تذكرة الفقهاء الجزء العاشر
تأليف العلامة الحلي
الجزء العاشر
بسم الله الرحمن الرحيم
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، وبه نستعين
القاعدة الثانية : في العقود.
وفيه كتب :
كتاب البيع ، وفيه مقاصد :
الأوّل : في أركانه ، وفيه فصول :
الأوّل : في ماهيّته
وهو انتقال عين مملوكة من شخص إلى غيره بعوضٍ مقدّر على وجه التراضي ، فلا ينعقد على المنافع ، ولا على ما لا يصحّ تملّكه ، ولا مع خلوّه عن العوض المعلوم ، ولا مع الإكراه.
وهو جائز بالنصّ :
قال الله تعالى( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) (١) .
وقال النبيّصلىاللهعليهوآله : « البيّعان بالخيار ما لم يفترقا »(٢) .
وسأل الصادقعليهالسلام عن معاذ بيّاع الكرابيس ، فقيل : ترك التجارة ، فقال : « عَمِلَ عملَ الشيطان(٣) ، مَنْ ترك التجارة ذهب ثلثا عقله ، أما علم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قدمتْ عيرٌ من الشام فاشترى منها واتّجر فربح فيها ما قضى دينه »(٤) .
ولا خلاف بين الاُمّة فيه. ولأنّ الحاجة قد تتعلّق بما في يد الغير ولا يبذله بغير عوضٍ ، فتسويغ البيع يوصل كُلّاً إلى غرضه ورفع حاجته.
____________________
(١) البقرة : ٢٧٥.
(٢) صحيح البخاري ٣ : ٨٤ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٧٤ / ٣٤٥٩ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٧ : ١٢٤ - ١٢٦ / ٢٦٠٧ و ٢٦٠٨ و ٢٦١١.
(٣) كذا ، و في المصدر : « عمل الشيطان عمل الشيطان » مكرّراً
(٤) التهذيب ٧ : ٤ / ١١.
الفصل الثاني
في الصيغة
مسألة ١ : الأشهر عندنا : أنّه لا بدّ منها ، ولا تكفي المعاطاة في الجليل والحقير ، مثل : أعطني بهذا الدينار ثوباً ، فيعطيه ما يرضيه ، أو يقول : خُذ هذا الثوب بدينار ، فيأخذه - وبه قال الشافعي مطلقاً(١) - لأصالة بقاء الملك ، وقصور الأفعال عن الدلالة على المقاصد. وبعضُ الحنفيّة وابنُ سريج في الجليلة(٢) .
وقال أحمد : ينعقد مطلقاً - ونحوه قال مالك ، فإنّه قال : بِعْ بما يعتقده الناس بيعاً(٣) - لأنّه تعالى أحلّ البيع ولم يبيّن الكيفيّة ، فتُحال على العرف كالقبض ، والبيع وقع في زمانهعليهالسلام كثيراً ولم ينقل اللفظ ، وإلّا لتواتر(٤) .
والجواب : المعاطاة تثبت في غير البيع ، فيجب عود النصّ إلى غيرها. ونمنع عدم التواتر ، والاستغناء بالإباحة عنه.
____________________
(١) الوجيز ١ : ١٣٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٦٤ ، المجموع ٩ : ١٦٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٣ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٣٤ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ٥.
(٢) الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٥ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠ ، الوسيط ٣ : ٨ ، المجموع ٩ : ١٦٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٥ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ٥.
(٣) حلية العلماء ٤ : ١٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ٥.
(٤) المغني ٤ : ٥ ، الشرح الكبير ٤ : ٥ - ٦.
والحوالة في الحقيرة على العرف ، فتختلف بأجناس الأموال.
وفسّره بعض الشافعيّة بما دون نصاب السرقة(١) . وهو تحكّم.
مسألة ٢ : صيغة الإيجاب : « بعت » أو « شريت » أو « ملّكت » من جهة البائع. والقبول من المشتري : « قبلت » أو « ابتعت » أو « اشتريت » أو « تملّكت ».
ولا يشترط الاتّحاد إجماعاً ، فيقول البائع : شريت ، فيقول المشتري : تملّكت.
ويشترط اُمور :
الأوّل : تقديم الإيجاب على الأقوى - خلافاً للشافعي وأحمد(٢) - عملاً بالأصل ، والدلالة على الرضا ليست كافيةً.
الثاني : الإتيان بهما بلفظ الماضي ، فلو قال : أبيعك ، أو قال : أشتري ، لم يقع إجماعاً ؛ لانصرافه إلى الوعد.
ولو تقدّم القبول بلفظ الطلب بأن قال : بِعْني ، بدل قوله : اشتريت ، فقال البائع : بعتك ، لم ينعقد - وبه قال أبو حنيفة والمزني والشافعي في أحد القولين(٣) - لأنّه ليس صريحاً في الإيجاب، فقد يقصد أن يعرف أنّ البائع هل يرغب في البيع؟
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠ ، المجموع ٩ : ١٦٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٥.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٦٤ ، المجموع ٩ : ١٦٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤ ، منهاج الطالبين : ٩٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ٤ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٣.
(٣) بدائع الصنائع ٥ : ١٣٣ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤٩ / ١١٢٦ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ٤١ - ٤٢ ، الوجيز ١ : ١٣٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١ ، حلية العلماء ٤ : ١٤ ، المجموع ٩ : ١٦٨.
وأصحّ وجهي الشافعي : الجواز - وبه قال مالك - لوجود اللفظ المشعر من الجانبين(١) .
وعن أحمد روايتان(٢) كالقولين.
نعم ، لو قال المشتري بعد ذلك : اشتريت ، أو : قبلت ، صحّ إجماعاً.
ولو تقدّم بلفظ الاستفهام فيقول : أتبيعني؟ فيقول : بعتك ، لم يصحّ إجماعاً ؛ لأنّه ليس بقبول ولا استدعاء.
الثالث : النطق ، فلا تكفي الإشارة إلّا مع العجز ؛ للأصل. ولا الكتابة ؛ لإمكان العبث.
وللشافعيّة وجهان(٣) .
الرابع : التصريح ، فلا يقع بالكناية مع النيّة ، مثل : أدخلته في ملكك ، أو : جعلته لك ، أو : خُذْه منّي بكذا ، أو : سلّطتك عليه بكذا ؛ عملاً بأصالة بقاء الملك. ولأنّ المخاطَب لا يدري بِمَ خُوطب.
وأصحّ وجهي الشافعي : الوقوع ؛ قياساً على الخُلْع(٤) .
ونمنع الأصل ، وينتقض بالنكاح.
الخامس : الجزم ، فلو علّق العقد على شرط ، لم يصحّ وإن كان
____________________
(١) المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٦٤ ، المجموع ٩ : ١٦٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٥ ، منهاج الطالبين : ٩٤ ، حلية العلماء ٤ : ١٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١ ، الحاوي الكبير ٥ : ٤١ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٧٠ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ٤.
(٢) المغني والشرح الكبير ٤ : ٤ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٦٤ ، المجموع ٩ : ١٦٧ ، حلية العلماء ٤ : ١٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢ - ١٣.
(٤) المجموع ٩ : ١٦٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٦ ، منهاج الطالبين : ٩٤ ، الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢.
الشرط المشيئة ؛ للجهل بثبوتها حالة العقد وبقائها مدّته. وهو أحد قولي الشافعيّة.
وأظهر الوجهين لهم : الصحّة ؛ لأنّ هذه صفة يقتضيها إطلاق العقد ؛ لأنّه لو لم يشأ لم يشتر(١) .
فروع :
أ - إنّما يفتقر إلى الإيجاب والقبول فيما ليس بضمنيٍّ من البيوع ، أمّا الضمنيّ ، ك « أعتق عبدك عنّي بكذا » فيكفي فيه الالتماس والجواب ، ولا تعتبر الصيَغ المتقدّمة إجماعاً.
ب - لو اتّحد المتعاقدان ، كالأب عن ولده ، افتقر إلى الإيجاب والقبول ، وهو أحد وجهي الشافعيّة. وفي الآخر : الاكتفاء بأحد اللفظين(٢) .
ج - لا بدّ من التطابق في المعنى بين الصيغتين ، فلو قال : بعتك هذين بألف ، فقال : قبلت أحدهما بخمسمائة ، أو : قبلت نصفهما بنصف الثمن. أو قال : بعتكما هذا بألف ، فقال أحدهما : قبلت نصفه بنصف الثمن ، لم يقع على إشكال في الأخير أقربه : الصحّة واختيار البائع.
____________________
(١) المجموع ٩ : ١٧٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣.
(٢) المجموع ٩ : ١٧٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣.
الفصل الثالث
في المتعاقدين
مسألة ٣ : يشترط فيهما البلوغ والعقل ، فلا تصحّ عبارة الصبي ، سواء كان مميّزا أو لا ، أذن له الوليّ أو لا - وبه قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(١) - لأنّ العقل لا يمكن الوقوف على حدّه المنوط التصرّف به ؛ لخفائه وتزايده تزايداً على التدريج ، فجعل الشارع له ضابطاً هو البلوغ ، فلا يثبت له أحكام العقلاء قبل وجود المظنّة. ولأنّ المميّز غير مكلّف ، فأشبه غيره.
وقال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الاُخرى : يصحّ عقد المميّز بإذن الوليّ ؛ لقوله تعالى :( وَابْتَلُوا الْيَتامى ) (٢) وإنّما يتحقّق الاختبار بتفويض التصرّف(٣) .
والجواب : الابتلاء يثبت بتفويض الاستيام والمماكسة وتدبير البيع ثمّ يعقد الوليّ.
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٦٤ ، المجموع ٩ : ١٥٥ - ١٥٦ و ١٥٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٩ ، منهاج الطالبين : ٩٤ ، حلية العلماء ٤ : ١٠ ، الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥ ، الوسيط ٣ : ١٢ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٣٥ ، المغني ٤ : ٣٢١ ، الشرح الكبير ٤ : ٧.
(٢) النساء : ٦.
(٣) بدائع الصنائع ٥ : ١٣٥ ، المغني ٤ : ٣٢١ ، الشرح الكبير ٤ : ٧ ، الوسيط ٣ : ١٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥ ، المجموع ٩ : ١٥٨.
وفي وجهٍ لنا وللشافعيّة : جواز [ بيع ](١) والاختبار(٢) .
وفي وجهٍ لأبي حنيفة : انعقاد بيع المميّز بغير إذن الوليّ موقوفاً على إجازة الوليّ(٣) .
وفي وجهٍ آخر لنا : جواز بيعه إذا بلغ عشراً.
فروع :
أ - لو اشترى الصبي وقبض أو استقرض وأتلف ، فلا ضمان عليه ؛ لأنّ التضييع من الدافع ، فإن كان المال باقياً ، ردّه ، وعلى الوليّ استرداد الثمن ، ولا يبرأ البائع بالردّ إلى الصبي ، وبه قال الشافعي(٤) .
ب - كما لا تصحّ تصرّفاته اللفظيّة كذا لا يصحّ قبضه ، ولا يفيد حصول الملك في الهبة وإن اتّهب الوليّ له ولا لغيره وإن أمره الموهوب منه بالقبض.
ولو قال مستحقّ الدَّيْن للمديون : سلِّم حقّي إلى هذا الصبي ، فسلّم قدر حقّه ، لم يبرأ عن الدَّيْن ، وبقي المقبوض على ملكه لا يضمنه الصبي ؛ لأنّ البراءة تستند إلى قبض صحيح ولم يثبت.
ولو فتح الصبي الباب وأذن في الدخول عن إذن أهل الدار أو أوصل هديّةً إلى إنسان عن إذن الـمُهْدي ، فالأقرب : الاعتماد ؛ لتسامح السلف فيه.
ج - المجنون إن كان له حال إفاقة فباع أو اشترى فيها ، صحّ ، وإلّا فلا.
____________________
(١) أضفناها من الصدر.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٩.
(٣) بدائع الصنائع ٥ : ١٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥ ، المجموع ٩ : ١٥٨ ، المغني ٤ : ٣٢١ ، الشرح الكبير ٤ : ٨.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٠ ، المجموع ٩ : ١٥٦.
ولو ادّعى الجنون حالة العقد ، قُدّم قوله.
ولو لم يعرف له حالة جنون ، قُدّم قول مدّعي الصحّة.
ويُقدّم قول الصبي لو ادّعى إيقاعه حالة الصبا.
د - لا ينعقد بيع المجنون وإن أذن وليُّه ، ولا المغمى عليه ولا السكران ولا الغافل ولا الناسي ولا النائم والهازل ولا المكره.
مسألة ٤ : الاختيار شرط في المتعاقدين ، فلا يصحّ بيع المكره ولا شراؤه ؛ لقوله تعالى :( إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) (١) .
وفي معنى الإكراه بيع التلجئة ، وهو : أن يخاف أن يأخذ الظالم ملكه فيواطئ رجلاً على إظهار شرائه منه ولا يريد بيعاً حقيقيّاً ، ذهب إليه علماؤنا أجمع - وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمّد(٢) - لأنّهما لم يقصدا البيع ، فكانا كالهازلَيْن.
وقال أبو حنيفة والشافعي : يصحّ بيع التلجئة ؛ لأنّه تمّ بأركانه وشروطه خالياً عن مقارنة مُفسدٍ ، فصحّ ، كما لو اتّفقا على شرطٍ فاسد ثمّ عقدا بغير شرط(٣) . ونمنع المقدّمات.
وكذا القصد شرط في البيع إجماعاً.
فروع :
أ - لو رضي مَنْ مُنع عقْدُه بفعله بعد زوال المانع ، لم يصحّ ، إلّا
____________________
(١) النساء : ٢٩.
(٢) المغني ٤ : ٣٠٢ ، المجموع ٩ : ٣٣٤.
(٣) المغني ٤ : ٣٠٢ ، المجموع ٩ : ٣٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣.
المكره ؛ للوثوق بعبارته.
ب - لو أكرهه على بيع عبد فباع اثنين أو نصفه ، فإشكال. وكذا بثمنٍ فباع بأزيد أو أنقص ، أو بوصف حلول أو غيره فباع بخلافه.
ج - لو ادّعى الإكراه ، قُبل مع اليمين مع القرينة لا بدونها.
مسألة ٥ : يشترط أن يكون البائع مالكاً أو مَنْ له ولاية ، كالأب والجدّ له والحاكم وأمينه والوكيل ، فلو باع الفضولي ، صحّ ، ووقف على إجازة المالك - وبه قال مالك وإسحاق وأبو حنيفة والشافعي في القديم ، وأحمد في إحدى الروايتين(١) - لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله دفع إلى عروة البارقي ديناراً ليشتري له شاةً فاشترى به شاتين ، فباع إحداهما بدينار وجاء بدينار وشاة ، وحكى له ، فقالصلىاللهعليهوآله له : « بارك الله لك في صفقة يمينك »(٢) .
ولأنّه عقد له مُجيز حال وقوعه ، فيجب أن يقف على إجازته ، كالوصيّة.
وقال أبو ثور وابن المنذر والشافعي في الجديد وأحمد في الرواية الاُخرى : يبطل البيع - وهو قولٌ لنا - لقولهعليهالسلام لحكيم بن حزام : « لا تبع ما ليس عندك »(٣) .
____________________
(١) بداية المجتهد ٢ : ١٧٢ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٤٧ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٦٨ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٢٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١ و ٣٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١ ، المجموع ٩ : ٢٥٩ ، حلية العلماء ٤ : ٧٤ - ٧٥ ، المغني ٤ : ٢٩٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٨.
(٢) سنن الترمذي ٣ : ٥٥٩ / ١٢٥٨ ، سنن الدارقطني ٣ : ١٠ / ٢٩ ، المغني ٤ : ٢٩٦ - ٢٩٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٨.
(٣) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٣٧ / ٢١٨٧ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٨٣ / ٣٥٠٣ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٣٤ / ١٢٣٢ ، سنن النسائي ٧ : ٢٨٩ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٦٧ ، ٣١٧ ، ٣٣٩ ، =
ولأنّه باع ما لا يقدر على تسليمه ، فأشبه الآبق والطير في الهواء(١) .
والجواب : النهي في المعاملات لا يقتضي الفساد ، ونصرفه إلى أنّه باع عن نفسه ويمضي فيشتريه من مالكه ؛ لأنّه ذَكَره جواباً له حين سأله أنّه يبيع الشيء ثمّ يمضي ويشتريه ويسلّمه ، والقدرة على التسليم من المالك موجودة إن أجازه.
فروع :
أ - شرط أبو حنيفة للوقف أن يكون للعقد مُجيزٌ في الحال ، فلو باع مالَ الطفل فبلغ وأجاز ، لم ينعقد. وكذا لو باع مالَ غيره ثمّ ملكه وأجاز(٢) .
وهو قولٌ للشافعيّة تفريعاً على القديم(٣) .
ب - لو اشترى فضوليّاً ، فإن كان بعين مال الغير ، فالخلاف في البطلان والوقف على الإجازة ، إلّا أنّ أبا حنيفة قال : يقع للمشتري بكلّ حال(٤) .
وإن كان في الذمّة لغيره وأطلق اللفظ ، قال علماؤنا : يقف على الإجازة ، فإن أجازه ، صحّ ، ولزمه أداء الثمن ، وإن ردّ ، نفذ عن المباشر
____________________
= مسند أحمد ٤ : ٤٠٣ / ١٤٨٨٧ ، و ٤٥٥ / ١٥١٤٥ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٣ : ٢١٧ - ٢١٨ / ٣٠٩٧ - ٣٠٩٩ ، ٣١٠٢ ، ٣١٠٣.
(١) المغني ٤ : ٢٩٦ - ٢٩٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٨ ، بداية المجتهد ٢ : ١٧٢ ، الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١ و ٣٢ ، المجموع ٩ : ٢٥٩ و ٢٦١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٦٨.
(٢) بدائع الصنائع ٥ : ١٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢ ، المجموع ٩ : ٢٦٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢.
(٤) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٦٩ ، المجموع ٩ : ٢٦١ ، حلية العلماء ٤ : ٧٥ ، المغني ٤ : ٢٩٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٨.
- وبه قال الشافعي في القديم وأحمد(١) - وإنّما يصحّ الشراء ؛ لأنّه تصرّف في ذمّته لا في مال غيره ، وإنّما وقف(٢) على الإجازة ؛ لأنّه عقد الشراء له ، فإن أجازه ، لزمه ، وإنّ ردّه ، لزم من اشتراه ، ولا فرق بين أن ينقد من مال الغير أو لا.
وقال أبو حنيفة : يقع عن المباشر. وهو جديد للشافعي(٣) .
ج - لا يجوز أن يبيع عيناً لا يملكها ويمضي ليشتريها ويسلّمها ، وبه قال الشافعي وأحمد(٤) ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لنهي النبيّصلىاللهعليهوآله عن بيع ما ليس عندك(٥) . ولاشتماله على الغرر ؛ فإنّ صاحبها قد لا يبيعها وهو غير مالك لها ولا قادر على تسليمها.
أمّا إذا اشترى موصوفاً في الذمّة سواء كان حالّاً أو مؤجّلاً ، فإنّه جائز. وكذا لو اشترى عيناً شخصيّة غائبة مملوكة للبائع موصوفة بما يرفع الجهالة ، فإنّه جائز إجماعاً.
د - لو باع سلعةً وصاحبها حاضر ساكت ، فحكمه حكم الغائب ، قاله علماؤنا وأكثر أهل العلم ، منهم : أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأبو يوسف(٦) ؛ لاحتمال السكوت غير الرضا.
وقال ابن أبي ليلى : سكوته إقرار ، كالبكر(٧) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢ ، المجموع ٩ : ٢٦٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١ ، المغني ٤ : ٢٩٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٨.
(٢) في الطبعة الحجريّة : توقّف.
(٣) بدائع الصنائع ٥ : ١٥٠ ، حلية العلماء ٤ : ٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢ ، المجموع ٩ : ٢٦٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١.
(٤) المغني ٤ : ٢٩٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٩.
(٥) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ١٤ ، الهامش (٣).
(٦و٧) المجموع ٩ : ٢٦٤ ، المغني ٤ : ٢٩٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٩.
والفرق : الحياء المانع من كلامها.
ه- الغاصب وإن كثرت تصرّفاته فللمالك أن يُجيزها ويأخذ الحاصل في الحال ، ويتتبّع(١) العقود ويعتمد مصلحته في نسخ أيّها شاء ، فينفسخ فرعه ، وهو أضعف قولي الشافعي ، وأصحّهما عنده : بطلان الجميع(٢) .
و - لو باع بظنّ الحياة(٢) وأنّه فضوليّ فبان موته وأنّه مالك ، صحّ البيع - وهو أصحّ قولي الشافعي(٤) - لأنّه بيع صدر من أهله في محلّه.
وأضعفهما : البطلان ؛ لأنّه كالغائب عن(٥) مباشرة العقد ؛ لاعتقاده أنّ المبيع لغيره(٦) .
وله آخر : أنّه موقوف على تيقّن(٧) الحياة أو الموت(٨) .
ز - لو باع الهازل ، لم ينعقد عندنا ؛ لأنّه غير قاصد ، فلا يترتّب عليه حكم.
وللشافعي وجهان(٩) .
ح - لو باع الفضولي أو اشترى مع جهل الآخر ، فإشكال ينشأ من أنّ
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : ويتبع.
(٢) الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣ ، المجموع ٩ : ٢٦٠ - ٢٦١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢.
(٣) أي : حياة والد البائع.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣ ، المجموع ٩ : ٢٦١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢.
(٥) كذا ، و في العزيز شرح الوجيز : كالعابث عند.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣ ، المجموع ٩ : ٢٦١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢ - ٢٣.
(٧) في الطبعة الحجريّة : يقين.
(٨) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤.
(٩) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣ ، المجموع ٩ : ١٧٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣.
الآخر إنّما قصد تمليك العاقد. أمّا مع العلم : فالأقوى ما تقدّم. وفي الغاصب مع علم المشتري أشكل ؛ إذ ليس له الرجوع بما دَفَعه إلى الغاصب هنا.
ط - يرجع المشتري على البائع غير المالك بما دَفَعه ثمناً وبما اغترمه من نفقةٍ أو عوضٍ عن اُجرة أو نماء مع جهله أو ادّعاء البائع الإذن.
وهل يرجع بما دفعه ممّا حصل له في مقابلته نفع؟ قولان.
ولو كان عالما ، لم يرجع بما اغترم ولا بالثمن مع علم الغصب مطلقا عند علمائنا.
والأقوى : أنّ له الرجوع مع بقاء الثمن ، لعدم الانتقال ، بخلاف التالف ، لأنّه أباحه فيه من غير عوض.
ي - لا يبطل رجوع المشتري الجاهل بادّعاء الملكيّة للبائع ؛ لأنّه بنى على الظاهر ، على إشكال ينشأ من اعترافه بالظلم ، فلا يرجع على غير ظالمه.
يأ - لو تلفت العين في يد المشتري ، كان للمالك الرجوع على مَنْ شاء منهما ؛ لدفع مال الغير بغير إذنه ، وقبضِه كذلك ، فإن رجع على المشتري العالم ، لم يرجع على البائع ؛ لاستقرار التلف في يده. وإن رجع على البائع ، رجع(١) عليه إن لم يكن قبض ، ولو قبض ، تقاصّا وترادّا الفضل. ولو كان المشتري جاهلاً ، رجع على البائع ؛ لغروره ، ولا يرجع البائع عليه ؛ لضعف المباشرة.
يب - لو ضمّ المملوك إلى غيره ، صحّ في ملكه ووقف الآخر على
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : يرجع.
الإجازة عندنا(١) ، وسيأتي بحثه في تفريق الصفقة.
مسألة ٦ : لا يشترط إسلام العاقد إلّا إسلام المشتري في شراء العبد المسلم ، فلا ينعقد شراء الكافر للمسلم ، عند أكثر علمائنا(٢) - وبه قال أحمد ومالك في إحدى الروايتين وأصحّ قولي الشافعي(٣) - لأنّ الاسترقاق سبيل فينتفى ؛ لقوله تعالى :( وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) (٤) .
ولأنّه ذلّ ، فلا يثبت للكافر على المسلم ، كالنكاح. ولأنّه يُمنع من استدامة ملكه فيمنع من ابتدائه ، كالنكاح.
وقال أبو حنيفة والشافعي في أضعف القولين ، ومالك في الرواية الاُخرى ، وبعضُ(٥) علمائنا : يصحّ ويُجبر على بيعه ؛ لأنّه يملكه بالإرث ، ويبقى(٦) عليه - لو أسلم - في يديه ، فصحّ شراؤه(٧) .
____________________
(١) كلمة « عندنا » لم ترد في « ق ».
(٢) منهم الشيخ الطوسي في المبسوط ٢ : ١٦٧ ، وابن زهرة في الغنية : ٢١٠ ، والمحقق في شرائع الإسلام ٢ : ١٦.
(٣) المغني ٤ : ٣٣٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٧ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ١٣ ، أحكام القرآن - لابن العربي - ١ : ٥١٠ ، الجامع لأحكام القرآن ٥ : ٤٢١ ، الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧ ، الوسيط ٣ : ١٣ ، حلية العلماء ٤ : ١١٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٤ ، المجموع ٩ : ٣٥٥ و ٣٥٩ - ٣٦٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١١ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٨١ ، التفسير الكبير ١١ : ٨٣.
(٤) النساء : ١٤١.
(٥) انظر : شرائع الإسلام ٢ : ١٦.
(٧) المغني ٤ : ٣٣٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٧ ، الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧ ، الوسيط ٣ : ١٣ ، حلية العلماء ٤ : ١١٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٨١ - =
والفرق : أنّ الإرث والاستدامة أقوى من الابتداء ، لثبوته بهما للمحرم في الصيد مع منعه من ابتدائه ، ولا يلزم من ثبوت الأقوى ثبوت الأدون مع أنّنا نقطع الاستدامة عليه بمنعه منها وإجباره على إزالتها.
فروع :
أ - الخلاف واقع في اتّهابه وقبول الوصيّة به والاستئجار عليه.
ب - لو وكّل الكافر مسلماً في شراء مسلم ، لم يصحّ - وبه قال أحمد(١) - لأنّ الملك يقع للموكّل.
ولو انعكس ، فالأقرب : الصحّة - وهو أحد وجهي أحمد(٢) - لأنّ المانع ثبوت السبيل ، والملك هنا للمسلم.
والآخر له : لا يصحّ ؛ لأنّ ما مَنَع من شرائه مَنَع من التوكيل فيه ، كالـمُحْرم في الصيد(٣) .
والفرق : الممنوع هنا الإعانة.
ج - لو كان المسلم ممّن ينعتق على الكافر ، فالأقرب عندي : صحّة البيع ؛ لأنّه يستعقب العتق وإن كرهه ، فلا إذلال ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٤) ، وإحدى روايتي أحمد(٥) .
____________________
= ٣٨٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٤ ، المجموع ٩ : ٣٥٥ و ٣٥٩ - ٣٦٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١١ ، الجامع لأحكام القرآن ٥ : ٤٢١.
(١ - ٣) المغني ٤ : ٣٣٢.
(٤) في « ق ، ك » : الشافعي.
(٥) الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧ ، الوسيط ٣ : ١٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٤ ، المجموع ٩ : ٣٥٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١١ ، المغني ٤ : ٣٣٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٧ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ١٣.
وفي الاُخرى : لا يصحّ ؛ لأنّ ما مَنَع من شرائه لم يُبح له الشراء وإن زال ملكه ، كالصيد(١) .
والفرق : أنّ الـمُحْرم لو ملكه لثبت عليه ، بخلاف المتنازع.
د - كلّ شراء يستعقب العتق فكالقريب ، كما لو أقرّ كافر بحُرّيّة عبدٍ مسلم ثمّ اشتراه من مالكه ، أو قال لغيره : أعتق عبدك المسلم عنّي وعليَّ ثمنه ، ففَعَل. والخلاف كما تقدّم.
ه - يجوز أن يستأجر الكافر مسلماً لعملٍ في ذمّته ؛ لأنّه دَيْنٌ عليه ، ويتمكّن من تحصيله بغيره.
وآجر بعض الأنصار نفْسَه من ذمّيّ يستقي له كلّ دَلْو بتمرة ، وأتى به النبي ٦ فلم ينكره(٢) .
وكذا في الإجارة على العين.
وللشافعي وجهان :
أظهرهما عنده : الصحّة ؛ إذ لا يستحقّ بالإجارة رقبته بل منفعته بعوضٍ ، وهو في يد نفسه إن كان حُرّاً ، وفي يد سيّده إن كان عبداً.
والثاني : يبطل ؛ لما فيه من الاستيلاء والإذلال باستحقاق استعماله(٣) .
فإن قلنا بالصحّة ، فهل يؤمر بأن يؤجر من مسلمٍ؟ للشافعي وجهان(٤) .
____________________
(١) الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ١٣ ، المغني ٤ : ٣٣٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٧.
(٢) سنن ابن ماجة ٢ : ٨١٨ / ٢٤٤٨ ، المغني ٤ : ٣٣٢.
(٣) الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٠٢ ، المجموع ٩ : ٣٥٩ ، روضة الطالبين ٣ : ١٢.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٨ ، المجموع ٩ : ٣٥٩ ، روضة الطالبين ٣ : ١٢.
و - في صحّة ارتهان الكافر المسلمَ وجهان للشافعي(١) ، وسيأتي.
ويجوز إعارته وإيداعه منه.
ز - لا يمنع الكافر من استرجاعه بالعيب ، ويتصوّر على وجهين : بأن يبيع مسلماً(٢) - ورثه أو أسلم في يده - بثوبٍ من مسلمٍ ثمّ يجد في الثوب عيباً - وهو أظهر وجهي الشافعي(٣) - لأنّه قهري كالإرث. والآخر : المنع ؛ لأنّه مختار ، فتُستردّ قيمة العبد ويفرض كالتالف ، فالثوب له ردّه قطعاً(٤) .
أو بأن يجد مشتري العبد فيه عيباً.
وفيه للشافعي وجهان : المنع ؛ فإنّه كما يحرم على الكافر تملّك المسلم كذا يحرم على المسلم تمليك الكافر المسلم. والجواز ، إذ لا اختيار للكافر هنا(٥) .
ح - إذا حصل المسلم في ملك الكافر بإرثٍ أو شراءٍ وقلنا بصحّته ، أو أسلم العبد دون مولاه ، أمره الحاكم بإزالة الملك عنه إمّا ببيعٍ أو عتقٍ أو غيرهما ، ولا يكفي الرهن والإجارة والتزويج والحيلولة.
وفي الكتابة للشافعي وجهان : الأظهر : الاكتفاء ؛ لقطع السلطنة عنه.
والمنع ؛ لبقاء ملك الرقبة (صلىاللهعليهوآله )
____________________
(١) الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣١٦ ، المجموع ٩ : ٣٥٩ ، روضة الطالبين ٣ : ١٢.
(٢) أي : عبداً مسلماً.
(٣و٤) الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٨ ، الوسيط ٣ : ١٥ ، المجموع ٩ : ٣٥٦ - ٣٥٧ ، روضة الطالبين ٣ : ١٢.
(٥) الوسيط ٣ : ١٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٨ ، المجموع ٩ : ٣٥٧ ، روضة الطالبين ٣ : ١٢.
(٦) الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٠ ، الوسيط ٣ : ١٦ ، الحاوي الكبير =
والأقرب عندي : الأوّل في المطلقة ، والثاني في المشروطة.
ط - لو أسلمت مستولدة الكافر ، امتنع بيعها على أصحّ قولي الشافعي. وفي أمره بالإعتاق ، له وجهان : الأمر ؛ لاستحقاقها العتق ، ولابُدّ من دفع الذلّ. والأظهر : المنع ؛ للإجحاف والتخسير ، فيُحال بينهما ، وتستكسب في يد غيره له ، ويؤخذ منه النفقة(١) (٢) . وهو عندي حسن.
ي - لو امتنع الكافر من إزالة الملك حيث يُؤمر ، باعَهُ الحاكم بثمن المثل ، ويكون الثمن للكافر ، فإن لم يجد راغباً ، صبر مع الحيلولة. ولو مات الكافر ، أمر وارثه بما يؤمر مُورثه
يأ - لا يجوز للكافر شراء المصحف - وهو أظهر قولي الشافعي(٣) - لما فيه من تعظيم الكتاب العزيز. والآخر له : الجواز(٤) .
وفي أخبار(٥) الرسولصلىاللهعليهوآله عندي تردّد. وللشافعي وجهان(٦) .
مسألة ٧ : يشترط في العاقد انتفاء الحَجْر عنه ، فلو كان محجوراً عليه برقٍّ أو سفهٍ أو فَلْسٍ أو مرضٍ مع المحاباة وقصور الثلث على رأي ، بطل ، أو وقف على الإجازة على الخلاف ، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى في أبوابه.
____________________
= ٥: ٣٨٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٤ ، المجموع ٩ : ٣٥٧ ، روضة الطالبين ٣ : ١٣.
(١) أي : يؤخذ من الكافر نفقة المستولدة.
(٢) الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٠ ، الوسيط ٣ : ١٦ ، المجموع ٩ : ٣٥٧ - ٣٥٨ ، روضة الطالبين ٣ : ١٤.
(٣و٤) الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧ ، الوسيط ٣ : ١٣ ، حلية العلماء ٤ : ١١٨ ، المهذّب للشيرازي ١ : ٢٧٤ ، المجموع ٩ : ٣٥٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١١ ، منهاج الطالبين : ٩٤ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٣٥ ، المغني ٤ : ٣٣١ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥.
(٥) أي : كُتُب الحديث.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧ ، المجموع ٩ : ٣٥٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١١.
وهل يشترط البصر؟ الأظهر : لا ، فيصحّ بيع الأعمى وشراؤه مع الوصف الرافع للجهالة ، سواء كان ممّا يدرك بالذوق أو الشمّ أو لا. وله خيار الخلف في الصفة ، كالـمُبصر ، وبه قال أحمد وأبو حنيفة(١) .
وللشافعيّة طريقان : أحدهما : أنّه على قولين. والثاني : القطع بالمنع ؛ لأنّا نثبت خيار الرؤية في بيع الغائب وهنا لا رؤية ، فيكون كبيع الغائب على شرط نفي الخيار(٢) .
قال الشافعي : ولو رآه بصيراً ثمّ اشتراه قبل مضيّ زمن يتغيّر فيه ، صحّ(٣) .
ولو باع سَلَماً أو أسلم ، فإن عمي بعد ما بلغ سنّ التمييز ، صحّ ؛ لأنّ الاعتماد في السّلم على الأوصاف وهو يعرفها ، ثمّ يوكّل من يقبض ، ولا يصحّ قبضه بنفسه على أصحّ قوليه ، لأنّه لا يميّز بين المستحقّ وغيره.
وإن عمي قبل سنّ التمييز أو كان أكمه ، فوجهان عنده : عدم الصحّة ؛ لعدم معرفته بالألوان. وأظهرهما : الجواز ؛ لأنّه يتخيّل فرقاً بين الألوان ويعرف أحوالها بالسماع(٤) .
ومَنَع المزني من تسلّمه(٥) .
وقال عبيد الله بن الحسن : يجوز شراؤه ، وإذا أمر إنساناً بالنظر إليه ، لزمه(٦) .
____________________
(١) المغني ٤ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٢ ، حلية العلماء ٤ : ٩٧ - ٩٨ ، المجموع ٩ : ٣٠٢ - ٣٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٣٤ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ١٥ ، المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ٧٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧١ ، المجموع ٩ : ٣٠٢.
(٣) المجموع ٩ : ٣٠٣ ، المغني ٤ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٢.
(٤) المجموع ٩ : ٣٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٣ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٣٩.
(٥) الحاوي الكبير ٥ : ٣٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٣.
(٦) المغني ٤ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٢.
الفصل الرابع :
العوضان
ويشترط فيهما أُمور :
الأوّل : الطهارة.
مسألة ٨ : يشترط في المعقود عليه الطهارة الأصليّة ، فلا تضرّ النجاسة العارضة مع قبول التطهير.
ولو باع نجس العين كالخمر والميتة والخنزير ، لم يصحّ إجماعاً ؛ لقوله تعالى :( فَاجْتَنِبُوهُ ) (١) ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) (٢) والأعيان لا يصحّ تحريمها ، وأقرب مجازٍ إليها جميع وجوه الانتفاع ، وأعظمها البيع ، فكان حراماً.
ولقول جابر : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله - وهو بمكة - يقول : « إنّ الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام »(٣) .
وما عرضت له النجاسة إن قَبِل التطهير ، صحّ بيعه ، ويجب إعلام المشتري بحاله ، وإن لم يقبله ، كان كنجس العين.
____________________
(١) المائدة : ٩٠.
(٢) المائدة : ٣.
(٣) صحيح البخاري ٣ : ١١٠ ، صحيح مسلم ٣ : ١٢٠٧ / ١٥٨١ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٩١ / ١٢٩٧ ، سنن النسائي ٧ : ٣٠٩ ، سنن البيهقي ٦ : ١٢ ، مسند أحمد ٤ : ٢٧٠ / ١٤٠٦٣.
فرع : كما لا يجوز للمسلم مباشرة بيع الخمر فكذا لا يجوز أن يوكّل فيه ذمّيّاً ، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وأكثر أهل العلم(١) .
وقال أبو حنيفة : يجوز للمسلم أن يوكّل ذمّيّاً في بيعها وشرائها(٢) .
وهو خطأ ؛ لما تقدّم. ولأنّه نجس العين ، فيحرم فيه التوكيل ، كالخنزير.
مسألة ٩ : الكلب إن كان عقوراً ، حرم بيعه ، عند علمائنا - وبه قال الحسن وربيعة وحمّاد والأوزاعي والشافعي وداوُد وأحمد(٣) . وعن أبي حنيفة روايتان(٤) . وبعضُ أصحاب مالك مَنَعه(٥) - لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن ثمن الكلب(٦) .
وقال الرضاعليهالسلام : « ثمن الكلب سُحْتٌ »(٧) .
____________________
(١) المجموع ٩ : ٢٢٧ ، منهاج الطالبين : ٩٤ ، المغني ٤ : ٣٠٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٧.
(٢) بدائع الصنائع ٥ : ١٤١ ، حلية العلماء ٤ : ٥٨ ، المجموع ٩ : ٢٢٧ ، المغني ٤ : ٣٠٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٧.
(٣) المغني ٤ : ٣٢٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥ ، حلية العلماء ٤ : ٥٥ ، الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٦٨ ، المجموع ٩ : ٢٢٦ - ٢٢٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٧٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦ ، بداية المجتهد ٢ : ١٢٦ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٧٩.
(٤) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٧٩ ، حلية العلماء ٤ : ٥٨ - ٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٣ ، المغني ٤ : ٣٢٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٣ ، حلية العلماء ٤ : ٥٩ ، المغني ٤ : ٣٢٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥.
(٦) صحيح البخاري ٣ : ٧٨ ، ١١٠ ، ١١١ ، صحيح مسلم ٣ : ١١٩٨ / ١٥٦٧ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٣٤ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٧٥ / ١٢٧٦ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٧٩ / ٣٤٨١ - ٣٤٨٣ ، سنن النسائي ٧ : ١٨٩ ، سنن البيهقي ٦ : ٦ ، الموطّأ ٢ : ٦٥٦ / ٦٨ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٦ : ٢٤٣ - ٢٤٤ / ٩٤٨ و ٩٥٠ و ٩٥٢ ، مسند أحمد ٤ : ٢٦٠ / ١٤٠٠٢ ، و ٢٩٦ / ٢٩٧ ، ١٤٢٤٢ ، و ٣٢٠ ، ١٤٣٨٨.
(٧) الكافي ٥ : ١٢٠ / ٤ ، تفسير العياشي ١ : ٣٢١ / ١١١.
وقال الصادقعليهالسلام : « ثمن الكلب الذي لا يصيد سُحْتٌ »(١) .
أمّا كلب الصيد : فالأقوى عندنا جواز بيعه - وبه قال أبو حنيفة ، وبعض أصحاب مالك ، وجابر وعطاء والنخعي(٢) - لما روي عن جابر أنّ النبيصلىاللهعليهوآله نهى عن ثمن الكلب والسنّور إلّا كلب الصيد(٣) .
وعن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله الصادقعليهالسلام عن ثمن كلب الصيد ، قال : « لا بأس بثمنه ، والآخر لا يحلّ ثمنه »(٤) .
ولأنّه يحلّ الانتفاع به ، ويصحّ نقل اليد فيه والوصيّة به.
وقال الشافعي وأحمد والحسن وربيعة وحمّاد والأوزاعي وداوُد بالتحريم - وهو قولٌ لنا - لأنّهعليهالسلام نهى عن ثمن الكلب(٥) ، وهو عامّ.
ولأنّه نجس العين ، فأشبه الخنزير(٦) .
ونمنع العموم ؛ إذ ليس من صِيَغه ، والنجاسة غير مانعة ، كالدهن النجس ، والخنزير لا ينتفع به ، بخلافه.
فروع :
أ - إن سوّغنا بيع كلب الصيد ، صحّ بيع كلب الماشية والزرع
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٥٦ / ١٠١٧ ، تفسير العياشي ١ : ٣٢١ / ١١٤.
(٢) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٧٩ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٤٣ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٣٢٧ ، المنتقى - للباجي - ٥ : ٢٨ ، حلية العلماء ٤ : ٥٨ ، المجموع ٩ : ٢٢٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٣ ، المغني ٤ : ٣٢٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥.
(٣) سنن النسائي ٧ : ٣٠٩ ، سنن البيهقي ٦ : ٦.
(٤) التهذيب ٦ : ٣٥٦ / ١٠١٦.
(٥) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في الهامش (٦) من ص ٢٦.
(٦) المجموع ٩ : ٢٢٨ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦ ، منهاج الطالبين : ٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٣ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٧٥ - ٣٧٦ ، بداية المجتهد ٢ : ١٢٦ ، المغني ٤ : ٣٢٤ - ٣٢٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥.
والحائط ؛ لأنّ المقتضي - وهو النفع - حاصل هنا.
ب - تصحّ إجارة كلب الصيد - وبه قال بعض الشافعيّة(١) - لأنّها منفعة مباحة فجازت المعاوضة عنها.
ومَنَع بعضُهم والحنابلة ؛ لأنّه حيوان يحرم بيعه فحرمت إجارته ، كالخنزير ، ولا تُضمن منفعته في الغصب فلا يجوز أخذ العوض عنها(٢) .
والأصلان ممنوعان ، والخنزير لا منفعة فيه.
ج - تصحّ الوصيّة بالكلب الذي يباح(٣) اقتناؤه ، وكذا هبته ، وبه قال بعض الشافعيّة وبعض الحنابلة(٤) .
وقال الباقون منهما : لا تصحّ الهبة ؛ لأنّها تمليك في الحياة ، فأشبهت البيع(٥) .
والحكم في الأصل ممنوع.
د - يحرم قتل ما يباح اقتناؤه من الكلاب إجماعاً ، وعليه الضمان
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٠١ ، المجموع ٩ : ٢٣١ ، الوجيز ١ : ٢٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٩٠ ، الوسيط ٤ : ١٥٧ ، حلية العلماء ٥ : ٣٨٤ - ٣٨٥ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ١٢٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٥٣.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٠١ ، المجموع ٩ : ٢٣١ ، الوجيز ١ : ٢٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٩٠ ، الوسيط ٤ : ١٥٧ ، حلية العلماء ٥ : ٣٨٤ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ١٢٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٥٣ ، منهاج الطالبين : ١٥٩ ، المغني ٤ : ٣٢٥.
(٣) في الطبعة الحجريّة : مباح.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٥٩ ، المجموع ٩ : ٢٣١ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ١٤١ - ١٤٢ ، حلية العلماء ٤ : ٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧ ، المغني ٤ : ٣١٥.
(٥) حلية العلماء ٤ : ٦٠ ، المجموع ٩ : ٢٣١ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧.
على ما يأتي ، وبه قال مالك وعطاء(١) .
وقال الشافعي وأحمد : لا غرم ؛ لأنّه يحرم أخذ عوضه ، فلا يجب غرمٌ بإتلافه(٢) .
والأصل ممنوع.
أمّا الكلب العقور فيباح قتله إجماعاً ؛ لقولهصلىاللهعليهوآله : « خمس من الدوابّ كلّهنّ فاسق يُقتلن في الحرم : الغُراب والحِدَأة والعقرب والفأرة والكلب العقور »(٣) .
أمّا الكلب الأسود : فإن كان ممّا ينتفع به ، لم يُبَحْ قتله - خلافاً لأحمد(٤) - لما تقدّم. وقولهُصلىاللهعليهوآله : « الكلب الأسود شيطان »(٥) لا يبيح قَتْلَه.
ه - لا بأس ببيع الهرّ ، عند علمائنا - وبه قال ابن عباس والحسن وابن سيرين والحكم وحمّاد والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي(٦) - لقول الصادقعليهالسلام : « لا بأس بثمن الهرّ »(٧) .
____________________
(١) المنتقى - للباجي - ٥ : ٢٨ ، المجموع ٩ : ٢٢٨ ، المغني ٤ : ٣٢٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥.
(٢) المجموع ٩ : ٢٢٨ ، المغني ٤ : ٣٢٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥.
(٣) صحيح البخاري ٣ : ١٧ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٥٧ ، ٧١ ، الموطّأ ١ : ٣٥٧ ، ٩٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٠٩ و ٢١٠ ، المغني ٤ : ٣٢٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦.
(٤) المغني ٤ : ٣٢٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥.
(٥) صحيح مسلم ١ : ٣٦٥ ، ٥١٠ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٠٦ ، ٩٥٢ ، سنن أبي داود ١ : ١٨٧ ، ٧٠٢ ، سنن الترمذي ٢ : ١٦١ - ١٦٢ / ٣٣٨ ، سنن النسائي ٢ : ٦٤ ، سنن البيهقي ٢ : ٢٧٤ ، مسند أحمد ٦ : ١٨٤ / ٢٠٨١٦ ، و ١٨٧ - ١٨٨ / ٢٠٨٣٥.
(٦) المغني ٤ : ٣٢٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١٠ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٣٢٧ ، الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٦ - ٢٨ ، الوسيط ٣ : ١٩ ، مختصر المزني : ٩٠ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٨١ و ٣٨٢ ، المجموع ٩ : ٢٢٩ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨ - ١٩.
(٧) التهذيب ٦ : ٣٥٦ / ١٠١٧.
ولأنّه ينتفع به ، ويحلّ اقتناؤه ، فجاز بيعه كغيره.
وكرهه أبو هريرة وطاوُس ومجاهد وجابر بن زيد وأحمد ؛ لما روي عن جابر أنّه سُئل عن ثمن السنّور ، فقال : زجر النبيّصلىاللهعليهوآله عن ذلك(١) (٢) .
وهو محمول على غير المملوك ، أو ما لا نفع فيه.
و - يجوز اقتناء كلب الصيد والزرع والماشية والحائط ، دون غيره ؛ لقولهعليهالسلام : « من اتّخذ كلباً إلّا كلب ماشية أو صيد أو زرع نقص من أجره كلّ يوم قيراط »(٣) .
ولو اقتناه لحفظ البيوت ، فالأقرب : الجواز - وهو قول بعض الشافعيّة ، وبعض الحنابلة(٤) - لأنّه في معنى الثلاثة.
ومَنَع منه بعضُهم ؛ لعموم النهي(٥) .
ز - يجوز تربية الجِرْو(٦) الصغير لإحدى المنافع المباحة - وهو أقوى وجهي الحنابلة(٧) - لأنّه قصد لذلك ، فله حكمه ، كما جاز بيع العبد الصغير الذي لا نفع فيه.
والآخر : لا يجوز ؛ لأنّه ليس أحدَ المنتفع بها(٨) .
ح - لو اقتناه للصيد ثمّ ترك الصيد مدّة ، لم يحرم اقتناؤه مدّة تركه. وكذا لو حصد الزرع أو هلكت الماشية أو خرج من البستان إلى أن يصيد أو
____________________
(١) صحيح مسلم ٣ : ١١٩٩ / ١٥٦٩.
(٢) المغني ٤ : ٣٢٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١٠ ، المجموع ٩ : ٢٢٩.
(٣) صحيح مسلم ٣ : ١٢٠٣ / ٥٨ ، سنن أبي داوُد ٣ : ١٠٨ / ٢٨٤٤ ، سنن الترمذي ٤ : ٨٠ / ١٤٩٠ ، سنن البيهقي ١ : ٢٥١ ، المغني ٤ : ٣٢٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦.
(٤ و ٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٦٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٧٩ - ٣٨٠ ، المجموع ٩ : ٢٣٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨ ، المغني ٤ : ٣٢٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦.
(٦) الجِرْوُ : ولد الكلب. القاموس المحيط ٤ : ٣١٢.
(٧ و ٨) المغني ٤ : ٣٢٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦.
يزرع آخر أو يشتري ثمرة اُخرى.
ط - لو اقتنى كلب الصيد مَنْ لا يصيد ، جاز - وهو أحد وجهي الحنابلة(١) - لاستثنائهعليهالسلام كلب الصيد(٢) .
والآخر : المنع ؛ لأنّه اقتناه لغير حاجة ، فأشبه غيره ؛ إذ معنى كلب الصيد كلب يصيد(٣) . والمراد بالقوّة.
مسألة ١٠ : لا يجوز بيع السرجين النجس إجماعاً منّا - وبه قال مالك والشافعي وأحمد(٤) - للإجماع على نجاسته ، فيحرم بيعه ، كالميتة.
وقال أبو حنيفة : يجوز ؛ لأنّ أهل الأمصار يبايعونه لزروعهم من غير نكيرٍ ، فكان إجماعاً(٥) .
ونمنع إجماع العلماء ، ولا عبرة بغيرهم. ولأنّه رجيع نجس ، فلم يصحّ بيعه ، كرجيع الآدمي.
أمّا غير النجس : فيحتمل عندي جواز بيعه.
مسألة ١١ : لا يجوز بيع جلد الميتة قبل الدباغ إجماعاً منّا ، وبه قال أحمد(٦) .
____________________
(١) المغني ٤ : ٣٢٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦.
(٢) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في الهامش (٣) من ص ٣٠.
(٣) المغني ٤ : ٣٢٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦.
(٤) المغني ٤ : ٣٢٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦ ، المجموع ٩ : ٢٣٠ ، الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٣ ، حلية العلماء ٤ : ٥٥ - ٥٧ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٨٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦.
(٥) المجموع ٩ : ٢٣٠ ، حلية العلماء ٤ : ٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٣ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٨٣ ، المغني ٤ : ٣٢٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦.
(٦) المغني ٤ : ٣٢٩.
وقال أبو حنيفة : يجوز(١) .
أمّا بعد الدباغ : فكذلك عندنا ؛ لأنّه لا يطهر به ، خلافاً للجمهور ، وقد تقدّم(٢) ذلك.
أمّا عظام الميتة : فيجوز بيعها ما لم تكن من نجس العين ، كالكلب والخنزير ، ولهذا جاز بيع عظام الفيل.
ولبن الشاة الميتة حرام لا يصحّ بيعه.
وعلى قول الشيخ(٣) يجوز بيعه.
فروع :
أ - لحم المذكّى ممّا لا يؤكل لحمه لا يصحّ بيعه ؛ لعدم الانتفاع به في غير الأكل المحرَّم. ولو فرض له نفع مّا ، فكذلك ؛ لعدم اعتباره في نظر الشرع.
ب - لا يصحّ بيع الترياق ؛ لأنّه يحرم تناوله ؛ لاشتماله على الخمر ولحوم الحيّات. ولا يحلّ التداوي به إلّا مع خوف التلف. وكذا سمّ الأفاعي لا يحلّ بيعه(٤) .
أمّا السمّ من الحشائش : فإن كان لا ينتفع به أو كان يقتل قليله ، لم يجز بيعه ؛ لعدم نفعه. وإن أمكن التداوي بيسيره ، جاز بيعه.
ج - الأليات المقطوعة من الشاة الميتة أو الحيّة لا يحلّ بيعها
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٤ ، المجموع ٩ : ٢٣١ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٨٣.
(٢) في ج ٢ ص ٢٣٢ ، المسألة ٣٢٨.
(٣) النهاية : ٥٨٥.
(٤) في « ق ، ك » والطبعة الجحريّة : بيعها. والصحيح ما أثبتناه.
ولا الاستصباح بدهنها مطلقاً.
أمّا الدهن النجس بملاقاة النجاسة له فيجوز بيعه لفائدة الاستصباح به تحت السماء خاصّة.
وللشافعي قولان :
أحدهما : لا يجوز تطهيره ، فلا يصحّ بيعه ، وبه قال مالك وأحمد(١) .
والثاني : يجوز تطهيره ، ففي بيعه عنده وجهان(٢) .
وفي جواز الاستصباح قولان ، والأظهر عنده : جوازه ومنع بيعه(٣) .
والدهن النجس بذاته - كوَدَك(٤) الميتة - لا يجوز بيعه عنده(٥) قولاً واحداً. وفي الاستصباح وجهان(٦) .
ويجوز هبة الدهن النجس والصدقة به والوصيّة به ، وكذا الكلب الجائز بيعه.
وبعض الشافعيّة مَنَع من الهبة والصدقة خاصّة(٧) .
مسألة ١٢ : يجوز بيع كلّ ما فيه منفعة ؛ لأنّ الملك سبب لإطلاق
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٦٨ ، المجموع ٩ : ٢٣٦ و ٢٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٤ - ٢٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٧.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٦٨ ، المجموع ٩ : ٢٣٦ - ٢٣٧ ، الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٤ - ٢٥ ، حلية العلماء ٤ : ٦٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٧.
(٣) المجموع ٩ : ٢٣٧ ، الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٥ ، حلية العلماء ٤ : ٦٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٧.
(٤) الوَدَك : الدسم لسان العرب ١٠ :٥٠٩ « ودك »
(٥) المجموع ٩ : ٢٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧.
(٦) المجموع ٩ : ٢٣٧ - ٢٣٨.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٥ ، وانظر المجموع ٩ : ٢٣٩.
التصرّف ، والمنفعة المباحة كما يجوز استيفاؤها يجوز أخذ العوض عنها ، فيباح لغيره بذل ماله فيها توصّلاً إليها ودفعاً للحاجة بها ، كسائر ما اُبيح بيعه.
وسواء اُجمع على طهارته ، كالثياب والعقار وبهيمة الأنعام والخيل والصيود ، أو مختلفاً في نجاسته ، كالبغل والحمار وسباع البهائم وجوارح الطير ، الصالحة للصيد ، كالفهد والصقر والبازي والشاهين والعقاب ، والطير المقصود صوته ، كالهزار والبلبل. وهذا هو الأقوى عندي ، وبه قال الشافعي وأحمد(١) .
وقال بعض علمائنا : يحرم بيع السباع كلّها إلّا الهرّ ، والمسوخ ، برّيّةً كانت ، كالقرد والدبّ ، أو بحريّةً ، كالضفادع والسلاحف والطافي ، والجوارح كلّها طائرةً كانت ، كالبازي ، أو ماشيةً ، كالفهد(٢) .
وقال أبو بكر بن عبد العزيز وابن أبي موسى : لا يجوز بيع الصقر والفهد ونحو هذا ؛ لأنّها نجسة ، فأشبهت الكلب(٣) .
والنجاسة ممنوعة.
مسألة ١٣ : الفقّاع عندنا نجس إجماعاً ، فلا يجوز بيعه ولا شراؤه ؛ لأنّه كالخمر على ما تقدّم(٤) ، خلافاً للجمهور(٥) كافّة. وكذا النبيذ ، خلافاً لبعض الجمهور(٦) .
____________________
(١) المجموع ٩ : ٢٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٦ - ٢٨ ، روضة الطالبين ١٨ - ١٩ ، المغني ٤ : ٣٢٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٠ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٤.
(٢) المحقّق في شرائع الإسلام ٢ : ٩ - ١٠.
(٣) المغني ٤ : ٣٢٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٠.
(٤) تقدّم في ج ١ ص ٦٥ ( الفرع الثالث ).
(٥) المغني ١٠ : ٣٣٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٣٩ ، الهداية - للمرغيناني - ٤ : ١١١ ، بدائع الصنائع ٥ : ١١٧.
(٦) العزيز شرح الوجيز ١ : ٢٨ ، المجموع ٢ : ٥٦٤.
والدم كلّه نجس ، فلا يصحّ بيعه. وكذا ما ليس بنجس منه ، كدم غير ذي النفس السائلة ؛ لاستخباثه.
وكذا يحرم بيع أبوال وأرواث ما لا يؤكل لحمه.
وقيل(١) : في الأبوال كلّها إلّا بول الإبل ؛ لفائدة الاستشفاء به.
والمتولّد بين نجس العين وطاهرها يتبع الاسم.
الشرط الثاني : المنفعة.
مسألة ١٤ : لا يجوز بيع ما لا منفعة فيه ؛ لأنّه ليس مالاً ، فلا يؤخذ في مقابلته المال ، كالحبّة والحبّتين من الحنطة ، ولا نظر إلى ظهور الانتفاع إذا انضمّ إليها أمثالها ، ولا إلى أنّها قد توضع في الفخّ(٢) أو تُبذر. ولا فرق بين زمان الرخص والغلاء. ومع هذا فلا يجوز أخذ حبّة من صُبْرة الغير ، فإن اُخذت ، وجب الردّ ، فإن تلفت ، فلا ضمان ؛ لأنّه لا ماليّة لها.
وهذا كلّه للشافعي أيضاً ، وفي وجهٍ آخر له : جواز بيعها وثبوت مثلها في الذمّة(٣) . وليس بجيّد.
مسألة ١٥ : لا يجوز بيع ما لا ينتفع به من الحيوانات ، كالخفّاش والعقارب والحيّات وبنات وردان والجِعْلان والقنافذ واليرابيع ؛ لخسّتها ، وعدم التفات نظر الشرع إلى مثلها في التقويم ، ولا تثبت الملكيّة لأحدٍ عليها ، ولا اعتبار بما يورد في الخواصّ من منافعها ، فإنّها مع ذلك لا تعدّ مالاً. وكذا عند الشافعي(٤) .
____________________
(١) كما في شرائع الإسلام ٢ : ٩.
(٢) الفخُّ : المصيدة الصحاح ١ : ٤٢٨ « فخخ »
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٦ ، المجموع ٩ : ٢٣٩ - ٢٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨.
(٤) الوجيز ١ : ١٣٣ - ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨ ، المجموع ٩ : ٢٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩ ، منهاج الطالبين : ٩٤.
وفي السباع التي لا تصلح للصيد عنده وجهان ؛ لمنفعة جلودها(١) .
أمّا العَلَق : ففي بيعه لمنفعة امتصاص الدم إشكال.
وأظهر وجهي الشافعي وأحمد : الجواز(٢) .
وكذا ديدان القزّ تُترك في الشصّ(٣) فيصاد بها السمك(٤) .
والأقرب عندي : المنع - وهو أحد الوجهين لهما(٥) - لندور الانتفاع ، فأشبه ما لا منفعة فيه؛ إذ كلّ شيء فله نفعٌ مّا.
ومَنَع الشافعي من بيع الحمار الزَّمن(٦) .
وليس بجيّد ؛ للانتفاع بجلده.
مسألة ١٦ : ما أسقط الشارع منفعته لا نفع له ، فيحرم بيعه ، كآلات الملاهي ، مثل العود والزمر ، وهياكل العبادة ، المبتدعة ، كالصليب والصنم ، وآلات القمار ، كالنرد والشطرنج إن كان رُضاضها(٧) لا يُعدّ مالاً ، وبه قال الشافعي(٨) .
وإن عُدّ مالاً ، فالأقوى عندي : الجواز مع زوال الصفة المحرّمة.
____________________
(١) الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨ و ٢٩ ، المجموع ٩ : ٢٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩.
(٢) الوسيط ٣ : ٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩ ، المجموع ٩ : ٢٤١ و ٢٤٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠ ، المغني ٤ : ٣٢٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١٠.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩ ، حلية العلماء ٤ : ٧٢ ، المجموع ٩ : ٢٤٨ ، المغني ٤ : ٣٢٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١٠.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩ ، المجموع ٩ : ٢٤١ ، المغني ٤ : ٣٢٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١٠.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩ - ٣٠ ، المجموع ٩ : ٢٤١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠.
(٧) رُضاض الشيء : كُساره لسان العرب ٧ : ١٥٤ « رضض »
(٨) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠ ، المجموع ٩ : ٢٥٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠.
وللشافعي ثلاثة أوجه : الجواز مطلقاً ؛ لما يتوقّع في المآل. والفرق بين المتّخذة من الخشب ونحوه والمتّخذة من الجواهر النفيسة. والمنع - وهو أظهرها - لأنّها آلات المعصية لا يقصد بها سواها(١) .
أمّا الجارية المغنّية إذا بِيعت بأكثر ممّا يرغب فيها لو لا الغناء : فالوجه : التحريم - وبه قال أحمد والشافعي في أحد الوجوه(٢) - لقول النبيّصلىاللهعليهوآله : « لا يجوز بيع المغنّيات ولا أثمانهنّ ولا كسبهنّ »(٣) .
وسُئل الصادقعليهالسلام عن بيع جواري(٤) المغنّيات ، فقال : « شراؤهنّ وبيعهنّ حرام ، وتعليمهنّ كفر ، واستماعهنّ نفاق »(٥) .
ولأنّه بذل للمعصية.
والثاني : يبطل إن قصد الغناء ، وإلّا فلا.
والثالث - وهو القياس - : يصحّ(٦) .
ولو بيعت على أنّها ساذجة ، صحّ.
مسألة ١٧ : يصحّ بيع الماء المملوك ؛ لأنّه طاهر ينتفع به لكن يكره ، وسيأتي.
____________________
(١) الوسيط ٣ : ٢٠ - ٢١ ، وفيه الأظهر هو التفصيل. العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠ ، المجموع ٩ : ٢٥٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠.
(٢) المغني ٤ : ٣٠٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٦ - ٤٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠ ، المجموع ٩ : ٢٥٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠.
(٣) أورد نصّه ابنا قدامة في المغني ٤ : ٣٠٧ ، والشرح الكبير ٤ : ٤٧ ، وفي سنن ابن ماجة ٢ : ٧٣٣ / ٢١٦٨ ما بمعناه.
(٤) في الكافي والتهذيب : الجواري.
(٥) الكافي ٥ : ١٢٠ / ٥ ، التهذيب ٦ : ٣٥٦ / ١٠١٨ ، الاستبصار ٣ : ٦١ / ٢٠١.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠ ، المجموع ٩ : ٢٥٤.
وهل يجوز بيعه على طرف النهر أو بيع التراب والحجارة حيث يعمّ وجودها؟ للشافعي وجهان : الجواز - وبه نقول - لظهور منفعته. والمنع ؛ لأنّه سفه(١) .
وكذا يجوز بيع كلّ ما يعمّ وجوده وهو مملوك ينتفع به.
مسألة ١٨ : يجوز بيع لبن الآدميّات عندنا - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّه طاهر ينتفع به ، كلبن الشاة. ولجواز أخذ العوض عليه في إجارة الظئر.
وقال أبو حنيفة ومالك : لا يجوز - وعن أحمد روايتان كالمذهبين - وهو وجه للشافعيّة ؛ لأنّه مائع خارج من آدميّ ، فأشبه العرق. ولأنّه من آدميّ ، فأشبه سائر أجزائه(٣) .
والفرق : عدم نفع العرق ، ولهذا لا يباع عرق الشاة ويباع لبنها ، وسائر أجزاء الآدميّ يجوز بيعها ، كالعبد والأمة ، وإنّما حرم في الحُرّ ؛ لانتفاء المالك ، وحرم بيع المقطوع من العبد ؛ لعدم المنفعة.
مسألة ١٩ : يجوز بيع العبد الموصى بخدمته دائماً ، والبستان الموصى بنفعه مؤبّداً ؛ لفائدة الإعتاق والإرهان وجميع فوائدهما لو أسقط الموصى له حقّه ، ولا يجوز بيع ما لا نفع فيه ، كرطوبات الإنسان وفضلاته ،
____________________
(١) الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠ - ٣١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١ ، منهاج الطالبين : ٩٤ ، المجموع ٩ : ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٢) الوسيط ٣ : ٢٠ ، الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١ ، حلية العلماء ٤ : ٦٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١ ، المجموع ٩ : ٢٥٤ ، المغني ٤ : ٣٣٠ ، الشرح الكبير ٤ : ١٤ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٤٥.
(٣) بدائع الصنائع ٥ : ١٤٥ ، حلية العلماء ٤ : ٦٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١ ، المجموع ٩ : ٢٥٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١ ، المغني ٤ : ٣٣٠ ، الشرح الكبير ٤ : ١٤ ، الوسيط ٣ : ٢٠.
كشعره وظفره ، عدا اللبن على ما تقدّم(١) .
الشرط الثالث : الملك.
فلا يصحّ بيع المباحات وما يشترك فيه المسلمون قبل حيازته ، مثل : الكلإ ، والماء ، والحطب قبل حيازتها إجماعاً.
ولو كانت في ملكه ، فالوجه : أنّها له - وسيأتي - فيصحّ بيعها.
وعن أحمد روايتان(٢) .
فإن قلنا بالصحّة فباع الأرض ، لم يدخل الكلأ ولا الماء إلّا أن ينصّ عليهما ؛ لأنّهما(٣) بمنزلة الزرع.
وكذا لا يصحّ بيع السمك قبل اصطياده ، ولا الوحش قبل الاستيلاء عليه.
مسألة ٢٠ : لا يصحّ بيع الأرض الخراجيّة ؛ لأنّها ملك المسلمين قاطبة لا يتخصّص بها أحد. نعم ، يصحّ بيعها تبعاً لآثار المتصرّف.
وفي بيع بيوت مكة إشكال ، المرويّ : المنع - وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري وأبو عبيد(٤) ، وكرهه إسحاق(٥) - لقولهعليهالسلام في مكة : « لا تُباع رباعها ولا تُكرى بيوتها »(٦) .
____________________
(١) في المسألة السابقة (١٨).
(٢) المغني ٤ : ٣٣٥ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٤.
(٣) في « ق ، ك » : لأنّه.
(٤) بدائع الصنائع ٥ : ١٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٥ ، المجموع ٩ : ٢٤٨ ، حلية العلماء ٤ : ٦٩ - ٧٠ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٨٥ ، الوسيط ٧ : ٤٢ ، المغني ٤ : ٣٣٠ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٢.
(٥) المغني ٤ : ٣٣٠ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٢.
(٦) نقله ابنا قدامة في المغني ٤ : ٣٣٠ ، والشرح الكبير ٤ : ٢٢ عن الأثرم. ونحوه في سنن البيهقي ٦ : ٣٥.
ولأنّها فُتحت عنوةً ؛ لقولهعليهالسلام : « إنّ الله حبس عن مكة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين ، وأنّها لم تحلّ لأحد قبلي ولا تحلّ لأحد بعدي ، وإنّما اُحلّت لي ساعة من نهار »(١) .
وفي قولٍ لنا : الجواز - وبه قال طاوُس وعمرو بن دينار والشافعي وابن المنذر ، وعن أحمد روايتان(٢) - لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لمـّا قيل له : أين تنزل غداً؟ قال : « وهل ترك لنا عقيل من رِباع(٣) ؟»(٤) يعني أنّ عقيلاً باع رِباع أبي طالب ؛ لأنّه ورثه دون إخوته ، ولو كانت غير مملوكة لما أثّر بيع عقيل شيئا. وباع جماعةٌ من الصحابة منازلَهم ولم يُنكَر عليهم. ونزل سفيان بعض رِباع مكة فهرب ولم يُعطهم اُجرةً ، فأدركوه فأخذوها منه(٥) .
فروع :
أ - الخلاف في غير مواضع النسك ، أمّا بقاع المناسك - كبقاع السعي
____________________
(١) صحيح البخاري ١ : ٣٩ ، و ٩ : ٦ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٨٨ و ٩٨٩ / ٤٤٧ و ٤٤٨ ، سنن أبي داوُد ٢ : ٢١٢ / ٢٠١٧ ، سنن البيهقي ٨ : ٥٢ ، مسند أحمد ٢ : ٤٧٢ / ٧٢٠١ بتفاوت ، ونصّه في المغني ٤ : ٣٣٠ ، والشرح الكبير ٤ : ٢٣.
(٢) المغني ٤ : ٣٣٠ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٢ - ٢٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٦٩ ، المجموع ٩ : ٢٤٨ ، الوسيط ٧ : ٤٢ ، الوجيز ٢ : ١٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٥ - ٤٥٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٩ ، حلية العلماء ٤ : ٦٩ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٨٥ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٤٦ ، التفسير الكبير ٢٣ : ٢٤ ، الجامع لأحكام القرآن ١٢ : ٣٣.
(٣) الرَّبْعُ : الدار بعينها حيث كانت. وجمعها : رِباع ورُبوع وأرباع وأربُع. الصحاح ٣ : ١٢١١ « ربع ».
(٤) صحيح البخاري ٢ : ١٨١ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٨٤ ، ١٣٥١ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩١٢ / ٢٧٣٠ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٦٠٢.
(٥) المغني ٤ : ٣٣١ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٣.
والرمي وغيرهما - فحكمها حكم المساجد.
ب - الوجه : أنّه يجوز إجارة بيوت مكة.
وقال الشيخ : لا يجوز لأحدٍ منع الحاجّ عن دُوْرها ؛ لقوله تعالى :( سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ ) (١) (٢) .
وفيه نظر.
ج - إذا بنى بمكة بآلة مجتلبة من غير أرض مكة ، جاز بيعها ، كما يجوز بيع أبنية الوقوف إجماعاً. وإن كانت من تراب الحرم وحجارته ، فعلى الخلاف.
مسألة ٢١ : ولا يجوز بيع الحُرّ بالإجماع ؛ لقول النبيّصلىاللهعليهوآله : « ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة : رجل أعطى ثمّ غدر ، ورجل باع حرّا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره»(٣) .
ولو سرقه فباعه ، قطع ( لإفساده ، لا حدّا )(٤) .
مسألة ٢٢ : يشترط في الملك التماميّة ، فلا يصحّ بيع الوقف ؛ لنقص الملك فيه ، إذ القصد منه التأبيد. نعم ، لو كان بيعه أعود عليهم ؛ لوقوع خُلْف بين أربابه ، وخشي تلفه أو ظهور فتنة بسببه ، جوّز أكثر علمائنا بيعه ، خلافاً للجمهور ، وسيأتي.
ولا يصحّ بيع اُمّ الولد بالإجماع وعندنا إلّا في ثمن رقبتها إذا كان دَيْناً على مولاها ، ولا وجه له سواها. وفي اشتراط موته حينئذٍ خلاف ؛ لما رواه
____________________
(١) الحجّ : ٢٥.
(٢) النهاية : ٢٨٤ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٨٤.
(٣) صحيح البخاري ٣ : ١١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٨١٦ / ٢٤٤٢.
(٤) ما بين القوسين لم يرد في « ق ، ك »
أبو بصير عن الصادقعليهالسلام في رجل اشترى جاريةً فوطئها(١) فولدت له فمات ، قال : « إن شاؤا أن يبيعوها باعوها في الدَّيْن الذي يكون على مولاها من ثمنها ، فإن كان لها ولد قُوّمت على ولدها من نصيبه ، وإن كان ولدها صغيراً انتظر(٢) به حتى يكبر ثمّ يجبر على قيمتها ، فإن مات ولدها بِيعت في الميراث إن شاء الورثة »(٣) .
ولو مات ولدها ، جاز بيعها مطلقاً ؛ لهذه الرواية. وكذا لو كانت مرهونةً ، وسيأتي.
ولا يصحّ بيع الرهن ؛ لتعلّق حقّ المرتهن به ، ونقصان ملك الراهن ما لم يجز المرتهن ؛ لأنّ الحقّ لا يَعْدُوهما بلا خلاف.
ولو باع ولم يعلم المرتهن ففكّ ، لزم البيع ؛ لانتفاء المعارض ، ومَنْ أبطل بيع الفضولي لزمه الإبطال هنا.
مسألة ٢٣ : الأقوى بين علمائنا صحّة بيع الجاني ، سواء كانت جنايته عمداً أو خطأً ، أوجبت القصاص أولا ، على النفس أو ما دونها - وبه قال أبو حنيفة وأحمد والشافعي في أحد قوليه(٤) - لأنّه حقّ غير مستقرّ في [ الجاني ](٥) يملك أداءه من غيره ، فلم يمنع البيع ، كالزكاة ، ولو أوجبت
____________________
(١) « ق ، ك » و الطبعة الحجريّة بدل « فوطئها » : « يطؤها » و ما أثبتناه من المصدر
(٢) في المصدر : ينتظر
(٣) التهذيب ٧ : ٨٠ / ٣٤٤.
(٤) بدائع الصنائع ٥ : ١٥٦ ، المغني ٤ : ٢٧٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢ ، مختصر المزني : ٨٣ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٦٣ - ٢٦٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٩٤ ، الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨ - ٣٩ ، حلية العلماء ٤ : ٢٧٨.
(٥) ورد في « ق ، ك » و الطبعة الحجرية بدل « الجاني » : « الحال » و ذاك تصحيف ، وما أثبتناه هو الصحيح
قصاصاً ، فهو يرجى سلامته ويخشى تلفه ، فأشبه المريض.
وقال بعض علمائنا : لا يصحّ بيعه(١) . وهو القول الآخر للشافعي ؛ لأنّه تعلّق برقبته حقّ آدميّ فمنع صحّة بيعه ، كالرهن ، بل حقّ الجناية آكد ؛ لتقدّمها عليه(٢) .
والفرق : أنّ الحقّ منحصر في الرهن لا يملك سيّده إبداله ، ثبت فيه برضاه وثيقة الدّين ، فلو أبطله بالبيع ، بطل حقّ الوثيقة ، الذي التزمه برضاه.
وللشافعي قول ثالث : وقوعه موقوفاً إن فدى لزم ، وإلّا فلا(٣) .
إذا عرفت هذا ، فإن باعه وأوجبت الأرش أو القود فعفي إلى مال ، فداه السيّد بأقلّ الأمرين عند أكثر علمائنا ، وعند الباقين بالأرش ، ويزول الحقّ عن رقبة العبد ببيعه ؛ لأنّ الخيار للسيّد ، فإذا باعه فقد اختار الفداء ، فيتعيّن عليه ، ولا خيار للمشتري ؛ لعدم الضرر ؛ فإنّ الرجوع على غيره.
هذا مع يسار المولى ، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وبعض الشافعيّة(٤) .
وقال بعضهم : لا يلزم السيّد فداؤه ؛ إذ أكثر ما فيه أنّه التزم الفداء ، فلا يلزمه ، كما لو قال الراهن : أنا أقضي الدَّيْن من غير(٥) الرهن(٦) .
والفرق : أنّه أزال ملكه عن الجاني ، فلزمه الفداء ، كما لو قتله ، بخلاف الرهن.
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٣٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٩٤ ، حلية العلماء ٤ : ٢٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٦ ، المغني ٤ : ٢٧٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٦.
(٤) المغني ٤ : ٢٧٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٠٩.
(٦) المغني ٤ : ٢٧٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٠٩.
وإن كان معسراً ، لم يسقط حقّ المجنيّ عليه من الرقبة ما لم يجز البيع أوّلاً ، فإنّ البائع إنّما يملك نقل حقّه عن رقبته بفدائه ولا يحصل من ذمّة المعسر ، فيبقى الحقّ مقدّماً على حقّ المشتري ، ويتخيّر المشتري الجاهل في الفسخ ، فيرجع بالثمن معه أو مع الاستيعاب ؛ لأنّ أرش مثل هذا جميع ثمنه. وإن لم تستوعب ، رجع بقدر أرشه. ولو علم تعلّق الحقّ به ، فلا رجوع.
ولو اختار المشتري الفداء ، فله ، والبيع بحاله ؛ لقيامه مقام البائع في التخيّر ، وحكمه في الرجوع فيما فداه به على البائع حكم قضاء الدَّيْن عنه.
وللشافعي في المعسر قولان : البطلان ؛ صيانةً لحقّ المجنيّ عليه ، وإثبات الخيار للمجنيّ عليه ، فينفسخ البيع ويُباع في الجناية(١) .
وإن أوجبت قصاصاً ، تخيّر المشتري الجاهل بين الردّ والأرش ، فإن اقتصّ منه ، احتمل تعيّن الأرش ، وهو قسط قيمة ما بينه جانياً وغير جانٍ ، ولا يبطل البيع من أصله - وبه قال أحمد وبعض الشافعيّة(٢) - لأنّه تلف عند المشتري بالعيب الذي كان فيه ، فلم يوجب الرجوع بجميع الثمن ، كالمريض والمرتدّ.
وقال أبو حنيفة والشافعي : يرجع بجميع الثمن ؛ لأنّ تلفه لمعنىً استحقّ عليه عند البائع ، فجرى مجرى إتلافه(٣) .
وينتقض بالردّة والمرض ، والتلف غير الإتلاف.
ولو أوجبت قطع عضو فقُطع عند المشتري ، فقد تعيّب في يده ؛ فإنّ
____________________
(١) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.
(٢) المغني ٤ : ٢٧٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٠٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢١٨.
(٣) المغني ٤ : ٢٧٤ - ٢٧٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٠٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢١٨.
استحقاق القطع دون حقيقته.
وفي منع ردّه بعيبه إشكال.
وعن أحمد روايتان(١) .
ولو اشتراه عالماً بعيبه ، فلا ردّ ولا أرش ، وبه قال الشافعي وأحمد(٢) .
مسألة ٢٤ : المرتدّ إن كان عن فطرة ، ففي صحّة بيعه نظر ينشأ من تضادّ الحكمين ، ومن بقاء الملك ، فإنّ كسبه لمولاه. أمّا عن غير فطرة ، فالوجه : صحّة بيعه ؛ لعدم تحتّم قتله ، لاحتمال رجوعه إلى الإسلام.
وكذا القاتل في المحاربة إذا تاب قبل القدرة عليه ، فإن لم يتب إلّا بعدها ، فالأقرب : صحّة بيعه ؛ لأنّه قِنٌّ يصحّ إعتاقه ويملك استخدامه ، فصحّ بيعه ، كغير القاتل. ولإمكان الانتفاع به إلى حين القتل ويعتق فينجرّ ولاء أولاده ، فصحّ بيعه ، كالمريض المأيوس من برئه.
ويحتمل العدم ؛ لتحتّم قتله وإتلاف ماليّته وتحريم إبقائه ، فصار بمنزلة ما لا نفع فيه ، والمنفعة [ المفضية ](٣) إلى قتله لا يتمهّد بها محلّاً للبيع ، كمنفعة الميتة في سدّ بَثْقٍ(٤) وإطعام كلبٍ.
والأقوى الأوّل ؛ لثبوت أحكام الحياة ، ووجوب القتل غير مانع ، كمرض المأيوس من بُرئه ، والميتة لم يكن لها نفعٌ سابقٌ ولا لاحقٌ.
____________________
(١ و ٢) المغني ٤ : ٢٧٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٠٩.
(٣) ورد بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : التامة. ولم نتحصّل لها معنىً هنا. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٤) كذا ، والظاهر : « رمق » بدل « بثق ». والبثق : موضع كسر شطّ النهر لينشقّ الماء. لسان العرب ١٠ : ١٣ «بثق ».
وللحنابلة قولان(١) كالوجهين.
مسألة ٢٥ : لا يجوز بيع المكاتب ؛ لانتفاء السلطنة عليه إلّا بالاستيفاء ، سواء كان مطلقاً أو مشروطاً ما لم يعجز المشروط ، فإن عجز ، ففي اشتراط تقديم الفسخ إشكال.
ويصحّ بيع المدبَّر ؛ لبقاء الملك فيه ، ويبطل تدبيره حينئذٍ ، خلافاً للشيخ(٢) ، وسيأتي.
وكذا يصحّ بيع الموصى به.
أمّا الموهوب مع جواز الرجوع وذو الخيار : فإنّه يوجب فسخ السابق.
وهل يصحّ؟ قال بعض علمائنا : نعم(٣) . وهو الأقوى ، وإلّا لم يكن مبطلاً ؛ إذ لا أثر للفاسد ، فيتضمّن الحكمين.
وقال بعضهم بالنفي ؛ لعدم مصادفة الملك(٤) .
مسألة ٢٦ : العبد إن لم يكن مأذوناً له في التجارة ، لم يمض بيعه ولا شراؤه بعين المال ؛ لأنّه تصرّف في ملك الغير بغير إذنه.
وهل يقع باطلاً أو موقوفاً على رضا السيّد؟ الأقرب عندي : الثاني - وهو أحد وجهي الحنابلة(٥) - كالفضولي.
والآخر : البطلان ؛ لأنّه تصرّف من المحجور عليه(٦) .
وأمّا الشراء بثمن في الذمّة : فالأقوى المنع ، لأنّه لو صحّ ، فإمّا أن
____________________
(١) المغني ٤ : ٢٧٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٣.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٦ : ١٧١.
(٣) كما في شرائع الإسلام ٢ : ٢٣١.
(٤) انظر : شرائع الإسلام ٢ : ٢٣١.
(٥ و ٦) المغني ٤ : ٣٢٢.
يثبت الملك له ، وهو ليس أهلاً له ، أو لسيّده فإمّا بعوضٍ على السيّد وهو لم يرض به ، أو على العبد فكيف يحصل أحد العوضين لغير مَنْ يلزمه الثاني!؟
ويحتمل الصحّة ؛ لتعلّقه بالذمّة ولا حجر على ذمّته.
وللشافعي قولان(١) .
فإن قلنا بها ، احتمل أن يكون للسيّد ؛ لأنّه أحقّ بما في يد عبده منه ، كالصيد. والبائع إن علم رقّه ، انتظر العتق ، وليس له الرجوع في العين فيكون كهلاكه في يد العبد. وإن جهل فإن شاء صبر ، وإن شاء فسخ ، ورجع في العين ؛ لإعساره. وأن يكون للعبد ، فللسيّد إقراره عليه وانتزاعه ، وللبائع الرجوع في عين المبيع ما دام في يد العبد. وإن تلف في يد العبد ، صبر إلى العتق. وإن انتزعه السيّد ، ملكه ؛ لما مرّ.
وهل يرجع البائع؟ وجهان للشافعي(٢) .
والأقرب عندي : الرجوع مع الجهل برقّه لا مع العلم.
وإن تلف ، استقرّ الثمن في ذمّته دون السيّد مع العلم بالرقّ. وفي الجهل إشكال.
وإن قلنا بالبطلان ، فللبائع أخذه من يد السيّد أو العبد. وإن كان تالفاً ، فله القيمة أو المثل ، فإن تلف في يد السيّد ، رجع عليه ؛ لتلف ماله في يده ، وإن شاء انتظر العتق ؛ لأنّه الآخذ.
وإن تلف في يد العبد ، فالرجوع عليه يتبع به بعد العتق ، وبه قال الشافعي(٣) ، وهو إحدى روايتي أحمد. وفي الاُخرى : يتعلّق برقبته(٤) .
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٣.
(٤) المغني ٤ : ٣٢٣.
واقتراض العبد كشرائه.
وأمّا المأذون له فيصحّ تصرّفه فيما أذن له فيه ، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
الشرط الرابع : القدرة على التسليم.
وهو إجماع في صحّة البيع ليخرج البيع عن أن يكون بيعَ غررٍ.
والقدرة قد تنتفي حسّاً كالآبق ، وشرعاً كالرهن.
والمشهور عند علمائنا أنّه لا يصحّ بيع الآبق منفرداً وإن عرفا مكانه - وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي(١) - لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن بيع الغرر(٢) ، وهذا غرر.
وفي الصحيح عن رفاعة عن الكاظمعليهالسلام ، قلت له : يصلح لي أن أشتري من القوم الجارية الآبقة فاُعطيهم الثمن وأطلبها أنا؟ فقال : « لا يصلح شراؤها إلّا أن تشتري معها منهم شيئاً ثوباً أو متاعاً فتقول لهم : أشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهماً ، فإنّ ذلك جائز»(٣) .
____________________
(١) المدوّنة الكبرى ٤ : ١٥٥ ، المنتقى - للباجي - ٥ : ٤١ ، مختصر المزني : ٨٧ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٢٦ ، الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٠ ، المجموع ٩ : ٢٨٤ ، حلية العلماء ٤ : ٨٢ - ٨٣ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣ ، منهاج الطالبين : ٩٤ ، المغني ٤ : ٢٩٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٧.
(٢) صحيح مسلم ٣ : ١١٥٣ / ١٥١٣ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٣٩ / ٢١٩٥ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٣٢ / ١٢٣٠ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٥٤ / ٣٣٧٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٣٨ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٥١ ، الموطّأ ٢ : ٦٦٤ / ٧٥ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٦ : ١٣٢ / ٥٥٠ و ٥٥٣ ، مسند أحمد ١ : ٤٩٧ / ٢٧٤٧ ، و ٢ : ٣١٢ / ٦٢٧١ و ٣٣٢ / ٦٤٠١.
(٣) الكافي ٥ : ١٩٤ / ٩ ، التهذيب ٧ : ١٢٤ / ٥٤١.
ولأنّه غير مقدور على تسليمه ، فأشبه الطير في الهواء.
وقال بعض علمائنا بالجواز(١) ، وبه قال شريح وابن سيرين(٢) - واشترى ابن عمر من بعض ولده بعيراً شارداً(٣) - لأنّه مملوك ، فصحّ.
فروع :
أ - لو باع الآبقَ على مَنْ هو في يده أو على مَنْ يتمكّن من أخذه ، صحّ ؛ لانتفاء المانع.
ب - لو باع الآبقَ منضمّاً إلى غيره ، صحّ ، فإن لم يظفر به ، لم يكن له رجوع على البائع بشيء ، وكان الثمن في مقابلة الضميمة ؛ لقول الصادقعليهالسلام : « فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى منه »(٤) .
ج - الضالّ يمكن حمله على الآبق ؛ لثبوت المقتضي ، وهو : تعذّر التسليم. والعدم ؛ لوجود المقتضي لصحّة البيع ، وهو العقد. فعلى الأوّل يفتقر إلى الضميمة ، ولو تعذّر تسليمه ، كان الثمن في مقابلة الضميمة.
وعلى الثاني لا يفتقر ، ويكون في ضمان البائع إلى أن يسلّمه أو يسقط عنه.
ومَنَع الشافعي من بيع الضالّ كالآبق ؛ لتعذّر التسليم(٥) (٦) .
____________________
(١) السيّد المرتضى في الانتصار : ٢٠٩.
(٢) المحلّى ٨ : ٣٩١ ، المغني ٤ : ٢٩٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٧ ، حلية العلماء ٤ : ٨٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٢٦.
(٣) المحلّى ٨ : ٣٩١ ، المغني ٤ : ٢٩٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٧.
(٤) الفقيه ٣ : ١٤٢ / ٦٢٢ ، التهذيب ٧ : ١٢٤ / ٥٤٠.
(٥) في « ك » زيادة : حسّاً.
(٦) الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٢٦ ، المجموع ٩ : ٢٨٤ ، منهاج الطالبين : ٩٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣.
مسألة ٢٧ : لا يصحّ بيع السمك في الماء ، وهو قول أكثر العلماء ، كالإماميّة والشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد والحسن والنخعي وأبي يوسف وأبي ثور(١) ، ولا نعلم لهم مخالفاً.
وإنّما يصحّ بشروط ثلاثة : كونه مملوكاً ، وكون الماء رقيقاً لا يمنع المشاهدة ، وإمكان صيده.
فإن كان في بِرْكَة لا يمكنه الخروج منها وهي صغيرة ، صحّ البيع - وبه قال الشافعي(٢) - لإمكان التسليم فيه.
ولو كانت البِرْكَة كبيرةً واحتيج في أخذه إلى تعبٍ شديد ، فالأقوى صحّة البيع ، وهو أضعف وجهي الشافعي(٣) .
والأظهر عنده : المنع كالآبق(٤) .
والفرق : علم القدرة مع المشقّة هنا.
ولو كان في أجَمَة ، لم يجز بيعه ، عند أكثر العلماء(٥) .
وقال ابن أبي ليلى وعمر بن عبد العزيز فيمن له أجَمَة يحبس السمك فيها : يجوز بيعه ؛ لأنّه يقدر على تسليمه ظاهراً ، فأشبه ما يحتاج إلى مؤونة في كيله ونقله(٦) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٠ ، المجموع ٩ : ٢٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦ ، حلية العلماء ٤ : ٨٢ - ٨٣ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٢٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٤ ، الجامع الصغير - للشيباني - : ٣٢٨ ، المغني ٤ : ٢٩٤ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٧ - ٢٨ ، الخراج - لأبي يوسف - : ٨٧.
(٢) الحاوي الكبير ٥ : ٣٢٧ ، المجموع ٩ : ٢٨٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦.
(٣ و ٤ ) المجموع ٩ : ٢٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٤.
(٥) المغني ٤ : ٢٩٤ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٧.
(٦) المغني ٤ : ٢٩٤ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٨.
وهو خطأ ؛ لأنّه مجهول ، فأشبه بيع اللبن في الضرع.
ولو ضمّه مع القصب ، فأقوى الوجهين لنا : البطلان ، إلّا مع العلم بهما وإمكان التسليم.
وروي لنا : الجواز(١) .
مسألة ٢٨ : لا يصحّ بيع الطير في الهواء ، سواء كان مملوكاً أو غيره إجماعاً ؛ لأنّه في المملوك وغيره غرر وقد نهى النبيّصلىاللهعليهوآله عن الغرر(٢) ، وفُسِّر بأنّه بيع السمك في الماء والطير في الهواء(٣) .
ولو باع الحمام المملوك وهو طائر ، فإن كان يألف الرجوع ، فالأقوى : الجواز - وهو أضعف وجهي الشافعي(٤) - للقدرة على التسليم ، كالعبد المنفذ في شغلٍ.
والأقوى عنده : المنع - وبه قال أحمد - إذ لا قدرة في الحال ، وليس له وازع يوثق به(٥) .
وينتقض بالغائب ؛ فإنّه غير مقدور عليه في الحال.
وإن كان في البُرْج ، قال الشيخ : إن كان مفتوحاً ، لم يصحّ بيعه ؛ لأنّه إذا قدر على الطيران لم يمكن تسليمه - وبه قال الشافعي وأحمد(٦) - وإن كان مغلقاً ، جاز(٧) إجماعاً.
____________________
(١) كما في المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٥٧ ، والسرائر : ٢٣٣.
(٢) اُنظر : المصادر في الهامش (٢) من ص ٤٨.
(٣) كما في المغني ٤ : ٢٩٤ ، والشرح الكبير ٤ : ٢٧.
(٤ و ٥) الحاوي الكبير ٥ : ٣٢٦ ، المجموع ٩ : ٢٨٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦ ، المغني ٤ : ٢٩٤ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٧.
(٦) المجموع ٩ : ٢٨٤ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٨ ، المغني ٤ : ٢٩٤ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٧.
(٧) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٥٧.
مسألة ٢٩ : لو باع ماله المغصوب ، فإن كان يقدر على استرداده وتسليمه ، صحّ البيع - كالوديعة - إجماعاً. وإن لم يقدر ، لم يصحّ بيعه ممّن لا يقدر على انتزاعه من يد الغاصب - وبه قال الشافعي(١) - لعدم القدرة على التسليم.
ولو باعه ممّن يقدر على انتزاعه من يده ، فالأقوى عندي : الصحّة - وهو أصحّ وجهي الشافعي(٢) - لأنّ القصد الحصول للمشتري.
والأضعف : البطلان ؛ لعجز البائع(٣) .
وعلى قولنا إن علم المشتري حال البيع ، فلا خيار له. وبه قال الشافعي(٤) .
ولو عرض له عجز ، فكذلك - وهو أحد وجهي الشافعي(٥) - لسقوطه حال البيع ، فلا يتجدّد بعده ؛ لعدم موجبه.
والآخر : الثبوت(٦) .
وإن جهل ، فله الخيار ؛ إذ ليس عليه تحمّل كلفة الانتزاع.
ولو علم بالغصب وعجز البائع فاشتراه كذلك ، فالوجه عندي : الصحّة ، ولا خيار له ، سواء قدر على انتزاعه أو لا.
مسألة ٣٠ : لو باع عضواً من عبد أو شاة ، لم يصحّ ؛ لتعذّر التسليم حسّاً ؛ إذ لا يمكن إلّا بفصله ، وهو يفسد ماليّته أو ينقصها. وكذا لو باع
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٠ ، المجموع ٩ : ٢٨٥ ، الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٤ ، منهاج الطالبين : ٩٤.
(٢) الوسيط ٣ : ٢٤ ، الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥ ، المجموع ٩ : ٢٨٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٤ ، منهاج الطالبين : ٩٤ - ٩٥.
(٣) الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥ ، المجموع ٩ : ٢٨٥.
(٤ - ٦) المجموع ٩ : ٢٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٤.
نصفاً معيّناً من سيفٍ أو إناءٍ ؛ لأنّ التسليم لا يمكن إلّا بالقطع والكسر ، وفيه نقص وتضييع للمال ، وهو ممنوع منه. وكذا قال الشافعي(١) .
والوجه : اعتبار المصلحة ، فإن اقتضت فعله بأن يحتاج البائع إلى الثمن ، فيجوز أن ينقص ماليّة نفسه لمصلحته.
ولو باع نصفاً معيّناً من ثوبٍ ينقص قيمته بالقطع ، فالأقوى عندي : الجواز - وهو أضعف وجهي الشافعيّة(٢) - كما لو باع ذراعاً معيّناً من أرض.
وأظهرهما : المنع ؛ لحصول الضرر في التسليم(٣) .
ولو كان لا ينقص بالقطع ، جاز - وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٤) - لزوال المانع.
الشرط الخامس : العلم بالعوضين.
مسألة ٣١ : أجمع علماؤنا على أنّ العلم شرط فيهما ليعرف ما الذي ملك بإزاء ما بذل فينتفي الغرر ، فلا يصحّ بيع الغائب ما لم تتقدّم رؤيته مع عدم تغيّره أو وصفه وصفاً يرفع الجهالة - وبه قال الشعبي والنخعي والأوزاعي والحسن البصري وعبيد الله بن الحسن العنبري ومالك وإسحاق والشافعي في أصحّ القولين ، وأحمد في إحدى الروايتين(٥) - لنهيهعليهالسلام عن
____________________
(١) المجموع ٩ : ٣١٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٥ ، منهاج الطالبين : ٩٥ ، الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٥.
(٤) الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٥ ، منهاج الطالبين : ٩٥.
(٥) المغني ٤ : ٧٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٨ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٩ ، =
الغرر(١) .
ولأنّه باع ما لم يره ولم يُوصف فلم يصحّ ، كبيع النوى في التمر.
ولأنّه نوع بيع فلم يصحّ مع الجهل بصفة المبيع ، كالسلم.
وقال أبو حنيفة والشافعي في القول الثاني ، وأحمد في الرواية الثانية بالصحّة ، لقوله تعالى :( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) (٢) .
ولأنّه عقد معاوضة ، فلا تفتقر صحّته إلى رؤية المعقود عليه ، كالنكاح(٣) .
والآية ليست للعموم ؛ إذ ليست من صِيَغهِ. سلّمنا ، لكنّه مخصوص بما تقدّم.
والنكاح لا يقصد فيه المعاوضة ، ولا يفسد بفساد العوض ولا بترك ذكره ، ولا يدخله شيء من الخيارات ، وفي اشتراط لزومه مشقّة على المخدّرات وإضرارٌ بهنّ.
فروع :
أ - القائلون بالجواز اختلفوا ، فأثبت أبو حنيفة للمشتري خيار
____________________
= المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٠ ، المجموع ٩ : ٢٩٠ و ٣٠١ ، الوجيز ١ : ١٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥١ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٨٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥ ، منهاج الطالبين : ٩٥.
(١) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ٤٨ الهامش (٢).
(٢) البقرة : ٢٧٥.
(٣) المحلّى ٨ : ٣٤٢ ، المغني ٤ : ٧٧ - ٧٨ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٨ ، الوجيز ١ : ١٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥١ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٨٨ ، المجموع ٩ : ٣٠١ ، منهاج الطالبين : ٩٥ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٤ ، بداية المجتهد ٢ : ١٥٥.
الرؤية ، وهو رواية عن أحمد(١) . وفي الاُخرى : لا يثبت(٢) ، أمّا البائع فلا يثبت له عند أبي حنيفة خيار(٣) .
ب - من الشافعيّة مَنْ طرّد القولين فيما إذا لم يره البائع ، لأنّه المالك للتصرّف ، واجتناب هذا الغرر يسهل عليه(٤) .
والقولان في البيع والشراء يجريان في إجازة الغائب ، والصلح عليه ، وجَعْله رأسَ مال السَّلَم ، وفي صحّة إصداقه والخلع عليه ، وفي هبة الغائب ورهنه ، وهما أولى عندهم بالصحّة ؛ إذ ليسا من عقود المغابَنات(٥) .
وفي بيع الأعمى وشرائه طريقان ، أحدهما : أنّه على قولين. والثاني : القطع بالمنع(٦) . وقد تقدّم(٧) .
ج - يشترط رؤية ما هو مقصود بالبيع ، كداخل الثوب ، فلو باع ثوباً مطويّاً أو عيناً حاضرة لا يشاهد منها ما يختلف الثمن لأجله ، كان كبيع الغائب يبطل إن لم يوصف وصفاً يرفع الجهالة ، وهو قول المشترطين(٨) .
____________________
(١) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٣٢ ، المغني ٤ : ٧٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٩ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٩ ، بداية المجتهد ٢ : ١٥٥ ، حلية العلماء ٤ : ٨٨ ، المجموع ٩ : ٣٠١.
(٢) المغني ٤ : ٧٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٩ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٩.
(٣) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٣٣ ، المغني ٤ : ٨٢ - ٨٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٩.
(٤) المجموع ٩ : ٢٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥١.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢ ، المجموع ٩ : ٢٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧١ ، المجموع ٩ : ٣٠٢ - ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥ ، حلية العلماء ٤ : ٩٧.
(٧) تقدّم في ص ٢٤ ، المسألة ٧.
(٨) المغني ٤ : ٨٠ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٩.
ولو كان ممّا يستدلّ برؤية بعضه على الباقي ، كظاهر صُبْرة الحنطة والشعير ، صحّ البيع ؛ لأنّ الغالب عدم تفاوت أجزائها.
ثمّ إن خالف الظاهرُ الباطنَ ، فله الخيار ، وهو قول الشافعي(١) تفريعاً على اشتراط الرؤية.
وعنه قول آخر : إنّه لا تكفي رؤية ظاهر الصُّبْرة ، بل يجب تقليبها ليعلم حال باطنها(٢) .
وكذا صُبْرة الجوز واللوز والدقيق والمانعات في الظروف.
ولا تكفي رؤية ظاهر صُبْرة البطّيخ والرمّان وأعلى سلّة العنب والخوخ ؛ للتفاوت غالباً.
د (٣) - لو أراه أنموذجا وقال : بعتك من هذا النوع كذا ، فهو باطل ، إذ لم يعيّن مالا ولا وصف ، ولا يقوم ذلك مقام الوصف في السّلم ، وهو أصحّ وجهي الشافعي(٤) .
ه- لو أراه أنموذجاً وبنى أمر البيع عليه ، نُظر إن قال : بعتك من هذا النوع كذا ، فهو باطل؛ لأنّه لم يعيّن مالاً و [ لا ](٥) راعى شروط السَّلم ، ولا يقوم ذلك مقام الوصف في السَّلم - وهو أصحّ وجهي الشافعي(٦) - لأنّ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٦ ، المجموع ٩ : ٢٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٧ - ٣٨.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٦ ، حلية العلماء ٤ : ٩٩ ، المجموع ٩ : ٢٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٨.
(٣) لاحظ فرعي « د » و « ه » فإنّ الظاهر إنّهما متّحدان.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٧ ، المجموع ٩ : ٢٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٨.
(٥) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : « لو ». وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٦) اُنظر المصادر في الهامش (٤).
اللفظ والوصف يمكن الرجوع إليه عند الإشكال.
ولو قال : بعتك الحنطة التي في هذا البيت وهذا الاُنموذج منها ، فإن لم يدخل الاُنموذج في البيع ، لم يصحّ - وهو أصحّ وجهي الشافعي(١) - لأنّ المبيع غير مرئيّ ، ولا يمكن الرجوع إليه عند الإشكال ، بخلاف استقصاء الأوصاف.
والثاني : الصحّة ؛ تنزيلاً له منزلة استقصاء الوصف(٢) .
وإن أدخله ، صحّ على أصحّ وجهي الشافعي ، كما لو رأى بعض الصُّبْرة(٣) .
وعندي في الفرق إشكال.
و - لو كان البعض المرئي لا يدلّ على الباقي لكن كان صُواناً(٤) له خلقةً ، كقشر الرمّان والعَفْص ، كفَتْ رؤيته وإن كان المقصود مستوراً ؛ لأنّ صلاحه في بقائه فيه.
وكذا الجوز واللوز في قشرهما الأعلى - وهو قول الشافعي(٥) - ويباع بشرط الصحّة ، فإن ظهر معيباً بعد كسره ، فإن كان له حينئذٍ قيمة ، فللمشتري الأرش خاصّة ، وإلّا فله الثمن أجمع.
وهل يصحّ بيع اللبّ وحده؟ الأقرب عندي : جوازه ؛ للأصل السالم عن معارضة الغرر ؛ لأنّا إنّما نُجوّزه على تقدير ظهور الصحّة.
____________________
(١ - ٣ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٧ ، المجموع ٩ : ٢٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٨.
(٤) الصوان - بالضمّ والكسر - الوعاء الذي يُصان فيه الشيء لسان العرب ١٣ : ٢٥٠ « صون »
(٥) الوجيز ١ : ١٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٧ ، المجموع ٩ : ٢٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٨ - ٣٩ ، منهاج الطالبين : ٩٥.
وقال الشافعي : لا يجوز ؛ إذ لم يمكن تسليمه إلّا بكسر القشر ، وفيه تغيير عين المبيع(١) . وليس بجيّد.
ز - لا تكفي رؤية المبيع من وراء زجاجة مع قصور الرؤية ؛ إذ لا يتعلّق صلاحه بكونه فيها. ويجوز بيع الأرض المغشيّة بالماء إذا لم يمنع مشاهدتها.
مسألة ٣٢ : يشترط رؤية البائع والمشتري جميعاً أو وصفه لهما أو لأحدهما ورؤية الآخر ، فلو لم يرياه أو أحدهما ولا وصف له ، بطل.
والقائلون بصحّة البيع مع عدم الرؤية والوصف اختلفوا.
فذهب الشافعي إلى ثبوت الخيار للبائع ؛ لأنّه جاهل بصفة العقد ، فأشبه المشتري ، وبه قال أحمد(٢) .
وقال أبو حنيفة : لا خيار له ؛ لأنّا لو جعلنا له الخيار لثبت لتوهّم الزيادة ، والزيادة في المبيع لا تُثبت الخيار(٣) .
فروع :
أ - كلّ موضع يثبت الخيار إمّا مع الوصف عندنا أو مطلقاً عند المجوّزين فإنّما يثبت عند رؤية المبيع على الفور ؛ لأنّه خيار الرؤية ، فيثبت عندها ، وبه قال أحمد(٤) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٧ ، المجموع ٩ : ٢٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٩.
(٢) حلية العلماء ٤ : ٨٨ ، المغني ٤ : ٨٢ - ٨٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٩.
(٣) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٣٣ ، حلية العلماء ٤ : ٨٩ ، المغني ٤ : ٨٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٩.
(٤) المغني ٤ : ٨٠ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٩ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٩.
وله آخر : أنّه يتقيّد بالمجلس الذي وُجدت الرؤية فيه ؛ لأنّه خيار ثبت بمقتضى العقد من غير شرط ، فيقيّد بالمجلس ، كخيار المجلس(١) .
والوجهان للشافعيّة ، وأصحّهما عندهم : الثاني(٢) .
ب - لو اختار الفسخ قبل الرؤية مع الوصف عندنا ، لم يكن له ذلك ؛ إذ الفسخ منوط بالمخالفة بين الموجود والموصوف.
ومَنْ جوّز بيعه من غير وصف قال أحمد منهم : انفسخ ؛ لأنّ العقد غير لازم في حقّه ، فملك الفسخ ، كحالة الرؤية. وهو أصحّ وجهي الشافعي. وفي الآخر : لا ينفسخ(٣) .
ج - إذا اختار إمضاء العقد قبل الرؤية ، لم يلزم ؛ لتعلّق الخيار بالرؤية ، وبه قال أحمد والشافعي في أظهر الوجهين(٤) .
د - لو تبايعا بشرط عدم الخيار للمشتري ، لم يصحّ الشرط ، وبه قال أحمد والشافعي في أظهر الوجهين(٥) .
وهل يفسد البيع؟ الأقوى عندي : ذلك ، وسيأتي.
مسألة ٣٣ : يشترط في بيع خيار الرؤية وصف المبيع وصفاً يكفي
____________________
(١) المغني ٤ : ٨١ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٩ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٩.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧١ ، المجموع ٩ : ٢٩٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢.
(٣) المغني ٤ : ٨١ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٩ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٩ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٢.
(٤) المغني ٤ : ٨١ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٩ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٩ ، وانظر : المجموع ٩ : ٢٩٣.
(٥) المغني ٤ : ٨١ - ٨٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٩ ، ولم نعثر على قول الشافعي فيما بين أيدينا من المصادر.
في السَّلَم عندنا ، وإذا فعل ذلك ، صحّ البيع في قول أكثر العلماء(١) ؛ لانتفاء الجهالة بذكر الأوصاف ، فصحّ ، كالسَّلَم.
وعن أحمد والشافعي وجهان ، أحدهما : أنّه لا يصحّ حتى يراه ؛ لأنّ الصفة لا تحصل بها معرفة المبيع ، فلم يصحّ البيع بها(٢) .
ويمنع عدم المعرفة مع ذكر الأوصاف.
أمّا ما لا يصحّ السَّلَم فيه فلا يصحّ بيعه بالصفة ؛ لعدم ضبطه.
فروع :
أ - إذا وصفه ووجده على الصفة ، لم يكن له الفسخ ، عند علمائنا أجمع - وبه قال محمّد بن سيرين وأحمد وأيّوب ومالك والعنبري وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر(٣) - لأنّه سلم له المعقود بصفاته ، فلم يكن له خيار ، كالمسلم فيه. ولأنّه مبيع موصوف ، فلم يكن للعاقد فيه الخيار في جميع الأحوال ، كالسَّلَم.
وقال الثوري وأصحاب الرأي : له الخيار بكلّ حالٍ ؛ لأنّه يسمّى خيار الرؤية(٤) .
وللشافعيّة وجهان(٥) ، كالمذهبين.
____________________
(١) المغني ٤ : ٨٤ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٩.
(٢) المغني ٤ : ٨٤ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٩ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٩ ، المجموع ٩ : ٢٩١.
(٣) المغني ٤ : ٨٥ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٠ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٩ ، المدوّنة الكبرى ٤ : ٢٠٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٢.
(٤) المغني ٤ : ٨٥ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٠.
(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧١ ، المجموع ٩ : ٢٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢ ، المغني ٤ : ٨٥ - ٨٦ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٠.
و [ له ](١) خيار الرؤية إذا لم يجده على الوصف.
ب - لو وجده بخلاف الوصف ، فله الخيار قولاً واحداً ، ويسمّى خيار الخلف في الصفة ؛ لأنّه وجد الموصوف بخلاف الصفة ، فلم يلزمه ، كالسّلم.
ج - لو اختلفا فقال البائع : لم تختلف صفته. وقال المشتري : قد اختلفت ، قدّم قول المشتري؛ لأصالة براءة ذمّته من الثمن ، فلا يلزمه ما لم يقرّ به أو يثبت بالبيّنة.
