه تجوّز في تسمية الأسطوان منارة ، وعبد العزيز بن عمران كان كثير الغلط ؛ لأن كتبه احترقت ؛ فكان يروي من حفظه ، فتركوه ، ثم الظاهر أن عمر وعثمانرضي‌الله‌عنهما لم يتخذا في المسجد منارة ، وإلا لنقل.

عثمان أول من خلق المسجد ورزق المؤذنين

وروى يحيى عن جابر بن عبد الله قال : كان أول من خلّق المسجد ، ورزق المؤذنين ، وجلس على الدرجة الثالثة من المنبر بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عثمانرضي‌الله‌عنه .

اتخاذ حرس للمسجد

وروى ابن زبالة عن موسى بن عبيدة أن عمر بن عبد العزيز استأجر حرسا للمسجد لا يحترف فيه أحد.

وعن كثير بن زيد قال : نظرت إلى حرس عمر بن عبد العزيز يطردون الناس من المسجد أن يصلّى على الجنائز فيه.

وعن عثمان بن أبي الوليد عن عروة بن الزبير أنه قال له : تضربون الناس في الصلاة في المسجد على الجنائز؟ قال : قلت : نعم ، قال : أما إن أبا بكر قد صلي عليه في المسجد.

قلت : وذكر يحيى ما يقتضي أن الحرس كانوا قبل زمن عمر بن عبد العزيز يمنعون الناس من الصلاة على الجنائز في المسجد ؛ فإنه روى عن ابن أبي ذئب عن المقبري أنه رأى حرس مروان بن الحكم يخرجون الناس من المسجد يمنعونهم أن يصلوا فيه على الجنائز.

قلت : وأما ما كان من ذلك في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقد روى ابن شبة عن صحابي سقط اسمه من النسخة التي وقفت عليها حديثا محصله أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما قدم المدينة كان إذا احتضر الميت آذنوه فحضره واستغفر له ، حتى إذا قبض انصرف النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن معه ، وربما قعد ومن معه فربما طال حبس ذلك على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : فلما خشينا مشقة ذلك عليه قال بعض القوم لبعض : لو كنا لا نؤذن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأحد حتى يقبض ، فإذا قبض آذناه ، فلم يكن عليه في ذلك مشقة ولا حبس ، ففعلنا ذلك ، وكنا نؤذنه بالميت بعد أن يموت فيأتيه فيصلي عليه ، فربما انصرف ، وربما مكث حتى يدفن ، فكنا على ذلك حينا ، فقلنا : لو لم نشخص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وحملنا جنائزنا إليه حتى يصلي عليها عند بيته كان ذلك أرفق به ، ففعلنا ، فكان ذلك الأمر إلى اليوم.

الصلاة على الجنائز في المساجد

وعن ابن شهاب قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا هلك الهالك شهده يصلي عليه حيث


يدفن ، فلما ثقل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبدّن نقل إليه المؤمنون موتاهم فصلى عليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على الجنائز عند بيته في موضع الجنائز اليوم ، ولم يزل ذلك جاريا.

قال ابن شبة : وحدثني محمد بن يحيى قال : حدثني من أثق به أنه كان في موضع الجنائز نخلتان إذا أتى بالموتى وضعوا عندهما فصلى عليهم ، فأراد عمر بن عبد العزيز حين بنى المسجد قطعهما ، فاقتتلت فيهما بنو النجار ، فابتاعهما عمر فقطعهما.

وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر في قصة اليهوديين «فرجما قريبا من موضع الجنائز عند المسجد» فدل ذلك على أن الموضع المذكور كان معروفا بذلك.

وفي صحيح مسلم من حديث عائشة أنها أمرت أن يمر بجنازة ابن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه ، فأنكر الناس ذلك عليها ، فقالت : ما أسرع ما نسي الناس! ما صلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد ، وفي رواية لها : والله لقد صلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه.

قلت : ويفهم منه أن ذلك نادر ، وأن الكثير من فعلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما تقدمت الإشارة إليه.

وروى يحيى بسند جيد عن عبد الله بن عمر أنه صلّى على عمر بن الخطاب في المسجد ، وفي رواية أخرى له عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب صلى على أبي بكر في المسجد ، وأن صهيبا صلّى على عمر بن الخطاب في المسجد ، وبين في رواية أخرى أن ذلك كان عند المنبر ، وقد روى ذلك ابن أبي شيبة ، وقال في رواية : وضعت الجنازة في المسجد تجاه المنبر.

قال الحافظ ابن حجر : وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك ، وقد تقررت المذاهب في ذلك.

وقال ابن النجار عقب ذكر ما تقدم عن عمر بن عبد العزيز في ذلك : والسنة في الجنائز باقية إلى يومنا هذا ، إلا في حق العلويين ومن أراد الأمراء من الأعيان وغيرهم ، والباقون يصلّى عليهم خلف الحائط الشرقي من المسجد ، إذا وقف الإمام على الجنائز هناك كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن يمينه. انتهى.

الشيعة غير الأشراف

قلت : وقد انتسخ ما ذكره ابن النجار ، وصار يصلي على الجنائز كلها في المسجد ، ويخص الأعيان بالصلاة عليهم بالروضة الشريفة بين القبر والمنبر ، وغيرهم يصلي عليه أمام الروضة بعد أن يوقف بالجنازة بين يدي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أمام الوجه الشريف إلى عام اثنين وأربعين وثمانمائة في دولة السلطان الظاهر جقمق ، فوردت مراسيمه على شيخ الحرم فارس بالأمر بمنع جنائز الشيعة من المسجد ، فمنع المنسوبون للشيعة من إدخال جنائزهم إلى المسجد إلا


الأشراف العلويين ، وجرى الأمر على ذلك إلى يومنا هذا ، لا يدخل المسجد إلا جنائز الأشراف وأهل السنة ، وحاول بعض أهل المدينة إدخال بعض الشيعة غير الأشراف فقام في ذلك بعض أمراء الترك ومنع منه ، وكان صاحبنا العلامة أحد شيوخ المالكية الشيخ شهاب الدين أحمد بن يونس القسنطيني ينكر الصلاة على الموتى بالروضة الشريفة ومقدم المسجد ؛ لكون رجلي الميت تصيران إلى جهة الرأس الشريف ، حتى إنه أوصى أن يصلّى عليه خارج المسجد في موضع الجنائز ، وأكثر قبل وفاته من الاستفتاء في ذلك ، وأراني خطوط جماعة من علماء الشام وغيرها من الشافعية وغيرهم يتضمن موافقته على ذلك ، وفي كلام بعض الشافعية : ينبغي أن تكون الصلاة بالمسجد خلف الحجرة الشريفة أو شرقيها ، والتمس مني الكتابة في ذلك ، فكتبت بما حاصله أن الله تعالى قد أوجب على هذه الأمة تعظيم نبيهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم وتوقيره وسلوك الأدب التام معه ، ولا شك أن الميت إذا وضع في مقدم الروضة أو المسجد كما يوضع اليوم وإن لم تكن رجلاه في محاذاة الرأس الشريف حقيقة ؛ لأن الرأس الشريف في محاذاة صف أسطوان التوبة والمخلقة : أي حذاء الأسطوانات التي تكون خلف المصلى على الميت ، لكن تكون رجلاه في محاذاة الجهة المذكورة ، وقد تصدق المحاذاة مع البعد ، ولو رأينا شخصا اضطجع بذلك المحل من الروضة وجعل رجليه لتلك الجهة الشريفة لأنكرنا ذلك عليه ، وما ننكره على الأحياء لا ينبغي أن نفعله بالأموات ، وقد تأملت كتب المذاهب الأربعة فلم أر فيها تعرضا لذكر السنة في جهة رجلي الميت ، بل ذكر الشافعية فيما إذا حضرت جنائز وصلّى عليها الإمام دفعة وجهين : أصحهما وضع الجميع صفا بين يدي الإمام في جهة القبلة ، زاد أبو زرعة العراقي في شرح البهجة : والأولى جعلها عن يمينه ، والثاني يوضع الجميع صفا واحدا رأس كل إنسان عند رجل الآخر ، ويجعل الإمام جميعهم عن يمينه ، ويقف في محاذاة الأخير ، هذا إذا اتحد النوع ، فإن اختلف النوع تعين الوجه الأول ، ذكره في أصل الروضة ، ويؤخذ منه استحباب جعل رجلي كل ميت عن يمين الإمام على الوجه الثاني ، وإلا فلا يكون الجميع صفا عن يمينه ، وأما على الوجه الأول فيؤخذ ذلك أيضا مما تقدم عن أبي زرعة ، ولعل مأخذه فيه ما ذكر في الثاني ، وإذا ثبت ذلك في الجماعة فالواحد كذلك ؛ فيكون الأولى جعل رجليه عن يمين الإمام ، ولكن الذي عليه الناس جعلهما على يساره.

ورأيت في كتب المالكية ما يقتضي أن ذلك هو الأولى ، وأن الناس مضوا على ذلك.

وقد ظهر لي أن السر في ذلك أن السلف ـ كما يؤخذ مما قدمناه ـ إنما كانوا يصلون على الجنائز خارج المسجد في شرقيه في الموضع المعروف بذلك ، والواقف هناك يكون القبر الشريف عن يمينه ، فرأوا ـ والله أعلم ـ أن الأدب جعل الرجلين عن يسار الإمام صرفا


لهما عن تلك الجهة الشريفة ، ثم توارثوا ذلك ، واستمر العمل عليه ، فلما ترك ذلك وصلوا على الجنائز في المسجد مشوا على ما اعتادوه من جعل رجلي الميت عن يسار الإمام مع الغافلة عن ذلك ، وإذا لم تثبت سنة في جعل رجلي الميت عن يسار الإمام فينبغي جعلهما عن يمينه في هذا المحل الشريف ، استعمالا لكمال الأدب.

وقد قال لي الشيخ فتح الدين بن تقي الدين الكازروني ـ وكان يعد من فضلاء الشافعية ـ وقد ذاكرته بذلك : إذا أنا مت فليجعل رجلاي عن يمين الإمام ، ففعل به ذلك رحمة الله ، على أن الموضع الذي يلي الأرجل الشريفة من المسجد هو من موضع الجنائز في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما يظهر ، ويدل عليه ما اتفق لبني النجار لما أراد عمر بن عبد العزيز قطع النخلتين عند عمارته للمسجد ؛ فلو صلّى فيه اليوم على من يدخل به المسجد من الجنائز لكان أولى ؛ فإنه يتأتى فيه كون الرجلين عن يسار الإمام والرأس في جهة الأرجل الشريفة ، ويكون أفضل لما جرت به العادة من الخروج بالميت من باب جبريل ، وأوفق لفعل السلف في الصلاة على موتاهم هناك ، ولم يوافق على شيء من ذلك المتمسكون بالعادات ، وقد ذكرت نص ما أجبت به في ذلك مبسوطا استطرادا في كتابي «دفع التعرض والإنكار ، لبسط روضة المختار» والله أعلم.

الفصل الثامن عشر

في زيادة المهدي

نقل ابن زبالة ويحيى أن المسجد لم يزل على حالة ما زاد فيه الوليد إلى أن هم أبو جعفر المنصور بالزيادة فيه ، ثم توفي ولم يزد فيه ، حتى زاد فيه المهدي ، لكن ذكر يحيى في حكاية ما كان مكتوبا في جدار القبلة ما لفظه : ثم إلى جنب هذا الكتاب ـ أي ما كتب في زمن المهدي ـ كتاب كتب في ولاية أبي العباس ، يعني السفاح ، وصل هذا الكتاب أي كتاب المهدي إليه ، وهو : أمر عبد الله عبد الله أمير المؤمنين بزينة هذا المسجد وتزيينه وتوسعته مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، ابتغاء رضوان الله وثواب الله ، وإن الله عنده ثواب الدنيا والآخرة ، وكان الله سميعا بصيرا ، انتهى.

وهو يقتضي أن أبا العباس السفاح ـ وهو أول خلفاء بني العباس ـ زاد في المسجد أول ولايته ، وولايته سنة اثنتين وثلاثين ، ووفاته سنة ست وثلاثين ومائة ، وسنشير إلى محمل ذلك آخر الفصل.

ولفظ ما نقله ابن زبالة عن غير واحد من أهل العلم ـ منهم عبد العزيز بن محمد ومحمد ابن إسماعيل ـ قالوا : لم يزل المسجد على حال ما زاد فيه الوليد بن عبد الملك حتى ولي أبو جعفر عبد الله ـ يعني المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ـ فهمّ بالزيادة ،


وأراده ، وشاور فيه ، وكتب إليه الحسن بن زيد يصف له ناحية موضع الجنائز ، ويقول : إن زيد في المسجد من ناحيته الشرقية توسط قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم المسجد ، فكتب إليه أبو جعفر : إني قد عرفت الذي أردت ، فاكفف عن ذكر دار الشيخ عثمان بن عفانرضي‌الله‌عنه ، فتوفي أبو جعفر ولم يزد فيه شيئا ، ثم حج المهدي ـ يعني ابن أبي جعفر ـ سنة ستين ومائة ، فقدم المدينة منصرفه عن الحج ، فاستعمل عليها جعفر بن سليمان سنة إحدى وستين ومائة ، وأمر بالزيادة فيه ، وولّى بناءه عبد الله بن عاصم بن عمر بن عبد العزيز وعبد الملك ابن شبيب الغساني ، فمات ابن عاصم ، فولي مكانه عبد الله بن موسى الحمصي ، وزاد فيه مائة ذراع من ناحية الشام ، ولم يزد في القبلة ولا في المشرق والمغرب شيئا ، وذلك عشر أساطين في صحن المسجد إلى سقائف النساء ، وخمسا سقائف النساء الشامية.

وروى يحيى ذلك من طريق ابن زبالة وغيره ، وقال في رواية له عقب قوله واستعمل عليها جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس : وأمره بالزيادة في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وولاه بناءه هو وعبد الله بن عاصم بن عمر بن عبد العزيز بن مروان وعبد الملك بن شبيب الغساني من أهل الشام ، فزيد في المسجد من جهة الشام إلى منتهاه اليوم ، وكانت زيادته مائة ذراع ، ولم يزد فيه من المشرق ولا المغرب ولا القبلة شيئا.

قلت : ما روياه من أنه زاد في مؤخر المسجد مائة ذراع يخالفه ما تقدم في زيادة الوليد أنه جعل طوله مائتي ذراع ؛ لأنه يقتضي أن يكون طول المسجد بعد زيادة المهدي ثلاثمائة ذراع ، وطول المسجد اليوم على ما صرح به ابن زبالة مائتا ذراع وأربعون ذراعا ، وقد اختبرته فزاد على ذلك ثلاثة عشر ذراعا كما سيأتي ، ومع ذلك فهو مؤيد لما قدمناه من الاحتمال المتبادر إلى الفهم في الرواية المتقدمة في زيادة الوليد المقتضي لأن نهاية المسجد من جهة الشام في زمنه كانت بعد أربع عشر أسطوانة من مربعة القبر ، ومنها إلى آخر المسجد أربع وعشرون أسطوانة فإذا أسقطنا من ذلك أربع عشرة للوليد بقي عشرة أساطين وقدرها نحو مائة ذراع ، وهذا معنى قوله في الرواية المتقدمة «وذلك عشر أساطين في صحن المسجد إلى سقائف النساء» أي إلى آخر سقائف النساء ، وهي المسقف الشامي ، وقوله «وخمس في السقائف» أي من العشرة المذكورة ، مع أنه يقتضي أن المهدي جعل المسقف المذكور خمس أساطين ، وهذا كان في ذلك الزمان كما سنوضحه ، وهو اليوم أربع فقط ، وقد قدمنا ترجيح أن المراد مما ذكر في زيادة الوليد أنه جعل أربع فقط ، وقد قدمنا ترجيح طأن المراد مما ذكر في زيادة الولدي أنه جعل أربع عشرة أسطوانة في الرحبة بما فيها من أربع أساطين في السقائف التي كانت أولا ، وأنه جعل السقائف الشامية في زمنه بعد الأربع عشرة المذكورة ؛ لموافقة ما ذكره في ذرع المسجد في زمنه ولما ذكر في زيادة عثمانرضي‌الله‌عنه من أنه


جعل المسجد مائة وستين ذراعا ، فإن ذلك يقتضي أن يكون نهايته في جهة الشام يقرب من أربعة عشر أسطوانة من المربعة المذكورة ، فيتحصل من ذلك أن زيادة الوليد على ما ذكر في زيادة عثمانرضي‌الله‌عنه أربعون ذراعا ، وأن زيادة المهدي نحو خمسة وخمسين ذراعا فقط ؛ فيكون للمهدي نحو ستة أساطين في مؤخر المسجد ، لكن سيأتي في ذكر أبواب المسجد ما يقتضي أن الباب الذي كان يواجه دار خالد بن الوليد كان مكتوبا عليه : زيادة المهدي ، وكذا الباب الذي بعده في الشام عليه ما يقتضي ذلك ، وكذا البابان المقابلان لهما في جهة المغرب ، دون ما قبل ذلك من الأبواب ، وذلك يقتضي ترجيح رواية أنه زاد في المسجد مائة ذراع ، وقد رأيت في المسقف الشرقي أسطوانة هي التاسعة من جدار المسجد الشامي مربع أسفلها مرتفع عن الأرض بقدر الجلسة ، وهي محاذية لما وصفوه من الباب المقابل لدار خالد بن الوليد ، فإن صحت هذه الرواية فهي علامة على ابتداء زيادة المهدي ، والله أعلم.

وقال ابن زبالة ويحيى في روايتهما المتقدمة أيضا : وكان ـ يعني المهدي ـ قبل بنيانه قد أمر به ، فقدّروا ما حوله ، فابتيع ، وكان مما أدخل في المسجد من الور دار مليكة.

قال ابن زبالة : وأخبرني إبراهيم بن محمد الزهري عن أبيه قال : كانت دار مليكة لعبد الرحمن بن عوف ، وإنما سميت دار مليكة لأن عبد الرحمن أنزلها مليكة ابنة خارجة بن سنان ، فغلب عليها اسمها ، ثم باعها بنو عبد الرحمن بن عوف من عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، فباعها عبد الله حين بناء المسجد ، فأدخل بعضها في المسجد ، وبعضها في رحبة المسارب ، وبعضها في الطريق ، قالوا : وأدخل دار شرحبيل بن حسنة وكانت صدقة ، فابتاعوا دورا ومنازل فأوقفوها صدقة وبقيت منها بقية ، فابتاعها منهم يحيى بن خالد بن برمك فدخلت في الحش حش طلحة.

قلت : وقد ذكر ابن شبة دار مليكة وقال : فباعها عبد الله من معاويةرضي‌الله‌عنه ، فصارت في الصوافي ؛ فأدخلها المهدي في المسجد ، وذكر دار شرحبيل هذه في ترجمة علم دور أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمدينة : أي غير الحجر ، فقال : قال أبو غسان : اتخذت أم حبيبة بنت أبي سفيانرضي‌الله‌عنها الدار التي يقال لها دار آل شرحبيل ، فوهبتها لشرحبيل بن حسنة ، فلم تزل لبنيه حتى باعوا صدرها من المهدي فزادها في مؤخر مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سنة إحدى وستين ومائة ، ثم ذكر ما سنورده في ذكر الدور المطيفة بالمسجد.

وقال ابن زبالة عقب ما تقدم : وأدخل بقية دار عبد الله بن مسعود التي يقال لها دار القراء ، ودار المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة.

قلت : ذكر ابن شبة هذه الدار في دور بني زهرة ، فقال : واتخذ مخرمة بن أهيب بن نوفل دارا ، وهي في زاوية المسجد عند المنارة الشرقية اليمانية ، فاشترى المهدي بعضها


فأدخله في رحبة المسجد القصيا وفي الطريق ، وبيعت بقيتها فصارت لرجل من آل مطرف ثم صارت لبعض بني برمك ثم صارت صافية اليوم ، انتهى.

وقوله «المنارة الشرقية اليمانية» تحريف والصواب الشامية.

قال ابن زبالة ويحيى عقب ما تقدم : وفرغ من بنيان المسجد سنة خمس وستين ومائة ، وقد كان هم بسد خوخة آل عمر ، وأمر بالمقصورة فهدمت وخفضت إلى مستوى المسجد ، وكانت مرتفعة ذراعين عن وجه المسجد ، فأوطأها مع المسجد ، فكلمه آل عمر في خوختهم حتى كثر الكلام بينهم ، فأذن لهم ففتحوها وخفضوها في الأرض شبه السرب ؛ فصارت في المسجد أي : خارج المقصورة عليها شباك حديد ، وزاد في المسجد لتلك الخوخة ثلاث درجات ؛ فهي على ذلك إلى اليوم.

ويؤخذ مما ذكره ابن زبالة من الكتابة على أبواب المسجد في زمن المهدي أنه زخرفه بالفسيفساء كما فعل الوليد ، ويشهد لذلك بقية من الفسيفساء كانت فيما زاده في مؤخر المسجد عند المنارة الغربية الشامية ، وفيما يقرب منها من الحائط الغربي ، ولم أر في كلام أحد من مؤرخي المدينة أن المسجد الشريف زيد فيه بعد المهدي ، لكن قال الزين المراغي ما لفظه : وقيل : إن المأمون زاد فيه ، وأتقن بنيانه أيضا في سنة اثنتين ومائتين.

قال السهيلي : وهو على حاله ، ورزين ينكر ذلك ، ويمكن الجمع بأنه جدده ولم يزد ، انتهى.

قلت : ولم أر في كلام رزين تعرضا لحكاية ذلك حتى ينكره ، وهذا بعيد جدّا ؛ لأن من أدرك زمن المأمون من مؤرخي المدينة لم يتعرض لشيء من ذلك ، نعم رأيت في المعارف لابن قتيبة بعد ذكر زيادة المهدي ما لفظه : وزاد فيه المأمون زيادة كثيرة ووسعه ، وقرأت على موضع زيادة المأمون : أمر عبد الله بعمارة مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سنة اثنتين ومائتين ، وذكر أشياء من الأمر بالعدل وتقوى الله ، وهذا لا دلالة فيه على زيادة المأمون في المسجد لاحتمال أنه وقع في زمنه عمارة من غير أن يزيد فيه ، على أن في كلام يحيى وغيره في حكاية ما كان مكتوبا في المسجد ما يدل على كتابة مثل ذلك لمن تجددت ولايته من الخلفاء فقط ، والله أعلم.

الفصل التاسع عشر

فيما كانت عليه الحجرة الشريفة الحاوية للقبور المنيفة في مبدأ الأمر

قد قدمنا أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما بنى المسجد بنى بيتين لزوجتيه عائشة وسودةرضي‌الله‌عنهما على نعت بناء المسجد من لبن وجريد النخل ، قال ابن النجار : وكان لبيت عائشةرضي‌الله‌عنها مصراع واحد من عرعر أو ساج ، وتقدم أيضا في الفصل التاسع عن جماعة ممن أدرك


بيوت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما أدخلت في المسجد أنها كانت من جريد مستورة بمسوح الشعر ، وأن عمران بن أبي أنس قال : كان فيها أربعة أبيات بلبن لها حجر من جريد ، الخبر المتقدم.

أول من بنى جدارا على بيت عائشة

قلت : وكان بيت عائشةرضي‌الله‌عنها أحد الأربعة المذكورة. لكن سيأتي من رواية ابن سعد أنه لم يكن عليه حائط زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأن أول من بنى عليه جدارا عمر بن الخطاب ، وليحمل على أن حجرة الجريد التي كانت مضافة له ، أبدلها عمر بجدار ، جمعا بين الروايات ، وتقدم أيضا قول عبد الله بن يزيد الهذلي : ورأيت حجر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين هدمها عمر بن عبد العزيز مبنية باللبن حولها حجر من جريد ممدودة ، إلا حجرة أم سلمة ، وقول الحسن البصري : كنت أدخل بيوت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنا غلام مراهق ، وأنال السقف بيدي ، وكان لكل بيت حجرة ، وكانت حجره من أكسية من شعر مربوطة في خشب عرعر.

قلت : والظاهر أن ما يستر به الحجر المذكورة هو المراد في حديث كشفهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لسجف حجرته ، كما في الصحيح ، والسجف لغة : الستر.

وفي التحفة لابن عساكر عن داود بن قيس أنه قال : أظن عرض البيت من الحجرة إلى باب البيت نحو من ست أو سبع أذرع ، وأظن سمكه بين الثمان والتسع نحو ذلك ، ووقفت عند باب عائشة فإذا هو مستقبل المغرب ، وهو صريح في أن الباب كان في جهة المغرب ، وسيأتي ما يؤيده.

وكذا ما روى في الصحيح من كشفهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سجف الباب في مرضه وأبو بكررضي‌الله‌عنه يؤم الناس ، وترجيل عائشةرضي‌الله‌عنها شعره وهو في معتكفه وهي في بيتها كما تقدم في حديث : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله ، وفي رواية النسائي : يأتيني وهو معتكف في المسجد ، فيتكئ على عتبة باب حجرتي ، فأغسل رأسه وأنا في حجرتي وسائره في المسجد ، لكن سبق أيضا ما يقتضي أن الباب كان مستقبل الشام ، وهو ضعيف أو مؤول ، أما ضعفه فلما تقدم من أن بيت فاطمةرضي‌الله‌عنها كان ملاصقا له من جهة الشام وأن مربعة القبر كانت باب علي ، ويحتمل أن بعضه من جهة الشام كان ملاصقا بيت فاطمة دون بعضه ، فيتأتى ذلك ، ويدل له ما قدمناه في بيت فاطمةرضي‌الله‌عنها من أن الموضع المزور في بناء عمر بن عبد العزيز كان مخرجا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأما تأويله فبأحد أمرين كما أشار إليه الزين المراغي : أحدهما حمله على أنه باب شرعته عائشةرضي‌الله‌عنها لما ضربت حائطا بينها وبين القبور المقدسة بعد دفن عمررضي‌الله‌عنه ، لا أنه الباب


الذي كان في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفيه بعد ؛ لأنه سيأتي ما يؤخذ منه أن الحائط الذي ضربته كان في جهة المشرق ، ثانيهما لأنه كان له بابان ؛ إذ لا مانع من ذلك ، وهذا محمل ما رواه ابن عساكر عن محمد بن أبي فديك عن محمد بن هلال أنه رأى حجر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من جريد مستورة بمسوح الشعر ، فسألته عن بيت عائشة ، فقال : كان بابه من جهة الشام ، قلت : مصراعا كان أو مصراعين؟ قال : كان باب واحد ، قلت : من أي شيء كان؟ قال : من عرعر أو ساج ، وهذا مستند ابن عساكر في قوله : وباب البيت شامي ، ولم يكن على الباب غلق مدة حياة عائشة ، اه.

ثم ظفرت في طبقات ابن سعد بما يصرح بأن الحجرة الشريفة كان لها بابان ؛ فإنه روي من طرق أنهم صلوا على النبي «بحجرته ، وروى في أثناء ذلك عن أبي عسيم قال : لما قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قالوا : كيف نصلي عليه؟ قالوا : ادخلوا من ذا الباب أرسالا أرسالا فصلوا عليه ، واخرجوا من الباب الآخر ، والله أعلم.

وكان بيت حفصة بنت عمررضي‌الله‌عنها ملاصقا لبيت عائشةرضي‌الله‌عنها من جهة القبلة.

ونقل ابن زبالة فيما رواه عن عبد الرحمن بن حميد وعبيد الله بن عمر بن حفص وأبي سبرة وغيرهم أنه كان بين بيت حفصة وبين منزل عائشة الذي فيه قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم طريق ، وكانتا يتهاديان الكلام وهما في منزليهما ، من قرب ما بينهما ، وكان بيت حفصة عن يمين الخوخة.

قلت : فهو موقف الزائرين اليوم داخل المقصورة وخارجها ، كما ذكره المطري ، وتقدم في حدود المسجد النبوي أن جدار الحجرة مما يلي المسجد كان في حد القناديل التي بين الأساطين اللاصقة بجدار القبر ، وبين الأساطين المقابلة لها ، وهي التي إليها المقصورة الدائرة على الحجرة من جهة المغرب ، وأن المسجد زيد فيه من تلك الجهة شيء من الحجرة ، وأن الظاهر أن ما ترك في المسجد من الحجرة كان من مرافقها كالدهليز للباب ، وأن ما بني عليه من ذلك هو صفة بيت عائشةرضي‌الله‌عنها التي وقع الدفن بها.

هذا ما تحصل لي من كلام متقدمي المؤرخين ، خلاف ما اقتضاه كلام متأخريهم ، من أن جدار الحجرة الذي [في] جوف الحائز الدائر عليها اليوم هو جدارها الأول ، وإليه ينتهي حد المسجد ، وأن جدار الحائز الذي جعله عمر بن عبد العزيز إنما جعله فيما يلي الحجرة من المسجد ، وقد قدمنا من كلام ابن زبالة والمحاسبي نقلا عن مالك ما يرد ذلك ، والله أعلم.


الفصل العشرون

فيما حدث من عمارة الحجرة بعد ذلك ، والحائز الذي أدير عليها

روى ابن زبالة عن عائشةرضي‌الله‌عنها أنها قالت : ما زلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي(١) حتى دفن عمر ؛ فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارا.

وعن المطلب قال : كانوا يأخذون من تراب القبر ، فأمرت عائشة بجدار فضرب عليهم ، وكانت في الجدار كوة فكانوا يأخذون منها ، فأمرت بالكوت فسدت.

وقال ابن سعد في طبقاته : أخبرني موسى بن داود قال : سمعت مالك بن أنس يقول : قسم بيت عائشة باثنين : قسم كان فيه القبر ، وقسم كان تكون فيه عائشة وبينهما حائط ؛ فكانت عائشة ربما دخلت حيث القبر فضلا ، فلما دفن عمر لم تدخله إلا وهي جامعة عليها ثيابها.

وقال ابن سعد أيضا : أخبرنا يحيى بن عباد قال : حدثنا حماد بن زيد قال : سمعت عمرو بن دينار وعبيد الله بن أبي يزيد قالا : لم يكن على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم على بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حائط ، وكان أول من بنى عليه جدارا عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه .

قال عبيد الله بن أبي يزيد : كان جداره قصيرا ، ثم بناه عبد الله بن الزبير.

وقال الأقشهري : قال أبو زيد بن شبة : قال أبو غسان بن يحيى بن علي بن عبد الحميد وكان عالما بأخبار المدينة ومن بيت كتابة وعلم ـ : لم يزل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي دفن فيه هو وأبو بكر وعمررضي‌الله‌عنهما ظاهرا حتى بنى عمر بن عبد العزيز عليه الحظار(٢) المزور الذي هو عليه اليوم حين بنى المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك ، وإنما جعله مزورا كراهة أن يشبه تربيعه تربيع الكعبة ، وأن يتخذ قبلة فيصلي إليه.

قال أبو زيد : قال أبو غسان : وقد سمعت غير واحد من أهل العلم يزعم أن عمر بنى البيت غير بنائه الذي كان عليه ، وسمعت من يقول : بنى علي بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثلاثة أجدر ، فدور القبر ثلاثة أجدر : جدار بناء بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وجدار البيت الذي يزعم أنه بنى عليه يعني عمر بن عبد العزيز ، وجدار الحظار الظاهر ، انتهى ما نقله الأقشهري.

قلت : ولم يوجد على الحجرة الشريفة عند انكشافها في العمارة التي أدركناها غير جدار واحد جوف الحظار الظاهر.

وقال ابن سعد : أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي المكي قال : حدثنا مسلم بن

__________________

(١) الفضل : المرأة إذا لبست ثياب مهنتها وكانت في ثوب واحد. ويقال : امرأة فضل : مختالة تفضل في ذيل ثيابها.

(٢) الحظار : كل شيء حجز بين شيئين كحائط البستان. و ـ الأرض المحوطة.


خالد قال : حدثني إبراهيم بن نوفل بن سعيد بن المغيرة الهاشمي عن أبيه قال : انهدم الجدار الذي على قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في زمان عمر بن عبد العزيز ، فأمر بعمارته ، قال : فإنه لجالس وهو يا بني إذ قال لعلي بن حسين : قم يا علي فقمّ البيت(١) ، يعني بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقام إليه القاسم ابن محمد قال : وأنا أصلحك الله ، قال : نعم وأنت فقم ؛ ثم قال له سالم بن عبد الله : وأنا أصلحك الله ، قال : اجلسوا جميعا ، وقم يا مزاحم ، فقمّه ، فقام مزاحم فقمه ، قال مسلم : وقد أثبت لي بالمدينة أن البيت الذي فيه قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بيت عائشة ، وأن بابه وباب حجرته تجاه الشام. وأن البيت كما هو سقفه على حاله ، وأن في البيت جرة وخلق رخالة ، انتهى.

وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن غير واحد منهم إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري عن أبيه قال : جاف(٢) بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من شرقيه ، فجاء عمر بن عبد العزيز ومعه عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، فأمر ابن وردان أن يكشف عن الأساس ، فبينا هو يكشفه إلى أن رفع يده وتنحّى واجما ، فقام عمر بن عبد العزيز فزعا ، فقال عبد الله ابن عبيد الله : أيها الأمير لا يروعنّك فتانك قدما جدك عمر بن الخطاب ضاق البيت عنه فحفر له في الأساس ، فقال : يا ابن وردان غطّ ما رأيت ، ففعل.

وروى أيضا عن المطلب أنه لما سقط الجدار من شق الجنائز أمر عمر بقباطيّ فخيطت(٣) ، ثم ستر بها ، وأمر أبا حفصة مولى عائشة وناسا معه فبنوا الجدار ، فجعلوا فيه كوة ، فلما فرغوا منه ورفعوه دخل مزاحم مولى عمر فقمّ ما سقط على القبر من التراب والطين ، ونزع القباطي ، وكان عمر يقول : لأن أكون وليت ما ولي مزاحم من قمّ القبور أحب إلي من أن يكون لي من الدنيا كذا وكذا ، وذكر مرغوبا من الدنيا.

وروى يحيى من طريقه أيضا عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال : كنت أخرج كل ليلة من آخر الليل حتى آتي المسجد ، فأبدأ بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأسلم عليه ، ثم آتي مصلاي فأجلس به حتى أصلي الصبح ، فخرجت في ليلة مطيرة حتى إذا كنت عند دار المغيرة بن شعبة لقيتني رائحة لا والله ما وجدت مثلها قط ، فجئت المسجد فبدأت بقبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فإذا جداره قد انهدم ، فدخلت فسلمت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومكثت فيه مليا ، وذكر صفة القبور كما سيأتي عنه ، قال : فلم ألبث أن سمعت الحس ، فإذا عمر بن عبد العزيز قد أخبر فجاء ، فأمر به فستر بالقباطي ، فلما أصبح دعا وردان البناء فقال له : ادخل فدخل فكشف فقال : لا بد لي

__________________

(١) قمّ البيت : كنسه. و ـ الشاة ونحوها : تناولت بشفتيها ما وجدت على وجه الأرض لتأكله.

(٢) جاف : نتن ، ظهرت له رائحة كريهة.

(٣) القباطي : (ج) القبطية : ثياب من كتان بيض رقاق ، كانت تنسج في مصر.


من رجل يناولني ، فكشف عمر بن عبد العزيز ساقيه يريد يدخل ، فكشف القاسم بن محمد ، فكشف سالم بن عبد الله ، فقال عمر : مالكم؟ فقالوا : ندخل والله معك ، قال : فلبث عمر هنيهة ثم قال : والله لا نؤذيهم بكثرتنا اليوم ، ادخل يا مزاحم فناوله ، فقال عمر : يا مزاحم كيف ترى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ قال : متطأطئا ، قال : فكيف ترى قبر الرجلين؟ قال : مرتفعين. قال : أشهد أنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ورواه رزين عن عبد الله المذكور باختصار ، وخالف سياق يحيى في وصف القبور كما سيأتي التنبيه عليه ، وقال فيه : فأخبرت بذلك عمر ، فجاء فأمر به فستر بالقباطي ، وذكره بنحوه.

وفي العتبية : قال مالك : انهدم حائط بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي فيه قبره ، فخرج عمر بن عبد العزيز واجتمعت رجالات قريش ، فأمر عمر بن عبد العزيز فستر بثوب ، فلما رأى ذلك عمر بن عبد العزيز من اجتماعهم أمر مزاحما أن يدخل ليخرج ما كان فيه ، فدخل فقمّ ما كان فيه من لبن أو طين ، وأصلح في القبر شيئا كان أصابه حين انهدم الحائط ، ثم خرج وستر القبر ثم بنى ، انتهى.

وروى البخاري في الصحيح من حديث هشام بن عروة عن أبيه ، قال : لما سقط عنهم الحائط زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه ، فبدت لهم قدم ، ففزعوا وظنوا أنها قدم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فما وجدوا أحدا يعلم ذلك ، حتى قال لهم عروة : لا والله ما هي قدم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وما هي إلا قدم عمر.

ويستفاد مما تقدم أن السبب في هذا البناء سقوط الجدار المذكور بنفسه ، ولعله بسبب المطر المشار إليه في الرواية المتقدمة.

ويخالفه ما رواه أبو بكر الآجرى من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة قال : أخبرني أبي قال : كان الناس يصلون إلى القبر ، فأمر به عمر ابن عبد العزيز فرفع حتى لا يصل إليه أحد ، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة ، ففزع عمر بن عبد العزيز ، فأتاه عروة فقال : ساق عمر وركبته! فسرّي(١) عن عمر بن عبد العزيز.

ومن طريق مالك بن مغول عن رجاء بن حيوة قال : كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز ، وكان قد اشترى حجر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أن اهدمها ووسع بها المسجد ، فقعد عمر في ناحية ، ثم أمر بهدمها ، فما رأيت باكيا أكثر من يومه ، ثم بناها كما أراد ، فلما أن بنى البيت على القبر وهدم البيت الأول ظهرت القبور الثلاثة ، وكان الرمل الذي عليها قد انهار ، ففزع عمر بن عبد العزيز ، وأراد أن يقوم فيسويها بنفسه ، فقلت له :

__________________

(١) سرّي عنه : زال ما به من هم وفزع.


أصلحك الله! إنك إن قمت قام الناس معك ، فلو أمرت رجلا أن يصلحها ، ورجوت أن يأمرني بذلك ، فقال : يا مزاحم ـ يعني مولاه ـ قم فأصلحها.

ونقل الأقشهري عن الرشيد أبي المظفر الكازروني شارح المصابيح أنه قال : سألت جمعا من العلماء عن سبب ستر القبور عن أعين الناس : أي باتخاذ جدار لا باب له ، فذكر بعضهم أنه لما مات الحسن بن علي أوصى أن تحمل جنازته ويحضر بها قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم يرفع ويقبر في البقيع ، فلما أراد الحسين أن يجيز وصيته ظن طائفة أنه يدفن في الحضرة ، فمنعوه وقاتلوه ، فلما كان عبد الملك أو غيره سدوا وستروا.

وقال أبو غسان فيما حكام الأقشهري : أخبرني الثقة عن عبد الرحمن بن مهدي عن منصور بن ربيعة عن عثمان بن عروة قال : قال عروة : نازلت عمر بن عبد العزيز في قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن لا يجعل في المسجد أشد المنازلة ، فأبى ، وقال : كتاب أمير المؤمنين لا بد من إنفاذه ، قال : فقلت : فإن كان لا بد فاجعل له حوجوا (أي : وهو الموضع المزور خلف الحجرة).

وروى ابن زبالة عن محمد بن هلال وعن غير واحد من أهل العلم أن بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي فيه قبرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي فيه قبره ، وهو بيت عائشة الذي كانت تسكن ، وأنه مربع مبني بحجارة سود وقصة الذي يلي القبلة منه أطوله ، والشرقي والغربي سواء ، والشامي أنقصها ، وباب البيت مما يلي الشام ، وهو مسدود بحجارة سود وقصة ، ثم بنى عمر بن عبد العزيز على ذلك البيت هذا البناء الظاهر ، وعمر بن عبد العزيز زوّاه لأن يتخذه الناس قبلة تخص فيه الصلاة من بين مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وذلك أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وقال : «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ـ الحديث» قالوا : والبناء الذي حول البيت بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بينه وبين البناء الظاهر اليوم مما يلي المشرق ذراعان ، ومما يلي المغرب ذراع ، ومما يلي القبلة شبر ، ومما يلي الشام فضاء كله ، وفي الفضاء الذي يلي الشام مركن مكسور(١) ومكيل خشب ، قال عبد العزيز بن محمد : يقال إن البنائين نسوه هناك ، انتهى.

وروى يحيى عن أبي غسان محمد بن يحيى قال : سمعت من يقول في الحظار الذي على قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مركن وخشبة وحديدة مسندة ، قال محمد بن يحيى : وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد : هو مركن تركه العمال هناك ، وقال محمد بن يحيى ـ يعني أبا غسان ـ فأما أنا فإني أطلعت في الحظار فلم أر شيئا ، فزعم لي زاعم أنه قد رأى ثم المركن وشيئا موضوعا مع

__________________

(١) المركن : وعاء تغسل فيه الثياب (ج) مراكن.


المركن ، وأما أنا فلم أره ، ولم أعلم أحدا يدري من أخذه ، ولم أر للبيت الذي في الحظار بابا ولا موضع بابه ، وقد أخبرني ابن أبي فديك أنه رأى باب بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مما يلي الشام ، انتهى. وقد حكى الأقشهري عن أبي غسان أيضا نحو ذلك.

قلت : ولم نر للبيت عند انكشافه في العمارة التي أدركناها بابا ولا موضع باب ، ولم يوجد في الفضاء الذي يلي الشام من الحظار المذكور مركن ولا غيره مما ذكر ، وسيأتي في الفصل الثالث والعشرين أن ابن عاث ذكر أنهم وجدوا عند عمارة حائط سقط بالحجرة قعبا انكسر عند سقوط الحائط ، وأنه حمل إلى بغداد ، فإن صح فلعله المراد ، وفيما قدمناه إشعار بأن موضع القبور الشريفة كان مسقفا تحت سقف المسجد كما سيأتي التصريح به ، ولهذا لما انكشف سقف المسجد رأوا ما بين الحظار الظاهر والحجرة ، ولم يروا جوف الحجرة ، ويدل له ما سيأتي عن أبي الجزاء قال : قحط أهل المدينة قحطا شديدا ، فشكوا إلى عائشة ، فقالت : فانظروا قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ، ففعلوا ، فمطروا ، الخبر الآتي ، لكن سيأتي في الفصل الرابع والعشرين عن ابن رشد أنه قال في بيانه : إن الثقة أخبرني أنه لا سقف له في زمنه تحت سقف المسجد ، وكنت أظن أن ذلك بعد حريق المسجد ، فإن كلام المؤرخين الآتي متطابق على أنه لا سقف للحجرة بعد الحريق إلا سقف المسجد ، ثم تبين أن زمن ابن رشد كان قبل الحريق بمدة مديدة ؛ لأن وفاته سنة عشرين وخمسمائة ، ثم اطلعنا في العمارة التي أدركناها على وجود سقف جعل بعد الحريق وعلى آثار السقف الذي كان قبله كما سيأتي بيانه ، والله أعلم.

الفصل الحادي والعشرون

فيما روي من الاختلاف في صفة القبور الشريفة ، بالحجرة المنيفة

وما جاء من أنه بقي بها موضع قبر ، وأن عيسى بن مريمعليه‌السلام يدفن بها ، وما جاء في تنزل الملائكة حافين بالقبر الشريف ، وتعظيمه والاستسقاء به.

اعلم أن ابن عساكر ذكر في تحفته الاختلاف في صفة القبور الشريفة ، فذكر في ذلك سبع روايات ، وسبقه إلى ذلك شيخه ابن النجار ، لكنه ذكر ستا فقط.

رواية نافع في وضع القبور

الأولى : ما رواه عن نافع بن أبي نعيم أن صفة قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقبر أبي بكر وقبر عمر ، قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أمامها إلى القبلة مقدما ، ثم قبر أبي بكر حذاء منكبي(١) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقبر عمر حذاء منكبي أبي بكر ، وهذه صفته :

__________________

(١) المنكب : مجتمع رأس العضد والكتف.


قلت : وهذه الرواية هي التي عليها الأكثر ونقل الزين المراغي أن رزينا ويحيى جزما بها ، وهو كذلك في كلام رزين ، ورواها عن عبد الله بن محمد بن عقيل فقال عقب خبره المتقدم في قصة سقوط جدار الحجرة : ورأيت القبور ، فإذا قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من أمام ، وقبر أبي بكر خلفه ، وقبر عمر خلف قبر أبي بكر ، ورأس أبي بكر عند منكبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ورأس عمر عند منكبي أبي بكر ، وأما يحيى فلم أر في كلامه الجزم بذلك ، بل رأيته حكى اختلاف الروايات كغيره ، ولفظه في حكاية هذه الرواية : حدثنا هارون بن موسى قال : سمعت أبي يذكر عن نافع بن أبي نعيم وغيره من المشايخ ممن له سنّ وثقة أن صفة قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وذكر ما تقدم ، ورأيت في نسخة من كتاب يحيى تصوير القبور الشريفة على هذه الصفة ، وقال : إنها صفة القبور الشريفة فيما وصف بعض أهل الحديث عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي‌الله‌عنها ، ثم ذكر ما سيأتي في الصفة السادسة.

وروى ابن سعد في طبقاته في ذكر أبي بكررضي‌الله‌عنه من طريق الواقدي عن أبي بكر ابن عبد الله بن أبي سبرة عن عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم بن محمد يقولان : أوصى أبو بكر عائشة أن يدفن إلى جنب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما توفي حفر له ، وجعل رأسه عند كتفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وألصق اللحد بقبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقبر هناك.

ثم روى من طريق الواقدي أيضا عن ربيعة بن عثمان عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال : رأس أبي بكر عند كتفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ورأس عمر عند حقوي أبي بكر.

قلت : وفي هذه مخالفة يسيرة لما تقدم بالنسبة إلى عمررضي‌الله‌عنه .

رواية القاسم بن محمد

الثانية : روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال : دخلت على عائشةرضي‌الله‌عنها فقلت لها : يا أمة اكشفي لي عن قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وصاحبيه ، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطية ، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. زاد الحاكم : فرأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مقدما ، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعمر رأسه عند رجلي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم . قال ابن عساكر : وهذه صفته.


وقد صحح الحاكم إسناد هذه الرواية ، والله أعلم.

رواية عثمان بن نسطاس

الثالثة : ما رواه الزبير بن بكار عن ابن زبالة قال : حدثني إسحاق بن عيسى عن عثمان بن نسطاس قال : رأيت قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما هدم عمر بن عبد العزيز عنه البيت مرتفعا نحوا من أربع أصابع عليه حصباء إلى الحمرة ما هي ، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ورأيت قبر عمر أسفل منه ، وصوّره لنا كما صوره له عثمان.

قلت : ولم يكن في النسخة التي وقفت عليها من ابن زبالة تصوير ، وصوّر ذلك ابن عساكر هذا :

قلت : وابن زبالة ضعيف ، وإسحاق بن عيسى هو ابن بنت داود بن أبي هند ، صدوق يخطئ ، وعثمان بن نسطاس عن عثيم مصغر بن نسطاس بكسر النون المدني أخو عبيد مولى آل كثير بن الصلت ، مقبول حيث يتابع ، وإلا فليّن الحديث. وقد ذكر الحافظ بن حجر أن أبا بكر الآجري روى هذا الخبر في كتاب صفة قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من طريق إسحاق بن عيسى المذكور عن ابن نسطاس ، وليس فيه ذكر تصوير ، ولم يذكر الحافظ ابن حجر الواسطة بين الآجري وإسحاق بن عيسى ، وهذه الرواية مع ما فيها من الضعف قابلة للتأويل بردها إلى الرواية التي قبلها ، وإن كان التصوير يأباه ؛ لجواز حمله على التقريب ، والله أعلم.

رواية المنكدر بن محمد

الرابعة : روى ابن زبالة عن المنكدر بن محمد عن أبيه قال : قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم هكذا ، وقبر أبي بكر خلفه ، وقبر عمر خلفه عند رجلي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وصوره ابن عساكر هكذا :


قلت : ويمكن رد هذه الرواية مع ضعفها إلى الثانية ؛ لأن قوله «وأبو بكر خلفه» صادق بأن يكون رأسه عند منكبي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

رواية عمرة عن عائشة

الخامسة : روى يحيى بإسناد فيه إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس عن أبيه ـ وإسماعيل صدوق ، لكن أخطأ في أحاديث من قبل حفظه ، وأبوه صدوق يهم ، وبقية رجاله ثقات ـ عن عمرة عن عائشةرضي‌الله‌عنها وصفت لنا قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقبر أبي بكر وقبر عمر ، وهذه القبور في سهوة في بيت عائشة ، رأس النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مما يلي المغرب ، وقبر أبي بكر رأسه عند رجلي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقبر عمر خلف النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبقي موضع قبر ، وهذه صفة قبورهم على ما وصف ابن أبي أويس عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة ، ولم يصور يحيى لذلك شيئا.

وروى ابن زبالة نحو ذلك وقد ذكره من طريق ابن عساكر ، ثم قال : وهذه صفته :

قلت : ويردها ما روى من أن رجلي عمررضي‌الله‌عنه ضاق عنها الحائط فحفر لهما في الأساس.

وفي الصحيح كما سبق قول عروة «ما هي إلا قدم عمر».

رواية أخرى عن القاسم بن محمد

السادسة : روى ابن زبالة عن القاسم بن محمد قال : دخلت على عائشة فقلت : يا أمه أريني قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وصاحبيه ، فكشفت لي عن قبورهم ، فإذا هي لا مرتفعة ولا لاطية ، مبطوحة ببطحاء حمراء من بطحاء العرصة ، فإذا قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أمامهما ، ورجلا أبي بكر عند رأس النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ورأس عمر عند رجليه.


قال ابن عساكر : وهذه صفتها :

قلت : وهذه الرواية مع ضعفها معارضة بما تقدم في الرواية الثانية عن القاسم بن محمد المذكور ، وتلك أصح ، وما سيأتي في صفة الحجرة الشريفة يأبى ذلك أيضا ، وقد رأيتها في نسخة من كتاب يحيى رواه ابنه طاهر عنه على هذه الصورة :

وقال : إنها عن القاسم بن محمد عن عائشةرضي‌الله‌عنها ، ثم قال ابن فراس أحد رواة النسخة المذكورة عن طاهر بن يحيى : سألت طاهر بن يحيى أن يصور لي بخطه صفة قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقبر أبي بكر وعمررضي‌الله‌عنهما ، فصور لي بيده هذه الصورة ، انتهى.

رواية عبد الله بن محمد بن عقيل

السابعة : ما روى يحيى من طريق ابن زبالة في الخبر المتقدم في الفصل قبله في قصة سقوط جدار الحجرة الشريفة في تلك الليلة المطيرة عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، قال عقب قوله فيما تقدم : «فدخلت فسلمت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومكثت فيه مليا ، ورأيت القبور فإذا قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقبر أبي بكر عند رجليه ، وقبر عمر عند رجلي أبي بكر ، وعليهما حصىّ من حصباء العرصة» قال ابن عساكر : وهذه صفته :


قلت : وهذه الرواية نقلها رزين عن عبد الله بن عقيل ، وساقها باللفظ السابق ، إلا أنه قال : ورأيت القبور ، فإذا قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من أمام ، وذكر ما قدمنا عنه في الرواية الأولى ، وهو مخالف لما في هذه الرواية ، وهو أولى بالاعتماد ؛ لأن هذه الرواية ضعيفة مع بعدها مما سيأتي في وصف الحجرة الشريفة ، سيما على ما سبق من قسم عائشةرضي‌الله‌عنها الحجرة باثنين ، ولها شاهد لكنه ضعيف أيضا ، وهو ما في طبقات ابن سعد عن مالك بن إسماعيل ـ أظنه مولى لآل الزبير ـ قال : دخلت مع مصعب بن الزبير البيت الذي فيه يعني قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبي بكر وعمررضي‌الله‌عنهما ، فرأيت قبورهم مستطيلة ، انتهى.

وفي رواية للآجري ما يوهم صفة ثامنة ؛ فإنه ذكر عقب الخبر المتقدم عن رجاء بن حيوة في إدخال الحجرة في المسجد ما لفظه : قال رجاء : فكان قبر أبي بكر وسطه ، ولم يذكر فيه عمررضي‌الله‌عنه ، فإن الضمير في قوله «وسطه» إن كان للبيت فواضح ، وإن كان للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فهذه صفة أخرى ، لكن ينبغي تأويلها أيضا على التجوز في لفظ الوسط ليوافق رواية غيره.

وأما ما أخرجه أبو يعلى عن عائشة : أبو بكر عن يمينه ، وعمر عن يساره ؛ فسنده ضعيف أيضا ، ويمكن تأويله كما قاله الحافظ ابن حجر.

وحينئذ فلم يبق إلا الروايتان الأوليان فهما اللتان يتردد بينهما في الترجيح ، والأولى هي المشهورة ، ومقتضى تصحيح الحاكم لإسناد الثانية ترجيحها ، وهي أصح الروايات ، وقد اشتملت على أن القبور لم تكن مسنّمة(١) وقد قال يحيى : حدثني هارون بن موسى ـ قلت : ولا بأس به ـ قال : حدثني غير واحد من مشايخ أهل المدينة أن صفات القبور الشريفة مسطوحة عليها بطحاء من بطحاء العرصة حمراء.

وروى ابن زبالة من طريق عمرة عن عائشة قالت : ربّع قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وجعل رأسه مما يلي المغرب.

وأما ما في صحيح البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مسنما ، زاد أبو نعيم في المستخرج : وقبر أبي بكر وعمررضي‌الله‌عنهما كذلك ، ورواه ابن سعد عنه بلفظ : رأيت قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبي بكر وعمر مسنّمة ، فلا يعارض ما قدمناه ؛ لأن سفيان ولد في زمان معاوية فلم ير القبر الشريف إلا في آخر الأمر ، فيحتمل ـ كما قال البيهقي ـ أن القبر لم يكن في الأول مسنما ، ثم سنم لما سقط عن الجدار ؛ فقد روى يحيى عن عبد الله ابن الحسين قال : رأيت قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مسنما في زمن الوليد بن هشام. وفي رواية أخرى

__________________

(١) سنّم القبر : رفعه وعلّاه عن وجه الأرض كالسنام ولم يسطحه.


عنه أن القبر جثوة(١) مرتفعة مسنّمة غير شديدة الارتفاع ، عليها قزع من حصىّ وتربة طيبها اللهعزوجل . وروى ابن سعد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه قال : كان نبيث(٢) قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم شبرا.

ويؤيد التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه أمر بقبر فسوي ثم قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يأمر بتسويتها.

بقي بعدها موضع قبر

وقد تقدم في الرواية الرابعة أنه بقي بعد القبور الشريفة موضع قبر ، ويؤيده ما روي أن عائشةرضي‌الله‌عنها أرسلت إلى عبد الرحمن بن عوف حين نزل به الموت : أن هلم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإلى أخويك ، فقال : ما كنت مضيقا عليك بيتك ، الخبر الآتي في ذكر قبره ، وكذلك ما سيأتي في إذنها للحسن أن يدفن عندها ، ومنع بني أمية له. وكذلك ما في صحيح البخاري عن هشام بن عروة أن عائشة أوصت عبد الله بن الزبير : لا تدفنني معهم : أي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وصاحبيه ، وادفني مع صواحبي بالبقيع لا أزكى به أبدا. وقد أخرجه الإسماعيلي وزاد فيه : وكان في بيتها موضع قبر ، ولكن في الصحيح أن عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه لما أرسل إلى عائشة فسألها أن يدفن مع صاحبيه قالت : كنت أريده لنفسي فلأوثرنه اليوم على نفسي.

قال الحافظ ابن حجر : فكأن اجتهادها في ذلك تغيّر ، أو لما قالت ذلك لعمر كان قبل أن يقع لها قصة الجمل ، فاستحيت بعد ذلك وإن كانت زوجتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الدنيا والآخرة كما قاله عمار أحد من حاربها ، انتهى.

وقال ابن التين : كلامها في قصة عمر يدل على أنه لم يبق ما يسع إلا موضع قبر واحد ، فهو يغاير قولها «لا تدفنني عندهم» فإنه يشعر بموضع للدفن ، والجمع بينهما أنها كانت تظن أولا أنه لا يسع إلا قبرا واحدا ، فلما دفن [عمر] ظهر لها أن هناك وسعا لقبر آخر ، أو أن الذي آثرته به المكان الذي دفن فيه من وراء قبر أبيها بقرب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وذلك لا ينفي وجود مكان آخر في الحجرة.

وروى يحيى بسنده إلى عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال : يدفن عيسى بن مريم مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وصاحبيه ، ويكون قبره الرابع.

وفي سنن الترمذي من طريق أبي مودود عن عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال : مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى ابن مريم

__________________

(١) الجثوة : الكومة من تراب وحصى.

(٢) النبيثة : تراب البئر والنهر. (ج) نبائث. والمراد أن الماء الذي حول القبر مقدار الشبر.


يدفن معه ، قال : فقال أبو مودود : وقد بقي في البيت موضع قبر ، قال الترمذي : هذا حديث غريب ، وفي بعض النسخ : حسن غريب ، هكذا قال عثمان بن الضحاك ، والمعروف الضحاك بن عثمان المدني ، انتهى كلام الترمذي.

وفي رواية للطبراني عن عبد الله بن سلام قال : يدفن عيسى بن مريم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبي بكر وعمر ؛ فيكون قبرا رابعا ، وهو من رواية عثمان بن الضحاك ، وقد وثقه ابن حبان وضعفه أبو داود.

وذكر الزين المراغي أن ابن الجوزي روى في المنتظم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه و

سلّم قال : ينزل عيسى بن مريم إلى الأرض ، فيتزوج ويولد له ، فيمكث خمسا وأربعين سنة ، ثم يموت فيدفن معي في قبري ، فأقوم أنا وعيسى بن مريم من قبر واحد بين أبي بكر وعمر.

وقال ابن النجار : قال أهل السير : وفي البيت موضع قبر في السهوة الشرقية ، قال سعيد بن المسيب : فيه يدفن عيسى بن مريم.

والسهوة : بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع والخزانة ، وقيل : هو كالصفة يكون بين يدي البيت ، وقيل : هو شبيه بالرف والطاق يوضع فيه الشيء ، ولعل المراد بذلك الموضع الذي ضربت عليه عائشة جدارا وسكنت به كما سبق.

الملائكة يحفون بالقبر

وسنذكر فيما استقر عليه بناء الحجرة أنه عقد على نحو ثلثها الشرقي عقد ، فصار ذلك المحل مميزا عن بقية البيت ، وكان قبله في البناء ما يشهد لجدار آخر من الشام إلى القبلة في تلك الجهة ، فلعله الموضع المذكور.

وروى يحيى وابن النجار عن كعب الأحبار قال : ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر ، يضربون بأجنحتهم ، ويصلون على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حتى إذا أمسوا عرجوا ، وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك ، حتى إذا انشقت الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة ،صلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وفي صحيح الدارمي نحوه من رواية عائشةرضي‌الله‌عنها ، وقال فيه : سبعون ألفا بالليل وسبعون ألفا بالنهار ، ذكره في باب ما أكرم الله به نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد موته ، رواه البيهقي في شعبه.

لا ينبغي رفع الصوت في المسجد

وقد تقدم قول عمررضي‌الله‌عنه «إن مسجدنا هذا لا ترتفع فيه الأصوات» وقال أبو بكررضي‌الله‌عنه : لا ينبغي رفع الصوت على نبي حيا ولا ميتا.


وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن غير واحد منهم عبد العزيز بن أبي حازم ونوفل بن عمارة قالوا : إن كانت عائشة تسمع صوت الوتد يوتد والمسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بمسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فترسل إليهم لا يؤذوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قالوا : وما عمل على مصراعي داره إلا بالمناصع ، توقيا لذلك.

وفي الوفاء لابن الجوزي من طريق أبي محمد الدارمي بسنده عن أبي الجوزاء.

سنة أهل المدينة في أعوام الجدب

قال : قحط أهل المدينة قحطا شديدا ، فشكوا إلى عائشةرضي‌الله‌عنها فقالت : فانظروا قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ، ففعلوا ، فمطروا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم ، فسمي عام الفتق.

قال الزين المراغي : واعلم أن فتح الكوة عند الجدب سنة أهل المدينة حتى الآن ، يفتحون كوة في سفل قبة الحجرة : أي القبة الزرقاء المقدسة من جهة القبلة ، وإن كان السقف حائلا بين القبر الشريف وبين السماء.

قلت : وسنتهم اليوم فتح الباب المواجه للوجه الشريف من المقصورة المحيطة بالحجرة ، والاجتماع هناك ، والله أعلم.

الفصل الثاني والعشرون

فيما ذكروه من صفة الحجرة الشريفة ، والحائز المخمس الدائر عليها ، وبيان

ما شاهدناه مما يخالف ذلك

قال الأقشهري ، فيما رواه من طريق ابن شبة : قال أبو غسان ـ يعني محمد بن يحيى ـ : وأما الحظار الظاهر والبيت الذي فيه فإني اطلعت فيه من بين سقفي المسجد حتى عاينت ذلك الحظار الذي على البيت وما فيه ، وصورته وما فيه ، وذرعته على ما فيه من الذرع ، وذلك حين انكسر خشب سقف المسجد فكشف السقف من تلك الناحية لعمارته ، وأبو البحتري بن وهب بن رشد يومئذ على المدينة ، وذلك في جمادى الأولى من سنة ثلاث وتسعين ومائة.

وقال أبو زيد ـ يعني ابن شبة ـ فهذه صورته ، ثم صورها الأقشهري في كتابه المسمى «بمنسك القاصد الزائر» بهذه الصورة :


وفي هذا التصوير وما ذكر فيه من الذّرع مخالفة لما تقدم عن نقل ابن زبالة حيث قال. والبناء الذي حول البيت بينه وبين البناء الظاهر اليوم مما يلي المشرق ذراعان ، والتصوير المذكور قد اشتمل على أن الفرجة المذكورة ثلاثة أذرع ، ويستفاد من التصوير أيضا أن الفرجة بينهما في جهة القبلة مختلفة ، فبعضها دون الذراع وهو الشبر المشار إليه في كلام ابن زبالة ، وبعضها ذراع.

وسنذكر أن ما شاهدناه في صورة الحجرة الشريفة عند انكشافها أقرب إلى التصوير المذكور مما ذكره ابن زبالة ، وأن الحال شاهد بأنه وقع في بنائها الداخل تغيير ؛ فلم يبق على الصورة المذكورة.

وقد أدرك ابن زبالة عمارة أبي البحتري التي كشف فيها سقف المسجد مما يلي الحجرة الشريفة ، وذكرها في كتابه فقال : وكان أبو البحتري ـ إذ كان واليا على المدينة لهارون أمير المؤمنين ـ كشف سقف المسجد في سنة ثلاث وتسعين ومائة ، فوجد فيه سبعين خشبة مكسورة ، فأدخل مكانها خشبا صحاحا اه.

وكأنه لم يشاهد ذلك كما شاهده أبو غسان ، وعبارة يحيى في ذكر هذه العمارة : وقد كان خشب من خشب المسجد فوق القبر مما يليه انكسر في ولاية أبي البحتري ، فأمر بكشف السقف ، وذكر ما تقدم عن ابن زبالة ، على أن ابن زبالة ويحيى أشارا في كتابيهما إلى تصوير الحجرة والحائز الدائر عليها ، لكن الصورة ساقطة من النسخة التي وقعت لنا.

وقد صور ذلك ابن النجار في كتابه ، وأظنه أخذه من نسخة وقعت له من ابن زبالة


مشتملة على تلك الصورة ، وتبعه عليها ابن عساكر في «تحفة الزائر» والمرافي في تاريخه ، وهي بعيدة مما وجدنا عليه صورة الحجرة الشريفة ؛ فلنبدأ بتصويره ، ثم تصوير الصورة التي شاهدناها ، ثم الصورة التي استقر بناء الحجرة الشريفة عليها ، وقد تبعت في حكاية تصوير ابن النجار ما صنعه المراغي ؛ فإني نقلته من خطه ، فقال : وجعل عمر بنيان الحجرة الشريفة على خمس زوايا لئلا يستقيم لأحد استقبالها بالصلاة ؛ لتحذيرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من ذلك ، وهذه صورتها وصورة الحائز حولها كما ضبطه ابن النجار ، والله أعلم.

وهذا التصوير ينافي ما تقدم من رواية ابن زبالة وغيره أن البيت مربع مبني بحجارة سود وقصّة.

ثم بنى عليه عمر بن عبد العزيز هذا البناء الظاهر المخمس ؛ لأنه صوّر فيه البيت مخمسا أيضا كما ترى ، وهو خلاف الذي شاهدناه عند انكشافه في العمارة التي أدركناها ، فرأيناه مربعا مبنيا بالأحجار السود المنحوتة لونها يقرب من لون أحجار الكعبة الشريفة ، ولها من الهيبة والأنس ما لا يدرك إلا بالذوق ، ولم نجد بين الجدار الخارج والداخل من جهة


المغرب فضاء أصلا ، ولا مغرز إبرة ، ولم نجد للبيت الداخل بابا أصلا ، ولا موضع باب ، لا في الجهة الشامية ولا في غيرها ، ووجدنا الفضاء الذي خلف البيت الشريف من جهة الشام ، بينه وبين البناء الظاهر ، شكله مثلث ، ومساحته نحو ثمانية أذرع بذراع اليد المتقدم تحريره ، وذلك من جدار البيت الشامي إلى زاوية البناء الظاهر المقابلة له ، وهي الزاوية الشمالية التي ينحرف عنها صفحتا الشكل المثلث المذكور ، وهناك أسطوانة ملاصقة لجدار البيت الشامي في صف أسطوانة مربعة القبر وأسطوانة الوفود ، وبعض الأسطوانة المذكورة داخل في الجدار المذكور ، وقد طوق على أعاليها بأطواق من الحديد ، وأدعمت بجذع من جذوع النخل رأسه في أعاليها ورأسه الآخر في زاوية البناء الظاهر الشمالية المتقدم ذكرها ، والظاهر أن ذلك جعل بعد الحريق لتشقق الأسطوانة المذكورة وتأثير النار فيها ، وهي الأسطوانة التي تقدم ذكرها في التصوير الأول المأخوذ من كلام ابن شبة عند نهاية جدار البيت الشامي ، مما يلي المشرق ، لكنا لم نجدها كذلك ، بل قريبة من وسط الجدار الشامي ، غير أن متولي العمارة ومن كان معه أخبروني أنهم وجدوا عند نقض جدار البيت الشامي من داخله رأس جدار في محاذاة الأسطوانة المذكورة يشهد الحال أنه كان آخذا من الشام إلى ما يحاذيه من القبلي ، فكأنه كان نهاية الحجرة الشريفة من جهة المشرق ، وكأنه لما انهدم زيد فيها ذلك القدر ، قالوا : ولا يخفى على الناظر أن بقية الجدار الشامي مما يلي المشرق لم يبن مع الجانب الآخر منه ، بل هي ملصقة إلى رأس الجدار المذكور بحيث لم يدخل أحجار أحدهما في الآخر ، ولا هي مرتبطة كما هو عادة البناء الواحد ، ورأيت أنا ما يقابل هذا الجانب من الجدار القبلي مما يلي المشرق ؛ فرأيت ما يشهد بإحداث بنائه بحيث إنه مبني بالحجارة غير الوجوه كنسبة الجدار الشرقي ، بخلاف بقية جدارات الحجرة الشريفة فإنها كلها من داخلها وخارجها مبنية بالحجارة الوجوه المنحوتة ، وإنما لم أشاهد ما قدمته مما حكى لي في أمر الجدار الشامي لأني اجتنبت حضور الهدم احتياطا لنفسي ، وظهر بذلك أن البيت الشريف كان من جهة المشرق على ما صوره ابن شبة ، ثم حدث ذلك بعده ، ولم ينبه عليه أحد من المؤرخين ، ويحتمل أن ذلك الجدار هو الذي أحدثته عائشةرضي‌الله‌عنها بينها وبين القبور الشريفة ؛ فقد تقدم عن ابن سعد روايته عن مالك بن أنس قال : قسم بيت عائشة باثنين ، قسم كان فيه القبر ، وقسم كان تكون فيه عائشة وبينهما حائط.

قلت : فهذا الاحتمال هو الذي يترجح عندي ، والله أعلم.

ووجد بين جدار البيت الشرقي وبين الجدار الظاهر الشرقي فضاء مختلف كالزقاق الرقيق ، فعند ابتدائه من جهة الشام نحو ذراع اليد يمر فيه الرجل منحرفا ، فإذا قرب من جهة القبلة تضاعف بحيث لا يمر فيه إلا الصغير منحرفا ، وسعته هناك نحو ثلث الذراع.


وقد نقل ابن شبة أنه كان ثلاثة أذرع ؛ فهذا مؤيد لما قدمناه من حدوث التغيير في الجدار الشرقي الداخل ، ورؤيته تقضي بذلك دون بقية الجدران.

