تذكرة الفقهاء الجزء 4

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: العلامة الحلي
فقه مقارن
ISBN: 964-5503-44-2

تذكرة الفقهاء الجزء الرابع

العلامة الحلي



بسم الله الرحمن الرحيم



المقصد الثالث : في باقي الصلوات‌

وفيه فصول :

الأول : في الجمعة‌

وفيه مطالب‌



الأول : الشرائط‌

مسألة ٣٧٢ : الجمعة واجبة بالنص والإجماع.

قال الله تعالى( فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ) (١) والأمر للوجوب ، والنهي للتحريم ، وإنما يجب السعي ويحرم البيع لأجل الواجب ، وتوبيخهم بتركه قائما إنما يكون لو وجب ، وليس المراد من السعي الإسراع بل الذهاب إليها.

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في خطبته : ( اعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا ، في يومي هذا ، في شهري هذا ، من عامي هذا ، فمن تركها في حياتي ، أو بعد موتي وله إمام عادل استخفافاً بها أو جحوداً لها فلا جمع الله له شمله ، ولا بارك له في أمره ، ألا ولا صلاة له ، ألا ولا زكاة له ، ألا ولا حج له ، ألا ولا صوم له ، ألا ولا برّ له حتى يتوب ، فإن تاب تاب الله عليه )(٢) .

____________________

(١) الجمعة : ٩.

(٢) سنن ابن ماجة ١ : ٣٤٣ / ١٠٨١ ، سنن البيهقي ٣ : ١٧١ ، الترغيب والترهيب ١ : ٥١٠ - ٥١١ / ٩ ، مجمع الزوائد ٢ : ١٦٩ ، مسند أبي يعلى ٣ : ٣٨١ - ٣٨٢ / ١٨٥٦ ، وانظر رسالة صلاة الجمعة للشهيد الثاني : ٦١.


ومن طريق الخاصة قول الباقرعليه‌السلام : « فرض الله على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمساً وثلاثين صلاة ، منها صلاة واحدة فرضها الله عز وجل في جماعة وهي الجمعة ، ووضعها عن تسعة »(١) الحديث.

وأجمع المسلمون كافة على وجوب الجمعة.

مسألة ٣٧٣ : ووجوبها على الأعيان بالإجماع‌ ، إلّا ما حكي عن الشافعي أنها فرض كفاية(٢) ونُسبت الحكاية إلى الغلط ، لأن الأمر عام ، وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( الجمعة حق واجب على كل مسلم ، إلّا أربعة : عبد مملوك ، أو امرأة ، أو صبيّ ، أو مريض )(٣) .

إذا عرفت هذا فيشترط للجمعة أمور ستة زائدة على الشرائط اليومية :

أ : الوقت. ب : السلطان. ج : العدد. د : الخطبتان. ه‍ : الجماعة. و: الوحدة.

فهنا مباحث :

الأول : الوقت‌

مسألة ٣٧٤ : أول وقت الجمعة زوال الشمس يوم الجمعة‌ عند علمائنا - إلّا المرتضى فإنه قال : يجوز أن يصلّي الفرض عند قيام الشمس يوم الجمعة خاصة(٤) - وبما اخترناه قال الشافعي ، ومالك ، وأصحاب الرأي(٥) ، لأن أنس‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤١٩ / ٦ ، التهذيب ٣ : ٢١ / ٧٧ ، الفقيه ١ : ٢٦٦ / ١٢١٧ ، أمالي الصدوق : ٣١٩ / ١٧ ، الخصال : ٥٣٣ / ١١.

(٢) المجموع ٤ : ٤٨٣ ، فتح العزيز ٤ : ٤٨٤ ، الميزان ١ : ١٨٥‌

(٣) سنن أبي داود ١ : ٢٨٠ / ١٠٦٧ ، سنن البيهقي ٣ : ١٧٢ ، الجامع الصغير للسيوطي ١ : ٥٦١ / ٣٦٣٠.

(٤) حكاه الشيخ في الخلاف ١ : ٦٢٠ ، المسألة ٣٩٠ ، وقال ابن إدريس في السرائر : ٦٤ : لم أجد للسيد المرتضى تصنيفاً ولا مسطوراً بما حكاه شيخنا عنه ، بل بخلافه ولعلّ شيخنا أبا جعفر سمعه من المرتضى في الدرس وعرفه منه مشافهةً دون المسطور.

(٥) المجموع ٤ : ٥١١ ، بداية المجتهد ١ : ١٥٧.


ابن مالك قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلي الجمعة إذا زالت الشمس(١) .

ومن طريق الخاصة قول الصادقعليه‌السلام : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك ويخطب في الظل الأول »(٢) الحديث.

ولأنها بدل عن عبادة ، فلا تجب قبل وقتها كالتيمم. ولأن آخر وقتهما واحد فكذا الأول.

وقال أحمد بن حنبل : يجوز فعل الجمعة قبل زوال الشمس(٣) . فمن أصحابه من قال : أول وقتها وقت صلاة العيد. ومنهم من قال : تجوز في الساعة السادسة(٤) .

لأنّ [ وكيعاً روى عن عبد الله السلمي ](٥) قال : شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار(٦) .

ولا حجة فيه ، مع مخالفته لفعل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

مسألة ٣٧٥ : آخر وقت الجمعة هو آخر وقت الظهر‌ عند الأكثر ، إلّا أن عندنا آخر وقت الظهر للإِجزاء الغروب ، وآخر وقت الفضيلة إذا صار ظلّ‌

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٨ ، سنن الترمذي ٢ : ٣٧٧ / ٥٠٣ ، سنن أبي داود ١ : ٢٨٤ / ١٠٨٤ ، مسند أحمد ٣ : ١٥٠ ، سنن البيهقي ٣ : ١٩٠‌

(٢) التهذيب ٣ : ١٢ / ٤٢‌

(٣) المغني ٢ : ٢٠٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٦٣ ، المجموع ٤ : ٥١١ ، فتح العزيز ٤ : ٤٨٦ ، بداية المجتهد ١ : ١٥٧‌

(٤) المغني ٢ : ٢٠٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٦٣ ، المجموع ٤ : ٥١١‌

(٥) ورد في نسختي « م » و « ش » : وكيع الأسلمي. وصحّح الى ما تراه ، وما بين المعقوفتين أثبتناه من مصادر الحديث والتراجم في الهامش التالي.

(٦) سنن الدار قطني ٢ : ١٧ / ١ ، وانظر أيضاً : تهذيب التهذيب ١١ : ١٠٩ رقم ٢١١ ، وأُسد الغابة ٣ : ١٨٢ ، والإصابة ٢ : ٣٢٣ رقم ٤٧٣٩.


كل شي‌ء مثله ، والمراد هنا هذا الأخير فلا تجوز الجمعة بعده. وكذا يقول الشافعي(١) .

وأبو حنيفة جعل آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شي‌ء مثليه(٢) ، فتجوز الجمعة عنده إلى ذلك.

والوجه الأول ، لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يصلّي دائماً بعد الزوال بلا فصل ، فلو جاز التأخير عمّا حدّدناه ، لأخّرها في بعض الأوقات.

إذا عرفت هذا ، فاعلم أنّ أبا الصلاح منّا قال : إذا مضى مقدار الأذان والخطبة وركعتي الجمعة فقد فاتت ، ولزم أداؤها ظهراً(٣) .

ويدفعه قول الباقرعليه‌السلام : « وقت الجمعة إذا زالت الشمس وبعده بساعة »(٤) .

واحتجاجه : بقول الباقرعليه‌السلام : « إنّ من الأمور أموراً مضيّقة ، وأموراً موسّعة ، وإنّ صلاة الجمعة من الأمر المضيّق ، إنّما لها وقت واحد حين تزول الشمس ، ووقت العصر يوم الجمعة وقت الظهر في سائر الأيام »(٥) متأول بالمبالغة في استحباب التقديم.

مسألة ٣٧٦ : بقاء الوقت ليس شرطاً‌ ، فلو انعقدت الجمعة وتلبّس بالصلاة - ولو بالتكبير - فخرج الوقت قبل إكمالها أتمها جمعةً ، إماماً كان أو مأموماً - وبه قال أحمد ومالك(٦) - لأنه دخل فيها في وقتها فوجب إتمامها كسائر الصلوات. ولأن الوجوب يتحقق باستكمال الشرائط فلا يسقط مع التلبس‌

____________________

(١) المجموع ٣ : ٢١ ، فتح العزيز ٣ : ٧ - ٨.

(٢) المبسوط للسرخسي ١ : ١٤٢ ، المجموع ٣ : ٢١.

(٣) الكافي في الفقه : ١٥٣.

(٤) الفقيه ١ : ٢٦٧ / ١٢٢٣ نقلاً بالمعنى.

(٥) التهذيب ٣ : ١٣ / ٤٦.

(٦) المغني ٢ : ١٦٣ ، المجموع ٤ : ٥١٣ ، فتح العزيز ٤ : ٤٨٨.


بفوات البعض كالجماعة.

وقال الشافعي : تفوت الجمعة ، حتى لو وقعت تسليمة الإِمام في وقت العصر فاتت الجمعة ، لكنه يُتمها ظهراً ، لأن ما كان شرطاً في ابتداء الجمعة كان شرطا في جميعها كسائر الشرائط(١) . وينتقض بالجماعة.

وقال أبو حنيفة : لا يبنى عليها ، ويستأنف الظهر ، لأنهما صلاتان مختلفتان فلا تبنى إحداهما على الْاُخرى(٢) . ويرد على الشافعي لا علينا.

وقال بعض الجمهور : إن أدرك ركعة في الوقت أدرك الجمعة ، وإلّا فلا(٣) . ولا بأس به.

فروع :

أ : لو شك في خروج الوقت أتمها جمعةً إجماعاً ، لأن الأصل بقاء الوقت.

ب : لو أدرك المسبوق ركعة مع الإِمام صحت له الجمعة‌ إن كانت المدركة في الوقت ثم يقوم لتدارك الثانية ، فلو خرج الوقت قبل إكمالها صحت عندنا ، لما تقدم(٤) .

وللشافعية وجهان : الفوات كغيره ، والإِدراك ، لأن جمعتهم صحيحة فيتبعهم فيها كما يتبعهم في الوقت والقدوة(٥) .

ج : لو تشاغلوا عن الصلاة حتى ضاق الوقت فإن علم الإِمام أن الوقت يتسع لخطبتين خفيفتين وركعتين كذلك وجبت الجمعة ، وإلّا جاز أن يصلّوها‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٥١٠ و ٥١٣ ، الوجيز ١ : ٦١ ، المغني ٢ : ١٦٤.

(٢) المجموع ٤ : ٥١٣ ، المغني ٢ : ١٦٤‌

(٣) المغني ٢ : ١٦٣.

(٤) تقدّم في أول المسألة.

(٥) المجموع ٤ : ٥١٠ ، الوجيز ١ : ٦١ ، فتح العزيز ٤ : ٤٩٠.


ظهراً قبل خروج وقت الجمعة ، وبه قال الشافعي(١) . ولا تكفي الركعة الواحدة هنا ، خلافاً لأحمد(٢) .

د : يُستحب تعجيل الجمعة‌ كغيرها من الصلوات.

مسألة ٣٧٧ : الفرض في الوقت هو الجمعة‌ ، وهي صلاة قائمة بنفسها ليست ظُهرا مقصورة - وهو أحد قولي الشافعي(٣) - فليس له إسقاط الجمعة بالظهر ، لأنه مأمور بالجمعة ، فيكون منهيا عن الظهر ، فلا يكون المنهي عنه فرضاً.

وقالعليه‌السلام : ( كتب عليكم الجمعة فريضة واجبة إلى يوم القيامة )(٤) وهو يدل على الوجوب على التعيين.

وقال أبو حنيفة : فرض الوقت الظهر ، ويسقط بالجمعة ، وهي ظهر مقصورة(٥) ، لقولهعليه‌السلام : ( أول وقت الظهر حين تزول الشمس )(٦) وهو عام فيتناول يوم الجمعة كغيره.

ونحن نقول بموجبه ، ولا دلالة فيه على أن الفرض الظهر.

وقال محمد بن الحسن الشيباني : الفرض الجمعة ، وله إسقاطه بالظهر.

وهو قول للشافعي(٧) .

إذا عرفت هذا فإذا فاتت الجمعة صلّى أربعاً ظهراً بنية الأداء إن كان وقت الظهر باقياً ، وإن خرج الوقت صلّى أربعاً بنية قضاء الظهر لا الجمعة ، لأن مع‌

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١١٨ ، المجموع ٤ : ٥٠٩ - ٥١٠ ، فتح العزيز ٤ : ٤٨٧ - ٤٨٨.

(٢) المغني ٢ : ١٦٤ ، الشرح الكبير ٢ : ١٦٩.

(٣) المجموع ٤ : ٥٣١ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٧.

(٤) أورده في المعتبر : ٢٠١‌

(٥) بدائع الصنائع ١ : ٢٥٦ ، الاختيار ١ : ١٠٩ ، تحفة الفقهاء ١ : ١٥٩ ، حلية العلماء ٢ : ٢٢٧.

(٦) سنن الدار قطني ١ : ٢٦٢ / ٢٢.

(٧) الاختيار ١ : ١٠٩ ، تحفة الفقهاء ١ : ١٥٩ ، المجموع ٤ : ٥٣١.


الفوات تسقط الجمعة وتجب الظهر أداءً لسعة وقت الظهر ، وإمكان فوات الجمعة مع بقائه ، فيكون الفائت بعد فوات الجمعة هو الظهر ، لانتقال الوجوب إليه.

ولو فاتته الجمعة بعد انعقادها بأن زوحم وخرج الوقت قبل إدراك ركعة مع الإِمام ، استأنف الظهر ، لتغاير الفرضين.

ومن جعلها ظهراً مقصورة جوّز نقل النية إلى الظهر كالمسافر إذا نوى الإِقامة في الأثناء فإنه يُتم أربعا.

مسألة ٣٧٨ : لو صلّى المكلّف بها الظهر قبل أن يصلّي الإِمام الجمعة ، لم تصح صلاته‌ ، ويلزمه السعي إلى الجمعة ، فإن صلّاها سقط عنه الفرض ، وإن لم يُصلّها حتى فاتت وجب عليه إعادة الظهر ، لما تقدّم(١) من أنهما فرضان متغايران ، فلا يجزي أحدهما عن الآخر عند علمائنا أجمع ، وبه قال مالك وأحمد والثوري في الجديد ، وإسحاق(٢) .

وقال أبو حنيفة : تصح ظهره قبل فوات الجمعة ، ويلزمه السعي إلى الجمعة ، فإذا سعى بطلت ، وإن لم يسع أجزأته(٣) .

وقال أبو يوسف ، ومحمد : تصح(٤) .

وقال الشافعي في القديم : تصح الظهر ، ويجب عليه السعي ، فإن صلّى الجمعة احتسب الله تعالى له بأيتهما شاء أو آجر كلتيهما ، وإن فاتته‌

____________________

(١) تقدّم في المسألة ٣٧٧.

(٢) المغني ٢ : ١٩٧ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٦ ، المجموع ٤ : ٤٩٦ - ٤٩٧ ، فتح العزيز ٤ : ٦١٢ و ٦١٣ ، القوانين الفقهية : ٧٩.

(٣) المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٣ ، اللباب ١ : ١١٢ ، المجموع ٤ : ٤٩٧ ، المغني ٢ : ١٩٧ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٦ و ١٥٧.

(٤) المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٣ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٥٧ ، المجموع ٤ : ٤٩٧.


الجمعة أجزأته الظهر التي صلّاها(١) .

وليس بجيّد ، لأن الظهر الواقعة إن كانت صحيحةً أسقطت الفرض ، إذ لا تجبان عليه في وقت واحد إجماعاً ، وإلّا أعادها.

ولأنه يأثم بترك الجمعة وإن صلّى الظهر ، ولا يأثم بفعل الجمعة وترك الظهر إجماعاً ، والواجب هو الذي يأثم بتركه دون ما لا يأثم به.

فروع :

أ : فوات الجمعة برفع الإِمام رأسه من ركوع الثانية. وسيأتي في الجماعة.

ب : لو صلّى الظهر ثم شك هل صلّى قبل صلاة الإِمام أو بعدها ، لزمه الإِعادة‌ ، لأن الأصل البقاء‌

ج : لو صلّى الظهر مع صلاة الإِمام الجمعة لم تصح‌ - إن كان يمكنه إدراكها - ظهره لأنه يمكنه الجمعة ، أمّا لو صلّاها قبل فراغ الإِمام من الجمعة - إذا فاته إدراكها - فإنه يجوز - وبه قال بعض الشافعيّة(٢) - لأن الجمعة فاتت فتجب الظهر ، إذ لا يمكن سقوط الصلاتين.

وظاهر كلام الشافعي أنه لا يجوز أن يصلّيها إلّا بعد فراغ الإِمام(٣) .

مسألة ٣٧٩ : من لا تجب عليه الجمعة كالمسافر والعبد ، له أن يصلّي الظهر قبل صلاة الإِمام‌ ومعه وبعده - وإن جاز أن يصلّي جمعة - في قول أكثر العلماء(٤) ، لأنه لم يخاطب بالجمعة ، فتصح منه الظهر ، كالبعيد من موضع الجمعة.

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١١٧ ، المجموع ٤ : ٤٩٦ و ٤٩٧ ، الوجيز ١ : ٦٥ ، فتح العزيز ٤ : ٦١٢ و ٦١٣.

(٢) حلية العلماء ٢ : ٢٢٨.

(٣) حلية العلماء ٢ : ٢٢٨.

(٤) المغني ٢ : ١٩٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٩‌


وقال بعض الجمهور : لا تصح صلاته قبل الإِمام ، لأنه لا يتيقن بقاء العذر ، فلم تصح صلاته ، كغير المعذور(١) .

والظاهر البقاء والاستمرار كالمريض يصلّي جالساً.

فروع :

أ : لا يستحب للمعذور تأخير الظهر حتى يفرغ الإِمام‌ ، لأن فرضه الظهر فيستحب تقديمها.

ب : أصحاب الأعذار المكلَّفون إذا حضروا الجامع ، وجبت عليهم الجمعة ، وسقط عنهم فرض الوقت ، لأنها سقطت عنهم لعذر تخفيفا عنهم ، ووجبت على أهل الكمال ، لانتفاء المشقة في حقهم ، فإذا حضروا الجامع سقطت المشقة المبيحة للترك.

ج : لو صلّوا الظهر في منازلهم ثم سعوا إلى الجمعة ، لم تبطل ظهرهم‌ سواء زال عذرهم أوّلا - وبه قال أحمد والشافعي(٢) - لأنها صلاة صحيحة أسقطت الفرض فلا تبطل بعده.

وقال أبو حنيفة : تبطل ظهرهم بالسعي إلى الجمعة كغير المعذور(٣) والفرق ظاهر.

وقال أبو يوسف ومحمد : تبطل إذا أحرموا بالجمعة(٤) .

د : لا يكره لمن فاتته الجمعة أو لم يكن من أهلها أن يصلّي الظهر‌

____________________

(١) المغني ٢ : ١٩٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٩ ، الإِنصاف ٢ : ٣٧٢.

(٢) المغني ٢ : ١٩٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٩ ، كشاف القناع ٢ : ٢٥ ، المجموع ٤ : ٤٩٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٢٧.

(٣) المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٢ و ٣٣ ، اللباب ١ : ١١٢ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٥٧ ، المغني ٢ : ١٩٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٩ ، حلية العلماء ٢ : ٢٢٧.

(٤) المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٣ ، اللباب ١ : ١١٢.


جماعة - وبه قال أحمد والأعمش والشافعي وإسحاق(١) - لعموم قولهعليه‌السلام : ( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة )(٢) .

وصلّى ابن مسعود بعلقمة والأسود لمـّا فاتته الجمعة(٣) .

وقال أبو حنيفة ومالك : يكره - وهو قول الحسن وأبي قلابة - لأنه لم ينقل في زمن النبيعليه‌السلام من صلّى جماعة من المعذورين(٤) .

وهو ممنوع ، لما تقدّم.

إذا ثبت هذا فالأقرب استحباب إعادتها جماعة في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وغيره من المساجد ، لعموم استحباب طلب الجماعة.

ولا تكره أيضاً في المسجد الذي أُقيمت الجمعة فيه.

وكره أحمد ذلك كله(٥) ، وليس بجيّد.

نعم لو نسب إلى الرغبة عن الجمعة ، أو أنه لا يرى الصلاة خلف الإِمام ، أو خيف فتنة ، ولحوق ضرر به وبغيره كره ذلك.

ه- : الأقرب لمن صلّى الظهر من أصحاب الأعذار السعي إلى الجمعة‌ استحباباً ، طلباً لفضيلة الجماعة ، لأنها تنوب مناب الظهر فأشبهت المنوب ، والأول هو الفرض.

وقال أبو إسحاق : قال الشافعي في القديم : يحتسب الله تعالى له بأيتهما شاء(٦) ، لأنه كان في الابتداء مخيراً بين الظهر والجمعة ، فإذا فعلها‌

____________________

(١) المغني ٢ : ١٩٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٦٠ ، الإِنصاف ٢ : ٣٧٣ ، كشاف القناع ٢ : ٢٥ ، المجموع ٤ : ٤٩٣ - ٤٩٤.

(٢) صحيح البخاري ١ : ١٦٦ ، سنن الترمذي ١ : ٤٢٠ - ٤٢١ / ٢١٥ ، سنن البيهقي ٣ : ٦٠.

(٣) المغني ٢ : ١٩٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٦١.

(٤) المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٥ - ٣٦ ، اللباب ١ : ١١٢ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٧٠ ، بلغة السالك ١ : ١٨٢ ، المغني ٢ : ١٩٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٦٠ ، المجموع ٤ : ٤٩٤.

(٥) المغني ٢ : ١٩٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٦١.

(٦) المهذب للشيرازي ١ : ١١٧ ، المجموع ٤ : ٤٩٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٢٧.


لم يتعين واحد منهما.

وهو غلط ، لسقوط فرضه مما فعله أولاً ، فإذا فعل الجمعة كان متطوعاً بها ، وما ذكره إنّما يتحقق قبل الفعل.

مسألة ٣٨٠ : لا يجوز إنشاء السفر لمن وجبت عليه الجمعة ، واستكمال الشرائط(١) ، بعد الزوال قبل أن يصلّيها عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي ، ومالك ، وأحمد(٢) - لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( من سافر من دار إقامة(٣) يوم الجمعة دعت عليه الملائكة ، لا يصحب في سفره ، ولا يعان على حاجته )(٤) ، والوعيد لا يلحق المباح.

ولأن ذمته مشتغلة فلا يجوز له الاشتغال بما يمنع عنها كاللهو والتجارة.

وقال أبو حنيفة والأوزاعي : يجوز(٥) ، لقول عمر : الجمعة لا تحبس عن سفر(٦) ، ولأنّ الصلاة تجب بآخر الوقت ، ولأنّ كلّ صلاة يجوز السفر بعدها يجوز قبلها كسائر الصلوات.

والفرق أنّ السفر يُسقط الجمعة دون غيرها ، وقول عمر ليس حجة خصوصاً مع مخالفته(٧) القرآن ، وقد بيَّنا وجوب الصلاة بأول الوقت.

فروع :

أ : لا يجوز السفر بعد الزوال لأجل الجهاد‌ إلّا مع الضرورة.

____________________

(١) كذا ، والمناسب للعبارة : واستكملت الشرائط فيه.

(٢) المجموع ٤ : ٤٩٩ ، الوجيز ١ : ٦٥ ، مغني المحتاج ١ : ٢٧٨ ، الميزان ١ : ١٨٧ ، بلغة السالك ١ : ١٨٣ ، المنتقى للباجي ١ : ١٩٩ ، المغني ٢ : ٢١٧ ، الشرح الكبير ٢ : ١٦١.

(٣) في « م » : إقامته.

(٤) كنز العمال ٦ : ٧١٥ / ١٧٥٤٠.

(٥) المجموع ٤ : ٤٩٩ ، المغني ٢ : ٢١٧ ، الشرح الكبير ٢ : ١٦١‌

(٦) سنن البيهقي ٣ : ١٨٧ ، وانظر : الاُم ١ : ١٨٩ ، والمغني ٢ : ٢١٧ ، والشرح الكبير ٢ : ١٦١.

(٧) في « م » والطبعة الحجرية : مخالفة.


ونقل عن أحمد الجواز(١) ، لأنّهعليه‌السلام لمـّا وجّه زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة في جيش مؤتة فتخلّف عبد الله ، فرآه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : ( ما خلّفك؟ ) فقال : الجمعة ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها ) فراح منطلقاً(٢) .

والذي نقله أصحابه إنّ ذلك كان قبل الزوال(٣) .

ب : يجوز السفر بعد الزوال لأصحاب الأعذار المتجددة‌ بعد الوجوب ، كمريد الصحبة إذا خاف فوتها مع ضرورته إليها ، لأنها تسقط الوجوب ، وبالجملة كلّ ما يخاف معه على نفسه أو ماله فهو عذر ، وكذا لو ضلّ له ولد أو رقيق أو حيوان.

ج : يجوز السفر قبل الزوال بعد الفجر‌ ، لكنّه مكروه عند علمائنا - وبه قال مالك وأحمد - والحسن وابن سيرين - في رواية ، والشافعي في القديم ، وأصحاب الرأي(٤) - لحديث عبد الله بن رواحة(٥) . ولأنّ ذمته خالية من وجوب فلا يمنعه إمكان وجوبها.

وقال الشافعي في الجديد : لا يجوز - وبه قال ابن عمر وأحمد - إلّا في الجهاد ، لأنّه وقت الرواح إلى الجمعة ، وقد يجب فيه السعي على من بعد طريقه ، فلا يجوز له ترك الجمعة بالسفر فيه كما بعد الزوال(٦) .

____________________

(١) الشرح الكبير ٢ : ١٦٢.

(٢) مسند أحمد ١ : ٢٥٦ ، سنن البيهقي ٣ : ١٨٧ ، وانظر : المغني ٢ : ٢١٨.

(٣) المغني ٢ : ٢١٨.

(٤) المغني ٢ : ٢١٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٦٢ ، المجموع ٤ : ٤٩٩ ، حلية العلماء ٢ : ٢٢٨ ، الوجيز ١ : ٦٥ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٧ ، الميزان ١ : ١٨٧ ، مغني المحتاج ١ : ٢٧٨ ، المنتقى للباجي ١ : ١٩٩.

(٥) مسند أحمد ١ : ٢٥٦ ، سنن البيهقي ٣ : ١٨٧.

(٦) المجموع ٤ : ٤٩٩ ، الوجيز ١ : ٦٥ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٧ ، الميزان ١ : ١٨٧ ، =


والفرق شغل الذمة في الأول دون الثاني ، والسعي يجب فيه على من تجب عليه وهو بسفره خرج عن ذلك.

واستثناء الشافعي الجهاد ، لحديث ابن رواحة.

د : لا يكره السفر ليلة الجمعة‌ إجماعاً.

البحث الثاني : السلطان‌

مسألة ٣٨١ : يُشترط في وجوب الجمعة السلطان أو نائبه‌ عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة(١) - للإِجماع على أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يعيّن لإِمامة الجماعة - وكذا الخلفاء بعده - كما يعيّن للقضاء.

وكما لا يصح أن ينصب الإِنسان نفسه قاضياً من دون إذن الإِمام كذا إمامة الجمعة.

ولرواية محمد بن مسلم قال : « لا تجب الجمعة على أقل من سبعة : الإِمام ، وقاضيه ، ومُدّعٍ حقاً ، ومدّعى عليه ، وشاهدان ، ومن يضرب الحدود بين يدي الإِمام »(٢) .

ولأنّه إجماع أهل الأعصار ، فإنه لا يقيم الجمعة في كلّ عصر إلّا الأئمة.

وقال الشافعي ومالك وأحمد : ليس السلطان شرطاً ولا إذنه(٣) ، لأنّ علياً‌

____________________

= ، المغني ٢ : ٢١٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٦٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٢٨ ، مغني المحتاج ١ : ٢٧٨.

(١) المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٣ و ٢٥ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٥٩ ، ٢٦١ ، اللباب ١ : ١١٠ ، المجموع ٤ : ٥٨٣ ، المغني ٢ : ١٧٣ - ١٧٤ ، الشرح الكبير ٢ : ١٨٨ ، بداية المجتهد ١ : ١٥٩ ، الميزان ١ : ١٨٨.

(٢) الفقيه ١ : ٢٦٧ / ١٢٢٢ ، التهذيب ٣ : ٢٠ / ٧٥ ، الاستبصار ١ : ٤١٨ / ١٦٠٨.

(٣) الاُم ١ : ١٩٢ ، المجموع ٤ : ٥٠٩ و ٥٨٣ ، مختصر المزني : ٢٨ ، الوجيز ١ : ٦٢ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٤ ، بداية المجتهد ١ : ١٦٠ ، المغني ٢ : ١٧٣ ، الشرح الكبير ٢ : ١٨٨.


عليه‌السلام صلّى بالناس الجمعة وعثمان محصور(١) ، ولم ينكر أحد.

ولأنها عبادة بدنية فلا تفتقر إقامتها إلى السلطان كالحج.

وفعل عليعليه‌السلام حجة لنا ، لأنّهعليه‌السلام الإِمام عندنا ، ولأنّ عثمان بمنع المسلمين له عن التصرف خرج عن الإِمامة ، إذ الإِمامة عندهم تثبت بالاختيار من أهل الحلّ والعقد فتزول لزوال سببها.

والفرق في الحج عدم احتياجه إلى رئيس يتقدّم عليهم فيها ، بخلاف الجمعة المفتقرة إلى إمام يتقدّمهم.

مسألة ٣٨٢ : أجمع علماؤنا كافة على اشتراط عدالة السلطان‌ وهو الإِمام المعصوم ، أو من يأمره بذلك - خلافاً للجمهور كافة(٢) لأن الاجتماع مظنة التنازع ، والحكمة تقتضي انتفاء ذلك ، ولا يحصل إلّا بالسلطان ، ومع فسقه لا يزول ، لأنّه تابع في أفعاله لقوته الشهوية لا مقتضى الشرع ومواقع المصلحة ، وليس محلاً للأمانة فلا يكون أهلاً للاستنابة.

احتجّوا بقولهعليه‌السلام : ( فمن تركها في حياتي أو بعد موتي وله إمام عادل ، أو جائر فلا جمع الله شمله )(٣) .

ولأن السلطان يسوّي بين الناس في إيقاعها فلا يفوت بعضاً.

ونمنع الحديث أوّلاً ، ودلالته على المطلوب ، لأنه وعيد على من تركها مستخفاً بها ، ولا شك في أنه مستحق للوعيد سواء كان الإِمام عادلاً أو جائراً ، بل يستحب الاجتماع فيها وعقدها وإن كان السلطان جائراً.

____________________

(١) اُنظر سنن البيهقي ٣ : ١٢٤ ، والمغني ٢ : ١٧٤.

(٢) المجموع ٤ : ٢٥٣ ، المغني ٢ : ١٤٩ ، المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٥ ، بدائع الصنائع ، ٢٦١.

(٣) سنن ابن ماجة ١ : ٣٤٣ / ١٠٨١ ، سنن البيهقي ٣ : ١٧١ ، مجمع الزوائد ٢ : ١٦٩ نقلاً عن الطبراني في الأوسط ، مسند أبي يعلى ٣ : ٣٨١ - ٣٨٢ / ١٨٥٦ ، الترغيب والترهيب ١ : ٥١٠ - ٥١١ / ٩.


ونمنع من تسوية السلطان الفاسق لجواز أن يغلبه هواه على تقديم أو تأخير.

مسألة ٣٨٣ : يشترط إمّا السلطان المعصوم ، أو استنابته لمن يرتضيه‌ ، ويشترط في النائب أمور :

الأول : البلوغ. فلا تصح إمامة الصبي - وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد(١) - لعدم التكليف في حقه ، فإن لم يكن مميزاً لم يعتد بفعله ، وإلا عرف ترك المؤاخذة على فعله ، فلا يؤمن ترك واجب أو فعل محرَّم في صلاته.

ولأن العدالة شرط وهي منوطة بالتكليف.

وهو أحد قولي الشافعي ، والثاني : تصح كغيرها من الفرائض(٢) .

ونمنع الأصل ، ونفرق باختصاص الجمعة بشرائط زائدة

الثاني : العقل. فإن المجنون لا اعتبار بفعله ، ومن يعتوره لا يكون إماماً ، ولا في وقت إفاقته ، لجواز عروضه له حينئذٍ. ولأنه لا يؤمن احتلامه في نوبته وهو لا يعلم. ولنقصه عن المراتب الجليلة.

الثالث : الذكورة. فإن المرأة لا تؤم الرجال ولا الخناثى ، وكذا الخنثى.

الرابع : الحرية. وفي اشتراطها للشيخ قولان :

أحدهما : ذلك(٣) - وبه قال أحمد ومالك(٤) - لأن الجمعة لا تجب‌

____________________

(١) بدائع الصنائع ١ : ٢٦٢ ، بلغة السالك ١ : ١٥٧ ، الشرح الصغير ١ : ١٥٧ ، المنتقى للباجي ١ : ١٩٧ ، بداية المجتهد ١ : ١٤٤ ، المغني ٢ : ٥٥ ، الإِنصاف ٢ : ٢٦٦ ، كشاف القناع ١ : ٤٧٩.

(٢) الاُم : ١ : ١٩٢ ، المجموع ٤ : ٢٤٩ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٧ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٤ ، كفاية الأخيار ١ : ٨٣.

(٣) النهاية : ١٠٥.

(٤) المغني ٢ : ١٩٦ ، المحرّر في الفقه ١ : ١٤٢ ، بلغة السالك ١ : ١٥٧ ، الشرح الصغير ١ : ١٥٧ ، المنتقى للباجي ١ : ١٩٧.


عليه ، فلا يكون إماماً فيها ، كالصبي والمرأة.

والثاني : العدم(١) - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(٢) - لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إسمعوا وأطيعوا ولو أُمّر عليكم عبد حبشي أجدع ما أقام فيكم الصلاة )(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول أحدهماعليهما‌السلام - وقد سئل عن العبد يؤمّ القوم إذا رضوا به وكان أكثرهم قراءة - : « لا بأس به »(٤) .

ولأنه ذكر يؤدّي فرض الجمعة ، فجاز أن يكون إماما فيها كالحرّ. وهو عندي أقوى.

مسألة ٣٨٤ : العدالة شرط عند علمائنا كافة‌ ، فلو أمّ الفاسق لم تنعقد وأُعيدت ظهراً - خلافاً للجمهور(٥) كافّة - لأنّ الائتمام ركون إلى الفاسق وهو ظالم ، فيكون منهياً عنه ، لقوله تعالى( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (٦) .

وقول جابر : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : ( لا تؤمّنّ امرأة رجلاً ، ولا فاجر مؤمناً إلّا أن يقهره سلطان ، أو يخاف سيفه ، أو سوطه )(٧) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه سعد بن إسماعيل ، عن أبيه قال : قلت للرضاعليه‌السلام : رجل يقارف(٨) الذنوب وهو عارف بهذا الأمر أُصلّي‌

____________________

(١) الخلاف ١ : ٦٢٧ ، المسألة ٣٩٨.

(٢) الاُم ١ : ١٩٢ ، المجموع ٤ : ٢٥٠ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٧ ، المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٦ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٦١ و ٢٦٦ ، شرح فتح القدير ٢ : ٢٦ ، اللباب ١ : ١١٢.

(٣) سنن البيهقي ٣ : ٨٨ ، الخراج للقاضي أبي يوسف : ٩ بتفاوت واختصار ، وأورده نصّاً في فتح العزيز ٤ : ٣٢٨ ، وتلخيص الحبير ٤ : ٣٢٧.

(٤) التهذيب ٣ : ٢٩ / ٩٩ ، الاستبصار ١ : ٤٢٣ / ١٦٢٨.

(٥) المجموع ٤ : ٢٥٣ ، فتح العزيز ٤ : ٣٣٠ و ٣٣١ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٤ ، المغني ٢ : ١٤٩ ، اللباب ١ : ٧٩ ، بدائع الصنائع ١ : ١٥٦.

(٦) هود : ١١٣.

(٧) سنن ابن ماجة ١ : ٣٤٣ / ١٠٨١.

(٨) قارف الذنب : داناه ولاصقه. لسان العرب ٩ : ٢٨٠ « قرف ».


خلفه؟ قال : « لا »(١) .

وقال أبو عبد الله البرقي : كتبت إلى أبي جعفرعليه‌السلام : أتجوز الصلاة خلف من وقف على أبيك وجدّك صلوات الله عليهما؟ فأجاب : « لا تصلّ وراءه »(٢) .

ولانتفاء الزاجر له عن ترك شرط أو فعل منافٍ فلا تصح ، كالصبي والكافر.

احتجّوا : بعموم قوله تعالى( فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ ) (٣) .

وبقولهعليه‌السلام : ( صلّوا خلف من قال : لا إله إلّا الله )(٤) .

وبأن الحسن والحسينعليهما‌السلام صلّيا مع مروان(٥) .

والآية تدلّ على السعي لا على حال الإِمام. والعام قد يخصّص ، وأحاديثنا أخصّ فتقدّم.

وفعل الإِمامينعليهما‌السلام لقهرهما ، كما تضمّنه حديث جابر(٦) .

ولأنه حكاية حال فيمكن أنّ صلاتهما بعد فعلها في منازلهما ، كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي ذر : ( كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخّرون الصلاة عن وقتها؟ ) قلت : فما تأمرني؟ قال : ( صلّ الصلاة لوقتها ، فإن أدركتها معهم فصلِّ فإنها لك نافلة )(٧) .

____________________

(١) الفقيه ١ : ٢٤٩ / ١١١٦ ، التهذيب ٣ : ٣١ / ١١٠ و ٢٧٧ / ٨٠٨.

(٢) الفقيه ١ : ٢٤٨ / ١١١٣ ، التهذيب ٣ : ٢٨ / ٩٨.

(٣) الجمعة : ٩.

(٤) سنن الدار قطني ٢ : ٥٦ / ٣ ، بلوغ المرام : ٨٥ / ٤٥٠.

(٥) الجعفريات : ٥٢ ، نوادر الراوندي : ٣٠ وانظر سنن البيهقي ٣ : ١٢٢.

(٦) سنن ابن ماجة ١ : ٣٤٣ / ١٠٨١.

(٧) صحيح مسلم ١ : ٤٤٨ / ٦٤٨ ، سنن ابي داود ١ : ١١٧ / ٤٣١ ، سنن الترمذي ١ : ٣٣٢ - ٣٣٣ / ١٧٦ ، سنن البيهقي ٣ : ١٢٤ ، مسند احمد ٥ : ١٥٩ ، سنن النسائي ٢ : ٧٥ ، المعجم الصغير للطبراني ١ : ٢١٨.


فروع :

أ : عن أحمد رواية أنه يصلّي خلف الفاسق جمعةً ثم يعيدها(١) .

وهو غلط ، لأنّها إن كانت مأموراً بها خرج عن العهدة بفعلها فلا إعادة ، وإلّا فلا تصح الصلاة خلفه.

ب : لو كان السلطان جائراً ثم نصب عدلاً استحب الاجتماع وانعقدت جمعة على الأقوى‌ - وسيأتي - ولا تجب ، لفوات الشرط وهو الإمام أو من نصبه.

وأطبق الجمهور على الوجوب.

ج : لو خفي فسقه ثم ظهر بعد الصلاة أجزأ‌ ، لأنّه مأمور بها فتقع مجزئةً.

د : لا تصح الصلاة خلف الكافر بالإِجماع‌ ، فلو ظهر كفره صحّت الصلاة ، للامتثال ، سواء كان الكفر ممّا لا يخفى كالتهوّد والتنصّر ، أو يخفى كالزندقة ، وبه قال المزني(٢) .

وعند الشافعي تجب الإِعادة في الأول ، لتفريطه(٣) .

ه- : لو شك في إسلامه لم تنعقد الجمعة‌ ، لأنّ ظهور العدالة شرط ، وهو منتف مع الشك.

وقال بعض الجمهور : تصحّ ، عملاً بالظاهر من أنه لا يتقدّم للإِمامة إلّا مسلم(٤) .

و : الاختلاف في فروع الفقه - مع اعتقاد الحق - لا يمنع الإِمامة‌ ، للإِجماع على تعديل بعضهم بعضاً وإن اختلفوا في المسائل الاجتهادية.

____________________

(١) المغني ٢ : ١٤٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٠٦.

(٢) المغني ٢ : ٣٤ ، المجموع ٤ : ٢٥١ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٧.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٤ ، المجموع ٤ : ٢٥١ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٦.

(٤) المغني ٢ : ٢٨ و ٣٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٣٤.


ز : إذا اعتقد المجتهد شيئاً من الفروع وفعل ضدّه - مع بقاء اعتقاده - قدح في عدالته ، وكذا المقلّد إذا أفتاه العالم ، أمّا لو عدل من عالم إلى أعلم أو مساو ، لم يقدح في العدالة.

مسألة ٣٨٥ : الإِيمان شرط في الإِمام في الجمعة وغيرها‌ إجماعاً عندنا ، لأنّ غيره فاسق ، وقد بيّنا اشتراط العدالة.

وقال أحمد : تجب سواء كان من يقيمها سنّياً ، أو مبتدعاً ، أو عدلاً ، أو فاسقاً. وسئل عن الصلاة خلف المعتزلة يوم الجمعة ، فقال : أما الجمعة فينبغي شهودها ، وإن كان الذي يصلّي منهم أعاد وإلّا فلا(١) .

وقال الشافعي : إذا صلّى خلف مبتدع - وهو كلّ من زاد في الدين ما ليس منه ، سواء كان قربة أو معصية - فإن كانت بدعته بزيادة طاعة تخالف(٢) المشروع - كما لو صلّى العيد في غير وقته - صحّت خلفه ، وإن كانت معصية - كالطعن في الصحابة ، أو خلل في معتقده - فإن أوجبت تكفيراً ، لم تصحّ خلفه ، وإلّا صحّت(٣) .

وعندنا أنه لا تجوز خلف المبتدع سواء أوجبت كفراً ، أو لا ، لأنّها توجب فسقاً ، لقولهعليه‌السلام : ( كلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار )(٤) .

مسألة ٣٨٦ : يشترط في الإِمام طهارة المولد‌ عند علمائنا ، فلا تصحّ إمامة ولد الزنا ، لأنّها من المناصب الجليلة ، فلا تليق بحاله ، لنقصه. ولعدم انقياد القلوب إلى متابعته. ولأنّها رئاسة دينية فلا ينالها مثله ، لتكوّنه من المعصية الكبيرة.

____________________

(١) المغني ٢ : ١٤٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٠٥.

(٢) في نسخة « م » : بخلاف.

(٣) اُنظر : المجموع ٤ : ٢٥٣ ، وفتح العزيز ٤ : ٣٣١.

(٤) سنن النسائي ٣ : ١٨٩.


وبعض علمائنا حكم بكفره(١) . وليس بمعتمد.

ولأنّ رجلاً لا يعرف أبوه أمّ قوماً بالعقيق فنهاه عمر بن عبد العزيز(٢) ، ولم ينكر عليه أحد.

وقال الشافعي : تكره إمامته(٣) ، لحديث عمر بن عبد العزيز.

وقال أحمد : لا تكره(٤) .

مسألة ٣٨٧ : اشترط أكثر علمائنا كون الإِمام سليماً من الجذام والبرص والعمى(٥) ، لقول الصادقعليه‌السلام : « خمسة لا يؤمّون الناس على كلّ حال : المجذوم والأبرص والمجنون وولد الزنا والأعرابي »(٦) .

والأعمى لا يتمكن من الاحتراز عن النجاسات غالباً. ولأنه ناقص فلا يصلح لهذا المنصب الجليل.

وقال بعض أصحابنا المتأخرين : يجوز(٧) .

واختلفت الشافعية في أنّ البصير أولى ، أو يتساويان على قولين(٨) .

مسألة ٣٨٨ : إذا حضر إمام الأصل لم يؤمّ غيره إلّا مع العذر‌ إجماعاً ، لأنّ الإِمامة متوقّفة على إذنه ، فليس لغيره التقدّم عليه ، وكذا نائب الإِمام ، لأنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يحضر موضعاً إلّا أمّ بالناس ، وكذا خلفاؤه ،

____________________

(١) هو ابن إدريس في السرائر : ١٨٣ و ٢٤١ و ٢٨٧.

(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٢١٦ - ٢١٧.

(٣) الاُم ١ : ١٦٦ ، المجموع ٤ : ٢٨٨ ، المغني ٢ : ٦٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٩ ، عمدة القارئ ٥ : ٢٢٦.

(٤) المغني ٢ : ٦٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٩ ، الإِنصاف ٢ : ٢٧٤ ، كشاف القناع ١ : ٤٨٤.

(٥) منهم : الشيخ في المبسوط ١ : ١٥٥ ، وابن البراج في المهذب ١ : ٨٠ ، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : ١٤٣ ، وابن حمزة في الوسيلة : ١٠٤.

(٦) الكافي ٣ : ٣٧٥ / ١ ، التهذيب ٣ : ٢٦ / ٩٢ ، الاستبصار ١ : ٤٢٢ / ١٦٢٦.

(٧) كما ذكره المحقق في شرائع الإِسلام ١ : ٩٧.

(٨) المجموع ٤ : ٢٨٦ - ٢٨٧ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٦ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٨ - ٣٢٩.


والسرايا الذين بعثهم كان يصلّي بهم الأمير عليهم.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « قال عليعليه‌السلام : إذا قدم الخليفة مصراً من الأمصار جمّع بالناس ليس ذلك لأحدٍ غيره »(١) .

ومع العذر يجوز أن يصلّي غيره ، ويشترط إذنه ، لما تقدّم.

مسألة ٣٨٩ : وهل للفقهاء المؤمنين حال الغيبة والتمكن من الاجتماع والخطبتين صلاة الجمعة؟

أطبق علماؤنا على عدم الوجوب ، لانتفاء الشرط ، وهو ظهور الإِذن من الإِمامعليه‌السلام .

واختلفوا في استحباب إقامة الجمعة ، فالمشهور ذلك ، لقول زرارة : حثّنا الصادقعليه‌السلام على صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه ، فقلت : نغدو عليك؟ فقال : « لا ، إنّما عنيت عندكم »(٢) .

وقال الباقرعليه‌السلام لعبد الملك : « مثلك يهلك ولم يصلّ فريضة فرضها الله » قلت : كيف اصنع؟ قال : « صلّوا جماعة » يعني صلاة الجمعة(٣) .

وقال الفضل بن عبد الملك : سمعت الصادقعليه‌السلام يقول : « إذا كان قوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات ، فإن كان لهم من يخطب جمّعوا إذا كانوا خمسة نفر ، وإنّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين »(٤) .

وقال سلّار وابن إدريس : لا تجوز ، لأصالة الأربع ، فلا تسقط إلّا بدليل(٥) .

____________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٣ / ٨١.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٣٩ / ٦٣٥ ، الاستبصار ١ : ٤٢٠ / ١٦١٥.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٣٩ / ٦٣٨ ، الاستبصار ١ : ٤٢٠ / ١٦١٦.

(٤) التهذيب ٣ : ٢٣٨ - ٢٣٩ / ٦٣٤ ، الاستبصار ١ : ٤٢٠ / ١٦١٤.

(٥) المراسم : ٢٦١ ، السرائر : ٦٦.


والأخبار السابقة متأولة ، لأنّ قول الصادقعليه‌السلام لزرارة ، وقول الباقرعليه‌السلام لعبد الملك إذنٌ لهما فيها ، فيكون الشرط قد حصل.

وقول الصادقعليه‌السلام : « فإن كان لهم من يخطب » محمول على الإمام أو نائبه.

ولأنّ شرط الوجوب الإِمام أو نائبه إجماعاً ، فكذا هو شرط في الجواز.

مسألة ٣٩٠ : يجوز أن يكون الإِمام مسافراً - وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي(١) - لأنّه رجل تصح منه الجمعة ، فجاز أن يكون إماماً كالحاضر.

وقال أحمد بن حنبل : لا يجوز ، لأنّه ليس من أهل فرض الجمعة ، فلا يجوز أن يكون إماماً كالمرأة(٢) .

والفرق ظاهر ، فإنّ المرأة لا تصح أن تكون إماما للرجل في حال من الأحوال ، والمسافر لو نوى الإِقامة صحّ أن يكون إماماً إجماعاً.

مسألة ٣٩١ : لو أحدث الإِمام في صلاة الجمعة أو غيرها ، أو خرج بسبب آخر ، جاز أن يستخلف غيره‌ ليتمّ بهم الصلاة ، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك والثوري والشافعي في الجديد ، وأحمد وإسحاق وأبو ثور(٣) - لأن أبا بكر كان يصلّي بالناس في مرض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فسأل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَنْ يصلّي بالناس؟ ) فقيل :

____________________

(١) المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٥ ، اللباب ١ : ١١٢ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٤ ، المدونة الكبرى ١ : ١٥٨ ، المنتقى للباجي ١ : ١٩٦ ، المغني ٢ : ١٩٦ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٥ ، المحلّى ٥ : ٥١ ، المجموع ٤ : ٢٤٨ و ٢٥٠ ، الوجيز ١ : ٦٢ ، فتح العزيز ٤ : ٥٤٠ ، السراج الوهاج : ٨٦ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٤.

(٢) المغني ٢ : ١٩٦ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٥ ، المجموع ٤ : ٢٥٠ ، فتح العزيز ٤ : ٥٤١ ، الإِنصاف ٢ : ٣٦٨.

(٣) بلغة السالك ١ : ١٦٧ ، الشرح الصغير ١ : ١٦٦ ، الام ١ : ٢٠٧ ، المجموع ٤ : ٢٤٢ و ٢٤٥ و ٥٧٨ ، فتح العزيز ٤ : ٥٥٤ - ٥٥٥ و ٥٥٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٨ ، المغني ١ : ٧٧٩.


أبو بكر ، فخرج يتهادى بين اثنين ، فدخل المسجد وأبو بكر يصلّي بالناس ، فمنعه من إتمام الإِمامة بهم ، وتقدّم فصلّى بهم وتأخّر أبو بكر(١) . فصارت الصلاة بإمامين على التعاقب.

ومن طريق الخاصة : قول عليعليه‌السلام : « من وجد أذى فليأخذ بيد رجل فليقدّمه »(٢) يعني إذا كان إماماً.

ولأن صلاة المأموم لا تبطل ببطلان صلاة الإِمام ، فإذا قدّم من يصلح للإِمامة كان كما لو أتمّها ، ولا ينفك المأموم من الجماعة والعمل بالفضيلة فيها.

وقال الشافعي في القديم : لا يجوز الاستخلاف(٣) ، لما رووا عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه صلّى بأصحابه ، فلمـّا أحرم بالصلاة ذكر أنه جنب ، فقال لأصحابه : ( كما أنتم ) ومضى ورجع ورأسه يقطر ماءً ، ولم يستخلف(٤) . فلو كان سائغاً لفعله.

وهذا عندنا ممتنع ، لما بيّنا غير مرة من استحالة السهو على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وللشافعي قول آخر : جوازه في غير الجمعة لا فيها(٥) .

فروع :

أ : لا فرق في جواز الاستخلاف بين ما إذا أحدث الإِمام بعد الخطبتين قبل التحريم وبعدها‌ ، فإذا استخلف صلّى بهم من غير خطبة ، لخروج العُهدة عنها بفعلها أوّلاً.

____________________

(١) مسند أحمد ١ : ٢٠٩ ، سنن أبي داود ١ : ٢٤٧ / ٩٤٠ بتفاوت.

(٢) الكافي ٣ : ٣٦٦ / ١١ ، التهذيب ٢ : ٣٢٥ / ١٣٣١ ، الاستبصار ١ : ٤٠٤ / ١٩٤٠.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٤ ، المجموع ٤ : ٥٧٨ ، فتح العزيز ٤ : ٥٥٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٨ ، السراج الوهاج : ٩٠.

(٤) صحيح البخاري ١ : ٧٧ ، سنن أبي داود ١ : ٦٠ - ٦١ / ٢٣٣ - ٢٣٥ - سنن ابن ماجة ١ : ٣٨٥ / ١٢٢٠ ، مسند أحمد ١ : ٨٨ و ٩٩ ، ترتيب مسند الشافعي ١ : ١١٤ / ٣٤١.

(٥) اُنظر : فتح العزيز ٤ : ٥٥٥.


وقال الشافعي : على تقدير جوازه يجوز ، وعلى تقدير عدمه لا يجوز أن يصلّي غيره بهم الجمعة ، لأنّ الخطبتين تقوم مقام ركعتين فيخطب بهم غيره ويصلّي ، فإن لم يتّسع الوقت ، صلّى بهم الظهر أربعاً(١) .

ب : لو أحدث بعد التحريم استخلف عندنا‌ ، وأتمّوها جمعةً قطعاً ، وبه قال الشافعي على تقدير الجواز ، وعلى تقدير العدم لا يجوز ، فيصلّي المأمومون فرادى ركعتين.

وعنه آخر : إن كان بعد أن صلّى ركعة أتموها جمعةً ركعتين ، وإن كان أقل من ركعة صلّوا ظهراً أربعاً(٢) .

ج : يجب أن يستخلف مَنْ هو بشرائط الإِمامة ، فلو استخلف امرأة لإِمامة الرجال فهو لغو ، فلا تبطل صلاتهم إذا لم يقتدوا بها ، وبه قال الشافعي(٣) .

وقال أبو حنيفة : تبطل الصلاة بالاستخلاف صلاتهم وصلاتها(٤) .

د : لا يشترط في المستخلَف كونه قد سمع الخطبة ، أو أحرم مع الإِمام‌ ، سواء أحدث الإِمام في الركعة الْأولى أو الثانية قبل الركوع ، للأصل.

ولقول معاوية بن عمّار : سألت الصادقعليه‌السلام ، عن رجل يأتي المسجد وهُمْ في الصلاة وقد سبقه الإِمام بركعة أو أكثر ، فينفتل الإِمام فيأخذ بيده ويكون أدنى القوم إليه فيقدّمه ، فقال : « يُتمّ القوم الصلاة ، ثم يجلس حتى إذا فرغوا من التشهّد أومأ بيده إليهم عن اليمين والشمال ، وكان الذي أومأ إليهم بيده التسليم وانقضاء صلاتهم ، وأتمّ هو ما كان فاته إن بقي عليه »(٥) .

____________________

(١) فتح العزيز ٤ : ٥٦١ - ٥٦٢.

(٢) المجموع ٤ : ٥٧٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٤.

(٣) المجموع ٤ : ٢٤٣ ، فتح العزيز ٤ : ٥٥٥.

(٤) المبسوط للسرخسي ١ : ١٨٠ ، فتح العزيز ٤ : ٥٥٥.

(٥) الكافي ٣ : ٣٨٢ / ٧ ، التهذيب ٣ : ٤١ / ١٤٤ ، الاستبصار ١ : ٤٣٣ / ١٦٧٢ ، الفقيه ١ : =


وقال الشافعي : إن استخلف بعد الخطبة قبل أن يحرم بالصلاة ، جاز أن يستخلف مَنْ حضرها وسمعها ، لأنّه ثبت له حكمها بسماعه إيّاها ، ولهذا لو بدر أربعون ممّن سمع الخطبة فعقدوها ، صحّت ، ولو صلّى أربعون ممّن لم يسمعها ، لم تنعقد بهم ، ولا يجوز أن يستخلف مَنْ لم يسمعها.

وإن أحدث بعد التحريم ، فإن كان في الركعة الْاُولى جاز أن يستخلف مَنْ أحرم معه قبل حدثه ، سواء كان دخل معه قبل الركوع أو بعده - وإن لم يكن سمع الخطبة - لأنّه بدخوله معه في الصلاة ثبت له حكمها.

ولا يجوز أن يستخلف من لم يدخل معه ، لأنه يكون مبتدئاً للجمعة ، ولا يجوز عقد جمعة بعد جمعة ، بخلاف المسبوق ، لأنه متبع لا مبتدئ.

وإن أحدث في الثانية ، جاز أن يستخلف مَنْ دخل معه قبل الركوع أو فيه ، ويُتمّون معه الجمعة.

وهل يتمّ هو الجمعة أو الظهر؟ قال أكثر أصحابه : بالأول. وهو جيّد عندنا ، لأنه أدرك الجمعة بإدراكه راكعاً.

وإن استخلف مَنْ دخل معه بعد الركوع ، قال أكثر أصحابه : لا يجوز ، لأنّ فرضه الظهر ، فلا يجوز أن يكون إماماً في الجمعة.

وقال بعضهم : يجوز ، كالمسبوق والمسافر يأتمّ بالمقيم(١) .

وعندي في ذلك تردّد ، وكذا التردّد لو استناب من يبتدئ بالظهر.

ه - : لو أحدث في الْاُولى فاستخلف مَنْ قد أحرم معه صحّ ، ثم صلّى المستخلف لهم الثانية ، فلمـّا قام أحدث واستخلف مَنْ أدرك الركعة الثانية صلّى المستخلف الثاني ركعة ، وأشار إليهم أن يسلّم بهم أحدهم ، وقام هو فأتمّها جمعة ، لأنه أدرك ركعة من جمعة صحيحة.

____________________

= ٢٥٨ / ١١٧١.

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٤ ، المجموع ٤ : ٥٧٩ - ٥٨٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٩.


وقال الشافعي : يتمّها ظهراً ، لأنّ للمأمومين اتّباعه ، فلا يمكن بناء حكمه على حكمهم ، ولا يمكن أن يبني حكمه على حكم الإِمام الأول ، لأنّه ما تمّت له الجمعة ، فلا وجه لإِتيان حكم الجمعة في حقّه. وهو ممنوع.

ثم قال : لو جاء مسبوق آخر واقتدى بهذا المسبوق ، وقلنا : إنّ المحسوب له ركعة من الظهر ، فيحسب للمقتدي به ركعة من الجمعة ، لأنّه في حق المأمومين يتنزّل منزلة إمامه(١) .

و : لو لم يستنب الإِمام أو مات أو اُغمي عليه ، فإن كان بعد ركعة استناب المأمومون وقدّموا مَنْ يتمّ بهم الصلاة ، وللواحد منهم أن يتقدّم ، بل هو أولى ، لأنّ الإِمام قد خرج والمأمومون في الصلاة. وبه قال الشافعي(٢) .

وفيه إشكال ينشأ من اشتراط الإِمام أو إذنه عندنا ، ومن كونها جمعةً انعقدت صحيحةً ، فيجب إكمالها.

والإِذن شرط في الابتداء لا في الإِكمال. فإن قلنا بالأول احتمل أن يتمّوها جمعةً فرادى كما لو ماتوا إلّا واحداً ، وأن يتمّوها ظهراً ، لعدم الشرط وهو الجماعة مع التعدّد.

وإن كان في الْأولى قبل الركوع ، احتمل إتمامها ظهراً ، إذ لم يدرك أحد منهم ركعة ، فلم يدركوا الصلاة ، وجمعة ، لانعقادها صحيحة ، فتكمل كما لو بقي الإِمام. وكلا الوجهين للشافعي(٣) .

ز : لا فرق في جواز الاستخلاف بين أن يُحدث الإِمام عمداً أو سهواً - وبه قال الشافعي(٤) - لما بيّنّا من أنّ بطلان صلاة الإِمام لا يقتضي بطلان صلاة المأموم.

____________________

(١) اُنظر المجموع ٤ : ٥٨١ - ٥٨٢ ، وفتح العزيز ٤ : ٥٥٩ و ٥٦٠.

(٢) المجموع ٤ : ٥٨٣ ، فتح العزيز ٤ : ٥٦١.

(٣) المجموع ٤ : ٥٧٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٤.

(٤) المجموع ٤ : ٥٧٨ ، الوجيز ١ : ٦٢ ، فتح العزيز ٤ : ٥٥٧.


وقال أبو حنيفة : إن تعمّد بطلت صلاتهم كلّهم(١) .

ح : الأقرب وجوب اتّحاد الإِمام والخطيب إلّا لعذر‌ ، كالحدث وشبهه ، لأنّ العادة قاضية بأنّ المتولّي لهما واحد من زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الآن.

ويحتمل عدمه ، لجواز تعدّد الأئمة في صلب الصلاة في المحدث فجاز في غيره.

ط : لو استناب لم يجب على المأمومين استئناف نية القدوة ، لأنّه خليفة الأول ، والغرض من الاستخلاف تنزيل الخليفة منزلة الأول وإدامة الجماعة.

وهو أحد وجهي الشافعية(٢) .

وفيه إشكال ينشأ من وجوب تعين الإِمام فيجب استئناف نية القدوة.

وفي الآخر : يشترط ، لأنّهم انفردوا بخروج الإِمام من الصلاة(٣) .

وكذا لو لم يستنب الإِمام وقدّم المأمومون إماماً.

ي : لو مات الإِمام فاستناب المأمومون ، لم تبطل صلاة المتلبّس‌ وأتمّ جمعةً ، أمّا غيره فيصلّي الظهر ، ويحتمل الدخول معهم ، لأنّها جمعة مشروعة.

البحث الثالث : العدد‌

مسألة ٣٩٢ : العدد شرط بإجماع العلماء كافة‌ ، لأنّ تسميتها جمعة من الاجتماع المستلزم للتكثير ، ولأنّ الإمام شرط ولا يتحقّق مسمّاه إلاّ بالمأموم.

____________________

(١) بدائع الصنائع ١ : ٢٢٦ ، فتح العزيز ٤ : ٥٥٧.

(٢) المجموع ٤ : ٥٨٢ ، الوجيز ١ : ٦٢ ، فتح العزيز ٤ : ٥٦٠.

(٣) المجموع ٤ : ٥٨٢ ، فتح العزيز ٤ : ٥٦٠.


واختلفوا في أقلّ عدد تجب معه الجمعة ، فقال بعض علمائنا : أقلّه خمسة نفر الإِمام أحدهم ، لأنَّ الخطاب متوجّه بصيغة الجمع ، وأقلّ عدد يحتمله حقيقة الثلاثة ، وإنّما أوجب عند النداء الحاصل من الغير فيثبت رابع ، وإنّما يجب السعي عند النداء مع حصول الشرائط التي من جملتها الإِمام فيجب الخامس(١) .

ولأنّها إنّما تجب على المقيمين ، والاستيطان مع الاجتماع مظنَّة التنازع ، فلا بُدّ من حاكم يفصل بين المتنازعين فوجب الثالث.

ثم لمـّا كانت الحوادث والعوائق تعتور الإِنسان وجب أن يكون للحاكم نائب يقوم مقامه لو عرض له حادث يمنعه عن فصل المتنازعين فوجب الرابع.

ثم لمـّا كان الاجتماع مظنة التنازع المفضي إلى الافتراء احتيج إلى من يستوفي الحدود بإذن الحاكم مباشرة فوجب الخامس.

فثبت أنّ الْاُمور الضرورية لا بدَّ فيها من حصول خمسة نفر.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « لا تكون الخطبة والجمعة وصلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهط : الإِمام وأربعة »(٢) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « يجمّع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زادوا ، فإن كانوا أقلّ من خمسة فلا جمعة »(٣) .

وقال الشيخ : سبعة نفر ، أحدهم : الإِمام(٤) ، لافتقار الاستيطان إلى متنازعين وشاهدين ، وحاكم ، ونائبه ، ومستوفي الحدود.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « تجب الجمعة على سبعة ولا تجب على‌

____________________

(١) هو المحقق في المعتبر : ٢٠٢.

(٢) الكافي ٣ : ٤١٩ / ٤ ، التهذيب ٣ : ٢٤٠ / ٦٤٠ ، الاستبصار ١ : ٤١٩ / ١٦١٢.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٣٩ / ٦٣٦ ، الاستبصار ١ : ٤١٩ / ١٦١٠.

(٤) الخلاف ١ : ٥٩٨ المسألة ٣٥٩ ، النهاية : ١٠٣ ، المبسوط للطوسي ١ : ١٤٣.


أقلّ منهم »(١) .

وحمل ما تقدّم من الروايتين على استحبابها للخمسة(٢) .

ولا ضرورة إلى الشاهدين ، والرواية ليست ناصّةً على المطلوب ، لأنّ أقلّ من السبعة قد يكون أقلّ من الخمسة ، فيحمل عليه جمعاً بين الأدلّة ، ولأنّ روايتنا أكثر رواةً وأقرب إلى مطابقة القرآن ، ولأنّ الخيار مع الخمسة يستلزم الوجوب ، لقوله تعالى( فَاسْعَوْا ) (٣) .

وقال الشافعي : لا تنعقد بأقلّ من أربعين رجلاً على الشرائط الآتية ، وهل الإِمام أحدهم؟ وجهان - وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك وأحمد - لقول جابر بن عبد الله : مضت السنّة أنّ في كلّ أربعين فما فوقها جمعةً(٤) . وقول الصحابي : مضت السنّة ، كقوله : قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٥) .

وتعليق الحكم على العدد لا يقتضي نفيه عمّا هو أقلّ أو أكثر.

ونمنع مساواة ( مضت السنّة ) لقوله : قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقال أحمد في رواية : لا تنعقد إلّا بخمسين ، لقولهعليه‌السلام : ( تجب الجمعة على خمسين رجلاً)(٦) .

ودلالة المفهوم ضعيفة.

____________________

(١) الفقيه ١ : ٢٦٧ / ١٢٢٢ ، التهذيب ٣ : ٢٠ / ٧٥ ، الاستبصار ١ : ٤١٨ / ١٦٠٨.

(٢) الاستبصار ١ : ٤١٩ ذيل الحديث ١٦٠٩.

(٣) الجمعة : ٩.

(٤) سنن الدار قطني ٢ : ٣ - ٤ / ١ ، سنن البيهقي ٣ : ١٧٧.

(٥) المغني ٢ : ١٧٢ و ١٧٣ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧٤ و ١٧٥ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٧ ، المجموع ٤ : ٥٠٢ و ٥٠٣ ، فتح العزيز ٤ : ٥١٠ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٠.

(٦) المغني ٢ : ١٧٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧٤ ، وراجع سنن الدار قطني ٢ : ٤ / ٢ و ٣.


وقال أبو حنيفة والثوري ومحمد : تنعقد بأربعة ، أحدهم : الإِمام ، لأنّ الأربعة عدد يزيد على أقلّ الجمع المطلق ، فجاز عقد الجمعة به كالأربعين(١) .

ونمنع العلّية.

وقال الأوزاعي وأبو يوسف : تنعقد بثلاثة ، لعموم الأمر(٢) .

وقد بيّنّا خصوصه.

وقال ربيعة : تنعقد باثني عشر رجلاً ، لأنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كتب إلى مصعب بن عمير قبل الهجرة ، وكان مصعب بالمدينة ، فأمره أن يصلّي الجمعة بعد الزوال ركعتين ، وأن يخطب قبلها ، فجمّع مصعب في بيت سعد ابن خيثمة باثني عشر رجلاً(٣) .

وهو حجّة على الشافعي لا علينا.

وقال الحسن بن صالح بن حيّ : تنعقد باثنين ، لأنّ كلّ عدد انعقدت به الجماعة انعقدت به الجمعة كالأربعين(٤) .

وهو غلط ، لأنّ الأمر بصيغة الجمع فلا يتناول الاثنين.

مسألة ٣٩٣ : يُشترط في العدد اُمور :

الأول : أن يكونوا ذكوراً إجماعاً ، فلا تنعقد بالنساء ، ولا بالرجال إذا تكمّل العدد بامرأة ، ولا خنثى مشكل ، وتنعقد بالخنثى الملحق بالرجال.

الثاني : يُشترط : أن يكونوا مكلَّفين ، فلا تنعقد بالصبي وإن كان مميزاً ،

____________________

(١) المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٤ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٣ ، المجموع ٤ : ٥٠٤ ، فتح العزيز ٤ : ٥١٠ ، المغني ٢ : ١٧٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٠.

(٢) المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٤ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٣ ، المجموع ٤ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٠ ، المغني ٢ : ١٧٢.

(٣) المجموع ٤ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٠ ، المغني ٢ : ١٧٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧٥.

(٤) المجموع ٤ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٠.


ولا بالمجنون وإن كان يعتوره ، إلّا أن يكون حال الإِقامة مُفيقاً.

الثالث : هل يُشترط الحرية؟ للشيخ قولان :

الاشتراط ، فلا تنعقد بالعبد قنّاً كان أو مُدبّراً أو مكاتباً أو اُمّ ولد - وهو قول الشافعي وأحمد(١) لأن الجمعة إنّما تصح منه تبعاً لغيره ، فلو انعقدت به صار التبع متبوعاً ، ولأنه لو انعقدت به ، لانعقدت بجماعتهم منفردين كالأحرار(٢) .

والثاني : عدمه - وبه قال أبو حنيفة(٣) - لأنّه رجل تصح منه الجمعة فانعقدت به كالحر(٤) .

الرابع : وهل يشترط الحضر؟ قولان للشيخ : الاشتراط(٥) - وبه قال الشافعي(٦) - فلا تنعقد بالمسافر ، لما تقدّم في العبد. وعدمه(٧) - وبه قال أبو حنيفة(٨) - لما تقدّم.

الخامس : لا يشترط الصحة ، ولا زوال الموانع من المطر والخوف ، فلو حضر المريض أو المحبوس بعذر المطر أو الخوف وجبت عليهم ، وانعقدت‌

____________________

(١) الاُم ١ : ١٩١ ، مختصر المزني : ٢٦ ، المجموع ٤ : ٥٠٥ ، فتح العزيز ٤ : ٥١٢ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٧ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٢ ، السراج الوهاج : ٨٦ ، المغني ٢ : ١٩٦ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٥.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٣.

(٣) المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٥ ، شرح العناية ٢ : ٣١ ، اللباب ١ : ١١٢ ، المغني ٢ : ١٩٦ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٥.

(٤) الخلاف ١ : ٦١٠ مسألة ٣٧٥.

(٥) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٣.

(٦) الاُم ١ : ١٩١ ، مختصر المزني : ٢٦ ، المجموع ٤ : ٥٠٢ ، فتح العزيز ٤ : ٥١٢ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٢ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٧ ، السراج الوهاج : ٨٦ ، المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٥.

(٧) الخلاف ١ : ٦١٠ مسألة ٣٧٥.

(٨) المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٥ ، اللباب ١ : ١١٢ ، المغني ٢ : ١٩٦ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٥.


به إجماعاً - إلّا في قول بعيد للشافعي : إنّها لا تنعقد بالمريض كالمسافر(١) - لأنّ سقوطها عنهم لمشقّة السعي ، فإذا تكلّفوه ، زالت المشقة ، فزال مانع الوجوب والانعقاد به ، فيثبتان.

السادس : لا يشترط مغايرة الإِمام للعدد ، وقد تقدّم(٢) . وللشافعي قولان(٣) .

السابع : يشترط الإِسلام ، لعدم انعقادها بالكافر إجماعاً ، ولا تشترط العدالة ، فتنعقد بالفاسق إجماعاً.

الثامن : يشترط عدم العلم بحدث أحدهم ، فلو أحدث أحدهم مع العلم به والعدد يتمّ به ، لم تنعقد به ما لم يتطهّر ، ولو لم يعلم صحّت الجمعة للمتطهّرين.

وكذا لو ظهر حدث أحدهم وكان جاهلاً به ، كما لو وجد بعد الجمعة جنابة على ثوبه المختص به ، فإنّ الجمعة قد صحّت لغيره ، ويقضي هو الظهر.

مسألة ٣٩٤ : قال الشيخ : أقسام الناس في الجمعة خمسة :

من تجب عليه وتنعقد به وهو : الذكر ، الحُرّ ، البالغ ، العاقل ، الصحيح ، السليم من العمى والعرج والشيخوخة التي لا حراك معها ، الحاضر أو من هو بحكمه.

ومن لا تجب عليه ولا تنعقد به وهو : الصبي والمجنون والعبد والمسافر والمرأة. لكن يجوز لهم فعلها ، إلّا المجنون.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٥٠٣ ، فتح العزيز ٤ : ٥١٥ - ٥١٦ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٣ ، السراج الوهاج : ٨٦.

(٢) تقدم في أول البحث الثالث.

(٣) المجموع ٤ : ٥٠٢ - ٥٠٣ ، الوجيز ١ : ٦١ ، فتح العزيز ٤ : ٥١٦ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٣ ، السراج الوهاج : ٨٦.


ومن تنعقد به ولا تجب عليه وهو : المريض والأعمى والأعرج ومن كان على رأس أكثر من فرسخين.

ومن تجب عليه ولا تنعقد به وهو : الكافر ، لأنّه مخاطب بالفروع عندنا.

ومختلف فيه وهو : من كان مقيماً في بلد من طلّاب العلم والتجّار ولمـّا يستوطنه ، بل متى قضى وطره خرج ، فإنّها تجب عليه وتنعقد به عندنا ، وعندهم خلاف(١) .

مسألة ٣٩٥ : لا يشترط بقاء العدد مدة الصلاة‌ ، فلو انعقدت بهم ثم انفضّوا أو ماتوا - إلّا الإِمام بعد الإِحرام - لم تبطل الجمعة ، بل يتمّها جمعةً ركعتين.

وحكى المزني عن الشافعي خمسة أقوال :

أحدها : هذا - وبه قال أبو يوسف ومحمّد(٢) - لأنّها انعقدت فوجب الإِتمام ، لتحقّق شرط الوجوب. واشتراط الاستدامة منفي(٣) بالأصل ، ولا يلزم من اشتراط الابتداء بشي‌ء اشتراط استدامته به ، كعدم الماء في حق المتيمم.

الثاني - وهو الأصح عندهم - : أنّ العدد شرط في الاستدامة ، كما في الابتداء ، فلو نقص واحد قبل التسليم بطلت جمعةً ويتمّها ظهراً - وبه قال أحمد(٤) - لأنه شرط في الجمعة يختص بها، يُعتبر في ابتدائها فيعتبر في استدامتها كالوقت.

____________________

(١) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٣ - ١٤٤.

(٢) الهداية للمرغيناني ١ : ٨٣ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٦٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣١.

(٣) في « ش » والطبعة الحجرية : ينتفى.

(٤) المغني ٢ : ١٧٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧٦ ، فتح العزيز ٤ : ٥٢٨ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣١.


والأصل ممنوع على ما تقدّم.

الثالث : إن بقي معه اثنان أتمّها جمعةً ، لأنّه بقي عدد تنعقد به الجماعة واختلف في انعقاد الجمعة به ، فلم يبطلها بعد انعقادها.

الرابع : إن بقي معه واحد أتمّها جمعةً ، لذلك أيضاً.

الخامس : إن انفضّوا بعد ما صلّوا ركعة بسجدتيها أتمّها جمعة. واختاره المزني - وهو قول مالك(١) - لقولهعليه‌السلام : ( من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى )(٢) .

ولا بأس بهذا القول عندي.

وقال أبو حنيفة : إن انفضّوا بعد ما صلّى ركعة بسجدة واحدة أتمّها جمعةً وإلّا فلا ، لأنّه أدرك معظم الركعة من الجمعة فاحتسبت له الجمعة ، كالمسبوق يدرك الركوع(٣) .

وينتقض بمن أدرك القيام والقراءة والركوع ، فإنّه يدرك معظمها ولا يتمّ جمعةً.

فروع :

أ : لا اعتبار بانفضاض الزائد على العدد‌ مع بقاء العدد إجماعاً.

ب : لو انعقدت بالعدد فحضر مساويه‌ وأدركوا ركوع الثانية ثم انفضّ الأولون صحّت الجمعة وإن فاتهم أول الصلاة ، لأنّ العقد والعدد موجود فكان له الإِتمام.

____________________

(١) حلية العلماء ٢ : ٢٣١ ، فتح العزيز ٤ : ٥٣٢.

(٢) سنن الدار قطني ٢ : ١٠ / ١ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٥٦ / ١١٢١ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٩١ ، وراجع : المهذب للشيرازي ١ : ١١٧ ، المجموع ٤ : ٥٠٦ - ٥٠٧ ، فتح العزيز ٤ : ٥٢٨ و ٥٣١ - ٥٣٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣١.

(٣) بدائع الصنائع ١ : ٢٦٦ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٣ ، الجامع الصغير للشيباني : ١١٢ ، شرح العناية ٢ : ٣١ ، فتح العزيز ٤ : ٥٣٢ ، المغني ٢ : ١٧٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧٦.


ج : الأقرب أنّ الإِمام‌ كغيره.

د : لو انفضّوا قبل الإِتيان بأركان الخطبة وسكت ثم عادوا ، أتمّ الخطبة‌ سواء طال الفصل أو لا ، لحصول مسمّى الخطبة ، وليس لها حُرمة الصلاة.

ولأنّه لا يؤمن الانفضاض بعد إعادتها ، وهو قول أبي إسحاق(١) .

ونمنع اشتراط الموالاة.

وقال الشافعي : إن طال استأنف الخطبة ، وإلّا فلا.

وعنه : أنّه مع طول الفصل يصلّي أربعاً إن لم يُعد الخطبة ، لبطلانها ، ولا يأمن الانفضاض في الإِعادة والصلاة فيصلّي ظُهراً(٢) .

ه - : لو انفضّوا بعد الخطبة وهناك غيرهم ، فالوجه إعادة الخطبة ، ويصلّي جمعةً - وهو أحد قولي الشافعي(٣) - لأنّه متمكّن من الجمعة بشرائطها.

وله قول : إنه يصلّي ظهراً(٤) .

و : لو اشترطنا الركعة فانفضّوا قبل إكمالها ، احتمل العدول إلى الظهر‌ ، لأنّها صلاة انعقدت صحيحةً ، فيجوز العدول ، كذاكر الفائتة ، والذي قد زوحم ، والاستئناف ، لبطلان ما عقدها له.

ز : لو انفضّ العدد قبل التلبّس ولو بعد الخطبتين ، سقطت‌ إن لم يعودوا في الوقت ، ولو انفضّوا في أثناء الخطبة ، أعادها بعد عودهم إن لم يسمعوا الواجب منها أوّلاً ، وإن سمعوا الواجب أجزأ.

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١١٨ ، المجموع ٤ : ٥٠٧.

(٢) مختصر المزني : ٢٦ ، المجموع ٤ : ٥٠٧ ، فتح العزيز ٤ : ٥١٨ و ٥٢١ - ٥٢٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٧.

(٣ و ٤ ) المجموع ٤ : ٥٠٧ ، فتح العزيز ٤ : ٥٢١ - ٥٢٢.


البحث الرابع : الجماعة‌

مسألة ٣٩٦ : الجماعة شرط في الجمعة ، فلا تصح فُرادى ، وعليه إجماع العلماء كافة ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّاها كذلك ، وقال : ( صلّوا كما رأيتموني اُصلّي )(١) .

ولأن تسميتها جمعة من الاجتماع ، فلا تتحقّق من دونه.

ولما رواه زرارة قال : « فرض الله من الجمعة إلى الجمعة خمساً وثلاثين صلاة ، واحدة فرضها الله في جماعة وهي الجمعة »(٢) .

وهي شرط في الابتداء لا في الاستدامة ، فلو ابتدأ منفرداً ثم ائتمّ به في الأثناء لم تنعقد.

ولو ابتدأ إماماً ثم انفضّ العدد بعد التحريم ، لم تبطل على ما تقدّم.

مسألة ٣٩٧ : إذا انعقدت الجمعة ودخل المسبوق لَحِق الركعة‌ إن كان الإِمام راكعاً ، ويدرك الجمعة لو أدركه راكعاً في الثانية ، ثم يُتم بعد فراغ الإِمام - وبه قال الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وزفر ومحمد ، وهو مروي عن ابن مسعود وابن عمر وأنس ، ومن التابعين : سعيد بن المسيب والحسن والشعبي والنخعي والزهري(٣) - لقولهعليه‌السلام : ( من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أُخرى ، ومن أدرك دونها صلّاها أربعاً )(٤) .

____________________

(١) صحيح البخاري ١ : ١٦٢ ، سنن البيهقي ٢ : ٣٤٥ ، سنن الدار قطني ١ : ٢٧٢ - ٢٧٣ / ١.

(٢) الكافي ٣ : ٤١٩ / ٦ ، الفقيه ١ : ٢٦٦ / ١٢١٧ ، التهذيب ٣ : ٢١ / ٧٧ ، أمالي الصدوق : ٣١٩ / ١٧ ، الخصال : ٤٢٢ / ٢١ و ٥٣٣ / ١١.

(٣) الاُم ١ : ٢٠٦ ، المجموع ٤ : ٥٥٦ و ٥٥٨ ، فتح العزيز ٤ : ٥٥٢ ، المغني ٢ : ١٥٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧٧ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٦٧ ، شرح العناية ٢ : ٣٥.

(٤) سنن الدار قطني ٢ : ١٠ - ١١ / ١ - ٦ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٥٦ / ١١٢١ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٩١ ، مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ١٢٩.


ومن طريق الخاصة : رواية المفضّل بن عبد الملك عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا أدرك الرجل ركعة فقد أدرك الجمعة وإن فاتته فليصلّ أربعاً »(١) .

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والحكم وحمّاد : أيّ قدرٍ أدرك من صلاة الإِمام أدرك به الجمعة ولو سجود السهو بعد التسليم ، لأنّ سجود السهو يعيده إلى حكم الصلاة(٢) ، لقولهعليه‌السلام : (ما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فاقضوا )(٣) .

ولأنّ من لزمه أن يبني على صلاة الإِمام إذا أدرك منها ركعة لزمه وإن أدرك دون ذلك ، كالمسافر إذا أدرك المقيم.

والرواية نقول بموجبها ، ونمنع الإِدراك بعد فوات الركوع ، والفرق مع المسافر ظاهر ، فإنّ إدراكه إدراك إيجاب والتزام لتمام العدد ، وهنا إدراكه يسقط به فرض العدد فاختلفا.

فروع :

أ : لا يُشترط إدراك الخطبة ، لأنّ إدراك الْاُولى ليس بشرط ، فالخطبة أولى.

ولقول الصادقعليه‌السلام فيمن لم يدرك الخطبة يوم الجمعة ، فقال : « يصلّي ركعتين ، فإن فاتته الصلاة فلم يدركها فليصلّ أربعاً »(٤) .

وهو قول جمهور العلماء.

____________________

(١) الفقيه ١ : ٢٧٠ / ١٢٣٢ ، التهذيب ٣ : ٢٤٣ / ٦٥٧ ، الاستبصار ١ : ٤٢٢ / ١٦٢٣.

(٢) المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٥ ، اللباب ١ : ١١٣ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٤ ، المجموع ٤ : ٥٥٨ ، فتح العزيز ٤ : ٥٥٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٣.

(٣) مسند أحمد ٢ : ٢٣٨ و ٢٧٠ و ٣١٨ و ٤٨٩ و ٥٣٣ ، سنن النسائي ٢ : ١١٤ - ١١٥.

(٤) الكافي ٣ : ٤٢٧ / ١ ، التهذيب ٣ : ١٦٠ / ٣٤٣ و ٢٤٣ / ٦٥٦ ، الاستبصار ١ : ٤٢١ / ١٦٢٢.


وقال عطاء وطاوس ومجاهد ومكحول : يدرك الجمعة بإدراك الخطبتين ، فمن فاتته الخطبتان فاتته الجمعة وإن أدرك الصلاة(١) .

ب - المشهور أنه يدرك الركعة بإدراك الإِمام راكعاً وإن لم يُدرك تكبيرة الركوع بل يُدرك الركعة لو اجتمع مع الإِمام في جزءٍ منه - وبه قال الشافعي(٢) - لقول الصادقعليه‌السلام : « إذا أدركت الإِمام وقد ركع فكبّرت وركعت قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت الركعة ، وإن رفع الإِمام رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك »(٣) .

وقال الشيخ : إن أدرك تكبيرة الركوع أدرك الركعة وإلّا فلا(٤) ، لقول الباقرعليه‌السلام لمحمد بن مسلم : « إن لم تدرك القوم قبل أن يكبّر الإِمام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة »(٥) .

وهو محمول على ما إذا خاف فوت الركوع ، إذ الغالب أنّ من لم يدرك تكبيرة الركوع إذا دخل المسجد فاتته الركعة ، لافتقاره إلى قطع المسافة بينه وبين القوم ، والنية ، وتكبيرة الإِحرام. وتكبير الركوع ليس واجباً فلا يفوت الاقتداء بفواته.

وقول الشيخ ليس بعيداً من الصواب ، لفوات واجب الركوع فيكون الباقي مستحباً ، فلا تحصل الركعة بالمتابعة فيه ، لفوات الركوع الواجب.

ج : لو ذكر ترك سجدة ناسياً ولم يعلم أهي من التي أدركها مع الإِمام ، أو الثانية؟ فإنّه يقضي السجدة ، ويسجد سجدتي السهو إن كان بعد التسليم ،

____________________

(١) المجموع ٤ : ٥٥٨ ، المغني ٢ : ١٥٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧٧.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٢ ، المجموع ٤ : ٥٥٦ و ٥٥٨ ، فتح العزيز ٤ : ٥٥٢.

(٣) الكافي ٣ : ٣٨٢ / ٥ ، الفقيه ١ : ٢٥٤ / ١١٤٩ ، التهذيب ٣ : ٤٣ / ١٥٣ ، الاستبصار ١ : ٤٣٥ / ١٦٨٠.

(٤) المبسوط للطوسي ١ : ١٥٨.

(٥) التهذيب ٣ : ٤٣ / ١٤٩ ، الاستبصار ١ : ٤٣٤ / ١٦٧٦.


وإن كان قبله ، فالأقرب فعلها قبل التسليم وإعادة التشهد ، لأنّه شاك في الأُولى بعد فواتها فلا يلتفت.

ولأنّه مأموم فلا عبرة بشكّه فتتعيّن الْاُخرى.

وتحتمل المساواة للْاُولى ، فيسلّم ثم يقضي السجدة ، ويسجد سجدتي السهو. وعلى كلا التقديرين يدرك الجمعة.

وقال الشافعي : يأخذ بأسوأ الحالين ، وهو : نسيانها من الْاُولى ، فيتمّ الثانية ، ويحصل له من الركعتين ركعة ، ولا يدرك الجمعة ، لاحتمال أن تكون من الْاُولى فلم يدرك مع الإِمام ركعة كاملة ، فيتمّها ظهراً(١) . وقد سبق البحث فيه.

د : لو كبّر للإِحرام والإِمام راكع ، ثم رفع الإِمام قبل ركوعه أو بعده قبل الذكر ، فقد فاتته تلك الركعة.

ولو شك هل كان الإِمام راكعاً أو رافعاً؟ رجّحنا الاحتياط على الاستصحاب.

ه- : لو أدرك مع الإِمام ركعة فلمـّا جلس مع الإِمام ذكر أنه ترك فيها سجدة فإنه يسجد‌

وقد أدرك الركعة عندنا - وهو أصح وجهي الشافعي(٢) - لأنه أتى بالركعة مع الإِمام إلّا أنه أتى بالسجدة في حكم متابعته ، فلم يمنع ذلك من إدراكها ، وكذا لو ذكرها بعد تسليم الإِمام عندنا.

وقال الشافعي : يتمها ظهراً(٣) .

والأصل في ذلك : أنّ فوات السجدة مع الإِمام هل يقتضي فوات الركعة معه أم لا؟.

و : لو قام الإِمام إلى الثالثة سهواً فأدركه في الثالثة فصلّاها معه ، لم يكن‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٥٥٦.

(٢) في « ش » : الشافعية. وراجع : المجموع ٤ : ٥٥٦ ، وفتح العزيز ٤ : ٥٥٣.

(٣) الاُم ١ : ٢٠٦ ، وانظر : المجموع ٤ : ٥٥٦ ، فتح العزيز ٤ : ٥٥٣.


مُدركا للجمعة إجماعاً ، لأنّها ليست من صلاة الجمعة بل خطأ.

( ولو ذكر الإِمام ترك سجدة )(١) لا يعلم موضعها فكذلك عندنا.

وقال الشافعي : تمّت صلاته ، لأنّها إن كانت من الأُولى فقد تمّت بالثانية ، وكانت الثالثة ثانيته ، وإن تركها من الثانية تمّت بالثالثة. ولا تتم جمعة المأموم ، لجواز أن تكون من الثانية فتتم بالثالثة فلم تكن الثالثة من أصل الجمعة ، لأنّ المحسوب منها للإِمام سجدة واحدة(٢) .

ويجي‌ء قول الشافعي على من يختار من علمائنا التلفيق لو كان الترك لسجدتين من ركعة.

ولو ذكر الإِمام أنّها من الأوّلة ، أدرك المأموم الجمعة ، لأن الْأُولى تمّت بالثانية فكانت الثالثة ثانيته وقد أدركها المأموم.

ز : لو ترك الإِمام سجدة من الأُولى سهواً وقام إلى الثانية فاقتدى به وصلّى معه ركعة ، فإن جلس الإِمام للتشهّد وسلّم ، صحّت صلاته وصلاة المأموم ، ويسجد الإِمام المنسيّة ، ويسجد لها سجدتي السهو.

وقال الشافعي : تبطل صلاة الإِمام ، لتركه ركعة ، فإنّه لا يحتسب له من الركعة إلّا سجدة ، ويحتسب للمسبوق ركعة من الظهر ولا يجعل بها مدركاً للجمعة ، لأنّ المحسوب للإِمام منها سجدة.

فإن قام الإِمام إلى الثالثة سهواً قبل جلوسه فهي ثانيته ، لأنّ المحسوب له من الركعتين ركعة فقد أدرك مع الإِمام ركعة من الجمعة وقد صلّى قبل ذلك ركعة صحيحة فيتمّ له بهما صلاة الجمعة.

وهذه المسألة عكس مسائل الجمعة ، لأنّه رتّب الجمعة على ركعة‌

____________________

(١) ورد بدل ما بين القوسين في « ش » : والإِمام إذا ترك سجدة.

(٢) المجموع ٤ : ٥٥٧.


وقعت محسوبة من الظهر ، وجعلها من الجمعة ، والظهر أبدا تبنى على الجمعة إذا عرض ما يمنع تمامها(١) . وقد بيّنا مذهبنا فيما تقدّم.

مسألة ٣٩٨ : لو كان الإِمام متنفّلاً - بأن يكون مسافراً قد صلّى الظهر أوّلاً - فالوجه أنه لا جمعة‌ إن تمّ العدد به ، إذ ليس من أهل التكليف بالجمعة ، فلا يتعلّق وجوب غيره به ، وإن تمّ بغيره ففي جواز الاقتداء به وجهان : لنقص صلاته ، وجواز اقتداء المفترض بالمتنفّل. وكلاهما للشافعي(٢) .

ولو بان محدثاً أو جُنباً ، صحّت جمعة المأمومين ، سواء تمّ العدد به أو لا.

وقال الشافعي : إن تمّ به فلا جمعة ، وإن تمّ دونه فقولان : أصحّهما عنده : ما قلناه كسائر الصلوات. والثاني : أنه لا جمعة ، لأنّ الجماعة شرط فيها ، والجماعة تقوم بالإِمام(٣) .

مسألة ٣٩٩ : إذا ركع المأموم مع الإِمام في الأُولى ثم زُوحم عن السجود لم يجز له السجود‌ على ظهر غيره أو رأسه أو رجله عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك وعطاء والزهري(٤) - بل ينتظر حتى يقدر على السجود على الأرض ، لقولهعليه‌السلام : ( ومكّن جبهتَكَ من الأرض )(٥) .

وقال مجاهد وأبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور : يسجد على ظهر غيره أو رأسه أو رجله ، ويجزئه ذلك إن تمكّن ، وإلّا صبر ، لأنّ عمر بن الخطاب قال : إذا اشتدّ الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه.

____________________

(١) اُنظر : حلية العلماء ٢ : ٢٣٢ و ٢٣٣.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٥ ، المجموع ٤ : ٢٧٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٦.

(٣) الاُم ١ : ١٩١ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٤ ، المجموع ٤ : ٢٥٩.

(٤) المدونة الكبرى ١ : ١٤٦ و ١٤٧ ، المجموع ٤ : ٥٧٥ ، فتح العزيز ٤ : ٥٦٣ ، المغني ٢ : ١٦٠ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧٩.

(٥) الفردوس ١ : ٢٨١ / ١١٠٣.


ولأنّ أكثر ما فيه أنه يسجد على نشز(١) من الأرض(٢) .

وفعل عمر ليس حجّةً ، والسجود إنّما يصح على الأرض أو ما أنبتته ، ولما فيه من ترك حرمة المسلم.

وقال الحسن البصري : هو مخيّر بين أن يسجد وبين أن ينتظر زوال الزحمة ، فبسجوده يخلّ بكمال السجود ويتابع الإِمام ، وبتأخيره يأتي بكمال السجود ويخلّ بالمتابعة ، فاستوت الحالان(٣) .

وينتقض : بصلاة المريض حيث لا يؤمر بالتأخير للتكميل.

مسألة ٤٠٠ : إذا رفع الإِمام رأسه من السجود وزال الزحام قبل أن يركع الإِمام في الثانية فإنّ المأموم يشتغل بقضاء السجدتين‌ وإن كان الإِمام قائماً ، للحاجة والضرورة.

ولأنّ مثله وقع في صلاة عسفان ، حيث صلّى النبيعليه‌السلام وكان العدوّ تجاه القبلة ، فسجد وبقي صف لم يسجد معه ، فلمـّا قام إلى الثانية سجدوا(٤) . والمشترك الحاجة.

وليس له أن يركع مع الإِمام قبل قضاء السجدتين ، لئلّا يزيد ركناً.

إذا عرفت هذا ، فإنه يُستحب للإِمام تطويل القراءة ليلحق به ، فإن فرغ والإمام قائم ركع معه ، وإن كان الإِمام راكعاً انتصب ثم لحقه في الركوع ، ولا يجوز له المتابعة في الركوع قبل الانتصاب ، لما فيه من الإِخلال بواجب.

ولا يشتغل بالقراءة عندنا ، لسقوطها عن المأموم.

____________________

(١) النشز : المكان المرتفع. الصحاح ٣ : ٨٩٩ ، القاموس المحيط ٢ : ١٩٤ « نشز ».

(٢) الاُم ١ : ٢٠٦ ، المجموع ٤ : ٥٦٣ و ٥٧٥ ، فتح العزيز ٤ : ٥٦٣ ، المغني ٢ : ١٦٠ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧٩ ، وانظر : مصنف ابن أبي شيبة ١ : ٢٦٤ ، سنن البيهقي ٣ : ١٨٢ - ١٨٣ ، مسند الطيالسي ١٣ / ٧٠ ، علل الحديث للرازي ١ : ١٠٨ / ٢٩٤.

(٣) المجموع ٤ : ٥٧٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٣ و ٢٤٤.

(٤) سنن الدار قطني ٢ : ٥٩ - ٦٠ / ٨ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٥٧.


وللشافعي وجهان : هذا أصحّهما ، لأنّ القراءة سقطت عنه حيث لم يدركها مع الإِمام ، لأنّ فرضه الاشتغال بقضاء السجود ولم يتابعه في محلّها فهو كالمسبوق. والآخر : يقضي القراءة ، لأنّه أدرك محلّها مع الإِمام ، بخلاف المسبوق(١) .

والْأولى ممنوعة.

وعلى الأول يلحق الجمعة ، وعلى الثاني يقرأ ما لم يخف فوت الركوع ، فإن خاف فهل يتمّ أو يركع؟ قولان.

وإن زال الزحام والإِمام قد رفع رأسه من الركوع الثانية - ولا فرق حينئذٍ بين أن يكون الإِمام قائماً أو ساجداً - فإنه يتبعه ويسجد السجدتين ، وينوي بهما الْاُولى ، فتحصل له ركعة ملفّقة ، ولا يشتغل بقضاء ما عليه ، ويدرك بها الجمعة - وبه قال الشافعي في أصحّ الوجهين(٢) - لقول الصادقعليه‌السلام وقد سأله حفص بن غياث عن رجل أدرك الجمعة وقد ازدحم الناس فدخل مع الإِمام وركع ولم يقدر على السجود ، ثم قام وركع الإِمام ولم يقدر على الركوع في الثانية ، وقدر على السجود كيف يصنع؟ قال الصادقعليه‌السلام : « أمّا الركعة الْاُولى فهي إلى الركوع تامة ، فلمـّا سجد في الثانية فإن نوى الركعة الْاُولى فقد تمّت الاُولى ، فإذا سلّم الإِمام قام فصلّى ركعة يسجد فيها ثم يتشهّد ويسلّم ، وإن لم يَنْو تلك السجدة للركعة الْاُولى لم تجزئ عنه الاُولى ، وعليه أن يسجد سجدتين ، وينوي أنّهما للركعة الْاُولى ، وعليه بعد ذلك ركعة تامة »(٣) .

____________________

(١) المجموع ٤ : ٥٦٤ و ٥٦٥ ، الوجيز ١ : ٦٢ ، فتح العزيز ٤ : ٥٦٤ ، السراج الوهاج : ٩١ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٤.

(٢) المجموع ٤ : ٥٦٥ ، الوجيز ١ : ٦٢ ، فتح العزيز ٤ : ٥٦٥ ، السراج الوهاج : ٩١ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٤ - ٢٤٥.

(٣) التهذيب ٣ : ٢١ - ٢٢ / ٧٨ ، الفقيه ١ : ٢٧٠ / ١٢٣٥ ، الكافي ٣ : ٤٢٩ - ٤٣٠ / ٩ وفيه الى قوله : لم تجزئ عنه الاُولى.


وقال أبو حنيفة : لا يتبعه ، ويشتغل بقضاء ما عليه بناءً على أنّ المأموم لا يخالف الإِمام في صفة الفعل ، فما كان أول صلاة الإِمام كان أول صلاة المأموم ، وما كان آخر صلاة الإِمام كان آخر صلاة المأموم(١) . وسيأتي.

إذا عرفت هذا ، فقد بيّنّا أنه يلحق الجمعة ، لأنه أدرك ركعة منها.

وللشافعي وجهان : أصحّهما : هذا ، لقولهعليه‌السلام : ( مَنْ أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها اُخرى )(٢) .

والثاني : لا يلحقها ، لأنّ إدراكها بركعة تامة وهذه ملفّقة(٣) .

وليس بجيّد ، فإنّ المسبوق يدرك الثانية للإِمام وهي اُولى له ، فاحتساب بعض الثانية عن الْاُولى أولى.

إذا عرفت هذا ، فإنّه لا بدّ وأن ينوي بهاتين السجدتين أنّهما للْاُولى ، ولا يكفيه استصحاب النية - كما هو ظاهر قول ابن إدريس(٤) - لأنّ صلاته تابعة لصلاة الإِمام وقد نوى الإِمام بهاتين أنّهما للثانية ، فلا بدّ وأن ينفرد بنية اُخرى أنّهما للْاُولى ، لئلّا يلحقه حكم الإِمام.

ولو نوى بهما الثانية ، بطلت صلاته ، قاله الشيخ في النهاية(٥) ، لأنّ الْاُولى لم تكمل وقد شرع في الثانية بسجدتين قبل قراءة وركوع ، والزيادة والنقصان للأركان مبطلان.

وقال في المبسوط : يحذفهما ويأتي بسجدتين أُخريين ينوي بهما‌

____________________

(١) المبسوط للسرخسي ٢ : ١١٨ ، فتح العزيز ٤ : ٥٦٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٥.

(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ١٢٩ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٥٦ / ١١٢١ ، سنن الدار قطني ٢ : ١٠ / ١ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٩١.

(٣) المجموع ٤ : ٥٦٦ ، فتح العزيز ٤ : ٥٦٨ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٥.

(٤) السرائر : ٦٥.

(٥) النهاية : ١٠٧.


الْاُولى ، ويكمل له ركعة ، ويتمّها باُخرى(١) ، لحديث حفص بن غياث(٢) .

وهو ضعيف.

وإن زال الزحام والإِمام راكع في الثانية ، فإنّ المأموم يشتغل بالقضاء ، ثم إن لحقه في الركوع انتصب وركع معه ، وإن لم يلحقه إلّا بعد رفعه منه ، فقد فاتته تلك الركعة ، فيأتي باُخرى بعد فراغ الإِمام ، ولا يتابعه في السجدتين لئلّا يزيد ركناً.

وللشافعي قولان في الاشتغال بالقضاء لو أدركه راكعاً.

أحدهما : القضاء ولا يتابعه - وبه قال أبو حنيفة(٣) - لأنه قد شارك الإِمام في الركوع الأول فيشتغل بعده بالسجود كما لو زال الزحام والإِمام قائم.

والثاني : المتابعة - وبه قال مالك(٤) - لقولهعليه‌السلام : ( إنما جعل الإِمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا )(٥) وهذا إمامه راكع(٦) .

وليس بجيّد ، لما فيه من الزيادة المبطلة ، وتمام الحديث : ( فإذا سجد فاسجدوا ) وكما أمر بالركوع أمر بالسجود والإِمام قد يسجد قبل الركوع للْاُولى ، فيتابعه المأموم في ذلك.

وللشافعي قولان على تقدير وجوب المتابعة في الركوع لو تابعه :

____________________

(١) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٥.

(٢) الفقيه ١ : ٢٧٠ / ١٢٣٥ ، التهذيب ٣ : ٢١ - ٢٢ / ٧٨.

(٣) المبسوط للسرخسي ٢ : ١١٨ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٥ ، المغني ٢ : ١٦١ ، فتح العزيز ٤ : ٥٦٧.

(٤) المنتقى للباجي ١ : ١٩٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٥ ، المغني ٢ : ١٦٠ - ١٦١ ، فتح العزيز ٤ : ٥٦٦.

(٥) صحيح البخاري ١ : ١٨٧ ، صحيح مسلم ١ : ٣٠٨ / ٤١١ ، سنن النسائي ٢ : ٨٣ ، سنن الترمذي ٢ : ١٩٤ / ٣٦١ ، سنن الدارمي ١ : ٣٠٠ ، مسند أحمد ٢ : ٣١٤.

(٦) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٣ ، المجموع ٤ : ٥٦٥ - ٥٦٦ ، فتح العزيز ٤ : ٥٦٦ - ٥٦٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٥ ، المغني ٢ : ١٦١.


احتساب الركوع الثاني ، لأنّه أدرك إمامه فيه ، فهو كالمسبوق ، فيدرك الجمعة ، لإِدراك ركعة تامة.

والأول ، لصحته ، ولا يبطل بترك ما بعده ، كما لو نسي سجدة من الْاُولى ، فإنّها تتمّ بالثانية عنده ، ففي إدراك الجمعة من حيث إنّها ملفّقة وجهان(١) .

ولو لم يتابعه واشتغل بالسجود - على تقدير وجوب المتابعة - فإن اعتقد أنّ فرضه السجود ، لم تبطل صلاته بالسجود ، لأنه بمنزلة الناسي ، ولم يعتدّ به ، لأنّه أتى به في غير موضعه.

ثم إن فرغ والإِمام راكع ، تبعه ، كما لو اتّبعه في الركوع ابتداءً ، وإن فرغ والإِمام رافع أو ساجد ، فإنه يتبعه ، ويعتدّ بما فعله من السجود ، ويحصل له ركعة ملفّقة ، وفي إدراك الجمعة حينئذٍ وجهان.

وإن فرغ من سجوده والإِمام جالس في التشهّد ، تبعه ، فإذا سلّم قضى السجود ، ولا يكون مدركاً لركعة مع الإِمام ، وإنّما أدرك القيام والقراءة والركوع ، وهل يبني الظهر على ذلك أو يبتدئها؟ قولان(٢) .

وإن اعتقد أنّ فرضه الاتّباع ، فخالف عامداً ، فإن لم يَنْو مفارقة الإِمام ، بطلت صلاته ، لأنّه زاد عمداً عملاً كثيراً.

ثم إن كان الإِمام في الركوع ، أحرم بالصلاة وتبعه ويدرك الركعة ويدرك بها الجمعة ، وإن وجده رافعاً من الركوع ، أحرم واتّبعه ، وبنى على ذلك الظهر وجهاً واحداً ، لأنّه أحرم بعد فوات الجمعة.

وإن نوى مفارقة الإِمام ، فإن قلنا المفارقة لغير عذر مبطلة ، فكما تقدّم ، وإن لم تبطل فما أدرك ركعة بل بعضها ، وهل يستأنف؟ إن قلنا في غير‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٥٦٦ - ٥٦٧ ، فتح العزيز ٤ : ٥٦٧ - ٥٦٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٥.

(٢) الوجيز ١ : ٦٣ ، فتح العزيز ٤ : ٥٦٨ - ٥٧٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٦.


المعذور ببطلان صلاته لو صلّى الظهر قبل فوات الجمعة استأنف ، وإلّا أتم ظهراً.

وعلى تقدير وجوب الاشتغال بالقضاء فإن اشتغل تمّت له الاولى مع الإِمام.

ثم إن كان الإِمام راكعاً تبعه وحصلت له الجمعة كاملة ، وإن أدركه ساجداً أو جالساً فهل يتبعه أو يشتغل بقضاء ما فاته من القراءة والركوع؟ من أصحابه من قال : يشتغل بالقضاء ، لأنّ بهذا القول ألزمناه الاشتغال بالقضاء.

ومنهم من قال : يتبع الإِمام لأنّ هذه الركعة لم يدرك منها شيئاً بخلاف الْاُولى فإنّه أدرك أكثرها(١) .

والأخير عندهم أصح فقد أدرك ركعة بعضها فعله مع الإِمام وبعضها فعله في حكم إمامته وهو السجود ، ففي إدراك الجمعة بذلك وجهان(٢) .

وعلى تقدير عدم الإِدراك ففي البناء للظهر على ذلك أو الاستئناف قولان.

فإن فرغ من السجود بعد تسليم الإِمام لم يدرك ركعة مع الإِمام ، لأنّ المفعول بعد التسليم لا يكون في حكم صلاته فلا يكون مدركاً للجمعة وجهاً واحداً ، وهل يبني عليها الظهر أو يستأنف؟ قولان.

وإن خالف واتّبع الإِمام في الركوع على تقدير وجوب الاشتغال بالقضاء فإن اعتقد أنّ فرضه المتابعة لم تبطل صلاته ، لأنه كالناسي ، ولم يعتد بالركوع لأنّه أتى به في غير موضعه ، فإذا سجد تمّت الْأُولى وكانت ملفّقة.

وإن اعتقد انّ فرضه القضاء ، بطلت صلاته ، فيبتدئ الإِحرام مع الإِمام إن كان راكعاً ، ويدرك ركعةً تامةً يدرك بها الجمعة ، وإن أدركه رافعاً من‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٥٦٧ - ٥٦٩ ، فتح العزيز ٤ : ٥٧١ - ٥٧٢ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٦ - ٢٤٧.

(٢) المجموع ٤ : ٥٦٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٣.


الركوع ، أحرم معه وكانت ظهراً(١) . وقد بيّنا مذهبنا في ذلك.

فروع :

أ : لو زوحم عن سجود الاُولى‌ فقضاه قبل ركوع الإِمام في الثانية ثم ركع مع الإِمام فزوحم عن السجود فقضاه بعد جلوس الإِمام للتشهّد ، تبع الإِمام في التشهّد ، وتمّت جمعته - خلافاً لبعض الشافعية(٢) - لأنّه أدرك جميع الصلاة ، بعضها فعلاً وبعضها حكماً ، فثبت له حكم الجماعة.

ب : لو أدرك الإِمام راكعاً في الثانية فأحرم وركع معه ثم زوحم عن السجدتين‌ ثم قضاه حال تشهّد الإِمام ، فالأقرب إدراك الجمعة - وللشافعية وجهان(٣) - فيتابع الإِمام في التشهّد ، ويسلّم. ولو لم يزل الزحام حتى سلّم الإِمام ، فاتت الجمعة.

ج : لو أحرم مع الإِمام فزوحم عن الركوع فزال الزحام والإِمام راكع في الثانية ، فإنّه يركع معه‌ ، وتحصل له ركعة ، ويكون مدركاً للجمعة ، لأنّه لو أدرك الركوع في الثانية ، كان مدركاً للجمعة ، فما زاد على ذلك من الركعة الأوّلة لا يمنعه من إدراك الجمعة ، وهو قول بعض الشافعية.

وقال آخرون : يحتمل أن تكون ملفّقةً ، ففي الإِدراك وجهان(٤) .

د : لو زوحم عن الركوع والسجود في الْأُولى ، صبر حتى يتمكّن منهما ثم يلتحق ، وهي رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن الصادقعليه‌السلام (٥) .

فإن لحق الإِمام راكعاً في الثانية ، تابعه وأدرك الجمعة.

ولو لحقه رافعاً من ركوع الثانية ، ففي إدراك الجمعة إشكال ينشأ : من أنّه لم يلحق ركوعاً مع الإِمام ، ومن إدراك ركعة تامة في صلاة الإِمام حكماً.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٥٦٧ - ٥٦٨.

(٢) المجموع ٤ : ٥٧٢ - ٥٧٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٧.

(٣ و ٤ ) المجموع ٤ : ٥٧٢ ، فتح العزيز ٤ : ٥٧٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤٧ - ٢٤٨.

(٥) الكافي ٣ : ٣٨١ / ١ ، التهذيب ٣ : ٤٦ / ١٥٩ ، الاستبصار ١ : ٤٣٧ / ١٦٨٤.


ولو لم يتمكّن من القضاء حتى ركع الإِمام في الثانية فزوحم عن المتابعة حتى سجد الإِمام ، أتمّها ظهراً.

ه- : لو قضى سجدتي الْاُولى ثم نهض فوجد الإِمام رافعاً من الركوع ، فالأقرب جلوسه‌ حتى يسجد الإِمام ويسلّم ، ولا يتابعه فيهما ، ثم ينهض إلى الثانية. وله العدول إلى الانفراد ، فيستمر على قيامه قاضياً للثانية.

البحث الخامس : الوحدة‌

مسألة ٤٠١ : لا تنعقد جمعتان بينهما أقل من فرسخ ، سواء كانتا في مصر واحد أو مصرين فصل بينهما نهر عظيم كدجلة أو لا ، عند علمائنا أجمع ، لقول الباقرعليه‌السلام : « لا يكون بين الجمعتين أقلّ من ثلاثة أميال ، فإذا كان بين الجماعتين من الجمعة ثلاثة أميال ، فلا بأس أن يجمّع هؤلاء وهؤلاء »(١) .

ولأنها لو صحّت مع التقارب ، لصحّت في كلّ مسجد ، مع أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يجمّع إلّا في مسجد واحد ، وكذا الخلفاء بعده ، ولم يعطّلوا المساجد ، بل كان إقامتها في موضعين أولى من موضع واحد ، ومع بُعْد المسافة يشقّ الإِتيان ، فلا بدَّ من تقدير يرفع المشقة ، والقدر الذي يمكن تكلّفه لأكثر الناس فرسخ فكان الاعتبار به.

ولا اعتبار باتّحاد البلد ، فقد يكثر عن فرسخ ، فتحصل المشقة بالحضور.

وقال الشافعي : لا تقام الجمعة في المصر الواحد إلّا في موضع واحد‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤١٩ / ٧ ، التهذيب ٣ : ٢٣ / ٧٩.


وإن تباعدت أقطاره - وبه قال مالك(١) - لأنّ النبيعليه‌السلام كذا فعل(٢) .

ونحن نقول بموجبه لأنّ المدينة لم تبلغ أقطارها فرسخاً ، فلهذا اتّحدت الجمعة.

وقال أبو يوسف : إذا كان للبلد جانبان ليس بينهما جسر ، كانا كالبلدين ، فجاز أن يقام في كلّ جانب جمعة ، وإلّا فلا.

وعنه : جواز ذلك في بغداد خاصة ، لأنّ الحدود تقام فيها في موضعين ، والجمعة حيث تقام الحدود(٣) .

فلو وجد بلد تقام فيه الحدود في موضعين جاز إقامة الجمعة فيهما بمقتضى قوله. وهو قول ابن المبارك ، وإليه ذهب أبو الطيب بن سلمة(٤) .

وقال محمد : تقام فيه جمعتان سواء كان جانباً واحداً أو أكثر(٥) ، لأنّ علياًعليه‌السلام كان يخرج يصلّي العيد في الجبّان ، ويستخلف أبا مسعود البدري يصلّي بضعفة الناس(٦) ، وحكم الجبّان حكم البلد ، والجمعة عنده كالعيد.

ويحمل على بُعْدهعليه‌السلام فرسخاً.

وليس عن أبي حنيفة فيه شي‌ء(٧) .

____________________

(١) الكافي في فقه أهل المدينة : ٧١ ، التفريع ١ : ٢٣٣ ، المغني ٢ : ١٨٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٩٠ ، المجموع ٤ : ٥٩١ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٠.

(٢) الاُم ١ : ١٩٢ ، المجموع : ٤ : ٥٨٥ و ٥٩١ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٤ ، فتح العزيز ٤ : ٤٩٨ ، حلية العلماء : ٢ : ٢٥٠ ، المغني ٢ : ١٨٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٩٠‌

(٣) المبسوط للسرخسي ٢ : ١٢٠ ، المجموع ٤ : ٥٨٥ و ٥٩١ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥١ ، المغني ٢ : ١٨٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٩٠.

(٤) المغني ٢ : ١٨٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٩٠ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥١.

(٥) المبسوط للسرخسي ٢ : ١٢٠ ، شرح فتح القدير ٢ : ٢٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥١ ، المجموع ٤ : ٥٩١ ، المحلّى ٥ : ٥٣.

(٦) سنن النسائي ٣ : ١٨١ ، مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ١٨٤.

(٧) كما في حلية العلماء ٢ : ٢٥١.


وقال أحمد : إذا كبر وعظم - كبغداد والبصرة - جاز أن تقام فيه جمعتان وأكثر مع الحاجة ، ولا يجوز مع عدمها ، فإن حصل الغنى باثنتين لم تجز الثالثة ، وكذا ما زاد دفعاً للمشقة(١) . وهي مشقة يسيرة فلا يكون عذراً.

وقال داود وعطاء : يجوز أن يصلّوا الجمعة في مساجدهم كما يصلّون سائر الصلوات(٢) ، لأنّ عمر كتب إلى أبي هريرة بالبحرين أن جمّعوا حيث كنتم(٣) .

وليس حجّة ، ويحتمل : في أيّ بلد كنتم.

واعتذر أصحاب الشافعي له - لمـّا دخل بغداد وفيها جامع المنصور وجامع المهدي - : بكبره فحصلت المشقة - وهو مصير إلى قول أحمد - أو بأنّها كانت قرى متفرقة فاتّصلت العمارة ، أو بأنّها ذات جانبين فصارت كالبلدين - وهو قول أبي يوسف(٤) - أو لأنّها اجتهادية ولا يجوز التقليد(٥) .

مسألة ٤٠٢ : لو صلّيت جمعتان بينهما أقلّ من فرسخ ، فالأقسام خمسة :

أ : أن تسبق إحداهما الْاُخرى وتُعلم السابقة ، فهي الصحيحة إن كان الإِمام الراتب فيها إجماعاً

وإن كان في الثانية ، فكذلك عندنا ، لأنّ السابقة انعقدت صحيحةً ، لحصول الشرائط وانتفاء الموانع ، فلم يتقدّمها ما يفسدها ، ولا تفسد بعد صحتها بما بعدها ، فلا تفسد بعقد الثانية. وهو أشهر قولي الشافعي.

والثاني : أنّ الصحيحة التي فيها الإِمام ، لأنّ الحكم ببطلان جمعة‌

____________________

(١) المغني ٢ : ١٨٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٩٠ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥١.

(٢) المجموع ٤ : ٥٩١ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٢ ، المغني ٢ : ١٨٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٩٠.

(٣) اُنظر : مصنّف ابن أبي شيبة ٢ : ١٠١ - ١٠٢.

(٤) المبسوط للسرخسي ٢ : ١٢٠ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥١.

(٥) المجموع ٤ : ٥٨٥ - ٥٨٦ ، فتح العزيز ٤ : ٤٩٩ - ٥٠١.


الإِمام تتضمن افتتاناً عليه ، وتفويتاً له الجمعة ولمن يصلّي معه ، ويفضي إلى أنه متى شاء أربعون أن يفسدوا صلاة أهل البلد أمكنهم ذلك بأن يجتمعوا في موضع ويسبقوا أهل البلد بفعلها(١) .

ولا يرد علينا ، لأنّ إمام الأصل لا يتقدّم عليه أحد غيره ، وإن كان نائبه ، اشترط فيه العدالة ، فلا يتأتّى فيه طلب إبطال جمعة غيره.

ولو كانت المسبوقة في الجامع ، والْاُخرى في مكان صغير لا يسع المصلّين ، أو لا تمكنهم الصلاة فيه ، لاختصاص السلطان وجنده به ، أو غير ذلك ، أو كانت إحداهما في قصبة(٢) البلد ، والْاُخرى في أقصاه ، بطلت المسبوقة خاصة عند علمائنا - وبه قال الشافعي(٣) - لما تقدّم.

وقال مالك وأحمد : المسبوقة صحيحة خاصة ، لأنّهم أهل القصبة ، ولهذه المعاني مزية تقتضي التقدّم فقدّم بها كجمعة الإِمام(٤) .

ونمنع الأصل.

ب : أن تقترنا ، فإنّهما تبطلان معاً ، سواء كان الإِمام الراتب في إحداهما أولا - وهو أحد قولي الشافعي(٥) - لامتناع صحتهما معاً ، واختصاص إحداهما بالفساد ، إذ المقتضي للفساد المقارنة وهي ثابتة فيهما معا. ولعدم الأولوية ، كما في الولّيين إذا زوّجا من كفوين دفعة.

ثم إن كان الوقت باقياً ، وجب عليهم إقامة الجمعة ، لأنّهم لم يؤدّوا‌

____________________

(١) الاُم ١ : ١٩٢ - ١٩٣ ، المجموع ٤ : ٥٨٧ - ٥٨٨ ، الوجيز ١ : ٦١ ، فتح العزيز ٤ : ٥٠٤ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٢.

(٢) قصبة البلد : مدينته. وقصبة القرية : وسطها. لسان العرب ١ : ٦٧٦ - ٦٧٧.

(٣) اُنظر : المجموع ٤ : ٥٨٧.

(٤) المغني ٢ : ١٨٧ - ١٨٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٩١.

(٥) المجموع ٤ : ٥٨٨ - ٥٨٩ ، الوجيز ١ : ٦١ ، فتح العزيز ٤ : ٥٠٥ و ٥٠٩ - ٥١٠ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٥ ، السراج الوهاج : ٨٦.


فرضها ، وإلّا صلّوا الظهر.

ج : لو لم يعلم السبق وعدمه ، حكم ببطلانهما معاً ، ولهم إقامة جمعة واحدة كالأول ، لتردّد كلِّ واحدة منهما بين الصحة والبطلان ، ولو لم يتّسع الزمان أعادوا ظهراً ، وبه قال الشافعي(١) ، وإليه مال الشيخ(٢) .

ويحتمل إعادة الظهر وإن اتّسع الزمان ، فإنّ الظاهر صحة إحداهما ، لأنّ الاقتران نادر جدّاً ، فيجري مجرى المعدوم.

ولأنّنا شككنا في شرط إقامة الجمعة ، وهو : عدم سبق اُخرى ، فلم تجز إقامتها مع الشك في شرطها ، وبه قال بعض الجمهور(٣) .

والوجه عندي أنهم يعيدون جمعةً وظهراً ، لاحتمال الاقتران ، فتجب الجمعة ، والسبق فتجب الظهر ، ويتولّى إمامة الجمعة من غير القبيلين ، أو يفترقان بفرسخ.

د : عُلم سبق إحداهما ولم يُعْلم عينها.

ه- : عُلم السابق عيناً ثم أشكل.

وحكمهما واحد ، وهو : وجوب الإِعادة عليهما معاً ، لحصول الشك في كلّ واحدة ، والتردّد بين الصحة والبطلان.

ولا تصح كلّ واحدة حتى يُعلم أنّها السابقة ، ويسقط بها الفرض.

فإذا عقدوها ولم يعلموا أنّ غيرها ما سبقها فقد أخلّوا بالشرط ، وهو علم ذلك ، وهو قول الشافعية(٤) ، إلّا المزني فإنّه قال : لا تجب عليهم الإِعادة وتكونان صحيحتين ، لأنّ كلَّ واحدة منهما عقدت على الصحة ، فلا يفسدها‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٥٨٨ ، الوجيز ١ : ٦١ ، فتح العزيز ٤ : ٥٠٥ - ٥٠٦ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٥ ، السراج الوهاج : ٨٦.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٩.

(٣) المغني ٢ : ١٩١ ، الشرح الكبير ٢ : ١٩٢.

(٤) المجموع ٤ : ٥٨٩ ، الوجيز ١ : ٦١ ، فتح العزيز ٤ : ٥٠٦ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٥.


الشك(١) .

وهو غلط ، لأن الشك في الشرط شك في المشروط.

إذا عرفت هذا ، فإنّهم في الصورتين يقضون ظهراً ، لأنّه بلد صلّي فيه جمعة صحيحة فلا تتعقّبها اُخرى ، وإنّما أوجبنا الإِعادة عليهما ، للجهل بالتعيين ، وبه قال بعض الشافعية(٢) .

وقال الشيخ : يصلّون جمعةً مع اتّساع الوقت(٣) - وهو قول بعض الشافعية(٤) - لأنّا حكمنا بوجوب الإِعادة عليهما ، فكأنَّ المصر ما صلّيت فيه جمعة صحيحة.

وهو غلط ، لأنّ السابقة صحيحة قطعاً ولم تفسد ولم يتبيّن(٥) لها حكم الصحة ، للجهل بعينها.

مسألة ٤٠٣ : ويحصل السبق بتقدّم إحداهما بتكبيرة الإِحرام‌ - وبه قال بعض الشافعية(٦) - لأنه متى أحرم إحداهما حرُم إحرام الْأُخرى.

وقال بعضهم : يعتبر بالفراغ ، فأيّهما سبقت بالسلام صحّت دون الْاُخرى(٧) ، لأنّا قبل التمام لا نعلم صحتها وإتمامها.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٥٨٩ ، فتح العزيز ٤ : ٥٠٦ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٢.

(٢) المجموع ٤ : ٥٨٩ ، فتح العزيز ٤ : ٥٠٧ - ٥٠٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٥ ، السراج الوهاج : ٨٦ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٢.

(٣) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٩.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٥ ، المجموع ٤ : ٥٨٩ ، فتح العزيز ٤ : ٥٠٨ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٢.

(٥) في نسخة « م » : ولم يثبت.

(٦) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٥ ، المجموع ٤ : ٥٨٦ ، الوجيز ١ : ٦١ ، فتح العزيز ٤ : ٥٠٢ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨١.

(٧) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٤ ، المجموع ٤ : ٥٨٦ ، الوجيز ١ : ٦١ ، فتح العزيز ٤ : ٥٠٣ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨١.


وهو خطأ ، لأدائه إلى المضي في جمعتين صحيحتين ، فإنّه قبل الفراغ لا يعلم السبق ويعلم انعقاد جمعة بعد جمعة.

وقال آخرون منهم : بالشروع في الخطبة ، لقيامها مقام ركعتين(١) .

وليس بجيّد ، إذ الحرمة بالتحريمة تحصل.

تذنيب : لو صلّى فأُخبر أنّه قد سُبق ، استأنف الظهر‌ ، ولا يعتد بذلك الإِحرام ، لأنّه قد ظهر فساده.

وقال بعض الجمهور : يتمّ ظهراً كالمسبوق إذا أدرك أقلّ من ركعة(٢) .

والفرق : صحة الإِحرام هنا دون الأول.

البحث السادس : الخطبتان‌

مسألة ٤٠٤ : الخطبة شرط في الجمعة ، وهو قول عامة العلماء ، لقوله تعالى( فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ ) (٣) والذكر هو الخطبة(٤) .

ولأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، خطب دائماً ، ووقع فعله بياناً للواجب ، فكان واجباً ، وقالعليه‌السلام : ( صلّوا كما رأيتموني اُصلّي )(٥) .

ولم يزل المسلمون يخطبون قبل الصلاة ، ولو لم تكن شرطاً لجاز تركها في بعض الأوقات.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٥٨٦ ، الوجيز ١ : ٦١ ، فتح العزيز ٤ : ٥٠٣ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٢.

(٢) المجموع ٤ : ٥٨٨ ، فتح العزيز ٤ : ٥٠٥ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٢.

(٣) الجمعة : ٩.

(٤) اُنظر : التبيان للطوسي ١٠ : ٨ ، مجمع البيان ٥ : ٢٨٨ ، تفسير الطبري ٢٨ : ٦٦ ، أحكام القرآن للجصاص ٣ : ٤٤٦ ، أحكام القرآن لابن العربي ٤ : ١٨٠٥ ، أحكام القرآن للكيا هراسي ٤ : ٤١٥.

(٥) صحيح البخاري ١ : ١٦٢ ، سنن الدارمي ١ : ٢٨٦ ، سنن البيهقي ٢ : ٣٤٥ ، سنن الدار قطني ١ : ٢٧٣ / ١ و ٣٤٦ / ١٠.


ولقول الصادقعليه‌السلام : « لا جمعة إلّا بخطبة »(١) .

وقول الباقر أو الصادقعليهما‌السلام : « يصلّون أربعاً إذا لم يكن من يخطب »(٢) .

وقال الحسن البصري : لا تجب ، لأنّها خطبة مشروعة للصلاة ، فلم تكن واجبةً كسائر الخطب(٣) .

وهو خطأ ، لأنّ الخطبتين هنا اُقيمتا مقام الركعتين ، فلم يجز تركهما بخلاف سائر الخطب.

قال عمر : قصرت الصلاة لأجل الخطبة(٤) .

وقال سعيد بن جبير : جعلت الخطبة مكان الركعتين(٥) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « إنّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين »(٦) .

وخلافه منقرض ، وقوله متروك بالإِجماع وفعل النبي وأهل بيتهعليهم‌السلام .

مسألة ٤٠٥ : ويشترط للجمعة خطبتان عند علمائنا أجمع‌ - وبه قال الشافعي وأحمد في رواية(٧) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يخطب‌

____________________

(١) المعتبر : ٢٠٣.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٣٨ / ٦٣٣ ، الاستبصار ١ : ٤١٩ / ١٦١٣.

(٣) المجموع ٤ : ٥١٤ ، الميزان ١ : ١٩٠ ، المغني ٢ : ١٥٠ ، الشرح الكبير ٢ : ١٨١.

(٤) المغني ٢ : ١٥٠ ، الشرح الكبير ٢ : ١٨١.

(٥) المغني ٢ : ١٥٠ ، المدونة الكبرى ١ : ١٥٨.

(٦) التهذيب ٣ : ٢٣٨ / ٦٣٤ ، الاستبصار ١ : ٤٢٠ / ١٦١٤.