مسألة ٣٤ : يصحّ بيع الغائب إذا كانا قد شاهداه ولا يتطرّق إليه التغيير غالباً ، كالأرض وأواني الحديد ، أو كان ممّا لا يتغيّر في المدّة المتخلّلة بين الرؤية والعقد ، ذهب إليه علماؤنا - وهو قول عامّة العلماء(٢) - لوجود المقتضي - وهو العقد - خالياً عن مفسدة الجهالة ، فيثبت الحكم ، كما لو شاهداه حالة العقد ؛ إذ الشرط العلمُ ، ولا يحصل بالمشاهدة زيادة فيه.
وللشافعي قول آخر : إنّه لا يصحّ ، واشترط مقارنة الرؤية للعقد - وهو رواية اُخرى عن أحمد ، وهو محكي عن الحكم وحمّاد - لأنّ ما كان شرطاً في صحّة العقد يجب أن يكون موجوداً حال العقد ، كالقدرة على التسليم(٣) .
والجواب : القول بالموجب ؛ فإنّ الشرط العلمُ ، وهو ثابت حال العقد.
وينتقض بما لو شاهدا داراً ووقفا في بيت منها وتبايعا ، أو أرضاً
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : كونه. والصحيح ما أثبتناه.
(٢) المغني ٤ : ٨٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٠.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧١ ، المجموع ٩ : ٢٩٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٥ ، المغني ٤ : ٨٩ - ٩٠ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٠.
ووقفا في طرفها ، صحّ إجماعاً مع عدم المشاهدة للكلّ في الحال.
فروع :
أ - لو رآه وقد تغيّر عمّا كان ، لم يتبيّن بطلان البيع - وهو أصحّ وجهي الشافعي(١) - لكن للمشتري الخيار. وإن لم يتغيّر ، لزم البيع قولاً واحداً.
ب - لو كان المبيع ممّا يتغيّر في مثل تلك المدّة غالباً ، لم يصحّ البيع ؛ لأنّه مجهول ، وبه قال الشافعي وأحمد(٢) .
وإن احتمل التغيّر وعدمه أو كان حيواناً ، فالأقرب عندي : جواز بيعه - وهو أصحّ وجهي الشافعي(٣) - لأنّ الظاهر بقاؤه بحاله ، ولم يعارضه ظاهر غيره. فإن وجده متغيّراً ، فله الخيار.
ويقدّم قول المشتري لو ادّعى التغيّر ؛ لأنّ البائع يدّعي عليه الاطّلاع على المبيع على هذه الصفة والرضا به ، والمشتري ينكره ، وهو أحد قولي الشافعي(٤) .
وأضعفهما : تقديم قول البائع ؛ لأصالة عدم التغيّر واستمرار العقد(٥) .
وفي أضعف وجهي الشافعي : بطلان البيع ؛ لما فيه من الغرر(٦) .
____________________
(١) المجموع ٩ : ٢٩٦ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٨٨ - ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٥.
(٢) الحاوي الكبير ٥ : ٢٦ ، المجموع ٩ : ٢٩٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٥ ، المغني ، ٤ : ٩٠ ، الشرح الكبير ٤ : ٣١ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٩.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧١ ، المجموع ٩ : ٢٩٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٧ ، وانظر : الحاوي الكبير ٥ : ٢٦.
(٤ و ٥ ) الحاوي الكبير ٥ : ٢٧ ، المجموع ٩ : ٢٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٥.
(٦) اُنظر : المصادر في الهامش (٣).
ج - لو شاهده أحدهما دون الآخر ، ثبت الخيار للآخر مع الوصف عندنا ، ومطلقاً عند مَنْ جوّز بيع الغائب(١) .
مسألة ٣٥ : البيع بالصفة نوعان :
بيع عينٍ معيّنة ، كقوله : بعتك عبدي التركي ، ويذكر صفاته ، فيصحّ العقد عليه ، وينفسخ بردّه على البائع ، وتلفه قبل قبضه ؛ لكون المعقود عليه معيّناً ، فيزول العقد بزوال محلّه. ويجوز التفرّق قبل قبض ثمنه وقبضه ، كبيع الحاضر.
وبيع موصوفٍ غير معيّن ، مثل : بعتك عبداً تركيّاً ، ويستقصي في الوصف كالسَّلَم ، فإن سلّم إليه غير ما وُصف فردّه أو على ما وصف فأبدله ، لم يفسد العقد ؛ إذ لم يقع على عين هذا فلا ينفسخ بردّه ، كالسَّلَم.
وهل يجب قبض الثمن أو المبيع قبل التفرّق؟ الوجه : المنع.
وقال الشافعي وأحمد : لا يجوز التفرّق قبل قبض أحد العوضين ، كالسَّلَم(٢) .
ونمنع المساواة ؛ لأنّه بيع الحالّ ، فأشبه بيع العين.
مسألة ٣٦ : لا يصحّ بيع اللبن في الضرع ، عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي وإسحاق وأحمد ، ونهى عنه ابن عباس وأبو هريرة ، وكرهه طاوُس ومجاهد(٣) - لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى أن يباع صوفٌ على ظهرٍ أو لبنٌ
____________________
(١) اُنظر : المغني ٤ : ٨٢ ، والشرح الكبير ٤ : ٢٩.
(٢) المغني ٤ : ٨٨ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٠.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٣ ، المجموع ٩ : ٣٢٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٠ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٨٨ ، حلية العلماء ٤ : ١١٣ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٣٢ ، الوجيز ١ : ١٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٩ ، المغني ٤ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣١ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٨.
في ضرعٍ(١) .
وسأله سماعة عن اللبن يشترى وهو في الضرع ، قال : « لا »(٢) والظاهر أنّ المسؤول الصادقُعليهالسلام .
ولجهالة قدره ووصفه. ولأنّه يحدث شيئاً فشيئاً.
وقال مالك : إذا عرفا قدر الحلاب في كلّ دفعة ، صحّ وإن باعه أيّاماً معلومة(٣) .
وأجازه الحسن وسعيد بن جبير ومحمّد بن مسلمة(٤) ، كلبن الظئر(٥) .
والحاجة فارقة.
تذنيب : سوّغ الشيخ بيع اللبن في الضرع إذا ضمّ إليه ما يحتلب منه مع مشاهدة المحلوب(٦) ؛ لقول سماعة : « إلّا أن يحلب في سُكُرُّجَة(٧) فيقول : أشتري منك هذا اللبن في السُّكُرُّجَة وما في ضرعها(٨) بثمن مسمّى ، فإن لم يكن في الضرع(٩) شيء ، كان ما في السُّكُرُّجة »(١٠) .
____________________
(١) سنن الدار قطني ٣ : ١٤ / ٤٠ - ٤٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٤٠ ، المغني ٤ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣١.
(٢) الكافي ٥ : ١٩٤ / ٦ ، الفقيه ٣ : ١٤١ / ٦٢٠ ، التهذيب ٧ : ١٢٣ / ٥٣٨ ، الاستبصار ٣ : ١٠٤ / ٣٦٤.
(٣) المغني ٤ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣١ ، حلية العلماء ٤ : ١١٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٩.
(٤) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : محمّد بن مسلم. والصحيح ما أثبتناه من المصدر.
(٥) المغني ٤ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣١.
(٦) النهاية : ٤٠٠.
(٧) سُكُرُّجَة : إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الاُدْم. لسان العرب ٢ : ٢٩٩ « سكرج ».
(٨ و ٩) فيما عدا الاستبصار : « ضروعها الضروع ».
(١٠) اُنظر : المصادر في الهامش (٢).
والأشهر عندنا : البطلان ؛ إذ ضمّ المعلوم إلى المجهول لا يصيّره معلوماً.
مسألة ٣٧ : اختلف علماؤنا في بيع الصوف على ظهور الغنم ، والأشهر : المنع - وبه قال أبو حنيفة والشافعي ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد(١) - لأنّهصلىاللهعليهوآله نهى أن يباع صوف على ظهر(٢) .
ولأنّه متّصل بالحيوان ، فلم يجز إفراده بالعقد ، كأعضائه.
وقال بعض(٣) علمائنا بالجواز - وبه قال مالك والليث بن سعد ، وهو رواية اُخرى عن أحمد(٤) - وهو الأقوى عندي ؛ لما رواه إبراهيم الكرخي ، قال : قلت للصادقعليهالسلام : ما تقول في رجل اشترى من رجل أصواف مائة نَعْجة وما في بطونها من حملٍ بكذا وكذا درهماً؟ قال : « لا بأس بذلك إن لم يكن في بطونها حمل كان رأس ماله في الصوف »(٥) وهو يدلّ على المطلوب ؛ لأنّ ضمّ المجهول إلى مثله لا يؤثّر في العلم ، فبقي أن يكون الصوف مقصوداً بالذات والحمل بالعرض.
ولأنّه مبيع مملوك مشاهد يجوز بيعه بعد تناوله ، فجاز بيعه قبل
____________________
(١) بدائع الصنائع ٥ : ١٦٨ ، مختصر المزني : ٨٧ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٣٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٣ ، المجموع ٩ : ٣٢٧ و ٣٢٨ ، روضة الطالبين ٣ :٤٠ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٨٨ ، حلية العلماء ٤ : ١١٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٠ ، المغني ٤ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٢ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٨.
(٢) سنن الدار قطني ٣ : ١٤ / ٤٠ - ٤٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٤٠.
(٣) اُنظر : المقنعة : ٦٠٩ ، والسرائر : ٢٣٢ - ٢٣٣.
(٤) المغني ٤ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٢ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٨ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٣٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٠ ، المجموع ٩ : ٣٢٨.
(٥) الكافي ٥ : ١٩٤ / ٨ ، الفقيه ٣ : ١٤٦ / ٦٤٢ ، التهذيب ٧ : ١٢٣ - ١٢٤ / ٥٣٩.
تناوله ، كالثمار. ولوجود المقتضي وعدم المانع - وهو الجهالة - كالرطبة ، بخلاف الأعضاء ؛ لتعذّر تسليمها مع سلامة الحيوان.
ولا فرق بين بيعه قبل التذكية وبعدها ، خلافاً للشافعي ؛ لعدم الإيلام حينئذٍ(١) .
مسألة ٣٨ : لا يجوز بيع الملاقيح - وهي ما في بطون الاُمّهات - ولا المضامين - وهي ما في أصلاب الفحول - جمع ملقوح ، يقال : لقحت الناقة والولد ملقوح به ، إلّا أنّهم استعملوه بحذف الجارّ. وقيل : جمع ملقوحة من قولهم : لقحتْ ، كالمجنون من جُنَّ. وجمع مضمون ، يقال : ضمن الشيء ، أي : تضمّنه واستسرّه. ومنهم مَنْ عَكَس التفسيرين.
ولا نعرف خلافاً بين العلماء في فساد هذين البيعين ؛ للجهالة ، وعدم القدرة على التسليم ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن بيع الملاقيح والمضامين(٢) ، ولا خلاف فيه.
تذنيب : لو باع الحمل مع اُمّه ، جاز إجماعاً ، سواء كان في الآدمي أو غيره.
ولو ضمّ الحمل إلى الصوف ، قال الشيخ : يجوز(٣) ، كما لو ضمّ إلى الاُمّ.
ولقول الصادقعليهالسلام وقد سُئل عن ذلك : « لا بأس بذلك إن لم يكن في بطونها حملٌ كان رأس ماله في الصوف »(٤) .
____________________
(١) المجموع ٩ : ٣٢٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٤١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٠.
(٢) المعجم الكبير - للطبراني - ١١ : ٢٣٠ / ١١٥٨١.
(٣) النهاية : ٤٠٠.
(٤) الكافي ٥ : ١٩٤ / ٨ ، الفقيه ٣ : ١٤٦ / ٦٤٢ ، التهذيب ٧ : ١٢٣ - ١٢٤ / ٥٣٩.
وفيه إشكال أقربه : الجواز إن كان الحمل تابعاً للمقصود ، وإلّا فلا.
مسألة ٣٩ : يحرم بيع عسيب الفحل - وهو نطفته - لأنّه غير متقوّم ولا معلوم ولا مقدور عليه. ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عنه(١) .
أمّا إجارة الفحل للضراب فعندنا مكروهة وليست محرّمةً - وهو أضعف وجهي الشافعي ، وبه قال مالك(٢) - لأنّها منفعة مقصودة يحتاج إليها في كلّ وقت ، فلو لم يجز الإجارة فيها ، تعذّر تحصيلها ؛ لعدم وجوب البذل على المالك.
وقال أبو حنيفة والشافعي في أصحّ وجهيه ، وأحمد : إنّها محرّمة ؛ لأنّهعليهالسلام نهى عن عسيب الفحل(٣) .
ولأنّه لا يقدر على تسليمه ، فأشبه إجارة الآبق. ولأنّه متعلّق باختيار الفحل وشهوته. ولأنّ القصد هو الماء ، وهو ممّا لا يجوز إفراده بالبيع(٤) .
ونحن نقول بموجب النهي ؛ لتناوله البيع ، أو التنزيه. ونمنع انتفاء القدرة ، والعقد وقع على الإنزاء ، والماء تابع ، كالظئر.
____________________
(١) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٦٧ / ٣٤٢٩ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٧٢ / ١٢٧٣ ، سنن النسائي ٧ : ٣١٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٣٩ ، سنن الدار قطني ٣ : ٤٧ / ١٩٥ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٤٢ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٧ : ١٤٥ / ٢٦٨٢.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٠١ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ١٢٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٢ ، منهاج الطالبين : ٩٧ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٢ ، و ٥ : ٣٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠١ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٢٤ ، المغني ٤ : ٣٠٠.
(٣) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في الهامش (١).
(٤) المغني ٤ : ٣٠٠ ، و ٦ : ١٤٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٤ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ١٧٠ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٢٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٠١ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ١٢٣ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٠ ، و ٥ : ٣٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠١ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٢.
فروع :
أ - الإنزاء غير مكروه ، والنهي غير متوجّه إلى الضراب ، بل إلى العوض عليه ، وقد سُئل الرضاعليهالسلام عن الحُمُر(١) تنزيها على الرَّمَك(٢) لتنتج البغال أيحلّ ذلك؟ قال : « نعم أنزها »(٣) .
ب - إذا استأجر للضراب ، فالوجه : عدم الاستحقاق إلّا مع إنزال الماء في فرج الدابّة ؛ لأنّه وإن كان تابعاً لكنّه المقصود ، كالاستئجار على الإرضاع.
ج - حرَّم أحمد أخذَ الاُجرة على الضراب دون إعطائها ؛ لأنّه بذل ماله لتحصيل مباح يحتاج إليه(٤) .
وليس بجيّد ؛ إذ تسويغ الإعطاء يستلزم تسويغ الأخذ.
د - لو اُعطي صاحب الفحل هديّةً أو كرامةً من غير إجارة ، جاز ، وبه قال الشافعي وأحمد(٥) ، وهو ظاهرٌ على مذهبنا ؛ لأنّه سبب مباح ، فجاز أخذ الهديّة عليه.
وعن أحمد رواية بالمنع(٦) .
ه - نهى النبيّصلىاللهعليهوآله عن حَبَل الحَبَلة(٧) .
____________________
(١) في المصدر : الحمير.
(٢) الرَّمَكة : الفرس والبِرْذَوْنَة التي تتّخذ للنسل ، والجمع : رَمَك. لسان العرب ١٠ : ٤٣٤ « رمك ».
(٣) التهذيب ٦ : ٣٨٤ / ١١٣٧ ، الإستبصار ٣ : ٥٧ / ١٨٥.
(٤) المغني ٤ : ٣٠٠.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٢ ، المغني ٤ : ٣٠٠ ، و ٦ : ١٤٩ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٥.
(٦) المغني ٤ : ٣٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٢.
(٧) صحيح مسلم ٣ : ١١٥٣ / ١٥١٤ ، سنن النسائي ٧ : ٢٩٣ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٤٠ ، مسند أحمد ١ : ٤٧٩ / ٢٦٤٠.
وفُسّر بأمرين : نتاجِ النتاج ، وهو بيع حمل ما تحمله الناقة ، وجَعْلِه أجلاً كان أهل الجاهليّة يتبايعون لحم الجزور إلى حَبَل الحَبَلة.
وهو بمعنييه باطل ؛ لجهالته ، وجهالة الأجل.
مسألة ٤٠ : بيع الملامسة والمنابذة والحصاة باطل بالإجماع ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن ذلك كلّه(١) .
والملامسة : أن يبيعه شيئاً ولا يشاهده على أنّه متى لمسه وقع البيع.
وهو ظاهر كلام أحمد ومالك والأوزاعي(٢) .
وله تفاسير ثلاثة :
أن يجعل اللمس بيعاً بأن يقول صاحب الثوب للراغب : إذا لمست ثوبي فهو مبيع منك بكذا.
وهو باطل ؛ لما فيه من التعليق.
وقال بعض الشافعيّة : إنّه من صُور المعاطاة(٣) .
وأن يأتي بثوب مطويّ له في ظلمة فيلمسه الراغب ، ويقول صاحب الثوب : بعتك بكذا بشرط أن يقوم لَمْسُك مقامَ النظر ، ولا خيار لك إذا رأيته. فسّره الشافعي(٤) .
قال بعض الشافعيّة : إن أبطلنا بيع الغائب ، بطل ، وإلّا صحّ تخريجاً من تصحيح شرط نفي الخيار(٥) .
____________________
(١) صحيح مسلم ٣ : ١١٥١ / ١٥١١ ، و ١١٥٣ / ١٥١٣ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٣٣ / ٢١٧٠ ، و ٧٣٩ / ٢١٩٤ ، سنن النسائي ٧ : ٢٥٩ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٥٣ و ٢٥٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٤١ و ٣٤٢ ، الموطّأ ٢ : ٦٦٦ / ٧٦.
(٢) المغني ٤ : ٢٩٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٢ - ٣٣ ، بداية المجتهد ٢ : ١٤٨.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٣.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٣ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٣٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٣.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٣.
وأن يبيعه على أنّه إذا لمسه وجب البيع وسقط خيار المجلس وغيره. ويبطل عنده(١) ؛ لفساد الشرط(٢) .
والوجه عندي : صحّته إن كان قد نظره.
والمنابذة قيل : أن يجعل النبذ بيعاً بأن يقول : أنبذ إليك ثوبي بعشرة ثمّ ينبذه ، ويكتفيان به بيعا. وقيل : أن يقول : بعتك كذا بكذا على أنّي إذا نبذته إليك فقد وجب البيع ، قالهما الشافعيّة(٣) .
وظاهر كلام أحمد ومالك والأوزاعي أن يقول : إذا(٤) نبذته إليّ فقد اشتريته بكذا(٥) .
وقيل : طرْحُ الرجل ثوبَه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه(٦) .
والحصاة أن يقول : ارم هذه الحصاة فعلى أيّ ثوب وقعت فهو لك بكذا.
وقيل أن يقول : بعتك من هذه الأرض مقدار ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا(٧) .
وقيل : أن يقول : بعتك هذا بكذا على أنّي متى رميت هذه الحصاة وجب البيع(٨) .
ولا نعلم خلافاً في بطلان الجميع.
____________________
(١) أي : عند الشافعي.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٣.
(٣) الحاوي الكبير ٥ : ٣٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٣ و ٦٤ ، منهاج الطالبين : ٩٧.
(٤) في « ق ، ك » : « إن » بدل « إذا ». وفي المغني والشرح الكبير هكذا : أيّ ثوب نبذته
(٥) المغني ٤ : ٢٩٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٢ - ٣٣ ، بداية المجتهد ٢ : ١٤٨.
(٦) المغني ٤ : ٢٩٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٣.
(٧و٨) المغني ٤ : ٢٩٨ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٣.
مسألة ٤١ : يجب ذكر جنس المبيع أو مشاهدته ، عند علمائنا أجمع بأن يقول : بعتك عبدي أو فرسي ، ولا يكفي أن يقول : بعتك ما في كمّي أو خزانتي أو ما ورثته من أبي ، مع جهالة المشتري - وهو أحد قولي الشافعي(١) - للجهالة.
وله آخر : الجواز ؛ لأنّ المعتبر في بيع الغائب كون المبيع متعيّناً ، والجهالة لا تزول بذكر الجنس ، فلا معنى لاشتراطه(٢) .
ولا يكفي ذكر الجنس ، بل لا بدّ من ذكر النوع بأن يقول : عبدي التركي. وهو ظاهر قول الشافعي(٣) .
ولا يكفي ذكرهما عندنا إلّا مع ذكر الصفات الرافعة للجهالة - وبه قال مالك(٤) - للجهالة معه. وهو أضعف وجهي الشافعي(٥) .
وأصحّهما - وبه قال أبو حنيفة - الاكتفاء. نعم ، لو كان له عبدان من ذلك النوع ، فلا بُدّ وأن يزيد ما يقع به التمييز(٦) .
ويشترط ذكر صفات السَّلَم لترتفع الجهالة ، وهو أحد وجهي الشافعي ، وبه قال أحمد(٧) .
وأظهرهما : الاكتفاء بمعظم الصفات(٨) .
مسألة ٤٢ : يجب العلم بالقدر ، فالجهل به فيما في الذمّة ثمناً كان أو
____________________
(١) المجموع ٩ : ٢٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦١.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢.
(٤) بداية المجتهد ٢ : ١٤٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٤ ، حلية العلماء ٤ : ٨٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٢.
(٥) المجموع ٩ : ٢٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢.
(٦) الحاوي الكبير ٥ : ١٤ ، المجموع ٩ : ٢٩٢ - ٢٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٢.
(٧و٨) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٢ ، حلية العلماء ٤ : ٨٥ - ٨٦ ، المجموع ٩ : ٢٩٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢.
مثمناً مبطل. فلو قال : بعتك ملء هذا البيت حنطةً أو بزنةِ هذه الصنجة ذهباً ، لم يصحّ السَّلَم - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(١) - للغرر.
ولو قال : بعتك ثوبي هذا بما باع به فلان فرسه ، وهُما لا يعلمانه أو أحدهما ، لم يصحّ - وهو أظهر وجهي الشافعي(٢) - للجهالة.
وله آخر : الجواز ؛ لإمكان الاستكشاف(٣) .
وثالث : إن حصل العلم قبل التفرّق ، صحّ العقد(٤) .
ولو قال : بعتك بألف من الدراهم والدنانير ، بطل ؛ للجهل بقدر كلٍّ منهما ؛ إذ لا فرق بينه وبين : بعتك بألف بعضها ذهب وبعضها فضّة. وبه قال الشافعي وأحمد(٥) .
وعن أبي حنيفة أنّه يصحّ ويتساويان فيه ، كالإقرار(٦) .
ويبطل بأنّه لو فسّره بغير التسوية ، صحّ ، ولو اقتضى التسوية ، لم يصحّ.
ولو باع الثوب برقمه ، وهو الثمن المكتوب عليه ، فإن علماه(٧) ، صحّ إجماعاً ؛ لأنّه بيع بثمن معلوم قدره. وكرهه طاوُس(٨) . ولو لم يعلماه ، بطل.
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧١ ، المجموع ٩ : ٣١١ ، الوجيز ١ : ١٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٣١ ، منهاج الطالبين : ٩٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٠٤ ، بدائع الصنائع ٥ : ٢٠٧.
(٤-٢) المجموع ٩ : ٣٣٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٣١ ، منهاج الطالبين : ٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٦.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٣١ ، المجموع ٩ : ٣٣٩ ، منهاج الطالبين : ٩٥ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٨ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٠٢ / ١١٧٨.
(٦) مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٠٢ / ١١٧٨ ، المجموع ٩ : ٣٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٦ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٨.
(٧) في الطبعة الحجريّة : علما به.
(٨) لم نعثر على قوله في مظانّه من المصادر المتفوفّرة لدينا.
ولو قال : بعتك بمائة دينار إلّا عشرة دراهم ، لم يصحّ ، إلّا أن يعلما قيمة الدينار بالدراهم. وكذا لو قال : بعتك بدينار غير درهم ، أو : إلّا درهماً.
مسألة ٤٣ : يجب العلم بنوع الثمن من ذهبٍ أو فضّة بالدراهم ، ولا يصحّ لو كان مجهولاً.
ولو أطلق وفي البلد نقد واحد يعلمانه ، انصرف الإطلاق إليه ؛ عملاً بالظاهر. وكذا لو تعدّدت وغلب أحدها وإن كان فلوساً ، إلّا أن يُعيّن غيرها.
ولو تعدّدت وتساوت ، وجب التعيين. فإن أبهم ، بطل - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(١) - للجهالة.
وكما ينصرف المطلق إلى الجنس الغالب أو المتّحد كذا ينصرف في الوصف إلى الغالب بأن تختلف النقود ، كالراضية والرضويّة وإن اتّحد النوع. وكذا الصحيح والمكسَّر. ولو لم يكن هناك غالبٌ ، وجب التعيين ، وإلّا بطل البيع - وبه قال الشافعي(٢) - لما تقدّم.
مسألة ٤٤ : لو كان لكلٍّ منهما عبد فباعاهما صفقةً واحدة بثمن واحد ، صحّ البيع ، سواء كانا متساويين في القيمة أو لا ، ويتقسّط الثمن على القيمتين - وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه(٣) - لأنّ جملة المبيع معلومة ، والعقد وقع عليها ، فصحّ ، كما لو كانا لواحدٍ ، أو كما لو باعا عبداً واحداً لهما أو قفيزين من صُبْرة واحدة.
____________________
(١) روضة الطالبين ٣ : ٣٢ ، المجموع ٩ : ٣٢٩ ، منهاج الطالبين : ٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٦ - ٤٧ ، الكتاب - بشرح اللباب - ١ : ٢٣٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٢.
(٣) المغني ٤ : ٣١٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٥.
والثاني له : لا يصحّ - وهو قولٌ للشيخ(١) أيضاً - لأنّ كلّ واحد منهما مبيع بقسطه من الثمن ، وهو مجهول ، بخلاف ما لو كانا لواحدٍ ، فإنّ جملة المبيع مقابلة بجملة الثمن من غير تقسيط ، والثمن يتقسّط على العبد المشترك والقفيزين بالأجزاء ، فلا جهالة فيه(٢) .
ونحن نمنع الجهالة في المبيع ؛ إذ مقتضاه مقابلة الجملة بالجملة لا الأجزاء بالأجزاء ، ووجوب التقويم والبسط ليعرف كلّ واحد حقّه بعد البيع ، فلا يقتضي بطلانه.
مسألة ٤٥ : ذهب علماؤنا إلى أنّه لا يصحّ بيع المكيل والموزون جزافاً ؛ لأنّه غرر. ولقول الصادقعليهالسلام : « ما كان من طعام سمّيت فيه كيلاً فلا يصلح مجازفة »(٣) .
ولإفضائه إلى التنازع لو وجب ضمانه.
ولأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن بيع الطعام مجازفة وهو يعلم كيله(٤) . وكذا إذا لم يعلم كيله بل هو أبلغ في المنع ، إذ الجهالة لمـّا أبطلت من أحد الطرفين كان إبطالها من الطرفين أولى.
وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد - ولا نعرف لهم مخالفاً من الجمهور - : إنّه يصحّ ؛ لقول ابن عمر : كُنّا نشتري الطعام من الركبان جزافاً ، فنهانا رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن نبيعه حتى ننقله من مكانه. ولأنّه معلوم بالرؤية ، فصحّ بيعه ، كالثياب(٥) .
____________________
(١) الخلاف ٣ : ٣٣٥ ، المسألة ١٣.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٥ ، المغني ٤ : ٣١٦.
(٣) التهذيب ٧ : ١٢٢ / ٥٣٠ ، الاستبصار ٣ : ١٠٢ / ٣٥٥.
(٤) أورده ابنا قدامة في المغني ٤ : ٢٤٧ ، والشرح الكبير ٤ : ٤٠.
(٥) المغني ٤ : ٢٤٥ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٠ ، بداية المجتهد ٢ : ١٤٦.
ونمنع الرواية ونقول بموجبها ؛ فإنّهعليهالسلام نهاهم عن بيعها إلّا بعد نقلها ، وهو يستلزم معرفتها غالباً. والثوب غير مكيل ولا موزون.
فروع :
أ - حكم المعدود حكم الموزون والمكيل ، فلا يصحّ بيعه جزافاً ؛ لأنّه مقدار يعرف به كمّيّة المبيع ، فلا يصحّ بدونها ، كالوزن والكيل.
ب - لو تعذّر الوزن أو العدد ، كِيل [ بعضه ](١) بمكيالٍ ووُزن أو عُدَّ ، ونُسب إليه الباقي ؛ لقول الصادقعليهالسلام - وقد سُئل عن الجوز لا يستطيع أن يعدّه فيكال بمكيالٍ ثمّ يعدّ ما فيه ثمّ يكال ما بقي على حساب ذلك من المعدود(٢) - : « لا بأس به »(٣) .
وسئلعليهالسلام : أشتري مائة راوية زيتا فأعترض راوية أو اثنتين فأزنهما ثمّ أخذ سائره على قدر ذلك ، فقال : « لا بأس »(٤) .
ولأنّه يحصل المطلوب ، وهو العلم.
ومَنَع أحمد من ذلك.(٥) .
وقال الثوري : كان أصحابنا يكرهون هذا ؛ لاختلاف المكاييل ، فيكون في بعضها أكثر من بعض ، والجوز يختلف عدده ، فيكون في أحد المكيلين أكثر من الآخر(٦) .
وهو غلط ؛ فإنّه إذا جاز بيعه جزافاً ، كان هذا أولى.
____________________
(١) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.
(٢) كذا ، وفي المصادر : العدد.
(٣) الكافي ٥ : ١٩٣ / ٣ ، الفقيه ٣ : ١٤٠ - ١٤١ ، ٦١٧ ، التهذيب ٧ : ١٢٢ / ٥٣٣.
(٤) الكافي ٥ : ١٩٤ / ٧ ، الفقيه ٣ : ١٤٢ ، ٦٢٥ ، التهذيب ٧ : ١٢٢ - ١٢٣ / ٥٣٤ ، الاستبصار ٣ : ١٠٢ / ٣٥٧ ، بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.
(٥ و ٦) المغني ٤ : ٢٤٨ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٢.
ج - لو باعه جزافاً ، بطل. وكان القول قول المشتري في المقدار ، سواء كان باقياً أو تالفاً.
د - لا فرق بين الثمن والمثمن في الجزاف في الفساد عندنا والصحّة عندهم ، إلّا مالكاً ؛ فإنّه قال : لا يجوز الجزاف في الأثمان ؛ لأنّ لها خطراً ، ولا يشقّ وزنها ولا عددها ، فأشبه الرقيق والثياب(١) . ومع هذا فإنّه جوَّز بيع النقرة والتبر والحليّ جزافاً(٢) .
مسألة ٤٦ : وكما لا يصحّ بيع الصبرة جزافاً فكذا أجزاؤها المشاعة ، كالنصف والثُّلْث والربع ؛ لوجود المانع من الانعقاد ، وهو الجهالة.
وجوّزه الجمهور كافّة ؛ لأنّ ما جاز بيع جملته جاز بيع بعضه ، كالحيوان. ولأنّ جملتها معلومة(٣) بالمشاهدة فكذا أجزاؤها(٤) .
ونحن نمنع الأصلين.
أمّا لو باع جزءاً معلوم القدر ، كالقفيز ، فإنّه يصحّ عندنا وعند الجمهور(٥) - إلّا داوُد(٦) - إذا علما اشتمالها على ذلك ؛ لأنّه معلوم مشاهد ، فصحّ بيعه كغيره.
احتجّ بأنّه غير مشاهد ولا موصوف(٧) .
ويبطل بأنّه قياس ، وهو لا يقول به. ونمنع عدم المشاهدة ؛ فإنّ مشاهدة الجملة تستلزم مشاهدة البعض.
____________________
(١ و ٢) المغني ٤ : ٢٤٦ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٠.
(٣) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : معلوم. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٢ ، المجموع ٩ : ٣١٢ ، المغني ٤ : ٢٤٥ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٠.
(٥ و ٦) المغني ٤ : ٢٤٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٠٥.
(٧) المغني ٤ : ٢٤٩.
فروع :
أ - لو قال : بعتك هذه الصبرة كلّ قفيزٍ بدرهم ، فإن علما قدر القُفْزان ، صحّ البيع ، وإلّا بطل ؛ للجهالة.
وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمّد : يصحّ ؛ لأنّه معلوم بالمشاهدة ، والثمن معلوم ، لإشارته إلى ما يعرف [ مبلغه ](١) بجهةٍ لا تتعلّق بالمتعاقدين ، وهو أن تُكال الصبرة ويقسّط الثمن على قدر قفزانها فيعلم مبلغه(٢) .
ونحن نمنع العلم ، وقد سبق.
وقال أبو حنيفة : يصحّ البيع في قفيز واحد ، ويبطل فيما سواه ؛ لجهالة الثمن ، كما لو باع المتاع برقمه(٣) .
ولو قال : بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب كلّ ذراع بدرهم ، أو : هذه الأغنام كلّ رأس بدرهم ، لم يصحّ عندنا ، وبه قال أبو حنيفة أيضاً وإن سوّغ البيع في قفيزٍ واحد من الصبرة(٤) .
وقال الشافعي : يصحّ ، سواء كانت الجملة معلومةً أو مجهولةً(٥) .
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجرية : ثمنه. وما أثبتناه من المغني والشرح الكبير.
(٢) المغني ٤ : ٢٤٨ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٠٥ ، المجموع ٩ : ٣١٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٨.
(٣) بدائع الصنائع ٥ : ١٥٨ - ١٥٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٨ ، المغني ٤ : ٢٤٨ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٩.
(٤) حلية العلماء ٤ : ١٠٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٨.
(٥) حلية العلماء ٤ : ٤٨ ، المجموع ٩ : ٣١٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٣ - ٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٨.
ولو قال : بعتك عشرةً من هذه الأغنام بكذا ، لم يصحّ إجماعاً وإن علم الجملة ، بخلاف الصبرة والأرض والثوب ؛ لاختلاف قيمة الشاة ، فلا يدري كم العشرة من الجملة.
ب - لو قال : بعتك من هذه الصبرة كلّ قفيز بدرهم ، ولم يعلما أو أحدهما القدرَ ، بطل البيع عندنا ، لما مرّ. وكذا عند أحمد ؛ لأنّ « من » للتبعيض و « كلّ » للعدد ، وهو مجهول. وله آخر : الصحّة(١) .
وللشافعيّة وجهان :
البطلان ؛ لأنّه لم يبع جميعَ الصبرة ولا بيّن المبيع منها.
والصحّة في صاعٍ واحد ، كما لو قال : بعتك قفيزاً من الصبرة بدرهم(٢) .
ج - لو قال : بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم على أن أزيدك قفيزاً ، أو أنقصك على أنّ لي الخيار فيهما ، لم يصحّ عندنا - وبه قال الشافعي وأحمد(٣) - لأنّه لا يدري أيزيده أم ينقصه.
ولو قال : على أن أزيدك قفيزاً ، لم يجز ؛ لأنّ القفيز مجهول.
فإن قال : على أن أزيدك قفيزاً من هذه الصبرة الاُخرى أو وصفه وصفاً يرفع الجهالة ، صحّ عندهم ؛ إذ معناه : بعتك هذه الصبرة وقفيزاً من الاُخرى بعشرة(٤) .
وإن قال : على أن أنقصك قفيزاً ، لم يصحّ ؛ لأنّ معناه : بعتك هذه
____________________
(١) المغني ٤ : ٢٤٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٩ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ١١.
(٢) حلية العلماء ٤ : ١٠٦ ، المجموع ٩ : ٣١٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٩.
(٣) المغني ٤ : ٢٤٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٩ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ١١ ، وانظر : المجموع ٩ : ٣١٥.
(٤) المغني ٤ : ٢٤٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٩.
الصبرة إلّا قفيزاً كلّ قفيز بدرهم وشيء مجهول.
ولو قال : بعتك هذه الصبرة كلّ قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزاً من الأخرى ، لم يصحّ ، لإفضائه إلى جهالة الثمن في التفصيل ، لأنّه يصير قفيزاً وشيئاً بدرهم.
ولو قصد أنّي أحطّ ثمن قفيز من الصبرة لا أحتسب به ، لم يصحّ ؛ للجهالة.
ولو قال : هذه الصبرة عشرة أقفزة بعتكها كلّ قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزاً من الاُخرى ، صحّ ؛ إذ معناه : بعتك كلّ قفيز وعُشر قفيزٍ بدرهم.
ولو جَعَله هبةً ، صحّ عندنا ، خلافاً لأحمد(١) .
وإن أراد أنّي لا أحتسب عليك بثمن قفيز منها ، صحّ ؛ لعلمهما بجملة القُفْزان ، فعَلِما قدر النقصان من الثمن.
ولو قال : على أن أنقصك قفيزاً ، صحّ ؛ لأنّ معناه : بعتك تسعة أقفزة بعشرة دراهم ، كلّ قفيز بدرهم وتسع.
د - لو قال : بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم كلّ صاع بدرهم ، فإن علما القدر ، صحّ.
وقال الشافعي : يصحّ البيع إن خرج كما ذكر ؛ لأنّه لم يشترط علم القدر.
وإن خرج زائداً أو ناقصاً ، فأصحّ قوليه : البطلان ؛ لامتناع الجمع بين بيع الكلّ بعشرة ومقابلة كلّ واحد بدرهم ، لأنّه باع جملة الصبرة بالعشرة
____________________
(١) المغني ٤ : ٢٤٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٩.
بشرط مقابلة كلّ صاع منها بدرهم والجمع بين هذين الأمرين عند الزيادة والنقصان محال.
والثاني : يصحّ ؛ لإشارته إلى الصبرة ، ويلغى الوصف ، فإن خرج ناقصاً ، فللمشتري الخيار. فإن أجاز فبجميع الثمن ؛ لمقابلة الصبرة به ، أو [ بالقسط ](١) ؛ لمقابلة كلّ صاع بدرهم؟ وجهان.
وإن خرج زائداً ، ففي مستحقّ الزيادة وجهان :
أظهرهما : أنّها للمشتري ؛ لأنّ جملة الصبرة مبيعة منه ، فلا خيار له.
وفي خيار البائع وجهان ، أصحّهما : العدم ؛ لأنّه رضي ببيع جميعها.
والثاني : أنّ الزيادة للبائع ، فلا خيار له. وفي المشتري وجهان ، أصحّهما : ثبوت الخيار ، إذ لم يسلم له جميع الصبرة(٢) .
ه- لو قال : بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة سواء بسواء ، فإن علما القدر منهما ، صحّ ، وإلّا بطل ، خلافاً للجمهور.
و - إنّما يصحّ بيع الصبرة إذا تساوت أجزاؤها ، فإن اختلفت - كصبرة ممتزجة من جيّدٍ ورديء - لم يصحّ إلّا بعد المشاهدة للجميع. ولو باعه نصفها أو ثلثها ، فكذلك. وبه قال بعض الحنابلة(٣) . وبعضهم سوّغه ؛ لأنّه اشترى جزءاً مشاعاً ، فاستحقّ من جيّدها ورديئها(٤) .
ز - لو اشترى الصبرة جزافاً ، قال مالك : يجوز له بيعها قبل نقلها ؛
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة : بالبسط. ما أثبتناه من المصادر.
(٢) المجموع ٩ : ٣١٣ - ٣١٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٩.
(٣) المغني ٤ : ٢٤٥ - ٢٤٦ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٠.
(٤) المغني ٤ : ٤٢٦ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٠.
لأنّه مبيع متعيّن لا يحتاج إلى حقّ يوفّيه ، فأشبه الثوب الحاضر. وهو رواية عن أحمد(١) .
وله اُخرى : المنع ، لقول ابن عمر : كُنّا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتى ننقله من مكانه(٢) (٣) .
ح - مَنَع المجوّزون الغشَّ بأن يجعلها على دكّة أو حجر ينقصها أو يجعل الرديء أو المبلول في باطنها ؛ لأنّهعليهالسلام مرَّ على صُبرة من طعام فأدخل يده فنالت أصابعُه بللاً ، فقال : « يا صاحب الطعام ما هذا؟ » فقال : أصابته السماء يا رسول الله ، قال : « أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ » ثمّ قال : « من غشّنا فليس منّا »(٤) .
فإن وجده كذلك ، فللشافعيّة(٥) طريقان :
أحدهما : أنّ فيها قولَيْ بيع الغائب ؛ لأنّ ارتفاع الأرض وانخفاضها يمنع تخمين القدر ، وإذا لم يُفد العيان إحاطة ، فكان كعدم العيان في احتمال الغرر.
والثاني : القطع بالبطلان ؛ لأنّا إذا صحّحنا بيع الغائب أثبتنا خيار الرؤية ، والرؤية حاصلة هنا ، فيبعد إثبات الخيار معها ، ولا سبيل إلى نفيه ؛ للجهالة.
واعترض بأنّ الصفة والقدر مجهولان في بيع الغائب ، ومع ذلك ففيه
____________________
(١) بداية المجتهد ٢ : ١٤٦ - ١٤٧ ، المغني ٤ : ٢٤٦.
(٢) سنن البيهقي ٥ : ٣١٤.
(٣) المغني ٤ : ٢٤٧.
(٤) المغني ٤ : ٢٤٦ ، وانظر : صحيح مسلم ١ : ٩٩ / ١٠٢ ، وسنن الترمذي ٣ : ٦٠٦ / ١٣١٥.
(٥) في « ق ، ك » للشافعيّة.
قولان ، فكيف يقطع بالبطلان هنا مع علم بعض الصفات بالرؤية!؟
وإذا ثبت الخيار - وهو قول أحمد(١) - فوقت الخيار معرفة مقدار الصبرة أو تخمينه برؤية ما تحتها.
وفيه طريق ثالث للشافعي : القطع بالصحّة ؛ اعتماداً على المعاينة ، وجهالة القدر معها غير ضائرة(٢) .
وأثبت أحمد الخيارَ بين الفسخ وأخذ تفاوت ما بينهما ؛ لأنّه عيب(٣) .
ولو كان تحتها حفرة أو كان باطنها أجود ، فلا خيار للمشتري ، بل للبائع إن لم يعلم ، وإلّا فلا.
ولو ظهر تحتها دكّة ، ففي بطلان البيع للشافعي وجهان :
البطلان ؛ لأنّه ظهر أنّ العيان لم يُفد علماً.
والأظهر : الصحّة ، وللمشتري الخيار ؛ تنزيلاً لما ظهر منزلة العيب والتدليس(٤) .
ط - لو علم قدر الشيء ، لم يجز بيعه صبرة ، عندنا ، وهو ظاهرٌ - وبه قال أحمد(٥) - لقول النبيّصلىاللهعليهوآله : « مَنْ عرف مبلغ شيء فلا يبعه جزافاً حتى يبينه »(٦) .
____________________
(١) المغني ٤ : ٢٤٦.
(٢) الوسيط ٣ : ٣٥ ، الوجيز ١ : ١٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٠ ، المجموع ٩ : ٣١٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٤ - ٣٥.
(٣) المغني ٤ : ٢٤٦.
(٤) المجموع ٩ : ٣١٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٠.
(٥) المغني ٤ : ٢٤٦ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٠.
(٦) أورده ابنا قدامة في المغني ٤ : ٢٤٦ ، والشرح الكبير ٤ : ٤٠.
وكرهه عطاء وابن سيرين ومجاهد وعكرمة ومالك وإسحاق وطاوس(١) .
وعن أحمد أنّه مكروه غير محرَّم(٢) .
وقال أبو حنيفة والشافعي : لا بأس بذلك ؛ لأنّه إذا جاز مع جهلهما ، فمع علم أحدهما أولى(٣) .
ي - لو باع ما علم كيله صبرة ، قال أبو حنيفة والشافعي : يصحّ - وهو ظاهر قول أحمد - لأنّه لا تغرير فيه ، فأشبه مالو علما كيله أو جهلاه(٤) .
وقال مالك : إنّه تدليس إن علم به المشتري ، فلا خيار له ؛ لأنّه دخل على بصيرة ، وإن جهل مع علم البائع ، تخيّر في الفسخ ؛ لأنّه غشّ(٥) . وهو قول بعض الحنابلة(٦) .
وعند بعضهم أنّه فاسد(٧) ، وهو مذهبنا ؛ لما تقدّم.
يأ - لو أخبره البائع بكيله ثمّ باعه بذلك الكيل ، صحّ عندنا ، فإن قبضه واكتاله ، تمّ البيع ، وإن قبضه بغير كيلٍ ، فإن زاد ، ردّ الزيادة ، وإن نقص ، رجع بالناقص. وإن تلف ، فالقول قول المشتري في قدره مع يمينه ، سواء قلّ النقص أو كثر.
والأقوى : أنّ للمشتري التصرّف فيه قبل كيله - خلافاً لأحمد(٨) - لأنّه سلّطه عليه.
احتجّ بأنّ للبائع فيه علقةً ، فإنّه لو زاد ، كانت له. قال : فلو تصرّف فيما يتحقّق أنّه حقّه أو أقلّ بالكيل ، فوجهان ، أحدهما : الصحّة ؛ لأنّه تصرّف في حقّه بعد قبضه. والمنع ؛ لانّه لا يجوز التصرّف في الجميع فلم يجز في البعض(٩) .
____________________
(١ و ٢) المغني ٤ : ٢٤٦ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٠.
(٣) المغني ٤ : ٢٤٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٠.
(٤ - ٩) المغني ٤ : ٢٤٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٤١.
يب - لو كال طعاماً وآخر ينظر إليه ، فهل لمن شاهد الكيل شراؤه بغير كيلٍ؟ أمّا عندنا فنعم - وهو إحدى روايتي أحمد(١) - لانتفاء الجهالة.
وكذا لو كاله البائع للمشتري ثمّ اشتراه منه أو اشتريا طعاماً فاكتالاه ثمّ باع أحدهما حصّته قبل التفرّق.
واُخرى عنه بالمنع(٢) .
مسألة ٤٧ : لو باع مختلف الأجزاء مع المشاهدة ، صحّ - كالثوب والدار والغنم - بالإجماع. وكذا لو باع جزءاً منه مشاعاً ، كنصفه أو ثُلثه ، أو جزءاً معيّناً ، كهذا البيت ، وهذا الرأس من القطيع.
أمّا لو باع ذراعاً منها أو عشرةً من غير تعيين ، فإن لم يقصد الإشاعة ، بطل إجماعاً. وإن قصد الإشاعة ، فإن لم يعلما عدد الذُّرْعان ، بطل البيع إجماعاً ؛ لأنّ الجملة غير معلومة ، وأجزاء الأرض مختلفة ، فلا يمكن أن تكون معيّنةً ولا مشاعة.
وإن علم الذُّرْاعان ، للشيخ قولان :
البطلان(٣) - وبه قال أبو حنيفة(٤) - لأنّ الذراع عبارة عن بقعة بعينها ، وموضعها مجهول.
والصحّة(٥) - وبه قال الشافعي وأحمد(٦) - إذ لا فرق بين عُشْر الأرض وبين ذراع من عشرة على قصد الإشاعة.
وهو عندي أقرب. وليس الذراع بقعةً معيّنة ، بل هو مكيال.
____________________
(١ و ٢) المغني ٤ : ٢٤٨ ، الشرح الكبير ٤ : ٤١.
(٣) لم نعثر عليه في مظانّه.
(٤) المغني ٤ : ٢٥٠ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٣.
(٥) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٥٣ ، الخلاف ٣ : ١٦٤ ، المسألة ٢٦٤.
(٦) راجع المصادر في الهامش (٤).
فروع :
أ - لو اتّفقا على أنّهما أرادا قدراً منها غير مشاع ، لم يصحّ البيع ؛ لاتّفاقهما على بطلانه. ولو اختلفا فقال المشتري : أردت الإشاعة فالبيع صحيح ، وقال البائع : بل أردت معيّناً ، فالأقرب تقديم قول المشتري ؛ عملاً بأصالة الصحّة وأصالة عدم التعيين.
ب - لو قال : بعتك من هذه الدار من هاهنا إلى هاهنا ، جاز ؛ لأنّه معلوم.
ج - لو قال : بعتك من هاهنا عشرة أذرع في جميع العرض إلى حيث ينتهي الذرع طولاً ، فالأقرب عندي : البطلان ؛ لاختلاف الذرع(١) ، والجهل بالموضع الذي ينتهي إليه.
وللشيخ قول بالجواز(٢) ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٣) .
د - لو قال : بعتك نصيبي من هذه الدار ، ولا يعلم قدره ، أو : نصيباً أو سهماً أو جزءاً أو حظّاً أو قليلاً أو كثيراً ، لم يصحّ ، وإن علما نصيبه ، صحّ.
ه - لو قال : بعتك نصف داري ممّا يلي دارك ، قال الشافعي وأحمد : لا يصحّ ؛ لجهله بالمنتهى(٤) . وفيه قوّة.
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : الذراع.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٥٤ ، الخلاف ٣ : ١٦٤ ، المسألة ٢٦٥.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٢ ، المجموع ٩ : ٣١٦ - ٣١٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٣.
(٤) المغني ٤ : ٢٥٠ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٦ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ١١ ، وفيها قول أحمد فقط.
و - لو قال : بعتك عبداً من عبدين أو أكثر ، أو : شاةً من شاتين أو أكثر ، لم يصحّ على الأشهر - وبه قال الشافعي وأحمد(١) - للجهالة ، وبالقياس على الزائد على الثلاثة ، أو في غير العبيد ، كالثياب والدوابّ ، أو لم يجعل له الاختيارِ أو زاده على الثلاث ، أو على النكاح ، فإنّه لو قال : أنكحتك إحدى ابنتي ، بطل إجماعاً.
وفي روايةٍ لنا : يجوز(٢) ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في القديم في عبدٍ من عبدين أو من ثلاثة بشرط الخيار. ولأنّ الشرع أثبت التخيير مدّة ثلاثة أيّام بين العوضين ليختار هذا بالفسخ أو هذا بالإمضاء فجاز أن يثبت له الخيار بين عبدين ، وكما تتقدّر نهاية الاختيار بثلاثة تتقدّر نهاية ما يتخيّر فيه من الأعيان بثلاثة لا أزيد ؛ لدعاء الحاجة إليه ، وفي الأكثر يكثر الغرر ، والحاجة لا تنفي الغرر(٣) .
ويندفع بالتعيين. وما ذكروه من التخيير ضعيف.
ولو قال : بعتك شاةً من هذا القطيع ، بطل.
والأقرب : أنّه لو قصد الإشاعة في عبدٍ من عبدين أو في عشرة ، وفي شاةٍ من شاتين أو عشرة ، بطل ، بخلاف قصد الإشاعة في الذراع من الأرض.
ز - حكم الثوب حكم الأرض. ولو قال : بعتك من هاهنا إلى هاهنا ، صحّ إن كان ممّا لا ينقصه القطع ، وإن كان ممّا ينقصه القطع وشرطه ، جاز ،
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٠ ، المجموع ٩ : ٢٨٦ - ٢٨٧ و ٢٨٨ ، حلية العلماء ٤ : ٨٤ ، المغني ٤ : ٢٥٠ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٣ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ١٠.
(٢) اُنظر : الكافي ٥ : ٢١٧ ، ١ ، والفقيه ٣ : ٨٨ / ٣٣٠ ، والتهذيب ٧ : ٧٢ / ٣٠٨.
(٣) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٣ ، المجموع ٩ : ٢٨٧ و ٢٨٨ ، حلية العلماء ٤ : ٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤١ - ٤٢ ، المغني ٤ : ٢٥٠ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٣.
وإلّا فالأقوى عندي : الجواز أيضاً ؛ لأنّه سلّطه على قطعه ببيعه إيّاه.
وقال بعض الشافعيّة : لا يجوز ، كما لو اشترى نصفاً معيّناً من الحيوان(١) .
وليس بجيّد ؛ لامتناع التسليم هنا ، بخلاف التسليم في الثوب ، فإنّ النقص لا يمنع التسليم إذا رضيه.
وكذا البحث لو باعه ذراعاً من اُسطوانة من خشب ، والخلاف بين الشافعيّة فيه كما تقدّم. قالوا : ولو كانت الاُسطوانة من آجُرٍّ ، جاز. قالوا : بشرط أن يكون انتهاء الذراع إلى انتهاء الآجُرّة ، فلا يلحق الضرر بذلك(٢) .
ح - الاستثناء كالمبيع يجب أن يكون معلوماً ، فلو استثنى جزءاً مجهولاً ، بطل ، كقوله : بعتك هؤلاء العبيد إلّا واحداً ، ولم يعيّنه ، سواء اتّفقت القِيَم أو لا. ولا فرق بين أن يقول : على أن تختار مَنْ شئت منهم أو لا ، ولا إذا قال ذلك بين أن يقدّر زمان الاختيار أو لا يقدّره.
ولو باع جملة الشيء واستثنى جزءاً شائعاً ، كنصفٍ أو ثُلْثٍ ، جاز.
ولو قال : بعتك هذه الصبرة إلّا صاعاً ، فإن كانت معلومة الصيعان ، صحّ ، وإلّا فلا - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(٣) - لأنّهعليهالسلام نهى عن الثُّنْيا(٤) في البيع(٥) .
____________________
(١) حلية العلماء ٤ : ١٠٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٢ ، المجموع ٩ : ٣١٧.
(٢) المجموع ٩ : ٣١٧ - ٣١٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧.
(٣) الوجيز ١ : ١٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٢ ، المجموع ٩ : ٣١٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥.
(٤) هي أن يستثنى في عقد البيع شيء مجهول. النهاية - لابن الأثير - ١ : ٢٢٤ « ثنا ».
(٥) صحيح مسلم ٣ : ١١٧٥ / ٨٥ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٨٥ / ١٢٩٠ ، سنن النسائي ٧ : ٢٩٦ ، مسند أحمد ٤ : ٣٢٦ / ١٤٤٢٧.
وقال مالك : يصحّ وإن كانت مجهولة الصيعان(١) . وهو القياس الذي يقتضيه جواز بيع الصبرة مع الجهالة ؛ إذ لا فرق بين بيعها بأسرها وبين استثناء صاعٍ معلوم منها.
أمّا نحن فلمـّا أبطلنا بيعها مع الجهل ، بطل مع الاستثناء المعلوم.
ط - لو باعه صاعاً من هذه الصبرة وهُما يعلمان العدد ، صحّ.
وهل ينزّل على الإشاعة بحيث لو تلف بعض الصبرة تلف بقسطه من المبيع ، أو لا ، بل المبيع صاع من الجملة غير مشاع ؛ لعدم اختلاف المقصود باختلاف أعيان الصيعان ، فيبقى المبيع ما بقي صاع؟ فيه احتمال.
وأظهرهما عند الشافعيّة : الأوّل(٢) .
ولو لم يعلما العدد ، فإن نزّلناه على الإشاعة ، فالأقرب : البطلان ، وهو قول بعض الشافعيّة(٣) .
وإن قلنا : المبيع صاع غير مشاع ، جاز - وهو أظهر وجهي الشافعي(٤) - فالمبيع أيّ صاع كان حتى لو تلفت الصبرة سوى صاعٍ ، تعيّن ، وللبائع أن يسلّم صاعاً من أسفلها وإن لم يكن مرئيّاً ؛ لعدم التفاوت.
وقال القفّال من الشافعيّة : يبطل ؛ لأنّه غير معيّن ولا موصوف ، فصار كما لو فرّقها وباعه واحداً منها(٥) .
ي - لو كان له عبد واحد فحضر في جماعة عبيد ، فقال سيّده : بعتك
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٠ ، وانظر بداية المجتهد ٢ : ١٦٤ ، والكافي في فقه أهل المدينة : ٣٣٢.
(٢ و ٣ ) المجموع ٩ : ٣١١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٣.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٣ و ٤٤ ، المجموع ٩ : ٣١١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٩.
(٥) حلية العلماء ٤ : ١٠٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٣ ، المجموع ٩ : ٣١١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٩.
عبدي من هؤلاء ، والمشتري يراهم ، بطل ؛ للجهالة ، وهو أحد قولي الشافعيّة. والآخر : يكون كبيع الغائب(١) .
يأ - يجب في المستثنى إمكان انفراده للبائع ، فلو باع أمةً واستثنى وطئها مدّةً ، لم يصحّ. ولو استثنى الكافر خدمة العبد - الذي بِيع عليه لإسلامه - مدّةً ، فالأقرب : الجواز ما لم تُثبت الخدمة عليه سلطنة ، كالمتعلّقة بالعين.
مسألة ٤٨ : إبهام السلوك كإبهام المبيع ، فلو باعه أرضاً محفوفة بملكه من جميع الجهات وشرط السلوك من جانبٍ ولم يعيّن ، بطل البيع ؛ لتفاوت الغرض باختلاف الجهات ، وبه قال الشافعي(٢) .
ولو عيّن السلوكَ من جانبٍ ، صحّ إجماعاً ، وكذا لو قال : بعتكها بحقوقها ، ويثبت للمشتري حقّ السلوك من جميع الجوانب.
ولو أطلق ولم يعيّن جانباً ، فوجهان ، أظهرهما : ثبوت السلوك من الجميع ؛ لتوقّف الانتفاع عليه. وعدمه ؛ لسكوته عنه. وحينئذٍ هل هو بمنزلة نفي السلوك؟ احتمال.
وللشافعيّة كالوجهين(٣) .
ولو شرط نفي الممرّ ، فالوجه : الصحّة ؛ لإمكان الانتفاع بالإيجار وتوقّع تحصيل المسلك.
ويحتمل - وهو أظهر وجهي الشافعيّة(٤) - البطلان ؛ لتعذّر الانتفاع في الحال.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٢ ، المجموع ٩ : ٢٨٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٨.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٤ ، المجموع ٩ : ٢٤١ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٠.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٥ ، المجموع ٩ : ٢٤١ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٠.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٥ ، المجموع ٩ : ٢٤١ - ٢٤٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٠.
ولو كانت الأرض المبيعة الملاصقةَ للشارع ، فليس للمشتري السلوك في ملك البائع ، فإنّ العادة في مثلها الدخول من الشارع. وإن كانت ملاصقةً للمشتري(١) ، فليس له السلوك في ملك البائع ، بل يدخل في ملكه السابق إن جرى البيع مطلقاً. ولو قال : بحقوقها ، فله السلوك في ملك البائع. وهذا كلّه كقول الشافعيّة(٢) .
ولو باع داراً واستثنى لنفسه بيتاً ، فله الممرّ. وإن نفى الممرّ ، فإن أمكن اتّخاذ ممرّ آخر ، صحّ ، وإن لم يمكن ، فالأقرب الصحّة.
وللشافعيّة وجهان(٣) .
مسألة ٤٩ : لو باع الدهن بظرفه وقد شاهده أو وصف له وصفاً يرفع الجهالة ، صحّ إذا عرف المقدار ، عندنا ، ومطلقاً عند مجوّزي بيع الجزاف(٤) . وكذا كلّ ما تتساوى أجزاؤه ، كالعسل والدبس والخلّ.
ولو باعه كلّ رطلٍ بدرهم ، فإن عرف الأرطال ، صحّ ، وإلّا فلا ، وحكمه حكم الصبرة. ولو باعه مع الظرف بعشرة ، صحّ ؛ لأنّه باع عينين يجوز العقد على كلّ واحد منهما منفرداً فجاز مجتمعاً.
فأمّا إن باع السمن مع الظرف كلّ رطل بدرهمٍ وعرفا قدر المجموع ، صحّ وإن جهلا تفصيله.
ومَنَع منه بعضُ الشافعيّة وبعض الحنابلة ؛ لأنّ وزن الظرف يزيد وينقص ولا يعلم كم بدرهمٍ منهما ، فيدخل على غرر(٥) .
____________________
(١) أي : لملك المشتري.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٥ ، المجموع ٩ : ٢٤٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٠.
(٤) المغني ٤ : ٢٥١ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٢.
(٥) حلية العلماء ٤ : ١١٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٢ ، المجموع ٩ : ٣١٩ ، المغني ٤ : ٢٥٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٢.
والباقون جوّزوه - كما اخترناه - لصحّة بيع كلٍّ منهما منفرداً ، فصحّ مجتمعاً. ولأنّه رضي أن يشتري الظرف كلّ رطل منه بدرهم ويشتري السمن كذلك(١) .
ولا يضرّ اختلاف القيمة فيهما ، كما لو اشترى ثوباً مختلفاً أو أرضاً كلّ ذراع بدرهم ، فإنّ القيمة مختلفة ، ويكون ثمن كلّ ذراع درهماً ، ولا يحتاج أن يجعل بعض الذراع الجيّد وبعض الرديء بدرهم.
وإن باعه كلّ رطل بدرهمٍ على أن يزن الظرف معه فيحسب عليه بوزنه ولا يكون مبيعاً وهُما يعلمان زنة كلّ واحد منهما ، صحّ ؛ لأنّه إذا علم أنّ الدهن عشرة والظرف رطلان ، كان معناه بعتك عشرة أرطال باثني عشر درهماً. ولو لم يعلما زنتهما ولا زنة أحدهما ، بطل ؛ لأدائه إلى جهالة الثمن في الحال في الجملة والتفصيل ، وبه قال الشافعي وأحمد(٢) .
مسألة ٥٠ : يجوز بيع النحل إذا شاهدها وكانت محبوسةً بحيث لا يمكنها الامتناع - وبه قال الشافعي ومحمّد بن الحسن وأحمد(٣) - لأنّها معلومة يقدر على تسليمها ، فصحّ بيعها كغيرها.
وقال أبو حنيفة : لا يجوز بيعها منفردةً ؛ لأنّه لا ينتفع بعينه ، فأشبه الحشرات(٤) .
والجواب : المنع من عدم الانتفاع ؛ لأنّها يخرج من بطونها شراب فيه
____________________
(١) حلية العلماء ٤ : ١١٠ ، المغني ٤ : ٢٥١ و ٢٥٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٢.
(٢) المجموع ٩ : ٣٢٠ ، المغني ٤ : ٢٥٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٢.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٢ ، المجموع ٩ : ٣٢١ و ٣٢٢ ، حلية العلماء ٤ : ١١١ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٤٤ ، المغني ٤ : ٣٢٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٩.
(٤) بدائع الصنائع ٥ : ١٤٤ ، المجموع ٩ : ٣٢٢ ، حلية العلماء ٤ : ١١٢ ، المغني ٤ : ٣٢٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٩.
منافع للناس ، فصارت كبهيمة الأنعام.
إذا عرفت هذا ، فإنّه لا يجوز بيعها في كواراتها(١) - وبه قال بعض الحنابلة(٢) - لجهالتها.
وقال بعضهم : يجوز(٣) .
والضابط : العلم ، فإن تمكّن منه بأن يفتح رأس البيت ويشاهدها ويعرف كثرتها من قلّتها ، جاز ، وإلّا فلا.
مسألة ٥١ : ويجوز بيع دود القزّ - وبه قال الشافعي وأحمد(٤) - لأنّه حيوان طاهر معلوم يجوز اقتناؤه لتملّك ما يخرج منه ، فأشبه البهائم.
وقال أبو حنيفة في رواية عنه : إنّه لا يجوز بيعه. وفي رواية اُخرى : إن كان معه قزّ ، جاز بيعه ، وإلّا فلا ؛ لأنّه لا ينتفع بعينه ، فأشبه الحشرات(٥) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ النفع بها ظاهر ، وهو ما يخرج منها ، كالبهائم التي لا ينتفع بها بشيء غير النتاج ، بخلاف الحشرات التي لا نفع فيها البتة ، فإنّ هذه يخرج منها الحرير ، وهو أفخر الملابس.
وكذا يجوز بيع بزره.
ومَنَعه بعض الحنابلة(٦) . وهو خطأ ؛ لما مرّ.
____________________
(١) الكِوارة : شيء يتّخذ للنحل من القُضْبان ، وهو ضيق الرأس. لسان العرب ٥ : ١٥٦ « كور ».
(٢ و ٣ ) المغني ٤ : ٣٢٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٩.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨ ، حلية العلماء ٤ : ٧٢ ، المجموع ٩ : ٢٢٧ و ٢٥٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩ ، المغني ٤ : ٣٢٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٩ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٤.
(٥) بدائع الصنائع ٥ : ١٤٤ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٤٥ ، حلية العلماء ٤ : ٧٢ ، المجموع ٩ : ٢٢٧ و ٢٥٣ ، المحلّى ٩ : ٣١ ، المغني ٤ : ٣٢٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٩.
(٦) المغني ٤ : ٣٢٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٩.
مسألة ٥٢ : المسك طاهر يجوز بيعه في الجملة ، وبه قال عامّة الفقهاء(١) .
وحكي عن بعض الناس : المنع من بيعه ؛ لأنّه نجس ، لقولهعليهالسلام : « ما اُبين من حيّ فهو ميّت »(٢) والميتة نجسة(٣) .
وقد قيل : إنّه دم(٤) .
وهو خطأ ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال للأنصاريّة التي سألته عن غسل الحيض : « خُذي فِرصةً(٥) من مسك فتطهّري بها »(٦) .
ولا دلالة في الخبر ؛ لأنّ الغزال يلقيه كما يلقي الولدَ ، ويلقي الطير البيضَ. والدم المحرَّم هو المسفوح ، فإنّ الكبد حلال وهو دم ، وقد روي جواز بيعه عن الصادقعليهالسلام (٧) .
إذا ثبت هذا ، فقد جوّز الشيخُ بيعَ المسك في فأرة وإن لم يفتق ، وفتقه أحوط(٨) ، وبه قال بعض الشافعيّة ؛ لأنّ بقاءه في فأرةٍ مصلحة له ، فإنّه يحفظ رطوبته وذكاء رائحته ، فأشبه ما مأكوله في جوفه(٩) .
____________________
(١) المجموع ٩ : ٣٠٦ وكما في الخلاف ٣ : ١٧٠ ، المسألة ٢٧٧
(٢) سنن أبي داوُد ٣ : ١١١ / ٢٨٥٨ ، المستدرك - للحاكم - ٤ : ٢٣٤ نحوه.
(٣ و ٤ ) حلية العلماء ٤ : ١٠٢ ، المجموع ٩ : ٣٠٦ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٣٤ ، وكما في الخلاف ٣ : ١٧٠ ، المسألة ٢٧٧.
(٥) الفِرْصة : قطعة من صوف أو قطن أو خرقة. النهاية - لابن الأثير - ٣ : ٤٣١ « فرص ».
(٦) صحيح البخاري ١ : ٨٥ - ٨٦ ، سنن النسائي ١ : ١٣٥ - ١٣٦ ، سنن البيهقي ١ : ١٨٣ ، معرفة السنن والآثار ١ : ٤٨٨ - ٤٨٩ / ١٤٦١ ، مسند أبي عوانة ١ : ٣١٧.
(٧) اُنظر : الفقيه ٣ : ١٤٣ / ٦٢٨ ، والتهذيب ٧ : ١٣٩ / ٦١٥.
(٨) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٥٨ ، الخلاف ٣ : ١٧٠ ، المسألة ٢٧٨.
(٩) المجموع ٩ : ٣٠٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٤ ، المغني ٤ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٢.
ومَنَع أكثر أصحاب الشافعي وأصحاب أحمد ؛ لبقائه خارج وعائه من غير ضرورة ، وتبقى رائحته [ فلم يجز ](١) بيعه مستوراً ؛ لجهالة صفته ، كالدرّ في الصدف(٢) .
والوجه : الصحّة ؛ لأنّ صفة المسك معلومة ، فيشتريه بشرط الصحّة ، كالمذوق قبل ذوقه.
مسألة ٥٣ : لا يجوز بيع البيض في بطن الدجاجة ولا النوى في التمر - وهو وفاق - للجهالة.
ولو باع لؤلؤةً في صدفٍ ، لم يجز أيضاً ؛ للجهالة ، وبه قال محمّد(٣) .
وقال أبو يوسف : يجوز ، وله الخيار إذا رآه ؛ لأنّه كالحقّة(٤) .
ونحن نمنع من حكم الأصل ؛ لعدم ضبط اللؤلؤ.
مسألة ٥٤ : قد بيّنّا أنّ جهالة الاستثناء تُبطل البيع ، وكذا المنفصل المعلوم إذا جُهلت نسبته إلى المستثنى منه ، فلو باعه بعشرة إلّا ثوباً وعيّنه ، لم يصحّ. وكذا لو باعه بثوب إلّا درهماً مع جهل النسبة.
ولو استثنى جزءاً معلوماً مشاعاً ، كثُلْثٍ أو ربع من الصبرة أو الحائط ، أو جزءين وأزيد ، كتُسْعين أو ثلاثة أثمان ، صحّ البيع ، عند علمائنا - وبه قال الشافعي وأحمد(٥) - لانتفاء الجهالة.
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : فلم يقع. وما أثبتناه - كما هو الصحيح - من المغني والشرح الكبير.
(٢) الحاوي الكبير ٥ : ٣٣٤ - ٣٣٥ ، المجموع ٩ : ٣٠٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٤ ، المغني ٤ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٢.
(٣ و ٤) لم نعثر عليه في مظانّه من المصادر المتوفّرة لدينا.
(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٢ ، المجموع ٩ : ٣١٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٢ ، المغني ٤ : ٢٣١ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٥.
وقال أبو بكر وابن أبي موسى : لا يجوز(١) . وليس بمعتمد.
وكذا يجوز أن يستثني المشاع من الحيوان ، كثُلْثه أو ربعه ؛ لوجود المقتضي وانتفاء المانع.
وقال بعض الحنابلة : لا يجوز ؛ قياساً على استثناء الشحم(٢) .
وهو خطأ ؛ لجهالة الشحم.
ولو قال : بعتك قفيزاً من هذه الصبرة إلّا مكّوكاً(٣) ، صحّ.
فروع :
أ - لو باع قطيعاً واستثنى شاةً معيّنة ، صحّ البيع ، وإن لم تكن معيّنةً ، بطل - وهو قول أكثر العلماء(٤) - لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن الثُّنْيا إلّا أن تعلم(٥) . ونهى عن الغرر(٦) . ولأنّه مبيع مجهول فلم يصحّ ، كما لو قال : إلّا شاة مطلقة.
وقال مالك : يصحّ أن يبيع مائة شاة إلّا شاة يختارها ، أو يبيع ثمرة حائطه ويستثني ثمرة نخلاتٍ يعدّها(٧) .
ب - لو قال : بعتك هذا بأربعة دراهم إلّا بقدر درهم ، أو : إلّا ما يخصّ درهماً ، صحّ ؛ لأنّ قدره معلوم من المبيع وهو الربع ، فكأنّه قال : بعتك ثلاثة أرباعه بأربعة. ولو قال : إلّا ما يساوي درهماً ، صحّ مع العلم
____________________
(١ و ٢) المغني ٤ : ٢٣١ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٥.
(٣) المكّوك : ميكال معروف لأهل العراق. لسان العرب ١٠ : ٤٩١ « مكك ».
(٤) المغني ٤ : ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٣.
(٥) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٦٢ / ٣٤٠٥ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٨٥ / ١٢٩٠ ، سنن النسائي ٧ : ٢٩٦.
(٦) تقدّم تخريجه في ص ٤٨ ، الهامش (٢).
(٧) المغني ٤ : ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٣.
لا مع الجهالة ؛ إذ ما يساوي الدرهم قد يكون الربع وقد يكون أكثر وأقلّ.
ج - لو باعه سمسما واستثنى الكسب(١) ، لم يجز ، لأنّه قد باعه الشيرج بالحقيقة ، وهو غير معلوم. وكذا لو استثنى الشيرج. وكذا لو باعه قطناً واستثنى الحبّ أو بالعكس ، وبه قال الشافعي(٢) .
مسألة ٥٥ : لو باعه حيواناً مأكولاً واستثنى رأسه وجلده ، فالأقوى بطلان البيع - وبه قال أبو حنيفة والشافعي(٣) - لأنّه لم يجز إفراده بالعقد فلم يجز استثناؤه ، كالحمل ، ولأنّه مجهول.
وفي قولٍ لنا : الشركة بقيمة ثُنْياه(٤) ؛ لقول الصادقعليهالسلام : « اختصم إلى أمير المؤمنينعليهالسلام رجلان اشترى أحدهما من الآخر بعيراً واستثنى البيّعُ الرأسَ والجلد ثمّ بدا للمشتري أن يبيعه ، فقال للمشتري : هو شريكك في البعير على قدر الرأس والجلد »(٥) .
وقال مالك : يكون له ما استثناه ، ويصحّ البيع في السفر دون الحضر ؛ لأنّ المسافر لا يمكنه الانتفاع بالجلد والسواقط. فجوّز له شراء اللحم دونها(٦) .
وليس بجيّد ؛ لتساوي السفر والحضر في الحكم.
وقال أحمد : يصحّ الاستثناء مطلقاً ؛ لأنّ المستثنى والمستثنى منه معلومان ، فصحّ ، كما لو استثنى نخلةً معيّنة(٧) .
____________________
(١) الكُسْب : عصارة الدهن. لسان العرب ١ : ٧١٧ « كسب ».
(٢) المجموع ٩ : ٣٢٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٨.
(٣) المغني ٤ : ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٦.
(٤) من القائلين بذلك : المحقّق في شرائع الإسلام ٢ : ٥٧.
(٥) الكافي ٥ : ٣٠٤ / ١ ، التهذيب ٧ : ٨١ / ٣٥٠.
(٦) المدونّة الكبرى ٤ : ٢٩٣ ، المغني ٤ : ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٦.
(٧) المغني ٤ : ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٦.
وليس بجيّد ؛ للعلم هنا.
فروع :
أ - لو باع الرأس والجلد أو شارك فيهما ، فالوجه عندي : البطلان ؛ للجهالة وتعذّر التسليم.
وفي قولٍ لنا : إنّه يكون للشريك بقدر نصيبه(١) ؛ لقول الصادقعليهالسلام في رجلٍ شهد بعيراً مريضاً وهو يباع ، فاشتراه رجل بعشرة دراهم وأشرك فيه رجلاً بدرهمين بالرأس والجلد ، فقضي أنّ البعير بريء فبلغ ثمانية دنانير ، قال : فقال : « لصاحب الدرهمين خُمس ما بلغ ، فإن قال : أريد الرأس والجلد فليس له ذلك هذا الضرار وقد اُعطي حقّه إذا اُعطي الخُمس »(٢) .
ب - لو امتنع المشتري من ذبحها ، قال أحمد : لم يجبر عليه ، ويلزمه قيمة ذلك ؛ لما روي عن عليّعليهالسلام أنّه قضى في رجلٍ اشترى ناقةً وشرط ثُنْياها ، فقال : « اذهبوا إلى السوق فإذا بلغت أقصى ثمنها فأعطوه حساب ثُنْياها من ثمنها »(٣) .
وقد بيّنّا أنّ الأقوى بطلان البيع.
ج - لو استثنى شحم الحيوان ، لم يصحّ البيع - وبه قال أحمد(٤) - لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله نهى عن الثُّنْيا إلّا أن تعلم(٥) . ولأنّه لا يصحّ إفراده بالبيع ؛
____________________
(١) قال به المحقّق في شرائع الإسلام ٢ : ٥٧.
(٢) التهذيب ٧ : ٧٩/ ٣٤١ ، وبتفاوت في الكافي ٥ : ٢٩٣ / ٤.
(٣) المغني ٤ : ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٦ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٢١ - ٢٢.
(٤) المغني ٤ : ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٦ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٢١.
(٥) تقدّم تخريجه في ص ٩٥ ، الهامش (٥).
لجهالته.
مسألة ٥٦ : لو استثنى الحملَ ، صحّ عندنا - وبه قال الحسن والنخعي وإسحاق وأبو ثور وأحمد في روايةٍ(١) - لأنّ نافعاً(٢) روى عن ابن عمر أنّه باع جاريةً واستثنى ما في بطنها(٣) .
ولأنّه يصحّ استثناؤه في العتق فصحّ في البيع.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في اُخرى ، والثوري : لا يصحّ ، لأنّه مجهول لا يصحّ إفراده بالبيع ، فلا يصحّ استثناؤه. ولأنّهعليهالسلام نهى عن الثّنيا إلّا أن تعلم(٤) (٥) .
ونحن نقول بالموجب ، فإنّ الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، والبيع إنّما تناول الاُمّ دون الحمل ، وإطلاق الاستثناء عليه مجاز ، بل نقول نحن : إنّه لو باع الامّ ولم يستثن الحمل ، لم يدخل في البيع ، وكان للبائع ، والاستثناء هنا مؤكّد لا مخرج.
تذنيب : لو باع أمةً حاملاً بحُرٍّ ، جاز البيع عندنا ؛ للأصل ، خلافاً للشافعي ؛ لأنّ الحمل لا يدخل في البيع ، فصار كأنّه مستثنى ، فلا يصحّ بيعها(٦) .
____________________
(١) المغني ٤ : ٢٣٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٦ - ٣٧ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٢١.
(٢) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : « نافع » غير منصوب.
(٣) المغني ٤ : ٢٣٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٧.
(٤) تقدّم تخريجه في ص ٩٥ ، الهامش (٥).
(٥) المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ١٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٢٥ - ٢٢٦ ، المغني ٤ : ٢٣٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٦ - ٣٧ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٢١.
(٦) المجموع ٩ : ٣٢٤ - ٣٢٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٦ ، المغني ٤ : ٢٣٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٧.
ونمنع بطلان الاستثناء.
مسألة ٥٧ : لا يكفي في العلم مشاهدة وجه الدابّة ، بل لابُدّ من النظر إلى مؤخّرها - وبه قال أبو يوسف(١) - لأنّ المؤخّر موضع مقصود منها ، فيشترط رؤيته.
وقال محمّد بن الحسن : لا يشترط ؛ لأنّ الأصل في الحيوان الوجه ، فتكفي رؤيته ، كالعبد والأمة(٢) .
ونحن نمنع المقيس عليه ، ونوجب المشاهدة لجميع الأجزاء الظاهرة في المبيع كلّه ، سواء كان حيواناً أو غيره ، أو نثبت خيار الرؤية لو ظهر البعض على الخلاف.
ولو اشترى دارا فرأى خارجها ، لم يصحّ ، إلّا إذا وصف الباقي وصفاً يرفع الجهالة ، ويثبت خيار الرؤية ، وبه قال زفر(٣) .
وقال أبو حنيفة وصاحباه : إذا رأى خارجها ، كان رؤية لها(٤) . وليس بجيّد.
مسألة ٥٨ : وكما أنّ الجهالة في الموضعين مبطلة فكذا في صفاتهما ولواحق المبيع ، فلو شرطا شرطاً مجهولاً ، بطل البيع. ولو شرطا تأجيل الثمن ، وجب أن يكون معلوماً ، فلو أجّله إلى الحصاد ونحوه ، بطل البيع ؛ للجهالة.
فإن أسقط الأجل ، لم ينقلب جائزاً عندنا - وبه قال الشافعي(٥) - لأنّه
____________________
(١) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٣٤ ، بدائع الصنائع ٥ : ٢٩٣.
(٢) بدائع الصنائع ٥ : ٢٩٣.
(٣) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٣٤.
(٤) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٣٤ ، بدائع الصنائع ٥ : ٢٩٤.
(٥) المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ٢٧.
انعقد باطلاً.
وقال أبو حنيفة : ينقلب جائزاً ؛ لأنّه أسقط المفسد قبل تقرّره ، فجعل كأن لم يكن ، ولهذا لو أسقط في الأجل الصحيح قبل مضيّ المدّة ، جعل كأن لم يكن إلّا إلى هذا الوقت ويتمّ البيع(١) .
وليس بشيء ، لأنّه مع الصحيح إسقاط لحقّ ثبت في عقد صحيح ، وهنا لم يثبت ، لفساد العقد ، فلا يتحقّق الإسقاط.
تذنيب : لو باعه بحكم المشتري ولم يعيّن ، بطل البيع إجماعاً ، فإن هلك في يد المشتري ، فعليه قيمته.
قال الشيخ : يوم ابتاعه إلّا أن يحكم على نفسه بأكثر من ذلك ، فيلزمه ما حكم به دون القيمة. ولو كان بحكم البائع فحَكَم بأقلّ من قيمته ، لم يكن له أكثر(٢) .
والمعتمد : بطلان البيع ؛ للجهالة ، ووجوب القيمة يوم التلف إن كان من ذوات القِيَم ، وإلّا المثل.
ويحتمل في ذي القيمة اعتبارها يوم القبض والأعلى. وكذا لو باعه بحكم ثالثٍ من غير تعيين الثمن أو وصفه أو شرط فيه.
وكما يجب القيمة على المشتري أو المثل كذا يجب عليه أرش النقص لو حصل والأجرة إن كان ذا اُجرة إن استوفى المنافع ، وإلّا فإشكال.
ولا يضمن تفاوت السعر ، وله الزيادة التي فَعَلها في العين ، عيناً كانت أو صفةً ، وإلّا فللبائع وإن كانت منفصلةً.
____________________
(١) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٥٠ ، المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ٢٧.
(٢) النهاية ونكتها ٢ : ١٤٦.
الشرط السادس : عدم النهي.
اعلم أنّ النهي قد يقتضي الفساد وقد لا يقتضيه ، والثاني قد يكون للتحريم وقد يكون للكراهة ، وقد مضى بعض ذلك ، وقد وقع الخلاف في كثيرٍ من الباقي ، ونحن نبيّن بعون الله تعالى جميع ذلك على التفصيل. ويحصره أقسام :
الأوّل : بيع ما لم يقبض. والنظر فيه يتعلّق بأمور ثلاثة :
الأوّل : ماهيّة القبض.
قال الشيخ : القبض فيما لا يُنقل ويُحوّل هو التخلية ، وإن كان ممّا يُنقل ويُحوّل ، فإن كان مثل الدراهم والدنانير والجواهر وما يتناول باليد ، فالقبض هو التناول ، وإن كان مثل الحيوان ، فالقبض نقل البهيمة وغيرها إلى مكان آخر. وإن كان ممّا يُكال أو يُوزن ، فالقبض فيه الكيل أو الوزن(١) .
وبه قال الشافعي في أظهر القولين ، وأحمد في أظهر الروايتين(٢) ؛ لقول النبيصلىاللهعليهوآله : « من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله »(٣) .
وسُئل الصادقعليهالسلام - في الصحيح - عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه ، فقال : « ما لم يكن كيل أو وزن فلا يبعه حتى يكيله أو يزنه إلّا أن
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٢٠.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٠ ، المجموع ٩ : ٢٧٥ - ٢٧٦ و ٢٨٣ ، الوسيط ٣ : ١٥٢ ، الوجيز ١ : ١٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٥ - ٣٠٦ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٧ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٢٦ - ٢٢٧ ، المغني ٤ : ٢٣٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١٣١ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ١٨ - ١٩.
(٣) صحيح مسلم ٣ : ١١٦٢ ، ١٥٢٨.
يوليه الذي قام عليه »(١) فجَعَلعليهالسلام الكيلَ والوزنَ هو القبض ؛ لأنّا أجمعنا على بيع الطعام بعد قبضه.
وسُئلعليهالسلام عن رجل اشترى متاعاً من آخر وأوجبه غير أنّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه وقال : آتيك غداً إن شاء الله ، فسُرق المتاع ، من مال مَنْ يكون؟ فقالعليهالسلام : « من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته ، فإذا أخرجه من بيته ، فالمبتاع ضامن لحقّه حتى يردّ ماله إليه »(٢) فجَعَل القبض هو النقل.
ولقضاء العرف بذلك ، وعادة الشرع ردّ الناس إلى العرف فيما لم يضع له الشارع لفظاً.
وقال أبو حنيفة : « القبض التخلية مطلقاً في المنقول وغيره - وهو قولٌ(٣) لنا وللشافعي ، وقول مالك ، ورواية عن أحمد - مع التمييز ؛ لأنّه خلّى بينه وبين المبيع ، فكان قبضاً له ، كالعقار(٤) .
ونمنع المساواة ؛ للعرف.
وفي روايةٍ عن الشافعي : تكفي التخلية لنقل الضمان إلى المشتري ؛ لأنّ البائع أتى بما عليه ، فيخرج عن ضمانه ، والتقصير من المشتري ؛ حيث لم ينقل ، فيثبت ما هو حقّ البائع. ولا تكفي لجواز التصرّف(٥) .
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٣٥ / ١٤٦.
(٢) الكافي ٥ : ١٧١ - ١٧٢ / ١٢ ، التهذيب ٧ : ٢١ / ٨٩ ، و ٢٣٠ / ١٠٠٣.
(٣) من القائلين به : المحقّق في شرائع الإسلام ٢ : ٢٩.
(٤) بدائع الصنائع ٥ : ٢٤٤ ، المجموع ٩ : ٢٨٣ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٢٧ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٥ و ١٧٦ ، الوسيط ٣ : ١٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٦ ، المغني ٤ : ٢٣٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١٣١.
(٥) المجموع ٩ : ٢٧٧ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٦ ، الوسيط ٣ : ١٥٢.
مسألة ٥٩ : هل يشترط في القبض كونه فارغا عن أمتعة البائع؟ قال الشافعي : نعم(١) .
والأقرب عندي : المنع مع التخلية وتمكينه من اليد والتصرّف بتسليم المفتاح إليه ، فلو باع داراً أو سفينةً مشحونةً بأقمشة ومكّنه منها بحيث جعل له تحويله من مكانٍ إلى غيره ، كان قبضاً.
ولا يشترط في التخلية حضور المتبايعين عند المبيع ، وهو أظهر وجوه الشافعي(٢) .
وآخر : اشتراطه ، فإذا حضرا وقال البائع للمشتري : دونك هذا ، ولا مانع ، حصل القبض(٣) .
وآخر : اشتراط حضور المشتري دون البائع ليتمكّن من إثبات اليد عليه ، وإذا حصلت التخلية ، فإثبات اليد والتصرّف إليه(٤) .
وهل يشترط زمان إمكان المضيّ إليه؟ أصحّ الوجهين للشافعيّة : نعم(٥) .
مسألة ٦٠ : إذا كان المبيع في موضع لا يختصّ بالبائع ، كفى في المنقول النقلُ من حيّز إلى آخر. وإن كان في موضع يختصّ به ، فالنقل من زاوية إلى اُخرى بغير إذن البائع لا يكفي لجواز التصرّف ، ويكفي لدخوله في ضمانه. وإن نقل بإذنه ، حصل القبض ، وكأنّه استعار البقعة المنقول إليها.
ولو اشترى الدار مع الأمتعة فيها صفقة وخلّى بينهما ، حصل القبض في الدار. وفي الأمتعة إشكالٌ ، أصحّ وجهي الشافعي : عدم القبض بدون
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٥ ، المجموع ٩ : ٢٧٦ ، منهاج الطالبين : ١٠٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٥.
(٢ - ٥) المجموع ٩ : ٢٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٥.
نقلها ، كما لو بِيعت وحدها. والثاني : أنّ القبض يحصل فيها تبعاً(١) .
ولو أحضر البائع السلعة فقال المشتري : ضَعْه ، ففَعَل ، تمّ القبض - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّه كالوكيل في الوضع.
ولو لم يقل المشتري شيئاً ، أو قال : لا اُريد ، حصل القبض ؛ لوجود التسليم ، كما إذا وضع الغاصب المغصوبَ بين يدي المالك ، يبرأ عن الضمان ، وهو أصحّ وجهي الشافعي. والضعيف : لا يحصل ، كما في الإيداع(٣) .
وللمشتري الاستقلال بنقل المبيع إن كان الثمن مؤجّلاً أو [ وفّاه ](٤) - كما أنّ للمرأة قبض الصداق من دون إذن الزوج إذا سلّمت نفسها - وإلّا فلا ، وعليه الردّ ؛ لأنّ البائع يستحقّ الحبس لاستيفاء الثمن ، ولا ينفذ تصرّفه فيه لكن يدخل في ضمانه.
وإذا كان المبيع معتبراً تقديره ، كما لو اشترى ثوباً مذارعة ، أو أرضاً كذلك ، أو متاعاً موازنة ، أو حنطة مكايلة ، أو معدوداً بالعدد ، لم يكف النقل والتحويل ، بل لا بُدّ من التقدير على إشكالٍ. وهذا كلّه كقول الشافعي(٥) .
فروع :
أ - لو قبض جزافاً ما اشتراه مكايلة ، دخل المقبوض في ضمانه. فإن باعه كلّه ، لم يصحّ ؛ لأنّه ربما يزيد على قدر ما يستحقّه.
ولو باع ما يستحقّه ، فالوجه عندي : الجواز - وهو أضعف وجهي
____________________
(١) المجموع ٩ : ٢٧٧ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٥.
(٢) المجموع ٩ : ٢٧٧ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٦.
(٣) المجموع ٩ : ٢٧٧ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٧.
(٤) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك » وظاهر الطبعة الحجريّة : وزنه. وما أثبتناه يقتضيه السياق وكما هو مفاد المصادر للفقه الشافعي.
(٥) المجموع ٩ : ٢٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٧.
الشافعي(١) - لحصول القبض. وأصحّهما عنده : المنع ؛ لأنّه لم يجر قبض مستحقّ بالعقد(٢) . وهو ممنوع.
ب - لا اعتبار بالقبض الفاسد ، بل الصحيح ؛ لسقوط الأوّل عن نظر الشرع ، فلا يكون شرطاً في صحّة شرعيّ(١) .
والصحيحُ : أن يسلّم المبيع باختياره أو يوفّي المشتري الثمن ، فله القبض بغير اختيار البائع. والفاسدُ : أن يكون الثمن حالّاً وقبض المبيع بغير اختيار البائع من غير دفع الثمن ، فللبائع المطالبة بالردّ إلى يده ؛ لأنّ له حقّ الحبس إلى أن يستوفي.
ج - لو كان لزيد طعامٌ على عمرو سلماً ، ولخالد مثله على زيد ، فقال زيد : اذهب إلى عمرو واقبض لنفسك ما لي عليه ، فقبضه ، لم يصحّ لخالد ، عند أكثر علمائنا(٤) - وبه قال الشافعي وأحمد(٥) - لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن بيع الطعام بالطعام حتى يجري فيه الصاعان ، يعني صاع البائع وصاع المشتري(٦) ، وسيأتي ، بل ينبغي أن يكتال لنفسه ويقبضه ثمّ يكيله على مشتريه.
وهل يصحّ لزيْدٍ؟ الوجه : المنع - وبه قال الشافعي وأحمد في رواية(٧) - لأنّه لم يجعله نائباً في القبض ، فلم يقع له ، بخلاف الوكيل.
____________________
(١و٢) المجموع ٩ : ٢٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٧.
(٣) كذا في « ق ، ك » والطبعة الحجرية.
(٤) منهم : الشيخ الطوسي في المبسوط ٢ : ١٢٢ ، والقاضي ابن البرّاج في المهذّب ١ : ٣٨٧ - ٣٨٨.
(٥) المجموع ٩ : ٢٧٩ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٨.
(٦) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٥٠ ، ٢٢٢٨ ، سنن الدار قطني ٣ : ٨ ، ٢٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٣١٦ ، ولم ترد فيها كلمة « بالطعام ».
(٧) المغني ٤ : ٢٤٠ ، وانظر : المجموع ٩ : ٢٧٩ ، وروضة الطالبين ٣ : ١٧٨ ، والعزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٨.
وفي رواية : يصحّ ، لأنّه أذن له في القبض ، فأشبه الوكيل(١) .
وليس بجيّد ؛ لأنّه قبضه لنفسه باطلاً ، فحينئذٍ يكون باقياً على ملك عمرو.
وكذا لو دفع إليه مالاً وقال : اشتر لي به طعاماً ، فإن قال : اقبضه لي ثمّ اقبضه لنفسك ، صحّ الشراء والقبض للموكّل.
وهل يصحّ لنفسه؟ مَنَعه الشيخ ؛ لاتّحاد المقبوض والقابض(٢) . وهو وجه للشافعي(٣) .
وفي آخر : الجواز ؛ لأنّ الباطل أن يقبض من نفسه لغيره(٤) .
ولو قال : اقبضه لنفسك ، منع الشافعيّة منه ، لأنّه لا يتمكّن من قبض مال الغير لنفسه ، فإنّ فعله فهو مضمون عليه(٥) .
وإن قال : اشتر لنفسك ، لم يصحّ الشراء ؛ لأنّه لا يصحّ أن يملك الإنسان بثمنٍ لغيره. ولا يتعيّن له بالقبض ، وبه قال الشافعي(٦) .
وقال أحمد : يصحّ الشراء ، كالفضولي(٧) .
وتكون الدراهم أمانةً في يده ؛ لأنّه لم يقبضها ليتملّكها.
فإن اشترى ، نُظر إن اشترى في الذمّة ، وقع عنه ، وأدّى الثمن من ماله. وإن اشترى بعينها ، للشافعيّة وجهان : الصحّة والبطلان(٨) .
ولو كان المالان أو المحال به قرضاً أو إتلافاً ، جاز عندنا ، خلافاً
____________________
(١) المغني ٤ : ٢٤٠.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٢١.
(٣ و ٤) المجموع ٩ : ٢٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٩ - ١٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١٠.
(٥ و ٦) المجموع ٩ : ٢٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١٠.
(٧) المغني ٤ : ٢٤١.
(٨) المجموع ٩ : ٢٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١٠.
للشافعي(١) .
د - لو أبقى زيدٌ الطعامَ في المكيال لمـّا اكتاله لنفسه وسلّمه إلى مشتريه ، جاز ، وينزّل استدامته في المكيال منزلة ابتداء الكيل ، وهو أظهر وجهي الشافعي ، وبه قال أحمد(٢) .
ولو اكتاله زيد ثمّ كاله على مشتريه فوقع في المكيال زيادة أو نقصان بما يعتاد في المكيال ، فالزيادة لزيدٍ والنقصان عليه ، وإن كان كثيراً ، رُدّت الزيادة إلى الأوّل ورجع عليه بالنقصان.
ه- يجوز التوكيل في القبض من المشتري وفي الإقباض من البائع. وهل يجوز أن يتولّاهما الواحد؟ مَنَعه الشيخ(٣) - وبه قال الشافعي في وجهٍ(٤) - لأنّه لا يجوز أن يكون قابضاً مُقبضاً.
والوجه : الجواز - وبه قال أحمد والشافعي في وجهٍ(٥) - كما لو باع الأب من ولده الصغير.
وكذا يجوز أن يوكّل المشتري من يده يد البائع ، كعبده.
و - لو أذن لمستحقّ الطعام أن يكتال من الصبرة حقّه ، فالوجه عندي : الجواز - وهو أضعف وجهي الشافعيّة(٦) - لأنّ القصد معرفة القدر.
وأصحّهما : المنع ؛ لأنّ الكيل أحد ركني القبض ، فلا يجوز أن يكون
____________________
(١) المجموع ٩ : ٢٧٣ - ٢٧٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠١ - ٣٠٢.
(٢) المجموع ٩ : ٢٧٩ - ٢٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٩ ، المغني ٤ : ٢٤١.
(٣) اُنظر : المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٨١.
(٤) المجموع ٩ : ٢٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١٠.
(٥) المغني ٥ : ٢٣٩ ، الشرح الكبير ٥ : ٢٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١١.
(٦) المجموع ٩ : ٢٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١٠.
نائباً فيه عن البائع متأصّلاً لنفسه(١) .
ز - لو قال مَنْ عليه طعام من سَلَم وله مثله لمستحقّه : احضر اكتيالي وأقبضه لك ، ففَعَل ، فالوجه : الجواز.
ومَنَع منه الشافعي وأحمد ؛ للنهي(٢) (٣) .
وهل يكون قابضاً لنفسه؟ لأحمد وجهان :
أقواهما : نعم ؛ لأنّ قبض المسلم فيه قد وجد في مستحقّه ، فصحّ القبض له ، كما لو نوى القبض لنفسه ، فإذا قبضه غريمه ، صحّ. وإن قال : خُذْه بهذا الكيل فأخذه ، صحّ ؛ لأنّه قد شاهد كيله وعلمه ، فلا معنى لاعتبار كيله مرّة ثانية.
والمنع - وبه قال الشافعي - للنهي(٤) (٥) .
النظر الثاني : في وجوبه(١)
يجب على كلّ واحد من المتبايعين تسليم ما استحقّه الآخر بالبيع ، فإن قال كلٌّ منهما : لا أدفع حتى أقبض ، قال الشيخ : يُجبر البائع أوّلاً(٧) .
وأطلق ، وهو أحد أقوال الشافعي ، الأربعة ، وأحمد في رواية ؛ لأنّ تسليم
____________________
(١) المجموع ٩ : ٢٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١٠.
(٢) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٥٠ / ٢٢٢٨ ، سنن الدار قطني ٣ : ٨ / ٢٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٣١٦.
(٣) المجموع ٩ : ٢٧٩ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٨ ، المغني ٤ : ٢٤٠.
(٤) راجع المصادر في الهامش (٢).
(٥) المغني ٤ : ٢٤٠ - ٢٤١.
(٧) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٤٧ - ١٤٨.
المبيع يتعلّق به استقرار البيع وتمامه ، فإنّ ملك المشتري في المبيع إنّما يستقرّ بتسليمه إلى البائع ؛ لأنّه لو تلف قبل القبض ، بطل.
وثانيها - وبه قال أبو حنيفة ومالك - : أنّه يُجبر المشتري على تسليم الثمن أوّلاً ؛ لأنّ حقّه متعيّن في المبيع ، فيؤمر بدفع الثمن ليتعيّن حق البائع أيضاً.
وثالثها : لا يُجبران لكن يُمنعان من التخاصم ، فإن سلّم أحدهما ما عليه ، اُجبر الآخر.
ورابعها : أنّ الحاكم يُجبرهما معاً على التسليم(١) .
هذا إذا كان الثمن في الذمّة ، وإن كان معيّناً أو تبايعا عَرْضاً بعَرْض ، فقولان للشافعيّة خاصّة : عدم الإجبار لهما(٣) (٤) ، والإجبار لهما معاً ، وبه قال الثوري وأحمد(٤) .
والأخير عندي على التقديرين أجود ؛ لأنّ كلّ واحد منهما قد وجب له حقٌّ على صاحبه.
مسألة ٦١ : إذا ابتدأ البائع بالتسليم إمّا تبرّعاً أو بالإجبار على القول به ، اُجبر المشتري على التسليم في الحال إن كان الثمن حاضراً في
____________________
(١) الوسيط ٣ : ١٥٦ ، الوجيز ١ : ١٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢ و ٣١٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨١ ، المغني ٤ : ٢٩٢ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٢.
(٢) كلمة « لهما » لم ترد في « ق ، ك ».
(٣) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة زيادة : وبه قال أحمد. وحذفناها لأجل السياق ، مضافاً إلى عدم وجود قول له بعدم الإجبار في المغني والشرح الكبير.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨١ - ١٨٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١٢ - ٣١٣ ، المغني ٤ : ٢٩٢ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٢.
المجلس ، وإن كان في البلد ، فكذلك.
وأظهر وجهي الشافعي : الحجر عليه في المبيع(١) عند بعض الشافعيّة(٢) ، ومطلقاً عند آخرين ؛ لئلّا يتصرّف في أملاكه بما يفوت حقّ البائع(٣) .
والأقرب : عدم الحجر ، وهو أضعفهما(٤) .
وإن كان غائباً قدر مسافة القصر ، قال الشافعي : لا يكلّف البائع الصبر إلى إحضاره ، بل في وجهٍ يباع المبيع ويوفى حقّه من ثمنه.
والأظهر عنده : أنّ له الفسخ ، كما لو أفلس المشتري(٥) .
وعند علمائنا : له الفسخ بعد ثلاثة أيّام مع انتفاء الإقباض ثمناً ومثمناً ، وسيأتي.
وإن قصر عنها ، فهل هو كالبلد أو مسافة القصر؟ للشافعي وجهان(٦) .
وإن كان معسراً ، فهو مفلس ، فإن حجر عليه الحاكم ، فالبائع أحقّ بمتاعه إن شاء فسخ وإن شاء ضرب مع الغرماء.
وقال الشافعي : إن كان معسراً ، فالبائع أحقّ بمتاعه في أحد الوجهين.
____________________
(١) في « ق ، ك » : « البيع » بدل ما أثبتناه ، والمثبت - كما في المصدر أيضاً - هو الصحيح.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨٢.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٢ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨٢ ، منهاج الطالبين : ١٠٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١٣ ، المغني ٤ : ٢٩٢ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٣.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨٢.
(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨٢ ، منهاج الطالبين : ١٠٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١٤ ، المغني ٤ : ٢٩٢ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٣.
(٦) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١٤ ، المغني ٤ : ٢٩٢ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٣.
وفي الآخر : يباع ويوفى حقّ البائع من ثمنه(١) ، فإن فضل ، فللمشتري(٢) .
فروع :
أ - كلّ موضع قلنا : له الفسخ ، فله ذلك بغير حكم حاكم - وبه قال أحمد(٣) - لأنّه فسخ المبيع(٤) للإعسار بثمنه ، فملكه البائع ، كالفسخ في عين ماله إذا أفلس. وكلّ موضع قلنا : يحجر عليه ، فذلك إلى الحاكم ؛ لأنّ ولاية الحجر إليه.
ب - إنّما يثبت للبائع حقّ الحبس إذا كان الثمن حالّاً ، وليس له الحبس إلى أن يستوفي الثمن المؤجّل. وكذلك ليس له الحبس إذا لم يتّفق التسليم إلى أن حلّ الأجل ، وبه قال الشافعي(٥) .
ج - لو ابتدأ المشتري بالتسليم إمّا تبرّعاً أو إجباراً على تقدير وجوبه ، فالحكم في البائع كالحكم في المشتري في المسألة.
د - لو هرب المشتري قبل وزن الثمن وهو معسر مع عدم الإقباض ، احتمل أن يملك البائع الفسخ في الحال ؛ لتعذّر استيفاء الثمن. والصبر ثلاثة أيّام ؛ للرواية(٦) . والأوّل أقوى ؛ لورودها في الباذل.
____________________
(١) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : ثمنها. وتأنيث الضمير باعتبار السلعة. وما أثبتناه لأجل السياق.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١٤ ، المغني ٤ : ٢٩٢ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٣.
(٣) المغني ٤ : ٢٩٣ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٣.
(٤) كذا ، والظاهر : البيع.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨٣.
(٦) الكافي ٥ : ١٧١ / ١١ ، الفقيه ٣ : ١٢٧ / ٥٥٤ ، التهذيب ٧ : ٢١ / ٨٨.
وإن كان موسراً ، أثبت البائع ذلك عند الحاكم ، ثمّ إن وجد الحاكم له مالاً ، قضاه ، وإلّا باع المبيع وقضى منه ، والفاضل للمشتري ، والمعوز عليه.
مسألة ٦٢ : ليس للبائع الامتناع من تسليم المبيع بعد قبض الثمن لأجل الاستبراء ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد(١) .
وحُكي عن مالك ذلك في القبيحة ، أمّا الجميلة فتوضع على يدي عَدْلٍ حتى تستبرأ ؛ لأنّ التهمة تلحقه فيها فمنع منها(٢) .
وليس بجيّد ؛ فإنّه مبيع لا خيار فيه ، قبض ثمنه فوجب دفعه إليه كغيره. والتهمة لا تمنعه من التسلّط ، كالقبيحة.
ولو طالب المشتري البائعَ بكفيلٍ لئلّا تظهر حاملاً ، لم يكن له ذلك ؛ لأنّه ترك التحفّظ لنفسه حال العقد.
النظر الثالث : في حكمه.
وله حكمان : انتقال الضمان إلى المشتري ، وتسويغ التصرّفات. فهنا مطلبان :
الأوّل : الضمان. ولا خلاف عندنا في أنّ الضمان على البائع قبل القبض مطلقاً ، فلو تلف حينئذٍ ، انفسخ العقد ، وسقط الثمن - وبه قال الشافعي وأحمد في روايةٍ(٣) ، وهو محكي عن الشعبي وربيعة(٤) - لأنّه
____________________
(١) المغني ٤ : ٢٩٣ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٣ - ١٢٤.
(٢) المغني ٤ : ٢٩٣ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٤.
(٣) الوسيط ٣ : ١٤٣ ، الوجيز ١ : ١٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٦ - ٢٨٧ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٩ ، منهاج الطالبين : ١٠٢ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ١٩ ، المغني ٤ : ٢٣٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٨.
(٤) لم نعثر على قولهما فيما بين أيدينا من المصادر.
قبض مستحقّ بالعقد ، فإذا تعذّر ، انفسخ البيع ، كما لو تفرّقا قبل القبض في الصرف.
وقال أبو حنيفة : كلّ مبيعٍ تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع إلّا العقار(١) .
وقال مالك : إذا هلك المبيع قبل القبض ، لا يبطل البيع ، ويكون من ضمان المشتري ، إلّا أن يطالبه به فلا يسلّمه ، فيجب عليه قيمته للمشتري - وبه قال أحمد وإسحاق - لقوله ٧ : « الخراج بالضمان »(٢) ونماؤه للمشتري ، فضمانه عليه. ولأنّه من ضمانه بعد القبض فكذا قبله ، كالميراث(٣) .
ولا حجّة في الخبر ، لأنّه لم يقل : « الضمان بالخراج » والخراج : الغلّة ، والميراث لا يراعى فيه القبض وهنا يراعى ، فإنّه يراعى في الدراهم والدنانير ، بخلاف الميراث فيهما ، وهذا مذهب مالك ، وهو اختيار أحمد(٤) .
ونقل عنهما معا أنّ المبيع إذا لم يكن مكيلا ولا موزونا ولا معدودا ، فهو من ضمان المشتري ، ومنهم من أطلق(٥) ، كما تقدّم.
تذنيب : لو أبرأ المشتري البائع عن ضمان المبيع ، لم يبرأ ، وحكم العقد لا يتغيّر - وبه قال الشافعي(٦) - فلو تلف المبيع قبل القبض ، انفسخ
____________________
(١) المغني ٤ : ٢٣٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٨.
(٢) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٥٤ ، ٢٢٤٣ ، سنن أبي داود ٣ : ٢٨٤ ، ٣٥٠٨ - ٣٥١٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٢١ و ٣٢٢ ، مسند أحمد ٧ : ٧٤ ، ٢٣٧٠٤.
(٣) الوسيط ٣ : ١٤٣ ، المحلّى ٨ : ٣٧٩ ، المغني ٤ : ٢٣٧ و ٢٣٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٧ و ١٢٩.
(٤) انظر : المغني ٤ : ١٩٢ ، والشرح الكبير ٤ : ١٧٩ ، والعزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٦.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٧.
(٦) منهاج الطالبين : ١٠٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٧.
العقد ، وسقط الثمن عن المشتري إن لم يكن دفعه ، وإن كان قد دفعه ، استعاده.
وللشافعي قول آخر : إنّه لا ينفسخ العقد ، ولا يسقط الثمن عن المشتري(١) .
مسألة ٦٣ : إذا انفسخ العقد ، كان المبيع تالفاً على ملك البائع ، فلو كان عبداً ، كان مؤونة تجهيزه عليه ، وبه قال الشافعي(٢) .
وهل يقدّر أنّه ينتقل الملك إليه قُبَيْل التلف ، أو يبطل العقد من أصله؟ فيه احتمال. وأصحّ وجهي الشافعيّة : الأوّل(٣) ، فالزوائد الحادثة في يد البائع - كالولد والثمرة والكسب(٤) - للمشتري ، وللبائع على الثاني.
مسألة ٦٤ : إذا تلف المبيع قبل القبض ، فإن تلف بآفة سماويّة ، فهو من مال البائع على ما تقدّم.
فإن أتلفه المشتري ، فهو قبضّ منه ؛ لأنّه أتلف ملكه ، فكان كالمغصوب إذا أتلفه المالك في يد الغاصب ، يبرأ من الضمان ، وبه قال الشافعي(٥) .
وله وجه : أنّه ليس بقبض ولكن عليه القيمة للبائع ، ويستردّ الثمن ، ويكون التلف من ضمان البائع(٦) .
وإن أتلفه البائع ، قال الشيخ : ينفسخ البيع ، وحكمه حكم ما لو تلف
____________________
(١ و ٢) روضة الطالبين ٣ : ١٦٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٧.
