(٤)
مع ابن تيميّة الحرّاني
في كلامه حول حديث « أنا مدينة العلم »
ومن المواضع التي يتبيّن فيها بوضوح نصب ابن تيميّة وعناده للحق وأهله هو: مبحث حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها »، فقد بالغ في هذا المقام في الكذب والافتراء، في سبيل ردّ هذا الحديث الشريف وتكذيبه، ونحن نذكر أوّلاً عبارته، ثم نتكلّم حولها، فهذا نصّ عبارته:
« وحد يث أنا مدينة العلم وعلي بابها أضعف وأوهى، ولهذا إنّما يعدّ في الموضوعات، وإن رواه الترمذي، وذكره ابن الجوزي وبيّن أن سائر طرقه موضوعة.
والكذب يعرف من نفس متنه، فإنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا كان مدينة العلم، ولم يكن لها إلّا باب واحد، ولم يبلّغ عنه العلم إلّا واحد فسد أمر الإسلام، ولهذا اتفق المسلمون على أنه لا يجوز أن يكون المبلّغ عنه العلم إلّا واحداً، بل يجب أن يكون المبلِّغون أهل التواتر، الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب، وخبر الواحد لا يفيد العلم إلّا بقرائن، وتلك قد تكون منتفية أو خفيةً
عن أكثر الناس، فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنن المتواترة.
وإذا قالوا: ذلك الواحد معصوم يحصل العلم بخبره.
قيل لهم: فلابدّ من العلم بعصمته أوّلاً، وعصمته لا تثبت بمجرد خبره قبل أن تعلم عصمته فإنه دور، ولا تثبت بالإِجماع فإنه لا إجماع فيها، وعند الإِمامية إنما يكون الاجماع حجة لأن فيهم الإِمام المعصوم، فيعود الأمر إلى إثبات عصمته بمجرد دعواه، فعلم أن عصمته لو كانت حقّاً لا بدّ أنْ تعلم بطريقٍ آخر غير خبره، فلو لم يكن لمدينة العلم باب إلّا هو لم يثبت لا عصمته ولا غير ذلك من أمور الدين.
فعلم أنّ هذا الحديث إنما افتراه زنديق جاهل ظنّه مدحاً، وهو يطرق الزنادقة إلى القدح في دين الاسلام، إذ لم يبلّغه إلّا واحد.
ثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر، فإن جميع مدائن الاسلام بلغهم العلم عن الرسول من غير علي:
أما أهل المدينة ومكة فالأمر فيهما [ فيهم ] ظاهر، وكذلك الشام والبصرة، فإن هؤلاء لم يكونوا يروون عن عليّ إلّا شيئاً قليلاً، وإنما كان غالب علمه في الكوفة، ومع هذا فأهل الكوفة كانوا تعلّموا القرآن والسنّة قبل أنْ يتولى عثمان فضلاً عن علي. وفقهاء أهل المدينة تعلّموا الدّين في خلافة عمر، وتعليم معاذ بن جبل لأهل اليمن ومقامه فيهم أكثر من عليّ، ولهذا روى أهل اليمن عن معاذ بن جبل أكثر ممّا رووا عن علي، وشريح وغيره من أكابر التابعين إنما تفقّهوا على معاذ ابن جبل، ولـمّا قدم علي الكوفة كان شريح فيها قاضياً، وهو وعبيدة السلماني تفقّها على غيره، فانتشر علم الإسلام في المدائن قبل أن يقدم علي الكوفة »(١) .
١ - بطلان دعوى ضعف الحديث
نقول: دعوى أن حديث مدينة العلم أضعف وأوهى، ولهذا إنما يعدّ في
____________________
(١). منهاج السنة ٤ / ١٣٨.
الموضوعات، إفك فضيح، لما عرفت سابقاً من صحّة هذا الحديث واستفاضته وشهرته بل وتواتره، حتى تجلّى ذلك كالشمس المنجلي عنها الغمام على رغم آناف المنكرين الطّغام، فمن العجيب تعامي ابن تيميّة عن جميع تلك النصوص والتصريحات من كبار المحقّقين، ومشاهير نقدة الأخبار والحديث المعتمدين!!
ثناء ابن تيمية على ابن معين وأحمد
أليس فيمن صحّح حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » يحيى بن معين هذا الرجل الذي أذعن ابن تيميّة نفسه - فيمن أذعن - بجلالة قدره وسمّو منزلته في علم الحديث ونقده؟ بل لقد عدّه ابن تيميّة فيمن يرجع إليه في التمييز بين الصّدق والكذب حيث قال: « المنقولات فيها كثير من الصدق وكثير من الكذب، والمرجع في التمييز بين هذا وهذا إلى أهل العلم بالحديث، كما يرجع إلى النحاة في الفرق بين لحن العرب ونحو العرب، ويرجع إلى علماء اللغة فيما هو من اللغة وما ليس من اللغة، وكذلك علماء الشعر والطب وغير ذلك، فلكلّ علمٍ رجال يعرفون به.
والعلماء بالحديث أجلّ هؤلاء، وأعظم قدراً، وأعظمهم صدقاً، وأعلاهم منزلة، وأكثرهم ديناً، فإنهم من أعظم الناس صدقاً وديناً وأمانةً وعلماً وخبرة بما يذكرونه من الجرح والتعديل، مثل: مالك، وشعبة، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، ويحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، ويحيى ابن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والعجلي، وأبي أحمد ابن عدي، وأبي حاتم البستي، وأبي الحسن الدار قطني.
وأمثال هؤلاء خلق كثير لا يحصى عددهم، من أهل العلم بالرجال والجرح والتعديل، وإنْ كان بعضهم أعلم من بعض، وبعضهم أعدل من بعض في وزن
كلامه، كما أنّ الناس في سائر العلوم كذلك »(١) .
فإذا كان « يحيى بن معين » في هذه المرتبة من الجلالة والعظمة عند ابن تيميّة، فلما ذا لا ينظر ابن تيميّة إلى تنصيص يحيى بن معين على صحة حديث مدينة العلم بعين الاعتبار؟ ولما ذا يقول ما لا يفعل؟ والله تعالى يقول:( لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) .
وذكر ابن تيميّة « يحيى بن معين » في موضع آخر من كتابه في جماعةٍ من أئمة أهل السنة، وصفهم بـ « أئمة الحديث ونقّاده وحكّامه وحفّاظه، الذين لهم خبرة ومعرفة تامة بأقوال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأحوال من نقل العلم والحديث عن النبي من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومن بعد هؤلاء من نقلة العلم » وإليك نصُّ عبارته كاملة لما فيها من الفوائد في هذا المقام:
« فإنْ قيل: فهذا الحديث قد ذكره طائفة من المفسّرين والمصنّفين في الفضائل، كالثعلبي والبغوي وأمثالهما، والمغازلي وأمثاله.
قيل له: مجرّد رواية هؤلاء لا توجب ثبوت الحديث باتّفاق أهل العلم بالحديث، فإن في كتب هؤلاء من الأكاذيب الموضوعة ما اتّفق أهل العلم على أنه كذب، والثعلبي وأمثاله لا يتعمّدون الكذب، بل فيهم من الصلاح والدّين ما منعهم من ذلك، لكن ينقلون ما وجدوه في الكتب، ويدوّنون ما سمعوه، وليس لأحدهم من الخبرة بالأسانيد ما لأئمة الحديث، كشعبة، ويحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، ومحمّد بن يحيى الذهلي، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين، وأبي عبد الله بن مندة، والدار قطني، وعبد الغني بن سعيد، وأمثال هؤلاء من أئمة الحديث ونقّاده
وقد صنّفوا الكتب الكثيرة في معرفة الرجال الذين نقلوا الآثار وأسمائهم،
____________________
(١). منهاج السنة ٤ / ١٠.
وذكروا أخبارهم وأخبار من أخذوا عنه، ومن أخذ عنهم، مثل: كتاب العلل وأسماء الرجال عن يحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري، ومسلم، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والترمذي، وأبي أحمد ابن عدي، وأبي حاتم ابن حبان، وأبي الفتح الأزدي، والدارقطني، وغيرهم »(١) .
فلماذا يعدّ حديث مدينة العلم في الموضوعات مع تصحيح يحيى بن معين إيّاه، وهو كالبخاري ومسلم ومشايخهما وأضرابهما من نقدة الحديث وحفاظه، والمرجع إليهم في تمييز صدقه من كذبه؟
وفي موضعٍ ثالثٍ يزيد في المبالغة والإِغراق في مدح يحيى بن معين فيقول في كلامٍ له:
« ومن أراد أن يعرف فضائلهم ومنازلهم عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فليتدبّر الأحاديث الصحيحة التي صحّحها أهل العلم بالحديث، الذين كملت خبرتهم بحال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ومحبّتهم له وصدقهم في التبليغ عنه، وصار هواهم تبعاً لما جاء به، فليس لهم غرض إلّا معرفة ما قاله، وتمييزه عمّا يخلط بذلك من كذب الكاذبين وغلط الغالطين، كأصحاب الحديث مثل: البخاري، ومسلم، والإِسماعيلي، والبرقاني، وأبي نعيم، والدار قطني، ثم مثل صحيح(٢) ابن خزيمة، وابن مندة، وأبي حاتم البستي، ثم الحاكم، وما صحّحه أئمة أهل الحديث الذين هم أجلّ من هؤلاء، أو مثلهم من المتقدمين والمتأخرين، مثل: مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين، وخلائق لا يحصي عددهم إلّا الله.
____________________
(١). منهاج السنة ٤ / ٨٤.
(٢). لفظة « الصحيح » لا تناسب المقام، فلعلّها من هفوات القلم.
فإذا تدبّر العاقل للأحاديث الصحيحة الثابتة عند هؤلاء وأمثالهم، عرف الصّدق من الكذب، فإنَّ هؤلاء من أكمل الناس معرفة بذلك، وأشدّهم رغبةً في التمييز بين الصّدق والكذب، وأعظمهم ذبّاً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهم المهاجرون إلى سنّته وحديثه والأنصار له في الدين، يقصدون ضبط ما قاله وتبليغه للناس، وينفون عنه ما كذبه الكاذبون، وغلط فيه الغالطون، ومن شركهم في عملهم علم ما قالوه، وعلم بعض قدرهم، وإلّا فليسلّم القوس إلى باريها، كما يسلم إلى الأطباء طبّهم، وإلى النحاة نحوهم، وإلى الفقهاء فقههم، وإلى الحسّاب حسابهم، وإلى أهل العلم بالأوقات علمهم »(١) .
فهذا الكلام صريح في أنّ « يحيى بن معين » ممّن كملت خبرته، وكبرت معرفته، بحال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وحديثه، وأنّ ما صحّحه صدق، وأنّه لابدَّ من تسليم أمر التمييز بين الصدق والكذب إليه
فلما ذا يقف هذا الموقف تجاه حديث مدينة العلم الذي ثبت تصحيح يحيى ابن معين إيّاه؟
وهل هذا إلّا تهافت؟
وأيضاً، فإنّ من رواة حديث مدينة العلم هو « أحمد بن حنبل »، وقد عرفت من كلمات ابن تيميّة ثنائه على أحمد أيضاً، إذ قد ذكره في عداد أئمة الحديث ونقدته وحفّاظه
لقد روى أحمد بن حنبل حديث مدينة العلم في فضائل ومناقب سيّدنا أمير المؤمنينعليهالسلام بطرقٍ متعدّدة، أفهل يعقل أنّ يروي أحمد حديثاً موضوعاً بطرقٍ عديدة، ويعدّه من فضائل عليعليهالسلام ، وهو ومصنّفاته على تلك الجلالة والعظمة التي وصفه بها ابن تيميّة؟
ولو كان حديث أنا مدينة العلم من الموضوعات لجعل ابن تيميّة مصنّفات
____________________
(١). منهاج السنة ٤ / ٢٥٢.
أحمد كمصنّفات الثعلبي والبغوي وأمثالهما الموصوفة عنده بالإِشتمال على الصّدق والكذب، لكنّه جعل مصنفات أحمد وأمثاله في مقابل مصنفات أولئك كما رأيت في عبارته السابقة، فإن هذا يدل على أنّ أحمد ما كان يدوّن في كتبه كلّ ما سمعه، فضلاً عن تعمّد الكذب ونقل الأحاديث الموضوعة.
فثبت بطلان زعم ابن تيميّة بكلام نفسه حول أحمد بن حنبل ومصنفاته.
بل لقد نصَّ ابن تيميّة على أنّ أحمد بن حنبل كان من العلماء الذين لا يروون عن شخص ليس بثقة عندهم، ولا يروون حديثاً يعلمون أنه عن كذّاب، وهذا نصّ كلامه حيث قال:
« والناس في مصنّفاتهم منهم من لا يروي عمّن يعلم أنه يكذب مثل: مالك، وشعبة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل. فإن هؤلاء لا يروون عن شخصٍ ليس بثقة عندهم، ولا يروون حديثاً يعلمون أنّه عن كذاب، ولا يروون أحاديث الكذابين الذين يعرفون بتعمّد الكذب »(١) .
فإذا كان هذا حال أحمد بن حنبل في اعتقاد ابن تيميّة، وقد عرفت أنّ أحمد يروي حديث مدينة العلم بطرقٍ عديدة، فإن هذا الحديث ليس بموضوعٍ، وليس رواته غير ثقاة، وإلّا لما رواه أحمد.
فظهر خزي ابن تيميّة حسب ما اعترف به في حق أحمد بن حنبل، والحمد لله ربّ العالمين.
اعتراف ابن تيميّة برواية الترمذي
واعترف ابن تيميّة في كلامه في ردّ حديث مدينة العلم برواية الترمذي إيّاه، والترمذي من أرباب الصحاح الستّة عند أهل السنّة، وقد وصفوا جامعه الصحيح بأعلى أوصاف المدح، وبعجائب المآثر العالية، وبجّلوه غاية التبجيل، حتّى لو أنّ
____________________
(١). منهاج السنة ٤ / ١٥.
أحداً حلف على صحّة أحاديثه بالطلاق لم يحنث، بل زعموا اتّفاق أهل الشرق والغرب على صحّة أحاديث الكتب الستة ومنها كتاب الترمذي وقد ذكرنا ذلك مفصّلاً في مجلّد حديث الطير.
فحديث مدينة العلم - المخرّج عند الترمذي باعتراف ابن تيميّة - لا يحنث من حلف على صحته بالطلاق، ويكون من الأحاديث المجمع على صحتها بين أهل الشرق والغرب، فمن طعن فيه فهو خارج عن دائرة الإِجماع كما قرّروا، وتكون عاقبته النار وبئس المصير.
ثناء ابن تيميّة على الترمذي واعتماده عليه
هذا كلّه من جهةٍ، ومن جهة أخرى فإنّ من يلاحظ كلمات ابن تيميّة نفسه في حقّ الترمذي، واعتماده على رواياته في مواضع عديدة من بحوثه، يتّضح له شناعة ردّه لحديث مدينة العلم مع اعترافه برواية الترمذي له، فمن ذلك: عدّه الترمذي في نقدة الحديث وحكّامه وحفّاظه وأنّه ليس كالثعلبي وأمثاله، الذين يروون الأحاديث الموضوعة، ويدوّنون كلّ ما سمعوه في كتبهم وقد تقدّم نصّ كلامه في ذلك قريباً.
وإذا كان هذا شأن الترمذي فإنّ العاقل لا يجوّز الطعن في حديث مدينة العلم - الذي اعترف ابن تيميّة رواية الترمذي له -، إذ لو صحّ الطّعن فيه لزم اشتمال كتاب الترمذي على الموضوعات كذلك، فلا يبقى فرق بينه وبين الثعلبي وغيره، وهذا ممّا لا يرتضيه ابن تيميّة، فلا مناص لابن تيميّة من التسليم بصحة حديث مدينة العلم شاء أو أبى.
ومن ذلك قوله:
« قال الرافضي: الثاني ما رووه عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. والجواب: المنع من الرواية، ومن دلالته على الإِمامة، فإن الاقتداء بالفقهاء لا يستلزم كونهم أئمة. وأيضاً: فإن أبابكر
وعمر قد اختلفا في كثير من الأحكام، فلا يمكن الإِقتدا بهما. وأيضاً: فإنه معارض بما رووه من قوله: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم، مع إجماعهم على انتفاء إمامتهم.
والجواب من وجوه أحدها: أنْ يقال: هذا الحديث أقوى من النص الذي يروونه في إمامة علي، فإن هذا معروف في كتب أهل الحديث المعتمدة، رواه أبو داود في سننه، والإِمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه. وأمّا النص على علي فليس في شيء من كتب أهل الحديث »(١) .
فكتاب الجامع الصحيح للترمذي من كتب أهل الحديث المعتمدة عند ابن تيميّة، ومن هنا يحتجّ به في مقابلة الشيعة، ويجعل ما أخرج فيه أقوى من النص على أمير المؤمنينعليهالسلام ، والعياذ بالله.
وهل يجوز أنْ يكون هذا الكتاب معتمداً في مورد حديث الإِقتداء المزعوم - بالرغم من ثبوت وضعه بوجوهٍ عديدة، وقد طعن الترمذي في بعض طرقه - ولا يكون معتمداً في مورد حديث مدينة العلم؟ لكن ابن تيميّة باحتجاجه بكتاب الترمذي قد أفحم نفسه في مورد حديث مدينة العلم الذي اعترف برواية الترمذي له، وأوضح للملأ أنّ طعنه في هذا الحديث ليس إلّا للعناد والتعصّب، نستجير بالله.
ومن ذلك قوله:
« ومع هذا، فقد أخبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في حق عمر من العلم والدين والإِلهام بما لم يخبر بمثله، لا في حق عثمان ولا علي لا طلحة ولا الزبير، ففي الترمذي عن ابن عمر: إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه. قال: وقال ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر إلّا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر. وفي سنن أبي داود عن
____________________
(١). منهاج السنة ٤ / ٢٣٨.
أبي ذررضياللهعنه قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به وفي الترمذي عن عقبة بن عامر قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب »(١) .
فأيّ إنصافٍ هذا؟! يُجعل حديث الترمذي حجةً على الشيعة، ومستَنداً في إثبات فضيلةٍ لعمر بن الخطاب يدعي أنها لم تكن لغيره، ويسقط عن الإِعتبار والإِعتماد في باب فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام ، وحديث مدينة العلم الصحيح الثابت؟!
غلوّ ابن تيميّة في ابن جرير الطبري
ومن رواة حديث مدينة العلم ومصحّحيه هو: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، إذ أخرج هذا الحديث في كتابه ( تهذيب الآثار ) وأثبته وحكم بصحته، كما عرفت سابقاً من عبارة ( جمع الجوامع ) لجلال الدين السّيوطي.
وقد ذكر ابن تيميّة ابن جرير الطبري بما لا يجوز لنا الإِذعان به، بل لا يجوز نقله والتفوّه به، ولكنّ ضرورة البحث تلجأ إلى إيراد نصّ عبارته هنا، حتى يتّضح مدى فظاعة ردّه للحديث الذي رواه الطبري لقد قال ابن تيميّة ما نصّه:
« وأمّا قوله: ولم يلتفتوا إلى القول بالرأي والإِجتهاد، وحرّموا الأخذ بالقياس والإِستحسان، فالكلام على هذا من وجوه:
أحدها: إن الشيعة في هذا مثل غيرهم، ففي أهل السنة النزاع في الرأي والإِجتهاد والقياس والإِستحسان، كما في الشيعة النزاع في ذلك، فالزيديّة تقول بذلك وتروي فيه الروايات عن الأئمة.
الثاني: إن كثيراً من أهل السنة العامة والخاصة لا تقول بالقياس، فليس كلّ من قال بإمامة الخلفاء الثلاثة قال بالقياس، بل المعتزلة البغداديون لا يقولون
____________________
(١). منهاج السنة ٤ / ١٦١.
بالقياس، وحينئذٍ، فإن كان القياس باطلاً أمكن الدخول في أهل السنة وترك القياس، وإنْ كان حقاً أمكن الدخول في أهل السنة والأخذ بالقياس.
الثالث: أن يقال: القول بالرأي والإِجتهاد والقياس والإِستحسان، خير من الأخذ بما ينقله من يعرف بكثرة الكذب عمّن يصيب ويخطي، نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم.
ولا يشك عاقل أن رجوع مثل مالك، وابن أبي ذئب، وابن الماجشون، والليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وشريك، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر، وحسن بن زياد اللؤلؤي، والشافعي، والبويطي، والمزني، وأحمد بن حنبل، وأبي داود السجستاني، والأثرم، وإبراهيم الحربي، والبخاري، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبي بكر بن خزيمة، ومحمد بن جرير الطبري، محمد بن نصر المروزي، وغير هؤلاء إلى اجتهادهم واعتبارهم، مثل أن يعلموا سنة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الثابتة عنه ويجتهدوا في تحقيق مناط الأحكام، وتنقيحها وتخريجها، خير لهم من أنْ يتمسّكوا بنقل الروافض عن العسكريين وأمثالهما!!
فإنَّ الواحد من هؤلاء أعلم بدين الله ورسوله من العسكريين أنفسهما!! فلو أفتاه أحدهما بفتيا كان رجوعه إلى اجتهاده أولى من رجوعه إلى فتيا أحدهما، بل هو الواجب عليه!!
فكيف إذا كان ذلك نقلاً عنهما من مثل الرافضة.
والواجب على مثل العسكريين وأمثالهما أنْ يتعلّموا من الواحد من هؤلاء!! »(١) .
إن صريح هذا الكلام أعلميّة محمد بن جرير الطبري من الإِمامين المعصومين العسكريين، وهما الإِمام علي بن محمد الهادي، والإِمام الحسن بن علي
____________________
(١). منهاج السنة ٤ / ٢٣١.
عليهما الصلاة والسلام، وأنّه يجب عليهما أن يتعلمـّا منه ومن أمثاله، نعوذ بالله من الضلالة والكفر.
فهذا صريح كلامه في الطبري، وهو في نفس الوقت لا ينظر إلى تصحيحه لحديث مدينة العلم بنظر الاعتبار، بل يتجاسر فيعدّه في الأحاديث الموضوعة، وما هذا إلّا من شدّة العناد وكثرة التعصّب
فالله حسيبه وحسيب أمثاله، وهو المنتصر من أعدائه بمخزيات عقابه ونكاله.
ثناء ابن تيميّة على الحاكم
وممّن أخرج حديث مدينة العلم وصحّحه هو الحاكم النيسابوري، لكن ابن تيميّة لا يعتني برواية الحاكم وتصحيحه ومساعيه الجميلة في سبيل إثبات هذا الحديث وتحقيقه على شرط البخاري ومسلم، بالرغم من علوّ مرتبته في علوم الحديث عند أهل السنّة قاطبة، وأنّ ابن تيميّة ذكره في أهل العلم بالحديث، الذين كانوا أكمل الناس خبرة بحال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكانوا أشدهم رغبةً في التمييز بين الصدق والكذب، فهم المهاجرون إلى سنة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وحديثه، يقصدون ضبط ما قاله وتبليغه للناس، وينفون ما كذبه الكاذبون، وغلط فيه الغالطون، إلى آخر ما قال.
فمن الغريب أمره العاقل بالتدبّر للأحاديث الصحيحة الثابتة عند هؤلاء وأمثالهم، لغرض معرفة الصدق من الكذب، ثم لا يفعل هو بما أمر به، وكأنّه ليس من العقلاء!
وعلى الجملة، فإن دعواه أنّ هذا الحديث الشريف « أضعف وأوهى، ولهذا إنما يعدّ في الموضوعات » من الأكاذيب الصّريحة الواضحة، والأباطيل الفضيحة اللائحة، ووجوه بطلانها لا تعدّ ولا تحصى كثرةً، وقد أشبعنا الكلام في إثبات هذا الحديث وتحقيقه بما لا مزيد عليه، والحمد لله على التوفيق.
٢ - سقوط التمسّك بقدح ابن الجوزي
وأمّا تمسّك ابن تيميّة بقدح ابن الجوزي في حديث مدينة العلم، فقد تقدّم الجواب عنه في ضمن ردّ كلام ( الدهلوي )، بحيث يذعن كلّ منصفٍ بصحة ما ذكرناه إذا وقف عليه، ولو تظاهر عظماء العلماء لما تمكّنوا من إنكاره وجحده، وكيف لا؟ وقد نصّ المحققون من أهل السنّة على تجاسر ابن الجوزي وتهوّره في الحكم على الأحاديث مطلقا، وأنّ جماعة منهم ردّوا كلامه في خصوص حديث مدينة العلم.
إذن، لا يجوز الاعتماد على كلام من اشتهر بين علماء أهل السنة وحفّاظهم بهذه الصفة، وعلى هذا الأساس أعرضوا عن كلماته في الأحاديث، أو توقّفوا عن قبولها، وقد بلغ سقوط تقوّلاته في خصوص هذا الحديث إلى حدٍّ انبرى جماعة من أعلام المحققين للردّ عليه وبيان فساده وبطلانه، إلّا أنّ ابن تيميّة لا يستحي من التمسّك بكلام ابن الجوزي الباطل، و« إذا لم تستح فاصنع ما شئت ».
ونحن كما فنّدنا كلام ابن تيميّة بالنسبة إلى حديث مدينة العلم بكلام نفسه، نثبت بطلان كلام ابن الجوزي الذي تمسّك به ابن تيميّة في ردّ هذا الحديث مزيداً للإِفحام والإِلزام، وذلك أنّ ابن الجوزي يقول في كتابه ( الموضوعات ): « فمتى رأيت حديثاً خارجاً عن دواوين الإسلام، كالموطأ، ومسند أحمد، والصحيحين، وسنن أبي داود، والترمذي، ونحوها، فانظر فيه، فإن كان له نظير في الصحاح والحسان فرتّب أمره، وإن ارتبت به فرأيته يباين الأصول فتأمّل رجال إسناده، واعتبر أحوالهم من كتابنا المسمّى بالضعفاء والمتروكين، فإنك تعرف وجه القدح فيه »(١) .
ففي هذا الكلام اعتراف بكون ( كتاب الترمذي ) من دواوين الإسلام،
____________________
(١). الموضوعات ١ / ٩٩.
وأنّ كلّ حديث مخرج فيه مقبول ومعتبر بلا نظرٍ وتردّد فيه، بل فيه تصريح بأنّ ما كان خارجاً عنه وعن غيره من دواوين الاسلام، وكان له نظير في الصحاح والحسان المخرجة في هذه الدواوين يرتّب أمره بلا ارتياب وهذا مقام جليل، وشأن عظيم لكتاب الترمذي وأمثاله وإذا كان كذلك فلما ذا يرمي ابن الجوزي حديث مدينة العلم المخرج في صحيح الترمذي مع الحكم بالحسن - كما مضى بيانه - بالوضع؟ هذا من موارد تسرّع ابن الجوزي، ومن مصاديق التهوّر كما وصفه بذلك كبار المحقّقين المتأخرين عنه.
فاللّازم من كلام ابن الجوزي نفسه أنْ يتوب عمّا قال في حديث مدينة العلم، وبذلك يزيد سقوط تمسّك ابن تيميّة بكلامه وضوحاً وظهوراً، ولله الحمد على ما أبان دحوض حجة هذا الناصب العنيد.
ثمّ إنَّ قوله: « وذكره ابن الجوزي وبيّن أنّ سائر طرقه موضوعة » كذب آخر، فإنّ ابن الجوزي لم يذكر جميع طرق حديث مدينة العلم، وإنما ذكر بعض طرقه التي كان يمكنه الخدشة في أسانيدها بزعمه، مع أنّ ما قاله بالنسبة إلى تلك الطرق غير مقبول لدى المحققين، ومن هنا تعقّبوا كلماته فيها. وأمّا سائر طرقه الصحيحة المخرجة في كتب علماء الحديث المعتمدة فلم يذكرها ابن الجوزي أصلاً، فقول ابن تيميّة أنه « بيّن أنّ سائر طرقه موضوعة » إفك صريح، وكذب فضيح.
٣ - قوله: « والكذب يعرف من نفس متنه »
فإن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا كان مدينة العلم، ولم يكن لها إلّا باب واحد، ولم يبلّغ عنه العلم إلّا واحد، فسد أمر الاسلام » من الخرافات الواضحة البطلان.
ومن يلاحظ ردود ابن تيميّة على الإِمامية، يرى أنّ كلماته في الغالب تنتهي إلى هدم مباني دين الإسلام، وتشييد أفكار المنكرين لنبوة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إلّا أنّه لفرط نفاقه وشدة شقاقه يسعى في سبيل الردّ على
الإِمامية غير مبالٍ بما يترتّب على أباطيله.
إنّ هذا الذي ذكره ابن تيميّة في جحد حديث مدينة العلم يمهّد الطّريق للكفّار لأن يقولوا: إنّه إذا كان الله عالما بشرائع الدين والأحكام التكليفية للعباد، ولم يبلّغها من جانبه في كلّ عصر إلّا واحد، لفسد أمر الدين وبطلت الشرائع، لأن التبليغ عن الله في كلّ عصر يلزم أن يكون بواسطة عدد كثير من الأنبياء يبلغون إلى حدّ التّواتر.
وهذا النقض كاف للردٍ على ما ذكره ابن تيميّة، لأنّ كلمـّا أجيب به عنه فهو جوابنا على كلامه الباطل.
وأيضاً: كما أنّ نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم بوحده كافٍ للإِبلاغ عن الله عزّ وجلّ، وأنّه لثبوت حقّيّته غير محتاج إلى أنْ يشاركه في الإخبار عن الله غيره، كذلك يكفي في الإِبلاغ عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وجود سيّدنا أمير المؤمنينعليهالسلام ، ولا حاجة إلى أن يشاركه أحد في الإِبلاغ كائناً من كان، للقطع بحقّيّة ما يبلّغه عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . وإنّ حديث مدينة العلم - بالإضافة إلى غيره من الأدلة - شاهد صدق على ذلك. ومن هنا جعل أهل العلم واليقين حديث مدينة العلم من أدلة عصمة أمير المؤمنين، وقد مرّ التصريح بذلك من نصوص أعاظم المخالفين.
والحاصل: كما لا يضر توحّد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في إبلاغه، بعد ثبوت حقّيّته، كذلك لا يضرّ توحّد الإِمام في تبليغه عن النبي، بعد ثبوت حقّيّته بالأدلة الكثيرة ومنها حديث مدينة العلم.
٤ - بطلان دعوى وجوب أن يكون المبلّغون أهل التواتر
وأمّا قول ابن تيميّة: « ولهذا اتفق المسلمون على أنّه لا يجوز أنْ يكون المبلِّغ عنه العلم واحداً، بل يجب أن يكون المبلِّغون أهل التواتر، الذين يحصل العلم بخبرهم » فظاهر السقوط جدّاً، لمنافاته لتصريحات أئمة علم أصول الفقه وعلوم
الحديث، كما لا يخفى على المتتبّع لها، فإنّ قاطبة أهل السنة يوجبون العمل بخبر الواحد، ولم يخالف في هذا الحكم إلّا شاذ لا يعبأ به، وإليك نصّ عبارة أبي الحسن البزدوي في هذا المطلب، ليتّضح بطلان دعوى ابن تيميّة بوجوهٍ عديدة:
قال البزدوي: « باب خبر الواحد(١) ، وهو الفصل الثالث من القسم الأول، وهو كلّ خبرٍ يرويه الواحد أو الاثنان فصاعداً، لا عبرة للعدد فيه، بعد أنْ يكون دون المشهور والمتواتر، وهذا يوجب العمل ولا يوجب العلم يقيناً عندنا، وقال بعض الناس: لا يوجب العمل، لأنه لا يوجب العلم، ولا عمل إلّا عن علم. قال الله تعالى:( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) وهذا لأن صاحب الشرع موصوف بكمال القدرة، فلا ضرورة له في التجاوز عن دليلٍ يوجب علم اليقين، بخلاف المعاملات لأنها من ضروراتنا، وكذلك الرأي من ضروراتنا، فاستقام أن يثبت غير موجب علم اليقين. وقال بعض أهل الحديث: يوجب علم اليقين، لما ذكرنا أنه أوجب العمل، ولا عمل من غير علم، وقد ورد الآحاد في أحكام الآخرة مثل: عذاب القبر، ورؤية الله تعالى بالأبصار، ولا حظّ لذلك إلّا العلم. قالوا: وهذا العلم يحصل كرامةً من الله تعالى، فثبت على الخصوص للبعض دون البعض، كالوطء تعلّق من بعض دون بعض، ودليلنا في أنّ خبر الواحد يوجب العمل واضح، من الكتاب والسنة والإجماع والدليل المعقول.
أمّا الكتاب: قال الله تعالى:( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ) وكل واحد إنما يخاطب بما في وسعه، ولو لم يكن خبره حجةً لما أمر ببيان العلم. وقال جلّ ذكره:( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ) وهذا في كتاب الله أكثر من أنْ يحصى.
وأمّا السنة: فقد صحّ عن النبيعليهالسلام قبوله خبر الواحد، مثل خبر بريرة في الهدية، وخبر سلمان في الهدية والصدقة، وذلك لا يحصى عدده، ومشهور
____________________
(١). في هذه العبارة وأمثالها شيء كثير من الأدلة والوقائع التي لا يصحّحها الاماميّة، فليتنبّه.
عنه أنّه بعث الأفراد إلى الآفاق، مثل علي ومعاذ وعتاب بن أسيد ودحية وغيرهم رضي الله عنهم، وهذا أكثر من أن يحصى وأشهر من أنْ يخفى. وكذلك أصحابه رضي الله عنهم عملوا بالآحاد وحاجّوا بها، قد ذكر محمدرحمهالله في هذا غير حديثٍ في كتاب الاستحسان، واقتصرنا على هذه الجملة لوضوحها واستفاضتها.
وأجمعت الأمة على قبول أخبار الآحاد من الوكلاء والرسل والمضاربين وغيرهم.
وأما المعقول فلأن الخبر يصير حجة بصفة الصدق، والخبر يحتمل الصدق والكذب، وبالعدالة بعد أهلية الأخبار يترجّح الصدق، وبالفسق الكذب، فوجب العمل برجحان الصّدق ليصير حجةً للعمل، ويعتبر احتمال السهو والكذب لسقوط علم اليقين، وهذا لأن العمل صحيح من غير علم اليقين، ألا ترى أنّ العمل بالقياس صحيح بغالب الرأي، وعمل الحكام بالبيّنات صحيح بلا يقين، فكذلك هذا الخبر من العدل يفيد علماً بغالب الرأي، وذلك كاف للعمل، وهذا ضرب علم فيه اضطراب، فكان دون علم الطمأنينة »(١) .
ولقد أكّد هذا المعنى وأوضح دلالة الأدلة عليه من الكتاب والسنة والإجماع والعقل: عبد العزيز بن أحمد البخاري في ( كشف الأسرار - شرح أصول البزدوي )، وهذا نصّ عبارته بطولها:
« قوله: وهذا أي خبر الواحد يوجب العمل ولا يوجب العلم يقيناً، أي لا يوجب علم يقين ولا علم طمأنينة وهو مذهب أكثر أهل العلم وجملة الفقهاء، وذهب بعض الناس إلى أن العمل بخبر الواحد لا يجوز أصلاً وهو المراد من قوله: لا يوجب العمل. ثم منهم من أبى جواز العمل به عقلاً مثل الجبائي وجماعة من المتكلمين، ومنهم من منعه سمعاً مثل القاساني وأبي داود والرافضة. واحتجّ من منع عنه سمعاً بقوله تعالى:( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) أي لا تتّبع ما لا
____________________
(١). الأصول - بشرح البخاري ٢ / ٦٧٨ - ٦٩٤.
علم لك به وخبر الواحد لا يوجب العلم، فلا يجوز اتّباعه والعمل به بظاهر هذا النص.
قالوا: ولا معنى لقول من قال: إن العلم ذكر نكرة في موضع النفي فيقتضي انتفاءه أصلاً، وخبر الواحد يوجب نوع علم وهو علم غالب الظن الذي سماه الله تعالى علماً في قوله تعالى( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ ) فلا يتناوله النهي.
لأنّا إنْ سلّمنا أنه يفيد الظن فهو محرّم الاتّباع أيضاً بقوله تعالى:( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) .
ثم أشار الشيخ إلى شبهة من منع عنه عقلاً بقوله: وهذا أي عدم جواز العمل به لأنّ صاحب الشرع أي من يتولى وضع الشرائع - وهو الله تعالى إذ الرسول مبلّغ عنه - موصوف بكمال القدرة، فكان قادراً على إثبات ما شرعه بأوضح دليل، فأي ضرورة له في التجاوز عن الدليل القطعي إلى ما لا يفيد إلّا الظن؟ كيف وإنه يؤدّي إلى مفسدة عظيمة، وهي أن الواحد لو روى خبراً في سفك دم أو استحلال بضع وربّما يكذب فنظر أنّ السفك والإِباحة بأمر الله تعالى ولا يكونان بأمره فكيف يجوز الهجوم بالجهل؟ ومن شككنا في إباحة بضعه وسفك دمه لا يجوز الهجوم بالشك، فيقبح من الشارع حوالة الخلق على الجهل واقتحام الباطل بالتوهم، بل إذا أمر الله تعالى بأمر فليعرّفنا أمره لنكون على بصيرة إما ممتثلون أو مخالفون، بخلاف المعاملات فإنّ خبر الواحد يقبل فيها بلا خلاف، لأنّها من ضروراتنا أي قبوله فيها من باب الضرورة لأنّا نعجز عن إظهار كلّ حق لنا بطريق لا يبقى فيه شبهة، فلهذا جوّزنا الإِعتماد فيها على خبر الواحد.
وقوله: وكذلك الرأي من ضروراتنا جواب عن تمسّكهم بالقياس في الأحكام، مع أنّه لا يفيد إلّا الظن فقال: هو من باب الضرورة أيضاً، لأن الحادثة إذا وقعت ولم يكن فيها نص يعمل به يحتاج إلى القياس ضرورة، ولأن القياس ليس بمثبت بل هو مظهر، وخبر الواحد مثبت، والإِظهار دون الإِثبات، وهذا على قول من جوّز التمسّك بالقياس منهم، فأمّا على قول من لم يجعل القياس
حجة مثل النظام وأهل الظاهر فلا حاجة إلى الفرق.
قوله: وقال بعض أصحاب الحديث، كذا ذهب أكثر الحديث إلى أن الأخبار التي حكم أهل الصنعة بصحتها توجب علم اليقين بطريق الضرورة، وهو مذهب أحمد بن حنبل، وذهب داود الظاهري إلى أنها توجب علماً إستدلالياً.
وأشار الشيخ إلى شبهة الفريقين، فمن قال بأنه يوجب العلم الاستدلالي تمسك بأن خبر الواحد لو لم يفد العلم لما جاز اتّباعه لنهيه تعالى عن اتّباع الظنّ بقوله تعالى:( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) وذمّه على اتّباعه في قوله جلّ جلاله:( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ ) ( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) . وقد انعقد الإجماع على وجوب الاتباع على ما تبيّن، فيستلزم إفادة العلم لا محالة. ومن قال إنه يوجب علما ضروريا قال: إنا نجد في أنفسنا في خبر الواحد الذي وجد شرائط صحته العلم بالمخبر به ضرورة من غير استدلال ونظر بمنزلة العلم الحاصل بالمتواتر. ويرد عليهم: أنه لو كان ضروريا لما وقع الاختلاف فيه، ولا استوى الكل فيه. فقالوا هذا العلم يحصل كرامة من الله تعالى فيجوز أن يختص به البعض، ووقوع الاختلاف لا يمنع من كونه ضرورياً كالعلم الحاصل بالمتواتر فإنه ضروري وقد وقع الاختلاف فيه.
قوله: قال الله تعالى:( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) الآية، أخبر الله تعالى أنه أخذ الميثاق والعهد من الذين اُوتوا الكتاب ليبيّنوه للناس ولا يكتموه منهم، فكان هذا أمراً بالبيان لكلّ واحد منهم ونهياً له عن الكتمان، لأنهم إنما يكلّفون بما في وسعهم، وليس في وسعهم أن يجتمعوا ذاهبين إلى كل واحد من الخلق شرقاً وغرباً للبيان، فيتعين أن الواجب على كلّ واحد منهم أداء ما عنده من الأمانة والوفاء بالعهد، ولأن الحكم في الجمع المضاف إلى الجماعة أنه يتناول كل واحد منهم، ولأن أخذ الميثاق من أصل الدين والخطاب للجماعة بما هو أصل الدين يتناول كلّ واحد من الأفراد، ثم ضرورة توجه الأمر بالإظهار إلى كل واحد أمر السامع بالقبول منه والعمل به، إذ أمر الشرع لا يخلو عن فائدة حميدة، ولا
فائدة في الأمر بالبيان والنهي عن الكتمان سوى هذا.
واعترض عليه: بأن انحصار الفائدة على القبول غير مسلّم، بل الفائدة هي الابتلاء فيستحق الثواب إنْ امتثلوا والعقاب إن لم يمتثلوا. ألا ترى أنّ الفاسق منهم داخل في هذا الخطاب مأمور بالبيان بحيث لو امتنع عنه يأثم ثم لا يقبل ذلك منه، وكذا الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين مأمورون بالتبليغ، وإن علم قطعاً بالوحي أنه لا يقبل منهم.
واُجيب عنه: بأن للبيان والتبليغ طرفين، طرف المبلّغ وطرف السامع، ولا بدّ من أن يتعلّق بكل طرف فائدة، ثم ما ذكرتم من الفائدة مختص بجانب المبلّغ وليس في طرف السامع فائدة سوى وجوب القبول والعمل به.
ولا يقال: بل فيه فائدة اُخرى وهي جواز العمل به. لأنا نقول: جواز العمل مستلزم لوجوبه، لأن من قال بالجواز قال بالوجوب، ومن أنكر الوجوب أنكر الجواز. وأما الفاسق فلا نسلّم وجوب البيان عليه قبل التوبة، بل الواجب عليه التوبة ثم ترتيب البيان عليه، فعلى هذا بيانه يفيد وجوب القبول عليه والعمل به كذا قال شمس الأئمة.
قوله: وقال:( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ) الآية، وجه التمسك به: إنه تعالى أوجب على كلّ طائفة خرجت من فرقة الإِنذار - وهو الإِخبار المخوف - عند الرجوع إليهم، وإنما أوجب الإِنذار طلباً للحذر لقوله:( لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) والترجّي من الله تعالى محال، فيحمل على الطلب اللازم وهو من الله تعالى أمر فيقتضي وجوب الحذر، والثلاثة فرقة والطائفة منها إمّا واحد أو اثنان، فإذا روى الراوي ما يقتضي المنع من فعلٍ وجب تركه لوجوب الحذر على السامع، وإذا وجب العمل بخبر الواحد والاثنين هاهنا وجب مطلقاً، إذ لا قائل بالفرق.
ولا يقال: الطائفة اسم للجماعة، بدليل لحوق هاء التأنيث بها فلا يصح حملها على الواحد والاثنين. لأنا نقول: اختلف المتقدّمون في تفسيرها، فقيل: هي اسم لعشرة، وقيل: لثلاثةٍ، وقيل: لاثنين، وقيل: لواحد وهو الأصح، فإنّ
المراد من قوله تعالى:( وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) الواحد فصاعداً. كذا قال قتادة، وكذا نقل في سبب نزول قوله تعالى:( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ) إنهما كانا رجلين أنصاريين بينهما مدافعة في حق فجاءَ أحدهما إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم دون الآخر. وقيل: كان أحدهما من أصحاب النبيعليهالسلام والآخر من أتْباع عبد الله بن اُبي المنافق على ما عرف. على أنّا لو حملناها على أكثر ما قيل وهو العشرة لا ينتفي توهّم الكذب عن خبرهم، ولا يخرج خبرهم عن الآحاد إلى التواتر.
ولا يقال: سلّمنا أن الراجع مأمور بالإِنذار بما سمعه، ولكن لا نسلّم أن السامع مأمور بالقبول، كالشاهد الواحد مأمور بأداء الشهادة ولا يجب القبول ما لم يتم نصاب الشهادة وتظهر العدالة بالتزكية. لأنا نقول: وجوب الإِنذار مستلزم لوجوب القبول على السامع كما بيّنا، كيف وقوله تعالى:( لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) يشير إلى وجوب القبول والعمل. فأما الشاهد الواحد فلا نسلّم أن عليه وجوب أداء الشهادة، لأن ذلك لا ينفع المدعي وربما يضرّ بالشاهد بأن يحدّ حد القذف إذا كان المشهود به زنا ولم يتم نصاب الشهادة.
وهذا أي الدليل على قبول خبر الواحد في كتاب الله أكثر من أنْ يحصى. منه:
قوله تعالى:( فَاسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) أمر بسؤال أهل الذكر ولم يفرّق بين المجتهد وغيره، وسؤال المجتهد لغيره منحصر في طلب الاخبار بما سمع دون الفتوى، ولو لم يكن القبول واجباً لما كان السؤال واجباً.
ومنه: قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ ) أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله. ومن أخبر عن الرسول بما سمع فقد قام بالقسط وشهد لله وكان ذلك واجباً عليه بالأمر، وإنما يكون واجباً لو كان القبول واجباً وإلّا كان وجوب الشهادة كعدمها وهو ممتنع.
ومنه: قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى )
الآية. أوعد على كتمان الهدى فيجب على من سمع من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم شيئاً إظهاره، فلو لم يجب علينا قبوله لكان الاظهار كعدمه.
ومنه: قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ) أمر بالتبيّن والتثبّت، وعلّل بمجيء الفاسق بالخبر، إذ ترتيب الحكم على الوصف لمناسب يشعر بالعليّة، ولو كان كون الخبر من أخبار الآحاد مانعاً من القبول لم يكن لهذا التعليل فائدة، إذ علّية الوصف اللازم تمنع من عليّة الوصف العارض، فإنّ من قال: الميت لا يكتب لعدم الدواة والقلم عنده يستقبح ويسفّه، لأن الموت ما كان وصفاً لازماً صالحاً لعلية امتناع صدور الكتابة عن الميت استحال تعليل امتناع الكتابة بالوصف العارض وهو عدم الدواة والقلم.
وفي كلٍّ من هذا التمسكات اعتراضات مع أجوبتها تركناها احترازاً عن لإِطناب.
قوله: مثل خبر بريرة في الهدية. فإنه روي أنهعليهالسلام قبل قولها في الهدية. وخ بر سلمان في الهدية والصدقة، فإنه روي أنّ سلمانرضياللهعنه كان من قوم يعبدون الخيل البلق، فوقع عنده أنه ليس على شيء، وجعل ينتقل من دين إلى دين طالباً للحق حتى قال له بعض أصحاب الصوامع: لعلّك تطلب الحنيفية وقد قرب أوانها فعليك بيثرب، ومن علامات النبي المبعوث أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة وبين كتفيه خاتم النبوة. فتوجّه نحو المدينة فأسره بعض العرب وباعه من اليهود بالمدينة، وكان يعمل في نخيل مولاه بإذنه، حتى هاجر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المدينة، فلما سمع بمقدم النبي عليه الصلاة والسلام أتاه بطبق فيه رطب ووضعه بين يديه فقال: ما هذا؟ فقال: صدقة. فقال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل. فقال سلمان في نفسه: هذه واحدة. ثم أتاه من الغد بطبق فيه رطب فقال: ما هذا يا سلمان؟ فقال: هدية. فجعل يأكل ويقول لأصحابه: كلوا. فقال سلمان: هذه أخرى. ثم تحوّل خلفه فعرف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مراده فألقى الرداء من كتفيه حتى نظر سلمان إلى خاتم النبوّة
بين كتفيه فأسلم. فقبل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قوله في الصدقة والهدية، مع أنه كان عبداً حينئذ.
وذلك أي قبول خبر الواحد منه كثير، فإنّه قبل خبر أم سلمى في الهدايا أيضاً. وكانت الملوك يهدون إليه على أيدي الرسل وكان يقبل قولهم، ولا شك أن الإِهداء منهم لم يكن على أيدي قوم لا يتصور تواطؤهم على الكذب. وكان يجيب دعوة المملوك ويعتمد على خبره أني مأذون. وقبل شهادة الأعرابي في الهلال، وقبل خبر الوليد بن عقبة حين بعثه ساعيا إلى قوم فأخبر أنهم ارتدّوا حتى أجمع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على غزوهم فنزل قوله تعالى:( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ ) الآية. وكان يقبل أخبار الجواسيس والعيون المبعوثة إلى أرض العدو.
ومشهور عنه أي قد اشتهر واستفاض بطريق التواتر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه بعث الأفراد إلى الآفاق لتبليغ الرسالة وتعليم الأحكام، فإنه بعث علياًرضياللهعنه إلى اليمن أميراً، وبعده بعث معاذا أيضاً إلى اليمن أميراً لتعليم الأحكام والشرائع، وبعث دحية بن خليفة الكلبي بكتابه إلى قيصر وهرقل بالروم، وبعث عتّاب بن أسيد إلى مكة أميراً معلمـّا للشرائع، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي بكتابه إلى كسرى، وعمرو بن اُمية الضمري إلى الحبشة، وعثمان ابن أبي العاص إلى الطائف وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإِسكندرية، وشجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني بدمشق، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن خليفة باليمامة، وأنفذ عثمان بن عفان إلى أهل مكة عام الحديبية، وولّى على الصدقات عمر، وقيس بن عاصم، ومالك بن نويرة، والزبرقان بن بدر، وزيد بن حارثة، وعمرو بن العاص، وعمرو ابن حزم، وأسامة بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبا عبيدة بن الجراح، وغيرهم ممن يطول ذكرهم. وإنما بعث هؤلاء ليدعوا إلى دينه وليقيموا الحجة، ولم يذكر في موضع مّا أنه بعث في وجهٍ واحدٍ عدداً يبلغون حدّ التواتر وقد ثبت باتفاق أهل السير أنّه كان يلزمهم قبول قول رسله وسعاته وحكامه، وإن احتاج في كل رسالة
إلى إنفاذ عدد التواتر لم يف بذلك جميع أصحابه وخلت دار هجرته عن أصحابه وأنصاره، وتمكّن منه أعداؤه وفسد النظام والتدبير، وذلك وهم باطل قطعاً.
فتبين بهذا أنّ خبر الواحد موجب للعمل مثل التواتر، وهذا دليل قطعي لا يبقى معه عذر في المخالفة. كذا ذكر الغزالي وصاحب القواطع.
قوله: وكذلك الصحابة عملوا بالآحاد وحاجّوا بها في وقائع خارجة عن العد والحصر من غير نكير منكر ولا مدافعة دافع، فكان ذلك منهم إجماعاً على قبولها وصحة الإِحتجاج بها.
فمنها: ما تواتر أن يوم السقيفة لمـّا احتجّ أبو بكررضياللهعنه على الأنصار بقوله عليه الصلاة والسلام: الأئمة من قريش، قبلوه من غير إنكار عليه.
ومنها: رجوعهم إلى خبر أبي بكررضياللهعنه في قوله عليه الصلاة والسلام: الأنبياء يدفنون حيث يموتون. و قوله عليه الصلاة والسلام: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة. ومنها: رجوعه إلى توريث الجدّة بخبر المغيرة ومحمد بن مسلمة أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أعطاها السدس، ونقضه حكمه في القضية التي أخبر بلال أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حكم فيها بخلاف ما حكم هو فيها.
ورجوع عمررضياللهعنه عن تفصيل الأصابع في الدية - حيث كان يجعل في الخنصر ستة من الإبل وفي البنصر تسعة وفي الوسطى والسبابة عشرة عشرة وفي الإِبهام خمسة عشر - إلى خبر عمرو بن حزم أن في كل إصبع عشرة. وعن عدم توريث المرأة من دية زوجها إلى توريثها منها بقول الضحاك بن مزاحم أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كتب إليه أن يورّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، وعمله بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس وهو قوله عليه الصلاة والسلام: سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب، وعمله بخبر حمل بن مالك وهو قوله: كنت بين جارتين لي يعني ضرّتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فألقت جنيناً ميّتاً، فقضى فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بغرّة فقال عمررضياللهعنه : لو لم
نسمع هذا لقضينا فيه برأينا.
ومنها: إن عثمانرضياللهعنه أخذ برواية فريعة بنت مالك حين قالت: جئت إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم استأذنه بعد وفاة زوجي في موضع العدة فقال: امكثي حتى تنقضي عدّتك، ولم ينكر الخروج للاستفتاء في أن المتوفى عنها زوجها تعتدّ في منزل الزوج ولا تخرج ليلاً ولا نهاراً إذا وجدت من يقوم بأمرها.
ومنها: ما اشتهر من عمل عليرضياللهعنه برواية المقداد في حكم المذي، ومن قبوله خبر الواحد واستظهاره باليمين حتى قال في الخبر المشهور: كنت إذا سمعت من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حديثاً نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدّثني غيره حلّفته فإذا حلف صدّقته والتحليف إنما كان للاحتياط في سياق الحديث على وجهه، ولئلا يقدم على الرواية بالظن، لا لتهمة الكذب.
ومنها: رجوع الجمهور إلى خبر عائشة رضي الله عنها في وجوب الغسل بإلتقاء الختانين.
ومنها: عمل ابن عباس بخبر أبي سعيد الخدري في الرّبا في النقد بعد أن كان لا يحكم بالربا في غير النسيئة. ومنها: عمل زيد بن ثابترضياللهعنه بخبر امرأة من الأنصار أنّ الحائض تنفر بلا وداع، بعد أن كان لا يرى ذلك. ومنها: ما روي عن أنسرضياللهعنه قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب شراباً إذْ أتانا آت وقال: إن الخمر قد حرّمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهر ليس لنا فضربتها إلى أسفله حتى تكسّرت. ومنها: ما اشتهر من عمل أهل قبا في التحوّل عن القبلة إلى الكعبة حيث أخبرهم واحد أن القبلة نسخت. ومنها: ما روي عن ابن عمررضياللهعنه أنه قال: كنا نخابر أربعين سنة ولا نرى به بأساً، حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم نهى عن المخابرة فانتهينا.
وعلى ذلك جرت سنّة التابعين كعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وسعيد ابن جبير، ونافع بن جبير، وخارجة بن زيد، وأبي سليمان بن عبد الرحمن، وسليمان
ابن بشار، وعطاء بن بشار، وطاوس، وسعيد بن المسيب، وفقهاء الحرمين. وفقهاء البصرة، كالحسن، وابن سيرين. وفقهاء الكوفة وتابعيهم، كعلقمة والأسود والشعبي، ومسروق. وعليه جرى من بعدهم من الفقهاء من غير إنكار عليهم من أحد في عصر.
واعلم أنّ هذه الأخبار وإنْ كانت أخبار آحاد لكنها متواترة من جهة المعنى، كالأخبار الواردة بسخاء حاتم وشجاعة عليرضياللهعنه . فلا يكون لقائل أنْ يقول: ما ذكرتموه في إثبات كون خبر الواحد حجة هي أخبار آحاد، وذلك يتوقف على كونها حجة فيدور. ولئن قال الخصوم: لا نسلّم أنهم عملوا بها بل لعلّهم عملوا بغيرها من نصوص متواترة أو أخبار آحاد مع ما اقترن بها من المقاييس وقرائن الأحوال. فلا وجه له، لأنه عرف من سياق تلك الأخبار أنهم إنما عملوا بها على ما قال عمررضياللهعنه : لو لم نسمع بهذا لقضينا برأينا، وحيث قال ابنه: حتى روى رافع بن خديج إلى آخره.
فإن قيل: ما ذكرتم من قبولهم خبر الواحد معارض بإنكارهم إيّاه في وقائع كثيرة، فإن أبا بكررضياللهعنه أنكر خبر المغيرة في ميراث الجدّة حتى انضمّ إليه رواية محمد بن مسلمة، وأنكر عمررضياللهعنه خبر فاطمة بنت قيس في السكنى، وأنكرت عائشة رضي الله عنها خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، وردّ عليرضياللهعنه خبر معقل بن سنان الأشجعي في قصة بروع بنت واشق. قلنا: إنهم إنما أنكروا لأسباب عارضة، من وجود معارض أو فوات شرط، لا لعدم الاحتجاج بها في جنسها. فلا يدل على بطلان الأصل، كما أن ردّهم بعض ظواهر الكتاب وتركهم بعض أنواع القياس، وردّ القاضي بعض الشهادات لا يدل على بطلان الأصل.
قوله: وقد ذكر محمد في هذا أي قبول خبر الواحد غير حديث أي أحاديث كثيرة، وقد ذكرنا أكثرها فيما أوردناه واختصرنا هذه الجملة، أي اكتفينا بإيراد ما ذكرنا من خبر بريرة وسلمان وتبليغ معاذ وغيرها ولوضوحها. أو معناه: لم نذكر ما
أورده محمد لشهرتها. ولفظ التقويم: ونحن سكتنا عنها اختصاراً واكتفاءً بما فعل الناس.
قوله: وأجمعت الاُمة على كذا. أي الإِجماع منهم في هذه الصور على القبول يدل على ثبوت الحكم في المتنازع فيه. وبيانه: إن الاجماع قد انعقد منهم على قبول خبر الواحد في المعاملات، فإن العقود كلّها بنيت على أخبار الآحاد، مع أنّه قد يترتّب على خبر الواحد في المعاملات ما هو حق الله تعالى كما في الإِخبار بطهارة الماء ونجاسته، والإخبار بأن هذا الشيء أو هذه الجارية أهدى إليك فلان، وأنّ فلاناً وكّلني ببيع هذه الجارية، أو بيع هذا الشيء. وأجمعوا أيضاً على قبول شهادة من لا يقع العلم بقوله، مع أنها قد يكون في إباحة دمٍ وإقامة حدّ واستباحة فرجْ، وعلى قبول قول المفتي للمستفتي مع أنه قد يجيب بما بلغه عن الرسول عليه التحية والسلام بطريق الآحاد، فإذا جاز القبول فيما ذكرنا من أمر الدين والدنيا جاز في سائر المواضع.
فإنْ قيل: الفرق بين المحلّين ثابت، فإنّ في بعض المعاملات قد يقبل خبر من يسكن القلب إلى صدقه من صبي وفاسق بل كافر، ولا يقبل خبر هؤلاء في أخبار الدين، فكيف يحتجّ بهذا الفصل مع وقوع الفرق بينهما؟ قلنا: محل الاستدلال هو استعمال قول من لا يؤمن الغلط عليه ووقوع الكذب منه وهو موجود في الأمرين، وإن كان أحدهما يتساهل فيه ما لا يتساهل في الآخر، وإنما يراعى في الجمع والفرق الوصف الذي يتعلق به الحكم دون ما عداه. وما ذكروا من الفرق بين المعاملات وأخبار الدين ليس بصحيح، لأن الضرورة متحققة في الأخبار كتحققها في المعاملات، لأن المتواتر لا يوجد في كل حادثة ولو ردّ خبر الواحد بشبهةٍ في النقل لتعطّلت الأحكام، فأسقطنا اعتبارها في حق العمل كما في القياس والشهادة.
وأما الجواب عن تمسّكهم بالآيتين فنقول: لا نسلّم أن المراد منهما المنع عن اتّباع الظن مطلقاً، بل المراد المنع من اتّباعه فيما المطلوب منه العلم اليقين من
اُصول الدين وفروعه. وقيل: المراد من الآية أعني قوله تعالى:( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) منع الشاهد من جزم الشهادة إلّا بما يتحقق. على أنّا ما اتّبعنا الظن فيه وإنما اتّبعنا الدليل القاطع الذي يوجب العمل بخبر الواحد من السنّة المتواترة والإِجماع »(١) .
وقال الفخر الرازي ما نصه: « المسلك الرابع: الاجماع. العمل بالخبر الذي لا يقطع مجمع عليه بين الصحابة، فيكون العمل به حقّاً. إنما قلنا: إنه مجمع عليه بين الصحابة، لأن بعض الصحابة عمل بالخبر الذي لا يقطع على صحته، ولم يبد من أحدهم إنكار على فاعله، وذلك يقتضي حصول الإِجماع. وإنما قلنا إن بعض الصحابة عمل به لوجهين:
الأول: وهو أنه روي بالتواتر أن يوم السقيفة لمـّا احتج أبو بكررضياللهعنه على الأنصار بقولهعليهالسلام : الأئمة من قريش، مع كونه مخصصاً لعموم قوله تعالى:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) قبلوه ولم ينكر عليه أحد، ولم يقل أحد: كيف تحتجّ علينا بخبر لا نقطع بصحته، فلمّا لم يقل أحد منهم ذلك علمنا أن ذلك كالأصل المقرّر عندهم.
الثاني: الاستدلال بأمور لا ندّعي التواتر في كلّ واحد منها بل في مجموعها، وتقريره: إن الصحابة عملوا على وفق خبر الواحد، ثم نبيّن أنهم عملوا به لا بغيره. وأما المقام الأول فبيانه بصور:
( أ ) رجوع الصحابة إلى خبر الصديق رضي الله عنهم في قولهعليهالسلام : الأنبياء يدفنون حيث يموتون وفي قوله: الأئمة من قريش. و في قولهعليهالسلام : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث.
( ب ) روي أن أبا بكررضياللهعنه رجع في توريث الجدّة إلى خبر المغيرة ابن شعبة ومحمد بن مسلمة، ونقل عنه أيضاً أنه قضى بقضيّة بين اثنين فأخبره
____________________
(١). كشف الأسرار ٢ / ٦٧٨ - ٦٩٤.
بلال أنهعليهالسلام قضى بخلاف قضائه فنقضه.
( ج ) روي أن عمررضياللهعنه كان يجعل في الأصابع نصف الدية ويفصل بينهما، فيجعل في الخنصر ستّة وفي البنصر تسعة وفي الوسطى والسبابة عشرة عشرة، وفي الإِبهام خمسة عشر، فلما روي له في كتاب عمرو بن حزم أن في كل إصبع عشرة رجع من رأيه. وقال في الجنين: رحم الله أمرأً سمع من رسول اللهعليهالسلام شيئاً. فقام إليه حمل بن مالك فأخبره بأن الرسول عليه الصلاة والسلام قضى بغرّة فقال عمررضياللهعنه : لو لا سمعنا هذا لقضينا فيه بغيره.
( د ) وإنه كان لا يرى توريث المرأة من دية زوجها، فأخبره الضحاك أنهعليهالسلام كتب إليه أن يورّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. فرجع إليه.
( ه ) تظاهرت الرواية أن عمر رضي الله تعالى عنه قال في المجوس: ما أدري ما الذي أصنع بهم، فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد أني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: سنّوا بهم سنة أهل الكتاب، فأخذ منهم الجزية وأقرّهم على دينهم.
( و) أنه ترك رأيه في بلاد الطاعون بخبر عبد الرحمن.
( ز ) روي عن عثمان أنه رجع إلى قول فريعة بنت مالك اُخت أبي سعيد الخدري حين قالت: جئت إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أستأذنه بعد وفاة زوجي في موضع العدة فقالعليهالسلام : امكثي في بيتك حتى تنقضي عدّتك، ولم ينكر عليها الاستفتاء، فأخذ عمر روايتها في الحال في أن المتوفى عنها زوجها تعتد في منزل الزوج، ولا تخرج ليلاً وتخرج نهاراً إنْ لم يكن لها من يقوم بأحوالها.
( ح ) إشتهر عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان يحلّف الراوي، وقبل رواية أبي بكررضياللهعنه من غير حلف. وأيضاً: قبل رواية المقداد في حكم المذي.
( ط ) رجوع الجماهير إلى قول عائشة رضي الله عنها في وجوب الغسل من التقاء الختانين.
( ي ) رجوع الصحابة في الربا إلى خبر أبي سعيد.
( يا ) قال ابن عمر رضي الله عنهما: كنّا نخابر أربعين سنة ولا نرى بها بأساً حتى روى لنا رافع بن خديج نهيهعليهالسلام عن المخابرة.
( يب ) قال أنس: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبيّ بن كعب شراباً أتانا آتٍ فقال: حرمت الخمر. فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت فكسرتها.
( يج ) اشتهر عمل أهل قبا في التحوّل عن القبلة بخبر الواحد.
( يد ) قيل لابن عباس رضي الله عنهما: إن فلاناً يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل فقال ابن عبّاس: كذب عدو الله، أخبرني أبيّ بن كعب قال: خطبنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وذكر موسى والخضر بشيء يدل على أن موسى صاحب الخضر هو موسى بني إسرائيل.
( يه ) عن أبي الدرداء أنّه لمـّا باع معاوية شيئاً من أواني الذهب والفضّة بأكثر من وزنها قال أبو الدرداء: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ينهى عنه. فقال معاوية: لا أرى به بأساً. فقال أبو الدرداء: من معذري من معاوية! أخبره عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو يخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أبداً.
فهذه الأخبار قطرة من بحار هذا الباب، ومن نظر في كتب الأخبار وجد فيها من هذا الجنس ما لا حدّ له ولا حصر، وكل واحد منها وإن لم يكن متواترا لكنّ القدر المشترك بين الكلّ وهو العمل على وفق الخبر الذي لا يعلم صحته معلوم، فصار ذلك متواترا في المعنى.
أما المقام الثاني، وهو أنهم إنما عملوا على وفق هذه الأخبار لأجلها، فبيانه من وجهين: الأول: لو لم يعملوا لأجلها بل لأمر آخر، إما لاجتهاد تجدّد لهم، أو ذكروا شيئاً سمعوه من الرسولعليهالسلام ، لوجب من جهة الدين والعادة أن ينقلوا ذلك. أما العادة: فلأن الجمع العظيم إذا اشتد اهتمامهم بأمر قد التبس عليهم، ثم زال اللبس عنهم فيه بدليل سمعوه أو لرأي حدث لهم فإنّه لا بدّ لهم
من إظهار ذلك الدليل والاستبشار بسبب الظفر والعجب من ذهاب ذلك عليهم، فإنْ جاز في الواحد أن لا يظهر له ذلك لم يجز ذلك في الكل. وأما الدين: فلأن سكوتهم عن ذكر ذلك الدليل وعملهم عند الخبر بموجبه يوهم أنهم عملوا لأجله كما يدل عملهم بموجب آية سمعوها على أنهم عملوا لأجلها. وإيهام الباطل غير جائز »(١) .
وقال عضد الدين الإِيجي بشرح مختصر ابن الحاجب: « قد ثبت جواز التعبّد بخبر الواحد وهو واقع، بمعنى أنه يجب العمل بخبر الواحد، وقد أنكره القاشاني والرافضة وابن داود. والقائلون بالوقوع قد اختلفوا في طريق إثباته، والجمهور على أنه يجب بدليل السمع، وقال أحمد والقفال وابن سريج وأبو الحسين البصري بدليل العقل.
لنا: إجماع الصحابة والتابعين، بدليل ما نقل عنهم من الاستدلال بخبر الواحد وعملهم به في الوقائع المختلفة التي لا تكاد تحصى، وقد تكرّر ذلك مرة بعد اُخرى وشاع وذاع بينهم، ولم ينكر عليهم أحد وإلّا نقل، وذلك يوجب العلم العادي باتّفاقهم كالقول الصريح، وإن كان احتمال غيره قائماً في واحد.
فمن ذلك: عمل أبو بكر بخبر المغيرة في ميراث الجدّة، وعمل عمر بخبر عبد الرحمن في جزية المجوس، وبخبر حمل بن مالك في وجوب الغرة بالجنين، وبخبر الضحاك في ميراث الزوجة من دية الزوج، وبخبر عمرو بن حزم في دية الأصابع. وعمل عثمان وعلي بخبر فريعة في أن عدّة الوفاة في منزل الزوج، وعمل ابن عباس بخبر أبي سعيد بالربا في النقد، وعمل الصحابة بخبر أبي بكر: الأئمة من قريش، والأنبياء يدفنون حيث يموتون، ونحن معاشر الأنبياء لا نورّث. إلى غير ذلك مما لا يجدي استيعاب النظر فيه إلّا التطويل، وموضعه كتب السير.
وقد اعترض عليه بوجوه، الأول: قولهم: لا نسلّم أن العمل في هذه
____________________
(١). المحصول في علم الأصول ٢ / ١٨٠ - ١٨٤.
الوقائع كان بهذه الأخبار، إذ لعلّه بغيرها، ولا يلزم من موافقة العمل الخبر أن يكون به على أنه السبب للعمل. والجواب: إنه قد علم من سياقها أن العمل بها، والعادة تحيل كون العمل بغيرها.
الثاني: قولهم: هذا معارض بأنه أنكر أبو بكر خبر المغيرة حتى رواه محمد ابن مسلمة، وأنكر عمر خبر أبي موسى في الاستيذان حتى رواه أبو سعيد، وأنكر خبر فاطمة بنت قيس وقال: كيف نترك كتاب الله بقول امرأة لا نعلم أصدقت أم كذبت، وردّ علي خبر أبي سنان وكان يحلّف غير أبي بكر، وأنكرت عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه. والجواب: إنهم إنما أنكروه مع الارتياب وقصروه في إفادة الظن، وذلك مما لا نزاع فيه. وأيضا: فلا يخرج بانضمام ما ذكرتم من كونه خبر واحد وقد قبل مع ذلك فهو دليل عليكم لا لكم.
الثالث: إنهم انما قالوا لعلّها أخبار مخصوصة تلقّوها بالقبول، فلا يلزم في كلّ خبر. الجواب: إنا نعلم أنهم عملوا بها لظهورها وإفادتها الظن لا بخصوصياتها كظواهر الكتاب المتواتر، وهو اتفاق على وجوب العمل بما أفاد الظن.
ولنا أيضاً: تواتر أنه كانصلىاللهعليهوآلهوسلم ينفذ الآحاد إلى النواحي لتبليغ الأحكام، مع العلم بأن المبعوث إليهم كانوا مكلّفين بالعمل بمقتضاه ».
وقال التفتازاني في شرح التوضيح: « واستدلّ على كون الخبر الواحد موجبا للعمل بالكتاب والسنّة. أمّا الكتاب: فقوله تعالى:( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ) الآية. وذلك أن لعلّ هنا للطلب أي الإِيجاب لامتناع الترجي على الله تعالى، والطائفة بعض من الفرقة واحد واثنان، إذ الفرقة هي الثلاثة فصاعدا. وبالجملة لا يلزم أن يبلغ حد التواتر، فدل على أن قول الآحاد يوجب الحذر. وقد يجاب: بأن المراد الفتوى في الفروع بقرينة التفقّه، ويلزم تخصيص القوم بغير المجتهدين بقرينة أن المجتهد لا يلزمه وجوب الحذر بخبر الواحد، لأنه ظنّي وللمجتهد فيه مساغ ومجال. على أن كون لعلّ للإيجاب والطلب محل نظر. ثم قوله تعالى:( كُلِ
فِرْقَةٍ ) وإنْ كان عاماً إلّا أنه قد خصّ بالإِجماع على عدم خروج واحد من كل ثلاثة.
وأما السنّة فلأنّهعليهالسلام قبل خبر بريرة في الهدية، وخبر سلمان في الهدية والصدقة حين أتى بطبق رطب فقال: هذا صدقة فلم يأكل منه، وأمر أصحابه بالأكل، ثمّ أتى بطبق رطب وقال: هذا هدية، فأكل وأمر أصحابه بالأكل. ولأنهعليهالسلام كان يرسل الأفراد من أصحابه إلى الآفاق لتبليغ الأحكام وإيجاب قبولها على الأنام. وهذا أولى من الأول لجواز أن يحصل للنبيعليهالسلام علم بصدقهما، على أنه إنما يدل على القبول دون وجوبه.
فإنْ قيل: هذه أخبار آحاد فكيف يثبت به كون خبر الواحد حجة وهو مصادرة على المطلوب؟ قلنا: تفاصيل ذلك وإنْ كانت آحاداً إلّا أن جملتها بلغت حد التواتر، كشجاعة عليرضياللهعنه وجود حاتم، وإن لم يلزم التواتر فلا أقل من الشهرة.
وربما يستدل بالاجماع، وهو أنه نقل من الصحابة وغيرهم الاستدلال بخبر الواحد وعملهم به في الوقائع المختلفة التي لا تكاد تحصى، وتكرّر ذلك وشاع من غير نكير، وذلك يوجب العلم عادة بإجماعهم كالقول الصريح، وقد دلّ سياق الأخبار على أن العمل في تلك الوقائع كان بنفس خبر الواحد، وما نقل من إنكارهم بعض أخبار الآحاد إنما كان عن قصور في إفادة الظن ووقوع ريبة في الصدق »(١) .
ولقد أكثر العلماء من الأدلة المختلفة في هذه المسألة، وبلغ القول بحجيّة خبر الواحد حداً من الخطورة، حتّى ألّف الكثيرون من علماء أهل السنة في هذه المسألة مصنّفاتٍ مستقلّات، نصّ على ذلك الحافظ النووي حيث قال: « وقد تظاهرت دلائل النصوص الشرعيّة والحجج العقليّة، على وجوب العمل بخبر.
____________________
(١). التلويح في شرح التوضيح - مبحث خبر الواحد.
الواحد، وقد قرّر العلماء في كتب الفقه والاُصول ذلك بدلائله، وأوضحوه أوضح [ أبلغ ] إيضاح، وصنّف جماعات من أهل الحديث وغيرهم مصنّفات مستكثرات مستقلات في خبر الواحد ووجوب العمل به. والله أعلم »(١) .
٥ - قوله: « خبر الواحد لا يفيد العلم الا بقرائن
وتلك قد تكون منتفية أو خفية عن أكثر الناس، فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنن المتواترة» والكلام عليه في وجوه:
١ ) قال أحمد: خبر الواحد يفيد العلم مطلقا ً
إنّ هذا الكلام ردّ على أحمد بن حنبل، القائل بإفادة خبر الواحد العلم حتى مع عدم القرينة، فقد ذكر القاضي عضد الدين الإِيجي ما نصّه: « قد اختلف في خبر الواحد العدل هل يفيد العلم أو لا؟ والمختار: إنه يفيد العلم لانضمام القرائن، وعنى به الزائدة على ما لا ينفك التعريف عنه عادةً. وقال قوم: يحصل العلم به بغير قرينة أيضاً. ثم اختلفوا فقال أحمد في قول: يحصل العلم به بلا قرينة ويطرد، أي كلمـّا حصل خبر الواحد حصل العلم. وقال قوم: لا يطرد، أي قد يحصل العلم به، لكن ليس كلما حصل حصل العلم به. وقال الأكثرون: لا يحصل العلم به، لا بقرينةٍ ولا بغير قرينة »(٢) .
وقال جلال الدين المحلّي في ( شرح جمع الجوامع ): « [ مسألة: خبر الواحد لا يفيد العلم إلّا بقرينةٍ ] كما في إخبار الرجل بموت ولده المشرف على الموت، مع قرينة البكاء، وإحضار الكفن والنعش. [ وقال الأكثر لا يفيد مطلقاً ] وما ذكره من القرينة يوجد مع الإِغماء. [ وقال ] الإِمام [ أحمد ] يفيد [ مطلقاً ] بشرط العدالة ».
وقد ردّ عليه العالم الحنفي عبد العلي الملقّب ببحر العلوم حيث قال:
____________________
(١). المنهاج في شرح صحيح مسلم ١ / ٨٥ هامش القسطلاني.
(٢). شرح المختصر ٢ / ٥٥ - ٥٦.