(٧) المجموع ٤ : ٥١٣ - ٥١٤ ، الوجيز ١ : ٦٤ ، فتح العزيز ٤ : ٥٧٦ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٨ ، المغني ٢ : ١٥١ ، الشرح الكبير ٢ : ١٨١ ، الانصاف ٢ : ٣٨٦ ، عمدة القارئ ٦ : ٢٢٩ ، بداية المجتهد ١ : ١٦١.


خطبتين(١) .

ولأنهما اُقيمتا مقام ركعتين ، فالإِخلال بإحداهما إخلال بركعة.

وقال مالك والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وأحمد في رواية ، وأصحاب الرأي : تجزئه خطبة واحدة(٢) ، لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كتب إلى مصعب بن عمير : ( أن أجمع من قِبَلك وذكّرهم بالله وازدلف إليه بركعتين )(٣) .

وخطب عثمان في أول جمعة ، فقال : الحمد الله ، ثم اُرتج عليه ، فقال : إنكم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال ، وإنّ أبا بكر وعمر كانا يرتادان لهذا المقام مقالاً ، وستأتيكم الخطب من بعد ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ، ونزل فصلّى(٤) .

وتذكير الله يحتمل بالخطبتين كما يحتمل بالخطبة ، فيبقى دليلنا سالماً.

وفعل عثمان ليس حجّةً ، ولحصول العذر بتعذّر الخطبة ، فلا يلزم الترخّص مع زواله.

مسألة ٤٠٦ : ويجب في كلّ خطبة منهما حمد الله تعالى‌ ، ويتعيّن « الحمد لله » عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي وأحمد(٥) - لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، داوم على ذلك.

____________________

(١) اُنظر على سبيل المثال : الجعفريات : ٤٣ ، صحيح البخاري ٢ : ١٢ و ١٤.

(٢) بداية المجتهد ١ : ١٦٠ - ١٦١ ، المغني ٢ : ١٥١ ، الشرح الكبير ٢ : ١٨١ ، الانصاف ٢ : ٣٨٦ ، عمدة القاري ٦ : ٢٢٩ ، المجموع ٤ : ٥١٤.

(٣) أورده في المعتبر : ٢٠٣.

(٤) المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٠ - ٣١ ، شرح فتح القدير ٢ : ٣٠ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٦٢.

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ١١٨ ، المجموع ٤ : ٥١٩ ، الوجيز ١ : ٦٣ ، فتح العزيز ٤ : ٥٧٦ ، السراج الوهاج : ٨٧ ، المغني ٢ : ١٥٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٨٢.


ولقول الصادقعليه‌السلام : « ينبغي للإِمام الذي يخطب الناس أن يخطب وهو قائم يحمد الله ويثني عليه »(١) .

ولحصول البراءة قطعاً معه ، بخلاف غيره.

وقال أبو حنيفة : لا تجب الحمد ، ولا ذكر معيّن ، ولا وعظ ، بل يجزئ أن يخطب بتسبيحة واحدة أو تهليلة أو تحميدة أو تكبيرة ، فلو صعد المنبر وقال : سبحان الله ، أجزأه ونزل وصلّى بالناس(٢) ، لقوله تعالى( فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ ) (٣) ولم يفرّق.

ولأن رجلاً جاء إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال له : علّمني عملاً أدخل به الجنة ، فقال : ( لئن قصّرت الخطبة لقد أعرضت المسألة )(٤) فسمّى كلامه خطبةً.

والذكر مجمل بيّنه بفعلهعليه‌السلام ، فتجب متابعته. والسؤال ليس بخطبة إجماعاً ، فسمّاه مجازاً.

وقال مالك : لا يجزئه إلّا ما تسمّيه العرب خطبةً - وبه قال أبو يوسف ومحمد - أيّ كلام كان. وعنه : إن هلَّل أو سبَّح ، أعاد ما لم يصلّ(٥) .

إذا عرفت هذا ، فهل يجزئه لو قال : « الحمد للرحمن - أو - لرب العالمين »؟ إشكال ينشأ من التنصيص على لفظة « الله » تعالى ، ومن المساواة‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٢١ / ١ ، التهذيب ٣ : ٢٤٣ / ٦٥٥.

(٢) المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٠ ، اللباب ١ : ١١٠ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٦٢ ، المجموع ٤ : ٥٢٢ ، المغني ٢ : ١٥٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٨٢.

(٣) الجمعة : ٩.

(٤) مسند أبي داود الطيالسي : ١٠٠ / ٧٣٩ ، سنن البيهقي ١٠ : ٢٧٣.

(٥) المنتقى للباجي ١ : ٢٠٤ - ٢٠٥ ، الشرح الصغير ١ : ١٧٨ ، بداية المجتهد ١ : ١٦١ ، المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٠ ، اللباب ١ : ١١٠ - ١١١ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٦٢ ، المجموع ٤ : ٥٢٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٦.


في الاختصاص به تعالى.

مسألة ٤٠٧ : وتجب فيهما الصلاة على النبي وآله عليهم السلام عند علمائنا‌ ، لقول الصادقعليه‌السلام : « ويصلّي على محمّد وآله وعلى أئمة المسلمين »(١) .

وأوجب الشافعي الصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) ، لقوله تعالى( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) (٣) لا اُذكر إلّا وتذكر معي(٤) .

ولقوله تعالى( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (٥) .

وأنكر الباقون ذلك ، للأصل.

وتجب فيهما الوصية بتقوى الله تعالى ، والوعظ - وبه قال الشافعي(٦) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( ألا إنّ الدنيا عرض حاضر يأكل منها البرّ والفاجر ، ألا وإنّ الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر )(٧) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « ثم يوصي بتقوى الله »(٨) ولم يوجب ذلك‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٢١ / ١ ، التهذيب ٣ : ٢٤٣ / ٦٥٥.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١١٩ ، المجموع ٤ : ٥١٩ ، الوجيز ١ : ٦٣ ، فتح العزيز ٤ : ٥٧٦ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٥ ، السراج الوهاج : ٨٧.

(٣) الانشراح : ٤.

(٤) حكى الشافعي في الرسالة : ١٦ / ٣٧ عن مجاهد في قوله تعالى( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) قال : لا اُذكر إلّا ذكرت معي. وانظر أيضاً : تفسير التبيان ١٠ : ٣٧٣ ، مجمع البيان ٥ : ٥٠٨ ، دلائل النبوّة للبيهقي ٧ : ٦٣ ، والدر المنثور ٦ : ٣٦٣.

(٥) الأحزاب : ٥٦.

(٦) الاُم ١ : ٢٠٠ ، المجموع ٤ : ٥١٩ ، مختصر المزني : ٢٧ ، الوجيز ١ : ٦٤ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٩ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٥ ، السراج الوهاج : ٨٧.

(٧) كنز العمال ١٥ : ٩٣٤ / ٤٣٦٠٢ ، ترتيب مسند الشافعي ١ : ١٤٨ / ٤٢٩.

(٨) الكافي ٣ : ٤٢١ / ١ ، التهذيب ٣ : ٢٤٣ / ٦٥٥.


أبو حنيفة وأصحابه(١) .

ويجب أن يقرأ في كلٍ منهما سورة خفيفة من القرآن - قاله الشيخ(٢) - لقول الصادقعليه‌السلام : « ثم يقرأ سورة قصيرة من القرآن »(٣) .

ولأنهما بدل فتجب فيهما القراءة كالمبدل.

وللشافعي في إيجاب مطلق القراءة في كلٍّ منهما قولان : الوجوب كالمبدل ، وفي أيّتهما كان ، وله ثالث : عدم الوجوب - وبه قال أبو حنيفة(٤) - للأصل(٥) . والمشهور : الأول ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يقرأ فيهما القرآن(٦) .

وقال صفوان بن يعلى : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يقرأ على المنبر( وَنادَوْا يا مالِكُ ) (٧) (٨) .

وقالت اُم هاشم : تلقّفت سورة « ق » من فيّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذا خطب يوم الجمعة على المنبر(٩) .

إذا عرفت هذا ، فقال الشيخ : يجب في كلّ خطبة حمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي وآلهعليهم‌السلام ، والوعظ ، وقراءة سورة خفيفة من‌

____________________

(١) المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٠ و ٣١ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٦٣.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٧.

(٣) الكافي ٣ : ٤٢١ / ١ ، التهذيب ٣ : ٢٤٣ / ٦٥٥.

(٤) المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٠ و ٣١ ، اللباب ١ : ١١٠.

(٥) الاُم ١ : ٢٠٠ ، المجموع ٤ : ٥٢٠ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٥.

(٦) صحيح مسلم ٢ : ٥٨٩ / ٨٦٢ ، سنن أبي داود ١ : ٢٨٦ / ١٠٩٤ ، سنن النسائي ٣ : ١١٠.

(٧) الزخرف : ٧٧.

(٨) صحيح مسلم ٢ : ٥٩٤ - ٥٩٥ / ٨٧١ ، سنن الترمذي ٢ : ٣٨٢ / ٥٠٨ ، سنن البيهقي ٣ : ٢١١.

(٩) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ١١٥ وفيه اُم هاشم ، وفي صحيح مسلم ٢ : ٥٩٥ / ٨٧٣ ، سنن أبي داود ١ : ٢٨٨ / ١١٠٠ ، مسند أحمد ٦ : ٤٣٥ - ٤٣٦ و ٤٦٣ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٨٤ ، الدرّ المنثور ٦ : ١٠١ : اُم هشام وهما متحدتان ، اُنظر : اُسد الغابة ٥ : ٦٢٣.


القرآن(١) .

وقال المرتضىرضي‌الله‌عنه : يحمد الله ، ويمجّده ، ويثني عليه ، ويشهد لمحمد بالرسالة ، ويوشّح الخطبة بالقرآن ، ثم يفتتح الثانية بالحمد والاستغفار والصلاة على النبي ، والدعاء لأئمّة المسلمين(٢) .

وفي حديث سماعة عن الصادقعليه‌السلام : « ينبغي للإِمام الذي يخطب الناس أن يخطب وهو قائم يحمد الله ، ويثني عليه ، ثم يوصي بتقوى الله ، ثم يقرأ سورة قصيرة من القرآن ، ثم يجلس ، ثم يقوم فيحمد الله ، ويثني عليه ، ويصلّى على محمد وآله ، وعلى أئمّة المسلمين ، ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات ، فإذا فرغ أقام المؤذّن وصلّى بالناس ركعتين »(٣) .

أمّا الشافعي فأوجب في كلٍّ منهما الحمد لله والصلاة على رسولهعليه‌السلام ، والوعظ بأيّ لفظ اتّفق ، ويكفيه « أطيعوا الله » وفي الثانية الدعاء للمؤمنين ، فلو أتى به في الْاُولى لم يحتسب عن الثانية. وقراءة آية تتمّ بها الفائدة لا غيرها ، كقوله تعالى( ثُمَّ نَظَرَ ) (٤) في إحداهما لا بعينها على أقوى الوجوه عنده(٥) .

فروع :

أ : كلام المرتضى يقتضي الاكتفاء بمسمّى القرآن في الخطبة الاُولى ، وهو أحد وجهي الشافعي(٦) .

ب : لا يكفي آية فيها وعظ عنهما.

____________________

(١) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٧.

(٢) حكاه المحقق في المعتبر : ٢٠٣.

(٣) الكافي ٣ : ٤٢١ / ١ ، التهذيب ٣ : ٤٢٣ / ٦٥٥.

(٤) المدثر : ٢١.

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ١١٨ - ١١٩ ، المجموع ٤ : ٥١٩ - ٥٢١ ، الوجيز ١ : ٦٣ - ٦٤ ، فتح العزيز ٤ : ٥٧٦ - ٥٧٨ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٥ - ٢٨٦.

(٦) المجموع ٤ : ٥٢٠ ، الوجيز ١ : ٦٤ ، فتح العزيز ٤ : ٥٧٨ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٦.


ج : كلام الشيخ يقتضي عدم وجوب الدعاء للمؤمنين ، وهو أحد وجهي الشافعي(١) .

وكلام المرتضى يقتضي الاستغفار للمؤمنين.

وأوجب الشافعي - في قول - الدعاء لهم في الثانية(٢) .

وقال بعض أصحابه : يجب تخصيصه بالحاضرين فيما تعلق باُمور الآخرة(٣) .

وكلام المرتضى يقتضي وجوب الشهادة بالرسالة في الْاُولى ، والصلاة عليه في الثانية.

وفي وجه للشافعي : وجوب الصلاة عليه في إحداهما(٤) .

د : لا يكفيه أن يأتي بآيات تشتمل على الأذكار‌ فإنّه لا يسمّى خطبةً في العادة.

ه- : لا تصحّ الخطبة إلّا بالعربية ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، دوام على ذلك وقال : ( صلّوا كما رأيتموني اُصلّي )(٥) .

ويحتمل غيرها لمن يفهم لو لم يفهم(٦) العربية على الأقوى ، إذ القصد الوعظ والتخويف ، وإنّما يحصل لو فهموا كلامه.

مسألة ٤٠٨ : يشترط في الخطبتين اُمور :

الأول : الوقت. وهو ما بعد الزوال على الأشهر ، فلا يجوز تقديمهما‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٥٢١ ، فتح العزيز ٤ : ٥٧٧ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٦ ، السراج الوهاج : ٨٧.

(٢ و ٣ ) المجموع ٤ : ٥٢١ ، فتح العزيز ٤ : ٥٧٧ - ٥٧٨.

(٤) المجموع ٤ : ٥٢٠ ، فتح العزيز ٤ : ٥٧٧.

(٥) صحيح البخاري ١ : ١٦٢ - ١٦٣ ، سنن الدارمي ١ : ٢٨٦ ، سنن البيهقي ٢ : ٣٤٥ ، سنن الدار قطني ١ : ٢٧٣ / ١ و ٣٤٦ / ١٠.

(٦) كذا في النسخ الخطبة المعتمدة في التحقيق وفي الطبعة الحجرية ، والأنسب : لمن لم يفهم.


ولا شي‌ء منهما عليه عند أكثر علمائنا(١) - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّ إيجاب السعي مشروط بالنداء الثابت بعد الزوال ، ولأنّهما بدل عن الركعتين ، فلهما حكم مبدلهما.

وللشيخ قول بجواز إيقاعهما قبل الزوال عند وقوف الشمس بمقدار ما إذا فرغ زالت(٣) - وبه قال مالك حيث جوّز تقديم الخطبة دون الصلاة(٤) . وأحمد حيث جوّز تقديم الصلاة أيضاً عليه(٥) - لأن أنساً قال : كنّا نصلّي مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الجمعة إذا مالت الشمس(٦) . وهو دليل جواز إيقاع الخطبة قبل ميلها.

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يخطب في الظل الأول»(٧) .

ويحتمل إرادة الابتداء بالتأهب للخطبة والصعود على المنبر ، وغيرها من مقدّمات الخطبة.

الثاني : تقديمهما على الصلاة ، لأنّهما شرط فيها ، والشرط مقدّم ولأنّ النبيعليه‌السلام داوم على ذلك ، وقال : ( صلّوا كما رأيتموني‌

____________________

(١) منهم : أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : ١٥١ ، وابن زهرة في الغنية ( ضمن الجوامع الفقهية ) : ٤٩٨ ، وابن أبي عقيل كما في المعتبر : ٢٠٤ ، وابن إدريس في السرائر : ٦٤ وفيه أيضاً نسبة هذا القول الى السيد المرتضى.

(٢) الأم ١ : ١٩٤ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٨ ، المجموع ٤ : ٥١٤ و ٥٢٢ ، الوجيز ١ : ٦٤ ، فتح العزيز ٤ : ٥٨٠ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٢.

(٣) النهاية : ١٠٥.

(٤) بداية المجتهد ١ : ١٥٧ ، المجموع ٤ : ٥١٤ ، فتح العزيز ٤ : ٥٨٠.

(٥) المغني ٢ : ١٤٤ ، الروضة الندية ١ : ١٣٨ ، المجموع ٤ : ٥١٤ ، فتح العزيز ٤ : ٥٨٠.

(٦) صحيح البخاري ٢ : ٨ ، سنن الترمذي ٢ : ٣٧٧ / ٥٠٣ ، سنن أبي داود ١ : ٢٨٤ / ١٠٨٤ ، مسند أحمد ٣ : ١٥٠ ، مسند الطيالسي : ٢٨٥ / ٢١٣٩ ، المنتقى لابن الجارود : ١٢٣ / ٢٨٩.

(٧) التهذيب ٣ : ١٢ / ٤٢.


اُصلّي )(١) .

ولقول الباقرعليه‌السلام وقد سئل عن خطبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قبل الصلاة أو بعد؟ قال : « قبل الصلاة ثم يصلّي »(٢) .

الثالث : قيام الخطيب حال خطبته عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي(٣) - لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، خطب قائماً(٤) ، فتجب متابعته.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « أول من خطب وهو جالس معاوية ، استأذن الناس في ذلك من وجع كان بركبتيه » ثم قالعليه‌السلام : « الخطبة وهو قائم خطبتان ، يجلس بينهما جلسة لا يتكلّم فيها قدر ما يكون فصلاً بين الخطبتين »(٥) .

ولأنّه ذكر مفروض في قيام مشروع ، فكان واجباً ، كالتكبير والقراءة.

وقال أبو حنيفة واحمد : يجوز الجلوس مع الاختيار - وهو رواية عن مالك ، ووجه للشافعية(٦) - لأنّه ذكر ليس من شرطه الاستقبال ، فلا يجب له القيام كالأذان(٧) .

ولا يعتبر القيام بالاستقبال ، لسقوطه في صلاة الخوف دون القيام ،

____________________

(١) صحيح البخاري ١ : ١٦٢ ، سنن الدارمي ١ : ٢٨٦ ، سنن الدار قطني ١ : ٢٧٣ / ١ و ٣٤٦ / ١٠.

(٢) الكافي ٣ : ٤٢١ / ٣ ، التهذيب ٣ : ٢٠ / ٧٢.

(٣) الاُم ١ : ١٩٩ ، المجموع ٤ : ٥١٤ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٨ ، الوجيز ١ : ٦٤ ، فتح العزيز ٤ : ٥٨١ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٢.

(٤) صحيح البخاري ٢ : ١٢ ، صحيح مسلم ٢ : ٥٨٩ / ٨٦١ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٥١ / ١١٠٦ ، سنن الدارمي ١ : ٣٦٦ ، سنن أبي داود ١ : ٢٨٦ / ١٠٩٣ ، سنن البيهقي ٣ : ١٩٧ ، الجعفريات : ٤٣ ، المناقب لابن شهر آشوب ٢ : ١٤٦.

(٥) التهذيب ٣ : ٢٠ / ٧٤.

(٦) فتح العزيز ٤ : ٥٨١ ، المجموع ٤ : ٥١٤ و ٥١٥.

(٧) الهداية للمرغيناني ١ : ٨٣ ، المغني ٢ : ١٥٠ ، الشرح الكبير ٢ : ١٨٦ ، المجموع ٤ : ٥١٥ ، فتح العزيز ٤ : ٥٨٠ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٤.


فافترقا.

فروع :

أ : لو كان له عذر يمنعه عن القيام ، جاز أن يخطب جالساً ، وهل تجب الاستنابة؟ إشكال.

ب : لو عجز عن القعود ، اضطجع ، وفي وجوب الاستنابة إشكال.

ج : لو خطب جالساً مع القدرة ، بطلت صلاته ، لفوات شرط الخطبة ، وبه قال الشافعي(١) ، واختاره الشيخ أيضاً(٢) .

أمّا صلاة المأمومين فإن علموا بقدرته وجلوسه ، بطلت صلاتهم أيضاً ، وإن اعتقدوا عجزه ، أو لم يعلموا بقعوده أو بصحته ، صحّت صلاتهم مطلقاً.

وقال الشافعي : إن كان الإِمام من جملة العدد ، لم تصح الجمعة ، وإن كان زائداً عن العدد ، صحّت صلاتهم ، كما لو كان جنباً ولا يعلمون(٣) .

والأصل ممنوع.

ولو علم البعض خاصة ، صحّت صلاة الجاهل دونه.

د : يجب في القيام الطمأنينة‌ كما تجب في المبدل.

ه- : الجلوس بين الخطبتين مطمئنّاً ليفصل بينهما به‌ ، وهو شرط في الخطبتين ، قاله الشيخ(٤) ، وبه قال الشافعي(٥) ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فصل بينهما بجلسة(٦) . وفعله واجب.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٥١٤.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٧.

(٣) المجموع ٤ : ٥١٤.

(٤) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٧.

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ١١٨ ، المجموع ٤ : ٥١٤ و ٥١٥ ، الوجيز ١ : ٦٤ ، فتح العزيز ٤ : ٥٨١ و ٥٨٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٤ ، السراج الوهاج : ٨٧ ، المغني ٢ : ١٥٣.

(٦) صحيح البخاري ٢ : ١٤ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٥١ / ١١٠٣ ، سنن الدارمي ١ : ٣٦٦ ، سنن الترمذي ٢ : ٣٨٠ / ٥٠٦ ، سنن أبي داود ١ : ٢٨٦ / ١٠٩٣ و ١٠٩٤ ، مسند أحمد ٢ : =


وقول الصادقعليه‌السلام : « يخطب وهو قائم ثم يجلس بينهما جلسة لا يتكلّم فيها »(١) .

وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد : لا تجب الجلسة بل تستحب ، عملاً بالأصل.(٢)

وهو مدفوع بالطارئ.

ولو عجز عن القعود ، فصلّ بالسكتة. فإن قدر على الاضطجاع ، فإشكال ، أقربه : الفصل بالسكتة أيضاً. ولو خطب جالساً لعجزه ، فصّل بالسكتة أيضاً مع احتمال الفصل بالضجعة.

و : الطهارة من الحدث والخبث شرط في الخطبتين ، قاله الشيخ(٣) ، وهو قول الشافعي في الجديد ، لأنّهعليه‌السلام كان يخطب متطهّراً ، وكان يصلّي عقيب الخطبة(٤) ، وقال : ( صلّوا كما رأيتموني اُصلّي )(٥) .

ولأنّه ذكر هو شرط في الصلاة ، فشرطت فيه الطهارة كالتكبير.

وقال في القديم : لا يشترط - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد - لأنّه ذكر يتقدّم الصلاة ، فلا يشترط له الطهارة كالأذان(٦) .

____________________

= ٣٥ ، سنن البيهقي ٣ : ١٩٨ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٨٦.

(١) التهذيب ٣ : ٢٠ / ٧٠٤.

(٢) المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٦ ، المغني ٢ : ١٥٣ ، الشرح الكبير ٢ : ١٨٥ ، المجموع ٤ : ٥١٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٤.

(٣) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٧.

(٤) المجموع ٤ : ٥١٥ - ٥١٦ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٨ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٥ ، السراج الوهاج : ٨٨.

(٥) صحيح البخاري ١ : ١٦٢ ، سنن الدارمي ١ : ٢٨٦ ، سنن الدار قطني ١ : ٢٧٣ / ١ و ٣٤٦ / ١٠.

(٦) المجموع ٤ : ٥١٥ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٨ ، المنتقى للباجي ١ : ٢٠٥ ، المبسوط =


والفرق : أنّه ليس شرطاً في الصلاة ، بخلاف الخطبة.

إذا عرفت هذا ، فإن خطب في المسجد ، شرطت الطهارة من الخبث والحدث الأكبر إجماعاً منّا.

ز : العدد : قال الشيخ : شرط الخطبتين : العدد‌ المشترط في الجمعة(١) . وبه قال الشافعي وأبو حنيفة في إحدى الروايتين(٢) ، لأنّه ذكر هو شرط في الجمعة ، فكان من شرطه حضور العدد كالتكبير. ولأنّ وجوب الخطبة تابع لوجوب الجمعة التابع لحضور العدد.

وعن أبي حنيفة : أنّه ليس بشرط ، فيجوز أن يخطب وحده ، لأنّه ذكر متقدّم ، فلا يشترط فيه العدد كالأذان(٣) .

والفرق : اشتراط الخطبة دون الأذان. ولأنه موضوع لإِعلام الغُيّاب ، فلا يشترط فيه الحضور ، والخطبة مشتقّة من الخطاب وإنما يكون للحاضرين.

إذا ثبت هذا ، فإن خطب والعدد حاضر ثم انفضّوا في الأثناء ، فالمأتي به حال غيبتهم غير محسوب ، لأنّ القصد بها الإِسماع ، فإن عادوا قبل طول الفصل جاز البناء على ما مضى حال سماعهم ، كما لو سلّم ثم ذكر قبل طول الفصل.

وإن طال ، فالأقرب البناء أيضاً - وهو أحد قولي الشافعي(٤) - لأنّ غرض الوعظ يحصل مع تفرّق الكلمات.

وأصحّهما عنده : الاستئناف ، لأنّ النبيعليه‌السلام كان يوالي(٥) .

____________________

= للسرخسي ٢ : ٢٦ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٦٣ ، اللباب ١ : ١١١ ، المغني ٢ : ١٥٤ ، النكت والفوائد السنيّة ١ : ١٤٧.

(١) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٧.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١١٨ ، المجموع ٤ : ٥١٤ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٦٦ ، المغني ٢ : ١٧٨.

(٣) المجموع ٤ : ٥١٤ ، المغني ٢ : ١٧٨.

(٤ و ٥) المجموع ٤ : ٥٠٧ ، فتح العزيز ٤ : ٥١٨ - ٥١٩.


وقد ظهر ممّا اخترناه : عدم اشتراط الموالاة في الخطبة ، وللشافعي قولان(١) .

أمّا لو اجتمع بدل الأوّلين العدد ، فلا بدّ من استئناف الخطبة مطلقاً.

وإن انفضوا بعد تمام الخطبة وعادوا قبل طول الفصل ، بُنيت الصلاة على الخطبة ، ولو عادوا بعد الطول فكذلك. وللشافعي قولان(٢) .

فإن أوجبنا الموالاة ، لم تجز الصلاة بتلك الخطبة ، بل تجب إعادتها والصلاة جمعةً مع سعة الوقت.

وللشافعي عدمه في وجه ضعيف ، بل يصلّي الظهر(٣) .

والعدد إنّما هو شرط في واجبات الخطبة دون مستحباتها إجماعاً.

ح : ارتفاع الصوت بهما بحيث يسمعه العدد‌ - وهو أظهر وجهي الشافعي(٤) - لأنّ مقصود الوعظ لا يحصل إلا بالإسماع ، فلا يكفي أن يخطب سرّاً ، لمنافاة الغرض.

ولأن النبيعليه‌السلام كان إذا خطب رفع صوته كأنه منذر جيش(٥) .

وعن أبي حنيفة : عدم الوجوب. وهو وجه للشافعي(٦) أيضا.

ولو رفع الصوت بقدر ما يبلغ ولكن كانوا أو بعضهم صمّاً ، فالأقرب : الإِجزاء.

ولا يجهد نفسه في رفع الصوت ، لما فيه من المشقّة ، ولا تسقط الجمعة‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٥٠٧ ، فتح العزيز ٤ : ٥١٩ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٨ ، السراج الوهاج : ٨٨.

(٢) المجموع ٤ : ٥٠٧ ، فتح العزيز ٤ : ٥٢١.

(٣) المجموع ٤ : ٥٠٧ - ٥٠٨ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٧.

(٤) الاُم ١ : ٢٠٠ ، المجموع ٤ : ٥٢٣ ، الوجيز ١ : ٦٤ ، فتح العزيز ٤ : ٥٨٥ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٧ ، السراج الوهاج : ٨٧.

(٥) صحيح مسلم ٢ : ٥٩٢ / ٨٦٧ ، سنن ابن ماجة ١ : ١٧ / ٤٥ ، سنن النسائي ٣ : ١٨٨ - ١٨٩ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٠٦.

(٦) فتح العزيز ٤ : ٥٨٦ ، المجموع ٤ : ٥٢٣.


ولا الخطبة وإن كانوا كلّهم صمّاً.

ط : الترتيب بين أجزاء الخطبة الواجبة ، فلو قدّم الصلاة أو غيرها على الحمد ، أو قدّم الوعظ على الصلاة ، استأنف ، للتأسّي.

مسألة ٤٠٩ : وفي تحريم الكلام على العدد ووجوب الإِنصات للخطيب قولان‌ للشيخ :

أحدهما : تحريم الكلام ووجوب الإِنصات. واختاره المرتضى والبزنطي(١) منّا - وبه قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وأحمد ، والشافعي في القديم ، وابن المنذر(٢) - لأنّ أبا هريرة قال : قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إذا قلت لصاحبك : أنصت ، والإِمام يخطب ، فقد لغوت )(٣) .

واللغو : الإِثم ، لقوله تعالى( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ) (٤) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « إذا خطب الإِمام يوم الجمعة فلا ينبغي لأحد أن يتكلّم حتى يفرغ من خطبته ، فإذا فرغ تكلّم ما بينه وبين أن تقام الصلاة »(٥) .

والآخر : عدم تحريم الكلام ، وعدم وجوب الإِنصات ، بل يستحب(٦) - وبه قال الشافعي في الجديد ، وبه قال عروة بن الزبير والشعبي‌

____________________

(١) النهاية : ١٠٥ ، وحكى قول المرتضى والبزنطي ، المحقق في المعتبر : ٢٠٦.

(٢) بدائع الصنائع ١ : ٢٦٣ و ٢٦٤ ، عمدة القارئ ٦ : ٢٢٩ ، المنتقى للباجي ١ : ١٨٨ ، القوانين الفقهية : ٨٠ ، المغني ٢ : ١٦٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢١٥ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٢ ، المجموع ٤ : ٥٢٣ ، الوجيز ١ : ٦٤ ، فتح العزيز ٤ : ٥٨٧ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٧ ، بداية المجتهد ١ : ١٦١.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ١٦ ، صحيح مسلم ٢ : ٥٨٣ / ٨٥١ ، سنن النسائي ٣ : ١٠٤ ، سنن أبي داود ١ : ٢٩٠ / ١١١٢ ، الموطأ ١ : ١٠٣ / ٦ ، سنن البيهقي ٣ : ٢١٨.

(٤) المؤمنون : ٣.

(٥) الكافي ٣ : ٤٢١ / ٢ ، التهذيب ٣ : ٢٠ / ٧١ و ٧٣.

(٦) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٦.


والنخعي وسعيد بن جبير والثوري(١) - لأنّ رجلاً سأل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، السقيا وهو يخطب ، وفي الجمعة الآتية سأله رفعها(٢) .

وقام إليه رجل وهو يخطب يوم الجمعة فقال : يا رسول الله متى الساعة؟

فأعرض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأومأ الناس إليه بالسكوت ، فلم يقبل وأعاد الكلام ، فلمـّا كان الثالثة ، قال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ويحك ماذا أعددت لها؟ ) فقال : حبّ الله ورسوله ، فقال : ( إنّك مع من أحببت )(٣) .

ولو كان الكلام محرَّماً ، لأنكر عليه. وللأصل.

ونمنع كون اللغو الإِثم ، لقوله تعالى( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) (٤) بل المراد جعله لاغياً لكلامه في موضعٍ الأدبُ فيه السكوت.

وقول الصادقعليه‌السلام يعطي الكراهة عرفاً ، فيحمل عليه.

والأقرب : الأول إن لم يسمع العدد ، وإلّا الثاني.

فروع :

أ : قال المرتضى : يحرم من الأفعال ما لا يجوز مثله في الصلاة(٥) .

وفيه إشكال ينشأ من قوة حرمة الصلاة. وكونها بدلاً من الركعتين لا يقتضي المساواة لو سلّم.

ب : قال المرتضى : لا بأس أن يتكلّم بعد فراغ الإِمام‌ من‌

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٢ ، المجموع ٤ : ٥٢٣ ، فتح العزيز ٤ : ٥٨٧ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٧ ، المغني ٢ : ١٦٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢١٥ و ٢١٦ ، عمدة القارئ ٦ : ٢٢٩.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ١٥ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠٤ - ٣٠٥ / ١١٧٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٢١.

(٣) مسند أحمد ٣ : ١٦٧ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٢١ ، وأورده أيضاً كما في المتن ابنا قدامة في المغني ٢ : ١٦٦ والشرح الكبير ٢ : ٢١٦.

(٤) البقرة : ٢٢٥.

(٥) حكاه عنه المحقق في المعتبر : ٢٠٦.


الخطبة إلى أن تقام الصلاة(١) .

ج : لو سُلّم عليه ، وجب عليه الردّ‌ ، لأنّه واجب ، والإِنصات مستحب ، فلا يترك لأجله. ولأنّه ليس أبلغ من الصلاة وقد أوجبنا الردّ فيها.

وبه قال الشافعي على تقدير استحباب الإِنصات ، وعلى تقدير الوجوب ليس له الرّد ، لأنّه سلّم في غير موضعه ، وفرض الإِنصات سابق(٢) .

وهل له تسميت العاطس؟ الوجه : ذلك إن قلنا باستحباب الإِنصات ، وإلّا فالأقرب ذلك كالصلاة - وهو قول الشافعي(٣) - بخلاف السلام ، لأنّه سلّم في غير موضعه ، والعاطس لم يختر العطسة.

وله المنع ، لما تقدّم في السلام.

د : الخلاف إنّما هو في القريب السامع للخطبة ، أمّا البعيد أو الأصمّ : فإن شاء سكت ، وإن شاء قرأ أو سبّح. وللشافعية وجهان(٤) .

وكذا الخلاف فيما إذا لم يتعلّق بحقّ أحد من المسلمين.

أمّا لو رأى جداراً ينقضّ فإنّه يحذّر منه - وكذا العقرب ، والأعمى يتردّى في بئر - إجماعاً.

ه - : هل يحرم الكلام في الجلسة بين الخطبتين؟ الأقرب : المنع ؛ لعدم المقتضي للتحريم ، وهو : السماع. وللأصل.

وللشافعي قولان(٥) .

و : لا بأس بالكلام بين الخطبة والإِقامة‌ ثم يكره بعدها ؛ لقول الصادق‌

____________________

(١) حكاه عنه المحقق في المعتبر : ٢٠٦.

(٢) مختصر المزني : ٢٨ ، المجموع ٤ : ٥٢٣ - ٥٢٤ ، فتح العزيز ٤ : ٥٩٠ و ٥٩١ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٧ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٣.

(٣) مختصر المزني : ٢٨ ، المجموع ٤ : ٥٢٤ ، فتح العزيز ٤ : ٥٩٠ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٢ ، عمدة القارئ ٦ : ٢٣٠.

(٤) المجموع ٤ : ٥٢٤ ، الوجيز ١ : ٦٤ ، فتح العزيز ٤ : ٥٩٠ ، عمدة القارئ ٦ : ٢٣٠.

(٥) المجموع ٤ : ٥٢٣.


عليه‌السلام : « فإذا فرغ - يعني من خطبته - تكلّم ما بينه وبين أن تقام الصلاة »(١) .

وقال أبو حنيفة : يكره ما بين الخطبة والصلاة(٢) .

وقال الشافعي : لا يكره بعد الخطبة إلى الصلاة(٣) .

ز : لا بأس بشرب الماء حال الخطبة‌ - وبه قال الشافعي(٤) - عملاً بالأصل.

وكلام المرتضى يعطي التحريم لأنها كالركعتين(٥) .

وقال الأوزاعي : تبطل جمعته(٦) .

ح : هل يحرم الكلام على الخطيب في الأثناء؟ الأقرب : العدم ، للأصل.

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كلّم قتلة ابن أبي الحقيق في الخطبة(٧) .

ولأنّ المستمع إنّما حرم عليه الكلام لئلّا يشغله عن الاستماع. وهو أحد قولي الشافعي.

وفي الآخر : يحرم - وبه قال أبو حنيفة ومالك - كالركعتين(٨) . وهو ممنوع‌.

____________________

(١) الفقيه ١ : ٢٦٩ / ١٢٢٩ ، الكافي ٣ : ٤٢١ / ٢ ، التهذيب ٣ : ٢٠ / ٧١ و ٧٣.

(٢) المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٩.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٢ ، المجموع ٤ : ٥٢٣.

(٤) المجموع ٤ : ٥٢٩.

(٥) تقدّم نقل كلامه في الفرع « أ ».

(٦) المجموع ٤ : ٥٢٩.

(٧) سنن البيهقي ٣ : ٢٢١ - ٢٢٢.

(٨) المجموع ٤ : ٥٢٣ ، فتح العزيز ٤ : ٥٨٧ و ٥٨٩ ، حلية العلماء ٢ : ٢٤١ ، المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٧.


ط : التحريم إن قلنا به على السامعين متعلّق بالعدد ، أمّا الزائد فلا.

وللشافعي قولان(١) .

والأقرب : عموم التحريم إن قيل(٢) به ، إذ لو حضر فوق العدد بصفة الكمال لم يمكن القول بانعقادها بعدد معيّن منهم حتى يحرم الكلام عليهم خاصة.

ي : لا يحرم الكلام قبل الشروع في الخطبة‌ - وبه قال الشافعي وأحمد(٣) - للأصل.

ولأنّ عمر كان إذا جلس على المنبر وأذّن المؤذّنون جلسوا يتحدّثون حتى إذا سكت المؤذّن وقام عمر سكتوا فلم يتكلّم أحد(٤) . وهذا يدلّ على اشتهاره بينهم.

وقال أبو حنيفة : إذا خرج الإِمام حرم الكلام في الوقت الذي نهي عن الصلاة فيه(٥) ، لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( من اغتسل يوم الجمعة واستاك ، ومسّ من طيب إن كان عنده ، ولبس أحسن ثيابه ، ثم جاء إلى المسجد ولم يتخطّ رقاب الناس ، ثم ركع ما شاء الله أن يركع ، ثم أنصت إذا خرج الإِمام حتى يصلّي ، كان كفّارةً لما بينها وبين الجمعة التي قبلها )(٦) .

وهو يدلّ على أنّ خروج الإِمام يوجب الإِنصات.

ولأنه إذا نهي عن الركوع كان الكلام أولى.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٥٢٤ ، الوجيز ١ : ٦٤.

(٢) في « م » : إن قلنا.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٢ ، المجموع ٤ : ٥٢٣ و ٥٥٥ ، المغني ٢ : ١٦٩.

(٤) سنن البيهقي ٣ : ١٩٩.

(٥) المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٩ ، شرح فتح القدير ٢ : ٣٧ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٦٤ ، عمدة القارئ ٦ : ٢٣٠ ، المغني ٢ : ١٦٩.

(٦) مسند أحمد ٣ : ٨١ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٨٣.


والخبر قد روي فيه ( وأنصت إذا خطب إليه )(١) .

مسألة ٤١٠ : لا ينبغي التنفّل والإِمام يخطب ، سواء كانت التحية للداخل حال الخطبة أو غيرها ، بل ينبغي أن ينصت لها - وبه قال الثوري والليث بن سعد وأبو حنيفة ومالك(٢) - لقوله تعالى( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ) (٣) .

قال المفسّرون : المراد بالقرآن هنا الخطبة(٤) .

ولأنّ رجلاً جاء يتخطّى رقاب الناس ، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( اجلس فقد آذيت وآنيت(٥) )(٦) .

ومن طريق الخاصة : قول أحدهماعليهما‌السلام : « إذا صعد الإِمام المنبر فخطب فلا يصلّي الناس ما دام الإِمام على المنبر »(٧) .

ولأنه مُنافٍ لمشروعية الخطبة.

وقال الشافعي : يستحب أن يصلّي تحية المسجد ركعتين - وبه قال الحسن ومكحول وأحمد وإسحاق وابن المنذر(٨) - لأنّ سُليكاً الغطفاني جاء يوم الجمعة والنبيعليه‌السلام يخطب ، فجلس فقال له : ( يا سُليك قُمْ فاركع‌

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٤ نحوه.

(٢) المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٩ ، اللباب ١ : ١١٣ ، شرح فتح القدير ٢ : ٣٧ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٤ - ٨٥ ، المدونة الكبرى ١ : ١٤٨ ، القوانين الفقهية : ٨٠ ، المجموع ٤ : ٥٥٢.

(٣) الأعراف : ٢٠٤.

(٤) تفسير القرطبي ٧ : ٣٥٣ ، أحكام القرآن لابن العربي ٢ : ٨٢٨ ، أحكام القرآن للجصاص ٣ : ٣٩.

(٥) آناه يؤنيه ايناءً ، أي : أخّره وحبسه وأبطأه. والمعنى : أخّرت المجي‌ء وأبطأت. الصحاح ٦ : ٢٢٧٣ « أنا » وانظر النهاية لابن الأثير ١ : ٧٨.

(٦) سنن ابن ماجة ١ : ٣٥٤ / ١١١٥ ، سنن النسائي ٣ : ١٠٣.

(٧) الكافي ٣ : ٤٢٤ / ٧ ، التهذيب ٣ : ٢٤١ / ٦٤٨ وفيهما مضمرة.

(٨) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٢ ، المجموع ٤ : ٥٥١ و ٥٥٢ ، الوجيز ١ : ٦٤ ، فتح العزيز ٤ : ٥٩٣ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٤ ، المغني ٢ : ١٦٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٢١٤.


ركعتين وتجوّز(١) فيهما ) ثم قال : ( إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإِمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما )(٢) .

وتمام الرواية : أنّه قال لسُليك : ( لا تعودنّ لمثل هذا )(٣) .

إذا عرفت هذا ، فالكراهة تتعلّق بالشروع في الخطبة لا بالجلوس على المنبر ، لقول الصادقعليه‌السلام : « فخطب ، فلا يصلّي الناس »(٤) .

ولأنّه المقتضي للمنع.

ولا خلاف أنّه لو دخل والإِمام في آخر الخطبة وخاف فوت تكبيرة الإِحرام ، لم يصلّ التحية ، لأنّ إدراك الفريضة من أولها أولى.

مسألة ٤١١ : يستحب حال الخطبة اُمور :

أ : أن يصعد الإِمام حال الخطبة على المنبر‌ ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لمـّا دخل المدينة خطب مستنداً إلى جذع ، فلمـّا بني له المنبر صعد عليه(٥) . ولأنّ فيه إبلاغاً للبعيد.

ب : ينبغي وضع المنبر على يمين القبلة‌ ، وهو : الموضع الذي على يمين الإِمام إذا توجّه إلى القبلة ، اقتداءً بالنبيعليه‌السلام .

ج : أن يعتمد على شي‌ء حال الخطبة‌ من سيف أو عكاز أو قضيب أو عنزة(٦) ، اقتداءً بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّه كان يعتمد على عنزته‌

____________________

(١) تجوّز في صلاته ، أي : خفّف. الصحاح ٣ : ٨٧١ ، القاموس المحيط ٢ : ١٧٠ « جوز ».

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٥٩٧ / ٥٩ ، سنن أبي داود ١ : ٢٩١ / ١١١٦ و ١١١٧ ، سنن الدار قطني ٢ : ١٣ / ١ - ٣.

(٣) سنن الدار قطني ٢ : ١٦ / ١١.

(٤) الكافي ٣ : ٤٢٤ / ٧ ، التهذيب ٣ : ٢٤١ / ٦٤٨.

(٥) سنن النسائي ٣ : ١٠٢ ، سنن البيهقي ٣ : ١٩٥.

(٦) عنَزَة - بالتحريك - : أطول من العصا وأقصر من الرمح. الصحاح ٣ : ٨٨٧ ، القاموس المحيط ٢ : ١٨٤ « عنز».


اعتماداً(١) .

وقول الصادقعليه‌السلام : « ويتوكّأ على قوس أو عصا »(٢) .

د : أن يكون متعمّماً شتاءً وصيفاً ، مرتدياً ببرد يمنية ، لأنّ النبيعليه‌السلام كان يعتمّ ، ويرتدي ، ويخرج في الجمعة والعيدين على أحسن هيئة(٣) ، لأنّه أدخل في الوقار.

ه- : أن يسلّم على مَنْ عند المنبر إذا انتهى إليه‌ ، لعموم استحباب التسليم(٤) ، فإذا صعد المنبر ، وبلغ دون الدرجة - دون درجة المستراح - واستقبل الناس بوجهه سلّم ثم جلس(٥) - واختاره السيد المرتضى(٦) رضي‌الله‌عنه ، وبه قال الشافعي(٧) - لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلَّم على من عند منبره من الجلوس ، ثم صعد ، وإذا استقبل الناس بوجهه سلَّم ثم قعد(٨) .

ومن طريق الخاصة : رواية عمرو بن جميع رفعه عن عليعليه‌السلام قال : « من السنّة إذا صعد الإِمام المنبر أن يسلّم إذا استقبل الناس »(٩) .

وقال أبو حنيفة ومالك : يكره السلام ، لأنّه إذا خرج سلَّم فلا يعيد ،

____________________

(١) سنن ابن ماجة ١ : ٣٥٢ / ١١٠٧ ، سنن أبي داود ١ : ٢٨٧ / ١٠٩٦ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٠٠.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٤٥ / ٦٦٤.

(٣) سنن ابن ماجة ١ : ٣٥١ / ١١٠٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٤٦ و ٢٤٧.

(٤) اُنظر على سبيل المثال : الكافي ٢ : ٤٧١ باب التسليم ، صحيح البخاري ٨ : ٦٥ ، صحيح مسلم ٤ : ١٧٠٥ حديث (٥) من كتاب السلام.

(٥) في « م ، ش » والطبعة الحجرية : ثم سلّم وجلس. وما أثبتناه يقتضيه السياق.

(٦) حكاه عنه المحقق في المعتبر : ٢٠٤.

(٧) المهذب للشيرازي ١ : ١١٩ ، المجموع ٤ : ٥٢٧ ، المغني ٢ : ١٤٤.

(٨) سنن البيهقي ٣ : ٢٠٥.

(٩) التهذيب ٣ : ٢٤٤ / ٦٦٢.


كالمؤذّن إذا قام إلى الأذان ، لأنّ الإِمام استدبرهم لمـّا صعد ثم أقبل عليهم(١) .

وقد كان أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يحول بين بعضهم وبعض شجرة فيسلّم بعضهم على بعض(٢) .

وبالأذان لا يغيب عنهم. نعم لو صعد المنارة ثم نزل سلّم.

إذا عرفت هذا ، فإذا سلّم وجب على السامعين الردّ على الكفاية.

و : أن يجلس بعد السلام على المستراح‌ حتى يفرغ المؤذّن فيستريح بقعوده عن تعب صعوده.

ولأنّه لا فائدة بقيامه حالة الأذان ، وقد كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يخطب خطبتين ، ويجلس جلستين(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذّنون »(٤) .

مسألة ٤١٢ : يستحب أن يكون الخطيب بليغاً ليأتي بالألفاظ الناصّة على التخويف والإِنذار‌ ، مواظباً على الصلوات ليكون وعظه أبلغ في القلب ، حافظاً لمواقيت الفرائض ، واستقبال الناس بوجهه ، فلا يلتفت يميناً ولا شمالاً - وبه قال الشافعي(٥) - لأنّ النبيعليه‌السلام كان يفعل ذلك(٦) ، ولئلّا يخصّ قوماً دون آخرين ، بل يخطب تلقاء وجهه.

____________________

(١) عمدة القاري ٦ : ٢٢١ ، المنتقى للباجي ١ : ١٨٩ ، المجموع ٤ : ٥٢٧ ، الميزان للشعراني ١ : ١٩١ ، المغني ٢ : ١٤٤.

(٢) الترغيب والترهيب ٣ : ٤٢٨ / ١٦.

(٣) سنن أبي داود ١ : ٢٨٦ / ١٠٩٢.

(٤) التهذيب ٣ : ٢٤٤ / ٦٦٣.

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ١١٩ ، المجموع ٤ : ٥٢٨.

(٦) أورد أبو إسحاق الشيرازي في المهذب ١ : ١١٩ رواية عن سمرة بن جندب ، أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان إذا خطبنا استقبلناه بوجوهنا واستقبلنا بوجهه.


وقال أبو حنيفة : يلتفت يميناً وشمالاً كالمؤذّن(١) .

والأصل ممنوع. ولأنّه خطاب مع الغيّاب والخطبة مع الحاضرين ، فلا يخصّص بها البعض دون غيرهم.

قال الشيخرحمه‌الله : ولا يضع يمينه على شماله(٢) .

وهو جيّد كالصلاة ، بل يشتغل بما يعتمد عليه يسراه ، ويقبض باليمين حرف المنبر.

وينبغي أن يكون صادق اللهجة لا يلحن في الخطبة ، ولا يأتي بألفاظ غريبة أو وحشية ، لبُعْدها عن الأفهام ، ولا يقول في خطبته ما تستنكره عقول الحاضرين ، لقول عليعليه‌السلام : «كلّموا الناس على قدر عقولهم ، أتحبّون أن يكذّبوا الله ورسوله؟! »(٣) .

وأن يأتي بالكلمات على تأنٍّ وترسّلٍ وسكون ، ولا يمدّها مدّاً يشبه الغناء ، ولا يدرجها بحيث لا يفهم ، ولا يطوّل الخطبة بل يقصّرها ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بذلك ، بل يطوّل الصلاة ، وقالعليه‌السلام : ( إنّه من فقه الرجل )(٤) .

مسألة ٤١٣ : يستحب أن تكون السورة التي يقرؤها في الخطبة خفيفةً.

واجتزأ بعض علمائنا بالآية(٥) .

ونقل الجمهور أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يقرأ كثيراً سورة « ق » في الخطبة(٦) .

____________________

(١) عمدة القارئ ٦ : ٢٢١ ، المجموع ٤ : ٥٢٨.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٨.

(٣) صحيح البخاري ١ : ٤٤ بتفاوت.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٥٩٤ / ٨٦٩.

(٥) حكى المصنف في المختلف : ١٠٥ عن ابن الجنيد ، الاجتزاء بالآية الواحدة في الخطبة الثانية.

(٦) صحيح مسلم ٢ : ٥٩٥ / ٨٧٣ ، سنن أبي داود ١ : ٢٨٨ / ١١٠٠ ، سنن النسائي ٣ : ١٠٧.


ولو قرأ إحدى العزائم ، جاز ، إذ السجود ليس بمبطل لها.

قال الشيخ : ثم ينزل ، ويسجد ويسجد المأمومون معه(١) .

والوجه : أنّه إن كان في المنبر سعة يمكنه السجود عليها ، سجد قبل نزوله ، وإلّا نزل وسجد.

ولو كانت السجدة من غير العزائم ، جاز تركها ، وله أن يسجد ، والاشتغال بالخطبة أولى.

فإن نزل وسجد ، عاد إلى الخطبة إن لم يطل الفصل ، وكذا إن طال على الأقوى.

وللشافعي في الطول وجهان(٢) .

المطلب الثاني : فيمن تجب عليه‌

مسألة ٤١٤ : شرائط الوجوب عشرة :

البلوغ ، والعقل ، والذكورة ، والحرّية ، والسلامة من المرض والعمى والعرج والشيخوخة المانعة من الحركة ، والسفر ، والزيادة على فرسخين.

وليس الإِسلام شرطاً للوجوب ، لأنّ الكفّار عندنا مخاطبون بالفروع ، وبه قال الشافعي(٣) ، خلافاً لأبي حنيفة(٤) .

والعقل شرط في الوجوب والجواز معاً ، وباقي الشروط شرط في الوجوب لا الجواز.

____________________

(١) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٨.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١١٩ ، المجموع ٤ : ٥٢١.

(٣) المجموع ٣ : ٤ و ٤ : ٤٨٤ ، حاشية اعانة الطالبين ١ : ٢١ - ٢٢ ، شرح البدخشي ١ : ٢٠٧ ، شرح الاسنوي بهامش شرح البدخشي ١ : ٢٠٣ - ٢٠٤.

(٤) اُصول السرخسي ١ : ٧٤ - ٧٥ ، شرح الاسنوي بهامش شرح البدخشي ١ : ٢٠٤.


والصبي وإن لم تجب عليه ، ولا المجنون ، لانتفاء التكليف عنهما ، إلّا أنّه يستحب إحضار الصبي الجمعة للتمرين ، كما يمرّن بالعبادات ، خصوصاً المراهق.

مسألة ٤١٥ : الذكورة شرط في الوجوب ، فلا تجب على المرأة‌ إجماعاً ، لقولهعليه‌السلام : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلّا على امرأة ، أو مسافر ، أو عبد ، أو صبي ، أو مريض )(١) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « إن الله فرض في كلّ سبعة أيام خمساً وثلاثين صلاة ، منها صلاة واجبة على كلّ مسلم أن يشهدها إلّا خمسة : المريض والمملوك والمسافر والمرأة والصبي »(٢) .

ولأنّ شرطها الاجتماع ، وفي وجوبه على النساء مشقّة وافتتان.

أمّا العجائز فإنّهنّ كالشواب ، لعموم الأمر بالستر لهنّ(٣) .

وقال الشافعي : يستحب لهنّ الحضور مع إذن أزواجهنّ ، لانتفاء الفتنة فيهنّ(٤) .

مسألة ٤١٦ : الحرّية شرط في الوجوب‌ ، فلا تجب على العبد عند علمائنا أجمع - وبه قال عامة العلماء(٥) - لما تقدّم في الحديثين. ولأنّه محبوس على السيد ، فأشبه المحبوس في الدَّيْن.

____________________

(١) سنن الدار قطني ٢ : ٣ / ١ ، مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ١٠٩ ، سنن البيهقي ٣ : ١٨٤.

(٢) الكافي ٣ : ٤١٨ / ١ ، التهذيب ٣ : ١٩ / ٦٩.

(٣) إشارة الى الآية ٣١ من سورة النور.

(٤) الاُم ١ : ١٨٩ ، المجموع ٤ : ٤٨٤ ، مغني المحتاج ١ : ٢٧٧.

(٥) الاُم ١ : ١٨٩ ، المجموع ٤ : ٤٨٥ ، فتح العزيز ٤ : ٦٠٣ ، المغني ٢ : ١٩٤ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٢ ، بداية المجتهد ١ : ١٥٧ ، الميزان ١ : ١٨٥.


وقال داود : تجب(١) . وعن أحمد روايتان(٢) .

وقال الحسن البصري وقتادة : تجب على العبد المخارج(٣) - وهو الذي يؤدّي الضريبة - لعموم الآية(٤) .

والخاص مقدّم.

ولو أذن له السيد ، استحبّ له الحضور ولا يجب عليه ، لأنّ الحقوق الشرعية تتعلّق بخطاب الشرع لا بإذن السيد.

ولا فرق بين القنّ ، والمدبّر ، والمكاتب المطلق والمشروط ، واُمّ الولد ، لبقاء الرقّ فيهم.

وقال الحسن البصري وقتادة : يجب على المكاتب ، لأنّ منفعته له فأشبه الحر(٥) ، وهو ممنوع.

فروع :

أ : من بعضه حرّ وبعضه رقّ لا تجب عليه الجمعة ، سواء تساويا ، أو كانت الحرّية أكثر ، لأنّ رقّ البعض يمنع من الكمال والاستقلال ، كرِقّ الجميع.

ب : لو هاياه(٦) مولاه واتّفقت الجمعة لنصيب الحرية لم تجب عليه أيضاً‌ ، لقيام المانع ، وهو الظاهر من قول الشافعية.

____________________

(١) المحلّى ٥ : ٤٩ ، المجموع ٤ : ٤٨٥ ، الميزان ١ : ١٨٥ ، رحمة الاُمة ١ : ٧٩ ، بداية المجتهد ١ : ١٥٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢٢٣.

(٢) المغني ٢ : ١٩٤ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٢ ، الإِنصاف ٢ : ٣٦٩ ، المحرر في الفقه ١ : ١٤٢ ، المجموع ٤ : ٤٨٥ ، فتح العزيز ٤ : ٦٠٣ - ٦٠٤ ، الميزان ١ : ١٨٥ ، رحمة الأمة ١ : ٧٩.

(٣) المجموع ٤ : ٤٨٥ ، المغني ٢ : ١٩٤ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢٢٣.

(٤) الآية ٩ من سورة الجمعة.

(٥) المغني ٢ : ١٩٤ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٣.

(٦) المهاياة في كسب العبد : أنهما ( المولى والعبد ) يقسمان الزمان بحسب ما يتفقان عليه ويكون كسبه في كل وقت لمن ظهر له بالقسمة ، مجمع البحرين ١ : ٤٨٥ « هيا ».


ولهم وجه : أنّها تجب ، لانقطاع سلطنة السيد عن استخدامه(١) .

واختاره الشيخ في المبسوط(٢) .

ج : لو ألزمه مولاه بالحضور ، احتمل وجوبه‌ ، لوجوب طاعته فيما ليس بعبادة ففيها أولى ، والعدم ، لما تقدّم.

مسألة ٤١٧ : لا تجب على المريض الجمعة‌ ، لما تقدّم من الأحاديث ، وللمشقّة ، سواء خاف زيادة المرض أو المشقّة غير المحتملة ، أو لا.

وقال الشافعي : المرض المسقط هو ما يخاف فيه أحدهما ، وليس شرطاً(٣) ، للعموم.

ولو كان المريض قريبه أو ضيفه أو زوجته أو مملوكه ، جاز له ترك الجمعة لأجل تمريضه ، وكذا تترك لصلاة الميت وتجهيزه ، لأنّ ابن عمر كان يستجمر للجمعة فاستصرخ(٤) على سعيد بن زيد فترك الجمعة ومضى إليه بالعقيق(٥) .

ولو كان المريض لا قرابة له به ولا صحبة ، فإن كان له مَنْ يُمرّضه ، لم يترك الجمعة له ، وإن لم يكن من يقوم ، جاز له تركها للقيام بأمره.

وكذا لو اشتغل فيه بأخذ الكفن وحفر القبر أو غيرهما ، سواء كان مشرفاً أو لا - خلافاً للشافعي(٦) - وسواء اندفع بحضوره ضرر عن غير المشرف أو لا ، خلافاً له(٧) .

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤٨٥ ، الوجيز ١ : ٦٥ ، فتح العزيز ٤ : ٦٠٧.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٥.

(٣) الْاُم ١ : ١٨٩ ، المجموع ٤ : ٤٨٦.

(٤) استصرخ مبنياً للمجهول : أستغيث. والمستصرخ : المستغيث. الصحاح ٢ : ٤٢٦ « صرخ ».

(٥) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ١٥٣ ، سنن البيهقي ٣ : ١٨٥.

(٦) المهذب للشيرازي ١ : ١١٦ ، المجموع ٤ : ٤٩٠ ، الوجيز ١ : ٦٥ ، فتح العزيز ٤ : ٦٠٦.

(٧) الوجيز ١ : ٦٥ ، فتح العزيز ٤ : ٦٠٦.


وكذا لو كان عليه حقّ قصاص يرجو بالاستتار الصلح فيه ، جاز ، ولو كان عليه حدّ قذف لم يجز له الاستتار عن الإِمام لأجله وترك الجمعة ، لأنّه حق واجبٌ ولا بدل له ، ولا يجوز له القصد إلى إسقاطه. وكذا غيره من الحدود لله تعالى بعد ثبوتها بالبيّنة.

والمديون المعسر يجوز له الاختفاء ، وكذا الخائف من ظالم على مال أو نفس أو ضرب أو شتم.

مسألة ٤١٨ : الأعمى لا تجب عليه الجمعة عند علمائنا ، سواء كان قريباً من الجامع يتمكّن من الحضور إليه من غير قائد ، أو بعيداً يحتاج إلى القائد أو لا - وبه قال أبو حنيفة(١) - للمشقّة بالحضور.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « فرض الله الجمعة ووضعها عن تسعة : عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والأعمى ومن كان على رأس أزيد من فرسخين »(٢) .

وقال الشافعي وأحمد : تجب عليه مع المكنة(٣) ، لأنّ عتبان بن مالك قال : يا رسول الله إنّي رجل محجوب البصر وإن السيول تحول بيني وبين المسجد ، فهل لي من عذر؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أتسمع النداء؟ ) قال : نعم. قال : ( ما أجد لك عذراً إذا سمعت النداء )(٤) .

والمراد نفي العذر في الحضور مطلقاً الشامل للاستحباب والوجوب ، لا‌

____________________

(١) المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٢ ، الهداية في شرح البداية : ١٥٢ ، المجموع ٤ : ٤٨٦ ، فتح العزيز ٤ : ٦٠٧ ، المغني ٢ : ١٩٥ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٠.

(٢) الكافي ٣ : ٤١٩ / ٦ ، الفقيه ١ : ٢٦٦ / ١٢١٧ ، التهذيب ٣ : ٢١ / ٧٧ ، أمالي الصدوق : ٣١٩ / ١٧ ، الخصال : ٤٢٢ / ٢١ وفيها : ومن كان على رأس فرسخين.

(٣) المجموع ٤ : ٤٨٦ ، فتح العزيز ٤ : ٦٠٧ ، مغني المحتاج ١ : ٢٧٧ ، السراج الوهاج : ٨٤ ، المغني ٢ : ١٩٥ ، الشرح الكبير ٢ : ١٥٠.

(٤) مسند أحمد ٤ : ٤٣.


الحضور الواجب.

فلو لم يجد قائداً سقطت عنه إجماعاً ، فإن وجد لكن باُجرة يتمكّن منها لم يجب بذلها عندنا ، خلافاً للشافعي(١) .

مسألة ٤١٩ : الأعرج والشيخ الذي لا حراك به لا جمعة عليهما‌ عند علمائنا أجمع إن بلغ العرج الإِقعاد ، للمشقّة.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « والكبير »(٢) .

ولأنّ المشقّة هنا أعظم من المشقّة في المريض ، فثبتت الرخصة هنا كما ثبتت هناك.

أمّا لو لم يكن العرج بالغا حدّ الإِقعاد ، فالوجه : السقوط مع مشقّة الحضور ، وعدمه مع عدمها.

والشيخ أطلق الإِسقاط(٣) . ولم يذكره المفيد في المسقطات ، ولا الجمهور.

أمّا الحَرّ الشديد فإن خاف معه الضرر ، سقط عنه.

وكذا البرد الشديد والمطر المانع من السعي ، لقول الصادقعليه‌السلام : « لا بأس أن تدع الجمعة في المطر »(٤) . ولا خلاف فيه.

والوحل كذلك ، للمشاركة في المعنى.

مسألة ٤٢٠ : الإِقامة أو حكمها شرط في الجمعة‌ ، فلا تجب على المسافر عند عامة العلماء ، لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( الجمعة واجبة‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤٨٦ ، فتح العزيز ٤ : ٦٠٧ ، مغني المحتاج ١ : ٢٧٧.

(٢) الكافي ٣ : ٤١٩ / ٦ ، الفقيه ١ : ٢٦٦ / ١٢١٧ ، التهذيب ٣ : ٢١ / ٧٧ ، أمالي الصدوق : ٣١٩ / ١٧ ، الخصال : ٤٢٢ - ٢١.

(٣) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٣.

(٤) الفقيه ١ : ٢٦٧ / ١٢٢١ ، التهذيب ٣ : ٢٤١ / ٦٤٥.


إلّا على خمسة : امرأة أو صبي أو مريض أو مسافر أو عبد )(١) .

ومن طريق الخاصة قول الباقرعليه‌السلام : « ووضعها عن تسعة » وعدَّ منهم « المسافر »(٢) .

ولم ينقل عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا أحد من الأئمّةعليهم‌السلام أنّهم صلّوها في أسفارهم.

ولأنّ الجمعة ظهر مقصورة بشرائط ، والمسافر يباح له القصر دون تلك الشرائط ، فلم يكن لاعتبار تلك الشرائط في حقّه وإيجاب الجمعة عليه معنى.

ولأنّه خفّف عنه العبادات الراتبة فغيرها أولى.

وقال الزهري والنخعي : تجب عليه الجمعة إن سمع النداء(٣) ، للآية(٤) .

ولقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( الجمعة على مَنْ سمع النداء )(٥) .

والخاص مقدّم.

فروع :

أ : إنّما تسقط الجمعة في السفر المباح ، أمّا المحرَّم فلا ، لمنافاته الترخّص.

ب : إنّما تسقط في السفر المبيح للقصر‌ فلو لم يوجبه كمن كان سفره أكثر من حضره ، فإنّ الجمعة لا تسقط عنه ، وكذا لو لم يكن القصر واجباً بل‌

____________________

(١) كنز العمال ٧ : ٧٢٢ / ٢١٠٩٥ نقلاً عن الطبراني في المعجم الكبير ٢ : ٥١ - ٥٢ / ١٢٥٧.

(٢) الكافي ٣ : ٤١٩ / ٦ ، الفقيه ١ : ٢٦٦ / ١٢١٧ ، التهذيب ٣ : ٢١ / ٧٧ ، أمالي الصدوق : ٣١٩ / ١٧ ، الخصال : ٤٢٢ / ٢١.

(٣) المجموع ٤ : ٤٨٥ ، المغني ٢ : ١٩٣.

(٤) الجمعة : ٩.

(٥) سنن أبي داود ١ : ٢٧٨ / ١٠٥٦ ، سنن الدار قطني ٢ : ٦ / ٣ ، سنن البيهقي ٣ : ١٧٣.


جائزاً ، كالمواضع التي يستحب الإِتمام فيها.

ج : لو نوى المسافر إقامة عشرة أيام ، صار بحكم المقيم ، ووجب عليه الجمعة ، وعند الشافعي أربعة(١) .

وهل تنعقد به؟ عندنا أنّها تنعقد وإن لم يَنْو المقام على أحد القولين ، أمّا لو نواه فإنّها تنعقد به عندنا قولاً واحداً - وهو أحد وجهي الشافعية(٢) - لأنه من أهل وجوب الجمعة فانعقدت به كالمستوطن ، والآخر : لا تنعقد به ، لأنّ الاستيطان شرط(٣) . فمن أقام في بلد للتفقه أو التجارة مدة طويلة لا تنعقد به الجمعة عنده(٤) وإن وجبت عليه ، لأنّ له عزمَ الرجوع.

مسألة ٤٢١ : وتسقط عمّن كان بينه وبين الجمعة أزيد من فرسخين ، إلّا إذا جمع الشرائط عنده. وتجب على من بينه وبين الجامع فرسخان فما دون عند أكثر علمائنا(٥) - وبه قال الزهري(٦) - لقول الصادقعليه‌السلام : « الجمعة تجب على من كان منها على فرسخين ، فإن زاد فليس عليه شي‌ء »(٧) .

وقول الباقرعليه‌السلام : « تجب الجمعة على مَنْ كان منها على فرسخين »(٨) .

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١١٠ ، المجموع ٤ : ٤٨٥ ، الميزان ١ : ١٨٢ ، المغني ٢ : ١٣٣ ، عمدة القارئ ٧ : ١١٧.

(٢و ٣ ) المجموع ٤ : ٥٠٣ ، فتح العزيز ٤ : ٦٠٧.

(٤) اُنظر : المجموع ٤ : ٥٠٣ ،

(٥) منهم : الشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ١٤٣ ، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : ١٥١.

والمحقق في المعتبر : ٢٠٥ كما أنّ فيه أيضاً قول السيد المرتضى عن المصباح.

(٦) المجموع ٤ : ٤٨٨ ، عمدة القارئ ٦ : ١٩٨.

(٧) الكافي ٣ : ٤١٩ / ٣ ، التهذيب ٣ : ٢٤٠ / ٦٤١ ، الاستبصار ١ : ٤٢١ / ١٦١٩.

(٨) الكافي ٣ : ٤١٩ / ٢ ، التهذيب ٣ : ٢٤٠ / ٦٤٣ ، الاستبصار ١ : ٤٢١ / ١٦٢٠.


وقال ابن أبي عقيل مِنّا : تجب على مَنْ إذا صلّى الغداة في أهله أدرك الجمعة(١) - ونحوه قال عبد الله بن عمر وأنس بن مالك ، وأبو هريرة ، والأوزاعي ، وأبو ثور فإنّهم قالوا : تجب على من كان يؤوي الليل(٢) (٣) . وهو قريب ممّا قال - لعموم الأمر.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « الجمعة واجبة على مَنْ إذا صلّى الغداة في أهله أدرك الجمعة »(٤) .

والمشهور عندنا : الأول ، للمشقّة ، ولأنّ شغل النهار بالسعي إليها والرجوع إلى أهله يوجب القصر ، ويلحقه بالمسافرين ، فيكون مُسقطاً للجمعة.

وقال الشافعي : كلّ مَنْ كان من أهل المصر وجبت عليه الجمعة فيه ، سواء سمع النداء أو لا ، وسواء اتّسعت أقطاره وتعدّدت محالّه أو لا.

وأمّا الخارج عن المصر من أهل القرى ، فإن لم يسمعوا النداء ، وكانوا أقلّ من أربعين ، لم تجب عليهم الجمعة ، وإن بلغوا أربعين وكانوا مستوطنين في القرية ، وجبت عليهم الجمعة سواء سمعوا النداء أو لا ، وهُمْ بالخيار بين الصلاة في قريتهم ، والحضور إلى المصر لإِقامة الجمعة معهم.

وإن كانوا أقلّ من أربعين وسمعوا النداء ، وجب عليهم الحضور - وبه قال عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وإسحاق(٥) - لقوله عليه‌

____________________

(١) حكاه عنه المحقق في المعتبر : ٢٠٥.

(٢) كذا ، وفي المصادر : تجب على من أواه الليل إلى أهله.

(٣) المجموع ٤ : ٤٨٨ ، المغني ٢ : ٢١٤ - ٢١٥ ، الشرح الكبير ٢ : ١٤٦ ، عمدة القارئ ٦ : ١٩٨.

(٤) التهذيب ٣ : ٢٣٨ / ٦٣١ ، الاستبصار ١ : ٤٢١ / ١٦٢١.

(٥) المجموع ٤ : ٤٨٨ ، المحلى ٥ : ٥٥ - ٥٦.


السلام : ( الجمعة على مَنْ سمع النداء )(١) .

وهو يدلّ من حيث المفهوم فالمنطوق أولى مع انتشار النداء وعدم ضبطه ، فلا يجوز أن يجعله الشارع مناطاً للأحكام.

وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تجب الجمعة على مَنْ هو خارج المصر وإن سمع النداء - وقال محمّد : قلت لأبي حنيفة : تجب الجمعة على أهل زبارا(٢) بأهل الكوفة؟ فقال : لا(٣) - وبين زبارا والكوفة الخندق ، وهي قرية بقرب الكوفة - لأنّ عثمان لمـّا وافق الجمعة العيد ، قال لأهل العوالي : من أراد منكم أن ينصرف فلينصرف ، ومن أراد أن يقيم حتى يصلّي الجمعة فليقم.

ولأنّهم خارجون عن المصر ، فلا جمعة عليهم ، كأصحاب الحلل(٤) (٥) .

والحديث نقول بموجبه ، للتخيير عندنا ، أمّا مَنْ يوجب الحضور كالشافعي ، فإنّه أنكر الحديث وقال : لم يذكره أحد من أصحاب الحديث.

وأهل الحلل إن كانوا مستوطنين ، وجبت الجمعة ، وإلّا فلا.

وقال مالك واحمد والليث بن سعد : تجب على أهل المصر مطلقاً ، وأمّا الخارج فإن كان بينه وبين الجامع فرسخ ، وجب عليه الحضور وإلّا فلا ، لغلبة السماع منه(٦) . وقد بينا بطلان هذا المناط.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤٨٧ ، فتح العزيز ٤ : ٦٠٨ - ٦٠٩ ، المحلّى ٥ : ٥٦.

(٢) في المصدر : « زرارة ». وهي محلّة في الكوفة. و « زبارا » من نواحي الكوفة ، والظاهر صحة « زبارا » لكون أهلها من خارج المصر. اُنظر : معجم البلدان ٣ : ١٢٩ و ١٣٥.

(٣) الْأَصل للشيباني ١ : ٣٦٦.

(٤) الحلل جمع حلّة : القوم النزول. لسان العرب ١١ : ١٦٤ « حلل ».

(٥) المغني ٢ : ٢١٥ ، الشرح الكبير ٢ : ١٤٦ ، وراجع : المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٣ ، وبدائع الصنائع ١ : ٢٥٩ ، وفتح العزيز ٤ : ٦٠٩ ، والمحلّى ٥ : ٥٦.

(٦) المدونة الكبرى ١ : ١٥٣ ، بداية المجتهد ١ : ١٦٥ ، المغني ٢ : ٢١٤ و ٢١٦ ، المجموع ٤ : ٤٨٨.


وقال عطاء : إن كانوا على عشرة أميال ، وجب عليهم الحضور ، وإلّا فلا(١) .

وقال ربيعة : إن كانوا على أربعة أميال حضروا ، وإلّا فلا(٢) .

فروع :

أ : من كان بينه وبين الجمعة أزيد من فرسخ يتخيّر بين الحضور وبين إقامة الجمعة عنده‌ إن حصلت الشرائط ، وإن فقد أحدها وجب عليه الحضور ، ولا يسوغ له ترك الجمعة.

ومن كان بينه وبينها أزيد من فرسخين ، فإن حصلت الشرائط فيه ، تخيّر بين إقامتها عنده وبين الحضور ، ولا يسوغ له تركها ، وإن فقدت الشرائط ، سقطت عنه ، ولم يجب عليه الحضور.

ب : تشترط الزيادة على الفرسخين بين منزله والجامع الذي تقام فيه الجمعة‌ ، لا بين البلدين ، فلو كان بين البلدين أقلّ من فرسخين ، وبين منزله والجامع أزيد من فرسخين ، فالأقرب : السقوط ، لأنّه المفهوم من كلام الباقر والصادقعليهما‌السلام .

ج : قد بيّنّا عدم اعتبار النداء.

وقال الشافعي : النداء الذي تجب به الجمعة أن يكون المنادي صيّتاً ، وتكون الرياح ساكنةً ، والأصوات هادئةً ، وكان من ليس بأصمّ مُصغياً مستمعاً ، غير لاهٍ ولا ساهٍ ، وأن لا تكون البلدة بين آجام وأشجار تمنع من بلوغ الصوت ، فإن كان ، اعتبر أن يصعد على شي‌ء يعلو به على الأشجار كسور البلد والمنارة ، ولا يعتبر في غيره ، وأن تكون الأرض مستويةً ، فلو كانت

قرية في وادٍ لا يسمع أهلها لهبوطها ولو كانت في استواء الأرض سمعت ، وجبت ،

____________________

(١ و ٢ ) المجموع ٤ : ٤٨٨ ، عمدة القارئ ٦ : ١٩٨ ، نيل الأوطار ٣ : ٢٧٨.


ولو كانت على قلّة جبل يسمع لعلّوها ، لم يجب عند بعضهم ، ولا اعتبار بأذان الجمعة(١) .

واختلفت الشافعية في الموضع الذي يعتبر فيه سماع النداء ، فقال بعضهم : من الموضع الذي يصلّى فيه الجمعة ، إذ الغرض الحضور في ذلك الموضع.

وقال بعضهم : من وسط البلد ، لاستواء الجوانب وعدم أولوية بقعة على اُخرى.

وقال آخرون : يعتبر من آخر موضع تجوز إقامة الجمعة فيه من الجانب الذي يلي تلك القرية ، فإنّه ربما يكون البلد كبيراً ، وإذا نودي من الجانب الآخر ربما لا يسمع أهل هذا الجانب من البلد(٢) .

ولو كان طرف القرية يسمعون النداء ، وباقي القرية لا يسمعون ، قال : يجب على الجميع الحضور ، لأنّ حكم القرية لا يختلف في الجمعة.

ولو سمعوا النداء من قريتين فأيّتهما حضروا جاز. والأولى أن يحضروا الموضع الذي تكثر فيه الجماعة(٣) .

ولو كانت قريتان على جبلين يصلّى في إحداهما الجمعة ، والْاُخرى يسمعون النداء وبينهما قرية لا يسمعون ، وجب على المستمعين الحضور للسماع. وفي الْاُخرى وجهان : العدم ، لانتفاء موجبه ، والوجوب ، لأنّ إيجاب الحضور على الأبعد يستلزم أولوية إيجابه على الأقرب(٤) .

وهذا كلّه عندنا ساقط ، فإنّ من الناس الأصمّ وثقيل السمع ، وقد يكون‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤٨٧ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٦ ، الوجيز ١ : ٦٥ ، فتح العزيز ٤ : ٦٠٨ - ٦٠٩ ، حلية العلماء ٢ : ٢٢٤.

(٢) المجموع ٤ : ٤٨٧ ، فتح العزيز ٤ : ٦٠٨ ، حلية العلماء ٢ : ٢٢٤ - ٢٢٥.

(٣) المجموع ٤ : ٤٨٧ و ٤٨٨.

(٤) حلية العلماء ٢ : ٢٢٥.


النداء بين يدي المنبر فلا يسمعه إلّا مَنْ في الجامع ، وقد يكون المؤذّن خفي الصوت أو في يوم ذي ريح ، وقد يكون المستمع نائماً أو مشغولاً بما يمنع السماع ويسمع من هو أبعد ، فيفضي ذلك إلى إيجابها على البعيد دون القريب ، وهو باطل بالإِجماع.

مسألة ٤٢٢ : قد بيّنّا وجوب الجمعة على مَنْ سقطت عنه للعذر‌ لو حضر ، لانتفاء المشقّة.

ولقول حفص بن غياث عن بعض مواليه : « إنّ الله فرض الجمعة على المؤمنين والمؤمنات ، ورخّص للمرأة والمسافر والعبد أن لا يأتوها فإذا حضروها سقطت الرخصة ولزمهم الفرض الأول » فقلت : عمّن هذا؟ فقال : عن مولانا الصادقعليه‌السلام (١) .

وفي المرأة نظر ، وإطلاق الشيخ(٢) يقتضيه.

تذنيب : إذا صلّى مَنْ سقطت عنه ، الظهر ، ثم زال المانع قبل أداء الجمعة ، لم تجب عليه‌ ، كالعبد يصلّي ثم يعتق والوقت باقٍ ، وكذا المسافر إذا صلّى ثم نوى الإِقامة.

أمّا الصبي إذا صلّى ثم بلغ ، فالوجه عندي : وجوب الحضور عليه ، لأنّ مبدأ التكليف الآن ، وما فعله أوّلاً لم يكن واجباً ، فلم يسقط به فرضاً عنه.

وقال الشافعي : لا يجب عليه ، لأنّ الصبي إذا صلّى في الوقت ثم بلغ ، لم تجب عليه الإِعادة كذا هنا(٣) .

والأصل ممنوع.

____________________

(١) التهذيب ٣ : ٢١ - ٢٢ / ٧٨.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٤٣.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١١٦ و ١١٧ ، المجموع ٤ : ٤٩٥ ، الوجيز ١ : ٦٥ ، فتح العزيز ٤ : ٦١٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٢٦.


المطلب الثالث : في ماهيتها وآدابها ولواحقها‌

مسألة ٤٢٣ : الجمعة ركعتان كسائر الصلوات ، وتتميّز بما تقدّم من الشرائط ، والآداب الآتية ، وتسقط معها الظهر بالإِجماع.

ويستحب أن يقرأ في الْاُولى بعد الحمد سورة الجمعة ، وفي الثانية بعد الحمد سورة المنافقين عند علمائنا - وبه قال الشافعي(١) - لأنّ عبد الله بن أبي رافع - وكان كاتباً لعليعليه‌السلام - قال : كان مروان يستخلف أبا هريرة على المدينة ، فاستخلفه مرّة فصلّى الجمعة ، فقرأ في الأوّلة الجمعة ، وفي الثانية المنافقين ، فلمـّا انصرف مضيت إلى جنبه ، فقلت : يا أبا هريرة لقد قرأت بسورتين قرأهما عليعليه‌السلام ، فقال : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يقرأ بهما(٢) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « وإذا كان صلاة الجمعة فاقرأ بسورة الجمعة والمنافقين »(٣) .

وقال الشافعي في القديم : يقرأ في الْاُولى « سبّح اسم » وفي الثانية « الغاشية »(٤) . وينسب إلى رواية النعمان بن بشير(٥) .

وقال أبو حنيفة : يكره تعيين سورة في الصلاة(٦) .

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٠ ، المجموع ٤ : ٥٣٠ ، الوجيز ١ : ٦٦ ، حلية العلماء ٢ : ٢٣٨ ، المغني ٢ : ١٥٧.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٥٩٧ - ٥٩٨ / ٨٧٧ ، سنن أبي داود ١ : ٢٩٣ / ١١٢٤ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٥٥ / ١١١٨ ، سنن الترمذي ٢ : ٣٩٦ - ٣٩٧ / ٥١٩ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٠٠.

(٣) التهذيب ٣ : ٥ - ٦ / ١٣.

(٤) المجموع ٤ : ٥٣٠ - ٥٣١ ، فتح العزيز ٤ : ٦٢٢.

(٥) الناسب هو الصيدلاني كما في فتح العزيز ٤ : ٦٢٢ ، وراجع : صحيح مسلم ٢ : ٥٩٨ / ٨٧٨.

(٦) اللباب ١ : ١١١ ، المجموع ٤ : ٥٣١ ، فتح العزيز ٤ : ٦٢٢ ، الميزان ١ : ١٩١.


وقال مالك : يقرأ في الْاُولى الجمعة ، وفي الثانية الغاشية(١) .

فروع :

أ : لو قرأ غير هاتين السورتين عمداً ، لم تبطل جمعته : عملاً بالأصل.

ولقول الكاظمعليه‌السلام وقد سأله علي بن يقطين عن الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمّداً ، قال : « لا بأس بذلك »(٢) .

ب : لو نسي فقرأ في الْاُولى غير الجمعة ، احتمل قراءتها في الثانية ، لتدارك فضلها ، وقراءة المنافقين ، لأنّه محلّها.

وقال الشافعي : يقرأهما معاً في الثانية(٣) ، وقد بيّنّا(٤) بطلان القِران.

ولو قرأ المنافقين في الْاُولى قرأ في الثانية الجمعة ، تحصيلاً لفضيلة السورتين.

ج : يستحب الجهر بالجمعة إجماعاً ، وفي الظهر يوم الجمعة قولان : فالشيخ على استحبابه جماعةً وفرادى(٥) ، لقول الصادقعليه‌السلام : « نعم » وقد سأله الحلبي عن القراءة يوم الجمعة إذا صلّيت وحدي أربعاً أجهر بالقراءة؟(٦) .

والمرتضى على استحبابه جماعة لا فرادى(٧) ، لقول الصادقعليه‌السلام : « صلّوا في السفر صلاة جمعة جماعة بغير خطبة ، واجهروا‌

____________________

(١) المدونة الكبرى ١ : ١٥٨ ، بداية المجتهد ١ : ١٦٤ ، المجموع ٤ : ٥٣١ ، فتح العزيز ٤ : ٦٢٢ - ٦٢٣.

(٢) التهذيب ٣ : ٧ / ١٩ ، الاستبصار ١ : ٤١٤ / ١٥٨٦.

(٣) المجموع ٤ : ٥٣١ ، الوجيز ١ : ٦٦ ، فتح العزيز ٤ : ٦٢٢.

(٤) تقدم في المسألة ٢٣٢.

(٥) المبسوط للطوسي ١ : ١٥١.

(٦) الكافي ٣ : ٤٢٥ / ٥ ، التهذيب ٣ : ١٤ / ٤٩ ، الاستبصار ١ : ٤١٦ / ١٥٩٣.

(٧) حكاه عنه المحقق في المعتبر : ٢٠٨.


بالقراءة »(١) .

وقال بعض علمائنا : لا يجهر في الظهر جماعة أيضاً(٢) ، لأنّ جميلاً سأل الصادقعليه‌السلام عن الجماعة يوم الجمعة في السفر ، قال : « تصنعون كما تصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر ، ولا يجهر الإِمام ، إنّما يجهر إذا كانت خطبة »(٣) والعمل بهذه أحوط.

مسألة ٤٢٤ : تستحب الزينة يوم الجمعة بحلق الرأس‌ إن كان من عادته ، وإلّا غسله بالخطمي ، وقصّ الأظفار ، وأخذ الشارب ، والتطيّب ، ولبس أفضل الثياب ، والسعي على سكينة ووقار ، والغسل مقدّماً على الصلاة.

قال الصادقعليه‌السلام في قوله تعالى( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) (٤) قال : « في العيدين والجمعة »(٥) .

وقالعليه‌السلام : « ليتزيّن أحدكم يوم الجمعة ، ويتطيّب ، ويسرّح لحيته ، ويلبس أنظف ثيابه ، وليتهيّأ للجمعة ، ويكون عليه في ذلك اليوم السكينة والوقار »(٦) .

ويستحب له ترك الركوب مع القدرة ، لأنّ النبيعليه‌السلام ما ركب في عيد ولا جنازة قطّ(٧) . والجمعة أولى ، إلّا أنّه لم ينقل فيها قول عنهعليه‌السلام ، لأنّ باب حجرته في المسجد.

ويستحب السواك ، وقطع الروائح الكريهة ، لئلّا يؤذي من يقاربه.

____________________

(١) التهذيب ٣ : ١٥ / ٥١ ، الاستبصار ١ : ٤١٦ / ١٥٩٥.

(٢) هو ابن إدريس في السرائر : ٦٥.

(٣) التهذيب ٣ : ١٥ / ٥٣ ، الاستبصار ١ : ٤١٦ / ١٥٩٧.

(٤) الأعراف : ٣١.

(٥) الكافي ٣ : ٤٢٤ / ٨ ، التهذيب ٣ : ٢٤١ / ٦٤٧.

(٦) الكافي ٣ : ٤١٧ / ١ ، التهذيب ٣ : ١٠ / ٣٢ ، الفقيه ١ : ٦٤ / ٢٤٤.

(٧) أورده ابنا قدامة في المغني ٢ : ١٤٨ ، والشرح الكبير ٢ : ٢٠٥.


وأفضل الثياب البيض ، لقولهعليه‌السلام : « أحب الثياب إلى الله تعالى البيض ، يلبسها أحياؤكم ، ويكفّن فيها موتاكم »(١) .

وينبغي للإِمام الزيادة في التجمّل ، لأنّه المنظور إليه ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يعتمّ ويرتدي ، ويخرج في الجمعة والعيدين على أحسن هيئة(٢) .

مسألة ٤٢٥ : تستحب المباكرة إلى الجامع‌ - خلافاً لمالك ، فإنّه أنكر استحباب السعي قبل النداء(٣) - لقولهعليه‌السلام : ( من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنّما قرّب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنّما قرّب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنّما قرّب كبشاً أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنّما قرّب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنّما قرّب بيضة ، فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر )(٤) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « إنّ الجنان لتزخرف وتزيّن يوم الجمعة لمن أتاها ، وإنّكم تتسابقون إلى الجنّة على قدر سبقكم إلى الجمعة ، وإنّ أبواب الجنة لتفتح لصعود أعمال العباد »(٥) .

ولما فيه من المسارعة إلى الطاعات ، والتفرّغ للعبادة في المسجد الأعظم.

____________________

(١) مصنف عبد الرزاق ٣ : ٤٢٩ / ١٦٩٨ ( نحوه ).

(٢) اُنظر : سنن البيهقي ٣ : ٢٤٦ و ٢٤٧.

(٣) التفريع ١ : ٢٣١ ، المغني ٢ : ١٤٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٠٣.

(٤) صحيح البخاري ٢ : ٣ ، صحيح مسلم ٢ : ٥٨٢ / ٨٥٠ ، سنن الترمذي ٢ : ٣٧٢ / ٤٩٩ ، سنن أبي داود ١ : ٩٦ / ٣٥١ ، سنن النسائي ٣ : ٩٩ ، الموطأ ١ : ١٠١ / ١.

(٥) الكافي ٣ : ٤١٥ / ٩ ، التهذيب ٣ : ٣ - ٤ / ٦.


فروع :

أ : المراد بالساعة الْاُولى هنا بعد الفجر‌ ، لما فيه من المبادرة إلى الجامع المرغَّب فيه وإيقاع صلاة الصبح فيه ، ولأنّه أول النهار ، وهو قول بعض الشافعية(١) .

وقال بعضهم : بعد طلوع الشمس ، لأنّ أهل الحساب يعدّون أول النهار طلوع الشمس(٢) .

ب : يستحب الدعاء أمام التوجّه‌ ، لقول الباقرعليه‌السلام لأبي حمزة الثمالي : « ادع في العيدين ويوم الجمعة إذا تهيَّأت للخروج بهذا الدعاء : اللّهم من تهيّأ وتعبّأ »(٣) إلى آخره.

ج : قال الشيخ في الخلاف : الوقت الذي يرجى استجابة الدعاء فيه : ما بين فراغ الإِمام من الخطبة إلى أن يستوي الناس في الصفوف‌ ، لقول الصادقعليه‌السلام : « الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة ما بين فراغ الإِمام من الخطبة إلى أن يستوي الناس في الصفوف »(٤) .

وقال الشافعي : هو آخر النهار عند غروب الشمس(٥) .

وفي رواية لنا : استجابة الدعاء في الساعتين معاً عن الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - قال : « الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة ما بين فراغ الإِمام من الخطبة إلى أن يستوي الناس في الصفوف ، وساعة اُخرى من آخر النهار إلى غروب الشمس »(٦) .

____________________

(١ و ٢ ) المجموع ٤ : ٥٤٠ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢١.

(٣) التهذيب ٣ : ١٤٢ / ٣١٦.

(٤) الكافي ٣ : ٤١٤ / ٤ ، التهذيب ٣ : ٢٣٥ / ٦١٩.

(٥) الخلاف ١ : ٦١٧ ، المسألة ٣٨٥ ، وراجع : المجموع ٤ : ٥٤١ و ٥٤٩.

(٦) الكافي ٣ : ٤١٤ / ٤ ، التهذيب ٣ : ٢٣٥ / ٦١٩‌


د : يستحب الإِكثار من الصلاة على النبي وآلهعليهم‌السلام ‌ ، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أقربكم منّي في الجنّة أكثركم صلاةً عليَّ ، فأكثروا الصلاة عليَّ في الليلة الغرّاء واليوم الأزهر )(١) .

قال الصادقعليه‌السلام عن يوم الجمعة وليلتها : « ليلتها ليلة غرّاء ، ويومها يوم أزهر »(٢) .

وقالعليه‌السلام : « إذا كان ليلة الجمعة نزل من السماء ملائكة بعدد الذّر في أيديهم أقلام الذهب ، وقراطيس الفضّة ، لا يكتبون إلى ليلة السبت إلّا الصلاة على محمد وعلى آل محمد ، فأكثروا منها » ثم قال : « إن من السنّة أن تصلّي على محمد وعلى أهل بيته في كلّ جمعة ألف مرة وفي سائر الأيام مائة مرة »(٣) .

ه- : يكره لغير الإِمام أن يتخطّى رقاب الناس‌ قبل ظهور الإِمام وبعده ، سواء كانت له عادة بالصلاة في موضع أو لم تكن - وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب والشافعي وأحمد(٤) - لأنّ رجلاً جاء يتخطّى رقاب الناس والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يخطب ، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( اجلس فقد آذيت )(٥) .

ولما فيه من أذى الغير.

وقال مالك : إن لم يكن الإِمام ظهر لم يكره ، وكذا إن ظهر وكان له عادة بالصلاة في موضع معيّن ، وإلّا كره(٦) .

____________________

(١) أورد نحوه البيهقي في سننه ٣ : ٢٤٩.

(٢) الكافي ٣ : ٤٢٨ - ٢.

(٣) الكافي ٣ : ٤١٦ - ١٣ ، التهذيب ٣ : ٤ - ٩.

(٤) المجموع ٤ : ٥٤٦ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢١ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٣ ، المغني ٢ : ٢٠٣.

(٥) سنن ابن ماجة ١ : ٣٥٤ - ١١١٥ ، سنن أبي داود ١ : ٢٩٢ - ١١١٨ ، سنن النسائي ٣ : ١٠٣.

(٦) المدونة الكبرى ١ : ١٥٩ ، المنتقى للباجي ١ : ٢٠٣ ، المجموع ٤ : ٥٤٦ - ٥٤٧.


و : لا يجوز له أن يقيم أحداً من مجلسه الذي سبق إليه ، لقولهعليه‌السلام : ( لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه ، ولكن يقول : تفسّحوا وتوسّعوا )(١) .

ولا تكره إقامته في مواضع : إمّا بأن يجلس في مصلّى الإِمام ، أو في طريق الناس ، أو يستقبل المصلّين والموضع ضيّق عليهم ، ولو كان متسعاً تنحّوا عنه يميناً وشمالاً ، لئلّا يستقبلوه بالصلاة.

نعم إذا اعتاد إنسان القعود في موضع ، كره لغيره مزاحمته له ، كما في السوق ، ولو قام لحاجة عرضت له بنيّة العود ، فجاء غيره وقعد ، استحب للقاعد أن يقوم من موضعه حتى يعود إليه ، من غير وجوب.

ولو فرش له منديل أو مصلّى ، لم يكن موجباً للاختصاص لو رفعه غيره وإن كان مخطئاً.

ولو ازدحم الناس في آخر المسجد وبين أيديهم فرجة ، لم يكره التخطّي.

ز - قصد الجامع لمن اختلّت شرائط الجمعة في حقّه مستحب‌ ، لأنّ الباقرعليه‌السلام كان يبكر إلى المسجد الجامع يوم الجمعة حين تكون الشمس قدر رمح ، فإذا كان شهر رمضان يكون قبل ذلك(٢) .

ح - لو لم يكن الإِمام مرضياً ، قدّم المصلّي ظُهره على صلاة الإِمام ، ويجوز أن يصلّي معه ركعتين ثم يتمّ الظهر بعد فراغ الإِمام ، لقول الصادقعليه‌السلام : « في كتاب عليعليه‌السلام إذا صلّوا الجمعة في وقت فصلّوا معهم ولا تقومنّ من مقعدك حتى تصلّي ركعتين اُخريين »(٣) .

ولو صلّى في منزله أوّلاً جاز ، لأنّ أبا بكر الحضرمي قال للباقر عليه‌

____________________

(١) مسند أحمد ٢ : ١٠٢.

(٢) الكافي ٣ : ٤٢٩ / ٨ ، التهذيب ٣ : ٢٤٤ / ٦٦٠.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٨ / ٩٦.


السلام : إنّي اُصلّي في منزلي ثم أخرج فاُصلّي معهم ، قال : « كذا أصنع »(١) .

مسألة ٤٢٦ : يستحب التنفّل يوم الجمعة زيادةً على نوافل الظهرين‌ بأربع ركعات.

قال الشيخ : ويستحب تقديم نوافل الظهر قبل الزوال ، ولم أجد لأحد من الفقهاء وفاقاً في ذلك ، ويستحبّ بالإِجماع منّا ، لأنّ منّا من يستحبّ تقديمها ، ومنّا من يستحبّ تقديم أكثرها.

ولما رواه علي بن يقطين قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن النافلة التي تصلّى يوم الجمعة قبل الجمعة أفضل أو بعدها؟ قال : « قبل الصلاة »(٢) (٣) . وعليها عمل الشيخ في أكثر كتبه(٤) .

إذا عرفت هذا ، فقد روي عن الصادقعليه‌السلام أنه قال : « أمّا أنا إذا كان يوم الجمعة وكانت الشمس من المشرق مقدارها من المغرب في وقت العصر صلّيت ست ركعات ، فإذا انتفخ النهار صلّيت ست ركعات ، فإذا زاغت الشمس صلّيت ركعتين ، ثم صلّيت الظهر ، ثم صلّيت بعدها ستّاً »(٥) .

ومثله عن الرضاعليه‌السلام (٦) .

ولو أخّرها جاز إجماعاً منّا.

واستحبّ أحمد ركعتين بعد الجمعة ، وإن شاء أربعاً ، وإن شاء ستاً(٧) .

____________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٤٦ / ٦٧١.

(٢) التهذيب ٣ : ١٢ / ٣٨ و ٢٤٦ / ٦٧٢ ، الاستبصار ١ : ٤١١ / ١٥٧٠.

(٣) الخلاف ١ : ٦٣٢ المسألة ٤٠٦.

(٤) راجع : المبسوط للطوسي ١ : ١٥٠ ، والنهاية : ١٠٤ ، والخلاف ١ : ٦٣٢ ، المسألة ٤٠٦.

(٥) الكافي ٣ : ٤٢٨ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١١ / ٣٥ ، الاستبصار ١ : ٤١٠ / ١٥٦٦.

(٦) الكافي ٣ : ٤٢٧ / ١ ، التهذيب ٣ : ١٠ / ٣٤ ، الاستبصار ١ : ٤٠٩ / ١٥٦٥.

(٧) المغني ٢ : ٢١٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٩٦ ، مسائل أحمد : ٥٩.


واستحبّ أبو حنيفة أربعاً(١) .

مسألة ٤٢٧ : الأذان الثاني بدعة عند علمائنا‌ ، لقول الباقرعليه‌السلام : « الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة »(٢) .

وسمّاه بالثالث - كما هو في عبارة بعض علمائنا(٣) - بالنسبة إلى الإِقامة.

ولأن النبيّعليه‌السلام لم يفعله اتّفاقاً ، وشرّع للصلاة أذاناً واحداً وإقامةً ، فالزيادة الثالثة بدعة.

وكان الأذان يوم الجمعة حين يجلس الإِمام على المنبر على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعلى عهد أبي بكر وعمر ، فلّما كان زمن عثمان كثر الناس ، فأمر بالأذان الثالث بالزوراء(٤) (٥) .

ولا اعتبار بما فعله عثمان مخالفةً للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقال عطاء : أول مَنْ فَعَله معاوية(٦) .

قال الشافعي : ما فعله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأبو بكر وعمر أحبّ إليَّ(٧) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يستحبّ أن يؤذّن بعد جلوس الإِمام على المنبر ، قاله الشافعي ، قال : وأن يكون المؤذّن واحداً ، لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(١) شرح فتح القدير ٢ : ٣١٠ ، الهداية للمرغيناني ١ : ١٣٣ ، كتاب الحجة على أهل المدينة ١ : ٢٩٤‌

(٢) الكافي ٣ : ٤٢١ / ٥ ، التهذيب ٣ : ١٩ / ٦٧.

(٣) كما في السرائر : ٦٤ ، والمعتبر : ٢٠٦.

(٤) الزوراء : موضع بالمدينة يقف المؤذنون على سطحه للنداء. مجمع البحرين ٣ : ٣٢٠ ، معجم البلدان ٣ : ١٥٦ «زور ».

(٥) صحيح البخاري ٢ : ١٠ ، سنن أبي داود ١ : ٢٨٥ / ١٠٨٧ ، سنن الترمذي ٢ : ٣٩٢ / ٥١٦ ، سنن النسائي ٣ : ١٠٠ - ١٠١ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٠٥ ، مسند أحمد ٣ : ٤٥٠.

(٦ و ٧) الاُم ١ : ١٩٥.


كان له مؤذّن واحد(١) .

وعندي فيهما إشكال.

إذا ثبت هذا ، فإنّ الأذان لصلاة العصر يوم الجمعة مكروه ، بل إذا فرغ من الظهر صلّى العصر بغير أذان ، للمشقّة بالحضور إلى الجامع ، والإِعلام قد حصل.

إذا ثبت هذا ، فالأقرب أنّه لا يستحبّ حكاية هذا الأذان لو وقع ، إذ الأمر بالحكاية ينصرف إلى المشروع. وكذا أذان المرأة ، والأذان المكروه كأذان العصر يوم الجمعة ويوم عرفة ومزدلفة.

والوجه : استحباب حكاية أذان الفجر لو وقع قبله وإن استحبّ إعادته بعده ، وأذان من أخذ عليه اُجرةً وإن حرمت ، دون أذان المجنون والكافر.

مسألة ٤٢٨ : البيع بعد النداء يوم الجمعة حرام‌ بالنص والإِجماع.

قال الله تعالى( وَذَرُوا الْبَيْعَ ) (٢) والأمر للوجوب ، والنهي للتحريم.

ولا خلاف بين العلماء في تحريمه.

والنداء الذي يتعلّق به التحريم هو النداء الذي يقع بعد الزوال والخطيب جالس على المنبر ، قاله الشيخ - وبه قال الشافعي وعمر بن عبد العزيز وعطاء والزهري(٣) - لأنّه تعالى علّق التحريم بالنداء ، وإنّما ينصرف إلى الأذان الذي فعله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، دون الوقت ، فينتفي التحريم قبل النداء(٤) .

____________________

(١) الاُم ١ : ١٩٥ ، المجموع ٣ : ١٢٤.

(٢) الجمعة : ٩.

(٣) كما في الخلاف للشيخ الطوسي ١ : ٦٣٠ ، المسألة ٤٠٢ ، وراجع : المجموع ٤ : ٥٠٠ ، وفتح العزيز ٤ : ٦٢٤ ، وعمدة القاري ٦ : ٢٠٤.

(٤) الخلاف ١ : ٦٢٩ - ٦٣٠ ، المسألة ٤٠٢ ، والمبسوط للطوسي ١ : ١٥٠.


وقال مالك وأحمد : إذا زالت الشمس حرم البيع جلس الإِمام أو لم يجلس(١) .

وليس بجيّد ، لما تقدّم.

فروع :

أ - لو جوّزنا الخطبة قبل الزوال - كما ذهب إليه بعض علمائنا(٢) - لم يسغ الأذان قبله‌ مع احتماله.

ومتى يحرم البيع حينئذٍ؟ إن قلنا بتقديم الأذان ، حرم البيع معه - وبه قال أحمد(٣) - لأنّ المقتضي - وهو سماع الذكر - موجود. وإلّا فإشكال ينشأ : من تعليق التحريم بالنداء ، ومن حصول الغاية.

ب - البيع بعد الزوال قبل النداء مكروه عندنا‌ ، لما فيه من التشاغل عن التأهّب للجمعة ، وبه قال الشافعي(٤) .

وعند أحمد ومالك أنّه محرّم(٥) . وقد تقدّم.

ج - لو كان بعيداً من الجمعة يفتقر إلى قطع المسافة قبل الزوال ، وجب السعي وحرم البيع‌ إن منع ، وإلّا فلا.

د - لو تبايعا بعد السعي حال الأذان فإشكال ، وبالجملة لو لم يمنع البيع من سماع الخطبة ، أو منع وقلنا بعدم الوجوب ومنع تحريم الكلام فالوجه : التحريم ، للعموم(٦) .

____________________

(١) حكاه عنهما الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٦٣٠ ، المسألة ٤٠٢ ، وراجع : المغني ٢ : ١٤٥ ، وتفسير القرطبي ١٨ : ١٠٨.

(٢) ذهب إليه الشيخ الطوسي في النهاية : ١٠٥ ، والمبسوط ١ : ١٥١ ، والمحقق في شرائع الإِسلام ١ : ٩٥ ، والمعتبر : ٢٠٤.

(٣) اُنظر : المغني ٢ : ١٤٤ و ١٤٥.

(٤) المجموع ٤ : ٥٠٠ ، فتح العزيز ٤ : ٤٢٦ ، رحمة الاُمة ١ : ٨٠.

(٥) المغني ٢ : ١٤٥ ، وانظر لقولهما أيضاً : الخلاف ١ : ٦٣٠ المسألة ٤٠٢.

(٦) المستفاد من الآية ٩ من سورة الجمعة.


ه- - التحريم مختص بمن يجب عليه السعي‌ دون غيرهم ، كالنساء والصبيان والمسافرين وغيرهم عند علمائنا ، وبه قال الشافعي(١) .

وعن أحمد رواية بالتحريم(٢) .

وقال مالك : يمنع العبيد كالأحرار أيضاً(٣) .

وليس بمعتمد ، لأنّ النهي عن البيع متوجّه إلى مَنْ اُمر بالسعي.

ولو كانوا في قرية لا جمعة على أهلها ، لم يحرم البيع ولا كره أيضاً إجماعاً.

و - لو كان أحد المتبايعين مخاطباً دون الآخر ، حرم بالنسبة إلى المخاطب‌ إجماعاً ، وهل يحرم على الآخر؟

قال الشيخ : إنّه يكره ، لأنّ فيه إعانةً على فعل محرّم ، وهو يقتضي التحريم ، لقوله تعالى( وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) (٤) (٥) .

والوجه عندي : التحريم في حقّه أيضاً ، للآية(٦) ، وبه قال الشافعي(٧) .

ز - لو تبايعا ، فعلا حراماً ، وهل ينعقد البيع؟ لعلمائنا قولان :

المنع(٨) - وبه قال أحمد ومالك وداود(٩) - لأنّ النهي يقتضي الفساد.

____________________

(١) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٦٣٠ ، المسألة ٤٠٣ ، وراجع : الاُم ١ : ١٩٥.

(٢) المغني ٢ : ١٤٦.

(٣) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٦٣٠ ، المسألة ٤٠٣ ، وراجع : المدوّنة الكبرى ١ : ١٥٤.

(٤) المائدة : ٢.

(٥) المبسوط للطوسي ١ : ١٥٠.

(٦) الجمعة : ٩.

(٧) المجموع ٤ : ٥٠٠ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٧.

(٨) ممّن قال بعدم الانعقاد : الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٦٣١ المسألة ٤٠٤ ، والمبسوط ١ : ١٥٠ ، والفاضل الآبي في كشف الرموز ١ : ١٧٧.

(٩) المجموع ٤ : ٥٠١ ، بلغة السالك ١ : ١٨٣ ، تفسير القرطبي ١٨ : ١٠٨ ، أحكام القرآن =


والصحّة(١) - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(٢) - لأنّ النهي في المعاملات لا يقتضي الفساد ، بل في العبادات.

ولأنّ البيع غير مقصود بالنهي ، فإنّه لو ترك الصلاة والمبايعة ، كان عاصياً ، وإذا لم يكن مقصوداً ، فالتحريم لا يمنع انعقاده ، كما لو ترك الصلاة المفروضة بعد ضيق الوقت واشتغل بالبيع ، فإنّه يصحّ إجماعاً.

ح - هل يحرم غير البيع من الإِجارة والنكاح والصلح وغيرها؟ إشكال‌ ينشأ : من اختصاص النهي بالبيع فلا يتعدّاه. ومن المشاركة في العلّة.

مسألة ٤٢٩ : المصر ليس شرطاً في الجمعة‌ ، فتجب على أهل القرى مع الاستيطان عند علمائنا أجمع - وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك وأحمد وإسحاق والشافعي(٣) - لعموم الأمر(٤) .

ولأنّ ابن عباس قال : إنّ أول جمعة جُمّعت بعد جمعة بالمدينة لَجُمعةٌ جُمّعت بجواثا(٥) من البحرين من قرى عبد القيس(٦) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا كان قوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات ، فإن كان لهم مَنْ يخطب جمّعوا إذا كانوا خمسة‌

____________________

= للجصاص ٣ : ٤٤٨ ، فتح العزيز ٤ : ٦٢٤.

(١) ممّن قال بصحّة البيع : المحقق في المعتبر : ٢٠٧ ، وشرائع الإِسلام ١ : ٩٨ ، ومختصر النافع : ٣٦ ، ويحيى بن سعيد الحلي في الجامع للشرائع : ٩٦.

(٢) الاُم ١ : ١٩٥ ، المجموع ٤ : ٥٠٠ و ٥٠١ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٧ ، أحكام القرآن للجصاص ٣ : ٤٤٨.

(٣) المجموع ٤ : ٥٠٥ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٠ ، المنتقى للباجي ١ : ١٩٦ ، المغني ٢ : ١٧٥ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧٣ ، المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٣.

(٤) الجمعة : ٩.

(٥) جُواثا بالضم : حصن لعبد القيس بالبحرين فتحه العلاء الحضرمي في أيام أبي بكر سنة ١٢ ه‍. معجم البلدان ٢ : ١٧٤ مادّة ( جواثا ).

(٦) صحيح البخاري ٢ : ٦ ، سنن أبي داود ١ : ٢٨٠ / ١٠٦٨ ، سنن البيهقي ٣ : ١٧٦.


نفر ، وإنّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين »(١) .

ولأنه بناء استوطنه العدد ، فيجب عليهم الجمعة ، كأهل المصر.

وقال أبو حنيفة والثوري : لا تصح إقامة الجمعة إلّا في مصر جامع ، فلا تجب على أهل القرى والسواد ، لقول عليعليه‌السلام : « لا جمعة ولا تشريق إلّا في مصر جامع »(٢) (٣) .

ونحن نقول بموجبه ، فإنّ الاعتبار بكونه جامعاً للعدد والشرائط الباقية ، لا بكونه مصراً.

قال أبو يوسف : المصر ما كان فيه سُوقٌ ، وقاضٍ يستوفي الحقوق ، ووالٍ يستوفي الحدود(٤) .

فإن سافر الإِمام فدخل قريةً ، فإن كان أهلها يقيمون الجمعة ، صلّى الجمعة ، وإلّا لم يصلّها.

مسألة ٤٣٠ : وليس البنيان شرطاً عندنا‌ ، بل الاستيطان ، فتجب على أهل الخيم والبادية إذا كانوا مستوطنين - وهو أحد قولي الشافعي ، وقول أبي ثور(٥) - للعموم(٦) .

ولقولهعليه‌السلام : ( جمّعوا حيث كنتم )(٧) .

والآخر : لا يجب إلّا على أهل مصر أو قرية مبنيّة بالحجارة ، أو الآجر ،

____________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٣٨ / ٦٣٤ ، الاستبصار ١ : ٤٢٠ / ١٦١٤.

(٢) مصنّف ابن أبي شيبة ٢ : ١٠١ ، سنن البيهقي ٣ : ١٧٩.

(٣) المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٣ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٢ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٥٩ ، المجموع ٤ : ٥٠٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٢٩ ، المغني ٢ : ١٧٥ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧٣.

(٤) المبسوط للسرخسي ٢ : ٢٣ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٥٩.

(٥) المجموع ٤ : ٥٠١ ، فتح العزيز ٤ : ٤٩٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٢٩.

(٦) المستفاد من الآية ٩ من سورة الجمعة.

(٧) مصنّف ابن أبي شيبة ٢ : ١٠١ ، وفيه هذا القول منسوب الى عمر ، كما أنّ المصنّف نسبه إليه في المنتهى ١ : ٣٢٠.


أو اللِّبْن ، أو السعف والجريد والشجر متّصلة البناء ، فلو كانت متفرّقةً ، فإن تقاربت ، فكالواحدة ، وإن تباعدت ، لم تجب الجمعة(١) .

واختلف أصحابه في القرب ، فقيل : إذا كان بين منزلين دون ثلاثمائة ذراع ، فقريب كما هو قريب في الائتمام.

وقيل : بتجويز القصر عند إرادة السفر ، فإن كان البُعْد بين المنزلين قدراً إذا خرج من منزله بقصد السفر يشترط أن يتجاوزه في استباحة القصر فقريب ، وإلّا فلا(٢) .

فإن انهدمت أو احترقت ، فإن بقي العدد ملازمين ليصلحوها ، جمّعوا وإن لم يكونوا تحت ظلال ، لأنّهم لم يخرجوا بذلك عن الاستيطان في ذلك المكان.

مسألة ٤٣١ : ولا يشترط استيطانهم شتاءً وصيفاً في منزل واحد‌ لا يظعنون عنه إن قحطوا ، ولا يرغبون عنه بخصب غيره - وبه قال أبو ثور(٣) - للعموم(٤) .

ولأنّ عبد الله بن عمر كان يرى أهل المياه بين مكّة والمدينة يجمّعون فلا يعتب(٥) عليهم(٦) .

وقال الشافعي : يجب ذلك إن أوجبنا الجمعة عليهم ، لأنّ قبائل العرب كانت حول المدينة فلم ينقل أنّهعليه‌السلام أمرهم بإقامة الجمعة ولا أقاموها ، ولو كان ذلك ، لنقل فدلّ على أنّها لا تقام في بادية ، بل إن سمعوا النداء‌

____________________

(١) الاُم ١ : ١٩٠ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٧ ، المجموع ٤ : ٥٠١ ، الوجيز ١ : ٦١ ، فتح العزيز ٤ : ٤٩٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٢٩ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٠.

(٢) اُنظر : فتح العزيز ٤ : ٤٩٦.

(٣) حلية العلماء ٢ : ٢٢٩.

(٤) المستفاد من الآية ٩ من سورة الجمعة.

(٥) في نسخة « ش » : فلا يعيب.

(٦) مصنف عبد الرزاق ٣ : ١٧٤ / ٥١٨٥.


من بلد أو قرية ، لزمهم قصدها وإلّا فلا(١) . وهو ممنوع.

إذا عرفت هذا ، فإن استوطنوا منزلاً ثم سافروا عنه إلى مسافة بعد عشرة أيام فصاعداً لم تجب عليهم الجمعة في مسيرهم بل في مقصدهم إن عزموا إقامة المدّة فيه ، وكذا لو سافروا إلى ما دون المسافة ، فإنّه تجب عليهم الجمعة في المسافة والمقصد معاً.

ولو أقاموا دون عشرة ثم سافروا إلى المسافة ، فالوجه : وجوبها عليهم في المسافة والمقصد ، لوجوب الإِتمام عليهم. وإن كان فيه إشكال ينشأ : من مفهوم الاستيطان هل المراد منه المقام ، أو ما يجب فيه التمام؟

مسألة ٤٣٢ : تجوز إقامة الجمعة خارج المصر‌ - وبه قال أبو حنيفة وأحمد(٢) - للامتثال بالإِتيان بالجمعة ، ولأنّها صلاة شرّع لها الاجتماع والخطبة ، فجاز فعلها خارج المصر كالعيد.

وقال الشافعي : لا يجوز أن يصلّي الإِمام الجمعة بأهل المصر خارج المصر ، لأنّه موضع يجوز لأهل المصر قصر الصلاة فيه ، فلم يجز لهم إقامة الجمعة فيه كالبعيد ، بخلاف العيد ، لأنّها ليست مردودةً من فرض إلى فرض ، وهذه مردودة ، فجاز أن يختص فعلها بمكان(٣) .

وتجويز الاختصاص لا يستلزمه.

ونمنع في البعيد أيضاً إذا لم يبلغ المسافة ، خلافاً لأبي حنيفة(٤) .

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١١٧ ، المجموع ٤ : ٥٠١ و ٥٠٥ ، الوجيز ١ : ٦١ ، فتح العزيز ٤ : ٤٩٥ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨١ ، كفاية الأخيار ١ : ٩١.

(٢) بدائع الصنائع ١ : ٢٦٠ ، المغني ٢ : ١٧٦ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧٢ ، المجموع ٤ : ٥٠٥ ، فتح العزيز ٤ : ٤٩٣ ، الميزان ١ : ١٨٨.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١١٧ ، المجموع ٤ : ٥٠١ ، الوجيز ١ : ٦١ ، فتح العزيز ٤ : ٤٩٣ ، الميزان ١ : ١٨٨ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٠ ، السراج الوهاج : ٨٥ ، المغني ٢ : ١٧٦ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧٢.

(٤) بدائع الصنائع ١ : ٢٦٠ ، فتح العزيز ٤ : ٤٩٣ ، الميزان ١ : ١٨٨ ، المغني ٢ : ١٧٦ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧٢ ، المجموع ٤ : ٥٠٥.


والقصر باعتبار السفر لا باعتبار خروجه عن المصر ، لأنّ الأصل عدم الاشتراط ، ولا نصّ في اشتراطه ولا معنى نصّ.

مسألة ٤٣٣ : يسقط وجوب الجمعة عمّن صلّى العيد‌ لو اتّفقا في يوم واحد عدا الإِمام ، فإنّه يجب عليه الحضور ، وغيره يتخيّر ، ويستحبّ له إعلامهم ذلك ، ذهب إليه علماؤنا ، عدا أبا الصلاح(١) - وبه قال عليعليه‌السلام ، وعمر وعثمان وسعيد وابن عمر وابن عباس وابن الزبير والشعبي والنخعي والأوزاعي وعطاء وأحمد(٢) - لأنّه اجتمع على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، عيدان ، فصلّى العيد وخطب فقال : ( أيها الناس قد اجتمع عيدان في يوم ، فمن أراد أن يشهد الجمعة فليشهد ، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف )(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « اجتمع على عهد أمير المؤمنينعليه‌السلام عيدان ، فقال : هذا يوم قد اجتمع فيه عيدان ، فمن أحبَّ أن يجمّع معنا فليفعل ، ومن لم يفعل فإنّ له رخصةً »(٤) .

ولأن الجمعة إنّما زادت على الظهر بالخطبة وقد حصل سماعها في العيد ، فأجزأ عن سماعها ثانياً.

ولأنّ وقتهما متقارب ، فتسقط إحداهما بالْاُخرى ، كالجمعة مع الظهر.

ولأنّه يوم عيد جعل للراحة واللذّة ، فإن أقام المصلّي إلى الزوال ، لحقته المشقّة ، وإن عاد ، لحقته المشقّة أيضاً.

____________________

(١) الكافي في الفقه : ١٥٥.

(٢) المغني ٢ : ٢١٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٩٣ ، المحرر في الفقه ١ : ١٥٩ ، الإِنصاف ٢ : ٤٠٣ ، المجموع ٤ : ٤٩٢ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٩.

(٣) مصنف عبد الرزاق ٣ : ٣٠٤ - ٣٠٥ / ٥٧٢٩ نحوه‌

(٤) الكافي ٣ : ٤٦١ / ٨ ، التهذيب ٣ : ١٣٧ / ٣٠٦.


وقال أبو الصلاح منّا(١) وباقي الفقهاء من الجمهور : لا تسقط(٢) ، للعموم(٣) .

ولأنّها ليست من فرائض الأعيان فلا يسقط بها ما هو من فرائض الأعيان.

والعموم مخصوص بالأدلّة ، وكونها ليست من فرائض الأعيان ممنوع على ما يأتي.

أمّا الإِمام فلا يجوز له التخلّف إجماعاً طلباً لإِقامتها مع مَنْ يحضر وجوباً ، أو استحباباً.

خاتمة : قال الرضاعليه‌السلام : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الجمعة سيد الأيام‌ تضاعف فيه الحسنات ، وتمحى فيه السيئات ، وترفع فيه الدرجات ، وتستجاب فيه الدعوات ، وتكشف فيه الكربات ، وتقضى فيه الحاجات العظام ، وهو يوم المزيد ، لله فيه عتقاء وطلقاء من النار ، ما دعا اللهَ فيه أَحدٌ من الناس وعرف حقّه وحرمته إلّا كان حقّاً على الله أن يجعله من عتقائه وطلقائه من النار ، فإن مات في يومه وليلته مات شهيداً ، وبعث آمناً ، وما استخفّ أحد بحرمته وضيّع حقّه إلّا كان حقّاً على الله عزّ وجلّ أن يصليه نار جهنم إلّا أن يتوب »(٤) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يستحبّ إذا دخل وإذا خرج في الشتاء أن يكون في ليلة الجمعة »(٥) .

وقال الباقرعليه‌السلام : « إنّ الله تعالى لينادي كلّ ليلة جمعة من فوق‌

____________________

(١) الكافي في الفقه : ١٥٥.

(٢) الاُم ١ : ٢٣٩ ، المجموع ٤ : ٤٩٢ ، فتح العزيز ٥ : ٦٧ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٦١ ، المغني ٢ : ٢١٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٩٣ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٩.

(٣) المستفاد من الآية ٩ من سورة الجمعة.

(٤) الكافي ٣ : ٤١٤ / ٥ ، التهذيب ٣ : ٢ / ٢ ، المقنعة : ٢٥ ، مصباح المتهجد : ٢٣٠.

(٥) الكافي ٣ : ٤١٣ / ٣ ، التهذيب ٣ : ٤ / ١٠.


عرشه من أول الليل إلى آخره : ألا عبد مؤمن يدعوني لآخرته ودنياه قبل طلوع الفجر فاُجيبه ، ألا عبد مؤمن يتوب إليَّ من ذنوبه قبل طلوع الفجر فأتوب عليه ، ألا عبد مؤمن قد قترت عليه رزقه فيسألني الزيادة في رزقه قبل طلوع الفجر فأزيده واُوسِّع عليه ، ألا عبد مؤمن سقيم يسألني أن اُشفيه قبل طلوع الفجر فاُعافيه ، ألا عبد مؤمن محبوس مغموم يسألني أن أطلقه من حبسه واُخلّي سربه ، ألا عبد مؤمن مظلوم يسألني أن آخذ له بظلامته قبل طلوع الفجر فأنتصر له ، وآخذ له بظلامته » قال : « فلا يزال ينادي بهذا حتى يطلع الفجر »(١) .

وقال الباقرعليه‌السلام : « إذا صلّيت العصر يوم الجمعة فقل : اللهم صلّ على محمّد وآل محمد الأوصياء المرضيين بأفضل صلواتك ، وبارك عليهم بأفضل بركاتك ، وعليهم‌السلام وعلى أرواحهم وأجسادهم ورحمة الله وبركاته » قال : « مَنْ قالها في دبر العصر كتب الله له مائة ألف حسنة ، ومحا عنه مائة ألف سيّئة ، وقضى له مائة ألف حاجة ، ورفع له بها مائة ألف درجة »(٢) .

وقال زين العابدينعليه‌السلام : « جاء أعرابي إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يقال له : قليب ، فقال له : يا رسول الله إنّي تهيّأت إلى الحجّ كذا وكذا مرّة فما قُدّر لي ، فقال له : يا قليب عليك بالجمعة فإنّها حجّ المساكين »(٣) .

ويستحب الصلاة على محمّد وآل محمدعليهم‌السلام ، بأن يقول : اللهم صلّ على محمّد وآل محمد ، وعجّل فرجهم ، وأهلك عدوّهم من الجنّ والإِنس من الأولين والآخرين ، مائة مرة ، أو ما قدر عليه.

____________________

(١) الفقيه ١ : ٢٧١ / ١٢٣٧ ، التهذيب ٣ : ٥ / ١١ ، المقنعة : ٢٥.

(٢) التهذيب ٣ : ١٩ / ٦٨.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٣٦ - ٢٣٧ / ٦٢٥.


ويستحبّ أن يقرأ ليلة الجمعة : بني إسرائيل ، والكهف ، والطواسين الثلاث(١) ، وسجدة لقمان(٢) ، و « حم » السجدة(٣) ، و « حم » الدخان ، والواقعة.

* * *

____________________

(١) الطواسين الثلاث هي : الشعراء والنمل والقصص.

(٢) المراد : سورة السجدة التي تلي سورة لقمان.

(٣) « حم » السجدة هي سورة فصّلت.



الفصل الثاني : في صلاة العيدين‌

وفيه مطلبان :

الأول : الماهية‌

مسألة ٤٣٤ : صلاة العيدين واجبة على الأعيان‌ عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة(١) ، إلّا أنّه لم يسمّها فرضاً ، وهي منازعة لفظية - لقوله تعالى( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) (٢) .

والمشهور في التفسير : أنّ المراد صلاة العيد(٣) .

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، داوم عليها ولم يخلّ بها في وقت من الأوقات ، ولو كانت تطوّعاً ، لأهملها(٤) في بعض الأوقات ، ليدلّ بذلك على نفي وجوبها.

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « صلاة العيد‌

____________________

(١) المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٧ ، شرح فتح القدير ٢ : ٣٩ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٥ ، اللباب ١ : ١١٥ ، الميزان ١ : ١٩٤ ، رحمة الاُمة ١ : ٨٦ ، عمدة القاري ٦ : ٢٧٣ ، المغني ٢ : ٢٢٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٢٣ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٧٤ - ٢٧٥ ، فتح العزيز ٥ : ٤ و ٥.

(٢) الكوثر : ٢.

(٣) اُنظر : أحكام القرآن لابن العربي ٤ : ١٩٨٦ ، تفسير الطبري ٣٠ : ٢١١ ، تفسير غرائب القرآن ٣٠ : ١٧٩ ، الكشاف للزمخشري ٤ : ٢٩١.

(٤) في هامش الطبعة الحجرية نسخة بدل : « لأخلّ بها ».


فريضة »(١) .

ولأنّها لو لم تجب لم يجز قتال تاركيها كسائر السنن ، لأنّ القتال عقوبة فلا يتوجّه إلى تارك المندوب.

ولأنّها من شعائر الدين الظاهرة وأعلامه ، فتكون واجبةً على الأعيان كالجمعة.

وقال أحمد بن حنبل : إنّها واجبة على الكفاية لا على الأعيان - وهو قول للشافعية(٢) - لأنّها صلاة سُنّ فيها تكبير متكرّر متوالٍ ، فكانت واجبةً على الكفاية ، كصلاة الجنازة(٣) .

والملازمة ممنوعة. ولأنّ الأصل في الوجوب عدم السقوط بفعل البعض.

وقال مالك وأكثر الشافعية : إنّها مندوبة لا واجبة ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ذكر للأعرابي خمس صلوات ، فقال : هل عليَّ غيرها؟ فقال : ( لا ، إلّا أن تطوّع )(٤) .

ولأنّها صلاة ذات ركوع لم يسنّ لها الإِقامة ، فلم تكن واجبةً بالشرع ابتداءً ، كصلاة الاستسقاء(٥) .

والسقوط عن الأعرابي لا يستلزمه في حقّ غيره ، لعدم الاستيطان فيه.

____________________

(١) الفقيه ١ : ٣٢٠ / ١٤٥٧ ، التهذيب ٣ : ١٢٧ / ٢٦٩ و ٢٧٠ ، الاستبصار ١ : ٤٤٣ / ١٧١٠ و ١٧١١.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٥ ، المجموع ٥ : ٢ ، فتح العزيز ٥ : ٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٣.

(٣) المغني ٢ : ٢٢٣ - ٢٢٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٢٣ ، فتح العزيز ٥ : ٤.

(٤) صحيح مسلم ١ : ٤٠ - ٤١ / ١١ ، سنن أبي داود ١ : ١٠٦ / ٣٩١ ، سنن البيهقي ١ : ٣٦١ ، الموطّأ ١ : ١٧٥ / ٩٤.

(٥) الكافي في فقه أهل المدينة : ٧٧ ، المغني ٢ : ٢٢٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٢٣ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٥ ، المجموع ٥ : ٢ و ٣ ، فتح العزيز ٥ : ٣ - ٤.


ولأنّه سأل عن نفسه.

ويمكن اختصاصه بحال تسقط عنه صلاة العيد ، فلا تسقط في حقّ غيره.

والجامع الذي ذكروه مع الاستسقاء ينتقض بالجنازة والمنذورة ، مع أنّه وصف سلبي والاشتراك في السلوب لا يقتضي الاشتراك في الأحكام.

مسألة ٤٣٥ : شرائط الجمعة هي شرائط العيدين‌ إلّا الخطبتين.

وتجبان على كلِّ مَنْ تجب عليه الجمعة عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة وأحمد في رواية ، والشافعي في القديم(١) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّاها مع شرائط الجمعة ، وقالعليه‌السلام : ( صلّوا كما رأيتموني اُصلّي )(٢) .

ولأنّ كلّ مَنْ أوجبها على الأعيان اشترط ذلك ، وقد ثبت الوجوب ، فيجب الاشتراط ، لعدم الفارق.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « لا صلاة يوم الفطر والأضحى إلّا مع إمام »(٣) .

ولأنّها صلاة عيد ، فأشبهت الجمعة ، لأنّها أحد العيدين.