(٣) روضة الطالبين ٣ : ١٦٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٨.
(٤) أي : كسب العبد المبيع مثلاً.
(٥) الوسيط ٣ : ١٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦١.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦١.
بأمرٍ سماويّ ؛ لامتناع التسليم(١) . وهو أصحّ وجهي الشافعي - وبه قال أبو حنيفة - لأنّ المبيع مضمون عليه بالثمن ، فإذا أتلفه ، سقط الثمن(٢) .
والآخر له - وبه قال أحمد - : لا ينفسخ البيع ، ويكون كالأجنبي يضمنه بالمثل في المثلي ، وبالقيمة في غيره ، لانتقال الملك عنه إلى المشتري وقد جنى على ملك غيره ، فأشبه إتلاف الأجنبي(٣) .
وإن أتلفه أجنبيّ ، قال الشيخ : لا يبطل البيع ، بل يتخيّر المشتري بين الفسخ فيسترجع الثمن من البائع ؛ لأنّ التلف حصل في يد البائع ، وبين الإمضاء فيرجع على الأجنبي بالقيمة إن لم يكن مثليّاً ، ويكون القبض في القيمة قائم مقام القبض في المبيع ؛ لأنّها بدله(٤) . وبه قال أبو حنيفة وأحمد والشافعي في أحد القولين(٥) .
وهل للبائع حبس القيمة لأخذ الثمن؟ يحتمل ذلك ، كما يحبس المرتهن قيمة الرهن. والعدم ، لأنّ الحبس غير مقصود بالعقد حتى ينتقل إلى البدل ، بخلاف الرهن.
وللشافعي(٦) كالوجهين.
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١١٧.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٩.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٩ ، المغني ٤ : ٢٣٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٦.
(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١١٧.
(٥) المغني ٤ : ٢٣٦ - ٢٣٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٥ - ١٢٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦١ - ١٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٨ - ٢٨٩ ، حلية العلماء ٤ : ٣٤٣.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٢.
فروع :
أ - لو استغلّ البائعُ المبيعَ قبل القبض ثمّ تلف ، فلا اُجرة عليه إن جعلنا إتلافه كالسماويّة ، وإلّا فعليه الاُجرة.
وللشافعي(١) كالوجهين.
ب - لو أكلت الشاة ثمنها المعيّن قبل القبض ، فإن كانت في يد المشتري ، فهو كما لو أتلفه. وإن كانت في يد البائع ، فهو كإتلافه. وكذا إن كانت في يد أجنبيّ ، فكإتلافه. وإن لم تكن في يد أحدٍ ، انفسخ البيع ؛ لأنّه هلك(٢) قبل القبض بأمرٍ لا ينسب إلى آدميّ ، فصار كالسماويّة.
ج - إتلاف الثمن المعيّن كالمثمن في الأحكام المذكورة هناك ، أمّا غير المعيّن فلا يبطل البيع بإتلافه. وكذا الثمن المضمون.
د - لو باع عيناً باُخرى وقبض إحداهما فباعها أو أعتقها أو استحقّت بالشفعة ثمّ تلفت الأخرى قبله ، بطل العقد الأوّل دون الثاني ، ويرجع مشتري التالفة بقيمة عينه ؛ لتعذّر ردّه ، وعلى الشفيع مثل الثمن ؛ لأنّه عوض الشقص. ولو تلفت العين الاُخرى قبل قبض المشتري الثاني ، بطل البيعان.
مسألة ٦٥ : لو تلف بعض المبيع قبل القبض بآفة سماويّة ، فإن كان للتالف قسطٌ من الثمن ، كعبدٍ من عبدَيْن مات(٣) ، بطل العقد فيه عند كلّ مَن يُبطل البيعَ بالإتلاف.
وفي الآخر خلاف.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٢.
(٢) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : لأنّ المبيع هلك والصحيح ما أثبتناه ؛ لأنّ الفرض أنّ الهالك هو الثمن لا المبيع.
(٣) في « ك » زيادة : أحدهما.
أمّا عندنا فلا يبطل ، بل يتخيّر المشتري في الفسخ ؛ لتبعّض الصفقة عليه ، والإمضاء.
وللشافعيّة قولان :
أحدهما : الفسخ بناءً على الإبطال بتفريق الصفقة.
والآخر : الصحّة على ذلك التقدير فرقاً بين الفساد المقترن بالعقد ، والطارئ(١) .
وإن لم يكن للتالف قسطٌ من الثمن ، كما لو سقطت يد العبد ، لعلمائنا قولان :
أحدهما : تخيير المشتري بين الفسخ والإمضاء مجّاناً مع القدرة على الفسخ ؛ لأنّه ارتضاه معيباً ، فكأنّه اشتراه معيباً عالماً بعيبه ، وبه قال الشافعي وأحمد(٢) .
والثاني : أنّ للمشتري مع اختيار الإمضاء الأرشَ ؛ لأنّه عوض الجزء الفائت قبل قبضه ، وكما لو تلف الجميع كان مضموناً على البائع فكذا البعض إمّا الجزء أو الوصف. وهو أقواهما عندي.
ولو تعيّب بفعل المشتري ، كما لو قطع يد العبد قبل قبضه ، فلا خيار له ؛ لأنّه أتلف ملكه ، فلا يرجع به على غيره ، ويجعل قابضاً لبعض المبيع حتى يستقرّ عليه ضمانه.
وإن مات العبد في يد البائع بعد الاندمال ، فلا يضمن اليد المقطوعة بأرشها المقدّر ولا بما نقص القطع من القيمة ، وإنّما يضمنها بجزء من
____________________
(١) الوسيط ٣ : ٩٢ ، الوجيز ١ : ١٤٠ و ١٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤١ و ٢٩٣ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٩٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٦.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٢ ، المغني ٤ : ٢٣٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٦.
الثمن كما يضمن الكلّ بكلّ الثمن ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
وأصحّ وجهي الشافعيّة في كيفيّته - وبه قال ابن سُريج - : أنّه يقوّم صحيحاً ومقطوعاً ويؤخذ من الثمن بمثل نسبة التفاوت(١) ، فلو كان صحيحاً بعشرين ومقطوعاً بخمسة عشر ، فعليه ربع الثمن.
وأضعفهما : أنّه يستقرّ من الثمن بنسبة أرش اليد من القيمة ، وهو النصف ، فلو قطع يديه وانْدملتا ثمّ مات العبد في يد البائع ، وجب على المشتري تمام الثمن(٢) .
والثاني : أنّ إتلافه ليس بقبض ، فلا يكون قابضاً بشيء من العبد ، ويضمن بأرشها المقدّر ، وهو نصف القيمة ، كالأجنبي(٣) .
ولو تعيّب بفعل أجنبيّ ، تخيّر المشتري بين الفسخ ، ويتبع البائع الجاني ، والإمضاء بجميع الثمن ، ويغرم الجاني.
قال بعض الشافعيّة : إنّما يغرم إذا قبض العبد لا قبله ؛ لجواز انفساخ البيع بموت العبد في يد البائع(٤) .
ثمّ الغرامة الواجبة على الأجنبي نصف القيمة أو ما نقص من القيمة بالقطع؟ قولان للشافعيّة ، أصحّهما : الأوّل(٥) .
ولو تعيّب بفعل البائع ، احتمل جَعْل جنايته كالأجنبي ، فيتخيّر المشتري بين الفسخ والرجوع عليه بالأرش. وكالسماويّة - وهو الأشهر من وجهي الشافعيّة(٦) - فيتخيّر بين الفسخ والإمضاء مجّاناً.
____________________
(١) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : بمثل تلك نسبة التفاوت. والصحيح ما أثبتناه.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٤ - ١٦٥.
(٤) القائل هو الماوردي في الحاوي الكبير ٥ : ٢٢٥ ، وكما في العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٢ ، وروضة الطالبين ٣ : ١٦٥.
(٥ و ٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٢ - ٢٩٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٥.
فروع :
أ - احتراق سقف الدار أو تلف بعض الأبنية كتلف عبدٍ من عبدين ؛ لأنّه يمكن إفراده بالبيع بتقدير الاتّصال والانفصال ، بخلاف يد العبد ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة. والآخر : أنّه كسقوط يد العبد(١) .
ب - النقص ينقسم إلى فوات صفة ، وهو العيب ، وإلى فوات جزء ، وينقسم إلى ما لا ينفرد بالقيمة والماليّة ، كيد العبد ، وهو في معنى الوصف ، وإلى ما ينفرد ، كأحد العبدين.
ج - المبيع بصفة أو رؤية متقدّمة من ضمان البائع حتى يقبضه المبتاع - وبه قال أصحاب أحمد(٢) - وإن لم يكن مكيلاً أو موزوناً ؛ لتعلّق حقّ التوفية به ، فجرى مجرى الكيل.
وقال أحمد : لو اشترى من رجل عبداً بعينه فمات في يد البائع ، فهو من مال المشتري ، إلّا أن يطلبه فيمنعه البائع. ولو حبسه عليه ببقيّة الثمن ، فهو غاصب ، ولا يكون رهناً إلّا أن يكون قد اشترط في نفس البيع الرهن(٣) .
المطلب الثاني : في التصرّفات.
مسألة ٦٦ : لعلمائنا في بيع ما لم يقبض أقوال أربعة :
الجواز على كراهيّة مطلقاً - وبه قال البتّي(٤) خاصّة - للأصل الدالّ
____________________
(١) الوجيز ١ : ١٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٦.
(٢) المغني ٤ : ٢٣٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٥.
(٣) المغني ٤ : ٢٣٨.
(٤) المغني ٤ : ٢٣٩ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٥ ، وانظر : بداية المجتهد ٢ : ١٤٤.
على إباحة أنواع التصرّف في الملك ، وقد صار ملكاً له بالعقد.
وقول الباقر أو الصادقعليهماالسلام في رجل اشترى الثمرة ثمّ يبيعها قبل أن يقبضها ، قال : « لا بأس»(١) .
وقول الصادقعليهالسلام في الرجل يشتري الطعام ثمّ يبيعه قبل أن يقبضه ، قال : « لا بأس ، ويوكّل الرجل المشتري منه بكيله وقبضه »(٢) .
والمنع مطلقاً - وبه قال الشافعي وأحمد في رواية ، وهو مرويّ عن ابن عباس ، وبه قال محمّد بن الحسن(٣) - لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى أن تُباع السَّلَع حيث تُبتاع حتى يحوزها(٤) التجّار إلى رحالهم(٥) .
ولأنّ الملك قبل القبض ضعيف ؛ لأنّه ينفسخ البيع لو تلف ، فلا يفيد ولاية التصرّف.
ولأنّ المبيع قبل القبض مضمون على البائع للمشتري ، فلو نفّذنا بيْعَه للمشتري ، لصار مضموناً للمشتري ، ولا يتوالى ضماناً عقدين من شيء واحد.
والمنع في المكيل والموزون مطلقاً ، والجواز في غيرهما - وبه قال أحمد في رواية ، وإسحاق ، وهو مرويّ عن عثمان وسعيد بن المسيّب
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٨٩ / ٣٧٧.
(٢) الكافي ٥ : ١٧٩ / ٣ ، التهذيب ٧ : ٣٦ / ١٥١.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٦٩ ، المجموع ٩ : ٢٦٤ و ٢٧٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٦ ، منهاج الطالبين : ١٠٣ ، الوجيز ١ : ١٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٣ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٢٠ ، حلية العلماء ٤ : ٧٧ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ١٨ ، المغني ٤ : ٢٣٩ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٧ ، بداية المجتهد ٢ : ١٤٤.
(٤) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : يحرزها. وما أثبتناه من المصادر.
(٥) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٨٢ / ٣٤٩٩ ، سنن الدار قطني ٣ : ١٣ / ٣٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٣١٤.
والحسن والحكم وحمّاد بن أبي سليمان(١) - لأنّ النبي ٦ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه(٢) .
وقول الصادقعليهالسلام : « ما لم يكن فيه(٣) كيل أو وزن فلا يبعه حتى يكيله أو يزنه إلّا أن يوليه الذي قام عليه »(٤) .
والمنع في الطعام خاصّةً - وبه قال مالك وأحمد في رواية(٥) - لما تقدّم في الحديثين.
قال ابن عبد البرّ : الأصحّ عن أحمد بن حنبل أنّ الذي منع من بيعه قبل قبضه هو الطعام(٦) .
وقال [ ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أنّ من اشترى طعاماً فليس له أن يبيعه حتى ينقله من مكانه(٧) .
وقال ](٨) أصحاب الرأي : بيع المنقول قبل القبض لا يجوز.
وأمّا العقار فقال محمّد بن الحسن : لا يجوز قبل قبضه(٩) .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : يجوز ؛ لأنّ عدم القبض في المنقول
____________________
(١) المغني ٤ : ٢٣٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٢٠ ، المجموع ٩ : ٢٧٠ ، حلية العلماء ٤ : ٧٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٢.
(٢) المعجم الكبير - للطبراني - ١١ : ١٢ / ١٠٨٧٥.
(٣) كلمة « فيه » لم ترد في المصدر ، كما سبق الحديث بدونها في ص ١٠١.
(٤) التهذيب ٧ : ٣٥ ، ١٤٦.
(٥) بداية المجتهد ٢ : ١٤٤ ، المحلّى ٨ : ٥٢١ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٣ ، حلية العلماء ٤ : ٧٩ ، المجموع ٩ : ٢٧٠ ، المغني ٤ : ٢٣٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٤.
(٦) المغني ٤ : ٢٣٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٥.
(٧) المجموع ٩ : ٢٧٠ ، المغني ٤ : ٢٣٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٥.
(٨) ما بين المعقوفين لم يرد في « ق ».
(٩) المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ٩ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٨١ ، حلية العلماء ٤ : ٧٧.
مانع من الجواز ؛ لخطر انفساخ البيع بهلاك المعقود عليه ، وهذا لا يتحقّق في العقار(١) .
ولنا قولٌ خامس : المنع من المكيل والموزون خاصّةً إلّا توليةً ؛ لقول الصادقعليهالسلام : « إذا اشتريت متاعاً فيه كيل أو وزن فلا تبِعْه حتى تقبضه إلّا أن توليه ، فإن لم يكن فيه كيل أو وزن فبِعْه »(٢) .
والأقرب عندي : الكراهيّة إلّا في الطعام فالمنع أظهر وإن كان فيه إشكال.
فروع :
أ - المبيع إن كان دَيْناً ، لم يجز بيعه قبل قبضه عند المانعين ؛ لأنّ المبيع مع تعيينه لا يجوز بيعه قبل قبضه فمع عدمه أولى ، فلا يجوز بيع [ المسْلَم فيه ](٣) قبل قبضه ولا الاستبدال به ، وبه قال الشافعي(٤) .
ب - تجوز الحوالة بالـمُسْلَم فيه بأن يُحيل الـمُسْلَمُ إليه الـمُسْلَمُ بحقّه على مَنْ له عليه دَيْنٌ من قرضٍ أو إتلاف. وعليه بأن يُحيل الـمُسْلَمُ مَنْ له عليه دَيْنٌ من قرضٍ أو إتلاف على الـمُسْلَم [ إليه ](٥) لأنّ الحوالة إيفاء
____________________
(١) المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ٩ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٨١ ، بداية المجتهد ٢ : ١٤٤ ، المجموع ٩ : ٢٧٠ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٢٠ و ٢٢١ ، حلية العلماء ٤ : ٧٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٣ ، المغني ٤ : ٢٣٩ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٧ - ١٢٨.
(٢) الفقيه ٣ : ١٢٩ / ٥٦٠ ، التهذيب ٧ : ٣٥ - ٣٦ / ١٤٧.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : السَّلَم. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٨ ، المجموع ٩ : ٢٧٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٢ ، منهاج الطالبين : ١٠٣ ، الوجيز ١ : ١٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠١.
(٥) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : فيه. والصحيح ما أثبتناه.
واستيفاء ، وهو أحد وجوه الشافعيّة.
وآخر : تجوز الحوالة به ؛ لأنّ الواجب على المسلِم إليه توفير الحقّ على المسلم وقد فَعَل ، ولا تجوز الحوالة عليه ؛ لأنّها بيع سَلَم بدَيْنٍ.
وأصحّها(١) : المنع ؛ لما فيه من تبديل الـمُسْلَمُ فيه بغيره(٢) .
ج - لو كان الدَّيْن ثمناً - كما لو باع بدراهم أو دنانير في الذمّة - ففي الاستبدال عنها لنا روايتان بالجواز - وهو جديد الشافعي(٣) - لأنّ ابن عمر قال : كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير فآخذ مكانها الورق ، وأبيع بالورق فآخذ مكانها الدنانير ، فأتيت النبيصلىاللهعليهوآله ، فقال : « لا بأس به بالقيمة »(٤) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام وقد سُئل عن رجلٍ باع طعاماً بدراهم إلى أجل ، فلمـّا بلغ الأجل تقاضاه ، فقال : ليس عندي دراهم خُذْ منّي طعاماً ، قال : « لا بأس به إنّما له دراهم يأخذ بها ما شاء »(٥) .
والقديم : المنع ؛ للنهي عن بيع ما لم يقبض. ولأنّه عوض في معاوضة ، فأشبه الـمُسْلَم فيه(٦) .
د - لو باع بغير الدراهم والدنانير في الذمّة ، فجواز الاستبدال عنه مبنيّ على أنّ الثمن ما ذا؟ والمثمن ما ذا؟
والوجه : أنّ الثمن هو ما اُلصق به « الباءُ » والمثمن ما يقابله ، وهو
____________________
(١) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : أصحّهما. والصحيح ما أثبتناه.
(٢) المجموع ٩ : ٢٧٣ - ٢٧٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠١ - ٣٠٢.
(٣) المجموع ٩ : ٢٧٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٢ - ١٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٢.
(٤) سنن الترمذي ٣ : ٥٤٤ / ١٢٤٢ ، مسند أحمد ٢ : ٢٠٦ / ٥٥٣٤.
(٥) الكافي ٥ : ١٨٦ / ٨ ، الفقيه ٣ : ١٦٦ / ٧٣٤ ، التهذيب ٧ : ٣٣ / ١٣٦ ، الاستبصار ٣ : ٧٧ / ٢٥٦.
(٦) المجموع ٩ : ٢٧٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٢.
أحد وجهي(١) الشافعية(٢) .
والثاني : أنّ الثمن هو النقد ، والمثمن ما يقابله ، فلو باع نقداً بنقد ، فلا مثمن فيه. ولو باع عَرْضاً بعَرْضٍ ، فلا ثمن فيه(٣) .
وأصحّهما(٤) : أنّ الثمن هو النقد ، فإن لم يكن أو كانا نقدين ؛ فالثمن ما اُلصق به « الباء »(٥) .
وعلى الأوّل - وهو أنّ الثمن ما اُلصق به « الباء » - يجوز الاستبدال عن غير الدراهم والدنانير كما(٦) يجوز الاستبدال عنهما. وعلى الآخر لا يجوز عنده(٧) .
ه- لو استبدل عن أحد النقدين الآخر ، لم يشترط قبض البدل في المجلس - قاله الشيخ(٨) ؛ للرواية(٩) - لأنّ النقدين من واحد.
ومَنَعه ابنُ إدريس(١٠) ، وهو قول الشافعي(١١) ، وكذا قال الشافعي لو استبدل عن الحنطة شعيراً على تقدير تسويغه(١٢) .
و - لا يشترط تعيين البدل في العقد - وهو أصحّ وجهي الشافعي(١٣) - ويكفي الإحضار في المجلس ، كما لو تصارفا في الذمّة ثمّ عيّنا وتقابضا في المجلس.
____________________
(١) كذا ، والظاهر : وجوه. كما يستفاد من المصادر.
(٢ و ٣) المجموع ٩ : ٢٧٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠١.
(٤) كذا ، والظاهر : أصحّها.
(٥) المجموع ٩ : ٢٧٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠١.
(٦) في « ك » : كما أنّه.
(٧) المجموع ٩ : ٢٧٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٢.
(٨) النهاية : ٣٨٠.
(٩) الكافي ٥ : ٢٤٥ / ٢ ، الفقيه ٣ : ١٨٦ / ٨٣٧ ، التهذيب ٧ : ١٠٢ - ١٠٣ / ٤٤١.
(١٠) السرائر : ٢١٨.
(١١ - ١٣) المجموع ٩ : ٢٧٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٣.
وأضعفهما : الاشتراط ؛ لئلّا يكون بيع دَيْنٍ بدَيْن(١) .
ز - لو استبدل عنها ما لا يوافقها في علّة الربا ، كما لو استبدل عن الدراهم طعاماً أوثياباً ، فإن عيّن ، جاز.
وفي اشتراط قبضه في المجلس للشافعي وجهان :
الاشتراط ؛ لأنّ أحد العوضين دَيْنٌ ، فيشترط قبض الثاني ، كرأس مال المسلم في السلم.
وأصحّهما - وبه نقول - : المنع ، كما لو باع ثوباً بدرهم في الذمّة لا يشترط قبض الثوب في المجلس(٢) .
وإن لم يعيّن البدل بل وصف والتزم في الذمّة ، فعلى الوجهين عنده(٣) .
والوجه عندنا : الجواز.
ح - ما ليس بثمن ولا مثمن من الديون - كدَيْن القرض والإتلاف - يجوز الاستبدال عنه إجماعاً ؛ لاستقراره في الذمّة. وفي تعيين البدل والقبض في المجلس على ما تقدّم للشافعي(٤) .
ط - يجوز بيع الدَّيْن من غير مَنْ عليه الدَّيْن ، كما لو كان له على زيد مائة فاعتاض عن عمرو عبداً ليكون المائة له ، عندنا - وهو أضعف قولي الشافعي(٥) - كما يجوز بيعه ممّن عليه ، وهو الاستبدال.
وأصحّهما : المنع ؛ لعدم القدرة على التسليم(٦) . وهو ممنوع.
وعلى الأوّل يشترط أن يقبض مشتري الدَّيْن [ الدَّيْن ](٧) ممّن عليه
____________________
(١ - ٣) المجموع ٩ : ٢٧٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٣.
(٤) المجموع ٩ : ٢٧٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٤ ، منهاج الطالبين : ١٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٣ - ٣٠٤.
(٥ و ٦) المجموع ٩ : ٢٧٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٤.
(٧) أضفناها لأجل السياق.
في المجلس عند الشافعي(١) ، وأن يقبض بائع الدَّيْن العوضَ في المجلس حتى لو تُوفّي قبل قبض أحدهما ، بطل العقد.
ي - لو كان له دَيْنٌ على إنسان ولآخر دَيْنٌ على ذلك الإنسان فباع أحدهما ما لَه عليه بما لصاحبه عليه وقَبِل الآخر ، لم يصحّ ، اتّفق الجنس أو اختلف ؛ لنهيهعليهالسلام عن بيع الكالئ بالكالئ(٢) .
يأ - لو باع شيئاً بدراهم أو دنانير معيّنة فوجدها معيبة ، لم يكن للمشتري إبدالها. ولو تلفت قبل القبض ، انفسخ البيع ، كما في طرف المبيع ، وبه قال الشافعي(٣) .
وقال أبو حنيفة : لا تتعيّن(٤) . وسيأتي.
مسألة ٦٧ : وهل يصحّ بيعه من بائعه؟ أمّا المجوّزون فإنّهم جزموا بالجواز هنا. واختلف المانعون ، فبعضهم منع - وهو أصحّ وجهي الشافعي(٥) - كبيعه من غيره. وبعضهم جوّز - وهو الثاني(٦) - كبيع المغصوب من الغاصب.
قال بعض الشافعيّة : الوجهان فيما إذا باع بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقيصة ، وإلّا فهو إقالة بصيغة البيع(٧) .
ولو ابتاع شيئاً يحتاج إلى قبضٍ فلقيه ببلدٍ آخر ، فالأقرب : أنّ له أخذ بدله.
ومَنَع منه الحنابلة وإن تراضيا ؛ لأنّه مبيع لم يقبض(٨) .
____________________
(١) المجموع ٩ : ٢٧٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٤.
(٢) سنن الدار قطني ٣ : ٧١ / ٢٦٩ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٩٠ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٥٧.
(٣) المجموع ٩ : ٢٦٩ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٠.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٠٠.
(٥ و ٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٦.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٨) المغني ٤ : ٢٣٩ - ٢٤٠ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٩.
وإن كان ممّا لا يحتاج إلى قبض ، جاز.
مسألة ٦٨ : والأقرب عندي : أنّ النهي يتعلّق بالبيع لا بغيره من المعاوضات. ومنع الشيخ من إجارته قبل القبض فيما لا يجوز بيعه قبل قبضه ، لأنّ الإجارة ضرب من البيوع(١) .
وللشافعيّة وجهان : المنع ، لأنّ التسليم مستحقّ فيها ، كما في البيع.
والجواز ، لأنّ موردها غير مورد البيع ، فلا يتوالى ضمانا عقدين من جنس واحد(٢) .
ومَنَع الشيخ من الكتابة ، لأنّها نوع بيع(٣) . وهو ممنوع.
وأمّا الرهن فجوّزه الشيخ(٤) ، وهو حقّ ، لأنّه ملكه ، فصحّ منه التصرّف فيه.
وللشافعي قولان : الصحّة ؛ لأنّ التسليم غير لازم فيه. والمنع ، لضعف الملك ، فإنّه كما يمنع البيع يمنع الرهن ، كالمكاتب لا يرهن كما لا يباع(٥) .
ويجري القولان وعلّتهما في الهبة(٦) .
وعلى تقدير الصحّة فنفس العقد ليس قبضاً ، بل يقبضه المشتري من البائع ثمّ يسلّمه إلى المرتهن والمتّهب.
وفي العتق للشافعي وجهان :
أصحّهما : النفوذ ، ويصير قابضاً ؛ لقوّة العتق وغلبته ، ولهذا جاز عتق
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٢٠.
(٢) المجموع ٩ : ٢٦٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٨ ، الوسيط ٣ : ١٤٧ ، الوجيز ١ : ١٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٦.
(٣ و ٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٢٠.
(٥ و ٦) المجموع ٩ : ٢٦٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٧ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٥.
الآبق دون بيعه.
وأضعفهما : المنع ؛ لأنّه إزالة ملك ، فأشبه البيع(١) .
وأمّا تزويج الأمة فجوّزه الشيخ(٢) ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٣) .
قال الشيخ : ويكون وطؤ المشتري أو الزوج قبضاً(٤) . وبه قال أبو حنيفة(٥) .
وقال الشافعي : وطؤ الزوج لا يكون قبضاً(٦) .
وأمّا السَّلَم فحكمه حكم البيع ، وكذا التولية ، إلّا على ما تقدّم من رواية منع البيع وجواز التولية.
وعن مالك جواز التولية(٧) ، وهو وجه للشافعيّة(٨) .
وأمّا الاشتراك فإنّه عندنا إنّما يكون بالمزج أو بأحد العقود الناقلة للنصف ، والأوّل يستدعي القبض ، والثاني تابع.
وجوّز مالك الشركة قبل القبض(٩) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٦٩ ، المجموع ٩ : ٢٦٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٧ ، الوجيز ١ : ١٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٤ - ٢٩٥ ، حلية العلماء ٤ : ٧٩.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٢٠.
(٣) الوسيط ٣ : ١٤٧ ، الوجيز ١ : ١٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٦ ، المجموع ٩ : ٢٦٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٨.
(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٢٠.
(٥) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٨٠ ، بدائع الصنائع ٥ : ٢٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٦.
(٦) المجموع ٩ : ٢٦٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٦.
(٧) بداية المجتهد ٢ : ١٤٦ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٣٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٦.
(٨) المجموع ٩ : ٢٦٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٦.
(٩) بداية المجتهد ٢ : ١٤٦ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٣٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٦.
وخالف فيه الشافعي - إلّا في وجهٍ - وأبو حنيفة وأحمد ؛ لأنّها بيع بعض المبيع بقسطه من الثمن(١) .
وأمّا الإقالة فإنّها جائزة قبل القبض - وبه قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(٢) - لأنّها ليست بيعاً على ما يأتي.
وقال مالك : إنّها بيع مطلقاً(٣) .
وقال أبو حنيفة : إنّها بيع في حقّ غير المتعاقدين ، وفسخ في حقّهما(٤) . وسيأتي.
والقائلون بأنّها بيع أوجبوا القبض(٥) .
مسألة ٦٩ : والمنتقل بغير البيع يجوز بيعه قبل قبضه ، فلو ورث مالاً ، جاز له بيعه قبل قبضه - وبه قال الشافعي(٦) - عملاً بالأصل ، إلّا أن يكون المورّث قد اشتراه ومات قبل قبضه ، فليس للوارث بيعه عند المانعين(٧) ، كما لم يكن للمورّث.
ولو أوصى له بمال فقَبِل الوصيّة بعد الموت ، فله بيعه قبل أخذه ،
____________________
(١) المجموع ٩ : ٢٦٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٦ ، الحجّة على أهل المدينة ٢ : ٧٠٦ ، المغني ٤ : ٢٤١ - ٢٤٢ ، الشرح الكبير ٤ : ١٣٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٤ ، المغني ٤ : ٢٤٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٣٢.
(٣) المدوّنة الكبرى ٤ : ٧٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨١ ، المغني ٤ : ٢٤٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٣٢.
(٤) تحفة الفقهاء ٢ : ١١٠ - ١١١ ، بدائع الصنائع ٥ : ٣٠٦ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٥٤ - ٥٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٢ ، المغني ٤ : ٢٤٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٣٢.
(٥) المغني ٤ : ٢٤٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٣٢.
(٦ و ٧) المجموع ٩ : ٢٦٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٧.
وبه قال الشافعي(١) .
وإن باع بعد الموت وقبل القبول ، فكذلك إن قلنا : الوصيّة تملك بالموت.
وإن قلنا : تملك بالقبول أو هو موقوف ، قال الشافعي : لا يصحّ(٢) .
ويحتمل الصحّة ؛ لأنّ القبول قد يكون بالفعل.
والمال المضمون في يد الغير بالقيمة كالعارية المضمونة أو مع التفريط - ويسمّى ضمان اليد - يجوز بيعه قبل قبضه ؛ لتمام الملك فيه.
ولو باع عبداً وسلّمه ثمّ فسخ المشتري ، لعيبٍ ، فللبائع بيعه قبل قبضه ؛ لأنّه الآن صار مضموناً بالقيمة.
ولو فسخ السَّلَم ؛ لانقطاع الـمُسْلَم فيه ، فللمُسْلِم بيع رأس المال قبل استرداده. وكذا للبائع بيع المبيع إذا فسخ بإفلاس المشتري قبل قبضه.
وبهذا كلّه قال الشافعي(٣) .
أمّا ما هو مضمون في يد الغير بعوضٍ في عقد معاوضةٍ فالوجه : جواز بيعه قبل قبضه ، كمال الصلح والأجرة المعيّنة ، لما تقدّم.
وقال الشافعي : لا يصحّ ؛ لتوهّم الانفساخ بتلفه ، كالمبيع(٤) (٥) .
وأمّا الصداق فيجوز للمرأة بيعه قبل قبضه ، نصّ عليه الشيخ(٦) .
____________________
(١) المجموع ٩ : ٢٦٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٨.
(٢) المجموع ٩ : ٢٦٦ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٨.
(٣) المجموع ٩ : ٢٦٦ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٩ - ١٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٨.
(٤) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : كالبيع. وما أثبتناه من المصادر.
(٥) المجموع ٩ : ٢٦٦ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٨.
(٦) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٢٠ ، الخلاف ٣ : ٩٨ ، المسألة ١٦٠.
وللشافعي قولان مبنيّان على أنّه مضمون في يد الزوج ضمان العقد أو ضمان اليد؟
فعلى الأوّل - وهو أصحّهما عنده - لا يصحّ.
ويجريان في بيع الزوج بدل الخلع قبل القبض ، وبيع العافي عن القود المال المعفوّ عليه عنده(١) .
وعندنا يجوز ذلك كلّه.
وأمّا الأمانات فيصحّ بيعها قبل قبضها - وبه قال الشافعي(٢) - فلمالك الوديعة بيعها قبل قبضها ، وكذا بيع مال الشركة والقراض في يد الشريك والعامل ، وبيع المال في يد الوكيل والمرتهن بعد الفكّ ، والمال في يد الولي بعد بلوغ الصبي ورشده ، وما احتطبه العبد واكتسبه وقبله بالوصيّة قبل أن يأخذه السيّد ، لتمام الملك عليها ، وحصول القدرة على التسليم.
ومنع الشيخ من بيع الصرف قبل قبضه(٣) .
ومال الغنيمة إذا تعيّن عليه ملكه. صحّ بيعه قبل قبضه ، قاله الشيخ(٤) . وهو جيّد.
مسألة ٧٠ : قد بيّنّا أنّ السَّلَم نوع من البيع ، فمَنْ مَنَع من بيع غير المقبوض مَنَعه هنا. ومَنْ جوّزه هناك جوّزه هنا.
فلو أسلم في طعامٍ ثمّ باعه من آخر ، قال الشيخ : لا يصحّ إلّا أن يجعله وكيله في القبض ، فإذا قبض عنه ، صار حينئذٍ قبضاً عنه(٥) .
____________________
(١) المجموع ٩ : ٢٦٧ ، روضة الطالبين ٣ : ١٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٨.
(٢) المجموع ٩ : ٢٦٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٦٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٩٧.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٢٠.
(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٢٠ - ١٢١.
(٥) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٢١.
وإذا حلّ عليه الطعام بعقد السَّلَم فدفع إلى الـمُسْلَم دراهم وقال : خُذْها بدل الطعام ، قال الشيخ : لم يجز ؛ لأنّ بيع الـمُسْلَم فيه لا يجوز قبل القبض ، سواء باعه من الـمُسْلَم إليه أو من أجنبي(١) .
وإن قال : اشتر بها الطعام لنفسك ، قال : لم يصحّ ؛ لأنّ الدراهم باقية على ملك الـمُسْلَم إليه ، فلا يصحّ أن يشتري بها طعاماً لنفسه ، فإن اشترى بالعين ، لم يصحّ ، وإن اشترى في الذمّة ، ملك الطعام وضمن الدراهم(٢) .
ولو كان عليه طعام قرضاً فأعطاه من جنسه ، فهو نفس حقّه.
وإن غايره فإن كان في الذمّة وعيّنه قبل التفرّق وقبضه ، جاز ، وإن فارقه قبل قبضه ، قال الشيخ : لا يجوز ؛ لأنّه يصير بيعَ دَيْنٍ بدَيْن(٣) .
وإن كان معيّناً وفارَقه قبل القبض ، جاز.
مسألة ٧١ : لو كان له في ذمّة غيره طعام فباع منه طعاماً بعينه ليقبضه الطعام الذي في ذمّته منه ، لم يصحّ ؛ لأنّه شرط قضاء الدَّيْن الذي في ذمّته من هذا الطعام بعينه ، وهذا لا يلزم ، ولا يجوز أن يُجبر على الوفاء به ، فيفسد الشرط فيفسد البيع ؛ لاقترانه به ، لأنّ الشرط يحتاج أن يزيد بقسطٍ من الثمن وهو مجهول ففسد البيع. ولو قلنا : يفسد الشرط ويصحّ البيع ، كان قويّاً. هذا كلّه كلام الشيخ(٤) .
والوجه عندي : صحّتهما معاً ؛ لأنّه شرط لا ينافي الكتاب والسُّنّة.
قال الشيخ : ولو باع منه طعاماً بعشرة دراهم على أن يقبضه الطعام
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٢١.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٢١.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٢٢ - ١٢٣.
(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٢٣.
الذي له عليه أجود منه ، لم يصحّ ؛ لأنّ الجودة لا يجوز أن تكون ثمناً بانفرادها ، وإن قضاه أجود ليبيعه طعاماً بعينه بعشرة ، لم يجز(١) .
والوجه عندي : الجواز في الصورتين ؛ لأنّه شرط في البيع ما هو مطلوب للعقلاء سائغ فكان مشروعاً ، وليست الجودة هنا ثمناً بل هي شرط.
مسألة ٧٢ : إذا باع طعاما بعشرة مؤجّلة فلمـّا حلّ الأجل أخذ بها طعاما ، جاز إن أخذ مثل ما أعطاه. وإن أخذ أكثر ، لم يجز. وقد روي أنّه يجوز على كلّ حال. هذا قول الشيخ(٢) .
والوجه عندي ما تضمّنته الرواية ؛ لأنّه صار مالاً له ، فجاز له بيعه بمهما أراد ، كغيره.
القسم الثاني : الربا.
وتحريمه معلوم بالضرورة من دين النبيصلىاللهعليهوآله ، فالـمُبيح له مرتدّ.
قال الله تعالى :( وَحَرَّمَ الرِّبا ) (٣) وقال تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) (٤) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « اجتنبوا السبع الموبقات » قيل : يا رسول الله وما هي؟ قال : « الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرّم الله إلّا
____________________
(١ و ٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٢٣.
(٣) البقرة : ٢٧٥.
(٤) البقرة : ٢٧٨ و ٢٧٩.
بالحقّ ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولّي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات »(١) .
ولعَنَ آكلَ الربا ومؤكلَه وشاهدَيْه وكاتبَه(٢) .
وقال الصادقعليهالسلام : « درهم ربا أعظم عند الله تعالى من سبعين زنية كلّها بذات محرم »(٣) .
وأجمعت الاُمّة على تحريمه.
وهو لغةً : الزيادة(٤) . واصطلاحاً : بيع أحد المثلين بالآخر مع الزيادة ، وانضمام شرائط تأتي إن شاء الله تعالى.
وهو قسمان : ربا الفضل ، وربا النسيئة ، وقد أجمع العلماء على تحريمهما.
وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة ، فحكي عن ابن عباس واُسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير أنّ الربا في النسيئة خاصّة ؛ لقولهعليهالسلام : « لا ربا إلّا في النسيئة »(٥) (٦) ثمّ رجع ابن عباس إلى قول
____________________
(١) صحيح مسلم ١ : ٩٢ / ١٤٥ ، سنن أبي داوُد ٣ : ١١٥ ، ٢٨٧٤ ، سنن البيهقي ٦ : ٢٨٤ ، و ٨ : ٢٠ و ٢٤٩ ، المغني ٤ : ١٣٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٣٣.
(٢) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٤٤ / ٣٣٣٣ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٦ : ٥٥٩ / ٢٠٤٢ ، المصنّف - لعبد الرزّاق - ٨ : ٣١٥ - ٣١٦ / ١٥٣٥١ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ١٣٤.
(٣) الكافي ٥ : ١٤٤ / ١ ، الفقيه ٣ : ١٧٤ / ٧٨٢ ، التهذيب ٧ : ١٤ / ٦١ بتفاوت يسير.
(٤) الصحاح ٦ : ٢٣٤٩ ، تهذيب اللغة ١٥ : ٢٧٢.
(٥) صحيح البخاري ٣ : ٩٨ ، سنن النسائي ٧ : ٢٨١ ، مسند أحمد ٦ : ٢٦٢ / ٢١٢٥٥ ، المعجم الصغير - للطبراني - ٢ : ١٨ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١ : ١٧٢ / ٤٢٩ و ٤٣١ - ٤٣٣.
(٦) الحاوي الكبير ٥ : ٧٦ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ١٣٤.
الجماعة(١) ؛ لقول النبيصلىاللهعليهوآله : « لا تبيعوا الذهب بالذهب إلّا مِثْلاً بمِثْل »(٢) .
والنظر فيه يتعلّق [ بأمرين ](٣) :
الأوّل : الشرائط ، وهي اثنان : الاتّفاق في الجنس ، ودخول التقدير ، فهنا مطلبان :
الأوّل : في الجنس. والمراد به الماهيّة ، كالحنطة والاُرز وإن اختلفت صفاتها. وهو الشامل لأشياء مختلفة بأنواعها ، والنوع الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها ، وقد ينقلب كلّ منهما إلى صاحبه ، فكلّ نوعين اجتمعا في اسم خاصّ فهُما جنس ، كالتمر كلّه جنس وإن كثرت أنواعه كالبَرْنيّ والمعقلًيّ.
مسألة ٧٣ : وقد أجمع المسلمون على ثبوت الربا في الأشياء الستّة ؛ لقول النبيصلىاللهعليهوآله : « الذهب بالذهب مِثْلاً بمِثْل ، والفضّة بالفضّة مِثْلاً بِمثْل ، والتمر بالتمر مِثْلاً بمِثْل ، والبُرّ بالبُرّ مِثْلاً بمِثْل ، والملح بالملح مِثْلاً بمِثْل ، والشعير بالشعير مِثْلاً بمِثْل ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى ، بيعوا الذهب بالفضّة كيف شئتم يداً بيد ، وبيعوا البرّ بالتمر كيف شئتم يدا بيد ، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يداً بيد »(٤) .
واختلف فيما سواها ، فحكي عن طاوُس وقتادة وداوُد وبعض نُفاة القياس الاقتصارُ عليها ، ولا يجري في غيرها ، وهي على أصل الإباحة ؛ لقوله تعالى :( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) (٥) .
____________________
(١) المغني والشرح الكبير ٤ : ١٣٤.
(٢) صحيح البخاري ٣ : ٩٧ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٤٣ ، ١٢٤١ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٧٦ ، مسند أبي داود الطيالسي : ٢٩٠ ، ٢١٨١.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : باُمور ثلاثة. وما أثبتناه مطابق لما قسّمه المؤلّفقدسسره .
(٤) سنن الترمذي ٣ : ٥٤١ / ١٢٤٠.
(٥) المغني والشرح الكبير ٤ : ١٣٥ ، والآية ٢٧٥ من سورة البقرة.
وعند الإماميّة أنّ الضابط الكيلُ أو الوزن أو العدد على خلافٍ في الأخير ، فأين وُجد أحدها ثبت الربا ؛ لأنّه الزيادة ، وهي إنّما تثبت في المقدّر بأحد المقادير.
ولقول الصادقعليهالسلام : « لا يكون الربا إلّا فيما يُكال أو يُوزن »(١) .
وقوله تعالى :( وَحَرَّمَ الرِّبا ) (٢) يقتضي تحريم كلّ زيادة إلّا ما أجمعنا على تخصيصه.
مسألة ٧٤ : واتّفق العلماء على أنّ ربا الفضل لا يجري إلّا في الجنس الواحد ، إلّا سعيد بن جبير ؛ فإنّه قال : كلّ شيئين يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً ، كالحنطة بالشعير ، والتمر بالزبيب ، والذرّة بالدخن ؛ لتقارب نفعهما ، فجريا مجرى نوعَي جنسٍ واحد(٣) .
أمّا الأوّلان : فسيأتي البحث فيهما. وأمّا الثالث وشبهه : فهو باطل ؛ لقولهعليهالسلام : « بيعوا الذهب بالفضّة كيف شئتم يداً بيد ، وبيعوا البُرّ بالتمر كيف شئتم »(٤) مع أنّ الذهب والفضّة متقاربان.
مسألة ٧٥ : والربا عندنا ثابت في الصُّور بالنصّ ، فإنّا إنّما نُثبته في المقدّر بأحد المقادير المذكورة ، وهي : الكيل ، والوزن ، والعدد على خلافٍ فيه ؛ إذ القياس عندنا باطل.
أمّا القائلون بالقياس فقد اتّفقوا على أنّه لعلّةٍ ، ثمّ اختلفوا.
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٤٦ / ١٠ ، الفقيه ٣ : ١٧٥ / ٧٨٦ ، التهذيب ٧ : ١٧ / ٧٤ ، و ١٩ / ٨١ ، و ٩٤ / ٣٩٧ ، و ١١٨ / ٥١٥ ، الاستبصار ٣ : ١٠١ / ٣٥٠.
(٢) البقرة : ٢٧٥.
(٣) المغني ٤ : ١٣٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٣٥ / ١٣٦.
(٤) سنن الترمذي ٣ : ٥٤١ / ١٢٤٠.
فقال النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وأحمد في روايةٍ : إنّ علّة الذهب والفضّة كونه موزونَ جنس ، وعلّة الأعيان الأربعة الباقية مكيل جنسٍ ، فيجري الربا في كلّ مكيل أو موزون بجنسه ، مطعوماً كان أو غيره(١) .
وهو الذي ذهبنا إليه ، فيجري في الحبوب والثُّوم والقُطْن والصوف والكتّان والحِنّاء والحديد والنورة والجصّ وغير ذلك ممّا يدخله الكيل والوزن دون ما عداه وإن كان مطعوماً ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله سئل عن الرجل يبيع الفرس بالأفراس ، فقال : « لا بأس إذا كان يداً بيد »(٢) .
ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليهالسلام : « البعير بالبعيرين والدابّة بالدابّتين يداً بيد ليس به بأس »(٣) .
ولأنّ قضيّة البيع المساواة ، والمؤثّر في تحقيقها الكيل والوزن والجنس ، فإنّ الكيل والوزن سوّى بينهما صورةً ، والجنس سوّى بينهما معنىً.
وقال الشافعي في الجديد : العلّة في الأربعة أنّها مطعومة في جنسٍ واحد ، فالعلّة ذات وصفين ، وفي النقدين : جوهر الثمنيّة غالباً. وهو رواية عن أحمد - وعن بعض الشافعيّة أنّه لا علّة في النقدين(٤) - لأنّ النبي ٦
____________________
(١) المغني والشرح الكبير ٤ : ١٣٦ ، تحفة الفقهاء ٢ : ٢٥ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٨٣ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٦١ ، حلية العلماء ٤ : ١٤٨ و ١٥١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٢.
(٢) مسند أحمد ٢ : ٢٥٢ / ٥٨٥١.
(٣) الكافي ٥ : ١٩٠ / ١ ، الفقيه ٣ : ١٧٧ / ٧٩٧ ، التهذيب ٧ : ١١٨ / ٥١١ ، الاستبصار ٣ : ١٠٠ / ٣٤٧.
(٤) المجموع ٩ : ٣٩٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٤.
نهى عن بيع الطعام إلّا مِثْلاً بِمثْل(١) ، وهو عامّ في المكيل وغيره. ولأنّ الطعم وصف شرفٍ ، فإنّ به قوام الأبدان ، والثمنيّة وصف شرفٍ ، فإنّ بها قوام الأموال ، فيجري الربا في كلّ مطعوم دَخَله الكيل والوزن أولا ، كالبطّيخ والأترج والسفرجل والخيار والبيض ، وسواء اُكل نادراً ، كالبلّوط ، أو غالباً ، وسواء اُكل وحده أو مع غيره ، وسواء اُكل تقوّتاً أو تأدّماً أو تفكّهاً أو غيرها ممّا يقصد للطعم غالباً دون ما ليس بمطعوم وإن كان موزوناً ، كالحديد والرصاص والاُشنان - ويبطل بقول الصادقعليهالسلام : « لا يكون الربا إلّا فيما يُكال أو يُوزن »(٢) - لأنّ قولهعليهالسلام : « الطعام بالطعام مثل بمثل »(٣) علّق الحكم باسم الطعام ، والحكم المعلّق بالاسم المشتقّ معلّل بما منه الاشتقاق ، كالقطع المعلّق باسم السارق ، والحدّ المعلّق باسم الزاني(٤) .
وقال الشافعي في القديم : العلّة في الأربع كونه مطعومَ جنسٍ مكيلاً أو موزوناً ، فلا يجري الربا في مطعوم لا يُكال ولا يُوزن ، ولا فيما ليس بمطعوم. وبه قال سعيد بن المسيّب وأحمد في رواية ؛ لأنّ سعيد بن المسيّب روى عن النبيصلىاللهعليهوآله : « لا ربا إلّا فيما كيل أو وزن ممّا يؤكل أو
____________________
(١) أورد نصّه ابنا قدامة في المغني والشرح الكبير ٤ : ١٣٧ ، وانظر : صحيح مسلم ٢ : ١٢١٤ / ١٥٩٢ ، وسنن الدار قطني ٣ : ٢٤ / ٨٤.
(٢) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ١٣٦ ، الهامش (١).
(٣) صحيح مسلم ٢ : ١٢١٤ / ١٥٩٢ ، سنن الدار قطني ٣ : ٢٤ / ٨٤.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٧ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٣٤ - ٣٣٧ ، المجموع ٩ : ٣٩٣ و ٣٩٥ و ٣٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤ - ٤٥ و ٤٦ ، حلية العلماء ٤ : ١٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٢ و ٧٤ و ٧٧ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ١٣٧ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٣٢.
يشرب »(١) (٢) .
ويضعّف بقول الدار قطني : الصحيح أنّه من قول سعيد بن المسيّب ، ومَنْ رفعه فقد وهم(٣) .
وقال مالك : العلّة القوت أو ما يصلح به القوت من جنسٍ واحد من المدّخرات(٤) ؛ فإنّ علّة الطعم لا تستقيم ؛ لثبوت الطعم لكلّ شيء ، فينبغي أن يعلّل بالقوت الذي يعلّل به الزكاة ، كما أنّ الجواهر لم يجر الربا إلّا فيما تجب الزكاة ، وهو الذهب والفضّة.
ويبطل بالملح ؛ فإنّه لا يُقتات ، والإدامِ يصلح به القوت ، والنارِ والحطب.
وقال ربيعة بن عبد الرحمن : الاعتبار بما تجب فيه الزكاة(٥) ، فكلّ ما وجبت فيه الزكاة جرى فيه الربا ، فلا يجوز بيع بعير ببعيرين ولا بقرة ببقرتين.
ويبطل بما تقدّم ، وبالملح ؛ فإنّه لا تجب فيه الزكاة ، ويجري فيه الربا.
____________________
(١) سنن الدار قطني ٣ : ١٤ / ٣٩.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٣٧ ، المجموع ٩ : ٣٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٥٠ ، الحاوي الكبير ٥ : ٨٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٢ ، المغني ٤ : ١٣٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١٣٧.
(٣) سنن الدار قطني ٣ : ١٤ ذيل الحديث ٣٩ ، وحكاه عنه ابنا قدامة في المغني ٤ : ١٣٨ ، والشرح الكبير ٤ : ١٣٧.
(٤) الحاوي الكبير ٥ : ٨٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٣٧ ، المجموع ٩ : ٤٠١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٢ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ١٣٨.
(٥) المجموع ٩ : ٤٠١ ، حلية العلماء ٤ : ١٥١ ، الحاوي الكبير ٥ : ٨٣ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ١٣٨.
وقال ابن سيرين : الجنس الواحد هو العلّة(١) .
وليس بصحيح ؛ لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمر أن يؤخذ البعير بالبعيرين لـمّا أنفذ بعض الجيوش وقد نفدت الإبل(٢) .
وهذا البحث ساقط عنّا ؛ لأنّا نعتبر النصّ لا القياس ، فمهما دلّ على شيء عملنا به ، وقد سُئل الصادقعليهالسلام عن البيضة بالبيضتين ، قال : « لا بأس به » والثوب بالثوبين ، قال : « لا بأس به » والفرس بالفرسين ، فقال : « لا بأس به » ثمّ قال : « كلّ شيء يُكال أو يُوزن فلا يصلح مِثْلين بمِثْلٍ إذا كان من جنسٍ واحد ، فإذا كان لا يُكال ولا يُوزن ولا يوزن فليس به بأس اثنين بواحد »(٣) .
مسألة ٧٦ : قد بيّنّا أنّ كلّ مكيل أو موزون يجري فيه الربا مع الشرائط سواء اُكل أو لا.
أمّا الشافعي حيث علّل بالطعم اعتبره ، فكلّ موضع لا يثبت فيه الطعم لا يثبت فيه الربا إلّا النقدين.
ولا فرق عنده بين أن يُؤكل للتداوي ، كالهليلج والسقمونيا وغيرهما ، وبين ما يؤكل لسائر الأغراض.
وقسّم المطعومات إلى أربعة : ضرْب يؤكل قوتاً ، وآخر يؤكل تأدّماً ، وثالث يؤكل تفكّهاً ، ورابع يؤكل تداوياً. ويجري الربا في ذلك كلّه لا في مأكول الدوابّ ، كالقضب والحشيش والنوى(٤) .
وحُكي وجهٌ للشافعيّة : أنّ ما يهلك كثيره ويستعمل قليله في الأدوية
____________________
(١) المجموع ٩ : ٤٠٠ ، حلية العلماء ٤ : ١٥٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ٨٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٢. المغني والشرح الكبير ٤ : ١٣٨.
(٢) علل الحديث ١ : ٣٩٠ / ١١٦٧ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٨٧.
(٣) التهذيب ٧ : ١١٩ / ٥١٧ ، الاستبصار ٣ : ١٠١ / ٣٥١.
(٤) المجموع ٩ : ٣٩٧ و ٣٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٢ و ٧٣.
- كالسقمونيا - لا يجري فيه الربا(١) .
وفي الزعفران عندهم وجهان :
أصحّهما : جريان الربا فيه ؛ لأنّ المقصود الأظهر منه الأكل تنعّماً أو تداوياً إلّا أنّه يمزج بغيره.
والثاني : لا يجري ؛ لأنّه يقصد منه الصبغ واللون(٢) ، وهو قول القاضي أبي حامد(٣) .
والطين الخراساني لا يُعدّ مأكولاً ، ويُسفَّه آكِلُه - وإنّما يأكله قومٌ لعارضٍ بهم - ولو كان مستطاباً ؛ لاشتراك الكلّ في استطابته ، وقال النبيّصلىاللهعليهوآله لعائشة : « لا تأكلي الطين فإنّه يُصفّر اللون »(٤) ويجري آكل ذلك مجرى من يأكل التراب والخزف ، فإنّ من الممكن من يأكل ذلك ، فلا ربا فيه.
وعند بعضهم أنّه ربويّ(٥) .
والأرمني دواء ، كالهليلج.
وفيه وجه آخر لهم : أنّه لا ربا فيه ، كسائر أنواع الطين(٦) ، وهو قول القاضي ابن كج(٧) .
وأمّا دهن البنفسج والورد واللبان ففيه لهم وجهان ، أحدهما : ثبوت الربا ؛ لأنّها متّخذة من السمسم اكتسبت رائحة من غيره ، وإنّما لا يؤكل في
____________________
(١) المجموع ٩ : ٣٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٣.
(٢) المجموع ٩ : ٣٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٥٠ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٢ - ٧٣.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٣.
(٤) كما في المغني ٤ : ١٣٩.
(٥و٦) المجموع ٩ : ٣٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٣.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٣.
العادة ضنّاً بها(١) .
وفي دهن الكتّان وجهان عندهم ، أصحّهما : أنّه ليس بربويّ ؛ لأنّه لا يُعدّ للأكل(٢) .
وكذا دهن السمك ؛ لأنّه يُعدّ للاستصباح وتدهين السُّفُن لا للأكل(٣) .
وفي وجهٍ : أنّه مال ربا ؛ لأنّه جزء من السمك(٤) .
وفي حبّ الكتّان وجهان(٥) ، وكذا في ماء الورد(٦) .
ولا ربا عندهم في العُود والمصطكي(٧) .
وأمّا الماء ففي صحّة بيعه وثبوت الملك فيه وجهان ، فعلى الجديد فيه وجهان أيضاً :
أصحّهما : أنّه ربويّ ؛ لأنّه مطعوم ، لقوله تعالى :( وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ) (٨) .
والثاني : لا ربا فيه ؛ لأنّه ليس مأكولاً(٩) .
____________________
(١) المجموع ٩ : ٣٩٨ - ٣٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥ ، الوسيط ٣ : ٤٩ و ٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٣.
(٢) المجموع ٩ : ٣٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥ ، الوسيط ٣ : ٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٣ : ٧٣.
(٣ و٤ ) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٨ ، المجموع ٩ : ٣٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٣ ، الوسيط ٣ : ٤٩.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٨ ، المجموع ٩ : ٣٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٣ ، الوسيط ٣ : ٤٩.
(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٨ ، المجموع ٩ : ٣٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٣.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥.
(٧) كما في العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٣.
(٨) البقرة : ٢٤٩.
(٩) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٨ ، المجموع ٩ : ٣٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٦ ، حلية العلماء ٤ : ١٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٣ - ٧٤.
ولا ربا في الحيوان ؛ لأنّه لا يؤكل على هيئته ، وما يُباح أكله على هيئته كالسمك الصغير على وجهٍ يجري فيه الربا(١) .
والحقّ عندنا في ذلك كلّه ثبوت الربا في كلّ مكيل أو موزون ، سواء كان مأكولاً أو لا. والسمك يوزن ، فيجري فيه الربا مطلقاً.
مسألة ٧٧ : إذا بِيع مالٌ بمالٍ فأقسامه ثلاثة :
الأوّل : أن لا يكون شيء منهما ربويّاً.
الثاني : أن يكون أحدهما ربويّاً دون الآخر.
الثالث : أن يكونا ربويّين.
فالأوّل لا يجب فيه رعاية التماثل قدراً ولا الحلول ولا التقابض في المجلس ، اتّحدا جنساً أو لا ، فيجوز بيع ثوبٍ بثوبين ، وعبد بعبدين ، ودابّة بدابّتين ، وبيع ثوبٍ بعبد وعبدين نقداً ونسيئةً ، عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يشتري بعيراً ببعيرين إلى أجل(٣) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام وقد سأله منصور بن حازم عن الشاة بالشاتين والبيضة بالبيضتين ، قال : « لا بأس به ما لم يكن فيه كيل ولا وزن »(٤) .
وسأل منصورُ بن حازم الصادقَعليهالسلام عن البيضة بالبيضتين ، قال : « لا بأس به » والثوب بالثوبين ، قال : « لا بأس به » والفرس بالفرسين ، فقال :
____________________
(١) المجموع ٩ : ٣٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٤.
(٢) المجموع ٩ : ٤٠٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٦ - ٤٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٥.
(٣) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٥٠ / ٣٣٥٧ ، سنن الدار قطني ٣ : ٦٩ / ٢٦١ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٨٧ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٥٦ - ٥٧.
(٤) التهذيب ٧ : ١١٨ / ٥١٣ ، الاستبصار ٣ : ١٠٠ - ١٠١ / ٣٤٩.
« لا بأس به » ثمّ قال : « كلّ شيء يُكال أو يُوزن فلا يصلح مِثْلين بمِثْلٍ إذا كان من جنسٍ واحد ، فإذا كان لا يُكال ولا يُوزن فليس به بأس اثنين بواحد »(١) .
وعن الباقرعليهالسلام : « لا بأس بالثوب بالثوبين »(٢) .
وقال أبو حنيفة : لا يجوز إسلاف الشيء في جنسه(٣) . فلا يجوز بيع فرس بفرسين سلفاً ولا نسيئةً ، بل يجب التقابض في المجلس عنده ، وهو إحدى الروايات عن أحمد ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة(٤) . ولأنّ الجنس أحد وصفَي علّة تحريم التفاضل ، فيحرم فيه النسأ، كالوصف الآخر(٥) .
وتُحمل الرواية على النساء في الطرفين ، أو على أنّ النهي للتنزيه نهي كراهة لا نهي تحريم. والربا عندنا يثبت لا لعلّة ، بل للنصّ على ثبوته في كلّ مكيل أو موزون ، وإباحة التفاضل فيما عداهما ، على أنّه منقوض بإسلاف الدراهم في الحديد.
وقال مالك : يجوز إسلاف أحد الشيئين في مثله متساوياً لا متفاضلاً.
ولا يجوز بيع حيوان بحيوانين من جنسه بصفة يقصد بهما أمراً واحداً إمّا الذبح أو غيره ؛ لأنّ الغرض إذا كان بهما سواء ، كان بيع الواحد باثنين نسيئةً ذريعةً إلى الربا(٦) .
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١١٩ / ٥١٧ ، الاستبصار ٣ : ١٠١ / ٣٥١.
(٢) التهذيب ٧ : ١١٩ / ٥١٨.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٦.
(٤) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٥٠ / ٣٣٥٦ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٦٣ / ٢٢٧٠ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٣٨ / ١٢٣٧ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٨٨ - ٢٨٩ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٥٤ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٧ : ٢٤٧ / ٦٨٤٧ ، و ٢٤٨ / ٦٨٥١ ، و ٢٧٣ / ٦٩٤٠.
(٥) المغني ٤ : ١٤٣ ، الشرح الكبير ٤ : ١٧٩ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٣٩.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٦ ، حلية العلماء ٤ : ١٥٥.
ويبطل بقولهعليهالسلام : « إذا اختلف الجنسان فبِيعوا كيف شئتم »(١) .
الثاني : أن يكون أحدهما ربويّاً دون الآخر ، كبيع ثوبٍ بدراهم أو دنانير ، أو بيع حيوان بحنطة أو شعير. وحكمه كالأوّل ، فيجوز بيع أحدهما بالآخر - وإن كان أزيد قيمةً منه - نقداً ونسيئةً؛ للإجماع على السلف والنسيئة مع تغاير الثمن - الذي هو أحد النقدين - والمثمن ، إلّا الصرف خاصّةً ، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
الثالث كالأوّل عندنا ؛ للإجماع على إسلاف أحد النقدين في البُرّ أو الشعير أو غيرهما من الربويّات والمكيلات ، والنسيئة أيضاً ، وهو قول أبي حنيفة(٢) .
وقال الشافعي : إن اختلفت العلّة فيهما ، كالذهب بالقوت ، فلا تجب رعاية التماثل ولا الحلول ولا التقابض ، فيجوز إسلاف أحد النقدين في البُرّ ، أو بيع الشعير بالذهب نقداً أو نسيئةً.
وإن اتّفقت العلّة ، فإن اتّحد الجنس ، وجب فيه رعاية التماثل والحلول والتقابض في المجلس ، كما لو باع الذهب بالذهب والبُرّ بالبُرّ ، وثبت فيه أنواع الربا الثلاثة - وعندنا لا يجب الثالث إلّا في الصرف - وإن اختلف الجنس ، لم يجب التماثل ، بل الحلول والتقابض في المجلس ؛ لقولهعليهالسلام : « ولكن بيعوا الذهب بالورق والورق بالذهب والبُرّ بالشعير والشعير بالبُرّ كيف شئتم يداً بيد »(٣) (٤) .
____________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٠ : ٨٦ ، المغني ٤ : ١٤٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٤٧.
(٢) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٦.
(٣) سنن البيهقي ٥ : ٢٧٦ ، شرح معاني الآثار ٤ : ٤.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٧ - ٤٨.
والجواب : يحتمل أن يكون التقييد باليد على سبيل الأولويّة ، أو في الصرف.
فروع :
أ - يكره بيع الجنسين المختلفين متفاضلاً نسيئةً ؛ لقول الصادقعليهالسلام : « ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شيء من الأشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مِثْلين بمِثْل يداً بيد ، فأمّا نظرةٌ فلا يصلح »(١) .
وفي الصحيح عن الحلبي عن الصادقعليهالسلام « ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شيء من الأشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مِثْلين بمِثْل يداً بيد ، فأمّا نظرةٌ فإنّه لا يصلح »(٢) .
ب - المصوغ من أحد النقدين لا يجوز بيعه بجنسه من التبر أو المضروب متفاضلاً بل بوزنه وإن كان المصوغ أكثر قيمةً. وكذا الصحيح والمكسّر لا يجوز التفاضل فيهما مع اتّحاد الجنس - وبه قال الشافعي(٣) - لما رواه عطاء بن يسار أنّ معاوية باع سقايةً من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها ، فقال أبو الدرداء : سمعت النبيّصلىاللهعليهوآله ينهى عن مثل هذا إلّا مِثْلاً بمثل ، فقال له معاوية : ما أرى بهذا بأساً ، قال أبو الدرداء : مَنْ يعذرني من هذا ، اُخبره عن النبيّصلىاللهعليهوآله ويُخبرني عن رأيه ، والله لا ساكنتك بأرضٍ أنت فيها ، ثمّ قدم أبو الدرداء على عمر فذكر له ذلك ، فكتب عمر إلى معاوية أن لا تبع ذلك إلّا وزناً بوزن مِثْلاً بمِثْلٍ(٤) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٩١ / ٦ ، التهذيب ٧ : ٩٣ / ٣٩٥.
(٢) التهذيب ٧ : ٩٣ - ٩٤ / ٣٩٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٤ ، حلية العلماء ٤ : ١٥٣ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ١٤١.
(٤) سنن البيهقي ٥ : ٢٨٠ ، المغني ٤ : ١٤١ ، الشرح الكبير ٤ : ١٤٣.
وقال مالك : يجوز أن يبيعه بقيمته من جنسه(١) . وأنكر أصحابه ذلك ، ونفوه عنه(٢) .
واحتجّ مَنْ أجازه : بأنّ الصنعة لها قيمة ، ولهذا لو أتلفه وجبت قيمته وإن زادت.
والجواب : لا نسلّم أنّ الصنعة تدخل في البيع وإن قوّمت على الغاصب. سلّمنا لكن لا نسلّم أنّه يقوّم بجنسه بل بغير جنسه.
ج - الفلوس يثبت الربا فيها عندنا ؛ لأنّها موزونة ، وبه قال أبو حنيفة(٣) ، وهو وجه ضعيف للشافعيّة ؛ لحصول معنى الثمنيّة(٤) .
وفي الأظهر عندهم : انتفاء الربا ؛ لانتفاء الثمنيّة والطعم ، والوزن والكيل ليسا علّةً عندهم(٥) وقد تقدّم بطلان التعليل.
د - يكره بيع أفراد الجنس الواحد إذا لم يدخله الكيل والوزن متفاضلاً نسيئةً ؛ لقول الباقرعليهالسلام : « البعير بالبعيرين والدابّة بالدابّتين يداً بيد ليس به بأس »(٦) وهو يدلّ بمفهومه على كراهيّة النسيئة فيه.
ه- لا يشترط التقابض في المجلس مع اتّحاد الجنس واختلافه إلّا في الصرف - وبه قال بعض الشافعيّة(٧) - لأنّهما عينان من غير جنس الأثمان ، فجاز التفرّق فيهما قبل القبض ، كالحديد. نعم ، يشترط الحلول
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٤ ، حلية العلماء ٤ : ١٥٣ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ١٤١.
(٢) المصادر في الهامش (١) ما عدا العزيز شرح الوجيز.
(٣) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٤.
(٤ و ٥) المجموع ٩ : ٣٩٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٤.
(٦) الكافي ٥ : ١٩٠ / ١ ، الفقيه ٣ : ١٧٧ / ٧٩٧ ، التهذيب ٧ : ١١٨ / ٥١١ ، الاستبصار ٣ : ١٠٠ / ٣٤٧.
(٧) روضة الطالبين ٣ : ٤٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٥.
مع الاتّفاق جنساً.
وقال بعض الشافعيّة : إذا كانا ربويّين ، وجب فيهما القبض قبل التفرّق ، كالذهب والفضّة(١) ؛ لقولهعليهالسلام : « لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البُرّ بالبُرّ ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلّا سواء بسواء عيناً بعين يداً بيد »(٢) .
والجواب : أنّه لا يدلّ على المنع مع عدم التقابض إلّا من حيث المفهوم ، وهو ضعيف.
مسألة ٧٨ : لعلمائنا قولان في أنّ الحنطة والشعير هل هُما جنس واحد أو جنسان؟
والأقوى عندي : الأوّل - وبه قال مالك والليث والحكم وحمّاد(٣) - لأنّ معمر بن عبد الله بعث غلاماً له ومعه صاع من قمح ، فقال : اشتر شعيراً ، فجاءه بصاع وبعض صاع ، فقال له : ردّه ، فإنّ النبيصلىاللهعليهوآله نهى عن بيع الطعام بالطعام إلّا مِثْلاً بمِثْلٍ ، وطعامنا يومئذٍ الشعير(٤) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام ، قال : « لا يصلح الشعير بالحنطة إلّا واحداً بواحد »(٥) .
____________________
(١) روضة الطالبين ٣ : ٤٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٦.
(٢) صحيح مسلم ٣ : ١٢١٠ ، ١٥٨٧ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٧٦ ، معرفة السنن والآثار ٨ : ٣٣ - ٣٤ ، ١١٠٢١.
(٣) بداية المجتهد ٢ : ١٣٥ ، الحاوي الكبير ٥ : ١١١ ، المغني ٤ : ١٥١ - ١٥٢ ، الشرح الكبير ٤ : ١٤٩ - ١٥٠.
(٤) صحيح مسلم ٣ : ١٢١٤ / ١٥٩٢ ، سنن الدار قطني ٣ : ٢٤ / ٨٣ و ٨٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٨٣ ، المغني ٤ : ١٥٢ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥٠.
(٥) الكافي ٥ : ١٨٩ / ١٢ ، التهذيب ٧ : ٩٤ / ٣٩٨.
وفي الصحيح عن الحلبي عن الصادقعليهالسلام ، قال : « لا يباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة إلّا مِثْلاً بمِثْلٍ » وسُئل عن الرجل يشتري الحنطة فلا يجد إلّا شعيراً أيصلح له أن يأخذ اثنين بواحد؟ قال : « لا ، إنّما أصلهما واحد »(١) .
وعن الباقرعليهالسلام قال : « قال أمير المؤمنينعليهالسلام : لا تبع الحنطة بالشعير إلّا يداً بيد ، ولا تبع قفيزاً من حنطة بقفيزين من شعير »(٢) .
ولأنّ أحدهما يُغشّ بالآخر ، فهُما كنوعي جنسٍ واحد.
وقال بعض(٣) علمائنا : إنّهما جنسان يباع أحدهما بالآخر متفاضلاً يداً بيد ونسيئةً - وبه قال الشافعي(٤) - لقولهعليهالسلام : « بيعوا الذهب بالورق ، والورق بالذهب ، والبُرّ بالشعير ، والشعير بالبُرّ كيف شئتم يداً بيد »(٥) .
ولأنّهما لا يشتركان في الاسم الخاصّ ، فكانا جنسين ، كالشعير والذرّة.
وأجابوا عن حديث معمر بأنّه أعمّ من هذا الحديث. والغشّ ينتقض بالفضّة ، فإنّه يُغشّ بها الذهب.
والجواب : أنّ الراوي فهم تناول الطعام لصورة النزاع. وبالجملة فالتعويل على أحاديث الأئمّةعليهمالسلام . والاختصاص بالاسم لا يُخرج الماهيّات عن التماثل ، كالحنطة والدقيق.
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٨٧ / ٣ ، التهذيب ٧ : ٩٤ / ٣٩٩.
(٢) التهذيب ٧ : ٩٥ / ٤٠٨.
(٣) هو ابن إدريس في السرائر ٢ : ٢٥٤.
(٤) الاُمّ ٣ : ٣١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٩ ، الحاوي الكبير ٥ : ١١٠ ، بداية المجتهد ٢ : ١٣٥ ، المحلّى ٨ : ٤٩٢ ، المغني ٤ : ١٥١ ، الشرح الكبير ٤ : ١٤٩.
(٥) سنن البيهقي ٥ : ٢٧٦ ، معرفة السنن والآثار ٨ : ٣٣ - ٣٤ / ١١٠٢١.
مسألة ٧٩ : ثمرة النخل كلّها جنس واحد ، كالبَرْنِيّ والمعقلي والآزاد والدقل وإن كان رديئاً في الغاية لا يجوز التفاضل فيه نقداً ولا نسيئةً ، فلا يباع مُدٌّ من البَرْنيّ بمُدَّيْن من الدقل وكذا البواقي لا نقداً ولا نسيئةً ، وكذا ثمرة الكرم كلّها جنس واحد ، كالأسود والأبيض والطيّان والرازقي ؛ لقول الصادقعليهالسلام : « لا يباع مختومان من شعير بمختومٍ من حنطة إلّا مِثْلاً بمِثْلٍ ، والتمر مِثْل ذلك»(١) .
وكان عليّعليهالسلام يكره أن يستبدل وسقين من تمر المدينة بوسق من تمر خيبر(٢) .
وفي حديثٍ آخر ذلك وزيادة : « ولم يكنعليهالسلام يكره الحلال »(٣) .
وسُئل عن الطعام والتمر والزبيب ، فقال : « لا يصلح شيء منه اثنان بواحد إلّا أن تصرفه نوعاً إلى نوع آخر ، فإذا صرفته فلا بأس به اثنان بواحد وأكثر »(٤) وإطلاق التمر يدلّ على اتّحاده حقيقةً.
وقال الباقرعليهالسلام : « يكره وسق من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر ، لأنّ تمر المدينة أجودهما»(٥) .
تذنيب : الطلع كالثمرة في الاتّفاق وإن اختلفت اُصولهما ، وطلع الفحل كطلع الإناث.
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٨٧ / ٣ ، التهذيب ٧ : ٩٤ / ٣٩٩.
(٢) الكافي ٥ : ١٨٨ / ٨ ، التهذيب ٧ : ٩٤ / ٤٠٠ ، و ٩٧ / ٤١٣.
(٣) الكافي ٥ : ١٨٨ / ٧ ، التهذيب ٧ : ٩٦ - ٩٧ / ٤١٢ ، وصدر الحديث فيهما هكذا :
كان عليّ بن أبي طالبعليهالسلام يكره أن يستبدل وسقا من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر.
(٤) الفقيه ٣ : ١٧٨ / ٨٠٤ ، التهذيب ٧ : ٩٥ / ٤٠٦.
(٥) الفقيه ٣ : ١٧٨ / ٨٠٥ ، التهذيب ٧ : ٩٥ - ٩٦ / ٤٠٨.
مسألة ٨٠ : اللحوم أجناس مختلفة باختلاف اُصولها ، فلحم الغنم ضأنه وما عزه جنس واحد ، ولحم البقر جاموسها وعرابها جنس واحد مغاير للأوّل ، ولحم الإبل عرابها وبخاتيّها جنس آخر مغاير للأوّلين ، وكذا باقي اللحوم ، عند علمائنا أجمع - وهو أصحّ قولي الشافعي ، وبه قال المزني وأبو حنيفة وأحمد في رواية(١) - لأنّها فروع اُصول مختلفة هي أجناس متعدّدة ، وكانت أجناساً كاُصولها ، كما في الأدقّة والخلول. ولأنّها متفاوتة في المنافع ومتخالفة في الأغراض والغايات ، فأشبهت المختلفات جنساً.
وللشافعي قول آخر : إنّها جنس واحد ، فلحم البقر والغنم والإبل والسموك والطيور والوحوش كلّها جنس واحد - وهو رواية عن أحمد أيضاً - لأنّها اشتركت في الاسم في حال حدوث الربا فيها الذي لا يقع بعده التمييز إلّا بالإضافة ، فكانت جنساً واحداً ، كأنواع الرطب والعنب ، وتخالف الثمار المختلفة بالحقيقة ، فإنّها وإن اشتركت في اسم الثمرة لكنّها امتازت بأساميها الخاصّة(٢) .
والجواب : المنع من الاشتراك في الاسم الخاصّ ، وليس إطلاق لفظ اللحم عليها إلّا كإطلاق الحيوان والجسم عليها.
وقال مالك : اللُّحْمان(٣) ثلاثة أصناف : الإنسي والوحشي صنف واحد ،
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٦١ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٥٤ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٩ ، الوسيط ٣ : ٥٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٥ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ١٥٥.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٦١ - ١٦٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٥٤ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٩ ، الوسيط ٣ : ٥٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٥ ، المغني ٤ : ١٥٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥٤.
(٣) اللحمان : جمع لحم. لسان العرب ١٢ : ٥٣٥ « لحم ».
والطير صنف ، ولحوم ذوات الماء صنف واحد - وهو رواية اُخرى عن أحمد إلّا أنّه جعل الوحشي صنفاً آخر - لأنّ لحم الطير لا تختلف المنفعة به ، ولا يختلف القصد في أكله(١) .
والجواب : يبطل بلحم الإبل ولحم الغنم ، فإنّها تختلف المنفعة بها والقصد إلى أكلها.
فروع :
أ - الوحشيّ من كلّ جنس مخالف لأهليّة ، فالبقر الأهلي مع البقر الوحشيّ جنسان مختلفان ، والغنم الأهليّة والغنم الوحشيّة - وهي الظباء - جنسان ، والحُمُر الوحشيّة والأهليّة جنسان أيضاً عندنا ، وبه قال الشافعي في أصحّ القولين وأحمد(٢) ، خلافاً لمالك(٣) ، وقد سبق.
ب - لحم السمك مخالف لباقي اللحوم ، عند علمائنا أجمع ، وهو أصحّ قولي الشافعي وأحمد في رواية(٤) .
وللشافعي قول : إنّ اللُّحْمان كلّها صنف واحد(٥) ، فعلى هذا القول في السمك عنده قولان:
أحدهما : أنّ لحومها ولحوم باقي الحيوانات البرّيّة جنس واحد ؛
____________________
(١) بداية المجتهد ٢ : ١٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٦٣ ، المغني ٤ : ١٥٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥٤ - ١٥٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٩ ، حلية العلماء ٣ : ١٦٣ ، المغني ٤ : ١٥٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥٤.
(٣) اُنظر : المصادر في الهامش (١).
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٩ ، وانظر : المغني ٤ : ١٥٥ ، والشرح الكبير ٤ : ١٥٤.
(٥) اُنظر : المصادر في الهامش (٢) من ص ١٥١.
لشمول الاسم لها ، قال الله تعالى :( وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا ) (١) (٢) .
والجواب : أنّه كشمول الثمار للتمر والتفّاح.
والثاني : أنّ الحيتان مخالفة لباقي اللحوم ؛ لأنّ لها اسماً خاصّاً ، ولهذا لو حلف لا يأكل اللحم ، لم يحنث بلحوم الحيتان. ولأنّه لا يسمّى لحماً عند الإطلاق ، ولهذا لا يضاف اللحم إلى اسمه فيقال : لحم السمك ، كما يقال : لحم الإبل(٣) .
ج - لحم السمك هل هو جنس واحد أو أجناس؟ الأقوى : الأوّل ؛ لشمول اسم السمك للكلّ ، والاختلاف بالعوارض لا يوجب الاختلاف في الحقيقة.
ويحتمل أن يكون أجناساً متعدّدة ، فكلّ ما اختصّ باسمٍ وصفةٍ كان جنساً مخالفاً لما غايره ممّا اختصّ باسمٍ آخر وصفة اُخرى ، فالشبّوط والقطّان والبُنّي أجناس مختلفة ، وكذا ما عداها.
د - الأقوى في الحمام - وهو ما عبّ وهَدَر ، أو كان مطوّقاً على اختلاف التفسير - أنّه جنس واحد ، فلحم القماري والدباسي والفواخت جنس واحد ؛ لشمول اسم الحمام لها ، وتقاربها في المنافع.
ويحتمل تعدّدها بتعدّد ما يضاف إليه.
أمّا الحمام مع غيره من الطيور كالعصافير والدجج فأولى بالتغاير.
ه- الجراد جنس بانفراده مغاير لسائر اللحوم البرّيّة والبحريّة ، وهو ظاهر عند علمائنا حيث أوجبوا اختلاف اللحوم باختلاف اُصولها ، وهو
____________________
(١) فاطر : ١٢.
(٢ و ٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٩ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٥٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٥.
أصحّ قولي الشافعي(١) . وفي قول آخر للشافعي : إنّه من جنس اللحوم ، فحينئذٍ هل هو من البرّيّة أو البحريّة؟ وجهان(٢) .
و - أعضاء الحيوان الواحد كلّها جنس واحد مع لحمه ، كالكرش والكبد والطحال والقلب والرئة ، والأحمر والأبيض واحد ، وكذا الشحوم كلّها بعضها مع بعض ومع اللحم جنس واحد ؛ لأنّ أصلها واحد ، وتدخل تحت اسمه.
وللشافعيّة في ذلك طريقان :
الأشهر عندهم أن يقال : إن جعلنا اللحوم أجناساً ، فهذه أولى ؛ لاختلاف أسمائها وصفاتها ، وإن قلنا : إنّها جنس واحد ، ففيها وجهان ؛ لأنّ مَنْ حلف أن لا يأكل اللحم لا يحنث بأكل هذه الأشياء على الصحيح.
والثاني عن القفّال أن يقال : إن جعلنا اللحوم جنساً واحداً ، فهذه مجانسة لها ، وإن جعلناها أجناساً ، فوجهان ؛ لاتّحاد الحيوان ، فأشبه لحم الظهر مع شحمه(٣) .
وكذا المخ جنس آخر عندهم. والجلد جنس آخر. وشحم الظهر مع شحم البطن جنسان. وسنام البعير معهما جنس آخر ، أمّا الرأس والأكارع فمن جنس اللحم(٤) .
والكلّ عندنا باطل ؛ فإنّ الحقّ تساوي هذه الأشياء. والتعلّق بالحنث أو بعدمه غير مفيد ؛ فإنّ اليمين يتبع الاسم وإن كانت الحقيقة واحدةً ، كما لو حلف أن لا يأكل خبزاً ، فأكل دقيقاً ، لم يحنث وإن كان واحداً.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٦.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٠.
تنبيه : كلّ ما حكمنا فيه باختلاف الجنس وتغايره ، فإنّه يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً نقداً ونسيئةً إلّا الصرف ، فلا يجوز النسيئة فيه ، وكلّ ما حكمنا فيه بالتماثل فإنّه لا يجوز التفاضل فيه.
مسألة ٨١ : المشهور المنع من بيع اللحم بحيوان من جنسه - وبه قال الفقهاء السبعة(١) ومالك والشافعي وأحمد(٢) - لما رواه الجمهور عن سعيد بن المسيّب أنّ النبيصلىاللهعليهوآله نهى عن بيع اللحم بالحيوان(٣) . ومراسيل ابن المسيّب حجّة عندهم(٤) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كره اللحم بالحيوان »(٥) .
ولأنّه نوعٌ في الربا بِيع بأصله الذي هو منه فلم يجز ، كما لو باع
____________________
(١) وهُمْ : سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمّد وعبيد الله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار. وفي السابع ثلاثة أقوال ، فقيل : سالم بن عبد الله بن عمر. وقيل : أبو سلمة بن عبد الرحمن. وقيل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
اُنظر : تهذيب الأسماء واللغات ١ : ١٧٢ ، ١٤٠ ، وتهذيب الكمال في أسماء الرجال ٢٠ : ١٨.
(٢) المغني ٤ : ١٥٩ - ١٦٠ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥٩ ، التفريع ٢ : ١٢٩ ، مختصر المزني : ٧٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٥٧ ، حلية العلماء ٤ : ١٩٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٤ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٦٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٠ ، الوسيط ٣ : ٥٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٨.
(٣) الموطّأ ٢ : ٦٥٥ ، ٦٤ ، المراسيل - لأبي داود - : ١٣٣ ، ١٥ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٣٥ ، سنن الدارقطني ٣ : ٧١ ، ٢٦٦.
(٤) اُنظر : مختصر المزني : ٧٨ ، والجرح والتعديل ٤ : ٦١ ، والكفاية - للخطيب البغدادي - : ٤٠٤ ، واللمع : ١٥٩ ، والحاوي الكبير ٥ : ١٥٨ ، والمجموع ( المقدّمة ) ١ : ٦٠ و ٦١ ، وتهذيب الأسماء واللغات ١ : ٢٢١.
(٥) الكافي ٥ : ١٩١ / ٧ ، التهذيب ٧ : ٤٥ / ١٩٤ ، و ١٢٠ / ٥٢٥.
الشيرج(١) بالسمسم من غير اعتبارٍ.
والأقرب عندي : الجواز على كراهيّةٍ ؛ للأصل السالم عن معارضة ثبوت الربا ؛ لفقد شرطه ، وهو التقدير بالكيل أو الوزن ، المنفي في الحيوان الحيّ. وأمّا الكراهيّة : فللاختلاف.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والمزني بالجواز ؛ لأنّه باع ما فيه الربا بما لا ربا فيه فجاز ، كما لو باع الحيوان بالدراهم(٢) .
وقال محمّد بن الحسن : يجوز على اعتبار اللحم في الحيوان ، فإن كان دون اللحم الذي في مقابلته ، جاز(٣) .
فروع :
أ - الممنوع إنّما هو بيع لحم الحيوان بجنسه ، أمّا بغير جنسه - كلحم الشاة بالإبل - فإنّه يجوز ؛ لجواز بيع لحم أحدهما بلحم الآخر فبالآخر حيّاً أولى.
أمّا الشافعيّة : ففي كون اللحوم كلّها جنساً واحداً أو أجناساً(٤) متعدّدة عندهم قولان ، فإن قالوا بالوحدة ، لم يجز بيع لحم الشاة بالإبل الحيّة ، ولا لحم البقر بالشاة الحيّة وكذا البواقي. وإن قالوا باختلاف ، فقولان :
____________________
(١) الشيرج : دهن السمسم. تاج العروس ٢ : ٦٤ « شرج ».
(٢) بدائع الصنائع ٥ : ١٨٩ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٦٤ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤١ / ١١١٨ ، المغني ٤ : ١٦٠ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥٩ ، مختصر المزني : ٧٩ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٥٧ ، حلية العلماء ٤ : ١٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٨.
(٣) بدائع الصنائع ٥ : ١٨٩ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٦٤ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤١ / ١١١٨ ، حلية العلماء ٤ : ١٩٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٥٧.
(٤) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « جنس واحد أو أجناس » بالرفع.
أحدهما : المنع ؛ لأنّ أبا بكر منع من بيع العناق بلحم الجزور(١) .
والجواب : أنّ فعل أبي بكر وقوله ليس حجّةً.
والثاني(٢) : الجواز - وبه قال مالك وأحمد - لأنّه يجوز بيعه بلحمه فجواز بيعه به أولى(٣) .
ب - يجوز بيع اللحم بالحيوان غير المأكول كالآدمي والسبع وغيرهما ، عندنا ؛ لجواز بيعه بجنسه فبغيره حيّاً أولى. ولأنّ سبب المنع بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه ، وهو منفيّ هنا ، وبه قال مالك وأحمد ، لأنّ الحيوان لا ربا فيه جملة فجاز بيعه بما فيه الربا(٤) .
وللشافعي قولان ، هذا أحدهما ، والثاني : المنع - وهو اختيار القفّال - لعموم السنّة(٥) . وهو ممنوع.
ج - يجوز بيع اللحم بالسمكة الحيّة ، ولحم السمك بالحيوان الحيّ عندنا ؛ لما تقدّم.
وعند الشافعي قولان ، أحدهما : أنّ لحم السمك إن كان من جملة اللحم ، كان كما لو باع لحم غنم ببقر. وإن كان ليس من جملة اللُّحْمان ،
____________________
(١) رواه الشافعي في مختصر المزني : ٧٨ ، وأورده أبو إسحاق الشيرازي في المهذّب ١ : ٢٨٤ ، والماوردي في الحاوي الكبير ٥ : ١٥٨ ، والرافعي في العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٨ ، وكذلك ابنا قدامة في المغني ٤ : ١٦٢ ، والشرح الكبير ٤ : ١٥٩.
(٢) في الطبعة الحجريّة و « ق ، ك» هكذا : وإن قالوا بالتعدّد والثاني. وجملة « وإن قالوا بالتعدّد » زائدة ؛ حيث ذكرها المصنّفقدسسره آنفاً بقوله : وإن قالوا بالاختلاف.
(٣) الوسيط ٣ : ٥٧ ، حلية العلماء ٤ : ١٩٤ - ١٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٠ ، التفريع ٢ : ١٢٩ ، المغني ٤ : ١٦٣ - ١٦٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥٩.
(٤) التفريع ٢ : ١٢٩ ، المغني ٤ : ١٦٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٩٥.
(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٤ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٦٥ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٥٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٠.
فقولان ؛ لوقوع اسم اللحم والحيوان عليه. والثاني : الجواز(١) .
د - يجوز بيع الشحم والألية والطحال والقلب والكِلية والرئة بالحيوان عندنا - وللشافعيّة وجهان(٢) - وكذا السنام بالإبل ؛ للنهي عن بيع اللحم بالحيوان ، ولم يرد في غيره.
وأصحّهما عندهم : المنع ؛ لأنّه في معنى اللحم.
وكذا الوجهان في بيع الجلد بالحيوان إن لم يكن مدبوغاً [ وإن كان مدبوغاً ](٣) فلا منع. وعلى الوجهين أيضاً بيع لحم السمك بالشاة(٤) .
ه- يجوز بيع دجاجة فيها بيضة بدجاجة خالية من البيض ، أو بدجاجة فيها بيضة ، أو ببيضة لا غير ؛ لوجود المقتضي ، وهو عموم( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) (٥) السالم عن معارضة الربا ؛ لانتفاء شرطه ، وهو الكيل أو الوزن هنا.
ومَنَع الشافعيّة من بيع دجاجة فيها بيضة بدجاجة قولاً واحداً ؛ لأنّ ذلك بمنزلة بيع اللبن بالحيوان اللبون(٦) . وسيأتي.
مسألة ٨٢ : الألبان تابعة لاُصولها تختلف باختلافها وتتّفق باتّفاقها ، فلبن الغنم ضأنه ومعزه(٧) جنسٌ ، ولبن الإبل عرابها وبخاتيّها جنسٌ آخر مغاير للأوّل ، ولبن البقر عرابها وجاموسها جنس واحد مخالف للأوّلين.
____________________
(١) الحاوي الكبير ٥ : ١٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٠.
(٣) أضفناها من المصدر.
(٤) نفس المصدر في الهامش (٢).
(٥) البقرة : ٢٧٥.
(٦) الذي عثرنا عليه في المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٥ ، والتهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٦٥ هو منع بيع بيضة بدجاجة في جوفها بيض.
(٧) في « ق ، ك» : ماعزه.
ولبن الوحشي مخالف للإنسي ، فلبن البقر الوحشي(١) مخالف للبن البقر الإنسي. وكذا لبن الظبي ولبن الشاة جنسان ، عند علمائنا أجمع.
وقد نصّ الشافعي على أنّ الألبان أجناس(٢) ، ولم يذكر غير ذلك ، إلّا أنّ له في اللُّحْمان قولين : أحدهما : أنّها جنس واحد - قاله أصحابه - لا فرق بينها(٣) (٤) ، فجعلوا في الألبان قولين : أحدهما : أنّها جنس واحد ، وهو المشهور عن أحمد. والثاني - وهو الأصحّ عندهم - : أنّها أجناس ، وبه قال أبو حنيفة(٥) .
لنا : أنّها فروع تابعة لاُصول مختلفة بالحدّ والحقيقة ، فكانت فروعها تابعةً لها ، كالأدهان والخُلول - وهذا بخلاف اللُّحْمان ، فإنّ للشافعي قولاً بالتماثل فيها(٦) - لأنّ الاُصول التي حصل اللبن منها باقية بحالها وهي مختلفة ، فيدام حكمها على الفروع ، بخلاف اُصول اللحم.
احتجّ الآخرون بأنّ الألبان اشتركت في الاسم الخاصّ في أوّل حال
____________________
(١) في « ق ، ك» : بقر الوحش.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٠ ، حلية العلماء ٤ : ١٦٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٢٠ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٩١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٧ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ١٥٧.
(٣) في الطبعة الحجريّة و « ق ، ك» : بينهما. والصحيح ما أثبتناه.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٩ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٩١ ، حلية العلماء ٤ : ١٦١ - ١٦٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٥٤ ، الوسيط ٣ : ١٥٥ - ١٥٦ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٩ ، المغني ٤ : ١٥٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥٤ و ١٥٥.
(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٠ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٢٠ ، حلية العلماء ٤ : ١٦٢ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٧ ، الوسيط ٣ : ٥٧ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ١٥٧ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٦٥.
(٦) راجع المصادر في الهامش (٤).
حدوث الربا فيها ، فكانت جنساً واحداً ، كثمار النخل ، المختلفة الأنواع ، بخلاف الخُلول والأدهان ؛ لأنّ دخول الربا حصل في اُصولها قبل اشتراكها في الاسم.
والجواب : الطلع جنس واحد.
فروع :
أ - يجوز بيع لبن البقر بلبن الغنم متماثلاً ومتفاضلاً نقداً ، ويكره نسيئةً ؛ لاختلاف الجنس ، وهو أحد قولي الشافعي(١) .
ولبن الوحشي والإنسي جنسان ، ولهذا لا يضمّ إليها في الزكاة ولا ينصرف إطلاق الاسم إليها.
وفي قولٍ آخر له : إنّها جنس(٢) ، فلا يباع بعضه ببعضٍ متفاضلاً لا نقداً ولا نسيئةً.
ب - يجوز بيع الرطب بالرطب متماثلاً لا متفاضلاً على ما يأتي.
ومَنَع الشافعي من ذلك(٣) ، وجوّز في اللبن بيع بعضه ببعض متساوياً(٤) . وفرّق أصحابه(٥) بوجهين :
____________________
(١) الاُم ٣ : ٢٧ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٠.
(٢) راجع المصادر في الهامش (٤) من ص ١٥٩.
(٣) الاُم ٣ : ٢٠ ، مختصر المزني : ٧٧ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٣٤ ، الوجيز ١ : ١٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٢ و ٨٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٧٢ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٥.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٧.
(٥) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٢.
الأوّل : اللبن معظم منفعته في حال رطوبته ، وبقاء رطوبته من مصلحته ، بخلاف الرطب ؛ فإنّ رطوبته تفسده ، ومعظم منفعته إذا جفّ.
الثاني : الرطب ينتهي إلى حال الجفاف بنفسه ، فاعتبرت تلك الحال ، واللبن لا ينتهي إلى حال الجفاف بنفسه ، بل ربما يطرح معه غيره ليتجفّف ، فلم ينتظر به هذه الحال.
ج - يجوز بيع الجنس بعضه ببعض إذا لم يخالطه غيره ، فإن خالطه ماء أو ملح أو إنفحة وإن كان كثيراً ، لم يؤثّر في الجواز ، خلافاً للشافعي(١) .
لنا : أنّه مع الممازجة إن كان التساوي في الجنس باقياً ، جاز البيع مع التساوي قدراً ، وإن زال وحصل الاختلاف ، جاز مع التساوي قدراً ، وعدمه.
ولو باع حليباً بلبن قد حمض وتغيّر ولم يخالطه غيره ، جاز عندنا وعنده(٢) ؛ لأنّ تغيّر الصفة لا يمنع من جواز البيع ، كالجودة والرداءة.
مسألة ٨٣ : الأدهان تتبع أصولها ، وكذا الخلول والأدقّة والسمون والعصير والدبوس والبيوض إن اعتبرنا العدد ، فدهن الشيرج والبزر ودهن اللوز والجوز أجناس مختلفة يباع بعضها ببعض متماثلاً ومتفاضلاً نقداً ، وفي النسيئة الأقوى : الكراهة ؛ لأنّها فروع أجناس مختلفة ، فتختلف باختلافها.
وخَلّ العنب وخَلّ التمر جنسان ، وكذا عصير العنب مع عصير الرطب جنسان ، ودبسهما جنسان أيضاً.
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٤ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٩ - ٣٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٤.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٤ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٧.
ودقيق الحنطة ودقيق الشعير جنس واحد ، أمّا دقيق أحدهما مع دقيق الدخن أو الذرّة أو الباقلاء فجنسان.
وسمن الغنم وسمن البقر وسمن الإبل أجناس متعدّدة باختلاف اُصولها.
وكذا السمن والزيت ؛ لقول الصادقعليهالسلام - في الصحيح - وقد سُئل عن الزيت بالسمن اثنين بواحد ، قال : « يداً بيد لا بأس »(١) .
وبيض الدجاج والنعام والطيور أجناس مختلفة باختلاف الاُصول ، وهو المشهور من مذهب الشافعي(٢) .
وفي الأدقّة حكاية قولٍ عن أمالي حرملة أنّها جنس واحد(٣) .
وأبعد منه وجهٌ ذكره الشافعيّة في الخُلول والأدهان ، ويجري مثله في عصير العنب وعصير الرطب(٤) .
وبيوض الطيور أجناس عندهم إن قالوا بتعدّد اللُّحْمان ، وإلّا فوجهان ، أصحّهما : التعدّد في البيوض عندهم(٥) .
والزيت المعروف مع زيت الفجل - وهو دهن يتّخذ من بزر الفجل يسمّى زيتاً - جنسان ؛ لأنّه يصلح لبعض ما لا يصلح له الزيت.
ومن الشافعيّة من ألحقهما(٦) باللُّحْمان(٧) .
والتمر من النخل مع التمر الهندي جنسان ؛ لاختلافهما في الحقيقة
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٩٤ / ٣٩٩ ، و ٩٧ / ٤١٦ ، و ١٢١ / ٥٢٩.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٧.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٠.
(٥) الحاوي الكبير ٥ : ١٥٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٠.
(٦) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : ألحقها. والصحيح ما أثبتناه.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٧.
والأصول.
وعن [ ابن القطان ](١) من الشافعيّة وجهٌ : أنّهما واحد(٢) .
والبطّيخ المعروف مع الهندي مختلفان.
وللشافعيّة فيه قولان(٣) .
وكذا القثّاء مع الخيار.
والبقول - كالهندباء والنعنع وغيرهما - أجناس ؛ لاختلافهما حقيقةً وجنساً.
مسألة ٨٤ : الأصل مع كلّ فرعٍ له واحدٌ ، وكذا فروع كلّ أصل واحدٌ - وذلك كاللبن الحليب مع الزُّبْد والسمن والمخيض واللِّبَأ والشيراز(٤) والأقِط والمـَصْل(٥) والجبن والترجين(٦) والكشك والكامخ ، والسمسم مع الشيرج والكُسْب والراشي ، وبزر الكتّان مع حبّه ، والحنطة مع الدقيق والخبز على اختلاف أصنافه من الرقاق والفرن وغيرهما ومع الهريسة ، والشعير مع السويق ، والتمر مع السيلان والدبس والخَلّ منه والعصير منه ، والعنب مع دبسه وخَلّه ، والعسل مع خَلّه ، والزيت مع الزيتون وغير ذلك - عند علمائنا
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : أبي العطاف. وذلك تصحيف. وما أثبتناه كما في المصدر ، وهو الموافق لما في تاريخ بغداد ٤ : ٣٦٥ / ٢٢٢٩ ، وطبقات الفقهاء - للشيرازي - : ١٢١ ، وتهذيب الأسماء واللغات ٢ : ٢١٤ / ٣٢٧ ، وطبقات الشافعيّة - للاسنوي - ٢ : ١٤٦ / ٩١٧ ، وطبقات الشافعيّة - لابن قاضي شهبة - ١ : ١٢٤ / ٧٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٠.
(٤) الشيراز : اللبن الرائب المستخرج ماؤه. تاج العروس ٤ : ٤٣ « شرز ».
(٥) المـَصْل : ما سال من الأقِط إذا طُبخ ثمّ عصر. لسان العرب ١١ : ٤٢٦ « مصل ».
(٦) ارتجن الزُّبْدُ : طبخ فلم يَصْفُ وفسد. لسان العرب ١٣ : ١٧٦ « رجن ».
أجمع ، فلا يجوز التفاضل بين اللبن والزُّبْد والسمن والمخيض واللِّبَأ والأقِط وغير ذلك ممّا تقدّم ، بل يجب التماثل نقداً ، ولا يجوز نسيئةً لا متماثلاً ولا متفاضلاً. ولا فرق في ذلك بين أن يباع الأصل مع فرعه ، أو بعض فروعه مع البعض.
ومَنَع الشافعي من بيع الزُّبْد والسمن باللبن متساوياً نقداً ؛ لأنّهما مستخرجان من اللبن ، ولا يجوز عنده بيع ما استخرج من شيء بأصله(١) ، كما لا يجوز بيع الشيرج بالسمسم ، والزيت بالزيتون(٢) .
وهو غلط ؛ لأنّهما إن تساويا في الحقيقة ، جاز البيع فيهما مع التساوي قدراً ونقداً. وإن اختلفا ، جاز مطلقاً.
قال أبو إسحاق - ممّا حكي عنه في التعليل - : إنّ الزُّبْد لا يخلو من لبن فيكون بيع لبن مع غيره بلبن(٣) .
ولا يرد بيع اللبن بمثله ؛ لأنّ الزُّبْد لا حكم له ما دام في أصله ولم ينفرد ، فإنّ بيع السمسم بالسمسم يجوز مع تفاضل الدهن ولا يجوز بيع الشيرج بالسمسم.
وهذا الأصل عندنا باطل ؛ لأنّه عندنا يجوز بيع السمسم بالشيرج متساوياً نقداً لا نسيئةً.
ومَنَع الشافعي أيضاً من بيع المخيض باللبن ؛ لأنّ اللبن فيه زُبْد
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٤ ، التهذيب - للبغوي - ١ : ٣٥٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٢١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٨.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٤ ، التهذيب - للبغوي - ١ : ٣٥١ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٨.
(٣) الحاوي الكبير ٥ : ١٢١.
والمخيض لا زُبْد فيه فيؤدّي إلى تفاضل اللبنين(١) .
وما ذكرناه أحقّ ؛ لعدم الانفكاك من التماثل والاختلاف ، وعلى كلا التقديرين يجوز.
وقد علّل(٢) أيضاً بأنّ في المخيض أجزاءً مائيّة ، ولا يجوز بيع المشوب بالماء بالخالص. وهو ممنوع أيضاً.
ومَنَع أيضاً من بيع اللِّبَأ والشيراز بالحليب ؛ لانعقاد أجزائها ، فلا يمكن كيلها ، ولا يجوز بيع اللبن وزناً(٣) . وهو ممنوع.
ومَنَع أيضاً من بيع اللبن بالمـَصْل والجبن والكشك ؛ لانعقاد أجزائها ، ومخالطة الملح والإنفحة(٤) .
وهو ممنوع ؛ لأنّ الأجزاء اليسيرة لا اعتبار لها في حصول الاختلاف ، ولو حصل ، جاز أيضاً.
وأمّا المطبوخ فإن لم تنعقد أجزاؤه وإنّما يسخن ، فإنّه يجوز عنده بيع بعضه ببعض ، كالعسل المصفّى بالشمس والنار(٥) . وإن طبخ حتى انعقدت أجزاؤه ، فوجهان عنده : الجواز ، كما يجوز بيع الدهن بالدهن ، والمنع ؛ لما فيه من لبن وغيره ، فكان كبيع لبن وغيره بلبن(٦) . والأصل ممنوع.
والسمن يجوز بيع بعضه ببعض ؛ لأنّه لا يخالطه غيره. قال : وبيعه
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٤ ، التهذيب - للبغوي - ١ : ٣٥٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٨.
(٢) اُنظر : الحاوي الكبير ٥ : ١٢٢.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٤.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٢١.
(٥) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٣ و ٣٥٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٨.
(٦) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٨.
وزناً أحوط(١) .
وأمّا المخيض فإن خالطه ماء ، لم يجز بيع بعضه ببعض عنده ؛ لجواز تفاضل اللبنين أو الماءين ، وإن لم يخالطه ماء ، جاز(٢) .
وعندنا يجوز مطلقاً.
وأمّا الأقِط والمـَصْل والجبن والكامخ فلا يجوز بيع الواحد منها بواحد من نوعه عنده ؛ لانعقاد أجزائها ، والكيل مختلف فيها والكيل أصلها ، وفيها ما خالطه غيره(٣) .
ولا اعتبار عندنا بذلك بل يجوز.
وأمّا بيع نوعٍ منها بنوعٍ آخر - كالسمن بالزُّبْد والمخيض ، والزُّبْد بالمخيض - فإنّه جائز عندنا.
ومَنَع الشافعي من السمن بالزُّبْد ؛ لأنّ السمن مستخرج منه ، وجوّز الباقي ، وإنّما أجاز المخيض بالسمن ؛ لأنّ المخيض ليس فيه سمن ، فكانا بمنزلة الجنسين(٤) .
ثمّ اعترض على نفسه في المنع من بيع الشيرج بالكُسْب ، والمخيض والسمن بمنزلته.
وأجاب : بأنّ الكُسْب لا ينفرد عن الشيرج ، ولا بُدّ أن يبقى فيه شيء ،
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٤ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٧.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٤ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٧.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٤ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٧ - ٥٨.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٢١ و ١٢٢.
بخلاف اللبن ، فإنّ المخيض لا يبقى فيه سمن(١) .
وعندنا أنّ المخيض والسمن جنسٌ يجوز بيع بعضه ببعض متماثلاً لا متفاضلاً.
وأمّا الزُّبْد بمثله يجوز بيعه به.
وحكي عن أبي إسحاق أنّه لا يجوز ؛ لأنّه إذا كان في الزُّبْد لبن ، لم يجز بيعه باللبن عنده(٢) .
والصحيح عندهم : الجواز - كمذهبنا - لأنّ ذلك القدر يسير لا يتبيّن إلّا بالنار والتصفية ، فلم يكن له حكم(٣) .
فروع :
أ - دهن السمسم وكُسْبه جنسٌ واحد عندنا ؛ لما بيّنّا من أنّ الفروع المستندة إلى أصلٍ واحد جنسٌ واحد ، فلا يجوز بيع الشيرج بالكُسْب متفاضلاً.
وقال الشافعي : إنّهما جنسان ، كالمخيض والسمن(٤) .
والأصل عندنا ممنوع.
ب - عصير العنب مع خَلّه وعصير التمر مع خَلّه بل والعنب مع خَلّه والتمر مع خَلّه جنسٌ واحد في كلّ واحد منها ، فلا يجوز بيع عصير العنب بخَلّ العنب متفاضلاً ، ولا عصير التمر بخَلّ التمر متفاضلاً.
____________________
(١) لم نعثر على الاعتراض والجواب فيما بين أيدينا من المصادر.
(٢ و ٣ ) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٤ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٣ وفيه الصحيح عدم الجواز من دون نسبته إلى أبي إسحاق ، وكذا في بقيّة المصادر.
(٤) التذهيب - للبغوي - ٣ : ٣٥١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٠.
وللشافعيّة وجهان ، أحدهما : أنّهما جنسان ؛ لاختلافهما في الوصف والاسم والمقصود(١) . وهو ممنوع.
ج - الشيرج مع دهن ما يضاف إليه جنس واحد يحرم التفاضل فيه ويجب التساوي نقداً ، كالشيرج ودهن البنفسج ودهن النيلوفر.
مسألة ٨٥ : يجوز بيع عسل النحل بعضه ببعض متساوياً نقداً ، ولا يجوز نسيئةً ولا متفاضلاً مطلقاً قبل التصفية من الشمع وبعدها ؛ لأصالة الإباحة ، وورود النصّ(٢) بها مع سلامته عن معارضة الربا ؛ لما يأتي من جواز بيع الشيئين المختلفين بجنسيهما ، وبعد التصفية يكونان مِثْلين.
ومَنَع الشافعي من بيع بعضه ببعض قبل التصفية متساوياً ومتفاضلاً ؛ لأدائه إلى تفاضل العَسَلين ؛ لأنّ الشمع قد يكون في أحدهما أكثر(٣) .
ثمّ اعترض أصحابه بجواز بيع التمر بعضه ببعض وإن جاز أن يكون النوى في أحدهما أكثر ، وكذا بيع قديد اللحم بقديدٍ وإن كان فيه عظام.
ثمّ أجابوا بأنّ النوى والعظام من مصلحة التمر واللحم فلم يكلّف نزعه ؛ للضرورة ، فجاز بيعه معه ، بخلاف الشمع. ولأنّ العظام والنوى غير مقصودين ، بخلاف الشمع ، ولا يجوز ما فيه الربا بجنسه ومعه ما يقصد بالبيع(٤) . وهو ممنوع.
وأمّا إن صُفّي فإن صُفّي بالشمس ، جاز بيع بعضه ببعض ؛ لأنّ الشمس لا يختلف تأثيرها فيه. وإن صُفّي بالنار ، فوجهان ، أصحّهما :
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٠.
(٢) البقرة : ٢٧٥.
(٣) الاُمّ ٣ : ٢٤ ، مختصر المزني : ٧٧ ، الحاوي الكبير ٥ : ١١٨.
(٤) اُنظر : الحاوي الكبير ٥ : ١١٨.
الجواز ؛ لقلّة الاختلاف. والبطلان ؛ لاختلاف أثر النار ، فربما عقدت أجزاء بعضه دون بعض(١) .
والحقّ ما قلناه نحن.