« وقيل: خبر الواحد العدل يفيد العلم مطلقاً، محفوفاً بالقرائن أو لا. فعن الامام أحمد: هذا الحكم مطرد، فيكون كلمـّا أخبر العدل حصل العلم. وهذا بعيد عن مثله، فإنه مكابرة ظاهرة، قال الإمام فخر الإِسلام: وأما دعوى علم اليقين فباطل بلا شبهة، لأن العيان يردّه من قبل، وإنّا قد بيّنا أن المشهور لا يوجب علم اليقين، فهذا أولى، وهذا لأن خبر الواحد محتمل لا محالة، ولا يقين مع الإِحتمال، ومن أنكر هذا فقد أسفه نفسه، وأضلّ عقله. وقيل: لا يطرد هذا الحاكم بل قد يفيد في بعض الصور، كرامةً من الله تعالى. وهو فاسد أيضاً، لأنه تحكّم صريح »(١) .
بل قد علمت من عبارة شرح العضد على مختصر ابن الحاجب أنّ القول بإفادة خبر الواحد للعلم مطلقاً هو قول جماعة.
٢ ) قال الأكثر: لا يفيد العلم مطلقا ً
ومن ناحيةٍ أخرى: قد عرفت من عبارة القاضي العضد والجلال المحلّي: أنّ القول بعدم إفادة خبر الواحد للعلم مطلقا هو مذهب أكثر الأصوليين من أهل السنة.
٣ ) لا حاجة إلى القرينة بعد النّص
ثم إنّ الحق الحقيق بالقبول هو: أنّه لا بدّ للمنصوب من قبل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لأجل الإخبار والتبليغ عنه إلى الأمّة، من حجة - من نص أو دليل - تثبت حقيّته، كي تقبل منه الأمّة ما يبلّغه إليها، ومع وجود النّص أو الدليل لا حاجة إلى احتفاف خبره بقرينةٍ، حتى يقال بأنها: « قد تكون منتفيةً أو خفيةً عن أكثر الناس، فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنن المتواترة »، بل إنّ خبره يكون - بسبب النص عليه - مفيداً للعلم. وهذا المعنى ثابت فيما نحن فيه، لإِفادة حديث مدينة العلم نصب عليعليهالسلام لهذا المنصب، فخبره عليه
____________________
(١). فواتح الرحموت - شرح مسلم الثبوت ٢ / ١٢١ هامش المستصفى.
السلام مفيد للعلم واليقين.
ومن هنا يظهر أنّ قياس خبره عليه الصلاة والسلام على خبر غيره من آحاد المخبرين كقياس الماء على السّراب، وهو يخالف الحق والصواب.
٤ ) لما ذا التخصيص بالقرآن والسنة المتواترة؟
ثم إنّ التخصيص بالقرآن والسنة لا وجه له، لأنه بناءً على ما توهّمه ابن تيميّة لا يثبت بخبر هذا المخبر علم مطلقاً، سواء كان قرآناً أو سنة متواترةً، أو سنة غير متواترة، فقصر نفي العلم على القرآن والسنّة المتواترة لا وجه له، بل كان مقتضى القاعدة أن يقول: « بالقرآن والسنة غير المتواترة، بل السنّة المتواترة » كما لا يخفى على البصير بأساليب الكلام.
٦ - الإِشارة إلى أدلّة عصمة علي عليهالسلام
وأمّا قوله: « وإذا قالوا: ذلك الواحد معصوم يحصل العلم بخبره. قيل لهم: فلا بدّ من العلم بعصمته أولاً » فالكلام عليه بوجوه:
الأول: كأنّ ابن تيميّة لا يعلم بأنّ مقتضى مذهب الإِمامية هو القول بعصمة هذا المبلِّغ المنصوب للتبليغ!!.
الثاني: إنّ عصمة هذا المبلِّغ الواحد ثابتة من حديث مدينة العلم كما عرفت ذلك سابقاً، وقد اعترف به بعض المنصفين من أهل السّنة، فيكون حديث مدينة العلم دالاً على مبلّغية أمير المؤمنينعليهالسلام وعصمته معا. فبطل قوله: « فلا بدّ من العلم بعصمته أوّلاً ».
الثالث: إن عصمة أمير المؤمنينعليهالسلام ثابتة من آياتٍ من الكتاب، وأحاديث كثيرة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتفصيل هذا المطلب موكول إلى محلّه.
الرابع: إن نصب هذا المبلِّغ من قبل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم هو - عند التأمل - عين النصب للإِمامة والخلافة، وقد ثبت في محلّه ضرورة كون
الإِمام معصوماً، فيكون مجرّد النصب دليل العصمة.
الخامس: لقد دلّت الآية المباركة:( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) ، على أن جملة أفعال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم هي من جانب الله عز وجل، وعلى هذا يمكن أن يقال بكون الناصب للتبليغ هو الله عزّ وجل نفسه، ولمـّا كان هذا النصب عين النصب للإِمامة والخلافة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهي لا تثبت إلّا للمعصوم، فالنصب الإلهي للتبليغ كاشف عن اتّصاف المنصوب له بالعصمة.
وبما ذكرنا يظهر الجواب عن قوله: « وعصمته لا تثبت بمجرّد خبره، قبل أنْ يعلم عصمته، فإنّه دور » إذْ لا توقف لثبوت عصمته على خبره، لكن يمكن إثبات عصمته بخبره أيضاً، لأن خبره ليس مجرداً بل مقرون بالمعجزات الباهرة المتواترة الموجبة للعلم بالعصمة، فلا دور كذلك.
وأمّا قوله: « ولا تثبت بالاجماع، فإنه لا إجماع فيها عند الإِمامية، وإنما يكون الإِجماع حجة لأن فيهم الامام المعصوم، فيعود الأمر إلى إثبات عصمته بمجرّد دعواه » فجوابه: أنه إن أراد نفي الإِجماع من أصحاب الضلال فهذا لا يضرّنا أبداً، إذْ لا حجّية لإِجماع هؤلاء أصلاً، وإنْ أراد نفي إجماع الامامية فهذا إنكار للبداهة، لأن الإِمامية أجمعين أكتعين قائلون بعصمة هذا الواحد المبلِّغ عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثم إنّ المراد من هذا المبلّغ هو أمير المؤمنينعليهالسلام ، والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم داخل في الاجماع المتحقّق على عصمته - وعصمة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يرتاب فيها مؤمن، وإن كان لأهل السنة فيها كلام -.
وأيضاً: فإنّ الحسنينعليهماالسلام داخلان في المجمعين، وعصمتهما ثابتة بالدلائل القطعية الاُخرى غير الاجماع.
وأيضاً: في المجمعين سائر أئمة أهل البيت، المعصومون بالأدلة من الكتاب والسنّة.
فظهر بطلان دعواه بعود الأمر إلى إثبات عصمته بمجرّد دعواه، وظهر جواز الاستدلال بالاجماع لإِثبات عصمة كلّ واحدٍ من الأئمة الأطهار، لأنه ليس من قبيل إثبات عصمة ذاك الامام بقول نفسه ليلزم الدور، وأمّا عصمة كلّهم فقد ثبتت بالأدلة القطعيّة الاُخرى غير الاجماع، كما ثبت عصمة كلّ واحد واحد منهم بها كما أشرنا، وظهر أيضا بطلان قوله بعد ذلك:
« فعلم أنّ عصمته لو كانت حقّا، لا بدّ أن تعلم بطريق آخر غير خبره ».
لما عرفت من إمكان ثبوت عصمته بخبره، لاقترانه بما يوجب العلم واليقين، فضلا عن ثبوتها بالأدلّة والطرق الأخرى.
وإذ ظهر بطلان كلماته، فقد ظهر بطلان ما قاله كنتيجةٍ لتلك الكلمات، وهو قوله:
« فلو لم يكن لمدينة العلم باب إلّا هو، لم يثبت لا عصمته ولا غير ذلك من أمور الدّين ».
وتحصّل: أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام هو الباب لمدينة العلم، وهو المبلّغ الوحيد عن النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم . وإذا ثبت ذلك ثبتت عصمته وغير ذلك من اُمور الدين، والحمد لله رب العالمين.
٧ - لازم قوله: هذا الحديث إنما افتراه زنديق
وأمّا ما تفوّه به ابن تيميّة لشدة عناده وحقده: « فعلم أنّ هذا الحديث إنما افتراه زنديق جاهل، ظنّه مدحاً وهو يطرق الزنادقة إلى القدح في دين الاسلام، إذ لم يبلّغه إلّا واحد » فمن الكفريّات الشنيعة، والله سبحانه وتعالى حسيبه والمنتقم منه يوم القيامة.
لقد علمت أنّ حديث مدينة العلم حديث رواه أكابر العلماء الثقات من أهل السّنة، طبقةً بعد طبقة، وجيلاً بعد جيل، وفيهم من حكم بصحّته، وجعله جماعة من أجلى فضائل ومناقب النبي والوصي عليهما وآلهما الصلاة والسّلام
وقد وقفت على عبارات هؤلاء الكبار، وإفادات أولئك الأحبار، فيلزم من تقوّل ابن تيميّة هذا أنّ يكون كلّ أولئك الأئمة الكبار والمشايخ العظام:
عبدالله بن عثمان القارئ، وسفيان بن سعيد الثوري، وعبد الرزاق الصنعاني، ويحيى بن معين، وسويد بن سعيد الحدثاني شيخ مسلم، وأحمد بن حنبل، وعباد بن يعقوب الرواجني شيخ البخاري، وأبو عيسى الترمذي، والحسين بن فهم البغدادي، وأبو بكر البزّار، ومحمد بن جرير الطبري، وأبو بكر الباغندي، وأبو العباس الأصم، وأبو الحسن القنطري، وأبو بكر الجعابي، وأبو القاسم الطبراني، وأبو بكر القفّال، وأبو الشيخ الإِصبهاني، وابن السقاء الواسطي، وأبو الليث السمرقندي، ومحمد بن المظفر البغدادي، وابن شاهين البغدادي، وأبو الحسن السكري الحربي، وابن بطة العكبري.
والحاكم النيسابوري، وابن مردويه الإِصبهاني، وأبو نعيم الإِصبهاني، وأبو الحسن العطّار، وأبو الحسن الماوردي، وأبو بكر البيهقي، وابن بشران، والخطيب البغدادي، وابن عبد البر، وأبو محمد الغندجاني، وابن المغازلي، وابو المظفر السمعاني، وأبو علي البيهقي، وشيرويه الديلمي، وعبد الكريم السمعاني، وأخطب خوارزم، وابن عساكر، وأبو الحجاج الأندلسي، ومجد الدين ابن الأثير، وعز الدين ابن الأثير، و
أن يكون كلّ واحدٍ من هؤلاء زنديقاً جاهلاً!!، وإذا كان هؤلاء زنادقةً جهالاً فهل تبقى لمذهب أهل السنة من باقية؟!.
وإنّ ما ذكره ابن تيميّة ينطبق على من روى حديث مدينة العلم، من علماء أهل السنة المتأخرين عن ابن تيميّة، وهم جماعات غير محصورة، أمثال: جمال الدّين الزرندي، وصلاح الدّين العلائي، وعلي الهمداني، ونور الدّين البدخشاني، وبدر الدّين الزركشي، وكمال الدّين الدميري، ومجد الدّين الفيروزآبادي، وإمام الدّين الهجروي، وشمس الدّين الجزري، وزين الدّين الخوافي، وشهاب الدّين الدولت آبادي، وابن حجر العسقلاني، وشهاب الدّين
أحمد، وابن الصبّاغ المالكي، وعبد الرحمن البسطامي، وشمس الدّين الجيلاني، وشمس الدّين السخاوي، وحسين الواعظ الكاشفي، وجلال الدّين السيوطي، ونور الدّين السمهودي، وفضل الله ابن روزبهان، وعز الدّين بن فهد الهاشمي المكّي، وشهاب الدّين القسطلاني، وجلال الدّين الدواني، وكمال الدّين الميبدي، وغياث الدّين بن همام الدين، وجلال الدّين البخاري، وشمس الدّين الشامي، وابن عراق الكناني.
وابن حجر المكي، وعلي المتقي الهندي، وإبراهيم الوصابي، ومحمد طاهر الفتني، وعباس بن معين الدّين الجرجاني، وكمال الدّين الجهرمي، والعيدروس اليمني، وجمال الدّين المحدّث الشيرازي، وعلي القاري الهروي، وعبد الرؤف المنّاوي، ويعقوب اللاهوري، وأبي العباس المقري، وأحمد بن الفضل المكّي، ومحمود القادري، وتاج الدّين السنبهلي، وعبد الحق الدهلوي، والسيد محمد البخاري، وعبد الرحمن الجشتي، وعلي بن محمد الجشتي، وعلي بن محمد الجفري، وعلي العزيزي، ونور الدين الشبراملسي، وإبراهيم الكردي، وإسماعيل الكردي، والزرقاني المالكي، وسالم بن عبد الله البصري، ومحمد بن عبد الرسول البرزنجي، والميرزا محمد البدخشاني، ومحمد صدر العالم، وولي الله الدّهلوي، ومحمد معين السندي، والشيخ محمد الحفني، ومحمد بن إسماعيل اليماني، والصبّان المصري، وسليمان جمل، وقمر الدين الأورنقابادي، وشهاب الدين العجيلي، ومحمد مبين اللكهنوي، وثناء الله باني بتي.
وعبد العزيز الدهلوي، وجواد ساباط، وعمر الخربوتي، والقاضي الشوكاني، ورشيد الدين الدهلوي، وجمال الدين القرشي، ونور الدين السليماني، وولي الله اللكهنوي، وشهاب الدين الآلوسي، والقندوزي البلخي، والبدايوني، والمولوي حسن زمان، وعلي الدمنتي، وعبد الغني الغنيمي، وغيرهم.
بل عرفت أنّ هذا الحديث الشريف قد رواه التابعون العظام، عن صحابة النبي عليه وآله السلام، فاعترفوا به وجعلوه فضيلة لمولانا أمير المؤمنين، لا سيّما
أصحاب الشورى، الذين تلقّوه بالتسليم، وقد صرّح بثبوته عبد الرحمن بن عوف منهم تصريحاً تامّاً.
ولقد عرفت سابقاً أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يكتف بمجرّد قوله أنا مدينة العلم وعلي بابها، بل إنّه بذل غاية الاهتمام في إبلاغ ذلك إلى الاُمة، إذ قاله في يوم الحديبيّة، مادّاً صوته، وآخذاً بعضد أمير المؤمنين إلى غير ذلك من الاُمور الدالّة على اهتمامه بإبلاغ هذا المعنى إلى الاُمّة.
وبما ذكرنا يظهر أنّ ما قاله ابن تيميّة لا يقول به إلّا « زنديق جاهل، وهو يطرق الزنادقة إلى القدح في دين الإسلام ».
من الأحاديث الدالّة على أنّ علياً مبلِّغ علوم النبي
ولا يخفى على ذوي النهى أنّ هذا الذي ذكره ابن تيميّة ليس إنكاراً لحديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » فقط، بل يستلزم إنكار أحاديث كثيرة رواها أعلام الحفّاظ من السّابقين واللّاحقين في حق مولانا أمير المؤمنين، لابتناء كلامه على أنّ حديث مدينة العلم يدل على أنّ علياً هو المبلّغ الوحيد عن النبي، لكن المبلِّغ لا يكون واحداً وإلّا فسد أمر الإسلام، فهذا الحديث باطل.
إلّا أنّه لا ريب لأهل الحق والايقان في أنّهعليهالسلام هو الباب الوحيد لمدينة العلم، ولا مبلِّغ عن النبي سواه، وقد دلَّت على ذلك الأحاديث الاُخرى بالأضافة إلى حديث مدينة العلم، مثل:
قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « علي باب علمي، ومبيّن لاُمّتي ما أرسلت به من بعدي ».
وقوله في حديث طويل: « وأنت باب علمي ».
وقوله في حديث في حق علي: « عيبة علمي، وبابي الذي أوتى منه ».
وقوله: « هذا أول من آمن بي، وأول من يصافحني يوم القيامة وهو بابي الذي أوتى منه»
و قوله: « علي باب حطّة، من دخل منه كان مؤمناً، ومن خرج منه كان كافراً ».
وقوله: « علي بن أبي طالب باب الدّين، من دخل فيه كان مؤمناً، ومن خرج منه كان كافراً».
وقوله عليه وآله الصلاة والسلام: « يا علي! أنت حجة الله، وأنت باب الله ».
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « علي مني وأنا منه، ولا يؤدي عني إلاّ أنا أو علي »
وقد وقفت على طرفٍ من طرق هذه الأحاديث وغيرها من مؤيّدات حديث مدينة العلم، وسنذكر طائفةً اُخرى من الأحاديث في مبحث الأعلميّة إنْ شاء الله تعالى.
ولقد تسالم الأصحاب على أنّ علياًعليهالسلام هو الأعلم من بينهم - ولذا كانوا يرجعون إليه فيما أشكل عليهم، ويسألون عمّا جهلوه أو أبهم عليهم - وأنه المبلِّغ الوحيد عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حتى ورد عن ابن عباس وصفه بهذه الصّفة في كلام له في أهل البيت: « فروع طيّبة، وأصول مباركة، معدن الرحمة، وورثة الأنبياء، بقيّة النقباء، وأوصياء الأوصياء، منهم الطيّب ذكره، المبارك اسمه، أحمد الرضي ورسوله الاُمي، من الشجرة المباركة، صحيح الأديم، واضح البرهان. والمبلّغ بعده ببيان التأويل وبحكم التفسير علي بن أبي طالب، عليه من الله الصلاة الرضيّة والزكاة السنيّة، لا يحبّه إلّا مؤمن تقي، ولا يبغضه إلّا منافق شقي »(١) .
فقد تسالم الأصحاب على هذه الحقيقة، واقتفى أثرهم من بعدهم، لثبوته عندهم بكلّ وضوح، حتى اعترف به جماعة من مشاهير علماء أهل السّنة، وأذعَنَ
____________________
(١). زين الفتى في تفسير سورة هل أتى - مخطوط.
بعض متعصّبيهم كابن روزبهان الشيرازي، حيث نص على أنّ الامامعليهالسلام « هو وصي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في إبلاغ العلم » بلا نزاع، وهذه عبارته في جواب العلّامة الحلّيرحمهالله : « وما ذكره من علم أمير المؤمنين فلا شكّ في أنّه من علماء الاُمة، والناس محتاجون إليه فيه، وكيف لا؟ وهو وصيّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في إبلاغ العلم وبدائع حقائق المعارف، فلا نزاع فيه لأحد ».
٨ - انتشار العلم عن علي
ثم قال ابن تيميّة: « ثم إنّ هذا خلاف المعلوم بالتواتر، فإنّ جميع مدائن الاسلام بلغهم العلم عن الرسول من غير علي ». وهذا كلام متعصّب سفيه لأنه:
أولاً: دعوى باطلة ظاهرة الكذب.
وثانياً: دعوى تواتره كذب آخر.
وثالثاً: يخالف إفادات أكابر علماء أهل السنّة، كما ستسمع، وفيها التصريح بانتشار العلوم عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، في البلاد المختلفة.
ورابعاً: لو سلّمنا بلوغ العلم إلى جميع المدائن الإسلامية من غير علي، فمن أين يثبت أنّ ما بلغها كان « العلم عن الرسول »، ومن الواضح أنّ مجرّد النسبة إليهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يثبت كونه منه، وإلّا لزم تصديق كلّ من يدّعي الإِبلاغ عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفيه من الفساد ما لا يخفى، كيف وقد كثرت الكذّابة عليه على عهدهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى قال: « من كذب عليّ متعمداً فليتبوّء مقعده من النار ».
وخامساً: سلّمنا كونه علم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لكن هذا لا يضرّنا، بل يضر الآخذين لذلك العلم العاملين به، لأنهم أخذوه من غير باب مدينة العلم، وكلّ ما أخذ عن غير باب مدينة العلم فلا يجوز العمل به، بل إنّه من قبيل السرقة ويستتبع الحدّ الشرعي على ارتكابه، ومن هنا قال مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام : « نحن الشعار والأصحاب والخزنة والأبواب، ولا تؤتى
البيوت إلّا من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سمّي سارقاً ».
أقول: وهذا القدر كافٍ في ردّ ما ادّعاه ابن تيميّة، وجميع ما بناه على هذا الكلام، ولكن لمـّا كانت عبارته مشتملةً على أكاذيب أخرى، فنحن مضطرّون إلى التنبيه على مواضع كذبه بالتفصيل. قال ابن تيميّة: « أما أهل المدينة ومكة فالأمر فيهما [ فيهم ] ظاهر. وكذلك الشام والبصرة، فإن هؤلاء لم يكونوا يروون عن علي إلّا شيئاً قليلاً ».
قلت: هذه دعوى بلا دليل، على أنه من الممكن بلوغ علم الرسول إليهم عن عليعليهالسلام ولكنّهم لم يرووه عنه لعداوتهم له، أو رووا ولكن سلاطين الجور وأمراء الفسق - الذين كانوا يمنعون من ذكر مجرّد اسمه - حالوا دون انتشار تلك الروايات، على أنّ قلة الرواية - لو سلّمنا كونها كاشفة عن قلّة الأخذ - لا تنافي كون الامامعليهالسلام باب مدينة العلم، وإنّما تكشف عن إعراض هؤلاء عن باب مدينة العلم. وذلك عليك وعليهم، لو كنت تعقل ويعقلون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.
المدينة المنوّرة
ثم نقول: أما المدينة المنوّرة فقد قضى عليه الصّلاة والسلام فيها الشطر الأعظم من حياته المباركة، وكان الرجوع إليه فيها في جميع المشكلات، لمن تصدّى أمر الخلافة وغيرهم من الأصحاب، وهذا مما لا ريب فيه لأحدٍ ولا نزاع، بل اعترف وأقرّ به جمع من العلماء الأعيان:
قال النووي: « وسؤال كبار الصحابة له، ورجوعهم إلى فتاواه وأقواله في المواطن الكثيرة والمسائل المعضلات، مشهور »(١) .
وقال ابن روزبهان: « رجوع الصّحابة إليه في الفتوى غير بعيد، لأنه كان
____________________
(١). تهذيب الأسماء واللغات ١ / ٣٤٦.
من مفتي الصحابة، والرجوع إلى المفتي من شأن المستفتين، وإن رجوع عمر إليه كرجوع الأئمة وولاة العدل إلى علماء الأمة »(١) .
وقال العجيلي: « ولم يكن يسأل منهم واحداً، وكلّهم يسأله مسترشداً، وما ذاك إلّا لخمود نار السؤال تحت نور الاطّلاع »(٢) .
إلى غير ذلك من كلماتهم الآتية في مبحث الأعلمية إن شاء الله تعالى.
مكّة المكرّمة
وأمّا مكّة المكرّمة فقد عاش فيها عليه الصلاة والسلام منذ الولادة حتى الهجرة، وقد أتاها بعد الاستيطان في المدينة المنوّرة مرّات عديدة، فكيف يقال بعدم بلوغ العلم عنه إلى أهل مكة؟
على أنّ تلميذه الخاص به « عبد الله بن عباس » أقام في مكة زمناً طويلاً يعلِّمهم القرآن وينشر العلم، قال الذهبي بترجمة ابن عباس: « الأعمش، عن أبي وائل قال: استعمل علي ابن عباس على الحج، فخطب يومئذٍ خطبةً لو سمعها الترك والروم لأسلموا. ثم قرأ عليهم سورة النّور، فجعل يفسّرها »(٣) .
وقال ابن سعد: « أخبرنا محمد بن عمر حدّثني واقد بن أبي ياسر عن طلحة ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه عن عائشة: إنها نظرت إلى ابن عباس - ومعه الخلق ليالي الحج، وهو يسئل عن المناسك - فقالت: هو أعلم من بقي بالمناسك »(٤) .
وقال أبو عمر ابن عبد البر: « روينا: أن عبد الله بن صفوان مرّ يوماً بدار عبد الله بن عباس بمكة، فرأى فيها جماعة من طالبي الفقه، ومرّ بدار عبيد الله بن
____________________
(١). ابطال الباطل لابن روزبهان الشيرازي - مخطوط.
(٢). ذخيرة المال - مخطوط.
(٣). تذكرة الحفّاظ ١ / ٣٨.
(٤). الطبقات الكبرى لابن سعد ٢ / ٣٦٩. وفيه « الحلق » بدل « الخلق ».
عباس، فرأى فيها جمعاً يتناولونها للطّعام، فدخل على ابن الزبير فقال له: أصبحت والله كما قال الشاعر:
فإنْ تصبك من الأيّام قارعة |
لم تبك منك على دنيا ولا دين |
قال: وما ذاك يا أعرج؟ قال: هذان ابنا عباس، أحدهما يفقّه الناس، والآخر يطعم الناس، فما أبقيا لك مكرمة. فدعا عبد الله بن مطيع فقال: انطلق إلى ابني عباس، فقل لهما: يقول لكما أمير المؤمنين أخرجا عنّي أنتما ومن أصغى إليكما من أهل العراق، وإلّا فعلت وفعلت. فقال عبد الله بن عباس: قل لابن الزبير والله ما يأتينا من الناس إلّا رجلين، رجل يطلب فقها، ورجل يطلب فضلاً، فأيّ هذين تمنع!. وكان يحضر أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني، فجعل يقول:
لا درّ درّ الليالي كيف يضحكنا |
منها خطوب أعاجيب وتبكينا |
|
و مثل ما يحدث الأيام من غير |
في ابن الزبير من الدنيا تسلينا |
|
كنّا نجيء ابن عباس فيفتينا |
فقهاً ويكسبنا أجراً ويهدينا |
|
و لا يزال عبيد الله مترعة |
جفانه مطعماً ضيفاً ومسكينا |
|
فالبر والدين والدنيا بدارهما |
ننال منها الذي نبغي إذا شينا |
إلى آخر الأبيات »(١) .
ولقد ثبت نشر ابن عبّاس - تلميذ أمير المؤمنين - تفسير القرآن في أهل مكة وتحقّق، حتى اعترف بذلك ابن تيمية نفسه، ومن هنا وصف أهل مكة بأنهم أعلم الناس بالتفسير، ففي ( الإتقان ): « قال ابن تيميّة: أعلم الناس بالتفسير أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس رضي الله عنهما، كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاوس، وغيرهم »(٢) .
____________________
(١). الاستيعاب ٣ / ٩٣٧.
(٢). الإتقان في علوم القرآن ٢ / ١٩٠.
الشام
وأما أهل الشام فأعلمهم وأفقههم أبو الدرداء، وهو أخذ من عبد الله بن مسعود، وابن مسعود من تلامذة أمير المؤمنينعليهالسلام ، قال الذهبي بترجمة أبي الدرداء: « وكان عالم أهل الشام، ومقرئ أهل دمشق، وفقيههم وقاضيهم »(١) .
وقال الموفّق بن أحمد المكي: « عن أبي الدرداءرضياللهعنه : العلماء ثلاثة، رجل بالشام - يعني نفسه -، ورجل بالكوفة - يعني عبد الله بن مسعود -، ورجل بالمدينة - يعني علياً. فالذي بالشام يسأل الذي بالكوفة، والذي بالكوفة يسأل الذين بالمدينة، والذي بالمدينة لا يسأل أحداً »(٢) .
وقال محبّ الدّين الطبري: « عن أبي الزعراء عن عبد الله قال: علماء الأرض ثلاثة، عالم بالشام، وعالم بالحجاز، وعالم بالعراق، فأمّا عالم أهل الشام فهو أبو الدرداء، وأمّا عالم أهل الحجاز فعلي بن أبي طالب، وأما عالم أهل العراق فأخ لكم، وعالم أهل الشام وعالم أهل العراق يحتاجان إلى عالم أهل الحجاز، وعالم أهل الحجاز لا يحتاج إليهما. أخرجه الحضرمي »(٣) .
هذا، بالإِضافة إلى رجوع معاوية - وهو حاكم أهل الشام - إلى أمير المؤمنين في المعضلات بكثرة، كما ستطلّع على تفاصيل ذلك فيما بعد، إن شاء الله، في مبحث الأعلميّة.
البصرة
وأما البصرة فورود الامامعليهالسلام إليها بنفسه، وكثرة خطبه وإرشاداته ومواعظه فيها غير مخفي على أحدٍ، وإن شئت تفاصيل ذلك فارجع إلى التواريخ،
____________________
(١). تذكرة الحفاظ ١ / ٢٤.
(٢). مناقب أمير المؤمنين: ٥٥.
(٣). الرياض النضرة ٢ / ١٩٩.
كتاريخ ابن جرير الطبري وغيره.
كما لا يخفى على أحد ولاية ابن عباس على البصرة من قبله، وأخذ أهلها منه الفقه والتفسير مدة إقامته فيها، فلا يبقى أيّ ريب في بلوغ العلم من الإِمامعليهالسلام إلى أهل البصرة، وإليك بعض الكلمات الصريحة في أخذ أهل البصرة من ابن عباس تلميذ الامامعليهالسلام ، والوالي عليها من قبله:
« المدائني عن نعيم بن حفص قال أبو بكرة: قدم ابن عباس علينا البصرة، وما في العرب مثله جسماً وعلماً وبياناً وجمالاً وكمالاً »(١) .
وقال ابن سعد: « أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي نا معتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن قال: أوّل من عرف بالبصرة عبد الله بن عباس، قال: وكان مثجة كثير العلم. قال: فقرأ سورة البقرة ففسّرها آية آية »(٢) .
وقال ابن حجر: « وأخرج الزبير بسندٍ له أن ابن عباس كان يعشي الناس في رمضان، وهو أمير البصرة، فما ينقضي الشهر حتى يفقّههم »(٣) .
فظهر أنّ الامامعليهالسلام قد انتشر علمه في جميع البلدان الاسلامية، من مكة والمدينة والشام والبصرة وغيرها، إلّا أنّ ذلك لا يلزم أن يكون كلّ من أخذ منه أو بلغه علمهعليهالسلام من التابعين له والقائلين بإمامته، كما هو واضح.
الكوفة
وأمّا قول ابن تيميّة: « وإنّما كان غالب علمه بالكوفة » ففيه: أنّ علم الامامعليهالسلام - وهو بعينه علم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم - كان في الكثرة
____________________
(١). تذكرة الحفاظ ١ / ٣٨. الاصابة ٢ / ٣٢٢. وفيه « حشماً » بدل « جسماً » و« ثياباً » بدل « بياناً ».
(٢). الطبقات ٢ / ٣٦٧.
(٣). الاصابة ٢ / ٣٢٥. وفيه « يغشى » بدل « يعشي ».
والغزارة بحيث لو أخذ منه أهل العالم كلّهم أجمعون لوسعهم من غير أن تنفد علومه، وأنّى كان للكوفة وأهلها أن يسعوا غالب علمهعليهالسلام وهو القائل على منبر الكوفة: « سلوني قبل أن تفقدوني، فإنما بين الجوانح منّي علم جم، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، هذا ما زقّني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم زقاً من غير وحي أوحى الله إلي، فو الله لو ثنّيت لي وسادة فجلست عليها لأفتيت لأهل التوراة بتوراتهم، ولأهل الإِنجيل بإنجيلهم، حتى ينطق الله التوراة والإِنجيل، فيقول: صدق علي، أفتاكم بما أنزل في، وأنتم تتلون الكتاب، أفلا تعقلون ».
وكان يقولعليهالسلام مشيراً إلى صدره الشريف: « كم من علوم هاهنا لو وجدت لها حاملاً ».
وقال أيضاً: « لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير سورة الفاتحة ».
وإنْ أراد ابن تيميّة أنّ غالب ما ظهر من علومه كان بالكوفة، ففيه: إن غالب علمه كان بالمدينة لا بالكوفة، فإن رجوع الشيوخ الثّلاثة وغيرهم من الأصحاب إليه في المعضلات والمشكلات كان بالمدينة، وأمّا في الكوفة فلم يتفرّغ للتعليم والإِرشاد، لاشتغالهعليهالسلام فيها غالباً بما يتعلّق بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.
قال: « ومع هذا فأهل الكوفة قد تعلّموا القرآن والسنة من قبل أن يتولّى عثمان فضلا عن علي ».
أقول: يريد ابن تيميّة تعلّم أهل الكوفة القرآن والسنة على عهد عمر بن الخطاب، ولكن هذا توهّم باطل وخيال فاسد، وذلك لوجوه:
الأول: إن الكوفة إنما اختطّت للمسلمين في السنة السابعة عشرة، وقد كان موت عمر بن الخطاب في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة، فكيف تعلّم أهل الكوفة القرآن والسنة - أو أكثرهما - في مدة ستة سنوات، مع أنّ عمر بن
الخطاب قد تعلّم سورة البقرة وحدها في اثني عشرة سنة كما في ( الدر المنثور )(١) وغيره؟.
الثاني: كيف يدعي ابن تيميّة تعلّم أهل الكوفة القرآن والسنة عن عمر بن الخطاب، مع ما ثبت واشتهر من جهل عمر بألفاظ القرآن ومعانيه، ومجانبته للسنّة الشريفة ومعالمها؟ فإن أراد تعلّمهم القرآن والسنة من أتباعه وأشياعه فهم أدنى مرتبةً وأقلّ شأناً من إمامهم.
الثالث: إنّ الذي ورد الكوفة من قبل عمر بن الخطاب هو عمار بن ياسر يصحبهُ عبد الله بن مسعود، فإنْ أراد ابن تيميّة تعلّم أهل الكوفة من هذين الرجلين فذاك يضرّه ولا ينفعه، فإن هذين الصحابيّين الجليلين - وإن كان المرسل لهما إلى الكوفة هو عمر بن الخطّاب - من أشهر وأفضل تلامذة أمير المؤمنينعليهالسلام والآخذين عنه، فثبت أنّ أهل الكوفة قد تعلّموا القرآن والسنّة وأخذوهما عن باب مدينة العلم وهو علي، والحمد لله على ظهور الحق. وإليك بعض الشواهد على ما ذكرناه:
قال ابن سعد: « أخبرنا عفان بن مسلم وموسى بن إسماعيل قالا: نا وهيب عن داود عن عامر: إن مهاجر عبد الله بن مسعود كان بحمص، فحدره عمر إلى الكوفة وكتب إليهم: إني - والله الذي لا إله إلّا هو - آثرتكم به على نفسي فخذوا منه »(٢) .
وقال ابن سعد: « أخبرنا وكيع بن الجراح عن سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: قرئ علينا كتاب عمر بن الخطاب أمّا بعد: فإني بعثت إليكم عمّار بن ياسر أميراً وابن مسعود معلمـّاً ووزيراً، وقد جعلت ابن مسعود على بيت مالكم، وإنهما لمن النجباء من أصحاب محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، من أهل بدر، فاسمعوا لهما وأطيعوا واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بابن أم عبد على نفسي،
____________________
(١). الدر المنثور في التفسير بالمأثور ١ / ٢١.
(٢). طبقات ابن سعد ٣ / ١٥٧.
وبعثت عثمان بن حنيف على السواد، ورزقتهم كل يوم شاةً فاجعلوا شطرها وبطنها لعمار، والشطر الباقي بين هؤلاء الثلاثة »(١) .
وقال ابن عبد البر: « وبعثه عمر بن الخطابرضياللهعنه إلى الكوفة، مع عمار بن ياسر، وكتب إليهم: إني بعثت عليكم بعمّار بن ياسر وعبد الله بن مسعود معلمـّاً ووزيراً، وهما من النجباء من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من أهل بدر، فاقتدوا بهما واسمعوا من قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي »(٢) .
وقال: « وروى شعبة عن أبي إسحاق عن حارثة بن المضرب قال: قرأت كتاب عمر إلى أهل الكوفة أمّا بعد: فإني بعثت إليكم عمّاراً أميراً وعبد الله بن مسعود وزيراً ومعلماً، وهما من النجباء من أصحاب محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فاسمعوا لهما واقتدوا بهما، فإني قد آثرتكم بعبد الله على نفسي أثرة»(٣) .
وقال ابن الأثير: « واستعمله عمر بن الخطاب على الكوفة، وكتب إلى أهلها: أما بعد فإني قد بعثت إليكم عمّاراً أميراً، وعبد الله بن مسعود وزيراً ومعلمـّاً، وهما من نجباء أصحاب محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فاقتدوا بهما »(٤) .
وقال الذهبي: « الثوري، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب قال: قرئ علينا كتاب عمر: إني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميراً، وعبد الله بن مسعود معلمـّاً ووزيراً، وهما من النجباء من أصحاب محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم من أهل بدر، فاقتدوا بهما واسمعوا، وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي »(٥) .
وقال ابن حجر: « وسيّره عمر إلى الكوفة، ليعلّمهم أمور دينهم، وبعث عماراً
____________________
(١). المصدر نفسه ٣ / ٢٥٥.
(٢). الاستيعاب ٣ / ٩٩٢.
(٣). المصدر نفسه ٣ / ١١٤٠.
(٤). أسد الغابة ٣ / ٢٥٨.
(٥). تذكرة الحفاظ ١ / ١٤.
أميراً وقال: إنهما من النجباء من أصحاب محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فاقتدوا بهما »(١) .
وقال بترجمة عمّار: « ثم استعمله عمر على الكوفة، وكتب إليهم أنه من النجباء من أصحاب محمد »(٢) .
ومن جميع ما ذكرنا يظهر بطلان قوله الآخر: « وفقهاء أهل المدينة تعلّموا الدين في خلافة عمر ». بالإِضافة إلى ما ثبت واشتهر من رجوع عمر بنفسه إلى الامامعليهالسلام في المعضلات بكثرة، فلو أنّ أهل المدينة تعلّموا الدّين في خلافة عمر فلا بدّ وأنهم قد تعلّموه من أمير المؤمنين، باب مدينة علم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لا من عمر الذي اشتهر عنه قوله: « لو لا علي لهلك عمر » وقوله: « كلّ الناس أفقه من عمر حتى المخدّرات في الحجال » وقوله: « ألا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت، ناضلت إمامكم فنضلته ».
اليمن
وأمّا قوله: « وتعليم معاذ بن جبل لأهل اليمن ومقامه فيهم أكثر من علي، ولهذا روى أهل اليمن عن معاذ بن جبل أكثر مما رووا عن علي ». فيشتمل على دعاوى عديدة باطلة:
١ - تعليم معاذ بن جبل لأهل اليمن.
٢ - مقام معاذ بن جبل في أهل اليمن.
٣ - إن تعليم معاذ بن جبل لأهل اليمن أكثر من تعليم عليعليهالسلام .
٤ - إن مقام معاذ فيهم أكثر من مقام عليعليهالسلام .
٥ - رواية أهل اليمن عن معاذ.
٦ - إنّ ما رووه عن معاذ أكثر ممّا رووا عن عليعليهالسلام .
____________________
(١). الاصابة ٢ / ٣٦١.
(٢). الاصابة ٢ / ٥٠٦.
وليس لابن تيميّة أيّ دليل أو شاهد لشيء من هذه الدعاوى، فذكر هذه الأمور في مقابلة الامامية ليس إلّا سفاهة ورقاعة، بل إنّ كثيراً منها لا يقبل الإِثبات على ضوء كلمات أهل السنة ورواياتهم أيضاً، وتفصيل ذلك هو:
أنّ الأصل في هذا المطلب بعث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أمير المؤمنينعليهالسلام ومعاذ بن جبل إلى اليمن، لكن بعث الامام متّفق عليه بين الفريقين. أمّا بعث معاذ فممّا رواه أهل السّنة خاصة، ولا يجوز لهم إلزام الشيعة به، ولو سلّمنا ذلك لم يكن فيه نفع لابن تيميّة، لعدم الريب في أنّ بعث الامامعليهالسلام كان للتعليم والإرشاد، وأنّ بعث معاذ بن جبل كان لأجل جبر حالته الدنيويّة كما دريت ممّا ذكرناه سابقا في جواب كلام العاصمي. وأما ما ذكره بعض أهل السنّة من أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعث معاذاً إلى اليمن للقضاء فباطل محض، وافتعال صرف، لم يرد به حديث صحيح، بل الأصل في ذلك الحديث الذي رواه الترمذي، وقدح فيه هو وغيره من أكابر علمائهم، وإن شئت تفصيل الكلام في إثبات وضع هذا الحديث حسب كلمات مشاهير أهل السنة، فراجع كتاب ( استقصاء الإفحام في الرد على منتهى الكلام ).
وإذا كان بعث معاذ بن جبل إلى اليمن لأمر دنيوي خاص به، لم يجز القول بأنّه راح إليها للتعليم، فضلاً عن القول بأنّ تعلّم أهل اليمن منه كان أكثر من تعلّمهم من علي، ولو فرض قيام معاذٍ ببعض التعليم مع ذلك، فلا ريب في فساد ما ألقاه إليهم، لما تقدّم سابقاً من جهل معاذ بمسائل الحلال والحرام، ومن شاء فليرجع إليه، وحينئذٍ فلو كان معاذ قد عمّر عمر نوح وأقام في أهل اليمن كلّ تلك المدّة لما أفادهم مثل نقير، فضلاً عن أنْ يفوق على باب مدينة العلم في تعليمهم.
ومع تسليم أنّه بعث إلى اليمن للتعليم كما يدّعي المتخرّصون من أهل السنة، فإنّ ترجيح تعليمه على تعليم الإِمامعليهالسلام غير جائز، لعدم الخلاف بين المسلمين في أنّهعليهالسلام أفضل من معاذ بن جبل، وعلى هذا فلو
بقي معاذ في أهل اليمن عمر نوح، ولم يلبث فيهم الامام إلّا يسيراً لرجح تعليم الامام على تعليم معاذ وكان أفضل وأشدّ تأثيراً وأكثر فائدة، وستعلم فيما بعد أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بعث خالد بن الوليد إليهم أولاً، ولبث فيهم خالد ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجبه أحد، ثم بعث الامامعليهالسلام فأسلم على يده همدان في أول يوم، وهذا أصدق شاهد على أنّ كلام الفاضل أشد تأثيراً من كلام المفضول، وإنْ كانت إقامته أطول ودعوته أكثر من هنا يظهر بطلان قياس تعليم الامامعليهالسلام بتعليم غيره، فضلاً عن تعليم معاذ على تعليمه، ولنعم ما قالعليهالسلام : « لا يقاس بآل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم من هذه الاُمة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمته عليهم أبداً ».
وأمّا ما ادّعاه ابن تيميّة في قوله: « وشريح وغيره من أكابر التابعين إنما تفقّهوا على معاذ بن جبل » فكذب شنيع، لا يمكن لأحدٍ من أولياء ابن تيميّة تصحيحه على اُصول السنّية، فضلاً عن طريق الإِمامية، فإنّ تعلّم شريح من معاذ لم يذكره إلّا علي بن المديني غير جازم به، بل حكاه عن قائل مجهول، ففي ( الإِصابة ) بترجمة شريح: « وقال ابن المديني: ولي قضاء الكوفة ثلاثاً وخمسين سنة، ونزل البصرة سبع سنين، ويقال: إنه تعلم من معاذ، إذ كان باليمن »(١) ، ومن الواضح أنّ هكذا أمر لا يثبت بمجرد قول من مجهول.
بل إنّ التتبّع لكتب الرجال والتراجم يفيد بعض القرائن على النفي، منها: عدم ذكر معاذ فيمن روى عنه شريح، ولو كان متفقّهاً عليه لذكر اسمه فيمن روي عنه قبل غيره قطعاً، ولا أقل من ذكره فيما بينهم. وإليك نصّ ترجمة ابن حبان لشريح: « شريح بن الحارث القاضي الكندي حليف لهم كنيته أبو أمية، وقد قيل: أبو عبد الرحمن، كان قائفاً، وكان شاعراً، وكان قاضياً، يروي عن عمر بن الخطاب، روى عنه الشعبي، مات سنة ثمان وسبعين أو سبع
____________________
(١). الاصابة ٢ / ١٤٤.
وثمانين، وهو ابن مائة وعشر سنين، وقد قيل: ابن مائة وعشرين سنة، وكان قد بقي على القضاء خمساً وسبعين سنة، ما تعطّل فيه الّا ثلاث سنين في فتنة ابن الزبير »(١) .
وقال النووي: « أدرك النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يلقه، وقيل: لقيه، والمشهور الأول، قال يحيى بن معين: كان في زمن النبي ولم يسمع منه. روى عن: عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعروة البارقي رضي الله عنهم »(٢) .
وقال ابن حجر: « روى عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مرسلاً، وعن عمر وعلي وابن مسعود وعروة البارقي وعبد الرحمن بن أبي بكر »(٣) .
وقال الخزرجي: « كان من أجلّة العلماء وأذكى العالم، عن: علي وابن مسعود. وعنه: الشعبي وأبو وائل »(٤) .
وعدم ذكرهم معاذاً فيمن روى عنه شريح قرينة جليّة على عدم روايته عنه، لأنه لو روى عنه ولو قليلاً لذكر، لأن ابن تيميّة يرى أنّ قلّة الرواية دليل على قلّة الأخذ، فإذْ لم يذكر أصلاً فإنه لم يأخذ عنه أبداً.
هذا كلّه بالنسبة إلى دعوى تفقّه شريح على معاذ.
وأما دعوى تفقّه غيره من أكابر التابعين على معاذ بن جبل، فهي دعوى عارية عن الدليل، ولم يقل بها قائل معروف ولا مجهول.
وأمّا قوله: « ولـمّا قدم علي الكوفة كان شريح فيها قاضياً » فكلام لا نفع له فيه أبداً، فأيّ دليلٍ على صحّة قضاءه في الكوفة قبل ورود الامامعليهالسلام ، وما أكثر الذين نصبوا للقضاء وهم جهال؟ سلّمنا لكنّه ممّن روى عن أمير المؤمنين
____________________
(١). الثقات لابن حبان ٤ / ٣٥٢.
(٢). تهذيب الأسماء واللغات ١ / ٢٤٣.
(٣). تهذيب التهذيب ٤ / ٣٢٦.
(٤). خلاصة تذهيب التهذيب: ١٦٥.
عليهالسلام كما عرفت. هذا مع أنّه كان يرجع في المعضلات الواردة عليه إلى الإمامعليهالسلام وعبيدة السلماني وهو من تلامذة الامام كما ستعرف عن قريب، فلم يكن مستغنيا عن الأخذ من الامامعليهالسلام ، كما لم يستغن عنه الثلاثة وأكابر الصحابة.
فقوله: « وهو وعبيدة السلماني تفقّها على غيره » مردود، لأنّ تفقّه شريح على غير الإِمامعليهالسلام دعوى بلا دليل، أمّا تفقّهه على معاذ بن جبل - كما زعم - فقد عرفت عدم الدليل عليه، بل الدليل على عدمه، وأمّا تفقّهه على غير معاذ فمن هو ذلك الغير؟
وأمّا دعوى تفقّه عبيدة السلماني على غير الإِمامعليهالسلام فمن أعاجيب الأكاذيب، لإِجماع علماء الرجال على تفقه عبيدة السلماني على الامام وعبد الله بن مسعود، قال السمعاني: « هو من أصحاب علي وابن مسعود، حديثه مخرّج في الصحيحين وقال أحمد بن عبد الله العجلي: عبيدة السلماني كان أعور، وكان أحد أصحاب عبد الله الذين يقرؤن ويفتون. وكان شريح إذا أشكل عليه الشيء قال: إن هاهنا رجلا في بني سلمة فيه خبرة، فيرسلهم إلى عبيدة، وكان ابن سيرين من أروى الناس عنه، وكلّ شيء روى ابن سيرين عن عبيدة سوى رأيه فهو عن علي. ومات سنة اثنتين وسبعين أو ثلاث من الهجرة »(١) .
وقال النووي: « هو مشهور بصحبة علي. روى عنه: الشعبي والنخعي وأبو حصين وابن سيرين وآخرون، نزل الكوفة، وورد المدينة، وحضر مع علي قتال الخوارج، وكان أحد أصحاب ابن مسعود الذين يقرؤن ويفتون، وكان شريح إذا أشكل عليه شيء أرسل إلى عبيدة »(٢) .
وقال المزي: « قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، أسلم قبل وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بسنتين، ولم ير النبي، وكان من أصحاب علي وابن مسعود، وكان
____________________
(١). الأنساب - السّلماني.
(٢). تهذيب الأسماء واللغات ١ / ٣١٧. وفيه: « أرسلهم » بدل « أرسل ».
أعور، وكان شريح إذا أشكل عليه الشيء بعث إليه، وكلّ شيء روى ابن سيرين عن عبيدة فهو عن علي سوى رأيه »(١) .
وقال ابن حجر: « وكان من اصحاب علي وعبد الله »(٢) .
وقال أيضاً: « وعدّه علي بن المديني في الفقهاء من أصحاب ابن مسعود »(٣) .
فظهر أن ما ذكره من تفقّه عبيدة السلماني على غير الامامعليهالسلام إفك محض وبهت بحت، لأن تفقّهه ليس إلّا عليه إمّا مباشرةً وإمّا بواسطة تلميذه عبد الله بن مسعود، لكنّ التفقّه على الامامعليهالسلام والأخذ عنه لا يلازم التشيّع والمتابعة، كما ذكرنا، ومن هنا نرى أنّ هذين الرجلين لم يكونا على مذهب الإمامعليهالسلام ، بل كان بعض فتاويهما في الكوفة على خلاف رأيه، إلاّ أنّ الامام تركهما على ذلك خشية الفتنة والإِختلاف، ففي البخاري: « حدثنا علي بن الجعد، نا شعبة بن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة عن علي قال: أقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف، حتى يكون الناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي »(٤) .
وقد أوضح ذلك شرّاح البخاري، قال ابن حجر: « قوله: عن علي قال: أُقضوا كما في رواية الكشميهني على ما كنتم تقضون قيل: وفي رواية حماد بن زيد عن أيوب: أنّ ذلك بسبب قول علي في بيع أم الولد، وأنّه كان يرى هو وعمر أنهنّ لا يبعن، وأنّه رجع عن ذلك فرأى أن يبعن. قال عبيدة: فقلت له: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحبّ إليّ من رأيك وحدك في الفرقة، فقال علي ما قال. قلت: وقد وقفت على رواية حماد بن زيد، أخرجها ابن المنذر عن علي بن عبد العزيز عن أبي نعيم عنه، وعنده قال لي عبيدة: بعث إليّ علي وإلى شريح فقال: إني أبغض
____________________
(١). تهذيب الكمال ١٩ / ٢٦٦.
(٢). تهذيب التهذيب ٧ / ٨٤.
(٣). المصدر نفسه ٧ / ٨٥.
(٤). صحيح البخاري ٥ / ٨١ - فضائل أصحاب النبي مناقب علي.
الإختلاف، فاقضوا كما كنتم تقضون، فذكره إلى قوله أصحابي، قال: فقتل علي قبل أنْ يكون جماعة. قوله: فإني أكره الإِختلاف، أي الذي يؤدّي إلى النزاع، قال ابن التين: يعني مخالفة أبي بكر وعمر. وقال غيره: المراد المخالفة التي تؤدّي إلى النزاع والفتنة، ويؤيّده قوله بعد ذلك: حتى يكون الناس جماعة »(١) .
فاندفع ما توخّاه بقوله: « فانتشر علم الإِسلام في المدائن قبل أنْ يقدم علي الكوفة » لما عرفت من أنّ علم الاسلام انتشر في المدائن عن طريق باب مدينة العلم فقط دون غيره، وأنّه لا سبيل إلى علم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا من هذا الباب، فمن أتاه فقد امتثل أمر النبي، ومن لم يأته هلك وخسر، وكلّ ما خرج من هذا الباب فهو علم ونور وهداية، وكلّ ما كان من غيره فهو جهل وظلمة وضلالة.
ولقد دمّرنا بفضل الله على تزويقات ابن تيميّة تدميراً، وتبّرنا قاطبة تلفيقاته تتبيراً، ولم نترك من كلماته الزائغة نقيراً ولا قطميراً، ولله الحمد على ذلك حمداً كثيراً كثيراً.
* * *
____________________
(١). فتح الباري ٧ / ٥٩. وانظر: عمدة القاري ١٦ / ٢١٨. وإرشاد الساري ٦ / ١١٨.
(٥)
مع يوسف الأعور
في كلامه حول الحديث
وأجاب يوسف الأعور الواسطي في ( رسالته ) في الردّ على الشيعة، عن حديث مدينة العلم بقوله: « الثاني من حجج الرافضة بالعلم: حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها والجواب عنه أيضاً من وجوه:
أحدها: إن هذا الحديث يتضمّن ثبوت العلم لعليرضياللهعنه ، ولا شكّ أنه بحر علم زاخر لا يدرك قعره، إلّا أنّه لا يتضمّن ثبوت الرجحان على غيره، بدليل ثبوت العلم لغيره على وجه المساواة، بقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن مجموع الأصحاب: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. فثبت العلم لكلّهم.
ثانيها: إن بعض أهل السنة ينقل زيادة على هذا القدر، وذلك قولهم إنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، وأبو بكر وعمر وعثمان حيطانها وأركانها. والباب فضاء فارغ، والحيطان والأركان طرف محيط، فرجحانهنّ على الباب ظاهر.
ثالثها: دفع في تأويل علي بابها. أي مرتفع. وعلى هذا يبطل الإِحتجاج به للرافضة ».
أقول: أمّا الوجه الأول فالجواب عنه من وجوه:
دلالة الحديث على رجحان علم الامام
أحدها: إن حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها يتضمن رجحان علم الامامعليهالسلام على علم غيره، لا على ثبوت العلم لهعليهالسلام كما زعم الأعور، لأنّ من بلغ في العلم مرتبةً جعله النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم باباً إلى نفسه
- وهو مدينة العلم - يكون أعلى مرتبة وأرجح علما من غيره، وهذا ظاهر كلّ الظهور.
دلالته على الإحاطة بعلوم النبي
وثانيها: إن هذا الحديث يدلّ على إحاطة أمير المؤمنينعليهالسلام وعلمه بجميع علوم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ورجحان علم النبيّ لا يشك فيه أحد، فمن كان عالماً بجميع علومه يكون علمه راجحاً على غيره بالضرورة.
دلالته على الأعلمية
وثالثها: إنّ هذا الحديث يدل على أعلمية الامامعليهالسلام ، كما اعترف به جماعة من أهل السنة الأعلام، أمثال أبي بكر محمد بن علي الخوافي، وشهاب الدين أحمد، وابن روزبهان الشيرازي، وعبد الرءوف المناوي، وابن حجر المكي، وغيرهم، وعليك بمراجعة كلمات هؤلاء وغيرهم لئلّا تغترّ بأقاويل الأعور.
بطلان دعوى المساواة بين الأصحاب في العلم
ورابعها: ما ذكره بقوله: بدليل ثبوت العلم لغيره على وجه المساواة، من الأباطيل الواضحة، فإنّ اختلاف مراتب الصحابة في العلم من الأمور الضروريّة عند كلّ ذي فهم فضلاً عن العلماء الأعلام.
حديث أصحابي كالنجوم موضوع
وخامسها: إحتجاجه بحديث « أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم أهتديتم » من غرائب الْاُمور، فإنّ هذا الحديث كذب، وقد حكم بوضعه أكابر المحققين من أهل السّنة، كما دريت ذلك بالتفصيل في قسم حديث الثقلين، ونشير هنا إلى بعض كلمات القوم:
١ - قال حافظ المغرب أبو عمر ابن عبد البرّ القرطبي ما نصه:
« قال المزنيرحمهالله في قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أصحابي كالنجوم قال: إنْ صحّ هذا الخبر فمعناه فيما نقلوا عنه وشهدوا به عليه، فكلّهم ثقة مؤتمن على ما جاء به، لا يجوز عندي غير هذا. وأمّا ما قالوا فيه برأيهم فلو كان عند أنفسهم كذلك ما خطّأ بعضهم بعضاً ولا أنكر بعضهم على بعض، ولا رجع منهم أحد إلى قول صاحبه. فتدبّر.
وعن محمد بن أيوب الرقي قال قال لنا أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار: سألتم عمّا يروى عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ممّا في أيدي العامّة، يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: مثل أصحابي كمثل النجوم وأصحابي كالنجوم فبأيهما اقتدوا اهتدوا. قال: وهذا الكلام لا يصح عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . رواه عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . وربّما رواه عبد الرحيم عن أبيه عن ابن عمر وإنّما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم بن زيد، لأن أهل العلم قد سكتوا عن الرواية لحديثه.
والكلام أيضاً منكر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد روى عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بإسناد صحيح: عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديّين بعدي فعضّوا عليها بالنواجذ. وهذا الكلام يعارض حديث عبد الرحيم لو ثبت فكيف ولم يثبت، والنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يبيح الاختلاف بعده من أصحابه. والله أعلم. هذا آخر كلام البزار.
قال أبو عمر: قد روى أبو شهاب الخيّاط عن حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنما أصحابي مثل النجوم فأيّهم أخذتم بقوله اهتديتم وهذا لا يصح ولا يرويه عن نافع من يحتج به. وليس كلام البزار بصحيح على كلّ حال. لأن الاقتداء بأصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم منفردين إنما هو لمن جهل ما يسأل عنه، ومن كانت هذه حاله فالتقليد لازم له،
ولم يأمر أصحابه أن يقتدي بعضهم ببعض، إذا تأوّلوا تأويلاً سائغاً جائزاً ممكناً في الأصول، وإنما كلّ واحد منهم نجم جائز أن يقتدي به العامي الجاهل بمعنى ما يحتاج إليه من دينه، وكذلك سائر العلماء من العامة، والله أعلم.
وقد روى في هذا الحديث إسناد غير ما ذكر البزار، عن سلام بن سليم قال: حدّثنا الحارث بن غصين عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم قال أبو عمر: هذا إسناد لا تقوم به حجة، لأن الحارث بن غصين مجهول»(١) .
وفي هذا الكلام دلالة على بطلان حديث النجوم من وجوه عديدة لا تخفى على النبيه.
٢ - وقال ابن تيميّة الحراني: « أما قوله: أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم، فهذا الحديث ضعيف، ضعّفه أئمة الحديث. قال البزار: هذا حديث لا يصح عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وليس هو في كتب الحديث المعتمدة »(٢) .
٣ - وقال أبو حيّان محمد بن يوسف الغرناطي: « قال الزمخشري: فإنْ قلت: كيف كان القرآن تبياناً لكلّ شيء؟ قلت: المعنى أنّه بيّن كل شيء من أمور الدين، حيث كان نصّاً على بعضها، وإحالةً على السّنة حيث أمر فيه باتّباع رسول الله وطاعته وقيل:( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ) وحثّاً على الاجماع في قوله:( وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) وقد رضي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأُمته إتّباع أصحابه والإِقتداء بآثارهم في قوله: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقد اجتهدوا وقاسوا ووطّأوا طرق القياس والإِجتهاد، فكانت السنّة والاجماع والقياس والإِجتهاد مستندة إلى تبيين الكتاب، فمن ثمّ كان تبياناً لكلّ شيء. إنتهى.
وقوله: وقد رضي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى قوله اهتديتم. لم يقل
____________________
(١). جامع بيان العلم ٢ / ٨٩ - ٩٠.
(٢). منهاج السنّة ٤ / ٢٣٩.
ذلك رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو حديث موضوع لا يصح بوجهٍ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قال الحافظ أبو محمّد علي بن أحمد بن حزم في رسالته في إبطال الرأي والقياس والإِستحسان والتعليل والتقليد ما نصه: وهذا خبر مكذوب موضوع باطل لم يصح قط. وذكر إسناداً إلى البزّار صاحب المسند قال: سألتم عمّا روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مما في أيدي العامّة ترويه عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: ربما مثل أصحابي كمثل النجوم أو كالنجوم بأيّها اقتدوا اهتدوا، وهذا كلام لم يصح عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، رواه عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . وإنما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم، لأن أهل العلم سكتوا عن الرواية لحديثه. والكلام أيضاً منكر ولم يثبت، والنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يبيح الإِختلاف بعده من أصحابه. هذا نصّ كلام البزار. وقال ابن معين: عبد الرّحيم بن زيد كذّاب خبيث ليس بشيء. وقال البخاري: وهو متروك. ورواه أيضاً حمزة، وحمزة هذا ساقط متروك »(١) .
٤ - وقال أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي: « حديث: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. رواه الدار قطني في الفضائل وابن عبد البر في العلم من طريقه من حديث جابر وقال: هذا اسناد لا يقوم حجة، لأن الحارث ابن غصين مجهول، وراه عبد بن حميد في مسنده من رواية عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن ابن المسيب عن ابن عمر قال البزّار: منكر لا يصح. ور واه ابن عدي في الكامل من رواية حمزة بن أبي حمزة النصيبي بلفظ: فأيّهم أخذتم بقوله بدل اقتديتم. وإسناده ضعيف من أجل حمزة، فقد اتّهم بالكذب. ورواه البيهقي في المدخل من حديث عمر، ومن حديث ابن عباس بنحوه، من وجهٍ آخر
____________________
(١). البحر المحيط ٥ / ٥٢٧ - ٥٢٨.
مرسلاً وقال: متنه مشهور وأسانيده ضعيفة لم يثبت في هذا إسناد. وقال ابن حزم: مكذوب موضوع باطل. قال البيهقي: يروي بعض معناه »(١) .
٥ - وقال الحافظ ابن حجر: « ( حديث ) أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. عبد بن حميد في مسنده من طريق حمزة النصيبي عن نافع ابن عمر، وحمزة ضعيف جداً. ورواه الدار قطني في غرائب مالك من طريق جميل بن زيد عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، وجميل لا يعرف، ولا أصل له في حديث مالك ولا من فوقه، وذكره البزار من رواية عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن عمر، وعبد الرّحيم كذّاب. ومن حديث أنس أيضاً وإسناده واهٍ. ورواه القضاعي في مسند الشهاب له من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وفي إسناده جعفر بن عبد الواحد الهاشمي وهو كذّاب، ورواه أبوذر الهروي في كتاب السنّة من حديث مندل عن جويبر عن الضحّاك بن مزاحم منقطعاً، وهو في غاية الضعف.
قال أبو بكر البزار: هذا الكلام لم يصح عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقال ابن حزم: هذا خبر مكذوب موضوع باطل. و قال البيهقي في الإعتقاد عقب حديث أبي موسى الأشعري الذي أخرجه مسلم بلفظ: النجوم أمنة أهل السماء فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السّماء ما يوعدون، وأصحابي أمنة لاُمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أُمتي ما يوعدون. قال البيهقي: روي في حديث موصول بإسناد غير قوي، يعني حديث عبد الرّحيم العمي، وفي حديث منقطع، يعني حديث الضحّاك بن مزاحم: مثل أصحابي كمثل النجوم في السّماء من أخذ بنجمٍ منها اهتدى. قال: والذي رويناه هاهنا من الحديث الصحيح يؤدّي بعض معناه.
قلت: صدق البيهقي، هو يؤدي صحّة التشبيه للصحابة بالنجوم خاصة، أمّا في الإِقتداء فلا يظهر في حديث أبي موسى. نعم يمكن أن يتلمّح ذلك من
____________________
(١). تخريج أحاديث المنهاج - مخطوط.
معنى الإِهتداء بالنجوم. وظاهر الحديث إنما هو إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصّحابة من طمس السنن وظهور البدع وفشو الفجو في أقطار الأرض. فالله المستعان »(١) .
عدم دلالة حديث النجوم على المساواة
وسادسها: إن حديث أصحابي كالنجوم لا يثبت العلم للصحابة على وجه المساواة كما يزعم الأعور، بل هو ظاهر في اختلاف مراتب الأصحاب في العلم، كما ذكر الشيخ علي القاري في كلامه الآتي نصّه فيما بعد إن شاء الله.
وقال إبراهيم بن الحسن الكردي الكوراني في كتابه ( النبراس ): « إن الله تعالى ما أمرنا في كتابه إلّا باتّباع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) وقال:( فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) وقال:( ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) وقال:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) وقال للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :( قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .
فكان اتّباع النبي هو عين اتباع ما يوحى إليه من ربّه. ولذا قال:( اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ) فاتّباع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فيما جاء به من عند الله وإطاعته هو المأمور به.
فرجعنا إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى ننظر ما ذا يأمرنا به وما ذا ينهانا عنه، حتى نأخذ بالأول وننتهي عن الثاني، فرأيناه يقول: مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحدٍ في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنّة منّي ماضية، فإن لم تكن سنّة فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السّماء فأيّما أخذتم
____________________
(١). التلخيص الحبير ٤ / ١٩٠ - ١٩١.
به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة.
فعلمنا أن ما يوجد منصوصاً عليه في كتاب الله لابدّ من الأخذ به، والمخالف التارك للعمل به لا عذر له فهو زائغ، ثم ما لم يوجد منصوصاً عليه في الكتاب ووجد منصوصاً عليه في السنّة وجب الأخذ به والمخالف مخطئ آثم، ثم إنْ لم يوجد منصوصاً عليه فيهما رأيناه قد أحالنا على الأخذ بقول المجتهدين من الصحابة رضي الله عنهم، وصوّب الجميع حيث نصّ على أن الآخذ بقول أيّهم كان مهتدياً، ولا يكون التابع مهتدياً إلّا إذا كان المتبوع مهتدياً بلا شبهة. وأشار بتشبيههم بالنجوم إلى تفاوت مراتبهم في العلم، فإن النجوم وإنْ كانت مشتركة في أصل النور الذي يهتدى به في ظلمات البر والبحر، لكنه لا خفاء في تفاوت مراتبها في النور والإِشراق والإِضاءة. وأشار بذلك أيضاً إلى أنّ تفاوت مراتبهم في نور العلم لا يوجب خللاً في الاهتداء بهم، ولا أن الآخذ بقول أقلّهم علماً غير مهتد، كما لا يوجب تفاوت مراتب النجوم في النور أن يكون الآخذ بالأقل نوراً غير مهتد.
يوضحه ما أخرجه السجزي في الابانة وابن عساكر عن عمررضياللهعنه قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : سألت ربي تبارك وتعالى فيما يختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى إليّ يا محمد: إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السّماء بعضها أضوء من بعض، فمن أخذ شيئاً مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى. إنتهى. وما أحسن قول القائل:
من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم |
مثل النجوم التي يسري بها الساري |
وسيّدنا الامام علي وابناه رضي الله تعالى عنهم داخلون في الصّحابة كما لا يخفى. فعلمنا أنّ جميع الصّحابة مشتركون في أصل الاهتداء بهم مع تفاوت درجاتهم ».
إثبات العلم لكلّ الصحابة محال
وسابعها: كيف يتمكّن الأعور من إثبات العلم لكلّ الصحابة، على وجه
المساواة أو التفاوت؟ وأي دلالةٍ في حديث النجوم الموضوع على ذلك؟ ومن هنا ترى الكردي ينزّل الحديث على المجتهدين من الصحابة فيقول: « ثم إنْ لم يوجد منصوصاً عليه فيهم، رأيناه قد أحالنا على الأخذ بقول المجتهدين من الصحابة رضي الله عنهم، وصوب الجميع حتى نصّ على أنّ الآخذ بقول أيّهم كان مهتدياً ».
ويقول نصر الله الكابلي في ( الصواقع ) عند ذكر حديث النجوم: « والمراد من الأصحاب من لازمهعليهالسلام ، من المهاجرة والأنصار وغيرهم، غدوة وعشيةً، وصحبه في السفر والحضر، وتلقّى الوحي منه طريّاً، وأخذ عنه الشريعة والأحكام وآداب الإسلام، وعرف الناسخ والمنسوخ، كالخلفاء الراشدين وغيرهم، لا كل من رآه مرة أو أكثر ».
وأمّا الوجه الثاني فالجواب عنه أيضاً من وجوه:
حديث مدينة العلم ثابت عن طرق الفريقين
أحدها: إنّ حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » ثابت من طرق الفريقين، فليثبت الأعور تلك الزيادة المزعومة من طرق الفريقين كذلك، وليس له إلى آخر الدهر من سبيل.
ليس للزيادة المزعومة طريق واحد موثوق به
وثانيها: وهل بوسع الأعور أنْ يذكر لهذه الزيادة المزعومة في الحديث طريقاً واحداً عن أهل مذهبه؟ لا سبيل له إلى ذلك كذلك، فإنَّ أحداً من علماء أهل السنة الأثبات لم يثبت هذه الزيادة، ومن ادّعى فعليه البيان.
ومن الذي رواها؟
وثالثهما: إنه لا أقل من أنْ يذكر الأعور أسماء بعض رواة هذه الزيادة،
والناقلين لها في كتبهم، لننظر في أحوالهم، ونراجع ألفاظهم وأقوالهم.
لو ثبتت لم تكن حجةً على الامامية
ورابعها: إنه لو فرض ذكر الأعور أسماء نقلة هذه الزيادة، وزعمه أنهم من أكابر أهل السنة، فإن من المعلوم أنّ حديث الخصم من طرقه لا يكون حجةً الطرف الآخر في مقام الاحتجاج، ولا يجوز له إلزامه به، فكيف بزيادة بعض الوضّاعين الأفّاكين في حديث مروي عن سيد المرسلين، بطرقٍ معتبرةٍ لدى جميع المسلمين؟
الأصل في الزيادة والكلمات فيه وفي واضعها
فمن هو الأصل في هذه الزّيادة؟ وما هي آراء أئمة الحديث فيها وفي واضعها؟.
قال السيوطي: « وقال ابن عساكر في تاريخه، أنا أبو الحسن بن قبيس ثنا عبد العزير بن أحمد، ثنا أبو نصر عبد الوهاب بن عبد الله بن عمر المري، ثنا أبو القاسم عمر بن محمد بن الحسين الكرخي، ثنا علي بن محمد بن يعقوب البرذعي، ثنا أحمد بن محمد بن سليمان قاضي القضاة حدثني أبي، ثنا الحسن بن تميم بن تمام عن أنس مرفوعاً: أنا مدينة العلم وأبو بكر وعمر وعثمان سورها وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب.
قال ابن عساكر: منكر جدّا إسنادا ومتنا.
وقال ابن عساكر: أنبأنا أبو الفرج غيث بن علي الخطيب، حدثني أبو الفرج الإِسفرائني قال: كان أبو سعد إسماعيل بن المثنى الاسترآبادي يعظ بدمشق، فقام إليه رجل فقال: أيها الشّيخ ما تقول في قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا مدينة العلم وعلي بابها؟ قال: فأطرق لحظة ثم رفع رأسه وقال: نعم، لا يعرف هذا الحديث على التمام إلّا من كان صدراً في الإِسلام، إنما قال النبي صلّى الله عليه
وسلّم: أنا مدينة العلم وأبوبكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها. قال: فاستحسن الحاضرون ذلك وهو يردّده. ثم سألوه أن يخرج لهم إسناده فأنعم ولم يخرجه لهم. ثم قال شيخي أبو الفرج الإِسفرائني: ثم وجدت هذا الحديث بعد مدة في جزء على ما ذكره ابن المثنّى. إنتهى »(١) .
يفيد هذا الكلام أنّ واضع هذه الزيادة في حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » هو « إسماعيل الإِسترآبادي »، ولا ينافي ذلك قول أبي الفرج أنّه قد وجد هذا الحديث بعد مدّة في جزء على ما ذكره إسماعيل بن المثنى الإِسترآبادي، لاحتمال كون صاحب الجزء قد سمع الحديث من الأسترآبادي المذكور، ومن هنا ذكر ابن حجر هذا الحديث شاهداً على اتّهام إسماعيل الإِسترآبادي حيث قال:
« إسماعيل بن علي بن المثنّى الإِسترآبادي الواعظ. كتب عنه أبو بكر الخطيب وقال: ليس بثقة. وقال ابن طاهر: مزّقوا حديثه بين يديه ببيت المقدس. وفي تاريخ الخطيب عنه: حدّثنا أبي، حدّثنا محمد بن إسحاق الرّملي، حدّثنا هشام بن عمار، أنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد، عن خالد عن شداد ابن أوس مرفوعا قال: بكى شعيب من حبّ الله حتى عمي. فذكر الحديث وفيه: فلذا أخدمتك موسى كليمي.
قلت: هذا حديث باطل لا أصل له. انتهى. وقد رواه الواحدي في تفسيره عن أبي الفتح محمد بن علي المكفوف عن علي بن الحسن بن بندار والد إسماعيل، فبرئ إسماعيل من عهدته، والتصقت الجناية بأبيه وسيأتي.
وإسماعيل مع ذلك متّهم، قال غيث بن علي الصوري: حدّثني سهل بن بشير بلفظه غير مرة قال: كان إسماعيل يعظ بدمشق فقام إليه رجل فسأله عن حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها. فقال: هذا مختصر وإنما هو: أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها قال: فسألوه أن يخرج
____________________
(١). اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ١: ٣٣٥.
لهم إسناده فوعدهم به.
قال الخطيب: سألته عن مولده فقال: ولدت بأسفراين سنة ٣٧٥ قال ومات في المحرّم سنة ٤٤٨.
وقال أبو سعد ابن السمعاني في الأنساب: كان يقال له كذّاب ابن كذّاب، ثم نقل عن عبد العزيز النخشبي قال: وحدّث عن شافع بن أبي عوانة وأبي سعد ابن أبي بكر الإسماعيلي والحاكم والسلمي وأبي الفضل الخزاعي وغيرهم، وكان يقص ويكذب، ولم يكن على وجهه سيما المتّقين. قال النخشبي: دخلت على أبي نصر عبيد الله بن سعيد السجزي بمكة فسألته عنه فقال: هذا كذّاب ابن كذّاب لا يكتب عنه ولا كرامة. قال: وتبيّنت ذلك في حديثه وحديث أبيه، يركّب المتون الموضوعة على الأسانيد الصحيحة، ولم يكن موثوقا به في الرواية »(١) .
وهذا هو النصّ الكامل لعبارة السمعاني بترجمة الرجل: « وأبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسين بن بندار بن مثنى التميمي الأسترآبادي العنبري، من أهل أسترآباد. قيل: هو كذّاب ابن كذّاب يروي عن أبيه وأبوه أبو الحسن من الكذّابين أيضاً. رحل إلى الشام والعراق والحجاز يروي عن شيوخ كثيرة مثل: أبي عبد الله محمد بن إسحاق الرّملي وابن كرمون الأنطاكي. روى عنه ابنه أبو سعد وأبو محمد بن إسماعيل بن كثير الأسترآبادي، وهو آخر من روي عنه فيما أظن.
قال أبو محمد عبد العزيز بن محمد النخشبي: أبو سعد الأسترآبادي التميمي كذّاب وأبوه كذّاب ايضا، يروي عن أبي بكر الجارودي، وكان هذا الجارودي يروي عن يونس بن عبد الأعلى وطبقته الذين ماتوا بعد الستّين ومائتين، فروى أبو الحسن بن المثنى عنه عن هشام بن عمار فكذب عليه ما لم يكن يجتري أن يكذب هو بنفسه، لا يحلّ الرواية عنه إلّا على وجه التعجّب.
قال أبو سعد: ولد والدي بآمل وأصله من البصرة عاش أظنه مائة وإحدى
____________________
(١). لسان الميزان ١ / ٤٢٢.