ووجدنا بين جدار البيت القبلي والجدار الظاهر القبلي فضاء مختلفا أيضا كالزقاق الرقيق ؛ فأوله من جهة الشرق نحو ذراع اليد ، فإذا قرب من الوجه الشريف تضايق بحيث يصير نحو شبر ثم أقل من ذلك إلى ملتقى الحائطين في جهة المغرب ، وهذا الفضاء لا يمكن المرور فيه ؛ لأن الأسطوانة التي في البناء الظاهر عند مواجهة مواقف الزائر لسيدنا عمررضي‌الله‌عنه بعضها بارز في الفضاء المذكور ، وفي محاذاتها بناء بنحو عرضها قد سدّ ما بين الجدارين من الفضاء ، وكأنه جعل لإدعام الجدار من أجل الانشقاق الآتي ذكره ، أو لمنع المرور هناك ، جزى الله فاعله خيرا!


وأما طول جدران الحائز الظاهر من كل زاوية إلى الأخرى من خارجه فطول الجدار القبلي من زاويته التي تلي القبلة من المغرب إلى زاويته التي تلي المشرق سبعة عشر ذراعا ، بتقديم السين ، ينقص يسيرا ، وذلك موافق لما تقدم في تصوير ابن النجار. وطول الجدار الغربي من القبلة إلى طرف مقام جبريل ستة عشر ذراعا ونحو نصف ذراع ، ومنعطف مقام جبريل هناك الشام ، وذرع منعطفه ذراعان ونصف ذراع ، وجملة ذلك تسعة عشر ذراعا ؛ فهو المراد مما تقدم في تصوير ابن النجار ، لكنه يوهم أن وجه مقام جبريل غير داخل في التسعة عشر ذراعا التي ذكرها للجدار الغربي ، وليس كذلك. وطول الجدار المنعطف من مقام جبريل إلى الزاوية الشمالية اثنا عشر ذراعا ونصف ذراع راجح. وطول الجدار الشرقي من القبلة إلى الزاوية التي ينحرف منه إلى جهة الشمال اثنا عشر ذراعا ونصف ذراع راجح. وطول الجدار المنعطف من الجدار المذكور عند الزاوية المذكورة إلى الزاوية الشمالية نحو أربعة عشر ذراعا ، وفيما ذكرناه من الذرع في الثلاثة الجدر الأخيرة مخالفة لما تقدم في تصوير ابن النجار ومن تبعه.

وأما طول الحائز الظاهر في السماء فثلاثة عشر ذراعا وثلث ذراع ، ويرجح من بعض الجوانب يسيرا ، وعرض منقبته ذراع وربع ثمن.

ونقل الأقشهري أن ابن شبة نقل عن أبي غسان أن طول الحظار الذي على البيت ـ يعني الحائز المذكور ـ من جهة ارتفاعه ثلاثة عشر ذراعا غير سدس.

قلت : وقد رأيت بأعلاه سترة من آجر قدر نصف ذراع يشهد الحال أنها محدثة لإحداث السقف الآتي ذكره للحجرة الشريفة بعد حريق المسجد الأول ؛ فلا مخالفة بين ما وجدناه وبين ما ذكره أبو غسان.

وأما ارتفاع الجدار الداخل في السماء فقسته من خارجه من جهة الشام فكان خمسة عشر ذراعا ، وارتفاع تلك الأرض التي في شامي الحجرة بين الجدارين على أرض الحجرة ذراع ونحو ربع ذراع ، ومع ذلك فالحائز الخارج أرجح من الداخل بيسير أو مساوله ، وسبب ذلك علو الأرض الخارجة عن هذا الحائز على الأرض الداخلة بين الحائزين بأرجح من ذراع ونصف ، مع أن الأرض الداخلة بين الحائزين من جهة الشام التي هي كهيئة المثلث وجدت مجدولة بالحجارة والقصة بحيث لم يتأت لهم حفر أساس فيها ، ولله الحمد على ذلك.

وأما ما تقدم فيما نقلناه من خط المراغي ـ وهو موجود في كلام ابن النجار وابن عساكر ـ من أن طول حيطان الحائز الخارج في السماء ثلاثة وعشرون ذراعا ، فهذا مخالف لما شاهدناه ولما قدمناه عن أبي غسان ، وكأنهم أرادوا بهذا ذرع ما بين الأرض المحيطة بالحجرة


وبين سقف المسجد ، وهذا البناء لم يبلغ به عمر بن عبد العزيز سقف المسجد اتفاقا ، بل فوقه شباك من خشب متصل ذلك الشباك بسقف المسجد كما يظهر عند رفع الكسوة ، وكأن ابن النجار توهم أن الحائط المذكور متصل بالسقف ؛ لأنه قال : وبنى عمر ابن عبد العزيز على حجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حائزا من سقف المسجد إلى الأرض ، وصارت الحجرة في وسطه وهو على دورانها.

وينبغي حمل كلامه على أن المراد أنه بناه من سقف المسجد إلى الأرض بما جعل عليه من الشباك ، وكذلك يحمل ما ذكره في ذرع ؛ لأن الشباك المذكور له ذكر في كلامه ، فإنه ذكر ما سيأتي من أن الجمال الأصفهاني جدد تأزير الحجرة بالرخام ، ثم قال : وعمل لها مشبكا من خشب الصندل والآبنوس ، وأداره حولها مما يلي السقف : أي على رأس الجدار المذكور.

قلت : ولعله أول من أحدث هذا الشباك ؛ لأنه ذكر له في كلام متقدمي المؤرخين ، والله أعلم.

وقال ابن النجار : واعلم أن على حجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أي على سقفها ثوبا مشمعا مثل الخيمة ، وفوقه سقف المسجد ، وفيه ـ أي فيما تحت المشمع المذكور ـ خوخة عليها ممرق أي طابق مقفول ، وفوق الخوخة في سقف السطح خوخة أخرى فوق تلك الخوخة ، وعليها ممرق مقفول أيضا ، وبين سقف المسجد وبين سقف السطح أي السقف الثاني لسطح المسجد فراغ نحو الذراعين.

قلت : أما الممرق الذي ذكره في سقف المسجد الذي يلي الحجرة الشريفة فقد أدركناه موجودا عليه قفل من حديد ومشمع جدده متولي العمارة التي أدركناها إلى أن احترق المسجد في زماننا ، وعملت القبة التي جعلت بدلا عن القبة الزرقاء.

وأما الممرق الذي ذكره في سقف الحجرة تحت المشمع الذي أشار إليه فهذا كان قبل حريق المسجد الأول ، ولم يوجد في السقف الذي عمل بدله بعد الحريق ممرق ، نعم وجد عليه ستارة من المحابس اليمنية مبطنة ، وسنذكر وصفه إن شاء الله تعالى عند ذكر العمارة المتجددة في زماننا ، على أن الذي يقتضيه كلام المطري ومن بعده أنه ليس ثم غير طابق واحد في سقف المسجد ، فإنه قال : وعلى سقف الحجرة بين السقفين ـ أي سقفي المسجد ـ ألواح ، وقد سمّر بعضها على بعض ، وسمر عليها ثوب مشمع ، وفيها طابق مقفل ، إذا فتح كان النزول منه إلى ما بين حائط بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين الحائط الذي بناه عمر بن عبد العزيز.

قلت : وليس ما ذكره في وصف هذا الطابق بصحيح ؛ لأن النزول منه يكون على وسط الحجرة سواء كما شاهدناه ، مع أن المطري ومن تبعه اتفق كلامهم كما سيأتي على أن


سقف الحجرة بعد الحريق إنما هو سقف المسجد ، وهو خلاف ما وجدنا الأمر عليه أيضا ، والله أعلم.

الفصل الثالث والعشرون

في عمارة اتفقت بالحجرة الشريفة على ما نقله الأقشهري عن ابن عاث ، وما

وقع من الدخول إليها عند الحاجة له وتأزيرها بالرخام

قال الأقشهري ، ومن خطة نقلت ما لفظه : أخبرنا الشيخ الراوية أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الشاطبي قال : حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله القضاعي الحافظ قال : حدثنا صاحبنا الرحال أبو عمر أحمد بن أبي محمد هارون بن عاث النفري قال : حدثت بالمدينة الشريفة ، أو قال بمدينة السلام ، بأنهم سمعوا منذ سنين قريبا من الأربعين هدة في الروضة الشريفة أي الحجرة فإنه يعبر عنها بذلك ، فكتب في ذلك إلى الخليفة ، فاستشار الفقهاء ، فأفتوا أن يدخلها رجل فاضل من القومة على المسجد ، فاختاروا لذلك بدرا الضعيف ، وهو شيخ فاضل يقوم بالليل ويصوم النهار ، وهو من فتيان بني العباس ، فدلى حتى دخل الروضة أي الحجرة ، فوجد الحائط الغربي قد سقط ، وهو حائط دون الحائط الظاهر ، فصنع له لبن من تراب المسجد ، فبناه وأعاده على هيئته كما كان ، ووجد هناك قعبا من خشب قد أصابه وقوع الحائط فكسره ، فحمل إلى بغداد مع شيء من تراب الحائط ، وكان يوم وصول ذلك بغداد يوما مشهودا تجمع لاستقباله الناس ، وازدحموا على رؤيته ، وعطلت الصناعات والبيع ، وكانت رحلة ابن عاث سنة ثلاث عشرة وستمائة ، وقد قال «قريبا من أربعين سنة» فيكون ذلك سنة سبعين وخمسمائة أو ما دون ذلك ، وهكذا ذكره في رحلته ومنها نقلته ، ويكون ذلك في دولة المستضيء بالله بن المستنجد بالله ، انتهى كلام الأقشهري.

ولعل هذا الحائط المنهدم في هذه العمارة إنما هو الشرقي من الجدار الداخل ، وأطلق عليه اسم الغربي بالنظر إلى الجدار الخارج الذي يليه ، فتكون هذه الواقعة هي التي اتفق فيها بناء الجدار المتقدم وصفه ، ووقع فيها تقديمه عن محله الأول ، وأبقوا رأسه كما تقدمت الإشارة إليه ، وهو إنما بنى بالحجر ، ولا يتأتى هناك بناء باللبن إلا في السترة التي جعلت على رأس الجدار ، فلعله أراد باللبن المتخذ من تراب المسجد هذا ، لكن في كلام ابن النجار ونقله من بعده وأقره ، ما يقتضي أنه لم يقع دخول إلى الحجرة الشريفة من سنة أربع وخمسين وخمسمائة إلى زمانه ، وقد توفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة ، فإنه قال في كتابه «الدرة الثمينة» ما لفظه : واعلم أن في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة سمعوا صوت هدة في الحجرة ، وكان الأمير قاسم بن مهني الحسيني ، فأخبروه بالحال ، فقال : ينبغي أن ينزل شخص إلى هناك ليبصر ما هذه الهدة ، فافتكروا في شخص يصلح لذلك ، فلم يجدوا لذلك إلا عمر


النسائي شيخ شيوخ الصوفي بالموصل ، وكان مجاورا بالمدينة ، فذكروا ذلك له ، فذكر أن به فتقا والريح والبول يحوجه إلى دخول الغائط مرارا ، فالزموه ، فقال : أمهلوني حتى أروض نفسي ، وقيل : إنه امتنع من الأكل والشرب وسأل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إمساك المرض عنه بقدر ما يبصر ويخرج ، ثم إنهم أنزلوه في الحبال من الخوخة إلى الحظير الذي بناه عمر ، ودخل منه إلى الحجرة ومعه شمعة يستضيء بها فرأى شيئا من طين السقف قد وقع على القبور ، فأزاله وكنس التراب بلحيته ، وقيل : إنه كان مليح الشيبة ، وأمسك الله تعالى ذلك الداء قدر ما خرج من الموضع وعاد إليه ، وهذا ما سمعته من أفواه جماعة ، والله أعلم بحقيقة الحال في ذلك.

وعبارة المراغي تبعا للمطري في النقل عن ابن النجار : فأنزلوه بالحبال من بين السقفين من الطابق المذكور ، ونزل بين حائط النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين الحائز ومعه شمعة يستضيء بها ، ومشى إلى باب البيت ، ودخل من الباب إلى القبور المقدسة ، فرأى شيئا من الردم ، إما من السقف أو من الحيطان إلى آخره.

قلت : وهذا لا يطابق ما ذكره ابن النجار وعليه رتب المراغي إشكاله الآتي بيانه.

ثم قال ابن النجار : وفي شهر ربيع الآخر من سنة أربع وخمسين وخمسمائة في أيام قاسم أيضا وجدوا من الحجرة رائحة منكرة ، وكثر ذلك حتى ذكروه للأمير ، فأمرهم بالنزول إلى هناك ، فنزل بيان الأسود الخصي أحد خدام الحجرة ، ومعه الصفي الموصلي متولي عمارة المسجد ، ونزل معهما هارون الشادي الصوفي بعد أن سأل الأمير في ذلك ، وبذل له جملة من المال ، فلما نزلوا وجدوا هرا قد هبط ومات وجيف ، فأخرجوه ، وكان في الحائز بين الحجرة والمسجد.

وقال المراغي وغيره في النقل عن ابن النجار : فوجدوا هرا قد سقط من الشباك الذي في أعلى الحائز ، ووقع بين الحائز وبيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وقال ابن النجار : وكان نزولهم يوم السبت الحادي عشر من ربيع الآخر ، ومن ذلك التاريخ إلى يومنا هذا لم ينزل أحد إلى هناك ، فاعلم ذلك ، انتهى.

فهذا يخالف ما نقله الأقشهري عن ابن عاث ؛ لاقتضائه أن تلك الواقعة في سنة سبعين وخمسمائة أو ما قاربها ، والظاهر أن القضية واحدة ، ولم نجد من دونها فنقل كل منهما بحسب ما بلغه.

وقال الزين المراغي عقب ذكره للواقعة الأولى التي حكاها ابن النجار المتضمنة للدخول إلى القبور الشريفة ما لفظه : وينبغي تأمل هذا النقل ؛ لأن الوصول إلى القبور الشريفة متعذر ، إن كان الجدار الذي أحدثته عائشة المتقدم ذكره باقيا ، فإن جاء نقل بإزالته وبإمكان الاستطراق معه من باب أو نحوه فهو واضح ، وإلا ففيه نظر.


قلت : نظره إنما يتوجه على ما قدمه من أن النزول كان إلى ما بين الحائطين وأنه مشى إلى باب البيت ، وليس في كلام ابن النجار تعرض لشيء من ذلك ، بل مقتضى ما قدمناه عنه ـ من أن الحجرة الشريفة بها ممرق ، وبسقف المسجد مثله ـ أن النزول إنما هو من العلو إلى سقف الحجرة ، ثم منه إليها ؛ فلا نظر ، على أن الجدار الذي أشار إليه وأن عائشة بنته ولم نجد له أثرا إلا ما تقدمت الإشارة إليه من رأس جدار الحائط الشامي مقتض لأنه كان هناك جدار من الشام إلى القبلة ، وكذلك الباب لم نجد له أثرا كما قدمناه.

وأما تأزير الحجرة بالرخام فليس له ذكر في كلام ابن زبالة ، وله ذكر في كلام يحيى ؛ فإنه روى ما حاصله أن بيت فاطمة الزهراء لما أخرجوا منه فاطمة بنت حسين وزوجها حسن بن حسن وهدموا البيت بعث حسن بن حسن ابنه جعفرا ، وكان أسنّ ولده ، فقال له : اذهب ولا تبرحن حتى يبنوا فتنظر الحجر الذي من صفته كذا وكذا هل يدخلونه في بنيانهم ، فلم يزل يرصدهم حتى رفعوا الأساس وأخرجوا الحجر ، فجاء جعفر إلى أبيه فأخبره ، فخر ساجدا وقال : ذلك حجر كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي إليه إذا دخل إلى فاطمة ، أو كانت فاطمة تصلي إليه ، الشك من يحيى.

وقال علي بن موسى الرضي : ولدت فاطمةعليها‌السلام الحسن والحسين على ذلك الحجر.

قال يحيى : ورأيت الحسين بن عبد الله بن عبد الله بن الحسين ولم أر فينا رجلا أفضل منه إذا اشتكى شيئا من جسده كشف الحصى عن الحجر فيمسح به ذلك الموضع ، ولم يزل ذلك الحجر نراه حتى عمّر الصانع المسجد ففقدناه عند ما أزر القبر بالرخام ، وكان الحجر لاصقا بجدار القبر قريبا من المربعة.

قال بعض رواة كتاب يحيى : الصانع هذا هو إسحاق بن سلمة ، كان المتوكل وجه به على عمارة المدينة ومكة.

قلت : وكانت خلافة المتوكل سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ، وتوفي في شوال سنة سبع وأربعين ، وكان هذا مأخذ بن النجار في قوله إن المتوكل في خلافته أمر إسحاق بن سلمة وكأن على عمارة الحرمين من قبله أن يؤزّر الحجرة بالرخام ففعل.

ثم في خلافة المقتفي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة جده جمال الدين وزير بني زنكي ، وجعل الرخام حولها قامة وبسطة.

قلت : ولم يذكر أحد من المؤرخين تجديدا لهذا الرخام بعد ذلك ، وقد جدده في زماننا متولي العمارة الآتي ذكرها الجناب الشمس المحسني الخواجكي بن الزمن بأمر المقام الشريف السلطاني قايتباي عز نصره ، ووجد في الصفحة القبلية عند ابتدائها من جهة المغرب في


اللوح السماقي اللون الثاني في تلك الجهة من الألواح الملونة التي يحيط بها الرخام الأبيض البارز قطعة أوسع من الديا نار ملصقة في ظاهر اللوح المذكور بالجص ، فأشيع أنها جوهرة نفيسة ذات لمعان ، ثم إن متولي العمارة أرانيها فإذا هي حجر عسلي اللون يميل حمرته إلى الصفرة ، قال : وأظنه حجر اليرقان ، وقد خشي عليه متولي العمارة إن أعيد لصقا كهيئته الأولى ، فأمر بنقر الرخامة المذكورة وتنزيله فيها ، ففعلوا ذلك ، وأعادوا تلك الرخامة إلى محلها.

ولم أر من نبه على ابتداء حدوث الرخام الذي حول الحجرة الشريفة بالأرض والظاهر أنه حدث عند حدوث تأزيرها بالرخام ؛ لما تقدم من كلام يحيى في أمر الحجر الذي كان يتبرك به من أن الحسين بن عبد الله كان يكشف عنه الحصى ، وأنه لم يدخل في البناء ، وأنه فقده عند تأزير الحجرة بالرخام ، فدل ذلك على أنه رخم الأرض أيضا ، وإلا لما استتر الحجر المذكور.

وأما ترخيم المصلّى الشريف فلا أدري متى زمن حدوثه ، وله ذكر في رحلة ابن جبير.

وأما الرخام الذي بالمحراب العثماني وما حوله فالقديم منه ـ أعني بعد الحريق الأول ـ ترخيم المحراب وشيء يسير عن جنبتيه ، وفي دولة السلطان الملك الظاهر جقمق في أول عشر الستين وثمانمائة أمر بعمل الوزرة التي في الجدار القبلي ، فاتصل ذلك بترخيم المحراب المذكور ، وقد جدد غالب ذلك في العمارة التي أدركناها أيضا ، وأبدل الطراز الأول الذي كان بأعلى الوزرة وكان محمرا بماء الذهب الطراز الموجود اليوم ، ثم زال ذلك كله في حريق المسجد الثاني ، ثم أعيد مع زيادة فيه مما يلي المنارة الرئيسية ، ومع ترخم ما حول الحجرة الشريفة وتأزيرها بالرخام ، ومع ما سبق من عمل محراب المصلى الشريف وترخيمه ، ورخموا أيضا الدعائم المواجهة للوجه الشريف التي أحدثوها عند عمارة القبة الثانية من داخل المقصورة وخارجها ، وجميع ما يوجد من الرخام بالمسجد اليوم من عمل سلطان زماننا الأشرف قايتباي ، أعز الله أنصاره ، وضاعف اقتداره! والله أعلم.

الفصل الرابع والعشرون

في الصندوق الذي في جهة الرأس الشريف ، والمسماة الفضة المواجه للوجه

الشريف ، ومقام جبريل من الحجرة الشريفة ، وكسوتها ، وتخليقها

أما الصندوق فلم أعلم ابتداء حدوثه ، وكذلك القائم المحلّى فوقه ، إلا أنه قد ظهر لنا في هذه العمارة التي أدركناها أنه كان موجودا قبل حريق المسجد الأول ؛ لأن متولي العمارة كان قد قلعه لاقتضاء رأيه قلع حلية الفضة التي كانت على القائم الخشب الذي فوق الصندوق ليحكم صوغها ، وزاد ذلك فضة وتمويها بالذهب ، وأصلح حلية الصندوق أيضا ،


وكان ذلك سببا لإصلاح أصل الأسطوانة التي كان بها ، فلما قلعوا الصندوق المذكور ظهر فيه قوائم صندوق عتيق ، وفي تلك القوائم أثر الحريق ، وكأنهم جددوا عليه صندوقا ، وجعلوا ذلك المحترق في جوفه ، وقد أعيد كذلك.

وقد ذكر المجد الشيرازي هذا الصندوق والقائم فقال : وفي الصفحة الغربية من الحجرة الشريفة صندوق آبنوس مختم بالصندل مصفح بالفضة مكوكب بها ، هو قبالة رأس النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفيه أسطوان ، وفوق الصندوق قائم من خشب مجدد ، وأما الصندوق فطوله خمسة أشبار وعرضه ثلاثة أشبار وارتفاعه في الهواء أربعة أشبار.

قلت : وقد ظفرت بذلك كله في كلام ابن جبير في رحلته ، غير ما يتعلق بالقائم المذكور ، ومن ذلك أخذ المجد وصف القائم بكونه مجددا ، وكانت رحلة ابن جبير عام ثمانين وخمسمائة ، فاستفدنا بذلك وجود ذلك الصندوق قبل الحريق في ذلك الزمان ، وما ذكره من أن الصندوق المذكور قبالة الرأس الشريف فيه تجوّز ؛ لأنه قد ظهر لنا في هذه العمارة أنه في محاذاة الجدار الداخل القبلي ، وسيأتي أن الوجه الشريف إلى الجدار ؛ فالرأس الشريف متأخر عن الصندوق المذكور يسيرا.

ومستند المجد وغيره في هذا الإطلاق ما روى جعفر بن محمد بن علي بن الحسينرضي‌الله‌عنه عن أبيه عن جده أنه كان إذا جاء يسلم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقف عند الأسطوانة التي تلي الروضة ، ثم يسلم ، ثم يقول : هاهنا رأس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والمراد به ما قدمناه ، والله أعلم.

وذرع الصندوق المذكور في الارتفاع ذراع ونصف وربع بذراع اليد ، وأعلى القائم فوقه محاذ لرأس الوزرة الرخام ، وطول القائم المذكور ثلاثة أذرع ، وهو خمس صفحات ألصق بعضها على بعض وجعلت محيطة بما ظهر من الأسطوانة التي الصندوق بأصلها فوقه ؛ فإن بعض الأسطوانة في البناء الملاصق لها من الحائز المذكور ولو أحاطت الصفحات بجميع الأسطوانة لكانت أكثر من خمس ، ولكانت شكلها مثمنا ، وهو مختم بالخشب الأسود الهندي ، معصب بصفائح الفضة المموهة طولا وعرضا بأحسن صناعة ، وصفائحه الطولية من الفضة أربع ، والمقاطعة لها من جهة العرض خمس ، وفي رأسه من أعلاه حلية رقيقة كالزيق ، وزنة ما عليه من الفضة زيادة على ألفي قفلة ، وأخذوا لأجل تمويهه من حاصل المسجد أربعين مثقالا من الذهب كما أخبرني به متولي العمارة.

وأما الصندوق فلم يغير ، كله مغشى بالفضة ، وقد احترق في حريق المسجد الثاني ، ووجدوا حليته من الفضة ، فجددوا صندوقا في محله وجعلوا موضع القائم الذي كان فوقه رخاما كتوبا فيه البسملة والصلاة والتسليم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم والترضي عن أصحابه وغير ذلك.


وأما المسمار المواجه للوجه الشريف فقد تقدم أن بينه وبين أول الصفحة الغربية من المغرب خمسة أذرع ، وقد اعتبرت ذلك فنقص يسيرا نحو سدس ذراع ، وكأنه لاختلاف الأذرعة ، ولم أعلم ابتداء حدوث التعليم بهذا المسمار أيضا ، والمذكور في كلام المتقدمين إنما هو التعريف بأن يجعل القنديل على رأسه ، لكن قال المطري : إن ما ذكر من القيام تحت القنديل تجاه الحجرة الشريفة للسلام كان قبل احتراق المسجد الشريف ؛ فإنه لم يكن يقابل وجه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا قنديل واحد ؛ ولما جدد جعل هناك عدة قناديل ، وإنما علامة الوقوف تجاه الوجه الكريم اليوم مسمار فضة في رخامة حمراء ، انتهى. وهو يوم حدوث التعليم به بعد الحريق ، ولأن ابن جبير ذكره في رحلته وهو أقدم من ابن النجار فقال عند وصف الحجرة الشريفة : وفي الصفحة القبلية أمام وجه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مسمار فضة هو أمام الوجه الكريم ، فتقف الناس أمامه للسلام ، انتهى. وأيضا فقد روى ابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن» أن ابن أبي مليكة كان يقول : من أحب أن يقوم وجاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فليجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه ، ثم قال ابن الجوزي : وثم ما هو أوضح علما من القنديل ، وهو مسمار من صفر في حائط الحجرة ، إذا حاذاه القائم كان القنديل فوق رأسه ، انتهى.

وقال يحيى في كتابه : كان بن أبي مليكة يقول : إذا جعلت القنديل على رأسك والمرمرة المدخولة في جدار القبر قبالة وجهك استقبلت وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

قلت : وكأن هذا المسمار في موضع تلك المرمرة ، ولهذا قال ابن النجار : إن اليوم هناك علامة واضحة ، وهي مسمار من فضة في حائط حجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إذا قابله الإنسان كان القنديل على رأسه ، فيقابل وجه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، انتهى.

ولم أر لهذا المسمار ذكرا في كلام من صنّف في المناسك قبل ابن جماعة ، والذي في مناسك ابن الصلاح أخذا من الإحياء ذكر القنديل ، وجعله حذار رأس الزائر ، ونقله عن ابن أبي مليكة ، واقتضى كلامه أن الواقف هناك يكون بينه وبين السارية التي عند رأس القبر عند زاويته الغربية وهي أسطوان الصندوق نحو أربعة أذرع ؛ فهو قريب مما تقدم في التعليم بالمسمار المذكور ، وإن لم يصرح به ، لكن قال الأقشهري ومن خطه نقلت : أخبرنا الإمام العالم رضي الدين أبو أحمد إبراهيم بن محمد بن أبي بكر إمام مقام إبراهيم الخليل بمكة توفي في تاسع شهر ربيع الأول من عام اثنين وعشرين وسبعمائة والشيخ الوزير أبو عبد الله محمد بن أبي بكر محمد بن عيسى المومناني قالا : أخبرنا الإمام أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح السهروردي قال : ثم يأتي الزائر الصريح المقدس فيستدبر القبلة ويستقبل جداره نحو ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع من الجدار وجاه المسمار الذي في الجدار القبلي من


الحجرة المشرفة ، هذا ما نقلته من خط الأقشهري بحروفه ، ولم أره في كلام ابن الصلاح ، والذي نقله ابن عساكر في تحفته عن ابن الصلاح وهو من تلامذته إنما هو ما قدمناه ، وروايته عن إبراهيم الطبري عن ابن الصلاح تخليط ؛ فإن وفاة ابن الصلاح في سنة ثلاث وأربعين وستمائة ، والذي أدركه إنما هو والد إبراهيم المذكور ، وهو المعروف بالرضي الطبري ، فإن مولد الوالد المذكور سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ، فإنما أدرك من زمن ابن الصلاح عشر سنين ، فكيف يكون ولده راويا عن ابن الصلاح بلا واسطة؟

وقال الأقشهري عقب ما تقدم عنه : وقد سقط هذا المسمار سنة عشرين وسبعمائة ، ولم يردّ إلى موضعه إلا في رجب عام أربع وعشرين وسبعمائة.

قلت : وقد أخرج في هذه العمارة من موضعه عند ترخيم جدار الحجرة الشريفة ، ثم أعيد في محله الأول بعينه في الرخامة الحمراء التي كان بها ، ثم سقط من محله في الحريق الثاني ، وجدد مسمار آخر في محله ، ولا يختلف أحد ممن أدركناه بالمدينة الشريفة في أن ذلك الموضع تجاه الوجه الشريف ، وهو الذي يقتضيه الحال عند مشاهدة الحجرة الشريفة من داخلها ، غير أني رأيت في كلام يحيى ما يوهم خلاف ذلك ، فإنه ذكر أن الموضع الذي يواجه الوجه الشريف هو ما بين الأسطوانة المتوسطة في قبلة جدار قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بين هذا الموضع وبين الأسطوان شبران وثلاث أصابع متفرجة من الحفيرة إلى الوسطى ، وإن كل من أدركه من أهل بيته كانوا إذا وقفوا للسلام على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقفوا قريبا من هذا الموضع ، وكانت ثم علامة قد تعلموا بها حفيرة ولم تزل ثمّ منذ علمت إلى أن عمر الصانع المسجد في ولاية أمير المؤمنين المتوكل فإنه أزر القبر بالرخام فذهبت العلامة منذ ذلك. وقال : إن موسى بن جعفر قال : من وقف في هذا الموضع منحرفا واضعا شق وجهه الأيمن استقبل وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان علي بن الحسين يقف ثم ، انتهى.

قلت : الأسطوانة الوسطى التي يشير إليها هي البارزة في الصفحة القبلية من جدار القبر ، يقف قربها المسلم على عمررضي‌الله‌عنه ، وبينها وبين المسمار المذكور نحو ثلاث أذرع أو أزيد ، وقد قال : إن الموضع الذي ذكره بينه وبين الأسطوانة المذكورة شبران وثلاثة أصابع ، فيكون بعيدا من المسمار المذكور بنحو الذراعين وقد شاهدنا الأسطوانة المذكورة من داخل الحجرة فرأيناها قريبة من نهايتها ، بحيث إن من دفن هناك ووجهه في محاذاة الموضع الذي ذكره يحيى كانت رجلاه في جدار الحجرة الشرقي كما نقل ذلك في دفن عمررضي‌الله‌عنه ، فيبعد كل البعد كون الوجه الشريف في محاذاة ذلك الموضع ، على أن ما نقله عن موسى بن جعفر يقتضي أن استقبال الوجه الشريف للواقف في الموضع الذي ذكره إنما يكون مع الانحراف ووضع شق الوجه الأيمن يعني على جدار القبر ، وعلى هذا فيستقبل


الزائر جهة المغرب حتى يحصل ذلك ، وذلك لأن الحائط القبلي منحرف كما أشرنا إليه في التصوير المتقدم ، فلا يقتضي ذلك أن المستقبل للمحل الذي عينه من غير وضع وجهه يكون مقابلا للوجه الشريف ، وإنما يسامت الواقف الوجه الشريف إذا حاذى المسمار المتقدم وصفه ، وكأن يحيى يرى أن الزائر يلصق خده بجدار القبر على الهيئة السابقة ، فيصير محل المسمار المذكور أمامه ، ولذلك أورد عقب ما تقدم عنه قصة أبي أيوب الأنصاري الآتي ذكرها في التزامه القبر.

واعلم أن تشبيك باب المقصورة التي حدثت إدارتها على ما حول الحجرة الشريفة قد يمنع من مشاهدة المسمار المذكور إلا لمن يتأمل ذلك من تشبيكه ، وذلك يشغل قلب الزائر ، وقد تحرر لنا أن ما يقابله من ذلك هو الصرعة الثانية من باب المقصورة القبلي الذي على يمين مستقبل القبر الشريف ، فمن حاذى هذه الصرعة كان محاذيا لذلك ، وهذا المسمار مموّه بالذهب رأسه مستدير ، وقد أحدث متولي العمارة مسمارا آخر رأسه فضة ، لكنه في أول هذه الصفحة القبلية مما يلي المغرب قريبا من جهة الصندوق المتقدم وصفه ، ورأس هذا المسمار مكوكب كالقبة ، فلا يشتبه بالمسمار المتقدم ، وأحدث أيضا مسمارين آخرين في ابتداء الصفحة الغربية مما يلي القبلة قريبا من مسماره المتقدم ، وما علمت السبب في إحداث ذلك ، وقد زالت هذه المسامير الثلاثة المحدثة بالحريق الثاني.

وأما الموضع المعروف بمقام جبريل عند مربعة القبر فقد تقدم أنه كان هناك مسمار في منحرف المربعة إلى الزاوية الشمالية من الحجرة علامة عليه ، فلم نجده هناك ، وسألت عنه الخدام والمرخمين فقالوا : إنهم لم يجدوا هناك شيئا ، وتسمية ذلك الموضع بمقام جبريل تقدم مستنده في الكلام على أسطول مربعة القبر ، ولم أدر لم سمي بذلك ، إلا أن ابن جبير ذكر هذا المحل من الحجرة الشريفة ، وقال : وعليه ستر مسبل يقال : إنه كان مهبط جبريلعليه‌السلام ، انتهى. لكن ترجم ابن شبة في كتابه لمقام جبريل ثم قال : قال أبو غسان : علامة مقام جبريلعليه‌السلام التي يعرف بها اليوم أنك تخرج من الباب الذي يقال له باب آل عثمان ، فترى على يمينك إذا خرجت من ذلك الباب على ثلاثة أذرع وشبر وهو من الأرض على نحو من ذراع وشبر حجرا أكبر من الحجارة التي بها جدار المسجد ، قال : فكان مالك بن أنس يقول ، وسقط ما بعد ذلك من كتاب ابن شبة فلم أدر ما هو ، لكن يستفاد من ذلك حكاية خلاف في مقام جبريل : هل هو داخل المسجد عند المربعة المذكورة أو خارجه عند باب آل عثمان وهو المعروف اليوم بباب جبريل؟ ولعل ذلك سبب تسمية الباب المذكور بذلك ، كما ستأتي الإشارة إليه.

وقال ابن زبالة : أخاف المسجد من شرقيه في سلطان محمد بن عبد الله بن سليمان


الربعي من ولد ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب من ناحية موضع الجنائز ، فأمر به فبنى ، وتعلم مقام جبريلعليه‌السلام بحجر ونقش فيه خاتم سليمان ومشق لأن يعرف به مقام جبريل ، ومقام جبريل يمناه داخل في المسجد ، فبلغ ذلك مالك بن أنس ، فتكلم فيه وأنكره وعابه ، فغير وجعل مكانه حجر طويل مصمت لا علم فيه مخالف لحجارة المسجد ، انتهى ؛ فيحتمل أن يريد بقوله «ومقام جبريل يمناه داخل المسجد» الموضع المتقدم ذكره من الحجرة الشريفة ، ويحتمل أن يريد أن الباب قد قدم عن محله الأول في محاذاته ، فصار مقام جبريل داخل المسجد في محاذاة ذلك ، ويرجح هذا أن الظاهر أن الأصل في مقام جبريل ما قدمناه في غزة بني قريظة من رواية صاحب الاكتفاء أن جبريلعليه‌السلام أتى في ذلك اليوم على فرس عليه اللأمة حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز ، وإن على وجه جبريل لأثر الغبار ، اه ؛ فلذلك سمي الباب المذكور بباب جبريل ؛ إذ لم يكن حينئذ للمسجد باب في ناحية الجنائز غيره.

وفي رواية البيهقي عن عائشةرضي‌الله‌عنها قالت : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عندنا ، فسلم علينا رجل ونحن في البيت ، فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فزعا ، فقمت في أثره ، فإذا بدحية الكلبي ، فقال : هذا جبريلعليه‌السلام يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة ، والله أعلم.

كسوة الحجرة النبوية

وأما كسوة الحجرة الشريفة فقد ذكر ابن النجار ما قدمناه في تأزير الحجرة الشريفة بالرخام وعمل الجواد الأصبهاني في الشباك المتخذ من خشب الصندل المتقدم وصفه على جدارها ، ثم قال : ولم تزل الحجرة الشريفة على ذلك حتى عمل لها الحسين بن أبي الهيجاء صهر الصالح وزير الملوك المصريين ستارة من الديبقي الأبيض ، وعليها الطروز والجامات المرقومة بالإبريسم الأصفر والأحمر ، ونيطها وأدار عليها زنارا من الحرير الأحمر ، والزنار مكتوب عليه سورة (يس) بأسرها ، وقيل : إنه غرم على هذه الستارة مبلغا عظيما من المال ، وأراد تعليقها على الحجرة ، فمنعه قاسم بن مهنى أمير المدينة وقال : حتى تتأذن الإمام المستضيء بأمر الله.

فبعث إلى العراق يستأذن في تعليقها ، فجاءه الإذن في ذلك ، فعلقها نحو العامين ، ثم جاءت من الخليفة ستارة من الإبريسم البنفسجي عليها الطرز والجامات البيض المرقومة وعلى دوران جاماتها مكتوب بالرقم : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعلى طرازها اسم الإمام المستضيء بأمر الله ، فشيلت تلك ونفذت إلى مشهد علي بن أبي طالب بالكوفة ، وعلقت هذه عوضها ، فلما ولي الإمام الناصر لدين الله نفذ ستارة أخرى من الإبريسم الأسود ، وطرزها وجاماتها من الإبريسم الأبيض ، فعلقت فوق تلك ، فلما حجت الجهة أم الخليفة


وعادت إلى العراق عملت ستارة من الإبريسم الأسود أيضا على شكل المذكورة ونفذتها فعلقت على هذه ، ففي يومنا هذا على الحجرة ثلاث ستائر بعضهن على بعض ، انتهى.

وهو يقتضي أن ابن أبي الهيجاء أول من كسا الحجرة في خلافة المستضيء بأمر الله ، وكانت خلافته في سنة ست وستين وخمسمائة ، ومات سنة خمس وسبعين وخمسمائة ، وفي كلام رزين ما يقتضي مخالفته ؛ فإنه قال في ضمن كلام نقله عن محمد بن إسماعيل ما لفظه : فلما كانت ولاية هارون أمير المؤمنين وقدمت معه الخيزران أمرت بتخليق مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وتخليق القبر وكسته الزنانير وشبائك الحرير ، انتهى.

وقد رأيت في العتبية ما يصلح أن يكون مستندا في أصل الكسوة ، فإنه قال في أوائلها : قيل لمالك : قلت إنه ينبغي أن ينظر في قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كيف يكسون سقفه ، فقيل : يجعل عليه خيش ، فقال : وما يعجبني الخيش ، وإنه ينبغي أن ينظر فيه ، انتهى.

قال ابن رشد في بيانه : كره مالك كشف سقف قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ورأى من صونه أن يكون مغطّى ، ولم ير أن يكتفي من ذلك بالخيش ، وكأنه ذهب إلى أن يغطي بتغطية البيوت المسكونة ، ولقد أخبرني من أثق به أنه لا سقف له اليوم تحت سقف المسجد ، انتهى.

وقد يضم إلى ذلك أنه إنما جاز كسوة الكعبة لما فيه من التعظيم ، ونحن مأمورون بتعظيم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتعظيم قبره من تعظيمه ، وهذا أولى بالجواز مما سيأتي عن السبكي في مسألة القناديل من الذهب حيث سلك بها هذا المسلك ، وليس في كلام ابن زبالة ويحيى تعرض لأمر كسوة الحجرة ، ولعله لأنها إنما حدثت بعدهما ، مع أن ابن زبالة ذكر ما قدمناه في كسوة المنبر الشريف وجعل الستور على الأبواب ، ونقل أن كسوة الكعبة كان يؤتى بها المدينة قبل أن تصل إلى مكة ، فتنشر في مؤخر المسجد ، ثم يخرج بها إلى مكة ، ولم يذكر للحجرة كسوة.

ثم ذكر تخليق الحجرة والمسجد فقال : وقدمت الخيزران أم موسى أمير المؤمنين المدينة في سنة سبعين ومائة ، فأمرت بمسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فخلّق ، وولي ذلك من تخليقه مؤنسة جاريتها ، فقام إليها إبراهيم بن الفضل بن عبيد الله بن سليمان مولى هشام بن إسماعيل فقال : هل لكم أن تسبقوا من بعدكم وأن تفعلوا ما لم يفعل من كان قبلكم؟ قالت له مؤنسة : وما ذلك؟ قال : تخلّقون القبر كله ، ففعلوا ، وإنما كان يخلق منه ثلثاه أو أقل ، وأشار عليهم فزادوا في خلوق أسطوان التوبة والأسطوان التي هي علم عند مصلّى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فخلقوهما حتى بلغوا بهما أسفلهما ، وزادوا في الخلوق في أعلاهما ، انتهى ولو كان لكسوة الحجرة وجود في زمانه لتعرض له.

واعلم أن في عشر الستين وسبعمائة في دولة السلطان الصالح إسماعيل بن الملك


الناصر محمد بن قلاون اشترى قرية من بيت مال المسلمين بمصر ، ووقفها على كسوة الكعبة المشرفة في كل سنة ، وعلى كسوة الحجرة المقدسة والمنبر الشريف في كل خمس سنين مرة ، هكذا ذكره التقي الفاسي في شفاء الغرام.

وذكره الزين المراغي إلا أنه قال في الوقف على كسوة الحجرة : في كل ست سنين مرة ، تعمل من الديباج الأسود المرقوم بالحرير الأبيض ، ولها طراز منسوج بالفضة المذهبة دائر عليها ، إلا كسوة المنبر فإنها بتقصيص أبيض.

قلت : وما ذكراه من المدة المذكورة بالنسبة إلى الحجرة كأنه كان معمولا به في زمانهما ، وأما في زماننا فيمضي عشر سنين ونحوها ولا تعمل ، نعم كلما ولي ملك بمصر فإنه يعتني بإرسال كسوة.

وذكر الحافظ ابن حجر في الكلام على كسوة الكعبة أن الصالح هذا اشترى حصة من بلد يقال لهل سندبيس ، اشترى الثلثين منها من وكيل بيت المال ، ووقفها على هذه الجهة ، ولم يتعرض لكسوة الحجرة ، فلعل الثلث الثالث الذي لم يذكره يتعلق بكسوة الحجرة لما قدمناه ، ويحتمل أن ما يرد من الكسوة من جهة الملوك ، لا من وقف ، وعادتهم إذا وردت كسوة جديدة قسم شيخ الخدام الكسوة العتيقة على الخدام ومن يراه من غيرهم ، ويحمل إلى السلطان بمصر منها جانبا ، وحكم بيع كسوة الحجرة كحكم بيع كسوة الكعبة ، وقد اختلف العلماء في ذلك قديما ، وفي المسألة عندنا وجهان.

وقال الحافظ صلاح الدين خليل العلائي : إنه لا يتردد في جواز ذلك الآن ؛ لأن وقف الإمام للضيعة المتقدمة على الكسوة كان بعد استقرار هذه العادة والعلم بها ، فينزل لفظ الواقف عليها ، انتهى ، والله أعلم.

الفصل الخامس والعشرون

في قناديل الذهب والفضة التي تعلق حول الحجرة الشريفة ،

وغيرها من معاليقها

القناديل

اعلم أني لم أر في كلام أحد ذكر ابتداء حدوث ذلك ، إلا أن ابن النجار قال ما لفظه : وفي سقف المسجد الذي بين القبلة والحجرة على رأس الزوار إذا وقفوا معلّق نيف وأربعون قنديلا كبارا وصغارا من الفضة المنقوشة والساذجة ، وفيه اثنان بلور ، وواحد ذهب ، وفيها قمر من فضة مغموس في الذهب ، وهذه تنفذ من البلدان من الملوك وأرباب الحشمة والأموال ، انتهى.


قلت : واستمر عمل الملوك وأرباب الحشمة إلى زماننا هذا على الإهداء إلى الحجرة الشريفة قناديل الذهب والفضة.

ورأيت بحط شيخنا العلامة ناصر الدين العثماني أشياء نقلها من خط قاضي طيبة الزين عبد الرحمن بن صالح يتضمن ما كان يرد في كل سنة من ذلك ؛ فذكر في سنة خمسة عشر قنديلا ، وفي أخرى ثلاثة عشر ، وفي أخرى عشرة ، وفي أخرى إحدى وعشرين.

قلت : وفي زماننا هذا يرد في غالب السنين ما يزيد على العشرين ، ولا ضابط لذلك ؛ فإنه يرد من نذور من ناس مختلفين ، وكأن هذه القناديل كانت إذا كثرت رفعوا بعضها ووضعوه بالحاصل الذي في وسط المسجد ، فاجتمع فيه شيء كثير فاتفق على ما ذكره الحافظ ابن حجر في سنة إحدى عشرة وثمانمائة أن فوض السلطان الناصر فرج لحسن بن عجلان سلطنة الحجاز ، فاتفق موت ثابت بن نغير ، وقرر حسن مكانه أخاه عجلان ابن نغير المنصوري ، فثار عليهم جماز بن هبة بن جماز الجمازي الذي كان أمير المدينة ، وأرسل إلى الخدام بالمدينة يستدعيهم ، فامتنعوا من الحضور إليه ، فدخل المسجد الشريف ، وأخذ ستارتي باب الحجرة ، وطلب من الخدام تسعة آلاف درهم على أن لا يتعرض لحاصل الحرم ، فامتنعوا ، فضرب شيخهم ، وكسر قفل الحاصل ، هكذا رأيته في «أنباء الغمر» للحافظ ابن حجر.

والذي رأيته في محضر عليه خطوط غالب أعيان المدينة الشريفة ما حاصله : أن جماز بن هبة المذكور كان أمير المدينة ، فبرزت المراسيم الشريفة بتولية ثابت بن نغير إمرة المدينة وأن يكون النظر في جميع الحجاز لحسن بن عجلان ، ولم يصل الخبر بذلك إلا بعد وفاة ثابت بن نغير ، فأظهر جماز بن هبة الخلاف والعصيان وجمع جموعا من المفسدين وأباح نهب بعض بيوت المدينة ، ثم حضر مع جماعة إلى المسجد الشريف ، وأهان من حضر معه من القضاة والمشايخ وشيخ الخدام باليد واللسان ، وشهر سيفه عليهم ، وكسر باب القبة حاصل الحرم الشريف ، وأخذ جميع ما فيها من قناديل الذهب والفضة التي تحمل على تعاقب السنين من سائر الآفاق تقربا إلى الله ورسوله وأشياء نفيسة وختمات شريفة وزيت المصابيح وشموع التراويح وأكفان ودراهم يواري بها البطحاء ، وقطع مكاتيب الأوقاف وغسلها ، وقصد الحجرة الشريفة ، وأحضر السلم لإنزال كسوة الضريح الشريف والقناديل المعلقة حوله ، فلم يقدّر له ذلك ومنعه الله منه ، وأخذ ستر أبواب الحجرة الشريفة من خزانة الخدام ، وتعطل في ذلك اليوم وليلته والذي يليها المسجد الشريف من الأذان والإقامة والجماعة ، وأخذ جماعته وأقاربه في نهب بيوت الناس ومصادرتهم ، وأخذ جمال السواني ، وارتحل هاربا عقب ذلك ، ولما اتصل بحسن بن عجلان ما فوض إليه من أمر الحجاز استدعى بعجلان بن نغير وأقامه في إمرة المدينة ، وعرفه ما برزت به المراسيم أولا في ولاية أخيه ، انتهى.


وذكر الحافظ ابن حجر أنه أخذ من الحاصل المذكور إحدى عشر خوشخانا وصندوقين كبيرين وصندوقا صغيرا بما في ذلك من المال وخمسة آلاف شقة من البطاين ، وصادر بعض الخدام ، ونزح عنها ؛ فدخل عجلان بن نغير ومعه آل منصور فنودي بالأمان ، ثم قدم عقبه أحمد بن حسن بن عجلان ومعه عسكر ، يعني من مكة.

قلت : ورأيت بخط شيخنا العلامة ناصر الدين المراغي قائمة ذكر أنه نقلها من خط قاضي طيبة الزين عبد الرحمن بن صالح صورتها : الذي كان في القبة ، وأخذه جماز بن هبة ، هو من القناديل الفضة ثلاثة وعشرون قنطارا وثلث قنطار ، غير الذي في الرفوف ، والصندوقين الذهب ، ثم ذكر تفصيل ذلك في ثمان عشرة وزنة ، ثم كتب ما صورته : خوشخانة مختومة لم تفتح ، والظاهر أنها ذهب ، وزنة القناديل التي في الرفوف أربع قناطير إلا ثلث ، وتسع قناديل ذهب بالعدد في صندوق ، وصندوق صغير مقفول ، انتهى.

وبلغنا أنه دفن غالب ذلك ، ثم أخذه الله أخذا وبيلا فقتل هو ومن اطلع معه على دفن ذلك ، فلم يعلم مكانه إلى اليوم.

وقد ذكر الحافظ ابن حجر قتله في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة فقال : وفيها قتل جماز بن هبة ابن جماز بن منصور الحسيني أمير المدينة ، وقد كان أخذ حاصل المدينة ونزح عنها ، فلم يمهل وقتل في حرب جرت بينه وبين أعدائه ، انتهى.

قلت : إنما بيتته بعض عرب مطير فاغتاله وهو نائم.

ورأيت في القائمة المتقدم ذكرها التي نقلها شيخنا المتقدم ذكره ما صورته : وزن ما في الحجرة من قناديل الذهب تسع قناطير ، وورد بعد ذلك من أم السلطان قنديل زنته ألف مثقال ، وورد من أخت السلطان قنديل زنته ألف وخمسمائة ، وأربع قناديل كبار في الواحد منهم أربعة صغار ، وفي الثاني اثنان صغار ، وفي الثالث عدة قناديل معفوسة ، وفي الرابع قنديل ، زنة الجميع ثلاثة آلاف وسبعمائة وعشرون مثقالا ، وعلى يد الطواشي صندل قنديلين صغار ، ومعلق بعد ذلك عدة قناديل لم تكتب ، انتهى.

والظاهر أنه سقط بعد قوله «من قناديل الذهب» لفظ «والفضة» وفي هذه القائمة أيضا أن بالقبة ـ يعني قصة جماز المتقدمة ـ من قناديل الفضة مائة رطل وسبعة عشر رطلا وضعها بيسق بيده ، انتهى.

ثم إن الأمير غرير بن هيازع بن هبة الحسيني الجمازي أخذ جانبا من الحاصل المذكور في سنة أربع وعشرين وثمانمائة ، زاعما أنه على سبيل القرض ، وامتحن بعض قضاة المدينة لسبب ذلك ، ثم حمل غرير المذكور إلى القاهرة محتفظا به ، ومات بها مسجونا.

ولم تزل هذه القناديل في زيادة حتى عدا عليها في ليلة السابع والعشرين من ذي الحجة


سنة ستين وثمانمائة برغوث بن بتير بن جريس الحسيني ؛ فدخل الدار المعروفة بدار الشباك بجانب باب الرحمة ليلا ، ولم يكن بها ساكن ، وتسوّر جدار المسجد ، ودخل بين سقفي المسجد الشريف من شباك هناك ، ومشى حتى بلغ ما يحاذي سقف الحجرة الشريفة ، فأخذ من تلك القناديل شيئا كثيرا ، وكأنه تردد لذلك المرة بعد الأخرى ، ولم يشعر أهل المسجد ونظاره بشيء من ذلك ، غير أن أمة لبعض جيران الدار المذكورة رأت من سطح دارهم شخصين في أعلى دار الشباك يتعاطيان شيئا له حجم كبير وصوت صليل ، فلما أصبحت أخبرت بواب المسجد فلم يعبأ بذلك لخلو تلك الدار ، وبعد ذلك الأمر عن الأفكار ، ولكن الله أراد هتك المذكور وحلول النقمة به ، فأنهى بعض الناس إلى أمير المدينة أن المذكور معه شيء كثير من المال غير معهود ، فأمسكه الأمير وضيّق عليه بالسجن ، فانخلس ليلا ، ثم شاع بالمدينة بيع شبابيك من الفضة والذهب ، فكثر القال والقيل ، ثم في شهر ربيع الأول من سنة إحدى وستين استفاض أن برغوثا بالينبع ومعه قطع من ذهب القناديل ، فافتقد النظار الحجرة الشريفة ، فرأوا أكثر القناديل مأخوذا ، فعلموا الحال ، لكن لم يعلموا الكيفية ، واتهمت ابنة السراج النفطي بممالأة برغوث على ذلك وأنه إنما تسور من بيت أبيها لكونه متصلا بالمسجد في قبلته ، وأظهر الله براءتها بعد ذلك ، وكان بالمدينة إذ ذاك زين الدين استدار الصحبة فعقد مجلسا لذلك ، واجتمع أعيان أهل المدينة ، وكتبوا إلى أمير الينبع بالقبض على برغوث وإرساله ، فقبض عليه ، فاعترف أنه فعل ذلك هو ودبوس بن سعد الحسيني الطفيلي ، وجعل أن دخوله من بيت المرأة المتقدم ذكرها ، وأن بعض الخدام اطأه على ذلك ، ثم أظهر الله الحق ، وأن دخوله إنما كان من دار الشباك ، وأن شريكه المعين له على ذلك دبوس المذكور ، ولم ير أمير ينبع إرساله إلى المدينة ، بل تركه عنده منتظرا الأوامر السلطانية ، ثم إن أمير المدينة أمسك دبوسا وبعض أقاربه ، فأنكر هو ، وأقر عليه بعض جماعته وأحضروا جانبا من الذهب والفضة ، ثم هرب برغوث من الحبس بالينبع ، ثم ساقه الله إلى المدينة ، فلما وصل دلّ عليه أميرها ، فأمسكه وحبسه مع دبوس وذويه ، فهربوا ، ثم أظفر الله بهم ، ولم يغب منهم إلا دبوس ، وبرزت المراسيم بقتل من تجرأ على هذه العظيمة ، فقتل أمير المدينة برغوثا وآخر معه من أقاربه يسمى ركابا ، وصلبهما ، ثم ظفر بدبوس وقتله أيضا.

وأخبرت عن برغوث أنه قال : كنت كلما توجهت في حال هربي لغير جهة المدينة كأني أجد من يصدني عن ذلك ، وإذا قصدت جهة المدينة تيسرت لي وكأن شخصا يقودني إليها حتى دخلتها.

وأما عدة القناديل الموجودة في زماننا هذا بالحجرة الشريفة فقد ضبطت في أول سنة


إحدى وثمانين وثمانمائة بأمر السلطان الأشرف لشيخ الحرم الأمير انيال والقضاي الزكوي ؛ فكان عدة معاليق الذهب ثمانية عشر قنديلا وبعض قنديل ، وأربع مشنات ، ومغرافان ، وسواران ، وزنة ذلك سبعة آلاف قفلة وستمائة وخمسة وثلاثون ، من ذلك قنديل كبير في جهة الوجه الشريف زنته أربعة آلاف وستمائة قفلة ، أهداه سلطان الكلرجه شهاب الدين أحمد ، وعدة معاليق الفظة ثلاثمائة قنديل وأربعة وأربعون قنديلا ، وثرية كبيرة ، زنة ذلك ستة وأربعون ألف وأربعمائة وخمسة وثلاثون قفلة ، وكانت ضبطت قبل ذلك في سنة اثنتين وستين وثمانمائة على يد الأمير بردبك التاجي فتحرر من النظر بين المقدارين أن الزائد على ما ضبط في التاريخ المتقدم من الذهب ألف قفلة ومائة وخمسة وخمسون ، ومن الفضة ثلاثة عشر ألف قفلة وسبعمائة وخمسة وثمانون قفلة ، فذلك القدر هو الوارد من عام ثلاث وستين إلى آخر عام تسع وسبعين ، وهناك من المعاليق أيضا غير ما تقدم قنديل من بلور بتابوت من فضة ، وقناديل نحاس أربعة ، وفولاذ واحد مكفّت بالذهب مشبك مكتوب عليه أن الناصر محمد بن قلاوون علقه من يده إلى عام حجه ، ثم ورد في سنة ثمانين في مشيخة الشيخ انيال ولم يدخل في الجملة المتقدمة قنديلان من الذهب زنتهما مائة وخمسة وعشرون قفلة ، ومن الفضة اثنان وثلاثون قنديلا زنتها ألف ومائتان وخمسة وسبعون قفلة ، وفي سنة إحدى وثمانين قنديل ذهب زنته مائة واثنان وأربعون قفلة ، وأربعة وعشرون قنديلا من الفضة زنتها تسعمائة وخمسون قفلة ، وفي سنة اثنين وثمانين من الفضة أحد وثلاثون قنديلا زنتها ألف وخمسمائة وخمسون قفلة ، ولم يرد شيء من الذهب ، وفي سنة ثلاث وثمانين من الذهب قنديل واحد زنته عشرون قفلة ، ومن الفضة خمسة وعشرون قنديلا زنتها ألف ومائة وخمسة وثلاثون قفلة ، وفي سنة أربع وثمانين من الفضة تسعة عشر قنديلا زنتها سبعمائة وخمسة وأربعون قفلة ، ولم يرد شيء من الذهب ؛ فجملة ما ورد في ولاية الأمير انيال في المدة المذكورة من الذهب أربعة قناديل جملة زنتها مائتان وسبعة وثمانون قفلة ، ومن الفضة مائة قنديل وتسعة وعشرون قنديلا جملة زنتها خمسة آلاف وستمائة وخمسة وخمسون قفلة ، ولما شرعوا في عمارة الحجرة الشريفة الآتي ذكرها في سنة إحدى وثمانين وثمانمائة رفعوا جمع المعاليق التي كانت حولها ، ووضعت بالقبة التي بصحن المسجد بأمر متولي العمارة الجناب الشمسي ، ولم يزل بها إلى تاريخه ، ولم يكن اليوم حول الحجرة الشريفة من المعاليق إلا ما تجدد في آخر سنة إحدى وثمانين إلى آخر سنة أربع وثمانين ، ثم حسّن متولي العمارة للسلطان صرف ذلك في مصالح المسجد والمدينة الشريفة ، فحمل بعضه من الحاصل المذكور إلى مصر قبيل الحريق الثاني ، ثم وجدوا ما سقط لسبب الحريق من القناديل التي كانت معلقة بحالها ، ثم صرف متولي العمارة بعض ذلك في تذهيب السقف المعادة بعد الحريق ، ثم


وضع بهذه القبة ما تجمد من مصاريف حب السماط المجدد ، فاجتمع بها نحو ثلاثة عشر ألف دينار ، فاتفق أن أمير المدينة حسن بن زبيري المنصوري حضر بجماعة مع الاستعداد بالأسلحة والسيوف المسلولة ؛ فدخل المسجد الشريف على تلك الحالة وقت الظهر من سادس ربيع الأول عام أحد وتسعمائة ، وأمر خازندار الحرم الشريف بإحضار مفاتيح الحاصل المذكور ، فامتنع من ذلك ، فضربه ضربا مبرحا ، ثم عمد إلى باب الحاصل المذكور وأحضر فأسا وكسره وأخذ جميع ما فيه من النقد والقناديل والسبائك ، فحمل منه ثلاثة أحمال على فرسين وبغل وغرائر تسع على ظهور الحمالين ، ثم ذهب إلى حصنه وأحضر الصياغ وسبك تلك القناديل ، وذكر أنه صنع ذلك رغبة عن إمرة المدينة ؛ لأن ولايته كانت بطريق النيابة عن السيد الشريف محمد بن بركات لتفويض السلطان الأشرف إليه أمر الحجاز وأن المشار إليه صار يأخذ حصته مما يحمل له من الإقطاع ومن الصدقات ، وعطل عليه أهل مصر بعض إقطاعه ، فحمله ذلك على ما سبق.

حكم معاليق المسجد النبوي

أما حكم هذه المعاليق ونحوها من تحلية الصندوق المتقدم ذكره والقائم الذي بأعلاه فحكم معاليق الكعبة الشريفة وتحليتها ، وقد تكلم السبكي في حكم قناديل الكعبة وحليتها والقناديل التي حول الحجرة الشريفة ، وألّف في ذلك كتابا سماه «تنزل السكينة ، على قناديل المدينة» فأورد حديث البخاري وغيره في كنز الكعبة وما تضمنه من إقرار النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم له بمحله ، ثم أبي بكر بعده ، ورجوع عمررضي‌الله‌عنه لذلك لما ذكره به ابن شبة ، وقال : هما المرآن يقتدي بهما ، قال : فهذا الحديث عمدة في مال الكعبة ، وهو ما يهدى إليها أو ما ينذر لها وما يوجد فيها من الأموال.

قال ابن بطال : أراد عمر إنفاقه في منافع المسلمين ، ثم لما ذكر أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يتعرض له أمسك ، وإنما ترك ذلك والله أعلم لأن ما جعل في الكعبة وسبّل لها يجري مجرى الأوقاف ؛ فلا يجوز تغييره عن وجهه ، وفي ذلك تعظيم للإسلام وترهيب للعدو.

قلت : قد تعقب ذلك الحافظ ابن حجر باحتمال أن يكون النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إنما تركه رعاية لقلوب قريش ، كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ، ويؤيده ما وقع عند مسلم في بعض طرق حديث عائشةرضي‌الله‌عنه ولفظه «لو لا أن قومك حديثو عهد بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ، ولجعلت بابها بالأرض» الحديث ، فهذا التعليل هو المعتمد.

قلت : لكن قد يقال : حيث تركه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لهذه العلة ثم تركه أبو بكر ثم عمر بعد الهم به ورجوعه عن ذلك ثم من بعده فهو إجماع على تركه ؛ فلا نتعرض له ؛ لما يترتب عليه من الشناعة والله أعلم.


قال السبكي : ولا يغلط في أن ذلك يصرف إلى فقراء الحرم ، فإنما يكون ذلك إذا كان الإهداء إلى الحرم أو إلى مكة ، أما إذا كان للكعبة نفسها فلا يصرف إلا إليها ، كأن تعرض لها عمارة فحينئذ ينظر : فإن كانت تلك الأموال قد أرصدت لذلك صرفت فيه ، وإلا فيختص بها الوجه الذي أرصد له ، فالمرصد للبخور مثلا لا يصرف للسترة.

قال : وأما القناديل التي فيها والصفائح التي عليها فلا يصرف منها شيء ، بل تبقى على حالها ، وقول عمر «لقد هممت ألّا أدع فيها صفرا ولا بيضا» محتمل للنوعين ، ولم ينقل إلينا صفتها التي كانت ذلك الوقت ، ومن قال أول من ذهّب البيت في الإسلام الوليد لا ينفي أن يكون البيت ذهّب في الجاهلية وبقي إلى عهد عمر.

قلت : قد نقل التقي الفاسي عن خط الحافظ رشيد الدين بن المنذري في اختصاره لتاريخ المسبحي ما لفظه : وفيها ـ أي سنة خمس وستين ـ استتم ابن الزبير بناء الكعبة ، ويقال : إنه بناها بالرصاص المذوب المخلوط بالورس ، وجعل على الكعبة وأساطينها صفائح الذهب ومفاتحها ذهبا ، اه. فإن صح فهو أولى ما يحتج به.

ثم نقل السبكي عن الرافعي أنه قال : لا يجوز تحلية الكعبة بالذهب والفضة وتعليق قناديلها. ثم نقل أن في تحلية الكعبة والمساجد بالذهب والفضة وتعليق قناديلها وجهين مرويين في الحاوي وغيره : أحدهما : الجواز ، تعظيما كما في المصحف ، وكما يجوز ستر الكعبة بالديباج ، وأظهرهما المنع ؛ إذ لم ينقل ذلك عن فعل السلف ، ثم استشكل كلام الرافعي فقال : وأما التسوية بين الكعبة والمساجد فلا ينبغي ؛ لأن للكعبة من التعظيم ما ليس للمساجد ، بدليل جواز سترها بالحرير إجماعا ، وفي ستر المساجد به خلاف ، فحكاية الخلاف فيها مشكل ، وترجيح المنع أشكل ، وكيف وقد فعل ذلك في صدر هذه الأمة ، وقد تولى عمر بن عبد العزيز عمارة مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الوليد وذهّب سقفه بأمره من غير مراجعة ، بل لما ولي الخلافة بعد ذلك أراد أن يزيل ما في جامع بني أمية من الذهب فقيل له : إنه لا يتحصل منه شيء يقوم بأجرة حكّه ، فتركه. والصفائح التي على الكعبة يتحصّل منها شيء كثير ، فلو كان فعلها حراما لأزالها في خلافته ، فلما تركها ومعه جميع من يحج كل عام وجب القطع بجوازها ، وهذا في تحلية الكعبة بالصفائح ، ولا منع من جريان الخلاف في التمويه لإزالة المالية ، ولا من إجراء الخلاف في سائر المساجد تمويها وتحلية ، على أن القاضي حسين جزم بحل تحلية المسجد بالقناديل من الذهب ونحوها ، وأن حكمها حكم الحلي المباح ، وهذا أرجح مما قال الرافعي ؛ لأنه ليس على تحريمهما دليل ، والحرام من الذهب إنما هو استعمال الذكور له ، والأكل والشرب ونحوهما ، وليس في تحلية المسجد بالقناديل ونحوها شيء من ذلك ، لكن لا أقول إنه ينتهي إلى حد القربة في سائر المساج ،


وتعليل الرافعي لما قاله بأن ذلك لم ينقل عن فعل السلف عجيب ؛ إذ لا يقتضي ذلك التحريم ، ومن حرّم اتخاذ الآنية وهو الأصح فإنما حرمه لأن النفس تدعو إلى الاستعمال المحرّم ، وذلك إذا كانت له ، وأما إذا جعلها للمسجد فلا تدعو النفس لذلك ، فكيف يحرم وهي لا تسمى أواني؟

قال : ورأيت الحنابلة قالوا بتحريمها للمسجد ، وجعلوها من الأواني أو مقيسة عليها ، وليس بصحيح ، ومن يقول بجواز التحلية والقناديل في سائر المساجد فلا شك أنه يقول بها في المساجد الثلاثة بطريق الأولى ، ومن منع فلم يصرح في المساجد الثلاثة بشيء ، لكن عموم كلامهم يشملها ، وينبغي ترتيب الخلاف : ففي المساجد غير الثلاثة وجهان أصحهما الجواز ، ومسجد بيت المقدس أولى بالجواز ، والمسجدان مسجد مكة ومسجد المدينة أولى منه ، ثم المسجدان على الخلاف في تفضيلهما ، وقد يقال إن مسجد المدينة أولى لمجاورة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقصد تعظيمه بما في مسجده من ذلك ، هذا كله بحث ، والمنقول ما تقدم.

وهذا في الاتخاذ من غير وقف ، فإن وقف المتخذ من ذلك فقد قطع القاضي حسين والرافعي بأنه لا زكاة فيه ، وقد رجح الرافعي فيها التحريم ، فكيف يرجح ذلك؟ إذ مقتضاه صحة وقفها ، فلعل مراد الرافعي إذا وقفت على قصد صحيح وإذا فرعنا على صحة وقفها. قال : وهذا حكم المساجد في ذلك ، وأما الحجرة الشريفة فتعليق القناديل فيها أمر معتاد من زمان ، ولا شك أنها أولى بذلك من غيرها ، والذين ذكروا الخلاف في المساجد لم يذكروها ، وكم من عالم وصالح قد أتى للزيارة ولم يحصل من أحد إنكار لذلك.

فهذا وحده كاف في جواز ذلك مع ما تقدم ، واستقراء الأدلة فلم يوجد فيها ما يدل على المنع. قال : فنحن نقطع بالجواز ، والحجرة الشريفة هي بيت عائشة وما حوله ، وأشار إلى بيان أن ما حوله إما منه أو من بقية الحجر المدخلة في المسجد.

قال : والمدفن الشريف بالحجرة له شرف على جميع المساجد وعلى الكعبة ؛ فلا يلزم من المنع في المساجد والكعبة المنع هنا.

قال : ولم نر أحدا قال بالمنع هنا ، فما وقف من ذلك إكراما لذلك المكان صح وقفه ، وإن اقتصر على إهدائه صح أيضا كالمهدى للكعبة ، وكذلك المنذور له ، وقد يزاد هنا فيقال : إنه مستحق للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم والنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حي ، وإنما يحكم بانقطاع ملكه بموته عما كان في ملكه وجعله صدقة بعده.

وأما هذا النوع فلا يمتنع ملكه له ، وهو الذي في أذهان كثير من الناس حيث يقولون : هذا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

ثم أورد ما رواه يحيى بن الحسين بسنده من الخبر الآتي في إجمار المسجد عن عبد الله بن


محمد بن عمار عن أبيه عن جده قال : أتى عمر بن الخطاب بمجمرة من فضة فيها تماثيل ، فدفعها إلى سعد أحد المؤذنين ، وقال : أجمر بها في الجمعة وفي شهر رمضان ، فكان سعد يجمر بها بين يدي عمر بن الخطاب ، الخبر الآتي.