فروع :
أ - عسل الطَّبَرْزد وعسل القصب جنس واحد ، وهُما جميعاً من قصب السكر. ويجوز بيع أحدهما بالآخر وبعضٍ منه ببعض عند علمائنا.
وللشافعيّة وجهان ، هذا أحدهما ؛ لخفّة أثر النار فيهما. والثاني : المنع ؛ لأجل الطبخ(٢) .
وعندنا لا أثر للنار في المنع.
ب - يجوز بيعهما بعسل النحل ؛ لأنّهما جنسان مختلفان باختلاف اُصولهما ، فجاز التساوي فيهما والتفاضل نقداً ، وفي النسيئة خلاف.
ج - يجوز بيع السُّكَّر بالسُّكَّر متساوياً نقداً لا نسيئةً.
وللشافعيّة وجهان ، أحدهما : المنع ؛ لأنّ النار تدخله(٣) . وقد بيّنّا أنّ ذلك غير مانع.
د - يجوز بيع السُّكَّر بعسل النحل متفاضلاً ؛ لاختلافهما في الجنس.
ويجوز بيع السُّكَّر بعسله عندنا ، خلافاً للشافعي(٤) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٤ ، حلية العلماء ٤ : ١٨١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٤.
(٢) حكى الوجهين السبكي في تكملة المجموع ١١ : ٩٧ عن القاضي أبي الطيّب وغيره.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٤ ، حلية العلماء ٤ : ١٨١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٨.
(٤) لم نعثر عليه بحدود المصادر المتوفّرة لدينا.
ه- يباع العسل بالعسل وزناً وكيلاً ؛ لعدم التفاوت بينهما ، وثبوت التقارب فيهما.
وقال الشافعي : يباع وزناً(١) .
وقال أبو إسحاق : يباع كيلاً ؛ لأنّ أصله الكيل(٢) .
و - السُكَّر والنبات والطَّبَرْزد جنس واحد ، وبه قال الشافعي(٣) .
والسُّكَّر الأحمر - وهو القواليب(٤) - عَكَرُ(٥) الأبيض ومن قصبه جنس من السُّكَّر والنبات أيضاً.
قال الجويني : الأظهر أنّه من جنس السُّكَّر(٦) .
وللشافعيّة وجهان(٧) .
مسألة ٨٦ : قد بيّنّا أنّ أصل كلّ شيء وفرعه واحد يباع أحدهما بالآخر متساوياً لا متفاضلاً، نقداً ، ولا يجوز نسيئةً مطلقاً إذا كان ممّا يكال أو يوزن ، فيجوز بيع الحنطة بدقيقها ودقيق الشعير وسويقها والسويق بالدقيق متساوياً ، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك وربيعة والليث والنخعي وقتادة وإسحاق والشافعي في أحد القولين ، لكن بعض أصحابه أنكر هذا القول عنه ، وعن أحمد روايتان(٨) - عملاً بالأصل السالم عن
____________________
(١ و ٢) كما في الخلاف - للشيخ الطوسي - ٣ : ٥٨ ، المسألة ٨٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٧.
(٤) القلبة - بالضمّ - : الحمرة. وقلبت البسرة : إذا احمرّت. تاج العروس ١ : ٤٣٧ « قلب ».
(٥) ورد في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « عكس » بدل « عكر » وذلك تصحيف. وما أثبتناه هو الصحيح. والعَكَرُ : دُرْديّ كلّ شيء وآخره وخاثره. لسان العرب ٤ : ٦٠٠ « عكر ».
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٧.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٠.
(٨) المغني ٤ : ١٥٣ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٣ ، =
معارضة الربا ، لوجوب التساوي الرافع للربا.
وقول الباقرعليهالسلام - في الصحيح - : « الدقيق بالحنطة والسويق بالدقيق مِثْلاً بمِثْل لا بأس به»(١) ومثله عن الصادق(٢) عليهالسلام .
ولأنّ الدقيق نفس الحنطة ، وإنّما تفرّقت أجزاؤه ، فصار بمنزلة الحنطة الدقيقة مع السمينة.
والمشهور عن الشافعي : المنع - وهو محكيّ عن الحسن البصري ومكحول والحكم وحمّاد وأحمد في الرواية الاُخرى - لأنّ التماثل معتبر في ذلك بحالة الكمال والادّخار ، لأنّ النبيعليهالسلام سُئل عن بيع الرطب بالتمر ، فقال : « أينقص الرطب إذا يبس؟ » قالوا : نعم ، قال : « فلا إذَنْ »(٣) فإذا باع الدقيق بالحنطة ، لم يعلم تساويهما حنطتين ، فلم يجز(٤) .
والجواب : المنع من التفاوت ؛ لأصالة بقاء التساوي.
وقال أبو ثور(٥) : يجوز بيع الدقيق بالحنطة متفاضلاً ؛ لأنّهما بمنزلة الجنسين ؛ لاختلافهما في الاسم ، فإنّه لو حلف لا يأكل أحدهما ، لم يحنث
____________________
= الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ٣٦ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٠ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٠٨ و ١٠٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٠ و ٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٦.
(١) الفقيه ٣ : ١٧٨ / ٨٠٢ ، التهذيب ٧ : ٩٤ / ٤٠١.
(٢) دعائم الإسلام ٢ : ٤٢ / ٩٨.
(٣) سنن الدار قطني ٣ : ٥٠ / ٢٠٦ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٣٨ ، المغني ٤ : ١٤٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٩.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٠ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٠٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٦ ، المغني ٤ : ١٥٣ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥٩.
(٥) الحاوي الكبير ٥ : ١٠٨ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٢.
بأكل الآخر.
والجواب : الاختلاف بالاسم لا يوجب الاختلاف في الحقيقة ؛ لأنّ(١) أفراد النوع تختلف في الاسم وإن استوى حكمه. وينتقض ببيع اللحم بالحيوان ، مع أنّ النصّ عن أهل البيت : المنع ، ولم يقولوا ذلك إلّا عن وحي.
فروع :
أ - قد بيّنّا أنّه يجوز بيع الحنطة بالسويق متساوياً نقداً ؛ لأنّهما جنسٌ واحد.
ومَنَع الشافعي(٢) منه ، بل جعلوه أبعد من الحنطة بالدقيق في الجواز ؛ لأنّ النار تدخله ، ومنه ما ينقع بالماء ثمّ يجفّف ثمّ يقلى.
والكلّ عندنا جائز متساوياً نقداً ؛ لقول الباقرعليهالسلام وقد سُئل عن البُرّ بالسويق ، فقال : « مِثْلاً بِمِثْلٍ لا بأس به »(٣) .
ب - يجوز بيع الحنطة بالخبز متساوياً نقداً ، ولا يجوز نسيئةً ولا متفاضلاً.
لنا : أنّ الخبز فرع الحنطة ، فكان حكمها حكم الجنس الواحد.
وقال الشافعي(٤) : لا يجوز بيع الحنطة بالخبز - وبه قال أحمد(٥) - لأنّه
____________________
(١) في « ق ، ك» : فإنّ ، بدل لأنّ.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٣ ، الحاوي الكبير ٥ : ١١٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٦ ، المغني ٤ : ١٥٢ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٠.
(٣) الكافي ٥ : ١٨٩ / ٩ ، التهذيب ٧ : ٩٥ / ٤٠٤.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٠ ، الحاوي الكبير ٥ : ١١٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٦.
(٥) الشرح الكبير ٤ : ١٦٠.
متنوَّع أصلٍ يحرم فيه الربا ، فلم يجز بيعه بالدقيق مع الحنطة.
والجواب : المنع من حكم الأصل.
وقال أبو حنيفة : يجوز بيع الخبز بالحنطة متفاضلاً(١) - وهو قياس قول أبي ثور(٢) - لأنّ بالصنعة صار في حكم الجنسين.
والجواب : زيادة الصفة غير مؤثّرة في الاتّحاد بالحقيقة.
ج - يجوز بيع الخبز بالخبز ، سواء كانا رطبين أو يابسين أو بالتفريق ، مِثْلاً بمِثْل ، نقداً لا نسيئةً - وبه قال أحمد(٣) - للأصل ، ولأنّ معظم منفعتهما في حال رطوبتهما ، فجاز بيع أحدهما بالآخر ، كاللبن باللبن.
وقال الشافعي : لا يجوز بيع أحدهما بالآخر ، إذا كانا رطبين أو أحدهما ؛ لأنّهما جنس يجري فيه الربا ، بِيع بعضه ببعض على صفة يتفاضلان في حال الكمال والادّخار.
وإن كانا يابسين مدقوقين بحيث يمكن كليهما ، فقولان :
قال في كتاب الصرف : لا يجوز ؛ لأنّه قد خالطه الملح ، فقد يكثر في أحدهما دون الآخر.
وروى عنه حرملة أنّه يجوز ؛ لأنّ ذلك حالة كمالٍ وادّخار ، وليس للملح موضع للمكيال ، فإنّ الملح يطرح مع الماء فيصير صفةً فيه(٤) .
والحقّ ما قدّمناه من الجواز مطلقاً.
____________________
(١) الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٤٨ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٦٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٤.
(٢) حلية العلماء ٤ : ١٨٤.
(٣) المغني ٤ : ١٥٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٣ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٤.
(٤) الاُم ٣ : ٨٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٠ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ١١٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٠ و ٩١.
د - بيع الحنطة بالفالوذج جائز عندنا.
ومَنَع الشافعي(١) من بيعه بالحنطة كالدقيق ؛ لأنّه نشأ ، وهو من الحنطة ، وكذا كلّ ما يعمل من الحنطة لا يجوز بيعه بالحنطة ، وكذا ما يعمل من التمر لا يباع بالتمر ، وكلّ ما يجري فيه الربا كذلك.
وعندنا يجوز متساوياً مع الاتّفاق ، ومتفاضلاً لا معه.
ه- بيع الدقيق بالدقيق جائز إذا اتّحد أصلهما ، كدقيق الحنطة بمثله أو بدقيق الشعير ؛ لأنّهما جنس على ما تقدّم(٢) . ولا فرق بين الناعم بالناعم أو الخشن بالناعم ، ومع الاختلاف في الأصل يجوز متفاضلاً نقداً ، ويكره نسيئةً ، كدقيق الحنطة بدقيق الذرّة ، وبه قال أحمد(٣) .
واختلف قول الشافعي في الدقيق بالدقيق مع اتّحاد الجنس ، فقال في القديم والجديد معاً : لا يجوز ؛ لإمكان تفاضلهما حال الكمال والادّخار ؛ لإمكان كون أحدهما من حنطة ثقيلة الوزن ، والآخر من خفيفة ، فيستويان دقيقاً ناعماً ولا يستويان حنطةً(٤) .
والمعتبر إنّما هو حالة البيع ، على أنّ التجويز لا ينافي المعلوم.
ونقل البويطي والمزني معاً عنه الجوازَ(٥) .
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥٠.
(٢) في ص ١٦٢ ، المسألة ٨٣.
(٣) المغني ٤ : ١٥٣ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٢.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٠ ، الحاوي الكبير ٥ : ١١٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٦ ، المغني ٤ : ١٥٣ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٢.
(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٠ ، الحاوي الكبير =
وقال أبو حنيفة : يجوز بيع الناعم بالناعم والخشن بالخشن ، ولا يجوز بيع الناعم بالخشن(١) .
وقد سبق(٢) أنّ الاختلاف في الأوصاف لا يؤثّر في الاتّحاد في الحقيقة.
و - يجوز بيع الدقيق بالسويق متساوياً نقداً ، ولا يجوز متفاضلاً ولا نسيئةً ؛ لاتّحادهما في الحقيقة.
ولقول الباقرعليهالسلام - في الصحيح - : « الدقيق بالحنطة والسويق بالدقيق مِثْلاً بمِثْلٍ لا بأس به»(٣) .
وقال الشافعي : لا يجوز ؛ لدخول النار في السويق(٤) . ونمنع المانعيّة.
وقال مالك وأبو يوسف ومحمّد : يجوز بيع الدقيق بالسويق متفاضلاً(٥) . ورواه أبو يوسف عن أبي حنيفة(٦) .
وروايته الأصل أنّه لا يجوز ؛ لأنّ السويق صار بالصنعة جنساً آخر ،
____________________
= ٥ : ١١٠ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٦.
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩١ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٣ ، المغني ٤ : ١٥٣ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٢.
(٢) في ص ١٧٣.
(٣) الفقيه ٣ : ١٧٨ / ٨٠٢ ، التهذيب ٧ : ٩٤ / ٤٠١.
(٤) الحاوي الكبير ٥ : ١١٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٠ ، المغني ٤ : ١٥٣ - ١٥٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٢.
(٥) المدوّنة الكبرى ٤ : ١٠٨ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٦٤ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٤٨ ، المغني ٤ : ١٥٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٢.
(٦) نقله الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٥٤ ، المسألة ٧٦.
فصار كالجنسين(١) .
وهو ممنوع ، ومنتقض بالدقيق مع الحنطة ، فإنّه قد زال عنه اسمها بالصنعة ولم يصر جنساً آخر.
مسألة ٨٧ : الخُلول إن اتّحدت اُصولها ، جاز بيع بعضها ببعض متساوياً نقداً ، ولا يجوز نسيئةً. وإن اختلفت ، جاز التفاضل نقداً ، ويكره نسيئةً ، فيجوز بيع خلّ العنب بخلّ العنب متساوياً - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّ تلك حال ادّخاره ، فصار كبيع الزبيب بالزبيب.
وكذا يجوز بيع خلّ العنب بعصيره متساوياً عندنا وعنده(٣) ؛ لأنّه لا ينقص إذا صار خَلّاً ، فهُما متساويان في حال الادّخار.
ويجوز بيع خلّ العنب بخلّ التمر عندنا وعنده(٤) ؛ لأنّهما جنسان.
ويجوز بيع خلّ العنب بخلّ الزبيب عندنا - خلافاً له(٥) - لاتّحاد أصلهما.
احتجّ بأنّ في خلّ الزبيب ماءً.
وهو غير مانع ؛ لأنّه إن أفاد اختلاف الحقيقة ، جاز متفاضلاً ، وإلّا متساوياً.
ويجوز بيع خلّ الزبيب عندنا ؛ لاتّحاد جنسهما.
____________________
(١) فتاوى قاضى خان بهامش الفتاوى الهنديّة ٢ : ٢٧٨ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٦٤ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٤٧.
(٢) الاُم ٣ : ٨١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٧.
(٣) المجموع ١١ : ١٥٠.
(٤ و ٥ ) الحاوي الكبير ٥ : ١١٢ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٧.
وقال الشافعي : لا يجوز ؛ لأنّ في كلّ واحد منهما ماءً ، فإن قلنا : في الماء ربا ، لم يجز ؛ لمعنيين : جواز تفاضل الزبيب والعنب ، وجواز تفاضل الماء(١) . وليس بشيء.
وكذا يجوز بيع خلّ التمر بخلّ التمر عندنا ، خلافاً له ؛ لاشتمالهما على الماء عنده(٢) .
فأمّا خلّ التمر بخلّ الزبيب(٣) فإنّه يجوز عندنا متساوياً ومتفاضلاً.
وعنه وجهان : إن قلنا : في الماء ربا ، لم يجز. وإن قلنا : لا ربا فيه ، جاز ؛ لاختلاف جنسي الزبيب والتمر(٤) .
وأمّا بيع الدبس بالدبس فيجوز عندنا متساوياً مع اتّفاق أصله ، كدبس التمر بدبس التمر ، ومع الاختلاف يجوز التفاضل ، كدبس التمر بدبس العنب.
ومَنَع الشافعي من جوازه وإن تساويا قدراً وجنساً ؛ لاشتماله على الماء وقد دخلته النار(٥) .
ويجوز عندنا بيع الدبس بالتمر مع اتّحاد الأصل متساوياً نقداً ، ولا يجوز نسيئةً.
وقال الشافعي : لا يجوز مطلقاً ؛ لما تقدّم(٦) .
____________________
(١ و ٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥١ ، الحاوي الكبير ٥ : ١١٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٧.
(٣) في « ق ، ك» : خلّ الزبيب بخلّ التمر.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥١ ، الحاوي الكبير ٥ : ١١٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٧.
(٥) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٨.
(٦) اُنظر : التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٠.
مسألة ٨٨ : يجوز بيع الجوز بالجوز واللوز باللوز وإن كان عليهما قشر ؛ لأنّ صلاحه فيه. والجوز موزون ؛ لأنّه أكبر من التمر وربما تجافى في المكيال. وأمّا اللوز فإنّه مكيل ، وهذا مذهب الشافعي(١) .
وحكى القاضي ابن كج عن نصّ الشافعي أنّه لا يجوز بيع الجوز بالجوز واللوز باللوز في القشر(٢) .
ويجوز عندنا بيع لبّ الجوز بلبّ الجوز ولبّ اللوز بلبّ اللوز - وبه قال الشافعي(٣) - عملا بالأصل.
وعند الشافعيّة وجهٌ آخر : أنّه لا يجوز بيع اللبّ باللبّ ؛ لخروجه عن حال الادّخار(٤) .
ويجوز بيع البيض بالبيض وإن كان أحدهما أكبر أو أزيد من الآخر.
وللشافعي قولان : أحدهما : المنع ، كما في الجوز بالجوز. والثاني - وهو المشهور - : الجواز مع التساوي(٥) . والمعيار فيه الوزن عنده(٦) .
وليس بشيء.
مسألة ٨٩ : الأدهان أربعة :
أ - ما يُعدّ للأكل ، كالزيت والشيرج ودهن الجوز واللوز(٧) ودهن الصنوبر وما أشبه ذلك ، فهذا يجري فيه الربا بشرط التساوي جنساً ، وإنّما يتساوى الجنس باعتبار اتّحاد الأصول على ما تقدّم ، فيجوز بيع الشيرج
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٦١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٩ ، وانظر روضة الطالبين ٣ : ٦١.
(٣ - ٥) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٦١.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٦١.
(٧) في « ق ، ك» : اللوز والجوز.
بالشيرج متساوياً نقداً ، ولا يجوز نسيئةً ، وهو ظاهر مذهب الشافعيّة(١) .
وحكي عن أبي إسحاق أنّه قال : الشيرج لا يباع بعضه ببعض ؛ لأنّه يطرح في طبخه الماء والملح(٢) .
وليس بصحيح ؛ لأنّ الماء لا يختلط به ويتميّز مع كُسْبه ، وكذا الملح وإن أثّر طعمه فيه دون جسمه ، على أنّ هذا المزج لا يغيّر الحقيقة عن التساوي.
ويجوز بيع جنس بجنس آخر متساوياً ومتفاضلاً نقداً ، ويكره نسيئةً ، كدهن الشيرج بدهن اللوز ، وبه قال الشافعي(٣) .
ب - ما يُعدّ للتطيّب ، كدهن الورد والبنفسج والبان. وعندنا يجري فيه الربا ؛ لأنّه موزون سواء اختلف ما يضاف إليه أو لا.
وللشافعي قولان ، أحدهما : أنّه لا ربا فيه ؛ لأنّه لا يُعدّ للأكل. والثاني : فيه الربا ؛ لأنّ أصله السمسم ، وإنّما يُعدّ لأعظم منفعته ؛ لأنّه ليس بمأكولٍ ، وحينئذٍ فكلّه واحد ؛ لأنّ أصله واحد وإنّما اختلفت الرائحة(٤) .
وقال أبو حنيفة : يجوز بيع المتطيّب متفاضلاً وإن كان أصله واحداً إذا اختلف طيبه ؛ لاختلاف المقصد بهما ، فصارا كالجنسين(٥) .
وقالوا أيضاً : يجوز بيع المتطيّب بغير المتطيّب متفاضلاً(٦) .
والكلّ باطل ؛ لأنّها فروع أصلٍ واحد فيه الربا ، فلا يجوز التفاضل
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥١ ، الحاوي الكبير ٥ : ١١٧ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٦.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٣ ، المجموع ١١ : ١٣٩.
(٣) اُنظر : الاُم ٣ : ١٩.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٨ ، المجموع ٩ : ٣٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٦ ، المغني ٤ : ١٥٠ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥٢.
(٥) المغني ٤ : ١٥٠ ، الشرح الكبير ٤ : ١٥٢ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٥.
(٦) حلية العلماء ٤ : ١٨٥.
فيها.
ج - ما يُعدّ للتداوي ، كدهن الخوخ واللوز المـُرّ وحبّة الخضراء وما أشبه ذلك ، فإنّه يجري فيه الربا ؛ لأنّه مكيل أو موزون. وعلّل الشافعي بأنّه يؤكل للتداوي(١) .
د - ما يُعدّ للاستصباح ، كالبزر ودهن السمك. ويجري فيهما الربا ؛ لأنّه مكيل أو موزون ، فيباع كلّ واحد منهما بجنسه متساوياً نقداً لا نسيئةً ، وبصاحبه متفاضلاً نقداً ونسيئةً.
وللشافعيّة وجهان(٢) ، أحدهما : جريان الربا فيه ؛ لأنّه يؤكل ، وأصله حبّ الكتّان ، وهو مأكول يطرح في الملح. والثاني : لا يجري ؛ لأنّه لا يؤكل في عادة الناس ، ولهذا لا يستطاب ، وأكله سَفَهٌ.
مسألة ٩٠ : يجوز بيع المطبوخ بالنيء من جنسه ومن غير جنسه ، وكذا المطبوخ بالمطبوخ ، لكن يعتبر في المتّحد جنسه تساوي القدر والحلول دون غيره ، عند علمائنا ؛ عملاً بالأصل.
وقال الشافعي : لا يجوز بيع المطبوخ بالنيء(٣) مع اتّحاد الجنس مطلقاً ؛ لأنّ النار تعقد أجزاءه فتختلف فيؤدّي ذلك إلى التفاضل بينهما لو كانا على حالة الادّخار(٤) .
____________________
(١) اُنظر : المجموع ٩ : ٣٩٨ ، و ١٠ : ١٨٥.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٨ ، المجموع ٩ : ٣٩٨ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٥.
(٣) في نسختين من التذكرة ، المرموز لهما بـ « خ ، ه » المعتمدتين في تحقيق قسم البيع ( الجزء السابع ) منها المطبوع بمطبعة النجف عام ١٣٧٤ ه زيادة : ولا بيع المطبوخ بالمطبوخ.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٨.
وينتقض بالتمر ؛ فإنّ الشمس تُجفّفه ، ويختلف جفافها فيه. ولأنّ ذلك غير معتدّ به ؛ لعدم العلم بجفافه أزيد.
إذا ثبت هذا ، فإنّ عصير العنب جنس يباع بعضه ببعضٍ متساوياً - وبه قال الشافعي(١) - لأنّ حالته حالة كمال ، ولا ينقص إذا بلغ إلى حالة كماله بالحموضة. وكذا عصير الرمّان والسفرجل والتفّاح وقصب السُّكّر.
ويجوز بيع بعض هذه الأجناس بجنس آخر منها متفاضلاً ؛ لتعدّدها جنساً. وكذا إن طُبخت بالنار أو بعضها ، عندنا مطلقاً وعند الشافعي مع اختلاف الجنس لا اتّفاقه ، فلا يجوز عنده بيع المطبوخ بالمطبوخ ولا بغيره إذا اتّفق الجنس(٢) .
مسألة ٩١ : جيّد كلّ شيء ورديئه جنس لا يباع أحدهما بالآخر متفاضلاً لا نقداً ولا نسيئةً ، ويجوز متساوياً نقداً لا نسيئةً ، عند علمائنا ، فلا يجوز بيع درهم صحيح بدرهم مكسّر مع زيادة تقابل الصحّة ، وبه قال الشافعي ، خلافاً لمالك ، وقد تقدّم(٣) .
مسألة ٩٢ : يجوز بيع الجنسين المختلفين بأحدهما إذا زاد على ما في المجموع من جنسه بحيث تكون الزيادة في مقابلة المخالف ، وذلك كمُدّ عجوة ودرهم بمُدَّيْ عجوة أو بدرهمين أو بمُدَّيْ عجوة ودرهمين ، عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة(٤) - حتى لو باع ديناراً في خريطة
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٠ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٦ ، المغني ٤ : ١٦٥ - ١٦٦.
(٢) اُنظر : المغني ٤ : ١٦٥ - ١٦٦ ، والشرح الكبير ٤ : ١٦٣.
(٣) تقدّم في ص ١٤٦ ، الفرع ( ب ) من المسألة ٧٧.
(٤) حلية العلماء ٤ : ١٧٠ - ١٧١ ، الحاوي الكبير ٥ : ١١٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٧ - ٣٤٨.
بمائة دينار ، جاز.
لنا : الأصل السالم عن معارضة الربا ؛ لأنّ الربا هو بيع أحد المثلين بأزيد منه من الآخر ، والمبيع هنا المجموع ، وهو مخالف لأفراده.
وما رواه أبو بصير قال : سألته عن السيف المفضّض يباع بالدراهم؟
قال : « إذا كانت فضّته أقلّ من النقد فلا بأس ، وإن كانت أكثر فلا يصلح »(١) .
وسأله عبد الرحمن بن الحجّاج عن شراء ألف درهم ودينار بألفي درهم ، قال : « لا بأس بذلك »(٢) .
ولأنّ أصل العقود الصحّة ، ومهما أمكن حمله عليها لم يحمل على الفساد ، كشراء اللحم من القصّاب ، فإنّه سائغ ؛ حملاً على التذكية ، ولا يحمل على الميتة وإن كان الأصل ؛ لأنّ أصالة الصحّة أغلب. وكذا لو اشترى إنسان شيئاً بمال معه ، حُمل على أنّه له ليصحّ البيع.
وهنا يمكن حمل العقد على الصحّة بأن يجعل الخريطة في مقابلة ما زاد على الدينار ، فيصحّ العقد ، وفي مسألة مُدّ عجوة بصرف المـُدّ الآخر من التمر في مقابلة الدرهم ، أو صرف الدرهم إلى الدرهم والدرهم الآخر في مقابلة المـُدّ ، أو صرف مُدّ عجوة إلى الدرهمين والدرهم إلى المـُدَّيْن.
وقال الشافعي : لا يجوز ذلك كلّه - وبه قال أحمد - لأنّ فضالة بن عبيد قال : شريت يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخزر ، فذكرت ذلك لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال : « لا يباع مثل هذا حتى يفصل »(٣) .
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١١٣ / ٤٨٩ ، الاستبصار ٣ : ٩٨ / ٣٣٩.
(٢) الكافي ٥ : ٢٤٦ / ٩ ، الفقيه ٣ : ١٨٥ / ٨٣٤ ، التهذيب ٧ : ١٠٤ / ٤٤٥.
(٣) صحيح مسلم ٣ : ١٢١٣ / ٩٠ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٤٩ / ٣٣٥٢ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٥٦ / ١٢٢٥ ، والعزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٤ - ٨٥.
ولأنّ العقد إذا جمع عوضين ، وجب أن ينقسم أحدهما على الآخر على قدر قيمة الآخر في نفسه ، فإن كان مختلف القيمة ، اختلف ما يأخذه(١) من العوض ، كما لو باع ثوبين بدراهم ، فإذا احتيج إلى معرفة ثمن كلٍّ منهما ، قوّم الثوبين وقسّم على قدر القيمتين ، فلو كانت قيمة أحدهما ستّة والآخر ثلاثة وبِيعا بعشرة ، بسطت عليهما أثلاثاً. وبهذا الطريق يعرف قيمة شقص الشفعة ، المنضمّ إلى غيره. وكذا لو تلف أحد العبدين المبيعين صفقةً في يد البائع قبل القبض ، فكذا هنا إذا باع مُدّاً ودرهماً بمُدَّيْن ، فينظر إلى ما يساوي الدرهم ، فيكون مُدّاً ونصفاً ، فيخصّ الدرهم ثلاثة أخماس المـُدَّيْن(٢) .
والجواب : جاز أن يكون في القلادة من الذهب ما يزيد ، فتجب معرفة القدر ، فلهذا أوجب الفصل. وقسط الثمن لا يقتضي شراء كلّ جزء بما قسط عليه من الثمن.
فروع :
أ - لو باع نوعين من جنس واحد مختلفي القيمة بنوعٍ واحد ، كدينار معزّي ودينار أبريزي بدينارين أبريزية ، جاز مع التساوي قدراً ، ولا اعتبار بالقيمة عندنا. وكذا لو باع درهماً صحيحاً بدرهم مكسور أو درهماً صحيحاً ودرهماً مكسوراً بصحيحين أو مكسورين ، سواء قلّت قيمة المكسور عن
____________________
(١) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : ما يأخذ. وما أثبتناه من المغني والشرح الكبير.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٠ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٧ ، حلية العلماء ٤ : ١٧٠ ، الحاوي الكبير ٥ : ١١٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٤ - ٨٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٣ ، المغني ٤ : ١٦٩ - ١٧٠ ، الشرح الكبير ٤ : ١٧٠ - ١٧١.
قيمة الصحيح أو لا. وكذا درهم وثوب بدرهمين ، وبه قال أحمد في الجنس الواحد(١) ، كبيع دينارين مختلفين بدينارين متّفقين ، وكبيع مكسور وصحيح بمكسورين أو صحيحين.
وجوّزه أبو حنيفة مطلقاً ، ومَنَعه الشافعي مطلقاً ، وقد تقدّم(٢) .
والأصل أنّ الصنعة لا قيمة لها في الجنس ، ولهذا لا يجوز بيع المصوغ بأكثر متفاضلاً.
ب - لو تلف الدرهم المعيّن المنضمّ إلى المـُدّ قبل قبضه أو ظهر استحقاقه وكان المثمن مُدَّيْن ودرهمين ، احتمل بطلان البيع في الجميع حذراً من الربا ؛ لاستلزام بسط الثمن على أجزاء المبيع إيّاه ، فتلفُ نصفه - على تقدير مساواة المـُدّ درهماً - يقتضي سقوط النصف من الثمن ، فيصير ثمن المـُدّ الثاني مُدّاً ودرهماً.
ويحتمل البطلان في التخالف ؛ فإنّ المقتضي لصحّة هذا البيع صرف كلّ جنس إلى ما يخالفه لتحصل السلامة من الربا ، فالدرهم في مقابلة المـُدَّيْن خاصّة ، ويبقى المـُدّ في مقابلة الدرهمين.
ويحتمل التقسيط ؛ لأنّه مقتضى مطلق العقد ، والربا المبطل إنّما يعتبر حين العقد ، وهو في تلك الحال كان منفيّاً.
ج - لو باعه مُدّاً ودرهماً بمُدَّيْن ثمّ تلف الدرهم المعيّن وكان المـُدّ المضاف إليه يساوي درهماً ، وكلٌّ من المـُدَّيْن يساوي درهماً أيضاً ، بقي مُدٌّ في مقابلة المـُدّ الآخر ، وبطل البيع في المـُدّ الثاني.
ولو كان يساوي درهمين ، فقد تلف ثلث العوض ، فيبطل من الآخر ثلثه ، فيبقى مُدٌّ في مقابلة مُدٌّ وثلث مُدٌّ ، ولا يثبت الربا هنا ؛ لأنّ الزيادة
____________________
(١) المغني ٤ : ١٧١ ، الشرح الكبير ٤ : ١٧١ - ١٧٢.
(٢) في ١٤٦ - ١٤٧ ، الفرع ( ب ) من المسألة ٧٧.
حصلت بالتقسيط الثابت بعد صحّة البيع.
د - لو كان كلٌّ من المـُدَّيْن لواحدٍ فباعهما أحدهما ولم يُجز الآخر ، بطل البيع في مُدّه ، وسقط من الثمن نصف المـُدّ ونصف درهم ، وثبتا للبائع في مقابلة مُدّه إن تساويا قيمةً ، ولو اختلفا فكانت قيمة مُدّ الفاسخ نصفَ قيمة مُدّ البائع ، كان للبائع ثلثا مُدٍّ وثلثا درهمٍ عوض مُدّه.
ه- لو باعه مُدّاً ودرهماً بمُدَّيْن فتلف الدرهم قبل القبض وهو يساوي مُدّاً ونصفاً ، فالذي يخصّ الدرهم ثلاثة أخماس المـُدَّيْن ، فيبقى مُدٌّ في مقابلة أربعة أخماس مُدٍّ ، ويجيء الاحتمالات.
و - لو باعه درهماً صحيحاً ومكسوراً بدرهمين صحيحين ثمّ تلف الصحيح المعيّن ، بسطت قيمة الصحيحين على الصحيح والمكسور ، وسقط ما قابل الصحيح منها ، ويجيء الاحتمالات.
مسألة ٩٣ : يجوز بيع شاة في ضرعها لبن بمثلها ، وبشاة خالية من اللبن ، وبلبن من جنسها ، عند علمائنا ، خلافاً للشافعي(١) .
لنا : الأصل السالم عن معارضة الربا ؛ لأنّ الشاة ليست مقدّرةً بالكيل والوزن ، ولا اللبن الذي في ضرعها ، وإنّما يكون مكيلاً أو موزوناً بعد حلبه ، فأشبه الثمرة على رؤوس النخل. ولأنّه ما دام في الضرع يكون تابعاً للمبيع ليس مقصوداً بالذات.
احتجّ بأنّ اللبن يأخذ قسطاً من الثمن ؛ لحديث المصرّاة ، فإنّ النبيّعليهالسلام أوجب مع ردّها بعينها صاعاً من تمر(٢) ، ولو لا دخوله في العقد وتقسيط
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٤ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٣ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٢٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٦١.
(٢) صحيح البخاري ٣ : ٩٣ ، صحيح مسلم ٣ : ١١٥٥ / ١١ ، سنن أبي داوُد ٣ : =
الثمن عليه ، لم يضمنه ، كما أنّ المشتري إذا ردّ المبيع بعيبٍ بعد أن حدث عنده نماء أو ولد في يده ، لم يردّ عوض ذلك. ولأنّ اللبن في الضرع كالشيء في الوعاء والدراهم في الخزانة ، وإذا كان له قسط من الثمن ، كان بيع لبن مع غيره بلبن.
والجواب : المنع من أخذه قسطاً من الثمن ، وإلزامه بالصاع ؛ لأنّه فصل اللبن عن الشاة وانتفع به ، والبحث في المتّصل في أساسات الحيطان ، فإنّها تتبع الدار ، ولو قُلعت ، قُوّمت بانفرادها.
سلّمنا ، لكنّ البيع وقع للجملة لا للأجزاء ، ألا ترى أنّه لا يجوز بيعه منفرداً؟
فروع :
أ - لو باع الشاة اللبون بلبن البقر ، جاز عندنا ؛ لأنّه يجوز بيعه بلبن الشاة ، فلبن غيره أولى.
وللشافعي قولان(١) مبنيّان على أنّ الألبان هل هي جنس واحد أو أجناس متعدّدة؟ فعلى الأوّل لا يجوز ، ويجوز على الثاني. ويجب التقابض عنده في الحال قبل التفرّق ، لأنّه بيع لبن بلبن من جنس آخر.
ب - لو كانت الشاة لا لبن فيها ، جاز بيعها بلبن جنسها أو ( من غير )(٢) جنسها. وكذا لو كان في ضرعها لبن فحلبه ثمّ باعها بلبن ، جاز
____________________
= ٢٧٠ / ٣٤٤٣ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٥٣ / ١٢٥١ ، سنن النسائي ٧ : ٢٥٣ و ٢٥٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٣١٨ و ٣١٩.
(١) اُنظر : التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٥٣ ، والحاوي الكبير ٥ : ١٢٣ - ١٢٥ ، والعزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٩ ، وروضة الطالبين ٣ : ٦١.
(٢) بدل ما بين القوسين في الطبعة الحجريّة : بغير.
- وبه قال الشافعي(١) - لأنّ المتخلّف في الضرع يسير لا يحلب في العادة ، فلا عبرة له.
ج - لو كانت مذبوحةً وفي ضرعها لبن ، جاز بيعها بلبن ، وبشاة مذبوحة في ضرعها لبن ، وبخالية من لبن. وبحيّةٍ ذات لبن وخاليةٍ عنه ، وبلبن من جنسها.
وقال الشافعي : لا يجوز إذا كان في الشاة المذبوحة لبن ، وإن لم يكن في ضرعها لبن ، جاز إذا سُلّمت لتزول جهالتها(٢) .
د - قد بيّنّا أنّه يجوز بيع شاة في ضرعها لبن بشاة في ضرعها لبن. ومَنَعه أكثر الشافعيّة(٣) .
وليس بشيء ؛ لأنّ اللبن المتّصل بأصله لا اعتبار به في العوضين ، كما يجوز بيع السمسم بمثله من غير اعتبار الدهن فيهما ، وكذا لو باع داراً مموّهة بالذهب بمثلها أو داراً فيها بئر ماءٍ بمثلها.
احتجّوا بأنّ اللبن في الضرع بمنزلة كونه في الآنية ، فكأنّه باع شاةً ولبناً بشاة ولبن ، ولو كان اللبنان منفصلين ، لم يجز ، وكذا إذا كانا في الضرع.
ثمّ فرّقوا بين السمسم بمثله وبين المتنازع بأنّ الدهن غير موجود فيه بصفته وإنّما يحصل بالتخليص والطحن.
والماء غير مملوك عند بعضهم ، ولا يدخل في البيع ، بل كلّ مَنْ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٦١.
(٢) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر. وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٦٢ ، المسألة ١٠٠.
(٣) اُنظر المصادر في الهامش (١) من ص ١٨٥.
أخذه استحقّه. وعند آخرين أنّه مملوك وأصل في البيع إلّا أنّ في ثبوت الربا في الماء قولين ، فإن نفيناه عنه ، فلا بحث ، وإلّا منعنا من بيع الدار بالدار وفيهما ماء.
والجواب : المنع من مساواة كون اللبن في الضرع لكونه في الإناء ؛ لأنّه بعد الحلب مقدّر بكيل أو وزن ، بخلاف كونه في الضرع. ولأنّه كالجزء من الشاة تابع للمبيع لا أصلا ، بخلاف المحلوب.
وما ذكروه في دهن السمسم ينقض عليهم المنع من بيع السمسم بالشيرج ، فإنّه إذا لم يكن في السمسم بصفته ، لم يمنع مانع من بيعه بالدهن. وكون الماء غير مملوك باطل.
ه- يجوز بيع نخلة فيها ثمر بنخلة مثمرة أو بثمرة أو بنخلة خالية ؛ لما مرّ في الشاة ، خلافاً للشافعي(١) .
مسألة ٩٤ : كلّ ما لَه حالتا رطوبة وجفاف من الربويّات يجوز بيع بعضه ببعض مع تساوي الحالين إذا اتّفق الجنس. وإن اختلف ، جاز مطلقاً ، فيجوز بيع الرطب بمثله ، والعنب بمثله ، والفواكه الرطبة بمثلها ، والحنطة المبلولة بمثلها ، واللحم الطري بمثله ، والتمر والزبيب والفواكه الجافّة ، والمقدَّد والحنطة اليابسة كلّ واحد بمثله - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد وأحمد والمزني(٢) - لوجود المقتضي ، وهو عموم الحلّ ، السالم عن معارضة الربا ؛ لتساويهما في الحال وفيما بعدُ. فإن اختلفا في حالة اليبس ، فبشيء يسير لا اعتبار به كالتمر الحديث
____________________
(١) الحاوي الكبير ٥ : ١٢٥.
(٢) المدوّنة الكبرى ٤ : ١٠٢ ، المنتقى - للباجي - ٤ : ٢٤٣ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٨٨ ، المغني ٤ : ١٤٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٣٤ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٥.
بالعتيق. ولأنّ معظم منفعته في حال رطوبته ، فجاز بيع بعضه ببعضٍ ، كاللبن.
وقال الشافعي : لا يجوز بيع الرطب بالرطب متساوياً ؛ لأنّهما على غير حالة الادّخار ، ولا نعلم تساويهما في حالة الادّخار ، فلم يجز بيع أحدهما بالآخر ، كالرطب بالتمر(١) .
وهو ضعيف ؛ لما بيّنّا من التفاوت اليسير.
وينتقض بالرطب الذي لا يصير تمراً في العادة ، كالبربن وشبهه ، فإنّ فيه قولين(٢) ، وكذا الفواكه التي لا تجفّف والبقول.
وأمّا إن باع بعض الجنس الواحد ببعض مع اختلاف الحالين ، كبيع الرطب بالتمر ، والعنب بالزبيب ، واللحم الطري بالمقدَّد ، والحنطة المبلولة باليابسة ، والفاكهة الجافّة بالرطبة ، فالمشهور عند علمائنا : المنع وإن تساويا قدراً - وبه قال سعد بن أبي وقّاص وسعيد بن المسيّب ومالك وأحمد والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمّد(٣) - لما رواه الجمهور : أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله سُئل عن بيع الرطب بالتمر ، فقال : « أينقص الرطب إذا يبس؟ » فقالوا : نعم ، فقال : « فلا إذَنْ »(٤) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام
____________________
(١) مختصر المزني : ٧٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٣ ، شرح السنّة - للبغوي - ٥ : ٦٠ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٥.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١ ، المغني ٤ : ١٤٥ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٤.
(٣) المغني ٤ : ١٤٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦١ ، بداية المجتهد ٢ : ١٣٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٣ ، شرح السنّة - للبغوي - ٥ : ٥٩ - ٦٠ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٥.
(٤) سنن الدار قطني ٣ : ٥٠ / ٢٠٦ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٣٨ ، المغني ٤ : ١٤٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٩.
قال : « لا يصلح التمر اليابس بالرطب من أجل أنّ اليابس يابس والرطب رطب ، فإذا يبس نقص »(١) .
ولأنّه جنس يجري فيه الربا بِيع بعضه ببعض على صفة يتفاضلان في حال الكمال والادّخار ، فوجب أن لا يجوز ، كالحنطة بالدقيق.
وقال بعض(٢) علمائنا بالجواز مع التساوي - وبه قال أبو حنيفة(٣) - لأنّ الصادقعليهالسلام سُئل عن العنب بالزبيب ، قال : « لا يصلح إلّا مِثْلاً بمثل » قال : « والتمر والرطب مِثْلاً بمثل»(٤) .
ولأنّه وجد التساوي فيه كيلاً حال العقد ، فالنقصان بعد ذلك لا يؤثّر فيه ، كالحديث والعتيق.
والرواية ضعيفة ؛ لأنّ سماعة في طريقها. والقياس لا يُسمع في مقابلة النصّ ، مع قيام الفرق ؛ فإنّ الحديث والعتيق على صفة الادّخار ولقلّة النقصان فيه لا يمكن الاحتراز عنه.
فروع :
أ - نبّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله في قوله : « أينقص إذا جفّ؟ »(٥) على علّة الفساد ، وأنّ المماثلة عند الجفاف تعتبر - وإلّا فهوعليهالسلام يعلم النقصان عند الجفاف - [ و ](٦) جَعْل الوصف المنصوص عليه علّةً بالنصّ يقتضي
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٩٤ / ٣٩٨ ، الاستبصار ٣ : ٩٣ / ٣١٤.
(٢) هو ابن إدريس في السرائر ٢ : ٢٥٨ - ٢٥٩.
(٣) بدائع الصنائع ٥ : ١٨٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٣١ ، شرح السنّة - للبغوي - ٥ : ٥٩ - ٦٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٩ ، المغني ٤ : ١٤٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦١.
(٤) التهذيب ٧ : ٩٧ / ٤١٧ ، الاستبصار ٣ : ٩٢ / ٣١٣.
(٥) اُنظر : المصادر في الهامش (٤) من ص ١٨٩.
(٦) أضفناها لأجل السياق.
العموميّة في جميع صُور موارده.
ب - لا خلاف في جواز بيع الرطب بالتمر في صورة العرايا ، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
ج - قد بيّنّا عموميّة الحكم في جميع صُور الوصف الذي هو النقص عند الجفاف ، وأنّه لا يجوز بيع رطبه بيابسه ، سواء اتّفقت العادة بضبط الناقص أو لا. ويجوز عندنا بيع رطبه برطبه متساوياً ، خلافاً للشافعي(١) في الأخير.
وحكى إمام الحرمين وجهاً للشافعي في المشمش والخوخ وما لا يعمّ تجفيف رطبه أنّه يجوز بيع بعضه ببعض في حال الرطوبة ؛ لأنّ رطوبتها أكمل أحوالها ، والتجفيف ، في حكم النادر(٢) .
د - يجوز بيع الحنطة المقليّة بمثلها متساوياً وبغير المقليّة ؛ لقلّة الرطوبة فيها.
وخالف الشافعي(٣) فيهما معاً.
ه- لا يجوز بيع الحنطة وفروعها بالنخالة متفاضلاً ؛ لأنّهما جنس واحد ؛ حيث إنّ أصلهما الحنطة.
وقال الشافعي : يجوز ؛ لأنّ النخالة ليست مطعومةً(٤) .
ونحن نمنع التعليل بالطعم.
و - لا يجوز بيع الحنطة المسوّسة بالحنطة المسوّسة إذا لم يبق فيها
____________________
(١) اُنظر المصادر في الهامش (١) من ص ١٨٩.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٥.
(٣) الحاوي الكبير ٥ : ١٣٥ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٦.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٦.
لبٌّ إلّا متساوياً ، خلافاً للشافعي ؛ فإنّه سوّغ البيع مع التفاضل ، حيث علّل بالطعم(١) . وهو ممنوع.
ز - المأكولات التي لا تكال ولا توزن كالمعدودات لا ربا فيها عندنا ، إلّا على رأي مَنْ يُثبت الربا في المعدودات.
وللشافعي قولان ، ففي القديم : لا ربا فيها. وفي الجديد : يثبت(٢) .
فعلى قولنا وقوله القديم يجوز التفاضل فيها ، كرُمّانة برُمّانتين وسفرجلة بسفرجلتين. وعلى الجديد لا يجوز بيع المتفاضل.
وأمّا مع التساوي : فإن كان ممّا ييبس وتبقى منفعته يابساً كالخوخ المشمّس ، فإذا جفّ ، جاز بيع بعضه ببعض متساوياً ، ولا يجوز بيع بعضه ببعض رطباً عنده(٣) ، كما لا يجوز بيع الرطب بالرطب عنده(٤) .
وإن كان ممّا لا ييبس ولا ينتفع بيابسه كالقثّاء والخيار وشبههما ، ففي جواز بيع بعضه ببعض رطباً متساوياً قولان : المنع ، نصّ عليه في الاُم ؛ لأنّ بعضه يحمل من الماء أكثر من البعض. والجواز ؛ لأنّ معظم منفعته في حال رطوبته ، فجاز ، كاللبن باللبن. وكذا حكم الرطب الذي لا يصلح للتجفيف والعنب الذي لا يصلح لذلك(٥) .
ثمّ إنّ هذا المبيع إن كان ممّا لا يمكن كيله ، كالقثّاء والبطّيخ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٦.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٧ و ٢٧٨ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٣٤ - ٣٣٧ ، شرح السنّة - للبغوي - ٥ : ٤٤ ، المجموع ٩ : ٣٩٧ ، حلية العلماء ٤ : ١٤٨ - ١٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٤ - ٤٥.
(٣ و ٤ ) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١ و ٥٥.
(٥) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٢ و ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١ و ٥٥.
والخيار وما أشبهه ، فإنّه يباع بعضه ببعض وزناً متساويين عنده ، وإن كان ممّا يمكن كيله ووزنه ، كالتفّاح والخوخ الصغار ، فوجهان : جواز بيع بعضه ببعض وزناً ؛ لأنّه أحصر له. والكيل ؛ لأنّ الاُصول الأربعة كلّها مكيلة ، فرُدّت إليها(١) .
مسألة ٩٥ : يجوز بيع مُدّ حنطة فيها قَصَلٌ - وهو عقد التبن - أو زُؤان - وهو حبّ أسود غليظ الوسط - أو تراب بمجرى العادة بمُدّ حنطة مثله أو بخالص من ذلك ، عند علمائنا ، وكذا إذا كان في أحدهما شعير ، سواء كثر عن الآخر أو ساواه ، وسواء زاد في الكيل أو لا ؛ عملاً بالأصل السالم عن الربا ؛ لأنّ التقدير تساويهما وزناً أو كيلاً. والقَصَل والزُّؤان والتراب بمجرى العادة والشعير لا يؤثّر ؛ لقلّته ، فأشبه الملح في الطعام والماء اليسير في الخلّ.
وقال الشافعي : لا يجوز بيعه بمثله ولا بالخالص. أمّا بمثله : فللاختلاف ؛ إذ قد يكون القَصَل وشبهه في أحدهما أكثر. وأمّا بالخالص : فلتفاضل الحنطتين. أمّا إذا كان التراب يسيراً جدّاً بحيث لا يزيد في الكيل ، فإنّه يجوز بيعه بمثله لا بالخالص. وكذا التبن الناعم جدّاً ؛ لأنّه لا يأخذ قسطاً من المكيال ؛ لأنّه يكون في خلل الحنطة ، فلا يؤدّي إلى تفاضل الكيل وتفاوت الحنطتين. ولا يجوز فيما يوزن وإن قلّ التراب ، عنده ؛ لأنّ قليله يؤثّر في الميزان(٢) .
تذنيب : حكم الدرديّ في الخَلّ والثفل في البزر حكم التراب في
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٩ - ٣٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٤.
الحنطة.
تنبيه : لو كان أحد العوضين مشتملاً على الآخر غير مقصود ، صحّ مطلقاً ، كبيع دار مموّهة بالذهب بالذهب.
المطلب الثاني : في شرط التقدير.
قد عرفت أنّه يشترط في الربا أمران : الاتّحاد في الجنس ، وقد مضى. وكونهما مقدَّرين بالكيل أو الوزن إجماعاً.
وهل يثبت الربا مع التقدير بالعدد؟ الأصحّ : المنع ؛ عملاً بالأصل.
ولقول الصادقعليهالسلام : « لا يكون الربا إلّا فيما يكال أو يوزن »(١) .
وسُئلعليهالسلام عن البيضة بالبيضتين ، قال : « لا بأس ما لم يكن فيه كيل ولا وزن »(٢) .
إذا تقرّر هذا ، فلا ربا إلّا فيما يكال أو يوزن مع التفاوت. ولو تساويا قدراً ، صحّ البيع نقداً.
ولو انتفى الكيل والوزن معاً ، جاز التفاضل نقداً ونسيئةً ، كثوبٍ بثوبين وبيضة ببيضتين ، سواء اختلفت القيمة أو اتّفقت.
مسألة ٩٦ : الأجناس الأربعة - أعني الحنطة والشعير والتمر والملح - مكيلة في عهدهصلىاللهعليهوآله ، فلا يباع بعضها ببعض إلّا مكيلةً. ولا يجوز بيع شيء منها بشيء آخر من جنسها وزناً بوزن وإن تساويا ، ولا يضرّ مع الاستواء في الكيل التفاوتُ في الوزن. وأمّا الموزون : فلا يجوز بيع بعضه
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٤٦ / ١٠ ، الفقيه ٣ : ١٧٥ / ٧٨٦ ، التهذيب ٧ : ١٧ /٧٤ ، و ١٩ ، ٨١ ، و ٩٤ ، ٣٩٧ ، و ١١٨ / ٥١٥ ، الاستبصار ٣ : ١٠١ / ٣٥٠.
(٢) التهذيب ٧ : ١١٨ / ٥١٣ ، الاستبصار ٣ : ١٠٠ - ١٠١ / ٣٤٩.
ببعض كيلاً ، ولا يضرّ مع الاستواء في الوزن التفاوتُ في الكيل - وبه قال الشافعي(١) - لأدائه إلى التفاضل في المكيال ؛ لاحتمال أن يتفاوتا بأن يكون أحدهما أوزن وأثقل من البعض ، فيأخذ الأخفّ في المكيال أكثر فيتفاضلا في الكيل ، وقد نهى النبيصلىاللهعليهوآله عنه(٢) .
أمّا لو تساويا في الثقل والخفّة وعلم التفاوت(٣) بينهما ، فالأقرب : الجواز - خلافاً للشافعي(٤) - لأنّ التفاوت اليسير لا اعتبار به ، كما في قليل التراب.
أمّا الملح إذا كان قِطَعاً كباراً ، فإنّه يباع وزناً ؛ لتجافيه في المكيال ، فيعتبر حاله الآن - وهو أظهر وجهي الشافعيّة(٥) - نظراً إلى ما لَه من الهيئة في الحال.
والآخر : أنّه يسحق ويباع كيلاً(٦) . وليس بمعتمد.
وكذا كلّ ما يتجافى في المكيال يباع بعضه ببعض وزناً.
وأمّا ما عدا الأجناس الأربعة : فإنّ كان موزوناً على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله فهو موزون. وكذا إن كان مكيلاً في عهدهعليهالسلام ، حُكم فيه بالكيل ، فلو أحدث الناس خلاف ذلك ، لم يعتدّ بما أحدثوه ، وكان المعتبر تقرير الرسولصلىاللهعليهوآله أو العادة في عهدهعليهالسلام ، وبه قال الشافعي(٧) .
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٤ - ٣٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٩.
(٢) صحيح مسلم ٣ : ١٢١٠ / ١٥٨٧.
(٣) في « ق » : « التقارب » بدل « التفاوت ».
(٤) اُنظر : المصادر في الهامش (١).
(٥ و ٦ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٠.
(٧) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٠.
وحكي عن أبي حنيفة أنّه يعتبر فيه عادات البلدان(١) .
وقد روى ابن عمر عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة »(٢) .
ولأنّ المعتاد في زمانهعليهالسلام يضاف التحريم إليه كيلاً أو وزناً ، فلا يجوز أن يتغيّر بعد ذلك ؛ لعدم النسخ بعدهعليهالسلام .
وأمّا ما لم يكن على عهدهعليهالسلام ولا عُرف أصله بالحجاز أو لم يكن أصلاً في الحجاز فإنّه يرجع فيه إلى عادة البلد ، وبه قال أبو حنيفة ؛ فإنّه قال : المكيلات المنصوص عليها مكيلات أبداً ، والموزونات موزونات أبداً ، وما لم ينصّ عليه فالمرجع فيه إلى عادة الناس(٣) ؛ لأنّ أنساً قال: إنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال : « ما وزن مِثْلاً بمِثْل إذا كان نوعاً واحداً ، وما كِيل منه مِثْلاً بمِثْل إذا كان نوعاً واحداً »(٤) .
ولأنّ غير المنصوص قد عُهد من الشارع ردّ الناس فيه إلى عوائدهم ، كما في القبض والحرز والإحياء ، فإنّها تُردّ إلى العرف ، وكذا هنا.
وللشافعي وجهان :
أحدهما : أنّه يردّ إلى عادة الحجاز في أقرب الأشياء شبهاً به ، كالصيد يتبع فيه ما حكمت الصحابة به في قتل المحرم. وما لم يحكم فيه بشيء يردّ إلى أقرب الأشياء شبهاً به.
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٦٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٠.
(٢) مصابيح السنّة ٢ : ٣٣٨ ، ٢١٢١ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٢ : ٣٩٢ / ٣٩٣ ، ١٣٤٤٩ ، حلية الأولياء ٤ : ٢٠ ، وفيها : « مكيال أهل المدينة ميزان أهل مكة ».
(٣) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٦٢ ، الكتاب - بشرح اللباب - ١ : ٢٦٦ - ٢٦٧.
(٤) سنن ، الدارقطني ٣ : ١٨ / ٥٨ ، المغني ٤ : ١٣٦ - ١٣٧.
والثاني : يعتبر عادة البلاد ويحكم فيه بالغالب ، كما في الحرز والإحياء والقبض حين ردّ الناس فيه إلى العرف. وينبغي أن يكون مع استواء البلاد فيه - فكأنّه لا يعلم الكيل أغلب عليه أو الوزن - أن يردّ إلى أقرب الأشياء شبهاً ؛ لتعذّر العرف فيه(١) .
فروع :
أ - ما أصله الكيل يجوز بيعه وزناً سلفاً وتعجيلاً ، ولا يجوز بيعه بمثله وزناً ؛ لأنّ الغرض في السلف والمعجّل بغير جنسه معرفة المقدار ، وهو يحصل بهما ، والغرض هنا المساواة ، فاختصّ البيع في بعضه ببعض به.
ب - إذا كان الشيء يكال مرّة ويوزن اُخرى ولم يكن أحدهما أغلب ، فالوجه : أنّه إن كان التفاوت بين المكاييل يسيراً ، جاز بيع بعضه ببعضٍ متماثلاً وزناً وكيلاً. وإن كان التفاوت كثيراً ، لم يجز بيعه وزناً ، بل كيلاً.
وقال بعض الشافعيّة : إن كان أكبر جرماً(٢) ، اعتبر الوزن ؛ لأنّه لم يعهد في الحجاز الكيل فيما هو أكبر جرماً من التمر. وإن كان مثله أو أصغر ، فوجهان : الوزن ؛ لقلّة تفاوته. والكيل ؛ لعمومه ؛ فإنّ أكثر الشبه مكيل(٣) .
وقال بعضهم : ينظر إلى عادة الوقت(٤) .
____________________
(١) اُنظر العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨١.
(٢) أي : أكبر جرماً من التمر.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٠.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٠.
ج - لو كان الشيء يباع في بعض البلاد جزافا وفي بعضها كيلا أو وزنا ولم يكن له أصل أو لم يعرف ، قال الشيخ : يحكم بالربا بالاحتياط(١) .
وقيل : يحكم بعادة البلد الذي يقع فيه(٢) .
د - لو اختلفت البلدان فكان في بعضها يباع كيلا وفي بعضها يباع وزناً وفي بعضها جزافاً ، فالوجه : ما تقدّم أيضاً من أنّ لكلّ بلد حكم نفسه ، فيحرم التفاضل فيه إذا كان في بلد يكال أو يوزن. ويجوز في غيره.
وقال بعض الشافعيّة : الاعتبار بعادة أكثر البلدان ، فإن اختلفت العادة ولا غالب ، اعتبر بأشبه الأشياء به(٣) .
وقال بعضهم : الاعتبار بعادة بلد البيع(٤) .
ه- لا فرق بين المكيال المعتاد في عصر الرسولصلىاللهعليهوآله وسائر المكاييل المحدثة بعده ، كما أنّا إذا عرفنا التساوي بالتعديل في كفّتي الميزان ، نكتفي به وإن لم نعرف قدر ما في كلّ كفّة.
و - لا بُدّ في المكيال من معرفة مقداره ، فلا يجوز التعويل على قصعة ونحوها ممّا لا يعتاد الكيل بها ، إلّا إذا عرف نسبتها إلى الصاع. وكذا الوزن لا بُدّ من اعتباره بالأرطال المعهودة المقدّرة في نظر الشرع ، فلو عوّلا على صنجة مجهولة ، لم يصحّ.
وقد يمكن الوزن بالماء بأن يوضع الشيء في ظرف ويلقى على الماء وينظر إلى مقدار غوصة. لكنّه ليس وزناً شرعيّاً ولا عرفيّاً ، فيحتمل التعويل
____________________
(١) النهاية : ٣٧٨.
(٢) القائل هو المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام ٢ : ٤٥ ، والمختصر النافع : ١٢٧.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨١ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٠.
في الربويّات عليه.
مسألة ٩٧ : ما يباع كيلاً أو وزناً لا يجوز بيعه مجازفةً - وبه قال الشافعي(١) - لما فيه من الغرر المنهيّ عنه.
ولقول الصادقعليهالسلام - في الصحيح - : « ما كان من طعام سمّيت فيه كيلاً فلا يصلح مجازفةً »(٢) .
وقال مالك : يجوز في البادية بيع المكيل دون الموزون جزافاً(٣) ؛ لأنّ المكيال يتعذّر في البادية ، وفي التكليف به(٤) مشقّة ، فجاز بالحزر والتخمين ، كبيع التمر بالرطب في العرايا.
والجواب : نمنع تعذّر المكيال ؛ لأنّه يمكن بالقصعة وشبهها ممّا لا يخلو أحد عنه غالباً ، ويُعلم تقديره إمّا تحقيقاً أو تقريباً. نعم ، الميزان يتعذّر غالباً. ويعارض بأنّ الكيل معنى يعتبر المماثلة والمساواة به فيما يجري فيه الربا ، فاستوى فيه الحضر والبادية كالوزن. وبيع العرايا مستثنى ؛ لحاجة الفقراء إلى الرطب.
فروع :
أ - المراد جنس المكيل والموزون وإن لم يدخلاه إمّا لقلّته كالحبّة والحبّتين أو لكثرته كالزُّبْرة(٥) العظيمة.
ب - إذا خرج بالصنعة عن الوزن ، جاز التفاضل فيه ، كالثوب
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٤.
(٢) الفقيه ٣ : ١٤٣ / ٦٢٧ ، التهذيب ٧ : ١٢٢ / ٥٣٠ ، الاستبصار ٣ : ١٠٢ / ٣٥٥.
(٣) حلية العلماء ٤ : ١٦٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٢.
(٤) في « ق ، ك» : وفي تكليفهم إيّاه.
(٥) أي : القطعة الضخمة من الحديد. لسان العرب ٤ : ٣١٦ « زبر ».
بالثوبين ؛ لقول الصادقعليهالسلام : « لا بأس به » وقد سُئل عن الثوب بالثوبين(١) .
وكذا يجوز بيع الغزل بالثياب المبسوطة وإن كان أحدهما أكثر وزناً ؛ لخروج الثوب بالصنعة عن الوزن.
ولأنّ الصادقعليهالسلام سُئل عن بيع الغزل بالثياب المبسوطة والغزل أكثر وزناً من الثياب ، قال : « لا بأس »(٢) .
ج - لو كان الشيء في أصله غير موزون ولا مكيل ثمّ صار باعتبار صفةٍ إلى الكيل أو الوزن ، جرى فيه الربا حالة اتّصافه بتلك الصفة لا قبلها ، وذلك كالبطّيخ ، والرمّان إذا كان رطباً ولم يدخله الكيل والوزن حينئذٍ ، فإنّه لا يجري فيه الربا ، فيجوز بيع بعضه ببعضٍ متفاضلاً. أمّا إذا جُفّف وصار موزوناً حالة جفافه ، فإنّه يثبت فيه الربا في هذه الحال ، فلا يجوز بيع بعضه ببعضٍ متفاضلاً ، بل متساوياً.
وللشافعي حال رطوبته قولان :
الجديد : ثبوت الربا فيه ، فلا يجوز بيع بعضه ببعض رطبين إذا كان له حالة جفاف متساوياً ومتفاضلاً ، كما لا يجوز بيع الرطب بالرطب وإن تساويا. ويجوز في حالة الجفاف بشرط التساوي.
والقديم : عدم الربا ، فيجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً وإن جفّ ؛ لأنّه ليس مال ربا.
وإن كان ممّا لا يجفّ ، كالقثّاء ، ففي جواز بيع بعضه ببعضٍ في حال الرطوبة قولان : المنع مطلقاً ، كبيع الرطب بالرطب. والجواز مع التساوي
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١١٩ / ٥١٧ ، الاستبصار ٣ : ١٠١ / ٣٥١.
(٢) الكافي ٥ : ١٩٠ / ٢ ، الفقيه ٣ : ١٣٧ / ٥٩٦ ، التهذيب ٧ : ١٢٠ / ٥٢٤ ، وفي الأخيرين : « المنسوجة » بدل « المبسوطة ».
وزناً ؛ لأنّ معظم منافع هذه الأشياء في حالة الرطوبة ، فأشبهت بيع اللبن باللبن.
فعلى هذا إن لم يمكن كيله كالبطّيخ والقثّاء ، بِيع وزناً. وإن أمكن ، كالتفّاح والتين ، ففي بيعه وزناً وجهان للشافعيّة ، أصحّهما : الوزن ؛ لأنّه أحصر. وعلى الوجهين لا بأس بتفاوت العدد فيه(١) .
د - كما لا يجوز بيع الموزون بجنسه جزافاً كذا لا يجوز بيعه مكيلاً ، إلّا إذا عُلم عدم التفاوت فيه. وكذا المكيل لا يجوز بيعه جزافاً ولا موزوناً ، إلّا مع علم عدم التفاوت.
ه- لو كانا في حكم الجنس الواحد واختلفا في التقدير ، كالحنطة المقدّرة بالكيل ، والدقيق المقدّر بالوزن ، احتمل تحريم البيع بالكيل أو الوزن(٢) ؛ للاختلاف قدراً. وتسويغه بالوزن.
و - يجوز بيع الخبز بمثله وإن احتمل اختلافهما في الأجزاء المائيّة. وكذا الخلّ بمثله ؛ لعدم الأصالة.
[ الأمر الثاني ](٣) : في الأحكام.
مسألة ٩٨ : لو دعت الضرورة إلى بيع الربويّات متفاضلاً مع اتّحاد الجنس ، وجب توسّط عقد بينهما ، فيباع الناقص بجنس مخالف ثمّ يشتري الزائد بذلك الجنس ، فلو أرادا بيع دراهم أو دنانير صحاح بمكسّرة أكثر وزناً ، بِيع الدراهم الصحاح بدنانير أو بجنس آخر كالثياب ثمّ اشتري بتلك الدنانير أو الثياب الدراهم المكسّرة أو بالعكس ؛ لانتفاء الربا هنا ؛ لعدم
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨١ - ٨٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١.
(٢) في « ق ، ك» : بالوزن.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : المطلب الثالث. وما أثبتناه مطابق لما قسّمه المؤلّفقدسسره .
شرطه ، وهو اتّحاد الجنس.
وروى أبو سعيد الخدري أنّ النبيصلىاللهعليهوآله أمَّر أخا عَدِيٍّ على خيبر ، فأتى بتمر جيّد ، فقال : « أوَ تمر خيبر كلّه هكذا؟ » فقال : لا ، ولكنّا نبيع الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة ، فقال : « لا تفعلوا ولكن بِيعوا تمركم بعوض ثمّ اشتروا بثمنه من هذا التمر »(١) .
ومن طريق الخاصّة : رواية سماعة ، قال : سألته عن الطعام والتمر والزبيب ، فقال : « لا يصلح شيء منه اثنان بواحد إلّا إن كان صرفته نوعاً إلى نوع آخر ، فإذا صرفته فلا بأس به اثنين بواحد وأكثر »(٢) .
فروع :
أ - لا فرق بين أن يتّخذ ذلك عادة أو لا - وبه قال الشافعي(٣) - للأصل.
وقال مالك : يجوز مرّة واحدة ، ولا يجوز أن يجعله عادة(٤) .
وهو غلط ؛ لأنّ المقتضي إن كان كونه رباً ، لم يجز ولا مرّة. وإن كان غيره ، فلا بدّ من بيانه.
ب - يجوز توسّط غير البيع ، وذلك بأنّ يقترض الزائد ثمّ يستقرض الآخر منه الناقصَ ثمّ يتباريان ، أو يهب كلّ واحد منهما ماله من صاحبه ، أو
____________________
(١) صحيح البخاري ٣ : ١٠٢ و ٢٢٩ ، و ٥ : ١٧٨ ، و ٩ : ١٣٢ ، صحيح مسلم ٣ : ١٢١٥ / ١٥٩٣ ، سنن النسائي ٧ : ١٧١ ، سنن الدار قطني ٣ : ١٧ / ٥٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٨٥ و ٢٩١ ، الموطّأ ٢ : ٦٢٣ / ٢٠ و ٢١.
(٢) الفقيه ٣ : ١٧٨ / ٨٠٤ ، التهذيب ٧ : ٩٥ / ٤٠٦ بتفاوت في بعض الألفاظ.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٨.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٨ ، المغني ٤ : ١٩٣.
يبيع الصحاح بمثل وزنها من المكسّرة ويهب صاحب المكسّرة الزيادة منه ، فيجوز جميع ذلك سواء شرط في إقراضه وهبته وبيعه ما يفعله الآخر أو لا ، خلافاً للشافعي ؛ فإنّه سوّغ مع عدم الشرط لا معه(١) .
لنا : عموم قولهعليهالسلام : « المؤمنون عند شروطهم »(٢) .
ج - لو باع النصف الشائع من دينارٍ قيمته عشرة دراهم بخمسة ، جاز ، ويسلّم إليه الكلّ ليحصل تسليم النصف ، ويكون النصف الآخر أمانةً في يده. أمّا لو كان له عشرة على غيره فأعطاه عشرةً عدداً فوُزنت فكانت أحد عشر ، كان الدرهم الزائد للمقبوض منه على الإشاعة ، ويكون مضموناً عليه ؛ لأنّه قبضه لنفسه. ثمّ إذا سلّم الدراهم الخمسة ، فله أن يستقرضها ويشتري بها النصف الآخر ، فيكون جميع الدينار له ، وعليه خمسة.
ولو باعه بعشرة وليس مع المشتري إلّا خمسة فدفعها إليه ثمّ استقرض منه خمسة أُخرى وردّها إليه عن باقي الثمن ، جاز ، وبه قال الشافعي(٣) . أمّا لو استقرض الخمسة المدفوعة إليه ، جاز عندنا ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٤) .
مسألة ٩٩ : القسمة تمييز أحد النصيبين من الآخر وإفراز الحقوق بعضها من بعض ، وليست بيعاً - وهو أحد قولي الشافعي(٥) - لأنّ لها اسماً
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٦١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٩.
(٢) التهذيب ٧ : ٣٧١ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٢٣٢ / ٨٣٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ٣٣.
(٣ و ٤ ) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٩.
(٥) الحاوي الكبير ٥ : ١٢٦ و ١٢٧ ، وانظر : التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٥ ، والعزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٢ ، وروضة الطالبين ٣ : ٥١.
يخصّها ، وتدخل فيها القرعة ، ولا تفتقر إلى لفظ بيعٍ أو تمليكٍ ، ولا يجوز إلّا بقدر الحقّين ، ولا يثبت بها الشفعة.
والقول الأصحّ : أنّها بيع ؛ لأنّ كلّ جزء من ذلك مشترك بينهما ، فإذا تعيّن لأحدهما شيء بالقسمة ، فقد اشترى نصيب شريكه فيما تعيّن له بنصيبه ممّا تعيّن لشريكه ، فكان ذلك بيعاً(١) . وهو ممنوع.
إذا ثبت هذا ، فنقول : إذا كان المقسوم ممّا يدخل فيه الربا ، جازت القسمة كيلاً ووزناً ، وقسمة المكيل بالوزن وبالعكس ، وما لا يباع بعضه ببعضٍ عنده(٢) ، كالرطب بمثله والعنب بمثله ، متساوياً ومتفاضلاً ، نقداً ونسيئةً وإن كان يمنع ذلك في البيع.
وكذا يجوز أن يأخذ أحدهما الرطب أو العنب والآخر التمر أو الزبيب.
ويجوز قسمة الثمرة على رؤوس النخل.
وللشافعي قولان مبنيّان على أنّ القسمة بيعٌ أم لا ، فإن كانت بيعاً ، لم تجز ، كما لا يجوز بيع الثمرة على أصلها بمثلها.
ونحن نمنع ذلك ؛ لجواز بيع الثمرة على رؤوس النخل بمثلها. نعم ، الممنوع بيعها بخرصها تمراً.
وإن لم تكن عنده بيعاً وإنّما هي إفراز حقٍّ ، فقولان ، أحدهما : المنع مطلقاً. والثاني : الجواز في الرطب والعنب خاصّةً دون باقي الثمار ؛ لأنّ للخرص مدخلاً فيهما ، ولهذا جاز خرصهما على الفقراء ، فجازت
____________________
(١) الحاوي الكبير ٥ : ١٢٦ و ١٢٧ ، وانظر : التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٥ ، والعزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٢ ، وروضة الطالبين ٣ : ٥١.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٣ و ٣٤٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٧٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٢ و ٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٥١ و ٥٥.
قسمتهما بين الشركاء ، بخلاف باقي الثمار(١) .
والحقّ عندنا الجواز مطلقاً.
مسألة ١٠٠ : قد بيّنّا أنّ الجيّد والرديء في الجنس الواحد واحدٌ لا يباع أحدهما بالآخر متفاضلاً ؛ لأنّ الصادقعليهالسلام سُئل عن رجل استبدل قَوْصَرتين(٢) فيهما بسرٌ مطبوخ بقَوْصَرة فيها مشقّق ، فقال : « هذا مكروه ؛ لأنّ عليّاًعليهالسلام كان يكره أن يستبدل وسقاً من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر ، ولم يكن [ عليّ ](٣) عليهالسلام يكره الحلال »(٤) .
مسألة ١٠١ : يجوز بيع العصير بالبُخْتُج(٥) مِثْلاً بمِثْل نقداً ؛ لأنّ خالد بن أبي الربيع(٦) سأل الصادقَعليهالسلام : ما ترى في التمر والبسر الأحمر مِثْلاً بمِثْل؟ قال : « لا بأس » قلت : فالبُخْتُج والعصير(٧) مِثْلاً بِمثْل؟ قال : « لا بأس »(٨) .
واعلم أنّ هذا الحديث يدلّ على جواز بيع التمر بالبسر الأحمر.
والمراد به البسرُ المطبوخ بالنار ؛ لذهاب رطوبته ، ومساواته للتمر في عدم
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٢ ، وانظر روضة الطالبين ٣ : ٥١.
(٢) القَوْصَرَّة - بالتشديد - : هذا الذي يكنز فيه التمر من البواري. وقد يخفّف. الصحاح ٢ : ٧٩٣ « قصر ».
(٣) أضفناها من المصدر.
(٤) الكافي ٥ : ١٨٨ / ٧ ، التهذيب ٧ : ٩٦ - ٩٧ / ٤١٢.
(٥) البُخْتُج : العصير المطبوخ. وأصله بالفارسيّة : ميبخته ، أي : عصير مطبوخ. النهاية - لابن الأثير - ١ : ١٠١ «بختج ».
(٦) كذا ، وفي المصدر : عن خالد عن أبي الربيع.
(٧) في التهذيب : « العنب » بدل « العصير ».
(٨) الكافي ٥ : ١٩٠ / ١٨ ، التهذيب ٧ : ٩٧ - ٩٨ / ٤١٨.
النقصان عند الجفاف ، بخلاف الرطب بالتمر.
مسألة ١٠٢ : قد بيّنّا جواز بيع البُرّ بالسويق متساوياً نقداً ، ولا يجوز متفاضلاً ولا نسيئةً ؛ لاتّحاد الأصل فيهما ، ولا اعتبار بزيادة الرَّيع(١) في أحدهما ؛ لما رواه محمّد بن مسلم - في الصحيح - عن الباقرعليهالسلام ، قال : ما تقول في البُرّ بالسويق؟ فقال : « مِثْلاً بمِثْل لا بأس به » قال : قلت له : إنّه يكون له رَيْعٌ أو يكون له فضل ، فقال : « ليس له مؤونة؟ » قلت : بلى ، قال : « فهذا بذا » وقال : « إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل يداً بيد »(٢) .
مسألة ١٠٣ : لو دفع إلى الطحّان طعاماً وقاطعه على أن يُعطيه به طحيناً أنقص ، أو دفع إلى العصّار سمسماً وقاطعه على شيرج أنقص ، لم يجز.
وكذا مع التساوي فيهما. أمّا الأوّل : فلربا الفضل ، وأمّا الثاني : فلربا النسيئة.
وسأله محمّد بن مسلم عن الرجل يدفع إلى الطحّان الطعام فيقاطعه على أن يُعطي صاحبه لكلّ عشرة اثنتي عشرة دقيقاً ، فقال : « لا » قال : فقلت : فالرجل يدفع السمسم إلى العصّار ويضمن له لكلّ صاع أرطالاً مسمّاة ، قال : « لا »(٣) .
مسألة ١٠٤ : يكره أن يدفع الإنسان إلى غيره البقر والغنم على أن يدفع إليه كلّ سنة من ألبانها وأولادها شيئاً معلوماً. وإن فعل ذلك ، كان ضريبةً غير لازمة.
وكذا يكره أن يدفع الغنم والإبل إلى غيره على أن يبدل له - إذا
____________________
(١) الرَّيْعُ : النماء والزيادة. لسان العرب ٨ : ١٣٧ « ريع ».
(٢) الكافي ٥ : ١٨٩ / ٩ ، التهذيب ٧ : ٩٥ / ٤٠٤.
(٣) الكافي ٥ : ١٨٩ / ١١ ، التهذيب ٧ : ٩٦ / ٤١١.
ولدت - الذكور بالإناث وبالعكس.
لأنّ الصادقعليهالسلام سُئل عن رجلٍ قال لرجلٍ : ادفع إليَّ غنمك وإبلك تكون معي فإذا ولدت أبدلت لك إن شئت إناثها بذكورها أو ذكورها بإناثها ، فقال : « إنّ ذلك فعلٌ مكروه ، إلّا أن يبدلها بعد ما تولّد ويعزلها ».
قال : وسألته عن الرجل يدفع إلى الرجل بقراً وغنماً على أن يدفع اليه كلّ سنة من ألبانها وأولادها كذا وكذا ، قال : « ذلك مكروه »(١) .
مسألة ١٠٥ : لا ربا بين الولد ووالده ، فلكلّ واحد منهما أن يأخذ الفضل من صاحبه ؛ لأنّ مال الولد في حكم مال الوالد. وكذا بين السيّد وعبده المختصّ به ؛ لأنّ مال العبد لمولاه. ولا بين الرجل وزوجته ، ولكلٍّ منهما أن يأخذ الفضل من صاحبه. ولا بين المسلم والحربيّ ، فيأخذ منهم الفضل ولا يعطيهم إيّاه ؛ لأنّهم في الحقيقة فيءٌ للمسلمين.
ولقول الباقرعليهالسلام : « ليس بين الرجل وولده وبينه وبين عبده ولا بين أهله ربا ، إنّما الربا فيما بينك وبين ما لا تملك » قلت : والمشركون بيني وبينهم ربا؟ قال : « نعم » قلت : فإنّهم مماليك ، فقال : « إنّك لست تملكهم ، إنّما تملكهم مع غيرك ، أنت وغيرك فيهم سواء ، والذي بينك وبينهم ليس من ذلك ، لأنّ عبدك ليس مثل عبد غيرك »(٢) .
وعن الصادقعليهالسلام قال : « قال أمير المؤمنينعليهالسلام : ليس بين الرجل وولده ربا ، وليس بين السيّد وعبده ربا »(٣) .
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٢٠ - ١٢١ / ٥٢٦ ، وفي الكافي ٥ : ١٩١ / ٩ بدون الذيل.
(٢) الاستبصار ٣ : ٧١ / ٢٣٦ ، وفي الكافي ٥ : ١٤٧ / ٣ ، والتهذيب ٧ : ١٧ / ٧٥ بزيادة يسيرة.
(٣) الكافي ٥ : ١٤٧ / ١ ، التهذيب ٧ : ١٨ / ٧٦.
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا ، فإنّا نأخذ منهم ألف درهم بدرهم ونأخذ منهم ولا نعطيهم »(١) .
فروع :
أ - لا فرق في تحريم الربا بين المسلمين بين دار الحرب ودار الإسلام ، فلا يجوز للمسلم أن يُربي على المسلم في الدارين - وبه قال مالك وأحمد والشافعي وأبو يوسف(٢) - للعموم(٣) .
وقال أبو حنيفة : لا ربا بين مسلمَين(٤) إذا أسلما في دار الحرب(٥) .
ب - لا ربا عندنا بين المسلم والحربيّ سواء كان ذا أمان أو لا ، وسواء كان في دار الإسلام أو دار الحرب - وبه قال أبو حنيفة(٦) - للأحاديث السابقة.
وروى الجمهور عن النبيصلىاللهعليهوآله قال : « لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب »(٧) ونحن لم نشرط الدار.
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٤٧ / ٢ ، التهذيب ٧ : ١٨ / ٧٧ ، الاستبصار ٣ : ٧٠ - ٧١ / ٢٣٥.
(٢) المغني ٤ : ١٧٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٩٩ ، الحاوي الكبير ٥ : ٧٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٩٢ ، الوسيط ٣ : ٤٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٦١.
(٣) البقرة : ٢٧٥.
(٤) في « ق ، ك» : المسلمَيْن.
(٥) المغني ٤ : ١٧٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٩٩ - ٢٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٩ - ١٠٠.
(٦) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٦٦ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٤٩ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٩٢ ، حلية العلماء ٤ : ١٩٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ٧٥ ، المغني ٤ : ١٧٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٩٩.
(٧) أورده ابنا قدامة في المغني ٤ : ١٧٦ ، والشرح الكبير ٤ : ٢٠٠ نقلاً عن مكحول.
ولأنّه في الحقيقة فيء للمسلمين وقد بذل ماله بإذنه للمسلم فجاز(١) له أخذه منه حيث أزال أمانه عنه ببذله له.
وقال الشافعي ومالك وأحمد وأبو يوسف : يثبت الربا بين المسلم والحربيّ مطلقاً كثبوته بين المسلمين ؛ للعموم(٢) (٣) .
ج - هل يثبت الربا بين الجدّ وولد الولد؟ إشكال ، أقربه : الثبوت ؛ عملاً بالعموم الدالّ على التحريم ، وأصالة إرادة الحقيقة ، وولد الولد يسمّى ولداً مجازاً.
وكذا يثبت بينه وبين زوجته بالعقد المنقطع ؛ لأنّ التفويض في مال الرجل إنّما يثبت(٤) في حقّ العقد الدائم ، فإنّ للزوجة أن تأخذ من مال الرجل المأدوم.
ولا فرق بين الولد الذكر والأنثى ، لشمول اسم الولد لهما.
د - يثبت الربا بين السيّد وعبده المشترك بينه وبين غيره ، لخروج حصّة الغير عن ملكه في نفس العبد وفيما في يده ، وعليه دلّ حديث الباقر(٥) عليهالسلام .
ه- في ثبوت الربا بين المسلم والذمّيّ خلاف أقربه : الثبوت ؛ لعصمة أموالهم ، وعموم الأحاديث والنصوص الدالّة على تحريم مطلق الربا.
مسألة ١٠٦ : يجب على آخذ الربا المحرَّم ردّه على مالكه إن عرفه ؛ لأنّه مالٌ له لم ينتقل عنه إلى الآخذ ، ويده يد عادية ، فيجب دفعه إلى المالك
____________________
(١) في « ق ، ك» : فجائز.
(٢) البقرة : ٢٧٥.
(٣) الحاوي الكبير ٥ : ٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٦١ ، المغني ٤ : ١٧٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٩٨ - ١٩٩ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٩٢.
(٤) في « ق ، ك» : ثبت.
(٥) الكافي ٥ : ١٤٧ / ٣ ، التهذيب ٧ : ١٧ / ٧٥ ، الاستبصار ٣ : ٧١ / ٢٣٦.
كالغصب. ولو لم يعرف المالك ، تصدّق به عنه ؛ لأنّه مجهول المالك. ولو وجد المالك قد مات ، سلّم إلى الوارث ، فإن جهلهم ، تصدّق به إذا لم يتمكّن من استعلامهم. ولو لم يعرف المقدار وعرف المالك ، صالحه. ولو لم يعرف المالك ولا المقدار ، أخرج خُمْسه ، وحلّ له الباقي.
هذا إذا فَعَل الربا متعمّداً ، وأمّا إذا فَعَله جاهلاً بتحريمه ، فالأقوى أنّه كذلك.
وقيل : لا يجب عليه ردّه(١) ؛ لقوله تعالى :( فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ ) (٢) وهو يتناول المال الذي أخذه على وجه الربا.
وسُئل الصادقعليهالسلام عن الرجل يأكل الربا وهو يرى أنّه له حلال(٣) ، قال : « لا يضرّه حتى يصيبه متعمّداً [ فإذا أصابه متعمّداً ](٤) فهو بمنزلة الذي قال الله عزّ وجلّ »(٥) .
وفي الصحيح عن الصادقعليهالسلام قال : « أتى رجل إلى أبيعليهالسلام (٦) ، فقال : إنّي قد(٧) ورثت مالاً وقد علمت أنّ صاحبه الذي ورثته منه قد كان يُربي وقد عرفت أنّ فيه رباً وأستيقن ذلك وليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه وقد سألت فقهاء أهل العراق وأهل الحجاز ، فقالوا : لا يحلّ لك أكله
____________________
(١) قال به الشيخ الطوسي في النهاية : ٣٧٦.
(٢) البقرة : ٢٧٥.
(٣) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : أنّ له حلالاً. وما أثبتناه من المصدر.
(٤) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٥) الكافي ٥ : ١٤٤ - ١٤٥ / ٣ ، التهذيب ٧ : ١٥ / ٦٦.
(٦) في « ق ، ك » : أتى رجل أبيعليهالسلام . وفي الطبعة الحجريّة والتهذيب : أتى رجل إلى أبي عبد اللهعليهالسلام . وهو كما ترى.
(٧) كلمة « قد » لم ترد في « ق ، ك».
من أجل ما فيه ، فقال له أبو جعفرعليهالسلام : إن كنت تعرف أنّ فيه مالاً معروفاً رباً وتعرف أهله فخُذْ رأس مالك وردّ ما سوى ذلك ، وإن كان مختلطاً فكُلْه هنيئاً ، فإنّ المال مالك ، واجتنب ما كان يصنع صاحبه ، فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد وضع ما مضى من الربا وحرّم عليهم ما بقي ، فمن جهله وسع له جهله حتى يعرفه ، فإذا عرف تحريمه حرم عليه ، ووجب عليه فيه العقوبة إذا ركبه ، كما يجب على مَنْ يأكل الربا »(١) .
إذا تقرّر هذا ، فإنّما أباحعليهالسلام له الربا مع امتزاجه بناءً على أنّ الميّت ارتكبه بجهالةٍ ، وتمام الحديث يدلّ عليه.
القسم الثالث : الغرر. وقد نهى رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن بيع الغرر(٢) ، كبيع عسيب الفحل ، وبيع ما ليس عنده ، وبيع الحمل في بطن اُمّه ؛ لنهيهعليهالسلام عنه(٣) . ولأنّه غرر ؛ لعدم العلم بسلامته وصفته وقد يخرج حيّاً أو ميّتاً ، ولا يقدر على تسليمه عقيب العقد ولا الشروع فيه ، بخلاف الغائب.
ومن الغرر بيع الملاقيح والمضامين. والملاقيح ما في بطون الاُمّهات ، والمضامين ما في أصلاب الفحول. وكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة وما يضربه الفحل في عام أو أعوام(٤) .
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٦ / ٧٠ ، وبتفاوت في بعض الألفاظ في الكافي ٥ : ١٤٦ ضمن الحديث ٩ ، والفقيه ٣ : ١٧٥ / ٧٨٩.
(٢) صحيح مسلم ٣ : ١١٥٣ / ١٥١٣ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٣٩ / ٢١٩٤ و ٢١٩٥ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٥٤ / ٣٣٧٦ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٣٢ / ١٢٣٠ ، سنن الدار قطني ٣. ١٥ / ٤٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٣٨ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٥١ ، الموطّأ ٢ : ٦٦٤ / ٧٥ ، مسند أحمد ١ : ٤٩٧ / ٢٧٤٧.
(٣) سنن البيهقي ٥ : ٣٣٨ و ٣٤١ ، غريب الحديث - للهروي - ١ : ٢٠٦ ، الاستذكار - لابن عبد البرّ - ٢٠ : ٩٨ / ٢٩٤٠٠.
(٤) كما في المغني ٤ : ٢٩٨ ، الشرح الكبير ٤ : ٣١.
ومنه بيع المـَجْر ؛ لنهيهعليهالسلام عنه(١) . ولأنّه غرر.
قال أبو عبيدة : هو بيع ما في الأرحام(٢) . وقيل : القمار(٣) ، وقيل : المحاقلة والمزابنة(٤) .
ويجوز أن يبيع الدابّة ويشترط حملها ؛ لقولهعليهالسلام : « المؤمنون عند شروطهم »(٥) والجهالة هنا لا تضرّ ؛ لأنّه تابع ، فأشبه أساسات الحيطان ، وهو أحد قولي الشافعيّة بناءً منه على أنّ الحمل له حكمه(٦) ، فيجوز اشتراطه. وفي الثاني : لا يجوز بناءً على أنّه لا حكم للحمل(٧) .
ولو باعها على أنّها تضع بعد شهر أو مدّة بعينها ، بطل العقد - وبه قال الشافعي(٨) - لأنّه شرط غير مقدور.
مسألة ١٠٧ : لو باع شاةً على أنّها لبون ، صحّ - وبه قال الشافعي في أحد
____________________
(١) غريب الحديث - للهروي - ١ : ٢٠٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٤١ ، الاستذكار - لابن عبد البرّ - ٢٠ : ٩٨ / ٢٩٤٠٠.
(٢) حكاه عنه الرافعي في العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٤.
(٣ و ٤) المغني ٤ : ٢٩٨ ، الشرح الكبير ٤ : ٣١.
واختلف في معنى المحاقلة ، فقيل : هي اكتراء الأرض بالحنطة. وقيل : هي المزارعة على نصيب معلوم كالثلث والربع ونحوهما. وقيل : هي بيع الطعام في سُنبلة بالبُرّ. وقيل : بيع الزرع قبل إدراكه. النهاية - لابن الأثير - ١ : ٤١٦ « حقل».
وأمّا المزابنة فهي بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر. وأصله من الزبن ، وهو الدفع ، كأنّ كل واحد من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقّه بما يزداد منه. النهاية - لابن الأثير - ٢ : ٢٩٤ « زبن ».
(٥) التهذيب ٧ : ٣٧١ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٢٣٢ / ٨٣٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ٣٣.
(٦) في الطبعة الحجريّة : حكم.
(٧) الوسيط ٣ : ٨٥ ، الوجيز ١ : ١٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٢ ، المجموع ٩ : ٣٢٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٣.
(٨) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٣.
القولين(١) - لأنّه يتحقّق وجوده في الحيوان ، ويأخذ قسطاً من الثمن ، فجاز شرطه.
وقال أبو حنيفة : لا يجوز ؛ لأنّه لا يصحّ بيعه في الضرع فلا يصحّ اشتراطه ، كالحمل(٢) .
وبطلان التالي ممنوع. والفرق : عدم العلم بوجود الحمل ، بخلاف اللبن ، فإنّه معلوم الوجود.
أمّا لو شرط أنّها تحلب قدرا معلوما في كلّ يوم ، فإنّه لا يصحّ ، لتعذّر الوفاء به ، ولعدم ضبط اللبن.
مسألة ١٠٨ : يجوز بيع البيض المنفصل إذا كان ممّا يؤكل لحمه - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّ المقصود وإن كان مستوراً إلّا أنّه لمصلحته ، كالجوز.
وإن كان غير ما يؤكل لحمه ، جاز عندنا أيضاً إذا كان ممّا ينتفع به بأن يصير فرخاً ؛ لأنّه لا ينتفع به في الأكل ، وهو أحد قولي الشافعي بناءً على أنّ منيّة نجس أم لا ، فإن كان نجساً ، لم يجز بيعه ، وإلّا جاز(٤) .
وأمّا إذا كان متّصلاً بالحيوان ، فلا يجوز بيعه منفردا ، كالحمل ، ويجوز اشتراطه.
وإن انفصل من الحيوان بعد موته ، فإن كان قد اكتسى الجلد الفوقاني الصلب ، كان مباحاً. وإن لم يكتس الجلد الصلب ، كان حراماً ؛ لأنّه مائع
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٢٦ ، الوسيط ٣ : ٨٤ ، المجموع ٩ : ٣٢٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٥٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٨ ، الشرح الكبير ٤ : ٥٥.
(٣) اُنظر : المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٦٩.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٦٩ ، المجموع ٩ : ٢٥٣ ، حلية العلماء ٤ : ٧٢.
فينجس بها ، وهو قول بعض الشافعيّة(١) .
وقال بعضهم : إنّه لا يحلّ(٢) ؛ لأنّه بمنزلة لحمها. وهو ممنوع.
ويجوز بيع بزر القزّ عندنا ؛ لأنّه طاهرٌ ينتفع به ، وهو أحد وجهي الشافعيّة. وفي الثاني : لا يجوز بناءً على بيض ما لا يؤكل لحمه(٣) .
مسألة ١٠٩ : ومن الغرر بيع الطير في الهواء والسمك في الماء وقد سلف(٤) . ولا يجوز استئجار بِرَك الحِيتان لأخذ السمك منها - وبه قال الشافعي(٥) - لأنّ العين لا تُملك بالإجارة. وبيع السمك فيها لا يجوز ؛ لأنّه غرر.
فإن استأجرها ليحبس السمك فيها ويأخذه ، جاز ، كما يجوز إجارة الشبكة للصيد. ولأنّه عقد على منفعة مقصودة ، فجاز العقد عليها ، وبه قال أكثر الشافعيّة(٦) .
وقال أبو حامد(٧) في التعليق : لا يجوز. وفرّق بين البِرْكة والشبكة ؛ فإنّ الشبكة تحبس الصيد، والاصطياد يكون بها ، وأمّا البِرْكة فإنّ الصيد
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ١٨ ، المجموع ١ : ٢٤٤ ، حلية العلماء ١ : ١١٩ ، التهذيب - للبغوي - ١ : ١٨٦ ، روضة الطالبين ١ : ١٢٨.
(٢) التهذيب - للبغوي - ١ : ١٨٦ ، المجموع ١ : ٢٤٤ ، روضة الطالبين ١ : ١٢٨ ، حلية العلماء ١ : ١١٩ - ١٢٠.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٦٩ ، المجموع ٩ : ٢٥٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٤.
(٤) في ص ٥٠ و ٥١ ، المسألتان ٢٧ و ٢٨.
(٥ و ٦) المجموع ٩ : ٢٨٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٢٥.
(٧) هو أحمد بن محمّد الإسفرائيني ، المتوفّى سنة ٤٠٦ ه ، له مصنّفات منها :
التعليقة الكبرى في الفروع. كشف الظنون ١ : ٤٢٣ - ٤٢٤. وانظر ترجمته في طبقات الفقهاء - للشيرازي - : ٢٢٣ ، وتاريخ بغداد ٤ : ٣٦٨ - ٣٧٠ / ٢٢٣٩ ، وتهذيب الأسماء واللغات ٢ : ٢٠٨ - ٢١٠. وكتابه هذا لم يتوفّر لدينا.
ينحصر فيها بغيرها.
وهذا لا معنى له ؛ لأنّ البِرْكة بها يمكن الاصطياد ويحبس كالشَّرَك(١) ، والانتفاع المقصود حاصل بها.
فروع :
أ - لو استأجر أرضاً للزراعة فدخل إليها السمك ثمّ نضب الماء منها وبقي السمك ، لم يملكه المستأجر بذلك ، بل كان أحقّ به ؛ لأنّ غيره ليس له التخطّي في الأرض ولا الانتفاع بها ، فلو تخطّى أجنبيٌّ فأخذ السمك ، ملكه بالأخذ.
ب - لو طفرت سمكة إلى سفينة فيها رُكّاب ، لم يملكها صاحب السفينة ، وهي لآخذها ، وليس صاحب السفينة أحقّ بها من الركّاب ؛ لأنّ لهم التخطّي فيها.
ج - لو عشَّش الطائر في دار أو أرض وفرَّخ فيها ، أو توحَّل الظبي في أرضه ، لم يملكه بذلك ما لم يثبت يده عليه ، ويكون صاحب الأرض أحقّ بذلك. وكذا إذا سقط ثلج في أرض إنسان ، لم يملكه بذلك ، وكان أحقّ به. ولو دخل الماء في أرضه ، لم يملكه. فإن نصب شبكة فوقع فيها صيد ، ملكه وإن كانت في غير أرضه ؛ لأنّها بمنزلة يده. وكذا لو غرف الماء بدلوه ولو من أرض غيره ، ملكه. وهذه الفروع كلّها موافقة للشافعيّة(٢) .
مسألة ١١٠ : بيع الفضولي جائز عندنا لكن يكون موقوفاً على إجازة المالك ، فإن أجاز البيع ، لزم ، وإلّا بطل. ولا يقع فاسداً في أصله ولا لازماً.
____________________
(١) الشَّرَك : حبائل الصائد. لسان العرب ١٠ : ٤٥٠ « شرك ».
(٢) لم نعثر على تلك الفروع في مظانّها من المصادر المتوفّرة لدينا.
ولا فرق بين البيع والشراء - وبه قال مالك والشافعي في القديم(١) - لأنّه عقد صدر من أهله في محلّه ، وله مُجيزٌ في حال وقوعه ، فجاز أن يقف على إجازته ، كالوصيّة.
ولأنّهعليهالسلام دفع إلى عروة البارقي ديناراً يشتري به شاةً ، فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينار وجاء بشاة ، ودينار ، فقال النبيّعليهالسلام : « بارك الله في صفقة يمينك »(٢) فأجازعليهالسلام بيع الشاة وشراء الشاتين ، ولو كان بيع الفضولي وشراؤه باطلين ، لما أقرّهعليهالسلام على ذلك.
وقال أبو حنيفة : يقف البيع على إجازة المالك ، ولا يقف الشراء على إجازة المشتري له ، بل يقع للوكيل(٣) .
وعن أحمد روايتان في البيع والشراء جميعاً(٤) .
وقال الشافعي في الجديد : يبطل البيع من أصله(٥) ؛ لقولهعليهالسلام لحكيم ابن حزام : « لا تبع ما ليس عندك »(٦) .
____________________
(١) بداية المجتهد ٢ : ١٧٢ ، منهاج الطالبين : ٩٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١ ، المجموع ٩ : ٢٥٩ و ٢٦١ ، حلية العلماء ٤ : ٧٦ و ٧٧ ، الوسيط ٣ : ٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣٠ ، المغني ٤ : ٢٩٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٨.
(٢) سنن الترمذي ٣ : ٥٥٩ / ١٢٥٨ ، سنن الدار قطني ٣ : ١٠ / ٢٩.
(٣) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٦٨ و ٦٩ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٤٨ و ١٥٠ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٢٦ ، حلية العلماء ٤ : ٧٥ ، الوسيط ٣ : ٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢ ، المجموع ٩ : ٢٦١ ، المغني ٤ : ٢٩٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٨.
(٤) المغني ٤ : ٢٩٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٨ ، حلية العلماء ٤ : ٧٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢ ، المجموع ٩ : ٢٦١ ، بداية المجتهد ٢ : ١٧٢.
(٥) الوسيط ٣ : ٢٢ ، الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣١ ، حلية العلماء ٤ : ٧٤ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣٠ ، منهاج الطالبين : ٩٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١ ، المجموع ٩ : ٢٥٩ ، المغني ٤ : ٢٩٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٨.
(٦) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٣٧ / ٢١٨٧ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٨٣ / ٣٥٠٣ ، سنن النسائي =
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « نهى رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن سلف وبيع ، وعن بيعين في بيع ، وعن بيع ما ليس عندك ، وعن ربح ما لم يضمن »(١) .
ولأنّ بيع الآبق غير صحيح مع كونه مملوكاً ؛ لعدم القدرة على التسليم ، فبيع ما لا ملك فيه ولا قدرة على تسليمه أولى.
والجواب : النهي لا يدلّ على الفساد في المعاملات. ونمنع التعليل في الآبق بما ذُكر ، سلّمنا لكنّ الفرق ظاهر ؛ فإنّ القدرة في المتنازع موجودة إذا أجاز المالك.
فروع :
أ - هذا الخلاف الواقع في بيع الفضولي أو شرائه ثابت في النكاح على الأقوى وإن كان للشيخ قول بأنّ النكاح لا يقع موقوفاً بل إمّا لازم أو باطل(٢) .
أمّا الطلاق فللشافعي القولان فيه وكذا في العتق(٣) .
وأمّا الإجارة والهبة فعندنا يقعان موقوفين على الإجازة. وللشافعي القولان(٤) .
ب - لو اشترى الفضولي لغيره شيئاً بعين مال الغير ، وقف على الإجازة
____________________
= ٧ : ٢٨٩ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٦٧ ، مسند أحمد ٤ : ٤٠٣ / ١٤٨٨٧ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٣ : ٢١٧ / ٣٠٩٧.
(١) التهذيب ٧ : ٢٣٠ / ١٠٠٥.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٤ : ١٦٣ ، الخلاف ٤ : ٢٥٧ - ٢٥٨ ، المسألة ١١.
(٣ و ٤) المجموع ٩ : ٢٥٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢.
عندنا ، وهو القديم للشافعي ، وعلى الجديد لا يصحّ(١) .
وإن اشترى في الذمّة ، فإن أطلق ونوى كونه للغير ، وقف على الإجازة ، فإن ردّ ، نفذ في حقّه ، وهو القديم للشافعي ، وعلى الجديد يقع للمباشر(٢) .
ولو أضاف فقال : اشتريت لفلان بألفٍ في ذمّته ، فهو كما لو اشترى بعين ماله. ولو قال : اشتريت لفلان بألف ، ولم يضف الثمن إلى ذمّة الغير ، وقف على إجازة الغير ، فإن ردّ ، احتمل نفوذه في حقّه. والبطلان.
وعلى قول الشافعي في القديم : يقف على الإجازة ، فإن ردّ ، فالاحتمالان(٣) . وعلى الجديد وجهان : إلغاء التسمية فيقع العقد عن المباشر. والبطلان(٤) .
ج - لو اشترى الفضولي لغيره شيئاً بمال نفسه ، فإن لم يُسمّه ، وقع العقد عن المباشر سواء أذن ذلك الغير أو لا. وإن سمّاه ، فإن لم يأذن له ، لغت التسمية ، وبه قال الشافعي(٥) .
وهل يقع عنه أو يبطل من أصله؟ احتمال. وللشافعي وجهان(٦) .
وإن أذن له ، فهل تلغو التسمية؟ للشافعي وجهان ، فإن قلنا به ، ففي
____________________
(١ و ٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١ ، المجموع ٩ : ٢٦٠.
(٣) في « ق ، ك» ، والطبعة الحجريّة : فالاحتمالات. وما أثبتناه موافق لما في المصادر.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣٠ - ٥٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١ - ٢٢ ، المجموع ٩ : ٢٦٠.
(٥ و ٦) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢ ، المجموع ٩ : ٢٦٠.
بطلان العقد أو وقوعه عن العاقد وجهان. وإن قلنا : لا ، وقع عن الآذن(١) .
والثمن المدفوع هل يكون قرضاً أو هبةً؟ فيه للشافعي وجهان(٢) .
والأقرب : البطلان فيما لو أذن ؛ إذ ليس للإنسان أن يملك شيئاً والثمن على غيره.
وقال أبو حنيفة في البيع والنكاح : إنّه يقف عقد الفضولي فيه على الإجازة. وأمّا الشراء فقد قال في صورة الشراء المطلق : يقع عن العاقد ، ولا يقع موقوفاً(٣) .
وعن أصحابه اختلاف فيما إذا سمّى الغير(٤) .
د - شرط الوقف(٥) عند أبي حنيفة أن يكون للعقد مُجيزٌ في الحال سواء كان مالكاً أو لا حتى لو أعتق عن الطفل أو طلّق امرأته ، لا يتوقّف على إجازته بعد البلوغ. والمعتبر إجازة من يملك التصرّف عند العقد حتى لو باع مال الطفل فبلغ وأجاز ، لم ينعقد. وكذا لو باع مال الغير ثمّ ملكه وأجاز(٦) .
والمعتمد : أنّ الطلاق لا يقع موقوفاً.
ه- لو غصب مالاً وباعه وتصرّف في ثمنه مرّة بعد اُخرى ، كان ذلك موقوفاً على اختيار المالك في إجازة الجميع أو أيّها شاء ، وفسخ الجميع أو أيّها شاء ، وله تتبّع العقود الكثيرة ، فيراعي مصلحته ، وهذا أضعف
____________________
(١ و ٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢ ، المجموع ٩ : ٢٦٠.
(٣) بدائع الصنائع ٥ : ١٤٨ - ١٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢ ، المجموع ٩ : ٢٦١.
(٤) كما في العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢.
(٥) أي : توقُّف صحّة تصرّف الفضولي على الإجازة.
(٦) بدائع الصنائع ٥ : ١٤٩ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٢٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢.
قولي الشافعي ، والأصحّ عنده : البطلان(١) .
وكذا الخلاف لو ربح الغاصب في المغصوب ، يكون الربح له أو للمالك؟(٢) .
والحقّ عندنا أنّه إن اشترى بعين المال ، كان للمالك الربحُ مع الإجازة. وإن لم يجز ، بطل البيع من أصله. وإن اشترى في الذمّة ، فللغاصب الربحُ ؛ لأنّه نقد المال ديناً عليه.
و - لو باع مال أبيه على ظنّ أنّه حيٌّ وأنّه فضوليٌّ فظهر بعد العقد أنّه كان ميّتاً وأنّ الملك كان للبائع ، فإنّه يصحّ البيع ؛ لصدوره من المالك في محلّه ، وهو أصحّ قولي الشافعي(٣) . وهذا بخلاف ما لو أخرج مالاً وقال : إن مات مورّثي فهذا زكاة ما ورثته منه ، وكان قد ورث ، فإنّه لا يجزئه ؛ لأنّ النيّة شرط في الزكاة ، ولم يبن نيّته على أصل ، أمّا البيع فلا حاجة له إلى النيّة.
والثاني للشافعي : البطلان ، فإنّه وإن كان منجّزاً في الصورة إلّا أنّه معلّق في المعنى. والتقدير : إن مات مورّثي فقد بعتك. ولأنّه كالعابث حيث باشر العقد مع اعتقاده(٤) أنّه لغيره ، والعبث لا عبرة به في نظر الشرع(٥) .
____________________
(١) الوسيط ٣ : ٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢ ، المجموع ٩ : ٢٦٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣.
(٣) الوسيط ٣ : ٢٣ ، الوجيز ١ : ١٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢ ، المجموع ٩ : ٢٦١.
(٤) في « ق ، ك» : اعتقاد.
(٥) الوسيط ٣ : ٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢ - ٢٣ ، المجموع ٩ : ٢٦١.
وأمّا الهازل فلا ينعقد بيعه عندنا. وفي انعقاده عنده وجهان(١) .
وكذا بيع التلجئة باطل عندنا. وصورته أن يخاف غصب ماله والإكراه(٢) على بيعه فيبيعه من إنسان بيعاً مطلقاً ولكن توافقا قبله على أنّه لدفع الظلم.
وظاهر مذهب الشافعي انعقاده(٣) .
وهو خطأ ؛ لقوله تعالى :( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) (٤) .
وكذا الخلاف عنده لو باع العبد على [ ظنّ ](٥) أنّه آبق أو مكاتب فظهر أنّه قد رجع أو فسخ الكتابة ، وفيما إذا زوّج أمة أبيه على ظنّ أنّه حيّ ثمّ بان موته هل يصحّ النكاح؟(٦)
والوجه عندنا : صحّة ذلك.
أمّا لو قال : إن مات أبي فقد زوّجتك هذه الجارية ، فإنّ العقد هنا باطل ، لتعلّقه على شرط. وله قولان(٧) .
وهذه المسألة مع أكثر فروعها قد سبقت(٨) .
مسألة ١١١ : يجوز بيع الأعمى وشراؤه ، سواء كان أكمه وهو الذي
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣ ، المجموع ٩ : ٢٦١.
(٢) كذا ، والظاهر : أو الإكراه.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣ ، المجموع ٩ : ٢٦١ ، المغني ٤ : ٣٠٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٩.
(٤) النساء : ٢٩.
(٥) أضفناها من المصدر.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣ - ٣٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣ ، المجموع ٩ : ٢٦١.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣ ، المجموع ٩ : ٢٦١.
(٨) في ص ١٤ وما بعدها ، المسألة ٥ وفروعها.