عشر سنة كما سمعت، قرأ الفقه على أبي إسحاق المروزي، وشاهد أبا بكر بن مجاهد المقري، وأبا الحسن الأشعري، ونفطويه، وغلام ثعلب، وأبا بكر الشبلي وغيرهم من أئمة العلماء، وتوفي باستراباد في رجب سنة أربعمائة. وابنه أبو سعد التميمي حدّث عن أبيه، وشافع بن محمد بن أبي عوانة الإسفرائني، وأبي العبّاس الضرير الرازي، وأبي سعد بن أبي بكر الإسماعيلي، وأبي عبد الله بن البيّع الحافظ، وأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي الفضل محمد بن جعفر الخزاعي وغيرهم.
روى عنه عبد العزيز بن محمد النخشبي، وأحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظان قال الخطيب: قدم علينا بغداد حاجّاً سمعت منه حديثاً واحداً مسنداً منكراً. وذكره النخشبي في معجم شيوخه فقال: أبو سعد ابن المثنى التميمي، وفي التميمي نظر، شيخ كذّاب ابن كذّاب، يقصّ ويكذب على الله وعلى رسوله، ويجمع الذهب والفضّة، لم يكن على وجهه سيما الإسلام. دخلت على الشيخ أبي نصر عبيد الله بن سعيد السجزي العالم بمكة فسألته عنه فقال: هو كذّاب ابن كذّاب، لا يكتب عنه ولا كرامة، تبيّنت ذلك في حديثه وحديث أبيه، يركّب المتون الموضوعة على الأسانيد الصحاح ونعوذ بالله من الخذلان. قال أبو بكر الخطيب بعد أن روى حديثاً وبيتين من الشعر عنه عن طاهر الخثعمي عن الشبلي ثم قال: هذا جميع ما سمعت من أبي سعد ببغداد. ولم يكن موثوقاً به في الرواية ثم لقيته ببيت المقدس عند عودي من الحج سنة ٤٤٦، فحدّثني عن جماعة وسألته عن مولده فقال: ولدت باسفراين في سنة ٣٧٥ ومات ببيت المقدس في المحرّم سنة ٤٤٨ »(١) .
فهذا هو الذي وضع هذه الزيادة، وهذه هي حاله، والأعور ذكر هذه الزيادة باختلافٍ في لفظها، إمّا من نفسه وإمّا من بعض الكذّابين الآخرين، إلّا
____________________
(١). الأنساب - التميمي.
أنّ أبا شكور السّلمي يذكرها بلفظٍ آخر حيث يقول:
« القول الخامس في تفضيل الصّحابة بعضهم على بعض رضي الله عنهم. قال أهل السّنة والجماعة: إنّ أفضل الخلق بعد الأنبياء والرسل والملائكةعليهمالسلام كان أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم. وروي عن أبي حنيفةرضياللهعنه أنّه قال: من السّنة أن تفضّل الشيخين وتحبّ الختنين. وروي عنهرضياللهعنه أنه قال: عليك أن تفضّل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. وتحب عثمان وعلياً رضي الله عنهما. وفي رواية وتحب علياً وعثمان رضي الله عنهما. ولم يرد بهذا أفضلية عليرضياللهعنه على عثمانرضياللهعنه ، لأن الترتيب في الذكر لا يوجب الترتيب في الحكم. وروي عن جماعة من الفقهاء قالوا: ما رأينا أحداً أحسن قولاً في الصحابة رضي الله عنهم من أبي حنيفةرضياللهعنه . ولما روى عن علي بن أبي طالبرضياللهعنه : أنه كان على المنبر بالكوفة فقال ابنه محمد ابن الحنفيةرضياللهعنه : من خير هذه الْاُمة بعد نبيّناعليهالسلام ؟ فقال: أبو بكررضياللهعنه . فقال: ثمّ من؟ فقال: عمررضياللهعنه . فقال: ثم من؟ فقال: عثمانرضياللهعنه . فقال: ثم من؟ فسكت عليرضياللهعنه ، ثم قال: لو شئت لأنبأتكم بالرابع وسكت فقال محمدرضياللهعنه : أنت؟ فقال: أبوك امرؤ من المسلمين. ور وي عن النبيعليهالسلام : أنا مدينة العلم وأساسها أبو بكر وجدرانها عمر وسقفها عثمان وبابها علي »(١) .
وسيجيء إن شاء الله تعالى شطر من الكلام في هذا الباب، في ردّ هفوات ابن حجر.
دلالة الزّيادة على خلاف مرامهم
وخامسها: إن هذه الزيادة الموضوعة تدلّ على خلاف مرام واضعها ومن
____________________
(١). التمهيد في بيان التوحيد - القول الخامس من مباحث النبّوة.
يحتجّ بها، لأنّ كون الثلاثة حيطان المدينة وأركانها معناه كونهم الحائل والمانع عن الدخول إلى المدينة ومن حال دون وصول الْاُمة إلى مدينة العلم فليس بأهلٍ للإِمامة. لكن الأعور قد أعمي قلبه فلم يتفطّن إلى ما يؤول إليه معنى هذه الزيادة المزعومة.
وقد أشار إلى ما ذكرنا بعض علماء أهل السنة في شرح حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها، عند ذكر أسماء الإِمام عليعليهالسلام ، فقال: « ومنها: باب مدينة عن عليرضياللهعنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وبارك وسلّم: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأته من بابها. رواه الطبري من تخريج أبي عمر. وأورده الامام الفقيه المذكور وقال كما في الحديث.
واعلم أنّ الباب سبب لزوال الحائل والمانع عن الدخول إلى البيت، فمن أراد الدخول وأتى البيوت من غير أبوابها شقّ وعسر عليه دخول البيت، فهكذا من طلب العلم ولم يطلب ذلك من عليرضياللهعنه وبيانه، فإنه لا يدرك المقصود، فإنهرضياللهعنه كان صاحب علم وعقل وبيان، وربّ من كان عالماً ولا يقدر على البيان والإِفصاح، وكان عليرضياللهعنه مشهوراً من بين الصحابة بذلك، فباب العلم وروايته واستنباطه من عليرضياللهعنه ، وهو كان بإجماع الصحّابة مرجوعاً إليه في علمه، موثوقاً بفتواه، وحكمه، والصحابة كلّهم يراجعونه مهما أشكل عليهم ولا يسبقونه، ومن هذا المعنى قال عمر: لو لا علي لهلك عمر. رضي الله تعالى عنهم »(١) .
ثم إن قول الأعور: « والباب فضاء فارغ، والحيطان والأركان طرف محيط، فرجحانهنّ على الباب ظاهر » كلام سفيه لا يعقل ما يقول، لأن كون الباب فضاء فارغا ممنوع أولا. وثانيا: لو سلّمنا ذلك، فإنّ كونه كذلك كمال له وليس نقصا، لأن الوصول إلى المدينة موقوف على أنّ يكون للباب فضاء، بخلاف الحيطان
____________________
(١). توضيح الدلائل بتصحيح الفضائل - مخطوط.
والأركان فإنها مانعة عن الوصول، وحائلة دون الدخول، وبطلان ترجيح المانع عن الدخول على سبب الدخول من أوضح الواضحات.
وأمّا الوجه الثالث فالجواب عنه أيضاً من وجوه:
تأويل لفظ « علي » من صنع الخوارج
أحدها: إن تأويل « علي » في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنا مدينة العلم وعلى بابها » من أقبح وجوه التحريف والتّضليل، ومن جملة صنائع الخوارج والنواصب، لا يرتضيه من كان في قلبه أقل مراتب حبّ أهل البيتعليهمالسلام ، فقد نصّ أبو محمد أحمد بن على العاصمي في ( زين الفتى ) على أنّ الغرض من هذا التأويل هو « الوقيعة في المرتضى رضوان الله عليه والحطّ عن رتبته » وقد تقدمت عبارته سابقاً.
إنّه خلاف ما فهمه الناس
والثاني: إنّ هذا التأويل تخطئة لفهم الناس أجمعين من هذا الحديث الشريف، كما صرّح بذلك العلامة محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير في عبارته الآتية.
يبطله ذكرهم الحديث في مناقب الامام
والثالث: إنّ هذا التأويل تسفيه وتجهيل للجماعات الكثيرة من أكابر العلماء وأئمة المحدثين، الذين ذكروا حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » ضمن مناقب أمير المؤمنينعليهالسلام وفضائله، فهل يرضى عاقل من أهل السنّة بتجهيل وتضليل هؤلاء الأئمة والمهرة في الحديث؟
وضع الزيادة فيه دليل بطلان تأويله
والرابع: إنه إذا كان المراد من « علي » في الحديث هو « المرتفع » لا سيدنا أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام فلما ذا صدرت تلك التمحّلات والتكّلفات في ردّ الحديث؟ ولماذا وضع بعضهم زيادة كون المشايخ حيطان المدينة وأركانها؟ إن هذا الحديث من فضائل الامامعليهالسلام ، ولهذا أقحموا فيه أسماء المشايخ الثلاثة، حتى لا يكون فضيلةً خاصّةً به، فجعلوهم الحيطان والأركان كما جعله النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الباب. ومن العجيب جمع الأعور بين الأمرين، حيث احتجّ بتلك الزيادة الموضوعة المزعومة في الوجه الثاني، وتمسّك بهذا التأويل الباطل في الوجه الثالث.
طعن بعضهم في سنده دليل بطلان تأويله
والخامس: إنّ هذا الحديث من فضائل مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام ، ولو كان « علي » فيه بمعنى « مرتفع » لما كان فيه أي ضَررٍ على الثلاثة وخلافتهم، لكن طعن بعض متعصّبيهم في سند هذا الحديث دليل آخر على أن « علي » فيه اسم الامام، وأنّ تأويله بمعنى « مرتفع » باطل حتى عند هؤلاء الطاعنين في سنده بالرغم من رواية الأئمة الأثبات إيّاه وإثباته.
قول الامام: أنا باب المدينة
والسادس: قول الامام عليعليهالسلام - في خطبة رواها أبو سالم كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي -: « أنا باب المدينة »، وإليك نصّ الخطبة:
« وقد ثبت عند علماء الطريقة ومشايخ الحقيقة بالنقل الصحيح والكشف الصريح أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه قام على المنبر بالكوفة وهو يخطب فقال:
بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد لله بديع السّماوات والأرض وفاطرها وساطح المدحيات ووازرها، ومطوّد الجبال وقافرها، ومفجر العيون ونافرها، ومرسل الرياح وزاجرها، وناهي القواصف وآمرها، ومزيّن السّماء وزاهرها، ومدبّر الأفلاك ومسيّرها، ومقسّم المنازل ومقدّرها، ومنشئ السّحاب ومسخرّها، ومولج الحنادس ومنوّرها، ومحدث الأجسام ومقررها، ومكوّر الدهور ومكرّرها، ومورد الأمور ومصدرها، وضامن الأرزاق ومدبّرها، ومحي الرفات وناشرها.
أحمده على آلائه وتوافرها وأشكره على نعمائه وتواترها، وأشهد أنْ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، شهادة تؤدّي إلى السّلامة ذاكرها، وتؤمّن من العذاب ذاخرها، وأشهد أن محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم الخاتم لما سبق من الرسل وفاخرها، ورسوله الفاتح لما استقبل من الدعوة وناشرها، أرسله إلى أُمة قد شعر بعبادة الأوثان شاعرها، فأبلغصلىاللهعليهوآلهوسلم في النصيحة وافرها، وأنار منار أعلام الهداية ومنابرها، ومحا بمعجز القرآن دعوة الشيطان ومكائرها، وأرغم معاطيس غواة العرب وكافرها، حتى أصبحت دعوته الحق بأوّل زائرها، وشريعته المطهرة إلى المعاد يفخر فاخرها،صلىاللهعليهوآلهوسلم الدوحة العليا وطيب عناصرها.
أيّها الناس سار المثل وحقق العمل، وتسلّمت الخصيان وحكّمت النسوان، واختلفت الأهواء وعظمت البلوى، واشتدّت الشكوى واستمرت الدعوى، وزلزلت الأرض وضيّع الفرض، وكتمت الأمانة وبدت الخيانة، وقام الأدعياء ونال الأشقياء، وتقدّمت السفهاء وتأخر الصلحاء وازورّ القرآن واحمرّ الدبران، وكملت الفترة ودرست الهجرة، وظهرت الأفاطس فحسمت الملابس، يملكون السرائر ويهتكون الحرائر، ويجيئون كيسان ويخربون خراسان، فيهدمون الحصون ويظهرون المصون، ويفتحون العراق بدم يراق، فآه آه ثم آه لعريض الأفواه وذبول الشفاه، ثم التفت يميناً وشمالاً وتنفّس الصعداء، لا ملالاً، وتأوّه خضوعاً وتغيّر خضوعاً.
فقام إليه سويد بن نوفل الهلالي فقال: يا أمير المؤمنين، أنت حاضر بما ذكرت وعلم به؟ فالتفت إليه بعين الغضب وقال له: ثكلتك الثواكل ونزلت بك النوازل، يا ابن الجبان الخبيث والمكذب الناكث، سيقصر بك الطول ويغلبك الغول.
أنا سرّ الأسرار، أنا شجرة الأنوار، أنا دليل السّماوات أنا أنيس المسبّحات، أنا خليل جبرائيل، أنا صفي ميكائيل، أنا قائد الأملاك، انا سمندل الأفلاك، أنا سرير الصّراح أنا حفيظ الألواح، أنا قطب الديجور، أنا البيت المعمور، أنا مزن السّحائب أنا نور الغياهب أنا فلك اللجج أنا حجة الحجج، أنا مسدّد الخلائق أنا محقّق الحقائق، أنا مأوّل التأويل أنا مفسّر الإِنجيل، أنا خامس الكساء أنا تبيان النساء، أنا ألفة الإِيلاف أنا رجال الأعراف، أنا سرّ إبراهيم أنا ثعبان الكليم، أنا ولي الأولياء أنا وارث الأنبياء، أنا أوريا الزبور أنا حجاب الغفور، أنا صفوة الجليل أنا إيلياء الإِنجيل، أنا شديد القوى أنا حامل اللواء، أنا إمام المحشر أنا ساقي الكوثر، أنا قسيم الجنان أنا مشاطر النيران، أنا يعسوب الدين أنا إمام المتقين، أنا وارث المختار أنا طهر الأطهار، أنا مبيد الكفرة أنا أبو الائمة البررة، أنا قالع الباب أنا مفرّق الأحزاب، أنا الجوهرة الثمينة أنا باب المدينة إلخ »(١) .
وقال شهاب الدين أحمد في ذكر أسماء الامامعليهالسلام :
« ومنها الفاروق، وقد تقدّم حديثه قبل ذلك. وإنّى قد وجدت بخطّ بعض سادة العلماء والأكابر ما هذه صورته بتحبير المحابر: مما قال أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب كرّم الله تعالى وجهه، على المنبر:
أنا النون والقلم وأنا النور ومصباح الظلم، أنا الطريق الأقوم أنا الفاروق الأعظم، أنا عيبة العلم أنا أوبة الحكم، أنا النبأ العظيم أنا الصراط المستقيم،
____________________
(١). ينابيع المودة: ٤٨٦ - ٤٨٨.
أنا وارث العلوم أنا هيولى النجوم، أنا عمود الاسلام أنا مكسر الأصنام، أنا ليث الزّحام، أنا أنيس الهوام، أنا الفخار الأفخر أنا الصديق الأكبر، أنا إمام المحشر أنا ساقي الكوثر، أنا صاحب الرايات أنا سريرة الخفيات، أنا جامع الآيات أنا مؤلّف الشتات، أنا مفرّج الكربات، أنا دافع الشقاة أنا حافظ الكلمات، أنا مخاطب الأموات أنا حلّال المشكلات، أنا مزيل الشبهات أنا صنيعة الغزوات، أنا صاحب المعجزات، أنا الزمام الأطول أنا محكم المفصل، أنا حافظ القرآن، أنا تبيان الايمان، أنا قسيم الجنان أنا مشاطر النيران، أنا مكلم الثعبان أنا حاطم الأوثان، أنا حقيقة الأديان أنا عين الأعيان، أنا قرن الأقران، أنا مذل الشجعان أنا فارس الفرسان، أنا سؤال متّى أنا الممدوح بهل أتى أنا شديد القوى، أنا حامل اللواء أنا كاشف الردى أنا بعيد المدى أنا عصمة الورى أنا ذكي الوغى أنا قاتل من بغى، أنا موهوب الشذى أنا إثمد القذى أنا صفوة الصفا أنا كفو الوفا، أنا موضّح القضايا أنا مستودع الوصايا، أنا معدن الانصاف أنا محض العفاف أنا صواب الخلاف أنا رجال الأعراف، أنا سور المعارف أنا معارف العوارف، أنا صاحب الاذن أنا قاتل الجن، أنا يعسوب الدين وصالح المؤمنين وإمام المتقين، أنا أول الصدّيقين أنا الحبل المتين أنا دعامة الدين، أنا صحيفة المؤمن أنا ذخيرة المهيمن، أنا الامام الأمين أنا الدرع الحصين، أنا الضّارب بالسيفين أنا الطاعن بالرمحين أنا صاحب بدر وحنين، أنا شقيق الرسول أنا بعل البتول أنا سيف الله المسلول، أنا أُوام الغليل أنا شفاء العليل، أنا سؤال المسائل أنا نجعة الوسائل، أنا قالع الباب أنا مفرّق الأحزاب، أنا سيد العرب أنا كاشف الكرب، أنا ساقي العطاش أنا النائم على الفراش، أنا الجوهرة الثمينة أنا باب المدينة الخ »(١) .
وفي ( توضيح الدلائل ) أيضاً: « قال سلطان العلماء في عصره، وبرهان العرفاء في دهره: الشيخ القدوة الامام في الأجلة الأعلام، مفتى الأنام عز الدين
____________________
(١). توضيح الدلائل - مخطوط.
عبد العزيز بن عبد السلام، عن لسان حال أوّل الأصحاب بلا مقال، وأفضل الأتراب لدى عدّ الخصال، علي ولي الله في الأرض والسماء رضي الله تعالى عنه ونفعنا به في كل حال:
يا قوم نحن أهل البيت عجنت طينتنا بيد العناية في معجن الحماية بعد أنْ رشّ عليها فيض الهداية، ثم خمرت بخميرة النبوّة وسقيت بالوحي ونفخ فيها روح الأمر، فلا أقدامنا تزلُّ ولا أبصارنا تضل ولا أنوارنا تقل. وإذا نحن ضللنا فمن بالقوم يدل الناس؟ من أشجار شتّى وشجرة النبوة واحدة، محمد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبارك وسلّم أصلها وأنا فرعها وفاطمة الزهراء ثمرها والحسن والحسين أغصانها، أصلها نور وفرعها نور وثمرها نور وغصنها نور، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور، يا قوم، لمـّا كانت الفروع تبنى على الْأُصول بنيت فصل فضلي على أطيب اصلي، فورثت علمي عن ابن عمي وكشفت به غمي، تابعت رسولاً أميناً وما رضيت غير الاسلام ديناً، فلو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً ولقد توجّني بتاج: من كنت مولاه فعلي مولاه، ومنطقني بمنطقة: أنا مدينة العلم وعلي بابها. وقلّدني بتقليد: أقضاكم علي. وكساني حلّة: أنا من علي وعلي منّي.
عجبت منك أشغلتني بك عنّي |
أدنيتني منك حتى ظننت أنك أنّي |
وكما أنه لا نبيّ بعده كذلك لا وصيّ بعدي، فهو خاتم الأنبياء وأنا خاتم الخلفاء إلخ ».
إحتجاج الامام بالحديث يوم الشورى
والسابع من وجوه بطلان هذا التأويل هو: إحتجاج الامامعليهالسلام بحديث « أنا مدينة العلم وعلى بابها » في يوم الشورى، ضمن الفضائل الْأُخرى التي احتجّ بها على أصحاب الشورى في ذلك اليوم، وإذعان القوم بجميع ما
احتجّ وناشدهم به. فلو كان المراد من « علي » في الحديث هو « مرتفع » لا اسم الامامعليهالسلام لما احتج به ألبتة كما هو واضح، ولو احتجّ لردّ عليه القوم بأن المراد هو « المرتفع ».
وقد روى تلك المناشدة جمال الدين عطاء الله المحدّث الشيرازي في كتابه ( روضة الأحباب ) عن بعض كتب التواريخ.
استدلال ابن عباس بالحديث
والثامن: ما رواه جمال الدين المحدّث الشيرازي المذكور أيضاً من أن ابن عباس احتجّ بحديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » في مكالمةٍ له مع عائشة، وأنّ عائشة قابلت استدلاله بالسكوت.
احتجاج عمرو بن العاص به على معاوية
والتاسع: إنه قد ورد حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » في جملةٍ من مناقب الامام، احتجّ بها عمرو بن العاص في كتاب له إلى معاوية، حيث قال فيه: « وأما ما نسبت أبا الحسن أخا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووصيّه إلى الحسد والبغي على عثمان، وسمّيت الصّحابة فسقة وزعمت أنه أشلاهم على قتله، فهذا غواية.
ويحك يا معاوية، أما علمت أن أبا حسن بذل نفسه بين يدي اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبات على فراشه، وهو صاحب السبق إلى الإِسلام والهجرة، وقد قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : هو مني وأنا منه وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي.
وقد قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم غدير خم: ألا من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.
وهو الذي قال فيهعليهالسلام يوم خيبر: لْأُعطينّ الرّاية غداً رجلاً يحب
الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.
وهو الذي قال فيهعليهالسلام يوم الطير: أللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك، فلمّا دخل إليه قال: وإلي وإلي.
وقد قال فيه يوم النضير: علي إمام البررة وقاتل الفجرة، منصور من نصره مخذول من خذله.
وقد قال في: علي وليّكم من بعدي.
وأكّد القول عليكم وعليَّ وعلى جميع المسلمين وقال : إني مخلّف فيك الثقلين كتاب الله عزّ وجل وعترتي.
وقد قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها.
وقد علمت - يا معاوية - ما أنزل الله تعالى من الآيات المتلوّات في فضائله التي لا يشرك فيها أحد كقوله تعالى:( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) و( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ) وقال الله تعالى لرسولهعليهالسلام ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبى ) .
وقد قال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أما ترضى أنْ يكون سلمك سلمي وحربك حربي، وتكون أخي ووليّي في الدنيا والآخرة. يا أبا الحسن من أحبّك فقد أحبنّي ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن أحبّك أدخله الله الجنة ومن أبغضك أدخله الله النار.
وكتابك يا معاوية الذي كتبت هذا جوابه، ليس مما ينخدع به من له عقل أو دين والسّلام»(١) .
قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في آخر الحديث: « فليأت عليّاً »
العاشر: لقد جاء في بعض ألفاظ الحديث: « أنا مدينة العلم وعلي بابها
____________________
(١). مناقب أمير المؤمنين: ١٢٩.
فمن أراد بابها فليأت علياً » قال الزرندي: « فضيلة أخرى اعترف بها الأصحاب وابتهجوا، وسلكوا طريق الوفاق وانتهجوا: عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: أنا مدينة العلم على بابها فمن أراد بابها فليأت علياً »(١) .
واورده شهاب الدين أحمد عن الزّرندي(٢) .
وأخرج ابن عساكر فقال: « وأخبرناه أبو علي الحسن بن المظفّر، وأبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الوهاب، وأم أبيها فاطمة بنت علي بن الحسين، قالوا: أنبأنا أبو الغنائم محمد بن علي بن علي الدجاجي، أنبأنا أبو الحسن علي بن عمر ابن محمد الحربي، أنبأنا الهيثم بن خلف الدوري، أنبأنا عمر بن إسماعيل بن مجالد، أنبأنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد الباب فليأت عليا »(٣) .
ورواه صدر الدين الحموئي بسنده عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس كذلك(٤) .
وعبارة الزرندي صريحة في اتفاق جميع الأصحاب واعترافهم بهذه الفضيلة لأمير المؤمنينعليهالسلام ، فالتأويل المذكور مخالف لفهم الصحابة وإجماعهم على هذا المعنى، وقد تقرر عند أهل السنة أنّ المخالف لإِجماع الصحابة مصداق لقوله تعالى:( وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ) .
____________________
(١). نظم درر السمطين: ١١٣.
(٢). توضيح الدلائل - مخطوط.
(٣). ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق ٢: ٤٦٩.
(٤). فرائد السمطين ١: ٩٨.
القرائن في بعض الألفاظ
والحادي عشر: إنّ في بعض ألفاظ حديث المدينة قرائن تبطل هذا التأويل بكلّ وضوح، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري: « سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الحديبية وهو آخذ بيد علي: هذا أمير البررة، منصور من نصره مخذول من خذله، فمد بها صوته وقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب ».
رواه الخطيب(١) وغيره. وفيه دلالة على إمامة الامام وخلافته من وجوه.
وقال الكنجي الشافعي: « الباب الثامن والخمسون في تخصيص عليعليهالسلام بقوله: أنا مدينة العلم وعلي بابها، أخبرنا العلامة قاضي القضاة صدر الشام أبو المفضل محمد بن قاضي القضاة شيخ المذاهب أبي المعالي محمد بن علي القرشي، أخبرنا حجة العرب زيد بن الحسن الكندي، أخبرنا أبو منصور القزاز، أخبرنا زين الحفاظ وشيخ أهل الحديث على الإِطلاق أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الله، حدّثنا محمد بن المظفر، حدّثنا أبو جعفر الحسين بن حفص الخثعمي، حدثنا عبّاد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن بشير الكندي، عن إسماعيل بن إبراهيم الهمداني، عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي، وعن عاصم بن ضمرة عن علي قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ الله خلقني وعلياً من شجرة أنا أصلها وعلى فرعها والحسن والحسين ثمرها، والشيعة ورقها، فهل يخرج من الطّيب إلّا الطّيب؟. أنا مدينة العلم وعلي بابها من أراد المدينة فليأت الباب. قلت: هكذا روى الخطيب في تاريخه وطرّقه »(٢) .
وقال أبو الحسن علي بن عمر السكري الحربي في ( كتاب الأمالي ): « ثنا
____________________
(١). تاريخ بغداد ٢: ٣٧٧، ٤ / ٢١٩.
(٢). كفاية الطالب: ٢٢٠.
إسحاق بن مروان، ثنا أبي، ثنا عامر بن كثير السّراج، عن أبي خالد عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباته، عن علي بن أبي طالب قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا مدينة العلم وأنت بابها، يا علي كذب من زعم أنّه يدخلها من غير بابها ».
وقال أبو الحسن الجلابي المعروف بابن المغازلي: « أخبرنا أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل النحوي رحمه الله تعالى - فيما أذن لي في روايته - أنّ أبا طاهر إبراهيم ابن عمر بن يحيى حدّثهم: نا محمد بن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن المطلب، نا أحمد بن محمد بن عيسى سنة ٣١٠، نا محمد بن عبد الله بن عمر بن مسلم اللاحقي الصفار بالبصرة ٢٤٤، نا أبو الحسن علي بن موسى الرضا قال: حدّثني أبي عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه علي بن الحسين عن أبيه الحسين عن أبيه علي بن أبي طالب قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا علي أنا مدينة العلم وأنت الباب، كذب من زعم أنه يصل إلى المدينة إلّا من قبل الباب »(١)
شواهد الحديث تكذّب التأويل
والثاني عشر: إنّ لحديث مدينة العلم شواهد ومؤيّدات من الأحاديث الْأُخرى، وهي الْأُخرى تبطل هذا التأويل وتكَذّبه، ومن ذلك:
ما رواه ابن المغازلي باسناده عن ابن عباس قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أتاني جبرئيل بدرنوك من الجنة، فجلست عليه، فلما صرت بين يدي ربي كلّمني وناجاني، فما علمت شيئاً إلّا علمه علي، فهو باب مدينة علمي. ثم دعاه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إليه فقال له: يا علي سلمك سلمي وحربك حربي، وأنت العلم بيني وبين أمتي من بعدي »(٢) .
____________________
(١). المناقب لابن المغازلي: ٨٥.
(٢). المناقب لابن المغازلي: ٥٠.
وما رواه العاصمي بإسناده: « عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي: إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأعلّمك لتعي، وأنزلت عليّ هذه الآية:( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) فأنت الْأُذن الواعية لعلمي يا علي، وأنا المدينة وأنت الباب، ولا يؤتى المدينة إلّا من بابها »(١) .
وما رواه السيد علي الهمداني عن أبي نعيم بإسناده: « عن أبي ذررضياللهعنه قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : علي باب علمي ومبيّن لْأُمتي ما أرسلت به من بعدي، حبّه إيمان وبغضه نفاق، والنظر إليه رأفةً ومودّةً عبادة »(٢) .
وما رواه الخوارزمي بإسناده قائلاً: « حدّثنا سيّد الحفاظ أبو منصور شهردار ابن شيرويه بن شهردار الديلمي - فيما كتب إليَّ من همدان - حدّثنا أبو الفتح عبدوس بن عبد الله بن عبدوس الهمداني كتابةً، أخبرنا الشيخ أبو طاهر الحسين ابن علي مسلمةرضياللهعنه - من مسند زيد بن عليرضياللهعنه - حدّثنا الفضل ابن العباس، حدثنا أبو عبد الله محمد بن سهل، حدّثنا محمد بن عبد الله البلدي، حدّثني إبراهيم بن عبيد الله بن العلا، حدّثني أبي عن زيد بن عليرضياللهعنه عن أبيه عن جدّه عن علي بن أبي طالبرضياللهعنه قال قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم فتحت خيبر:
لو لا أنْ يقول فيك طوائف من أُمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت اليوم فيك مقالاً لا تمرّ على ملأ من المسلمين إلّا أخذوا من تراب رجليك وفضل طهورك، يستشفون به، ولكن حسبك أن تكون منّي وأنا منك، ترثني وأرثك.
وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي، وأنت تؤدّي ديني وتقاتل عن سنّتي، وأنت في الآخرة أقرب الناس منّي، وأنك غداً على الحوض خليفتي تذود عنه المنافقين، وأنت أوّل من يرد عليّ الحوض، وأنت أوّل داخل
____________________
(١). زين الفتى بتفسير سورة هل أتى - مخطوط.
(٢). المودة في القربى، ينابيع المودّة: ٣٠٢.
الجنة من أُمتي، وأن شيعتك على منابر من نور رواء مرويّين مبيضّة وجوههم حولي، أشفع لهم فيكونون غداً في الجنة جيراني، وان عدوّك ظماء مضمئون مسودّة وجوههم مقمحون حربك حربي وسلمك سلمي وسرّك سرّي وعلانيتك علانيتي، وسريرة صدرك كسريرة صدري، وأنت باب علمي، وأن ولدك ولدي ولحمك لحمي ودمك دمي، وأن الحق معك والحق على لسانك وفي قلبك وبين عينيك، والإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي، وأن الله عزّ وجلّ أمرني أن أبشرك أنك وعترتك في الجنة، وأن عدوّك في النار، لا يرد الحوض عليّ مبغض لك ولا يغيب عنه محب لك.
قال عليّ: فخررت له سبحانه وتعالى ساجداً، وحمدته على ما أنعم به عليّ من الاسلام والقرآن، وحبّبني إلى خاتم النبيين وسيد المرسلينصلىاللهعليهوآلهوسلم »(١) .
وما رواه الخوارزمي أيضاً بسنده:
« عن ابن عباس قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : هذا علي بن أبي طالب لحمه من لحمي ودمه من دمي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي. وقال: يا أم سلمة اشهدي واسمعي، هذا علي أمير المؤمنين وسيد المسلمين وغيبة علمي وبابي الذي أوتى منه، أخي في الدنيا وخدني في الآخرة، ومعي في السنام الأعلى »(٢) .
وما رواه الكنجي بسنده:
« عن ابن عباس قال: ستكون فتنة فمن أدركها منكم فعليكم بخصلتين: كتاب الله وعلي بن أبي طالب، فإني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو آخذ بيد علي، وهو يقول: هذا أوّل من آمن بي وأوّل من يصافحني، وهو فاروق هذه الْأُمة، يفرّق بين الحق والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب
____________________
(١). مناقب الخوارزمي: ٧٥.
(٢). المناقب للخوارزمي: ٨٦.
الظالمين، وهو الصدّيق الأكبر، وهو بابي الذي أوتى منه، وهو خليفتي من بعدي »(١) .
وما رواه الهمداني عن ابن عباس قال:
« قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : علي بن أبي طالب باب الدين، من دخل فيه كان مؤمناً ومن خرج منه كان كافراً. رواه صاحب الفردوس »(٢) .
وما رواه القندوزي:
« عن ياسر الخادم عن علي الرضا عن أبيه عن آبائه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: يا علي أنت حجة الله وأنت باب الله، وأنت الطريق إلى الله، وأنت النبأ العظيم، وأنت الصراط المستقيم، وأنت المثل الأعلى، وأنت إمام المسلمين وأمير المؤمنين وخير الوصيّين وسيّد الصدّيقين. يا علي، أنت الفاروق الأعظم، وأنت الصدّيق الاكبر، وإن حزبك حزبي وحزبي حزب الله، وإن حزب أعدائك حزب الشيطان »(٣) .
وما رواه السيوطي:
« عن ابن عباس: إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: علي بن أبي طالب باب حطّة من دخل منه كان مؤمناً، ومن خرج منه كان كافراً. أخرجه الدارقطني في الافراد »(٤) .
وقد عرفت سابقاً - من كلام الحافظ السخاوي - كون حديث « باب حطّة » من مؤيّدات حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها ».
وما روي بطرقٍ متكاثرة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من قوله: « علي
____________________
(١). كفاية الطالب: ١٨٧.
(٢). السبعين في مناقب أمير المؤمنين، ينابيع المودّة: ٢٨١.
(٣). ينابيع المودة.
(٤). القول الجلي في مناقب علي. رقم الحديث: ٣٩.
مني وأنا منه ولا يؤدّي عني إلّا أنا أو علي » أخرجه أحمد(١) وغيره.
ردّ أعلام القوم التأويل المذكور
والثالث عشر: وقد بلغ هذا التأويل من السخافة والهوان حدّاً، دعا طائفة من أعلام القوم - وفيهم بعض المتعصّبين - إلى الردّ عليه، والتنصيص على بطلانه وهو انه، وإليك نصوص عبارات هؤلاء:
العاصمي: « وإنما أرادوا بذلك الوقيعة في المرتضى رضوان الله عليه، والحط عن رتبته، وهيهات لا يخفى على البصير النهار »(٢) .
ابن حجر المكي: « واحتجّ بعض من لا تحقيق عنده على الشيعة بان « علي » اسم فاعل من العلو، أي « عال بابها »، فلا ينال لكلّ أحد. وهو بالسفساف أشبه، لا سيّما وفي روايةٍ رواها ابن عبد البر في استيعابه: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه، إذ مع تحديق النظر في هذه الرواية لا يبقى تردد في بطلان ذلك الرأي، فاستفده بهذا »(٣) .
المناوي: « ومن زعم أنّ المراد بقوله « وعلي بابها » إنه مرتفع من العلو، فقد تمحّل لغرضه الفاسد بما لا يجديه ولا يسمنه ولا يغنيه »(٤) .
محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير في ( الروضة النديّة ): « وأمّا ما قيل في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « وعلي بابها » إن عليّاً هنا صفة مشبهة بالفعل، أي مرتفع بابها على متناوله، وعال عن أيدي متعاطيه، فكلام من جنس كلام الباطنيّة لا تقبله الأسماع. أمّا أوّلاً: فلأنه خلاف ما فهمه الناس أجمعون من الحديث. وأما ثانياً: فلأنه ينافي ما ثبت من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : بعثت بالحنيفية
____________________
(١). مسند أحمد بن حنبل ٤ / ١٦٤ - ١٦٥.
(٢). زين الفتى - مخطوط.
(٣). المنح المكيّة في شرح القصيدة الهمزية.
(٤). فيض القدير ٣ / ٤٦. وانظر التيسير ١: ٣٧٧.
السّمحة السهلة، فانّ علومهصلىاللهعليهوآلهوسلم علوم واضحة الألفاظ ظاهرة الدلالات فهمها أهل الحضر البوادي. وأمّا ثالثاً: فلأنه لا طائل تحت الإِخبار بأن باب علومهصلىاللهعليهوآلهوسلم عال مرتفع، إلّا تبعيد العلم وتوعير مسلكه وسدّ بابه، وقد علم أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما شدد في ذلك، ولا كان من هديهصلىاللهعليهوآلهوسلم توعير مسالك العلم، سيّما العلوم النبوية، وكيف يوعر مسالك علم الشريعة؟ وقد بعث مبيّناً للناس ما نزل إليهم، وبالجملة: لو لا عمى البصائر والعصبيّة التي تكنّها الضمائر لما كان مثل هذا الكلام يكتب، ولا يفتقر إلى الجواب ».
* * *
(٦)
مع السخاوي
في كلامه حول الحديث
وقد أغرب السخاوي إذْ قال بعد ذكر حديث مدينة العلم وتحقيقه:
« وليس في هذا كلّه ما يقدح في إجماع أهل السنّة، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، على أنّ أفضل الصحابة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على الإِطلاق أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: كنّا نقول ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حي: أفضل هذه الْأُمة بعد نبيّها أبو بكر وعمر وعثمان، فيسمع ذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا ينكره. بل ثبت عن علي نفسه أنه قال: خير الناس بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أبو بكر ثم عمر ثم رجل آخر، فقال له ابنه محمد بن الحنفية: ثم أنت يا أبت؟ فكان يقول: ما أبوك إلاّ رجل من المسلمين. رضي الله عنهم وعن سائر الصحابة أجمعين»(١) .
نقول: لا يخفى على المتتبّع الخبير أنّ السخاوي قد ذكر في هذا المقام حديث ابن عمر بسياقٍ يخالف سياقٍ البخاري، وفيه زيادات عديدة منكرة مكذوبة قطعاً، لا سيّما قوله: « فيسمع ذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلا ينكره » فإنه أنكر شيء في هذا الخبر، ولم توجد هذه الزيادة، إلّا في طريقٍ مقدوحٍ جدّاً، وليس في جامع البخاري وأمثاله منه عين ولا أثر، وبالجملة فليت السخاوي إذ ذكر هذا الإِفك ذكره بلفظ إمامه البخاري، الذي أورده في صحيحه الذي يعدّونه أصحّ الكتب بعد كتاب الباري، مع أن لفظ البخاري أيضاً محرّف غير صحيح كما ستراه عن قريب، إن شاء الله تعالى، فيما سيأتي.
وأيضاً: فإنّ الذي ذكره السخاوي منسوباً إلى الإِمام عليعليهالسلام ،
____________________
(١). المقاصد الحسنة: ٤٧.
وإنْ كان كذباً بجميع سياقاته، ولكن السيّاق الذي أورده هاهنا أردى وأخبث وأظهر كذباً من الجميع، وهو أيضاً مخالف لسياق البخاري، كما ستعرف أيضاً، وفيه زيادات باطلة لا يخفى بطلانها على متأمّل، منها: وقال: ثم رجل آخر. فإنها زيادة أقحمت لإِظهار فضل عثمان، والمقصود منها أنّ يظن الناظر أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام - والعياذ بالله - بعد ما اعترف بفضل الشيخين أبان فضل عثمان أيضاً بقوله: ثم رجل آخر.
ولعمري إن واضع هذه الزيادة أجرأ من واضع أصل الخبر، لأن واضع أصل الخبر - كما ستعرف عن سياق البخاري - اقتصر على تفضيل الشيخين، ولم يجترء على عزو تفضيل عثمان إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ، نعم وضع على محمد ابن الحنفية أنه بعد ما سمع من أبيه تفضيل الشيخين قال: وخشيت أن يقول عثمان، فقلت: ثم أنت؟ وهذا المتجاسر الذي زاد هذه الزيادة قد نسب تفضيل عثمان أيضا إلى عليعليهالسلام ولو بالإبهام، حتى يتم له تفضيل الثلاثة.
ثم لا أدري أيّ داع دعا هذا الواضع إلى اختلاق هذه الزيادة بهذا الإِبهام؟ ولعلّه استحيى أن يعزو تفضيل عثمان إلى عليعليهالسلام صراحةً، فلهذا أتى بقوله: ثم رجل آخر.
وعلى الجملة: فسياق البخاري يشهد ببطلان هذه الزيادة.
وأمّا بطلان أصل الخبرين وما ذكره السخاوي في هذا الكلام فيظهر بالوجوه الآتية:
دعوى إجماع الصحابة والتابعين على أفضلية الشيخين فاسدة
أحدها: إن دعوى اجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم على أنّ أفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر، كذب محض، ولنا على بطلانها وجوه عديدة وبراهين سديدة، ذكرناها في قسم ( حديث الطير ).
لو سلّمنا انعقاده فحديث مدينة العلم وغيره يبطله
والثاني: وعلى فرض انعقاد هذا الاجماع، فإن حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » وغيره من أحاديث مناقب أمير المؤمنينعليهالسلام ، الدالّة على أفضليّته تبطل هذا الإِجماع، وتسقطه عن الإِعتبار، لأن الإِجماع القائم على خلاف النّص لا اعتبار به ولا يصغى إليه.
عدم صحّة معنى حديث ابن عمر في المفاضلة
والثالث: إنّ الاستدلال بحديث ابن عمر من قبيل استشهاد ابن آوى بذنبه، فمن هو ابن عمر وأيّ وزنٍ لكلامه في مثل هذه الْأُمور؟ على أنّه رجل مقدوح مطعون فيه، كما لا يخفى على من يراجع كتاب ( إستقصاء الإِفحام في ردّ منتهى الكلام ). ومع ذلك كلّه فقد نصّ الحافظ ابن عبد البر على انّه لا يصح معناه حيث قال ما نصّه: « قال أبو عمر: من قال بحديث ابن عمر: كنّا نقول على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت. يعني فلا نفاضل. وهو الذي أنكر ابن معين، وتكلّم فيه بكلام غليظ، لأن القائل بذلك قد قال خلاف ما اجتمع عليه السنّة من السلف والخلف، من أهل الفقه والآثار، أنّ عليا كرم الله وجهه أفضل الناس بعد عثمان، هذا ممّا لم يختلفوا فيه، وإنما اختلفوا في تفضيل علي وعثمان. واختلف السلف أيضاً في تفضيل عليرضياللهعنه وأبي بكررضياللهعنه . وفي إجماع الجميع الذين وصفناه دليل على أن حديث ابن عمر وهم وغلط، وأنّه لا يصح معناه وإنْ كان اسناده صحيحاً، ويلزم من قال به أن يقول بحديث جابر وحديث أبي سعيد: كنّا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهم لا يقولون بذلك، فقد ناقضوا. وبالله التوفيق »(١) .
____________________
(١). الاستيعاب ٣ / ١١١٦.
عدم صحّة سند حديث ابن عمر
والرّابع: إنّه وإنْ نصّ ابن عبد البر على بطلان حديث ابن عمر معنىً، فإنّه لم ينصف في وصف هذا الحديث بالصحة سنداً، وشرح ذلك: أنّ لهذا الحديث طريقين فقط في البخاري، وكلاهما مقدوح ومجروح. ونحن نذكر أوّلاً كلا طريقي الحديث ثم نتكلّم في سنديهما:
قال البخاري في مناقب أبي بكر: « حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، ثنا سليمان عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر قال: كنا نخيّر بين الناس في زمان [ زمن ] رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فنخيّر أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان »(١) .
وقال في مناقب عثمان: « حدّثنا محمد بن حاتم بن بزيع، ثنا شاذان، ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: كنّا في زمن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان. ثم نترك أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لا نفاضل بينهم. تابعه عبد الله بن صالح عن عبد العزيز »(٢) .
النّظر في الطريق الأوّل
أما الطريق الأول - ففيه: « عبد العزيز بن عبد الله الأويسي » ضعّفه أبو داود، قال ابن حجر: « وفي سؤالات أبي عبيد الآجري عن أبي داود قال: عبد العزيز الأويسي ضعيف »(٣) .
وفيه: « سليمان بن بلال » وهو أيضاً مجروح، قال ابن حجر: « وقال ابن
____________________
(١). صحيح البخاري ٥ / ٦٣.
(٢). صحيح البخاري ٥ / ٧٦.
(٣). تهذيب التهذيب ٦ / ٢٠٨.
الجنيد عن ابن معين انما وضعه عند اهل المدينة أنّه كان على السوق، وكان أروى الناس عن يحيى بن سعيد »(١) . قال: « قال ابن شاهين في كتاب الثقات: قال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به وليس ممن يعتمد على حديثه »(٢) .
وفيه: « نافع » وهو أيضاً مجروح، قال ابن عبد البر: « وقد روي عن أبي حنيفة أنه قيل له: مالك لا تروي عن عطا؟ قال: لأني رأيته يفتي بالمتعة. وقيل له: مالك لا تروي عن نافع؟ قال: رأيته يفتي بإتيان النساء في أعجازهنّ فتركته »(٣) وفي ( تفسير الرازي ): « ذهب أكثر العلماء إلى ان المراد من الآية: أنّ الرجل مخيّر بين أن يأتيها من قبلها في قبلها، وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها. فقوله:( أَنَّى شِئْتُمْ ) محمول على ذلك. ونقل نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: المراد من الآية تجويز إتيان النساء في أدبارهنّ، وسائر الناس كذبّوا نافعاً في هذه الرواية »(٤) .
أقول: وقد كان على أهل الإِنصاف تكذيب نافع في هذه الرّواية أيضاً.
أضف إلى ذلك إنكاره أن يكون على عمر بن الخطاب دين، وهذا الإِنكار يدلّ على تمادي الرجل في الكذب وجرأته على الإِفتراء، لأنّ دين عمر أمر محقّق ثابت لا يقبل الإِنكار من أي شخصٍ. أخرج البخاري عن عمر أنّه قال: « يا عبد الله بن عمر، أنظر ما عليّ من الدّين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوه. قال: إنْ وفي له مال آل عمر فأدّه من أموالهم، والّا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدّ عنّي هذا المال »(٥) .
____________________
(١). تهذيب التهذيب ٤ / ١٥٤.
(٢). تهذيب التهذيب ٤ / ١٤٥.
(٣). جامع بيان العلم ٢ / ١٥٣.
(٤). تفسير الرازي ٦ / ٧١.
(٥). صحيح البخاري ٥ / ٧٨.
وقد ذكر ابن حجر إنكار نافع هذا الدّين، في شرح الحديث بقوله: « وقد أنكر نافع مولى ابن عمر أن يكون على عمر دين، فروى عمر بن شبّة في كتاب المدينة بإسناد صحيح أنّ نافعاً قال: من أين يكون على عمر دين؟ وقد باع رجل من ورثته ميراثه بمائة ألف. انتهى » ثم قال ابن حجر: « وهذا لا ينفي أن يكون عند موته عليه دين، فقد يكون الشخص كثير المال، ولا يستلزم نفي الدين عنه، فلعلّ نافعاً أنكر أنْ يكون دينه لم يقض »(١) .
ولا يخفى عليك أنّ الاحتمال الذي ذكره ابن حجر لا يساعده لفظ الرواية عن نافع: « من أين يكون على عمر دين » فإنه ينكر أصل الدين، ولا تعرّض له لقضائه وعدم قضائه. هذا أوّلاً. وثانياً: إنما استشهد نافع ببيع أحد ورثة عمر ميراثه بمائة ألف لأجل إنكار الدين من أصله، لا لأجل انكار أنْ يكون دينه لم يقض.
على أنّ ابن حجر نفسه قال: وقد أنكر نافع مولى ابن عمر أن يكون على عمر دين، فالحمل الذي ذكره ابن حجر لا ينفع نافعاً، ولعلّه من هنا ذكر العيني إنكار نافع ولم يذكر ما ذكره ابن حجر العسقلاني(٢) .
النّظر في الطريق الثاني
وأمّا الطرق الثاني - فمداره على « نافع » وقد عرفته.
وفيه: « عبيد الله بن عمر العمري » وهو من أولاد عمر، ولذلك فهو متّهم في هذا الحديث وأمثاله.
حديث ابن عمر بلفظٍ صريح في أفضلّية الامام
والخامس: وعلى فرض التسليم بأنْ يكون لحديث ابن عمر أصل من جهة
____________________
(١). فتح الباري ٧: ٥٣.
(٢). عمدة القاري في شرح البخاري ١٦ / ٢١٠.
السند، فإنّ أصله من جهة المتن لا يدل على مطلوب أهل السنّة، بل يدل على عكسه، وهذا نصّه « عن أبي وائل عن عبد الله بن عمررضياللهعنه قال: كنّا إذا عدّدنا أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قلنا: أبو بكر وعمر وعثمان. فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن فعلي؟! قال: علي من أهل البيت لا يقاس به أحد، مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفي درجته، إنّ الله يقول:( الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) ففاطمة مع رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ) في درجته وعلي معها »(١) .
فابن عمر يصرّح في هذا الحديث بأفضليّة الامامعليهالسلام من الصحابة قاطبة، وأنه كان يفضّل الثلاثة على الترتيب المذكور في خصوص الصحابة، وأما عليعليهالسلام فلا يقاس به، مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في درجته بحكم الآية المباركة وبعد هذا التصريح من ابن عمر ليس لأحدٍ أن ينسب إليه تفضيل أبي بكر على الامام عليه الصلاة والسّلام، ويستند إليه في مقابلة الامامية.
ومن هنا يظهر لك تحريف البخاري وتصرّفه في هذا الحديث، وهذه من عظائم مكايده في كتابه.
تصريح ابن عمر بأفضلية الامام في أحاديث أخرى
أضف إلى ذلك الأحاديث الْأُخرى، التي صرّح ابن عمر فيها بأفضلية الامامعليهالسلام مطلقاً، ونهى عن المقايسة بينه وبين سائر الأصحاب، مستشهداً ببعض فضائله الثابتة، قال ابن حجر: « وعن ابن عمر قال: كنّا نقول زمن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خير الناس، ثم أبو بكر ثم عمر. ولقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال، لأن يكون لي واحدة منهن أحبّ إليَّ من حمر النعم: زوّجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ابنته
____________________
(١). المودة في القربى، ينابيع المودّة: ٣٠١.
وولدت له، وسدّ الأبواب إلّا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر. أخرجه أحمد، وإسناده حسن.
وأخرج النسائي من طريق العلاء بن عراء - بمهملات - قال: فقلت لابن عمر: أخبرني عن علي وعثمان. فذكر الحديث وفيه: وأما علي فلا تسأل عنه أحداً، وانظر إلى منزلته من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قد سدّ أبوابنا في المسجد وأقرّ بابه. ورجاله الصحيح، إلّا العلاء وقد وثّقه يحيى بن معين وغيره.
وهذه الأحاديث يقوّي بعضها بعضاً، وكلّ طريق منها صالح للاحتجاج فضلاً عن مجموعها»(١) .
وقال ابن حجر: « وقد اعترف ابن عمر بتقديم علي على غيره. كما تقدّم في حديثه الذي أوردته في الباب الذي قبله »(٢) .
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ( اللمعات في شرح المشكاة ) بشرح حديث ابن عمر في المفاضلة: « قوله: لا نفاضل بينهم. قالوا: أراد الشيوخ وذوي الأسنان، الذين إذا حزن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أمر شاورهم. وعليرضياللهعنه كان في زمنهصلىاللهعليهوآلهوسلم حديث السن. وإلّا فأفضليته من ورائهم لا ينكرها أحد. وأيضاً: التفاضل ثابت بين الصحابة بلا شبهة، كأهل بدر وأهل بيعة الرضوان وعلماء الصحابة. وأخرج أحمد عن ابن عمر أنه قال: كنّا في زمن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نرى خير الناس بعد رسول الله أبا بكر ثم عمر. وقال: وأمّا علي بن أبي طالب فقد أوتي ثلاث خصال لو كان لي واحد منها كان خيراً من الدنيا وما فيها، زوّجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بنته فكان له منه ولد، وسدّ أبواب الناس إلّا بابه، وأعطاه رايته يوم خيبر.
وروى النسائي أنّه سئل ابن عمر: ما تقول في عثمان وعلي؟ فحدّث بهذا
____________________
(١). فتح الباري ٧ / ١٢.
(٢). نفس المصدر ٧ / ١٣.
الحديث ثم قال: لا تسألوا عن علي ولا تقيسوا أحداً عليه، سدّ أبوابنا إلّا بابه ».
ويؤيّد ما أخرجه النسائي ما رواه أبو الحسن ابن المغازلي بسنده عن نافع قال: « قلت لابن عمر: من خير الناس بعد رسول الله؟ قال: ما أنت وذاك لا أم لك. ثم قال: استغفر الله، خيرهم بعده من كان يحلّ له ما كان يحلّ له، ويحرم عليه ما كان يحرم عليه. قلت: من هو؟ قال: علي سدّ أبواب المسجد وترك باب علي وقال له: لك في هذا المسجد ما لي وعليك فيه ما عليّ، وأنت وارثي ووصيّ، تقضي ديني وتنجز عداتي وتقتل على سنّتي، كذب من زعم أنه يبغضك ويحبني»(١) .
وهذه الأحاديث وغيرها ألجأت الملّا علي القاري إلى أن يبذل بعض الإِنصاف، فيقول في شرح حديث ابن عمر الذي تمسّك به السخاوي: « ولعلّ هذا التفاضل بين الأصحاب، وأمّا أهل البيت فهم أخص منهم، وحكمهم يغايرهم، فلا يرد عدم ذكر علي والحسنين والعمّين رضي الله عنهم أجمعين »(٢) .
تأملات القوم في حديث ابن عمر
ثم إن حديث ابن عمر في المفاضلة - وإنْ ذكره بعض أسلاف أهل السنة في فضل المشايخ - غير واضحٍ لدى المحققين المنقّدين منهم في الحديث، فقد احتملوا فيه وجوهاً مختلفة، ولم يتحقّقّ عندهم كونه وارداً في مسألة التفضيل والتقديم فحسب. قال ابن عبد البر: « روى يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر وعبد العزيز ابن أبي سلمة عن نافع عن أبن عمر أنه قال: كنّا نقول على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت. فقيل: هذا في الفضل، وقيل: في الخلافة»(٣) .
وقال ابن الأثير: « قال: وحدّثنا محمد بن عيسى حدثنا أحمد بن إبراهيم
____________________
(١). المناقب لابن المغازلي ٢٦١.
(٢). المرقاة في شرح المشكاة ٥ / ٥٢٧.
(٣). الاستيعاب ٣ / ١٠٣٩.
الدورقي، حدثنا العلاء بن عبد الرحمن العطار، حدّثنا الحارث بن عمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: كنّا نقول ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حي: أبو بكر وعمر وعثمان. فقيل: في التفضيل. وقيل: في الخلافة »(١) .
وقال ابن حجر العسقلاني: « وقد جاء في بعض الطرق في حديث ابن عمر تقييد الخيرية المذكورة والأفضلية بما يتعلَّق بالخلافة، وذلك فيما أخرجه ابن عساكر عن عبد الله بن يسار عن سالم عن ابن عمر قال: إنكم لتعلمون أنا كنّا نقول على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أبو بكر وعمر وعثمان - يعني في الخلافة - كذا في أصل الحديث. ومن طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر كنّا نقول في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من يكون أولى الناس بهذا الأمر. فنقول: أبو بكر ثم عمر»(٢) .
ومن الوجوه المذكورة فيه هو: أنّ الله قد رضي عن الثلاثة، فلا علاقة للحديث بالتفضيل ولا بالخلافة، قال شمس الدين الخلخالي: « قوله: [ أبو بكر وعمر وعثمان ] مقول لقوله: [ نقول ] و [ رسول الله حي ] جملة حالية معترضة، أبو بكر وما عطف عليه مبتدأ، وخبره: [ رضي الله عنهم ] »(٣) .
وقال القاري: « عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: [ كنّا نقول ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حي ] جملة حالية معترضة بين القول ومقوله [ أبو بكر وعمر وعثمان ] أي على هذا الترتيب عند ذكرهم وبيان أمرهم [ رضي الله عنهم ] وقال شارحه: أبو بكر وما عطف عليه مبتدأ، خبره رضي الله عنهم، والجملة مقول القول، ورسول الله حي جملة معترضة، أي: كنا نذكر هؤلاء الثلاثة بأنّ الله تعالى رضي عنهم »(٤) .
____________________
(١). أسد الغابة ٣ / ٣٧٩.
(٢). فتح الباري ٧ / ١٣.
(٣). المفاتيح في شرح المصابيح - مخطوط.
(٤). المرقاة في المشكاة ٥ / ٥٦٢.
وقال عبد الحق الدهلوي في ( اللّمعات ): « قوله: أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم. أي: كنّا هؤلاء الثلاثة بأنّ الله تعالى رضي عنهم. ويحتمل أن يكون [ رضي الله عنهم ] دعاءً من الرواة ».
أقول: فانظر يرحمك الله وانصف أفهل يجوز التمسّك لمسألة التفضيل البالغة الأهمية بمثل حديثٍ هذا حاله عند اهل السّنة أنفسهم؟
رأي علي في الشيخين
والسادس: قول السخاوي « بل ثبت عن علي نفسه أنه قال: خير الناس بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أبو بكر ثم عمر ثم رجل آخر، فقال له ابنه محمد بن الحنفية: ثم أنت يا أبت؟ فكان يقول: ما أبوك إلّا رجل من المسلمين » فرية واضحة، وكذبة لائحة، فإنّ الحديث المذكور واحد من الأخبار المتعدّدة التي وضعها القوم واختلقوها في هذا الباب، وهذا لفظه في البخاري: « حدثنا محمد بن كثير أنا سفيان، ثنا جامع بن أبي راشد، ثنا أبو يعلى عن محمد ابن الحنفية قال قلت لأبي: أيّ الناس خير بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال: أبو بكر. قال قلت: ثم من؟ قال: عمر. وخشيت أن يقول: عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلّا رجل من المسلمين »(١) .
إن هذا الحديث تكذبه الأدلّة القطعية من الكتاب والسنّة المتواترة والآثار الثابتة، الدالّة على أفضلية الإِمام أمير المؤمنين بعد النبي صلّى الله عليهما وآلهما وسلّم، وهذه الأدلّة كثيرة لا تعدّ ولا تحصى. وأيضاً تكذّبه المطاعن الثابتة بالأدلة القطعيّة للشيخين والثلاثة، وهي أيضاً تفوق حدّ الحصر والعد
ومن أبين الدلائل على بطلان هذا الحديث الموضوع هو: أنّه لا ريب في أنّ الامامعليهالسلام كان يقول - في مسألة منع أبي بكر الزهراءعليهاالسلام من الميراث - بكذب أبي بكر وعمر وظلمهما وخيانتهما، وكان يُظهر هذا الأمر للناس
____________________
(١). صحيح البخاري ٥ / ٦٧.
كما اعترف به عمر بن الخطاب نفسه، ونعوذ بالله من أن ننسب إلى الامامعليهالسلام القول بتفضيل من يراه كاذباً آثماً غادراً خائناً
أمّا أنّه كان يرى أبا بكر وعمر كذلك فذاك أمر لا يخفى على أدنى المتتبّعين والمسلّمين بالأخبار والأحاديث، إلّا أنّا نذكر هنا طرفاً من الشواهد على ذلك، فقد أخرج مسلم في ( الصحيح ) في كتاب الجهاد عن مالك بن أوس في حديث طويل أنّه قال عمر بن الخطاب لعلي والعباس ما هذا نصه:
« فلمـّا توفي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال أبو بكر: أنا ولّي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال ابو بكر: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا نوّرث ما تركنا صدقة. فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً، والله يعلم إنه لصادق بارّ راشد تابع للحق. ثم توفي أبو بكر فكنت أنا ولي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووليّ أبي بكر، فرأيتماني كاذباً غادراً خائناً، والله يعلم أني لصادق بار راشد تابع للحق »(١) .
تحريفٌ من البخاري
والجدير بالذكر هنا أنّ البخاري قد أخرج هذا الحديث في مواضع من كتابه، مع التصرّف في متنه بأشكالٍ مختلفةٍ من التصرّف، كالتحريف والإِسقاط والتقطيع، كما هي عادته بالنسبة إلى أحاديث كثيرة، فأخرجه في باب فرض الخمس باللفظ التالي: « قال عمر: ثم توفى الله نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والله يعلم أنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق. ثم توفى الله أبا بكر فكنت أنا ولي أبي بكر فقبضتها سنتين من أمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبما عمل فيها
____________________
(١). صحيح مسلم - كتاب الجهاد ٥ / ١٥٢.
أبوبكر، والله يعلم أني فيها لصادق بار راشد تابع للحق »(١) .
وأخرجه في كتاب المغازي باب حديث بني النضير: « ثم توفي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال أبو بكر: فأنا ولي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقبضه أبو بكر فعمل فيه بما عمل به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنتم حينئذٍ، - فأقبل على علي وعباس وقال -: تذكران أن أبا بكر فيه كما تقولان، والله يعلم إنه فيه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر فقلت: أنا ولي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر، فقبضته سنتين من أمارتي أعمل فيه بما عمل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبو بكر، والله يعلم أني فيه صادق بار راشد تابع للحق »(٢) .
وأخرجه في كتاب النفقات باب حبس نفقة الرجل قوت سنته: « ثم توفى الله نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال أبو بكر: أنا ولي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقبضها أبو بكر يعمل فيها بما عمل به فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنتما حينئذ - وأقبل على علي وعباس - تزعمان أن أبا بكر كذا وكذا، والله يعلم أنه فيها صادق بار راشد تابع للحق. ثم توفى الله أبا بكر فقلت: أنا ولي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر، فقبضتها سنتين أعمل فيها بما عمل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبو بكر »(٣) .
وأخرجه في كتاب الفرائض باب قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا نورّث ما تركناه صدقة: « فتوفى الله نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم . فقال أبو بكر: أنا ولي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقبضها فعمل بما عمل به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثم توفى الله أبا بكر فقلت: أنا ولي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقبضتها سنتين أعمل فيها ما عمل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبو بكر »(٤) .
____________________
(١). صحيح البخاري ٤ / ٥٠٣.
(٢). صحيح البخاري ٥ / ١٨٨.
(٣). صحيح البخاري ٧ / ١٢٠.
(٤). صحيح البخاري ٨ / ٥٥١.
وأخرجه في كتاب الاعتصام باب ما يكره من التعمّق والتنازع: « ثم توفى الله نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال أبو بكر: أنا ولي رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقبضها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم - وأنتما حينئذٍ، وأقبل على علي وعباس فقال -: تزعمان أن أبا بكر فيها كذا. والله يعلم أنه فيها صادق بار راشد تابع للحق. ثم توفى الله أبا بكر فقلت: أنا ولي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر، فقبضتها سنتين أعمل فيها بما عمل به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبو بكر »(١) .
وإنّ كلّ سعي البخاري ينصبُّ على ستر معايب الشيخين التي لا تخفى على كلّ ذي عينين، لكنّ شرّاح صحيح البخاري لم يهتدوا إلى الغرض الذي دعا البخاري إلى ما صنع، فباحوا بالحقيقة التي أراد البخاري كتمها، مع نسبة هذه الصنيعة الشنيعة إلى الزهري، قال ابن حجر العسقلاني في شرح الحديث في باب الخمس: « قوله: ثم توفى الله نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال أبو بكر: أنا ولي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقبضها أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . زاد في رواية عقيل: وأنتما حينئذٍ وأقبل على علي وعباس: تزعمان أنّ أبا بكر كذا وكذا. وفي رواية شعيب: كما تقولان، وفي رواية مسلم من الزيادة: فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا نورّث ما تركناه صدقة، فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً.
وكأنّ الزهري كان يحدّث به تارةً فيصرّح، وتارةً فيكني، وكذلك مالك ».
وقال ابن حجر بشرح الحديث في باب ما يكره من التعمق والتنازع: « وقوله: تزعمان أن أبا بكر فيها كذا. هكذا هنا وقع بالإِبهام، وقد بيّنت في شرح الرواية الماضية في فرض الخمس أن تفسير ذلك وقع في رواية مسلم، وخلت
____________________
(١). صحيح البخاري ٩ / ٧٥٤.
الرواية المذكورة عن ذلك إبهاماً ».
تحريف من أبي بكر الجوهري
وكذلك فعل أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، صاحب كتاب ( السقيفة )، حيث ذكر حديث « كاذباً آثماً غادراً خائناً » بألفاظ أخرى، فقد أورد في كتابه المذكور حديث مالك بن أوس باللفظ الآتي: « ثم توفي فقال أبو بكر: أنا ولي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقبضه الله وقد عمل فيها بما عمل به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنتما حينئذٍ، والتفت إلى علي والعباس: تزعمان أنّ أبا بكر فيها ظالم فاجر، والله يعلم أنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر فقلت: أنا أولى الناس بأبي بكر وبرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقبضتها سنتين - أو قال: سنين - من أمارتي أعمل فيها مثل ما عمل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبو بكر، ثم قال - وأقبل على العباس وعلي - تزعمان أني فيها ظالم فاجر، والله يعلم أني لصادق بار راشد تابع للحق ».
ورواه مرةً أخرى بطريقٍ آخر أنّ عمر قال: « فلما توفي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقبضها أبو بكر، فجئت يا عباس تطلب ميراثك من ابن أخيك، وجئت يا علي تطلب ميراث زوجتك من أبيها، وزعمتما أنّ أبا بكر كان فيها خائنا فاجرا، والله لقد كان امرءً مطيعاً تابعاً للحق، ثم توفى أبو بكر فقبضتها فجئتماني تطلبان ميراثكما، أما أنت يا عباس فتطلب ميراثك من ابن أخيك، وأما علي فيطلب ميراث زوجته من ابيها، وزعمتما أني فيها خائن فاجر، والله يعلم أني فيها مطيع تابع للحق ».
ورواه مرةً ثالثة عن أبي البختري: « فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يتصّدق به ويقسم فضله، ثم توفي فوليه أبو بكر سنتين، يصنع فيها ما كان يصنع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنتما تقولان أنه كان بذلك خاطئاً وكان بذلك ظالماً، وما كان بذلك إلّا راشداً، ثم وليته بعد أبي بكر فقلت لكما: إنْ شئتما
قبلتكماه على عمل رسول الله وعهده الذي عهد فيه، فقلتما: نعم، وجئتماني الآن تختصمان يقول هذا: أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا: أريد نصيبي من امرأتي، والله لا أقضي بينكما إلّا بذلك ».
نظرة في سند حديث مختلق
وإنّ ما ذكرناه يكفي في الدلالة على فساد الحديث المزعوم الذي تمسّك به السخاوي، هذا مع أنّه مخدوش سنداً، فقد عرفت أن البخاري يرويه عن محمد ابن كثير وهو العبدي وهذا مجروح كما ذكر الذهبي بترجمته، حيث قال: « وروى أحمد ابن أبي خيثمة قال لنا: ابن معين لا تكتبوا عنه لم يكن بالثقة »(١) .
وقال العسقلاني: « قال ابن معين: لم يكن بالثقة ». قال: « وقال ابن الجنيد عن ابن معين: كان في حديثه ألفاظ كامنة ضعيفة، ثم سألت عنه فقال: لم يكن بأهل أن يكتب عنه »(٢) .
وفي طريقهسفيان الثوري وقد كان يدلّس عن الضعفاء كما ذكره الذهبي وابن حجر العسقلاني(٣) وغيرهما.
بل لقد اشتهر بتدليس التسوية، الذي قالوا بأنّه أفحش أنواع التدليس مطلقاً وشرّها(٤) ، قال السّيوطي: « قال العراقي: وهو قادح فيمن تعمّد فعله، وقال شيخ الاسلام: لا شك أنه جرح وإنْ وصف به الثوري والأعمش، فلا اعتذار أنهما لا يفعلانه إلّا في حق من يكون ثقة عندهما ضعيفاً عند غيرهما »(٥) . وقال القاري: « وهذا القسم من التدليس مكروه جدّاً، وفاعله مذموم عند أكثر
____________________
(١). ميزان الاعتدال ٤ / ١٨.
(٢). تهذيب التهذيب ٩ / ٣٧١.
(٣). ميزان الاعتدال ٢ / ١٦٩، تقريب التهذيب ١ / ٣١١.
(٤). أنظر تدريب الراوي ١ / ١٨٦ وغيره.
(٥). تدريب الراوي ١ / ١٨٦.
العلماء، ومن عرف به فهو مجروح عند جماعة، لا يقبل روايته بيّن السّماع أو لم يبيّنه »(١) .
وقال ابن الجوزي في ذم التدليس: « هذا خيانة منهم على الشرع »(٢) .
وقال أيضاً: « هو من أعظم الجنايات على الشريعة »(٣) .
وقال النووي: « التدليس قسمان: أحدهما: أنْ يروي عمّن عاصره ما لم يسمع منه، موهماً سماعه، قائلاً: فلان أو عن فلان أو نحوه، وربما لم يسقط شيخه وأسقط غيره، ضعيفاً أو صغيراً، تحسيناً لصورة الحديث. وهذا القسم مكروه جداً، ذمّه أكثر العلماء، وكان شعبة من أشدّهم ذمّاً له، وظاهر كلامه أنه حرام، وتحريمه ظاهر، فإنه يوهم الاحتجاج بما لا يجوز الاحتجاج به، ويسبب أيضاً إلى اسقاط العمل بروايات نفسه، مع ما فيه من الغرور، ثم إنّ مفسدته دائمة، وبعض هذا يكفي في التحريم، فكيف باجتماع هذه الْأُمور »(٤) .
هذا،ولسفيان الثوري قوادح أخرى، منها: القول بمذهب الخوارج، ومنها: الحسد لأبي حنيفة والعداوة له والطعن فيه ذكرها أبو المؤيّد محمود بن محمد الخوارزمي(٥) ، وهذا القوادح تسقط الثوري عن درجة الاعتبار لدى أهل السنة، لا سيّما الحنفية منهم كما لا يخفى.
ومن أعظم قوادح « سفيان الثوري » اعتراضه على الإِمام الصادقعليهالسلام ، قال الشعراني: « ودخل عليه الثوريرضياللهعنه ، فرأى عليه جبّة من خز، فقال له: إنكم من بيت نبّوةٍ تلبسون هذا!! فقال: ما تدري، أدخل يدك، فإذا تحته مسح من شعر خشن، ثم قال: يا ثوري أرني تحت جبّتك، فوجد تحتها
____________________
(١). شرح شرح نخبة الفكر ١١٢.
(٢). تلبيس إبليس ٣٤.
(٣). الموضوعات ١ / ٥٢.
(٤). المنهاج في شرح صحيح مسلم ١ / ٣٣.
(٥). جامع مسانيد أبي حنيفة ٢ / ٤٦٨.
قميصاً أرق من بياض البيض، فخجل سفيان، ثم قال: يا ثوري لا تكثر الدخول علينا، تضرّنا ونضرّك »(١) .
فظهر أنّ الحديث الذي أخرجه البخاري عن محمد بن الحنفية، حديث مختلق مكذوب.
حديث مختلق آخر
ومثله في الاختلاق والبطلان الحديث الآخر، الذي رواه المتقي: « عن زيد ابن علي بن الحسيني قال: سمعت أبي علي بن الحسين يقول: سمعت أبي الحسين ابن علي يقول: قلت لأبي بكر: يا أبا بكر من خير الناس بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فقال لي: أبوك. فسألت أبي علياً فقلت: من خير الناس بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فقال: أبو بكر - الدغولي، كر »(٢) .
فإنّ آثار الكذب والإِفتراء لائحة عليه وبادية فيه، كما لا يخفى على كلّ منصفٍ نبيه، على أنّه حديث لم نقف له على سندٍ، وقد صرّح ( الدهلوي ) بأنّ كلّ حديث لا سند صحيح له فهو ساقط عن درجة الاعتبار.
حديث مختلق آخر
ولمـّا رأى بعض الوضّاعين من أهل السنّة وضوح فظاعة ما وضع عن لسان الامامعليهالسلام في تفضيل الشيخين مطلقاً، عمد إلى وضع حديث عن لسانه ينصّ على أفضليتهما من جميع الأصحاب سوى أهل البيت، فقد روى المتقي: « عن أبي البختري قال: خطب على فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبّيها أبو بكر وعمر. فقال رجل: وأنت يا أمير المؤمنين؟ فقال: نحن أهل البيت لا يوازينا
____________________
(١). لواقح الانوار ١ / ٣٢.
(٢). كنز العمال ١٢ / ٤٨٩.
أحد. حل »(١) . وهذا أيضاً حديث مختلق، فإنّ من يرى الشيخين « كاذبين آثمين غادرين خائنين» كيف يفضّلهما على سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار بن ياسر ونظرائهم؟! إن هذا إلّا إفك مبين.
على أنّ راويه « أبو البختري » لم يسمع من الامامعليهالسلام شيئاً، وإنما كان يرسل عنه كثيراً، قال ابن حجر: « سعيد بن فيروز، وهو ابن أبي عمران، أبو البختري الطائي مولاهم الكوفي، روى عن: أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد، وأبي كبشة وأبي برزة، ويعلى بن مرة، وأبي عبد الرحمن السلمي، والحارث الأعور. وأرسل عن: عمر، وعلي وحذيفة، وسلمان، وابن مسعود. وعنه: عمرو بن مرة، وعبد الأعلى بن عامر، وعطاء بن السائب، وسلمة بن كهيل ويونس بن حبان، وحبيب بن أبي ثابت، ويزيد بن أبي زياد، وغيرهم.
قال عبد الله بن شعيب عن ابن معين: أبو البختري الطائي اسمه سعيد، وهو ثبت، ولم يسمع من علي شيئاً »(٢) .
ولكثرة روايته عن الأصحاب مع عدم سماعه منهم حكم بعض نقدة الحديث بضعف مراسيله قال ابن سعد: « كان كثير الحديث، يرسل حديثه ويروي عن الصحابة، ولم يسمع من كثير أحد، فما كان من حديثه سماعاً فهو حسن، وما كان عن إرسال فهو ضعيف »(٣) .
وقال بن حجر ايضاً: « قال أبو أحمد الحاكم في الكنى: ليس بالقوي عندهم » ثم قال ابن حجر: « كذا قال وهو سهو »(٤) قلت: وهو تحكّم محض.
____________________
(١). كنز العمّال ١٣ / ٧.
(٢). تهذيب التهذيب ٤ / ٦٥.
(٣). تهذيب التهذيب ٤ / ٦٥.
(٤). تهذيب التهذيب ٤ / ٦٥.
(٧)
مع السيوطي
في كلامه حول الحديث
وممّن تنطّع وتعنّت في باب حديث مدينة العلم: جلال الدين السّيوطي، إذ قال بشرح حديث: أنا دار الحكمة: « قال الطيبي: تمسّك الشيعة بهذا الحديث في أنّ أخذ العلم والحكمة مختص به، لا يتجاوزه إلى غيره إلّا بواسطته، لأن الدار إنما يدخل إليها من بابها. ولا حجة لهم فيه، إذ ليس دار الجنة بأوسع من دار الحكمة، ولها ثمانية أبواب »(١) .
وهذا نفس كلام الطّيبي الذي تقدّم الكلام عليه بالتّفصيل، وأوضحنا بطلانه بما لا مزيد عليه، والله ولي التوفيق.
* * *
____________________
(١). قوت المغتذي في شرح الترمذي. كتاب المناقب، باب مناقب علي.