وقال الحسن والشافعي في الجديد ، وأحمد في رواية : ليس لها‌

____________________

(١) المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٧ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٥ ، المغني ٢ : ٢٤٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٣٧ - ٢٣٨ ، الاُم ١ : ٢٤٠ ، مختصر المزني : ٣٠ ، المجموع ٥ : ٣ و ٢٦ ، فتح العزيز ٥ : ٥ و ٩.

(٢) صحيح البخاري ١ : ١٦٢ ، سنن الدارمي ١ : ٢٨٦ ، سنن الدار قطني ١ : ٣٤٦ / ١٠ ، سنن البيهقي ٢ : ٣٤٥.

(٣) الكافي ٣ : ٤٥٩ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٢٨ / ٢٧٢ ، الاستبصار ١ : ٤٤٤ / ١٧١٣ ، ثواب الأعمال : ١٠٣ / ٣.


شرط ، فيصلّيها المنفرد والعبد والمسافر والنساء ، لأنّ الاستيطان ليس شرطاً فيها ، فلم تكن من شرطها الجماعة(١) .

والصغرى ممنوعة ، فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يصلّها في سفره ولا خلفاؤه.

إذا عرفت هذا ، فإنّ الشيخ قال في المبسوط : صلاة العيدين فريضة عند حصول شرائطها ، وشرائطها شرائط الجمعة سواء في العدد والخطبة وغير ذلك(٢) .

وفي هذه العبارة نظر.

إذا ثبت هذا ، فلو امتنع من إقامتها مع الشرائط ، قهر عليه ، ولو امتنع قوم من أدائها ، قوتلوا لإِقامتها ، لأنّها واجبة.

مسألة ٤٣٦ : لو فقدت الشرائط أو بعضها ، سقط وجوبها‌ دون استحبابها ، بل يستحبّ الإِتيان بها جماعة وفرادى ، سفراً وحضراً - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّها عبادة فات شرط وجوبها ، فاستحبّ الإِتيان بها كالحجّ.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ لم يشهد الجماعة في العيدين فليغتسل وليتطيّب بما وجد ، وليصلّ وحده كما يصلّي في الجماعة »(٤) .

ومنع أبو حنيفة من فعلها إلّا مع الجماعة(٥) .

____________________

(١) الاُم ١ : ٢٤٠ ، مختصر المزني : ٣١ ، المجموع ٥ : ٢٦ ، فتح العزيز ٥ : ٩ ، الميزان للشعراني ١ : ١٩٤ ، مغني المحتاج ١ : ٣١٠ ، المغني ٢ : ٢٤٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٣٨ ، الإِنصاف ٢ : ٤٢٤ و ٤٢٦.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٦٩.

(٣) فتح العزيز ٥ : ٩ ، الميزان للشعراني ١ : ١٩٤ ، مغني المحتاج ١ : ٣١٠ ، المغني ٢ : ٢٤٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٣٨.

(٤) الفقيه ١ : ٣٢٠ / ١٤٦٣ ، التهذيب ٣ : ١٣٦ / ٢٩٧ ، الاستبصار ١ : ٤٤٤ / ١٧١٦.

(٥) المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٧ ، اللباب ١ : ١١٥ ، فتح العزيز ٥ : ٩ ، رحمة الاُمة ١ : ٨٦ - ٨٧ ، المغني ٢ : ٢٤٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٣٨.


وعن أحمد روايتان كالجمعة(١) .

والفرق : أنّها بدل عن الظهر ، فمع فوات الشرط ينتقل إلى المبدل ، بخلاف العيد.

إذا عرفت هذا ، فإنّه يصلّيها كما يصلّيها لو كانت واجبةً. ولو صلّاها في جماعة ، استحبّت الخطبة كما تجب في الواجبة. ولو صلّاها منفرداً ، فالأقرب : أنّه لا يخطب.

قال الشيخ في المبسوط : وقد روي أنّه إن أراد أن يصلّيها أربع ركعات ، جاز(٢) .

مسألة ٤٣٧ : هل يشترط بين فرضي العيدين بُعْد فرسخ كما قلنا في الجمعة؟ إشكال‌ ينشأ : من اتّحادهما في الشرائط. ومن كونه شرطاً ، فإنّ علماءنا عدّوا الشروط ولم يذكروه شرطاً بالنصوصية وإن حكموا بالبطلان مع الاقتران وصحّة السابق منهما.

مسألة ٤٣٨ : ووقت صلاة العيدين من طلوع الشمس إلى الزوال‌ عند علمائنا - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّ عبد الله بن بسر صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، خرج في يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر إبطاء الإِمام ، فقال : إنّا كنّا قد فرغنا ساعتنا هذه ، وذلك حين صلاة التسبيح(٤) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « ليس في الفطر ولا الأضحى أذان ولا إقامة ، أذانهما طلوع الشمس ، فإذا طلعت خرجوا »(٥) .

____________________

(١) المغني ٢ : ٢٤٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٣٧ - ٢٣٨ ، الإِنصاف ٢ : ٤٢٤.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٦٩ ، وانظر التهذيب ٣ : ١٣٥ / ٢٩٥ ، والاستبصار ١ : ٤٤٦ / ١٧٢٥.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٥ ، المجموع ٥ : ٤ ، الوجيز ١ : ٦٩ ، فتح العزيز ٥ : ٧ ، مغني المحتاج ١ : ٣١٠ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٥ ، السراج الوهاج : ٩٥.

(٤) سنن ابن ماجة ١ : ٤١٨ / ١٣١٧ ، سنن أبي داود ١ : ٢٩٥ - ٢٩٦ / ١١٣٥.

(٥) الكافي ٣ : ٤٥٩ / ١ ، التهذيب ٣ : ١٢٩ / ٢٧٦ ، ثواب الأعمال : ١٠٣ - ١٠٤ / ٧ وفيها عن =


وقال أحمد : حين ترتفع قدر رمح ، لأنّ النافلة تكره قبل ذلك(١) . وقد بيّنا وجوبها.

إذا عرفت هذا ، فإنّه يستحبّ تأخيرها إلى أن تنبسط الشمس ليتوفّر الناس على الحضور.

وسأل سماعة الصادقعليه‌السلام ، عن الغدوّ إلى المصلّى في الفطر والأضحى ، فقال : « بعد طلوع الشمس »(٢) .

قال الشيخ في المبسوط : وقت صلاة العيد إذا طلعت الشمس وارتفعت وانبسطت ، فإن كان يوم الفطر أصبح بها أكثر ، لأنّ من المسنون يوم الفطر أن يفطر أوّلا على شي‌ء من الحلاوة ، ثم يصلّي وفي يوم الأضحى لا يذوق شيئاً حتى يصلّي ويضحّي ، ويكون إفطاره على شي‌ء ممّا يضحّي به(٣) .

ولأنّ الأفضل إخراج الفطرة قبل الصلاة ، فيؤخّرها ليتّسع الوقت لذلك ، والأضحى يقدّمها ليضحّي بعدها ، فإنّ وقتها بعد الصلاة.

مسألة ٤٣٩ : وهي ركعتان كالصبح ، إلّا أنّه يزيد فيها خمس تكبيرات في الْاُولى ، وأربعاً في الثانية غير تكبيرة الإِحرام وتكبيرتي الركوعين ، فيكون الزائد تسعاً عند أكثر علمائنا(٤) ، لأنّ البراء بن عازب قال : كبّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في العيد تسعاً : خمساً في الْاُولى ، وأربعاً في الثانية(٥) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « التكبير في الفطر والأضحى اثنتا عشرة تكبيرة : يكبّر في الْاُولى ، ثم يقرأ ، ثم يكبّر بعد القراءة‌

____________________

= الإِمام الباقرعليه‌السلام

(١) المغني ٢ : ٢٣٢ - ٢٣٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٢٤.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٨٧ / ٨٥٩.

(٣) المبسوط للطوسي ١ : ١٦٩.

(٤) منهم : الشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ١٧٠ ، وابن إدريس في السرائر : ٧٠ ، والمحقق في المعتبر : ٢١٠.

(٥) أورده المحقق في المعتبر : ٢١١.


خمس تكبيرات ، والسابعة يركع بها ، ثم يقرأ في الثانية ويكبّر أربعاً ، والخامسة يركع بها »(١) . ومثله عن الكاظمعليه‌السلام (٢) .

وقال المفيد والمرتضى : يكبّر في الْأُولى خمساً زائدةً على تكبيرة الإِحرام وتكبيرة الركوع ، ويقوم إلى الثانية مكبّراً ، ثم يقرأ ويكبّر ثلاث مرات ويركع بالرابعة(٣) .

وقال الشافعي والأوزاعي وإسحاق : الزائد على تكبيرة الإِحرام وتكبيرتي الركوعين اثنتا عشرة تكبيرة : سبع في الْاُولى ، وخمس في الثانية ، لقول عائشة : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يكبّر في العيدين اثنتي عشرة تكبيرة سوى تكبيرة الافتتاح(٤) (٥) .

ولعلّه وهم من عائشة في العدد بواحد(٦) .

وقال أحمد : يكبّر في الْاُولى ستّاً غير تكبيرة الإِحرام والركوع ، وفي الثانية خمساً غير تكبيرة النهوض والركوع. وهو مروي عن فقهاء المدينة‌

____________________

(١) التهذيب ٣ : ١٣١ / ٢٨٦ ، الاستبصار ١ : ٤٤٩ / ١٧٣٦.

(٢) التهذيب ٣ : ١٣٢ / ٢٨٧ ، الاستبصار ١ : ٤٤٩ / ١٧٣٧.

(٣) المقنعة : ٣٢ ، المسائل الناصرية ( الجوامع الفقهية ) : ٢٣٩ ، المسألة ١١١.

(٤) سنن الدار قطني ٢ : ٤٦ / ١٢ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٩٨.

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٧ ، المجموع ٥ : ١٧ و ١٩ ، فتح العزيز ٥ : ٤٦ ، المغني ٢ : ٢٣٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤٦ - ٢٤٧ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٥ - ٢٥٦.

(٦) إشارة إلى الحديث المشهور عن عائشة من أنّ رسول الله ٦ ، كبّر في الفطر والأضحى سبعاً وخمساً سوى تكبيرتي الركوع ، حيث يصبح المجموع اثنتي عشرة تكبيرة مع تكبيرة الافتتاح. اُنظر : سنن أبي داود ١ : ٢٩٩ / ١١٤٩ و ١١٥٠ ، والمغني ٢ : ٢٣٦ ، والشرح الكبير ٢ : ٢٤٦.

وفي هذا الحديث استثنت عائشة - في قولها - تكبيرة الافتتاح من العدد ، فيصبح معها ثلاث عشرة تكبيرة فلا حظ.


السبعة(١) ، وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والمزني(٢) .

وقال أبو حنيفة والثوري : في كلّ من الْاُولى والثانية ثلاث ثلاث ، لأنّ أبا موسى روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه كان يكبّر في الأضحى ، والفطر أربعاً تكبيرَة على الجنازة(٣) (٤) .

وضعّفها الخطّابي(٥) ، فلا يعتدّ بها.

وقال ابن عباس وأنس والمغيرة بن شعبة وسعيد بن المسيب والنخعي : يكبّر سبعاً سبعاً(٦) .

مسألة ٤٤٠ : موضع التكبيرات الزائدة بعد القراءة قبل الركوع‌ في الركعتين معاً عند أكثر علمائنا(٧) ، لأنّه قنوت في صلاة فرض ، فيكون بعد القراءة كالفرائض اليومية.

ولقول الصادقعليه‌السلام ، وقد سأله معاوية بن عمّار عن صلاة العيدين ، فقال : « ركعتان يفتتح ثم يقرأ ، ثم يكبّر خمس تكبيرات ، ثم يكبّر ويركع بالسابعة ، ثم يقوم فيقرأ ، ثم يكبّر أربع تكبيرات » قال : « وكذا صنع‌

____________________

(١) وهم : عروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وسعيد بن المسيب وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود والقاسم بن محمد بن أبي بكر وسليمان بن يسار. اُنظر : تهذيب التهذيب ١٢ : ٣٤ - ٣٥ ، الأعلام للزركلي ٢ : ٦٥ ، الموسوعة الفقهية ١ : ٣٦٤.

(٢) المغني ٢ : ٢٣٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤٦ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٧ ، بلغة السالك ١ : ١٨٧ ، الشرح الصغير ١ : ١٨٧ ، المجموع ٥ : ٢٠ ، فتح العزيز ٥ : ٤٦ ، المحلّى ٥ : ٨٣.

(٣) سنن أبي داود ١ : ٢٩٩ / ١١٥٣ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٨٩ - ٢٩٠.

(٤) الهداية للمرغيناني ١ : ٨٦ ، اللباب ١ : ١١٦ ، المغني ٢ : ٢٣٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤٧ ، فتح العزيز ٥ : ٤٦ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٧ ، المحلّى ٥ : ٨٣.

(٥) معالم السنن ٢ : ٣١ ، والمغني ٢ : ٢٣٦ ، والشرح الكبير ٢ : ٢٥٤.

(٦) المجموع ٥ : ٢٠ ، المغني ٢ : ٢٣٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤٧.

(٧) منهم : السيد المرتضى في الانتصار : ٥٦ - ٥٧ ، والشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ١٧٠ ، والمحقق في المعتبر : ٢١١.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله »(١) .

وقال بعض علمائنا : أنّه في الْاُولى قبل القراءة ، وفي الثانية بعدها(٢) - وبه قال أبو حنيفة ، وهو رواية عن أحمد ، وعن ابن مسعود وحذيفة وأبي موسى والحسن وابن سيرين والثوري(٣) - لما روي أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يوالي بين القراءتين(٤) .

ومن طريق الخاصة : رواية هشام بن الحكم عن الصادقعليه‌السلام في صلاة العيدين ، قال : « تصل القراءة بالقراءة »(٥) .

وقال الشافعي ومالك : يكبّر قبل القراءة في الركعتين معاً - وعن أحمد روايتان(٦) - لرواية عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه كبّر قبل القراءة فيهما(٧) (٨) .

وما ذكرناه أولى ، لموافقتها لباقي الصلوات.

إذا عرفت هذا ، فإنّ القائلين بالتقديم اختلفوا ، فقال الشافعي : يكبّر للإِحرام ثم يدعو بعدها بدعاء الاستفتاح ، ثم تكبيرات العيد ، ثم يتعوّذ ، ثم‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٦٠ / ٣ ، التهذيب ٣ : ١٢٩ / ٢٧٨ ، الاستبصار ١ : ٤٤٨ / ١٧٣٣.

(٢) هو ابن الجنيد كما في المعتبر : ٢١١.

(٣) المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٨ ، اللباب ١ : ١١٦ - ١١٧ ، المغني ٢ : ٢٣٥ ، الميزان للشعراني ١ : ١٩٥ ، رحمة الاُمّة ١ : ٨٧.

(٤) أوردها ابنا قدامة في المغني ٢ : ٢٣٥ ، والشرح الكبير ٢ : ٢٤٧ عن أبي موسى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقالا : رواه أبو داود. وليس في سنن أبي داود [ ١ : ٢٩٩ / ١١٥٣ ] أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والى بين القراءتين.

(٥) التهذيب ٣ : ٢٨٤ / ٨٤٧ ، الاستبصار ١ : ٤٥٠ / ١٧٤٤.

(٦) المغني ٢ : ٢٣٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥٣.

(٧) سنن أبي داود ١ : ٢٩٩ / ١١٥٢ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٨٦.

(٨) المهذّب للشيرازي ١ : ١٢٧ ، المجموع ٥ : ١٧ و ١٨ ، فتح العزيز ٥ : ٤٦ و ٥٠ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٦ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٧ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٧٨ ، المغني ٢ : ٢٣٥ - ٢٣٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥٣ - ٢٥٤.


يقرأ - وبه قال أحمد ومحمد بن الحسن(١) ، ولا نعرف لأبي حنيفة في ذلك شيئاً - لأنّ أبا سعيد الخدري قال : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يتعوّذ قبل القراءة(٢) .

ولأنّ التعوّذ تابع للقراءة ، فلا يفصل بينهما(٣) .

وعن أحمد رواية : أنّ الاستفتاح بعد التكبيرات. وهو قول الأوزاعي(٤) .

وقال أبو يوسف : يتعوّذ قبل التكبير ، لأنّه عقيب دعاء الاستفتاح في جميع الصلوات(٥) .

مسألة ٤٤١ : ويقنت عقيب كلّ تكبيرة‌ ، ويدعو بما شاء - والأفضل ما نقل عن أهل البيتعليهم‌السلام . وباستحباب الدعاء قال الشافعي وأحمد(٦) - لأنّ ابن مسعود قال للوليد بن عقبة وقد سأله عن كيفية الصلاة : يكبّر ، ويحمد الله ، ويثني عليه ، ويصلّي على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٧) .

ومن طريق الخاصة : قول محمد بن مسلم : سألت أحدهماعليهما‌السلام ، عن الكلام الذي يتكلّم به بين التكبيرتين في العيدين ، فقال : « ما‌

____________________

(١) المغني ٢ : ٢٣٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٦ ، المجموع ٥ : ٢١ ، المبسوط للسرخسي ٢ : ٤٢ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٧٧.

(٢) سنن البيهقي ٢ : ٣٥.

(٣) المجموع ٥ : ١٧ - ١٨ و ٢١ ، فتح العزيز ٥ : ٤٦ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٦ ، المغني ٢ : ٢٣٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤٤ - ٢٤٥.

(٤) المغني ٢ : ٢٣٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤٤ - ٢٤٥ ، المجموع ٥ : ٢١.

(٥) المبسوط للسرخسي ٢ : ٤٢ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٧٧ ، المجموع ٥ : ٢٠ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٦ ، المغني ٢ : ٢٣٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤٥.

(٦) المجموع ٥ : ١٧ و ٢١ ، فتح العزيز ٥ : ٤٨ و ٤٩ ، المغني ٢ : ٢٣٨ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥١.

(٧) سنن البيهقي ٣ : ٢٩١ - ٢٩٢.


شئت من الكلام الحسن »(١) .

ولأنها تكبيرات متكرّرة في حال القيام ، فاستحبّ أن يتخلّلها الذكر ، كتكبيرات الجنازة.

ونقل عن مالك أنّه قال : يقف بين كلّ تكبيرتين ولا يذكر شيئاً(٢) .

وقال أبو حنيفة : يوالي بين التكبيرات ، لأنّ الدعاء لو كان مسنوناً ، لنُقِل عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما نُقِل عنه التكبير.

ولأنّه ذكر مسنون في محلّ واحد متكرّر ، فكان متوالياً ، كالتسبيح في الركوع والسجود(٣) .

والنقل موجود ، والتسبيح ذكر يخفى ولا يظهر ، بخلاف التكبيرات.

مسألة ٤٤٢ : وأفضل ما يقال ما نقل عن أهل البيتعليهم‌السلام ، لأنّهم أعرف بكيفيات العبادات وما يناجى به الربّ ، لاستفادة علومهم من الوحي.

قال الباقرعليه‌السلام : « كان أمير المؤمنينعليه‌السلام إذا كبّر في العيدين قال بين كلّ تكبيرتين : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، اللهم أهل الكبرياء والعظمة ، وأهل الجود والجبروت ، وأهل العفو والرحمة ، وأهل التقوى والمغفرة ، أسألك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيداً ، ولمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ذخراً ومزيداً ، أن تصلّي على محمد وآل محمد ، كأفضل ما صلّيت على عبد من عبادك ، وصلِّ على ملائكتك ورسلك ، واغفر للمؤمنين والمؤمنات ، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبادك المرسلون ، وأعوذ بك‌

____________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٨٨ - ٨٦٣.

(٢) كما في فتح العزيز ٥ : ٤٩ ، وحكاه عنه القفّال الشاشي في حلية العلماء ٢ : ٢٥٨ ، وراجع : الكافي في فقه أهل المدينة : ٧٨.

(٣) المغني ٢ : ٢٣٨ ، فتح العزيز ٥ : ٤٩ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٨.


ممّا استعاذ منه عبادك المرسلون »(١) .

ومثله عن الصادقعليه‌السلام (٢) ، لكن لم يذكر الشهادتين.

وقال الشافعي : يقول : الله أكبر كبيراً ، والحمد لله كثيراً ، وسبحان الله بكرة وأصيلاً ، وصلّى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلّم تسليماً(٣) .

مسألة ٤٤٣ : اختلف علماؤنا في التكبيرات الزائدة ، والقنوت بينها هل هو واجب ، أو مستحب؟

قال الشيخ في التهذيب : مَنْ أخلَّ بالتكبيرات ، لم يكن مأثوماً ، لكن يكون تاركاً فضلاً(٤) .

وقال في الخلاف : يستحبّ أن يدعو بين التكبيرات بما يسنح له(٥) .

ويدلّ عليه قول أحدهماعليهما‌السلام ، وقد سئل عن الكلام الذي يتكلّم به بين التكبيرتين في العيدين ، فقال : « ما شئت من الكلام الحسن »(٦) . وبه قال الشافعي(٧) .

وقال بعض علمائنا : بالوجوب(٨) ، اتّباعاً لما فعله النبيعليه‌السلام ، وتنزيلاً لفعلهعليه‌السلام على الواجب ، وللفرق بين هذه الصلاة وبين الفرائض اليومية.

إذا عرفت هذا ، فإنّه لا يأتي بالدعاء بين تكبيرة الافتتاح والتكبير للعيد إن‌

____________________

(١) التهذيب ٣ : ١٤٠ / ٣١٥.

(٢) التهذيب ٣ : ١٣٩ / ٣١٤.

(٣) الاُم ١ : ٢٤١ ، المجموع ٥ : ١٧ ، فتح العزيز ٥ : ٤٩ ، مغني المحتاج ١ : ٣١١.

(٤) التهذيب ٣ : ١٣٤ ذيل الحديث ٢٩٠.

(٥) الخلاف ١ : ٦٦١ المسألة ٤٣٣.

(٦) التهذيب ٣ : ٢٨٨ / ٨٦٣.

(٧) المجموع ٥ : ١٧ ، فتح العزيز ٥ : ٤٨ ، مغني المحتاج ١ : ٣١٠ ، المغني ٢ : ٢٣٨.

(٨) ذهب إليه السيد المرتضى في الانتصار : ٥٧ ، وهو الظاهر من قول أبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : ١٥٤ حيث قال : ويلزمه أن يقنت بين كلّ تكبيرتين.


قلنا بالتقديم - وبه قال الشافعي(١) - لأنّ الذكر من سنّة تكبير العيد ، وتكبيرة الافتتاح لا يختص بالعيد.

تذنيب : لو نسي التكبير وقلنا بالتقديم حتى شرع في القراءة ، فإن قلنا بوجوبه ، قطع القراءة وكبّر ثم استأنف القراءة ، وإن ذكر بعد الفراغ من القراءة قبل الركوع كبّر.

وهل يعيد القراءة؟ إشكال ينشأ : من أنّها وقعت موقعها ، ومن تقديم التكبير.

وللشافعي قولان : ففي القديم : لا يسقط التكبير لو نسيه ، ويقطع القراءة ويكبّر ، ثم يستأنف القراءة ، ولا يبني ، لأنّه قطع القراءة بغيرها متعمّداً ، وإن ذكر بعد الفراغ كبَّر ، ولا تجب إعادة القراءة لكن تستحبّ ، لتكون القراءة بعد التكبيرات.

وفي الجديد : يسقط التكبير(٢) .

إذا عرفت هذا ، فعلى ما اخترناه من تأخير التكبير لو نسيه أو بعضه ثم ذكر قبل الركوع أتى به ، لأنّه محلّه. وإن ذكر بعد الركوع ، لم يلتفت ، لفوات محلّه ، ولا يقضيه ، سواء قلنا بوجوبه أو استحبابه ، عملاً بالأصل ، وبه قال الشافعي(٣) .

وقال أبو حنيفة : يأتي بها راكعاً(٤) .

وقال الشيخ : يقضيها(٥) . والوجه : ما تقدّم.

____________________

(١) المجموع ٥ : ١٧ ، فتح العزيز ٥ : ٤٩.

(٢) المجموع ٥ : ١٨ ، فتح العزيز ٥ : ٦١ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٧.

(٣) المجموع ٥ : ١٨ ، فتح العزيز ٥ : ٦١ ، السراج الوهاج : ٩٥ - ٩٦ ، مغني المحتاج ١ : ٣١١.

(٤) بدائع الصنائع ١ : ٢٧٨ ، فتح العزيز ٥ : ٦١ ، المغني ٢ : ٢٣٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥٦.

(٥) المبسوط للطوسي ١ : ١٧١.


مسألة ٤٤٤ : ويستحب رفع اليدين مع كلّ تكبيرة‌ عند علمائنا ، وبه قال عطاء وأبو حنيفة والشافعي وأحمد(١) - لأن النبيعليه‌السلام قال : ( لا ترفع الأيدي إلّا في سبعة مواطن ) وذكر من جملتها تكبيرات العيد(٢) .

ومن طريق الخاصة : قول يونس : سألتهعليه‌السلام عن تكبير العيدين ، فقال : « يرفع يديه مع كلّ تكبيرة »(٣) .

ولأنّه تكبير في الصلاة ، فاستحبّ رفع اليدين به(٤) ، كاليومية.

وقال مالك والثوري : لا يرفعهما في غير تكبيرة الإِحرام ، لأنّها تكبيرات في أثناء الصلاة ، فأشبهت تكبيرات السجود(٥) .

والحكم في الأصل ممنوع ، كما تقدّم.

فروع :

أ : لو شك في عدد التكبير وهو قائم بنى على اليقين.

ب : لو قدّمها على القراءة ناسياً ، أعاد على الرواية الْاُخرى(٦) ، لأنّ موضعها باقٍ.

ج : لو أدرك المأموم بعض التكبيرات مع الإمام أتمّ مع نفسه قبل أن يركع‌ ثم يدرك الإِمام ، فإن خاف فوت ركوع الإِمام كبّر بغير قنوت ، فإن خاف الفوت تركها وقضى بعد التسليم عند الشيخ(٧) . وعلى ما اخترناه فلا قضاء.

____________________

(١) المبسوط للسرخسي ٢ : ٣٩ ، الاُم ١ : ٢٣٧ ، المجموع ٥ : ٢١ ، الوجيز ١ : ٧٠ ، فتح العزيز ٥ : ٥١ ، السراج الوهاج : ٩٥ ، المغني ٢ : ٢٣٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤٩.

(٢) لم نعثر عليه في المصادر الحديثية المتوفرة لدينا ، وجاء في الهداية للمرغيناني ١ : ٨٦ ، والمبسوط للسرخسي ٢ : ٣٩.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٨٨ / ٨٦٦.

(٤) في « ش » والطبعة الحجرية زيادة : مع كل تكبيرة.

(٥) المدونة الكبرى ١ : ١٦٩ ، الشرح الصغير ١ : ١٨٨ ، المجموع ٥ : ٢١ ، فتح العزيز ٥ : ٥١.

المغني ٢ : ٢٣٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤٩.

(٦) وهي رواية معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام ، وتقدّمت في المسألة ٤٤٠.

(٧) المبسوط للطوسي ١ : ١٧١.


وقال الشافعي : إذا أدرك مع الإِمام البعض كبّر ما فاته على القديم من أنّه لا يسقط التكبير لو نسيه حتى قرأ - وبه قال أبو حنيفة(١) - وكذا لو أدركه وهو يقرأ فإنّه يكبّر ، وعلى الجديد : لا يكبّر ما فاته(٢) .

د : لو أدرك الإِمام وهو راكع ، كبّر وركع معه‌ ، ولا يقضي التكبير - وبه قال الشافعي وأحمد وأبو يوسف(٣) - لأنّه ذكر فات محلّه ، فيفوت بفواته ، كذكر الركوع.

وعلى قول الشيخ : يقضي. وبه قال أبو حنيفة ومحمد.

لكن الشيخ يقول : يقضي بعد الصلاة التكبير(٤) . وأبو حنيفة ومحمد يقولان : يقضيه في الركوع ، لأنّ الركوع بمنزلة القيام ، لأنّه يدرك به الركعة(٥) .

وهو ممنوع ، لتغاير الفعلين.

ه- : لو كبّر تكبيرات العيد قبل القراءة‌ عند مَنْ قال بالتقديم ، ثم شكّ هل نوى مع التكبيرة الْاُولى نية الافتتاح أم لا ، فالوجه : أنّه لا يلتفت ، لأنّه شكّ في شي‌ء بعد انتقاله عنه.

وقال الشافعي : لم يكن داخلاً في الصلاة ، فيكبّر وينوي الافتتاح(٦) .

فإن شك هل نوى مع الْاُولى أو مع الأخيرة ، بنى على أنّه نوى مع الْاُولى ، لما تقدّم.

____________________

(١) بدائع الصنائع ١ : ٢٧٨ ، فتح العزيز ٥ : ٦١.

(٢) المجموع ٥ : ١٩ ، فتح العزيز ٥ : ٦١ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٧‌

(٣) المجموع ٥ : ١٩ ، فتح العزيز ٥ : ٦١ ، المغني ٢ : ٢٣٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥٦ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٧٨.

(٤) المبسوط للطوسي ١ : ١٧١.

(٥) بدائع الصنائع ١ : ٢٧٨ ، فتح العزيز ٥ : ٦١.

(٦) الاُم ١ : ٢٣٧ ، المجموع ٥ : ١٨ ، فتح العزيز ٥ : ٥١.


وعند الشافعي يبني على أنّه نوى مع الأخيرة(١) .

مسألة ٤٤٥ : وتتعيّن الفاتحة في كلّ ركعة إجماعاً ممّن يوجبها في الصلوات ، وتجب سورة اُخرى في كلّ ركعة ولا يجب تعيينها إجماعاً كغيرها من الصلوات ، لكن اختلفوا في الأفضل ، فلعلمائنا قولان :

أحدهما : أنّه يقرأ في الْاُولى بعد الحمد « الأعلى » وفي الثانية بعدها « الشمس »(٢) ، لقول الباقرعليه‌السلام : « يقرأ في الْاُولى : سبّح اسم ربّك الأعلى ، وفي الثانية : والشمس وضحاها »(٣) .

والثاني : في الْاُولى بـ « الشمس » وفي الثانية بـ « الغاشية »(٤) ، لرواية معاوية بن عمّار قال : سألته ، إلى أن قال : « ثم يقرأ فاتحة الكتاب ، ثم يقرأ : والشمس وضحاها » ثم قال : « ثم يقوم فيقرأ : فاتحة الكتاب ، وهل أتاك حديث الغاشية »(٥) .

وللشيخ كالقولين(٦) .

وقال الشافعي : في الْاُولى بـ « ق » وفي الثانية بـ « القمر » لقول أبي واقد لمـّا سأله عمر عن قراءة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في العيدين : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يقرأ بـ « ق والقرآن المجيد » و « اقتربت‌

____________________

(١) المجموع ٥ : ١٨ ، فتح العزيز ٥ : ٥١.

(٢) قال به الصدوق في الفقيه ١ : ٣٢٤ ، وابن حمزة في الوسيلة : ١١١ ، وابن إدريس في السرائر : ٧٠.

(٣) التهذيب ٣ : ١٣٢ / ٢٨٨ ، الاستبصار ١ : ٤٤٩ / ١٧٣٨.

(٤) قال به المفيد في المقنعة : ٣٢ ، والسيد المرتضى في جمل العلم والعمل ضمن رسائله ٣ : ٤٤ ، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : ١٥٣ - ١٥٤ ، وابن البراج في المهذب ١ : ١٢٢ ، وابن زهرة في الغنية ( ضمن الجوامع الفقهية): ٤٩٩ - ٥٠٠.

(٥) الكافي ٣ : ٤٦٠ / ٣ ، التهذيب ٣ : ١٢٩ / ٢٧٨ ، الاستبصار ١ : ٤٤٨ / ١٧٣٣.

(٦) ذهب إلى القول الْأَوّل في المبسوط ١ : ١٧٠ ، والنهاية : ١٣٥. وإلى القول الثاني في الخلاف ١ : ٦٦٢ المسألة ٤٣٤.


الساعة »(١) (٢) .

وقال مالك وأحمد : يقرأ في الْاُولى بـ « سبّح اسم » وفي الثانية بـ « الغاشية » لرواية نعمان بن بشير : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يقرأ بذلك في العيدين والجمعة(٣) (٤) .

وقال أبو حنيفة : ليس بعض السور أولى من بعض ، لقوله تعالى :( فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ) (٥) (٦) .

وفعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، غير ما ذكرناه لا ينافي ما قلناه من الاستحباب. والمراد من الآية : صلّوا ما تيسّر من الصلاة.

مسألة ٤٤٦ : ويستحبّ الجهر بالقراءة في العيد إجماعاً‌ ، لأنّ النبيعليه‌السلام فعل ذلك.

ونقل الجمهور عن عليعليه‌السلام : أنّه كان إذا قرأ في العيد أسمع مَنْ يليه ، ولم يجهر ذلك الجهر(٧) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « يجهر الإِمام‌

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٦٠٧ / ٨٩١ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠٠ / ١١٥٤ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٠٨ / ١٢٨٢ ، سنن الترمذي ٢ : ٤١٥ / ٥٣٤ ، سنن النسائي ٣ : ١٨٤ ، موطأ مالك ١ : ١٨٠ / ٨ ، سنن الدار قطني ٢ : ٤٥ / ١١ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٩٤.

(٢) الاُم ١ : ٢٣٧ ، المجموع ٥ : ١٨ ، مختصر المزني : ٣١ ، فتح العزيز ٥ : ٥٠ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٥ ، السراج الوهاج : ٩٦ ، المغني ٢ : ٢٣٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥٢.

(٣) سنن ابن ماجة ١ : ٤٠٨ / ١٢٨١ ، سنن الدارمي ١ : ٣٧٧ ، سنن الترمذي ٢ : ٤١٣ / ٥٣٣ ، سنن النسائي ٣ : ١٨٤ و ١٩٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٩٤.

(٤) بداية المجتهد ١ : ٢١٧ ، المغني ٢ : ٢٣٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥٢ ، فتح العزيز ٥ : ٥٠.

(٥) المزمل : ٢٠.

(٦) بدائع الصنائع ١ : ٢٧٧ ، المغني ٢ : ٢٣٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥٣ ، فتح العزيز ٥ : ٥٠.

(٧) المغني ٢ : ٢٣٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥٢ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٢ : ١٨٠ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٩٥.


بالقراءة »(١) .

ولأنّها صلاة عيد ، فأشبهت الجمعة.

ويستحبّ أن يدعو بدعاء الاستفتاح عقيب تكبيرة الإِحرام ، وهو : « وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض » إلى آخره ، كغيرها من الفرائض ، فإذا فرغ تعوّذ ثم قرأ.

مسألة ٤٤٧ : تجب الخطبتان بعد الصلاة ، وقد أجمع المسلمون كافّة على أنّهما بعد الصلاة إلّا بني اُميّة ، فإنّ عثمان ومروان وابن الزبير خطبوا قبل الصلاة(٢) . وهو خلاف الإِجماع ، ومخالفة لسنّة النبيعليه‌السلام ، وسنّة خلفائه.

وروى طارق بن شهاب قال : قدّم مروان الخطبة قبل الصلاة ، فقام رجل فقال : خالفت السنّة ، كانت الخطبة بعد الصلاة. فقال : ترك ذاك يا أبا فلان ، فقال أبو سعيد الخدري : أمّا هذا فقد قضى ما عليه ، سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : ( مَنْ رأى منكم منكراً فلينكره بيده ، فمن لم يستطع فلينكره بلسانه ، فمن لم يستطع فلينكره بقلبه ، وذلك أضعف الإِيمان )(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « الخطبة بعد الصلاة ، وإنّما أحدثها قبل الصلاة عثمان »(٤) .

____________________

(١) التهذيب ٣ : ١٣٠ / ٢٨٢.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ٢٢ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٩٦ - ٢٩٧ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٩٦ وانظر المغني ٢ : ٢٣٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤٢ ، المنتقى للباجي ١ : ٣١٦.

(٣) مسند أبي داود الطيالسي : ٢٩٢ / ٢١٩٦.

(٤) الكافي ٣ : ٤٦٠ / ٣ ، التهذيب ٣ : ١٢٩ / ٢٧٨.


فروع :

أ - الخطبتان هنا كما هي في الجمعة‌ بإجماع العلماء إلّا أنّه ينبغي أن يذكر في خطبته ما يتعلّق بالفطرة ووجوبها ، وشرائطه ، وقدر المخرج ، وجنسه ، ومستحقّه ، ووقته. وفي الأضحى : حال الْاُضحية وما يتعلّق بها ، واستحبابها ، وما يجزئ فيها ، ووقت ذبحها ، وكيفية تفريقها ، وغير ذلك ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال في خطبته : ( مَنْ ذبح قبل أن يصلّي فإنّما هو شاة لحم عجّله لأهله ، ليس من النسك في شي‌ء ، ومَنْ ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها اُخرى ، ومَنْ ذبح بعد الصلاة فقد تمّ نسكه ، وقد أصاب سنّة المسلمين )(١) .

ب - ينبغي أن يخطب قائماً‌ ، لأنّ جابراً قال : خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يوم فطر أو أضحى ، فخطب قائماً ثم قعد ثم قام(٢) .

ومن طريق الخاصة : قول أحدهماعليهما‌السلام : « الصلاة قبل الخطبتين ، يخطب قائماً ، ويجلس بينهما »(٣) .

ولأنّها صلاة عيد ، فأشبهت خطبة الجمعة.

ج - يجلس بينهما‌ ، لما تقدّم من الحديثين(٤) .

وهل القيام والجلوس بينهما واجبان؟ إشكال ينشأ : من أصالة البراءة ، ومن الأمر بالقيام ، وهو ظاهراً للوجوب.

وقد روى الجمهور عن عليعليه‌السلام ، أنّه صلّى يوم عيد فبدأ‌

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٢١ و ٧ : ١٢٨ و ١٣٢ ، صحيح مسلم ٣ : ١٥٥١ / ١٩٦٠ و ١٥٥٢ / ١٩٦١ و ١٥٥٣ / ٧ ، سنن النسائي ٧ : ٢٢٤ ، مسند أحمد ٤ : ٢٨٢ و ٣١٣ ، وانظر المغني ٢ : ٢٤١.

(٢) سنن النسائي ٣ : ١٨٦ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٠٩ / ١٢٨٩.

(٣) المعتبر : ٢١٤.

(٤) تقدّما في الفرع « ب ».


بالصلاة قبل الخطبة ، ثم خطب على دابته(١) .

د - ينبغي للإِمام إذا صعد المنبر أن يبدأ بالسلام‌ كما قلنا في الجمعة ، فإذا سلّم فهل يجلس جلسة خفيفة قبل الخطبة؟ احتمال ينشأ : من المساواة لخطبة الجمعة فيجلس للاستراحة عن تعب الصعود ، وللتأهّب للخطبة وتأهّب الناس لاستماعها. ومن أنّ الجلوس في الجمعة لانتظار الأذان ، وهو منفي هنا.

ه- - قال أصحابنا : الخطبة هنا كالخطبة في الجمعة.

وظاهره : عدم استحباب التكبير وإن كان التكبير في نفسه حسناً ، إلّا أنّ المنع من اعتقاد مشروعيته هنا بالخصوصية.

وقال الشافعي : أول ما يبدأ في الخطبة الْاُولى بالتكبير تسع مرات ، وفي الثانية سبع مرات نسقاً(٢) .

قال أصحابه : وليس التكبير من الخطبة(٣) .

و - الخطبتان واجبتان كما قلنا‌ ، للأمر ، وهو للوجوب.

وقال الجمهور : بالاستحباب(٤) .

ز - لا يجب حضورهما ولا استماعهما إجماعاً - ولهذا اُخّرتا عن الصلاة ليتمكّن المصلّي من تركهما - بل يستحبّ.

روى عبد الله بن السائب أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال بعد صلاته : ( إنّا نخطب ، فمن أحبَّ أن يجلس للخطبة فليجلس ، ومن أحبّ أن يذهب‌

____________________

(١) المغني ٢ : ٢٤١ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥٨ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٢ : ١٨٩ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٩٨.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٧ ، المجموع ٥ : ٢٣ ، الوجيز ١ : ٧٠ ، فتح العزيز ٥ : ٥٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٨.

(٣) المجموع ٥ : ٢٣ ، وراجع : حلية العلماء ٢ : ٢٥٩.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٧ ، المجموع ٥ : ٢٢ ، المغني ٢ : ٢٤١ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥٧.


فليذهب )(١) .

ح - يستحب للنساء استماع الخطبتين‌ كالرجال ، لأنّ النبيعليه‌السلام ، لمـّا صلّى العيد قام متوكّئاً على بلال ، فأمر بتقوى الله ، وحثَّ على طاعته ، ووعظ الناس فذكَّرهم ، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهنّ وذكّرهن(٢) .

ومن طريق الخاصة : ما روت أُمّ عطية ، قالت : كنّا نُؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نُخرج البكر والحُيَّض يرجون بركة ذلك اليوم(٣) .

إذا عرفت هذا ، فالأولى بالشوابّ أن لا يخرجن من بيوتهنّ ، لقول الصادقعليه‌السلام : « لا يخرجن ، وليس على النساء خروج ، أقلّوا لهنّ من الهيئة حتى لا يسألن الخروج »(٤) .

وقد وردت رخصة بذلك للتعرّض للرزق.

روى عبد الله بن سنان قال : إنّما رخّص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، للعواتق في الخروج في العيدين للتعرّض للرزق(٥) .

____________________

(١) سنن النسائي ٣ : ١٨٥ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠٠ / ١١٥٥ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤١٠ / ١٢٩٠ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٩٥ ، سنن الدار قطني ٢ : ٥٠ / ٣٠ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٠١.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ٢٣ و ٢٦ و ٢٧ ، صحيح مسلم ٢ : ٦٠٣ / ٨٨٥ ، سنن النسائي ٣ : ١٨٦ ، سنن الدارمي ١ : ٣٧٧ ، سنن أبي داود ١ : ٢٩٧ / ١١٤١.

(٣) أوردها المحقّق في المعتبر : ٢١٢ بعد نقل حديث من طريق الخاصة بعنوان ما رُوي.

(٤) التهذيب ٣ : ٢٨٩ - ٢٩٠ / ٨٧٢.

(٥) التهذيب ٣ : ٢٨٧ / ٨٥٨.


المطلب الثاني : في سننها ولواحقها‌

مسألة ٤٤٨ : يستحبّ الغسل يوم الفطر والأضحى‌ - وقد تقدّم(١) - بلا خلاف ، لأنّ علياًعليه‌السلام كان يغتسل في الفطر والأضحى(٢) .

ووقته بعد طلوع(٣) الفجر ، لأنّه مضاف إلى اليوم ، وهو أحد قولي الشافعي وأحمد.

والثاني لهما : يجوز قبل الفجر ، لأنّ الصلاة تفعل بعد طلوع الشمس ، فيضيّق وقته ، بخلاف الجمعة(٤) .

ونمنع التضيّق.

وللشافعي قولان على التقديم : هل يجوز من أول الليل أو بعد نصفه؟(٥) .

ونحن عندنا يستحبّ غسلان : أحدهما ليلاً ، والثاني نهاراً.

ويستحبّ لمن يُريد حضور العيد ومَنْ لا يُريده إجماعاً ، لأنّه يوم زينة ، بخلاف الجمعة عند مَنْ خصّصه بالحضور ، لأنّه للاجتماع خاصة.

مسألة ٤٤٩ : ويستحبّ أن يتطيّب ويلبس أحسن ثيابه‌ ، ويتعمّم شتاءً وصيفاً بالإِجماع.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعته وعيده)(٦) .

____________________

(١) تقدّم في المسألة ٢٧٤ من كتاب الطهارة.

(٢) ترتيب مسند الشافعي ١ : ١٥٢ / ٤٤٠ ، وانظر : الاُم ١ : ٢٣١.

(٣) كلمة « طلوع » لم ترد في « ش ».

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٦ ، المجموع ٥ : ٧ ، فتح العزيز ٥ : ٢١ ، المغني ٢ : ٢٢٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٢٧.

(٥) المجموع ٥ : ٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٤.

(٦) أورده نصّاً ابنا قدامة في المغني ٢ : ٢٢٨ ، والشرح الكبير ٢ : ٢٣٠ ، وفي سنن ابن ماجة ١ : =


ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام ، في قوله تعالى :( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) (١) قال : « العيدان والجمعة »(٢) .

وقالعليه‌السلام : « يجهر الإِمام بالقراءة ، ويعتمّ شاتياً وقائظاً » وقال : « إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يفعل ذلك »(٣) .

مسألة ٤٥٠ : يستحبّ الإِصحار بالصلاة ، إلّا بمكّة عند علمائنا - وبه قال عليعليه‌السلام ، والأوزاعي وأحمد وابن المنذر وأصحاب الرأي(٤) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يخرج إلى المصلّى ، ويدع مسجده(٥) .

ولا يترك النبيعليه‌السلام ، الأفضل مع قُربْه ، ويتكلّف فعل الناقص مع بُعْده. ولم ينقل أنّهعليه‌السلام ، صلّى العيد بمسجده إلّا لعذر(٦) .

ولأنّه إجماع المسلمين ، فإنّ الناس في كلّ عصرٍ ومِصْرٍ يخرجون إلى المصلّى ، فيصلّون العيد مع سعة المساجد وضيقها ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يصلّي في المصلّى(٧) ، مع شرف مسجده.

وقيل لعليعليه‌السلام : قد اجتمع في المسجد ضعفاء الناس فلو‌

____________________

= ٣٤٨ / ١٠٩٥ و ١٠٩٦ ، وسنن أبي داود ١ : ٢٨٢ / ١٠٧٨ ، والموطأ ١ : ١١٠ / ١٧ بدون ( وعيده ).

(١) الأعراف : ٣٠.

(٢) الكافي ٣ : ٤٢٤ / ٨ ، التهذيب ٣ : ٢٤١ / ٦٤٧.

(٣) التهذيب ٣ : ١٣٠ / ٢٨٢.

(٤) المغني ٢ : ٢٢٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٣٩ ، زاد المستقنع : ٢٠ ، المحرر في الفقه ١ : ١٦١ ، شرح فتح القدير ٢ : ٤١.

(٥) صحيح البخاري ٢ : ٢٢ ، سنن النسائي ٣ : ١٨٧ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠١ / ١١٥٨ ، سنن الدار قطني ٢ : ٤٤ / ٦ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٨٠.

(٦) سنن ابن ماجة ١ : ٤١٦ / ١٣١٣ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠١ / ١١٦٠ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٩٥.

(٧) صحيح البخاري ٢ : ٢٢ ، سنن النسائي ٣ : ١٨٧ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠١ / ١١٥٨ ، سنن الدار قطني ٢ : ٤٤ / ٦ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٨٠.


صلّيت بهم في المسجد ، فقال : « اُخالف السنّة إذاً ، ولكن نخرج إلى المصلّى » واستخلف مَنْ يصلّي بهم في المسجد أربعاً(١) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « يخرج الإِمام البَرَّ حيث ينظر إلى آفاق السماء ، وقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يخرج إلى البقيع فيصلّي بالناس »(٢) .

وأما استثناء مكّة : فلقول الصادقعليه‌السلام : « السنّة على أهل الأمصار أن يبرزوا من أمصارهم في العيدين ، إلّا أهل مكّة فإنّهم يصلّون في المسجد(٣) (٤) ».

ولتميّزه عن غيره من المساجد بوجوب التوجّه إليه من جميع الآفاق ، فلا يناسب الخروج عنه.

وقال الشافعي : إن كان مسجد البلد واسعاً ، كانت الصلاة فيه أولى ، لأنّ أهل مكّة يصلّون في المسجد الحرام ، ولأنّ المسجد خير البقاع وأطهرها ، وإن كان ضيّقاً لا يسع الناس ، خرج إلى المصلّى(٥) .

ونحن قد بيّنّا استحباب الصلاة بمكّة في مسجدها دون غيرها.

ولو كان هناك مطراً ، استحبّ أن يصلّي في المسجد ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّى في مسجده يوم مطر(٦) .

____________________

(١) أورده ابنا قدامة في المغني ٢ : ٢٣٠ ، والشرح الكبير ٢ : ٢٤٠ ، وانظر أيضاً : مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ١٤٨ ، وسنن البيهقي ٣ : ٣١٠.

(٢) الكافي ٣ : ٤٦٠ / ٣ ، التهذيب ٣ : ١٢٩ / ٢٧٨.

(٣) في المصدر : المسجد الحرام.

(٤) الكافي ٣ : ٤٦١ / ١٠ ، التهذيب ٣ : ١٣٨ / ٣٠٧.

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٥ ، المجموع ٥ : ٥ ، مغني المحتاج ١ : ٣١٢ ، فتح الوهاب ١ : ٨٣ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٦.

(٦) سنن ابن ماجة ١ : ٤١٦ / ١٣١٣ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠١ / ١١٦٠ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٩٥.


إذا ثبت هذا ، فإنّه لا ينبغي للإِمام أن يخلّف أحداً يصلّي العيدين في المساجد بضعفة الناس ، لأنّ العاجز تسقط عنه ، فيصلّيها مستحباً.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « قال الناس لأمير المؤمنينعليه‌السلام : ألا تخلّف رجلاً يصلّي العيدين بالناس؟ فقال : لا اُخالف السنّة »(١) .

وقال الشافعي : يستحب ذلك ، لأنّ عليّاًعليه‌السلام ، استخلف أبا مسعود يصلّي بهم في المسجد(٢) .

وهو ممنوع ، لأنّ عليّاًعليه‌السلام ، قيل له : لو أمرت مَنْ يصلّي بضعفة الناس هوناً(٣) في المسجد الأكبر ، قال : « إنّي إن أمرت رجلاً يصلّي أمرته أن يصلّي بهم أربعاً » رواه الجمهور(٤) .

مسألة ٤٥١ : ويستحبّ الخروج ماشياً على سكينة ووقار‌ ، ذاكراً ، بإجماع العلماء ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يركب في عيد ولا جنازة(٥) .

وقال عليعليه‌السلام : « من السنّة أن تأتي العيد ماشياً ، وترجع ماشياً »(٦) .

وأن يكون حافياً ، لأنّه أبلغ في الخضوع ، لأنّ بعض الصحابة كان يمشي إلى الجمعة حافياً ، وقال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ،

____________________

(١) التهذيب ٣ : ١٣٧ / ٣٠٢.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٥ ، المجموع ٥ : ٥ ، فتح العزيز ٥ : ٤١ ، مغني المحتاج ١ : ٣١٣.

(٣) هوناً : أي تخفيفاً أو تسهيلاً.

(٤) أورده ابن قدامة في المغني ٢ : ٢٣٠ نقلاً عن سنن سعيد بن منصور.

(٥) أورده الشافعي في الاُم ١ : ٢٣٣ ، والنووي في المجموع ٥ : ١٠ ، وابن قداسة في المغني ٢ : ٢٣١ ، وقال ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير ٥ : ٤١ : هذا الحديث لا أصل له.

(٦) أورده المحقّق الحلّي في المعتبر : ٢١٢ وفي مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ١٦٣ وسنن الترمذي ٢ : ٤١٠ / ٥٣٠ وسنن ابن ماجة ١ : ٤١١ / ١٢٩٦ وسنن البيهقي ٣ : ٢٨١ إلى قوله : « العيد ماشياً ».


يقول : ( من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرّمهما الله على النار )(١) .

ومشى الرضاعليه‌السلام ، إلى المصلّى حافياً(٢) .

ولو كان هناك عذر يمنع المشي ، جاز الركوب إجماعاً.

وفي العود يستحبّ المشي أيضاً إلّا من عذر ، لأنّ النبيعليه‌السلام كان يخرج إلى العيد ماشياً ويرجع ماشياً(٣) . ولما تقدّم(٤) في حديث عليعليه‌السلام .

مسألة ٤٥٢ : وقت الخروج إلى العيد بعد طلوع الشمس‌ ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يخرج يوم الفطر والأضحى ، فأول شي‌ء يبدأ به الصلاة(٥) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « فإذا طلعت خرجوا »(٦) .

وقال سماعة : سألته عن الغدوّ إلى المصلّى في الفطر والأضحى ، فقال : « بعد طلوع الشمس»(٧) .

وقال الشافعي : يستحبّ لغير الإِمام التبكير ليأخذ الموضع(٨) .

ويستحبّ أن يسجد على الأرض ، لأنّ الصادقعليه‌السلام ، أتي بخُمرة يوم الفطر فأمر بردّها ، وقال : « هذا يوم كان رسول الله صلّى الله عليه‌

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٩ ، سنن الترمذي ٤ : ١٧٠ / ١٦٣٢ ، سنن النسائي ٦ : ١٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٠٢ ، مسند أحمد ٣ : ٤٧٩.

(٢) الكافي ١ : ٤٠٨ / ٧ ، الإِرشاد للمفيد : ٣١٢ - ٣١٣ ، عيون أخبار الرضا ٢ : ١٤٩ / ٢١.

(٣) سنن ابن ماجة ١ : ٤١١ / ١٢٩٤ و ١٢٩٥ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٨١.

(٤) تقدّم في صدر المسألة نفسها.

(٥) صحيح البخاري ٢ : ٢٢ ، صحيح مسلم ٢ : ٦٠٥ / ٨٨٩ ، سنن النسائي ٣ : ١٨٧.

(٦) المعتبر : ٢١٠ ، وفي الكافي ٣ : ٤٥٩ / ١ ، والتهذيب ٣ : ١٢٩ / ٢٧٦ عن الإِمام الباقرعليه‌السلام .

(٧) التهذيب ٣ : ٢٨٧ / ٨٥٩.

(٨) المجموع ٥ : ١٠.


وآله يحبّ أن ينظر إلى آفاق السماء ، ويضع جبهته على الأرض »(١) .

مسألة ٤٥٣ : يستحبّ أن يطعم في الفطر قبل خروجه ، فيأكل شيئاً من الحلوة ، وبعد عوده في الأضحى ممّا يضحّي به - وهو قول أكثر العلماء(٢) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يرجع(٣) .

وقال ابن المسيّب : كان المسلمون يأكلون يوم الفطر قبل الصلاة ولا يفعلون ذلك يوم النحر(٤) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « أطعم يوم الفطر قبل أن تصلّي ولا تطعم يوم الأضحى حتى ينصرف الإِمام »(٥) .

ولأنّ الصدقة قبل الصلاة فاستحبّ الأكل ليشارك المساكين فيه ، بخلاف الأضحى ، لأن الصدقة فيه بالْاُضحية بعدها.

ولأنّ الفطر واجب ، فاستحبّ تعجيله ، لإِظهار المبادرة إلى طاعة الله تعالى ، وليتميز عمّا قبله من وجوب الصوم وتحريم الأكل ، بخلاف يوم النحر حيث لم يتقدّمه صوم واجب وتحريم الأكل ، فاستحبّ تأخير الأكل منه ليتميّز عن الفطر.

وقال أحمد : إن كان له ذبح ، أخّر وإلّا فلا يبالي أن يطعم قبل خروجه(٦) .

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٦١ / ٧ ، التهذيب ٣ : ٢٨٤ / ٨٤٦.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٦ ، المجموع ٥ : ٦ ، المغني ٢ : ٢٢٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٢٦ ، بداية المجتهد ١ : ٢٢٢.

(٣) سنن الترمذي ٢ : ٤٢٦ / ٥٤٢ ، سنن الدار قطني ٢ : ٤٥ / ٧ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٩٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٨٣.

(٤) مختصر المزني : ٣١.

(٥) الكافي ٤ : ١٦٨ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٣٨ / ٣١٠.

(٦) المغني ٢ : ٢٢٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٢٧.


وليس بشي‌ء.

نعم لو لم يقدر على الصبر ، جاز أن يطعم قبل الخروج ، للعذر.

قال الباقرعليه‌السلام : « لا تأكل يوم الأضحى إلّا من اُضحيتك إن قويت ، وإن لم تَقْوَ فمعذور»(١) .

إذا ثبت هذا فإنه يستحبّ أن يأكل في الفطر شيئاً من الحلوة ، لأنّ النبيعليه‌السلام قلّما كان يخرج يوم الفطر حتى يأكل تمرات ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً ، وأقلّ من ذلك أو أكثر(٢) .

مسألة ٤٥٤ : الأذان والإِقامة في صلاة العيدين بدعة‌ عند علمائنا أجمع ، وهو قول علماء الأمصار(٣) ، لأنّ جابر بن سمرة قال : صلّيت مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، غير مرّة ولا مرّتين بغير أذان ولا إقامة(٤) .

ومن طريق الخاصة : قول إسماعيل بن جابر : سألت الصادقعليه‌السلام صلاة العيدين هل فيهما أذان وإقامة؟ قال : « لا ، ولكن ينادى : الصلاة ، ثلاث مرّات »(٥) .

وروي أنّ ابن الزبير أذّن وأقام لصلاة العيدين(٦) .

قال ابن المسيّب : أوّل مَنْ أذَّن لصلاة العيد معاوية(٧) ، لأنّها صلاة يُسنّ لها الاجتماع ، فسُنَّ لها الأذان ، كالجمعة.

____________________

(١) الفقيه ١ : ٣٢١ / ١٤٦٩.

(٢) المستدرك للحاكم ١ : ٢٩٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٨٣.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٧ ، المجموع ٥ : ١٤ ، المغني ٢ : ٢٣٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤١ ، المنتقى للباجي ١ : ٣١٥ ، القوانين الفقهية : ٨٤ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٧٦.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٦٠٤ / ٨٨٧ ، سنن الترمذي ٢ : ٤١٢ / ٥٣٢ ، سنن أبي داود ١ : ٢٩٨ / ١١٤٨.

(٥) الفقيه ١ : ٣٢٢ / ١٤٧٣ ، التهذيب ٣ : ٢٩٠ / ٨٧٣.

(٦) المجموع ٥ : ١٤ ، المغني ٢ : ٢٣٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤١.

(٧) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ١٦٩ ، عمدة القاري ٦ : ٢٨٢.


وهو غلط ، لأنّه قياس منافٍ للإِجماع.

فرعان :

الأوّل : ينبغي أن يقول المؤذّن عوض الأذان : الصلاة ، ثلاثاً ، لما تقدّم(١) في حديث الصادقعليه‌السلام ، وبه قال الشافعي وأكثر الفقهاء(٢) .

وقال أحمد : لا يستحبّ شي‌ء من الألفاظ ، لقول جابر : لا أذان ولا إقامة يوم الفطر ، ولا نداء ، ولا شي‌ء ، لا نداء يومئذٍ ولا إقامة(٣) (٤) .

وهو مصروف إلى النداء المعهود للصلاة ، وهو الأذان.

وقول جابر ليس حجّةً ، بل ضدّه أولى ، لأنّ التنبيه على الصلاة مطلوب للشارع ، إذ قد يخفى اشتغال الإِمام بالصلاة.

الثاني : لو قال : الصلاة جامعةً ، أو : هلمّوا إلى الصلاة ، جاز ، لكن الأفضل أن يتوقّى ألفاظ الأذان ، مثل : حيّ على الصلاة.

مسألة ٤٥٥ : لا ينقل المنبر من موضعه ، بل يعمل منبر من طين ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم ينقله.

وقال الصادقعليه‌السلام : « لا يحرّك المنبر من موضعه ، ولكن يصنع شبه المنبر من طين يقوم عليه فيخطب الناس »(٥) .

وعليه إجماع العلماء.

مسألة ٤٥٦ : يستحبّ التكبير في عيد الفطر‌ عند أكثر علمائنا(٦) - وبه‌

____________________

(١) تقدّم في المسألة ٤٥٤.

(٢) المجموع ٥ : ١٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٤ ، فتح الباري ٢ : ٣٦٢ ، إرشاد الساري ٢ : ٢١١.

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٦٠٤ / ٨٨٦ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٨٤.

(٤) المغني ٢ : ٢٣٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤١.

(٥) الفقيه ١ : ٣٢٢ / ١٤٧٣ ، التهذيب ٣ : ٢٩٠ / ٨٧٣.

(٦) منهم : الشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ١٦٩ ، والقاضي ابن البراج في المهذب ١ : ١٢٣ ، وسلّار في المراسم : ٧٨ ، والمحقق في المعتبر : ٢١٢.


قال الشافعي ومالك وأحمد وأبو حنيفة في رواية(١) - لقوله تعالى( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ ) (٢) .

قال المفسّرون : لتكملوا عدّة صوم رمضان ، ولتكبّروا الله عند إكماله على ما هداكم(٣) .

ولأنّ عبد الله بن عمر روى أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعاً صوته بالتكبير(٤) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « أما إنّ في الفطر تكبيراً ولكنه مسنون(٥) »(٦) .

وكان عليعليه‌السلام يكبّر ، وكذا باقي الصحابة(٧) .

وقال بعض علمائنا : بوجوبه - وبه قال داود الظاهري(٨) - للآية(٩) (١٠) .

وليست أمراً ، بل هي إخبار عن إرادته تعالى في قوله تعالى( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ ) (١١) .

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٨ ، المجموع ٥ : ٣٢ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٢١ ، التفريع ١ : ٢٣٤ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٧٧ ، المغني ٢ : ٢٢٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٦٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦١.

(٢) البقرة : ١٨٥.

(٣) حكاه عن بعض أهل العلم ، ابنا قدامة في المغني ٢ : ٢٢٦ ، والشرح الكبير ٢ : ٢٦٢.

(٤) سنن الدار قطني ٢ : ٤٤ / ٦ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٧٩.

(٥) في « ش » والطبعة الحجرية : مستحب.

(٦) الكافي ٤ : ١٦٦ / ١ ، الفقيه ٢ : ١٠٨ / ٤٦٤ ، التهذيب ٣ : ١٣٨ / ٣١١.

(٧) سنن الدار قطني ٢ : ٤٤ / ٤ - ٥ و ٨ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٧٩.

(٨) المغني ٢ : ٢٢٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٦٢ ، المجموع ٥ : ٤١ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦١.

(٩) البقرة : ١٨٥.

(١٠) حكاه عن ابن الجنيد في ظاهر كلامه ، المحقِّق في المعتبر : ٢١٢.

(١١) البقرة : ١٨٥‌


ولأنّه تكبير شرّع يوم عيد ، فلا يكون واجباً ، كالتكبير في الأضحى.

وقال أبو حنيفة : لا يكبّر في الفطر - وقال النخعي : إنّما يفعل ذلك الحوّاكون(١) - لأنّ ابن عباس سمع التكبير يوم الفطر ، فقال : ما شأن الناس؟

فقلت : يكبّرون. فقال : أمجانين الناس؟!(٢) .

ولا حجة فيه ، لمعارضته فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفعل عليعليه‌السلام ، وباقي الصحابة.

على أنّ ابن عباس كان يقول : يكبّرون مع الإِمام ولا يكبّرون منفردين(٣) . وهو خلاف ما قالوه.

مسألة ٤٥٧ : وهو عقيب أربع صلوات : اُولاهنّ مغرب ليلة الفطر وآخرهنّ صلاة العيد.

وقال الشافعي : أوّله إذا غربت الشمس من آخر يوم من شهر رمضان(٤) .

وبه قال سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام ، هؤلاء من الفقهاء السبعة ، وهو قول أبي سلمة بن عبد الرحمن وزيد بن أسلم(٥) . فيندرج فيه ما تقدّم من الصلوات الأربع.

لأنّ التكبير في الأضحى عقيب الصلوات ، فيكون الفطر كذلك. ولأنّ التكبير عقيب الفرائض يحصل معه الامتثال ، فيكون الزائد منفيا بالأصل.

ولقول الصادقعليه‌السلام وقد سئل عن التكبير أين هو؟ : « في ليلة‌

____________________

(١) حلية العلماء ٢ : ٢٦١ ، المغني ٢ : ٢٣١.

(٢) بدائع الصنائع ١ : ٢٧٩ ، المجموع ٥ : ٤١ ، فتح العزيز ٥ : ١٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦١ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٣١.

(٣) المغني ٢ : ٢٣١ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٣٢ ، المجموع ٥ : ٤١ ، بداية المجتهد ١ : ٢٢١.

(٤) المهذّب للشيرازي ١ : ١٢٨ ، المجموع ٥ : ٣٢ و ٤١ ، فتح العزيز ٥ : ١٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٢.

(٥) المجموع ٥ : ٤١ ، ونسبه إليهم ، الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٦٥٢ ، المسألة ٤٢٥.


الفطر في المغرب والعشاء والفجر وصلاة العيد »(١) .

ولأنّ الغروب سبب لصلاة المغرب ، فينبغي تقديمها ، فيبقى التكبير عقيبها.

ولأنّ الغروب زمان بين إكمال العدّة وبين صلاة العيد بالنهار.

وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ، وأحمد : التكبير يوم الفطر دون ليلته ، لما رووه عن عليعليه‌السلام (٢) . وهو ممنوع.

وقال أبو ثور وأبو إسحاق من الشافعية : يكبّر إذا غدا إلى المصلّى(٣) .

وأمّا آخره فصلاة العيد كما تقدّم ، فإنّه يكبّر عقيبها كما قلناه على الأشهر.

وزاد ابن بابويه : عقيب ظهر العيد وعصره أيضا(٤) .

وللشافعي أربعة أقوال : أحدها : آخره خروج الإِمام إلى الصلاة. نقله المزني.

وثانيها رواية البويطي : آخره افتتاح الإمام الصلاة.

وثالثها قال في القديم : حتى ينصرف الإِمام من الصلاة.

الرابع رواية أبي حامد : حتى ينصرف الإِمام من الصلاة والخطبتين(٥) .

ثم قسّم الشافعي التكبير إلى مطلق في جميع الأحوال وهو مستحب ،

____________________

(١) الكافي ٤ : ١٦٦ - ١٦٧ / ١ ، الفقيه ٢ : ١٠٨ / ٤٦٤ ، التهذيب ٣ : ١٣٨ / ٣١١.

(٢) نسبه إليهم ، الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٦٥٢ - ٦٥٣ ، المسألة ٤٢٥ ، وراجع : المدونة الكبرى ١ : ١٦٧ ، وبداية المجتهد ١ : ٢٢١ ، والمجموع ٥ : ٤١ ، وفتح العزيز ٥ : ١٤ ، وحلية العلماء ٢ : ٢٦٢.

(٣) المجموع ٥ : ٤١ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٢ ، بداية المجتهد ١ : ٢٢١ ، وفيها : أبو ثور وإسحاق.

(٤) أمالي الصدوق : ٥١٧ ، وانظر الفقيه ٢ : ١٠٨ - ١٠٩ / ٤٦٤.

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٨ ، المجموع ٥ : ٣٢ ، فتح العزيز ٥ : ١٤ - ١٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٢ - ٢٦٣.


وإلى مقيّد مختص بأدبار الصلوات.

وفي استحبابه وجهان : الاستحباب ، لأنّ كلّ زمان استحبّ فيه التكبير المرسل استحبّ فيه التكبير المختص بأدبار الصلوات كالأضحى. وعدمه ، لأنّه لم يُرْوَ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه فعله. وقد بيّنّا أنّه مستحبّ.

وعلى تقدير الاستحباب قال : إنّه يستحبّ في ثلاث صلوات خاصة : المغرب والعشاء ليلة الفطر ، وصبح الفطر(١) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يستحبّ رفع الصوت به ، لأنّ فيه إظهاراً لشعائر الإِسلام ، وتذكيراً للغير.

مسألة ٤٥٨ : يكبّر في الأضحى بمنى عقيب خمس عشرة صلاة ، أوّلها : ظهر النحر ، وآخرها : صبح الثالث من أيام التشريق عند علمائنا أجمع - وهو أحد أقوال الشافعي ، وبه قال عثمان وزيد بن ثابت وابن عمر ، وأبو سعيد الخدري وابن عباس ومالك(٢) - لقوله تعالى( وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ ) (٣) وهي أيام التشريق ، وليس فيها ذكر مأمور به سوى التكبير ، وعرفة ليس منها.

ولأنّ علياًعليه‌السلام بدأ بالتكبير(٤) كما قلناه.

ولأنّ الناس تبع للحاج ، والحاج يقطعون التلبية مع أوّل حصاة ، ويكبّرون مع الرمي ، وإنّما يرمون يوم النحر ، فأوّل صلاة بعد ذلك الظهر ، وآخر صلاة يصلّون بمنى فجر الثالث من أيام التشريق.

وقول الصادقعليه‌السلام : « التكبير في أيام التشريق عقيب صلاة‌

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٨ ، المجموع ٥ : ٣٢ ، فتح العزيز ٥ : ١٧.

(٢) المجموع ٥ : ٣٣ و ٣٤ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٨ ، الوجيز ١ : ٧٠ ، فتح العزيز ٥ : ٥٧ - ٥٨ ، فتح الوهاب ١ : ٨٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٣ ، المغني ٢ : ٢٤٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٦٥ ، المدونة الكبرى ١ : ١٧٢ ، بداية المجتهد ١ : ٢٢١ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٧٨.

(٣) البقرة : ٢٠٣.

(٤) نقله المحقّق في المعتبر : ٢١٣ ، والصدوق في الفقيه ١ : ٣٢٨.


الظهر يوم النحر ، ثم يكبّر عقيب كلّ فريضة إلى صبح الثالث من أيام التشريق »(١) .

والقول الثاني للشافعي : عقيب المغرب ليلة النحر إلى صبح الثالث(٢) من أيام التشريق ، وذلك ثماني عشرة صلاة ، لأنّ التكبير في الفطر عقيب المغرب ، فكذا الأضحى(٣) .

والثالث : بعد الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق ثلاث وعشرون صلاة(٤) .

ورواه الجمهور عن عليعليه‌السلام ، وعن عمر ، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور ومحمد وابن المنذر(٥) ، لأنّ جابر بن عبد الله قال : صلّى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الصبح يوم عرفة ، ثم أقبل علينا ، فقال : ( الله أكبر الله أكبر ) ومدّ التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق(٦) .

وقال الأوزاعي : يكبّر من يوم النحر إلى الظهر من اليوم الثالث. وبه قال المزني ويحيى بن سعيد الأنصاري(٧) .

وقال داود : يكبّر من الظهر من يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق(٨) .

____________________

(١) أورده نصّاً ، المحقق في المعتبر : ٢١٣ وفي الكافي ٤ : ٥١٦ / ١ ، والتهذيب ٥ : ٢٦٩ / ٩٢٠ نحوه.

(٢) ورد في « ش ، م » والطبعة الحجرية : الثاني. وما أثبتناه هو الصحيح ، للسياق وكما في المصادر.

(٣ و ٤ ) المهذّب للشيرازي ١ : ١٢٨ ، المجموع ٥ : ٣٤ ، فتح العزيز ٥ : ٥٨ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٤ ، المغني ٢ : ٢٤٦ - ٢٦٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤٦ - ٢٦٥.

(٥) المغني ٢ : ٢٤٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٦٤ - ٢٦٥ ، المجموع ٥ : ٤٠ ، فتح العزيز ٥ : ٥٨ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٤.

(٦) سنن الدار قطني ٢ : ٥٠ / ٢٩ ، سنن البيهقي ٣ : ٣١٥ ، المغني ٢ : ٢٤٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٦٥.

(٧) حلية العلماء ٢ : ٢٦٤ ، فتح العزيز ٥ : ٥٨ ، المجموع ٥ : ٤٠.

(٨) حلية العلماء ٢ : ٢٦٤ ، نيل الأوطار ٣ : ٣٨٨.


وقال أبو حنيفة : يكبّر عقيب الصبح من يوم عرفة إلى العصر من يوم النحر ثمان صلوات. وهو مروي عن ابن مسعود ، لقوله تعالى( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ ) (١) قالوا : والمعلومات هي العشر. وأجمعنا على أنّ فيما قبل عرفة لا يكبّر ، فيجب أن يكبّر يوم عرفة ويوم النحر(٢) .

وهو ممنوع ، فإنّ المراد بذلك التكبير على الهدي في أيام العشر ، أو الذكر على الْاُضحية.

مسألة ٤٥٩ : ويكبّر في الأضحى مَنْ كان بغير منى عقيب عشر صلوات‌ ، أوّلها : ظهر النحر ، وآخرها : صبح الثاني من أيام التشريق - ولم يفرّق أحد من الجمهور بين من كان بمنى وغيرها - لقول الصادقعليه‌السلام : « التكبير في الأمصار عقيب عشر صلوات ، فإذا نفر الحاج النفر الأوّل ، أمسك أهل الأمصار ، ومَنْ أقام بمنى فصلّى الظهر والعصر فليكبّر »(٣) .

ولأنّ الناس في التكبير تبع الحاج ، ومع النفر الأول يسقط التكبير ، فيسقط عمّن ليس بمنى.

وفي وجوب هذا التكبير لعلمائنا قولان(٤) ، أقواهما : الاستحباب ، لأصالة البراءة.

مسألة ٤٦٠ : اختلف علماؤنا في كيفيته ، فقال الشيخ في المبسوط : يكبّر مرّتين ، ثم يقول : لا إله إلّا الله ، والله أكبر ، الله أكبر على ما هدانا ، ولله الحمد ، والحمد لله على ما هدانا ، وله الشكر على ما أولانا.

____________________

(١) الحج : ٢٨.

(٢) الهداية للمرغيناني ١ : ٨٧ ، شرح فتح القدير ٢ : ٤٨ - ٤٩ ، شرح العناية ٢ : ٤٨ ، عمدة القاري ٦ : ٢٩٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٤ ، المغني ٢ : ٢٤٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٦٥.

(٣) الكافي ٤ : ٥١٦ / ١ ، التهذيب ٥ : ٢٦٩ / ٩٢٠.

(٤) من القائلين بوجوبه : السيد المرتضى كما في الانتصار : ٥٧ وحكاه أيضاً عن ابن الجنيد ، الشهيد في الذكرى : ٢٤١.


ويزيد في الأضحى : « ورزقنا من بهيمة الأنعام »(١) .

وفي الخلاف : يكبّر مرّتين ثم يقول : لا إله إلّا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد وهو إحدى الروايتين عن عليعليه‌السلام ، وبه قال ابن مسعود والثوري وأبو حنيفة وأحمد(٢) - لأنّ التكبير إذا توالى ، كان شفعاً ، كالأذان وتكبير الجنازة.

ولأنّ جابراً قال : لمـّا صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صبح عرفة أقبل على أصحابه ، فقال : ( على مكانكم ) ثم قال : ( الله أكبر الله أكبر لا إله إلّا الله والله أكبر ولله الحمد )(٣) (٤) .

وقال ابن بابويه : كان عليعليه‌السلام يبدأ بالتكبير في الأضحى إذا صلّى الظهر يوم النحر ، ويقطع عند الغداة من أيام التشريق ، يقول في دبر كلّ صلاة : « الله أكبر الله أكبر لا إله إلّا الله والله أكبر ولله الحمد »(٥) .

وقال البزنطي : يكبّر في الأضحى ثلاثاً(٦) . وبه قال الشافعي ومالك ، لأنّ جابراً صلّى في أيام التشريق فقال : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، ثلاثاً.

ولا يقوله إلّا توقيفاً.

ولأنّ التكبير إذا كان بشعار العيد كان وتراً كتكبير الصلاة(٧) .

والقول عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أولى من الفعل.

____________________

(١) المبسوط للطوسي ١ : ١٧١.

(٢) المغني ٢ : ٢٤٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٧٠ ، المجموع ٥ : ٤٠.

(٣) سنن الدار قطني ٢ : ٥٠ - ٢٩.

(٤) الخلاف ١ : ٦٦٩ - ٦٧٠ ، المسألة ٤٤٣.

(٥) الفقيه ١ : ٣٢٨ ذيل رقم ١٤٨٧ ، وحكاه عنه أيضاً المحقق في المعتبر : ٢١٣.

(٦) حكاه عنه المحقّق في المعتبر : ٢١٣.

(٧) الْاُم ١ : ٢٤١ ، المجموع ٥ : ٣٩ و ٤٠ ، فتح العزيز ٥ : ١١ ، المدوّنة الكبرى ١ : ١٧٢ ، بداية المجتهد ١ : ٢٢١ ، المغني ٢ : ٢٤٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٧٠ ، وراجع : صحيح مسلم ٢ : ٨٨٨ / ١٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٣ / ٣٠٧٤ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٤ / ١٩٠٥.


قال الشافعي : وما زاد فحسن ، فإن زاد زيادةً فليقل بعد التكبيرات الثلاث : الله أكبر كبيراً ، والحمد لله كثيراً ، وسبحان الله بكرة وأصيلاً ، لا إله إلّا الله لا نعبد إلّا إيّاه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، لا إله إلّا الله والله أكبر ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قاله على الصفا في حجة الوداع(١) .

وما قلناه أولى ، للنقل عن أهل البيتعليهم‌السلام وهم أعرف.

قال الباقرعليه‌السلام : « يقول في أيام التشريق : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلّا الله ، والله أكبر ، الله أكبر على ما هدانا ، والله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام »(٢) .

تذنيب : لو أدرك الإِمام في بعض الصلاة ، أتمّ بعد تسليم الإِمام‌ ولا يتابعه في التكبير ، لأنّ الإِمام يكبّر بعد خروجه ، فإذا أتمّ المأموم صلاته كبّر عقيبها.

مسألة ٤٦١ : يكبّر خلف الفرائض المذكورة كلّها عند علمائنا ، دون النوافل ، إلّا على رواية(٣) - وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد والشافعي في أحد القولين(٤) - لأنّ الباقر والصادقعليهما‌السلام قالا : « التكبير بمنى في دبر خمس عشرة صلاة ، وفي سائر الأمصار عقيب عشر صلوات»(٥) وجعلا آخرها‌

____________________

(١) الاُم ١ : ٢٤١ ، المجموع ٥ : ٣٩ ، فتح العزيز ٥ : ١١ - ١٢ ، وراجع : صحيح مسلم ٢ : ٨٨٨ / ١٢١٨ ، وسنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٣ / ٣٠٧٤ ، وسنن أبي داود ٢ : ١٨٤ / ١٩٠٥.

(٢) الكافي ٤ : ٥١٦ / ٢.

(٣) اُنظر : التهذيب ٣ : ٢٨٩ / ٨٦٩.

(٤) المبسوط للسرخسي ٢ : ٤٤ ، الحجة على أهل المدينة ١ : ٣١٠ ، المدونة الكبرى ١ : ١٧٢ ، القوانين الفقهية : ٨٤ ، المغني ٢ : ٢٤٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٦٦ - ٢٦٧ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٩ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٤.

(٥) الكافي ٤ : ٥١٦ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٢٦٩ / ٩٢١ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٩ / ١٠٦٩ ، علل الشرائع : ٤٤٧ باب ١٩٩ ، الخصال ٢ : ٥ / ٤ ، وأورد نحوه عن الإِمام الصادقعليه‌السلام ، الكليني في الكافي ١ : ٥١٦ / ١.


صبح الثالث أو الثاني. ولأنّها نوافل فلا يكبّر(١) عقيبها كنوافل يوم عرفة.

وقال الشافعي : يكبّر عقيب النوافل أيضاً ، لأنّها صلاة مفعولة يوم النحر ، فكان التكبير مستحباً عقيبها كالفرائض(٢) .

وبه رواية عندنا عن عليعليه‌السلام أنّه قال : « على الرجال والنساء أن يكبّروا أيام التشريق في دبر الصلوات وعلى مَنْ صلّى وحده ومَنْ صلّى تطوّعاً »(٣) .

مسألة ٤٦٢ : والتكبير مستحبّ للمنفرد‌ كالجامع ، ولمن صلّى في سفر أو حضر ، في بلد كان أو في قرية ، صغيراً كان المصلّي أو كبيراً ، رجلاً كان أو امرأة عند علمائنا - وبه قال مالك والأوزاعي وقتادة والشعبي والشافعي(٤) - لعموم الأخبار.

وقول عليعليه‌السلام : « وعلى مَنْ صلّى وحده »(٥) .

ولأنّ كلّ ذكر يستحب للمسبوق يستحبّ للمنفرد كالتسليمة الثانية. ولأنّ المنفرد يؤذّن ويقيم كالجماعة.

وقال أبو حنيفة : المنفرد يكبّر(٦) ، لأنّ عمر لم يكبّر لمـّا صلّى وحده أيام التشريق(٧) . ولقول ابن مسعود : ليس على الواحد والاثنين أيام التشريق‌

____________________

(١) في « ش » : فلا تكبير.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٩ ، المجموع ٥ : ٣٦ و ٣٩ ، رحمة الاُمّة ١ : ٩٠ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٦ ، السراج الوهاج : ٩٧ ، ومختصر المزني : ٣٢.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٨٩ / ٨٦٩.

(٤) المدونة الكبرى ١ : ١٧١ ، المجموع ٥ : ٤٠ ، رحمة الاُمة ١ : ٩٠.

(٥) التهذيب ٣ : ٢٨٩ / ٨٦٩.

(٦) المبسوط للسرخسي ٢ : ٤٤ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٧ ، بدائع الصنائع ١ : ١٩٧ ، عمدة القارئ ٦ : ٢٩٣ ، المجموع ٥ : ٤٠ ، المغني ٢ : ٢٤٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٦٦.

(٧) نسبه إلى بن عمر ، ابن قدامة في المغني ٢ : ٢٤٧.


تكبير(١) . وقولهما ليس حجّةً.

فروع :

أ : إذا فاتته صلاة من هذه الصلوات فقضاها ، كبّر لها‌ وإن فاتت أيام التشريق ، لقولهمعليهم‌السلام : « مَنْ فاتته صلاة فليقضها كما فاتته »(٢) وقد فاتته صلاة يكبّر عقيبها فقضاؤها كذلك.

وقال الشافعي : لا يكبّر ، لأنّ التكبير من سنّة الوقت وقد فات(٣) .

ب : لو صلّى خلف إمام ، تابعه في التكبير‌ ، فإن ترك الإِمام التكبير ، كبّر هو.

ج : لو نسي التكبير ، كبّر حيث ذكر‌ - وبه قال الشافعي(٤) - لأنّه من هيئات أيام التشريق ، ولهذا لا يأتي به عقيب غيرها.

وقال أبو حنيفة : إذا سلّم ونسي التكبير ، فإن تحدّث قبل التكبير ، أو خرج من المسجد ، أو أحدث عامداً ، لم يكبّر ، وإن ذكر قبل أن يحدّث ، كبّر. ولو ذكر قبل أن يخرج من المسجد ، عاد إلى مكانه وجلس فيه كما يجلس للتشهد ، وكبّر فيه ، وإن لم يكبّر حتى سبقه الحدث ، كبّر ، لأنّه تابع للصلاة فسقط بتركه كسجود السهو(٥) .

د : لا يستحب التكبير في غير أدبار الصلوات المعيّنة‌ ، للتنصيص عليها.

وقال الشافعي : يستحبّ أن يفعل في المنازل والمساجد والطرق من غير‌

____________________

(١) حكاه ابنا قدامة في المغني ٢ : ٢٤٧ ، والشرح الكبير ٢ : ٢٦٦ ، والنووي في المجموع ٥ : ٤٠.

(٢) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٦٧٢ ذيل المسألة ٤٤٦.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٩ ، المجموع ٥ : ٣١ و ٣٦.

(٤) المجموع ٥ : ٣٨ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٥ ، مغني المحتاج ١ : ٣١٥.

(٥) المبسوط للسرخسي ٢ : ٤٥ ، بدائع الصنائع ١ : ١٩٦ ، شرح فتح القدير ٢ : ٥٠ ، البحر الرائق ٢ : ١٦٥.


قيد بوقت أو حال(١) .

ه- : يستحب إحياء ليلتي العيدين بفعل الطاعات ، لقولهعليه‌السلام : ( مَنْ أحيى ليلتي العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب )(٢) .

وما يضاف إلى القلب فإنّه أعظم وقعاً ، لقوله تعالى( فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) (٣) وموت القلب : الكفر في الدنيا ، والفزع في الآخرة.

مسألة ٤٦٣ : يكره التنفّل في العيدين قبل صلاة العيد ، وبعدها‌ إلى الزوال للإمام والمأموم - وبه قال عليعليه‌السلام ، والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة(٤) - لأنّ ابن عباس روى أنّ النبيعليه‌السلام خرج يوم الفطر ، فصلّى ركعتين لم يتنفّل قبلهما ولا بعدهما(٥) .

ورأى عليعليه‌السلام قوماً يصلّون قبل العيد ، فقال : « ما كان يفعل ذلك على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله »(٦) .

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام في صلاة العيدين : « ليس قبلهما ولا بعدهما صلاة»(٧) .

____________________

(١) فتح العزيز ٥ : ١٣ ، المجموع ٥ : ٣٢.

(٢) كنز العمال ٨ : ٥٤٨ / ٢٤١٠٧ ، مجمع الزوائد ٢ : ١٩٨ نقلا عن الطبراني في الكبير والأوسط ، ثواب الأعمال للصدوق : ١٠١ - ١٠٢ / ١ و ٢ بتفاوت يسير.

(٣) البقرة : ٢٨٣.

(٤) شرح فتح القدير ٢ : ٤٢ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٥ ، شرح العناية ٢ : ٤٢ ، المجموع ٥ : ١٣ ، المغني ٢ : ٢٤٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥٨.

(٥) صحيح البخاري ٢ : ٣٠ ، صحيح مسلم ٢ : ٦٠٦ / ٨٨٤ ، سنن النسائي ٣ : ١٩٣ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤١٠ / ١٢٩١ ، سنن الترمذي ٢ : ٤١٧ / ٥٣٧ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠١ / ١١٥٩ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٩٥ و ٣٠٢.

(٦) نقله ابنا قدامة في المغني ٢ : ٢٤٢ ، والشرح الكبير ٢ : ٢٥٨ ، وانظر : كنز العمال ٨ : ٦٤٢ / ٢٤٥٢٩.

(٧) الكافي ٣ : ٤٥٩ / ١ ، التهذيب ٣ : ١٢٩ / ٢٧٦ ، الاستبصار ١ : ٤٤٣ - ٤٤٤ / ١٧١٢ ، وثواب الأعمال : ١٠٣ - ١٠٤ / ٧.


وقال الصادقعليه‌السلام : « ليس قبلهما ولا بعدهما شي‌ء »(١) .

وقال الشافعي : يكره للإِمام قبل الصلاة وبعدها ، لئلّا يتشاغل بغير الخطبة والصلاة ، وأمّا المأموم فيجوز أن يصلّي قبلها وبعدها ، لعدم المعنى فيه(٢) . وبه قال الحسن البصري ، وهو مروي عن أنس وأبي هريرة وسهل بن سعد الساعدي ورافع بن خديج(٣) .

وعن مالك إذا صلّى العيد في المسجد روايتان : إحداهما : يجوز التنفّل - ورواه الجمهور عن عليعليه‌السلام ، وابن عمر(٤) - وإن صلّى في غير المسجد ، لم يتنفّل قبلها ولا بعدها(٥) .

وقال أحمد : إنّما يكره التنفّل في موضع الصلاة ، فأمّا في غيره فلا بأس به. وكذا لو خرج منه ثم عاد إليه بعد الصلاة فلا بأس بالتطوّع فيه(٦) .

والعموم ينافيه.

إذا عرفت هذا ، فاعلم أنّ أصحابنا استحبّوا صلاة ركعتين في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لمن كان بالمدينة قبل خروجه إلى العيد ، لقول الصادقعليه‌السلام : « ركعتان من السنّة ليس تصلّيان في موضع إلّا بالمدينة تصلّى في مسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في العيد قبل أن يخرج إلى المصلّى ، ليس ذلك إلّا بالمدينة ، لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(١) ثواب الأعمال : ١٠٣ / ٤ و ٦ ، الكافي ٣ : ٤٦٠ / ٣ ، التهذيب ٣ : ١٢٨ / ٢٧١ ، الاستبصار ١ : ٤٤٦ / ١٧٢٢ و ١٧٢٣ ، وفي الكافي والمورد الثاني من الاستبصار : مضمراً.

(٢) المجموع ٥ : ١٢ و ١٣ ، فتح العزيز ٥ : ٤٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٥ ، مختصر المزني : ٣١ ، المغني ٢ : ٢٤٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥٩.

(٣) المجموع ٥ : ١٣.

(٤) المغني ٢ : ٢٤٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥٨ ، المجموع ٥ : ١٣.

(٥) فتح العزيز ٥ : ٤٤ ، المغني ٢ : ٢٤٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥٨ ، المدونة الكبرى ١ : ١٧٠ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٢٠.

(٦) المغني ٢ : ٢٤٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٦٠.


فعله »(١) .

ولو اُقيمت صلاة العيد في المسجد لعذر ، استحبّت صلاة التحية فيه ايضاً وإن كان الإِمام يخطب ، ولا يصلّي العيد ، لأنّه إنّما يسنّ له الاشتغال مع الإِمام بما أدرك لا قضاء ما فاته ، وإنّما يصلّي تحية المسجد ، لأنّه موضع ذلك وليس بموضع صلاة العيد ، وبه قال بعض الشافعية.

وقال بعضهم : يصلّي العيد ، لأنها أولى من تحية المسجد ويغني عنها ، كما لو دخل المسجد وصلّى الفريضة أغنى ذلك عن تحية المسجد(٢) .

ولو اُقيمت في المصلّى ، اشتغل بسماع الخطبة لا بالصلاة ، لأنّ المصلّي لا تحية له حيث لم يكن مسجداً ، ولا يشتغل بقضاء العيد ، لقول الصادقعليه‌السلام : « تجلس حتى يفرغ من خطبته ، ثم تقوم فتصلّي »(٣) .

ولأن الخطبة من تمامها ، فينبغي أن يشتغل بما أدرك.

مسألة ٤٦٤ : لو فاتت لم تقض ، سواء كانت فرضاً أو نفلاً ، عمداً كان الفوات أو نسياناً‌ ، عند أكثر علمائنا(٤) - وبه قال مالك وأبو ثور وداود والمزني(٥) - لأنّها صلاة شرّع لها الاجتماع والخطبة ، فلا تقضى بعد فوات وقتها كالجمعة.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « من لم يصلّ مع الإِمام في جماعة فلا صلاة‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٦١ / ١١ ، الفقيه ١ : ٣٢٢ / ١٤٧٥ ، التهذيب ٣ : ١٣٨ / ٣٠٨.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٧ ، المجموع ٥ : ٢٤ ، فتح العزيز ٥ : ٥٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٥٩.

(٣) التهذيب ٣ : ١٣٦ / ٣٠١.

(٤) منهم : الشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ١٦٩ ، وابن حمزة في الوسيلة : ١١١ ، والمحقق في المعتبر : ٢١٠.

(٥) بداية المجتهد ١ : ٢١٩ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٧٨ ، التفريع ١ : ٢٣٥ ، المجموع ٥ : ٢٩ ، الميزان للشعراني ١ : ١٩٥ ، رحمة الاُمّة : ٧٨ ، عمدة القاري ٦ : ٣٠٧ ، والذي عثرنا عليه من مذهب أبي ثور أنّه إذا فاتت يصلّي ركعتين. انظر : عمدة القارئ ٦ : ٣٠٨ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٩ ، المغني ٢ : ٢٤٤ ، المجموع ٥ : ٢٩.


له ، ولا قضاء عليه ».(١)

ولأنّ القضاء منفي بالأصل ولم يوجد المعارض.

وقال أحمد : إنّها تقضى ركعتان - وللشافعي كالقولين ، وكذا عن أبي حنيفة روايتان(٢) - لأنّ ركباً جاؤا إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فشهدوا أنّهم رأوا الهلال بالأمس ، فأمرهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أن يفطروا ، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلّاهم(٣) . ولأنّها صلاة أصل مؤقتة ، فلا تسقط بفوات الوقت كالفرائض(٤) .

ولا حجة في الحديث ، لاحتمال عدم الوثوق بهم ، فلزمهم الإِفطار تدييناً لهم بما عرفوه ، ولم يثبت بشهادتهم الهلال ، والمضيّ إلى العيد تبعاً لعمل الناس ، والقضاء في الفرائض بالنص.

واختلفت الشافعية ، فقال بعضهم : لا تقضى أبداً. وقال بعضهم : تقضى أبداً. وقال بعضهم : لا تقضى إلّا في الحادي والثلاثين. وقال بعضهم : تقضى في شهر العيد كلّه(٥) .

فروع :

أ : قال الشيخ : إن شاء صلّى أربعاً ، وإن شاء اثنتين من غير أن يقصد القضاء(٦) ، لقول الصادقعليه‌السلام : « من فاتته صلاة العيد فليصلّ أربعاً »(٧) .

____________________

(١) التهذيب ٣ : ١٢٨ / ٢٧٣ ، الاستبصار ١ : ٤٤٤ / ١٧١٤.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٨ ، المجموع ٥ : ٢٧ و ٢٩ ، الوجيز ١ : ٧٠ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٠.

(٣) سنن أبي داود ١ : ٣٠٠ / ١١٥٧ ، سنن النسائي ٣ : ١٨٠ ، سنن البيهقي ٣ : ٣١٦.

(٤) المغني ٢ : ٢٤٤ - ٢٤٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٢٥.

(٥) المجموع ٥ : ٢٨ - ٢٩ ، الوجيز ١ : ٧٠ ، فتح العزيز ٥ : ٦٢.

(٦) التهذيب ٣ : ١٣٤ ، ذيل الحديث ٢٩٢.

(٧) التهذيب ٣ : ١٣٥ / ٢٩٥ ، الاستبصار ١ : ٤٤٦ / ١٧٢٥.


والسند ضعيف. وبقول الشيخ قال أحمد والثوري(١) .

ب : لو أدرك الإِمام في التشهّد ، جلس معه ، فإذا سلّم الإِمام قام فصلّى ركعتين - إن قلنا بالقضاء - يأتي فيهما بالتكبير.

ج : لو أدركه في ركوع الثانية ، وجبت المتابعة‌ ، لأنّه مدرك للفرض حينئذٍ ، فيركع ، فإذا سلّم الإِمام ، قام فأتمّ الصلاة وقد فاته تكبير الْاُولى ، وفي قضائه ما تقدّم.

ولو أدركه رافعاً من ركوعها ، فاتته الصلاة.

ولو أدركه في أثناء التكبير ، تابعه في الباقي ، فإن تمكّن بعد ذلك من التكبير ولاءً قضاءً عمّا فات ، فعل ، وإلّا سقط.

د : يحرم السفر بعد طلوع الشمس على المكلّف بها‌ حتى يصلّي العيد ، لتوجّه الأمر حينئذٍ ، فيحرم عليه الإِخلال به ، ويكره بعد الفجر قبل طلوع الشمس ، لقرب وقت العبادة ، فلا ينبغي الإِخلال بها.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « إذا أردت الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح وأنت في البلد ، فلا تخرج حتى تشهد ذلك العيد »(٢) .

ولا بأس به قبل الفجر إجماعاً.

مسألة ٤٦٥ : إذا أصبح صائماً يوم الثلاثين فشهد شاهدان أنّ الهلال كان بالأمس‌ وأنّ اليوم يوم عيد فعُدِّلا قبل الزوال ، أو شهدا ليلة الثلاثين وعُدِّلا يوم الثلاثين قبل الزوال ، خرج الإِمام وصلّى بالناس العيد ، صغيراً كان البلد أو كبيراً ، إجماعاً ، لأنّ الوقت باقٍ إلى زوال الشمس.

ولو شهدا يوم الحادي والثلاثين أنّ الهلال كان ليلة الثلاثين ، أو شهدا بعد غروب الشمس ليلة الحادي والثلاثين أنّ الهلال كان ليلة الثلاثين وعُدِّلا ،

____________________

(١) المغني ٢ : ٢٤٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٦١ ، العدة شرح العمدة : ١١٣ ، رحمة الاُمة ١ : ٨٧ - ٨٨.

(٢) الفقيه ١ : ٣٢٣ / ١٤٨٠ ، التهذيب ٣ : ٢٨٦ / ٨٥٣.


فقد فات العيد ، وفات وقت صلاته ، ولا قضاء عندنا ، وبه قال أبو حنيفة.

وقال الشافعي : يصلّي بالناس يوم الحادي والثلاثين قبل الزوال ، وتكون الصلاة أداءً لا قضاءً. وبه قال الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق.

لقولهعليه‌السلام : ( فطركم يوم تفطرون ، وأضحاكم يوم تضحّون ، وعرفتكم يوم تعرفون )(١) .

وهو محمول على ما إذا لم يثبت.

وإن شهدا قبل الزوال يوم الثلاثين أنّ الهلال كان البارحة وعُدِّلا بعد الزوال ، أو شهدا بعد الزوال وعُدِّلا بعده ، فلا قضاء في ذلك ، لفوات وقت الصلاة - وهو أحد قولي الشافعي ، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة ، وبه قال مالك والمزني وأبو ثور وداود - لأنّها لو قضيت في غد يومها لقضيت في يومها بل كان أولى.

والقول الثاني للشافعي : إنّها تقضى ، وبه قال أحمد ، لما تقدّم في حديث الركب(٢) .

ثم قال - على تقدير القضاء - : إن كان البلد صغيرا يمكن اجتماع الناس في بقية اليوم ، جمع الناس ، وإن لم يمكن ذلك لكبر البلد قضى من الغد.

وعند أصحاب أبي حنيفة وأحمد أنّها تقضى من الغد مطلقاً. وقد تقدّم.

فإن شهد يوم الثلاثين قبل الزوال وعُدِّلا يوم الحادي والثلاثين أو ليلته ، أو شهدا بعد الزوال وعُدِّلا يوم الحادي والثلاثين أو ليلته ، فلا قضاء عندنا - وهو أحد قولي الشافعي - لما تقدّم.

____________________

(١) سنن البيهقي ٥ : ١٧٦ ، والاُم ١ : ٢٣٠ ، وكنز العمال ٨ : ٤٨٨ / ٢٣٧٦١ ، والجامع الصغير للسيوطي ٢ : ٢١٨ / ٥٨٩١.

(٢) تقدّم في المسألة ٤٦٤.


وفي الثاني : تقضى ، لأنّ الاعتبار بالشهادة إذا عُدِّلا بحال إقامتها لا بحال التعديل ، فإذا عُدِّلا يوم الحادي والثلاثين وكانت الشهادة يوم الثلاثين حكمنا بأنّ الفطر كان حين الشهادة فيكون فطرهم بالأمس ، ويكون فعلها قضاءً(١) .

مسألة ٤٦٦ : ويستحب إذا مشى في طريق أن يرجع في غيرها‌ - وبه قال مالك والشافعي وأحمد(٢) - لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فَعَله(٣) ، إمّا قصداً لسلوك الأبعد في الذهاب ليكثر ثوابه بكثرة خطواته إلى الصلاة ، ويعود في الأقرب ، لأنّه أسهل وهو راجع إلى منزله ، أو ليشهد له الطريقان ، أو ليساوي بين أهل الطريقين من الضعفاء في التبرّك بمروره وسرورهم برؤيته ، وينتفعون بمسألته ، أو ليتصدّق على أهل الطريقين من الضعفاء ، أو ليتبرّك الطريقان بوطئه عليهما ، فينبغي الاقتداء به ، لاحتمال بقاء المعنى الذي فعله من أجله.

ولأنّه قد يفعل الشي‌ء لمعنى ويبقى في حقّ غيره سنّة مع زوال المعنى كالرمل(٤) والاضطباع(٥) في طواف القدوم ، فعله هو وأصحابه(٦) لإِظهار الجَلَد‌

____________________

(١) راجع بشأن الفروع المذكورة من قوله : ولو شهدا يوم الحادي والثلاثين ، إلى آخره : الخلاف ١ : ٦٧٢ - ٦٧٣ ، المسألة ٤٤٧.

(٢) المدونة الكبرى ١ : ١٦٨ ، بداية المجتهد ١ : ٢٢٢ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٦ ، المجموع ٥ : ١٢ ، الوجيز ١ : ٧٠ ، فتح العزيز ٥ : ٥٦ ، المغني ٢ : ٢٤٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٣٥.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ٢٩ ، سنن الترمذي ٢ : ٤٢٤ / ٥٤١ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠٠ / ١١٥٦ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤١٢ / ١٢٩٨ - ١٣٠١ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٩٦.

(٤) الرمل ، بالتحريك : إسراع المشي مع تقارب الخُطا. اُنظر : النهاية لابن الأثير ٢ : ٢٦٥ ، مجمع البحرين ٥ : ٣٨٥ « رمل ».

(٥) الاضطباع : هو أن يأخذ الازار فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره. النهاية لابن الأثير ٣ : ٧٣ « ضبع ».

(٦) راجع : سنن أبي داود ٢ : ١٧٧ / ١٨٨٣ و ١٨٨٤ ، وسنن ابن ماجة ٢ : ٩٨٣ - ٩٨٤ / ٢٩٥٠ و ٢٩٥١ و ٢٩٥٤ ، وسنن البيهقي ٥ : ٧٩.


للكفّار وبقي سنّة بعد زوالهم ، ولهذا قال عمر : فيم الرمل الآن؟ ولِمَ نُبدي مناكبنا وقد نفى الله المشركين؟(١) .

مسألة ٤٦٧ : يكره الخروج بالسلاح إلى صلاة العيدين ، لمنافاته الخضوع والاستكانة إلّا أن يخاف العدوّ فيجوز. ولقول الباقرعليه‌السلام : « نهى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يُخرج السلاح في العيدين إلّا أن يكون عدوّ ظاهر »(٢) .

مسألة ٤٦٨ : يستحب التعريف عشية عرفة‌ بالأمصار في المساجد ، لما فيه من الاجتماع لذكر الله تعالى. وفعله ابن عباس بالبصرة(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل وليتطيّب ، وليصلّ وحده كما يصلّى في الجماعة ، وفي يوم عرفة يجتمعون بغير إمام في الأمصار يدعون الله عزّ وجلّ »(٤) .

مسألة ٤٦٩ : يحرم على الرجال التزين يوم العيد وغيره بلبس الحرير المحض‌ - وقد تقدّم(٥) - والقز من الحرير.

وفيه وجه للشافعية ، لأنّه ليس من ثياب الزينة(٦) .

والمركّب من الإِبريسم وغيره سائغ إن تساويا ، أو كان الإِبريسم أكثر ما لم يخرج بالاسم إليه.

وللشافعي قولان : أحدهما : إن كان الإِبريسم أكثر كالخز سداه إبريسم‌

____________________

(١) المغني ٢ : ٢٤٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٣٦ ، وفي سنن أبي داود ٢ : ١٧٨ / ١٨٨٧ ، وسنن ابن ماجة ٢ : ٩٨٤ / ٢٩٥٢ ، وسنن البيهقي ٥ : ٧٩ نحوه.

(٢) الكافي ٣ : ٤٦٠ / ٦ ، التهذيب ٣ : ١٣٧ / ٣٠٥.

(٣) حكاه ابنا قدامة في المغني ٢ : ٢٥٠ ، والشرح الكبير ٢ : ٢٧١.

(٤) التهذيب ٣ : ١٣٦ / ٢٩٧ و ٢٩٨.

(٥) تقدم في ج ٢ ص ٤٧٠ ، المسألة ١٢٤.

(٦) فتح العزيز ٥ : ٢٩.


ولحمته صوف لم يحرم ، وإن انعكس حرم ، وإن تساويا فوجهان : أصحّهما : أنّه لا يحرم. والثاني : أنّه لا ينظر إلى القلّة والكثرة ، بل إلى الظهور ، فإن ظهر حرم وإن كان أقل ، وإلّا حلّ وإن كان أكثر(١) .

ولا بأس بافتراشه - خلافاً للشافعي(٢) - للرجال والنساء ، وعنده في النساء وجهان(٣) .

ويجوز للمسافر لخوف القمّل والحكة ، وكذا للحكة في الحضر.

وللشافعية فيه وجهان(٤) .

* * *

____________________

(١) الوجيز ١ : ٦٩ ، فتح العزيز ٥ : ٢٩ ، كفاية الأخيار ١ : ١٠٠.

(٢) فتح العزيز ٥ : ٣٤ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٩.

(٣) المجموع ٣ : ١٨٠ ، الوجيز ١ : ٦٩ ، فتح العزيز ٥ : ٣٤ - ٣٥ ، كفاية الأخيار ١ : ١٠٠.

(٤) الوجيز ١ : ٧٠ ، فتح العزيز ٥ : ٣٧.


الفصل الثالث : صلاة الكسوف

وفيه مطلبان :

الأول : الماهية‌

مسألة ٤٧٠ : هذه الصلاة فرض على الأعيان عند علمائنا أجمع ، لقوله تعالى( لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ ) الآية(١) ، ذكر الله تعالى جميع الآيات ، وخصّ هاتين بالسجود عند ذكرهما ، فاختصّا بتلك العبادة.

وقال ابن عباس : خسفت الشمس على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يصلّي والناس معه ، ثم قال : ( أيّها الناس : إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله سبحانه ، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك ، فأفزعوا إلى ذكر الله تعالى )(٢) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « هي فريضة »(٣) .

وقول الكاظمعليه‌السلام : « إنّه لما قبض إبراهيم ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، جرت ثلاث سُنن : أمّا واحدة ، فإنّه لمـّا مات انكسفت الشمس لفقد ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فصعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا أيّها الناس إنّ الشمس والقمر آيتان‌

____________________

(١) فصّلت : ٣٧.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ٤٨ ، اختلاف الحديث ١٣٥ و ١٤٠ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٢١.

(٣) الكافي ٣ : ٤٦٤ / ٤ ، التهذيب ٣ : ٢٩٣ / ٨٨٦.


من آيات الله ، يجريان بأمره ، مطيعان له ، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا انكسفتا أو واحدة منهما فصلّوا ، ثم نزل فصلّى بالناس صلاة الكسوف »(١) .

والأمر للوجوب ، وقد حصل من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قولاً وفعلاً.

وقال الجمهور كافّة : بالاستحباب(٢) ، للأصل.

وما ذكرناه يقتضي العدول عنه.

مسألة ٤٧١ : وهي ركعتان تشتمل كلّ ركعة على خمس ركوعات ، وسجدتين‌ عند علمائنا أجمع ، لقول أبي بن كعب : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ركع خمس ركوعات ، ثم سجد سجدتين ، وفعل في الثانية مثل ذلك(٣) .

ومثله روى جابر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٤) .

وصلّى عليّعليه‌السلام بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مثل ذلك(٥) .

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام : « هي عشر ركعات بأربع سجدات »(٦) .

وقال أبو حنيفة وإبراهيم النخعي والثوري : إنّها ركعتان كالفجر ، فإن زاد ركوعا بطلت صلاته ، لأنّ قبيصة روى : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ،

____________________

(١) الكافي ٣ : ٢٠٨ / ٧ و ٤٦٣ / ١ ، التهذيب ٣ : ١٥٤ / ٣٢٩.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٩ ، المجموع ٥ : ٤٤ ، فتح العزيز ٥ : ٦٩ ، الوجيز ١ : ٧١ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٨٠ ، الشرح الصغير ١ : ١٨٩ ، المدونة الكبرى ١ : ١٦٤ ، المغني ٢ : ٢٧٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٧٣.

(٣) سنن البيهقي ٣ : ٣٢٩.

(٤) لم نعثر عليه بحدود المصادر المتوفرة لدينا.

(٥) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٤٦٨ ، مجمع الزوائد ٢ : ٢٠٧ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٢٩.

(٦) الكافي ٣ : ٤٦٣ - ٤٦٤ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٥٦ / ٣٣٥.


قال : ( إذا رأيتموها فصلّوا كأحدث صلاة صلّيتموها من المكتوبة )(١) (٢) .

ولا حجّة فيه ، لأنّه مرسل. ولاحتمال أنّه صلّى ركعتين في كلّ ركعة خمس ركوعات. ولأنّ أخبارنا أولى ، لاشتمالها على الزيادة مع عدم لفظ يدلّ على المنافاة.

وقال الشافعي : يصلّي ركعتين في كلّ ركعة ركوعان وسجدتان وقيامان وقراءتان - وبه قال مالك وأحمد وإسحاق ، وروي عن ابن عباس وعثمان - لأنّ ابن عباس وعائشة وصفا صلاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : في كلّ ركعة ركوعان وسجدتان وقيامان(٣) (٤) .

وأحاديثنا أولى ، لاشتمالها على الزيادة. ولأنّ اُبيّاً أسنّ من ابن عباس وعائشة ، وأعرف بأفعال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لعدم مخالطة عائشة الرجال ، وصغر ابن عباس ، خصوصاً مع فعل عليعليه‌السلام ، وأهل بيته ، كما قلناه.

وقال إسحاق وابن المنذر : إنّه يصلّي ست ركعات وأربع سجدات. وهو مروي عن ابن عباس وعائشة. ورواه الجمهور عن عليّعليه‌السلام . وجوّزه أحمد(٥) .

مسألة ٤٧٢ : وكيفيتها عند علمائنا‌ أن يكبّر للافتتاح اوّلاً ثمّ يقرأ الحمد‌

____________________

(١) سنن أبي داود ١ : ٣٠٨ - ٣٠٩ / ١١٨٥ ، سنن النسائي ٣ : ١٤٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٣٤.

(٢) المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٦ ، المبسوط للسرخسي ٢ : ٧٤ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٨٠ ، المجموع ٥ : ٦٢ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٠ ،

(٣) سنن أبي داود ١ : ٣٠٧ / ١١٨٠ و ١١٨١ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٠١ / ١٢٦٣ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٢٧.

(٤) الاُم ١ : ٢٤٥ ، المجموع ٥ : ٤٧ و ٦٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٧ - ٢٦٨ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٠ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٧٩ ، التفريع ١ : ٢٣٥ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٥.

(٥) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٤٧٠ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٢٧ - ٣٢٨ ، المغني ٢ : ٢٧٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٨١ و ٢٨٢.


وسورة أيّها شاء أو بعضها ، ثم يركع فيذكر الله تعالى ، ثم ينتصب ، فإن كان قد قرأ أوّلاً السورة كملاً ، قرأ الحمد ثانياً ، وسورةً أو بعضها ، ثم يركع فيذكر الله تعالى ، ثم ينتصب ، فإن كان قد أتمّ السورة ، قرأ الحمد وسورة أو بعضها ، وهكذا خمس مرّات ، ثم يسجد سجدتين إذا انتصب من الركوع الخامس بغير قراءة ، ثم يقوم فيعتمد ما فعله أوّلاً خمس مرّات ، ثم يسجد مرّتين ، ثم يتشهد ويُسلّم

وكلّ قيام لم يكمل فيه السورة إذا انتصب من الركوع بعده تمّم السورة أو بعضها من غير أن يقرأ الحمد.

لقول أحدهماعليهما‌السلام : « تبدأ فتكبّر لافتتاح الصلاة ، ثم تقرأ اُمّ الكتاب وسورة ، ثم تركع ، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ اُمّ الكتاب وسورة ، ثم تركع الثالثة ، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ اُمّ الكتاب وسورة ، ثم تركع الرابعة ، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ اُمّ الكتاب وسورة ، ثم تركع الخامسة ، فإذا رفعت رأسك قلت : سمع الله لمن حمده ، ثم تخرّ ساجداً فتسجد سجدتين ، ثم تقوم فتصنع مثل ما صنعت في الْاُولى » قال : قلت : وإن هو قرأ سورة واحدة في الخمس ركعات يفرّقها بينها؟ قال : « أجزأه اُمّ الكتاب في أول مرّة ، وإن قرأ خمس سور ، فمع كلّ سورة اُمّ الكتاب »(١) .

فروع :

أ : لو قرأ في القيام الأول الحمد وبعض السورة‌ هل يتعيّن عليه في الثاني الابتداء من الموضع الذي انتهى إليه ، أم يجوز له أن يقرأ من أيّ موضع اتفق؟

الأحوط : الأول.

ب : لو قرأ بعض السورة في الأول هل يجوز له العدول إلى سورة أُخرى؟ ظاهر كلامه في المبسوط(٢) ذلك ، فيتعيّن أن يقرأ الحمد أوّلاً على‌

____________________

(١) التهذيب ٣ : ١٥٥ / ٣٣٣.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٧٣.


إشكال.

ج : لو قرأ بعض السورة في الأول وسوّغنا العدول ، أو الابتداء بأيّ موضع شاء ، جاز له أن يبتدئ من أول السورة التي قطعها.

وهل تتعيّن حينئذٍ الفاتحة؟ إشكال ينشأ : من إجزاء بعضها بغير الحمد فالكلّ أولى ، ومن وجوب قراءة الحمد مع الابتداء بأول السورة.

د : الأقرب : وجوب كمال السورة في الخمس‌ لصيرورتها حينئذٍ بمنزلة ركعة فيجب فيها الحمد وسورة.

وهل يجوز تفريق سورتين أو ثلاث؟ إشكال ينشأ : من تجويز قراءة خمس وسورة فجاز الوسط ، ومن كونها بمنزلة ركعة فلا تجوز الزيادة أو خمس فيجب الخمس. والأقرب : الجواز.

ه - : الأقرب : جواز أن يقرأ في الخمس سورة‌ وبعض اُخرى ، فإذا قام إلى الثانية ، ابتدأ بالحمد وجوباً ، لأنّه قيام عن سجود ، فوجب فيه الفاتحة ، ثم يبتدئ بسورة من أولها ، ثم إمّا أن يكملها أو يقرأ بعضها.

ويحتمل أن يقرأ من الموضع الذي انتهى إليه أوّلاً من غير أن يقرأ الحمد ، لكن يجب أن يقرأ الحمد في الركعة الثانية بحيث لا يجوز له الاكتفاء بالحمد مرّة في الركعتين معاً.

و : الأقرب : أنّه ليس له إذا قرأ في قيام بعض السورة أن يقرأ في القيام الذي بعده بعضاً من سورة اُخرى‌ ، بل إمّا أن يكملها ، أو يقرأ من الموضع الذي انتهى إليه بعضها.

ز : يستحب له بعد تكبيرة الافتتاح أن يدعو بالتوجّه‌ كغيرها من الفرائض.

مسألة ٤٧٣ : يستحب أن يقرأ السور الطوال مع السعة ، مثل : الكهف والأنبياء ، لقول زرارة ومحمد بن مسلم : كان الباقرعليه‌السلام


يستحب أن يقرأ فيها بالكهف والحجر ، إلّا أن يكون إماماً يشقّ على مَنْ خلفه(١) .

وفي رواية أبي بصير : « مثل يس والنور »(٢) .

وقال الشافعي : يقرأ في الْاُولى سورة البقرة أو بقدر آيها ، وكذا في القيام الثاني ، ثم يسجد ، ثم يقوم فيقرأ بعد الحمد مائة وخمسين آية من البقرة ، وفي القيام الثاني بقدر مائة آية من البقرة ، ولو ضاق الوقت لم تجز الإِطالة(٣) .

مسألة ٤٧٤ : يستحب الإِطالة بقدر الكسوف ، وبه قال الفقهاء - خلافاً لأبي حنيفة(٤) - لأنّ عائشة قالت : خسفت الشمس في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فصلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في المسجد بالناس ، وقرأ قراءة طويلة ، وركع ركوعاً طويلاً(٥) .

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام : « كسفت الشمس في زمن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فصلّى بالناس ركعتين ، وطوّل حتى غشي على بعض القوم ممّن كان وراءه من طول القيام »(٦) .

ولأنّ الغاية استدفاع المخوف وطلب ردّ النور ، فينبغي الاستمرار باستمراره.

مسألة ٤٧٥ : ويستحب إطالة الركوع والسجود.

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٦٤ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٥٦ / ٣٣٥.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٩٤ / ٨٩٠.

(٣) الام ١ : ٢٤٥ ، المجموع ٥ : ٤٨ ، مختصر المزني : ٣٢ ، الوجيز ١ : ٧٠ ، فتح العزيز ٥ : ٧٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٧ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٢.

(٤) المبسوط للسرخسي ٢ : ٧٤ و ٧٥ ، اللباب ١ : ١١٩ - ١٢٠.

(٥) صحيح مسلم ٢ : ٦١٨ - ٦١٩ / ٩٠١ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠٧ - ١١٨٠ ، سنن الترمذي ٢ : ٤٤٩ / ٥٦١ ، سنن النسائي ٣ : ١٣٠ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٠١ / ١٢٦٣ ، سنن الدار قطني ٢ : ٦٣ / ٣ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٢١.

(٦) التهذيب ٣ : ٢٩٣ / ٨٨٥.


أمّا إطالة الركوع : فقال علماؤنا : يستحب أن يكون بقدر قراءته ، لأنّ عبد الله بن عمر قال في صفة صلاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : قام قياماً طويلاً ، وركع ركوعاً طويلاً(١) . وظاهره المساواة في نظيره.

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام : « وتطيل القنوت على قدر القراءة والركوع والسجود ، فإن تجلّى قبل أن تفرغ أتمَّ ما بقي »(٢) .

وهو أحد قولي الشافعي ، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور(٣) .

وفي الآخر : يركع فيسبّح في الأول بقدر مائة آية من سورة البقرة ، وفي الركوع الثاني بقدر ثلثي الركوع الأول ، وفي الركوع الثالث - الذي هو أول ركوع الثانية - بقدر سبعين من سورة البقرة ، وفي الرابع - وهو ثاني الثانية - بقدر خمسين آية من سورة البقرة ، لرواية ابن عباس(٤) (٥) .

وقال أبو حنيفة : يركع مثل ركوع الفجر(٦) .

وأمّا إطالة السجود : فاستحبّه علماؤنا - وبه قال أحمد والشافعي في أحد القولين(٧) - لقول ابن عمر في صفة صلاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في الكسوف : ثم سجد فلم يكد يرفع(٨) .

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام : « تطيل الركوع‌

____________________

(١) سنن ابي داود ١ : ٣١٠ / ١١٩٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٢٤.

(٢) الكافي ٣ : ٤٦٣ - ٤٦٤ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٥٦ / ٣٣٥.

(٣) المجموع ٥ : ٤٩ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٧٩ ، التفريع ١ : ٢٣٦ ، الشرح الصغير ١ : ١٩٠ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٥.

(٤) صحيح البخاري ٢ : ٤٦ ، صحيح مسلم ٢ : ٦٢٦ / ٩٠٧ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٢١.

(٥) الاُم ١ : ٢٤٥ ، مختصر المزني : ٣٢ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٩ ، فتح العزيز ٥ : ٧٣ ، مغني المحتاج ١ : ٣١٨ - ٣١٩.

(٦) المبسوط للسرخسي ٢ : ٧٤ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٨ ، المجموع ٥ : ٦٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٨ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٦.

(٧) المجموع ٥ : ٤٩ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٥ ، كشاف القناع ٢ : ٦٣.

(٨) سنن أبي داود ١ : ٣١٠ / ١١٩٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٢٤.


والسجود »(١) .

وقال الشافعي في الآخر : لا يستحب إطالة السجود ، لأنّه لم ينقل(٢) .

وهو ممنوع.

مسألة ٤٧٦ : يستحب له أن يكبّر كلّما انتصب من الركوع ، إلّا في الخامس والعاشر ، فإنّه يقول فيهما : سمع الله لمن حمده ، عند علمائنا ، لأنّ التكبير أعظم وأتمّ في الإِجلال فكان أولى.

ولأنّ الركوعات وإن تكرّرت فهي تجري مجرى ركعة واحدة ، فيكون « سمع الله » في آخرها كغيرها من الفرائض.

وقول الصادقعليه‌السلام : « تركع وتكبّر وترفع رأسك بالتكبير ، إلّا في الخامسة والعاشرة ، تقول : سمع الله لمن حمده »(٣) .

وقال الجمهور : تقول في كلّ رفع : سمع الله لمن حمده ربّنا ولك الحمد ، لأنّه قيام عن الركوع ، فاستحبّ هذا القول كغيرها من الفرائض(٤) .

والفرق ما تقدّم.

مسألة ٤٧٧ : يستحب أن يقنت خمس مرّات : في القيام الثاني من الركوعات ، والرابع والسادس والثامن والعاشر‌ - خلافاً للجمهور ، فإنّهم أنكروا القنوت(٥) - لقول الباقر والصادقعليهما‌السلام : « والقنوت في الركعة الثانية قبل الركوع ، ثم في الرابعة والسادسة والثامنة والعاشرة »(٦) .

ولأن القنوت مظنّة إجابة الدعاء ، فشرّع للحاجة ، كما قنت النبي صلّى‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٦٤ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٥٦ / ٣٣٥.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٩ ، المجموع ٥ : ٤٩ ، الوجيز ١ : ٧١ ، فتح العزيز ٥ : ٧٣.

(٣) الكافي ٣ : ٤٦٤ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٥٦ / ٣٣٥ وفيهما عن الإمام الباقرعليه‌السلام .

(٤) المجموع ٥ : ٥٢ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٥.

(٥) كما في المعتبر للمحقق الحلّي : ٢١٨.

(٦) التهذيب ٣ : ١٥٥ - ١٥٦ / ٣٣٣.


الله عليه وآله ، على المشركين(١) .

مسألة ٤٧٨ : يستحب إيقاعها تحت السماء ، لأنّه في موضع سؤال وطلب حاجة ردّ النور ، فاستحبت تحت السماء ، كغيرها من صلوات الحوائج.

ولأنّه مقام خضوع واستكانة واستعطاف ، فشرّع فيها البروز تحت السماء ، كالاستسقاء.

وقول الباقرعليه‌السلام : « وإن استطعت أن تكون صلاتك بارزاً لا يجنّك(٢) بيت فافعل »(٣) .

وقال الشافعي : يكون في المساجد ، وأطلق ، وكذا أحمد(٤) ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّاها في المسجد(٥) .

ولأنّ وقته ضيّق ، فلو خرج إلى المصلّى احتمل الانجلاء قبل فعلها.

ولا يلزم من صلاتهعليه‌السلام في المسجد منافاة ما قلناه ، لأنّ مسجدهعليه‌السلام كان بارزاً.

ولا نقول بالخروج إلى المصلّى مع ضيق الوقت ، بل أين صُلّيت تصلّى تحت السماء.

مسألة ٤٧٩ : يستحب الجهر بالقراءة في الكسوفين عند علمائنا‌ - وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد وإسحاق(٦) - لأنّ عائشة قالت : خسفت الشمس‌

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٣٢ ، صحيح مسلم ١ : ٤٦٨ / ٦٧٧ ، سنن أبي داود ٢ : ٦٨ / ١٤٤٢ و ١٤٤٣ ، سنن النسائي ٢ : ٢٠٠ ، مسند أحمد ٣ : ١٩٦.

(٢) جنّ : ستر. القاموس المحيط ٤ : ٢١٠ « جنن ».

(٣) الكافي ٣ : ٤٦٣ - ٤٦٤ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٥٦ - ١٥٧ / ٣٣٥.

(٤) المجموع ٥ : ٤٤ ، فتح العزيز ٥ : ٧٥ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٤.

(٥) صحيح البخاري ٢ : ٤٣ ، صحيح مسلم ٢ : ٦١٩ - ٣ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠٧ / ١١٨٠ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٤١ ، سنن الدار قطني ٢ : ٦٣ / ٣.

(٦) المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٥ ، المجموع ٥ : ٥٢ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٢ ، المبسوط =


على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فصلّى ، وجهر في صلاته بالقراءة(١) .

ومن طريق الخاصة : قول الشيخ في الخلاف : روي عن عليعليه‌السلام أنه صلّى لكسوف الشمس ، فجهر فيها بالقراءة(٢) .

قال الشيخ : وعليه إجماع الفرقة(٣) .

وقال الشافعي : يسرّ في خسوف الشمس ، ويجهر في خسوف القمر - وبه قال أبو حنيفة ومالك(٤) - لأنّ سمرة بن جندب قال : خسفت الشمس فصلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقام أطول قيامه في صلاة قطّ ، ولم أسمع له حسّاً(٥) .

ولأنّها صلاة نهار فلم يجهر فيها كالظهر(٦) .

وهذا القول عندي لا بأس به ، لقول الباقرعليه‌السلام ، في حديث صحيح : « ولا تجهر بالقراءة»(٧) وهو أصحّ حديث بلغنا في هذا الباب.

____________________

= للسرخسي ٢ : ٧٦ ، اللباب ١ : ١١٩ ، سبل السلام ٢ : ٥٠٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٨.

(١) صحيح البخاري ٢ : ٤٩ ، صحيح مسلم ٢ : ٦٢٠ / ٥ ، سنن الترمذي ٢ : ٤٥٢ / ٥٦٣ ، سنن النسائي ٣ : ١٤٨ ، سنن الدار قطني ٢ : ٦٣ / ٥.

(٢) الخلاف ١ : ٦٨١ المسألة ٤٥٥ وانظر : سنن البيهقي ٣ : ٣٣٦.

(٣) الخلاف ١ : ٦٨١ المسألة ٤٥٥.

(٤) المبسوط للسرخسي ٢ : ٧٦ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٨ ، الاختيار ١ : ٩١ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٧٩ ، التفريع ١ : ٢٣٥ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٢ ، فتح العزيز ٥ : ٧٦ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٨.

(٥) سنن أبي داود ١ : ٣٠٨ / ١١٨٤ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٠٢ / ١٢٦٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٣٥.

(٦) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٩ ، المجموع ٥ : ٥٢ ، فتح العزيز ٥ : ٧٦ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٨ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٥ - ٢٧٦.

(٧) لم نعثر على هذه الرواية بهذا اللفظ ، بل الموجود في الكافي ٣ : ٤٦٣ - ٤٦٤ / ٢ ، والتهذيب ٣ : ١٥٦ / ٣٣٥ : رواية زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام : « وتجهر


وعلى كلّ تقدير ، فإنّ الخلاف في الاستحباب لا الوجوب ، فلو جهر في الكسوف وخافت في خسوف القمر ، جاز إجماعاً.

المطلب الثاني : في الموجب واللواحق‌

مسألة ٤٨٠ : كسوف الشمس سبب لهذه الصلاة‌ إجماعاً ، وجوباً عندنا ، واستحباباً عند الجمهور.

وكذا خسوف القمر عند علمائنا أجمع - وبه قال عطاء والحسن والنخعي والشافعي وأحمد وإسحاق(١) - لقولهعليه‌السلام : ( إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فصلّوا )(٢) فأمر بالصلاة لهما أمرا واحدا.

ومن طريق الخاصة : قول الكاظمعليه‌السلام : « فصعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيّها الناس إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله يجريان بأمره ، مطيعان له ، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا انكسفا أو واحدة منهما فصلّوا ، ثم نزل فصلّى بالناس صلاة الكسوف »(٣) .

____________________

= بالقراءة ».

وقد اختلف كلام المصنف -رحمه‌الله - في هذه المسألة وكيفيّة استدلاله بهذه الرواية : ففي هذا الكتاب خالف ما ذهب إليه علماؤنا ، ورجّح قول الشافعي بالسرّ في كسوف الشمس مستدلّاً برواية الإِمام الباقرعليه‌السلام وبلفظ « ولا تجهر بالقراءة ».

وفي المنتهى ١ : ٣٥١ أيّد ما ذهب إليه علماؤنا ، واستدلّ أيضا بقول الباقرعليه‌السلام ، لكنّه أورده بلفظ « وتجهر بالقراءة ».

(١) المجموع ٥ : ٤٤ ، فتح العزيز ٥ : ٦٩ ، مغني المحتاج ١ : ٣١٦ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٣.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ٤٣ ، صحيح مسلم ٢ : ٦٣٠ - ٩١٤ و ٩١٥ ، سنن الدار قطني ٢ : ٦٥ / ١١ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٢٠.