خُلق أعمى ، أو يكون قد عمي بعد أن أبصر لكن بشرط علمه بالمبيع أو المشتري إمّا باللمس إن عرفه به أو بالذوق إن علمه به أو يوصف له وصفاً يرفع الجهالة - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد(١) - لعموم الجواز. ولأنّه بيع صدر من أهله في محلّه ، فكان سائغاً. ولأنّ المقتضي موجود ، والأصل ، والمعارض لا يصلح للمانعيّة ؛ لأنّا فرضنا معرفته ، فكان كما لو باع شيئاً غائباً عنه يعلم بالمشاهدة. ولأنّ في الصحابة مَنْ كان أعمى ولم ينقل أنّهم منعوا من البيع مع كثرتهم ، ولو كانوا منعوا ، لنقل. ولأنّ الأخرس تقوم إشارته مقام عبارته فالأعمى ينبغي أن يقوم مسّه وذوقه وشمّه مقام رؤيته.
وقال الشافعي : إن كان أكمه ، لم يجز بيعه. وإن كان عمي بعد أن كان بصيراً ، فإن اشترى ما لم يره ، لم يجز البيع. وإن اشترى ما قد كان رآه ، فإن كان الزمان يسيراً لا يتغيّر في مثله أو كان المبيع ممّا لا يتغيّر وإن مرّ عليه الزمان الطويل ، فإنّ هذا يجوز له بيعه. فإنّ وجده متغيّراً ، ثبت له الخيار. وإن كان قد مضى زمان يتغيّر فيه كأن رآه صغيراً(٢) وقد صار رجلاً ، فإنّه لا يصحّ بيعه.
هذا على القول بعدم جواز بيع خيار الرؤية ، وأمّا على الجواز فهل يصحّ بيعه؟ فيه وجهان :
أحدهما : لا يجوز أيضاً ؛ لأنّ بيع خيار الرؤية يثبت فيه الخيار متعلّقاً
____________________
(١) التلقين - في الفقه المالكي - ١ - ٢ : ٣٨٤ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣٥ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٣٤ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٧٩ ، ١١٥٧ ، المغني ٤ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٢ ، المجموع ٩ : ٣٠٢ - ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢.
(٢) أي : كأن رأى العبد المبيع صغيراً.
بالرؤية ، وهذا منفي في حقّ الأعمى.
والثاني : يجوز ؛ لأنّ رؤيته إذا لم تكن شرطاً في صحّة البيع فلم يفقد في حقّ الأعمى إلّا الرؤية. ويمكن أن يقوم صفة غيره له مقام رؤيته في إثبات الخيار.
ووجه المنع : أنّه مبيع مجهول الصفة عند العاقد ، فلا يصحّ بيعه ، كما لو قال : بعتك عبداً(١) .
والجواب : المنع من جهل الصفة ، إذ التقدير العلمُ بها.
إذا ثبت هذا ، فقد أثبت علماؤنا وأبو حنيفة(٢) له الخيار إلى معرفته بالمبيع إمّا بمسّه أو بذوقه أو أن يوصف له إذا لم يدركه بذلك.
واعلم أنّ السَّلَم كالحالّ يجوز بيع الأعمى فيه وشراؤه كالبصير ، وبه قال الشافعي(٣) .
قال المزنيّ : أراد بذلك الأعمى الذي عرف الألوان قبل أن يعمى ، فأمّا مَنْ خُلق أعمى فلا معرفة له بالأعيان.
وصوَّب المزنيَّ أبو العباس وأبو علي ابن أبي هريرة. وخطّأه أبو إسحاق المروزي ؛ فإنّ الأعمى يجوز أن يتعرّف الصفات في نفسه
____________________
(١) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ١٧٠ - ١٧١ ، المسألة ٢٧٩. وانظر : المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧١ ، والمجموع ٩ : ٣٠٢ - ٣٠٣ ، وروضة الطالبين ٣ : ٣٥ ، والتهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣٥ ، والعزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢ ، ومختصر اختلاف العلماء ٣ : ٧٩ ، ١١٥٧ ، والمغني ٤ : ٢٩٩ ، والشرح الكبير ٤ : ٣٢.
(٢) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٣٤ ، المغني ٤ : ٢٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٢.
(٣) الوسيط ٣ : ٣٨ ، الوجيز ١ : ١٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٣ و ٥٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٣ ، المجموع ٩ : ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٦ ، حلية العلماء ٤ : ٣٥٥ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣٥.
بالسماع ، فإذا أسلم في ثوب موصوف ، جاز ، ويكون بمنزلة بصير يُسلم في شيء لم يره ويذكر أوصافه ، فإنّه يجوز ، كذا هنا(١) .
وهذه المسألة أيضاً قد سلفت(٢) .
مسألة ١١٢ : من الغرر جهالة الثمن على ما تقدّم ، ومن صُور الجهالة أن يبيع الشيء بثمنين مختلفين أحدهما حالٌّ والآخر مؤجّل ، أو أحدهما إلى أجل والآخر إلى أزيد ، فيقول مثلاً : بعتك هذا الثوب إما بعشرة دراهم نقدا أو باثني عشر نسيئة ، وإمّا بعشرة مؤجّلة إلى شهر أو باثني عشر إلى شهرين - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله نهى عن بيعتين(٤) في بيعة(٥) .
وفسّره الشافعي بأمرين ، أحدهما هذا ، قال : ويحتمل أن يكون المراد أن يقول : بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني دارك هذه بألف(٦) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « نهى رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن
____________________
(١) مختصر المزني : ٨٨ ، حلية العلماء ٤ : ٣٥٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٣٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٣ - ٣٠٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٣ و ٥٤.
(٢) في ص ٢٤ ، المسألة ٧.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٣ ، المجموع ٩ : ٣٣٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٤ ، الوجيز ١ : ١٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٤ ، الوسيط ٣ : ٧١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣٦.
(٤) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : بيعين. وما أثبتناه من المصادر.
(٥) سنن الترمذي ٣ : ٥٣٣ / ١٢٣١ ، سنن النسائي ٧ : ٢٩٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٤٣ ، مسند أحمد ٢ : ٣٦٦ / ٦٥٩١ ، و ٣ : ٢٤٦ / ٩٧٩٥ ، و ٢٩٧ / ١٠١٥٧ ، الموطّأ ٢ : ٦٦٣ / ٧٢.
(٦) مختصر المزني : ٨٨ ، الوسيط ٣ : ٧٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٤١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٤ ، المجموع ٩ : ٣٣٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٤ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣٦ - ٥٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٤.
بيع ما ليس عندك ، وعن بيعين في بيع »(١) .
ولأنّ الثمن هنا مجهول ، فكان بمنزلة ما لو قال : بعتك هذا العبد أو هذه الجارية بألف.
أمّا لو قال : بعتك بعشرة نقداً وباثني عشر إلى شهر ، فإنّه كذلك عندنا ؛ لعدم التعيين.
وقال بعض(٢) علمائنا : يكون للبائع أقلّ الثمنين في أبعد الأجلين ؛ لأنّه رضي بنقل العين في مقابلة الثمن القليل بالأجل الكثير ، فلا تجوز الزيادة عليه لأجل الزيادة في الأجل.
ولما رواه السكوني عن الصادق عن الباقر عن آبائهعليهمالسلام : « أنّ عليّاًعليهالسلام قضى في رجل باع بيعاً واشترط شرطين : بالنقد كذا ، وبالنسيئة كذا ، فأخذ المبتاع على ذلك الشرط فقال : هو بأقلّ الثمنين وأبعد الأجلين ، يقول : ليس له إلاّ أقلّ النقدين إلى الأجل الذي أجّله نسيئةً »(٣) .
والجواب : يُمنع رضاه بالأقلّ ثمناً والأزيد أجلاً ، بل رضي بالأقلّ ثمناً مع قلّة الأجل ، وبالأكثر مع زيادته.
والرواية ضعيفة جدّاً ؛ لأنّ السكوني ضعيف ، والراوي عنه النوفلي ضعيف أيضاً.
وجوّز بعض الشافعيّة هذا البيع(٤) ، ويكون له بعشرة معجّلاً ، وباثني عشر مؤجّلاً.
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٢٣٠ / ١٠٠٥.
(٢) الشيخ الطوسي في النهاية : ٣٨٧ - ٣٨٨.
(٣) التهذيب ٧ : ٥٣ / ٢٣٠.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٤.
إذا ثبت هذا ، فالتفسير الذي ذكره الشافعي ثانياً ليس بشيء عندنا ؛ لأنّه يجوز البيع بشرط على ما يأتي إن شاء الله.
تذنيب : لو قال : بعتك نصف هذا العبد بألف ونصفه بألفين ، صحّ. ولو قال : بعتك هذا العبد بألف نصفه بستمائة ، لم يصحّ ؛ لأنّ ابتداء كلامه يقتضي توزيع الثمن على المثمن بالسويّة ، وآخره يناقضه ، هكذا قال بعض الشافعيّة(١) .
والأقوى عندي : الجواز ؛ لأنّ الأوّل كالمطلق أو العامّ ، والثاني كالمبيِّن له.
مسألة ١١٣ : من صُور جهالة الثمن ما لو استثنى بعضاً منه غير معلوم كأن يقول : بعتك بعشرة إلّا شيئاً ، أو جزءاً ، أو نصيباً ، ولم يُعيّن. ولا يحمل على الوصيّة اقتصاراً بما يخالف العرف على مورد النصّ خصوصاً مع عدم التنصيص في غيره.
ولو قال : بعتك هذا القفيز من الطعام بأربعة دراهم إلّا ما يخصّ واحداً منه ، فإن أراد ما يساوي واحداً في الحال ، فإن عرفا المقدار ، صحّ ، وإلّا فلا.
وإن أراد ما يساوي واحداً عند التقويم ، بطل ؛ لأنّه مجهول.
وإن أراد ما يخصّه إذا وُزّع القفيز على المبلغ المذكور قبل الاستثناء ، صحّ ، وكان الاستثناء(٢) للربع ، فيصحّ البيع في ثلاثة أرباع القفيز بأربعة.
وإن أراد ما يخصّه إذا وُزّع الباقي بعد الاستثناء على المبلغ المذكور على معنى أن يكون قد استثنى من القفيز ما يخصّ واحداً ممّا يستقرّ عليه
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٤.
(٢) في « ق ، ك» : استثناء.
البيع بعد الاستثناء ، دخلها الدور ، لأنّا لا نعلم قدر المبيع إلاّ بعد معرفة المستثنى وبالعكس ، فنقول : إنّه يبطل البيع ، للجهالة حالة العقد ، إلاّ أن يعرفا ذلك وقت العقد بطريق الجبر والمقابلة أو غيره.
وطريقه أن نقول : المستثنى شيء(١) ، فالمبيع قفيز [ إلّا شيئاً ، فربع قفيز ](٢) إلّا ربع شيء هو الذي يخصّ الدرهم ، وقد تقدّم أنّ الذي يخصّ الدرهم شيء ، فربع قفيز كامل يعدل شيئاً وربع شيء ، فالقفيز الكامل يعدل خمسة أشياء ، فالمستثنى خُمْسه ؛ لأنّ المستثنى شيء وقد ظهر أنّه خُمْسة.
أو نقول : صحّ البيع في الجميع إلّا في شيء - وذلك الشي هو ما يقابل الواحد - بجميع الثمن ، فإذا جبرنا القفيز بشيء وزِدْنا على الأربعة ما يقابله - وهو واحد - صار القفيز بأجمعه يعدل خمسة ، فالمقابل للواحد الخُمْس.
فروع :
أ - لو قال : بعتك بعشرة إلّا ثلث الثمن ، فالثمن سبعة ونصف ؛ لأنّا نفرض الثمن شيئاً فنقول : إنّه قد باعه بعشرة إلّا ثلث شيء يعدل شيئاً كاملاً ، وهو جملة الثمن ، فإذا جبرنا وقابلنا، كانت العشرة الكاملة تعدل شيئاً وثلثاً ، فالشيء الذي هو الثمن ثلاثة أرباع العشرة.
ولو قال : إلّا ربع الثمن ، فالثمن ثمانية. ولو قال : إلّا خُمْس الثمن ، فهو ثمانية وثلث ، وعلى هذا.
ب - لو قال : بعتك بعشرة وثلث الثمن ، فهو خمسة عشر ؛ لأنّا
____________________
(١) « الشيء » عند المحاسبين هو العدد المجهول المضروب في نفسه ، في باب الجبر والمقابلة. كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم : ١٠٤٨.
(٢) ما بين المعقوفين من تصحيحنا.
نفرض الثمن شيئاً مجهولاً ، والثمن يعدل عشرة وثلث شيء ، فعشرة وثلث شيء تعدل شيئاً هو جملة الثمن ، يسقط ثلث شيء بثلث شيء ، تبقى عشرة تعدل ثلثي شيء ، فالشيء الكامل يعدل خمسة عشر.
ولو باعه بعشرة وربع الثمن ، فهو ثلاثة عشر وثلث ؛ لأنّا نفرض الثمن شيئاً ، فعشرة وربع شيء تعدل الثمن وهو شيء ، فإذا أسقطنا ربع شيء بربع شيء ، بقي عشرة تعدل ثلاثة أرباع شيء ، فكلّ ربع ثلاثة وثلث ، فالثمن ثلاثة عشر وثلث ، وعلى هذا.
ج - لو قال : بعتك نصيبي - وهو السدس مثلاً - من الدار من حساب مائتين ، صحّ البيع وإن جهل في الحال قدر الثمن ، ويكون له سدس المائتين ؛ لأنّ المراد جَعْل المائتين في مقابلة الجميع ، ويكون له ما يقتضيه الحساب.
ولو قال : بعتك نصيبي من ميراث أبي من الدار ، فإن عرف القدر حالة العقد ، صحّ. وإن جهل ، بطل. ولو عرف عدد الورثة وقدر الاستحقاق إجمالاً ، فالأقوى الصحّة ، ويكون له ما يقتضيه الحساب.
وكذا لو قال : بعتك جزءاً من مائة وأحد عشر جزءاً ، فإنّه يصحّ وإن جهل النسبة. وكذا يصحّ لو عكس ، فقال : بعتك نصف تُسْعِ عُشْرِ هذا الموضع وجهل القدر من السهام.
وكذا لو باع من اثنين صفقةً قطعةَ أرضٍ على الاختلاف بأن ورث من أبيه حصّةً ومن اُمّه أقلّ أو أكثر ، وجعل لواحدٍ منهما أحدَ النصيبين وللآخر الباقي ، فإنّه يصحّ وإن جهلا قدر نسبة النصيب إلى الجميع في الحال ونسبة النصيب في الثمن ، ويرجعان إلى ما يقتضيه الحساب ؛ إذ الثمن في مقابلة الجملة ، فلا تضرّ جهالة الأجزاء.
د - لو باعه خمسة أرطالٍ على سعر المائة باثني عشر درهماً ، صحّ وإن جهل في الحال قدر الثمن ؛ لأنّه ممّا يُعلم بالحساب ، ولا يمكن تطرّق الزيادة إليه ولا النقصان ، فينتفي الغرر ، ويثبت الثمن ثلاثة أخماس درهمٍ ؛ لأنّ نسبة المائة إلى ثمنها - وهو اثنا عشر - كنسبة خمسة إلى ثمنها ، فالمجهول الرابعُ ، فيضرب الثاني - وهو اثنا عشر - في الثالث - وهو خمسة - يبلغ ستّين يقسمها على الأوّل - وهو مائة - يخرج ثلاثة أخماس درهمٍ ، وهو ثمن المبيع. أو نقول : الاثنا عشر عُشْرٌ وخُمْس عُشْر المائة ، فنأخذه بهذه النسبة من الخمسة ، وهو ثلاثة أخماس واحد.
ولو قال : بعتك بخمسة دراهم على سعر المائة باثني عشر ، أخذت ربع وسدس المائة ؛ لأنّ الخمسة ربع وسدس من الاثني عشر(١) .
ه- لو كان له ثلاث قطائع من الغنم ثانيها ثلاثة أمثال أوّلها ، وثالثها ثلاثة أمثال ثانيها ، فاشترى آخر منه ثلثي الأوّل وثلاثة أرباع الثاني وخمسة أسداس الثالث ، اجتمع له مائة وخمسة وعشرون رأساً ، فطريق معرفة قدر كلّ قطيع أن نقول : نفرض القطيع الأوّل شيئاً فالثاني ثلاثة أشياء والثالث تسعة أشياء ، فنأخذ ثلثي شيء وثلاثة أرباع ثلاثة أشياء وخمسة أسداس تسعة أشياء ، ونجمعها ، فتكون عشرة أشياء وربع وسدس شيء ، وهو يعدل مائة وخمسة وعشرين ، فالشيء يعدل اثني عشر.
و - لو تطرّقت الجهالة بعد البيع ، لم تثمر فساده ، بل وقع صحيحاً. ثمّ إن لم يمكن تدارك العلم ، اصطلحا ، ويجبرهما الحاكم عليه قطعاً للتنازع. وإن أمكن ، وجب المصير إليه ، فلو كان له قطعة أرض بين
____________________
(١) في « ق ، ك» : وسدس الاثني عشر.
شجرتين وقدرها ، أربعة عشر ذراعاً وطول إحدى الشجرتين ستّة وطول الاُخرى ثمانية ، فاجتاز ظبيٌ بينهما فطار إليه طائران من الرأسين بالسويّة حتى تلاقيا على رأس الظبي ، فباع القطعة من اثنين بثمنٍ واحد صفقةً واحدة لأحدهما من أصل شجرته إلى موضع الظبي وللآخر من موضع الظبي إلى أصل الاُخرى ، ثمّ خفي موضع الالتقاء ، فطريق معرفة حقّ كلٍّ منهما أن يجعل ما بين أصل الشجرة القصيرة إلى موضع الظبي شيئاً ونضربه في نفسه ، فيكون الحاصل مالاً(١) ، ونضرب طولها - وهو ستّة - في نفسه ، فيكون المجموع مالاً وستّة وثلاثين ، وجَذْرُه مقدار ما طار الطائر؛ لأنّه وَتَر القائمة ، فيكون مُربَّعه مساوياً لمجموع مُربَّعي صاحبتها بشكل العروس(٢) ، ويبقى من موضع الظبي إلى أصل الاُخرى أربعة عشر إلّا شيئاً مُربّعه مائة وستّة وتسعون ومالٌ إلّا ثمانية وعشرين شيئاً ، ومربّع الطويلة أربعة وستّون مجموعهما مائتان وستّون ومال إلّا ثمانية وعشرين شيئاً ، وهو يعدل مالاً وستّةً وثلاثين ، لتساوي الوَتَرين حيث طارا بالسويّة ، فإذا جبرت وقابلت ، بقي مائتان وأربعة وعشرون تعدل ثمانية وعشرين شيئاً ، فالشيء يعدل ثمانية ، وهو ما بين أصل القصيرة والظبي ، فيبقى ما بينه وبين أصل الاُخرى يعدل ستّةً ، فكلّ وَتَر عشرةٌ.
ز - لو باع اثنين صفقةً قطعة على شكل مثلّث قاعدته أربعة عشر
____________________
(١) المال عند المحاسبين هو الحاصل من ضرب الشيء في نفسه ، في الجبر والمقابلة. كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم : ١٤٢٢.
(٢) شكل العروس عند المهندسين هو : أنّ كلّ مثلّث قائم الزاوية فإنّ مربّع وتر زاويته القائمة يساوي مربّعي ضلعيها. وإنّما سُمّي به ؛ لحسنه وجماله. كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم : ١٠٤١.
ذراعاً وأحد ضلعيه الباقيين ثلاثة عشر والآخر خمسة عشر على أن يكون لأحدهما من مسقط العمود في القاعدة إلى أحد الضلعين ، وللآخر منه إلى الضلع الآخر وبسط الثمن على الأذرع ، فطريق معرفة نصيب كلٍّ منهما أن نقول : نفرض ما بين الضلع الأقصر ومسقط العمود شيئاً ، فيكون مربّعه مالاً ومربّع الضلع مائة وتسعة وستون ، وإذا نقص المال منه ، بقي مربّع العمود مائة وتسعة وستّون إلّا مالاً ، ويبقى من مسقط العمود إلى الطرف الآخر أربعة عشر إلّا شيئاً ، ومربّعها مائة وستّة وتسعون ومال إلّا ثمانية وعشرين شيئاً ، ويسقط(١) من مربّع الأوّل ، وهو مائتان وخمسة وعشرون ، تبقى تسعة وعشرون وثمانية وعشرون شيئاً إلّا مالاً ، وهو مربّع العمود ، ويكون معادلاً لمائة وتسعة وستّين إلّا مالاً ، فإذا قابلت ، بقي مائة وأربعون تعدل ثمانيةً وعشرين شيئاً ، فالشيء خمسة ، وهو ما بين طرف القاعدة التي تلي الأقصر ومسقط العمود ، ومربّعه خمسة وعشرون ، وإذا(٢) أسقطناه من مائة وتسعة وستّين ، بقي مائة وأربعة وأربعون ، وهو مربّع العمود. ومن الجانب الآخر يكون ما بين مسقط العمود وطرف القاعدة تسعة مربّعة أحد وثمانون ، وإذا أسقطناه من مائتين وخمسة وعشرين ، تبقى مائة وأربعة وأربعون ، وهو مربّع العمود ، والعمود يكون اثني عشر.
ح - لو قال زيد لعمرو : بعتك داري بثمن [ ما معي و ](٣) ثلث ما معك تمام ثمن المبيع ، فقال عمرو : قبلت(٤) بثمن [ ما معي ](٥) وربع ما معك
____________________
(١) في « ق ، ك» : « وينقص » بدل « ويسقط ».
(٢) في « ك» : فإذا.
(٣ و ٥) ما بين المعقوفين من تصحيحنا.
(٤) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة زيادة : وبعتك داري. وهي غلط.
تمامه ، فطريق معرفة قدر الثمن وقدر ما مع كلٍّ منهما أن نفرض ما مع زيد شيئاً وما مع عمرو ثلثه تصحيحاً للثلث ، فإذا أخذ زيد واحداً ، صار معه شيء وواحد ، وهو ثمن المبيع ، وإذا أخذ عمرو ربع ما مع زيد ، صار معه ثلثه وربع شيء ، وهو ثمن المبيع ، فشيء واحد يعدل ثلثه وربع شيء ، فإذا قابلت ، صار ثلاثة أرباع شيء يعدل اثنين ، والشيء يعدل اثنين وثلثي واحد ، فالثمن ثلاثة وثلثا واحدٍ ، فإذا صحّحت الكسر ، كان مع زيد ثمانية ومع عمرو تسعة وثمن المبيع أحد عشر.
ط - لو باعه حوض ماء ركز فيه رمح ظهر حال انتصابه ستّة أذرع ثمّ مال حتى غاب رأسه في الماء ، وكان بين موضعه وقت الانتصاب وموضع رأسه عند المغيب عشرة أذرع من الجانبين ، فطريق معرفة قدر عمقه أن نفرض القدر(١) الغائب من الرمح وقت الانتصاب شيئاً ، فيكون مُربّعه مع مُربّع العشرة مساوياً لمـُربّع الرمح بشكل العروس ، ومُربّع الشيء مالٌ ، ومُربّع العشرة مائة، فمُربّع طول الرمح مالٌ ومائة ، فكان طول الرمح وقت الانتصاب شيئاً وستّة ، ومُربّعه مالٌ واثنا عشر شيئاً وستّة وثلاثون ؛ لأنّ الخطّ إذا انقسم بقسمين ، فإنّ مُربّعه مساوٍ لمـُربّع كلّ قسم ولضرب أحد القسمين في الآخر مرّتين ، فالمال ضرب الشيء في نفسه ، وستّة وثلاثون ضرب ستّة في نفسها ، واثنا عشر شيئاً ضرب ستّة في الشيء مرّتين ، وهو معادل المال ومائة ، وبعد المقابلة تبقى أربعة وستّون تعدل اثني عشر شيئاً ، ويكون الشيء خمسةُ وثلثا ، وطول الرمح أحد عشر وثلث ذراع ، فالفاضل عن ستّة عمق الماء.
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : قدر.
مسألة ١١٤ : يجوز ابتياع الجزء المشاع المعلوم النسبة من كلّ جملة يصحّ بيعها ، سواء كان عقاراً أو حيواناً أو نباتاً أو ثمرةً معلومة القدر أو طعاماً معلوم القدر ؛ للأصل ، وانتفاء المانع وهو الجهالة.
ولو باع جزءاً شائعاً من شيء بمثله من ذلك الشيء - كما لو كانت العين بينهما نصفين فباع أحدهما الآخر نصفه بنصف صاحبه - جاز عندنا ؛ للأصل. ولأنّه بيع صدر من أهله في محلّه فكان صحيحاً.
وللشافعيّة وجهان ، هذا أحدهما. والثاني : لا يصحّ ؛ لانتفاء فائدته(١) .
ونمنع انتفاء الفائدة ، بل له فوائد :
منها : ما لو ملكا أو أحدهما نصيبه بالهبة ، انقطعت ولاية الرجوع بالتصرّف.
ومنها : لو ملكه بالشراء ثمّ اطّلع بعد هذا التصرّف على عيب ، لم يملك الردّ على بائعه.
ومنها : لو ملّكتْه صداقاً وطلّقها الزوج قبل الدخول ، لم يكن له الرجوع فيه.
وكذا يجوز ابتياع الجملة واستثناء الجزء الشائع ، كربع الثمرة وقدر الزكاة.
مسألة ١١٥ : قد بيّنّا أنّ بيع الغائب لا يصحّ إلّا مع تقدّم الرؤية أو الوصف الرافع للجهالة؛ لما فيه من الغرر.
وللشافعي في بيع الأعيان الغائبة والحاضرة التي لم تُر مع عدم
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٢ ، المجموع ٩ : ٢٥٦ - ٢٥٧ و ٢٨٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٨.
الوصف قولان :
قال في القديم والإملاء والصرف [ من ](١) الجديد : إنّه صحيح - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد - لقولهعليهالسلام : « من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار إذا رآه »(٢) ومعلومٌ أنّ الخيار إنّما يثبت في العقود الصحيحة.
ولأنّه عقد معاوضة ، فلم يكن [ من ](٣) شرطه رؤية المعقود عليه ، كالنكاح.
وقال في الاُم والبويطي : لا يصحّ - وهو ما اخترناه ، وبه قال المزني - لأنّه غرر وقد نهى النبيصلىاللهعليهوآله عن الغرر(٤) .
ولأنّه مبيع مجهول الصفة عند العاقد حال العقد فلم يصحّ بيعه ، كما لو أسلم في شيء ولم يصفه(٥) .
والجواب عن الحديث : أنّا نقول بموجبه ؛ فإنّ الخيار إنّما يثبت فيما إذا لم يخرج على الوصف ؛ إذ لا وجه له على تقدير الصحّة مطلقاً سواء وصف أو لا ؛ لوجود الرضا من المتبايعين على التبادل في الثمن والمثمن
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « في ». والمثبت أنسب بالعبارة.
(٢) أورد نصّه الرافعي في العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥١ ، وبتفاوت يسير في سنن الدار قطني ٣ : ٤ ، ١٠ وسنن البيهقي ٥ : ٢٦٨.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « في ». والمثبت أنسب بالعبارة.
(٤) صحيح مسلم ٣ : ١١٥٣ / ١٥١٣ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٥٤ / ٣٣٧٦ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٣٢ / ١٢٣٠ ، سنن الدار قطني ٣ : ١٥ ، ٤٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٦٦ وفيها : نهى النبيصلىاللهعليهوآله عن بيع الغرر.
(٥) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٢٨٢ - ٢٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥١ ، المجموع ٩ : ٢٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥ ، بداية المجتهد ٢ : ١٥٥ ، المغني ٤ : ٧٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٨.
مهما كانا ، فيكون بمنزلة المرئي ، ومعلومٌ أنّ المرئي لا خيار فيه ، فلمـّا أثبت الخيار علمنا اقترانه باشتراط وَصْفٍ رافعٍ للجهالة.
والقياس عندنا باطل مع قيام الفرق والقلب بأن يقال : فلا يثبت فيه خيار الرؤية ، كالنكاح.
إذا تقرّر هذا ، فنقول : اختلف أصحابه في محلّ القولين على طريقين ، أصحّهما عند أكثرهم : أنّ القولين مطّردان في المبيع الذي لم يره واحد منهما أو رآه أحدهما خاصّة.
والثاني : أنّ القولين فيما إذا شاهده البائع دون المشتري ، وأمّا إذا لم يشاهده البائع ، فإنّه يبطل البيع قولاً واحداً ؛ لسهولة الاجتناب عن هذا الغرر على البائع ، لأنّه المالك والمتصرّف في المبيع. ومنهم مَنْ عكس ؛ لأنّ البائع مُعرضٌ عن الملك والمشتري محصّل له ، فهو [ أجدر ](١) بالاحتياط.
وحينئذٍ يخرج لهم طريقة ثالثة ، وهي القطع بالصحّة إذا رآه المشتري(٢) .
فروع :
أ - لو آجر غير المرئيّ له(٢) ، فإن كان المباشر للعقد قد رآه ، صحّت الإجارة عندنا ، وإن لم يكن قد رآه ، لم تصحّ.
وعند الشافعيّة القولان السابقان في بيع الغائب مع عدم الرؤية(٤) .
____________________
(١) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : آخذ. وما أثبتناه من العزيز شرح الوجيز وكما هو مستفاد من عبارة النووي في المجموع فإنّه عبّر بـ « أولى » بدل « أجدر ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥١ ، المجموع ٩ : ٢٩٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥.
(٣) ورد في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : لو أجاز بيع غير المرئي له. وصحّحناها بما في المتن لأجل السياق وطبقاً لما في المصادر الآتية في الهامش التالي.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٢٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥ ، المجموع ٩ : ٢٩٠.
ب - لو آجر شيئاً بعينٍ غائبة أو صالح عليها أو جعلها رأس مال السَّلَم ثمّ سلّم في مجلس عقد السلم ، بطل عندنا ذلك كلّه ، خلافاً للشافعي ، فإنّ فيه قولي(١) بيع الغائب عنده(٢) .
ج - لو أصدقها عيناً غائبة أو خالعها عليها أو عفا عن القصاص عليها ، صحّ النكاح عنده وحصلت البينونة وسقط القصاص. وفي صحّة المسمّى القولان ، فإن لم يصحّ ، وجب مهر المثل على الرجل في النكاح وعلى المرأة في الخلع ووجبت الدية على المعفوّ عنه(٣) .
وعندي في ذلك إشكال.
د - الأقرب جواز هبة الغائب غير المرئي ولا الموصوف ورهنِه ؛ لأنّهما ليسا من عقود المغابنات ، بل الراهن والواهب مغبونان ، والمتّهب والمرتهن مرتفقان ، ولا خيار لهما عند الرؤية ؛ لانتفاء الحاجة إليه.
ه- لو رآه قبل الشراء ثمّ وجده كما رآه بعد الشراء ، فلا خيار له ، وهو قول الشافعي تفريعاً على صحّة البيع عنده(٤) .
وإن وجده متغيّراً ، لم يبطل البيع من أصله - وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٥) - لبقاء(٦) العقد في الأصل على ظنٍّ غالب ، لكن له الخيار.
____________________
(١) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : قول. والصحيح ما أثبتناه.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٢٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥ ، المجموع ٩ : ٢٩٠.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٢٨٤ - ٢٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٥ ، المجموع ٩ : ٢٩٠ - ٢٩١.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٢٨٨ و ٢٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٧ ، المجموع ٩ : ٢٩٦.
(٥) الوسيط ٣ : ٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٥ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٢٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٧ ، المجموع ٩ : ٢٩٦.
(٦) كذا في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة. والظاهر : لبناء.
وأضعف الوجهين : البطلان ، لتبيّن انتفاء المعرفة(١) .
ولا نعني بالتغيّر هنا التعيّب خاصّة.
و - استقصاء الأوصاف على الحدّ المعتبر في السَّلَم لا يقوم مقام الرؤية وكذا سماع وصفه بالتواتر ؛ لأنّ الرؤية تطلع على اُمور لا يمكن التعبير عنها ، وهو أصحّ وجهي الشافعي(٢) .
وفي الآخر : أنّه يقوم الاستقصاء والسماع بالتواتر مقام الرؤية ؛ لأنّ ثمرة الرؤية المعرفة وهما يفيدانها ، فيصحّ البيع ، ولا خيار(٣) .
وهو ممنوع ؛ لأنّ بعض الأوصاف لا يحصل علمه إلّا بالرؤية.
مسألة ١١٦ : الرؤية المشترطة في كلّ شيء على حسب ما يليق به ، ففي شراء الدار لا بُدّ من رؤية البيوت والسقوف والسطوح والجدران داخلاً وخارجاً ورؤيةِ المستحمّ والبالوعة. وفي شراء البستان لا بُدّ من رؤية الأشجار واحدة واحدة والجدران ومسيل الماء ، ولا يحتاج إلى رؤية أساس البنيان ولا عروق الأشجار.
وفي اشتراط رؤية طريق الدار إشكال.
ولا يجوز رؤية العورة في الأمة والعبد ، ولا بُدّ من رؤية باقي بدن العبد ، وهو أظهر وجهي الشافعي(٤) .
وكذا في بدن الجارية ؛ لاختلاف الصفات.
وللشافعي وجوه : اعتبار رؤية ما يُرى في العبد ، ورؤية ما يبدو عند
____________________
(١) اُنظر : المصادر في الهامش (٥) من ص ٢٣٦.
(٢ و ٣ ) الوسيط ٣ : ٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٥ - ٥٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٧ ، المجموع ٩ : ٢٩١.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٢٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٩ ، المجموع ٩ : ٢٩١.
المهنة ، والاكتفاء برؤية الوجه والكفّين(١) .
ويشترط رؤية الشعر ، وهو أصحّ وجهي الشافعي(٢) .
والأقرب اشتراط رؤية الأسنان واللسان ، وهو أحد وجهي الشافعي(٣) .
ولا بُدّ في الدوابّ من رؤية مقدّمها ومؤخّرها وقوائمها وظهرها.
ولا يشترط جري الفرس بين يديه - خلافاً لبعض الشافعيّة(٤) - للأصل.
ولو كان الثوب رقيقاً لا يختلف وجهاه ، كفى رؤية أحدهما ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٥) .
ولا بُدّ من تقليب الأوراق في شراء الكتب ورؤية جميعها.
ولا يصحّ بيع اللبن في الضرع على ما تقدّم(٦) .
ولو قال : بعتك من اللبن الذي في ضرع هذه البقرة كذا رطلاً ، لم يجز ؛ لعدم العلم بوجود القدر في الضرع ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة. وفي الآخر : يجوز ، كما لو باع قدراً من اللبن في الظرف ، فيجيء
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٨ ، الوسيط ٣ : ٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٩ ، المجموع ٩ : ٢٩١.
(٢) الوسيط ٣ : ٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٨ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٢٨٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٩ ، المجموع ٩ : ٢٩١.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٢٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٩ ، المجموع ٩ : ٢٩١.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٩ ، المجموع ٩ : ٢٩٢.
(٥) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٢٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٠ ، المجموع ٩ : ٢٩٢.
(٦) في ص ٦٣ ، المسألة ٣٦.
فيه حينئذٍ قولا بيع الغائب(١) .
ولو سكب شيئاً من اللبن فأراه إيّاه ثمّ باعه مُدّاً ممّا في الضرع ، لم يجز.
وفي روايةٍ لنا : الجواز ، وقد سلفت(٢) .
وللشافعي القولان(٣) .
ويحتمل عندي الجواز لو كان المبيع قدراً يسيراً يتيقّن وجوده حالة الحلب.
ولو قبض على قدر من الضرع وأحكم شدّه ثمّ باعه ما فيه ، لم يصحّ عندنا. وللشافعي وجهان(٤) .
فروع :
أ - يجوز بيع الشاة المذبوحة قبل السلخ وبعده ، سواء بِيع اللحم وحده أو الجلد وحده أو بِيعا معاً ، لكن بعد السلخ لا يجوز إلّا بالوزن ، أمّا قبله فالأقرب جوازه من دونه.
ومَنَع الشافعي من بيعها قبل السلخ وبعده ، سواء بِيع اللحم وحده أو الجلد وحده أو بِيعا معاً؛ لأنّ المقصود اللحم ، وهو مجهول(٥) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٠ ، المجموع ٩ : ٣٢٦.
(٢) في ص ٦٤.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٠ ، المجموع ٩ : ٣٢٦.
(٤) الوسيط ٣ : ٤١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٠ ، المجموع ٩ : ٣٢٦.
(٥) الوسيط ٣ : ٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٠ ، المجموع ٩ : ٢٩٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤١ ، وفيها عدم صحّة بيعها قبل السلخ فقط.
ونحن نمنع ذلك كما قبل الذبح و(١) لو قصده حالة الشراء أو شرطه فيه.
ب - يجوز بيع الأكارع والرؤوس بعد الإبانة وقبلها من المذبوح نيئةً ومشويّةً ، ولا اعتبار بما عليها من الجلد ، فإنّه مأكول ، وبه قال بعض الشافعيّة(٢) .
ج - لو رأى بعض الثوب وبعضه الآخر في صندوق أو جِرابٍ لم يره ولا وُصف ، لم يصحّ ، وهو أحد قولي الشافعي ؛ للجهالة ، سواء قال ببطلان بيع الغائب أو لا.
أمّا على البطلان : فظاهر.
وأمّا على الصحّة : فلأنّه ناظرٌ إلى بعضه فيسهل النظر إلى باقية ، بخلاف الغائب فقد(٣) يعسر إحضاره وتدعو الحاجة إلى بيعه ، فجاز هناك ولم يجز هنا. ولأنّ الرؤية فيما رآه سبب اللزوم ، وعدمها فيما لم يُر سبب الجواز ، والعقد الواحد لا يتصوّر إثبات الجواز واللزوم فيه معاً ، ولا يمكن تبعيض المعقود عليه في الحكمين(٤) .
وهذان [ الفرقان ](٥) باطلان ؛ لأنّهم جوّزوا بيع ما في الكُمّ مع سهولة
____________________
(١) كلمة « و» لم ترد في « ق ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٠ ، المجموع ٩ : ٢٩٨ - ٢٩٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤١ ، وفيها جواز بيع الأكارع والرؤوس بعد الإبانة فقط ، مع وجهٍ شاذّ لصحّة بيع الأكارع قبلها.
(٣) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : قد. وما أثبتناه - كما هو الأنسب بالعبارة - من العزيز شرح الوجيز.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦١ ، المجموع ٩ : ٢٩٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢.
(٥) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : القدران. وما أثبتناه من العزيز شرح الوجيز.
إخراجه(١) . وسبب الردّ في البعض يكفي في ردّ الكلّ ، كما لو وجد البعض معيباً.
د - لو كان شيئين(١) فرأى أحدهما دون الآخر ، فإن وُصف له وصفاً يرفع الجهالة ، صحّ البيع ، وإلّا بطل ، عند علمائنا ؛ للجهالة.
أمّا الشافعي فإنّه جوّز بيع الغائب من غير وصفٍ في قولٍ ، وأبطله في آخر ، فعلى البطلان لا يصحّ البيع فيما لم يره ، وفيما يراه قولا تفريق الصفقة.
وعلى الصحّة ففي صحّة العقد فيهما قولان ، أحدهما : البطلان ؛ لأنّه جمع في صفقة واحدة بين مختلفي الحكم ؛ لأنّ ما رآه لا خيار فيه ، وما لم يره يثبت فيه الخيار ، فإن صحّحناه ، فله ردّ ما لم يره وإمساك ما رآه(٣) .
وعلى مذهبنا إذا خرج ما لم يره على غير الوصف ، كان بالخيار في الفسخ والإمضاء.
ه- لو خرج الموصوف على خلاف الوصف ، فللمشتري الخيار في طرف الرداءة ، وللبائع في طرف الزيادة على ما تقدّم.
ومَنْ جوّز بيع الغائب من غير وصفٍ - كالشافعي - أثبت له الخيار هنا عند الرؤية ، سواء شرطه أولا ؛ لأنّه شرط شيئاً ولم يحصل ، فثبت الخيار(٤) .
وقال بعض الشافعيّة : لو خرج على غير الوصف ، لم يثبت الخيار إلّا أن يشترطه(٥) .
وهل له الخيار قبل الرؤية؟ مقتضى مذهبنا أنّه ليس له ذلك ؛ إذ ثبوت
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦١.
(٢) أي : لو كان المبيع شيئين.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢ ، المجموع ٩ : ٢٩٦.
(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢ ، المجموع ٩ : ٢٩٣.
الخيار منوط بخروجه على خلاف(١) الوصف.
أمّا الشافعي فظاهر مذهبه - على قوله بمنع بيع الغائب - أنّ الإجازة لا تنفذ ؛ لأنّ الإجازة رضا بالعقد والتزامٌ له ، وذلك يستدعي العلم بالمعقود عليه وهو جاهل بحاله. ولو كفى قوله : أجزت ، مع الجهل ، لأغنى قوله في الابتداء : اشتريت(٢) .
وله وجه آخر بالنفوذ تخريجاً من تصحيح الشرط إذا اشترى بشرط أنّه لا خيار(٣) .
وأمّا الفسخ فوجهان عنده بناءً على نفوذ الإجازة ، فإن قال بنفوذها ، فالفسخ أولى ، وإن منع من نفوذها ، ففي الفسخ وجهان : عدم النفوذ ؛ لأنّ الخيار في الخبر(٤) منوط بالرؤية. وأصحّهما عنده : النفوذ ؛ لأنّ حقّ الفسخ ثابت له عند الرؤية مغبوطاً كان أو مغبوناً ، فلا معنى لاشتراط الرؤية في نفوذه(٥) .
و - لو كان البائع قد رآه ، فإن زادت صفته وقت العقد ، تخيّر في الفسخ والإمضاء. ولو لم تزد ، فلا خيار.
والشافعي أطلق وذكر وجهين : ثبوت الخيار كما للمشتري ؛ لأنّه كخيار المجلس يشتركان فيه. وأصحّهما : لا ؛ لأنّه أحد المتبايعين ، فلا يثبت له الخيار مع تقدّم الرؤية كالمشتري(٦) .
ولو كان البائع لم يره ، فإن كان قد وصف له وصفاً يرفع الجهالة
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « غير » بدل « خلاف ».
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢ ، المجموع ٩ : ٢٩٣.
(٤) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : في الجزء. وذلك تصحيف.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٢ - ٦٣.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢ ، المجموع ٩ : ٢٩٣.
ولم يزد ، فلا خيار ، وإن زاد فله الخيار. ولو لم يوصف له ، بطل البيع.
وقال الشافعي على تقدير جواز بيع الغائب : في ثبوت الخيار للبائع وجهان : المنع - وبه قال أبو حنيفة - لأنّ جانب البائع بعيد عن الخيار ، بخلاف جانب المشتري. والثبوت ؛ لأنّه جاهل بالمعقود عليه فأشبه المشتري(١) .
ز - الأقرب ثبوت خيار المجلس مع خيار الرؤية ؛ لتعدّد السبب ، فيتعدّد المسبّب ، وكما في شراء الأعيان الحاضرة.
وللشافعي قولان ، هذا أحدهما. والثاني : لا يثبت ؛ للاستغناء بخيار الرؤية عنه ، فعلى الأوّل يكون خيار الرؤية على الفور ، وإلّا لثبت خيار مجلسين ، وعلى الثاني يمتدّ بامتداد مجلس الرؤية(٢) .
ح - لو اشترى موصوفاً ثمّ تلف في يده قبل الرؤية ، لم يبطل البيع إلّا أن يُثبت المشتري الخلاف ويختار الفسخ. وللشافعي قولان(٣) .
ولو باعه قبل الرؤية بوصف البائع ، صحّ عندنا - خلافاً للشافعي(٤) - كما لو باعه في زمن خيار الشرط ، فإنّه يجوز على أصحّ القولين عنده ؛ لأنّه يصير مُجيزاً للعقد(٥) .
ط - لا يشترط الرؤية مع الوصف الرافع للجهالة - وهو أحد قولي
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٣ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٣٣ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٢٣.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢ - ٤٣ ، المجموع ٩ : ٢٩٤.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٣ - ٦٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣ ، المجموع ٩ : ٢٩٥.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣ ، المجموع ٩ : ٢٩٥.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣ ، المجموع ٩ : ٢٩٥ - ٢٩٦.
الشافعي(١) - لانتفاء الغرر ، فلا يشترط ذوق الطعم في المطعوم ، ولا الشمّ في المشموم ، ولا اللمس في الملموس.
وعلى قول الشافعي باشتراط الرؤية يشترط في هذه الإدراكُ بهذه المشاعر ؛ لأنّ كيفيّاتها المقصودة إنّما تُعرف بهذه الطرق(٢) .
وله قول آخر على اشتراط الرؤية أيضاً : عدم الاشتراط(٣) .
ى - لو كان غائباً في غير بلد التبايع ، سلّمه في ذلك البلد. ولو شرط تسليمه في بلد التبايع ، جاز عندنا ، كالسّلم.
ومَنَع بعض الشافعيّة وإن جوّزه في السَّلَم ؛ لأنّ السَّلَم مضمون في الذمّة ، والعين الغائبة غير مضمونة في الذمّة ، فاشتراط نقلها يكون بيعاً وشرطاً(٤) .
ونمنع بطلان اللازم على ما يأتي.
يأ - لو رأى ثوبين ثمّ سُرق أحدهما وجُهل بعينه ثمّ اشترى الباقي ، فإن تساويا صفةً وقدراً وقيمةً ، احتُمل صحّة البيع ؛ لكونه معيّناً مرئيّاً معلوماً. والعدم ، كبيع أحدهما. والأوّل أقرب.
ولو اختلفا في شيء من ذلك ، لم يصحّ عندنا قطعاً ؛ لأنّ الرؤية لم تُفد شيئاً ، فإنّ المشتري لا يدري الباقي هل هو الطويل أو القصير؟ فلم يستفد من الرؤية حال المبيع عند العقد ، وهو أحد قولي الشافعي. وفي الثاني : يجوز ؛ لأنّه لا يقصر عن بيع الغائب في العلم(٥) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٥٥ - ٥٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٧ ، المجموع ٩ : ٢٩١.
(٢ و ٣ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣ ، المجموع ٩ : ٢٩٥.
(٤) الحاوي الكبير ٥ : ٢١ - ٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣ ، المجموع ٩ : ٢٩٣.
(٥) الوسيط ٣ : ٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣ ، المجموع ٩ : ٢٩٤.
يب - لو اختلفا فقال المشتري : ما رأيت المبيع. وقال البائع : بل رأيته ، قدّم قول البائع ؛ عملاً بصحّة البيع. ولأنّ للمشتري أهليّة الشراء وقد أقدم عليه ، فكان ذلك اعترافاً منه بصحّة العقد. وهو أحد قولي الشافعي(١) بناءً على القول باشتراط الرؤية.
أمّا على القول بعدمه(٢) فوجهان ، هذا أحدهما ؛ لأنّه اختلاف في سبب الخيار ، فأشبه ما لو اختلفا في قدم العيب. وأظهرهما عندهم : تقديم قول المشتري ، كما لو اختلفا في اطّلاعه على العيب(٣) .
القسم الرابع : النهي عن بيع وشرط.
اعلم أنّ عقد البيع قابل للشروط التي لا تنافيه ، أمّا ما ينافيه فلا يقبلها.
روى الجمهور أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نهى عن بيع وشرط(٤) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه عمّار عن الصادقعليهالسلام قال : « بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآله رجلاً من أصحابه والياً ، فقال له : إنّي بعثتك إلى أهل الله - يعني أهل مكة - فانْهَهم عن بيع ما لم يقبض ، وعن شرطين في بيع ، وعن ربح ما لم يضمن »(٥) .
____________________
(١) في « ق ، ك» : الشافعيّة.
(٢) أي : عدم اشتراط الرؤية. وفي « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : بعدمها. والصحيح ما أثبتناه.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٦٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٣ - ٤٤ ، المجموع ٩ : ٢٩٤.
(٤) معرفة علوم الحديث : ١٢٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٥ ، المغني ٤ : ٣٠٨ ، الشرح الكبير ٤ : ٥٦.
(٥) التهذيب ٧ : ٢٣١ / ١٠٠٦.
وهذان النصّان ليسا على الإطلاق إجماعاً ؛ لما يأتي من جواز الشرط في العقد ، وقبول عقد البيع للشرط.
إذا تقرّر هذا ، فكلّ شرط يخالف الكتاب والسنّة فإنّه باطل إجماعاً.
وفي بطلان البيع ببطلانه بحث سيأتي ، وما لا يخالف الكتاب والسنّة فإنّه جائز ما لم يتضمّن ما ينافي العقد ، فأقسام الشرط أربعة :
أ - ما يوافق مقتضى العقد ويؤكّده ، مثل أن يشترط التسليم أو خيار المجلس أو التقابض أو ما أشبه ذلك ، فهذا لا يؤثّر في العقد نفعاً ولا ضرّاً.
ب - شرط لا يقتضيه العقد لكن يتعلّق به مصلحة المتعاقدين للعقد. وهو قد يتعلّق بالثمن ، كالأجل والرهن والضمان ، أو بالمثمن ، كاشتراط صفة مقصودة في السلعة ، كالصناعة والكتابة ، أو بهما معاً ، كالخيار. وهو جائز.
فهذه الشروط لا تُفسد العقد ، وتصحّ في أنفسها عندنا وعند الشافعي(١) .
ج - ما لا يتعلّق به مصلحة المتعاقدين لكنّه ممّا بُني على التغليب والسراية ، كشرط العتق. وهو جائز أيضاً.
د - ما لم يُبْنَ على التغليب والسراية ولا يتعلّق به مصلحة المتعاقدين ولا يقتضيه العقد ، فهذا عندنا جائز إن لم يخالف المشروع ولم يُنافِ مقتضى العقد ، وذلك مثل أن يبيعه داراً ويشترط سكناها سنة ، وبه قال الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق(٢) .
وإن خالف المشروع ، مثل أن يبيع جاريةً بشرط أن لا ينتفع بها
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٧١ ، المجموع ٩ : ٣٦٤.
(٢) المغني ٤ : ٣٠٨ ، الشرح الكبير ٤ : ٥٦ ، المجموع ٩ : ٣٧٨.
المشتري ، فهذا باطل.
والشافعي أبطل هذين القسمين معاً(١) ، وسيأتي.
مسألة ١١٧ : قد بيّنّا أنّ كلّ شرط ينافي مقتضى العقد فإنّه يكون باطلاً ، مثل أن يشتري جارية بشرط أن لا خسارة عليه ، ومعناه أنّه متى خسر فيها فضمانه على البائع. وكذا لو شرط عليه أن لا يبيعها على إشكال ، أو لا يعتقها على إشكال ، أو لا يطأها ، فإنّ هذه الشروط باطلة ؛ لمنافاتها مقتضى العقد ، فإنّ مقتضاه ملك المشتري والنبيصلىاللهعليهوآله قال : « الناس مسلّطون على أموالهم »(٢) .
وسأل عبدُ الملك بن عتبة [ الكاظم ](٣) عليهالسلام عن الرجل ابتاع منه طعاماً أو ابتاع متاعاً على أن ليس عليَّ منه وضيعة هل يستقيم هذا؟ وكيف يستقيم وحدّ ذلك(٤) ؟ قال : « لا ينبغي »(٥) .
وإذا بطلت الشروط ، بطل البيع - خلافاً لبعض(٦) علمائنا - لأنّ التراضي إنّما وقع على هذا الشرط ، فبدونه لا تراضي ، فتدخل تحت قوله تعالى :( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) (٧) وبه قال الشافعي والنخعي والحسن البصري وأبو حنيفة وأحمد
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٥ ، المجموع ٩ : ٣٦٨ و ٣٦٩ و ٣٧٦ و ٣٧٨.
(٢) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ١٧٦ - ١٧٧ ، المسألة ٢٩٠.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : الرضا. وما أثبتناه موافق لما في المصدر.
(٤) في التهذيب : وكيف يستقيم وجه ذلك؟
(٥) التهذيب ٧ : ٥٩ / ٢٥٣ ، الاستبصار ٣ : ٨٤ / ٢٨٤.
(٦) الشيخ الطوسي في المبسوط ٢ : ١٤٩.
(٧) النساء : ٢٩.
ابن حنبل(١) .
وقال ابن شُبْرُمة : البيع جائز والشرط جائز أيضاً(٢) ؛ لأنّ جابراً قال : ابتاع منّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعيراً بمكة ، فلمـّا نقدني الثمن شرطت عليه أن يحملني على ظهره إلى المدينة(٣) .
وقال ابن أبي ليلى : البيع صحيح والشرط باطل - وهو رواية أبي ثور عن قولٍ للشافعي(٤) - لأنّ عائشة اشترت بَرِيرَة بشرط أن تُعتقها ويكون ولاؤها لمواليها ، فأجاز النبيصلىاللهعليهوآله البيع وأبطل الشرط(٥) (٦) .
والجواب عن الأوّل : أنّا نقول بموجبه ، وإنّما يرد على الشافعي حيث أبطل مثل هذا الشرط على ما تقدّم في التقسيم.
وعن الثاني : جاز أن يكون شرط الولاء في العتق ، فلا يبطل ببطلانه ، بخلاف البيع.
____________________
(١) مختصر المزني : ٨٧ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣١٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٥ ، المجموع ٩ : ٣٦٨ و ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٢ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٩ ، الوسيط ٣ : ٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٥ - ١١٦ و ١٢٠ ، المحلّى ٨ : ٤١٥ ، المغني ٤ : ٣٠٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٦١.
(٢) معرفة علوم الحديث : ١٢٨ ، المحلّى ٨ : ٤١٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٣١ ، المجموع ٩ : ٣٧٦.
(٣) صحيح البخاري ٣ : ٢٤٨ ، صحيح مسلم ٣ : ١٢٢٣ / ١١٣ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٣٧ بتفاوت.
(٤) حلية العلماء ٤ : ١٢٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢١ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٥ ، المجموع ٩ : ٣٦٩.
(٥) صحيح البخاري ٣ : ٢٥١ ، صحيح مسلم ٢ : ١١٤١ / ١٥٠٤ ، وراجع أيضاً المصادر في الهامش (٢) من ص ٢٥٠.
(٦) معرفة علوم الحديث : ١٢٨ ، المحلّى ٨ : ٤١٥ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣١٢ ، حلية العلماء ٤ : ١٣١ ، المجموع ٩ : ٣٧٦ ، المغني ٤ : ٣٠٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٦١.
وقسَّم بعضُ الشافعيّة الشرطَ إلى صحيحٍ وفاسدٍ ، ففي الأوّل العقدُ صحيح قطعاً ، وفي الثاني إن لم يكن شيئاً يفرد بعقدٍ ولا يتعلّق به غرض يورث تنازعاً ، لم يؤثّر في البيع ، كما لو عيّن الشهود وقلنا : لا يتعيّنون ، لم يفسد به العقد ؛ لأنّا(١) إذا ألغينا تعيين(٢) الشهود ، أخرجناه عن أن يكون من مقاصد العقد. وإن تعلّق به غرض ، فسد العقد بفساده ؛ للنهي عن بيع وشرط(٣) . ولأنّه يوجب الجهل بالعوض.
وإن كان ممّا يفرد بعقدٍ ، كالرهن والكفيل ، ففي فساد البيع بشرطهما على نعت الفساد قولان : الفساد - وبه قال أبو حنيفة - كسائر الشروط(٤) الفاسدة. والصحّة - وبه قال المزني - لأنّه يجوز إفراده عن البيع ، فلا يوجب فسادهُ فسادَ البيع ، كالصداق لا يوجب فسادهُ فسادَ النكاح(٥) .
قال عبد الوارث بن سعيد : دخلت مكة فوجدت بها ثلاثة فقهاء كوفيّين : أبو حنيفة وابن أبي ليلى ، وابن شُبْرُمة ، فصرتُ إلى أبي حنيفة فسألته عمّن باع بيعاً وشرط شرطاً ، فقال : البيع والشرط فاسدان ، فأتيت ابن أبي ليلى فسألته ، فقال : البيع جائز والشرط باطل ، فأتيت ابن شُبْرُمة فسألته ، فقال : البيع والشرط جائزان ، فرجعت إلى أبي حنيفة فقلت : إنّ صاحبيك خالفاك ، فقال : لست أدري ما قالا ، حدّثني عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن بيع وشرط. ثمّ أتيت ابن أبي ليلى ، فقلت : إنّ صاحبيك خالفاك ، فقال : ما أدري ما قالا ، حدّثني هشام بن
____________________
(١) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : ولأنّا. وما أثبتناه من العزيز شرح الوجيز.
(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : تعيّن. وما أثبتناه من العزيز شرح الوجيز.
(٣) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ٢٤٥ ، الهامش (٤).
(٤) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « العقود » بدل « الشروط ». وما أثبتناه من المصدر.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٠ - ١٢١ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٥ - ٧٦.
عروة عن أبيه عن عائشة أنّها قالت : لمـّا اشتريت بَرِيرَة جاريتي شرطَتْ عليَّ مواليها أن أجعل ولاءها لهم إذا أعتقتها ، فجاء النبيّصلىاللهعليهوآله فقال : « الولاء لمن أعتق » فأجاز البيع وأفسد الشرط، فأتيت ابن شبرمة فقلت : إنّ صاحبيك خالفاك ، فقال : ما أدري ما قالا ، حدّثني مسعر عن محارب عن جابر قال : ابتاع النبيّصلىاللهعليهوآله [ منّي ](١) بعيراً بمكة ، فلمـّا نقدني الثمن شرطتُ عليه أن يحملني على ظهره إلى المدينة ، فأجاز النبيّصلىاللهعليهوآله الشرط والبيع(٢) .
مسألة ١١٨ : ومن الشروط الجائزة عندنا أن يبيعه شيئاً ويشترط في متن العقد أن يشتري منه شيئاً أو يبيعه شيئاً آخر أو يقرضه شيئا أو يستقرض منه ، لقولهعليهالسلام : « المؤمنون عند شروطهم»(٣) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « المسلمون عند شروطهم إلّا كلّ شرط خالف كتاب الله عزّ وجلّ فلا يجوز »(٤) .
وقالعليهالسلام : « من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله عزّ وجلّ فلا يجوز له ولا يجوز على الذي اشترطه عليه ، والمسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب الله عزّ وجلّ »(٥) .
وهذه الشروط كلّها سائغة لا تخالف كتاب الله تعالى ، فوجب جوازها ولزومها وصحّة العقد معها.
وقال الشافعي : لا يجوز ذلك ؛ لأنّه جَعَل الثمن والرفق بالعقد الثاني
____________________
(١) أضفناها من كتاب الخلاف للشيخ الطوسي ، وكما ورد سابقاً في ص ٢٤٨.
(٢) الخلاف ٣ : ٢٩ - ٣٠ ، المسألة ٤٠ ، معرفة علوم الحديث : ١٢٨ ، المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ١٣ - ١٤ ، المحلّى ٨ : ٤١٥ - ٤١٦.
(٣) التهذيب ٧ : ٣٧١ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٢٣٢ / ٨٣٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ٣٣.
(٤) الفقيه ٣ : ١٢٧ / ٥٥٣ ، التهذيب ٧ : ٢٢ / ٩٣.
(٥) الكافي ٥ : ١٦٩ / ١ ، التهذيب ٧ : ٢٢ / ٩٤ ، وفيهما : « فيما وافق ».
ثمناً ، واشتراط العقد الثاني فاسد ، فبطل(١) بعض الثمن ، وليس له قيمة يتعلّق به حتى يفرض التوزيع عليه وعلى الباقي(٢) .
والجواب : المنع من جَعْل الرفق بالعقد الثاني جزءاً من الثمن.
ولا نسلّم بطلان اشتراط العقد الثاني ، فإنّه المتنازع. ثمّ ينتقض بشرط العتق وما حكم بجوازه من الشروط.
فروع :
أ - لو تبايعا بشرط أن يبيعه شيئاً آخر ، فقد قلنا : إنّه يصحّ عندنا ، خلافاً للشافعي(٣) . وينصرف الثاني إلى البيع الصحيح ، فإذا باعه الثاني صحيحاً ، صحّ ، ووفى بالشرط. وإن باعه باطلاً ، لم يعتدّ به ، ووجب عليه استئناف عقد صحيح ، عملاً بمقتضى الشرط وتحصيلاً له.
ب - لو باعه شيئاً بشرط أن يبيعه إيّاه ، لم يصحّ ، سواء(٤) اتّحد الثمن قدراً ووصفاً وعيناً أو لا ، وإلّا جاء الدور ؛ لأنّ بيعه له يتوقّف على ملكيّته له ، المتوقّفة على بيعه ، فيدور.
أمّا لو شرط أن يبيعه على غيره ، فإنّه يصحّ عندنا حيث لا منافاة فيه للكتاب والسنّة.
لا يقال : ما ألزمتموه من الدور آتٍ هنا.
لأنّا نقول : الفرق ظاهر ؛ لجواز أن يكون جارياً على حدّ التوكيل أو
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : فيبطل.
(٢ و ٣) الوجيز ١ : ١٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٦ و ٧٢ ، المجموع ٩ : ٣٦٨ و ٣٧٣ ، المغني ٤ : ٣١٤.
(٤) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : وسواء. والصحيح ما أثبتناه.
عقد الفضولي ، بخلاف ما لو شرط البيع على البائع.
ج - لو باعه شيئاً بشرط أن يبيعه آخَرَ(١) أو يُقرضه بعد شهر أو في الحال ، لزمه الوفاء بالشرط ، فإن أخلّ به ، لم يبطل البيع ، لكن يتخيّر [ البائع ](٢) بين فسخه للبيع وبين إلزامه بما شرطه ، فإن فسخ البيع ، فالنماء المتجدّد بين العقد والفسخ للمشتري ، أمّا المتّصل فللبائع ؛ لأنّه تابع للعين.
د - لو باعه شيئاً بشرط أن يُقرضه أو يبيعه أو يؤجره ، صحّ عندنا على ما قلناه ، خلافاً للشافعي ، فعلى قوله لو تبايعا البيع الثاني ، فإن كانا يعلمان بطلان الأوّل ، صحّ ، وإلّا فلا ؛ لإتيانهما به على حكم الشرط الفاسد(٣) .
وقال بعض أصحابه : يصحّ أيضاً(٤) .
وهذا التفريع لا يتأتّى على قولنا إلّا فيما لو كان البيع الأوّل فاسداً ، كما لو قال : بعتك هذا بما شئت بشرط أن تبيعني كذا بكذا ، فحينئذٍ نقول : إن كانا يعلمان بطلان الأوّل وتبايعا الثاني صحيحاً ، كان لازماً ؛ لأنّه كابتداء العقد ؛ إذ لا عبرة بالشرط الفاسد مع علم فساده. وإن لم يعلما بطلانه ، صحّ أيضاً إن اُثبت لهما الخيار إن قصدا معاً بالذات البيعَ الأوّل ، وإلّا اختصّ بالخيار مَنْ قصده بالذات دون مَنْ قصده بالعرض.
ه- لو باعه شيئاً بشرط أن يبيعه على زيد بكذا ، فباعه بأزيد ، فإن قصد إرفاقَ زيد أو غرضاً معتبراً عند العقلاء ، تخيّر بين الفسخ والإمضاء ؛
____________________
(١) أي : شيئاً آخر.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : المشتري. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٦ ، المجموع ٩ : ٣٧٣.
لمخالفة الشرط ، فإن فسخ ، رجع بالعين ، وليس لزيد خيار. وإن لم يقصد ، فلا خيار.
ولو باعه بأقلّ ، تخيّر ، إلّا مع تعلّق الغرض.
ولو أطلق الثمن ، باع بما شاء ولا خيار.
ولو باعه على عمرو ، تخيّر ، سواء باعه بثمن عيّنه أو بأزيد أو بأنقص أو بأقلّ من ثمن المثل أو أطلق.
ولو عيّن الثمن وأطلق المشتري فباع بأقلّ أو أزيد ، تخيّر مع تعلّق الغرض ، وإلّا فلا.
و - لو شرط أن يبيعه على زيد فامتنع زيد من شرائه ، احتُمل ثبوت الخيار بين الفسخ والإمضاء. والعدم ، إذ تقديره : بِعْه على زيد إن اشتراه.
مسألة ١١٩ : من الشروط الفاسدة شرْطُ ما لا يدخل تحت قدرة البائع عليه ، فلو اشترى الزرع بشرط أن يجعله سنبلاً ، أو البُسْر بشرط أن يجعله تمراً ، بطل ويبطل البيع على ما اخترناه ، خلافاً لبعض(١) علمائنا.
نعم ، يجوز اشتراط تبقيته في الأرض أو على رؤوس النخل إلى أوان ذلك.
وكذا يصحّ اشتراط ما يدخل تحت قدرة البائع من منافعه ، مثل أن يشتري ثوباً ويشترط خياطته عليه ، أو غزلاً ويشترط نساجته ، أو فضّةً ويشترط عليه صياغتها ، أو طعاماً ويشترط عليه طحنه(٢) أو خبزه ، أو قزّاً ويشترط سلّه(٣) ، وكذا كلّ منفعة مقصودة ، عملاً بالعمومات السالمة عن
____________________
(١) لم نتحقّقه.
(٢) في الطبعة الحجريّة : طبخه.
(٣) السَّلُّ : انتزاع الشيء وإخراجه في رفق. لسان العرب ١١ : ٣٣٨ « سلل ».
معارضة مخالفة فعل هذه الشروط للكتاب والسنّة.
وكذا لو اشترى زرعاً وشرط على بائعه أن يحصده ، أو اشترى ثوباً وشرط صبغه ، أو لبناً وشرط عليه طبخه ، أو نعلاً على أن ينعل به دابّته ، أو عبداً رضيعاً على أن يتمّ إرضاعه ، أو متاعاً على أن يحمله إلى بيته والبائع يعرف البيت ، فهذا كلّه سائغ لازم عندنا ؛ لما تقدّم.
وللشافعيّة أقوال :
أحدها : أنّه يفسد قطعاً ؛ لأنّه شراء للعين واستئجار للبائع على العمل ، فقد شرط العمل في العين كالزرع قبل أن يملكه ، فأشبه ما لو استأجره لخياطة ثوب لم يملكه. ولأنّ الحصاد - مثلاً - يجب على المشتري ، فإذا شرطه على البائع ، فقد شرط ما لا يقتضيه العقد. ولأنّه شرط تأخير التسليم ، لأنّ معنى ذلك أن يسلّمه إليه مقطوعاً.
والثاني : أنّ الاستئجار يبطل ، وفي البيع قولا تفريق الصفقة.
والثالث : أنّهما باطلان ، أمّا شرط العمل : فلما تقدّم. وأمّا البيع : فلأنّ الشرط إذا فسد فسد البيع(١) .
والجواب : لا نسلّم أنّه استئجار وإن أفاد فائدته ، بل هو شرط لزم البائع بعقد البيع ، ثمّ إنّه يبطل بشرط الرهن مع الثمن في المبيع.
والثاني باطل ؛ لأنّ هذا يصحّ إفراده بالعقد ، فخالف سائر الشروط.
وكذا الثالث إنّه ليس بتأخير ؛ لأنّه يمكن تسليمه خالياً عن العمل ويسلّم الزرع قائماً. ولأنّ الشرط من التسليم ، فلم يكن ذلك تأخيراً للتسليم.
____________________
(١) الحاوي الكبير ٥ : ٣٢ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٥ - ١٠٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٦ ، المجموع ٩ : ٣٧٣ - ٣٧٤.
فروع :
أ - يشترط في العمل المشروط في العقد على البائع أن يكون محلَّلاً ، فلو اشترى العنب على شرط أن يعصره البائع خمراً ، لم يصحّ الشرط والبيع على إشكال ينشأ من جواز إسقاط المشتري الشرطَ عن البائع والرضا به خالياً عنه ، وهو المانع من صحّة البيع ، ومن اقتران البيع بالمبطل.
وبالجملة ، فهل يثمر اقتران مثل هذا الشرط بطلانَ البيع من أصله بحيث لو رضي صاحبه بإسقاطه لا يرجع البيع صحيحاً ، أو إيقاف البيع إن لم يرض بدونه بطل ، وإلّا صحّ؟ نظر.
ب - لو اشترط شرطاً مجهولاً ، كما لو باعه بشرط أن يعمل فيه ما يأمره به بعد العقد ، أو يصبغ له ثوباً ويطلقهما أو أحدهما ، فالوجهان.
ج - لا فرق في الحكم بين اقتران البيع والعمل في الثمن وتعدّده بأن يقول : بعتك هذا الثوب بعشرة و [ استأجرني ](١) على خياطته بدرهم ، أو يقول : بعتك هذا الثوب وآجرتك نفسي على خياطته بعشرة ، فيقول : قبلت.
وللشافعيّة الأقوال(٢) السابقة.
د - لو اشترى حطباً على ظهر بهيمة مطلقاً ، صحّ ، ويسلّمه إليه في موضعه.
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : استأجرتك. والصحيح ما أثبتناه.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٦ ، المجموع ٩ : ٣٧٣ و ٣٧٤.
وللشافعيّة قولان ، هذا أحدهما. والثاني : لا يصحّ البيع حتى يشترط تسليمه إليه في موضعه ؛ لأنّ العادة قد تقتضي حمله إلى داره(١) .
والمعتمد : الأوّل ، فعلى هذا لو شرط حمله إلى داره ، صحّ عندنا وعندهم بمقتضى الثاني.
ه- لو شرط على البائع عملاً سائغاً ، تخيّر المشتري بين الفسخ والمطالبة به أو بعوضه إن فات وقته وكان ممّا يتقوّم ، كما لو شرط تسليم الثوب مصبوغاً فأتاه به غير مصبوغ وتلف في يد المشتري. ولو لم يكن ممّا يتقوّم ، تخيّر بين الفسخ والإمضاء مجّاناً.
و - لو كان الشرط على المشتري ، مثل أن باعه داره بشرط أن يصبغ المشتري له ثوبه ، فتلف الثوب ، تخيّر البائع بين الفسخ والإمضاء بقيمة الفائت إن كان ممّا له قيمة ، وإلّا مجّاناً.
مسألة ١٢٠ : لو اشترى بشرط تأجيل الثمن عليه إلى مدّة معيّنة ، صحّ ، وهو بيع النسيئة ، عند علمائنا - وهو قول الشافعي(٢) أيضاً وإن منع من شرط غير الأجل(٣) - لورود النصّ فيه.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام : « مَنْ ساوم بثمنين أحدهما عاجلاً والآخر نظرةً فليسمّ أحدهما قبل الصفقة »(٤) .
إذا ثبت هذا ، فشرط الأجل المشروط في البيع أن يكون مضبوطاً محروساً من الزيادة والنقصان ، فلو شرط قدوم الحاجّ أو نزول المطر أو
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٧ ، المجموع ٩ : ٣٧٤.
(٢) الوجيز ١ : ١٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٧ ، المجموع ٩ : ٣٣٩.
(٣) الوجيز ١ : ١٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٦.
(٤) الكافي ٥ : ٢٠٦ ( باب الشرطين في البيع ) الحديث ١ ، التهذيب ٧ : ٤٧ / ٢٠١.
إقباض المبيع ، بطل العقد والشرط ؛ لاشتماله على الغرر وقد نهى النبيّصلىاللهعليهوآله عنه(١) .
ولو شرط تأجيل الثمن إلى ألف سنة مثلاً ، فالأقوى الجواز ، عملاً بالعموم الدالّ على تسويغ مثله. والقطعُ بالموت قبله باطل ؛ لمنعه أوّلاً ، ولمنع صلاحيّته للتأثير - كشكّ حياته - في المدّة القليلة ، فكما لا يمنع الشكّ كذا اليقين.
وقال بعض الشافعيّة : لو أجّل الثمن إلى ألف سنة ، بطل العقد ؛ للعلم بأنّه لا يبقى إلى هذه المدّة(٢) .
ولو سُلّم ، لم يقتض المنع ؛ لجواز انتقاله عنه إلى وارثه.
فروع :
أ - إذا أجّل الثمن إلى مدّة معلومة ، سقط الأجل بموت مَنْ عليه على ما يأتي.
وهل يثبت للورثة الخيارُ؟ إشكال ينشأ من زيادة الثمن في مقابلة الأجل ولم يسلم لهم الارتفاق به ، ومن لزوم البيع وانعقاده وانتقال السلعة إلى المشتري ، فلا يبطل بالتعجيل المستند إلى حكم الشرع مطلقاً.
ب - لو آجر ثوباً ألف سنة ، لم يصحّ ، لا باعتبار زيادة الأجل ، بل للعلم بفساد العين وعدم الانتفاع به طول المدّة.
ج - لا فرق بين أن يشترط الأجل في الثمن المعيّن المشخّص أو
____________________
(١) صحيح مسلم ٣ : ١١٥٣ / ١٥١٣ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٣٩ / ٢١٩٤ و ٢١٩٥ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٥٤ / ٣٣٧٦ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٣٢ / ١٢٣٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٦٦ ، مسند أحمد ٢ : ٣١٢ / ٦٢٧١ ، و ٣ : ٧١ / ٨٦٦٧ ، و ٢٨٤ / ١٠٠٦٢.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٧ ، المجموع ٩ : ٣٣٩.
الثابت في الذمّة ، فلو شرط ثمناً معيّناً ، كهذه الدنانير ، وتأديتها في أجل معلوم ، صحّ. وكذا لو شرط تسليم المبيع المعيّن في مدّة معيّنة كأن يشتري منه هذا الثوب بعشرة بشرط أن يسلّم الثوب بعد شهر ، صحّ عند علمائنا أجمع ، خلافاً للشافعي فيهما ؛ فإنّه قال : يفسد لو كان الأجل في المبيع أو الثمن المعيّن ؛ لأنّ الأجل رفق اُثبت ليحصل الحقّ في الذمّة والمعيّن حاصل(١) . وليس بجيّد.
د - لو حلّ الأجل فأجّل البائع المشتري مدّة أو زاد في الأجل قبل حلول الأجل المضروب أوّلاً ، فهو وعد غير لازم ؛ لعدم وجود المقتضي له ، إذ الوعد غير موجب ، وبه قال الشافعي(٢) .
وقال أبو حنيفة : يلزم(٣) . ويبطل على قوله ببدل الإتلاف ، فإنّه لا يتأجّل وإن أجّله(٤) .
وقال مالك : يتأجّل(٥) .
ه- لو أوصى مَنْ له دَيْنٌ حالٌّ على إنسان بإمهاله مدّة ، فعلى ورثته إمهاله تلك المدّة ؛ للزوم التبرّعات بعد الموت ، والوصيّة هنا لم تتناول العين ، فلا تخرج من الثلث على إشكال.
و - لو كان عليه دين مؤجّل فأسقط المديون الأجل ، لم يسقط ، وليس للمستحقّ مطالبته في الحال ؛ لأنّ الأجل صفة تابعة والصفة لا تفرد بالإسقاط ، ولهذا لو أسقط مستحقّ الحنطة الجيّدةَ أو الدنانير الصحاح الجودةَ أو الصحّةَ ، لم تسقط.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٧ ، المجموع ٩ : ٣٣٩.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٧ ، المجموع ٩ : ٣٣٩.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٧.
وللشافعي وجهان(١) .
مسألة ١٢١ : يصحّ اشتراط الخيار على ما يأتي ، وشرطُ وثيقةٍ بالرهن والكفيل والشهادة ، وبه قال الشافعي(٢) أيضاً ، فيصحّ البيع بشرط أن يرهن المشتري بالثمن أو يتكفّل به كفيل أو يشهد عليه ، سواء كان الثمن حالّاً أو مؤجّلاً.
وكذا يجوز أن يشترط المشتري على البائع كفيلاً بالعهدة ، عملاً بعموم قولهعليهالسلام : « المؤمنون عند شروطهم »(٣) السالم عن معارضة مخالفته للكتاب والسنّة ، بل هي موافقة لهما ؛ لقوله تعالى :( فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ) (٤) ( وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ) (٥) .
وهل يجوز أن يشترط المشتري على البائع رهناً على عهدة الثمن المقبوض لو خرج المبيع مستحقّاً؟ الأقرب ذلك.
ولا بُدّ من تعيين الرهن بالمشاهدة أو الوصف ، كما يوصف المـُسْلَم فيه - وبه قال الشافعي(٦) - دفعاً للغرر ، وحسماً لمادّة التنازع.
وقال مالك : لا يشترط التعيين ، بل ينزّل المطلق على ما يصلح أن يكون رهناً لمثل ذلك في العادة(٧) .
وقال أبو حنيفة : لو قال : رهنتك أحد هذين العبدين ، جاز ، كالبيع(٨) .
وقد تقدّم بطلانه.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٧ ، المجموع ٩ : ٣٣٩ - ٣٤٠.
(٢) الوسيط ٣ : ٧٤ ، الوجيز ١ : ١٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٨.
(٣) التهذيب ٧ : ٣٧١ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٢٣٢ / ٨٣٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ٣٣.
(٤) البقرة : ٢٨٣.
(٥) البقرة : ٢٨٢.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٨ ، المجموع ٩ : ٣٧٥.
(٧ و ٨) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٠.
ولا يشترط أن يكون مشخّصاً ، فلو شرط ارتهان عبد حبشي موصوف بصفات السَّلَم ، جاز وإن لم يكن له عبد في الحال.
ويشترط في الكفيل التعيينُ إمّا بالمشاهدة أو المعرفة بالاسم والنسب.
وهل يكفي الوصف مثل أن يقول : رجل موسر ثقة؟ الأقرب ذلك ؛ فإنّ الاكتفاء بالصفة أولى من الاكتفاء بمشاهدة مَنْ لا يعرف حاله ، خلافاً للشافعي حيث شرط تعيين شخصه(١) ، وبعضٍ الشافعيّة حيث لم يشترط التعيين مطلقاً ، بل إذا أطلق أقام مَنْ شاء(٢) .
فروع :
أ - الأقرب أنّه لا يشترط تعيين الشهود لو شرط الإشهاد ؛ لأنّ المطلوب في الشهود العدالةُ لإثبات الحقّ عند الحاجة ، بخلاف الرهن والكفيل ؛ لتفاوت الأغراض فيهما.
وقال بعض الشافعيّة : يشترط أيضاً كالرهن والكفيل ، وتفاوت الأغراض هنا متحقّق ، فإنّ بعض العدول أوجه ، وقوله أسرع قبولاً ، وعدالته أشهر وأوضح ، فتتفاوت الأغراض في أعيانهم(٣) .
وليس بجيّد ؛ إذ لا اعتبار بهذه الجزئيّات ؛ لعدم انضباطها.
ب - لو عيّن الشهود في الشرط ، تعيّنوا ، عملاً بالشرط ؛ إذ لا منافاة فيه للكتاب والسنّة. وللشافعي قولان(٤) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٨ ، المجموع ٩ : ٣٧٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٨ ، المجموع ٩ : ٣٧٥.
(٣) الوسيط ٣ : ٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٨ ، المجموع ٩ : ٣٧٥.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٨.
ج - لا يشترط في الرهن التعرّضُ لكون المرهون عند المرتهن أو غيره ، عملاً بأصالة عدم الاشتراط.
وللشافعيّة وجهان(١) .
فإنّ اتّفقا مع الإطلاق على وضعه عند المرتهن أو غيره ، فذاك. وإن تنازعا ، احتُمل انتزاع الحاكم له ووضْعه عند ثقة تحقيقاً للاستيثاق. وجَعْله في يد الراهن ؛ إذ لو لم يرض به المرتهن ، لشرط نزعه عنه مع أصالة استمرار الحال.
ولو شرطا في عقد الرهن وضعه عند المرتهن أو غيره ، لزم ، فإن امتنع الغير ، وضعه الحاكم مع التنازع عند الثقة.
مسألة ١٢٢ : الأقرب جواز اشتراط رهن المبيع نفسه على ثمنه.
ومَنَع أكثر الشافعيّة منه ؛ لأنّ الثمن إن كان مؤجّلاً ، لم يجز حبس المبيع لاستيفائه ، أو حالّاً ، فله حبسه لاستيفائه ، فلا معنى للحبس بحكم الرهن. ولأنّ قضيّة الرهن كون المال أمانةً وأن يسلّم الدَّيْن أوّلاً ، وقضيّة البيع بخلافه ، فيلزم تناقض الأحكام. ولأنّ فيه استثناءَ منفعةٍ ، فلا يجوز أن يستثني البائع بعض منافع المبيع لنفسه. ولأنّ المشتري لا يملك رهن المبيع إلّا بعد صحّة البيع ، فلا تتوقّف عليه صحّة البيع ، وإلّا دارَ(٢) .
والجواب : أنّ المؤجّل لا يجوز حبس المبيع عليه إذا لم يَجْر رهنٌ أو إذا جرى؟ [ الأوّل مسلّم ، والثاني ممنوع ](٣) لكنّ التقدير جريان الرهن فيه ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٨ ، المجموع ٩ : ٣٧٦.
(٢) الوسيط ٣ : ٧٥ - ٧٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٨ - ١٠٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٨.
(٣) ما أثبتناه بين المعقوفين اُشير إليه في « ق ، ك» برمز « م ع » وفي الطبعة الحجريّة برمز « مم ». والمثبت توضيح لما في « ق ، ك».
فهو موضوع النزاع. والحالّ قد يتقوّى أحد الجنسين بالآخر فيه. ولا امتناع في بقاء المال مضموناً بحكم البيع استيفاءً لما كان. ويسلّم الدَّيْن أوّلاً ؛ لإقدامه على الرهن. واستناء بعض المنافع جائز ؛ لما تقدّم. والدور ممنوع ؛ لأنّا نسلّم أنّه لا تتوقّف صحّة البيع على الرهن ، لكن ، لا كلام فيه ، بل في أنّه هل يمنع صحّة البيع؟
وقال بعض الشافعيّة : إن قلنا بوجوب بداءة البائع بالتسليم أو أنّهما يُجبران معاً ، أو لا إجبار ما لم يبتدئ أحدهما ، بطل البيع ؛ لأنّه شرط يُبطل مقتضى البيع ؛ لتضمّنه حبس المبيع إلى استيفاء الثمن ، فإن قلنا : البداءة بالمشتري ، فوجهان : صحّة الشرط ؛ لموافقته مقتضى العقد. والعدم ، فيفسد البيع ؛ لتناقض الأحكام(١) .
والجواب : أنّ مقتضى البيع عند الإطلاق وجوب بداءة تسليم البائع ، أمّا عند الشرط فلا.
والحاصل : أنّ الشرط يقتضي شيئاً لا يقتضيه العقد ، فإن اقتضى ما ينافيه ، بطل ، وإلّا فلا. ونحن نمنع اقتضاء إطلاق العقد ما ينافي هذا الشرط ، بل إطلاقه صالح لاقتران قيد الشرط به وعدمه.
فروع :
أ - لو شرط أن يرهنه المبيع بالثمن بعد القبض ويردّه إليه ، صحّ البيع والشرط عندنا ، خلافاً للشافعي(٢) .
لنا : أنّه شرط سائغ لا ينافي مقتضى العقد ولا يخالف الكتاب
____________________
(١ و ٢ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٨.
والسنّة ، فيكون لازماً.
ب - لو رهنه بالثمن من غير شرط ، صحّ عندنا مطلقاً وعند الشافعي إن كان بعد القبض. وإن كان قبله ، فلا إن كان الثمن حالّاً ؛ لأنّ الحبس ثابت له. وإن كان مؤجّلاً ، فهو كما لو رهن المبيع قبل القبض بدَيْنٍ آخر(١) .
ج - لو شرط رهن غير المبيع على الثمن أو شرط رهن المبيع على غيره ، صحّ عندنا ، وقد تقدّم.
مسألة ١٢٣ : لو لم يرهن المشتري ما شرطه أو لم يتكفّل الذي عيّنه ، فلا خيار له ، بل للبائع الخيار. ولا يقوم رهن ولا كفيل آخر مقام المعيّن ؛ لتفاوت الأغراض في خصوصيّات الأعيان هنا ، فإن فسخ البائع ، فلا بحث ، وإن أجاز ، فلا خيار للمشتري ، لأنّه إسقاط حقٍّ عنه ، فإذا لم يثبت له الخيار مع ثبوته فمع إسقاطه أولى.
ولو عيّن شاهدين فامتنعا من تحمّل الشهادة ، فإن قلنا : لا بُدّ من تعيين الشاهدين ، فللبائع الخيار ، وإن أسقطنا التعيين ، فلا.
ولو شرط المشتري على البائع إقامة كفيلٍ على العهدة فلم يوجد أو امتنع المعيّن ، ثبت للمشتري الخيار. ولو أسقطه المشتري ، فلا خيار له.
فروع :
أ - لو باع بشرط الرهن فهلك الرهن قبل القبض أو تعيّب أو وجد به عيباً قديماً ، فله الخيار في البيع ، وإن تعيّب بعد القبض ، فلا خيار.
ب - لو اختلفا في تعيّب الرهن ، فادّعى الراهن حدوثه بعد القبض
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٩.
والمشتري سَبْقَه ، قدّم قول الراهن استدامةً للبيع.
ج - لو هلك الرهن بعد القبض أو تعيّب ثمّ اطّلع على عيبٍ قديم به ، فلا أرش له ؛ لأصالة البراءة.
وهل له فسخ البيع؟ الأقرب : العدم ؛ لأنّ الفسخ إنّما يثبت إذا أمكنه ردّ الرهن كما أخذه.
ويحتمل الثبوت ؛ لأنّه لم يسلم إليه ما شرطه عليه ووجب له ، والردّ إنّما يجب مع بقاء العين ؛ إذ مع تلفها لا يمكن.
ثمّ إن كان التلف بغير تفريطٍ ، لم يثبت وجوب الردّ ، وإن كان بتفريطٍ ، قام ردّ العوض مقام ردّه.
مسألة ١٢٤ : من الشروط الجائزة شرط العتق ، فلو اشترى عبداً أو أمةً بشرط أن يُعتقها المشتري ، صحّ البيع ولزم الشرط ، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك وأحمد في أصحّ الروايتين عنه ، وهو أصحّ قولي الشافعي(١) أيضاً - لعموم قوله تعالى :( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) (٢) .
وما روي من أنّ عائشة اشترت بريرة وشرط عليها مواليها أن تُعتقها ويكون ولاؤها لهم ، فأنكر النبيّصلىاللهعليهوآله شرط الولاء دون العتق ، وقال : « شرط الله أوثق ، وقضاء الله أحقّ ، والولاء لمن أعتق»(٣) .
____________________
(١) بداية المجتهد ٢ : ١٦١ ، المغني ٤ : ٣٠٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٦٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٥ ، المجموع ٩ : ٣٦٤ و ٣٦٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٦٢ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٦ ، الوسيط ٣ : ٧٨ - ٧٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٠ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٣١ / ١٢٠٩.
(٢) البقرة : ٢٧٥.
(٣) صحيح البخاري ٣ : ٩٣ و ١٩٨ - ١٩٩ ، صحيح مسلم ٢ : ١١٤١ - ١١٤٢ / ٦ ، =
وروى أبو ثور عن الشافعي أنّه لو باع عبداً بشرط العتق ، صحّ البيع ، وبطل الشرط(١) .
والمشهور عن أبي حنيفة وأصحابه : أنّ البيع فاسد ؛ لأنّه شرط على المشتري إزالة ملكه عنه ، فكان فاسداً ، كما لو شرط عليه أن يبيعه(٢) .
والحكم في الأصل ممنوع عندنا ، وإنّما هو لازم للشافعي.
ثمّ قال أبو حنيفة : إنّه مضمون بالثمن المسمّى في العقد(٣) .
وقال أبو يوسف ومحمّد : يضمنه بالقيمة(٤) .
وأجاب(٥) الشافعي عن قياسه : بأنّ العتق يخالف البيع ، فإنّه يقصد بالعوض في الكتابة ، وإذا قال : أعتق عبدك وعليَّ كذا ، صحّ. ولأنّه يضمن فيما ذكروه بالقيمة وهنا بالثمن عند أبي حنيفة ، فافترقا.
وروي عن أبي حنيفة أنّ البيع جائز(٦) ، كما قلناه نحن.
____________________
= و ١١٤٣ / ٨ ، سنن البيهقي ١ : ٣٣٨ ، شرح معاني الآثار ٤ : ٤٤ وفيها نحوه. وفي العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٠ مثله.
(١) حلية العلماء ٤ : ١٢٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٠ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٣٢ / ١٠٢٩.
(٢) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٤٨ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٣٠ / ١٠٢٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٧ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٦ ، الوسيط ٣ : ٧٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٠ ، المجموع ٩ : ٣٦٦ ، المغني ٤ : ٣٠٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٦٢.
(٣) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٤٨ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٣٠ / ١٢٠٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٧ ، المجموع ٩ : ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٤) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٤٨ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٣٠ / ١٢٠٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٧ ، المجموع ٩ : ٣٦٧.
(٥) لم نعثر على الجواب فيما بين أيدينا من المصادر.
(٦) حلية العلماء ٤ : ١٢٧.
فروع :
أ - يجوز اشتراط العتق مطلقاً وبشرط أن يعتقه عن المشتري نفسه ، وبه قال الشافعي على أصحّ القولين من جواز شرط العتق(١) . أمّا لو شرط العتق عن البائع ، فإنّه يجوز عندنا - خلافاً له(٢) - لأنّه شرط لا ينافي الكتاب والسنّة.
ب - الأقوى عندي : أنّ العتق المشروط اجتمع فيه حقوق : حقٌّ لله تعالى ، وحقٌّ للبائع ، وحقّ آخر للعبد أيضاً.
وللشافعي وجهان : أنّه حقّ الله تعالى ، كالملتزم بالنذر. وأنّه حقّ البائع ؛ لأنّ اشتراطه يدلّ على تعلّق غرضه به(٣) . والظاهر أنّه بواسطة هذا الشرط تسامح في الثمن.
فإن قلنا : إنّه حقّ البائع ، فله المطالبة به قطعاً. وإن قلنا : إنّه حقّ الله تعالى ، فكذلك عندنا - وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٤) - لأنّه ثبت بشرطه ، وله غرض في تحصيله.
وله آخر : أنّه ليس للبائع المطالبة به ؛ إذ لا ولاية له في حقوق الله تعالى(٥) .
وعلى ما اخترناه نحن للعبد المطالبةُ بالعتق على إشكال ينشأ من ثبوت حقٍّ له للانتفاع به ، فكان له المطالبة به. ومن أنّه منوط باختيار
____________________
(١ و ٢ ) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١١ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٩ ، المجموع ٩ : ٣٦٤.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١١ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٩ - ٧٠ ، المجموع ٩ : ٣٦٤.
(٤ و ٥ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١١ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٠ ، المجموع ٩ : ٣٦٥.
المشتري ؛ إذ له الامتناع ، فيتخيّر البائع حينئذٍ بين الفسخ والإمضاء ، لكنّ الأوّل أقرب.
ج - الولاء عند علمائنا إنّما يثبت مع العتق المتبرّع به لا مع العتق الواجب بنذرٍ وكفّارة وشبهه على ما يأتي.
أمّا العتق المشترط في البيع فيحتمل إلحاقه بالواجب ؛ لوجوبه عليه بعقد البيع ، وإجباره على فعله. وبالمتبرّع به ؛ إذ له الإخلال بالشروط المشترطة في البيع من عتقٍ وغيره ، ويثبت الخيار للبائع ، فكأنّ العتق في الحقيقة هنا مستند إلى اختياره ، فيكون متبرّعاً به.
فعلى الأوّل لا ولاء هنا ، أمّا للبائع : فلانتقال الملك عنه ، وصدور العتق من غيره ، ولا يصحّ شرط الولاء. وأمّا للمشتري : فلوجوب العتق عليه.
وأمّا على الثاني فيثبت الولاء للمشتري.
د - إذا أعتقه المشتري ، فقد وفى بما وجب عليه والتزم به ، والولاء له إن أثبتناه وإن قلنا : إنّ العتق حقّ البائع ؛ لأنّه صدر عن ملك المشتري.
وإن امتنع ، اُجبر عليه إن قلنا : إنّه حقٌّ لله تعالى. وإن قلنا : إنّه حقٌّ للبائع ، لم يُجبر ، كما في شرط الرهن والكفيل ، لكن يتخيّر البائع في الفسخ ؛ لعدم سلامة ما شرطه له.
وللشافعي قولان : الإجبار وعدمه(١) .
فإن قلنا بالإجبار ، حبس عليه حتى يعتق ، وهو أحد قولي الشافعيّة.
والثاني : أنّ القاضي يعتق عليه(٢) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١١ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٠ ، المجموع ٩ : ٣٦٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٠ ، المجموع ٩ : ٣٦٥.
والأولى عندي الإجبار في شرط الرهن والكفيل لو امتنع ، كما لو شرط تسليم الثمن معجّلاً فأهمل.
ه- إن قلنا : إنّ العتق حقٌّ للبائع ، فلو أسقطه ، سقط ، كما لو شرط رهناً أو كفيلاً ثمّ عفا عنه.
وقال بعض الشافعيّة : إنّ شرط الرهن والكفيل أيضاً لا يفرد بالإسقاط ، كالأجل(١) .
و - هل يجوز إعتاق هذا العبد عن الكفّارة؟ الوجه أن نقول : إن شرط البائع عتقه عن كفّارة المشتري ، أجزأه ، وتكون فائدة الشرط التخصيصَ لهذا العبد بالإعتاق.
وإن لم يشرط ، فإن قلنا : إنّ العتق هنا حقٌّ لله تعالى ، لم يجزئ ، كإعتاق المنذور عتقُه عن الكفّارة. وإن قلنا : إنّه حقٌّ للبائع ، فكذلك إن لم يسقط حقّه ، وإن أسقطه ، جاز ؛ لسقوط وجوب العتق حينئذٍ.
وللشافعيّة على هذا التقدير وجهان ، هذا أحدهما. والثاني : المنع ؛ لأنّ البيع بشرط العتق لا يخلو عن محاباة ، فكأنّه أخذ عن العتق عوضاً(٢) .
ز - يجوز للمشتري الاستخدام ؛ لعدم خروجه عن ملكه إلّا بالعتق ولم يحصل بَعْدُ.
ويجوز أيضاً الوطؤ ، فإن حملت ، صارت اُمَّ ولد ، فإن أعتقها ، صحّ عندنا ؛ لعدم خروجها بالاستيلاد عن ملكه ، وهو أصحّ قولي الشافعيّة(٣) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٠ ، المجموع ٩ : ٣٦٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٢.
(٣) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٢ ، وروضة الطالبين ٣ : ٧٠ ، والمجموع ٩ : ٣٦٥.
وقال بعضهم : ليس له عتقها ؛ لأنّ عتقها قد استحقّ بالإحبال فقد تعذّر عليه عتقها(١) .
ح - لو استخدم أو أحبل ولم يعتق ، فإن أجبرناه على العتق ، لم يضمن شيئاً. وإن خيّرنا البائع بين الفسخ والإمضاء ، فكذلك ؛ لأنّ النماء المتجدّد في زمان خيار البائع للمشتري ، سواء فسخ البائع بعد ذلك أو لا.
والأقرب : أنّ الإحبال كالإتلاف.
ولو اكتسب العبد قبل عتقه ، فهو للمشتري أيضاً.
ط - لو قُتل هذا العبد قبل عتقه ، كانت القيمة للمشتري ، ويُقوَّم عبداً مشروط العتق ، ولا يكلّف صرف القيمة إلى عبدٍ آخر ليعتقه ؛ لتعلّق الشرط بالعين وقد تلفت.
ي - لو قتله المشتري أو مات أو تلف سواء كان بتفريطه أو لا ، لم يجب شراء غيره ، لكن يرجع البائع بما يقتضيه شرط العتق ، فيقال : كم قيمته لو بِيع مطلقاً وبشرط العتق؟ فيرجع البائع بالنسبة من الثمن ، فإذا قيل : إنّه يساوي مائة بغير شرط وتسعين بشرط العتق ، زِيد على الثمن تسعه. وله الفسخ ، لعدم الوفاء بالشرط ، فيدفع ما أخذه من الثمن ويرجع بقيمة العبد. وفي اعتبارها إشكال.
وللشافعيّة أقوال :
أحدها : أنّه لا يلزم المشتري إلّا الثمن المسمّى ؛ لأنّه لم يلتزم غيره.
الثاني : أنّ عليه مع ذلك قدر التفاوت ، كما قلناه.
الثالث : أنّ البائع بالخيار إن شاء أجاز العقد ولا شيء له ، وإن شاء
____________________
(١) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٢ ، وروضة الطالبين ٣ : ٧٠ ، والمجموع ٩ : ٣٦٥.
فسخ وردّ ما أخذه من الثمن ورجع بقيمة العبد.
الرابع : أنّ العقد ينفسخ ؛ لتعذّر إمضائه ؛ إذ لا سبيل إلى إيجاب شيء على المشتري من غير تفويت ولا التزام ، ولا إلى الاكتفاء بالمسمّى ؛ فإنّ البائع لم يرض به إلّا بشرط العتق.
وهل هذه الوجوه متفرّعة على أنّ العتق للبائع أو مطّردة سواء قلنا : إنّه للبائع أو لله تعالى؟ فيه رأيان ، أظهرهما : الثاني(١) .
ونحن قد قلنا : إنّه بالخيار بين الفسخ والإمضاء مع المطالبة بالنقص ، وهو جارٍ فيما إذا قلنا : إنّه حقٌّ لله تعالى أو للبائع.
يأ - شرط العتق إنّما يتناول السبب المباح ، فلو نكل به فانعتق ، لم يأت بالشرط ، وكان للبائع الخيار بين الفسخ والإمضاء ، ويكون بمنزلة التالف ، وقد تقدّم.
يب - شرط العتق إنّما يتناول العتق مجّاناً ، فلو أعتقه المشتري وشرط عليه الخدمة أو شيئاً ، تخيّر البائع بين فسخ البيع والإمضاء ، فإن فسخ ، فالأقرب نفوذ العتق ، ويرجع البائع بالقيمة ، كالتالف.
ويحتمل فساده ؛ لوقوعه على خلاف ما وجب عليه ، وسقوط الشرط خاصّة ، فينفذ العتق ، ولا خيار للبائع ولا شيء له.
يج - لو باعه المشتري أو وقفه أو كاتبه ، تخيّر البائع بين فسخ البيع والإمضاء ، فإن فسخ البيع ، بطلت هذه العقود ؛ لوقوعها في غير ملكٍ تامّ.
ويخالف هنا العتق بشرط ؛ لأنّ العتق مبنيّ على التغليب والسراية ، فلا سبيل إلى فسخه مع القول بصحّته.
وهل له إمضاء البيع مع طلب فسخ ما فَعَله المشتري؟ فيه احتمال.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٢ - ١١٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٠ ، المجموع ٩ : ٣٦٥ - ٣٦٦.
يد - لو باعه من غيره وشرط عليه العتق ، احتُمل الصحّة ؛ لوقوع غرض البائع به ، وكما لو أعتقه بوكيله. والبطلان ؛ لأنّ شرط العتق مستحقّ عليه ، فليس له نقله إلى غيره.
وللشافعيّة(١) كالوجهين.
يه - لو قلنا بثبوت الولاء للمشتري ، لم يصح اشتراطه للبائع ؛ لمنافاته النصّ.
وفي صحّة البيع مع بطلانه خلاف كما تقدّم من صحّة البيع مع بطلان الشرط.
وللشافعي قولان فيما لو شرط مع العتق كون الولاء للبائع : بطلان العقد ؛ لأنّ شرط الولاء مغيّر لمقتضى العقد ؛ لتضمّنه نقل الملك إلى البائع وارتفاع العقد. والصحّة ؛ لحديث بَرِيرَة ، فإنّ عائشة أخبرت رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّ مواليها لا يبيعونها إلّا بشرط أن يكون الولاء لهم ، فقالعليهالسلام : « اشتري واشترطي لهم الولاء »(٢) أذن في الشراء بهذا الشرط ، وهو لا يأذن في باطل(٣) .
ونحن نمنع الرواية ، ولهذا لم يثبت القائلون بالفساد الإذن في شرط الولاء ؛ لأنّ هشاماً تفرّد به ، ولم يتابعه سائر الرواة عليه(٤) .
وعلى تقدير صحّة البيع ففي صحّة الشرط للشافعيّة وجهان :
العدم ؛ لأنّهعليهالسلام خطب بعد ذلك وقال : « ما بال أقوام يشترطون
____________________
(١) حلية العلماء ٤ : ١٢٨ - ١٢٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٧١ ، المجموع ٩ : ٣٦٥.
(٢) صحيح البخاري ٣ : ١٩٩ ، صحيح مسلم ٢ : ١١٤٢ - ١١٤٣ / ٨ نحوه.
(٣) حلية العلماء ٤ : ١٢٨ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٦ - ٥١٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٧١ ، المجموع ٩ : ٣٦٦.
(٤) كما في التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٧ ، والعزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٤.
شروطاً ليست في كتاب الله تعالى ، كلّ شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل ، شرط الله أوثق ، وقضاء الله أحقّ ، والولاء لمن أعتق »(١) .
والصحّة ؛ لأنّه أذن في اشتراط الولاء ولا يأذن في باطل. لكنّ المشهور بينهم فساد العقد(٢) .
يو - لو جرى البيع بشرط الولاء دون شرط العتق بأن قال : بعتكه بشرط أن يكون الولاء لي إن أعتقته يوماً من الدهر ، بطل العقد - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّه لم يشترط العتق حتى يحصل الولاء تبعاً له.
يز - لو اشترى مَنْ يعتق عليه بشرط الإعتاق ، لم يصحّ العقد ؛ لتعذّر الوفاء بهذا الشرط ؛ فإنّه يعتق عليه قبل أن يعتقه.
يح - لو باعه عبداً بشرط أن يعتقه بعد شهر أو سنة ، صحّ عند علمائنا ، ولزمه الشرط.
وللشافعيّة وجهان ، هذا أحدهما. والثاني : أنّ العقد باطل ، وهو أصحّهما عندهم(٤) .
وعلى قولنا لو مضى الشهر ولم يعتقه ، تخيّر البائع بين الفسخ والإمضاء ، فيلزمه بالإعتاق كلّ وقت ، وله الترك مطلقاً ، فيرجع بالنقصان الحاصل بسبب عدم المشروط.
يط - لو لم يختر البائع شيئاً فبادر المشتري قبل تخيّره إلى العتق ،
____________________
(١) صحيح مسلم ٢ : ١١٤٢ - ١١٤٣ / ٨.
(٢) حلية العلماء ٤ : ١٢٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٣ - ١١٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٧١ ، المجموع ٩ : ٣٦٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٧١ ، المجموع ٩ : ٣٦٦.
(٤) حلية العلماء ٤ : ١٢٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٠ ، المجموع ٩ : ٣٦٦.
فإن قصد في الشرط الإعتاق حين خروج الأجل ، احتمل تخيّره بين الفسخ فيطالب بالعوض ، كالتالف. والإمضاء إمّا مع الأرش أو بدونه على ما تقدّم.
وإن قصد تحصيل العتق بعد الأجل مطلقاً ، فلا خيار له ؛ لحصول مقصوده.
ك - لو باعه عبداً بشرط أن يدبّره ، صحّ عندنا ؛ لقبول البيع الشرائطَ السائغة ، خلافاً للشافعي(١) ، وقد سبق.
فإن فعل المشتري ما شرط عليه ، فقد برئ وإلّا تخيّر البائع بين الفسخ والإمضاء بالتفاوت على ما تقدّم في العتق.
إذا تقرّر هذا ، فإذا دبّره ، لم يكن له الرجوع في تدبيره على إشكال ينشأ من الوفاء بما عليه ، وقضيّة التدبير جواز الرجوع فيه ، ومن عدم تحصيل الغرض ؛ إذ الرجوع فيه إبطالٌ له ، فينافي صحّة الشرط. وله أن يدبّره مطلقاً ومشروطاً بأن يقول : إذا متّ في سنتي هذه فأنت حُرٌّ ، فإن لم يقع الشرط ، وجب عليه استئناف تدبيرٍ آخر إن قلنا بعدم الرجوع.
كأ - لو باعه بشرط أن يكاتبه ، صحّ عندنا - خلافاً للشافعي(٢) على ما تقدّم - لأنّه شرط مرغّب فيه مندوب إليه يؤول إلى العتق ، وعقد البيع قابل للشروط ، فكان لازماً.
ثمّ إن أطلق ، تخيّر المشتري في الكتابة بأيّ قدر شاء ، ويتخيّر في الكتابة المشروطة والمطلقة ، فإن طلب السيّد أزيد من قيمته وامتنع العبد ، تخيّر البائع في الفسخ والإمضاء وإلزام المشتري بالكتابة بقيمة العبد ، فإن امتنع العبد ، تخيّر البائع ، ولا يجب على المشتري الكتابة بدون القيمة.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٠ ، المجموع ٩ : ٣٦٦.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٠ ، المجموع ٩ : ٣٦٦.
كب - لو باعه داراً بشرط أن يجعلها وقفاً ، صحّ عندنا ، وهو أحد قولي الشافعي ، وفي الآخر : لا يصحّ(١) .
وبأيّ وجه حصل الوقف حصل الشرط مع إطلاق البائع ، فلو جعلها مسجداً أو وقفها على مَنْ يصحّ الوقف عليه ولو على ولده ومَنْ يلزمه مؤونته ، صحّ. ولا يكفي الحبس.
كج - لو باعه شيئاً بشرط أن يتصدّق به ، صحّ عند علمائنا ؛ لأنّه شرط سائغ بل مستحبّ ، وعقد البيع قابل له ، فيكون لازماً ؛ لعموم قولهعليهالسلام : « المسلمون عند شروطهم »(٢) خلافاً للشافعي(٣) .
ومع الإطلاق تجزئ الصدقة على مَنْ شاء المشتري.
كد - لو باعه شيئاً بشرطٍ لا يقتضيه العقد ولا ينافيه ولا يتعلّق به غرض يورث تنافساً وتنازعاً، مثل : أن يشرط لا يأكل إلّا الهريسة ، ولا يلبس إلّا الخزّ ، وشبه ذلك ، فهذا الشرط لا يقتضي فساد العقد عندنا.
وهل يلغو أو يفيد تخيّر البائع لو أخلّ به بين الفسخ والإمضاء؟
الأقرب ذلك.
وللشافعيّة قولان ، أحدهما : صحّة البيع وبطلان الشرط. والثاني : الفساد في العقد أيضاً حيث إنّه أوجب ما ليس بواجب ، وكذا لو باع بشرط أن يصلّي النوافل أو يصوم غير شهر رمضان أو يصلّي الفرائض في أوّل أوقاتها(٤) .
____________________
(١) حلية العلماء ٤ : ١٢٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٠ ، المجموع ٩ : ٣٦٦.
(٢) صحيح البخاري ٣ : ١٢٠ ، سنن الدار قطني ٣ : ٢٧ ، ٩٩ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٤٩ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٦ : ٥٦٨ / ٢٠٦٤.
(٣) لم نعثر عليه في مظانّه من المصادر المتوفّرة لدينا.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٢ ، المجموع ٩ : ٣٦٤.
مسألة ١٢٥ : قد تقدّم(١) أنّ بيع الحمل لا يصحّ ؛ للنهي عن بيع الملاقيح(٢) . ولأنّه غير معلوم ولا مقدور ، وكما لا يصحّ بيعه منفرداً لم يصح منضمّاً إلى غيره بأن يقول : بعتك هذه الجارية وحملها ؛ لأنّ جزء المبيع إذا كان مجهولاً كان المبيع مجهولاً.
نعم ، يجوز انضمامه تبعاً لا مستقلّاً ، كأساسات الحيطان.
فلو باع الأمة الحامل وأطلق ، لم يدخل الحمل عندنا ؛ لأنّه ليس جزءاً من المسمّى ولا تابعاً له عادة.
وقال الشافعي : يدخل الحمل في البيع تبعاً لو أطلق(٣) . وهل يقابله قسط من الثمن؟ فيه له قولان(٤) .
ولو باع الحامل واستثنى حملها ، كان تأكيداً للإخراج.
وللشافعي قولان في صحّة البيع :
أحدهما : أنّه يصحّ ، كما لو باع الشجرة واستثنى الثمرة قبل بدوّ الصلاح.