(٨)
مع السمهودي
في كلامه حول الحديث
وحاول علي بن عبد الله السمهودي صرف حديث أنا مدينة العلم عن مفاده الصّريح فيه، بما يحيّر الأفهام، فقال بعد أن أورد بعض ما يدل على أعلميّة الإِمامعليهالسلام : « قلت: وهذا وأشباهه مما جاء في فضيلة علي في هذا الباب شاهد لحديث أنا مدينة العلم وعلي بابها، رواه الامام أحمد في الفضائل عن عليرضياللهعنه ، والحاكم في المناقب من مستدركه، والطبراني في معجمه الكبير، وأبو الشيخ ابن حيان في السنة له، وغيرهم كلّهم عن ابن عباس مرفوعاً به بزيادة: فمن أتى العلم فليأت الباب.
ورواه الترمذي من حديث علي مرفوعاً: انا مدينة العلم وعلي بابها، وقال الترمذي عقب هذا: انه منكر. وكذا قال شيخه البخاري، وقال الحاكم عقب الأول: إنه صحيح الإِسناد، أورده ابن الجوزي من الثاني في الموضوعات. وقال الحافظ أبو سعيد العلائي: الصواب أنه حسن باعتبار طرقه، لا صحيح ولا ضعيف، فضلاً عن أن يكون موضوعاً. وكذا قال الحافظ ابن حجر في فتوى له.
ولا ينافيه تفضيل أبي بكررضياللهعنه مطلقاً، بشهادة علي وغيره بذلك له، وشهد له بالعلم أيضاً، فقد قال علي: أبو بكر أعلمهم وأفضلهم وما اختلفوا في شيء إلّا كان الحق معه وعدم اشتهار علمه لعدم طول مدّته بعد الاحتياج إليه بموت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم »(١) .
وفي هذا الكلام نظر من وجوه:
١ - نسبة الطعن إلى البخاري والترمذي كذب
إنّ السمهودي - وإن لم ينكر أصل الحديث، بل حقّقه وأثبته عن جماعة من
____________________
(١). جواهر العقدين - مخطوط.
أئمة مذهبه - نسب إلى الترمذي أنه قال عقب الحديث: « هذا منكر ». وقد أثبتنا سابقاً عدم صحّة هذه النسبة، وأنّ الترمذي لم يقل هذا بعد هذا الحديث أبداً، بل صريح الشيخ عبد الحق الدهلوي في ( اللمعات في شرح المشكاة ) أنّ الترمذي قال: إنه حسن.
ويؤيّد هذا أنّ الترمذي قد حسّن حديث « أنا دار الحكمة » - المؤيّد لحديث:
« أنا مدينة العلم » - كما صرّح به المحبّ الطبري في ( ذخائر العقبى ) وفي ( الرياض النضرة ). وكما نسب بعض المفسّرين إلى الترمذي القدح في حديث « أنا مدينة العلم » فقد نسب إليه ذلك بالنسبة إلى حديث « أنا دار الحكمة » أيضاً، كما فصّلناه فيما مضى في ردّ كلام النووي.
على أنّ كثيراً من محققي أهل السنّة ينقلون الحديثين معاً عن الترمذي، وظاهر عباراتهم أنّه قد أخرجهما في ( الصحيح ) من دون أيّ غمزٍ فيهما، كما لا يخفى على من راجع ما ذكرناه سابقاً في إثبات إخراج الترمذي لحديث مدينة العلم، وفي إثبات إخراجه لحديث دار الحكمة، من عبارات أئمة القوم الدالّة على ذلك، وعليك بالتأمّل فيما ذكره ابن حجر المكي في ( الصواعق ) وما قاله العيدروس اليمني في ( العقد النبوي ) وما أورده الصبان المصري في ( إسعاف الراغبين ). فإن عبارات هؤلاء الأعلام أصرح في المقصود والمطلوب.
وعلى الجملة، فإن نسبة السمهودي القدح في حديث « أنا مدينة العلم » إلى الترمذي كذب واضح، ولعلّه ذكر ذلك من غير أنْ يراجع جامع الترمذي، فلو كان راجع النسخة الصحيحة منه لما نسب إلى الترمذي ذلك، بل النسخة المحرّفة من الترمذي كذلك، لأنّ الذي فعله المحرّفون هو إسقاط حديث « أنا مدينة العلم » وإبقاء حديث « أنا دار الحكمة » مع إضافة كلمة « منكر » إليه، ولم نجد نسخة صحيحة ولا محرّفة ذكر فيها حديث « أنا مدينة العلم » مع لفظة « منكر »، ومن ادّعى فعليه البيان.
وأما نسبة القول بأنّه منكر إلى البخاري فباطلة كذلك، ففي ( اللآلي
المنثورة ) و ( المقاصد الحسنة ) أنّ البخاري قاله بالنسبة إلى حديث « أنا دار الحكمة ». فذكر هذا بالنّسبة إلى حديث « أنا مدينة العلم » باطل.
٢ - دعوى عدم المنافاة بين الحديث وتفضيل أبي بكر باطلة
ثم إنّ حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » يدل من وجوه كثيرة وبدلالةٍ واضحة على إمامة الامام أمير المؤمنينعليهالسلام ، ولا يشك عاقل في دلالته على أفضليّة الامام وأعلميتّه المطلقة، فإمّا ينكر هذا الحديث ويحكم بوضعه - كما صنع بعض النواصب - وإمّا ترفع اليد عن الاعتقاد بتفضيل أبي بكر على الامامعليهالسلام . فظهر بطلان قول السمهودي - بعد إثبات الحديث وتحقيقه -: « ولا ينافيه تفضيل أبي بكر مطلقا »، إذ لا مناص من القول بأفضلية الإمامعليهالسلام مطلقا، بعد القول بثبوت الحديث الشريف.
٣ - دعوى شهادة الامام بتفضيل أبي بكر باطلة
ومثله في البطلان دعواه شهادة الامام أمير المؤمنينعليهالسلام بتفضيل أبي بكر، فقد عرفت في جواب السخاوي: أن لا أصل للروايات المتضمّنة لهذا المعنى عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، فإنها روايات مختلقة مكذوبة، باطلة سنداً ومتناً، ولا سيّما ما أخرجه البخاري وهو العمدة فيها، كما لا يخفى.
٤ - دعوى شهادة غير الامام بذلك باطلة
ومن الذي شهد بذلك غير الامامعليهالسلام حتّى يقول السمهودي: « بشهادة علي وغيره بذلك له »؟ لم نجد أحداً شهد بذلك من الصحابة العدول، ومن ادّعى فعليه البيان، وعلينا إبطاله بأوضح الدليل والبرهان وعلى فرض صدور شيء في حق أبي بكر من أحدهم فلا ريب في عدم صلاحيته لأن يقابل به الوجوه الكثيرة على أفضلية أمير المؤمنين المطلقة.
٥ - دعوى شهادة الامام له بالعلم كاذبة
ومن الدعاوى الكاذبة للسمهودي في هذا الكلام قوله: « وشهد له بالعلم أيضاً، فقد قال علي: أبو بكر أعلمهم وأفضلهم ». فمن الذي روى ذلك؟ وليت
السمهودي ذكر له مصدراً ولو من موضوعات أسلافه؟! فالعجب منه كيف يستدلّ بما لا عين له ولا أثر في الموضوعات فضلاً عن الكتب الموصوفة بالصحاح!! مع أنّه لو كان قد أخرج في الصحاح عندهم فضلاً عن الموضوعات لم يكن حجة على الإِمامية، وما كان يجوز الاحتجاج به في مقابلتهم
٦ - دعوى كون الحق مع أبي بكر في موارد الاختلاف كاذبة
ومن الدعاوى الكاذبة قول السمهودي: « وما اختلفوا في شيء إلّا كان الحق معه »، وهي دعوى بلا برهان، بل الأدلّة والبراهين على بطلانها لا تعد ولا تحصى، ولو لم يمكن إلّا واقعة السقيفة وقضية فدك ومسألة الخمس لكفى دليلاً وبرهاناً على كون أبي بكر على الخطأ والباطل، فإنها أمور وقع فيها الاختلاف بين علي وأبي بكر، ولا يصدّق عاقل بكون الحق فيها مع أبي بكر، لثبوت عصمة أمير المؤمنين والصدّيقة الزهراء بالكتاب والسنة، أما أبو بكر فيعرّف نفسه بقوله: « إن لي شيطاناً يعتريني ».
٧ - الإِعتذار بقصر مدّة أبي بكر غير مسموع
وكأنّ السمهودي ملتفت إلى ورود الإِشكال عليه بأنه: لو كان أبو بكر أعلم الأصحاب مطلقاً، فأين أقواله وآراؤه في القضايا المختلفة؟ ولما ذا لم يشتهر بالعلم؟
فالتجأ إلى الاعتذار عن أبي بكر بقوله: « وعدم اشتهار علمه لعدم طول مدّته بعد الاحتياج إليه بموت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ». إلّا أنّ هذا الإِعتذار غير مسموع لدى ذوي الألباب والأبصار، لوجوه:
أحدها: إن توقف اشتهار العلم على طول المدة ممنوع، بل إن ملاك اشتهار العلم هو الكمال العلمي للشخص، فكلمـّا كان العلم أكثر كان الاشتهار به أكثر، ألا ترى أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم - على قلة مكثه في أمّته - اشتهر علمه بحيث لم يبلغ اشتهار علوم الأنبياء السابقين عليه معشار اشتهار علمه، مع وجود مثل نوحٍ فيهم الذي اشتهر بطول العمر حتى ضرب به المثل فيه.
فالحق هو أنّ أبا بكر لم يشتهر علمه لانتفاء الموضوع - وهو العلم - لا لوجود
المانع وهو قصر مدّته.
والثاني: سلّمنا التوقف المذكور، لكن مدّة أبي بكر منذ إسلامه حتى موته كانت طويلة، فلو كان أعلم الصحابة لظهرت آثار أعلميته في هذه المدة، ولاشتهر علمه، وأما التعلّل بعدم الاحتياج إليه في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعند الاحتياج إليه بعد موت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم تطل مدته، فليس بنافع، لأن أعلم الصحابة محتاج إليه على كلّ حال، ولذا نرى احتياج الناس إلى أمير المؤمنينعليهالسلام - وهو الأعلم في الواقع والحقيقة - على حياة النبي وبعد وفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن هنا نرى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يدلّ الأمة ويرشدهم نحو الامام بقوله: « أنا مدينة العلم وعلى بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب ». وأيضاً: قد اشتهرت قضايا الامامعليهالسلام وفتاواه على عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم سواء في سفره إلى اليمن أو في المدينة المنوّرة.
أما أبو بكر فلم ينقل عنه ما يدل على علمه فضلاً عن أعلميته في مدّة خلافته مع احتياج الامة إليه بعد النبي، فضلا عن زمان حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثم إن ما ذكره السمهودي من أنّ زمان خلافة أبي بكر كان وقت اشتهار علمه، لكن منع من ذلك عدم طول مدتّه. ينافيه ما سيأتي عن البنباني من أن عصر خلافة الثلاثة لم يكن زمان ظهور علومهم، بل إنّ اشتغالهم بأمور الخلافة حال دون إفادة الْأُمة وتعليمهم، وأنّ ذلك هو السبب في رجوعهم إلى أمير المؤمنينعليهالسلام . فإنّ بين هذين الزّعمين من التضاد ما لا يخفى على أهل السداد والرشاد.
والثالث: سلّمنا أنّ السّبب في عدم اشتهار علمه عدم طول مدتّه بعد الاحتياج إليه، إلّا أنّ هذا لا يحقّق غرض السمهودي، لأنه إنْ لم يشتهر علمه فلا أقل من عدم اشتهار جهله وضلاله، ولكنّ المتتبّع للأخبار والآثار يعلم جيّداً بكثرة الموارد التي ظهر فيها جهل أبي بكر وعدم علمه بالأحكام الشرعية، وقد
تضمّن كتاب ( تشييد المطاعن ) طرفاً من تلك الأخبار، وحينئذٍ لا مساغ لدعوى العلم لأبي بكر فضلاً عن دعوى الأعلمية المطلقة!!
٨ - اعتراف الشيخين بأعلميّة علي ورجوعهما إليه
وبعد، فالعجب من السمهودي، كيف يدّعي الأعلميّة لأبي بكر، وهو نفسه يروي - فيمن يروي - قسماً من أخبار رجوع أبي بكر وعمر إلى أمير المؤمنين واعترافهما بما يفيد أعلميّته منهما؟!
لقد ذكر السمهودي في كتابه ( جواهر العقدين ) في قضيّة حكم عمر برجم المرأة المجنونة، ونقض الامامعليهالسلام ذلك الحكم: « وفي رواية: فقال عمر: لو لا علي لهلك عمر. وروى بعضهم: إنه اتفق لعلي مع أبي بكر رضي الله عنهما نحو ذلك ».
وقال فيه أيضاً: « وقد أخرج ابن السّمان عن أبي سعيد الخدريرضياللهعنه أنّه سمع عمر يقول لعلي رضي الله عنهما - وقد سأله عن شيء فأجابه ففرّج عنه -: لا أبقاني الله بعدك يا علي »، وهذا دليل واضح على أعلمّيّة الإمامعليهالسلام . وقد اعترف السمهودي نفسه بكونه من شواهد حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » حيث قال: « قلت: هذا وأشباهه مما جاء في فضيلة علي في هذا الباب شاهد لحديث أنا مدينة العلم وعلي بابها ».
وقال السمهودي في ( جواهر العقدين ): « قال الزّين العراقي في شرح التقريب في ترجمة عليرضياللهعنه ، قال عمر: أقضانا علي، وكان يتعوّذ من معضلةٍ ليس لها أبو حسن ».
قال: « وهذا التعوّذ رواه الدار قطني وغيره، ولفظه: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن».
قال: « وفي روايةٍ له عن أبي سعيد الخدري قال: قدمنا مع عمر مكة ومعه علي بن أبي طالب، فذكر له علي شيئاً، فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم أبا حسن ».
وقال: « أخرج الحافظ الذهبي عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: ذكر لعطاء أكان أحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أفقه من علي؟ قال: لا والله ما علمته ».
وقال: « وقول عمررضياللهعنه : علي أقضانا. رواه البخاري في صحيحه، ونحوه عن جماعةٍ من الصحابة ».
وقال: « والحاكم في المستدرك عن ابن مسعود قال: كنا نتحدّث أنّ أقضى أهل المدينة علي. وقال: إنه صحيح ولم يخرجاه ».
وقال: « وأصل ذلك: قصة بعثهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليرضياللهعنه إلى اليمن قاضياً، فقال: يا رسول الله بعثتني أقضي بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء؟ فضربصلىاللهعليهوآلهوسلم في صدري وقال: اللهم اهده وثبّت لسانه.
قال: فو الذي فلق الحبّة وبرئ النسمة ما شككت في قضاء بين اثنين. رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإِسناد ».
وقال: « روى أحمد والطبراني برجالٍ وثّقوا: إن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لفاطمة رضي الله عنهما: أما ترضين أنْ زوّجتك أقدم أمّتي سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً ».
* * *
(٩)
مع ابن روزبهان
في كلامه حول الحديث
وقال الفضل بن روزبهان الشيرازي - وهو من مشاهير المتكلّمين من أهل السنة، والمتأخرون عنه عيال عليه - في جواب احتجاج العلّامة الحلّي بقول الامامعليهالسلام « سلوني قبل أنْ تفقدوني » وقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنا مدينة العلم وعلي بابها » قال ما نصه: « أقول: هذا يدل على وفور علمه واستحضاره أجوبة الوقائع واطّلاعه على أشتات العلوم والمعارف. وكلّ هذه الأُمور مسلّمة، ولا دليل على النص، حيث أنّه لا يجب أن يكون الأعلم خليفة، بل الأحفظ للحوزة والأصلح للأمة، ولو لم يكن أبو بكر أصلح للإمامة لما اختاروه ».
أقول: لم يجد ابن روزبهان مناصاً من الاعتراف بدلالة حديث أنا مدينة العلم على الأعلميّة المطلقة لأمير المؤمنينعليهالسلام ، غير أنّه ينكر اشتراط الأعلميّة في الخليفة، ومن هنا يقول بأنّ هذا الحديث لا يكون نصّاً على خلافة الامامعليهالسلام ، ويستدل باختيار الْأُمة أبا بكر للإِمامة مع كونه غير أعلم، وما ذكره مردود من وجوه:
أحدها: إنّ حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » من الأدلة الواضحة على خلافة سيدنا أمير المؤمنينعليهالسلام ، وقد بيّنا ذلك بوجوه عديدة فيما سبق من الكتاب.
والثاني: لقد دلّ الكتاب والسنة المتأيدة بأقوال المفسرين من أهل السنّة، على تعيّن الأعلم للإِمامة والخلافة، وقد تقدّم بيان ذلك بالدلائل الكثيرة المفيدة للقطع واليقين، ولو لم يكن فيها سوى ما ذكره الله سبحانه في قصة آدم، وقصة طالوت، لكفى في ذلك دليلاً وبرهاناً.
والثالث: إنّه لا ريب في كون الأعلم هو الأحفظ للحوزة والأصلح للْأُمة، ومن هنا يظهر بطلان دعوى كون أبي بكر الأحفظ للحوزة والأصلح للأمة، مع الاعتراف بكونه غير أعلم، متى كان أبو بكر أحفظ للحوزة؟ أفي ميادين القتال والجهاد مع الكفار؟ أو في حلّ المشكلات والمعضلات؟
والرّابع: إنّ الاستدلال باختيار الناس أبا بكر للخلافة واضح الفساد، إذ لو سلّمنا وقوع الاختيار من الناس، فإنّ الاشكال يرد أوّلاً على الذين اختاروه، ثم على الذين يستدلّون بهذا الاختيار على صحّة إمامة أبي بكر
كلام آخر لابن روزبهان
ولابن روزبهان في باب حديث مدينة العلم وح ديث أنا دار الحكمة، كلام آخر هو أعجب وأغرب من كلامه الذي ذكرناه، وبيان ذلك: أن العلّامة الحليرحمهالله يقول: « المطلب الثاني - العلم. والناس كلّهم بلا خلافٍ عيال عليعليهالسلام ، في المعارف الحقيقية والعلوم اليقينية والأحكام الشرعيّة والقضايا النقلية، لأنهعليهالسلام كان في غاية الذكاء والحرص على التعلّم، وملازمته لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي هو أشفق الناس عليه عظيمة جداً، لا ينفك عنه ليلاً ولا نهاراً، فيكون بالضرورة أعلم من غيره. وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حقّه: أقضاكم علي والقضاء يستلزم العلم والدين. ور وى الترمذي في صحيحه: إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها. و روى البغوي في الصحاح: إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: أنا دار الحكمة وعلي بابها ».
فقال ابن روزبهان في جواب هذا الكلام: « ما ذكره المصنف من علم أمير المؤمنين فلا شك في أنه من علماء الْأُمة، والناس محتاجون إليه فيه، وكيف لا وهو وصي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في إبلاغ العلم وبدائع حقائق المعارف، فلا نزاع فيه لأحد. وأما ما ذكره من صحيح الترمذي فصحيح. وما ذكره من صحاح
البغوي فإنه قال: الحديث غريب لا يعرف هذا عن أحدٍ من الثقات غير شريك، وإسناده مضطرب، فكان ينبغي أن يذكر ما ذكره من معايب الحديث، ليكون أميناً في النقل ».
وهذا الكلام غريب من وجوه:
١ - علي أعلم الأمة لا أنه من علماء الأمة فقط
إن قول ابن روزبهان: « ما ذكره المصنف من علم أمير المؤمنين فلا شك أنّه من علماء الْأُمة » تفريط في حق الامامعليهالسلام ، لأنّ الامامعليهالسلام أعلم الأمة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما أثبتناه سالفاً. هذا بالإِضافة إلى اعتراف ابن روزبهان في كلامه السابق بأعلميّة الامام عليه الصلاة والسلام.
٢ - الناس محتاجون اليه كاحتياجهم الى النبي
وليس احتياج الناس إلى أمير المؤمنينعليهالسلام كاحتياجهم إلى واحدٍ من علماء الأمة، بل إنّ الناس كلّهم عيال عليه في جميع العلوم والأحكام - كما ذكر العلّامة الحلي - لأنّه أقرب الناس إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأكثرهم ملازمةً له، فهم كانوا يحتاجون إليه في العلم لكونه أعلمهم، فإنْ أراد ابن روزبهان من قوله: « والناس محتاجون إليه فيه » هذا المعنى فمرحباً بالوفاق، لانَّ هذا المعنى يثبت خلافة الامام بعد النبي بلا فصل، لقبح تأمير المحتاج البيّن الاحتياج العظيم الاحواج، على من هو غني مليْ بعلم صاحب المعراجصلىاللهعليهوآلهوسلم . وإن أراد ابن روزبهان معنى آخر فقد كابر مكابرة بيّنة، وأغلب الظّن أنّه يريد المعنى الأوّل، لأنه اعترف بأعلميتهعليهالسلام في الكلام السابق.
٣ - اعتراف ابن روزبهان بكون الامام وصي النبي في إبلاغ العلم
وقول ابن روزبهان في هذا الكلام: « كيف لا، وهو وصي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في إبلاغ العلم وبدائع حقائق المعارف » صريح في أنه الامام بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ لا يعقل أن يكون وصي النبي في إبلاغ العلم وبدائع حقائق المعارف غير الأعلم وغير الامام من بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ،
لعدم انفكاك الأعلمية عن مثل هذا العلم المنصوب، المخصوص بالعلم المصبوب، ولقبح ترجيح المرجوح وبطلان تفضيل المفضول.
ثم إنّ قوله: « فلا نزاع فيه لأحد » كلمة حق جرت على لسانه، لكنّ ما استشهد به العلّامة الحلّي يدلُّ على أعلمية الامامعليهالسلام ، وهذا هو المطلوب من الاستشهاد والاستدلال، والأعلمية تلازم الامامة والخلافة كما مرّ غير مرة. فإذاً كان على ابن روزبهان التسليم بإمامة الامام، وترك النزاع في إمامته أيضاً.
٤ - اعترافه برواية الترمذي
وقول ابن روزبهان: « وأما ما ذكره من صحيح الترمذي فصحيح » اعتراف بصحة حديث « أنا مدينة العلم » سنداً، وقد اعترف ابن روزبهان بدلالة هذا الحديث على أعلميّة الامامعليهالسلام بالرغم من قيام البراهين المحكمة على تعيّن الأعلم للخلافة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وأيضاً، فإن حديث مدينة العلم يدل بالوجوه العديدة المذكورة سابقاً على إمامة الامامعليهالسلام ، فكان على ابن روزبهان الاعتراف بالنتيجة كما اعترف بالمقدّمة.
٥ - دفع إيراد ابن روزبهان على العلامة الحلي
وأمّا ما ذكره ابن روزبهان للطعن على العلامة الحلي بقوله: « وما ذكره من صحاح البغوي فإنه قال: الحديث غريب لا يعرف هذا من أحدٍ من الثقات غير شريك، وإسناده مضطرب. فكان ينبغي أن يذكر ما ذكره من معايب الحديث، ليكون أميناً في النقل » فمردود بوجوه عديدة:
اسقاطهم حديث أنا مدينة العلم من صحيح الترمذي
أحدها: - ما الدلّيل على وجود الجملة التي ذكرها ابن روزبهان في نسخة العلّامة الحلي؟
إن اختلاف النسخ في كتب الحديث غير عزيز، بل إنّ الكتب الموصوفة بالصّحاح عند أهل السنة مختلفة زيادة ونقيصةً وتغييراً وتبديلاً، كما لا يخفى على
من راجع ( جامع الأصول لابن كثير ) و ( مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي ) و ( المرقاة لعلي القاري ) ومن الشواهد على ذلك حديث « أنا مدينة العلم » و ( صحيح الترمذي ). فقد عرفت أنّ العلامة الحليرحمهالله ينقل هذا الحديث عن ( صحيح الترمذي )، ويعترف ابن روزبهان بصحة ذلك قائلاً: « وأمّا ما ذكره من صحيح الترمذي فصحيح »، وقد نقله عن الترمذي قبل العلّامة: ابن الأثير الجزري في ( جامع الأصول ) ومحمد بن طلحة الشافعي في ( مطالب السؤول).
واعترف ابن تيمية الحراني - وهو معاصر العلامة - في ( منهاج السنة ) برواية الترمذي حديث مدينة العلم.
ونقله عن الترمذي جماعة من علماء السنّة المتأخرين عن العلامة الحلّيرحمهالله أمثال:
السيد شهاب الدين أحمد في كتابه ( توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل ).
وجلال الدين السيوطي في ( تاريخ الخلفاء ).
وحسين بن معين الدين الميبدي في ( الفواتح - شرح ديوان علي ).
ومحمد بن يوسف الشامي في سيرته ( سبل الهدى والرشاد ).
وابن حجر المكي في ( الصواعق المحرقة ).
والميرزا مخدوم في كتابه ( نواقض الروافض ).
وشيخ بن عبد الله العيدروس في ( العقد النبوي ).
ومحمود الشيخاني القادري في ( الصراط السوّي ).
والشيخ عبد الحق الدهلوي في ( أسماء رجال المشكاة ).
ونور الدين الشبراملسي في ( تيسير المطالب السنية ).
وإبراهيم الكردي الكوراني في ( النبراس ).
ومحمد بن عبد الباقي الزرقاني في ( شرح المواهب اللدنّية ).
ومحمد الصبّان المصري في ( إسعاف الراغبين ).
وشهاب الدين العجيلي الشافعي في ( ذخيرة المآل ).
والمولوي عبد العلي المشهور ببحر العلوم في ( شرح المثنوي ).
... ومع ذلك كلّه فإنّ حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » غير مذكور في نسخ ( الترمذي ) الموجودة، والموجود فيها هو حديث « أنا دار الحكمة وعلي بابها ».
التّحريف في المصابيح للبغوي
وكذلك الحال في كتاب مصابيح السنة للبغوي، فكما أخرج فيه حديث « أنا دار الحكمة وعلي بابها » أخرج حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها »، وقد نقل جماعة من أكابر علماء أهل السنة كالمحبّ الطبري في ( الرياض النضرة ) وفي ( ذخائر العقبى ) والقاري في ( المرقاة ) وأحمد بن الفضل المكي في ( وسيلة المآل ) وغيرهم حديث مدينة العلم عن ( المصابيح للبغوي )، بل صرّح بعضهم بإخراج البغوي إيّاه في قسم الحسان من أحاديث الكتاب المذكور لكنّ النسخ التي وقفنا عليها من ( المصابيح ) خالية عن حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها ».
فهذا تحريف في ( المصابيح ) حذفاً وإسقاطاً، ولهم فيه تحريف زيادة وإلحاق، ففي الوقت الذي يلتزم البغوي بعدم إخراج المناكير في كتابه، ويصرّح في أوّل كتابه بأن « ما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه، وأعرضت عن ذكر ما كان منكراً أو موضوعاً » تجد فيه حديثاً وصف بأنه « منكر »، وهذا نصّه:
« عن أبي هريرةرضياللهعنه قال: كنّا عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فجاءه رجل أحسبه من قيس، فقال يا رسول الله: ألعن حميراً؟ فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : رحم الله حميراً أفواههم سلام وأيديهم طعام وهم أهل أمن وإيمان - منكر »(١)
____________________
(١). مصابيح السنة - باب مناقب قريش وذكر القبائل ٤ / ١٤١.
ومن هنا ترى المحققين من علمائهم يعترفون بأن لفظ « منكر » إلحاق وإقحام في الكتاب، من قبل بعض من وصفوه بأهل المعرفة بالحديث، قال شمس الدين محمد بن مظفر الخلخالي: « قوله: منكر. أي هذا الحديث منكر. يحتمل أن إلحاق لفظ المنكر هاهنا من غير المؤلّف، من بعض أهل المعرفة بالحديث، لأنه لو كان يعلم أنه منكر لم يتعرّض له، لأنه قد التزم الإعراض عن ذكر المنكر في عنوان الكتاب ».
وفي ( المرقاة ): « قال شارح المصابيح: قوله منكر. هذا إلحاق من بعض أهل المعرفة بالحديث، لأن المؤلفرحمهالله - يعني محيي السنة - لو كان يعلم أنه منكر لم يتعرّض له، لأنه قد التزم الإعراض عن ذكر المنكر في عنوان الكتاب، والله أعلم بالصواب ».
وبعد فإنّا لا نستبعد أن تكون العبارة التي ذكرها ابن روزبهان من المقحمات في كتاب ( المصابيح ) من قبل بعض المتعصّبين، وإنْ وصفوا بأهل المعرفة بالحديث وأنّها لم تكن في نسخة العلّامة الحلّيرحمهالله ولذا لم يذكرها، فإشكال ابن روزبهان على العلامة في غير محلّه.
والثاني: لو فرضنا كون العبارة من كلام البغوي، وأنّها كانت موجودةً في نسخة العلامة الحلّيرحمهالله ، فإنّ الذي تفوّه به ابن روزبهان غير وارد كذلك، لأنا نقول حينئذٍ: بأنّ إعراض العلامة الحلّي عن ذكر العبارة مبني على ما تقرّر من أنّ « إقرار العقلاء على أنفسهم مقبول وعلى غيرهم مردود »، وأنّ « الإِنكار بعد الإِقرار غير مسموع ».
وتوضيح ذلك هو: أنّ البغوي قال في صدر كتابه المعروف بالمصابيح: « أمّا بعد: فهذه ألفاظ صدرت عن صدر النبوّة، وسنن سارت عن معدن الرّسالة، وأحاديث جاءت عن سيد المرسلين وخاتم النبيّين، هنّ مصابيح الدجى خرجت عن مشكاة التقوى، مما أورده الأئمة في كتبهم، جمعتها للمنقطعين إلى العبادة، لتكون لهم بعد كتاب الله حظاً من السنن، وعوناً على ما هم فيه الطاعة، وتركت ذكر
أسانيدها حذراً من الإِطالة عليهم، واعتماداً على نقل الأئمة ».
فهذا ما وصف به أحاديث كتابه، فالأوصاف هذه منطبقة على حديث « أنا دار الحكمة وعلي بابها » باعترافه، فلو كان ادّعى البغوي بعد ذلك كون الحديث منكراً فقد أنكر بعد أن أقر، والإِنكار بعد الاقرار غير مسموع، ولذا أعرض العلامة عن ذكر إنكاره.
الثالث: سلَّمنا، لكنّ إعراض العلّامة عن ذكر الكلام المزبور ستر لمعائب البغوي، لا ستر لمعائب الحديث كما زعم ابن روزبهان.
وبيان ذلك هو: أنّ قوله: « الحديث غريب لا يعرف هذا عن أحد من الثقات غير شريك، وإسناده مضطرب » يشتمل على دعويين:
أحداهما: إن الحديث غريب لا يعرف عن أحدٍ من الثقات غير شريك. وهذه الدعوى تدلّ على قصر باعه وقلّة اطّلاعه، لأنّ الأمر ليس كذلك كما لا يخفى على المتتبّع الخبير، بل إنّه حديث مشهور رواه غير شريك من الثقات، كما دريت سابقاً بالتّفصيل.
على أنّه لو كان كذلك فهو مما تفرّد به شريك، وهذا لا يمنع صحته أو حسنه، ومن هنا حسّنه الترمذي كما صرح به المحبّ الطبري في ( الرّياض النضرة ) و ( ذخائر العقبى )، مع أنّ رواية الترمذي مقتصرة على طريق شريك، وصحّحه ابن جرير الطبري في ( تهذيب الآثار ) كما نقله السّيوطي في ( جمع الجوامع ) وهو أيضاً لم يروه إلّا عن شريك، وصحّحه الحاكم أيضاً كما صرّح به الشامي في ( سبل الهدى والرشاد ) والشبراملسي في ( تيسير المطالب السنية ) والزرقاني في ( شرح المواهب اللدنّية ). وحسّنه الحافظ العلائي والمجد الفيروزآبادي، فقد قال العلائي - كما في ( اللآلي المصنوعة ) نقلا عن أجوبة عن اعتراضات السّراج القزويني على أحاديث المصابيح للبغوي -: « وشريك هو ابن عبد الله النخعي القاضي، احتجّ به مسلم، وعلّق له البخاري، ووثّقه يحيى بن معين، وقال العجلي: ثقة حسن الحديث، وقال عيسى بن يونس: ما رأيت أحداً قط أورع في
علمه من شريك. فعلى هذا يكون تفرّده حسناً ».
وكذا قال الفيروزآبادي في كتابه ( نقد الصحيح ) بعد حديث: أنا دار الحكمة.
فعلى هذا لا يكون تفرّد شريك بمانع عن صحة الحديث أو حسنه، ولا يوجب وهناً فيه أبداً، فكيف مع اشتراك غير شريك من الثقات في رواية هذا الحديث الشريف!!
والثانية: إن إسناده مضطرب. وهذا باطل بحت، فإن من نظر في أسانيد هذا الحديث وجدها متعددة، وكلّها ثابتة بلا تزلزل واضطراب، وأغلب الظن في سبب هذه الدعوى الباطلة هو الغلط في فهم كلام الترمذي في هذا المقام. وبيان ذلك هو: أنّ الترمذي أخرج حديث « أنا دار الحكمة» بإسناده عن: شريك عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن الصنابحي عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، ثم قال: « روى بعضهم هذا الحديث عن شريك، ولم يذكروا فيه عن الصنابحي » وهذا الكلام مفاده رواية بعض المحدّثين هذا الحديث عن: شريك عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، فلمّا رأى البغوي وجود « الصنابحي » في رواية بعضهم، وعدم وجوده في رواية البعض الآخر، توهّم كون إسناده مضطرباً، ولم يتفطّن إلى أنّ كلا السندين صحيح، لأن « سويد بن غفلة » من التابعين الرواة عن الامام أمير المؤمنينعليهالسلام بلا واسطة، فهو يروي الحديث عنهعليهالسلام بلا واسطة تارة، وبواسطة « الصنابحي » تارةً أخرى، فكلا الروايتين صحيح متّصل، وذكر الصنابحي في أحدهما من باب المزيد في متّصل الأسانيد.
وبما ذكرنا صرّح بعض المحققين من أعلام السّنة، فقد قال الحافظ صلاح الدّين العلائي: « ولا يرد عليه رواية من أسقط منه الصنابحي، لأن سويد بن غفلة تابعي مخضرم، أدرك الخلفاء الأربعة وسمع منهم، فذكر الصنابحي فيه من المزيد في متّصل الأسانيد ».
وقال الفيروزآبادي: « ولا يرد عليه رواية من أسقط الصنابحي منه، لأن سويد بن غفلة تابعي مخضرم، روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وسمع منهم، فيكون ذكر الصنابحي من باب المزيد في متّصل الأسانيد ».
وعلى تقدير تسليم الغلط في إسقاط الصنابحي من الأسناد، وأن سويد بن غفلة لم يسمع هذا الحديث من الامامعليهالسلام بل سمعه من الصنابحي، فإنّ هذا لا يوجب الاضطراب في الإِسناد، فإنّ من أسقط « الصنابحي » من الإِسناد فقد أخطأ، والصحيح رواية البعض الآخر المذكور فيها الصنابحي، وخطأ الراوي في إسنادٍ لا يوجب العيب في إسناد آخر صحيح، ولا يضرّ بأصل سند الحديث فالتعلّل بمثل هذه الأمور للقدح في الأحاديث المسندة الصحيحة من كثرة التعنّت وقلّة الحياء، كما نصّ عليه ابن حزم في ( المحّلى ). وقد سبق كلامه حيث ذكرنا مؤيدات حديث « أنا مدينة العلم »، وأثبتنا حديث « أنا مدينة الحكمة وعلي بابها »، وتكلّمنا على كلام الدار قطني في هذا الحديث، فراجعه إن شئت، فهو أحرى بالرجوع لمثل هذا التحقيق، والله ولي التوفيق.
فظهر أنّ دعوى اضطراب إسناد حديث « أنا دار الحكمة » ليست إلّا توهّما وسوء فهم، فلو أنّ العلّامة الحلّيرحمهالله أعرض عن ذكرها، فقد ستر معايب البغوي وليس في الحديث عيب أبداً وإنّ هذا الذي زعمه ابن روزبهان لم يثمر إلّا الكشف عن توهّم البغوي وقلّة فهمه للدقائق العلميّة، قال الله تعالى:( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ) .
وانْ تشدّق القوم وتعنّتوا قطعنا ألسنتهم بنقل كمال الدين ابن طلحة الشافعي - وهو أقدم زماناً من العلامة الحلّيرحمهالله ، وقد ترجم له بكل تبجيل في ( مرآة الجنان ) و ( طبقات الشافعية ) للسبكي والاسنوي وغيرها - حديث « أنا دار الحكمة وعلي بابها » - عن ( المصابيح للبغوي ) كما نقل العلّامة الحلي، وهذا عين عبارته في بيان أدلّة علم الامامعليهالسلام :
« ومن ذلك: ما رواه الامام الترمذي في صحيحه بسنده، وقد تقدّم ذكره في الإِستشهاد في صفة أمير المؤمنين بالأنزع البطين: إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها ونقل الامام أبو محمد الحسين بن مسعود القاضي البغوي في كتابه الموسوم بالمصابيح: إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: أنا دار الحكمة وعلي بابها.
لكنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم خص العلم بالمدينة والدار بالحكمة، لما كان العلم أوسع أنواعاً وأبسط فنوناً وأكثر شعباً وأغزر فائدةً وأعم نفعاً من الحكمة، خصّص الأعم بالأكبر والأخصّ بالأصغر »(١) .
فهذا نقل هذا الفقيه المحدّث الشافعي، المتقدم زماناً على العلّامة الحلّي، وهو يطابق نقل العلّامة الحلّي، وليس فيه العبارة التي زعمها ابن روزبهان، فالعلامة أمين في النقل، ولكن نسخ المصابيح حرّفتها الأيدي الأثيمة، والله ولي التوفيق، وهو المستعان.
* * *
____________________
(١). مطالب السؤول: ٦٢.
(١٠)
مع ابن حجر المكي
في كلامه حول الحديث
وقال ابن حجر المكي في مبحث أعلمية أبي بكر بزعمه: « لا يقال: بل علي أعلم منه للخبر الآتي في فضائله: أنا مدينة العلم وعلي بابها. لأنا نقول: سيأتي أن ذلك الحديث مطعون فيه، وعلى تسليم صحّته أو حسنه فأبو بكر محرابها، ور واية: فمن أراد العلم فليأت الباب لا تقتضي الأعلمية، فقد يكون غير الأعلم يقصد لما عنده من زيادة الإِيضاح والبيان والتفرغّ للناس، بخلاف الأعلم. على أنّ تلك الرواية معارضة بخبر الفردوس: أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها فهذه صريحة في أنّ أبا بكر أعلمهم، وحينئذٍ فالأمر بقصد الباب إنما هو لنحو ما قلناه، لا لزيادة شرفه على ما قبله، لما هو معلوم ضرورة أن كلاً من الأساس والحيطان والسقف أعلى من الباب. وشذّ بعضهم فأجاب بأنّ معنى: وعلي بابها. أي من العلو، على حدّ قراءة: هذا صراط علي مستقيم، برفع علي وتنويه، كما قرأ به يعقوب »(١) .
علي الأعلم لحديث مدينة العلم
أقول: إنّ حديث مدينة العلم يدل على أعلميّة الامام أمير المؤمنينعليهالسلام كما سبق تقريره منّا، فهو أعلم الخلائق بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حتّى الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين، فهذه دلالة حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها »، وقد شهدت بذلك كلمات كثيرٍ من أعلام أهل السنّة، وكان منها عبارات ابن حجر المكي نفسه في كتابه ( المنح المكية )، فمن الغريب بعدئذٍ دعواه في
____________________
(١). الصواعق المحرقة: ٢٠.
( الصواعق ) أعلميّة من جهل حتى معنى « الأب » و« الكلالة »، إستناداً إلى دعاوى فارغة وأكاذيب واضحة كما سيأتي، فإذن، من الحق أن يقال: علي أعلم.
دعوى أنّ الحديث مطعون باطلة
وأمّا قوله: « لأنا نقول: سيأتي أن ذلك الحديث مطعون » فمن فظائع المناقشات، لما عرفت من صحة هذا الحديث وثبوته بل تواتره وقطعية صدوره، حسب إفادات أكابر الأعلام والمحقّقين من أهل السنّة، بحيث لا يبقى مجال لأيّ قيل وقال
ثم إنّ كلام ابن حجر في الموضع الذي أحال إليه بقوله « سيأتي » يتضمّن وجوهاً عديدة على فساد زعمه « أنّ ذلك الحديث مطعون » وشرح ذلك هو:
أن ابن حجر قال في الفصل الثاني من الباب التاسع من ( الصواعق ): « ثم اعلم أنه سيأتي في فضائل أهل البيت أحاديث مستكثرة من فضائل عليرضياللهعنه ، فلتكن منك على ذكر، وأنّه مرّ في كثير من الأحاديث السابقة في فضائل أبي بكر جمل من فضائل علي، واقتصرت هنا على أربعين حديثاً، لأنها من غرر فضائله » ثم قال: « الحديث التاسع - أخرج البزار والطبراني في الأوسط عن جابر ابن عبد الله، والطبراني والحاكم والعقيلي في الضعفاء، وابن عدي عن ابن عمر، والترمذي والحاكم عن علي قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا مدينة العلم وعلي بابها وفي رواية: فمن أراد العلم فليأت الباب. و في أخرى عند الترمذي عن علي: أنا دار الحكمة وعلي بابها، وفي أخرى عند ابن عدي: علي باب علمي.
وقد اضطرب الناس في هذا الحديث، فجماعة على أنه موضوع، منهم ابن الجوزي والنووي، وناهيك بهما معرفة بالحديث وطرقه، حتى قال بعض محققي المحدّثين: لم يأت بعد النووي من يدانيه في علم الحديث فضلاً عن أن يساويه. وبالغ الحاكم على عادته فقال: إن الحديث صحيح، وصوّب بعض محققي
المتأخرين المطلعين على الحديث: أنه حديث حسن. ومرّ الكلام عليه »(١) .
وهذا الكلام - الذي أوردناه في مبحث الردّ على قدح النووي - أعدناه هنا بنصه ليعلم أنّ ابن حجر يعدّ حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » من فضائل الامامعليهالسلام ، و« غرر فضائله » ومن « الأربعين حديثاً » التي رجّحها في الذكر على سائر فضائلهعليهالسلام . ثم ينصّ على إخراج « البزار » و« الطبراني » و« العقيلي » و« ابن عدي » و« الترمذي » و« الحاكم » له عن عدة من الصحابة، و« العقيلي » وانْ كان قد أخرجه في الضعفاء، إلّا أن ابن حجر يرى روايته صالحة للتأييد، وكذا رواية ابن عدي وهؤلاء الحفّاظ كما تعلم من مشاهير أئمة الحديث عند اهل السنّة، ومن بينهم الترمذي وكتابه يعدّ من الصحاح الستة عندهم.
ثم إن ابن حجر يقول: « وفي روايةٍ: فمن أراد العلم فليأت الباب » وهذا ظاهر في ثبوت هذا اللفظ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثم يقول: « وفي أخرى عند الترمذي عن علي: أنا دار الحكمة » وهذا من مؤيّدات حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » ومن هنا ذكره ابن حجر في هذا المقام، وكذا حديث « علي باب علمي ».
ثم إنّه ينص على تصحيح الحاكم حديث « أنا مدينة العلم » وعلى أنه قد « صوّب بعض محققي المتأخّرين المطّلعين على الحديث أنه حديث حسن ».
فإذن الحديث من غرر فضائل الامام، وقد أخرجه جماعة من الأئمة الحفّاظ عن جماعة من الصحابة، وله مؤيّدات أخرجها جماعة منهم كذلك، وهو صحيح عند الحاكم، وصوّب بعض المحققين أنه حديث حسن، هذه أمور اعترف بها ابن حجر المكي في كلامه الذي أحال إليه بقوله « سيأتي » وهذه الامور تكفينا في مقام الاحتجاج وإلزام الخصم، ولإبطال قوله « مطعون » والحمد لله ربّ العالمين.
____________________
(١). الصواعق: ٧٢.
وأما قوله: « وقد اضطرب الناس » ففيه: إن المنصفين لم يضطربوا في هذا الحديث. وأمّا المتعصّبون فلا يلتفت إليهم ألبتة.
آراء العلماء في ابن الجوزي
وأمّا قوله: « فجماعة على أنه موضوع منهم ابن الجوزي والنووي » ففيه أوّلاً: إن ما ذكراه حول الحديث باطل مردود، كما تقدّم في الكتاب بالتفصيل. وثانياً: ان المحقّقين من أهل السنّة لا يعبأون بقدح ابن الجوزي وطعنه في الأحاديث، وقد نصّ جماعة منهم على معايب لابن الجوزي، وصدرت منهم كلمات مختلفة في ذمّه والطعن عليه ومن هؤلاء:
إبن الأثير في الكامل في التأريخ.
وأبي الفداء الأيوبي في المختصر في أحوال البشر.
وعبد الله بن أسعد اليافعي في مرآة الجنان.
وخواجه بارسا في الفصول الستة.
وشمس الدين الذهبي في ميزان الاعتدال في نقد الرجال، وفي تذكرة الحفاظ.
وابن حجر العسقلاني في لسان الميزان.
وجلال الدين السيوطي في طبقات الحفاظ.
وشمس الدين الداودي في طبقات المفسرين.
والشيخ عبد الحق الدهلوي في أسماء رجال المشكاة.
كما نصّ جماعة منهم على تسرّع ابن الجوزي في الطعن في الأحاديث الصّحيحة في كتابه ( الموضوعات ). ومن هؤلاء:
ابن الصلاح في علوم الحديث، وابن جماعة في المنهل الروي، والطيبي في الكاشف، وابن كثير في الباعث الحثيث، والزين العراقي في ألفيّة الحديث وشرحها، وابن حجر العسقلاني في فتح الباري والقول المسدّد، والسخاوي في
فتح المغيث، والسيوطي في اللآلي المصنوعة والنكت البديعات وتدريب الراوي، ومحمد بن يوسف الشامي في سبل الهدى والرشاد، ورحمة الله السندي في مختصر تنزيه الشريعة، ومحمد طاهر الفتني في تذكرة الموضوعات، والشيخ عبد الحق في أسماء رجال المشكاة، والجلبي في كشف الظنون، وإبراهيم الكردي في المسلك الوسط الداني، والزرقاني في شرح المواهب، والسندي في دراسات اللبيب، ومحمد ابن إسماعيل الأمير في الروضة الندية، والشوكاني في الفوائد المجموعة وفي نيل الأوطار، والمولوي حسن الزمان في القول المستحسن، والمولوي القنوجي في إتحاف النبلاء المتقين.
ردّ العلماء على طعن ابن الجوزي في حديث مدينة العلم
فهذه آراؤهم في ابن الجوزي وآرائه في الأحاديث بصورةٍ عامّة، وقد ردَّ عليه في خصوص طعنه في حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » جماعة من مشاهير علماء أهل السنّة النحارير، ونقدة الحديث والمطّلعين على الأخبار، منهم:
الحافظ صلاح الدين العلائي في أجوبة سؤالات السّراج القزويني.
والمحقق بدر الدين الزركشي في اللآلي المنثورة.
والعلامة مجد الدين الفيروزآبادي في نقد الصحيح.
وشيخ الاسلام الحافظ ابن حجر في فتوى له.
والعلامة شمس الدين السخاوي في المقاصد الحسنة.
والحافظ جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء، والنكت البديعات، واللآلي المصنوعة، وقوت المغتذي، وجمع الجوامع.
والعلامة نور الدين السمهودي في جواهر العقدين.
والعلامة ابن عراق في تنزيه الشريعة.
وعلي بن حسام الدين المتقي في كنز العمال.
ومحمد طاهر الفتني في تذكرة الموضوعات.
وعلي القاري الهروي في المرقاة.
والعلامة الزرقاني في شرح المواهب اللدّنية.
والميرزا محمد البدخشاني في نزل الأبرار، ومفتاح النجاة، وتحفة المحبين.
ومحمد صدر العلم في معارج العلى.
ومحمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير في الروضة الندية.
ومحمد الصبان المصري في إسعاف الراغبين.
والقاضي ثناء الله باني بتي في السيف المسلول.
وقاضي القضاة الشوكاني في الفوائد المجموعة.
والميرزا حسن على المحدّث في تفريح الأحباب.
وولي الله اللكهنوي في مرآة المؤمنين.
والمولوي حسن الزمان في القول المستحسن.
وامّا « النووي » فلا يجوز الإِستناد إلى كلامه في المقام، لما عرفت سابقاً من أنّ النووي يقدح في حديث « أنا دار الحكمة » وقد بينّا بطلان قدحه، وأوردنا كلمات كبار الحفاظ في ردّ كلامه وأمّا قدحه في حديث « أنا مدينة العلم » المستفاد من لحن كلامه، فقد بلغ في السخافة حدّاً حمل جماعةً من الأعلام على الردّ عليه بصراحةٍ: كالسيوطي في تاريخ الخلفاء، والشيخ عبد الحق في أسماء رجال المشكاة، والصّبان المصري في إسعاف الراغبين، والقاضي ثناء الله في السيف المسلول، وحسن على المحدّث في تفريح الأحباب.
وبما ذكرنا يظهر سقوط قول ابن حجر المكي في تعظيم الرجلين: « وناهيك بهما معرفةً بالحديث وطرقه » فإن هذا المدح لهما ليس بنافعٍ في المقام، بعد الكلمات التي قالها الأعلام في ابن الجوزي، وفي الردّ على طعن ابن الجوزي والنووي في خصوص حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » بل إنّ ما ذكره ابن حجر كذب صريح، وتعصّب مقيت، إذ من المستبعد جدّاً أنْ تخفى هذه الكلمات في القدح في ابن الجوزي ونسبته إلى كثرة الغلط والوهم وشدة الغفلة والاشتباه
على مثل ابن حجر المكي وكذا الكلام في مدحه للنّووي، فإن ما ذكرناه سابقاً في ردّ كلامه يكشف عن تعصّبه، ويعلن للملأ العلمي قصر باعه وعدم معرفته بالحديث وطرقه.
وأمّا قول ابن حجر: « وبالغ الحاكم على عادته فقال: إن الحديث صحيح » ففيه: أنّه قد سبقه يحيى بن معين، ومحمد بن جرير الطبري، إلى الحكم بصّحة هذا الحديث الشريف، كما سبق بالتّفصيل إذنْ لم يكن الحاكم مبالغاً في هذا القول، على أن الحاكم - بالإِضافة إلى تصحيح الحديث - يذكر الدلائل السديدة والبراهين العديدة على صحته كما لا يخفى على من راجع كلماته.
ومن هنا يظهر وجه آخر من وجوه تعصّب ابن حجر، فهو يذكر أنّ بعض المحققين صوَّب حسن الحديث، ولا يذكر الذين نصّوا على صحتّه كيحيى بن معين والطبري، وأما الحاكم فيصفه بالمبالغة فاعترافه بتحسين بعض المحققين - وإنْ كان يردُّ على طعن الطاعنين كابن الجوزي - لكنّه في نفس الوقت محاولة لستر حقيقة راهنة لا تقبل الستر بنحو من الأنحاء، والله العاصم عن بغي كل معاند لدود.
تحسين ابن حجر في المنح المكيّة
ويرد كلام ابن حجر ما ذكره هو في كتاب ( المنح المكية - شرح القصيدة الهمزية ) من تحسين حديث « أنا مدينة العلم » بكلّ صراحة، والاستدلال به على أن الامامعليهالسلام ورث علوم القرآن عن النبي عليه وآله الصلاة والسلام، فقد قال بشرح قول البوصيري:
« كم أبانت آياته من علوم |
عن حروف أبان عنها الهجاء » |
قال ابن حجر بعد أنْ ذكر أقوالاً عن الشافعي: « وتبعه - يعني الشافعي - العلماء على ذلك فقال واحد: ما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم شيئاً أو قضى أو حكم
بشيء إلّا وهو أو أصله في القرآن قرب أو بعد. وقال آخر: ما من شيء في العالم إلّا وهو فيه، فقيل له: أين ذكر الخانات فيه؟ فقال: في قوله تعالى:( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ) فهي الخانات. وقال آخر: ما من شيء إلاّ ويمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه الله تعالى حتى أن عمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ثلاث وستّون سنة استنبط من آخر سورة المنافقين، لأنها رأس ثلاث وستين سورة وعقبها بالتغابن لظهوره بفقدهصلىاللهعليهوآلهوسلم . قال آخر: لم يحط بالقرآن إلّا المتكلّم به، ثم نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيما عدا ما استأثر الله تعالى بعلمه.
ثم ورث عنه معظم ذلك أعلام الصحابة مع تفاوتهم فيه بحسب تفاوت علومهم، كأبي بكر، فإنه أعلمهم بنص ابن عمر وغيره، وكعلي كرّم الله وجهه لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديث الحسن خلافاً لمن زعم وضعه: أنا مدينة العلم وعلي بابها. ومن ثمّ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: جميع ما أبرزته لكم من التفسير فإنما هو عن علي كرم الله وجهه. وكابن عباس حتى أنه قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى. ثم ورث عنه التابعون معظم ذلك، ثم تقاصرت الهمم عن حمل ما حمله أولئك من علومه وفنونه، فنوّعوا علومه أنواعاً ليضبط كل طائفة علماً وفنّاً ويتوسّعوا فيه بحسب مقدرتهم، ثم أفرد غالب تلك العلوم وتلك الفنون التي كادت أن تخرج عن الحصر وقد بيّن هذا القائل وجه استنباط غالبها منه بتآليف لا تحصى ».
فبطل قوله: « إن الحديث مطعون » بكلام نفسه.
وأمّا دعواه أنّ أبا بكر أعلمهم بنص ابن عمر وغيره، فمن غرائب الكلام، إذ كيف يدّعى أعلمية من جهل « الكلالة » و« الأب »؟ ونصّ ابن عمر - إن صّح - لا ينفع في مثل المقام، إذ الاستشهاد به فيه من قبيل استشهاد ابن آوى بذنبه، بل هو أوضح شناعةً منه، لكثرة ما اشتهر من الجهل عن ابن عمر.
أمّا نصّ غيره على ذلك، فدعوى كاذبة، ومن ادّعى فعليه البيان، وعلينا
ردّه وابطاله بأمنع دليل وأتم برهان.
وأيضاً: لا نسلّم كون ابن عباس قد ورث عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم علم القرآن، لدلالة الأدلّة الكثيرة المتقنة مثل حديث: إني تارك فيكم الثقلين، وحديث باب حطّة وغيرهما على اختصاص علم القرآن وسائر علوم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بالأئمة المعصومين من أهل بيته الطّاهرين نعم، لا ريب في تحصيل ابن عباس طرفاً كبيراً من علم التفسير والتأويل ببركة تتلمذه على سيّدنا أمير المؤمنين باب مدينة العلمعليهالسلام ، كما اعترف بذلك في كلامه الذي أورده ابن حجر، أعني قوله: « جميع ما أبرزته لكم من التفسير فإنما هو من علي »، وقد رويت عنه كلمات اُخرى في هذا المضمار ستسمع جانباً منها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وقال ابن حجر المكي في موضع آخر من ( المنح المكية ) بشرح قول البوصيري:
« لم يزده كشف الغطاء يقيناً |
بل هو الشمس ما عليه غطاء » |
قال ما نصّه: « تنبيه: مما يدل على أن الله سبحانه وتعالى اختص عليّاً من العلوم بما تقصر عنه العبارات قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أقضاكم علي. وهو حديث صحيح لا نزاع فيه. وق وله: أنا دار الحكمة، ور واية أنا مدينة العلم وعلي بابها قد كثر اختلاف الحفّاظ وتناقضهم فيه بما يطول بسطه وملخصه: إن لهم فيه أربعة آراء:
صحيح، وهو ما ذهب إليه الحاكم ويوافقه قول الحافظ العلائي، وقد ذكر له طرقاً وبيّن عدالة رجالها، ولم يأت أحد ممن تكلّم في هذا الحديث بجواب عن هذه الروايات الصحيحة عن يحيى بن معين، وبيّن ردّ ما طعن فيه في بعض رواته كشريك القاضي، بأن مسلماً احتج به وكفاه بذلك فخراً له واعتماداً عليه، وقد قال النووي في حديث رواه في البسملة ردّاً على من طعن فيه: يكفينا أنْ نحتج
بمن احتج به مسلم. ولقد قال فيه بعض معاصريه: ما رأيت أحداً قط أورع منه في علمه.
حسن، وهو التحقيق، ويوافقه قول شيخ الاسلام الحافظ ابن حجر: رجاله رجال الصحيح إلّا عبد السّلام الهروي فإنه ضعيف عندهم. إنتهى. وسبقه إلى آخر كلامه الحافظ العلائي فقال: إن الهروي هذا تكلّموا فيه كثيراً. انتهى. ويعارض ذلك تصويب أبي زرعة على حديثه، ونقل الحاكم عن يحيى بن معين أنه وثّقه. فثبت أنه حسن مقارب للصحيح لما علمت من قول ابن حجر إن رواته كلهم رواة الصحيح إلّا الهروي، وإن الهروي وثّقه جماعة وضعّفه آخرون.
ضعيف، أي بناء على رأي من ضعف الهروي.
موضوع، وعليه كثيرون أئمة حفّاظ، كالقزويني وابن الجوزي وجزم ببطلان جميع طرقه، والذهبي في ميزانه وغيره. وهؤلاء وإنْ كانوا أئمة أجلّاء لكنّهم تساهلوا تساهلاً كثيراً، كما علم مما قرّرته. وكيف ساغ الحكم بالوضع مع ما تقرر أن رجاله كلّهم جال الصحيح إلّا واحد فمختلف فيه، ويجب تأويل كلام القائلين بالوضع بأن ذلك لبعض طرقه لا كلّها. وما أحسن قول بعض الحفّاظ في أبي معاوية أحد رواته المتكلّم فيهم بما لم يسمع: هو ثقة مأمون من كبار المشايخ وحفّاظهم، وقد تفرد به عن الأعمش فكان ما ذا؟ وأيّ استحالة في أنْصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول مثل هذا في حق عليّ؟».
فالعجب منه كيف يقول في ( الصواعق ): « ان الحديث مطعون »؟ فإنّ هذا الكلام - وإنْ كان لا يخلو بعض مواضعه من كلام - يدلّ على ثبوت حديث « أنا مدينة العلم » وصحة الاحتجاج به، ويبطل ما ذكره في ( الصواعق ) من وجوه عديدةٍ لا تخفى على الخبير.
٣ - تحسين ابن حجر في تطهير الجنان
وأيضاً، حكم بحسنه في كتابه الآخر ( تطهير الجنان ) حيث قال في ذكر
مطاعن معاوية والجواب عنها: « السادس: خروجه على علي كرم الله وجهه ومحاربته له، مع أنه الامام الحق باجماع أهل الحل والعقد، والأفضل الأعدل الأعلم بنص الحديث - الحسن لكثرة طرقه خلافاً لمن زعم وضعه، ولمن زعم صحته، ولمن أطلق حسنه -: أنا مدينة العلم وعلى بابها. قال الأئمة الحفّاظ: لم يرد لأحد من الصحابة رضي الله عنهم من الفضائل والمناقب والمزايا ما ورد لعلي كرّم الله وجهه. وسببه أنهرضياللهعنه وكرّم وجهه لما استخلف كثرت أعداؤه وساورت المتقوّلون عليه، فأظهروا له معايب ومثالب زوراً وبهتاناً وإلحاداً وعدواناً، وورث ذلك من تبعهم على ضلالتهم، فلما رأى الحفّاظ ذلك نصبوا نفوسهم لبيان الباطل من ذلك وإظهار ما يردّه مما ورد عندهم في حقه، فبادر كلّ أحدٍ إلى بثّ جميع ما عنده من فضائله ومناقبه.
والجواب: إن ذلك لا يكون قادحاً في معاوية إلّا لو فعله من غير تأويل محتمل. وقد تقرر المرّة بعد المرّة أنه لتأويل محتمل بنص كلام علي كرم الله وجهه، وأنه من أهل الإِجتهاد، وغايته أنه مجتهد مخطئ، وهو مأجور غير مأزور »(١) .
ومن هذا الكلام يظهر أنّ قوله في ( الصواعق ): « هذا الحديث مطعون » ليس إلّا عن عنادٍ وعصبيّة، وإلّا لأجاب عن الحديث بالطعن في سنده، قبل أنْ يعتذر لمعاوية بالاجتهاد في محاربته لإِمام وقته إلّا أنّ قوله: « الحسن لكثرة طرقه خلافاً لمن زعم وضعه ولمن زعم صحته ولمن أطلق حسنه » لا يخفى ما فيه، لما عرفت من صحة هذا الحديث وثبوته فضلاً عن إطلاق حسنه، بل إنّه حديث متواتر مقطوع صدوره، كما نصّ على ذلك الأئمة الكبار، فلتكن منك على ذكر.
وقال ابن حجر في ( تطهير الجنان ) أيضاً: « قال ابن عباس رضي الله عنهما:
وهذا - أي كون علي يخبر بالأشياء المغيّبة فيقع - لما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يخبره بالمغيبات، فيخبر بها كما أخبرهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن استند إخباره
____________________
(١). تطهير الجنان - هامش الصواعق: ٧٤.
إلى إخبار الصادقصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يكون إلّا صادقاً. وفي هذا منقبة عليّة جدّاً لعلي، لما أتحفهصلىاللهعليهوآلهوسلم به من العلوم المغيبة، ولذا كان باب مدينة العلم النبوي، وأمين السرّ العلوي »(١) .
ألا ترى كيف يذكر هذا الحديث جازماً به ويرسله إرسال المسلمـّات ويستشهد به لكلام ابن عباس في مدح الامامعليهالسلام ؟ إلّا أنّه حيث يستدل الإِمامية بهذا الحديث على الأعلمية فالامامة تثور عصبيّته وتضيق الدنيا في عينه، فيبادر إلى الطعن في سنده ويقول: « هذا الحديث مطعون »، ولعمري إن أمثال هذه البدائع، وأضراب تلك الشنائع، مما يحيّر الأفهام والأفكار، ويدهش أصحاب الأحكام والأبصار!!.
٤ - تحسين ابن حجر في بعض فتاويه
وصوّب ابن حجر حسن هذا الحديث، بل صحّته في بعض فتاويه، فقد جاء في ( فتاويه ): « سئلرضياللهعنه : أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها هل الحديث صحيح أم لا؟
فأجاب بقوله: الحديث رواه صاحب مسند الفردوس، وتبعه ابنه بلا إسناد، عن ابن مسعودرضياللهعنه مرفوعاً، وهو حديث ضعيف، كحديث: أنا مدينة العلم وعلي بابها ومعاوية حلقتها، فهو ضعيف أيضاً.
وأمّا حديث: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فهو حديث حسن، بل قال الحاكم صحيح - وقول البخاري: ليس له وجه صحيح، والترمذي: منكر، وابن معين: كذب - معترض، وإن ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وتبعه الذهبي وغيره على ذلك ».
____________________
(١). تطهير الجنان - هامش الصواعق: ١١٢.
وهو يدل على ثبوت هذا الحديث، وبطلان طعن الطاعنين، وكذا قوله نفسه في ( الصواعق ): « مطعون » من وجوه عديدة لا تخفى.
ثم إنّ ما نسبه إلى البخاري والترمذي وابن معين - وإن اعترضه - غير ثابت بالنسبة إلى حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها »، لا سيّما على النهج الذي ذكره، وقد فصّلنا ذلك في الردّ على كلمات ( الدّهلوي ) فراجعه حتى تتّضح لك حقيقة الأمر، والله ولي التوفيق.
٥ - وأبو بكر محرابها؟!
ثم قال ابن حجر: « وعلى تسليم صحّته أو حسنه فأبو بكر محرابها ».
أقول: أمّا حسن الحديث بل صحّته فلا كلام، بل الحق المحقّق تواتر هذا الحديث وقطعيّة صدوره، وقد عرفت ذلك كلّه والحمد لله، فلا مجال لقوله: « وعلى تسليم ».
وأمّا « أبو بكر محرابها » فالجواب من وجوه.
أحدها: إنه على تسليم صحة هذه الزيادة أو حسنها فالاحتجاج بها في مقابلة الامامية لا وجه له، لأنّ أصل حديث: « أنا مدينة العلم » متّفق عليه بين الفريقين، وهذه الزيادة ممّا تفرّد به أهل السنّة، فكيف وثبوت صحّتها أو حسنها غير ممكن على أصول أهل السنّة؟! ومن ادّعى فعليه البيان، وليس له إلى ذلك من سبيل إلى آخر الدهر والزمان.
الحديث ضعفه ابن حجر نفسه
والثاني: إنّ هذه الزيادة نصّ ابن حجر المكي نفسه على ضعفها، حيث قال في ( المنح المكية ) بشرح البوصيري: « لم يزده كشف الغطاء » ما نصّه: « وفي حديث عند الواحدي لكنّه ضعيف: وعلي بابها وأبو بكر محرابها »!.
الثالث: إنّ هذه الزّيادة نصّ المولوي ولي الله اللكهنوي على كونها فرية
موضوعة، كما لا يخفى على من راجع عبارته التي نقلناها عن كتابه ( مرآة المؤمنين ) في ردّ كلام ( الدهلوي ).
الرابع: إن هذه الزيادة واضحة البطلان من حيث المفاد والمعنى أيضاً، فإنّ « المحراب » بمعناه المعروف ليس ممّا يصح إضافته إلى « المدينة »، بل لا يضاف إلّا إلى « المسجد »، نعم في ( القاموس ): « والمحراب: الغرفة، وصدر البيت، وأكرم مواضعه، ومقام الامام من المسجد، والموضع يتفرّد به الملك فيتباعد عن الناس، والأجمة، وعنق الدابة ومحاريب بني إسرائيل مساجدهم التي كانوا يجلسون فيها »(١) ، فمن معانيه: « صدر البيت وأكرم مواضعه » فهو مخصوص « بالبيت »، وكذا المعنى الآخر من معانيه وهو « الموضع يتفرّد به الملك فيتباعد عن الناس »، ونسبته إلى « المدينة » غلط.
إحداثُ المحاريب بدعة عند أهل السنة
ثم لو التجأ بعض أهل العناد إلى القول بأنّ المراد من « محراب المدينة » هو « محراب مسجد المدينة » فالجواب - مضافاً إلى أنّه تعسّف وتكلّف واضح - هو: إن إحداث المحاريب في المساجد - في رأي أهل السنّة - من جملة البدع المخترعة، فإنّ مسجد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يكن له محراب في زمان الخلفاء الأربعة، بل لم يحدث إلّا في أوائل القرن الثاني هذا مع نهي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في أخبار أهل السنة وأحاديثهم، وأنّه من أشراط الساعة فكيف ينسب « وأبو بكر محرابها » إلى النبي؟ وكيف يوافق أهل السنّة على تشبيه أبي بكر بشيء ينهى النبي عن إحداثه ويذمّه؟
ونحن في هذا المقام نكتفي بإيراد نصّ الرسالة التي صنّفها الحافظ السيوطي في هذه المسألة، وإليك نسختها:
____________________
(١). القاموس المحيط ١ / ٥٣ « حرب ».
بسم الله الرحمن الرحيم
قال شيخنا الامام العالم العلّامة حافظ العصر ومجتهد الوقت وفريد الدهر، إنسان عين الزمان حافظ العصر والأوان، الجلال السيوطي، أعاد الله تعالى علينا وعلى سائر المسلمين من بركاته وتوجّهاته وتهجداته وأوراده في الدنيا والآخرة.
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى: هذا جزء سميته إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب، لأن قوماً خفي عليهم كون المحراب في المسجد بدعة، وظنوا أنه كان في مسجد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في زمنه، ولم يكن في زمانه قط محراب ولا في زمان الخلفاء الأربعة فمن بعدهم إلى آخر المائة الأولى، وإنما حدث في أول المائة الثانية، مع ورود الحديث بالنهي عن اتّخاذه، وأنه من شأن الكنائس، وأن اتّخاذه في المسجد من أشراط الساعة:
قال البيهقي في السنن الكبرى باب في كيفية بناء المساجد: أخبرنا أبو نصر ابن قتادة، أنا أبو الحسن محمد بن الحسن البراج، نبأ مطين نبأ سهل بن زنجلة الرازي نبأ أبو زهير عبد الرحمن بن مغرا، عن ابن أبجر عن نعيم بن أبي هند عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إتّقوا هذه المذابح يعني المحاريب.
هذا حديث ثابت. فإنّ سالم بن أبي الجعد من رجال الصحيحين بل الأئمة الستة، ونعيم بن أبي هند من رجال مسلم، وابن أبجر اسمه عبد الملك بن سعيد من رجال مسلم أيضاً، وأبو زهير عبد الرحمن بن مغرا من رجال الأربعة قال الذهبي في الكاشف: وثّقه أبو زرعة الرازي وغيره وليّنه ابن عدي. وقال في الميزان: ما به بأس. وقال في المغني: صدوق. فالحديث على رأي أبي زرعة ومتابعيه صحيح، وعلى رأي ابن عدي حسن. والحسن إذا ورد من طريق ثانٍ ارتقى إلى درجة الصحيح، وهذا له طرق أخرى تأتي، فيصير المتن صحيحا من قسم الصحيح لغيره، وهو أحد قسمي الصحيح. ولهذا احتج به البيهقي في الباب مشيراً إلى كراهة اتّخاذ المحاريب. والبيهقي مع كونه من كبار الحفاظ فهو
أيضاً من كبار أئمة الشافعية الجامعين للفقه والأصول والحديث، كما ذكره النووي في شرح المهذب، فهو أهل أن يستنبط ويخرج ويحتج. وأمّا سهل بن زنجلة ومطين فإمامان حافظان ثقتان وفوق الثقة.
وقال البزار في مسنده نبأ محمد بن مرداس نبأ محبوب بن الحسن نبأ أبو حمزة عن إبراهيم بن علقمة عن عبد الله بن مسعود: إنه كره الصلاة في المحراب وقال: إنما الكنائس فلا تشبّهوا بأهل الكتاب يعني: إنه كره الصلاة في الطاق. قال شيخ شيوخنا الحافظ أبو الحسن الهيثمي في مجمع الزوائد: رجال موثوقون.
وقال ابن أبي شيبة في المصنّف: وكيع نبأ إسرائيل عن موسى الجهني قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تزال هذه الُأمّة أو قال أمتي بخير ما لم يتّخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى هذا مرسل صحيح الإِسناد، فإنّ وكيعاً أحد الأئمة الأعلام من رجال الأئمة الستة، وكذا شيخه، وموسى من رجال مسلم، قال في الكاشف: حجة. والموصل عند الأئمة الثلاثة صحيح مطلقاً، وعند الامام الشافعيرضياللهعنه صحيح إذا اعتضد بواحد من عدة أمور منها مرسل آخر أو مسند ضعيف أو قول صحابي أو فتوى أكثر أهل العلم بمقتضاه أو مسند صحيح. وأوردوا على هذا الأخير أنه إذا وجد المسند الصحيح استغنى عن المرسل، فإن الحجة تقوم به وحده. وأجيب: بأن وجود المسند الصحيح يصيّر المرسل حديثاً صحيحاً ويصير في المسألة حديثان صحيحان.
قال العراقي في ألفيّته مشيراً إلى ذلك:
فإن يقل فالمسند المعتمد |
فقل دليلان به يعتضد |
وهذا المرسل قد عضده المسند المبتدأ بذكره، وقد تقدم أنه صحيح على رأي من وثّق راويه، وحسن على رأي من ليّنه. ولهذا اقتصر البيهقي على الإِحتجاج به، وعضده قول ابن مسعود السابق، وعضده أحاديث أخر مرفوعة وموقوفة وفتوى جماعة من الصحابة والتابعين بمقتضاه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي ذر قال: إن من أشراط الساعة أن تتّخذ
المذابح في المسجد هذا له حكم الرفع، فإن الإِخبار عن أشراط الساعة والأمور الآتية لا مجال للرأي فيه، وإنما يدرك بالتوقيف من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن أبي الجعد قال: كان أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم يقولون: إن من أشراط الساعة أن تتّخذ المذابح في المساجد. يعني الطاقات.
هذه بمنزلة عدّة أحاديث مرفوعة، فإن كلّ واحد من الصحابة المذكورين سمع ذلك من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأخبر به.
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالبرضياللهعنه : إنه كره الصلاة في الطاق.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعودرضياللهعنه قال: إتقوا هذه المحاريب.
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي: إنه كان يكره الصلاة في الطاق.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم بن أبي الجعد قال: لا تتّخذوا المذابح في المساجد.
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب: إنه كره المذابح في المسجد.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن كعب قال: يكون في آخر الزمان قوم يزيّنون مساجدهم ويتّخذون بها مذابح كمذابح النصارى، فإذا فعلوا ذلك صبّ عليهم البلاء.
وأخرج عبد الرزاق عن الضحاك بن مزاحم قال: أوّل شركٍ كان في هذه الصلاة هذه المحاريب.
وقال عبد الرزاق عن الثوري عن منصور والأعمش عن إبراهيم: إنه كان يكره أن يصلّى في طاق الامام. وقال الثوري: ونحن نكره.
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن: إنه صلّى واعتزل الطاق أن يصلي فيه.
فائدة: روى الطبراني في الأوسط عن جابر بن أسامة قال: لقيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في أصحابه بالسوق فقلت: أين يريد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال: يريد أنْ يخطّ لقومك مسجداً فأتيت وقد خطّ لهم مسجداً وعن غربي قبلته خشبة فأقامها قبلة.
تم ذلك. والحمد لله وله الفضل والمنة على ذلك. من يهدي الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. علق بيده الفانية لنفسه زكريا بن محمد المحلي الشافعي، لطف الله تعالى به ورحم أبويه. وكان الفراغ من تعليق ذلك في سادس عشر رمضان سنة إحدى عشرة وتسعمائة ».
أول من أحدث المحراب عمر بن عبد العزيز
هذا، وقد ذكروا أنّ أول من أحدث المحراب هو عمر بن عبد العزيز، فقد قال السمهودي: « وليحيى عن عبد المهيمن بن عباس عن أبيه: مات عثمان وليس في المسجد شرفات ولا محراب. فأوّل من أحدث المحراب والشرفات عمر بن عبد العزيز »(١) .
وقال القاري: « وعن أنس قال: رأى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم نخامة بالضم في القبلة. أيّ جدار المسجد الذي يلي القبلة، وليس المراد بها المحراب الذي يسمّيه الناس قبلة، لأن المحاريب من المحدثات بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن ثمّ كره جمع من السلف اتخاذها والصلاة فيها، قال القضاعي: وأوّل من أحدث ذلك عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذٍ عامل للوليد بن عبد الملك على المدينة، لـمّا أسس مسجد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهدمه وزاد فيه »(٢) .
____________________
(١). خلاصة الوفا: ١٢٩.
(٢). المرقاة في شرح المشكاة ١ / ٤٧٣.