(٣) الكافي ٣ : ٢٠٨ / ٧ و ٤٦٣ / ١ ، التهذيب ٣ : ١٥٤ / ٣٢٩.


ولأنّه أحد الكسوفين ، وهو من الاُمور المخوفة ، ويطلب فيه ردّ النور ، فشرّعت الصلاة له كالشمس.

وقال مالك : ليس لكسوف القمر سنّة(١) .

مسألة ٤٨١ : وتجب هذه الصلاة عند الزلزلة عند علمائنا أجمع‌ - وبه قال أبو ثور وإسحاق وأبو حنيفة لا وجوباً بل استحباباً كالكسوفين(٢) - لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّ هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فصلّوا )(٣) .

ولأنّهعليه‌السلام علّل الكسوف : بأنه آية من آيات الله يخوّف بها عباده(٤) .

وصلّى ابن عباس للزلزلة بالبصرة(٥) .

ومن طريق الخاصة قول الباقرعليه‌السلام ، والصادقعليه‌السلام : « إنّ صلاة كسوف الشمس والقمر ، والرجفة والزلزلة عشر ركعات ، وأربع سجدات »(٦) .

ولأنّ المقتضي - وهو الخوف - موجود هنا ، فثبت معلوله.

وقال مالك والشافعي : لا يصلّى لغير الكسوفين ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يفعله(٧) .

____________________

(١) المدونة الكبرى ١ : ١٦٤.

(٢) بدائع الصنائع ١ : ٢٨٢ ، الحجة على أهل المدينة ١ : ٣٢٤ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٨٢.

(٣ و ٤ ) صحيح البخاري ٢ : ٤٨ ، صحيح مسلم ٢ : ٦٢٨ - ٦٢٩ / ٩١٢ ، سنن النسائي ٣ : ١٥٤.

(٥) مصنف عبد الرزاق ٣ : ١٠١ -/ ٤٩٢٩ ، مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٤٧٢ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٤٣.

(٦) التهذيب ٣ : ١٥٥ / ٣٣٣.

(٧) بلغة السالك ١ : ١٩٠ ، القوانين الفقهية : ٨٥ ، الوجيز ١ : ٧٢ ، فتح العزيز ٥ : ٨٤ - ٨٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٧٠ ، المغني ٢ : ٢٨٢ - ٢٨٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٨٣.


وهو ممنوع بما تقدّم‌

مسألة ٤٨٢ : وتجب هذه الصلاة لأخاويف السماء‌ ، كالظلمة العارضة والحمرة الشديدة والرياح العظيمة والصيحة - وبه قال أبو حنيفة استحباباً(١) - لعموم قولهعليه‌السلام : ( إنّ هذه الآيات )(٢) . ولأنّه علّل الكسوف : بأنّه آية(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام : « كلّ أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصلّ له صلاة الكسوف حتى يسكن »(٤) .

ولأنّه أمر مخوف ، فشرّع فيه الصلاة ، كالكسوف.

وقال باقي الجمهور : لا يصلّى لها شي‌ء ، لعدم النقل(٥) . وقد بيّناه.

مسألة ٤٨٣ : وقت صلاة الكسوفين من حين الابتداء في الكسف إلى ابتداء الانجلاء‌ عند علمائنا ، لزوال الحذر.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « إذا انجلى منه شي‌ء فقد انجلى »(٦) .

وقال أبو حنيفة والشافعي واحمد : إلى أن ينجلي بكماله(٧) ، لقولهعليه‌السلام : ( فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله تعالى ، والصلاة حتى‌

____________________

(١) المبسوط للسرخسي ٢ : ٧٥ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٨٢ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٨٢.

(٢ و٣ ) صحيح البخاري ٢ : ٤٨ ، صحيح مسلم ٢ : ٦٢٨ - ٦٢٩ / ٩١٢ ، سنن النسائي ٣ : ١٥٤.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ٤٨ ، صحيح مسلم ٢ : ٦٢٨ - ٦٢٩ - ٩١٢ ، سنن النسائي ٣ : ١٥٤.

(٤) الكافي ٣ : ٤٦٤ / ٣ ، الفقيه ١ : ٣٤٦ / ١٥٢٩ ، التهذيب ٣ : ١٥٥ / ٣٣٠.

(٥) المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٨٣ ، بلغة السالك ١ : ١٩٠ ، الميزان للشعراني ١ : ٢٠٠ ، حلية العلماء ٢ : ٢٧٠ ، الوجيز ١ : ٧٢ ، فتح العزيز ٥ : ٨٤ - ٨٥.

(٦) الفقيه ١ : ٣٤٧ / ١٥٣٥ ، التهذيب ٣ : ٢٩١ / ٨٧٧.

(٧) المجموع ٥ : ٥٤ ، فتح العزيز ٥ : ٧٩ ، مغني المحتاج ١ : ٣١٩ ، المغني ٢ : ٢٨٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٧٩ ، وانظر : المبسوط للسرخسي ٢ : ٧٦ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٨٢ ، وعمدة القارئ ٧ : ٧٩.


ينجلي )(١) .

ولأنّ المطلوب ردّ النور بكماله.

ولأنّه لو انكسف بعضها في الابتداء صلّى لها وكذلك إذا بقي بعضها.

ونحن نقول بموجب الحديث ، لأنّه إذا انجلى البعض فقد انجلى.

والحذر قد زال بسبب الشروع في ردّ النور.

والفرق بين ابتداء الكسوف وابتداء الانجلاء ظاهر.

مسألة ٤٨٤ : وقت الرياح المظلمة والظلمة الشديدة والحمرة الشديدة : مدّتها ، أما الزلزلة : فإنّ وقتها مدّة العمر ، فتصلّي أداءً وإن سكنت ، لأنّها سبب في الوجوب. وكذا الصيحة. وبالجملة كلّ آية يضيق وقتها عن العبادة يكون وقتها دائماً ، أمّا ما نقص عن فعلها وقتاً دون آخر ، فإنّ وقتها مدّة الفعل ، فإن قصر ، لم تُصَلّ.

مسألة ٤٨٥ : إذا علم بالكسوف أو الخسوف ، وأهمل الصلاة عمداً أو نسياناً ، أعاد‌ سواء احترق القرص كلّه أو بعضه ، لقولهعليه‌السلام : ( مَنْ فاتته صلاة فريضة فليقضها إذا ذكرها )(٢) .

وقولهعليه‌السلام : ( مَنْ نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها )(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام : « مَنْ نسي صلاة أو نام عنها فليقضها إذا ذكرها»(٤) .

____________________

(١) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٤٦٨ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٢٤ و ٣٢٥.

(٢) أورده المحقق في المعتبر : ٢٣٥.

(٣) صحيح البخاري ١ : ١٥٥ ، صحيح مسلم ١ : ٤٧٧ / ٦٨٤ ، مصنف ابن أبي شيبة ٢٦٤ ، سنن الدارمي ١ : ٢٨٠ ، سنن أبي داود ١ : ١١٩ / ٤٣٥ ، سنن النسائي ١ : ٣ : و ٢٩٤ ، سنن ابن ماجة ١ : ٢٢٨ / ٦٩٨ ، سنن الترمذي ١ : ٣٣٤ - ١٧٧ ، سنن الدار قطني ١ : ٣٨٦ / ١٤ ، مسند أحمد ٣ : ١٠٠.

(٤) الكافي ٣ : ٢٩٢ / ٣ ، التهذيب ٢ : ٢٦٦ / ١٠٥٩ و ٣ : ١٥٩ / ٣٤١ ، الاستبصار ١ : =


وقول الصادقعليه‌السلام ، في صلاة الكسوف : « إن أعلمك أحد وأنت نائم فعلمت ثم غلبتك عينك فلم تصلّ فعليك قضاؤها »(١) .

وقال الشيخ : إن احترق البعض وتركها نسياناً ، لم يقض(٢) .

وليس بجيّد.

وقال الجمهور كافّة : لا قضاء مطلقاً ، لقولهعليه‌السلام : ( فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة حتى ينجلي )(٣) فجعل الانجلاء غاية للصلاة ، فلم يصلّ بعده. ولأنّها شرّعت لردّ النور وقد حصل(٤) .

والحديث المراد به الأداء. ونمنع العليّة ، بل يجوز أن يكون علامةً لوجوب الصلاة.

سلّمنا ، لكن لا نسلّم أنّ الرغبة إلى ردّه تستلزم عدم الشكر على الابتداء بردّه.

سلّمنا ، لكن ينتقض عندهم بالاستسقاء ، فإنّهم يصلّون بعد السقي(٥) وإن كانت صلاتهم رغبة في ذلك.

مسألة ٤٨٦ : لو لم يعلم بالكسوف حتى انجلى ، فإن كان قد احترق القرص كلّه ، وجب القضاء ، وإلّا فلا‌ ، عند علمائنا - إلّا في قول للمفيد : إنّه يقضي لو احترق البعض فرادى لا جماعة(٦) - لقول الصادقعليه‌السلام : « إذا انكسف القمر ولم تعلم حتى أصبحت ، ثم بلغك ، فإن احترق كلّه ،

____________________

= ٢٨٦ - ١٠٤٦.

(١) التهذيب ٣ : ٢٩١ / ٨٧٦ ، الاستبصار ١ : ٤٥٤ / ١٧٦٠.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٧٢.

(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٤٦٨ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٢٤ و ٣٢٥.

(٤) الاُم ١ : ٢٤٤ ، المجموع ٥ : ٥٤ ، فتح العزيز ٥ : ٧٩ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٢٩ ، المغني ٢ : ٢٨٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٧٩ ، الشرح الصغير ١ : ١٨٧.

(٥) راجع : المغني ٢ : ٢٩٤ ، والمجموع ٥ : ٨٩ - ٩٠.

(٦) المقنعة : ٣٥.


فعليك القضاء ، وإن لم يحترق كلّه ، فلا قضاء عليك »(١) .

وقولهعليه‌السلام : « إذا انكسفت الشمس كلّها ولم تعلم وعلمت ، فعليك القضاء ، وإن لم تحترق كلّها فلا قضاء عليك »(٢) .

وقال الجمهور : لا قضاء(٣) ، لما تقدّم في المسألة السابقة.

والجواب قد تقدّم.

أمّا جاهل غير الكسوف ، مثل الزلزلة والرياح والظلمة الشديدة ، فالوجه سقوطها عن الجاهل عملاً بالأصل السالم عن المعارض.

مسألة ٤٨٧ : لا تسقط هذه الصلاة بغيبوبة الشمس منخسفة ، لقولهعليه‌السلام : ( فإذا رأيتم ذلك فصلّوا )(٤) والأصل البقاء.

وقال الجمهور : لا يصلّي ، لأنّها إذا غابت فقد ذهب سلطانها ، وفات وقتها ، فلم يصلّ لردّها(٥) .

وهو ممنوع ، ونمنع أنّ مع ذهاب سلطانها يسقط ما ثبت وجوبه. مع أنّه اجتهاد ، فلا يعارض النصّ. وينتقض بالقمر عندهم(٦) .

ولا تسقط صلاة الخسوف بغيبوبة القمر منخسفاً إجماعاً ، لأنّ وقته باقٍ وهو الليل ، والحاجة داعية إليه.

ولا تسقط صلاة الخسوف والكسوف بستر السحاب إجماعاً ، لأنّ الأصل بقاؤهما.

ولو طلعت الشمس والقمر منخسف ، لم تسقط صلاته ، عملاً

____________________

(١) التهذيب ٣ : ١٥٧ / ٣٣٦.

(٢) التهذيب ٣ : ١٥٧ - ١٥٨ / ٣٣٩.

(٣) أوعزنا الى مصادره في الهامش (٤) من الصفحة السابقة.

(٤) صحيح البخاري ٢ : ٤٣ ، صحيح مسلم ٢ : ٦٢٣ / ١٠ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٣٢.

(٥) الاُم ١ : ٢٤٤ ، المجموع ٥ : ٥٤ ، فتح العزيز ٥ : ٨٠ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٣٠ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٨٠.

(٦) المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٨٠ ، المجموع ٥ : ٥٤ ، فتح العزيز ٥ : ٨٠.


بالموجب.

وقال الجمهور : تسقط ، لفوات وقته ، وذهاب سلطانه(١) .

ولو طلع الفجر فكذلك عندنا لا تسقط - وهو الجديد للشافعي(٢) - لبقاء سلطانه قبل طلوع الشمس ، لقوله تعالى( فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ) (٣) فما لم تطلع الشمس فالسلطان باقٍ.

والقديم : لا يصلّي ، لذهاب سلطانه بطلوع الفجر ، لأنّه من النهار ، والفجر حاجب الشمس(٤) .

ولو ابتدأ الخسوف بعد طلوع الفجر صلّاها عندنا ، خلافاً للشافعي في القديم(٥) .

ولو كان قد شرع في الصلاة فطلعت الشمس ، لم تبطلها إجماعاً ، لأنّها صلاة مؤقّتة ، فلا تبطل بخروج وقتها ، وعندنا أنّ وقتها باقٍ.

مسألة ٤٨٨ : وهذه الصلاة مشروعة مع الإِمام وعدمه‌ ، عند علمائنا أجمع - وهو قول أكثر العلماء(٦) - لعموم الأخبار.

ولأنّ صفوان بن عبد الله بن صفوان قال : رأيت ابن عباس على ظهر زمزم يصلّي الخسوف للشمس والقمر(٧) . والظاهر أنّه صلّى منفرداً.

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام ، في صلاة الكسوف :

____________________

(١) المجموع ٥ : ٥٤ ، فتح العزيز ٥ : ٨٠ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٨٠ ، بلغة السالك ١ : ١٩١.

(٢) المجموع ٥ : ٥٤ ، فتح العزيز ٥ : ٨٠.

(٣) الإسراء : ١٢.

(٤) المجموع ٥ : ٥٤ ، فتح العزيز ٥ : ٨٠.

(٥) المجموع ٥ : ٥٤ ، فتح العزيز ٥ : ٨٠.

(٦) المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٣.

(٧) مصنف عبد الرزاق ٣ : ١٠٢ - ١٠٣ / ٤٩٣٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٢٨.


« تصلّى جماعة وفرادى »(١) .

ولأنّها صلاة ليس من شرطها البنيان والاستيطان ، فلم يكن من شرطها الجماعة ، كغيرها من النوافل.

وقال الثوري ومحمد : إن صلّى الإِمام صلّوها معه ، ولا يصلّون منفردين ، لأنّها صلاة شرّع لها الاجتماع والخطبة ، فلا يصلّيها المنفرد كالجمعة(٢) .

ونمنع العلّيّة ، فإنّ الخطبة عندنا ليست مشروعةً.

مسألة ٤٨٩ : وتستحبّ الجماعة في هذه الصلاة إجماعاً منّا‌ - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد(٣) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّاها في الجماعة(٤) .

وصلّى ابن عباس خسوف القمر في جماعة في عهد عليعليه‌السلام (٥) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا انكسفت الشمس والقمر فإنّه ينبغي للناس أن يفزعوا إلى الإِمام يصلّي بهم ، وأيّهما كسف بعضه فإنّه يجزئ الرجل أن يصلّي وحده »(٦) .

ولأنّ خسوف القمر أحد الكسوفين ، فاستحبّت فيه الجماعة كالآخر.

____________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٩٢ / ٨٨٢.

(٢) المجموع ٥ : ٤٥ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٧٠.

(٣) الاُم ١ : ٢٤٢ ، المجموع ٥ : ٤٤ و ٤٥ ، الوجيز ١ : ٧١ ، فتح العزيز ٥ : ٧٤ ، مغني المحتاج ١ : ٣١٨ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٠ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٤.

(٤) صحيح البخاري ٢ : ٤٣ ، صحيح مسلم ٢ : ٦١٩ / ٣ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٠١ / ١٢٦٣ ، سنن النسائي ٣ : ١٢٧ ، سنن الدارمي ١ : ٣٥٩ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠٦ / ١١٧٧ و ١١٧٨ ، سنن الدار قطني ٢ : ٦٣ / ٣ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٢٠.

(٥) سنن البيهقي ٣ : ٣٣٨.

(٦) التهذيب ٣ : ٢٩٢ / ٨٨١.


وقال أبو حنيفة : يصلّون للقمر فرادى في بيوتهم ، لأنّ في خروجهم ليلاً مشقّةً(١) .

وينتقض : بالتراويح.

تذنيب : لو أدرك المأموم الإِمام راكعاً في الأول ، فقد أدرك الركعة‌. ولو أدركه في الركوع الثاني ، أو الثالث ، فالوجه : أنّه فاتته تلك الركعة - وبه قال الشافعي(٢) - لأن الركوع ركن فيها ، ولا يتحمّل الإِمام شيئاً سوى القراءة ، لا فعل الركوع ، فحينئذٍ ينبغي المتابعة حتى يقوم في الثانية ، فيستأنف الصلاة معه ، فإذا قضى صلاته أتمّ هو الثانية ، ويجوز الصبر حتى يبتدئ بالثانية.

وتحتمل المتابعة بنية صحيحة ، فإذا سجد الإِمام لم يسجد هو ، بل ينتظر الإِمام إلى أن يقوم ، فإذا ركع الإِمام أول الثانية ركع معه عن ركعات الْأُولى ، فإذا انتهى إلى الخامس بالنسبة إليه سجد ، ثم لحق الإِمام ، ويتمّ الركعات قبل سجود الثانية.

والوجه : الأول.

مسألة ٤٩٠ : لا خطبة لهذه الصلاة عند علمائنا أجمع‌ ، وبه قال أبو حنيفة ، ومالك(٣) ، عملاً بالأصل السالم عن المعارض.

ولأنّه لو كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قد خطب ، لنُقِل كما نُقِلت خطبته في العيد والجمعة وغيرهما.

وقال الشافعي : تستحب الخطبة بعد الصلاة على المنبر - ولم يذكر‌

____________________

(١) المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٣ ، المبسوط للسرخسي ٢ : ٧٥ - ٧٦ ، اللباب ١ : ١٢٠ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٨.

(٢) المجموع ٥ : ٦١ ، الوجيز ١ : ٧١ ، فتح العزيز ٥ : ٧٨ ، مغني المحتاج ١ : ٣١٩.

(٣) الهداية للمرغيناني ١ : ٨٨ ، شرح فتح القدير ٢ : ٥٧ ، اللباب ١ : ١٢٠ ، بلغة السالك ١ : ١٩١ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٨٠ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٢٧ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٣ ، المجموع ٥ : ٥٣ ، فتح العزيز ٥ : ٧٥ - ٧٦ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٨.


أحمد الخطبة(١) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لـمّا خسفت الشمس صلّى ، فوصفت عائشة صلاته إلى أن قالت : فلمّا فرغ وقد تجلّت انصرف وذكر الله تعالى فأثنى عليه وقال : ( يا أيها الناس إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله تعالى ، وكبّروا وانصرفوا ) ثم قال : ( يا اُمّة محمّد ما أحد أغير من الله تعالى أن يزني ، عبده أو أمته ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً )(٢) (٣) .

ولا حجّة فيه ، لتضمّنه الدعاء والتكبير والإِعلام بحكم الكسوف ، وليس ذلك من الخطبة في شي‌ء.

مسألة ٤٩١ : وتجب هذه الصلاة على النساء والرجال والخناثى ، إجماعاً منّا وللعموم.

وعند الجمهور بالاستحباب(٤) ، لأنّ أسماء بنت أبي بكر قالت : فزع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يوم كسفت الشمس ، فقام قياماً ، فرأيت المرأة التي أكبر منّي ، والمرأة التي أصغر منّي قائمة ، فقلت : أنا أحرى بالصبر على طول القيام(٥) .

إذا ثبت هذا ، فإنّه يستحب للعجائز ، ومَنْ لا هيئة لها الصلاة جماعة مع الرجال ، ويكره ذلك للشواب ، ويستحب لهنّ الجماعة تصلّي بهنّ‌

____________________

(١) اُنظر : المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٨.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ٤٢ - ٤٣ ، صحيح مسلم ٢ : ٦١٨ / ٩٠١ ، سنن النسائي ٣ : ١٣٠ - ١٣٣ ، مسند أحمد ٦ : ١٦٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٢٢.

(٣) الْاُم ١ : ٢٤٤ ، المجموع ٥ : ٥٢ ، فتح العزيز ٥ : ٧٥ - ٧٦ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧٨.

(٤) المجموع ٥ : ٤٤ - ٤٥ ، المغني ٢ : ٢٨٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٧٣ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٨٠ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٢٦.

(٥) صحيح مسلم ٢ : ٦٢٥ - ٦٢٦ / ٩٠٦ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٤٢.


إحداهنّ.

واستحبّه الشافعي مطلقاً ، لكنه لم يستحبّ الخطبة لو صلّين جماعة ، لأنّ الخطبة ليست من سنن النساء ، فإن قامت إحداهنّ وذكّرتهنّ ووعظتهنّ ، كان حسناً عنده(١) .

ولو حصل رجل في قرية مع النساء ولا رجل سواه ، تقدّم وصلّى بهنّ وإن كنّ أجانب - خلافاً للشافعي(٢) - إلّا أن يخاف الافتتان ، فيصلّين فرادى.

إذا ثبت هذا ، فإنّ هذه الصلاة تجب على المسافر كما تجب على الحاضر ، وليس الاستيطان ، ولا البنيان شرطاً فيهما إجماعاً ، ولا المصر ولا الإِمام ، للعموم.

مسألة ٤٩٢ : اختلف علماؤنا في الإِعادة بعد الفراغ من الصلاة قبل الانجلاء ، فالأشهر : استحباب إعادة الصلاة ، لأنّ المقتضي للمشروعية باقٍ.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « إذا فرغت قبل أن ينجلي فأعد »(٣) .

وقال آخرون منّا : بالوجوب ، لثبوت المقتضي له ، وهو : بقاء الكسوف. ولهذا الحديث(٤) .

والحقّ خلافه ، لأصالة البراءة.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « فإذا فرغت قبل أن ينجلي فاقعد ، وادْعُ الله حتى ينجلي »(٥) .

ونمنع كون الكسوف سبباً ، بل علامةً ووقتاً.

____________________

(١و٢) الاُم ١ : ٢٤٦ ، المجموع ٥ : ٥٩.

(٣) التهذيب ٣ : ١٥٦ / ٣٣٤.

(٤) الذي مرّ آنفاً.

(٥) الكافي ٣ : ٤٦٣ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٥٦ / ٣٣٥.


والخبر محمول على الاستحباب ، جمعاً بين الأدلّة.

وقال آخرون منّا : لا تعاد الصلاة وجوباً ولا استحباباً - وهو قول الجمهور كافة(١) - لأنّه لم ينقل عنهعليه‌السلام التكرّر.

ولا حجّة فيه ، لأنّهعليه‌السلام كان يطيل الصلاة بقدر زمانه(٢) .

إذا عرفت هذا ، فإنّ الشافعي استحب الخطبة بعدها(٣) . وقد أبطلناه.

ويستحب الدعاء والذكر والاستغفار والتكبير والتضرع إلى الله تعالى ، لقولهعليه‌السلام : ( فافزعوا إلى ذكر الله تعالى ، ودعائه واستغفاره )(٤) .

وقالت أسماء : كنّا نؤمر بالعتق في الكسوف(٥) .

ولأنّه تخويف من الله تعالى ، فينبغي أن يبادر إلى طاعة الله ليكشفه عن عباده.

مسألة ٤٩٣ : تصلّى هذه الصلاة في أيّ وقت حصل السبب‌ وإن كان أحد الأوقات(٦) الخمسة المكروهة لابتداء النوافل عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي(٧) - لأنّها صلاة فرض مؤقتة ، فلا يتناولها النهي.

____________________

(١) الاُم ١ : ٢٤٤ ، المجموع ٥ : ٥٤ ، فتح العزيز ٥ : ٧١ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٢٧ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٨٠.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ٤٣ و ٤٤ و ٤٦ ، صحيح مسلم ٢ : ٦١٨ / ٩٠١ و ٦٢٤ / ٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٠١ / ١٢٦٣ ، سنن الدار قطني ٢ : ٦٣ / ٣ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٢١ و ٣٢٣ ، المستدرك للحاكم ١ : ٣٢٩.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٢٩ ، المجموع ٥ : ٥٢ ، فتح العزيز ٥ : ٧٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٩.

(٤) سنن النسائي ٣ : ١٥٣ - ١٥٤.

(٥) صحيح البخاري ٢ : ٤٧ ، سنن أبي داود ١ : ٣١٠ / ١١٩٢ ، مسند أحمد ٦ : ٣٥٤.

(٦) وهي : طلوع الشمس ، وغروبها ، وقيامها إلى أن تزول ، وبعد صلاتي الصبح والعصر.

(٧) الاُم ١ : ١٤٩ و ٢٤٣ ، المجموع ٤ : ١٧٠ ، فتح العزيز ٥ : ٦٩ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٣ ، عمدة القاري ٧ : ٦٢ و ٧٩.


ولقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( فإذا رأيتم ذلك فصلّوا )(١) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « وقت صلاة الكسوف الساعة التي تنكسف عند طلوع الشمس وعند غروبها »(٢) .

ولأنّها ذات سبب ، فجاز فعلها في الأوقات الخمسة.

وقال مالك وأبو حنيفة : بالمنع ، وعن أحمد روايتان : المنع أشهرهما ، لأنّ عقبة بن عامر قال : ثلاث ساعات(٣) كان النبيعليه‌السلام ينهانا أن نصلّي فيها ، وأن نقبر موتانا(٤) (٥) .

وهو مختص بالنوافل ، وقد بيّنّا وجوب هذه الصلاة.

مسألة ٤٩٤ : لو اتّفق في وقت فريضة حاضرة ، فإنّ اتّسع الوقتان ، قدّم الحاضرة استحباباً‌ ؛ لشدة اعتناء الشارع بها ، ولهذا سُوّغ قطع الكسوف والاشتغال بالحاضرة ، فتقديمها أولى.

ولو تضيّق الوقتان ، قدّمت الحاضرة وجوباً ، لما تقدّم ، ثم إن فرّط في صلاة الكسوف بالتأخير مع الإِمكان قضى وإلّا فلا.

ولو تضيّقت إحداهما ، تعيّنت للفعل ، ثم يصلّي الْاُخرى بعد إكمالها.

ولا يجب مع اتّساع الوقتين الاشتغال بالحاضرة ، لقول الصادقعليه‌السلام : « خمس صلوات لا تترك على حال : إذا طفت بالبيت ، وإذا أردت‌

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٤٣ ، صحيح مسلم ٢ : ٦٢٣ / ١٠.

(٢) الكافي ٣ : ٤٦٤ / ٤ ، التهذيب ٣ : ٢٩٣ / ٨٨٦.

(٣) الساعات الثلاث هي : طلوع الشمس وغروبها وزوالها. وانظر : المصادر في الهامش التالي.

(٤) صحيح مسلم ١ : ٥٦٨ / ٨٣١ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٨٦ / ١٥١٩ ، سنن الترمذي ٣ : ٣٤٨ / ١٠٣٠ ، سنن النسائي ١ : ٢٧٥ و ٢٧٧ ، مسند أحمد ٤ : ١٥٢.

(٥) بداية المجتهد ١ : ٢١٣ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٨٢ ، فتح العزيز ٥ : ٦٩ ، المغني ١ : ٧٩٤ و ٢ : ٢٨١ - ٢٨٢ ، الشرح الكبير ١ : ٨٤٠.


أن تحرم ، وإذا نسيت فصلّ إذا ذكرت ، وصلاة الكسوف والجنازة »(١) ولا خلاف فيه.

فروع :

أ : لو تلبّس بصلاة الكسوف وتضيّق وقت الحاضرة وخاف فوتها لو أتمّ الكسوف ، قطع إجماعاً‌ ، وصلّى بالحاضرة ، تحصيلاً للفرض.

ولقول الصادقعليه‌السلام في صلاة الكسوف يخشى فوت الفريضة قال : « اقطعوها وصلّوا الفريضة وعودوا إلى صلاتكم »(٢) .

وسأله محمد بن مسلم : ربما ابتلينا بعد المغرب قبل العشاء ، فإن صلّينا الكسوف ، خشينا أن تفوت الفريضة ، قال : « إذا خشيت ذلك فاقطع صلاتك واقض فريضتك ثم عُدْ فيها »(٣) .

إذا ثبت هذا ، فإذا قطع الكسوف وصلّى الفريضة هل يعود إلى الكسوف من حيث قطع ، أو يستأنف الصلاة؟.

قال الشيخان والمرتضى : بالأول(٤) ، للروايتين.

وفيه إشكال ينشأ : من أنّ صلاة الفرض يبطلها العمل الكثير ، ودلالة الحديثين ليست قطعيّةً ، لاحتمال العود إلى ابتداء الصلاة.

ب : لو اشتغل بالكسوف وخشي فوت الحاضرة لو أتمّها وفوت الكسوف لو اشتغل بالحاضرة ، احتمل تقديم الحاضرة‌ ؛ لأولويتها ، فيقطع الكسوف ويستأنف.

وإتمام الكسوف ؛ لأولويته بالشروع فيه ، والنهي عن إبطال العمل ،

____________________

(١) الكافي ٣ : ٢٨٧ / ٢ ، التهذيب ٢ : ١٧٢ / ٦٨٣.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٩٣ / ٨٨٨.

(٣) التهذيب ٣ : ١٥٥ / ٣٣٢.

(٤) النهاية : ١٣٧ ، جمل العلم والعمل ( ضمن رسائل الشريف المرتضى ) ٣ : ٤٥ ، وحكاه عن الثلاثة ، المحقق في المعتبر : ٢١٨.


ومساواته بالحاضرة في الوجوب.

ويحتمل إتمامها إن أدرك من الحاضرة بعدها ركعة وإلّا استأنف.

ج : لو اتّسع وقت الحاضرة ، وشرع القرص في الكسوف ، أو حدثت الرياح المظلمة ، فالوجه : تقديم الكسوف والرياح‌ - وبه قال الشافعي(١) - لجواز عدم طول اللبث ، فيفوت بالاشتغال بالحاضرة.

د : الزلزلة متأخّرة عن الحاضرة‌ مطلقاً إن قلنا : وقتها العمر. وإن قلنا : وقتها حدوثها ، فتجب وإن سكنت ، كما قال بعض علمائنا(٢) ، وكالكسوف.

ه- : لو اتّفقت مع صلاة منذورة مؤقّتة ، بدأ بما يخشى فواته‌ ، ولو أمن فواتهما ، تخيّر فيهما.

و : الكسوف أولى من النافلة الموقّتة كصلاة الليل‌ وغيرها وإن خرج وقتها ، ثم يقضي ندباً.

ز : لو اجتمع الكسوف والعيد وصلاة الجنازة والاستسقاء ، قدّم من الفرائض ما يخشى فواته‌ أو التغيّر ، وإن تساويا ، تخيّر ، أمّا الاستسقاء فتؤخّر ، لأنّ المندوب لا يزاحم الواجب.

وقال الشافعي : تقدّم الجنازة ؛ لأنّها فرض ، وللخوف من التغيّر ، ثم الخسوف ، لتعلّقها بسبب يخاف فواته ، إلّا أن تتضيّق العيد فتقدّم ، لأنّ فواته متحقّق وفوات الخسوف غير متحقّق ، ثم الاستسقاء ، لأنّها تصلّى في أيّ وقت كان(٣) .

لا يقال : لا يمكن اجتماع العيد والكسوف ، لأنّ الشمس لا تنكسف في العادة إلّا في التاسع والعشرين من الشهر ، فلا يتصوّر كونه في الفطر ولا الأضحى.

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٣٠ ، المجموع ٥ : ٥٥ و ٥٦ ، فتح العزيز ٥ : ٨١ ، الاُم ١ : ٢٤٣.

(٢) قاله المحقق في شرائع الإِسلام ١ : ١٠٣.

(٣) الاُم ١ : ٢٤٣ ، مختصر المزني : ٣٢ ، المجموع ٥ : ٥٧.


لأنّا نقول : نمنع عدم الإِمكان ، والعادة لا تخرج نقيضها عن حدّ الإِمكان ، والله على كلّ شي‌ء قدير ، والفقهاء يفرضون الممكن وإن لم يقع عادةً ليبيّنوا الأحكام المنوطة به ، كما يفرضون مائة جدّة وما أشبه ذلك.

ثم هذا لا يرد علينا ، لأنّ هذه الصلاة لا تختص بكسوف الشمس ، بل هي واجبة لباقي الآيات الخارجة عن الضابط الزماني.

ح : لو خاف خروج وقت العيد ، قدّمت صلاته‌ ولم يخطب لها حتى يصلّي الخسوف ، فإذا صلّى الخسوف ، خطب للعيد خاصة عندنا - وعند الشافعي يخطب لهما(١) - وذكر ما يحتاج إلى ذكره لهما.

ط : لو اجتمع الخسوف والجمعة ، فإن اتّسع وقت الجمعة ، بدأ بالخسوف ، ويقصّر في قراءته ، فيقرأ السور القصار ، فإذا فرغ ، اشتغل بخطبة الجمعة خاصة.

وقال الشافعي : يخطب للخسوف والجمعة ، ثم يصلّي الجمعة(٢) .

ولو تضيّق الوقت ، بدأ بالخطبة للجمعة مخفّفةً ، ثم بالجمعة ثم بالخسوف.

ي : لو كان في الموقف حالة الكسوف ، قدّمت صلاته على الدعاء‌ ولا خطبة.

وقال الشافعي : يخطب راكباُ ويدعو(٣) .

وإن كسفت وهو في الموضع الذي يصلّى فيه الظهر ، قدّمت صلاته على الدفع إلى عرفة لئلّا تفوته.

يا : لو خسف القمر بعد الفجر من ليلة المزدلفة وهو بها ، صلّى صلاة الخسوف‌ وإن كان يؤدّي إلى ان يفوته الدفع منها إلى منى قبل طلوع الشمس.

____________________

(١) المجموع ٥ : ٥٧ ، فتح العزيز ٥ : ٨٢.

(٢) الاُم ١ : ٢٤٣ ، المجموع ٥ : ٥٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢٦٩ ، فتح العزيز ٥ : ٨٢.

(٣) الاُم ١ : ٢٤٤ ، المجموع ٥ : ٥٧ - ٥٨.


ويستحب التخفيف ليدفع قبله.

يب : لو خسفت الشمس يوم الثامن بمكة ، وخاف إن اشتغل بصلاة الخسوف أن يفوته فعل الظهر بمنى ، قدّم صلاة الخسوف‌ ، لأنّها واجبة ، بخلاف فعل الظهر بمنى.

يج : لو اتّفق الكسوف مع نافلة ، قدّم الكسوف‌ ولو فاتت النافلة ، راتبةً كانت أو لم تكن عند علمائنا ، لأنّها واجبة.

ولقول الصادقعليه‌السلام ، وقد سئل عن صلاة الكسوف وصلاة الليل بأيّتهما نبدأ؟ : « صلّ صلاة الكسوف ، واقض صلاة الليل حين تصبح »(١) .

وقال أحمد : يقدّم أكدهما(٢) ، وهو بناء على أنّ صلاة الكسوف مندوبة ، وقد بيّنّا بطلانه.

مسألة ٤٩٥ : قال الشيخ : صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر سواء(٣) .

وهو صحيح إن قصد المساواة في الهيئة ، أمّا في الإِطالة ففيه نظر ، لقول الباقرعليه‌السلام : « صلاة كسوف الشمس أطول من صلاة كسوف القمر ، وهما سواء في القراءة والركوع والسجود»(٤) .

مسألة ٤٩٦ : لو ضاق وقت الكسوف عن إدراك ركعة ، لم تجب ، بخلاف الزلزلة ، فإنّها سبب في الوجوب لا وقت له.

( ولو اتّسع لركعة وقصر عن أخفّ صلاة ، ففي الوجوب إشكال ينشأ : من قولهعليه‌السلام : ( مَنْ أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة )(٥) ومن‌

____________________

(١) التهذيب ٣ : ١٥٥ / ٣٣٢.

(٢) المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٨٠.

(٣) الخلاف ١ : ٦٨٢ مسألة ٤٥٧.

(٤) الكافي ٣ : ٤٦٣ - ٤٦٤ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٥٦ - ١٥٧ / ٣٣٥.

(٥) صحيح البخاري ١ : ١٥١ ، صحيح مسلم ١ : ٤٢٣ / ٦٠٧ ، سنن ابن ماجة ١ : =


استحالة فرض وقت لعبادة يقصر عنها عقلاً ، إلّا أن يكون القصد القضاء ، ولم يثبت القصد هنا.

فلو اشتغل أحد المكلَّفين بها في الابتداء وخرج الوقت وقد أكمل ركعة ، فعلى الأوّل يجب عليه الإِكمال ، وعلى الثاني لا يجب ، أمّا الآخر فلا يجب عليه القضاء على التقديرين )(١) .

إذا ثبت هذا ، فلو ضاق الوقت عن العدد ، لم يجز الاقتصار على الأقلّ.

ولو اتّسع للأكثر ، لم تجز الزيادة ، لأنّها فريضة معيّنة.

وللشافعي في كلٍّ من التقديرين وجهان(٢) .

مسألة ٤٩٧ : لا يجوز أن تصلّى هذه الصلاة على الراحلة اختيارا‌ً ولا مشياً إلّا مع الضرورة عند علمائنا - خلافاً للجمهور - لأنّها فريضة فلا تجوز على الراحلة ومشياً اختياراً ، كغيرها من الفرائض.

ولأنّ عبد الله بن سنان سأل الصادقعليه‌السلام : أيصلّي الرجل شيئاً من الفروض على الراحلة؟ فقال : « لا »(٣) .

أمّا مع الضرورة فتجوز ، دفعاً للمشقّة ، كغيرها من الفرائض.

وكتب علي بن فضل الواسطي إلى الرضاعليه‌السلام : إذا كسفت‌

____________________

= ٣٥٦ - ١١٢٣ ، سنن الدارمي ١ : ٢٧٧ ، سنن النسائي ١ : ٢٧٤ ، الموطأ ١ : ١٠ / ١٥ ، سنن الترمذي ٢ : ٤٠٣ / ٥٢٤.

(١) ورد بدل ما بين القوسين في نسخة « ش » هكذا : ولو اتّسع لركعة وقصر عن أخف صلاة لم يجب لاستحالة فرض وقت لعبادة يقصر عنها عقلاً إلّا أن يكون القصد القضاء ولم يثبت القصد هنا ، فلو اشتغل أحد المكلَّفين بها في الابتداء وخرج الوقت وقد أكمل ركعة يحتمل أن يجب عليه الإِكمال لأنه مكلَّف بالظن فصح ما فعل فيدخل تحت( وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ) والأقوى أنّه لا يجب ، أمّا الآخر فلا يجب عليه القضاء على التقديرين.

(٢) المجموع ٥ : ٤٧ - ٤٨ ، فتح العزيز ٥ : ٧١.

(٣) التهذيب ٣ : ٣٠٨ / ٩٥٤.


الشمس والقمر وأنا راكب لا أقدر على النزول ، فكتبعليه‌السلام : « صلّ على مركبك الذي أنت عليه »(١) .

مسألة ٤٩٨ : هل تجب هذه الصلاة في كسف بعض الكواكب بعضاً ، أو في كسف أحد النيّرين بأحد الكواكب كما قال بعضهم : إنّه شاهد الزهرة في جرم الشمس كاسفة لها؟ إشكال ينشأ : من عدم التنصيص ، وخفائه ، إذ الحسّ لا يدلّ عليه ، وإنّما يستفاد من المنجّمين الذين لا يوثق بهم ، ومن كونه آية مخوفة ، فتشارك النيّرين في الحكم.

والأول أقوى.

* * *

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٦٥ / ٧ ، الفقيه ١ : ٣٤٦ / ٥٣١ ، التهذيب ٣ : ٢٩١ / ٨٧٨ ، قرب الإِسناد : ١٧٤.



الفصل الرابع : في صلاة النذر‌

مسألة ٤٩٩ : صلاة النذر واجبة بحسب ما نذره إجماعاً.

ولقوله تعالى( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) (١) وقوله تعالى( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (٢) ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤولاً ) (٣) ولقوله تعالى( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ ) (٤) .

ويشترط فيه ما يشترط في الفرائض اليومية من الطهارة والاستقبال وغيرهما إجماعاً إلّا الوقت ، وتزيد الصفات التي عيّنها في نذره ، ولا يجب لو وقع في معصية ، لقبحه إلّا على وجه الزجر ، وسيأتي.

ولو عيّن الزمان ، تعيّن سواء كان فيه مزية كيوم الجمعة وغيره من الأوقات الشريفة ، أو لا ، لأنّ البقاء غير معلوم ، والتقدّم فعل للواجب قبل وجوبه ، فلا يقع مجزئاً ، كما لو صلّى الفرض قبل وقته ، فتعيّن.

ولو قيّده بوقت مكروه للنوافل ، فالأقرب الانعقاد ، لاختصاص الكراهة‌

____________________

(١) الإِنسان : ٧.

(٢) المائدة : ١.

(٣) الإِسراء : ٣٤.

(٤) النحل : ٩١.


بالنوافل ، وهذه بالنذر خرجت عن كونها نافلةً ، وصارت واجبةً ذات سبب.

مسألة ٥٠٠ : لو قيّد نذر الصلاة بزمان فأوقعها في غيره ، فقد بيّنّا عدم الإِجزاء.

ثم إن كان الفعل متقدّماً على الزمان ، وجب عليه الإِعادة عند حضور الزمان ، فإن أهمل وجب القضاء وكفّارة خلف النذر.

وإن تأخّر الفعل ، فإن كان لعذر أجزأ ولا كفّارة ، وإن كان لغير عذر ، فإن أوقعه بنيّة القضاء ، أجزأ وكفّر ، وإلّا وجب عليه الفعل ثانياً والكفّارة.

ولو نذر إيقاعه في زمان يتكرّر مثله كيوم الجمعة ، لم يجب في الجمعة الْاُولى إلّا مع النذر ، بل يجزئه فعلها في أيّ جمعة شاء ، فإن أوقعها في خميس مثلاً لم يجزئه ، ووجب إيقاعها في الجمعة الْاُخرى أداءً لا قضاءً.

مسألة ٥٠١ : لو قيّد نذر الصلاة بمكان ، فإن كان له مزيّة ، تعيّن‌ كالمسجد.

وإن لم يكن له مزيّة ، ففي وجوب القيد نظر ينشأ : من أنّه نذر طاعة في موضع مباحٍ فيجب ، ومن أنّ القيد لا مزيّة فيه فلا تجب ، كما لو نذر المشي ولم يعيّن مقصداً ، وهو الأقرب ، فيجوز إيقاعها حينئذٍ في أيّ موضع شاء.

أمّا لو كان له مزيّة ، فصلاّها في مكان مزيّته أعلى ، فالأقرب : الجواز ، إذ زيادة المزية بالنسبة إلى الآخر كذي المزية بالنسبة إلى غير ذي المزيّة.

ويحتمل العدم ، لأنّه نذر انعقد ، فلا يجوز غيره ، فإن قلنا بالجواز فلا بحث ، وإلّا وجب القضاء.

ولو قيّده بزمان ومكان ، فأوقعها في ذلك الزمان في غير ذلك المكان ممّا يساويه أو يزيد عليه في المزيّة ، أجزأ على إشكال ، وإلّا وجب القضاء في ذلك المكان بعينه ، والكفّارة ، لفوات الوقت.

مسألة ٥٠٢ : لو أطلق العدد ، أجزأه ركعتان إجماعاً.

وهل تجزئه الواحدة؟ لعلمائنا قولان : أحدهما : ذلك ، للتعبّد بمثلها‌


في الوتر. والآخر : المنع ، صرفاً للإِطلاق إلى المتعارف وهو الركعتان.

ولو صلّاها ثلاثاً أو أربعاً ، أجزأ إجماعاً ، وفي وجوب التشهّدين إشكال. ولو صلّاها خمساً فإشكال.

ولو قيّد نذره بعدد ، تعيّن إن تُعبِّدَ بمثله.

ثم إن أطلق ، احتمل وجوب التسليم عقيب كلِّ ركعتين ، ووجوبه عقيب أربع أو ما زاد على إشكال.

وإن لم يتعبّد بمثله ، كالخمس والست ، قال ابن إدريس : لا ينعقد(١) .

ويحتمل انعقاده ، لأنّها عبادة ، وعدم التعبّد بمثلها لا يخرجها عن كونها عبادةً.

مسألة ٥٠٣ : لو قيّد النذر بقراءة سورة معيّنة ، أو آيات مخصوصة ، أو تسبيح معلوم ، تعيّن‌ ، فيعيد مع المخالفة ، فإن كان مقيّدا بوقت وخرج ، أعاد وكفّر.

ولو نذر أن يقرأ آياتٍ معيّنةٍ عوض السورة ففي الإِجزاء نظر ينشأ : من أنّها واجبة ، فتجب السورة مع الحمد كغيرها من الفرائض ، ومن أنّ وجوبها على هذا الحدّ فلا يجب غيره ، فعلى الأول يحتمل عدم انعقاد النذر مطلقاً ، كما لو نذر صلاة بغير طهارة ، وانعقاده فتجب سورة كاملة.

ولو نذر آياتٍ من سورة معيّنة عوض السورة ، وقلنا بوجوب السورة في الأول ، وجب هنا عين تلك السورة ليدخل ما نذره ضمناً ، ويحتمل إجزاء غيرها ، لعدم انعقاد النذر في التبعيض.

مسألة ٥٠٤ : لو نذر النافلة في وقتها ، صارت واجبةً ، فلو نذر صلاة العيد المندوبة أو الاستسقاء في وقتهما ، لزم ، ولو نذرهما في غير وقتهما ،

____________________

(١) السرائر : ٣٥٧.


فالأقرب : عدم الانعقاد ، لعدم التعبّد بمثله في هذا الوقت. ويحتمل الانعقاد ، لأنّها طاعة تُعبّد بمثلها في وقت ما ، فكذا في غيرها.

ولو نذر إحدى المرغّبات ، وجبت ، فإن كانت مقيّدةً بوقت ، تقيّد النذر به وإن أطلقه ، كما لو نذر نافلة الظهر ، وإلّا فلا ، ولو كان الوقت مستحبّاً لها ، كصلاة التسبيح المستحب إيقاعها يوم الجمعة ، لم ينعقد إلّا مع تقيّد النذر به.

ولو نذر صلاة الليل ، وجب ثمان ركعات ، ولا يجب الدعاء. وكذا لو نذر نافلة رمضان ، لم يجب الدعاء المتخلّل بينها إلّا مع التقييد.

ولو نذر الفريضة اليومية ، فالوجه الانعقاد ، لأنّها طاعة ، بل أقوى الطاعات لوجوبها ، والفائدة : وجوب الكفّارة مع المخالفة.

مسألة ٥٠٥ : لو نذر النافلة على الراحلة ، انعقد‌ المطلق لا المقيّد ، لأولويّة غيره. وكذا لو نذر الصلاة النافلة في إحدى الأماكن المكروهة. ولو فعل ما قيّد النذر به ، أجزأه ، إذ غيره لم يجب ، لعدم نذره.

ولو نذر التنفّل جالسا أو مستدبرا ، فإن أوجبنا القيام أو الاستقبال ، احتمل بطلان النذر ، كما لو نذر الصلاة بغير طهارة ، والانعقاد للمطلق ، فيجب الضّد.

وإن جوّزنا إيقاعها جالساً أو مستدبراً ، أجزأ لو فعلها عليهما أو قائماً أو مستقبلاً.

واليمين والعهد في ذلك كلّه كالنذر.

* * *


الفصل الخامس : في صلاة الاستسقاء‌

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إذا غضب الله تعالى على اُمّة ثم لم ينزل بها العذاب ، غلت أسعارها ، وقصرت أعمارها ، ولم تربح تجّارها ، ولم تزك ثمارها ، ولم تَعْذُب أنهارها ، وحبس عنها أمطارها ، وسلّط عليها أشرارها )(١) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « إذا فشت أربعة ، ظهرت أربعة : إذا فشا الزنا ، ظهرت الزلازل ، وإذا اُمسكت الزكاة ، هلكت الماشية ، وإذا جار الحكّام في القضاء ، اُمسك القطر من السماء ، وإذا خفرت الذمة ، نصر المشركون على المسلمين »(٢) .

مسألة ٥٠٦ : الاستسقاء مشروع بالكتاب والسنّة والإِجماع.

قال الله تعالى( وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ ) (٣) .

وقال تعالى( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ) (٤) .

____________________

(١) الفقيه ١ : ٣٣٢ / ١٤٩٢ ، التهذيب ٣ : ١٤٨ / ٣١٩.

(٢) الفقيه ١ : ٣٣٢ / ١٤٩١ ، التهذيب ٣ : ١٤٧ - ١٤٨ / ٣١٨.

(٣) البقرة : ٦٠.

(٤) نوح : ١٠ و ١١.


وقال ابن عباس : خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في الاستسقاء متبذلاً متواضعاً متضرّعاً حتى أتى المصلّى(١) .

وروى أنس قال : أصاب أهل المدينة قحط ، فبينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يخطب إذ قام رجل ، فقال : هلك الكراع والشاء ، فادع الله أن يسقينا ، فمدّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يديه ودعا ، قال أنس : والسماء لَمِثْل الزجاجة ، فهاجت ريح ، ثم أنشأت سحاباً ، ثم اجتمع ، ثم أرسلت السماء عزاليها(٢) ، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا قِبَل منازلنا ، فلم تزل تمطر إلى الجمعة الْاُخرى ، فقام إليه الرجل أو غيره ، فقال : يا رسول الله تهدّمت البيوت واحتبس الركبان ، فادع الله أن يحبسه ، فتبسّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم قال : ( اللهم حوالينا ولا علينا ) فنظرت إلى السماء تنصدع حول المدينة كأنه إكليل(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّى الاستسقاء ركعتين »(٤) الحديث.

وصلّى أمير المؤمنينعليه‌السلام صلاة الاستسقاء ، وخطب طويلاً ، ثم بكى وقال : « سيدي انصاحت جبالنا ، وأغبرت أرضنا ، وهامت دوابّنا ، وقنط ناس منّا ، وتاهت البهائم وتحيّرت في مراتعها ، وعجّت عجيج الثكلى على أولادها ، وملت الدوران في مراتعها [ حين ](٥) حبست عنها قطر السماء ، فرقّ لذلك عظمها ، ودقّ لحمها ، وذاب شحمها ، وانقطع درّها ، اللهم ارحم أنين‌

____________________

(١) سنن أبي داود ١ : ٣٠٢ / ١١٦٥ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٠٣ / ١٢٦٦ ، سنن الترمذي ٢ : ٤٤٥ / ٥٥٨ ، سنن النسائي ٣ : ١٦٣ ، مسند أحمد ١ : ٣٥٥ ، سنن الدار قطني ٢ : ٦٨ / ١١ ، المستدرك للحاكم ١ : ٣٢٦ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٤٤.

(٢) قال ابن الأثير في النهاية ٣ : ٢٣١ نقلاً عن الهروي : العزالي : جمع العزلاء ، وهو فمُ المزادة الأسفل ، فشبّه اتّساع المطر واندفاقه بالذي يخرج من فم المزادة.

(٣) سنن أبي داود ١ : ٣٠٤ / ١١٧٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٥٦.

(٤) الفقيه ١ : ٣٣٨ / ١٥٠٥ ، التهذيب ٣ : ١٥٠ / ٣٢٦ ، الاستبصار ١ : ٤٥١ / ١٧٤٨.

(٥) زيادة من المصدر ، ووردت في الطبعة الحجرية بعنوان نسخة بدل.


الآنة وحنين الحانة ، وارحم تحيّرها في مراتعها ، وأنينها في مرابضها »(١) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « إنّ سليمان بن داودعليه‌السلام ، خرج ذات يوم مع أصحابه ليستقي فوجد نملةً قد رفعت قائمة من قوائمها إلى السماء وهي تقول : اللهم إنّا خلق من خلقك ، لا غنى بنا عن رزقك ، فلا تهلكنا بذنوب بني آدم ، فقال سليمانعليه‌السلام ، لأصحابه : ارجعوا فقد سقيتم بغيركم »(٢) .

وأجمع المسلمون كافة على مشروعية الاستسقاء وإن اختلفوا في كيفيّته على ما يأتي.

مسألة ٥٠٧ : ويستحب فيه الصلاة عند قلّة الأمطار وغور الأنهار والآبار‌ والجدب ، عند علمائنا كافة - وبه قال عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب ومكحول والشافعي وأحمد ومحمد وأبو يوسف(٣) - لما تقدّم من الأحاديث.

ولما رواه الجمهور عن الصادق عن الباقرعليهما‌السلام : « أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأبا بكر وعمر كانوا يصلّون صلاة الاستسقاء »(٤) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام في الاستسقاء : « يصلّي ركعتين »(٥) .

وقال أبو حنيفة : لا صلاة للاستسقاء ، وإنّما هو دعاء واستغفار ، والصلاة بدعة ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله استسقى على المنبر ، ولم يصلّ‌

____________________

(١) التهذيب ٣ : ١٥٤ / ٣٢٨ ، مصباح المتهجد : ٤٧٧ ، الفقيه ١ : ٣٣٨ / ١٥٠٤.

(٢) الفقيه ١ : ٣٣٣ / ١٤٩٣.

(٣) الاُم ١ : ٢٤٦ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٣٠ ، المجموع ٥ : ٦٤ ، الوجيز ١ : ٧٢ ، فتح العزيز ٥ : ٨٧ ، الميزان للشعراني ١ : ٢٠ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٨٣ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٤ - ٢١٥.

(٤) مصنف عبد الرزاق ٣ : ٨٥ / ٤٨٩٥ ، ونقله ابنا قدامة في المغني ٢ : ٢٨٤ والشرح الكبير ٢ : ٢٨٤ - ٢٨٥.

(٥) التهذيب ٣ : ١٤٨ / ٣٢١.


لها(١) .

وكذلك عمر استسقى بالعباس عام الرمادة(٢) ، فأخذ بضبعي العباس وأشخصه قائما ، وأومأ به نحو السماء ، فقال : اللهم إنّا جئناك نستسقيك ، ونستشفع إليك بعمّ نبيك. فما انقضى قوله والناس ينظرون إليهما وإلى السماء حتى نشأت سحابة فلم يلبث أن طبقت الْاُفق ثم أرسلت عزاليها ، فما رجعوا إلى رحالهم حتى بلّهم الغيث(٣) (٤) .

ولا حجّة فيه ، لأنّها ليست واجبةً ، والغرض بها إرسال الغيث ، فإذا حصل ، سقط سبب الاستحباب. مع أنهعليه‌السلام ، لم يصلّ يوم الجمعة لاشتغاله بالجمعة ، وهذه الصلاة ليست واجبةً بالإِجماع.

مسألة ٥٠٨ : وهي ركعتان يقرأ في كلّ واحدة : الحمد وسورة ، ويكبّر فيهما مثل تكبير العيد‌ ، عند علمائنا أجمع - وبه قال عمر بن عبد العزيز وسعيد ابن المسيب ومكحول والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد في أشهر الروايتين(٥) - لأنّ الصادقعليه‌السلام روى عن الباقرعليه‌السلام : « أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأبا بكر وعمر كانوا يصلّون صلاة الاستسقاء ، يكبّرون فيها سبعاً وخمساً »(٦) .

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٣٤ و ٣٥ ، صحيح مسلم ٢ : ٦١٢ / ٨٩٧ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠٤ / ١١٧٤ ، مصنف عبد الرزاق ٣ : ٩١ / ٤٩٠٩ و ٩٢ / ٤٩١١ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٥٣ و ٣٥٤ و ٣٥٦.

(٢) الرمادة : الهلاك. وعام الرمادة كانت سنة جَدْب وقحط في عهد عمر. النهاية لابن الأثير ٢ : ٢٦٢.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ٣٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٥٢ باختصار فيهما.

(٤) المبسوط للسرخسي ٢ : ٧٦ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٨٢ ، اللباب ١ : ١٢٠ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٨ ، عمدة القارئ ٧ : ٢٥ ، المجموع ٥ : ١٠٠ ، المغني ٢ : ٢٨٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٨٣.

(٥) الاُم ١ : ٢٥٠ ، المجموع ٥ : ٧٤ ، اللباب ١ : ١٢١ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٨٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٧٣.

(٦) مصنف عبد الرزاق ٣ : ٨٥ / ٤٨٩٥ ، ونقله ابنا قدامة في المغني ٢ : ٢٨٤ ، والشرح الكبير =


وقال ابن عباس : خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله متبذلا ، متواضعاً حتى أتى المصلّي ، فصلّى ركعتين كما يصلّي في العيد(١) .

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّى للاستسقاء ركعتين ، وبدأ بهما قبل الخطبة ، وكبّر سبعاً وخمساً ، وجهر بالقراءة »(٢) .

وقال مالك : يصلّي ركعتين بلا تكبير زائد - وهي الرواية الْاُخرى عن أحمد ، وقول الأوزاعي وأبي ثور وإسحاق - لأنّ أبا هريرة قال : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، خرج للاستسقاء ، فصلّى ركعتين(٣) (٤) .

وليس حجّةً ، إذ لم يبيّن الكيفية ، والإِطلاق لا ينافي التفصيل.

مسألة ٥٠٩ : قال الشيخ : ويقرأ فيهما أيّ سورة شاء(٥) ، لعدم والتنصيص.

ويحتمل أن يقرأ ، كما يقرأ في العيد ، لقول الصادقعليه‌السلام وقد سئل عن كيفيّة صلاة الاستسقاء : « مثل صلاة العيدين »(٦) .

وقال الشافعي : يقرأ في الْاُولى بسورة ( ق ) ، وفي الثانية ( اقتربت )

____________________

= ٢ : ٢٨٤ - ٢٨٥.

(١) سنن أبي داود ١ : ٣٠٢ / ١١٦٥ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٠٣ / ١٢٦٦ ، سنن الترمذي ٢ : ٤٤٥ / ٥٥٨ ، سنن النسائي ٣ : ١٥٦ - ١٥٧ و ١٦٣ ، مسند أحمد ١ : ٣٥٥ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٤٤ ، سنن الدار قطني ٢ : ٦٨ / ١١ ، المستدرك للحاكم ١ : ٣٢٦ - ٣٢٧ ، مصنف عبد الرزاق ٣ : ٨٤ / ٤٨٩٣.

(٢) التهذيب ٣ : ١٥٠ / ٣٢٦ ، الاستبصار ١ : ٤٥١ / ١٧٤٨.

(٣) سنن الترمذي ٢ : ٢٤٤ / ٥٥٦ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٠٣ / ١٢٦٨ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٤٧.

(٤) المغني ٢ : ٢٨٤ - ٢٨٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٨٥ ، المدوّنة الكبرى ١ : ١٦٦ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٥ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٨١ ، المجموع ٥ : ١٠٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢٧٤.

(٥) النهاية : ١٣٨ ، المبسوط للطوسي ١ : ١٣٤.

(٦) الكافي ٣ : ٤٦٢ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٤٩ / ٣٢٣ ، الاستبصار ١ : ٤٥٢ / ١٧٥٠.


لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صنع في الاستسقاء ما صنع في الفطر والأضحى(١) .

وقال بعض أصحابه : يقرأ في الثانية بسورة نوح ، لأنّ فيها ذكر الاستسقاء(٢) .

وروى الجمهور عن أنس أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يقرأ - في العيدين والاستسقاء - في الْاُولى بفاتحة الكتاب ، وسبّح اسم ربك الأعلى ، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وهل أتاك حديث الغاشية(٣) .

مسألة ٥١٠ : ويقنت عقيب كلّ تكبيرة زائدة كما في العيد ، إلّا أنّه يدعو هنا بالاستعطاف وسؤال الرحمة وإنزال الغيث وتوفير المياه.

وأفضل ما يقال : الأدعية المأثورة عن أهل البيتعليهم‌السلام ، لأنّهم أعرف بكيفيات العبادات.

مسألة ٥١١ : ويستحب الصوم لهذه الصلاة ثلاثة أيام‌ ، فيخطب الإِمام يوم الجمعة ويشعر الناس بفعلها ، ويأمرهم بصوم ثلاثة أيام : السبت والأحد ويخرج بهم يوم الاثنين وهم صيام ، وإن شاء خرج بهم يوم الجمعة ، فيصوموا الأربعاء والخميس والجمعة ، عند علمائنا ، لأنّ دعاء الصائم في مظنّة الإِجابة.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( دعوة الصائم لا تردّ )(٤) .

وقال حمّاد السرّاج : أرسلني محمد بن خالد إلى الصادقعليه‌السلام يقول له : إنّ الناس قد كثّروا عليَّ في الاستسقاء ، فما رأيك في الخروج غداً؟

____________________

(١) الاُم ١ : ٢٣٧ ، المجموع ٥ : ٧٤ ، فتح العزيز ٥ : ٩٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢٧٤.

(٢) الاُم ١ : ٢٣٧ ، المجموع ٥ : ٧٤ ، فتح العزيز ٥ : ٩٧ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٣١ ، حلية العلماء ٢ : ٢٧٤.

(٣) نقله ابن قدامة في المغني ٢ : ٢٨٥ عن غريب الحديث لابن قتيبة.

(٤) سنن ابن ماجة ١ : ٥٥٧ / ١٧٥٢ و ١٧٥٣ ، مسند أحمد ٢ : ٣٠٥ و ٤٤٥ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٤٥.


فقلت ذلك للصادقعليه‌السلام ، فقال لي : « قُلْ له : ليس الاستسقاء هكذا ، قُلْ له : يخرج فيخطب الناس ، ويأمرهم بالصيام اليوم وغداً ، ويخرج بهم يوم الثالث وهم صيام » قال : فأتيت محمّداً فأخبرته بمقالة الصادقعليه‌السلام ، فجاء فخطب بالناس ، وأمرهم بالصيام كما قال الصادقعليه‌السلام ، فلمـّا كان في اليوم الثالث أرسل إليه ما رأيك في الخروج؟ وفي رواية اُخرى : أنّه أمره أن يخرج يوم الاثنين فيستسقي(١) .

وقال الشافعي : يصوم ثلاثة أيام ثم يخرج يوم الرابع صائماً(٢) ، لقولهعليه‌السلام : ( دعوة الصائم لا تردّ )(٣) .

ولا حجّة فيه ، والأصل سقوط التكليف ، وأهل البيتعليهم‌السلام أعرف بالأحكام.

مسألة ٥١٢ : ويستحب الإِصحار بها إجماعاً‌ ، إلّا من أبي حنيفة ، فإنّه قال : لا يُسنّ الخروج ، لأنّ النبيعليه‌السلام استسقى على المنبر يوم الجمعة(٤) (٥) .

ولا يعتدّ بخلافه إلّا بمكّة ، فإنّه يصلّى في المسجد الحرام ، لأنّ عبد الله ابن زيد قال : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، خرج بالناس إلى المصلّى يستسقي(٦) .

ومن طريق الخاصة : قول عليعليه‌السلام : « مضت السنّة أنّه‌

____________________

(١) التهذيب ٣ : ١٤٨ / ٣٢٠.

(٢) الاُم ١ : ٢٤٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٣٠ ، المجموع ٥ : ٧٠ ، فتح العزيز ٥ : ٩١ - ٩٢ ، مغني المحتاج ٢ : ٣٢١ - ٣٢٢.

(٣) سنن ابن ماجة ١ : ٥٥٧ / ١٧٥٢ و ١٧٥٣ ، مسند أحمد ٢ : ٣٠٥ و ٤٤٥ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٤٥.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٦١٤ / ٩ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٥٣.

(٥) المغني ٢ : ٢٨٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٨٣.

(٦) صحيح مسلم ٢ : ٦١١ / ٣ ، سنن النسائي ٣ : ١٥٥ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٤٤.


لا يستسقى إلّا بالبراري حيث ينظر الناس إلى السماء ، ولا يستسقى في المساجد إلّا بمكة »(١) .

ولأنّه يستحب إخراج النساء والأطفال والبهائم ولا يحمل ذلك إلّا المصلّى.

ولأنّهم في المصلّى في الصحراء يعلمون ما ينشأ من السحاب ، أو يجي‌ء من المطر.

وهل يخرج المنبر معه؟ قال المرتضى : نعم(٢) ، وبه قال الشافعي(٣) ، لرواية عائشة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أخرج المنبر(٤) ، ولم يخرجه في العيد ، بل خطب على بعيره(٥) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام لمحمد بن خالد : « يخرج المنبر ثم يخرج كما يخرج يوم العيدين ، وبين يديه المؤذّنون في أيديهم عُنَزَهم حتى إذا انتهى إلى المصلّى صلّى بالناس ركعتين بغير أذان ولا إقامة »(٦) .

وقال بعض علمائنا : لا يخرج بل يعمل شبه المنبر من طين(٧) .

مسألة ٥١٣ : يستحب أن يخرج الناس حفاة على سكينة ووقار‌ ، لأنّه أبلغ في التذلّل والخضوع.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « يخرج كما يخرج في العيدين »(٨) .

____________________

(١) التهذيب ٣ : ١٥٠ / ٣٢٥ ، قرب الإِسناد : ٦٤.

(٢) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر : ٧٢.

(٣) الاُم ١ : ٢٤٩.

(٤) سنن أبي داود ١ : ٣٠٤ / ١١٧٣.

(٥) سنن البيهقي ٣ : ٢٩٨.

(٦) الكافي ٣ : ٤٦٢ / ١ ، التهذيب ٣ : ١٤٨ - ١٤٩ / ٣٢٢.

(٧) ذهب إليه ابن إدريس في السرائر : ٧٢ ، ونسبه أيضاً الى بعض أصحابنا.

(٨) الكافي ٣ : ٤٦٢ / ١ ، التهذيب ٣ : ١٤٨ - ١٤٩ / ٣٢٢.


ويستحب أن يتنظّف الخارج بالماء وما يقطع الرائحة من سواك وغيره ، لئلّا يتأذّى غيره برائحته. ولا يتطيّب ، لأنّ التطيّب للزينة وليس يوم زينة.

ويخرج في ثياب بذلته وتواضعه ولا يجدّد.

ولأنّ النبيعليه‌السلام ، خرج متبذّلاً متواضعاً متضرّعاً(١) .

ويكون مشيه وجلوسه وكلامه في تواضع واستكانة.

مسألة ٥١٤ : يستحب الخروج لكافة الناس ، لأنّ اجتماع القلوب على الدعاء مظنة الإِجابة.

ويخرج الإِمام من كان ذا دين وصلاح وشرف(٢) وعفاف وعلم وزهد ، لأنّ دعاءهم أقرب إلى الإِجابة.

ويخرج الشيوخ والعجائز والأطفال ، لأنّهم أقرب إلى الرحمة وأسرع للإِجابة ، لقولهعليه‌السلام : ( لو لا أطفال رُضَّع ، وشيوخ رُكَّع ، وبهائم رُتَّع(٣) ، لصُبّ عليكم العذاب صَبّاً )(٤) .

وقالعليه‌السلام : ( إذا بلغ الرجل ثمانين سنة ، غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر )(٥) .

ولا تخرج الشواب من النساء ليؤمن الافتتان بهنّ.

ويمنع الكفّار من الخروج معهم وإن كانوا أهل ذمة ، لأنّهم مغضوب‌

____________________

(١) سنن أبي داود ١ : ٣٠٢ / ١١٦٥ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٠٣ / ١٢٦٦ ، سنن الترمذي ٢ : ٤٤٥ / ٥٥٨ ، سنن النسائي ٣ : ١٥٦ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٤٤ ، مسند أحمد ١ : ٣٥٥ ، المحرر في الحديث ١ : ٢٩٦ / ٤٩٣ ، موارد الظمآن : ١٥٩ / ٦٠٣.

(٢) في « م » : وستر.

(٣) رتعت الماشية : أكلت ما شاءت. الصحاح ٣ : ١٢١٦ « رتع ».

(٤) سنن البيهقي ٣ : ٣٤٥ ، الجامع الصغير للسيوطي ٢ : ٤٤٣ / ٧٥٢٣ ، نثر الدر ١ : ١٥٣ ، مجمع الزوائد ١٠ : ٢٢٧ نقلاً عن البزار والطبراني في الأوسط.

(٥) مسند أحمد ٢ : ٨٩ وفيه : التسعين ، بدل ثمانين ، وفي الخصال للصدوق : ٥٤٥ / ٢١ بلفظ : ( من عمّر ثمانين ).


عليهم وليسوا أهلاً للإِجابة.

ولقوله تعالى( وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلّا فِي ضَلالٍ ) (١) .

ولأنّه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب فيعمّ مَنْ حضرهم ، فإنّ قوم عاد استسقوا ، فأرسل الله تعالى عليهم ريحاً صرصراً فأهلكتهم.

وقال إسحاق : لا بأس بإخراج أهل الذمة مع المسلمين - وبه قال مكحول والأوزاعي والشافعي في قول - لأنّ الله تعالى ضمن أرزاقهم ، كما ضمن أرزاق المؤمنين ، فجاز أن يخرجوا ليطلبوا رزقهم(٢) .

وقال الشافعي وأحمد : يكره للإِمام إخراجهم ، فإن خرجوا ، لم يمنعوا لكن لا يختلطون بنا(٣) .

قال الشافعي : ولا أكره من اختلاط صبيانهم بنا ما أكره من اختلاط رجالهم ، لأن كفرهم تبع لآبائهم لا عن عناد واعتقاد(٤) .

والحقّ ما قلناه أوّلاً.

وكذا يكره إخراج المتظاهر بالفسق والخلاعة ، والمنكر من أهل الإسلام.

ويخرج معهم البهائم ، لأنّهم في مظنة الرحمة وطلب الرزق مع انتفاء الذنب.

ولقولهعليه‌السلام : ( وبهائم رتّع )(٥) فجعلها سبباً في دفع العذاب.

وقال الشافعي : لا آمر بإخراجها ، لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم‌

____________________

(١) الرعد : ١٤.

(٢) الوجيز ١ : ٧٢ ، المجموع ٥ : ٧٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٧٣ ، مغني المحتاج ١ : ٣٢٣.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٣١ ، المجموع ٥ : ٧١ و ٧٢ ، فتح العزيز ٥ : ٩٥ ، الاُم ١ : ٢٤٨ ، حلية العلماء ٢ : ٢٧٣.

(٤) الاُم ١ : ٢٤٨ ، المجموع ٥ : ٧١ و ٧٢.

(٥) تقدمت الإِشارة إلى مصادره في الهامش (٤) من ص ٢٠٩.


يخرجها ، فإن أُخرجت فلا بأس(١) .

ولا حجّة في الترك ، للاكتفاء بهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، عن كلّ أحد.

وقال بعض الشافعية : يخرجهم لعلّ الله أن يرحمها(٢) .

ولأنّ سليمانعليه‌السلام خرج ليستسقي فرأى نملة قد استلقت على ظهرها وهي تقول : اللهم إنّا خلق من خلقك ( لا غنى بنا )(٣) عن رزقك ، فقال سليمانعليه‌السلام : إرجعوا فقد سقيتم بغيركم(٤) .

ويأمر السادة بإخراج عبيدهم وعجائزهم وإمائهم ليكثر الناس ، والتضرّع والاستغفار ، ويأمرهم الإِمام بالخروج من المظالم ، والاستغفار من المعاصي ، والصدقة ، وترك التشاجر ليكون أقرب لإِجابتهم ، فإنّ المعاصي سبب الجدب ، والطاعة سبب البركة.

قال الله تعالى( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (٥) .

ويفرّق بين الأطفال واُمّهاتهم ليكثروا البكاء والخشوع بين يدي الله تعالى ، فيكون أقرب للإِجابة ، ويخرج هو والقوم يقدّمونه ذاكرين إلى أن ينتهوا إلى المصلّى.

مسألة ٥١٥ : ولا أذان لها ولا إقامة‌ ، بإجماع العلماء ، لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّاها ركعتين بغير أذان ولا إقامة(٦) . بل يقول المؤذن : الصلاة ثلاثاً.

____________________

(١) الاُم ١ : ٢٤٨ ، المجموع ٥ : ٧١ ، فتح العزيز ٥ : ٩٣.

(٢) قاله أبو إسحاق المروزي كما في المهذب للشيرازي ١ : ١٣١ ، وحلية العلماء ٢ : ٢٧٢.

(٣) بدل ما بين القوسين في « م » والطبعة الحجرية : وليس بنا غنى.

(٤) الفقيه ١ : ٣٣٣ / ١٤٩٣.

(٥) الأعراف : ٩٦.

(٦) سنن ابن ماجة ١ : ٤٠٣ / ١٢٦٨ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٤٧.


وقال الشافعي وأحمد : يقول : الصلاة جامعة(١) . ولا بأس بهما.

وفي أيّ وقت خرج جاز ، وصلّاها في أيّ زمان ، إذ لا وقت لها بلا خلاف.

والأقرب عندي إيقاعها بعد الزوال ، لأنّ ما بعد العصر أشرف.

قال ابن عبد البرّ : الخروج إليها عند زوال الشمس عند جماعة العلماء(٢) . وهذا على سبيل الاختيار لا أنّه يتعيّن فعلها فيه.

ويجوز فعلها في الأوقات المكروهة - خلافاً للجمهور(٣) - لأنّها ذات سبب ، وقد تقدّم.

مسألة ٥١٦ : وتصلّى جماعة وفرادى‌ إجماعاً ، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَنْ صلّى جماعة ثم سأل الله حاجته قضيت له )(٤) وصلّاهاعليه‌السلام جماعة(٥) .

وأنكر أبو حنيفة الجماعة لو صُلّيت ، لأنّها نافلة(٦) .

وينتقض بالعيد.

وتصح من المسافر والحاضر وأهل البوادي وغيرهم ، لأنّ الاستسقاء إنّما شُرّع للحاجة إلى المطر ، والكلّ متشاركون فيه.

وإذا صُلّيت جماعة ، لم يشترط إذن الإِمام - وبه قال الشافعي وأحمد في رواية(٧) - لأنّ علّة تسويغها حاصلة ، فلا يشترط فيها الإِذن كغيرها من النوافل.

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٣١ ، المجموع ٥ : ٧٢ ، فتح العزيز ٥ : ٩٧ ، المغني ٢ : ٢٨٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٨٥ ، الانصاف ٢ : ٤٥٩.

(٢) حكاه عنه ابنا قدامة في المغني ٢ : ٢٨٦ ، والشرح الكبير ٢ : ٢٨٥.

(٣) المجموع ٥ : ٧٦ ، المغني ٢ : ٢٨٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٨٥ ، الانصاف ٢ : ٤٥٢.

(٤) أورده المحقق في المعتبر : ٢٢٤.

(٥) اُنظر : سنن ابن ماجة ١ : ٤٠٣ / ١٢٦٨ ، وسنن البيهقي ٣ : ٣٤٤ و ٣٤٧.

(٦) الهداية للمرغيناني ١ : ٨٨ ، شرح العناية ٢ : ٥٨ ، اللباب ١ : ١٢٠ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٨٢.

(٧) الاُم ١ : ٢٤٧ ، مغني المحتاج ١ : ٣٢٥ ، المغني ٢ : ٢٩٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٩٧.


وفي رواية : يشترط ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يأمر بها ، وإنّما فعلها على صفة ، فلا تتعدّى(١) .

ونمنع انتفاء الأمر.

مسألة ٥١٧ : إذا فرغ من الصلاة ، خطب عند علمائنا أجمع‌ - وبه قال الشافعي ومالك ومحمّد بن الحسن وأحمد في أشهر الروايتين(٢) . قال ابن عبد البرّ : وعليه جماعة الفقهاء(٣) - لقول أبي هريرة : صلّى ركعتين ثم خطبنا(٤) .

وقول ابن عباس : صنع في الاستسقاء كما صنع في العيدين(٥) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّى الاستسقاء ركعتين ، وبدأ بالصلاة قبل الخطبة »(٦) .

وسأل هشام بن الحكم ، الصادقعليه‌السلام عن صلاة الاستسقاء ، قال : « مثل صلاة العيدين يقرأ فيهما ويكبّر فيهما ، يخرج الإِمام فيبرز إلى مكان نظيف في سكينة ووقار وخشوع ومسألة ، ويبرز معه الناس ، فيحمد الله ويمجّده ويثني عليه ، ويجتهد في الدعاء ، ويكثر من التسبيح والتهليل والتكبير ، ويصلّى صلاة العيدين ركعتين في دعاء ومسألة واجتهاد ، فإذا سلّم الإمام ، قلّب ثوبه ، وجعل الجانب الذي على المنكب الأيمن على المنكب الأيسر ، والذي على الأيسر على الأيمن ، فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ،

____________________

(١) المغني ٢ : ٢٩٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٩٧.

(٢) المجموع ٥ : ٨٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢٧٤ ، الميزان للشعراني ١ : ٢٠٠ ، بلغة السالك ١ : ١٩٢ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٥ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٨١ ، اللباب ١ : ١٢١ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٨٣ ، المغني ٢ : ٢٨٦ و ٢٨٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٨٧ و ٢٨٨.

(٣) حكاه عنه ابنا قدامة في المغني ٢ : ٢٨٧ ، والشرح الكبير ٢ : ٢٨٨.

(٤) سنن ابن ماجة ١ : ٤٠٣ - ٤٠٤ / ١٢٦٨ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٤٧ ، وانظر : المغني ٢ : ٢٨٧ ، والشرح الكبير ٢ : ٢٨٨.

(٥) سنن الدار قطني ٢ : ٦٨ / ١٠ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٤٨ ، وانظر أيضاً : المغني ٢ : ٢٨٧.

(٦) التهذيب ٣ : ١٥٠ / ٣٢٦ ، الاستبصار ١ : ٤٥١ / ١٧٤٨.


كذلك صنع »(١) والتشبيه بالعيد يستلزم التساوي في تأخير الخطبة.

ولأنّها صلاة ذات تكبير ، فأشبهت صلاة العيد في تأخير الخطبة عنها.

وقال الليث بن سعد وابن المنذر : إنّها قبل الصلاة - وهو مروي عن عمر وابن الزبير وأبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز لأنّ أنساً وعائشة قالا : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، خطب وصلّى(٢) (٣) .

وفي رواية إسحاق بن عمار عن الصادقعليه‌السلام : « الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة »(٤) .

وفي إسحاق قول(٥) ، وفي طريقها أبان(٦) أيضاً ، فالمعتمد الأول.

وعن أحمد رواية ثالثة : التخيير بين إيقاعها قبل الصلاة وبعدها ، لورود الأخبار بهما(٧) . ولا بأس به.

وعنه رابعة : أنّه لا يخطب أصلاً ، إنّما يدعو ويتضرّع ، لقول ابن عباس : لم يخطب خطبتكم هذه ، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرّع(٨) (٩) .

ونحن نقول بموجبه ، فالخطبة هنا بسؤال إنزال الغيث ، وليس فيه نفي الخطبة ، بل نفي الصفة.

مسألة ٥١٨ : إذا صعد المنبر ، جلس بعد التسليم ، كما في باقي‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٦٢ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٤٩ / ٣٢٣.

(٢) سنن أبي داود ١ : ٣٠٤ / ١١٧٣ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٤٩ وفيهما رواية عائشة ، ونقله عن أنس وعائشة ابنا قدامة في المغني ٢ : ٢٨٧ ، والشرح الكبير ٢ : ٢٨٨.

(٣) المجموع ٥ : ٩٣ ، المغني ٢ : ٢٨٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٨٨ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٥.

(٤) التهذيب ٣ : ١٥٠ / ٣٢٧ ، الاستبصار ١ : ٤٥١ / ١٧٤٩.

(٥) قال المصنّف في الخلاصة : ٢٠٠ / ١ : والأولى عندي التوقف فيما ينفرد به.

(٦) وهو ناووسي ، راجع : الخلاصة : ٢١ / ٣.

(٧) المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٨٨.

(٨) مصنف عبد الرزاق ٣ : ٨٤ / ٤٨٩٣ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠٢ / ١١٦٥ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٤٧.

(٩) المغني ٢ : ٢٨٨ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٨٧.


الخطب ، ويخطب بالخطبة المرويّة عن عليعليه‌السلام (١) .

وهل يخطب خطبتين؟ الأقرب ذلك ، للنصّ على مساواة صلاة العيد(٢) ، وبه قال الشافعي ومالك(٣) .

وعن أحمد رواية : أنه يخطب واحدة ، إذ الغرض الدعاء بارسال الغيث ، ولا أثر لكونها خطبتين(٤) . وهو ممنوع ، لزيادة المشقة.

إذا عرفت هذا ، فإن الخُطب عندنا ثمانية : يوم الفطر والأضحى والاستسقاء والجمعة ، وأربع في الحج : يوم السابع من ذي الحجة بمكة ، ويوم عرفة ، ويوم النحر بمنى ، ويوم النفر الأول ، وهو ثاني أيام التشريق.

وزاد بعض علمائنا : خطبة الغدير(٥) .

وقال الشافعي : عشرة. وأسقط الغدير ، وزاد الكسوف والخسوف(٦) .

مسألة ٥١٩ : ويستحب للإِمام أن يستقبل القبلة بعد فراغه من الصلاة‌ ، ويكبّر الله تعالى مائة مرة ، ثم يلتفت عن يمينه ، ويسبّح الله تعالى مائة مرة ، ثم يلتفت عن يساره ويهلّل الله تعالى مائة مرة ، ثم يستدبر القبلة ويستقبل الناس ويحمد الله تعالى مائة مرة يرفع بذلك صوته والناس يتابعونه في ذلك كلّه ، لقول الصادقعليه‌السلام : « ثم يصعد المنبر فيقلب رداءه فيجعل الذي على يمينه على يساره ، والذي على يساره على يمينه ، ثم يستقبل القبلة ، فيكبّر الله مائة تكبيرة رافعاً بها صوته ، ثم يلتفت إلى الناس عن يمينه ، فيسبّح الله مائة تسبيحة رافعاً بها صوته ، ثم يلتفت إلى الناس عن يساره ،

____________________

(١) الفقيه ١ : ٣٣٥ / ١٥٠٤ ، التهذيب ٣ : ١٥١ / ٣٢٨ ، مصباح المتهجد : ٤٧٤ - ٤٧٧.

(٢) الكافي ٣ : ٤٦٢ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٤٩ / ٣٢٣ ، الاستبصار ١ : ٤٥٢ / ١٧٥٠.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٣١ ، المجموع ٥ : ٨٣ ، فتح العزيز ٥ : ١٠٠ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٨١ ، المدونة الكبرى ١ : ١٦٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٨٩.

(٤) المغني ٢ : ٢٨٨ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٨٩.

(٥) أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : ١٦٠.

(٦) المجموع ٥ : ٥٢ ، الوجيز ١ : ٧١ ، فتح العزيز ٥ : ٧٥ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٧.


فيهلّل الله مائة تهليلة رافعاً بها صوته ، ثم يستقبل الناس ، فيحمد الله مائة تحميدة »(١) .

ولأن فيه إيفاء الجهات حقّ الاستغفار ، لأنّه لا يعلم إدراك الرحمة من أيّ جهة هو.

مسألة ٥٢٠ : واختلف علماؤنا في استحباب تقديم الخطبة على هذه الأذكار وتأخيرها‌ ، فقال المرتضى : بالأول ، وتبعه ابن إدريس(٢) .

وقال الشيخ : بالثاني(٣) . وكلاهما عندي جائز.

أمّا تحويل الرداء : فإنّه قبل هذه الأذكار ، لقول الصادقعليه‌السلام : « ثم يصعد المنبر فيقلب رداءه ، فيجعل الذي على يمينه على يساره ، والذي على يساره على يمينه ، ثم يستقبل القبلة فيكبّر الله مائة تكبيرة »(٤) .

وفي حديث آخر عنهعليه‌السلام : « فإذا سلّم الإِمام قلب ثوبه »(٥) .

مسألة ٥٢١ : ويستحب للإِمام والمأموم بعد الفراغ من الخطبة تحويل الرداء ، قاله الشيخ في المبسوط(٦) .

وفي الخلاف : يستحب للإِمام خاصة(٧) .

وبالأول قال الشافعي وأكثر أهل العلم(٨) ، للأمر بالامتثال. والتأسّي بفعلهعليه‌السلام . وللمشاركة في المعنى ، وهو : التفاؤل بقلب الرداء ليقلب‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٦٢ / ١ ، الفقيه ١ : ٣٣٤ / ١٥٠٢ ، التهذيب ٣ : ١٤٨ - ١٤٩ / ٣٢٢.

(٢) السرائر : ٧٢ ، وحكاه ابن إدريس أيضاً عن السيد المرتضى.

(٣) النهاية : ١٣٩ ، المبسوط للطوسي ١ : ١٣٤ - ١٣٥.

(٤) الكافي ٣ : ٤٦٢ / ١ ، التهذيب ٣ : ١٤٨ / ٣٢٢.

(٥) الكافي ٣ : ٤٦٢ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٤٩ / ٣٢٣.

(٦) المبسوط للطوسي ١ : ١٣٥.

(٧) الخلاف ١ : ٦٨٨ ، المسألة ٤٦٣.

(٨) المجموع ٥ : ٨٥ - ٨٦ و ١٠٣ ، فتح العزيز ٥ : ١٠٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢٧٤ ، الميزان للشعراني ١ : ٢٠٠ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٦ ، المغني ٢ : ٢٨٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٩٣.


الله تعالى ما بهم من الجدب إلى الخصب.

سئل الصادقعليه‌السلام ، عن تحويل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله رداءه إذا استسقى ، قال : « علامة بينه وبين أصحابه تحوّل الجدب خصباً »(١) .

وبالثاني قال الليث بن سعد وأبو يوسف ومحمد ، وهو مرويّ عن سعيد ابن المسيب وعروة والثوري(٢) ، لأنّه نقل أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حوّل رداءه دون أصحابه(٣) .

وقال أبو حنيفة : لا يسنّ التحويل لا للإِمام ولا للمأموم ، لأنّه دعاء ، فلم يستحب فيه تغيير الثياب كسائر الأدعية(٤) .

والقياس لا يعارض النصّ ، خصوصاً مع منع العلّيّة.

مسألة ٥٢٢ : وصفة التقليب أن يجعل ما على اليمين على اليسار وبالعكس‌ ، سواء كان مربّعاً أو مقوّراً(٥) عند علمائنا أجمع - وبه قال أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز وأحمد ومالك والشافعي(٦) - أولا ، لأنّ عبد الله بن زيد قال : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حوّل رداءه ، وجعل عطافه‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٦٣ / ٣ ، الفقيه ١ : ٣٣٨ / ٥٠٦ ، علل الشرائع : ٣٤٦ ، الباب ٥٥ الحديث ٢ ، التهذيب ٣ : ١٥٠ / ٣٢٤.

(٢) المجموع ٥ : ١٠٣ ، الميزان للشعراني ١ : ٢٠٠ ، المغني ٢ : ٢٨٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٩٣ ، بداية المجتهد ١ : ٢١٦ ، اللباب ١ : ١٢١ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٩ ، شرح العناية ٢ : ٦١ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٨٤.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ٣٤ ، صحيح مسلم ٢ : ٦١١ / ٨٩٤ ، سنن الدارمي ١ : ٣٦٠ ، سنن النسائي ٣ : ١٥٧ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠٣ / ١١٦٦ و ١١٦٧ ، سنن الدار قطني ٢ : ٦٦ / ٢ - ٤ و ٦٧ / ٥ و ٦ و ٨.

(٤) الهداية للمرغيناني ١ : ٨٩ ، شرح العناية ٢ : ٦١ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٨٤ ، المجموع ٥ : ١٠٣ ، الميزان للشعراني ١ : ٢٠٠ ، المغني ٢ : ٢٨٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٩٣.

(٥) التقوير : التدوير ، وقوّره : قطعه مدوّراً. الصحاح ٢ : ٧٩٩ « قور ».

(٦) المغني ٢ : ٢٨٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٩٤ ، المجموع ٥ : ٨٥ - ٨٦ ، فتح العزيز ٥ : ١٠٣ ، المدونة الكبرى ١ : ١٦٦ ، بلغة السالك ١ : ١٩٢.


الأيمن على عاتقه الأيسر وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن(١) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « فإذا سلّم الإِمام قلب ثوبه وجعل الجانب الذي على المنكب الأيمن على المنكب الأيسر ، والذي على الأيسر على الأيمن ، فإن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كذلك صنع »(٢) .

وقال الشافعي : إن كان مقوّراً فكذلك ، وإن كان مربّعاً فقولان : أحدهما : ذلك ، والثاني : أنّه يجعل طرفه الأسفل الذي على شقّه الأيسر على عاتقه الأيمن ، وطرفه الأسفل الذي على شقّه الأيمن على عاتقه الأيسر(٣) ، لأنّ النبيعليه‌السلام ، كان عليه خميصة سوداء فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها ، فلمـّا ثقلت عليه جعل العطاف الذي على الأيسر على عاتقه الأيمن والذي على الأيمن على عاتقه الأيسر(٤) .

والزيادة ظنّ الراوي ، وقد نقل تحويل الرداء جماعة لم ينقل أحد منهم النكس ، ويبعد أن يترك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ذلك في جميع الأوقات ، لنقل الرداء.

وقال إمام الحرمين : يقلب أسفل الرداء إلى الأعلى ، وما على اليمين على اليسار ، وما كان باطناً يلي الثياب ظاهراً(٥) .

وجمع الثلاثة غير ممكن بل الممكن اثنان لا غير.

مسألة ٥٢٣ : ويكثر من الاستغفار والتضرّع إلى الله تعالى ، والاعتراف بالذنب ، وطلب المغفرة والرحمة ، والصدقة.

____________________

(١) سنن أبي داود ١ : ٣٠٢ / ١١٦٣ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٥٠ وفيهما : عن عباد بن تميم عن عمّه. وعمّه عبد الله بن زيد. اُنظر : اُسد الغابة ٣ : ١٦٨ والاصابة ٢ : ٢٦٤ و ٣١٢.

(٢) الكافي ٣ : ٤٦٢ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٤٩ / ٣٢٣.

(٣) المجموع ٥ : ٨٥ - ٨٦ ، فتح العزيز ٥ : ١٠٣ ، مغني المحتاج ١ : ٣٢٥.

(٤) سنن أبي داود ١ : ٣٠٢ / ١١٦٤ ، مسند أحمد ٤ : ٤٢ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٥١ ، المستدرك للحاكم ١ : ٣٢٧.

(٥) فتح العزيز ٥ : ١٠٤.


قال الله تعالى :( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى ) (١) .

وقال حكاية عن آدمعليه‌السلام( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) (٢) .

وعن نوحعليه‌السلام( وَإِلّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) (٣) .

وعن يونسعليه‌السلام( فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ ) (٤) .

وعن موسىعليه‌السلام( إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (٥) .

ولأنّ المعاصي سبب انقطاع الغيث ، والاستغفار يمحو المعاصي المانعة من الغيث ، فيأتي الله تعالى به.

ويصلّي على النبي وعلى آلهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لقول عليعليه‌السلام : « إذا سألتم الله تعالى فصلّوا على النبي وآله ، فإنّ الله سبحانه وتعالى إذا سئل عن حاجتين يستحي أن يقضي إحداهما دون الاُخرى»(٦) .

مسألة ٥٢٤ : إذا تأخّرت الإِجابة ، استحب الخروج ثانياً وثالثاً وهكذا ، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك وأحمد والشافعي(٧) - لقوله عليه‌

____________________

(١) الأعلى : ١٤ و ١٥.

(٢) الأعراف : ٢٣.

(٣) هود : ٤٧.

(٤) الأنبياء : ٨٧.

(٥) القصص : ١٦.

(٦) نهج البلاغة ٣ : ٢٣٨ رقم ٣٦١.

(٧) الكافي في فقه أهل المدينة : ٨١ ، الشرح الصغير ١ : ١٩١ ، المغني ٢ : ٢٩٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٩٦ ، المجموع ٥ : ٨٨ ، الوجيز ١ : ٧٢ ، فتح العزيز ٥ : ٨٩.


السلام : ( إنّ الله يحب الملِحّين في الدعاء )(١) .

ولأنّ سبب ابتداء الصلاة باقٍ ، فيبقى الاستحباب. ولأنّه أبلغ في الدعاء والتضرّع.

وأنكر إسحاق الخروج ثانياً ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يخرج إلّا مرة ، ولكن يجتمعون في مساجدهم ، فإذا فرغوا من الصلاة ، ذكروا الله تعالى ، ودَعَوا ، ويدعو الإِمام يوم الجمعة على المنبر ويؤمّن الناس(٢) .

وليس حجّةً ، لاستغناء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، عن المعاودة بإجابته أول مرة.

إذا ثبت هذا ، فإنّ الخروج ثانياً كالخروج أوّلاً ، وهو أحد قولي الشافعي. وفي الثاني : يعودون من الغد للصلاة ، وتوالى الصلاة يوماً بعد يوم(٣) . ولو فعل ذلك جاز.

مسألة ٥٢٥ : لو تأهّبوا للخروج فسُقوا قبل خروجهم ، لم يخرجوا. وكذا لو سُقوا قبل الصلاة لم يصلّوا ، لحصول الغرض بالصلاة.

نعم تستحب صلاة الشكر ، ويسألون زيادته ، وعموم خلقه بالغيث.

وكذا لو سُقوا عقيب الصلاة ، وهو أصح وجهي الشافعي(٤) .

ويستحب الدعاء عند نزول الغيث ، لقولهعليه‌السلام : ( اطلبوا استجابة الدعاء عند ثلاث : التقاء الجيوش ، وإقامة الصلاة ، ونزول الغيث )(٥) .

وإذا كثر الغيث وخافوا ضرره ، دعوا الله تعالى أن يخفّفه ، ويصرف‌

____________________

(١) الكامل لابن عدي ٧ : ٢٦٢١ ، الجامع الصغير للسيوطي ١ : ٢٨٦ / ١٨٧٦.

(٢) المغني ٢ : ٢٩٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٩٦.

(٣) المجموع ٥ : ٨٨ ، فتح العزيز ٥ : ٩٠.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١٣٢ ، المجموع ٥ : ٨٩ ، فتح العزيز ٥ : ٩٠ ، مغني المحتاج ١ : ٣٢١.

(٥) كنز العمال ٢ : ١٠٢ / ٣٣٣٩.


مضرّته عنهم ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا كذلك(١) .

ولأنّه أحد الضررين ، فاستحب الدعاء لإِزالته كانقطاعه.

ويستحب رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، رفعهما فيه حتى رؤي بياض إبطيه(٢) .

ويجوز أن يستسقي الإِمام بغير صلاة ، بأن يستسقي في خطبة الجمعة والعيدين ، وهو دون الأول في الفضل. وكذا يجوز أن يخرج فيدعو دعاء مجدّداً ، وهو دون الثاني.

ويستحب لأهل الخصب أن يستسقوا لأهل الجدب ، لأنّ الله تعالى أثنى على قوم دعوا لإِخوانهم بقوله( وَالَّذِينَ جاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ ) (٣) . ويدعون لأنفسهم بزيادة الخصب.

مسألة ٥٢٦ : لو نذر الإِمام أن يستسقي ، انعقد نذره‌ ، لأنّه طاعة ، فإن سُقي الناس ، وجب عليه أن يخرج فيوفّي نذره ، وليس له إخراج غيره ، ولا إلزامه بالخروج ، لأنّه لا يملكهم ، وليس له أن يكرههم عليه في غير جدب ، ولو لم يُسقوا ، وجب عليه الخروج بنفسه ، وليس له إلزام غيره بذلك ، بل يأمرهم أمر ترغيب لا أمر إلزام.

ولو نذر أن يخرج بالناس ، انعقد نذره في نفسه خاصة ، ووجب عليه إشعار غيره ، وترغيبه في الخروج ، فإن فعل ، وإلّا لم يجز جبره عليه ، ولو نذر غير الإِمام ذلك فكذلك.

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٤٠ ، صحيح مسلم ٢ : ٦١٢ - ٦١٤ / ٨٩٧ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠٤ / ١١٧٤ ، سنن النسائي ٣ : ١٥٩ - ١٦٠.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ٣٩ - ٤٠ ، صحيح مسلم ٢ : ٦١٢ / ٨٩٥ ، سنن أبي داود ١ : ٣٠٣ / ١١٧٠ و ١١٧١ و ٣٠٤ / ١١٧٣ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٧٣ / ١١٨٠ ، سنن النسائي ٣ : ١٥٨ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٥٧ ، سنن الدار قطني ٢ : ٦٨ - ٦٩ / ١٢.

(٣) الحشر : ١٠.


ويستحب له أن يخرج في مَنْ يطيعه من أهله وأقاربه وأصحابه.

فإن أطلق النذر ، لم تجب الخطبة ، وإن نَذَرها ، خطب ، ولا يجب القيام لها.

وإن نذر أن يخطب على المنبر ، قال الشيخ : انعقد نذره ، ولم يجز أن يخطب على حائط وشبهه(١) .

وقال الشافعي : لا يجب ، لأنّه لا طاعة فيه إلّا ليستمع الناس ، فإن كان إماماً ، لزمه ذلك ، ويجزئه أن يخطب على جدار ، أو قائماً(٢) . وليس بجيّد.

وإذا نذر أن يستسقي ، جاز أن يصلّي أين شاء ، ويجزئه في منزله.

وقال الشيخ : يصلّي في الصحراء(٣) .

وإن قيّد صلاته بالمسجد ، وجب ، فإن صلّاها في الصحراء حينئذٍ ، قال الشيخ : لا يجزئه(٤) .

وعندي فيه إشكال ينشأ : من أولويّة إيقاعها في الصحراء.

ولو نذر أن يصلّي في المسجد ، لم يجز أن يصلّي في بيته ، خلافاً للشافعي(٥) .

وكما تجوز صلاة الاستسقاء عند قلّة الأمطار ، كذا تجوز عند نضب ماء العيون أو مياه الآبار ، للحاجة.

قال الشيخ : ولا يجوز أن يقول : مُطرنا بنوء كذا ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، نهى عن ذلك(٦) .

____________________

(١) المبسوط للطوسي ١ : ١٣٥.

(٢) الاُم ١ : ٢٤٩ ، المجموع ٥ : ٩٥.

(٣ و ٤ ) المبسوط للطوسي ١ : ١٣٥.

(٥) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٦٨٩ ، المسألة ٤٦٤.

(٦) المبسوط للطوسي ١ : ١٣٥ ، وانظر : صحيح مسلم ٤ : ١٧٤٤ / ١٠٦ ، مسند أحمد ٢ : ٣٩٧ ، سنن أبي داود ٤ : ١٧ / ٣٩١٢ ، ولفظ الحديث : ( لا عدوى ولا هامَة ولا نوْءَ ).


روى زيد بن خالد الجهني قال : صلّى بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلاة الصبح بالحديبيّة في إثر سماء كانت من الليل ، فلمـّا انصرف أقبل على الناس فقال : ( هل تدرون ما ذا قال ربكم؟ ) قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب ، وكافر بي ومؤمن بالكوكب ، فمَنْ قال : مُطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب ، وأمّا من قال : مُطرنا بنوء كذا وكذا ، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب )(١) .

والظاهر أن قصدهعليه‌السلام أنّ مَنْ قصد أنّ النوء هو الممطر والمـُنْزل للغيث كما يقول المشركون فهو كافر ، وأمّا مَنْ قصد الوقت الذي أجرى الله تعالى عادته بمجي‌ء المطر فيه فليس بكافر ، كما أجرى العادة بمجي‌ء الحَرّ والبرد ، والكسوف والخسوف في أوقات معيّنة.

والنوء : سقوط كوكب وطلوع رقيبه.

وينبغي أن يجلس بحيث يصيبه أول المطر ، لأنّ ابن عباس كان إذا مطرت السماء قال لغلامه: أخرج فراشي ورحلي يصيبه المطر ، فقال له أبو الجوزاء : لِمَ تفعل هذا يرحمك الله؟ قال : لقول الله سبحانه وتعالى :( وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً ) (٢) فاُحبّ أن تصيب البركة فراشي ورحلي(٣) .

وروي أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يتمطّر في أول المطر(٤) .

وكانعليه‌السلام إذا برقت السماء أو رعدت ، عرف ذلك في وجهه ،

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٤١ ، الموطّأ ١ : ١٩٢ / ٤ ، سنن النسائي ٣ : ١٦٤ - ١٦٥ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٥٧ - ٣٥٨.

(٢) ق : ٩.

(٣) الدر المنثور ٦ : ١٠٢ بتفاوت.

(٤) سنن البيهقي ٣ : ٣٥٩.


فإذا مطرت سُرّي(١) عنه(٢) .

ولا ينبغي لأحد أن يسبّ الريح ، لأنّه روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : ( الريح من روح الله تعالى تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب ، فلا تسبّوها واسألوا الله تعالى خيرها ، وتعوّذوا من شرّها )(٣) .

* * *

____________________

(١) أي : كُشف عنه الخوف. النهاية لابن الأثير ٢ : ٣٦٤.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٦١٦ / ٨٩٩ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٦١.

(٣) سنن أبي داود ٤ : ٣٢٦ / ٥٠٩٧ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٢٢٨ / ٣٧٢٧ ، مسند أحمد ٢ : ٢٥٠ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٦١.


المقصد الرابع : في التوابع‌

وفيه فصول‌ :



الأول : في الجماعة‌

وفيه مطالب :

الأول : في فضل الجماعة‌

الجماعة مشروعة في الصلوات المفروضة اليومية بغير خلاف بين العلماء كافة ، وهي من جملة شعائر الإِسلام وعلاماته.

والأصل فيه قوله تعالى( وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ) (١) .

وداوم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، على إقامتها حضراً وسفراً ، وكذا أئمّته وخلفاؤه. ولم يزل المسلمون يواظبون عليها بلا خلاف.

مسألة ٥٢٧ : وفي الجماعة فضل كثير. قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة )(٢) وفي رواية : ( بخمس وعشرين )(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « الصلاة في جماعة‌

____________________

(١) النساء : ١٠٢.

(٢) صحيح البخاري ١ : ١٦٦ ، مسند أحمد ٢ : ٦٥ و ١١٢ ، سنن النسائي ٢ : ١٠٣ ، سنن البيهقي ٣ : ٥٩.

(٣) مسند أحمد ٣ : ٥٥ ، سنن النسائي ٢ : ١٠٣ ، سنن البيهقي ٣ : ٦٠.


تفضل على صلاة الفذّ بأربع وعشرين درجة تكون خمساً وعشرين صلاة »(١) .

وقالعليه‌السلام : « إنّ اُناساً كانوا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أبطأوا عن الصلاة في المسجد ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ليوشك قوم يدعون الصلاة في المسجد أن نؤمر بحطب فيوضع على أبوابهم فتوقد عليهم نار فتحرق عليهم بيوتهم )(٢) .

مسألة ٥٢٨ : الجماعة ليست فرض عين في شي‌ء من الصلوات‌ الخمس ، بل في الجمعة والعيدين خاصة مع حصول الشرائط ، عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك والثوري(٣) - لقولهعليه‌السلام : ( تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ بخمس وعشرين درجة )(٤) وهو يدلّ على جواز صلاة الفذّ.

ومن طريق الخاصة : قول زرارة والفضيل : قلنا له : الصلوات في جماعة فريضة هي؟ فقال : « الصلوات فريضة ، وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها ، ولكنها سنّة ، مَنْ تركها رغبةً عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علّة فلا صلاة له »(٥) .

ولأنّ الجماعة لو وجبت ، لكانت شرطاً في الصلاة كالجمعة.

وقال الأوزاعي وأحمد وأبو ثور وداود وابن المنذر : الجماعة فرض على الأعيان ، وليست شرطاً فيها(٦) ، لأنّ ابن عباس روى أنّ النبي صلّى الله عليه‌

____________________

(١) التهذيب ٣ : ٢٥ / ٨٥.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٥ / ٨٧.

(٣) المجموع ٤ : ١٨٤ ، فتح العزيز ٤ : ٢٨٣ ، الوجيز ١ : ٥٥ ، مغني المحتاج ١ : ٢٢٩ ، اللباب ١ : ٧٨ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٥٥ ، بلغة السالك ١ : ١٥٢ ، بداية المجتهد ١ : ١٤١.

المنتقى للباجي ١ : ٢٢٨ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٣.

(٤) مسند أحمد ٣ : ٥٥ ، سنن النسائي ٢ : ١٠٣ ، سنن البيهقي ٣ : ٦٠.

(٥) الكافي ٣ : ٣٧٢ / ٦.

(٦) المغني ٢ : ٣ - ٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٥٥ ، المجموع ٤ : ١٨٩ ، فتح العزيز =


وآله قال : ( مَنْ سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلّا من عذر )(١) .

وهو محمول على الجمعة ، أو على نفي الكمال ، لا الإِجزاء.

مسألة ٥٢٩ : وليست الجماعة فرضَ كفاية في شي‌ء من الصلوات ، عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة وأكثر الشافعية(٢) - لما تقدّم. وللأصل.

ولأنّها فضيلة في الصلاة ولا تفسد بعدمها ، فلا تكون واجبةً كالتكبيرات.

وقال الشافعي : إنّها فرض كفاية ، لقولهعليه‌السلام : ( ما من ثلاثة في قرية أو بلد لا تقام فيهم الصلاة إلّا استحوذ عليهم الشيطان ، فعليك بالجماعة ، فإن الذئب يأخذ القاصية )(٣) (٤) .

وهو يدلّ على شدّة الاستحباب لا الوجوب ، ولأنّ الاستحواذ على عدم إقامة الصلاة لا على الجماعة ، ولأنّ المفهوم ترك ذلك دائماً.

إذا ثبت هذا ، فإن أهل البلد لو تركوها لم يأثموا ولم يقاتلوا - وهو أحد قولي الشافعية(٥) - لأنّها مستحبّة.

مسألة ٥٣٠ : وفي أيّ موضع جَمّع جاز ، لكن تستحب المساجد ، لأنّها مواطن العبادات ، وليس واجباً ، فيجوز أن يصلّي في بيته ، لقولهعليه‌السلام : ( الاثنان فما فوقهما جماعة )(٦) ولم يفصّل في موضع دون آخر ،

____________________

= ٤ : ٢٨٣ ، عمدة القاري ٥ : ١٦١.

(١) سنن ابن ماجة ١ : ٢٦٠ / ٧٩٣ ، سنن البيهقي ٣ : ٥٧ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٤٥.

(٢) الهداية للمرغيناني ١ : ٥٥ ، شرح فتح القدير ١ : ٢٩٩ ، المجموع ٤ : ١٨٤ و ١٨٩ ، الوجيز ١ : ٥٥ ، فتح العزيز ٤ : ٢٨٥.

(٣) سنن ابي داود ١ : ١٥٠ / ٥٤٧ ، سنن النسائي ٢ : ١٠٦ ، مسند أحمد ٦ : ٤٤٦ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢١١.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٠ ، المجموع ٤ : ١٨٤ و ١٨٩ ، فتح العزيز ٤ : ٢٨٥ ، حلية العلماء ٢ : ١٥٥.

(٥) المجموع ٤ : ١٨٦ ، فتح العزيز ٤ : ٢٨٦.

(٦) سنن ابن ماجة ١ : ٣١٢ / ٩٧٢ ، سنن الدار قطني ١ : ٢٨٠ / ١ ، المستدرك للحاكم ٤. =


وهو أحد قولي الشافعي. وعلى الآخر : لا يكفيه أن يصلّي في بيته جماعة إلّا إذا ظهرت الجماعة في الأسواق ، لأنّ فرضها يسقط بذلك(١) .

ويستحب أن توقع في المسجد الذي تكثر فيه الجماعة ، وهو الجامع ، قريباً كان منه أو بعيداً ، إلّا أن يكون في جواره مسجد تكثر فيه الجماعات فالأقرب أولى. وكذا لو كانت جماعة المسجد القريب تختلّ ببُعْده عنه ، أو كان إمام المسجد الأعظم مبدعاً أو فاسقاً ، أو يعتقد ترك شي‌ء من واجبات الصلاة.

ولا ينبغي لأحد ترك الجماعة وإن صلّاها بنسائه أو عبيده أو إمائه أو أولاده إذا لم يحضر المسجد.

مسألة ٥٣١ : لو رأى رجلاً يصلّي وحده ، استحب أن يصلّي معه ، لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، رأى رجلاً يصلّي وحده ، فقال : ( ألا رجل يتصدّق على هذا فيصلّي معه؟ )(٢) فجعل الصلاة معه بمنزلة الصدقة عليه.

مسألة ٥٣٢ : يستحب أن يمشي على عادته إلى الجماعة ولا يسرع. وإن خاف فوتها ، فالأقرب عندي : الإِسراع - وبه قال إسحاق(٣) - لما فيه من المحافظة على الجماعة.

وعن ابن مسعود : أنّه اشتدّ إلى الصلاة ، وقال : بادروا حدّ الصلاة ، يعني التكبيرة الاُولى.

____________________

= ٣٣٤ ، وعيون أخبار الرضاعليه‌السلام ٢ : ٦١ / ٢٤٨.

(١) المجموع ٤ : ١٨٥ ، كفاية الأخيار ١ : ٨٢.

(٢) سنن أبي داود ١ : ١٥٧ / ٥٧٤ ، سنن الدارمي ١ : ٣١٨ ، سنن البيهقي ٣ : ٦٨ - ٦٩ ، سنن الدار قطني ١ : ٢٧٧ - ٢٧٨ / ٣ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٠٩.

(٣) المجموع ٤ : ٢٠٧ ، وفي حلية العلماء ٢ : ١٥٧ ، وفتح العزيز ٤ : ٢٨٩ ، والمهذب للشيرازي ١ : ١٠١ : أبو إسحاق ، بدل : إسحاق.


وكان الأسود بن يزيد يُهَرْوِل إذا ذهب إلى الصلاة(١) .

وقال الشافعي : لا يسرع وإن خاف الفوت ، لقولهعليه‌السلام : ( إذا اُقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فاقضوا)(٢) (٣) .

ونمنع الحديث ، أو نحمله على الأمن من الفوات ، فتستحب السكينة ، فإن أدرك صلّى ، وإلّا قضى ما فاته ، لا على حالة الخوف.

مسألة ٥٣٣ : يجوز ترك الجماعة للعذر وإن لم تكن واجبةً ، ويكره لغير عذر. والعذر : عام ، كالمطر والوحل والريح الشديدة في الليلة المظلمة ، وشدّة الحرّ ، لأنّهعليه‌السلام كان يأمر مناديه في الليلة المظلمة والليلة ذات الريح : ( ألا صلّوا في رحالكم )(٤) .

وقالعليه‌السلام : ( إذا ابتلّت النعال فالصلاة في الرحال )(٥) .

وقالعليه‌السلام : ( إذا اشتدّ الحر فأبردوا بالظهر )(٦) .

وخاص : كالأكل ، لشدّة شهوته إلى الطعام ، لقولهعليه‌السلام : ( إذا حضر العشاء وأُقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء )(٧) .

ولأنّه يمنعه من السكون في الصلاة ، والخشوع.

____________________

(١) لم نجد ما نُقل عنهما في المصادر المتوفّرة بين أيدينا. وقال النووي في المجموع ٤ : ٢٠٧ : وعن ابن مسعود وابن عمر ، والأسود بن يزيد قالوا : إذا خاف فوت تكبيرة الإِحرام أسرع.

(٢) صحيح مسلم ١ : ٤٢٠ / ٦٠٢ ، سنن أبي داود ١ : ١٥٦ / ٥٧٢ ، سنن النسائي ٢ : ١١٤ - ١١٥ ، مسند أحمد ٢ : ٤٥٢ و ٤٨٩.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٠١ ، المجموع ٤ : ٢٠٦ و ٢٠٧.

(٤) صحيح البخاري ١ : ١٦٣ ، سنن أبي داود ١ : ٢٧٩ / ١٠٦٢ ، سنن النسائي ٢ : ١١١ ، سنن البيهقي ٣ : ٧٠ - ٧١.

(٥) سنن أبي داود ١ : ٢٧٨ / ١٠٥٩.

(٦) سنن ابن ماجة ١ : ٢٢٢ / ٦٧٨ ، الضعفاء الكبير للعقيلي ٢ : ٢٨١ / ٨٤٥.

(٧) سنن الترمذي ٢ : ١٨٤ / ٣٥٣ ، سنن النسائي ٢ : ١١١ ، سنن البيهقي ٣ : ٧٣.


وكونه حاقناً ، لقولهعليه‌السلام : ( إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة )(١) .

أو مريضاً أو خائفاً من ظالم ، أو فوت رفقة ، أو ضياع مال ، أو غلبة نوم إذا انتظر الجماعة ، أو احتاج إلى تمريض غيره ، أو أكل شي‌ء من المؤذيات : كالبصل والكراث ، لقولهعليه‌السلام : (من أكل من هذه الشجرة فلا يؤذينا في مسجدنا )(٢) فإن تمكن من إزالته لم يكن عذراً.

مسألة ٥٣٤ : وتصح الجماعة في كلّ مكان على ما تقدّم(٣) ، سواء كان قريباً من المسجد ، أو لا ، لكن الأفضل قصد المسجد مع انتفاء المشقة ، وليس واجباً ، وهو قول العلماء ، لقولهعليه‌السلام : ( اُعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي : جُعلت لي الأرض طيبةً طهوراً ، ومسجداً ، فأيّما رجل أدركته الصلاة صلّى حيث كان )(٤) .

ومن طريق الخاصة : قولهعليه‌السلام : « صلاة الرجل في بيته وحده صلاة واحدة »(٥) .

وفي رواية عن أحمد : أنّ حضور المسجد القريب منه واجب(٦) ، لقول عليّعليه‌السلام : « لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد »(٧) .

____________________

(١) سنن النسائي ٢ : ١١٠ - ١١١ ، سنن البيهقي ٣ : ٧٢.

(٢) سنن ابن ماجة ١ : ٣٢٤ / ١٠١٥ ، مسند أحمد ٢ : ٢٦٤ و ٢٦٦ ، سنن البيهقي ٣ : ٧٦.

(٣) تقدّم في المسألة : ٥٣٠.

(٤) سنن النسائي ١ : ٢١٠ - ٢١١ ، مسند أحمد ٣ : ٣٠٤ ، مسند أبي عوانة ١ : ٣٩٦.

(٥) الفقيه ١ : ١٥٢ / ٧٠٣ ، التهذيب ٣ : ٢٥٣ / ٦٩٨.

(٦) المغني ٢ : ٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٥.

(٧) اختلفت المصادر في نسبة هذه الرواية كما اختلفت النسختان الخطيتان ، ففي نسخة « م » : لقوله ٧. وظاهره قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كما في المغني ٢ : ٦ ، والشرح الكبير ٢ : ٥ ، وسنن الدار قطني ١ : ٤٢٠ / ١ و ٢ ، وسنن البيهقي ٣ : ٥٧ ، والمستدرك للحاكم ١ : ٢٤٦. وفي نسخة « ش » : لقول عليعليه‌السلام كما في سنن البيهقي ٣ : ٥٧.


وهو محمول على نفي الكمال.

مسألة ٥٣٥ : الجماعة في المسجد الحرام أفضل من غيره‌ ، ثم بعده مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم المسجد الأقصى ، ثم المسجد الأعظم من كلّ بلد ، ثم كلّ مسجد تكثر فيه الجماعة ، والتفضيل في الأول بسبب تفاوت الأمكنة في الشرف ، وفي الأخير بسبب الفعل ، وقد تقدم(١) .

ولو كان في جواره أو في غير جواره مسجد لا تنعقد الجماعة فيه إلّا بحضوره ، فَفِعْلُها فيه أولى ، لأنّه يعمره بإقامة الجماعة فيه ، ويحصّلها لمن يصلّي فيه.

وإن كانت تقام فيه ، وفي قصده غيره كسر قلب إمامه ، أو جماعته ، فجبر قلوبهم أولى.

وهذا لا يتأتّى عندنا ، لأنّ شرط الإِمام العدالة ، والعدل لا ينكسر قلبه بمثل هذا.

وإن لم يكن كذلك ، ففي أولوية قصد الأبعد أو الأقرب احتمال ينشأ : من كثرة الخُطا في طلب الثواب ، ومن الجواز.

وفيه عن أحمد روايتان(٢) .

مسألة ٥٣٦ : يكره تكرّر الجماعة في المسجد الواحد‌ ، فإذا صلّى إمام الحيّ في مسجده وحضر قوم آخرون ، صلّوا فرادى ، قاله الشيخ(٣) ، وبه قال الليث والبتي والثوري ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي(٤) ، إلّا أنّ الشيخ أطلق ، وهؤلاء قالوا : يكره فيما له إمام راتب في غير ممرّ الناس لا في‌

____________________

(١) تقدّم في المسألة : ٥٣٠.

(٢) المغني ٢ : ٨ - ٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٦.

(٣) الخلاف ١ : ٥٤٢ ، المسألة ٢٨٠.

(٤) المدونة الكبرى ١ : ٨٩ ، التفريع ١ : ٢٦٢ ، الشرح الصغير ١ : ١٥٩ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٢ ، المجموع ٤ : ٢٢٢ ، المغني ٢ : ١١ ، الشرح الكبير ٢ : ٨.


غيره ، وكذا لا يكره لو كان على قارعة الطريق أو في محلة لا يمكن أن يجتمع أهله دفعة واحدة(١) .

واحتجّ الشيخ - بالأخبار ، ولأنّ فيه اختلاف القلوب ، والعداوة والتهاون بالصلاة مع إمامه.

والذي روى أبو علي الحراني(٢) عن الصادقعليه‌السلام كراهة أن يؤذّن الجماعة الثانية إذا تخلّف أحد من الْاُولى(٣) .

وروى زيد عن أبيهعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام ، قال : « دخل رجلان المسجد وقد صلّى عليعليه‌السلام بالناس ، فقال لهما : إن شئتما فليؤمّ أحدكما صاحبه ولا يؤذّن ولا يقيم »(٤) .

وقال ابن مسعود والحسن والنخعي وقتادة وأحمد وإسحاق : لا تكره الجماعة الثانية ، لعموم قولهعليه‌السلام : ( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بخمس وعشرين درجة )(٥) .

وجاء رجل وقد صلّى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : ( أيّكم يتّجر على هذا؟ ) فقام رجل فصلّى معه(٦) .

____________________

(١) المجموع ٤ : ٢٢٢ ، المغني ٢ : ١١ ، الشرح الكبير ٢ : ٨ ، وراجع أيضاً : الخلاف ١ : ٥٤٢ ، المسألة ٢٨٠.

(٢) في « ش ، م » : الجبائي. والصحيح ما أثبتناه ، وهو من جملة الرواة عن الإِمام الصادقعليه‌السلام ، وله كتاب ، وروى عنه محمد بن أبي عمير وهارون بن مسلم.

اُنظر : رجال النجاشي : ٤٥٦ / ١٢٣٩ والفهرست للطوسي : ١٨٧ وتنقيح المقال ٣ : ٢٧ من فصل الكنى ، ومعجم رجال الحديث ٢١ : ٢٥١ / ١٤٥٦٩.

(٣) التهذيب ٣ : ٥٥ / ١٩٠ ، الفقيه ١ : ٢٦٦ / ١٢١٥.

(٤) التهذيب ٣ : ٥٦ / ١٩١.

(٥) سنن النسائي ٢ : ١٠٣ ، مسند أحمد ٣ : ٥٥ ، سنن البيهقي ٣ : ٦٠.

(٦) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٣٢٢ ، سنن الترمذي ١ : ٤٢٧ - ٤٢٩ / ٢٢٠ ، سنن البيهقي ٣ : ٦٩.


وفي حديث آخر : ( ألا رجل يتصدّق على هذا فيصلّي معه؟ )(١) .

وفي رواية زيادة : فلمـّا صلّيا ، قال : ( وهذان جماعة )(٢) (٣) .

ولا بأس بهذا القول عندي.

وكره أحمد إعادة الجماعة في المسجد الحرام ، ومسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لئلّا يتوانى الناس في حضور جماعة الإِمام الراتب(٤) .

والوجه : التسوية.

مسألة ٥٣٧ : ومحل الجماعة الفرض دون النفل‌ ، إلّا في الاستسقاء والعيدين مع اختلال بعض الشرائط ، عند علمائنا - خلافاً للجمهور(٥) - لأنّ زيد بن ثابت قال : جاء رجال يصلّون صلاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخرج مغضباً ، وأمرهم أن يصلّوا النوافل في بيوتهم(٦) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة )(٧) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادق والرضاعليهما‌السلام : « لمـّا دخل رمضان اصطف الناس خلف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : أيها الناس هذه نافلة فليصلّ كلُّ منكم وحده ، وليعمل ما علّمه الله في كتابه ، واعلموا أنّه لا جماعة في نافلة ، فتفرّق الناس »(٨) .

____________________

(١) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٣٢٢ ، مسند أحمد ، ٥ : ٢٥٤ و ٢٦٩ ، سنن أبي داود ١ : ١٥٧ / ٥٧٤ ، سنن الدارمي ١ : ٣١٨ ، سنن الدار قطني ١ : ٢٧٨ / ٣ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٠٩.

(٢) مسند أحمد ٥ : ٢٥٤ و ٢٦٩ ، وانظر : المغني ٢ : ١٣ والشرح الكبير ٢ : ٩.

(٣) المغني ٢ : ١٠ - ١٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٨ - ٩ ، المجموع ٤ : ٢٢٢.

(٤) المغني ٢ : ١٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٩ ، الانصاف ٢ : ٢١٩ و ٢٢٠.

(٥) المجموع ٤ : ٥ ، المغني ١ : ٨١١ ، الشرح الكبير ١ : ٨٠٨.

(٦) نقله المحقق في المعتبر : ٢٣٨.

(٧) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٢٤٥ و ٢٥٦.

(٨) المعتبر : ٢٣٨.


احتجّوا : بالجواز الأصلي.

وقد يخرج بالنص عن العمل به.

المطلب الثاني : في الشرائط‌

وهي سبعة :

الأول : العدد ، وأقلّه اثنان ، أحدهما : الإِمام في كلّ ما يُجمّع فيه إلّا الجمعة والعيدين مع الشرائط بالإِجماع.

ولقولهعليه‌السلام : ( الاثنان فما فوقهما جماعة )(١) .

ولأنّها مأخوذة من الاجتماع وهو موجود هنا.

لا يقال : أقلّ الجمع ثلاثة عندكم ، فكيف تذهبون إلى ذلك!؟

لأنّا نقول : ليس بينهما تنافٍ ، لتغايرهما ، لأنّ المراد هنا أنّ فضيلة الجماعة تحصل من الاثنين ، والمراد هنا صيغة الجمع ك‍ « رجال » لا يطلق حقيقة على أقلّ من الثلاثة.

ولا فرق في الجواز بين أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً أو بالتفريق أو ذكوراً وخناثى أو إناثاً وخنثى(٢) .

ولا يجوز أن يكونوا إناثاً وخناثى مشكل أمْرُهُم ، ولا خناثى منفردات ، لامتناع أن تكون الإِمامة خنثى لمثلها ، لاحتمال أن تكون الإِمام اُنثى والمأموم رجلاً.

مسألة ٥٣٨ : يستحب للنساء أن يصلّين جماعة‌ وإن لم يكن معهنّ رجل ، في الفرض والنفل ، كالرجال ، عند علمائنا أجمع - وبه قال عطاء والأوزاعي والثوري وأبو ثور والشافعي وأحمد وإسحاق(٣) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أمر اُمّ ورقة بنت عبد الله بن الحارث بن نوفل - وكان يزورها ويسمّيها‌

____________________

(١) سنن ابن ماجة ١ : ٣١٢ / ٩٧٢ ، سنن الدار قطني ١ : ٢٨٠ / ١ ، المستدرك للحاكم ٤ : ٣٣٤ ، وعيون أخبار الرضا ٢ : ٦١ / ٢٤٨‌

(٢) المناسب للعبارة : وخناثى.

(٣) المجموع ٤ : ١٩٩ ، المغني ٢ : ٣٦ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٣ ، والاُم ١ : ١٦٤.


الشهيدة - بأن تؤمّ أهل دارها ، وجعل لها مؤذّنا(١) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « لا بأس » وقد سئل هل تؤمّ المرأة النساء؟(٢) .

ولأنّ النساء من أهل الفرض فسنّت لهنّ الجماعات ، كالرجال.

وقال أبو حنيفة ومالك : إنّه مكروه - وحكي عن نافع وعمر بن عبد العزيز - لأنّ الأذان يكره لهنّ ، وهو دعاء إلى الجماعة ، فكرهت لهنّ(٣) .

وعلّة كراهة الأذان رفع الصوت المنهيّ عنه ، بخلاف الجماعة.

ولأنّ من الصلوات ما لا يؤذّن لها ومن سننها الجماعة.

ولأنّه يستحب لها الإِقامة ، فدلّ ذلك على ثبوت الجماعة في حقّها.

مسألة ٥٣٩ : إذا أمّت المرأة النساء ، استحب أن تقف وسطهنّ في صفّهنّ ، ولا نعلم فيه خلافاً ، لأنّ صفوان بن سليم قال : من السنّة أن تصلّي المرأة بنساء تقف وسطهنّ(٤) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه بعض أصحابنا عن المرأة تؤمّ النساء؟ قال : « نعم تقف وسطهنّ»(٥) .

ولأنّ ذلك أستر لها كالعراة.

فإن تقدّمت وصلّت ، كره ، وصحّت صلاتهنّ ، كالرجل لو صلّى وسط الرجال.

مسألة ٥٤٠ : الحُرّة أولى من الأمة بالإِمامة ، لأنّها موضع فضيلة والحُرّة‌

____________________

(١) سنن أبي داود ١ : ١٦١ / ٥٩٢ ، سنن البيهقي ٣ : ١٣٠.

(٢) التهذيب ٣ : ٣١ / ١١١ ، الاستبصار ١ : ٤٢٦ / ١٦٤٤.

(٣) المجموع ٤ : ١٩٩ ، المغني ٢ : ٣٦ ، اللباب ١ : ٨٠ ، المنتقى للباجي ١ : ٢٣٦ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٣ ، وأمّا ما حكي عن نافع وعمر بن عبد العزيز فلم نجده فيما بين أيدينا من المصادر.

(٤) مختصر المزني : ٢٤.

(٥) التهذيب ٣ : ٣١ / ١١٢ ، الاستبصار ١ : ٤٢٦ / ١٦٤٥.


أكمل.

ولأنّ الحُرّة تستتر في الصلاة ، والأمة يجوز أن تكشف رأسها ، فالمستّرة أولى.

فإن تقدّمت الأمة ، جاز وإن كانت مكشوفة الرأس ، لعدم وجوب ستره في حقّها.

فإن كانت قد عتقت ولم تعلم ، فصلّت بغير خمار ، جاز للعالمة به الائتمام بها ، لأنّها صلاة شرعية.

والأقرب : انسحاب ذلك على العالم بنجاسة ثوب الإِمام إذا لم توجب الإِعادة مع تجدّد العلم في الوقت.