ثم قال : عبد الله بن محمد بن عمار بن سعد القرظ ضعفه ابن معين ، وكذا الراوي عنه ، ومحمد بن عمار حسن له الترمذي ، فلو سلم ممن دونه كان جيدا ، ومقتضى اشتراط الفقهاء الاحتواء في المجمرة عدم تحريم هذا الصنيع ، لكن العرف دال على عد ذلك استعمالا ، فإما أن يكون الحديث ضعيفا ، وإما أن يكون احتمل ذلك لأجل المسجد تعظيما له ، فتكون القناديل بطريق الأولى ؛ إذ لا استعمال فيها.

قال : ولا يجوز صرف شيء من قناديل الحجرة في عمارتها ، ولا في عمارة المسجد ؛ لأنها إنما أعدت للبقاء ، وليس قصد بها جهات إلا ذلك ، سواء وقفها أو اقتصر على إهدائها.

قال : وقد سئلت عن جواز بيعها لعمارة المسجد النبوي ، فأنكرته واستقبحته ، وكيف يبلغ ملوك الأرض أنا بعنا قناديل نبينا لعمارة حرمه ونحن نفديه بأنفسنا فضلا عن أموالنا؟ وما برحت الملوك يفتخرون بعمارته.

قلت : وقد تعقبه جماعة ، والمحل قابل للمناقشة ، وليس ذلك من غرضنا ، غير أنا نقول : ستر الكعبة بالديباج قام عليه الإجماع ، وأما التحلية بما ذكر فلم يثبت عن من يحتج بفعله ، وترك عمر بن عبد العزيز يحتمل أعذارا ليس هذا محل بيانها.

وقد نقل الشيخ الموفق الإجماع على تحريم استعمال أواني الذهب ، والقناديل من الأواني بلا شك ، واستعمال كل شيء بحسبه ؛ فاستعمال ما ذكر بتعليقه للزينة ، وقد سلم تحريم اتخاذ الأبنية منها أيضا.

وقد ذكر الجمال الكازروني المدني أشياء أيّد بها كلام السبكي : منها أن الله تعالى قال :( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ ) [النور : ٣٦] قال : وهي بيوت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قاله مجاهد ، ومعنى ترفع تعظم ويرفع شأنها وتزين ، وتزيينها تعليق قناديل الذهب فيها ، وتطهر من الأنجاس والأقذار وتطيب.

قلت : قوله «ومن تعظيمها تعليق ذلك فيها» هو محل النزاع ؛ لأن من حرم ذلك لا يسلمه ، والله أعلم.

ومنها : أنه روي عن عثمان تعليق قناديل الذهب بالمسجد النبوي.

قلت : ولعله من اختلاف أعدائه عليه ، ولم أره مسطورا في تأليف ، ولو كان له أصل لذكره مؤرخو المدينة.


ومنها : أن عمر بن عبد العزيز فعله في بنيانه للوليد ولم ينكر عليه.

قلت : ولم أره في تأليف أيضا.

ومنها : أنه روي أن سليمان بن داودعليه‌السلام بنى مسجد بيت المقدس ، وبالغ في زينته وتعليق القناديل فيه ، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ.

قلت : لم ينقل تعليق داودعليه‌السلام لقناديل الذهب به ، ولو صح ذلك فالناسخ في شرعنا تحريم الآنية ، وهذا آنية ، وما تقدم عن السبكي في كونه ليس بانية ممنوع.

ومنها : ما رواه الثعلبي في حديث إتيان المساجد يوم القيامة ، وفيه «وأئمتها يسوقونها ، وعمارها ومزينوها ومحلوها متعلقون بها» الحديث.

قلت : أخذ ذلك من رواية القرطبي عن الثعلبي ، كما رأيته في بعض النسخ ، وقد راجعت القرطبي أيضا في ذلك فرأيته روى الحديث المذكور من طريق الثعلبي ، وليس فيه «ومزينوها ومحلوها» بل لفظه «وعمارها متعلقون بها».

ومنها : ما رواه سعيد بن ربان ـ بالموحدة المشددة ـ قال : حدثني أبي عن أبيه عن جده عن أبي هند قال : حمل تميم يعني الداري من الشام إلى المدينة قناديل وزيتا ومقطا وقنديلا أو قنديلين من الذهب ، فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك ليلة الجمعة ، فأمر غلاما يقال له أبو البراد ، فقام فبسط المقط وعلق القناديل ، وصب فيها الماء والزيت ، وجعل فيها الفتل ، فلما غربت الشمس أمر البراد فأسرجها ، وخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى المسجد ، فإذا هو بها تزهر ، فقال : من فعل هذا؟ قالوا : تميم الداري يا رسول الله ، فقال : نورت الإسلام ، وحليت مسجده ، نور الله عليك في الدنيا والآخرة! ـ الحديث.

قلت : قد أخذ ذلك من تفسير القرطبي ، كما رأيته في بعض النسخ ، وفي بعضها إسقاط عروة للقرطبي ، وقد راجعت تفسير القرطبي فرأيته أورد الحديث المذكور بحروفه ، وليس فيه قوله «وقنديلا أو قنديلين من الذهب» ولا قوله «وحليت مسجده».

ومنها : ما روي أن عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه لما دخل الشام تلقاه معاوية بعساكر وجنود كثيرة وخيول مسومة وأسلحة مخوصة بالذهب والفضة ولبوس الحرير والديباج وزينة حسنة كزينة فارس والروم ، فقال عمر : ما هذا يا معاوية؟ وما هذه الزينة والفخار؟ لقد أتيت أمرا إمرا وارتقيت مرتقى صعبا ، فقال : يا أمير المؤمنين هذا غيظ كفارنا ، ومقهرة لأعدائنا ، وإن فرائصهم لترتعد ، وإن قوائمهم لتخور من ذلك ، وإنا لنجد بذلك المظهر عليهم والذلة والصغار فيهم ، وأشربوا في قلوبهم الرعب حين يرون مساجدنا محلاة بالذهب وسقوفها منقطة بقناديل الذهب ـ الخبر ، وفيه أن عمر سكت عنه.

قلت : الخبر ذكره المؤرخون ، ومثله لا تقوم الحجة به ، ولم أر فيه الزيادة المتعلقة بتحلية


المساجد ، وقد رأيت في بعض النسخ نسبة ذلك للذهبي في تاريخ الإسلام ، وأسقط العزو في نسخة أخرى ، فليراجع ذلك من تاريخ الإسلام ، فإن لم يكن فيه هذه الزيادة فالذي يظهر لي أن بعض المتعصبين ألحق هذه الأشياء في الروايات المتقدمة ليتم بها الاستدلال ، فإن المسألة وقع فيها تعصبات ، وكأن الجمال الكازروني إنما أراد إفادة أصل وضع القناديل ، وذكر ما يشعر بهذا الأمر ، فلما رأى ذلك المتعصب أن الاستدلال لا يتم إلا بذلك ألحقه ، ولم يشعر أنه لو كان ذلك موجودا لم يكن فيه حجة لعدم اتصال السند الصحيح في ذلك.

ومن تأمل سيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأحواله لم يخف عليه أن كل ذلك لم يكن يعجبه في حياته ، هذا الذي أعتقده ، والله أعلم.

الفصل السادس والعشرون

في الحريق الأول القديم المستولي على تلك الزخارف المحدثة بالحجرة

الشريفة والمسجد وسقفهما ، وما أعيد من ذلك ، وما تجدد من توسعة المسقف

القبلي بزيادة الرواقين فيه ، وغير ذلك

سبب الحريق وتاريخه

قال المؤرخون : احترق المسجد النبوي ليلة الجمعة أول شهر رمضان من سنة أربع وخمسين وستمائة في أول الليل ، ونقل أبو شامة أن ابتداء حرقه كان من زاويته الغربية من الشمال ، وسبب ذلك ـ كما ذكره أكثرهم ـ أن أبا بكر بن أوحد الفراش أحد القوّام بالمسجد الشريف دخل إلى حاصل المسجد هناك ومعه نار ، فغافل عنها إلى أن علقت في بعض الآلات التي كانت في الحاصل ، وأعجزه طفيها ، ثم احترق الفراش المذكور والحاصل وجميع ما فيه.

وقد صنف القطب القسطلاني في ذلك وفي النار المتقدم ذكرها في الفصل الثالث من الباب الثاني وهي نار الحجاز التي ظهرت بالمدينة الشريفة في ذلك العام كتابا سماه «عروة التوثيق ، في النار والحريق» ذكر فيه بدائع من حكم الله تعالى في حدوث ذلك ، وقد كان القطب بمكة حين وقع ذلك ، وقد نبه فيه على ما يوافق ما قدمناه عن المؤرخين.

فقال : كتب إلى الصادق في الخبر ، وشافهني من شاهد الأثر ، أن السبب في حريق المسجد الشريف دخول أحد قومة المسجد في المخزن الذي في الجانب الغربي من آخر باب المسجد لاستخراج قناديل لمنائر المسجد ، فاستخرج منها ما احتاج إليه ، ثم ترك الضوء الذي كان في يده على قفص من أقفاص القناديل وفيه مشاق ، فاشتعل فيه ، وبادر لأن يطفأه فغلبه وعلق بحصر وبسط وأقفاص وقصب كان في المخزن ، ثم تزايد الالتهاب وتضاعف إلى أن علا إلى سقف المسجد ، انتهى.


وفي العبر للذهبي أن حرقه كان من مسرجة القوّام.

قال المؤرخون : ثم دبت النار في السقف بسرعة آخذة قبله ، وأعجلت الناس عن إطفائها بعد أن نزل أمير المدينة فاجتمع معه غالب أهل المدينة فلم يقدروا على قطعها ، وما كان إلا أقل من القليل حتى استولى الحريق على جميع سقف المسجد الشريف واحترق جميعه حتى لم تبق خشبة واحدة.

قلت : لعل مرادهم لم تبق خشبة كاملة ؛ لما قدمناه من مشاهدة بقايا خشب كثير عند إخراج الهدم الذي كان بالحجرة.

قال القطب القسطلاني : وتلف جميع ما احتوى عليه المسجد الشريف من المنبر النبوي والأبواب والخزائن والشبابيك والمقصير والصناديق وما اشتملت عليه من كتب وكسوة الحجرة وكان عليها إحدى عشرة ستارة.

حكمة الله في الحريق

ثم ذكر القطب حكما لذلك وأسرارا ، لكون تلك الزخارف لم ترضهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وككون القلوب لما لاحظت المساجد الثاثة بعين التعظيم ولا يجوز في ذلك أن تنزل فوق قدرها ، بل لا بد أن يعتقد أن صفة قهره تعالى وعظمته مستولية على الجميع ؛ فهو الواحد القهار ، فوقع الحريق في الكعبة وبيت المقدس قديما ، ثم وقع بهذا المسجد في هذا الزمان عقب ظهور المعجزة العظيمة في ظهور نار الحجاز التي أخبر بها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وحماية جيرانه منها لما التجئوا إليه وانطفائها عند الوصول إلى حرمه كما سبق ، وربما خطر ببال العوام أن حبس النار عنهم ببركة الجوار موجب لحبسها عنهم في الآخرة ، فاقتضى الحال التبيين بذلك.

ونظم الأقشهري أبياتا مضمونها أن تسليط النار كان على تلك الزخارف المنهي عنها ، وأن ما كان حقا فيبقى ، وما كان زورا فبالنار يحرق ، قال : وأنشدني الحافظ الصالح الشيخ إبراهيم بن محمد الكناني رئيس المؤذنين هو وأبوه قال : وجد بعد الحريق في بعض جدران المسجد بيتان وهما :

لم يحترق حرم النبيّ لريبة

يخشى عليه وما به من عار

لكنه أيدي الروافض لامست

تلك الرسوم فطهّرت بالنار

قلت : وأوردهما المجد بلفظ :

لم يحترق حرم النبي لحادث

يخشى عليه ولا دهاه العار

لكنما أيدي الروافض لامست

ذاك الجناب فطهرته النار

وأورد بعدهما بيتين آخرين هما :

قل للروافض بالمدينة ما بكم

لقيادكم للذم كل سفيه


ما أصبح الحرم الشريف محرّقا

إلا لسبكم الصحابة فيه

قلت : وهذا لأن الاستيلاء على المسجد والمدينة كان في ذلك الزمان للشيعة وكان القاضي والخطيب منهم ، حتى ذكر ابن فرحون أن أهل السنة لم يكن أحد منهم يتظاهر بقراءة كتب أهل السنة.

قال المؤرخون : ولم يسلم سوى القبة التي أحدثها الناصر لدين الله لحفظ ذخائر الحرم مثل المصحف الكريم العثماني وعدة صناديق كبار متقدمة التاريخ صنعت ـ يعني تلك الصناديق ـ بعد الثلاثمائة ، وهي باقية إلى اليوم ، يعني في زمانهم ، وذلك لكون القبة المذكورة بوسط صحن المسجد وببركة المصحف الشريف العثماني.

وكانت عمارة القبة المذكورة ـ على ما ذكره ابن فرحون ـ سنة ست وسبعين وخمسمائة.

قالوا : وبقيت سواري المسجد قائمة كأنها جذوع النخل إذا هبت الرياح تتمايل ، وذاب الرصاص من بعض الأساطين فسقطت ، ووقع السقف الذي كان على أعلى الحجرة على سقف بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فوقعا جميعا في الحجرة الشريفة وعلى القبور المقدسة. وعبارة الذهبي وتبعه التقي السبكي : فوقع بعض سقف الحجرة ، وكل ذلك قبل أن ينام الناس ، وأصبحوا يوم الجمعة فعزلوا موضعا للصلاة ، وكتب بذلك للخليفة المستعصم بالله أبي أحمد عبد الله بن المستنصر بالله في شهر رمضان ، فوصلت الآلات صحبة الصناع مع ركب العراق في الموسم ، وابتدئ بالعمارة أول سنة خمس وخمسين وستمائة.

الشروع في العمارة بعد الحريق

قال المطري : ولما شرعوا في العمارة قصدوا إزالة ما وقع من السقوف على القبور الشريفة فلم يجسروا على ذلك ، واتفق رأي صاحب المدينة يومئذ ـ وهو الأمير منيف بن شيحة بن هاشم بن قاسم بن مهني الحسيني ـ ورأى أكابر أهل الحرم الشريف من المجاورين والخدام أن يطالع الإمام المستعصم بذلك ليفعل ما يصل به أمره ، فأرسلوا بذلك ، وانتظروا الجواب ، فلم يصل إليهم جواب لاشتغال الخليفة وأهل دولته بإزعاج التتار لهم ، واستيلائهم على أعمال بغداد في تلك السنة ، فتركوا الردم على ما كان عليه ، ولم ينزل أحد هناك ، ولم يتعرضوا له ولا حركوه.

وعبارة المجد الشيرازي : فتركوا الردم على ما كان عليه ، ولم يجسر أحد على التعرض لهذه العظيمة التي دون مرامها تزل الأقدام ، ولا يتأتى من كل أحد بادئ بدئه الدخول فيه والإقدام.

قلت : وقد كنت في تعجب عظيم من أهل ذلك الزمان في تركهم لذلك ، وألفت كتابا سميته «الوفا ، بما يجب لحضرة المصطفى» بينت فيه أن الواجب في سلوك الأدب مع هذا


النبي العظيم والقيام بما وجب على الأمة من تعظيمه وتعظيم قبره الشريف هو إزالة ذلك عنه وقمّه من حجرته الشريفة ، حتى اتفقت العمارة الآتي بيانها ، ولم يكن تأليفي السابق سببا في شيء من ذلك كما سيأتي بيانه ، حتى إني لم أطلع عليه متولي العمارة إلا بعد هدمه لشيء من جدار الحجرة ، فلما نقبوا الجدار الظاهر شاهدت بين الجدارين في الفضاء الذي خلف الحجرة أمرا مهولا من الهدم الذي خص ذلك الموضع ، فإنه كما سيأتي كان فيه نحو القامة ، فعلمت أن أهل ذلك الزمان لم يتركوه إلا لعلمهم بأن إزالته لا تتأتى إلا بانتهاك الحرمة ، فتوقفوا في ذلك ، فجزاهم الله تعالى خيرا ، وما كنت أعتقد إلا أنه أمر خفيف يتأتى قمّه مع رعاية الأدب ، فوجدته أمرا مهولا معظمه ردم سقف المسجد الأعلى وما بين السقفين من البناء الذي على رءوس السواري وغير ذلك ، ولذلك استخرت الله تعالى في عدم حضور ذلك عند إخراجه ، ووقفت بين يدي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وسألت منه المدد في أن يوفقني الله تعالى لما يرضيه في ذلك ، فحفظني الله من حضور ذلك.

وقال المطري عقب قوله ولم يتعرضوا له ولا حركوه : إنهم أعادوا سقفا فوقه على رءوس السواري التي حول الحجرة الشريفة ؛ فإن الحائط الذي بناه عمر بن عبد العزيز حول بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بين هذه السواري التي حول بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يبلغ به السقف.

قلت : تبع المطري على ذلك من جاء بعده ، فتوافقوا على أنهم لم يجعلوا للحجرة بعد الحريق سقفا ؛ لأن السقف الذي على رءوس السواري هو سقف المسجد ، فاقتضى ذلك أنهم جعلوا سقف المسجد سقف الحجرة ، وذكروا أنهم أداروا الشباك على رأس جدار عمر بن عبد العزيز حتى بلغوا به سقف المسجد ؛ وأول شيء ابتدءوا به من سقف المسجد ما حاذى الحجرة الشريفة منه ، وفيه مخالفة لما شاهدناه في العمارة الآتي بيانها ، فإنهم وجدوا عليها سقفا مربعا على جدارها الداخل ، ويتصل بالخارج من المشرق والمغرب ، وهو دوين رأس الجدار الخارج بنحو شبر ، ثم تبين عند كشفه آثار السقف المنهدم وأن أخشابه كانت في الجدار الداخل ، ولم يعيدوا هذا السقف المجدد موضع الأول ؛ لأنه لا يتأتى إلا بهدم سترته وإصلاح أماكن لرؤوس الخشب ، فتركوا ذلك تأدبا واحتراما ، ووضعوا ذلك السقف على أعلى سترة الجدار ، وبنوا فوقه سترة لطيفة ، وجعلوا على ذلك السقف ستارة من المحابس اليمنية المبطنة بقماش أزرق مربوطة بمقط في الشباك الذي بأعلى الحائز الظاهر ، وليس ذلك السقف مطينا ، وهو سقف محكم من ألواح ثخينة جدا من الساج الهندي ، وسمروا بعضها إلى بعض على قوائم من خشب ، وجعلوه أربع قطع كل قطعة كالباب العظيم ، وجعلوا عند ملتقى كل قطعتين من تلك القطع مقصاة من حديد ، وكلّبوا بعضها إلى بعض تكليبا محكما ، وجعلوا تحت ثلاث جزم من الساج الهندي تحمله ، وأوصلوا أطراف تلك الألواح بالجدار


الظاهر كما تقدم ، ولم يجعلوا في تلك الألواح دهانا ولا نقوشا ولا كتابة ، غير أن النجار الذي صنع السقف المذكور كتب اسمه على طرفه نقرا ، وكذلك سقف المسجد المحاذي للحجرة الشريفة مما يلي هذا السقف جميعه من الساج النقي ليس عليه دهان ولا نقوش وفي وسطه طابق عليه قفل فوقه أنطاع ومشمع ، ولم يزل موجودا إلى أن عملت القبة الثانية بعد الحريق الثاني ، وجعلوا على جدار الحجرة الداخل من جهة الشام ألواحا من رأس الجدار إلى سقف المسجد.

والعجب أنهم عند رفع هذا السقف وجدوا جزمتين من الأخشاب التي تحته قد تأكلتا ولم يبق إلا جزمة واحدة ، ومع ذلك كانت كافية في حمله ، فجزى الله تعالى أهل ذلك الزمان خيرا ، والظاهر أن ذلك فعل عند إعادة سقف المسجد الذي ذكره المطري.

ولنرجع إلى ما ذكره عقب ما تقدم عنه ، قال : وسقفوا في هذه السنة ـ وهي سنة خمس وخمسين ـ الحجرة

الشريفة وما حولها إلى الحائط القبلي وإلى الحائط الشرقي إلى باب جبريلعليه‌السلام المعروف قديما بباب عثمان ، ومن جهة المغرب الروضة الشريفة جميعها إلى المنبر الشريف.

ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة فكان في المحرم منها واقعة بغداد واستيلاء التتار عليها وقتلهم الخليفة المذكور مع أهلها.

قلت : وهي من أعظم الوقائع ، وقد ذكرتها في كتابي «الوفا» وأشرت إليها في الفصل الثالث من الباب الثاني عند ذكر نار الحجاز ، وذكرت ما أفاده الذهبي من استيلاء الحريق على بغداد أيضا حتى تربة الخلفاء ، وكانوا في العام قبله قد أشرفوا على الغرق ، فسبحان الملك العظيم.

قال المطري عقب ما تقدم : فوصلت الآلات من مصر ، وكان المتولي عليها حينئذ الملك المنصور نور الدين علي بن الملك المعز عز الدين أيبك الصالحي ، ووصل أيضا آلات وأخشاب من صاحب اليمن يومئذ وهو الملك المظفر شمس الدين يوسف بن منصور عمر ابن علي بن رسول ، فعملوا إلى باب السلام المعروف قديما بباب مروان ، ثم عزل صاحب مصر المذكور ـ يعني في آخر سنة سبع وخمسين في ذي القعدة منها ـ وتولى مكانه مملوك أبيه الملك المظفر سيف الدين قطز المعزي ، واسمه الحقيقي محمود بن ممدود ، وأمه أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه ، وأبوه ابن عمه أسر عند غلبة التتار ، فبيع بدمشق ، ثم انتقل بالبيع إلى مصر ، وتملك في سنة ثمان وخمسين.

قلت : إنما ولي في يوم السبت ثامن عشر ذي القعدة من سنة سبع ، وفي شهر رمضان من سنة ثمان كانت وقعت عين جالوت التي أعز الله فيها الإسلام وأهله على يديه ، ولم


يستكمل في ملكه السنة بكمالها ، بل قتل بعد الوقعة بشهر وهو داخل إلى مصر ، فكان العمل بالمسجد الشريف تلك السنة من باب السلام إلى باب الرحمة المعروف قديما بباب عاتكة ، ومن باب جبريل إلى باب النساء المعروف قديما بباب ريطة ابنة أبي العباس السفاح ، وتولى مصر آخر تلك السنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي ، ويعرف بالبندقداري ، فعمل في أيامه باقي سقف المسجد الشريف من باب الرحمة إلى شمالي المسجد ، ثم إلى باب النساء ، وكمل سقف المسجد كما كان قبل الحريق سقفا فوق سقف.

قلت : وذكر المؤرخون أن الظاهر ركن الدين المذكور لما ولي حصل منه الاهتمام بذلك ؛ فجهز الأخشاب والحديد والرصاص ، ومن الصناع ثلاثة وخمسين صانعا وما يمونهم ، وأنفق عليهم قبل سفرهم ، وأرسل معهم الأمير جمال الدين محسن الصالحي وغيره ، ثم صار يمدهم بما يحتاجون إليه من الآلات والنفقات ، ثم لم يزل المسجد على ذلك حتى جددوا السقف الشرقي والسقف الغربي ـ أي الذي عن يمين صحن المسجد وشماله ـ في سنتي خمس وست وسبعمائة في أوائل دولة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي ، فجعلا سقفا واحدا نسبة السقف الشمالي أي سقف الدكاك فإنه جعل في عمارة الملك الظاهر كذلك.

ثم في سنة تسع وعشرين وسبعمائة أمر السلطان الملك الناصر محمد المذكور بزيادة رواقين في المسقف القبلي متصلين بمؤخره ، فاتسع مسقفه بهما وعم نفعهما.

قلت : ثم حصل فيهما خلل فجددهما الملك الأشرف برسباي في ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة على يد مقبل القديدي من مال جوالي قبرص ، على ما أخبرني به بعض مشايخ الحرم ، ورأيته مكتوبا كذلك باللوح التي كانت بظاهر العقود من المسقف القبلي مما يلي رحبة المسجد ، وهو سقف واحد في موازاة سقف المسجد الأسفل ، ولذلك صار سقف مقدم المسجد القديم مرتفعا من أعلاه على هذين الرواقين وغيرهما من بقية المسجد ، وله باب يدخل إليه من بين السقفين شارع في مبدأ الرواقين المذكورين مما يلي المشرق ، وجدد الأشرف المذكور أيضا شيئا من السقف الشامي مما يلي المنارة السنجارية ، ثم حصل خلل في سقف الروضة الشريفة وغيرها من سقف المسجد في دولة الظاهر جقمق فجدد ذلك في سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة وما قبلها على يد الأمير بردبك الناصر المعمار وغيره.

ثم في دولة مولانا السلطان الملك الأشرف قايتباي أدام الله تعالى تأييده ونصره أنهى إليه احتياج سقوف المسجد الشريف للعمارة فبرز أمره الشريف بذلك كما ستأتي الإشارة إليه للجناب الخواجكي الشمسي شمس الدين بن الزمن أعزه الله بعز طاعته ، فحضر لذلك في أثناء سنة تسع وسبعين صحبة أمير جدة ورتب أمر العمارة وسافر صحبته أيضا ، فهدموا


عقود المسجد التي تلي رحبته من جهة المشرق وسقف الرواق الذي كان عليها ؛ لاقتضاء نظرهم ذلك ، ونقضوا بعض أساطينه فوجد بعضها لا رصاص فيه ، وبعضها فيه رصاص ، ثم أعادوا ذلك في سنتهم ، وهدموا أيضا جانبا من سور المسجد الشريف مما يلي المشرق من جهة المنارة الشرقية المعروفة بالسنجارية من باب سلّمها ، وهو الباب الثاني جوف بابها الظاهر ، إلى ما يوازي حرف الدكاك من القبلة ، وذلك آخر المسقف الشامي ، ومقدار ذلك سبعة وعشرون ذراعا بذراع اليد المتقدم وصفه ، هدموا ذلك من أعلاه إلى أسفله ، وبلغوا به دك الأس القديم ، وظهر في أصل جدار المنارة المذكورة انشقاق وكانت تضطرب عند الهدم بحيث خشي سقوطها ، فسكبوا في ذلك الشق كثيرا من الجص المذاب حتى امتلأ ، وكان ما هدموه من سور المسجد وعقوده مبنيا بالجص السكب ، فذكر مهندس العمارة أن الجدار إنما اختل لأن السباخ له تأثير في إذابة الجص ، واقتضى رأيه أن يؤسسه بالطين والنورة المخلوطة بناعم الحصباء ، ففعلوا ذلك في الجدار المذكور كله وفي العقود المذكورة أيضا ، وكحلوا أطراف وجوه الأحجار بالجص من داخل المسجد وخارجه ، ورفعوا السقف الكائن أمام المنارة المذكورة إلى جنب ما هدموه من الجدار المذكور ، وأعادوا ذلك من سنتهم أيضا. ثم اتفقت أمور اقتضت تأخير العمارة ، فتعطلت في سنة ثمانين. ثم ورد الخواجا الشمسي ابن الزمن إلى المدينة الشريفة صحبة أمير جدة في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وأقام لمباشرة العمارة بنفسه ، فرفعوا سقف الروضة الأعلى وما اتصل به مما حول القبة الزرقاء الآتي ذكر عملها بأعلى الحجرة الشريفة في سقف المسجد الأعلى ، ورفعوا أيضا شيئا مما يلي ذلك من جهة ما يوازي غربي المنبر الشريف لتكسر كثير من أخشابه ، وكان ذلك السقف مع بقية سقف مقدم المسجد على عبارات من خشب موضوعة على أبنية فوق رءوس السواري بعرض تلك السواري ، كما أن السقف الأسفل المشاهد مما يلي المسجد موضوع على عبارات كذلك فوق رءوس السواري ، فاقتضى رأي متولى العمارة إبدال تلك الأخشاب بعقود من آجر كهيئة القناطر التي حول رحبة المسجد ، ورأى أن ذلك أبقى وأحكم من الأخشاب ، مع أن عبارات السقف الأسفل كما قدمناه على رءوس السواري بأصل تلك العقود ، ولكنه رأى الإحكام في ذلك ، ففعله في القطعة التي رفعها من السقف المذكور فقط ، ووضع أخشاب ذلك السقف على تلك القناطر ، فارتفع بسببه ذلك المكان من السقف الأعلى على بقية ما حوله منه ، وصار الماشي بين السقفين في تلك الجهة يمشي منتصبا أو منحنيا قليلا ، وكان لا يتأتى قبل ذلك المشي هناك إلا مع انحناء كثير ، وتلك القناطر موضوعة على ما يحاذي صف الأساطين التي هي قبلة الروضة والمصلى الشريف من أولها ومن جهة المشرق إلى الأسطوانة التي تلي المنبر من جهة المغرب وعلى ما يحاذي الصف الثاني وهو صف أسطوان عائشة


رضي‌الله‌عنها في موازاة الصف المتقدم ذكره من المشرق إلى المغرب ، وعلى ما يوازي الصف الثالث وهو صف أسطوان المحرس من المشرق إلى المغرب أيضا ، وأما ما يوازي صف أسطوان الوفود فقد كان عليه بناء حائط حاجز لما بين السقف الأسفل والأعلى فيه باب يدخل منه إلى ما بين السقفين ، فهدموا ذلك الحائط ، وأحكموا بناءه ، وجعلوا أطراف الخشب عليه أيضا ، فهذه الثلاثة الأروقة هي التي ارتفع سقفها الأعلى على ما حوله من الأساطين اللاصقة بالمقصورة إلى الأساطين التي تلي المنبر وصار سقف الرواقين اللذين بين الروضة والجدار القبلي مع سقف ما يحاذي الحجرة الشريفة إلى الجدار الشرقي وسقف ما كان غربي المنبر من مقدم المسجد كله منخفض عن ذلك.

ووجدوا أخشابا كثيرة متفرقة نحو الأربعين من السقف الأعلى أيضا قد تكسرت ، فزرقوا بدلها ، ووضعوا إلى جانب بعضها أخشابا مزرقة ، وسمروها من غير كشف للسقف ، وقلعوا السقف الأسفل الذي بالرواق الشرقي مما يلي الأرجل الشريفة ، وجانبا من سقف رواق باب جبريل إلى باب النساء ، وسقف الرواق الأوسط الذي يلي الرواق الذي سبقت عمارتهم إياه في العام الماضي ، وأعادوا ذلك ، وقلعوا السقف الأسفل المحاذي لموقف الزائرين تجاه الوجه الشريف وكان من أقدم السقف ، ومع ذلك تعبوا في قلعه أكثر من غيره لإتقانه وإحكامه فإنه من عمل الأقدمين ، وأظنهم وجدوا اسم الظاهر بيبرس عليه ، ثم أعادوه وأصلحوا شيئا في المسقف الشامي وغيره ، وجددوا أيضا دهان بعض السقف التي حول الحجرة داخل المقصورة التي تعرف اليوم بالحجرة من غير قلع لتلك السقف. ثم احترق ذلك كله في جملة حريق المسجد الثاني الآتي ذكره في الفصل التاسع والعشرين ، وجعلوا سقف المسجد عند إعادته سقفا واحدا جميعه كما سيأتي.

الفصل السابع والعشرون

في اتخاذ القبة الزرقاء التي جعلت على ما يحاذي سقف الحجرة الشريفة

بأعلى سقف المسجد ، تمييزا لها ، وإبدالها بالقبة الخضراء والمقصورة الدائرة

بالحجرة الشريفة

القبة الزرقاء

أما القبة المذكورة فاعلم أنه لم يكن قبل حريق المسجد الشريف الأول وما بعده على الحجرة الشريفة قبة ، بل كان حول ما يوازي حجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في سطح المسجد حظير مقدار نصف قامة مبنيا بالآجر تمييزا للحجرة الشريفة عن بقية سطح المسجد ، كما ذكره ابن النجار وغيره ، واتمر ذلك إلى سنة ثمان وسبعين وستمائة في أيام الملك المنصور قلاوون الصالحى ، فعملت تلك القبة ، وهي مربعة من أسفلها مثمنة من أعلاها بأخشاب أقيمت على رءوس


السواري ، وسمر عليها ألواح من خشب ، ومن فوقها ألواح الرصاص ، وفيها طاقة إذا أبصر الشخص منها رأى سقف المسجد الأسفل الذي فيه الطابق ، وعليه المشمع المتقدم ذكره ، وحول هذه القبة على سقف المسجد ألواح رصاص مفروشة فيما قرب منها ، ويحيط به وبالقبة درابزين من الخشب جعل مكان الحظير الآجر ، وتحته أيضا بين السقفين شباك خشب يحكيه محيط بالسقف الذي فيه الطابق ، وعليه المشمع المتقدم ذكره ، ولم أر في كلام مؤرخي المدينة تعرض لمن تولى عمل هذه القبة.

ورأيت في «الطالع السعيد الجامع أسماء الفضلاء والرواة بأعلى الصعيد» في ترجمة الكمال أحمد بن البرهان عبد القوي الربعي ناظر قوص أنه بنى على الضريح النبوي هذه القبة المذكورة ، قال : وقصد خيرا وتحصيل ثواب ، وقال بعضهم : أساء الأدب بعلو النجارين ودق الحطب ، قال : وفي تلك السنة وقع بينه وبين بعض الولاة كلام ، فوصل مرسوم بضرب الكمال ، فضرب ، فكان من يقول إنه أساء الأدب [يقول :] إن هذا مجازاة له ، وصادره الأمير علم الدين الشجاعي ، وخرب داره ، وأخذ رخامها وخزائنها ، ويقال : إنهم بالمدرسة المنصورية اه.

ويؤيد ما نقله عن بعضهم ما رواه أبو داود في سننه عن أنس بن مالك أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «خرج فرأى قبة مشرفة ، فقال : ما هذه؟ قال له أصحابه : هذه لفلان ، رجل من الأنصار ، قال : فسكت وحملها في نفسه ، حتى إذا جاء صاحبها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سلم عليه في الناس فأعرض عنه ، صنع ذلك مرارا ، حتى عرف الرجل الغضب فيه والإعراض عنه ، فشكا ذلك إلى أصحابه ، فقال : والله إني لأنكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قالوا : خرج فرأى قبتك ، قال : فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سوّاها بالأرض ، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ذات يوم ، فلم يرها ، قال : ما فعلت القبة؟ قالوا : شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها ، فقال : أما إنّ كلّ بناء وبال على صاحبه إلا ما لا إلا ما لا» أي : إلا ما لا بد منه.

وجد جدّدت هذه القبة في أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون ، فاختلت الألواح الرصاص عن وضعها ، فخشوا من كثرة الأمطار ، فجددت وأحكمت في أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد في سنة خمس وستين وسبعمائة ، قاله الزين المراغي.

وقد ظهر في بعض أخشابها خلل في سنة إحدى وثمانين وثمانمائة فعضّدها متولي العمارة الشمس بن الزمن بأخشاب سمرت معها ، وقلع ما حولها من ألواح الرصاص التي على أعلى السطح بينها وبين الدرابزين المتقدم ذكره ، فوجدوا تحت ذلك أخشابا قد تأكلت من طول الزمان ونداوة مياه الأمطار فأصلحوا ذلك وأعادوه بعد أن أضافوا إليه كثيرا من الرصاص من حاصل المسجد ومما أحضر من مصر ، وجددوا الدرابزين المحيط بها أيضا ،


وقد كانت مياه الأمطار تتسرّب من بين تلك الألواح وتصل إلى سقف الحجرة الشريفة ، فإن آثار المياه قد وجدت هناك ، وأثّرت في الشباك الذي بأعلى حائز عمر بن عبد العزيز بحيث تأكل بعضه ، فأصلحه متولي العمارة أيضا ، وأثّرت الأمطار أيضا في الستارة التي على سقف الحجرة الشريفة بحيث تأكل بعضها ، ثم احترق ذلك كله في حريق المسجد الثاني ، فاقتضى رأيهم تأسيس القبة البيضاء الموجودة اليوم على دعائم بأرض المسجد وعقود من الآجر ، وجعلوا تلك الدعائم في موازاة الأساطين التي كان بينها درابزين المقصورة الآتي وصفها ، وزادوا من جهة الشام دعائم بعضها عند المثلث الذي بالحجرة الشريفة من بناء عمر بن عبد العزيز ، وزادوا هناك أسطوانا ، وعند التأسيس لذلك وجدوا عند صفحة المثلث الشرقية قبرا بدا لحده وبعض عظامه ، وإن صح القول بدفن فاطمةرضي‌الله‌عنها في بيتها كما ستأتي الإشارة إليه فهو قبرها ، وأبدلوا بعض الأساطين بدعائم ، وأضافوا إلى بعضها أسطوانة أخرى ، وقرنوا بينهما ليتأتى لهم العقد عليها ، وحصل فيما بين جدار المسجد الشرقي وبين تلك الدعائم ضيق لاتحاد بعض تلك الدعائم هناك ، فخرجوا بجدار المسجد الشرقي في البلاط الذي يلي الجدار المذكور نحو ذراع ونصف ، فإنهم هدموا ذلك الجدار ، وأعادوه إلى باب جبريلعليه‌السلام ، ولم ينقلوا باب جبريل عن محله.

ثم إن القبة المذكورة تشققت من أعاليها ولم ينفع الترميم فيها ، ففوّض السلطان للشجاعي شاهين الجمالي النظر في أمرها وأمر المنارة الرئيسية أيضا عند توليته شيخ الحرم الشريف ، فاقتضى رأيه بعد مراجعة أهل الخبرة هدم أعالي المنارة المذكورة واختصار قليل منها ، فاتخذ أخشابا في طاقاتها وجعل عليها سقفا يمنع ما يسقط عند الهدم للحجرة الشريفة ، ثم هدم أعاليها وأعاد بناءها أحكم من البناء الأول ، بحيث حمل لها الجبس الأبيض من مصر وجعله في بنائها ، فجاءت محسنة محكمة ، وأزيل ذلك السقف عند تمامها ، وذلك في عام اثنتين وتسعين وثمانمائة.

المقصورة الدائرة على الحجرة

وأما المقصورة الدائرة على الحجرة الشريفة بين الأساطين حول جدار الحجرة الظاهر وحول بيت فاطمةرضي‌الله‌عنها فقد أحدثها السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس ، وذلك أنه لما حج سنة سبع وستين وستمائة أراد أن يجعل على الحجرة الشريفة درابزينا من خشب ـ وهو المقصورة المذكورة ـ فقاس ما حول الحجرة الشريفة بيده وقدره بحبال وحملها معه ، وعمل الدرابزين ، وأرسله في سنة ثمان وستين ، وأداره عليها ، وعمل له ثلاثة أبواب قبليا وشرقيا وغربيا ، ونصبه بين الأساطين التي تلي الحجرة إلا من ناحية الشام فإنه زاد فيه إلى متهجّد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .


ثم زيد لهذه المقصورة باب رابع أحدث عند زيادة الرواقين المتقدم ذكرهما في سنة تسع وعشرين وسبعمائة ، وهو من جهة الشمال في رحبة المسجد ، وكان عليه قبل الحريق الأول سقف مرتفع يحيط به رفرف ، ثم أحدث هذا الباب ، وأمامه من جهة رحبة المسجد سقف لطيف أيضا نحو ستة أذرع دوين السقف المتقدم وجعل له رفرف أيضا يمنع الشمس ، وبسط تحته الرخام الملون شبه الرخام الذي تقدم ذكره حول حائز عمر بن عبد العزيز بالأرض داخل هذه المقصورة ، وذلك في دولة الظاهر جقمق سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة.

قال الزين المراغي : واعلم أن الذي عمله الملك الظاهر ـ أي ركن الدين ـ من الدرابزين نحو القامتين ، فلما كان في سنة أربع وتسعين وستمائة زاد عليه الملك العادل زين الدين كتبغا شباكا دائرا عليه ، ورفعه حتى وصله سقف المسجد ، انتهى.

وقد جدد متولي العمارة المتقدم ذكره بعض هذه المقصورة أيضا مما يلي الروضة الشريفة في العمارة الأولى ، ثم احترقت في الحريق الثاني ، فجعلوا بدلها شبابيك من النحاس في جهة القبلة ، وعلى أعلاها شبكة من شريط النحاس كالزرد ، بين أخشاب متصلة بالعقود المحيطة بالحجرة الشريفة ، وجعلوا لبقيتها من جهة الشام وما اتصل بها من المشرق والمغرب مشبكا من الحديد المشاجر ، وبأعلاه شريط النحاس أيضا ، وأحدثوا مشبكا من الحديد المشاجر أيضا لم يكن قبل ذلك ، جعلوه فاصلا بين الرحبة التي خلف مثلث الحجرة الشريفة وبينها ، وبها بعض المثلث المذكور ، وبه بابان أحدهما عن يمين المثلث ، والآخر عن يساره ، وصار هذا المشبك متوسطا بين مشبك الحجرة الشامي وما يقابله. وقد صارت هذه المقصورة تعرف بالحجرة الشريفة ، وأبوابها بأبواب الحجرة ، وما يعلق بسقفها بقناديل الحجرة كما تقدم في عبارة السبكي.

وفي كلام البدر ابن فرحون ما يقتضي أنه كان ثمّ مقصورة متصلة بهذه المقصورة من جهة المغرب ، ثم أزيلت ، ولفظه : وقد تساهل من كان قبلنا فزادوا على الحجرة الشريفة مقصورة كبيرة عملت وقاية من الشمس إذا غربت ، وكانت بدعة وضلالة تصلي فيها الشيعة ؛ لأنها قطعت الصفوف ، واتّسمت بمن ذكر من الصنوف ، وندم على ذلك واضعها ، ولقد كنت أسمع بعضهم يقف على بابها ويؤذن بأعلى صوته «حي على خير العمل» وكانت مواطن تدريسهم ، وخلوة علمائهم حتى قيّض الله لها من سعى فيها فأصبحت ليلة منخلعة أبوابها ، مقوسة أخشابها ، متصلة صفوفها ، وأدخل بعضها في الحجرة الشريفة ـ يعني ما اشتمل عليه الدرابزين المذكور ـ وجعل فيها الباب الشامي ، وكان ذلك مع زيادة الرواقين اللذين زادهما الملك الناصر ، انتهى.

وذكر لي بعض مشايخ المدينة نقلا عمن أدركه من المشايخ أن هذه المقصورة كانت في


شامي أسطوان الوفود إلى جهة باب الحجرة الشامي ، والشيعة اليوم يصلون في ذلك الموضع ، ومقتضى ما قدمناه عن ابن النجار في بيت فاطمةرضي‌الله‌عنها ـ حيث قال : وبيتها اليوم حوله مقصورة ، وفيه محراب ، وهو خلف حجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وجود مقصورة هناك قبل حريق المسجد ، فلعل ذلك مستند الظاهر ركن الدين في إحداث ذلك.

وقد ذكر المطري ما صنعه الظاهر من هذه المقصورة ، ثم قال : وظن الملك الظاهر أن ما فعله تعظيما للحجرة الشريفة ، فحجر طائفة من الروضة المقدسة مما يلي بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومنع الصلاة فيها ، مع ما ثبت من فضلها وفضل الصلاة فيها ، فلو عكس ما حجره وجعله خلف بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الناحية الشرقية وألصق الدرابزين بالحجرة مما يلي الروضة لكان أخفّ ؛ إذ الناحية الشرقية ليست من الروضة ولا من المسجد المشار إليه ، بل مما زيد في المسجد أيام الوليد ، قال : ولم يبلغني أن أحدا من أهل العلم والصلاح ممن حضر ولا ممن رآه بعد تحجيره أنكر ذلك ، أو تفطن له وألقى له بالا ، وهذا من أهم ما ينظر فيه.

قال الزين المراغي عقبه : ينبغي أن يعلم أن للظاهر سلفا في ذلك ، وهو ما حجره عمر بن عبد العزيز على الحجرة الشريفة من جهة الروضة أيضا ، لكنه قليل ، انتهى.

قلت : وهذا بناء على ما تقرر عنده من أن جدار الحجرة الذي داخل الحائز هو نهاية المسجد في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد قدمنا في حدود المسجد ما يرد ذلك ، ولو سلّم أن ذلك نهاية المسجد وأن عمر بن عبد العزيز اتخذ الجدار المذكور فيه فذلك لمصلحة حفظ القبر الشريف ، ولجعل بنائه على هيئة لا يتأتى معها استقبال القبر الشريف كما قدمناه ، وهذه المقصورة بضد ذلك ، والله أعلم.

وقال البدر بن فرحون في ترجمة ولي الله سيدي الشيخ علي الواسطي ما لفظه : حكى لي جمال الدين ـ يعني المطري ـ أن الشيخ بعث إلى الملك الناصر يقول له : أنا أضمن لك على الله تعالى قضاء ثلاث حوائج إن قضيت لي حاجة واحدة ، وهي إزالة هذا الشباك الذي على الحجرة الشريفة ، يعني هذه المقصورة ، فبلغه ذلك ، فتوقف ولم يفعل.

قال البدر بن فرحون : وليته فعل ؛ فإن الشباك الذي يدور على الحجرة قطع جانبا من المسجد ، وحجر كثيرا من الروضة ، وفي كل زمان يجدد ويعمر بما يتقوى به ويتأيد ، وأدخل فيه قطعة كبيرة لما أزيلت المقصورة ، يعني المتقدم ذكر إزالتها.

وقال المجد الشيرازي ، عقب ذكره لما تقدم عن المطري : والذي ذكره موجّه ، غير أن أحد الأبواب مفتوح دائما لمن قصد الدخول والزيارة ، فيمكن من أراد الصلاة الدخول والوقوف مع الصف الأول في الروضة ، ولا يخفى أن في تقريب الدرابزين من الحجرة إخراجا للبناء عن وضعه اللائق ، وأيضا فيه تضييق عظيم على الزائرين ، لا سيما عند زحام


المواسم ؛ فإنه مع هذا الاتساع ينخنق المكان بالخلق ، فكيف لو ضيق بحيث يتصل الدرابزين بجدار الحجرة؟ لا يقال : إنه كان يتسع من جهة المشرق للزائرين ؛ لأن الناس إنما يقصدون هذه الجهة لكون الرأس الشريف هناك ، وليكون الابتداء بالتسليم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم دون أن يتخطوا الشيخينرضي‌الله‌عنهما ، فتأمل ذلك فإنه صحيح. قال : وهذه الكيفية لا مزيد عليها في الحسن ، ولم يتعطل شيء من الروضة بسبب ذلك ، بل بسبب كسل المصلين ، وقد رأيت جماعة من الخدام يصلون داخل الدرابزين أيام الجمعة ، انتهى.

قلت : وما ذكره صحيح بالنسبة إلى زمنه ؛ فإن الباب المذكور كان مفتوحا في سائر الأوقات. وقد نبه على ذلك ابن جماعة في منسكه ، محاولا غلقه في المواسم فقط ، فقال : إن هذا الدرابزين حجر طائفة من الروضة الشريفة مما يلي بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وصار ما بين الحجرة والدرابزين مأوى للنساء بأولادهن الصغار في أيام المواسم ، وربما قذر الصغار فيه ، وقد تحدثت مع الملك الناصررحمه‌الله لما حج وزار سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة في غلق الدرابزين أيام الموسم ، فسكت لما ذكرته ، ولم يجبني بشيء ، وهذا من أهم ما ينظر فيه ، انتهى. فحدث بعد ذلك غلق الأبواب كلها دائما ، ولا يفتح منها شيء إلا في وقت إسراج القناديل ونحوه ، ولا يدخل لذلك إلا بعض الخدام والفراشين أو بعض من له وجاهة بإذن شيخ الخدام ، فيدخل للزيارة ليلا ، وتحقق بسبب ذلك تعطيل تلك البقعة ، وحرم الناس التبرك بأسطوان السرير ؛ فإن محله في شرقي أسطوانة كما تقدم ، وكذلك الوقوف للزيارة في موقف السلف بينها وبين الحجرة الشريفة أو على نحو أربع أذرع من جدار القبر على ما يأتي بيانه ، وكذلك التبرك بمربّعة القبر ومقام جبريل كما قدمناه ، وبيت فاطمةرضي‌الله‌عنها ، فإن ذلك كله في جوف المقصورة ، بل كانت هذه المقصورة سببا لما هو أعظم من ذلك وأطم ، وهو ابتناء دعائم القبة المتقدم ذكرها بأرضها ، فإنها صارت عند العوام بل وعند من لا إحاطة له بأحوال المسجد أنها ليست من المسجد ، بل من الحجرة ، فعاملوها معاملة غير المسجد ، ولما وقعت المفاوضة في عملها صرّحت بتحريم ذلك ، فأشار بعضهم بعمل القبة المذكورة على رءوس الأساطين من غير بناء ، ثم رجعوا عن ذلك وأنا غائب بمصر.

وسبب غلق الأبواب المذكورة أن النجم بن حجي قاضي الشام لما حج في الموسم الشامي رأى ازدحام الناس بذلك المحل وما أشار إليه ابن جماعة فيما تقدم عنه ، فأفتى بغلقها ،

وخالفه الولي العراقي عند قدومه مع الحاج المصري فأفتى بفتحها. وأخبرني بعض مشايخ الحرم أن ذلك كان في سنة اثنين وعشرين وثمانمائة وأن الحال استمر على ما أفتى به الولي العراقي ، فلما ولي النجم بن حجي ديوان الإنشاء تسبب في بروز المراسيم السلطانية


بالأمر بالغلق سنة ثمان وعشرين ، واستمر ذلك إلى اليوم ، كذا أخبرني به بعض مشايخ الحرم. ورأيت حاشية على كلام المجد بخط الحافظ جمال الدين بن الخياط اليمني ، ولفظها : ومما أحدث في دولة الملك الأشرف برسباي صاحب مصر والشام بعد الثلاثين وثمانمائة سمرت أبواب الدرابزين المذكور ، وصار الناس يزورون من وراء الدرابزين من غير دخول أحد إلى الحجرة الشريفة ، قصدوا بذلك زيادة الحرمة ، وتنزيه المشهد الشريف عن كثرة اللامسين بالأيدي وغيره ؛ فإن كثيرا من جهال العرب وغيرهم يلصقون ظهورهم بصندوق القبر الشريف وجداره ، قاصدين بذلك التبرك ، والخير كله في استعمال الأدب ، انتهى.

قلت : والصواب المتعين وجوب فتح بعض تلك الأبواب ، خصوصا في غير أيام الموسم ، وليس الطريق في إزالة المفسدة المذكورة غلق تلك الأبواب وتعطيل تلك البقعة ، بل وقوف الخدام عند ذلك المحل ، ومنع من يتعاطى فيه ما لا يليق بالأدب ، على أن ذلك لم يحسم المادة ؛ لأن تلك الأمور ـ أعني لمس الجهال ووضعهم الظهور ـ يفعل اليوم بهذا الدرابزين ، ولا شك أن الجدار الذي كان يفعل به ذلك ليس هو نفس القبر ، بل ولا جدار الحجرة كما قدمناه ، بل جدار آخر دائر به ، كما أن هذه المقصورة دائرة به ، فإن كان ذلك يقتضي تعطيل ذلك المحل ، فليعطل من أجله المسجد بأجمعه ، وتعطيل المسجد أو شيء منه حرام فلا يرتكب لدفع مكروه مع إمكان دفعه بغيره ، وما يقال من أنه ربما وجد في بعض المواسم هناك قذر ؛ فقد كان شيخنا شيخ الإسلام فقيه العصر شرف الدين المناوي يقول في جوابه : لا شك أن ذلك المحل من المسجد ، فإن كان وجود القذر فيه مقتضيا لتعطيله وصيانته بالغلق فليغلق المسجد بأجمعه ، فإن حكم الكل واحد من حيث وجوب صونه واختصاص ما تقرب من المحل الشريف بمزيد التعظيم حاصل بالجدار الكائن عليه ، وطريق التعظيم المنع من ذلك كما قدمناه ، على أن لمس جدار القبر وتقبيله ليس مما أجمع على كراهته كما سنوضحه إن شاء الله تعالى في باب الزيارة.

ولما قدم مولانا السلطان الملك الأشرف قايتباي أعز الله أنصاره المدينة الشريفة للزيارة سنة أربع وثمانين وثمانمائة واجتمعت به بالروضة الشريفة أردت أن أتكلم معه في فتح بعض تلك الأبواب في غير أيام الموسم ، فرأيته قد تعاظم دخول هذه المقصورة لما عرض عليه ذلك. وقال : لو أمكنني الوقوف للزيارة في أبعد من هذا الموضع فعلت ، ورأى أن ذلك هو التعظيم ، فعلمت أنه لا يوافق على ما أريده ، والله أعلم.


الفصل الثامن والعشرون

فيما تجدد من عمارة الحجرة الشريفة في زماننا على وجه لم يخطر قط

بأذهاننا ، وما حصل بسببه من إزالة هدم الحريق الأول من ذلك المحل

الشريف ، ومشاهدة وضعه المنيف ، وتصوير ما استقر عليه أمر الحجرة في

هذه العمارة

اعلم أن بعض سقف المسجد التي تقدم تجديدها كان قد ظهر تكسّر بعض أخشابه في هذه الدولة الأشرفية ـ أعز الله أنصارها ، وأعلى في سلوك العدل منارها ـ فورد المدينة المقر الأشرف السيفي شاهين الجمالي منصرفه من جدة المعمورة ، فأروه ذلك ، وأروه الحائز المخمس الدائر على الحجرة الشريفة لانشقاق فيه قديم يظهر إذا رفعت الكسوة عند منتهى الصفحة الشرقية وانعطافها إلى الزاوية الشمالية ، فرفعوا عنه الكسوة ، وأحضروا بعض أرباب الخبرة بسبب ذلك ، فاختلف النقل عمن حضر ذلك في كونه ضروريا أو غير ضروري ، فاجتمعت بالمشار إليه بسبب ذلك ، فذكر لي أن الذي تحرر أنه ليس بضروري ؛ لأنه شق في طول الحائط لا في عرضه ، وهو قديم مملوء بالجص ، والحائط ليس عليه سقف يثقله فنخشى عليه ، فأعجبني كلامه.

ثم أنهى في سنة ثمان وسبعين لمولانا السلطان الأشرف احتياج المسجد الشريف للعمارة ، وسقوط منارة مسجد قباء ، وكان الجناب الخواجكي الشمسي بن الزمن مغرما بمثل ذلك ، وسبق له بالمدينة الشريفة عمارة لمدرسته المعروفة بالزمنية على يد بعض جماعته ، ففوض إليه السلطان أمر عمارة المسجد النبوي ، فكان ما تقدم من مجيئه إلى المدينة الشريفة في أثناء سنة تسع وسبعين ، وتقريره أمر العمارة ، ثم توجه إلى مصر المحروسة ، فكان من أمر العمارة ما قدمناه.

ثم رغب في أمر العمارة المقر الشرقي شرف الدين الأنصاري تغمده الله برحمته ففوض له ذلك ، وحضر صحبة الحاج إلى مكة المشرفة ، وأقام بها مدة حتى يتكامل حصول آلات العمارة ، فتوفى بها ليلة سابع عشر صفر عام أحد وثمانين وثمانمائة بعد شكوى خفيفة.

ثم وردت المراسيم الشريفة بتفويض أمر العمارة للجناب الشمسي بن الزمن وكان بجدة المعمورة فورد المدينة الشريفة صحبة شاد جدة في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين ، وأحضر معه جماعة من أرباب الصنائع ، وأقام لينظر في أمر العمارة بنفسه ، فكان ما تقدم من إصلاح السقف الأعلى وعمارة غيره من السّقف المتقدم ذكرها ، وإحكام القبة الزرقاء المحاذية للحجرة الشريفة بسقف المسجد ، وإصلاح حلية الصندوق الكائن بأصل الأسطوان التي في جهة الرأس الشريف والقائم المجدد فوقه.


ولما نزعوا القائم العتيق وما تحته من الصندوق وجدوا ما تحت ذلك من أحجار الأسطوانة المذكورة متشطبا ، وأحجارها قطع مجوفة كالخرز ، وكذا كل أساطين المسجد العتيقة ، وفي جوفها الرصاص وعمد الحديد ، وأهل المدينة يسمون كل قطعة منها خرزة ، ويسمونها أيضا فلكة ، فاقتضى رأيهم تعميق ما على رأس الأسطوان المذكور من أخشاب السقف ، فجعلوا مرمة من الأخشاب حول الأسطوان المذكور ليكسروا الخرز المشقق من ذلك الأسطوان ، وهن ست ، ثم يعلقون ما صح من الأسطوان إلى أن يدخلوا مكان ذلك بدله ، ثم شرعوا في كسر تلك الخرز ونزعها ، فتعسر ذلك عليهم ، وحصل بسببه دق عنيف ، حتى كانت جدران الحجرة تهتز له لاتصالها بالأسطوان المذكور ، فحصل بسبب ذلك كلام من الناس ، ولكن بعد كسر بعض الخرز وإخراجه ، وكانوا يعالجون في إخراج الرصاص أيضا علاجا أعظم من العلاج في الحجر ، فعقدوا مجلسا ، وطلبني متولي العمارة للحضور فيه ، فترددت لأنه بلغني أن بعض الناس أوغر صدره مني وقرر عنده أني حريص على ألّا تكون هذه العمارة على يده ، وكنت أرى منه محبة وميلا ثم تنكر بعض التنكر ، وعلمت أن الرجوع عن إصلاح الأسطوانة المذكورة غير ممكن لكسر بعضها وإخراجه ، فعلمت فوات وقت النظر ، فأجبت الرسول بذلك ، ولم أحضر معهم مع علمي بأن بعض أهل المجلس كان مغري بمخالفة ما أشير به ، وإن كان في غاية الوضوح ، سامحه الله ، ثم افترقوا على إتمام ذلك ، فمكثوا أياما يعالجونه حتى تم ، وأعادوا مكان تلك الخرزات الست مثلها من خرز أسطوان نقضوه من أساطين مسجد قباء ، فكان ذلك بقدر تلك الخرز سواء ، وأحكموا إعادتها بالرصاص وعمد الحديد أحسن إحكام.

وقد كنت أستبعد قدرتهم على ذلك ، وأتعجب من قيام بقية الأسطوان من أعلاه ، مع رفع أسفله ، وكونه كالجبل من الحجر والرصاص ، ولكن ساعدهم المدد المحمدي في ذلك مع حسن معرفة المعلم المباشر لسبك الرصاص.

ثم كان ما تقدم من إعادة الصندوق المذكور والقائم فوقه إلى محلهما ، ونقض الرخام المؤزّر به جدار الحجرة الظاهر وتجديده كما تقدم ، وعند قلع رخام الصفحة الآخرة من الزاوية الشمالية إلى الصفحة الشرقية مع ما يليها من صفحة المشرق عند منعطفها ظهر الشق المتقدم ذكره وهو انشقاق قديم سدّ الأقدمون خلله بكسر الآجر وأفرغوا فيه الجص وبيضوه بالقصّة فانشق البياض من رأس وزرة الرخام إلى رأس الجدار المذكور ، فأرادوا اختبار ما تحت البياض ليعلموا قدره ، فقشروا البياض عنه ، وأخرجوا ما في خلله من الجص والآجر ، فظهر من خلله بناء الحجرة المربع الذي هو جوف البناء المخمس المذكور فظهر منه ملتقى حائطه الشامي وحائطه الشرقي ، وظهر هناك شق أيضا في جدار الحجرة الداخل عند ملتقى


الجدارين المذكورين تدخل اليد فيه ، وهو قديم أيضا ، وقد سدّه المتقدمون ، ثم اتّسع قليلا على دوام الأيام.

فلما كان عشية السبت ثالث عشر شعبان عقدوا مجلسا في جوف المقصورة عند الجدار المذكور ، حضره القضاة والمشايخ والخدام وشيخهم الأمير إينال ، وطلبوني لذلك المجلس ، فترددت في الحضور لما قدمته ، ثم توضأت وصليت صلاة الاستخارة وسألت الله أن يلهمني السداد والصواب ، وحضرت فوجدت الأمر قد اتفق عليه ، وشاهدت ما قدمته من وصف ذلك ، ورأيت على ذلك البناء الداخل من الهيبة والأنس ما لا يوصف ولا يدرك إلا بالذوق ، وتحرر لي أن سبب انشقاق الجدار الظاهر انشقاق الجدار الداخل وميلانه نحو الجدار الظاهر وكأن الأقدمين لما رأوا انشقاق الجدار الداخل ـ ولعل رؤيتهم لذلك والله أعلم عقب الحريق عند ما أحدثوا السقف المتقدم وصفه على الحجرة الشريفة ـ أدعموا الجدار الداخل بأخشاب جعلوها بين الجدار الداخل والخارج عند رأسهما في شرقي الحجرة ، فمال الجدار الظاهر من أعلاه بحيث صار أعلاه لا يوازي أسفله ، وخرج بسبب ذلك عن الاستقامة ، فحدث فيه الشق المذكور ، ورأيت الحاضرين بين ساكت ومشير ، فترجح عندي سلوك رأي ابن عباسرضي‌الله‌عنهما في أمر الكعبة ، حيث أشار بترميمها فقط ، ورأيت أن ما يطلب هنا من الأدب أوجب مما يطلب هناك ، فحاولت إدعام البناء الظاهر ببناء ، فلم أوافق عليه ، فسألت مهندس العمارة ـ وكان أعرف الحاضرين بهذا الأمر ـ هل تحققت الآن إشراف هذا الجدار على السقوط وأنه لا يتأتى تأخيره ، أم يحتمل التأخير مدة إذا رمّ بالجص والآجر كما كان أوّلا فيؤخر إلى أن يصير غير محتمل للتأخير ؛ فإنه لا يفعل هنا إلا ما تدعو إليه الضرورة في الحال؟ فقال : الترميم شيء وقطع الفرط شيء آخر ، ثم سأل متولي العمارة عن كيفية ما يكتب ليطالع به المسامع الشريفة ، فقال له القاضي الزكوي قاضي الشافعية وأحد الناظرين سامحه الله تعالى : سرّح العمال غدا للهدم وكتابة المحضر علينا ، وخافت متولي العمارة بالإنكار عليه في إحضاري ، وحثّه على الإعراض عن كلامي.

ثم إن متولي العمارة ذكر لي أنه رأى رؤيا فهم منها الهدم ، فصمّم عليه ، ورأيت عنده من شجاعة الجنان وثبات الجأش في هذا الأمر ما لا يوصف ، وبلغني أن بعض الناس ذكر له أن ما سبق من كلامي دليل على ما كان قد ألقاه إليه من حرصي على ألّا تكون هذه العمارة على يده ، وأن لا يفوز بهذه المنقبة العظيمة التي لم يسبق إليها ، ومن يسمع يخل ، ولكني أشهد الله ورسوله على أني لم أرد سوى محض الوفاء بما أوجبه الله علينا من الأدب مع حبيبهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن بدل النصيحة.

ثم في صبيحة الرابع عشر من شعبان المذكور شرعوا في هدم المحل الشريف المتقدم


ذكره من الجدار الظاهر ، فهدموا جانبا من الصفحة الشرقية وجانبها مما يليها من الصفحة المنحرفة منها إلى جهة الزاوية الشمالية ، وسعة ذلك خمسة أذرع بذراع اليد ، وذلك من بعد نحو أربعة أذرع من الأرض إلى رأس الجدار المذكور ، فظهر حينئذ هدم الحريق الذي في الفضاء الكائن بين جداري الحجرة الشريفة ، ورأينا فيه كثيرا من الأخشاب المحترقة قد سلم من بعضها قدر الذراع ونحوه.

ثم في خامس عشر الشهر المذكور حضروا لتنظيف ذلك ، وتوجه متولي العمارة لشيخنا العارف بالله تعالى سيدي شهاب الدين الأبشيطي قدس الله روحه ، وسأله في الحضور للتبرك به ، فحضر من خارج الجدار ، وامتنع من الدخول وقرأ الفاتحة ، وقال : نظفوا على بركة الله ، ثم انصرف وقال لي بعد ذلك : ذكروا لنا أن هدم ذلك ضروري ، فقلنا لهم : الضروري يعمل ، فلما دخلوا لإزالة ذلك شاهدت أمرا مهولا من ردم الحريق بحيث لم يتأت إزالته إلا بالعتل والمساحي ، وتحققت بسبب ذلك عذر من أدرك زمن الحريق في عدم إزالة ما بالحجرة الشريفة منه كما قدمناه ، وكان ارتفاعه في ذلك المحل نحو القامة ، وهو ردم من السقف الأعلى وجص وآجر من الجدار الذي كان بأعلى سقف المسجد لتمييز الحجرة الشريفة عن غيرها ، كما تقدم بيانه ، ومما كان على رءوس الأساطين ومما احترق من أخشاب ذلك ، فاشتغلوا بتنظيفه وتزاحم الناس عليه فاستمروا في ذلك حتى بلغوا في تنظيفه الأرض القديمة ، بحيث ظهر تحصيب ذلك المحل بحصباء تشبه ما في المسجد ، غير أنها قد اسودّت من نداوة الأرض ، واعتبرت التفاوت بين الأرض المرخمة خارج الجدار الظاهر والأرض المذكورة بداخله ، فكانت الأرض المذكورة ـ أعني الداخلة بين الجدارين ـ أخفض من الخارجة بذراع وثلث بذراع اليد ، وظهر من وصف البناء الداخل ما قدمناه في الفصل الثاني والعشرين من كونه مربعا بأحجار منحوتة عليها أبهة عظيمة ، وأن الصفحة الغربية منه ملاصقة للصفحة الغربية من البناء الظاهر ، وليس بينهما ولا مغرز إبرة ، وأنه لا باب فيه ولا موضع باب ، وفي الصفحة الشمالية لا صق بها الأسطوان التي قدمنا وصفه ، وأن بعضه داخل في الصفحة المذكورة ، وقد أثر فيه الحريق كما قدمناه حتى تشطب بعضه سيما في أعاليه وهو في صف مربعة القبر يليها من جهة المشرق.

وتبين حينئذ ما في الجدار الداخل من الانشقاق المتقدم وصفه في شماليه مما يلي المشرق ، فأدخلوا فيه شمعة ، فشاهدوا فيما يقابله من الجدار القبلي مما يلي المشرق أيضا انشقاقا مثله ، وتبين لي أن البناء المتقدم وصفه بين الجدارين القبليين في موازاة الأسطوانة الظاهرة في الجدار القبلي التي يقف عندها المسلّم على عمررضي‌الله‌عنه إنما جعل إدعاما للجدار المذكور لما حدث به ذلك الانشقاق ، وظهر ما أدعموا به من الأخشاب بين الجدار


الداخل والخارج في جهة المشرق على ما قدمناه ، فتردد متولي العمارة في نقب الجدار الشامي لإحكام ذلك الشق وترميم الشق المقابل له.

ثم عزم على هدم الجدار المذكور ـ أعني : جدار الحجرة الداخل من جهة الشام ـ بأجمعه ، فبدأ برفع السقف الذي وجد على الحجرة نفسها كما قدمناه ، وحينئذ ظهر لهم ساحة الحجرة الشريفة ، وستر الله تعالى القبور الشريفة عن الأعين بالردم ، ثم علمت أن هذا الموطن يطلب فيه من التثبت والأدب التام ما لا يطلب في غيره ، فانصرفت عازما على أن لا أحضر معهم ما داموا في تعاطي الهدم وأن أحضر معهم في البناء. ثم أفاضوا في عقد قبة سفلية على جدار الحجرة الداخل رعاية الإتقان والإحكام فكرهت ذلك لعلمي أنه يجر إلى هدم معظم الحجرة مع ما فيه من تغيير الهيبة الأولى.

ثم في حادي عشر شعبان المذكور أجمعوا أمرهم على ذلك ، فشرعوا في هدم الجدار الشامي والشرقي من البناء الداخل ، فوجدوا في الجانب الذي يلي المغرب من الجدار الشامي ، وكذا فيما يقابله من القبلي ، وكذا في الغربي عند ما هدموا أسفل السترة المبنية على السقف المحترق بين فصوص الأحجار وأعلاها مع رأس الجدر المذكورة لبنا غير مشوى طول اللبنة منه أرجح من ذراع وعرضه نصف ذراع ، وسمكه ربع ذراع ، وطول بعضه وعرضه وسمكه واحد وهو نصف ذراع ، ولم يجدوا مثل ذلك في الجدار الشرقي ، ولا فيما يليه من الشامي والقبلي ، وقد عاب بعض الناس على الأقدمين في وضعهم ذلك في الجدار ، ونسبهم به إلى التقصير ، وربما قال : إن البنائين زمن الوليد لما أمر ببناء المسجد على يد عمر بن عبد العزيز كانوا كفارا ، وإن ذلك من غشهم ، وهذا جهل من قائله.