واقع حال أبي بكر لا يناسب تلك النسبة
الخامس: وعلى فرض تسليم نسبة « المحراب » إلى « المدينة » بأحد معانيه فلا يتم جملة « وأبوبكر محرابها » في حديث مدينة العلم، إذ يلزم على تقدير الانتساب أن يكون للمحراب حظ وافر من علوم المدينة، بل يزعم ابن حجر كون « المحراب » أعلم من « الباب »، ولكنّ النظر في حال أبي بكر ومراجعة أخباره وسيرته تكذّب هذه النّسبة، فقد كان أبو بكر جاهلا حتى بالنسبة إلى أبسط الأمور وأوضح المفاهيم، وما أكثر ما أعلن بنفسه عن جهله بالأحكام الشرعيّة وعلم القرآن، وما أكثر موارد عجزه عن حلّ المشكلات والمعضلات الواردة عليه كما ستقف على تفاصيل ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى فلا أظن أن يصرّ أحد من المسلمين - مع هذه الحال - على صحّة هذه الزيادة الموضوعة، بل إنّ ذلك يمسّ بكرامة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ويشين بمقامه كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
الفروق بين « الباب » و« المحراب »
السادس: - سلَّمنا لكنَّ هذه الزيادة لا تفيد أعلميّة أبي بكر من أمير المؤمنين بوجهٍ من الوجوه فأيّ دليل وبرهان على رجحان « المحراب » على « الباب »؟ ومن ادّعى فعليه البيان.
بل الأمر على العكس من ذلك، فإنّ للباب مزايا خاصة هي غير حاصلة للمحراب، وذلك:
أوّلاً: إنه لا بدّ للمدينة من باب، بخلاف المحراب فلا يلزم وجوده فيها، من هنا قال المناوي بشرح حديث « أنا مدينة العلم »: « فإن المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم المدينة الجامعة لمعاني الديانات كلّها، ولا بدّ للمدينة من باب، فأخبر أن بابها هو علي كرّم الله وجهه ».
وثانياً: إنّه لابدّ لمن يطلب الوصول إلى المدينة من إتيان الباب على كلّ حالٍ، ولا يتيسّر لأحدٍ الوصول إليها إلّا من قبل بابها، بخلاف المحراب فإنه ليس كذلك، إذ من الممكن أنْ يصل إلى المدينة ولا يمرّ على محرابها أصلاً.
وثالثاً: إنّ من عدل عن باب المدينة لا يصل إليها ويبقى في خارجها، بخلاف المحراب إذ من الممكن أنْ يدخل إلى المدينة ويعدل عن محرابها ومن هنا ترى المناوي يقول: « فمن أخذ طريقه دخل المدينة، ومن أخطأ أخطأ طريق الهدى ».
ورابعاً: إن الباب هو الواسطة لخروج ما في المدينة من العلوم إلى خارجها، وليس للمحراب هذه الصفة ومن هنا قال صاحب ( المعارف في شرح الصحائف ): « قولهعليهالسلام : أنا مدينة العلم وعلي بابها معناه: إنه يصل علومي إليه ومنه إلى الخلق، كما أنّ الباب يصل إليه من يخرج من البلد ». وقال محمد بن إسماعيل الأمر اليماني في ( الروضة الندية ): « فلمّا كان الباب للمدينة من شأنه أنْ تجلب منه إليها منافعها، وتستخرج منه إلى غيرها مصالحها، كان فيه إيهام أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يستمدّ من غيره بواسطة الباب الذي هوعليهالسلام ، دفعصلىاللهعليهوآلهوسلم هذا الإِيهام بقوله: فمن أراد العلم فليأت الباب، إخباراً بأنّ هذا باب يستخرج منه العلوم ويستمد بواسطته، ليس له من شأن الباب إلّا هذا، لا كسائر الأبواب في المدن فإنّها للجلب إليها والإِخراج عنها. فلله قدر شأن الكلام النبوي ما أرفع شأنه وأشرفه وأعظم بنيانه، ويحتمل وجوهاً من التخريج أخر، إلّا أنَّ هذا أنفسها».
ثم قال: « وإذا عرفت هذا عرفت أنه قد خصّ الله الوصيعليهالسلام بهذه الفضيلة العجيبة، ونوّه شأنه، إذ جعله باب أشرف ما في الكون وهو العلم، وأنّ منه يستمد ذلك من أراده، ثم إنه باب لأشرف العلوم وهي العلوم النبوية، ثم لأجمع خلق الله علماً وهو سيد رسلهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وهذا هو الشرف يتضاءل عنه كل شرف، ويطأطئ رأسه تعظيماً له كل من سلف وخلف ».
وخامساً: إنّ الباب يحفظ جميع ما في المدينة، بخلاف المحراب فلا علاقة له بهذه الجهة أصلاً وبهذا المعنى صرّح بعض أعلام السنّة، قال ابن طلحة في ( مطالب السئول ): « وفي قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك إشارة إلى كون عليعليهالسلام نازلاً من العلم والحكمة منزلة الباب من المدينة، والباب من الدار، لكون الباب حافظاً لما هو داخل المدينة وداخل الدار من تطرّق الضياع، واعتداء يد الذهاب عليه، وكان معنى الحديث: إن علياًعليهالسلام حافظ العلم والحكمة، فلا يتطرّق إليهما ضياع، ولا يخشى عليها ذهاب، فوصف علياً بأنه حافظ العلم والحكمة، ويكفي علياًعليهالسلام علّواً في مقام العلم والفضيلة أنْ جعله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حافظاً للعلم والحكمة ».
وسادساً: إنه لا بدّ للباب من الاطّلاع على جميع ما يدخل في المدينة، بخلاف المحراب إذ لا يلزم أنْ يكون كذلك، كما لا يخفى على من له حظّ من البصر والبصيرة وبهذا المعنى صرّح النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بنفسه في حديث الدرنوك، الذي رواه الفقيه ابن المغازلي بقوله: « قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أتاني جبريل بدرنوك من درانيك الجنة. أخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد ابن موسى الكندرجاني، نا أبو الفتح هلال بن محمد الحفار، نا إسماعيل بن علي ابن رزين، نا أخي دعبل بن علي، نا شعبة بن الحجاج عن أبي التياح عن ابن عباس قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أتاني جبرئيلعليهالسلام بدرنوك من الجنة، فجلست عليه، فلما صرت بين يدي ربي كلّمني وناجاني، فما علَّمني شيئاً إلّا علمه علي، فهو باب مدينة علمي. ثم دعاه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إليه فقال له: يا علي سلمك سلمي وحربك حربي وأنت العلم بيني وبين أمتي من بعدي »(١) .
وسابعاً: إن الباب محيط ومطلِّع بالضرورة على جميع ما يخرج من المدينة،
____________________
(١). المناقب لابن المغازلي: ٥٥.
وليس المحراب كذلك
وثامناً: إن الباب هو الواسطة للوصول إلى المدينة لمن هو في خارجها، بخلاف المحراب حيث لا وساطة له من هذه الناحية بنحوٍ من الأنحاء
فتحصّل: أنا لو سلّمنا أنْ يكون للمدينة محراب، وأن أبا بكر محراب مدينة العلم، فإنّ كلّ واحد من هذه الفروق التي ذكرناها بين « الباب » و« المحراب » يكفي في الرد على الاستدلال بهذه الزيادة المزعومة على أعلميّة أبي بكر. بل الأمر بالعكس، فإنّ كل واحد منها دليل مستقل على أعلميّة أمير المؤمنينعليهالسلام من جميع الصحابة، بل من جميع الأنبياء والمرسلين، ما عدا نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم .
والسابع: من الوجوه المبطلة لهذه الزيادة ودلالتها على زعم ابن حجر هو: أنّه لو كان لأبي بكر حظ من العلم لما رجع إلى أمير المؤمنينعليهالسلام في شيء من الحوادث الواقعة، بداهة أنّ الأعلم لا يرجع إلى غيره، لكن القضايا التي رجع فيها إلى أمير المؤمنينعليهالسلام كثيرة جدّاً، وقد حوى كتاب ( تشييد المطاعن ) طرفاً منها، كما سيأتي في كتابنا نبذة من تلك القضايا، فانتظر.
٦ - قوله: « فمن أراد العلم » لا يقتضي الأعلمية
وأمّا قول ابن حجر: « ورواية: فمن أراد العلم فليأت الباب، لا تقتضي الأعلمية، فقد يكون غير الأعلم يقصد لما عنده من زيادة الإِيضاح والبيان والتفرّغ للناس، بخلاف الأعلم » فمن غرائب المكابرات، ونحن نوضّح ذلك في وجوه:
قوله: « أنا مدينة العلم وعلي بابها » بوحده يقتضي الأعلمية
أحدها: إن مجرّد قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنا مدينة العلم وعلي بابها » يقتضي الأعلميّة ويدلّ عليها بوجوه عديدة سديدة كما تقدم سابقاً، وقد
اعترف بذلك كثيرون من كبار علماء أهل السنّة كما دريت هناك، بل قد عرفت أن ابن حجر نفسه من المعترفين بذلك في ( المنح المكية ) وفي ( تطهير الجنان ). فالمناقشة بعد هذا في دلالة جملة: « فمن أراد العلم » على الأعلمية لا مورد لها.
هل يجوز الارجاع إلى غير الأعلم؟
الثاني: إن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « فمن أراد العلم فليأت الباب » يقتضي أعلمية الامامعليهالسلام ، وإلّا لزم إرجاعه الناس إلى غير الأعلم مع وجود الأعلم، وهذا غير صحيح شرعاً وعقلاً ويخالف سيرة العقلاء والعلماء
وأيضا: هو ينافي مقتضى نصح النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمّته، مع أنّه أنصح الخلائق لها
وأيضا: هو ظلم بالنسبة إلى الأعلم.
وأيضاً: هو ترجيح للمرجوح، وذلك لا يكون من أدنى المتشرّعين فضلاً عن شارع دين الإسلام عليه وآله الصلاة والسّلام.
وأيضاً: في قوله: « فمن أراد العلم فليأت الباب » دلالة ظاهرة على حصر المرجعيّة بالباب، وذلك يقتضي الأعلميّة، وإلّا فإنّ الإِرجاع إلى غير الأعلم مع وجود الأعلم قبيح كما تقدّم، فكيف بحصر المرجعيّة فيه؟.
ابطال توجيه ابن حجر
الثالث: قول ابن حجر في توجيه الإِرجاع إلى غير الأعلم: « فقد يكون غير الأعلم يقصد لما عنده من زيادة الإِيضاح والبيان والتفرغ للناس » فيه: أنّ باب مدينة العلم، والحائز لجميع علوم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كما هو حق الباب، والمقدَّم على غيره من حيث الإِيضاح والبيان هو الأعلم من غيره بالضرورة لا غيره، ودعوى انفكاك « الأعلمية » عن هكذا شخص مكابرة واضحة
فظهر أنّ ما ذكره ابن حجر في توجيه دعواه هو في الحقيقة دليل على بطلان مدّعاه، وهذا من جلائل آثار علوّ الحق والصواب.
على أنّه لا يخفى ما في كلامه من دعوى وجود الإِيضاح والبيان عند أبي بكر، لكن للإِمامعليهالسلام زيادة عليه!!
وأمّا « التفرغ للناس » فما الدليل على أنّ تفرّغ الامامعليهالسلام للناس على عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان أكثر من تفرّغ أبي بكر؟ ومن ادّعى فعليه البيان بل إذا نظرت في تاريخ الرجلين وسيرتهما رأيت الامامعليهالسلام خائضاً في الحروب والمغازي والبعوث والسّرايا بخلاف أبي بكر فقد كان في معزلٍ عن تحمّل هذه المكاره لخوره وجبنه، فأيهما كان المتفرّغ؟!
إذن، ليس الإِرجاع في العلوم بسبب التفرّغ للناس، بل الملاك هو الأعلميّة كما هو مقتضى السيرة العقلائيّة هذا بالنسبة إلى زمن الحياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وأمّا بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث كان أبو بكر خليفةً والامامعليهالسلام جليس بيته، أليس من أهمّ وأجلّ وظائف الخليفة وأعماله تعليم الُأمة ونشر العلوم الدينيّة بين الناس؟ فهل يعقل أنْ يسند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أمر الخلافة عنه إلى شخصٍ ثمّ يرجع الناس في أهمّ واجباته ووظائفه - مع كونه أعلم الناس - إلى غيره؟!
بل الحق أنّ إرجاع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الُأمة إلى الامامعليهالسلام في أخذ العلم منه دليل واضح على إمامته، وبرهان لائح على خلافته، وإنّ ما كان منهعليهالسلام من نشر علم الدين على عهد النبي وبعده على عهد حكومة الخلفاء من أقوى الأدلة على ذلك، وإن تغلّب القوم على الخلافة فالخليفة الحقيقي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من حفظ دينه ونشر علومه، وحلّ المشكلات والمعضلات
٧ - حديث: أبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها
ثم إن ابن حجر عارض حديث: « أنا مدينة العلم وعلي بابها » بحديث مختلق موضوع فقال: « على أن تلك الرواية معارضة بخبر الفردوس: أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها. فهذه صريحة في أن أبا بكر أعلمهم » لكنّها معارضة باطلة سنداً ودلالةً، أما سنداً فمن وجوه:
هو من وضع إسماعيل الاسترآبادي
أحدها: إنّ هذا الحديث من وضع « إسماعيل الأسترآبادي » كما سبق بيانه في ردّ كلام الأعور بالتفصيل، وقد كان الأحرى بابن حجر أن لا يفضح نفسه بالتفوّه بهذا الإِفك المبين.
السخاوي وهذا الحديث
والثاني: لقد ضعّف الحافظ السخاوي هذا الحديث وأمثاله من الموضوعات المختلقة المختلفة في مدح الثلاثة أو الأربعة، فقد قال: « وأورده صاحب الفردوس، وتبعه ابنه المذكور بلا إسناد، عن ابن مسعود رفعه: أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها وعن أنس مرفوعاً: أنا مدينة العلم ومعاوية حلقتها. وبالجملة فكلّها ضعيفة، وألفاظ أكثرها ركيكة»(١) .
ولا يخفى أنّ ذكر ابنه هذا الحديث بلا اسنادٍ - مع أنّ موضوع كتابه ( مسند الفردوس ) ذكر أسانيد كتاب والده الفردوس - من أقوى الشواهد على كون الحديث موضوعاً، فلو وجد الابن سنداً لهذا الحديث ولو ضعيفاً لأورده مثل كثير من الأسانيد الضعيفة الواردة في مسند الفردوس وأنى للديلمي ذلك وأين!!
____________________
(١). المقاصد الحسنة: ٤٧.
وقد عرفت سابقاً عن ابن عساكر في تاريخه أن هذا الحديث وضعه إسماعيل الأسترآبادي، ولما سئل عن سنده عجز حتى عن اختلاق سندٍ له
وكيف كان، فما ذكرناه عن السخاوي في شأن هذا الحديث كافٍ لإِبطال احتجاج ابن حجر به في هذا المقام ومن الغريب أنّ الشيخ عبد الحق الدهلوي نقل في ( اللّمعات في شرح المشكاة ) عبارة السخاوي هذه مبتورةً منقوصةً فلاحظ.
ابن حجر نفسه وهذا الحديث
والثالث: ان ابن حجر نفسه يضعّف هذا الحديث، فقد جاء في كتاب ( الفتاوي الحديثية ): « وسئلرضياللهعنه : ان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها. هل الحديث صحيح أم لا؟ فأجاب: الحديث رواه صاحب مسند الفردوس، وتبعه ابنه بلا إسناد عن ابن مسعودرضياللهعنه مرفوعاً، وهو حديث ضعيف كحديث أنا مدينة العلم وعلي بابها ومعاوية حلقتها، فهو ضعيف أيضاً ».
ألا يظنّ ابن حجر أنّه مؤاخذ بهذا التناقض والتهافت؟
البدخشاني وهذا الحديث
والرابع: إنه قد أنصف العلامة البدخشاني، حيث صرّح بكونه موضوعاً، ونصّ على الغرض الواقعي من وضعه، فقال: « أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها لا تقولوا في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي إلّا خيراً. فرب لا إسنادٍ عن ابن مسعود. وهو منكر جدّاً وأظنه موضوعاً، وإنما وضعه من وضعه ليقابل به حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها وسيأتي »(١) .
____________________
(١). تحفة المحبين بمناقب الخلفاء الراشدين - مخطوط.
اللكهنوي وهذا الحديث
والخامس: إنّ ولي الله اللكهنوي نصّ في ( مرآة المؤمنين ) بعد ذكر حديث مدينة العلم على: « إن ما ألحق بهذا الحديث في بعض ألفاظه في حق الأصحاب موضوع ومفترى على ما في الصواعق ».
فالحمد لله المتفضّل بإفاضة الحقائق، حيث ظهر بنص هذا الفاضل أن ما أتى به ابن حجر المائق في ( الصواعق ) هو من الموضوعات والمفتريات التي ألحقها الوضّاعون في هذا الحديث الرائق
هذا كلّه بالنسبة إلى سند هذا الحديث
.... أبو بكر أساسها ...!!
وأما بالنظر إلى متن هذا الحديث ومعناه نقول: بأنّه باطل من وجوه كذلك:
أحدها: جعل من وضع هذا الحديث أبا بكر « أساس المدينة »، وجعله واضع الحديث السابق « محرابها »، وهذا التناكر الشنيع بين الحديثين دليل قطعي على أنّ كليهما موضوع، ولا غرابة في وقوع هذا التنافر بين الموضوعات، فأحد الوضّاعين يضع لفظاً من غير اطّلاع منه على ما وضعه الآخر، لكنّ الغرابة في مناقضة ابن حجر لنفسه في كلامٍ واحد، لأنّ أبا بكر إذا كان « محراب المدينة » فليس هو « أساسها »، وإذا كان « أساسها » فليس « محرابها » لكنّ هذا من آثار خذلان ابن حجر فالله حسيبه وحسيب أمثاله، وهو المؤاخذ إيّاه على سوء فعاله.
والثاني: إن الواقع والحقيقة يكذِّب وينفي أنْ يكون أبو بكر أساس مدينة العلم، وذلك لجهل أبي بكر بالأحكام الشرعية والمعارف الدينيّة، والأمثلة والشواهد على جهله كثيرة جداً، ومشهورة بين الفريقين، وسيأتي ذكر طرفٍ منها.
وأيضاً: رجوعه إلى أمير المؤمنينعليهالسلام في المعضلات والمشكلات
مشهور كذلك، بل لقد أدّى جهله وضلاله إلى أنْ يقول على رؤوس الأشهاد: « إنَّ لي شيطاناً يعتريني فإذا استقمت فأعينوني وإذا زغت فقوّموني ».
والثالث: إنّ كون أبي بكر « أساسها » يستلزم معنىً باطلاً لا يلتزم به مسلم، وذلك لأنّ أساس المدينة مقدَّم على نفس المدينة، فيكون أبو بكر مقدّماً على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا كفر صريح، لا يطيق أهل السنة إظهاره وإنْ اعتقدوا به في قلوبهم
هذا بالنسبة إلى فقرة « وأبو بكر أساسها ».
.... وعمر حيطانها ...!!
وأمّا بالنسبة إلى فقرة « وعمر حيطانها » فنقول: هو باطل من وجوه:
أحدها: إنَّ جعل « الحيطان » للمدينة غلط ومن هنا كان اللفظ في الحديث الموضوع الآخر: « سورها »، لكن واضعها جعل ثلاثتهم « سورها » فلفظه: « أنا مدينة العلم وأبو بكر وعمر وعثمان سورها وعلي بابها »! ! وأمثال هذه الاختلافات في أشباه تلك الاختلاقات مما يهتك أستارها، ويكشف أسرارها، ويبدي عوارها، ويعلن عارها.
والثاني: كيف يكون « عمر حيطانها » وقد كان كلّ الناس أعلم منه حتى ربّات حجالها؟!
أليس قال عمر نفسه: « كلّ أحدٍ أفقه من عمر »؟ وقال: « كلّ الناس أفقه من عمر »؟ وقال: « كلّ الناس أفقه من عمر حتى المخدّرات في الحجال »؟ وقال: « كلّ الناس أفقه من عمر حتى النساء »؟ وقال: « كلّ الناس أعلم من عمر حتى العجائز »؟
بل إنّ جعل هكذا شخص من مدينة العلم « حيطانها » يوجب انخرام المدينة، وذلك ممّا يهدم أساس الدين، ولا يلتزم به أحد من المميّزين فضلاً عن الراشدين.
والثالث: انه ما أكثر القضايا التي رجع فيها عمر إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ، بل إلى جماعة من تلامذته، مثل ابن عباس، وابن مسعود. بل لقد اتّفق رجوعه إلى بعض الأصحاب القاصرين مثل: معاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف؟
فكيف يجوز جعل هكذا شخصٍ سوراً لمدينة العلم؟ إنْ هذا إلّا جرأة عظيمة من الوضّاعين الكذّابين، الذين لا يتورّعون عن الخدشة في مقام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في سبيل مدح أئمتهم
هذا بالنسبة إلى: « وعمر حيطانها ».
.... وعثمان سقفها ...!!
وأمّا بالنسبة إلى فقرة: « وعثمان سقفها » فنقول هو باطل من وجوه أيضاً:
أحدها: إنّ المدينة لا يكون لها سقف كما هو واضح، فهل يعقل صدور هذا الكلام من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟، فذكر الديلمي الحديث في ( الفردوس ) واحتجاج ابن حجرٍ به في ( الصواعق ) في غاية الغرابة.
والثاني: إنّه مع الغضّ عن ذلك، فليس عثمان قابلاً لأن يكون جزءً من أجزاء مدينة العلم، لفرط جهله بالمعارف الدينية والأحكام الشرعيّة، وستطّلع على جانبٍ من ذلك فيما بعد إن شاء الله بالتّفصيل فلا مناسبة بين عثمان وبين مدينة العلم على أي نهج كان، فضلاً عن التعبير عنه بكونه سقفاً لها، فإنّه من التعبيرات الباطلة السخيفة.
والثالث: ما اشتهر عن عثمان من الاعتراف بالجهل. وأيضاً: رجوعه إلى أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام في القضايا والحوادث الواقعة كما ستقف على ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى، مبطل لهذا الحديث.
ولنا على بطلان هذا الحديث الموضوع وجوه أخرى كثيرة ذكرناها في جواب كلمات ( الدهلوي ) والعاصمي والطيّبيّ وابن تيميّة والأعور وكلّ ذلك يكون
جوابنا عن ذكر محمد بن محمد الحافظي المعروف بخواجة بارسا في ( فصل الخطاب ) وحسين بن محمد الديار بكري في ( الخميس في أحوال أنفس نفيس ) هذا الحديث الموضوع المصنوع عن كتاب ( الفردوس ) من غير ردٍّ ونكير
وبعد كلّ هذا الذي ذكرناه يسقط قول ابن حجر بعد ذلك: « فهذه صريحة في أنّ أبا بكر أعلمهم، وحينئذٍ فالأمر بقصد الباب إنما هو لنحو ما قلناه، لا لزيادة شرفه على ما قبله » لما عرفت من سقوط هذا الحديث سندا ودلالة، فكيف بمعارضته مع حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها »، فكيف بالاستدلال به على أعلميّة أبي بكر من أمير المؤمنينعليهالسلام ، فكيف بدعوى صرف دلالة الجملة: « فمن أراد العلم فليأت الباب » عن مدلولها الصريح في أعلمية الامامعليهالسلام بسبب هذا الحديث الموضوع؟!!
وكذا ما ذكره في نهاية كلامه تعليلاً لدعواه السابقة قائلاً: « لما هو معلوم بالضرورة أنّ كلّا من الأساس والحيطان والسقف أعلى من الباب ». لأنّه يبتني على الحديث المذكور، وقد عرفت كونه موضوعاً وباطلاً سنداً ودلالة.
ثم ما أراد من العلو في هذا الكلام؟ فإن أراد من العلو: العلوّ الظاهري الحسيّ فهو باطل لوجهين: أحدهما: أنّ ذلك يصادم العيان ويخالف الحس والوجدان، فإنّ كل ذي عينين يرى أنّ الباب أعلى من الأساس، وإذا كان الأعلى أزيد شرفاً - كما زعم - فأمير المؤمنينعليهالسلام الأشرف والأعلم.
والثاني: إنه إذا كان المدار على العلو الظاهري، فلا ريب في أن الحيطان أعلى من الأساس، والسقف أعلى من الحيطان، فيلزم أن يكون عمر أعلم من أبي بكر، وأن يكون عثمان أعلم من كليهما. وهذا مع كونه خلاف الواقع لا يرضى به أحد منهم.
وإنْ أراد من العلوّ: العلوّ المعنوي الحقيقي، فإنّ الباب أعلى واشرف من الأساس والحيطان والسقف بلا شبهة وارتياب، وإن هذه الأجزاء من المدينة أو الدار - مجموعةً أو كلاً على انفراد - ليس لها أدنى مراتب العلو المعنوي، بل الباب
أعلى وأرفع منها بمراتب لا تعدّ ولا تحصى، علوّاً معنوياً حقيقياً، وبالنظر إلى المعاني المقصودة من الباب والآثار المترتبة على وجوده، اعترف أكابر علماء أهل السنّة بالأعلميّة المطلقة لأمير المؤمنينعليهالسلام ، بسبب كونه باب مدينة العلم وأثبتوا له فضائل عظيمة وخصائص جليلة كلّها مستنبطة من حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها ».
فظهر أنّ العلوّ الحقيقي المعنوي ثابت للباب، لا للأساس المرفوض الموهوم والحيطان والسقف المهدوم المعدوم، فالأعلمية المطلقة ثابتة لهعليهالسلام على كلا التقديرين المذكورين في « العلو »، وإنكار ابن حجر المكي هذا المعنى لا أساس له، وذلك منه عجيب جدا، وقد اعترف هو في ( المنح المكيّة ) وفي ( تطهير الجنان ) بما ذكرناه وقد تقدّمت عبارته في الكتابين.
رأي ابن حجر في تأويل « علي »
ثم إن ابن حجر تعرّض في ( الصواعق ) إلى تأويل « علي » في الحديث الشّريف قائلاً: « وشذّ بعضهم فأجاب بأن معنى: وعلي بابها. أي من العلو، على حدّ قراءة: هذا صراط علي مستقيم، برفع علي وتنوينه كما قرأ به يعقوب » فعبّر عن هذا التأويل بـ « الشذوذ » ولم يصرّح ببطلانه وسخافته، وقد تقدَّم منا الجواب على هذا التأويل في جواب كلام الأعور، فراجع.
أمّا في ( المنح المكيّة ) فقد ردّ على هذا التأويل وأجاد بقوله: « واحتجّ بعض من لا تحقيق عنده علي الشيعة، بأنّ « علي » اسم فاعل من العلو، أي عال بابها فلا ينال لكلّ أحد، وهو بالسفساف أشبه، لا سيّما في رواية رواها ابن عبد البر في استيعابه: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأته من بابه، إذ مع تحديق النّظر في هذه الرّواية لا يبقى تردّد في بطلان ذلك الرأي، فاستفده بهذا ».
قوله تعالى:( هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ) في قراءة أهل البيت
وأمّا الآية الكريمة التي أشار إليها ابن حجر في عبارته فإنّ لفظ « علي » فيها هو اسم سيّدنا أمير المؤمنينعليهالسلام - كما هو الحال في حديث: « أنا مدينة العلم » فالصراط مضاف إلى علي، وهذه هي قراءة أهل البيت، الذين هم أدرى بما في البيت، وهم المقرونون بالكتاب في حديث الثقلين وهي أيضاً قراءة الحسن البصري كما عن أبي بكر الشيرازي، ففي كتاب ( مناقب آل أبي طالب ): « أبو بكر الشيرازي في كتابه، بالإِسناد عن شعبة عن قتادة، سمعت الحسن البصري يقرأ هذا الحرف: هذا صراط علي مستقيم. قلت: ما معناه؟ قال: هذا طريق علي بن أبي طالب ودينه طريق ودين مستقيم، فاتّبعوه وتمسّكوا به، فإنه واضح لا عوج فيه(١) .
وكتاب أبي بكر الشيرازي - الموسوم بكتاب ما نزل من القرآن في علي - يرويه ابن شهر آشوب عن مؤلّفه أبي بكر محمد بن مؤمن الشيرازي بالاجازة كما قالرحمهالله في أول كتابه: « وحدّثني محمود بن عمر الزمخشري بكتاب الكشاف والفائق وربيع الأبرار. وأخبرني الكياشيرويه بن شهردار الديلمي بالفردوس. وأنبأني أبو العلاء العطار الهمداني بزاد المسافر، وكاتبني الموفق بن احمد المكي خطيب خوارزم بالأربعين، وروى لي القاضي أبو السعادات الفضائل، وناولني أبو عبد الله محمد ابن أحمد النطنزي بالخصائص العلوية، وأجاز لي أبو بكر محمد بن مؤمن الشيرازي رواية كتاب ما نزل من القرآن في عليعليهالسلام ، وكثيرا ما أسند إلى أبي العزيز كادش العكبري، وأبي الحسن العاصمي الخوارزمي، ويحيى بن سعدون القرطبي، وأشباههم ».
والكتاب المذكور لأبي بكر الشيرازي من الكتب المعتمدة عند أهل السنة،
____________________
(١). مناقب آل أبي طالب: ٣ / ١٠٧.
بل هو من جملة الكتب التي يفتخر ( الدهلوي ) بتأليف أهل السنة إيّاها في مناقب أهل البيت كما في حاشية التعصّب الثالث عشر، من الباب الحادي عشر، من كتابه ( التحفة ).
... وحلقتها معاوية ...!!
وزاد بعض الوضّاعين في حديث « أنا مدينة العلم » جملةً في فضل معاوية، فقد روى الديلمي في ( فردوس الأخبار ) هذا الحديث باللفظ التالي: « أنا مدينة العلم وعلي بابها وحلقتها معاوية»(١) فهذا إفك شنيع، وقد كفانا مؤنة الردّ عليه السخاوي في ( المقاصد الحسنة ) وابن حجر المكّي في ( الفتاوى الحديثية )، حيث صرّحا بعدم صحّته، فمن العجيب نقل المناوي إيّاه في ( كنوز الحقائق ) بقوله: « أنا مدينة العلم وعلي بابها ومعاوية حلقتها. فر »(٢) . أي أخرجه الديلمي في الفردوس.
لا يصحّ عن النبي في فضل معاوية شيء
بل لقد نصَّ كبار الأئمة والحفّاظ على أنّه لا يصح عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في فضل معاوية شيء، وهذا من الأمور المسلَّمة بينهم، ولمزيد الفائدة والبيان نذكر بعض نصوصهم في هذا المقام:
قال ابن الجوزي: « أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أنبأنا أحمد بن الحسين البيهقي، قال: ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، قال: سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب بن يوسف يقول: سمعت أبي يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: لا يصح عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في فضل معاوية
____________________
(١). فردوس الأخبار ١ / ٤٤ رقم ١٠٨.
(٢). كنوز الحقائق هامش الجامع الصغير: ٨١.
ابن أبي سفيان شيء.
أنبأنا هبة الله بن أحمد الحريري قال: أنبأنا محمد بن علي بن الفتح، قال أنبأ الدارقطني قال حدثنا أبو الحسين محمد بن إبراهيم بن جعفر بن بيان الرزاز قال: ثنا أبو سعيد الخرقي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي فقلت: ما تقول في علي ومعاوية؟ فأطرق ثم قال: اُنشر قولي فيهما: إعلم أن علياً كان كثير الأعداء ففتّش له أعداؤه عيباً فلم يجدوا فجاؤا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كياداً منهم له »(١) .
وقال ابن حجر العسقلاني: « تنبيه: عبّر البخاري في هذه الترجمة بقوله: « ذكر » ولم يقل « فضيلة » ولا « منقبة » لكون الفضيلة لا تؤخذ من حديث الباب، إلّا أنّ ظاهر شهادة ابن عباس له بالفقه والصحبة دالّة على الفضل الكثير. وقد صنف ابن أبي عاصم جزءاً في مناقبه، وكذلك أبو عمر غلام ثعلب، وأبو بكر النقاش. وأورد ابن الجوزي في الموضوعات بعض الأحاديث التي ذكروها ثم ساق عن إسحاق بن راهويه أنه قال: لم يصح في فضائل معاوية شيء. فهذه النكتة في عدول البخاري عن التصريح بلفظ منقبة اعتمادا على قول شيخه لكن بدقيق نظره استنبط ما يدمغ به رؤس الروافض وقصة النسائي في ذلك مشهورة وكأنه اعتمد أيضا على قول شيخه إسحاق، وكذلك في قصة الحاكم.
وأخرج ابن الجوزي أيضاً من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل سألت أبي: ما تقول في علي ومعاوية؟ فأطرق ثم قال: إعلم أن علياً كان كثير الأعداء ففتّش أعداؤه له عيباً فلم يجدوا، فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه كياداً منهم لعلي. فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له. وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصح من طريق الإِسناد، وبذلك جزم إسحاق ابن راهويه والنسائي وغيرهما والله أعلم »(٢) .
____________________
(١). الموضوعات ٢ / ٢٤.
(٢). فتح الباري ٧ / ٨٣.
وقال العيني: « مطابقته للترجمة من حيث أن فيه ذكر معاوية، ولا يدل هذا على فضيلته. فإنْ قلت: قد ورد في فضيلته أحاديث كثيرة. قلت: نعم، ولكن ليس فيها حديث يصح من طريق الإِسناد، نصّ عليه إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما، ولذلك قال: باب ذكر معاوية ولم يقل فضيلة ولا منقبة »(١) .
وقال ابن خلكان بترجمة النسائي: « قال محمد بن إسحاق الإِصبهاني سمعت مشايخنا بمصر يقولون: إنّ أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية وما روي من فضائله فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس حتى يفضل! وفي رواية أخرى: ما أعرف له فضيلة إلّا لا أشبع الله بطنك »(٢) .
وقال أبو الفداء بترجمته: « ثم عاد إلى دمشق فامتحن في معاوية وطلب منه أن يروي شيئا من فضائله فامتنع وقال: ما يرضى معاوية أن يكون رأسا برأس حتى يفضل! »(٣) .
وقال أبو الحجاج المزي نقلاً عن أبي بكر المأموني: « وقيل له وأنا حاضر: ألا تخرج فضائل معاوية؟ فقال: أي شيء أُخرج! اللهم لا تشبع بطنه! وسكت وسكت السائل » قال « قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: سمعت علي بن عمر يقول: كان أبو عبد الرحمن أفقه مشايخ مصر في عصره وأعرفهم بالصحيح والسقيم من الآثار، وأعلمهم بالرجال. فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه، فخرج إلى الرملة فسئل عن فضائل معاوية، فأمسك عنه، فضربوه في الجامع فقال: أخرجوني إلى مكة، فأخرجوه إلى مكة وهو عليل وتوفي بها مقتولاً شهيداً. قال الحاكم أبو عبد الله: ومع ما جمع أبو عبد الرحمن من الفضائل رزق الشهادة في آخر عمره، فحدّثني محمد بن إسحاق الإِصبهاني قال: سمعت مسائخنا بمصر
____________________
(١). عمدة القاري ١٦ / ٢٤٨.
(٢). وفيات الأعيان ١ / ٥٩.
(٣). المختصر في أخبار البشر حوادث: ٣٠٣.
يذكرون أن أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره وخرج إلى دمشق، فسئل بها عن معاوية بن أبي سفيان وما روي من فضائله فقال: ألا يرضى معاوية رأساً برأس حتى يفضل! فما زالوا يدفعون في حضنيه حتى أُخرج من المسجد، ثم حمل إلى مكة ومات بها »(١) .
وقال الذهبي نقلاً عن المأموني « سمعت قوماً ينكرون على أبي عبد الرحمن كتاب الخصائص لعليرضياللهعنه وتركه تصنيف فضائل الشيخين، فذكرت له ذلك فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن علي بها كثير، فصنّفت كتاب الخصائص رجوت أن يهديهم الله. ثم إنه صنّف بعد ذلك فضائل الصحابة فقيل له وأنا أسمع: ألا تخرج فضائل معاوية؟ فقال: أي شيء أُخرج! حديث اللهم لا تشبع بطنه! فسكت السائل. قلت: لعلّ هذه منقبة معاوية لقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : اللهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة ».
قال: « قال أبو عبد الله ابن مندة عن حمزة العقبي المصري وغيره: إن النسائي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق، فسئل بها عمّا جاء من فضائله فقال: ألا يرضى رأساً برأس حتى يفضل! قال: فما زالوا يدفعون في خصيته حتى أُخرج من المسجد، ثم حمل إلى مكة فتوفي بها. كذا في هذه الرواية إلى مكة وصوابه: الرملة »(٢) .
وقال ابن الوردي: « وعاد إلى دمشق فامتحن في معاوية وطلب منه أن يروي شيئاً من فضائله فقال: ما يرضى معاوية أن يكون رأساً برأس حتى يفضل »(٣) .
وقال صلاح الدين الصفدي: « وأنكر عليه قوم كتاب الخصائص لعليرضياللهعنه وتركه تصنيفه فضائل الشيخين، فذكر له ذلك فقال: دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، فصنّفت الخصائص رجاء أن يهديهم الله تعالى. ثم
____________________
(١). تهذيب الكمال ١ / ٣٢٨.
(٢). تذكرة الحفاظ ١ / ٦٩٨.
(٣). تتمة المختصر حوادث: ٣٠٣.
صنف بعد ذلك فضائل الصحابة فقيل له: ألا تخرج فضائل معاوية! فقال: أي شيء أُخرج! اللهم لا تشبع بطنه! فسكت السائل. قال شمس الدين: لعل هذا فضيلة له لقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : اللهم من لعنته وسببته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة » قال « ولما خرج من مصر إلى دمشق في آخر عمره سئل عن معاويةرضياللهعنه وما دوّن من فضائله فقال: لا يرضى رأسا برأس حتى يفضل! فما زالوا يطعنون في خصيتيه حتى أخرج من المسجد، ثم حمل إلى مكة وقيل الرملة، وتوفي بها »(١) .
وقال اليافعي: « وخرج إلى دمشق فسئل عن معاوية وما روي من فضائله فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأساً برأس حتى يفضل! وفي رواية أخرى: ما أعرف له فضيلة إلّا لا أشبع الله بطنك »(٢) .
وقال الفاسي: « قال الدار قطني: وكان أفقه مشايخ مصر في عصره وأعلمهم بالحديث والرجال، فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه، فخرج إلى الرملة فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه، فضربوه في الجامع فقال: أخرجوني إلى مكة، فأخرجوه إلى مكة وهو عليل، وتوفي بها مقتولاً شهيداً»(٣) .
وقال ابن حجر العسقلاني بترجمة النسائي نقلاً عن الحاكم: « سمعت علي ابن عمر يقول: النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره وأعرفهم بالصحيح والسقيم وأعلمهم بالرجال. فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه فخرج إلى الرملة فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه، فضربوه في الجامع فقال: أخرجوني إلى مكة فأخرجوه وهو عليل وتوفي مقتولاً شهيداً » قال « وقال أبو بكر المأموني سألته عن تصنيفه كتاب الخصائص فقال: دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، فصنفت كتاب الخصائص رجاء أنْ يهديهم الله تعالى. ثم صنف بعد ذلك كتاب فضائل
____________________
(١). الوافي بالوفيات ٦ / ٤١٦.
(٢). مرآة الجنان حوادث: ٣٠٣.
(٣). العقد الثمين ٣ / ٤٥.
الصحابة وقرأها على الناس وقيل له - وأنا حاضر - ألا تخرج فضائل معاوية؟ فقال: أي شيء أخرج! اللهم لا تشبع بطنه! وسكت وسكت السائل »(١) .
وقال المناوي بترجمة النسائي: « دخل دمشق فذكر فضائل عليّ فقيل له فمعاوية؟ قال: ما كفاه أنْ يذهب رأساً برأس حتى يذكر له فضائل. فدفع في خصيتيه حتى أشرف على الموت فأخرج فمات في الرملة أو فلسطين سنة ثلاث وثلاثمائة. وحمل للمقدس أو مكة فدفن بين الصفا والمروة »(٢) .
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في رجال المشكاة بترجمة النسائي: « قال الأمير جمال الدين المحدّث عن الشيخ الإِمام عبد الله اليافعي أنه ذكر في تأريخه: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي صاحب المصنفات ومقتدى زمانه، سكن مصر ثم جاء بدمشق، فقال له أهل تلك الناحية يوما في المسجد: ما تقول في معاوية وما ورد في فضله؟ فأجاب: أما يرضى معاوية أن يخرج عني رأساً برأس حتى يفضل! وفي رواية: قال: لا أعرف له فضيلة إلّا لا أشبع الله بطنه. فقام الناس ووقعوا فيه وأهانوه وضربوه وجرّوه من المسجد، وأذهبوه برملة فمرض فمات بذلك.
وفي رواية: أذهبوه بمكة فمرض ومات بمكة. ودفنوه بين الصّفا والمروة ».
وقال ابن تيمية الحرّاني: « ومعاوية ليس له بخصوصه فضيلة في الصحيح، لكن قد شهد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حنيناً والطائف وغزوة تبوك، وحجّ معه حجة الوداع، وكان يكتب الوحي، فهو ممّن ائتمنه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على كتابة الوحي، كما ائتمن غيره من الصحابة » قال « بل قد رووا في فضائل معاوية أحاديث كثيرة، وصنّف في ذلك مصنفات، وأهل العلم بالحديث لا يصحّحون لا هذا ولا هذا »(٣) .
____________________
(١). تهذيب التهذيب ١ / ٣٢.
(٢). فيض القدير - شرح الجامع الصغير ١ / ٢٥.
(٣). منهاج السنة ٢ / ٢٠٧.
بطلان الجملة الموضوعة معنى ً
ثم إنّ « معاوية حلقتها » باطل من وجوه:
أحدها: المدينة مطلقاً لا حاجة لها إلى الحلقة، بل لا ينسبها أحد من العقلاء إليها أصلاً، ومن ادّعى فعليه البيان، وعلينا دمغ رأسه بمقمعة البرهان.
والثاني: مدينة العلم بالخصوص لا حاجة لها إلى الحلقة.
والثالث: جعل معاوية كالحلقة لمدينة العلم عيب للمدينة، لا يجرأ على التفوّه بذلك إلّا من خرج عن الإِيمان بل عن العقل والشّعور.
والرابع: معنى إحتياج المدينة إلى الحلقة هو احتياج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى معاوية في العلم، وهذا مما يهدم أركان الدين.
والخامس: معنى كونه حلقة المدينة أنّ معاوية له حظ من العلم، لكنّ جهله بالأحكام الشرعيّة فضلاً عن المعارف العالية والحقائق السامية أظهر من أنْ يذكر.
والسادس: إنّ لمعاوية مطاعن عظيمة ومعايب كثيرة، تمنعه من أن يكون له أدنى اتّصال بالنبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم .
والسابع: ولو قيل معنى الجملة هو كونه حلقة الباب، أي: أنا مدينة العلم وعلي بابها ومعاوية حلقة بابها، فيبطله أنّ باب مدينة العلم غير محتاج إلى الحلقة كنفس المدينة. وأيضاً: جهل معاوية خير دليلٍ على بطلان كونه حلقة باب مدينة العلم. وأيضاً: مطاعنه تمنع من أنْ يكون له هذا الاتصال بالمدينة. أضف إلى ذلك عدائه لأمير المؤمنينعليهالسلام .
وهناك وجوه أخرى تبطل هذه الجملة الموضوعة من حيث المعنى، نحيل استنباطها واستخراجها إلى الناظر فيها وفي الوجوه التي ذكرناها.
حديث المدينة بلفظ آخر موضوع
إلى هنا تمّ الكلام على تصرّفات بعض القوم في لفظ حديث: « أنا مدينة العلم وعلي بابها » واختلق بعضهم لفظاً آخر لحديث المدينة يتّضح بطلانه سنداً ودلالةً من البحوث المذكورة في الألفاظ المتقدمة وذلك ما جاء في كتاب ( كنج سعادت ) لمعين الدين بن خواجة خاوند محمود الخوارزمي النقشبندي من أنه: « قالعليهالسلام : أنا مدينة الصدق وأبو بكر بابها، وأنا مدينة العدل وعمر بابها، وأنا مدينة الحياء وعثمان بابها، وأنا مدينة العلم وعلي بابها ».
لكن العجيب استناد بعضهم إلى هذا الحديث الموضوع في مسألة المفاضلة بين الأصحاب، وهو الشيخ رجب بن أحمد التيري في كتابه ( الوسيلة الأحمدية والذريعة السّرمدية في شرح الطريقة المحمدية ) حيث قال في مبحث التفضيل: « ونحن نقول: الأولى في تفضيل الخلفاء الأربعة: أن كلّ واحد منهم أفضل من الآخر باعتبار الوصف الذي اشتهر به، لأنّ فضيلة الإنسان ليست من حيث ذاته، بل باعتبار أوصافه، وقد قالعليهالسلام : أنا مدينة الصّدق وأبو بكر بابها، وأنا مدينة العدل وعمر بابها، وأنا مدينة الحياء وعثمان بابها، وأنا مدينة العلم وعلي بابها. رواه الزاهدي في كتابه عن بعض الأفاضل وعلى هذا نقول: إن أبا بكر الصديق أفضل الصحابة باعتبار، كثرة صدقه واشتهاره فيما بينهم به، وعمر أفضلهم من جهة العدل، وعثمان أفضلهم من جهة الحياء، وعلي أفضلهم من جهة العلم واشتهاره به، وبهذا يستقيم المرام ويتم الكلام ».
فإنَّ ما ذكره في التفضيل شيء لم يقل به أحد، فهو خرق للاجماع المركَّب، والحديث موضوع مختلق، وفي كلّ فقرة من فقره بحث واضح طويل الذيل، يتجلّى جانب منه بمراجعة كتاب ( تشييد المطاعن ) وغيره من كتب الباب.
بل الحق الثابت بالأدلة القطعيّة أنّ الامام علياًعليهالسلام أفضل القوم من جميع الجهات، بل هو الأفضل من جميع الخلائق بعد النبي صلى الله عليه وآله
وسلّم من الأولين والآخرين على أنّ هذا الحديث الموضوع اشتمل على جملة « وعلي بابها »، وقد عرفت أنّ كونه باب مدينة العلم يوجب الأعلمية الموجبة للأفضلية على الإِطلاق، حسب إفادات المحقّقين من أهل السنّة، فيكون هذا الحديث الموضوع أيضاً مفيداً للافضليّة المطلقة للامام، خلافاً لمن أراد إثبات الأفضلية له من جهةٍ واحدة والحمد لله رب العالمين.
* * *
(١١)
مع القاري
في كلامه حول الحديث
وقال الملّا علي القاري بشرح حديث « أنا دار الحكمة » ما نصّه:
« وعنه أي عن علي قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا دار الحكمة - وفي رواية: أنا مدينة العلم وفي رواية المصابيح: أنا دار العلم - وعلي بابها. وفي رواية زيادة: فمن أراد العلم فليأته من بابه والمعنى: عليّ باب من أبوابها، ولكن التخصيص يفيد نوعاً من التعظيم وهو كذلك. لأنه بالنسبة إلى بعض الصحابة أعظمهم وأعلمهم. ومما يدلّ على أن جميع الأصحاب بمنزلة الأبواب قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، مع الإِيماء إلى اختلاف مراتب أنوارها في الإِهتداء.
ومما يحقق ذلك أن التابعين أخذوا أنواع العلوم الشرعيّة من القراءة والتفسير والحديث والفقه من سائر الصحابة غير عليرضياللهعنه أيضاً، فعُلِمَ عدم انحصار البابية في حقّه. اللهم إلّا أنْ يختص بباب القضاء فإنه ورد في شأنه إنّه: أقضاكم. كما أنه جاء في حق أُبي: أقرؤكم. وفي حق زيد بن ثابت: إنه أفرضكم. وفي حق معاذ بن جبل: إنه أعلمكم بالحلال والحرام.
وممّا يدل على جزالة علمه ما في الرياض عن معقل بن يسار قال: وضّأت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال هل لك في فاطمة نعودها؟ فقلت: نعم، فقام متوكئاً عليّ فقال: إنه سيحمل ثقلها غيرك ويكون أجرها لك. قال: فكأنّه لم يكن عليّ شيء، حتى دخلنا على فاطمة فقلنا: كيف تجدينك؟ قالت: لقد اشتد حزني واشتدّ فاقتي وطال سقمي قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: وجدت بخط أبي في هذا الحديث قال: أو ما ترضين أنّ زوجك أقدمهم سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً. أخرجه أحمد وعن ابن عباس وقد سأله الناس فقالوا: أيّ رجل كان علي؟
قال: كان قد مُلئَ جوفه حكماً وعلماً وبأساً ونجدة، مع قرابته من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . أخرجه أحمد في المناقب. وعن سعيد بن المسيب قال: كان عمر يتعوّذ من معضلة ليس لها أبو حسن. أخرجه أحمد.
قال الطيبي: لعلّ الشيعة تتمسك بهذا التمثيل: أن أخذ العلم والحكمة منه مختص به لا يتجاوزه إلى غيره إلّا بواسطتهرضياللهعنه ، لأن الدار إنما يدخل إليها من بابها وقد قال تعالى:( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) . ولا حجة لهم فيه، إذ ليس دار الجنة بأوسع من دار الحكمة ولها ثمانية أبواب. رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. أي إسناداً وقال أي الترمذي: روى بعضهم هذا الحديث عن شريك، وهو شريك بن عبد الله قاضي بغداد ذكره الشارح، ولم يذكروا أي ذلك البعض فيه أي في إسناد هذا الحديث عن الصنابحي بضم صاد وكسر موحدة ومهملة، ولا نعرف أي نحن هذا الحديث عن أحدٍ من الثقات غير شريك بالنصب على الإِستثناء، وفي نسخة بالجرّ على أنه بدل من أحد، قيل: وفي بعض نسخ الترمذي: عن شريك بدل غير شريك. والله أعلم.
ثم اعلم أن حديث: أنا مدينة العلم وعلي بابها، رواه الحاكم في المناقب من مستدركه من حديث ابن عباس وقال صحيح. وتعقّبه الذهبي فقال: بل هو موضوع. وقال أبو زرعة: كم خلق افتضحوا فيه. وقال يحيى بن معين: لا أصل له. كذا قال أبو حاتم ويحيى بن سعيد وقال الدار قطني ثابت. ورواه الترمذي في المناقب من جامعه وقال: إنه منكر، وكذا قال البخاري: إنه ليس له وجه صحيح. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات. وقال ابن دقيق العيد: هذا الحديث لم يثبتوه. وقيل: إنه باطل. لكن قال الحافظ أبو سعيد العلائي: الصواب إنه حسن باعتبار طرقه لا صحيح ولا ضعيف، فضلاً عن أنْ يكون موضوعاً. ذكره الزركشي. وسئل الحافظ العسقلاني عنه فقال: إنه حسن لا صحيح كما قال الحاكم ولا موضوع كما قال ابن الجوزي. قال السيوطي: وقد بسطت كلام العلائي والعسقلاني في التعقبات التي على الموضوعات. انتهى. وفي خبر
الفردوس: أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعليّ بابها وشذّ بعضهم فأجاب: إن معنى وعليّ بابها إنه فعيل من العلوّ على حد قراءة صراطٌ عليٌّ مستقيم برفع علي وتنوينه كما قرأ به يعقوب »(١) .
علي باب المدينة لا سواه
أقول: وفي هذا الكلام خلط بين الغث والسّمين، ونحن نشير إلى ما فيه بالإِجمال:
أمّا أنْ يكون المعنى: « علي باب من أبوابها » فأوّل من قاله هو العاصمي، وقد بيّنا بطلانه بالتفصيل، وهنا نقول باختصار: إنّ لفظ الحديث يدلّ على انحصار البابيّة في الامامعليهالسلام ، وغيره لا يليق لأن يكون باباً لدار الحكمة ومدينة العلم، فلا يجوز دعوى ذلك لأحدٍ إلّا بنصٍ من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . على أنّ لهؤلاء الثلاثة قبائح ومطاعن تمنعهم من أنْ يكونوا أبواباً لمدينة العلم، بل تمنعهم عن أنْ يكون لهم أقل اتّصال به، وقد تكفّل كتاب ( تشييد المطاعن ) بذكر بعضها فراجعه إن شئت.
ثم إنّ كون الشخص باباً لمدينة العلم والحكمة يستلزم العصمة له، وأنْ يكون محيطاً لما في المدينة من حكمة وعلم وقد كان أمير المؤمنينعليهالسلام ولم يكن غيره كذلك، ويشهد بذلك استغناؤه عن الكلّ واحتياج الكلّ إليه كما هو معروف عند الكلّ.
على أنّه جاء في بعض ألفاظ الحديث الأمر بإتيان عليعليهالسلام ، ففي لفظٍ: « أنا دار الحكمة وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأت الباب، و في آخر: « أنا دار الحكمة وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأت الباب »، والناس بين مطيع وعاص، فمن أتاهعليهالسلام وأخذ الحكمة منه فهو محتاج إليه ولا يكون باباً لها
____________________
(١). المرقاة - شرح المشكاة ٥ / ٥٧١.
مثله، ومن لم يمتثل أمر الرّسول فغير لائق لأن يكون باباً له، فليس للمدينة باب سوى الامامعليهالسلام .
وبما ذكرنا يظهر ما في قوله:
« ولكنّ التّخصيص يفيد نوعاً من التعظيم، وهو كذلك، لأنه بالنسبة إلى بعض الصحابة أعظمهم وأعلمهم ».
لأنّ التخصيص المذكور في الحديث تخصيص حقيقي لا إضافي، وقد عرفت سابقاً دلالة الحديث على أنهعليهالسلام من الصحابة كلّهم أعظمهم وأعلمهم، لا بالنسبة إلى بعضهم.
حديث النجوم موضوع
وأمّا قوله: « ومما يدلّ على أنّ جميع الأصحاب بمنزلة الأبواب قوله ».
ففيه: إنّ حديث أصحابي كالنّجوم ممّا ثبت وضعه واختلاقه، وقد تكلّمنا عليه سابقاً في الردّ على كلام الأعور، ولو سلّمنا صحته فإنه لا يقتضي أن يكون الأصحاب كلّهم أبواباً، لما عرفت من أن هذا الشرف العظيم والمنصب الجليل مخصوص بسيدنا عليعليهالسلام ، وإنْ دلّ على شيء فإنّما يدل على حصول بعضهم على العلم، وهذا لا يكفي لأنْ يكونوا أبواباً لمدينة العلم، لأن باب المدينة يجب أنْ يكون محيطاً بجميع علوم المدينة، فبين كون الرّجل ذا علم في الجملة، وبين كونه باباً لدار الحكمة ومدينة العلم بون بعيد، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ومن العجيب استدلال القاري بهذا الحديث، وهو يذكر في كتابه ( المرقاة ) كلمات أعلام طائفته في قدحه، فقد قال بشرحه ما نصّه:
« قال ابن الديبع: إعلم أن حديث أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. أخرجه ابن ماجة كذا ذكره الجلال السيوطي في تخريج أحاديث الشفاء، ولم أجده في سنن ابن ماجة بعد البحث عنه. وقد ذكره ابن حجر
العسقلاني في تخريج أحاديث الرافعي في باب أدب القضاء وأطال الكلام عليه، وذكر أنه ضعيف واه، بل ذكر عن ابن حزم أنه موضوع باطل. لكن ذكر عن البيهقي أنه قال: إن حديث مسلم يؤدّي بعض معناه، يعني قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : النجوم أمنة للسماء. الحديث. قال ابن حجر: صدق البيهقي هو يؤدي صحة التشبيه للصحابة بالنجوم أما في الاقتداء فلا يظهر. نعم يمكن أنْ يتلمّح ذلك من معنى الاهتداء بالنجوم. قلت: الظاهر إن الاهتداء فرع الاقتداء. قال: وظاهر الحديث إنما هو إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض الصحابة من طمس السنن وظهور البدع ونشر الجور في أقطار الأرض انتهى.
وتكلّم على هذا الحديث ابن السبكي في شرح ابن الحاجب الأصلي في الكلام على عدالة الصحابة ولم يعزه لابن ماجة، و ذكره في جامع الُأصول ولفظه: عن ابن المسبب عن عمر بن الخطاب مرفوعاً: سألت ربي. الحديث إلى قوله اهتديتم. وكتب بعده: أخرجه. فهو من الأحاديث التي ذكرها رزين في تجريد الُأصول ولم يقف عليها ابن الأثير في الأصول المذكورة، وذكره صاحب المشكاة وقال: أخرجه رزين »(١) .
وما ذكره القاري في تأييد الاستدلال بحديث النجوم بقوله: « وممّا يحقّق ذلك أن التابعين أخذوا أنواع العلوم الشرعية من القراءة والتفسير والحديث والفقه من سائر الصحابة غير عليرضياللهعنه ، فعلم عدم انحصار البابيّة فيه » فركيك في الغاية، لأنّه استدلال بفعل التابعين في مقابلة النصّ الصريح من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو غير جائز، فليس هناك إلّا انّهم خالفوا أمرهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وكيف يقول القاري بعدم انحصار البابيّة فيهعليهالسلام ؟ والنبي نفسه ينصّ على هذا الإِنحصار و يقول: « يا علي كذب من زعم أنه يدخلها من غير
____________________
(١). المرقاة - شرح المشكاة ٥ / ٥٢٢.
بابها »، و يقول: « كذب من زعم أنّه يصل إلى المدينة لا من قبل الباب » وقد كان هذا المعنى هو ما اعترف به الأصحاب وابتهجوا كما ظهر سابقاً من إفادة الزرندي في ( نظم درر السمطين ) ومن حديث الشورى الذي ذكره جمال الدين المحدّث الشيرازي.
ثم إنّ التّابعين الآخذين من غيرهعليهالسلام ينقسمون إلى قسمين لا ثالث لهما، فالقسم الأول من أخذ عمّن أخذ من الإِمامعليهالسلام كسلمان، والمقداد، وأبي ذر، وعمار، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس وأمثالهم وهؤلاء التابعون لا يرون أولئك الصحابة أبواباً للعلوم، بل أخذهم في الحقيقة من الامامعليهالسلام والقسم الثاني من خالف قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « فمن أراد العلم فليأت الباب ومن أراد الحكمة فليأتها من بابها » وأعرض عنه عناداً وانحرافاً عن باب مدينة العلم وباب دار الحكمة، ومن الواضح أنّ هؤلاء لا يعبأ بأقوالهم وأفعالهم أبداً
دعوى تخصيص الحديث باب القضاء
وأمّا ما ذكره القاري: « أللهم إلّا أنْ يختص بباب القضاء، فإنه ورد في شأنه أنه أقضاكم، كما أنه جاء في حق أُبيّ أنه أقرؤكم، وفي حقّ زيد بن ثابت أنه أفرضكم، و في حق معاذ بن جبل: أنه أعلمكم بالحلال والحرام » فقد عرفت الجواب عنه في الردّ على كلام العاصمي، وعلى فرض التسليم فإن هذا الاختصاص يفيد الأعلميّة المطلقة لهعليهالسلام ، لأنّ كونه أقضى الأصحاب يستلزم إحاطته بأنواع العلوم الشرعيّة، مع المزيّة والأفضليّة من غيره في هذا الباب، وسيأتي مزيد توضيح لذلك فيما بعد إن شاء الله.
أمّا قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أقضاكم علي » فممّا لا ريب فيه ولا كلام، كما ستعرف فيما بعد إنْ شاء الله تعالى مفصّلاً، لكنّ ما ذكره في حقّ غيره موضوع وباطل سنداً ودلالة، كما بيّناه بالتفصيل في جواب كلام العاصمي،
فراجع إن شئت.
وقوله: « ومما يدل على جزالة علمه » وإن اشتمل على بعض فضائل الامامعليهالسلام ، فلا يخفى ما فيه، لأنّ ما ذكره يدلّ على أعلمية الإِمام بصراحة كاملة، - لا أنّه يدلّ على جزالة علمه - أضف إلى ذلك النصوص الصريحة الواردة عن مشاهير الأصحاب - من الموافقين له والمعادين - في أعلميّته، ومن هنا قال المناوي: « وقد شهد له بالأعلمية الموافق والمؤالف والمعادي والمخالف»(١) بل قال القاري نفسه في ( شرح الفقه الأكبر ) بشرح قول الماتن: « ثم علي بن أبي طالب » قال ما نصه:
« أي ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، القرشي الهاشمي، وهو المرتضى زوج فاطمة الزهراء وابن عمّ المصطفى، والعالم في الدرجة العليا، والمعضلات التي سأله كبار الصحابة ورجعوا إلى فتواه فيها فضائل كثيرة شهيرة تحقق قولهعليهالسلام : أنا مدينة العلم وعلي بابها، وقولهعليهالسلام : أقضاكم علي »(٢) .
فظهر أنّ الامامعليهالسلام هو الأعلم من جميع الأصحاب، لا في القضاء بل في جميع الأبواب
الاشارة إلى جواب سائر كلمات القاري
وأمّا كلمات القاري الأخرى فنشير إليها وإلى الجواب عنها:
١ - قوله: « قال الطيّبي ». وقد تقدّم الجواب عن كلام الطيبي هذا في موضعه فلا نعيد.
٢ - قوله: « رواه الترمذي ». قد عرفت الكلام عليه في جواب كلام النووي.
____________________
(١). فيض القدير ٣ / ٤٣.
(٢). شرح الفقه الأكبر: ١١٣.
٣ - قوله: « ثم اعلم أن حديث ». فيه اعتراف بتصحيح الحاكم وأما أقوال القادحين في الحديث فقد تعرّضنا لها في مواضعها.
٤ - قوله: « وفي خبر الفردوس » وقد تقدّم الكلام على هذا الحديث الموضوع في جواب كلام الأعور وابن حجر المكي
٥ - قوله: « وشذّ بعضهم ». هذا كلام ابن حجر المكي في ( الصواعق ) وقد عرفت ما فيه.
وليكن هذا آخر ما نردّ به كلام القاري العاري، والحمد لله الفاطر الباري.
* * *
(١٢)
مع البنباني
في كلامه حول الحديث
وقال الملّا محمد يعقوب البنباني في ( عقائده ) في الجواب على استدلال الشيعة بحديث « أنا مدينة العلم » وحديث « أنا دار الحكمة » ما نصّه: « واستدلّ الخصم على تفضيل عليرضياللهعنه بأنه أعلم، وهو أولى بالخلافة لأنه تعالى فضّل آدمعليهالسلام على الملائكة واختاره للخلافة بالعلم. أمّا أنّه كان أعلم فلقوله عليه الصلاة والسلام: أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها. وأنا دار الحكمة وعليّ بابها وعلم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كما هو أزيد كذلك علم عليّ، وأنه لا يخرج ما في الدار إلّا من الباب. فعلمهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنما وصل بمن وصل من قبل عليرضياللهعنه .
والجواب: إنّ هذا يوجب أنه لم يبلّغ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ما أُرسل به إلّا عليّاً، ثم هو بلّغ غيره. ولا يخفى أنه مما لا يقول به الخصم أيضاً. والمراد من الحديث المذكور - والله أعلم - بيان أن عليّاً باب العلوم بالنسبة إلى جماعة لم يدركوا شرف الصحبة. وهذا مبني على أمر وهو: إن أعلم الصحابة هم الخلفاء الراشدون، وقد كان أبو بكررضياللهعنه مقيّداً بأمر الخلافة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مدة حياته، ثم عمررضياللهعنه كذلك، ثم عثمان كذلكرضياللهعنه ، وقد كان عليرضياللهعنه في أيام خلافتهم مشغولاً بالإِفادة والإِفاضة، فالذين لم يدركوا شرف الصحبة أتوا اليه وأخذوا منهرضياللهعنه .
ثم لا أدري أيّ لفظ في الحديث يدل على أن ليس لمدينة العلم إلّا باب واحد هو عليرضياللهعنه ، بل يجوز أن يكون لها أبواب ويكون علي كرّم الله وجهه باباً منها ».
والجواب عنه من وجوه:
أحدها: إن أساس استدلال الشيعة بحديث « أنا مدينة العلم » كما ذكر البنباني أيضاً هو بدلالته على أعلمية الامام أمير المؤمنين، وهي تكشف عن الأفضلية وتستلزم الخلافة والامامة كما يدلّ عليه قصة آدمعليهالسلام وقد علمت أنّ دلالة الحديث على الأعلميّة تامّة بكلّ وضوح، حتى اعترف بها جماعة من علماء أهل السنّة، وذكر المنّاوي أنها مما اتّفق عليه الموافق والمخالف، ومن هنا ترى البنباني عاجزا عن الجواب على هذا الاستدلال القوي المتين، بل زاد في تقريره جملة: « وعلم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كما هو أزيد كذلك علم علي ».
الثاني: قد ذكر البنباني وجه استدلال الشيعة بحديث « أنا دار الحكمة » بقوله: « وأنه لا يخرج ما في الدار ». لكنّه لم يفهم مراد الشيعة من ذلك، وإلّا لم يقل في الجواب: « والجواب - إن هذا يوجب » إذ ليس مرادهم ذلك أبداً، بل المراد أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أودع جميع علوم الشريعة - المعبّر عنها بالحكمة - عند عليعليهالسلام ، وأمر الأمة بالرجوع إليه والأخذ منه، وأنّه لم يصل شيء من علومهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الأمّة إلاّ بواسطة الإمامعليهالسلام .
على أنّه لا يخفى على المتأمّل الفرق بين تبليغ النبي ما أرسل به، وتبليغه علم ما أرسل به، ومن هنا ترى أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بلّغ ما أرسل به - وهو القرآن - إلى جميع الناس، ولكن لا يمكن القول بأنّه بلّغ علم القرآن إلى جميع الناس كذلك، نعم علّمه أمير المؤمنينعليهالسلام وجعله مبلِّغاً لعلوم القرآن إلى الناس قاطبةً، ومن هنا ذكروا أن فهم كتاب الله منحصر إلى علمهعليهالسلام ، قال المناوي: « قال الحرالي: قد علم الأوّلون والآخرون أن فهم كتاب الله منحصر إلى علم علي، ومن جهل ذلك فقد ضلّ عن الباب الذي من ورائه يرفع الله عن القلوب [ الغيوب ] الحجاب، حتى يتحقق اليقين الذي لا يتغيّر بكشف الغطاء. إلى هنا كلامه »(١) فإذا كان هذا حال علم القرآن الذي أمر
____________________
(١). فيض القدير ٣ / ٤٧.
صلىاللهعليهوآلهوسلم بتبليغه إلى جميع الناس، فالعلوم الُأخرى منحصرة إلى فهمهعليهالسلام بالأولوية القطعيّة.
دعوى تخصيص كونه باباً لغير الصحابة
الثالث: دعوى تخصيص كون الامامعليهالسلام باب العلوم إلى جماعةٍ لم يدركوا شرف الصحبة، هذه الدعوى التي ذكرها بقوله: « والمراد من الحديث المذكور - والله أعلم - بيان أنْ علياً باب العلوم الشّرعيّة » تخرّص باطل، فإنّه تخصيصٌ بلا مخصِّص، ويبطله اعتراف أصحاب الشورى - فيما رواه المحدّث الشيرازي في ( روضة الأحباب ) بأنّ حديث: « أنا مدينة العلم وعلي بابها » جاء ليعلم الصحابة بأنّ علياً باب مدينة علم الأوّلين والآخرين، فكيف تختص با بيّته بجماعةٍ لم يدركوا شرف الصحبة؟ بل لو كان معنى الحديث ما ذكره البنباني لما احتج به الامامعليهالسلام - فيما احتج به - على أصحاب الشورى، ولما اعترف القوم بما أراد الامام من الاحتجاج به.
ومما يبطل هذا المعنى الذي ذكره البنباني إقرار الأصحاب بأعلميّة الإِمامعليهالسلام ، فهذا ابن عباس يقول - فيما يرويه الشيخاني القادري في ( الصراط السوي ) -: « من أتى العلم فليأت الباب وهو عليرضياللهعنه »، و هذا عمرو ابن العاص يحتجّ بهذا الحديث على معاوية في كتاب له إليه - فيما رواه الخوارزمي في ( المناقب ) ويقول: « وأكّد القول عليك وعلى جميع المسلمين وقال: إني مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي، وقد قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها ».
ومن هنا ترى الحافظ الزرندي يقول في عنوان الحديث: « فضيلة أُخرى اعترف بها الأصحاب وابتهجوا، وسلكوا طريق الوفاق وانتهجوا - عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد بابها فليأت علياً ».
دعوى أنّ أعلم الصحابة هم الخلفاء
ثم إنّ الأمر الذي بنى عليه البنباني المعنى الذي ذكره لحديث المدينة، وهو: « أنّ أعلم الصحابة هم الخلفاء الراشدون » باطل من وجوه أيضاً.
أمّا أولاً: فإن الثلاثة ليسوا من الخلفاء الراشدين عن رسول رب العالمينصلىاللهعليهوآلهوسلم المعصومين.
وأمّا ثانياً: فلأن أحداً من أهل الإِنصاف لا يرتضي القول بأعلميّة الثلاثة من: سلمان، وأبي ذر، والمقداد، وعمار، وابن عباس، وحذيفة، وابن مسعود، وأُبي بن كعب، وأبي الدرداء، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وأمثالهم من مشاهير الأصحاب بل إنّ هؤلاء، بل ومعاذ بن جبل وأبو هريرة وزيد ابن ثابت وأضرابهم أعلم من الثلاثة قطعاً بل الحق أن الثلاثة لم يحصلوا على شيء من العلوم، وتلك آثار جهلهم بالأمور الواضحة مشهودة ومشهورة، وستقف على ذلك فيما بعد بالتفصيل إنْ شاء الله.
وأمّا ثالثاً: فلأنهم لو كانوا علماء لأفادوا وأفاضوا، وظهرت الآثار واشتهرت الشواهد على بلوغهم المراتب العلميّة في الموارد المختلفة، وانتشرت بواسطتهم أحكام الحلال والحرام، من غير أن يمنعهم عن ذلك الخلافة، بل إنه من أجلّ وأهمّ أعمال خليفة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . ألا ترى أنّ الامامعليهالسلام - على قصر مدّته - لم تشغله الحروب عن نشر العلوم الجليلة والمعارف السّامية، و لقد صدق ضرار حيث قال في وصفهعليهالسلام : « يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه » كما رواه ابن عبد البر القرطبي بترجمتهعليهالسلام في ( الاستيعاب ).
وأمّا رابعاً: سلّمنا أنّ تقيّدهم بأمر الخلافة منعهم عن الإِفادة، فما الذي منعهم عنها في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ وما الذي منع عمر وعثمان عنها أيام أبي بكر؟ وما الذي منع عثمان عنها أيام عمر؟ نعم إنهم يقولون بأن عمر
وعثمان كانا يفتيان في خلافة أبي بكر، وأن عثمان كان يفتي في خلافة عمر ...، قال ابن سعد: « أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي، نا جارية بن أبي عمران، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: إن أبا بكر الصديق كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي وأهل الفقه، دعا رجالاً من المهاجرين والأنصار، دعا عمر وعثمان وعلياً وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأُبيّ بن كعب وزيد بن ثابت، وكلّ هؤلاء كان يفتي في خلافة أبي بكر، وإنما تصير فتوى الناس إلى هؤلاء، فمضى أبو بكر على ذلك، ثمّ ولّي عمر فكان يدعو هؤلاء النفر، وكانت الفتوى تصير وهو خليفة إلى عثمان وأُبي وزيد »(١) .
لكنْ ما السَّبب في عدم ظهور آثار أعلميّة عمر وعثمان للمستفيدين والمستفتين بل لغيرهم؟ بل لم تظهر آثار عالميّتهم، ولم نعثر على ما يدلّ على رسوخ قدمٍ لهم في العلم
وقد رووا أيضاً: إنّ عمر كان يشغل منصب القضاء على عهد أبي بكر، روى ابن عبد البرّ عن إبراهيم النخعي: « قال: أول من ولّي شيئاً من أمور المسلمين عمر بن الخطاب، ولّاه أبوبكر القضاء، وكان أول قاض في الاسلام، وقال: إقض بين الناس فإني في شغل »(٢) ، وروى الطبري: « واستقضى أبوبكر فيها عمر بن الخطاب، فكان على القضاء أيام خلافته »(٣) . وروى ابن الأثير: « وفيها استقضى أبوبكر عمر بن الخطاب، وكان يقضي بين الناس خلافته كلّها »(٤) ، والقضاء من أحسن أسباب ظهور الآثار، فأين قضايا عمر الدالّة على سعة علمه فضلاً عن أعلميّته؟ ولماذا لم يذكروا قضيةً واحدةً - ولو مفتعلةً - من قضاياه على عهد أبي بكر، تدلّ على عالميّته فضلاً عن أعلميّته؟
____________________
(١). الطبقات الكبرى ٢ / ٣٥٠.
(٢). الاستيعاب ٣ / ١١٥٠.
(٣). تاريخ الطبري حوادث سنة ١١.
(٤). الكامل في التاريخ. حوادث سنة ١١.
بل إنهم يروون اشتغال الثلاثة بالقضاء أيّام خلافتهم قال السيوطي: « وأخرج أبو القاسم البغوي عن ميمون بن مهران قال: كان أبوبكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله فإنْ وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإنْ لم يكن في الكتاب وعلم من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في ذلك الأمر سنّة قضى به، فإنْ أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع عليه النفر كلّهم يذكر من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا، فإنْ أعياه أن يجد فيه سنّة من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جمع رؤس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع أمرهم على رأي قضى به. وكان عمررضياللهعنه يفعل ذلك فإنْ أعياه أن يجد في القرآن والسنّة نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء، فإنْ وجد أبابكر قد قضى فيه بقضاء قضى به وإلّا دعا رؤس المسلمين فإذا اجتمعوا على أمرٍ قضى به »(١) . وقد رواه المتقي في ( كنز العمال ) والمحبّ الطبري - قبل السيوطي - في ( الرياض النضرة ).
ولكن أين آثار أعلميّتهم؟ بل إنّ أكثر تلك الأخبار يشتمل على شواهد بيّنة على جهلهم وبلادتهم وسنذكر بعضهم فيما بعد إنْ شاء تعالى فانتظر.
وأمّا خامساً: فرضنا أنّ تقيّدهم بأمر الخلافة منعهم عن الإِفادة ونشر العلوم والآثار الدالّة على أعلمّيتهم، لكنّ التقيّد بأمر الخلافة لا يوجب ظهور آثار الجهل والضلال منهم، فإذا كان من المعقول اختفاء أعلميّة شخصٍ أو علم عالمٍ بوجهٍ من الوجوه، فإن شيئاً لا يكون سبباً في ظهور جهله، بل لا يعقل ذلك مع فرض عالميّته فضلاً عن كونه الأعلم، لأن العلم والجهل ضدّان، مع أنّ آثار الجهل المنقولة عنهم كثيرة جدّاً بحيث لا تقبل الستر والكتمان.
____________________
(١). تاريخ الخلفاء: ٤٢.