إذا ثبت هذا ، فإن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد ، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( المرأة عورة ، وأنّها إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان )(١) فأقرب ما تكون من وجه الله تعالى وهي في قعر بيتها.

وقالعليه‌السلام : ( صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ) يعني : صحن دارها ( وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها )(٢) والمخدع هو : البيت جوف البيت.

ومن طريق الخاصة : قولهمعليهم‌السلام : « خير مساجد نسائكم البيوت »(٣) .

مسألة ٥٤١ : يصح أن يؤمّ الرجل النساء الأجنبيات ، لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّى بأنس وباُمّه أو خالته(٤) . وللأصل.

____________________

(١) سنن الترمذي ٣ : ٤٧٦ - ١١٧٣.

(٢) سنن أبي داود ١ : ١٥٦ - ٥٧٠ ، سنن البيهقي ٣ : ١٣١ ، المستدرك للحاكم ١ : ٢٠٩.

(٣) الفقيه ١ : ١٥٤ - ٧١٩ ، التهذيب ٣ : ٢٥٢ - ٦٩٤.

(٤) صحيح البخاري ١ : ١٨٥ و ٢٢٠ ، صحيح مسلم ١ : ٤٥٧ - ٤٥٨ - ٦٦٠ ، سنن أبي داود ١ : ١٦٥ - ٦٠٨ و ١٦٦ - ٦٠٩.


وكذا يصلّى بالصبيّ في الفرض والنفل ، عند علمائنا ، لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أمّ ابن عباس وهو صبي(١) .

وقال أحمد : لا تنعقد الجماعة بالصبي وإن كان مأموماً ، لنقص حاله ، فأشبه مَنْ لا تصح صلاته(٢) .

وهو ممنوع ، لأنّه متنفّل ، فصحّ أن يكون مأموماً لمفترض كالبالغ ، ولهذا قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَنْ يتصدّق على هذا فيصلّي معه؟ )(٣) .

الشرط الثاني : عدم تقدّم المأموم في الموقف على الإِمام‌ ، فإن صلّى قدّامه ، بطلت صلاته ، سواء كان متقدّماً عند التحريم ، أو تقدّم في خلالها ، عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة وأحمد والشافعي في الجديد(٤) - لقولهعليه‌السلام : ( إنّما جُعل الإِمام إماماً ليؤتمّ به )(٥) .

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فَعَل ما قلناه ، وكذا الصحابة والتابعون.

ولأنّه أخطأ موقفه إلى موقف ليس بموقف لأحد من المأمومين بحال ، فلم تصح صلاته ، كما لو صلّى في بيته بصلاة الإِمام في المسجد.

ولأنّه يحتاج في الاقتداء والمتابعة إلى الالتفات إلى ورائه.

وقال مالك وإسحاق وأبو ثور والشافعي في القديم : تصحّ ، لأنّ مخالفة‌

____________________

(١) صحيح البخاري ١ : ٢١٧ ، سنن أبي داود ١ : ١٦٦ / ٦١٠ و ٦١١ ، سنن البيهقي ٣ : ٩٥.

(٢) المغني ٢ : ٥٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٤ ، الانصاف ٢ : ٢٦٦ ، المجموع ٤ : ٢٤٩.

(٣) مسند أحمد ٣ : ٥.

(٤) المبسوط للسرخسي ١ : ٤٣ ، المغني ٢ : ٤٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٦٣ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٧ ، المجموع ٤ : ٢٩٩ و ٣٠٠ ، فتح العزيز ٤ : ٢٣٨ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٩ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٥.

(٥) صحيح البخاري ١ : ١٧٧ و ١٨٧ ، صحيح مسلم ١ : ٣٠٨ / ٤١١ ، سنن النسائي ٢ : ٨٣ و ٩٨ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٩٢ / ١٢٣٧.


الموقف لا تبطل الصلاة ، كما لو وقف على يسار الإِمام(١) .

والفرق : أنه موقف لبعض المأمومين كالعراة والنساء.

فروع :

أ : الأفضل تأخّر المأموم عن الإِمام في الموقف‌ وليس شرطاً ؛ لتحصل صورة التقدّم ، فإن ساواه ، صحّ إجماعاً.

ب : الاعتبار في التقدّم والمساواة بالعقب ، فلو تقدّم عقب المأموم ، بطل عندنا ، خلافاً لمالك والشافعي في أحد القولين(٢) على ما تقدّم ، وإن ساواه صح.

ج : لو كانت رِجْل الإِمام أكبر ، فوقف المأموم بحيث حاذت أطراف أصابعه أصابع الإِمام ولكن تقدّم عقبه على عقب الإِمام ، فالوجه : البطلان.

وتحتمل : الصحة ، لأنّه حاذى الإِمام ببعض بدنه ، واعتباراً بالأصابع.

وكلاهما للشافعي(٣) .

ولو كانت رِجْل المأموم أطول ، فوقف بحيث يكون عقبه محاذياً لعقب إمامه ، وتقدّمت أطراف أصابعه ، فالوجه : الصحة - وبه قال الشافعي(٤) على تقدير المنع - لأنّ ابن مسعود صلّى بالأسود وعلقمة ، فأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، وكانا أطول قامة(٥) . فالظاهر أنّهما أكبر رِجْلاً ، ولم يأمرهم بالتأخّر.

____________________

(١) بلغة السالك ١ : ١٥٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٧ ، المجموع ٤ : ٢٩٩ و ٣٠٠ ، فتح العزيز ٤ : ٣٣٩ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٩ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٥ ، المغني ٢ : ٤٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٦٣.

(٢) بلغة السالك ١ : ١٥٨ ، المجموع ٤ : ٢٩٩ ، فتح العزيز ٤ : ٣٣٩ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٥.

(٣) المجموع ٤ : ٢٩٩ ، فتح العزيز ٤ : ٣٣٩.

(٤) المجموع ٤ : ٢٩٩ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٥.

(٥) صحيح مسلم ١ : ٣٧٨ / ٥٣٤ ، سنن أبي داود ١ : ١٦٦ / ٦١٣.


ويحتمل : المنع ، للتقدّم ببعض البدن ، فصار كما لو خرج بعضه عن سمت الكعبة ، فحينئذٍ يكون الشرط في المساواة والتأخّر بالعقب والأصابع معاً.

مسألة ٥٤٢ : يستحب للمصلّين في المسجد الحرام بالجماعة أن يقف الإِمام خلف المقام ويقف الناس خلفه.

وقال الشافعي : يستحب أن يقفوا مستديرين بالبيت(١) .

وقد بيّنّا التردّد في جواز ذلك ، فإن قلنا به وصلّوا كذلك ، فإن كان بعضهم أقرب إلى البيت ، فإن كان متوجّهاً إلى الجهة التي توجّه إليها الإِمام ، بطلت صلاته ، لأنّه قد تقدّم إمامه.

وفيه للشافعي القولان(٢) .

وإن كان متوجّهاً إلى غيرها ، احتمل ذلك ، لئلّا يكون متقدّماً حكماً ، والجواز - وبه قال أبو حنيفة وأصحابه(٣) - لأنّه لا يظهر به مخالفة منكرة.

ولأنّ قربه من الجهة لا يكاد يضبط ، ويشق مراعاة ذلك ، وفي جهته لا يتعذّر أن يكونوا خلفه. ولأنّ المأموم إذا كان في غير جهة الإِمام ، لم يكن بين يديه وإن كان أقرب إلى الكعبة منه.

وكلا الوجهين للشافعي(٤) .

أمّا لو صلّوا وسط الكعبة ، فالأقرب : وجوب اتّحاد الجهة.

ويحتمل جواز المخالفة ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(٥) .

____________________

(١و٢) المجموع ٤ : ٣٠٠ ، فتح العزيز ٤ : ٣٣٩.

(٣) المبسوط للسرخسي ٢ : ٧٨ و ٧٩ ، فتح العزيز ٤ : ٣٣٩.

(٤) المجموع ٤ : ٣٠٠ ، فتح العزيز ٤ : ٣٣٩.

(٥) فتح العزيز ٤ : ٣٣٩ ، المبسوط للسرخسي ٢ : ٧٩.


فإن كان المأموم أقرب واتّحدت الجهة ، لم تصح صلاته. وللشافعي قولان(١) .

وإن اختلف : فوجهان. وكلاهما للشافعي(٢) .

مسألة ٥٤٣ : المأموم إن كان واحداً ذكراً ، استحب أن يقف عن يمين الإِمام ، عند علمائنا - وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد(٣) - لأنّ ابن عباس قال : بتّ عند خالتي ميمونة ، فقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي ، فقمت عن يساره ، فأخذني بيمينه فحوّلني عن يمينه(٤) .

ومن طريق الخاصة : قول أحدهماعليهما‌السلام : « الرجلان يؤمّ أحدهما الآخر يقوم عن يمينه ، فإن كانوا أكثر ، قاموا خلفه »(٥) .

وحكى ابن المنذر عن سعيد بن المسيّب أنّه قال : يقيمه عن يساره(٦) .

وقال النخعي : يقيمه وراءه ما بين أن يركع ، فإن جاء آخر ، وإلّا قام عن يمينه(٧) .

وفي حديث ابن عباس عدّة فوائد :

أ : وقوف الواحد عن يمين الإِمام.

ب : صحّة صلاته لو وقف على يساره.

____________________

(١) فتح العزيز ٤ : ٣٣٩.

(٢) المجموع ٤ : ٣٠٠ ، فتح العزيز ٤ : ٣٣٩.

(٣) فتح العزيز ٤ : ٣٣٩ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٦ ، بداية المجتهد ١ : ١٤٨ ، بدائع الصنائع ١ : ١٥٨ ، المغني ٢ : ٤٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٨٠.

(٤) صحيح البخاري ١ : ١٧٩ ، سنن أبي داود ١ : ١٦٦ / ٦١٠ ، سنن النسائي ٢ : ٨٧.

(٥) التهذيب ٣ : ٢٦ - ٨٩.

(٦) المجموع ٤ : ٢٩٤ ، المغني ٢ : ٤٣ ، رحمة الأمة ١ : ٧٢ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٨ ، حلية العلماء ٢ : ١٨٠.

(٧) المجموع ٤ : ٢٩٤ ، رحمة الاُمة ١ : ٧٢ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٨ ، عمدة القارئ ٥ : ٢٣٥ ، حلية العلماء ٢ : ١٨٠.


ج : لا يلزمه سجود السهو.

د : استحباب التحوّل إلى اليمين لو وقف على اليسار.

ه- : إذا لم يتحوّل لم يقرّه الإِمام ، وحوّله.

و: أن يؤخّره بيمينه دون يساره.

ز : أن يديره من خلفه.

ح : صلاة النفل يحرم فيها الكلام ، لأنّه لم يكلّمه.

ونحن نمنع من الجماعة في النفل ، فإن صحّت رواية ابن عباس فيها ، حملناها على التمرين ، لأنّه صبيّ ، لا أنّها صلاة شرعية ، وتكون الفائدة تعليمه موقف المأموم في الفرض.

ط : عدم البطلان بالفعل اليسير.

ي : أنّ الصبي له موقف في الصف كالبالغ ، لأنّ ابن عباس كان صبيّاً.

إذا ثبت هذا ، فإن وقف على يساره ولم يكن على يمينه أحد ، لم يفعل السنّة ، وصحّت صلاته إجماعاً - إلّا أحمد فإنّه أبطل صلاته إن صلّى ركعة كاملة(١) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يأمر ابن عباس باستئناف الصلاة.

ولأنّه موقف فيما إذا كان عن الجانب الآخر آخر ، فكان موقفاً وإن لم يكن آخر كاليمين.

ولأنّه أحد جانبي الإمام ، فأشبه اليمين.

احتجّ أحمد : بأن النبيعليه‌السلام أدار ابن عباس(٢) .

ولا يدلّ على الزجر.

وكذا إن وقف متأخراً.

مسألة ٥٤٤ : لو كان المأموم رجلين ، وقفا خلفه ، عندنا وعند أكثر‌

____________________

(١) المغني ٢ : ٤٢ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٨ ، رحمة الاُمّة ١ : ٧١ - ٧٢.

(٢) المغني ٢ : ٤٣.


العلماء(١) ، لأنّ جابراً قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي ، فوقفت عن يمينه ، فدخل جبّار بن صخر ، فوقف عن يساره ، فدفعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى جعلنا خلفه ، ولم ينكرعليه‌السلام إحرامه عن يساره(٢) .

وقال أنس : صلّيت خلف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنا ويتيم لنا ، فصففت أنا واليتيم صفّاً واُمّ سليم خلفنا(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول أحدهماعليهما‌السلام : « فإن كانوا أكثر - يعني من واحد - قاموا خلفه»(٤) .

وحكي عن ابن مسعود : أنّهما يقفان عن جانبيه ، فإن كانوا ثلاثة ، تقدّم عليهم ، لأنّه صلّى بين علقمة والأسود ، فلمّا فرغ قال : هكذا رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فَعَل(٥) .

فإن صحّ ، كان منسوخاً ، لتأخّر مَنْ ذكرنا ، وابن مسعود من المتقدّمين.

مسألة ٥٤٥ : إذا كان المأموم جماعة ، وقفوا خلف الإِمام‌ صفّاً أو صفوفاً استحباباً بلا خلاف ، وإن وقف بعضهم في صفّه عن يمينه ويساره أو عن أحدهما والباقون خلفه ، جاز.

وينبغي تخصيص الصف الأول بأهل الفضل ثم الثاني بالأدون منهم ثم الثالث بالأدون منهما وهكذا ، لقولهعليه‌السلام : ( ليليني منكم اُولو الأحلام ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الصبيان ثم النساء )(٦) .

____________________

(١) انظر : المغني ٢ : ٤٤ ، بدائع الصنائع ١ : ١٥٨.

(٢) سنن أبي داود ١ : ١٧١ / ٦٣٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٩٥.

(٣) سنن البيهقي ٣ : ٩٦.

(٤) التهذيب ٣ : ٢٦ / ٨٩.

(٥) سنن أبي داود ١ : ١٦٦ / ٦١٣ ، سنن البيهقي ١ : ٤٠٦ ، والمغني ٢ : ٣.

(٦) صحيح مسلم ١ : ٣٢٣ / ٤٣٢ ، سنن أبي داود ١ : ١٨٠ / ٦٧٤ ، سنن النسائي ٢ : ٨٧ و ٩٠.


وقالعليه‌السلام : ( خير صفوف الرجال أولها ، وشرّها آخرها )(١) .

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام : « ليكن الذين يلون الإِمام اُولو الأحلام ، وأفضل الصفوف أوّلها ما دنا من الإِمام »(٢) .

ولأنه أفضل ؛ لقربه من الإِمام الأفضل ، فخصّص به أفضل المأمومين.

وللحاجة إليهم في التنبيه لو سها الإِمام أو غلط أو ارتجّ عليه أو احتاج إلى الاستخلاف.

إذا ثبت هذا ، فإن تمّ الصف الأول بالرجال ، وقف الصبيان صفّاً آخر خلفه ، ووقف النساء صفّاً آخر خلف الصبيان.

وقال بعض الشافعية : يقف بين كلّ رجلين صبي ليتعلّم منهما(٣) الصلاة(٤) .

وهو غلط ، لقولهعليه‌السلام : ( ليليني منكم اُولو الأحلام والنهى )(٥) والتعلّم ثابت إذا صلّوا خلفهم.

مسألة ٥٤٦ : الجماعة مشروعة للعراة‌ عند علمائنا - وبه قال قتادة وأحمد(٦) - لعموم الأمر بالجماعة.

وقال مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي : يصلّون فرادى(٧) .

____________________

(١) صحيح مسلم ١ : ٣٢٦ / ٤٤٠ ، سنن أبي داود ١ : ١٨١ / ٦٧٨ ، سنن النسائي ٢ : ٩٣.

(٢) الكافي ٣ : ٣٧٢ / ٧ ، التهذيب ٣ : ٢٦٥ / ٧٥١.

(٣) في « ش ، م » منه. وما أثبتناه أنسب بسياق العبارة.

(٤) المجموع ٤ : ٢٩٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٨٢ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٩ ، رحمة الاُمة ١ : ٧٢.

(٥) صحيح مسلم ١ : ٣٢٣ / ٤٣٢ ، سنن أبي داود ١ : ١٨٠ / ٦٧٤ ، سنن النسائي ٢ : ٨٧ و ٩٠.

(٦) المغني ١ : ٦٦٨ ، المحرر في الفقه ١ : ١١٨.

(٧) المدونة الكبرى ١ : ٩٥ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٦٤ ، المبسوط للسرخسي ١ : ١٨٦ ، المغني ١ : ٦٦٨ ، المحلّى ٣ : ٢٢٦.


قال مالك : يتباعد بعضهم من بعض ، وإن كانوا في ظلمة ، صلّوا جماعةً ، وتقدّمهم إمامهم(١) .

والشافعي - في القديم - وافقهم(٢) .

وقال في موضع آخر : الجماعة والانفراد سواء ، لأن في الجماعة الإِخلال بسنّة الموقف ، وفي الانفراد الإِخلال بفضيلة الجماعة(٣) .

إذا ثبت هذا ، فإنّ إمامهم يجلس وسطهم ، ويتقدّمهم بركبتيه ، وهو قول من سوّغ الجماعة من الجمهور ، إلّا أنّهم قالوا : يصلّون قياماً(٤) ، إلّا أحمد ، فإنّه وافقنا في الجلوس ، وبه قال الأوزاعي(٥) .

وقول المخالف ليس بجيّد ، لمنافاته الستر المطلوب شرعاً.

وسأل عبد الله بن سنان ، الصادقعليه‌السلام : عن قوم صلّوا جماعةً وهم عراة ، قال : « يتقدّمهم إمامهم بركبتيه ، ويصلّى بهم جلوساً وهو جالس »(٦) .

وكذا لو كان العراة نساءً صلّين جماعة جلوساً ، وتجلس إمامتهنّ وسطهنّ.

وقال الشافعي : يصلّين قياماً(٧) .

ولو اجتمع الجنسان ، صلّوا صفوفاً جلوساً يتقدّمهم الإِمام بركبتيه ، وتتأخّر النساء.

وقال الشافعي : ينفرد النساء بجماعة ، ويقفن كالرجال ، وتقف إمامتهنّ‌

____________________

(١) المدوّنة الكبرى ١ : ٩٥ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٦٤ ، المغني ١ : ٦٨٨.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ٧٣ ، حلية العلماء ٢ : ٥٨ ، المغني ١ : ٦٦٨.

(٣) الاُم ١ : ٩١ ، المهذب للشيرازي ١ : ٧٣ ، المجموع ٣ : ١٨٦ ، المغني ١ : ٦٦٨.

(٤) المجموع ٣ : ١٨٥ ، المدونة الكبرى ١ : ٩٥.

(٥) المغني ١ : ٦٦٤.

(٦) التهذيب ٢ : ٣٦٥ / ١٥١٣.

(٧) المجموع ٣ : ١٨٦.


وسطهنّ ، فإن ضاق الموضع ولّى النساء وجوههنّ عن الرجال حتى إذا صلّوا قياماً ولّى الرجال وجوههم عنهنّ حتى يصلّين(١) .

إذا عرفت هذا ، فإنّهم يومئون للركوع والسجود ، ويكون السجود أخفض من الركوع.

وعن أحمد روايتان ، هذه إحداهما. والْاُخرى : يسجدون على الأرض. وبه قال الشافعي ومالك(٢) ، وقد سبق.

مسألة ٥٤٧ : إذا كان المأموم امرأة أو نساء أو خناثى مشكل أمْرهُم ، والإِمام رجل ، وقفت أو وقفن خلفه‌ وجوبا على القول بتحريم المحاذاة ، وإلاّ ندبا ، لقولهعليه‌السلام : ( أخّروهنّ من حيث أخّرهنّ الله )(٣) .

فإن كان المأموم خنثى واحدة وقفت خلفه.

وقال أحمد : لا يجوز ، لجواز أن يكون رجلاً ، بل يقف عن يمينه ، ولا تبطل صلاة الإِمام بوقوف المرأة على جانبه(٤) .

والوجه : منع ائتمام أكثر من خنثى واحدة على القول بتحريم المحاذاة.

فإن اجتمعت امرأة وخنثى ، وقفت الخنثى خلف الإمام والمرأة خلفها ، لجواز أن تكون رجلا.

ولو كان الإِمام خنثى والمأموم امرأة ، وقفت خلفه وجوباً على القول بتحريم محاذاتها للرجل ، وإلّا ندباً ، لجواز أن يكون رجلاً.

ولو كان المأموم رجلاً وامرأة والإِمام رجلاً ، وقف الرجل على يمينه والمرأة‌

____________________

(١) الاُم ١ : ٩١ ، المجموع ٣ : ١٨٦ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٧ ، المغني ١ : ٦٦٩.

(٢) المغني ١ : ٦٦٨ - ٦٦٩ ، الشرح الكبير ١ : ٥٠٠ و ٥٠١ ، الانصاف ١ : ٤٦٤ و ٤٦٥ ، الاُم ١ : ٩١ ، المدونة الكبرى ١ : ٩٥.

(٣) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٤٢٥ ذيل المسألة ١٧١.

(٤) المغني ٢ : ٤٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٦٩ ، الانصاف ٢ : ٢٨٣.


خلفه.

وإن حضر رجلان وامرأة ، قام الرجلان خلفه والمرأة خلفهما.

وإن حضر رجل وامرأة وخنثى ، وقف الرجل عن يمينه والخنثى خلفهما والمرأة خلف الخنثى.

قال الشيخ : فإن اجتمع رجال ونساء وخناثى وصبيان ، وقف الرجال وراء الإِمام ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء.

وأما جنائزهم فإنّه تترك جنائز الرجال بين يدي الإِمام ثم جنائز الصبيان ثم جنائز الخناثى ثم النساء.

وأما دفنهم فالأولى أن يفرد لكلّ واحد منهم قبر ، لما روي عنهمعليهم‌السلام أنّه : « لا يدفن في قبر واحد اثنان ».

فإن دعت ضرورة إلى ذلك ، جاز أن يُجمع اثنان وثلاثة في قبر واحد ، كما فعل النبيّعليه‌السلام يوم اُحد.

فإذا اجتمع هؤلاء ، جعل الرجال ممّا يلي القبلة ، والصبيان بعدهم ، ثم الخناثى ثم النساء(١) .

مسألة ٥٤٨ : إذا قام المأموم عن يمين الإِمام فدخل مأموم آخر ، فإن لم يكن الأول قد أحرم ، تأخّر ووقفا خلف الإمام‌ ، وإن كان قد أحرم فكذلك.

وقال الشافعي : يقف الآخر على يسار الإِمام ويُحْرم ، ثم يتقدّم الإِمام ، أو يتأخّر المأمومان ويصطفّان خلفه.

وأيّهما أولى؟ الأصحّ عندنا وعنده : الثاني ، لأنّهما تابعان(٢) .

ولأنّهعليه‌السلام ، دفع جابراً وجبّارَ بن صخر إلى خلفه(٣) .

____________________

(١) المبسوط للطوسي ١ : ١٥٥.

(٢) المجموع ٤ : ٢٩٢ ، فتح العزيز ٤ : ٣٤٠ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٦ ، السراج الوهاج : ٧١.

(٣) سنن أبي داود ١ : ١٧١ / ٦٣٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٩٥ وانظر : المجموع ٤ : ٢٩٢.


ولو كان الموضع يحتمل التقدّم دون التأخّر ، تقدّم الإِمام حتى يحصلا خلفه ، ولا يقف المأموم الواحد خلفه ابتداءً.

واحتجّ : بأنّه إن تأخّر المأموم قبل أن يُحْرم الثاني ، فقد صار منفرداً خلفه ، وإن أحرم الداخل خلفه أوّلاً ، فهو أيضاً منفرد خلفه.

وما قلناه أولى ، محافظةً للصلاة من الفعل الزائد.

ولو دخل والإِمام والمأموم جالسان للتشهّد ، كبّر وجلس عن يساره ، ولا يؤمر الإِمام بالتقدّم ، ولا المأموم بالتأخّر ، لأنّه يشقّ حالة الجلوس.

مسألة ٥٤٩ : يكره لغير المرأة وخائف الزحام الانفراد بصف ، بل إذا دخل ووجد في صف المأمومين فرجةً ، دخل فيه وأحرم ، وإن انفرد ، صحّت صلاته عند علمائنا أجمع - وبه قال الحسن البصري والشافعي وأبو حنيفة والثوري ومالك والأوزاعي وابن المبارك ، وهو مروي عن زيد بن ثابت(١) - لأنّ أبا بكرة جاء والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله راكع ، فركع دون الصف ، ثم مشى إلى الصف ، فلمـّا قضى رسول اللهعليه‌السلام قال : ( أيّكم ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ ) فقال أبو بكرة : أنا ، فقال : ( زادك الله حرصاً ، ولا تعد )(٢) ولم يأمره بالإِعادة ، والنهي عن العود محمول على الكراهة ، أو : لا تعد إلى التأخّر.

ولأنّه أخطأ موقفاً سُنّ له إلى موقف لمأموم بحال فأشبه ما إذا وقف على يسار الإِمام.

وقال أحمد وإسحاق : تبطل صلاته - واختاره ابن المنذر - لأنّ وابصة بن معبد قال : صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأبصر رجلاً خلف الصفوف‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٢٩٨ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٩ ، بداية المجتهد ١ : ١٤٩ ، المغني ٢ : ٤٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٦٤.

(٢) صحيح البخاري ١ : ١٩٩ ، سنن أبي داود ١ : ١٨٢ / ٦٨٤ ، سنن النسائي ٢ : ١١٨ ، سنن البيهقي ٢ : ٩٠ و ٣ : ١٠٦.


وحده ، فأمره أن يعيد الصلاة(١) (٢) .

وهو محمول على الاستحباب.

فروع :

أ : لو لم يجد في الصف الأخير فرجةً ، ووجدها في الصفوف المتقدّمة ، فله أن يخرق الصفوف‌ حتى يصل إلى موضع الفرجة ، لأنّ التقصير منهم حيث تركوا الفرجة.

ب : لو لم يجد في الصفوف فرجةً ، فوقف عن يسار الإِمام ، صحّت صلاته.

وعن أحمد روايتان(٣) .

ج : لو لم يجد في الصف مدخلاً ، صلّى خلف الصف.

وهل يجذب من الصف واحداً يصلّي معه؟ الأقرب : الكراهة - وهو أحد قولي الشافعي(٤) - لما فيه من إحداث خلل في الصف ، وحرمان المجذوب فضيلة الصف الأول.

وفي الآخر : يجذب ، ويستحب للرجل إجابته(٥) .

د : لو تقدّمت سفينة المأموم ، فإن استصحب نية الائتمام ، بطلت صلاته ، لفوات الشرط ، وهو : عدم التقدّم.

وقال في الخلاف : لا تبطل ، لعدم الدليل(٦) .

____________________

(١) سنن الترمذي ١ : ٤٤٥ / ٢٣٠ ، سنن أبي داود ١ : ١٨٢ / ٦٨٢ ، مسند أحمد ٤ : ٢٢٨ ، سنن البيهقي ٣ : ١٠٤ و ١٠٥.

(٢) المغني ٢ : ٤٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٦٤ ، المجموع ٤ : ٢٩٨ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٩ ، بداية المجتهد ١ : ١٤٩ ، حلية العلماء ٢ : ١٨١.

(٣) المغني ٢ : ٤٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٦٦.

(٤و٥) المجموع ٤ : ٢٩٧ - ٢٩٨ ، حلية العلماء ٢ : ١٨٢ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٨.

(٦) الخلاف ١ : ٥٥٩ ، المسألة ٣٠٧.


وإن عدل إلى نية الانفراد ، صحّت.

الشرط الثالث : الاجتماع في الموقف ، فلا يجوز تباعد المأموم عن الإِمام بما لم تجر العادة به ، ويسمّى كثيراً ، إلّا مع اتّصال الصفوف به ، عند علمائنا - وهو قول أكثر العلماء(١) - سواء علم بصلاة الإِمام أو لا ، لقولهعليه‌السلام : ( لو صلّيتم في بيوتكم لضللتم )(٢) وهو يدلّ على أنّ مَنْ علم بصلاة الإِمام وهو في داره فلا يجوز أن يصلّي بصلاته.

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام : « إذا صلّى قوم وبينهم وبين الإِمام ما لا يتخطى ، فليس ذلك لهم بإمام ، وأيّ صف كان أهله يصلّون وبينهم وبين الصف الذي يتقدّمهم قدر ما لا يتخطّى فليس تلك بصلاة »(٣) .

وقالعليه‌السلام : « يكون قدر ذلك مسقط الجسد »(٤) .

لكن اشتراط ذلك مستبعد ، فيحمل على الاستحباب.

وقال عطاء : إذا كان عالماً بصلاته ، صحّ وإن كان على بُعْد من المسجد ولم يراع قُرباً ، لأنّه عالم بصلاة الإِمام ، فصحّت صلاته ، كما لو كان في المسجد(٥) .

وهو غلط ؛ لاستلزامه ترك السعي الواجب في قوله تعالى( فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ ) (٦) في حق العالم ، وكان يقتصر الناس على الصلاة في بيوتهم.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٣٠٩.

(٢) سنن أبي داود ١ : ١٥٠ - ١٥١ / ٥٥٠ ، مسند أحمد ١ : ٣٨٢ و ٤١٥.

(٣) الكافي ٣ : ٣٨٥ / ٤ ، الفقيه ١ : ٢٥٣ / ١١٤٤ ، التهذيب ٣ : ٥٢ / ١٨٢.

(٤) الكافي ٣ : ٣٨٥ / ذيل الحديث ٤ ، التهذيب ٣ : ٥٢ ذيل الحديث ١٨٢ ، والفقيه ١ : ٢٥٣ / ١١٤٣.

(٥) المجموع ٤ : ٣٠٩ ، حلية العلماء ٢ : ١٨٧ ، رحمة الاُمة ١ : ٧٣.

(٦) الجمعة : ٩.


مسألة ٥٥٠ : ولا فرق في المنع من التباعد بين أن يجمعهما مسجد أو لا‌ ، للعموم.

وفرّق الشافعي بينهما ، فسوّغ التباعد في المسجد وإن كان مُتّسعاً بأزيد من ثلاثمائة ذراع - وظاهر قول الشيخ في المبسوط(١) يعطيه - لأنّه بني للجماعة الواحدة ، فكان موجباً للاتّصال بينهما(٢) .

قال الشافعي : وكذا المساجد الصغار المتّصلة بالمسجد الكبير حكمها حكمه ، لأنّها بُنيت للاتّصال به(٣) .

ونمنع إيجاب البناء الاتّحاد مطلقاً.

ولا فرق عند الشافعية بين أن يكون الفضاء كلّه ملكاً أو كلّه مواتاً أو وقفاً أو بالتفريق ، ولا بين أن يكون محوطاً أو غير محوط ، ولا بين أن يكون الملك لواحد أو لجماعة.

وفي وجه : يشترط في الساحة المملوكة اتصال الصف كالأبنية ، بخلاف الموات فإنه يشبه المسجد.

وفي وجه لهم : إذا وقف أحدهما في ملك والآخر في ملك آخر ، يشترط اتصال الصف(٤) .

وقد بيّنا مذهبنا في ذلك.

مسألة ٥٥١ : القُربْ والبُعْد المرجع بهما إلى العادة عندنا‌ - وبه قال أحمد(٥) - لعدم التنصيص شرعاً ، فيصرف إلى العرف كالإِحراز وغيره.

وقدّر الشافعي البعد بما يزيد على ثلاثمائة ذراع ، والقرب بها وبما‌

____________________

(١) أنظر : المبسوط للطوسي ١ : ١٥٦.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٧ ، المجموع ٤ : ٣٠٢ ، رحمة الاُمّة ١ : ٧٣.

(٣) المجموع ٤ : ٣٠٣.

(٤) المجموع ٤ : ٣٠٥ ، فتح العزيز ٤ : ٣٤٧ - ٣٤٨ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٩.

(٥) المغني ٢ : ٤٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٧٥.


دونها ، اعتباراً بصلاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في الخوف ، فإنه صلّى بطائفة ، ومضت إلى وجه العدوّ وهو في الصلاة يحرسهم(١) ، وإنّما يحرس من وقع السهام ، لأنّها أبعد وقعاً من جميع السلاح ، وأكثر ما يبلغ السهم ثلاثمائة ذراع(٢) .

وهذا ليس بشي‌ء.

ثم اختلف أصحابه هل هو تقريب أو تحديد؟ على قولين(٣) .

ولا خلاف في أنّه لو اتّصلت الصفوف إلى أيّ بُعْد كان ، صحّت الصلاة ، فعندنا الاتّصال بمجرى العادة ، وعند الشافعي أن يكون بين كلّ صفّين ثلاثمائة ذراع فما دون(٤) .

ولو كانت الصفوف في المسجد ، جاز أن يصلّي المأموم خارجه مع المشاهدة وعدم البُعْد الكثير.

وحدّه الشافعي - على تقريره - بما يزيد على ثلاثمائة ذراع بينه وبين آخر المسجد وإن لم تكن الصفوف في المسجد متّصلة بآخره ، لأنّ المسجد لا يحسب فصلاً(٥) .

والوجه عندنا : اعتبار الاسم بينه وبين آخر صف فيه.

وقال المرتضى : ينبغي أن يكون بين الصفّين قدر مسقط الجسد ، فإن‌

____________________

(١) اُنظر : سنن البيهقي ٣ : ٢٥٧ - ٢٥٩.

(٢) مختصر المزني : ٢٣ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٧ ، المجموع ٤ : ٣٠٣ - ٣٠٤ ، فتح العزيز ٤ : ٣٤٥ - ٣٤٦ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٩ ، كفاية الأخيار ١ : ٨٥.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٧ ، المجموع ٤ : ٣٠٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٨٣ ، فتح العزيز ٤ : ٣٤٦ - ٣٤٧ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٩ ، كفاية الأخيار ١ : ٨٥.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٧ ، المجموع ٤ : ٣٠٤ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٩ ، رحمة الاُمة ١ : ٧٣.

(٥) المجموع ٤ : ٣٠٧ ، فتح العزيز ٤ : ٣٥٥.


تجاوز ذلك إلى القدر الذي لا يتخطّى لم يجز(١) ، للرواية(٢) .

والظاهر : الكراهة.

ولو وقف صفّ خلف الإِمام على حدّ ثلاثمائة ذراع عند الشافعي ، وعلى أبعد مراتب القرب عندنا ، وصفّ آخر خلفهم على النسبة ، وهكذا ، صحّت صلاتهم إجماعاً ، ويجعل كلّ صفّ مع الذي خلفه كالإِمام مع المأموم.

ولو وقف على يمين الصفّ قوم بينهما حدّ القرب ، أو على يسارهم ، واقتدوا بالإِمام ، جاز ، ويكون ذلك حدّ القرب بين المأمومين ، كما هو حدّ القرب بين الصفّين.

مسألة ٥٥٢ : يستحب قرب الصفّ من الإِمام‌ - وقد قدّره الباقرعليه‌السلام : بمسقط الجسد استحباباً(٣) . وروي : « مربض عنز »(٤) - ليندرجوا تحت قوله تعالى( كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ) (٥) وكذا بين كلّ صفّين.

ويستحب تسوية الصف ، لما رواه الجمهور عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لتُسوّون صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين قلوبكم )(٦) .

والوقوف عن يمين الإِمام أفضل ؛ لقول البراء بن عازب : كان يعجبنا الوقوف عن يمين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٧) .

ولأنّ الإِمام يبدأ بالسلام عليهم.

____________________

(١) حكاه عنه المحقق في المعتبر : ٢٣٨.

(٢) الكافي ٣ : ٣٨٥ / ٤ ، التهذيب ٣ : ٥٢ / ١٨٢ ، والفقيه ١ : ٢٥٣ / ١١٤٣ و ١١٤٤ ، وتقدمت الرواية في الصفحة ٢٥١.

(٣) الكافي ٣ : ٣٨٥ ذيل الحديث ٤ ، الفقيه ١ : ٢٥٣ / ١١٤٣ ، التهذيب ٣ : ٥٢ ذيل الحديث ١٨٢.

(٤) الفقيه ١ : ٢٥٣ / ١١٤٥.

(٥) الصف : ٤.

(٦) سنن أبي داود ١ : ١٧٨ / ٦٦٢ و ٦٦٣.

(٧) صحيح مسلم ١ : ٤٩٢ / ٧٠٩ ، سنن النسائي ٢ : ٩٤ نحوه.


وينبغي أن يقف الإِمام في مقابلة وسط الصف ، لما رواه أبو داود عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( وسِّطوا الإِمام وسُدُّوا الخلل )(١) .

مسألة ٥٥٣ : حيلولة النهر والطريق بين الإِمام والمأموم لا تمنع الجماعة‌ مع انتفاء البُعْد ، عند أكثر علمائنا(٢) ، سواء كان النهر ممّا يتخطّى ، أو لا - وبه قال الشافعي ومالك(٣) - لأنّ أنساً كان يصلّى في بيوت حميد بن عبد الرحمن بن عوف بصلاة الإمام ، وبينه وبين المسجد طريق(٤) ، ولم ينكر ذلك منكر.

ولأنّ ما بينهما تجوز الصلاة فيه فلا يمنعها.

وقال أبو حنيفة : لا تجوز(٥) ، لما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : ( مَنْ كان بينه وبين الإِمام طريق فليس مع الإِمام )(٦) .

وهو محمول على البُعد أو الكراهة.

إذا عرفت هذا ، فإنّ الجماعة في السفن المتعدّدة جائزة ، سواء اتّصلت أو انفصلت ما لم يخرج إلى حدّ البعد - وبه قال الشافعي(٧) - لأنّ المقتضي‌

____________________

(١) سنن أبي داود ١ : ١٨٢ / ٦٨١.

(٢) منهم : الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٥٥٧ و ٥٥٨ ، المسألتان ٣٠٣ و ٣٠٦ ، والمحقق في المعتبر : ٢٣٨.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٧ ، المجموع ٤ : ٣٠٩ ، حلية العلماء ٢ : ١٨٦ ، فتح العزيز ٤ : ٣٤٧ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٩ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٥ ، المدونة الكبرى ١ : ٨٢ ، الشرح الصغير ١ : ١٦٠ ، المغني ٢ : ٤١ ، الشرح الكبير ٢ : ٧٧.

(٤) سنن البيهقي ٣ : ١١١.

(٥) المبسوط للسرخسي ١ : ١٩٣ ، المجموع ٤ : ٣٠٩ ، حلية العلماء ٢ : ١٨٧ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٥ ، المغني ٢ : ٤١ ، الشرح الكبير ٢ : ٧٧.

(٦) قال النووي في المجموع ٤ : ٣٠٩ : هذا حديث باطل لا أصل له وإنّما يروى عن عمر من رواية ليث بن أبي سليم عن تميم. ونقله عن عمر أيضاً السرخسي في المبسوط ١ : ١٩٣.

(٧) المجموع ٤ : ٣٠٧ ، فتح العزيز ٤ : ٣٥٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٨٧ ، مغني المحتاج ١ : ٢٥١، كفاية الأخيار ١ : ٨٦ ، المغني ٢ : ٤١ ، الشرح الكبير ٢ : ٧٧.


- وهو العموم - موجود ، والمانع - وهو عدم المشاهدة - منفي ؛ لوجودها.

ولأنّ الاستطراق ممكن والماء مانع من ذلك ، كما لو كان بينهما نار.

وقال أبو سعيد من الشافعية : بالمنع مع الانفصال مطلقاً ، لأنّ بينهما ماءً يمنع الاستطراق(١) .

وهو ممنوع ، فإنّ الماء لو نضب(٢) أمكن الاستطراق ، فالحاصل : أنّ الماء ليس بمانع عندنا ، خلافاً لأبي حنيفة(٣) .

الشرط الرابع : عدم الحيلولة بين الإِمام والمأموم الذكر‌ بما يمنع المشاهدة للإِمام أو المأموم سواء كان من جدران المسجد أو لا ، وسواء كانا في المسجد أو لا ، عند علمائنا ، لتعذّر الاقتداء.

ولأنّ المانع من المشاهدة مانع من اتّصال الصفوف ، بل هو في ذلك أبلغ من البُعْد.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « وأيّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة إمام وبينهم وبين الصفّ الذي يتقدّمهم قدر ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة ، فإن كان بينهم سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة إلّا من كان من حيال الباب »(٤) .

وقال أبو حنيفة : يجوز مطلقاً ، لأنه يمكنه الاقتداء بالإِمام فصحّ اقتداؤه به من غير مشاهدة كالأعمى(٥) .

ونمنع الإِمكان ، للخفاء ، بخلاف الأعمى القريب ، لعلمه بحال‌

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٧ ، المجموع ٤ : ٣٠٧ ، فتح العزيز ٤ : ٣٥٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٨٧.

(٢) نضب الماء : غار في الأرض وسفل. الصحاح ١ : ٢٢٦ « نضب ».

(٣) المبسوط للسرخسي ١ : ١٩٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٨٧ ، المغني ٢ : ٤١ ، الشرح الكبير ٢ : ٧٧.

(٤) الكافي ٣ : ٣٨٥ / ٤ ، الفقيه ١ : ٢٥٣ / ١١٤٤ ، التهذيب ٣ : ٥٢ / ١٨٢.

(٥) المبسوط للسرخسي ١ : ١٩٣ ، المجموع ٤ : ٣٠٩.


الإِمام.

وقال الشافعي : إن صلّيا في المسجد ، صحّت صلاة المأموم إذا علم بصلاة الإِمام ، سواء كان بينهما جدار حائل من مشاهدة الإِمام ومشاهدة مَنْ يشاهده ، أو لا ، لأنّ المسجد كلّه متصل حكماً وإن انفصل إلى بيوت ومساكن(١) .

ونمنع الاتّحاد للحائل فلم يجز ، كالخارج.

وإن صلّى المأموم خارج المسجد ، وحال بينهما حائطه ، فقولان : أصحّهما عنده : المنع من الائتمام ، لأنّه بني للفصل بينه وبين غيره. وإن كان الحائل حائط بيته ، مُنع من الائتمام(٢) .

وأيّ فرق بين كون الحائط للمسجد أو لغيره؟

فروع :

أ : الصلاة في المقاصير التي في الجوامع غير المخرَّمة باطلة‌ ، لقول الباقرعليه‌السلام : « هذه المقاصير لم تكن في زمن أحد من الناس ، وإنّما أحدثها الجبّارون ، ليس لمن صلّى خلفها مقتدياً بصلاة مَنْ فيها صلاة »(٣) .

وسوّغه الشافعي وأبو حنيفة(٤) .

ب : لو كان الحائل يمنع من الاستطراق دون المشاهدة ، كالشبابيك والحيطان المخرَّمة التي لا تمنع من مشاهدة الصفوف ، للشيخ قولان :

أحدهما : المنع(٥) ، لقول الباقرعليه‌السلام : « إن صلّى قوم وبينهم‌

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٧ ، المجموع ٤ : ٣٠٢ ، فتح العزيز ٤ : ٣٤٣ ، كفاية الأخيار ١ : ٨٥ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٨ ، رحمة الاُمة ١ : ٧٣.

(٢) المجموع ٤ : ٣٠٨ ، فتح العزيز ٤ : ٣٥٧ ، حلية العلماء ٢ : ١٨٤ ، مغني المحتاج ١ : ٢٥١.

(٣) الكافي ٣ : ٣٨٥ / ٤ ، التهذيب ٣ : ٥٢ / ١٨٢ ، والفقيه ١ : ٢٥٣ / ١١٤٤.

(٤) لم نجد قولهما فيما بين أيدينا من المصادر ، نعم نقله عن أبي حنيفة ، المحقق في المعتبر : ٢٣٨ - ٢٣٩ ، وراجع : المبسوط للسرخسي ١ : ١٩٣.

(٥) الخلاف ١ : ٥٥٨ ، المسألة ٣٠٥.


وبين الإِمام ما لا يتخطّى ، فليس ذلك الإِمام لهم بإمام »(١) .

والثاني : الجواز ، لأنّ القصد من التخطّي - وهو العلم بحال الإِمام - حاصل كالنهر(٢) . وهو حسن.

وللشافعي قولان(٣) .

ج : لو كان الحائل قصيراً يمنع حالة الجلوس خاصة من المشاهدة ، فالأقرب : الجواز.

د : لو وقف الإِمام في بيت وبابه مفتوح ، فوقف مأموم خارجاً بحذاء الباب بحيث يرى الإِمام أو بعض المأمومين ، صحّت صلاته.

وكذا إن صلّى قوم عن يمينه أو شماله أو من ورائه ، صحّت صلاتهم وإن لم يشاهدوا مَنْ في البيت ، لأنّهم يرون هذا وهو يرى الإِمام أو المأمومين في البيت.

فإن وقف بين يدي هذا الصف صف آخر عن يمين الباب أو شمالها لا يشاهدون من في المسجد ، لم تصح صلاتهم إذا لم يكونوا على سمت المحاذي للباب.

ه- : لو صلّى في داره وبابها مفتوح يرى منه الإِمام أو بعض المأمومين ، صحّت صلاته ، ولا يشترط اتّصال الصفوف به.

وللشافعي قولان(٤) .

و : لو صلّى بين الأساطين ، فإن اتّصلت الصفوف به أو شاهد الإِمام‌ أو‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٣٨٥ / ٤ ، التهذيب ٣ : ٥٢ / ١٨٢ ، والفقيه ١ : ٢٥٣ / ١١٤٤.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٥٦.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٧ ، المجموع ٤ : ٣٠٨ ، فتح العزيز ٤ : ٣٦٠ ، مغني المحتاج ١ : ٢٥١.

(٤) المجموع ٤ : ٣٠٨ ، فتح العزيز ٤ : ٣٦١ - ٣٦٢ ، كفاية الأخيار ١ : ٨٥ ، حلية العلماء ٢ : ١٨٤.


بعض المأمومين ، صحّت صلاته ، لقول الصادقعليه‌السلام : « لا أرى بالصفوف بين الأساطين بأساً»(١) .

ز : لو وقف الإِمام في المحراب الداخل في الحائط ، فإنّ صلاة مَنْ خلفه صحيحة ، لأنّهم يشاهدونه ، وكذا باقي الصفوف التي من وراء الصف الأول.

أمّا مَنْ على يمين الإِمام ويساره ، فإن حال بينهم وبين الإِمام حائل ، لم تصح صلاتهم ، وإلّا صحّت ، لقول الصادقعليه‌السلام : « لا بأس بوقوف الإِمام في المحراب »(٢) .

ح : يجوز أن تصلّي المرأة من وراء الجدار مقتديةً بالإِمام‌ وإن لم تشاهده ولا مَنْ يشاهده ، عند علمائنا ، لأنّ عمّاراً سأل الصادقعليه‌السلام ، عن الرجل يصلّي بالقوم وخلفه دار فيها نساء هل يصلّين خلفه؟ قال : « نعم » قلت : إنّ بينه وبينهنّ حائطاً أو طريقاً ، قال : « لا بأس »(٣) .

ولأنّ المرأة عورة ، والجماعة مطلوبة للشارع ، فتجمع بين الصيانة وطلب الفضيلة.

ولا فرق بين الحسناء الشابة والشوهاء العجوز. ولم يفرّق الجمهور بين الرجال والنساء في المنع والجواز.

ط : الماء ليس حائلاً - على ما بيّنّاه - مع المشاهدة وعدم البُعْد ، خلافاً لأبي الصلاح(٤) منّا ، ولأبي حنيفة(٥) .

____________________

(١) الكافي ٣ : ٣٨٦ / ٦ ، الفقيه ١ : ٢٥٣ / ١١٤١ ، التهذيب ٣ : ٥٢ / ١٨٠.

(٢) أورده المحقق في المعتبر : ٢٣٩ ، والذي يظهر من التهذيب ٣ : ٥٢ ذيل الحديث ١٨٠ : أنّ قوله : لا باس ، الى آخره من كلام الشيخ الطوسي ، فراجع.

(٣) التهذيب ٣ : ٥٣ / ١٨٣.

(٤) الكافي في الفقه : ١٤٤ - ١٤٥.

(٥) المبسوط للسرخسي ١ : ١٩٣ ، المجموع ٤ : ٣٠٩ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٥ ، المغني ٢ : ٤١ ، الشرح الكبير ٢ : ٧٧.


ي : لو وقف المأموم في بيت دار والإِمام في آخر‌ ، فإن كان عن يمينه أو يساره ، واتّصلت الصفوف به بتواصل المناكب ، أو بقيت فرجة لا تتّسع للواقف ، صحّت إذا كان الباب على سمت الإِمام أو صفّة.

وإن كان خلفه والباب مفتوح يشاهد منه الإِمام أو بعض المأمومين ، صحّ أيضاً ، وإلّا فلا.

الشرط الخامس : عدم علوّ الإِمام على موضع المأموم بالمعتدّ به‌ ، فلو صلّى الإِمام على موضع أرفع من موضع المأموم بما يُعتدّ به ، بطلت صلاة المأموم ، عند علمائنا ، سواء أراد تعليمهم أو لا ، لما رواه الجمهور أنّ عمّار ابن ياسر كان بالمدائن ، فاُقيمت الصلاة ، فتقدّم عمّار ، فقام على دكان والناس أسفل منه ، فتقدّم حذيفة فأخذ بيده حتى أنزله ، فلمـّا فرغ من صلاته ، قال له حذيفة : ألم تسمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يقول : ( إذا أمَّ الرجل القوم فلا يقومنَّ في مكان أرفع من مقامهم )؟ قال عمّار : فلذلك اتّبعتك حين أخذت على يدي(١) .

وأمّ حذيفة بالمدائن على دكان ، فأخذ عبد الله بن مسعود(٢) ، بقميصه فجبذه(٣) ، فلمـّا فرغ من صلاته قال : ألم تعلم أنّهم كانوا ينهون عن ذلك؟

قال : بلى ذكرت حين جبذتني(٤) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « إن كان الإِمام على شبه دكان أو على موضع أرفع من موضعهم ، لم تجز صلاتهم ، ولو كان أرفع منهم بقدر إصبع أو أكثر أو أقلّ إذا كان الارتفاع بقدر شبر ، وكان(٥) أرضاً

____________________

(١) سنن أبي داود ١ : ١٦٣ / ٥٩٨ ، سنن البيهقي ٣ : ١٠٩.

(٢) كذا في « ش ، م » وفي المصادر : أبو مسعود.

(٣) الجبذ لغة في الجذب. النهاية لابن الأثير ١ : ٢٣٥ « جبذ ».

(٤) سنن أبي داود ١ : ١٦٣ / ٥٩٧ ، سنن البيهقي ٣ : ١٠٨ ، وانظر المغني ٢ : ٤١ - ٤٢.

(٥) في الكافي : فإن كان. وفي التهذيب : فإن كانت. وفي الفقيه : وإن كانت.


مبسوطةً ، وكان في موضع منها ارتفاع ، فقام الإِمام في الموضع المرتفع ، وقام مَنْ خلفه أسفل منه، والأرض مبسوطة إلّا أنّهم في موضع منحدر ، قال : لا بأس »(١) .

ولأنّه يحتاج إلى معرفة حال إمامه في ركوعه وسجوده ، فيحتاج أن يرفع بصره إليه ليشاهده ، وهو منهي عنه في الصلاة.

وقال مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي : إنّه مكروه(٢) - وهو قول الشيخ في الخلاف(٣) - لحديث عمّار وحذيفة(٤) .

وهو يدلّ على المنع والنهي ، وظاهرهما : التحريم.

وقال الشافعي : اختار للإِمام الذي يُعلّم مَنْ خلفه أن يصلّي على الشي‌ء المرتفع فيراه مَنْ خلفه فيقتدون بركوعه ، لأنّ سهل بن سعد الساعدي قال : صلّى بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو على المنبر لمـّا صنع له ، فصعد عليه فاستقبل القبلة فكبّر ثم قرأ ثم ركع ثم نزل القهقري فسجد ثم صعد فقرأ ثم ركع ثم نزل القهقري فسجد ، فلمـّا فرغ من صلاته قال : ( إنّما فعلت ذلك لتأتمّوا بي وتعلموا صلاتي )(٥) (٦) .

ونمنع الحديث. سلّمنا ، لكن الظاهر أنّه كان على الدرجة السفلى لئلّا يحتاج إلى عمل كثير في الصعود والنزول ، فيكون ارتفاعاً يسيراً.

ولأنّه من خصائصه ، لأنّه فعل شيئاً ، ونهى عنه ، فيكون فعله له ونهيه لغيره ، ولهذا لا يستحب مثله لغير النبيعليه‌السلام .

____________________

(١) الكافي ٣ : ٣٨٦ / ٩ ، التهذيب ٣ : ٥٣ / ١٨٥ ، والفقيه ١ : ٢٥٣ - ٢٥٤ / ١١٤٦.

(٢) المدونة الكبرى ١ : ٨١ ، القوانين الفقهية : ٧٠ ، المبسوط للسرخسي ١ : ٣٩ ، المغني ٢ : ٤١ ، الشرح الكبير ٢ : ٧٨.

(٣) الخلاف ١ : ٥٥٦ ، المسألة ٣٠١.

(٤) تقدّما قريباً.

(٥) الاُم ١ : ١٧٢ ، المجموع ٤ : ٢٩٥ ، المغني ٢ : ٤١ ، الشرح الكبير ٢ : ٧٨.

(٦) صحيح مسلم ١ : ٣٨٦ / ٥٤٤ ، مسند أحمد ٥ : ٣٣٩ ، سنن البيهقي ٣ : ١٠٨.


ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يتم الصلاة على المنبر ، فإنّ سجوده وجلوسه إنّما كان على الأرض ، بخلاف ما وقع فيه الخلاف ، أو أنّهعليه‌السلام علّم الصلاة ، ولم يقتدوا به.

وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة كراهيته إذا كان ارتفاعه يجاوز القامة(١) .

فروع :

أ : لو صلّى الإِمام على سطح والمأموم على آخر وبينهما طريق ، صحّ‌ مع عدم التباعد وعلوّ سطح الإِمام.

ب : لو صلّى المأموم على الموضع المنخفض بالمعتدّ به ، بطلت صلاته‌ - وبه قال الأوزاعي(٢) - لأنّ النهي يقتضي الفساد.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « لم تجز صلاتهم »(٣) .

وقال أصحاب الرأي : لا تبطل ، لأنّ عماراً أتمّ صلاته(٤) ، ولو كانت فاسدةً ، استأنفها(٥) .

ويحمل على الجذب قبل التحريم.

ج : لو كان مع الإِمام مَنْ هو مساوٍ وأعلى وأسفل ، اختص التحريم بالأسفل ، لوجود المعنى فيه دون غيره.

د : لا تبطل صلاة الإِمام لو صلّى على المرتفع ، بل يختص البطلان بالأسفل‌ ، لاختصاص النهي بالأسفل.

وقال بعض الجمهور : تبطل صلاة الإِمام ، لأنّه منهي عن القيام في‌

____________________

(١) حلية العلماء ٢ : ١٨٣.

(٢) المغني ٢ : ٤٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٧٩ ، المجموع ٤ : ٢٩٥.

(٣) الكافي ٣ : ٣٨٦ / ٩ ، الفقيه ١ : ٢٥٣ - ٢٥٤ / ١١٤٦ ، التهذيب ٣ : ٥٣ / ١٨٥.

(٤) سنن أبي داود ١ : ١٦٣ / ٥٩٨.

(٥) المغني ٢ : ٤٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٧٩.


مكان أعلى من مقامهم(١) .

ونمنع توجّه النهي إلى الإِمام ، بل إلى المأموم خاصة.

ه- : لو كان العلوّ يسيراً ، جاز‌ إجماعاً ، وهل يتقدّر بشبر أو بما لا يتخطّى؟ الأقرب : الثاني.

و : لو كان المأموم أعلى من الإِمام ، صحّت صلاته‌ وإن كان على شاهق وإن كان خارج المسجد أو كانت الصلاة جمعةً ، عند علمائنا أجمع - وبه قال أحمد وأصحاب الرأي(٢) - لقول الصادقعليه‌السلام : « إن كان الإِمام أسفل من موضع المأموم فلا بأس ».

وقالعليه‌السلام : « لو كان رجل فوق بيت أو غير ذلك والإِمام على الأرض جاز أن يصلّي خلفه ويقتدي به »(٣) .

وللأصل مع عدم النهي وما في معناه.

وقال الشافعي : إذا صلّى في سطح داره بصلاة الإِمام في المسجد ، لم تصح ، لأنّها بائنة من المسجد ، وليس بينهما قرار يمكن اتّصال الصفوف فيه ، وإن كان السطح في المسجد وصلّى بإمام في صحنه ، صحّت صلاته(٤) .

وقال مالك : إذا صلّى الجمعة فوق سطح المسجد ، أعاد(٥) .

وليس بجيّد ، لعدم دليل التخصيص.

الشرط السادس : نية الاقتداء ، بإجماع العلماء ، إذ ليس للمرء من عمله إلّا ما نواه.

____________________

(١) المغني ٢ : ٤٢ ، والشرح الكبير ٢ : ٧٩.

(٢) المغني ٢ : ٣٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٧٩ ، الإِنصاف ٢ : ٢٩٨.

(٣) الكافي ٣ : ٣٨٦ / ٩ ، الفقيه ١ : ٢٥٣ / ١١٤٦ ، التهذيب ٣ : ٥٣ / ١٨٥.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٧ ، المجموع ٤ : ٣٠٢ و ٣٠٨ ، فتح العزيز ٤ : ٣٤٣ - ٣٤٤ و ٣٦١ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٥ ، المغني ٢ : ٣٩ والشرح الكبير ٢ : ٧٩.

(٥) المدونة الكبرى ١ : ١٥١ ، الشرح الصغير ١ : ٦١ و ١٧٩ ، القوانين الفقهية : ٧٩ ، المغني ٢ : ٣٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٧٩.


ولا تكفي نيّة الجماعة ، لاشتراكها بين الإِمام والمأموم ، فليس في نية الجماعة المطلقة نيّة الاقتداء وربط الفعل بفعل الغير.

ولأنّ المأموم تسقط عنه القراءة الواجبة على المنفرد ، فلا بدّ من نية الائتمام ، ليسقط عنه وجوب القراءة.

فإن لم ينو الاقتداء ، انعقدت صلاته منفرداً ، فإن ترك القراءة ، بطلت صلاته ، وإن قرأ معتقداً عدم الوجوب فكذلك ، وإلّا صحّت ، سواء تابعه في أفعاله أو لا ، لأنّه ليس فيه إلّا أنّه قرن فعله بفعل غيره ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.

وأصحّهما : البطلان ، لأنّه وقّف صلاته على صلاة الغير لا لاكتساب فضيلة الجماعة ، وفيه ما يبطل الخشوع ويشغل القلب(١) .

ونمنع اقتضاء ذلك البطلان.

نعم لو طال الانتظار من غير عذر ، فالوجه : البطلان.

ولو اتّفق انقضاء أفعاله مع أفعال الغير ، فليس متابعة ، ولا تبطل به الصلاة إجماعاً.

ولو شك في نيّة الاقتداء خلال الصلاة ، فهو كما لو شك في أصل النيّة ، وقد بيّنّا البطلان إن كان المحلّ باقياً ، وعدم الالتفات إن كان قد انتقل.

مسألة ٥٥٤ : يجب تعيين الإِمام في نيّته إمّا باسمه أو بوصفه‌ ولو بكونه الإِمام الحاضر ؛ ليمكن متابعته.

ولو عيّن بغير وصف كونه الإِمام الحاضر فأخطأ ، بطلت صلاته ، لأنّه لم ينو الاقتداء بهذا المصلّي ، وما نواه لم يقع له ، لعدم إمكانه ، فبطلت صلاته.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٢٠٠ - ٢٠١ ، فتح العزيز ٤ : ٣٦٣.


وكذا البحث لو عيّن الميت في صلاة الجنازة وأخطأ ، فإنّه يجب عليه إعادة الصلاة عليه.

ولو كان بين يديه اثنان يصلّيان ، فنوى الائتمام بأحدهما لا بعينه ، لم تصحّ ، لعدم إمكان متابعتهما على تقدير الاختلاف ، وعدم أولويّة أحدهما.

ولو نوى الائتمام بهما معاً ، لم تصح ، للاختلاف ، فلا يمكن متابعتهما.

ولو نوى الاقتداء بالمأموم لم تصحّ صلاته إجماعاً ، لأنّه لا يجوز أن يكون إماماً وهو مأموم.

ولا فرق بين أن يكون عالماً أو جاهلاً للحكم أو للوصف.

فلو خالف المأموم سنّة الموقف ، فوقف على يسار الإِمام ، فنوى الداخل الاقتداء بالمأموم ظنّاً أنّه الإِمام ، لم تصح صلاته - وبه قال الشافعي(١) - لأنّه لا يجوز أن يكون إماماً وهو مأموم بحال ، فلم يعف عن الخطأ في ذلك.

مسألة ٥٥٥ : لا تشترط نية الإِمامة ، فلو صلّى منفرداً فدخل قوم وصلّوا بنية الاقتداء به ، صحّت صلاتهم‌ وإن لم يجدّد نية الإِمامة.

وكذا لو صلّى بنية الانفراد مع علمه بأنّ مَنْ خلفه يأتمّ به ، عند علمائنا ، وبه قال الشافعي ومالك والأوزاعي ، واختاره ابن المنذر ، وبه قال أبو حنيفة أيضاً ، إلّا إذا أمّ النساء فإنه شرط نيّة الإِمامة لهنّ(٢) .

لرواية أنس أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يصلّي في رمضان قال :

____________________

(١) المجموع ٤ : ٢٠٢.

(٢) المجموع ٤ : ٢٠٢ و ٢٠٣ ، فتح العزيز ٤ : ٣٦٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٥٧ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٣ ، مغني المحتاج ١ : ٢٥٣ ، كفاية الأخيار ١ : ٨١ ، المدونة الكبرى ١ : ٨٦ ، بلغة السالك ١ : ١٦١ ، المبسوط للسرخسي ١ : ١٨٥ ، بدائع الصنائع ١ : ١٢٨ ، ولم نعثر على قول الأوزاعي وابن المنذر بحدود المصادر المتوفرة لدينا.


فجئت فقُمْت إلى جنبه ، وجاء رجل فقام إلى جنبي حتى كنّا رهطاً ، فلمـّا أحسّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّا خلفه جعل يتجوّز(١) في الصلاة ، فقلنا له حين فرغ : أفطنت بنا الليلة؟ فقال : ( نعم ذاك الذي حملني على الذي صنعت )(٢) .

ولأن أفعال الإِمام مساوية لأفعال المنفرد ، فلا تعتبر نيّة الإِمامة ، لعدم الاختلاف في الهيئات والأحكام.

وقال الثوري وأحمد وإسحاق : تشترط نية الإِمامة ، فإن لم ينو الإِمام الإِمامة ، بطلت صلاة المأمومين(٣) ، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( الأئمة ضمناء )(٤) ولا يضمن إلّا بعد العلم.

ونمنع اشتراط العلم في الضمان ، ولِمَ لا تكفي في ثبوت هذا الضمان نيّة المأموم؟ إذ الإِمام إنّما يتحمّل القراءة والسهو ، فهو ضامن لذلك.

فروع :

أ : لو صلّى اثنان ونوى كلٌّ منهما أنّه إمام لصاحبه ، صحّت صلاتهما‌ - وبه قال الشافعي(٥) - لأنّ كلّاً منهما احتاط لصلاته بما يجب على المنفرد ، فلم تلزمه الإِعادة ، ونيّة الإِمامة ليست منافية لصلاة المنفرد ، فلم تقدح في الصلاة.

ولقول عليعليه‌السلام : « صلاتهما تامة »(٦) .

____________________

(١) تجوّز : خفّف. الصحاح ٣ : ٨٧١ ، النهاية لابن الأثير ١ : ٣١٥ « جوز ».

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٧٧٥ / ١١٠٤.

(٣) المغني ٢ : ٦٠ ، الانصاف ٢ : ٢٧ ، المجموع ٤ : ٢٠٣ ، فتح العزيز ٤ : ٣٦٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٥٧ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٣.

(٤) سنن البيهقي ١ : ٤٣٠ ، كنز العمّال ٧ : ٦٨٦ / ٢٠٩١٩.

(٥) الاُم ١ : ١٧٧ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠١ ، المجموع ٤ : ٢٠١ ، فتح العزيز ٤ : ٣١٧ ، مغني المحتاج ١ : ٢٣٨.

(٦) الكافي ٣ : ٣٧٥ / ٣ ، الفقيه ١ : ٢٥٠ / ١١٢٣ ، التهذيب ٣ : ٥٤ / ١٨٦.


وقال أحمد : لا تصح ، لأنّه نوى الإِمامة ولا مأموم(١) .

ونمنع اقتضاءه البطلان.

ب : لو نوى كلّ منهما أنّه مأموم لصاحبه ، بطلت صلاتهما‌ إجماعاً.

ولأنّهما قد أخلّا بشرط الصلاة ، وهو : وجوب القراءة.

ولقول عليعليه‌السلام ، وقد سئل في رجلين اختلفا - إلى أن قال - فإن قال كلّ واحد منهما : كنت أئتمّ بك؟ قال : « صلاتهما فاسدة ليستأنفا »(٢) .

ج : لو قال كلٌّ منهما : لم أدر نويت الإِمامة أو الائتمام بعد الفراغ من الصلاة ، احتمل أن يعيدا‌ ، لأنّه لم يحصل الاحتياط في أفعال الصلاة بيقين.

والصحة ، لأنّه شك في شي‌ء بعد الفراغ منه.

أما لو شكّا في أثناء الصلاة أيّهما الإِمام ، بطلت صلاتهما ، لأنّهما لا يمكنهما المضيّ في الصلاة ، وأن يقتدي أحدهما بالآخر.

د : لو صلّى بصلاة مَنْ سبقه منفرداً بركعة فما زاد صحّ ائتمامه في الفرض والنفل‌ - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّ نية الإِمامة ليست شرطاً.

ولأنّ جابراً وجبّاراً دخلا المسجد وقد أحرمعليه‌السلام وحده ، فأحرما معه في الفرض(٤) ، ولم ينكر عليهما.

وقال أحمد : تصح في النفل ، وفي الفرض روايتان(٥) .

ه- : لو عيّن الإِمامُ إمامةَ معيّنٍ فأخطأ ، لم يضر‌ ، لأنّ أصل النية غير واجب عليه ، والخطأ لا يزيد على الترك من الأصل.

و : لو لم ينو الإِمام الإِمامة ، صحّت صلاته‌ كما قلنا ، وبه قال‌

____________________

(١) المغني ٢ : ٦٠ ، الانصاف ٢ : ٢٨.

(٢) الكافي ٣ : ٣٧٥ / ٣ ، الفقيه ١ : ٢٥٠ / ١١٢٣ ، التهذيب ٣ : ٥٤ / ١٨٦.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٠١ ، المجموع ٤ : ٢٠٩.

(٤) سنن أبي داود ١ : ١٧١ / ٦٣٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٩٥.

(٥) المغني ٢ : ٦١ - ٦٢ ، الانصاف ٢ : ٢٩ - ٣٠.


الشافعي(١) .

وهل ينال فضيلة الجماعة؟ الأقرب ذلك ، لحصولها من دون نيته.

وأصحّ وجهي الشافعية : العدم(٢) .

ز : لو لم يَنْو الإِمامة في الجمعة ، احتمل بطلان صلاته‌ ، لأنّها لا تقع إلّا جماعة ، ولا تكفي نيّة الجمعة المستلزمة لنيّة مطلق الجماعة ، لاشتراكها بين الإِمام والمأموم. والصحة ، إذ لا يجب التعرّض للشرائط في النية.

مسألة ٥٥٦ : لو أحرم منفرداً ثم نوى الائتمام ، قال الشيخ : يجوز ذلك(٣) .

وهو أحد قولي الشافعي والمزني وأحمد في رواية(٤) .

واستدلّ الشيخ عليه : بإجماع الفرقة ، والأخبار المرويّة عن الأئمةعليهم‌السلام . وبانتفاء المانع من الصحّة فيبقى الأصل سالماً. ولأنّه يصح النقل من الانفراد إلى الإِمامة للحاجة ، فجاز إلى الائتمام طلباً للثواب.

وقال مالك وأبو حنيفة : لا يجوز. وهو قول للشافعي(٥) ، لقولهعليه‌السلام : ( إذا كبّر الإِمام فكبّروا )(٦) .

ولأنّ هذا كان جائزاً في ابتداء الإِسلام أن يصلّي المسبوق ما فاته ثم يدخل مع الإِمام ، فنُسخ ، فلا يجوز فعله.

والحديث متوجّه إلى المأموم ، ونحن نقول بموجبه بعد الائتمام ،

____________________

(١) المجموع ٤ : ٢٠٢ و ٢٠٣ ، فتح العزيز ٤ : ٣٦٦ ، مغني المحتاج ١ : ٢٥٣.

(٢) المجموع ٤ : ٢٠٣ ، فتح العزيز ٤ : ٣٦٧ ، مغني المحتاج ١ : ٢٥٣.

(٣) الخلاف ١ : ٥٥٢ ، المسألة ٢٩٣.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١٠١ ، المجموع ٤ : ٢٠٩ ، فتح العزيز ٤ : ٤٠٨ ، حلية العلماء ٢ : ١٥٧. مختصر المزني : ٢٣ ، مغني المحتاج ١ : ٢٦٠ ، المغني ٢ : ٦٢.

(٥) المدونة الكبرى ١ : ٨٧ ، الشرح الصغير ١ : ١٦١ ، القوانين الفقهية : ٦٩ - ٧٠ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠١ ، المجموع ٤ : ٢٠٩ ، فتح العزيز ٤ : ٤٠٧ ، حلية العلماء ٢ : ١٥٨.

(٦) صحيح مسلم ١ : ٣٠٨ / ٤١١ و ٣١٠ / ٤١٤ و ٤١٥ و ٣١١ / ٤١٧ ، سنن النسائي ٢ : ٩٧ ، سنن الترمذي ٢ : ١٩٤ / ٣٦١ ، سنن البيهقي ٢ : ١٨.


والفرق بين قضاء المسبوق ودخول المنفرد ظاهر.

وليس هذا القول عندي بعيداً من الصواب ، لورود نقل النية إلى النفل وإبطال الفرض مع إمام الأصل ، والنقل(١) أولى منهما.

وللشافعي قول ثالث : المنع إن خالف الترتيب بأن يدخل معه بعد صلاة ركعة ، والجواز إن دخل مع الإِمام قبل أن يركع في الْاُولى(٢) .

ولا دليل على التفصيل مع أصالة الجواز ، ووروده في المسبوق.

إذا عرفت هذا ، فإن كان قد سبقه بركعة ، فإذا قام الإِمام إلى الرابعة لم يتابعه ، ولكن يجلس ويتشهّد ، ثم إن شاء سلّم بنيّة المفارقة ، وإن شاء طوّل في الدعاء حتى يجلس الإِمام ويسلّم معه.

إذا ثبت هذا ، فإنّه يجوز أن يحرم مأموماً ثم يصير إماماً في موضع الاستخلاف ، أو إذا نوى مفارقة الإِمام ثم ائتمّ به غيره ، وكذا لو نقل نيّته(٣) إلى الائتمام بإمام آخر.

ولو أدرك نفسان بعض الصلاة ، أو ائتمّ بالمسافر مقيمان ، فسلّم الإِمام ، جاز أن يأتمّ أحدهما بصاحبه ، ولأحمد وجهان(٤) .

ولو نوى الإِمام الائتمام بغيره لم تصح ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وفي الثانية : الجواز(٥) ، لقصّة أبي بكر(٦) . وهي عندنا باطلة.

مسألة ٥٥٧ : يجوز للمأموم أن ينقل نيته من الائتمام إلى الانفراد لعذر‌

____________________

(١) أي : نقل النية إلى الائتمام.

(٢) المجموع ٤ : ٢٠٩ ، فتح العزيز ٤ : ٤٠٩.

(٣) في نسخة « ش » : نفسه.

(٤) المغني ٢ : ٦٤ ، الانصاف ٢ : ٣٦.

(٥) المغني ٢ : ٦٤ ، الانصاف ٢ : ٣٧.

(٦) صحيح مسلم ١ : ٣١١ / ٤١٨ ، سنن الترمذي ٢ : ١٩٧ / ٣٦٢ ، سنن البيهقي ٣ : ٨٠.


كان أو لغيره ، عند علمائنا - وهو أحد قولي الشافعي(١) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّى بطائفة يوم ذات الرقاع ركعة ، ثم خرجت من صلاته وأتمّت منفردةً(٢) .

وروى جابر قال : كان معاذ يصلّي مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، العشاء ، ثم يرجع إلى قومه فيؤمّهم ، فأخّر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلاة العشاء ، فصلّى معه ، ثم رجع إلى قومه ، فقرأ سورة البقرة ، فتأخّر رجل ، فصلّى معه وحده ، فقيل له : نافقت يا فلان ، فقال : ما نافقت ولكن لآتينّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأخبره ، فأتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فذكر ذلك له ، فقال له : ( أفتّانٌ أنت يا معاذ؟ أفتّانٌ أنت يا معاذ؟ ) مرّتين ، ( إقرأ سورة كذا وسورة كذا ) قال : وسورة ذات البروج ، والليل إذا يغشى ، والسماء والطارق ، وهل أتاك حديث الغاشية(٣) . ولم ينكره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام ، في الرجل صلّى خلف إمام فسلّم قبل الإِمام ، قال : « ليس بذلك بأس »(٤) .

وعن الرضاعليه‌السلام في الرجل يكون خلف الإِمام فيطيل التشهد فيأخذه البول(٥) ، أو يخاف على شي‌ء أو مرض كيف يصنع؟ قال : « يسلّم وينصرف ويدع الإِمام »(٦) .

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٤ ، المجموع ٤ : ٢٤٦ ، فتح العزيز ٤ : ٤٠٢ - ٤٠٣ ، مغني المحتاج ١ : ٢٥٩.

(٢) صحيح البخاري ٥ : ١٤٥ ، صحيح مسلم ١ : ٥٧٥ / ٨٤٢ ، سنن أبي داود ٢ : ١٣ / ١٢٣٨ ، الموطأ ١ : ١٨٣ / ١ ، سنن النسائي ٣ : ١٧١.

(٣) صحيح مسلم ١ : ٣٣٩ / ٤٦٥ ، سنن أبي داود ١ : ٢١٠ / ٧٩٠ ، سنن الدارمي ١ : ٢٩٧ ، سنن النسائي ٢ : ١٧٢ - ١٧٣ ، سنن البيهقي ٢ : ٣٩٢ - ٣٩٣.

(٤) التهذيب ٣ : ٥٥ / ١٨٩.

(٥) في « ش » والطبعة الحجرية بدل « البول » : « المـُرّة ».

(٦) المعتبر : ٢٤٦. وفي الفقيه ١ : ٢٦١ / ١١٩١ ، وقرب الإِسناد : ٩٥ ، والتهذيب ٣ : ٢٨٣ / ٨٤٢ عن الإِمام موسى بن جعفرعليهما‌السلام .


ولأنّ الجماعة ليست واجبة ابتداءً فكذا استدامةً.

ولأنّه استفاد بصلاة الإِمام فضيلة صلاته ، فيترك بالخروج الفضيلة دون الصحّة.

وقال الشافعي في الآخر : إن ترك لعذر ، جاز ، وإن كان لغيره ، لم يجز. وبه قال أحمد في رواية(١) .

والعذر : المشقّة بتطويل الإِمام ، أو المرض ، أو خوف غلبة النعاس ، أو شي‌ء يفسد صلاته ، أو خوف فوت مال أو تلفه أو فوت رفيقه.

وقال أبو حنيفة ومالك : تبطل صلاته ، سواء كان لعذر أو لا(٢) ، لقولهعليه‌السلام : ( إنّما جُعل الإِمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه )(٣) .

ونحن نقول بموجبه ما دام في المتابعة.

فروع :

أ : لو نوى الانفراد قبل شروع الإِمام في القراءة ، قرأ هو. ولو كان الإِمام قد قرأ وفرغ ، ركع ولم يقرأ. ولو كان قد فرغ من قراءة الفاتحة ، فالوجه : الاجتزاء بها عنها ، فيقرأ السورة. ولو كان في أثناء الحمد ، فالوجه : الابتداء بها ، مع احتمال القراءة من موضع المفارقة ، والبطلان. وكذا لو كان في أثناء السورة.

ب : لو كان يصلّي مع جماعة فحضرت طائفة أخرى يصلّون جماعة ، فأخرج نفسه عن متابعة إمامه ووصل صلاته بصلاة الإِمام الآخر ، فالوجه : الجواز‌ ، لما تقدّم. والخلاف فيه كما سبق.

ج : لو أراد أن يصل صلاته بصلاة الجماعة ، وجب نية الاقتداء. ولو‌

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٤ ، المجموع ٤ : ٢٤٦ ، الوجيز ١ : ٥٨ ، فتح العزيز ٤ : ٤٠٤ ، مغني المحتاج ١ : ٢٥٩ ، المغني ٢ : ٦٣ ، الانصاف ٢ : ٣١.

(٢) الشرح الصغير ١ : ١٦١ ، المجموع ٤ : ٢٤٧ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٧.

(٣) صحيح مسلم ١ : ٣٠٩ - ٣١٠ / ٤١٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٧٩ ، مسند أحمد ٢ : ٣١٤.


أحدث الإِمام فاستخلف غيره ، لم يحتج المأموم إلى نيّة الاقتداء بالخليفة ، لوجود نية الاقتداء في الابتداء ، والخليفة نائبه ، فيمضي على نظم صلاته ، ويكتفي بالنية السابقة على إشكال.

الشرط السابع : توافق نظم الصلاتين في الأركان والأفعال‌ ، فلا تصح مع الاختلاف ، كاليومية مع صلاة الجنازة أو الخسوف أو العيد - وبه قال أحمد والشافعي في أحد القولين(١) - للنهي عن المخالفة ، ولا تجوز المتابعة ، لخروج صلاة المأموم عن هيئتها.

والثاني للشافعي : الجواز ، لأنّ القصد اكتساب فضيلة الجماعة(٢) .

ولم ينقل عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ذلك ، وقال : ( صلّوا كما رأيتموني اُصلّي )(٣) .

وعلى قوله : يراعي كلّ واحد واجبات صلاته ، فإذا اقتدى في الفريضة بصلاة الجنازة ، لا يتابعه في الأذكار بين التكبيرات ولا فيها ، بل إذا كبّر الإِمام الثانية ، أخرج نفسه عن المتابعة ، أو انتظر سلامه.

وإذا اقتدى بمن يصلّي الخسوف ، تابعه في الركوع الأول ، ثم إن شاء رفع رأسه وفارقه وإن شاء انتظره في الركوع إلى أن يعود الإِمام إليه(٤) .

والوجه : المنع من ذلك كلّه.

مسألة ٥٥٨ : لا يشترط اتّحاد الصلاتين نوعاً ولا صنفاً ، فللمفترض أن يصلّي خلف المتنفّل وبالعكس ، ومَنْ يصلّي الظهر خلف مَنْ يصلّي البواقي وبالعكس ، سواء اختلف العدد أو اتّفق ، عند علمائنا - وبه قال عطاء وطاوس‌

____________________

(١) المغني ٢ : ٥٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٦١ ، المجموع ٤ : ٢٧٠ ، فتح العزيز ٤ : ٣٧٠ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٦.

(٢) المجموع ٤ : ٢٧٠ - ٢٧١ ، فتح العزيز ٤ : ٣٧٠ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٧.

(٣) صحيح البخاري ١ : ١٦٢ - ١٦٣ ، سنن الدارمي ١ : ٢٨٦ ، مسند أحمد ٥ : ٥٣ ، سنن الدار قطني ١ : ٣٤٦ / ١٠ ، سنن البيهقي ٢ : ٣٤٥.

(٤) المجموع ٤ : ٢٧٠ ، فتح العزيز ٤ : ٣٧٠ - ٣٧١.


والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأحمد في إحدى الروايتين ، واختاره ابن المنذر والحميدي(١) - لأنّ معاذاً كان يصلّي مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، العشاء ، ثم يرجع فيصلّيها بقومه في بني سلمة ، هي له تطوّع ولهم مكتوبة(٢) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « أجزأت عنه وأجزأت عنهم » في رجل أمَّ قوماً فصلّى العصر وهي لهم ظهر(٣) .

وكتب محمد بن إسماعيل بن بزيع إلى الرضاعليه‌السلام : إنّي أحضر المساجد مع جيرتي فيأمروني بهم وقد صلّيت قبل أن آتيهم ، وربّما صلّى خلفي مَنْ يقتدي بصلاتي والمستضعف والجاهل ، وأكره أن أتقدّم وقد صلّيت لحال مَنْ يصلّي بصلاتي ممّن سمّيت لك ، فأمُرْني في ذلك بأمرك أنتهي إليه ، وأعمل به إن شاء الله ، فكتب : « صلّ بهم »(٤) .

ولأنّهما صلاتان متّفقتان في الأفعال الظاهرة تصحان جماعةً وفرادى ، فجاز أن يكون الإِمام في إحداهما ، والمأموم في الْاُخرى ، كالمتنفّل خلف المفترض.

وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الْاُخرى : لا يصلّي مفترض خلف متنفّل ، ولا مفترض في غير فرض الإِمام ، ويصلّي المتنفّل خلف المفترض - وبه قال الزهري وربيعة - لقولهعليه‌السلام : ( إنّما جُعل الإِمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه )(٥) .

وأنّ صلاة المأمومين لا تتأدّى بنية الإِمام ، فأشبه الجمعة خلف مَنْ يصلّي‌

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٥ ، المجموع ٤ : ٢٦٩ - ٢٧١ ، الوجيز ١ : ٥٧ ، فتح العزيز ٤ : ٣٧٢ ، المغني ٢ : ٥٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٩ - ٦٠ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٦.

(٢) صحيح مسلم ١ : ٣٣٩ / ١٧٨ و ٣٤٠ / ١٨٠ و ١٨١ ، سنن أبي داود ١ : ١٦٣ / ٥٩٩ و ٦٠٠ و ٢١٠ / ٧٩٠.

(٣) التهذيب ٣ : ٤٩ / ١٧٢ ، الاستبصار ١ : ٤٣٩ / ١٦٩١.

(٤) الكافي ٣ : ٣٨٠ / ٥ ، التهذيب ٣ : ٥٠ / ١٧٤.

(٥) صحيح مسلم ١ : ٣٠٩ - ٣١٠ / ٤١٤ ، سنن البيهقي ٣ : ٧٩ ، مسند أحمد ٢ : ٤١٤.


الظهر(١) .

والمراد بالخبر : الأفعال الظاهرة ، ويدلّ عليه قوله : ( فإذا كبَّر فكبِّروا )(٢) إلى آخره.

والقياس منقوض بمن يصلّي ركعتي الفجر خلف المفترض.

والجمعة لا تصح خلف مَنْ يصلّي الظهر ، لأنّ الإِمام شرط في صحتها ، بخلاف سائر الجماعات إن منعنا في الجمعة.

على أنّ الفرق أنّ الجمعة من حضرها وجبت عليه ، فلا تجزئه الظهر مع وجوب الجمعة.

وينتقض بمن صلّى خلف الإِمام وقد رفع رأسه من الركعة الأخيرة ، فإنّه ينوي الظهر ويأتم به ، لا الجمعة.

فروع :

أ : هل يصح أن يصلّي خلف المتنفّل بها‌ ، كالمعذور إذا قدّم ظُهْرَه ، أو خلف مفترض بغيرها ، مثل أن يصلّي صبحاً قضاءً ، أو ركعتين منذورة؟

الأقرب : المنع.

ب : الأقرب عندي : منع اقتداء المفترض بالمتنفّل ، إلّا في صورة النصّ ، وهو : ما إذا قدّم فرضه.

ج : هل يصح أن يصلّي المتنفّل خلف مثله؟ الوجه : المنع ، إلّا في مواضع الاستثناء ، كالعيدين المندوبين والاستسقاء.

د : لو كانت صلاة المأموم ناقصة العدد ، تخيّر‌ مع فراغها بين التسليم‌

____________________

(١) اللباب ١ : ٨٢ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٥٨ ، شرح العناية ١ : ٣٢٣ ، الشرح الصغير ١ : ١٥٤ و ١٦٢ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٤٧ ، القوانين الفقهية : ٧٠ ، المغني ٢ : ٥٢ - ٥٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٩ - ٦٠ ، المحرر في الفقه ١ : ١٠١ ، الانصاف ٢ : ٢٧٦ ، المجموع ٤ : ٢٧١ ، فتح العزيز ٤ : ٣٦٥ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٦.

(٢) راجع : المصادر في الهامش (٥) من ص ٢٧٣.


وينوي مفارقة الإِمام ، وبين الصبر إلى أن يفرغ الإِمام فيسلّم معه ، ولا يجوز له المتابعة في أفعاله ، لئلّا يزيد في عدد صلاته.

ولو انعكس الحال ، صلّى مع الإِمام ، وتخيّر عند قعود الإِمام للتشهّد بين المفارقة ، فيتمّ قبل سلامه ، وبين الصبر إلى أن يسلّم الإِمام ، فيقوم ويأتي بما بقي عليه.

ه- : لو قام الإِمام إلى الخامسة سهواً ، لم يكن للمسبوق الائتمام فيها.

و : يستحب للمنفرد إعادة صلاته مع الجماعة إماماً ، أو مأموماً.

وهل يجوز فيهما معاً؟ الأقرب : ذلك في صورة واحدة ، وهي : ما إذا صلّى إمام متنفّل بصلاته بقوم مفترضين ، وجاء مَنْ صلّى فرضه ، فدخل معهم متنفّلاً ، أمّا لو خلت الصلاة عن مفترض ، فإشكال.

مسألة ٥٥٩ : استحباب إعادة الصلاة للمنفرد عام في جميع الصلوات اليومية‌ في أيّ وقت اتّفق ، عند علمائنا ، لقولهعليه‌السلام لبعض أصحابه : ( إذا جئت فصلّ مع الناس وإن كنت قد صلّيت )(١) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام ، في الرجل يصلّي الفريضة ثم يجد قوماً يصلّون جماعة ، أيجوز أن يعيد الصلاة معهم؟ قال : « نعم وهو أفضل » قلت : فإن لم يفعل؟ قال : « ليس به بأس »(٢) .

وقال الشافعي : يشترط أن تقام وهو في المسجد ، ويدخل وهم يصلّون. وقال : يعيد إن صلّى وحده إلّا المغرب(٣) .

وهو تقييد لا وجه له.

وقال أبو حنيفة : لا تعاد الفجر ولا العصر ، لأنّها نافلة ، فلا تفعل في‌

____________________

(١) سنن النسائي ٢ : ١١٢ ، سنن الدار قطني ١ : ٤١٥ / ١.

(٢) التهذيب ٣ : ٥٠ / ١٧٥.

(٣) المجموع ٤ : ٢٢٣ ، فتح العزيز ٤ : ٣٠٠ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٠ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٤.


وقت النهي ، ولا تعاد المغرب ، لأنّ التطوع لا يكون بوتر(١) .

والنهي عام ، وما ذكرناه خاص ، فتقدّم ، ولأنّها ذات سبب هو الاجتماع ، والتنفّل بالوتر ثبت في الوتر.

تتمة : الأذان والإِقامة ليسا شرطاً في الجماعة ، خلافاً للشيخين(٢) ، وقد سلف(٣) .

المطلب الثالث : في صفات الإِمام‌

مسألة ٥٦٠ : العقل شرط في الإِمام‌ بإجماع العلماء ، فلا تصح الصلاة خلف المجنون المطبق ، ولا مَنْ يعتوره حالَ جنونه ، لأنّ صلاته لنفسه باطلة.

ولو كان الجنون يعتوره أدواراً ، صحّت الصلاة خلفه حال إفاقته ، لحصول الشرائط فيه ، لكن يكره ، لإِمكان أن يكون قد احتلم حال جنونه ولا يعلم ، ولئلّا يعرض الجنون في الأثناء.

وكذا لا تصح إمامة الصبي غير المميّز إجماعاً ، لعدم تفطّنه بما ينبغي فعله.

مسألة ٥٦١ : وهل يشترط البلوغ؟ لعلمائنا قولان ، أحدهما : أنّه شرط(٤) ، فلا تصح إمامة الصبيّ وإن كان مميزاً مراهقاً في الفريضة - وبه قال ابن مسعود وابن عباس وعطاء ومجاهد والشعبي ومالك والثوري والأوزاعي‌

____________________

(١) الهداية للمرغيناني ١ : ٥٨ ، الكفاية ١ : ٤١٤ ، الجامع الصغير للشيباني : ٩٠ ، الهداية في شرح البداية للأنصاري : ١٣٥ ، المجموع ٤ : ٢٢٥ ، فتح العزيز ٤ : ٢٩٨.

(٢) المقنعة : ١٥ ، المبسوط للطوسي ١ : ٩٥ و ١٥٢.

(٣) تقدّم في ج ٣ ص ٧٥ ، المسألة ١٨١.

(٤) هذا قول الشيخ الطوسي في النهاية : ١١٣ ، والقاضي ابن البراج في المهذب ١ : ٨٠.


وأبو حنيفة وأحمد(١) - لقول عليعليه‌السلام : « لا بأس أن يؤذّن الغلام قبل أن يحتلم ، ولا يؤمّ حتى يحتلم ، فإن أمَّ ، جازت صلاته ، وفسدت صلاة مَنْ خلفه »(٢) .

ولأنّ الإِمامة من المناصب الجليلة وهي حالة كمال ، والصبي ليس من أهل الكمال ، فلا يؤمّ الرجال كالمرأة.

ولأنّها فريضة ، فلا يكون الصبي إماما فيها ، كالجمعة.

ولأنّه عارف بعدم المؤاخذة له ، فلا يؤمن أن يترك شرطاً.

والثاني لعلمائنا : عدم الاشتراط(٣) ، فتصح إمامة المميّز المراهق - وبه قال الشافعي وإسحاق والحسن البصري وابن المنذر(٤) - لأنّ عمرو بن أبي سلمة قال : كنت غلاماً حافظاً قد حفظت قرآناً كثيراً ، فانطلق أبي وافداً إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في نفر من قومه ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( يؤمّكم أقرؤكم لكتاب الله ) فقدّموني فكنت اُصلّي بهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان(٥) .

ومن طريق الخاصة : قول عليعليه‌السلام : « لا بأس أن يؤذّن الغلام الذي لم يحتلم وأن يؤمّ »(٦) .

____________________

(١) الكافي في فقه أهل المدينة : ٤٦ و ٤٧ ، الشرح الصغير ١ : ١٥٧ ، القوانين الفقهية : ٦٨ ، اللباب ١ : ٨٠ ، المغني ٢ : ٥٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٤ ، زاد المستقنع : ١٧ ، المجموع ٤ : ٢٤٩ - ٢٥٠ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٧.

(٢) الفقيه ١ : ٢٥٨ / ١١٦٩ ، التهذيب ٣ : ٢٩ / ١٠٣.

(٣) هذا قول السيد المرتضى في المصباح كما في المعتبر : ٢٤٣ ، والقول الثاني للشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ١٥٤ ، والخلاف ١ : ٥٥٣ ، المسألة ٢٩٥.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٤ ، المجموع ٤ : ٢٤٨ و ٢٤٩ ، الوجيز ١ : ٥٥ - ٥٦ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٧ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٨ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٠ ، المغني ٢ : ٥٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٤.

(٥) سنن أبي داود ١ : ١٥٩ / ٥٨٥ ، سنن النسائي ٢ : ٨٠ ، سنن البيهقي ٣ : ٩١.

(٦) التهذيب ٣ : ٢٩ / ١٠٤ ، الاستبصار ١ : ٤٢٤ / ١٦٣٣.


ولأنّ مَنْ جاز أن يكون إماماً في النفل جاز أن يكون إماماً في الفرض.

والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يوجّه الخطاب إلى عمرو ، بل إلى المكلّفين. وتقديمهم ليس بحجّة. وفي طريق الرواية الثانية ضعف.

والفرق بين الفرض والنفل ظاهر ، فإنّ النفل مبني على التخفيف.

على أنّا نمنع الحكم في الأصل.

وهل يصحّ أن يكون إماماً في النفل؟ إن قلنا : إنّ فعله شرعيُّ ، صحّ ، وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري(١) ، وإلّا فلا ، وبه قال ابن عباس(٢) ، وعن احمد روايتان(٣) .

وأمّا الجمعة ، فالوجه : أنّه لا يصح أن يكون إماماً فيها ، وللشافعي قولان(٤) .

مسألة ٥٦٢ : الإِسلام شرط في الإِمام‌ بإجماع العلماء ، فلا تصح الصلاة خلف الكافر وإن كان عدلاً في دينه بالإِجماع.

ولقوله تعالى( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ ) (٥) .

ولأنّ الأئمة ضمناء والكافر ليس أهلاً لضمان الصلاة.

ولا تصح خلف من يُشَكّ في إسلامه ، لأنّ الشكّ في الشرط شكّ في المشروط.

وقال أحمد : تصح صلاته ، لأنّ الظاهر أنّه لا يتقدّم للإِمامة إلّا

____________________

(١) بدائع الصنائع ١ : ١٥٧ ، اللباب ١ : ٨٠ ، الشرح الصغير ١ : ١٥٧ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٤٧ ، المجموع ٤ : ٢٤٩ و ٢٥٠ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٨.

(٢) المجموع ٤ : ٢٥٠ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٨.

(٣) المغني ٢ : ٥٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٥ ، الانصاف ٢ : ٢٦٦ - ٢٦٧ ، المجموع ٤ : ٢٤٩ - ٢٥٠.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٤ ، المجموع ٤ : ٢٤٨ ، فتح العزيز ٤ : ٥٤٢ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٨ ، مغني المحتاج ١ : ٢٨٤.

(٥) هود : ١١٣.


مسلم(١) . وليس بمعتمد.

مسألة ٥٦٣ : الإِيمان شرط في الإِمام‌ ، فلا تصحّ الصلاة خلف أهل البدع والأهواء ومَنْ خالف الحق ، سواء أظهر البدعة أو لا - وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، وبه قال مالك(٢) - لقول جابر : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، على منبره يقول : ( لا تؤمّنَّ امرأة رجلاً ، ولا فاجر مؤمناً إلّا أن يقهره بسلطان ، أو يخاف سوطه أو سيفه )(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الباقر والصادقعليهما‌السلام : « عدوّ الله فاسق لا ينبغي لنا أن نقتدي به»(٤) .

وكتب البرقي إلى أبي جعفرعليه‌السلام : أتجوز الصلاة خلف مَنْ وقف على أبيك وجدّك صلوات الله عليهما؟ فأجاب : « لا تصلّ وراءه »(٥) .

وسأل إسماعيل الجعفي ، الباقرعليه‌السلام : رجل يحبّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، لا يبرأ من عدوّه ، فقال : « هذا مخلّط فهو عدوّ ، ولا تصلّ خلفه إلّا أن تتّقيه »(٦) .

ولأنّه ظالم ، فيدخل تحت قوله تعالى( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (٧) .

وقال الشافعي وأبو حنيفة والحسن : إنّه مكروه ليس بمحرّم ، لقوله عليه‌

____________________

(١) المغني ٢ : ٣٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٣٤.

(٢) المغني ٢ : ٢٢ و ٢٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٥ ، المدونة الكبرى ١ : ٨٤ ، الشرح الصغير ١ : ١٥٧.

(٣) سنن ابن ماجة ١ : ٣٤٣ / ١٠٨١ ، سنن البيهقي ٣ : ١٧١.

(٤) المعتبر : ٢٤٢.

(٥) الفقيه ١ : ٢٤٨ / ١١١٣ ، التهذيب ٣ : ٢٨ / ٩٨.

(٦) الفقيه ١ : ٢٤٩ / ١١١٨ ، التهذيب ٣ : ٢٨ / ٩٧.

(٧) هود : ١١٣.


السلام : ( صلّوا خلف مَنْ قال : لا إله إلّا الله )(١) .

ولأنّ صلاته صحيحة ، فصحّت إمامته ، كالعدل(٢) .

والخاص مقدّم ، والقياس باطل ، لقيام الفرق بين العدل المقبول إخباره والفاسق المردود قوله.

قالت الشافعيّة : المختلفون في المذاهب ثلاثة أقسام : قسم لا نكفّرهم ولا نفسّقهم ، وهُمْ : المختلفون في الفروع كالحنفية والمالكيّة ، ولا يكره الائتمام بهم. وقسم نكفّرهم ، وهم : المعتزلة ، فلا يجوز الائتمام بهم.

وقسم نفسّقهم ولا نكفّرهم ، وهُمْ : الذين يسبّون السلف ، والخطّابية ، وحكم هؤلاء حكم مَنْ يفسق بالزنا وشرب الخمر وغيرهما ، ويكره الائتمام بهم(٣) .

إذا عرفت هذا ، فلا فرق بين أن يكون إماماً لمحق أو لمخالف مثله ، ولا بين أن يستند في مذهب إلى شبهة أو تقليد.

مسألة ٥٦٤ : العدالة شرط في الإمام‌ ، فلا تصح خلف الفاسق وإن كان معتقدا للحق ، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك(٤) - لقولهعليه‌السلام : ( لا تؤمَّنَّ امرأة رجلاً ولا فاجر مؤمناً )(٥) .

وقولهعليه‌السلام ، لأبي ذر : ( كيف أنت إذا كان عليك اُمراء يؤخّرون الصلاة عن وقتها؟ ) قال : قلت : فما تأمرني؟ قال : ( صلّ الصلاة لوقتها ،

____________________

(١) الاُم ١ : ١٦٦ ، المجموع ٤ : ٢٥٣ ، فتح العزيز ٤ : ٣٣١ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٢ ، بدائع الصنائع ١ : ١٥٧ ، عمدة القاري ٥ : ٢٣٢ ، وانظر : المغني ٢ : ٢٣ ، والشرح الكبير ٢ : ٢٥.

(٢) سنن الدار قطني ٢ : ٥٦ / ٣.

(٣) حكاه عنهم الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٥٤٩ ، المسألة ٢٩٠.

(٤) المجموع ٤ : ٢٥٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٠ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٧ ، بدائع الصنائع ١ : ١٥٦.

(٥) سنن ابن ماجة ١ : ٣٤٣ / ١٠٨١ ، سنن البيهقي ٣ : ١٧١.


فإن أدركتها معهم فصلّ فإنها لك نافلة )(١) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « لا تُصلّ خلف الغالي وإن كان يقول بقولك ، والمجهول والمجاهر بالفسق وإن كان مقتصداً »(٢) .

وعن الباقرعليه‌السلام « لا تصلّ إلّا خلف مَنْ تثق بدينه وأمانته »(٣) .

وسأل إسماعيل ، الرضاعليه‌السلام : رجل يقارف الذنوب وهو عارف بهذا الأمر اُصلّي خلفه؟ قال : « لا »(٤) .

وحكى المرتضى عن أبي عبد الله البصري أنه موافق لنا ، ويحتجّ على ذلك : بإجماع أهل البيتعليهم‌السلام ، وكان يقول : إنّ إجماعهم حجّة(٥) .

وقال الشافعي وأبو حنيفة : تجوز على كراهة(٦) - وعن أحمد روايتان(٧) - لقولهعليه‌السلام : ( لا تكفّروا أحداً من أهل ملّتكم بالكبائر ، الصلاة خلف كلّ إمام ، والجهاد مع كلّ أمير ، والصلاة على كلّ ميت )(٨) .

ولأنّ الحسن والحسينعليهما‌السلام ، صلّيا خلف مروان(٩) . وصلّى ابن‌

____________________

(١) صحيح مسلم ١ : ٤٤٨ / ٦٤٨ ، سنن البيهقي ٣ : ١٢٨.

(٢) الفقيه ١ : ٢٤٨ / ١١١١ ، الخصال : ١٥٤ / ١٩٣ ، والتهذيب ٣ : ٣١ / ١٠٩ و ٢٨٢ / ٨٣٧.

(٣) الكافي ٣ : ٣٧٤ / ٥ ، التهذيب ٣ : ٢٦٦ / ٧٥٥.

(٤) الفقيه ١ : ٢٤٩ / ١١١٦ ، التهذيب ٣ : ٣١ / ١١٠ و ٢٧٧ / ٨٠٨.

(٥) نقله الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٥٦٠ ، المسألة ٣١٠.

(٦) الاُم ١ : ١٦٦ ، المجموع ٤ : ٢٥٣ ، فتح العزيز ٤ : ٣٣١ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٠ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٦ - ١٧٧ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٢ ، المبسوط للسرخسي ١ : ٤٠ ، بدائع الصنائع ١ : ١٥٦.

(٧) المغني ٢ : ٢٤ - ٢٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٦ ، المحرّر في الفقه ١ : ١٠٤ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٦ - ١٧٧ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٠.

(٨) سنن الدار قطني ٢ : ٥٧ / ٨.

(٩) سنن البيهقي ٣ : ١٢٢.


عمر مع الحجّاج(١) .

وأخبارنا أخصّ فتقدّم ، مع أنّ حديثهم متروك الظاهر ، فإنّ أمير البغاة أمير ولا يجاهد معه ، والميت منهم لا يصلّى عليه ، والصلاة خلف المعتزلة ينكرها أصحاب الشافعي(٢) ، وتجوز للتقيّة ، كما فعل الإِمامانعليهما‌السلام ، مع مروان.

فروع :

أ : لو كان فسقه خفيّاً وهو عدل في الظاهر‌ ، فالوجه أنّه لا يجوز لمن علم فسقه الائتمام به ؛ لأنّه ظالم عنده ، مندرج تحت قوله تعالى( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (٣) .

ب : لا فرق بين الفرائض اليومية وغيرها من الجمع والأعياد عند علمائنا في اشتراط العدالة.

وقال أحمد : لا تشترط العدالة ، بل يصلّى خلفهم ، لأنّ الله تعالى أوجب الجمعة وهو يعلم أنّ بني العباس سيلونها(٤) .

والوجوب منوط بالإِمام العادل.

وهل تعاد عنده لو صلّاها خلف الفاسق؟ روايتان(٥) .

ولو كان المباشر لها عدلاً والمولّي له غير مرضي الحال لبدعته أو فسقه ، صحّت الجمعة ، ولا تعاد قولاً واحداً.

ج : المخالف في الفروع الاجتهادية باجتهاد يصح أن يكون إماماً.

____________________

(١) سنن البيهقي ٣ : ١٢١.

(٢) المجموع ٤ : ٢٥٤.

(٣) هود : ١١٣.

(٤و٥) المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٧.


ولو علم أنّه يترك واجباً أو شرطاً يعتقده المأموم دون الإِمام ، فالأقوى عندي : عدم جواز الاقتداء به ؛ لأنّه يرتكب ما يعتقده المأموم مفسداً للصلاة ، فلم يصح ائتمامه ، كما لو خالفه في القبلة حالة الاجتهاد فيها.

فلا يصح لمن يعتقد وجوب السورة بعد الحمد الصلاة خلف من لا يعتقد وجوبها وإن قرأها ، لأنّه يوقعها على وجه الندب ، فلا تجزئ عن الواجب.

وكذا لا يصح أن يصلّي مَنْ يعتقد تحريم لبس السنجاب مثلاً خلف مَنْ يعتقد تسويغه مع لبسه لا مطلقاً.

د : لو فعل الإِمام شيئاً يعتقد تحريمه من المختلف فيه ، فإن كان ترك ما يعتقده شرطاً للصلاة أو واجباً فيها ، فصلاته فاسدة‌ ؛ لأنّه مأمور بالعمل باجتهاده.

وصلاة مَنْ يأتمّ به كذلك وإن اعتقد تسويغ الترك ؛ لأنّه صلّى خلف مَنْ يعتقد بطلان صلاته ، ومن شرط الاقتداء إسقاط صلاة الإِمام القضاء.

وإن كان يفعل ما يعتقد تحريمه في غير الصلاة ، كنكاح بنته المخلوقة من الزنا ، فإن داوم عليه فهو فاسق لا تجوز الصلاة خلفه ، وإلّا فلا.

وإن كان الفاعل عاميّا وقلّد من يعتقد جوازه ، فلم يكن عليه شي‌ء ، لأن فرضه التقليد.

وإن كان يفعل ما يعتقد تحريمه في الصلاة كالقران بين السورتين ، بطلت صلاته وصلاة المأموم أيضاً وإن اعتقد تسويغه ؛ لما تقدّم.

مسألة ٥٦٥ : طهارة المولد شرط في الإِمام ، فلا تصح إمامة ولد الزنا عند علمائنا ؛ لقولهعليه‌السلام : ( ولد الزنا شرّ الثلاثة )(١) وإذا كان شرّه أعظم من شرّ أبويه ، ولا تصح إمامتهما ، فكذا هو.

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام : « لا تقبل شهادة ولد الزنا‌

____________________

(١) سنن أبي داود ٤ : ٢٩ / ٣٩٦٣ ، مسند أحمد ٢ : ٣١١ ، المستدرك للحاكم ٤ : ١٠٠.


ولا يؤمّ الناس »(١) .

ولأنه غير مقبول الشهادة ، فلا يصلح للإِمامة ؛ لأنّها تتضمّن معنى الشهادة بأداء ما وجب عليه من الأفعال.

وكرهه الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه ، ومالك(٢) . وسوّغه الثوري وأحمد وإسحاق من غير كراهة(٣) ؛ لقول عائشة : ما عليه من وزر أبويه شي‌ء(٤) .

ولا دلالة فيه.

أمّا مَنْ لا يُعرف أبوه ، ولا عُلم كونه ولد زنا ، فالوجه : صحّة إمامته ، لظهور العدالة وعدم علم المنافي.

نعم إنّه مكروه - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه ، ومالك(٥) - لأنّ رجلاً كان يؤمّ الناس بالعقيق لا يعرف أبوه ، فنهاه عمر بن عبد العزيز(٦) ، ولم ينكر عليه أحد.

ولأنّ الإِمامة موضع فضيلة ، فلا ينبغي أن يتقدّم مَنْ لا يعرف أبوه لنقصانه.

وقال الثوري وأحمد وإسحاق : لا يكره ، واختاره ابن المنذر ، ورواه عن‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٣٩٦ / ٨ ، التهذيب ٦ : ٢٤٤ / ٦١٤.

(٢) المجموع ٤ : ٢٨٨ ، بدائع الصنائع ١ : ١٥٧ ، الشرح الصغير ١ : ١٥٨ ، المغني ٢ : ٦٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٩.

(٣) المغني ٢ : ٦٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٩ ، زاد المستقنع : ١٧ ، كشاف القناع ١ : ٤٨٤ ، المجموع ٤ : ٢٩٠.

(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٢١٦ ، والمستدرك للحاكم ٤ : ١٠٠ وفيه عن عائشة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله . وانظر : المغني ٢ : ٦٠ ، والشرح الكبير ٢ : ٥٩.

(٥) الاُم ١ : ١٦٦ ، المجموع ٤ : ٢٨٨ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٩ ، الشرح الصغير ١ : ١٥٨ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٦.

(٦) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٢١٦ - ٢١٧.


مالك(١) ؛ لأنّ عائشة قالت : ما عليه من وزر أبويه شي‌ء(٢) .

ونحن نقول بموجبه ؛ إذ ليس عليه إثم الزنا ، لكن الأبوان شرّان باعتبار فعل الزنا وهو عارض لهما ، وهو شرّ باعتبار تولّده عنه.

وكذا تصح إمامة ولد الشبهة.

مسألة ٥٦٦ : يشترط في إمام الرجال والخناثى : الذكورة ، فلا تصح إمامة المرأة ولا الخنثى المشكل للرجل ولا للخنثى عند علمائنا أجمع - وبه قال عامة الفقهاء(٣) - لقولهعليه‌السلام في خطبته : ( ألا لا تؤمّنّ امرأة رجلاً )(٤) .

وقالعليه‌السلام : ( أخّروهنّ من حيث أخَّرهنّ الله )(٥) .

ولأنّ المرأة لا تؤذّن للرجال ، فلا تكون إمامة لهم كالكافر.

ولأنّهنّ مأمورات بالستر ، والإِمام بالاشتهار ، وهم ضدّان.

وقال أبو ثور والمزني ومحمد بن جرير الطبري : تجوز في صلاة التراويح إذا لم يكن قارئ غيرها ، وتقف خلف الرجال(٦) ؛ لأنّ النبيعليه‌السلام ، كان يزور اُمّ ورقة بنت نوفل في بيتها ، فجعل لها مؤذّناً يؤذّن لها ، وأمرها أن تؤمّ أهل دارها(٧) . وهذا عام في الرجال والنساء.

والدار قطني روى أنّه أمرها أن تؤمّ بنساء أهل دارها(٨) . ولأنّه محمول عليه ؛ إذ لا يمكن جريانه على عمومه في الفرائض ، فكذا في النوافل ،

____________________

(١) الميزان للشعراني ١ : ١٧٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٩.

(٢) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في الهامش (٤) من الصفحة ٢٨٤.

(٣) المغني ٢ : ٣٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٢.

(٤) سنن ابن ماجة ١ : ٣٤٣ / ١٠٨١ ، سنن البيهقي ٣ : ١٧١.

(٥) مصنف عبد الرزاق ٢ : ١٤٩ / ٥١١٥ ، كشف الخفاء ١ : ٦٩ / ١٥٦ ، تمييز الطيب من الخبيث : ١٦ / ٤٦ ، التذكرة في الأحاديث المشتهرة : ٦٢ ، وفيها عن ابن مسعود.

(٦) حلية العلماء ٢ : ١٧٠ ، المجموع ٤ : ٢٥٥ ، وانظر : المغني ٢ : ٣٤ ، والشرح الكبير ٢ : ٥٢.

(٧) سنن أبي داود ١ : ١٦١ - ١٦٢ / ٥٩٢ ، سنن البيهقي ٣ : ١٣٠.

(٨) سنن الدار قطني ١ : ٢٧٩ / ٢.


فتختص بالنساء.

فروع :

أ : يصلّي الرجال بالنساء ذوات محارمه ، وإن كنّ أجنبيات ولا رجل معهنّ ، فكذلك.

وكرهه الشافعي(١) ؛ لأنّهعليه‌السلام ، نهى عن أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية(٢) .

ب : لا يجوز أن يكون الخنثى المشكل إماماً للرجل‌ ؛ لجواز أن تكون امرأةً ، ولا يؤمّ خنثى مثله ، ولا أن يأتم بامرأة.

ج : لو صلّى رجل أو خنثى خلف خنثى ، فبان الإِمام رجلاً ، لم تجزئه صلاته ؛ لأنّه دخل دخولاً منهيّاً عنه ، والنهي يقتضي الفساد ، وكان حالة الدخول شاكّاً في صلاته. وهو أحد قولي الشافعي. وفي الآخر : لا تجب ؛ لأنّه ظهر أنّه ممّن تجوز الصلاة خلفه(٣) .

د : إذا وقف للصلاة ، جاز للرجال والنساء الاقتداء به ، سواء نوى استتباع الرجال والنساء ، أو استتباع الرجال خاصة ، او استتباع النساء خاصة ، أو لم يَنْو استتباع أحد - وبه قال الشافعي(٤) - لأنّ كلَّ طائفة تصح صلاتها خلف الإِمام إذا نوى استتباعها جاز وإن لم يَنْوها ؛ قياساً على الرجال.

وقال أبو حنيفة : إن نوى استتباع الفرقتين ، جازت صلاتهما معا خلفه.

وكذا إن نوى استتباع النساء خاصّة. وإن نوى استتباع الرجال خاصة ، لم يجز للنساء الصلاة خلفه(٥) .

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٥.

(٢) المستدرك للحاكم ١ : ١١٤ ، ومجمع الزوائد ٥ : ٢٢٥ نقلاً عن الطبراني في الأوسط.

(٣) المجموع ٤ : ٢٥٥ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٤ ، وقوله : لا تجب. أيّ : لا تجب إعادة الصلاة.

(٤) المجموع ٤ : ٢٠٢ - ٢٠٣ ، الوجيز ١ : ٥٧ ، فتح العزيز ٤ : ٣٦٦ ، كفاية الأخيار ١ : ٨١.

(٥) المبسوط للسرخسي ١ : ١٨٥ ، بدائع الصنائع ١ : ١٢٨ ، فتح العزيز ٤ : ٣٦٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٨١.


مسألة ٥٦٧ : لا يؤمّ القاعد القيّام‌ عند علمائنا أجمع ، فلو أمّ قاعدٌ قائماً ، بطلت صلاة المأموم - وهو قول محمد بن الحسن ومالك في إحدى الروايتين(١) - لقولهعليه‌السلام : ( لا يؤمنّ أحد بعدي جالساً )(٢) .

ومن طريق الخاصة : قول أمير المؤمنينعليه‌السلام : « لا يؤمّ المقيّد المطلقين ولا صاحب الفالج الأصحّاء »(٣) .

ولأنّ القيام ركن ، فلا يصح ائتمام القادر عليه بالعاجز عنه ، كسائر الأركان.

وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأبو ثور ومالك في الرواية الْاُخرى : يصلّون خلفه قياماً وهو قاعد ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّى في مرض موته جالساً وأصحابه قياماً(٤) (٥) .

ولا يجوز حمل غير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، عليه ؛ لشرفه وعظم منزلته. ولأنّه أراد منع إمامة غيره في تلك الصلاة.

وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر : يصلّون خلفه جلوساً ؛ لأنّ أبا هريرة روى عنهعليه‌السلام : ( إنّما جُعل الإِمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا‌

____________________

(١) الكافي في فقه أهل المدينة : ٤٨ ، المدونة الكبرى ١ : ٨١ ، المنتقى للباجي ١ : ٢٣٨ ، الشرح الصغير ١ : ١٥٦ ، المبسوط للسرخسي ١ : ٢١٣ - ٢١٤ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٥٨ ، اللباب ١ : ٨٢ ، المغني ٢ : ٤٨ ، الشرح الكبير ٢ : ٤٥ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٣ ، عمدة القارئ ٥ : ١٩١.

(٢) سنن الدار قطني ١ : ٣٩٨ / ٦ ، سنن البيهقي ٣ : ٨٠ ، والفقيه ١ : ٢٤٩ / ١١١٩.

(٣) الكافي ٣ : ٣٧٥ / ٢ ، التهذيب ٣ : ٢٧ / ٩٤.

(٤) صحيح البخاري ٢ : ٥٩ ، صحيح مسلم ١ : ٣١٤ / ٩٥ ، سنن البيهقي ٢ : ٣٠٤.

(٥) المبسوط للسرخسي ١ : ٢١٣ ، اللباب ١ : ٨٣ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٥٨ ، شرح فتح القدير ١ : ٣٢٠ ، عمدة القارئ ٥ : ١٩٠ - ١٩١ ، المجموع ٤ : ٢٦٥ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٠ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٣ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٤٨ ، بداية المجتهد ١ : ١٥٢ ، المنتقى للباجي ١ : ٢٣٨ ، المغني ٢ : ٤٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٤٦.


عليه وإذا صلّى جالساً فصلّوا جلوساً أجمعون )(١) (٢) .

ولو سلّم ، حُمل على عموم العذر.

فروع :

أ : إذا كان الإِمام الراتب مريضاً لا يقدر على القيام ، لم يجز أن يؤمّ بالقيّام‌ ، لكن يستحب أن يستخلف غيره إجماعاً ؛ ليخرج عن الخلاف.

ب : لو صلّوا خلف القاعد قياماً ، بطلت صلاتهم عندنا‌ ، وكذا إن صلّوا جلوساً ، لإِخلالهم بالركن.

وأبطل أحمد صلاتهم قياماً خلفه في رواية(٣) .

وهي من أغرب الأشياء.

ج : شرط أحمد في إمامة القاعد للقادر على القيام أمرين : أن يكون القاعد إمام الحي ، وأن يكون مرضه يرجى زواله(٤) .

ولا وجه للشرطين ، بل الحقّ البطلان في الجميع على ما تقدّم.

د : لو صلّى قائماً فاعتلّ فجلس ، أتمّوا الصلاة قياما‌ منفردين عنه ، فإن استخلف أو استخلفوا صلّوا جماعة ، وإلّا انفردوا ، ولا يجوز لهم الائتمام به ، خلافاً للجمهور.

وسوّغ أحمد هنا قيامهم ، لأنّ القيام هو الأصل ، فمن بدأ به في الصلاة لزمه في جميعها إذا قدر عليه كالشارع في صلاة المقيم يلزمه إتمامها(٥) .

ه : لو استخلف بعض الأئمة في وقتنا ثم زال عذره فحضر‌ ، فهل يجوز‌

____________________

(١) صحيح البخاري ١ : ١٨٤ ، صحيح مسلم ١ : ٣٠٩ / ٤١٤ ، مسند أحمد ٢ : ٣١٤ ، سنن أبي داود ١ : ١٦٤ / ٦٠٣ ، سنن ابن ماجة ١ : ٢٧٦ / ٨٤٦ ، سنن البيهقي ٢ : ٩٧ و ١٥٦.

(٢) المغني ٢ : ٤٨ ، الشرح الكبير ٢ : ٤٥ ، زاد المستقنع : ١٧ ، الانصاف ٢ : ٢٦١ ، المجموع ٤ : ٢٦٥ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٠ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٣ ، بداية المجتهد ١ : ١٥٢.

(٣) المغني والشرح الكبير ٢ : ٥٠ ، الإنصاف ٢ : ٢٦١.

(٤) المغني ٢ : ٥٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٤٤ ، زاد المستقنع : ١٧ ، الانصاف ٢ : ٢٦٠.

(٥) المغني والشرح الكبير ٢ : ٥١ ، زاد المستقنع : ١٧ ، الإنصاف ٢ : ٢٦٢.


أن يفعل كفعل النبيعليه‌السلام مع أبي بكر(١) إن صلّى قاعداً؟ لم يجز عندنا وقد سبق.

وعن أحمد روايتان : المنع ، لاختصاصهعليه‌السلام به ، لأنّه مخالف للقياس ، فإنّ انتقال الإِمام مأموماً وانتقال المأمومين من إمام إلى آخر إنّما يجوز مع العذر. والجواز(٢) .

و : يجوز للعاجز عن القيام أن يؤمّ مثله إجماعاً‌ ، ولا يشترط كونه إماماً راتباً ، ولا ممّن يرجى زوال عذره(٣) إجماعاً.

ز : لا يجوز أن يكون المومئ إماماً للقائم والقاعد‌ - وبه قال مالك وأحمد وأصحاب الرأي(٤) - لأنه أخلّ بركن لا يسقط في النافلة ، فلم يجز للقادر عليه الائتمام به كالقارئ بالْاُمّي.

ولأنّه يصلّي بغير ركوع وسجود ، فلا يجوز أن يكون إماماً لمن يصلّي بركوع وسجود ، كما لو صلّى صلاة الجنازة.

وقال الشافعي : يجوز ؛ لأنّه فِعْلٌ أباحَهُ المرض ، فلم يغيّر حكم الائتمام ، كالقاعد إذا أمّ القائم(٥) .

ح : لا يجوز لتارك ركن من الأفعال إمامة القادر عليه‌ كالمضطجع ، ومَنْ‌

____________________

(١) اُنظر : صحيح البخاري ١ : ١٧٦ ، صحيح مسلم ١ : ٣١٢ / ٤١٨ ، سنن البيهقي ٢ : ٣٠٤.

(٢) المغني والشرح الكبير ٢ : ٥١.

(٣) هذا هو الصحيح. وفي نسختي « ش وم » : ولا ممّن يرجى زوال بُرئه.

(٤) الشرح الصغير ١ : ١٥٦ ، المغني ٢ : ٥٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٤٢ ، المبسوط للسرخسي ١ : ٢١٥ ، اللباب ١ : ٨٢ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٤.

(٥) المجموع ٤ : ٢٦٤ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٣ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٠ ، المغني ٢ : ٥٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٤٢.


لا يتمكّن من ركوع أو سجود ، وبه قال مالك وأحمد وأصحاب الرأي(١) ، خلافاً للشافعي(٢) ، والتقريب ما تقدّم(٣) .

ط : لا يجوز أن يؤمّ المقيّد المطلقين ؛ لعجزه عن القيام ، ولا صاحب الفالج الأصحّاء كذلك ؛ للحديث(٤) ، ويجوز أن يؤمّ الأعرج.

ى : تجوز إمامة أقطع اليدين أو الرِّجْل أو الثلاثة‌ - وهو إحدى الروايتين عن أحمد - للعموم. وفي الْاُخرى : لا تصح ؛ لأنه يخلّ بالسجود على بعض أعضاء السجود ، فأشبه العاجز عن السجود(٥) . والفرق ظاهر.

ولا تجوز إمامة أقطع الرِجْلين ، وتجوز إمامة الخصيّ والجندي.

مسألة ٥٦٨ : لا يجوز أن يأتمّ القارئ بالأمّي في الجهرية والإِخفاتية‌ عند علمائنا أجمع ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد والشافعي في أحد أقواله(٦) .

ونعني بالاُمّي مَنْ لا يحسن قراءة الفاتحة أو لا يحسن القراءة.

وقال الشافعي : الاُمّي مَنْ لا يحسن الفاتحة أو بعضها ولو كلمة واحدة(٧) .

وقالت الحنفية : الاُمّي مَنْ لا يحسن من القرآن ما يصلّي به(٨) ؛ لأنّ‌

____________________

(١) بلغة السالك ١ : ١٥٦ ، الشرح الصغير ١ : ١٥٦ ، المغني ٢ : ٥٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٤٢ ، المبسوط للسرخسي ١ : ٢١٥.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٥ ، المجموع ٤ : ٢٦٤ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤٠ ، المغني ٢ : ٥٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٤٢.

(٣) تقدم في الفرع السابق.

(٤) الكافي ٣ : ٣٧٥ / ٢ ، التهذيب ٣ : ٢٧ / ٩٤ ، وتقدّم الحديث في صدر المسألة.

(٥) المغني والشرح الكبير ٢ : ٣١ - ٣٢.

(٦) الهداية للمرغيناني ١ : ٥٨ ، القوانين الفقهية : ٦٩ ، الاُم ١ : ١٦٧ ، المجموع ٤ : ٢٦٧ ، فتح العزيز ٤ : ٣١٨ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٤ ، المغني ٢ : ٣٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٧.

(٧) المجموع ٤ : ٢٦٧ ، فتح العزيز ٤ : ٣١٨.

(٨) اللباب ١ : ٨٢.


القراءة واجبة مع القدرة ، ومع الائتمام بالْاُمّي تخلو الصلاة عن القراءة ، وقالعليه‌السلام : ( لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب )(١) .

ولأنّ الإِمام يتحمّل القراءة عن المأموم ، ومع عجزه لا يتحقّق التحمّل.

وقال أبو ثور والمزني وابن المنذر والشافعي في القديم : يجوز مطلقاً - وهو مروي عن عطاء وقتادة - لأنّ القراءة ركن في الصلاة فجاز أن يكون العاجز عنه إماماً للقادر كالقاعد يؤمّ القائم(٢) .

والأصل ممنوع ، والفرق : أنّ القيام لا مدخل له في التحمّل ، بخلاف القراءة.

وللشافعي قول ثالث : الجواز في صلاة الإِخفات دون الجهر(٣) .

والفرق : أنّ المأموم عنده لا تجب عليه القراءة في الجهرية ، وتجب في الإِخفاتية(٤) .

فروع :

أ : لو صلّى القارئ خلف الْاُمّي ، بطلت صلاة المأموم خاصة‌ - وبه قال الشافعي في الجديد ، وأبو يوسف ومحمد وأحمد(٥) - لأنّه أمَّ مَنْ لا يجوز له أن يأتمّ به ، فتبطل صلاة المؤتمّ خاصة ، كالمرأة تؤمّ الرجل.

____________________

(١) سنن أبي داود ١ : ٢١٦ - ٨٢٠ ، سنن ابن ماجة ١ : ٢٧٣ - ٨٣٧ ، سنن الدار قطني ١ : ٣٢١ - ١٦ ، سنن البيهقي ٢ : ٣٧ بتفاوت يسير في الجميع.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٥ ، المجموع ٤ : ٢٦٧ ، مغني المحتاج ١ : ٢٣٩ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٤ ، المغني ٢ : ٣٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٧.

(٣) المجموع ٤ : ٢٦٧ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٤ ، مغني المحتاج ١ : ٢٣٩ ، المغني ٢ : ٣٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٧.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ٧٩ ، المجموع ٣ : ٣٦٤ ، فتح العزيز ٣ : ٣٠٩.

(٥) المجموع ٤ : ٢٦٨ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٤ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٥٨ ، المبسوط للسرخسي ١ : ١٨١ ، المغني ٢ : ٣٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٧.


وقال أبو حنيفة : تبطل صلاتهما معا(١) .

وعلّل أبو حازم : بأنّه أفسد صلاة الْاُمّي ؛ لأنّه يمكنه أن يقتدي بالقارئ فيؤدّي صلاته بقراءة(٢) .

وهذا يدلّ على أنّه لا يصلّي وحده.

ونحن نقول بموجبه إن كان القارئ مرضيّاً عنده.

وعلّل الكرخي : بأنّ الْاُمّي لـمّا أحرم معه ، صح إحرامه معه ، فلمّا دخل معه لزمه القراءة عنه ، فإذا عجز عنها ، بطلت صلاته(٣) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ هذا الْاُمّي بإحرامه لا تجب عليه القراءة لنفسه ، فكيف يجب أن يتحمّل عن غيره؟!

ب : يجوز أن يؤمّ الْاُمّي مثله بشرط عجز الإِمام عن التعلّم أو ضيق الوقت ، لاستوائهما في الأفعال.

ج : الْاُمّي يجب عليه الائتمام بالقارئ المرضي مع القدرة وعدم التعلّم ، وليس له أن يصلّي منفرداً ، هذا هو الأقوى عندي ، لأنّه يتمكّن من الصلاة بقراءة صحيحة ، فيجب عليه.

وقال الشافعي : لا يجب(٤) لأنّ رجلاً جاء إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : إنّي لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن ؛ فقال : ( قُلْ : سبحان الله والحمد لله )(٥) ولم يأمره بالائتمام بالقارئ.

ونحن نقول بموجبه ، إذ الواجب عليه حالة الانفراد ذلك ، ودليل‌

____________________

(١) المبسوط للسرخسي ١ : ١٨١ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٥٨ ، المجموع ٤ : ٢٦٨ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٥ ، المغني ٢ : ٣٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٧.

(٢و٣) حلية العلماء ٢ : ١٧٥.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ٨٠ ، المجموع ٣ : ٣٧٤ و ٣٧٩ ، فتح العزيز ٣ : ٣٣٥ ، مغني المحتاج ١ : ١٥٩ - ١٦٠.

(٥) سنن أبي داود ١ : ٢٢٠ / ٨٣٢ ، سنن النسائي ٢ : ١٤٣.


الجماعة مستفاد ممّا قلناه.