وقد قدمنا من شرح حال بناء الحجرة ما فيه كفاية ، وتقدم أن عمر بن الخطاب أو ابن الزبير هو الباني للحجرة على ما رواه ابن سعد ، ولو سلّم أن تلك البناية في ولاية عمر بن عبد العزيز للعمارة المتقدمة فهو أتقى لله من أن يهمل قبر نبيه بيد الكفار حتى يغشوا في بنائه بمثل ذلك. وقد ظهر لي في ذلك أن السلف لما بنوا الحجرة الشريفة بالأحجار لقصد الإحكام والبقاء ، وكان ما عدا الأساس منها مبنيا باللبن في عهدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما يؤخذ مما قدمناه ، فرأوا أن لا يخلو بناؤهم من بركة ذلك اللبن ، فوضعوا منه ما رأوا فيه الصلابة بين الأحجار المبنية بالقصّة ، ولو لا إتقان ذلك البناء لما مكث هذه المدة المديدة ، والعجب أن الخلل والانشقاق لم يحصل إلا في الناحية الخالية منه ، وقد قدمنا أن الذي يظهر أن تلك الناحية سقطت وأعيدت ، واختلاف البناءين شاهد بذلك ، حتى إن الجدار الشرقي لم يكن مبنيا بالحجارة الموجّهة إلا من داخله دون خارجه ، وعرض منقبته أقل من عرض بقية الجدر. ولما بلغوا في هدم الجدار الشامي أرض الحجرة الشريفة شرعوا في تنظيف الردم الساتر للقبور


الشريفة ، وذلك في صبيحة الثالث والعشرين من شعبان المذكور ، ومكثوا في ذلك إلى غروب الشمس مع كثرتهم حتى بلغني أن الحجرة الشريفة امتلأت بهم ، ولم يخصوا مكانا دون مكان ، فظنوا أن القبر الشريف النبوي قريبا من وسط الحجرة ، وليس كذلك كما سنبينه ، ووضعوا ما أخرجوه من الردم عند طرف المسقف الغربي في زاويته المتصلة بمسقف الدكاك ، وبنى عليه متولي العمارة تلك الدكة البارزة هناك. ثم وفّى القضاي الزكوي بما وعد به متولي العمارة من كتابة المحضر ، وكتب فيه أهل المدينة ، ولم أكتب فيه ، واعتذرت بأنه لم يسبق لي عادة بمثل ذلك ، وبعثوا به إلى مصر المحروسة ، فلما كان في صبيحة الخامس والعشرين من الشهر المذكور بعث إليّ متولي العمارة لأتبرك بمشاهدة الحجرة الشريفة بعد تنظيفها ، وصار قائل يقول : ظهر القبر الشريف ، وقائل يقول : لم يجدوا لجميع القبور الشريفة أثرا ، فحثّني داعي الشوق وغلبة الوجد ، واستحضرت ما وقع لبعض السلف من سؤاله لعائشةرضي‌الله‌عنها أن تريه القبور الشريفة ، وغير ذلك مما سبق ومما سيأتي في باب الزيارة ، ووصف السلف للقبور الشريفة ، وذكرهم ذرع الحجرة الشريفة وكيفيتهما كما تقدم ، فعزمت على الإقدام ، وتمثلت بقول بعضهم :

ولو قيل للمجنون أرض أصابها

غبار ثرى ليلى لجدّ وأسرعا

 

لعلّ يرى شيئا له نسبة بها

يعلّل قلبا كاد أن يتصدعا

فتطهرت وتوجهت لذلك مستحضرا عظيم ما توجهت إليه ، وموقع المثول ببيت أوسع الخلق كرما وعفوا ، وذلك هو المعول عليه ، واستحضرت بقول بعضهم :

عصيت فقل لي كيف ألقى محمدا

ووجهي بأثواب المعاصي مبرقع

ثم أنشدت الذي يليه :

عسى الله من أجل الحبيب وقربه

يداركني بالعفو فالعفو أوسع

وسألت الله أن يمنحني حسن الأدب في ذلك المحل العظيم ، ويلهمني ما يستحقه من الإجلال والتعظيم ، وأن يرزقني منه القبول والرضى ، والتجاوز عما سلف ومضى ، فاستأذنت ودخلت من مؤخر الحجرة ، ولم أتجاوز ذلك المحل ، فشممت رائحة ما شممت في عمري رائحة أطيب منها ، ثم سلمت بوجل وحياء ، على أشرف الأنبياء ، ثم على ضجيعيه خلاصة الأصفياء ، ودعوت بما تيسر من الدعوات ، وتشفعت بسيد أهل الأرض والسموات ، واستنزلت به في بيته من الأزمات ، واغتنمت هذه الفرصة في جميع الحالات ، ولله در القائل :

تمتّع إن ظفرت بنيل قرب

وحصّل ما استطعت من ادّخار

فقد وسّعت أبواب التداني

وقد قرّبت للزوار داري


وقد هبّت نسيمات لنجد

فطب واشرب بكاسات كبار

فما وقت يمرّ بمستعاد

وما دار الأعزّة بالقرار

فودّع أرض نجد قبل بعد

فما نجد لمرتحل بدار

أقول لمن يمرّ بأرض نجد

ويظفر من رباها بالديار

تزود من شميم عرار نجد

فما بعد العشية من عرار

وقل أيضا لمغتنم صفاء

على معنى يلوح لذي اعتبار

إذا العشرون من شعبان ولّت

فواصل شرب ليلك بالنهار

ولا تشرب بأقداح صغار

فإن الوقت ضاق على الصغار

فلما قضيت من ذلك الوطر ، متعت عيني من تلك الساحة بالنظر ، لأتحف بوصفها المشتاقين ، وأنشر من طيب أخبارها في المحبين ، فتأملت الحجرة الشريفة فإذا هي أرض مستوية ، وتناولت من ترابها بيدي فإذا فيه نداوة وحصباء كالحصباء المتقدم وصفها بين الجدارين يظهر عند فحصه بالأصابع ، ولم أجد للقبور الشريفة أثرا ، غير أن بأوسط الحجرة موضعا فيه ارتفاع يسير جدا ، توهموا أنه القبر الشريف النبوي ، فأخذوا من ترابه للتبرك فيما زعموا ، ومنشأ ذلك الوهم جهل من كان هناك بأخبار الحجرة الشريفة ، وذلك المحل ليس هو القبر النبوي قطعا ، ولعله قبر عمررضي‌الله‌عنه ؛ لأن الشافعيرضي‌الله‌عنه قد نص على أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إنما لحد له في جدار القبلة.

قال الشافعي ، فيما نقله عنه الأقشهري ردا على من قال إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أدخل لقبره معترضا : هذا من فحش الكلام في الأخبار ؛ لأن قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان قريبا من الجدار ، وكان اللحد تحت الجدار ، فكيف توضع الجنازة على عرض القبر حتى سلّ معترضا؟ فدلّ على أن هذا النقل غير صحيح ، انتهى.

وروى ابن عساكر عن جابررضي‌الله‌عنه قال : رشّ قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وكان الذي رش الماء على قبره بلال بن رباح بقربة بدأ من قبل رأسه حتى انتهى إلى رجليه ثم ضرّجه بالماء إلى الجدار ، لم يقدر على أن يدور من الجدار لأنهم جعلوا بين قبره وبين حائط القبلة نحوا من سوط.

وقال ابن سعد في طبقاته : أخبرنا شريح بن النعمان عن هشيم قال : أخبرني رجل من قريش من أهل المدينة يقال له محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال : سقط حائط قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في زمن عمر بن عبد العزيز ـ وهو يومئذ على المدينة في ولاية الوليد ـ فكنت في أول من نهض ، فنظرت إلى قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإذا ليس بينه وبين حائط عائشةرضي‌الله‌عنها إلا نحو من شبر ، فعرفت أنهم لم يدخلوه من قبل القبلة ، وعلى تقدير أن يكون ثمّ موضع بين


القبر الشريف وبين جدار القبلة بحيث يتأتى إدخالهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من ناحية القبلة فلا يكون ذلك الموضع محل القبر الشريف ؛ لبعده من جدار القبلة جدا. وفيما رواه ابن زبالة ويحيى من خبر عبد الله بن محمد بن عقيل في قصة سقوط جدار الحجرة الشريفة المتقدم ذكره أن عمر بن عبد العزيز قال لمزاحم لما دخل : يا مزاحم كيف ترى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ قال : متطأطئا ، قال : فكيف ترى قبر الرجلين؟ قال : مرتفعين ، قال : أشهد أنه رسول الله.

وقد قدمنا من وصف داخل الحجرة وذكر ذرعها ما فيه كفاية.

وقد تأملت التفاوت بين أرض الحجرة الشريفة وبين أرض الفضاء الخارج بين الجدار الشامي الداخل وزاوية الجدار الخارج فوجدت أرض الحجرة أنزل منه بنحو ذراع ونصف ، وتقدم أن أرض الفضاء المذكور أخفض مما حول الحجرة من المسجد بذراع وثلث ، فيكون التفاوت بين داخل أرض الحجرة وأرض المسجد نحو ثلاثة أذرع.

وتأملت آثار ردم الحريق في الجدران فرأيته في بعضها نحو ثلاثة أذرع ، وفي بعضها نحو ذراعين ، وأخبرني المباشرون لإخراجه بذلك أيضا.

ثم هدموا من الجدار القبلي مما يلي المشرق جانبا نحو أربعة أذرع وشيء ، حتى بلغوا به أرض الحجرة.

وهدموا أيضا جانبا من الجدار الغربي مما يلي الشام حتى بلغوا به الأرض أيضا ، وذلك نحو خمسة أذرع منه ، فعلوا ذلك ليتأتى لهم إحكام القبة التي أجمعوا أمرهم عليها ، ولم يبق من أركان الحجرة الشريفة سوى مجمع جدار القبلة وجدار المغرب.

ثم إنهم هدموا من علو ما بقي من الجدارين المذكورين نحو خمسة أذرع ، ولم يبق من بناء الحجرة الأصلي إلا ما فضل منهما.

ووجدوا عند هدم مبدأ الجدار القبلي من أعلاه ميزابا قد احترق بعضه من جهة ما كان في بناء الجدار ، وبقي منه نحو الذراع ، وهو من عرعر له رائحة ذكية ، وسعة مجرى الماء فيه نحو أربعة أصابع أو خمسة ، كأنه كان ميزابا للحجرة الشريفة قديما فحرص الأقدمون على ما بقي منه بعد الحريق ووضعوه بين السترة التي أحدثوها لأجل السقف وبين رأس الجدار ، فجزاهم الله خيرا.

ولما أعيد بناء الحجرة حرصت على أن يعاد فيها ، فوعدني متولي العمارة بذلك ، فلما كان عند ختم البناء سألته عنه ، فذكر لي أنه جعله في البناء الآتي ذكره في أعلى الجدار الشامي بين ما بقي من لبن الحجرة وليس عليه بطين ذلك اللبن.

ثم عند الشروع في إعادة بناء الحجرة اقتضى رأيهم إدخال الأسطوان المتقدم وصفه خلف جدار الحجرة الشامي لتشققه فزادوا في عرض ذلك الجدار من الرحبة المثلاثة الشكل


المتقدم وصفها بين الجدارين ، وكان الشروع في إعادة بناء الحجرة في سابع عشر شعبان المذكور ، فابتدءوا بالجدار المذكور ، وأوصلوه بالجدار الغربي ، وأعادوا ذلك بأحجار الحجرة التي نقضوها منها ، ثم رأوا أن إحكام القبة التي عزموا عليها يقتضي تربيع محلها ، بحيث لا يزيد طوله على عرضه. وقد قدمنا في ذرع الحجرة ما يقتضي عدم ذلك ، فعقدوا قبوا على نحو ثلث الحجرة الذي يلي المشرق والأرجل الشريفة ، وجعلوا الجدار الخارج من جهة المشرق متصلا بجدار الحجرة الداخل ، فأدخلوا ما كان بينهما في جدار القبو المذكور إلى نهاية ارتفاعه ، وكذا فعلوا فيما كان بين الجدار القبلي الداخل والخارج ، سدّوه أيضا بالبناء حتى لم يبق حول البناء الداخل فضاء إلا ما بقي من الرحبة المثلاثة الشكل في جهة الشام وصار علو القبة المذكور فضاء أيضا بين القبة وبين الجدار الظاهر في جهة المشرق وعقدوا القبة المذكورة على ما بقي من الحجرة ، وهو ما يلي المغرب منها في جهة الرءوس الشريفة ، وحاول بعض الناس أن يكون عقد القبة بالآجر ، فكرهت ذلك لما لا يخفى ، فاجتنبه متولي العمارة جزاه الله تعالى خيرا ، وعقدها بالأحجار المنحوتة من الحجر الأسود ، وكملها بالأبيض ، وأخبروني أن ارتفاع القبة المذكورة من داخل أرض الحجرة الشريفة إلى محدّب القبة المذكورة ـ وهو أعلاها المغروز فيه هلالها ـ اثنا عشر ذراعا بذراع العمل ؛ فيكون بالذراع المتقدم وصفه ثمانية عشر ذراعا وربع ذراع.

ومن أرض الحجرة أيضا إلى نهاية القبو الذي بنى عليه أحد حوائط القبة المذكورة ثمانية أذرع وشيء بذراع العمل ، وذلك نحو أحد عشر ذراعا بالذراع المتقدم وصفه ، وارتفاع حائط القبة الشرقي ـ وهو الذي يلي القبو المتقدم وصفه ـ عن طرف القبور الذي بنى عليه الحائط المذكور ذراع وثلثان بذراع العمل ، وذلك ذراعان ونصف راجح بالذراع المتقدم وصفه ، وصار ما بين حائط القبة المذكور وبين حائط الحجرة الظاهر في جهة المشرق ـ أعني سطح القبو المذكور وما اتصل به ـ كما كان بين الجدارين ، وأدخل في عرض الجدار رحبة واحدة تحيط بها من المغرب حائط القبة المتقدم وصفه ، ومن المشرق حائط الحجرة الظاهر ، ومن القبلة حائط الحجرة الظاهر أيضا ، ومن الشام سترة بنيت له فيما بين جدار القبة الذي يليه وجدار الحجرة الظاهر في المشرق.

وذرع هذه الرحبة المذكورة بسطح القبو المذكور طولا من القبلة إلى الشام سبعة أذرع ونصف سدس ذراع بذراع العمل ، وذلك أحد عشر ذراعا بالذراع المتقدم وصفه.

وذرعها عرضا مختلف : فمما يلي القبلة ذراعان ونصف بذراع العمل ، ومما يلي الشام نحو الثلاثة.

وأما جدار القبة الشامي فقد تقدم أنهم زادوا في عرضه من الرحبة خلفه وجعلوه أيضا


متفاوت العرض ؛ فجعلوا ما يلي المشرق منه ـ وهو الموضع المحاذي للأسطوانة التي وقعت الزيادة في العرض لأجل إدخالها وإدغامها بذلك ـ أزيد من الجهة التي تلي المغرب منه بنحو نصف ذراع ؛ فإنهم جعلوا عرض الجدار في هذه الجهة من أسفل عقد القبة نحو ثلاثة أذرع بذراع اليد ، وعرضه في الجهة الأخرى دون ذلك بنحو نصف ذراع ، بحيث صارت جهة الأسطوان المذكور بارزة عن بقية ذلك الجدار في الرحبة المذكورة كما سيأتي تصويره.

وقد جعلوا على رأس هذا الجدار بناء يسيرا مما بقي من اللبن الذي أخرج من بعض جدار الحجرة كما تقدم وصفه ، بعد أن تفرق اللبن المذكور ، وأخذ الكثير منه.

وتركوا في نحو وسط هذا الجدار خوخة ، فلما لم يبق إلا هي أدخلوا منها شيئا كثيرا من الحصباء جاءوا بها من عرصة العقيق من جنس حصباء المسجد بعد غسلها بالماء ليضعوها على القبور الشريفة ، وكنت قد ذكرت لبعضهم أن موضع القبر الشريف النبوي مما يلي الجدار القبلي ، وأنه يستنبط مما قدمناه في مسمار الفضة المحاذي للوجه الشريف أن أول القبر الشريف من جهة المغرب على نحو ذراعين بذراع اليد من الحائط الغربي ؛ لأنا إذا أسقطنا عرض الجدارين الغربيين ـ وهما الجدار الداخل والخارج ، وهو نحو ثلاثة أذرع مما بين المسمار وأول الجدار الظاهر الغربي وهو نحو خمسة أذرع كما تقدم ـ كان الباقي نحو الذراعين إلى الرأس الشريف ، فاستحسن ذلك ، فحضر معهم لما دخلوا من الخوخة المذكورة لوضع الحصباء على القبور الشريفة ، فوضعوا ذلك على المحل الشريف المذكور كما وصفت ، وأخذوا بالهيئة المشهورة في كيفية القبور الشريفة من أن رأس أبي بكررضي‌الله‌عنه خلف منكب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ورأس عمررضي‌الله‌عنه خلف منكب أبي بكر ، فوضعوا الحصباء عليهما كذلك وكان بعض المباشرين لذلك حنفيا ـ وهو صهر متولي العمارة ـ فجعلها مسنّة ، وذلك بعد أن أكثروا في الموضع المذكور من البخور بالعود والعنبر وغيرهما من أنواع الروائح ، وعرف المحل الشريف على ذلك كله راجح فائح ، ولله در القائل :

بطيب رسول الله طاب نسيمها

فما المسك ما الكافور ما المندل الرّطب

وألقى جماعة من الناس من تلك الخوخة أوراقا كتبوا فيها التشفع بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومارب يسألونها بالحجرة الشريفة ، ثم سدوا الخوخة المذكورة ، وأحكموا بناءها كبقية الجدار ، وبيضوا القبة المذكورة وجميع جدرانها من خارجها بالجص ، وجاءت حسنة فاض عليها أنس المحل الشريف ، ونصبوا بأعلاها هلالا من نحاس يظنه الرائي ذهبا ، وهو قريب من سقف المسجد الأول ؛ فإن القبة المذكورة تحته ، ثم سدوا ما بقي من نقب الجدار الظاهر ، وحضرت معهم في ذلك الوقت ، وحضرت أيضا بعض بناء الحجرة الشريفة ، وتبركت بالعمل فيه ، ولم أحضر غير ذلك طلبا للسلامة ، وأنشدت في ذلك المحل الشريف قصيدتي التي تطفلت بها على واسع كرم الجناب الرفيع الحبيب الشفيع الحالّ بذلك الحمى المنيع ، التي أولها :


قف بالديار لحي في ذرى الحرم

وحيّ هذا المحيّا من ذوي إضم

وكان الفراغ من ذلك وختم بناء الجدار الظاهر في يوم الخميس المبارك سابع شوال من السنة المذكورة ، وأصرفوا في ذلك وفي غيره من عمارات المسجد وإعادة منارة مسجد قباء وتجديد بعض سقفه وإحكام مصرف المياه التي كانت تجتمع حول المسجد عند كثرة الأمطار مالا جزيلا ، ومن أعظم ذلك نفعا ما جعل لمصرف المياه المذكورة كما سيأتي وصفه فقد عم نفعه ، وذلك كله في الصحائف الشريفة السلطانية الأشرفية ، أعز الله أنصارها ، وأعلى في سلوك العدل منارها ، على يد متولي العمارة الجناب الشمسي المتقدم ذكره ضاعف الله تعالى حسناته.

وهذا تصوير ما استقر عليه الأمر من هذه العمارة في صورة الحجرة المشرفة والقبور الشريفة بها :

ثم حدث بعد الحريق الثاني عند إنشاء القبة الثانية التي جعلوها بدلا عن القبة الزرقاء المتقدم ذكرها تأسيس دعامة وعقد في جهة المغرب عند مقام جبريلعليه‌السلام متصل بجدار الحجرة الظاهر من أعلاه وأسطوان وعقد في مقابلة ذلك في المشرق متصل بالجدار الظاهر أيضا في جهة المغرب.


الفصل التاسع والعشرون

في الحريق الحادث في زماننا بعد العمارة السابقة وما ترتب عليه

ألحقته هنا مع إلحاق ما تقدمت الإشارة إليه في الفصول السابقة ، لحدوثه بعد الفراغ من مسودة كتابنا هذا لأني توجّهت إلى مكة المشرفة للاعتمار أول شهر رمضان عام ست وثمانين وثمانمائة ، فورد علي بها عدة كتب من الصادقين في الخبر ، وشافهني من شاهد الأمر والأثر ، بما حصل من الخطب العظيم ، والرزء الجسيم ، باحتراق المسجد النبوي أول الثلث الأخير من ليلة الثالث عشر من شهر رمضان ، وذلك أن رئيس المؤذنين وصدر المدرسين الشمسي شمس الدين محمد بن الخطيب قام يهلّل حينئذ بالمنارة الشرقية اليمانية المعروفة بالرئيسية ، وصعد المؤذنون بقية المنائر ، وقد تراكم الغيم فحصل رعد قاصف أيقظ النائمين ، فسقطت صاعقة أصاب بعضها هلال المنارة المذكورة ، فسقطت في المسجد وله لهب كالنار ، وانشق رأس المنارة ، وتوفي الريس المذكور لحينه صعقا ففقد من كان على بقية المنائر صوته ، فنادوه فلم يجب ، فصعد إليه بعضهم فوجده ميتا ، وأصاب ما نزل من الصاعقة سقف المسجد الأعلى بين المنارة الرئيسية وقبة الحجرة النبوية فثقبه ثقبا كالترس ، وعلقت النار فيه وفي السقف الأسفل ، ففتح الخدام أبواب المسجد قبل الوقت المعتاد وقبل إسراجه ، ونودي بالحريق في المسجد ، فاجتمع أمير المدينة وأهلها بالمسجد الشريف ، وصعد أهل النجدة منهم بالمياه لإطفاء النار ، وقد التهبت سريعا في السقفين ، وأخذت لجهة الشمال والمغرب ، فعجزوا عن إطفائها ، وكلما حاولوه لم تزدد إلا التهابا واشتعالا ، فحاولوا قطعها بهدم بعض ما أمامها من السقف ، فسبقتهم لسرعتها ، وتطبق المسجد بدخان عظيم ، فخرج غالب من كان به ، ولم يستطيعوا المكث ؛ فكان ذلك سبب سلامتهم ، وهرب من كان بسطح المسجد إلى شماليه ، ونزلوا بما كان معهم من حبال الدلاء التي استقوا بها الماء بخارج المسجد على الميضأة والبيوت التي هناك وما حول ذلك ، وسقط بعضهم فهلك ، ونزل طائفة منهم إلى المسجد من الدرج فاحترق بعضهم ولجأ بقيتهم إلى صحن المسجد مع من حالت النار بينه وبين أبواب المسجد ممكن كان أسفل ، ومنهم صاحبنا الشيخ العالم صدر المدرسين الشمسي شمس الدين محمد بن المسكين المعروف بالعوفي ، فمات بعد أيام لضيق نفسه بسبب الدخان مع توعك سابق ،رحمه‌الله تعالى! واحترق من الخدام الزيني شند نائب خازن دار الحرم ، تغمده الله برحمته! ومات جماعة تحت هدم الحريق من الفقراء وسودان المدينة ، وجملة من مات بسبب ذلك بضع عشرة نفسا ، وكانت سلامة من بقي بالمسجد على خلاف القياس ؛ لأن النار عظمت جدّا حتى صارت كبحر لجي من نار ، ولها زفير وشهيق وألسن تصعد في الجو ، وصار لفحها يؤثر من البعد حتى أثرت في النخلات التي بصحن المسجد ،


وعلق منها شيء بالمنارة الرئيسية فاحترقت ، ووصلت النار لثياب الريس شمس الدين محمدرحمه‌الله تعالى فاحترقت بعد موته ، وصارت النار ترمي بشرر كالقصر فتسقط بالبيوت المجاورة للمسجد ، ومع ذلك فلا تؤثر فيها ، حتى سقط بعض الشرر على سعف فلم يحترق ، وحمل بعض خزائن الكتب من تحت سقف المسجد إلى صحنه فأصابها الشرر فأحرقها.

ونقل عن جمع كثير أنهم شاهدوا حينئذ أشكال طيور بيض كالإوز يحومون حول النار كالذي يكفها عن بيوت الجيران.

وأخبر أمير المدينة الشريفة السيد الشريف زين الدين فيصل الجمازي أن شخصا من العرب صادق الكلام رأى في المنام ليلة ثاني عشر من شهر رمضان أن السماء فيها جراد منتشر ، ثم عقبته نار عظيمة ، فأخذ النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم النار وقال : أمسكها عن أمتي ، فجزاه الله عن أمته ـ خصوصا عن جيرانه ـ أفضل ما جزى نبيّا عن أمته.

وحكى أيضا عن بواب رباط السبيل أنه ذكر مثل تلك الرؤيا عن غيره ، كتب لي بذلك صاحبنا العلامة شيخ المحدثين بالحرم النبوي الشيخ شمس الدين بن شيخنا العلامة ناصر الدين العثماني أمتع الله به.

هذا ما حصل لأهل المدينة الشريفة من الدهشة العظيمة والحيرة لما شاهدوا من هول هذه النار ومنظرها الفظيع ، حتى أيقن بعضهم بالهلاك ، وانتقل بعض أهل الدور منها لما وصل إليهم الشرر ، وخرج بعضهم من باب المدينة الذي يلي البقيع ، وبعضهم من بابها الذي يلي المصلى ، وظنوا أن النار محيطة بهم. قال الشمس العثماني : وصار لجميع المدينة من جميع جهاتها بالبكاء ضجيج ، وبالدعاء عجيج ، قال : وأمر هذه النار عجيب ، وليس الخبر كالمعاينة ، وصار المسجد كالتنور ، ولم يمض إلا أقل من عشر درج وقد استولى الحريق على جميع سقف المسجد وحواصله وأبوابه وما فيه من خزائن الكتب والربعات والمصاحف ، غير ما وقعت المبادرة لإخراجه أولا وهو يسير ، وغير القبة التي بصحن المسجد ، وسبق ذكر سلامتها في الحريق الأول ، وكنت تركت كتبي بالخلوة التي كنت أقيم بها في مؤخر المسجد ، فكتب إليّ باحتراقها ، ومنها أصل هذا التأليف وغيره من التآليف والكتب النفيسة نحو ثلاث مائة مجلد ، فمنّ الله تعالى عليّ ببرد الرضى والتسليم ، وفراغ القلب عن ذلك ، حتى ترجحت هذه النعمة عندي على نعمة تلك الكتب لما كنت أجده قبل من التعلق بها ؛ فلله الحمد والشكر على ذلك. هذا ، مع ما منّ الله به علي من غيبتي عن هذا الأمر المهول ؛ فإن وقوعه كان في ليلة الوصول إلى الحرم المكي ، ولم يتفق لي منذ سكنت المدينة الخروج منها في رمضان ، بل كنت ألازم المسجد النبوي فيه من أوله إلى آخره ليلا ونهارا ، فكان ذلك سبب النجاة من هذا الأمر.


ولما اشتعلت النار في السقف المحاذي للحجرة الشريفة ذاب الرصاص من القبة التي بسقف المسجد الأعلى ، واحترقت أخشابها وما يحاذيها من السقف الأسفل والشباك الدائر على حائز عمر بن عبد العزيز الذي تعلق الكسوة بأعلاه ، وسقط ما سقط من ذلك على القبة السفلى التي تقدم تجديدها ، فلما أصبحوا بدءوا بطفي ما سقط على القبة المذكورة ، واستمروا في ذلك إلى آخر النهار ، فسلمت القبة المذكورة مع أن بعضها من الحجر الأبيض الذي يسرع تأثره بالنار ، وذلك من المعجزات النبوية ؛ لأن كثيرا من أساطين المسجد الشريف سقطت لما ذاب بعض رصاصها وتهشمت وهي من الحجر الأسود ، ومع ذلك تفتت كأنه أحجار النورة ، وعدة ما سقط منها مائة وبضع وعشرون أسطوانا ، وما بقي منها فقد أثرت فيه النار أثرا بينا ، وسلمت الأساطين اللاصقة بجدار الحجرة أيضا ؛ فالحمد لله على حماية الحجرة المنيفة ، الحاوية للقبور الشريفة ، واحترقت المقصورة التي كانت حول الحجرة الشريفة والمنبر الشريف وما كان أمام المصلى المنيف بالروضة الشريفة من الصندوق وما عليه من المحراب المتقدم وصفه ، وسقطت أكثر عقود المسجد ، وما بقي منها فهو آئل إلى السقوط ، وسقط علو المنارة الرئيسية ، ثم خشوا من سقوط بعض ما بقي منها فهدموا نحو ثلثها ، وكتبوا إلى سلطان مصر مولانا الأشرف سلطان الحرمين الشريفين قايتباي أيد الله أنصاره بذلك سادس عشر رمضان ، واقتضى رأي نائب الناظر سد أبواب حواصل المسجد حتى القبة التي بوسطه المرصد فيها زيت مصابيحه ، وترك الردم على حاله حتى ترد الأوامر الشريفة فتضرر الناس بذلك ، فاتفقت الآراء على تنظيف مقدم المسجد ما عدا ما جاور الحجرة الشريفة خوفا على ما سقط من حلية قناديلها ، مع أنها يسيرة كما يؤخذ مما سبق ، فجعلوا على ذلك حاجزا من الآجرّ ، ونقلوا هدم مقدم المسجد إلى ما يلي باب الرحمة من مؤخره ، وعمل في ذلك أمير البلد والقضاة والأشراف وعامة الناس حتى الكثير من النساء والأطفال تقربا إلى الله تعالى بغير أجرة ، ولم يتأخر عن ذلك إلا المخدّرات من النساء.

وبنوا في محل المنبر منبرا من آجر ، وصلّوا بالمصلى النبوي من حينئذ ، وعملوا لأبواب المسجد غير باب جبرائيل خوخا يدخل منها ، وسدوا ما زاد على ذلك ، ونصب الخدام خياما بالمسجد إذ لم يبق به ظل ، وصار بعض أهل الخير يسرج قناديل متعددة من عنده في المسجد مع توفر الزيت بحاصله ، لكن تعذر ذلك بسبب سدّه ، واستمرت النار فيما لم ينقل هدمه من المسجد حتى فيما حول الحجرة الشريفة وموقف الزائرين تجاه الوجه الشريف ، وأخبر بعضهم بمشاهدة الدخان يتصاعد من ذلك المحل الشريف بعد مدة ، وفي أثناء شوال أخبر قاضي المالكية شمس الدين السخاوي حفظه الله تعالى أنه رأى في النوم من يقول له : أطفئوا النار من الحجرة الشريفة ، يعني الموضع الذي تركوا تنظيفه حولها ، فتفقدوا ذلك


فوجدوا النار في ثمانية مواضع ، فأطفؤوا ذلك ، ثم رأوا أن مادة هذه النار لا تنقطع إلا بتنظيف الردم ، فاجتمعت الآراء على ذلك بعد توقّف تام من نائب الناظر ، وعيّنوا لتعاطيه من يثقون به من الخدام والفقهاء والفقراء ، وكان الصواب المبادرة لذلك أولا ، ولكن على كل خير مانع ، ولا يدري أحد أسرار ما الله في عباده صانع ، ولما نظفوا ذلك وجدوا حلية الصندوق المجعول في جهة الرأس الشريف وجانبا من الكسوة وبعض البسط سالما لسقوط الردم عليه ، ووجدوا القناديل التي كان التخوّف في تنظيف ذلك المحل لأجلها ، وأداروا على الحجرة الشريفة جدارا من الآجر في موضع المقصورة المحترقة ، وجعلوا فيها شبابيك وطاقات وأبوابا ، وقام بمصروف ذلك بعض النساء المباركات وغيرها ، وسامح البناءون بنصف أجرهم مع توفر المصروف بحاصل المسجد الشريف ، وأحضرت تلك المرأة أيضا وغيرها كسوة للحجرة الشريفة من القماش الأبيض فجعلت عليها.

وفي ذلك كله عبرة تامة وموعظة عامة لأولي الأبصار ، وهو منذر بأمر عظيم ، ولهذا اختص به هذا المحل المنسوب إلى النذيرصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد ثبت أن أعمال الأمة تعرض عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما ساءت منا الأعمال المعروضة ناسب ذلك الإنذار بإظهار عنوان النار المجازي بها في موضع عرضها ، ولم أزل في وجل مما يعقب ذلك حيث لم يحصل الاتعاظ والانزجار ، وقد قال تعالى :( وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً ) [الإسراء : ٥٩] ، وقال تعالى :( ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ) [الزمر : ١٦] وكأن لسان القدرة ينادي : ألا تتعظون بما ترون وتسمعون؟ ألا تنتهون وتنزجرون؟ ألا ترون إلى هذا المحل الشريف مع عظيم نسبته وعلو رتبته ومكانته لما تلوّث بآثاركم معشر المذنبين ، وتدنّس بأقذاركم كافة الغافلين ، أرسلت عليه بحرا من النار السماوية تطهره من تلك الآثار ، وتزجركم عن التمادي على الإصرار ، وموالاة اتباع الأوزار ، وتشهد بصائركم عموم القدرة ، فترسلون من الأبصار سوابق العبرة ، تأسفا على ما اجترحتموه قبل هذه العبرة ، فمن لم ينته بهذا الزاجر الفعلي عن إصراره ، ولم يقتبس من هذه النار العظيمة قبسا يهتدي بأنواره ، فلينظر فيما حدث عقيب حريق المسجد القديم ، ويتفكر في ضعفه عن احتمال العذاب الأليم ، حمانا الله من ذلك ، وسلك بنا أجمعين أحسن المسالك.

ومن العجائب أنه لم يتأتّ إخراج ردم هذا الحريق بعد نقله لمؤخر المسجد حتى حضر الحجّاج من سائر الآفاق للزيارة ، وشاهدوا هذه العبرة العظيمة ، ورأوا ما اجتمع من الردم كالآكام والتلول الجسيمة ، ثم قبيل دخول الحاج مكة بالقعدة الحرام من العام الثاني أرسل الله سيلا عظيما بمكة المشرفة ملأ ما بين الجبلين وعلا جدار أبواب المعلى ، ودخل جوف الكعبة الشريفة ، وارتفع فيها أزيد من قامة وهدم دورا كثيرة يقال إنها تزيد على ألفي دار ،


وذهب بسبب ذلك من الأموال والأنفس ما لا يحصيه إلا الله تعالى ، حتى أنهم ضبطوا من وجد تحت الردم بالمسجد الحرام فقط عند تنظيفه فكانت عدتهم نحو الثمانين ، وقيل أزيد من مائة ، ولم أقف فيما نقل من سيول الجاهلية والإسلام على مثل ذلك ، ولما نظفوا ذلك الردم ـ وهو أتربة ونقض هدم حملها السيل ـ لم يتأتّ إخراجه قبل وصول الحجاج وصار ذلك كالآرام والتلول العظيمة في المسجد الحرام ، فحضر الحجاج كلهم وشاهدوا ذلك ، فسبحان من بيده الخلق والأمر لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

ولما وصل خبر الحريق لرودس من بلاد النصارى أظهروا بذلك فرحا واستبشارا ، وتظاهروا بالزينة وضرب النواقيس ، فلم يمض ذلك اليوم إلا وقد أرسل الله عليهم زلازل عظيمة هدمت عليهم جانبا من سور البلد والكنيسة وكثيرا من دورهم ، وهلك منهم بذلك خلائق لا يحصون ، ودامت الزلازل عليهم ، أياما ، شاهدت ذلك في كتب وردت من ثغر إسكندرية بخط من يعتمد عليه ، وذكروا أن المخبر لهم بذلك أهل المراكب الواردة من رودس المذكورة ، وأنهم سافروا والزلازل مستمرة بها ، وهم يخرجون الموتى من تحت الهدم بعد انتقال من بقي إلى خارج البلد ، فتأمل هذه المعجزات النبوية ، والآيات الربانية.

ولما وصل القاصد إلى مصر المحروسة ، واتصل علم الحريق المذكور بسلطانها ، عظم ذلك عليه ، وبرزت أوامره الشريفة بالمبادرة إلى تنظيف المسجد الشريف ، ورأى أن في تأهيل الله تعالى له لعمارة ذلك مزيد التشريف ، وكمال التعريف ، وأنه كرامة من الله تعالى أكرمه بها ، وذخيرة يرجو الفوز بسببها ، فاستقبل أمر العمارة بهمة تعلو الهمم العلية ، ورسم بإبطال عمائره المكية ، وبتوجه شادها السيفي الأمير سنقر الجمالي صحبة الحاج الأول بزيادة على مائة صانع من البنائين والنجارين والنشارين والدهانين والحجارين والنحاتين والحدادين والمرخّمين وغيرهم ، وكثير من الحمير والجمال ، وصحبته وصحبة أخيه المقر الأشرفي الشجاعي شاهين والأمير قاسم الفقيه شيخ الحرم الشريف مبلغ عشرين ألف دينار ، وشرع السلطان في تجهيز الآلات والمؤن حتى كثرت في الطّور والينبع والمدينة الشريفة.

ثم جهّز متولي العمارة الأولى بالمدينة الشريفة ـ وهو الجناب العالي الخواجكي الشمسي شمس الدين بن الزمن ـ في أثناء ربيع الأول وصحبته أكثر من مائتي جمل ومن مائة حمار وأزيد من ثلاثمائة من الصناع أهل الصنائع الأولى وغيرهم من الحمالين والمبيضين والسباكين والجباسين ، وأصرفوا لهم شيئا من الأجرة قبل سفرهم ، وقد صارت أحمال المؤن متواصلة قلّ أن تنقطع برا وبحرا ، واستقبلوا أمر العمارة بجد واجتهاد ، فهدموا المنارة الرئيسية التي أصابها الحريق إلى أساسها ، وهدموا من سور المسجد من ركن المنارة التي بباب السلام إلى آخر جدار القبلة وما يليه من المشرق إلى باب جبريل ، وما يلي المنارة من المغرب أيضا إلى


باب الرحمة ، وأعادوا المنارة الرئيسية وسور المسجد المذكور ، وزادوا في عرضه يسيرا ، ووسعوا المحراب العثماني ، وسقفوا مقدم المسجد سقفا واحدا ، بعد أن قصروا أساطينه وجعلوا عليها عقودا من الآجر فوقها أخشاب السقف ، وكانت الأساطين المذكورة قبل ذلك واصلة إلى سقف المسجد كهيئة ما بقي من أساطينه في بقية المشرق والمغرب والشام ، وجعلوا على المحراب العثماني قبة على رءوس الأساطين ، بعد أن قرنوا إلى كل أسطوانة ثانية ، وجمعوا في بعضها بين خمس أساطين ؛ ليتأتى لهم عقد القبة المذكورة ، وأزالوا الأسطوانة التي كانت في محاذاة الأسطوانة التي إليها المصلّى النبوي بينها وبين المحراب العثماني ، وجعلوا على ما يحاذي الحجرة الشريفة وما حوله قبة عظيمة على دعائم بأرض المسجد وعقودا من الآجر بدلا عن القبة الزرقاء التي كانت قبل الحريق ، وكانت تلك على رءوس السواري كما سبق في الفصل السابع والعشرين ، وقدمنا هناك ما حصل من ضيق المسجد من جهة المشرق بسبب ابتناء بعض تلك الدعائم هناك ، فخرجوا بجدار المسجد الشرقي ـ أعني ما حاذى ذلك منه ـ بنحو عرض الجدار في البلاط الشرقي ، وأبقوا الباب المعروف بباب جبريل في محله.

ثم أحدثوا أسطوانا في جانب مثلث الحجرة ليشتدّ به العقد الذي عليه القبة في تلك الناحية ، وحفروا لذلك أساسا عظيما ظهر بسببه القبر المنسوب في أحد الأقوال لفاطمة الزهراءرضي‌الله‌عنها ، وزادوا دعامتين وعقدا إلى جانب الأسطوانتين اللتين في جهة الوجه الشريف ، ولم يبالوا بما حدث بسبب ذلك من الضيق في الموضع المواجه للوجه الشريف داخل المقصورة وغيره لخشيتهم من سقوط القبة المذكورة ، وكانوا قد وجدوا في جدار المنارة الرئيسية عند هدمها خزانة وضع الأقدمون بها أوراق المصاحف المحترقة في الحريق الأول وسدوا عليها ، فأخرجوا تلك الأوراق ووضعوها في أعلى القبة المذكورة عند ختمها ، فبدأ في القبة تشقّق ، فقيل لهم : إن ذلك بسبب وضع الأوراق المذكورة بها ؛ لأن الله تعالى يقول :( لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ) [الحشر : ٢١] فأخرجوا تلك الأوراق منها ، فقضيت العجب من ذلك.

ومن الغريب أني كنت قد عزمت على التوجه إلى أرض مصر لزيارة والدتي وأهلي قبل الشروع في العمارة المذكورة ، فلم أحضر شيئا من ذلك ، ومن الله تعالى بالوصول إلى الوالدة والأهل ، فتوفيت الوالدة بعد قدومي بعشر ليال ، وكانت مدة غيبتي عن أهلي ستة عشر سنة ، ثم منّ الله تعالى بالعود إلى المدينة الشريفة بعد تعويض ما تدعو الحاجة إليه من الكتب المحترقة ، فوجدتهم قد عمروا القبة المذكورة ومقدم المسجد وعقدوا العقود المتصلة بهذه القبة من المشرق والشام ، وجعلوها قبوا بدل السقف ، واتخذوا فيما بين الحجرة الشريفة


والجدار القبلي قبة لطيفة ، وحولها ثلاثة أخر تسمى مجاريد ، وجعلوا بين عقود هذه القباب وبين المنارة الرئيسية التي أعادوها بادهنجا للضوء والهواء ، وكان باب المنارة المذكورة من جهة المغرب ، فنقلوه إلى جهة الشام ، وأحدثوا أمامه أربع درجات بأرض المسجد ، وإلى جانبها خزانة ، وجعلوا موضع بابها الأول خلوة للخطيب يجلس بها إلى أن يخرج للخطبة يوم الجمعة ، وكان جلوسه في الأعصار الخالية هناك مع وجود باب المنارة به ، واتخذوا أيضا قبتين أمام باب السلام من داخله ، وبنوا الباب المذكور بالرخام الأبيض والأسود وزخرفوه زخرفة عظيمة ، وكذلك القباب المذكورة ، وخفضوا أرض مقدم المسجد حتى ساوت أرض المصلى الشريف ، واتخذوا له محرابا في محل الصندوق الذي كان هناك وزخرفوه بالرخام وكذا المحراب العثماني زخرفة عظيمة ، وأعادوا ترخيم الحجرة الشريفة وما حولها وترخيم الجدار القبلي ، وأزالوا البناء الذي عمله أهل المدينة في موضع المقصورة المستديرة بالحجرة الشريفة ، وأبدلوا ما يلي القبلة من ذلك بشبابيك من النحاس ، وبأعلاها شبكة من شريط النحاس كهيئة الزّرد ، وجعلوا لبقيتها مما يلي الشام مشبكا مشاجرا من الحديد وفاصلا عن يمين مثلث الحجرة ويساره فيه بابان كما سبق بسط كل ذلك في محله ، وعملوا المنبر ودكة المؤذنين من رخام ، وجعلوا فيما يلي باب الرحمة وباب النساء إلى مؤخر المسجد دكتين إحداهما بالمسقف الغربي والأخرى بالمسقف الشرقي ، وجعلوهما أخفض من الدكاك الشامية يسيرا ، وردموهما من أتربة المسجد ، واتخذوا فيما أعادوه من الجدار الشرقي خزائن للكتب وطاقات كبارا كالأبواب المقنطرة في أعالي الجدار وطاقات متسعة مستديرة أيضا تكثيرا للضوء ، ولم يكن بأعالي الجدار المذكور أولا غير شباك واحد ، وجعلوا نظير تلك الطاقات في الجدار القبلي أيضا ، وبنو الجدار من ابتداء تلك الطاقات بالآجر ، وسبب الاحتياج إلى ذلك أن أساطين مقدم المسجد الشريف كانت واصلة إلى سقفه كما سبق ، ولم يكن بذلك قناطر من العقود سوى ما يلي الرحبة من الرواقين اللذين جدّدهما الناصر كما سبق ، وكان الساقط من الأساطين بمقدم المسجد هو الأكثر لسقوط العقود التي كانت بين السقفين عليها وقت الحريق واشتعال النار المذيبة للرصاص الذي بين خرز الأساطين ، فاقتضى رأيهم إعادة تلك الأساطين قصيرة وتكميلها إلى السقف بعقود القناطر ، فأخذت القناطر حصة من الضوء ، فعوّضوا ذلك بتلك الطاقات ، وأكد عندهم فتحها أخذ متولي العمارة للدور التي في قبلة المسجد المعروفة بدور العشرة ليجعلها مدرسة للسلطان ، وعرض الجدار القبلي يسيرا منها ، وجعل فيها فتحات لشبابيك متعددة أيضا ، ثم صرف الله تعالى عزمه عن ذلك وسد فتحات الشبابيك المذكورة كلها بفصوص الأحجار كنسبة بناء الجدار ، وسدّ أيضا الطاقات التي بالجدار القبلي إلا ما يحاذي القبة التي على المحراب العثماني ، فجعل لها ولما بقي من الطاقات قمريات من الزجاج وشبكات من شريط النحاس.


ثم استبدل متولي العمارة الرباط المعروف بالحصن العتيق وما في شاميه من المدرسة الجوبانية والدار التي كانت تعرف بدار الشباك ـ وذلك كله فيما بين باب الرحمة وباب السلام ـ عند هدم هذا الجانب من الجدار الغربي ليتخذ في ذلك مدرسة ورباطا لسلطان زماننا الأشرف أدام الله تعالى تأييده وتسديده ، واتخذ في الجدار المذكور فتحات لشبابيك كثيرة في ثلاث طبقات عدتها ثلاثون فتحة ، لأن الفتحة الثالثة من على يسار الداخل من باب السلام في موضع باب خوخة أبي بكر الصديق الآتي ذكرها في أبواب المسجد ، جعلوه بابا ينفذ إلى المسجد ، وكذا الفتحتان اللتان بينها وبين باب السلام جعلوا لهما بابين إلى المسجد فقط ، وصارت هذه الأبواب الثلاثة في المسجد دون المدرسة من أصل حاصل المسجد الذي كان هناك ، والفتحة الخامسة ـ وهي الثالثة من خوخة أبي بكر ـ جعلوها بابا ينفذ من المسجد إلى أسفل المدرسة ، وجعلوا على الفتحات التي في الطبقة العليا شبكة من شريط النحاس شبه الزرد ؛ لأنها جعلت لمجرد الضوء ، وقد تكلم الناس مع متولي العمارة في أمر الشبابيك واتخاذها بجدار المسجد الشريف القبلي قبل انتقاله إلى هذه الجهة ، وكثر الكلام في ذلك ، فكاتب السلطان فاستفتى علماء مصر في ذلك فأفتاه جماعة منهم بذلك ، فقلدهم فيه ، وعوض ما فات من المصاحف والربعات ، وبعث بعض ذلك على يدي بحيث اجتمع من ذلك أكثر مما فات ، وكذلك الكتب بعث بجانب منها ووعد بإرسال ما يحتاج إليه ، وكان من التوفيق بعثه للأمير الكبير الفخري قاسم الفقيه ناظرا على المسجد الشريف وشيخا لخدامه ، وهو محب للعلم وأهله ، مغرم بتلاوة القرآن الشريف ، لم ير على طريقته مثله في هذا الباب ؛ فصار يباشر أمر الرّبعات والمصاحف بنفسه ومماليكه ، واتخذ لها كراسيّ صغارا يوضع عليها بالروضة الشريفة في أوقات الصلوات النهارية ، فيقرأ هو والناس فيها ؛ فعم نفعها.

ولما قارب المسجد التمام أخذوا في عمارة الرباط والمدرسة المذكورين ، وأسسوا لهما منارة في ناحيتهما التي تلي باب الرحمة ، وشرعوا أيضا في عمارة رباط آخر بدل رباط الحصن العتيق ، وفي حمام قبالة الرباط المذكور استأجروا أرض الحمام من الناظر على الميضأة التي بباب السلام فإنها منها ، وشرعوا أيضا في عمارة سبيل وفرن وطاحون ومطبخ للدشيشة ووكالة ذات حواصل في الدور التي اشتروها قبل ذلك للسلطان من دور العباس وما يلي ذلك في جهة القبلة ، وذلك أن السلطان أعز الله تعالى أنصاره بعد رجوعه من الحج شرع في شراء أماكن وجعلها وقفا ليحمل ريعها إلى المدينة الشريفة ليفرّق منه على أهلها ويعمل منه سماط كسماط الخليلعليه‌السلام ، وأبرز لذلك ستين ألف دينار كما ذكرناه في الفصل الثالث والثلاثين ، فاتخذوا هذه الأماكن لذلك ، وهو أمر لم يسبق إليه ، فسح الله تعالى في أجله ، وبلغه من الخير غاية سؤاله وأمله ، ولم يكن بالمدينة الشريفة حمام قبل ذلك من مدة مديدة ، وكذا الطاحون ، وإنما يستعملون الأرحاء التي تدار بالأيدي.


ثم كتب إلى بعض الثقات بتكامل تحصيل تلك الأماكن ، وأن متحصلها سبعة آلاف إردب وخمسمائة إردب من الحبّ في كل سنة ، وأن السلطان أدام الله نصره أنجز وقفها وشرع في عمارة أماكن بمصر تقوية للوقف ، ورسم بإبطال المكوس بالمدينة وتعويض أميرها.

وقد كملت سقف المسجد النبوي كلها في أواخر شهر رمضان عام ثمان وثمانين وثمانمائة ، وتمت عمارة المسجد الشريف عقب ذلك ، ولم يبق سوى اليسير من العمائر السابق ذكرها وإكمال ترخيم المدرسة الأشرفية.

وفي عام تسع وثمانين حضر جماعة من الدهانين بعث بهم السلطان الأشرف أعز الله أنصاره من مصر لمحو ما بلغه أنه جعل في بعض سقف المسجد الشريف من الدهان بالنيلة وإبداله باللازورد ، وجهّز معهم أساقيل لذلك ، فعملوه على أحسن وجه ، ثم جهز؟ الأشرف عين الأعيان ونخبة الزمان البهائي بهاء الدين أبا البقاء بن الجيعان عظم الله شأنه وأسبغ عليه نعمه وإحسانه في ركب مع جماعة من خواصه ، فوصل إلى المدينة الشريفة سابع ذي القعدة الحرام من العام المذكور ، ومعه أحمال من كتب العلوم الشرعية موقوفة بالمدرسة الأشرفية ، وأحمال كثيرة من الحبّ والدقيق والقدور النحاس التي جعلت برسم السّماط المتقدم ذكره ، وبقايا آلات العمارة مما جهز في المراكب الشريفة إلى الينبع ، فقرر أمر السماط ، فصرف لكل شخص من المقيمين من الحب ما يكفيه على حسب عدة عياله ، لكل نفر سبع إردب مصري بتقديم السين على الموحدة ، وسوّى في ذلك بين الصغير والكبير والحر والعبد ، وجعل للآفاقيين ما يكفيهم من الخبز وطعام الجشيشة في كل يوم ، وقرر أمر المدرسة ، وصرف للمرخمين وغيرهم من أرباب الصنائع مصروف بقية عملهم ، وأحسن النظر في ذلك حتى زاد جماعة منهم من ماله وتلطف بهم وأحسن ، فانطلقت الألسن بالدعاء له ، أحسن الله له الجزاء ، وجعل نصيبه من خيري الدارين من أوفر الأجزاء.

وقد قارن هذه العمارة من السعد وتسهيل الأمور ما لا يوصف ، ويسر الله تعالى لهم من آلات العمارة ما لم نكن نظن حصوله بنواحي المدينة الشريفة ، خصوصا أخشاب الدّوم ، فقطعوا من الموضع المعروف بالشقرة ومن الصويدرة ومن الفرع وغير ذلك ما لا يحصيه إلا الله تعالى ، وكذلك أخشاب السّمر.

وقد أخبرني بعض المباشرين لهذه العمارة الميمونة أن المصروف فيها وفيما شرعوا فيه من عمارة المدرسة وتوابعها نقدا وأثمان آلات وبهائم وغير ذلك مائة وعشرون ألف دينار ، ومع ذلك فلم يتم بعد.

ثم بعد أن منّ الله تعالى بإتمامها بلغ السلطان الأشرف أن متولي العمارة تسمح في


استعمال مؤن غير صالحة ، وأن القبة التي سبق اتّخاذها على أعلى ما يحاذي الحجرة الشريفة قد تشققت ثم رمّت ثم تشققت ، ولم يفد الترميم فيها ، وأن المنارة الرئيسية قد مالت ، مع أمور أخرى ، فتغير خاطره على متولي العمارة ، ثم انتخب لذلك المقر الشجاعي شاهين الجمالي لما اشتمل عليه من الفضل والنبل وإصابة الرأي ، وفوض إليه أيضا مشيخة الحرم ونظره ونظر السماط ، فورد المدينة الشريفة في موسع عام أحد وتسعين وثمانمائة ، وجمع الناس للنظر في ذلك ، وراجع فيه أهل الخبرة ، فاقتضى الحال هدم المنارة الرئيسية وهدم أعالي القبة المذكورة ، ولما هدم المنارة المذكورة ظهر أن الخلل من عدم المبالغة في حفر أساسها ، فحفر أساسها حتى بلغ به الماء ، واتخذ لها أحجارا من الحجر الأسود متقنة ، وأحكم بناءها مع الحسن الفائق ، بحيث لم ير قبلها بالمدينة الشريفة مثلها ، وجعل بابها من المغرب في محله الأول ، وأبطل تلك الدرج المحدثة بأرض المسجد على ما سبق ، وأما القبة فاتخذ في الطاقات المحيطة بجوانبها سقفا يمنع من سقوط ما يهدم منها إلى أرض الحجرة الشريفة ، ثم شرع في هدمها وإعادتها ، بحيث لم يرفع كسوة الحجرة الشريفة ولم يتخذ المسجد طريقا للعمال في ذلك ، بل اتخذ أساقيل يمشي عليها إلى سطح المسجد في ناحيته الشرقية ، واتخذ حاجزا لمحل المنارة يحول بينها وبين المسجد بحيث يظن الظان أن المسجد لا عمارة به ، وصانه أيضا من الامتهان بعمل أرباب الصنائع ، فجزاه الله تعالى خير الجزاء ، وجعل ثوابه على ذلك من أوفر الأجزاء.

وقد جاءت القبة حسنة مع الإتقان ، حتى إنه استصحب في هذه العمارة الجبس من مصر المحروسة ، واستعمله في البناء ، وحرص على إتقان الآجر ، وزاد العمال فيه على عادتهم ، ولم يوفق متولي العمارة قبله لشيء من ذلك ، سامحه الله ، وكل ميسّر لما خلق له.

وقد ذكر ابن النجار ما كان عليه الخلفاء من الاهتمام بعمارة المسجد النبوي فقال : ولم يزل الخلفاء من بني العباس ينفذون الأمراء على المدينة الشريفة ، ويمدونهم بالأموال لتجديد ما ينهدم من المسجد النبوي ، فلم يزل ذلك متصلا إلى أيام الناصر لدين الله ، أي الخليفة في زمنه ، قال : فإنه ينفذ في كل سنة من الذهب العين الإمامي ألف دينار لعمارة المسجد ، وينفذ عدة من النجارين والبنائين والنقاشين وأرباب الحرف ، وتكون مادتهم مما يأخذونه من الديوان ببغداد من غير هذه الألف ، وينفذ من الحديد والصناع والرصاص والحبال والآلات شيئا كثيرا ، ولا تزال العمارة متّصلة في المسجد حتى إنه ليس به موضع أصبع إلا وهو عامر ، انتهى.

قلت : وعقب وفاة ابن النجار بيسير انتقل أمر المدينة الشريفة إلى ملوك مصر ، ولم يزل ملوكها يهتمون بعمارة هذا المسجد الشريف ، ومن أعظمهم همة في ذلك ، وأحبهم في


سلوك هذه المسالك ، سلطان زماننا الملك المالك لصفوة الممالك الأشرف أبو النصر قايتباي ، أعزّ الله أنصاره ، وضاعف اقتداره ؛ فلذلك أجرى الله على يديه هذه العمارة ، وآثره بهذه الأثارة ، ومن تأمل ما قدمناه في الفصل السادس والعشرين في الحريق الأول عن المؤرخين من عمل سقف المسجد على يد من سبق وطول مدته وصفته ، وأحاط علما بما أسلفناه عن سلطان زماننا في عمارته ، حكم يقينا بعلو همته ، وفخار منقبته ومرتبته ، واختصاصه بما لم يفز به من سبقه ؛ فكان هو سابقا ، وإن عد في الزمان لاحقا ، وقد ذكرنا ما له بالحجاز الشريف من الآثار الجميلة ، وبعض مناقبه الجليلة ، في الفصل الثالث والثلاثين في خوخة آل عمررضي‌الله‌عنه لما خصه الله به من حسم مادة المفاسد المترتبة عليها في زماننا ، وأمره بسدّ طابقها ، شكر الله صنيعه ، وحصّنه من العداة بحصونه المنيعة.

خاتمة

فيما نقل من عمل نور الدين الشهيد لخندق حول الحجرة الشريفة مملوء

بالرصاص ، وذكر السبب في ذلك ، وما ناسبه

اعلم أني قد وقفت على رسالة قد صنّفها العلامة جمال الدين الأسنوي في المنع من استعمال الولاة للنصارى ، وسماها بعضهم «بالانتصارات الإسلامية» ورأيت عليها بخط تلميذه شيخ مشايخنا زين الدين المراغي ما صورته «نصيحة أولي الألباب ، في منع استخدام النصارى كتاب» لشيخنا العلامة جمال الدين الأسنوي ، ولم يسمه ، فسميته بحضرته ، فأقرني عليه ، انتهى. فرأيته ذكر فيها ما لفظه : وقد دعتهم أنفسهم ـ يعني النصارى ـ في سلطنة الملك العادل نور الدين الشهيد إلى أمر عظيم ظنوا أنه يتم لهم ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ، وذلك أن السلطان المذكور كان له تهجّد يأتي به بالليل ، وأوراد يأتي بها ، فنام عقب تهجده ، فرأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في نومه وهو يشير إلى رجلين أشقرين ويقول : أنجدني أنقذني من هذين ، فاستيقظ فزعا ، ثم توضأ وصلى ونام فرأى المنام بعينه ، فاستيقظ وصلى ونام فرآه أيضا مرة ثالثة ، فاستيقظ وقال : لم يبق نوم ، وكان له وزير من الصالحين يقال له جمال الدين الموصلي ، فأرسل خلفه ليلا ، وحكى له جميع ما اتفق له ، فقال له : وما قعودك؟ اخرج الآن إلى المدينة النبوية ، واكتم ما رأيت ، فتجهز في بقية ليلته ، وخرج على رواحل خفيفة في عشرين نفرا ، وصحبته الوزير المذكور ، ومال كثير ، فقدم المدينة في ستة عشر يوما ، فاغتسل خارجها ودخل فصلى بالروضة ، وزار ، ثم جلس لا يدري ما ذا يصنع ، فقال الوزير وقد اجتمع أهل المدينة في المسجد : إن السلطان قصد زيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأحضر معه أموالا للصدقة ، فاكتبوا من عندكم ، فكتبوا أهل المدينة كلهم ، وأمر السلطان بحضورهم ، وكل من حضر ليأخذ يتأمله ليجد فيه الصفة التي أراها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم له فلا يجد تلك الصفة ،


فيعطيه ويأمره بالانصراف ، إلى أن انقضت الناس ، فقال السلطان : هل بقي أحد لم يأخذ شيئا من الصدقة؟ قالوا : لا ، فقال : تفكروا وتأملوا ، فقالوا : لم يبق أحد إلا رجلين مغربيين لا يتناولان من أحد شيئا ، وهما صالحان غنيان يكثران الصدقة على المحاويج ، فانشرح صدره وقال : عليّ بهما ، فأتي بهما فرآهما الرجلين اللذين أشار النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إليهما بقوله : أنجدني ، أنقذني من هذين ، فقال لهما : من أين أنتما؟ فقالا : من بلاد المغرب ، جئنا حاجّين فاخترنا المجاورة في هذا العام عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : اصدقاني ، فصمّما على ذلك ، فقال : أين منزلهما؟ فأخبر بأنهما في رباط بقرب الحجرة الشريفة ، فأمسكما وحضر إلى منزلهما ، فرأى فيه مالا كثيرا وختمتين وكتبا في الرقائق ، ولم ير فيه شيئا غير ذلك ، فأثنى عليهما أهل المدينة بخير كثير وقالوا : إنهما صائمان الدهر ملازمان الصلوات في الروضة الشريفة وزيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وزيارة البقيع كل يوم بكرة وزيارة قباء كل سبت ، ولا يردان سائلا قط بحيث سدّا خلة أهل المدينة في هذا العام المجدب ، فقال السلطان : سبحان الله! ولم يظهر شيئا مما رآه ، وبقي السلطان يطوف في البيت بنفسه ، فرفع حصيرا في البيت ، فرأى سردابا محفورا ينتهي إلى صوب الحجرة الشريفة ، فارتاعت الناس لذلك ، وقال السلطان عند ذلك : اصدقاني حالكما وضربهما ضربا شديدا ، فاعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى في زيّ حجاج المغاربة ، وأمالوهما بأموال عظيمة ، وأمروهما بالتحيل في شيء عظيم خيّلته لهم أنفسهم ، وتوهموا أن يمكنهم الله منه ، وهو الوصول إلى الجناب الشريف ويفعلوا به ما زيّنه لهم إبليس في النقل وما يترتب عليه ، فنزلا في أقرب رباط إلى الحجرة الشريفة ، وفعلا ما تقدم ، وصارا يحفران ليلا ، ولكل منهما محفظه جلد على زي المغاربة ، والذي يجتمع من التراب يجعله كل منهما في محفظته ، ويخرجان لإظهار زيارة البقيع ، فيلقيانه بين القبور ، وأقاما على ذلك مدة ، فلما قربا من الحجرة الشريفة أرعدت السماء وأبرقت ، وحصل رجيف عظيم بحيث خيل انقلاع تلك الجبال ، فقدم السلطان صبيحة تلك الليلة. واتفق إمساكهما واعترافهما ، فلما اعترفا وظهر حالهما على يديه ، ورأى تأهيل الله له لذلك دون غيره بكى بكاء شديدا ، وأمر بضرب رقابهما ، فقتلا تحت الشباك الذي يلي الحجرة الشريفة ، وهو مما يلي البقيع ، ثم أمر بإحضار رصاص عظيم ، وحفر خندقا عظيما إلى الماء حول الحجرة الشريفة كلها ، وأذيب ذلك الرصاص ، وملأ به الخندق ، فصار حول الحجرة الشريفة سورا رصاصا إلى الماء ، ثم عاد إلى ملكه ، وأمر بإضعاف النصارى ، وأمر أن لا يستعمل كافر في عمل من الأعمال ، وأمر مع ذلك بقطع المكوس جميعا ، انتهى.

وقد أشار إلى ذلك الجمال المطري باختصار ، ولم يذكر عمل الخندق حول الحجرة وسبك الرصاص به ، لكن بيّن السنة التي وقع فيها ذلك مع مخالفة لبعض ما تقدم ، فقال في الكلام على سور المدينة المحيط بها اليوم : وصل السلطان نور الدين محمود بن زنكي بن


اقسنقد في سنة سبع وخمسين وخمسمائة إلى المدينة الشريفة بسبب رؤيا رآها ذكرها بعض الناس وسمعتها من الفقيه علم الدين يعقوب بن أبي بكر المحترق أبوه ليلة حريق المسجد عمن حدثه من أكابر من أدرك أن السلطان محمودا المذكور رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثلاث مرات في ليلة واحدة وهو يقول في كل واحدة : يا محمود أنقذني من هذين الشخصين الأشقرين تجاهه ، فاستحضر وزيره قبل الصبح فذكر له ذلك ، فقال له : هذا أمر حدث في مدينة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليس له غيرك ، فتجهز وخرج على عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها من خيل وغير ذلك ، حتى دخل المدينة على غفلة من أهلها والوزير معه ، وزار وجلس في المسجد لا يدري ما يصنع ، فقال له الوزير : أتعرف الشخصين إذا رأيتهما؟ قال : نعم ، فطلب الناس عامة للصدقة ، وفرق عليهم ذهبا كثيرا وفضة ، وقال : لا يبقينّ أحد بالمدينة إلا جاء ، فلم يبق إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس نازلان في الناحية التي قبلة حجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من خارج المسجد عند دار آل عمر بن الخطاب التي تعرف اليوم بدار العشرة ، فطلبهما للصدقة فامتنعا وقالا : نحن على كفاية ما نقبل شيئا ، فجدّ في طلبهما ، فجيء بهما ، فلما رآهما قال للوزير : هما هذان ، فسألهما عن حالهما وما جاء بهما ، فقالا : لمجاورة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : اصدقاني ، وتكرر السؤال حتى أفضى إلى معاقبتهما فأقرّا أنهما من النصارى ، وأنهما وصلا لكي ينقلا من في هذه الحجرة الشريفة باتفاق من ملوكهم ، ووجدهما قد حفرا نقبا تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلي ، وهما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة ، ويجعلان التراب في بئر عندهما في البيت الذي هما فيه ، هكذا حدثني عمن حدثه ، فضرب أعناقهما عند الشباك الذي في شرقي حجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم خارج المسجد ، ثم أحرقا بالنار آخر النهار وركب متوجها إلى الشام ، انتهى.

وقد ساق المجد هذه الواقعة على الوجه الذي ذكره المطري فقال : ومن الحوادث في المسجد الشريف ما نقله جماعة من مشايخ المدينة وعلمائها ، وذكر ما تقدم ، وكذلك الزين المراغي ذكر ما تقدم عن المطري نقلا عنه ، وزاد أن وزير السلطان نور الدين الذي استحضره وذكر له القصة هو الموفق خالد بن محمد بن نصر القيسراني الشاعر ، قال : وكان موفقا ، انتهى.

ومأخذه في ذلك ـ كما رأيته في حاشية بخطه على كتابه ـ أن الذهبي قال في ترجمة الموفق هذا : موفق الدين ، أبو البقاء ، صاحب الخط المنسوب ، وكان صدرا ، نبيلا ، وافر الحشمة ، وزر للسلطان نور الدين ، توفي بحلب سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ، انتهى.

وقد خالف الزين في ذلك ما قدمناه عن شيخه الأسنوي من تسمية الوزير المذكور بجمال الدين الموصلي ، ولا يلزم من كون الموفق وزر للسلطان نور الدين أن يكون هو


الوزير عند وقوع الرؤيا المذكورة ، لاحتمال أنه وزر له بعد ذلك أو قبله ، وجمال الدين الموصلي هذا هو الجواد الأصفهاني ، وقد تقدم ذكره في ترخيم الحجرة ، ووصفه بأنه وزير بني زنكي ؛ لأنه كان وزير والد نور الدين الشهيد الذي هو زنكي ثم وزر لولده غازي ، وأدرك دولة نور الدين الشهيد وزمان هذه الواقعة ؛ فالظاهر أنه وزر له ، وأنه المراد في هذه الواقعة.

والعجب أني لم أقف على هذه القصة في كلام من ترجم نور الدين الشهيد مع عظمها ، وهي شاهدة لما ذكره الإمام اليافعي في ترجمته من أن بعض العارفين من الشيوخ ذكر أنه كان في الأولياء معدودا من الأربعين وصلاح الدين نائبه من الثلاثمائة ، انتهى.

وقال ابن الأثير : طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا ، فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين ، انتهى.

وقد اتفق بعد الأربعمائة من الهجرة ما يقرب من قصة رؤيا نور الدين الشهيد المتقدمة على ما نقله الزين المراغي عن تاريخ بغداد لابن النجار ، قال : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن المبارك المقري ، عن أبي المعالي صالح بن شافع الجلي ، أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن محمد المعلم ، ثنا أبو القاسم عبد الحليم بن محمد المغربي أن بعض الزنادقة أشار على الحاكم العبيدي صاحب مصر بنقل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وصاحبيه من المدينة إلى مصر ، وزيّن له ذلك ، وقال : متى تم لك ذلك شدّ الناس رحالهم من أقطار الأرض إلى مصر ، وكانت منقبة لسكانها ، فاجتهد الحاكم في مدة وبنى بمصر حائزا ، وأنفق عليه مالا جزيلا. قال : وبعث أبا الفتوح لنبش الموضع الشريف ، فلما وصل إلى المدينة الشريفة وجلس بها حضر جماعة المدنيين وقد علموا ما جاء فيه ، وحضر معهم قارئ يعرف بالزلباني ، فقرأ في المجلس( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ ) إلى قوله :( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) [التوبة : ١٢ ـ ١٣] فماج الناس ، وكادوا يقتلون أبا الفتوح ومن معه من الجند ، وما منعهم من السرعة إلى ذلك إلا أن البلاد كانت لهم.

ولما رأى أبو الفتوح ذلك قال لهم : الله أحق أن يخشى ، والله لو كان علي من الحاكم فوات الروح ما تعرضت للموضع ، وحصل له من ضيق الصدر ما أزعجه كيف نهض في مثل هذه المخزية ، فما انصرف النهار ذلك اليوم حتى أرسل الله ريحا كادت الأرض تزلزل من قوتها حتى دحرجت الإبل بأقتابها والخيل بسروجها كما تدحرج الكرة على وجه الأرض ، وهلك أكثرها وخلق من الناس ، فانشرح صدر أبي الفتوح وذهب روعه من الحاكم لقيام عذره من امتناع ما جاء فيه.