وأصحّهما عنده : أنّه لا يصحّ ؛ لأنّ الحمل لا يصحّ إفراده بالعقد فلا يجوز استثناؤه ، كأعضاء الحيوان(٥) .
والملازمة ممنوعة ، وليس العلّة في امتناع الاستثناء انتفاء صحّة إفراده بالبيع.
____________________
(١) في ص ٦٦ المسألة ٣٨.
(٢) المعجم الكبير - للطبراني - ١١ : ٢٣٠ / ١١٥٨١.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٢ ، المجموع ٩ : ٣٢٤.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٦.
(٥) الوسيط ٣ : ٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٢ ، المجموع ٩ : ٣٢٤.
ولو باع الحامل وشرط المشتري الحمل ، صحّ ؛ لأنّه تابع كأساسات الحيطان وإن لم يصحّ ضمّه في البيع مع الاُمّ ؛ للفرق بين الجزء والتابع.
ولو كانت الجارية حاملاً وكانت لواحدٍ والحمل لآخر ، لم يكن لمالك الحمل بيعه على مالك الاُمّ ، ولمالك الاُمّ بيعها من مالك الحمل وغيره ، عندنا ؛ لما بيّنّا من جواز الاستثناء للحمل. وللشافعيّة وجهان(١) .
ولو كانت الجارية حاملاً بحُرّ فباعها مالكها ، صحّ.
وللشافعيّة وجهان ، هذا أحدهما ، ويكون الحمل مستثنىً شرعاً.
والثاني : البطلان ؛ لأنّ الحمل لا يدخل في البيع حيث هو حُرٌّ ، فكأنّه استثناء(٢) . وقد بيّنّا جواز الاستثناء.
فروع :
أ - لو باع الجارية بشرط أنّها حامل ، صحّ عندنا ؛ لأنّه شرط يرغب لا يخالف الكتاب والسنّة ، فكان لازماً.
وللشافعي قولان مبنيّان على أنّ الحمل هل يعلم أم لا؟ إن قال : لا ، لم يصحّ شرطه. وإن قال : نعم ، صحّ ، وهو الأصحّ عنده(٣) .
وقال بعض الشافعيّة : الخلاف في غير الآدمي ، كالدابّة ، أمّا الأمة فيصحّ قطعاً ؛ لأنّ الحمل فيها عيب ، فاشتراط الحمل إعلامٌ بالعيب ، فيصير كما لو باعها على أنّها آبقة أو سارقة(٤) .
ب - لو قال : بعتك هذه الدابّة وحملها ، لم يصحّ عندنا ؛ لما تقدّم(٥)
____________________
(١ و ٢ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٢ - ٧٣ ، المجموع ٩ : ٣٢٤ - ٣٢٥.
(٣ و ٤ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٣ ، المجموع ٩ : ٣٢٣.
(٥) في ص ٢٧٥.
من أنّ الحمل لا يصحّ جَعْله مستقلّاً بالشراء ولا جزءاً من المبيع(١) .
وللشافعيّة وجهان :
الصحّة ؛ لأنّه داخل في العقد عند الإطلاق ، فلا يضرّ التنصيص عليه ، كما لو قال : بعتك هذا الجدار وأساسه(٢) .
ونمنع الصغرى والمقيس عليه أيضاً.
وأصحّهما : العدم ؛ لأنّه جعل المجهول مبيعاً مع المعلوم ، ومالا يجوز بيعه منفرداً لا يجوز بيعه مقصوداً مع غيره ، بخلاف ما لو باع بشرط أنّها حامل ، فإنّه جعل الحامليّة وصفاً تابعاً(٣) .
ج - لو قال : بعتك هذه الشاة وما في ضرعها من اللبن ، لم يجز عندنا. وللشافعيّة وجهان(٤) سبقا في الحمل.
ولو قال : بعتك هذه الجُبّة وحَشْوها ، صحّ ؛ لأنّه جزء منها وداخل في مسمّاها ، فذِكْرُه ذِكْرُ ما دخل في اللفظ ، فلا يضرّ التنصيص عليه ، بخلاف الحمل ؛ فإنّه ليس داخلاً في مسمّى الشاة والأمة ، وهو أحد وجهي الشافعيّة. وفي الآخر : أنّ الخلاف في الشاة مع حملها يجري هنا(٥) .
وعلى قولهم بالبطلان ففي بيع الظهارة والبطانة في الجُبّة قولا تفريق الصفقة ، وفي صورة الدابّة يبطل البيع في الجميع.
____________________
(١) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : البيع. والصحيح ما أثبتناه.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٣ ، المجموع ٩ : ٣٢٣.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٣ ، المجموع ٩ : ٣٢٣ ، ولم نعثر على الوجهين فيما سبق.
(٥) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٢٦ ، الوسيط ٣ : ٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٣ ، المجموع ٩ : ٣٢٣.
والفرق : إمكان معرفة قيمة الحَشْو عند العقد ، بخلاف الحمل واللبن ؛ لأنّه(١) لا يمكن معرفة قيمتهما عند العقد ، فيتعذّر تقسيط الثمن(٢) .
واعتُرض بجريان قولي تفريق الصفقة حيث يتعذّر التوزيع ، كما لو باع شاةً وخنزيراً(٣) .
د - لو باع حاملاً وشرط وضعها في يوم معيّن ، لم يصحّ البيع ؛ لأنّه غير مقدور عليه ، وهو قول الشافعي(٤) .
ه- لو باعه دجاجةً ذات بيضة وشرطها ، صحّ. وإن جعلها جزءاً من المبيع ، لم يصح. وكذا لو جعلها مستقلّةً بالبيع.
وبالجملة ، فالبحث والخلاف هنا كما في حمل الجارية والدابّة.
و - لو باعه شاةً بشرط أنّها لبون ، فقد سبق(٥) جوازه.
وللشافعيّة طريقان :
أحدهما : أنّ الخلاف فيه كالخلاف في البيع بشرط الحمل.
والثاني : القطع بصحّة البيع.
والفرق : أنّ شرط الحمل يقتضي وجوده عند العقد وليس معلوماً ، وشرط كونها لبوناً لا يقتضي وجود اللبن حينئذٍ ، وإنّما يجوز اشتراط صفة فيها ، فكان بمثابة شرط معرفة صنعه في العبد حتى لو شرط كون اللبن في الضرع ، كان بمثابة شرط الحمل(٦) .
____________________
(١) في « ق ، ك» : « فإنّه » بدل « لأنّه ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٣ ، المجموع ٩ : ٣٢٤.
(٣) المعترض هو إمام الحرمين الجويني كما في العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٧.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٣ ، المجموع ٩ : ٣٢٤.
(٥) في ص ٢١٢ ، المسألة ١٠٧.
(٦) الوسيط ٣ : ٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٣ ، المجموع ٩ : ٣٢٤.
وقال أبو حنيفة : لا يصحّ هذا الشرط. وكذا قال في شرط الحمل(١) ، وقد سبق(٢) .
ز - لو باع شاةً لبوناً واستثنى لبنها ، صحّ عندنا ؛ لوجود المقتضي ، وهو ورود البيع على محلٍّ معلوم.
وللشافعيّة وجهان ، أصحّهما عندهم : عدم الصحّة ، كما لو استثنى الحمل في بيع الجارية(٣) .
مسألة ١٢٦ : هنا شروط وافقنا الشافعي(٤) على صحّتها في البيع ، مثل أن يبيع بشرط البراءة من العيوب ، وبيع الثمرة بشرط القطع. وسيأتي البحث عنهما. وكذا لو شرط ما يقتضيه العقد ، وقد سلف(٥) .
وهنا شروط اُخرى له فيها خلاف :
أ - لو باع مكيلاً أو موزوناً أو مذروعاً بشرط أن يكال بمكيالٍ معيّن أو يوزن بميزانٍ معيّن أو يذرع بذراعٍ معيّن.
فإن كان البيع حالّاً يؤمن معه بقاء المكيال والميزان والذراع ، صحّ البيع لكن يلغو الشرط ؛ لأنّه إن كان معروفاً ، رجع إلى المتعارف منه ، وإلّا كان البيع باطلا ؛ للجهالة ، وذلك كما لو قال : بعتك عشر طاسات طعام بهذه الطاسة وهي غير معلومة النسبة إلى المكيال المعتاد ، أو : بعتك ملء هذا الجُوالق ، أو : ملء هذه الآنية.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٨ ، وفيه : لا يصحّ البيع بهذا الشرط.
(٢) في ص ٢١٣ ، المسألة ١٠٧.
(٣) حلية العلماء ٤ : ١٢٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٣ ، المجموع ٩ : ٣٢٥.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٣ - ٧٤.
(٥) في ص ٢٤٦.
وإن كان البيع مؤجّلاً ، لم يصحّ الشرط إن كان معلوم النسبة ، وصحّ البيع ، وإلّا فلا.
ولا فرق في اشتراط ذلك في المبيع أو الثمن.
ب - لو عيّنا في البيع رجلاً يتولّى الكيل أو الوزن(١) ، احتمل اللزوم ؛ إخلاداً إلى ثقته ومعرفته ونصحه. والعدم ؛ لقيام غيره مقامه.
وللشافعي وجهان(٢) .
والأقوى عندي : اللزوم مع الحلول ، أمّا مع الأجل فيحتمل البطلان قويّاً ؛ لإمكان عدمه.
ج - لو باع داراً وشرط سكناها ، أو دابّةً واستثنى ظهرها ، فإن لم يعيّن مدّةً ، بطل العقد ، للجهالة ، وثبوت الغرر. وإن عيّن مدّةً ، صحّ عندنا ؛ عملاً بمقتضى الشرط السالم عن معارضة الكتاب والسنّة ، وبه قال أحمد(٣) . وللشافعي قولان(٤) .
د - لو باعه داراً بشرط أن يقفها عليه وعلى عقبه ونسله ، فالأولى الصحّة ، كما لو شرط وقفها على الغير. وكذا لو باعه داراً(٥) بشرط أن يقف عليه دكّانه أو على غيره.
____________________
(١) في « ك» : والوزن.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٤.
(٣) المغني ٤ : ٢٢٨ ، الشرح الكبير ٤ : ٥٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٨ ، المجموع ٩ : ٣٧٨.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٤ ، المجموع ٩ : ٣٦٩ و ٣٧٨ ، وفي المغني ٤ : ٢٢٨ ، والشرح الكبير ٤ : ٥٦ نُسب القول بعدم الصحّة إلى الشافعي.
(٥) في « ق ، ك» : داره.
وكذا يصحّ لو شرط إعماره إيّاها ؛ لأنّه شرط مرغب فيه يصحّ الابتداء به ، فصحّ جَعْله شرطاً في عقدٍ قابل للشروط. فعلى هذا لو أطلق الإعمار ، احتمل البطلان ؛ لأنّه كما ينصرف إلى عمر البائع ينصرف إلى عمر المشتري ولا أولويّة.
ولو شرط الإسكان ، صحّ وإن كان مطلقاً ، وله إخراجه متى شاء ؛ للوفاء بمطلق الشرط. وفرقٌ بين أن يشرط له سكناها من غير تعيين مدّة وبين أن يشرط الإسكان ؛ لأنّ الثاني شرطه التقرّبُ إلى الله تعالى ، بخلاف الأوّل.
ه- لو باعه بشرط أن لا يسلّم المبيع حتى يستوفي الثمن ، فالأقوى الصحّة ؛ لأنّه كشرطه الرهن.
وقال الشافعي : إن كان الثمن مؤجّلاً ، بطل العقد. وإن كان حالّاً ، يُبنى على أنّ البداءة في التسليم بمَنْ؟ فإن جُعل ذلك من قضايا العقد ، لم يضرّ ذِكْره ، وإلّا فسد العقد(١) .
و - لو قال لغيره : بِعْ عبدك من زيد بألف على أن عليَّ خمسمائة ، فباعه على هذا الشرط ، صحّ البيع عندنا ؛ لأنّه شرط سائغ لا يوجب جهالةً في المبيع ولا في الثمن ، فكان لازماً.
ولابن سريج من الشافعيّة قولان :
أظهرهما : أنّه لا يصحّ البيع ؛ لأنّ الثمن يجب جميعه على المشتري ، وهاهنا جعل بعضه على غيره.
والثاني : نعم ، ويجب على زيد ألف وعلى الآمر خمسمائة ، كما لو
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٤ ، المجموع ٩ : ٣٦٩.
قال : ألق متاعك [ في البحر ](١) على أن عليَّ كذا(٢) .
والوجه : أن نقول : إن قصد الآمر الضمان من الثمن ، كان ضماناً متبرّعاً به صحيحاً. وإن قصد الجعالة ، لزمه مع الفعل ، وعلى المشتري ألف كاملة.
وكذا لو قال : بِعْه منه بألف على أنّ الألف عليَّ ، صحّ ، وكان الثمن لازماً له بمجرّد الضمان المتبرّع به ، ولا يرجع على المشتري ، ولا يجب على المشتري للبائع شيء.
ز - لو قال : بعتك هذه الصبرة كلّ صاع بدرهم على أن أزيدك صاعاً ، وقصد هبة صاع أو بيعه من موضعٍ آخر ، بطل عندنا ؛ للجهل بالصبرة ، فلو علما بها(٣) ، صحّ البيع عندنا.
والشافعي لمـّا جوّز بيع الصبرة مَنَع البيع هنا على تقدير إرادة الهبة أو بيعه القفيز من موضعٍ آخر ؛ لأنّه شرط عقد(٤) في عقد. وإن أراد أنّها إن خرجت عشرة آصُع ، اُخذت تسعة دراهم ، فإن كانت الصيعان مجهولةً ، لم يصح عنده أيضاً ؛ لأنّه لا يدري حصّة كلّ صاع. وإن كانت معلومةً ، صحّ. وإن كانت عشرةً ، فقد باع كلّ صاع وتُسْعاً بدرهم(٥) .
ولو قال : بعتك هذه الصبرة كلّ صاع بدرهم على أن أنقصك صاعاً ،
____________________
(١) ما بين المعقوفين من العزيز شرح الوجيز وروضة الطالبين.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٠ ، حلية العلماء ٤ : ١٣٦ - ١٣٧ ، وفي روضة الطالبين ٣ : ٧٥ من دون نسبة إلى ابن سريج.
(٣) في « ق ، ك» : علماها.
(٤) في « ق ، ك» : عقداً.
(٥) الحاوي الكبير ٥ : ٢٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٤ ، المجموع ٩ : ٣١٤.
فإن أراد ردّ صاعٍ إليه ، فهو فاسد عند الشافعي ؛ لأنّه شرط عقداً في عقد. وإن أراد أنّها إن خرجت تسعة آصُع اُخذت عشرة دراهم ، فإن كانت الصيعان مجهولةً ، لم يصح عندنا وعنده. وإن كانت معلومةً ، صحّ عنده ، فإذا كانت تسعة آصُع ، فيكون كلّ صاع بدرهم وتُسْع(١) .
وبعض الشافعيّة مَنَع من الصحّة مع العلم أيضاً ؛ لأنّ العبارة لا تبنى على الحمل(٢) المذكور(٣) .
ح - لو قال : بعتك هذه الدار أو هذه الأرض بكذا ، صحّ البيع مع المشاهدة وإن جُهل قدرهما. وكذا لو قال : بعتك نصفها أو ربعها أو غيرهما(٤) من الأجزاء المشاعة.
ولو قال : بعتك هذه الأرض كلّ ذراع بدرهم ، فإن علما قدر الذُّرْاعان ، صحّ البيع ، وإلّا بطل.
وقال أبو حنيفة : يبطل مطلقاً ولا في ذراعٍ واحد ، بخلاف الصبرة ، فإنّه(٥) يجوز فيها إطلاق القفيز ، والأرض لا يجوز فيها إطلاق الذراع(٦) .
وقال الشافعي : يصحّ مع المشاهدة(٧) .
ولو قال : بعتك من هذه الأرض عشرة أذرع ، لم يصحّ ؛ لاختلاف
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٤ ، المجموع ٩ : ٣١٥.
(٢) كذا في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة ، وفي العزيز شرح الوجيز : لأنّ العبارة لا تنبئ عن المجمل. وفي المجموع وروضة الطالبين : لقصور العبارة عن الحمل - المحمل -.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٤ ، المجموع ٩ : ٣١٥.
(٤) في « ق ، ك» : غيره.
(٥) في « ق ، ك» : « لأنّه » بدل « فإنّه ».
(٦) حلية العلماء ٤ : ١٠٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٨.
(٧) حلية العلماء ٤ : ١٠٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٣٣ - ٣٤.
أجزائها ، والجملة غير معلومة ، فلا يمكن أن تكون معيّنةً ولا مشاعةً.
ط - لو باعه شيئاً وشرط فيه قدراً معيّناً ، فأقسامه أربعة ؛ لأنّه إمّا أن يكون مختلف الأجزاء أو متّفقها ، وعلى التقديرين فإمّا أن ينقص المقدار عن الشرط أو يزيد :
الأوّل : أن يبيع مختلف الأجزاء - كالأرض والثوب - وينقص ، كأن يبيع أرضاً معيّنة على أنّها عشرة أذرع أو ثوباً كذلك فنقص ذراعاً.
قال علماؤنا : يتخيّر المشتري بين الفسخ والإمضاء. وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد القولين(١) .
أمّا الصحّة : فلصدور العقد من أهله في محلّه جامعاً للشروط فكان صحيحاً. وللعموم السالم عن معارضة ما يقتضي البطلان ، ونقص الجزء كنقص الصفة.
وأمّا الخيار : فللنقص ، وهو عيب.
والقول الآخر للشافعي : البطلان ؛ لأنّ قضيّة قوله : « بعتك هذه الأرض » اختصاص البيع بهذه الأرض وعدم تناوله لغيرها ، وقضيّة الشرط أن تدخل الزيادة(٢) في البيع ، فوقع التضادّ. لكنّ الأظهر عندهم : الأوّل(٣) ، كما اخترناه.
إذا تقرّر هذا ، فنقول : إذا اختار المشتري البيع ، فهل يُجيز بجميع الثمن أو بالقسط؟ لعلمائنا قولان.
____________________
(١) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٤ - ٧٥.
(٢) أي : الذراع الواحد الناقص. وفي العزيز شرح الوجيز : أن لا تدخل الزيادة.
فلاحظ.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٤.
أحدهما : بجميع الثمن - وهو أظهر قولي الشافعي(١) - لأنّ المتناول بالإشارة تلك القطعة لا غير وإن كان الأظهر عنده(٢) في الصبرة الإجازةَ بالقسط ؛ لأنّ صبرة الطعام إذا كانت ناقصةً عن الشرط وأجزاؤها متساوية ، يكون ما فقده مثل ما وجده ، وفي الثوب أو القطعة من الأرض لم يكن ما فقده مثل ما وجده. ولأنّه في الصبرة لا يؤدّي تقسيط ذلك إلى جهالة الثمن في التفصيل وإن كان في الجملة مجهولاً ، وأمّا الثوب أو القطعة فإنّه إذا قسّم الثمن على قيمة ذُرْعانه وجعل الفائت مثل واحد منها ، أدّى إلى أن يكون الثمن حالة العقد مجهولاً في الجملة والتفصيل.
لا يقال : أليس إذا وجد عيباً وقد حدث عنده عيب ، أخذ أرشه ، فصار الثمن مجهولاً في الجملة والتفصيل؟
لأنّا نقول : ذلك لا يؤثّر في العقد ؛ لأنّه وقع في الابتداء على الجملة ، وصحّ بها ، ولهذا لا يسقط منه شيء مع إمكان الردّ ، وهنا يكون واقعاً في الابتداء على ما ذكرنا.
لا يقال : لِمَ لا قسّمتموه على عدد الذُّرْعان؟
لأنّا نقول : ذُرْعان الثوب تختلف ، ولهذا لو باع ذراعاً منه ولم يعيّن موضعه ، لم يجز.
والثاني : أنّه يتخيّر بين الفسخ والإمضاء بحصّته من الثمن ، ولا يقسّط بالنسبة إلى الأجزاء ؛ لاختلافها ، بل بالنسبة من القيمة حال كمالها ونقصها.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٥.
(٢) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٩ ، وروضة الطالبين ٣ : ٣٤ ، وحلية العلماء ٤ : ١٠٩.
وللشيخ قول : إنّه إذا كان للبائع أرض بجنب تلك الأرض ، وجب عليه أن يوفيه منها(١) .
وليس بعيداً من الصواب ؛ لأنّه أقرب إلى المثل من الأرش.
إذا تقرّر هذا ، فنقول : لا يسقط خيار المشتري بأن يحطّ البائع من الثمن قدر النقصان.
الثاني : أن يبيعه مختلف الأجزاء - كالأرض والثوب - فيزيد على المشترَط ، مثل : أن يبيعه على أنّها عشرة أذرع فتخرج أحد عشر ، فالخيار هنا للبائع بين الفسخ والإمضاء للجميع بكلّ الثمن ، ولا يمكن أن يُجعل ذراع منه للبائع ؛ لأنّ ذلك مختلف. ولأنّه يؤدّي إلى الاشتراك ولم يرضيا بذلك.
ويحتمل ثبوت الزيادة للبائع ، فيتخيّر المشتري حينئذٍ ؛ للتعيّب بالشركة.
فإن دفع البائع الجميعَ ، سقط خياره. ويحتمل عدم سقوطه. والأوّل أقوى ؛ لأنّ زيادة العين هنا كزيادة الصفة ؛ إذ العقد تناول القطعة المعيّنة ، فزيادة الذراع زيادة وَصْفٍ ، فيجب على المشتري قبوله ، كما لو دفع إليه أجود.
وللشافعي قولان في صحّة البيع وبطلانه(٢) ؛ إذ لا يمكن إجبار البائع على تسليم الزيادة ولا المشتري على أخذ ما سمّاه.
فإن صحّحه ، فالمشهور عنده : أنّ للبائع الخيار. فإن أجاز ، فالجميع
____________________
(١) النهاية : ٤٢٠.
(٢) حلية العلماء ٤ : ١٠٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٥.
للمشتري ولا يطالبه للزيادة بشيء(١) .
واختار بعض الشافعيّة أنّه لا خيار للبائع ، ويصحّ البيع في الكلّ بالثمن المسمّى ، وينزّل شرطه منزلة ما لو شرط كون المبيع معيباً فخرج سليماً ، لا خيار له(٢) .
فعلى المشهور لو قال المشتري : لا تفسخ فإنّي أقنع بالقدر المشروط والزيادة لك ، فهل يسقط خيار البائع؟ فيه قولان : السقوط ؛ لزوال الغبن عن البائع. وعدمه ؛ لأنّ ثبوت حقّ المشتري على الشياع يجرّ ضرراً(٣) .
ولو قال : لا تفسخ حتى أزيدك في الثمن لما زاد ، لم يكن له ذلك ، ولم يسقط به خيار البائع عندنا وعند الشافعي(٤) قولاً واحداً.
وكذا حكم الثوب والشياه لو باعها على أنّها عشرون رأساً فنقصت أو زادت.
الثالث : أن يكون متساوي الأجزاء وينقص ، فالخلاف هنا كما تقدّم في المختلف ، لكن بعض مَنْ خيّر المشتري بين الأخذ بالجميع أو الفسخ هناك جَعَل له الخيار هنا بين أخذ الحصّة من الثمن والفسخ ؛ لما مرّ من الفرق.
الرابع : أن يبيع متساوي الأجزاء ويزيد ، فالخلاف الخلاف في المختلف مع الزيادة ، لكن بعض مَنْ أبطل البيع أوّلاً أو قال بأنّه يأخذ الجميع بالمسمّى خيّر هنا المشتري بين الفسخ والأخذ للمشترَط بالمسمّى ، فيردّ الزيادة إلى البائع.
____________________
(١و٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٥.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٩ - ١٢٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٥.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٥.
ي - لو باع شيئاً بشرط نفي خيار المجلس وقَبِله المشتري ، جاز عندنا ، ولزم البيع والشرط ؛ لصحّته ، لتضمّنه إسقاط حقّ المشتري من الرجوع فيما وقع صحيحاً أو حقّ البائع.
وللشافعيّة طريقان ، أظهرهما : أنّ المسألة على قولين :
الصحّة ؛ لقولهعليهالسلام : « المتبايعان بالخيار ما لم يتفرّقا إلّا بيع الخيار »(١) وأراد البيع الذي نفى عنه الخيار واستثناه من قوله : « بالخيار ».
وأصحّهما عندهم : البطلان(٢) .
فإن صحّ الشرط ، صحّ البيع ولزم. وإن أبطلنا الشرط ، ففي فساد البيع عندهم وجهان ، أصحّهما عندهم : نعم ، لأنّه شرط ينافي مقتضى العقد ، فأشبه ما إذا قال : بعتك بشرط أن لا اُسلّمه(٣) .
يأ - لو باع الغائب بشرط نفي خيار الرؤية ، فالأقوى عندي : الجواز ، كما لو أسقط خياره لو وجده ناقصاً عن شرطه.
وللشافعيّة فيه الخلاف الذي سبق في شرط نفي خيار المجلس.
وأكثرهم قطعوا هنا بفساد الشرط والبيع معاً ؛ لأنّ المشتري لم ير المبيع ولا عرف حاله ، فنفي الخيار فيه يؤكّد الغرر ، بخلاف نفي خيار المجلس ؛ لأنّه غير مُخلٍّ بمقصود العقد(٤) ، ولا يثبت فيه غرر ، وإنّما أثبته
____________________
(١) صحيح البخاري ٣ : ٨٤ ، صحيح مسلم ٣ : ١١٦٣ / ١٥٣١ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٧٢ - ٢٧٣ / ٣٤٥٤ ، سنن النسائي ٧ : ٢٤٨ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٦٨.
(٢) الوسيط ٣ : ١٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢١ ، روضة الطالبين ٣ : ١٠٣ - ١٠٤ ، المجموع ٩ : ١٧٨ - ١٧٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢١ - ١٢٢.
(٤) في العزيز شرح الوجيز هكذا : ونفي خيار المجلس لا يمكن غرراً بل هو مخلّ لمقصود العقد. فلاحظ.
الشرع على سبيل الإرفاق بالمتعاقدين ، فجاز أن يكون نفيه غير قادح(١) .
يب - لو قال لعبده : إذا بعتك فأنت حُرٌّ ، لم يصح ؛ لبطلان العتق المعلّق عندنا. ويجوز عند الجمهور.
نعم ، يجوز عندنا تعليق نذر العتق كأن يقول : لله عليَّ أن اُعتقك إذا بعتك.
فعلى ما اختاره الجمهور في الصورة الاُولى لو باعه بشرط نفي الخيار ، قالت الشافعيّة : إن قلنا : البيع باطل ، أو قلنا : الشرط صحيح ، لم يعتق.
أمّا على التقدير الأوّل : فلأنّ اسم البيع يقع على الصحيح ولم يوجد.
وأمّا على الثاني : فلأنّ ملكه قد زال والعقد قد لزم ، ولا سبيل له إلى إعتاق ملك الغير.
وإن قلنا : العقد صحيح والشرط باطل ، عُتق ؛ لبقاء الخيار ، ونفوذ العتق من البائع في زمان الخيار(٢) .
وقال أبو حنيفة ومالك : لا يعتق إلّا أن يبيع بشرط الخيار ؛ لأنّ خيار المجلس غير ثابت عندهما(٣) .
وعلى الصورة التي تجوز عندنا - وهو النذر - لو باعه بشرط نفي الخيار ، لم يصح البيع ؛ لصحّة النذر ، فيجب الوفاء به ، ولا يتمّ برفع الخيار.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٠٤ ، المجموع ٩ : ١٧٩.
(٢) حلية العلماء ٤ : ١٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٠٤ ، المجموع ٩ : ١٧٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٢.
وعلى قول بعض علمائنا - من صحّة البيع مع بطلان الشروط - يلغو الشرط ، ويصحّ البيع ويعتق.
يج - يجوز أن يجمع بين شيئين مختلفين فما زاد في عقدٍ واحد ، كبيع وسَلَفٍ وإجازة أو بيعٍ ونكاحٍ وإجارة ، أو إجارة وبيع وكتابة ونكاح ، ويقسّط العوض على قيمة المبيع وإجارة المثل ومهر المثل من غير حصرٍ لمهر المثل على إشكال.
ولو كان أحد الأعواض مؤجّلاً ، قسّط المسمّى عليه كذلك ، فلو باعه عبداً يساوي عشرةً حالّاً وعشرين مؤجّلاً إلى سنة مثلاً ، وآجره داره مدّة سنة بعشرين وثمن المبيع مؤجّل سنة والعوض عشرون ، قسّط بينهما بالسويّة.
خاتمة تتعلّق بحكم البيع الفاسد :
البيع الفاسد لا يفيد ملكيّة المشتري للمعقود عليه ، سواء فسد من أصله أو باقتران شرطٍ فاسد أو بسببٍ آخر. ولو قبضه ، لم يملكه بالقبض.
ولو تصرّف فيه ، لم ينفذ تصرّفه فيه ، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك والشافعي وأحمد(١) - لقوله تعالى :( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) (٢) .
وقول الصادقعليهالسلام في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثمّ يجيء مستحقّ الجارية ، فقال : « يأخذ الجاريةَ المستحقُّ ، ويدفع إليه المبتاع
____________________
(١) المغني ٤ : ٣١٠ ، الشرح الكبير ٤ : ٦٣ ، الوجيز ١ : ١٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٢ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٦ ، المجموع ٩ : ٣٧٧.
(٢) البقرة : ١٨٨.
قيمة الولد ، ويرجع على مَنْ باعه بثمن الجارية وقيمة الولد ، التي(١) اُخذت منه »(٢) .
وقال أبو حنيفة : إن اشترى بما لا قيمة له - كالدم والميتة - فالحكم كما قلناه.
وإن اشتراه بشرطٍ فاسد أو بما لَه قيمة في الجملة - كالخمر والخنزير - ثمّ قبض المبيع بإذن البائع ، ملكه ، ونفذ تصرّفه فيه ، لكن للبائع أن يستردّه بجميع زوائده المتّصلة والمنفصلة.
ولو تلف في يده أو زال ملكه عنه ببيعٍ أو هبة أو إعتاق ، وبالجملة كلّ تصرّف يمنع من الرجوع ، فعليه قيمته إلّا أن يشتري عبداً بشرط العتق ، فإنّه قال : يفسد العقد ، وإذا تلف في يده ، فعليه الثمن.
ويكره للمشتري التصرّف فيها ، فإن وطئها ، ردّها ومهرها. فإن قال : بعتكها ولم يذكر العوض ، ملكها بالقبض. ولو قال : بعتكها بغير عوضٍ ، لم يملك بالقبض.
واستدلّ بحديث بريرة ؛ فإنّ عائشة اشترتها واشترطت لمواليها الولاء فقبضتها وأعتقتها ، فأجاز النبيّ ٦ العتق(٣) ، وهذا العقد(٤) فاسد.
ولأنّ المشتري على صفة يملك المبيع ابتداء العقد وقد حصل عليه ضمان بدله من عقدٍ فيه تسليطٌ ، فوجب أن يملكه ، كما لو كان العقد
____________________
(١) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة والاستبصار : « الذي » بدل « التي » وما أثبتناه من التهذيب.
(٢) التهذيب ٧ : ٨٢ / ٣٥٣ ، الاستبصار ٣ : ٨٤ / ٢٨٥.
(٣) صحيح البخاري ٣ : ٢٠٠ ، صحيح مسلم ٢ : ١١٤٢ - ١١٤٣ / ٨ ، سنن البيهقي ١٠ : ٣٣٦ - ٣٣٧ ، شرح معاني الآثار ٤ : ٤٥.
(٤) في « ق ، ك » : وهذا عقد.
صحيحاً(١) .
وحديث بريرة ممنوع ، سلّمناه ، لكن يحتمل أنّ الشرط وقع قبل العقد أو بعد تمامه ، والبيع الصحيح لا يملك فيه بالقبض ، ويملك عليه فيه المسمّى ، بخلاف المتنازع ، ومع الفرق يبطل القياس.
ثمّ نعارضه بأنّه مبيع مستردّ بزوائده المتّصلة والمنفصلة ، فلا يثبت الملك فيه للمشتري ، كما لو اشترى بدم أو ميتة عنده.
مسألة ١٢٧ : إذا اشترى شراءً فاسداً ، وجب عليه ردّه على مالكه ؛ لعدم خروجه عنه بالبيع ، وعليه مئونة الردّ ، كالمغصوب ؛ لوجوب ما لا يتمّ الواجب إلّا به.
وليس للمشتري حبسه لاسترداد الثمن ، وهو أحد قولي الشافعي.
وفي الآخر : له ذلك ، وبه قال أبو حنيفة(٢) .
ولا يتقدّم به على الغرماء ، وهو أحد قولي الشافعي. وفي الآخر : يتقدّم ، وبه قال أبو حنيفة(٣) .
ويجب عليه أيضاً اُجرة المثل للمدّة التي كانت في يده ، سواء استوفى المنفعة أو تلفت تحت يده ؛ لأنّ يده ثبتت عليه بغير حقّ ، فهو كالمغصوب.
ولو زادت العين في يد المشتري زيادة منفصلة كالولد والثمرة ، أو متّصلة كالسمن وتعلّم الصنعة ، وجب عليه ردّ الزيادة أيضاً ؛ لأنّها نماء ملك البائع ، فيتبع الملك ، فإن تلفت الزيادة ، ضمنها المشتري ، وهو أحد وجهي
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣١٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٢ ، المجموع ٩ : ٣٧٧ ، المغني ٤ : ٣١٠ ، الشرح الكبير ٤ : ٦٣ ، وليس فيها بعض الفروع المذكورة في المتن.
(٢و٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٦ ، المجموع ٩ : ٣٦٩.
الشافعيّة. وفي الآخر : لا يضمنها المشتري عند التلف(١) .
وإن نقصت ، وجب عليه ردّ أرش النقصان ؛ لأنّ الجملة مضمونة عليه حيث قبضها بغير حقّ. ولأنّه قبضها على سبيل المعاوضة ، فأشبهت المقبوض على وجه السوم.
وإن تلف جميعها ، وجب عليه قيمتها يوم التلف ، كالعارية. ويحتمل يوم القبض. ويحتمل أكثر القيم من حين القبض إلى حين التلف ، كالمغصوب ؛ فإنّه في كلّ آن مخاطب من جهة الشرع بالردّ.
هذا إذا(٢) لم يكن مثليّاً ، وإن كان مثليّاً ، وجب ردّ مثله ؛ لأنّه أقرب إلى العين من القيمة ، ولا يضمن تفاوت السعر ، كما لو كانت العين باقيةً ودفعها ، لم يضمن تفاوت السوق.
وللشافعي(٣) هذه الأقوال الثلاثة.
ولو أنفق على العبد أو الدابّة مدّة مقامه في يده ، لم يرجع على البائع إن كان عالماً بفساد البيع ؛ لأنّه يكون كالمتبرّع بالإنفاق على مال الغير. وإن كان جاهلاً ، رجع ؛ لأنّ الغارّ هو البائع.
وللشافعي(٤) في الجاهل وجهان هذا أحدهما.
مسألة ١٢٨ : لو كان المبيع بالبيع الفاسد جاريةً ، لم يجز للمشتري وطؤها ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وإن ذهب أبو حنيفة إلى الملك(٥) بما
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٦ ، المجموع ٩ : ٣٧٠.
(٢) في « ق ، ك » : « إن » بدل « إذا ».
(٣و٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٦ ، المجموع ٩ : ٣٧٠.
(٥) الحاوي الكبير ٥ : ٣١٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٧ ، المجموع ٩ : ٣٧٠ و ٣٧١.
تقدّم من الشروط.
فإن وطئها عالماً بالتحريم ، وجب عليه الحدّ مطلقاً عندنا ؛ لأنّه وطئ ملك الغير بغير إذنه مع علمه بالتحريم وانتفاء الشبهة عنه ؛ إذ التقدير العلمُ بالتحريم ، فكان زانياً يجب عليه الحدّ.
وللشافعي أقوال :
أحدها : ثبوت الحدّ إن اشتراها بميتة أو دم ، وسقوطه إن اشتراها بما لَه قيمة ، كالخمر ، والخنزير أو بشرطٍ فاسد ؛ لاختلاف العلماء ، كالوطئ في النكاح بلا وليّ.
والثاني : وجوب الحدّ مطلقاً ؛ لأنّ أبا حنيفة لم يُبح الوطء وإن كان يثبت الملك ، بخلاف الوطئ في النكاح بلا وليّ.
والثالث : سقوط الحدّ مطلقاً ؛ لأنّه يعتقد أنّها ملكه. ولأنّ في الملك اختلافاً(١) .
وليس بمعتمد.
ويجب المهر ، سواء سقط الحدّ أو لا ، ولا يسقط بالإذن الذي يتضمّنه التمليك الفاسد.
وقال الشافعي : إذا لم يجب الحدّ يجب المهر(٢) ؛ لأنّ الحدّ إذا سقط للشبهة لم يسقط المهر.
وهل يشترط في وجوبه عدم علمها(٣) بالتحريم؟ الأقرب عندي :
____________________
(١) اُنظر : التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٨ ، والعزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٣ ، وروضة الطالبين ٣ : ٧٦ و ٧٧ ، والمجموع ٩ : ٣٧٠ و ٣٧١.
(٢) الحاوي الكبير ٥ : ٣١٧ - ٣١٨ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٧ ، المجموع ٩ : ٣٧١.
(٣) في « ق ، ك » بدل « عدم علمها » : « جهلها ».
العدم ؛ لأنّها ملك الغير ، فلا عبرة بالعلم في طرفها ، بخلاف الحُرّة حيث سقط مهرها مع علمها بالتحريم ؛ لأنّ الجارية هنا مال ، فالتصرّف فيها بالوطي تصرّف في مال الغير بغير إذنه ، فكان عليه عوضه.
ويحتمل السقوط ، لنهيهعليهالسلام عن مهر البغيّ(١) .
ثمّ إذا وجب المهر ، لا يخلو إمّا أن تكون ثيّبا أو بكرا ، فإن كانت ثيّبا ، وجب مهر مثلها. وإن كانت بكرا ، وجب مع المهر أرش البكارة. أمّا مهر البكر : فللاستمتاع بها. وأمّا أرش البكارة : فلإتلاف ذلك الجزء.
لا يقال : كيف يجب المهر مع أنّ السيّد أذن في الوطء ، ومعلوم أنّ السيّد لو أذن في وطئ أمته ، لم يجب المهر ، فكيف يجب مع مهر البكر أرش البكارة!؟ مع أنّ الرجل إذا نكح نكاحا فاسدا حرّة وأزال بكارتها أنّه لا يضمن البكارة.
لأنّا نقول : أمّا الإذن فيمنع حصوله من السيّد ، وإنّما ملّكه الجارية ، والتمليك إذا كان صحيحا ، تضمّن إباحة الوطء. وإذا كان فاسدا ، لم يبحه ، فلم يسقط بذلك ضمانه.
والنكاح تضمّن في الحرّة الإذن في الوطء ، لأنّه معقود على الوطء ، والوطء يتضمّن إتلاف البكارة. وليس كذلك البيع ، فإنّه ليس بمعقود على الوطء ، ولهذا يجوز شراء من لا يحلّ وطؤها ولا يصحّ نكاحها. ولأنّها سلّمت نفسها في النكاح لا على وجه الضمان لبدنها ، وهنا البيع يقتضي ضمان البدن ، فافترقا.
لا يقال : إذا أوجبتم مهر البكر ، فكيف توجبون ضمان البكارة وقد
____________________
(١) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٦٧ / ٣٤٢٨ ، سنن الترمذي ٣ : ٤٣٩ / ١١٣٣ ، و ٥٧٥ / ١٢٧٦ ، و ٤ : ٤٠٢ / ٢٠٧١ ، سنن النسائي ٧ : ١٨٩ و ٣٠٩ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٣٣.
دخل ضمانها في المهر!؟
لأنّا نقول : إتلاف البكارة إتلاف جزء من البدن ، والمهر ضمان المنفعة ، فلا يدخل أحدهما في الآخر.
لا يقال : إذا ضمن البكارة ، ينبغي أن يجب مهر ثيّب ؛ لأنّه قد ضمن البكارة ، ويجري مجرى مَنْ أزال بكارتها بإصبعه ثمّ وطئها.
لأنّا نقول : إذا وطئها بكراً ، فقد استوفى منفعة هذا الجزء ، فوجب عليه قيمة ما استوفى من المنفعة ، فإذا أتلفه ، وجب ضمان عيبه.
ويحتمل أنّ عليه عُشْرَ قيمتها إن كانت بكراً ، ونصفَ العُشْر إن كانت ثيّباً ؛ لما روي عن الصادقعليهالسلام في رجل تزوّج امرأةً حُرّة فوجدها أمّةً ، إلى أن قال : « وإن كان زوّجها وليُّ لها ، رجع على وليّها بما أخذته ، ولمواليها عليه إن كانت بكراً عُشْر قيمتها [ وإن كانت غير بكر فنصف عُشْر قيمتها ](١) بما استحلّ من فرجها »(٢) .
فروع :
أ - لو حملت هذه الجارية من المشتري ، لحق به الولد ؛ لأنّه وطئها بشبهة ، فيكون حُرّاً ؛ لأنّ الشبهة من جهة الملك ، ولا يمسّه الرقّ ، ولا يثبت عليه ولاء ، بل هو حُرّ الأصل. ويجب على الواطئ قيمته للبائع ؛ لأنّه نماء ملكه وقد حال بينه وبينه بالحُرّيّة ، فكان عليه قيمته.
ولقول الصادقعليهالسلام في رجل اشترى جاريةً فأولدها فوجدت
____________________
(١) ما بين المعقوفين من المصادر.
(٢) الكافي ٥ : ٤٠٤ - ٤٠٥ / ١ ، التهذيب ٧ : ٣٤٩ / ١٤٢٦ ، الاستبصار ٣ : ٢١٦ - ٢١٧ / ٧٨٧ بتفاوت في بعض الألفاظ.
الجارية مسروقة ، قال : « يأخذ الجاريةَ صاحبُها ، ويأخذ الرجل ولده بقيمته »(١) .
ب - لو نقصت بالولادة ، وجب عليه مع قيمته الولد أرش نقصان الولادة ، ولا يجبر الولد النقصان ، وبه قال الشافعي(٢) .
وقال أبو حنيفة : يجبر الولد النقصان(٣) .
وسيأتي بطلانه في باب الغصب إن شاء الله تعالى.
ج - تعتبر قيمة الولد يوم سقوطه حيّاً ؛ لأنّه وقت الحيلولة بينه وبين صاحبه. ولو سقط ميّتاً ، فلا شيء ؛ لأنّه لا قيمة له حينئذٍ ، ولا يقوَّم قبل سقوطه ؛ لأنّه لا قيمة له حينئذٍ ، فإذا لم يكن له قيمة حين سقط ، لم يضمن وهو قبل ذلك لا قيمة له.
لا يقال : لو ضربه أجنبيُّ فسقط ميّتاً ، وجب عليه الضمان ، وكان للسيّد من ديته أقلّ الأمرين من دية الجنين ومن قيمته حين(٤) سقط.
لأنّا نقول : الواطئ يضمنه بالحيلولة بينه وبين سيّده ، ووقت الحيلولة حين السقوط وكان ميّتاً ، فلم يجب ضمانه. وضمان الضارب قائم مقام خروجه حيّاً ، فلهذا ضمنه للبائع ، وإنّما ضمن الأقلّ ؛ لأنّ دية الجنين إن كانت أقلّ ، لم يضمن أكثر من ذلك ؛ لأنّه بسبب ذلك ضمن. وإن كانت القيمة أقلّ ، كان الباقي لورثته ، ويطالب به المالك مَنْ شاء من الجاني والمشتري.
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢١٥ / ١٠ ، التهذيب ٧ : ٦٥ / ٢٨٠ ، الاستبصار ٣ : ٨٤ / ٢٨٦.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٧ ، المجموع ٩ : ٣٧٢.
(٣) بدائع الصنائع ٥ : ٣٠٢ ، المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ٢٢.
(٤) في الطبعة الحجريّة : « يوم » بدل « حين ».
وقال أبو حنيفة : يعتبر قيمة الولد يوم المحاكمة(١) .
د - قيمة الولد تستقرّ هنا على المشتري ، أمّا لو اشترى جاريةً واستولدها فخرجت مستحقَّةً ، يغرم قيمة الولد ، ويرجع على البائع ؛ لأنّه غرّه إن كان جاهلاً بالحال. وإن علم عدم استحقاق البائع لها ، لم يرجع ؛ لعدم المقتضي للرجوع.
ه- لو سلّم الجارية المبيعة إلى البائع حاملاً فولدت في يد البائع ، ضمن المشتري ما نقص بالولادة. ولو ماتت من ذلك ، ضمن القيمة ؛ لثبوت السبب في يده ، فكان كوجود المسبَّب عنده. وكذا لو أحبل أمة غيره بشبهة فماتت في الطلق.
أمّا لو أكره امرأةً حُرّةً على الزنا فحملت ثمّ ماتت في الطلق ، احتمل الضمان أيضاً ؛ لأنّه سبّب في الإتلاف. وعدمه.
وللشافعي قولان(٢) .
فعلى الثاني الفرقُ : أنَّ الولد لم يلحق بالزاني فلم يثبت تكوّنه منه ، وهنا قد ثبت كونه منه.
ولأنّ ضمان المملوك أوسع من ضمان الحُرّ ؛ لأنّه يضمن باليد وبالجناية ، فجاز أن يضمن المملوكة بذلك دون الحُرّة.
و - هذه الأمة لو حبلت لم تكن(٣) في الحال اُمَّ ولد ؛ إذ هي ملك الغير في نفس الأمر.
____________________
(١) الحاوي الكبير ٥ : ٣١٨ ، حلية العلماء ٤ : ١٣٥.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٤٩١ ، المجموع ٩ : ٣٧٢.
(٣) في « ق ، ك» : لم تك.
فإن ملكها المشتري بعد ذلك في وقتٍ مّا من الدهر ، قال الشيخ : تصير اُمّ ولد(١) ، بناءً منه على أنّ مَنْ أولد من جارية غيره ولداً حُرّاً ثمّ ملكها فإنّها تصير اُمّ ولد ؛ لأنّها علقت منه بحُرَّ ، فأشبه مملوكته.
والمعتمد خلافه ؛ لرواية ابن مارد(٢) . ولأنّها حملت منه في ملك غيره ، فأشبهت الأمة المزوّجة.
وللشافعي قولان(٣) .
ولو علقت بمملوكٍ ، لم تصر اُمَّ ولد إلّا في مسألة واحدة ، وهي المكاتب إذا وطئ أمته ، فإذا ملكها بعد ذلك ، فالاحتمالان.
وللشافعي القولان(٤) أيضاً.
مسألة ١٢٩ : لو باع المشتري فاسداً(٥) ما اشتراه ، لم يصحّ ؛ لأنّه لم يملكها(٦) بالشراء الأوّل ، ويجب على المشتري الثاني ردّها على البائع الأوّل ، فإن تلفت في يد المشتري الثاني ، كان للمالك أن يطالب بقيمتها مَنْ شاء منهما ؛ لأنّ الأوّل ضامن ، والثاني قبضها من يد ضامنة بغير إذن صاحبها ، فكان ضامناً. ولأنّه دخل فيها على وجه الضمان كالمشتري الأوّل.
ومتى تعتبر القيمة؟ لعلمائنا قولان :
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٥٠ ، و ٦ : ١٨٦.
(٢) التهذيب ٧ : ٤٨٢ - ٤٨٣ / ١٩٤٠.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٧ ، المجموع ٩ : ٣٧١.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٠ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥١٩ ، حلية العلماء ٦ : ٢٤٤ ، روضة الطالبين ٨ : ٥٥٣.
(٥) أي المشتري شراءً فاسداً.
(٦) تأنيث الضمير هنا وما بعدها باعتبار العين المبيعة.
أحدهما : حين التلف ، وهو الأقوى ؛ لأنّه قبضها بإذن مالكها فلم يضمن إلّا يوم التلف ، كالعارية. ولأنّه في كلّ حال مخاطب بردّ العين لا غير ، والقيمة إنّما تعلّقت بذمّته يوم التلف. ولو كانت العين موجودةً ، لم يضمن تفاوت القيمة السوقيّة.
والثاني : أنّه يضمنها بالأكثر من قيمتها من حين القبض إلى حين التلف ؛ لأنّه في كلّ حال مأمور بردّها ، فإذا لم يفعل ، وجب عليه قيمتها في تلك الحال ، كالمغصوب
ونمنع وجوب القيمة إذا لم يفعل بل إذا تلفت ، والتقدير بقاؤها.
إذا ثبت هذا ، فالحال لا يخلو إمّا أن تكون قيمته في يد الأوّل والثاني على السواء أو لا.
فإن كان الأوّل ، رجع بالقيمة على مَنْ شاء كما قلناه ، لكن يستقرّ الضمان على الثاني. فإذا رجع المالك عليه ، لم يرجع الثاني على الأوّل بشيء ؛ لاستقرار التلف في يده.
وإن كان الثاني ، فلا يخلو إمّا أن تكون الزيادة في يد الأوّل بأن كانت تساوي في يده مائتين ثمّ صارت تساوي مائة ثمّ باعها ، فإن رجع على الأوّل ، رجع بمائتين ، ورجع الأوّل على الثاني بمائة. وإن رجع على الثاني ، رجع بمائةٍ ويرجع على الأوّل بالمائة الاُخرى ، ولا يرجع الأوّل على الثاني بشيء.وإمّا أن تكون الزيادة في يد الثاني ، فإن رجع على الأوّل ، رجع عليه بالمائة لا غير ، ويرجع علي الثاني بالمائة الزائدة ؛ لحصولها في يده وتلفها في يده ، ويرجع الأوّل على الثاني بالمائة الأصليّة التي أخذها المالك منه. وإن رجع على الثاني ، رجع عليه بالمائتين ، ولا يرجع على الأوّل بشيء.
هذا إذا قلنا بأنّه يرجع بأكثر القِيَم ، وإن قلنا : يرجع بالقيمة يوم التلف لا غير ، فإن كانت قيمته حينئذٍ أقلّ من قيمتها مع الأوّل ، رجع بها خاصّة ، وإن كانت أكثر ، رجع بها على الثاني ، ولا يرجع الثاني على الأوّل بشيء.
هذا كلّه فيما إذا كانت العين من ذوات القِيَم ، وإن كانت من ذوات الأمثال ، رجع بالمثل على مَنْ شاء ، ويكون الحكم ما تقدّم. فإن تعذّر المثل ، رجع بالقيمة حين الإعواز. ولو كان المشتري الثاني قد دفع إلى الأوّل الثمنَ ، رجع به عليه.
تنبيه : إذا كان البيع فاسداً وتقابضا الثمن والمثمن وأتلف البائع الثمن ، لم يكن للمشتري إمساك العبد عليه ، بل يجب ردّه على البائع ، ويكون المشتري من جملة الغرماء ؛ لأنّه لم يقبضه وثيقةً ، وإنّما قبضه على أنّه يملكه ، فإذا بان بخلاف ذلك(١) ، وجب ردّه ، وبه قال بعض الشافعيّة(٢) .
وقال أبو حنيفة : للمشتري إمساك العبد ويكون أحقَّ به من بين سائر الغرماء ، فيستوفي منه الثمن(٣) .
مسألة ١٣٠ : لو فسد العقد بشرطٍ فاسد ثمّ حذفا الشرط ، لم ينقلب العقد صحيحاً ، سواء كان الحذف في المجلس أو بعده - وبه قال الشافعي في أحد القولين(٤) - لأنّه وقع باطلاً ، ولا موجب لتصحيحه ، والأصل بقاء ما كان على ما كان. ولأنّ العقد الفاسد لا عبرة به ، فلا يكون لمجلسه
____________________
(١) في « ق ، ك» : « بخلافه » بدل « بخلاف ذلك ».
(٢) حلية العلماء ٤ : ١٣٦ ، المغني ٤ : ٣١٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٦٥ ، وفيها نسبة القول إلى الشافعي.
(٣) حلية العلماء ٤ : ١٣٦ ، المغني ٤ : ٣١٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٦٥.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٧ ، المجموع ٩ : ٣٧٥.
حكمٌ ، بخلاف الصحيح.
وقال أبو حنيفة : إن كان الحذف في المجلس ، انقلب صحيحاً. وهو القول الآخر للشافعي(١) .
مسألة ١٣١ : لو زاد في الثمن أو المثمن أو زاد شرط الخيار أو الأجل أو قدرهما ، فإن كان بعد لزوم العقد ، لم يلحق بالعقد ؛ لأنّ زيادة الثمن لو التحقت بالعقد ، لوجب على الشفيع كلّ ذلك ، والتالي باطل إجماعاً. وكذا الحكم في رأس مال السَّلَم والمـُسْلَم فيه والصداق وغيرها. وكذا لو نقص في مدّة الخيار من الثمن وغيره ، لا يلتحق بالعقد حتى يأخذ الشفيع بما سمّي في العقد لا بما بقي بعد الحطّ ، وبه قال الشافعي(٢) .
وقال أبو حنيفة : الزيادة في المثمن والصداق ورأس المال في السَّلَم تلزم ، وكذا في الثمن إن كان باقياً. وإن كان تالفاً ، فله مع أصحابه اختلاف فيه ، ولا يثبت في المـُسْلَم فيه على المشهور. وشرط الأجل يلتحق بالعقد في الثمن والاُجرة والصداق وسائر الأعواض.
قال : فأمّا الحطّ : فإن حطّ البعض ، يلتحق بالعقد دون حطّ الكلّ(٣) .
وإن كانت هذه الإلحاقات قبل لزوم العقد بأن كانت في مجلس العقد أو في زمن الخيار المشروط ، فعندنا لا تلتحق كما لا تلتحق بعد لزوم العقد ؛ لتمام العقد ، كما بعد اللزوم.
وللشافعي ثلاثة أقوال ، هذا أحدها.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٧ - ٧٨ ، المجموع ٩ : ٣٧٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٤ - ١٢٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٨ ، المجموع ٩ : ٣٧٥.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٥.
والثاني : أنّها تلحق في خيار المجلس دون خيار الشرط ؛ لأنّ مجلس العقد كنفس العقد ، ألا ترى أنّه يصلح لتعيين رأس مال السَّلَم والعوض في عقد الصرف ، بخلاف زمان الخيار المشروط؟
والثالث : أنّها تلحق. أمّا في مجلس العقد : فلما ذكرناه. وأمّا في زمن الخيار المشروط : فلأنّه في معناه من حيث إنّ العقد غير مستقرّ بعدُ ، والزيادة قد يحتاج اليها لتقرير(١) العقد ؛ فإنّ زيادة العوض من أحدهما تدعو الآخر إلى إمضاء العقد.
ثمّ اختلف أصحابه.
فقال بعضهم : هذا الجواز مطلق.
وقال بعضهم : بل هو مفرَّع على قولنا : إنّ الملك في زمن الخيار للبائع ، فأمّا إذا قلنا : إنّه للمشتري ، أو قلنا : إنّه موقوف وأمضينا(٢) العقد ، لم يلتحق ، كما بعد اللزوم. وإن قلنا : إنّه موقوف واتّفق الفسخ ، فيلحق ، ويرتفع بارتفاع العقد ؛ لأنّا إذا قلنا : إنّ الملك للمشتري ، فالزيادة في الثمن لا يقابلها شيء من المثمن. وكذا الأجل والخيار لا يقابلهما شيء من العوض ، وحينئذٍ يمتنع الحكم بلزومهما.
وإذا قالوا : إنّها تلتحق ، فالزيادة تجب على الشفيع كما تجب على المشتري. وفي الحطّ قبل اللزوم مثل هذا الخلاف. فإن اُلحق بالعقد ، انحطّ عن الشفيع أيضاً. وعلى هذا الوجه ما يلتحق بالعقد من الشروط الفاسدة
____________________
(١) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : لتقدير. والصحيح ما أثبتناه من العزيز شرح الوجيز.
(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : وإمضاء. والصحيح ما أثبتناه من العزيز شرح الوجيز.
قبل انقضاء الخيار بمثابة ما لو اقترنت بالعقد في إفساده. وإن حطّ جميع الثمن ، كان كما لو باع بغير ثمن(١) .
وقد قلنا ما عندنا في ذلك.
وقد بقي من المناهي ما يُذكر في مظانّه ، كالمحاقلة والمزابنة ، ويُذكران في بيع الثمار ؛ لتعلّقهما بها ، وغير ذلك من المناهي المحرّمة والمكروهة يُذكر إنْ شاء الله تعالى في لواحق البيع.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٥ - ١٢٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٨ ، المجموع ٩ : ٣٧٤ - ٣٧٥.
المقصد الثاني :
في أنواع البيع
وفيه فصول :
الأوّل : في الحيوان.
وفيه مطلبان :
الأوّل : الاُناسي من أنواع الحيوان إنّما يُملكون بسبب الكفر الأصلي إذا سُبوا ثمّ يسري الرقّ إلى ذرّيّة المملوك وأعقابه وإن أسلموا ما لم يتحرّروا بسبب من أسباب التحرير.
سُئل الصادقعليهالسلام عن قوم مجوس خرجوا على ناس من المسلمين في أرض الإسلام هل يحلّ قتالهم؟ قال : « نعم وسبيهم »(١) .
وسُئل الكاظمعليهالسلام عن القوم يغيرون على الصقالبة(٢) والنُّوبة(٣) فيسرقون أولادهم من الجواري والغلمان فيعمدون إلى الغلمان فيخصونهم ثمّ يبعثون إلى بغداد إلى التجّار ، فما ترى في شرائهم ونحن نعلم أنّهم مسروقون ، إنّما أغاروا(٤) عليهم من غير حرب كانت بينهم؟ فقال : « لا بأس بشرائهم ، إنّما أخرجوهم(٥) من الشرك إلى دار الإسلام »(٦) .
____________________
(١) التهذيب ٦ : ١٦١ / ٢٩٤.
(٢) الصقالبة : جيلٌ تُتاخِم بلادُهم بلادَ الخزر بين بُلْغَر وقسطنطنية. القاموس المحيط ١ : ٩٣ « صقلب ».
(٣) النُّوبة : جيلٌ من السودان. لسان العرب ١ : ٧٧٦ « نوب ».
(٤ و ٥) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : أغار أخرجهم. وما أثبتناه من المصدر.
(٦) التهذيب ٦ : ١٦٢ / ٢٩٧.
ولو التقط الطفل من دار الحرب ولا مسلم فيها ، مُلك ، ولا يُملك لو التقط من دار الإسلام ولا من دار الحرب إذا كان فيها مسلم ؛ لجواز أن يكون منه ؛ لقول الصادقعليهالسلام : « المنبوذ حُرٌّ»(١) .
وسُئل الباقرعليهالسلام عن اللقيطة ، فقال : « حُرّة لا تباع ولا توهب »(٢) .
فإذا انتفى هذا التجويز ، مُلك.
ولو أقرّ اللقيط من دار الإسلام - بعد بلوغه - بالرقّيّة ، قُبِل ؛ لقولهعليهالسلام : « إقرار العقلاء على أنفسهم جائز »(٣) .
وقيل : لا يقبل ؛ للحكم بحُرّيّته أوّلاً شرعاً ، فلا يتعقّبه الرقّ(٤) .
أمّا لو كان معروف النسب ؛ فإنّه لا يُقبل إقراره بالرقّيّة قطعاً.
وبالجملة ، كلّ مَنْ أقرّ على نفسه بالعبوديّة وكان بالغاً رشيداً مجهول النسب ، حُكم عليه بها، سواء كان المقَرّ له مسلماً أو كافراً ، وسواء كان المقِرّ مسلماً أو كافراً.
ولو رجع بعد إقراره عنه ، لم يلتفت إلى رجوعه ؛ لاشتماله على تكذيب إقراره ، ودَفْعِ ما يثبت عليه عنه بغير موجب.
ولو أقام بيّنةً ، لم تُسمع ؛ لأنّه بإقراره أوّلاً قد كذّبها.
أمّا لو اشترى عبداً فادّعى الحُرّيّة ، قُبلت دعواه مع البيّنة ، وإلّا فلا.
سُئل الصادقعليهالسلام عن شراء مماليك(٥) أهل الذمّة إذا أقرّوا لهم بذلك ، فقال : « إذا أقرّوا لهم بذلك فاشتر وانكح »(٦) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٢٤ / ٢ ، التهذيب ٧ : ٧٨ / ٣٣٦.
(٢) التهذيب ٧ : ٧٨ / ٣٣٤.
(٣) لم نعثر عليه في المصادر الحديثيّة المتوفّرة لدينا.
(٤) ممّن قال به ابن إدريس في السرائر ٢ : ٣٥٤.
(٥) في الكافي : مملوكي. وفي التهذيب : مملوك.
(٦) الكافي ٥ : ٢١٠ / ٧ ، التهذيب ٧ : ٧٠ / ٢٩٩.
مسألة ١٣٢ : العبد الذي يوجد في الأسواق يُباع ويُشترى يجوز شراؤه. وإن ادّعى الحُرّيّة ، لم يقبل منه ذلك إلّا بالبيّنة. وكذا الجارية ؛ لأنّ ظاهر التصرّف يقتضي بالرقّيّة.
ولما رواه حمزة بن حمران - في الصحيح - أنّه سأل الصادقَعليهالسلام ، قال : أدخل السوق واُريد أشتري جاريةً ، فتقول : إنّي حُرّة ، فقال : « اشترها إلّا أن تكون لها بيّنة »(١) .
وفي الصحيح عن العيص بن القاسم ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن مملوك ادّعى أنّه حُرٌّ ولم يأت ببيّنة على ذلك ، أشتريه؟ قال : « نعم »(٢) .
أمّا لو وُجد في يده(٣) وادّعى رقّيّته ولم يُشاهَدْ شراؤه له ولا بيعه إيّاه ، فإن كان كبيراً ، فإن صدّقه ، حُكم عليه بمقتضى إقراره. وإن كذّبه ، لم تُقبل دعواه الرقّيّة إلّا بالبيّنة ؛ عملاً بأصالة الحُرّيّة. وإن سكت من غير تصديقٍ ولا تكذيبٍ ، فالوجه : أنّ حكمه حكم التكذيب ؛ إذ قد يكون السكوت لأمرٍ غير الرضا.
وإن كان صغيراً ، فإشكال أقربه أصالة الحُرّيّة فيه.
مسألة ١٣٣ : يملك الرجل كلَّ بعيد وقريب ، سوى أحد عشر : الأب والاُمّ ، والجدّ والجدّة لهما أو لأحدهما وإن علوا ، والولد ذكراً كان أو اُنثى ، وولد الولد كذلك وإن نزل ، والاُخت ، والعمّة والخالة وإن علتا ، كعمّة الأب وخالته وعمّة الجدّ وخالته وهكذا في التصاعد ، سواء كانتا لأب أو لاُمّ أو لهما ، وبنت الأخ وبنت الاُخت وإن نزلتا ، سواء كانت الاُخوّة من الأبوين أو
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢١١ / ١٣ ، الفقيه ٣ : ١٤٠ / ٦١٣ ، التهذيب ٧ : ٧٤ / ٣١٨.
(٢) الفقيه ٣ : ١٤٠ / ٦١٤ ، التهذيب ٧ : ٧٤ / ٣١٧.
(٣) أي : في يد المتصرّف.
من أحدهما ، فمن ملك أحد هؤلاء عُتق عليه.
أمّا المرأة فتملك كلَّ أحد ، سوى الأب والاُمّ والجدّ والجدّة وإن علوا ، والأولاد وإن نزلوا.
مسألة ١٣٤ : الرضاع يساوي النسب في تحريم النكاح إجماعاً.
وهل يساويه في تحريم التملّك؟ لعلمائنا قولان أحدهما : نعم - وهو الأقوى - لما رواه ابن سنان - في الصحيح - قال : سُئل أبو عبد اللهعليهالسلام - وأنا حاضر - عن امرأة أرضعت غلاماً مملوكاً لها من لبنها حتى فطمته هل يحلّ لها بيعه؟ قال : فقال : « لا ، هو ابنها من الرضاعة حرم عليها بيعه وأكل ثمنه » قال : ثمّ قال : « أليس قد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؟ »(١) .
وعن السكوني عن الصادق عن الباقرعليهماالسلام « أنّ عليّاًعليهالسلام أتاه رجل ، فقال : إنّ أمتي أرضعت ولدي وقد أردت بيعها ، فقال : خُذْ بيدها وقُلْ : مَنْ يشتري منّي اُمّ ولدي؟ »(٢) .
فيحرم على الرجل أن يملك من الرضاع ما يحرم أن يملكه من النسب ، كالأب وإن علا ، والاُمّ والبنت وإن نزلت وغيرهم ممّا تقدّم.
وكذا المرأة يحرم عليها أن تملك من الرضاع ما يحرم عليها من النسب.
مسألة ١٣٥ : يكره للإنسان أن يملك القريب غير مَنْ ذكرناه ، كالأخ والعمّ والخال وأولادهم. وتتأكّد في الوارث.
ويصحّ أنّ يملك كلٌّ من الزوجين صاحبه ؛ لعدم المقتضي للمنع ،
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٣٢٦ / ١٣٤٢.
(٢) الفقيه ٣ : ٣٠٩ / ١٤٨٨ ، التهذيب ٧ : ٣٢٥ / ١٣٤٠.
لكن الزوجيّة تبطل. ولو ملك كلٌّ منهما بعض صاحبه ، بطل النكاح أيضاً.
وما يؤخذ من دار الحرب بغير إذن الإمام فهو للإمام خاصّة ؛ للرواية(١) ، لكن رخّصواعليهمالسلام : لشيعتهم خاصّة في حال غيبة الإمامعليهالسلام التملّكَ والوطء وإن كانت للإمام أو بعضها ، ولا يجب إخراج حصّة غير الإمام منها ؛ لتطيب مواليد الشيعة.
ولا فرق بين أن يسبيهم المسلم أو الكافر ؛ لأنّ الكافر من أهل التملّك ، والمحلّ قابل للملكيّة.
وكلّ حربيٍّ قهر حربيّاً فباعه صحّ بيعه وإن كان أخاه أو زوجته أو ابنه أو أباه ، وبالجملة كلّ مَنْ ينعتق عليه وغيرهم ؛ لأنّ الصادقعليهالسلام سُئل عن رجل يشتري من رجل من أهل الشرك ابنته فيتّخذها ، قال : « لا بأس »(٢) .
ولأنّ الصادقعليهالسلام سُئل عن الرجل يشتري امرأة رجل من أهل الشرك يتّخذها ، قال : « لا بأس »(٣) .
أمّا غير مَنْ ينعتق عليه : فلأنّ القاهر مالك للمقهور بقهره إيّاه.
وأمّا مَنْ ينعتق عليه : ففيه إشكال ينشأ من دوام القهر المبطل للعتق لو فرض. ودوام القرابة الرافعة للملك بالقهر.
والتحقيق : صرف الشراء إلى الاستنقاذ وثبوت الملك للمشتري بالتسلّط ، ففي لحوق أحكام البيع حينئذٍ نظر.
____________________
(١) التهذيب ٤ : ١٣٥ / ٣٧٨.
(٢) التهذيب ٧ : ٧٧ / ٣٣٠ ، الاستبصار ٣ : ٨٣ / ٢٨١.
(٣) التهذيب ٧ : ٧٧ / ٣٢٩ ، الاستبصار ٣ : ٨٣ / ٢٨٠.
المطلب الثاني : في الأحكام.
مسألة ١٣٦ : كما يصحّ ابتياع جملة الحيوان كذا يصحّ ابتياع أبعاضه بشرطين : الإشاعة ، وعلم النسبة ، كالنصف والثلث ، إجماعاً ؛ لوجود المقتضي خالياً عن المعارض.
ولا يصحّ بيع الجزء المعيّن ، فلو باعه يدَه أو رِجْلَه أو نصفَه الذي فيه رأسه أو الآخر ، بطل ؛ لعدم القدرة على التسليم.
وكذا لا يصحّ أن يبيع جزءاً مشاعاً غير معلوم القدر ، مثل أن يبيعه جزءاً منه أو نصيباً أو شيئاً أو حظّاً أو قسطاً أو سهماً ، بطل ؛ للجهالة.
ويصحّ لو باعه نصفَه أو ثلثَه أو غير ذلك من الأجزاء المشاعة المعلومة.
ويُحمل مطلقه على الصحيح ، كما لو باعه النصف ، فإنّه يُحمل على الجزء المشاع ؛ لأصالة صحّة العقد.
أمّا المذبوح : فالأقوى عندي جوازه فيه ؛ لزوال المانع هناك ، فإنّ القدرة على التسليم ثابتة هنا ، فيبقى المقتضي للصحّة خالياً عن المانع.
مسألة ١٣٧ : لو استثنى البائع الرأسَ والجلد في الحيّ ، فالأقرب : بطلان البيع في السفر والحضر ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(١) .
وقال أحمد : يجوز ذلك. وتوقّف في استثناء الشحم(٢) .
وقال مالك : يجوز ذلك في السفر ، ولا يجوز في الحضر ؛ لأنّ المسافر لا يمكنه الانتفاع بالجلد والسواقط. فجوّز له أن يشتري اللحم
____________________
(١) حلية العلماء ٤ : ٢٢٣ ، المغني ٤ : ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٦ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٧٥.
(٢) حلية العلماء ٤ : ٢٢٣ ، المغني ٤ : ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٦.
دونها(١) .
وهو خطأ ؛ لجواز انتفاعه ببيعها وغيرِه من الطبخ وشبهه.
وقال بعض(٢) علمائنا : يكون للبائع بنسبة ثمن الرأس والجلد إلى الباقي.
وكذا لو اشترك اثنان في شراء شاة وشرط أحدهما الرأس والجلد ، لم يصحّ ، وكان له بقدر ما لَه ؛ لرواية السكوني عن الصادقعليهالسلام قال : « اختصم إلى أمير المؤمنينعليهالسلام رجلان اشترى أحدهما من الآخر بعيراً واستثنى البيِّع الرأسَ والجلد ثمّ بدا للمشتري أن يبيعه ، فقال للمشتري : هو شريكك في البعير على قدر الرأس والجلد »(٣) .
وعن هارون بن حمزة الغنوي عن الصادقعليهالسلام في رجل شهد بعيراً مريضاً وهو يُباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم فجاء واشترك فيه رجل آخر بدرهمين بالرأس والجلد فقضي أنّ البعير بريء فبلغ ثمانية دنانير ، فقال : « لصاحب الدرهمين خُمْس ما بلغ ، فإن قال : اُريد الراُس والجلد فليس له ذلك ، هذا الضرار ، و، قد اُعطي حقّه إذا اُعطي الخُمْس »(٤) .
فروع :
أ - قد نقلنا الخلاف في الصحّة والبطلان. والأقرب عندي : التفصيل ، وهو صحّة أن يستثني البائع الرأسَ والجلد في المذبوح ، والبطلان في الحيّ.
____________________
(١) المدوّنة الكبرى ٤ : ٢٩٣ ، حلية العلماء ٤ : ٢٢٣ ، المغني ٤ : ٢٣٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٦.
(٢) الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٩٢ ، المسألة ١٤٩.
(٣) الكافي ٥ : ٣٠٤ / ١ ، التهذيب ٧ : ٨١ / ٣٥٠.
(٤) الكافي ٥ : ٢٩٣ / ٤ ، التهذيب ٧ : ٧٩ / ٣٤١ بتفاوت.
ب - لا فرق بين الرأس والجلد وغيرهما من الأعضاء. ولو استثنى الشحم ، بطل البيع في الحيّ والمذبوح. وكذا لو استثنى عشرة أرطال من اللحم فيهما معاً.
ج - لو اشترك اثنان في شراء حيوان أو غيره وشرط أحدهما لنفسه الشركة في الربح دون الخسران ، فالأقرب : بطلان الشرط. ولو شرطا أن يكون لأحدهما رأس المال ، والربح والخسران للآخر ، احتمل الجواز.
د - لو قال إنسان لغيره : اشتر حيواناً أو غيره بشركتي أو بيننا ، فاشتراه كذلك ، صحّ البيع لهما ، وعلى كلٍّ منهما نصف الثمن ؛ لأنّه عقد يصحّ التوكيل فيه ، فيلزم الموكّل حكم ما فَعَله الوكيل ، فإن أدّى أحدهما الجميعَ بإذن الآخر في الإنقاد عنه ، لزمه قضاؤه ؛ لأنّه أمره بالأداء عنه. ولو لم يأذن له في الأداء عنه بل تبرّع بذلك ، لم يجب عليه القضاء ، وكان شريكاً في العين. ولو تلفت العين ، كانت بينهما ، ثمّ رجع الآخر على الآمر بما نقده عنه بإذنه.
مسألة ١٣٨ : لو اشترى اثنان جاريةً ، حرم على كلّ واحد منهما وطؤها. فإن وطئها أحدهما لشبهةٍ ، فلا حدّ ؛ لقولهعليهالسلام : « ادرؤا الحدود بالشبهات »(١) .
ولو كان عالماً بالتحريم ، سقط من الحدّ بقدر نصيبه ، وحُدّ بقدر نصيب شريكه.
____________________
(١) تاريخ بغداد ٩ : ٣٠٣ ، إحكام الفصول في أحكام الاُصول : ٦٨٦ ، كنز العمّال ٥ : ٣٠٥ / ١٢٩٥٧ نقلاً عن أبي مسلم الكجي عن عمر بن عبد العزيز مرسلاً.
فإن حملت ، قُوّم عليه حصّة الشريك وانعقد الولد حُرّاً وإن كان عالماً بالتحريم ؛ لتمكّن الشبهة فيه بسبب الملكيّة التي له فيها ، وعلى أبيه قيمة حصّة الشريك منه يوم الولادة ؛ لأنّه وقت الحيلولة وأوّل أوقات التقويم.
إذا تقرّر هذا ، فإنّه لا تُقوّم هذه الأمة على الواطئ الشريك بدون الحمل ، خلافاً لبعض(١) علمائنا ؛ لعدم المقتضي له.
ويحتمل التقويم بمجرّد الوطئ ؛ لإمكان العلوق منه ، وتحفّظاً من اختلاط الأنساب.
وفي رواية ابن سنان ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجال اشتركوا في أمة ، فائتمنوا بعضهم على أن تكون الأمة عنده ، فوطئها ، قال : « يدرأ عنه من الحدّ بقدر ما لَه فيها من النقد ، ويُضرب بقدر ما ليس له فيها ، وتُقوّم الأمة عليه بقيمة ويلزمها ، فإن كانت القيمة أقلّ من الثمن الذي اشتُريت به الجارية اُلزم ثمنها الأوّل ، وإن كان قيمتها في ذلك اليوم الذي قُوّمت فيه(٢) أكثر من ثمنها اُلزم ذلك الثمن وهو صاغر ، لأنّه استفرشها » قلت : فإن أراد بعض الشركاء شراءها دون الرجل ، قال : « ذلك له ، وليس له أن يشتريها حتى تستبرأ ، وليس على غيره أن يشتريها إلّا بالقيمة »(٣) .
وهذه الرواية غير دالّة على المطلوب من وجوب التقويم بنفس الوطئ ؛ لأنّه سوّغ لغيره من الشركاء شراءها ، فلو وجب التقويم ، لم يجز ذلك.
إذا ثبت هذا ، فنقول : لو أراد الواطئ شراءها بمجرّد الوطئ ، لم تجب
____________________
(١) الشيخ الطوسي في النهاية : ٤١١ - ٤١٢.
(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « بها » بدل « فيه ». وما أثبتناه من المصدر.
(٣) الكافي ٥ : ٢١٧ / ٢ ، التهذيب ٧ : ٧٢ / ٣٠٩.
إجابته لكن تستحبّ ، ومع الحمل يجب التقويم ، فإذا قُوّمت عليه بمجرّد الوطئ ، فلا يخلو إمّا أن تكون قيمة الجارية حينئذٍ أقلّ من الثمن الذي اشتريت به أو أكثر أو مساوياً. ولا إشكال في المساوي والأكثر بل في الأقلّ ، فنقول : لا يجب عليه زيادة عن القيمة ، وتُحمل الرواية على ما إذا نقصت القيمة بالوطي ، وأنّه يجب عليه تمام الثمن إذا كانت الجارية تُساويه لولاه. ويؤيّده تعليلهعليهالسلام بقوله : « لأنّه استفرشها » ولو أراد أحد الشركاء شراءها واُجيب إليه ، لم يجب عليه أكثر من القيمة ؛ لعدم وقوع نقصان منه للعين وأوصافها.
مسألة ١٣٩ : لو اشترى حيواناً ، ثبت له الخيار مدّة ثلاثة أيّام على ما يأتي. فلو باعه حيواناً ثمّ تجدّد فيه بعد الشراء عيب قبل القبض ، كان المشتري بالخيار بين الفسخ والإمضاء ، وكذا غير الحيوان ، فإن اختار الفسخ ، فلا بحث. وإن اختار الإمضاء ، أمسك بجميع الثمن على رأي ، ومع الأرش على الأقوى ؛ لأنّ الجميع مضمون على البائع وكذا أبعاضه.
ولو تلف الحيوان بعد القبض في يد المشتري ، فضمانه على البائع أيضاً إذا لم يُحدث فيه المشتري حدثاً ولا تصرّف فيه إذا كان التلف في الثلاثة ؛ لأنّ الخيار فيها للمشتري ، فالضمان على البائع.
ولقول الصادقعليهالسلام : « إن حدث بالحيوان قبل ثلاثةٍ ، فهو من مال البائع »(١) .
أمّا لو أحدث فيه وتصرّف ثمّ تلف ، لم يكن له الرجوع على البائع بشيء. وكذا لو تلف بعد الثلاثة وإن لم يتصرّف ؛ لسقوط الخيار حينئذٍ.
____________________
(١) الفقيه ٣ : ١٢٧ / ٥٥٥ ، التهذيب ٧ : ٦٧ / ٢٨٨.
وكذا لو تلف غير الحيوان بعد القبض ولا خيار هناك ، فمن ضمان المشتري.
ولو تجدّد في الحيوان عيب في الثلاثة من غير جهة المشتري ، تخيّر - كالأوّل - في الردّ والإمساك مجّاناً أو مع الأرش على الأقوى ؛ لما تقدّم من أنّ جميعه مضمون على البائع فكذا أبعاضه.
ولو كان العيب سابقاً ، كان له الردّ مع عدم التصرّف مطلقاً ، سواء كان حيواناً أو غيره ، ذا خيار أو غيره ، وله الأرش مخيّراً فيهما. ولو تصرّف ، لم يكن له الردّ مطلقاً إلّا مع وطئ الأمة الحامل وحلب الشاة المصرّاة خاصّة ، لكن يثبت له الأرش. وإذا ردّ ، لم يلزمه - سوى العين - شيء ؛ لأنّ العيب مضمون على البائع ، ولا يمنع العيب المتجدّد من الردّ بالعيب السابق.
أمّا لو تجدّد بعد الثلاثة أو كان المشتري قد تصرّف في العين ، لم يكن له الردّ لا مع الأرش ولا بدونه.
ووافقنا مالك على أنّ عهدة الرقيق ثلاثة أيّام إلّا في الجنون والجذام والبرص ، فأيّها إذا ظهر في السنة يثبت(١) الخيار(٢) ، كما قلناه نحن.
ومَنَع الشافعي(٣) من ذلك.
مسألة ١٤٠ : لو باع أمةً أو دابّةً وكانت حبلى ، فإن شرط دخول الحمل في البيع بأن قال : بعتك هذه الأمة وحملها ، لم يصح ؛ لأنّه مجهول على ما
____________________
(١) في « ق ، ك» : ثبت.
(٢) الاستذكار ١٩ : ٣٧ ، المعونة ٢ : ١٠٦٤ ، التلقين ١ - ٢ : ٣٩٢ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٩٨ / ١١٧٦ ، معالم السنن - للخطّابي - ٥ : ١٥٦ ، حلية العلماء ٤ : ٢٤٢.
(٣) حلية العلماء ٤ : ٢٤١ ، الاستذكار ١٩ : ٤٠ - ٤١ / ٢٨٠٥١ ، معالم السنن - للخطّابي - ٥ : ١٥٧ ، المعونة ٢ : ١٠٦٤.
تقدّم(١) .
وإن شرطه فقال : بعتك هذه الأمة بكذا والحمل لك ، دخل الحمل في البيع ، وكان مستحقّاً للمشتري ، كما لو اشترط دخول الثمرة.
وإن استثناه البائع ، لم يدخل في البيع ، وكان باقياً على ملكه. وإن أطلق ، فكذلك يكون للبائع ؛ لأنّه ليس جزءاً من الاُمّ ، فلا يدخل في مسمّاها.
وقال الشافعي : لو أطلق ، دخل الحمل في البيع تبعاً ؛ لأنّه كالجزء منه(٢) . وهل يقابله قسط من الثمن؟ له خلاف [ و ](٣) أقوال تأتي. ولو استثنى البائع الحملَ ، ففي صحّة البيع عنده وجهان(٤) .
إذا تقرّر هذا ، فلو عُلم وجود الحمل عند البائع ، كان الولد له ما لم يشترطه المشتري. ولو أشكل ولم يُعلم أنّه هل تجدّد عند المشتري أو كان عند البائع ، حُكم به للمشتري ؛ لأصالة العدم السابق.
فلو وضعت الجاريةُ الولدَ لأقلّ من ستّة أشهر ، فهو للبائع ، ولو كان لأزيد من مدّة الحمل ، فهو للمشتري. ولو كان بينهما ، فكذلك.
فإن اختلفا في وقت إيقاع البيع فادّعى المشتري تقدُّمَه على ستّة أشهر والبائعُ تأخَّرَه عن ستّة أشهر ، قدّم قول البائع مع عدم البيّنة واليمين.
ولو سقط الولد قبل قبضه أو في الثلاثة من غير فعل المشتري وكان
____________________
(١) في ص ٢٧٥ ، المسألة ١٢٥.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٢٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٢ ، المجموع ٩ : ٣٢٤، الاستذكار ١٩ : ١٤ / ٢٧٩١١.
(٣) أضفناها لأجل السياق.
(٤) الوسيط ٣ : ٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١١٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٢ ، المجموع ٩ : ٣٢٤.
الولد مشترطاً في البيع ، قُوّمت حاملاً وحائلاً ، واُخذ من الثمن بنسبة التفاوت.
ولو اشترى الدابّة أو الأمة على أنّها حامل فلم تكن كذلك ، فله الردّ مع عدم التصرّف ، والأرش مع التصرّف.
مسألة ١٤١ : العبد والأمة لا يملكان شيئاً عند أكثر(١) علمائنا - سواء ملّكهما مولاهما شيئاً أو لا - لا أرش جناية ولا فاضل ضريبة ولا غيرهما.
ووافقنا الشافعي في ذلك إذا لم يملّكه مولاه ، فإن ملّكه مولاه ، فقولان :
أحدهما - القديم - : أنّه يملك ، وبه قال مالك إلّا أنّه قال : يملك وإن لم يملّكه مواليه و [ إليه ](٢) ذهب داوُد وأهل الظاهر وأحمد في إحدى الروايتين.
والثاني للشافعي - الجديد - : أنّه لا يملك - كما قلناه نحن - وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد في الرواية الاُخرى ، وإسحاق(٣) ، وهو مذهب الشيخ أبي جعفر من علمائنا. وقال أيضاً : إنّه يملك فاضل الضريبة وأرش الجناية(٤) .
____________________
(١) منهم : الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ١٢١ ، المسألة ٢٠٧ ، وابن إدريس في السرائر ٢ : ٣٥٣ ، والمحقّق الحلّي في شرائع الإسلام ٢ : ٥٨.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) الوسيط ٣ : ٢٠٤ ، الوجيز ١ : ١٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٦٥ و ٢٦٦ ، حلية العلماء ٥ : ٣٦٠ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٦٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٠ ، المحلّى ٨ : ٣٢٠ ، أحكام القرآن - لابن العربي - ٣ : ١١٦٥ ، الجامع لأحكام القرآن ١٠ : ١٤٧ ، المعونة ٢ : ١٠٦٩ ، المغني ٤ : ٢٧٧.
(٤) النهاية : ٥٤٣.
لنا : قوله تعالى :( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) (١) وقوله تعالى :( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ) (٢) نفى عن المماليك ملكيّة شيء ألبتّة.
ولأنّه مملوك فلا يكون مالكاً ؛ لتوقّف ملكيّته لغيره على ملكيّته لنفسه. ولأنّه مال فلا يصلح أن يملك شيئاً ، كالدابّة.
احتجّوا بما رواه العامّة عنهعليهالسلام « مَنْ باع عبداً وله مال فمالُه للعبد إلّا أن يستثنيه السيّد»(٣) .
ومن طريق الخاصّة بما رواه زرارة قال : سألت الصادقَعليهالسلام : الرجل يشتري المملوك ومالَه ، قال : « لا بأس به » قلت : فيكون مال المملوك أكثر ممّا اشتراه به ، قال : « لا بأس »(٤) .
ولأنّه آدميّ حيّ فأشبه الحُرّ.
والجواب عن الأوّل : أنّه غير ثابت عندهم ، ومعارض بما رواه العامّة ، وهو قولهعليهالسلام : « مَنْ باع عبداً وله مال فمالُه للبائع إلّا أن يشترطه المبتاع »(٥) ولو ملكه العبد ، لم يكن للبائع ، فلمـّا جعله للبائع دلّ على انتفاء ملكيّة العبد.
ومن طريق الخاصّة : ما رواه محمّد بن مسلم - في الصحيح - عن
____________________
(١) النحل : ٧٥.
(٢) الروم : ٢٨.
(٣) سنن الدارقطني ٤ : ١٣٣ - ١٣٤ / ٣١ ، وفيه : « مَنْ أعتق عبداً »
(٤) الكافي ٥ : ٢١٣ / ٣ ، الفقيه ٣ : ١٣٩ / ٦٠٦ ، التهذيب ٧ : ٧١ / ٣٠٥.
(٥) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٦٨ / ٣٤٣٣ و ٣٤٣٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٢٤ ، مسند أحمد ٢ : ٧٣ / ٤٥٣٨ ، و ٤ : ٢٣١ / ١٣٨٠٢.
أحدهماعليهماالسلام ، قال : سألته عن رجل باع مملوكاً فوجد له مالاً ، فقال : « المال للبائع ، إنّما باع نفسه ، إلّا أن يكون شرط عليه أنّ ما كان له من مالٍ أو متاعٍ فهو له »(١) والتقريب ما تقدّم.
لا يقال : لو لم يملك العبد شيئاً ، لم تصحّ الإضافة إليه. ولأنّه يملك النكاح.
لأنّا نقول : الإضافة إلى الشيء قد تصحّ بأدنى ملابسة ، كقولك لأحد حاملي الخشبة : خُذْ طرفك. وقال الشاعر :
إذا كوكب الخرقاء |
(٢) |
أضاف الكوكب إليها ؛ لشدّة سيرها فيه.
وملك النكاح ؛ للحاجة إليه والضرورة ؛ لأنّه لا يستباح في غير ملك.
ولأنّه لمـّا ملكه لم يملك السيّد إزالة يده عنه ، بخلاف المال ، فافترقا.
فروع :
أ - قال الشيخرحمهالله : إذا باع العبد وله مال ، فإن كان البائع يعلم أنّ له مالاً ، دخل المال في البيع. وإن لم يعلم ، لم يدخل وكان للبائع(٣) ؛ لما رواه زرارة - في الحسن - عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : الرجل يشتري المملوك وله مال لمن ماله؟ فقال : « إن كان علم البائع أنّ له مالاً ، فهو
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢١٣ / ٢ ، التهذيب ٧ : ٧١ / ٣٠٦.
(٢) المحتسب ٢ : ٢٢٨ ، المخصّص ٦ : ٤ ، شرح المفصّل ، المجلّد ١ ، الجزء ٣ ، الصفحة ٨ ، المقرّب : ٢٣٥ ، لسان العرب ١ : ٦٣٩ « غرب ». وتمام البيت هكذا :
إذا كوكب الخرقاء لاح بسُحْرةٍ |
سُهيلٌ أذاعت غَزْلها في الغرائب |
(٣) النهاية : ٥٤٣.
للمشتري ، وإن لم يكن علم ، فهو للبائع »(١) .
والجواب : أنّه محمول على ما إذا شرطه المشتري ؛ عملاً بالأصل ، وبما تقدّم(٢) في رواية محمّد بن مسلم.
والحقّ أنّ المال للبائع ، سواء علم به أو لا ما لم يشترطه المشتري.
ب - لو اشتراه ومالَه جميعاً ، صحّ البيع بشرطين : العلم بمقداره ، وأن لا يتضمّن الربا. فلو كانت معه مائة درهم واشتراه مع ماله بمائة درهم ، لم يصحّ البيع ؛ لأنّه ربا. ولو اشتراه بمائة ودرهم ، صحّ البيع ، وكان المائة مقابلة المائة ، والدرهم في مقابلة العبد. وكذا لو اشتراه بغير الجنس أو لم يكن الثمن ربويّاً أو لم يكن المال الذي معه ربويّاً.
ولو اشتراه ومالَه مع جهله بالمال ، لم يصحّ ؛ لأنّه جزء من المبيع مقصود فوجب العلم به.
ج - لو اشتراه وشرط مالَه ، فكذلك. فإن كانا ربويّين ، شرطت زيادة الثمن ، وإلّا فلا ، إلّا في شيء واحد ، وهو العلم بقدر المال ، فإنّه ليس شرطاً هنا ؛ لأنّه تابع للمبيع ليس مقصوداً بالذات ، فكان كماء الآبار وخشب السقوف.
وقال(٣) بعض الشافعيّة : إنّما تجوز الجهالة فيما كان تبعاً(٤) إذا لم يمكن إفراده بالبيع ، وإنّما تجوز الجهالة في مال العبد ؛ لأنّه ليس بمبيع ، وإنّما يبقى على ملك العبد ، والشرط يفيد عدم زوال ملكه إلى
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢١٣ / ١ ، الفقيه ٣ : ١٣٨ / ٦٠٥ ، التهذيب ٧ : ٧١ / ٣٠٧.
(٢) في ص ٣١٩.
(٣) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : وبه قال. والصحيح ما أثبتناه.
(٤) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : بيعاً. والصحيح ما أثبتناه.
البائع ، بل يكون للعبد ، فيكون المشتري يملك عليه(١) .
د - إن قلنا : إنّ العبد يملك ، فإنّه يملك ملكاً ناقصاً لا تتعلّق به الزكاة ، وحينئذٍ تسقط ، أمّا عن العبد : فلعدم تماميّة الملك ، كالمكاتب.
وأمّا عن السيّد : فلأنّه ملك الغير. وإن نفينا الملك ، فالزكاة على السيّد ؛ لتماميّة الملك في حقّه.
ولو ملّكه جاريةً ، جاز له وطؤها على التقديرين ؛ لجواز الإباحة ، فالتمليك لا يقصر عنها وإن نفيناه لتضمّنه إيّاها.
وإذا وجب عليه كفّارة ، فإن قلنا : يملك ، كفّر بالمال ، وإلّا بالصيام ، ولا يدخل في البيع وإن قلنا : إنّ العبد يملك ؛ لما تقدّم من الأحاديث.
ه- لو اشترى عبداً له مال وقلنا بملكيّة العبد فاشترطه المبتاع فانتزعه المبتاع من العبد فأتلفه(٢) ثمّ وجد بالعبد عيباً ، لم يكن له الردّ - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّ العبد يكثر قيمته إذا كان له مال ، وبتلف المال نقصت قيمته ، فلم يجز ردّه ناقصاً.
وقال داوُد : يردّ العبد وحده ؛ لأنّ ما انتزعه لم يدخل في البيع(٤) .
وهو غلط ؛ لنقص القيمة كما قلناه.
و - لو اشترى عبداً مأذوناً له في التجارة وقد ركبته الديون ولم يعلم المشتري ؛ لم يثبت له الخيار ؛ لأنّ الديون تتعلّق بالمولى. وإن قلنا : تتعلّق
____________________
(١) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٧ ، وروضة الطالبين ٣ : ٢٠٣.
(٢) في « ق ، ك» : وأتلفه.
(٣) حلية العلماء ٤ : ٢٧٧ ، وحكاه عنه أيضاً الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ١٢٥ ، المسألة ٢١٠.
(٤) المحلّى ٨ : ٤٢٢ ، المغني ٤ : ٢٧٦ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٢٣ - ٣٢٤ ، وحكاه عنه أيضاً الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ١٢٥ ، المسألة ٢١٠.
بالعبد ، فلا تتعلّق برقبته بل بذمّته ، وذلك غير ضائر للمشتري ، فلا يكون عيباً في حقّه ، وبه قال الشافعي(١) .
وقال مالك : يثبت له الخيار(٢) .
وقال أبو حنيفة : البيع باطل. وبناه على أصله من تعلّق الديون برقبته(٣) .
ز - لو قال العبد لغيره : اشترني ولك عليَّ كذا ، لم يلزمه شيء ، سواء كان للمملوك مال حين قوله أولا ، وسواء شرط المبتاع المالَ أو لا ، وسواء قلنا : العبد يملك أو لا ، وسواء قلنا : المال يدخل في الشراء مع علم البائع أو لا ؛ لأنّ المولى لا يثبت له على عبده شيئاً.
وللشيخ قول آخر : إنّه يجب عليه الدفع إن كان له شيء في تلك الحال ، وإلّا فلا(٤) .
وقد روي عن الصادقعليهالسلام أنّه قال له غلام : إنّي كنت قلت لمولاي : بِعْني بسبعمائة درهم ولك عليَّ ثلاثمائة درهم ، فقال الصادقعليهالسلام : « إن كان لك يوم شرطت أن تعطيه [ شيء ](٥) فعليك أن تعطيه ، وإن لم يكن لك يومئذٍ شيء فليس عليك شيء »(٦) .
مسألة ١٤٢ : لو دفع إنسان إلى عبد غيره مأذوناً له في التجارة مالاً ليشتري نسمةً ويُعتقها ويحجّ عنه بالباقي ، فاشترى المأذون أباه ودفع إليه بقيّة المال للحجّ فحجّ به ، ثمّ اختلف مولى المأذون وورثة الدافع ومولى
____________________
(١ -٣ ) حلية العلماء ٤ : ٢٧٣.
(٤) النهاية : ٤١٢.
(٥) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٦) الكافي ٥ : ٢١٩ / ١ ، التهذيب ٧ : ٧٤ / ٣١٦.
الأب ، فكلُّ منهم يقول : اشتُري بمالي ، قال الشيخ : يردّ الأب إلى مواليه يكون رقّاً كما كان ، ثمّ أيّ الفريقين الباقيين أقام البيّنة بما ادّعاه ، حُكم له به(١) ؛ لما رواه ابن أشيم عن الباقرعليهالسلام في عبدٍ لقومٍ مأذون له في التجارة دفع إليه رجل ألف درهم ، فقال : اشتر بها نسمةً وأعتقها عنّي وحجّ بالباقي ، ثمّ مات صاحب الألف ، فانطلق العبد فاشترى أباه فأعتقه عن الميّت ودفع إليه الباقي يحجّ عن الميّت ، فحجّ عنه ، فبلغ ذلك موالي أبيه وورثة الميّت جميعاً فاختصموا جميعاً في الألف ، فقال موالي معتق العبد : إنّما اشتريت أباك بمالنا. وقال الورثة : إنّما اشتريت أباك بمالنا. وقال موالي العبد : إنّما اشتريت أباك بمالنا ، فقال أبو جعفرعليهالسلام : « أمّا الحجّة فقد مضت بما فيها لا تردّ ، وأمّا المعتق فهو ردّ في الرقّ لموالي أبيه ، وأيّ الفريقين أقاموا البيّنة أنّه اشترى أباه من أموالهم كان لهم رقّاً »(٢) .
وابن أشيم ضعيف ، فلا يعوّل على روايته ، على أنّا نحمل الرواية على إنكار موالي الأب البيعَ ، وحينئذٍ يقدّم قوله ، ثمّ أيّ الفريقين أقام البيّنة على دعواه حُكم له بها. وعلى ظاهر الرواية ينبغي أن يدفع الأب إلى مولى الابن المأذون ؛ لأنّ ما في يد المملوك لمولاه.
ولو أقام كلٌّ من الثلاثة بيّنةً على دعواه ، فإنّ رجّحنا بيّنة ذي اليد ، فالحكم كما تقدّم من دفع الأب إلى مولى المأذون. وإن رجّحنا بيّنة الخارج ، فالأقرب : ترجيح بيّنة الدافع ؛ عملاً بمقتضى صحّة البيع ، فهو معتضد بالأصل.
____________________
(١) النهاية : ٤١٤.
(٢) الكافي ٧ : ٦٢ / ٢٠ ، التهذيب ٧ : ٢٣٤ - ٢٣٥ / ١٠٢٣ ، و ٩ : ٢٤٣ - ٢٤٤ / ٩٤٥ بتفاوت في بعض الألفاظ.
ويحتمل تقديم بيّنة مولى الأب ؛ لادّعائه ما ينافي الأصل ، وهو الفساد.
مسألة ١٤٣ : إذا كان مملوكان لشخصين مأذونان لهما في التجارة اشترى كلٌّ منهما الآخرَ من مالكه لمولاه ، فإن سبق عقد أحدهما ، صحّ عقده ، وبطل عقد الآخر ؛ لأنّ للمأذون الشراء لمولاه والعبد قابل للنقل بالابتياع ، فلا مانع للمقتضي عن مقتضاه ، ولمـّا انتقل العبد إلى مولى الأوّل بطل الإذن من مولاه له ، فلم يصادف العقد أهلاً يصدر عنه على الوجه المعتبر شرعاً ، فكان عقده لاغياً.
وإن اقترن العقدان في وقتٍ واحد ، بطلا ؛ لأنّ حالة شراء كلّ واحد منهما لصاحبه هي حالة بطلان الإذن من صاحبه له.
وقال الشيخ في النهاية : يقرع بينهما ، فمن خرج اسمه كان البيع له ، ويكون الآخر مملوكه.
ثمّ قال : وقد روي أنّه إذا اتّفق أن يكون العقدان في حالة واحدة ، كانا باطلين. والأحوط ما قدّمناه(١) .
ويؤيّد ما اخترناه نحن من البطلان مع الاتّفاق زماناً : روايةُ أبي خديجة عن الصادقعليهالسلام في رجلين مملوكين مفوّض إليهما يشتريان ويبيعان بأموالهما وكان بينهما كلام فخرج هذا ويعدو إلى مولى هذا ، وهذا إلى مولى هذا ، وهُما في القوّة سواء ، فاشترى هذا من مولى هذا العبد ، وذهب هذا فاشترى هذا من مولى العبد الآخر فانصرفا إلى مكانهما فتشبّث كلّ واحد منهما بصاحبه وقال له : أنت عبدي قد اشتريتك من سيّدك. قال :
____________________
(١) النهاية : ٤١٢.
« يحكم بينهما من حيث افترقا ، يذرع الطريق فأيّهما كان أقرب فهو الذي سبق الذي هو أبعد ، وإن كانا سواءً فهما ردّ على مواليهما ، جاءا سواءً وافترقا سواءً إلّا أن يكون أحدهما سبق صاحبه ، فالسابق هو له إن شاء باع وإن شاء أمسك ، وليس له أن يضرّ به »(١) .
ثم قال الشيخ في التهذيب عقيب هذه الرواية : وفي رواية اُخرى : « إذا كانت المسافة سواء يقرع بينهما فأيّهما وقعت القرعة به كان عبداً للآخر »(٢) .
فروع :
أ - حكم الإمامعليهالسلام بذرع الطريق بناءً على الغالب والعادة ، فإنّ كلّ واحد منهما يجدّ فيما يرومه ؛ لدلالة قول الراوي : ذهب كلٌّ منهما يعدو إلى مولى الآخر. والتقدير أنّهما متساويان في القوّة ، والأصل عدم المانع ، فبالضرورة يكون مَنْ كانت مسافته أقلّ أسبق في العقد من الآخر ، ومع التساوي في المسافة يحكم بالاقتران ؛ للظنّ الغالب به ، فإن فُرض تقدّم أحدهما ، صحّ عقده ، وإلّا بطلا ؛ لما تقدّم.
ب - الرواية بالقرعة لم نقف عليها ، لكنّ الشيخرحمهالله ذكر هذا الإطلاق في النهاية والتهذيب(٣) .
والظاهر أنّ القرعة لاستخراج الواقع أوّلاً مع علم المتقدّم واشتباه تعيينه ، أو مع الشكّ في التقدّم وعدمه ، أمّا مع الاقتران فلا وجه للقرعة.
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٧٢ - ٧٣ / ٣١٠.
(٢) التهذيب ٧ : ٧٣ / ٣١١.
(٣) النهاية : ٤١٢ ، التهذيب ٧ : ٧٣ / ٣١١.
ج - لو قلنا بصحّة وكالة السيّد لعبده في الشراء فاتّفق أن وكّل كلّ واحد منهما مملوكه في شراء الآخر له ، صحّ العقدان معاً إن لم تبطل الوكالة مع الانتقال.
د - لا نريد بالبطلان في الموضع الذي حكمنا به هنا وقوع العقدين فاسدين ، بل أن يكون العقدان هنا بمنزلة عقد الفضولي إن أجازه المولَيان ، صحّا معاً ، وإلّا فلا. ولو أجازه أحدهما خاصّة ، صحّ عقده خاصّة.
ه- لو اشترى كلٌّ منهما الآخرَ لنفسه بإذن مولاه وقلنا : إنّ العبد يملك ما يملكه مولاه ، فإن اقترنا ، بطلا. وان سبق أحدهما ، فهو المالك للآخر(١) .
مسألة ١٤٤ : لو اشترى من غيره جاريةً ثمّ ظهر أنّها سُرقت من أرض الصلح ، قال الشيخرحمهالله : يردّها المشتري على البائع أو ورثته ويسترجع الثمن. ولو لم يخلف وارثاً ، استُسعيت الجارية في ثمنها(٢) ؛ لما رواه مسكين السمّان ، قال : سألت الصادقَعليهالسلام : عن رجل اشترى جاريةً سُرقت من أرض الصلح ، قال : « فليردّها على الذي اشتراها منه ، ولا يقربها إن قدر عليه لو كان موسراً » قلت : جعلت فداك فإنّه قد مات ومات عقبه ، قال : « فليستسعها »(٣) .
ولأنّه بيع باطل ؛ لظهور الملكيّة لغير البائع.
والردّ على البائع ؛ لاحتمال أن يكون السارق غيره وقد حصلت في يده ، فتُدفع إليه على سبيل الأمانة إلى أن يحضر مالكها ويُسترجع الثمن منه.
____________________
(١) الفرعان « د ، ه » لم يردا في « ك».
(٢) النهاية : ٤١٤.
(٣) التهذيب ٧ : ٨٣ / ٣٥٥ ، وفيه : « أو كان موسراً ».
وبالجملة ، فهذه الرواية مشكلة.
والمعتمد هنا : أنّ المشتري يدفع الجارية إلى الحاكم ليجتهد في ردّها على مالكها الذي سُرقت منه ، ولا شيء للمشتري مع تلف البائع من غير تركة. ولا تستسعى الجارية ؛ لأنّه تصرّف في مال الغير بغير إذنه.
وقيل : تكون بمنزلة اللقطة(١) .
مسألة ١٤٥ : لو اشترى عبداً موصوفاً في الذمّة فدفع البائع إليه عبدين ليختار واحداً منهما فأبق أحدهما من يد المشتري ، قال الشيخرحمهالله : يردّ المشتري إلى البائع العبدَ الباقي ، ويسترجع نصف الثمن ، ويطلب الآبق ، فإن وجده ، اختار حينئذٍ ، وردّ النصف الذي قبضه من البائع إليه. وإن لم يجده ، كان العبد الباقي بينهما(٢) ؛ لما رواه السكوني عن الصادقعليهالسلام في رجل اشترى من رجل عبداً وكان عنده عبدان وقال للمشتري : اذهب بهما فاختر أحدهما وردّ الآخر وقد قبض المال ، فذهب بهما المشتري فأبق أحدهما من عنده ، قال « ليردّ الذي عنده منهما ويقبض نصف الثمن ممّا أعطى من البيّع ، ويذهب في طلب الغلام ، فإن وجده اختار أيّهما شاء وردّ النصف الذي أخذ ، وإن لم يجده كان العبد بينهما ، نصف للبائع ونصف للمبتاع »(٣) .
والرواية ضعيفة السند. ومثل هذه الرواية رواها محمّد بن مسلم عن الباقر(٤) عليهالسلام .
____________________
(١) القائل به هو ابن إدريس في السرائر ٢ : ٣٥٦.
(٢) النهاية : ٤١١.
(٣) التهذيب ٧ : ٨٢ - ٨٣ / ٣٥٤.
(٤) الكافي ٥ : ٢١٧ / ١ ، الفقيه ٣ : ٨٨ / ٣٣٠.
والمعتمد : أنّ التالف مضمون على المشتري بقيمته ؛ لأنّه كالمقبوض بالسوم ، وله المطالبة بالعبد الثابت في ذمّة البائع بالبيع.
فرع : لو اشترى عبداً من عبدين ، لم يصحّ ؛ للجهالة.
مسألة ١٤٦ : يجب على البائع للجارية استبراؤها قبل بيعها - إذا كان يطؤها - بخمسة وأربعين يوماً إن كانت من ذوات الحيض ولم تر الدم. ولو رأت الدم ، استبرأها بحيضة. ولو كانت صغيرةً أو يائسةً أو حاملاً أو حائضاً ، فلا استبراء.
وكذا يجب على المشتري استبراؤها بعد شرائها قبل وطئها لو جهل حالها ؛ لئلّا تختلط الأنساب.
وهذا الاستبراء بمنزلة العدّة في الحُرّة.
ولو أخبره البائع الثقة باستبرائها ، صدّقه ، ولم يجب عليه الاستبراء ؛ تنزيلاً لإخبار المسلم على الصدق.
ولو كانت الجارية لامرأةٍ فاشتراها منها ، لم يجب عليه الاستبراء ؛ إذ لا يتحقّق اختلاط النسب هنا.
ولو اشترى أمةً حاملاً ، لم يجز له وطؤها قُبُلاً قبل مضيّ أربعة أشهر وعشرة أيّام ، إلّا أن تضع ، فإن وطئها ، عزل عنها استحباباً. وإن(١) لم يعزل ، كره له بيع ولدها. ويستحبّ له أن يعزل له من ميراثه قسطاً.
تنبيه : أطلق علماؤنا كراهة وطئ الأمة الحامل بعد مضيّ أربعة أشهر وعشرة أيّام. وعندي في ذلك إشكال.
____________________
(١) في « ق ، ك» : فإن.
والتحقيق فيه أن نقول : هذا الحمل إن كان من زنا ، لم تكن له حرمة ، وجاز وطؤها قبل أربعة أشهر وعشرة أيّام وبعدها. وإن كان عن وطىءٍ مباح أو جُهل الحال فيه ، فالأقوى : المنع من الوطئ حتى تضع.
مسألة ١٤٧ : يكره وطؤ المولودة من الزنا بالملك والعقد معاً ؛ لأنّه قد ورد كراهة الحجّ والتزويج من ثمنها فالنكاح لها أبلغ في الكراهة.
روى أبو بصير عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : تكون لي المملوكة من الزنا أحجّ من ثمنها وأتزوّج؟ فقال : « لا تحجّ ولا تتزوّج منه »(١) .