د : لو أمَّ الاُمّي قارئاً واُمّياً ، أعاد القارئ خاصة. و الْاُمّي إن وجد قارئاً مرضيّاً وإلّا فلا. ولو أمّ قارئاً واحداً ، بطلت صلاة المؤتمّ على ما قلناه.

وقال أحمد : تبطل صلاة الإِمام أيضاً ، لأنّه نوى الإِمامة وقد صار فذّاً(١) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ نية الإِمامة لا تخرجه عن الإِتيان بصلاة المنفرد.

ولأنّه ينتقض بما لو مات المأموم أو أبطل صلاته.

ه : لو كان أحدهما يحسن الفاتحة ، والآخر السورة ، فالأقرب : ائتمام الآخر بمن يحسن الفاتحة‌ ؛ للإِجماع على وجوبها وأولويتها لو عجز عنهما.

ولو جوّزنا انقلاب المأموم إماماً لإِمامه ، ائتم الثاني بالأول ، فإذا قرأ الفاتحة ، نوى الأول الايتمام بالثاني.

ولو كان معهما ثالث لا يحسن شيئاً ، اقتدى بمن يعرف الفاتحة ، فإن لم يكن مرضيّاً ، اقتدى بمن يعرف السورة وجوباً على إشكال.

ولو كان أحدهما يعرف بعض الفاتحة والآخر سورة كملاً ، احتمل تخيّر ائتمام أحدهما بالآخر ، وأولوية إمامة مَنْ يحسن بعض الفاتحة.

و : لو ائتم القارئ بالاُمّي ولم يعلم حاله في الإِخفاتية ، صحّت صلاته ؛ لأن الظاهر أنّه لا يتقدّم إلّا وهو بشرائط الإِمامة. وكذا في الجهرية لو خفيت عليه القراءة.

وهو يشكل باشتراط العدالة ، وعلم المأموم بها.

ز : لو أمّ الأخرس مثله ، جاز ؛ لتساويهما في الأفعال ، فصار كالاُمّي بمثله.

____________________

(١) المغني ٢ : ٣٣.


وقال أحمد : لا تجوز ؛ لأنّه ترك ركناً - وهي القراءة - لعذر مأيوس من زواله ، فلا تصح ، كالعاجز عن الركوع والسجود(١) .

ونمنع الحكم في الأصل إن تساويا ، نعم لا يجوز أن يؤمّ بالصحيح.

ح : تصح إمامة الأصمّ ، لأنّه لا يخلّ بشي‌ء من واجبات الصلاة ولا شروطها.

وقال بعض الجمهور : لا تجوز ، لأنّه لا يمكن تنبيهه إذا سها بتسبيح ولا إشارة(٢) .

واحتمال العارض لا يمنع صحة الصلاة ، كالمجنون حال إفاقته.

ط : هل يجوز أن يؤمّ الأخرس الأمّي؟ يحتمل الجواز ، لأنّ التكبير لا يتحمّله الإِمام ، وهما سواء في القراءة. والمنع ؛ لأنّ الْاُمّي قادر على النطق بالتكبير ، بخلاف الأخرس.

ي : لو كان كلٌّ منهما يحسن بعض الفاتحة ، فإن اتّحد ، صحّ ائتمام أحدهما بالآخر ، وإلّا فلا ، لأنّ كلّ واحد منهما اُمّي في حقّ صاحبه.

مسألة ٥٦٩ : اللحن إن فعله القارئ عمدا ، بطلت صلاته ، سواء أحال المعنى ، كمن يكسر كاف « إيّاك » أو لا ، كمن يفتح همزة « إيّاك » لأنّه ليس بقرآن ، فإنّ القرآن هو العربي ، واللحن ليس بعربي ، فحينئذٍ لا يصح أن يكون إماماً للمُتقن.

وإن فعل ذلك سهواً ، لم تبطل صلاته ولا صلاة مَنْ خلفه.

وإن كان جاهلاً ، فإن أمكنه التعلّم واتّسع الزمان ، لم تصح صلاته ولا صلاة من خلفه ، وإن لم يتمكن أو ضاق الزمان ، صحّ أن يكون إماما لمثله.

وهل يصح أن يكون إماماً للمُتقن؟ الأقرب : المنع ؛ لأنّه يتمكّن من الصلاة بقراءة صحيحة ، فلا يجوز العدول إلى الفاسد. والجواز ، لأنّها صلاة‌

____________________

(١و٢) المغني ٢ : ٣١ ، الشرح الكبير ٢ : ٣٩.


صحيحة ، فصحّ الائتمام فيها.

والشيخ - قال : تكره إمامة مَنْ يلحن في قراءته ، سواء كان في الحمد أو غيرها ، أحال المعنى أو لم يُحل إذا لم يحسن إصلاح لسانه ، فإن كان يحسن ويتعمّد اللحن ، فإنّه تبطل صلاته وصلاة من خلفه إن علموا بذلك(١) .

وقال الشافعي : إن أمكنه الصواب ، لم تصح صلاته ولا صلاة مَنْ خلفه ، وإن لم يمكنه ، صحّت صلاته(٢) .

وقال أحمد : تكره إمامة اللحّان الذي لا يحيل المعنى ، وتصحّ صلاته بمن لا يلحن ، لأنّه أتى بفرض القراءة(٣) .

مسألة ٥٧٠ : لا يصح أن يؤمّ مؤوف(٤) اللسان صحيحة ، لأنّ الصحيح تلزمه القراءة ، لتمكّنه ، ومع عجز الإِمام لا يصحّ التحمّل.

ويصح أن يؤمّ مثله إذا تساويا في النطق ، لأنّهما تساويا في الأفعال ، فصحّت الإِمامة كالقارئين.

والتحقيق : أنّه إن تمكّن من إصلاح لسانه ، وجب ، فإن أهمل ، لم تصح صلاته مع سعة الوقت ولا صلاة مَنْ خلفه ، وإلّا فلا.

فروع :

أ : لو أبدل الأعجمي حرفاً مع تمكّنه من التعلّم ، لم يصح ، كمن يبدّل الحاء في « الحمد » بالخاء أو بالهاء ، أو يبدّل الميم في « المستقيم » بالنون ، ولا تصح إمامته ، وكذا العربي.

____________________

(١) المبسوط للطوسي ١ : ١٥٣.

(٢) المجموع ٤ : ٢٦٨ - ٢٦٩ ، فتح العزيز ٤ : ٣١٩.

(٣) المغني ٢ : ٣٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٨ ، زاد المستقنع : ١٧ ، الانصاف ٢ : ٢٧٢.

(٤) المؤوف : الذي فيه آفة وهي : عاهة أو نقص. لسان العرب ٩ : ١٦ ، الصحاح ٤ : ١٣٣٣ « أوف ».


ب : مَنْ لا يفصح ببعض الحروف ، كالصاد والقاف ، لا تصح إمامته ، لأنّه اُمّي بالنسبة إلى المفصح ، ويجوز أن يؤمّ مثله.

ج : لو أبدل الضاد من « المغضوب » و « الضالّين » وغيرهما بالظاء ، لم تصح صلاته مع إمكان التعلّم.

وقال بعض الشافعية : تجوز ، لتقارب المخرج(١) ، وليس بمعتمد.

د : تكره إمامة التمتام ، وهو : الذي يردّد التاء ثم يأتي بها ، والفأفاء ، وهو : الذي يردّد الفاء ثم يأتي بها‌ ، لأنّهما يأتيان بالحروف على الكمال ، والزيادة لا تضرّهما ، لأنّهما مغلوبان عليها ، ولكن يكره تقديمهما ، لمكان هذه الزيادة.

ه- : لا يجوز أن يؤمّ الأرت ولا الألثغ ولا الأليغ.

ونعني بالأرت : الذي يبدّل حرفاً بحرف.

والألثغ : الذي يعدل بحرف إلى حرف.

وقال الفرّاء : اللَثْغَة بطرف اللسان هو : الذي يجعل الراء على طرف لسانه لا ماً ، ويجعل الصاد ثاءً. والأرت : وهو الذي يجعل اللام تاءً.

وقال الأزهري ، الأليغ : بالياء المنقطة تحتها نقطتين ، هو : الذي لا يبيّن الكلام(٢) .

وإنّما لم تصح إمامة هؤلاء ، لأنّ مَنْ لا يحسن حرفاً اُمّي بالنسبة إلى عارفة.

ولو كانت له لثغة خفيفة تمنع من تخليص الحرف ولكن لا يبدّله بغيره ، جاز أن يكون إماماً للقارئ.

مسألة ٥٧١ : وفي إمامة الأجذم والأبرص الصحيحَ قولان‌ لعلمائنا :

____________________

(١) فتح العزيز ٣ : ٣٢٦.

(٢) تهذيب اللغة ٨ : ١٩٩ « لغا ».


المنع ، اختاره الشيخ والمرتضى ، لعدم انقياد النفس إلى طاعتهما(١) . وقول الصادقعليه‌السلام : « خمسة لا يؤمّون الناس على كلّ حال : المجذوم والأبرص والمجنون وولد الزنا والأعرابي »(٢) .

وقال بعض علمائنا : بالجواز(٣) ، لأنّ عبد الله بن يزيد سأل الصادقعليه‌السلام ، عن المجذوم والأبرص يؤمّان المسلمين؟ قال : « نعم » قلت : هل يبتلي الله بهما المؤمن؟ قال : « نعم ، وهل كتب الله البلاء إلّا على المؤمن؟ »(٤) .

وحمله الشيخ في التهذيب على الضرورة بأن لا يوجد غيرهما ، أو أن يكونا إمامين لأمثالهم(٥) .

مسألة ٥٧٢ : لا يؤمّ الأعرابي بالمهاجرين‌ - وبه قال مالك وأبو مجلز(٦) - لأنّه لا يعرف محاسن الإِسلام وتفاصيل أحكامه.

ولقوله تعالى( الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ ) (٧) .

وكذا غيره من العوام إذا لم يعرف شرائط الصلاة على التفصيل.

ولم يكرهه عطاء والثوري وإسحاق والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي ؛

____________________

(١) النهاية : ١١٢ ، المبسوط ١ : ١٥٥ ، الخلاف ١ : ٥٦١ ، المسألة ٣١٢ ، الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : ١٩١ ، جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى ) ٣ : ٣٩ ، وحكاه عن مصباح السيد المرتضى ، المحقق في المعتبر : ٢٤٥.

(٢) الكافي ٣ : ٣٧٥ / ١ ، التهذيب ٣ : ٢٦ / ٩٢ ، الاستبصار ١ : ٤٢٢ / ١٦٢٦.

(٣) قاله المحقق في المعتبر : ٢٤٥.

(٤) التهذيب ٣ : ٢٧ / ٩٣ الاستبصار ١ : ٤٢٢ / ١٦٢٧.

(٥) التهذيب ٣ : ٢٧ ذيل الحديث ٩٣.

(٦) المدونة الكبرى ١ : ٨٤ ، المنتقى للباجي ١ : ٢٣٦ ، المغني ٢ : ٦٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٩ ، والمجموع ٤ : ٢٧٩.

(٧) التوبة : ٩٧.


لقولهعليه‌السلام : ( يؤمّ القوم أقرؤهم )(١) (٢) .

ولا نزاع فيه ، لكن وجود هذا الوصف فيه بعيد.

أمّا الأعرابي إذا كان قد وصل إليه ما يكفيه اعتماده في التكليف ، وتديّن به ، ولم يكن ممّن تلزمه المهاجرة وجوباً ، جاز أن يكون إماماً ، لوجود الشرائط في حقّه.

مسألة ٥٧٣ : يجوز أن يكون الأعمى إماماً لمثله وللبُصَراء‌ بلا خلاف بين العلماء ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، استخلف ابن اُمّ مكتوم يؤمّ الناس وكان أعمى(٣) .

قال الشعبي : غزا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثلاث عشرة غزوة كلّ ذلك يقدّم ابن اُمّ مكتوم يصلّي بالناس(٤) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « لا بأس بأن يصلّي الأعمى بالقوم وإن كانوا هم الذين يوجّهونه »(٥) .

وعن عليعليه‌السلام : « لا يؤمّ الأعمى في الصحراء إلّا أن يوجّه إلى القبلة »(٦) .

ولأنّ العمى فقد حاسة لا يختلّ به شي‌ء من شرائط الصلاة ، فأشبه الأطروش.

____________________

(١) صحيح البخاري ١ : ١٧٨ ، صحيح مسلم ١ : ٤٦٥ / ٢٩٠ و ٢٩١ ، سنن أبي داود ١ : ١٥٩ / ٥٨٢ ، سنن النسائي ٢ : ٧٦ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣١٤ / ٩٨٠ ، سنن الترمذي ١ : ٤٥٩ / ٢٣٥ ، سنن البيهقي ٣ : ١٢٥.

(٢) المجموع ٤ : ٢٧٩ ، المغني ٢ : ٥٩ - ٦٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٩ ، المبسوط للسرخسي ١ : ٤٠ ، بدائع الصنائع ١ : ١٥٦.

(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٢١٣ ، سنن أبي داود ١ : ١٦٢ / ٥٩٥ ، سنن البيهقي ٣ : ٨٨.

(٤) المغني ٢ : ٣١.

(٥) التهذيب ٣ : ٣٠ / ١٠٥.

(٦) الكافي ٣ : ٣٧٥ / ٢ ، التهذيب ٣ : ٢٧ / ٩٤ ، والمقنع : ٣٥.


وهل البصير أولى؟ يحتمل ذلك ، لأنّه يتوقّى النجاسات ، والأعمى لا يتمكّن من ذلك.

ويحتمل العكس ، لأنّه أخشع في صلاته من البصير ، لأنّه لا يشغله بصره عن الصلاة.

وكلاهما للشافعية ، ونصّ الشافعي على التساوي(١) . وهو أولى ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قدّم الأعمى كما قدّم البصير.

مسألة ٥٧٤ : قال أصحابنا : الأغلف لا يصح أن يكون إماماً. وأطلقوا القول في ذلك ، لما رواه زيد عن آبائهعليهم‌السلام ، عن عليعليه‌السلام ، قال : « الأغلف لا يؤمّ القوم وإن كان أقرأهم ، لأنّه ضيّع من السنّة أعظمها ، ولا تقبل له شهادة ، ولا يصلّى عليه إلّا أن يكون ترك ذلك خوفاً على نفسه »(٢) .

والوجه : التفصيل ، وهو : أنّه إن كان متمكّناً من الاختتان وأهمل ، فهو فاسق لا يصلح للإِمامة ، وإلّا فليس بفاسق ، وصحّ أن يكون إماماً. والرواية تدلّ على هذا التفصيل. والظاهر أنّ مراد الأصحاب التفصيل أيضاً.

مسألة ٥٧٥ : تكره إمامة المحدود بعد توبته ، لأن فسقه وإن زال بالتوبة إلّا أنّ نقص منزلته وسقوط محلّه من القلوب لم يزل ، فكره لذلك وإن لم يكن محرّماً.

أمّا السفيه فإن كان فاسقاً ، لم تصح إمامته ، لما روي عن أبي ذر قال : إنّ إمامك شفيعك إلى الله فلا تجعل شفيعك سفيهاً ولا فاسقاً(٣) .

____________________

(١) الاُم ١ : ١٦٥ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٦ ، المجموع ٤ : ٢٨٦ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٨ - ٣٢٩ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٩.

(٢) التهذيب ٣ : ٣٠ / ١٠٨ ، الفقيه ١ : ٢٤٨ / ١١٠٧ ، علل الشرائع : ٣٢٧ ، الباب ٢٢ ، المقنع : ٣٥.

(٣) التهذيب ٣ : ٣٠ / ١٠٧ ، الفقيه ١ : ٢٤٧ / ١١٠٣ ، علل الشرائع : ٣٦٢ ، الباب ٢٠ ، الحديث ١.


أما لو لم يكن فاسقاً ، ففي إمامته إشكال ينشأ : من نقصه ، وعلوّ منصب الإِمامة.

وعاقّ أبويه لا يصح أن يكون إماماً ، لأنّه مرتكب للكبيرة ، ولو صدر منه كلام سائغ يُؤثِر الغضب اليسير لم يؤثّر في الفسوق ، لأنّ عمر بن يزيد سأل الصادقعليه‌السلام ، عن إمام لا بأس به في جميع أمره عارف ، غير أنّه يُسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما أقرأ خلفه؟ قال : « لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقّاً قاطعاً »(١) .

مسألة ٥٧٦ : تجوز إمامة العبد مع الشرائط لمواليه وغيرهم‌ عند أكثر العلماء(٢) ، لقولهعليه‌السلام : ( إسمعوا وأطيعوا ولو اُمِّر عليكم عبد حبشي أجدع(٣) ، ما أقام فيكم الصلاة )(٤) .

ومن طريق الخاصة : قول أحدهماعليهما‌السلام : « لا بأس » وقد سئل عن العبد يؤمّ القوم إذا رضوا به وكان أكثرهم قرآناً(٥) .

ولأنّه يؤذّن للرجال فكان من أهل الإِمامة كالحرّ. ولأنّ الرقّ حق يثبت عليه ، فلم يمنع صحة إمامته ، كالدَّين.

وكره أبو مجلز إمامة العبد(٦) . ونقله الشيخ عن أبي حنيفة(٧) .

____________________

(١) التهذيب ٣ : ٣٠ / ١٠٦ ، الفقيه ١ : ٢٤٨ / ١١١٤.

(٢) المغني ٢ : ٣٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٨ ، المجموع ٤ : ٢٩٠ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٧.

(٣) الجدع : القطع في الأنف والأُذن والشفة واليد ونحوها. الصحاح ٣ : ١١٩٣ ، القاموس المحيط ٣ : ١١ ، لسان العرب ٨ : ٤١ « جدع ».

(٤) صحيح البخاري ١ : ١٧٨ ، صحيح مسلم ١ : ٤٤٨ / ٢٤٠ ، مسند أحمد ٦ : ٤٠٣ ، سنن البيهقي ٣ : ٨٨ بتفاوت.

(٥) التهذيب ٣ : ٢٩ / ٩٩ ، الاستبصار ١ : ٤٢٣ / ١٦٢٨.

(٦) المجموع ٤ : ٢٩٠ ، المغني ٢ : ٣٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٨ ، مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٢١٨ ، وعمدة القاري ٥ : ٢٢٥.

(٧) الخلاف ١ : ٥٤٧ ، المسألة ٢٨٦.


وقال مالك : لا يؤمّ في جمعة ولا عيد(١) .

وحكي عن الأوزاعي : أربعة لا يؤمّون الناس ، فذكر العبد إلّا أن يؤمّ أهله(٢) .

وللشيخ قول في التهذيب : إنّ الأحوط أن لا يؤمّ العبد إلّا أهله ، لقول عليعليه‌السلام : « لا يؤمّ العبد إلّا أهله »(٣) .

وفي السند ضعف ، فالمعتمد الأول. نعم الحرّ أولى منه ، لأنّه أكمل.

وحكم المعتق بعضه ، والمكاتب والمدبَّر واُمّ الولد حكم الرقّ.

مسألة ٥٧٧ : يكره أن يأتمّ الحاضر بالمسافر وبالعكس ، ولا تفسد به الصلاة - وبه قال أبو حنيفة(٤) - لأنّ الأصل يقتضي الجواز. واشتمال الائتمام لكلٍّ منهما بصاحبه على المفارقة يقتضي الكراهة.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « لا يؤمّ الحضري المسافر ، ولا المسافر الحضري ، فإن ابتلى بشي‌ء من ذلك فأمّ قوماً حاضرين فإذا أتمّ الركعتين سلّم ، ثم أخذ بيد بعضهم فقدّمه فأمّهم ، وإذا صلّى المسافر خلف المقيم(٥) فليتمّ صلاته ركعتين ويسلّم ، وإن صلّى معهم الظهر ، فليجعل الأوّلتين الظهر ، والأخيرتين العصر »(٦) .

وقال الشافعي : يجوز للمسافر أن يقتدي بالمقيم ، لأنّه يلزمه التمام إذا‌

____________________

(١) المدونة الكبرى ١ : ٨٤ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٤٦ ، التفريع ١ : ٢٢٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٨.

(٢) حلية العلماء ٢ : ١٧٩ ، عمدة القاري ٥ : ٢٢٥.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٩ والحديث ١٠٢ ، ورواه أيضاً في الاستبصار ١ : ٤٢٣ / ١٦٣١.

(٤) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٥٦ ، المسألة ٣١١.

(٥) في المصدر : خلف قوم حضور.

(٦) التهذيب ٣ : ١٦٤ / ٣٥٥ ، الاستبصار ١ : ٤٢٦ / ١٦٤٣.


صلّى خلفه ، ويكره أن يصلّي المقيم خلف المسافر(١) .

ويمنع جواز التمام ، لأنّ القصر عندنا عزيمة على ما يأتي(٢) .

ولو أتمّ المسافر الإمام الصلاة ، لم يجز عندنا ، خلافاً للجمهور(٣) .

وقال أحمد في رواية : لو أتمّ الإِمام ، لم تجز صلاة المأموم ، لأنّ الزيادة نفل أمّ بها مفترضين(٤) .

والأصل عندنا باطل. نعم لو كان المسافر في أحد الأماكن التي يستحب فيها التمام فأتمّ ، صحّت صلاته وصلاة المأمومين خلفه ، لأنّ المأتي بها فرض بكمالها على ما يأتي.

إذا عرفت هذا ، فإنّما يكره ائتمام أحدهما بصاحبه ، لمكان المفارقة ، فلو لم تحصل ، زالت الكراهة ، كما في المغرب والغداة.

مسألة ٥٧٨ : يكره أن يأتمّ المتوضّئ بالمتيمّم‌ ، فإن فعل صحّ بلا خلاف نعلمه ، إلّا من محمّد بن الحسن ، فإنّه منعه استحباباً(٥) ، لأنّ عمرو ابن العاص صلّى بأصحابه متيمّماً ، وبلغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلم ينكره(٦) .

وأمّ ابن عباس أصحابه متيمّماً وفيهم عمّار بن ياسر في نفر من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلم ينكروه(٧) .

ولأنّه متطهّر طهارة صحيحة ، فأشبه المتوضّئ.

____________________

(١) حكاه عنه أيضاً الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٥٦١ ، المسألة ٣١١ ، وانظر : الاُم ١ : ١٦٣.

(٢) يأتي في المسألة ٦١٢.

(٣) المغني ٢ : ٣٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٣ ، المجموع ٤ : ٣٥٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٩.

(٤) المغني ٢ : ٣٩ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤.

(٥) المبسوط للسرخسي ١ : ١١١ ، بدائع الصنائع ١ : ٥٦ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٥٧ ، عمدة القاري ٤ : ٢٤.

(٦) سنن أبي داود ١ : ٩٢ / ٣٣٤ ، ونقله أيضاً ابن قدامة في المغني ٢ : ٥٢.

(٧) نقله ابن قدامة في المغني ٢ : ٥٢ ، وانظر : صحيح البخاري ١ : ٩٣.


وأمّا الكراهة : فلنقص طهارته.

ولقول عليعليه‌السلام : « لا يؤمّ المقيّد المطلقين ، ولا يؤمّ صاحب الفالج الأصحّاء ، ولا صاحب التيمّم المتوضّئين »(١) .

وإنّما قلنا بالكراهة ، لضعف السند.

فروع :

أ : يجوز للطاهر أن تأتم بالمستحاضة ، لأنّها متطهّرة ، فأشبهت المتيمّم.

وللشافعي وجهان(٢) .

ومنع أبو حنيفة وأحمد ؛ لأنّها تصلّي مع خروج الحدث من غير طهارة(٣) .

وهو ممنوع ، وأجمعوا على أنّه يجوز للغاسل رِجْليه أن يأتمّ بمن مسح على خُفّيه(٤) .

ب : يصحّ ائتمام الصحيح بصاحب السلس ، لأنّه متطهّر ، والحدث الموجود غير مانع كالمتيمّم ، خلافاً لأحمد(٥) .

ج : يجوز ائتمام الطاهر بمن على بدنه أو ثوبه نجاسة ، لأنّه كالمتيمّم ، خلافاً لبعض الجمهور(٦) .

____________________

(١) الكافي ٣ : ٣٧٥ / ٢ ، التهذيب ٣ : ٢٧ / ٩٤.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٤ ، المجموع ٤ : ٢٦٣ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٠ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٢ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤١.

(٣) اللباب ١ : ٨٢ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٥٧ ، المغني ٢ : ٥٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٤٠.

(٤) المبسوط للسرخسي ١ : ٢١٤ ، ونقله أيضاً الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٥٤٥ ، المسألة ٢٨٣.

(٥) المغني ٢ : ٥٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٤٠.

(٦) المغني ٢ : ٥٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٤٠ - ٤١.


وللشافعي في ائتمام الطاهر بالمجروح وجهان(١) .

د : لا يجوز للمتوضّئ ولا للمتيمّم الائتمام بعادم الماء والتراب ، سواء أوجبنا عليه الصلاة أو لا ، لأنّه غير متطهّر مطلقاً.

ه- : قال الشيخ : يجوز للمكتسي أن يأتمّ بالعريان ، وبه قال الشافعي ، خلافاً لأبي حنيفة(٢) .

وعندي فيه إشكال ، لأنّ العاري إمّا أن يصلّي قاعداً ، فلا يجوز الائتمام به ، أو قائماً مومئاً ، فلا يصح الائتمام به ، لإِخلاله بالركوع والسجود.

نعم لو كان المكتسي يصلّي بالإيماء لمرض ، جاز أن يأتمّ بالعريان حينئذ.

وكذلك لا يجوز للقادر على الاستقبال الائتمام بالعاجز عنه. ويصح لكلٍّ من هؤلاء الائتمام بمثله.

و : لو صلّت الحرّة خلف أمة مكشوفة الرأس ، صحّت صلاتها‌ ، لعدم وجوب سترة عليها. فإذا اُعتقت في الأثناء ، فإن كانت السترة قريباً منها ، أخذتها ، وأتمّت الصلاة إن لم يحصل عمل كثير ، وإن حصل أو احتاجت إلى الاستدبار ، استأنفت ، وتنوي المأمومة المفارقة. وكذا العريان يجد السترة في الأثناء ، وبه قال الشافعي(٣) .

وقال أبو حنيفة : العريان إذا وجد السترة ، بطلت صلاته واستأنفها(٤) .

مسألة ٥٧٩ : يكره أن يؤمّ قوماً وهم له كارهون ، لقولهعليه‌السلام : ( ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم : العبد الآبق حتى يرجع ، وامرأة‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٢٦٣ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤١.

(٢) الخلاف ١ : ٥٤٥ ، المسألة ٢٨٣ ، وانظر : المجموع ٣ : ١٨٦ ، فتح العزيز ٤ : ٩٨ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٥٧ ، اللباب ١ : ٨٢.

(٣) المجموع ٣ : ١٨٣ ، فتح العزيز ٤ : ١٠٢ و ١٠٣.

(٤) اللباب ١ : ٨٦ - ٨٧ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٦٠.


باتت وزوجها عليها ساخط ، وإمام أمّ قوماً وهم له كارهون )(١) .

وقال عليعليه‌السلام ، لرجل أمّ قوماً وهم له كارهون : « إنّك لخروط(٢) »(٣) .

والأقرب : أنه إن كان ذا دين فكرهه القوم لذلك ، لم تكره إمامته ، والإِثم على مَنْ كرهه ، وإلّا كرهت.

المطلب الرابع : في ترجيح الأئمّة‌

مسألة ٥٨٠ : إذا حضر إمام الأصل ، لم يجز لأحد التقدّم عليه ، وتعيّن هو للإِمامة ، لأنّ له الرئاسةَ العامة ، وقال الله تعالى( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٤) وقال تعالى( لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ ) (٥) وهو خليفته ، فتكون له هذه المرتبة(٦) .

أمّا مع العذر فإنّه يجوز أن يستنيب مَنْ شاء ، أو يختار المأمومون من هو بالشرائط.

إذا ثبت هذا ، فغير إمام الأصل تحصل فيه الأولويّة باُمور :

أ : القراءة.

ب : الفقه.

ج : السنّ.

د : الأقدم هجرةً.

____________________

(١) مصنف ابن أبي شيبة ١ : ٤٠٧ و ٤٠٨ ، سنن الترمذي ٢ : ١٩٣ / ٣٦٠.

(٢) الخروط : الذي يتهوّر في الاُمور ويركب رأسه في كلّ ما يريد جهلاً وقلّة معرفة. النهاية لابن الأثير ٢ : ٢٣ « خرط».

(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١ : ٤٠٧ ، كنز العمال ٨ : ٢٧٣ / ٢٢٨٨٩.

(٤) النساء : ٥٩.

(٥) الحجرات : ١.

(٦) في نسخة « ش » : المنزلة.


ه- : الأصبح وجهاً ، وعند الشافعي عوضه : الأشرف نسباً(١) .

و: صاحب المنزل والمسجد.

وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.

مسألة ٥٨١ : إذا تعدّدت الأئمّة ، قدّم مَنْ يختاره المأمومون‌ - لما تقدّم - إذا كان بصفات الإِمام. ولو اختلف المأمومون ، قدّم اختيار الأكثر. فإن تساووا ، فلعلمائنا قولان :

أحدهما : أنّه يقدّم الأقرأ(٢) - وبه قال ابن سيرين والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر(٣) - لقولهعليه‌السلام : ( يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنّة ، فإن كانوا في السنّة سواء فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سِنّاً )(٤) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يتقدّم القوم أقرؤهم للقرآن»(٥) .

ولأنّ القراءة ركن في الصلاة ، فكان القادر عليها أولى ، كالقادر على القيام مع العاجز عنه.

وقال بعض علمائنا : يقدّم الأفقه على الأقرأ(٦) - وبه قال عطاء ومالك‌

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٥ ، المجموع ٤ : ٢٨٠ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٩.

(٢) وهو اختيار المحقق في المعتبر : ٢٤٤ ونقله أيضاً عن أكثر الأصحاب.

(٣) المغني ٢ : ١٦ ، الشرح الكبير ٢ : ١٨ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٥٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٧.

(٤) صحيح مسلم ١ : ٤٦٥ / ٦٧٣ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣١٣ / ٩٨٠ ، سنن الترمذي ١ : ٤٥٩ / ٢٣٥ ، سنن أبي داود ١ : ١٥٩ / ٥٨٤ ، سنن النسائي ٢ : ٧٦ ، سنن البيهقي ٣ : ١٢٥.

(٥) الكافي ٣ : ٣٧٦ / ٥ ، التهذيب ٣ : ٣١ / ١١٣ ، علل الشرائع : ٣٢٦ الباب ٢٠ ، الحديث ٢.

(٦) قال السيد العاملي في مفتاح الكرامة ٣ : ٤٧٨ ما نصّه : والمخالف إنّما هو من لا نعرفه من علمائنا ويكفيك أنّ الشهيد لم يعرفه حيث قال : ونقل عن بعض الأصحاب وإنّما عرف الخلاف من بعض متأخري المتأخرين.


والأوزاعي والشافعي وأبو ثور(١) - إذا كان يقرأ ما يحتاج إليه في الصلاة صحيحاً ، لأنّ القراءة التي يحتاج إليها في الصلاة محصورة وهو يحفظها ، وما يحتاج إليه من الفقه غير محصور ، فإنه قد ينوبه في الصلاة أمر يحتاج إلى الفقه في معرفته فكان أولى كالإِمامة الكبرى والحُكْم.

ثم تأوّلوا الخبر : بأنّ الصحابة كانوا إذا تعلّموا القرآن تعلّموا معه أحكامه.

قال ابن مسعود : كنّا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها ، فكان أقرؤهم لكتاب الله أفقههم(٢) .

والاعتراض : اللفظ عام ، فالعبرة به لا بخصوص السبب ، وتتمّة الحديث تنافيه ، وهو : قولهعليه‌السلام : ( فإن استووا فأعلمهم بالسنّة ).

إذا ثبت هذا فإنّ أحد القارئين يترجّح على الآخر بكثرة القرآن ، فإن تساويا في قدر ما يحفظ كلٌّ منهما وكان أحدهما أجود قراءةً وإعراباً ، فهو أولى ، لأنّه أقرأ ، وإن كان أحدهما أكثر حفظاً ، والآخر أجود قراءةً ، فهو أولى ، والوجه أن المراد من قولهعليه‌السلام : ( أقرؤهم ) : أجودهم قراءةً.

مسألة ٥٨٢ : إذا تساووا في القراءة ، قدّم الأفقه عند أكثر علمائنا(٣) - وهو قول الجمهور(٤) - لقولهعليه‌السلام : ( فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنّة )(٥) .

____________________

(١) المدونة الكبرى ١ : ٨٣ ، الشرح الصغير ١ : ١٦٣ ، المجموع ٤ : ٢٨٢ ، فتح العزيز ٤ : ٣٣٢ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٧ ، المغني ٢ : ١٦ - ١٧ ، الشرح الكبير ٢ : ١٨.

(٢) المغني والشرح الكبير ٢ : ١٨.

(٣) منهم : الشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ١٥٧ ، والمحقق في المعتبر : ٢٤٤ ونقله أيضاً عن الشيخ المفيد.

(٤) المغني ٢ : ١٩ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٧.

(٥) أوعزنا إلى مصادره في المسألة السابقة (٥٨١).


ولأنّ الفقه يحتاج إليه في الصلاة في جميع أفعالها للإِتيان بواجباتها وسننها ، وجبرها إن عرض ما يحوج إليه ، والعلم بالسنّة أهمّ من السنّ ، للاحتياج إليه في تدبير الصلاة ، بخلاف السنّ.

وقال المرتضى : يقدّم الأسنّ ثم الأعلم بالسنّة(١) ، لما رواه مالك بن الحويرث وصاحبه قال : ( يؤمّكما أكبركما )(٢) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : يؤمّ القوم أقرؤهم للقرآن ، فإن تساووا ، فأقدمهم هجرةً ، فإن تساووا ، فأسنّهم ، فإن كانوا سواء فليؤمّهم أعلمهم بالسنّة »(٣) .

ولا حجّة في الأول ، لإِمكان علمهعليه‌السلام بتساويهما إلّا في السنّ.

والثاني يدلّ على الجواز ، ونحن نقول به ، والخلاف في الأولويّة.

إذا ثبت هذا ، فإن اجتمع فقيهان قارئان ، وأحدهما أقرأ والآخر أفقه ، قدّم الأقرأ على الأول ، للحديث ، والأفقه على الثاني ، لتميّزه بما لا يستغنى عنه في الصلاة.

فإن اجتمع فقيهان أحدهما أعلم بأحكام الصلاة والآخر أعرف بما سواها ، فالأعلم بأحكام الصلاة أولى ، لأنّ علمه يؤثّر في تكميل الصلاة ، بخلاف الآخر.

مسألة ٥٨٣ : إذا تساووا في الفقه ، قدّم أقدمهم هجرةً ، والمراد به : سبق الإِسلام ، أو مَنْ كان أسبق هجرةً من دار الحرب إلى دار الإِسلام ، أو يكون من أولاد مَنْ تقدّمت هجرته ، فيقدّم بذلك ، سواء كانت الهجرة قبل الفتح أو بعده.

____________________

(١) حكاه المحقق في المعتبر : ٢٤٤.

(٢) صحيح مسلم ١ : ٤٦٦ / ٢٩٣ ، سنن النسائي ٢ : ٧٧ ، سنن أبي داود ١ : ١٦١ / ٥٨٩.

(٣) الكافي ٣ : ٣٧٦ / ٥ ، التهذيب ٣ : ٣١ / ١١٣ ، علل الشرائع : ٣٢٦ ، الباب ٢٠ ، الحديث ٢.


وقولهعليه‌السلام : ( لا هجرة بعد الفتح )(١) أراد أنه لا تجب ، لقوة الإِسلام ، والتمكّن من إظهار شعائره في بلد الشرك ، لأنّ الهجرة قربة وطاعة ، فقدّم السابق إليها ، لسبقه إلى الطاعة.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : يؤمّ القوم أقرؤهم ، فإن كانوا في القراءة سواء ، فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنّاً »(٢) .

وللشيخ قول : إنّه يقدّم بعد التساوي في الفقه : الأشرف ، فإن تساويا في الشرف ، قدّم الأقدم هجرةً(٣) - وبه قال الشافعي في القديم(٤) - لقولهعليه‌السلام : ( الأئمّة من قريش )(٥) .

والمراد : الإِمامة الكبرى ، فلا تعتبر في الصغرى كالشجاعة.

مسألة ٥٨٤ : فإن تساووا في الهجرة إمّا لهجرتهما معاً أو لعدمها فيهما ، قدّم الأسنّ ، لحديث الصادقعليه‌السلام (٦) .

ولأنّ الأسنّ أحقّ بالتوقير والإعظام والتقدّم ، فكان له مزية في استحقاق التقدّم في الإِمامة.

____________________

(١) صحيح البخاري ٤ : ١٨ ، سنن الترمذي ٤ : ١٤٨ / ١٥٩٠ ، مسند أحمد ١ : ٢٢٦ و ٢ : ٢١٥ و ٣ : ٢٢ و ٤٦٨ و ٥ : ١٨٧ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٣٩ ، متن عمدة الأحكام : ١٠١ - ١٠٢ / ٢٧٣.

(٢) الكافي ٣ : ٣٧٦ / ٥ ، التهذيب ٣ : ٣١ / ١١٣ ، علل الشرائع : ٣٢٦ ، الباب ٢٠ ، الحديث ٢.

(٣) المبسوط للطوسي ١ : ١٥٧.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٥ ، المجموع ٤ : ٢٨٣ ، فتح العزيز ٤ : ٣٣٤.

(٥) مسند أحمد ٣ : ١٢٩ و ١٨٣ و ٤ : ٤٢١ ، سنن البيهقي ٣ : ١٢١.

(٦) الكافي ٣ : ٣٧٦ / ٥ ، التهذيب ٣ : ٣١ / ١١٣ ، علل الشرائع : ٣٢٦ ، الباب ٢٠ ، الحديث ٢.


وهذا قول أكثر العلماء ، وهو قول الشافعي في القديم(١) ، لقولهعليه‌السلام : ( فإن استووا في الهجرة ، فأقدمهم سنّاً )(٢) .

وقال في الجديد : إذا تساووا في الفقه والشرف ، قدّم الأسنّ ، فإن تساووا ، قدّم الأقدم هجرةً(٣) ، لقولهعليه‌السلام ، لمالك بن الحويرث : ( إذا حضرت الصلاة فليؤذّن لكم أحدكم وليؤمّكم أكبركم )(٤) .

وقد بيّنا أنّه حكاية حال.

مسألة ٥٨٥ : إذا تساووا في ذلك ، قال الشيخان : يقدّم الأصبح وجهاً(٥) . ورواه المرتضى رواية(٦) .

ونقله بعض الشافعية عن بعض المتقدّمين ، ثم اختلف الشافعية في تفسيره ، فقال بعضهم : أراد أحسنهم صورة ، لأنّ ذلك فضيلة كالنسب.

وقال آخرون : إنّما أراد بذلك أحسنهم ذكراً بين الناس(٧) . والأخير أحسن.

إذا ثبت هذا ، فإن تساووا في ذلك كلّه ، قدّم أشرفهم ، أي : أعلاهم نسباً ، وأفضلهم في نفسه ، وأعلاهم قدراً ، فإن استووا في هذه الخصال ، قدّم أتقاهم وأورعهم ، لأنه أشرف في الدين وأفضل وأقرب إلى الإِجابة ، لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَنْ أمَّ قوماً وفيهم مَنْ هو أعلم منه لم يزل أمرهم‌

____________________

(١) المغني والشرح الكبير ٢ : ٢٠ ، معالم السنن للخطابي ١ : ٣٠٤ ، المجموع ٤ : ٢٨٣ ، فتح العزيز ٤ : ٣٣٤.

(٢) سنن الترمذي ١ : ٤٥٩ / ٢٣٥ ، سنن أبي داود ١ : ١٥٩ / ٥٨٢.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٥ ، المجموع ٤ : ٢٨٣ ، فتح العزيز ٤ : ٣٣٤.

(٤) صحيح البخاري ١ : ١٧٥ ، صحيح مسلم ١ : ٤٦٥ / ٦٧٤.

(٥) المبسوط للطوسي ١ : ١٥٧ ، وحكاه عنهما أيضاً المحقق في المعتبر : ٢٤٤.

(٦) جمل العلم والعمل ضمن رسائل الشريف المرتضى ٣ : ٤٠ ، ونقله عن مصباحه المحقق في المعتبر : ٢٤٤.

(٧) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٦ ، المجموع ٤ : ٢٨٣ ، فتح العزيز ٤ : ٣٣٥ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٨.


إلى السفال إلى يوم القيامة )(١) .

والأقوى عندي تقديم هذا على الأشرف ، لأنّ شرف الدين خير من شرف الدنيا.

فإن استووا في ذلك كلّه ، فالأقرب القرعة - وبه قال أحمد(٢) - لأنّ سعد ابن أبي وقاص أقرع بينهم في الأذان(٣) ، فالإِمامة أولى.

ولأنّهم تساووا في الاستحقاق ، وتعذّر الجمع ، فأقرع بينهم ، كسائر الحقوق.

وهذا كلّه تقديم استحباب لا تقديم اشتراط ولا إيجاب ، فلو قدّم المفضول جاز ، ولا نعلم فيه خلافاً.

مسألة ٥٨٦ : صاحب المنزل أولى بالإِمامة فيه‌ من غيره وإن كان فيهم مَنْ هو أقرأ منه وأفقه ، إذا كان ممّن يمكنه إمامتهم وتصح صلاتهم وراءه ، ولا نعلم فيه خلافاً بين العلماء ، لقولهعليه‌السلام : ( لا يؤمّن الرجل في بيته ولا في سلطانه ، ولا يجلس على تكرمته إلّا بإذنه )(٤) .

والمراد بالتكرمة : الفراش. وقيل : المائدة.

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « لا يتقدّمنّ أحدكم الرجل في منزله ولا في سلطانه»(٥) .

____________________

(١) الفقيه ١ : ٢٤٧ / ١١٠٢ ، علل الشرائع : ٣٢٦ ، الباب ٢٠ ، الحديث ٤ ، عقاب الأعمال : ٢٤٦ ، التهذيب ٣ : ٥٦ / ١٩٤.

(٢) المغني ٢ : ٢١ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٠ ، الانصاف ٢ : ٢٤٧.

(٣) صحيح البخاري ١ : ١٥٩ ، سنن البيهقي ١ : ٤٢٨ و ٤٢٩ ، ارشاد الساري ٢ : ٩ ، عمدة القاري ٥ : ١٢٤ ، المغني ١ : ٤٧٨.

(٤) صحيح مسلم ١ : ٤٦٥ / ٦٧٣ ، سنن الترمذي ١ : ٤٥٩ / ٢٣٥ و ٥ : ٩٩ / ٢٧٧٢ ، سنن أبي داود ١ : ١٥٩ / ٥٨٢ ، سنن النسائي ٢ : ٧٧ ، سنن البيهقي ٣ : ١١٩ و ١٢٥.

(٥) الكافي ٣ : ٣٧٦ / ٥ ، التهذيب ٣ : ٣١ - ٣٢ / ١١٣ ، علل الشرائع : ٣٢٦ ، الباب ٢٠ ، الحديث ٢.


ولو كان في البيت سلطان الحق أو نائبه ، فهو أولى ، لأنّه حاكم على صاحب البيت وغيره ، وأمّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عتبان(١) بن مالك وأنساً في بيوتهما(٢) .

مسألة ٥٨٧ : إمام المسجد الراتب أولى من غيره‌ ، لأنّه في معنى صاحب البيت والسلطان.

ولقولهعليه‌السلام : ( مَنْ زار قوماً فلا يؤمّهم )(٣) وهو عام في المسجد كالمنزل.

ولأنّ تقديم غيره يورث وحشةً.

والوالي من قبل العادل أحقّ ، لأنّه أولى من صاحب البيت مع أنّه مالك له ، فمن إمام المسجد أولى.

والولي وإن كان أحقّ من الوالي في الصلاة على الميّت فليس أولى هنا ، لأنّ الصلاة على الميّت تستحقّ بالقرابة ، والسلطان لا يشارك في ذلك ، وهنا يستحقّ بضرب من الولاية على الدار والمسجد ، والسلطان أقوى ولايةً وأعم.

ولأنّ الصلاة على الميّت يقصد بها الدعاء والشفقة والحنوّ ، وهو مختص بالقرابة.

فروع :

أ : لو أذن السلطان لغيره ، جاز وكان أولى من غيره‌ ، وكذا صاحب المنزل لو أذن لبعض الحاضرين.

____________________

(١) في النسخة الحجرية والنسختين الخطيتين « ش ، م » المعتمدتين في التحقيق : غسّان. وما أثبتناه هو الصحيح. اُنظر : اُسد الغابة ٣ : ٣٥٩ ، وتهذيب التهذيب ٧ : ٨٦ ، وانظر أيضاً المصادر الحديثية التالية.

(٢) صحيح مسلم ١ : ٤٥٥ ( باب الرخصة في التخلّف عن الجماعة بعذر ) و ٤٥٧ / ٦٥٨ ، صحيح البخاري ١ : ١٧٠ و ١٧٥ ، سنن النسائي ٢ : ٨٠ و ٨٦ ، موطإ مالك ١ : ١٧٢ / ٨٦ ، سنن أبي داود ١ : ١٦٦ / ٦١٢ ، سنن البيهقي ٣ : ٩٦.

(٣) سنن أبي داود ١ : ١٦٣ / ٥٩٦ ، سنن الترمذي ٢ : ١٨٧ / ٣٥٦ ، سنن البيهقي ٣ : ١٢٦.


ب : لو دخل السلطان بلداً فيه خليفة فهو أولى من خليفته ، لعموم ولايته.

ج : لو اجتمع العبد وسيّده في بيت العبد ، فالسيد أولى ، لأنّه صاحب البيت. ولو اجتمع العبد وغير سيّده ، فالعبد أولى.

د : لو اجتمع المالك والمستأجر في الدار المؤجرة ، فالمستأجر أولى ، لأنّه أحقّ بالمنفعة والاستيلاء.

ه- : لو كان المستحقّ ممّن لا تصح الصلاة خلفه فقدّم غيره ممّن تصح الصلاة خلفه ، فالأقرب : أنّه أولى.

و : كلّ موضع حضره الإِمام الأعظم أو النائب من جهته ، فهو أولى‌ بالصلاة من غيره ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والأئمّة ما حضروا موضعاً إلّا وأمّوا بالناس.

ز : لو اجتمع المـُكاتب والسيّد في دار المكاتب ، فالمكاتب أولى ، لأنّ يد السيّد قاصرة عن أملاك المكاتب.

ح : لو اجتمع المستعير والمالك ، فالأقرب : تقديم المالك ، لأنّ تسلّط المستعير ليس بتامٍ من حيث إنّ للمالك أن يعزله متى شاء.

ط : لو حضر جماعة المسجد ، استحب أن يراسل إمامه الراتب حتى يحضر أو يستنيب. ولو كان الموضع بعيداً وخافوا فوت أول الوقت ( وأمِنوا الفتنة )(١) صلّوا جماعة.

ي : الخصال المكتسبة ، كالعلم والقراءة والورع أولى من غير المكتسبة‌ كالسنّ وحسن الوجه.

والأورع أولى من الأعلم ، لأنّ الإِمامة سفارة بين الله تعالى وبين خلقه ، وإنّما يقدّم للسفارة مَنْ له منزلة عند من ترفع الحاجة إليه ، والمنزلة عند الله‌

____________________

(١) بدل ما بين القوسين في « ش » : واتّفق الفقيه.


تعالى للأتقياء ، قال الله تعالى( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) (١) .

المطلب الخامس : في الأحكام‌

مسألة ٥٨٨ : لو كان الإِمام ممّن لا يقتدى به ، لم يجز الائتمام به. فإن احتاج إلى الصلاة خلفه ، جاز أن يتابعه في الأفعال ، لكن لا ينوي الاقتداء به ، ويقرأ مع نفسه وإن كانت الصلاة جهرية ، للضرورة ، وتجزئه صلاته ، وهو قول أحمد في إحدى الروايتين. وفي الْاُخرى : يعيد(٢) .

وهو غلط ، لأنّه أتى بأفعال الصلاة وشروطها على الكمال ، فلا تفسد بموافقة غيره في الأفعال ، كما لو لم يقصد الموافقة.

مسألة ٥٨٩ : لو كان الإِمام كافراً ، فإن علم المأموم بكفره قبل الصلاة ، أعاد‌ إجماعاً ، لأنّه ائتمّ بمن لا يصح الائتمام به.

وإن علمه في الأثناء ، عدل إلى الانفراد واجباً ، فإن لم يفعل واستمرّ ، وجبت الإِعادة.

وإن علم بعد الفراغ ، صحّت صلاته عند أكثر علمائنا(٣) - وبه قال أبو ثور والمزني(٤) - لأنّه فَعَل المأمور به ، فيخرج عن العهدة.

والثانية ظاهرة ، وأما الْاُولى : فلأنّه مأمور بالصلاة خلف مَنْ يظنّ إسلامه ، لا مَنْ يعلمه كذلك ، لامتناع الاطّلاع على الباطن ، فيكتفي بإصلاح الظاهر.

____________________

(١) الحجرات : ١٣.

(٢) المغني والشرح الكبير ٢ : ٣٠.

(٣) منهم : الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٥٥٠ ، المسألة ٢٩٢ ، وابن إدريس في السرائر : ٦١ ، والمحقق في المعتبر : ٢٤٢.

(٤) المغني ٢ : ٣٤ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٧.


ولأنّ الصادقعليه‌السلام ، سئل عن قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال وكان يؤمّهم رجل ، فلمـّا صاروا إلى الكوفة علموا أنّه يهودي ، قال : « لا يعيدون »(١) .

وقال المرتضى : تجب الإِعادة(٢) - وبه قال الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي(٣) - لأنّه ائتمّ بمن ليس من أهل الصلاة ، فلا تصح صلاته ، كما لو أئتمّ بمجنون.

وينتقض : بالمحدث ، فإنه لو أئتمّ به ، صحّت صلاته إجماعاً.

إذا ثَبت هذا ، فلا فرق بين أن يكون الكفر ممّا يستسرّ به عادة ، كالزندقة أو لا ، وهو أحد وجهي الشافعي ، وفي الآخر : الفرق ، فأوجب الإِعادة فيما لا يخفى ، كالتهوّد والتنصّر ، دون ما يخفى ، لمشقّة الوقوف عليه(٤) .

مسألة ٥٩٠ : صلاة الكافر لا تكون إسلاماً منه ما لم تسمع منه الشهادتان‌ ، سواء كان في دار الحرب أو دار الإِسلام ، وسواء صلّى جماعة أو فرادى ، وسواء صلّى في المسجد أو لا - وبه قال الشافعي(٥) - لأنّ الصلاة من فروع الإِسلام ، فلا يصير مسلماً بفعلها ، كالحج والصوم والاعتكاف.

ولقولهعليه‌السلام : ( اُمرت أن اُقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلّا الله ، فإذا قالوها ، عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها )(٦) .

____________________

(١) الكافي ٣ : ٣٧٨ / ٤ ، التهذيب ٣ : ٤٠ / ١٤١.

(٢) حكاه عنه المحقق في المعتبر : ٢٤٢.

(٣) الاُم ١ : ١٦٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٤ ، المجموع ٤ : ٢٥١ ، الوجيز ١ : ٥٥ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٦ ، مختصر المزني : ٢٣ ، المغني ٢ : ٣٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٣٣ ، الانصاف ٢ : ٢٥٩.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٤ ، المجموع ٤ : ٢٥١ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٩ ، مغني المحتاج ١ : ٢٤١.

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٤ ، فتح العزيز ٤ : ٣١٢.

(٦) صحيح البخاري ٢ : ١٣١ ، صحيح مسلم ١ : ٥٣ / ٣٥ ، سنن النسائي ٧ : ٧٩ ، سنن أبي =


وقال بعض الشافعية : إن صلّى في دار الإِسلام ، فليس بمسلم ، لأنّه قد يقصد الاستتار بالصلاة وإخفاء دينه ، وإن صلّى في دار الحرب ، فهو مسلم ، لأنّه لا تهمة في حقّه. وهو قول للشافعي(١) أيضاً.

أمّا إذا أظهر التشهّد ، فالوجه : أنّه إسلام ، لأنّ الشهادة صريح في الإِسلام ، وبه قال الشافعي ، وله وجه آخر : أنّه لا يحكم بإسلامه ، لاحتمال أن يكون ذلك على سبيل الحكاية(٢) . وليس بصحيح.

وقال أبو حنيفة : إن صلّى إماماً أو مأموماً في أيّ موضع كان ، فهو إسلام بحيث لو رجع بعد الصلاة وقال : لم أسلم ، كان مرتدّاً ، سواء سمع منه التشهّد أو لا ، وكذا إن صلّى منفرداً في المسجد ، وإن أذّن حيث يؤذّن المسلمون ، كان إسلاماً منه ، وإن حجّ وطاف ، كان إسلاماً منه ، وإن صلّى منفرداً في غير المسجد ، لم يكن إسلاماً(٣) .

وقال مالك وأحمد : يحكم بإسلامه بالصلاة بكلّ حال ، فإن أقام بعد ذلك على الإسلام ، وإلاّ فهو مرتدّ ، وإن مات قبل ظهور ما ينافي الإسلام ، فهو مسلم يرثه ورثته المسلمون دون الكفّار ، لأنّها عبادة يختص بها المسلمون ، فإذا فعلها الكافر ، كان إسلاماً منه ، كالشهادتين(٤) .

والفرق : أنّ الشهادتين صريح في الإِسلام.

وقال محمد بن الحسن : إذا صلى في المسجد منفرداً أو في جماعة ،

____________________

= داود ٣ : ٤٤ / ٢٦٤٠ ، سنن الترمذي ٥ : ٣ / ٢٦٠٦ ، سنن الدار قطني ١ : ٢٣٢ / ٧ ، المستدرك للحاكم ٢ : ٥٢٢.

(١) المجموع ٤ : ٢٥١ ، فتح العزيز ٤ : ٣١٣ ، المغني ٢ : ٣٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٣٧.

(٢) المجموع ٤ : ٢٥٢ ، فتح العزيز ٤ : ٣١٣.

(٣) المغني ٢ : ٣٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٣٧ ، المجموع ٤ : ٢٥٢ ، فتح العزيز ٤ : ٣١٢ و ٣١٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٩.

(٤) المغني ٢ : ٣٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٣٦ - ٣٧ ، فتح العزيز ٤ : ٣١٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٩.


حكم بإسلامه ، وإن صلّى منفرداً في بيته ، لم يحكم بإسلامه(١) .

والبحث في ظهور فسق الإِمام كالبحث في ظهور كفره ، فقال المرتضى : يعيد(٢) ، وبه قال أحمد(٣) .

وقال الشيخ : لا يعيد إذا كان ظاهر العدالة ، لأنّها صلاة مشروعة في ظاهر الحكم ، فتكون مجزئةً(٤) .

ولو علم بعض المأمومين فسقه دون بعض ، صحّت صلاة الجاهل خاصة وإن كان مستور الحال ، مقبول الشهادة عند الحاكم.

فروع :

أ : الكافر إذا أمَّ المسلمين ، عزّر‌ ، لأنّه غشّهم.

ب : لو صلّى خلف مَنْ أسلم من الكفّار ، فلمـّا فرغ من صلاته قال : لم أكن أسلمت ، وإنّما تظاهرت بالإِسلام ، لم يلزمه قبول قوله‌ ، لكفره ، ولا إعادة عليه.

ج : إذا كان يُعرف لرجل إسلام وارتداد ، فصلّى رجل خلفه ولم يعلم في أيّ الحالَين صلّى خلفه ، لم يُعد‌ ، لأنّ الشك بعد عمل الصلاة لا يؤثر فيها.

مسألة ٥٩١ : لو كان الإِمام جنباً أو مُحدثاً ، لم تصح صلاته ، سواء علم بحدثه ، أو لا ، وتصح صلاة مَنْ خلفه إذا لم يعلم بحدثه - وبه قال عليعليه‌السلام ، وعمر ، وعثمان ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، ومن التابعين : الحسن البصري والنخعي وسعيد بن جبير ، وبه قال الشافعي‌

____________________

(١) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٥٥١ ، المسألة ٢٩٢.

(٢) حكاه عنه المحقق في المعتبر : ٢٤٣.

(٣) المغني ٢ : ٢٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٢٤ - ٢٥ ، الانصاف ٢ : ٢٥٣.

(٤) حكاه عنه المحقق في المعتبر : ٢٤٣.


والأوزاعي والثوري وأحمد وأبو ثور(١) - لأنّ أبا بكرة قال : دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في صلاة الفجر ، فأومأ إليهم أن مكانكم ، ثم ذهب وجاء ورأسه يقطر ، فصلّى بهم(٢) .

وهو يدلّ على أنّهم أحرموا معه ، لأنّه أومأ إليهم ولم يكلّمهم ، لأنّ كلام المصلّي مكروه ، وهذا وإن كان باطلاً عندنا ، لكنّه ذُكر للإِلزام.

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام ، وقد سأله محمد بن مسلم عن الرجل يؤمّ القوم وهو على غير طهر ، فلا يعلم حتى تنقضي صلاته؟ قال : « يعيد ولا يعيد من خلفه وإن أعلمهم أنّه على غير طهر »(٣) .

ولأنّ المأموم لم يفرط بالائتمام به ، فلم تبطل صلاته ، كما لو سبق الإِمام الحدث.

وقال الشعبي وابن سيرين وحمّاد وأصحاب الرأي : تبطل صلاة المأمومين أيضاً(٤) .

وقال مالك : إن كان الإِمام غير عالم بحدث نفسه ، صحّت صلاة المأمومين ، وإن كان عالماً ، لم تصح(٥) .

وقال عطاء : إن كان حدثه جنابةً ، بطلت ، وإن كان غير ذلك ، أعادوا‌

____________________

(١) الاُم ١ : ١٦٧ - ١٦٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٤ ، المجموع ٤ : ٢٦٠ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٤ ، حلية العلماء ٢ : ١٧١ ، المغني ١ : ٧٧٧ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٥ و ٥٦ ، بداية المجتهد ١ : ١٥٦.

(٢) سنن أبي داود ١ : ٦٠ / ٢٣٣ ، سنن البيهقي ٢ : ٣٩٧.

(٣) التهذيب ٣ : ٣٩ / ١٣٧ ، الاستبصار ١ : ٤٣٢ / ١٦٦٨.

(٤) المبسوط للسرخسي ١ : ١٨٠ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٢٧ ، المجموع ٤ : ٢٦٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٥٥ ، المغني ١ : ٧٧٧ ، بداية المجتهد ١ : ١٥٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٢.

(٥) المدونة الكبرى ١ : ٣٣ ، الشرح الصغير ١ : ١٥٦ ، المجموع ٤ : ٢٦٠ ، فتح العزيز ٤ : ٣٢٤ ، بداية المجتهد ١ : ١٥٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٢.


في الوقت(١) .

واحتجّوا : بأنّ المأموم اقتدى بمن لا صلاة له ، فتبطل صلاته ، كما لو كان الإِمام كافراً أو امرأة.

وقال مالك : إذا علم الإِمام بحدثه فصلّى فسِق ، ولا تصح الصلاة خلف الفاسق(٢) .

والأصل ممنوع ، فإنّا نحكم بصحة الصلاة مع الجهل.

والفرق مع تسليم الأصل ؛ لأنّه منسوب إلى التفريط بالائتمام بالمرأة والكافر ، إذ لا يجوز أن يكونا إمامين له بحال ، والجنب والمحدث يجوز أن يكونا إمامين بالتيمّم.

مسألة ٥٩٢ : لو أحدث الإِمام ، فعلم المأمومون بحدثه ، وجب عليهم مفارقته‌ ، فينوون الانفراد ، فإن تابعوه ، بطلت صلاتهم.

فإن كان حدثه قبل إكمال ركعة قبل القراءة أو بعدها ، فإن كان موضع طهارته قريباً ، أومأ إليهم ومضى وتوضّأ وعاد إلى الصلاة.

وهل ينوون الاقتداء؟ إشكال ينشأ : من جواز نقل نية الانفراد إلى الائتمام.

وقال الشافعي : ينوون الاقتداء(٣) ، فانعقدت الصلاة في الابتداء جماعة بغير إمام ثم صارت جماعة بإمام.

وإن كان بعيداً ، قال الشافعي في القديم : يصلّون لأنفسهم. فمن أصحابه مَنْ علّل : بأنّه قاله قبل أن يجوّز الاستخلاف ، لأنّه في القديم لم يجوّز الاستخلاف. ومنهم مَنْ علّل : بأنّهم يصلّون فرادى ليخرجوا من‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٢٦٠ ، حلية العلماء ٢ : ١٧٢.

(٢) المجموع ٤ : ٢٦٠.

(٣) انظر : المجموع ٤ : ٢٦٢.


الخلاف ، فإنّ الناس اختلفوا في الصلاة بإمامين(١) .

وإن كان قد صلّى ركعةً أو أكثر ، فإنّهم لا ينتظرونه عنده(٢) ، لأنّه إذا عاد وصلّى ، فإنّهم يفارقونه إذا أتمّوا صلاتهم ، وإذا لم يكن قد قرأ ، لم ينتظروه ، وكانوا على فراقه.

تذنيب : لو أدرك الإِمام راكعاً ، فدخل معه في الصلاة ، فلمـّا فرغ أخبره أنّه كان على غير وضوء ، فالوجه : عدم القبول في بطلان صلاة المأموم.

وقال الشافعي : لا يعتدّ بتلك الركعة ، لأنّها لم تصح من الإِمام ، فلا ينوب عنه في القراءة فيها ، فيأتي بركعة اُخرى(٣) . وليس بجيّد.

مسألة ٥٩٣ : لو أحدث الإِمام أو أغمي عليه أو مات أو مرض ، قدّم هو أو المأمومون من يتمّ بهم الصلاة ، استحباباً لا وجوباً ، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور والشافعي في الجديد(٤) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يمكّن أبا بكر من إتمام الإِمامة في الصلاة ، وخرج وهو مريض ، فأتمّ هو الصلاة بالناس(٥) .

وقال الشافعي في القديم : لا يجوز(٦) .

وقد تقدم البحث في ذلك في باب الجمعة(٧) .

____________________

(١) حلية العلماء ٢ : ١٧٢ ، المجموع ٤ : ٢٦٢.

(٢) المجموع ٤ : ٢٦٢.

(٣) المجموع ٤ : ٢٥٨.

(٤) الشرح الصغير ١ : ١٦٦ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٥٢ ، المدونة الكبرى ١ : ١٤٥ ، المبسوط للسرخسي ١ : ١٦٩ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٢٤ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٥٩ ، اللباب ١ : ٨٤ ، المغني ١ : ٧٧٩.

(٥) صحيح البخاري ١ : ١٦٩ ، صحيح مسلم ١ : ٣١٢ / ٤١٨ ، سنن الترمذي ٢ : ١٩٧ ذيل الحديث ٣٦٢.

(٦) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٣ ، المجموع ٤ : ٢٤٢ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٦ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٢٤.

(٧) تقدم في المسألة ٣٩١.


فروع :

أ : يكره أن يستنيب المسبوق ، لقول الصادقعليه‌السلام : « إذا أحدث الإِمام وهو في الصلاة فلا ينبغي له أن يقدّم إلّا مَنْ شهد الإِقامة »(١) .

ويجوز أن يستنيب المنفرد والسابق ، فإن استنابه ، جاز أن يستنيب ثانياً.

ب : لا فرق في جواز الاستخلاف بين أن يكون الإِمام قد سبقه الحدث أو أحدث عمداً.

وقال أبو حنيفة : إن سبقه ، جاز أن يستخلف ، وإن تعمّد ، لم يجز وأتمّوا منفردين(٢) . بناء على أصله من أنّ سبق الحدث لا يبطل الصلاة ، فإذا بقي حكمها ، بقي حكمها على الجماعة في جواز الاستخلاف.

ج : استخلاف الإمام ليس بشرط ، فلو تقدّم بعض المأمومين بنفسه وأتمّ الصلاة ، جاز ، وبه قال الشافعي(٣) .

وقال أبو حنيفة : لا بدّ من الاستخلاف ، فإن تقدّم بنفسه ، لم يجز أن يصلّوا معه(٤) .

د : لو استخلف اثنين حتى يصلّي مع كلّ واحد منهما بعض الناس ، جاز‌ في غير الجمعة.

مسألة ٥٩٤ : ما يدركه المسبوق مع الإِمام يكون أول صلاته‌ وإن كان آخر صلاة الإِمام ، عند علمائنا أجمع - وبه قال عليعليه‌السلام ،

____________________

(١) التهذيب ٣ : ٤٢ / ١٤٦ ، الاستبصار ١ : ٤٣٤ / ١٦٧٤.

(٢) بدائع الصنائع ١ : ٢٢٦.

(٣) الاُم ١ : ١٧٥ ، المجموع ٤ : ٢٤٤.

(٤) بدائع الصنائع ١ : ٢٢٦ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٥٩.


وعمر وأبو الدرداء والشافعي والأوزاعي وإسحاق ، واختاره ابن المنذر(١) - لقول عليعليه‌السلام : « يجعل ما أدرك مع الإِمام من الصلاة أوّلها »(٢) .

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام : « إذا أدرك الرجل بعض الصلاة جعل أول ما أدرك أول صلاته ، إذا أدرك من الظهر أو العصر ركعتين ، قرأ فيما أدرك مع الإِمام مع نفسه اُمّ الكتاب وسورة ، فإن لم يدرك السورة تامّة ، أجزأته اُمّ الكتاب ، فإذا سلّم الإِمام فصلّى ركعتين لا يقرأ فيهما ، لأنّ الصلاة إنّما يقرأ فيها في الأوّلتين »(٣) .

ولأنّها ركعة مفتتحة بالإِحرام فكانت أول صلاته كالمنفرد.

وللإِجماع على أنّه إذا أدرك ركعة في المغرب صلّى أخرى ، وجلس للتشهّد ، فدلّ على أنّها أول صلاته.

وقال الثوري : يكون آخر صلاته - وبه قال أحمد وأصحاب الرأي ، وهو المشهور عن مالك - لقولهعليه‌السلام : ( ما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فاقضوا )(٤) (٥) .

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٢ ، المجموع ٤ : ٢٢٠ ، الاُم ١ : ١٧٨ ، فتح العزيز ٤ : ٤٢٧ ، حلية العلماء ٢ : ١٥٩ ، المغني ٢ : ٢٦٠ ، الشرح الكبير ٢ : ١١ ، وسنن البيهقي ٢ : ٢٩٩.

(٢) سنن البيهقي ٢ : ٢٩٨ و ٢٩٩ ، ونحوه في التهذيب ٣ : ٤٦ / ١٦١ ، والاستبصار ١ : ٤٣٧ / ١٦٨٥.

(٣) المعتبر : ٢٤٦ ، وبتفاوت في الفقيه ١ : ٢٥٦ / ١١٦٢ ، والتهذيب ٣ : ٤٥ / ١٥٨ ، والاستبصار ١ : ٤٣٦ / ١٦٨٣.

(٤) مسند أحمد ٢ : ٢٣٨ و ٢٧٠ و ٣١٨ ، سنن النسائي ٢ : ١١٤ - ١١٥ ، سنن البيهقي ٣ : ٩٣.

(٥) المغني ٢ : ٢٦٠ ، الشرح الكبير ٢ : ١١ ، المبسوط للسرخسي ١ : ١٩٠ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٤٨ ، المجموع ٤ : ٢٢٠ ، فتح العزيز ٤ : ٤٢٧ ، حلية العلماء ٢ : ١٥٩ ، الميزان للشعراني ١ : ١٧٣ - ١٧٤.


والمروي : ( فأتمّوا )(١) على أنّ معناه : وما أدركتموه فتابعوه فيه ، وما فاتكم فافعلوه ، وحقيقة القضاء ما فعل بعد خروج وقته ، وإنّما عبّر به عن الفعل.

فروع :

أ : إذا أدرك الأخيرتين من الرباعية ، استحب له أن يقرأ - لما يأتي - لا واجباً ، لأنّ القراءة تسقط عن المأموم ويقرأ الفاتحة في اُخرييه لا غير ، لأنّهما اُخريان.

والشافعي وإن وافقنا على أنّهما اُخريان ، إلّا أنّه قال : يقرأ فيهما بالفاتحة وسورة(٢) .

واختلف أصحابه في علّة ذلك ، فقال بعضهم : إنّ السورة لم يقرأها في الْاُوليين ، ولا أدرك قراءة الإِمام بها ، فاستحب له أن يأتي بها ، لتحصل له فضيلتها.

وقال بعضهم : إنّما قال ذلك بناءً على القول باستحباب السورة في جميع الركعات(٣) .

ب : يجب الإِسرار في المأتي بها بعد مفارقة الإِمام ، لأنّهما اُخريان ، وهو أحد قولي الشافعي لكن لا وجوباً ، وفي الآخر : يجهر ليدرك ما فاته من الجهر(٤) .

ج : الأجود : أنّه يتخيّر في الأخيرتين بين القراءة والتسبيح وإن كان‌

____________________

(١) صحيح مسلم ١ : ٤٢٠ / ٦٠٢ ، صحيح البخاري ١ : ١٦٣ - ١٦٤ ، سنن أبي داود ١ : ١٥٦ / ٥٧٢ ، سنن الدارمي ١ : ٢٩٤ ، سنن ابن ماجة ١ : ٢٥٥ / ٧٧٥ ، سنن الترمذي ٢ : ١٤٩ / ٣٢٧ ، مسند أحمد ٢ : ٢٣٩ و ٢٧٠ و ٤٥٢.

(٢) الاُم ١ : ١٧٨ ، المجموع ٣ : ٣٨٧ و ٤ : ٢٢٠ ، فتح العزيز ٤ : ٤٢٧ ، حلية العلماء ٢ : ١٥٩.

(٣) المجموع ٣ : ٣٨٧ و ٣٨٨ و ٤ : ٢٢٠ ، فتح العزيز ٤ : ٤٢٧ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٠.

(٤) المجموع ٣ : ٣٨٨ و ٤ : ٢٢٠ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٠.


الإِمام قد سبّح في اُخرييه ، لأنّهما اُخريان ، فلا يسقط حكمهما من التخيير.

ويحتمل : وجوب القراءة إن سبّح الإِمام ، لئلّا تفوت الصلاة من قراءة.

د : إذا أحدث الإِمام في الاُولى ، فسواء استخلف مَنْ شرع معه في الصلاة أو لا ، فإنّه جائز ، لأنّه لا يختلف نظم الصلاة وإن كان في الثانية أو الثالثة ، فإن استخلف مأموماً موافقاً ، جاز إجماعاً ، وإن استخلف مسبوقاً ، جاز أيضاً ، ويتمّ صلاته على نظم صلاة نفسه.

وقال الشافعي : على نظم صلاة الإِمام(١) .

مثاله : إذا استخلفه في الثانية ، فإذا صلّى ركعة ، قام إلى ثانيته ، وتشهّد المأمومون تشهّداً خفيفاً ولحقوا به.

وقال الشافعي : يقعد للتشهّد وإن لم يكن موضع قعوده(٢) .

فإذا صلّى ثانية ، قعد عندنا ، وتشهّد ، وتبعه المأمومون في القعود لا التشهّد.

وقال الشافعي : لا يقعد ، لأنّها الثالثة من صلاة الإمام وإن كان الموضع موضع قعوده(٣) .

وإذا صلّى ثالثة ، فقد تمّت صلاة القوم ، فينهض إلى الرابعة ، ثم إن شاء المأمومون المفارقة ، نووا الانفراد وتشهّدوا وسلّموا ، وإن شاءوا انتظروا الإِمام حتى يتشهّد ويسلّم بهم.

وقال الشافعي : يتشهّد في ثالثته ، وإذا علم أنّ القوم قد فرغوا من التشهّد ، أشار إليهم بالسلام ويتمّ لنفسه(٤) .

ولو استخلف مَن لم يشرع معه في الصلاة ، جاز عندنا ، خلافاً

____________________

(١) الأم ١ : ١٧٥ - ١٧٦ ، المجموع ٤ : ٢٤٣.

(٢) الأم ١ : ١٧٦ ، المجموع ٤ : ٢٤٣.

(٣ و ٤ ) المجموع ٤ : ٢٤٣.


للشافعي(١) .

مسألة ٥٩٥ : يدرك المأموم الركعة بإدراكها من أوّلها إجماعاً ، وبإدراك تكبيرة الركوع أيضاً ، لأنّه أدرك معظم الركعة ، والقراءة ليست ركناً.

وهل يدركها بإدراك الإِمام راكعاً؟ الوجه : ذلك ، خلافاً للشيخ(٢) ، وقد مضى البحث في ذلك في باب الجمعة(٣) .

إذا ثبت هذا ، فإنّه إذا أدركه راكعاً ، كبّر للافتتاح واجباً ، وكبّر ثانياً للركوع مستحباً ، لأنّه ركوع معتدّ به ، ومن انتقل إلى ركوع معتدّ به فمن سننه التكبير كالإِمام والمنفرد.

ولو خاف رَفْعَ الإِمام ، كبّر للافتتاح خاصة ، ونوى الوجوب ، وليس له أن ينوي الافتتاح والركوع ، لتضادّ الوجهين.

ولو كبّر ولم يَنْو التحريم ولا الركوع ، احتمل قويّاً البطلان ، لعدم نيّة الافتتاح. والصحة ، لأنّ قرينة الافتتاح تصرفها إليه.

ويعارض بأنّ قرينة الهوىّ تصرفها إليه.

فروع :

أ : إذا اجتمع مع الإِمام في الركوع ، أدرك الركعة ، فإن رفع الإِمام رأسه مع ركوع المأموم ، فإن اجتمعا في قدر الإِجزاء من الركوع ، وهو : أن يكون رفع ولم يجاوز حدّ الركوع الجائز - وهو بلوغ يديه إلى ركبتيه - فأدركه المأموم في ذلك وذكر بقدر الواجب ، أجزأه ، وإن أدرك دون ذلك ، لم يجزئه.

ب : لو رفع الإِمام رأسه من الركوع ثم ذكر أنه نسي التسبيح ، لم يكن له الرجوع‌ إلى الركوع ، فإن رجع جاهلاً بالحكم فدخل مأموم معه ، لم يكن مدركاً للركعة ، لأنّه ركوع باطل.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٢٤٣.

(٢) النهاية : ١١٤ ، المبسوط للطوسي ١ : ١٥٨.

(٣) تقدّم في الفرع « ب » من المسألة ٣٩٧.


وقال بعض الشافعية : يجوز(١) . وليس بمعتمد.

ج : لو أدركه بعد رَفْعه من الركوع ، استحبّ له أن يكبّر للهويّ إلى السجود ، ويسجد معه السجدتين‌ ، ولا يعتدّ بهما ، بل إذا قام الإِمام إلى اللاحقة ، قام ونوى وكبّر للافتتاح ، وإن شاء أن يتربّص حتى يقوم الإِمام ويستفتح معه ، جاز.

وإنّما لم يعتد بالسجدتين ، لأنّ زيادتهما زيادة ركن ، فتبطل الصلاة بها.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « إذا سبقك الإِمام بركعة فأدركت وقد رفع رأسه فاسجد معه ولا تعتدّ بها »(٢) .

ولو كان السجود للركعة الأخيرة ، فَعَل ما قلناه ، فإذا سلّم الإِمام ، قام فاستقبل صلاته بنيّة منفردة وتكبير متجدّد.

ولو أدركه بعد رَفْع رأسه من السجدة الأخيرة ، جاز أن يكبّر ويجلس معه في تشهّده يتشهّد ، وإن شاء سكت ، فإذا سلّم الإِمام ، قام وبنى على تلك التكبيرة إن كان قد نوى للافتتاح ، وليس ذلك فعلاً كثيراً مبطلاً ، لأنّه من أفعال الصلاة لتحصيل فضيلة الجماعة.

د : إذا لحقه بعد الركوع قبل السجود فقد قلنا : إنّه يكبّر للافتتاح ثم يكبّر للهويّ إلى السجود‌ - وهو أحد وجهي الشافعي(٣) - لأنّه مأمور بالسجود متابعةً للإِمام ، فسُنّ له التكبير ، كما لو كان السجود من صلب الصلاة.

والثاني : لا يكبّر للسجود ، لعدم الاعتداد به ، وليس متابعاً للإِمام ، والتكبير كلا تكبير ، بخلاف الركوع المعتدّ به ، والأول أصحّ عندهم(٤) .

____________________

(١) المجموع ٤ : ٢١٧.

(٢) التهذيب ٣ : ٤٨ / ١٦٦.

(٣ و ٤ ) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٢ ، حلية العلماء ٢ : ١٥٩.


أمّا لو أدركه في التشهّد ، فإنّه يكبّر للافتتاح خاصة ، لأنّ الجلوس عن القيام لم يشرع في الصلاة ، فلا تكبير له ، فإذا قام الإِمام إلى الثالثة ، لم يتابعه المأموم في التكبير - خلافاً للشافعي - لأنّه قيام أول بالنسبة إليه.

وقال الشافعي : يكبّر متابعةً لإِمامه(١) .

فإذا صلّى ركعتين مع الإِمام ثم سلّم الإِمام ، قام إلى ثالثته مكبّراً إن قلنا باستحبابه في قيام الثالثة ، لأنّه يقوم إلى ابتداء ركعة ، وبه قال الشافعي(٢) .

ولو أدرك الإِمام في التشهّد الأخير ، كبّر وجلس بغير تكبير ، فإذا سلّم الإِمام ، قام بغير تكبير ، لأنه قد كبّر في ابتداء هذه الركعة.

وهل يتشهّد مع الإِمام؟ يحتمل ذلك ، لأنّه إذا جاز أن يقعد في غير موضع قعوده متابعةً للإِمام ، جاز أن يتبعه في التشهّد ، وليس واجباً عليه ، لأنّ المتابعة تجب في الأفعال لا في الأذكار. ويحتمل العدم ، لأنّه ليس بموضع للتشهّد. وكلاهما للشافعي(٣) .

ه : لو أدركه في التشهّد الأول وقعد معه ثم قام الإِمام ، تابعه المأموم ولا يقرأ دعاء الاستفتاح.

ولو كبّر المأموم وقصد أن يقعد فقام الإمام قبل أن يقعد المأموم ، دعا للاستفتاح.

والفرق : أنّه وجد منه في الأول الاشتغال بعد الافتتاح بفعل وجب عليه الإِتيان به ، فلم يبق حكم الاستفتاح ، وهنا لم يشتغل بفعل ، فيؤمر بدعائه.

و : الأقرب : أنّه لا تحصل فضيلة الجماعة فيما إذا أدركه بعد رفعه من الركوع الأخير.

ويحتمل الإِدراك ؛ لقول محمد بن مسلم : قلت له : متى يكون يدرك‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٢١٨.

(٢) المجموع ٤ : ٢١٨ ، مغني المحتاج ١ : ٢٦٢.

(٣) المجموع ٤ : ٢١٩ ، مغني المحتاج ١ : ٢٦١.


الصلاة مع الإِمام؟ قال : « إذا أدرك الإِمام وهو في السجدة الأخيرة من صلاته فهو مدرك لفضل الصلاة مع الإِمام »(١) . وهي مرسلة.

مسألة ٥٩٦ : إذا افتتح الصلاة ثم أحسّ بداخل في المسجد ، لم يستحب له الزيادة في التلاوة‌ ليلتحق به الداخل ؛ لأنّ غرضه يحصل من إدراك الركوع معه ، فلو زاد في القراءة ؛ لم يكره ؛ لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، روي عنه أنّه قال : ( إنّي أحياناً أكون في الصلاة فأفتتح السورة اُريد أن اُتمّها فأسمع بكاء صبي فأتجوّز في صلاتي مخافة أن تفتتن اُمّه )(٢) فإذا جاز الاختصار رعايةً لحقّ الطفل ، جازت الزيادة رعايةً لحقّ اللاحق.

ولو ظنّ أنّه يفوته الركوع ، فالوجه : استحباب زيادة القراءة.

ولو أحسّ بداخل وقد فرغ من القراءة وهو يريد الركوع ، فلا يطوّل قيامه ؛ لحصول غرضه بإدراك الركوع.

ولو أحسّ به وقد رفع من الركوع ، أو كان في السجود أو التشهّد الأول ، لم ينتظر إجماعاً ؛ إذ لا غرض فيه ؛ لأنّ الذي أدرك من الأفعال لا اعتداد به.

وإن أحسّ بداخل وهو في الركوع ، استحبّ له أن يطيل ركوعه ليلتحق به - وبه قال الشعبي والنخعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والشافعي في أحد القولين(٣) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّى بطائفة صلاة الخوف ركعةً ، وانتظرها حتى أتمّت ومضت ، وجاءت الْاُخرى(٤) .

ومن طريق الخاصة : رواية جابر عن الباقرعليه‌السلام ، وقد سأله إنّي‌

____________________

(١) التهذيب ٣ : ٥٧ / ١٩٧.

(٢) صحيح البخاري ١ : ١٨١ ، صحيح مسلم ١ : ٣٤٣ / ٤٧٠ ، وسنن البيهقي ٢ : ٣٩٣ بتفاوت.

(٣) المغني ٢ : ٦٦ ، الشرح الكبير ٢ : ١٧ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٣ ، المجموع ٤ : ٢٣٠ ، فتح العزيز ٤ : ٢٩٤ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٢.

(٤) صحيح البخاري ٢ : ١٧ - ١٨ ، صحيح مسلم ١ : ٥٧٤ - ٥٧٥ / ٨٤٠.


أؤمّ قوماً فأركع ويدخل الناس وأنا راكع فكم أنتظر؟ فقال الباقرعليه‌السلام : « ما أعجب ما تسأل عنه يا جابر!! انتظر مِثْلَي ركوعك ، فإن انقطعوا وإلّا فارفع رأسك »(١) .

ولأنّه فعل يقصد به التقرّب إلى الله تعالى بتحصيل قربة لمسلم.

وقال الشافعي في الآخر : يكره الانتظار - وبه قال مالك وداود وأصحاب الرأي ، واختاره ابن المنذر والمزني - لأنّه يفعل جزءاً من الصلاة لأجل آدمي وقد أمر الله تعالى بأن يصلّى خالصاً له تعالى(٢) .

ونمنع عدم الاخلاص ؛ لأنّه تقرّب إليه تعالى بتحصيل القربة للداخل وإن قصد به لحوق آدمي الصلاة ، فإنّ الله تعالى أمر بمنافع الآدميين.

وقال بعض الشافعية : إن كان يعرف الداخل ، لا ينتظره ؛ لأنّه لا يخلو من نوع مراءاة ، وإن كان لا يعرفه ، لم يكره(٣) .

فروع :

أ : إنّما ينتظر إذا كان قريباً‌ وكان لا يطوّل الأمر على المأمومين ، فأمّا إذا كان بعيداً وكان في الانتظار تطويل ، لم ينتظر.

ب : لو أحسّ بداخل وهو في التشهّد الأخير ، فالوجه : الانتظار‌ ، لأنّ في إدراك التشهد غرضا صحيحا.

ج : لو انتظر ، لم تبطل صلاته عندنا‌ ، لأنّه مستحب ، وكذا عند الشافعي على أحد القولين ، وعلى الآخر : وجهان(٤) .

مسألة ٥٩٧ : لو دخل المسجد فركع الإِمام فخاف فوت الركوع ، جاز‌

____________________

(١) التهذيب ٣ : ٤٨ / ١٦٧.

(٢) المهذّب للشيرازي ١ : ١٠٣ ، المجموع ٤ : ٢٣٠ و ٢٣٣ ، فتح العزيز ٤ : ٢٩٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٢.

(٣) المجموع ٤ : ٢٣٠ ، الوجيز ١ : ٥٥ ، فتح العزيز ٤ : ٢٩٢.

(٤) المجموع ٤ : ٢٣٠ ، فتح العزيز ٤ : ٢٩٣ ، مغني المحتاج ١ : ٢٣٢.


أن يكبّر ويركع ، ويمشي راكعاً حتى يلتحق بالصف قبل رَفْع رأس الإِمام أو يأتي آخر فيقف معه ؛ تحصيلاً لفضيلة الجماعة.

والمشي في الركوع لإِدراك الصف غير مُبطل ، وفعل ذلك ابن مسعود وزيد بن وهب وعروة وأبو بكر بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير ، وجوّزه الزهري والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد(١) .

ومن طريق الخاصة : قول أحدهماعليهما‌السلام ، في الرجل يدخل المسجد فيخاف أن يفوته الركوع ، قال : « يركع قبل أن يبلغ القوم ، ويمشي وهو راكع حتى يبلغهم »(٢) .

فروع :

أ : لو كان بعيداً من الصف ، فإن كان يصح أن يأتمّ وهو في مكانه ، وقف وحده‌ لئلّا يفعل فعلاً كثيراً ، فإن مشى ، احتمل الجواز ؛ لأنّه من أفعال الصلاة. والمنع ؛ لكثرته ، ولا تبطل صلاته لو وقف وحده ؛ لما بيّنّا من جوازه.

وإن كان لا يصح أن يأتمّ فيه لبُعده ، فالوجه : أنّه لا يعتدّ بذلك الركوع ، ويصبر حتى يلتحق بالإِمام في الثانية.

وإن كان لا يصح للحائل ، لم يجز له أن يشرع حتى يخرج عن الحائل.

ب : لو ركع دون الصف ومشى فسجد الإِمام قبل التحاقه ، سجد على حاله وقام والتحق بالصف ، فإن ركع الإِمام ثانياً ، ركع ومشى في ركوعه ، وصحّت صلاته.

وكرهه الشافعي وأبو حنيفة ومالك ؛ لما فيه من الانفراد بصف في ركعة تامّة(٣) .

____________________

(١) المغني ٢ : ٦٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٧٢.

(٢) الفقيه ١ : ٢٥٧ / ١١٦٦ ، التهذيب ٣ : ٤٤ / ١٥٤ ، الاستبصار ١ : ٤٣٦ / ١٦٨١.

(٣) المجموع ٤ : ٢٩٨ ، وحكاه عنهم المحقق في المعتبر : ٢٤٥.


وقال أحمد : تبطل صلاته(١) .

وليس بشي‌ء ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « إذا خفت أن يركع قبل أن تصل إليه ، فكبّر وأركع ، فإن رفع رأسه فاسجد مكانك ، فإذا قام ، فالحق بالصف ، وإن جلس فاجلس مكانك ، فإذا قام ، فالحق بالصف »(٢) .

ج : لو رفع رأسه من الركوع ثم دخل الصف ، أو جاء آخر فوقف معه قبل إتمام الركعة ، صحّت صلاته‌ عندنا ، وكرهه مالك والشافعي وأصحاب الرأي(٣) ، ولا تبطل صلاته ؛ لأنّ أبا بكرة جاء ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله راكع ، فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف ، فلمّا قضى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الصلاة ، قال : ( أيّكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ ) فقال أبو بكرة : أنا ؛ فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( زادك الله حرصاً ولا تعد )(٤) ولم يأمره بالإِعادة.

وقال أحمد : إن كان جاهلاً بتحريم ذلك ، صحّت صلاته ، وإن علم ، لم تصح ، لأنّ قولهعليه‌السلام لأبي بكرة : ( لا تعد ) يدلّ على الفساد(٥) .

وهو بناءً على تحريم الانفراد بصف ، وقد بيّنّا جوازه ، وقولهعليه‌السلام : ( لا تعد ) المراد به إلى التأخّر.

مسألة ٥٩٨ : قد بيّنّا أنّه يستحب لمن صلّى منفرداً إعادة تلك الصلاة‌

____________________

(١) المغني ٢ : ٦٤ ، وحكاه عنه أيضاً المحقق في المعتبر : ٢٤٥.

(٢) جاء صدر الحديث هنا متّفقاً مع ما في المعتبر : ٢٤٥ ، ومختلفاً مع ما في المصادر ، وصدره فيها هكذا : « إذا دخلت المسجد والإِمام راكع فظننت أنّك إن مشيت إليه رفع رأسه قبل أن تدركه فكبّر ».

اُنظر : الكافي ٣ : ٣٨٥ / ٥ ، الفقيه ١ : ٢٥٤ / ١١٤٨ ، التهذيب ٣ : ٤٤ / ١٥٥ ، الاستبصار ١ : ٤٣٦ / ١٦٨٢.

(٣) اُنظر : المغني ٢ : ٦٤.

(٤) سنن أبي داود ١ : ١٨٢ / ٦٨٤.

(٥) المغني ٢ : ٦٤ - ٦٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٧٢.


مع الجماعة ؛ تحصيلاً لفضيلة الجماعة أيّة صلاة كانت - وبه قال عليعليه‌السلام ، وأنس وحذيفة وسعيد بن المسيّب وسعيد بن جبير والزهري والشافعي(١) - لأنّ يزيد بن الأسود العامري قال : شهدت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حجّته فصلّيت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف وأنا غلام شاب ، فلمـّا قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصلّيا معه ، فقال : ( عليَّ بهما ) فاُتى بهما ترعد فرائصهما ، فقال : ( ما منعكما أن تصلّيا معنا؟ ) فقالا : يا رسول الله كنّا قد صلّينا في رحالنا ، فقال : ( لا تفعلا ، إذا صلّيتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصلِّيا معهم فإنّهما لكما نافلة )(٢) .

وأطلق ولم يفرّق.

وقال أحمد كذلك ، إلّا أنه قال : لا يصلّي العصر والصبح إلّا مع إمام الحيّ دون غيره(٣) .

وقال مالك : إن كان قد صلّى وحده ، أعادها جماعةً إلّا المغرب ، وإن صلّاها جماعة ، لم يعدها(٤) .

وقال الأوزاعي : يصلّي ما عدا المغرب والصبح(٥) .

وقال أبو حنيفة : لا يعيد إلّا صلاتين : الظهر والعشاء(٦) .

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٢ ، فتح العزيز ٤ : ٢٩٦ ، المجموع ٤ : ٢٢٣ و ٢٢٥ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٠.

(٢) سنن أبي داود ١ : ١٥٧ / ٥٧٥ ، سنن الترمذي ١ : ٤٢٤ - ٤٢٥ / ٢١٩ ، سنن النسائي ٢ : ١١٢ - ١١٣ ، سنن البيهقي ٢ : ٣٠١.

(٣) حلية العلماء ٢ : ١٦١ ، المغني ١ : ٧٨٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٦ و ٧.

(٤) حلية العلماء ٢ : ١٦١ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٥٠.

(٥) حلية العلماء ٢ : ١٦١.

(٦) حلية العلماء ٢ : ١٦١ ، المجموع ٤ : ٢٢٥ ، فتح العزيز ٤ : ٢٩٨ ، المغني ١ : ٧٨٦ ، الشرح الكبير ٢ : ٧.


واحتجّوا : بقولهعليه‌السلام : ( لا تصلّى صلاة في اليوم مرّتين )(١) .

وقال : ( لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس )(٢) والمغرب وتر لا يتنفّل بها(٣) .

والخبر لا حجّة فيه ؛ لأنّه لا يصلّيهما على أنّهما واجبتان. والنهي بعد العصر محمول على ما لا سبب له. ونمنع انتفاء التنفل بالوتر.

وقال بعض الشافعية : يضيف إليها رابعةً ، ورووه عن حذيفة بن اليمان(٤) . وليس بشي‌ء.

فروع :

أ : هل يستحب لمن صلّى جماعةً إعادة صلاته في جماعة اُخرى؟ قال الشافعي : نعم(٥) وعموم قول الصادقعليه‌السلام ، في الرجل يصلّي الفريضة ثم يجد قوماً يصلّون جماعةً ، أيجوز أن يعيد الصلاة معهم؟ قال : « نعم وهو أفضل »(٦) .

ويحتمل العدم ؛ لأنّ المطلوب حصل أوّلاً ، وهو : إدراك فضيلة الجماعة ، وإنّما سوّغنا الإِعادة ؛ استدراكاً لمصلحة الجماعة ، وهو إنّما يتحقّق في المنفرد.

ب : لو صلّى في جماعة ثم حضر واحد وأراد الصلاة ، استحبّ له أن يصلّي معه جماعةً‌ إماماً أو مأموماً ؛ تحصيلاً لفضيلة الجماعة للحاضر.

ج : هل يستحب التكرار ثلاثاً فما زاد؟ إشكال ، أقربه : المنع.

د : الوجه : أنّ الفرض هو الْاُولى ، والثانية سنّة - وبه قال أبو حنيفة وأحمد‌

____________________

(١) سنن أبي داود ١ : ١٥٨ / ٥٧٩ وفيه : ( لا تصلّوا ).

(٢) سنن أبي داود ٢ : ٢٤ / ١٢٧٦ ، صحيح مسلم ١ : ٥٦٧ / ٨٢٧.

(٣) اُنظر : المغني ١ : ٧٨٦ ، والشرح الكبير ٢ : ٧.

(٤) المجموع ٤ : ٢٢٥ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٠ - ١٦١.

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٢ ، المجموع ٤ : ٢٢٣ و ٢٢٥ ، حلية العلماء ٢ : ١٦١.

(٦) التهذيب ٣ : ٥٠ / ١٧٥.


والشافعي في الجديد(١) - لقولهعليه‌السلام : ( فتكون لكم نافلة )(٢) .

وقول الصادقعليه‌السلام ، لـمّا حكم باستحباب الإِعادة ، قلت : فإن لم يفعل؟ قال : « ليس به بأس »(٣) .

ولأنّ الْاُولى قد سقط بها الفرض ، ولهذا لم يجب أن يصلّي ثانياً. ولأنّه صلّى المأمور به على وجهه ، فيخرج عن العهدة.

وقال في القديم : يحتسب الله له بأيّهما شاء ؛ لأنّه استحبّ إعادة الفريضة ليكملها بالجماعة ، فلو كانت الثانية نافلةً ، لم تستحبّ لها الجماعة(٤) .

وليس بجيّد ؛ فإنّ الجماعة(٥) استحبت ؛ لأنّ الجماعة سببها.

وفي رواية عن الصادقعليه‌السلام ، في الرجل يصلّي الصلاة وحده ثم يجد جماعة ، قال : « يصلّي معهم ويجعلها الفريضة »(٦) .

وهي محمولة على ما إذا دخل في الصلاة ثم حضرت الجماعة ، فإنّه يعدل بنيته إلى النفل ، ثم يجعل الثانية هي الفريضة.

ه : إذا جعلنا الثانية نفلاً ، فالأقرب : أنّه ينوي النفل ؛ لأنّ الفعل يقع نفلاً فكيف نأمره بنيّة الفرض!؟ وهو أحد قولي الشافعيّة ، وأصحهما عندهم : أنّه ينوي الفرض ؛ لأنّ القصد إدراك فضيلة الجماعة ، ولا تشرع الجماعة في‌

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٢ ، المجموع ٤ : ٢٢٤ ، فتح العزيز ٤ : ٣٠١ ، حلية العلماء ٢ : ١٦١ ، الشرح الكبير ٢ : ٨ ، المغني ١ : ٧٨٨.

(٢) سنن النسائي ٢ : ١١٣ ، سنن الترمذي ١ : ٤٢٥ / ٢١٩ ، مسند أحمد ٤ : ١٦١ بتفاوت فيها.

(٣) التهذيب ٣ : ٥٠ / ١٧٥.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٢ ، المجموع ٤ : ٢٢٣ - ٢٢٤ ، فتح العزيز ٤ : ٣٠١ ، حلية العلماء ٢ : ١٦٢.

(٥) أيّ : صلاة الجماعة.

(٦) الكافي ٣ : ٣٧٩ / ١ ، الفقيه ١ : ٢٥١ / ١١٣٢ ، التهذيب ٣ : ٥٠ / ١٧٦.


النوافل(١) .

وليس بجيّد ؛ لأنهم سلّموا أنّها نفل.

مسألة ٥٩٩ : إذا بلغ الطفل سبع سنين ؛ كان على أبيه أن يعلّمه الطهارة والصلاة‌ ، ويعلّمه الجماعة وحضورها ، ليعتادها ؛ لأنّ هذا السنّ يحصل فيه التمييز من الصبي في العبادة ، وإذا بلغ عشر سنين ، ضرب عليها - وإن كانت غير واجبة - لاشتماله على اللطف ، وهو : الاعتياد والتمرّن.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ، وفرّقوا بينهم في المضاجع )(٢) .

وكذا يفعل ولي الصبي ووصيّه.

وقال الصادقعليه‌السلام : « مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ، فإنّا نأمر أولادنا بالصلاة وهم أبناء خمس ، ونضربهم عليها وهم أبناء سبع »(٣) .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إذا بلغ الصبي سبع سنين اُمر بالصلاة ، فإذا بلغ عشراً ، ضُرب عليها ، فإذا بلغ ثلاث عشرة سنة ، فرّقوا بينهم في المضاجع ، فإذا بلغ ثمانية عشر ، علّم القرآن ، فإذا بلغ إحدى وعشرين ، انتهى طوله ، فإذا بلغ ثمانية وعشرين ، كمل عقله ، فإذا بلغ ثلاثين ، بلغ أشدّه ، فإذا بلغ أربعين ، عُوفي من البلوى الثلاث : الجذام والجنون والبرص ، فإذا بلغ الخمسين ، حبّبت إليه الإِنابة ، فإذا بلغ الستّين ، غفرت ذنوبه ، فإذا بلغ السبعين ، عرفه أهل السماء ، فإذا بلغ الثمانين ، كتبت الحسنات ولم تكتب السيّئات ، فإذا بلغ التسعين ، كُتب : أسير الله في‌

____________________

(١) فتح العزيز ٤ : ٣٠٣.

(٢) مسند أحمد ٢ : ١٨٠ و ١٨٧ ، سنن الدار قطني ١ : ٢٣٠ / ٢ و ٣ ، سنن البيهقي ٢ : ٢٢٩.

(٣) الكافي ٣ : ٤٠٩ / ١ ، الفقيه ١ : ١٨٢ / ٨٦١ ، التهذيب ٢ : ٣٨٠ / ١٥٨٤ ، الاستبصار ١ : ٤٠٩ / ١٥٦٤ بتفاوت واختصار فيها.


أرضه ؛ فإذا بلغ المائة ، شفع في سبعين من أهل بيته وجيرانه ومعارفه )(١) .

إذا ثبت هذا ، فإنّ الصلاة لا تجب عليه إلّا مع البلوغ ، وبه قال الشافعي ، وأحمد في رواية(٢) ، لقولهعليه‌السلام : ( رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ الحلم )(٣) .

وفي رواية عن أحمد : إذا بلغ عشر سنين ، وجبت عليه الصلاة ، لأنّه اُمر بضربهم عليها ، والأمر بالضرب لمصلحة الاعتياد ، كما يضرب للتأديب(٤) .

مسألة ٦٠٠ : إذا شرع في نافلة فأحرم الإِمام ، قطعها‌ إن خشي الفوات ، تحصيلاً لفضيلة الجماعة ، سواء خاف فوت النافلة ، أو لا ، ولو لم يخف الفوات ، أتمّ النافلة ثم دخل في الفريضة.

ولو كان في فريضة ، استحب له أن ينقل النية إلى النفل ، ويتمّها اثنتين استحباباً ، ثم يدخل معه في الصلاة ، عند علمائنا - وهو أحد قولي الشافعي(٥) - للحاجة إلى فضل الجماعة.

ولما رواه سماعة قال : سألته عن رجل كان يصلّي فخرج الإمام وقد صلّى ركعة من فريضة ، قال : « إن كان إماما عدلا فليصلّ اخرى ولينصرف وليجعلهما تطوّعاً ، ويدخل مع الإِمام في صلاته »(٦) .

____________________

(١) أورد نحوه بتفاوت واختصار : الصدوق في الخصال : ٥٤٦ - ٥٤٧ / ٢٨ ، والهيثمي في مجمع الزوائد ١٠ : ٢٠٤ - ٢٠٦.

(٢) المغني ١ : ٤٤٥ ، الشرح الكبير ١ : ٤١٤.

(٣) سنن أبي داود ٤ : ١٤٠ - ١٤١ / ٤٤٠٢ ، سنن الترمذي ٤ : ٣٢ / ١٤٢٣ ، سنن ابن ماجة ١ : ٦٥٨ / ٢٠٤١ ، سنن الدارمي ٢ : ١٧١ ، مسند أحمد ٦ : ١٠٠ - ١٠١ باختلاف في لفظ الحديث.

(٤) المغني ١ : ٤٤٥ ، الشرح الكبير ١ : ٤١٤.

(٥) المجموع ٤ : ٢٠٨.

(٦) الكافي ٣ : ٣٨٠ / ٧ ، التهذيب ٣ : ٥١ / ١٧٧.


وفي الآخر للشافعي : إذا نقل نيّته من الفرض إلى النفل ، بطل الفرض ، ولم يحصل له النفل ؛ لأنّه لم يَنْوه في جميع الصلاة(١) .

وليس بجيد ، لأنّ نيّة النفل دخلت في نيّة الفرض فقد وجدت في جميع الصلاة.

فروع :

أ : لو كان الإِمام ممّن لا يقتدى به ، استمرّ على حاله‌ ؛ لأنّه ليس بمؤتمّ في الحقيقة.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « وإن لم يكن إمام عدل ، فليبن على صلاته كما هو ، ويصلّي ركعة اُخرى معه يجلس قدر ما يقول أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ثم يتمّ صلاته معه على ما استطاع ، فإنّ التقية واسعة ، وليس شي‌ء من التقية إلّا وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله تعالى »(٢) .

ب : لو كان في فريضة وأحرم إمام الأصل ، قطعها واستأنف الصلاة معه‌ ؛ لما فيه من المزية المقتضية للاهتمام بمتابعته.

ج : لو تجاوز في الفريضة الاثنتين ثم أحرم الإِمام ، فإن كان إمام الأصل ، قطعها‌ ؛ لما تقدّم ، وإلّا فالأقرب : الإِتمام ثم الدخول معه مُعيداً لها نافلة ؛ إذ مفهوم الأحاديث يدلّ على أنّ العدول إلى النفل في الركعتين.

د : لو ابتدأ بالنافلة فأحرم الإِمام بالفرض ، قال الشيخرحمه‌الله : إن علم أنّه لا يفوته الفرض معه ، تمّم نافلته‌ ، وإن علم فوات الجماعة ، قطعها‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٢١٢.

(٢) الكافي ٣ : ٣٨٠ / ٧ ، التهذيب ٣ : ٥١ / ١٧٧.


ودخل في الفريضة(١) .

وهذا يحتمل وجهين : أحدهما ، وهو الأظهر في اللفظ : أنّه لو علم فوات الجماعة حتى في الركعة الأخيرة ، قطعها ، وإن علم عدم الفوات بأن يلحق ركوع الأخيرة مثلاً ، أتمّ النافلة.

والثاني : أنّه إذا خاف فوات ركعة ما ، قطع النافلة ؛ محافظةً للجماعة فيها ، ولئلّا يصير مسبوقاً ، فيخالف الإِمام في بعض أفعاله.

قال الشيخ : وإن أحرم الإِمام بالفريضة قبل أن يُحْرم المأموم بالنافلة فإنّه يتبعه بكلّ حال ، ويصلّي النافلة بعد الفريضة ، سواء كان مع الإِمام في المسجد أو خارجاً منه ، وبه قال الشافعي.

وقال أبو حنيفة : وإن كان في المسجد فكقولنا ، وإن كان خارجاً منه : فإن خاف فوت الثانية ، دخل معه كما قلناه ، وإن لم يخف فواتها ، تمّم ركعتين نافلةً ثم دخل المسجد فصلّى معه(٢) .

ه : لو ابتدأ بقضاء الظهر وشرع الإِمام في صلاة الصبح ، وخاف إن تمّم ركعتين نافلة ، فاتته الصلاة مع الإمام ، فإن كان إمام الأصل ، أبطل صلاته ، وإلاّ فالوجه : إتمام القضاء وتفويت الجماعة ، لأنّ استدراكها بنقل النية من الفرض إلى النفل ، ولا يحصل الاستدراك بذلك هنا ، فيبقى وجوب الإِتمام سالماً عن المعارض.

مسألة ٦٠١ : يستحب للإِمام أن يخفّف صلاته بتخفيف الأذكار ، ويكمّل أفعالها مثل ركوعها وسجودها وقيامها ؛ لأنّ أنساً قال : ما صلّيت خلف أحد قطّ أخفّ ولا أتمّ صلاة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) .

____________________

(١) الخلاف ١ : ٥٦٥ ، المسألة ٣١٨ ، المبسوط للطوسي ١ : ١٥٧.

(٢) الخلاف ١ : ٥٦٥ ، المسألة ٣١٨ ، وانظر : المجموع ٤ : ٥٦ - ٥٧ و ٢١٢ ، وحلية العلماء ٢ : ١٢١.

(٣) صحيح البخاري ١ : ١٨١ ، سنن البيهقي ٣ : ١١٤.


وقالعليه‌السلام : ( من صلّى بالناس فليخفّف فإنّ فيهم السقيم والضعيف ، وإذا صلّى لنفسه فليطل ما شاء )(١) .

ولو أحبّ المأمومون خلفه التطويل ، جاز وكان أولى ؛ لقولهعليه‌السلام : ( أفضل الصلاة ما طال قنوتها )(٢) .

مسألة ٦٠٢ : لا تجب على المأموم القراءة ، سواء كانت الصلاة جهرية أو إخفاتية ، وسواء سمع قراءة الإِمام أو لا ، ولا تستحب في الجهرية مع السماع ، عند علمائنا أجمع - وبه قال عليعليه‌السلام ، وسعيد بن المسيب وعروة وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب الزهري والنخعي والثوري وابن عيينة ومالك وابن المبارك وإسحاق وأحمد وأصحاب الرأي ، وكثير من السلف(٣) - لقوله تعالى( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (٤) نزلت في شأن الصلاة(٥) .

قال زيد بن أسلم وأبو العالية : كانوا يقرؤن خلف الإِمام فنزلت( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (٦) .

وقالعليه‌السلام : ( إنّما جُعل الإِمام ليؤتمّ به ، فإذا كبَّر فكبِّروا وإذا قرأ‌

____________________

(١) صحيح البخاري ١ : ١٨٠ ، سنن أبي داود ١ : ٢١١ / ٧٩٤ ، سنن النسائي ٢ : ٩٤.

(٢) صحيح مسلم ١ : ٥٢٠ / ٧٥٦ بتفاوت.

(٣) المغني ١ : ٦٣٦ و ٦٤٠ - ٦٤١ ، الشرح الكبير ٢ : ١٢ و ١٣ ، المجموع ٣ : ٣٦٥ ، حلية العلماء ٢ : ٨٨.

(٤) الأعراف : ٢٠٤.

(٥) اُنظر : مجمع البيان ٢ : ٥١٤ - ٥١٥ ، والتبيان ٥ : ٦٧ - ٦٨ ، وتفسير أبي السعود ٣ : ٣١٠ ، وتفسير القرطبي ٧ : ٣٥٤.

(٦) أحكام القرآن للجصاص ٣ : ٣٩ ، أسباب النزول - للواحدي - : ١٣١ ، والمغني ١ : ٦٣٧.


فأنصتوا )(١) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا كنت خلف إمام تتولاّه وتثق به فإنّه تجزئك قراءته ، وإن أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما يخافت فيه ، فإذا جهر فأنصت ، قال الله تعالى( وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) »(٢) .

قال أحمد : ما سمعنا أحداً من أهل الإِسلام يقول : إنّ الإِمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة مَنْ خلفه إذا لم يقرأ ، هذا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والصحابة والتابعون ، وهذا مالك في أهل الحجاز ، وهذا الثوري في أهل العراق ، وهذا الأوزاعي في أهل الشام ، وهذا الليث في أهل مصر ما قالوا لرجل صلّى خلف إمام قرأ إمامه ولم يقرأ هو : إنّ صلاته باطلة(٣) .

ولأنّها قراءة لا تجب على المسبوق ، فلا تجب على غيره.

وللشافعي قولان : أحدهما : أن المأموم كالمنفرد فيما يسرّ به ، ولا يقرأ فيما يجهر به.

وأصحّهما عنده : أنّ المأموم يقرأ فيما أسرّ وجهر - وبه قال الليث والأوزاعي وأبو ثور ، واختاره ابن المنذر - لأنّ عبادة بن الصامت قال : صلّى بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الصبح فثقلت عليه القراءة ، فلمـّا انصرف قال : ( إنّي لأراكم تقرءون وراء إمامكم ) قلنا : أجل ، قال : ( لا تفعلوا إلّا باُمّ القرآن فإنّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها )(٤) .

ولأنّه يلزمه قيام القراءة ، فلزمته القراءة كالمنفرد(٥) .

____________________

(١) نقله ابن قدامة في الشرح الكبير ٢ : ١٤ نقلْاً عن سعيد بن منصور.

(٢) التهذيب ٣ : ٣٣ / ١٢٠.

(٣) المغني ١ : ٦٣٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٤.

(٤) سنن الترمذي ٢ : ١١٦ - ١١٧ / ٣١١ ، سنن البيهقي ٢ : ١٦٤ ، مسند أحمد ٥ : ٣١٦ و ٣٢٢.

(٥) المجموع ٣ : ٣٦٥ ، الوجيز ١ : ٤٢ ، فتح العزيز ٣ : ٣٠٩ - ٣١١ ، حلية العلماء ٢ : ٨٨ ، المغني ١ : ٦٣٦ - ٦٣٧ ، الشرح الكبير ٢ : ١٤.


والحديث محمول على غير المأموم ؛ فإنّ المأموم في حكم القارئ.

ويبطل القياس بالمسبوق.

فروع :

أ : قال الشيخان : لا يجوز أن يقرأ المأموم في الجهرية إذا سمع قراءة الإمام‌ ولو همهمة(١) ، لقول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ رضيت به فلا تقرأ خلفه »(٢) .

وقالعليه‌السلام : « وإن كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ »(٣) .

والنهي للتحريم ، ويحتمل الكراهة.

ب : لو لم يسمع القراءة في الجهريّة ولا همهمة ، فالأفضل القراءة‌ ، لا واجباً ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « إذا كنت خلف مَنْ ترضى به في صلاة يجهر بها فلم تسمع قراءته فاقرأ ، فإن كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ »(٤) .

وعن الكاظمعليه‌السلام ، في الرجل يصلّي خلف من يقتدى به يجهر بالقراءة ، فلا يسمع القراءة ، قال : « لا بأس إن صمت وإن قرأ »(٥) .

وهو يدلّ على نفي وجوب القراءة.

وقال أبو حنيفة والثوري وسفيان بن عيينة : لا يقرأ المأموم بحال(٦) .

وقال مالك وأحمد وإسحاق وداود : لا يقرأ فيما جهر فيه ، ويقرأ فيما أسرّ‌

____________________

(١) المبسوط للطوسي ١ : ١٥٨ ، وحكى قول الشيخ المفيد ، المحقّق في المعتبر : ٢٣٩.

(٢) التهذيب ٣ : ٣٣ / ١١٨ ، الإستبصار ١ : ٤٢٨ / ١٦٥٣.

(٣و٤) الكافي ٣ : ٣٧٧ / ٤ ، التهذيب ٣ : ٣٣ / ١١٧ ، الاستبصار ١ : ٤٢٨/ ١٦٥٢.

(٥) التهذيب ٣ : ٣٤ / ١٢٢ ، الاستبصار ١ : ٤٢٩ - ١٦٥٧.

(٦) اللباب ١ : ٧٨ ، حلية العلماء ٢ : ٨٨ ، المغني ١ : ٦٤٠ ، الشرح الكبير ٢ : ١٢ و ١٣.


فيه استحباباً(١) ؛ لقولهعليه‌السلام : ( مَنْ كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة )(٢) .

ونحن نقول بموجبه.

ج : الأصمّ إن كان بعيداً ، قرأ استحباباً في الجهريّة ؛ لعدم السماع في حقّه ، وإن كان قريباً ، قرأ مع نفسه ، لئلّا يشغل غيره عن السماع.

د : كما أنّ المأموم لا يقرأ كذا لا يستفتح ولا يستعيذ ؛ لأنّ الاستعاذة شرّعت لأجل القراءة ، فإذا سقط الأصل سقط التبع ، وإذا سقطت القراءة المؤكّدة لئلاّ يشتغل عن الاستماع ، فالاستفتاح أولى.

ولو سكت الإِمام قدراً يتّسع للاستفتاح أو استفتح ، فالوجه : أنّه يستفتح ولا يستعيذ ؛ لإِمكان الاستفتاح مع زوال المانع.

ه : لو كانت الصلاة سرّاً ، قال الشيخ : تستحب قراءة الحمد خاصة‌(٣) . وبه قال عبد الله بن عمر ، ومجاهد والحسن والشعبي وسعيد ابن المسيّب وسعيد بن جبير وعروة وأبو سلمة بن عبد الرحمن والحكم وأحمد(٤) .

وقال عليعليه‌السلام ، وابن عباس وابن مسعود وأبو سعيد وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر وجابر وابن عمر ، وحذيفة - هؤلاء التسعة من الصحابة - : لا يقرأ في الجهرية ولا في الإِسرار ؛ وبه قال ابن سيرين والثوري وابن عيينة وأصحاب الرأي(٥) ؛ لعموم قولهعليه‌السلام : ( مَنْ كان له إمام فقراءة الإِمام له‌

____________________

(١) المغني ١ : ٦٣٦ و ٦٣٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣ ، حلية العلماء ٢ : ٨٨.

(٢) سنن ابن ماجة ١ : ٢٧٧ / ٨٥٠ ، سنن الدار قطني ١ : ٣٢٣ / ١ ، سنن البيهقي ٢ : ١٦٠.

(٣) النهاية : ١١٣.

(٤) المغني ١ : ٦٣٩ - ٦٤٠ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣.

(٥) المغني ١ : ٦٣٦ و ٦٤٠ ، الشرح الكبير ٢ : ١٢ و ١٣.


قراءة )(١) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا كان مأموناً على القراءة فلا تقرأ خلفه في الأوّلتين »(٢) .

احتجّ الشيخ : بقول الصادقعليه‌السلام : « أمّا الذي يجهر فيها فإنّما أُمرنا بالجهر لينصت من خلفه ، فإن سمعت فأنصت ، وإن لم تسمع فاقرأ »(٣) .

وهو يعطي استحباب القراءة في الإِخفاتيّة.

و : لا تستحب القراءة في سكتات الإِمام‌ ، لقول الصادقعليه‌السلام : « لا ينبغي له أن يقرأ ، يكله إلى الإِمام » وقد سئل : أيقرأ الرجل في الاولى والعصر خلف الإمام وهو لا يعلم أنّه يقرأ؟(٤) .

وقال أكثر الجمهور إلّا الثوري وأصحاب الرأي : للإِمام سكتتان يستحب أن يقرأ فيهما(٥) . والنهي عام.

إذا ثبت هذا ، فلو قرأ بعض الفاتحة فقرأ الإِمام ، سكت هو ، ثم قرأ بقية الفاتحة في السكتة الْاُخرى ، وهو لا يجي‌ء على قولنا.

ز : لو لم يقرأ مطلقاً ، صحّت صلاته عند علمائنا‌ - وهو قول أكثر أهل العلم ، وبه قال الزهري والنخعي والثوري ومالك وأحمد وأصحاب الرأي(٦) - لقولهعليه‌السلام : ( مَنْ كان له إمام فقراءته له قراءة )(٧) .

____________________

(١) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في الفرع « ب ».

(٢) التهذيب ٣ : ٣٥ / ١٢٤.

(٣) الكافي ٣ : ٣٧٧ / ١ ، التهذيب ٣ : ٣٢ / ١١٤ ، الاستبصار ١ : ٤٢٧ / ١٦٤٩.

(٤) التهذيب ٣ : ٣٣ / ١١٩ ، الإستبصار ١ : ٤٢٨ / ١٦٥٤.

(٥) المغني ١ : ٦٣٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣ ، المحلّى ٣ : ٢٣٨.

(٦) المغني ١ : ٦٣٦ ، الشرح الكبير ٢ : ١٢ ، حلية العلماء ٢ : ٨٨.

(٧) مصنّف ابن أبي شيبة ١ : ٣٧٦ ، مسند أحمد ٣ : ٣٣٩.


وقال الشافعي وداود : تجب القراءة(١) ؛ لعموم الأخبار. وأخبارنا أخص.

ح : لا يشرع للمأموم الإِجهار في شي‌ء من الصلوات إجماعاً‌ ، فإن قضى الصلاة في جماعة ، فإن كانت صلاة الظهرين ، أسرّ ، سواء قضاها ليلاً أو نهاراً إجماعاً.

وإن كانت صلاة ليل فقضاها ليلاً جهر ، وإن قضاها نهاراً فكذلك - وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر(٢) - لأنّ القضاء كالأداء. وهو رواية عن أحمد. وعنه اُخرى : جواز الإِسرار - وهو مذهب الأوزاعي والشافعي - لأنّها صلاة نهار(٣) . وهو ممنوع.

ط : لو كان الإِمام ممّن لا يقتدى به ، وجب أن يقرأ المأموم ولو سرّاً‌ مع نفسه في الجهريّة ؛ للضرورة.

وقال الصادقعليه‌السلام : « تجزئك إذا كنت معهم من القراءة مثل حديث النفس »(٤) .

فإن لم يتمكّن من قراءة السورة ، فالأقوى الاجتزاء بالفاتحة. ولو عجز عن إكمال الفاتحة ، فالوجه : إعادة الصلاة.

مسألة ٦٠٣ : يجب أن يتابع إمامه في أفعال الصلاة‌ ، لقولهعليه‌السلام : ( إنّما جعل الإمام إماما ليؤتمّ به )(٥) .

وروي عنهعليه‌السلام : ( أما يخشى الله الذي يرفع رأسه والإِمام ساجد‌

____________________

(١) المجموع ٣ : ٣٦٥ ، حلية العلماء ٢ : ٨٨ ، المغني ١ : ٦٤١ ، الشرح الكبير ٢ : ١٢.

(٢و٣) المغني ١ : ٦٤٣ ، الشرح الكبير ١ : ٥٧٠.

(٤) الكافي ٣ : ٣١٥ / ١٦ ، الفقيه ١ : ٢٦٠ / ١١٨٥ ، التهذيب ٢ : ٩٧ / ٣٦٦ و ٣ : ٣٦ / ١٢٨ ، الاستبصار ١ : ٣٢١ / ١١٩٧ و ٤٣٠ / ١٦٦٢.

(٥) صحيح البخاري ١ : ١٧٧ و ١٨٧ ، صحيح مسلم ١ : ٣٠٩ - ٣١٠ / ٤١٤ ، سنن الترمذي ٢ : ١٩٤ / ٣٦١ ، سنن النسائي ٢ : ٩٨ بتفاوت يسير.


أن يحوّل الله رأسه رأس حمار )(١) .

ولأنّه تابع له ، فلا يسبقه. وبه قال الشافعي(٢) .

إذا عرفت هذا ، فلو رفع رأسه من ركوع أو سجود قبل الإِمام ناسياً ، عاد معه ، وإن كان عامداً أو خَلْف مَنْ لا يقتدى به ، استمر ؛ لأنّ النسيان يسقط معه اعتبار الزيادة.

ولأنّ أبا الحسنعليه‌السلام ، سئل عمّن ركع مع إمام يقتدى به ، ثم رفع رأسه قبل الإِمام ، قال : « يعيد ركوعه »(٣) .

وعن الصادقعليه‌السلام ، في الرجل يرفع رأسه من السجود قبل أن يرفع الإِمام رأسه من السجود ، قال : « فليسجد »(٤) .

ولا تُعدّ هذه زيادة في الحقيقة ؛ لأنّ فعل المأموم تابع لفعل الإِمام وهو واحد ، فكذا فعل المأموم.

وهل العود واجب؟ الأقرب : المنع.

أمّا مع العمد : فإنّه يجب عليه الصبر ، ولا يجوز له الرجوع ، وإلّا زاد ركناً ، ولا عذر هنا.

ولقول الصادقعليه‌السلام ، في الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الإِمام أيعود يركع إذا أبطأ الإِمام؟ قال : « لا »(٥) .

وكذا لو كان الإِمام ممّن لا يقتدى به ؛ لأنّه كالمنفرد ، فيقع ركوعه وسجوده في محلّه ، فلا يسوغ له العود في العمد والنسيان.

وقال الشافعي : إن ركع قبل إمامه ، رجع إلى القيام حتى يركع مع‌

____________________

(١) صحيح البخاري ١ : ١٧٧ ، صحيح مسلم ١ : ٣٢٠ / ٤٢٧ ، سنن البيهقي ٢ : ٩٣.

(٢) المجموع ٤ : ٢٣٤.

(٣) التهذيب ٣ : ٤٧ / ١٦٣ ، الاستبصار ١ : ٤٣٨ / ١٦٨٨ ، والفقيه ١ : ٢٥٨ / ١١٧٢.

(٤) التهذيب ٣ : ٤٨ / ١٦٥ ، والفقيه ١ : ٢٥٨ / ١١٧٣.

(٥) التهذيب ٣ : ٤٧ / ١٦٤ ، الاستبصار ١ : ٤٣٨ / ١٦٨٩ ، والكافي ٣ : ٣٨٤ / ١٤.


إمامه ، فإن ثبت حتى يركع الإِمام ، أجزأه ، فإن رفع قبل إمامه ، عاد إلى الركوع معه ، فإن ثبت قائماً حتى رفع إمامه واعتدل ، جاز ؛ لأنّه خالفه في ركن واحد ، وإن سجد قبل أن يرفع إمامه ، فقد خالفه بركنين ، فإن كان عالماً ، بطلت صلاته ، وإن كان جاهلاً بأنّ هذا لا يجوز ، لم تبطل ، ولم يعتدّ بهذه الركعة(١) .

تذنيب : أطلق الأصحاب الاستمرار مع العمد.

والوجه : التفصيل ، وهو : أنّ المأموم إن سبق إلى ركوع بعد فراغ الإِمام من القراءة ، استمرّ ، وإن كان قبل فراغه ولم يقرأ المأموم ، أو قرأ ومنعناه منها ، أو قُلنا : إنّ المندوب لا يجزئ عن الواجب ، بطلت صلاته ، وإلّا فلا.

وإن كان إلى رفع أو سجود أو قيام عن تشهّد ، فإن كان بعد فعل ما يجب عليه من الذكر ، استمرّ وإن لم يفرغ إمامه منه ، وإن كان قبله ، بطلت وإن كان قد فرغ إمامه.

مسألة ٦٠٤ : لو فرغ المأموم من القراءة قبل الإِمام ، استحب له أن يسبّح ؛ تحصيلاً لفضيلة الذكر ، ولئلّا يقف صامتاً.

ولقول الصادقعليه‌السلام ، لـمّا سأله زرارة : أكون مع الإِمام فأفرغ من القراءة قبله ، قال : « أمسك آية ، ومجّد الله تعالى وأثن عليه ، فإذا فرغ فاقرأ الآية واركع »(٢) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يستحب أن يمسك عن قراءة الآية الأخيرة من السورة إلى أن يفرغ الإِمام ثم يتمّ القراءة ليركع عن قراءة. ولدلالة الحديث عليه.

والظاهر أنّ هذا فيما يخافت الإِمام فيه لا فيما يجهر فيه بالقراءة ، لأنّ‌

____________________

(١) الاُم ١ : ١١٢ ، فتح العزيز ٤ : ٣٩٣ - ٣٩٤ ، المجموع ٤ : ٢٣٧.

(٢) الكافي ٣ : ٣٧٣ / ١ ، التهذيب ٣ : ٣٨ / ١٣٥ ، المحاسن : ٣٢٦ / ٧٣.


الإِنصات هناك أفضل من القراءة ، أو أن يكون الإِمام ممّن لا يقتدى به.

مسألة ٦٠٥ : يستحب للإِمام أن يُسمع مَنْ خلفه ، القراءة والتشهّد وذكر الركوع والسجود‌ ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « ينبغي للإِمام أن يُسمع مَنْ خلفه كلّ ما يقول ، ولا ينبغي لمن خلفه أن يُسمعه شيئاً ممّا يقول »(١) .

ويستحب للإِمام أن لا يبرح من مكانه حتى يتمّ المسبوق ما فاته ؛ لأنّ إسماعيل بن عبد الخالق سمعه يقول : « لا ينبغي للإِمام أن يقوم إذا صلّى حتى يقضي كلّ مَنْ خلفه ما فاته من الصلاة»(٢) .

ويكره التنفّل بعد الإِقامة ؛ لأنّه وقت القيام إلى الفريضة ، فلا يشغله بغيرها.

مسألة ٦٠٦ : يصحّ أن يكبّر المأموم بعد تكبير الإِمام. وهل يصحّ معه؟ إشكال ينشأ : من تحقّق المتابعة معه أو لا. أمّا لو كبّر قبله ، فإنّه لا يصحّ قطعاً ، ولا بأس بالمساوقة في غير التكبير من الأفعال.

ولو ركع الإِمام ولم يركع المأموم حتى رفع الإِمام رأسه ، لم تبطل صلاته وإن تأخّر عنه بركن كامل ، بخلاف التقدّم ؛ للنهي عن التقدّم ، ولو تأخّر عنه بركنين ، ففي الإِبطال نظر.

إذا عرفت هذا ، فإنّ المأموم يكون مدركاً لتكبيرة الإِحرام بشهود تكبيرة الإِمام والاشتغال عقيبها بعقد الصلاة ، وهو أحد وجوه الشافعيّة ؛ ولهم ثانٍ : بإدراك الركوع الأول ؛ وثالث : بإدراك شي‌ء من القيام الأوّل ؛ ورابع : إن اشتغل بأمر دنياوي ، لم يكن بإدراك الركوع مدركا لها ، وإن اشتغل بطهارة وشبهها ، أدركها بإدراك الركوع(٣) .

____________________

(١) التهذيب ٣ : ٤٩ / ١٧٠.

(٢) التهذيب ٣ : ٤٩ / ١٦٩.

(٣) المجموع ٤ : ٢٠٦ - ٢٠٧ ، فتح العزيز ٤ : ٢٩٠.



الفصل الثاني : في صلاة السفر‌

وفيه مطالب :

الأول : في القصر ومحلّه‌

مسألة ٦٠٧ : أجمع المسلمون كافّة على جواز القصر في السفر في الرباعية ؛ لقوله تعالى( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ) (١) وقصّر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في أسفاره حاجّاً وغازياً(٢) .

ولا خلاف بين المسلمين فيه ، حتى لو جحد جاحد جواز القصر في السفر ، كفر.

مسألة ٦٠٨ : محلّ القصر الصلاة والصوم.

أمّا الصلاة ففي الفرائض : الصلوات الرباعية التي هي الظهر والعصر والعشاء خاصّة.

وفي النوافل : نوافل الظهرين ، والوتيرة مع الأداء في السفر ، ولا قصر في غير ذلك إجماعاً.