قلت : ونقل ابن عذرة في كتاب «تأسي أهل الإيمان ، فيما جرى على مدينة القيروان» لابن سعدون القيرواني ما لفظه : ثم أرسل الحاكم بأمر الله إلى مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم من ينبش قبر النبي ، فدخل الذي أراد نبشه دارا بقرب المسجد وحفر تحت الأرض ليصل إلى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فرأوا أثوارا ، وسمع صائح : إن بنيكم ينبش ، ففتش الناس فوجدوهم وقتلوهم ، انتهى.

ومما يناسب ذلك ما ذكره المحب الطبري في الرياض النضرة في فضائل العشرة ، قال : أخبرني هارون بن الشيخ عمر بن الزعب ـ وهو ثقة صدوق مشهور بالخير والصلاة والعبادة ـ عن أبيه ، وكان من الرجال الكبار ـ قال : كنت مجاورا بالمدينة وشيخ خدام النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ ذاك شمس الدين صواب اللمطي ، وكان رجلا صالحا كثير البر بالفقراء والشفقة عليهم ، وكان بيني وبينه أنس فقال لي يوما : أخبرك بعجيبة ، كان لي صاحب يجلس عند الأمير ويأتيني من خبره بما تمس حاجتي إليه ، فبينما أنا ذات يوم إذ جاءني فقال : أمر عظيم حدث اليوم ، قلت : وما هو؟ قال : جاء قوم من أهل حلب وبذلوا للأمير بذلا كثيرا ، وسألوه أن يمكنهم من فتح الحجرة وإخراج أبي بكر وعمررضي‌الله‌عنهما منها ، فأجابهم إلى ذلك ، قال صواب : فاهتمت لذلك هما عظيما ، فلم أنشب أن جاء رسول الأمير يدعوني إليه ، فأجبته ، فقال لي : يا صواب يدقّ عليك الليلة أقوام المسجد ، فافتح لهم ، ومكنهم مما أرادوا ولا تعارضهم ، ولا تعترض عليهم ، قال : فقلت له : سمعا وطاعة ، قال : وخرجت ولم أزل يومي أجمع خلف الحجرة أبكي لا ترقأ لي دمعة ولا يشعر أحد ما بي ، حتى إذا كان الليل وصلينا العشاء الآخرة وخرج الناس من المسجد وغلقنا الأبواب فلم ننشب أن دقّ الباب الذي حذاء باب الأمير ، أي باب السلام ، فإن الأمير كان سكنه حينئذ بالحصن العتيق.

قال : ففتحت الباب ، فدخل أربعون رجلا أعدهم واحدا بعد واحد ، ومعهم المساحي والمكاتل والشموع وآلات الهدم والحفر. قال : وقصدوا الحجرة الشريفة ، فو الله ما وصلوا المنبر حتى ابتلعتهم الأرض جميعهم بجميع ما كان معهم من الآلات ، ولم يبق لهم أثر. قال : فاستبطأ الأمير خبرهم ، فدعاني ، وقال : يا صواب ألم يأتك القوم؟ قلت : بلى ، ولكن اتفق لهم ما هو كيت وكيت ، قال : انظر ما تقول ، قلت : هو ذلك ، وقم فانظر هل ترى منهم باقية أو لهم أثرا ، فقال : هذا موضع هذا الحديث ، وإن ظهر منك كان يقطع رأسك ، ثم خرجت عنه ، قال المحب الطبري : فلما وعيت هذه الحكاية عن هارون حكيتها لجماعة من الأصحاب فيهم من أثق بحديثه فقال : وأنا كنت حاضرا في بعض الأيام عند الشيخ أبي عبد الله القرطبي بالمدينة والشيخ شمس الدين صواب يحكي له هذه الحكاية سمعتها بأذني من فيه ، انتهى ما ذكره الطبري.


قلت : وقد ذكر أبو محمد عبد الله بن أبي عبد الله بن أبي محمد المرجاني هذه الواقعة باختصار في تاريخ المدينة له ، وقال : سمعتها من والدي ، يعني الإمام الجليل أبا عبد الله المرجاني ، قال : وقال لي : سمعتها من والدي أبي محمد المرجاني سمعها من خادم الحجرة ، قال أبو عبد الله المرجاني : ثم سمعتها أنا من خادم الحجرة الشريفة ، وذكر نحو ما تقدم ، إلا أنه قال : فدخل خمسة عشر ـ أو قال عشرون ـ رجلا بالمساحي والفاف ، فما مشوا غير خطوة أو خطوتين وابتلعتهم الأرض ولم يسم الخادم ، والله أعلم.

الفصل الثلاثون

في تحصيب المسجد الشريف

وذكر البزاق فيه ، وتخليقه ، وإجماره ، وذكر شيء من أحكامه

أول تحصيب المسجد النبوي

روى أبو داود في سننه عن أبي الوليد قال : سألت ابن عمر عن الحصباء الذي في المسجد ، فقال : مطرنا ذات ليلة ، فأصبحت الأرض مبتلة ، فجعل الرجل يأتي بالحصباء في ثوبه ويبسطه تحته ، فلما قضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الصلاة قال : ما أحسن هذا؟ وهو صريح في جعل الحصباء في المسجد في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

ويؤيده ما رواه أصحاب السنن من حديث أبي ذر : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه ، فلا يمسح الحصباء ، وكذا ما رواه أحمد من حديث حذيفة قال : سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن كل شيء حتى عن مسح الحصى ، فقال : واحدة أو دع ، وكذا ما رواه أبو داود بإسناد جيد عن أبي هريرة ، قال أبو بدر : أراه رفعه إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : إن الحصاة تناشد الذي يخرجها من المسجد ، لكن قد سئل الدارقطني عن هذا الحديث فذكر أنه روي موقوفا على أبي هريرة ، وقال : رفعه وهم من أبي بدر.

وروى يحيى عن بعض السلف أنه كان إذا خرج بالحصاة من المسجد في ثوبه أو نعله أمر بردّها إلى المسجد.

وروى ابن شبة عن سليمان بن يسار قال : الحصاة إذا أخرجت من المسجد تصيح حتى ترد إلى موضعها.

وذكر البرهان بن فرحون أن مالكا سئل عن الرجل يخرج من المسجد فيجد شيئا من حصى المسجد قد تعلّق بوجهه ، أيلزمه ردّه إلى المسجد؟ فقال : لا يلزمه ذلك ، وأرخص له في طرحه ، فقال السائل : يا أبا عبد الله إنهم يقولون إذا أخرجت الحصاة من المسجد تصيح حتى ترد إلى المسجد ، فقال له مالك : دعها تصيح حتى ينشق حلقها ، فقال : أولها حلق؟ قال : فمن أين تصيح؟


وروى ابن شبة عن ابن عباس أنه قال لنفيع في الحصاة : ردّها وإلا خاصمتك يوم القيامة.

وحكى الأقشهري عن شيخ الخدام ظهير الدين بن عبد الله الأشرفي قال : أتاني عام خمسة عشر وسبعمائة رجل من الشام في موسم الحاج وقال : كنت حججت عام أول وحملت شيئا من تراب المسجد وحصبائه ، فلم أزل أراه في المنام يقول لي : ردّني إلى موضعي ، عذّبتني عذبك الله ، فها أنا أتيت به ، قال : فأخرج صرة فيها ما ذكره ، فصببناها في المسجد ، انتهى.

والذي يقتضيه كلام المؤرخين أن تحصيب المسجد إنما حدث في زمان عمر بن الخطاب ؛ فقد روى يحيى عن عبد الحميد بن عبد الرحمن الأزهري قال : قال عمر بن الخطاب حين بنى مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما ندري ما نفرش في مسجدنا ، فقيل له : افرش الخصف والحصر ، قال : هذا الوادي المبارك فإني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول «العقيق واد مبارك» قال : فحصبه عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه .

وروى ابن زبالة عن عبيد الله بن عمر قال : قدم سفيان بن عبد الله الثقفي على عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه ومسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم غير محصوب ، فقال : أما لكم واد؟ فقال عمر : بلى ، قال : فاحصبوه منه ، فقال عمر : احصبوه من هذا الوادي المبارك ، يعني العقيق.

قال المطري : رمل المسجد الشريف ـ أي الذي يحصب به ـ يحمل من وادي العقيق ، من العرصة التي تسيل من الجماء الشمالية إلى الوادي ، وليس بالوادي رمل أحمر غير ما يسيل من الجماء ، وهو رمل أحمر يغربل ثم يفرش في المسجد ، انتهى.

وروى ابن زبالة من طريق الضحاك عن بشر بن سعيد أو سليمان بن يسار ـ شكّ الضحاك ـ أنه حدّث أن المسجد كان يرش في زمان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وزمان أبي بكر وعامة زمان عمر ، وكان الناس يتنخمون فيه ويبصقون حتى عاد زلقا ، حتى قدم ابن مسعود الثقفي ، فقال لعمر : أليس قربكم واد؟ قال : بلى ، قال : فمر بحصباء تطرح فيه فهو أكف للمخاط والنخامة ، فأمر عمر بها ، وهذه الرواية مع ضعفها قد اشتملت على أنهم كانوا يبصقون في المسجد.

حكم البزاق في المسجد

وفي الصحيحين عن أنس مرفوعا «البزاق في المسجد خطيئة ، وكفارتها دفنها». وقد رواه ابن زبالة ، وروى أيضا عن ابن عمر أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم رأى نخامة في المسجد فقال : «من فعل هذا جاء يوم القيامة وهي في وجهه».

وعن عبد الله بن قسيط مرفوعا : «لا يبصق في مسجدي هذا».


وحديث ابن عمر رواه البزار وابن خزيمة في صحيحه ، وروى أحمد عن أبي أمامة أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «البصاق في المسجد سيئة ، ودفنه حسنة». ورواه ابن شبة بمعناه.

وروى أيضا عن أبي هريرة قال : «إن المسجد لينزوى من النخامة كما ينزوي الجلد من النار» ولهذا جزم النووي في التحقيق وشرح المهذب بتحريمه. ووقع في عبارة بعض أصحابنا التعبير بالكراهة ، وحملها بعضهم على كراهة التحريم ، وقال بعض العلماء : إنما يكون البزاق في المسجد خطيئة لمن لم يدفنه لأنه يقذر المسجد ويتأذى به.

قال القرطبي : ويدل على صحة هذا التأويل حديث أبي ذر الذي رواه مسلم وغيره : «ووجدت في مساوي أعمالها ـ أي : الأمة ـ النخامة تكون في المسجد لا تدفن» فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد ، بل بذلك وببقائها غير مدفونة.

قلت : الرواية الأولى بينت أن الفعل خطيئة ، وأن الدفن يكفرها كما يكفر الجلد معصية الزنا ، فلتحمل الرواية الأخرى عليها ؛ لأن الإخبار فيها عما استقر عليه الأمر ، لكن روى ابن شبة من طريق الفرج بن فضالة عن أبي سعيد قال : رأيت واثلة بن الأسقع دخل مسجد دمشق فصلى فيه ، فبزق تحت رجله اليسرى ثم عركها ، فلما انصرفت قلت له : أنت صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تبزق في المسجد؟ فقال : هكذا رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم صنع.

ورواه أبو داود من الطريق المذكورة بنحوه ، وفرج بن فضالة ضعّفه الدارقطني وغيره ، وقواه أحمد ، واقتصر الحافظ ابن حجر في التقريب على تضعيفه.

وروى ابن شبة أيضا بإسناد فيه ضعف عن أبي هريرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من دخل مسجدي هذا فبزق أو تنخم فليحفر فليبعد وليدفنه ، فإن لم يفعل فليبزق في ثوبه حتى يخرج به» وهذا لو صح كان حجة لهذا المذهب.

فإن قيل : يعضده حديث البخاري عن أنس أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «رأى نخامة في القبلة ، فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه ، فقام فحكه بيده ، فقال : إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه ، أو إن ربه بينه وبين القبلة ، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ، ولكن عن يساره أو تحت قدمه ، ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض ، فقال : أو يفعل هكذا؟ وكذا ما رواه ابن شبة بإسناد جيد عن أبي نضرة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «رأى نخامة في قبلة المسجد ، فغضب غضبا شديدا حتى كاد يدعو على صاحبها ، ثم قال : لا يبزق أحدكم في قبلته ؛ فإن ربه مستقبلة ، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا ، ولكن عن يساره أو تحت قدمه اليسرى ، فإن كان على يساره أحد فليبزق في ثوبه» وفي رواية : «فإن اكن عن يساره أحد يكره أن يبزق نحوه فليبزق في ثوبه ، وبزق النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في ثوبه وحكّ بعضه ببعض» فاقتضى ذلك جواز البصاق في المسجد فيما عدا القبلة واليمين حالة الصلاة ، وهو مقيد بالدفن لما سبق.


قلنا : مساق الحديث لبيان أدب المصلي في كيفية البصق ، من غير تعرض لكونه في مسجد ، والبصاق في المسجد قد بينه منطوق الحديث السابق ؛ فلا يترك بهذا ، وأفاد القفال في فتاويه ـ وقد ذكر حديث النخامة في المسجد ـ فائدة حسنة فقال : هذا الخبر محمول على ما إذا نزلت النخامة من الرأس ، أما إذا كانت من الصدر فهي نجسة ؛ فلا يجوز دفنها في المسجد».

وروى أبو داود من حديث ابن عمر قال : بينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب يوما إذ رأى نخامة في قبلة المسجد ، فتغيظ على الناس ، ثم حكّها ، وأحسبه قال : فدعا بزعفران فلطّخه به ، وقال : إن الله قبل وجه أحدكم فلا يبزقن بين يديه.

وروى ابن شبة عن شيخه خلاد بن يزيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى صلاة ذات يوم ، فرأى في قبلة المسجد نخامة ، فلما قضى صلاته أخذ عودا فحكها ، ثم دعا بخلوق فخلّق مكانها ، ثم أقبل على الناس فقال : يا أيها الناس إذا صلى أحدكم فلا يتفل أمامه ولا عن يمينه ؛ فإنه يستقبل الربعزوجل بوجهه.

مبدأ تخليق المسجد

وروى ابن شبة أيضا بسند جيد إلى أبي الوليد قال : قلت لابن عمر : ما بدء الزعفران ـ يعني : في المسجد ـ فقال : رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم نخامة في المسجد ، فقال : ما أقبح هذا! من فعل هذا؟ فجاء صاحبها فحكها وطلاها بزعفران ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : هذا أحسن من ذلك.

ورواه يحيى بلفظ : قلت لابن عمر : يا أبا عبد الرحمن ألا تخبرني ما كان بدء هذه الصفرة التي في قبلة المسجد؟ قال : نعم ، صلى بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى إذا انصرف رأى نخامة في القبلة ، وذكره ، وقال : فسارع الناس إليه ، فكان هذا بدأه.

وروى النسائي وابن ماجه عن أنس قال : رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم نخامة في قبلة المسجد ، فغضب حتى احمر وجهه ، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها ، فجعلت مكانها خلوقا ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما أحسن هذا!

وروى ابن شبة أيضا بسند جيد عن أبي نضرة أن ذلك الذي بزق في قبلته جاء بشيء من زعفران فطلى ذلك المكان ، فأعجب ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وروي أيضا بسند لا بأس به قال : أبصر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في حائط المسجد بزاقا ، فحكه على خرقة ، وأخرجه من المسجد ، فجعل مكانه شيئا من طيب أو زعفران أو ورس.

وعن إبراهيم بن قدامة عن أبيه أن عثمان بن مظعون تفل في القبلة ، فأصبح مكتئبا ، فقالت له امرأته : ما لي أراك مكتئبا؟ قال : لا شيء إلا أني تفلت في القبلة وأنا أصلي ، فعمدت إلى القبلة فغسلتها ثم عملت خلوقا فخلّقتها ، فكانت أول من خلّق القبلة.


وروي أيضا برجال ثقات عن جابر عن عبد قال : أتانا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في مسجدنا هذا وفي يده عرجون ابن طاب ، فرأى في قبلة مسجدنا نخامة فحكها بالعرجون ، ثم أقبل علينا فقال : أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ قلنا : لا أينا يا رسول الله ، قال : فإن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه فلا يبصق قبل وجهه ولا عن يمينه ، وليبصق قبل يساره تحت رجله اليسرى ، فإن عجلت به بادرة فليقل هكذا بثوبه ، ثم طوى بعضه على بعض ، أروني عبيرا ، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله فجاء بخلوق في راحته ، فأخذه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم على رأس العرجون ثم لطخ به على أثر النخامة ، قال جابررضي‌الله‌عنه : فمن هنالك جعلتم الخلوق في مساجدكم.

وقد رواه أبو داود بنحوه وجابر هو من بني حرام بطن من بني سلمة ، ومسجدهم كان بمنازلهم التي في غربي بطحان ومساجد الفتح ، وليس هو مسجد القبلتين كما وقع للمطري وجماعة حتى جعلوا أمر الخلوق له لما سنبينه.

وسيأتي ما رواه ابن زبالة من حديث جابر أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى في مسجد بني حرام بالقاع ، وأنه رأى في قبلته نخامة ، وكان لا يفارقه عرجون ابن طاب يتخصر به ، وذكر الحديث الآتي ، وفيه «فكان أول مسجد خلّق».

وروى أبو داود وابن حبان في صحيحه عن أبي سهلة السائب بن خلاد من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن رجلا أمّ قوما فبصق في القبلة ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ينظر ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين فرغ : لا يصلى لكم ، فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه وأخبروه بقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فذكر ذلك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : نعم ، وحسبت أنه قال : إنك آذيت الله ورسوله.

وفي رواية أوردها المجد أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما رأى النخامة في المحراب قال : من إمام هذا المسجد؟ قالوا : فلان ، قال : قد عزلته ، فقالت امرأته : لم عزلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الإمامة؟ فقال : رأى نخامة في المحراب ، فعمدت إلى خلوق طيب فخلقت به المحراب ، فاجتاز رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : من فعل هذا؟ فقالوا : امرأة الإمام ، قال : وهبت ذنبه لامرأته ورددته إلى إمامته.

قلت : واختلاف هذه الروايات صريح في أنها وقائع متعددة ؛ فلا تعارض فيها ، نعم هي متضمنة للرد على ما رواه ابن شبة عن جابر بن عبد الله قال : كان أول من خلق المسجد ورزق المؤذنين عثمانرضي‌الله‌عنه ، وتقدم في الفصل الرابع من رواية يحيى عن جابر بنحوه ، إلا أن يحمل على أن المراد أنه اتخذ له الخلوق من بيت المال.

ونقل ابن زبالة عن ابن عجلان أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله على المدينة أن لا يخلق إلا القبلة ، وأن يغسل الأساطين ، قال : فلم تكن الأساطين تخلّق في سلطانه.


تخليق القبر

وقدمت الخيزران أم موسى في سنة سبعين ومائة ، فأمرت بالمسجد فخلّق وولي ذلك من تخليقه مؤنسة جاريتها ، فقام إليها إبراهيم بن الفضل بن عبد الله مولى هشام بن إسماعيل فقال : هل لكم أن تسبقوا من بعدكم وأن تفعلوا ما لم يفعل من كان قبلكم؟ قالت له مؤنسة : وما ذلك؟ قال : تخلقون القبر كله ، ففعلوا ، وإنما كان يخلق منه ثلثاه أو أقل ، وأشار عليهم فزادوا في خلوق أسطوان التوبة والأسطوان التي هي علم عند مصلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فخلقوهما حتى بلغوا بهما أسفلهما ، وزادوا في الخلوق في أعلاهما.

وروى بعضهم عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى :( وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ ) [البقرة : ١٢٥] الآية ، قال : طهرا بيتي نظفاه وبخراه وخلقاه.

تجمير المساجد

وروى يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن علي بن حسن بن حسن بن حسن ـ وكان من خيار الناس ـ أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر بإجمار المسجد ، قال : ولا أعلمه إلا قال : يوم الجمعة.

وروى ابن ماجه عن واثلة بن الأسقعرضي‌الله‌عنه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : جنّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسلّ سيوفكم ، واتخذوا على أبوابها المطاهر ، وجمّروها في الجمع.

وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه عن عائشةرضي‌الله‌عنها قالت : أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ببناء المساجد في الدور ، وأن تنظف وتطيب.

وروى يحيى من طريق محمد بن يحيى عن محمد بن إسماعيل عن أبيه أنه قدم على عمر بن الخطاب بسفط من عود ، فلم يسع الناس ، فقال عمر : أجمروا به المسجد لينتفع به المسلمون ، فبقيت سنة في الخلفاء إلى اليوم ، يؤتى كل عام بسفط من عود يجمر به المسجد ليلة الجمعة ويوم الجمعة عند المنبر من خلفه إذا كان الإمام يخطب.

وعن سعد القرظ قال : قدم على عمر بعود ، فقسمه بين المهاجرين ، ثم قسم للمسجد حظا ، فكان يجمره في الجمع ، فجرى ذلك إلى اليوم ، وولاه سعد القرظ ؛ فكان الذي يجمر.

وقد تقدم من رواية يحيى أيضا في الكلام على حكم قناديل الحجرة أن عمر أتى بمجمرة من فضة ، وأنه دفعها إلى سعد جد المؤذنين وقال : أجمر بها في الجمعة وشهر رمضان ، وكان سعد يجمر بها في الجمعة ، وكانت توضع بين يدي عمر بن الخطاب.

وروى ابن زبالة عن نعيم المجمر عن أبيه أن عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه قال له : تحسن تطوف على الناس بالمجمرة تجمرهم؟ فقال : نعم ، فكان عمر يجمرهم يوم الجمعة.


وفي مسند أبي يعلى الموصلي عن ابن عمر أن عمر كان يجمر مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كل جمعة.

فرش المساجد

قال أصحابنا : ويستحب فرش المسجد ، وقد ترجم البخاري للصلاة على الخمرة ، وروي عن ميمونة أنها كانت تصلي عليها ، وقال ابن زيد : الخمرة هي السجادة ، وقال الطبري : هي مصلى صغير ينسج من سعف النخل ويرسل بالخيوط ، وقال البخاري في صحيحه : وصلّى أنس على فراشه ، وقال : كنا نصلي مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيسجد أحدنا على ثوبه ، وقال يحيى : حدثنا أبو مصعب قال : حدثنا مالك عن عمه أبي إسماعيل بن مالك عن أبيه أن طنفسة لعقيل بن أبي طالب كانت تطرح يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغربي ، فإذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه ، قال : ثم يرجع بعد صلاة الجمعة فقيّل قائلة الضحى ، ورواه ابن زبالة أيضا ، وروى يحيى عن عطاء بن أبي رباح أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : تفقدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم. وعن موسى بن يعقوب أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم اتبع غبار المسجد بجريدة. ورواه ابن أبي شيبة عن يعقوب بن زيد ، ولفظه : أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يتبع غبار المسجد بجريدة.

وقد ذكرنا في آخر الكلام على فضل المسجد شيئا مما جاء في النهي عن قربان المسجد لمن أكل الثوم أو البصل ، وذكرنا في زيادة عمررضي‌الله‌عنه في الكلام على البطيحاء ما جاء في النهي عن رفع الصوت فيه ، وما يتعلق بإنشاد الشعر فيه ، وذكرنا في زيادة الوليد ما يتعلق بالصلاة على الجنائز فيه ، وروى ابن شبة عن شيبة بن قصاح مرسلا أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : إذا رأى أحدكم القملة في ثوبه وهو في المسجد فليحفر لها فليدفنها ، وليبصق عليها ، فإن ذلك كفارتها. ورواه ابن زبالة ثم روى عن محمد بن المنكدر قال : أخبرني من رأى أبا هريرة يدفن قملة في المسجد ، وروى يحيى عن يوسف بن ماهك قال : رأيت عبيد بن عمير أخذ من ثوب ابن عمر قملة فدفنها في المسجد ، وعن أبي بكر بن المنكدر قال : رأيت عمي محمد بن المنكدر يأخذ القملة وهو في المسجد فيقتلها في المسجد فيبزق عليها ، وعن جعفر بن محمد قال : لا بأس بأن يدفن القملة في المسجد.

قلت : وهذه الأشياء لا تقوم الحجة بها. وقد روى أحمد في مسنده عن أيوب قال : وجد رجل في ثوبه قملة فأخذها ليطرحها في المسجد ، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تفعل ردّها في ثوبك حتى تخرج من المسجد» وروى ابن شبة بسند جيد عن يحيى بن أبي كثير اليماني عن الحضرمي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : إذا أبصر أحدكم القملة وهو يصلي في المسجد فليصرّها في ثوبه ولا يقتلها في المسجد. وروى يحيى عن ابن عمر قال : إذا وجد أحدكم


القملة في ثوبه وهو في المسجد فليجعلها في ثوبه حتى يخرج بها. قال النووي : فإن قتلها لم يجز إلقاؤها في المسجد ؛ لأنها ميتة ، وكره مالك قتلها في المسجد ، ونقل ابن العماد عن كتب المالكية أنه يحرم طرح القمل حيا ، بخلاف البرغوث ؛ لأن البرغوث يعيش بأكل التراب ، بخلاف القمل ففي طرحه تعذيبه بالجوع ، انتهى.

وقد جاءت أحاديث في النهي عن البيع والشراء وإنشاد الضالة في المسجد ، وروى ابن أبي عدي الحافظ من حديث علي بن أبي طالب قال : صليت العصر مع عثمان أمير المؤمنين ، فرأى خياطا في ناحية المسجد ، فأمر بإخراجه ، فقيل له : يا أمير المؤمنين إنه يكنس المسجد ، ويغلق الأبواب ، ويرش أحيانا ، فقال عثمان : إني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : جنبوا صناعكم من مساجدكم.

قلت : ومن المنكرات في زماننا ما يتساهل فيه المتكلمون في أمر العمارة من استعمال النشارين والنجارين والحجارين بالمسجد النبوي للعمل في آلاته واكتساب أولئك العمال بذلك ، مع ما يتولد من ذلك من الدق العنيف وتشعيث المسجد بما ينشر من النشارة والنجارة وغير ذلك ، مع إمكان عمل ذلك خارج المسجد الشريف والإتيان به مهيأ. وقد قدمنا أن عائشةرضي‌الله‌عنها كانت تسمع الوتد أو المسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بالمسجد فترسل إليهم : لا تؤذوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأن عليا ما صنع مصراعي داره إلا بالمناصع توقيا لذلك ، وفي خبر رواه المقدسي في «مثير الغرام» عن كعب الأحبار أن سليمانعليه‌السلام قال للعفريت الذي أحضره لقطع الرخام لعمارة بيت المقدس : هل عندك من حيلة أقطع بها الصخر؟ فإني أكره صوت الحديد في مسجدنا هذا ، والذي أمرنا الله به من ذلك هو الوقار والسكينة ، فقال : ابتغ لي وكر عقاب فإني لا أعلم في السماء طيرا أشد منه ولا أكثر حيلة ، فوجدوا وكر عقاب ، فغطى عليه ترسا غليظا من حديد ، فجاءه العقاب فلم يقدر عليه ، فحلق في السماء متطلعا فلبث يومه وليلته ثم أقبل ومعه قطعة من السامور ، فتفرقت له الشياطين حتى أخذوه منه ، فأتوا به سليمانعليه‌السلام ، فكان يقطع به الصخر ، انتهى.

وكذلك إدخالهم البغال والحمير الحاملة لتلك الآلات مع إمكان حمل الرجال لها من باب المسجد ، والله الموفق.

وإذا سمع شخص من ينشد ضالة في المسجد فليقل له : أيها الناشد غيرك الواجد ، وما أشبهه مما ورد ، إلا أن يسأل الإنسان جلساءه فليس بذلك بأس ، ولا يبلغ بذلك الصوت كما نقله ابن زبالة عن مالك ، ومن باع فيه قيل له : لا أربح الله تجارته ، كما ورد مرفوعا. قال الزين المراغي : والقياس أن يقال للسائل فيه : لا فتح الله عليه ، كما قاله بعض


شيوخنا. وفي العتبية أن مالكا كره المراوح في المسجد ، ويجوز النوم فيه من غير كراهة عندنا ، وكره بعضهم لغير الغريب الذي لا موضع له غيره ، وروي في ذلك أحاديث.

وأسند أحمد بن يحيى البلاذري عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال : كان عمر بن الخطاب يعس في المسجد بعد العشاء ، فلا يرى أحدا إلا أخرجه إلا رجلا قائما يصلي ، فمر بنفر من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيهم أبي بن كعب فقال : من هؤلاء؟ فقال أبي : نفر من أهلك يا أمير المؤمنين ، قال : ما خلّفكم بعد الصلاة؟ قالوا : جلسنا نذكر الله ، فجلس معهم ، ثم قال لأدناهم : خذ في الدعاء فدعا ، فاستقرأهم رجلا رجلا حتى انتهى إلي وأنا بجنبه ، فقال : هات ، فحصرت وأخذني الخجل ، فقال : قل ولو أن تقول : اللهم اغفر لنا ، اللهم ارحمنا ، ثم أخذ عمر في الدعاء ، فما كان أحد أكثر دمعة ولا أشد بكاء منه ، ثم قال : تفرقوا الآن ، انتهى.

الحدث في المسجد

ولا يحرم إخراج الريح من الدبر في المسجد ، لكن الأولى اجتنابه ، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» قال الزركشي : وقال بعض المتكلمين على الحديث من القدماء : الحدث في المسجد خطيئة يحرم بها المحدث استغفار الملائكة ودعاءهم المرجو بركته.

وروى ابن عدي في الكامل من طريق حمزة بن أبي حمزة الضبي عن أبي الزبير عن جابر قال : إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم نهى أن يمر باللحم في المسجد ، قال ابن عدي : وهذا منكر بهذا الإسناد ، لا يرويه عن أبي الزبير غير حمزة ، وحمزة يضع الحديث.

قلت : وقد روى ابن شبة نحوه ، غير أنه منقطع الإسناد ، ويغني عنه ما ورد من النهي عن اتخاذ المسجد طريقا ، والله أعلم.

القراءة في المصحف بالمسجد

وقال مالك : لم تكن القراءة في المصحف بالمسجد من أمر الناس القديم ، وأول من أحدثه الحجاج بن يوسف. وقال أيضا : أكره أن يقرأ في المصحف في المسجد ، وأرى أن يقاموا من المساجد إذا اجتمعوا للقراءة.

قلت : الذي عليه السلف والخلف استحباب ذلك ، وفي الصحيح «إنما بنيت ـ يعني المساجد ـ لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن» وهو عام في المصاحف وغيرها ، وقد روى ابن شبة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : إن أول من جمع القرآن في مصحف وكتبه عثمان بن عفانرضي‌الله‌عنه ، ثم وضعه في المسجد ، فأمر به يقرأ كل غداة. وعن محرز ابن ثابت مولى سلمة بن عبد الملك عن أبيه قال : كنت في حرس الحجاج بن يوسف ، فكتب الحجاج المصاحف ، ثم بعث بها إلى الأمصار ، وبعث بمصحف إلى المدينة ، فكره ذلك


آل عثمان ، فقيل لهم : أخرجوا مصحف عثمان يقرأ ، فقالوا : أصيب المصحف يوم مقتل عثمان. قال محرز : وبلغني أن مصحف عثمان صار إلى خالد بن عمرو بن عثمان ، قال : فلما استخلف المهديّ بعث بمصحف إلى المدينة ؛ فهو الذي يقرأ فيه اليوم ، وعزل مصحف الحجاج فهو في الصندوق الذي دون المنبر ، انتهى.

بعث المصاحف إلى المساجد

وقال ابن زبالة : حدثني مالك بن أنس قال : أرسل الحجاج بن يوسف إلى أمهات القرى بمصاحف ، فأرسل إلى المدينة بمصحف منها كبير ، وهو أول من أرسل بالمصاحف إلى القرى ، وكان هذا المصحف في صندوق عن يمين الأسطوانة التي عملت علما لمقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان يفتح في يوم الجمعة والخميس ، ويقرأ فيه إذا صليت الصبح ، فبعث المهدي بمصاحف لها أثمان فجعلت في صندوق ونحى عنها مصحف الحجاج ، فوضعت عن يسار السارية ، ووضعت منابر لها كانت تقرأ عليها ، وحمل مصحف الحجاج في صندوقه فجعل عند الأسطوانة التي عن يمين المنبر ، انتهى.

قلت : ولا ذكر لهذا المصحف الموجود اليوم بالقبة التي بوسط المسجد المنسوب لعثمان رضي الله تعالى عنه في كلام أحد من متقدمي المؤرخين ، بل فيما قدمناه ما يقتضي أنه لم يكن بالمسجد حينئذ ، بل ولا ذكر له في كلام ابن النجار ، وهو أول من أرّخ من المتأخرين ، وقد ترجم لذكر المصاحف التي كانت في المسجد ، ثم ذكر ما قدمناه عن ابن زبالة ثم قال : وأكثر ذلك دثر على طول الزمان ، وتفرقت أوراقه ، قال : وهو مجموع في يومنا هذا في جلال في المقصورة أي المحترقة إلى جانب باب مروان. ثم ذكر أن بالمسجد عدة مصاحف بخطوط ملاح موقوفة مخزونة في خزائن ساج بين يدي المقصورة خلف مقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

قال : وهناك كرسي كبير فيه مصحف مقفل عليه نفذ به من مصر ، وهو عند الأسطوانة التي في صف مقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإلى جانبه مصحفان على كرسيين يقرأ الناس فيهما ، وليس في المسجد ظاهر سواهما ، انتهى. ولم أر نسبة المصحف الموجود اليوم لعثمانرضي‌الله‌عنه إلا في كلام المطري ومن بعده عند ذكر سلامة القبة التي بوسط المسجد من الحريق كما قدمناه. نعم ذكر ابن جبير في رحلته ما حاصله أن أمام مقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وقد عبر عنه بالروضة الصغيرة ـ صندوقا ، وأن بين المقام وبين الحجرة ـ أي بجانب المقام من جهة المشرق ـ محمل كبير عليه مصحف كبير في غشاء مقفل عليه هو أحد المصاحف الأربعة التي وجّه بها عثمان بن عفانرضي‌الله‌عنه إلى البلاد ، انتهى.

وهذا المصحف الذي أشار إليه ينطبق في الوصف على المصحف الذي ذكر ابن النجار أنه نفذ به من مصر ، ولم يصفه بما ذكره ابن جبير من نسبته لعثمان ، مع أن ابن جبير


مصرّح بأنه من المصاحف التي بعث بها عثمان إلى الآفاق ، لا أنه الذي قتل وهو في حجره ، وقد قال ابن قتيبة : كان مصحف عثمان الذي قتل وهو في حجره عند ابنه خالد ، ثم صار مع أولاده وقد درجوا. قال : وقال لي بعض مشايخ أهل الشام : إنه بأرض طوس ، انتهى.

وقال الشاطبي ما حاصله : إن مالكارحمه‌الله قال : إنما يكتب المصحف على الكتابة الأولى ، لا على ما استحدثه الناس. قال : وقال : إن مصحف عثمانرضي‌الله‌عنه تغيب فلم يجد له خبرا بين الأشياخ. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه في القراءات : رأيت المصحف الذي يقال له الإمام مصحف عثمان بن عفانرضي‌الله‌عنه ، استخرج لي من بعض خزائن الأمراء ، وهو المصحف الذي كان في حجره حين أصيب ، ورأيت آثار دمه في مواضع منه. ورده أبو جعفر النحاس بما تقدم من كلام مالك. قال الشاطبي : وأباه المنصفون لأنه ليس في قول مالك «تغيّب» ما يدل على عدم المصحف بالكلية بحيث لا يوجد ؛ لأن ما تغيب يرجى ظهوره.

قلت : فيحتمل أنه بعد ظهوره نقل إلى المدينة ، وجعل بالمسجد النبوي. لكن يوهن هذا الاحتمال أن بالقاهرة مصحفا عليه أثر الدم عند قوله تعالى :( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ ) [البقرة : ١٣٧] الآية كما هو بالمصحف الشريف الموجود اليوم بالمدينة ، ويذكرون أنه المصحف العثماني ، وكذلك بمكة ، والمصحف الإمام الذي قتل عثمانرضي‌الله‌عنه وهو بين يديه لم يكن إلا واحد ، والذي يظهر أن بعضهم وضع خلوقا على تلك الآية تشبيها بالمصحف الإمام ، ولعل هذه المصاحف التي قدمنا ذكرها مما بعث به عثمانرضي‌الله‌عنه إلى الآفاق ، كما هو مقتضى كلام ابن جبير في المصحف الموجود بالمدينة ، وفي الصحيح من حديث أنس في قصة كتابة عثمانرضي‌الله‌عنه للقرآن من الصحف التي كانت عند حفصة «وأنه أمر بذلك زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فنسخوها في المصاحف ، وأنه أرسل إلى كل أفق بمصحف كما نسخوا».

مصاحف عثمان التي أرسلها إلى الآفاق

واختلف في عدة المصاحف التي ارسل بها عثمان إلى الآفاق ؛ فالمشهور كما قال الحافظ ابن حجر أنها خمسة. وأخرج ابن أبي داود في كتاب المصاحف من طريق حمزة الزيات قال : أرسل عثمان أربعة مصاحف ، وبعث منها إلى الكوفة بمصحف ، فوقع عند رجل من مراد فبقي حتى كتبت مصحفي عليه. قال ابن أبي داود : وسمعت أبا حاتم السجستاني يقول : كتب سبعة مصاحف ، وأرسلها إلى مكة ، وإلى الشام ، وإلى اليمن ، وإلى البحرين ، وإلى البصرة ، وإلى الكوفة ، وحبس بالمدينة واحدا ، انتهى.

وليس معنا في أمر المصحف الموجود اليوم سوى مجرد احتمال ، والله أعلم.


تعليق المصابيح في المسجد وصف عام

ويستحب تعليق المصابيح في المسجد وقد قدمنا ما يقتضي أن تميما الداري أول من فعل ذلك في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم . وقيل : أول من فعله عمر بن الخطاب ، لما جمع الناس في التراويح على إمام واحد. وروى ابن زبالة عن يوسف بن مسلم قال : كان زيت قناديل المسجد يحمل من الشام ، حتى انقطع ذلك في ولاية جعفر بن سليمان الأخيرة على المدينة ، فجعله على سوق المدينة. قال : ثم لما طرح ما يؤخذ من العنب عن الناس في ولاية داود بن عيسى على المدينة سنة ثمان وتسعين ومائة أخرج من بيت المال.

قال : ولم يزل رزق صاحب زيت المسجد ثلاثة دنانير تجرى عليه في كل شهر من بيت المال ، وعليه فيها ما تكسر من القناديل ، انتهى.

وقال ابن النجار : وفي يومنا هذا يصل الزيت من مصر من وقوف هناك ، ومقداره سبعة وعشرون قنطارا بالمصري ، ويصل معه مائة وستون شمعة بين كبار وصغار ، وعلبة فيها مائة مثقال ند لتجمير المسجد ، انتهى.

قلت : وفي زماننا يحمل له من الزيت من مصر والشام زيادة على مائة قنطار بعضها من أوقاف تحت نظر قاضي الشافعية بمصر وبعضها تحت نظر الإمام بمصر ، والله أعلم.

الفصل الحادي والثلاثون

فيما احتوى عليه المسجد من الأروقة والأساطي

ن والبالوعات والسقايات والدروع ، وغير ذلك مما يتعلق به من الرسوم

وصف عام

قال ابن جبير : إن المسجد النبوي مستطيل يحفه من جهاته الأربع بلاطات مستديرة به ، ووسطه كله صحن ، فجهة القبلة منها ـ يعني المسقف القبلي ـ خمس بلاطات ، يعني أروقة ، وقد قدمنا أنه زيد فيه رواقان آخرون فصار سبعة أروقة آخذة من المشرق إلى المغرب ، قال : والجهة الشامية خمسة أروقة أيضا.

قلت : وهذا موافق لما قدمناه في زيادة المهدي عن ابن زبالة من أنه جعل خمس أساطين في السقائف الشامية ، وقدمنا أن الموجود به اليوم أربع فقط ، وذلك أربعة أروقة ، فكأنه لما زيد بعد الحريق الأول الرواقان في مسقف القبلة اختصروا رواقا من المسقف الشامي فأدخلوه في صحن المسجد ، ولم أر من نبه على ذلك من المؤرخين ، وهذا المسقف هو المسمى اليوم بالدكاك ؛ لارتفاعه على بقية أرض المسجد ، ولم أعلم وقت حدوث ذلك ، ولم يتعرض ابن جبير لذكر ارتفاعه مع ذكره لما دون ذلك ، وقد كانت رحلته قبل حريق المسجد الأول فلعل ذلك مما حدث بعده ، كما حدثت الدكتان اللتان بجنبتي المسجد في الحريق الثاني كما سبق.


جدران المسجد

وحدث في زماننا قبيل ذلك عند طرف الدكاك القبلي مما يلي المغرب دكة بارزة هناك ، وهي الدكة التي وضع بها ما أخرج من جوف الحجرة الشريفة من الهدم في العمارة التي أدركناها.

وفي كلام ابن زبالة ما يؤخذ منه تسمية المسقف الشامي بسقائف النساء.

قال ابن جبير : والجهة الشرقية ثلاثة أروقة آخذة من القبلة إلى الشام ، والجهة الغربية أربعة كذلك ، هذا ما ذكره ابن جبير إلا أنه عبر في الجميع بالبلاطات بدل الأروقة ، وكذا صنع ابن عبد ربه في العقد ، وهو مطابق لما عليه المسجد اليوم ، إلا ما أشرنا إليه في المسقف القبلي والشامي.

قال ابن جبير : ونصف جدار القبلة الأسفل رخام موضوع إزارا على إزار ، أي : وزرة فوق أخرى ، مختلف الصنعة واللون ، مجزع أبدع تجزيع ، والنص الأعلى من الجدار منزل كله بفصوص من الذهب المعروف بالفسيفساء قد أنتج الصناع فيه نتائج من الصنعة غريبة تضمنت تصاوير أشجار مختلفات الصفات مائلة الأغصان بثمرها ، والمسجد كله على تلك الصنعة ، لكن الصنعة في جدار القبلة أحفل ، والجدار الناظر إلى الصحن من جهة القبلة كذلك ، ومن جهة الشام أيضا ، والغربي والشرقي الناظران إلى الصحن مجددان أيضا ومقرنصان قد زينا برسم يتضمن أنواعا من الأصبغة ، إلى ما يطول وصفه ، انتهى.

ووصف ابن عبد ربه في «العقد» ما في جدار القبلة من وزارت الرخام وطرر الذهب والفسيفساء ، ثم قال : وحيطان المسجد كلها من داخله مزخرفة بالرخام والذهب والفسيفساء أولها وآخرها.

وذكر أيضا أن رءوس الأساطين مذهّبة عليها أكف منقشة مذهّبة ، وكذلك أعتاب الأبواب مذهبة أيضا.

قلت : وقد زال ذلك كله بسبب الحريق الأول ، وبقي من آثاره شيء يسير في مؤخر المسقف الغربي بجدار المسجد مما يلي الدكاك ، وشيء يسير بالمأذنة الغربية الشمالية مما يلي بابها فيه شيء من الفسيفساء. وأما جدار القبلة فليس به اليوم إلا لوح يتضمن صور أشجار عن يمين مستقبل المحراب الشريف ، وهو من الآثار القديمة ، وكان يقابله في جهة يسار المستقبل لوح مثله سقط قريبا ، ثم زال ذلك كله في الحريق الثاني. وبالجدار المذكور اليوم وزرة رخام أول من أحدثها بعد الحريق الأول الظاهر جقمق كما قدمناه مع بيان أن المحراب العثماني وما حوله كان مرخما قبل ذلك ، وبقية المسجد مبيض أحسن بياض.

وفي جدار القبلة عصابتان من طراز تقدم ذكرهما أيضا ، وكان قد انقشر من العليا


منهما شيء يسير ، فقلع متولي العمارة التي أدركناها ذلك وما حوله ، وجعله طرازا باسم سلطاننا الأشرف قايتباي أعز الله أنصاره ، ووصله ببقية العصابة المذكورة. وتقدم أيضا ذكر الطراز الآخر من جهة السقف إلى قرب العصابة المذكورة ، وبيان أن الذي ترجح عندي أنه جعل لتمييز المسجد النبوي عما زيد فيه ، وقد زال ذلك كله بعد الحريق الثاني ، وأعادوا منه ترخيم جدار القبلة كما سبق.

عدد أساطين المسجد

وأما عدد الأساطين فذكر ابن زبالة أنها مائتان وستة وتسعون أسطوانا ، منها في جدار القبر الشريف ستة. وذكر ابن النجار أيضا ما يؤخذ منه ذلك.

وقال ابن جبير : عدتها مائتان وتسعون أسطوانا ، ولا مخالفة بينهما ؛ لأن ابن جبير لم يعتبر الأساطين الست التي في جدار القبر الشريف ، وليس فيه خلل إلا بأسطوان واحد ؛ لأن الذي اقتضاه تحريرنا أن جملة الأساطين التي كانت في ذلك الزمان بما في جدار القبر مائتان وخمسة وتسعون أسطوانا ؛ لأن المسقف الغربي أربعة صفوف ، فإذا اعتبرتها من الجدار القبلي إلى الجدار الشامي كان كل صف ثمانية وعشرين أسطوانا ، فجملة هذا المسقف مائة أسطوان واثنا عشر أسطوانا ، والمسقف الشرقي ثلاثة صفوف كل صف منها ثمانية وعشرون أيضا إلا الصف الأوسط فإنه ينقص أسطوانا كما ظهر لنا عند انكشاف الحجرة ؛ لأن الأسطوانة الملصقة إلى جدار الحجرة الشامي الذي في جوف الجدار الظاهر التي تقدم أن متولي العمارة أدخلها في عرض ذلك الجدار في الصف المذكور إنما يقابلها فيه الأسطوان الداخل بعضها في الجدار الظاهر من جهة القبلة ، وكان مقتضى وضع الأساطين في مقابلة بعضها بعضا من كل جانب أن تكون بينها أسطوانة أخرى في موازاة الأسطوانة التي بين مربعة القبر وأسطوان الصندوق الداخلة في الجدار الظاهر ، لكن لم يتأتّ ذلك ؛ لكونها تكون حينئذ في جوف الحجرة الشريفة ، فسقط بسبب ذلك في هذا الصف أسطوان ، وخفي ذلك على من لم يشاهد الحجرة الشريفة. وحينئذ فجملة أساطين المسقف الشرقي من جدار القبلة إلى الجدار الشامي ثلاثة وثمانون أسطوانا ، والباقي بعد ذلك في المسقف القبلي ما يوازي صحن المسجد فقط ، وهو خمسة صفوف كل صف عشرة أساطين فجملة ذلك خمسون أسطوانا ، والباقي أيضا في المسقف الشامي خمسة صفوف تقابل ذلك وجملتها خمسون أسطوانا ، فجملة أساطين المسجد بما دخل في جدار القبر مائتان وخمسة وتسعون أسطوانا ـ بتقديم التاء ـ وفي مؤخر المسقف الغربي أسطوانتان ملتصقتان إلى الجدار الغربي لم تدخلا في هذه العدة.

وأما عدد أساطين المسجد اليوم فقد تقدم أنه زيد في المسقف القبلي من ناحية صحن


المسجد رواقان ونقص من المسقف الشامي من ناحية الصحن رواق ، فيزيد على ما تقدم عشرة أساطين ، وذلك خارج عن الأساطين التي أحدثت لأجل السقف البارز في رحبة المسجد أمام الباب الشامي من المقصورة المستديرة على الحجرة الشريفة.

وحدث في العمارة المتجددة بعد الحريق إسقاط أسطوان كانت بين الأسطوان التي إليها المصلّى النبوي وبين المحراب العثماني ، وضم بعض أساطين أخرى إلى الأساطين التي هناك ، وفيما حول الحجرة الشريفة ، وإبدال بعضها بدعائم على ما سبقت الإشارة إليه في الفصل التاسع والعشرين مع ما حدث من التغيير في أساطين المسقف القبلي ، وكانت أساطين المسجد كلها ـ كما قال ابن جبير في وصفها ـ أعمدة متصلة بالسمك دون قسي ينعطف عليها ، فكأنها دعائم قوائم ، وهي من حجر منحوت قطعا ململمة مثقبة ، يوضع أنثى في ذكر ، أي بأعمدة الحديد ، ويفرغ بينها الرصاص إلى أن يتصل عمودا قائما ، ويكسى بغلالة جيار ، ويبالغ في صقلها ودلكها ، فتظهر كأنها رخام أبيض.

قلت : وأراد بالقسي ما نسميه اليوم بالقناطر المعقودة حول صحن المسجد ، وأما الأساطين الداخلة في الأروقة فإنها متصلة بالسقف ، سوى الرواقين اللذين يليان رحبة المسجد من المسقف القبلي ، ثم جعل المسقف القبلي كنسبتهما بعد العمارة المتجددة بعد الحريق الثاني كما سبق.

وقد عبر ابن النجار ـ تبعا لمن قبله ـ عن تلك العقود بالطاقات ، فقال : وأما طاقاته أي المحيطة بالصحن ففي القبلة إحدى عشرة طاقة ، وفي الشامي مثلها ، وفي المشرق والمغرب ـ أي كل جانب منهما ـ تسع عشر طاقة ، وبين كل طاق وطاق أسطوان ، ورأس الطاقات مسدود بشبابيك من خشب.

قلت : وهو موافق لكلام ابن زبالة فيما يلي المشرق والمغرب ، مخالف له فيما يلي القبلة والشام ؛ فإنه قال : وعدد طاقاته مما يلي القبلة اثنتا عشرة طاقة ، ومما يلي الشام اثنتا عشرة ، ومما يلي المشرق تسع عشرة ، ومما يلي المغرب تسع عشرة ، فذلك اثنتان وستون طاقة ، انتهى.

وهذا لا يتم إلا على تقدير أن يكون المسقف الغربي ثلاثة أروقة فقط كالمسقف الشرقي ، فتكون العقود التي تلي القبلة والشام اثني عشر ، وما تقدم في عدد الأساطين ينافيه ؛ فالصواب ما ذكره ابن النجار.

وعدد قناطره المحيطة برحبته اليوم من جهة القبلة والشام موافق لما ذكره ابن النجار ؛ فإنها من كل جانب إحدى عشرة ، غير أن باب المقصورة الشامي وما أحدث له من السقف أمامه سد واحدة من تلك القناطر القبلية.

وأما عدد قناطره من المشرق والمغرب فقد نقصت واحدة من كل جهة ؛ لما تقدم من


زيادة الرواقين بالمسقف القبلي ، ونقص رواق من المسقف الشامي ، فصار عدد القناطر في كل جانب منهما ثماني عشرة قنطرة.

والمسدود اليوم بالشبابيك من رءوس القناطر إنما هو رءوس القناطر القبلية وبعض ما يليها من القناطر الشرقية ، ثم زال ذلك في الحريق الثاني ، وقد ذكر ابن زبالة عن محمد بن إسماعيل قال : أدركت المسجد كان يضيق عن الناس يوم الجمعة حتى يصلي بعضهم في دار القضاء ، وهي يومئذ مبنية ، وفي دار ابن مكمل ، وفي دار النحامين ، وفي دار عاتكة ، قال : فلما قدم أبو جعفر المنصور المدينة سنة أربعين ومائة أمر بستور فستر بها صحن المسجد على عمد لها رءوس كقريات الفساطيط ، وجعلت في الطّيقان ـ أي القناطر المتقدم ذكرها ـ فكانت الريح تدخل فيها ، فلا يزال العمود يسقط على الإ ، سان ، فغيّرها وأمر بستور هي أكثف من تلك الستور وبحبال ، فأتى بها من جدة من حبال السفن القنبار ، وجعلت على سبيك حبالها اليوم ، فكانت تجعل على الناس كل جمعة ، فلم يزل كذلك حتى خرج محمد بن عبد الله بن حسن يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة ، فأمر بها فقطعت درارع لمن كان يقاتل معه ، فتركت حتى كان زمان هرون أمير المؤمنين فأحدث هذه الأستار ، ولم يكن يعني صحن المسجد يستر زمان بني أمية.

قلت : وهذا شيء قد انقطع قديما لعدم الاحتياج إليه لما قلّ الناس بالمدينة ، حتى إن كثيرا من الأروقة لا يمتلئ بالناس.

وبالمسجد اليوم ستارة بالقرب من باب الحجرة الشامي ترخى على ما يليه من القناطر الشرقية لتقي من يجلس هناك من خدام المسجد حر الشمس.

وقال ابن زبالة ويحيى : وكان ماء المطر إذا كثر في صحن المسجد يغشى السقائف التي في القبلة ، وكانت حصباء تلك الناحية تسيل إلى صحن المسجد ، فجعل بين القبلة والصحن لاصقا بالسواري حجاب من حجارة من المربعة التي في غربي المسجد إلى المربعة التي في شرقيه على القبر ، فمنع الماء من الصحن أن يغشى القبلة ومن حصباء القبلة أن يصير إلى الصحن. وعبارة يحيى : فأمر أبو البحتري بحجارة فجعلت ردا لذلك الماء الذي كان يدخل والحصباء التي كانت تسيل فيما بين المربعة التي كانت عند القبر والمربعة التي في غربي المسجد ، وجعل ذلك لاصقا بالسواري.

قلت : والمراد أنه جعل أحجار الحجاب المذكور فيما بين السواري التي تلي رحبة المسجد من المشرق إلى المغرب ، وقد كانت مربعة القبر أول السواري المذكورة من جهة المشرق ؛ لأنها في صف أسطوان الوفود كما قدمناه ، وذلك الصف كان آخر المسقف القبلي ، وكانت المربعة الغربية في آخر السواري المذكورة مما يلي المغرب ، وهي الأسطوان المثمنة اليوم


التي بينها وبين ركن صحن المسجد الغربي اليوم أسطوانتان بسبب زيادة الرواقين المتقدم ذكرهما في مؤخر المسقف المذكورة ، وهذا الحجاب المذكور قد اندفن اليوم فلا يظهر منه شيء ، والظاهر أنه كان بين السواري المطيفة بصحن المسجد من المشرق والمغرب حجاب مثل ذلك ، وكانت بقاياه ظاهرة فيما يلي الدكاك من المسقفين المذكورين قبل حدوث ما سبق من الدكاك بهما ، والمسقف القبلي اليوم أرضه عالية على ما يليه من الصحن يسيرا ؛ فلا يغشاه مياه الأمطار ، لكن وطأه متولي العمارة بعد الحريق الثاني حتى ساوى به أرض المصلى الشريف كما سبق ، فاحتاج إلى عمل حجاب من الأحجار بين السواري التي تلي رحبة المسجد من جهة القبلة وما حولها.

عدد بالوعات المسجد

وأما عدد البالوعات بصحن المسجد فقد ذكر ابن زبالة ويحيى أن به أربعا وستين بالوعة لماء المطر عليها أرحاء لها صمائم من حجارة يدخل الماء من خلالها.

قلت : ولا يظهر به اليوم غير بالوعة واحدة لها فوّهتان ، وهي عند الحجرين المتقدم ذكرهما في تجديد المسجد ، وإحدى الفوهتين إلى جانب الحجرين من القبلة ، والثانية إلى جانبهما من جهة الشام ، ويجتمعان في بئر واحدة هناك ، وعليهما حجران كالأرحاء ، وفي أسفل ما على فوهتيهما من ذلك مشبك يدخل الماء من خلاله ليمنع نزول الحصباء هناك ، ومع ذلك فقد بحروها في العمارة المتقدم ذكرها أولا ، فخرج منها شيء كثير من الحصباء.

سقايات المسجد

وأما السقايات التي كانت به فذكر ابن زبالة أنه كان في صحن المسجد في زمنه تسع عشرة سقاية ، وذلك في صفر سنة تسع وتسعين ومائة ، منها ثلاث عشرة أحدثتها خالصة ، وهي أول من أحدث ذلك ، ومنها ثلاث سقايات لزيد البربري مولى أمير المؤمنين ، ومنها سقاية لأبي البحتري وهب بن وهب ، ومنها سقاية لشجن أم ولد هارون أمير المؤمنين ، ومنها سقاية لسلسبيل أم ولد جعفر بن أبي جعفر. وقد أورد ذلك ابن النجار مترجما عليه بذكر السقايات التي كانت في المسجد ، ثم قال : وأما الآن فليس في المسجد سقاية إلا في وسطه. قال : وفيه بركة كبيرة مبنية بالآجر والجص والخشب ينزل إليها بدرج أربع في جوانبها ، والماء ينبع من فوارة في وسطها تأتي من العين ، ولا يكون الماء فيها إلا في أيام المواسم إذا جاء الحاج ، وبقية السنة تكون فارغة. عملها بعض الأمراء بالشام ، واسمه شامة. قال : وعملت الجهة أم الخليفة الناصر لدين الله في مؤخر المسجد سقاية كبيرة فيها عدة من البيوت ، وحفرت لها بئرا ، وفتحت لها بابا إلى المسجد في الحائط الذي يلي الشام ، انتهى.


قلت : الذي يظهر من كلام ابن زبالة أنه أراد بالسقايات ما يجعل لأجل الشرب ، وظاهر ما ذكره ابن النجار أن المراد بذلك ما يجعل للوضوء. وذكره لما عملته أم الخليفة الناصر لدين الله صريح في ذلك ، فإنه يعني بذلك الميضأة التي بابها في حائط المسجد الشامي ، وكان لها باب آخر من خارج سد قديما ، وهو ظاهر فيما يلي المسجد من المغرب.

وقوله «فيها عدة بيوت» أي عدد الأخلية التي بها.

وقوله أولا «فأما الآن فليس في المسجد سقاية إلا في وسطه» الظاهر أنه يريد السقاية التي كانت للشرب بوسط المسجد.

وقد ذكرها البدر بن فرحون فقال : ولقد كان في وسط المسجد سقاية يحمل إليها الماء من العين بناها شيخ الخدام في ذلك الوقت ، ووقف عليها أوقافا من ماله وكانت متقدمة على النخل تقديرها خمسة عشر ذراعا في مثلها ، وجعل في وسطها مصرفا للماء مرخما ، ونصب فيها مواجير للماء وأزيارا ودوارق وأكوازا ، وحجّرها بالخشب والجريد ، وجعل لها غلقا من حديد ، واستمرت السنين العديدة ، فكثر الشر فيها ، والتزاحم عندها ، وصار يدخلها من يتوضأ فيها فربما يزيل فيها الأذى ، من استقرب المدى ، ثم تعدى الحال وزاد شرها. وذكر فتنة اتفقت للخدام مع بعض الأشراف بسببها ، قال : فلما غلبت مفسدتها على مصلحتها أزيلت عن اجتماع من القاضي شرف الدين الأميوطي والشيخ ظهير الدين ، انتهى.

وأما البركة التي ذكرها ابن النجار فإنها مذكورة في كلام المطري ، واقتضى كلامه نسبتها لابن أبي الهيجاء ، فإنه ذكر ما سيأتي عنه في الكلام على العين الزرقاء من أن ابن أبي الهيجاء في حدود الستين وخمسمائة أمدّ منها شعبة وأوصلها إلى الرحبة التي عند المسجد من جهة باب السلام ، يعني سوق المدينة اليوم. ثم قال : وكان قد جعل منها شعبة صغيرة تدخل إلى صحن المسجد ، وجعل لها منهلا بدرج عليه عقد يخرج الماء من فوارة يتوضأ منها من يحتاج إليه ، فحصل بذلك انتهاك حرمة المسجد الشريف من كشف العورات والاستنجاء في المسجد ، فسدّت لذلك ، انتهى.

قلت : وقد رأيت آثار درجها في غربي النخيل التي بصحن المسجد قريبا منها ، وليس بالمسجد اليوم شيء من السقايات إلا ما يحمل إليه من الدوارق المسبّلة فيشربها الناس في أوقات مخصوصة ، إلا أن خزانة الخدام الآتي ذكرها لا يزال بها ماء لأجل شربهم. ثم لما عمر سلطان زماننا الأشرف مدرسته التي بين باب الرحمة وباب السلام جعل فيها سبيلا مما يلي باب الرحمة له شباك إلى المسجد.


حواصل المسجد

وأما الحواصل والخزائن التي بالمسجد الشريف ففيه القبة التي بصحنه ، وقد مر ذكرها ، وغالب ما يوضع فيها اليوم زيت وقود المسجد ، وتقدم أن المصحف المنسوب إلى عثمان رضي الله تعالى عنه موضوع بها.

وبالمسجد أيضا أمام كل من المنارات الأربع خزانة ، إلا أن ما أمام المنارتين القبليتين من ذلك أصلي ، بخلاف المنارتين الشاميتين فإنه محدث ، ولذلك قال البدر بن فرحون : وما أحق بالإزالة ما أحدث بالمنارتين الشاميتين ؛ إذ قدم بابهما على بابيهما الأصليين ، وجعل ما بين البابين في كل منارة خلوة اقتطع بها جانب من المسجد كبير لا شك في تحريمه ، انتهى.

وفي جهة المغرب أيضا إلى جانب باب المنارة الشمالية الغربية المعروفة بالخشبية ـ سميت بذلك لأن حد الخشبتين كان يؤذن بها ـ خزانة صغيرة يضع بعض الخدام فرشهم فيها ، وربما أقام بها من يريد الاعتكاف بالمسجد ويليها في جهة المغرب أيضا حاصلان كبيران يوضع فيهما القناديل الزجاج وبعض آلات المسجد ، وفي الأول منهما مما يلي الخزانة المذكورة وضعت كتبي ، وكنت أجلس به للمطالعة والاعتكاف فإنه من المسجد ، واتفق لي في سبب الإقامة به أمر ليس هذا محل ذكره.

ويقابل ذلك في جهة المشرق مما يلي المنارة المعروفة بالسنجارية خلوة كبيرة فيها فرش الخدام أيضا ، وإلى جانبها خزانتان إحداهما بيد من تكون له النوبة من الفراشين يضع فيها فوانيس المسجد ونحوها ، والثانية بيد الخدام أيضا ، وفي جهة المشرق قريبا من باب جبريل بينه وبين باب النساء خزانة يضع فيها الخدام الماء لشربهم وبعض فرشهم وأمتعتهم ، وهي المذكورة في كلام ابن جبير حيث قال : وفي الجهة الشرقية بيت مصنوع من عود هو موضع مبيت بعض السّدنة الحارسين للمسجد المبارك ، قال : وسدنته فتيان أحابيش وصقالبة ظراف الهيئة نظاف الملابس والشارات ، انتهى ، وإلى جانب الخزانة المذكورة صندوق يوضع فيه ما يستخرج من القبة من الزيت للوقود في كل ليلة.

وفي غربي المسجد بين باب الرحمة وباب السلام حاصل يوضع فيه النورة ، يعرف بابه بخوخة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، فإنها كانت في محاذاته كما تقدم ، فلما زيد في المسجد جعلوا هناك خوخة في المسجد تحاذي الخوخة الأولى وقد جعل لذلك ثلاثة أبواب عند عمارة المدرسة الأشرفية ، ومحل الخوخة من ذلك الباب الثالث من على يسارك إذا دخلت من باب السلام.

قناديل المسجد

وأما عدد قناديله فذكر ابن زبالة أنها مائتان وتسعون قنديلا في زمانه ، وجملتها في


زماننا مائتا قنديل وستة وخمسون قنديلا ، هذه الدائمة ، ونحو المائة قنديل يسرجونها في بعض الأوقات ، ويجعلون في كل قنطرة من القناطر التي تلي صحن المسجد من مقدمه وجنبتيه ثلاثة قناديل ، ويقتصرون في بعض الأوقات على واحد في كل قنطرة كما في القناطر التي في مؤخر المسجد ، سيما إذا قلّ عندهم الزيت ، وحدث بعد الحريق الثاني زيادة سلاسل كثيرة معدة لتعليق القناديل بها ، وبصحن المسجد أربعة مشاعيل اثنان في جهة القبلة واثنان في جهة الشام ، وكل واحد كالأسطوانة ، وبأعلاه مسرجة عظيمة تشعل في ليالي الزيارات المشهورة ، ولا أدري ابتداء حدوث ذلك ، ويزيدون تنانير وبزاقات في مقدم الروضة وما حولها ، ويحتفلون بذلك سيما في ليلة سبع وعشرين من رمضان ، ويسرجون في كل ليلة منه نحو أربعين شمعة ، ويضعونها على شمعدانات كبار في قبلة الروضة والحجرة ، وفي غربي المنبر ، وبعضها في محراب الحنفية الآتي ذكره.

وللمسجد فوانيس عدتها ستة ، يطوف بها الخدام بعد صلاة العشاء الآخرة لإخراج الناس من المسجد عند غلق أبوابه ، ولا يدعون به إلا الخدام ومن له نوبة من أرباب وظائفه.

وذكر البدر بن فرحون في ترجمته شبل الدولة كافورا المظفري شيخ الخدام المعروف بالحريري أن من آثاره الحسنة تبطيل الطوف بالشعل من جريد النخل وتبديلها بالفوانيس التي يطوفون بها اليوم كل ليلة ، وذلك أنهم كانوا قبل الحريري وصدرا من ولايته يأخذ عبيد الخدام وبعض الفراشين شعلا من سعف النخل فيطوفون بها عوض الفوانيس اليوم يجرون بها كأشد ما يكون من الجري ، فإذا وصلوا باب النساء خرجوا بها وخبطوا ما بقي معهم منها ، وكانت تسود المسجد وتسود بابه أيضا ، وفيها من البشاعة ما لا يخفى ، فأمر بالفوانيس عوضهارحمه‌الله تعالى.

في صحن المسجد نخيل مغروسة

وبصحن المسجد نخيل مغروسة ، ولم أدر ابتداء حدوث ذلك ، إلا أن ابن جبير قال في رحلته عند ذكر القبة التي بصحن المسجد ما لفظه : وبإزائها في الصحن خمس عشرة نخلة ، انتهى.

وقال البدر ابن فرحون : إن أول من أدرك من مشايخ الخدام الشيخ عزيز الدولة ، قال : وفي أيامه غرس كثير من هذا النخل الذي بالمسجد اليوم ، وكان منه شيء قبل العزيزي ، ومات أكثره ، انتهى.

وذكر المجد عزيز الدولة وقال : إن غرس أكثر هذا النخل كان في زمانه ، ثم قال : وكأنه لم يتعرض أحد لإنكار هذه البدعة إجلالا لشأنه ، أو خوفا من لسانه ، أو تمكينا له من


الاقتداء بمن غرسه قبله وخنق في عنقه من هذا المنكر حبله ، وقد انجعفت تلك النخيل لهبوب عاصفة هبت في أواخر مشيخة ياقوت الرسولي ، ثم أعيد الغراس ، ووقع الإنكار من بعض الناس ، لكن لم يصادف كلامه محلا من الإشارة والإفادة ، ولعله سوغ حملا على احتمال أنه لم يغرس أولا إلا بنوع من الاستحقاق ، لكن لا يخفى ما في اعتماد الاحتمال البعيد من قلة التقى.

قلت : وقد أراد طوغان شيخ أن يزيد فيه سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة ، فأنكرت ذلك ، وقام بعض أهل الخير في المنع منه ، فبطل ذلك ولله الحمد.

أئمة المسجد

ولم يزل المسجد النبوي بإمام واحد يصلي بالناس في مقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويتقدم أيام الموسم إلى المحراب العثماني ، حتى سعى طوغان شيخ المذكور في إحداث محراب للحنفية في دولة الأشرف إينال ، فقام أهل المدينة في منعه ، وساعدهم على ذلك من أرباب الدولة المصرية صاحب الشيم المرضية جمال الدين يوسف ناظر الخواص الشريفة ، تغمده الله برحمته ، فلم يتم لطوغان المذكور ذلك ، فلما توفي المشار إليه أعاد طوغان السعي في الدولة المذكورة ، فبرزت المراسيم به بعد الستين وثمانمائة ، واستمر إلى زماننا فيصلي إمامه الصلوات الخمس عقب انصراف إمام المحراب النبوي ، وهو إمام الشافعية ، إلا في التراويح فيصليان معا ، وهذا الأمر دبّ إلى المدينة الشريفة من مكة المشرفة.

وقد قال الزركشي : إن السبب في حدوث ذلك بها أن الإمام كان في ذلك الوقت مبتدعا ، فعند ما امتنع الناس من إقامة الجماعة مع إمامهم الذي أقاموه سمحوا للناس في اتخاذ أئمة لأنفسهم ، واستمر الأمر عليه ، وكذا جرى مثله في بيت المقدس وجامع مصر قديما ، انتهى.

وقد بينا حكم ذلك في كتابنا الموسوم «بدفع التعرض والإنكار ، لبسط روضة المختار».

عرض جدار المسجد

وقال ابن زبالة ويحيى : وعرض منقبة جدار المسجد مما يلي المغرب ذراعان ينقصان شيئا ، وعرض منقبته مما يلي المشرق ذراعان وأربعة أصابع ، وإنما زيد فيه لأنها من ناحية السيل.

قلت : وهذا لأن السيل كان يغشى المسجد من تلك الجهة ، ولهذا سقط جدار الحجرة الشرقي كما قدمناه ، وسقط أيضا جدار المسجد من الناحية المذكورة كما قدمناه من قول ابن


زبالة «أخاف المسجد من شرقيه في سلطان محمد بن عبد الله الربعي من ولد ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب من ناحية موضع الجنائز فأمر به فبنى» انتهى.