أخذ الخلفاء وغيرهم من الامام
وأمّا قول البنباني: « وقد كان عليرضياللهعنه في أيام خلافتهم مشغولا بالإفادة والإفاضة، فالذين لم يدركوا شرف الصحّبة أتوا إليه وأخذوا منهرضياللهعنه » ففيه: إنّ الامامعليهالسلام كان مشغولاً بالإِفادة والإِفاضة وسائر شئون الإِمامة والخلافة طيلة أيام حياته الكريمة الشّريفة، ولم يكن الأخذ منه منحصراً بالذين لم يدركوا شرف الصحّبة، بل لقد أخذ منه كبار الصحابة، والخلفاء الثلاثة، وأئمة التابعين كما عرفت وستعرف إن شاء الله ربّ العالمين ولقد اشتهر عن عمر قوله: « لو لا علي لهلك عمر » وقوله: « أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن » حتى صار من الأمثال واشتهر رجوعهم إليه حتى اعترف بذلك كبار علماء أهل السنة سلفاً وخلفاً:
قال ابن الاثير: « وله أخبار كثيرة نقتصر على هذا منها، ولو ذكرنا ما سأله الصحابة مثل عمر وغيره رضي الله عنهم لأطلنا »(١) .
وقال الكنجي: « ومع هذا، فقد قال العلماء من الصحابة والتابعين وأهل بيته بتفضيل علي، وزيادة علمه وغزارته وحدّة فهمه ووفور حكمته وحسن قضاياه وصحة فتواه، وقد كان أبوبكر وعمر وعثمان وغيرهم من علماء الصحابة يشاورونه في الأحكام، ويأخذون بقوله في النقض والإِبرام، إعترافاً منهم بعلمه ووفور فضله ورجاحة عقله وصحة حكمه »(٢) .
وقال النووي: « وسؤال كبار الصحابة له ورجوعهم إلى فتاويه وأقواله في المواطن الكثيرة والمسائل المعضلات مشهور »(٣) .
وقال شهاب الدين أحمد: « وهو كان بإجماع الصحابة مرجوعاً إليه في
____________________
(١). أسد الغابة ٤ / ٢٣.
(٢). كفاية الطالب: ٢٢٣.
(٣). تهذيب الأسماء واللغات ١ / ٣٤٦.
علمه، موثوقاً بفتواه وحكمه، والصحابة كلّهم يراجعونه فيما أشكل عليهم ولا يسبقونه، ومن هذا المعنى قال عمر: لو لا علي لهلك عمر. رضي الله تعالى عنهم »(١) .
وقال القاري: « والمعضلات التي سأله كبار الصحابة ورجعوا إلى فتواه فيها [ فيها ] فضائل كثيرة شهيرة، تحقق قولهعليهالسلام : أنا مدينة العلم وعلي بابها، وقولهعليهالسلام : أقضاكم علي »(٢) .
وقال عبد الحق الدهلوي: « وسؤال كبار الصحابة ورجوعهم إلى فتاواه وأقواله في المواطن الكثيرة والمسائل المعضلات مشهور، وكان عمررضياللهعنه يرجع إليه ويسأله ولا يحكم حتى يسأله، وكان يقول: أقضانا علي »(٣) .
وقال نصر الله الكابلي - في مبحث حديث السفينة، في ذكر أهل البيت -:
« ولا شك أن الفلاح منوط بولائهم وهداهم، والهلاك بالتخلّف عنهم، ومن ثمة كان الخلفاء والصحابة يرجعون إلى أفضلهم فيما أشكل عليهم من المسائل »(٤) .
وقال العجيلي: « ولم يكن يسأل منهم واحداً، وكلّهم يسأله مسترشداً، وما ذلك إلّا لخمود نار السؤال تحت نور الإِطّلاع »(٥) .
وقال الحفني: « قوله: عيبة علمي. أي وعاء علمي الحافظ له، فإنه باب مدينة العلم، ولذا كانت الصحابة تحتاج إليه في فكّ المشكلات »(٦) .
وقال البنباني نفسه: « وكفاك شاهداً على كونه أعلم: إن سلاسل العلماء من المفسرين وأهل العربية وغيرهم والعرفاء تنتهي إليه، وأن الحكماء كانوا يعظّمونه غاية التعظيم، والكبراء من الصحابة كانوا يرجعون إليه فيما كان يشكل
____________________
(١). توضيح الدلائل - مخطوط.
(٢). شرح الفقه الأكبر: ١١٣.
(٣). أسماء رجال المشكاة - ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام .
(٤). الصواقع الموبقة - مخطوط.
(٥). ذخيرة المآل - مخطوط.
(٦). حاشية الجامع الصغير: ١٧٦.
عليهم، وهو المجيب عن شبهات اليهود وظلمات النصارى، كما هو المعروف والمشهور »(١) .
فهذه كلمات القوم في رجوع الصحابة والخلفاء إلى الامامعليهالسلام ، وهذا كلام البنباني نفسه، وكفى بذلك شاهداً على خزيه وافتضاحه.
دلالة الحديث على أنّ للمدينة باباً واحداً فقط
وآخر ما قال البنباني هنا هو قوله: « ثم لا أدري أيّ لفظ في الحديث يدلّ على أنْ ليس لمدينة العلم إلّا باب واحد هو عليرضياللهعنه ، بل يجوز أن يكون لها أبواب، ويكون علي كرّم الله وجهه باباً » وهو يدلّ على شدة جهله، إذ لا ريب في وجود لفظ « بابها » في هذا الحديث، ومن كان له أدنى شعور فهم منه وحدة الباب.
وأيضاً: يدل على وحدة الباب سياق الحديث بجميع ألفاظه، الدال على أنّ غرض النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم اختصاص شرف البابية بعليعليهالسلام ، كما اختصّ بنفسه الشريفة شرف كونه مدينة العلم وللحديث ذيل في كثيرٍ من طرقه يزيد معنى الحديث وضوحاً ويؤكّده، كقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم « فمن أراد العلم فليأت الباب » وقوله: « فمن أراد العلم فليأت باب المدينة » وقوله: « فمن أراد المدينة فليأت الباب » وقوله: « فمن أراد المدينة فليأتها من بابها » وقوله: « فمن أراد العلم فليأته من بابه » وقوله: « أنا مدينة العلم وأنت بابها يا علي كذب من زعم أنه يدخلها من غير بابها » وقوله: « أنا مدينة العلم وأنت الباب، كذب من زعم أنه يصل إلى المدينة إلّا من قبل الباب » وهذه الألفاظ وردت في طرق الحاكم، والحدثاني، والطبري، والطبراني، والحربي، وابن المغازلي، كما دريت سابقاً فلا تكن من الذاهلين.
____________________
(١). شرح تهذيب الكلام - مبحث الامامة.
مضافاً: إلى ما سبق عن كتاب ( المناقب لابن المغازلي ) من أنّ جابر بن عبد الله الأنصاري روى الحديث قائلاً: « سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول يوم الحديبيّة - وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب -: هذا أمير البررة وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، ثم مدّ بها صوته فقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب »(١) .
ومن هنا: رأيت الأصحاب متّفقين على هذا المعنى، احتج به الامام على أصحاب الشورى واعترفوا به، واحتج به ابن عباس في مقابلة عائشة، وعمرو بن العاص في مقابلة معاوية
ولـمّا رأى علماء أهل السنّة ذلك: اعترفوا بهذا المعنى ولم يكن لهم مناص من ذلك:
قال الكنجي: « الباب الثامن والخمسون - في تخصيص عليرضياللهعنه بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا مدينة العلم وعلي بابها »(٢) .
وقال محبّ الدين الطبري: « ذكر اختصاصه بأنه باب دار العلم وباب مدينة العلم - عن عليرضياللهعنه قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا دار العلم وعلي بابها. أخرجه في المصابيح في الحسان، و أخرجه أبو عمر وقال: أنا مدينة العلم، وزاد: فمن أراد العلم فليأته من بابه »(٣) .
وقال الحسين بن محمد الفوزي في ( نزهة الأرواح ) في مدح الامام: « هو الذي لولاه لم يكن لمدينة العلم باب، ومعه لا حاجة لملك الدين إلى باب ».
وقال نظام الدين محمد بن أحمد البخاري في ( ملفوظاته ): « وهو المخصوص من بين جملة الصحابة بكثرة العلم، لِقول رسول الله: أنا مدينة العلم وعلي بابها، ولهذا قال عمر بن الخطاب: لو لا علي لهلك عمر ».
____________________
(١). المناقب لابن المغازلي: ٨٤.
(٢). كفاية الطالب: ٢٢٠.
(٣). الرياض النضرة ٢ / ١٥٩.
وقال مغلطاي بن قليج في ( التلويح - شرح البخاري ) على ما نقله بدر الدين العيني حيث قال: « وفي التلويح: ومن خواصّه - أي خواص علي رضي الله تعالى عنه - فيما ذكره أبو الثناء: إنه كان أقضى الصحابة، وإن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تخلّف عن أصحابه لأجله، وأنه باب مدينة العلم، وإنّه لما أراد كسر الأصنام التي في الكعبة المشرفة أصعده النبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم برجليه على منكبيه، وإنّه حاز سهم جبرئيل عليه الصلاة والسلام بتبوك فقيل فيه:
علي حوى سهمين من غير أنْ غزا |
غزاة تبوك حبّذا سهم مسهم |
وأنّ النظر إلى وجهه عبادة، روته عائشة رضي الله تعالى عنها، وأنه أحبّ الخلق إلى الله بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . رواه أنس في حديث الطائر. وسمّاه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يعسوب الدين، وسمّاه أيضاً زر الأرض. وقد رويت هذه اللفظة مهموزة ومليّنةً »(١) .
وقال محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير في ( الروضة الندية ) بعد أن بيّن معنى حديث أنا مدينة العلم كما مرّ: « وإذا عرفت هذا عرفت أنه قد خصّ الله الوصيعليهالسلام بهذه الفضيلة العجيبة، ونوّه شأنه إذ جعله باب أشرف ما في الكون وهو العلم، وأن منه يستمد ذلك من أراده. ثم إنه باب لأشرف العلوم وهي العلوم الدينية، ثم لأجمع خلق الله علما وهو سيد رسلهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وأن هذا الشرف يتضاءل عنه كل شرف، ويطأطئ رأسه تعظيما له كلّ من سلف وخلف.
وكما خصّه الله بأنه باب مدينة العلم فاض عنه منها ما يأتيك من ذلك قريباً ».
فتلخص: أن دعوى عدم دلالة الحديث على اختصاص الأميرعليهالسلام بالبابيّة مندفعة، وأنّه لا يدّعيها إلّا المكابر للحق، والمعاند لأهل
____________________
(١). عمدة القاري ١٦ / ٢١٥.
البيت الطاهرين، والمخالف لما عليه جميع الأصحاب وأعاظم علماء أهل مذهبه.
ومع التنزّل عن جميع ما ذكر نقول: من المراد من الأبواب في قول البنباني: « بل يجوز أن يكون لها أبواب، ويكون علي كرم الله وجهه باباً منها »؟ وما الدليل على كونهم أبواباً؟ إن أُريد من الأبواب المشايخ الثلاثة، فيكون للمدينة أربعة أبواب، فهذا ما ادّعاه العاصمي وأجبنا عنه بالتفصيل. وإنْ أُريد منهم الثلاثة وأُبي ومعاذ وزيد بن ثابت وأبو عبيدة وأبو ذر فهذا قد ادّعاه العاصمي أيضاً، وسبق أنْ أجبنا عنه في محلّه. وإنْ أريد أن جميع الأصحاب هم الأبواب لها، فهذا ما زعمه القاري، وقد أبطلناه. وإنْ أُريد من قوله: « يجوز أن يكون لها أبواب » جعل أبواب تخييلية للمدينة، فإنَّ أمير المؤمنينعليهالسلام هو الباب الحقيقي لمدينة العلم، والبابيّة الحقيقية منحصرة في وجوده الشريف، ومن هنا قال فخر الدين ابن مكانس المصري في مدحه:
« يا ابن عم النبي إن أُناساً |
قد توالوك بالسعادة فازوا |
|
أنت للعلم في الحقيقة باب |
يا إماماً وما سواك مجاز »(١) |
على أنّ جعل بعض الأصحاب أبواباً للمدينة - مع أنّه ثبت بطلانه بوجوه غير محصورة - لا ينفع البنباني وغيره على حالٍ من الأحوال، ومن هنا لم يتفّوه به أحد قبل العاصمي، وكيف يتخيّل أحد ذلك مع أنه لا مجال له في الحديث أبداً، ومن هنا ترى الوضّاعين يتصرّفون في الحديث ويضعون له زيادات وألفاظاً ركيكة كما رأيت، ولا تجد أحداً منهم يجرأ على افتعال حديثٍ بلفظ: أنا مدينة العلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية أبوابها، فلو جاز ذلك لوضعوه كما وضعوا الألفاظ الُأخرى.
ثم أنّه لو لا دلالة الحديث على اختصاص هذا المقام العظيم بالإِمامعليهالسلام لما كانت تلك المكابرات الفاضحة في مقابلة هذا الحديث المخرّج في
____________________
(١). خزانة الأدب لابن حجة الحموي: ٧٥.
الصّحاح والمسانيد والجوامع المعتبرة الُأخرى، لكنّهم لما رأوا دلالته على الإِختصاص المذكور المقتضي للأعلميّة المستلزمة للامامة قدحوا فيه، لأنه يهدم أساس مذهبهم ويبطل كيان خلافتهم، ألا ترى إلى ابن تيميّة كيف لا يمكنه المناقشة في دلالة هذا الحديث، وأنّ الداعي على الطعن فيه هو نفس دلالته على الإختصاص؟! إنّه يقول: « والكذب يعرف من نفس متنه، فإن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا كان مدينة العلم ولم يكن لها إلّا باب واحد ولم يبلّغ عنه عنه العلم إلّا واحد فسد أمر الاسلام » وحينئذٍ يقع التنافر والتهافت بين كلام ابن تيميّة وكلام يعقوب البنباني، فبكلام ابن تيميّة أيضاً يسقط كلام البنباني أما كلام ابن تيميّة فقد أبطلناه في موضعه، فراجع ما ذكرناه هناك إن شئت بل إنّ كلام البنباني نفسه متناقض متهافت، فإنّ الناظر فيه لا يشك في دلالة الحديث على أنّ للمدينة باباً واحداً عند البنباني أيضاً، وهو يعترف بأنّ الباب هو علي، ويعتذر للخلفاء بتقيّدهم بأمر الخلافة، غاية ما في الباب إنّه يزعم كونه باباً للتابعين فقط لا للصّحابة - وهذا أمر آخر بيّنا بطلانه فيما سبق - والحمد لله رب العالمين.
* * *
(١٣)
مع القادري
في كلامه حول الحديث
وانتحل محمود بن محمد بن علي الشيخاني القادري كلام السمهودي في تأويل حديث مدينة العلم فقال: « و روى الإِمام أحمد في الفضائل والترمذي مرفوعاً: إن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها. ولهذا كان ابن عباس يقول: من أتى العلم فليأت الباب. وهو عليرضياللهعنه .
وقال الترمذي عقب هذا: إنه منكر. وكذا قال شيخه البخاري. وصحّحه الحاكم. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات. وقال الحافظ أبو سعيد العلائي: الصواب إنه حسن باعتبار طرقه لا صحيح ولا ضعيف، فضلاً عن أن يكون موضوعاً. وكذا قال شيخ الإِسلام الحافظ ابن حجر في فتوى له.
ولا ينافيه تفضيل أبي بكر عنه مطلقاً بشهادة علي وغيره بذلك له، وشهد له بالعلم أيضاً، فقد قال علي: أبو بكر أعلمهم وأفضلهم. وما اختلفوا في شيء إلّا كان الحق معه، وعدم اشتهار علمه لعدم طول مدته بعد الاحتياج بموت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم »(١) .
وهذا عين ألفاظ السمهودي في ( جواهر العقدين ) انتحلها الشيخاني من غير أنْ يشير إلى ذلك، وأمّا تصرّفه الطفيف في أوّل الكلام فلا يخرجه عن دائرة الانتحال، بل يكشف عن قلّة فهمه، كما لا يخفى على من طابق بين الكلامين.
وعلى كلّ حال، يكفي في الجواب عما قاله الشيخاني ما ذكرناه في جواب كلام السمهودي، فراجعه لتظهر لك حقيقة الحال.
ثم إنّه كما ذكر السّمهودي - قبل كلامه المتعلِّق بحديث مدينة العلم وبعده - بعض الأخبار والآثار المثبتة لأعلميّة الإِمامعليهالسلام ، والكاشفة عن
____________________
(١). الصراط السوي - مخطوط.
جهل الشيخين، كذلك القادري ذكر تلك الآثار والأخبار، وأبطل بها مقالته حول حديث مدينة العلم من حيث لا يشعر، وهذا نصّ ما ذكره القادري قبل مقالته، بعد ذكر رواية حكم عمر برجم المرأة المجنونة: « وفي رواية فقال عمر: لو لا علي لهلك عمر. وروى بعضهم: إنه اتّفق لعلي مع أبي بكر رضي الله عنهما نحو ذلك، وكان عمر يقول لعلي: لا أبقاني الله بعدك يا علي. كذا أخرجه ابن السّمان. وكان عمر يقول: أقضانا علي، وكان يتعوّذ من معضلة ليس لها أبو حسن. رواه الدارقطني. ولفظ التعوذ: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن. وكان عمر يقول: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم أبا حسن، وكان عمر لا يبعث علياً لبعوث لأخذ رأيه ومشاورته. وكان عطا يقول: والله ما علمت أحداً من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أفقه من علي. كذا أخرجه الحافظ الذهبي »(١) .
وقال بعد مقالته: « وقول عمررضياللهعنه : علي أقضانا. رواه البخاري في صحيحه ونحوه عن جماعة من الصحابة. وللحاكم في المستدرك عن ابن مسعود قال: كنّا نتحدّث أنّ أقضى أهل المدينة علي وقال: إنه صحيح، ولم يخرجاه. و أصل ذلك قصة بعثهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليرضياللهعنه إلى اليمن قاضياً فقال: يا رسول الله بعثتني أقضي بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء!! فضرب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في صدره وقال: اللهم اهده وثبّت لسانه. قال: فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما شككت في قضاء بين اثنين. رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإِسناد ».
وقال أيضاً: « وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال لفاطمة: أما ترضين أنْ زوّجتك أقدم أمتي سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً؟!. رواه أحمد والطبراني برجال وثقوا بهم ».
والله يحقّ بكلماته، والحمد لله رب العالمين.
____________________
(١). الصراط السوي - مخطوط.
(١٤)
مع عبد الحق
في كلامه حول الحديث
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في تأويل حديث: « أنا دار الحكمة » ما نصه:
« قوله: أنا دار الحكمة وعلي بابها. قيل: لا شك أنّ العلم قد جاء منهصلىاللهعليهوآلهوسلم من قبل باقي الصحابة، وليس بمنحصر في علي المرتضىرضياللهعنه ، فلابدّ أنْ يكونوا أبواب العلم، لكن لا بدّ للتخصيص من وجه، بأن يكون متميّزا من سائر الأبواب بالسّعة والفتح والعظمة ونحوها، والله أعلم »(١) .
أقول: وما ذكره مردود من وجوه:
أحدها: دعوى مجيء العلم من قبل باقي الصحابة باطلة بالضّرورة، فقد كان في الصحابة من لا حظّ له من العلم ولا كلمة، وعليك بمراجعة أسامي الصحابة في ( الإِستيعاب ) و ( أسد الغابة ) و ( الإِصابة ) وأمثالها ليتّضح لك واقع الأمر.
والثاني: إنه لا يكفي نقل شيء من العلم عن رجل لأن يكون بابا للعلم، لما قرّرنا بالتفصيل من أنّ باب مدينة العلم محيط بجميع علم المدينة، وتحقّق هذه المرتبة لجميع أفراد الأصحاب من المستحيلات.
والثالث: إنه ليس كلّ ما نقل عن كلّ صحابي بعلمٍ، فبعض ما يرويه أهل السنّة عن الصحابة وأودعوه في أسفارهم وجوامعهم ليس بعلم، فإنّ كثيراً من الأشياء المنقولة عندهم تكذّبها الآيات القرآنية وأحاديث اهل بيت العصمةعليهمالسلام بصراحة، ومن الواضح أنّ نقلة هكذا أشياء لا يعدّون علماء ولا
____________________
(١). اللّمعات في شرح المشكاة - باب مناقب علي.
يكونون أبواباً للعلوم.
بل كان فيهم أشخاص معروفون بالكذب والإِختلاق كأبي هريرة وأمثاله، ومنافاة الكذب والافتراء على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لبابيّة مدينة العلم، وبعد المتّصف بهذه الصفة عن مدينة العلم في غاية الوضوح.
والرابع: إن الصحابة كلّهم - كما صرّح به العجيلي في ( ذخيرة المآل ) - كانوا يسألون الامام أمير المؤمنينعليهالسلام ، ويرجعون إليه في القضايا والأحكام، ولا سيّما الثلاثة منهم، فإن رجوعهم إليه في نهاية الشّهرة والتواتر، فكيف يكونون أبواباً لمدينة العلم كما هو سيدنا أمير المؤمنينعليهالسلام ؟!
بل إنّ بعضهم اشتهر - على العكس من ذلك - بالجهالات الفاضحة حتى ضرب به المثل، فالقول بأنّ العلم قد جاء منهصلىاللهعليهوآلهوسلم من قبل باقي الصّحابة مكابرة واضحة.
والخامس: إن كثيراً من الصحابة كانت لهم مطاعن عظيمة ومعايب بادية - كما فصّل في ( تشييد المطاعن ) - خرجوا بها عن العدالة، بل لقد صدرت من بعضهم أعمال شنيعة خرجوا بها عن الاسلام - كما فصّل في كتب الأصحاب لا سيّما ( تشييد المطاعن ) - وحينئذٍ كيف يكون باقي الصحابة كلّهم أبواب العلم.
السادس: لقد كان في الصحابة أناس كثيرون يعادون النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ويعاندونه، وكان فيهم جميع كثير يبغضون أمير المؤمنينعليهالسلام فهل يجوّز العاقل أن يكونوا أبواب العلم؟!
دعوى أنّ وجه التخصيص تميّزه بالسّعة
فظهر أنّ غير الامامعليهالسلام ليس باباً لمدينة العلم، فلا وجه لقول عبد الحق بعدئذٍ: « لكن لا بدّ للتخصيص من وجه بأنْ يكون متميّزاً من سائر الأبواب بالسعة والفتح والعظمة ونحوها » لكن قائله بعد أن فرض كون باقي الصّحابة أبواباً لما لم يجد في الحديث ذكراً لغير الامامعليهالسلام استدرك قائلاً ذلك، لكنّه
غير نافع له أبداً، لأنّ كلمات أهل السنّة الصريحة في اختصاص هذا الشرف العظيم والمقام الجليل بسيّدنا أمير المؤمنينعليهالسلام تردّه وتبطله، بل اعترف بذلك أكابر الأصحاب من الموالين والمخالفين لأمير المؤمنين، بالاضافة إلى احتجاج الامام نفسه بهذا الاختصاص.
ولو سلّمنا كلام القائل هذا، فإنّ التميّز الذي ذكره هو دليل الأعلميّة، والأعلمية دليل الخلافة، فبطلت خلافة المتقدّمين عليه.
فظهر من هاهنا أن صاحب القيل في هذا التوجيه والتأويل لا يحصل الّا على ما يورث له التعيير والتخجيل، ويجعل كيده في تضليل.
فهذا جواب ما ذكره عبد الحق الدّهلوي عن قائل لم يصرّح باسمه.
ثم قال عبد الحق الدهلوي بعد كلامٍ له: « ولكن لا يقتضي ذلك الحصر في هذا الباب، وهذا باب خاص ومخصوص بدخول العلم، فقد جاء أقضاكم علي، ولكلٍ من الخيرات والمبرّات والأنوار والأسماء التي أشرقت وظهرت من شمس النبوّة لها مظاهر ومجالي متعددة، بل لا تعدّ ولا تحصى:
فإنه شمس فضل هم كواكبها |
يظهرن أنوارها للناس في الظلم |
أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم.
وفي الحقيقة لمسألة الفضيلة وجوه وحيثيّات، وهذا هو المخلص والمسلك في هذا الباب، والله أعلم بالحق والصواب، وإليه المرجع والمآب ».
وهو أيضاً مردود من وجوه:
أحدها: قد عرفت مراراً أن حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » يقتضي ذلك الحصر، وأنّ بعض رواياته صريح في ذلك، مع اعتراف الصحابة به سواء كانوا من الموالين المؤالفين أو من المعاندين المخالفين.
والثاني: قوله: « وهذا باب خاص ومخصوص بدخول العلم فقد جاء أقضاكم علي » من غرائب الكلام، لأنه إن أراد - كما هو ظاهر العبارة - أن هذا الباب - يعني الإِمامعليهالسلام - خاص ومخصوص بدخول العلم منه إلى
المدينة، فبطلانه ظاهر جدّاً، وإنْ أراد أنّ الامامعليهالسلام خاص ومخصوص بدخول مدينة العلم لأخذ العلم، أي إنّ من أراد الدخول إلى مدينة العلم فلا بدّ أنْ يدخل من هذا الباب الخاص المخصوص. فهذا حق وصدق، لكنّ عبارته قاصرة عن أداء هذا المعنى، وهو حينئذٍ يبطل ما ذكره سابقاً عن قائل مجهول، وكذا قوله هنا: ولكن لا يقتضي ذلك الحصر، اللهم إلّا أنْ يقول بأنّ كلّ واحدٍ من الأصحاب باب في صفةٍ من الصفات، فأبو بكر في الرأفة، وعمر في الشّدة وإلى هذا الوجه يوحي استدلاله بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أقضاكم علي » فيبطله وجوه:
١ - إنّ عبارته قاصرة عن أداء هذا المعنى.
٢ - إنّ كون كلّ واحد من الأصحاب بابا في صفة من الصفات ذكره العاصمي إستناداً إلى حديث موضوع، وقد تكلّمنا عليه سابقاً بالتفصيل، فراجع إن شئت.
٣ - إن كون الإِمامعليهالسلام أقضى الأصحاب يستلزم كونه باباً لمدينة العلم في جميع علومها، وسيأتي مزيد بيان لهذا إن شاء الله تعالى.
لا مظاهر لصفات النبوة إلّا أهل البيت
الثالث: وقوله: « ولكلٍ من الخيرات والمبرات والأنوار والأسرار التي أشرقت من شمس النبوة لها مظاهر ومجالي متعدّدة بل لا تعدّ ولا تحصى » زعم فاسد، لأنّ مظاهر ومجالي ذلك كلّه هم أهل البيت المعصومون، لأنّهم المخلوقون من نوره وطينتهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما تحقّق في ( قسم حديث النور ) من ( كتابنا ) ولو كان وراءهم من الأصحاب أحد له الأهليّة لهذه المنزلة فهم أشخاص معدودون، فقوله: « لا تعد ولا تحصى » ساقط على أنّ من حصل على ذلك فبواسطة أهل البيتعليهمالسلام حصل، قال أمير المؤمنينعليهالسلام : « نحن الشعار والأصحاب والخزنة والأبواب ولا تؤتى البيوت إلّا من
أبوابها » فهم أفضل من هؤلاء الأصحاب المعدودين قطعاً.
العلم أجلّ الصفات
والرابع: إنّ العلم أجل الصّفات وأعلاها، فمن كان مظهر العلم ومجلاة فهو أفضل من غيره الذي هو مظهر صفةٍ من الصّفات الأخرى، وهذا في غاية الوضوح.
ثم إنه إنْ أراد عبد الحق: أنّ لكلّ واحدٍ من « الخيرات والمبرات والأنوار والأسرار » مظاهر ومجالي متعددة بل لا تعد ولا تحصى، فلا يرتاب عاقل في بطلانه، إذ لم يتحقق لواحد من الأنوار والأسرار مظاهر ومجالي لا تعد ولا تحصى، فكيف بكل واحدٍ واحدٍ منها؟! نعم لمـّا كان أهل بيته جميعاً مظاهر ومجالي الخيرات والمبرّات والأنوار والأسرار، وكانوا متعدّدين، أمكن إثبات المظاهر والمجالي لكلٍ واحدٍ واحدٍ من الخيرات والمبرات
وإن أراد: أنّ لمجموع الخيرات والمبرات من حيث المجموع مظاهر ومجالي لا تعد ولا تحصى فهذا أقلّ شناعةً من الفرض الأول، لكنّه باطل كذلك قطعاً، إلّا أهل البيت الأطهار عليهم الصلاة والسلام، الذين لم يختلفوا عنه لا خلقاً ولا خلقاً بالأدلّة المتكاثرة من الكتاب والسنّة المتواترة
والخامس: الشعر الذي استشهد به هو من أبيات البردة البوصيريّة والمراد من الضمير في « فإنه» هو النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفي « هم كواكبها » هم الأنبياءعليهمالسلام :
قال الشيخ خالد الأزهري بشرحه:
وكل آي أتى الرسل الكرام بها |
فإنما اتّصلت من نوره بهم |
|
فإنه شمس فضل هم كواكبها |
يظهرن أنوارها للناس في الظلم |
( اللغة ) أي جمع آية بمعنى علامة، وأتى أي جاء، والرسل جمع رسول وهو إنسان أُوحي إليه بالعمل والتبليغ، والكرام جمع كريم، والإِتصال ضدّ الإِنقطاع
والنور ضد الظلام.
( والإِعراب ) وكلّ مبتدأ، آي بمد الهمزة مضاف إليه، أتى فعل ماض، الرسل فاعل، الكرام نعت الرسل، بها متعلق بأتى، فإنما حرف حصر، اتصلت فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على آي، من نوره بهم متعلّقان باتّصلت، فإنه شمس، إن واسمها وخبرها فضل مضاف إليه، هم كواكبها مبتدأ وخبر والضمير المضاف إليه الشمس، يظهرن بضم الياء التحتية وكسر الهاء فعل مضارع وفاعل والنون ضمير الكواكب، أنوارها مفعول يظهرن والضمير المضاف إليه للشمس، للناس في الظلم متعلّقان بيظهرن.
( ومعنى البيتين ) أي جميع الآيات التي جاءت بها المرسلون إنما اتّصلت بهم من نور النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّ خلق نوره سابق عليهم، وهوصلىاللهعليهوآلهوسلم بالنسبة إلى الفضل والشرف كالشمس والمرسلون كالكواكب، ونور الكواكب مستفاد من نور الشمس، فإن الكواكب تظهر أنوار الشمس للناس في الظلام، فإذا أظهرت الشمس لا يبقى للكواكب نور يرى بل تستتر عن العيون ».
وقال الشيخ إبراهيم الباجوري: « قوله: وكلّ آي أتى الرسل إلخ. أي: وكلّ المعجزات التي أتى بها الرسل الكرام لُأممهم فلم تتصل بهم إلّا من معجزاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو من نوره الذي هو أصل الأشياء كلّها، فالسماوات والأرض من نوره، والجنة والنار من نوره، ومعجزات الأنبياء من نوره، وهكذا. فالآي بمعنى المعجزات جمع آية بمعنى المعجزة، والرسل بسكون السين ويقال في غير النظم رسل بضمها جمع رسول، والكرام جمع كريم. وقوله بها متعلق بأتى والضمير راجع للآي، وإنما للحصر، والمراد بنوره معجزاته وسميت نوراً لأنه يهتدى بها، ويصح حمله على النور المحمدي الذي هو أصل المخلوقات كلها، كما حمله عليه بعض الشارحين. ومن للابتداء والباء للالصاق.
لا يقال: كيف تكون المعجزات التي أتى بها الرسل الكرام لُأممهم من نورهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، مع أنهم متقدّمون عليه في الوجود؟ لأنا نقول: هو صلّى الله
عليه وسلّم متقدّم على جميع الأنبياء من حيث النور المحمدي.
( قوله فإنه شمس فضل إلخ ) هذا البيت تعليل للبيت قبله والمعنى على التشبيه أي: فإنه كالشمس في الفضل وقوله هم كواكبها أي الرسل كواكب الشمس والمعنى على تشبيه أيضاً أي مثل كواكبها. ووجه التشبيه فيهما: إن الشمس جرم مضيء بذاته والكواكب أجرام غير مضيئة بذاتها لكنها صقيلة تقبل الضوء، فإذا كانت الشمس تحت الأرض فاض نورها من جوانبها فيطلب الصعود، لأن النور يطلب مركز العلو فيصادف أجرام الكواكب الصقيلة المقابلة له، فيرتسم فيها فتضيء في الظلمات وتظهر أنوار الشمس فيها للناس من غير ان ينقص من نور الشمس شيء. فنورهصلىاللهعليهوآلهوسلم لذاته ونور سائر الأنبياء ممتد من نوره من غير أن ينقص من نوره شيء، فيظهرون ذلك النور في الكفر الشبيه بالظلم فلذلك قال المصنف: يظهرن أنوارها للناس في الظلم. وكما أن الشمس إذا بدت لم يبق اثر للكواكب، فكذلك شريعتهصلىاللهعليهوآلهوسلم لما بدت نسخت غيرها من سار الشرائع، كما يشير لذلك قوله في بعض النسخ:
حتى إذا طلعت في الُأفق عمّ هدا |
ها العالمين وأحيت سائر الُأمم |
وظاهر هذا البيت أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم مرسل للأمم السابقة لكن بواسطة الرسل، فهم نوّاب عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبهذا قال الشيخ السبكي ومن تبعه أخذاً ممن قوله تعالى:( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ) والذي عليه الجمهور: إنهصلىاللهعليهوآلهوسلم مرسل لهذا الُأمّة دون الُأمم السابقة، فالمسألة خلافية، والحق الأوّل ».
حديث النجوم موضوع
وأمّا استدلاله بحديث « أصحابي كالنجوم » فلا يخفى على ذوي العلم ما فيه، لأنّه حديث موضوع مختلق، كما ذكرنا في جواب الأعور فيما سبق، على أنّه
- إنْ صحّ - يدلّ على صدق الأصحاب في النقل والرواية كما ذكر المزني، وأين هذا عن كونهم مجالي ومظاهر الكمالات النبويّة؟
هذا كلّه مع الغض عن اتصاف كثير من الأصحاب بمساوئ ومطاعن تتنافى وهذا المقام العظيم والمنزلة الرّفيعة.
وأمّا قوله: « وفي الحقيقة » فكلام بارد، فإنّ حديث مدينة العلم يدلّ على حصر الأفضلية في الامامعليهالسلام ، فلا ربط لما ذكره بالبحث ولو فرض أن مراده من « الفضيلة » هو « الأفضلية » ففيه: إن محطّ الكلام هو الأفضلية المطلقة، لا الأفضلية من جهةٍ من الجهات فأين « المخلص والمسلك »!!
* * *
(١٥)
مع ولي الله
في كلامه حول الحديث
وقال شاه ولي الله الدهلوي ما معرّبه: « لقد شاء الله تعالى أن ينتشر دينه في الآفاق بواسطة نبيّه، وذلك ما كان يمكن إلّا بسبب العلماء والقرّاء الذين أخذوا القرآن عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأجرى الله على لسانهصلىاللهعليهوآلهوسلم فضائل جماعةٍ من الصّحابة ترغيباً في أخذ العلم والقرآن منهم، فكانت تلك الفضائل بمنزلة الإِجازات المتداولة بين المحدّثين وتلامذتهم، ليعرف الأقوال بالرجال من لا يمكنه معرفة الرجال بالأقوال، وأنّ جميع علماء الصحابة مشتركون في هذه الفضائل كما يظهر من كتب الحديث، ومن هذا الباب: أنا مدينة العلم وعلي بابها، وأقرؤكم أبي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ»(١) .
وهذا الكلام مخدوش بوجوه:
أحدها: إن انتشار دين الله تعالى ممكن بواسطة خليفة النبي المنصوص عليه من قبل الله ورسوله، المعصوم والأفضل من جميع الخلائق، بل تحقّق ذلك بواسطته أتمّ وأحسن من تحقّقه بواسطة العلماء وقرّاء القرآن من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
والثاني: لو لم ينصب الخليفة المتّصف بالصفات المذكورة لأجل رواية القرآن عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلا بدّ من بلوغ الرّواة عنه حدّ التواتر وإن لم يكونوا من العدول، لا أن يكونوا رواةً معدودين وإنّ الأفراد الذين ذكرهم ولي الله رواةً للقرآن عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يبلغون حدّ التواتر كما هو واضح وقد نصّ على اشتراط بلوغ الحدّ المذكور ابن تيميّة الحرّاني - الذي
____________________
(١). قرة العينين: ١١٢.
طالما اقتدى به ولي الله الدهلوي وأخذ بأقواله في مباحث الإِمامة والردّ على الاماميّة - حيث قال: « ولهذا اتّفق المسلمون على أنّه لا يجوز أن يكون المبلّغ عنه العلم واحداً، بل يجب أن يكون المبلّغون أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب، وخبر الواحد لا يفيد العلم إلّا بقرائن، وتلك قد تكون منتفية أو خفيّة عن أكثر الناس، فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنّة المتواترة ».
والثالث: لقد دلّت الأدلّة المتكاثرة من الكتاب والسنّة على أنّ علم الكتاب والسنة لا يؤخذ إلّا من أهل بيت النبوة، كقوله تعالى:( كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) وقوله:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً ) وقوله:( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) وحديث « باب حطّة » و« حديث الثقلين » و حديث « أنا مدينة العلم » وحديث « علي مع القرآن والقرآن مع علي » وما يماثل ذلك
والرابع: تنزيل الفضائل بمنزلة الإِجازات الرّوائية سخيف جدّاً، لأنّ إجازة الحديث تتعلّق بمجرّد رواية الحديث على اللفظ المسموع أو الوجه المجاز، لكنّ الفضائل الثابتة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تدلّ على مقامات جليلة، بل إنّ حديث « أنا مدينة العلم » نص صريح في الأعلمية والأفضلية المستلزمة للخلافة والإِمامة العامّة( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ) .
والخامس: إن المبلّغين إنْ بلغوا حدّ التواتر أفاد خبرهم العلم لمن يعرف الرجال بالأقوال ومن يعرف الأقوال بالرجال على السواء، وإن لم يبلغوا ذلك الحدّ لم يفد خبرهم العلم مطلقاً كذلك وإن كانوا أصحاب فضائل ومناقب، إلّا أن يكون أحدهم الامام المعصوم، فإن إخباره بوحده كافٍ.
والسادس: دعوى اشتراك جميع الصحابة في الفضائل باطلة:
أمّا أولاً: فلأنّ إطلاق صفة « علماء الصحابة » على غير المتّبعين لباب المدينة إطلاق في غير محلّه.
وأمّا ثانياً: فلأنه لا دليل على الاشتراك المذكور، ومن ادّعى فعليه البيان.
وأمّا ثالثاً: فلأن ثبوت بعض الفضائل لبعض الصحابة ليكون ترغيباً للناس في الأخذ منهم، منوط باتّباعهم الثقلين ورجوعهم إلى باب مدينة العلم، ومشروط ببقائهم على حالة الإِطاعة والولاية للثقلين وركوب سفينة النجاة فظهر أنّ من ثبت في حقّه من الفضائل بعض الشيء فذلك بفضل متابعة أهل البيت، فبطلت دعوى المشاركة في الفضائل.
والسابع: إن حديث « أنا مدينة العلم » يدل على شأن جليل خاص بسيّدنا أمير المؤمنينعليهالسلام كما تقدّم بالتفصيل مراراً. وأمّا ما ذكره في حق أُبي ومعاذ فهو بعض الحديث الطويل الموضوع، الذي بحثنا عنه بالتفصيل في جواب كلام العاصمي، فراجع.
ثم لو كان أُبي بن كعب من علماء الدين الذين انتشر بهم دين الله وجرى على لسان نبيّه بعض فضائله ليرغب في الأخذ منه كما زعم ولي الله، فما هذا الذي كان من عمر بن الخطاب في أُبي، وقد رواه شاه ولي الله نفسه في نفس كتابه حيث قال: « وعن سليمان بن حنظلة قال: أتينا أُبي بن كعب لنتحدّث إليه، فلما قام قمنا ونحن نمشي خلفه، فرهقنا عمر فتبعه فضربه عمر بالدرة، قال: فاتّقاه بذراعيه فقال: يا أمير المؤمنين ما تضع؟! قال: أو ما ترى فتنة للمتبوع مذلّة التابع. أخرجه الدارمي »(١) .
كلام آخر لولي الله
ولوليّ الله الدهلوي كلام آخر في حديث مدينة العلم، قال ما تعريبه: « ومثلاً: أنا مدينة العلم وعلي بابها. مقرون بأحاديث كثيرة في حق الشيخين، مثل حديث الإِقتداء، وحديث رؤيا اللبن والقميص، وفي حقّ غيرهما، كفضائل ابن مسعود وعائشة ومعاذ وأُبي بن كعب، وكلّ واحدٍ من هؤلاء مبشر بالعلم، وقد أمر بأخذ العلوم منهم »(٢) .
____________________
(١). قرة العينين: ٨٤.
(٢). قرة العينين: ٢٣٢.
وهذا الكلام كسابقه مرفوض ومردود من وجوه:
الأول: دعوى أنّ حديث أنا مدينة العلم مقرون بفضائل كثيرة للشيخين باطلة:
أمّا أوّلاً: فلا أحاديث دالّة على فضل الشيخين مطلقاً.
وأمّا ثانياً: فلا أحاديث دالّة على علم الشيخين، وما رواه أهل السنة في حقّهما في هذا الباب غير ثابت.
وأمّا ثالثاً: فلأنّ حديث أنا مدينة العلم متّفق عليه بين الفريقين، وما زعم من فضائل للشيخين انفرد بروايته أهل السنّة، فكيف يقارن المنفرد به المتّفق عليه؟
النظر في حديث الاقتداء
والثاني: إن حديث الإِقتداء الذي ذكره الدهلوي هنا قريناً لحديث مدينة العلم، حديث مقدوح سنداً ودلالةً عند أهل السنّة، بل نصّ بعض المحققين منهم على كونه موضوعاً، وتفصيل البحث حوله في قسم حديث الطير من ( كتابنا ) ونكتفي في هذا المقام بكلام ابن حزم وهذا نصّه:
« وأيضاً، فإنّ الرواية قد صحّت بأنّ امرأة قالت: يا رسول الله، أرأيت إنْ رجعت ولم أجدك - كأنها تريد الموت - قال: فأتْي أبا بكر. وهذا نص جلي على استخلاف أبي بكر.
وأيضاً، فإن الخبر قد جاء من الطرق الثابتة إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعائشة رضي الله عنها في مرضه الذي توفي فيهعليهالسلام : لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك، فأكتب كتاباً وأعهد عهداً لكيلا يقول قائل: أنا أحق. أو يتمنّى متمنّ، ويأبى الله والمؤمنون إلّا أبابكر و روي أيضاً: ويأبى الله والنبيّون إلّا أبا بكر. فهذا نص جلي على استخلافه عليه الصلاة والسلام أبا بكر على ولاية الُأمة بعده.
قال أبو محمد: ولو أننا نستجيز التدليس - والأمر الذي لو ظفر به خصومنا طاروا به فرحاً أو أبلسوا أسفاً - لاحتججنا بما روي: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر قال أبو محمد: ولكنه لم يصح، ويعيذنا الله من الاحتجاج بما لا يصح »(١) .
النظر في حديث اللبن سندا
والثالث: إنّ حديث اللبن الذي ذكره ولي الله أيضاً، مقدوح كذلك سنداً، لأنَّ عمدة أسانيده في البخاري، ومدارها جميعاً على ( ابن عمر ) و ( حمزة بن عبد الله ) و ( ابن شهاب الزهري )، وهؤلاء كلّهم مقدوحون مجروحون ولنذكر أولاً الحديث عن البخاري، فنقول:
أخرج في صحيحه: « باب فضل العلم: حدثنا سعيد بن عفير قال: حدّثني الليث قال: حدثني عقيل عن ابن شهاب عن حمزة بن عبد الله بن عمر: أن ابن عمر قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن فشربت حتى أني لأرى الريّ يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر ابن الخطاب. قالوا فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: العلم »(٢) .
« حدّثني محمد بن الصلت أبو جعفر الكوفي، حدّثنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري أخبرني حمزة عن أبيه: إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال بينا أنا نائم شربت - يعني اللبن - حتى أنظر إلى الرّي يجري في ظفري، أو في أظفاري. ثم ناولت عمر قالوا: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: العلم »(٣) .
« باب اللبن: حدّثنا عبدان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس عن الزهري، أخبرني حمزة بن عبد الله: أن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه
____________________
(١). الفصل في الملل والنحل ٤ / ٨٨.
(٢). صحيح البخاري - كتاب العلم ١ / ١٠٦.
(٣). صحيح البخاري - كتاب الفضائل، مناقب عمر ٥ / ٧٠.
وسلّم يقول: بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن فشربت منه، حتى أني لأرى الريّ يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي - يعني عمر - قالوا: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: العلم ».
« باب إذا جرى اللبن في أطرافه أو أظافيره. حدّثنا علي بن عبد الله، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب، حدثني حمزة بن عبد الله بن عمر، أنه سمع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى أني لأرى الريّ يخرج من أطرافي، فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب فقال من حوله: فما أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم »(١) .
« باب إذا أعطى فضله غيره في النوم: حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر: ان عبد الله بن عمر قال سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قول: بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن فشربت منه حتى إني لأرى الريّ يجري، ثم أعطيت فضله عمر. قالوا: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: العلم »(٢) .
« باب القدح في النوم: حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن حمزة بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب. قالوا: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: العلم »(٣) .
تحقيق في حال رواته
ثم نقول: أمّا ابن عمر فقد تكفّل ببيان قوادحه ومطاعنه كتاب ( استقصاء
____________________
(١). صحيح البخاري - كتاب تعبير الرؤيا ٩ / ٦٥٦.
(٢). صحيح البخاري - كتاب تعبير الرؤيا ٩ / ٦٦٣.
(٣). صحيح البخاري - كتاب تعبير الرؤيا ٩ / ٦٦٥.
الإفحام في ردّ منتهى الكلام ) بالتفصيل، فراجعه.
وأمّا حمزة بن عبد الله بن عمر فيكفي في قدحه بيعته ليزيد بن معاوية، وقد جمع ابن عمر حشمه وولده ونهاهم عن نقض بيعة يزيد، أخرج البخاري في كتاب الفتن: « باب إذا قال عند قومٍ شيئاً ثم خرج فقال بخلافه: حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال: لمـّا خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله، ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلّا كانت الفيصل بيني وبينه »(١) .
وأمّاابن شهاب الزهري فقد ذكر القوم له قوادح كثيرة جداً، ذكر جملة منها في ( تشييد المطاعن )، وإليك بعضها:
١ - كونه من المنحرفين عن أمير المؤمنينعليهالسلام - قال ابن أبي الحديد: « وكان الزهري من المنحرفين عنه. وروى جرير بن عبد الحميد عن محمد بن شيبة قال: شهدت مسجد المدينة، فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكران عليّاً، فنالا منه، فبلغ ذلك علي بن الحسين -عليهماالسلام - فجاء حتى وقف عليهما فقال: أما أنت يا عروة فإن أبي حاكم أباك إلى الله فحكم لأبي علي أبيك. وأما أنت يا زهري فلو كنت بمكة لأريتك كير أبيك »(٢) .
ومن انحرافه ما ذكره ابن عبد البر بترجمة زيد بن حارثة إنّه « قال: ما علمنا أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة. قال عبد الرزاق: وما أعلم أحداً ذكره غير الزهري »(٣) .
____________________
(١). صحيح البخاري ٩ / ٦٩٠.
(٢). شرح نهج البلاغة ٩ / ٦٩٠.
(٣). الاستيعاب ٢ / ٥٤٦.
٢ - روايته عن عمر بن سعد قاتل الحسينعليهالسلام - ذكر ذلك علماء الرجال بترجمة عمر بن سعد قال الذهبي: « عنه الزهري وقتادة. قال ابن معين: كيف يكون من قتل الحسين ثقة؟»(١) .
٣ - مجالسته لبني أميّة وعمله لهم - وحكم من خالط الظالمين وجالسهم، وعمل لهم وأخذ جوائزهم - واضح. قال الذهبي: « قال سعيد بن عبد العزيز: أدّى هشام عن الزهري سبعة آلاف دينار ديناً، وكان يؤدّب ولده ويجالسه، قلت: وفد في حدود سنة ٨٠ على الخليفة عبد الملك، فأعجب بعلمه ووصله وقضى دينه »(٢) .
وقال ابن حجر بترجمة الأعمش: « حكى الحاكم عن ابن معين أنّه قال: أجود الأسانيد: الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. فقال له إنسان: الأعمش مثل الزهري. فقال: تريد من الأعمش أن يكون مثل الزهري! الزهري يرى العرض والإِجازة، ويعمل لبني أمية. والأعمش فقير صبور مجانب للسلطان، ورع عالم بالقرآن »(٣) .
وقال عبد الحق الدهلوي: « ويقال: إنه قد ابتلي بصحبة الُأمراء بقلّة الديانة، لضرورات عرضت له، وكان أقرانه من العلماء والزهّاد يأخذون عليه وينكرون ذلك منه، وكان يقول: أنا شريك في خيرهم دون شرّهم، فيقولون: ألا ترى ما هم فيه وتسكت »(٤) .
كتاب أبي حازم إلى الزهري
ومن هنا كتب إلى الزهري أخ له في الدّين كتاباً ينكر عليه ما كان منه من
____________________
(١). الكاشف ٢ / ٣١١. وأنظر تهذيب التهذيب ٧ / ٣٩٦. وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ٢ / ٢٧٠.
(٢). تذكرة الحفاظ ١ / ١٠٨.
(٣). تهذيب التهذيب ٤ / ١٩٧.
(٤). رجال المشكاة - ترجمة الزهري.
مخالطة سلاطين الجور قال أبو حامد الغزّالي: « ولما خالط الزهري السلطان كتب أخ له في الدين إليه: عافانا الله وإيّاك أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك، أصبحت شيخاً كبيراً قد أثقلتك نعم الله لما فهّمك من كتابه وعلّمك من سنّة نبيّه محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء. قال الله تعالى:( لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ) واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم وسهّلت سبيل البغي، بدنوّك ممن لم يؤدِّ حقاً ولم يترك باطلاً حين أدناك، اتّخذوك قطباً تدور عليك رحى ظلمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلّمـاً يصعدون فيه إلى ضلالتهم، يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ ) الآية. وإنك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل فداو دينك فقد دخله سقم، وهيّئ زادك فقد حضر سفر بعيد، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء. والسلام »(١) .
وأورده جار الله الزمخشري في تفسير قوله تعالى:( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) (٢)
وقال الطيبي بشرح الحديث: « إذا مدح الفاسق غضب الرب تعالى واهتزّ له العرش » ما نصّه: « قوله: اهتز له العرش. اهتزاز العرش عبارة عن وقوع أمر عظيم وداهية دهياء، لأن فيه رضىً بما فيه سخط الله وغضبه، بل يقرب أن يكون كفراً، لأنه يكاد يفضي إلى استحلال ما حرّمه الله تعالى. وهذا هو الداء العضال لأكثر العلماء والشعراء والقرّاء والمرائين في زماننا هذا. وإذا كان هذا حكم من مدح
____________________
(١). احياء علوم الدين - كتاب الحلال والحرام ٢ / ١٤٣.
(٢). تفسير الكشاف ٢ / ٤٣٣.
الفاسق فكيف بمن مدح الظالم وركن إليه ركوناً وقد قال تعالى:( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) .
الكشاف: النهي متناول للإِنحطاط في هواهم والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم والتشبّه بهم، والتزّيي بزيّهم ومدّ العين إلى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم. ولمـّا خالط الزهري السلاطين »(١) .
وقد نقل عبارة الطيبي الملّا علي القاري في شرح الحديث المذكور في ( المرقاة )(٢) .
ويظهر من ( شرح الإِحياء ) أنّ الكتاب أطول ممّا ذكروا، وأنّ كاتبه هو « أبو حازم الأعرج»(٣) ، فلأمر مّا لم يذكروا النصّ الكامل للكتاب، ولم يذكروا اسم كاتبه، وإليك ما أورد الزبيدي بعد شرح النّص المتقدّم القصّة كاملةً عن ( حلية الأولياء ) ننقلها لفوائدها الجمّة: « هذه القصّة أوردها أبو نعيم في الحلية في ترجمة أبي حازم بأطول مما هنا، وها أنا أسوقها بتمامها. قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن مقسم أبو الحسن، وأبو بكر محمد بن أحمد بن هارون الوراق الأجهاني قالا: حدّثنا أحمد بن محمد بن عبد الله صاحب ابن شجرة، حدّثنا هارون بن حميد الذهلي، حدثنا الفضيل بن عتبة عن رجل قد سمّاه وأراه عبد الحميد بن سليمان، عن الذيالي ابن عباد قال: كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري: عافانا الله وإيّاك أبا بكر من الفتن ورحمك من النار، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك بها،
____________________
(١). الكاشف للطيّبي - مخطوط.
(٢). المرقاة في شرح المشكاة ٤ / ٦٤٠.
(٣). هذا بناءً على ما جاء في كتب القوم، لكن الصحيح أنّ الكاتب هو الامام علي بن الحسين السجّاد عليه الصلاة والسلام كما في كتاب ( تحف العقول عن آل الرسول ) لكن في المتن الوارد في كتب القوم زيادات على المتن الوارد في الكتاب المذكور. فلأمرٍ مّا كتموا اسم الكاتب أو نسبوه إلى غيره وزادوا فيه!
أصبحت شيخاً كبيراً قد أثقلتك نعم الله عليك بما أصح من بدنك وأطال من عمرك، وعلمت حجج الله تعالى بما حمّلك من كتابه وفقّهك فيه من دينه وفهّمك من سنّة نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فرمى بك في كل نعمة أنعمها عليك وكلّ حجة يحتج بها عليك الغرض الأقصى، ابتلى في ذلك شكرك وأبدى فيه فضله عليك، وقد قال:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) .
أُنظر أيّ رجل تكون إذا وقفت بين يدي الله فيسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها، وعن حججه عليك كيف قضيتها، ولا تحسبن الله تعالى راضياً منك بالتغرير، ولا قابلاً منك التقصير، هيهات ليس كذلك في كتابه إذ قال:( لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ) الآية. إنك تقول: إنك جدل ماهر عالم، قد جادلت الناس فجدلتهم وخاصمتهم فخصمتهم، إدلالاً منك بفهمك واقتداراً منك برأيك، فأين تذهب عن قول الله تعالى:( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ في الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) الآية.
إعلم أن أدنى ما ارتكبت وأعظم ما اقتفيت أنْ آنست الظالم وسهّلت له طريق الغي بدنوّك حين أدنيت وبإجابتك حين دعيت، فما أخلقك أن ينوّه باسمك غداً مع الجرمة، وأن تسئل بإغضائك عمّا أردت عن ظلم الظلمة، إنك أخذت ما ليس لمن أعطاك، ودنوت ممن لم يرد على أحد حقّاً ولا يرد باطلاً حين أدناك، وأجبت من أراد للتدليس بدعائه إيّاك حين دعاك، جعلوك قطباً تدور رحى باطلهم وجسراً يعبرون بك إلى بلائهم، وسلمـّاً إلى ضلالتهم، وداعياً إلى غيّهم، سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم لهم إلّا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم. فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، وما أقلّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسئول، وانظر كيف إعظامك أمر من جعلك بدينه في الناس مبجّلاً، وكيف صيانتك من جعلك بكسوته ستيراً،
وكيف قربك وبعدك ممن أمرك أن تكون منه قريباً.
مالك لا تنتبه من نومتك وتستقل من عثرتك فتقول: والله ما قمت لله مقاماً واحداً أحيي له فيه ديناً ولا أمتُّ فيه باطلاً، إنما شكرك لمن استحملك كتابه واستودعك علمه، فما يؤمنك أن تكون من الذين قال الله تعالى:( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى ) . إنك لست في دار مقام وإخلاد، اذنت بالرحيل فما بقاء امرئ بعد أقرانه. طوبى لمن كان في الدنيا على وجل، يا بؤس من يموت وتبقى ذنوبه من بعده. إنك لن تؤمر بالنظر لوارثك على نفسك، ليس أحد أهلاً أنْ تتركه على ظهرك، ذهبت اللذّة وبقيت التبعة، ما أشقى من سعد بكسبه غيره، إحذر فقد اُتيت وتخلّص فقد ذهبت. إنك تعامل من لا يجهل والذي يحفظ عليك لا يغفل، تجهّز فقد دنا منك سفر بعيد، وداوِ دينك فقد دخله سقم شديد. ولا تحسبنّي أني أردت توبيخك أو تعييرك وتعنيفك، ولكن أردت أن تنعش ما فات من رأيك، وترد عليك ما غرب عنك من حلمك، وذكرت قوله تعالى( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) .
أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك، وبقيت بعدهم كقرن أعضب. فانظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به، أو دخلوا في مثل ما دخلت فيه، وهل تراه ادخر لك خيراً منعوه، أو عملت شيئاً جهلوه، بل جهلت ما ابتليت به من حالك في صدور العامة. وكلفهم بك، أنْ صاروا يقتدون برأيك ويعملون بأمرك، إن أحللت أحلوا وإن حرّمت حرّموا، وليس ذلك عندك ولكنهم أكبّهم عليك رغبتهم فيما في يدك وتغلب عماهم وغلبة الجهل عليك وعليهم وحب الرياسة وطلب الدنيا منك ومنهم. أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة، وما الناس فيه من البلاء والفتنة، ابتليتهم بالشغل عن مكاسبهم وفتنتهم بما رأوا من أثر العلم عليك، وتاقت أنفسهم إلى أن يدركوا بالعلم ما أدركت ويبلغوا منه مثل الذي بلغت، فوقعوا منك في بحر لا يدرك قعره وفي بلاء لا يقدّر قدره، فالله لنا ولك ولهم المستعان.
إعلم أن الجاه جاهان: جاه يجريه الله على يدي أوليائه لأوليائهم فهؤلاء قال الله تعالى:( أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ ) وما أخوفني أن تكون نظيراً لمن عاش مستوراً عليه في دينه مقتوراً عليه في رزقه، معزولة عنه البلايا مصروفة عنه الفتن في عنفوان شبابه وظهور جلده وكمال شهوته، فغنى بذلك، حتى إذا كبرت سنّة ودقّ عظمه وضعفت قوته وانقطعت شهوته ولذّته فتحت عليه الدنيا شر مفتوح، فلزمته تبعتها وعلقته فتنتها وأعشت عينيه زهرتها وصفت لغيره منفعتها. فسبحان الله ما أبين هذا الغبن وأخسر هذا الأمر، فهلاّ إذا عرضت لك فتنها ذكرت أمير المؤمنين عمررضياللهعنه في كتابه إلى سعد حين خاف عليه مثل الذي وقعت فيه - عند ما فتح الله على سعد - أمّا بعد فأعرض عن زهرة ما أنت فيه حتى تلقى الماضين الذين دفنوا في أرماسهم لاصقة بطونهم بظهورهم، ليس بينهم وبين الله حجاب، لم تفتنهم الدنيا ولم يفتتنوا بها رغبوا فطلبوا فما لبثوا أن لحقوا.
فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا في كبر سنّك ورسوخ علمك وحضور أجلك فمن يلوم الحَدَث في شبيبته الجاهل في علمه في رأيه المدخول في عقله. إنّا لله وإنّا إليه راجعون على من المعوّل وعند من المستغاث. ونشكو إلى الله شيئا وما نرى منك. ونحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به. والسلام عليك ورحمة الله تعالى »(١) .
ترجمة أبي حازم الأعرج
ولا يخفى أنّ أبا حازم الأعرج من كبار علماء أهل السنّة، ومن مشاهير رجال الصحاح الستّة، قال ابن حبان: « سلمة بن دينار وكان قاصّ أهل المدينة، من عبّادهم وزهّادهم، بعث إليه سليمان بن عبد الملك بالزهري أن ايتني، فقال
____________________
(١). حلية الأولياء ٣ / ٢٤٦ - ٢٤٩.
له الزهري: أجب الأمير، فقال له: مالي إليه حاجة، فإن كان له حاجة فليأتني »(١) .
وقال ابن الأثير: « من عبّاد أهل المدينة وثقاتهم، والمشهورين من تابعيهم »(٢) .
وقال الذهبي: « أحد الأعلام قال ابن خزيمة: ثقة لم يكن في زمانه مثله. توفي سنة ١٤٠ وقيل ١٣٥ وقيل ١٤٢ »(٣) .
وقال الذهبي: « مناقب أبي حازم كثيرة، وكان فقيهاً ثبتاً كبير القدر »(٤) .
وقال ابن حجر: « ثقة عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور »(٥) .
حال والد الزهري وجدّه
ولا يخفى أنّ الزهري قد ورث العداء لأهل البيت من أجداده، فقد « كان أبو جدّه عبد الله بن شهاب شهد مع المشركين بدراً، وكان أحد النفر الذين تعاقدوا يوم أحد لئن رأوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليقتلنّه أو ليقتلنّ دونه. وروي: أنه قيل للزهري: هل شهد جدك بدراً؟ فقال: نعم ولكن من ذلك الجانب. يعني إنه كان في صف المشركين.
وكان أبوه مسلم مع مصعب بن الزبير »(٦) .
بل ذكر بعض العلماء: أن جدّه هو الذي شجّ وجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (٧) .
____________________
(١). الثقات ٤ / ٣١٦.
(٢). جامع الأصول - مخطوط.
(٣). الكاشف ١ / ١٣٤.
(٤). تذكرة الحفاظ ١ / ١٣٤.
(٥). تقريب التهذيب ١ / ٣١٦.
(٦). وفيات الأعيان ٣ / ٣١٧.
(٧). أنظر ترجمة عبد الله بن شهاب من الاستيعاب وأسد الغابة، وغزوة أحد من كتب السّير: السيرة =
٤ - اشتهاره بالتّدليس - قال الذهبي: « كان يدلِّس في النادر »(١) . وقال أيضاً: « قال قدامة السرخسي قال يحيى بن سعيد: مرسل الزهري شرّ من مرسل غيره »(٢) . وذكره سبط ابن العجمي في ( التبيين لأسماء المدلّسين ) ونصّ على أنّه « مشهور به ».
هذا، وقد أعرض ولي الله الدهلوي نفسه عن حديث الزهري في المتعة في كتاب ( قرة العينين ) وقال بأنّ ما رواه لم يروه الثقات. ومن أراد أن يقف على تفصيل هذا المرام، فليرجع إلى مبحث تحريم المتعة من كتاب ( تشييد المطاعن ).
النظر في حديث اللبن دلالة ً
والرابع: إنّ حديث اللبن مقدوح من حيث المعنى والدّلالة أيضاً، فقد كان حينذاك في الأصحاب من هو أفضل من عمر بن الخطاب، فيقتضي هذا الحديث أنْ يكون النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قد رجّح المفضول على الفاضل، وهو قبيح قطعاً، ولا يجوز نسبة القبيح إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وأيضاً: ينافي مذهب أهل السنة في التفضيل، لأنّه يقتضي تفضيل عمر بن الخطاب على أبي بكر
وأيضاً: يصادم الواقع والعيان، فقد علم الكلّ بجهل عمر بأوضح المسائل، فلو كان للحديث حظ من الصحّة، وكان عمر قد حصل على قطرةٍ من بحار علوم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم - ولو في عالم المنام - لما كان بهذه الدرجة من الجهل والغباوة حتى أنهم رووا عنه قوله: « وإني لا أدع بعدي شيئاً أهم إليّ من الكلالة، وما أغلظ لي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في شيء منذ صاحبته
____________________
= النبويّة لابن هشام، وزاد المعاد لابن القيّم، وسبل الهدى والرشاد، وإنسان العيون لنور الدين الحلبي.
(١). ميزان الاعتدال ٤ / ٤٠.
(٢). تذكرة الحفاظ ١ / ١٠٨.
ما أغلظ لي في الكلالة، وما راجعته في شيء ما راجعته في الكلالة، حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء »(١) . وعنه أنّه قال في الكلالة: « ما أراني أعلمها أبداً، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما قال »(٢) .
ومن هنا يعلم عدم اطّلاع واضع الخبر على واقع حال عمر.
ثم أيّ مناسبة لهذا الحديث من حديث أنا مدينة العلم؟ فإنه لو سلّمنا صحته سنداً، وفرضنا ثبوت معناه، فإنّ غاية مدلوله حصول جزءٍ يسير ممّا فضل عن علم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لعمر بن الخطاب، وأين من حصل على جزء يسير من العلم عمّن كان باب مدينة العلم!!
إنّ حديث مدينة العلم يدلّ على المساواة بين النبي وعلي عليهما وآلهما السلام في العلم، وقد تحقّق ذلك فيما سبق بنصوص أساطين أهل السنة، وحديث اللبن يدلّ على حصول ما فضل عن علم النبي لعمر، وقد نصّ على ذلك أساطين أهل السنة كذلك، فقد قال الحافظ ابن حجر: « قوله: باب فضل العلم. الفضل هنا بمعنى الزيادة، أي ما فضل عنه »(٣) وقال بشرحه في كتاب المناقب: « والمراد بالعلم هنا العلم بسياسة الناس بكتاب الله وسنة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واختص عمر بذلك لطول مدّته بالنسبة إلى أبي بكر، وباتّفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان، فإن مدّة أبي بكر كانت قصيرة، فلم
____________________
(١). مسند أحمد ١ / ٢٧.
(٢). كنز العمال ١١ / ٧٨: « عن سعيد بن المسيّب: انّ عمر سأل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كيف يورث الكلالة؟ قال: أو ليس قد بيّن الله ذلك؟ قرأ( وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ ) إلى آخر الآية. وكان عمر لم يفهم. فأنزل الله( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلالَةِ ) إلى آخر الآية. فكان عمر لم يفهم. فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم طيب نفسٍ اسأليه عنها! فقال: أبوك ذكر لك هذا؟ ما أرى أباك يعلمها أبداً! فكان يقول: ما أراني أعلمها أبداً وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما قال. ابن راهويه وابن مردويه. وهو صحيح ».
(٣). فتح الباري ١ / ١٤٦.
يكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف، ومع ذلك فساس عمر فيها مع طول مدّته الناس، بحيث لم يخالفه أحد، ثم ازدادت اتّساعاً في خلافة عثمان، فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء، ولم يتفق له ما اتفق لعمر من طواعية الخلق له، فنشأت من ثم الفتن إلى أنْ أفضى الأمر إلى قتله، واستخلف علي فما ازداد الأمر إلّا اختلافاً والفتن إلّا انتشاراً »(١) .
وقال في كتاب التعبير: « وأمّا إعطاؤه فضله عمر ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله، بحيث كان لا يأخذه في الله لومة لائم »(٢) .
وكذا قال غيره من شراح البخاري كالعيني والقسطلاني فراجع.
ولا تجد أحداً منهم يجرأ على القول بتساوي النبي وعمر في العلم، إستناداً إلى هذا الحديث المصنوع الموضوع
النظر في حديث القميص سندا ً
والخامس: إنّ حديث القميص الذي ذكره ولي الله، في مقابلة حديث مدينة العلم، من أضغاث أحلام أسلاف السنّية، وليس له ذكر في أخبار الشيعة الاماميّة، بخلاف حديث مدينة العلم المتفق عليه بين الفريقين، وهذا كافٍ لبطلان كلام ولي الله.
على أنّه حديث مقدوح سنداً كحديث اللّبن، فإن مدار عمدة أسانيده - وهي أسانيد البخاري - على « ابن شهاب الزهري » الذي عرفت حاله عن قريب، وإن شئت التأكّد ممّا ذكرناه فانظر إلى سنده في ( صحيح البخاري ):
« حدثنا محمد بن عبيد الله قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليَّ وعليهم قمص، منها
____________________
(١). المصدر نفسه ٧ / ٣٥.
(٢). المصدر نفسه ١٢ / ٣٣٢.
ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك، وعرض عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه. قالوا: فما أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين »(١) .
« حدثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن أبي سعيد الخدريرضياللهعنه قال سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا عليّ وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك. وعرض عليّ عمر وعليه قميص اجتره. قالوا: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: الدين »(٢) .
« باب القميص في المنام. حدّثنا علي بن عبد الله، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثني أبي عن صالح عن ابن شهاب، حدّثني أبو أمامة بن سهل أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليَّ وعليهم قميص، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك. ومر عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره. قالوا: ما أوّلت يا رسول الله؟ قال: الدين ».
« باب جرّ القميص في المنام. حدّثنا سعيد بن عفير، حدّثني الليث، حدّثني عقيل عن ابن شهاب، أخبرني أبو أمامة بن سهل، عن أبي سعيد الخدريرضياللهعنه قال سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . يقول: بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا عليَّ وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك. وعرض عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجترّه. قالوا: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: الدين »(٣) .
هذا من جهة. ومن جهةٍ أخرى ترى الزهري ينسب الحديث تارةً إلى أبي سعيد الخدري، كما في روايات البخاري المذكورة، وأُخرى يبهم فينسبه إلى بعض
____________________
(١). صحيح البخاري - كتاب الايمان ١ / ٧٤.
(٢). صحيح البخاري - كتاب المناقب ٥ / ٧٣.
(٣). صحيح البخاري - كتاب التعبير ٩ / ٦٥٧.
أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما في رواية الترمذي، قال: « حدّثنا الحسين بن محمد الجريري البلخي، حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي اُمامة بن سهل بن حنيف، عن بعض أصحاب النبي: إن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ أسفل من ذلك، فعرض عليّ عمر وعليه قميص يجرّه، قالوا: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: الدّين »(١) .
ولمـّا كان الزهري مشهوراً بالتصرّف في الأسانيد، كما سبق التنبيه عليه عن قريب في قوادحه، ويلاحظه كل من راجع ترجمته في كتب الرجال، فإنّ اضطرابه في خصوص هذا الحديث يوجب وهنه وهوانه عند أهل الإِنصاف والإِمعان.
النّظر في حديث القميص دلالة
ثم إنّ هذا الحديث يشتمل على أنّ عمر كان عليه قميص يجرّه، لكنّ تطويل القميص وجرّه ممّا ثبت الوعيد عليه، كما لا يخفى على من نظر في أحاديث كتاب اللباس من ( صحيح البخاري )، وكأنّ واضع هذا الحديث غفل عمّا يستتبع هذا الحديث من نسبة تقرير الفعل غير المشروع في الشريعة إلى صاحبهاصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ومن هنا قال بعض الشرّاح بأنّ جرّ القميص في اليقظة مذموم وفي المنام محمود، لكنْ لا دليل لهم على ذلك، والاستناد فيه إلى نفس هذا الحديث مصادرة قال ابن حجر والقسطلاني: « وهذا من أمثلة ما يحمد في المنام ويذمّ في اليقظة شرعاً، أعني جرّ القميص، لما ثبت من الوعيد على تطويله »(٢) .
وممّا يدلّ على بطلانه دلالة هو: إنّه ينافي مذهب أهل السنّة، لأنّه يدلّ على أفضليّة عمر من أبي بكر، فاضطرّ القوم إلى توجيهه وتأويله بنحو من الأنحاء - ولو
____________________
(١). صحيح الترمذي ٤ / ٤٦٧.
(٢). فتح الباري ١٢ / ٣٣٣، إرشاد الساري ١٠ / ١٤١.
لم يكن في البخاري لأسقطوه رأساً - لكنّ كلماتهم متهافتة وأقوالهم متناقضة، « ولن يصلح العطّار ما أفسده الدهر »:
قال ابن حجر: « وقد استشكل هذا الحديث بأنه يلزم منه أن عمر أفضل من أبي بكر الصدّيق، والجواب عنه: تخصيص أبي بكر من عموم قوله: عرض عليّ الناس. فلعلّ الذين عرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر، وإن كون عمر عليه قميص يجرّه لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر قميص أطول منه وأسبغ، فلعلّه كان كذلك، إلّا أن المراد كان حينئذ بيان فضيلة عمر فاقتصر عليها. والله أعلم »(١) .
« وفيه فضيلة لعمر، وقد تقدّم الجواب عمّا يستشكل من ظاهره، وإيضاح أنه لا يستلزم أن يكون أفضل من أبي بكر، وملخّصه: إن المراد بالأفضل من يكون أكثر ثواباً والأعمال علامات الثواب، فمن كان عمله أكثر فدينه أقوى، ومن كان دينه أقوى فثوابه أكثر، ومن كان ثوابه أكثر فهو أفضل، فيكون عمر أفضل من أبي بكر. وملخّص الجواب: إنه ليس في الحديث تصريح بالمطلوب، فيحتمل أن يكون أبو بكر لم يعرض في أولئك الناس، إمّا لأنه كان قد عرض قبل ذلك، وإما لأنه لا يعرض أصلاً، أو أنّه لما عرض كان عليه قميص أطول من قميص عمر، ويحتمل أن يكون سرّ السكوت عن ذكره الاكتفاء بما علم من أفضليته.
ويحتمل أن يكون وقع ذكره فذهل عنه الراوي. وعلى التنزل بأن الأصل عدم جميع هذه الإِحتمالات فهو معارض بالأحاديث الدالّة على أفضليّة الصدّيق، وقد تواترت تواتراً معنوياً، فهي المعتمدة. وأقوى هذه الإِحتمالات أن لا يكون أبو بكر عرض مع المذكورين. والمراد من الخبر التنبيه على أنّ عمر ممن حصل له الفضل البالغ في الدين، وليس فيه ما يصرّح بانحصار ذلك فيه»(٢) .
وكذا قال غيره من شرّاح البخاري، فراجع العيني والقسطلاني في المواضع المذكورة.
____________________
(١). فتح الباري ٧ / ٤١.
(٢). فتح الباري ١٢ / ٣٣٣.
وأيضاً: لو صحَّ هذا الحديث لما ظهرت عورة جهل عمر، لأنّهم قالوا في شرحه بأنّ الدين يستر عورة الجهل قال ابن حجر في كتاب التعبير: « وقال ابن العربي: إنما أوّله النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بالدّين، لأنّ الدين يستر عورة الجهل كما يستر الثوب عورة البدن » والحال أنّ عورة جهل عمر بادية لكلّ ناظر في أحواله وسيره، كما هو مفصّل في كتب أصحابنا الأعلام، لا سيّما ( تشييد المطاعن ) ولعلّ واضع الحديث لم يقف على حقيقة حال الخليفة وإلّا لم يضعه، وهكذا يفتضح الخرّاصون بما يعملون، والله خبير بما يفتعلون ويفعلون.
إيقاظ وتنبيه
إنّ احتجاج وليّ الله الدهلوي بخبر رؤيا اللبن وحديث رؤيا القميص على علم عمر بن الخطاب، يدل بوضوح على شدّة فقره وخلوّ يده من حديث لائق بالاحتجاج في هذا الباب، وإلّا لم يتمسّك بمنامين مصنوعين، في مقابلة حديث مدينة العلم المتفق عليه بين الفريقين، لكنّ الإمامية يتمسّكون بحديث المدينة ونظائره من الأحاديث المعتبرة - مضافاً إلى الآيات القرآنية - لإثبات أعلميّة سيدنا أمير المؤمنين من جميع الخلائق بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لكنّ أعلميته ثابتة عن طريق المنامات أيضاً، فقد ثبت في علم تعبير الرؤيا أن من رأى الامامعليهالسلام في المنام رزقه الله العلم، وليس هذا إلّا لكونه أعلم الأمة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّه لم ينل هذه المرتبة أحد من أصحابه وإليك كلمات بعض علماء السنّة الصريحة فيما ذكرنا:
قال أبو سعد الخركوشي: « وإنْ رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه حيّاً أكرم بالعلم ورزق الشجاعة والزهد »(١) .