وعن أبي خديجة عن الصادقعليهالسلام ، قال : سمعته يقول : « لا يطيب ولد الزنا أبداً ، ولا يطيب ثمنه ، والممزيز(٢) لا يطيب إلى سبعة آباء » فقيل : وأيّ شيء الممزيز(٣) ؟ قال : « الرجل يكسب مالاً من غير حلّه فيتزوّج أو يتسرّى فيولد له فذلك الولد هو الممزيز(٤) »(٥) .
إذا ثبت هذا ، فإن خالف ووطئ ، فلا يطلب الولد منها.
مسألة ١٤٨ : يكره للرجل إذا اشترى مملوكاً أن يُريه ثمنه في الميزان. ويستحبّ له تغيير اسمه ، وأن يُطعمه شيئاً من الحلاوة ، وأن يتصدّق عنه بأربعة دراهم ؛ لما رواه زرارة قال : كنت عند الصادقعليهالسلام ، فدخل عليه رجل ومعه ابنٌ له ، فقال له الصادقعليهالسلام : « ما تجارة ابنك؟ » فقال : التنخّس ، فقال له الصادقعليهالسلام : « لا تشتر سبياً ولا غبيّاً(٦) ، فإذا اشتريت رأساً فلا ترين ثمنه في كفّة الميزان ، فما من رأس يرى ثمنه في كفّة الميزان
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٢٦ / ٨ ، التهذيب ٧ : ٧٨ / ٣٣٢ ، الاستبصار ٣ : ١٠٥ / ٣٦٨.
(٢ - ٤ ) في الطبعة الحجريّة : الممزير. وفي الكافي : الممراز.
(٥) الكافي ٥ : ٢٢٥ / ٦ ، التهذيب ٧ : ٧٨ / ٣٣٣.
(٦) في الكافي : « ولا عيباً ».
فأفلح ، وإذا اشتريت رأساً فغيِّر اسمه وأطعمه شيئاً حلواً إذا ملكته ، وتصدّق عنه بأربعة دراهم»(١) .
وقال الصادقعليهالسلام : « مَنْ نظر إلى ثمنه وهو يُوزن لم يفلح »(٢) .
مسألة ١٤٩ : قد بيّنّا أنّه يجب الاستبراء في شراء الإماء ، وستأتي تتمّته في باب العِدَد إن شاء الله تعالى.
إذا ثبت هذا ، فإذا باع الجارية وسلّم المشتري إلى الثمن ، وجب عليه تسليم الجارية في مدّة الاستبراء إلى المشتري ، سواء كانت جميلةً أو قبيحةً ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(٣) .
وقال مالك : إن كانت جميلةً ، لا يسلّمها ، وإنّما يضعها على يدي عَدْلٍ حتى تستبرأ. وإن كانت قبيحةً اُجبر على تسليمها ؛ لأنّ الجميلة يلحقه فيها التهمة فمُنع منها(٤) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ الظاهر العدالة والسلامة ، فلا يسقط حقّه من القبض بالتهمة.
ويبطل أيضاً بأنّه مبيع لا خيار فيه ، فإذا نقد الثمن ، وجب تسليمه ، كسائر المبتاعات(٥) .
إذا تقرّر هذا ، فإن اتّفقا على وضعها على يد عَدْلٍ ، فإن قبضها
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢١٢ / ١٤ ، التهذيب ٧ : ٧٠ - ٧١ / ٣٠٢.
(٢) الكافي ٥ : ٢١٢ / ١٥ ، التهذيب ٧ : ٧١ / ٣٠٣.
(٣) الاُمّ ٣ : ٨٧ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٧٦ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٧٩ ، المغني ٤ : ٢٩٣ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٣ - ١٢٤.
(٤) الحاوي الكبير ٥ : ٢٧٦ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٧٩ ، حلية العلماء ٧ : ٣٦٤ ، المغني ٤ : ٢٩٣ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٤.
(٥) في « ق ، ك» : البياعات.
المشتري وسلّمها إلى العَدْل ، فهي من ضمانه. وإن سلّمها البائع ، كانت من ضمانه ؛ لأنّ التسليم لم يحصل للمشتري ولا لوكيله ، وليس العدل نائباً عنه في القبض.
فإن اشتراها بشرط أن يضعها البائع على يد عَدْلٍ ، كان الشرط والبيع صحيحين ؛ عملاً بقولهعليهالسلام : « المؤمنون عند شروطهم »(١) .
ولأنّه شرط سائغ مرغوب فيه ، فوجب أن يكون مباحاً.
وقال الشافعي : يفسد الشرط والعقد معاً ؛ لأنّ العقد على المعيّن لا يجوز فيه شرط التأخير(٢) . وهو ممنوع.
تذنيب : ليس للمشتري بعد شرائه الجاريةَ شراءً مطلقاً أن يطلب من البائع كفيلاً بالثمن أو ببدن البائع لو خرجت حاملاً ؛ لأنّه لم يشترط الكفيل في العقد ، فلا تلزمه إقامته بعده ، كما لو باع بثمنٍ مؤجّل ثمّ طلب منه كفيلاً أو رهناً فامتنع البائع ؛ إذ لو سلّم إليه الثمن ثمّ طلب منه كفيلاً على عهدة الثمن ، لم يكن له ذلك.
مسألة ١٥٠ : لا يجوز التفرقة بين الاُمّ وولدها في البيع - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(٣) - لما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « لا توله والدة بولدها »(٤) .
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٣٧١ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٢٣٢ / ٨٣٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ٣٣.
(٢) اُنظر : الاُمّ ٣ : ٨٧.
(٣) الوجيز ١ : ١٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٢ - ١٣٣ ، الوسيط ٣ : ٦٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٥ ، المجموع ٩ : ٣٦٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٢ ، تحفة الفقهاء ٢ : ١١٥ ، بدائع الصنائع ٥ : ٢٢٨ ، المغني ١٠ : ٤٥٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٨.
(٤) أورد نصّه الرافعي في العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٢ ، وفي سنن البيهقي ٨ : ٥ ، =
وعن أبي أيّوب عن النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « مَنْ فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبّته يوم القيامة »(١) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه سماعة قال : سألته عن أخوين مملوكين هل يفرّق بينهما ، وعن المرأة وولدها؟ فقال : « لا ، هو حرام إلّا أن يريدوا ذلك »(٢) .
وفي الحسن عن هشام بن الحكم عن الصادقعليهالسلام ، قال : اشتريت له جارية من الكوفة ، قال : فذهبت لتقوم في بعض الحاجة فقالت : يا اُمّاه ، فقال لها أبو عبد اللهعليهالسلام : « ألكِ اُمّ؟ » قالت : نعم ، فأمر بها فرُدّت ، فقال : « ما آمنت لو حبستها أن أرى في ولدي ما أكره »(٣) .
وفي الحسن عن معاوية بن عمّار قال : سمعت الصادقَعليهالسلام يقول : « اُتي رسول اللهصلىاللهعليهوآله بسبي من اليمن ، فلمـّا بلغوا الجحفة نفدت نفقاتهم فباعوا جاريةً من السبي كانت اُمّها معهم ، فلمـّا قدموا على النبيصلىاللهعليهوآله سمع بكاءها ، فقال : ما هذه؟ قالوا : يا رسول الله احتجنا إلى نفقة فبِعْنا ابنتها ، فبعث بثمنها فاُتي بها وقال : بيعوهما جميعاً أو أمسكوهما جميعاً »(٤) .
وفي الصحيح عن ابن سنان ، قال الصادقعليهالسلام في الرجل يشتري
____________________
= وغريب الحديث - للهروي - ٣ : ٦٥ والكامل - لابن عدي - ٦ : ٢٤١٢ : « لا توله والدة عن ولدها ».
(١) سنن الترمذي ٣ : ٥٨٠ / ١٢٨٣ ، و ٤ : ١٣٤ / ١٥٦٦ ، سنن الدار قطني ٣ : ٦٧ / ٢٥٦ ، سنن البيهقي ٩ : ١٢٦ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٢٧ - ٢٢٨ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٥٥ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٤ : ١٨٢ / ٤٠٨٠ ، مسند أحمد ٦ : ٥٧٥ / ٢٣٠٠٢.
(٢) الكافي ٥ : ٢١٨ - ٢١٩ / ٢ ، الفقيه ٣ : ١٣٧ / ٦٠٠ ، التهذيب ٧ : ٧٣ / ٣١٢.
(٣) الكافي ٥ : ٢١٩ / ٣ ، التهذيب ٧ : ٧٣ / ٣١٣.
(٤) الكافي ٥ : ٢١٨ / ١ ، الفقيه ٣ : ١٣٧ / ٥٩٩ ، التهذيب ٧ : ٧٣ / ٣١٤.
الغلام أو(١) الجارية وله الأخ أو الاُخت أو اُمّ بمصر من الأمصار ، قال : « لا يخرجه من مصر إلى مصر آخر إن كان صغيراً ولا تشتره ، وإن كانت له اُمّ فطابت نفسها ونفسه فاشتره إن شئت»(٢) .
ولاشتماله على ضرر كلَّ من الاُمّ والولد ، فيكون منفيّاً بقوله تعالى :( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (٣) وبقولهعليهالسلام : « لا ضرر ولا إضرار »(٤) .
فروع :
أ - إنّما يتحقّق المنع مع حاجة الولد إلى الاُمّ ، فلو استغنى عنها ، زال المنع ؛ لأصالة الإباحة السالم عن معارضة الضرر الحاصل بالتفريق.
ب - لو فرّق بينهما بالبيع ، لم يصحّ عندنا - وبه قال الشافعي(٥) - لما تقدّم من الأحاديث الدالّة على الردّ.
وقال أبو حنيفة : يصحّ ؛ لأنّ المنع لا يعود إلى المبيع وإنّما يعود إلى الضرر اللاحق بهما ، فلا يمنع صحّة البيع ، كالبيع وقت النداء(٦) .
____________________
(١) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « و» بدل « أو ». وما أثبتناه من المصادر.
(٢) الكافي ٥ : ٢١٩ / ٥ ، الفقيه ٣ : ١٤٠ / ٦١٦ ، التهذيب ٧ : ٦٧ - ٦٨ / ٢٩٠.
(٣) الحج : ٧٨.
(٤) سنن الدار قطني ٤ : ٢٢٨ / ٨٥ ، مسند أحمد ١ : ٥١٥ / ٢٨٦٢.
(٥) الوجيز ١ : ١٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٣ ، الوسيط ٣ : ٦٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٥ ، المجموع ٩ : ٣٦٠ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٣ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٣ ، تحفة الفقهاء ٢ : ١١٥ ، بدائع الصنائع ٥ : ٢٣٢ ، المغني ١٠ : ٤٦١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٠.
(٦) مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٦٢ / ١٢٤٢ ، تحفة الفقهاء ٢ : ١١٥ ، بدائع الصنائع =
وهو خطأ ؛ لأنّ النهي عنه لمعنى في البيع ، وهو حصول الضرر بالتفرقة. ولأنّ التسليم تفريق محرَّم ، فيكون كالمتعذّر ؛ إذ لا فرق بين العجز الحسّي والشرعي.
ج - لو رضي كلُّ من الولد والاُمّ بالتفريق ، صحّ التفريق ؛ لعدم المقتضي للمنع. ولحديث ابن سنان عن الصادقعليهالسلام ، وقد سبق(١) .
د - الضابط في غاية التحريم الاستغناء ، فمتى حصل استغناء الطفل عن الاُمّ ، جاز التفريق ، وإلّا فلا.
ويحصل الاستغناء ببلوغ سبع سنين.
وقيل : بالاستغناء عن الرضاع(٢) .
والمشهور : الأوّل ؛ لأنّه سنّ التمييز ، فيستغنى عن التعهّد والحضانة ، وهو أحد قولي الشافعي(٣) .
ويقرب منه قول مالك حيث جعل التحريم ممتدّاً إلى وقت سقوط الأسنان(٤) .
____________________
= ٥ : ٢٣٢ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٤١ - ٤٢ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٥٤ ، المغني ٤ : ٣٣٣ ، و ١٠ : ٤٦١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٣ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٣ ، المعونة ٢ : ١٠٧١.
(١) في ص ٣٣٣.
(٢) كما في شرائع الإسلام ٢ : ٥٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٣ ، المجموع ٩ : ٣٦١ ، المغني ١٠ : ٤٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٩ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٦٣ ، بداية المجتهد ٢ : ١٦٨ ، تحفة الفقهاء ٢ : ١١٥.
(٤) بداية المجتهد ٢ : ١٦٨ ، المعونة ٢ : ١٠٧١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٣ ، المغني ١٠ : ٤٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٩.
وقال في الآخر : حدّه البلوغ(١) . وبه قال أبو حنيفة(٢) ؛ لما رواه عبادة بن الصامت أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « لا يفرّق بين الاُمّ وولدها » قيل : إلى متى؟ قال : « حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية »(٣) .
ه- قال بعض(٤) علمائنا بكراهة التفريق لا بتحريمه ، والمشهور : التحريم.
وهذا الخلاف إنّما هو إذا كان التفريق بعد سقي الاُمّ ولدها اللّبأ ، فأمّا قبله فلا يجوز قطعاً ؛ لأنّه يسبّب إلى إهلاك الولد.
و - يكره التفريق بعد البلوغ - وبه قال الشافعي(٥) - لما فيه من التوحّش بانفراد كلٍّ منهما عن صاحبه.
والتقييد بالصغر في حديث(٦) ابن سنان ؛ للتحريم لا الكراهة.
ولو فرّق مع البلوغ بالبيع أو الهبة ، صحّا - وبه قال الشافعي(٧) - لوجود المقتضي السالم عن معارضة النهي ؛ لاختصاصه بالصغر.
وقال أحمد : يبطل البيع والهبة(٨) . وليس بمعتمد.
____________________
(١) الوسيط ٣ : ٦٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٣ ، المجموع ٩ : ٣٦١ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٣ ، المغني ١٠ : ٤٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٩.
(٢) مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٦٢ ، تحفة الفقهاء ٢ : ١١٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٣ ، المغني ١٠ : ٤٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٩.
(٣) سنن الدار قطني ٣ : ٦٨ / ٢٥٨ ، سنن البيهقي ٩ : ١٢٨ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٥٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٢.
(٤) كالشيخ الطوسي في النهاية : ٥٤٦ ، والمحقّق الحلّي في المختصر النافع : ١٣٢ ، وشرائع الإسلام ٢ : ٥٩.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٣ ، المجموع ٩ : ٣٦١.
(٦) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ٣٣٣ ، الهامش (٢).
(٧) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٣.
(٨) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٣.
ز - الأقوى كراهة التفريق بين الأخوين وبين الولد والأب أو الجدّ في البيع ، وليس محرّماً - وبه قال الشافعي(١) - عملاً بالأصل. ولأنّ القرابة بينهما لا تمنع القصاص فلا تمنع التفرقة في البيع ، كابن(٢) العمّ عندهم(٣) .
وفي قولٍ آخر له : إنّ التفريق بين الولد والجدّة والأب وسائر المحارم كالاُمّ في تحريم التفريق(٤) .
وقال أبو حنيفة : يحرم التفريق بين الأخوين ؛ لأنّه رحم ذو محرم من النسب ، فأشبه الولد(٥) .
والجواب : الفرق بجواز القصاص هنا دون الأوّل عندهم.
ح - يجوز التفريق بين البهيمة وولدها بعد استغنائه عن اللبن وقبله إن كان ممّا يقع عليه الذكاة(٦) أو كان له ما يُموّنه من غير لبن اُمّه.
ومَنَع بعض الشافعيّة من التفريق قبل الاستغناء ؛ قياساً على الآدمي(٧) . والحرمة فارقة بينهما.
ط - كما لا يجوز التفريق بالبيع كذا لا يجوز بالقسمة والهبة وغيرها
____________________
(١) حلية العلماء ٤ : ١٢٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٦ ، المجموع ٩ : ٣٦١.
(٢) في بدائع الصنائع والمغني : كابني.
(٣) المغني ٤ : ٣٣٣ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٤١ ، بدائع الصنائع ٥ : ٢٢٩.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٦ ، المجموع ٩ : ٣٦١ و ٣٦٢.
(٥) تحفة الفقهاء ٢ : ١١٥ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٤١ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٥٤ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٤.
(٦) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : الزكاة. والصحيح ما أثبتناه.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٣ ، المجموع ٩ : ٣٦٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٤.
من العقود الناقلة للعين ، بخلاف نقل المنافع ، فله أن يؤجر الاُمّ من شخصٍ وولدها من آخر ، إلّا أن يستوعب المدّة الممنوع من التفرقة فيها ؛ فإنّ الأقوى المنع من التفريق حسّاً بحيث لا يجتمعان إلّا نادراً.
ي - لا يحرم التفريق بالعتق ، فلو أعتق الاُمّ دون ولدها أو بالعكس ، فلا بأس. ولا في الوصيّة ، فلعلّ الموت يكون بعد انقضاء زمان التحريم.
فإن اتّفق قبله ، فإشكال.
يأ - لو لم تحصل التفرقة الحسّيّة ، فالأقوى جواز البيع ، كمن يبيع الولد ويشترط استخدامه مدّة المنع. وكذا لو باعه على مَنْ لا يفارق البائع والاُمّ بل يلازمهما.
يب - في الردّ بالعيب إشكال ، أقربه : المنع ؛ لحصول التفريق فيه ، فلو اشترى الجارية والولد ثمّ تفاسخا البيع في أحدهما أو ردّه بعيبٍ فيه ، مُنع ؛ لما فيه من التفريق.
وقال بعض الشافعيّة : يجوز(١) .
أمّا الرهن : ففي التفريق بينهما به إشكال ، أقربه : الجواز ، لكن ليس للمرتهن البيع ولا للراهن إلّا مع الآخر.
يج - لا بأس بالتفريق بالسفر ؛ لعدم المقتضي للمنع ، وأصالة الإباحة.
يد - لو كانت الاُمّ رقيقةً والولد حُرّاً وبالعكس ، لم يمنع من بيع الرقيق ؛ لثبوت التفريق قبل البيع ، فلا يُحدث البيع تفريقاً ؛ لاستحالة تحصيل الحاصل.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٣ ، المجموع ٩ : ٣٦٠.
مسألة ١٥١ : يجوز لمن يشتري الأمة أن ينظر إلى وجهها ومحاسنها وأن يمسّها بيده ويقلبها - إلّا العورة ، فلا يجوز له النظر إليها - للحاجة الداعية إلى ذلك ، فوجب أن يكون مشروعاً لينتفي الغرر.
ولما رواه أبو بصير عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يعترض الأمة ليشتريها ، قال : « لا بأس بأن ينظر إلى محاسنها ويمسّها ما لم ينظر إلى ما لا ينبغي له النظر إليه »(١) .
ولا يجوز ذلك لمن لا يريد الشراء إلّا في الوجه ؛ لقول الصادقعليهالسلام : « لا اُحبّ للرجل أن يقلب جاريةً إلّا جاريةً يريد شراءها »(٢) .
وسأله حبيب بن معلى الخثعمي : إنّي اعترضت جواري بالمدينة فأمذيت ، قال : « أمّا لمن يريد أن يشتري فليس به بأس ، وأمّا لمن لا يريد أن يشتري فإنّي أكرهه »(٣) .
مسألة ١٥٢ : لو اشترى جاريةً فوطئها ثمّ ظهر استحقاقها لغير البائع مع جهل المشتري ، فإن كانت بكراً ، غرم عُشْر قيمتها لصاحبها ، ودفعها إليه.
وإن كانت ثيّباً ، كان عليه نصف العُشْر ؛ لقول الصادقعليهالسلام في رجل تزوّج امرأةً حُرّة فوجدها أمة دلّست نفسها ، إلى أن قال : « ولمواليها عليه عُشْر قيمة ثمنها إن كانت بكراً ، وإن كانت ثيّباً فنصف عُشْر قيمتها بما استحلّ من فرجها »(٤) .
ولأنّه تصرّف في مال الغير بغير إذنه ، وانتفع بما لَه عوضٌ ، فوجب
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٧٥ / ٣٢١.
(٢) التهذيب ٧ : ٢٣٦ / ١٠٣٠.
(٣) التهذيب ٧ : ٢٣٦ / ١٠٢٩.
(٤) الكافي ٥ : ٤٠٤ / ١ ، التهذيب ٧ : ٣٤٩ / ١٤٢٦ ، الاستبصار ٣ : ٢١٦ - ٢١٧ / ٧٨٧.
الرجوع عليه به.
وقال الشافعي : يجب مهر المثل(١) .
وهو ممنوع ؛ إذ لا عقد نكاح هنا.
فإن أولدها المشتري الجاهل بالغصبيّة ، فالولد لا حق به ؛ لموضع الشبهة ، وهو حُرٌّ ؛ لأنّه اعتقد أنّه ملكها بالشراء ، وعليه قيمته لمولاه يوم سقط حيّاً - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّه أتلف على مولاها رقّه باعتقاده أنّها ملكه.
ولا يُقوّم حملاً لعدم إمكان تقويم الحمل ، فيُقوَّم في أوّل حالة انفصاله ؛ لأنّها أوّل حالة إمكان تقويمه. ولأنّ ذلك هو وقت الحيلولة بينه وبين سيّده.
ولقول الصادقعليهالسلام : « وعلى مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمته يوم يصير إليه » قلت : فإن لم يكن لأبيه ما يأخذ ابنه به؟ قال : « يسعى أبوه في ثمنه حتى يؤدّيه ويأخذ ولده » قلت : فإن أبى الأب السعي في ثمن ابنه؟
قال : « فعلى الإمام أن يفديه ، ولا يُملك ولدٌ حُرّ »(٣) .
وقال أبو حنيفة : يُقوَّم يوم المطالبة ؛ لأنّ ولد المغصوبة لا يضمنه إلّا بالبيع(٤) .
وقد بيّنّا أنّه يحدث مضموناً ، فيُقوَّم حال إتلافه.
____________________
(١) الوجيز ١ : ٢١٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٧٠ - ٤٧٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٤٦.
(٢) مختصر المزني : ١١٧ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٥٣ ، الوجيز ١ : ٢١٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٧٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٤٩.
(٣) التهذيب ٧ : ٣٥٠ / ١٤٢٩ ، الاستبصار ٣ : ٢١٧ - ٢١٨ / ٧٩٠.
(٤) الحاوي الكبير ٧ : ١٥٣.
ولو انفصل الولد ميّتاً ، لم تجب قيمته ؛ لأنّا لا نعلم حياته قبل ذلك. ولأنّه لم يحل بينه وبينه ، وإنّما يجب التقويم لأجل الحيلولة.
إذا ثبت هذا ، فإنّ المشتري إن كان عالماً بالغصبيّة ، فالولد رقٌّ لمولاه ، ولا يرجع بالثمن على البائع ولا بما غرمه.
ويحتمل عندي رجوعه بالثمن إن(١) كان باقياً ، أمّا إذا تلف فلا.
وإن كان جاهلاً ، فإنّه يرجع بالثمن الذي دفعه وبما غرمه ممّا لا نفع في مقابلته ، كقيمة الولد.
وهل يرجع بما حصل له في مقابلته نفع ، كاُجرة الخدمة والسكنى والعقر؟ إشكال ينشأ من إباحة البائع له بغير عوض ، ومن استيفاء عوضه.
وتفصيل هذا أن يقال : إن علم المشتري بالغصب ، لم يرجع ؛ لأنّه قد أباح البائع إتلاف ماله بغير عوض ، وبه قال الشافعي(٢) .
والتحقيق ما قلناه من الرجوع مع قيام العين لا مع التلف.
وأمّا إذا لم يعلم المشتري بالغصب ، فعلى ثلاثة أضرب.
ضَرْبٌ : لا يرجع به عليه قولا واحدا ، وهو قيمتها إن تلفت في يده ، أو أرش البكارة إن تلفت في يده ، أو بدل جزء منها إن تلف في يده ، لأنّ المشتري دخل مع الغاصب على أن يكون ضامنا لذلك بالثمن ، فإذا ضمنه ، لم يرجع به ، وبه قال الشافعي(٣) .
و ضَرْبٌ : يرجع به قولاً واحداً ، وهو ما إذا ولدت في يده منه ورجع
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « إذا » بدل « إن ».
(٢) الوسيط ٣ : ٤١٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٠.
(٣) الوسيط ٣ : ٤١٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣١٦ - ٣١٧.
عليه بقيمة الولد ، فإنّه يرجع به على الغاصب ؛ لأنّه دخل معه على أن لا يكون الولد مضموناً عليه ، ولم يحصل من جهته إتلاف ، بل المتلف الشرع بحكم بيع الغاصب منه ، وبه قال الشافعي(١) .
الثالث : ما اختلف فيه ، وهو مهرها واُجرة منفعتها ، فهنا إشكال تقدّم.
وللشافعي قولان :
ففي القديم : يرجع ؛ لأنّه دخل في العقد على أن يتلفه بغير عوض فقد غرّه.
وقال في الجديد : لا يرجع - وبه قال أبو حنيفة وأصحابه - لأنّه غرم ما استوفى به له ، فلم يرجع به(٢) .
ولو أمسكها ولم يستخدمها وتلفت المنفعة تحت يده ، ففي الرجوع للشافعي وجهان :
أحدهما : أنّه يرجع باُجرتها ؛ لأنّه لم يستوف بدل ما غرم ، ودخل في العقد على أن لا يضمنها.
والثاني : لا يرجع ؛ لأنّ تلفها تحت يده بمنزلة إتلافها(٣) .
مسألة ١٥٣ : يصحّ بيع الحامل بحُرٍّ ؛ لأنّها مملوكة ، وحُرّيّة الحمل لا تُخرج الرقّيّة عن الملكيّة ، فيصحّ بيعها ؛ لوجود المقتضي السالم عن المعارض.
____________________
(١) الوسيط ٣ : ٤٢٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٠.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٠ ، حلية العلماء ٥ : ٢٤٣ - ٢٤٤ ، الحاوي الكبير ٧ : ١٥٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٧٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥١.
(٣) الوسيط ٣ : ٤٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٧٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥١.
مسألة ١٥٤ : العبد المرتدّ إمّا أن يرتدّ عن فطرة أولا ، فإن لم يكن عن فطرة ، صحّ بيعه ؛ لأنّه مملوك لا يجب قتله في الحال ، ويمكن بقاؤه بردّه إلى الإسلام ، فصحّ(١) بيعه ، كالقاتل.
وأمّا إن كانت عن فطرة ، ففي جواز بيعه إشكال ينشأ من تضادّ الأحكام ؛ إذ وجوب القتل ينافي جواز البيع ، ومن بقاء الملكيّة.
أمّا المرتدّة فإنّه يجوز بيعها مطلقاً ، سواء كانت عن غير فطرة أو عنها ؛ لعدم وجوب قتلها بالارتداد. ووجوب الحبس - إن أثبتناه في حقّها - لا ينافي الملكيّة والانتفاع.
وكذا يجوز بيع المريض المأيوس من بُرْئه لفائدة الإعتاق ، أمّا ما لا يستقرّ فيه الحياة فالأقوى بطلان بيعه وعتقه.
مسألة ١٥٥ : من اشترى جاريةً من وليّ اليتيم ، صحّ الشراء ، وجاز له نكاحها واستيلادها عملاً بالمقتضي السالم عن المعارض ، وقول الكاظمعليهالسلام وقد سُئل في رجل ترك أولاداً صغاراً ومماليك غلماناً وجواري ولم يُوص فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية يتّخذها اُمّ ولد؟ وما ترى في بيعهم؟
فقال : « إن كان لهم وليّ يقوم بأمرهم باع عليهم وينظر لهم كان مأجوراً فيهم » قلت : فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتّخذها اُمّ ولد؟ قال : « لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيّم لهم الناظر لهم فيما يصلحهم فليس لهم أن يرجعوا فيما صنع القيّم لهم الناظر فيما يصلحهم »(٢) .
مسألة ١٥٦ : إذا اشترى الإنسان ثلاث جوارٍ ثمّ دفعهنّ إلى البيّع وقوّم
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : فيصحّ.
(٢) الكافي ٥ : ٢٠٨ / ١ ، الفقيه ٤ : ١٦١ - ١٦٢ / ٥٦٤ ، التهذيب ٧ : ٦٨ - ٦٩ / ٢٩٤ بتفاوت وزيادة فيها.
عليه كلّ جارية بقيمة معيّنة ، وقال له : بع هؤلاء الجواري ولك نصف الربح ، فباع البيّع جاريتين وأحبل المالكُ الثالثةَ ، لم يكن عليه شيء فيما أحبل ، وكان عليه للبيّع اُجرة مثل عمله فيما باع.
وقال الشيخ في النهاية : يكون عليه فيما باع نصف الربح(١) ؛ تعويلاً على رواية أبي علي بن راشد ، قال : قلت له : إنّ رجلاً اشترى ثلاث جوارٍ قوّم كلّ واحدة بقيمة فلمـّا صاروا إلى البيّع جعلهنّ بثمنٍ ، فقال للبيّع : لك عليَّ نصف الربح ، فباع جاريتين بفضل على القيمة وأحبل الثالثةَ ، قال : « يجب عليه أن يعطيه نصف الربح فيما باع ، وليس عليه فيما أحبل شيء »(٢) .
وهذه الرواية غير مسندة إلى إمام.
وتُحمل هذه الرواية على ما إذا عيّن قدر الربح ، وكان القول على سبيل الجعالة.
____________________
(١) النهاية : ٤١٤.
(٢) التهذيب ٧ : ٨٢ / ٣٥٢.
الفصل الثاني
في الثمار
وفيه مطلبان :
الأوّل : في أنواعها. وهي ثلاثة :
الأوّل : في ثمرة النخل.
إذا باع ثمرة النخل ، فلا يخلو إمّا أن يكون قبل ظهورها أو بعده. فإن كان قبل ظهورها فلا يخلو إمّا أن يبيعها منفردةً أو منضمّةً إلى الغير إمّا الاُصول أو ثمرة سنة اُخرى ، أو غيرهما.
فإن باعها منفردةً ، لم يصحّ إجماعاً ؛ لأنّه غير موجود ولا معلوم الوجود ، ولا يمكن تسليمه ، ولا يُعلم حقيقته ولا وصفه ، فكان كبيع الملاقيح والمضامين ، بل هو هو في الحقيقة.
وروت العامّة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن بيع الثمار حتى تزهي ، قيل : يا رسول الله وما تزهي؟ قال : « حتى تحمّر »(١) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام وقد سُئل عن رجل اشترى بستاناً فيه نخل ليس فيه غير بُسْر أخضر ، فقال : « لا ، حتى يزهو » قلت : وما الزهو؟ قال : « حتى يتلوّن »(٢) .
وإن باعها منضمّةً إلى الأصول ، فالوجه عندي : البطلان ، إلّا أن يجعل
____________________
(١) صحيح البخاري ٣ : ١٠١ ، سنن النسائي ٧ : ٢٦٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٠٠ ، الموطّأ ٢ : ٦١٨ / ١١.
(٢) الكافي ٥ : ١٧٦ / ٨ ، التهذيب ٧ : ٨٤ / ٣٥٩ ، الاستبصار ٣ : ٨٦ / ٢٩٤.
انضمامها على سبيل التبعيّة فلا يضرّ فيها الجهالة ، كأساسات الحيطان واُصول الأشجار ، أمّا إذا جُعلت جزءاً مقصوداً من المبيع ، ففيه الإشكال ، يقتضي النصّ الجواز.
وإن باعها منضمّةً إلى شيء غير الثمرة ، فإنّه يجوز. وينبغي أن يكون ذلك على سبيل التبعيّة لا الأصالة ؛ لما تقدّم ، لكنّ إطلاق النصّ يقتضي إطلاق الجواز.
روى سماعة قال : سألته عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل أن يخرج طلعها؟ فقال : « لا ، إلّا أن يشتري معها شيئاً غيرها رطبةً أو بقلاً ، فيقول : أشتري منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر بكذا وكذا ، فإن لم تخرج الثمرة كان رأس مال المشتري في الرطبة والبقل »(١) .
والوجه عندي : المنع. وهذه الرواية مع ضعف سندها لم تُسند إلى إمامٍ ، فلا تعويل عليها.
وإن باعها منضمّةً إلى ثمرة سنة اُخرى ، فلا يخلو إمّا أن تكون السنة الاُخرى سابقةً ثمرتها موجودة أو لا حقة ، فإن كانت سابقةً ، صحّ إجماعاً.
وإن كانت لا حقةً أو كانت سابقةً لم تخرج ، جاز أيضاً ؛ لما رواه الحلبي - في الحسن - عن الصادقعليهالسلام ، قال : سُئل عن شراء النخل والكرم والثمار ثلاث سنين أو أربع سنين ، قال : « لا بأس به يقول : إن لم يخرج في هذه السنة أخرج في قابل »(٢) .
وفي الصحيح عن يعقوب بن شعيب أنّه سأل الصادقَعليهالسلام عن شراء
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٧٦ / ٧ ، الفقيه ٣ : ١٣٣ / ٥٧٨ ، التهذيب ٧ : ٨٤ / ٣٦٠ ، الإستبصار ٣ : ٨٦ - ٨٧ / ٢٩٥.
(٢) الكافي ٥ : ١٧٥ / ٢ ، الفقيه ٣ : ١٣٢ / ٥٧٦ ، التهذيب ٧ : ٨٥ / ٣٦٤ ، الاستبصار ٣ : ٨٧ / ٢٩٩.
النخل ، فقال : « كان أبي يكره شراء النخل قبل أن تطلع ثمرة السنة ، ولكن السنتين والثلاث ، كان يقول : إن لم يحمل في هذه السنة حمل في السنة الاُخرى »(١) .
ويحتمل قويّاً : المنع ؛ لأنّه مبيع غير مشاهد ولا معلوم الوصف والقدر ، فيكون باطلاً ؛ للغرر. ولأنّه كبيع الملاقيح والمضامين. ويُحمل قولهعليهالسلام : « إن لم يخرج في هذه السنة » أي إن لم تدرك ، أو أراد إن لم تخرج في بعض السنة المتأخّرة عن سنة البيع.
ويؤيّد هذا : ما رواه أبو الربيع الشامي عن الصادقعليهالسلام قال : « كان الباقرعليهالسلام يقول : إذا بِيع الحائط فيه النخل والشجر سنة واحدة فلا يباعنّ حتى تبلغ ثمرته ، وإذا بِيع سنتين أو ثلاثاً فلا بأس ببيعه بعد أن يكون فيه شيء من الخضرة »(٢) وتعليق الحكم على وصفٍ يقتضي نفيه عند عدمه.
مسألة ١٥٧ : ولو باع الثمرة بعد ظهورها قبل بدوّ صلاحها ، فإمّا أن يبيعها منفردةً أو منضمّةً ، فإن باعها منفردةً ، فإمّا أن يبيعها بشرط القطع أو بشرط التبقية أو مطلقاً.
فإن باعها بشرط القطع ، صحّ البيع إجماعاً ؛ لأنّ مع شرط القطع يظهر أنّ غرض المشتري هو الحِصْرم والبلْح وأنّه حاصل.
وإن باعها بشرط التبقية ، فالأقوى عندي : الجواز ؛ لعموم( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) (٣) السالم عن صلاحيّة المعارض للمعارضة ؛ لأنّ المعارض ليس إلّا تجويز العاهة والتلف عليها ، لكن ذلك التجويز متطرّق إلى غير الثمار ،
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٨٧ / ٣٧٣ ، الاستبصار ٣ : ٨٦ / ٢٩٢.
(٢) الفقيه ٣ : ١٥٧ - ١٥٨ / ٦٩٠ ، التهذيب ٧ : ٨٧ / ٣٧٢ ، الإستبصار ٣ : ٨٦ / ٢٩٣.
(٣) البقرة : ٢٧٥.
كالحيوان وشبهه ، فلو كان مانعاً من بيع الثمرة ، لكان مانعاً من بيع الحيوان ؛ والتالي باطل بالإجماع ، فالمقدّم مثله. ولأنّه مال مملوك طاهر منتفع به فجاز بيعه. ولأنّه يجوز بيعه بشرط القطع إجماعاً ، فجاز بشرط التبقية ، كما لو باعه بعد بدوّ الصلاح بشرط التبقية.
ولما رواه الحلبي - في الحسن - عن الصادقعليهالسلام ، قال : سُئل عن الرجل يشتري الثمرة المسمّاة من أرض فتهلك تلك(١) الأرض كلّها ، فقال : « اختصموا في ذلك إلى رسول الله ٦ فكانوا يذكرون ذلك فلمـّا رآهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ولم يحرّمه ، ولكن فعل ذلك من أجل خصومتهم »(٢) .
وعن الباقرعليهالسلام قال : « خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله فسمع ضوضاء(٣) ، فقال : ما هذا؟ فقيل : تبايع الناس بالنخل فقعد(٤) النخل العام ، فقالصلىاللهعليهوآله : أما إذا فعلوا فلا تشتروا النخل العام حتى يطلع فيه شيء. ولم يحرّمه »(٥) .
ومَنَع جماعة(٦) من علمائنا هذا البيع - وهو مذهب الفقهاء الأربعة(٧) -
____________________
(١) في الكافي والفقيه : ثمرة تلك.
(٢) الكافي ٥ : ١٧٥ / ٢ ، الفقيه ٣ : ١٣٢ / ٥٧٦ ، التهذيب ٧ : ٨٥ / ٣٦٤ ، الاستبصار ٣ : ٨٧ / ٢٩٩.
(٣) الضوضاة : أصوات الناس وجلبتهم. الصحاح ٦ : ٢٤١٠ « ضوا ».
(٤) في « ق ، ك » : ففقد. وقعدت النخلة : حملت سنة ولم تحمل اُخرى. القاموس المحيط ١ : ٣٢٨ « قعد ».
(٥) الكافي ٥ : ١٧٤ - ١٧٥ / ١ ، التهذيب ٧ : ٨٦ / ٣٦٦ ، الاستبصار ٣ : ٨٨ / ٣٠١.
(٦) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : ٤١٤ - ٤١٥ ، والمبسوط ٢ : ١١٣ ، والخلاف ٣ : ٨٥ ، المسألة ١٤٠ ، والمحقّق الحلّي في شرائع الإسلام ٢ : ٥٢ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٢٥٠.
(٧) بداية المجتهد ٢ : ١٤٩ ، المعونة ٢ : ١٠٠٥ ، التلقين ٢ : ٣٧٣ ، الحاوي الكبير ٥ : =
للحديث(١) الذي رواه العامّة أوّلاً ، وما رواه الخاصّة أيضاً ، وقد سبق(٢) .
وأيضاً ما رواه سليمان بن خالد عن الصادقعليهالسلام قال : « لا يشترى(٣) النخل حولاً واحداً حتى يطعم إن كان يطعم ، وإن شئت أن تبتاعه سنتين فافعل »(٤) .
وسأل الحسنُ بن علي الوشّاء الرضاعليهالسلام : هل يجوز بيع النخل إذا حمل؟ فقال : « لا يجوز بيعه حتى يزهو » قلت : وما الزهو جعلت فداك؟
قال : « يحمرّ ويصفرّ وشبه ذلك »(٥) .
والجواب : حمل النهي على الكراهة ؛ جمعاً بين الأدلّة خصوصاً وقد نصّ الإمامعليهالسلام على ذلك.
وإن باعها مطلقاً ولم يشترط القطع ولا التبقية ، فالأقوى عندي : الجواز - وبه قال أبو حنيفة(٦) - لأنّه لو شرط القطع ، جاز إجماعاً ، ولو شرط التبقية ، جاز على الأقوى ، والإطلاق لا يخلو عنهما ، فكان الجواز أقوى. ولما تقدّم من الأدلّة. ولأنّ القطع تفريغ ملك البائع ونقل المبيع
____________________
= ١٩٠ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٩ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٦ و ٣٤٧ ، الوسيط ٣ : ١٨١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٠ ، المغني ٤ : ٢١٨ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٣١.
(١) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ٣٤٥ ، الهامش (١).
(٢) في ص ٣٤٥.
(٣) في المصدر : « لا تشتر ».
(٤) التهذيب ٧ : ٨٨ / ٣٧٤ ، الاستبصار ٣ : ٨٥ / ٢٩٠.
(٥) الكافي ٥ : ١٧٥ / ٣ ، التهذيب ٧ : ٨٥ / ٣٦٣ ، الإستبصار ٣ : ٨٧ / ٢٩٨.
(٦) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٥ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٩١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٢ ، حلية العلماء ٤ : ٢١٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٧ ، بداية المجتهد ٢ : ١٤٩ ، المعونة ٢ : ١٠٠٦ ، المغني ٤ : ٢١٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٣١.
عنه ، وليس ذلك شرطاً في البيع.
ومَنَع جماعة(١) من أصحابنا إطلاقَ البيع هنا - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق(٢) - لأنّ الإطلاق يقتضي التبقية ، وهو منهيّ عنها.
ولأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أطلق النهي عن بيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها(٣) ، وهذا يقتضي النهي عن بيع مطلق. ولأنّ النقل في الثمار إنّما يكون عند بلوغ الثمرة في العرف والعادة ، فينصرف إليه مطلق البيع كإطلاق الثمن مع العرف في نقد(٤) البلد ، فإنّه ينصرف إليه.
والجواب : لا نسلّم النهي عن التبقية. وما ورد(٥) عن النبيّصلىاللهعليهوآله في ذلك فقد بيّنّا أنّه للكراهة. ونحن نسلّم عود الإطلاق إلى التبقية ، ونمنع التحريم فيها ؛ لما بيّنّا من جواز اشتراطها.
تذنيب : إذا باعها مطلقاً ، وجب على البائع الإبقاء مجّاناً إلى حين أخذها عرفاً ، كما فيما بعد بدوّ الصلاح.
وقال أبو حنيفة : المطلق يقتضي القطع في الحال ، فهو بمنزلة ما لو شرط القطع عنده ، ولهذا جوّز المطلق ؛ لأنّ بيعه قبل بدوّ الصلاح بشرط
____________________
(١) منهم : الشيخ الطوسي في المبسوط ٢ : ١١٣ ، والخلاف ٣ : ٨٥ ، المسألة ١٤٠ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٢٥٠.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٠ ، الوسيط ٣ : ١٨١ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٩١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٢ ، حلية العلماء ٤ : ٢١٢ - ٢١٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٦ و ٣٤٧ ، بداية المجتهد ٢ : ١٤٩ ، المعونة ٢ : ١٠٠٦ ، التلقين ٢ : ٣٧٣ ، المغني ٤ : ٢١٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٣١.
(٣) صحيح البخاري ٣ : ١٠١ ، صحيح مسلم ٣ : ١١٦٧ / ٥٤ ، سنن النسائي ٧ : ٢٦٢ - ٢٦٣ ، الموطّأ ٢ : ٦١٨ / ١٠ ، مسند أحمد ٢ : ٧٠ ، ٤٥١١ ، و ١٧٠ / ٥٢٧٠.
(٤) في الطبعة الحجريّة : « إطلاق » بدل « نقد ».
(٥) في الطبعة الحجريّة : وما روي.
التبقية عنده باطل(١) .
وإن باعها قبل بدوّ الصلاح منضمّةً إلى شيء أو إلى ثمرة سنة اُخرى ، فإنّه يجوز إجماعاً منّا ؛ لرواية يعقوب بن شعيب - الصحيحة - عن الصادقعليهالسلام قال : « إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها فلا بأس ببيعه جميعاً »(٢) .
مسألة ١٥٨ : لو باع بستاناً بدا صلاح بعضه ولم يَبْدُ صلاح الباقي ، فعلى ما اخترناه نحن يجوز ؛ لأنّا جوّزنا بيع ما لم يَبْدُ صلاحه منفرداً فمنضمّاً إلى ما بدا صلاحه أولى.
أمّا القائلون بالمنع من علمائنا فإنّه يجوز عندهم أيضاً ؛ لأنّ العاهة قد اُمنت فيما بدا صلاحه ، فجاز بيعه ، وما لم يَبْدُ صلاحه يجوز بيعه منضمّاً إليه تبعاً ، كما لو باعه مع الزرع.
ولما رواه يعقوب بن شعيب - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام : « إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها فلا بأس ببيعه جميعاً »(٣) .
وهل يشترط اتّحاد البستان؟ قال الشيخ : نعم ، بمعنى أنّه لو كان بستان قد بدا صلاحه والبستان الآخر لم يَبْدُ صلاح شيء منه ، لم يجز بيعهما صفقةً واحدة. ولو كان بعض نخل البستان الواحد قد بدا صلاحه والبعض الآخر لم يَبْدُ صلاحه ، جاز بيعه أجمع في عقدٍ واحد(٤) .
وهذا القول لا اعتبار به عندنا.
والشافعي فصّل هنا ، فقال : إن كانت النخلة واحدةً بأن بدا صلاح
____________________
(١) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٥ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٩ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٩١ ، حلية العلماء ٤ : ٢١٤ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٧ ، المغني ٤ : ٢١٩ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٣١ - ٢٣٢.
(٢و٣) الكافي ٥ : ١٧٥ / ٥ ، التهذيب ٣ : ٨٥ / ٣٦٢ ، الاستبصار ٣ : ٨٧ / ٢٩٧.
(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١١٤.
بعض طلعها وبعضه لم يَبْدُ صلاحه ، جاز بيع ثمرتها أجمع صفقةً واحدة ؛ لعسر التمييز والفرق بينهما. وإن تعدّد النخل وكان بعضه قد بدا صلاحه دون البعض ، فإن كان البستان واحدا وضمّ أحدهما إلى الآخر في الصفقة ، جاز ، كما في النخلة الواحدة وإن كان ما بدا صلاحه نخلة واحدة.
وإن أفرد ما بدا صلاحه بالبيع ، صحّ إجماعاً. وإن أفرد ما لم يَبْدُ صلاحه بالبيع ، ففي اشتراط شرط القطع وجهان ، سواء اتّحد نوع النخل أو اختلف :
أحدهما : أنّه يشترط ، إذ ليس في المبيع شيء قد بدا صلاحه ، فيتبعه في عدم شرط القطع.
والثاني : أنّه لا يشترط ، ويكون ما لم يَبْدُ صلاحه تابعاً لما بدا ؛ لدخول وقت بدوّ الصلاح ، فكأنّه موجود بالفعل.
ولو اختلف نوع الثمرة - كالبرني والمعقلي - في البستان الواحد فأدرك نوع دون آخر وباعهما صفقةً واحدة ، ففي الجواز وجهان أحدهما : أنّه يجوز ؛ لأنّه إذا كان يضمّ بعضٍ النوع إلى بعض آخر ضمّ نوعٍ إلى نوع آخر من جنسه كالزكاة. والثاني : لا يضمّ ؛ لأنّه قد يتباعد إدراكهما ، فصارا كالجنسين.
ولو اختلف جنس الثمرة فكان أحدهما رطباً والآخر عنبا وبدا صلاح أحد الجنسين وضمّهما في البيع ، وجب شرط القطع فيما لم يَبْدُ صلاحه منهما ، ولا يتبع أحد الجنسين الآخرَ. وإن تعدّد البستان فبدا صلاح أحدهما دون الآخر ، فإنّه لا يتبع أحدهما الآخر(١) ، بل يجب شرط القطع فيما لم يَبْدُ صلاحه - وبه قال أحمد - لأنّه إنّما جعل ما لم يَبْدُ صلاحه تابعاً في
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : فإنّه لا يتبعه أحدهما.
البستان الواحد ؛ لما فيه من اشتراك الأيدي والتضرّر به ، أمّا ما كان في قراح آخر فوجب أن يعتبر بنفسه(١) .
وقال مالك : يجوز ضمّ أحد البستاين إلى الآخر وإن أدرك أحدهما خاصّة دون البستان الآخر من غير شرط القطع إذا كان مجاوراً له وكان الصلاح معهوداً لا منكراً(٢) .
وربما نُقل(٣) عنه الضبط في المجاور ببساتين البلدة الواحدة ؛ لأنّ الغرض الأمن من العاهة ، وما جاوره بمنزلة ما في هذا القراح.
مسألة ١٥٩ : لو كان الذي بدا صلاحه من النخل لواحدٍ وما لم يَبْدُ صلاحه لآخر ، فباع مالك ما لم يَبْدُ صلاحه ثمرة ملكه ، جاز عندنا مطلقاً وعند جماعة من علمائنا والجمهور بشرط القطع.
وللشافعي قول آخر ، وهو : أنّه فصّل فقال : لا يخلو إمّا أن يكونا معاً في بستانٍ واحد أو نخل كلّ واحد منهما في بستان منفرد.
فإن كانا في بستان واحد ، فوجهان مع اتّحاد المالك على ما تقدّم.
وأمّا مع تعدّده فقولان :
أحدهما : طرد الوجهين هنا.
والثاني : القطع بالمنع ؛ إذ لا يتعدّى حكم أحد المالكين إلى الآخر ، فيجب شرط القطع.
وإن كانا في بستانين ، فقولان :
____________________
(١) اُنظر العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٩ ، وروضة الطالبين ٣ : ٢١١ - ٢١٢.
(٢) بداية المجتهد ٢ : ١٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٩ ، حلية العلماء ٤ : ٢١٥ ، المغني ٤ : ٢٢٣.
(٣) كما في العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٩.
أحدهما : القطع بأنّه لا عبرة به ، ولا نظر إلى بدوّ الصلاح في بستان غير البائع.
والثاني : أنّه إذا لم يفرق فيما إذا بدا فيه الصلاح من ذلك البستان ولم يدخل في البيع بين أن يكون ملك البائع أو ملك غيره ، فقياسه أن لا يفرق فيما بدا فيه الصلاح في بستانٍ آخر أيضاً إذا لم يشترط اتّحاد البستان(١) .
مسألة ١٦٠ : إذا باعه الثمرة قبل بدوّ الصلاح بشرط القطع ، جاز إجماعاً على ما تقدّم ، ويجب الوفاء به على المشتري ( إذا لم يشترطه )(٢) على البائع.
ولو تراضيا على الترك جاز إجماعاً منّا ، وبه قال الشافعي(٣) ، وكان بدوّ الصلاح بمنزلة كبر العبد الصغير.
وقال أحمد : يبطل البيع وتعود الثمرة إلى البائع(٤) . وليس(٥)
ولو أبقاه المشتري ولم ينكر البائع أو أنكر ، فعلى المشتري اُجرة المثل عن مدّة الإبقاء.
تذنيب : لا فرق بين ما إذا اشترط القطع في مقطوع ينتفع به أو لا ينتفع به ؛ عملاً بالأصل ، فلو شرط القطع فيما لا منفعة فيه - كالجوز والكُمَّثْرى - جاز.
وقال بعض الشافعيّة : لا يجوز البيع بشرط القطع إلّا إذا كان المقطوع
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٢.
(٢) بدل ما بين القوسين في « ق ، ك » : إلّا أن يشترطه.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٠.
(٤) المغني ٤ : ٢٢١ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٢٣ - ٢٢٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٧.
(٥) كذا في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة. والظاهر : « ليس بجيّد ».
ممّا ينتفع به ، كالحِصْرم واللوز(١) .
مسألة ١٦١ : لو كانت الأشجار للمشتري فباع الثمرة عليه بأن يبيع الشجرة من إنسان بعد ظهور الثمرة ويُبقي الثمرة له ثمّ يبيع الثمرة من مشتري الشجرة ، أو يوصي بالثمرة لإنسان ثمّ يبيع الموصى له الثمرة من الوارث ، لم يشترط اشتراط القطع عندنا ؛ لما مرّ.
وأمّا المشترطون فقد اختلفوا هنا.
فقال أكثر الشافعيّة : إنّه يشترط شرط القطع في صحّة البيع ؛ لشمول الخبر ، وللمعنى أيضاً ؛ فإنّ المبيع هو الثمرة ، ولو تلفت لم يبق في مقابلة الثمن شيء لكن يجوز له الإبقاء ، ولا يلزمه الوفاء بالشرط هنا ؛ إذ لا معنى لتكليفه قطع ثماره من أشجاره(٢) .
وقال بعضهم : لا حاجة إلى شرط القطع ؛ لأنّه يجمعهما ملك مالكٍ واحد ، فأشبه ما لو اشتراهما معاً(٣) .
ولو باع الشجرة وعليها ثمرة مؤبّرة ، بقيت للبائع ، فلا حاجة إلى شرط القطع ؛ لأنّ المبيع هو الشجرة وليست متعرّضةً للعاهات ، والثمرة مملوكة بحكم الدوام.
ولو كانت الثمرة غير مؤبّرة فاستثناها البائع لنفسه ، صحّ عندنا ، ولم يجب شرط القطع.
وللشافعيّة وجهان :
أحدهما : نعم ؛ لأنّ الثمار والحال هذه مندرجة لو لا الاستثناء ، فكان كملكٍ مبتدأ.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٠.
(٢و٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٠.
وأصحّهما عندهم : أنّه لا يجب ؛ لأنّه في الحقيقة استدامة ملك ، فعلى هذا له الإبقاء إلى وقت الجذاذ. ولو صرّح بشرط الإبقاء ، جاز ، وعلى الأوّل لا يجوز(١) .
مسألة ١٦٢ : لو باع الثمار مع الاُصول قبل بدوّ الصلاح من غير شرط القطع ، جاز إجماعاً ؛ لقولهعليهالسلام : « مَنْ باع نخلاً بعد أن تؤبّر فثمرتها للبائع إلّا أن يشترط المبتاع »(٢) دلّ على أنّه لو اشترطها ، كانت للمشتري ، وذلك هو بيع الثمرة مع الاُصول. ولأنّ الثمرة هنا تتبع الأصل ، والأصل غير معرّض للعاهة. ويحتمل في التابع(٣) ما لا يحتمل في غيره إذا اُفرد بالتصرّف ، كالحمل في البطن ، واللبن في الضرع ، والسقف مع الدار وأساسات الحيطان.
ولو شرط بائع الأصل والثمرة قطع الثمرة قبل بدوّ الصلاح ، لم يجز ؛ لتضمّنه الحجر عليه في ملكه.
مسألة ١٦٣ : لو باع الثمرة بعد بدوّ صلاحها ، جاز مطلقاً وبشرط القطع إجماعاً ؛ للأصل السالم عن معارضة تطرّق الآفة.
ولو باعها حينئذٍ بشرط التبقية ، جاز عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد(٤) - لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن بيع الثمرة حتى
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١١.
(٢) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٦٨ / ٣٤٣٣ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٤٦ / ١٢٤٤ ، سنن النسائي ٧ : ٢٩٧ ، مسند الحميدي ٢ : ٢٧٧ / ٦١٣.
(٣) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : البائع. والصحيح ما أثبتناه.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٨ ، حلية العلماء ٤ : ٢١٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٦ ، التلقين ٢ : ٣٧٢ ، المعونة ٢ : ١٠٠٦ ، المغني ٤ : ٢٢٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٦٣.
تزهي(١) ، وقد ثبت أنّه إنّما نهى عنه قبل أن تزهي عن بيعٍ يتضمّن التبقية ؛ لأنّه يجوز شرط القطع عند أبي حنيفة مطلقاً(٢) ، فثبت أنّ الذي أجازه هو الذي نهى عنه(٣) .
ولأنّ النقل والتحويل يجوز في البيع بحكم العرف ، فإذا شُرط جاز ، كما لو شرط أن ينقل الطعام من ملك البائع حسب الإمكان ، فإنّه يجوز.
ولأنّ النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ، والحكم بعد الغاية يخالف الحكم قبلها.
ثمّ عند الإطلاق يجوز الإبقاء [ إلى ](٤) أوان الجذاذ ؛ للعرف. وشرط التبقية تصريح بما هو من مقتضيات العقد.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجوز بشرط التبقية ، ويجب القطع في الحال في صورة الإطلاق ، إلّا أنّ محمّداً يقول : إذا تناهى عظم الثمرة ، جاز فيها شرط التبقية ؛ لأنّ هذا شرط الانتفاع بملك البائع على وجه لا يقتضيه العقد ، كما لو شرط تبقية الطعام في منزله(٥) .
والجواب : نسلّم الملازمة ، ونمنع بطلان التالي ، وما لا يقتضيه العقد يجوز اشتراطه إذا لم يُناف العقد ولا الشرع. وشَرْطُ تبقية الطعام في منزله جائز عندنا.
____________________
(١) صحيح البخاري ٣ : ١٠١ ، سنن النسائي ٧ : ٢٦٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٠٠ ، الموطّأ ٢ : ٦١٨ / ١١.
(٢) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٥ ، المغني ٤ : ٢٢٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٦٣ - ٢٦٤.
(٣) كذا ورد قوله : « وقد ثبت نهى عنه » في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة ، فلا حظ.
(٤) أضفناها لأجل السياق.
(٥) المغني ٤ : ٢٢٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٦٣ - ٢٦٤ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٩٣ ، حلية العلماء ٤ : ٢١٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٦.
مسألة ١٦٤ : يجوز عندنا بيع الثمار بعد بدوّ صلاحها مع ما يحدث بعدها في تلك السنة أو سنة أخرى - وبه قال مالك(١) - لما تقدّم(٢) من قول الصادقعليهالسلام وقد سُئل عن شراء النخل والكرم والثمار ثلاث سنين أو أربع سنين : « لا بأس به » وإذا جاز(٣) ذلك قبل بدوّ الصلاح فبعده أولى.
ومَنَع الشافعي منه(٤) وليس بجيّد.
مسألة ١٦٥ : حدّ بدوّ الصلاح في ثمرة النخل تغيّر اللون من الخضرة - التي هي لون البَلَح - إلى الحمرة أو الصفرة - وهو قول أكثر الجمهور(٥) - لما رواه العامّة من قول النبيّصلىاللهعليهوآله : « حتى تزهي » قيل : يا رسول الله وما تزهي؟ قال : « حتى تحمرّ أو تصفرّ »(٦) .
وفي حديثٍ آخر : « حتى تحمارّ أو تصفارّ »(٧) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « حتى يزهو » قلت : وما الزهو؟ قال : « حتى يتلوّن »(٨) .
وعن الرضاعليهالسلام : « حتى يزهو » قال الراوي : قلت : وما الزهو جُعلت فداك؟ قال : « يحمرّ ويصفرّ وشبه ذلك »(٩) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٦.
(٢) في ص : ٣٤٦.
(٣) في « ق ، ك » : أجاز.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٩.
(٥) المغني ٤ : ٢٢٤ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٠١ - ٣٠٧.
(٦) أورده الماوردي في الحاوي الكبير ٥ : ١٩٤ ، والرافعي في العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٠.
(٧) صحيح البخاري ٣ : ١٠١ ، المغني ٤ : ٢٢٤ ، الشرح الكبير ٤ : ٣١٠.
(٨) الكافي ٥ : ١٧٦ / ٨ ، التهذيب ٧ : ٨٤ / ٣٥٩ ، الاستبصار ٣ : ٨٦ / ٢٩٤.
(٩) الكافي ٥ : ١٧٥ / ٣ ، الفقيه ٣ : ١٣٣ / ٥٨٠ ، التهذيب ٧ : ٨٥ / ٣٦٣ ، الاستبصار ٣ : ٨٧ / ٢٩٨.
وحكي عن بعض الفقهاء أنّه قال : بدوّ الصلاح في الثمار بطلوع الثريّا(١) ؛ لأنّ ابن عمر روى أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة ، فقال له عثمان بن عبد الله بن سراقة : متى ذلك؟ قال : إذا طلع الثريّا(٢) .
والجواب : هذه التتمّة من قول ابن عمر لا من قول النبيّصلىاللهعليهوآله ، فلا عبرة به ، وإنّما قال ذلك بناء على عادة أهل تلك البلاد أنّ طلوع الثريّا إنّما يكون عند بلوغ الثمرة ، وإلّا فهو مختلف في البلاد. والغرض ببلوغ الثمرة زوال الغرر الحاصل من تطرّق العاهة ، وذلك يحصل ببلوغها لا بطلوع الثريّا.
الثاني : في ثمرة الأشجار.
مسألة ١٦٦ : لا يجوز بيع ثمرة الشجرة(٣) قبل ظهورها عاماً واحداً إجماعاً ، لأنّها معدومة ، فكانت كبيع الملاقيح والمضامين ، إذ لا فرق بينهما ، فإنّ كلّ واحد منهما نماء وثمرة مستكنّ في أصله لم يبرز إلى الخارج.
وهل يجوز بيعها قبل ظهورها عامين؟ الأقوى عندي : المنع ، وقد تقدّم البحث فيه في ثمرة النخل ، والخلاف هنا كما هو ثمّ.
وكذا لو باع الثمرة قبل ظهورها منضمّة إلى شيء آخر.
مسألة ١٦٧ : ويجوز بيع ثمرة الشجرة(٤) بعد ظهورها وإن لم يَبْدُ صلاحها سنة ، وبعده بشرط القطع ومطلقاً وبشرط التبقية ؛ لما مرّ.
____________________
(١) بداية المجتهد ٢ : ١٥١.
(٢) مسند أحمد ٢ : ١٤٦ / ٥٠٨٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٠٠.
(٣و٤) في « ق ، ك » : الشجر.
والخلاف هنا كالخلاف هناك.
وكذا يجوز بيعها قبل بدوّ الصلاح سنتين فصاعداً.
ويجوز بيعها منضمّةً إلى الاُصول قبل بدوّ الصلاح وبعده وبشرط القطع وعدمه.
وكذا يجوز منضمّة إلى غيرها مطلقاً قبل انعقادها وبعده ، سواء كان بارزاً كالتفّاح والمشمش والعنب ، أو في قشر يحتاج إليه لادّخاره ، كالجوز في القشر الأسفل ، واللوز ، أو في قشر لا يحتاج إليه ، كالقشر الأعلى للجوز والباقلاء(١) الأخضر والهُرْطُمان(٢) والعدس.
وكذا السنبل يجوز بيعه ، سواء كان بارزاً كالشعير ، أو مستترا كالحنطة ، وسواء بيع منفردا أو مع أصله ، وسواء كان قائما أو حصيدا من غير اعتبار كيل أو وزن ، إلاّ إذا كان البيع بعد التصفية.
مسألة ١٦٨ : بدوّ الصلاح في ثمرة الأشجار الانعقادُ ، وفي الزرع عند اشتداد الحبّ ؛ لأنّ عمّار بن موسى سأل الصادقَعليهالسلام عن الكرم متى يحلّ بيعه؟ فقال : « إذا عقد وصار عنقوداً(٣) - والعنقود اسم الحِصْرِم بالنبطيّة - »(٤) .
وعن محمّد بن شريح عن الصادقعليهالسلام في ثمر الشجر « لا بأس بشرائه إذا صلحت ثمرته » فقيل له : وما صلاح ثمرته؟ فقال : « إذا عقد بعد سقوط ورده »(٥) .
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : والباقلي.
(٢) الهُرْطُمانُ : حبٌّ متوسّط بين الشعير والحنطة نافع للإسهال والسُّعال. القاموس المحيط ٤ : ١٨٩.
(٣) في المصدر : عقوداً.
(٤) التهذيب ٧ : ٨٤ / ٣٥٨.
(٥) التهذيب ٧ : ٩١ / ٣٨٨ ، الاستبصار ٣ : ٨٩ / ٢٠٣.
وقال الشافعي : إن كانت الثمرة ممّا تحمرّ أو تصفرّ أو تسودّ ، فبدوّ الصلاح أن تحصل فيها هذه الألوان. وإن كانت ممّا تبيضّ فأن تتموّه ، وهو أن يبدو فيه الماء الحلو ويصفرّ لونه. وإن كان ممّا لا يتلوّن - كالتفّاح - فبأن يحلو ويطيب أكله. وإن كان بطّيخا فأن يقع فيه النضج. وإن كان مثل القثّاء والخيار الذي لا يتغيّر لونه ولا طعمه فبأن يتناهى عظم بعضه وهو وقت أخذه(١) .
والنقل على ما ذكرناه ، فهو أولى من الأخذ بالتخمين والاستحسان.
الثالث : الخضر - كالقثّاء والباذنجان والبطّيخ والخيار - يجوز بيعه بعد انعقاده وظهوره. ولا يشترط أزيد من ذلك من تغيّر لونٍ أو طعمٍ أو غيرهما ؛ لأنّه مملوك طاهر منتفع به ، فجاز بيعه ، كغيره من المبيعات.
ويجوز بيعها منفردة ومنضمّة إلى أصولها وغير أصولها بشرط القطع والتبقية ومطلقا.
وقال الشافعي : إن كان البيع للثمرة خاصّة قبل بدوّ الصلاح ، وجب شرط القطع ، كما في ثمرة النخل. وإن باع الأصل خاصّة ، صحّ البيع.
وكذا لو باعها منضمّةً إلى الثمرة التي لم يَبْدُ صلاحها(٢) .
وإذا باع البطّيخ وغيره من الخضر بعد بدوّ الصلاح في الجميع أو في بعضه [ جاز ](٣) مطلقاً عندنا.
وقال الشافعي : يجب شرط القطع إن خِيف خروج غيره ؛ لأنّه إذا وجب
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٩٥ - ١٩٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٢ ، المغني ٤ : ٢٢٤ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٠١ - ٣٠٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٣.
(٣) إضافة يقتضيها السياق.
شرط القطع خوفاً من الجائحة التي الغالب فيها العدم ، فلأن يجب خوفاً من الاختلاط الذي الغالب فيه الوجود كان أولى(١) .
والجواب : المنع من كون الاختلاط مانعاً من البيع ؛ لإمكان المخلص عنه.
وإن لم يخف اختلاطه بغيره ، صحّ بيعه بشرط القطع وبغير شرطه(٢) .
مسألة ١٦٩ : لو اُفردت اُصول البطّيخ وغيره من الخضر بالبيع بعد ظهور الثمرة عليها ، صحّ البيع ، وكانت الثمرة للبائع ؛ عملاً باستصحاب الملك السالم عن شرط إدخاله في البيع ، سواء كان قد بدا صلاحها أو لا.
ولا يجب اشتراط القطع إذا لم يخف الاختلاط.
ثمّ الحمل الموجود يكون للبائع ، وما يحدث بعده للمشتري ، وبه قال الشافعي(٣) .
وإن خِيف اختلاط الحملين ، لم يجب شرط(٤) القطع عندنا ؛ للأصل.
وقال الشافعي : يجب(٥) .
ولو باع الاُصول قبل خروج الحمل ، فلا يجب اشتراط القطع ؛ للأصل.
وقال الشافعي : لا بُدّ من شرط القطع أو القلع كالزرع(٦) .
ولو باع البطّيخ مع اُصوله ، لم يجب شرط القطع عندنا ، كالثمرة مع الشجرة.
وقال بعض أصحاب الشافعي : لا بُدّ من شرط القطع ، بخلاف الثمرة مع
____________________
(٣-١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٣.
(٤) في الطبعة الحجريّة : « اشتراط » بدل « شرط ».
(٥و٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٣.
الشجرة ؛ لأنّ الشجرة غير معرّضة للجائحة ، بخلاف البطّيخ مع أصله ؛ فإنّه متعرّض لها. أمّا لو باع البطّيخ وأصله والأرض أيضاً ، استغنى عن شرط القطع ، وكان الأرض هنا كالأشجار ثَمَّ(١) .
مسألة ١٧٠ : لو باع الثمرة الظاهرة وما يظهر بعد ذلك ، صحّ البيع عندنا - وبه قال مالك(٢) - لأصالة الصحّة. ولأنّ المتجدّد هنا كالمتجدّد في الثمرة في السنة الثانية ، فكما يصحّ(٣) بيع الثمرة سنتين صحّ هنا. ولأنّ ذلك يشقّ تمييزه ، فجعل ما لم يظهر تبعاً لما يظهر ، كما أنّ ما لم يَبْدُ صلاحه تبع لما بدا صلاحه.
ولقول الصادقعليهالسلام وقد سُئل عن شراء النخل والكرم والثمار ثلاث سنين أو أربع سنين : « لا بأس به »(٤) والخضراوات من جملة الثمار.
وقال الشافعي : لا يصحّ البيع - وبه قال أبو حنيفة وأحمد - لأنّها ثمرة لم تخلق ، فلا يجوز بيعها ، كما لا يجوز بيعها قبل ظهور شيء منها(٥) .
والجواب : الفرق ، فإنّ مع الظهور يبقى المعدوم تابعاً ، فجاز بيعه ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٣.
(٢) الموطّأ ٢ : ٦١٩ ذيل الحديث ١٣ ، الاستذكار ١٩ : ١٠٨ / ٢٨٣٨٧ ، و ١٠٩ /٢٨٣٨٩ ، بداية المجتهد ٢ : ١٥٧ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٣٣٣ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٩٦ ، حلية العلماء ٤ : ٢١٦ - ٢١٨ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٣٩ ، المغني ٤ : ٢٢٥ ، الشرح الكبير ٤ : ٢١٩.
(٣) في « ق ، ك » : صحّ.
(٤) الكافي ٥ : ١٧٥ / ٢ ، الفقيه ٣ : ١٣٢ / ٥٧٦ ، التهذيب ٧ : ٨٥ / ٣٦٤ ، الاستبصار ٣ : ٨٧ / ٢٩٩.
(٥) حلية العلماء ٤ : ٢١٦ - ٢١٧ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٩٦ و ١٩٧ ، الاستذكار ١٩ : ١٠٩ / ٢٨٣٩٠ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٣٩ ، المغني ٤ : ٢٢٤ - ٢٢٥ ، الشرح الكبير ٤ : ٢١٩.
بخلاف عدم الظهور ؛ فإنّ العدم يبقى أصلاً.
مسألة ١٧١ : ويجوز بيع ما يجزّ جزّةً وجزّات ، وكذا ما يخرط خرطةً وخرطات ، كلّ ذلك مع ظهور الجزّة الاُولى والخرطة الاُولى ، سواء بدا صلاحها أو لا ، كالكرّاث والهندباء والنعناع والتوت والحِنّاء ؛ عملاً بالأصل السالم عن معارضة المبطل.
ولما رواه ثعلبة بن زيد(١) ، قال : سألت الباقرعليهالسلام : عن الرطبة تباع قطعتين أو الثلاث قطعات ، فقال : « لا بأس به » قال : فأكثرت السؤال عن أشباه هذا ، فجعل يقول : « لا بأس »(٢) .
وعن سماعة قال : سألته عن ورق الشجر هل يصلح شراؤه ثلاث خرطات أو أربع خرطات؟ فقال : « إذا رأيت الورق في شجرة فاشتر ما شئت من خرطةٍ »(٣) .
وعن معاوية بن ميسرة قال : سألت الصادقَعليهالسلام : عن بيع النخل سنتين ، قال : « لا بأس به » قلت : فالرطبة نبيعها هذه الجزّة وكذا وكذا جزّة بعدها؟ قال : « لا بأس به » ثمّ قال : « كان أبي يبيع الحِنّاء كذا وكذا خرطة »(٤) .
تذنيب : مَنْ جوّز بيع الثمرة قبل ظهورها عامين يحتمل تجويز بيع الورق من التوت والحنّاء وشبههما خرطتين قبل ظهورها.
أمّا ما يجزّ كالكرّاث قبل ظهوره فالأولى - تفريعاً على الجواز في
____________________
(١) في الكافي : عن ثعلبة عن بريد. وفي التهذيب : ثعلبة بن زيد عن بريد.
(٢) الكافي ٥ : ١٧٤ ( باب بيع الثمار وشرائها ) الحديث ١ ، التهذيب ٧ : ٨٦ / ٣٦٦.
(٣) الكافي ٥ : ١٧٦ / ٧ ، التهذيب ٧ : ٨٦ / ٣٦٧.
(٤) الكافي ٥ : ١٧٧ / ١١ ، التهذيب ٧ : ٨٦ / ٣٦٨.
الثمرة - المنع فيه ؛ لأنّه لا أصل له ظاهراً يرجع إلى معرفة المجزوز تقريباً ، ولا فرع ظاهر له ، بخلاف ورق التوت والحنّاء.
ولو بِيع ما يُخرط أو يُجزّ مع أصله ، صحّ ، سواء بدا صلاحه أو لا.
المطلب الثاني : في الأحكام.
مسألة ١٧٢ : يجوز بيع الزرع قصيلاً(١) بشرط القطع وبشرط التبقية ومطلقاً ؛ عملاً بالأصل السالم عن المبطل.
فإن شرط القصل أو أطلق واقتضت العادة فيه القصل ، وجب على المشتري قصله ، فإن لم يفعل ، فللبائع قطعه وتركه بالاُجرة.
وإن شرط التبقية ، جاز ، ووجب على البائع إبقاؤه إلى كمال حدّه ؛ للأصل.
وقال الشافعي : لا يجوز بيع الزرع الأخضر إلّا بشرط القطع(٢) .
ولو باعه الزرع مع الأرض ، جاز إجماعاً.
وكذا عندنا يجوز بيع البقول دون الأرض بعد ظهورها قبل بدوّ صلاحها وبعده مطلقاً وبشرط القطع والتبقية منضمّةً إلى الأرض ومنفردةً ؛ عملاً بالأصل والعمومات.
وقال الشافعي : لا يجوز بيع البقول في الأرض دون الأرض إلّا بشرط القطع أو القلع ، سواء كان ممّا يُجزّ مراراً أو مرّة واحدة(٣) .
____________________
(١) القَصْل : القطع. والقصيل : ما اقتصل من الزرع أخضر. لسان العرب ١١ : ٥٥٧ و ٥٥٨ « قصل ».
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٤.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٤.
ولو باع الزرع بعد اشتداد الحبّ ، فهو كما لو باع الثمرة بعد بدوّ الصلاح.
مسألة ١٧٣ : الثمرة إمّا بارزة ، كالتفّاح والكُمَّثْرى والخوخ والمشمش وأشباهه ، فهذا يجوز بيعه بعد ظهوره في شجره وعلى الأرض إجماعاً ، لظهوره ومشاهدته. وإمّا غير بارزة بل مستورة بالكمام ، وهو قسمان :
الأوّل : ما يكون كمامه من مصلحته يحفظ رطوبته ويبقى معه ، كالرمّان والجوز واللوز في القشر الثاني ، فهذا يجوز بيعه إجماعاً ؛ لأنّه إذا اُخرج من قشره ، سارع إليه الفساد ، فلم يقف بيعه على ذلك. ولا فرق بين أن يباع على شجرة أو مقطوعاً على الأرض.
الثاني : ما لا يكون بقاء قشره من مصلحته ، كالجوز واللوز في قشريه ، فإنّه يجوز بيعه عندنا ، سواء قشر من قشره الأعلى أو لا ، وسواء كان مقطوعاً على الأرض أو باقياً على الشجرة - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد(١) - لأنّه حائل من أصل الخلقة ، فلا يمنع من جواز البيع ، كقشر الرمّان والبيض.
وكذا الباقلاء الأخضر يجوز بيعه وإن لم ينزع عنه القشر الأعلى ، سواء كان رطباً أو يابساً ، وسواء بِيع منفرداً أو منضمّاً ومقطوعاً وغير مقطوع ، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد(٢) - لما تقدّم.
وقال الشافعي : لا يجوز بيع ذلك كلّه إلّا بعد أن يقشر الجوز واللوز
____________________
(١) المغني ٤ : ٢٢٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٤ ، المعونة ٢ : ١٠١١ ، التلقين ٢ : ٣٧٤.
(٢) المغني ٤ : ٢٢٥ ، حلية العلماء ٤ : ٩٩ - ١٠٠ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٤.
وشبههما من القشر الأعلى ، لا على رأس الشجرة ولا على وجه الأرض ، ولا بيع الباقلاء الأخضر حتى ينزع عنه القشر الأعلى(١) .
وجوّز أبو العباس بن القاص وأبو سعيد الاصطخري من الشافعيّة بيع الباقلاء الأخضر في القشر الأعلى ، وهو قول الشافعي أيضاً ؛ لأنّه يؤكل رطباً ، وبقاؤه في قشره الأخضر يحفظ رطوبته. وكذا قالا في الجوز واللوز إذا كانا رطبين ، فأمّا إذا يبسا ، فلا يجوز بيعهما في القشر الأعلى(٢) .
واحتجّ الشافعي : بأنّ المقصود مستور فيما لا يدّخر عليه وفيما لا مصلحة له فيه ، فلم يجز بيعه ، كالمعادن والحيوان المذبوح قبل سلخه(٣) .
والجواب : المنع من اللازم ، فإنّه يجوز عندنا بيعُ المعادن بشرط المشاهدة ، وبيعُ الحيوان قبل سلخه إن لم نشترط فيه الوزن.
مسألة ١٧٤ : السنبل يجوز بيعه ، سواء كان حبّه ظاهراً ، كالشعير والسلت ، أو مستوراً ، كالحنطة والعدس والسمسم ، قبل بدوّ الصلاح وبعده بشرط القطع والتبقية ومطلقاً - وبه قال أبو حنيفة ومالك(٤) - للأصل والعمومات.
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٣ ، المجموع ٩ : ٣٠٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٥ ، منهاج الطالبين : ١٠٧ ، المعونة ٢ : ١٠١١ ، المغني ٤ : ٢٢٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٣ ، حلية العلماء ٤ : ٩٩ - ١٠٠ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧١ ، المجموع ٩ : ٣٠٦ ، منهاج الطالبين : ١٠٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٣ ، المغني ٤ : ٢٢٥.
(٤) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٦ ، بداية المجتهد ٢ : ١٥٢ ، التلقين ٢ : ٣٧٤ ، المعونة ٢ : ١٠١١.
وقال الشافعي : إن كان الحبّ ظاهراً ، جاز بيعه مع السنبل بعد الحصاد وقبله ؛ لظهور المقصود. وإن كان مستوراً كالحنطة ، لم يجز بيعه في السنبلة دون السنبلة ، ومع السنبلة قولان :
القديم : الجواز ؛ لنهيهعليهالسلام عن بيع الحبّ حتى يشتدّ(١) ، وقد اشتدّ ، فيزول النهي ، وإلّا انتفت فائدة الغاية.
والجديد : المنع ؛ لأنّ المقصود مستور بما لا يتعلّق به الصلاح(٢) .
أمّا الاُرز فإنّه كالشعير عنده يجوز بيعه في سنبله ؛ لأنّه يدّخر في قشره(٣) .
وقال بعض الشافعيّة : إنّه كالحنطة(٤) .
مسألة ١٧٥ : إذا كان المقصود مستوراً في الأرض ، لم يجز بيعه إلّا بعد قلعه ، كالجزر والثوم والبصل - وبه قال الشافعي(٥) - للجهالة ، لانتفاء المشاهدة والوصف.
ويجوز بيع أوراقها الظاهرة بشرط القطع والإبقاء ، خلافاً للشافعي في الإبقاء(٦) .
____________________
(١) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٥٣ / ٣٣٧١ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٠٣ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ١٩.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧١ ، المجموع ٩ : ٣٠٧ - ٣٠٨ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٧ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٩٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٦.
(٣ و ٤ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٣ ، المجموع ٩ : ٣٠٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٦.
(٥) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٧ - ٣٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٤ ، المجموع ٩ : ٣٠٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٦.
(٦) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٧ و ٣٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٤ ، المجموع ٩ : ٣٠٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٦.
والشلجم نوعان : منه ما هو مستور لا يجوز بيعه قبل قلعه. ومنه ما يكون ظاهراً ، فيجوز(١) بيعه بشرط القطع والتبقية.
ويجوز أيضاً بيع اللوز في قشره الأعلى قبل انعقاد الأسفل ؛ لأنّه مأكول كلّه كالتفّاح ، عند الشافعي(٢) .
وعندنا يجوز مطلقاً ، سواء يبس قشره أو لا ، وسواء انعقد الأسفل أو لا.
فروع :
أ - اختلف الشافعيّة في المنع من(٣) جميع ما تقدّم قول الشافعي بالمنع فيه هل هو مقطوع به أو مفرّع على قول منع بيع الغائب؟
قال الجويني : إنّه مفرّع عليه ، فلو جوّز بيع الغائب ، صحّ البيع فيها جميعاً(٤) .
وقيل : إنّ المنع في بيع الجزر في الأرض وما في معناه ليس مبنيّاً على بيع الغائب ؛ لأنّ في بيع الغائب يمكن ردّ المبيع بعد الرؤية بصفته وهنا لا يمكن(٥) .
ب - على قول الشافعي بالمنع لو باع الجوز - مثلاً - في القشرة العليا مع الشجرة أو باع الحنطة في سنبلها مع الأرض ، فطريقان :
أحدهما : أنّ البيع باطل في الجوز والحبّ ، وفي الشجر والأرض قولا تفريق الصفقة.
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : يجوز.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٤ ، المجموع ٩ : ٣٠٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٦.
(٣) في « ق ، ك» : « في » بدل « من ».
(٤ و ٥ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٤ ، المجموع ٩ : ٣٠٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٦.
وأصحّهما عندهم : القطع بالمنع في الكلّ ؛ للجهل بأحد المقصودين وتعذّر التوزيع(١) .
والأقوى عندنا : الجواز ، والجهالة في بعض أجزاء المبيع غير مضرّة.
ج - لو باع أرضاً فيها بذر لم يظهر مع البذر ، صحّ عندنا إن كان البذر تابعاً.
وللشافعي قولان ، هذا أحدهما. والثاني : بطلان البيع في البذر خاصّة. وفي الأرض طريقان سبقا. ومَنْ قال بالصحّة في الأرض لا يذهب إلى التوزيع ، بل يوجب جميع الثمن بناء على أحد القولين فيما لو باع ماله ومال غيره وصحّحنا البيع في ماله وخيّرناه ، أنّه إذا أجاز يجيز بجميع الثمن(٢) .
وأمّا على مذهبنا فإذا كان البذر مقصودا ، بطل البيع في الجميع ؛ للجهالة.
ولو باع البذر وحده ، بطل عندنا وعند كلّ من يوجب العلم في المبيع ، سواء عرف قدر البذر وشاهده قبل رميه أو لا ، لخفاء حاله عند العقد ، وإمكان تجدّد الفساد بعد العقد ، فخالف بيع الغائب بعد المشاهدة ، فإنّ فساده معلوم الوقت.
ولو باع الأرض وحدها ، صحّ البيع ، ووجب عليه الصبر إلى وقت أخذ الزرع. وله الخيار في الفسخ والإمضاء مجّانا إن لم يكن عالما بالحال.
مسألة ١٧٦ : كما يصحّ بيع الثمرة يصحّ بيع أبعاضها على رؤوس الأشجار ومقطوعة قبل بدوّ الصلاح وبعده مع شرط القطع والتبقية والإطلاق
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٤ ، المجموع ٩ : ٣٠٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٦.
(٢) حلية العلماء ٤ : ٢٠٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٤ ، المجموع ٩ : ٣٠٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٦.
بشرطين : الإشاعة والعلم بالجزئيّة - كالنصف والثلث مثلاً - في كلّ صورة يصحّ بيع الجميع فيها ، عند علمائنا أجمع.
وقال بعض الشافعيّة : لا يصحّ البيع قبل بدوّ الصلاح ؛ لأنّ البيع يفتقر إلى شرط القطع ، ولا يمكن قطع النصف إلّا بقطع الجميع ، فيتضرّر البائع بنقصان غير المبيع(١) .
والجواب : المنع من اشتراط القطع ، وقد تقدّم.
سلّمنا ، لكن لا يلزم ثبوته ؛ لإمكان قسمة الثمار على رؤوس الأشجار.
سلّمنا ، لكن هذا الضرر أدخله البائع على نفسه ، كما لو باع ثمرة تفتقر إلى سقي يضرّ بالأصل.
فروع :
أ - لو باع نصف الثمرة مع نصف النخل ، صحّ إجماعا ، وكانت الثمرة تابعة عند المانعين(٢) من البيع قبل بدوّ الصلاح.
ب - لو كانت الثمرة لإنسان والشجرة لآخر ، فباع صاحب الثمرة نصف ثمرته من صاحب الشجرة ، صحّ عندنا مطلقا على ما تقدّم.
وللشافعي وجهان بناء على الخلاف في اشتراط القطع هنا(٣) .
ج - لو كانت الأشجار والثمار مشتركةً بين رجلين ، فاشترى أحدهما نصيب صاحبه من الثمرة ، جاز عندنا.
ومَنَع الشافعي من الجواز(٤) .
ولو اشترى نصيب صاحبه من الثمرة بنصيبه من الشجرة ، جاز عندنا.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٣.
(٢ - ٤ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٤.
ومَنَع الشافعي من جوازه مطلقاً ، وجوّزه بشرط القطع ؛ لأنّ جملة الثمار تصير لمشتري الثمرة ، وجملة الأشجار للآخر ، وعلى مشتري الثمرة قطع الكلّ ؛ لأنّه بهذه المقابلة(١) اُلزم قطع النصف المشتري بالشرط ، واُلزم تفريغ الأشجار لصاحبها ، وبيع الشجرة على أن يفرغها المشتري جائز(٢) .
وكذا لو كانت الأشجار لأحدهما والثمرة بينهما ، فاشترى صاحب الشجرة نصيب صاحبه من الثمرة بنصف الشجرة ، جاز مطلقاً عندنا ، وبشرط القطع عند الشافعي(٣) .
مسألة ١٧٧ : يجوز للبائع أن يستثني جزءاً مشاعاً - كالثلث وشبهه - إجماعاً ؛ لأنّه لا يؤدّي إلى جهالة المستثنى منه.
وكذا يجوز أن يستثني نخلاتٍ بعينها إجماعاً ، وأن يستثني عذقاً معيّناً مشخّصاً من أعذاق النخلة الواحدة ، ولا يجوز أن يستثني نخلةً غير معيّنة ولا عذقاً غير مشخّص إجماعاً ، ولا الأجود ولا الأردأ ؛ لأنّ الاستثناء غير معلوم ، فصار المبيع مجهولاً.
وهل يجوز استثناء أرطال معلومة وإمداد معلومة؟ ذهب علماؤنا إلى جوازه - وبه قال مالك(٤) - لأنّه استثنى معلوماً ، فأشبه ما لو استثنى جزءاً مشاعاً.
ولقول الصادقعليهالسلام وقد سأله ربعي : إنّ لي نخلاً بالبصرة فأبيعه واُسمّي الثمن وأستثني الكرَّ من التمر أو أكثر ، قال : « لا بأس »(٥) .
____________________
(١) في المصدر : « المعاملة » بدل « المقابلة ».
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٤.
(٤) بداية المجتهد ٢ : ١٦٤ ، المنتقى - للباجي - ٤ : ٢٣٦ - ٢٣٧ ، حلية العلماء ٤ : ٢٢٢ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٦ ، المغني ٤ : ٢٣١ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٤.
(٥) الكافي ٥ : ١٧٥ / ٤ ، التهذيب ٧ : ٨٥ / ٣٦٥ ، الاستبصار ٣ : ٨٧ - ٨٨ / ٣٠٠.
وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل : لا يجوز ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن بيع السنين وعن الثنيا(١) . ولأنّ المبيع معلوم بالمشاهدة لا بالقدر ، فالاستثناء منه يُغيّر حكم المشاهدة ؛ لأنّه(٢) لا يدري كم يبقى في حكم المشاهدة منه فلم يجز(٣) .
والجواب : المراد بالنهي : الثنيا المجهولة ؛ لجواز استثناء الجزء المشاع والنخلة المعلومة إجماعاً. والعلم بالمشاهدة حاصل مع الاستثناء وعدمه ، وجهالة القدر حاصلة فيهما معاً ، فلا وجه للتخصيص.
فروع :
أ - إذا استثنى جزءاً مشاعاً أو أرطالاً معيّنة فتلف من الثمرة شيء ، سقط من الثنيا بحسابه.
أمّا في الجزء المشاع : فظاهر.
وأمّا في الأرطال المعلومة : فيؤخذ منه بالحزر والتخمين ، فيقال : هل ذهب ثلث الثمرة أو نصفها؟ فيذهب من الثنيا بقدر تلك النسبة.
أمّا لو استثنى مائة رطل - مثلاً - من الثمرة وممّا(٤) يتخلّف منها ، احتمل بطلان البيع.
ب - لو استثنى نخلاتٍ بعينها أو عذقاً معيّناً من نخلة فذهب بعض
____________________
(١) سنن البيهقي ٥ : ٣٠٤ ، مسند أحمد ٤ : ٣٣٨ ، ١٤٥٠٤.
(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : فالاستثناء منه بغير حكم المشاهدة ولأنّه.
والصحيح ما أثبتناه من المغني والشرح الكبير.
(٣) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٦ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ١٠ ، الاُم ٣ : ٨٤ ، حلية العلماء ٤ : ٢٢٢ ، المغني ٤ : ٢٣١ ، الشرح الكبير ٤ : ٣٤.
(٤) في « ق » : وما.
الثمرة ، فإن كان من الثنيا ، سقط التالف. وإن كان التالف غير المستثنى ، كان المستثنى للبائع.
ج - لو قال : بعتك من هذه الصبرة قفيزاً إلّا مكّوكاً ، صحّ البيع ؛ لأنّ القفيز معلوم القدر ، والمكّوك أيضاً معلوم ، فكان الباقي معلوماً. هذا إذا علم وجود القفيز في الصبرة.
مسألة ١٧٨ : لو باع الثمرة قبل بدوّ الصلاح على شرط القطع ومطلقاً عندنا ، أو باع لقطة واحدة من القثّاء والبطّيخ وشبههما ثمّ تجدّد في النخل ثمرة اُخرى أو في اُصول الخضر ، كان المتجدّد للبائع تبعاً للأصل إذا لم يشترطه المشتري.
فإنّ تميّزت ، فلا بحث. وإن اختلطت بغيرها بحيث لا تتميّز ، فإمّا أن يكون بعد القبض أو قبله.
فإن كان بعد القبض ، كان المشتري شريكاً للبائع ، فإن علم القدر دون العين ، أخذ كلّ منهما من الثمرة بقدر الذي له من الجملة. فإن لم يعلم القدر ولا العين ، اصطلحا ، كما لو وقع طعام شخص على طعام غيره ولم يعلما قدرهما.
وإن كان قبل القبض ، تخيّر المشتري بين الفسخ والإمضاء ؛ للتعيّب في يد البائع ، فإن فسخ ، أخذ الثمن الذي دفعه. وإن أمضى البيع ، كان شريكاً : إن علما مقدار ما لكلٍّ منهما ، أخذ القدر الذي له. وإن جهلاه ، اصطلحا. وحكم ما إذا لم يتميّز البعض حكم ما إذا لم يتميّز الجميع.
وأمّا عند الشافعي : إذا امتزجت الاُولى بالثانية ولم تتميّزا ، فقولان :
أحدهما : فسخ البيع - قاله في الإملاء - لتعذّر التسليم جملةً ، فانفسخ البيع ، كما لو تلف المبيع قبل القبض.
والثاني : أنّه لا ينفسخ البيع ، فإن سلّم البائع الجميعَ إلى المشتري ، اُجبر المشتري على قبوله ، ومضى البيع. وإن امتنع ، فسخ البيع - وبه قال المزني - لأنّ المبيع زاد ، وذلك لا يوجب بطلان العقد ، كما لو طالت الشجرة أو بلغت الثمرة(١) .
والفرق ظاهر ؛ لأنّ الزيادة في الطول والبلوغ زيادة في عين المبيع فيرجع في الحقيقة إلى زيادة صفة ، فوجب عليه قبولها ، بخلاف الامتزاج ؛ فإنّه يتضمّن زيادة العين ، فلا يجب قبولها ، كما لو باع ثوباً فاختلط الثوب بآخر فدفعهما البائع ، لم يجب على المشتري قبولهما ، ولا يجبر البائع على تسليمهما ، بخلاف طول الغصن وبلوغ الثمرة ؛ فإنّه يجب على البائع تسليم الأصل والزيادة.
فروع :
أ - لو باع ما يعلم امتزاجه قبل إدراك الأوّل وعدم امتيازه ، فإن شرط القطع ، صحّ البيع قطعاً ، سواء أهمل حتى امتزج أو لا. وان لم يشترطه ، فإن قلنا ببطلان البيع على تقدير الامتزاج ، احتمل البطلان هنا حذراً من الاختلاط. والصحّة ؛ لأنّ الثمرة الآن لا موجب لفسخ البيع فيها ، والمزج مترقّب الحصول ، فلا يؤثّر في البيع السابق.
وللشافعي وجهان ، أحدهما : الأوّل. والثاني : أنّ البيع يقع موقوفاً ، فإن سمح البائع بدفع المتجدّد إلى المشتري تبيّنّا صحّة البيع. وإن لم يدفع ،
____________________
(١) مختصر المزني : ٧٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٧٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٨ - ٢٨٩ ، حلية العلماء ٤ : ٢١٩ - ٢٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥١ ، و ٣٦٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢١.
يظهر عدم انعقاده من أصله(١) .
ب - لو باع بشرط القطع أو التبقية مع ندور الاختلاط فحصل الاختلاط ، فقد قلنا : إن كان قبل القبض ، كان للمشتري الفسخُ ، ولا يبطل البيع. وإن كان بعده ، لم ينفسخ.
وللشافعيّة قولان قبل القبض :
أحدهما : الفسخ ؛ لتعذّر تسليم المبيع قبل القبض(٢) . وهو ممنوع.
والثاني : عدم الفسخ ؛ لبقاء عين المبيع ، وإمكان إمضاء البيع ، فيثبت للمشتري الخيار(٣) .
وقال بعضهم : لا خيار له ، وإنّه لا فرق بين المزج قبل القبض وبعده(٤) .
ثمّ إن قال البائع : أسمح بترك المتجدّدة ، ففي سقوط خيار المشتري وجهان :
أصحّهما عندهم : السقوط ، كما في الإعراض عن نعل الدابّة المردودة بالعيب.
والثاني : عدمه ؛ لما في قبوله من المنّة(٥) . وهو الوجه عندي.
ولو باع الثمرة قبل بدوّ الصلاح بشرط القطع ثمّ لم يتّفق القطع حتى امتزجا ، جرى القولان في الفسخ. وكذا لو باع حنطةً فانثال عليها مثلها قبل القبض ، أو المائعات(٦) .
ولو اختلط الثوب بأمثاله أو الشاة المبيعة بأمثالها ، قال بعضهم : ينفسخ البيع قطعاً ؛ لأنّه يورث الاشتباه ، وأنّه مانع من صحّة البيع لو فُرض
____________________
(١ - ٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢١.
في الابتداء ، وفي الحنطة غايته ما يلزم الإشاعة ، وهي غير مانعة(١) .
وفيه وجهٌ : أنّه لا ينفسخ ؛ لإمكان تسليمه بتسليم الجميع(٢) .
ولو باع جزّةً من القتّ والكرّاث وشبههما من المجزوزات بشرط القطع ولم يقطعها حتى طالت وتعذّر التميّز ، جرى القولان(٣) .
ومنهم مَنْ قطع بعدم الفسخ هنا ؛ تشبيهاً لطولها بكبر الثمرة وسمن الحيوان(٤) .
وفرّق الأوّلون : بأنّ الزيادة في الطلع وسمن الحيوان من نماء الطلع والحيوان ، الذي هو ملك المشتري ، فلهذا كانت له ، بخلاف طول القتّ والكرّاث ؛ لأنّها حدثت من الاُصول التي هي ملك البائع ، فكانت له ، فيجيء القولان ؛ لحصول المزج وعدم التميّز(٥) .
ج - لو حصل الامتزاج بعد القبض ، لم يبطل البيع عندنا ، وقد سبق(٦) .
وللشافعيّة طريقان :
القطع بعدم الفسخ - وهو اختيار المزني - كالحنطة إذا امتزجت باُخرى.
والثاني : أنّه على القولين في الممتزج قبل القبض ، بخلاف مسألة الحنطة ؛ لأنّ هناك قد تمّ التسليم وانقطعت العلائق بينهما ، وفي الثمار لا تنقطع ، لأنّ البائع يدخل الحائط للسقي وغيره(٧) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢١ - ٢٢٢.
(٢ - ٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢٢.
(٥) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦٣ ، وروضة الطالبين ٣ : ٢٢٢.
(٦) في ص ٣٧٤.
(٧) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢٢.
د - كلّ موضع قلنا بعدم الفسخ إن تصالحا واتّفقا على شيء ، فلا بحث. وإن تحاكما ، قدّم قول صاحب اليد في قدر حقّ الآخر. وهذا ظاهر في الحنطة وشبهها.
أمّا في الثمار فمَنْ هو صاحب اليد؟ للشافعيّة وجهان بناءً على الجائحة من ضمان البائع أو المشتري؟(١) .
ولهم وجه ثالث : أنّها في يدهما جميعاً(٢) .
والوجه أن نقول : إن كان البائع سلّم الثمرة بتسليم الأصل ، فهي في يد المشتري. وإن كانت الاُصول في يد البائع والثمرة في يد المشتري ، فهُما صاحبا يد. أمّا في صورة الحنطة فصاحب اليد هو المشتري ، فالقول قوله في قدر حقّ البائع. فإن كان المشتري قد أودع البائع الحنطة بعد القبض ثمّ حصل الاختلاط ، فالقول قول البائع في قدر حقّ المشتري.
مسألة ١٧٩ : لو باع شجرة عليها ثمرة ، فالثمرة للبائع إلاّ في طلع النخل غير المؤبّر على ما يأتي ، فإنّه للمشتري. أمّا ثمرة النخل المؤبّرة أو ثمرة غير النخل مطلقا فهي للبائع.
فإن كانت الشجرة تُثمر في السنة مرّتين ويغلب عليها التلاحق ، صحّ البيع عندنا على ما تقدّم ، ولا يخفى الحكم السابق عندنا.
وقال الشافعي : لا يصحّ البيع إلّا بشرط أن يقطع البائع ثمرته عند خوف الاختلاط(٣) . ويجيء خلافهم السابق فيما إذا كان المبيع الثمرة(٤) .
ثمّ إذا تبايعا بهذا الشرط ولم يتّفق القطع حتى حصل الاختلاط أو كانت الشجرة ممّا يندر فيها التلاحق فاتّفق ذلك ، فعندنا يبقى شريكاً
____________________
(١ - ٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢٢.
ويصطلحان.
ونقل المزني عن الشافعي قولين في الانفساخ(١) .
ولأصحاب الشافعي طريقان : فعن بعضهم : القطع بعدم الانفساخ ، وتخطئة المزني في نَقْله ؛ لأنّ الاختلاط وتعذّر التسليم لم يوجد في المبيع ، بخلاف ما إذا كان المبيع الثمار(٢) .
وأثبت الأكثرون القولين وقالوا : الاختلاط وإن لم يوجد في المبيع لكنّه وجد في المقصود بالعقد ، وهو الثمرة الحادثة ، فإنّها مقصود المشتري من الشراء للاُصول ، فجاز أن يجعل كالمبيع. فإن قلنا بعدم الانفساخ ، فإن سمح البائع بترك الثمرة القديمة ، اُجبر المشتري على القبول. وان رضي المشتري بترك الثمرة الحادثة ، اُجبر البائع على القبول ، واُقرّ العقد(٣) .
ويحتمل أن يجيء في الإجبار على القبول للشافعيّة خلاف.
وإن استمرّا على النزاع ، قال المثبتون للقولين : يفسخ العقد بينهما ، كما لو كان المبيع الثمرة.
وقال القاطعون : لا فسخ ، بل إن كانت الثمرة والشجرة في يد البائع ، فالقول قوله في قدر ما يستحقّه المشتري مع يمينه. وإن كانتا في يد المشتري ، فالقول قوله في قدر ما يستحقّه البائع ، وهو الذي يقتضيه القياس ، لأنّ الفسخ لا يفيد رفع النزاع ، لبقاء الثمرة الحادثة للمشتري.
قالوا : ولو قلنا بالفسخ ، استردّ المشتري الثمنَ وردَّ الشجرة مع جميع الثمار(٤) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦٣ ، وانظر : روضة الطالبين ٣ : ٢٢٢.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢٢.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦٣ - ٣٦٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢٢.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢٢ - ٢٢٣.
مسألة ١٨٠ : إذا ضمّ ما يملكه من الثمرة إلى غيره مملوكةً لغيره وباعهما في عقدٍ واحد ، فإن كان المشتري عالماً ، لزم البيع في نصيب البائع بحصّته من الثمن ، وكان نصيب غيره موقوفاً إن أجاز ، لزم البيع ، وإن لم يُجِزْ ، بطل في نصيبه خاصّة ، ولا خيار للمشتري هنا. وإن كان جاهلاً ، تخيّر مطلقاً ، سواء أجاز المالك أو لا ؛ لتفاوت الأغراض في الغرماء.
ويحتمل عدم الخيار فيما لو أجاز المالك ، وثبوتُه لو لم يُجِزْ ؛ لتبعّض الصفقة عليه.
ولو باع الثمرة بأجمعها وفيها الزكاة ، فإن كان المشتري عالماً وشرط البائع عليه نصيب الفقراء ، صحّ البيع. وكذا لو لم يشترط وضمن البائع حصّة الفقراء. ولو لم يضمن البائع ولا شرط الزكاة ، بطل البيع في نصيب الفقراء ، ولزمه في نصيب المالك.
وإن كان جاهلاً ، تخيّر بين أخذ حصّة المالك بحصّته من الثمن أو يردّ.
وللشافعي قولان :
أحدهما : أنّه يتخيّر المشتري بين أخذ حصّة المالك بحصّته من الثمن وبين الردّ.
والثاني : أنّه يتخيّر المشتري بين أخذ حصّة المالك بجميع الثمن أو يردّ(١) .
مسألة ١٨١ : إذا باع الثمرة واحتاجت إلى السقي ليزيد نماؤها ، وجب على البائع تمكينه من ذلك ؛ لنهيهعليهالسلام عن الضرر(٢) . فإن كان سقيها يضرّ
____________________
(١) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٣ : ٤٤ و ٤٥ ، و ٤ : ١٤٦ ، والحاوي الكبير ٥ : ٢٠٥.
(٢) الكافي ٥ : ٢٨٠ / ٤ ، و ٢٩٢ - ٢٩٣ / ٢ ، و ٢٩٤ / ٨ ، الفقيه ٣ : ٤٥ / ١٥٤ ، و ١٤٧ ، ٦٤٨ ، =
النخل ، قدّم مصلحة المشتري.
ولا يجب على البائع صاحب الاُصول في كلّ حال سقي ثمرة المشتري ؛ لأصالة براءة ذمّته ، بل التمكين منه.
وقال الشافعي : يجب على البائع سقي الثمرة قبل التخلية وبعدها قدراً تنمو به الثمار وتسلم عن التلف والفساد ؛ لأنّ التسليم واجب عليه ، والسقي من تتمّة التسليم ، كالكيل في المكيلات والوزن في الموزونات ، فيكون على البائع(١) .
ونحن نمنع كون السقي من تتمّة التسليم ؛ لأنّ التسليم هو التخلية وقد حصل ، فلا يجب عليه إنماء المبيع كغذاء الحيوان.
فروع :
أ - قد بيّنّا أنّ السقي ليس واجباً على البائع بل التمكين(٢) ، فإن مَنَعه منه حتى تلفت أو عابت ، ضمن الأرش ؛ لأنّه سبّب في الإتلاف ، والأرش في العيب هو قدر قيمة التفاوت بين كونها حالة الأخذ وكونها بالغةً حدّ الكمال إلى وقت أخذها بمجرى العادة. مثلاً : إذا باعها وهي بُسْر واحتاجت إلى سقي حتى تصير رطباً فمنعه البائع منه فلم تبلغ كماليّة الترطيب ، كان
____________________
= التهذيب ٧ : ١٤٦ - ١٤٧ / ٦٥١ ، و ١٦٤ / ٧٢٧ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٨٤ / ٢٣٤٠ و ٢٣٤١ ، سنن الدار قطني ٣ : ٧٧ / ٢٨٨ ، سنن البيهقي ٦ : ٦٩ و ٧٠ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٥٧ - ٥٨ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٢ : ٨٦ / ١٣٨٧ ، مسند أحمد ١ : ٥١٥ / ٢٨٦٢ ، و ٦ : ٤٤٦ - ٤٤٧ / ٢٢٢٧٢.
(١) الحاوي الكبير ٥ : ١٧٠ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٩.
(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : التمكّن. والصحيح ما أثبتناه.
عليه أرش التفاوت بين كونها رطباً كاملاً وناقصاً. وفي التلف يجب عليه قيمة البُسْر.
ب - لو احتاج المشتري في السقي إلى آلة ، لم يجب على البائع إقامتها. ولو كان للبائع آلة ، كدولاب ودالية ، لم يجب عليه تمكين المشتري من السقي بها. ويجيء على قول الشافعي الوجوبُ.
ج - قال الشافعي : السقي يجب على البائع ، فلو شرط على المشتري ، بطل العقد ، لأنّه خلاف مقتضاه(١) . وهو ممنوع.
مسألة ١٨٢ : لو باع الاُصول والثمرة للبائع ثمّ أراد سقيها بالماء وكان ذلك لا يضرّ النخل ، وجب على المشتري تمكينه منه ؛ لأنّه ممّا ينفع ثمرته ويُبقيها ، وكان عليه تمكينه منه كتركها على الاُصول ، وبه قال الشافعي(٢) .
ثمّ اعترض أصحابه على أنفسهم بأنّ البائع لو باع الثمرة بعد بدوّ صلاحها وعطشت ، وجب على البائع سقيها عندهم ؛ لأنّه صاحب الاُصول ، فألّا قلتم هنا : يجب السقي على المشتري ؛ لأنّه صاحب الاُصول؟
والجواب : أنّهم لم يقولوا : إنّه يجب عليه السقي ؛ لأنّه صاحب الاُصول ، بل وجب عليه السقي ؛ لأنّه يجب عليه تسليم الثمرة كاملةً ، وذلك إنّما يكون بالسقي ، وهنا لم يلزمه تسليم الثمرة ولم يملكها من جهته(٣) .
وإن كان السقي ينفعهما معاً ، لم يكن لأحدهما منع الآخر منه. وإن كان يضرّهما معاً ، لم يكن لأحدهما السقي إلّا برضا الآخر.
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٥ - ٣٨٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٩.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٨.
(٣) لم نعثر عليه في مظانّه.
وأمّا إن كان السقي يضرّ بالاُصول ، فإن استغنت الثمرة عنه ، مُنع صاحب الثمرة منه.
وإن استضرّت الثمرة بتركه ، أو كان المشتري يريد سقي الاُصول ؛ لحاجتها إليه وكان ذلك يضرّ بالثمرة ، قال بعض الشافعيّة : إن رضي أحدهما بإدخال الضرر عليه ، أقرّ العقد بينهما. وإن لم يرض واحد منهما ، فسخ العقد ؛ لتعذّر إمضائه إلّا بضرر أحدهما(١) .
وقال بعضهم : أيّهما احتاج إلى السقي ، اُجبر الآخر عليه وإن أضرّ به ؛ لأنّه دخل معه في العقد على ذلك ؛ لأنّ مشتري الاُصول اقتضى عقده تبقية الثمرة ، والسقي من تبقيتها ، والبائع اقتضى العقد في حقّه تمكين المشتري من حفظها وتسلّمها ، ويلزم كلّ واحد منهما ما أوجبه العقد للآخر وإن أضرّ به(٢) .
إذا تقرّر هذا ، فإنّما له أن يسقي القدر الذي له فيه صلاحه ، فإن اختلفا في ذلك ، رجع إلى أهل الخبرة ، فما احتاج إليه اُجبر عليه ، وأيّهما طلب السقي ، فالمؤونة عليه ؛ لأنّه لحاجته.
تذنيب : لو كانت الثمرة مؤبَّرةً ، فهي للبائع. فإن عطشت وتعذّر سقيها فطالبه المشتري بقطعها ، لتضرّر الاُصول ببقائها عليها ، فإن كان الضرر يسيراً ، لم يلزمه القطع. وان كان كثيراً يخاف من جفاف النخل أو نقصان حملها ، اُجبر المشتري على تركه - وهو أحد قولي الشافعي(٣) - لأنّه
____________________
(١ و ٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٧ - ٢٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٥.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٧ ، حلية العلماء ٤ : ٢١٠ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧١ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٧٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٤.
دخل في العقد على ذلك.