وقد قدمنا في زيادة الوليد ما رواه يحيى من طريق ابن زبالة في ذرع عرض المسجد ، وبينا فساده ، والصواب ما ذكره ابن زبالة في أواخر الكلام على المسجد ؛ فإنه ذكر ذرع مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الأول عرضا وطولا ، ثم قال : وذرع مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم اليوم ذرع عرضه من مقدمه في القبلة بين المشرق والمغرب مائة وخمسة وستون ذراعا ، ينقص مؤخره عن مقدمه خمسة وثلاثين ذراعا ، وطوله من اليمن إلى الشام مائتان وأربعون ذراعا.

قلت : وقد حررت ذرعه فكان عرضه من مقدمه في القبلة مائة ذراع وسبعة وستين ذراعا ونصفا ، فيزيد على ما ذكره ابن زبالة ذراعين ونصفا ، وذلك لاختلاف الأذرعة أو لرخاوة الحبل الذي وقع القياس به ، ونحو ذلك.

وكان عرضه من مؤخره في الشام مائة وخمسة وثلاثين ذراعا فيزيد على ما ذكره خمسة أذرع.

وكان طوله من القبلة إلى الشام مائتي ذراع وثلاثة وخمسون ذراعا ، فيزيد على ما ذكره ابن زبالة ثلاثة عشر ذراعا.

وقد ذكر ابن النجار ما يوافق ذرعنا هذا مع مخالفة يسيرة فقال : طول المسجد اليوم من قبلته إلى الشام مائتا ذراع وأربعة وخمسون ذراعا وأربعة أصابع ، ومن شرقيه إلى غربيه ـ يعني في مقدمه ـ مائة ذراع وسبعون ذراعا صافية ، انتهى.

قال ابن زبالة : وطول رحبة المسجد ـ يعني صحنه ـ من اليمن إلى الشام مائة وخمسة وستون ذراعا ، وعرضها بين المشرق والمغرب ثمان وتسعون ذراعا ، انتهى.

وذكر ابن النجار أن طولها مائة وتسعة وخمسون ذراعا وثلاثة أصابع ، وعرضها سبع وتسعون ذراعا راجحة.

قلت : وطول رحبة المسجد اليوم من القبلة إلى الشام مائة ذراع واثنان وخمسون ذراعا ونصف ذراع ، فإذا أضفت لذلك عرض الرواق الذي زيد في الرحبة على ما قدمناه من أنه زيد فيها رواقان من ناحية ونقص رواق من ناحية والرواق نحو تسعة أذرع فيكون جملة ذلك مائة وأحدا وستين ذراعا ونصفا ، وذلك نحو ما ذكره ابن النجار.

وأما عرض الرحبة اليوم من مقدم المسجد فخمسة وتسعون ذراعا بتقديم التاء على السين ، والله تعالى أعلم.

وذكر ابن النجار أن طول المسجد في السماء خمسة وعشرون ذراعا ، ومراده ارتفاعه من أرضه إلى أعلى شرفاته ؛ لأنه ذكر في موضع آخر ما يقتضي أن ارتفاعه من أرض المسجد إلى


سقفه أحد وعشرون ذراعا ، فيكون سمك السقف والحائط الذي عليه الشراريف حول صحن المسجد أربعة أذرع ، والذي بين أرض مقدم المسجد وسقفه بعد خفض أرضه عقب الحريق الثاني اثنان وعشرون ذراعا ، وتقدم في زيادة عمررضي‌الله‌عنه ما يقتضي أنه كان بينهما في زمانه أحد عشر ذراعا ، ولم أقف على ذكر ما جعله عثمان رضي الله تعالى عنه بينهما ، وذرع ما بين الأرض المحيطة بالمسجد من خارجه وأعلى سترة جداره من جهة المغرب ثمانية وعشرون ذراعا ؛ فهذا سمك المسجد من خارجه ، والله أعلم.

وقد تقدم ذكر منابر المسجد وذرعها في زيادة الوليد.

الفصل الثاني والثلاثون

في أبواب المسجد وما سد منها ، وما بقي ،

وما يحاذيها من الدور قديما وحديثا

أبواب المسجد

تقدم أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم جعل للمسجد الشريف ثلاثة أبواب : بابا في مؤخره ، والباب الذي يدعى باب عاتكة ويقال له باب الرحمة ، والباب الذي كان يدخل منه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو باب آل عثمان.

وقد اقتضى كلام المؤرخين أن هذين البابين لم يحولا عن مكانهما ، بل لما زيد في المسجد من جهتهما جعلا في محاذاة محلهما الأول.

وقد قدمنا في زيادة عمررضي‌الله‌عنه أنه جعل الأبواب ستة : بابين عن يمين القبلة ، وبابين عن يسارها ، وبابين خلف القبلة ، وأنه لم يغير باب عاتكة ولا باب عثمان ، بل زاد في جهة باب عاتكة الباب الذي عند دار مروان وهو باب السلام ، وزاد بعد باب عثمان الباب المعروف بباب النساء ، فهذان البابان هما المزيدان في المغرب والمشرق.

وسبق أيضا أن عثمان رضي الله تعالى عنه أقر هذه الأبواب على حالها ، ولم يزد فيها شيئا.

ولم يذكر ابن زبالة ولا يحيى ولا رزين ما زاده الوليد من الأبواب ، ولا ما زاده المهدي حين زاد في المسجد ، إلا أن ابن النجار قال : وأما أبواب المسجد فكانت بعد زيادة المهدي فيه ، وذكر تسعة عشر بابا غير باب خوخة أبي بكررضي‌الله‌عنه ، كما سيأتي ، وبين أماكنها كما سنشير إليه.

وقال المطري وتبعه المراغي والمجد : لما بنى الوليد بن عبد الملك المسجد ووسعه جعل له عشرين بابا ، وذكر الأبواب المذكورة بعينها مع الخوخة المذكورة ، وهذا وهم ؛ لأن المنقول في هذه الأبواب أنها إنما كانت في زيادة المهدي ، وهي التي استقر عليها الحال في أمر


المسجد ، وأيضا فما سيأتي في وصف الأبواب التي في جهة الشام وما يليها من جهة المشرق والمغرب لا يتصور أن يكون في زمن الوليد ؛ لما تقدم من أن المهدي هو الذي زاد ذلك ، والمطري موافق عليه ، فكيف يذكر وصف تلك الأبواب فيما نسبه للوليد ، وسيأتي أيضا أن أحد هذه الأبواب ـ وهو باب زياد ـ إنما فتحه زياد في ولاية أبي العباس المنصور.

والحاصل من كلام من كان قبل المطري من المؤرخين أن الذي استقر عليه أمر المسجد بعد انتهاء زياداته كانت شارعة في رحبة دار القضاء ولا ينافي ذلك قول ابن زبالة. وفي المسجد ـ يعني في زمنه ـ أربعة وعشرون بابا لأنه قال في تفصيلها : منها ثمانية من ناحية المشرق ، ومما يلي القبلة : باب يدخل منه الأمراء من ناحية باب مروان إلى المقصورة ، وعن يسار القبلة الباب الذي تدخل منه المقصورة من موضع الجنائز ، وعن يمين القبلة باب بحذائه سواء في الطرف الآخر أي في مقابلته يدعى باب زيت القناديل ، ذكروا أن مروان عمله ، وخوخة آل عمر تحت المقصورة ، ومما يلي المغرب ثمانية أبواب منها الخوخة التي تقابل يمين خوخة أبي بكر الصديقرضي‌الله‌عنه ، ومما يلي الشام أربعة ، انتهى كلام ابن زبالة ؛ فغيره لم يعد الباب الذي كان في القبلة شارعا في دار مروان ؛ لأنه باب دار ، وكذا خوخة آل عمر ؛ لأنها للدار لا للمسجد ، وكذا باب زيت القناديل ؛ لأنه باب خزانة للمسجد لا يدخل منه عامة الناس ، وكان موضعه عند زاوية الجدار الغربية مما يلي القبلة وجدوه عند عمارة المنارة التي بباب السلام وسد بجدارها.

وأما الباب الذي ذكره عن يسار القبلة فيؤخذ من كلامه أنه كان في المشرق مقابلا لباب زيت القناديل وأنه خاص بالمقصورة ، ولو كان بابا عاما لعده في الأبواب التي في جهة المشرق ، وقد ظهر هذا الباب عند هدم المنارة الشرقية بعد الحريق الذي أدركناه ، وهو باب صغير وجد مسدودا عند زاوية جدار المسجد الشرقية ، وكأن الدخول كان منه إلى الخزانة التي تحت المنارة الشرقية اليمانية ثم منها إلى المقصورة ، ولهذا لما بسط ابن زبالة الكلام على أبواب المسجد في موضع آخر لم يذكر هذه الأبواب الأربعة ، بل اقتصر على العشرين.

فلنذكر ما ذكره وغيره فيها وما زاده المطري في بيانها مما يعرف بمحلها ثم نفرد خوخة آل عمر بالكلام عليها ، فنقول :

باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم

الأول : وهو مبتدأ أبواب جهة المشرق مما يلي القبلة ، باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، سمي بذلك لكونه في مقابلة حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها التي بها قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لا لكونه دخل منه ؛ إذ لا وجود له في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد سد عند تجديد الحائط الشرقي ، وجعل مكانه شباك


يقف الإنسان عنده من خارج ، فيرى الحجرة الشريفة ، كذا قاله المطري ومن بعده ، وسيأتي ما يخالفه.

باب علي

الثاني : باب عليرضي‌الله‌عنه ، كان يقابل بيته الذي خلف بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد سد أيضا عند تجديد الحائط ، وما ذكرنا من أن باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مقدم على هذا الباب للقبلة صرح به المطري ومن تبعه ، وهو الذي تقتضيه المناسبة التي ذكروها للتسمية بذلك ، لكن صرح ابن النجار بخلافه ، فقال في عدّ أبواب جهة المشرق : باب علي ، ثم باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم باب عثمان ، ثم باب مستقبل دار ريطة ، إلى آخر الترتيب الآتي ، ومأخذه في ذلك أن ابن زبالة ويحيى ذكرا ما كان مكتوبا على جدارات المسجد فقالا : وفي الزيادة الشرقية في جوف المسجد بين باب علي وباب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مكتوب ، وذكرا ما كان مكتوبا.

ثم قالا : وبين باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وباب عثمان مكتوب ، وذكرا ما كان مكتوبا.

ثم ذكر أيضا في الكتابة من خارج الجدار على الأبواب نحو هذا ، وقالا أيضا : إن في القبلة من خارج المسجد في موضع الجنائز حيث يصلي على الموتى عند باب علي بن أبي طالب مكتوب بعد البسملة( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) [آل عمران : ١٩٠] الآية فاقتضى ذلك أن باب علي هو أول أبواب هذه الجهة ، وأن باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الثاني منها ، والذي حمل المطري ومن تبعه على مخالفة ذلك ما قدمناه عنه من رعاية تلك المناسبة ، ويحتمل : أن بيت عليرضي‌الله‌عنه كان ممتدّا في شرقي حجرة عائشةرضي‌الله‌عنها إلى موضع الباب الأول

فسمي باب علي بذلك ، ويدل له ما تقدم عن ابن شبة في الكلام على بيت فاطمةرضي‌الله‌عنها من أنه كان فيما بين دار عثمان التي في شرقي المسجد وبين الباب المواجه لدار أسماء ، ويكون تسمية الباب الثاني بباب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لقربه من بابه ، والله أعلم.

باب عثمان باب جبريل

الثالث : باب عثمان ، وهو الباب الذي وضع قبالة الباب الذي كان يدخل منه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقد قدمنا عن ابن زبالة ويحيى أن الباب الذي كان يدخل منه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم هو باب آل عثمان ولذا أطلق عليه في رواية ليحيى في زيادة عثمان أنه باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم . وقد ظهر درج عند باب مقصورة الحجرة الشامي في مقابلة الباب المذكور بسبب الحفر للدعامة التي هناك ، والظاهر أنه درج الباب المذكور قبل تحويله ؛ لكونه في موازاة جدار المسجد الأول كما يؤخذ مما سبق من حدوده ، وسمي بذلك لمقابلته لدار عثمان بن عفان ، وسيأتي أنها كانت من الطريق التي تسلك إلى البقيع التي عن يسار الخارج من هذا الباب إلى الطريق التي في شامي


المدرسة الشهابية ، والذي يقابل هذا الباب اليوم من دار عثمان رباط أنشأه جمال الدين محمد بن أبي المنصور الأصفهاني المعروف بالجواد وزير بني زنكي.

قال المطري : وقفه على فقراء العجم ، وجعل له فيه تربة لها شباك في جهة الشباك المتقدم ذكره في مقابلة القبر الشريف. ولما مرض وهو في السجن قال للشيخ أبي القاسم الصوفي : كنت أخشى أن أنقل من الدست إلى القبر ، يعني أنه فرح بأن يأتيه الموت وهو على تلك الحالة ، وقال له : إن بيني وبين أسد الدين شركوه ـ يعني عم صلاح الدين بن أيوب ـ عهدا أن من مات قبل صاحبه حمله صاحبه الحي إلى المدينة الشريفة فدفنه فيها في التربة التي عملها ، فإن أنا مت فامض إليه فذكره ، فلما توفي سار الشيخ إلى أسد الدين في هذا المعنى ، فأعطاه مالا صالحا ليحمله به إلى مكة والمدينة الشريفتين ، وأمر أن يحج معه جماعة من الصوفية ، ومن يقرأ بين يدي تابوته عند النزول والرحيل وقدوم مدينة تكون في الطريق ، وينادى بالصلاة عليه في البلاد ، فلما كان في الحلة اجتمع الناس للصلاة عليه ، فإذا شاب قد ارتفع على موضع عال ونادى بأعلى صوته :

سرى نعشه فوق الرقاب ، وطالما

سرى جوده فوق الركاب ونائله

يمرّ على الوادي فتثني رماله

عليه ، وبالنادي فتثنى أرامله

فلم ير باك أكثر من ذلك اليوم ، ثم وصلوا به إلى مكة فطافوا به حول الكعبة ، وصلوا عليه بالحرم ، وحملوه إلى المدينة فصلوا عليه ودفنوه بتربته المذكورة.

وكانت وفاته في سنة تسع وخمسين وخمسمائة ، وكان له آثار حسنة سيما بالحرمين الشريفين ، وعمل للمدينة الشريفة السور الآتي ذكره ، وسنذكر هناك شيئا من ترجمته.

وفي قبلة رباطه من دار عثمان أيضا تربة اشترى أرضها أسد الدين شيركوه بن شاذي عم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي ، وحمل إليها هو وأخوه نجم الدين أيوب والد صلاح الدين بعد موتهما ودفنا فيها سنة ست وسبعين وخمسمائة ، وتوهم الذهبي أنهما دفنا بالبقيع فجزم به في العبر.

وبقية دار عثمان من القبلة دار إلى جانب هذه التربة موقوفة على خدام الحرم الشريف يسكنها مشايخهم ، وهذه دار عثمان الكبرى المقابلة لهذا الباب ، وسيأتي ذكر داره الصغرى التي في موضعها رباط المغاربة. ويعرف هذا الباب أيضا بباب جبريلعليه‌السلام .

قلت : ولم يبينوا سبب تسميته بذلك ، ولعل سببها ما سبق في الفصل الرابع والعشرين من قول أبي غسان : إن علامة مقام جبريل التي يعرف بها اليوم أنك تخرج من الباب الذي يقال له باب آل عثمان فترى على يمينك إذا خرجت من ذلك الباب على ثلاثة أذرع وشبر وهو من الأرض على نحو من ذراع وشبر حجرا أكبر من الحجارة التي بها جدار المسجد ،


مع ما قدمناه أيضا من أن الأصل في ذلك أن جبريلعليه‌السلام في غزوة بني قريظة أتى على فرس عليه اللأمة حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز ، ولم يكن ثم حينئذ غير الباب المذكور وروى ابن زبالة عن المطلب بن عبد الله أن حارثة بن النعمان مرّ والنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مع جبريل في موضع الجنائز ، فمر ولم يسلم ، فقال جبريل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أهو ممن شهد بدرا؟ قال : نعم ، قال : فكيف هو في أمتك؟ أيرون لهم به؟ قال : نعم ، قال : ما زالت الملائكة الذين شهدوا بدرا معك يرى لهم ، قال : فجاء حارثة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : هل رأيت الرجل الذي كان معي؟ قال : نعم وشبهته بدحية الكلبي ، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : فإنه جبريل ، وقد قال لو سلم لرددنا عليه ، فقال : ما منعني من السلام إلا أني رأيتك تحدّث معه فكرهت أن أقطعه عنك ، وروى البيهقي في الدلائل عن حارثة بن النعمان قال : مررت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومعه جبريل جالس في المقاعد ، فسلمت عليه ومررت ، فلما رجعنا وانصرف النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لي : هل رأيت الذي كان معي؟ قلت : نعم ، قال : فإنه جبريلعليه‌السلام ، وقد ردّ عليك السلام.

وكان مكتوبا على هذا الباب من خارجه بعد البسملة( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) [التوبة : ١٢٨] الآيتين.

باب ريطة (باب النساء)

الرابع : باب ريطة بفتح الراء ابنة أبي العباس السفاح ، كان يقابل دارها ، ويعرف بباب النساء ، وسبب تسميته بذلك ما رواه أبو داود من طريق عبد الوارث عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لو تركنا هذا الباب للنساء ، قال : نعم ، فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. ثم قال أبو داود عقبه : وقال غير عبد الوارث ، وهو أصح ، ثم رواه من طريق إسماعيل عن أيوب عن نافع عن ابن عمر «قال قال عمر» بمعناه ، قال : وهو أصح. ثم رواه أيضا من طريق بكير عن نافع قال : إن عمر بن الخطاب كان ينهى أن يدخل من باب النساء ، وهذا هو المعتمد ؛ لما تقدم من أنه لم يكن في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في شرقي المسجد غير باب آل عثمان. وقد روى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن ابن عمر قال : سمعت عمر حين بنى المسجد يقول : هذا باب النساء ، فلم يدخل منه ابن عمر حتى لقي الله ، وكان لا يمر بين أيدي النساء وهن يصلين.

ودار ريطة التي كانت مقابلة لهذا الباب قال المطري : كانت دار أبي بكر الصديق ، ونقل أنه توفي فيها ، وهي الآن مدرسة للحنفية بناها ياركوج أحد أمراء الشام ، وعمل له فيها مشهدا نقل إليه من الشام ، والطريق إلى البقيع بينها وبين دار عثمان ، نقل ذلك ابن زبالة.


قلت : وما ذكره من نسبة الدار المذكورة لأبي بكر الصديق سيأتي مستنده مع بيان ما فيه.

وفي أعلى هذا الباب من خارجه لوح من الفسيفساء مكتوب فيه آية الكرسي من بناء المسجد القديم ، وقد زال عند الحريق الثاني.

الخامس : باب كان يقابل دار أسماء بنت الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس ابن عبد المطلبرضي‌الله‌عنهم ، كانت من جملة دار جبلة بن عمرو الساعدي ، ثم صارت لسعد بن خالد بن عمر بن عثمان ، ثم صارت لأسماء المذكورة ، وهي اليوم رباط للنساء ، وقد سدّ هذا الباب أيضا عند تجديد الحائط الشرقي من المنارة الشرقية الشمالية إلى هذا الباب المذكور في أيام الناصر لدين الله سنة تسع وثمانين وخمسمائة ، كذا قاله المطري ومن تبعه ، وظاهر كلام ابن جبير أن سد هذا الباب وغيره من الأبواب كان قبل الثمانين وخمسمائة ؛ لأن رحلة ابن جبير كانت قبل الثمانين كما قدمناه ، وقد قال فيها : وللمسجد المبارك تسعة عشر بابا أي غير خوخة أبي بكر لم يبق منها مفتوحا غير أربعة ، في المغرب منها اثنان ، وفي المشرق اثنان ، انتهى. لكنه قال بعد ذلك : وفي القبلة باب واحد صغير مغلق ، يعني باب دار الإمارة. ثم قال : وفي المغرب خمسة مغلقة أيضا ، وفي المشرق خمسة أيضا مغلقة ، وفي الشام أربعة مغلقة أيضا ، انتهى. فتبين أنها كانت في زمنه غير مسدودة لكنها مغلقة ، فيكون سدّها حدث في التاريخ الذي ذكره المطري ، والله أعلم.

باب سادس

السادس : باب كان يقابل دار خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه ، وقد دخل في بناء الحائط المذكور ، والدار المذكورة اليوم رباط الرجال ، ومعها في جهة الشمال دار عمرو ابن العاص كما سيأتي بيانه ، ويعرف الرباط المذكور اليوم برباط السبيل ، وكذا رباط النساء المتقدم ذكره يعرف بذلك أيضا ، والرباطان المذكوران بناهما القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوريرحمه‌الله تعالى. وذكر ابن زبالة ويحيى أنه كتب على نجاف هذا الباب من داخل «مما أمر به المهدي محمد أمير المؤمنين مما عمل البصريون سنة اثنتين وستين ومائة ومبتدأ زيادة المهدي في المسجد.

قلت : وكتابة ذلك عليه تقتضي أنه الذي أحدثه وما بعده ، وأنه أول زيادته كما تقدم.

باب سابع

السابع : باب كان يقابل زقاق المناصع دخل أيضا في الحائط بعد تجديده ، وزقاق المناصع كان بين دار عمرو بن العاص وأبيات الصوافي ، وعبر عنها المطري بدار موسى بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي لأمر توهمه من كلام ابن زبالة


كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، والزقاق اليوم ينفذ إلى دار الحسن بن علي العسكري ، وتعرف اليوم بحوش الحسن ، وكان الزقاق المذكور ينفذ إلى المناصع خارج المدينة ، وهو كان متبرزا للنساء بالليل على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأبيات الصوافي هذه التي عبر عنها المطري بدار موسى بن إبراهيم سيأتي أن بعضها اليوم رباط للرجال أنشأه القاضي محيي الدين أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن اللخمي البيساني ، ودخل هذا الباب أيضا في الحائط عند تجديده.

باب ثامن

الثامن : باب كان يقابل أبيات الصوافي دخل في الحائط أيضا عند تجديده ، وأبيات الصوافي تقدم أن بعضها الذي يلي دار عمرو بن العاص هو رباط الفاضل ، وبعضها الآخر وهو الذي كان يقابل هذا الباب هو المعروف اليوم بدار الرسام التي وقفها الشيخ صفي الدين السلامي على أقاربه ثم على الفقراء ، وفي شاميها الباب الذي يدخل منه إلى رباطي النخلة ، وهما رباطا السلامى ، وقد عبر المطري عن ذلك بقوله : «وهي ـ يعني أبيات الصوافي ـ في دور كانت بين موسى بن إبراهيم المخزومي وبين عبيد الله بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنهم » قال : وموضع هذه الدور اليوم دار اشتراها الشيخ صفي الدين أبو بكر بن أحمد السلاميرحمه‌الله ووقفها على قرابته السلاميين ، انتهى.

وسيأتي أن أبيات الصوافي هي الدور التي كان فيها قهطم ، وأنها كانت بين دار عمرو بن العاص ودار موسى بن إبراهيم المخزومي المشتركة بينه وبين عبيد الله بن الحسين ، وأن هذه الدار المشتركة كانت أول الدور في جهة المشرق مما يلي الشام ، فأبيات الصوافي هي دار قهطم ، وفي موضعها ما قدمناه من رباط الفاضل ودار السلامي. وأما الدار المشتركة ففي موضعها اليوم الميضأة المعطلة وبيت الرئيس إبراهيم الذي بين الميضأة والزقاق الذي يلي دار المضيف كما سيأتي بيانه ، ودار المضيف هي آخر الدور التي في جهة الشام ، والدار المشتركة كانت ملاصقة لها ، وسيأتي بيان منشأ ما وقع للمطري ، وهذا الباب آخر الأبواب التي كانت في جهة المشرق.

أبواب المسجد الشامية

وقد طوى المطري الكلام على الأبواب الشامية ، فقال : وفي شمالي المسجد أربعة أبواب سدت أيضا عند تجديد الحائط الشمالي ، وليس في شمالي المسجد اليوم باب إلا باب سقاية عمرتها أم الإمام الناصر.

وسبب عدم كلام المطري على الأبواب الشامية أن ابن زبالة لم يذكر ما يقابلها من


الدور ، لكن ظهر لي أنه يؤخذ من كلامه وكلام ابن شبة في الدور المطيفة بالمسجد ، فلنذكر ما استنفدنا منهما في ذلك ، فنقول :

باب تاسع

التاسع : باب كان في دبر المسجد ، وهو أول أبواب الشام مما يلي المشرق ، وكان يقابل دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، وهي دار جده عبد الرحمن التي كان ينزل بها ضيفان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما سيأتي ، وبقية دار ابن مسعود ، وفي موضعهما الدار المعروفة بدار المضيف وما في غربيها من رباط الظاهرية.

باب عاشر

العاشر : باب كان يقابل دار أبي الغيث بن المغيرة ، وفي موضعها اليوم الرباط المعروف برباط الظاهرية والشرشورة.

الباب الحادي عشر

الحادي عشر : باب كان يقابل ما يلي دار أبي الغيث من أبيات خالصة مولاة أمير المؤمنين ، وموضع ذلك المارستان الذي أنشأه أبو جعفر المنتصر بالله سنة سبع وعشرين وستمائة.

الباب الثاني عشر

الثاني عشر : باب كان في مقابلة بقية أبيات خالصة وفي موضع ذلك اليوم بيت وزقاق يتوصل منه إلى الرباط الذي أنشأه الشيخ شمس الدين الشستري. وهذا الباب آخر الأبواب التي كانت في جهة الشام ، وكلها اليوم مسدودة كما تقدم ، وما يوجد اليوم من الدور والأبنية الملاصقة لجدار المسجد المذكور كلها حادثة كما يؤخذ من كلام متقدمي المؤرخين ، ولم أقف على ابتداء حدوث ذلك.

الباب الثالث عشر

الثالث عشر : وهو أول أبواب المغرب مما يلي الشام باب كان يقابل دار منيرة وكانت من دور عبد الرحمن بن عوف ، ثم صارت لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، ثم صارت لمنيرة مولاة أم موسى ، وفي موضعها اليوم الدار التي صارت لشيخنا العارف بالله سيدي عبد المعطي المغربي نزيل مكة المشرفة ، ثم انتقلت للسيد الشريف العلامة محيي الدين قاضي الحنابلة بالحرمين الشريفين ، وما في قبلتها إلى الباب الذي يدخل منه إلى دور القياشين التي للخواجا قاوان ، وهذا الباب مسدود كما هو مشاهد من خارج المسجد.


الباب الرابع عشر

الرابع عشر : باب كان يقابل دار منيرة أيضا كما صرح به ابن زبالة ويحيى ، ووهم المجد فجعله الذي بعده ، وموضع ما يقابله اليوم من دار منيرة الدار الموقوفة على الخدام التي في قبلة الزقاق الذي يدخل منه إلى دور القياشين ، وهذا الباب مسدود اليوم كما يظهر من خارج المسجد أيضا ، وبذلك يعلم أن محلهما من ذلك الجدار لم يجدد.

الباب الخامس عشر

الخامس عشر : باب كان يقابل دار نصير صاحب المصلى وهو مولى المهدي وكانت هذه الدار منزلا لسكينة بنت الحسين بن عليرضي‌الله‌عنهم ، وفي موضعها اليوم الدار التي عن يسار الداخل من زقاق دور القياشين والدار التي تعرف اليوم بدار تميم الداري ، وقد آلت إليّ ثم وقفتها ، وهي الآن منزلي ، ولم أقف على أصل في تسميتها بذلك ، وهذا الباب في مقابلة الدار المعروفة بدار تميم من دار نصير ، وهو مسدود اليوم ، وبقيت منه قطعة تظهر من خارج المسجد ، ودخل باقيه عند تجديد الحائط من باب عاتكة إليه.

الباب السادس عشر

والسادس عشر : باب كان يقابل دار جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك ، وقد دخل في داره هذه فارغ أطم حسان بن ثابت كما قاله ابن زبالة ، وفي موضعها اليوم المدرسة الكلبرجية التي أنشأها السلطان شهاب الدين أحمد سلطان كلبرجة من بلاد الهند في سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة ، وهذا الباب دخل في الحائط عند تجديده ، وأسقطه المطري مع أنه مذكور في كلام ابن زبالة ويحيى ، ولما أسقطه زاد بدله بابا لا وجود له في كلام من قبله ، على ما سيأتي التنبيه عليه.

باب عاتكة (باب السوق) (وباب الرحمة)

السابع عشر : باب عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية ، كان يقابل دار عاتكة المذكورة ، ثم صارت هذه الدار ليحيى بن خالد البرمكي والد جعفر ، ودخلت في دار جعفر المتقدم ذكرها ، وتوهم الزين المراغي من نسبتها لجعفر بن يحيى ومن كون أطم حسان دخل في دار جعفر بن يحيى أنها محل أطمه ، وليس كذلك لما قدمناه ، وفي موضعها اليوم دار من أوقاف الخدام في قبلة المدرسة الكلبرجية تواجه يمين الخارج من باب المسجد المذكور ، وقد استبدلها الشيخ الزيني بن مزهر بإزالة ديوان الإنشاآت وما غربيها من الدور ، واتخذ ذلك مدرسة ورباطا وأروقة على يد صاحبنا العلامة الشيخ نور الدين المحلي نفع الله به ، ويعرف هذا الباب قديما أيضا بباب السوق ، كما يؤخذ مما سيأتي في باب زياد ، لأن سوق المدينة كانت في المغرب في جهته. ويعرف قديما أيضا بباب الرحمة ؛ فإن يحيى ذكر في بناء النبي


صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمسجده أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم جعل له ثلاثة أبواب : باب في مؤخره ، وباب عاتكة الذي يدعى باب عاتكة ويقال باب الرحمة ، هذا لفظه. وأطبق على وصفه بذلك من بعده من المؤرخين ، حتى صار في زماننا هو الأغلب عليه ، ومع ذلك فلم أر في كلام أحد بيان السبب في تسميته بذلك ، وسألت عنه من لقيته من المشايخ فلم أجد عند أحد منهم علما من ذلك ، ثم ظهر لي معناه بحمد الله تعالى ، وذلك أن البخاري روى في صحيحه عن أنس بن مالك أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قائم يخطب ، فاستقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قائما ، ثم قال : يا رسول الله ، هلكت الأموال ، وانقطعت السبل ، فادع الله يغثنا ، فرفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يديه ثم قال : اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، قال أنس : ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار ، قال : فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس ، ولما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت ، فلا والله ما رأينا الشمس سبعا ، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة ـ يعني الثانية ـ ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قائم يخطب ـ الحديث ـ بطوله ، وسنبين في باب زياد ـ وهو الذي يلي هذا ـ أن دار القضاء كان محلها بين باب الرحمة وباب السلام ، وقد تقرر أنه لم يكن للمسجد في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في هذه الجهة إلا الباب المعروف بباب الرحمة ؛ فظهر أن هذا الرجل الطالب لإرسال المطر وهو رحمة إنما دخل منه ، وقد أنتج سؤاله حصول الرحمة ، وأنشأ الله السحاب الذي كان سببا فيها من قبله أيضا ؛ لأن سلعا في غربي المسجد ، فسمي والله أعلم بباب الرحمة لذلك ، لكن في رواية البخاري عن أنس أيضا أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ، ومقتضاها أنه دخل من الباب الذي كان في شامي المسجد ؛ لقرب إطلاق مواجهته للمنبر عليه ، لكن ذلك الباب ليس نحو دار القضاء ، فليجمع بين الروايتين بأن الواقعة متعددة كما اقتضاه كلام بعضهم ، أو بأنه وقع التجوز في إطلاق كون ذلك الباب وجاه المنبر ، أو بأن باب الرحمة كان كما قدمناه في آخر جهة المغرب مما يلي الشام ، فجاء ذلك الداخل من جهته ودخل منه ، ثم رأى أن قيامه بين يدي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو على المنبر لا يتم له إلا بتخطي الصفوف ، فعرج إلى الباب الآخر المواجه للمنبر ، لغلب إطلاق باب الرحمة على الباب الذي في جهة مجيئه ؛ لاعتضاده بما تقدم من مجيء السحاب من قبله ، والله أعلم.

باب زياد (باب القضاء)

والثامن عشر : باب كان يعرف بباب زياد وقد سد أيضا عند تجديد الحائط الذي هو فيه وكان بين خوخة أبي بكر الآتي ذكرها وبين الباب الذي قبله وسمي بذلك لما رواه ابن شبة عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن عمه قال : كانت رحبة القضاء لعمر رضي الله


عنه ـ يعني دارا له ـ وأمر حفصة وعبد الله ابنيهرضي‌الله‌عنهما أن يبيعاها عند وفاته في دين كان عليه ، فإن بلغ ثمنها دينه وإلا فاسألوا فيه بني عدي بن كعب حتى تقضوه ، فباعوها من معاوية بن أبي سفيانرضي‌الله‌عنهما ، وكانت تسمى دار القضاء ، قال ابن أبي فديك : فسمعت عمي يقول : إن كانت لتسمى دار قضاء الدين. قال : وكان معاوية اشتراها عند ولايته ، فلم تزل حتى قدم زياد بن عبد الله المدينة سنة ثمان وثلاثين ومائة ، فهدمها وجعلها رحبة للمسجد ، وفتح فيها الباب الذي إلى جنب الخوخة الصغيرة ، وجعل هدمها على أهل السوق ، قال محمد بن إسماعيل بن أبي فديك : فأخذ مني في هدمها أربعة دوانق ، قال ابن أبي فديك : وأخبرني أيضا كما أخبرني عمي عبيد الله بن عمر ابن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال : وأشار لي عبيد الله إلى صندوق في بيته وقال : في هذا الصندوق إبرا آت من ذلك الدين. وروى أيضا عن عبد العزيز بن مروان أن دار القضاء كانت لعبد الرحمن بن عوف ، قال : وهي اليوم رحبة لمسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في غربيه مما يلي دار مروان. وروي عن سهلة بنت عاصم أنها إنما سميت دار القضاء لأن عبد الرحمن اعتزل فيها ليالي الشورى حتى قضي الأمر فباعها بنو عبد الرحمن من معاوية ، فصارت بعد في الصوافي ، وكانت الدواوين فيها وبيت المال ، فهدمها أبو العباس أمير المؤمنين وصيّرها رحبة للمسجد ، فهي اليوم كذلك.

وروى ابن زبالة خبر ابن أبي فديك الأول مقتصرا عليه من طريق محمد بن إسماعيل ـ يعني ابن أبي فديك ـ عن ابن عمر أن عمر توفي وترك عليه ثمانية وعشرين ألفا ، فدعا عبد الله وحفصة فقال : إني قد أصبت من مال الله شيئا ، وأنا أحب أن ألقى الله وليس في عنقي منه شيء ، فبيعا فيه حتى تقضياه ، فإن عجز عنه مالي فسلا فيه بني عدي ، فإن بلغ وإلا فلا تعدوا قريشا ، فخرج عبد الله بن عمر إلى معاوية فباع منه دار عمر التي يقال لها دار القضاء ، وباع ماله بالغابة ، فقضى دينه ؛ فكان يقال : «دار قضاء دين عمر» وهي رحبة القضاء.

قال محمد بن إسماعيل : فهدم زياد بن عبيد الله إذ كان واليا لأبي العباس على المدينة في سنة ثمان وثلاثين ومائة دار القضاء ، وكانت تكرى من تجار أهل المدينة ، فهدمها زياد وجعلها رحبة للمسجد ، وفتح الباب الذي إلى جنب الخوخة ـ الخبر المتقدم.

قلت : وما تضمنه هذا الخبر من تاريخ هدم الدار وعمل الباب المذكور فيها ربما يخالف ما ذكره ابن زبالة ويحيى فيما كتبا على أبواب المسجد ، فإنهما قالا : وعلى باب زياد في لوح من ساج مضروب بمسامير مكتوب من خارج ، ثم ذكرا من جملة المكتوب : أمر عبد الله أمير المؤمنين أكرمه الله بعمل مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعمارة هذه الرحبة توسعة لمسجد


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولمن حضره من المسلمين في سنة إحدى وخمسين ومائة ابتغاء وجه الله والدار الآخرة ، إلى آخر ما ذكراه.

قلت : وزياد هذا هو زياد بن عبيد الله بن عبد المدان الحارثي خال السفاح ، وكانت ولايته على المدينة ومكة من قبل أبي العباس المنصور في سنة ثمان وثلاثين ومائة ؛ فقول ابن أبي فديك في رواية ابن شبة «فلم يزل حتى قدم زياد بن عبيد الله سنة ثمان وثلاثين» مبيّن لتاريخ قدومه فقط ، وقوله «فهدمها» يعني في مدة ولايته ؛ فليس فيه تعرض لأن الهدم كان في ذلك التاريخ ؛ فلا يخالف ما كتب على الباب المذكور ، وليحمل أيضا قوله في رواية ابن زبالة «فهدم زياد بن عبيد الله إذ كان واليا في سنة ثمان وثلاثين ومائة» على أن المراد بيان ابتداء ولايته ، لا تاريخ الهدم ، جمعا بين الكلامين ، والرواية الأولى أقرب إلى التأويل من هذه.

وقد ذكر ابن زبالة في روايته المتقدمة عن محمد بن إسماعيل أنه قال : إن زياد بن عبيد الله جعل السّتور على الأبواب الأربعة : باب دار مروان أي المعروف بباب السلام ، والخوخة أي المجعولة في محاذاة خوخة أبي بكر الصديقرضي‌الله‌عنه ، وباب زياد أي المذكور ، وباب السوق أي وهو باب الرحمة كما يؤخذ من كلام يحيى.

وقال المجد في ترجمة دار القضاء : هي دار مروان بن الحكم ، وكانت لعمر بن الخطاب فبيعت في قضاء دينه ، وقد زعم بعضهم أنها دار الإمارة ، وهو محتمل لأنها صارت لأمير المدينة.

قلت : دار مروان هي الآتية في قبلة المسجد ، وليست هذه بلا شك ، ولعل المراد أن مروان ملك دار القضاء فنسبت إليه ، وهو غير معروف ، إلا أن الحافظ بن حجر نقل عن ابن شبة أنها صارت لمروان وهو أمير المدينة ، قال : فلعل ذلك شبهة من قال «إنها دار الإمارة» فلا يكون غلطا ، وقال في المشارق : وقد غلط فيها بعضهم فقال يعني دار الإمارة.

قلت : والذي رأيته في ابن شبة إنما هو صيرورتها لمعاوية كما قدمناه ، مع أن المشهور قديما بدار الإمارة إنما هي دار مروان التي في قبلة المسجد ، وتقدم أن الأمراء كانوا يدخلون من باب منها إلى المقصورة ، وتوهم البرهان ابن فرحون أنها رحبة دار القضاء ، فقال : قال ابن حبيب : وما كان من مضى ـ يعني من القضاة ـ يجلسون في رحاب المسجد ، بل إما عند موضع الجنائز ، يريد خارج باب جبريل ، وإما رحبة دار مروان التي تسمى رحبة القضاء ، وقد جعل ذلك في هذا الوقت ميضأة ، انتهى. وهو وهم ؛ لأن الذي جعل ميضأة هو نفس دار مروان كما سيأتي ، وبالجملة فلا خلاف في كون دار القضاء هي الرحبة التي كانت في غربي المسجد إلى باب مروان.


ويؤخذ مما تقدم أن هذه الرحبة كانت في محاذاة باب زياد وما بعد ، إلى باب السلام.

ويؤخذ مما سيأتي في الدور المطيفة بالمسجد أنها كانت ممتدة إلى باب الرحبة أيضا ، وهو مقتضى ما أخبر به بعض مشايخ المدينة أنه لم يزل يسمع أنه لم يكن بين باب الرحمة وباب السلام دار تلاصق المسجد.

قلت : فموضع هذه الرحبة اليوم دار الشباك الملاصقة لباب الرحمة ، وما يليها من المدرسة الجوبانية والحصن العتيق.

ودار الشباك أنشأها شيخ الخدام كافور المظفري ، المعروف بالحريري ، بعد السبعمائة ، وجعل لها شباكا إلى المسجد ، وليس حول المسجد دار لها شباك في جدار المسجد إلا هي ، والذي يظهر أن باب زياد كان في موضع شباكها أو إلى جانبه القبلي.

وأما المدرسة الجوبانية فابتناها جوبان أتابك العساكر المغلية في سنة أربع وعشرين وسبعمائة ، وجعل له فيها تربة ملاصقة لجدار المسجد بين دار الشباك والحصن العتيق ، وهي ـ أعني التربة ـ من جملة رحبة القضاء ، واتخذ فيها شباكا في جدار المسجد ، وهو مسدود اليوم ، ولم يدفن فيها بعد أن حمل إليها في تابوت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة من بغداد بأمر السلطان أبي سعيد فدخلوا به مكة وطافوا به حول البيت كما فعل بالجواد الأصفهاني ، وذلك صحبة الحاج العراقي ، فلما وصلوا به المدينة منعهم أميرها من ذلك حتى يشاور السلطان الناصر ، كذا قاله بعضهم ، وقال الصلاح الصفدي : لما بلغ الملك الناصر أمر تجهيزه ليدفن في المدينة جهز الهجن إلى المدينة ، وأمرهم أن لا يمكن من الدفن في تربته ، فدفن في البقيع.

وذكر لي بعض الناس أن علة المنع من دفنه بتربته أنه إذا وضع فيها للقبلة كانت رجلاه إلى الجهة الشريفة ؛ لأن تربته في غربي المسجد ، بخلاف الجواد وغيره ممن دفن في شرقي المسجد ، فإن رءوسهم إلى جهة الأرجل الشريفة ، والله أعلم.

وأما الحصن العتيق فإنه كان منزلا لأمراء المدينة ، ثم انتقل إلى السلطان غياث الدين سلطان بنجالة أبي المظفر أعظم ابن السلطان اسكندر ، وابتناه مدرسة في سنة أربعة عشرة وثمانمائة ، وتوفي في تلك السنة ، ويقال : إن غيره سبقه إلى جعله رباطا قبل ذلك.

ثم اقتضى رأي متولي العمارة بعد الحريق الحادث في زماننا استبدال دار الشباك المذكورة وما يليها من الجوبانية وجميع الحصن العتيق عند هدم ما يلي ذلك من جدار المسجد الغربي ، وعمل ذلك مدرسة ورباطا للسلطان الأشرف فيما بين باب السلام وباب الرحمة كما سبق في الفصل التاسع والعشرين.

واعلم أن المطري زاد هنا بابا بدل الباب الذي أسقطه قبل باب عاتكة فقال : إنه كان


بين باب عاتكة وخوخة أبي بكر الآتية بابان سدّا عند تجديد الحائط ، وتبعه على ذلك من بعده ، والذي اقتضاه كلام ابن زبالة ويحيى وابن النجار أنه ليس بين باب عاتكة وبين الخوخة سوى باب زياد ، ولهذا لما أسقط ابن النجار ذكر الخوخة من الأبواب وجعل أبواب هذه الجهة سبعة قال : الخامس باب عاتكة ، السادس باب زياد ، السابع باب مروان ، انتهى. وبه يعلم أن الصواب ما قدمناه ، والله أعلم.

خوخة تجاه خوخة أبي بكر

التاسع عشر : الخوخة المجعولة تجاه خوخة أبي بكررضي‌الله‌عنه لما زيد في المسجد ، وهو معنى ما تقدم عن ابن زبالة حيث قال في عدد الأبواب : ومما يلي المغرب ثمانية أبواب ، ومنها الخوخة التي تقابل يمنى خوخة أبي بكر.

قلت : وكانت شارعة في رحبة دار القضاء كما قدمناه من كلام ابن زبالة وقدمنا أيضا في زيادة عمررضي‌الله‌عنه عن أبي غسان قال : أخبرني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أن عمه أخبره أن الخوخة الشارعة في دار القضاء في غربي المسجد خوخة أبي بكر الصديقرضي‌الله‌عنه ، أي : المجعولة في محاذاة خوخته.

قال ابن زبالة في ذكر الكتابة على أبواب المسجد : وليس على الخوخة لا من داخل المسجد ولا من خارجه كتابة ، وقد قدمنا أن لهذه الخوخة اليوم بابا مما يلي المسجد ، وأنه باب حاصل يعرف بحاصل النورة ، وهي معروفة بخوخة أبي بكر ، ويؤخذ مما تقدم أن ذلك الحاصل من دار القضاء ، وبابه اليوم هي الفتحة الثالثة من الفتحات التي على يسار الداخل من باب السلام ، جعل باب في موضع الخوخة يدخل منه للمسجد ، وبعده شباك ، ثم باب يدخل منه للمدرسة الأشرفية.

العشرون : باب مروان ، سمي بذلك لملاصقته لداره التي كانت في قبلة المسجد مما يلي الباب المذكور ، وبعضها ينعطف على المسجد من جهة المغرب ، وفي موضعها اليوم الميضأة التي أنشأها المنصور قلاوون الصالحي عام ست وثمانين وستمائة ، ويعرف الباب المذكور أيضا بباب السلام ، وباب الخشوع ، قاله المطري. وفي رحلة ابن جبير أنه يعرف بباب الخشية ، اه. والزوار غالبا إنما يدخلون منه ؛ لكونه أقصد إلى طريقهم من باب المدينة ، فلا يخفى مناسبة تسميته بذلك كله.

قال المطري : ولم يكن في القبلة حتى إلى اليوم باب إلا خوخة آل عمر ، أو خوخة لمروان عند داره في ركن المسجد الغربي ، شاهدناها عند بناء المنارة الكبيرة المستجدة ، كان يدخل من داره إلى المسجد منها ، وقد انسدت بحائط المنارة الغربي.

قال الزين المراغي : وينبغي الاعتراض على من أطلق أن مروان كان يدخل منها


للمسجد ؛ لأن مروان قتلته زوجته أم خالد بن يزيد آمنة بنت علقمة ، ويقال : فاختة بنت هاشم ، وقيل : مات مطعونا ، وقيل : مطعونا ، في نصف رمضان سنة خمس وستين.

وكانت مدة خلافته تسعة أشهر ، وذلك قبل أن يزيد ولد ولده الوليد بن عبد الملك ابن مروان في المسجد بنحو من ثلاثين سنة ، ولا شك أنها خوخة آل مروان ؛ فالصواب أنه كان يدخل من مثلها ، لا منها ، وكأن هذا الباب هو المراد بقول ابن زبالة : وباب في قبلة المسجد يخرج منه السلطان إلى المقصورة.

قلت : أما ما ذكره المطري من أنه لم يكن في قبلة المسجد باب ـ يعني فيما مضى إلى زمنه ـ إلا خوخة آل عمر ؛ فمردود بما قدمناه عن ابن زبالة ؛ فإنه فصل الأبواب الزائدة على العشرين فجعل منها الباب الذي كان في القبلة يدخل منه الأمراء من ناحية دار مروان ، ثم ذكر البابين اللذين عن يمين القبلة وعن يسارها يدخل منهما إلى المقصورة ، والباب الذي عن يمين القبلة هو هذا الذي أدركه المطري ؛ فلا يصح ما ذكره الزين المراغي من حمل كلام ابن زبالة في الباب الذي ذكره في القبلة عليه ؛ لأنه قد غاير بينهما ، وأما استدراك المراغي على القول بأن مروان كان يدخل من الباب الذي ذكره المطري فصحيح ، وقد تقدم عن ابن زبالة أنه يسمى باب بيت زيت القناديل. والذي يظهر كما قال المراغي أنه جعل في مقابلة باب اتخذه مروان هناك أيضا ؛ لأن ابن زبالة روى أن مروان لما بنى داره جعل لها خوخة في القبلة ، ثم قال : أخشى أن أمنعها ، أي لكونها في القبلة ، فجعل لها بابا على يمينك حين تدخل : أي وهو الباب المتقدم وصفه ، ثم قال : أخشى أن أمنع المسجد ، فجعل الباب الثالث الذي يلي باب المسجد ، يعني الملاصق لباب السلام من خارجه ، وفي موضعه اليوم السقاية المقابلة لباب مدرسة الحصن العتيق ، وهذا سبب المناسبة في تسمية رحبة القضاء برحبة دار مروان ؛ لمقابلتها لبابه هذا.

وروى ابن زبالة عن إسحاق بن مسلم أن عمر بن عبد العزيز لما بنى المسجد أراد أن يجعل في الأبواب حلقا ، ويجعلها في الدروب ؛ لئلا يدخلها الدواب ، فعمل الحلقة التي في باب المسجد مما يلي دار مروان ، ثم بدا له فتركها.

قلت : المراد بذلك السلسلة الحديد المجعولة بجنبتي عقد باب السلام تمنع الدواب من الدخول. وفي باب الرحمة اليوم آثار سلسلة كانت هناك ، وسلسلة باب السلام ترفع في أيام الموسم ؛ لأنه اتفق في سنة أربع وخمسين وثمانمائة ازدحام الناس عندها فهلك جماعة ، وكان أمام باب السلام من داخله درابزين شبيه بالدرابزين الذي كان من داخل باب جبريل ، وكان الناس لا ينزعون نعالهم إلا عنده ، وكذلك كان مثله أمام باب الرحمة من داخله أيضا ؛ فجعل الأمير بردبك المعمار أيام عمارته للظاهر جقمق هذه الأحجار المصفوفة إفريزا عند


طرف عقد باب السلام مما يلي باب الحصن العتيق ، وجعل ما أمام الباب مما يحاذي العقد المذكور رحبة بالمسجد ، وصار الناس ينزعون النعال عندها ، وعمل عند عقد باب الرحمة مثل ذلك ، ورفع ذلك الدرابزين ، وكان ما بين الدرابزين وباب الرحمة منخفضا عن أرض المسجد فسواه بأرض المسجد كما هو اليوم ، فاحتاج إلى رفع عتبته ، فزاد العتبة المتخذة فوق العتبة الأصلية ، وقصر شيئا من أسفل الباب ، وذلك ظاهر فيه اليوم ، وحصل بذلك صيانة للمسجد ، واتخذ أيضا الرحبة التي أمام باب النساء ، ورفع الدرابزين الذي كان من داخله ، واتخذ لباب جبريل الرحبة التي أمامه ، ولم يرفع الدرابزين ؛ لأن الناس لم يكونوا يمشون بنعالهم إليه ، ثم أزيل درابزينه أيضا عند عمارته بعد الحريق الثاني ، والله سبحانه وتعالى أعلم.

الفصل الثالث والثلاثون

في خوخة آل عمر رضي الله تعالى عنه المتقدم ذكرها ،

وما يتعين من سدّها في زماننا

تحديد موضع خوخة آل عمر

اعلم أنها اليوم هي التي يتوصّل إليها من الطابق الذي بالرواق الثاني من أروقة القبلة ، وهو الرواق الذي يقف الناس اليوم فيه للزيارة أمام الوجه الشريف بالقرب من الطابق المذكور. والذي يتلخص مما قدمناه في زيادة عثمانرضي‌الله‌عنه والوليد والمهدي أن الأصل في ذلك أنه لما احتيج لدار حفصة ـ يعني حجرتها ـ قالت : كيف بطريقي إلى المسجد ، فقيل لها : نعطيك أوسع من بيتك ، ونجعل لك طريقا مثل طريقك ، فأعطيت دار عبيد الله بن عمر ، أي التي صارت إليه بعد حفصة ، وكانت مربدا ، هذا ما رواه ابن زبالة.

وقد قدمنا في زيادة الوليد من رواية ابن زبالة أن عمر بن عبد العزيز بعث إلى رجال من آل عمر ، وأخبرهم أن أمير المؤمنين كتب إليه أن يبتاع بيت حفصة ، وكان عن يمين الخوخة أي من داخل المسجد ، فقالوا : ما نبيعه بشيء ، قال : إذا أدخله في المسجد ، قالوا : أنت وذاك ، فأما طريقنا فإنا لا نقطعها ، فهدم البيت ، وأعطاهم الطريق ووسّعها لهم.

وقدمنا أيضا ما رواه يحيى عن مالك بن أنس من أن الحجّاج الثقفي هو الذي ساوم عبيد الله بن عبد الله بن عمر في هذا البيت وهدمه. وفي رواية ليحيى أن عمر بن عبد العزيز لما وصل في العمارة إلى دار حفصة قال له عبيد الله : لست أبيع هذا هو حق حفصة ، وقد كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يسكنها ، فقال عمر : ما أنا بتارككم أو أدخلها المسجد ، فلما كثر الكلام بينهما قال لهم عمر : أجعل لكم في المسجد بابا تدخلون منه ، وأعطيكم دار الرقيق ، وما بقي من الدار فهو لكم ، ففعلوا.


وقال المطري : إن الوليد لما حج وطاف في المسجد رأى هذا الباب في القبلة فقال لعمر : ما هذا الباب؟ فذكر له ما جرى بينه وبين آل عمر في بيت حفصة ، وكان جرى بينه وبينهم فيه كلام كثير ، وجرى الصلح على ذلك ، فقال له الوليد : أراك قد صانعت أخوالك.

وقد قدمنا من رواية ابن زبالة الإشارة إلى هذا ، وقدمنا من روايته أيضا عن عبد العزيز بن محمد أنه كان يسمع عبيد الله بن عمر يقول : لا أماتني الله حتى أراني سدها.

وتقدم أن تلك الخوخة لم تزل طريق آل عمر إلى دارهم حتى عمل المهدي المقصورة على الرواق القبلي.

قال المطري : فمنعوهم الدخول من بابهم ، فجرى في ذلك أيضا كلام كثير تقدمت الإشارة إليه ، اصطلحوا على سدّ الخوخة من أعلاها في جدار المسجد ، وأن يخفضوها في الأرض ويجعلوا على أعلاها في موضع الباب الأول شباك حديد في القبلة ، وحفروها كالسرب ، فتخرج خارج المقصورة في الرواق الثاني من أروقة القبلة ، ولها ثلاث درجات عند بابها في جوف السرب بالمسجد ، وهو الطابق الموجود اليوم ، وعليه قفل من حديد ، ولا يفتح إلا أيام قدوم الحاج للزيارة ، قال المطري : وهي طريق آل عمر إلى دارهم التي تسمى اليوم دار العشرة ، وإنما هي دار آل عبد الله بن عمر ، انتهى.

قلت : وعلى هذا السرب من خارج المسجد باب في جدار المسجد أيضا ، وأمامه دهليز يتوصل منه إلى شارع فيه دور كثيرة سنشير إلى بعضها في ذكر الدور المطيفة بالمسجد.

اتخاذ بعض الناس بابا وسيلة للتدجيل

وقد اختلقوا لتلك الدور أسماء ، حتى قالوا في بعضها : هو بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبعضها نسبوه إلى فاطمة ابنته رضي الله تعالى عنها. ويتخذ بعض أهل تلك الدور على ما بلغني كحلا في نقرة من الجدار ويقولون للحجاج : هذه مكحلة فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها ، ويشيرون أيضا إلى رحا عندهم فيقولون : هذه رحا فاطمة الزهراء ، أخبرني بذلك من لبّسوا عليه الأمر وأخبروه بهذه الأكاذيب حتى أعطاهم شيئا. ويجلس عند ذلك الطابق بالمسجد شخص ليس هو اليوم من ذرية آل عمر ؛ لأن من كان بيدهم مفتاح هذا الطابق من آل عمر قد انقرضوا ، وبقيت منهم زوجة هذا الشخص الذي يجلس عند هذا الطابق ، ثم توفيت وتركت أولادا منه ، فاستمر المفتاح بيده ، فيستنيب من يجلس عند هذا الطابق ويفتحه أيام الموسم ، ويقف عنده جماعة يزوّرون الحجاج ويأخذون من الداخلين منه شيئا شبيها بالمكس ؛ فإن الجالس عنده لا يمكن أحدا من الدخول منه إلا ببذل شيء يرضيه ، وما حال


الحاج الغريب إذا رأى مثل هذا الباب بدرج تحت الأرض في المسجد وقيل له : إنه يصل إلى بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبيت ابنته؟

وقد اشتهر ذلك عند أهل المدينة حتى إن أحدا منهم لا يكره ، فيود الغريب المسكين لو بذل روحه في الوصول لذلك ، وربما لم يكن معه شيء ، فيتجشم المشقة في الوصول لذلك ، فقد أخبرني صاحبنا الشيخ المبارك أبو الجود بركات الجيعاني أنه قدم المدينة قديما قبل أن يجاور بها ، قال : فلم أملك نفسي أن دخلت في هذا الطابق فطبقه الجالس عنده على ظهري حتى كاد يقصمه لأنه لم يعطه شيئا. وأخبرني هو وغيره ممن أثق به أنه يقع في أسفله من الازدحام واختلاط النساء بالرجال ما لا يوصف مع ضيقه ، حتى إن الماشي فيه يحتاج إلى الانحناء.

وأخبرني بعضهم : أنه رأى فيه منكرا شنيعا ، وهو أن بعض الأحداث يمشي خلف النساء مع الازدحام ، وكون المشي على تلك الهيئة ؛ فيقع ما لا يرضي الله ولا رسوله بين يديهصلى‌الله‌عليه‌وسلم . وكيف يتمادى الناس على إقرار ذلك الآن؟ وهو ليس إلا لمجرد ما ذكرناه ، فإنه كان بابا لدار ، ولأن من هو بيده لا يملك شيئا من تلك الدور ، ولو كان مالكها فليس وضعه لسوى دخول أهل تلك الدور منه ، فإنه لم يجعل إلا ليدخل منه آل عمر إلى المسجد ، لا لأن يأخذوا فلوسا على من يخرج من المسجد مارا منه ، فقد كانوا منزهين عن ذلك. ثم لو سلمنا أن تلك الدور مستحقة للزيارة فزيارتها متيسرة من خارج المسجد ، وكيف يتخذ المسجد طريقا ، ويخص منه ما يكون بين يدي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم على تلك الحالة المنكرة لأجل شيء خسيس من الدنيا؟ ونحن نفديهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأنفسنا فضلا عن أموالنا ، وقد أمرصلى‌الله‌عليه‌وسلم بسد الأبواب التي كانت شارعة في المسجد إلا خوخة أبي بكر وإلا باب علي كما قدمناه ، مع أن أهل تلك الأبواب إنما كان قصدهم بها التوصل إلى المسجد ، فكيف يبقى باب بين يديهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا نفع له إلا أخذ شيء من الحطام على المرور منه؟ هذا ما لا يرضاه مؤمن يرى تعظيم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.

ثم إن هذا الطابق له قفل ، وما حوله من الخشب فيه نوع نتوء ، فقد رأيت من لا أحصيه من الخلق يتعثرون به ، وربما سقط بعضهم لوجهه ، ثم إنه إذا كثر الدوس عليه في ليالي الزيارات كليلة النصف من شعبان ونحوها يرتج تحت الأرجل حتى تزلزل الأرض زلزالها ، وذلك يؤذي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقد قدمنا أن عائشةرضي‌الله‌عنها كانت تسمع الوتد يوتد والمسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بالمسجد فترسل إليهم لا تؤذوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم . قالوا : وما عمل عليّ مصراعي داره إلا بالمناصع ـ وهو متبرز النساء ليلا خارج سور المدينة ـ توقيا لذلك.


وروى يحيى في كتابه عن محمد بن يحيى بن زيد النوفلي عن أبيه عن الثقة عنده أن عائشةرضي‌الله‌عنها ذكرت أن بعض نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم دعت نجارا فعلّق ضبة لها ، وأن النجار ضرب المسمار في الضبة ضربا شديدا ، وأن عائشةرضي‌الله‌عنها صاحت بالنجار كلمته كلاما شديدا وقالت : ألم تعلم أن حرمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ميتا كحرمته حيّا؟ فقالت الأخرى : وما ذا سمع من هذا؟ قالت : إنه ليؤذي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم صوت هذا الضرب اليوم ما يؤذيه لو كان حيا.

حج السلطان قايتباي

ولم أزل منذ قدمت المدينة أنكر هذا الأمر بالقلب واللسان وكتابة البنان ، ولكن لم أجد على ذلك معينا ، لرسوخ الطباع العامية في التمسك بالعوائد الماضية من غير روية ، وقد نبهت على إنكار ذلك في كتابي «الوفا ، بما يجب لحضرة المصطفى»صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم شافهت في أمره مولانا الهمام ، سلطان ممالك الإسلام ، ذا الشجاعة التي شاعت عجائبها ، والشهامة التي ذاعت غرائبها ، سلطان الإسلام والمسلمين ، ووجهة القاصدين والآملين ، السلطان الملك الأشرف قايتباي ، جعل الله الممالك منظومة في سلك ملكه ، وأقطار الأرض جارية في حوزه وملكه ، فإنه لما حج سنة أربع وثمانين وثمانمائة بدأ بالمدينة النبوية لزيارة التربة المصطفوية على الحال بها أفضل الصلوات وأزكى التسليمات ، فقدمها طلوع الفجر من يوم الجمعة الميمون الثاني والعشرين من ذي القعدة الحرام ، فلبس لدخولها حلل التواضع والخشوع ، وتحلى بما يجب لتلك الحضرة النبوية من الهيبة والخضوع ، فترجّل عن جواده عند باب سورها ، ومشى على أقدامه بين رباعها ودورها ، حتى وقف بين يدي الجناب الرفيع ، الحبيب الشفيع ،صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وناجاه بالتسليم ، وفاز من ذلك بالحظ الجسيم ، ثم ثنى بضجيعيه رضي الله تعالى عنهما بعد أن صلّى بالروضة الشريفة التحية ، وعفّر وجهه في ساحتها السنية ، وعرض عليه الدخول إلى المقصورة المستديرة حول جدار القبور الشريفة ، المعروفة اليوم بالحجرة المنيفة ، فتعاظم ذلك ، وقال : لو أمكنني أن أقف في أبعد من هذا الموقف وقفت ، فالجناب عظيم ، ومن ذا الذي يقوم بما يجب له من التعظيم؟ ثم صلّى صبح الجمعة في الصف الأول بين فقراء الروضة عند أسطوان المهاجرين بالقرب من مصلاي ، كان بيني وبينه إمامه شيخ الشيوخ الإمام العلامة نادرة الزمان وعين الأعيان برهان الدين الكركي ، فسح الله في أجله ، وأدام النفع به ، ولم يكن بيني وبينه سابق معرفة ، حتى إني لم أبدأه بسلام ولا كلام ، وكذلك السلطان أعزه الله أنصاره وضاعف اقتداره ، لم أتعرف إليه ، ولم يكن ذلك في خلدي ولا عزمت عليه ، ثم توجه السلطان بجماعته لزيارة عم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حمزة بن عبد المطلب ومن يليه من شهداء أحد رضوان الله عليهم ، فمشى مترجلا


كعادته ، حتى خرج من باب المدينة ، ولم يزل ذلك دأبه ، فلم يركب بالمدينة جوادا حتى خرج منها ، فلما كان وقت صلاة الجمعة حضر في ذلك المصلى فكان بيني وبينه إمامه المشار إليه أيضا ، ثم قرأ شخص على شيخ المحدثين العلامة شمس الدين ابن شيخنا أبي الفرج العثماني مجلس ختم البخاري ، وكأن الإمام المشار إليه تفرّس فيّ الاتصاف بطلب العلم ، ففاتحني الكلام في بعض المسائل العلمية المتعلقة بذلك ، فجاريته فيها ، فرأيت كماله واضح البرهان ، وفضله ظاهر العنوان ، مع كمال الإنصاف في البحث ، فانتسجت المودة حينئذ ، ثم قام الإمام المشار إليه ، واستمر السلطان جالسا ، ثم بدأنا بالملاطفة ، وشرفنا بالمحادثة ، وخاض في شيء من العلم ، فرأيت من تواضعه وحلمه وثقوب فهمه ما فاق الوصف ، فأنشدته قول بعضهم :

كانت مساءلة الركبان تخبرني

عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر

ثم التقينا ، فلا والله ما سمعت

أذني بأحسن مما قد رأى بصري

وأنهيت إليه أمر الطابق المذكور ، وقلت في نفسي : لعل الله تعالى أرسل هذا السلطان المسعود وجمعني به من غير قصد ليفوز بتنزيه الحضرة الشريفة من ذلك ، ويكون ذلك في صحائفه ، وقد قدمنا ما حاوله الملوك الماضون من سدّه مع أن المفاسد التي قدمناها لم تكن موجودة في زمنهم ، وإنما تركوه كما قدمناه لمانع ، ولا مانع من سده اليوم بحمد الله تعالى ، فوعد بذلك. ثم وقع الاجتماع بالإمام المشار إليه فكلمته في ذلك ، وقلت له : بلغني أن من بيده مفتاح الطابق المذكور يجتمع له في كل سنة نحو عشرة دنانير من هذا الطابق ، ولي معلوم في جهة هذا قدره في كل سنة ، فأنا أنزل عنه لمن بيده ذلك المفتاح تطييبا لخاطره ، فذكر ذلك للسلطان ، فقال : نحن نرضيه من عندنا ، ثم إنه نصره الله تعالى حضر لصلاة المغرب ، فتفضل بالبداءة بالكلام ، ولم يكن إمامه حاضرا ، ولكنه سبق منه التربية التامة عنده ، فسألني عن الآية المنقوشة في المصلى الشريف ، وهي قوله تعالى :( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ) [البقرة : ١٤٤] الآية هل نزلت قبل المعراج وفرض الصلاة أم بعد ذلك؟ وكيف كان الاستقبال قبل نزولها؟ فشرعت في الجواب ، فأقيمت الصلاة في أثناء ذلك ، فلما قضى صلاته تنفل بست ركعات ، ثم أقبل عليّ طالبا للجواب ، فذكرت له تاريخ نزولها بالمدينة ، وما فيه من الخلاف ، وأن فرض الصلاة ليلة في المعراج كان بمكة ، وما ذكروه في أمر استقبال بيت المقدس ، وما حكي من الخلاف في تعدد نسخ القبلة ، وصلاتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكة بين الركنين اليمانيين جاعلا الكعبة بينه وبين بيت المقدس ، إلى غير ذلك من الفوائد التي قدمناها في محلها من كتابنا هذا ، واستمريت معه كذلك حتى صلينا العشاء الآخرة ، فحصل منه في ذلك المجلس من الإكرام ما أرجو له به كمال المجازاة من صاحب الحضرة الحبيب الشفيع صلوات الله وسلامه عليه.


وفرق بالمدينة الشريفة مالا جزيلا ستة آلاف دينار أو أكثر ، ودفع إليّ على يد إمامه المشار إليه من ذلك جزءا وافرا ، وتكلمات معه في رفع مكوس المدينة وتعويض أميرها عن ذلك شيئا ، فأفهم الوعد به ، وسألني عن أمر دار العباس التي اشتريت له ، وكانت سببا في قتل القضائي الزكوي تغمده الله تعالى برحمته لعدم السياسة في أخذها ، فأخبرته بحقيقة الحال ، فقال : لم لم تكتب إليّ بهذا؟ فاعتذرت له بعذر قبله ، وتبرأ من جميع ما فعلوا فيها ، ووعد بما يكون فيه صلاح أمرها ، ثم وفى بذلك بعد عوده ، فزادهم مبلغا كثيرا رضوا به ، وتفضل بالتشريف بطلب الكتابة إليه بما يكون فيه صلاح أحوال المدينة والتنبيه على من يردها من المحتاجين.

ثم توجه في الرابع والعشرين من الشهر المذكور مصحوبا بالسلامة إلى مكة المشرفة ماشيا على أقدامه بين فقراء المدينة وفقهائها حتى خرج من باب المدينة ، فوقف هناك ، وقرأنا له الفاتحة ، ثم ركب جواده ، أدام الله تأييده وحرسه من الردى ، وأنار له طرق الحق والهدى.

ثم قدمت مكة صحبة الحاج الشامي فوجدته قد سلك بها مسلك التواضع أيضا ، وتصدق فيها بمال جزيل أكثر مما تصدق بالمدينة الشريفة.

ولما اجتمعت بإمامه المشار إليه بمكة المشرفة تذاكرنا الصدقة الشريفة بالمدينة الشريفة وعمومها ، وما حصل بها من النفع ، فذكرت له أن أربعة من فقراء المغاربة لم يأخذوا شيئا لملازمتهم لرباطهم ، وعدم إتيانهم لمن كان يفرق ، وأن شخصا آخر مستحقا كنت أود لو حصل له أكثر مما دفع له ، فبلغ ذلك السلطان ، فلما كان في أوسط أيام منى توجهت لوداع الإمام المشار إليه ، فأشار بموادعة السلطان ، فقلت له : أخشى أن يتوهم أن المجيء لقصد آخر ، فقال : لا بد من موادعته ، فتوجهنا إليه فحصل منه من الإكرام ما أطلب له الجزاء عليه من أكرم الأكرمين ، ثم قال : أنتم ذكرتم للإمام كيت وكيت ، فلم ينس ما تقدم ذكره من أمر جماعة الفقراء ، فقلت له : نعم ، فأمر لهم بمائة دينار أقسمها عليهم لكل واحد عشرون دينارا ، ثم قال : هل بقي أحد؟ فقلت له : ما أستحضر أحدا ، ورأيت له اهتماما تاما بتعميم جيران الحضرة الشريفة ، ووادعني قائما وسأل عن أمر الطابق المذكور لما قدمنا مكة ، وأمر بأن لا يفتح ، وأن يسد بعد ذلك ، فلما بلغ شيخ الخدام بالمدينة الشريفة منع من فتحه عند قدوم الحاج المصري في هذا العام ، ولكن بقي سده ، فإن الطريق في قطع الشر قلع أصوله ، وقد وعد بسده.