وقال خليل بن شاهين الظاهري: « ومن رأى علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه فإنه يكون عالي المحلّ ورفيع المكان وطلق اللسان وشجاعاً وقوي القلب
____________________
(١). كتاب التعبير. الباب الرابع.
مؤثّراً مصدّقاً. وقيل: من رآه وهو طلق الوجه ينال علماً وشجاعة، ومن رآه حيّاً في مكان ينال أهل ذلك المكان العلم والعدل والانصاف، ويرفع عنهم الجور والإعتساف »(١) .
وقال عبد الغني ابن النابلسي: « وإن رآه عالم ينال علماً ونسكاً وجلالاً وقوةً على مناظرته»(٢) .
قال: « وربما دلّت رؤياه على الخلافة والامامة والأسفار الشاقة والغنائم للمؤمنين وعلى إظهار الكرامات، ومن رآه أكرم بالعلم ورزق السخاء والشجاعة والزهد، ومن رآه حيّاً صار محسوداً، وآتاه الله تعالى الحكم ونفاذ الأمر والتقوى واتّباع السّنة ».
دعوى مقارنة ما ورد في فضل ابن مسعود لحديث المدينة
ثم إن ولي الله الدهلوي ادّعى مقارنة ما ورد في فضل عبد الله بن مسعود لحديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » وهذه دعوى مردودة، لأنّ ما أشار إليه الدّهلوي ممّا تفرّد به أهل السنّة، ولا يقارن المتفرد به المتّفق عليه، ولأنّ تلك الأحاديث التي رووها في باب علم ابن مسعود لا تقابل حديث المدينة من حيث السّند، فإنّه حديث متواتر كما بيّنا سابقاً، وتلك الأحاديث لم تبلغ حدّ التواتر، كما لا يخفى على من رجع إليها، وغير المتواتر لا يقارن المتواتر.
هذا، على أنّ ابن مسعود من تلامذة أمير المؤمنينعليهالسلام ، ومن المعترفين بأعلميّته كما سيأتي إنْ شاء الله فيما بعد بالتفصيل، فكلّ فضيلةٍ تثبت له فهي ببركة تتلمذه على الإمام، فما يروونه في حقّه مؤيّد لمطلوب الامامية لا مخالف
____________________
(١). الاشارات في علم العبارات ٢ / ٢٥ هامش تعطير الأنام.
(٢). تعطير الأنام في تعبير المنام ٢ / ٧٧.
دعوى مقارنة ما ورد في فضل عائشة لحديث المدينة
وأمّا دعواه مقارنة ما ورد في فضل عائشة لحديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » فأضعف من سابقتها، إذ لم يثبت في فضل عائشة حديث واحد من طرق أهل السنّة، ومن ادّعى فعليه البيان وعلينا دمغ رأسه بأبين الدّليل والبرهان ومع التسليم فهو ممّا تفرّد به أهل السنّة، وهو لا يقارن ما اتفق عليه الطرفان.
ثمّ إنّ عائشة تعترف بأعلميّة الامامعليهالسلام - كما سيأتي - فكيف يدّعى معارضة ما وضع في شأنها مع حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها؟!
وأيضاً، جهلها بأقوال النبي وحالاته، واستدراكاتها الباطلة على أصحابه من القضايا المشهورة، وقد ألّفت في ذلك الكتب الخاصة مثل ( الاصابة لإِيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، للزّركشي ) و ( عين الإِصابة في استدراك عائشة على الصّحابة، للسّيوطي )
دعوى مقارنة ما ورد في فضل معاذ وأُبيّ لحديث المدينة
وكذا الكلام في دعواه معارضة ما ورد في فضل معاذ بن جبل وأُبيّ بن كعب لحديث أنا مدينة العلم وعلي بابها، فلو ورد في حقّهما شيء في هذا الباب، وثبت سنداً، فإنه حديث تفرّد به أهل السنة، وهو من أخبار الآحاد قطعاً، وما كان من هذا القبيل لا يقاوم حديث مدينة العلم المتواتر المتّفق عليه بين الجميع، والدال على العصمة والأعلمية المطلقة بالأدلة والوجوه الكثيرة المتقنة.
وبما ذكرنا ظهر سقوط كلامه الأخير من أن هؤلاء الصحابة الذين ذكرهم هم المبشّرون للعلم، والذين ورد الأمر بأخذ العلومْ عنهم، إذ لم يثبت كونهم مبشّرين للعلم، فضلاً عن الأمر بأخذ العلوم عنهم، ومن ادّعى فعليه الإِثبات.
ولو سلّم كون ابن مسعود وأُبيّ مبشرين له فأين الأمر بالأخذ عنهما؟ ولو سلّم فهو بفضل تتلمذهما على الامامعليهالسلام ، فلا ينافي ما نحن بصدده من إثبات
الأعلميّة له.
توقيف فيه تعنيف
ثم إذا كان الأمر كما ذكر الدهلوي، فلما ذا نهى عمر ابن مسعود من نشر علمه وحال دون أخذ الأمّة منه؟! فقد ذكر الدهلوي نفسه: « عن محمد بن سيرين قال قال عمر لابن مسعود: ألم أنبأ - أو أنبئت - أنك تفتي ولست بأمير، ولّ حارّها من تولى قارّها - أخرجه الدارمي »(١) .
ولما ذا فعل به عثمان ما فعل ممّا طفحت به الكتب والأسفار؟!
وأيضاً: لما ذا اشتد عمر على أبيّ بن كعب وأغلظ له وأساء إليه في مواضع كثيرة:
منها: في قوله تعالى:( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ) قال الحاكم: « حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد، ثنا محمد بن شعيب بن شابور ثنا عبد الله بن العلاء بن زبر عن بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس عن أبيّ بن كعب: إنه كان يقرأ:( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ) ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام( فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ ) . فبلغ ذلك عمر فاشتدّ عليه، فبعث إليه وهو يهنا ناقة له، فدخل عليه فدعا ناساً من أصحابه فيهم زيد بن ثابت فقال: من يقرأ منكم سورة الفتح؟ فقرأ زيد على قراءتنا اليوم، فغلظ له عمر فقال له أُبيّ: أتكلم فقال: تكلّم. فقال: لقد علمت أني كنت أدخل على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقرّئني وأنتم بالباب، فإنْ أحببت أن أُقرئ الناس على ما أقرأني وإلّا لم أقرأ حرفاً ما حييت. قال له: بل أقرئ الناس. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه »(٢) .
____________________
(١). قرة العينين: ١٨٨.
(٢). المستدرك على الصحيحين ٢ / ٢٢٥.
و روى المتقي: « عن أبي إدريس الخولاني قال: كان أبيّ يقرأ: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام، فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ فبلغ ذلك عمر فاشتدّ عليه، فبعث إليه فدخل عليه فدعا ناساً من أصحابه فيهم زيد بن ثابت فقال: من يقرأ منكم سورة الفتح؟ فقرأ زيد على قراءتنا اليوم، فغلظ له عمر. فقال أبيّ: أتكلّم؟ قال: تكلّم، فقال: لقد علمت أني كنت أدخل على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ويقرئني وأنت بالباب. فإن أحببت أن أقرئ الناس على ما أقرأني وإلّا لم أُقرئ حرفاً ما حييت! قال: بل أقرئ الناس. رن وابن أبي داود في المصاحف، ك. وروى ابن خزيمة بعضه »(١) .
ورواه ولي الله الدهلوي نفسه في المقصد الثاني من ( إزالة الخفاء ) وفي ( قرة العينين ) عن الحاكم.
ومنها: في قوله تعالى:( مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ ) الآية - قال المتقي: « عن أبي مجلز: إن أبي بن كعب قرأ:( مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ ) . فقال عمر: كذبت. قال: أنت أكذب. فقال رجل: تكذّب أمير المؤمنين!! قال: أنا أشدّ تعظيماً لحق أمير المؤمنين منك، ولكن كذّبته في تصديق كتاب الله، ولم أُصدّق أمير المؤمنين في تكذيب كتاب الله. فقال عمر: صدق. عبد بن حميد، وابن جرير، عد »(٢) .
ومنها: في قوله تعالى:( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ) روى المتقي: « عن عمر بن عامر الأنصاري: إن عمر بن الخطاب قرأ: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الذين اتّبعوهم بإحسان. فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في الذين. فقال له زيد بن ثابت: والذين اتّبعوهم بإحسان. فقال عمر: الذين اتّبعوهم بإحسان. فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم. فقال عمر: ايتوني بأبي
____________________
(١). كنز العمال ٢ / ٥٦٨، ٥٩٤.
(٢). كنز العمال ٢ / ٥٩٦.
ابن كعب، فسأله عن ذلك. فقال أبيّ: والذين اتّبعوهم بإحسان. فجعل كل واحد منهما يشير إلى أنف صاحبه بإصبعه. فقال أبيّ: والله أقرأنيها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنت تتبع الخبط. فقال عمر: نعم اذن. فنعم اذن. نتابع أبيّاً. أبو عبيد في فضائله وابن جرير. وابن المنذر. وابن مردويه »(١) .
كلام آخر لوليّ الله
وفي موضع آخر من ( قرة العينين ) خصَّ وليّ الله الدهلوي « العلم » في حديث: « أنا مدينة العلم وعلي بابها » بعلم الباطن، زاعماً المساواة بين الامام وسائر الصحابة في علم الظاهر ثم ذكر أنّ لهذا الحديث نظائر: خذوا ربع العلم عن هذه الحميراء. اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. رضيت لكم ما رضي ابن أم عبد(٢) .
فنقول: أمّا التخصيص بعلم الباطن فلا دليل عليه، بل الحديث مطلق، وهو يدلّ على أعلمية عليعليهالسلام مطلقاً، في علم الظاهر وعلم الباطن، ومن جميع الصحابة بل جميع الخلائق - ما عدا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم - والأدلة والشواهد على ذلك كتاباً وسنةً واعترافاً من الصحابة وكبار العلماء، وغير ذلك، كثيرة جداً
وأمّا دعوى وجود النظائر له، فيظهر بطلانها ممّا ذكرنا، لأنّ مدلول هذا الحديث مقام عظيم يعدّ من خصائص أمير المؤمنينعليهالسلام التي لا يشاركه فيها أحد من الأصحاب، وقد نصّ على ذلك أساطين العلماء قال محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني: « وإذا عرفت هذا عرفت أنه قد خصّ الله الوصيعليهالسلام بهذه الفضيلة العجيبة، ونوّه شأنه، إذ جعله باب أشرف ما في الكون
____________________
(١). كنز العمال ٢ / ٥٩٧.
(٢). قرة العينين: ٢٢٤.
وهو العلم، وأن منه يستمد ذلك من أراده، ثم إنه باب لأشرف العلوم، وهي العلوم النبوية، ثم لأجمع خلق الله علماً، وهو سيد رسلهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنّ هذا لشرف يتضاءل عنه كل شرف، ويطأطئ رأسه تعظيماً له كلّ من سلف وخلف »(١) .
النظر في سند حديث خذوا عن الحميراء
وأمّا تعديده حديث: « خذوا ربع العلم عن هذه الحميراء » في نظائر حديث « مدينة العلم» بزعمه فباطل من وجوه:
١ - إن حديث مدينة العلم من أحاديث الفريقين، وما ذكره من متفردات أهل السنة، بل من تقوّلات الدهلوي.
٢ - حديث مدينة العلم متواتر، وما ذكره الدهلوي لا سند له أصلاً.
٣ - حديث مدينة العلم من الأحاديث الصحاح، وما ذكره الدهلوي لا أثر له حتى في الكتب الموضوعة لجمع الموضوعات نعم يُوجد في كلمات المحدّثين ما يقرب منه مع التنصيص على قدحه وجرحه: قال ابن القيّم في جواب السؤال: « هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده » قال: « فصل - ومنها أنْ يكون الحديث باطلاً في نفسه، فيدلّ بطلانه على أنه ليس من كلامهعليهالسلام : كحديث المجرة التي في السماء من عرق الأفعاء التي تحت العرش. و حديث: إذا غضب الرب أنزل الوحي بالفارسية، وإذا رضي أنزله بالعربية، و حديث: ست خصال تورث النسيان: سؤر الفأر، والقاء القمّل في النار، والبول في الماء الراكد، ومضغ العلك، وأكل التفاّح الحامض. و حديث: الحجامة على القفاء تورث النسيان. و حديث: يا حميراء لا تغتسلي بالماء المشمّس فإنه يورث البرص. وكلّ حديث فيه « يا حميراء » أو ذكر « الحميراء » فهو كذب مختلق، وكذا:
____________________
(١). الروضة الندية - شرح التحفة العلوية.
يا حميراء لا تأكلي الطين فإنه يورث كذا وكذا. و حديث: خذوا شطر دينكم عن الحميراء »(١) .
وقال ابن أمير الحاج بعد ذكر حديث النجوم: « والثاني - أي خذوا شطر دينكم عن الحميراء - معناه إنكم ستأخذون، فلا يعارضان الأوّلين. والحق: إنهما لا يعارضانهما. أما الأول فلما قدّمناه. وأما الثاني فقد قال شيخنا الحافظ: لا أعرف له إسناداً ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلّا في النهاية لابن الأثير، ذكره في مادة - ح م ر. ولم يذكر من خرّجه. ورأيته أيضاً في كتاب الفردوس لكن بغير لفظه، ذكره من حديث أنس بغير إسناد أيضاً، ولفظه: خذوا ثلث دينكم من بيت الحميراء، وبيّض له صاحب مسند الفردوس فلم يخرج له إسناداً. وذكر الحافظ عماد الدين ابن كثير أنه سأل الحافظين المزّي والذهبي عنه فلم يعرفاه. وقال الذهبي: هو من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسناد. بل قال تاج الدين السبكي: وكان شيخنا الحافظ أبو الحجّاج المزي يقول: كلّ حديث فيه لفظ الحميراء لا أصل له إلاّ حديثا واحدا في النسائي، فلا يحتاج إلى هذا التأويل »(٢) .
وقال السخاوي: « حديث: خذوا شطر دينكم عن الحميراء قال شيخنا في تخريج ابن الحاجب من إملائه: لا أعرف له إسناداً وذكر الحافظ عماد الدين »(٣) .
وقال السيوطي: « حديث: خذوا شطر دينكم عن الحميراء - لم أقف عليه. وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير في تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب: هو حديث غريب جداً بل هو حديث منكر. سألت عنه شيخنا الحافظ أبا الحجّاج المزّي فلم يعرفه قال: ولم أقف له على سند إلى الآن. وقال شيخنا الذهبي: هو من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسناد. انتهى - لكن في الفردوس من
____________________
(١). أورد هذا القاري في الموضوعات الكبرى: ١٩٠ - ١٩١.
(٢). التقرير والتحبير في شرح التحرير ٣ / ٩٩.
(٣). المقاصد الحسنة: ١٩٨.
حديث أنس: خذوا ثلث دينكم من بيت عائشة. ولم يذكر له إسناداً »(١) .
وهكذا قال ابن الديبع الزبيدي في ( تمييز الطيّب من الخبيث ) والفتني في ( تذكرة الموضوعات ) والقاري في ( الموضوعات ) و ( المرقاة ) والشوكاني في ( الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ) ونظام الدين في ( الصبح الصادق - شرح المنار ) وعبد العلي في ( فواتح الرحموت في شرح مسلّم الثبوت ) وغيرهم من أئمة الحديث والرجال والأصول
النظر في حديث خذوا عن الحميراء دلالة
ثم إنّ الحديث المزعوم يدلّ بالمطابقة على علم عائشة بربع الدين. وأمّا حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » فيدلّ على: إحاطة أمير المؤمنينعليهالسلام بجميع علوم مدينة العلم، وعلى أعلميّته المطلقة حتى من الأنبياء والمرسلين - ما عدا نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم -، وعلى عصمته وأين معنى الحديث المزعوم عن معنى هذا الحديث المتواتر المعلوم؟!.
النظر في حديث الاقتداء سنداً ودلالة ً
وأمّا حديث « إقتدوا باللّذين » فباطل كذلك. أمّا دلالةً فبأكثر الوجوه المذكورة في إبطال الحديث السابق. وأمّا سنداً فقد تقدّم كلام ابن حزم فيه عن قريب، وقد تكلّمنا عليه في قسم ( حديث الثقلين ) وقسم ( حديث الطير ) بالتفصيل.
النظر في حديث « رضيت لكم »
وأمّا حديث: « رضيت لكم ما رضي ابن أم عبد » أي عبد الله بن مسعود.
____________________
(١). الدرر المنتثرة: ٧٩.
فالجواب عن الاستدلال به هنا نفس الجواب عن الاستدلال بالحديثين السابقين على أنّه لا يدلّ على فضلٍ لابن مسعود، بل إنه كلام قاله النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قضية في واقعة، فقد أخرج الحاكم قائلاً: « أخبرنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب بن يوسف العدل، ثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي، أنبأ جعفر بن عون أنبأ المسعودي عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه قال قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لعبد الله بن مسعود: إقرأ. قال: أقرأ وعليك أنزل؟ قال: إني أحبُّ أن أسمعه من غيري. قال: فافتتح سورة النساء حتى بلغ:( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ) فاستعبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكفَّ عبد الله. فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : تكلّم.
فحمد الله في أول كلامه وأثنى على الله، وصلّى على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وشهد شهادة الحق وقال: رضينا بالله رباً وبالاسلام ديناً. ورضيت لكم ما رضي الله ورسوله.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : رضيت لكم ما رضي لكم ابن أُم عبد.
هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه »(١) .
هذا، وقد بحثنا عن هذا الحديث في قسم ( حديث الثقلين ) أيضاً فراجع.
وعلى الجملة، فإنّ شيئاً ممّا ذكره ولي الله الدهلوي لا يقابل حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها ». لا سنداً ولا دلالةً، وإنّ كلّ ما ذكره تعصب مقيت ومكابرة واضحة
____________________
(١). المستدرك على الصحيحين ٣ / ٣١٩.
(١٦)
مع الأورنق آبادي
في كلامه حول الحديث
وقال قمر الدين الأورنق آبادي في كتابه ( نور الكريمتين ): « وحديث: أنا مدينة العلم وعلي بابها، وسدّوا كلّ خوخة إلّا خوخة أبي بكر، وسدّوا كلّ خوخة إلّا باب علي. إشارة إلى كلّية هذا البيت، وإلى أبوابه، لكن إضافة الباب إلى علي كرم الله وجهه يمكن أنْ تكون إضافة بيانيّة، لأن علياً نفسه باب، كما كان عمررضياللهعنه نفسه باباً في حديث حذيفةرضياللهعنه . وفي حديث: أنا مدينة العلم إشارة إلى أنّ ما كان في بيت النبوة من متاع فهو العلم، أمّا النقود والأعيان الأخرى فمعدومة هناك، وهذا العدم والفقدان للنقود والأعيان هو حقيقة الفقر والإفلاس، ولهذا قال: إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، إنما أورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر ».
وهذا الكلام باطل وسخيف من وجوه:
أحدها: كون حديث مدينة العلم إشارةً إلى كلّية البيت، فإنّ ذلك إنْ تمّ على مذاقه لزم أنْ يكون النبي عليه وآله السلام بيتاً كلياً للنبوة، وأن لا يكون من أهل بيت النبوة، لكنَّ هذا اللازم - مع كونه منافياً لمطلوبه - لا يلتزم به أحد من أهل الاسلام، لأنّ كونهصلىاللهعليهوآلهوسلم من أهل بيت النبوة من الأمور المسلّمة الضروريّة، ولو تمثّلت النبوة في بيت كان هو وأهله ذاك البيت بلا ريب.
الثاني: كون الحديث إشارةً إلى أبواب البيت وقد عرفت أنّ الحديث ليس إيماءً وإشارةً بل تصريح صريح بأنّ الامام علياًعليهالسلام هو الباب الوحيد لمدينة العلم، وليس للمدينة أبواب متعدّدة، أللهم إلّا الأئمة الأطهار المتحقّقة فيهم الوحدة في عين التعدد والكثرة.
النظر في حديث الخوخة
الثالث: حديث الخوخة الذي ذكره حديث موضوع، وضعه واضعه ليقابل به حديث سدّ الأبواب الوارد في حق أبي الأئمة الأطياب ولمزيد الوضوح والبيان نورده أولاً عن ( صحيح البخاري ) ثم نتكلّم على سنده:
قال البخاري: « حدّثنا عبد الله بن محمد الجعفي، قال حدّثنا وهب بن جرير، قال حدّثنا أبي قال سمعت يعلى بن حكيم عن عكرمة عن ابن عباس قال خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسه بخرقة، فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنه ليس من الناس أحدٌ اَمَنَّ عليّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متّخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلّة الاسلام أفضل، سدّوا عنّي كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر »(١) .
« حدّثنا إسماعيل بن عبد الله قال: حدّثني مالك عن أبي النضر مولى عمر ابن عبيد الله عن عبيد يعني ابن حنين، عن أبي سعيد الخدريرضياللهعنه : إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جلس على المنبر فقال: إنّ عبداً خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده. فبكى أبو بكر وقال فديناك بآبائنا وأُمهاتنا. فعجبنا له وقال الناس: أنظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن عبد خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هو المخيّر وكان أبو بكر هو أعلمنا به. وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن من أَمَنِّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذاً خليلاً من أُمتي لاتّخذت أبا بكر إلّا خلّة الاسلام، لا يبقينّ في المسجد خوخة إلّا خوخة أبي
____________________
(١). صحيح البخاري - باب الخوخة والممر في المسجد ١ / ٢٦٠.
بكر »(١) .
ترجمة جرير بن حازم
ففي الطريق الأول ( جرير بن حازم ) وقد قدح فيه البخاري فضلاً عن غيره من الأعلام، قال الذهبي: « جرير بن الحازم ثقة إمام، تغيّر قبل موته، فحجبه ابنه وهب، فما حدّث حتى مات. قال ابن معين: هو في قتادة ضعيف. وقال البخاري: ربما يهم »(٢) .
وقال الذهبي: « وقال يحيى القطان: كان جرير يقول في حديث الضبع: عن جابر عن عمر، ثم جعله بعد عن جابر إن رسول الله سئل عن الضبع. فقال: هي من الصيد. وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشاً. تابعه ابن جريج عن عبد الله. وفي الجملة: لجرير عن قتادة أحاديث منكرة. قال عبد الله بن أحمد: سألت يحيى عن جرير بن حازم فقال: ليس به بأس فقلت: إنه يحدث عن قتادة عن أنس بمناكير! فقال: هو عن قتادة ضعيف ».
قال: « وقال البخاري: ربّما يهمّ في الشيء »(٣) .
وقال ابن حجر: « وقال عبد الله بن أحمد: سألت ابن معين عنه فقال: ليس به بأس فقلت: إنه يحدّث عن قتادة عن أنس أحاديث مناكير؟ فقال: ليس بشيء هو عن قتادة ضعيف ».
« وقال ابن عدي: وقد حدّث عنه أيوب السختياني والليث بن سعد، وله أحاديث كثيرة عن مشايخه، وهو مستقيم الحديث صالح فيه إلّا روايته عن قتادة، فإنه يروي عنه أشياء لا يرويها غيره».
____________________
(١). صحيح البخاري - باب هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة ٥ / ١٣٨.
(٢). المغني في الضعفاء ١ / ١٢٩.
(٣). ميزان الاعتدال ١ / ٣٩٣.
« وقال مهنا عن أحمد: جرير كثير الغلط. وقال ابن حبان في الثقات: كان يخطئ لأن أكثر ما كان يحدّث من حفظه ».
« وقال الساجي: صدوق حدّث بأحاديث وهم فيها وهي مقلوبة. حدّثني حسين عن الأثرم قال قال أحمد: جرير بن حازم حدّث بالوهم بمصر ولم يكن يحفظ. وحدّثني عبد الله بن خراش ثنا صالح عن علي بن المديني قلت ليحيى بن سعيد: أبو الأشهب أحب إليك أم جرير بن حازم؟ قال: ما أقربهما، ولكن كان جرير أكبرهما، وكان يهم في الشيء، وكان يقول في حديث الضبع عن جابر عن عمر ثم صيّره عن جابر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . قال وحدّثت عن عبد الله ابن أحمد حدثني أبي عن عفان قال: راح أبو جري نصر بن طريف إلى جرير يشفع لإنسان يحدّثه فقال جرير: حدّثنا قتادة عن أنس قال: كانت قبيعة سيف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من فضة. فقال أبو جري: ما حدّثناه قتادة إلّا عن سعيد ابن أبي الحسن. قال أبي: القول قول أبي جري وأخطأ جرير » « وقال الحسن بن علي الحلواني: ثنا عفان ثنا جرير بن حازم سمعت أبا فروة يقول حدّثني جار لي أنه خاصم إلى شريح قال عفان فحدّثني غير واحد عن الأغصف قال: سألت جريراً عن حديث أبي فروة هذا فقال: حدّثنيه الحسن بن عمارة.
وذكره العقيلي من طريق عفان قال: إجتمع جرير بن حازم وحماد بن زيد فجعل جرير يقول سمعت محمداً يقول سمعت شريحاً يقول، فقال له حماد: يا أبا النضر محمد عن شريح.
وقال الميموني عن أحمد: كان حديثه عن قتادة غير حديث الناس، يوقف أشياء ويسند أشياء. ثم أثنى عليه. وقال: صالح صاحب سنّة وفضل.
وقال الأزدي: جرير صدوق خرج عنه بمصر أحاديث مقلوبة ولم يكن بالحافظ، حمل رشدين وغيره عنه مناكير » « ونسبه يحيى الحماني إلى التدليس »(١) .
____________________
(١). تهذيب التهذيب ٢ / ٦٠.
ترجمة عكرمة
وفيه ( عكرمة الخارجي )، وقوادح هذا الرجل لا تعدّ ولا تحصى: قال ابن سعد بترجمته في كتاب ( الطبقات ): « أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال: نبّئت عن سعيد بن جبير أنه قال: لو كفّ عنهم عكرمة من حديثه لشدّت إليه المطايا ».
« أخبرنا سليمان بن حرب، قال ثنا حماد بن زيد عن أيوب، قال قال عكرمة: أرأيت هؤلاء الذين يكذّبوني من خلفي أفلا يكذّبوني في وجهي، فإذا كذّبوني في وجهي فقد والله كذّبوني. أخبرنا سليمان بن حرب، قال ثنا حماد بن زيد قال قال رجل لأيوب يا أبا بكر عكرمة كان يتّهم؟ قال: فسكت ثم قال: أما أنا فإني لم أكن أتّهمه ».
« أخبرنا عفّان بن مسلم، قال ثنا حماد بن زيد، قال ثنا أيوب عن إبراهيم ابن ميسرة عن طاوس قال: لو أنّ مولى ابن عباس هذا اتّقى الله وكفّ من حديثه لشدّت إليه المطايا ».
« أخبرنا شبابة بن سوار، قال أخبرني أبو الطيّب موسى بن يسار، قال رأيت عكرمة جائياً من سمرقند وهو على حمار، تحته جوالقان أو خرجان فيهما حرير، أجازه بذلك عامل سمرقند، ومعه غلام. قال وسمعت عكرمة بسمرقند - وقيل له: ما جاء بك إلى هذه البلاد؟ - قال: الحاجة ».
« أخبرنا شبابة بن سوار قال أنا شعبة عن عمران بن حدير قال: رأيت عكرمة وعمامته متخرقة فقلت: ألا أعطيك عمامتي؟ فقال: إنا لا نقبل إلّا من الُأمراء.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي قال: أنا عمران بن حدير قال: إنطلقت أنا ورجل إلى عكرمة فرأينا عليه عمامة مشقّقة فقال له صاحبي: ما هذه العمامة؟ إن عندنا عمائم. فقال عكرمة: إنا لا نأخذ من الناس شيئاً إنما نأخذ من
الُأمراء. قلت: بل الانسان على نفسه بصيرة. فسكت قلت: إن الحسن قال: يا ابن آدم عملك أحق بك. قال: صدق الحسن ».
« أخبرنا عبيد الله بن موسى قال أنا حسن بن صالح عن سماك قال: رأيت في يد عكرمة خاتماً من ذهب ».
« أخبرنا محمد بن عمر قال حدثتني ابنة عكرمة ان عكرمة توفي سنة خمس ومائة وهو ابن ثمانين سنة. أخبرنا محمد بن عمر قال حدّثني خالد بن القاسم البياضي قال: مات عكرمة وكثير عزّة الشاعر في يوم واحد سنة خمس ومائة، فرأيتهما جميعاً صلّي عليهما في موضع واحد بعد الظهر في موضع الجنائز فقال الناس: مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس. قال وقال غير خالد بن القاسم: وعجب الناس من اجتماعهما في الموت واختلاف رأيهما، عكرمة يظن أنه يرى رأى الخوارج يكفّر بالنظرة، وكثير شيعي يؤمن بالرجعة.
وقد روى عكرمة عن ابن عباس وأبي هريرة والحسين بن علي وعائشة وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: مات عكرمة سنة سبع ومائة. وقال غير الفضل بن دكين: سنة ست ومائة. أخبرنا مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت الزبيري قال: كان عكرمة يرى رأي الخوارج فطلبه بعض ولاة المدينة فتغيّب عند داود بن الحصين حتى مات عنده. قالوا: وكان عكرمة كثير الحديث والعلم بحراً من البحور، وليس يحتج بحديثه، ويتكلّم الناس فيه »(١) .
وقال ابن قتيبة: « عكرمة مولى ابن عباس، كان عبداً لابن عباس ومات وعكرمة عبد، فباعه علي بن عبد الله بن عباس على خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فأتى عكرمة علياً فقال له: ما خير لك بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار. فاستقاله فأقاله وأعتقه، وكان يكنى أبا عبد الله. وروى جرير عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث قال: دخلت على عليّ بن عبد الله بن
____________________
(١). الطبقات لابن سعد ٥ / ٢٢٨ - ٢٩٣.
عباس وعكرمة موثّق على باب كنيف، فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم؟ قال: إن هذا يكذب على أبي. حدثني ابن الخلّال قال سمعت يزيد بن هارون يقول: قدم عكرمة البصرة فأتاه أيوب وسليمان التيمي ويونس، فبينا هو يحدّثهم سمع صوت غناء فقال عكرمة: أُسكتوا فتسمّع ثم قال: قاتله الله لقد أجاد أو قال: ما أجود ما غنّى. فأما سليمان ويونس فلم يعودا إليه وعاد إليه أيوب. قال يزيد: وقد أحسن أيوب.
حدثني الرياشي عن الأصمعي عن نافع المدني قال: مات كثير الشاعر وعكرمة في يوم واحد قال الرياشي: فحدثني ابن سلام أن الناس ذهبوا في جنازة كثير. وكان عكرمة يرى رأي الخوارج وطلبه بعض الولاة فتغيّب عند داود بن الحصين حتى مات عنده. ومات عكرمة سنة خمس ومائة وقد بلغ ثمانين سنة »(١) .
« وبرد مولاه وقال له: يا برد إيّاك وأن تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس. فقال كلّ حديث حدّثكموه برد ليس معه غيره مما تنكرون فهو كذب »(٢) .
وقال الطبري في ( ذيل المذيّل ): « حدثني الضرار بن محمد بن إسماعيل قال نا إسماعيل قال ثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: كان سعيد بن المسيب يقول لبرد مولاه: يا برد لا تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس، كلّ حديث حدّثكموه برد عنّي مما تنكرون ليس معه فيه غيره فهو كذب. ثنا ابن حميد قال ثنا جرير عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث قال: دخلت على عليّ بن عبد الله بن عباس وعكرمة مقيّد على باب الحشّ قال قلت له: ما لهذا كذا؟ قال: إنه يكذب على أبي ».
« وقال آخرون ممن لا يرى الاحتجاج بخبر عكرمة: لم ننكر من أمر عكرمة روايته ما روى من الأخبار، وإنما أنكرنا من أمره مذهبه. وقالوا: إنّه كان يرى رأي
____________________
(١). المعارف - ترجمة عكرمة: ٢٥٨.
(٢). المعارف - ترجمة سعيد بن المسيب: ٢٤٨.
الصفرية من الخوارج. وذكر أنه نحل ذلك الرأي إلى ابن عباس، وكان ذلك كذبه على ابن عباس.
وحدّثت عن مصعب الزبيري قال: كان عكرمة يرى رأي الخوارج، فطلبه بعض ولاة المدينة فتغيّب عند داود بن الحصين ومات عنده.
وذكر عن يحيى بن معين أنه قال: إنما لم يذكر مالك بن أنس عكرمة لأن عكرمة كان ينتحل رأي الصفرية.
وقد اختلفوا في وقت وفاة عكرمة فقال بعضهم: توفي سنة ١٠٥.
ذكر محمد بن عمر أن ابنة عكرمة حدّثته أن عكرمة توفي سنة ١٠٥ وهو ابن ثمانين سنة. قال ابن عمر: وحدّثني خالد بن القاسم البياضي قال: مات عكرمة وكثير عزّة الشاعر في يوم واحد سنة ١٠٥ فرأيتهما جميعاً صلّي عليهما في موضع واحد بعد الظهر في موضع الجنائز فقال الناس: مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس.
قال: وقال غير خالد بن القاسم: وعجب الناس لاجتماعهما في الموت واختلاف رأيهما، عكرمة يظن به أنه يرى رأي الخوارج يكفر بالنظرة، وكثير شيعي يؤمن بالرجعة.
حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي قال: ثنا ابن بكير قال ثنا الدراوردي قال: توفي عكرمة وكثير عزّة الشّاعر بالمدينة في يوم واحد، فما حمل جنازتهما إلّا الزنج.
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: مات عكرمة في سنة ١٠٧.
وروى عن يحيى بن معين أنه قال: مات عكرمة سنة ١٠٥.
وكان عكرمة جوّالاً في البلاد، قدم البصرة فسمع منه أهلها، والكوفة فحمل عنه كثير ممّن بها، واليمن فكتب عنه بها كثير من أهلها، والمغرب فسمع منه به جماعة من أهله، والمشرق فكتب عنه به.
حدثني يحيى بن عثمان بن صالح قال ثنا نعيم بن حماد قال ثنا عبد المؤمن بن خالد الحنفي قال: قدم علينا عكرمة خراسان فقلت له: ما أقدمك إلى بلادنا؟
قال: قدمت آخذ من دنانير ولاتكم ودراهمهم.
وأما أبو تميلة فإنه روى عن عبد العزيز بن أبي رواد قال قلت لعكرمة:
تركت الحرمين وجئت إلى خراسان؟ قال: أسعى على بناتي. غير أنّ وفاته كانت بمدينة رسول الله ».
وقال بتفسير:( وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ) الآية(١) من ( تفسيره ): « حدثنا ابن وكيع قال ثني أبي عن عبد الجبار بن ورد عن القاسم بن أبي بزة قال قال لي مجاهد: سل عنها عكرمة( وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ) . فسألته فقال: الإِخصاء. قال مجاهد: ماله؟ لعنه الله! فو الله لقد علم أنه غير الإِخصاء. ثم قال: سله، فسألته فقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الله تبارك وتعالى:( فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) ؟ قال: لدين الله. فحدثت به مجاهد فقال: ماله أخزاه الله ».
« حدثني المثنى قال ثنا مسلم بن إبراهيم قال ثنا هارون النحوي قال ثنا مطر الوراق قال: ذكرت لمجاهد قول عكرمة في قوله( فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ) . فقال: كذب العبد( وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ) قال: دين الله ».
وقال الزمخشري بتفسير الآية(٢) من ( الكشاف ): « وقيل للحسن: أن عكرمة يقول: هو الخصاء. فقال: كذب عكرمة، هو دين الله ».
وقال الشهرستاني: « ولنختم المذاهب بذكر رجال الخوارج من المتقدمين: عكرمة، وأبو هارون العبدي، وأبو الشعثاء، وإسماعيل بن سميع »(٣) .
وقال ياقوت بترجمة عكرمة: « ومات - فيما قرأت بخط الصولي من كتاب البلاذري - سنة خمس ومائة، وقيل ست ومائة، وهو ابن ثمانين سنة قال: وكان موته وموت كثير عزّة الشاعر في يوم واحد، فوضعا جميعاً وصلّي عليهما، وكثير كان
____________________
(١). سورة النساء: ١١٩.
(٢). سورة النساء: ١١٩.
(٣). الملل والنحل ١ / ١٢٣.
شيعياً وعكرمة يرى رأي الخوارج، ذكره الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن البيع في تاريخ نيسابور ».
« وذكر القاضي أبو بكر محمد بن عمر الجعابي في كتاب الموالي عن ابن الكلبي قال: وعكرمة هلك بالمغرب، وكان قد دخل في رأي الحرورية الخوارج، فخرج يدعوهم بالمغرب إلى الحروري.
أبو علي الأهوازي قال: لمـّا توفي عبد الله بن عباس كان عكرمة عبداً مملوكاً، فباعه علي بن عبد الله بن عباس على خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فأتى عكرمة علياً فقال له: ما خير لك، أتبيع علم أبيك؟ فاستقال خالداً فأقاله وأعتقه، وكان يرى رأي الخوارج ويميل إلى استماع الغناء. وقيل عنه: إنه كان يكذب على مولاه. والله أعلم.
وقال عبد الله بن الحارث: دخلت على عليّ بن عبد الله بن عباس وعكرمة موثق على باب الكنيف، فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم؟ فقال: إن هذا يكذب على أبي.
وقد قال ابن المسيب لمولاه: لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس.
وقال يزيد بن هارون: قدم عكرمة مولى ابن عباس البصرة، فأتاه أيوب السختياني وسليمان التيمي ويونس بن عبيد، فبينا هو يحدّثهم إذ سمع غناءً فقال عكرمة: اسكتوا، فتسمع، ثم قال: قاتله الله فلقد أجاد، أو قال: ما أجود ما قال. فأما سليمان ويونس فلم يعودا إليه وعاد إليه أيوب. فقال يزيد بن هارون: لقد أحسن أيوب.
الرياشي عن الأصمعي عن نافع المدني قال: مات كثير الشاعر وعكرمة في يوم واحد، قال الرياشي: فحدّثنا ابن سلام: إن أكثر الناس كانوا في جنازة كثير، لأن عكرمة كان يرى رأي الخوارج، وتطلّبه بعض الولاة فتغيّب عند داود بن الحصين حتى مات عنده سنة سبع ومائة في أيام هشام بن عبد الملك، وهو يومئذ
ابن ثمانين سنة ».
« حماد بن زائدة ثنا عثمان بن مرة قلت للقاسم: إن عكرمة مولى ابن عباس قال ثنا ابن عباس: إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نهى عن المزفت والمقيّر والدباء والحنتم والجرار فقال: يا ابن أخي إن عكرمة كذّاب يحدّث غدوة حديثاً يخالفه عشياً.
يحيى بن البكاء سمعت ابن عمر يقول لنافع: إتّق الله - ويحك يا نافع - ولا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس.
يزيد بن زنّاد قال دخلت على علي بن عبد الله بن عباس وعكرمة مقيّد على باب الحش، قلت: ما لهذا كذا؟ قال: إنه يكذب على أبي »(١) .
وقال النووي بترجمته: « وقال محمد بن سعد: كان كثير العلم بحراً من البحور، ليس يحتجّ بحديثه، ويتكلّم الناس فيه »(٢) .
وقال ابن خلكان: « وقد تكلّم الناس فيه، لأنه كان يرى رأي الخوارج » قال: « وقال عبد الله بن أبي الحارث: دخلت على علي بن عبد الله بن عباس وعكرمة موثق على باب كنيف. فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم؟ فقال: إن هذا يكذب على أبي »(٣) .
وقال المزي بترجمته: « قال بشر بن المفضل عن عبد الله بن عثمان بن خثيم: سألت عكرمة أنا وعبد الله بن سعيد عن قوله تعالى:( وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ) قال: بسوقها كبسوق النساء عند ولادتها. قال: فرجعت إلى سعيد بن جبير فذكرت ذلك له فقال: كذب، بسوقها طولها.
وقال إسرائيل عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة إنه كره كرى الأرض. قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: كذب عكرمة سمعت ابن عباس: إن
____________________
(١). معجم الْأُدباء ١٢ / ١٨١.
(٢). تهذيب الأسماء واللغات ١ / ٣٤١.
(٣). وفيات الأعيان ٢ / ٤٢٨.
أمثل ما أنتم صانعون استيجار الأرض البيضاء سنة بسنة.
وقال مسلم بن إبراهيم عن الصلت بن دينار أبي شعيب المجنون: سألت محمد بن سيرين عن عكرمة قال: ما يسوءني أنه يكون من أهل الجنة، ولكنّه كذّاب.
وقال عامر عن الصلت بن دينار قلت لمحمد بن سيرين: إن عكرمة يؤذينا ويسمعنا ما نكره. قال فقال كلاماً فيه لين: أسأل الله أن يميته ويريحنا منه.
وقال وهب بن خالد سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب ذكرا عكرمة فقال يحيى: كان كذّابا.
وقال أبو بكر الإسماعيلي عن هشام بن عبد الله بن عكرمة المخزومي سمعت ابن أبي ذيب يقول: رأيت عكرمة مولى ابن عباس وكان غير ثقة.
قال إبراهيم بن المنذر الحزامي عن معين بن عيسى ومطرف بن عبد الله المدني ومحمد بن الضحاك قالوا: كان مالك لا يرى عكرمة ثقة ويأمر أن لا يؤخذ عنه.
وقال أبوبكر بن أبي خيثمة: رأيت في كتاب علي بن المديني سمعت يحيى ابن سعيد يقول: حدّثوني - والله - عن أيوب أنه ذكر له أن عكرمة لا يحسن الصلاة. قال أيوب: وكان يصلي؟.
وقال الفضل بن موسى عن رشدين بن كريب: رأيت عكرمة قد أُقيم قائماً في لعب النرد.
قال أحمد بن سليمان عن إسماعيل بن عليّة: ذكر أيوب عكرمة فقال: كان قليل العقل.
قال سعيد: كان عكرمة يحدّث بالحديث ثم يقول في نفسه إن كان كذلك.
قال أحمد: كان من أعلم الناس ولكنّه كان يرى رأي الخوارج، ولم يدع موضعاً إلّا خرج إليه، ورأيُ الصفرية من عكرمة لما كان عندهم.
قال الحاكم أبو أحمد: إحتجّ بحديثه الأئمة القدماء، لكن بعض المتأخّرين
أخرج حديثه من حيّز الصحاح.
وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: كان يرى رأي الخوارج، فطلبه بعض ولاة المدينة فتغيّب عند داود بن الحصين حتى مات عنده.
وقال أبو داود السنجي عن الأصمعي عن أبي الزناد: مات كثير وعكرمة مولى ابن عباس في يوم واحد قال: فأخبرني غير الأصمعي قال: فشهد الناس جنازة كثير وتركوا جنازة عكرمة.
وقال يحيى بن بكير عن الدراوردي، فما شهدهما إلّا سودان المدينة.
عن علي بن المديني قال: سمعت بعض المدنيّين يقول: اتفقت جنازته وجنازة كثير عزة بباب المسجد في يوم واحد، فما قام إليها أحد من أهل المسجد، ومن هناك لم يرو عنه مالك.
قال الواقدي قال غير خالد بن القاسم: عجب الناس لاجتماعهما في الموت واختلاف رأيهما، عكرمة يظن أنه يرى رأي الخوارج يكفر بالنظرة، وكثير شيعي يؤمن بالرجعة »(١) .
وقال الذهبي بترجمته: « حماد بن زيد: قيل لأيّوب: أكان عكرمة يتّهم؟ فسكت ساعة ثم قال: أما أنا فلم أكن أتّهمه.
عفان ثنا وهب قال شهدت يحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب فذكرا عكرمة فقال يحيى: كذّاب، وقال أيوب: لم يكن بكذّاب.
جرير بن يزيد عن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث قال: دخلت على علي ابن عبد الله فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش، فقلت له: ألا تتق الله؟ فقال: إن هذا الخبيث يكذب على أبي.
ويروى عن ابن المسيب أنه كذّب عكرمة.
الحصيب بن ناصح ثنا خالد بن خداش: شهدت حماد بن زيد في آخر يوم
____________________
(١). تهذيب الكمال ٢٠ / ٢٦٤.
مات فيه فقال: أحدّثكم بحديث لم أحدّث به قط، لأني أكره أن ألقى الله ولم أُحدّث به: سمعت أيوب يحدّث عن عكرمة قال: إنما أنزل الله متشابه القرآن ليضلّ به. قلت: ما أسوأها عبارة وأخبثها! بل أنزله ليهدي به وليضل به الفاسقين.
فطر بن خليفة قلت لعطا: إن عكرمة يقول قال ابن عباس: سبق الكتاب الخفين. فقال: كذب عكرمة، سمعت ابن عباس يقول: لا بأس بمسح الخفين وإنْ دخلت الغائط. قال عطا: والله إن كان بعضهم ليرى أن المسح على القدمين يجزي.
إبراهيم بن ميسرة عن طاوس قال: لو أن عبد ابن عباس اتّقى الله وكفّ من حديثه لشدّت إليه المطايا.
مسلم بن إبراهيم ثنا الصلت أبو شعيب قال سألت: محمد بن سيرين عن عكرمة فقال: ما يسوءني أن يكون من أهل الجنة ولكنّه كذّاب.
ابن عيينة عن أيوب: أتينا عكرمة فحدّث فقال أيحسن حسنكم مثل هذا.
إبراهيم بن المنذر ثنا هشام بن عبد الله المخزومي سمعت ابن أبي ذئب يقول: رأيت عكرمة وكان غير ثقة.
قال محمد بن سعد: كان عكرمة كثير العلم والحديث بحراً من البحور، وليس يحتج بحديثه، ويتكلّم الناس فيه ».
« وقال مطرف بن عبد الله: سمعت مالكاً يكره أن يذكر عكرمة ولا يرى أن يروى عنه.
قال أحمد بن حنبل: ما علمت أن مالكاً حدّث بشيء لعكرمة إلّا في الرجل يطأ امرأته قبل الزيارة. رواه عن ثور عن عكرمة.
أحمد بن أبي خيثمة قال: رأيت في كتاب علي بن المديني سمعت يحيى بن سعيد يقول: حدّثوني - والله - عن أيوب أنه ذكر له عكرمة لا يحسن الصلاة فقال أيوب: وكان يصلي؟
الفضل السيناني عن رجل قال: رأيت عكرمة قد أُقيم قائماً في لعب النرد.
يزيد بن هارون: قدم عكرمة البصرة فأتاه أيوب ويونس وسليمان التيمي فتسمع صوت غناء فقال: أُسكتوا. ثم قال: قاتله الله لقد أجاد. فأما يونس وسليمان التيمي فما عادا إليه.
عمرو بن خالد بمصر ثنا خلاد بن سليمان الحضرمي عن خالد بن أبي عمران قال: كنّا بالمغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم فقال: وددت أن بيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً.
ابن المديني عن يعقوب الحضرمي عن جدّه قال: وقف عكرمة على باب المسجد فقال: ما فيه إلّا كافر. قال: وكان يرى رأي الأباضيّة.
يحيى بن بكير قال: قدم عكرمة مصر وهو يريد المغرب، قال: فالخوارج الذين هم بالمغرب عنه أخذوا.
قال ابن المديني: كان يرى رأي نجدة الحروري. قال مصعب الزبيري كان عكرمة يرى رأي الخوارج قال: وادّعى على ابن عباس أنه كان يرى رأي الخوارج.
خالد بن نزار ثنا عمر بن قيس عن عطا بن أبي رباح: إن عكرمة كان أباضياً.
أبو طالب سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان عكرمة من أعلم الناس ولكنه كان يرى رأي الصفرية، ولم يدع موضعاً إلّا خرج إليه: خراسان والشام واليمن ومصر وإفريقية، كان يأتي الُأمراء فيطلب جوائزهم، وأتى الجند إلى طاوس فأعطاه ناقة.
وقال مصعب الزبيري: كان عكرمة يرى رأي الخوارج، فطلبه متولي المدينة فتغيّب بالمدينة عند داود بن الحصين حتى مات عنده.
وروى سليمان بن معبد السنجي قال: مات عكرمة وكثير عزّة في يوم فشهد الناس جنازة كثير وتركوا جنازة عكرمة.
وقال عبد العزيز الدراوردي: مات عكرمة وكثير عزّة في يوم، فما شهدهما إلّا سودان المدينة.
إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن أبيه قال: أتي بجنازة عكرمة مولى ابن عباس وكثير عزة بعد العصر، فما علمت أن أحداً من أهل المسجد حل حبوته إليهما.
قال جماعة: مات سنة خمس ومائة. وقال الهيثم وغيره: سنة ست وقال جماعة: سنة سبع ومائة.
وعن ابن المسيب أنه قال لمولاه برد: لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس.
ويروى ذلك عن ابن عمر أنه قال لنافع، ولم يصحّ سنيد بن داود في تفسيره.
ثنا عباد بن عباد عن عاصم الأحول عن عكرمة في رجل قال لغلامه: إن لم أجلدك مائة سوط فامرأتي طالق. قال: لا يجلد غلامه ولا يطلق امرأته. هذه من خطوات الشيطان. ذكره في تفسير( لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) (١) .
وقال في ( المغني في الضعفاء ): « عكرمة مولى ابن عباس. من أوعية العلم، تكلّموا فيه لرأيه لا لحفظه، اُتهم برأي الخوارج، وثّقه غير واحد، وكذّبه مجاهد وابن سيرين ومالك. فالله أعلم. واعتمده البخاري، وأما مسلم فروى له مقروناً بآخر »(٢) .
وقال في ( تذكرة الحفاظ ): « وقد تكلّم فيه بأنه على رأي الخوارج، ومن ثمّ أعرض عنه مالك الامام، ومسلم ». قال: « وقال طاوس: لو أن عبد ابن عباس اتّقى الله وأمسك عن بعض حديثه لشدّت إليه المطايا »(٣) .
وقال ابن حجر بترجمته: « وقال حماد بن زيد عن أيوب قال عكرمة: أرأيت
____________________
(١). ميزان الاعتدال ٣ / ٩٣ - ٩٧.
(٢). المغني ٢ / ٤٣٨.
(٣). تذكرة الحفاظ ١ / ٩٥.
هؤلاء الذين يكذّبوني من خلفي أفلا يكذّبوني في وجهي، فإذا كذّبوني في وجهي فقد والله كذّبوني.
وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود قال: كان عكرمة قليل العقل خفيفاً، كان قد سمع الحديث من رجلين، وكان إذا سئل حدّث به عن رجل، ثم يسئل عن بعد ذلك فيحدّث به عن الآخر، فكانوا يقولون: ما أكذبه.
قال ابن لهيعة: وكان قد أتى نجدة الحروري فأقام عنده ستة أشهر، ثم أتى ابن عباس فسلّم عليه فقال ابن عباس: قد جاء الخبيث قال: وكان يحدّث برأي نجدة.
وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود: كان أوّل من أحدث فيهم - أي أهل المغرب - رأي الصفرية.
وقال يعقوب بن سفيان: سمعت ابن بكير يقول: قدم عكرمة مصر وهو يريد المغرب، ونزل هذه الدار وخرج إلى المغرب، فالخوارج الذين بالمغرب عنه أخذوا.
وقال علي بن المديني: كان عكرمة يرى رأي نجدة.
وقال يحيى بن معين: إنما لم يذكر مالك بن أنس عكرمة لأن عكرمة كان ينتحل رأي الصفرية.
وقال عطا: كان إباضياً.
وقال الجوزجاني: قلت لأحمد عكرمة كان أباضياً؟ فقال يقال: إنه كان صفرياً.
وقال خلاد بن سليمان عن خالد بن أبي عمران: دخل علينا عكرمة إفريقية وقت الموسم فقال: وددت أني اليوم بالموسم بيدي حربة أضرب بها يميناً وشمالاً. قال: فمن يومئذ رفضه أهل إفريقية.
وقال مصعب الزبيري: كان عكرمة يرى رأي الخوارج وزعم أن مولاه كان كذلك.
وقال أبو خلف الخراز عن يحيى البكاء: سمعت ابن عمر يقول لنافع: إتّق الله ويحك يا نافع ولا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس.
وقال إبراهيم بن سعد عن أبيه عن سعيد بن المسيب: إنه كان يقول لغلامه برد: يا برد لا تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس.
وقال اسحق بن عيسى الطباع: سألت مالك بن أنس: أبلغك أن ابن عمر قال لنافع لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس؟ قال: لا، ولكن بلغني أن سعيد بن المسيب قال ذلك لبرد مولاه.
وقال جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد: دخلت على علي بن عبد الله بن عباس وعكرمة مقيد على باب الحش قال قلت: ما لهذا؟ قال: إنه يكذب على أبي. وقال هشام بن سعد عن عطاء الخراساني قلت لسعيد بن المسيب: إن عكرمة يزعم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تزوّج ميمونة وهو محرم فقال: كذب مخبثان.
وقال شعبة عن عمرو بن مرة: سأل رجل ابن المسيب عن آية من القرآن فقال: لا تسألني عن القرآن وسل عنه من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء. يعني عكرمة.
وقال فطر بن خليفة قلت لعطا: إن عكرمة يقول سبق الكتاب المسح على الخفين فقال: كذب عكرمة سمعت ابن عباس يقول: امسح على الخفين وإن خرجت من الخلاء.
وقال إسرائيل عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة أنه كره كرى الأرض، قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: كذب عكرمة سمعت ابن عباس يقول: إن أمثل ما أنتم صانعون استيجار الأرض البيضاء سنة بسنة.
وقال وهيب بن خالد عن يحيى بن سعيد الأنصاري: كان كذّاباً.
وقال إبراهيم بن المنذر عن معن بن عيسى وغيره: كان مالك لا يرى عكرمة ثقة ويأمر أن لا يؤخذ عنه.
وقال الدوري عن ابن معين: كان مالك يكره عكرمة قلت: فقد روى عن رجل عنه قال: نعم شيء يسير.
وقال الربيع عن الشافعي وهو - يعني مالك بن أنس - سيّء الرأي في عكرمة قال: لا أرى لأحد أنْ يقبل حديثه.
وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل: عكرمة - يعني ابن خالد المخزومي - أوثق من عكرمة مولى ابن عباس.
وقال أبو عبد الله: وعكرمة مضطرب الحديث يختلف عنه وما أدري.
وقال ابن عليّة: ذكره أيوب فقال: كان قليل العقل.
وقال الأعمش عن إبراهيم: لقيت عكرمة فسألته عن البطشة الكبرى قال: يوم القيامة. فقلت إنّ عبد الله كان يقول: يوم بدر، فأخبرني من سأله بعد ذلك فقال: يوم بدر.
وقال عباس بن حماد بن زائدة وروح بن عبادة عن عثمان بن مرة قلت للقاسم: إنّ عكرمة مولى ابن عباس قال كذا وكذا. فقال: يا ابن أخي إن عكرمة كذّاب يحدّث غدوة حديثاً يخالفه عشية.
وقال القاسم بن معن بن عبد الرحمن: حدّثني أبي عن عبد الرحمن قال: حدّث عكرمة بحديث فقال: سمعت ابن عباس يقول كذا وكذا. قال فقلت: يا غلام هات الدواة فقال: أعجبك؟ قلت: نعم. قال: تريد أن تكتبه؟ قلت: نعم. قال: إنما قلته برأيي.
وقال إبراهيم بن ميسرة عن طاوس: لو أن مولى ابن عباس اتّقى الله وكفّ من حديثه لشدّت إليه المطايا ».
« وقال الحاكم أبو أحمد: احتجّ بحديثه الأئمة القدماء، لكن بعض المتأخرين أخرج حديثه من حيّز الصحاح.
وقال مصعب الزبيري: كان يرى رأي الخوارج، فطلبه بعض ولاة المدينة فتغيّب عند داود بن الحصين حتى مات عنده.
وقال البخاري ويعقوب بن سفيان عن علي بن المديني: مات بالمدينة سنة ١٠٤. زاد يعقوب عن علي: فما حمله أحد، اكتروا له أربعة. وسمعت بعض المدنيّين يقول: إتّفقت جنازته وجنازة كثير عزّة بباب المسجد في يوم واحد فما قام إليها أحد. قال: فشهد الناس جنازة كثير وتركوا عكرمة.
وعن أحمد نحوه لكن قال: فلم يشهد جنازة عكرمة كثير أحد.
وقال الدراوردي نحو الذي قبله لكن قال: فما شهدهما إلّا السودان، ومن هنا لم يرو عنه مالك.
وقال مالك بن أنس عن أبيه نحوه لكن قال: فما علمت أن أحداً من أهل المسجد حل حبوته إليهما.
وقال أبو داود السنجي عن الأصمعي عن ابن أبي الزناد: مات كثير وعكرمة في يوم واحد فأخبرني غير الأصمعي [ قال فشهد الناس جنازة كثير وتركوا جنازة عكرمة ].
وقال عمرو بن علي وغير واحد مات سنة ١٠٥.
وقال الواقدي: حدثتني ابنته أم داود أنه توفي سنة ١٠٥ وهو ابن ثمانين سنة.
وقال أبو عمر الضرير والهيثم بن عدي: مات ١٠٤.
وقال عثمان بن أبي شيبة وغير واحد: مات سنة ١٠٧، وقيل: إنه مات سنة ١١٥ وذلك وهم.
قلت: ونقل الإِسماعيلي في المدخل أن عكرمة ذكر عند أيوب وأنه لا يحسن الصلاة فقال أيوب: أو كان يصلي؟
ومن طريق هشام بن عبد الله المخزومي: سمعت ابن أبي ذيب يقول: كان عكرمة غير ثقة وقد رأيته.
وعن مطرف: كان مالك يكره أن يذكر عكرمة ولا يرى أن يروى عنه.
ومن طريق جرير بن حازم عن أيوب: كنّا نأتي عكرمة فيحلف أن لا يحدّثنا
فما نكون بأطمع منه في ذلك إذا حلف، فقال له رجل في ذلك فقال: تحديثي لكم كفارته »(١) .
وقال العيني: « السابعة: في الصحيح جماعة جرحهم بعض المتقدّمين، وهو محمول على أنه لم يثبت جرحهم بشرطه، فإن الجرح لا يثبت إلّا مفسّراً مبيّن السبب عند الجمهور، ومثّل ذلك ابن الصلاح بعكرمة، وإسماعيل بن أبي اُويس، وعاصم بن علي، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم. قال وأحتج مسلم بسويد ابن سعيد وجماعة منهم اشتهر الطعن فيهم، قال: وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يقبل إلّا إذا فسّر سببه.
قلت: قد فسّر الجرح في هؤلاء. أمّا عكرمة فقال ابن عمر -رضياللهعنه - لنافع: لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وكذّبه مجاهد وابن سيرين ومالك. وقال أحمد: يرى رأي الخوارج الصفرية. وقال ابن المديني: يرى رأي نجدة. ويقال: كان يرى السيف. والجمهور وثّقوه واحتجوا به، ولعلّه لم يكن داعية »(٢) .
وقال السيوطي في ( الأوائل ): « أول من قال برأي الصفرية في المغرب: عكرمة مولى ابن عباس. أخرجه ابن عساكر من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود ».
وقال عبد الحق الدهلوي في ( رجال المشكاة ) بترجمة عكرمة: « وقيل: إنه كان يرى رأي الخوارج، وينسبه إلى عباس أيضاً. وقال ابن عمر لنافع: إتّق الله ولا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس » قال: « وقال القاسم: عكرمة كذّاب، يحدّث بكرة وينسى عشيّة. وقال طاوس: لو أنّ مولى ابن عباس اتّقى الله وكفّ عن حديثه لشدّت إليه المطايا ».
____________________
(١). تهذيب التهذيب ٧ / ٢٣٤.
(٢). عمدة القاري - المقدّمات ١ / ٨.
ترجمة إسماعيل بن أبي أويس
وفي الطريق الثاني ( إسماعيل بن عبد الله الأصبحي المعروف بابن أبي أويس ) وهو ابن أخت مالك. ولا تخفى مثالب هذا الرجل وقوادحه على من نظر في كتب الرجال لأهل السنة. قال النّسائي في ( الضعفاء ): « إسماعيل بن أبي أويس ضعيف »(١) وقال الذهبي: « وقال ابن عدي قال أحمد بن أبي يحيى: سمعت ابن معين يقول: هو وأبوه يسرقان الحديث. وقال الدولابي في الضعفاء: سمعت النضر بن سلمة المروزي يقول: كذّاب، كان يحدّث عن مالك بمسائل ابن وهب. وقال العقيلي: حدثني أُسامة البصري سمعت يحيى بن معين يقول: إسماعيل بن أبي أويس يساوي فلسين فلسين. قلت: وساق له ابن عدي ثلاثة أحاديث ثم قال: روى عن خاله مالك غرائب لا يتابعه عليها أحد »(٢) .
وقال في ( الكاشف ): « إسماعيل بن عبد الله بن أبي أُويس الأصبحي، عن خاله مالك وأبيه وأخيه أبي بكر عبد الحميد وسلمة بن وردان. وعنه خ م وإسماعيل القاضي وعلي البغوي وأُمم قال أبو حاتم: مغفّل محلّه الصدق. وضعّفه النسائي مات سنة ٢٢٦ »(٣) .
وقال ابن حجر العسقلاني: « وقال ابن أبي خيثمة عنه ( أي عن ابن معين ) صدوق ضعيف العقل ليس بذاك. يعني إنه لا يحسن الحديث ولا يعرف أن يؤدّيه أو يقرأ من غير كتابه.
وقال معاوية بن صالح عنه: هو وأبوه ضعيفان.
وقال عبد الوهاب بن عصمة عن أحمد بن أبي يحيى عن ابن معين: ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث.
____________________
(١). الضعفاء للنسائي - المجموع في الضعفاء والمتروكين: ٥٤.
(٢). ميزان الاعتدال ١ / ٢٢٢.
(٣). الكاشف ١ / ١٢٥.
وقال إبراهيم بن الجنيد عن يحيى: مخلّط يكذب وليس بشيء.
وقال أبو حاتم: محلّه الصدق وكان مغفّلاً.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال في موضع آخر: غير ثقة.
وقال اللالكائي: بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدّي إلى تركه ولعلّه بان له ما لم يبن لغيره، لأنّ كلام هؤلاء كلّهم يؤول إلى أنه ضعيف.
وقال ابن عدي: روى عن خاله أحاديث غرائب لا يتابعه عليها أحد.
وقال الدولابي في الضعفاء: سمعت النضر بن سلمة المروزي يقول: ابن أبي أُويس كذّاب كان يحدّث عن مالك بمسائل ابن وهب.
وقال العقيلي في الضعفاء: ثنا أُسامة الرفاف بصري سمعت يحيى بن معين يقول: ابن أبي أُويس يسوى فلسين.
وقال الدار قطني: لا أختاره في الصحيح ».
« وحكى ابن أبي خيثمة عن عبد الله بن عبيد الله العباسي صاحب اليمن أن إسماعيل ارتشى من تاجر عشرين ديناراً حتى باع له على الأمير ثوباً يساوي خمسين بمائة.
وذكره الإِسماعيلي في المدخل فقال: كان ينسب في الخفة والطّيش إلى ما أكره ذكره.
قال وقال بعضهم: جانبناه للسنّة.
وقال ابن حَزم في المحلى قال أبو الفتح الأزدي: حدّثني سيف بن محمد أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث. وقرأت على عبد الله بن عمر عن أبي بكر بن محمد: إن عبد الرحمن بن مكي أخبرهم كتابةً أنا الحافظ أبو طاهر السلفي، أنا أبو غالب محمد بن الحسن بن احمد البقلاني، أنا الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقاني، ثنا أبو الحسن الدار قطني، قال ذكر محمد بن موسى الهاشمي - وهو أحد الأئمة وكان النسائي يخصه بما لم يخص به ولده - فذكر عن أبي عبد
الرحمن قال: حكى لي سلمة بن شبيب قال: بم توقّف أبو عبد الرحمن. قال: فما زلت بعد ذلك أُداريه أنْ يحكي لي الحكاية حتى قال قال لي سلمة بن شبيب: سمعت إسماعيل بن أبي أُويس يقول: ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم.
قال البرقاني قلت للدار قطني: من حكى لك هذا عن محمد بن موسى؟ قال: الوزير، كتبتها من كتابه وقرأتها عليه. يعني بالوزير الحافظ الجليل جعفر بن خنزابة.
قلت: وهذا هو الذي بان للنسائي منه حتى تجنّب حديثه، وأطلق القول فيه بأنه ليس بثقة، ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته ثم انصلح. وأما الشيخان فلا يظن بهما أنهما أخرجا عنه إلّا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات. وقد أوضحت ذلك في مقدمة شرحي على البخاري والله أعلم »(١) .
قلت: ما ذكره ابن حجر أخيراً من قوله: « لعلّ هذا كان من إسماعيل في شبيبته ثم انصلح » فاحتمال - لو قبل - لم يبق مجالاً للطعن في راوٍ من الرواة أبداً، وقوله « وأمّا الشيخان فلا يظن بهما أنهما أخرجا عنه إلّا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات » ظن لا يغني عن الحق، ولا يغيّر من الواقع والحقيقة شيئاً، وأمّا قوله « وقد أوضحت ذلك في مقدمة شرحي على البخاري» فهذا نصّ ما قاله هناك:
« إسماعيل بن أبي أُويس عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن عامر الأصبحي، ابن أُخت مالك بن أنس، احتج به الشيخان إلّا أنهما لم يكثرا من تخريج حديثه، ولا أخرج له البخاري مما ينفرد به، سوى حديثين. وأمّا مسلم فأخرج له أقل مما خرّج له البخاري. وروى له الباقون سوى النسائي فإنه أطلق القول بضعفه. وروى عن سلمة بن شبيب ما يوجب طرح روايته واختلف فيه قول ابن معين فقال مرة: ضعيف. وقال مرة: كان يسرق الحديث هو وأبوه. وقال
____________________
(١). تهذيب التهذيب ١ / ٢٧١.
أبو حاتم محلّه الصدق وكان مغفّلاً. وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به. وقال الدار قطني: لا أختاره في الصحيح. قلت: وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح إن إسماعيل أخرج له أُصوله وأذن له أن ينتقي منها، وأنْ يعلّم له على ما يحدّث به، ويعرض عمّا سواه، وهو مشعر بأنّ ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه، لأنه كتب من أصوله، وعلى هذا فلا يحتجُّ بشيء من حديثه غير ما في الصحيح، من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره، إلاّ أن يشاركه غيره فيعتبر به »(١) .
وأنت ترى أنّه لم يذكر في هذه العبارة كثيرا من كلمات الجرح في الرّجل، التي أوردها هو نفسه بترجمته من ( تهذيب التهذيب ) بل حتى أنه سلك سبيل الإجمال فيما ذكره، حماية للبخاري وذبّا عن كتابه مهما أمكن
وأما دعوى أنّ « ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه لأنه كتب من أصوله » - ولعلّ هذا هو المقصود من قوله: « وقد أوضحت » - فالجواب عنها: أنّ هذا غير مسلّم، ولو سلّم فلا ينفع، لأنّ الرجل بالإضافة إلى ضعف عقله وتخليطه وكذبه يعترف على نفسه بالوضع فإذا كان الرّجل بنفسه معترفا بالوضع كيف يطمئن ويوثق بأخباره حتى أصوله؟ ومن هنا ترى ابن حجر يقول بالتالي: « فلا يحتجّ بشيء من حديثه غير ما في الصحيح » وهذا حسن ظن بالبخاري وفعله لا غير.
وقال العيني في المقدّمة السابعة: « وأما إسماعيل بن أبي أويس فإنه أقرّ على نفسه بالوضع كما حكاه النسائي عن سلمة بن شعيب [ شبيب ] عنه. وقال ابن معين: لا يساوي فلسين، هو وأبوه يسرقان الحديث، وقال النضر بن سلمة المروزي فيما حكاه الدّولابي عنه: كذّاب كان يحدّث عن مالك بمسائل ابن وهب ».
____________________
(١). مقدمة فتح الباري: ٣٨٨.
مالك بن أنس
وفي الطريق الثاني ( مالك بن أنس ) وله قوادح عظيمة، أعظمها: العداء لأمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام وأهل بيته الطاهرين، وتفصيل ذلك كلّه مذكور في ( إستقصاء الإِفحام ) فليرجع إليه من شاء هذا كلّه بالنسبة إلى سند هذا الحديث.
وأمّا متنه ودلالته فأضعف وأوهن، وإن شئت بيان ذلك فارجع إلى كتاب ( شوارق النصوص)، فإن هناك ما يبهر الناظر اللبيب، ويقضي منه العجب العجيب.
تحريف البخاري في حديث الخوخة وضعف أسانيده
ثم إنّ بعض المتضلّعين من أهل السنة في الاختلاق والافتعال لم يكتف بجعل « الخوخة » لأبي بكر، فأبدلها بلفظ « الباب » لتتمّ بزعمه المعارضة لحديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » ألا ترى أنّ البخاري بعد أن روى حديث الخوخة تحت عنوان « باب الخوخة والممرّ في المسجد » من كتاب الصلاة، عن ابن عباس.
قال في كتاب المناقب: « باب قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : سدّوا الأبواب إلّا باب أبي بكر. قاله ابن عباس عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
وقد تنبّه شرّاحه إلى هذا التحريف، فحاولوا إصلاحه فقالوا: بأنّه نقل بالمعنى، قال ابن حجر: « وصله المصنف في الصلاة بلفظ: سدّوا عني كلّ خوخة. فكأنه ذكره بالمعنى »(١) . وقال العيني: « هذا وصله البخاري في الصلاة بلفظ: سدّوا عني كل خوخة في المسجد. وهذا هنا نقل بالمعنى، ولفظه في الصلاة في باب الخوخة والممرّ في المسجد »(٢) .
____________________
(١). فتح الباري ١ / ٤٤٢.
(٢). عمدة القاري ٤ / ٢٤٥.
ولا يخفى عليك ما في هذا التأويل، أمّا أولاً: فلأنّه ينافي تلك المبالغات والإِغراقات التي يذكرها أولياء البخاري له في احتياطه في النقل والتزامه بنقل ألفاظ الأحاديث كما هي من غير تصرّف، كما لا يخفى على ناظر كلماتهم ومتتبّع سقطاتهم. وأمّا ثانياً: فلأنه ليس تصرف البخاري هذا من النقل بالمعنى، لوضوح الفرق بين « الخوخة » و« الباب » حتى على الأطفال وربّات الحجال، فضلاً عن ذوي الألباب من الرجال.
وكما حرّف البخاري لفظ الحديث عن ابن عباس، كذلك حرّفه نقلاً عن أبي سعيد الخدري أيضاً، فقد عرفت أنّه أخرجه عن أبي سعيد في « باب هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة » بلفظ « الخوخة »، لكنّه ذكر نفس الحديث في مناقب أبي بكر في « باب قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : سدّوا الأبواب إلاّ باب أبي بكر، واضعا لفظ « الباب » بدلا عن « الخوخة » وهذا نصّ كلامه:
« حدثني عبد الله بن محمد، حدثني أبو عامر، حدثنا فليح قال حدثني سالم أبو النضر، عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدريرضياللهعنه قال: خطب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الناس وقال: إن الله خيّر عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله. قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن عبد خيّر، فكان رسول الله هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أُخوة الإِسلام ومودّته. لا يبقينّ في المسجد باب إلّا سدّ إلّا باب أبي بكر »(١) .
وقد بذل شرّاحه قصارى سعيهم في سبيل عز وهذا التحريف الشنيع إلى رواة الحديث، وأنّ البخاري نفسه برئ من ذلك لكنّ حقيقة الحال لا تخفى على أهل التحقيق، وإنْ حاول الشراح الإِخفاء والتّلبيس
____________________
(١). صحيح البخاري - مناقب أبي بكر ٥ / ٦٢.
ثم إنَّ هذا السّند مقدوح أيضاً كالسّندين السابقين، لوقوع ( فليح بن سليمان ) في طريقه قال النسائي في ( الضعفاء ): « فليح بن سليمان، ليس بالقوي، مدني »
وقال الذّهبي: « فليح بن سليمان العدوي مولاهم، المدني قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي. مات سنة ١٦٨ »(١) . وقال في ( المغني ) بترجمته: « وقد قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي »(٢) . وقال في ( المغني ) بترجمة محمد بن طلحة بن مصرف: « قال عبد الله بن أحمد: سمعت ابن معين يقول: ثلاثة يتّقى حديثهم: محمد بن طلحة بن مصرف، وأيوب بن عتبة، وفليح بن سليمان. قلت لابن معين: عمّن سمعت هذا؟ قال: سمعته من أبي كامل مظفر بن مدرك »(٣) .
وقال الذهبي في ( الميزان ) بترجمة فليح: « فليح بن سليمان المدني أحد العلماء الكبار عن نافع والزهري وعدّة. إحتجّا به في الصحيحين.
وقد قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي وقال أبو حاتم: سمعت معاوية بن صالح سمعت يحيى بن معين يقول: فليح بن سليمان ليس بثقة ولا ابنه ثم قال أبو حاتم: كان ابن معين يحمل على محمد بن فليح. وروى عثمان بن سعيد عن يحيى: ضعيف ما أقربه من أبي اُويس. وروى عباس عن يحيى: لا يحتجُّ به. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت ابن معين يقول: ثلاثة يتّقى حديثهم: محمد ابن طلحة بن مصرف، وأيوب بن عتبة، وفليح بن سليمان. قلت له: ممن سمعت هذا؟ قال: من مظفر بن مدرك وكنت آخذ عنه هذا الشأن. قلت: مظفر هو أبو كامل من حفّاظ بغداد من طبقة عفّان.
____________________
(١). الكاشف ٢ / ٣٨٧.
(٢). المغني في الضعفاء ٢ / ٥١٦.
(٣). المصدر نفسه ٢ / ٥٩٥.
وروى معاوية بن صالح عن يحيى: فليح ضعيف. وقال الساجي: يهمّ وإنْ كان من أهل الصدق. وأصعب ما رمي به ما ذكر عن ابن معين عن أبي كامل قال: كنّا نتّهمه لأنه كان يتناول من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قلت: قد اعتمد أبو عبد الله البخاري فليحاً في غير ما حديث، كحديث: إن في الجنة مائة درجة و حديث: هل فيكم أحد لم يقارف الليلة و حديث: إذا سجد أمكن جبهته وأنفه من الأرض. صحّحه الترمذي. و حديث: يخالف الطريق يوم العيد.
سعيد بن منصور نبأ فليح عن أبي طوالة عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من تعلّم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يستعمله إلّا ليصيب به عرضاً من عرض الدنيا لم يجد عرف الجنة.