والقصر في الرباعية بحذف الشطر الأخير ، فيقتصر على الأوّلتين منها ،

____________________

(١) النساء : ١٠١.

(٢) اُنظر على سبيل المثال : سنن أبي داود ٢ : ٩ / ١٢٢٩ و ١٠ / ١٢٣٠ - ١٢٣٣ و ١١ / ١٢٣٥ ، وسنن الترمذي ٢ : ٤٣٠ / ٥٤٥ ، وسنن البيهقي ٣ : ١٣٥ و ١٣٦.


ولا يجوز النقصان عن ذلك إجماعاً.

وحكي عن عبد الله بن عباس أنّه قال : في سفر الأمن يقصّر إلى ركعتين وفي سفر الخوف يقصّر إلى ركعة(١) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ غالب أسفار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان مع الخوف ولم ينقص عن الركعتين.

ولا مدخل للمغرب والصبح في القصر إجماعاً.

ولأنّه لم ينقل عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، القصر فيهما.

ولأنّ الصبح شفع في الأصل ، فلو قصّر ، صار وتراً. والمغرب وتر في الأصل ، ولا يمكن تنصيفه ولا ردّه إلى ركعتين ، لئلّا يخرج عن أصالته وهي كونه وتراً ، ولا إلى ركعة ؛ لأدائه إلى ترك الأكثر.

مسألة ٦٠٩ : محلّ التقصير الأداء ، أمّا القضاء فعلى حسب ما فات.

وتحقيقه : أنّه إذا ترك رباعيةً في الحضر ثم ذكرها في الحضر ، قضاها تماماً إجماعاً ، سواء تخلّل السفر بين الوقتين أو لا ؛ لانتفاء العذر وقت استقرارها.

وإن ذكرها في السفر ، فكذلك بغير خلاف نعلمه ، إلّا شيئاً اختلف فيه عن الحسن البصري ، فروى الأشعث عنه : اعتبار حال الفعل. وروى يونس عنه : اعتبار حال الترك(٢) .

وعن المزني : أنّه يقصّر ؛ لأنّه لو ترك صلاة وهو صحيح ثم قضاها مريضاً ، فإنّه يأتي على حسب حاله(٣) .

____________________

(١) صحيح مسلم ١ : ٤٧٩ / ٦٨٧ ، سنن النسائي ٣ : ١١٩ ، سنن البيهقي ٣ : ١٣٥.

(٢) المجموع ٤ : ٣٧٠ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠١ - ٢٠٢ ، الميزان للشعراني ١ : ١٨٣ ، رحمة الْأُمّة ١ : ٧٦.

(٣) المجموع ٤ : ٣٦٧ و ٣٦٩ و ٣٧٠ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١١ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٢ ، الميزان للشعراني ١ : ١٨٣ ، رحمة الاُمة ١ : ٧٦.


وهو خطأ ؛ فإنّ الأفعال تترك بالعجز ، والعدد يترك للترخّص.

ولأنّه لو أخّر ، أدّى إلى التغرير بالفريضة ، والإِتمام ممكن في الحال ، وهذه قد تعيّن فعلها عليه أربعاً ، فلا يجوز النقصان ، كما لو لم يسافر أو كانت نذراً.

ولأنّ التقصير منه ، فلا يناسب الرخصة.

وإن تركها في السفر ثم ذكرها في السفر ، فإنه يصلّيها قصراً إجماعاً منّا - وهو أحد قولي الشافعي(١) - لوجود العذر حال الوجوب والفعل ، فأشبه ما لو فعلها في الوقت ، وسواء تخلّل بين هذين السفرين حضر ، أو لا.

وفي الآخر للشافعي : التمام ؛ لأنّ صلاة السفر مقصورة من أربع إلى ركعتين ، فكان من شرطها الوقت ، كالجمعة(٢) .

والفرق : أنّ الجمعة لا تقضى ، ويشترط لها الخطبتان والعدد والاستيطان ، فجاز اشتراط الوقت ، بخلاف صورة النزاع.

وإن ذكرها في الحضر ، وجب أن يقضيها قصراً فيه ، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري والحسن البصري وحماد(٣) - لأنّ القضاء معتبر بالأداء ، وإنّما يقضي ما فاته ولم يَفُتْه إلّا الركعتان ، وقالعليه‌السلام : ( مَنْ فاتته صلاة فريضة فليقضها كما فاتته )(٤) .

وقال الشافعي في القديم : يجوز القصر. وفي الجديد : يجب التمام‌

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١١١ ، المجموع ٤ : ٣٦٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٨ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٢.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١١١ ، المجموع ٤ : ٣٦٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٨.

(٣) المدونة الكبرى ١ : ١١٩ ، الشرح الصغير ١ : ١٧٠ ، اللباب ١ : ١٠٩ ، المجموع ٤ : ٣٧٠ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٢ ، الميزان للشعراني ١ : ١٨٣ ، المغني ٢ : ١٢٧ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٢.

(٤) أورده المحقّق في المعتبر : ٢٥٤.


- وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود - لأنّ القصر رخصة من رخص السفر ، فيسقط بزواله ، كما لو قدم قبل أن يفطر(١) . وسيأتي أنّ القصر عزيمة(٢) .

مسألة ٦١٠ : لو خرج إلى السفر بعد دخول الوقت ، ومضيّ قدر الطهارة والصلاة أربعاً قبل أن يصلّي ، فالأقرب عندي : وجوب الإِتمام‌ - وهو القديم للشافعي ، ورواية عن أحمد(٣) . قال المزني : وهو أولى بأصل الشافعي(٤) - لقول الصادقعليه‌السلام ، لبشير النبّال وقد خرج معه حتى أتيا الشجرة : « يا نبّال » قلت : لبيك ، قال : « إنّه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلّى أربعاً غيري وغيرك ، وذلك أنّه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج »(٥) .

ولأنّ الأربع وجبت عليه ، واستقرّت في ذمته ؛ لما بيّنّا من أنّ الفعل واجب في جميع أجزاء الوقت ، ولهذا لو أدركت هذا الوقت ثم حاضت لم يسقط عنها الفرض ، وكذا المغمى عليه.

وقال الشيخرحمه‌الله : يجوز له القصر ، ويستحب الإِتمام ؛ لقوله تعالى( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ) (٦) (٧) . وبه قال مالك والأوزاعي‌

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١١٠ - ١١١ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٩ ، مختصر المزني : ٢٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٢ ، رحمة الاُمة ١ : ٧٦ ، المغني ٢ : ١٢٧ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٢.

(٢) يأتي في المسألة ٦١٢.

(٣) المجموع ٤ : ٣٦٩ ، المغني ٢ : ١٢٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٢.

(٤) مختصر المزني : ٢٤.

(٥) الكافي ٣ : ٤٣٤ / ٣ ، التهذيب ٣ : ١٦١ / ٣٤٩ و ٢٢٤ / ٥٦٣ ، الاستبصار ١ : ٢٤٠ / ٨٥٥.

(٦) النساء : ١٠١.

(٧) الخلاف ١ : ٥٧٧ - ٥٧٨ ، المسألة ٣٣٢.


والشافعي وأصحاب الرأي(١) .

قال ابن المنذر : أجمع كلّ مَنْ نحفظ عنه من أهل العلم أنّ له قَصْرَها ؛ لأنّه سافر قبل خروج وقتها ، أشبه ما لو سافر قبل وجوبها(٢) .

ولأنّه مؤدٍّ للصلاة ، فوجب أن يؤدّيها بحكم وقت فعلها ، كما لو كان في أول الوقت.

ولقول الصادقعليه‌السلام وقد سأله إسماعيل بن جابر ، قلت : يدخل وقت الصلاة وأنا في أهلي اُريد السفر فلا اُصلّي حتى أخرج ؛ قال : « صلّ وقصّر فإن لم تفعل فقد والله خالفت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله »(٣) .

قال الشيخ : وإذا اختلفت الأخبار حملنا هذه(٤) على الاستحباب ، والْاُولى(٥) على الإِجزاء(٦) .

والجواب : الفرق ظاهر ؛ فإنّ المسافر قبل الوقت لم يجب عليه شي‌ء ، والأداء لما ثبت في الذمة وقد ثبت الأربع بمضيّ وقتها ، فلا اعتبار بالمتجدّد من العذر المسقط للبعض ، كالمسقط للجميع. والرواية محمولة على ما لو خرج قبل مضي الوقت.

وجمع الشيخ ليس بجيّد ؛ لدلالة الْاُولى على وجوب الإِتمام وهذه على وجوب القصر ، فليس وجه الجمع إلّا ما قلناه.

وللشافعيّة وجه آخر : الفرق بين أن يسافر وقد بقي في الوقت سعة ،

____________________

(١) المدونة الكبرى ١ : ١١٩ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١١ ، المجموع ٤ : ٣٦٨ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٩ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٣ ، المغني ٢ : ١٢٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٢.

(٢) المغني ٢ : ١٢٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٢.

(٣) الفقيه ١ : ٢٨٣ / ١٢٨٨ ، التهذيب ٢ : ١٣ / ٢٩ و ٣ : ١٦٣ / ٣٥٣ و ٢٢٢ / ٥٥٨ ، الاستبصار ١ : ٢٤ / ٨٥٦.

(٤) وهي رواية بشير النبال ، المتقدمة.

(٥) وهي رواية إسماعيل بن جابر.

(٦) الخلاف ١ : ٥٧٨ ، المسألة ٣٣٢.


وبين أن يبقى قدر أربع ، لأنّه إذا تضيّق الوقت ، تعيّن عليه صلاة الحضر(١) .

فروع :

أ : لو دخل الوقت وهو مسافر ثم حضر قبل أن يصلّي والوقت باقٍ ، وجب عليه الإِتمام‌ - وهو قول واحد للشافعي(٢) - لانتفاء سبب الرخصة.

ولقول الصادقعليه‌السلام ، لإِسماعيل بن جابر وقد سأله يدخل عليّ وقت الصلاة وأنا في السفر فلا اُصلّي حتى أدخل أهلي : « صلّ وأتمّ »(٣) .

وقال الشيخ : إن بقي مقدار ما يصلّي على التمام ، أتمّ ، وإلّا قصّر.

وكذا قال في الأولى أيضا في المبسوط والنهاية(٤) .

ب : لو سافر وقد بقي من الوقت مقدار ركعة أو ركعتين ، قال الشيخ : فيه خلاف بين أصحابنا‌ ، فمن قال : إنّ الصلاة تكون أداء بإدراك ركعة - وهو الأظهر - أوجب القصر ، لإدراك الوقت مسافرا. ومنهم من يقول : إنّ بعضها أداء والباقي قضاء ، فلا يجوز له القصر ، لأنّه غير مؤدّ لجميع الصلاة في الوقت(٥) .

وللشافعية كالقولين(٦) .

وعلى ما اخترناه نحن يجب الإتمام.

ج : لو سافر وقد بقي من الوقت أقلّ من ركعة ، وجب عليه القضاء تماما‌ إجماعاً ، لفواتها حاضراً.

مسألة ٦١١ : لو سافر أو حضر قبل الصلاة بعد دخول وقتها ثم فاتته ،

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١١١ ، المجموع ٤ : ٣٦٩ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٠ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٣.

(٢) المجموع ٤ : ٣٦٩ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٠.

(٣) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في الصفحة ٣٥٣ ، الهامش (٣)

(٤) المبسوط ١ : ١٤١ ، النهاية : ١٢٣.

(٥) الخلاف ١ : ٥٧٩ ، المسألة ٣٣٤.

(٦) المجموع ٤ : ٣٦٩ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٠ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٣.


قضاها تماماً على ما اخترناه من وجوب الإِتمام في الموضعين ، لأنّ القضاء تابع للأداء.

ومَنْ قال : الاعتبار بحال الوجوب فكذلك في الْاُولى ، ويوجب القصر في الثانية. وهو قول المرتضى وابن الجنيد(١) .

وقال بعض علمائنا : الاعتبار في القضاء بحال الفوات لا الوجوب(٢) .

احتج المرتضى بقول الباقرعليه‌السلام وقد سأله زرارة في رجل دخل عليه وقت الصلاة في السفر فأخّر الصلاة حتى قدم فنسي حين قدم أهله أن يصلّيها حتى ذهب وقتها : « يصلّيها ركعتين صلاة المسافر لأنّ الوقت دخل وهو مسافر ، كان ينبغي أن يصلّيها عند ذلك »(٣) .

احتج الآخرون بقولهعليه‌السلام : ( مَنْ فاتته صلاة فليقضها كما فاتته )(٤) .

وقول الباقرعليه‌السلام : « يقضي ما فاته كما فاته إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها ، وإن كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر »(٥) .

ولا حجّة فيه ؛ لأنّ الفوات تمام ؛ فيجب عليه الأربع.

مسألة ٦١٢ : القصر عزيمة في السفر واجب لا رخصة يجوز تركها عند علمائنا‌ أجمع ، فلو أتمّ عامداً ، بطلت صلاته ، وبه قال عليعليه‌السلام ، وعمر ، وحمّاد بن أبي سليمان والثوري وأصحاب الرأي ، إلّا أن حمّاداً أوجب‌

____________________

(١) حكاه عنهما المحقق في المعتبر : ٢٥٤.

(٢) وهو المحقق في المعتبر : ٢٥٤.

(٣) التهذيب ٢ : ١٣ / ٣٠ و ٣ : ١٦٢ / ٣٥١ و ٢٢٥ / ٥٦٧.

(٤) أورده المحقق في المعتبر : ٢٥٤.

(٥) المعتبر : ٢٥٤. وفيه وفي « ش » : وإن كانت صلاة الحضر فليقضها في الحضر صلاة الحضر. وفي الكافي ٣ : ٤٣٥ / ٧ ، والتهذيب ٣ : ١٦٢ / ٣٥٠ مضمراً.


الإعادة(١) .

وأبو حنيفة قال : إن كان جلس بعد الركعتين قدر التشهّد ، صحّت صلاته ، وإلّا بطلت(٢) .

وقال عمر بن عبد العزيز : الصلاة في السفر ركعتان حتم لا يصلح غيرهما(٣) .

وعن ابن عباس قال : مَنْ صلّى في السفر أربعاً فهو كمن صلّي في الحضر ركعتين(٤) .

لقوله تعالى :( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) (٥) أوجب القصر(٦) بنفس السفر ، وكلّ مَنْ أوجب الفطر أوجب قصر الصلاة.

ولأنّ عمران بن الحصين قال : حججت مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكان يصلّي ركعتين حتى ذهب ، وكذا مع أبي بكر وعمر حتى ذهبا(٧) . ولو كان القصر رخصة ، لم يعدل النبيعليه‌السلام عن الأصل إليه.

وعن عائشة : فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، فاُقرّت صلاة السفر ، وزيد في صلاة الحضر(٨) .

____________________

(١) بدائع الصنائع ١ : ٩١ ، اللباب ١ : ١٠٦ ، المجموع ٤ : ٣٣٧ ، المغني ٢ : ١٠٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٠ ، بداية المجتهد ١ : ١٦٦ ، المحلّى ٤ : ٢٦٤ ، نيل الأوطار ٣ : ٢٤٥.

(٢) المبسوط للسرخسي ١ : ٢٣٩ ، اللباب ١ : ١٠٦ ، بدائع الصنائع ١ : ٩٣ ، المجموع ٤ : ٣٣٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٣٠ ، المغني ٢ : ١٠٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٠ - ١٠١ ، المحلّى ٤ : ٢٦٤.

(٣) المغني ٢ : ١٠٨ - ١٠٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠١.

(٤) المغني ٢ : ١٠٩.

(٥) البقرة : ١٨٤.

(٦) أي : القصر في الصوم.

(٧) سنن الترمذي ٢ : ٤٣٠ / ٥٤٥ ، سنن البيهقي ٣ : ١٣٥ - ١٣٦.

(٨) صحيح البخاري ٢ : ٥٥ ، صحيح مسلم ١ : ٤٧٨ / ٦٨٥ ، سنن البيهقي ٣ : ١٣٥ و ١٣٦.


ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شي‌ء إلّا المغرب ثلاث »(١) .

وقول الباقرعليه‌السلام ، والصادقعليه‌السلام : « الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شي‌ء»(٢) .

وسأل الحلبي ، الصادقعليه‌السلام : صلّيت الظهر أربع ركعات وأنا في السفر ، قال : « أعد »(٣) .

ولأنّ الْاُخريين يجوز تركهما إلى غير بدل ، فلم تجز زيادتهما على الركعتين المفروضتين ، كما لو زادهما على صلاة الفجر.

وقال الأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأحمد ، والمشهور عن مالك : إنّ القصر رخصة وليس عزيمة ، وهو مخيّر إن شاء قصّر ، وإن شاء أتمّ - وهو مروي عن عثمان وابن مسعود وسعد بن أبي وقّاص وعائشة - لأنّ عائشة قالت : خرجت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في عمرة رمضان ، فأفطر وصُمْتُ ، وقصَّر وأتْممتُ ، فقلت : بأبي أنت واُمّي يا رسول الله أفطرتَ وصُمْتُ ، وقصَّرتَ وأَتْممتُ ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أحسنت )(٤) .

ولأنّه لو صلّى خلف مقيم صلّى أربعاً ، فالركعتان لا تزيد بالإِتمام(٥) .

ولا حجّة في فعل عائشة ؛ لجواز جهلها بالقصر ، ولأنّها لو أحسنت بالتمام ، لم يكن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مُحسناً بالقصر؟! وهو باطل‌

____________________

(١) التهذيب ٢ : ١٣ / ٣١ ، الاستبصار ١ : ٢٢٠ / ٧٧٨.

(٢) التهذيب ٢ : ١٤ / ٣٤ ، والمحاسن ٣٧١ / ١٢٨ وفيه عن الامام الباقرعليه‌السلام .

(٣) التهذيب ٢ : ١٤ / ٣٣.

(٤) سنن النسائي ٣ : ١٢٢ ، سنن الدار قطني ٢ : ١٨٨ / ٣٩ ، سنن البيهقي ٣ : ١٤٢.

(٥) المجموع ٤ : ٣٣٥ و ٣٣٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٢٩ ، المغني ٢ : ١٠٨ - ١٠٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٠ - ١٠١ ، المبسوط للسرخسي ١ : ٢٣٩ ، بدائع الصنائع ١ : ٩١.


بالإِجماع. والنقض لا يرد علينا.

إذا عرفت هذا ، فاختلف القائلون بالتخيير أيّهما أفضل؟

فللشافعي قولان : أحدهما : أنّ القصر أفضل - وبه قال مالك وأحمد - لقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( خيار عباد الله تعالى الذين إذا سافروا قصّروا ).

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يداوم على القصر ، ولا يداوم إلّا على الأفضل.

ولأنّه إذا قصّر ، أدّى الصلاة بالإِجماع ، وفي إجزاء التمام خلاف(١) .

والثاني : الإِتمام أفضل - وهو اختيار المزني - لأنّه الأصل ، والقصر رخصة ، والأصل أولى. ولأنّه أكثر عملاً(٢) .

مسألة ٦١٣ : لا يتغيّر فرض المسافر بالائتمام بالمقيم عند علمائنا‌ أجمع ، فلو ائتمّ بمقيم ، صلّى فرضه ركعتين وسلّم ، وحرم عليه الإِتمام ، سواء كان قد أدرك أول الصلاة أو آخرها.

وقال طاوس والشعبي وإسحاق بن راهويه : يجوز له أن يقصّر ، ولا يجب عليه الإِتمام(٣) .

لأنّ فرضه القصر ، فلا تجوز الزيادة ، كما لو صلّى الصبح خلف مَنْ يصلّي الظهر.

ولأنّه مأموم ، فلا يتغيّر عدد فرضه بمجرّد الإِمامة ، كما لو ائتمّ المقيم بالمسافر.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٣٣٦ و ٣٣٧ ، بداية المجتهد ١ : ١٦٦ ، المغني ٢ : ١١١ - ١١٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٠.

(٢) المجموع ٤ : ٣٣٦ ، المغني ٢ : ١١٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٠.

(٣) المجموع ٤ : ٣٥٧ - ٣٥٨ ، المغني ٢ : ١٢٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٣.


ولقول الصادقعليه‌السلام ، في المسافر : « يصلّي خلف المقيم ركعتين ويمضي حيث شاء »(١) .

وسئلعليه‌السلام ، عن المسافر إذا دخل في الصلاة مع المقيمين قال : « فليصلّ صلاته ثم يسلّم ، وليجعل الأخيرتين سُبحة »(٢) .

وقال الثوري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي : يجب على المأموم الائتمام متابعةً لإِمامه ، وهو مروي عن عمر ، وابن عباس ، لأنّ ابن عباس سئل ما بال المسافر يصلّي ركعتين في حال الانفراد وأربعاً إذا ائتمّ بمقيم؟ فقال : تلك السنّة.

ولأنّها صلاة مردودة من الأربع ، فلا يصلّيها خلف مَنْ يصلّي الأربع كالجمعة(٣) .

وقول ابن عباس وعمر ليس حجةً.

ونمنع المشترك بأنّ صلاة السفر فرض بانفرادها ، وبالفرق ، فإنّ الإِمام شرط في الجمعة ، فيجب أن يكون من أهلها.

وقال الحسن والنخعي والزهري وقتادة ومالك : إن أدرك ركعةً أتمّ ، وإن أدرك دونها قصّر ، لقولهعليه‌السلام : ( مَنْ أدرك من الصلاة ركعةً فقد أدرك الصلاة )(٤) .

ولأنّ مَنْ أدرك من الجمعة ركعةً أتمّها جمعةً ، ومن أدرك أقلّ من ذلك ،

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٣٩ / ١ ، التهذيب ٣ : ١٦٥ / ٣٥٧ ، الاستبصار ١ : ٤٢٥ / ١٦٤١.

(٢) التهذيب ٣ : ١٦٥ / ٣٥٦ و ٢٢٧ / ٥٧٥ ، الاستبصار ١ : ٤٢٥ / ١٦٤٠.

(٣) المجموع ٤ : ٣٥٦ و ٣٥٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦١ ، المبسوط للسرخسي ١ : ٢٤٧ - ٢٤٨ ، بدائع الصنائع ١ : ١٠٢ ، المغني ٢ : ١٢٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٣.

(٤) صحيح البخاري ١ : ١٥١ ، صحيح مسلم ١ : ٤٢٣ / ٦٠٧ ، سنن الترمذي ٢ : ٤٠٢ / ٥٢٤ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٥٦ / ١١٢٢.


لم يلزمه فرضها(١) .

وليس حجّةً علينا.

فروع :

أ : لو أحدث المسافر واستخلف مسافراً آخر ، فللمأموم المسافر القصر ، لأنّهم لم يأتمّوا بمقيم. وإن استخلف مقيماً فكذلك عندنا ، وعند المخالف يجب الإِتمام ، لأنّهم ائتمّوا بمقيم ، وللإِمام الذي أحدث أن يصلّي صلاة المسافر ، لأنّه لم يأتمّ بمقيم(٢) .

ولو صلّى المسافر خلف مقيم فأحدث واستخلف مسافراً أو مقيماً ، لزمه القصر عندنا.

وقال المخالف : يجب الإِتمام ، لأنّه ائتمّ بمقيم(٣) .

فإن استخلف مسافراً لم يكن معهم في الصلاة ، فله أن يصلّي صلاة السفر عند المخالف أيضاً ، لأنّه لم يأتمّ بمقيم(٤) .

ب : لو أحرم المسافر خلف مقيم ، أو مَنْ يغلب على ظنّه أنه مقيم ، أو مَنْ يشك هل هو مقيم أو مسافر ، لزمه القصر عندنا‌ ، وعند الجمهور يلزمه الإِتمام وإن قصّر إمامه ، لأنّ الأصل وجوب الصلاة تامّة ، فليس له نيّة قصرها مع الشك في وجوب إتمامها ، ويلزمه إتمامها ، اعتباراً بالنية ، وبه قال الشافعي(٥) .

____________________

(١) المدونة الكبرى ١ : ١٢٠ ، المجموع ٤ : ٣٥٧ ، المغني ٢ : ١٢٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٣.

(٢) المغني ٢ : ١٢٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٣.

(٣) المغني ٢ : ١٣٠ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٣ - ١٠٤‌

(٤) المغني ٢ : ١٣٠ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٤.

(٥) المجموع ٤ : ٣٥٦ ، مغني المحتاج ١ : ٢٦٩ ، المغني ٢ : ١٣٠ ، الشرح الكبير ٢ ١٠٤‌


وهو باطل عندنا على ما يأتي.

وإن غلب على ظنّه أنّ الإِمام مسافر لرؤية حُلية المسافرين عليه ، فله أن ينوي القصر عند المخالف(١) أيضاً. وإن قصّر إمامه قصّر معه ، وإن أتمّ قصّر هو.

وقال الجمهور : تلزمه متابعته(٢) .

وإذا نوى الإِتمام ، لزمه الإِتمام عند الجمهور - وسيأتي البحث فيه - سواء قصّر إمامه أو أتمّ ، اعتباراً بالنية(٣) .

وإن نوى القصر فأحدث إمامه قبل علمه بحاله فله القصر ، لأنّ الظاهر أنّ إمامه مسافر.

ج : لو صلّى المسافر صلاة الخوف بمسافرين ففرّقهم فرقتين فأحدث قبل مفارقة الطائفة الْاُولى واستخلف مقيماً ، لزم الطائفتين القصر‌ عندنا ، وعند الجمهور الإِتمام ، لوجود الائتمام بمقيم(٤) . وإن كان بعد مفارقة الْاُولى ، أتمّت الثانية عندهم ، لاختصاصها بالائتمام بالمقيم(٥)

وإن كان الإِمام مقيماً فاستخلف مسافراً ممّن كان معه في الصلاة ، فعلى الجميع القصر عندنا ، وعند الجمهور يتمّ الجميع ، لأنّ المستخلف قد لزمه الإِتمام باقتدائه بالمقيم(٦) . وإن لم يكن دخل معه في الصلاة وكان استخلافه قبل مفارقة الاُولى ، فعليها الإِتمام عندهم ، لائتمامها بمقيم ، ويقصّر الإِمام والطائفة الثانية(٧) .

وإن استخلف بعد دخول الثانية معه فعلى الجميع التقصير عندنا ، وعند‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٣٥٦ ، المغني ٢ : ١٣٠ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٤.

(٢ - ٦ ) المغني ٢ : ١٣٠ - ١٣١ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٤.

(٧) المغني ٢ : ١٣١ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٤.


الجمهور التمام ، وللمستخلف القصر وحده ، لأنّه لم يأتمّ بمقيم(١) .

د : لو ائتمّ المقيم بالمسافر وسلّم المسافر في ركعتين ، أتمّ المقيم صلاته إجماعاً.

ويستحب للإِمام أن يقول بعد تسليمه : أتمّوا فأنا مسافر ، كما قالعليه‌السلام بمكة عام الفتح(٢) ، لئلّا يشتبه على الجاهل عدد الركعات.

ه- : لو أمّ المسافر المقيمين فأتمّ بهم الصلاة عمداً ، بطلت صلاته ، للزيادة ، وصلاة المأمومين ، للمتابعة في صلاة باطلة.

وقال الشافعي وإسحاق وأحمد : تصح صلاة الجميع ، لأنّ المسافر يلزمه الإِتمام بنيته(٣) .

وهو ممنوع.

وقال أبو حنيفة والثوري : تفسد صلاة المقيمين ، وتصح صلاة الإِمام والمسافرين معه ، لأنّ الركعتين الأخيرتين نفل من الإِمام ، فلا يؤمّ بها مفترضين(٤) .

والمقدّمتان ممنوعتان.

و : لو أمّ المسافر مسافرين فنسي فصلّاها تامّة ، فإن كان الوقت باقياً ، أعاد‌ عندنا ، وإلّا صحّت صلاتهم.

وقال الجمهور : تصح مطلقاً ، ولا يجب لها سجود سهو ، لأنّها زيادة لا يبطل الصلاة عمدها ، فلا يجب السجود لسهوها ، كزيادات القراءة في الركوع والسجود(٥) .

ولو ذكر الإِمام بعد قيامه إلى الثالثة ، جلس واجباً ، وحرم عليه الإِتمام.

____________________

(١) المغني ٢ : ١٣١ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٤.

(٢) سنن أبي داود ٢ : ٩ / ١٢٢٩ ، سنن البيهقي ٣ : ١٥٧.

(٣ و ٤ ) المغني ٢ : ١٣١ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٥.

(٥) المغني ٢ : ١٣٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٥.


وعند الجمهور لا يلزمه الإِتمام ، لأنّ الموجب له نيته ، أو الائتمام بمقيم ، ولم يوجد واحد منهما(١) .

ولو علم المأموم أنّ قيامه لسهو ، لم يلزمه متابعته ، وسبّح به ، وله مفارقته إن لم يرجع ، فإن تابعه ، بطلت صلاته عندنا ، وعندهم لا تبطل ، لأنّها زيادة لا تُبطل صلاة الإِمام فلا تبطل صلاة المأموم. ولأنّه لو فارق وأتمّ ، صحّت صلاته ، فمع موافقته أولى(٢) . وهو ممنوع.

ولو لم يعلم هل قام سهواً أو عمداً ، لم يجز له متابعته ، لأنّها باطلة عندنا.

وقال الجمهور : تجب ، لأنّ حكم وجوب المتابعة ثابت ، فلا يزول بالشك(٣) .

ز : لو دخل مسافر بلداً وأدرك الجمعة فأحرم خلف الإِمام فنوى قصر الظهر ، لم تجز‌ عندنا ، لوجوب الجمعة عليه بالحضور.

وقال الشافعي : يجب عليه الإِتمام ، لأنّه مؤتمّ بمقيم(٤) .

ح : لو صلّى المسافر بأهل البلد الجمعة فدخل مسافر معه فنوى القصر ، لم يجز ، ووجبت عليه الجمعة عندنا ، لما تقدّم.

وقال الشافعي : يجب عليه الإتمام ، لأنّ الإمام وإن كان مسافراً ، إلّا أنّه يصلّي صلاة المقيم. وعنه وجه آخر : أنّه يقصّر(٥) .

ط : لو اقتدى بمقيم ثم أفسد صلاته ، لم يجز له التمام‌ ، لأنّها زيادة في الفريضة.

____________________

(١) المغني ٢ : ١٣٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٥ - ١٠٦.

(٢ و ٣ ) المغني ٢ : ١٣٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٦.

(٤) المجموع ٤ : ٣٥٦ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦١ ، مغني المحتاج ١ : ٢٦٩.

(٥) المجموع ٤ : ٣٥٦.


وعند أبي حنيفة لا يلزمه الإِتمام ، لأنّ وجوبه بسبب الاقتداء(١) .

وقال الشافعي : لا يجوز القصر ، لأنّه التزم الأربع باقتدائه ، فلا يسقط الفرض بدونها ، وكذا لو أفسد الإِمام صلاته(٢) .

ولو اقتدى بمقيم ثم تبيّن أنّ الإِمام كان محدثاً أو جنباً ، لم يلزمه الإِتمام.

وعند الشافعية إن كانت الصلاة خلف الجنب صلاة انفراد لم يلزمه الإِتمام ، وإن كانت صلاة جماعة ، لزمه ، هذا إذا نوى القصر ، فإن لم ينو ، لزمه الإِتمام عندهم(٣) .

ي : لو اقتدى المسافر بمثله ، فإن نوى الإتمام ، لم يجز‌ ، ووجب عليه القصر عندنا ، وعند الشافعية يجب الإِتمام بنيّته ، قصّر الإِمام أو لا. وإن نوى القصر ، فإن قصّر الإِمام قصّر ، وإن أتمّ أتمّ ، للمتابعة عندهم(٤) .

يا : لو قال : نويت ما نوى إمامي من القصر والإِتمام ، لم يكن له حكم ، ووجب عليه القصر عندنا.

وللشافعية وجهان : وجوب الإِتمام ، لأنّ النية لا تقع موقوفة في الصلاة كما لو كان عليه ظهر أو عصر ، فنوى ما عليه لم تصحّ ، إلّا أنّ هناك لم تنعقد ، لمخالفة إحدى الفريضتين للْاُخرى ، وها هنا كلتاهما فرض الوقت ، والقصر رخصة.

والإِجزاء ، لأنّ صلاته لا تقع على حسب نيته إذا نوى القصر ، وإنّما تقع على حسب صلاة الإِمام ، ولا طريق إلى معرفتها ، فجاز التعليق(٥) .

____________________

(١) فتح العزيز ٤ : ٤٦٣.

(٢) الاُم ١ : ١٨١ ، المجموع ٤ : ٣٥٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٣ ، مغني المحتاج ١ : ٢٦٩‌

(٣) المجموع ٤ : ٣٥٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٣.

(٤) اُنظر : المجموع ٤ : ٣٥٦ وفتح العزيز ٤ : ٤٦١.

(٥) المجموع ٤ : ٣٥٦ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٢ ، مغني المحتاج ١ : ٢٧٠.


يب : لو أحدث الإِمام المسافر فأخبر بما نواه ، قبلوا خبره‌ في القصر والإِتمام ، وإن لم يخبرهم ، قال الشافعي : يجب الإِتمام ، لجواز نيته ، فلا يسقط الفرض إلّا بيقين(١) .

وقال ابن سريج : لا يجب ، لأنّ الظاهر أنّه قصد القصر لوجوبه عند قوم ، وأفضليته عند آخرين ، ولا تترك الفضيلة(٢) .

وهذا عندنا ساقط ، لما تقدّم من عدم تغيّر الفرض.

يج : لو اقتدى بإمام لا يدري أمقيم أو مسافر ، لم يتغيّر فرضه عندنا.

وقال الشافعي : يجب الإِتمام ، لأنّ الأصل في الناس الإِقامة ، والسفر عارض ، فيحمل على الأصل(٣) .

يد : لو اقتدى بمقيم يقضي صلاة الصبح ونوى القصر‌ ، لزمه ، ولم يجز له الإِتمام وإن نواه عندنا.

وقال الشافعي : يجب الإِتمام وإن نوى القصر ، لأنّه وصل صلاته بصلاة المقيمين ، فلزمه حكمهم ، فإن كان قاضي الصبح مسافراً ، لم يلزمه الإِتمام(٤) .

مسألة ٦١٤ : القصر إنّما هو في عدد الركعات لا في غيره‌ ، وهو واجب على ما بيّنّاه ، إلّا في أربعة مواطن : مسجد مكّة ومسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمدينة ، وجامع الكوفة ، والحائر على ساكنه السلام ، عند أكثر علمائنا(٥) ، فإنّهم قالوا : الإِتمام في هذه المواضع أفضل وإن جاز القصر ، لقول الصادقعليه‌السلام : « تتمّ الصلاة في المسجد الحرام ومسجد الرسول‌

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١١٠ ، المجموع ٤ : ٣٥٦ - ٣٥٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٢.

(٢) المجموع ٤ : ٣٥٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٢.

(٣) الْأُم ١ : ١٨١ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٠ ، المجموع ٤ : ٣٥٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٢.

(٤) اُنظر : المجموع ٤ : ٣٥٦ وفتح العزيز ٤ : ٤٦١‌

(٥) كما في المعتبر : ٢٥٣. وممّن قال به الشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ١٤١ ، والمحقق في المختصر النافع : ٥١ وشرائع الاسلام ١ : ١٣٥.


ومسجد الكوفة وحرم الحسينعليه‌السلام »(١) .

وقال الصدوق : يجب القصر ما لم يَنْو المقام عشرة أيام(٢) ، عملاً بالأصل ، وحمل الروايات على أفضلية نية المقام عشرة أيام ، والمقام للتمام ، لأنّ معاوية بن وهب سأل الصادقعليه‌السلام ، عن التقصير في الحرمين والتمام ، فقال : « لا تتمّ حتى تُجمع على مقام عشرة أيام »(٣) .

وقد روي عن الصادقعليه‌السلام : « الإِتمام في أربعة مواطن : حرم الله تعالى ، وحرم رسوله ، وحرم أمير المؤمنين ، وحرم الحسينعليهم‌السلام »(٤) .

قال الشيخ : فعلى هذه الرواية يجوز الإِتمام بالكوفة خارج المسجد بالنجف(٥) .

وقال بعض علمائنا : يحمل حرم أمير المؤمنينعليه‌السلام على مسجد الكوفة أخذاً بالمتيقّن(٦) .

فروع :

أ : قال ابن إدريس : إنّما يجوز الإِتمام في نفس المسجد الحرام ، وفي نفس مسجد المدينة ، عملاً بالمتيقّن(٧) .

وقال الشيخ : يستحب الإِتمام في مكّة والمدينة جميعها ، لدلالة الرواية‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٥٨٦ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٤٣٢ / ١٥٠٠ ، الاستبصار ٢ : ٣٣٥ / ١١٩٤ ، ومصباح المتهجّد : ٦٧٤.

(٢) الفقيه ١ : ٢٨٣ ذيل الحديث ١٢٨٤ ، والخصال : ٢٥٢ ذيل الحديث ١٢٣ ، وحكاه عنه أيضاً المحقّق في المعتبر : ٢٥٣.

(٣) التهذيب ٥ : ٤٢٨ / ١٤٨٥ ، الاستبصار ٢ : ٣٣٢ / ١١٨١.

(٤) التهذيب ٥ : ٤٣٠ / ١٤٩٤ ، الاستبصار ٢ : ٣٣٤ / ١١٩١ ، وكامل الزيارات : ٢٥٠ ، الخصال : ٢٥٢ / ١٢٣.

(٥) المبسوط للطوسي ١ : ١٤١.

(٦) قال به المحقّق في المعتبر : ٢٥٤.

(٧) السرائر : ٧٦.


عليه(١) .

ب : قال المرتضى : يستحب الإِتمام في السفر عند قبر كلّ إمام من أئمّة الهدىعليهم‌السلام (٢) .

ومنعه ابن إدريس ، للأصل(٣) ، وهو الأقرب.

ج : قال ابن إدريس : المراد بالحائر ما دار سور المشهد عليه‌ دون سور البلد ، لأنّ الحائر هو الموضع المطمئن الذي يحار الماء فيه.

وقد ذكر المفيد في الإِرشاد في مقتل الحسينعليه‌السلام ، لمـّا ذكر مَنْ قتل معه من أهله ، فقال : والحائر محيط بهم إلّا العباس ، فإنّه قتل على المسناة(٤) .

د : لو فاتت هذه الصلاة ، احتمل وجوب القصر مطلقاً‌ - سواء صلّاها فيها أو في غيرها ، لفوات محلّ الفضيلة وهو الأداء ، ووجوب القصر إن قضاها في غيرها ، لفوات المكان الذي هو محلّ المزيّة ، والتخيير إن قضاها فيها ، لأنّ القضاء تابع للأداء ، والتخيير مطلقاً بين الإِتمام والقصر ، لأنّ الأداء كذلك.

مسألة ٦١٥ : يستحب أن يقول المسافر عقيب كلّ صلاة : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر ، ثلاثين مرّة‌ ، فإنّ ذلك جبران لصلاته على ما روي(٥) .

ولأنّ هذه تقع بدلاً عن الركعات في شدّة الخوف.

ويحتمل : تقييد ذلك عقيب الصلاة المقصورة ، لأنّها محلّ النقص ،

____________________

(١) المبسوط للطوسي ١ : ١٤١.

(٢) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر : ٧٧.

(٣) السرائر : ٧٧.

(٤) السرائر : ٧٦ - ٧٧ ، وراجع : الإِرشاد - للمفيد - ٢٤٩.

(٥) التهذيب ٣ : ٢٣٠ / ٥٩٤.


كما قيّدناه نحن في القواعد(١) ، لقول العسكريعليه‌السلام : « يجب على المسافر أن يقول في دبر كلّ صلاة يقصّر فيها : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر ، ثلاثين مرّة لتمام الصلاة»(٢) .

ويحمل الوجوب على شدّة الاستحباب.

مسألة ٦١٦ : لو سافر بعد الزوال قبل التنفّل ، استحب له قضاء النافلة‌ ولو في السفر ، لحصول السبب ، وهو : الوقت ، وعموم الأمر بقضاء الفائت وإن كان ندباً.

المطلب الثاني : في الشرائط‌

وهي خمسة : قصد المسافة ، والضرب في الأرض ، واستمرار

القصد ، وعدم زيادة السفر على الحضر ، وإباحته.

فهنا مسائل تنظمها خمسه مباحث.

الأول : قصد المسافة‌

مسألة ٦١٧ : المسافة شرط ، فلا يجوز القصر في قليل السفر عند عامة العلماء‌ ، لإِجماع الصحابة على التقدير وإن اختلفوا في القدر.

ولما رواه الجمهور عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : ( يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة بُرُدٍ من مكّة إلى عسفان )(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « التقصير في الصلاة بريد في بريد أربعة وعشرون ميلاً »(٤) .

____________________

(١) قواعد الأحكام ١ : ٤٩.

(٢) التهذيب ٣ : ٢٣٠ / ٥٩٤.

(٣) سنن الدار قطني ١ : ١٣٨٧ / ١ ، سنن البيهقي ٣ : ١٣٧.

(٤) الفقيه ١ : ٢٧٩ / ١٢٦٩ ، التهذيب ٣ : ٢٠٧ / ٤٩٣ و ٤ : ٢٢٣ / ٦٥٢ ، الاستبصار =


ولأنّه رخصة للمشقّة ، ولا مشقّة مع القلّة.

وقال داود : يقصّر في قليل السفر وكثيره ، لقوله تعالى( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ) (١) (٢) ولم يفصّل.

والإِجماع والأحاديث أخصّ.

مسألة ٦١٨ : وإنّما يجب التقصير في ثمانية فراسخ ، فلو قصد أقلّ ، لم يجز التقصير إجماعاً ، إلّا في رواية لنا أنّه يثبت في أربعة فراسخ(٣) .

والمعتمد : الأول.

ولا خلاف عندنا في وجوب التقصير في الثمانية ، لأنّ سماعة سأله عن المسافر في كم يقصّر الصلاة؟ فقال : « في مسيرة يوم ، وذلك بريدان وهما ثمانية فراسخ »(٤) .

وسأل أبو أيّوب ، الصادقعليه‌السلام عن التقصير ، قال : « في بريدين أو بياض يوم »(٥) .

وسأل علي بن يقطين ، الكاظمعليه‌السلام ، عن الرجل يخرج في سفره وهو مسيرة يوم ، قال : « يجب عليه التقصير إذا كان مسيرة يوم وإن كان يدور في عمله »(٦)

____________________

= ١ : ٢٢٣ / ٧٨٧.

(١) النساء : ١٠١.

(٢) المجموع ٤ : ٣٢٥ - ٣٢٦ ، رحمة الاُمة ١ : ٧٤ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٣.

(٣) التهذيب ٣ : ٢٠٨ / ٥٠٠ ، الاستبصار ١ : ٢٢٤ / ٧٩٦.

(٤) التهذيب ٣ : ٢٠٧ / ٤٩٢ ، الاستبصار ١ : ٢٢٢ / ٧٨٦.

(٥) التهذيب ٣ : ٢١٠ / ٥٠٦ ، الاستبصار ١ : ٢٢٥ / ٨٠٢.

(٦) التهذيب ٣ : ٢٠٩ / ٥٠٣ ، الاستبصار ١ : ٢٢٥ / ٧٩٩.


وفي رواية عن الباقرعليه‌السلام ، قال : « التقصير في بريد ، والبريد أربعة فراسخ »(١) .

وهي محمولة على إرادة الرجوع ليومه ، لأنّه حينئذٍ قد شغل يومه بالسفر ، فحصلت المشقّة المبيحة للقصر ، وكذا غيرها من الروايات.

وللشافعي أقوال : أحدها : إباحة التقصير في ستة وأربعين ميلاً بالهاشمي ، وهو : مسير ليلتين قاصداً بين سير النقل(٢) ودبيب الأقدام(٣) .

الثاني : ثمانية وأربعون ميلاً بالهاشمي - وبه قال عبد الله بن عباس وابن عمر ، ومالك والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور - لقولهعليه‌السلام : ( يا أهل مكّة لا تقصّروا في أدنى من أربعة بُرُدٍ من مكّة إلى عسفان )(٤) (٥) .

وهو معارض بما روي عنهعليه‌السلام من التقصير في مسير يوم(٦) .

ولأنّ القصر لو لم يثبت لمسير يوم ، لما يثبت مع ما زاد ، لزوال مشقّته براحة الليل.

وقد روي عن الرضاعليه‌السلام : « إنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقلّ من ذلك ولا أكثر ، لأنّ ثمانية فراسخ مسير يوم للعامّة(٧) والقوافل والأثقال ، فوجب التقصير في مسير يوم » قال : « ولو لم يجب في مسير يوم لما‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٣٢ / ١ ، التهذيب ٤ : ٢٢٣ / ٦٥٣ ، الاستبصار ١ : ٢٢٣ / ٧٩٠.

(٢) ضرب من السير وهو المداومة عليه. الصحاح ٥ : ١٨٣٤ « نقل ».

(٣) المجموع ٤ : ٣٢٣ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٣.

(٤) سنن الدار قطني ١ : ٣٨٧ / ١ ، سنن البيهقي ٣ : ١٣٧.

(٥) المدونة الكبرى ١ : ١٢٠ ، المنتقى للباجي ١ : ٢٦٢ ، المغني ٢ : ٩١ و ٩٢ و ٩٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٩٤ و ٩٥ ، المجموع ٤ : ٣٢٣ و ٣٢٥ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٣ و ٤٥٤ ، كفاية الأخيار ١ : ٨٧.

(٦) نقل ذلك عن عبد الله بن عمر وابن عباس ، اُنظر : سنن البيهقي ٣ : ١٣٧ والمغني ٢ : ٩٣.

(٧) في « ش » والطبعة الحجرية : « للقاصد » بدل « للعامّة ».


وجب في مسير ألف سنة ، لأنّ كل يوم بعد هذا اليوم فإنّما هو نظير هذا اليوم »(١) .

الثالث : مسير يوم وليلة(٢) .

الرابع في القديم : يقصّر فيما جاوز أربعين ميلاً(٣) .

وقال أبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح بن حي : لا يقصّر إلّا في ثلاث مراحل : أربعة وعشرين فرسخاً - وبه قال النخعي وسعيد بن جبير وعبد الله بن مسعود وسويد بن غفلة - لأنّ النبيعليه‌السلام ، قال : ( يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن )(٤) وهو يقتضي أن يكون كلّ مسافر له ذلك(٥) .

ولا حجّة فيه عندنا ، للمنع من المسح على الخفّين مطلقاً

ولأنّه يمكنه قطع سفره في ثلاثة أيام إذا كان مرحلتين ويمسح فيها ، فالخبر لبيان مدّة المسح لا حدّ السفر.

وقال الأوزاعي : يقصّر في مسيرة يوم. وهو مروي عن أنس(٦) .

وحكي عن الزهري أنّه قال : مسيرة يوم تام ثلاثين ميلاً(٧) .

مسألة ٦١٩ : الفرسخ ثلاثة أميال اتّفاقاً.

والميل : أربعة آلاف ذراع ، لأنّ المسافة تعتبر بمسير اليوم للإِبل السير العام ، وهو يناسب ما قلناه. وكذا الوضع اللغوي ، وهو : قدر مدّ البصر من‌

____________________

(١) الفقيه ١ : ٢٩٠ / ١٣٢٠ ، علل الشرائع : ٢٦٦ الباب ١٨٢ ، الحديث ٩ ، عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ٢ : ١١٣ ، الباب ٣٤ ، الحديث ١.

(٢) المجموع ٤ : ٣٢٣ ، رحمة الاُمّة ١ : ٧٤ ، المبسوط للسرخسي ١ : ٢٣٥.

(٣) المجموع ٤ : ٣٢٣ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٣.

(٤) سنن البيهقي ١ : ٢٧٨.

(٥) المبسوط للسرخسي ١ : ٢٣٥ ، المغني ٢ : ٩٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٩٤ ، بداية المجتهد ١ : ١٦٧ - ١٦٨ ، المجموع ٤ : ٣٢٥ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٣.

(٦) المجموع ٤ : ٣٢٥ ، المغني ٢ : ٩٣ ، الشرح الكبير ٢ : ٩٤ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٣.

(٧) حلية العلماء ٢ : ١٩٣.


الأرض. وفي بعض الروايات : « ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة »(١) .

وقال بعض الشافعية : اثنا عشر ألف قدم ، أو أربعة آلاف خطوة(٢) .

وأمّا الذراع فأربعة وعشرون إصبعاً.

فروع :

لو لم يعلم المسافة وشهد اثنان عَدلان ، وجب القصر ، ولو شكّ ولا بيّنة ، وجب الإِتمام ، لأنّه الأصل ، فلا يعدل عنه إلّا مع اليقين. وكذا لو اختلف المـُخبرون بحيث لا ترجيح.

ولو تعارضت البيّنتان ، وجب القصر ، عملاً ببيّنة الإِثبات.

ب : التقدير تحديد لا تقريب‌ - وبه قال الشافعي(٣) - حتى لو نقصت شيئاً قليلاً ، لم يجز القصر ، لأنّه ثبت بالنصّ لا بالاجتهاد.

ج : الزمان ليس بتقدير ، فلو قطع الثمانية في أيام ، فله القصر‌ فيها.

وكذا لو قطعها في يوم ، فله القصر.

د : البحر كالبرّ ، فلو سافر فيه وبلغت المسافة ، فله القصر‌ وإن كان ربما قطع المسافة في ساعة ، لأنّ الاعتبار بالمسافة لا بالمدّة.

ه- : اعتبار المسافة من حدّ الجدران‌ دون البساتين والمزارع ، وغيبوبة الجدران وخفاء الأذان وإن شرطا في جواز القصر.

مسألة ٦٢٠ : لو قصد نصف المسافة والرجوع ليومه ، وجب القصر ، لوجود المشقّة وشغل اليوم.

ولقول الباقرعليه‌السلام ، وقد سأله محمد بن مسلم عن التقصير ، قال : « في بريد » قلت : بريد؟ قال : « إذا ذهب بريداً ورجع بريداً فقد شغل‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٣٢ / ٣.

(٢) فتح العزيز ٤ : ٤٥٣.

(٣) المجموع ٤ : ٣٢٣ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٤ ، كفاية الأخيار ١ : ٨٧.


يومه »(١) .

وقال الشافعي : لا يجوز له القصر ، لأنّ الذهاب سفر والرجوع سفر آخر ، وكلٌّ منهما أقلّ من المسافة(٢) .

ونمنع التعدّد.

ولو لم يرد الرجوع من يومه ، وجب التمام - وهو قول المرتضى(٣) - لعدم الشرط ، وهو : قصد المسافة.

وقال الشيخ : يتخيّر في قصر الصلاة دون الصوم(٤) .

وقال الصدوقرحمه‌الله : يتخيّر مطلقاً(٥) .

والوجه ما تقدّم.

تذنيب : لو كانت المسافة ثلاثة فراسخ فقصد التردّد ثلاثاً ، لم يقصّر ، لأنّه بالرجوع انقطع سفره وإن كان في رجوعه لم ينته إلى سماع الأذان ومشاهدة الجدران ، وإلّا لزم القصر لو تردّد في فرسخ واحد ثماني مرّات وأزيد.

ولو كانت المسافة خمساً وقصد الرجوع ليومه ، وجب القصر ، وإلّا فلا.

مسألة ٦٢١ : لو كان لبلد طريقان ، أحدهما مسافة دون الآخر ، فسلك الأقصر ، لم يجز القصر ، سواء علم أنّه القصير أو لا ، لانتفاء المسافة فيه.

وإن سلك الأبعد ، فإن كان لغرض كخوف في القريب ، أو حزونة ، أو قضاء حاجة في البعيد ، أو زيارة صديق ، أو لقاء غريم ليطالبه ، فله القصر‌

____________________

(١) التهذيب ٤ : ٢٢٤ / ٦٥٨.

(٢) المجموع ٤ : ٣٢٤ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٥ ، كفاية الأخيار ١ : ٨٧.

(٣) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر : ٧٣ ، والمحقّق في المعتبر : ٢٥١.

(٤) النهاية : ١٢٢ و ١٦١.

(٥) الفقيه ١ : ٢٨٠.


إجماعاً ، لوجود المقتضي ، وهو : سلوك المسافة.

وإن لم يكن له غرض سوى الترخّص ، وجب القصر أيضاً عندنا - وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد القولين ، والمزني(١) - لأنّه سفر مباح ، فيترخّص فيه ، كما لو كان له فيه غرض.

والآخر للشافعي : المنع - واختاره أبو إسحاق - لأنّه طوّل الطريق على نفسه لا لغرض سوى الترخّص ، فأشبه ما إذا مشى في المسافة القصيرة يميناً وشمالاً حتى طال سفره(٢) .

ومنعوا الإِباحة ، لقولهعليه‌السلام : ( إنّ الله تعالى يبغض المشّائين من غير إرب )(٣) .

والفرق ظاهر ، فإنّ قاصد الأبعد قصد مسافة ، بخلاف الماشي يميناً وشمالاً ، والإِرب موجود ، وهو : الترخّص المباح.

تذنيب : إذا سلك الأبعد ، قصّر فيه وفي البلد‌ وفي الرجوع وإن كان بالأقرب ، لأنّه مسافر ، وإنّما يخرج عن السفر بالعود إلى وطنه أو حكمه.

ولو سلك الأقصر ، أتمّ في طريقه والبلد وإن قصد الرجوع بالأبعد ، لأنّه لم يقصد أوّلاً مسافة ، والقصد الثاني لا حكم له قبل الشروع فيه.

نعم يقصّر في الرجوع بالأبعد ، لوجود المقتضي ، وهو : المسافة.

مسألة ٦٢٢ : لا قصر مع انتفاء القصد ، فالهائم لا يترخّص ، وكذا طالب الآبق وشبهه ، لأنّ الشرط عزم قطع المسافة في الابتداء ، وطالب الآبق والغريم لم يقصد المسافة ، بل متى ظفر رجع وهو لا يعرف موضعهما.

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٩ ، المجموع ٤ : ٣٣١ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٥ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٣ ، بدائع الصنائع ١ : ٩٤.

(٢) الام ١ : ١٨٤ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٩ ، المجموع ٤ : ٣٣١ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٥ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٣.

(٣) لم نعثر عليه بحدود المصادر المتوفّرة لدينا.


وإن تمادى سفره وزاد عن المسافة ، فإذا وجده وعزم على الرجوع وقد قطع المسافة ، فهو منشئ للسفر من حينه.

وإنما اشترط قصد قطع المسافة ، لأنّ للسفر تأثيراً في العبادة ، فاعتبرت النيّة فيه ، كما تعتبر في العبادات.

فروع :

أ : لو بلغه خبر عبده في بلد فقصده بنيّة إن وجده في الطريق رجع ، فليس له الترخّص‌ ، لعدم يقين القصد.

ب : لو قصد البلدة ثم عزم في الطريق على الرجوع إن وجده ، قصّر‌ إلى وقت تغيّر نيّته ، وبعده إن كان قد قطع مسافة بقي على التقصير ، وإلّا أتمّ.

وللشافعي في الآخر وجهان ، كما لو أنشأ سفراً مباحاً ثم أحدث نيّة المعصية(١) .

ج : الأسير في أيدي المشركين إن عرف مقصدهم وقَصَده ، ترخّص ، وإن عزم على الهرب متى قدر على التخلّص ، لم يترخّص ، ولو لم يعرف المقصد لم يترخّص في الحال ، لعدم علمه بالمسافة.

وإن ساروا به المسافة ، لم يقصّر إلّا في الرجوع.

وحكي عن الشافعي : القصر ، لأنّه يتيقّن طول سفره(٢) .

د : لو سافر بعبده أو ولده أو زوجته ، فإن علموا المقصد وقصدوا السفر ، ترخّصوا.

وإن عزم العبد على الرجوع متى أعتقه مولاه ، والزوجة عليه متى تخلّصت ، وكذا الولد ، فلا رخصة لهم.

____________________

(١) فتح العزيز ٤ : ٤٥٥ ، المجموع ٤ : ٣٣٢.

(٢) المجموع ٤ : ٣٣٣.


وإن لم يعلموا المقصد ، لم يترخّصوا ، لانتفاء اختيارهم ، وإنّما سفرهم بسفر غيرهم.

ه- : منتظر الرفقة إذا غاب عنه الجدار والأذان ، يقصّر‌ إن جزم على السفر - سواء حصلت الرفقة أو لا - إلى شهر.

وإن تردّد في السفر لو لم يحصلوا ، لم يقصّر ، إلّا أن يكون قد قطع المسافة ، فيقصّر إلى شهر.

واشتراط الشيخ أربعة فراسخ(١) ممنوع.

و : لو قصد ما دون المسافة فقطعه ، ثم قصد ما دون المسافة فقطعه ، وهكذا دائماً ، فلا قصر‌ وإن تجاوز مسافة التقصير ، وكذا لو خرج غير ناوٍ مسافةٍ ، لم يقصّر وإن قطع مسافات كثيرة.

نعم يجب عليه التقصير في العود مع بلوغ المسافة ، لأنّه ينوي المسافة ، وعليه فتوى العلماء.

ولقول الرضاعليه‌السلام ، وقد سأله صفوان : في الرجل يريد أن يلحق رجلاً على رأس ميل ، فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان ، قال : « لا يقصّر ولا يفطر ، لأنّه لم يرد السفر ثمانية فراسخ ، وإنّما خرج ليلتحق بأخيه فتمادى به السير »(٢) .

ولو قصد ما دون المسافة أوّلاً ثم قصد ثانياً المسافة ، قصّر حينئذٍ لا قبله.

____________________

(١) النهاية : ١٢٤ - ١٢٥.

(٢) التهذيب ٤ : ٢٢٥ / ٦٦٢ ، الاستبصار ١ : ٢٢٧ / ٨٠٦.


البحث الثاني : الضرب في الأرض‌

مسألة ٦٢٣ : الضرب في الأرض شرط في القصر ، ولا يكفي قصد المسافة من دونه إجماعاً ، لأنّ شرط القصر الضرب في الأرض ، لقوله تعالى :( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ) (١) .

ولأنّ اسم السفر إنّما يتحقّق به لا بالقصد.

ويخالف ما لو دخل إلى بعض البلاد ونوى الإِقامة ، ففي الوقت يصير مقيماً ، لموافقة النية الحالة ، لأنّه نوى الإِقامة وهو مقيم ، وهنا النية لا توافق الحالة ، لأنّ السفر هو الضرب والسير عليها وهو مقيم ، فلم يكن للنية حكم.

مسألة ٦٢٤ : ولا يشترط انتهاء المسافة إجماعاً ، لتعلّق القصر بالضرب وهو يصدق في أوله.

ولا يشترط أيضاً اختلاف الوقت بإجماع العلماء ، إلّا من مجاهد ، فإنّه قال : إذا خرج نهاراً ، فلا يقصّر إلى الليل ، وإن خرج ليلاً ، فلا يقصّر إلى النهار(٢) .

ولا وجه له ، لوجود الشرط بدونه.

مسألة ٦٢٥ : إنّما يباح القصر في الصلاة والصوم إذا توارى عنه جدران البلد أو خفي عنه أذانه‌ ، لأنّ السفر شرط القصر ، ولا يتحقّق في بلده ومع مشاهدة الجدران ، فلا بدّ من تباعد يطلق على مَنْ بلغه أنّه مسافر ، ولا حدّ بعد مفارقة منازله إلّا ذلك.

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يقصّر على فرسخ من المدينة‌

____________________

(١) النساء : ١٠١.

(٢) المجموع ٤ : ٣٤٩ ، رحمة الأمّة ١ : ٧٤ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٩٨ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٥.


وفرسخين(١) ، فتكون بياناً.

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان ، فقصّر »(٢) .

وروي عن الحارث بن أبي ربيعة أنّه أراد سفراً ، فصلّى بهم ركعتين في منزله وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد(٣) .

وهو غلط ، لعدم الشرط. ولأنّ هذا الخلاف انقرض ، فيبقى إجماعاً.

وقال عطاء : إذا خرج من بيته ، قصّر وإن لم يخرج من بيوت القرية(٤) .

وهو قول بعض أصحاب الحديث(٥) منّا ، لقول الصادقعليه‌السلام : « إذا خرجت من منزلك فقصّر إلى أن تعود إليه »(٦) .

ويحمل على بلوغ الموضع الذي لا يشاهد فيه جدران البلد ولا يسمع أذانه ، جمعاً بين الأدلّة.

وقال الشافعي : لا يجوز القصر حتى يفارق البلد الذي هو فيه ومنازله.

ولم يشترط خفاء الجداران والأذان - وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق - لأنّ بنيان بلده يقطع استدامة سفره فكذا يمنع الابتداء.

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يبتدئ القصر إذا خرج من‌

____________________

(١) صحيح مسلم ١ : ٤٨٠ / ٦٩٠ ، صحيح البخاري ٢ : ٥٤ ، سنن أبي داود ٢ : ٤ / ١٢٠٢ ، سنن الترمذي ٢ : ٤٣١ / ٥٤٦ ، سنن النسائي ١ : ٢٣٧.

(٢) التهذيب ٤ : ٢٣٠ / ٦٧٥ ، الاستبصار ١ : ٢٤٢ / ٨٦٢.

(٣) المجموع ٤ : ٣٤٩ ، رحمة الاُمة ١ : ٧٤ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٩٨ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٤.

(٤) المجموع ٤ : ٣٤٩ ، المغني ٢ : ٩٧ - ٩٨ ، الشرح الكبير ٢ : ٩٨ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٥.

(٥) حكاه عن بعض الأصحاب أيضاً المحقق في المعتبر : ٢٥٣ ، ولعلّه يقصد الشيخ الصدوق ، وانظر المصدر في الهامش التالي.

(٦) الفقيه ١ : ٢٧٩ / ١٢٦٨.


المدينة(١) (٢) .

وهو محمول على الخروج إلى حيث يخفى الأذان والجدران.

وحكى ابن المنذر عن قتادة ، أنّه قال : إذا جاوز الجسر أو الخندق ، قصّر(٣) .

وقد تقدّم بطلانه.

مسألة ٦٢٦ : وكما أنّ خفاء الأذان والجدران مبدأ السفر كذا هو منتهاه ، فلا يزال مقصّراً حتى يظهر الجدار أو يسمع الأذان ، عند أكثر علمائنا(٤) ، لقول الصادقعليه‌السلام : « إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان ، فقصّر ، وإذا قدمت من سفرك ، فمثل ذلك »(٥) .

وقال المرتضى : لا يزال مقصّراً حتى يدخل منزله(٦) ، لقول الصادقعليه‌السلام : « لا يزال المسافر مقصّراً حتى يدخل أهله أو منزله »(٧) .

والمشهور : الأول. وتحمل الثانية على وصول سماع الأذان أو مشاهدة الجدران ، جمعاً بين الأدلّة.

مسألة ٦٢٧ : لا اعتبار بأعلام البلدان ، كالمنائر والقُباب المرتفعة عن اعتدال البنيان‌ ، لأنّ الحوالة في الألفاظ المطلقة إلى المتعارف المعهود.

____________________

(١) مصنف عبد الرزاق ٢ : ٥٢٨ - ٥٢٩ / ٤٣١٥ - ٤٣١٨.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٩ ، المجموع ٤ : ٣٤٧ و ٣٤٩ ، فتح العزيز ٤ : ٤٣٤ ، ٤٣٥ ، المبسوط للسرخسي ١ : ٢٣٦ ، المدوّنة الكبرى ١ : ١١٨ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ٩٧ و ٩٨.

(٣) حلية العلماء ٢ : ١٩٤ ، مصنف عبد الرزاق ٢ : ٥٣١ / ٤٣٢٧.

(٤) منهم : المحقق في المعتبر : ٢٥٣.

(٥) التهذيب ٤ : ٢٣٠ / ٦٧٥ ، الاستبصار ١ : ٢٤٢ / ٨٦٢.

(٦) حكاه عنه المحقق في المعتبر : ٢٥٣.

(٧) المعتبر : ٢٥٣ ، التهذيب ٣ : ٢٢٢ / ٥٥٦ ، الاستبصار ١ : ٢٤٢ / ٨٦٤ وفيهما « حتى يدخل بيته ».


ولأنّ المشقّة ربما حصلت عند مشاهدة الجدار من فراسخ بعيدة.

والاعتبار بمشاهدة صحيح الحاسّة وسماع صحيح السمع ، دون بالغ النهاية فيهما وفاقد كمال إحداهما.

ولا عبرة بالبساتين والمزارع ، فيجوز القصر قبل مفارقتها مع خفاء الجدار والأذان ، لأنّها ليست مبنية للسكنى ، سواء كانت محوطة أو لا ، إلّا إذا كان فيها دور وقصور للسكنى.

وللشافعية وجه آخر ، وهو : مجاوزة البساتين والمزارع مطلقاً.

والمشهور عندهم : الأول(١) .

فروع :

أ : لا فرق بين البلد والقرية في ذلك. وشرط بعض الشافعيّة مجاوزة البساتين والمزارع المحوطة على ساكن القرية دون البلد(٢) .

وليس بمعتمد.

وبعضهم شرط مجاوزة البساتين في القرى دون المزارع(٣) .

ب : لو جمع سورٌ قرى متفاصلة ، لم يشترط في المسافر‌ من أحدها مجاوزة ذلك السور ، بل خفاء جدران قريته وأذانها.

ج : لو كان خارج البلد على طرفه خراب لا عمارة وراءه ، لم تشترط مجاوزته ، لأنّه ليس موضع إقامة ، وبه قال الشافعي. وله آخر : اشتراط المجاوزة إذا كان بقايا الحيطان قائمة ولم يتّخذ مزارع(٤) .

د : لو سكن واديا وسار في عرضه أو طوله ، اشترط خفاء الأذان. وكذا لو سكن في الصحراء.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٣٤٨ ، فتح العزيز ٤ : ٤٣٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٥.

(٢) المجموع ٤ : ٣٤٧ - ٣٤٨ ، فتح العزيز ٤ : ٤٣٦.

(٣) فتح العزيز ٤ : ٤٣٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٥.

(٤) المجموع ٤ : ٣٤٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٣٥ - ٤٣٦ ، مغني المحتاج ١ : ٢٦٣.


وقال الشافعي : لا بدّ من مجاوزة عرض الوادي. وقيّد بعض أصحابه بما إذا لم تفرط السعة ، فلو أفرطت ، شرط مجاوزة الموضع الذي ينسب إليه ، ويعدّ حلّة(١) قومه(٢) .

ه- : لو كان نازلاً على ربوة ، فالشرط ما ذكرناه من خفاء الجدران أو الأذان.

ويحتمل خفاء الأذان خاصة وإن ظهرت الجدران.

وقال الشافعي : لا بدّ من أن يهبط عنها(٣) .

ولو كان في وهدة فكذلك يعتبر بنسبته الظاهرة. وعنده لا بدّ أن يصعد عنها(٤) .

و : لو كان من أهل الخيام ، اشترط خفاء الأذان.

ويحتمل خفاء الجدران المقدّرة. والحلّتان كالقريتين ، وبه قال الشافعي(٥) .

ولأصحابه وجه آخر : أن يفارق خيمته. ولا يعتبر مفارقة الخيام وإن كانت الحلّة واحدةً(٦) .

ز : لو كان في وسط البلد نهر كبير فأراد مَنْ على أحد الجانبين السفر من الآخر ، فعبر النهر ، لم يجز القصر‌ حتى يفارق عمارة الجانب الآخر ويخفى عليه أذانه وجدرانه ، لأنّ الجميع بلد واحد.

ح : لو كانت قريتان متقاربتان فأراد أن يسافر من أحدهما على طريقة الْاُخرى ، فإن اتّصل البناء ، اشترط مفارقة الْاُخرى ، لأنّهما صارتا كالقرية‌

____________________

(١) الحلّة : منزل القوم. تاج العروس ٧ : ٢٨٣ « حلل ».

(٢) المجموع ٤ : ٣٤٨ ، فتح العزيز ٤ : ٤٣٨.

(٣ و ٤ ) المجموع ٤ : ٤٣٨ ، فتح العزيز ٤ : ٤٣٨ و ٤٣٩.

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٩ ، المجموع ٤ : ٣٤٨ - ٣٤٩ ، فتح العزيز ٤ : ٤٣٩ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٥ ، مغني المحتاج ١ : ٢٦٤.

(٦) المجموع ٤ : ٣٤٩ ، فتح العزيز ٤ : ٤٤٠ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٥.


الواحدة.

وإن كان بينهما فَصْلٌ ، قصّر قبل مفارقة الْاُخرى إن خفيت جدران قريته وأذانها ، وهو ظاهر مذهب الشافعي(١) .

وقال ابن سريج : لا يباح له القصر حتى يفارق أبنية الْاُخرى ، لأنّ أهل أحدهما يتردّدون إلى الْاُخرى من غير تغيير هيئة وزيّ ، فلا يحصل متشبّهاً بالمسافرين ما دام فيها(٢) .

مسألة ٦٢٨ : لو قصد المسافة وخرج فمُنع عن السفر بعد خفاء الأذان والجدران ، فإن كان على نيّة السفر ، قصّر‌ إلى شهر ، وإن غيّر النيّة أو تردّد ، أتمّ ، لبقاء القصد في الأول الذي هو الشرط ، وانتفائه في الثاني.

ولو سافر في المركب فردّته الريح بعد خفائهما إلى أن ظهر أحدهما ، أتم ، لدخوله في حدّ الحضر.

ولو أحرم في السفينة قبل أن تسير وهي في الحضر ثم سارت حتى خفي الأذان والجدران ، لم يجز له القصر ، لأنّه دخل في الصلاة على التمام.

ولو خرج من البلد إلى حيث يجوز له الترخّص فرجع إليه لحاجة عرضت له ، لم يترخّص حال رجوعه وخروجه ثانياً من البلد ، لخروجه عن اسم المسافر بعوده إلى بلده.

ولو كان غريباً ، فله استدامة الترخّص.

أمّا لو كان رجوعه بعد قطع المسافة ، فإنّه يقصّر في رجوعه وخروجه ثانياً.

____________________

(١ و ٢ ) المهذب للشيرازي ١ : ١٠٩ ، المجموع ٤ : ٣٤٨ ، فتح العزيز ٤ : ٤٣٧.


البحث الثالث : استمرار القصد‌

مسألة ٦٢٩ : استمرار قصد السفر شرط في القصر‌ ، فلو قطع نية السفر في أثناء المسافة ، أتمّ.

ولو قطع المسافة ثم غيّر نيّة السفر وعزم على الرجوع ، قصّر. وإن عزم على المقام عشرة أيام ، أتمّ. وإن تردّد قصَّر ما بينه وبين ثلاثين يوماً ثم يُتمّ بعد ذلك.

إذا ثبت هذا ، فإنّ نهاية السفر تحصل بأحد اُمور ثلاثة :

الأول : العود إلى الوطن ، بأن يرجع إلى الموضع الذي يشترط مجاوزته في ابتداء السفر ، لأنّ الموضع الذي يبتدأ الترخّص فيه إذا كان مسافراً يقطع الترخّص إذا كان راجعاً.

وفي معناه الوصول إلى المقصد الذي عزم على الإِقامة فيه إقامة تقطع الرخصة ، أو إلى موضع له فيه ملك استوطنه ستة أشهر.

الثاني : نيّة الإِقامة عشرة أيام - على ما يأتي - في أيّ موضع نواه وإن كان في مفازة ونحوها ، وهو أصحّ قولي الشافعي ، وفي الآخر : تشترط الإِقامة في موضع يصلح لها(١) .

الثالث : إقامة شهر مع التردّد ، على ما يأتي.

مسألة ٦٣٠ : يجب القصر ما دام مسافراً وإن أقام في أثناء المسافة عشرة أيام أو وصل إلى مقصده إذا لم يكن يعزم الإِقامة فيه إلى شهر ، فإن نوى الإِقامة فيه أو في أثناء المسافة عشرة أيام ، وجب الإِتمام عند علمائنا أجمع.

وإن نوى إقامة أقلّ من عشرة ، قصّر - وبه قال عليعليه‌السلام ، والباقر‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٣٦١.


والصادقعليهما‌السلام ، والحسن بن صالح بن حي(١) - لقول عليعليه‌السلام : « يتمّ الصلاة الذي يقيم عشراً ، ويقصّر الصلاة الذي يقول : أخرج اليوم أخرج غداً شهراً »(٢) وعليعليه‌السلام ، كان لا يرى الاجتهاد ، فيكون قوله توقيفاً.

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام في المسافر إذا قدم بلده ، قال : « إن دخلت أرضاً وأيقنت أنّ لك بها مقام عشرة أيام فأتمّ الصلاة ، وإن لم تَدْرِ مقامك بها تقول : غداً أخرج أو بعد غد ، فقصّر ما بينك وبين شهر »(٣) .

وقال الشافعي : إذا نوى مقام أربعة أيام غير يوم دخوله ويوم خروجه ، وجب عليه الإِتمام ، لأنّ يوم الدخول في الحطّ ، ويوم الخروج في الترحال ، وهما من أشغال السفر - وعنه وجه : أنّهما يحسبان - وبه قال عثمان بن عفّان وسعيد بن المسيّب ومالك وأبو ثور ، لأنّ الثلاث آخر حدّ القلّة ، لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً )(٤) .

وكذلك عمر لمـّا أجلى أهل الذمّة من الحجاز ضرب لمن قدم منهم تاجراً إلى الحجاز أن يقيم ثلاثة أيام(٥) .

فدلّ على أنّ الثلاث في حكم السفر وما زاد في حكم الإِقامة(٦) .

____________________

(١) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٤٥٥ ، المجموع ٤ : ٣٦٥ ، المغني ٢ : ١٣٣ ، المحلّى ٥ : ٢٢ - ٢٣ ، نيل الأوطار ٣ : ٢٥٥.

(٢) المغني ٢ : ١٣٣ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٩ ، والمعتبر للمحقّق الحلّي : ٢٥٥.

(٣) الكافي ٣ : ٤٣٥ / ١ ، التهذيب ٣ : ٢١٩ / ٥٤٦ ، الاستبصار ١ : ٢٣٧ / ٨٤٧.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٩٨٥ / ٤٤٢ ، سنن النسائي ٣ : ١٢٢ ، سنن البيهقي ٣ : ١٤٧.

(٥) سنن البيهقي ٣ : ١٤٨.

(٦) المهذب للشيرازي ١ : ١١٠ ، المجموع ٤ : ٣٦١ و ٣٦٤ ، فتح العزيز ٤ : ٤٤٦ - ٤٤٨ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٩ ، الميزان للشعراني ١ : ١٨٢ ، مغني المحتاج ١ : ٢٦٤ - ٢٦٥ ، المغني ٢ : ١٣٣ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٩ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٦٨.


ولا حجّة فيه ، لأنّ المقام يصدق في اليوم واليومين ، لكن لا تكون تلك إقامةً تنافي السفر.

وقال أبو حنيفة : إن نوى مقام خمسة عشر يوماً مع اليوم الذي يدخل فيه واليوم الذي يخرج فيه ، بطل حكم سفره - وبه قال الثوري والمزني وابن عمر في إحدى الروايات - لأنّ ابن عباس وابن عمر قالا : إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة ، فأكمل الصلاة ، ولم يعرف لهما مخالف(١) .

ونمنع عدم المخالف ، وقد روى البخاري عن ابن عباس أنه أقام بموضع تسع عشرة ليلة يقصّر الصلاة ، وقال : نحن إذا أقمنا تسع عشرة ليلة ، قصّرنا الصلاة ، وإن زدنا على ذلك ، أتممنا(٢) .

وعن عائشة : إذا وضعت الزاد والمزاد ، فأتمّ(٣) . ولا إجماع مع هذا الخلاف. وقولها ليس حجّةً.

وعن ابن عباس : إن نوى مقام تسعة عشر يوماً ، وجب الإِتمام وإن كان أقلّ ، لم يجب ، وبه قال إسحاق بن راهويه(٤) ، لأنّ ابن عباس قال : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلّي ركعتين. قال ابن عباس : فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلّي ركعتين ، وإن زدنا على ذلك أتممنا(٥) .

____________________

(١) المبسوط للسرخسي ١ : ٢٣٦ ، المجموع ٤ : ٣٦٤ ، فتح العزيز ٤ : ٤٤٨ ، المغني ٢ : ١٣٣ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٩ ، الميزان للشعراني ١ : ١٨٢ ، المحلّى ٥ : ٢٢.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ٥٣ و ٥ : ١٩١.

(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٤٥٥ ، المغني ٢ : ١٣٤ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٩.

(٤) المجموع ٤ : ٣٦٤ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٩ ، الميزان للشعراني ١ : ١٨٢.

(٥) صحيح البخاري ٥ : ١٩١ ، سنن الترمذي ٢ : ٤٣٢ / ٥٤٨ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٤١ / ١٠٧٥.


وليس حجّةً ، لأنّ فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لا يقتضي العموم ، فلعلّه لم يَنْو المقام عشرة أيام.

وقال الليث بن سعد : إن نوى مقام أكثر من خمسة عشر يوماً ، أتمّ.

وهو محكي عن سعيد بن جبير(١) .

وقال الأوزاعي : إن نوى اثني عشر يوماً ، أتمّ. وهو مروي عن ابن عمر(٢) أيضاً.

وقال أحمد : إن نوى مقام مدّة يفعل فيها أكثر من عشرين صلاة ، أتمّ - وهو قريب من مذهب الشافعي ، واختاره ابن المنذر ، وهو مروي عن عائشة - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، دخل مكّة صبيحة يوم الأحد. الرابع من ذي الحجّة ، وكان قد صلّى الصبح قبل دخوله ، فأقام بها تمام الرابع والخامس والسادس والسابع ، وصلّى الصبح بها في اليوم الثامن ، ثم دخل إلى منى ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يقصّر في هذه الأيام ، وكانت صلاته في هذه المدّة عشرين صلاة(٣) .

ولا حجّة فيه ، لأنه يقصّر إلى تمام العشرة عندنا.

وحكي عن أنس بن مالك : أنه أقام بنيسابور سنتين ، فكان يقصّر فيهما(٤) .

وروى النخعي : أنّ علقمة أقام بخوارزم سنتين ، وكان يقصّر فيهما(٥) .

____________________

(١) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٤٥٥ ، المجموع ٤ : ٣٦٥ ، المغني ٢ : ١٣٣ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٩ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٩ ، المحلّى ٥ : ٢٣.

(٢) المجموع ٤ : ٣٦٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٠ ، نيل الأوطار ٣ : ٢٥٦.

(٣) المجموع ٤ : ٣٥٦ ، الميزان للشعراني ١ : ١٨٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٠ ، المغني ٢ : ١٣٣ و ١٣٤ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٨ - ١١٠ ، الانصاف ٢ : ٣٢٩ وفي الثلاثة الأخيرة : إذا نوى المسافر الإِقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتمَّ. فلا حظ.

(٤) مصنّف ابن أبي شيبة ٢ : ٤٥٤ ، سبل السلام ١ : ٤٤٨.

(٥) مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٤٥٤ ، المبسوط للسرخسي ١ : ٢٣٧ ، الكفاية ٢ : ١١.


وفعلهما ليس حجّةً.

مسألة ٦٣١ : ولو ردّد نيّته ، فيقول : اليوم أخرج ، غداً أخرج ، قصّر إلى ثلاثين يوماً‌ ثم يتمّ بعد ذلك ولو صلاة واحدة ، سواء أقام عشرة أيام أولا - وبه قال بعض الحنابلة(١) - لقول عليعليه‌السلام : « ويقصّر الصلاة الذي يقول : أخرج اليوم أخرج غداً شهراً »(٢) .

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام : « وإن لم تدر مقامك بها ، تقول : غداً أخرج أو بعد غد ، فقصّر ما بينك وبين شهر »(٣) .

وقال الشافعي : إن لم يتم مقامه أربعاً ، فله القصر قولاً واحداً ، وإن أقام أربعة فصاعداً فأقوال:

أحدها : الإِتمام ، لأنّ الإِقامة أكثر من قصدها ، ولو نوى الإِقامة أربعاً ، أتمّ فالإِقامة أولى.

الثاني : أنّه يقصّر ثمانية عشر يوماً تخريجاً من مسألة الحرب ، وهي : أنّ المحارب إذا لم يَنْو المقام ، قصّر إلى ثمانية عشر يوماً ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أقام عام الفتح لحرب هوازن سبعة عشر يوماً أو ثمانية عشر يوماً وهو يقصّر(٤) .

فإن زاد أتمّ ، لقول ابن عباس : فمن أقام أكثر من ذلك فليتمّ(٥) . ولأنّ الأصل الإِتمام.

____________________

(١) المغني ٢ : ١٣٣ و ١٣٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٩.

(٢) المغني ٢ : ١٣٣ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٩ ، والمعتبر للمحقّق الحلّي : ٢٥٥.

(٣) الكافي ٣ : ٤٣٥ / ١ ، التهذيب ٣ : ٢١٩ / ٥٤٦ ، الاستبصار ١ : ٢٣٧ / ٨٤٧.

(٤) الاُم ١ : ١٨٦.

(٥) سنن أبي داود ٢ : ١٠ / ١٢٣٠.


الثالث : أنه يقصّر أبداً ما لم ينو مقام أربعة ، وبه قال أبو حنيفة(١) ، لأنّ المِسْوَرَ بن مَخْرَمة قال : كنّا مع سعد بن أبي وقّاص في قرية من قرى الشام أربعين ليلة وكنّا نصلّي أربعاً وكان يصلّي ركعتين(٢) .

وفعله ليس حجّةً.

فروع :

أ : لا فرق بين المحارب وغيره عندنا في وجوب الإِتمام بعد شهر‌ ، لعموم الحديث(٣) ، وفي وجوب الإِتمام لو نوى العشرة.

وللشافعي في المحارب قولان : أحدهما : أنّه يقصّر الصلاة وإن قصد الأربع - وبه قال أبو حنيفة - لعدم تحقّق عزمه ، لأنّه ربما هَزم أو هُزم(٤) .

والثاني وهو الجديد : أنّه يترك القصر ، لأنّه مسافر عزم على مقام أربع(٥) .

ب : لو لم يقصد المحارب المقام ، قصّر إلى شهر‌ كما قلنا.

وللشافعي قولان : أحدهما : أحدهما : أنّه يقصّر مطلقاً دائماً إلى أن ينقضي القتال ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد(٦) ، لرواية جابر : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أقام بتبوك عشرين يوماً يقصّر الصلاة(٧) .

____________________

(١) الْاُم ١ : ١٨٧ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٠ ، المجموع ٤ : ٣٦٢ ، فتح العزيز ٤ : ٤٤٩ - ٤٥١ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠١ ، المبسوط للسرخسي ١ : ٢٣٧ ، بدائع الصنائع ١ : ٩٧.

(٢) المغني ٢ : ١٣٩ الشرح الكبير ٢ : ١١٣.

(٣) مرّت الإِشارة إلى مصادره في الهامش (٣) من صفحة ٣٨٧.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١١٠ ، المجموع ٤ : ٣٦٢ ، فتح العزيز ٤ : ٤٤٩ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٠ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨١ ، المبسوط للسرخسي ١ : ٢٤٨.

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ١١٠ ، المجموع ٤ : ٣٦٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٠.

(٦) المهذب للشيرازي ١ : ١١٠ ، المجموع ٤ : ٣٦٢ ، المبسوط للسرخسي ١ : ٣٤٨ ، بدائع الصنائع ١ : ٩٨ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨١ ، اللباب ١ : ١٠٧ ، المدونة الكبرى ١ : ١٢٢ ، بلغة السالك ١ : ١٧٢ ، المغني ٢ : ١٣٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١١٢.

(٧) سنن أبي داود ٢ : ١١ / ١٢٣٥ ، سنن البيهقي ٣ : ١٥٢.


ولا حجّة فيه علينا.

والثاني : يقصّر إلى ثمانية عشر يوماً كغيره(١) ، لقول ابن عباس : أقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لحرب هوازن ثمانية عشر يوماً يقصّر الصلاة ، فمن أقام أكثر من ذلك فليتم(٢) .

وهو معارض برواية جابر.

ج : في بعض الروايات : يقصّر - يعني المتردّد - ما بينه وبين مُضيّ شهر(٣) .

وفي بعضها : ثلاثون يوماً : قال الباقرعليه‌السلام : « فإن لم يدر ما يقيم يوماً أو أكثر فليعد ثلاثين يوماً ثم ليتمّ »(٤) .

فلو كان الشهر هلالياً تسعة وعشرين يوماً ، وأقام من أوّله إلى آخره ، أتمّ على الأول دون الثاني.

والوجه : التقصير ، أمّا أوّلاً : فللاستصحاب. وأمّا ثانياً : فلأنّ الشهر كالمجمل ، والثلاثين كالمبيّن.

د : لو دخل بلداً في طريقه ، فقال : إن لقيتُ فلاناً فيه أقَمْتُ عشرة أيام ، قصّر‌ إلى أن يلقاه ، أو يمضي ثلاثون يوماً ، فإن لقيه ، حكم بإقامته ما لم يغيّر النيّة قبل أن يصلّي تماماً ولو فريضة واحدة.

ه- : لو دَخل بلداً لحاجة وعزم أنّه متى قضيت خرج ، فإن كانت تلك الحاجة لا تنقضي في عشرة أيام ، صار حكمه حكم المقيم ، وإن جاز أن تنقضي في أقلّ ، قصّر إلى أن يمضي ثلاثون يوماً.

و : لو نوى مقام عشرة أيام في بعض المسافة ، انقطع سفره‌ ، فإذا خرج‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٣٦٢.

(٢) الاُم ١ : ١٨٦.

(٣) اُنظر : الكافي ٤ : ١٣٣ / ١ ، والتهذيب ٣ : ٢١٩ / ٥٤٦ و ٢٢١ / ٥٥٣ ، والاستبصار ١ : ٢٣٧ / ٨٤٧ و ٢٣٨ / ٨٥١.

(٤) الكافي ٣ : ٤٣٦ / ٣ ، التهذيب ٣ : ٢١٩ / ٥٤٨ الاستبصار ١ : ٢٣٨ / ٨٤٩ ، وفي الكافي والاستبصار عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .


إلى نهاية السفر ، فإن كان بين موضع الإِقامة والنهاية ثمانية فراسخ ، قصّر ، وإلّا فلا.

ولو عزم في ابتداء السفر على الإِقامة في أثناء المسافة ، فإن كان بين الابتداء وموضع الإِقامة ثمانية فراسخ ، قصّر ، وإلّا فلا.

ز : نيّة الإِقامة عشرة أيام تقطع السفر‌ ، سواء كان موضع إقامة ، كالبلدان والقرى والحلل ، أو لا ، كالجبال والبراري.

وللشافعي في الثاني قولان : أحدهما كما قلناه ، لوجود نيّة الإِقامة.

والثاني : القصر ، لأنّ الإقامة في هذا الموضع لا تتحقّق ، فلا ينقطع الترخّص بأمر لا حقيقة له(١) .

وهو ممنوع.

ح : قطع السفر إنّما يحصل بنية مقام عشرة أيام كوامل.

وفي اعتبار يوم الدخول والخروج إشكال ينشأ : من أنّه من تتمّة السفر.

ومن حصول المقام ، فلو دخل ظهر الأول وخرج ظهر العاشر ، قصّر على الأول ، وأتمّ على الثاني.

ولو عزم على أنّه يخرج ظهر الحادي عشر ، أتمّ ولو خرج ضحوة الحادي عشر ، فكالعاشر.

ط : لو نوى الإِقامة في أثناء المسافة عشرة أيام ، أتمّ‌ وإن بقي العزم على السفر.

مسألة ٦٣٢ : لو كان في أثناء المسافة له ملك قد استوطنه ستة أشهر ، انقطع سفره بوصوله إليه ، ووجب عليه الإِتمام فيه عند علمائنا ، سواء عزم على الإِقامة فيه أو لا - وهو أحد قولي الشافعي(٢) - لأنّ حاله فيه يشبه حال المقيمين.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٣٦١ ، فتح العزيز ٤ : ٤٤٥.

(٢) فتح العزيز ٤ : ٤٤٤.


ولقول الرضاعليه‌السلام ، وقد سأله محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرجل يقصّر في ضيعته : « لا بأس ما لم يَنْو مقام عشرة أيام إلّا أن يكون له فيها منزل يستوطنه » فقلت : ما الاستيطان؟ فقال : « أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر ، فإذا كان كذلك يتمّ فيها متى يدخلها »(١) .

ولأنّه بلد إقامته ، فلا يعدّ فيه مسافراً.

والثاني للشافعي : القصر(٢) ، لأنّ المهاجرين قدموا مكّة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولأكثرهم بمكة وطن وما تركوا القصر(٣) . ولأنّه لم يعزم على الإِقامة ، فكانت تلك البلدة وسائر البلاد سواء.

ونمنع أنّ لهم أملاكاً وإن كان لهم قرابات ، فلا اعتبار بها.

فروع :

أ : لا يشترط في الأشهر التوالي ، بل لو استوطنه ستة أشهر متفرّقة ، سقط الترخّص‌ إذا بلغ التلفيق الحدّ.

ب : لا يشترط استيطان الملك ، بل البلد الذي فيه الملك. ولا كون الملك صالحاً للسكنى ، بل لو كان له مزرعة أو نخل واستوطن ذلك البلد ستة أشهر ، أتمّ فيه ، لرواية عمّار عن الصادقعليه‌السلام ، في الرجل يخرج في سفر ، فيمرّ بقرية له أو دار فينزل فيها ، قال : « يتمّ الصلاة ولو لم يكن له إلّا نخلة واحدة ، ولا يقصّر ، وليصم إذا حضره الصوم وهو فيها »(٤) .

ج : لو خرج الملك عنه ، ساوى غيره من البلاد ، بخلاف ما لو أجره أو أعاره.

د : يشترط ملك الرقبة ، فلو استأجر أو استعار أو ارتهن ، لم يلحقه‌

____________________

(١) الفقيه ١ : ٢٨٨ / ١٣١٠ ، التهذيب ٣ : ٢١٣ / ٥٢٠ ، الاستبصار ١ : ٢٣١ / ٨٢١.

(٢) الاُم ١ : ١٨٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٤٤.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ٥٣ ، صحيح مسلم ١ : ٤٨١ / ٦٩٣ ، سنن البيهقي ٣ : ١٥٣.

(٤) التهذيب ٣ : ٢١١ / ٥١٢ ، الاستبصار ١ : ٢٢٩ / ٨١٤.


حكم المقيم وإن تجاوزت مدّة الإِجارة عمره.

ه- : لو غُصب ملكه وكان قد استوطنه ستة أشهر ، لم يخرج عن حكم المقيم.

و : لو كان بين الابتداء والملك أو ما نوى الإِقامة فيه مسافة ، قصّر في طريقه‌ خاصة دون بلد الملك والإِقامة ، ولو قَصُر عن المسافة ، لم يقصّر لأنّ عبد الرحمن بن الحجاج قال للصادقعليه‌السلام : الرجل له الضياع بعضها قريب من بعض فيخرج فيطوف فيها أيتمّ أم يقصّر؟ قال : « يتم »(١) .

ز : كما تعتبر المسافة بين ابتداء السفر وموضع إقامته أو بلد استيطانه ، كذا يعتبر بينهما وبين مقصده ، فإن كان دون المسافة ، أتمّ في طريقه ومقصده ، وإن كان مسافة ، قصّر فيهما.

ولو كان مبدأ السفر إلى موضع الوطن أو ما نوى الإِقامة فيه عشرة أيام مسافة ، ومنهما إلى مقصده دونها ، قصّر في المسير إليهما دونهما ، ودون المسافة بينهما وبين مقصده ، ودون مقصده أيضاً.

ولو انعكس الفرض ، أتمّ في مبدأ السفر وفيهما ، وقصّر في السفر منهما إلى مقصده وفي مقصده. ولو قصُرا معاً ، فلا قصر وإن زاد المجموع على المسافة.

ح : لو تعدّدت المواطن أو ما نوى الإِقامة فيه عشرة ، قصّر بين كلّ موطنين بينهما مسافة خاصة‌ ، دون المواطن ودون ما قصُر عن المسافة.

ط : لو اتّخذ بلداً دار إقامته ، كان حكمه حكم المِلْك‌ وإن لم يكن له فيه ملك ، بحيث لو اجتاز عليه ، وجب عليه الإِتمام فيه ما لم تغيّر نية الإِقامة(٢) .

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٣٨ / ٦ ، الفقيه ١ : ٢٨٢ / ١٢٨١ ، التهذيب ٣ : ٢١٣ / ٥٢٢ ، الاستبصار ١ : ٢٣١ / ٨٢٢.

(٢) في « م » زيادة : المؤبدة فيه.


ولو اتّخذ بلدين فما زاد موضع إقامته ، كانا بحكم ملكه وإن لم يكن له فيهما ملك.

ي : لو نوى الإِقامة في بلد قبل وصوله إليه عشرة أيام ، وبينه وبين المبدإ مسافة ، قصّر في الطريق‌ إلى أن ينتهي إلى ذلك البلد. ويحتمل إلى أن ينتهي إلى مشاهدة الجدران أو سماع الأذان ، لصيرورته بحكم بلده.

وكذا يتمّ إذا خرج منه إلى أن يخفى عليه الجدران والأذان ، على إشكال.

البحث الرابع : عدم زيادة السفر على الحضر‌

مسألة ٦٣٣ : يشترط في القصر عدم زيادة السفر على الحضر ، كالمكاري ، والملّاح والراعي والبدوي والذي يدور في إمارته والذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق والبريد ، على معنى أنّ أحد هؤلاء إذا حضر إلى بلده ثم سافر منه قبل أن يقيم عشرة أيام في بلده ، خرج متمّماً ، فإن أقام عشرة أيام ، قصّر في خروجه ، لقول الباقرعليه‌السلام : « سبعة لا يقصّرون الصلاة : الجابي الذي يدور في جبايته ، والأمير الذي يدور في إمارته ، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق ، والراعي ، والبدوي الذي يطلب مواضع القطر ومنبت الشجر ، والرجل يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا ، والمحارب الذي يقطع السبيل »(١) .

وعن أحدهماعليهما‌السلام : « ليس على الملّاحين في سفينتهم تقصير ، ولا على المكارين ولا على الجمّالين »(٢) .

____________________

(١) الفقيه ١ : ٢٨٢ / ١٢٨٢ ، التهذيب ٣ : ٢١٤ / ٥٢٤ ، الاستبصار ١ : ٢٣٢ / ٨٢٦ ، الخصال : ٤٠٣ / ١١٤.

(٢) الكافي ٣ : ٤٣٧ / ٢ ، الفقيه ١ : ٢٨١ / ١٢٧٧ ، التهذيب ٣ : ٢١٤ / ٥٢٥ ، الاستبصار ١ : ٢٣٢ / ٨٢٧.


وعن الباقرعليه‌السلام : « أربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر : المكاري والكري(١) والراعي والاشتقان ، لأنّه عملهم »(٢) والاشتقان هو البيدر. وقيل : أمين البيدر(٣) .

وإنّما شرطنا العشرة ، لأنّ السفر ينقطع بها.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « المكاري إن لم يستقرّ في منزله إلّا خمسة أيام ، قصّر في سفره بالنهار ، وأتمّ بالليل ، وعليه صوم شهر رمضان ، وإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر ، قصّر في سفره وأفطر »(٤) .

فروع :

أ : لو أقام أحدهم في بلده خمسة أيام ، قال الشيخ : قصّر صلاة النهار خاصة دون الصوم وصلاة الليل‌(٥) ، للرواية السابقة(٦) .

والمشهور : وجوب الإِتمام ما لم يقم عشرة أيام.

ب : لو أقام أحدهم في غير بلده عشرة أيام ، فإن نوى إقامتها ، خرج مقصّراً ، وإلّا فلا ، ولم تشترط النية في إقامته في بلده بل الإِقامة.

ج : الذي أهله معه وسفينته منزله لا يقصّر‌ - وبه قال أحمد(٧) - لأنّه مقيم في مسكنه وماله ، فأشبه ما إذا كان في بيته.

____________________

(١) الكري : المكتري. لسان العرب ١٥ : ٢١٩ « كري ».

(٢) الكافي ٣ : ٤٣٦ / ١ ، الفقيه ١ : ٢٨١ / ١٢٧٦ ، التهذيب ٣ : ٢١٥ / ٢٥٦ ، الاستبصار ١ : ٢٣٢ / ٨٢٨ ، الخصال : ٢٥٢ / ١٢٢.

(٣) مجمع البحرين ٦ : ٢٧٢ « شقن ».

(٤) الفقيه ١ : ٢٨١ / ١٢٧٨ ، التهذيب ٣ : ٢١٦ / ٥٣١ ، الاستبصار ١ : ٢٣٤ / ٨٣٦.

(٥) المبسوط للطوسي ١ : ١٤١ ، والنهاية : ١٢٢ - ١٢٣.

(٦) تقدّمت آنفاً عن الإِمام الصادقعليه‌السلام .

(٧) المغني ٢ : ١٠٥ ، الشرح الكبير ٢ : ١١٥ ، الانصاف ٢ : ٣٣٣.


وقال الشافعي : يقصّر(١) لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّ الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة )(٢) .

د : المعتبر صدق اسم المكاري ومشاركيه في الحكم‌ ، سواء كان بأول مرّة أو بأزيد.

ه- : هل يعتبر هذا الحكم في غيرهم حتى لو كان غير هؤلاء يردّد في السفر اعتبر فيه ضابطة الإِقامة عشرة ، أو لا؟ إشكال‌ ينشأ : من الوقوف على مورد النص ، ومن المشاركة في المعنى.

البحث الخامس : إباحة السفر‌

مسألة ٦٣٤ : يشترط في جواز القصر إباحة السفر ، بإجماع علمائنا ، فلا يترخّص العاصي بسفره ، كتابع الجائر ، والمتصيّد لهواً وبطراً ، وقاطع الطريق ، وقاصد مال غيره أو نفسه بسفره ، والخارج على إمام عادل ، والآبق من سيّده ، والناشزة من زوجها ، والغريم إذا هرب من غريمه مع تمكّنه ، والخارج إلى بلد ليفعل فيه المعاصي - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق(٣) - لقوله تعالى( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ) (٤) .

قال ابن عباس : غير باغ على المسلمين ، مفارق لجماعتهم ، مخيف للسبيل ، ولا عادٍ عليهم بسيفه(٥) .

____________________

(١) الاُم ١ : ١٨٨ ، المغني ٢ : ١٠٥ ، الشرح الكبير ٢ : ١١٥.

(٢) سنن ابن ماجة ١ : ٥٣٣ / ١٦٦٧ ، سنن الترمذي ٣ : ٩٤ / ٧١٥ ، سنن أبي داود ٢ : ٣١٧ / ٢٤٠٨ ، سنن النسائي ٤ : ١٨٠ ، سنن البيهقي ٤ : ٢٣١ ، مسند أحمد ٤ : ٣٤٧ و ٥ : ٢٩.

(٣) الاُم ١ : ١٨٥ ، المجموع ٤ : ٣٤٤ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٩١ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٦٧ ، بلغة السالك ١ : ١٧٠ ، المغني ٢ : ١٠٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٩٢.

(٤) البقرة : ١٧٣.

(٥) المغني ٢ : ١٠٢.


ولقول الصادقعليه‌السلام في قول الله عزّ وجلّ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ) قال : « الباغي باغي الصيد ، والعادي السارق ، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرّا إليها ، هي حرام عليهما ، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين ، وليس لهما أن يقصّرا في الصلاة »(١) .

ولأنّ السفر سبب لتخفيف الصلاة إذا كان مباحاً ، فلا يكون سبباً وهو معصية ، كالتحام الحرب.

وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي والمزني : يجوز القصر وجميع الرخص في ذلك ، لأنّه لو غصب خُفّاً ، كان له المسح عليه وإن كان عاصياً بلبسه كذا هنا(٢) .

والمسح على الخُفّ عندنا باطل. ولأنّ سبب الرخصة السفر ولبس الخفّ شرط وليس بسبب. ولأنّ المعصية لا تختص بلبسه ، فإنّه غاصب وإن نزعه.

إذا عرفت هذا ، فإن الوجه : أنّ العاصي لا يترخّص بأكل الميتة ، وبه قال الشافعي وأحمد(٣) ، خلافاً لأبي حنيفة ، احتجّ : بأنّ منعه يؤدّي إلى تلف نفسه وهو حرام(٤) .

ويبطل بأن يتوب ويرجع عن سفره ، فيحلّ له أكل الميتة ، فلا يؤدّي إلى تلفه.

ولا رخصة عندنا غير القصر في الصلاة ، والصوم وأكل الميتة.

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٣٨ / ٧ ، التهذيب ٣ : ٢١٧ / ٥٣٩.

(٢) المجموع ٤ : ٣٤٤ و ٣٤٦ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٦ ، المغني ٢ : ١٠٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٩٢ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٢.

(٣) المجموع ١ : ٤٨٥ - ٤٨٦ و ٤ : ٣٤٥ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٧ - ٤٥٨ ، المغني ٢ : ١٠٢ ، الشرح الكبير ٢ : ٩٢ ، الانصاف ٢ : ٣١٦.

(٤) أحكام القرآن للجصاص ١ : ١٢٨ ، المجموع ٤ : ٣٤٦.


أمّا الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما ، فإنّهم أضافوا المسح ثلاثة أيام(١) .

ولا يترخّص العاصي فيه أيضاً عند الشافعي - خلافاً لأبي حنيفة(٢) - وكذا لا يترخّص بالتنفّل على الراحلة والجمع بين صلاتين(٣) .

فروع :

أ : لا يشترط انتفاء المعصية في سفره‌ ، فلو كان يشرب الخمر في طريقه ويزني ، يرخّص ، إذ لا تعلّق لمعصيته بما هو سبب الرخصة.

ب : لو كانت المعصية جزءاً من داعي السفر ، لم يترخّص‌ ، كما لو كانت هي الداعي بأجمعه.

ج : لو قصد سفراً مباحاً ثم أحدث نيّة المعصية ، انقطع ترخّصه‌ ، لأنّها لو قارنت الابتداء ، لم تفد الرخصة ، فإذا طرأت ، قطعت ، كنية الإِقامة ، وهو أحد وجهي الشافعية ، والثاني : لا ينقطع ، لأنّ السفر انعقد مباحاً مرخّصاً ، والشروط تعتبر في الابتداء(٤) .

ولو انعكس الفرض ، لم يترخّص في الابتداء ، بل من حين العود إلى الطاعة إن كان الباقي مسافة ، وإلّا فلا ، وللشافعية كالوجهين السابقين(٥) .

ولو ابتدأ بسفر الطاعة ثم عدل إلى قصد المعصية ، انقطع سفره حينئذ ، فإن عاد إلى سفر الطاعة عاد إلى الرخصة إن كان الباقي مسافة.

وإن لم يكن لكن بلغ المجموع من السابق والمتأخّر مسافة ، احتمل القصر ، لوجود المقتضي ، وهو : قصد المسافة ، مع انتفاء المانع ، وهو :

____________________

(١) المجموع ١ : ٤٧٦ و ٤٨٣ ، حلية العلماء ١ : ١٣٠ ، كفاية الأخيار ١ : ٣١ ، المغني ١ : ٣٢٢.

(٢) أحكام القرآن للجصاص ١ : ١٢٨.

(٣) المجموع ١ : ٤٨٥ - ٤٨٦ و ٤ : ٣٤٥ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٧ ، كفاية الأخيار ١ : ٨٧.

(٤) المجموع ٤ : ٣٤٥ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٦.

(٥) المجموع ٤ : ٣٤٥ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٦ - ٤٥٧.


قصد المعصية ، والمنع ، اعتباراً بالمنافي ، كما لو قصد الإِقامة في أثناء المسافة.

د : قد بيّنّا أنّ المسح على الخُفّ حرام‌ ، أمّا مَنْ جوّزه فإنّه يجوّز في السفر ثلاثة أيام. واشترط الشافعي إباحة السفر ، ولو كان معصية ، احتمل عنده أن يمسح يوماً وليلة ، لأنّ للمقيم ذلك ، وغاية الأمر فرض السفر كالمعدوم. وعدمه ، لأنّ المسح رخصة ، فلا يثبت للعاصي(١) . وكذا لو لبس خُفّاً مغصوباً ، ففي المسح عليه عنده وجهان(٢) .

ه- : لو عدم الماء في سفر المعصية ، وجب التيمّم‌ ولم يجز له ترك الصلاة.

وهل تجب الإِعادة؟ الأقرب : المنع ، لاقتضاء الأمر الإِجزاء.

ولأنّ المعصية تأثيرها في منع الرخصة ، والصلاة بالتيمّم عند عدم الماء واجبة ، فلا تؤثر فيها المعصية ، وهو أحد وجهي الشافعيّة(٣) .

والثاني : الإِعادة ، لأنّ الصلاة بالتيمّم من رُخص السفر ، فإنّ المقيم إذا تيمّم لعدم الماء ، أعاد ، فلا يثبت في حقّ العاصي بسفره(٤) .

والْاُولى ممنوعة.

و : لو وثب من بناءٍ عالٍ أو جبل متلاعباً ، فانكسرت رجله ، صلّى قاعداً ولا إعادة ، لأنّ ابتداء الفعل باختياره دون دوام العجز ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.

والثاني : يعيد ، لأنّه عاصٍ بما هو سبب العجز عن القيام ،

____________________

(١) المجموع ١ : ٤٨٥ ، الوجيز ١ : ٥٩ ، فتح العزيز ٤ : ٤٥٧ ، حلية العلماء ١ : ١٣٦ و ٢ : ١٩٢.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ٢٨ ، المجموع ١ : ٥٠٩ - ٥١٠.

(٣) المجموع ٤ : ٣٤٥ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٢.

(٤) المجموع ٤ : ٣٤٥.


فلا يترخّص(١) .

ز : لو سافر لزيارة القبور والمشاهد ، قصّر‌ لأنّه مباح ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يأتي قبا راكباً وماشياً ، وكان يزور القبور(٢) ، وقال : ( زوروها تذكّركم الآخرة )(٣) .

وعند بعض الجمهور لا يجوز القصر ، للنهي عن السفر إلى القبور(٤) .

وهو ممنوع.

ح : لو سافر للتنزّه والتفرج ، فالأقرب : جواز القصر‌ ، لأنّه مباح ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.

والْاُخرى : المنع ، لانتفاء المصلحة فيه(٥) . وهو ممنوع.

مسألة ٦٣٥ : اللاهي بسفره ، كالمتنزّه بصيده بطراً ولهواً لا يقصّر‌ ، عند علمائنا - خلافاً لباقي الفقهاء - لقول الباقرعليه‌السلام ، وقد سأله زرارة عمّن يخرج من أهله بالصقورة والكلاب يتنزّه الليلة والليلتين والثلاث هل يقصّر من صلاته أم لا؟ فقال : « لا يقصّر ، إنّما خرج في لهو »(٦) .

ولأنّ اللهو حرام ، فالسفر له معصية. ولأنّ الرخصة لتسهيل الوصول إلى المصلحة ، ولا مصلحة في اللهو.

ولو كان الصيد لقوته وقوت عياله ، وجب القصر في الصلاة والصوم إجماعاً ، لأنّه فعل مباح.

ولقول الصادقعليه‌السلام ، وقد سئل عن الرجل يخرج إلى الصيد‌

____________________

(١) حلية العلماء ٢ : ١٩٢.

(٢) سنن البيهقي ٥ : ٢٤٠ و ٢٤٩.

(٣) سنن الترمذي ٣ : ٣٧٠ / ١٠٥٤ ، سنن البيهقي ٤ : ٧٧.

(٤) المغني ٢ : ١٠٤ - ١٠٥ ، الشرح الكبير ٢ : ٩٤.

(٥) المغني ٢ : ١٠٤ ، الشرح الكبير ٢ : ٩٣ - ٩٤.

(٦) التهذيب ٣ : ٢١٨ / ٥٤٠ و ٤ : ٢٢٠ / ٦٤١ ، الاستبصار ١ : ٢٣٦ / ٨٤٢.


مسيرة يوم أو يومين يقصّر أو يتمّ؟ فقال : « إن خرج لقوته وقوت عياله ، فليفطر وليقصّر ، وإن خرج لطلب الفضول ، فلا ولا كرامة »(١) .

ولو كان الصيد للتجارة ، قال الشيخ في النهاية والمبسوط : يقصّر في صلاته دون صومه(٢) .

والوجه : القصر فيهما ، لأنّه مباح ، وإلّا لم يجز القصر في الصلاة.

قال الصادقعليه‌السلام : « إذا قصّرت أفطرت وإذا أفطرت قصّرت »(٣) .

تذنيب : قال الصدوق : لو قصد مسافة ثم مرّ في أثنائها إلى الصيد ، أتمّ‌ حال ميله ، وقصّر عند عوده(٤) . وهو جيّد.

آخر : سالك الطريق المخوف مع انتفاء التحرّز عاصٍ‌ ، فلا يجوز له الترخّص.

البحث السادس : في اُمور ظنّ أنها شروط وليست كذلك‌

مسألة ٦٣٦ : لا يشترط في القصر وجوب السفر عند علمائنا أجمع‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٣٨ / ١٠ ، الفقيه ١ : ٢٨٨ / ١٣١٢ ، التهذيب ٣ : ٢١٧ / ٥٣٨ ، الاستبصار ١ : ٢٣٦ / ٨٤٥.

(٢) اضطربت كتب المصنف في نقل فتوى الشيخ هذه ، فهنا وفي نهاية الإِحكام ٢ : ١٨٢ ، نقل عنه القصر في الصلاة دون الصوم ، ونقله عنه أيضاً المحقق في المعتبر : ٢٥٢ ، وفي المختلف : ١٦١ نقل قوله بالإِتمام في الصلاة والإِفطار في الصوم ، كما نقله عنه أيضاً العاملي في مفتاح الكرامة ٣ : ٥٧٩ ، والصحيح - كما في النهاية : ١٢٢ ، والمبسوط ١ : ١٣٦ - التمام في الصلاة والإِفطار في الصوم.

(٣) الفقيه ١ : ٢٨٠ / ١٢٧٠ ، التهذيب ٣ : ٢٢٠ / ٥٥١.

(٤) الفقيه ١ : ٢٨٨ ذيل الحديث ١٣١٤.


- وبه قال أكثر العلماء(١) - لأنّه تعالى ، علّق على الضرب في الأرض(٢) .

ولقول ابن عباس : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً ، وفي السفر ركعتين(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام ، وقد سئل عن الرجل يخرج إلى الصيد أيقصّر أو يُتمّ؟ : « يتمّ لأنّه ليس بمسير حق »(٤) .

وحكي عن عبد الله بن مسعود أنّه قال : لا يجوز القصر إلّا في السفر الواجب ، لأنّ الواجب لا يجوز تركه إلّا بواجب(٥) .

ولو سلّمنا المقدّمتين ، قلنا بموجبه ؛ فإنّ القصر عندنا واجب. وينتقض بمن لا يجب عليه الجهاد إذا خرج إليه.

مسألة ٦٣٧ : ولا يشترط في القصر كون السفر طاعةً‌ ، بل يثبت في السفر إذا كان مباحاً ، عند علماء الأمصار ؛ لما تقدّم في المسألة الْاُولى(٦) .

ولأنّ الرخصة إذا تعلّقت بالسفر الطاعة ، تعلّقت بالسفر المباح ، كصلاة النافلة على الراحلة.

وقال عطاء : لا يجوز القصر إلّا في سفر الطاعة ؛ لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يقصّر إلّا في سبل الخير ، فلا يقصّر إلّا في مثلها(٧) .

وهو خطأ ؛ لأنّ وقوع ذلك اتّفاقي.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٣٤٦ ، المغني ٢ : ١٠٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٩٢ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٠٩ ، بداية المجتهد ١ : ١٦٦.

(٢) إشارة إلى الآية ١٠١ من سورة النساء.

(٣) صحيح مسلم ١ : ٤٧٩ / ٦٨٧ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٣٩ / ١٠٦٨ ، مسند أحمد ١ : ٣٥٥.

(٤) الكافي ٣ : ٤٣٨ / ٨ ، التهذيب ٣ : ٢١٧ / ٥٣٧ ، الاستبصار ١ : ٢٣٦ / ٨٤١.

(٥) المجموع ٤ : ٣٤٦ ، المغني ٢ : ١٠٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٩٢.

(٦) برقم ٦٣٦.

(٧) المجموع ٤ : ٣٤٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٩١ ، المغني ٢ : ١٠٠ ، الشرح الكبير ٢ : ٩٢.


ولأنّهعليه‌السلام ، كان يترخّص في عوده(١) وهو مباح.

ولأنّه لو اختصّ بفعلهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لاختصّ بالسفر إلى الموضع الذي سافر إليه.

مسألة ٦٣٨ : لا يشترط في القصر الخوف‌ بل يثبت القصر في سفر الأمن والخوف معاً ، عند عامة العلماء ؛ لأنّ يعلى بن اُميّة قال لعمر : ما بالنا نقصّر وقد أمنّا؟ فقال عمر : عجبت مما عجبت منه ، فسألتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : ( صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)(٢) .

وقال ابن عباس : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، سافر بين مكة والمدينة أمناً لا يخاف إلّا الله تعالى ، فصلّى ركعتين(٣) .

وقال داود : لا يجوز القصر إلّا في سفر الخوف(٤) ، لظاهر قوله تعالى :( فَإِنْ خِفْتُمْ ) (٥) .

والحديث مبيّن.

مسألة ٦٣٩ : نيّة القصر ليست شرطاً فيه‌ ، فلو صلّى ولم يَنْو القصر ، وجب ، وكذا لو نوى الإِتمام ، وجب القصر ، عند علمائنا أجمع - خلافاً للجمهور - لأنّ المقتضي لوجوب الإِتمام والقصر ليس هو القصد التابع لحكم الله تعالى ، بل حكمه تعالى ، فلا يتغيّر الفرض بتغيّر النيّة ، بل لو نوى المخالف ، لم يجزئ ووجب عليه ما حكم الله تعالى به ، وقد بيّنّا أنّ الواجب‌

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٥٣ ، صحيح مسلم ١ : ٤٨١ / ٦٩٣ ، سنن أبي داود ٢ : ١٠ / ١٢٣٣ ، سنن النسائي ٣ : ١٢١ ، سنن البيهقي ٣ : ١٣٦.

(٢) صحيح مسلم ١ : ٤٧٨ / ٦٨٦ ، سنن أبي داود ٢ : ٣ - ١١٩٩ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٣٩ / ١٠٦٥ ، سنن الدارمي ١ : ٣٥٤ ، مسند أحمد ١ : ٢٥ ، سنن البيهقي ٣ : ١٣٤.

(٣) سنن الترمذي ٢ : ٤٣١ / ٥٤٧ ، سنن البيهقي ٣ : ١٣٥.

(٤) حلية العلماء ٢ : ١٩١ ، الميزان للشعراني ١ : ١٨٠ ، رحمة الاُمّة ١ : ٧٣.

(٥) النساء : ١٠١.


القصر.

امّا الجمهور ، فإنّ القصر عند أكثرهم ليس واجباً ، بل المسافر يتخيّر بين القصر والإِتمام(١) .

وإنّما يجوز القصر عند الشافعي وأحمد لو نواه ، فإن أحرم بنيّة القصر ، جاز ، وإن أحرم بنية الإِتمام ، وجب الإِتمام عندهما ، لأنّ المصلّي في أول الوقت يلزمه الإِتمام وإن جاز التأخير قبل الشروع ، فكذا هنا إذا نوى الإِتمام ، لزمه وإن كان مخيّراً في الابتداء(٢) .

ونحن نمنع التخيير ؛ فإنّ القصر ، عندنا واجب - وبه قال أبو حنيفة(٣) - فإذا نوى الإِتمام ، لم يتغيّر فرضه.

وإن أطلق النيّة ، وجب القصر عندنا ؛ لأنّه يجب لو نوى الإِتمام ، ففي الإِطلاق أولى.

واختلفت الشافعية ، فعند المزني يجوز القصر ؛ لأنّه أحرم بصلاة يجوز له قصرها ولم يَنْو إتمامها ، فكان له قصرها ، كما لو نوى القصر(٤) .

وقال آخرون : يجب الإِتمام ؛ لأنّه الأصل ، وقد أجمعنا على جواز القصر مع نيّته ، فإذا لم يَنْو وجب الإِتمام. ولأنّ إطلاق النية ينصرف إلى الأصل(٥) .

والكل ممنوع بما تقدّم.

____________________

(١) اُنظر : الاُم ١ : ١٧٩ ، مختصر المزني : ٢٤ ، المجموع ٤ : ٣٣٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٢٩ ، المغني ٢ : ١٠٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٠ ، الشرح الصغير ١ : ١٦٩.

(٢) الأُم ١ : ١٨١ ، المجموع ٤ : ٣٥٣ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٦ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ١٠٦ - ١٠٧.

(٣) اللباب ١ : ١٠٦ ، بدائع الصنائع ١ : ٩١ ، المجموع ٤ : ٣٣٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٣٠ ، المغني ١ : ١٠٨.

(٤) فتح العزيز ٤ : ٤٦٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٦.

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ١١٠ ، المجموع ٤ : ٣٥٣ ، الوجيز ١ : ٦٠ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٦.


فروع :

أ : لو نوى القصر ثم أراد الإِتمام ، لم يجز ، وبه قال مالك(١) .

أمّا عندنا : فلوجوب القصر ، وأمّا عنده : فلأن الزيادة لم تشتمل عليها نيّته.

وقال الشافعي : له ذلك(٢) .

ب : المواطن الأربعة التي يجوز فيها الإِتمام ، لو نواه فيها ، لم يجب‌ وكذا لو نوى القصر ، لم يجب ، عملاً بالأصل ، وهو الاستصحاب.

ج : لو نوى الإِتمام ثم أفسد الصلاة ، أعادها قصراً‌ عندنا ؛ لأنّه الواجب.

وعند الشافعي لا يجوز ؛ لأنّه التزم العبادة(٣) على صفة(٤) أمّا لو نوى الإتمام ثم بان أنّه كان محدثا ، لم يلزمه الإتمام قولاً واحداً ؛ لعدم انعقادها.

وكذا لو فقد المطهّرين ، فشرع مصلّياً بنية الإِتمام ثم قدر على الطهارة ، لم يلزمه الإِتمام.

أمّا عندنا : فلأنّ فرضه القصر. وأمّا عند الشافعي : فلأنّ ما شرع فيه ليس بحقيقة صلاة(٥) .

د : لو شكّ هل نوى القصر أم لا ، لم يلزمه الإِتمام ؛ لما بيّنّا من وجوب القصر.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٣٥٥ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ١٠٧.

(٢) المجموع ٤ : ٣٥٥ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٦ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ١٠٧.

(٣) في نسخة « م » : انعقاده ؛ والمثبت في المتن موافق لما في المصدر.

(٤) المجموع ٤ : ٣٥٧ ، المغني ٢ : ١٠٧ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٦.

(٥) المجموع ٤ : ٣٥٧.


وعند الشافعي : يجب الإِتمام ، لأنّه الأصل ، والقصر رخصة ، فإذا شكّ في سببها عاد إلى الأصل(١) .

ولو شكّ في نية القصر ثم تذكّر في الحال ، لزمه القصر.

وعند الشافعي : يجب الإِتمام ؛ لأنّ فعله في زمان الشك احتسب به عن الإتمام ، ومن احتسب جزء من صلاته عن الإِتمام وجب عليه(٢) .

ه : لو كان في الصلاة فشكّ هل نوى الإِقامة أم لا ، لزمه القصر ؛ عملاً بالاستصحاب.

وعند الشافعي يجب الإِتمام ؛ لأنّ القصر رخصة ، فإذا شكّ في الشرط ، عاد إلى الأصل(٣) .

و : لو وصل إلى بلدةٍ في السفينة ، فشكّ هل هي بلدة إقامته؟ لزمه الإِتمام‌ ؛ لوقوع الشك في سبب الرخصة.

والأقرب : وجوب القصر ؛ للاستصحاب.

ز : لو نوى القصر فصلّى ركعتين وقعد للتشهّد ثم قام ، فإن قصد الإِتمام ، لم يجز‌ عندنا.

وقال الشافعي : يجوز(٤) .

وإن قام ساهياً ، عاد إلى قعوده ، وإن تعمّده ولم يقصد الإِتمام ، فسدت صلاته ، كما لو قام إلى الخامسة عمداً ، وبه قال الشافعي(٥) .

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١١٠ ، المجموع ٤ : ٣٥٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٦.

(٢) المجموع ٤ : ٣٥١ و ٣٥٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٦ ، فتح الوهاب ١ : ٧١ ، منهج الطلاب ١ : ٧١ ، كفاية الأخيار ١ : ٨٨.

(٣) المجموع ٤ : ٣٥٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٨ ، السراج الوهاج : ٨١.

(٤) المجموع ٤ : ٣٥٤ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٧.

(٥) فتح العزيز ٤ : ٤٦٧ - ٤٦٨ ، السراج الوهاج : ٨١ ، مغني المحتاج ١ : ٢٧٠ ، فتح الوهّاب ١ : ٧١ ، منهج الطلاب ١ : ٧١.


قال : ولو نوى القصر ثم صلّى أربعاً ساهياً فلمـّا قعد للتشهد نوى الإِتمام ، لم يحتسب له ما فعله ، وعليه أن يقوم فيصلّي ركعتين غيرهما ؛ لأنّه ساهٍ في فعلها ، والسهو لا يحتسب به عن الفرض(١) .

وعندنا ليس له الإِتمام إلّا مع تجديد نيّة الإِقامة ، فلو صلّى أربعاً سهواً ثم عزم على المقام عشرة قبل التسليم ، احتمل قول الشافعي.

هذا إذا لم يقصد التمام ، فإن قصده ساهياً ، أعاد في الوقت خاصّة.

مسألة ٦٤٠ : ولا يشترط في القصر عدم الائتمام بالمقيم ، عند علمائنا أجمع ، فلو ائتمّ مسافر بمقيم ، قصّر المسافر ولا يتابع المقيم عندنا ، وبه قال إسحاق بن راهويه(٢) .

وقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وأحمد وداود : يجب عليه الإِتمام(٣) . وكذا قال مالك : إن أدرك ركعة ، وإلّا قصّر(٤) .

وقد تقدّم(٥) البحث في ذلك في باب الجماعة.

المطلب الثالث : في الأحكام‌

مسألة ٦٤١ : قد بيّنّا أنّ الواجب على المسافر هو القصر‌ ، عند علمائنا ، فلو أتمّ فأقسامه ثلاثة :

____________________

(١) المجموع ٤ : ٣٥٤ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٨.

(٢) المجموع ٤ : ٣٥٨ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٦ ، المغني ٢ : ١٢٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٣ ، الميزان للشعراني ١ : ١٨٢.

(٣) المجموع ٤ : ٣٥٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦١ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٦ ، الميزان للشعراني ١ : ١٨١ ، مغني المحتاج ١ : ٢٦٩ ، بدائع الصنائع ١ : ٩٣ ، المغني ٢ : ١٢٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٣.

(٤) المدونة الكبرى ١ : ١٢٠ ، المجموع ٤ : ٣٥٧ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦١ ، المغني ٢ : ١٢٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٠٣ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٦.

(٥) تقدم في المسألة ٥٧٧.


الأول : أن يتعمّد ذلك ؛ فيجب عليه الإِعادة في الوقت وخارجه ، سواء قعد قدر التشهّد ، أو لا ، عند علمائنا أجمع ، لأنّه زاد في الفريضة عمداً ، فأبطل صلاته ، كما لو زاد في غيرها من الفرائض.

ولما رواه ابن عباس قال : مَنْ صلّى في السفر أربعاً كمن صلّى في الحضر ركعتين(١) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام ، صلّيت الظهر أربع ركعات وأنا في السفر؟ قال : « أعد »(٢) .

وقال أبو حنيفة : يعيد إلّا أن يقعد قدر التشهّد(٣) .

وليس بجيّد ، لأنّه جلوس لم يَنْو به الصلاة ، فكانت الزيادة بعده كما لو كانت قبله.

ولأنّه فعل كثير ليس من الصلاة ، فيكون مبطلاً بعد الجلوس ، كما هو قبله.

وباقي الجمهور على صحة الصلاة ، لعدم تعيّن القصر.

الثاني : أن يفعل ذلك جاهلاً بوجوب القصر ؛ فلا يعيد مطلقاً عند أكثر علمائنا(٤) ؛ لقولهعليه‌السلام : ( الناس في سعة ما لم يعلموا )(٥) .

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام ، وقد سأله زرارة ومحمد ابن مسلم ، عن رجل صلّى في السفر أربعاً أيعيد أم لا؟ : « إن كان قد قرئت عليه آية القصر وفسّرت له أعاد ، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها ، لم يعد »(٦) .

____________________

(١) المغني ٢ : ١٠٩.

(٢) التهذيب ٢ : ١٤ / ٣٣.

(٣) اللباب ١ : ١٠٦ ، المجموع ٤ : ٣٣٧ - ٣٣٨ ، المغني ٢ : ١٠٨.

(٤) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : ١٢٣ ، وابن إدريس في السرائر : ٧٧ ، والمحقق في المعتبر : ٢٥٤.

(٥) أورده المحقق في المعتبر : ٢٥٤.

(٦) الفقيه ١ : ٢٧٨ - ٢٧٩ / ١٢٦٦ ، التهذيب ٣ : ٢٢٦ / ٥٧١ ، تفسير العياشي ١ : =


ولأنّ الأصل الإِتمام ، فمع الجهل ورجوعه إلى الأصل يكون معذوراً.

ولاشتمال القضاء على عقوبة ، والجهل شبهة ، فلا تترتّب عليها العقوبة.

وقال أبو الصلاح : يعيد في الوقت(١) .

الثالث : أن يفعله ساهياً ، قال علماؤنا : يعيد في الوقت لا خارجه ، لأنّه لم يفعل المأمور به على وجهه ، فيبقى في عهدة الأمر ، بخلاف الجهل بالقصر ؛ لأنّ التكليف منوط بالعلم ، وبخلاف ما لو خرج الوقت ؛ فإنّه لا يعيد ؛ لأنّه يكون قضاءً ، وإنّما يجب بأمر جديد ؛ إذ استدراك مصلحة الواجب في وقته غير ممكن.

ولقول الصادقعليه‌السلام - وقد سأله العيص ، عن رجل صلّى وهو مسافر فأتمّ الصلاة - : « إن كان في الوقت فليعد ، وإن كان الوقت مضى فلا »(٢) .

وقالعليه‌السلام ، في الرجل ينسى فيصلّي في السفر أربع ركعات : « إن ذكر في ذلك اليوم فليعد ، وإن لم يذكر حتى مضى ذلك اليوم فلا إعادة »(٣) .

مسألة ٦٤٢ : لو قصّر المسافر اتّفاقاً من غير أن يعلم وجوبه ، أو جهل المسافة ، فاتّفق أن كان الفرض ذلك ، لم تجزئه الصلاة‌ ؛ لأنّ القصر إنّما يجوز مع علم السبب أو ظنّه ، فدخوله في هذه الصلاة منهي عنه في ظنّه ، فلا تقع مجزئةً عنه.