وقف السلطان قايتباي لأهل المدينة المنورة

ثم إن السلطان أيده الله تعالى رجع إلى مصر مصحوبا بتأييد الله ونصره ، فبلغنا أنه


أبرز بعد وصوله ستين ألف دينار ليشتري بها أماكن تكون أوقافا يحمل ريعها إلى الحضرة الشريفة ، ويعمل بها سماط كسماط الخليلعليه‌السلام ، وهذا أمر لم يسبقه إليه أحد من ملوك الإسلام ، والمسئول من الله تعالى أن ييسر له ذلك.

وقد ألحقنا في الفصل التاسع والعشرين ما برزت به المراسيم الشريفة من إبطال المكوس ، وتعويض أمير المدينة الشريفة عنها ، وأنه وقف أماكن كثيرة يتحصل منها نحو سبعة آلاف وخمسمائة إردب من الحب كل سنة لعمل السماط المذكور ، وليصرف من ذلك كفاية أرباب البيوت بالمدينة الشريفة ، ثم وصول البهائي أبي البقاء بن الجيعان عظم الله شأنه بجملة من ذلك والصرف والتقرير وعمل السماط على الوجه السابق ، والمرجو من الله تعالى دوام ذلك له ؛ فإن الله تعالى قد أجرى على يديه من الخيرات ما لم يجتمع لأحد من الملوك قبله فمن ذلك ما تقدم من العمارة بالمسجد النبوي والحجرة الشريفة ، وإبطال هذا الطابق المتقدم وصفه ، ومن العجب أن من كان بيده هذا الطابق توجه إليه بمصر وسأل أن يمكّن من فتحه ، فلم يجبه لذلك ، وقرر له في الذخيرة بضعة عشر دينارا كل سنة عوضا عما كان يحصل له منه ، ثم وردت المراسيم الشريفة بالإخبار بذلك ، والأمر بسده ، ولكن شق على بعض أهل الحظوظ النفسية تمام هذا الأمر والمتسبب فيه الفقير الحقير ، فتسبب في تأخيره ، فمات شيخ الخدام إينال الإسحاقي ولم يسده ، فلما قدمت مصر عام سبع وثمانين وثمانمائة أنهيت للسلطان أن الطابق لم يسد ، وخشيت أن يغضب بسبب ذلك على بعض الناس ، فاعتذرت بأن موجب التأخير وفاة شيخ الحرم ، فبرزت مراسيمه الشريفة لشيخ الحرم ومتولي العمارة الشمس بن الزمن بسده بالبناء ، بحيث لا يفتح أبدا ، وكان المعاكس في هذا الغرض قد أمال متولي العمارة إليه مع ما سبق في الفصل الثامن والعشرين من إيغار صدره مني ، وكان هذا الطابق قد احترق وارتدم بعد أمر السلطان بسده في حريق سنة ست وثمانين وثمانمائة ، وأثرت النار في قبره تأثيرا عظيما ، فأعاده متولي العمارة وأحكمه ، وجعل له بابا ، فلما وردت عليه المراسيم الشريفة بما سبق على يديّ أجاب بأنه يراجع السلطان في ذلك لأن تلك الدور صارت له.

ثم إن شيخ الحرم أنهى إلى السلطان ذلك ، فبرزت المراسيم الشريفة بسده واللوم على تأخيره مع تكرر الأمر بذلك ، فأمره متولي العمارة بتأخير ذلك ليراجع السلطان فيه ، وقال : إنه يجعل تلك الدور مزارات ليتم له ما أراده من بقاء ذلك الطابق ، وتعجب الناس من إقدامه عليه ، ثم بلغ السلطان ذلك مع أمور يطول شرحها ؛ فغضب غضبا شديدا وبرز مرسومه بسده والوعيد التام على تأخيره ، فسده شيخ الحرم بالبناء المحكم من خارج المسجد ، ونزع باب طابقه ، وردمه بالأتربة حتى ساوى أرض المسجد ، ولم يبق له أثر ، وذلك في رابع


ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وثمانمائة ، وسرّ أهل الخير بذلك ، وتضاعفت أدعيتهم للسلطان نصره الله تعالى ، وهذا من أعظم محاسنه.

من آثار قايتباي بالحرمين الشريفين

ومن ذلك إجراء عين خليص بعد انقطاعها مرة بعد أخرى ، وهي من أحسن مناهل الحج وأعذبها ، وكذلك بركة الروحاء.

ومن ذلك عمارة مسجد الخيف بعد أن تهدم بأجمعه ، وإنشاء المنارة والسبيل اللذين عند بابه ، وإجراء المعلوم لمن يؤذّن بتلك المنارة ولمن يؤم بالمسجد المذكور.

ومن ذلك إحداث الظل بمقدم مسجد نمرة المنسوب لإبراهيم الخليل ، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام ، وقد كان الحجاج يقاسون به شدة من حر الشمس في ذلك اليوم ، فالله تعالى يظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

ومن ذلك إجراء عين عرفة من بطن نعمان ، بعد أن دثرت وانمحت معالمها واندرست ، وعمارة بركها ومجاريها ، حتى فاضت الأنهار بأقاصيها وأدانيها ، وأوصلها إلى مسجد نمرة ، وأنشأ به صهريجا يجتمع فيه الماء ، فأذهب بذلك عن الحج الأعظم الظمأ ، وقد كنت أرى الفقراء في كل سنة في ذلك اليوم لا يسألون غالبا إلا الماء ، وكان من أعز الأشياء هناك ، فلم يبق له طالب ، ولله الحمد ، سقاه الله بذلك من حوض الكوثر.

ومن ذلك المدرسة والرباط اللذان عمر هما بمكة المشرفة ، ولا نظير لهما فيها.

ومن ذلك حجه في هذا العام ، فإن ذلك لم يقع لأحد من ملوك مصر من نحو مائة وخمسين سنة ، وكان آخر من حج منهم الملك الناصر محمد بن قلاوون ، حج ثلاث حجات : أولاها سنة عشر وسبعمائة ، وثانيتها سنة عشرين ، وثالثتها سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ، ولم يحج أحد بعد ذلك من سلاطين مصر ، وأرجو أن يفسح الله في أجل سلطاننا هذا حتى يدرك ذلك ، ويتم له ما نواه من الخير بالحضرة النبوية.

وقد أنشأ بثغر اسكندرية برجا عظيما لم يسبق إليه ، وشحنه بالأسلحة والجند.

ولما توجهت إلى زيادة بيت المقدس رأيت له فيه وفيما بين مصر وبينه من الآثار العظيمة ما لم أره من غيره من الملوك من المدارس والمساجد والقناطر ، وهذا المحل لا يحتمل بسط ذلك ، وإنما ذكرنا من آثاره الجميلة ما يتعلق بالحجاز لأنه محل الغرض.

وهو ملك مطاع ، محظوظ ، صبور ، غير عجل ، كثير الحياء والوقار والمهابة ، إذا حاول أمرا لا يسرع فيه ، بل يتأنى كثيرا ، ويعظم أهل العلم ويجلهم.

وإنما أمتعنا بذكر ذلك هنا ليكون سببا في حث الواقف على ذلك على الدعاء لهذا الملك السعيد بإنجاح المطالب ، ونيل المآرب ، ولتنبعث همة من جاء بعده من الملوك على أن


يقتدي به في الخير فيصنع مثل ما صنعه ، ونسأل الله تعالى أن يفسح في أجله ، فقلّ أن يأتي بعده مثله.

الفصل الرابع والثلاثون

فيما كان مطيفا بالمسجد الشريف من الدور ، وما كان من خبرها ، وجلّ ذلك

من منازل المهاجرين رضي الله تعالى عنهم

رسول الله يخط دور المدينة

روى ابن سعد في طبقاته عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خطّ الدور بالمدينة ، فخط لبني زهرة في ناحية مؤخر المسجد ، فكان لعبد الرحمن بن عوف الحش ، والحش : نخل صغار لا يسقى.

وعنه أيضا أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خط الدور ؛ فخط لبني زهرة في ناحية مؤخر المسجد ؛ فجعل لعبد الله وعتبة ابني مسعود هذه الخطة عند المسجد.

وقال ياقوت : لما قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مهاجرا إلى المدينة أقطع الناس الدور والرّباع ؛ فخط لنبي زهرة في ناحية من مؤخر المسجد ، وكان لعبد الرحمن بن عوف الحش المعروف به ، وجعل لعبد الله وعتبة ابني مسعود الهذليّين الخطة المشهورة بهم عند المسجد ، وأقطع الزبير ابن العوام بقيعا واسعا ، وجعل لطلحة بن عبيد الله موضع دوره ، ولأبي بكر الصديق موضع داره عند المسجد ، وأقطع كل واحد من عثمان بن عفان وخالد بن الوليد والمقداد وغيرهم مواضع درهم ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقطع أصحابه هذه القطائع ، فما كان في عفائن الأرض فإنه أقطعهم إياه ، وما كان من الخطط المسكونة العامرة فإن الأنصار وهبوه له فكان يقطع من ذلك ما شاء ، وكان أول من وهب له خططه ومنازله حارثة بن النعمان وهب له ذلك وأقطعهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، انتهى.

دار آل عمر بن الخطاب

فأول الدور الشوارع حول المسجد من القبلة دار عبد الله بن عمر بن الخطاب التي فيها الخوخة المتقدم وصفها ، وليست الدار المذكورة اليوم بيد أحد من آل عمر كما قدمناه ، وقدمنا أن موضع هذه الدار كان مربدا أعطيته حفصة رضي الله تعالى عنها بدل حجرتها لما احتيج إلى إدخالها في المسجد ، وفي رواية أن آل عمر أعطوا بدلها دار الرقيق وما بقي منها.

وقال ابن غسان ، فيما نقله ابن شبة : وأخبرني مخبر أن تلك الدار ـ يعني دار آل عمر ـ كانت مربدا يتوضأ فيه أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما توفي استخلصته حفصةرضي‌الله‌عنها


بثلاثين ألف درهم ، فورثها عنها عبد الله بن عمر ؛ فهي التي قال فيها عبد الله في كتاب صدقته : وتصدق عبد الله بداره التي عند المسجد التي ورث من حفصة.

بيت لأبي بكر الصديق صار لآل عمر

قال : وأخبرني مخبر قال : كان بيت أبي بكر الذي قال فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «سدوا عني هذه الأبواب ـ الحديث» بيد عبد الله بن عمر ، وهو البيت الذي على يمينك إذا دخلت دار عبد الله من الخوخة التي في المسجد ، فتلقاك هناك خوخة في جوف الخوخة التي هي الطريق مبوّبة ، فتلك الخوخة خوخة أبي بكر.

قال : وكانت حفصة ابتاعت ذلك المسكن من أبي بكر مع الدار التي فوق هذه ، أي التي في قبلتها كما سنبينه ، قال : وتصدقت بتلك الدار على ولد عمر.

قلت : هذه الرواية الأخيرة ضعيفة كما قدمناه ؛ ولذلك لم يبين قائلها ، ولأنه في دور بني تيم لما ذكر دار أبي بكر التي ورد فيها الحديث المذكور لم يذكر هذه الرواية ، بل اقتصر على الرواية المشهورة في أنها في غربي المسجد ؛ فإن الخوخة الواردة فيها الحديث هي الشارعة في رحبة دار القضاء ، ولذلك لما زادوا في المسجد أرادوا محاكاتها ، فجعلوها خوخة شارعة هناك ، ولم يجعلوها كبقية أبواب المسجد ، ولأنه جزم في دور أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن عائشةرضي‌الله‌عنها اتخذت الدار التي يقال لها دار عائشة بين دار الرقيق وبين دار أسماء بنت أبي بكر فتصدقت بها.

قلت : فإن كانت دار الرقيق هي بيت حفصة فبيت عائشة إلى جنبه ، والمعروف عند الناس أن البيت الذي على يمين الخارج من خوخة آل عمر المذكورة هو بيت عائشةرضي‌الله‌عنها ، فلعل الاشتباه في نسبته إلى أبي بكررضي‌الله‌عنه نشأ من ذلك ، مع أن الذي اقتضاه كلام المؤرخين أن البيت المذكور عن يمين الخوخة هو بيت آل عمر ، وأن دار عائشة ليست في هذا المحل ، وهذه الدار المذكورة ـ أعني التي على يمين الداخل من الخوخة ـ وقف ناظره شيخ الخدام ، وبلغني أن واقفها اشترط أن لا يسكنها متزوج ، وبابها اليوم شارع في القبلة ، ولها شباك عن يمين الخوخة لعله كان في موضع بابها الأول لما كانت الخوخة شارعة في الدار المذكورة ، وأما البيت الذي عن يسار الخوخة فوقفة أيضا ناظره شيخ الخدام ، وبابه ليس شارعا عند الخوخة ، بل بعيد منها في المغرب ، وهو آخر الدور الآتي ذكرها ، ومقتضى ما سيأتي عن ابن شبة وابن زبالة أن الدار المعروفة اليوم بدار عائشة والدارين اللتين إلى جانبها الغربي في قبلة المسجد من جملة دار آل عمر ؛ لأنهما قالا : في الدور الشوارع من القبلة دار عبد الله بن عمر ، ثم دار مروان الآتي ذكرها ، وأما الدار الثانية التي تقدمت الإشارة إليها في كلام أبي غسان من دور حفصة فوق هذه فقد ذكرها بقوله : وكانت لحفصة


الدار التي بين زقاق عبد العزيز بن مروان الذي أدخل في دار مروان دار الإمارة وبين زقاق عاصم بن عمر بابها شارع قبالة دير أطم بني النجار الذي يدعى فويرعا ، فتصدقت بها على ولد عمر ؛ فهي بأيديهم صدقة منها.

قلت : وهذا الوصف منطبق اليوم على دار قاضي الشافعية أبي الفتح بن صالح وما لاصقها من جهة الشام ؛ لأن زقاق عاصم هو الزقاق الشارع باب هذه الدار فيه الآخذ منها إلى جهة القبلة والميضأة ، ولأن فويرعا كان فيما بينها وبين المدرسة الشهابية كما سيأتي بيانه ، وعلى هذا فزقاق عاصم هو الذي في شاميها ، دخل بعضه فيما حاذى دار مروان ، وبقي منه ما يفرق بين دار آل عمر هذه والدار التي لها الخوخة ، والله أعلم.

دار مروان بن الحكم

ثم يلي دار عبد الله بن عمر ذات الخوخة في قبلة المسجد من غربيها دار مروان بن الحكم ، قال ابن زبالة : وكان بعضها للنحام ـ يعني نعيم بن عبد الله من بني عدي ـ وبعضها من دار العباس بن عبد المطلب ، فابتاعها مروان فبناها وجعل فيها دارا لابنه عبد العزيز بن مروان ، ثم ذكر خبر أبوابها المتقدم ذكره في أبواب المسجد.

وروى ابن زبالة في ذيل زيادة عثمان بن عفانرضي‌الله‌عنه في المسجد ، عن غير واحد منهم محمد بن إسماعيل عن أبيه أنه كانت فيها نخلات ، فابتاع مروان من آل النحام كل نخلة وموضعها بألف درهم ، وكن ثمانيا أو اثنتي عشرة ، فرأى الناس أن مروان قد أغلى ، فلما وجب له البيع عقرهن وبناها دارا فغبطه الناس.

ونقل ابن شبة عن بعضهم أن دار مروان بن الحكم التي ينزلها الولاة إلى جنب المسجد ـ يعني الدار المذكورة ـ كانت مربدا لدار العباس التي دخلت في المسجد ، فابتاعها مروان ، فسمعت من يقول : كانت القبة التي كانت في دار مروان وحجرتها التي تلي المسجد عن يسار من دخل الدار للنحام أخي بني عدي بن كعب ، وكانت فيها نخلات ، فابتاعها مروان من النحام بثلاثمائة ألف درهم ، وأدخلها في داره ، فذلك الموضع ليس من المربد الذي ابتاع من العباس.

وذكر ابن شبة في موضع آخر أن دار مروان صارت في الصّوافي ، أي : لبيت المال.

قلت : وفي موضعها اليوم كما قدمناه الميضأة التي في قبلة المسجد عند باب السلام ، وما في شرقيها إلى دور آل عمر ، قال ابن زبالة وابن شبة : وإلى جنبها ـ يعني : دار مروان ـ في المغرب دار يزيد بن عبد الملك التي صارت لزبيدة ، وكان في موضعها دار لآل أبي سفيان ابن حرب ، كانت أشرف دار بالمدينة بناء وأذهبه في السماء. ودار كانت لآل أبي أمية بن المغيرة ، فابتاعها يزيد ، وأدخلها في داره ، وهدمها ، وكان بعض أهل المدينة وفد على


يزيد ابن عبد الملك وقد فرغوا من بناء داره ، فسأله عنها ، فقال : ما أعرف لك أصلحك الله بالمدينة دارا ، فلما رأى ما في وجهه قال : يا أمير المؤمنين ، إنها ليست بدار ، ولكنها مدينة ، فأعجب ذلك يزيد.

دار رباح ودار المقداد

قلت : وفي موضع هذه الدار اليوم ما يقابل الميضأة في المغرب من دار الأشراف العباسا والدار الملاصقة لها في المغرب المشتراتين للسلطان ، وقد أضافوا إليهما ما في قبلتهما من الدور.

وقد ذكر ابن شبة أن رباحا مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم اتخذ دارا على زاوية دار يزيد بن عبد الملك الغربية اليمانية ، وأن المقداد بن الأسود حليف بني زهرة اتخذ دارا بين بيت رباح مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين زقاق عاصم ، فتكون هذه الدار على زاوية دار يزيد الشرقية اليمانية ، فهما من جملة ما اشترى للسلطان اليوم. وبين الميضأة وبين هذه الدور زقاق لعله متصل بزقاق عاصم بن عمر ، إلا أن ابن زبالة وابن شبة لم يذكراه ، قالا : ثم وجاه دار يزيد دار أويس بن سعد بن أبي سرح العامري. قال ابن شبة في هذه الدار : أخبرت أنها كانت لمطيع بن الأسود فناقل بها العباس إلى الدار التي بالبلاط يقال لها دار مطيع ، وزاده عشرة آلاف درهم ، ثم باعها العباس من عبد الله بن سعد بن أبي سرح بثلاثين ألف درهم ، فسكنها بنو أخيه ؛ فهي الدار التي يقال لها دار أويس عند دار يزيد بن عبد الملك بالبلاط ، وقد سمعنا من يذكر أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أقطع مطيعا داره تلك ، فالله أعلم أي ذلك كان.

قلت : وموضع دار أويس اليوم المدرسة الباسطية التي أنشأها القاضي عبد الباسط سنة بضع وأربعين وثمانمائة ، وما في شرقيها من مؤخر المدرسة المعروفة اليوم بالحصن العتيق المتقدم ذكرها ، فذلك كله يواجه دار يزيد المذكورة ، ويفصل بينهما بلاط باب السلام.

دار مطيع بن الأسود

قالا : ثم إلى جنب دار أويس ـ أي في المغرب ـ دار مطيع بن الأسود العدوي ، أي المتقدم ذكر قصتها وأنها كانت للعباس رضي الله تعالى عنه ، قال ابن شبة : أي : المتقدم ذكر قصتها وأنها كانت للعباس رضي الله تعالى عنه ، قال ابن شبة : ويقال لها دار أبي مطيع ، وعندها أصحاب الفاكهة ، وزاد في قصتها أنه بلغه أيضا أن حكيم بن حزام ابتاعها هي وداره التي من ورائها بمائة ألف درهم ، فشركه ابن مطيع ، فقاومه حكيم ، فأخذ ابن مطيع داره بالثمن كله وبقيت دار حكيم في يده ربحا ، فقيل لحكيم : خدعك ، فقال : دار بدار ومائة ألف درهم ، وكان يقال لدار أبي مطيع العنقاء ، قال لها الشاعر :

إلى العنقاء دار أبي مطيع


وبين يدي دار أبي مطيع أبيات ليزيد بن عبد الملك فيها الغسالون ، يقال : إن يزيد كان ساوم آل مطيع بدارهم ، فأبوا أن يبيعوها ، فأحدث عليهم تلك البيوت ، فسدّ وجه دارهم ، فهي تدعى أبيات الضّرار ، وهي مما صار للخيزران.

قلت : وموضع دار أبي مطيع اليوم الدار التي في غربي المدرسة الباسطية التي اشتراها وكيل الخواجا ابن الزمن ، وفي غربيها سوق المدينة اليوم ، وهو من البلاط ، وموضعه عندها هو المراد بقول ابن شبة : وعندها أصحاب الفاكهة ، فكأن الفاكهة كانت تباع فيه حينئذ.

دار حكيم بن حزام

وأما دار حكيم التي ذكر أنها من ورائها فمحلها اليوم الدار التي في شامي هذه الدور التي عندها درج العين بالسوق المذكور ، قال ابن شبة في دور بني أسد : واتخذ حكيم بن حزام داره الشارعة على البلاط إلى جنب دار مطيع بن الأسود ، بينها وبين دار معاوية بن أبي سفيان ، يحجز بينها وبين دار معاوية الطريق ، ومراده بالبلاط الموضع الذي به سوق المدينة اليوم أمام المدرسة الزمنية الممتد منها إلى الشام.

وقوله «يحجز بينها ـ أي : دار حكيم ودار مطيع ـ وبين دار معاوية الطريق» أي : البلاط المذكور ؛ فالظاهر : أن دار معاوية هذه هي المقابلة لها بين الدارين في المغرب ، وهناك في مقابلتها اليوم رباط جدد أنشأه الفخر ناظر الجيوش بمصر سنة تسع عشرة وسبعمائة بابه شارع في سوق المدينة اليوم ودار خربة.

وقال ابن شبة أيضا في دور بني عدي بن كعب : اتخذ النعمان بن عدي داره التي صارت لمحمد بن خالد بن برمك وبناها ، وفي الشارعة عند الخياطين بالبلاط عند أصحاب الفاكهة ابتاعها من آل النحام وآل أبي جهم ، وكانت صارت لهم مواريث ، انتهى.

دار عبد الله بن مكمل

ومحل هذه الدار إما الدار الخربة التي إلى جانب الرباط الشارع في السوق ، أو المدرسة الزمنية ، والله أعلم.

ولنرجع إلى ذكر الدور المطيفة بالمسجد.

قال ابن شبة : وفي غربي المسجد دار عبد الله بن مكمل الشارعة في رحبة القضاء ، وهي مما يتشاءم به ، وذلك مما نشأ عن بنائها.

وقال في دور بني زهرة : كان عبد الرحمن بن عوف وهبها لابن مكمل ، فباعها آله من المهدي ؛ فهي بأيدي ولده اليوم خراب إلى جنب المسجد ، أي قبل أن تبنى رحبة القضاء.

قال : وهي التي يقولون : إن أهلها قالوا : يا رسول الله ، اشتريناها ونحن جميع فتفرقنا ، وأغنياء فافتقرنا ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : اتركوها فهي ذميمة.


وقال ابن زبالة : هي التي يجلس إلى ركحها(١) صاحب الشرط ، وإليها أصحاب الفاكهة ، وهم يهابون بناءها ويتشاءمون بها ؛ فهي على حال ما اشتريت عليه.

وقد ترجم في الموطأ لما يتقى من الشؤم ، وروى فيه عن يحيى بن سعيد أن امرأة جاءت إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : يا رسول الله ، دار سكناها والعدد كثير والمال وافر فقلّ العدد وذهب المال ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «دعوها ذميمة» ورواه البزار بنحوه عن ابن عمر ، إلا أنه قال فيه : إن قوما جاءوا إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وزاد فيه : فقالوا : يا رسول الله كيف ندعها؟ قال : «بيعوها أو هبوها».

وقال البزار : أخطأ فيه صالح بن أبي الأخضر ، والصواب أنه من مرسلات عبد الله بن شداد ، وروى الطبراني نحوه عن سهل بن حارثة الأنصاري ، وفيه يعقوب بن حميد بن كاسب وثقه ابن حبان وغيره وضعفه جماعة.

قلت : وفي موضع دار ابن مكمل اليوم المدرسة المعروفة بالجوبانية من بابها إلى آخر رباطها الذي في غربيها ، بل يؤخذ مما سبق عن ابن زبالة من جلوس أصحاب الفاكهة إليها أنها كانت تمتد إلى سوق الصواغين اليوم ؛ لما تقدم من بيان أصحاب الفاكهة ، ولما سيأتي في الدار التي بعدها.

دار النحام

وفي المغرب أيضا دار النحام العدوي. وعبارة ابن زبالة وابن شبة : وفي غربي المسجد دار ابن مكمل ودار النحام ، الطريق بينهما قدر ستة أذرع.

وقال ابن شبة في دور بني عدي : واتخذ النحام نعيم بن عبد الله داره التي بابها وجاه زاوية رحبة دار القضاء ، وشرقيها الدار التي قبضت عن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك التي كانت بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية فهي بيد ولده على حوز الصدقة.

قال : وأخبرني مخبر أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حازها له قطيعة منه.

قلت : ودار جعفر المذكورة هي المواجهة لباب الرحمة ؛ فعلم بذلك أن دار النحام هذه كانت في مقابلة باب المدرسة الجوبانية المتقدم ذكرها في بيان رحبة القضاء عند ذكر باب زياد ، وأن الطريق التي بين دار النحام ودار ابن مكمل هي البلاط الآخذ من باب الرحمة إلى السوق ، وعلم بذلك أن رحبة القضاء كانت تمتد من جهة باب الرحمة إلى باب الجوبانية.

دار جعفر بن يحيى

ثم إلى جنب دار النحام دار جعفر بن يحيى التي دخل فيها بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية. وأطم حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه المسمى بفارع.

__________________

(١) الرّكح : الرّكن. والناحية والجانب. و ـ الساحة والفناء. (ج) أركاح وركوح.


قلت : وقد تقدم بيان محلها في باب الرحمة ، وأنه اليوم هو البيت المواجه لباب الرحمة ، وهو كان موضع بيت عاتكة ، وما في شامية من المدرسة الكبرجية وهو موضع الأطم.

دار نصير

ثم إلى دار جعفر بن يحيى دار نصير صاحب المصلى ، كانت بيتا لسكينة بنت الحسين بن عليرضي‌الله‌عنهم ، ثم إلى جنبها الطريق إلى دار طلحة بن عبيد الله ستة أذرع.

قلت : وقد تقدم في أبواب جهة المغرب أن في محل دار نصير اليوم الدار المعروفة بتميم الداري ، والتي في شاميها إلى الطريق التي تدخل منها إلى دور القياشين التي صارت للخواجا قاوان ، وهذه الطريق هي المرادة هنا ، وتلك الدور هي دور طلحة بن عبيد الله ، وفي شرقيها دار منيرة الآتي ذكرها.

قال ابن شبة في دور بني تيم : واتخذ طلحة بن عبيد الله داره بين دار عبد الله بن جعفر التي صارت لمنيرة وبين دار عمر بن الزبير بن العوام ، ففرقها ولده من بعده ثلاثة أدور ، فصارت الدار الشرقية اللاصقة بدار منيرة ليحيى بن طلحة ، وصارت التي تليها لعيسى بن طلحة ، وصارت الأخرى لإبراهيم بن محمد بن طلحة.

قلت : ودار عمر بن الزبير التي في غربي دار طلحة ملاصقة لدار عروة بن الزبير ، قال ابن شبة : اتخذهما الزبير وتصدق بهما عليهما وعلى أعقابهما ، وهما متلازقتان عند خوخة القوارير ، انتهى.

وفي نهاية الطريق إلى دور القياشين خوخة كانت شارعة في المغرب عند سوق العطارين ، الظاهر أنها المراد بخوخة القوارير.

دار منيرة مولاة أم موسى

ثم إلى جنب الطريق إلى دور طلحة دار منيرة مولاة أم موسى ، كانت لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب.

قلت : وقد بينا محلها في أول أبواب المسجد من جهة المغرب ، ويستفاد منه أنها كانت من طريق دور القياشين إلى ما يحاذي نهاية المسجد.

ثم إلى جنبها خوخة آل يحيى بن طلحة.

قلت : وهناك اليوم زقاق لطيف خلف الفرن المحاذي لقرب مؤخر المسجد من المغرب ، يعرف بزقاق عانقيني ، هو المراد بذلك ؛ لأن بعض الدور التي فيه يسلك منها إلى دور القياشين التي هي دور طلحة.

حش طلحة

ثم إلى جنب خوخة آل يحيى بن طلحة بن أبي طلحة الأنصاري وهو اليوم خراب صوافي عن آل ابن برمك.


قلت : والظاهر أن في محله اليوم الفرن المتقدم ذكره وما حوله.

وقد قدمنا في زيادة المهدي ما ذكره ابن شبة في إدخاله صدر دار آل شرحبيل بن حسنة التي كانت لأم حبيبة رضي الله تعالى عنها في مؤخر المسجد.

قال ابن شبة عقب ذلك : ثم باعوا بقيتها من يحيى بن خالد بن برمك فهدمها حين هدم حش طلحة ، ثم صارت براحا في الصوافي ، ثم بنى في موضعها الناس بأكثر من أصحاب الصوافي ؛ فعلم بذلك أن حش طلحة كان ينعطف على المسجد من جهة الشام ، وسيأتي في ذكر البلاط ما يصرح بذلك ، والظاهر أن بقية دار شرحبيل من الحش المذكور هو ما حاذى الميضأة التي في شامي المسجد من المغرب ، بدليل ما سيأتي ، والله أعلم.

ثم إلى جنب حش طلحة الطريق خمسة أذرع.

قلت : وهذه الطريق هي التي في شامي الميضأة المتقدم ذكرها ، يتوصل منها إلى رباط الشيخ شمس الدين الششتري.

أبيات خالصة

ثم إلى جنب الطريق أبيات خالصة مولاة أمير المؤمنين ، وهي دار حباب مولى عتبة بن غزوان.

قلت : وفي موضعها اليوم دار أحد رئيسي مؤذني المسجد ، وما يليها من المارستان الذي أنشأه المنتصر بالله ، وما يليه من رباط الظاهرية ، كما تقدم في ذكر أبواب المسجد.

دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف

ثم إلى جنب أبيات خالصة دار أبي الغيث بن المغيرة بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، وهي صدقة.

وذكر ابن شبة في دور بني زهرة أن من دور عبد الرحمن بن عوف التي اتخذها الدار التي يقال لها الدار الكبرى دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف بحش طلحة.

قال : وإنما سميت الدار الكبرى لأنها أول دار بناها أحد من المهاجرين بالمدينة ، وكان عبد الرحمن ينزل فيها ضيفان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكانت أيضا تسمى دار الضيفان ، فسرق فيها بعض الضيفان ، فشكا ذلك عبد الرحمن إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد بنى فيها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بيده فيما زعم الأعرج ، وهي بيد بعض ولد عبد الرحمن بن عوف.

قلت : وهي غير دار عبد الرحمن بن عوف المعروفة بدار مليكة التي تقدم أنها دخلت في المسجد.

وفي شامي المسجد اليوم مما يلي الشرق دار تعرف بدار المضيف ، فلعل تسميتها بذلك لكونها في موضع دار الضيفان المذكورة ، لكن ذكر الدار الآتية بعدها قبل جهة المشرق يبعد


ذلك ، فكأن الجانب الغربي من دار المضيف وما حوله في المغرب من الساباط وبعض رباط الظاهرية في موضع الدار المذكورة.

ثم إلى جنب دار أبي الغيث بقية دار عبد الله بن مسعود ، كانت لجعفر بن يحيى ، وقد قبضت صافية عنه.

قلت : قد قدمنا أنها كانت تدعى دار القراء ، وأن بعضها دخل في زيادة الوليد ، وبقيتها في زيادة المهدي ، فكأن المراد بعض بقيتها ، بدليل ما هنا ، ومع ذلك فأنا أستبعد أن يبقى منها بقية في جهة الشام ، سيما إذا كان المهدي قد زاد مائة ذراع.

ثم يضاف لذلك ما زاده الوليد منها ، وعرض الرحبة التي في شامي المسجد ، وأيّ دار يكون طولها هذا المقدار فضلا عن أن يبقى بعد ذلك منها بقية؟ وموضع ما وصفوه اليوم هو ما يلي المشرق من الدار المعروفة بدار المضيف المتقدم ذكرها ، والله أعلم.

دار موسى المخزومي

قال ابن زبالة وابن شبة : ثم من المشرق دار موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي ، كان ابتاعها هو وعبيد الله بن حسين بن علي بن حسين ابن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم ، فتقاوماها ، فظن عبيد الله أن موسى لا يريد إلا الربح ، فأسلمها عبيد الله فصارت لموسى.

قلت : وظاهر ذلك أن الدار المذكورة أول جهة المشرق مما يلي الشام ، وفي موضعها اليوم ـ كما قدمناه في ذكر أبواب المسجد ـ بيت بعض رئيسي المؤذنين الذي يلي دار المضيف ، وما يليه من الميضأة المعطلة اليوم ، وبين ذلك وبين دار المضيف زقاق يعرف بخرق الجمل يتصل إلى الدور الملاصقة لسور المدينة ، ولعله المعروف قديما بزقاق جمل ؛ فإن ابن شبة ذكر أن فاطمة بنت قيس اتخذت دارا بين دار أنس بن مالك وبين زقاق جمل ، ودار أنس بن مالك ذكر أنها في بني جديلة ، وهي في شامي سور المدينة.

ثم إلى جنب دار موسى أبيات قهطم دار موسى ودار عمرو بن العاص ، وهي ـ يعني دار عمرو ـ صدقة من عمرو ، وهي اليوم صوافي : أي أبيات قهطم ، هذه عبارة ابن شبة.

وعبارة ابن زبالة «وإلى جنبها أبيات فيها قهطم ، وهو صوافي».

والطريق بين دار موسى بن إبراهيم وبين دار عمرو بن العاص السهمي ، وهي اليوم لهم صدقة.

أبيات الصوافي

قلت : وأبيات قهطم هي التي سماها ابن زبالة في ذكر الكتابة على أبواب المسجد أبيات الصوافي ، وسمى الطريق التي ذكرها هنا بزقاق المناصع ، لكن كلام ابن شبة يقتضي


كون أبيات قهطم المذكورة بين دار موسى وبين دار عمرو بن العاص ؛ فتكون الطريق المذكورة بين أبيات قهطم وبين دار عمرو بن العاص ، فلنحمل كلام ابن زبالة على ذلك ، ويكون قوله «والطريق بين دار موسى» يعني وما يليها من أبيات قهطم وبين دار عمرو بن العاص.

دار خالد بن الوليد

وقد قدمنا أن في محل أبيات الصوافي رباط الفاضل والدار المعروفة بدار الرسام وقف السلامي والباب الذي يدخل منه إلى رباط السلامي ، وموضع دار عمرو بن العاص اليوم مؤخر رباط السبيل الذي يسكنه الرجال ، وهو مما يلي الشام منه ، والطريق التي بينه وبين رباط الفاضل هي زقاق المناصع ، وليست اليوم نافذة كما تقدم ؛ ويؤخذ مما قدمناه في زيادة المهدي أنه كان عندها رحبة تسمى برحبة المشارب ، والله أعلم.

ثم إلى جنب دار عمر ودار خالد بن الوليد. قال ابن شبة وابن زبالة : وهي بيد بني أتوب بن سلمة ـ يعني ابن عبد الله بن الوليد بن المغيرة ـ زاد ابن زبالة : أن أيوب بن سلمة اختصم فيها هو وإسماعيل بن الوليد بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة ، يقول أيوب : هي ميراث وأنا أرثها دونكم بالقعد ، أي لأنه أقرب عصوبة ، ويقول إسماعيل : هي صدقة ، أي فيدخل فيها القريب وإن بعد ، فأعطيها أيوب ميراثا بالقعد ، انتهى.

وهذا لأن أيوب المذكور كما ذكر ابن حزم وارث آخر من بقي من ولد خالد بن الوليد ، قال : لانقراض ولد عمه خالد بن الوليد كلهم. قال : وكان قد كثر ولد خالد بن الوليد حتى بلغوا نحو أربعين رجلا ، وكانوا كلهم بالشام ، ثم انقرضوا كلهم في طاعون وقع فلم يبق لأحد منهم عقب ، انتهى. وروى ابن زبالة عن يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال : شكا خالد بن الوليد ضيق منزله إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال له : «ارفع البناء في السماء وسل الله السّعة» ورواه ابن شبة ، إلا أنه قال : فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اتسع في السماء» وذكر من رواية الواقدي أن خالد بن الوليد حبس داره بالمدينة لا تباع ولا توهب.

قلت : وفي موضعها اليوم مقدم رباط السبيل المتقدم ذكره ، وذلك يدل على صغرها ، بخلاف غيرها من الدور ، ولذلك شكا ضيقها ، والله سبحانه وتعالى أعلم.

دار أسماء بنت حسين

ثم إلى جنبها دار أسماء بنت الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ، وكانت من دار جبلة بن عمر الساعدي.

قلت : وقد قدمنا ذكر حالها ، وبيان محلها ، في خامس أبواب المسجد.


دار ريطة

ثم إلى جنبها دار ريطة بنت أبي العباس ، وكانت من دار جبلة ودار أبي بكر الصديق ، قاله ابن زبالة.

قلت : مراده أنه أدخل في دار ريطة من شرقيها ما يليها من دار أبي بكر الصديق [لا] أن دار أبي بكر كانت على سمتها في محاذاة المسجد ، كما توهمه المطري فجعل دار ريطة هي دار أبي بكر ، وأنها المدرسة المقابلة لباب النساء كما قدمناه عنه ، والصواب أن دار أبي بكر كانت خلف المدرسة المذكورة في جهة المشرق ؛ لأن ابن شبة قال في دور بني تيم : اتخذ أبو بكر رضي الله تعالى عنه دارا في زقاق البقيع قبالة دار عثمانرضي‌الله‌عنه الصغرى ، وذكر أن دار عثمان الصغرى هي التي بنحو زقاق البقيع إلى جنب دار آل حزم الأنصاريين. وذكر في خبر مقتل عثمانرضي‌الله‌عنه ما يقتضي أن هذه الدار الصغرى كانت متصلة بداره الكبرى الآتي ذكرها ، وأن قتلته تسوّروا ودخلوا عليه منها. وفي موضعها اليوم الرباط المعروف برباط المغاربة ، ويعرف برباط سيدنا عثمان ؛ فعلم بذلك أن دار أبي بكر كانت في مقابلة ذلك من جهة الشام ؛ فتكون في محل الدور التي في شرقي المدرسة المذكورة إلى ما يحاذي الرباط المذكور ، ولا يبعد أن يكون بعضها دخل في المدرسة المذكور ، ودار أبي بكر هذه هي المرادة بما رواه ابن سعد في طبقاته عن عائشةرضي‌الله‌عنها أن أبا بكررضي‌الله‌عنه مرض مرضه الذي مات فيه وهو نازل يومئذ في داره التي قطع له النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وجاه دار عثمان بن عفان ، أي الصغرى ، والله أعلم.

دار عثمان بن عفان

ثم الطريق بين دار ريطة وبين دار عثمان ـ يعني العظمى ـ خمسة أذرع ، قاله ابن زبالة وابن شبة. ونقل المطري عن ابن زبالة أن الطريق بينهما سبعة أذرع ، والذي ذكره ابن زبالة ما قدمناه ، وهي اليوم نحو ذلك ، ويعرف بطريق البقيع.

ثم دار عثمانرضي‌الله‌عنه . وروى ابن سعد في طبقاته عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : لما أقطع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الدور بالمدينة خطّ لعثمان بن عفان داره اليوم ، ويقال : إن الخوخة التي في دار عثمان اليوم وجاه باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم التي كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يخرج منها إذا دخل بيت عثمان ، هذا لفظ ابن سعد.

قلت : وهذه الدار هي التي عبر عنها ابن شبة بقوله «واتخذ عثمانرضي‌الله‌عنه داره العظمى التي عند موضع الجنائز فتصدق بها على ولده فهي بأيديهم صدقة» وقد قدمنا أن في محلها اليوم رباط الأصفهاني وتربة أسد الدين شير كوه عم السلطان صلاح الدين بن أيوب ومعه فيها والد صلاح الدين أيضا ، والدار التي يسكنها مشايخ الخدام.


دار أبي أيوب الأنصاري

ثم بعد دار عثمان في القبلة الطريق خمسة أذرع ، أو نحو ذلك ، ثم منزل أبي أيوب الأنصاري الذي نزله النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وابتاعه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وجعل فيه ماءه الذي يسقى في المسجد.

قلت : قد قدمنا في الفصل الرابع عشر من الباب الثالث شرح حال هذه الدار ، وأن الملك المظفر شهاب الدين غازي اشترى عرصتها وبناها مدرسة ووقفها على المذاهب الأربعة.

دار جعفر الصادق

ثم إلى جنب منزل أبي أيوب دار جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم التي يسقى فيها الماء ، التي تصدق بها جعفر ، وكانت لحارثة بن النعمان الأنصاري.

قلت : في موضعها اليوم العرصة الكبيرة التي في قبلة المدرسة الشهابية ، وفيها محراب قبلة مسجد جعفر الصادق وأثر محاريب ، وهي الآن ملك الأشراف المنايفة ، ثم انتقلت منهم للشجاعي شاهين الجمالي شيخ الحرم ، ابتناها مسكنا له.

دار حسن بن زيد

وقبالتها ـ أي : في المغرب ـ دار حسن بن زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم ، وهو أطم كان حسن ابتاعه فخاصمه فيه أبو عوف النجاري ، فهدمه حسن ، فجعله دارا.

قلت : وهو الأطم الذي يدعى بفويرع ، وفي موضع هذه الدار اليوم بيت الأشراف المنايفة الذي عليه ساباط متصل بالمدرسة الشهابية ، والبيت الذي في قبلته وما في غربيها إلى دار القضاة بني صالح.

دار فرج الخصي

والطريق خمسة أذرع بينها ـ أي : بين دار حسن المذكورة ـ وبين دار فرج الخصي أبي مسلم مولى أمير المؤمنين ، وكانت دار فرج من دور إبراهيم بن هشام ، وهي قبلة الجنائز ، كان فيها سرب تحت الأرض يسلكه إبراهيم إلى داره دار التماثيل التي كان ينزل بها يحيى بن حسين بن زيد بن علي.

قلت : أما الطريق المذكورة فهي الآخذة من باب المدرسة الشهابية إلى بيت بني صالح ، ودار فرج المذكورة هي الرباط المعروف برباط مراغة ، والطريق المذكورة بينه وبين دار المنايفة ، وأما دار التماثيل التي كان يتوصل إليها ابن هشام بالسرب المذكور فلم يبينها ابن


زبالة ولا ابن شبة ، غير أنه كان شخص شرع في عمارة الميضأة التي بباب السلام المتقدم ذكرها في دار مروان فوجد سربا تحت الأرض مقبوا عند ركنها القبلي مما يلي المغرب ، وعنده باب الخربة المعروفة بدار الخرازين ، وشرعوا في عمارتها ـ أي دار الخرازين ـ بدلا من رباط الحصن العتيق. وقد دخلتها قبل هدمها ، فرأيت فيها صناعات غريبة في البناء من صناعات الأقدمين ، فترجّح عندي بقرينة وجود السرب عندها ووجود ذلك بها أنها المرادة بدار التماثيل ، والله أعلم.

دار عامر بن الزبير بن العوام

ثم إلى جنب دار فرج الخصي دار عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام ، وكان ابن هشام ـ حين بنى داره ـ أخذ بعض حق عامر ، فقال له عامر : فأين طريقي؟ قال : في النار ، قال عامر : تلك طريق الظالمين.

قلت : وموضعها اليوم البيت الموقوف الذي بيد الخدام ، وهو عن يسار الخارج من خوخة آل عمر ، ويسمونه اليوم بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

ثم ترجع إلى دار عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه من حيث ابتدأت.

قلت : وذكر ابن شبة في دور بني هاشم أن حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه اتخذ الدار التي صارت لآل فرافصة الحنفيين ولآل وردان دبر زقاق عاصم بن عمر ، اه.

وقد تقدم في ذكر سدّ الأبواب إلا ما استثنى ما يقتضي أن حمزة رضي الله تعالى عنه كان له طريق إلى المسجد ، وتقدم بيان زقاق عاصم ؛ فتحصل من ذلك أن دار حمزة رضي الله تعالى عنه كانت في قبلة المسجد ، وهي غير معلومة المحل ، والله أعلم.

الفصل الخامس والثلاثون

في البلاط ، وبيان ما ظهر لنا مما كان حوله من منازل المهاجرين

تحديد مكان البلاط

وقد بوّب البخاري في صحيحه لمن عقل بعيره على البلاط أو باب المسجد ، وأورد فيه حديث جابر قال : دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم المسجد ، فدخلت إليه ، وعقلت الجمل في ناحية البلاط ، وبوب أيضا للرجم بالبلاط ، وأورد فيه حديث اليهوديين اللذين زنيا ، قال ابن عمر : فرجما عند البلاط. وفي رواية لابن عمر : فرجما قريبا من موضع الجنائز.

وعند أحمد والحاكم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم برجم اليهوديين عند باب المسجد.

وفي الحديث أن عثمان رضي الله تعالى عنه أتى بماء فتوضأ بالبلاط.

وهذا كله مقتض لأن البلاط كان قديما قبل ولاية معاويةرضي‌الله‌عنه .


وفيما قدمناه ما يبين أنه كان في شرقي المسجد في ناحية موضع الجنائز ، وظاهر كلام ابن زبالة وابن شبة أن أول حدوثه في زمن معاويةرضي‌الله‌عنه ؛ فإنهما رويا عن عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله قال : بلّط مروان بن الحكم البلاط بأمر معاويةرضي‌الله‌عنه ، وكان مروان بلط ممر أبيه الحكم إلى المسجد ، وكان قد أسن وأصابته ريح ، فكان يجر رجليه فتمتلئان ترابا ، فبلطه مروان بذلك السبب ، فأمره معاوية بتبليط ما سوى ذلك مما قارب المسجد ففعل ، وأراد أن يبلط بقيع الزبير فحال ابن الزبير بينه وبين ذلك ، وقال : تريد أن تنسخ اسم الزبير ، ويقال : بلاط معاوية؟ قال : فأمضى مروان البلاط ، فلما حاذى دار عثمان بن عبيد الله ترك الرحبة التي بين يدي داره فقال له عبد الرحمن بن عثمان : لئن لم تبلّطها لأدخلنها في داري ، فبلطها مروان.

واقتصر عياض في بيان البلاط على ما في غربي المسجد منه ، فقال : البلاط موضع مبلط بالحجارة بين المسجد والسوق بالمدينة ، انتهى.

وقد تبع في ذلك أبا عبيد البكري ، وفيه نظر ؛ لأن مقتضى الأحاديث المتقدمة إرادة ما في شرقي المسجد منه ، ومع ذلك فهو في شرقي المسجد وغربيه والشام.

وقال ابن شبة : حدثنا محمد بن يحيى قال : حدثنا من يوثق به من أهل العلم أن الذي بلط حوالي مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالحجارة معاوية بن أبي سفيانرضي‌الله‌عنهما ، أمر بذلك مروان بن الحكم ، وولي عمله عبد الملك بن مروان ، وبلط ما حول دار عثمان بن عفان الشارعة على موضع الجنائز.

حدود البلاط

وحدّ ذلك البلاط الغربي : ما بين المسجد إلى خاتم الزوراء عند دار العباس بن عبد المطلب بالسوق. وحده الشرقي إلى دار المغيرة بن شعبةرضي‌الله‌عنه التي في طريق البقيع من المسجد. وحده اليماني إلى حد زاوية دار عثمان بن عفان الشارعة على موضع الجنائز. وحده الشامي وجه حش طلحة خلف المسجد ، وهو في المغرب أيضا إلى حد دار إبراهيم ابن هشام الشارعة على المصلي.

وللبلاط أسراب ثلاثة تصب فيها مياه المطر ؛ فواحد بالمصلى عند دار إبراهيم بن هشام ، وآخر على باب الزوراء عند دار العباس بن عبد المطلب بالسوق ، ثم يخرج ذلك الماء إلى ربيع في الجبانة عند الحطابين ، وآخر عند دار أنس بن مالك في بني جديلة عند دار بنت الحارث ، اه.

ويؤخذ من ذلك أن البلاط كان من المغرب فيما بين المسجد وبين الدور المطيفة به.

ويمتد البلاط الآخر من باب الرحمة إلى أن يصل إلى الصواغ وسوق العطارين اليوم ،


ويستمر كذلك إلى حد سوق المدينة الأول عند أحجار الزيت ومشهد مالك بن سنان ؛ فهناك خاتم الزوراء عند دار العباس ، وهو خاتم البلاط ، وذلك ما بين مشهد مالك بن سنان والدور المواجهة له كما سنبينه في ذكر سوق المدينة ، وهو موجود اليوم في تلك الجهة.

ويمتد أيضا البلاط الآخذ من باب السلام إلى أن يصل إلى المدرسة الزمنية ، وينعطف لجهة الشام حتى يتصل بالبلاط الممتد من باب الرحمة لجهة سوق الصواغ والعطارين ، وهذا الجانب منه هو الذي تقدمت الإشارة إليه بأن عنده أصحاب الفاكهة.

وفي طبقات ابن سعد عن محمد بن عمرو في دار حكيم بن حزام المتقدم ذكرها فيه أنها عند بلاط الفاكهة عند زقاق الصواغين ، انتهى.

ثم يمتد البلاط الآخذ من باب السلام في الاستقامة من المدرسة الزمنية فيمر بالموضع المعروف اليوم بسويقة ، فيجاوز باب المدينة المعروف بباب سويقة حتى يصل إلى المصلى ، وهذا معنى قوله «وهو في المغرب أيضا إلى حد دار إبراهيم بن هشام الشارعة على المصلى».

وهذه الناحية من البلاط الغربي هي المسماة بخط البلاط الأعظم ، وما كان عن يمين الماشي في هذا البلاط قاصدا باب السلام فهو الذي يعبر عنه بميمنة البلاط الأعظم ، وما كان عن يساره فهو الذي يعبر عنه بميسرة البلاط الأعظم.

وأما البلاط الشرقي فحده من القبلة ظاهر عند زاوية الدار التي يسكنها مشايخ الخدام من دار عثمان وزاوية رباط مراغة.

ومن المشرق يمتد في زقاق البقيع إلى خارج باب رباط المغاربة عند ما يعطف من آخر الدور التي قدمنا أنها في محل دار أبي بكررضي‌الله‌عنه المقابلة لرباط المغاربة ، ولعل دار المغيرة بن شعبة هي التي تواجهك حين تعطف هناك ، ثم تكون على يسارك وأنت ذاهب إلى البقيع في مقابلة الرباط المعروف برباط الصادر والوارد ، ولعل البلاط كان متصلا بها.

وقد قال ابن شبة في دور بني عبد شمس : إن عثمان رضي الله تعالى عنه اتخذ أيضا دار المغيرة بن شعبة التي بالبقيع فعارض المغيرة إلى دار عثمان بن عفان التي يقال لها دار عمرو ابن عثمان التي بين دار المغيرة بن شعبة اليوم وبين دار زيد بن ثابت من الأنصار ، انتهى.

فدار المغيرة التي ناقل بها عثمان ليست المرادة ؛ لأنه قال فيها «إنها بالبقيع» وذكر في هذه التي حدد بها البلاط أنها بزقاق البقيع.

وأيضا قد قدمنا قول محمد بن عقيل في خبره في سقوط جدار الحجرة «حتى إذا كنت عند دار المغيرة بن شعبة لقيتني رائحة لا والله ما وجدت مثلها قط» فإنه يدل على قرب دار المغيرة من المسجد.


وأيضا فمن الشائع بين الناس اليوم نسبتهم إلى عثمان رضي الله تعالى عنه الدار التي في شرقي الدار التي قلنا لعلها دار المغيرة بينها وبينها ساباط ، ولعلها التي كانت لعثمان وناقل بها المغيرة إلى داره التي بالبقيع ، وقد قال في وصفها «إنها بين دار المغيرة اليوم ودار زيد بن ثابت» فتكون دار زيد بن ثابت هي التي تلي ذلك في المشرق أيضا على يسار الذاهب إلى البقيع ، وما عن يمينه مما يلي رباط المغاربة دور آل حزم من الأنصار.

وقد قال ابن شبة : إن عتبة بن غزوان حليف بني نوفل بن عبد مناف اتخذ داره التي بالبقيع إلى شرقي دور آل حزم الأنصار ؛ فتكون على يمين الذاهب إلى البقيع بعد دور آل حزم.

فأما البلاط الشامي فمحله ظاهر بين المسجد والدور التي قدمناها في شاميه ، لكن حدث فيه دور لاصقة بالمسجد بعد سد الأبواب التي في تلك الجهة كما قدمناه.

وأما ما ذكره ابن شبة من أن الماء الذي يصب في السرب الذي بالمصلى والسرب الذي عند دار العباس يخرج إلى ربيع في الجبانة عند الحطابين فالمراد أنه يخرج إلى الربيع المذكور في شامي سوق المدينة عند سوق الحطابين قرب ثنية الوداع ، لما سيأتي في ترجمة الجبانة.

وقوله «إن السرب الآخر عند دار أنس بن مالك في بني جديلة عند دار بنت الحارث» فأما دار أنس فلم يتحرر لي معرفتها ، غير أنه سيأتي في بئره ـ وكانت في داره ـ ما ترجح عندنا في محلها ؛ فيؤخذ منه أن داره كانت عند البئر المعروفة اليوم بالرباطين خلف الحديقة المعروفة بالرومية في شامي سور المدينة.

وأما دار بنت الحارث فلم أعلم محلها ، وعلى ما ذكرناه في دار أنس تكون في محل الحديقة المعروفة بالرومية أو ما حولها. ودار بنت الحارث هذه لها ذكر في أماكن كثيرة ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ينزل بها الوفود ، وجعل بها أسرى بني قريظة حتى خندق لهم الخنادق بالسوق وقتلوا.

وروى ابن زبالة عن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال : جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى نفر من أصحابه من قريش والأنصار وهم في دار بنت الحارث ، فلما رأوه أوسعوا له ـ الحديث.

وبنت الحارث : اسمها رملة. وهذه الأسراب الثلاثة لا يعرف منها شيء اليوم.

وقد علا الكبس على كثير من البلاط ، ولم يبق ظاهرا منه إلا ما حول المسجد النبوي وشيء من جهة بيوت الأشراف ولاة المدينة. وله بلاليع يجتمع الماء فيها ، فإذا كثرت الأمطار تجتمع حول المسجد لامتلاء تلك البلاليع ، فيصير أمام أبواب المسجد كالغدران الكبار ، خصوصا في شرقي المسجد ، فحفر الشمس بن الزمن متولي العمارة الشريفة البلّاعة التي في


شرقي المسجد وتتبع ما حولها ، فوجد سربا تحت الأرض آخذا من شرقي المسجد إلى جهة زقاق المناصع ، وتتبعه حتى وصل إلى الحوش المعروف اليوم بحوش الحسن ، فوجد الناس قد بنوا هناك ، ولم يتمكنوا من تتبعه إلا بهدم الأبنية فتركوه ، وهذا هو السرب الذي تقدم أنه كان يخرج عند دار أنس بن مالك في بني جديلة.

ثم إن متولي العمارة حفر سربا لتلك البلاليع التي عند أبواب المسجد ، وأوصلها بالسرب الذي يسير فيه وسخ العين ؛ فحصل بذلك غاية النفع ، وصار الماء لا يقف بعد ذلك بأبواب المسجد ، ووجد البلاط الأول على أكثر من نصف قامة من الأرض فيما يلي الصاغة وسوق العطارين ، وكذا في شامي المسجد.

وأما الدور المطيفة بالبلاط الأعظم ـ وهو الآخذ من باب السلام إلى المصلى ـ ففي قبلة منازل بني زريق ، وسيأتي من كلام ابن شبة نقلا عن أبي غسان أن ذرع ما بين مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي عنده دار مروان وبين المسجد الذي يصلي فيه العيد بالمصلى ألف ذراع ، وقد ذرعناه فكان كذلك ، لكن الذي يظهر أن البلاط لم يكن متصلا بمسجد المصلى ؛ لأنه ذكر أن نهايته دار ابن هشام ، ولم تكن الدور متصلة بنفس المسجد.

بيان الدور المطيفة بالبلاط

فأول الدور المطيفة بهذا البلاط مما يلي المصلى في ميسرته دار إبراهيم بن هشام المخزومي.

وفي ميمنته في قبلتها جانحا إلى المغرب دار سعد بن أبي وقاص ، والطريق بينهما. ودار سعد هذه قال ابن شبة : إنها هي التي في دبر دار جبى ، ولها فيها طريق مسلمة.

قال : وسمعت من يقول : كانتا دارا واحدة لسعد ، وإن عمر بن الخطاب كان قاسمه إياها ، وكانت دار جبى قسيمة هذه الدار حين قاسمه ماله مقدم سعد من العراق ، فاشترى دار جبى عثمان بن عفان ، ثم صارت لعمرو بن عثمان ، وكانت جبى أرضعت عمرا فوهبها لها ، فكانت بيدها ، حتى سمعت نقيضا في سقف بيتها فقالت لجاريتها : ما هذا؟ قالت : السقف يسبح ، قالت : ما سبح شيء قط إلا سجد! فخرجت ، فاضطربت خباء بالمصلى ، ثم باعت الدار من بعض ولد عمر بن الخطاب. قال : وسمعت من يقول : إن عثمان نفسه أقطعها إياها.

ثم يليها في ميمنة البلاط المذكور دار لسعد بن أبي وقاص أيضا ، وكانت لأبي رافع مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فناقله أبو رافع إلى داريه بالبقال ، وكانتا دارا لسعد.

وفي ميسرة البلاط في مقابلة هذه الدار دار لسعد أيضا ، والطريق بينهما عشرة أذرع ، ودور سعد صدقة.


وقد ذكر ابن شبة كتاب وقفها. وبقي من دوره دار أخرى قال ابن شبة : واتخذ سعد أيضا دارا بالمصلى ، بين دار عبد الحميد بن عبيد الكناني وبين الزقاق الذي يسلك في بني كعب عند الحمارين ، وفتح في طائفة من أدنى داره بابا في الزقاق ، حتى صارت كأنها داران.

قلت : وسيأتي ذكر منازل بني كعب ، وذكر الحمارين ، ويعلم من مجموع ذلك أن زقاق الحمارين كان في قبلة البيوت التي بالمصلى والبيوت التي في قبلة البلاط ببين زريق.

ثم يلي دار سعد التي كانت لأبي رافع في ميمنة البلاط المذكور دار آل خراش من بني عامر ابن لؤي ، وتعرف بدار نوفل بن مساحق بن عمرو العامري وفي دبرها من جهة القبلة كتّاب عروة رجل من اليمن ، كان يعلم. وفي كتاب عروة مسجد بني زريق ، وعنده دار رفاعة بن رافع. ودار آل خراش هذه هي التي عناها ابن شبة بقوله : وقال ـ يعني أبا غسان ـ : وحدثني عبد العزيز أن رافع بن مالك الزرقي قتل بأحد فدفن في بني زريق ، قال : وقيل : إن موضع قبره اليوم في دار آل نوفل بن مساحق التي في بني زريق في كتاب عروة ، وصارت للعباس بن محمد. ثم يلي دار آل خراش في الميمنة أيضا دار الربيع التي يقال لها دار حفصة ، وهي مولاة لمعاوية بن أبي سفيان ، كانت تسكنها فنسبت إليها قبل ، وكانت هذه الدار قطيعة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لعثمان بن أبي العاص الثقفي ، فابتاعها من ولده معاوية بن أبي سفيان وكانت معها لعثمان أيضا دار آل خراش المتقدمة إلى جنبها ، ويقال : إنه ابتناها في قطيعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إياه أيضا. وفي الميسرة في شامي الدارين المذكورين مقابلا لهما دار نافع بن عتبة بن أبي وقاص التي ابتاعها الربيع مولى أمير المؤمنين من ولد نافع ، وتعرف أيضا بدار الربيع. وفي دبر الدار المتقدمة التي يقال لها دار حفصة من القبلة دار عبد بن زمعة ، قال ابن شبة : واتخذ عبد بن زمعة داره التي في كتاب عروة إلى حدها الشامي ، فتكون دار حفصة بينها وبين البلاط بابها لازق في كتاب عروة ، أي في غربيها. وفي قبلة دار عبد بن زمعة دار ابن مشنو ، قال ابن شبة أيضا : واتخذ عبد الرحمن بن مشنو داره التي في كتاب عروة حدها من الشام دار عبد بن زمعة ، وحدّها من المشرق كتاب إسحاق الأعرج بابها لاصق في كتاب عروة أي في غربيها أيضا ، وهي صدقة منه. وفي قبلة دار ابن مشنو دار عمار بن ياسر فإنها حد دار ابن مشنو من القبلة ، قال ابن شبة : واتخذ عمار ابن ياسر داره التي في بني زريق ، وكانت من دور أم سلمة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبابها وجاه دار عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أي الذي في شرقيها ، وكانت أم سلمة أعطته إياها ، ولها خوخة شارعة في كتاب عروة أي في المغرب وهي خوخة عمار نفسه ، انتهى ؛ فهذه الدور الثلاثة مصطفة في القبلة خلف دار حفصة المذكورة ، وخلف الدار الآتية بعدها ، وبينهن من


المغرب كتاب عروة ومسجد بني زريق ، ومن المشرق زقاق دار عبد الرحمن بن الحارث الآتي ذكره.

وذكر ابن شبة ما حاصله أن دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي في بني زريق ، فيما بين دار ابن أم كلاب الشارعة على المصلى إلى دار رفاعة بن رافع الأنصاري قبالة مسجد بني زريق.

ثم يلي دار الربيع التي يقال لها دار حفصة في ميمنة البلاط دار أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ثم يليها في الميمنة أيضا زقاق دار عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وداره هي التي تقدم أنها تقابل دار عمار بن ياسر في الشرق ، وبينها وبين البلاط الداران الآتي ذكرهما ، وهذا الزقاق سيأتي له ذكر في رجوعهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من صلاة العيد.

وكذا دار أبي هريرة هذه ، قال ابن شبة : اتخذ أبو هريرة الدوسي دارا بالبلاط بين الزقاق الذي فيه دار عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وبين خط البلاط الأعظم ، فباعها ولده من عمر بن بزيع.

والذي ظهر لي بعد التأمل فيما ذكره ابن شبة في هذه الدور ـ بقرينة ما سنذكره إن شاء الله تعالى ـ أن زقاق عبد الرحمن بن الحارث هو أول زقاق يلقاك عن يمينك إذا دخلت من باب المدينة اليوم تريد المسجد ، وظهر لي أيضا أن دار هشام والدار الثانية التي تليها في الميسرة وبعض الثالثة كنّ من خارج سور المدينة ، وكذلك ما يقابل ذلك في الميمنة من داري سعد وبعض دار آل خراش.

ثم يلي زقاق عبد الرحمن بن الحارث في ميمنة البلاط دار عبد الله بن عوف. ثم يليها في الميمنة زقاق أبي أمية بن المغيرة ، قال ابن شبة في دور بني زهرة : واتخذ عبد الله بن عوف ابن عبد عوف دارا بالبلاط بين زقاق دار عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وبين زقاق دار أبي أمية بن المغيرة ، ويقال لها : دار طلحة بن عبد الله بن عوف ؛ فهي صدقة بأيدي ولده إلا شيئا خرج منها صار لبكار بن عبد الله بن مصعب الزبيري. ويلي دار أبي أمية التي نسب إليها الزقاق المذكور في قبلتها دار الحويطب بن عبد العزى بينها وبين دار سعيد بن عمرو بن نفيل ، وهما شارعتان في خط الحمارين الشارع إلى دار ابن عتبة ببني زريق شرقي دار أبي أمية ، وفي شرقيها أيضا دار صهيب بن سنان ، وكانت لأم سلمة رضي الله تعالى عنها ، وكل هذه الدور في بني زريق.

ولنرجع إلى جهة الميسرة فنقول : وفي الميسرة في مقابلة دار أبي هريرة وبعض التي قبلها دار حويطب بن عبد العزى ، وهي غير داره السابقة ، وتلك ليست في البلاط كما قدمناه ، قال ابن شبة في دور بني عامر بن لؤي : واتخذ حويطب بن عبد العزى داره التي بين دار


عامر ابن أبي وقاص وعتبة بن أبي وقاص ، بالبلاط منها البيت الشارع على خاتمة البلاط بين الزقاق الذي إلى دار آمنة بنت سعد وبين دار الربيع مولى أمير المؤمنين ، وهي صدقة منه على ولده ، انتهى. ولم يذكر لعتبة بن أبي وقاص دارا بالمدينة. والذي انتقل إلى المدينة واتخذ بها الدار إنما هو ابنه نافع ، وداره هي المتقدم ذكرها التي صارت للربيع ؛ فهي المرادة.

وقال في بيان دار عامر بن أبي وقاص الزهري : واتخذ عامر بن أبي وقاص داره التي في زقاق حلوة بين دار حويطب بن عبد العزى وبين خط الزقاق الذي فيه دار آمنة بنت سعد بن أبي سرح ، انتهى.

فيتلخص من ذلك أن دار حويطب المذكورة في شرقي دار الربيع المتقدمة في الميسرة وإلى جانبها خاتمة البلاط ، وهو اليوم الزقاق الذي بين سور المدينة وبين البيوت المقابلة له ولمشهد سيدنا مالك بن سنان على يسارك عند ما تدخل من باب المدينة ، وأن من دار حويطب بيتا خلفها من جهة جانبها الغربي شارعا على خاتمة البلاط المذكورة ، وخلفه من جهة الشام الزقاق الذي فيه دار آمنة ، وتكون دار عامر بن أبي وقاص خلف دار حويطب من جهة جانبها الشرقي ، ويكون زقاق حلوة في شرقيهما ، ولعله المعروف اليوم بزقاق الطول ؛ لانطباق الوصف المذكور عليه ، وسيأتي لزقاق حلوة ذكر في الآبار.

ثم في الميسرة أيضا دار عبد الله بن مخرمة قال ابن شبة في دور بني عامر بن لؤي : اتخذ عبد الله بن مخرمة داره التي في البلاط الشارع بابها قبالة دار عبد الله بن عوف التي فيها بنو نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة ، وخرج عنهم بعضها فهو في يد ورثة عمر بن بزيع مولى أمير المؤمنين.

ولنرجع إلى جهة الميمنة فنقول : ثم إلى زقاق دار أبي أمية في الميمنة من شرقيه دار خالد بن سعيد الأكبر بن العاص التي يقال لها دار سعيد بن العاص الأصغر بن سعيد بن العاص ، ويقال لها دار ابن عتبة ، وإنما ورثها عبد الله بن عتبة عن عمه خالد بن سعيد.

ويقابلها في الميسرة دار أم خالد التي لآل خالد بن الزبير بن العوام ، ورثوها عن أمهم أم خالد بن سعيد بن العاص ، وقيل : إنهما قطيعة من النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم . ثم يلي دار خالد بن سعيد في الميمنة دار أبي الجهم ، ثم دار نوفل بن عدي ، ثم دار آل المنكدر التّيمي. قال ابن شبة في دور بني عدي : واتخذ أبو الجهم داره التي بين دار سعيد بن العاص التي يقال لها دار ابن عتبة وبين دار نوفل بن عدي بابها شارع في البلاط.

قلت : وهذه الدار هي المرادة بما رواه مالك في الموطأ عن عمه أبي سهل بن مالك بن أبي عامر عن أبيه : كنا نسمع قراءة عمر بن الخطاب ونحن عند دار أبي جهم بالبلاط ، وكذا بما رواه البيهقي عن موسى بن عقبة أن رجال بني قريظة قتلوا عند دار أبي جهم التي


بالبلاط ، ولم يكن يومئذ بلاط ، فزعموا أن دماءهم بلغت أحجار الزيت التي كانت بالسوق.

وقال ابن شبة في دور بني أسد : واتخذ نوفل بن عدي بن أبي حبيش دارين : إحداهما التي بالبلاط عند أصحاب الرباع بين دار المنكدر التيمي وبين دار آل أبي جهم العدويين ، والدار الأخرى في بني زريق وجاه الكتاب الذي يقال له كتاب آل زيان بين منزل أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام الذي صار لبني عبيد بن عبد الله بن الزبير وبين حد الزقاق الذي عند الحمارين ، دبرهما دار هانئ التي بأيدي آل جبر ، انتهى.