وقال أبو داود: لا يحتج بفليح.
وقال الدار قطني: يختلفون فيه ولا بأس به.
قلت: مات سنة ثمان وستين ومائة »(١) .
وقال ابن حجر: « قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ما أقربه من أبي أُويس.
وقال الدوري عن ابن معين: ليس بالقوي ولا يحتجُّ بحديثه وهو دون الدراوردي.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي.
وقال الآجري: قلت لأبي داود: أبلغك أن يحيى بن سعيد كان يقشعرّ من أحاديث فليح؟ قال: بلغني عن يحيى بن معين قال: كان أبو كامل مظفر بن مدرك يتكلّم في فليح. قال أبو كامل: كانوا يرون أنه يتناول رجال الزهري. قال أبو داود: وهذا خطأ، هو يتناول رجال مالك.
____________________
(١). ميزان الاعتدال ٣ / ٣٦٥.
وقال الآجري قلت لأبي داود: قال ابن معين: عاصم بن عبيد الله وابن عقيل وفليح لا يحتج بحديثهم. قال: صدق.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال مرة: ليس بالقوي وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم.
وقال الدارقطني: يختلفون فيه وليس به بأس.
وقال ابن أبي شيبة: قال علي بن المديني: كان فليح وأخوه عبد الحميد ضعيفين.
وقال البرقي عن ابن معين: ضعيف وهم يكتبون حديثه ويشتهونه.
وقال الساجي: هو من أهل الصدق ويهم. وقال الرملي عن داود: ليس بشيء.
وقال الطبري: ولّاه المنصور على الصدقات لأنه كان أشار عليهم بحسن ابن حسن لما طلب محمد بن عبد الله بن الحسن.
وقال ابن القطان: أصعب ما رمي به ما روي عن يحيى بن معين عن أبي كامل قال: كنّا نتّهمه لأنه كان يتناول أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . كذا ذكر هذا هكذا ابن القطان في كتاب البيان له، وهو من التصحيف الشنيع الذي وقع له. والصّواب ما تقدم. ثم رأيته مثل ما نقل ابن القطان في رجال البخاري للساجي، فالوهم منه »(١) .
وقال ابن حجر: « إحتج به البخاري وأصحاب السنن، وروى له مسلم حديثاً واحداً وهو حديث الإِفك. وضعّفه يحيى بن معين والنسائي وأبو داود، وقال الساجي: هو من أهل الصدق وكان يهم. وقال الدار قطني: يختلف فيه ولا بأس به. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة مستقيمة وغرائب، وهو عندي لا بأس به.
____________________
(١). تهذيب التهذيب ٨ / ٢٧٢.
قلت: لم يعتمد عليه البخاري اعتماده على مالك وابن عيينة وأضرابهما. وإنما خرّج له أحاديث أكثرها في المتابعات وبعضها في الرقائق »(١) .
ومن غرائب الأمور: أن البخاري يذكر هذه الرواية المسندة إلى أبي سعيد الخدري مع هذا التحريف، أعني تبديل لفظة « الخوخة » بلفظة « الباب » في كتاب الصلاة، باب الخوخة والممرّ في المسجد، وهذا نصّ عبارته: « حدّثنا محمد بن سنان قال: حدّثنا فليح قال حدّثنا أبو النضر عن عبيد بن حنين عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري قال: خطب النبي فقال: إن الله سبحانه خيّر عبداً »(٢) .
وهذا السند أيضاً مقدوح: لاشتماله على ( فليح بن سليمان ) أيضاً، وقد عرفته، ولأنّ ظاهره رواية: ( عبيد بن حنين ) عن ( بسر بن سعيد )، وهذا غلط واضح، ومن هنا انبرى أولياء البخاري لإِصلاحه بطرقٍ مختلفة، وكان الأحرى أنْ يعترفوا بالعجز عن إصلاحه قال ابن حجر في مقدمة ( فتح الباري ) في الكلام على الأحاديث التي اعترض الحفّاظ فيها على البخاري: « الحديث الرابع - قال البخاري باب الخوخة والممرّ في المسجد: حدّثنا محمد بن سنان الحديث. قال الدار قطني: هذا السّياق غير محفوظ، واختلف فيه على فليح فرواه محمد بن سنان هكذا وتابعه المعافى بن سليمان الحراني، ورواه سعيد بن منصور ويونس بن محمد المؤدّب وأبو داود الطيالسي عن فليح عن أبي النضر عن عبيد بن حنين وبسر بن سعيد جميعاً عن أبي سعيد.
قلت: أخرجه مسلم عن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة عن يونس، وابن حبّان في صحيحه من حديث الطيالسي، ورواه أبو عامر العقدي عن فليح عن أبي النضر عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد، ولم يذكر عبيد بن حنين، أخرجه
____________________
(١). مقدمة فتح الباري: ٤٣٥.
(٢). صحيح البخاري - كتاب الصلاة ١ / ٢٦٠.
البخاري في مناقب أبي بكر. فهذه ثلاثة أوجه مختلفة. فأما رواية أبي عامر فيمكن ردّها إلى رواية سعيد بن منصور بأن يكون اقتصر فيها على أحد شيخي أبي النضر دون الآخر، وقد رواه مالك عن أبي النضر عنهما جميعاً، حدّث به القعنبي في الموطأ عنه وتابعه جماعة عن مالك خارج الموطأ، وأخرجه البخاري أيضاً عن ابن أبي أويس عن مالك في الهجرة، لكنه اقتصر فيه على عبيد بن حنين حسب. وأما رواية محمد بن سنان فوهم، لأنه صيّر بسر بن سعيد شيخاً لعبيد بن حنين، وإنما هو رفيقه في رواية هذا الحديث. ويمكن أن يكون الواو سقطت قبل قوله عن بسر، وقد صرّح بذلك البخاري فيما رواه أبو علي بن السكن الحافظ في زوائده في الصحيح قال: أنا الفربري قال قال البخاري: هكذا رواه محمد بن سنان عن فليح، وإنما هو عن عبيد بن حنين وعن بسر بن سعيد. يعني بواو العطف فقد أفصح البخاري بأن شيخه سقطت عليه الواو من هذا السياق، وأن من إسقاطها نشأ هذا الوهم. وإذا رجعنا إلى الإِنصاف لم تكن هذه علة قادحة مع هذا الإِيضاح. والله أعلم »(١) .
وقال بشرح الحديث: « ( قوله عن عبيد بن حنين عن بسر بن سعيد ) هكذا في أكثر الروايات، وسقط من رواية الأصيلي عن أبي زيد ذكر بسر بن سعيد فصار عن عبيد بن حنين عن أبي سعيد، وهو صحيح في نفس الأمر لكن محمد بن سنان
____________________
(١). كيف لا تكون في هذا الخبر علة قادحة، وقد اضطرب فيه فليح اضطراباً عظيماً أدّى إلى روايته بثلاثة أوجه، أوّلها وهم صريح والحمل فيه على ابن سنان كما اختاره البخاري ليس بصحيح، فقد تابعه فيه المعافى بن سليمان الحراني، فبرئ ابن سنان عن العهدة وصار الأمر إلى فليح وهو مطعون في نفسه. ومع ذلك فقد اضطرب في هذا الخبر اضطراباً لا مزيد عليه. وأما مالك فقد اضطرب أيضاً في هذا الخبر وإن كان اضطرابه دون اضطراب فليح. وهو أيضاً مطعون أما البخاري فلا يكاد يتخلص من ورطة إيراده هذا الخبر بسند قد اشتمل على وهم صريح، والعذر عنه بأنه أفصح للفربري خلط شيخه محمد بن سنان لا يجدي شيئاً، لأن الحمل على شيخه غير مسلم، بل الحمل على فليح المطعون كما عرفت، ولو سلّم فسكوت البخاري في الصحيح على هذا الغلط كائناً عمّن كان مع عدم التنبيه عليه مع الشعور به قادح. والله العاصم.
إنما حدّث به كالذي وقع في بقية الروايات، فقد نقل ابن السكن عن الفربري عن البخاري أنه قال: هكذا حدّث به محمد بن سنان، وهو خطأ وإنما هو عن عبيد بن حنين وعن بسر بن سعيد. يعني بواو العطف. فعلى هذا يكون أبو النضر سمعه من شيخين حدّثه كل منهما به عن أبي سعيد، وقد رواه مسلم كذلك عن سعيد بن منصور عن فليح عن أبي النضر عن عبيد وبسر جميعاً عن أبي سعيد، وتابعه يونس بن محمد عن فليح، أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عنه. ورواه أبو عامر العقدي من فليح عن أبي النضر عن بسر وحده، أخرجه المصنف في مناقب أبي بكر. فكأن فليحاً كان يجمعهما مرّة ويقتصر مرة على أحدهما. وقد رواه مالك عن أبي النضر عن عبيد وحده عن أبي سعيد، أخرجه المصنف أيضاً في الهجرة، وهذا مما يقوي أن الحديث عند أبي النضر عن شيخين، ولم يبق إلّا أن محمد بن سنان أخطأ في حذف الواو العاطفة، مع احتمال أن يكون الخطأ من فليح حال تحديثه له به. ويؤيد هذا الاحتمال: أن المعافى بن سليمان الحراني رواه عن فليح كرواية محمد بن سنان، وقد نبّه المصنف على أن حذف الواو خطأ، فلم يبق للاعتراض عليه سبيل. قال الدار قطني: رواية من رواه عن أبي النضر عن عبيد عن بسر غير محفوظة »(١) .
وهكذا قال العيني بشرح الحديث من ( عمدة القاري )(٢) .
الرابع: ما ادعاه من كون حديث الخوخة إشارةً إلى كلّية بيت النبوّة - مع غض النظر عن بطلان الحديث المزعوم - سخيف جداً، فأين الاشارة المذكورة؟ وأين خوخة بيت أبي بكر عن بيت النبوة؟
والخامس: اللفظ الذي ذكره لحديث سدّ الأبواب لفظ مهمل، وسياقه مختلّ لم نعلم من أين ينقله ولما ذا وضع هذا اللفظ في موضع الجملة
____________________
(١). فتح البخاري ١ / ٤٤٣.
(٢). عمدة القاري ٤ / ٢٤٢.
الشريفة: « سدّوا هذه الأبواب إلّا باب علي » الصريحة الواضحة الدلالة، والواردة عن أكابر الأئمة من أحمد، والنسائي، والحاكم، والضياء المقدسي، وغيرهم ...!!
والسادس: كيف تكون إضافة « الباب » إلى « علي » إضافة بيانية؟ مع أنّ شرط الإِضافة البيانية أن يكون المضاف من جنس المضاف إليه، كخاتم فضة وأيضاً: في الاضافة البيانية يجوز إظهار « من » فيقال: خاتم من فضةٍ، وهنا لا يصح: باب من علي.
والسابع: لقد اشتبه الأمر على الأورنقابادي، فتوهّم الإِتّحاد بين حديث مدينة العلم، وحديث سدّوا الأبواب، من جهة وجود لفظ « الباب » في الحديثين، لكن « الباب » في الأوّل معنوي، وفي الثاني ظاهري، كما لا يخفى على أولي الأفهام.
النظر في حديث حذيفة في بابيّة عمر
والثامن: جعله عمر باباً استناداً إلى حديث حذيفة واضح البطلان والإِعتساف، فإنّ هذا الحديث من متفرّدات أهل السنّة، على أنّه ذمّ لعمر وليس مدحاً، إذ هو ظاهر في كونه « باب الفتنة » لا « باب العلم » و قد ذكره الأورنقابادي نفسه في حاشية هذا الموضع من كتابه بقوله: « وهو مخرج في البخاري ومسلم عن سفيان [ شقيق ] عن حذيفة: قال كنّا عند عمر فقال: أيّكم يحفظ حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الفتنة؟ فقلت: أنا أحفظ كما قال. قال: هات، إنك لجري، وكيف قال؟ قلت: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفّرها الصيام والصّلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر. قال قلت: مالك ولها يا أمير المؤمنين، إن بينك
وبينها باباً مغلقاً. قال: فيكسر الباب أو يفتح؟ قال قلت: لا بل يكسر. قال: ذاك أحرى أن لا يغلق أبداً. قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غد ليلة، إني حدّثته حديثاً ليس بالأغاليط. قال: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب. فقلنا لمسروق: سله. فقال: عمر ».
فأنت ترى حذيفة يقول لعمر في هذا السياق: « إنّك بينك وبينها باباً مغلقاً » وهو ظاهر في كونه « باب الفتنة » غير أنه « مغلق » وقد توهّم الأورنقابادي أنّ كونه مغلقاً مدح لعمر، مع أنّ كون الشخص « باب الفتنة » ذم له وإن كان مغلقاً.
هذا بالنسبة إلى السياق الذي ذكره الأورنقابادي، وأمّا سياقاته الْأُخرى فلا يفيد شيء منها كون عمر باباً ففي ( صحيح مسلم ) كتاب الإِيمان: « حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال ثنا أبو خالد - يعني سليمان بن حيّان - عن سعد بن طارق، عن ربعي عن حذيفة قال: كنّا عند عمر فقال: أيّكم سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلّكم تعنون فتنة الرجل في أهله وماله وجاره. قالوا: أجل. قال: تلك تكفّرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيّكم سمع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يذكر التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم. فقلت: أنا. فقال: أنت لله أبوك! قال حذيفة: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً عُوداً، فأيّ قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأيّ قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضرّه فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادّا كالكوز مجنحيّاً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلّا ما أُشرب من هواه. قال حذيفة: وحدّثته أن بينك وبينها باباً مغلقاً يوشك أن يكسر قال عمر: أكسراً لا أبالك، فلو أنّه فتح لعلّه كان يعاد. قلت: لا بل يكسر. وحدّثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت حديثاً ليس بالأغاليط. قال أبو خالد فقلت لسعد: يا أبا مالك، ما أسود مربادّا؟ قال: شدة
البياض في سواد. قال قلت: فما الكوز مجنحيّاً؟ قال: منكوساً »(١) .
وفي هذا السياق: « إن بينك وبينها باباً مغلقاً » فالباب غير عمر ولا تخفى وجوه الفرق الأخرى بين هذا السّياق والسياق الذي ذكره الأورنقابادي.
وكيف كان، فلا دلالة في هذا الحديث على معنىَّ يصلح لأنْ يذكر في مقابلة حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها »
دعوى دلالة حديث المدينة على عدم تملّك بيت النّبوة شيئاً من المال
والتاسع: وزعم الأورنقابادي كون حديث « أنا مدينة العلم » إشارةً وإيماءً إلى أنّ بيت النبوة خالٍ من جميع الأموال إلّا العلم، ثم استشهد لذلك بما رووا عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: إن الأنبياء لم يورّثوا
فنقول: أوّلاً: لا ذكر في حديث المدينة لبيت النّبوة ولا سيّما بالمعنى الذي توهّمه وثانياً: الإِشارة المذكورة ممنوعة، أفهل يجوز القول بخلوّ بيت النبوة من متاع الصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد ومن متاع الزهد والورع والتقوى والشجاعة والعدالة وحسن الخلق وما سواها من الخصال الحميدة؟ نعم يدلّ الحديث على انحصار أخذ العلم من باب مدينة العلم دلالةً ظاهرةً أظهر من الشّمس وأبين من الأمس، ولكن هذا الانحصار يأتي على مذهب الأورنقابادي بالدمار. وثالثا: لو سلّمنا كون الحديث إشارة إلى انحصار متاع البيت في « العلم » فغاية ذلك هو: أنّ متاع بيت النبوة في بيت النبوة من حيث أنه بيت النبوة هو « العلم » وأنّ الأموال لا يعتنى إليها فيه، لا أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم - وهو صاحب بيت النبوة - لم يكن يملك شيئاً من الأموال، كما هو مزعوم جمع من المتصوّفين، وإليه يميل كلام الأورنقابادي المهين.
وأمّا حديث: « إنّ الأنبياء » فلا يدلّ على الفقر بالمعنى الذي يتوهّمه
____________________
(١). صحيح مسلم - كتاب الايمان ١ / ٨٩.
المتصوّفة، بل يدلّ على الزهد والورع والكرم والإِيثار هذا، على أنّ هذا الحديث في ( جامع الترمذي ) مقدوح سنداً، فقد قال: « حدّثنا محمود بن خداش البغدادي: نا محمد بن يزيد الواسطي نا عاصم بن رجاء بن حياة عن قيس بن كثير قال: قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء وهو بدمشق فقال: ما أقدمك يا أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدّثه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: أما جئت لحاجة؟ قال: لا، قال: فإني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضىً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، ان الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورّثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظٍّ وافر.
ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة، وليس إسناده عندي بمتصل. هكذا حدّثنا محمود بن خداش هذا الحديث، وإنما يروى هذا الحديث عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن داود بن جميل عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا أصح من حديث محمود بن خداش »(١) .
فإن كلام الترمذي نفسه كاف لسقوط الحديث، ونضيف إلى ذلك أنّ:
كثير بن قيس - راوي الحديث عن أبي الدرداء - ضعّفه الدار قطني وغيره، قال الذهبي: « كثير بن قيس، تابعي، تقدّم في الدال تضعيف الدارقطني له »(٢) . وقال ابن حجر: « كثير بن قيس الشامي، ويقال قيس بن كثير - والأول أكثر - ضعيف، من الثالثة، ووهم ابن قانع فأورده في الصحابة »(٣) . وقال الخزرجي:
____________________
(١). جامع الترمذي ٥ / ٤٦.
(٢). ميزان الاعتدال ٣ / ٤٠٩.
(٣). تقريب التهذيب ٢ / ١٣٢.
« د ت ق. كثير بن قيس - أو عكسه - عن أبي الدرداء. وعنه: داود بن جميل. والاسناد مضطرب »(١) .
وداود بن جميل راويه عن كثير بن قيس - وقد أسقطه شيخ الترمذي من السند - قال الذهبي: « داود بن جميل - وبعضهم يقول: الوليد بن جميل - عن: كثير بن قيس عن أبي الدرداء بخبر من سلك طريقاً يطلب علماً. وعنه: عاصم ابن رجا بن حياة. حديثه مضطرب، وضعّفه الأزدي. وأما ابن حبّان فذكره في الثقات، وداود لا يعرف كشيخه، وقال الدار قطني في العلل: عاصم ومن فوقه ضعفاء ولا يصح »(٢) . وهذا صريح لا في ضعف داود بن جميل فقط، بل في ضعف عاصم ومن فوقه أيضاً، فالحديث غير صحيح.
وقال الذهبي: « وثّق وأما الأزدي فضعّفه، وفيه جهالة »(٣) . وقال ابن حجر: « ضعيف »(٤) . وقال الخزرجي: « هو مضطرب »(٥) ومن هنا: تعرف السرّ في إسقاط داود بن جميل من سند الترمذي.
وعاصم بن رجاء - عرفت ضعفه عند الدار قطني، قال ابن حجر العسقلاني بعد نقل توثيقه عن بعضهم: « قلت: وتكلّم فيه »(٦) وقال هو: « صدوق يهم »(٧) .
الأئمة الأطهار في العلم سواء
العاشر: زعم الأورنقابادي في آخر كلامه أنّ أهل البيتعليهمالسلام
____________________
(١). خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ٢ / ٣٦٣.
(٢). ميزان الاعتدال ٢ / ٤.
(٣). المغني ١ / ٢١٧.
(٤). تقريب التهذيب ١ / ٢٣١.
(٥). خلاصة التهذيب ١ / ٣٠٠.
(٦). تهذيب التهذيب ٥ / ٣٧.
(٧). تقريب التهذيب ١ / ٣٨٣.
ورثوا العلم عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بحسب إختلاف مراتبهم في باب الإِرث نشأ من قلّة معرفته بأحوال الائمة المعصومينعليهمالسلام ، ومن نظر في سيرهم وفضائلهم علم أنهم في العلم سواء، وقد اعترف بهذا المعنى علماء أهل السنّة أيضاً:
قال ابن الصبّاغ المالكي في ذكر الامام الحسينعليهالسلام : « فصل في علمه وشجاعته وشرف نفسه وسيادتهعليهالسلام قال بعض أهل العلم: علوم أهل البيت لا تتوقف على التكرار والدرس، ولا يزيد يومهم فيها على ما كان في الأمس، لأنهم المخاطبون في أسرارهم والمحدّثون في النفس، فسماء معارفهم وعلومهم بعيدة عن الإدراك واللمس، ومن أراد سترها كان كمن أراد ستر وجه الشمس، وهذا مما يجب أن يكون ثابتاً ومقرراً في النفس، فهم يرون عالم الغيب في عالم الشهادة، ويقفون على حقائق المعارف في خلوات العبادة وتناجيهم ثواقب أفكارهم في أوقات أذكارهم بما تسنّموا به غارب الشرف والسيادة وحصلوا بصدق توجّههم إلى جناب القدس، فبلغوا به منتهى السؤال والإِرادة فهم كما في نفوس أوليائهم ومحبّيهم وزيادة، فما تزيد معارفهم في زمان الشيخوخة على معارفهم في زمن الولادة، وهذه أُمور تثبت لهم بالقياس والنظر، ومناقب واضحة الحجول بادية الغرر، ومزايا تشرق إشراق الشمس والقمر، وسجايا تزيّن عيون التواريخ وعنوانات الأثر، فما سألهم مستفيد أو ممتحن فوقفوا، ولا أنكر منكر أمراً من الْأُمور إلّا علموا وعرفوا، ولا جرى معهم غيرهم في مضمار شرف إلّا سبقوا وقصر مجاروهم وتخلّفوا، سنّة جرى عليها الذين تقدّموا منهم، وأحسن أتباعهم الذين خلفوا، وكم عانوا في الجدال والجلاد أُموراً فبلغوها بالرأي الأصيل والصبر الجميل، فما استكانوا ولا ضعفوا، فبهذا وأمثاله سموا على الأمثال وشرفوا، تفتر الشقاشق إذا هدرت شقاشقهم وتصغي الأسماع إذا قال قائلهمْ أو نطق ناطقهم، ويكثف الهواء إذا قيست به خلائقهم، ويقف كل ساع عن شأوهم فلا يدرك فائتهم ولا ينال طرائقهم، وسجايا منحهم بها خالقهم، وأخبر بها صادقهم فسرّ
بها أولياؤهم وأصادقهم وحزن لها مباينهم ومفارقهم »(١) .
وقال العجيلي: « قال بعض أهل العلم: علوم أهل البيت لا تتوقف على التكرار والدرس، ولا يزيد يومهم فيها على ما كان في الأمس، لأنهم المخاطبون في أسرارهم المحدّثون في النفس، فسماء معارفهم وعلومهم بعيدة عن الإِدراك واللمس، ومن أراد سترها كان كمن أراد ستر الشمس، فهم يرون عالم الغيب في عالم الشهادة ويقعون على حقائق المعارف في خطوات العبادة، ويناجيهم ثواقب أفكارهم في أوقات أذكارهم، فهم كما في نفوس أوليائهم ومحبّيهم وزيادة، فما تزيد معارفهم في زمان الشيخوخة على معارفهم في زمن الولادة، وهذه أُمور تثبت لهم بالقياس والنظر، ومناقب واضحة الحجول والغرر، ومزايا تشرق إشراق الشمس والقمر، وسجايا تزيّن عيون التواريخ وعنوان الأثر، فما سألهم مستفيد أو ممتحن فتوقفوا، ولا أنكر منكر أمراً من الْأُمور إلّا عرفوا وعلموا، ولا جرى معهم غيرهم في مضمار شرف إلّا سبقوا وقصر مجاريهم وتخلفوا، سنّة جرى عليه الذين تقدّموا منهم وأحسن أتباعهم الذين خلفوا. وكم عانوا في الجدال والجلاد أُموراً فبلغوا بالرأي الأصيل والصبر الجميل، فما استكانوا ولا ضعفوا، سجايا منحهم بها خالقهم، وأخبر بها صادقهم، فرح بها أولياؤهم وأوصياؤهم، وحزن بها مباينهم ومفارقهم »(٢) .
لم يرث العلم إلّا الأئمة الأطهار
ثم إنّ العلم لم يرثه عن « المدينة » إلّا الأئمة الأطهار من « أهل بيت المدينة »، وقد دلّ على هذا المعنى حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » وغيره من الأدلّة، وبه صرَّح وعليه نصّ كبار الأعلام والعرفاء الكرام من أهل السنّة، كالقاضي شهاب
____________________
(١). الفصول المهمة: ١٥٩.
(٢). ذخيرة المآل - مخطوط.
الدين في كتاب ( هداية السعداء ) والشيخ سعد الدين الحموي كما في كتاب ( ينابيع المودة للقندوزي ) والقاضي ثناء الله باني بتي في خاتمة كتابه ( سيف مسلول )
* * *
(١٧)
مع القاضي ثناء الله
في كلامه حول الحديث
وحمل القاضي ثناء الله باني بتي حديث: « أنا دار الحكمة » و « حديث أنا مدينة العلم » كليهما على العلوم الباطنة إذ قال: في ذيل الآية:( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ ) ما نصّه: « وقيل: الشاهد هو علي بن أبي طالب. قال البغوي قال عليرضياللهعنه : ما من رجل من قريش إلّا وقد نزلت فيه آية من القرآن. فقال له رجل: وأنت إيش نزل فيك؟ قال: ويتلوه شاهد منه.
فإن قيل: فما وجه تسمية علي بالشاهد؟ قلت: لعلّ وجه ذلك أنه أوّل من أسلم من الناس، فهو أول من شهد بصدق النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . والأوجه عندي أن يقال: إن علياًرضياللهعنه كان قطب كمالات الولاية، وسائر الأولياء حتى الصحابة رضوان الله عليهم أتباع له في مقام الولاية، وأفضلية الخلفاء الثلاثة عليه بوجه آخر. كذا حقّق المجدّدرضياللهعنه في مكتوب من أواخر مكتوباته.
فكان معنى الآية:( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) يعني حجة واضحة وبرهان قاطع وهو محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنه كان على حجة واضحة من ربّه وبرهان قاطع يفيد العلم بالقطع أنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذلك معجزاته وأفضلها القرآن وعلومه المستندة إلى الوحي( وَيَتْلُوهُ ) أي يتبعه( شاهِدٌ ) من الله على صدقه، وهو علي ومن شاكله من الأولياء، فإن كرامات الأولياء معجزات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعلومهم المستندة إلى الإِلهام والكشف ظلال لعلوم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم المستندة إلى الوحي، فتلك الكرامات والعلوم شاهدة على صدق النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا دار الحكمة وعلي بابها. رواه الترمذي بسند
صحيح عن علي. و أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب. رواه ابن عدي في الكامل والعقيلي في الضعفاء والطبراني والحاكم عن ابن عباس، وابن عدي والحاكم عن جابر، إشارة إلى علوم الأولياء دون علوم الفقهاء، فإن أخذ علوم الفقهاء لم ينحصر على عليرضياللهعنه ، بل قال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم ».
وهذا الكلام وإنْ اشتمل على بعض المطالب الصادقة مخدوش من وجوه:
الحملُ على العلوم الباطنة باطل ٌ
أحدها: إنّه وإنْ كان اعترافه بكون أمير المؤمنينعليهالسلام « قطب كمالات الولاية، وسائر الأولياء حتى الصّحابة أتباع له في مقام الولاية » دليلاً على أفضلية الامام من الصّحابة من وجهٍ، لكنّ حديث « أنا مدينة العلم » ونظائره يدلّ على أفضليّته وأعلميّته منهم من جميع الجهات والوجوه
وحمله حديث: « أنا دار الحكمة » على أنه « إشارة إلى علوم الأولياء دون علوم الفقهاء » باطل قطعاً، لأن « الحكمة » هو « العلم النافع » ولا ريب في أنّ علوم الفقهاء من العلم النّافع.
أمّا أنّ « الحكمة » هو « العلم النافع » فقد صرّح به عبد العزيز ( الدهلوي ) في جوابٍ سؤالٍ عن ثبوت « العصمة » و« الحكمة » و« الوجاهة » و« القطبيّة » للأئمة الاثني عشرعليهمالسلام ونصّ على أنه المراد من حديث « أنا دار الحكمة وعلي بابها » وحديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » ولمزيد الفائدة نذكر كلمات بعض العلماء حول معنى حديث: « أنا دار الحكمة » ليتّضح لك بطلان الحمل المذكور على لسان علماء أهل السنّة:
العاصمي: « أمّا العلم والحكمة فإنّ الله تعالى قال لآدمعليهالسلام ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ) ففضّل بالعلم العباد الذين كانوا لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، واستحق بذاك منهم السجود له، فكما لا يصير العلم
جهلاً والعالم جاهلاً فكذلك لم يصر آدم المفضل بالعلم مفضولاً. وكذلك حال من فضّل بالعلم. فأمّا من فضل بالعبادة فربّما يصير مفضولاً لأن العابد ربما يسقط عن درجة العبادة إنْ تركها معرضاً عنها، أو توانى فيها تغافلاً عنها، فيسقط فضله. ولذلك قيل: بالعلم يعلو ولا يعلى، والعالم يزار ولا يزور. ومن ذلك وجوب الوصف لله سبحانه بالعلم والعالم، وفساد الوصف له بالعبادة والعابد ولذلك منَّ على نبيّهعليهالسلام بقوله( وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ) . و كان فضل الله عليك عظيماً فعظم الفضل عليه بالعلم دون سائر ما أكرمه به من الخصال والأخلاق، وما فتح عليه من البلاد والآفاق.
وكذلك المرتضى رضوان الله عليه، فضّل بالعلم والحكمة ففاق بهما جميع الْأُمة ما خلا الخلفاء الماضين رضي الله عنهم أجمعين. ولذلك وصفه الرسولعليهالسلام بهما حيث قال « يا علي ملئت علماً وحكمة » وذكر في الحديث عن المرتضى رضوان الله عليه: إن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان ذات ليلة في بيت أُم سلمة، فبكّرت إليه بالغداة فإذا عبد الله بن عباس بالباب، فخرج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المسجد وأنا عن يمينه وابن عباس عن يساره فقال النبيعليهالسلام : يا علي ما أول نعم الله عليك؟ قال: أن خلقني فأحسن خلقي. قال: ثم ما ذا؟ قال: أنْ عرّفني نفسه. قال: ثم ما ذا؟ قال قلت:( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ) قال: فضرب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يده على كتفي وقال: يا علي ملئت علماً وحكمةً. ولذلك قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا مدينة العلم وعلي بابها. وفي بعض الروايات: أنا دار الحكمة وعلي بابها »(١) .
الكنجي الشافعي: « الباب الحادي والعشرون، فيما خصّ الله تعالى علياًرضياللهعنه بالحكمة. قال الله تعالى:( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) .
____________________
(١). زين الفتى - مخطوط.
أخبرنا عبد اللطيف بن محمد ببغداد، أخبرنا محمد بن عبد الباقي، أخبرنا أبو الفضل بن أحمد، حدّثنا أحمد بن عبد الله الحافظ، حدّثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الجرجاني، حدّثنا الحسن بن سفيان، حدّثنا عبد الحميد بن بحر، حدّثنا شريك عن سلمة بن كهيل عن الصنابحي عن عليرضياللهعنه قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا دار الحكمة وعلي بابها.
قلت: هذا حديث حسن عال. وقد فسّرت الحكمة بالسنّة لقوله عزّ وجل:( وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ) . الآية. يدل على صحة هذا التأويل ما قد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أوتيت الكتاب ومثله معه أراد بالكتاب القرآن. ومثله معه ما علّمه الله تعالى من الحكمة. وبيّن له من الأمر والنهي والحلال والحرام. فالحكمة هي السنّة، فلهذا قال: أنا دار الحكمة وعلي بابها »(١) .
السيد شهاب الدين أحمد: « الباب الخامس عشر: في أن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وبارك وسلّم دار حكمة ومدينة علم وعلي لهما باب، وأنه أعلم بالله تعالى وأحكامه وآياته وكلامه بلا ارتياب وعن علي رحمة الله ورضوانه عليه قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا دار الحكمة وعلي بابها. رواه الحافظ أبو نعيم، والطبري، ورواه في المشكاة وقال: أخرجه الترمذي »(٢) .
المناوي: « أنا دار الحكمة وفي رواية: أنا مدينة الحكمة وعلي بابها. أي علي ابن أبي طالب هو الباب الذي يدخل منه إلى الحكمة. وناهيك بهذه المرتبة ما أسناها وهذه المنقبة ما أعلاها. ومن زعم أنّ المراد بقوله: وعلي بابها أنه مرتفع من العلوّ وهو الإِرتفاع، فقد تمحّل لغرضه الفاسد بما لا يجديه ولا يسمنه ولا يغنيه.
أخرج أبو نعيم عن ترجمان القرآن مرفوعاً: ما أنزل الله عزّ وجل( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلّا وعلي رأسها وأميرها و أخرج عن ابن مسعود قال: كنت عند
____________________
(١). كفاية الطالب: ١١٨.
(٢). توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - مخطوط.
النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فسئل عن علي كرّم الله وجهه فقال: قسّمت الحكمة عشرة أجزاء فاُعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءاً واحداً. و عنه أيضاً: أُنزل القرآن على سبعة أحرف ما منها حرف إلّا له ظهر وبطن، وأما عليّ فعنده منه علم الظاهر والباطن و أخرج أيضاً: علي سيد المسلمين وإمام المتقين و أخرج أيضاً: أنا سيّد ولد آدم وعلي سيد العرب و أخرج أيضاً: علي راية الهدى و أخرج أيضاً: يا علي، إنّ الله أمرني أن أُدنيك وأُعلّمك لتعي، وأُنزلت عليّ هذه الآية( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) . وأخرج أيضاً عن ابن عباس: كنّا نتحدّث أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عهد إلى علي كرّم الله وجهه سبعين عهداً لم يعهد إلى غيره.
والأخبار في هذا الباب لا تكاد تحصى »(١) .
ابن حجر المكي في ( المنح المكيّة ): « ومما يدلّ على أنّ الله سبحانه اختص علياً من العلوم بما تقصر عنه العبارات: قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أقضاكم علي وهو حديث صحيح لا نزاع فيه، و قوله: أنا دار الحكمة، ورواية: أنا مدينة العلم وعلي بابها ».
العزيزي: « أنا دار الحكمة قال المناوي: وفي رواية مدينة الحكمة. وعلي ابن أبي طالب بابها. فيه التنبيه على فضل علي، واستنباط الأحكام الشرعية منه »(٢) .
نظام الدين السهالوي في ( الصبح الصادق ): « إفاضة: قال الشيخ ابن همام في فتح القدير بعد ما أثبت عتق اُم الولد وانعدام جواز بيعها عن عدّة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وبالأحاديث المرفوعة، استنتج ثبوت الإِجماع على بطلان البيع. ممّا يدل على ثبوت ذلك الإِجماع: ما أسنده عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة السلماني قال: سمعت علياً يقول:
____________________
(١). فيض القدير في شرح الجامع الصغير ٣ / ٤٦.
(٢). السراج المنير في شرح الجامع الصغير ١ / ٢٤٤.
إ جتمع رأيي ورأي عمر في اُمهات الأولاد أنْ لا يبعن، ثم رأيت بعد أن يبعن. فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إليّ من رأيك وحدك في الفرقة. فضحك علي رضي الله تعالى عنه.
واعلم أن رجوع علي رضي الله تعالى عنه يقتضي أنه يرى اشتراط إنقراض العصر في تقرّر الإِجماع، والمرجّح خلافه، وليس يعجبني أن لأمير المؤمنين شأناً يبعد اتّباعه أن يميلوا إلى دليل مرجوح ورأي مغسول ومذهب مرذول، فلو كان عدم الإِشتراط أوضح لا كوضوح شمس النهار كيف يميل هو إليه، و قد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. رواه الصحيحان و قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى وآله وسلّم: أنا دار الحكمة وعلي بابها رواه الترمذي فالإِنقراض هو الحق.
لا يقال: إن الخلفاء الثلاثة أيضاً أبواب العلم، وقد حكم عمر بامتناع البيع. لأن غاية ما في الباب أنهما تعارضا. ثم المذهب أن أمير المؤمنين عمر أفضل، وهو لا يقتضي أن يكون الأفضلية في العلم أيضاً، وقد ثبت أنه باب دار الحكمة فالحكمة حكمه ».
هذا كلّه بالنسبة إلى حديث « أنا دار الحكمة ».
وبالنسبة إلى معنى حديث: « أنا مدينة العلم »:
ابن طلحة الشافعي في معنى « الأنزع البطين »: « ولما اكتنفت العناية الإِلهية، وأحاطت الألطاف الربانية، وأحدقت الرأفة الملكوتيّة برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فجعلت قلبه مشكاةً لأنوار النبوّة والرسالة، وأنزل الله عليه الكتاب والحكمة وعلّمه ما لم يكن يعلم، وعلي يومئذ مشمول ببركات تربيته محصول له ثمرات حنوه عليه، فبشفقته لمع من تلك الأنوار بارقها وطلع من آفاق مشكاتها شارقها، فاستنار قلب علي بتلك الأنوار وزكا بتلك الآثار، وصفا من شوائب الأكدار واستعدّ بقبول ما يفيض عليه من أسرار العلوم وعلوم الأسرار، ويحلّ فيه من مقدار الحكم وحكم الأقدار، فتحلّى بيمن الإِيمان وتزيّن بعوارف
المعرفة، واتّصف بمحكم الحكمة وأدرك أنواع العلم، فصارت الحكم من ألفاظه ملتقطة، وشوارد العلوم الظاهرة والباطنة به آنسة، وعيونها من قليب قلبه متفجرة.
ولم يزل بملازمة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يزيده الله تعالى علماً حتى قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم - فيما نقله الترمذي في صحيحه بسنده عنه -: أنا مدينة العلم وعلي بابها فكان من غزارة علمه يذلّل جوامع القضايا، ويوضّح مشكلات الوقائع، ويسهّل مستصعب الأحكام. فكلّ علم كان له فيه أثر، وكل حكمة كان له عليها استظهار. وسيأتي تفصيل هذا التأصيل في الفصل السادس المعقود لبيان علمه وفضله إن شاء الله تعالى.
وحيث اتّضح ما آتاه الله تعالى من أنواع العلم وأقسام الحكمة، فباعتبار ذلك وصف بلفظة البطين، فإنها لفظة يوصف بها من هو عظيم البطن متّصف بامتلائه. ولـمّا كانعليهالسلام قد امتلأ علماً وحكمة، وتضلّع من أنواع العلوم وأقسام الحكمة ما صار غذاء له مملوّاً به وصف باعتبار ذلك بكونه بطيناً من العلم والحكمة، كمن تضلّع من الأغذية الجسمانية ما عظم به بطنه وصار باعتباره بطيناً، فأطلقت هذه اللفظة نظراً إلى ذلك »(١) .
الكنجي الشافعي: « قلت: والله أعلم: إن وجه هذا عندي: أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها أرادصلىاللهعليهوآلهوسلم أن الله تعالى علّمني العلم وأمرني بدعاء الخلق إلى الإقرار بوحدانيّته في أول النبوة، حتى مضى شطر زمان الرسالة على ذلك. ثم أمرني الله بمحاربة من أبى الإِقرار لله عزّ وجل بالوحدانيّة بعد منعه من ذلك، فأنا مدينة العلم في الأوامر والنواهي وفي السلم والحرب حتى جاهدت المشركين، وعلي بن أبي طالب بابها، أي هو أول من يقاتل أهل البغي بعدي من أهل بيتي وسائر أمتي، ولو لا أنّ علياً بيّن للناس قتال أهل البغي وشرّع الحكم في قتلهم، وإطلاق الأسارى منهم، وتحريم
____________________
(١). مطالب السئول: ٣٥.
سلب أموالهم وسبي ذراريهم، لما عرف ذلك، فالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم سنّ في قتال المشركين ونهب أموالهم وسبى ذراريهم، وسنّ علي في قتال أهل البغي أن لا يجهز على جريح ولا يقتل الأسير ولا تسبى النساء والذرية، ولا تؤخذ أموالهم. وهذا وجه حسن صحيح.
ومع هذا، فقد قال العلماء من الصحابة والتابعين وأهل بيته بتفضيل عليّ، وزيادة علمه وغزارته وحدّة فهمه ووفور حكمته وحسن قضاياه وصحة فتواه، وقد كان أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من علماء الصحابة يشاورونه في الأحكام ويأخذون بقوله في النقض والإِبرام، إعترافاً منهم بعلمه ووفور فضله ورجاحة عقله وصحة حكمه، وليس هذا الحديث في حقّه بكثير، لأنّ رتبته عند الله عزّ وجل وعند رسوله وعند المؤمنين من عباده أجلّ وأعلى من ذلك »(١) .
النووي:
« إمام المسلمين بلا ارتياب |
أمير المؤمنين أبو تراب |
|
نبي الله خازن كلّ علم |
علي للخزانة مثل باب » |
ذكر البيتين شهاب الدين في ( توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل ).
أبوبكر الخوافي، فقد قال شهاب الدين أحمد: « الباب الخامس عشر في أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وبارك وسلّم دار حكمة ومدينة علم وعلي لهما باب. وأنه أعلم الناس بالله تعالى وأحكامه وآياته وكلامه بلا ارتياب.
عن مولانا أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وبارك وسلّم: يا علي إن الله أمرني أن اُدنيك فاُعلّمك لتعي، واُنزلت عليّ هذه الآية( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) فأنت اُذن واعية لعلمي. رواه الحافظ الامام أبو نعيم في الحلية.
ورواه سلطان الطريقة وبرهان الحقيقة الشيخ شهاب الدين أبو جعفر عمر
____________________
(١). كفاية الطالب: ٢٢٢.
السهروردي في العوارف بإسناده إلى عبد الله بن الحسن رضي الله عنهما ولفظه: قال حين نزلت هذه الآية( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وبارك وسلّم لعلي رضي الله تعالى عنه: سألت الله أن يجعلها اُذنك يا علي. قال علي كرّم الله تعالى وجهه: فما نسيت شيئاً بعده وما كان لي أن أنسى.
قال شيخ المشايخ في زمانه وواحد الأقران في علومه وعرفانه الشيخ زين الدين أبو بكر محمد بن محمد بن علي الخوافي قدس الله تعالى سرّه: فلذا اختص علي كرّم الله وجهه بمزيد العلم والحكمة حتى قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى وآله وبارك وسلّم: أنا مدينة العلم وعلي بابها وقال عمر: لو لا علي لهلك عمر ».
شهاب الدين أحمد، قال بعد حديث مدينة العلم: « واعلم أن الباب سبب لزوال الحائل والمانع من الدخول إلى البيت، فمن أراد الدخول وأتى البيوت من غير أبوابها شقّ وعسر عليه دخول البيت، فهكذا من طلب العلم ولم يطلب ذلك من عليرضياللهعنه وبيانه، فإنه لا يدرك المقصود، فإنهرضياللهعنه كان صاحب علم وعقل وبيان، وربّ من كان عالماً ولا يقدر على البيان والإِفصاح، وكان عليرضياللهعنه مشهوراً من بين الصحابة بذلك. فباب العلم وروايته واستنباطه من عليرضياللهعنه ، وهو كان بإجماع الصحابة مرجوعاً إليه في علمه، موثوقاً بفتواه وحكمه، والصحابة كلهم يراجعونه مهما أشكل عليهم، ولا يسبقونه، ومن هذا المعنى قال عمر: لو لا علي لهلك عمر. رضي الله تعالى عنهم ».
ابن الصباغ المالكي بعد نقل حكم الامام في الخنثى: « فانظر رحمك الله إلى استخراج أمير المؤمنين عليرضياللهعنه بنور علمه وثاقب فهمه ما أوضح به سبيل السداد، وبيّن به طريق الرشاد، وأظهر به جانب الذكورة على الْأُنوثة من مادة الإِيجاد، وحصلت له هذه المنة الكاملة والنعمة الشاملة بملاحظة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم له، وتربيته وحنّوه عليه وشفقته، فاستعدّ لقبول الأنوار وتهيّأ لفيض العلوم والأسرار، فصارت الحكمة من ألفاظه ملتقطة، والعلوم الظاهرة والباطنة بفؤاده مرتبطة، لم تزل بحار العلوم تنفجر من صدره ويطفو عبابها. حتى قال صلّى
الله عليه وسلّم: أنا مدينة العلم وعلي بابها »(١) .
نور الدين السمهودي: « وقد أخرج ابن السمّان عن أبي سعيد الخدريرضياللهعنه أنه سمع عمر يقول لعلي رضي الله عنهما - وقد سأله عن شيء فأجابه ففرّج عنه - لا أبقاني الله بعدك يا علي. قال الزين العراقي في شرح التقريب في ترجمة عليرضياللهعنه : قال عمررضياللهعنه : أقضانا عليّ، وكان يتعوّذ من معضلة ليس لها أبو حسن. إنتهى. وهذا التعوّذ رواه الدار قطني وغيره ولفظه: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن. وفي رواية له عن أبي سعيد الخدري قال: قدمنا مع عمر مكة ومعه علي بن أبي طالب فذكر له علي شيئاً فقال عمر: أعوذ بالله أنْ أعيش في قوم لست فيهم أبا حسن. قالوا: وإنما لم يولّه شيئاً من البعوث لأنه كان يمسكه عنده لأخذ رأيه ومشاورته. وأخرج الحافظ الذهبي عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: ذكر لعطاء أكان أحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أفقه من علي؟ قال: لا والله ما علمته.
قلت: وهذا وأشباهه مما جاء في فضيلة علي في هذا الباب شاهد لحديث: أنا مدينة العلم وعليّ بابها »(٢) .
الفضل ابن روزبهان، في جواب كلام العلّامة الحلّي وقد استدل فيه بقولهعليهالسلام : سلوني، وبحديث مدينة العلم كما سمعت: « هذا يدل على وفور علمه واستحضاره أجوبة الوقائع واطّلاعه على العلوم والمعارف، وكلّ هذه الْأُمور مسلّمة »(٣) .
الملّا علي القاري: « ثم علي بن أبي طالب. أي ابن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي. وهو المرتضى، زوج فاطمة الزهراء،
____________________
(١). الفصول المهمة: ١٩.
(٢). جواهر العقدين - مخطوط.
(٣). ابطال الباطل - مخطوط.
وابن عم المصطفى، والعالم في الدرجة العليا، والمعضلات التي سأله كبار الصحابة عنها ورجعوا إلى فتواه، فيها فضائل كثيرة شهيرة، تحقق قولهعليهالسلام : أنا مدينة العلم وعلي بابها و قولهعليهالسلام : أقضاكم علي »(١) .
القاري أيضاً بعد نقل حكاية مكذوبة في تعلّم الخضرعليهالسلام من أبي حنيفة: « ولا يخفى أن هذا من كلام بعض الملحدين الساعي في فساد الدين، إذ حاصله أن الخضر - الذي قال الله تعالى في حقّه:( عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) وقد تعلّم موسىعليهالسلام بعض العلوم منه بما أوتي علماً - من جملة تلاميذ أبي حنيفة، ثم عيسىعليهالسلام يأخذ أحكام الاسلام من تلميذ تلميذ أبي حنيفة في ذلك المقام، وما أسرع فهم التلميذ حيث أخذ عن الحضر في ثلاث سنين ما تعلّم الخضر من أبي حنيفة حيّاً وميّتاً في ثلاثين سنة. وأعجب منه أن أبا القاسم القشيري ليس معدوداً في طبقات الحنفية وإنما هو أحد أكابر الشافعية.
ثم العجب من الخضر أنه أدرك النبيعليهالسلام ولم يتعلّم منه الاسلام ولا من علماء الصحابة الكرام، كعليّ باب مدينة العلم وأقضى الصحابة، وزيد أفرضهم، وأُبي أقرأ القرّاء، ومعاذ بن جبل الأعلم بالحلال والحرام. ولا من التابعين العظام كالفقهاء السبعة. وسعيد بن المسيّب بالمدينة، وعطاء بمكة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشام. وقد رضي لجهله بالشريعة الحنيفية حتى تعلّم مسائلها بدلائلها في أواخر عمر أبي حنيفة، فهذا مما لا يخفى بطلانه على العقول السخيفة والفهوم الضعيفة. بل لو أطلق على هذه المقالة الرديّة علماء الشّافعية أو الحنابلة أو المالكية أخذوها على وجه السخريّة وجعلوها وسيلة في قلة عقل الطائفة الحنفية، حيث لم يعلموا أن أحداً منهم لم يرض بهذه القضية بالكليّة. ثم لو تعرّضت لما في منقوله من الخطأ في مبانيه ومعانيه الدالة على نقصان
____________________
(١). شرح الفقه الأكبر: ١١٣.
معقوله لصار كتاباً مستقلاً في ردّ محصوله، إلّا أني أعرضت عنه صفحاً لقوله تعالى( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) وقال عزّ وجل( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) »(١) .
المنّاوي: « أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب. فإن المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم المدينة الجامعة لمعالي الديانات كلّها، ولا بُدّ للمدينة من باب، فأخبر أن بابها هو علي كرّم الله وجهه، فمن أخذ طريقه دخل المدينة، ومن أخطأه أخطأ طريق الهدى. وقد شهد له بالأعلميّة الموافق والمؤالف والمعادي والمخالف. وخرّج الكلاباذي أن رجلاً سأل معاوية عن مسألة فقال: سل علياً هو أعلم مني. فقال: أريد جوابك. قال: ويحك كرهت رجلاً كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يغرّه بالعلم غرّاً. وكان أكابر الصحب يعترفون له بذلك، وكان عمر يسأله عمّا اُشكل عليه. جاءه رجل فسأله فقال: ههنا علي فاسأله فقال: أريد أن أسمع منك يا أمير المؤمنين قال: قم لا أقام الله رجليك، ومحا اسمه من الديوان. وصحّ عنه من طريق: أنه كان يتعوّذ من قوم ليس هو فيهم حتى أمسكه عنده ولم يولّه شيئاً من البعوث لمشاورته في المشكل. وأخرج الحافظ الذهبي عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: ذكر لعطاء أكان أحد من الصحب أفقه من علي؟ قال: لا والله. وقال الحرالي: قد علم الأوّلون والآخرون أن فهم كتاب الله منحصر إلى علم علي. ومن جهل ذلك فقد ضلّ عن الباب الذي من ورائه يرفع الله من القلوب الحجاب حتى يتحقق اليقين الذين لا يتغير بكشف الغطاء. إلى هنا كلامه »(٢) .
عبد الحق الدهلوي. وقد تقدّم كلامه.
عبد الرحمن بن عبد الرسول الجشتي، في مقدمة كتابه ( مرآة الأسرار ).
____________________
(١). المشرب الوردي في مذهب المهدي - مخطوط.
(٢). فيض القدير ٣ / ٤٦.
إسماعيل بن سليمان الكردي. في كتابه ( جلاء النظر في دفع شبهات ابن حجر ).
محمد بن عبد الرسول البرزنجي - في كتابه ( الاشاعة لأشراط الساعة ).
ولي الله الدهلوي - وقد تقدمت عباراته عن قريب.
محمد معين السندي - في جواب استدلال القائلين بالقياس: « واستدلّوا أيضاً على حجية القياس بعمل جميع كثير من الصحابة، وأن ذلك نقل عنهم بالتواتر، وإن كانت تفاصيل ذلك آحاداً. وأيضاً: عملهم بالقياس وترجيح البعض على البعض تكرر وشاع من غير نكير، وهذا وفاق وإجماع على حجية القياس. فالجواب: إنه كما نقل عنهم القياس نقل ذمّهم القياس أيضاً، فعن باب مدينة العلمرضياللهعنه أنه قال: لو كان الدين بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره»(١) .
محمد بن إسماعيل الأمير: « وإذا عرفت هذا عرفت أنه قد خصّ الله الوصيعليهالسلام بهذه الفضيلة العجيبة، ونوّه شأنه إذ جعله باب أشرف ما في الكون وهو العلم، وأنه منه يستمد ذلك من أراده. ثم أنه باب لأشرف العلوم وهي العلوم الدينية، ثم لأجمع خلق الله علماً وهو سيّد رسلهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وإن هذا لشرف يتضاءل عنه كل شرف، ويطاطىء رأسه تعظيماً له كل من سلف وخلف. وكما خصّه الله بأنّه باب مدينة العلم فاض عنه منها ما يأتيك من دلائل ذلك قريباً »(٢) .
الشيخ سليمان جمل حيث قال بشرح:
« ووزيره ابن عمه في المعالي |
ومن الأهل تسعد الوزراء » |
قال: « وقوله: ومن الأهل الخ. من تلك السعادة ما أمدّ به من المؤاخاة فقد أخرج الترمذي: آخىصلىاللهعليهوآلهوسلم بين أصحابه فجاء علي
____________________
(١). دراسات اللّبيب: ١٨٨.
(٢). الروضة الندية.
تدمع عيناه فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد. فقال: أنت أخي في الدنيا والآخرة.
ومنها: العلوم التي أشار إليها بقوله: أنا مدينة العلم وعلي بابها. فمن أراد العلم فليأت الباب»(١) .
العجيلي الشافعي: « ولـمّا أصاب أهل مكة جدب شديد أخذه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من عمه أبي طالب وربّاه وأزلفه، وهداه إلى مكارم الأخلاق، فحصلت له العلوم بملاحظته له وحنوّه عليه وشفقته، فاستعد لقبول الأنوار وتهيّأ لفيض العلوم والأسرار، فصارت الحكمة من ألفاظه ملتقطة، والعلوم الظاهرة والباطنة بفؤاده مرتبطة، يتفجّر بحار العلوم من صدره. ولذلك قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا مدينة العلم وعلي بابها »(٢) .
حديث « أنا مدينة الفقه وعلي بابها »
الثاني: وإنّ ممّا يردّ الحمل على العلوم الباطنة حديث « أنا مدينة الفقه وعلي بابها » فكما ورد الحديثان عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد ورد هذا الحديث الشريف عنه أيضاً، وأخرجه وأثبته جماعة من العلماء الأعيان كما علمت سابقاً وكما لا مجال للتأويل والحمل فيه كذلك لا مجال له في الحديثين، فظهر بطلان ما ذكره القاضي الهندي بهذا البيان أيضاً، فليمت الجاحد المنكر لذلك غيظاً.
الثالث: إنّ جميع هذه الأحاديث تدلّ على اختصاص العلوم مطلقاً وانحصارها بمولانا أمير المؤمنينعليهالسلام وقد ذكرنا الوجوه الدالّة على ذلك في جواب كلمات العاصمي والقاري وغيرهما، وذكرنا هناك كلمات الأعلام
____________________
(١). الفتوحات الاحمدية بشرح الهمزية.
(٢). ذخيرة المآل - مخطوط.
في هذا الباب، وقد كان منها ما نقله المناوي عن الحرالي: « قد علم الأوّلون والآخرون أنّ فهم كتاب الله منحصر إلى علي، ومن جهل ذلك فقد ضلّ عن الباب الذي من ورائه يرفع الله من القلوب الحجاب، حتى يتحقّق الذي لا يتغيّر بكشف الغطاء ».
فبطل قوله: « فإن أخذ علوم الفقهاء لم ينحصر على عليرضياللهعنه ».
قدح حديث النجوم
الرابع: تمسّكه « بحديث أصحابي كالنجوم » لما زعمه من عدم الإِنحصار المذكور، أضعف وأوهن، فإنّ هذا الحديث موضوع باعتراف أكابر الحفاظ والأئمة من أهل السنّة، وقد تقدم قدحه في جواب كلام الأعور الواسطي، وممّن نصّ على بطلان هذا الحديث: ابن عبد البر، وابن تيمية، وأبو حيان، والزين العراقي، وابن حجر العسقلاني، وابن أمير الحاج، والسيوطي، والخفاجي، والشوكاني وتفصيل الكلام فيه مذكور في قسم ( حديث الثقلين ) من كتابنا.
* * *
(١٨)
مع الدهلوي
في كلامه حول الحديث
وقال عبد العزيز الدهلوي في الباب الحادي عشر من ( التحفة ) في بيان أنواع أوهام الشيعة على زعمه: « النوع الثالث - أنْ يكون المطلوب شيئاً، ونتيجة الاستدلال شيئاً آخر، لكنّهم يتوهّمون ويجعلونها عين المطلوب لكمال القرب والمجاورة بينها وبين المطلوب، وعلى هذا الأساس يتم أكثر استدلالات الشيعة، كما تقدّم بالتفصيل في مباحث الإِمامة، من ذلك: أنّ الأمير باب مدينة العلم، وكل من كان باب مدينة العلم فهو الامام، ومن جهة أنّ الامام رئيس الْأُمة، والباب له رئاسة الدار بوجهٍ من الوجوه، وإذا كان الأمير الباب فهو الإِمام.
والحال أنّ كونه باب مدينة العلم أمر، وكونه الامام أمر آخر، وليس بين الأمرين اتّحاد ولا تلازم».
أقول: وهذا الكلام مرفوض ومردود بوجوه كثيرة. نكتفي هنا بإيراد بعضها:
أحدها: دعوى عدم تفرقة الشيعة بين المطلوب والنتيجة زعم فاسد، فإنّ الشيعة أجلّ شأناً وأعظم قدرا من ذلك، كما ستراه عمّا قريب بعون المنعم المثيب.
والثاني: دعواه أنّ أكثر استدلالات الشيعة من هذا القبيل، دعوى كاذبة، ويكفيك مراجعة استدلالاتنا في المواضع المختلفة من مباحث الامامة
والثالث: ما ذكره حول استدلال الشيعة بحديث أنا مدينة العلم باطل، فقد عرفت من بحوث كتابنا هذا حول حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » سنداً ودلالةً، متانة استدلالاتنا، وتماميّة دلالة هذا الحديث على مطلوبنا.
والرابع: إنّ طريق إستدلال الشيعة بحديث مدينة العلم موجود ومضبوط في كتبها، وليس طريق الاستدلال المبهم والمجمل الذي نسبه ( الدهلوي ) إليهم
في شيء من مؤلّفاتهم، ونحن نورد هنا طريق الاستدلال عن بعض أصحابنا لترى خيانة ( الدهلوي ) وكذبه في هذه المقالة:
قال أبو جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب السروي بعد نقل الحديث عن المخالفين: « وهذا يقتضي وجوب الرجوع إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ، لأنه كنّى عنه بالمدينة، وأخبر أن الوصول إلى علمه من جهة عليّ خاصة، لأنه جعله كباب المدينة الذي لا يدخل إليها إلّا منه. ثم أوجب ذلك الأمر به بقوله: فليأت الباب. وفيه دليل على عصمته، لأنه من ليس بمعصوم يصحّ منه وقوع القبيح، فإذا وقع كان الاقتداء به قبيحاً فيؤدّي إلى أنْ يكونعليهالسلام قد أمر بالقبيح، وذلك لا يجوز. ويدلّ أيضاً على أنه أعلم الأمة، يؤيد ذلك ما قد علمناه من اختلافها ورجوع بعضها إلى بعض وغناءهعليهالسلام عنها، وأبانعليهالسلام ولاية عليعليهالسلام وإمامته، وأنه لا يصح أخذ العلم والحكمة في حياته وبعد وفاته إلّا من قبله وروايته عنه كما قال الله تعالى( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) »(١) .
وقال يحيى بن الحسن الحلي المعروف بابن البطريق: « واعلم أن هذا الفصل قد جمع أشياء في فنون شتى من مناقبه كلّها يوجب لأمير المؤمنينعليهالسلام السيادة واتّباع الْأُمة والاقتداء به. منها، قوله: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب
وكذلك قوله: أنا مدينة الجنة. وقد قدّمنا فضل العالم على من ليس بعالم، وأن الله قد ميّز العالم على من ليس بعالم، وأن الله تعالى قد أوجب اتّباع من يهدي إلى الحق وهو أحق بالاتّباع من غيره، وليس ذلك إلّا لتفضيل العالم على من ليس كذلك، فقد وجبت له السيادة ووجب اتّباعه. وقد استوفينا ذلك فيما مضى فلا وجه لإِعادته »(٢) .
وقال القاضي السيد نور الله التستري: « أقول: في الحديث إشارة إلى قوله تعالى( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) وفي كثير من روايات ابن المغازلي تصريح
____________________
(١). مناقب آل أبي طالب ٢ / ٣٤.
(٢). العمدة: ٣٦٣.
بذلك، ففي بعضها مسنداً إلى جابر: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب. و في بعضها مسنداً إلى عليعليهالسلام : يا علي أنا المدينة وأنت الباب. كذب من زعم أنه يصل إلى المدينة إلّا من الباب. و روي عن ابن عباس: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب. و عن ابن عباس أيضاً: أنا مدينة الجنة وعلي بابها فمن أراد الجنة فليأتها من بابها. و عن ابن عباس أيضاً بطريق آخر: أنا دار الحكمة وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأت الباب.
فهذا يقتضي وجوب الرجوع إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ، لأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كنّى عن نفسه الشريفة بمدينة العلم ومدينة الجنة وبدار الحكمة، ثم أخبر أن الوصول إلى علمه وحكمته وإلى جنة الله سبحانه من جهة علي خاصة، لأنه جعله كباب مدينة العلم والحكمة والجنة التي لا يدخل إليها إلّا منه، وكذّبعليهالسلام من زعم أنه يصل إلى المدينة لا من الباب. وتشير إليه الآية أيضاً كما ذكرناه.
وفيه دليل على عصمته وهو ظاهر، لأنهعليهالسلام أمر بالاقتداء به في العلوم على الاطلاق، فيجب أن يكون مأموناً عن الخطأ.
ويدل على أنه إمام الأمة، لأنه الباب لتلك العلوم. ويؤيّد ذلك ما علم من اختلاف الْأُمة ورجوع بعض إلى بعض وغناءهعليهالسلام عنها.
ويدل أيضاً على ولايته وإمامتهعليهالسلام وأنه لا يصح أخذ العلم والحكمة ودخول الجنّة في حياتهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا من قبله، ورواية العلم والحكمة إلّا عنه لقوله تعالى( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) حيث كانعليهالسلام هو الباب. ولله درّ القائل:
مدينة علم وابن عمك بابها |
فمن غير ذاك الباب لم يؤت سورها |
ويدل أيضاً على أن من أخذ شيئاً من هذه العلوم والحكم التي احتوى عليها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من غير جهة عليعليهالسلام كان عاصياً كالسارق والمتسوّر، لأن السارق والمتسوّر إذا دخلا من غير الباب المأمور به ووصلا
إلى بغيتهما كانا عاصيين. و قولهعليهالسلام : فمن أراد العلم فليأت الباب، ليس المراد به التخيير، بل المراد به الإيجاب والتهديد كقوله عزّ وجل( فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ) والدليل على ذلك أنه ليس ههنا نبيّ غير محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم هو مدينة العلم ودار الحكمة، فيكون العالم مخيّراً بين الأخذ من أحدهما دون الآخر، وفقد ذلك دليل على إيجابه وأنّه فرض لازم. والحمد لله.
ثم لا يخفى على أولي الألباب أن المراد بالباب في هذه الأخبار الكناية عن الحافظ للشيء الذي لا يشذّ عنه منه شيء، ولا يخرج إلّا منه ولا يدخل عليه إلّا به. وإذا ثبت أنهعليهالسلام الحافظ لعلوم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وحكمته، وثبت أمر الله تعالى ورسوله بالتوصّل به إلى العلم والحكمة وجب اتّباعه والأخذ عنه، وهذا حقيقة معنى الامام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام »(١) .
والخامس: لقد توهّم ( الدهلوي ) في هذه العبارة، فذكر أنّ الباب له رئاسة الدار، وقد كان عليه أنْ يقول هنا: باب المدينة له رئاسة المدينة، ألا يفرّق ( الدهلوي ) بين « الدار » و« المدينة»؟
والسادس: إن للدهلوي هنا غلطاً آخر، فإنّ للباب رئاسة على الداخلين والخارجين من المدينة أو الدار، لا على نفس المدينة أو الدار وهذا مما لا يرتاب فيه عاقل فهذا خطأ من ( الدهلوي ) في خطأ في خطأ.
والسابع: قد عرفت أنّ كونهعليهالسلام باب مدينة العلم يثبت إمامته ومرجعيّته لجميع الخلائق في جميع العلوم، وكونه باب مدينة العلم بهذا المعنى متحد مع الإِمامة كما لا يخفى.
وأيضاً: يدل الحديث على الأعلمية، والأعلمية مستلزمة للإِمامة.
____________________
(١). احقاق الحق - مبحث الامامة.
إذن، بين الحديث والامامة اتحاد من جهة، وملازمة من جهة فنفي ( الدهلوي ) ذلك باطل
تمّ الكتاب، والحمد لله ربّ العالمين،
وصلّى الله على محمّد وآله الطّاهرين
الفهرس
مع ابن تيميّة الحرّاني في كلامه حول حديث « أنا مدينة العلم » ٥
١ - بطلان دعوى ضعف الحديث ٦
ثناء ابن تيمية على ابن معين وأحمد ٧
اعتراف ابن تيميّة برواية الترمذي ١١
ثناء ابن تيميّة على الترمذي واعتماده عليه ١٢
غلوّ ابن تيميّة في ابن جرير الطبري ١٤
ثناء ابن تيميّة على الحاكم ١٦
٢ - سقوط التمسّك بقدح ابن الجوزي ١٧
٣ - قوله: « والكذب يعرف من نفس متنه » ١٨
٤ - بطلان دعوى وجوب أن يكون المبلّغون أهل التواتر ١٩
٥ - قوله: « خبر الواحد لا يفيد العلم الا بقرائن ١ ) قال أحمد: خبر الواحد يفيد العلم مطلقاً ٣٨
٢ ) قال الأكثر: لا يفيد العلم مطلقاً ٣ ) لا حاجة إلى القرينة بعد النّص ٣٩
٤ ) لما ذا التخصيص بالقرآن والسنة المتواترة؟ ٦ - الإِشارة إلى أدلّة عصمة علي عليهالسلام ٤٠
٧ - لازم قوله: هذا الحديث إنما افتراه زنديق ٤٢
من الأحاديث الدالّة على أنّ علياً مبلِّغ علوم النبي ٤٥
٨ - انتشار العلم عن علي ٤٧
المدينة المنوّرة ٤٨
مكّة المكرّمة ٤٩
الشام ٥١
البصرة ٥١
الكوفة ٥٢
اليمن ٥٦
مع يوسف الأعور في كلامه حول الحديث دلالة الحديث على رجحان علم الامام ٦٣
دلالته على الإحاطة بعلوم النبي دلالته على الأعلمية بطلان دعوى المساواة بين الأصحاب في العلم حديث أصحابي كالنجوم موضوع ٦٤
عدم دلالة حديث النجوم على المساواة ٦٩
إثبات العلم لكلّ الصحابة محال ٧٠
حديث مدينة العلم ثابت عن طرق الفريقين ليس للزيادة المزعومة طريق واحد موثوق به ومن الذي رواها؟ ٧١
لو ثبتت لم تكن حجةً على الامامية الأصل في الزيادة والكلمات فيه وفي واضعها ٧٢
دلالة الزّيادة على خلاف مرامهم ٧٦
تأويل لفظ « علي » من صنع الخوارج إنّه خلاف ما فهمه الناس يبطله ذكرهم الحديث في مناقب الامام ٧٨
وضع الزيادة فيه دليل بطلان تأويله طعن بعضهم في سنده دليل بطلان تأويله قول الامام: أنا باب المدينة ٧٩
إحتجاج الامام بالحديث يوم الشورى ٨٣
استدلال ابن عباس بالحديث احتجاج عمرو بن العاص به على معاوية ٨٤
قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في آخر الحديث: « فليأت عليّاً » ٨٥
القرائن في بعض الألفاظ ٨٧
شواهد الحديث تكذّب التأويل ٨٨
ردّ أعلام القوم التأويل المذكور ٩٢
مع السخاوي في كلامه حول الحديث ٩٤
دعوى إجماع الصحابة والتابعين على أفضلية الشيخين فاسدة ٩٥
لو سلّمنا انعقاده فحديث مدينة العلم وغيره يبطله عدم صحّة معنى حديث ابن عمر في المفاضلة ٩٦
عدم صحّة سند حديث ابن عمر النّظر في الطريق الأوّل ٩٧
النّظر في الطريق الثاني حديث ابن عمر بلفظٍ صريح في أفضلّية الامام ٩٩
تصريح ابن عمر بأفضلية الامام في أحاديث أخرى ١٠٠
تأملات القوم في حديث ابن عمر ١٠٢
رأي علي في الشيخين ١٠٤
تحريفٌ من البخاري ١٠٥
تحريف من أبي بكر الجوهري ١٠٨
نظرة في سند حديث مختلق ١٠٩
حديث مختلق آخر حديث مختلق آخر ١١١
مع السيوطي في كلامه حول الحديث ١١٣
مع السمهودي في كلامه حول الحديث ١ - نسبة الطعن إلى البخاري والترمذي كذب ١١٤
٢ - دعوى عدم المنافاة بين الحديث وتفضيل أبي بكر باطلة ٣ - دعوى شهادة الامام بتفضيل أبي بكر باطلة ٤ - دعوى شهادة غير الامام بذلك باطلة ٥ - دعوى شهادة الامام له بالعلم كاذبة ١١٦
٦ - دعوى كون الحق مع أبي بكر في موارد الاختلاف كاذبة ٧ - الإِعتذار بقصر مدّة أبي بكر غير مسموع ١١٧
٨ - اعتراف الشيخين بأعلميّة علي ورجوعهما إليه ١١٩
مع ابن روزبهان في كلامه حول الحديث ١٢١
كلام آخر لابن روزبهان ١٢٢
١ - علي أعلم الأمة لا أنه من علماء الأمة فقط ٢ - الناس محتاجون اليه كاحتياجهم الى النبي ٣ - اعتراف ابن روزبهان بكون الامام وصي النبي في إبلاغ العلم ١٢٣
٤ - اعترافه برواية الترمذي ٥ - دفع إيراد ابن روزبهان على العلامة الحلي اسقاطهم حديث أنا مدينة العلم من صحيح الترمذي ١٢٤
التّحريف في المصابيح للبغوي ١٢٦
مع ابن حجر المكي في كلامه حول الحديث علي الأعلم لحديث مدينة العلم ١٣٢
دعوى أنّ الحديث مطعون باطلة ١٣٣
آراء العلماء في ابن الجوزي ١٣٥
ردّ العلماء على طعن ابن الجوزي في حديث مدينة العلم ١٣٦
تحسين ابن حجر في المنح المكيّة ١٣٨
٣ - تحسين ابن حجر في تطهير الجنان ١٤١
٤ - تحسين ابن حجر في بعض فتاويه ١٤٣
٥ - وأبو بكر محرابها؟! الحديث ضعفه ابن حجر نفسه ١٤٤
إحداثُ المحاريب بدعة عند أهل السنة ١٤٥
أول من أحدث المحراب عمر بن عبد العزيز ١٤٩
واقع حال أبي بكر لا يناسب تلك النسبة الفروق بين « الباب » و« المحراب » ١٥٠
٦ - قوله: « فمن أراد العلم » لا يقتضي الأعلمية قوله: « أنا مدينة العلم وعلي بابها » بوحده يقتضي الأعلمية ١٥٣
هل يجوز الارجاع إلى غير الأعلم؟ ابطال توجيه ابن حجر ١٥٤
٧ - حديث: أبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها هو من وضع إسماعيل الاسترآبادي السخاوي وهذا الحديث ١٥٦
ابن حجر نفسه وهذا الحديث البدخشاني وهذا الحديث ١٥٧
اللكهنوي وهذا الحديث أبو بكر أساسها ...!! ١٥٨
.... وعمر حيطانها ...!! ١٥٩
.... وعثمان سقفها ...!! ١٦٠
رأي ابن حجر في تأويل « علي » ١٦٢
قوله تعالى: ( هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ) في قراءة أهل البيت ١٦٣
... وحلقتها معاوية ...!! لا يصحّ عن النبي في فضل معاوية شيء ١٦٤
بطلان الجملة الموضوعة معنىً ١٧٠
حديث المدينة بلفظ آخر موضوع ١٧١
مع القاري في كلامه حول الحديث ١٧٣
علي باب المدينة لا سواه ١٧٥
حديث النجوم موضوع ١٧٦
دعوى تخصيص الحديث باب القضاء ١٧٨
الاشارة إلى جواب سائر كلمات القاري ١٧٩
مع البنباني في كلامه حول الحديث ١٨١
دعوى تخصيص كونه باباً لغير الصحابة ١٨٣
دعوى أنّ أعلم الصحابة هم الخلفاء ١٨٤
أخذ الخلفاء وغيرهم من الامام ١٨٧
دلالة الحديث على أنّ للمدينة باباً واحداً فقط ١٨٩
مع القادري في كلامه حول الحديث ١٩٤
مع عبد الحق في كلامه حول الحديث ١٩٦
دعوى أنّ وجه التخصيص تميّزه بالسّعة ١٩٧
لا مظاهر لصفات النبوة إلّا أهل البيت ١٩٩
العلم أجلّ الصفات ٢٠٠
حديث النجوم موضوع ٢٠٢
مع ولي الله في كلامه حول الحديث ٢٠٤
كلام آخر لولي الله ٢٠٦
النظر في حديث الاقتداء ٢٠٧
النظر في حديث اللبن سندا ٢٠٨
تحقيق في حال رواته ٢٠٩
كتاب أبي حازم إلى الزهري ٢١١
ترجمة أبي حازم الأعرج ٢١٦
حال والد الزهري وجدّه ٢١٧
النظر في حديث اللبن دلالةً ٢١٨
النظر في حديث القميص سنداً ٢٢٠
النّظر في حديث القميص دلالة ٢٢٢
إيقاظ وتنبيه ٢٢٤
دعوى مقارنة ما ورد في فضل ابن مسعود لحديث المدينة ٢٢٥
دعوى مقارنة ما ورد في فضل عائشة لحديث المدينة دعوى مقارنة ما ورد في فضل معاذ وأُبيّ لحديث المدينة ٢٢٦
توقيف فيه تعنيف ٢٢٧
كلام آخر لوليّ الله ٢٢٩
النظر في سند حديث خذوا عن الحميراء ٢٣٠
النظر في حديث خذوا عن الحميراء دلالة النظر في حديث الاقتداء سنداً ودلالةً النظر في حديث « رضيت لكم » ٢٣٢
مع الأورنق آبادي في كلامه حول الحديث ٢٣٤
النظر في حديث الخوخة ٢٣٥
ترجمة جرير بن حازم ٢٣٦
ترجمة عكرمة ٢٣٨
ترجمة إسماعيل بن أبي أويس ٢٥٥
مالك بن أنس تحريف البخاري في حديث الخوخة وضعف أسانيده ٢٥٩
النظر في حديث حذيفة في بابيّة عمر ٢٦٧
دعوى دلالة حديث المدينة على عدم تملّك بيت النّبوة شيئاً من المال ٢٦٩
الأئمة الأطهار في العلم سواء ٢٧١
لم يرث العلم إلّا الأئمة الأطهار ٢٧٣
مع القاضي ثناء الله في كلامه حول الحديث ٢٧٥
الحملُ على العلوم الباطنة باطلٌ ٢٧٦
حديث « أنا مدينة الفقه وعلي بابها » ٢٨٨
قدح حديث النجوم ٢٨٩
مع الدهلوي في كلامه حول الحديث ٢٩٠
الفهرس ٢٩٥