ولو ظنّ المسافة فأتم ثم علم القصور ، احتمل الإِجزاء ؛ للموافقة ،

____________________

= ٢٧١ / ٢٥٤.

(١) الكافي في الفقه : ١١٦.

(٢) الكافي ٣ : ٤٣٥ / ٦ ، التهذيب ٣ : ١٦٩ / ٣٧٢ و ٢٢٥ / ٥٦٩ ، الاستبصار ١ : ٢٤١ / ٨٦٠.

(٣) الفقيه ١ : ٢٨١ / ١٢٧٥ ، التهذيب ٣ : ١٦٩ / ٣٧٣ ، الاستبصار ١ : ٢٤١ / ٨٦١.


ولرجوعه إلى الأصل ، ولأنّ القصر طارٍ. وعدمه ؛ لإِقدامه على عبادة يظنّ فسادها ، فلا تقع مجزئةً عنه.

مسألة ٦٤٣ : الشرائط في قصر الصلاة وقصر الصوم واحدة‌ إجماعاً ، وكذا الحكم مطلقاً على مذهب أكثر علمائنا(١) ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « إذا قصّرت أفطرت ، وإذا أفطرت قصّرت »(٢) .

وعند الشيخ يجب على مَنْ زاد سفره على حضره إذا أقام خمسة أيام قصْرُ صلاة النهار دون الصوم ، وكذا قالرحمه‌الله في الصائد للتجارة : يقصّر في الصلاة خاصة(٣) .

والوجه : ما قلناه ؛ للرواية. ولأنّه سبب في الترخّص في الصلاة ، فكذا في الصوم ؛ لأنّه أحد الرخصتين.

مسألة ٦٤٤ : إذا نوى المسافر الإِقامة في بلد عشرة أيام‌ ، أتمّ على ما تقدّم ، فإن رجع عن نيّته ، قصّر ما لم يصلّ تماماً. ولو صلاةً واحدة ، فلو صلّى صلاة واحدة على التمام ، أتمّ ، لأنّ النيّة بمجرّدها لا يصير بها مقيما ، فإذا فعل صلاة واحدة على التمام ، فقد ظهر حكم الإِقامة فعلاً ، فلزم الإِتمام ؛ لانقطاع السفر بالنيّة والفعل.

ولو لم يصلّ صلاةً واحدة على التمام ، كان حكم سفره باقياً ؛ لأنّ المسافر لا يصير مقيماً بمجرّد نيّة الإِقامة ، كما لو نوى الإِقامة ثم رجع.

ولقول الصادقعليه‌السلام ، وقد سأله أبو ولّاد : كنت نويت الإِقامة بالمدينة عشرة أيام ثم بدا لي بعدُ ، فما ترى؟ قال : « إن كنت صلّيت بها صلاة فريضة واحدة بتمام ، فليس لك أن تقصّر حتى تخرج منها ، وإن كنت‌

____________________

(١) منهم : ابن إدريس في السرائر : ٨٩.

(٢) الفقيه ١ : ٢٨٠ / ١٢٧٠ ، التهذيب ٣ : ٢٢٠ / ٥٥١.

(٣) اُنظر : النهاية : ١٢٢ و ١٢٣ ، والمبسوط للطوسي ١ : ١٣٦ و ١٤١ ، وراجع أيضاً الهامش (٢) من صفحة ٤٠٠.


دخلتها وعلى نيتك التمام فلم تصلّ فيها فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك ، فأنت في تلك الحال بالخيار إن شئت فانو المقام عشراً وأتمّ ، وإن لم تَنْو المقام ، فقصّر ما بينك وبين شهر ، فإذا مضى شهر ، فأتمّ الصلاة »(١) .

مسألة ٦٤٥ : لو رجع عن نيّة الإِقامة في أثناء الصلاة ، قال الشيخ : يتمّ ، لأنّه دخل في الصلاة بنيّة الإِتمام(٢) .

والوجه عندي : التفصيل ، وهو : أنّه إن كان قد تجاوز في صلاته فرض القصر ، بأن صلّى ثلاث ركعات ، تعيّن الإِتمام ، وإلّا جاز له القصر ؛ لأنّ المناط في وجوب الإِتمام صلاة تامة ولم توجد في الأثناء.

فروع :

أ : لو رجع عن نيّة الإِقامة بعد خروج وقت الصلاة ولم يصلّ ، فإن كان الترك لعذر مسقط ، صحّ الرجوع ، ووجب القصر‌ ، وإن لم يكن لعذر مسقط ، لم يصحّ ، ووجب الإِتمام إلى أن يخرج.

ب : لو نوى الإِقامة فشرع في الصوم ، فالوجه : أنّه كصلاة الإِتمام ؛ لأنّه إحدى العبادتين المشروطتين بالإِقامة وقد وجدت النيّة وأثرها ، فأشبه العبادة الْاُخرى.

ويحتمل صحة الرجوع ؛ لأنّ المناط الصلاة تماماً.

ج : إن جعلنا الصوم ملزماً للإِقامة ، فإنّما هو الصوم الواجب المشروط بالحضر أو النافلة‌ إن شرطنا في صحتها الإِقامة ، أمّا ما لا يشترط بالحضر كالمنذور سفراً وحضراً ، أو النافلة إن سوّغناها في السفر ، فلا.

مسألة ٦٤٦ : لو أحرم بنيّة القصر ثم نوى في الأثناء المقام عشرة ، أتمّ‌

____________________

(١) الفقيه ١ : ٢٨٠ / ١٢٧١ ، التهذيب ٣ : ٢٢١ / ٥٥٣ ، الاستبصار ١ : ٢٣٨ / ٨٥١.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٣٩.


الصلاة تماماً ، عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي(١) - لانتفاء سبب القصر - وهو السفر - لوجود نيّة الإِقامة المضادّة للسفر ، ولا يجتمع الضدّان.

وقال مالك : إذا رجع عن نيّة القصر ، لم يَبْن على صلاته ، فإن كان قد صلّى ركعة بسجدتيها ، أتمّها ركعتين نافلةً ؛ لأنّها صلاة ابتدئت بنيّة فرض ، فلا يجوز نقله إلى غيره ، كما لا تنقل صلاة الظهر إلى العصر(٢) .

والجواب : منع حكم الأصل عندنا ، سلّمنا لكنّها صلاة واحدة لا تختلف نيّتها إلّا من جهة العدد ، فإذا نواها ركعتين ، جاز أن يجعلها أربعاً ، كالنافلة ، بخلاف الظهر والعصر ؛ لأنّ نيّة الصلاة مختلفة.

فروع :

أ : لو دخل بنيّة القصر ثم نوى الإِتمام ، لم يجز له الإِتمام‌ عندنا ، إلّا أن ينوي المقام عشراً ؛ لأنّ فرضه القصر ، فلا يتغيّر بتغيّر النيّة على ما سبق.

وقال الشافعي : يجب الإِتمام ؛ لأنّ نيّة الزيادة في العدد لا تتغيّر به النيّة ، وهو بناء على أنّ القصر سائغ(٣) .

وقال مالك : لا يجب الإتمام ، لأنّه نوى عدداً ، فإذا زاد عليه ، حصلت الزيادة بغير نيّة ، فلم تجز(٤) .

ب : لو أحرم ونوى القصر فصلّى أربعاً ناسياً ، فقد بيّنّا الإِجزاء مع خروج الوقت ، والإعادة مع بقائه.

____________________

(١) الاُم ١ : ١٨١ ، المجموع ٤ : ٣٥٤ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٧ ، مغني المحتاج ١ : ٢٧٠.

(٢) المدونة الكبرى ١ : ١٢٠ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٦٧ ، التفريع ١ : ٢٥٩ ، المنتقى للباجي ١ : ٢٦٥ ، المجموع ٤ : ٣٥٥ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٧.

(٣) الاُم ١ : ١٨١ ، مختصر المزني : ٢٥ ، المجموع ٤ : ٣٥٥ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٦ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٧ ، المغني والشرح الكبير ٢ : ١٠٧.

(٤) المغني والشرح الكبير ٢ : ١٠٧ ، المجموع ٤ : ٣٥٥ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٨ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٧.


وقال الشافعي : تجزئه مطلقاً ، ويسجد للسهو(١) .

ولو تعمّد ذلك ، لم يجز عندنا على ما بيّنّاه.

وقال الشافعي : تجزئه ولا يسجد(٢) .

قالت الشافعية : وهو غريب ؛ لأنّ الزيادة التي توجب سجود السهو إذا تعمّدها ، أفسدت(٣) .

وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري كقول الشافعي(٤) .

وقال بعض أصحاب مالك : لا تجزئه ؛ لأنّ هذا السهو عمل كثير(٥) .

وليس بجيّد ؛ لأنّه من جنس الصلاة.

ج : لو أراد السفر إلى بلد ثم إلى آخر بعده ، فإن كان الأدنى ممّا يقصّر في مثله ، قصّر ، وإلّا لم يقصّر إن نوى الإِقامة في الأقرب عشرة ، وإلّا قصّر إن بلغ المجموع المسافة.

ولو دخل الأقرب فأراد الخروج إلى الآخر ، اعتبرت المسافة إليه.

ولو قصد بلداً ثم قصد أن يدخل في طريقه إلى بلد آخر يقيم فيه أقلّ من عشرة أيام ، لم يقطع ذلك سفره ، واعتبرت المسافة من البلد الذي أنشأ منه السفر إلى البلد الذي قصده.

د : لو خرج إلى الأبعد فخاف في طريقه فأقام لطلب الرفقة أو ليرتاد الخبر ثم طلب غير الأبعد الذي قصده أوّلاً ، جُعل مبتدئاً للسفر‌ من موضع إقامته لارتياد الخبر ، لأنّه قطع النية الْاُولى ، وإن لم يبد له لكن أقام أقلّ من عشرة ، قصّر.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٣٥٤ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٦ ، فتح العزيز ٤ : ٤٦٨.

(٢) حلية العلماء ٢ : ١٩٦.

(٣) اُنظر : فتح العزيز ٤ : ٤٦٧ - ٤٦٨.

(٤) حلية العلماء ٢ : ١٩٦.

(٥) مقدمات ابن رشد ١ : ١٥٩ ، حلية العلماء ٢ : ١٩٦.


ه : لو فارق البلد إلى حيث غاب الأذان والجدران ، ثم عاد إلى البلد لحاجة عرضت ، لم يترخّص في رجوعه وخروجه ثانياً‌ إلى أن يغيب عنه الأذان والجدران ، إلّا أن يكون غريباً عن البلد ، أو يبلغ سيره مسافةً ، فله استدامة الترخّص وإن كان قد أقام أكثر من عشرة في بلد الغربة ، وهو أظهر وجهي الشافعي(١) .

و : لو عزم العشرة في غير بلده ثم خرج إلى ما دون المسافة عازماً على العود والإِقامة ، أتمّ ذاهباً وعائداً‌ وفي البلد ، وإن لم يعزم ، قصّر.

ز : لو قصّر في ابتداء السفر ثم رجع عن نيّة السفر ، لم تجب عليه الإِعادة ؛ لأنّها وقعت مشروعةً وإن كان الوقت باقياً.

ح : لا يحتاج القصر إلى نيّته على ما بيّناه ، بل تكفي نيّة فرض الوقت ، وبه قال أبو حنيفة(٢) .

وقال الشافعي : إنّما يجوز القصر بشروط ثلاثة : أن يكون سفراً يقصّر فيه الصلاة ، وأن ينوي القصر مع الإِحرام ، وأن تكون الصلاة أداءً لا قضاءً(٣) .

وقال المزني : إن نوى القصر قبل السلام ، جاز له القصر(٤) .

مسألة ٦٤٧ : قال الشيخ : صلاة السفر لا تسمّى قصراً ؛ لمغايرة فرض السفر فرض الحضر ، وبه قال أبو حنيفة وكلّ مَنْ وافقنا في وجوب القصر.

وقال الشافعي : إنّه يسمّى قصراً(٥) .

وهو نزاع لفظي.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٣٤٩ ، الوجيز ١ : ٥٨ ، فتح العزيز ٤ : ٤٤١ ، المغني ٢ : ١٣٧.

(٢) المجموع ٤ : ٣٥٣.

(٣) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٥٨٠ ، المسألة ٣٣٥ ، وانظر : المجموع ٤ : ٣٥٣.

(٤) المجموع ٤ : ٣٥٣.

(٥) الخلاف ١ : ٥٧١ ، المسألة ٣٢٢ ، وانظر : المجموع ٤ : ٣٥٣.


مسألة ٦٤٨ : الصوم في سفر القصر باطل ، وعليه الإعادة عند علمائنا أجمع - وبه قال عليعليه‌السلام ، وعمر ، وأبو هريرة ، وثلاثة اُخرى من الصحابة(١) - لقوله تعالى( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) (٢) أوجب عدّة أيام.

وقال داود : يصح صومه ، وعليه القضاء(٣) . وقال باقي الفقهاء : إن شاء صام وإن شاء أفطر ، فإن صام أجزأ(٤) . وسيأتي(٥) .

مسألة ٦٤٩ : نوافل النهار تسقط في السفر دون نوافل الليل ، عند علمائنا ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان يوتر على الراحلة في السفر(٦) .

وكان يتنفّل على الراحلة في السفر حيث ما توجّهت به راحلته(٧) . وأقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، على حرب هوازن ثمانية عشر يوماً وكان يتنفّل(٨) .

وأمّا قصر نوافل النهار : فلأنّها تابعة لفرائض مقصورة ، فاقتضت‌

____________________

(١) المجموع ٦ : ٢٦٤ ، أحكام القرآن للجصاص ١ : ٢١٤ ، تفسير القرطبي ٢ : ٢٧٩ - ٢٨٠ ، عمدة القارئ ١١ : ٤٣ ، نيل الأوطار ٤ : ٣٠٥.

(٢) البقرة : ١٨٤.

(٣) عمدة القارئ ١١ : ٤٣ ، نيل الأوطار ٤ : ٣٠٥.

(٤) اُنظر : المغني ٣ : ٤٣ ، والمجموع ٦ : ٢٦٤ ، والاُم ٢ : ١٠٢ ، وعمدة القاري ١١ : ٤٣ ، ونيل الأوطار ٤ : ٣٠٧.

(٥) يأتي في ج ٦ ، كتاب الصوم ، المسألة ٦٢.

(٦) صحيح البخاري ٢ : ٥٥ - ٥٦ ، صحيح مسلم ١ : ٤٨٧ / ٣٦ و ٣٨ و ٣٩ ، مصنف ابن أبي شيبة ٢ : ٣٠٣ ، سنن الترمذي ٢ : ٣٣٥ - ٣٣٦ / ٤٧٢ ، سنن النسائي ١ : ٢٤٣ - ٢٤٤ و ٣ : ٢٣٢ ، سنن أبي داود ٢ : ٩ / ١٢٢٤ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٨ - ٢٩ / ٢ و ٣ ، سنن البيهقي ٢ : ٤٩١.

(٧) صحيح البخاري ٢ : ٥٥ ، صحيح مسلم ١ : ٤٨٦ - ٤٨٧ / ٣١ و ٣٩ ، سنن الترمذي ٢ : ١٨٣ / ٣٥٢ ، سنن أبي داود ٢ : ٩ / ١٢٢٤ ، سنن النسائي ١ : ٢٤٣ - ٢٤٤ ، سنن البيهقي ٢ : ٤٩١.

(٨) فتح العزيز ٤ : ٤٤٩ ، تلخيص الحبير ٤ : ٤٤٩.


الحكمة إسقاطها.

وقال الشافعي : يجوز أن يتنفّل بالنهار والليل(١) .

ومنع بعض التابعين من التنفّل مطلقاً ؛ لأنّه إذا سقط بعض الفرض فلا يأتي بالنافلة(٢) .

* * *

____________________

(١) الاُم ١ : ١٨٦ ، المجموع ٤ : ٤٠٠ ، المغني ٢ : ١٤١ ، الشرح الكبير ٢ : ١١٤.

(٢) المجموع ٤ : ٤٠١ ، المغني ٢ : ١٤١ ، الشرح الكبير ٢ : ١١٤.



الفصل الثالث : في صلاة الخوف‌

وفيه مطلبان :

الأول : الكيفية‌

مسألة ٦٥٠ : قيل : إنّ قبل نزول آية صلاة الخوف كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يؤخّر الصلاة إلى أن يحصل الأمن‌ ثم يقضيها ؛ لأنّ الشرع كان كذلك ، ثم نسخ إلى صلاة الخوف ، ولهذا أخّر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ( أربع صلوات )(١) يوم الخندق(٢) .

والأصل في صلاة الخوف : الكتاب والسنّة والإِجماع :

قال الله تعالى( وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ ) (٣) وقد ثبت أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّى يوم ذات الرقاع صلاة الخوف(٤) .

وسمّيت ذات الرقاع ؛ لأنّ فيه جبلاً ألوانه مختلفة بعضه أحمر ، وبعضه أسود ، وبعضه أصفر.

وقال أبو موسى الأشعري : موضع مرّ به ثمانية نفر حفاة ، فتنقّبت‌

____________________

(١) بدل ما بين القوسين في « ش » : صلاة.

(٢) المغني ٢ : ٢٥١ ، الشرح الكبير ٢ : ١٢٧ ، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ : ١١٨ - ١٢٠.

(٣) النساء : ١٠٢.

(٤) صحيح البخاري ٥ : ١٤٥ ، صحيح مسلم ١ : ٥٧٥ / ٨٤٢ ، سنن النسائي ٣ : ١٧١ ، سنن أبي داود ٢ : ١٣ / ١٢٣٨ ، مسند أحمد ٥ : ٣٧٠ ، موطإ مالك ١ : ١٨٣ / ١.


أرجلهم(١) ، وتساقطت أظفارهم ، فكانوا يلفّون عليها الخرق ، فسمّيت لذلك ذات الرقاع(٢) .

وصلّىعليه‌السلام ، يوم عسفان ببطن النخل صلاة الخوف(٣) .

مسألة ٦٥١ : صلاة الخوف ثابتة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبه قال عامة أهل العلم(٤) ، لأنّهعليه‌السلام صلّاها ، وورد الكتاب بها ، وقال تعالى( فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا ) (٥) .

وسئلعليه‌السلام ، عن القبلة للصائم ، فأجاب بأنّني أفعل ذلك ، فقال السائل : لسْتَ مثلنا ؛ فغضب وقال : ( إنّي لأرجو أن أكون أخشاكم لله ، وأعلمكم بما أتّقي )(٦) ولو اختصّ بفعله ، لما كان الإِخبار بفعله جواباً ، ولا غضب من قول السائل : لستَ مثلنا.

ولأنّ الصحابة أجمعوا على صلاة الخوف : صلّى عليعليه‌السلام ، في حرب معاوية ليلة الهرير صلاة الخوف(٧) . وصلّى أبو موسى الأشعري صلاة الخوف بأصحابه(٨) . وكان سعيد بن العاص أميراً على الجيش بطبرستان ، فقال : أيّكم صلّى مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلاة الخوف؟ فقال حذيفة : أنا ، فقدّمه فصلّى بهم(٩) .

____________________

(١) أي : رقّت جلودها. النهاية لابن الأثير ٥ : ١٠٢.

(٢) صحيح البخاري ٥ : ١٤٥ ، معجم البلدان ٣ : ٥٦.

(٣) مسند أحمد ٤ : ٥٩ و ٦٠ ، سنن الترمذي ٥ : ٢٤٣ / ٣٠٣٥ ، مسند الطيالسي : ١٩٢ / ١٣٤٧ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٥٧ بتفاوت.

(٤) المغني ٢ : ٢٥٠ - ٢٥١ ، الشرح الكبير ٢ : ١٢٦.

(٥) الأنعام : ١٥٥.

(٦) أورده ابنا قدامة في المغني ٢ : ٢٥١ ، والشرح الكبير ٢ : ١٢٦ - ١٢٧ ، ونحوه في صحيح مسلم ٢ : ٧٧٩ / ١١٠٨ ، والموطأ لمالك ١ : ٢٩١ / ١٣.

(٧و٨) سنن البيهقي ٣ : ٢٥٢ ، المغني ٢ : ٢٥١ ، والشرح الكبير ٢ : ١٢٦.

(٩) سنن البيهقي ٣ : ٢٥٢ ، سنن النسائي ٣ : ١٦٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٦ - ١٧ / ١٢٤٦ ، مسند أحمد ٥ : ٣٩٥ و ٣٩٩ و ٤٠٤ و ٤٠٦ ، والمغني ٢ : ٢٥١ ، والشرح الكبير ٢ : ١٢٦.


وقال أبو يوسف : إنّها كانت تختصّ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لقوله تعالى( وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ) (١) (٢) شرط كونه فيهم.

وقال المزني : الآية منسوخة ، وقد أخّر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يوم الخندق أربع صلوات ؛ اشتغالاً بالقتال ، ولم يصلّ صلاة الخوف(٣) .

وخطابه لا يوجب اختصاصه ؛ لوجوب التأسّي علينا ، ولهذا أنكرت الصحابة على مانعي الزكاة حيث قالوا : إنّ الله تعالى قال لنبيّه( خُذْ ) (٤) فخصّه بذلك. ويوم الخندق كان قبل نزول صلاة الخوف(٥) .

مسألة ٦٥٢ : وصلاة الخوف جائزة في السفر‌ بالإِجماع ، وكذا في الحضر ، عند علمائنا أجمع - وبه قال الأوزاعي والشافعي وأحمد(٦) - لقوله تعالى( وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ ) (٧) وهو عام في كلّ حال.

ولأنّها حالة خوف ، فجاز فيها صلاة الخوف ، كالسفر.

وقال مالك : لا تجوز في الحضر ؛ لأنّ الآية دلّت على صلاة ركعتين ، وصلاة الحضر أربع.

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يفعلها في الحضر(٨) .

____________________

(١) النساء : ١٠٢.

(٢) الهداية للمرغيناني ١ : ٨٩ ، المجموع ٤ : ٤٠٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٨ ، المغني ٢ : ٢٥١ ، والشرح الكبير ٢ : ١٢٦.

(٣) المجموع ٤ : ٤٠٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٨.

(٤) التوبة : ١٠٣.

(٥) المغني ٢ : ٢٥١ و ٢٦٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٢٧ و ١٤٠ ، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار : ١١٨ - ١١٩.

(٦) الاُم ١ : ٢١٠ ، المجموع ٤ : ٤١٩ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٣ ، الميزان للشعراني ١ : ١٨٤ ، المغني ٢ : ٢٥٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣٤.

(٧) النساء : ١٠٢.

(٨) المغني ٢ : ٢٥٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣٤ ، المجموع ٤ : ٤١٩ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٣ ، الميزان للشعراني ١ : ١٨٤.


ونمنع عدم القصر في الحضر على ما سيأتي(١) .

سلّمنا ، لكن قد يكون في الحضر ركعتان كالفجر وصلاة الجمعة ، والمغرب ثلاث يجوز فعلها في الخوف في السفر إجماعاً.

وتَرْكُ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فعلها في الحضر ؛ لغناه عن فعلها فيه.

مسألة ٦٥٣ : وهي مقصورة في السفر إجماعاً‌ في عدد الرباعية إلى ركعتين خاصة ، عند علمائنا أجمع - وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد وأكثر العلماء(٢) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّى يوم ذات الرقاع بكلّ طائفة ركعتين(٣) . والمراد أنّها صلّت ركعتين في حكم صلاته ولأنّ الإِمام والمأموم على صفة واحدة ، فيجب أن يستوي حكمهما.

وحكي عن ابن عباس أنّه قال : صلاة الخوف لكلّ طائفة ركعة ، وللإمام ركعتان ، وبه قال الحسن البصري وطاوس ومجاهد(٤) ، لقوله تعالى( وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ ) (٥) يعني تجاه القبلة.

أخبر أنّهم يصلّون قياماً وسجوداً ، فقد ثبت أنّهم إنّما يصلّون ركعة واحدة.

ثم قال( وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ) (٦) يعني‌

____________________

(١) يأتي في المسألة ٦٥٤.

(٢) الاُم ١ : ٢١٠ ، الميزان للشعراني ١ : ١٨٤ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٤٣ ، شرح فتح القدير ٢ : ٦٢ ، المدونة الكبرى ١ : ١٦١ ، المغني ٢ : ٢٥٢.

(٣) صحيح البخاري ٥ : ١٤٧ ، صحيح مسلم ١ : ٥٧٦ / ٨٤٣ ، سنن النسائي ٣ : ١٧١.

(٤) المجموع ٤ : ٤٠٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٨ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٤٣ ، الكفاية ٢ : ٦٤ - ٦٥.

(٥ و ٦ ) النساء ١٠٢.


يصلّون صلاتهم معك ، والذي بقي عليه ركعةٌ.

وهي محمولة على أنّ المراد بقوله( فَإِذا سَجَدُوا ) وفعلوا الركعة الْاُخرى ، وعبّر عنها بالسجود.

مسألة ٦٥٤ : المشهور عند علمائنا : أنّ صلاة الخوف مقصورة في الحضر كالسفر‌ ، سواء صلّيت جماعة أو فرادى - وشرط بعضهم(١) في القصر الجماعة - للآية ، فإنّها دلّت على أنّه يصلّى بكلّ طائفة ركعة.

ولقوله تعالى( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ ) (٢) وليس المراد بالضرب سفر القصر ، وإلّا لكان اشتراط الخوف لغواً.

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صلّى صلاة الخوف في المواضع التي صلّاها ركعتين(٣) ، ولم يُرْوَ عنه أنّه صلّى اربعاً في موضع من المواضع.

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام ، وقد سأله زرارة عن صلاة الخوف وصلاة السفر تقصّران؟ قال : « نعم وصلاة الخوف أحقّ أن تقصّر من صلاة السفر الذي لا خوف فيه »(٤) ولم يشترط الجماعة.

ولأنّ المشقّة بالإتمام أكثر من المشقّة في السفر ، فكان الترخّص فيه أولى.

وقال بعض علمائنا : إنّما يقصّر العدد في السفر لا في الحضر ، بل يصلّي أربعاً جماعة وفرادى(٥) - وعليه الجمهور كافة - لثبوت الأربع في الذمة ،

____________________

(١) الشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ١٦٥.

(٢) النساء : ١٠١.

(٣) اُنظر : سنن الدار قطني ٢ : ٥٨ / ٢ و ٥ - ٧ ، سنن الدارمي ١ : ٣٥٧ ، الموطأ ١ : ١٨٣ / ١ - ٣ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٥٣.

(٤) الفقيه ١ : ٢٩٤ / ١٣٤٢ ، التهذيب ٣ : ٣٠٢ / ٩٢١.

(٥) حكاه عن بعض الأصحاب أيضاً الشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ١٦٣ ، وابن إدريس في السرائر : ٧٨ ، والمحقق في المعتبر : ٢٤٨.


ولم يحصل الشرط الذي هو السفر ، وغيره لم يثبت له حكم الإِسقاط.

وقد دلّلنا على ثبوت المسقط.

مسألة ٦٥٥ : ولها أربع صور :

الْاُولى : صلاة ذات الرقاع : وهي أن يلتحم القتال ويحتمل الحال اشتغال بعضهم بالصلاة ، فيفرّقهم الإِمام فرقتين لينحاز(١) بطائفة إلى حيث لا تبلغهم سهام العدوّ ، فيصلّي بهم ركعة ، فإذا قام إلى الثانية ، انفردوا واجباً وأتمّوا ، والْاُخرى تحرسهم ، ثم تأخذ الْاُولى مكان الثانية وتنحاز الثانية إلى الإِمام وهو ينتظرهم فيقتدون به في الثانية ، فإذا جلس للتشهّد في الثانية ، قاموا فأتمّوا ولحقوا به ، وسلّم بهم ، فيحصل للطائفة الْاُولى تكبيرة الافتتاح وللثانية التسليم ، وبه قال مالك وداود وأحمد والشافعي(٢) .

لما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه صلّى يوم ذات الرقاع صلاة الخوف فصفّت طائفة معه ، وطائفة تجاه العدوّ ، فصلّى بالتي معه ركعة ، ثم ثبت قائماً وأتمّوا لأنفسهم ، ثم انصرفوا وصفّوا تجاه العدوّ ، وجاءت الطائفة الْاُخرى ، فصلّى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ، ثم ثبت جالساً ، وأتمّوا لأنفسهم ثم سلّم بهم(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام ، وقد سأله الحلبي عن صلاة الخوف : « يقوم الإِمام وتجي‌ء طائفة من أصحابه فيقومون خلفه ، وطائفة‌

____________________

(١) انحاز القوم : تركوا مكاناً ومالوا إلى موضع آخر. العين - للخليل - ٣ : ٢٧٥ « حيز » ولسان العرب ٥ : ٣٤٠ « حوز ».

(٢) الوجيز ١ : ٦٧ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٨ - ٩٩ ، السراج الوهاج : ٩٢ ، المدونة الكبرى ١ : ١٦٣ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٧٢ - ٧٣ ، التفريع ١ : ٢٣٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٢٩ - ١٣٠.

(٣) صحيح مسلم ١ : ٥٧٥ / ٨٤٢ ، الموطأ ١ : ١٨٣ / ١ ، سنن أبي داود ٢ : ١٣ / ١٢٣٨ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٥٣.


بإزاء العدوّ فيصلّي بهم الإِمام ركعة ، ثم يقوم ويقومون معه فيمثل قائماً ، ويصلّون هم الركعة الثانية ، ثم يسلّم بعضهم على بعض ، ثم ينصرفون فيقومون في مقام أصحابهم ويجي‌ء الآخرون فيقومون خلف الامام فيصلي بهم الركعة الثانية ، ثم يجلس الامام ويقومون هم فيصلّون ركعة اُخرى ثم يسلّم عليهم فينصرفون بتسليمه »(١) .

وقال ابن أبي ليلى كقولنا ، إلّا أنه قال : يحرم بالطائفتين معاً ، ثم يصلّي بإحداهما على ما قلناه(٢) .

وقال أبو حنيفة : يصلّي بإحدى الطائفتين ركعة ثم تنصرف إلى وجه العدوّ وهي في الصلاة ، ثم تأتي الطائفة الْاُخرى إلى الإِمام فيصلّي بها الركعة الْاُخرى ثم يسلّم ، ثم ترجع هذه الطائفة إلى وجه العدوّ وهي في الصلاة ، ثم تأتي الطائفة الْاُولى إلى موضع الصلاة مع الإِمام ، فتصلّي ركعة منفردة وهي في الصلاة ، ولا تقرأ فيها ، لأنّها في حكم الائتمام ، ثم تنصرف إلى وجه العدوّ ، ثم تأتي الطائفة الْاُخرى إلى موضع الإِمام ، فتصلّي الركعة الثانية منفردة ، وتقرأ فيها ، لأنّها فارقت الإِمام بعد فراغه من الصلاة ، فحكمها حكم المنفرد ، لأنّ عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر رويا ذلك(٣) .

قال : وهو أولى ممّا ذهبتم إليه ، لأنّكم تجوّزون للمأمومين مفارقة الإِمام قبل فراغه من الصلاة وهم الطائفة الْاُولى ، وتجوّزون للثانية المخالفة في الأفعال ، فيكون جالساً وهُمْ قُيّام يأتون بركعة وهُمْ في إمامته(٤) .

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٥٥ / ١ ، التهذيب ٣ : ١٧١ - ١٧٢ / ٣٧٩.

(٢) بدائع الصنائع ١ : ٢٤٤ ، المبسوط للسرخسي ٢ : ٤٦ ، وحكاه عنه أيضاً الشيخ الطوسي في الخلاف ١ : ٦٣٩ ، المسألة ٤١٠.

(٣) سنن أبي داود ٢ : ١٥ و ١٦ / ١٢٤٣ و ١٢٤٤.

(٤) اللباب ١ : ١٢٣ - ١٢٤ ، الهداية للمرغيناني ١ : ٨٩ ، المجموع ٤ : ٤٠٩ ، المغني ٢ : ٢٥٤ - ٢٥٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٠.


وما قلناه أشبه بالكتاب ، وأحوط للصلاة ، وأولى للحرب ، لأنّ قوله :( فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ ) (١) يقتضي أن يسجدوا بعد صلاتهم معه ، وذلك هو الركعة الْاُخرى.

وقوله( وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ) (٢) يقتضي أنّ جميع صلاتها معه ، وعنده تصلّي معه ركعة ، وعندنا جميع صلاتها معه إحدى الركعتين توافقه في أفعاله وقيامه ، والثانية تأتي بها قبل سلامه ، ثم تسلّم معه.

ومن مفهوم قوله( لَمْ يُصَلُّوا ) أنّ الطائفة الْاُولى قد صلّت جميع صلاتها ، وعلى قولهم لم تصلّ إلّا بعضها.

وأمّا الاحتياط للصلاة : فإنّ كل طائفة تأتي بصلاتها متواليةً بعضها يوافق الإِمام فيها فعلاً ، وبعضها يفارقه ، وتأتي به وحدها كالمسبوق ، وعنده تنصرف في الصلاة ، فإمّا أن تمشي وإمّا أن تركب. وهذا عمل كثير ، وتستدبر القبلة.

وهو ينافي الصلاة ، وتفرّق بين الركعتين تفريقاً كثيراً بما ينافيها.

ثم جعلوا الطائفة الاُولى مؤتمّة بالإِمام بعد سلامه. ولا يجوز أن يكون المأموم مأموماً في ركعة يأتي بها بعد سلام إمامه.

وأمّا الأولوية للحرب : فإنّه يتمكّن من الضرب والطعن وإعلام غيره بما يراه ممّا خفي عليه من أمر العدوّ ، وتحذيره ، وإعلام الذين مع الإِمام بما يحدث ، ولا يمكن على قولهم ذلك.

ولأنّ مبنى صلاة الخوف على التخفيف ، لأنّهم في موضع الحاجة إليه.

وعلى قولهم تطول الصلاة أضعاف حال الأمن ، لأنّ كلّ طائفة تحتاج إلى المضيّ إلى مكان الصلاة ، والرجوع إلى لقاء العدوّ ، وانتظار مضيّ‌

____________________

(١ و ٢ ) النساء : ١٠٢.


الطائفة الْاُخرى ورجوعها ، فإن كان بين المكانين نصف ميل ، احتاجت كلّ طائفة إلى مشي ميل ، وانتظار الْاُخرى قدر مشي ميل وهي في الصلاة ، ثم تحتاج إلى تكليف الرجوع إلى موضع الصلاة لإِتمام الصلاة من غير حاجة إليه ، ولا مصلحة تتعلّق به ، فلو احتاج الآمن إلى هذه الكلفة في الجماعة ، سقطت ، فكيف يكلّف الخائف وهو في مظنّة التخفيف والحاجة إلى الرفق!؟

ومفارقة الإِمام لعذر جائزة ، ولا بدّ منها على القولين ، فإنّهم جوّزوا للطائفة الْاُولى مفارقة الإِمام والذهاب إلى وجه العدوّ ، وهذا أعظم ممّا ذكرناه ، فإنّه لا نظير له في الشرع ، ولا يوجد مثله في موضع آخر.

إذا عرفت هذا ، فإن صلّى بهم كمذهب أبي حنيفة ، لم يجز ، لما فيه من الفعل الكثير.

وقال أحمد وابن جرير وبعض الشافعية : يجوز ، لكن يكون قد ترك الأولى(١) .

مسألة ٦٥٦ : يشترط في صلاة ذات الرقاع اُمور أربعة :

الأول : كون الخصم في غير جهة القبلة بحيث لا يتمكّن من الصلاة حتى يستدبر القبلة ، أو تكون عن يمينه أو شماله ، أو الحيلولة بينهم وبين المسلمين بما يمنع من رؤيتهم لو هجموا - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فَعَلها على هذه الصورة(٣) ، فتجب متابعته.

وقال أحمد : لا يشترط ، لأنّ العدوّ قد يكون في جهة القبلة على وجه لا يمكن أن يصلّي بهم صلاة عسفان ، لانتشارهم أو استتارهم أو الخوف من كمين(٤) .

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤٠٨ - ٤٠٩ ، المغني ٢ : ٢٥٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢١١.

(٢) المجموع ٤ : ٤٠٩ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٨ ، السراج الوهاج : ٩٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٩.

(٣) سنن النسائي ٣ : ١٧١ ، الموطأ ١ : ١٨٣ / ٢ ، سنن الدار قطني ٢ : ٦٠ / ١١.

(٤) المغني ٢ : ٢٥٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٢٩.


والجواب : ليست الصلاة منحصرةً في هذه وصلاة عسفان ، فجاز أن يصلّوا منفردين.

ولو قيل بالجواز ، كان وجهاً ، لعدم المانع منه. وفعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقع اتّفاقاً ، لا أنّه كان شرطاً.

الثاني : كون الخصم قويّاً بحيث يخاف هجومه على المسلمين متى اشتغلوا بالصلاة ، وإلّا لانتفى الخوف الذي هو مناط هذه الصلاة.

الثالث : أن يكون في المسلمين كثرة يمكنهم أن يفترقوا فرقتين تقاوم كلّ فرقة العدوّ ، وإلّا لم تتحقّق هذه الصلاة.

الرابع : عدم الاحتياج إلى زيادة التفريق على فرقتين ، وإلّا لحصل لكلّ فرقة أقلّ من ركعة ، فلا يتحقّق الائتمام.

وهذه الصلاة تخالف غيرها في انفراد المؤتمّ واجباً وانتظار الإِمام إتمام المأموم وائتمام القائم بالقاعد.

مسألة ٦٥٧ : يستحب للإِمام أن يخفّف القراءة في الْاُولى ، للحاجة إليه ، لما هُمْ به من حمل السلاح. وكذا يخفّف في كلّ فعل لا يفتقر فيه إلى الانتظار. وكذا الطائفة التي تفارقه وتصلّي لنفسها تخفّف في قراءتها ، وإذا قام الإِمام إلى الثانية ، تابعته الطائفة الْاُولى ، فإذا انتصبوا ، نووا مفارقته ، لأنّهم لا فائدة لهم في مفارقته قبل ذلك ، لاشتراكهم في النهوض ، ولأنّ الرفع من السجدة الثانية من الركعة الْاُولى. ولو فارقوه بعد الرفع من السجود الثاني ، جاز. وإذا انفردوا ، بقي الإِمام قائماً ينتظرهم حتى يسلّموا وحتى تأتي الطائفة الثانية تدخل معه.

وهل يقرأ الإِمام في انتظاره؟ الأقرب : ذلك ، لأنّه قيام للقراءة ، فيجب أن يأتي بها فيه ، فيطوّل حينئذٍ القراءة حتى تفرغ الطائفة الْاُولى ، وتلتحق به الثانية ، وهو أحد قولي الشافعي ، وأحمد. وفي الثاني : لا يقرأ بل يسكت ، أو يأتي بأيّ ذكر شاء ، لأنّه قد قرأ بالطائفة الْاُولى ، فينبغي أن يؤخّر القراءة في‌


الثانية ليقرأ بالطائفة الثانية ، لتحصل التسوية بينهما في القراءة(١) . وهو ينافي التخفيف.

فإذا جاءت الطائفة الثانية ، فإن كان قد فرغ من قراءته ، ركع بهم ، ولا يحتاج إلى أن يقرأوا شيئاً ، لأنّ قراءة المأموم عند أكثر علمائنا منهي عنها إمّا نهي تحريم أو كراهة(٢) .

وقال الشافعي على الأول : يقرأ بقدر الفاتحة ليقرأوا بها خلفه(٣) .

ولو قرأ قبل مجيئهم ثم ركع عند مجيئهم أو قبله فأدركوه راكعاً ، ركعوا معه ، وصحّت لهم الركعة مع تركه السنّة ، ولو أدركوه بعد رفعه ، فاتتهم الصلاة.

مسألة ٦٥٨ : إذا صلّى الثانية بالفرقة الثانية ، جلس للتشهّد ، ويقومون هُم إلى الثانية لهم ، ويُطوّل الإِمام في تشهّده بالدعاء حتى يدركوه ويتشهّدوا معه ، ثم يسلّم بهم - وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي وأحمد(٤) - لأنّها تعود إليه لتسلّم معه ، فلا فائدة في تطويله عليها بالجلوس معه. مع أنّ هذه الصلاة مبينة على التخفيف.

والقول الآخر للشافعي : إنّها تتشهّد معه ، ثم تقوم إلى الثانية ، فإذا صلّوها ، سلّم بهم ، لأنّ المسبوق لا يفارق الإِمام إلّا بعد سلامه(٥) .

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤١١ ، الوجيز ١ : ٦٧ ، السراج الوهاج : ٩٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣٠ ، الإِنصاف ٢ : ٣٥٠ ، المغني ٢ : ٢٥٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٩.

(٢) منهم من ذهب إلى حرمة القراءة كالشيخ المفيد والشيخ الطوسي كما في المعتبر : ٢٣٩ ، والمبسوط ١ : ١٥٨ ، والنهاية : ١١٣.

ومنهم من ذهب إلى كراهة القراءة كسلّار في المراسم : ٨٧.

(٣) المجموع ٤ : ٤١١ ، فتح العزيز ٤ : ٦٣٧ ، وفيهما : لينالوا فضيلة القراءة.

(٤) المجموع ٤ : ٤١٢ ، الوجيز ١ : ٦٧ ، فتح العزيز ٤ : ٦٣٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٩ ، المغني ٢ : ٢٥٤ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣١.

(٥) المجموع ٤ : ٤١٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٩.


ونقول بموجبه ، لكن التشهّد وقع في غير موقعه ، فلا يجوز.

وقال مالك : تتشهّد معه ، فإذا سلّم الإِمام ، قامت الطائفة الثانية فقضوا ما فاتهم ، كالمسبوق(١) .

وتُبْطله رواية سهل بن أبي حثمة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، سلّم بالطائفة الثانية(٢) .

على أنّ لنا روايةً عن الصادقعليه‌السلام - في طريقها ضعف - كقول مالك.

قال : « وجاء أصحابهم ، فقاموا خلف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فصلّى بهم ركعة ، ثم تشهّد وسلّم عليهم ، فقاموا فصلّوا لأنفسهم ركعة ، وسلّم بعضهم على بعض »(٣) .

ولو فعلوه جاز ، لكن لا يتشهّدون ، بل إذا سلّم الإِمام ، قاموا فأتمّوا ركعة اُخرى وتشهّدوا وسلّموا.

إذا ثبت هذا ، فإنّها لا تنوي الانفراد حال قيامها إلى الثانية ، فإن نؤته ، ففي جواز نيّة الاقتداء بعده للتسليم وجهان.

مسألة ٦٥٩ : للإِمام انتظارٌ للطائفة الْاُولى في الركعة الثانية حتى تفرغ ، وانتظار آخر فيها للطائفة الثانية حتى تأتي وتحرم معه‌ ، كلاهما في حكم انتظار واحد ، لاتّصاله.

وله انتظار آخر للطائفة الثانية حال تشهّده حتى تتمّ الصلاة.

وقد قلنا : إنّه يطوّل تشهّده ولا يقعد ساكتاً.

وللشافعية وجهان ، أحدهما : أنّ في ذلك قولين ، كما تقدّم في انتظار‌

____________________

(١) المدونة الكبرى ١ : ١٦١ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٢٤ ، الشرح الصغير ١ : ١٨٥ - ١٨٦ ، المغني ٢ : ٢٥٤ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣١ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٠.

(٢) صحيح مسلم ١ : ٥٧٥ / ٨٤١ ، سنن أبي داود ٢ : ١٢ / ١٢٣٧ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٥٣.

(٣) الكافي ٣ : ٤٥٦ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٧٢ / ٣٨٠ ، والفقيه ١ : ٢٩٣ / ١٣٣٧.


القراءة.

والثاني : أنّه يتشهّد قولاً واحداً ، لأنّ الطائفة الْاُولى قرأ بها ، فينبغي أن ينتظر الثانية ليقرأ بها ، بخلاف التشهّد ، فإنّه لم يتشهّد بالْأُولى ، فلا ينتظر الثانية بالتشهّد(١) .

إذا ثبت أنّه يتشهّد ، فإنّه ينتظر الثانية بتطويل الدعاء حتى تتمّ الصلاة ، ويتشهّد خفيفاً ، ثم يسلّم بهم.

مسألة ٦٦٠ : لو انتظر الإِمام الطائفة الثانية بعد رفعه من السجود الأخير من الركعة الْاُولى جالساً ، فإن كان لعذر كمرض أو ضعف ، جاز.

وإن كان قادراً على القيام إلى الثانية وتَرَكه عمداً إلى مجي‌ء الثانية ، قال الشيخ : بطلت صلاته ، ولم تبطل صلاة الْاُولى ، لأنّها فارقته حين رفع الرأس. وأمّا الثانية ، فإن علمت أنّ ذلك يبطل صلاته وتابعته ، بطلت صلاتها أيضاً. وإن اعتقدت عذراً ، أو جوّزت ذلك ، لم تبطل صلاتها ، لأنّ الظاهر من حاله العذر.

وإن فعل ذلك سهواً ، لحقه حكم سهوه ، دون الطائفة الْاُولى ، لأنّها برفع الرأس قد فارقته(٢) .

وعندي في بطلان الصلاة ، بذلك نظر.

مسألة ٦٦١ : وإن كانت صلاة المغرب ، تخيّر الإِمام‌ إن شاء صلّى بالاُولى ركعة وبالثانية ركعتين ، وإن شاء بالعكس ، لأنّ علياعليه‌السلام

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤١٢ ، الوجيز ١ : ٦٧ ، فتح العزيز ٤ : ٦٣٧.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٦٤.


صلّى ليلة الهرير(١) بالطائفة الْاُولى ركعة وبالثانية ركعتين(٢) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادقعليه‌السلام : « وفي المغرب مثل ذلك يقوم الإِمام وتجي‌ء طائفة فيقومون خلفه ، ويصلّي بهم ركعة يقوم ويقومون فيمثل الإمام قائما ويصلّون الركعتين ويتشهّدون ويسلّم بعضهم على بعض ثم ينصرفون ، فيقومون في موقف أصحابهم ، ويجي‌ء الآخرون فيقومون في موقف أصحابهم وخلف الإمام ، فيصلّي بهم ركعة يقرأ فيها ثم يجلس ويتشهّد ويقوم ويقومون معه فيصلّي بهم ركعة اُخرى ثم يجلس ويقومون هم فيصلّون ركعة اُخرى ثم يسلّم عليهم »(٣) .

واختلف في الأولوية ، فقال مالك وأحمد والأوزاعي وسفيان والشافعي في أصح القولين : الأولى أن يصلّي بالْاُولى ركعتين ، لئلّا يكلّف الثانية زيادة جلوس(٤) .

وهي مبنيّة على التخفيف.

والثاني للشافعي : الأولى العكس ، لأنّ علياًعليه‌السلام فعلها. ولأنّ الْاُولى أدركت معه فضيلة الإِحرام والتقدّم ، فينبغي أن تزيد الثانية في الركعات‌

____________________

(١) ليلة الهرير : كانت في وقعة صفين التي دارت رحاها سنة سبع وثلاثين من الهجرة بين أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ومعاوية.

وإنّما سمّيت بليلة الهرير لكثرة أصوات الناس فيها للقتال.

وقيل : لاضطراب معاوية وفزعه كالكلب عند شدّة الحرب واستيلاء أهل العراق.

وكان عليعليه‌السلام كلّما قتل فارساً أعلن بالتكبير فاُحصيت تكبيراته تلك الليلة فكانت خمسمائة وثلاثاً وعشرين تكبيرة.

وقعة صفين : ٤٧٥ ، كشف الغمة ١ : ٢٥٢ - ٢٥٣ ، الكامل لابن الأثير ٣ : ٢٨٩ ، ومرآة العقول ١٥ : ٤٢٧.

(٢) أورده ابنا قدامة في المغني ٢ : ٢٦٢ ، والشرح الكبير ٢ : ١٣٣.

(٣) الكافي ٣ : ٤٥٥ - ٤٥٦ - ١ ، التهذيب ٣ : ١٧١ / ٣٧٩ ، الاستبصار ١ : ٤٥٥ / ١٧٦٦.

(٤) المدونة الكبرى ١ : ١٦٠ - ١٦١ ، المنتقى للباجي ١ : ٣٢٤ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٧٣ ، المغني ٢ : ٢٦٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣٣ ، فتح العزيز ٤ : ٦٣٨ ، المجموع ٤ : ٤١٥.


ليجبر نقصهم ، وتساوي الْاُولى(١) .

مسألة ٦٦٢ : إذا صلّى بالْاُولى ركعتين ، جاز أن ينتظر الثانية في التشهّد الأول وفي القيام الثالث.

فقيل : الأول أولى ، ليدركوا معه ركعة من أولها(٢) .

وقيل : الثاني ، لأنّ القيام مبنيّ على التطويل ، والجلسة الْاُولى على التخفيف(٣) .

فإن انتظرهم في القيام ، فالأولى أن تفارقه الْاُولى عند الانتصاب.

وإذا صلّى بالثانية الثالثة وجلس للتشهّد ، قامت الطائفة ولا تتشهّد ، لأنّه ليس بموضع تشهّدها.

إذا عرفت هذا ، فإن صلّى بالْاُولى ركعتين ، تشهّد طويلاً ثم أتمّت الْاُولى صلاتها وسلَّمت ، وقامت وجاءت الثانية فنهض الإِمام وصلّى بهم الثالثة له وهي اُولاهم ، وإن شاء تشهّد خفيفاً وقام إلى الثالثة ، وقامت الْاُولى وطوّل في القراءة حتى تُتم الْاُولى وتأتي الثانية.

وعلى التقديرين إذا صلّى الثالثة وجلس للتشهّد ، لا تجلس الطائفة ، بل تقوم فتصلّي ركعة ثم تتشهّد خفيفاً ثم تقوم إلى الثالثة ثم تتشهّد خفيفاً ويسلّم بهم الإِمام.

وإن صلّى بالْاُولى ركعةً ، قام إلى الثانية وطوّل قراءتها ونوت الْاُولى مفارقته حال انتصابها وخفّفت وصلّت الثانية وتشهّدت خفيفاً وقامت إلى الثالثة وتشهّدت خفيفاً وسلّمت.

ثم جاءت الطائفة الثانية فدخلت معه في ثانيته ، فإذا جلس للتشهّد الأول ، جلسوا معه يذكرون الله تعالى من غير تشهّد ، فإذا قام إلى الثالثة ،

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤١٥ ، فتح العزيز ٤ : ٦٣٨ ، المغني ٢ : ٢٦٢ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣٣.

(٢ و ٣) فتح العزيز ٤ : ٦٣٨ ، المجموع ٤ : ٤١٥ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٢.


قاموا معه ، فإذا جلس للتشهّد الثاني ، جلسوا وتشهّدوا خفيفاً(١) ، وطوّل إلى أن يتمّوا ، ثم يتشهّدون خفيفاً ويسلّم بهم.

الصورة الثانية (٢) : صلاة عُسفان - وعُسفان قرية جامعة على اثني عشر فرسخاً من مكة - بأن يقوم الإِمام ويصفّ المسلمين صفّين وراءه ، ويُحرم بهم جميعاً ، ويركع بهم ، ويسجد بالْاُولى خاصة وتقوم الثانية للحراسة.

فإذا قام الإِمام بالْاُولى ، سجد الصف الثاني ، ثم ينتقل كلٌّ من الصفين مكان صاحبه ، فيركع الإِمام بهما ، ثم يسجد بالذي يليه ويقوم الثاني الذي كان أوّلاً لحراستهم ، فإذا جلس بهم ، سجدوا وسلّم بهم جميعاً.

لأنّ أبا عياش الزرقي قال : كنّا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بعسفان ، فصلّى بنا الظهر ، فقال المشركون : لقد أصبنا غرة ، لقد أصبنا غفلة ، لو كنّا حملنا عليهم وهُمْ في الصلاة ، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر. فقال بعضهم : إنّ بين ايديهم صلاة هي أحبّ إليهم من أولادهم ؛ فنزل جبرئيلعليه‌السلام ، فأخبره بذلك ، فلمـّا حضرت العصر قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، مستقبل القبلة والمشركون أمامه ، فصفَّ خلف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صفٌّ ، وصفّ بعد ذلك الصفَّ صفٌّ آخر ، فركع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وركعوا جميعاً ، ثم سجد وسجد الصفّ الذي يلونه ، وقام الآخرون يحرسونهم ، فلمـّا صلّى هؤلاء السجدتين وقاموا ، سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم ، ثم تأخّر الصف الذي يليه وتقدّم الصفّ الأخير إلى مقام الصفّ الآخر ، ثم ركع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وركعوا جميعاً ، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه ، وقام الآخرون يحرسونهم ، فلمـّا جلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والصفّ الذي يليه ، سجد الآخرون ،

____________________

(١) في نسخة « ش » : جميعاً.

(٢) من الصُور الأربع لصلاة الخوف.


ثم جلسوا جميعاً ، فسلّم عليهم جميعاً(١) .

مسألة ٦٦٣ : ولهذه الصلاة ثلاث شرائط :

الأول : أن يكون العدوّ في جهة القبلة ؛ لأنّه لا يمكن حراستهم في الصلاة إلّا كذلك ليشاهدونهم فيحرسونهم.

الثاني : أن يكون في المسلمين كثرة يمكنهم معها حراسة بعضهم بعضاً ، وأن يفترقوا فرقتين تصلّي معه إحداهما وتحرس الثانية معه.

الثالث : أن يكونوا على قُلّة جبل أو مُستوٍ من الأرض لا يحول بينهم وبين أبصار المسلمين حائل من جبل وغيره ليتوقّوا كبساتهم والحملات عليهم ، ولا يخاف كمين لهم.

إذا عرفت هذا ، فهذه الصلاة لم يثبت نقلها عندي من طريق صحيح عن أهل البيتعليهم‌السلام ، فعندي في العمل بها نظر.

والشافعي عكس ما روي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فاختار الحراسة للصفّ الأول ، لأنّهم أقرب إلى العدوّ ، فيكونون جُنّةً لمن خلفهم ، ويمنعون المشركين من الاطّلاع على عدد المسلمين وعدّتهم(٢) .

فروع :

أ : المشهور : أن الطائفتين يصلّون معه إلى الاعتدال عن ركوع الركعة الْاُولى‌ ، فإذا سجد سجد معه أحد الصفّين ، وكذا في الثانية ، فالكلّ يركعون معه في الركعتين ، وإنّما الحراسة في السجود.

وفي وجه للشافعية : مَنْ يحرس في السجود يحرس في الركوع(٣) .

ب : لو رتّب الإِمام القوم صفوفاً وحرس صفّان أو صفّ أو ثلاثة ، جاز ،

____________________

(١) سنن النسائي ٣ : ١٧٦ - ١٧٧ ، سنن أبي داود ٢ : ١١ / ١٢٣٦ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٥٦ - ٢٥٧ ، سنن الدار قطني ٢ : ٥٩ - ٨.

(٢) المجموع ٤ : ٤٢١ ، الوجيز ١ : ٦٦.

(٣) المجموع ٤ : ٤٢٢ ، فتح العزيز ٤ : ٦٣٠.


ولو حرست فرقتان من صفّ واحد في الركعتين على التناوب ، جاز أيضاً ، ولو حرس في الركعتين طائفة واحدة ثم سجدت ولحقت ، جاز.

وللشافعي قولان ، أحدهما : المنع ، لأنّ المتخلّف يتضاعف ويزيد على ما ورد به الخبر(١) .

وليس بجيّد ، لأنّ القدر المحتمل في ركعة للعذر لا يضرّ انضمام مثله إليه في ركعة اُخرى كالقدر المحتمل من المتخلّف بلا عذر.

ج : لو لم يتقدّم الصفّ الثاني إلى موقف الأول ولا تأخّر الأول عن مكانه إلى الثاني ، جاز.

وهذه الفروع مبنيّة على جواز هذه الصلاة ، ولا بأس بها إن لزم كلّ طائفة مكانهم ، أو كان التقدّم والتأخّر من الأفعال القليلة.

الصورة الثالثة (٢) : صلاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ببطن النخل ، فإنّه صلّى الظهر فصفّ بعض أصحابه خلفه وبعضهم جعلهم بإزاء العدوّ للحراسة ، فصلّى ركعتين ثم سلّم ، فانطلق الذين صلّوا ، فوقفوا موقف أصحابهم للحراسة ، ثم جاء أولئك فصلّى بهم الظهر مرّة ثانية ركعتين(٣) .

وهذه لا تحتاج إلى مفارقة الإِمام ولا إلى تعريف كيفية الصلاة ، وليس فيها أكثر من أنّ الإِمام في الثانية متنفّل يؤمّ مفترضين ، وهو اختيار الحسن وأكثر الفقهاء(٤) .

ونختار هذه الصلاة إذا كان العدوّ في غير جهة القبلة ، وأن يكثر المسلمون ويقلّ العدوّ ، وأن لا يأمنوا من هجوم العدوّ عليهم في الصلاة.

____________________

(١) فتح العزيز ٤ : ٦٣٠ ، السراج الوهاج : ٩٢.

(٢) من الصُور الأربع لصلاة الخوف.

(٣) سنن الدار قطني ٢ : ٦٠ / ١٠.

(٤) سنن البيهقي ٣ : ٢٦٠ ، المغني ٢ : ٢٦٥ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣٧.


الصورة الرابعة (١) : صلاة شدة الخوف ، وذلك عند التحام القتال وعدم التمكّن من تركه لأحد ، أو اشتدّ الخوف وإن لم يلتحم القتال ، فلم يأمنوا أن يهجموا عليهم لو ولّوا عنهم أو انقسموا ، فيصلّون رجالاً ومشاةً على الأقدام وركباناً مستقبلي القبلة واجباً مع التمكّن ، وغير مستقبليها مع عدمه على حسب الإِمكان.

فإن تمكّنوا من استيفاء الركوع والسجود ، وجب ، وإلّا أومأوا لركوعهم وسجودهم ، ويكون السجود أخفض من الركوع. ولو تمكّنوا من أحدهما ، وجب ، ويتقدّمون ويتأخّرون ، لقوله تعالى( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً ) (٢) .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( مستقبلي القبلة وغير مستقبليها )(٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الباقرعليه‌السلام ، في صلاة الخوف عند المطاردة والمناوشة وتلاحم القتال : « يصلّي كلّ إنسان منهم بالإِيماء حيث كان وجهه »(٤) .

إذا عرفت هذا ، فإنّ هذه الصلاة صحيحة لا يجب قضاؤها عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي(٥) - لاقتضاء الأمر الإِجزاء. ولأنّه يجوز ذلك في النافلة اختياراً ، فجاز في الفريضة اضطراراً.

مسألة ٦٦٤ : ولا يجوز تأخير الصلاة إذا لم يتمكّن من إيقاعها‌ إلّا

____________________

(١) من الصور الأربع لصلاة الخوف‌.

(٢) البقرة : ٢٣٩.

(٣) صحيح البخاري ٦ : ٣٨ ، الموطأ ١ : ١٨٤ / ٣.

(٤) الكافي ٣ : ٤٥٧ - ٤٥٨ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٧٣ / ٣٨٤.

(٥) كفاية الأخيار ١ : ٩٩ وانظر المجموع ٤ : ٤٢٦ و ٤٣٣ ، والاُم ١ : ٢٢٢ و ٢٢٣.


ماشياً - وبه قال الشافعي(١) - لعموم قوله( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً ) (٢) بل يصلّيها ولا يقضي.

ولأنّه مكلّف تصح طهارته ، فلا يجوز له إخلاء الوقت من الصلاة من غير خوف القتل ، كما إذا لم يكثر العمل.

وقال أبو حنيفة : لا تجوز الصلاة على المشي ، بل يؤخّرها ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يصلّ يوم الخندق ، وأخّرها لهذه العلّة. ولأنّ ما منع صحّة الصلاة في غير حال الخوف منع منها في الخوف كالصياح(٣) .

ويوم الخندق منسوخ ، نقل أبو سعيد الخدري : أنّه كان قبل نزول( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً ) (٤) (٥) . والصياح لا حاجة به إليه ، بخلاف المشي.

مسألة ٦٦٥ : ولو انتهت الحال إلى المسايفة وتمكّن من الصلاة مع الأعمال الكثيرة - كالضرب المتواتر والطعن المتوالي - وجب على حسب حاله‌ بالإيماء في الركوع والسجود ، مستقبل القبلة إن تمكّن ، وإلّا فلا ، ولا إعادة عليه عند علمائنا ، لأنّها صلاة مأمور بها ، فلا يستعقب القضاء.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « فإذا كانت المسايفة والمعانقة وتلاحم القتال ، فإنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، صلّى ليلة صفّين - وهي ليلة الهرير - لم تكن صلاتهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء عند وقت كلّ صلاة إلّا بالتكبير والتسبيح والتهليل والتحميد والدعاء ، فكانت تلك صلاتهم لم يأمرهم‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤٢٦ و ٤٣٣ ، كفاية الأخيار ١ : ٩٩.

(٢) البقرة : ٢٣٩.

(٣) بدائع الصنائع ١ : ٢٤٤ ، المغني ٢ : ٢٦٨ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣٩ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٧ ، وانظر : مسند أحمد ١ : ٨١ - ٨٢ و ١١٣.

(٤) البقرة : ٢٣٩.

(٥) المغني ٢ : ٢٦٩ ، الشرح الكبير ٢ : ١٤٠ ، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار : ١١٨ - ١١٩.


بإعادة الصلاة »(١) .

وللشافعي ثلاثة أقوال :

أحدها : أنّ الأعمال الكثيرة مُبطلة وإن دعت الحاجة إليها - وهو محكي عن أبي حنيفة - كغير الحاجة(٢) .

والثاني : ما قلناه نحن ، وهو أظهرها عنده ، للحاجة ، كالمشي وترك الاستقبال(٣) .

والثالث : المنع في شخص واحد ، لأنّه لا يحتاج إلى تكرار الضرب ، والجواز في الأشخاص الكثيرة ، للحاجة إلى توالي ضربهم(٤) .

إذا عرفت هذا ، فإنّ الإِعادة لا تجب ، لما قلناه.

وقال أبو حامد : إنّها تبطل ويمضون فيها ويعيدون(٥) . وليس بجيّد.

وقال أبو حنيفة : لا يصلّي حال المسايفة ويؤخّر الصلاة(٦) .

والبحث قد تقدَّم في المسايفة.

مسألة ٦٦٦ : ويجب عليه الاستقبال مع المكنة ، فإن تعذّر ، استقبل بتكبيرة الافتتاح إن تمكّن ، لقول الباقرعليه‌السلام : « غير أنّه يستقبل القبلة بأول تكبيرة حين يتوجّه »(٧) .

فإن لم يتمكّن ، سقط ، لقولهعليه‌السلام ، في حال المطاردة :

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٥٧ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٧٣ / ٣٨٤ ، وتفسير العياشي ١ : ٢٧٢ / ٢٥٧.

(٢) المجموع ٤ : ٤٢٧ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤٧ ، السراج الوهاج : ٩٣ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٤٤‌

(٣) المجموع ٤ : ٤٢٧ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤٧ ، السراج الوهاج : ٩٣.

(٤) المجموع ٤ : ٤٢٧ ، الوجيز ١ : ٦٨ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤٧.

(٥) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.

(٦) الهداية للمرغيناني ١ : ٨٩ ، شرح فتح القدير ٢ : ٦٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٧.

(٧) الكافي ٣ : ٤٥٩ / ٦ ، الفقيه ١ : ٢٩٥ / ١٣٤٨ ، التهذيب ٣ : ١٧٣ / ٣٨٣.


« يصلّي كلّ إنسان منهم بالإِيماء حيث كان وجهه »(١) .

ويسجد الراكب على قربوس(٢) سرجه إن لم يمكن النزول ، فإن عجز عنه ، أومأ ، لقول الباقرعليه‌السلام : « ويجعل السجود أخفض من الركوع »(٣) .

فروع :

أ : لو تمكّن من الاستقبال حالة التكبير ، وجب. وهل يجب لو تمكّن في الأثناء؟ إشكال ينشأ : من المشقة ، وقول الباقرعليه‌السلام : « ولا يدور إلى القبلة ولكن أينما دارت دابته »(٤) ومن تمكّنه من الاستقبال في الفرض.

ب : لو لم يتمكّن من الاستقبال في الابتداء وتمكّن في الأثناء ، فالوجه : الوجوب.

ج : لو تمكّن من النزول والسجود على الأرض في الأثناء ، وجب ، وإن احتاج إلى الركوب ركب ، ولا تبطل صلاته وإن كان فعلاً كثيراً ، للحاجة.

ولو علم حالة تمكّنه من النزول احتياجه إلى الركوب في الأثناء ، احتمل الوجوب وعدمه.

مسألة ٦٦٧ : لو اشتدّ الحال عن ذلك وعجز عن الإِيماء ، سقطت عنه أفعال الصلاة‌ من القراءة والركوع والسجود ، واجتزأ عوض كلّ ركعة بتسبيحة واحدة ، صورتها : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر.

ولا بدّ من النيّة ، لقولهعليه‌السلام : ( إنّما الأعمال بالنيات ، وإنّما لكل امرئ ما نوى )(٥) .

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٥٧ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٧٣ / ٣٨٤.

(٢) القربوس : مقدّم السرج. تاج العروس ٤ : ٢١٤ « قربس ».

(٣ و ٤ ) الكافي ٣ : ٤٥٩ / ٦ ، الفقيه ١ : ٢٩٥ / ١٣٤٨ ، التهذيب ٣ : ١٧٣ / ٣٨٣.

(٤) الكافي ٣ : ٤٥٩ - ٦ ، الفقيه ١ : ٢٩٥ - ١٣٤٨ ، التهذيب ٣ : ١٧٣ - ٣٨٣.

(٥) صحيح البخاري ١ : ٢ ، صحيح مسلم ٣ : ١٥١٥ - ١٥١٦ / ١٩٠٧ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٤١٣ / ٤٢٢٧ ، سنن الترمذي ٤ : ١٧٩ / ١٦٤٧ ، سنن أبي داود ٢ : ٢٦٢ / ٢٢٠١ ، مسند =


ولأنّه فعل يجامع القتال ، فلا تسقط به.

وتجب تكبيرة الإِحرام ، لقولهعليه‌السلام : ( تحريمها التكبير )(١) ويمكن مجامعتها للقتال ، فلا تسقط.

وفي وجوب التشهّد إشكال ينشأ : من أنّه ذكر يمكن أن يجامع القتال ، ومن اختصاصه بحالة الجلوس ، وأصالة براءة الذمة.

فروع :

أ : الأقرب : وجوب هذه الصيغة على هذا الترتيب ، للإِجماع على إجزائه ، وفي غيره إشكال ينشأ : من مفهوم قولهعليه‌السلام : « لم تكن صلاتهم إلّا بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والدعاء »(٢) .

ب : هذه الأذكار تجزئ عن أذكار الركوع والسجود‌ ، لأنّها تجزي عنهما فعن ذكرهما أولى. ولأنّه ذكر مختص بهيئة وقد سقطت فيسقط‌.

ج : يجب في الثنائية تسبيحتان ، وفي الثلاثية ثلاث ، لأنّها على عدد الركعات.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « أقلّ ما يجزئ في حدّ المسايفة من التكبير تكبيرتان لكلّ صلاة إلّا صلاة المغرب فإنّ لها ثلاثاً »(٣) .

د : لو أمن أو تمكّن من الصلاة على الأرض أو على الدابة بالإِيماء بعد التكبيرتين ، سقطت عنه‌ ، للإِجزاء بفعل المأمور به ، ولو تمكّن بعد تكبيرة واحدة ، فالوجه : سقوط ركعة عنه ، ووجوب الإِتيان باُخرى.

ولو أمن في أثناء التكبيرة ، استأنف صلاة آمن ، وكذا لو صلّى ركعة‌

____________________

= أحمد ١ : ٢٥ ، سنن البيهقي ٧ : ٣٤١.

(١) سنن الترمذي ١ : ٨ / ٣ ، سنن ابن ماجة ١ : ١٠١ / ٢٧٥ ، سنن أبي داود ١ : ١٦ / ٦١ ، مسند أحمد ١ : ١٢٣.

(٢) الكافي ٣ : ٤٥٧ / ٢ ، التهذيب ٣ : ١٧٣ / ٣٨٤.

(٣) الكافي ٣ : ٣٥٨ / ٣ ، الفقيه ١ : ٢٩٦ / ١٣٥١ ، التهذيب ٣ : ١٧٤ / ٣٨٧.


فاشتد الخوف ، كبَّر للْاُخرى تكبيرة.

مسألة ٦٦٨ : نقل أحمد وجهين آخرين لصلاة الخوف ، وسوّغهما ، بخلاف باقي المحقّقين.

أحدهما : أنّه يصلّي بالْاُولى ركعتين وبالثانية ركعتين ، وتسلّم كلّ طائفة وتنصرف ولا تقضي شيئاً ، والإِمام يسلّم في أربع ، فيكون للإِمام أربع ركعات تماماً ، وللمصلّين ركعتان قصراً(١) .

وليس بجيّد ، لعدم المخالفة بين فعل الإِمام والمأموم في عدد الركعات في شي‌ءٍ من الصلوات.

الثاني : أن يصلّي بكلّ طائفة ركعة ولا تقضي شيئاً ، فيكون للإِمام ركعتان ولكلّ طائفة ركعة ، وهو مذهب ابن عباس وجابر ، وبه قال طاوس ومجاهد والحسن وقتادة والحكم(٢) .

قال إسحاق : يجزئك عند الشدّة ركعة(٣) .

والحقّ ما تقدّم.

المطلب الثاني : في الأحكام‌

مسألة ٦٦٩ : قد بيّنا وجوب القصر في الحضر.

وقال بعض علمائنا : بوجوب الإِتمام(٤) - وعليه الجمهور - فحينئذٍ يصلّي بالأُولى ركعتين ويتشهّد بهم ، ثم يقوم إلى الثالثة بهم ، فيطوّل القراءة ويخفّفون ويتمّون أربعاً ، ثم ينصرفون إلى موقف أصحابهم ، ويجي‌ء أصحابهم فيركع بهم الثالثة وهي الْاُولى لهم ، ثم يصلّي بهم الثانية ويطوّل في‌

____________________

(١) المغني ٢ : ٢٦٥ - ٢٦٦ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣٧ ، الإِنصاف ٢ : ٣٥٥ - ٣٥٦.

(٢) المجموع ٤ : ٤٠٤ ، المغني ٢ : ٢٦٦ - ٢٦٧ ، الإِنصاف ٢ : ٣٥٦ - ٣٥٧ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣٧ - ١٣٨ ، حلية العلماء ٢ : ٢٠٨.

(٣) المجموع ٤ : ٤٠٤ ، المغني ٢ : ٢٦٧ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣٨.

(٤) حكاه المحقق عن بعض الأصحاب ، في المعتبر : ٢٤٨.


تشهّده حتى تتمّم صلاتها أربعاً ، ثم يسلّم بهم ، فيكون انتظار الثانية في الثالثة والتشهّد الثاني ، ويجوز انتظارهم في التشهّد الأول ، وبه قال الشافعي(١) .

مسألة ٦٧٠ : قسمتهم فرقتين أولى من تفريقهم أربع فرق ، لقلّة المخالفة وقلّة الانتظار.

فإن فرّقهم أربعاً ، فالوجه : الجواز ، وصحة صلاة الإِمام والمأمومين للأصل ، وجواز المفارقة مع النيّة ، فيصلّي بالْاُولى ركعة ثم يقوم إلى الثانية فيطوّل القراءة إلى أن تصلّي الطائفة ثلاث ركعات ، ثم تذهب فتجي‌ء الثانية ، فيصلّي بهم الثانية له ، ويطوّل في تشهّده أو قيامه حتى تتمّ صلاتها أربعاً ، ثم تأتي الثالثة فيصلّي بهم ركعةً ويقوم إلى الرابعة فيطوّل حتى يتمّ مَنْ خلفه أربعاً ، ثم تأتي الرابعة فيصلّي بهم تمام الرابعة ويطوّل تشهّده حتى تتمّ أربعاً ثم يسلّم بهم. وهو أحد أقوال الشافعي(٢) .

وقال الشيخ في الخلاف : تبطل صلاة الجميع : الإِمام والمأمومين ، لأنّ صلاة الخوف مقصورة ، فلا يجزئه التمام.

قال : وإذا قلنا بالشاذّ من قول أصحابنا ، ينبغي أن نقول أيضاً ببطلان صلاتهم ، لأنّه لم يثبت لنا في الشرع هذا الترتيب ، وإذا لم يكن مشروعاً كان باطلاً(٣) . وهو قول الشافعي(٤) أيضاً ، لأنّ للامام انتظارَيْن وقد انتظر أربعاً فتبطل ، كما إذا عمل في الصلاة عملاً كثيراً.

ونمنع عدم النقل ، فإن الانتظار ومفارقة المأموم ثابتان ، والزيادة في‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤١٦ ، فتح العزيز ٤ : ٦٣٩.

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١١٣ ، المجموع ٤ : ٤١٦ ، فتح العزيز ٤ : ٦٣٩ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٣.

(٣) الخلاف ١ : ٦٤٣ ، المسألة ٤١٣.

(٤) الاُم ١ : ٢١٣ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٣ ، المجموع ٤ : ٤١٦ ، فتح العزيز ٤ : ٦٣٩ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٣.


أعمال الصلاة لمصلحة غير مبطلة ، كما لو طوّل القيام قارئاً.

ولأنّ الحاجة قد تدعو إليه ، بأن يكون العدوّ من أربع جهات ، ويكون المسلمون أربعمائة ، فيكون في التفريق صلاح للحرب والصلاة.

وللشافعي قول ثالث : صحّة صلاة الإِمام والطائفة الرابعة خاصّة دون الثلاثة الْاُول ؛ لأنّهم فارقوا الإِمام بغير عذر ، لأنّ وقت الخروج عن المتابعة نصف الصلاة ، والطائفة الرابعة أتمّت في حكم إمامته(١) .

وقد بيّنّا أنّ المفارقة جائزة ، والعذر ظاهر ، وهو : طلب كلّ طائفة فضيلة الجماعة.

وله رابع : بطلان صلاته وصلاة الثالثة والرابعة(٢) .

وخامس : بطلان صلاته وصلاة الرابعة خاصة(٣) .

وأصل هذين : الخُلف في وقت بطلان صلاة الإِمام ، فعلى أحد القولين : إنّها تبطل بانتظاره للثالثة ، فإذا أحرمت معه مع العلم ببطلان صلاته ، بطلت صلاتها ، واختاره أبو إسحاق(٤) .

وعلى الثاني ، وهو اختيار أبي العباس : بطلانها بانتظار فراغ الثالثة ، لأنّهعليه‌السلام ، انتظر مرّتين: الْاُولى : حتى فرغت وجاءت الثانية.

والثانية : حتى فرغت ، فتبطل بالانتظار الثالث وهو انتظار فراغ الثالثة ففسدت صلاته بذلك بعد مفارقتها له ولم تبطل صلاتها(٥) .

فروع :

أ : لا سجود للسهو على الإِمام والمأمومين إن سوّغنا التفريق أربعاً ،

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤١٨ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤١ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٣.

(٢) المجموع ٤ : ٤١٨ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤١.

(٣) المجموع ٤ : ٤١٨ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤١.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١١٤ ، المجموع ٤ : ٤١٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٣.

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ١١٣ - ١١٤ ، المجموع ٤ : ٤١٧ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤٠ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٣.


لانتفاء موجبه ، وهو : السهو.

وعند الشافعي وجوبه(١) على تقدير الصحّة.

ب : لو صلّى بطائفة ثلاث ركعات وبطائفة ركعة ، فالوجه : الجواز ، ولا تبطل صلاته.

وكرهه الشافعي ، لزيادة الانتظار ، وأوجب على الإِمام والْاُخرى سجدتي السهو ، لأنّه انتظار في غير موضعه(٢) .

وعدم السبب يقتضي عدم مسبّبه.

ج : الأقرب : جواز أن يفرّقهم في السفر والحضر في المغرب ثلاث فرق ، وكذا في الرباعية ، فيصلّي بطائفة ركعتين وبكلّ طائفة ركعة. ولا يجوز على قول الشيخ.

مسألة ٦٧١ : لا تجب التسوية بين الطائفتين‌ ، لعدم دليله ، نعم يجب كون الطائفة الحارسة ممّن تحصل الثقة بحراستها.

ولو خاف اختلال حالهم واحتيج إلى إعانتهم بالطائفة الْاُخرى ، فللإِمام أن يكب بمن معه على العدوّ ، ويبنوا على ما مضى من صلاتهم.

ويجوز أن تكون الطائفة واحدا ، للأصل.

وشرط أحمد ثلاثة فما زاد ، لأنّه جمع بقوله تعالى( فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا ) (٣) وأقلّه ثلاثة(٤) . وهو من باب توزيع الجميع على الجمع(٥) .

وكره الشافعي كون الطائفة أقلّ من ثلاثة ، فإن كانوا خمسة ، صلّى‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤١٨.

(٢) الاُم ١ : ٢١٣ ، المجموع ٤ : ٤١٨ ، مغني المحتاج ١ : ٣٠٣ ، المغني ٢ : ٢٦١.

(٣) النساء : ١٠٢.

(٤) المغني ٢ : ٢٥٣ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣٠.

(٥) المراد : توزيع جميع المقاتلين على الجمع الموجود في الآية ، أي : أن تكون كلّ طائفة ثلاثة فما زاد.


باثنين ركعتين ومضوا إلى وجه العدوّ ، وصلّى الآخران أحدهما بالآخر ركعتين(١) .

والحقّ ما قلناه.

قال ابن داود : قول الشافعي أقل الطائفة ثلاث خطأ لأن الواحد يسمى طائفة(٢) .

مسألة ٦٧٢ : لو عرض الخوف الموجب للإِيماء أو للركوب في أثناء الصلاة ، أتمّ مومئاً أو ركب ، وكذا بالعكس لو صلّى بالإِيماء للخوف أو راكباً فأمن ، إمّا لانهزام العدوّ ، أو للحوق النجدة ، لم يجز أن يُتمّ الصلاة بالإِيماء ولا راكباً ، لزوال العذر ، فينزل لإِتمامها بركوع وسجود عند علمائنا - وبه قال أحمد(٣) - لأنّ ما مضى كان صحيحاً قبل الأمن ، فجاز البناء عليه وإن أخلّ بشي‌ءٍ من واجباتها كالاستقبال وغيره كما لو لم يُخلّ.

وقال الشافعي : لو صلّى ركعة آمناً ثم صار إلى شدّة الخوف فركب ، استأنف الصلاة ، ولو صلّى راكباً ثم أمن ، نزل وأتمّ ، لأنّ النزول عمل قليل والصعود كثير(٤) .

وليس بجيّد ، لأنّ الركوب قد يكون أخفّ من أن يكون فارساً ، فإنّه أخفّ من نزول غيره.

سلّمنا ، لكنه عمل أبيح للحاجة ، فلا يمنع صحة الصلاة ، كالهرب.

وله قول آخر(٥) كقولنا.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤١٩.

(٢) المجموع ٤ : ٤١٩ - ٤٢٠.

(٣) المغني ٢ : ٢٧١ ، الشرح الكبير ٢ : ١٤٢.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١١٤ ، المجموع ٤ : ٤٣٠ و ٤٣١ ، فتح العزيز ٤ : ٦٥٢ و ٦٥٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٧ - ٢١٨ ، مغني المحتاج ١ : ٣٠٦ ، المغني ٢ : ٢٧٢.

(٥) المجموع ٤ : ٤٣٠ ، فتح العزيز ٤ : ٦٥٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٨.


تذنيب : لو ترك الاستقبال حال نزوله ، استأنف الصلاة ، لأنّه أخلّ بالشرط حالة الأمن.

ولو فعله حال ركوبه ، فالوجه : الصحة - خلافاً للشيخ(١) والشافعي(٢) - لأنّه لو صلّى مستدبراً للحاجة ابتداءً صحّ وكذا في الأثناء ، وكذا لو أخلّ بشي‌ءٍ من الواجبات حال نزوله أو ركوبه.

مسألة ٦٧٣ : إذا صلّى راكباً في شدّة الخوف ، جاز أن يصلّيها فرادى ، والجماعة أفضل - وبه قال الشافعي(٣) - لعموم الآية(٤) والأخبار المرغّبة في الجماعة(٥) .

ولأنّ كلّ ركوب لا يمنع من فعل الصلاة منفرداً لا يمنع في الجماعة ، كركوب السفينة.

وقال أبو حنيفة : لا تجوز الجماعة ، لأنّهم إذا كانوا ركباناً ، كان بينهم وبين الإِمام طريق ، وهو مانع من صحة الجماعة(٦) .

ونمنع من المانعية. سلّمنا لكن يجوز أن يقوموا صفّاً مع الإِمام.

تذنيب : لو صلّوا في حال الشدّة غير مستقبلي القبلة ، جاز إجماعاً.

وهل يجوز أن يأتمّ بعضهم ببعض؟ إن جوّزنا صلاة المستديرين حول الكعبة جماعةً ، جاز هنا - وبه قال الشافعي(٧) - لأنّ كلّ واحد يجوز له أن يصلّي‌

____________________

(١) المبسوط للطوسي ١ : ١٦٦.

(٢) المجموع ٤ : ٤٣١ ، فتح العزيز ٤ : ٦٥٢ ، مغني المحتاج ١ : ٣٠٦.

(٣) المجموع ٤ : ٤٣٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٩ ، مغني المحتاج ١ : ٣٠٤.

(٤) النساء : ١٠٢.

(٥) اُنظر : الكافي ٣ : ٣٧١ باب فضل الصلاة في الجماعة ، والفقيه ١ : ٢٤٥ ، باب (٥٦) الجماعة وفضلها ، والتهذيب ٣ : ٢٤ ، باب (٢) فضل الجماعة.

(٦) المبسوط للسرخسي ٢ : ٤٨ ، بدائع الصنائع ١ : ٢٤٥ ، شرح فتح القدير ٢ : ٦٧ ، المجموع ٤ : ٤٣٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٩ ، المغني ٢ : ٢٧٠.

(٧) المجموع ٤ : ٤٢٦ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤٦ ، مغني المحتاج ١ : ٣٠٤.


إلى جهته مع العلم بها ، بخلاف من اختلف اجتهادهم.

مسألة ٦٧٤ : يجوز أن يضرب في الصلاة الضربة ، ويطعن الطعنة‌ وإن لم يحتج إليها ، لأنّها فعل قليل ، وبه قال الشافعي(١) . وكذا تجوز الاثنتان.

وله قولان ، أحدهما : أنّه تبطل ، لأنّه كثير ، لأنّه تابع بين العملين.

والثاني : أنّه قليل ، لأنّ الثلاث أوّل حدّ الكثرة(٢) .

وأمّا الثلاث فإنّها في حدّ الكثرة ، فإن فعلها لا لضرورة ، بطلت صلاته ، وإن كان لضرورة ، لم تبطل عندنا - وبه قال أبو العباس(٣) - لأنّه موضع ضرورة ، فأشبه المشي.

وقال الشافعي : لا تجزئه ، ويمضي فيها ويعيد ، لأنّه فعل كثير(٤) .

وليس بجيّد ، إذ الإِبطال ينافي المضيّ فيها ، والكثير عفو كالمشي.

ولقول الباقرعليه‌السلام في صلاة الخوف : « عند المسايفة والمعانقة وتلاحم القتال بالتكبير ، ولم يأمرهم عليعليه‌السلام بالإِعادة »(٥) .

تذنيب : يجوز أن يصلّي مُمْسكاً لعِنان فرسه ، لأنّه عمل يسير ، فإن نازعه فجذبه إليه جذبة أو اثنتين أو ثلاثاً ، جاز وإن استدبر القبلة ، للحاجة ،

____________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١١٤ ، المجموع ٤ : ٤٢٦ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٩ ، ومختصر المزني : ٢٩.

(٢) حلية العلماء ٢ : ٢١٩.

(٣) المجموع ٤ : ٤٢٧ ، حلية العلماء ٢ : ٢٢٠.

(٤) حلية العلماء ٢ : ٢١٩.

(٥) تقدّم نصّ الحديث ومصادره في صفحة ٤٣٦ - ٤٣٧ ، والهامش (١)


أو كثرت مجاذبته.

وقال الشافعي : تبطل بكثرة المجاذبة لا بالثلاث ، بخلاف الطعنات ، لأنّ الجذبات أخفّ ، فاعتبر كثرة العمل دون العدد(١) .

والكلّ غير مبطل عندنا ، للحاجة.

مسألة ٦٧٥ : لو رأوا سواداً أو إبلاً أو أشخاصاً ، فظنّوهم عدوّاً ، فصلّوا صلاة شدّة الخوف ، ثم ظهر لهم كذب ظنّهم ، لم تجب عليهم الإِعادة ؛ لأنّها وقعت مشروعة.

وهو أحد قولي الشافعي وأبي إسحاق من أصحابه. والآخر : أنّ عليهم الإِعادة - وبه قال أبو حنيفة والمزني(٢) - لأنّهم صلّوا صلاة شدّة الخوف مع عدم العدوّ ، فأشبه إذا لم يظنّوا ، كما لو ظنّ طهارة الماء ثم بان نجساً(٣) .

والفرق ظاهر بين الظنّ وعدمه ، وبين الطهارة ؛ لأنّها شرط.

وللشافعي قول ثالث : إن صلّوا بخبر ثقة ، فلا إعادة ، وإلّا أعادوا(٤) .

تذنيب : لو رأوا عدوّاً فصلّوا صلاة الشدّة ثم بان بينهما حائل أو نهر أو خندق يمنع العدوّ من الوصول ، لم يعيدوا‌ ؛ لأنّها مأمور بها ؛ فأجزأت ، وهو أحد قولي الشافعي ، والآخر : يعيدون ؛ لأنّهم فرّطوا بعدم الاطّلاع على ما بينهم وبين العدوّ(٥) .

وليس بجيّد.

ولو كان بينهم وبين العدوّ خندق أو حائط فخافوا إن تشاغلوا بالصلاة أن يطمّوا الخندق أو ينقضوا الحائط ، جاز أن يصلّوا صلاة الخوف إيماءً إذا ظنّوا‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤٢٨.

(٢) المجموع ٤ : ٤٣٢ ، فتح العزيز ٤ : ٦٥١ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٨.

(٣) المجموع ٤ : ٤٣١ ، الوجيز ١ : ٦٨ ، فتح العزيز ٤ : ٦٥١ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٨.

(٤) المجموع ٤ : ٤٣٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٨.

(٥) المجموع ٤ : ٤٣٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٩.


أنّهم يطمّون قبل أن يصلّوا ، وإن ظنّوا أنّهم لا يطمّون إلّا بعد فراغهم ، لم يصلّوا صلاة الشدّة.

مسألة ٦٧٦ : يجب أخذ السلاح في الصلاة‌ - وبه قال مالك وداود والشافعي في أحد القولين(١) - لقوله تعالى( وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ) (٢) والأمر للوجوب.

والثاني للشافعي : عدمه - وبه قال أبو حنيفة وأحمد - لأنّه لو وجب ، لكان شرطاً ، كالسترة(٣) .

والملازمة ممنوعة.

فروع :

أ : لا تبطل الصلاة بتركه إجماعاً‌ ؛ لأنّه ليس جزءاً من الصلاة ولا شرطاً.

ب : لا فرق بين الطاهر والنجس في وجوب أخذه‌ ، عند بعض علمائنا(٤) . أمّا أوّلاً : فللحاجة. وأمّا ثانياً : فلأنّه ممّا لا تتمّ الصلاة فيه منفرداً.

وشرط الشافعي(٥) وبعض علمائنا(٦) الطهارة. وهو ممنوع.

ج : إنّما يجوز أخذ السلاح إذا لم يمنع شيئاً من واجبات الصلاة ،

____________________

(١) أحكام القرآن لابن العربي ١ : ٤٩٤ ، تفسير القرطبي ٥ : ٣٧١ ، المهذب للشيرازي ١ : ١١٤ ، المجموع ٤ : ٤٢٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٧ ، المغني ٢ : ٢٦٣ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣٩.

(٢) النساء : ١٠٢.

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١١٤ ، المجموع ٤ : ٤٢٣ و ٤٢٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٧ ، أحكام القرآن لابن العربي ١ : ٤٩٤ ، تفسير القرطبي ٥ : ٣٧١ ، المغني ٢ : ٢٦٣ ، الشرح الكبير ٢ : ١٣٨.

(٤) وهو ابن إدريس في السرائر : ٧٨.

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ١١٤ ، المجموع ٤ : ٤٢٣.

(٦) كالقاضي ابن البراج في المهذب ١ : ١١٤.


كالركوع والسجود ، فإن منع ، لم يجز أخذه إلّا مع الضرورة فيومئ بهما.

د : لو لم يمنع الفرض ، لكن إكماله ، كره إلّا مع الضرورة‌. ولو كان ممّا يتأذّى غيره به ، كالرمح في وسط الناس ، لم يجز ، ولو كان في حاشية الصفوف ، جاز.

مسألة ٦٧٧ : يجوز أن يصلّي الجمعة في الخوف على صفة ذات الرقاع‌ ، بأن يفرقهم فرقتين إحداهما تقف معه للصلاة فيخطب بهم ، ويصلّي بهم ركعة ، ثم يقف في الثانية فتتمّ صلاتها ، ثم تجي‌ء الثانية فتصلّي معه ركعةً جمعة ، ولا خطبة لهم كالمسبوق ، فإذا تشهّد ، طوّل ، فأتمّوا وسلّم بهم - وهو أحد قولي الشافعي(١) - لعموم الأمر بها(٢) .

والثاني : لا تصحّ ؛ لأنّ بقاء العدد شرط عنده من أول الصلاة إلى آخرها والإِمام يبقى منفرداً حتى تتمّ الاُولى(٣) .

وقد بيّنّا بطلانه.

ويجوز أن يخطب بالفرقتين معا ثم يفرّقهم فرقتين.

لا يقال : لا يجوز انعقاد جمعة بعد اُخرى ، وقد عقدتم للطائفة الثانية جمعة بعد فراق الْاُولى.

لأنّا نقول : الإِمام لم يتمّ جمعةً ، وإنّما أدركت الْاُولى معه ركعةً ، وأصل الجمعة التي عقدها الإِمام لم تتمّ ، فلهذا عقدتها الثانية ، وأشبهت المسبوق.

إذا ثبت هذا ، فإنّ هذه الصلاة إنّما تجب بشروط الحضر دون السفر ،

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤١٩ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٦ ، المغني ٢ : ٢٥٧.

(٢) إشارة إلى الآية ٩ من سورة الجمعة.

(٣) المجموع ٤ : ٤١٩ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤٢ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٦.


خلافاً للشافعي(١) ؛ وكون الفرقة الْاُولى كمال العدد ، وبه قال الشافعي(٢) ، فلو تمّ العدد بالفرقة الثانية ، لم تصحّ هذه الصلاة والخطبة للفرقة الْاُولى ، فلو لم يخطب ، لم تصحّ.

ولو خطب لها ثم مضت عنه إلى العدوّ وجاءت الطائفة الْاُخرى ، وجب إعادة الخطبة ، فإن بقي من الفرقة الْاُولى كمال العدد ومضى الباقون وجاءت الْاُخرى ، جاز أن يعقد الجمعة ، لبقاء العدد الذي سمع الخطبة معه.

فروع :

أ : لو كمّلت الْاُولى العدد ونقصت الثانية ، صحّت الجمعة لهما.

وللشافعي في الثانية قولان(٣) .

ولو نقصت الاُولى وكملت الثانية ، فلا جمعة ؛ لأنّه لا يصلّي بالاُولى إلّا الظهر ، فلا يصلّي بعدها جمعة.

نعم يجوز أن يستنيب من الثانية مَنْ يصلّي بهم الجمعة ، فيخرج عن هذه الصلاة.

ب : لا يجوز أن تصلّى الجمعة على صفة صلاة بطن النخل‌ ؛ لأنّه لا جمعتان في بلد واحد ، ويجوز أن تصلّى على صفة عسفان ، بل هو أولى إن سوّغناه مطلقاً أو لم يتقدّم أحد الصفّين ، ويتأخّر الآخر كثيراً.

ج : يجوز أن يصلّي صلاة الاستسقاء على صفة صلاة الخوف ، فيصلّي بالاُولى ركعةً ثم ينتظر حتى تتمّ ، ويصلّي بالثانية اُخرى وينتظر حتى تتمّ ، ولو كان في الشدّة ، دعا.

____________________

(١) قال النووي في المجموع ٤ : ٤١٩ : ثم للجواز شرطان : أحدهما : أن يخطب بجميعهم ثم يفرّقهم فرقتين الثاني : أن تكون الفرقة الاُولى أربعين فصاعداً. انتهى ، وكذا قال الرافعي في فتح العزيز ٤ : ٦٤٢ ، ولم يذكرا شرطاً آخر سواهما.

(٢و٣) المجموع ٤ : ٤١٩ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤٢.


ويجوز أن يصلّي بالإيماء.

وقال الشافعي : لا يصلّي ، لعدم خوف فوتها(١) .

د : يصلّي العيدين والخسوف والكسوف في الخوف جماعة على صفة المكتوبة‌ ، فيصلّي بالْاُولى ركعةً مشتملة على خمس ركوعات وينتظر حتى تتمّ ، وكذا بالثانية.

ويجوز أن يصلّي الكسوفين فرادى ، بخلاف العيد.

مسألة ٦٧٨ : قد بيّنّا أنّ حكم السهو مختص بمن يختص به السهو من الإِمام والمأموم.

وللشيخ قول بوجوب تعدّي حكمه إلى المأموم لو سها الإِمام(٢) ، وبه قال الشافعي(٣) .

فعلى قول الشيخ ، لو سها الإِمام في الْاُولى ، لزم حكمه الطائفة الْاُولى ، فيشير إليهم بالسجود بعد فراغهم. وإن سها بعد ما فارقوه ، لم يلحقهم حكمه ؛ لأنّهم صاروا منفردين. فإن سهوا بعد سهوه في ثانيتهم ، انفردوا بسجوده.

وفي الاكتفاء بالسجدتين لعلمائنا قولان ، وكلاهما للشافعي(٤) .

وأمّا الطائفة الثانية فيلحقها سهو الإِمام فيما تابعته فيه عنده(٥) ، دون الركعة الْاُولى.

قالرحمه‌الله : وإن تابعته فيه ، كان أفضل(٦) . أمّا سهوه حال انتظاره ، فلم يتعرّض له.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤٢٨.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٦٥.

(٣) المجموع ٤ : ٤١٣ ، حلية العلماء ٢ : ٢١١.

(٤) المجموع ٤ : ٤١١.

(٥و٦) المبسوط للطوسي ١ : ١٦٥.


وأوجب الشافعي المتابعة ؛ لأنّها في حكم ائتمامه(١) . وهو ممنوع.

وإن سهت هي في حال الائتمام ، لم تلتفت. ولو سهت حالة الانفراد ، سجدت.

فروع :

أ : لا حكم لسهو المأمومين على ما قلناه حال المتابعة‌ ، بل حالة الانفراد.

ومبدأه رفع الإِمام من سجود الاولى. ويحتمل اعتداله في قيام الثانية.

والأقرب عندي : إيقاع نية الانفراد.

ب : الطائفة الثانية إن سهت في الركعة الثانية ، فإن نوت الانفراد ، سجدت ، وإلّا احتمل ذلك ؛ لأنّهم منفردون بها حقيقةً ، وعدمه ؛ لأنّهم مقتدون ، وإلّا لاحتاجوا إلى إعادة نية الاقتداء. وكلاهما للشافعي(٢) .

ج : لا يرتفع حكم السهو بالقدوة الطارية إن جوّزنا نية الاقتداء في أثناء صلاة المنفرد.

وفي المزحوم إذا سها في وقت تخلّفه إشكال.

مسألة ٦٧٩ : لو كانوا في صلاة الخوف فحملوا على العدوّ مواجهين القبلة ، فإن كان للضرورة ، جاز ، وإن لم يكن فإن كان قليلاً ، لم تبطل به الصلاة ، كغيره من الأعمال القليلة ، وإن كان كثيراً ، بطلت.

وكذا لو توجّهوا فيه إلى غير القبلة ، تبطل مع الكثير والقليل لغير الحاجة ، ولا تبطل لها معهما.

وقال الشافعي : إذا حملوا مواجهين القبلة ، بطلت صلاتهم وإن حملوا قدر خطوة ، لأنّهم قصدوا عملاً كثيراً لغير ضرورة ، وعملوا شيئاً منه(٣) .

والمبطل إنّما هو الفعل الكثير لا نيته ولا بعضه.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤١١.

(٢) المجموع ٤ : ٤١٠ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤٤ - ٦٤٥.

(٣) الاُم ١ : ٢١٥.


قال : ولو نووا القتال في الحال وعملوا شيئاً منه وإن قلّ بطلت صلاتهم(١) . وليس بشي‌ء.

ولو نووا أنّ العدو إذا أظلّهم ، قاتلوه ، لم تبطل إجماعاً ؛ لأنّهم لم يغيّروا النيّة في الحال.

مسألة ٦٨٠ : يجوز أن يصلّي صلاة الخوف بصفة ذات الرقاع أو بطن النخل في الأمن ، وتصح صلاة الإِمام والمأمومين. قال الشيخ : وصلاة عسفان(٢) .

وعندي فيه إشكال ؛ لما فيه من تقدّم الصفّ وتأخّره ، فإن قصد مع القلّة أو عدم الانتقال ، جاز ، وإلّا فلا تجوز صلاة المأمومين وتصحّ صلاة الإِمام.

أمّا صلاة شدّة الخوف فلا تجوز حالة الأمن بحال.

وللشافعي في صحة صلاة الإِمام على صفة ذات الرقاع وجهان ، هذا أحدهما. والثاني : البطلان ، لأنّه انتظر في غير موضعه(٣) .

وأما الطائفة الْاُولى فقد خرجت من الصلاة لغير عذر ، وفي ذلك عنده قولان ، وأبطل صلاة الثانية ؛ لأنّها خالفت الإِمام في ركعة مع كونها في إمامته(٤) .

وأمّا صلاة عسفان ، فإنّ صلاة الإِمام ومَنْ تبعه صحيحة ، وأمّا مَنْ خالفه في السجود فقد سبقه الإِمام بسجدتين وجلسة بينهما ، فبعض أصحابه أبطل صلاتهم ؛ لأنّهم خالفوا الإِمام بركنين ، وبعضهم منع ، لأنّ السجدتين كالركن الواحد ، والجلسة للفصل(٥) .

____________________

(١) الأُم ١ : ٢١٥.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٦٧ ، الخلاف ١ : ٦٤٨ مسألة ٤٢٠.

(٣و٤) المجموع ٤ : ٤٣٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٥.

(٥) المجموع ٤ : ٤٣٣ - ٤٣٤ ، حلية العلماء ٢ : ٢١٥.


فروع :

أ : قال الشيخ : لا تجوز صلاة الخوف في طلب العدوّ ؛ لانتفاء الخوف(١) .

وهو حقّ إن قصد صلاة الشدة.

ب : قال : كلّ قتال واجب كالجهاد ، أو مباح كالدفع عن النفس والمال جاز أن يصلّي فيه صلاة الخوف والشدّة.

وأمّا المحرّم فلا تجوز صلاة الخوف ، فإن صلّوا ، صحّت صلاتهم ، لأنّهم لم يخلّوا بركن ، ولو صلّوا صلاة الشدّة ، بطلت(٢) .

والوجه : الجواز في الصورة الْاُولى ، وإلّا لوجبت الإِعادة. وجَعْل الدفع عن النفس قسيماً للواجب ليس بجيّد.

ج : لو انهزم العدوّ فلم يأمن المسلمون كرّتهم‌ عليهم ورجوعهم إليهم ، جاز أن يصلّوا صلاة الخوف ؛ للمقتضي.

مسألة ٦٨١ : كلّ أسباب الخوف يجوز معها القصر والصلاة بالإِيماء‌ مع الحاجة إليه ، ولو عجز عنه صلّى بالتسبيح إن خشي من الإِيماء ، سواء كان الخوف من لُصٍّ أو سَبُعٍ أو غرق أو حرق ، ولا قضاء عليه عند علمائنا ؛ لقوله تعالى( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (٣) .

علّق الحكم على الوصف ، فكان مشعراً بالعلّية ، والتعليق بـ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) للأغلبية ، فلا يقتضي عدمه عدم الحكم.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « يكبّر ويومئ برأسه » وقد سئل عن الرجل‌

____________________

(١) المبسوط للطوسي ١ : ١٦٧.

(٢) المبسوط للطوسي ١ : ١٦٨.

(٣) النساء : ١٠١.


يخاف من لُصّ أو عدوّ أو سَبُع كيف يصنع؟(١) .

وقال الباقرعليه‌السلام : « الذي يخاف اللصّ والسبع يصلّي صلاة المواقفة إيماءً على دابته » قلت : أرأيت إن لم يكن المواقف على وضوء ولا يقدر على النزول؟ قال : « يتيمّم من لبد سرجه ، أو من معرفة دابته ، فإنّ فيها غباراً ، ويصلّي ويجعل السجود أخفض من الركوع ، ولا يدور إلى القبلة ، ولكن أينما دارت دابته ، ويستقبل القبلة بأوّل تكبيرة وحين يتوجّه »(٢) .

وقال الكاظمعليه‌السلام : « يستقبل الأسد ، ويصلّي ويومئ برأسه إيماءً وهو قائم وإن كان الأسد على غير القبلة »(٣) .

ولأنّ في التأخير تغريراً بالصلاة ، وتكليفه بالاستيفاء تكليف ما لا يطاق فكلّف على حسب حاله ، فلا إعادة ، للامتثال.

وقال المزني : الهرب من الحيّة من الأعذار النادرة ، والعذر النادر لا يسقط القضاء عند الشافعي(٤) .

ونمنع الكبرى والصغرى أيضاً ؛ لأنّ الخوف ليس بنادر وإن اختلفت أسبابه في الندور ، كما أنّ خوف المرض عذر غير نادر وإن كان فيها مرض نادر.

فروع :

أ : لا فرق بين خوف اللصّ والسَّبُع‌ وغيرهما في السفر والحضر ؛ لأنّ المناط الخوف.

ب : لو كان في واد وغشيه السيل ، فخاف الغرق‌ إن ثبت مكانه فعدا في طول الوادي ، وصلّى في حال عَدْوه صلاة الشدّة ، فإن كان فيه موضع‌

____________________

(١) الكافي ٣ : ٤٥٧ / ٦ ، التهذيب ٣ : ١٧٣ / ٣٨٢.

(٢) الفقيه ١ : ٢٩٥ / ١٣٤٨ ، التهذيب ٣ : ١٧٣ / ٣٨٣.

(٣) الكافي ٣ : ٤٥٩ / ٧ ، الفقيه ١ : ٢٩٤ / ١٣٣٩.

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١١٥ ، المجموع ٤ : ٤٢٩.


مرتفع يمكنه أن يصلّي فيه من غير أن يلحقه ضرر بصعوده ، مثل أن يعجز هو أو ركابه عن الترقّي ، أو يخاف دوران الماء حوله فلا يمكنه التخلّص ، لم تصح صلاته ، وإن خاف ، صحّت.

ج : لو كان مُحْرماً فخاف فوت الوقوف ، فقصّر أو أومأ ، احتمل الإِجزاء ؛ لخوف لحوق الضرر بفوات الحج.

ويحتمل أن يصلّي على سبيل التمكّن والاستقرار ، فلو فعل خلافه ، استأنف ؛ لأنّه لا يخاف فوات حاصل هنا ، فهو كما إذا خاف فوات العدوّ وقد انهزموا.

وللشافعية كالوجهين ، وثالث : تأخير الصلاة وقضاؤها ؛ لأن أمر الحج خطر ، وقضاؤه عسر(١) .

والأقوى عندي الأول.

د : المديون المعسر إذا عجز عن [ إقامة ] بينة الإِعسار وخاف الحبس ، جاز أن يصلّي صلاة الشدّة في الهرب‌ عن مستحقّ الدين ، وهو أحد وجهي الشافعية(٢) .

ه : لو كان عليه قصاص وتوقّع العفو مع سكون الغليل ، فهرب ، فالأقوى(٣) : عدم جواز صلاة الشدّة‌ - خلافاً لبعض الشافعية(٤) - لعصيانه بهربه.

و : يجوز أن يصلّي صلاة الشدّة حالة المدافعة عن ماله‌ وإن لم يكن حيواناً - وهو أصحّ قولي الشافعي(٥) - لأنّه مباح.

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤٢٩ - ٤٣٠ ، الوجيز ١ : ٦٨ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤٩ - ٦٥٠ ، مغني المحتاج ١ : ٣٠٥.

(٢) المجموع ٤ : ٤٢٩ ، الوجيز ١ : ٦٨ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤٩ ، مغني المحتاج ١ : ٣٠٥.

(٣) في نسخة « م » : فالأقرب.

(٤) المجموع ٤ : ٤٢٩ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤٩ ، مغني المحتاج ١ : ٣٠٥.

(٥) المجموع ٤ : ٤٠٣ و ٤٢٨ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤٨ ، السراج الوهاج : ٩٤.


والآخر : لا يجوز ؛ لضعف حرمة المال(١) . وهو ممنوع.

مسألة ٦٨٢ : الموتحل والغريق يصلّيان بحسب الإِمكان ، فإن تمكّنا من الركوع والسجود ، وجب ، وإن عجزا عن أحدهما أو عنهما معاً ، أومآ عمّا عجزا عنه.

ولا يقصّر أحدهما عدد صلاته إلّا في سفر أو خوف ؛ لوجود المقتضي ، وهو : أصالة الإِتمام ، وعدم مانعية السفر والخوف.

مسألة ٦٨٣ : يجوز لبس الحرير للرجال حالة الحرب‌ على ما تقدّم(٢) ، وكذا لبس الديباج الصفيق(٣) الذي لا يقوم غيره مقامه في القتال.

ولا يجوز لبس الأعيان النجسة ؛ لقوله تعالى( وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) (٤) .

ولو اضطرّ ، فالأقرب : الجواز ، كالثوب النجس حال الضرورة.

وللشافعي قولان(٥) .

ويجوز أن يلبس فرسه أو دابّته جلد الميتة والكلب والخنزير مع الحاجة لا بدونها.

ولو جلّل كلبه بجلد كلب ، فالأقرب : المنع ؛ لقوله تعالى( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) (٦) وهو يقتضي تحريم وجوه الانتفاع ؛ لعدم أولوية التخصيص.

وأظهر وجهي الشافعي : الجواز ؛ لاستوائهما في التغليظ(٧) .

ويجوز تسميد الأرض بالزبل. ويجوز الاستصباح بالدهن النجس تحت‌

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤٠٣ و ٤٢٨ ، فتح العزيز ٤ : ٦٤٨ ، السراج الوهاج : ٩٤.

(٢) تقدّم في ج ٣ ص ٤٧١ الفرع « د » ذيل المسألة ١٢٤.

(٣) الصفيق : الكثيف نسجه. لسان العرب ١٠ : ٢٠٤ « صفق ».

(٤) المدثر : ٥.

(٥) الوجيز ١ : ٦٩ ، فتح العزيز ٤ : ٦٥٤ ، السراج الوهاج : ٩٥ ، مغني المحتاج ١ : ٣٠٧.

(٦) المائدة : ٣.

(٧) المجموع ٤ : ٤٤٨ ، فتح العزيز ٤ : ٦٥٥.


السماء لا تحت الظلال ، بخلاف ما نجاسته ذاتية ، كشحم الميتة.

وللشافعي قولان : إطلاق المنع ، وإطلاق الجواز في الظلال وعدمه ، وذاتي النجاسة وعرضيّها(١) (٢)

____________________

(١) المجموع ٤ : ٤٤٨ ، الوجيز ١ : ٦٩ ، فتح العزيز ٤ : ٦٥٥.

(٢) جاء في آخر نسخة « ش » :

تمّ كتاب الصلاة من كتاب تذكرة الفقهاء ، والحمد لله رب العالمين ، وصلّى الله على سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد بن عبد الله الصادق الأمين ، وعلى آله الأئمة الأبرار المعصومين الطيبين الطاهرين ، وعلى ذريته الأكرمين ، صلاة متعاقبة مترادفة إلى يوم الدين.

وكان الفراغ منه على يد كاتبه في نهار السبت تاسع عشر شهر رجب الأصم - عمّت بركته - من سنة سبع وستين وثمانمائة هلالية.

وتخلف من المجلد الثالث بخط المصنف من كتاب الزكاة إلى آخر زكاة الذهب والفضة ، وبه تمّ الجزء الثالث.

وورد في آخر نسخة « م » :

تمّ الجزء الثالث من كتاب تذكرة الفقهاء بحمد الله ومنّه - ويتلوه في الجزء الرابع - بعون الله تعالى - المطلب الثالث في زكاة الغلّات - في سلخ شهر ربيع الآخر من سنة إحدى وتسعين وثمانمائة هلالية.


الفهرس

المقصد الثالث : في باقي الصلوات‌ الأول : في الجمعة‌ ٦

الأول : الشرائط مسألة ٣٧٢ : ٨

مسألة ٣٧٣ : الأول : الوقت‌ مسألة ٣٧٤ : ٩

مسألة ٣٧٥ : ١٠

مسألة ٣٧٦ : ١١

فروع : ١٢

مسألة ٣٧٧ : ١٣

مسألة ٣٧٨ : ١٤

فروع : مسألة ٣٧٩ : ١٥

فروع : ١٦

مسألة ٣٨٠ : فروع : ١٨

البحث الثاني : السلطان‌ مسألة ٣٨١ : ٢٠

مسألة ٣٨٢ : ٢١

مسألة ٣٨٣ : ٢٢

مسألة ٣٨٤ : ٢٣

فروع : ٢٥

مسألة ٣٨٥ : مسألة ٣٨٦ : ٢٦

مسألة ٣٨٧ : مسألة ٣٨٨ : ٢٧

مسألة ٣٨٩ : ٢٨

مسألة ٣٩٠ : مسألة ٣٩١ : ٢٩

فروع : ٣٠


البحث الثالث : العدد‌ مسألة ٣٩٢ : ٣٤

مسألة ٣٩٣ : ٣٧

مسألة ٣٩٤ : ٣٩

مسألة ٣٩٥ : ٤٠

فروع : ٤١

البحث الرابع : الجماعة‌ مسألة ٣٩٦ : مسألة ٣٩٧ : ٤٣

فروع : ٤٤

مسألة ٣٩٨ : مسألة ٣٩٩ : ٤٨

مسألة ٤٠٠ : ٤٩

فروع : ٥٥

البحث الخامس : الوحدة‌ مسألة ٤٠١ : ٥٦

مسألة ٤٠٢ : ٥٨

مسألة ٤٠٣ : ٦١

تذنيب : البحث السادس : الخطبتان مسألة ٤٠٤ : ٦٢

مسألة ٤٠٥ : ٦٣

مسألة ٤٠٦ : ٦٤

مسألة ٤٠٧ : ٦٦

فروع : ٦٨

مسألة ٤٠٨ : ٦٩

فروع : ٧٢

مسألة ٤٠٩ : ٧٦

فروع : ٧٧

مسألة ٤١٠ : ٨١

مسألة ٤١١ : ٨٢

مسألة ٤١٢ : ٨٤


مسألة ٤١٣ : ٨٥

المطلب الثاني : فيمن تجب عليه‌ مسألة ٤١٤ : ٨٦

مسألة ٤١٥ : مسألة ٤١٦ : ٨٧

فروع : ٨٨

مسألة ٤١٧ : ٨٩

مسألة ٤١٨ : ٩٠

مسألة ٤١٩ : مسألة ٤٢٠ : ٩١

فروع : ٩٢

مسألة ٤٢١ : ٩٣

فروع : ٩٦

مسألة ٤٢٢ : تذنيب : ٩٨

المطلب الثالث : في ماهيتها وآدابها ولواحقها‌ مسألة ٤٢٣ : ٩٩

فروع : ١٠٠

مسألة ٤٢٤ : ١٠١

مسألة ٤٢٥ : ١٠٢

فروع : ١٠٣

مسألة ٤٢٦ : ١٠٦

مسألة ٤٢٧ : ١٠٧

مسألة ٤٢٨ : ١٠٨

فروع : ١٠٩

مسألة ٤٢٩ : ١١١

مسألة ٤٣٠ : ١١٢

مسألة ٤٣١ : ١١٣

مسألة ٤٣٢ : ١١٤

مسألة ٤٣٣ : ١١٥


الفصل الثاني : في صلاة العيدين‌ الأول : الماهية‌ مسألة ٤٣٤ : ١٢٠

مسألة ٤٣٥ : ١٢٢

مسألة ٤٣٦ : ١٢٣

مسألة ٤٣٧ : مسألة ٤٣٨ : ١٢٤

مسألة ٤٣٩ : ١٢٥

مسألة ٤٤٠ : ١٢٧

مسألة ٤٤١ : ١٢٩

مسألة ٤٤٢ : ١٣٠

مسألة ٤٤٣ : ١٣١

تذنيب : ١٣٢

مسألة ٤٤٤ : فروع : ١٣٣

مسألة ٤٤٥ : ١٣٥

مسألة ٤٤٦ : ١٣٦

مسألة ٤٤٧ : ١٣٧

فروع : ١٣٨

المطلب الثاني : في سننها ولواحقها‌ مسألة ٤٤٨ : مسألة ٤٤٩ : ١٤١

مسألة ٤٥٠ : ١٤٢

مسألة ٤٥١ : ١٤٤

مسألة ٤٥٢ : ١٤٥

مسألة ٤٥٣ : ١٤٦

مسألة ٤٥٤ : ١٤٧

فرعان : مسألة ٤٥٥ : مسألة ٤٥٦ : ١٤٨

مسألة ٤٥٧ : ١٥٠

مسألة ٤٥٨ : ١٥٢

مسألة ٤٥٩ : مسألة ٤٦٠ : ١٥٤


تذنيب : مسألة ٤٦١ : ١٥٦

مسألة ٤٦٢ : ١٥٧

فروع : ١٥٨

مسألة ٤٦٣ : ١٥٩

مسألة ٤٦٤ : ١٦١

فروع : ١٦٢

مسألة ٤٦٥ : ١٦٣

مسألة ٤٦٦ : ١٦٥

مسألة ٤٦٧ : مسألة ٤٦٨ : مسألة ٤٦٩ : ١٦٦

الفصل الثالث : صلاة الكسوف الأول : الماهية‌ مسألة ٤٧٠ : ١٦٨

مسألة ٤٧١ : ١٦٩

مسألة ٤٧٢ : ١٧٠

فروع : ١٧١

مسألة ٤٧٣ : ١٧٢

مسألة ٤٧٤ : مسألة ٤٧٥ : ١٧٣

مسألة ٤٧٦ : مسألة ٤٧٧ : ١٧٥

مسألة ٤٧٨ : مسألة ٤٧٩ : ١٧٦

المطلب الثاني : في الموجب واللواحق‌ مسألة ٤٨٠ : ١٧٨

مسألة ٤٨١ : ١٧٩

مسألة ٤٨٢ : مسألة ٤٨٣ : ١٨٠

مسألة ٤٨٤ : مسألة ٤٨٥ : ١٨١

مسألة ٤٨٦ : ١٨٢

مسألة ٤٨٧ : ١٨٣

مسألة ٤٨٨ : ١٨٤

مسألة ٤٨٩ : ١٨٥


تذنيب : مسألة ٤٩٠ : ١٨٦

مسألة ٤٩١ : ١٨٧

مسألة ٤٩٢ : ١٨٨

مسألة ٤٩٣ : ١٨٩

مسألة ٤٩٤ : ١٩٠

فروع : ١٩١

مسألة ٤٩٥ : مسألة ٤٩٦ : ١٩٤

مسألة ٤٩٧ : ١٩٥

مسألة ٤٩٨ : ١٩٦

الفصل الرابع : في صلاة النذر‌ مسألة ٤٩٩ : ١٩٨

مسألة ٥٠٠ : مسألة ٥٠١ : مسألة ٥٠٢ : ١٩٩

مسألة ٥٠٣ : مسألة ٥٠٤ : ٢٠٠

مسألة ٥٠٥ : ٢٠١

الفصل الخامس : في صلاة الاستسقاء‌ مسألة ٥٠٦ : ٢٠٢

مسألة ٥٠٧ : ٢٠٤

مسألة ٥٠٨ : ٢٠٥

مسألة ٥٠٩ : ٢٠٦

مسألة ٥١٠ : مسألة ٥١١ : ٢٠٧

مسألة ٥١٢ : ٢٠٨

مسألة ٥١٣ : ٢٠٩

مسألة ٥١٤ : ٢١٠

مسألة ٥١٥ : ٢١٢

مسألة ٥١٦ : ٢١٣

مسألة ٥١٧ : ٢١٤

مسألة ٥١٨ : ٢١٥


مسألة ٥١٩ : ٢١٦

مسألة ٥٢٠ : مسألة ٥٢١ : ٢١٧

مسألة ٥٢٢ : ٢١٨

مسألة ٥٢٣ : ٢١٩

مسألة ٥٢٤ : ٢٢٠

مسألة ٥٢٥ : ٢٢١

مسألة ٥٢٦ : ٢٢٢

المقصد الرابع : في التوابع‌ ٢٢٦

الأول : في الجماعة‌ الأول : في فضل الجماعة‌ مسألة ٥٢٧ : ٢٢٨

مسألة ٥٢٨ : ٢٢٩

مسألة ٥٢٩ : مسألة ٥٣٠ : ٢٣٠

مسألة ٥٣١ : مسألة ٥٣٢ : ٢٣١

مسألة ٥٣٣ : ٢٣٢

مسألة ٥٣٤ : ٢٣٣

مسألة ٥٣٥ : مسألة ٥٣٦ : ٢٣٤

مسألة ٥٣٧ : ٢٣٦

المطلب الثاني : في الشرائط‌ الأول : مسألة ٥٣٨ : ٢٣٧

مسألة ٥٣٩ : مسألة ٥٤٠ : ٢٣٨

مسألة ٥٤١ : ٢٣٩

فروع : ٢٤١

مسألة ٥٤٢ : ٢٤٢

مسألة ٥٤٣ : ٢٤٣

مسألة ٥٤٤ : ٢٤٤

مسألة ٥٤٥ : ٢٤٥

مسألة ٥٤٦ : ٢٤٦


مسألة ٥٤٧ : ٢٤٨

مسألة ٥٤٨ : ٢٤٩

مسألة ٥٤٩ : ٢٥٠

فروع : ٢٥١

مسألة ٥٥٠ : مسألة ٥٥١ : ٢٥٣

مسألة ٥٥٢ : ٢٥٥

مسألة ٥٥٣ : ٢٥٦

فروع : ٢٥٨

فروع : ٢٦٣

مسألة ٥٥٤ : ٢٦٥

مسألة ٥٥٥ : ٢٦٦

فروع : ٢٦٧

مسألة ٥٥٦ : ٢٦٩

مسألة ٥٥٧ : ٢٧٠

فروع : ٢٧٢

مسألة ٥٥٨ : ٢٧٣

فروع : ٢٧٥

مسألة ٥٥٩ : ٢٧٦

المطلب الثالث : في صفات الإِمام مسألة ٥٦٠ : مسألة ٥٦١ : ٢٧٧

مسألة ٥٦٢ : ٢٧٩

مسألة ٥٦٣ : ٢٨٠

مسألة ٥٦٤ : ٢٨١

فروع : ٢٨٣

مسألة ٥٦٥ : ٢٨٤

مسألة ٥٦٦ : ٢٨٦


فروع : ٢٨٧

مسألة ٥٦٧ : ٢٨٨

فروع : ٢٨٩

مسألة ٥٦٨ : ٢٩١

فروع : ٢٩٢

مسألة ٥٦٩ : ٢٩٥

مسألة ٥٧٠ : فروع : ٢٩٦

مسألة ٥٧١ : ٢٩٧

مسألة ٥٧٢ : ٢٩٨

مسألة ٥٧٣ : ٢٩٩

مسألة ٥٧٤ : مسألة ٥٧٥ : ٣٠٠

مسألة ٥٧٦ : ٣٠١

مسألة ٥٧٧ : ٣٠٢

مسألة ٥٧٨ : ٣٠٣

فروع : ٣٠٤

مسألة ٥٧٩ : ٣٠٥

المطلب الرابع : في ترجيح الأئمّة‌ مسألة ٥٨٠ : ٣٠٦

مسألة ٥٨١ : ٣٠٧

مسألة ٥٨٢ : ٣٠٨

مسألة ٥٨٣ : ٣٠٩

مسألة ٥٨٤ : ٣١٠

مسألة ٥٨٥ : ٣١١

مسألة ٥٨٦ : ٣١٢

مسألة ٥٨٧ : فروع : ٣١٣

المطلب الخامس : في الأحكام‌ مسألة ٥٨٨ : مسألة ٥٨٩ : ٣١٥


مسألة ٥٩٠ : ٣١٦

فروع : مسألة ٥٩١ : ٣١٨

مسألة ٥٩٢ : ٣٢٠

تذنيب : مسألة ٥٩٣ : ٣٢١

فروع : مسألة ٥٩٤ : ٣٢٢

فروع : ٣٢٤

مسألة ٥٩٥ : فروع : ٣٢٦

مسألة ٥٩٦ : ٣٢٩

فروع : مسألة ٥٩٧ : ٣٣٠

فروع : ٣٣١

مسألة ٥٩٨ : ٣٣٢

فروع : ٣٣٤

مسألة ٥٩٩ : ٣٣٦

مسألة ٦٠٠ : ٣٣٧

فروع : ٣٣٨

مسألة ٦٠١ : ٣٣٩

مسألة ٦٠٢ : ٣٤٠

فروع : ٣٤٢

مسألة ٦٠٣ : ٣٤٥

تذنيب : مسألة ٦٠٤ : ٣٤٧

مسألة ٦٠٥ : مسألة ٦٠٦ : ٣٤٨

الفصل الثاني : في صلاة السفر‌ الأول : في القصر ومحلّه‌ مسألة ٦٠٧ : مسألة ٦٠٨ : ٣٥٠

مسألة ٦٠٩ : ٣٥١

مسألة ٦١٠ : ٣٥٣


فروع : مسألة ٦١١ : ٣٥٥

مسألة ٦١٢ : ٣٥٦

مسألة ٦١٣ : ٣٥٩

فروع : ٣٦١

مسألة ٦١٤ : ٣٦٦

فروع : ٣٦٧

مسألة ٦١٥ : ٣٦٨

مسألة ٦١٦ : المطلب الثاني : في الشرائط وهي خمسة : قصد المسافة ، والضرب في الأرض ، واستمرار القصد ، وعدم زيادة السفر على الحضر ، وإباحته الأول : قصد المسافة‌ مسألة ٦١٧ : ٣٦٩

مسألة ٦١٨ : ٣٧٠

مسألة ٦١٩ : ٣٧٢

فروع : مسألة ٦٢٠ : ٣٧٣

تذنيب : مسألة ٦٢١ : ٣٧٤

تذنيب : مسألة ٦٢٢ : ٣٧٥

فروع : ٣٧٦

البحث الثاني : الضرب في الأرض‌ مسألة ٦٢٣ : مسألة ٦٢٤ : مسألة ٦٢٥ : ٣٧٨

مسألة ٦٢٦ : مسألة ٦٢٧ : ٣٨٠

فروع : ٣٨١

مسألة ٦٢٨ : ٣٨٣

البحث الثالث : استمرار القصد مسألة ٦٢٩ : مسألة ٦٣٠ : ٣٨٤

مسألة ٦٣١ : ٣٨٨

فروع : ٣٨٩

مسألة ٦٣٢ : ٣٩١

فروع : ٣٩٢


البحث الرابع : عدم زيادة السفر على الحضر مسألة ٦٣٣ : ٣٩٤

فروع : ٣٩٥

البحث الخامس : إباحة السفر مسألة ٦٣٤ : ٣٩٦

فروع : ٣٩٨

مسألة ٦٣٥ : ٤٠٠

تذنيب : البحث السادس : في اُمور ظنّ أنها شروط وليست كذلك‌ مسألة ٦٣٦ : ٤٠١

مسألة ٦٣٧ : ٤٠٢

مسألة ٦٣٨ : مسألة ٦٣٩ : ٤٠٣

فروع : ٤٠٥

مسألة ٦٤٠ : المطلب الثالث : في الأحكام‌ مسألة ٦٤١ : ٤٠٧

مسألة ٦٤٢ : ٤٠٩

مسألة ٦٤٣ : مسألة ٦٤٤ : ٤١٠

مسألة ٦٤٥ : فروع : مسألة ٦٤٦ : ٤١١

فروع : ٤١٢

مسألة ٦٤٧ : ٤١٤

مسألة ٦٤٨ : مسألة ٦٤٩ : ٤١٥

الفصل الثالث : في صلاة الخوف‌ الأول : الكيفية‌ مسألة ٦٥٠ : ٤١٨

مسألة ٦٥١ : ٤١٩

مسألة ٦٥٢ : ٤٢٠

مسألة ٦٥٣ : ٤٢١

مسألة ٦٥٤ : ٤٢٢

مسألة ٦٥٥ : ٤٢٣

مسألة ٦٥٦ : ٤٢٦

مسألة ٦٥٧ : ٤٢٧


مسألة ٦٥٨ : ٤٢٨

مسألة ٦٥٩ : ٤٢٩

مسألة ٦٦٠ : مسألة ٦٦١ : ٤٣٠

مسألة ٦٦٢ : ٤٣٢

مسألة ٦٦٣ : فروع : ٤٣٤

مسألة ٦٦٤ : ٤٣٦

مسألة ٦٦٥ : ٤٣٧

مسألة ٦٦٦ : ٤٣٨

فروع : مسألة ٦٦٧ : ٤٣٩

فروع : ٤٤٠

مسألة ٦٦٨ : المطلب الثاني : في الأحكام‌ مسألة ٦٦٩ : ٤٤١

مسألة ٦٧٠ : ٤٤٢

فروع : ٤٤٣

مسألة ٦٧١ : ٤٤٤

مسألة ٦٧٢ : ٤٤٥

تذنيب : مسألة ٦٧٣ : تذنيب : ٤٤٦

مسألة ٦٧٤ : تذنيب : ٤٤٧

مسألة ٦٧٥ : تذنيب : ٤٤٨

مسألة ٦٧٦ : فروع : ٤٤٩

مسألة ٦٧٧ : ٤٥٠

فروع : ٤٥١

مسألة ٦٧٨ : ٤٥٢

فروع : مسألة ٦٧٩ : ٤٥٣

مسألة ٦٨٠ : ٤٥٤

فروع : مسألة ٦٨١ : ٤٥٥


فروع : ٤٥٦

مسألة ٦٨٢ : مسألة ٦٨٣ : ٤٥٨

الفهرس ٤٦٠


تذكرة الفقهاء الجزء ٤

تذكرة الفقهاء

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: العلامة الحلي
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث
تصنيف: فقه مقارن
ISBN: 964-5503-44-2
الصفحات: 473