وهذه الأمور التي ذكرها في الدار الثانية حول ما خلف دار سعيد بن العاص المسماة دار ابن عتبة من جهة القبلة ، والزقاق الذي ذكره هناك عند الحمارين يمتد في المغرب إلى المصلّى في قبلة دور سعد بن أبي وقاص.

وقد ذكر ابن شبة أيضا أن دار رويشد الثقفي التي يقال لها القمقم في كتاب ابن زيان هي التي حرّقها عليه عمر بن الخطاب في الشراب ، وكان رويشد حمارا ، وفي غربي هذه الدار أدنى دار علي بن عبد الله بن أبي فروة ، وشرقيها الطريق بينها وبين بيوت آل مصبح ، ويمانيها دار الأويسيين التي لسكن خالد بن عبد الله الأويسي ، وشاميها قبلة بيوت آل مصبح التي بينها وبين دار موسى بن عيسى ، وبيوت آل مصبح ذكرها في دور بني عامر ابن لؤي فقال : واتخذ ابن أم مكتوم دارا هي البيوت التي للمصبحين بين دار آل زمعة بن الأسود وبين شرقي القمقم ، انتهى. وهذه الأمور أيضا حول الدور المتقدمة في بني زريق.

وقوله في دار نوفل الأولى وهي المقصودة لأنها التي في ميمنة البلاط وأنها عند أصحاب الرباع ، لم أعلم المراد به ، غير أن في طبقات ابن سعد أن دار حويطب بن عبد العزى المتقدم ذكرها في الميسرة عند أصحاب المصاحف ، فإنه قال في ترجمته : وله دار بالبلاط عند أصحاب المصاحف ، فلعل المراد بالرباع المصاحف ؛ لأن المصحف يسمى ربعة ؛ فيستفاد منه أن هذه الناحية من البلاط ميمنة وميسرة تسمى بذلك ، لكن قال ابن شبة في دور العباس بن عبد المطلب ما لفظه : وقد سمعت من يذكر أن دار فضالة بن الحكم بن أبي العاص التي بالبلاط الخربة التي عند أصحاب الرباع على يمين من سلك إلى بني جديلة كانت مربدا للعباسرضي‌الله‌عنه ، ويقال : إنها كانت مربدا لنعم الصدقة ، انتهى.

وهو يقتضي أن أصحاب الرباع ليسوا في البلاط الأعظم ، لأنه ليس فيه مسلك إلى بني جديلة ، وإنما يتوصل منه إلى بني جديلة بعد إتيان البلاط الآخر الذي هو موضع سوق المدينة اليوم عند درج العين ، وقد تقدم أن ذلك يسمى بموضع الفاكهة ، والله أعلم.

هذا ما علمته من الدور التي بهذا البلاط ، وفي الاقتصار عليها كفاية ؛ لأن المقصود


المهم لنا من ذلك ما يتعلق ببيان مسجد بني زريق ، وبطريق النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في ذهابه إلى المصلى ورجوعه منها كما سيظهر لك.

وأما البلاط الممتد في المغرب إلى سوق المدينة القديم فكان عند خاتمة دار العباس بن عبد المطلبرضي‌الله‌عنه كما تقدم.

وقال ابن شبة في دور العباس : ومنها الدار التي بالزوراء سوق المدينة عند أحجار الزيت ، أقطعها له عمر بن الخطاب ، قال : وقد بلغني أن دار طلحة بن عمر بالبلاط كانت مربدا لدار العباس هذه ، فابتاعها عمر من بعض بنيه. ويقوي ذلك أن المنصور أبا جعفر ابتاع تلك الدار من ولد طلحة بن عمر بأربعين ألف دينار.

ثم ذكر للعباس دارا أخرى ليست في البلاط ، لكنها في شامي هذه الدار ، فقال : ومنها الدار التي إلى جنب دار آل قارط حلفاء بني زهرة ، بينها وبين خطة بني ضمرة ، وهي التي كان عبد الله بن عباس يسكن وجعلت المحررة هناك لطعام كان ابن عباس يطعمه.

قلت : وإنما ذكرنا هاتين الدارين لما سيأتي من ذكرهما في الدار التي أخذ بها هشام بن عبد الملك سوق المدينة.

ويستفاد مما سيأتي في ترجمة أحجار الزيت أن دار العباس التي عند خاتمة البلاط المذكور كانت بقرب مشهد سيدنا مالك بن سنان في شرقيه ، وسيأتي أنه دفن عند مسجد أصحاب العباء ، أي : الذين يبيعون العبي ، وهنا لك كانت أحجار الزيت.

الفصل السادس والثلاثون

فيما جاء في سوق المدينة التي تصدق به النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم على المسلمين ، وذكر دار

هشام بن عبد الملك التي أخذ بها السوق

الرسول ينشئ السوق

روى عمر بن شبة عن عطاء بن يسار قال : لما أراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يجعل للمدينة سوقا أتى سوق بني قينقاع ، ثم جاء سوق المدينة فضربه برجله وقال : هذا سوقكم ؛ فلا يضيق ، ولا يؤخذ فيه خراج.

وروى ابن زبالة عن يزيد بن عبيد الله بن قسيط أن السوق كانت في بني قينقاع حتى حول السوق بعد ذلك.

أسواق المدينة في الجاهلية

وقال ابن شبة : قال أبو غسان : وكان بالمدينة في الجاهلية سوق بزبالة من الناحية التي تدعى يثرب ، وسوق بالجسر في بني قينقاع ، وبالصفاصف بالعصبة سوق ، وسوق يقوم في


موضع زقاق ابن حيين كانت تقوم في الجاهلية وأول الإسلام ، وكان يقال لذلك الموضع : مزاحم.

وروى ابن شبة أيضا عن صالح بن كيسان قال : ضرب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قبة في موضع بقيع الزبير فقال : هذا سوقكم. فأقبل كعب بن الأشرف فدخلها وقطع أطنابها ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا جرم لأنقلنّها إلى موضع هو أغيظ له من هذا ، فنقلها إلى موضع سوق المدينة ، ثم قال : هذا سوقكم ، لا تتحجروا ، ولا يضرب عليه الخراج.

وعن أبي أسيد أن رجلا جاء إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا رسول الله إني قد رأيت موضعا للسوق ، أفلا تنظر إليه؟ قال : فجاء به إلى موضع سوق المدينة اليوم ـ أي في زمنهم ـ قال : فضرب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم برجله وقال : هذا سوقكم ؛ فلا ينقص منه ، ولا يضربن عليه خراج.

وروى ابن زبالة عن عباس بن سهل عن أبيه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أتى بني ساعدة فقال : إني قد جئتكم في حاجة تعطوني مكان مقابركم فأجعلها سوقا ، وكانت مقابرهم ما حازت دار ابن أبي ذئب إلى دار زيد بن ثابت ، فأعطاه بعض القوم ، ومنعه بعضهم ، وقالوا : مقابرنا ومخرج نسائنا ، ثم تلاوموا فلحقوه وأعطوه إياه ، فجعله سوقا.

قلت : وسيأتي ما يبين أن دار ابن أبي ذئب ودار زيد بن ثابت كانتا في شرقي السوق ، الأولى عند أثنائه مما يلي الشام ، والثانية عند أثنائه مما يلي القبلة ؛ فليست المقابر المذكورة سوق المدينة كله ، بل بعضه. وقد قدمنا في منازل بني ساعدة أن ابن زبالة نقل أن عرض سوق المدينة ما بين المصلى إلى جرار سعد ، وهي جرار كان يسقي الناس فيها الماء بعد موت أمه ، وقدمنا أن الذي يترجح أن المصلى حده من جهة القبلة ، وأن جرار سعد حده من جهة الشام ؛ فتكون جرار سعد قرب ثنية الوداع ، وقد قوى الآن ذلك عندي جدّا ، لما سيأتي في ذكر دار هشام.

وروى ابن شبة أيضا وابن زبالة عن محمد بن عبد الله بن حسن أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تصدق على المسلمين بأسواقهم.

وروى ابن زبالة عن خالد بن الياس العدوي قال : قرئ علينا كتاب عمر بن عبد العزيز بالمدينة : إنما السوق صدقة فلا يضربن على أحد فيه كراء.

وعن ابن أبي ذئب أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مرّ على خيمة عند موضع دار المنبعث فقال : ما هذه الخيمة؟ فقالوا : خيمة لرجل من بني حارثة كان يبيع فيها التمر ، فقال : حرقوها ، فحرقت. قال ابن أبي ذئب : وبلغني أن الرجل محمد بن مسلمة.

وروى ابن شبة عن أبي مردود عبد العزيز بن سليمان أن عمر بن الخطاب رأى كير حداد في السوق ، فضربه برجله حتى هدمه ، وقال : أتنتقص سوق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟


وروى ابن زبالة عن حاتم بن إسماعيل عن حبيب قال : مر عمر بن الخطاب على باب معمر بالسوق ، وقد وضع على بابه جرة ، فأمر بها أن تقلع ، فخرج إليه معمر فقال : إنما هذه جرة يسقي فيها الغلام الناس ، قال : فنهاه عمر أن يحجر عليها أو يحوزها. قال : فلم يلبث أن مر عليها وقد ظلل عليها ، فأمر عمر بالجرة والظل فنزعهما.

وعن عبد الله بن محمد قال : كان الراكب ينزل بسوق المدينة فيضع رحله ، ثم يطوف بالسوق ورحله بعينه يبصره ، لا يغيبه عنه شيء.

وروى أيضا قصة أخذ معاوية رضي الله تعالى عنه لدار النقصان من صحن سوق المدينة.

وروى أيضا عن محمد بن طلحة وغيره قال : أحدث إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة في سلطان هشام بن عبد الملك ، وهو يومئذ وال له على المدينة ، دارا أخذ بها سوق المدينة ، وسدّ بها وجوه الدور الشوارع في السوق ، وكتب إلى هشام يذكر له عليها وعظيم قدرها ، فكتب إليه هشام يأمره بإمضائها وإمضاء عين السوق ، وكان أحدثها في سكك أهل المدينة ، ودخلت في بعض منازلهم ، فكتب إليه أن أمضها وإن كانت في بطونهم.

قلت : ونقل ابن شبة عن أبي غسان أنه قال : كان الذي هاج هشام بن عبد الملك على بناء داره التي كانت بالسوق أن إبراهيم بن هشام بن إسماعيل كان خال هشام بن عبد الملك ، وكان ولاه المدينة ، فكتب إليه إبراهيم ، فذكر أن معاوية بن أبي سفيان بنى دارين بسوق المدينة يقال لإحداهما دار القطران والأخرى دار النقصان ، وضرب عليهما الخراج ، وأشار عليه أن يا بني دارا يدخل فيها سوق المدينة ، فقبل ذلك هشام ، وبناها ، وأخذ بها السوق كله ، انتهى.

وقال ابن زبالة عقب ما تقدم : فابتدأ الدار من خاتمة البلاط أي الذي عند دار العباس بالزوراء بقرب مشهد مالك بن سنانرضي‌الله‌عنه ، فيكون هذا الجدار في شرقي السوق ، وهذا أول الجدار المذكور مما يلي القبلة ، وما سيأتي فيه دال على أنه استمر يمده إلى جهة الشام ، وليس ابتداء هذا الجدار من القبلة أول السوق لما سيأتي ، بل بقي منه بقية في جهة القبلة إلى المصلى سيأتي ذكرها.

قال ابن زبالة عقب ذكره لابتداء الدار من خاتمة البلاط : فمضى بها حتى سد بها وجه دار العباس بن عبد المطلب ، أي التي عند خاتمة البلاط ودار نخلة ، وكانت لآل شيبة بن ربيعة ، وإنما سميت دار نخلة لنخلة كانت فيها. ثم دار معمر العدوي التي كان يجلس صاحب السوق بفنائها. ثم دار خالد بن عقبة التي بفنائها أصحاب الرقيق.


وجعل لبني ساعدة طريقا مبوبة ، ثم أخذ وجه دار ابن جحش. ثم وجه دار ابن أبي فروة التي كانت لعمر بن طلحة بن عبيد الله ، ثم وجد دار ابن مسعود ، ثم وجه دار زيد بن ثابت ، وجعل للطريق منفذا مبوبا. ثم وجه دار جبير بن مطعم التي فيها أصحاب العباء. ثم وجه دار القارظيين. ثم وجه دار العباس بن عبد المطلب ، أي الثانية التي كان عبد الله بن عباس يسكنها ، وجعل لبني ضمرة طريقا مبوبا. ثم وجه دار ابن أبي ذئب. ثم دار آل شويفع. ثم صدقة الزبير ، وجعل لبني الديل طريقا مبوبا.

قلت : وهذا الطريق عند نهاية هذا الجدار الشرقي مما يلي الشام قرب ثنية الوداع ، والطرق المذكورة قبله كلها في الجدار المذكور خططها في المشرق.

ثم بين ابن زبالة ما يقابل هذا الجدار في المغرب مبتدئا بما يقابله من جهة القبلة ، ثم إلى الشام فقال عقب ما تقدم :

ثم أخذ بها من الشق الآخر ، فأخذ وجه الزوراء ووجه دار ابن نصلة الكناني. ثم على الطاقات حتى ورد بها خيام بني غفار ، وجعل لمخرج بني سلمة من زقاق ابن جبير بابا مبوبا عظيما يغلق. ثم مضى بها على دار النقصان ودار نويرة ، وجعل لسكة أسلم بابا مبوبا. ثم مضى بها على دار ابن أزهر ودار ابن شهاب ودار نوفل بن الحارث حتى جاوز بها دار حجارة ، وكانت لعبيد الله بن عباس بن عبد المطلب ، حتى إذا جاوز بها دار حجارة جعل لها بابا عظيما يقابل الثنية.

قلت : يعني ثنية الوداع ، وهذا الباب في جهة الشام كما صرح به ابن شبة فقال ، عقب ما تقدم : وجعل لها بابا شاميا خلف شامي زاوية دار عمر بن عبد العزيز بالثنية. ثم جعل بينها وبين دار عمر بن عبد العزيز عرضا ثلاثة أذرع ، ثم وضع جدارا آخر وجاه هذا الجدار. ثم قاد الأساس بينه وبين الدور كلها ثلاثة أذرع حتى الزقاق الذي يقال له زقاق ابن جبير ، جعل عليه بابا ، وجعل على الزقاق الذي يقال له زقاق بني ضمرة عند دار آل أبي ذئب بابا. ثم جعل على الزوراء خاتم البلاط أي بابا ؛ فيستفاد منه جعل باب هناك ، وليس في كلام ابن زبالة تعرض له.

ثم إن ابن زبالة ذكر ما بقي من شقي الدار الغربي والشرقي مما يلي القبلة إلى المصلى ، فقال عقب كلامه السابق : ثم ساقها من الشقين جميعا الغربي والشرقي فسد بها وجوه الدور ، وأخذ بها السوق فسد بها من الشق الشرقي وجه دار قطران ، وكانت من دور معاوية. ثم وجه دار ابن جودان وتلك الدور.

ومن الشق الغربي دار حجارة لكثير بن الصلت ، وكانت قبله لربيعة بن دراج الجمحي. ثم وجه الربعة التي فيها دار آل أبي عثمان حلفاء أزهر بن عبد عوف. ثم جعل للسكة


منفذا. ثم وجه دار التمارين ، وكانت لمعاوية بن أبي سفيان ، وقبله لسعيد بن عبد الرحمن بن يربوع.

فلما بلغ ابن هشام بالدار التمارين وقف ، وجعل لها هنالك بابا عظيما يقابل المصلى.

وقال ابن شبة عقب قوله فيما تقدم «وجعل على الزوراء خاتم البلاط» ما لفظه : ثم مد الجدار حتى جاء به على طيقان دار القطران الأخرى الغربي ، حتى جاء بها إلى دار ابن سباع بالمصلى التي هي اليوم لخالصة ، فوضع ثم بابا أي بالمصلى.

قال : ثم بنى ذلك بيوتا ؛ فجعل فيه الأسواق كلها ، فكان الذي ولى ابن هشام أي على بنائها سعد بن عبد الرحمن الزرقي من الأنصار ، فتم بناؤها إلا شيئا من بابها الذي بالمصلى.

ونقلت أبوابها إليها معمولة من الشام ، وأكثرها من البلقاء ، انتهى.

وقال ابن زبالة عقب كلامه السابق : وفعل ذلك في بقيع الزبير ، وضرب عليه طاقات ، وأكراها ، وسد بها وجوه دورهم ، وجعل للسكك منفذا يغلق.

قلت : ومراده أنه جعل في فضاء بقيع الزبير دارا كدار السوق ، ولا يتوهم من ذلك أن بقيع الزبير من جملة السوق ؛ لما سيأتي في ترجمته.

قال ابن زبالة : وجعل لدار السوق حوانيت في أسفلها ، وعلالي تكرى للسكن ، وحملت أبوابها من البلقاء ، فمنها بقية بالمدينة مكتوب فيها البلقاء.

هدم الدار التي وضعت مكان السوق

قال : فبينا الناس لا يدرون بموت هشام إلى أن جاء ابن المكرم الثقفي من الشام بريدا بموته رسولا للوليد بن يزيد ، ويبشرهم بالعطاء ، فصاح حين دخل الثنية : ألا إن هشاما الأحول قد مات ، فوثب الناس على الدار فهدموها ، وعلى عين السوق فقطعوها.

وعبارة ابن شبة : فلم تزل ـ أي تلك الدار ـ على ذلك حياة هشام بن عبد الملك ، وفيها التجار ، فيؤخذ منهم الكراء ، حتى توفي هشام ، فقدم بوفاته ابن مكرم الثقفي ، فلما أشرف على رأس ثنية الوداع صاح : مات الأحول ، واستخلف أمير المؤمنين الوليد بن يزيد ، فلما دخل دار هشام تلك صاح به الناس : ما تقول في الدار؟ قال : اهدموها ، فوقع الناس فهدموها ، وانتهبت أبوابها وخشبها وجريدها ، فلم يمض ثالثة حتى وضعت إلى الأرض. فقال أبو معروف أحد بني عمرو بن تميم :

ما كان في هدم دار السوق إذ هدمت

سوق المدينة من ظلم ولا حيف

قام الرجال عليها يضربون معا

ضربا يفرق بين السور والتحف

ينحطّ منها ويهوي من مناكبها

صخر تقلب في الأسواق كالخلف

وذكر ابن زبالة هذه الأبيات عن أبي معروف ، إلا أنه زاد قبلها ثلاثة أخرى فقال : وقال أبو معروف :


قل للوليد أبي العبّاس قد جمعت

أيمان قومك بالتسليم في الصحف

ما زلت ترمي ويرمي الناس عن هدف

حتى وضعت نصال النبل في الهدف

أعطاك ربّك طوعا من قلوبهم

نصحا تبين قبل الظن والحلف

ما كان في هدم دار السوق إذ هدمت

الأبيات المتقدمة

بيت أم كلاب

وروى ابن زبالة من طريق جعفر بن محمد عن أبيه قال : أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم برواية الخمر التي أهدى له الدوسي فأهريقت بالسوق عند بيت أم كلاب حيث يهراق الشراب اليوم ، وسيأتي في ترجمة أحجار الزيت قول ابن أبي فديك : أدركت أحجار الزيت ثلاثة مواجهة بيت ابن أم كلاب ، وهو اليوم يعرف ببيت بني أسد ، انتهى ، وكأنه غير بيت ابن أم كلاب الذي له ذكر في بني زريق ، فهذا السوق هو المراد بما ورد من أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خرج بأسرى بني قريظة إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق ، ثم ضرب أعناقهم في تلك الخنادق ، ويظهر مما قدمناه ومما سيأتي في ترجمة الزوراء أن مقدم سوق المدينة مما يلي خاتمة البلاط وما حول ذلك كان يسمى بالزوراء.

البطحاء

وروى ابن شبة عن بعضهم أنه قال : أدركت سوقا بالزوراء يقال له سوق الحرص ، كان الناس ينزلون إليها بدرج.

قلت : ورأيت في الأم للشافعي رضي الله تعالى عنه ما يقتضي تسمية سوق المدينة بالبطحاء ؛ فإنه روي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب يوم الجمعة ، وكان لهم سوق يقال لها البطحاء ، كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل والإبل والغنم والسمن ، فقدموا فخرج إليهم الناس ـ الحديث.

بقيع الخيل

وروى ابن شبة من طريق عروة عن عائشةرضي‌الله‌عنها قالت في حديث ساقه : كان يقال لسوق المدينة بقيع الخيل ، وهذا الحديث تقدم من رواية ابن زبالة في ذكر دعائهصلى‌الله‌عليه‌وسلم للمدينة وسؤاله نقل وبائها ، وفيه : ثم عمد إلى بقيع الخيل ـ وهو سوق المدينة ـ فقام فيه ووجهه إلى القبلة ، فرفع يديه إلى الله فقال : اللهم حبّب إلينا المدينة ـ الحديث.

والبقيع هنا بالموحدة التحتية ؛ فهو المراد بقول ابن عمر في حديثه الذي رواه الأربعة والحاكم : إني أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير ، وآخذ مكانها الدراهم ـ الحديث ولما خفي هذا على كثير من الناس قال بعضهم : إن الظاهر أن المراد النقيع بالنون أي حمى النقيع ، قال : لأنه أشبه بالبيع من البقيع الذي هو مدفن ، وقال النووي : ليس كما قال ، بل هو بقيع الغرقد ـ


بالباء ـ ولم يكن ذلك الوقت كثرت فيه القبور ، انتهى ، ولم يذكر أحد من مؤرخي المدينة أنه كان ببقيع الغرقد سوق ، مع اعتنائهم بذكر أسواق المدينة في الجاهلية والإسلام ؛ فالمعتمد ما قدمناه ، والمسمى بالبقيع هنا ما يلي المصلى من سوق المدينة ، ويسمى بقيع المصلى أيضا كما سيأتي ، ولهذا روى أحمد والطبراني عن أبي بردة بن نيار قال : انطلقنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى بقيع المصلى فأدخل يده في طعام ثم أخرجها فإذا هو مغشوش ، أو مختلف ، فقال : ليس منا من غشنا ، ورواه الطبراني أيضا عن أبي موسى قال : انطلقت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى سوق البقيع ، فأدخل يده في غرارة ، فأخرج طعاما ـ الحديث ، فعبر عن بقيع المصلى بسوق البقيع.

وروى ابن زبالة أيضا في ذكر سوق المدينة عن محمد بن طلحة قال : رأيت عثمان بن عبد الرحمن وإسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد ومحمد بن المنكدر ، وزيد بن حصفة يقومون بفناء بركة السوق اليوم قبل أن تكون ، يقومون مستقبلين فسألت عثمان بن عبد الرحمن عن ذلك ، فقال : قد اختلف علينا في ذلك ؛ فقائل يقول : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يدعو هنالك ، وقائل يقول : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول هنالك فينظر الناس ، إذا انصرفوا من العيد ، قال : وكان عامر بن عبد الله بن الزبير يقف عند التبانين فيدعو ، وسيأتي في ذكر المصلى ما رواه الشافعي في الأم من طريق عبد الرحمن التيمي عن أبيه عن جده أنه رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم رجع من المصلى يوم عيد فسلك على التمارين من أسفل السوق ، حتى إذا كان عند مسجد المصلى الذي هو عند موضع الدار التي بالسوق قام فاستقبل فجّ أسلم فدعا ثم انصرف.

بركة السوق

قلت : وهذا بين أن بركة السوق في شامي فج أسلم ، وسيأتي في منازل أسلم ما يبين أن منازلهم في شامي الثنية التي عليها حصن أمير المدينة اليوم ، وتقدم في ذكر دار السوق حيث قال فيها في جهة المغرب : وجعل لسكة أسلم بابا ما يبين ذلك ، وحينئذ فبركة السوق هي المنهل الذي ينزل إليه بالدرج عند مشهد النفس الزكية من عين المدينة على يسار المار إلى ثنية الوداع ، وفي كلام ابن زبالة ما يومئ أن الذي أحدث العين هناك إنما هو إبراهيم بن هشام ، وسيأتي في ترجمة أحجار الزيت أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم استسقى عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء ، والله أعلم.

وروى ابن شبة عن أبي هريرة أنه كان يقول : لا يذهب الليل والنهار حتى يخسف برجل بصحن هذا السوق ، قال ابن أبي فديك : وكنت أسمع من المشايخ أنه قال والله أعلم : إن ذلك يكون على باب بيت البراذين ، ويقال : هو بفناء دار ابن مسعود.

وعن عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد عن جده قال : خرجت مع أبي هريرة حتى إذا


كنا عند دار ابن مسعود قال : يا أبا الحارث ، إن حبي أبا القاسمصلى‌الله‌عليه‌وسلم أخبرني أنه رب يمين بهذه البقعة لا يصعد إلى الله ، قال : قلت له : أنّى ذلك يا أبا هريرة؟ قال : أما أني أشهد ما كذبت ، قلت : وأنا أشهد.

وروى ابن زبالة عن عبد الرحمن بن يعقوب أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم جاء السوق فرأى حنطة مصبرة فأدخل يده فيها ، فناله بلل في جوفها ، فقال : ما هذا؟ لصاحب الطعام ، قال : أصابني مطر فهو هذا البلل الذي ترى ، قال : ألا جعلته على رأس الطعام حتى يراه الناس؟ من غش فليس مني ، من غش فليس مني ، وأصل الحديث رواه أبو داود وغيره ، ولفظه : أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مرّ برجل يبيع طعاما ، فسأله كيف تبيع؟ فأخبره فأوحى إليه أن أدخل يدك فيه ، فأدخل يده فإذا هو مبلول ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : ليس منا من غش.

وعن ابن المغيرة قال : مر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم برجل يبيع طعاما في السوق بسعر هو أرفع من سعر السوق ، فقال : تبيع في سوقنا بسعر هو أرفع من سعرنا؟ قال : نعم يا رسول الله ، قال : صبرا واحتسابا؟ قال : نعم يا رسول الله ، قال : أبشروا فإن الجالب إلى سوقنا كالمجاهد في سبيل الله ، وإن المحتكر في سوقنا كالملحد في كتاب الله.

قلت : وقوله «بسعر هو أرفع» أي بزيادة في المسعر وهو المبيع ، ويدل لذلك ما رواه ابن شبة عن ابن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة قال : كان أبي وعثمان بن عفان شريكين يجلبان التمر من العالية إلى السوق ، فمر بهم عمر بن الخطاب ، فضرب الغرارة برجله وقال : يا ابن أبي بلتعة زد في السعر وإلا فاخرج من سوقنا.

وروى ابن زبالة عن القاسم بن محمد أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب ، فسأله عن سعره ، فسعّر له مدّين بدرهم ، فقال عمر : قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا وهم إذا وضعوا إلى جنبك غدا اعتبروا بسعرك ، فإما أن ترفع في السعر ، وإما أن تدخل زبيبك في البيت فتبيعه كيف شئت ، فلما رجع عمر حاسب نفسه في الظهر ، ثم خرج فأتى حاطبا في منزله فقال : إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء ، وإنما هو شيء أردت به الخير فحيث شئت فبع.

الفصل السابع والثلاثون

في منازل القبائل من المهاجرين ، ثم اتخاذ السور على المدينة

منازل بني غفار

قال عمر بن شبة : نزل بنو غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة القطيعة التي قطع لهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهي ما بين دار كثير بن الصلت التي تعرف بدار الحجارة


السوق إلى زقاق ابن جبين إلى دار أبي سبرة إلى منازل آل الماجشون بن أبي سلة ، وبهذه الخطة مسجد بني غفار صلّى فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو خارج من منزل أبي رهم بن الحصين الغفاري.

قلت : ودار كثير بن الصلت هذه تقدم بيانها في غربي السوق مما يلي القبلة شامي المصلى ، وأما زقاق ابن حبين ، ففي غربي السوق أيضا مما يلي الشام بالقرب من حصن أمير المدينة ، وابن حبين كان مولى للعباس بن عبد المطلب. وأما دار أبي سبرة فلم أعرفها ؛ فالظاهر أنها كانت في جهة غربي سوق التمارين. وأما منازل آل الماجشون ، فذكر هو في موضع آخر أنها في زقاق الجلادين ، وسيأتي في منازل بني كعب أنه شارع على المصلى ، والله سبحانه وتعالى أعلم.

واتخذ سباع بن عرفطة الغفاري خطة بالمصلى وهي الدار التي يقال لها دار عبد الملك بن مروان بالمصلى وجهها شارع قبالة الحجامين.

قلت : وذلك في شامي المصلى مما يلي السوق والمغرب لأن ابن شبة قال : إن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب اتخذ دارا بالمصلى في موضع الحجامين ، ثم ابتاعها معاوية ، فزادها في مصلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم أدخلها بعد هشام بن عبد الملك في داره التي أخذ بها السوق ثم هدمت.

ونزل سائر بني غفار محلتهم وهي السائلة من جبل جهينة إلى بطحان وما بين خط دار كثير بن الصلت ببطحان إلى بني غفار ؛ فنزلت بنو غفار منزلهم من خط دار كثير بن الصلت إلى أن يفضي إلى جهينة.

قلت : وجبل جهينة لم أعرفه ، فإما أن يكون أراد به ما يلي جبيل سلع في مقابلة المصلى ونسبه إلى جهينة لنزولهم عنده ، وهناك سائلة تسيل من سلع إذا حصل المطر ، وإما أن يكون أراد به أحد الجبلين اللذين في غربي مساجد الفتح لما سيأتي في منازل جهينة. وأما دار كثير بن الصلت ببطحان فقد ذكر في موضع آخر ما يبين أنها كانت على شفير وادي بطحان بالعدوة الغربية ، وأن عقبة بن أبي معيط لما جلده عثمان بن عفان في الشراب حلف لا يساكنه إلا وبينهما بطن واد ، فناقل كثير بن الصلت بداره هذه إلى دار الوليد بن عقبة التي في قبلة مصلى العيد الذي يصلي به الإمام اليوم ، والله أعلم.

منازل بني ليث بن بكر

ونزل بنو أبي عمرو بن نعيم بن مهان من بني عبد الله بن غفار شامي وغربي بني مبشر بن غفار ، ومعهم بنو خفاجة بن غفار.

ونزل بنو ليث بن بكر ما بين خط بني مبشر بن غفار إلى خط بني كعب بن عمرو بن خزاعة الذي يسلكك إلى دور الغطفانيين.


قلت : يؤخذ مما سيأتي في منازل بني كعب أن منازل بني ليث كانت في قبلة خط بني مبشر ، وشامي بني كعب ؛ فتكون جهة منازل بني ليث في شامي التمارين وغربيهم ، ولعل قول ابن زبالة في دار السوق في جهة المغرب قبل ذكر دار التمارين ثم جعل للسكة منفذا يريد به طريق بني ليث ومن يشركهم في ذلك. وقد قال ابن شبة في دور بني مخزوم : واتخذ أبو شريح الخزاعي حليف بني مخزوم دارا غربيها شارع على بطحان ، وشاميها شارع إلى الزقاق الذي يدعى زقاق بني ليث ، والله أعلم.

ونزل بنو أحمر بن يعمر بن ليث ما بين مسجدهم إلى سوق التمارين ، واتخذوا المسجد الذي في محلتهم يدعى مسجد بني أحمر.

ونزل بنو عمر بن معمر بن ليث ما بين مسجدهم الذي يدعى مسجد بني كدل إلى بطحان إلى منزل بني مبشرين غفار إلى زقاق الجلادين الذي فيه دار الماجشون إلى دار أبي سبرة بن خلف إلى التمارين.

ونزل آل قسيط بن يعمر بن ليث ما بين شامي بني كعب من منازل آل نضلة بن عبيد الله ابن خراش إلى خط كتاب النصر إلى الشارع إلى المصلى إلى بطحان.

ونزل بنو رجيل بن نعيم بطرف المصلى بين غربي دار كثير بن الصلت أي التي هي قبلة المصلى إلى دار آل قليع الأسديين الشارعة على بطحان.

ونزل بنو عتوارة بن ليث ـ وهم بنو عضيدة ـ ما بين طرف دار الوليد بن عقبة اليماني ببطحان إلى الحرة إلى زقاق القاسم بن غنام من دار الوليد بن عقبة.

منازل بني ضمرة بن بكر

ونزل بنو ضمرة بن بكر إلا بني غفار محلتهم التي يقال لها بنو ضمرة ، وهي شرقي ما بين دار عبد الرحمن بن طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر بالثنية إلى محلة بني الديل بن بكر إلى سوق الغنم الشارع إلى دار ابن أبي ذئب العامري ، واتخذوا في محلتهم مسجدا.

منازل بني الديل

ونزل بنو الديل بن بكر في محلتهم ـ وهي ما بين ضمرة إلى الدار التي يقال لها دار الخرق ـ حدها زقاق الحضارمة ، ويدعى الخط العظيم لها بني ضمرة ، إلى جبل في مربد أبي عمار بن عبيس من بني الديل يقال له المستندر إلى دار الصلت بن نوفل النوفلي التي بالجبانة.

قلت : الجبل الذي ذكر أنه يسمى بالمستندر هو الجبل الصغير الذي في شرقي مشهد النفس الزكية بمنزلة الحاج الشامي ؛ لانطباق الوصف المذكور عليه ، والله أعلم.

ونزل أبو نمر بن عويف من بني الحارث بن عبد مناف بن كنانة على بني ليث بن بكر فاتخذوا الدار التي يقال لها دار أبي نمر ، وهي في خط بني أحمر بن ليث المتقدم ذكره.


منازل ابني أفصى

منازل أسلم ومالك ابني أفصى ـ نزل بنو أسلم ومالك ابني أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر منزلين ؛ فنزلت بنو مالك بن أفصى وأمية وسهم ابني أسلم ما بين خط زقاق ابن حبين مولى العباس بن عبد المطلب الشامي من زاوية يقصان التي بالسوق إلى خط جهينة إلى شامي ثنية عثعث.

قلت : قد علم مما سبق في دار السوق أن زقاق ابن حبين في غربي سوق المدينة ، وسيأتي في ترجمة ثنية عثعث أنها منسوبة إلى جبل يقال له سليع عليه بيوت أسلم بن أفصى ؛ فهي الثنية التي عند الجبيل الذي عليه حصن أمير المدينة اليوم ، والمراد من بيوت أسلم منزل هؤلاء ، والله أعلم.

ونزلت سائر أسلم ، وهم آل بريدة بن الخصيب وآل سفيان ـ ما بين زقاق الحضارمة إلى زقاق القنبلة.

قلت : وذلك في شرقي مؤخر سوق المدينة مما يلي الشام ، وفي جهة زقاق الحضارمة اليوم حديقة تعرف بالحضرمية شامي سور المدينة ، وفي شاميها جهة زقاق القنبلة.

ونزلت هذيل بن مدركة ما بين شامي سائلة أشجع وزاوية دور يحيى بن عبد الله بن أبي مريم إلى دار حرام بن مزيلة بن أسد بن عبد العزى بالثنية زاويتها اليمانية ، وذلك مجتمعها ومجتمع أسلم.

منازل مزينة ومن حل معها

منازل مزينة ومن حل معها من قيس عيلان بن مضر ـ ونزل بنو هدبة بن لاطم بن عثمان بن عمرو ، إلا بني عامر بن نور بن لاطم بن عثمان ، وعثمان نفسه الذي يقال له مزينة ، وهي أمه ـ ما بين زاوية بيت القروي المطل على بطحان الغربية إلى زاوية بيت ابن هبار الأسدي الذي صار لبني سمعان الشرقية إلى خط بني زريق إلى دار الطائفي التي بشق بطحان الشرقي.

ونزل معها في هذه المحلة بنو شيطان بن يربوع من بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس وبنو سليم بن منصور وعدوان بن عمرو بن قيس.

وعن شرقي خطة مزينة هذه سليم بن منصور إلى دار خلدة بن مخلد الزرقي ، وأدنى دار أم عمرو بنت عثمان بن عفان إلى بيوت نفيس بن محمد مولى بني المعلى في بني زريق من الأنصار ، إلى أن تلقى بني مازن بن عدي بن النجار ؛ فهؤلاء الذين نزلوا مع مزينة ، ودخل بعضهم في بعض ، وإنما نزلوا جميعا لأن دارهم في البادية واحدة.


قلت : فمنازل مزينة ومن حل معها في غربي مصلى العيد اليوم إلى عدوة بطحان الشرقية ثم في قبلة الدور التي بالمصلى ثم في قبلة بني زريق إلى بني مازن بن النجار.

وقد نزلت بنو ذكوان من بني سليم مع أهل راتج من اليهود ، ما بين دار قدامة إلى دار حسن بن زيد بالجبانة.

قلت : ودار قدامة هي المرادة بقول ابن شبة في دور بني جمح «واتخذ قدامة بن مظعون الدار التي فيها المجزرة على فوهة سكة بني ضمرة ودبر دار آل أبي ذئب على يمينك وأنت ذاهب إلى بني ضمرة» والله أعلم.

ونزل بنو أوس بن عثمان بن مزينة بطرف السورين ، ما بين دار أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق إلى مفضى السورين إلى الحمارين ، الزقاق الذي فيه قصر بني يوسف مولى آل عثمان إلى البقال.

قلت : وهذه الأمور بقرب البقيع ، كما سيأتي في تراجمها.

ونزل بنو عامر بن ثور بن ثعلبة بن هدبة بن لاطم ما بين بيت أم كلاب الذي في خط بني رزيق الشارع على المصلى إلى دار مدراقيس الطبيب إلى دار عمرو بن عبد الرحمن بن عوف ودار عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ودار هشام بن العاص المخزومي.

قلت : ودار مدراقيس الطبيب لها ذكر في دور بني محارب بن فهر.

قال ابن شبة : واتخذ معمر بن عبد الله بن عامر دارا في بني زريق بين الدار التي يقال لها دار مدراقيس الطبيب ودار أم حسان التي صارت لعمر بن عبد العزيز العمري ، وهذه الأماكن في قبلة ما تقدم مما يلي الدور التي في قبلة البلاط في الميمنة وما حولها ، ولعل دار أم حسان المذكورة هي الموضع المعروف اليوم بدار حسان في قبلة الدور التي بالبلاط الموالية لدرب سويقة ، والله أعلم.

منازل جهينة وبلى ـ ونزل جهينة بن زيد بن السود بن الحارث بن قضاعة وبلى بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة ما بين خط أسلم الذي بين أسلم وجهينة ، إلى دار حرام بن عثمان السلمي الأنصاري التي في بني سلمة إلى الجبل الذي يقال له جبل جهينة إلى يماني ثنية عثعث التي عليها دار ابن أبي حكيم الطيب.

قلت : ذكر دار حرام بن عثمان في بني سلمة يرجح أن المراد بجبل جهينة أحد الجبلين اللذين في غربي مساجد الفتح ، وهناك منازل بني حرام من بني سلمة ، وقد تقدم بيان ثنية عثعث ، وأنها منسوبة إلى الجبل الذي عليه حصن أمير المدينة اليوم ، والله أعلم.

منازل قيس بن عيلان ـ نزلت أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس الشعب الذي يقال له شعب أشجع ، وهو ما بين سائلة أشجع إلى ثنية الوداع إلى جوف شعب سلع ، وخرج إليهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأحمال التمر فنثره لهم ، واتخذت أشجع في محلتها مسجدا.


قلت : وما ذكره منطبق إما على شعب سلع الذي في شرقيه ، فتكون منازلهم بين خط أسلم الذي في شامي ثنية عثعث وبين جبل سلع وهكذا إلى ثنية الوداع ، وإما على شعب سلع الذي في شاميه ، وقال عروة بن الزبير : قدمت أشجع في سبعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة فنزلوا شعبهم ، فخرج إليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأحمال التمر ، فقال : يا معشر أشجع ، ما جاء بكم؟ قالوا : يا رسول الله جئناك لقرب ديارنا منك ، وكرهنا حربك ، وكرهنا حرب قومنا لقلتنا فيهم ؛ فأنزل الله تعالى :( أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ) إلى قوله تعالى :( سَبِيلاً ) [النساء : ٩٠].

ونقل ابن شبة في تأديب عمر بن الخطاب الرعية في أمر دينهم أن رجلا من أشجع يقال له بقيلة كان غازيا ، فبلغه أن جعدة بن عبد الله السلمي يحدث النساء ، وأن جواري يخرجن إلى سلع فيحدثهن ، ثم يعقل الجارية ويقول : قومي في العقال فإنه لا يصبر على العقال إلا حصان ، فتقوم ساعة ثم تسقط ، فربما تكشفت ، فكتب الأشجعي إلى عمر :

ألا أبلغ أبا حفص رسولا

فدى لك من أخي ثقة إزاري

فما قلص تقمن معقّلات

قفا سلع لمختلف النّجار

قلائص من بني سعد بن بكر

أو اسلم أو جهينة أو غفار

يعقّلهنّ جعدة من سليم

معيدا يبتغي سقط العذاري

قلائصنا هداك الله إنا

شغلنا عنهم زمن الحصار

يعقّلهن أبيض شيظميّ

فبئس معقّل الذود الطّواري

فدعا عمر بجعدة فقال : أنت لعمري كما وصف أبيض شيظمي ، وسأله فأقرّ فضربه مائة معقولا ، وغرّبه إلى الشام ، فكلّم فيه ، فأذن له على أن لا يدخل المدينة ، ثم أذن له أن يجمع ، ثم أذن له أن يدخل في الجمعة مرتين.

وقال ابن إسحاق : الذي كتب بالشعر رجل من هوازن يدعى خيثمة.

منازل بني جشم

ونزلت بنو جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس محلتها التي يقال لها بنو جشم ، وهي ما بين الزقاق الذي يقال له زقاق سفين إلى الأساس الذي يقال له أساس إسماعيل بن الوليد إلى خوخة الأعراب إلى دور ذكوان مولى مروان بن الحكم.

قلت : ولم أعرف شيئا مما ذكره ، غير أنه ذكر في دور بني جمح أن محمد بن حاطب اتخذ الدار التي تدعى دار قدامة في بني زريق شرقيها الدار التي يقال لها دار الأعراب ، فلعل خوخة الأعراب وما ذكر معها في تلك الجهة ، والله أعلم.


ونزلت بنو مالك بن حماد وبنو زنيم وبنو سكين من فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ذئب ابن غطفان المحلة التي يقال لها بنو فزارة ، وهي إلى حمام الصعبة إلى سوق الحطابين الذي بالجبانة ، ولم ينزلها أحد من بني عدي بن فزارة.

قلت : والذي علمنا جهته من ذلك سوق الحطابين بالجبانة قرب مسجد الراية وثنية الوداع كما سيأتي في ترجمة الجبانة ، والله أعلم.

منازل بني كعب بن عمرو ، وإخوتهم من بني المصطلق

نزل بنو كعب بن عمرو بن عدي بن عامر ما بين يماني بني ليث بن بكر إلى دار شريح العدوي إلى موضع التمارين بالسوق إلى زقاق الجلادين الشارع على المصلى يمنة ويسرة إلى بطحان إلى زقاق كدام ، وكدام : سقاط كان هناك ، إلى دار ابن أبي سليم الشارعة على شامي المصلى.

ونزلت بنو المصطلق بن سعد بن عمرو وأخوه كعب بن عمرو رهط جويرية بنت الحارث زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ظاهرة حرة بني عضدة إلى أدنى دار عمر بن عبد العزيز إلى الدار التي يقال لها دار الخرازين.

قلت : وذلك بالحرة الغربية.

سعة المدينة في عهد النبي

ومن تأمل ما ذكر في دور المهاجرين ومنازل القبائل منهم ـ مع ما سبق في منازل الأنصار ـ رأى أمرا عظيما فيما كان من عمارة المدينة وسعتها ، واتصال بعضها ببعض ، وآثار ما كان من العمارة شاهد بذلك اليوم ، واسم المدينة صادق على ذلك كله ، وسيأتي في ترجمة قباء أنها كانت مدينة كبيرة متصلة بالمدينة الشريفة ، أي بما بينها من النخيل ، ولهذا لم تكن الجمعة تقام بغير المسجد النبوي ، ولو كانت قباء وغيرها من القرى المنفصلة اليوم منفصلة في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبها تلك القبائل من الناس لوجب إقامة الجمعة في كل قرية بها أربعون كما تقرر في موضعه ، فقد كانت كلها في حكم البلد الواحد ، فسبحان من يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

اتخاذ سور المدينة

ولما طرق المدينة الشريفة الخراب في أطرافها جعلوا لها سورا ، قال المجد الفيروزآبادي : سور المدينة الشريفة بناه أولا عضد الدولة بن بويه بعد الستين وثلاثمائة في خلافة الطائع لله بن المطيع لله ، ثم تهدم على طول الزمان وتخرب لخراب المدينة ، ولم يبق إلا آثاره ورسمه.

وقال المطري في الكلام على مسجد جهينة : إن ناحية جهينة معروفة غربي حصن


صاحب المدينة والسور القديم ، بينها وبين جبل سلع ، وعندها أثر باب للمدينة معروف بدرب جهينة إلى تاريخ كتابه ، وهو سنة ست وستين وسبعمائة.

قلت : قد قدمنا ما يخالف ما ذكره في ناحية جهينة ؛ لأنا وإن لم نر الباب الذي أشار إليه ، لكن رأينا آثار السور القديم قبلي جبل سلع ، وقرب الحصن المذكور. ويظهر من حاله أن غالب منازل جهينة وغيرها من المنازل المتقدمة كانت في جوفه ، وأنه كان في جهة المغرب على شفير بطحان بالعدوة الشرقية ؛ لأن الأقشهري نقل في روضته عن صاحب سور الأقاليم أنه قال : المدينة أقل من نصف مكة ، وهي في حرة سبخة الأرض ، وبها نخل كثير ، ومياه نخيلهم وزرعهم من الآبار يسقي منها العبيد ، وعليها سور ، والمسجد في نحو من وسطها. ثم ذكر صفة المسجد والقبر الشريف ، ثم قال : ومصلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي كان يصلي فيه الأعياد من غربي المدينة داخل الباب ، انتهى. فكون المصلى داخل الباب شاهد لما ذكرنا ، وقد صرح بنحوه الإمام أبو عبد الله الأسدي فإنه ذكر المساجد الخارجة عن المدينة ، ثم ذكر المساجد التي بالمدينة فقال : وداخل المدينة مصلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

سور آل زنكي

وقال المطري بعد ذكره لما تقدم من باب هذا السور القديم : ونقل ابن خلكان أن سور هذا الباب القديم بناه عضد الدولة بن بويه بعد الستين وثلاثمائة من الهجرة في أيام الطائع لله ابن المطيع ، ثم تهدم على طول الزمان وخرب لخراب المدينة ، ولم يبق إلا آثاره حتى جدد لها جمال الدين محمد بن أبي منصور ـ يعني الجواد الأصبهاني وزير بني زنكي ـ سورا محكما حول المسجد الشريف على رأس الأربعين وخمسمائة من الهجرة ، ثم كثر الناس من خارج السور ، ووصل السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في سنة سبع وخمسين وخمسمائة إلى المدينة الشريفة بسبب رؤيا رآها ، وذكر ما قدمناه عنه في خاتمة الفصل التاسع والعشرين.

ثم قال : إنه لما ركب متوجها إلى الشام صاح به من كان نازلا حول السور واستغاثوا وطلبوا أن يا بني عليهم سورا يحفظ أبناءهم وماشيتهم ، فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم ، فبنى في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ، وكتب اسمه على باب البقيع ؛ فهو باق إلى تاريخ هذا الكتاب.

قلت : وهو باق على باب البقيع إلى أن كتبنا كتابنا هذا ، وصورته في صفحات الحديد المصفح بها الباب : هذا ما أمر بعمله العبد الفقير إلى الله تعالى محمود بن زنكي بن أقسنقر ، غفر الله له ، سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وهذا لا يدل على أنه أنشأ السور.

وعبارة البدر بن فرحون عند ذكره لمحاسن نور الدين الشهيدرحمه‌الله ما لفظه : وبنى


أيضا سور بعلبك ، وكمل بناء سور المدينة ، وهو سورها الموجود اليوم ، واسمه مكتوب على باب البقيع ، وأما السور الذي داخل المدينة فإنما أحدثه الوزير جمال الدين محمد بن أبي منصور ، وكان وزيرا لوالد الملك العادل يعني زنكي ثم استوزره بعد زنكي ولده غازي بن زنكي يعني أخا الملك العادل ؛ فهذا يقتضي أن الملك العادل إنما كمل بناء السور الموجود اليوم فقط ، ويبعده ما ذكره من بناء الجواد لسوره ؛ فإنه لو كان السور المذكور موجودا لكان هو أكمله ولم ينشئ سورا غيره ، ومدة بناء السورين المذكورين متقاربة كما يعلم مما قدمناه.

من مآثر الجواد الأصفهاني

وقال المجد : إن الشيخ شهاب الدين عبد الرحمن بن أبي شامة قال في كتابه ما صورته : ومن أعظم الأعمال التي عملها نفعا ـ يعني وزير الموصل جمال الدين الجواد ـ أنه بنى سورا على مدينة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإنها كانت بغير سور ينهبها الأعراب ، وكان أهلها في ضنك وضر معهم.

قال ابن الأثير : رأيت بالمدينة إنسانا يصلي الجمعة ، فلما فرغ ترحم على جمال الدين ودعا له ، فسألناه عن سبب ذلك ، فقال : يجب على كل مسلم بالمدينة أن يدعو له ؛ لأننا كنا في ضر وضيق ونكد عيش مع العرب ، لا يتركون لأحدنا ما يواريه ويشبع جوعته ، فبنى علينا سورا احتمينا به ممن يريدنا بسوء ، فاستغنينا ، فكيف لا ندعو له؟ قال عقبه : قلت : وهذا السور الذي بناه جمال الدين هو السور الثاني ، والسور الذي بناه الملك العادل نور الدين هو السور الثالث ، أي بحسب الزمان ، وعلى كل منهما اسم بانيه على الأبواب ، وأما السور الأول الذي بناه عضد الدولة فلم يبق منه أثر يعرف به مكانه ، انتهى. هكذا نقلته من تاريخ المجد. وبقوله انتهى ظهر أن قوله قلت إلى آخره من كلام ابن أبي شامة ، ويحتمل أن يكون من كلام ابن الأثير.

وقال المجد عقبه : قال : وكان الخطيب بالمدينة يقول في خطبته «اللهم صن حريم من صان حرم نبيك بالسور محمد بن علي بن أبي منصور» فلو لم يكن له إلا هذه المكرمة لكفاه فخرا ، فكيف وقد أصابت صدقته تخوم الأرض شرقا وغربا وبرا وبحرا؟

وأما شدة عنايته بأهل المدينة فكانت عظيمة ، قال ابن الأثير : حكى لي بعض الصوفية ممن كان يصحب الشيخ عمر التشاي شيخ شيوخ الموصل قال : أحضرني الشيخ فقال لي : انطلق إلى مسجد الوزير بظاهر الموصل واقعد هناك ، فإذا أتاك شيء فاحفظه إلى أن أحضر عندك ، ففعلت ، فإذا قد أقبل جمع كثير من الحمالين يحملون أحمالا من النصافي والخام ، وإذا نائب جمال الدين قد جاء مع الشيخ ومعهما قماش كثير وثمانية عشر ألف دينار وعدة كثيرة من الجمال ، فقال لي : تأخذ هذه وتسير إلى الرحبة وتوصل هذه الرزمة وهذا الكتاب إلى


متوليها فلان ، فإذا حضر لك فلان العربي فتوصل إليه هذه الرزمة الأخرى وهذا الكتاب وتسير معه ، فإذا أوصلك إلى فلان العربي توصل إليه هذه الرزمة وهذا الكتاب ، وهكذا إلى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فتوصل إلى وكيلي فلان هذه الأحمال ، وهذه الكسوات والمال الذي عليه اسم المدينة ليخرجها بمقتضى هذه الجريدة ، ثم تأخذ الباقي الذي عليه اسم مكة فتسير إليها فيتصدق به وكيلي بموجب الجريدة الأخرى ، فسرنا بذلك إلى وادي القرى ، فرأينا هناك جمالا كثيرة تحمل الطعام إلى المدينة ، وقد منعهم خوف الطريق ، فلما رأونا ساروا معنا إليها فوصلناها والحنطة بها كل صاعين بديا نار مصري ، والصاع ـ أي : في ذلك الزمان ـ خمسة عشر رطلا بالبغدادي ، فلما رأوا المال والطعام اشتروا كل سبعة آصع بديا نار ، فانقلبت المدينة بالدعاء له.

قلت : وقد قدمنا كيفية نقله إلى المدينة الشريفة بعد موته ودفنه بتربته التي برباطه المجاور للمسجد الشريف عند ذكر باب عثمان وهو باب جبريل لمقابلته له ، وتقدم ذكره أيضا في ترخيم الحجرة الشريفة.

ومن أعماله الحسنة : تجديد مسجد الخيف ، وإجراء عين عرفة ، وبناء جدار الحجرة وترخيمه ، وتجديد باب الكعبة ، وكان النعش الذي حمل فيه هو باب الكعبة القديم ، وفيه يقول أبو المجد بن قسيم :

أغرّ تبصر منه الناس في رجل

واللّيث في بشر ، والبدر في غصن

سما بهمته في المكرمات إلى

علياء تقصر عنها همّة الزّمن

إلى أن قال فيه :

صان المدينة تسويرا وصوّرها

في الحسن غادة ملك الشام واليمن

وصان بالمال أهليها فما بقيت

هزلاء إلّا تشكّت كثرة السّمن

أبواب السور

ولسور المدينة اليوم أربعة أبواب غير باب حصن أمير المدينة المعروف بباب السر ، وهو باب عظيم كله من الحديد.

وأما الأبواب الأربعة :

فأحدها : الباب الذي غربي المدينة في جهة المصلى عند منزلة الحاج المصري ، ويعرف بدرب المصلى ، ودرب سويقة ، وذرع ما بينه وبين عتبة باب السلام ستمائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعا ، وكان عليه باب متقن أحرقه بعض صبيان الأمير ضغيم سنة عزله ، فأخذ أمير المدينة باب الحوش الذي عمره الأمير ضغيم وجعله عليه ، ثم عمل باب متقن كالأول في عمارة المسجد المتجددة بعد الحريق الثاني.


ثانيها : الباب الذي في جهة المغرب أيضا عند رحبة حصن أمير المدينة يعرف بالدرب الصغير.

ثالثها : الباب المعروف بالدرب الكبير ، وبالدرب الشامي.

رابعها : الباب المعروف بدرب البقيع في شرقي المدينة ، ويعرف بدرب الجمعة ، وعليه باب متقن مغشى بصفائح الحديد ، والظاهر أنه باق من زمن نور الدين الشهيد لما قدمناه من الكتابة عليه.

وذرع ما بينه وبين عتبة باب المسجد المعروف بباب جبريل أربعمائة ذراع وثلاثة وثلاثون ذراعا.

وفي قبلة سور المدينة موضع باب مسدود اليوم ، وكان يعرف بدرب السوارقية.

ولم يزل الملوك يهتمون بعمارة سور المدينة ، ويصلحون ما وهى منه.

وقد ذكر الزين المراغي أنه جدّد في سنة خمس وخمسين وسبعمائة في أيام الملك الصالح صالح أحد أولاد الناصر محمد بن قلاوون.

وذكر البدر بن فرحون أن الأمير سعد بن ثابت بن حماد ابتدأ في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة عمل الخندق الذي حول السور المذكور ، ومات ولم يكمله ، وأكمله الأمير فضل بن قاسم بن حماد في ولايته بعده ، والله سبحانه وتعالى أعلم.

تم ـ بحمد الله تعالى وحوله ـ الجزء الثاني من كتاب «وفاء الوفا ، بأخبار دار المصطفى»صلى‌الله‌عليه‌وسلم . ويليه ـ إن شاء الله ـ الجزء الثالث ، وأوله «الباب الخامس ، في مصلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الأعياد» نسأله ـ جلت قدرته ـ أن يعين على إكماله ، بمنه وفضله وتيسيره ، إنه لا ييسر إلى الخير سواه.


فهرس الجزء الثاني

Ta

الفصل الرابع : الروايات في حنين الجذع ٣

صانع المنبر ٥

موضع الجذع ٦

شهرة حديث حنين الجذع ٧

الموضع الذي دفن فيه الجذع ٧

بدعة اصطنعها الناس بسبب الجذع ٧

عود إلى الاختلاف في صانع المنبر ٨

أراد معاوية أن ينقل المنبر إلى الشام ١٠

رفع المنبر ست درجات ١٠

عدد درجات المنبر ١١

مساحة المنبر ١٢

كسوة المنبر ٢٠

ستور الأبواب كسوة الحجارة ٢٠

الفصل الخامس ٢٠

في فضائل المسجد الشريف ٢٠

المسجد الذي أسس على التقوى ٢٠

فضل مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ٢١

هل فضل الصلاة في المساجد الثلاثة يختص بالفرض؟ ٢٦

مرجع مضاعفة فضل الصلاة ٢٧

هل يختص التضعيف بالصلاة؟ ٢٧

الفصل السادس في فضل المنبر المنيف ، والروضة الشريفة ٢٩

معنى كون المنبر على الحوض ٣١

معنى أن الروضة من رياض الجنة ٣١

الفصل السابع ٣٨

في الأساطين المنيفة ٣٨


الأسطوان المخلق ٣٨

أسطوان القرعة ٣٩

أسطوان التوبة ٤٠

أسطوان السرير ٤٤

أسطوان المحرس ٤٥

أسطوان الوفود ٤٥

أسطوان مربعة القبر ٤٦

أسطوان التهجد ٤٦

الفصل الثامن ٤٨

في الصّفة وأهلها ، وتعليق الأقناء لهم بالمسجد ٤٨

وصف الصفة وموضعها ٤٨

أهل الصفة ٤٩

مبدأ تعليق الأقناء ٥١

الفصل التاسع ٥٢

في الحجرة الشريفة ، وبيان إحاطتها بالمسجد الشريف إلا من جهة المغرب ٥٢

المشربة ٥٥

الفصل العاشر ٥٧

في حجرة فاطمة بنت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم و رضي‌الله‌عنها ٥٧

الفصل الحادي عشر ٦٠

في الأمر بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد الشريف ٦٠

الفصل الثاني عشر ٦٧

في زيادة عمر بن الخطاب رضي‌الله‌عنه في المسجد ٦٧

بين عمر والعباس ٦٨

الفصل الثالث عشر ٧٨

في البطيحاء التي بناها عمر رضي‌الله‌عنه بناحية المسجد ، ومنعه من ٧٨

إنشاد الشعر ورفع الصوت فيه ، وما جاء في ذلك ٧٨

الفصل الرابع عشر ٨١


في زيادة عثمان بن عفان رضي‌الله‌عنه ٨١

الفصل الخامس عشر ٨٧

في المقصورة التي اتخذها عثمان رضي‌الله‌عنه في المسجد ٨٧

وما كان من أمرها بعده ٨٧

الفصل السادس عشر ٨٩

في زيادة الوليد بن عبد الملك على يد عمر بن عبد العزيز ٨٩

الفصل السابع عشر ٩٨

فيما اتخذه عمر في المسجد في زيادة الوليد من المحراب والشّرفات والمنائر ، ٩٨

واتخاذ الحرس ، ومنعهم من الصلاة على الجنائز فيه ٩٨

أول من أحدث المحراب والشرفات ٩٨

عثمان أول من خلق المسجد ورزق المؤذنين ١٠٢

اتخاذ حرس للمسجد ١٠٢

الصلاة على الجنائز في المساجد ١٠٢

الشيعة غير الأشراف ١٠٣

الفصل الثامن عشر ١٠٥

في زيادة المهدي ١٠٥

الفصل التاسع عشر ١٠٨

فيما كانت عليه الحجرة الشريفة الحاوية للقبور المنيفة في مبدأ الأمر ١٠٨

أول من بنى جدارا على بيت عائشة ١٠٩

الفصل العشرون ١١١

فيما حدث من عمارة الحجرة بعد ذلك ، والحائز الذي أدير عليها ١١١

الفصل الحادي والعشرون ١١٥

فيما روي من الاختلاف في صفة القبور الشريفة ، بالحجرة المنيفة ١١٥

رواية نافع في وضع القبور ١١٥

رواية القاسم بن محمد ١١٦

رواية عثمان بن نسطاس ١١٧

رواية المنكدر بن محمد ١١٧


رواية عمرة عن عائشة ١١٨

رواية أخرى عن القاسم بن محمد ١١٨

رواية عبد الله بن محمد بن عقيل ١١٩

بقي بعدها موضع قبر ١٢١

الملائكة يحفون بالقبر ١٢٢

لا ينبغي رفع الصوت في المسجد ١٢٢

سنة أهل المدينة في أعوام الجدب ١٢٣

الفصل الثاني والعشرون ١٢٣

ما شاهدناه مما يخالف ذلك ١٢٣

الفصل الثالث والعشرون ١٣٠

في عمارة اتفقت بالحجرة الشريفة على ما نقله الأقشهري عن ابن عاث ، وما ١٣٠

وقع من الدخول إليها عند الحاجة له وتأزيرها بالرخام ١٣٠

الفصل الرابع والعشرون ١٣٣

كسوة الحجرة النبوية ١٣٨

الفصل الخامس والعشرون ١٤٠

في قناديل الذهب والفضة التي تعلق حول الحجرة الشريفة ، ١٤٠

وغيرها من معاليقها ١٤٠

القناديل ١٤٠

حكم معاليق المسجد النبوي ١٤٥

الفصل السادس والعشرون ١٥٠

في الحريق الأول القديم المستولي على تلك الزخارف المحدثة بالحجرة ١٥٠

الشريفة والمسجد وسقفهما ، وما أعيد من ذلك ، وما تجدد من توسعة المسقف ١٥٠

القبلي بزيادة الرواقين فيه ، وغير ذلك ١٥٠

سبب الحريق وتاريخه ١٥٠

حكمة الله في الحريق ١٥١

الشروع في العمارة بعد الحريق ١٥٢

الفصل السابع والعشرون ١٥٧


في اتخاذ القبة الزرقاء التي جعلت على ما يحاذي سقف الحجرة الشريفة ١٥٧

القبة الزرقاء ١٥٧

المقصورة الدائرة على الحجرة ١٥٩

الفصل الثامن والعشرون ١٦٤

فيما تجدد من عمارة الحجرة الشريفة في زماننا على وجه لم يخطر قط ١٦٤

بأذهاننا ، وما حصل بسببه من إزالة هدم الحريق الأول من ذلك المحل ١٦٤

الشريف ، ومشاهدة وضعه المنيف ، وتصوير ما استقر عليه أمر الحجرة في ١٦٤

هذه العمارة ١٦٤

الفصل التاسع والعشرون ١٧٥

في الحريق الحادث في زماننا بعد العمارة السابقة وما ترتب عليه ١٧٥

خاتمة ١٨٥

فيما نقل من عمل نور الدين الشهيد لخندق حول الحجرة الشريفة مملوء ١٨٥

بالرصاص ، وذكر السبب في ذلك ، وما ناسبه ١٨٥

الفصل الثلاثون ١٩٠

في تحصيب المسجد الشريف ١٩٠

وذكر البزاق فيه ، وتخليقه ، وإجماره ، وذكر شيء من أحكامه ١٩٠

أول تحصيب المسجد النبوي ١٩٠

حكم البزاق في المسجد ١٩١

مبدأ تخليق المسجد ١٩٣

تخليق القبر ١٩٥

تجمير المساجد ١٩٥

فرش المساجد ١٩٦

الحدث في المسجد ١٩٨

القراءة في المصحف بالمسجد ١٩٨

بعث المصاحف إلى المساجد ١٩٩

مصاحف عثمان التي أرسلها إلى الآفاق ٢٠٠

تعليق المصابيح في المسجد وصف عام ٢٠١


الفصل الحادي والثلاثون ٢٠١

فيما احتوى عليه المسجد من الأروقة والأساطي ٢٠١

ن والبالوعات والسقايات والدروع ، وغير ذلك مما يتعلق به من الرسوم ٢٠١

وصف عام ٢٠١

جدران المسجد ٢٠٢

عدد أساطين المسجد ٢٠٣

عدد بالوعات المسجد ٢٠٦

سقايات المسجد ٢٠٦

حواصل المسجد ٢٠٨

قناديل المسجد ٢٠٨

في صحن المسجد نخيل مغروسة ٢٠٩

أئمة المسجد ٢١٠

عرض جدار المسجد ٢١٠

الفصل الثاني والثلاثون ٢١٢

في أبواب المسجد وما سد منها ، وما بقي ، ٢١٢

وما يحاذيها من الدور قديما وحديثا ٢١٢

أبواب المسجد ٢١٢

باب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ٢١٣

باب علي ٢١٤

باب عثمان باب جبريل ٢١٤

باب ريطة (باب النساء) ٢١٦

باب سادس ٢١٧

باب سابع ٢١٧

باب ثامن ٢١٨

أبواب المسجد الشامية ٢١٨

باب تاسع ٢١٩

باب عاشر ٢١٩


الباب الحادي عشر ٢١٩

الباب الثاني عشر ٢١٩

الباب الثالث عشر ٢١٩

الباب الرابع عشر ٢٢٠

الباب الخامس عشر ٢٢٠

الباب السادس عشر ٢٢٠

باب عاتكة (باب السوق) (وباب الرحمة) ٢٢٠

باب زياد (باب القضاء) ٢٢١

خوخة تجاه خوخة أبي بكر ٢٢٥

الفصل الثالث والثلاثون ٢٢٧

في خوخة آل عمر رضي الله تعالى عنه المتقدم ذكرها ، ٢٢٧

وما يتعين من سدّها في زماننا ٢٢٧

تحديد موضع خوخة آل عمر ٢٢٧

اتخاذ بعض الناس بابا وسيلة للتدجيل ٢٢٨

حج السلطان قايتباي ٢٣٠

وقف السلطان قايتباي لأهل المدينة المنورة ٢٣٢

من آثار قايتباي بالحرمين الشريفين ٢٣٤

الفصل الرابع والثلاثون ٢٣٥

فيما كان مطيفا بالمسجد الشريف من الدور ، وما كان من خبرها ، وجلّ ذلك ٢٣٥

من منازل المهاجرين رضي الله تعالى عنهم ٢٣٥

رسول الله يخط دور المدينة ٢٣٥

دار آل عمر بن الخطاب ٢٣٥


بيت لأبي بكر الصديق صار لآل عمر ٢٣٦

دار مروان بن الحكم ٢٣٧

دار رباح ودار المقداد ٢٣٨

دار مطيع بن الأسود ٢٣٨

دار حكيم بن حزام ٢٣٩

دار عبد الله بن مكمل ٢٣٩

دار النحام ٢٤٠

دار جعفر بن يحيى ٢٤٠

دار نصير ٢٤١

دار منيرة مولاة أم موسى ٢٤١

حش طلحة ٢٤١

أبيات خالصة ٢٤٢

دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف ٢٤٢

دار موسى المخزومي ٢٤٣

أبيات الصوافي ٢٤٣

دار خالد بن الوليد ٢٤٤

دار أسماء بنت حسين ٢٤٤

دار ريطة ٢٤٥

دار عثمان بن عفان ٢٤٥

دار أبي أيوب الأنصاري ٢٤٦

دار جعفر الصادق ٢٤٦

دار حسن بن زيد ٢٤٦

دار فرج الخصي ٢٤٦

دار عامر بن الزبير بن العوام ٢٤٧

الفصل الخامس والثلاثون ٢٤٧

في البلاط ، وبيان ما ظهر لنا مما كان حوله من منازل المهاجرين ٢٤٧

تحديد مكان البلاط ٢٤٧

حدود البلاط ٢٤٨


بيان الدور المطيفة بالبلاط ٢٥١

الفصل السادس والثلاثون ٢٥٦

فيما جاء في سوق المدينة التي تصدق به النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم على المسلمين ، وذكر دار ٢٥٦

هشام بن عبد الملك التي أخذ بها السوق ٢٥٦

الرسول ينشئ السوق ٢٥٦

أسواق المدينة في الجاهلية ٢٥٦

هدم الدار التي وضعت مكان السوق ٢٦٠

بيت أم كلاب ٢٦١

البطحاء ٢٦١

بقيع الخيل ٢٦١

بركة السوق ٢٦٢

الفصل السابع والثلاثون ٢٦٣

في منازل القبائل من المهاجرين ، ثم اتخاذ السور على المدينة ٢٦٣

منازل بني غفار ٢٦٣

منازل بني ليث بن بكر ٢٦٤

منازل بني ضمرة بن بكر ٢٦٥

منازل بني الديل ٢٦٥

منازل ابني أفصى ٢٦٦

منازل مزينة ومن حل معها ٢٦٦

منازل بني جشم ٢٦٨

منازل بني كعب بن عمرو ، وإخوتهم من بني المصطلق ٢٦٩

سعة المدينة في عهد النبي ٢٦٩

اتخاذ سور المدينة ٢٦٩

سور آل زنكي ٢٧٠

من مآثر الجواد الأصفهاني ٢٧١

أبواب السور ٢٧٢


وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

مؤلف: نور الدين علي بن أحمد السّمهودي
المحقق: خالد عبد الغني محفوظ
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: مكتبة الحديث وعلومه
الصفحات: 282