والثاني له : يُجبر البائع على قطعها ؛ لأنّ الضرر يلحقها وإن بقيت ، والاُصول تسلم بقطعها. ولأنّ ضرر الاُصول أكثر لتعذّر أمثال الثمرة في المستقبل بذلك(١) . وهذا القول لا بأس به عندي.
مسألة ١٨٣ : إذا(٢) باع الأصل خاصّةً وعليه ثمرة ظاهرة ، فالثمرة للبائع ، والأصل للمشتري في غير النخل ، وفيه مع التأبير أو اشتراطه ، وللمشتري مع عدمه ، ولا يجب على البائع قلع الثمرة مع الإطلاق ، بل يجب على المشتري تبقيتها إلى أوان الجذاذ - وبه قال مالك وأحمد والشافعي(٣) - لأنّ النقل والتفريغ إنّما يجب بحسب العادة والعرف ؛ فإنّ بائع الدار يجب عليه نقل الأقمشة والأطعمة على حسب العرف نهاراً لا ليلاً شيئاً بعد شيء ، كذا هنا تفريغ النخل من الثمرة إنّما يكون في أوان تفريغها في العادة ، وهو وقت الجذاذ.
وقال أبو حنيفة : يلزمه قطعها في الحال وتفريغ النخل ؛ لأنّ المبيع مشغول بملك البائع ، فلزمه(٤) نقله وتفريغه ، كما لو باع داراً فيها قماش(٥) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٧ ، حلية العلماء ٤ : ٢١٠ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧١ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٧٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٤.
(٢) في الطبعة الحجريّة : « لو » بدل « إذا ».
(٣) المغني ٤ : ٢٠٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٠٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٧ ، حلية العلماء ٤ : ٢٠٩ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٤.
(٤) في الطبعة الحجريّة : فيلزمه.
(٥) المغني ٤ : ٢٠٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٠٦ - ٢٠٧ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٥ ، حلية العلماء ٤ : ٢٠٩ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٤.
والجواب ما تقدّم.
فروع :
أ - لو شرط قطع الثمرة في الحال ، وجب على البائع قطعها في الحال ؛ عملا بـ « الشروط » وقد قالعليهالسلام : « المؤمنون عند شروطهم »(١) .
ب - لو شرط الإبقاء ، صحّ عندنا ؛ لأنّه مقتضى البيع على الإطلاق ، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد(٢) .
وقال أبو حنيفة : يفسد البيع(٣) . وليس بجيّد.
ج - المرجع في وقت القطع إلى العادة ، فما كانت العادة فيه أن يقطع قبل نضجه كالمكتوم يؤخذ بُسْراً ، كلّف البائع القطع بمجرى العادة ، ولا يكلّفه قطع الجميع إذا لم يتّفق بيعه دفعة. وإذا جاء وقت الجذاذ ، لم يمكّن من أخذها على التدريج ، ولا أن يؤخّر إلى نهاية النضج ، بل يؤخذ بالعادة في ذلك كلّه. هذا مع الإطلاق ، وأمّا مع الشرط فبحسبه.
د - لو تعذّر السقي ؛ لانقطاع الماء ، أو تعذّر الآلة وعظم ضرر النخل ولم يكن في الإبقاء منفعة لصاحب الثمرة ، فالأقوى عندي : إلزام صاحب الثمرة بقطعها على ما تقدّم.
وللشافعي قولان تقدّما(٤) .
ه- لو أصاب الثمار آفة ولم يكن في إبقائها فائدة ، فإن لم يتضرّر
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٣٧١ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٢٣٢ / ٨٣٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ٣٣.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٦ ، المغني ٤ : ٢٠٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٠٦.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٤.
(٤) في ص ٣٨٣ ، تذنيب المسألة ١٨٢.
صاحب النخل ، كان لصاحب الثمرة الإبقاء ؛ عملاً بالإطلاق ، وانتفاء الضرر. وإن كان يتضرّر، فالأقوى : إلزامه بالقطع ؛ دفعاً للضرر مع انتفاء الفائدة.
وللشافعي قولان(١) .
و - لو احتاج صاحب الثمرة إلى السقي ، وجب على صاحب الأصل تمكينه منه مع انتفاء ضرره على ما تقدّم ، ومن الدخول إلى البستان لذلك ، فإن لم يأمنه ، نصب الحاكم أميناً للسقي ، ومؤونته على البائع.
ويحتمل تمكين البائع من السقي ، وعلى المشتري مراقبته. وهو الوجه عندي.
ز - لو لم يسق البائع وتضرّر المشتري ببقاء الثمار ، لامتصاصها رطوبة الأشجار ، أجبر البائع على السقي أو القطع ، فإن تعذّر السقي ، لانقطاع الماء ، فالاحتمالان السابقان.
ح - لو قضت العادة بأخذ بعض الثمرة بُسْراً والباقي رطباً ، وجب اتّباعها. ولو قضت بأخذها كلّها بُسْراً ، فعليه نقلها. ولو أراد إبقاءها ليأخذها شيئاً فشيئاً ليكون أنفع له ، لم يكن له ذلك ، بل يأخذها وينقلها عند إمكان نقلها. وإذا استحكمت حلاوته ، فعليه نقله. ولو قضت العادة بأخذها تمرا أو قَسْباً(١) ، اتّبعت العادة.
ط - لو كان النخل ممّا يعتاد التخفيف منه بقطع بعض ثمرته وباع الأصل واستثنى الثمرة أو باع الثمرة خاصّة ، لم يجب التخفيف هنا ؛ عملاً بأصالة سلامة الملك على مالكه ، فليس لغيره التصرّف فيه بشيء.
____________________
(١) الوسيط ٣ : ١٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٤.
(٢) القَسْب : التمر اليابس يتفتّت في الفم. لسان العرب ١ : ٦٧٢ « قسب ».
ولو باع الثمرة واشترط تخفيفها ، احتمل بطلان البيع ؛ لجهالة الباقي من المبيع.
والوجه : الصحّة ؛ لأنّ المبيع غير مجهول ، أقصى ما في الباب أنّه شرط قطع البعض ، فيبني في ذلك على العادة.
أمّا لو باع الثمرة ، فالوجه : أنّه لا يجب على المشتري تخفيفها ، سواء تضرّر النخل أو الثمرة أو لا.
ي - لو باع الأصل دون الثمرة وكانت عادة اُولئك القوم قطع الثمار قبل إدراكها ، كما لو كان الكَرْم في البلاد الشديدة البرد لا تنتهي ثمارها إلى الحلاوة واعتاد أهلها قطع الحِصْرم ، ففي إلحاق العرف الخاصّ بالعامّ نظر : من حيث إنّ إطلاق العقد يُحمل على المعتاد ، فيكون المعهود كالمشروط ، ومن حيث إنّ تواطؤ قوم معيّنين ليس حجّةً ، بخلاف العادة العامّة الثابتة في زمان النبيّصلىاللهعليهوآله .
يأ - لو تبايعا بشرط القطع ، وجب الوفاء به ، فإن تراضيا على الترك ، جاز ، فكان بدوّ الصلاح بمنزلة كبر العبد الصغير.
وقال أحمد : يبطل البيع ، وتعود الثمرة إلى البائع(١) . ولا وجه له.
مسألة ١٨٤ : ولا فرق بين الثمرة وغيرها من المبيعات ، فلو اشترى ثمرةً بعد بدوّ صلاحها أو قبله بشرط القطع أو مطلقاً على ما اخترناه ، وبالجملة ، على وجه يصحّ البيع فتلفت ، فإن كان التلف قبل القبض ، فهو من ضمان البائع ، وانفسخ العقد. ولو تلف البعض ، انفسخ فيه خاصّة ، وتخيّر المشتري في أخذ الباقي بحصّته ، وفي الفسخ فيه أيضاً.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٧.
وإن كان ذلك بعد القبض - وهو التخلية بين المشتري وبينها - فهي من ضمان المشتري - ولا فرق بين أن يكون التلف بأمرٍ سماوي ، كالريح والثلج والبرد ، أو بغير سماوي ، كالسرقة والحريق ، ولا بين أن يكون التالف أقلّ من الثلث أو أكثر - وبه قال أبو حنيفة ، وهو الجديد من قولي الشافعي(١) ؛ لأنّ امرأة أتت النبيّصلىاللهعليهوآله ، فقالت : إنّ ابني اشترى ثمرةً من فلان ، فأَذْهَبَتْها الجائحةُ ، فسأله أن يضع عنه ، فتألّى(٢) أن لا يفعل ، فقالعليهالسلام : « تألّى فلان أن لا يفعل خيراً»(٣) ولو كان ذلك واجباً عليه ، لأجبره عليه.
ولأنّ التخلية يتعلّق بها جواز التصرّف فيغلب الضمان ، كالنقل والتحويل.
وقال في القديم : إذا تلفت بعد القبض ، فهي من ضمان البائع أيضاً - فإن تلفت كلّها ، انفسخ العقد. وإن تلف بعضها ، انفسخ فيه. وهل ينفسخ في الباقي؟ مبنيّ على قولي تفريق الصفقة - لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أمر بوضع الجوائح ، ونهى عن بيع السنين(٤) .
ولأنّ التخلية ليست بقبض صحيح ، ولهذا لو عطشت الثمرة ، كان من ضمان البائع إذا تلفت(٥) .
____________________
(١) المغني ٤ : ٢٣٣ - ٢٣٤ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٧١ - ٢٧٢ ، الوجيز ١ : ١٥١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٩ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٩٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٩.
(٢) أي : حلف ، مشتقّ من الألية ، وهي اليمين.
(٣) الموطّأ ٢ : ٦٢١ ، ١٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٠٥ ، مسند أحمد ٧ : ٢٥٢ ، ٢٤٢٢١ ، المغني ٤ : ٢٣٤ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٧٢ - ٢٧٣.
(٤) سنن الدار قطني ٣ : ٣١ ، ١١٨ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٠٦.
(٥) الوجيز ١ : ١٥١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٩ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٩٣ ، =
وقال مالك : إن كان التالف أقلّ من الثلث ، كان من ضمان المشتري.
وإن كان قدر الثلث فما زاد ، كان من ضمان البائع ؛ لأنّ الثمرة لا بدّ وأن يأكل منها الطائر ويسقط منها الريح ، فلم يكن بدّ من حدّ فاصل بين ذلك وبين الجائحة ، فقدّر بما دون الثلث(١) .
وقال أحمد : إن تلفت بأمر سماويّ ، كان من ضمان البائع. وإن تلفت بنهب أو سرقة ، كان من ضمان المشتري ؛ لأنّ ما يتلفه الآدمي يرجع إلى بدله منه ، فلهذا كان من ضمانه ، بخلاف الجائحة(٢) .
والجواب : أنّ الحديث استضعفه الشافعي(٣) ، فلا يجوز أن يحتجّ به.
ويحتمل أن يكون أراد بذلك في بيع السنين ، أو قال ذلك ندباً لا واجباً.
والتخلية قبض صحيح ؛ لأنّه يتعلّق بها جواز التصرّف ، ولا يمكن نقلها ، فأشبهت العقار.
وأمّا عطش الثمرة فيُمنع أنّه من ضمان البائع. ولو قلنا به ، فهو مبنيّ على قوله : إنّ العقد يقتضي أن يكون سقيها على البائع ، كما اقتضى تركها على الاُصول إلى أوان الجذاذ ، فإن عجز عن تسليم الماء ، ثبت للمشتري
____________________
= روضة الطالبين ٣ : ٢١٩ ، المغني ٤ : ٢٣٣ - ٢٣٤ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٧١ و ٢٧٣ و ٢٧٦ - ٢٧٧.
(١) الكافي في فقه أهل المدينة : ٣٣٤ ، المغني ٤ : ٢٣٤ - ٢٣٥ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٨١ - ٢٨٣ ، حلية العلماء ٤ : ٣٤٥ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢٠٥ - ٢٠٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦٠.
(٢) حلية العلماء ٤ : ٣٤٥ ، وانظر : المغني ٤ : ٢٣٣ - ٢٣٤ ، والشرح الكبير ٤ : ٢٧١ و ٢٧٨ - ٢٨٠.
(٣) المغني ٤ : ٢٣٤ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٧٤ - ٢٧٥.
الخيار.
وقول مالك ليس بصحيح ؛ لأنّ ما يأكله الطير لا يؤثّر في العادة ولا يبلغ ما حدَّه به إلّا أن يقع عليه الجذاذ ، فيكون ذلك من جملة الجوائح.
وينتقض ما قاله أحمد بالعبد إذا مات في يد البائع أو قتل ، فإنّهما سواء وإن كان يرجع في أحدهما إلى الضمان.
فروع :
أ - لو تلفت الثمرة بعد التخلية وبلوغ أوان الجذاذ وإمكانه من المشتري ، فعلى ما قلناه الضمان على المشتري ؛ لأنّا نوجبه عليه وإن لم يبلغ أوان الجذاذ فمع بلوغه وإمكان الجذاذ منه يكون أولى. وكذا على جديد الشافعي(١) .
وعلى قديمه قولان :
أحدهما : أنّه يكون من ضمان البائع أيضاً ؛ لأنّ الآفة أصابته قبل نقله فكان كما لو أصابته قبل أوان الجذاذ. ولأنّ التسليم لا يتمّ ما دامت الثمار متّصلة بملك البائع.
والثاني : أنّها من ضمان المشتري ؛ لأنّه بتركه(٢) النقل مع قدرته عليه يكون مفرّطاً ، فانتقل الضمان إليه. ولانقطاع العلقة بينهما ؛ إذ لا يجب السقي على البائع حينئذٍ(٣) .
____________________
(١) الحاوي الكبير ٥ : ٢٠٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٩ ، حلية العلماء ٤ : ٣٤٤ و ٣٤٦.
(٢) في الطبعة الحجريّة : بترك.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦٠ ، حلية العلماء ٤ : ٣٤٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٩.
ب - لو تلف بعض الثمار ، فكالكلّ ، إلّا أن يتلف قبل التخلية ، فإنّه يثبت للمشتري الخيار في التسليم.
ولو عابت الثمار بالجائحة ولم تتلف ، فإن كان بعد التخلية ، فلا خيار للمشتري ، وهو جديد الشافعي(١) . وعلى قديمه يكون له الخيار(٢) .
وإن كان قبلها ، فمن ضمان البائع.
ج - لو ضاعت الثمار بغصبٍ أو سرقة ، فإن كان قبل التخلية ، فمن ضمان البائع. وإن كان بعدها ، فمن المشتري.
وللشافعي قولان :
أحدهما : أنّها من ضمان البائع ؛ لأنّ التسليم لا يتمّ بالتخلية ، على القديم.
والثاني : أنّها من ضمان المشتري ، على القديم أيضاً ؛ لتمكّنه من الاحتراز عنه بنصب الحفاظ. ولأنّ الرجوع على الجاني بالضمان يتيسّر(٣) .
د - لو اختلفا في الجائحة أو في قدرها ، فالقول قول البائع - وبه قال الشافعي(٤) - لأنّ الثمن قد لزم بالبيع ، والأصل أن لا جائحة.
ه- إذا لم يُمكّن البائعُ المشتريَ من السقي أو لم يسقه عند مَنْ أوجب السقي عليه ، أو شرطه عند مَنْ لا يوجبه وأخلّ به وعرض في الثمار آفة بسبب العطش ، فإن تلفت ، وجب على البائع الضمان ، لأنّه سبب في الإتلاف.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٩ ، المغني ٤ : ٢٣٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦٠ ، حلية العلماء ٤ : ٣٤٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢٠.
(٤) روضة الطالبين ٣ : ٢٢٠.
وللشافعيّة طريقان :
أحدهما : أنّ في انفساخ البيع قولين.
وأصحّهما : القطع بالفسخ ؛ لأنّ استحقاق السقي بالعقد قبل التخلية ، وما يستند إلى سبب سابق على القبض فهو بمنزلة ما لو سبق بنفسه. وعلى تقدير عدم الفسخ فعلى البائع الضمان للقيمة أو المثل ، وإنّما يجب ضمان ما تلف ، ولا ينظر إلى ما كان ينتهي إليه لو لا العارض(١) .
ولو تعيّبت ولم تفسد ، تخيّر المشتري وإن جعلنا الجائحة من ضمانه ؛ لأنّ الشرع ألزم البائع تنمية الثمار بالسقي إمّا بالشرط عندنا أو مطلقاً عند الشافعي(٢) ، فالعيب الحادث بترك السقي كالعيب المتقدّم على القبض.
ولو أفضى التعيّب إلى تلفه ، نُظر إن لم يشعر به المشتري حتى تلف ، عاد البحث في الانفساخ ، ولزم الضمان على البائع إن قلنا بعدم الفسخ ، ولا خيار بعد التلف.
وإن شعر به ولم يفسخ حتى تلف ، فوجهان : أحدهما : يغرم البائع ، لعدوانه. وعدمه ، لتقصير المشتري بترك الفسخ مع القدرة عليه(٣) .
و - لو باع الأصل والثمرة معاً فتلفت الثمرة بجائحة قبل التخلية ، بطل العقد فيها ، ويتخيّر المشتري في الأشجار مع إمضاء البيع بقدر حصّتها من الثمن ، وفسخ البيع فيها أيضاً.
وللشافعي في بطلان بيع الاُصول قولان(٤) .
____________________
(١ - ٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢٠.
وإن تلفت بعد التخلية ، فهي من ضمان المشتري عندنا وعند الشافعي(١) أيضاً قولاً واحداً ؛ لانقطاع العلائق هنا ، والثمرة متّصلة بملك المشتري.
ز - لو اشترى طعاماً مكايلةً وقبضه جزافاً فهلك في يده ، فهو من ضمان المشتري ؛ لحصول القبض. وإن جعلنا الكيل شرطاً فيه ، فالأقرب أنّه من ضمان البائع.
وللشافعي وجهان ؛ لبقاء الكيل بينهما(٢) .
ح - ليس للبائع تكليف مشتري الثمرة قطعها قبل بدوّ صلاحها إلّا أن يشرطه ، بل يجب عليه تبقيتها إلى أوان أخذها عرفاً بالنسبة إلى جنس الثمرة ، فما قضت العادة بأخذه بُسْراً اقتصر عليه ، وما قضت بأخذه رطباً أو قسْباً اُخّر إلى وقته. وكذا لو باع الأصل واستثنى الثمرة وأطلق ، وجب على المشتري إبقاؤها.
ط - لو أتلف الثمرة أجنبيّ قبل التخلية ، تخيّر المشتري بين فسخ البيع وإلزام المـُتلف. والأقرب : إلحاق البائع به ، فيتخيّر المشتري بين فسخ البيع وإلزام البائع بالمثل ، أو القيمة ، سواء زادت عن الثمن المسمّى المدفوع إلى البائع أو نقصت عنه.
ولو تلفت المشتري ، فكالقبض يكون من ضمانه.
مسألة ١٨٥ : يجوز بيع الثمرة بجميع العروض والأثمان إلّا بالثمرة ، وهي المزابنة ، وبيع الزرع كذلك إلّا بالحبّ ، وهي المحاقلة ، هذا هو المشهور من تفسير المحاقلة والمزابنة.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٦١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٢٠.
والمحاقلة مأخوذة من الحَقْل ، وهي الساحة التي تزرع ، سُمّيت محاقلةً ؛ لتعلّقها بزرع في حقل. والمزابنة مأخوذة من الزَّبْن ، وهو الدفع ، سُمّيت بذلك ؛ لأنّها مبنيّة على التخمين ، والغبن فيها ممّا يكثر فيريد المغبون دفعه والغابن إمضاءه فيتدافعان.
والأصل في تحريم المحاقلة والمزابنة النصُّ.
روى جابر أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن المحاقلة والمزابنة.
فالمحاقلة : أن يبيع الرجل الزرع بمائة فَرْقٍ(١) من حنطة. والمزابنة : أن يبيع الثمرة بمائة فرق من تمر(٢) .
وهذا التفسير إن كان من النبيّصلىاللهعليهوآله ، فذاك. وإن كان من الراوي ، فهو أعرف بتفسير ما رواه.
ولأنّه مجهول المقدار بِيع بجنسه وهُما ربويّان فلم يصحّ ؛ لجواز زيادة أحدهما على صاحبه ، بل هو الغالب ؛ لندور التساوي.
مسألة ١٨٦ : قد عرفت أنّ المحاقلة هي بيع الحنطة في سنبلها بالحنطة الصافية على وجه الأرض ، والمزابنة : بيع الرطب على رأس النخل بالتمر على وجه الأرض ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد(٣) .
وقال مالك : المحاقلة إكراء الأرض ببعض ما يخرج منها من الثلث أو
____________________
(١) الفرق : مكيال ضخم لأهل المدينة ، معروف. لسان العرب ١٠ : ٣٠٥ « فرق ».
(٢) مختصر المزني : ٨١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٤ - ٣٥٥ ، وفي سنن ابن ماجة ٢ : ٧٦٢ / ٢٢٨٦ ، وسنن النسائي ٧ : ٣٧ ، وسنن البيهقي ٥ : ٣٠٧ ، بدون التفسير.
(٣) الوجيز ١ : ١٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٤ ، حلية العلماء ٤ : ٣٤٨ و ٣٥٢ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٩٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢١٢ ، المجموع ٩ : ٣٠٩ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٩٤ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٤٤ ، المغني ٤ : ٢٠١ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٥.
الربع أو غيرهما(١) . ونُقل عنه أيضاً ما يقاربه ، وهو أنّ المحاقلة إكراء الأرض للزرع بالحبّ(٢) ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن المحاقلة والمزابنة ، والمحاقلة : كراء الأرض(٣) .
وذكر ابن المنذر في بعض ألفاظه : والمحاقلة استكراء الأرض بالحنطة(٤) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ إكراء الأرض بالحنطة إنّما هو بذل الحنطة في مقابلة المنفعة ، والمنفعة ليست بحنطة. وإذا باع السنبل بالحنطة ، فقد باع حنطةً بحنطة مع الجهالة بالتساوي ، وهو غير جائز.
والمزابنة هي ضمان الصُّبْرة بقدر معلوم بأن يقول الشخص لغيره في صُبْرة مشاهدة : ضمنت لك صُبْرتك هذه بمائة قفيز ، فيقول المالك : هي أقلّ من ذلك ، فيقول لمالكها : يكال الآن إن زاد فلي ، وإن نقص فعليَّ.
وهذا ليس عقداً وإنّما هو قمار. والقصد النهي عن عقده ، فالمشهور ما تقدّم.
مسألة ١٨٧ : هل يشترط في المحاقلة والمزابنة اتّحاد الثمن والمثمن أم لا؟
قيل : نعم(٥) . فيكون النهي متناولاً لبيع الحنطة الثابتة في السنابل
____________________
(١) بداية المجتهد ٢ : ٢٢٢ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٣١٦ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٥.
(٢) كما في الخلاف - للشيخ الطوسي - ٣ : ٩٤ ، المسألة ١٥٢.
(٣) صحيح مسلم ٣ : ١١٧٩ /١٥٤٦ ، سنن الدار قطني ٣ : ٧٥ - ٧٦ / ٢٨٥ ، مسند أحمد ٣ : ٣٦٥ / ١١١٨٣.
(٤) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر ، وفي المغني - لابن قدامة - ٤ : ٢٩٨ نقله عن أبي سعيد.
(٥) قال به الشيخ الطوسي في النهاية : ٤١٦.
بحبٍّ منها معيّن المقدار. ولبيع ثمرة النخل ، الثابتة عليها بثمرة منها ، فيجوز بيع كلّ منهما بتمر موضوع على الأرض من غير تلك الثمرة ، وبحبٍّ موضوع على الأرض من غير تلك السنابل ؛ للأصل.
ولما رواه يعقوب بن شعيب عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجلين يكون بينهما النخل ، فيقول أحدهما لصاحبه : [ اختر ] إمّا أن تأخذ هذا النخل بكذا وكذا كيلاً مسمّى وتعطيني نصف هذا الكيل زاد أو نقص ، وإمّا أن آخذه أنا بذلك وأردّ عليك ، قال : « لا بأس »(١) .
وفي الحسن عن الحلبي عن الصادقعليهالسلام في رجل قال لآخر : بعني ثمرة نخلك هذا الذي فيها بقفيزين من تمر أو أقلّ أو أكثر يسمّي ما شاء فباعه ، فقال : « لا بأس به »(٢) .
وقال بعض(٣) علمائنا : لا يشترط ذلك ، بل يحرم بيع الزرع بالحنطة الموضوعة على الأرض وبيع الثمرة في النخلة بالتمر الموضوع على الأرض - وبه قال الشافعي(٤) - حذراً من الربا ، لأنّ كلّ واحد منهما بيع مال الربا بجنسه(٥) من غير تحقّق المساواة في المعيار(٦) الشرعي ؛ لأنّ المعتاد فيهما الكيل ، ولا يمكن كيل الحنطة في السنابل ولا الثمرة على رأس النخل.
والتخمين بالخرص لا يغني ، كما لو كان كلّ واحد منهما على وجه الأرض.
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٩١ / ٣٨٩ ، وما بين المعقوفين من المصدر.
(٢) الكافي ٥ : ١٧٦ - ١٧٧ / ١٠ ، التهذيب ٧ : ٨٩ / ٣٧٩ ، الاستبصار ٣ : ٩١ / ٣١٠.
(٣) ابن إدريس في السرائر ٢ : ٣٦٧.
(٤) الاُم ٣ : ٦٢ - ٦٣ ، الوجيز ١ : ١٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٥ ، حلية العلماء ٤ : ٣٤٨ و ٣٥٢.
(٥) في الطبعة الحجريّة : من جنسه.
(٦) في « ق ، ك» : العيار.
ونمنع الربا ؛ لأنّه لا يثبت إلّا في المكيل أو الموزون ، ولا شيء من الثمرة على رأس(١) النخل ولا من الزرع في السنابل بمكيل أو موزون.
وقد روى ابن رباط عن أبي الصباح الكناني قال : سمعت الصادقَعليهالسلام يقول : « إنّ رجلاً كان له على رجل خمسة عشر وسقاً من تمر وكان له نخل فقال له : خذ ما في نخلي بتمرك ، فأبى أن يقبل ، فأتى النبيّصلىاللهعليهوآله ، فقال : يا رسول الله إنّ لفلان عليَّ خمسة عشر وسقاً من تمر ، فكلّمه يأخذ ما في نخلي بتمره ، فبعث النبيّصلىاللهعليهوآله ، فقال : يا فلان خُذْ ما في نخله بتمرك ، فقال : يا رسول الله لا يفي وأبى أن يفعل ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لصاحب النخل : اجذذ نخلك ، فجذّه فكال له خمسة عشر وسقاً » فأخبرني بعض أصحابنا عن ابن رباط ولا أعلم إلّا أنّي قد سمعته منه أنّ أبا عبد الله الصادقعليهالسلام قال : « إنّ ربيعة الرأي لمـّا بلغه هذا عن النبيّصلىاللهعليهوآله قال : هذا ربا ، قلت : أشهد بالله إنّه من الكاذبين ، قال : صدقت »(٢) .
فروع :
أ - لو اختلف الجنس ، جاز البيع إجماعاً ، كأن يبيع الشعير في سنبله بالدخن الموضوع على الأرض ، أو ثمرة النخل فيها بعنبٍ أو زبيبٍ موضوع على الأرض.
واشترط الشافعي التقابض هنا بالنقل لما على وجه الأرض ، وبالتخلية فيما على الشجر(٣) . وهو بناءً على مذهبه من وجوب التقابض في
____________________
(١) في « ق ، ك » : رؤوس.
(٢) التهذيب ٧ : ٩١ - ٩٢ / ٣٩٠ ، الاستبصار ٣ : ٩٢ / ٣١٢.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٥.
الربويّات مع اختلاف الجنس ، وقد سلف بحثه(١) .
ب - إن جعلنا العلّة في المحاقلة والمزابنة الربا ، لم يجز بيع غير النخل والزرع بجنسه الموضوع على الأرض ، فلا يجوز بيع العنب في أصله بزبيب أو عنب موضوع على الأرض ، وكذا غيره من الفواكه ، ولا بيع الدخن في سنبله بحبِّ دخن موضوع على الأرض ؛ عملاً بتعميم الحكم عند تعميم علّته. وإن لم نجعل العلّة ذلك ، جاز جميع ذلك.
ج - الحنطة والشعير عندنا أنّهما جنس واحد في الربا على ما تقدّم(٢) ، خلافاً للشافعي(٣) . فعلى أصلنا هذا إذا جعلنا العلّة الربا ، لم يجز بيع الحنطة في السنبل بالشعير الموضوع على الأرض وبالعكس ، وإلّا جاز.
د - في أكثر تفاسير المحاقلة أنّها بيع الحنطة في السنبل بحنطة إمّا منها أو من غيرها على ما تقدّم ، فهل يدخل فيه الشعير الثابت في سنبله بالشعير المصفّى؟ إن جعلناه من جنس الحنطة أو قلنا : العلّة الربا ، شمل التحريم ، وإلّا فلا ؛ لكن لا يكون محاقلةً إن لم يكن من الجنس وإن قلنا بالتحريم لعلّة الربا فيه.
أمّا غير الشعير والحنطة كالدخن يباع في سنبله بحبٍّ مصفّى إمّا منه أو من غيره ، والذرّة والاُرز وغير ذلك من أنواع الزرع فهل يكون محاقلةً؟
في بعض ألفاظ علمائنا أنّ المحاقلة هي بيع الزرع بالحبّ من جنسه(٤) ، فيكون ذلك كلّه محاقلةً. وإن لم نجعل ذلك محاقلةً بل خصّصنا اسم
____________________
(١) في ص ١٤٧ ، الفرع ( ه ) من المسألة ٧٧.
(٢) في ص ١٤٨ ، المسألة ٧٨.
(٣) الاُمّ ٣ : ٣١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٩ ، الحاوي الكبير ٥ : ١١٠ ، بداية المجتهد ٢ : ١٣٥ ، المحلّى ٨ : ٤٩٢ ، المغني ٤ : ١٥١ ، الشرح الكبير ٤ : ١٤٩.
(٤) كشف الرموز ١ : ٥٠٦ - ٥٠٧ ، وكما في شرائع الإسلام ٢ : ٥٤.
المحاقلة بالحنطة ، هل يثبت التحريم؟ إن جعلنا العلّة في الحنطة الربا ، ثبت هنا ، وإلّا فلا.
أمّا الثمرة فالمشهور اختصاص المزابنة بثمرة النخل منها دون غيرها ، لكن في التحريم إن جعلناه معلّلاً بالربا ، ثبت في غير النخل ، وإلّا فلا.
ه- لو باع الزرع قبل ظهور الحبّ بالحبّ ، فلا بأس - وبه قال الشافعي(١) - لأنّه حشيش ، وهو غير مطعوم ولا مكيل ، سواء تساويا جنساً أو اختلفا. ولا يشترط التقابض في الحال.
و - قد بيّنّا أنّ بيع الصُّبْرة باطل إلّا مع العلم بقدرها ، فلو باع صُبْرةً باُخرى مجهولتين من جنسٍ واحد ، لم يجز مطلقاً عندنا على ما تقدّم(٢) .
وقال الشافعي : إن أطلقا البيع ، لم يجز ؛ لأنّ التساوي شرط ، والجهل به كالعلم بالتفاضل ، فيكون البيع باطلاً.
وإن قال : بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة كيلاً بكيل أو مِثْلاً بمِثْل ، فإن كِيلتا وتساويتا ، صحّ البيع. وإن تفاوتتا ، فقولان ، أحدهما : الفساد ؛ لتفاضلهما. والثاني : الصحّة ، ويأخذ بقدر صُبْرته.
وإن اختلف الجنس وأطلقا ، صحّ البيع. وإن شرطا التساوي ، فإن خرجتا متساويتين ، صحّ البيع. وإن تفاضلتا ، قيل للّذي له الفضل : أترضى بتسليمه؟ فإن أجاب ، لزم البيع. وإن أبى ، قيل للآخر : أتأخذ بقدر صُبْرتك؟ فإن رضي ، لزم البيع. وإن أبى ، فسخ العقد بينهما(٣) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٥ ، المجموع ٩ : ٣٠٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٧.
(٢) في ص ٧٤ ، المسألة ٤٥ ، وص ٨٠ ، الفرع ( ه ) من المسألة ٤٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٣ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٠٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٢ ، المغني ٤ : ١٤٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٤٨.
وهذا عندنا كلّه باطل ؛ لما تقدّم.
مسألة ١٨٨ : واستثني من المزابنة العرايا ، وهي جمع عريّة ، والعريّة : النخلة تكون في دار الإنسان أو في بستانه ، فيباع ثمرتها رطباً بخرصها تمراً كيلاً ، فلا تجوز العرايا في أكثر من نخلة واحدة في عقدٍ واحد.
والشافعي أطلق الجواز في بيع العرايا ، وهو أن يبيع الرطب على رؤوس النخل بخرصه تمراً فيما دون خمسة أوسق ، سواء تعدّدت النخلة أو اتّحدت. ولا يجوز عنده فيما زاد على خمسة أوسق قولاً واحداً. وفي خمسة أوسق قولان - وبه قال أحمد - لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله رخّص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق(١) . الشكّ من الراوي(٢) .
وقال أبو حنيفة : لا يجوز بيع العرايا مطلقاً بحال البتّة ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن المزابنة(٣) . وهي بيع التمر بالتمر كيلاً ، وبيع العنب بالزبيب كيلاً. ولأنّه لا يجوز فيما زاد على خمسة أوسق كذلك في خمسة أوسق ، كما لو كان على وجه الأرض(٤) .
____________________
(١) صحيح البخاري ٣ : ٩٩ ، صحيح مسلم ٣ : ١١٧١ / ١٥٤١ ، سنن أبي داود ٣ : ٢٥٢ / ٣٣٦٤ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٩٥ / ١٣٠١ ، سنن البيهقي ٥ : ٣١١ ، الموطّأ ٢ : ٦٢٠ / ١٤.
(٢) الوجيز ١ : ١٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٧ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٠١ ، حلية العلماء ٤ : ١٧٤ - ١٧٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢١٦ ، المغني ٤ : ١٩٦ - ١٩٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٥ - ١٦٦.
(٣) صحيح مسلم ٣ : ١١٧١ / ١٥٤٢ ، الموطّأ ٢ : ٦٢٤ - ٦٢٥ / ٢٣ - ٢٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٦٢ / ٢٢٦٦ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٩٤ / ١٣٠٠ ، سنن النسائي ٧ : ٣٧ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٠٧.
(٤) حلية العلماء ٤ : ١٧٤ - ١٧٦ ، المغني ٤ : ١٩٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٥.
والجواب : الخاصّ مقدّم على العامّ.
وقال مالك : يجوز في موضعٍ مخصوص ، وهو أن يكون قد وهب لرجل ثمرة نخلة ثمّ شقّ عليه دخوله إلى قراحه ، فيشتريها منه بخرصها من التمر يعجّله له ؛ لأنّ العريّة في اللغة هي : الهبة والعطيّة(١) .
وقال أحمد في إحدى الروايتين : يخرص الرطب في رؤوس النخل ويبيعه بمثله تمراً(٢) .
إذا تقرّر هذا ، فإنّ العريّة عندنا إنّما تكون في النخلة الواحدة تكون في دار الإنسان ، فلا تجوز فيما زاد على النخلة الواحدة ؛ عملاً بالعموم ، واقتصاراً في الرخص على مواردها.
مسألة ١٨٩ : وهذه الرخصة عامّة للغني والفقير - وبه قال الشافعي في الاُمّ(٣) - لعموم اللفظ. ولأنّ كلّ بيع جاز للفقير جاز للغني ، كسائر البياعات.
وقال في الإملاء واختلاف الحديث : لا يجوز بيع العرايا إلّا للفقير خاصّة - وبه قال أحمد - لأنّ محمود بن لبيد قال : قلت لزيد بن ثابت : ما عراياكم هذه؟ فسمّى رجالاً محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله ٦ أنّ الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يتبايعون به رطباً يأكلونه مع الناس ، وعندهم فضول من قوتهم من التمر ، فرخّص أن يبتاعوا العرايا بخرصها من
____________________
(١) بداية المجتهد ٢ : ٢١٦ - ٢١٧ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٣١٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٦ ، المغني ٤ : ١٩٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٨.
(٢) المغني ٤ : ١٩٦ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٦.
(٣) الاُمّ ٣ : ٥٦ ، وكما في الحاوي الكبير ٥ : ٢١٨.
التمر الذي في أيديهم يأكلونه رطباً(١) (٢) .
والجواب : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والحديث دلّ على أنّ سبب الرخصة الحاجة ، وهي غير مختصّة بالفقراء.
مسألة ١٩٠ : قد بيّنّا أنّ الضابط في التسويغ إنّما هو بالنخلة الواحدة في الدار الواحدة أو البستان الواحد. ولو كان له عدّة دُوْر في كلّ واحدة نخلة ، جاز بيعها عرايا.
وأجاز الشافعي العريّة في أقلّ من خمسة(٣) بمهما كان قولاً واحداً ، وبه قال المزني وأحمد. ومَنَع من الزيادة. وفي الخمسة قولان ؛ لأنّ النبيّ ٦ رخّص في العرايا الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة(٤) . ولأنّ الخمسة جُعلت في حدّ الكثرة ، ووجبت الزكاة. واستدلّ على الجواز في الخمسة بإطلاق التسويغ في العريّة ثمّ ورد النهي فيما(٥) زاد على خمسة أوسق(٦) .
مسألة ١٩١ : إذا تبايعا العريّة ، وجب أن ينظر إلى الثمرة على النخلة ويحزر ذلك رطباً فيتبايعاه بمثله تمراً ، ولا يشترط التماثل في الخرص بين
____________________
(١) أورده الشافعي في اختلاف الحديث : ١٩٧ ، والمزني في مختصره : ٨١ ، وابن قدامة في المغني ٤ : ١٩٨.
(٢) الحاوي الكبير ٥ : ٢١٨ ، حلية العلماء ٤ : ١٧٧ - ١٧٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٨ ، المغني ٤ : ٢٠٠ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٧ ، وانظر : اختلاف الحديث : ١٩٧.
(٣) أي : خمسة أوسق.
(٤) سنن البيهقي ٥ : ٣١١ ، المغني ٤ : ١٩٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٦.
(٥) في « ق » : « عمّا » بدل « فيما ».
(٦) الاُمّ ٣ : ٥٤ - ٥٥ ، مختصر المزني : ٨١ ، الوجيز ١ : ١٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٥ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٠١ ، حلية العلماء ٤ : ١٧٥ و ١٧٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٢ ، المغني ٤ : ١٩٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٥.
ثمرتها عند الجفاف وثمنها ، ولا يجوز التفاضل عند العقد ، ولا تكفي مشاهدة التمر على الأرض ولا الخرص(١) فيه ، بل لا بُدّ من معرفة مقداره بالكيل أو الوزن.
وقال الشافعي : يجب التماثل بين ثمرتها عند الجفاف وبين التمر المجعول ثمناً(٢) .
والأصل العدم. والربا لا يثبت على تقدير إتلاف الرطب. ولا يجب الترقّب بحيث يثبت فيه. نعم ، يحرم التفاضل بين الرطب والتمر ، وتجب المساواة وإن كنّا قد منعنا من بيع الرطب بالتمر ؛ لأنّ هذا مستثنى ؛ للرخصة.
مسألة ١٩٢ : لا يجب التقابض في الحال عندنا قبل التفرّق ، بل الحلول ، فلا يجوز إسلاف أحدهما في الآخر ؛ للأصل والإطلاق.
وقال الشافعي : يجب التقابض في الحال قبل التفرّق(٣) . فيخلّي صاحب الثمرة بينها وبين مشتريها ويسلّم صاحب التمر التمر إلى مشتريه لينقله ويحوّله.
وليس من شرط ذلك عنده(٤) حضور التمر عند العقد ، بل إذا شاهد الثمرة على رؤوس النخل ثمّ شاهد التمر على الأرض ثمّ تبايعا ومضيا جميعاً إلى النخلة فسلّمها إلى مشتريها ثمّ مضيا إلى التمر فسلّمه إلى مشتريه ، جاز عنده(٥) ؛ لأنّ التفرّق لم يحصل بينهما قبل التقابض ، والاعتبار بتفرّقهما دون مكان البيع.
____________________
(١) في « ق » : « الحزر » بدل « الخرص ».
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨١ ، المغني ٤ : ١٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٧.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٦ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٠٢ ، المغني ٤ : ١٩٩ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٨.
(٤و٥) اُنظر : المغني ٤ : ٢٠٠ ، والشرح الكبير ٤ : ١٦٨.
مسألة ١٩٣ : لا يجوز بيع أكثر من النخلة الواحدة عريّةً ؛ لعموم المنع من المزابنة(١) ، خرج عنه العريّة في النخلة الواحدة - وبه قال أحمد(٢) - للحاجة ، فيبقى الباقي على المنع ، سواء اتّحد العقد أو تعدّد. أمّا لو تعدّد المشتري فالوجه : الجواز.
وقال الشافعي : يجوز أن يبيع العريّة من رجل ثمّ يبيع منه أو من غيره عريّة اُخرى في عقدٍ آخر حتى يأتي على جميع حائطه ؛ للعموم(٣) .
وهو ممنوع. ولأنّ فيه توصّلاً إلى المحرَّم وهو المزابنة ؛ لأنّه يبيع جميع النخل في عقود متعدّدة.
فروع :
أ - لو باع في صفقة واحدة من رجلين كلّ واحد منهما نخلة معيّنة ، جاز. وكذا لو باعهما نخلتين مشاعاً بينهما ، وبه قال الشافعي(٤) ، خلافاً لأحمد ؛ لأنّ البائع - عنده - لا يجوز أن يبيع أكثر من عريّة واحدة(٥) .
ب - لو باع رجلان من واحد صفقة واحدة نخلتين عريّة ، جاز - وهو
____________________
(١) صحيح مسلم ٣ : ١١٦٨ / ١٥٣٩ ، و ١١٧١ / ١٥٤٢ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٩٤ / ١٣٠٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٠٧ ، الموطأ ٢ : ٦٢٤ - ٦٢٥ / ٢٣ - ٢٥.
(٢) المغني ٤ : ١٩٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٧ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٠.
(٣) الوجيز ١ : ١٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٧ ، حلية العلماء ٤ : ١٧٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٢ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٠٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٨ ، المغني ٤ : ١٩٧ - ١٩٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٦.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٨.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٧ ، المغني ٤ : ١٩٧ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٦.
أحد وجهي الشافعيّة(١) - لأنّ تعدّد الصفقتين بتعدّد البائع أظهر من تعدّدها بتعدّد المشتري.
والثاني لهم : لا تجوز الزيادة على خمسة أوسق نظراً إلى مشتري الرطب ؛ لأنّه محلّ الخرص الذي هو خلاف قياس الربويّات ؛ فلا ينبغي أن يدخل في ملكه أكثر من القدر المحتمل دفعةً واحدة(٢) .
والجواب : أنّ ذلك يأتي في بائعٍ واحد ، أمّا في اثنين فلا.
ج - لو باع رجلان من رجلين صفقة واحدة ، احتمل جواز أربع نخلات.
وقال الشافعي : لا يجوز في أكثر من عشرة أوسق ، ويجوز فيما دونها ، وفي العشرة قولان(٣) .
مسألة ١٩٤ : وهل تثبت العريّة في العنب؟ إن قلنا بتناول تحريم المحاقلة العنب ، احتمل الثبوت ، وإلّا فلا بأس في بيعه بالزبيب أو العنب ؛ اقتصاراً بالمنع على مورده ، وانتفاء أصالة العلّيّة بالربا ؛ لانتفاء شرطه ، وهو الكيل أو الوزن في الثمرة على رؤوس الأشجار.
أمّا الشافعي فإنّه عمّم التحريم في العنب كالثمرة ، وجوّز بيع العريّة منه ؛ لأنّ في حديث ابن عمر أنّه قال : والعرايا بيع الرطب بالتمر والعنب بالزبيب(٤) . ولأنّ العنب يخرص كما يخرص النخل ويوسق ، وهو ظاهر يمكن معرفة مقداره بالتخمين(٥) .
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٨.
(٤) صحيح مسلم ٣ : ١١٧١ / ١٥٤٢.
(٥) الاُم ٣ : ٥٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢١٩ ، التهذيب =
أمّا ما عدا ذلك من الثمار التي تجفّف - كالمشمش والخوخ والإجّاص - ففي جواز بيعه على شجرة بخرصه للشافعي قولان :
الجواز ، كالرطب والعنب ؛ لأنّ الحاجة تدعو إليه.
والمنع ؛ لأنّ العُشْر لم يجب ، ولم يُسنّ الخرص منها. ولأنّها تستتر في ورقها فيخفى خرصها(١) .
مسألة ١٩٥ : إنّما يجوز بيع الرطب بخرصه تمراً إذا كان على رؤوس النخل في العريّة خاصّة ، فأمّا إذا كان الرطب على وجه الأرض ، فإنّه لا يجوز ؛ لأنّ ذلك إنّما جاز للحاجة ولا حاجة إلى شراء ذلك على وجه الأرض ، وإنّما الغرض في جوازه على النخل ليؤخذ شيئاً فشيئاً.
ولو باع الرطب على رؤوس النخل بالرطب على رؤوس النخل خرصا أو باع الرطب على رؤوس النخل خرصاً بالرطب على وجه الأرض كيلاً ، فالأقوى : الجواز ؛ للأصل السالم عن معارضة الربا ؛ ( لانتفائه بانتفاء شرطه )(٢) - وبه قال أبو علي ابن خيران من الشافعيّة(٣) - لما روي عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه رخّص في بيع العرايا بالتمر والرطب(٤) .
____________________
= - للبغوي - ٣ : ٤٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٨ ، المغني ٤ : ٢٠١ ، الشرح الكبير ٤ : ١٦٩.
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢١٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٠ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٨.
(٢) بدل ما بين القوسين في « ك » : لانتفاء شرطه.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٢ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢١٦ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٠٣ ، حلية العلماء ٤ : ١٧٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٨.
(٤) صحيح البخاري ٣ : ٩٨ ، صحيح مسلم ٣ : ١١٦٨ / ١٥٣٩ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٥١ / ٣٣٦٢ ، سنن النسائي ٧ : ٢٦٧ و ٢٦٨ ، سنن البيهقي ٥ : ٣١١.
وقال أبو إسحاق منهم : إنّه إن كان نوعاً واحداً ، لم يجز. وإن كان نوعين ، جاز ؛ لأنّ في النوع الواحد لا حاجة إليه ، وقد ثبت غرض صحيح في النوعين(١) .
وقال الاصطخري منهم : إنّه لا يجوز ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله إنّما رخّص في بيعه بالتمر(٢) ، فلم يجز غير ذلك(٣) .
وهو ممنوع ؛ لأنّ المساواة بين الرطب والرطب أقرب منها بين الرطب والتمر.
ولو باع الرطب على وجه الأرض بالرطب على وجه الأرض متساوياً ، جاز عندنا على ما تقدّم في باب الربا ، خلافاً للشافعي(٤) .
مسألة ١٩٦ : ظاهر كلام الأصحاب يقتضي المنع من بيع العريّة على غير مالك الدار أو البستان أو مستأجرهما أو مشتري ثمرة البستان على إشكال ، لأنّ النخلة إذا كانت للغير في ملك إنسان ربما لحقه التضرّر بدخول مشتري الثمرة إليها ، وكذا في بستانٍ ، وكذا في ثمرة بستانه ، فاقتضت الحكمة جواز بيعها على مالك الدار والبستان ومستأجرهما ومشتري الثمرة ، دفعاً للحاجة ، بخلاف غيرهما.
وظاهر كلام المجوّزين من الجمهور : العموم ، فيجوز لصاحب
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٢ ، حلية العلماء ٤ : ١٧٩ ، الحاوي الكبير ٥ : ٢١٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٨.
(٢) صحيح البخاري ٣ : ٩٩ ، سنن البيهقي ٥ : ٣١٠.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٢ ، حلية العلماء ٤ : ١٧٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٨.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٥٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢١٨.
البستان أن يبيع خمسة أوسق من الرطب بخرصها تمراً لأيّ شخص كان.
مسألة ١٩٧ : يجوز أن يتقبّل أحد الشريكين بحصّة صاحبه من الثمرة بشيء معلوم منها لا على سبيل البيع ؛ عملاً بالأصل. ولأنّ الحاجة قد تدعو إليه.
ولما رواه يعقوب بن شعيب عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجلين يكون بينهما النخل فيقول أحدهما لصاحبه : اختر إمّا أن تأخذ هذا النخل بكذا وكذا كيلاً مسمّى وتعطيني نصف هذا الكيل زاد أو نقص ، وإمّا أن آخذه أنا بذلك وأردّ عليك ، قال : « لا بأس بذلك »(١) .
وهل يجوز البيع؟ يحتمل ذلك ؛ عملاً بالأصل السالم عن معارضة الربا ؛ إذ لا وزن في الثمرة على رأس الشجرة ، فعلى تقدير جواز البيع يثبت فيه أحكامه من الضمان على البائع قبل الإقباض ، وعلى المشتري بعده.
وإن منعنا البيع وجوّزنا التقبّل ، كان معناه أنّ المتقبّل يأخذ جميع الثمرة ويدفع إلى شريكه عن قدر حصّته ما تقبّل به ، فإن كان ما حصل مساوياً لما تقبّل به ، فلا بحث. وإن زاد فله. وإن نقص فعليه.
وهل يكون ذلك لازماً؟ إشكال. وعلى تقدير لزومه هل يكون الناقص عليه؟ وهل يكون مضموناً في يده؟ الأقرب : ذلك ، لأنّه إمّا بيعٌ فاسد أو تقبّل.
ولو تلفت الثمرة بآفة سماويّة بعد القبض ، هل يسقط من المال الذي تقبّل به شيء أم لا؟
مسألة ١٩٨ : يجوز لمشتري الثمرة أن يبيعها بزيادة عمّا ابتاعه أو
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٩٣ / ٢ ، الفقيه ٣ : ١٤٢ / ٦٢٣ ، التهذيب ٧ : ٩١ / ٣٨٩.
نقصان قبل قبضه وبعده ؛ عملاً بالأصل ، وبما رواه محمّد الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يشتري الثمرة ثمّ يبيعها قبل أن يأخذها ، قال : « لا بأس به إن وجد ربحاً فليبع »(١) .
وفي الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أحدهماعليهماالسلام أنّه قال في رجل اشترى الثمرة ثمّ يبيعها قبل أن يقبضها ، قال : « لا بأس »(٢) .
مسألة ١٩٩ : لو اشترى الزرع قصيلاً مع اُصوله ، صحّ. فإن قطعه فنبت ، فهو له. فإن شرط صاحب الأرض قطعه فلم يقطعه ، كان عليه اُجرة الأرض. ولو لم يشرط المشتري الأصل ، فهو لصاحبه. فإذا قصله المشتري ونبت ، كان للبائع. ولو لم يقصله ، كان شريكاً للبائع ويحكم بالصلح.
تذنيب : لو سقط من الحبّ المحصود شيء فنبت في القابل ، فهو لصاحب البذر لا الأرض - خلافاً لأحمد(٣) - سواء سقاه صاحب الأرض وربّاه أو لا ، ولصاحب الأرض الاُجرة ؛ لأنّه شغلها بماله.
آخر : لو اشترى نخلاً ليقطعه أجذاعاً فتركه حتى حمل ، فالحمل له ، وعليه الاُجرة ، سواء سقاه صاحب الأرض أو لا.
وفي رواية هارون بن حمزة الغنوي عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : الرجل يشتري النخل ليقطعه للجذوع فيحمل النخل ، قال : « هو له إلاّ أن يكون صاحب الأرض سقاه وقام عليه»(٤) .
وهذه الرواية محمولة على جريان عقد المساقاة بينهما.
مسألة ٢٠٠ : يجوز للإنسان إذا مرّ بشيء من ثمرة النخل والشجر
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٨٨ - ٨٩ / ٣٧٦.
(٢) التهذيب ٧ : ٨٩ / ٣٧٧.
(٣) المغني ٤ : ٢٢٦ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٤١.
(٤) التهذيب ٧ : ٩٠ / ٣٨٢.
والزرع أن يأكل منها(١) من غير إفساد. ولا يحلّ له أن يأخذ منها شيئاً يحمله ويخرج به ؛ لما رواه ابن أبي عمير - في الصحيح - عن بعض أصحابنا عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يمرّ بالنخل والسنبل والثمرة فيجوز له أن يأكل منها من غير إذن صاحبها من ضرورة أو غير ضرورة؟ قال : « لا بأس »(٢) .
وقد روى عليّ بن يقطين - في الصحيح - عن الرضاعليهالسلام ، قال سألته عن الرجل يمرّ بالثمرة من الزرع والنخل والكرم والشجر والمباطخ وغير ذلك من الثمر أيحلّ له أن يتناول منه شيئاً ويأكل بغير إذن من صاحبه؟
وكيف حاله إن نهاه صاحب الثمرة أو أمره المقيم فليس له؟ وكم الحدّ الذي يسعه أن يتناول منه؟ قال : « لا يحلّ له أن يأخذ منه شيئاً »(٣) .
قال الشيخرحمهالله : قوله : « لا يحلّ له أن يأخذ منه شيئاً » محمول على ما يحمله معه ، فأمّا ما يأكله في الحال من الثمرة فمباح(٤) ، للرواية السابقة. ولما رواه الحسين بن سعيد عن أبي داود عن بعض أصحابنا عن محمّد بن مروان عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : أمرّ بالثمرة فآكل منها؟
قال : « كُلْ ولا تحمل » قلت : جعلت فداك ، التجّار قد اشتروها ونقدوا أموالهم ، قال : « اشتروا ما ليس لهم »(٥) .
مسألة ٢٠١ : لو كان في قرية نخل وزرع وبساتين وأرحاء وأرطاب ، جاز للإنسان أن يشتري غلّتها ؛ للأصل.
____________________
(١) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : منه ، وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٢) التهذيب ٧ : ٩٣ / ٣٩٣ ، الاستبصار ٣ : ٩٠ / ٣٠٦.
(٣) التهذيب ٧ : ٩٢ / ٣٩٢ ، الاستبصار ٣ : ٩٠ / ٣٠٧.
(٤) التهذيب ٧ : ٩٢ - ٩٣ ، الاستبصار ٣ : ٩٠ ذيل الحديث ٣٠٧.
(٥) التهذيب ٧ : ٩٣ / ٣٩٤ ، الاستبصار ٣ : ٩٠ / ٣٠٥.
ولما رواه عبد الله بن أبي يعفور عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن قرية فيها أرحاء ونخل وزرع وبساتين وأرطاب أشتري غلّتها؟ قال : « لا بأس »(١) .
إذا ثبت هذا ، فإنّه يجوز أن يشتري ما فيها من الثمار والزروع ، ويشترط منفعة الرحى مدّة معلومة بشيء معلوم ، وأن يتقبّل بمنافع هذه القرية على اختلاف أصنافها بشيء معيّن ؛ للأصل.
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٩٠ / ٣٨٣.
الفصل الثالث
في الصرف
وهو بيع الأثمان من الذهب أو الفضّة بالأثمان.
وإنّما سُمّي صرفاً ؛ لأنّ الصرف في اللغة هو : الصوت ، ولمـّا كان الصوت يحصل بتقليب الثمن والمثمن هنا سُمّي صرفاً.
وهو جائز إجماعاً ، وله شرائط تأتي إن شاء الله تعالى.
مسألة ٢٠٢ : من شرط الصرف التقابضُ في المجلس قبل التفرّق ، سواء تماثلا جنساً أو اختلفا ، وسواء كانا معيّنين أو غير معيّنين بل موصوفين ، لما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاّ هاء وهاء »(١) وهي تقتضي وجوب التقابض في المجلس.
ومن طريق الخاصّة : ما رواه محمّد بن قيس عن الباقرعليهالسلام قال : « قال أمير المؤمنينعليهالسلام : لا يبتاع رجل فضّة بذهب إلّا يداً بيد ، ولا يبتاع ذهباً بفضّة إلّا يداً بيد »(٢) .
إذا ثبت هذا ، فلا يجوز إسلاف أحدهما في الآخر ، سواء اتّفقا في الجنس أو اختلفا ، وسواء اتّحدا وزناً أو اختلفا ، وسواء تساويا وصفاً أو
____________________
(١) لم نعثر عليه في الكتب الحديثيّة المتوفّرة لدينا ، وفي صحيح البخاري ٣ : ٩٧ ، وسنن ابن ماجة ٢ : ٧٥٧ / ٢٢٥٣ ، وسنن البيهقي ٥ : ٢٧٦ : « الذهب بالذهب ربا إلّا هاء وهاء ». و « هاء » اسم فعل ، بمعنى « خُذْ ».
(٢) الكافي ٥ : ٢٥١ / ٣١ ، التهذيب ٧ : ٩٩ / ٤٢٦ ، الاستبصار ٣ : ٩٣ / ٣١٨.
تضادّا ؛ لأنّ التقابض في المجلس شرط فيه ، ولا يتحقّق ذلك مع إسلاف أحدهما في الآخر.
ولقول الباقرعليهالسلام أنّه قال : « في الورق بالورق وزناً بوزن ، والذهب بالذهب وزناً بوزن »(١) .
فروع :
أ - لو افترقا قبل التقابض ، بطل البيع ؛ لعدم الشرط.
ولو تفرّقا وقد تقابضا البعض خاصّة ولمـّا يتقابضا في الباقي ، بطل البيع فيما لم يتقابضا فيه ، ويكونان بالخيار في الباقي ؛ لتبعّض الصفقة في حقّهما ، ولا يبطل في الباقي المقبوض. وللشافعي قولان مبنيّان على تفريق الصفقة(٢) .
ب - لو قاما عن ذلك المجلس قبل التقابض مصطحبين ، لم يحصل الافتراق ، وكان البيع صحيحاً ، فإن تقابضا في غير ذلك المجلس ولم يفترقا ، صحّ البيع ولزم ، لحصول التقابض قبل التفرّق ، لقول الصادقعليهالسلام : « إذا اشتريت ذهباً بفضّة ، أو فضّة بذهب فلا تفارقه حتى تأخذ منه ، وإن نزا حائطاً فانز معه »(٣) .
ولأنّ خيار المجلس يبطل مع الافتراق ولا يبطل مع مفارقتهما لذلك المجلس مصطحبين ، فلا يكون ذلك افتراقاً.
ج - قد بيّنّا أنّه يشترط الحلول ؛ لاشتراط التقابض في المجلس ، فلو
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٩٨ / ٤٢٣.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٨.
(٣) التهذيب ٧ : ٩٩ / ٤٢٧ ، الاستبصار ٣ : ٩٣ / ٣١٩.
أسلف أحدهما في الآخر بأجل قصير جدّا ولو ساعة مع الضبط ولم يتفارقا حتى تقابضا ، لم يصحّ البيع أيضا ، لما تقدّم(١) في الحديثين عن أمير المؤمنينعليهالسلام وعن الباقرعليهالسلام .
د - لو تصارفا ذهباً بذهب أو فضّة ، أو فضّةً بفضّة أو ذهب ، لم يضرّ طول لبثهما في المجلس ولا طول مصاحبتهما ، سواء كان الثمن والمثمن معيّنين أو مطلقين في الذمّة أو معيّناً ومطلقاً ولو امتدّ إلى سنة وأزيد.
ه- لو وكّل أحدهما وكيلاً في القبض أو وكّلا وكيلين فيه وتقابض الوكيلان ، صحّ البيع إن تقابض الوكيلان أو قبض وكيل أحدهما من العاقد قبل مفارقة المتبايعين ، وإلّا بطل ؛ لأنّ المجلس متعلّق ببدن المتعاقدين.
ولأنّ الصادقعليهالسلام سُئل عن بيع الذهب بالدراهم فيقول : أرسل رسولاً فيستوفي لك ثمنه ، قال : « يقول : هات وهلمّ ويكون رسولك معه »(٢) .
و - لو لم تتّفق المصاحبة ولا ملازمة المجلس فأرسل أحدهما وكيله ليقبض من صاحبه ، بطل ذلك العقد ، واحتاج إلى أن يجدّده الوكيل ؛ لفوات الشرط.
ولأنّ ابن الحجّاج سأله عن الرجل يشتري من الرجل الدراهم بالدنانير فيزنها وينتقدها ويحسب ثمنها كم هو دينار ثمّ يقول : أرسل غلامك معي حتى اُعطيه الدنانير ، فقال : « ما أحبّ أن يفارقه حتى يأخذ الدنانير » فقلت : إنّما هم في دار واحدة وأمكنتهم قريبة بعضها من بعض وهذا يشقّ عليهم ، فقال : « إذا فرغ من وزنها وانتقادها فليأمر الغلام الذي
____________________
(١) في ص ٤١٣.
(٢) الكافي ٥ : ٢٥٢ / ٣٣ ، التهذيب ٧ : ٩٩ / ٤٢٨.
يرسله أن يكون هو الذي يبايعه ويدفع إليه الورق ويقبض منه الدنانير حيث يدفع إليه الورق»(١) .
ز - لا تقوم مصاحبة الوكيل مقام مصاحبة الموكّل ، بل متى تعاقدا وتفرّقا واصطحب الوكيل والآخر ، بطل البيع ؛ لانتفاء الشرط.
ح - لو تصارف الوكيلان أو أحدُ صاحبي المال مع وكيل الآخر ، كان الاعتبار بالمتعاقدين لا بالمالكين ، فلو تفرّق الوكيلان المتعاقدان دون صاحبي المال ، بطل البيع ، وبالعكس لا يبطل.
ط - لو تعذّر عليهما التقابض في المجلس وأرادا الافتراق ، لزمهما أن يتفاسخا العقد بينهما ، فإن تفرّقا قبله ، كان ذلك ربا ، وجرى مجرى بيع مال الربا بعضه ببعض نسيئةً ، ولا يغني تفرّقهما ؛ لأنّ فساد العقد إنّما يكون به شرعاً ، كما أنّ العقد مع التفاضل فاسد ويأثمان به.
مسألة ٢٠٣ : لو اشترى بنصف دينار شيئا وبنصفه ورقا ، جازبشرط أن يقبض ما قابل الورق ، لما رواه الحلبي - في الصحيح(٢) - قال : سألت أبا عبد الله الصادقعليهالسلام : عن رجل ابتاع من رجل بدينار وأخذ بنصفه بيعا وبنصفه ورقا ، قال : « لا بأس به » وسألته هل يصلح له أن يأخذ بنصفه ورقاً أو بيعاً ويترك نصفه حتى يأتي بعد فيأخذ به ورقاً أو بيعاً؟ فقال : « ما اُحبّ أن أترك منه شيئاً حتى آخذه جميعاً فلا يفعله »(٣) .
واعلم أنّ الدينار المقبوض إذا كان قد انتقل بالبيع ، لم يجز التفرّق قبل قبض الورق ، سواء قبض العوض الآخر أو لا. ولو قبض العوض
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٥٢ / ٣٢ ، التهذيب ٧ : ٩٩ / ٤٢٩ ، الاستبصار ٣ : ٩٤ / ٣٢٠.
(٢) « في الصحيح » لم ترد في « ق ، ك ».
(٣) التهذيب ٧ : ٩٩ - ١٠٠ / ٤٣٠.
الآخر ، لم يكف في قبض الورق ، وصحّ البيع فيه خاصّة وإن لم يقبضه.
ولو انعكس الفرض فدفع نصف الدينار خاصّة بعد إقباض الورق والمبيع الآخر ، فإن نوى بالدفع عن الورق ، صحّ البيع فيهما. وإن نوى بالدفع عن الآخر ، بطل في الورق ، وتخيّر في الآخر. وإن أطلق ، احتمل ضعيفاً صرفه إلى الورق تصحيحاً للعقد ، والبطلان في نصف الورق.
مسألة ٢٠٤ : لو اشترى الإنسان من غيره دراهم بدنانير ثمّ اشترى بها دنانير قبل قبض الدراهم ، بطل الثاني ؛ لأنّه بيع الموزون قبل قبضه ، وهو منهيّ عنه(١) على ما تقدّم(٢) ؛ فإن(٣) افترقا ، بطل العقدان معاً ؛ للتفرّق قبل التقابض في الصرف. ولو كان ثمن الدراهم غير الدنانير ، لم يبطل الأوّل ؛ إذ القبض في المجلس ليس شرطاً فيه.
مسألة ٢٠٥ : لو كان للإنسان على غيره دراهم وأمره بأن يحوّلها إلى الدنانير أو بالعكس بعد المساعرة على جهة التوكيل في البيع ، صحّ وإن تفرّقا قبل القبض ؛ لأنّ النقدين من واحد ، وهو بعينه موجب للبيع بالأصالة وقابل بالوكالة ، فكان بمنزلة المقبوض.
ولما رواه إسحاق بن عمّار ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : يكون للرجل عندي الدراهم فيلقاني فيقول : كيف سعر الوضح اليوم؟ فأقول : كذا وكذا ، فيقول : أليس لي عندك كذا وكذا ألف درهم وضحاً؟ فأقول : نعم ، فيقول : حوّلها إلى دنانير بهذا السعر وأثبتها لي عندك ، فما ترى في هذا؟
فقال لي : « إذا كنت قد استقصيت له السعر يومئذٍ فلا بأس بذلك » فقلت :
____________________
(١) المعجم الكبير - للطبراني - ١١ : ١٢ / ١٠٨٧٥.
(٢) في ص ١٢٠ و ١٢١.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « وإن » بدل « فإن ».
إنّي لم اُوازنه ولم اُناقده وإنّما كان كلام منّي ومنه ، فقال : « أليس الدراهم من عندك والدنانير من عندك؟ » قلت : بلى ، قال : « فلا بأس »(١) .
أمّا لو لم يكن على جهة التوكيل في البيع بل اشترى منه بالدراهم - التي في ذمّته - دنانير ، وجب القبض قبل التفرّق ؛ لأنّه صرفٌ فات شرطه فكان باطلاً.
مسألة ٢٠٦ : لا يشترط الوزن والنقد حالة العقد ولا حالة القبض ، فلو صارفة مائة دينار بألف درهم ثمّ دفع إليه دراهم غير معلومة القدر والنقد وتفرّقا ، صحّ البيع إن كان المدفوع قد اشتمل على الحقّ أو زاد ، أمّا لو نقص ، فإنّه يبطل في القدر الناقص خاصّة ؛ لوجود المقتضي للصحّة ، وعدم المانع ، وهو انتفاء القبض ؛ إذ لم يشرط في القبض التعيين.
ولما رواه إسحاق بن عمّار ، قال : سألت الكاظمعليهالسلام عن الرجل يأتيني بالورق فأشتريها منه بالدنانير فأشتغل عن تحرير وزنها وانتقادها وفضل ما بيني وبينه ، فاُعطيه الدنانير وأقول له : إنّه ليس بيني وبينك بيع ، وإنّي قد نقضت الذي بيني وبينك من البيع ، وورقك عندي قرض ، ودنانيري عندك قرض ، حتى يأتيني من الغد فاُبايعه ، فقال : « ليس به بأس »(٢) .
ولو كان المدفوع أقلّ من المستحَقّ ، بطل الصرف في الناقص خاصّة ، وتخيّر في الفسخ في الباقي ؛ لتبعّض الصفقة.
وكذا لو دفع إليه الدراهم بقدر حقّه إلّا أنّ فيها زيوفاً ، فإنّه يصحّ البيع إن كان الغشّ من الجنس بسبب اختلاف الجوهر في النعومة والخشونة
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٠٢ - ١٠٣ / ٤٤١.
(٢) التهذيب ٧ : ١٠٣ / ٤٤٤.
وشبهه ؛ لأنّه من جنس الحقّ ، ولو رضي قابضه به ، لزم البيع ، بخلاف ما إذا لم يكن من الجنس.
ولأنّ إسحاق بن عمّار سأل الكاظمَعليهالسلام عن الرجل يبيعني الورق بالدنانير وأتّزن منه وأزن له حتى أفرغ فلا يكون بيني وبينه عمل إلّا أنّ في ورقه نفاية(١) وزيوفا وما لا يجوز ، فيقول : انتقدها وردّ نفايتها ، فقال : « ليس به بأس ولكن لا تؤخّر ذلك أكثر من يوم أو يومين فإنّما هو الصرف » قلت : فإن وجدت(٢) في ورقه فضلاً مقدار ما فيها من النُّفاية؟ فقال : « هذا احتياط ، هذا أحبّ إليَّ »(٣) .
مسألة ٢٠٧ : الجيّد من الجوهرين مع الرديء منه واحد مع اتّحاد الجنس ، وكذا المصوغ والمكسّر ، فلو باع آنيةً من ذهب أو فضّة بأحد النقدين ، وجب التقابض قبل التفرّق ؛ لأنّ أصالة الجوهريّة مانعة من التكثّر ، والكسرُ وضدُّه غير موجبين له. وكذا جيّد الجوهر - كالفضّة الناعمة - مع رديئه كالخشنة - وبه قال أبو حنيفة وأحمد(٤) - لأنّ الصفة لا قيمة لها في الجنس ، فإنّه لا يجوز بيع المصوغ بالتبر متفاضلاً.
وخالف فيه الشافعي ؛ لأنّ قيمة الصحيح أكثر من قيمة المكسور ، فيؤدّي إلى التفاضل فيلزم الربا(٥) .
____________________
(١) النُّفاية : ما نفيتَه من الشيء لرداءته. الصحاح ٦ : ٢٥١٤ « نفا ».
(٢) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : « أخذت » بدل « وجدت ». وما أثبتناه من المصدر.
(٣) الكافي ٥ : ٢٤٦ / ٧ ، التهذيب ٧ : ١٠٣ / ٤٤٤.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٧ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٤٣ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ١٤١ و ١٩٦.
(٥) مختصر المزني : ٧٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٤٣ ، الوجيز ١ : ١٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٣.
وهو ممنوع ؛ لأنّ الربا إنّما يثبت مع زيادة العين لا زيادة الصفة.
ولما رواه أبو بصير عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يستبدل الشاميّة بالكوفيّة وزناً بوزن ، فقال : « لا بأس »(١) .
وفي الصحيح عن الحلبي عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يستبدل الشاميّة بالكوفيّة وزناً بوزن ، فيقول الصيرفي : لا أبدلك حتى تبدلني يوسفيّة بغلّة وزناً بوزن ، فقال : « لا بأس به » فقلنا : إنّ الصيرفي إنّما طلب فضل اليوسفيّة على الغلّة ، فقال : « لا بأس به »(٢) ولو لا اتّحادهما في الجنس ، لما جاز ذلك.
إذا ثبت هذا ، فإذا اختلف الجنس ، جاز التفاضل ؛ لعموم قولهعليهالسلام : « إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم »(٣) .
ولأنّ محمّد بن مسلم سأله عن الرجل يبتاع الذهب بالفضّة مثلين بمثل ، قال : « لا بأس به يداً بيد »(٤) .
أمّا إذا اتّحد الجنس ، فلا يجوز التفاضل في القدر ، بل يجوز في الوصف كما قلنا : إنّه يجوز بيع جيّد الجوهر برديئه متساوياً لا متفاضلاً ، فلو باعه مائة دينار جيّدة ومائة دينار رديئة بمائتين جيّدة أو رديئة أو وسط ، جاز عندنا ، خلافاً للشافعي(٥) .
مسألة ٢٠٨ : الدراهم والدنانير المغشوشة إن علم مقدار الغشّ فيها ،
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٠٤ / ٤٤٧.
(٢) الكافي ٥ : ٢٤٧ / ١١ ، التهذيب ٧ : ١٠٤ - ١٠٥ / ٤٤٨ بتفاوت يسير.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٠ : ٨٦.
(٤) التهذيب ٧ : ٩٨ / ٤٢٤ ، الاستبصار ٣ : ٩٣ / ٣١٧.
(٥) مختصر المزني : ٧٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٤٣ ، الوجيز ١ : ١٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٨٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٣.
جاز بيعها بجنسها بشرط زيادة في السليم يقابل الغشّ ليخلص من الربا لو بيع بقدر الصافي منها ، ويجوز بيعها بغير الجنس مطلقاً. وإن لم يعلم مقدار الغشّ ، وجب أن تباع بغير جنسها حذراً من الربا ؛ لإمكان أن يتساوى الصافي والثمن في القدر ، فيبقى الغشّ زيادة في أحد المتساويين.
ولما رواه ابن سنان - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن شراء الفضّة فيها الرصاص بالورق ، وإذا خُلّصت نقصت من كلّ عشرة درهمين أو ثلاثة ، قال : « لا يصلح إلّا بالذهب » وسألته عن شراء الذهب فيه الفضّة والزئبق والتراب بالدنانير والورق ، فقال : « لا تصارفه إلّا بالورق »(١) .
ولو بِيع بوزن المغشوش ، فإنّه يجوز ؛ إذ الفاضل عن الصافي مقابل الغشّ.
إذا ثبت هذا ، فإنّه لا يجوز إنفاقه إلّا بعد إبانته وإيضاح حاله ، إلّا أن يكون معلوم الصرف بين الناس ؛ لاشتماله على الغشّ المحرَّم.
ولما رواه المفضل بن عمر الجعفي ، قال : كنت عند الصادقعليهالسلام ، فاُلقي بين يديه دراهم فألقى إليَّ درهماً منها ، فقال : « ما هذا؟ » فقلت : ستوق ، فقال : « وما الستوق؟ » فقلت : طبقتان فضّة وطبقة من نحاس وطبقة من فضّة ، فقال « اكسرها فإنّه لا يحلّ بيع هذا ولا إنفاقه»(٢) .
أمّا مع الإيضاح والبيان فلا بأس ؛ لانتفاء الغشّ.
ولما رواه علي بن رئاب - في الصحيح - قال : لا أعلمه إلّا عن محمّد ابن مسلم ، قال : قلت للصادقعليهالسلام : الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٠٩ / ٤٦٨.
(٢) التهذيب ٧ : ١٠٩ / ٤٦٦ ، الاستبصار ٣ : ٩٧ / ٣٣٣ بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.
النحاس أو غيره ثمّ يبيعها ، قال : « إذا بيّن ذلك فلا بأس »(١) .
وكذا إذا كان يجوز بين الناس ، لانتفاء الغشّ أيضاً فيه.
ولما رواه محمّد بن مسلم - في الصحيح - عن الباقرعليهالسلام ، قال : جاءه رجل من سجستان ، فقال له : إنّ عندنا دراهم يقال لها : الشاهيّة ، يحمل على الدرهم دانقين ، فقال : « لا بأس به إذا كان يجوز »(٢) .
مسألة ٢٠٩ : تراب معدن أحد النقدين يُباع بالآخر - وبه قال أبو حنيفة(٣) - احتياطاً وتحرّزاً من الربا. ولو جُمعا ، بِيعا بهما صرفاً لكلٍّ منهما إلى غير جنسه ، والأصل حمل العقد على الصحّة مهما أمكن.
ولما رواه أبو عبد الله مولى عبد ربّه عن الصادقعليهالسلام أنّه سأله عن الجوهر الذي يخرج من المعدن وفيه ذهب وفضّة وصُفْر جميعاً كيف نشتريه؟ قال : « اشتر بالذهب والفضّة جميعاً »(٤) .
وقال الشافعي : لا يجوز ؛ لجهالة المقصود(٥) . وهو ممنوع.
مسألة ٢١٠ : تراب الصياغة يُباع بالجوهرين معاً أو بجنس غيرهما لا بأحدهما ؛ تحرّزاً من الربا ، كما قلنا في تراب معدن أحد الجوهرين ، خلافاً للشافعي(٦) ، كما تقدّم في تراب المعدن.
وإذا بِيع ، تصدّق بثمنه ؛ لأنّ أربابه لا يتميّزون. ولو عُرفوا ، صرف إليهم ؛ لما رواه علي بن ميمون الصائغ ، قال : سألت الصادقَعليهالسلام عمّا يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به؟ فقال : « تصدّق به فإمّا لك وإمّا
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٠٩ / ٤٦٧ ، الاستبصار ٣ : ٩٧ / ٣٣٤.
(٢) التهذيب ٧ : ١٠٨ / ٤٦٥
(٣) بدائع الصنائع ٥ : ١٩٥.
(٤) الكافي ٥ : ٢٤٩ / ٢٢ ، التهذيب ٧ : ١١١ / ٤٧٨.
(٥ و ٦ ) المجموع ٩ : ٣٠٧.
لأهله » قلت : فإنّ فيه ذهباً وفضّةً وحديداً فبأيّ شيء أبيعه؟ قال : « بِعْه بطعام » قلت : فإن كان لي قرابة محتاج اُعطيه منه؟ قال : « نعم »(١) .
مسألة ٢١١ : يجوز بيع الرصاص وإن كان فيه فضّة يسيرة بالفضّة ، وبيعُ النحاس بالذهب وإن اشتمل على ذهبٍ يسير ، ولا اعتبار بهما ؛ لأنّه تابع غير مقصود ألبتّة بالبيع ، فأشبه الحلية على سقوف الجدران.
ولما رواه عبد الرحمن بن الحجّاج - في الحسن - عن الصادقعليهالسلام في الاُسرب(٢) يشترى بالفضّة ، فقال : « إذا كان الغالب عليه الاُسرب فلا بأس »(٣) .
مسألة ٢١٢ : المصاغ من النقدين معاً إن جهل قدر كلّ واحد منهما ، بِيع بهما معاً أو بجنس غيرهما أو بالأقلّ إن تفاوتا مع الزيادة عليه حذراً من الربا. وإن علم قدر كلّ واحد منهما ، بِيع بأيّهما شاء مع زيادة الثمن على جنسه. ولو بِيع بهما أو بغيرهما ، جاز مطلقاً ؛ لأصالة الجواز ، وزوال مانعيّة الربا هنا.
ولما رواه إبراهيم بن هلال ، قال : سألت الصادقَعليهالسلام : جام فيه ذهب وفضّة أشتريه بذهب أو فضّة؟ فقال : « إن كان تقدر على تخليصه فلا ، وإن لم تقدر على تخليصه فلا بأس »(٤) .
مسألة ٢١٣ : الدراهم والدنانير إذا كانا خالصين ، جاز مصارفة كلّ واحد منهما بجنسه متساوياً وبغير جنسه مطلقاً ، سواء اتّفقت صفتهما أو لا.
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٥٠ / ٢٤ ، التهذيب ٧ : ١١١ / ٤٧٩.
(٢) الاُسرب : الرصاص ، أعجميّ. لسان العرب ١ : ٤٦٦ « سرب ».
(٣) الكافي ٥ : ٢٤٨ / ١٥ ، التهذيب ٧ : ١١١ - ١١٢ / ٤٨١.
(٤) الكافي ٥ : ٢٥ / ٢٦ ، التهذيب ٧ : ١١٢ / ٤٨٤.
وإن كان فيهما غشّ ، فإن كان له قيمة - كالرصاص والنحاس - جاز بيع بعضها ببعض صرفاً للخالص إلى الغشّ ، والغشّ إلى الخالص ، وحملاً على صحّة البيع مهما أمكن.
ولما رواه عمر بن يزيد عن الصادقعليهالسلام : قلت له : الدراهم بالدراهم مع أحدهما الرصاص وزناً بوزن ، فقال : « لا بأس »(١) وبه قال أبو حنيفة(٢) .
وقال الشافعي : لا يجوز ؛ لجهل التساوي بين الفضّتين ؛ لإمكان اختلاف الغشّ ، والجهل بالتساوي فيما فيه الربا كالعلم بالتفاضل ، وهو مبني على مقابلة الجنس بمثله(٣) .
وهو ممنوع ، بل إمّا أن يقابل بمخالفه ، أو تُقابل الجملة بالجملة ، والمركّب من المساوي والمختلف مخالف للمركّب من المساوي والمختلف ، كالأنواع المندرجة تحت جنسٍ واحد.
وإن كان الغشّ ممّا يستهلك ، كالزرنيخيّة والاندرانيّة في الفضّة التي تطلي على النورة ، والزرنيخ المستهلك بدخوله النار ، جاز البيع ، عندنا أيضاً على ما تقدّم ، خلافاً للشافعي ؛ للجهل بتساوي الفضّتين(٤) . وقد بيّنّا عدم اشتراط العلم بهما.
تذنيب : يجوز أن يشتري بكلّ واحدٍ من هذين القسمين متاعاً غير أحد النقدين ؛ لأنّه لمـّا جاز شراء النقدين بهما فبغيرهما أولى - وهو أحد وجهي الشافعيّة(٥) - لأنّ عمر قال : مَنْ زافت دراهمه فليدخل السوق
____________________
(١) الفقيه ٣ : ١٨٤ - ١٨٥ / ٨٣٣ ، التهذيب ٧ : ١١٤ / ٤٩٣ بتفاوت يسير.
(٢) بدائع الصنائع ٥ : ١٩٦.
(٣) حلية العلماء ٤ : ١٥٨.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨١ ، حلية العلماء ٤ : ١٥٨.
(٥) حلية العلماء ٤ : ١٥٨.
فليشتر بها سحق الثياب(١) .
ومن طريق الخاصّة : قول عمر بن يزيد : سألتُ الصادقَعليهالسلام عن إنفاق الدراهم المحمول عليها ، فقال : « إذا جازت الفضّة المثلين(٢) فلا بأس »(٣) وهو محمول على العلم بحالها والتعامل بمثلها.
ولأنّ المنع من ذلك يؤدّي إلى الإضرار ؛ لأنّه لا يمكنه الانتفاع بها جملة.
وأمّا إذا اشترى بها ذهباً ، كان بيعاً وصرفاً ، فيكون هذا العقد قد اشتمل على أمرين مختلفي الأحكام.
وفيه قولان للشافعي : المنع ، والجواز(٤) .
والثاني(٥) : المنع ؛ لجهالة المقصود(٦) . وهو ممنوع.
مسألة ٢١٤ : السيوف المحلّاة أو المراكب المحلّاة وغيرها بأحد النقدين إن علم مقدار الحلية ، جاز البيع بجنسها مع زيادة الثمن في مقابلة السيف أو المركب ليخلص من الربا ، أو مع اتّهاب المحلّى من غير شرط.
ويجوز بيعها بالجنس الآخر أو بغير النقدين مطلقاً ، سواء ساواه أو زاد أو نقص ؛ لقولهعليهالسلام : « إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم »(٧) .
وإن جهل مقدار الحلية ، بيع بالجنس الآخر من النقدين أو بغيرهما أو
____________________
(١) أورده السبكي في تكملة شرح المهذّب ( المجموع ) ١٠ : ٤٠٩ بتفاوت يسير.
(٢) في الاستبصار : « الثلثين ».
(٣) التهذيب ٧ : ١٠٨ / ٤٦٣ ، الاستبصار ٣ : ٩٦ / ٣٣٠.
(٤) حلية العلماء ٤ : ١٥٩.
(٥) أي : الوجه الثاني للشافعيّة ، المتقدّم أوّلهما في صدر التذنيب.
(٦) حلية العلماء ٤ : ١٥٨.
(٧) الجامع لأحكام القرآن ١٠ : ٨٦.
بالجنس مع الضميمة ، تحرّزاً من الربا.
ولما رواه منصور الصيقل عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن السيف المفضّض يباع بالدراهم؟ فقال : « إذا كانت فضّته أقلّ من النقد فلا بأس ، وإن كانت أكثر فلا يصلح »(١) والأكثريّة هنا تتناول المساوي جنساً وقدراً ؛ لحصولها بانضمام المحلّى إليها.
وقال الشافعي : لا يجوز بيع المحلّى بالفضّة بالدراهم(٢) ؛ لما تقدّم.
وقد أبطلناه. فإن باعه بذهب ، فقولان ؛ لأنّ العقد جمع بين عوضين مختلفي الأحكام ، أحدهما : لا يجوز ؛ لأنّه صرفٌ وبيع ، وهُما مختلفا الأحكام. والثاني : الجواز(٣) . وهو الحقّ عندنا ، لأنّ كلّ واحد منهما يصحّ العقد عليه ، فجاز جمعهما فيه.
وإن اختلف الحكمان ، كما لو باع شقصاً وثوباً صفقةً واحدة ، فإنّ حكمهما مختلف ؛ لثبوت الشفعة في الشقص دون الثوب.
ولو باعه بغير الذهب والفضّة ، جاز إجماعاً ؛ لانتفاء مانعيّة الربا واختلاف الأحكام.
ولو اشترى خاتماً من فضّة له فُصٌّ بفضّة ، جاز عندنا مع زيادة الثمن على الفضّة أو اتّهاب الفُصّ.
ومَنَعه الشافعي ؛ لأدائه إلى الربا إذا قسّمت الفضّة على الفضّة والفُصّ(٤) .
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١١٣ / ٤٨٨ ، الاستبصار ٣ : ٩٨ / ٣٣٨.
(٢) الاُم ٣ : ٣٣ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٧١ ، المسألة ١١٧.
(٣) الاُم ٣ : ٣٣ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٧١ ، المسألة ١١٨.
(٤) الاُم ٣ : ٣٣ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٧٢ ، المسألة ١١٩.
وهو ممنوع ؛ لأنّا شرطنا زيادة الثمن.
ولو باعه بذهب ، جاز مطلقاً عندنا.
وللشافعي قولان ؛ لأنّه بيعٌ وصرفٌ(١) .
تذنيب : لو باع السيف المحلّى بالنسبة بمساوي الحلية في النقد أو بالنقد الآخر ، فإن نقد مقابل الحلية ، جاز ، وإلّا فلا ؛ لأنّ القبض في المجلس شرط في الصرف لا في السيف.
ولما رواه أبو بصير - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن بيع السيف المحلّى بالنقد ، فقال : « لا بأس » قال : وسألته عن بيع النسيئة ، فقال : « إذا نقد مثل ما في فضّته فلا بأس »(٢) .
ولو كان الثمن غير النقدين ، جاز نسيئة من غير شرط قبض شيء البتّة ؛ لانتفاء شرطيّة القبض هنا ؛ لقول الصادقعليهالسلام : « لا بأس ببيع السيف المحلّى بالفضّة نسْأً إذا نقد عن فضّته ، وإلّا فاجعل ثمنه طعاماً ، ولينسه إن شاء »(٣) .
مسألة ٢١٥ : الدراهم والدنانير تتعيّنان بالتعيين ، فلو باعه بهذه الدراهم أو بهذه الدنانير ، لم يجز للمشتري الإبدال بمثلها ، بل يجب عليه دفع تلك العين ، كالمبيع. ولو تلفت قبل القبض ، انفسخ البيع ، ولم يكن له دفع عوضها وإن ساواه مطلقا ، ولا للبائع طلبه.
وإن وجد البائع بها عيباً ، لم يستبدلها ، بل إمّا أن يرضى بها ، أو يفسخ العقد - وبه قال الشافعي وأحمد(٤) - لاختلاف الأغراض باختلاف
____________________
(١) الاُم ٣ : ٣٣ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٧٢ ، المسألة ١٢٠.
(٢) الكافي ٥ : ٢٤٩ - ٢٥٠ / ٢٣ ، التهذيب ٧ : ١١٢ / ٤٨٥ ، الاستبصار ٣ : ٩٧ / ٣٣٥.
(٣) التهذيب ٧ : ١١٢ / ٤٨٦ ، الاستبصار ٣ : ٩٧ / ٣٣٦.
(٤) الحاوي الكبير ٥ : ١٣٩ - ١٤٠ ، حلية العلماء ٤ : ١٥٥ - ١٥٦ ، المغني ٤ : ١٨١ - ١٨٢ و ١٨٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٨٢ و ١٩٠.
الأشخاص ، كالمبيع. ولأنّها عوض يشار إليه بالعقد(١) ، فوجب أن يتعيّن كسائر الأعواض. ولأنّ الدراهم والدنانير تتعيّن في الغصب والوديعة فكذا هنا.
ولو أبدلها بمثلها أو بغير جنسها برضا البائع ، فهو كبيع المبيع من البائع.
وقال أبو حنيفة : لا تتعيّن بالعقد ، بل تتعيّن بالقبض ، ويجوز إبدالها بمثلها. وإذا تلفت قبل القبض ، لا ينفسخ العقد. وإذا وجد بها عيباً ، كان له الاستبدال ؛ لأنّه يجوز إطلاقه في العقد ، وما يجوز إطلاقه لا يتعيّن بالتعيين ، كالمكيال والصنجة. ولأنّه عوض في أعيانها(٢) .
والجواب : أنّ جواز الإطلاق ثبت لأنّ له عرفاً ينصرف إليه يقوم في بيانه مقام الصفة. والمكيال المراد(٣) به تقدير المعقود عليه ، وكلّ مكيال قُدّر به فهو مقدّر بمثله ، ولا يختلف ذلك ، وهنا تختلف أعيانها فافترقا.
والعوض ينتقض بما بعد القبض وبالوديعة وبالغصب وبالإرهان وكلّ متساوي الأجزاء.
مسألة ٢١٦ : إذا تقابضا الصرف ثمّ وجد أحدهما بما صار إليه عيباً ، فهو(٤) قسمان.
الأوّل : أن يكونا معيّنين. فإمّا أن يكون العيب من غير الجنس - كأنّ يشتري فضّة فيخرج رصاصاً ، أو ذهباً فيخرج نحاساً - أو من الجنس ، كأن
____________________
(١) في « ق ، ك» : في العقد.
(٢) بدائع الصنائع ٥ : ٢١٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٣٨ ، حلية العلماء ٤ : ١٥٦ ، المغني ٤ : ١٨٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٩٠.
(٣) في الطبعة الحجريّة : والمراد ، بزيادة الواو.
(٤) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : وهو. وما أثبتناه من تصحيحنا.
تكون الفضّة سوداء أو خشنة أو مضطربة السكّة مخالفة لسكّة السلطان.
فإن كان الأوّل ، بطل البيع - وبه قال الشافعي(١) - لأنّه غير ما اشتراه.
وكذا في غير الصرف لو باعه ثوباً على أنّه كتّان فخرج صوفاً ، أو بغلةً فخرجت حمارة ؛ لوقوع العقد على غير هذا الجنس. ويجب ردّ الثمن ، وليس له الإبدال ؛ لوقوع العقد على عين شخصيّة لا يتناول غيرها.
ولا الأرش ؛ لعدم وقوع الصحيح على هذه العين.
وقال بعض الشافعيّة : البيع صحيح ، ويتخيّر المشتري ؛ لأنّ البيع وقع على عينه(٢) . وليس بجيّد.
ولو كان البعض من غير الجنس ، بطل فيه ، وكان المشتري أو البائع بالخيار في الباقي بين الفسخ وأخذه بحصّته من الثمن بعد بسطه على الجنس وعلى الآخر لو كان منه ؛ لتبعّض الصفقة عليه.
وللشافعي فيه قولان : الصحّة والبطلان(٣) .
وإن كان الثاني ، تخيّر مَن انتقل إليه بين الردّ والإمساك ، وليس له المطالبة بالبدل ؛ لوقوع العقد على عين شخصيّة.
ثمّ إن كان العيب في الكلّ ، كان له ردّ الكلّ أو الإمساك ، وليس له ردّ البعض ؛ لتفرّق الصفقة على صاحبه.
وإن كان العيب في البعض ، كان له ردّ الجميع أو إمساكه.
وهل له ردّ البعض؟ الوجه : ذلك ؛ لانتقال الصحيح بالبيع ، وثبوت
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٣ ، حلية العلماء ٤ : ١٥٦ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٣٩ - ١٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٥ ، المغني ٤ : ١٧٨ - ١٧٩ ، الشرح الكبير ٤ : ١٨٢.
(٢) حلية العلماء ٤ : ١٥٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٥.
(٣) الحاوي الكبير ٥ : ١٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٥.
الخيار في الباقي لا يوجب فسخ البيع فيه.
ويحتمل المنع ؛ لتبعّض الصفقة في حقّ صاحبه.
وللشافعي قولان مبنيّان على تفريق الصفقة ، فإن قلنا : لا تفرّق ، ردّ الكلّ أو أمسكه. وإن قلنا : تفرّق ، ردّ المعيب وأمسك الباقي بحصّته من الثمن(١) .
ويجيء على مذهب الشافعيّة البطلان لو اشترى دراهم بدراهم فوجد في بعضها عيباً ؛ لأدائه إلى التفاضل ، لأنّ المعيب يأخذ من الثمن أقلّ ما يأخذ السليم ، فيكون الباقي متفاضلاً(٢) .
ثمّ إن اتّفق الثمن والمثمن في الجنس ، كالدراهم بمثلها ، والدنانير بمثلها ، لم يكن له الأرش ؛ لما بيّنّا من أنّ جيّد الجوهر ورديئه جنس واحد ، فلو أخذ الأرش ، بقي ما بعده مقابلاً لما هو أزيد منه مع اتّحاد الجنس ، فيكون ربا.
وإن كان مخالفاً ، كالدراهم بالدنانير ( كان له )(٣) المطالبة بالأرش مع الإمساك ما داما في المجلس ، فإن فارقاه فإن أخذ الأرش من جنس السليم ، بطل فيه ؛ لأنّه قد فات شرط الصرف ، وهو التقابض في المجلس. وإن كان مخالفاً ، صحّ ؛ لأنّه لا يكون صرفاً.
القسم الثاني : أن يكونا غير معيّنين بأن يتبايعا الدراهم بالدراهم أو الدنانير بالدنانير أو الدراهم بالدنانير في الذمّة ولا يعيّنان واحداً من العوضين وإنّما يعيّنانه في المجلس قبل التفرّق ، سواء وصفا العوضين أو
____________________
(١) الحاوي الكبير ٥ : ١٤٠ ، حلية العلماء ٤ : ١٥٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٥ - ١٥٦ ، المغني ٤ : ١٨١ - ١٨٢.
(٢) اُنظر : المغني ٤ : ١٨٢.
(٣) بدل ما بين القوسين في « ق ، ك» : فله.
أطلقا إذا كان للبلد نقد غالب ، مثل أن يقول : بعتك عشرة دراهم مستعصميّة بدينار مصريّ ، أو يقول : بعتك عشرة دراهم بدينار ، وكان لكلٍّ من الدراهم والدنانير نقدٌ غالب ، فإنّه يصحّ إجماعاً.
ولو لم يكن في البلد نقد غالب ، لم يصحّ الإطلاق ، ووجب بيان النوع ، فإذا تصارفا ، وجب تعيين ذلك في المجلس بتقابضهما.
فإن تقابضا ثمّ وجد أحدهما أو هُما عيباً فيما صار إليه ، فإن كان قبل التفرّق ، كان له مطالبته بالبدل ، سواء كان المعيب من جنسه أو من غير جنسه ؛ لوقوع العقد على مطلق سليم.
وإن كان بعد التفرّق ، فإن كان العيب من غير الجنس في الجميع ، بطل العقد ؛ للتفرّق قبل التقابض. وإن كان في البعض ، بطل فيه ، وكان في الباقي بالخيار.
وللشافعي قولا تفريق الصفقة(١) .
وإن كان العيب من جنسه ، كان له الإبدال - وبه قال الشافعي في أحد قوليه ، وأبو يوسف ومحمّد وأحمد(٢) - لأنّه لمـّا جاز إبداله قبل التفرّق جاز بعده ، كالمـُسْلَم فيه.
وفي الثاني : ليس له الإبدال - وهو قول المزني - وإلّا لجاز التفرّق في الصرف قبل القبض ، وهو باطل(٣) .
والملازمة ممنوعة ؛ لحصول القبض ، ولهذا لو رضي بالعيب ، لزم
____________________
(١) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٤ ، وروضة الطالبين ٣ : ١٥٦.
(٢) حلية العلماء ٤ : ١٥٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٣ - ٢٨٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٦.
(٣) مختصر المزني : ٧٨ ، حلية العلماء ٤ : ١٥٥ - ١٥٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٦.
البيع. فلو لم يكن اسم المبيع صادقاً عليه ، لما كان كذلك.
وهل له فسخ البيع؟ الوجه : أنّه ليس له ذلك إلّا مع تعذّر تسليم الصحيح ؛ لأنّ العقد تناول(١) أمراً كلّيّاً.
ويحتمل ثبوته ؛ لأنّ المطلق يتعيّن بالتقابض وقد حصل.
وله الإمساك مجّاناً وبالأرش مع اختلاف الجنس لا مع اتّفاقه ، وإلّا لزم الربا.
ومع الردّ هل يشترط أخذ البدل في مجلس الردّ؟ إشكال.
ولو كان العيب في بعضه ، كان له ردّ الكلّ أو المعيب خاصّة - خلافاً للشافعي في أحد قوليه(٢) - أو إمساكه مجّاناً وبالأرش مع اختلاف الجنس.
وإذا ردّه ، كان له المطالبة بالبدل ، والخلاف كما تقدّم في ظهور عيب الجميع.
وهل له فسخ العقد؟ على ما تقدّم من الاحتمال.
وقال الشافعي : إذا جوّزنا الإبدال ، لم يكن له الفسخ ، كالعيب في المسلم فيه. وإن لم نجوّزه ، كان له الخيار في الردّ والفسخ في الجميع.
وهل له ردّ البعض؟ مبنيّ على تفريق الصفقة(٣) .
وهل يشترط أخذ البدل في مجلس الردّ؟ إشكال ينشأ من أنّه صرف في البدل والمردود ، ومن عدمه.
ولو ظهر العيب بعد التقابض وتلف المعيب من غير الجنس ، بطل
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : يتناول.
(٢) الحاوي الكبير ٥ : ١٤٠ - ١٤١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٤ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٦.
الصرف ، ويردّ الباقي ، ويضمن التالف بالمثل أو القيمة. ولو كان من الجنس ، كان له أخذ الأرش إن اختلف الجنس ، وإلّا فلا ؛ لأنّه يكون ربا ، بل ينفسخ العقد بينهما ، ويردّ مثل التالف أو قيمته إن لم يكن له مثل ، ويسترجع الثمن الذي من جهته.
تذنيب : نقص السعر أو زيادته لا يمنع الردّ بالعيب ، فلو صارفة دراهم - وهي تساوي عشرة - بدينار ، فردّها وقد صارت تسعة بدينارٍ أو أحد عشر ، صحّ الردّ ولا ربا ، وليس للغريم الامتناع من الأخذ ؛ إذ العبرة في الردّ بالعين لا بالقيمة.
مسألة ٢١٧ : يجوز إخلاد أحد المتعاقدين إلى الآخر في قدر عوضه ، فيصحّ البيع فيما يشترط فيه القبض في المجلس قبل اعتباره ؛ لأصالة صدق العاقل ، واقتضاء عقله الامتناع من الإقدام على الكذب.
إذا تقرّر هذا ، فلو أخبره بالوزن فاشتراه ، صحّ العقد ؛ لأنّه كبيع المطلق ، لكن يخالفه في التعيين. فإن قبضه ثمّ وجده ناقصاً بعد العقد ، بطل الصرف مع اتّحاد الثمن والمثمن في الجنس ، سواء تفرّقا أو لا ؛ لاشتماله على الربا حيث باع العين الشخصيّة الناقصة بالزائدة.
أمّا لو اختلف الجنس فإنّ البيع لا يبطل من أصله ؛ لقبول هذا العقد التفاوت بين الثمن والمثمن ، فكان بمنزلة العيب ، بل يتخيّر مَنْ نقص عليه بين الردّ والأخذ بحصّته من الثمن أو بالجميع على ما تقدّم.
ولو وُجد زائداً واتّحد الجنس ، فإن عيّن بأن قال : بعتك هذا الدينار بهذا الدينار ، بطل البيع؛ لاشتماله على الربا. ولو لم يعيّن بأن قال : بعتك ديناراً بدينار ، ثمّ دفع إليه الزائد ، صحّ البيع ؛ لعدم تعيين هذا الزائد هنا ؛ لوقوع العقد على مطلق ، وتكون الزيادة في يد قابضها أمانةً ؛ لوقوعها في
يده من غير تعدّ منه بل بإذن مالكها.
ويحتمل أن تكون مضمونةً ؛ لأنّه قبض الدينار الزائد على أنّه عوض ديناره ، والمقبوض بالبيع الصحيح أو الفاسد مضمون على قابضه.
نعم ، لو دفع إليه أزيد من الثمن ليكون وكيله في تحقيق الزيادة أو ليزن حقّه منه في وقت آخر ثمّ يردّ الزائد ، فإن الزيادة هنا أمانة قطعاً.
ولو كان الثمن والمثمن متغايرين في الجنس ، صحّ البيع على ما تقدّم ، والزيادة لصاحبها. ولو كانت الزيادة لاختلاف الموازين ، فإنّها لقابضها ؛ لعدم الاعتداد بمثلها ، ولإمكان القبض في البعض.
تذنيب : لقابض الزيادة فسخ البيع للتعيّب بالشركة إن منعنا الإبدال مع التفرّق. ولو أسقطها الدافع ، لم يسقط الخيار ؛ إذ لا يجب عليه قبول الهبة. وكذا لدافعها الخيار ؛ إذ لا يجب عليه أخذ العوض. ولو تفرّقا(١) ، ردّ الزائد وطالب بالبدل.
مسألة ٢١٨ : قد بيّنّا أنّ جيّد الجوهر ورديئه جنس واحد ، وكذا صحيحه ومكسوره ، فيجوز بيع أحدهما بالآخر متساويا ، خلافا للشافعي على ما تقدّم(٢) .
ولا يجوز التفاضل ، فلو أراده ، وجب إدخال مخالف في الجنس بينهما. فلو أراد أن يشتري بدراهم صحاح دراهم مكسورة أكثر وزناً منها ، لم يجز إجماعاً ؛ لاشتمالها على الربا.
فإن باعها بذهب وقبضه ثمّ اشترى به مكسورة أو صحيحة أكثر ، جاز ذلك ، سواء كان ذلك عادةً أو لا ، عند علمائنا - وبه قال الشافعي
____________________
(١) كذا في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة ، والظاهر : ولو لم يتفرّقا.
(٢) في ص ٤١٩ ، المسألة ٢٠٧.
وأبو حنيفة(١) - لما رواه الجمهور أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب ، فقال النبيّصلىاللهعليهوآله : « أكلّ تمر خيبر هكذا؟ » فقال : لا والله يا رسول الله إنّا لنأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة ، فقال : « لا تفعل ، بِع الجَمْع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيباً »(٢) . والجنيب : أجود التمر. والجَمْع : كلّ لون من التمر لا يُعرف له اسم.
ومن طريق الخاصّة : ما رواه إسماعيل بن جابر عن الباقرعليهالسلام ، قال : سألته عن رجل يجيء إلى صيرفيّ ومعه دراهم يطلب أجود منها ، فيقاوله على دراهم تزيد كذا وكذا بشيء قد تراضيا عليه ، ثمّ يعطيه بَعْدُ بدراهمه دنانير ، ثمّ يبيعه الدنانير بتلك الدراهم على ما تقاولا عليه أوّل مرّة ، قال : « أليس ذلك برضا منهما معاً؟ » قلت : بلى ، قال : « لا بأس »(٣) .
وقال مالك : إن فعل ذلك مرّة واحدة ، جاز. وإن تكرّر ، لم يجز ؛ لأنّ ذلك يضارع الربا ويؤدّي إليه(٤) .
وهو ممنوع ؛ لأنّه باع الجنس بغيره نقداً فجاز ، كما لو كان مرّة. ولو كان ذلك ربا ، كان حراماً مرّةً وأكثر.
مسألة ٢١٩ : إذا باع الصحاح أو الأكثر وزناً بالذهب وتقابضا ثمّ اشترى بالذهب المكسَّرةَ أو الأقلّ وزناً ، صحّ البيع عندنا ؛ لعموم قولهعليهالسلام : « إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم »(٥) سواء تفرّقا بعد التقابض قبل العقد
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٦١ ، حلية العلماء ٤ : ١٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٨.
(٢) صحيح البخاري ٣ : ١٠٢ و ١٢٩ ، و ٥ : ١٧٨ - ١٧٩ ، صحيح مسلم ٣ : ١٢١٥ / ٩٥ ، سنن النسائي ٧ : ٢٧١ - ٢٧٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٩١.
(٣) التهذيب ٧ : ١٠٦ / ٤٥٥.
(٤) حلية العلماء ٤ : ١٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٨ ، المغني ٤ : ١٩٣.
(٥) الجامع لأحكام القرآن ١٠ : ٨٦.
الثاني أو لا ، وسواء تخايرا بينهما أو لا - وبه قال ابن سريج من الشافعيّة(١) - لأنّ دخولهما في العقد رضا به ، فجرى مجرى التخاير ، فيلزم الأوّل وينعقد الثاني.
وقال القفّال منهم : إنّه لا ينعقد البيع الثاني إلّا بعد التفرّق بعد التقابض قبل العقد الثاني أو التخاير بينهما ، إلّا على القول الذي يقول : إنّ الخيار لا يمنع انتقال الملك ، فأمّا إذا قلنا : يمنع انتقال الملك ، فلا يصحّ ؛ لأنّه باعه غير ملكه إلّا أنّ ذلك يكون قطعاً للخيار ، ويستأنفان العقد. والأوّل أصحّ ؛ لأنّ قصدهما للتبايع رضا به ، وجارٍ مجرى التخاير ؛ لما فيه من الرضا باللزوم(٢) .
وكذا لو اشترى جارية من رجل ثمّ زوّجها به في مدّة الخيار ، صحّ النكاح عندنا وعند أبي العباس بن سريج(٣) ، ويجري عند القفّال على الأقوال في الملك(٤) .
فروع :
أ - لو باعه من غير بائعه قبل التفرّق والتخاير ، صحّ عندنا ؛ لأنّ الملك قد حصل بالعقد ، ولهذا يكون النماء للمشتري ، وتزلزله لا يمنع من تصرّف المشتري.
وقال الشافعي : لا يصحّ ؛ لأنّه يسقط خيار البائع ، وليس له ذلك(٥) .
وهو ممنوع ؛ لأنّ صحّة البيع لا تنافي ثبوت الخيار لغير المتعاقدين.
____________________
(١) حلية العلماء ٤ : ١٨٩ - ١٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٨.
(٢ - ٤) لم نعثر عليه في مظانّه من المصادر المتوفّرة لدينا.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٨.
ب - لو باعه(١) الصحاحٍ بعوض غير النقدين ثمّ اشترى به المكسّرة ، صحّ مطلقا ، سواء تقابضا في المجلس أو لا ، تخايرا أو لا.
ج - تجوز الحيلة في انتقال الناقص بالزائد بغير البيع أيضاً بأن يقرضه الصحاح ويقترض منه المكسّرة بقدر قيمتها ثمّ يبرئ كلّ واحد منهما صاحبه ؛ لانتفاء البيع هنا ، فلا صرف ولا ربا. وكذا لو وهب كلٌّ منهما لصاحبه العين التي معه. وكذا لو باعه الصحاح بوزنها ثمّ وهب له الباقي من غير شرط. ولو جمع بينهما في عقد ، فالأقرب الجواز ، خلافاً للشافعي(٢) .
د - لو اشترى نصف دينار قيمته عشرون درهماً ومعه عشرة دفعها وقبض الدينار بأجمعه ليحصل قبض النصف ، ويكون نصفه له بالبيع والآخر أمانةً في يده ويسلّم الدراهم ، صحّ ، وبه قال الشافعي(٣) .
فإن اشتراه بأجمعه بعشرين ، دفع العشرة ثمّ استقرضها منه ، فيثبت في ذمّته مثلها.
وللشافعي فيه قولان :
أحدهما : هذا ، وهو الأصحّ ؛ لأنّ هذه الدراهم دفعها لما عليه من الدَّيْن ، وذلك تصرّف ، كما لو اشترى بها النصف الآخر من الدينار ؛ فإنّه يجوز ، ويكون ذلك تصرّفاً.
والثاني : المنع ؛ لأنّ القرض يملك بالتصرّف ، وهذه الدراهم لم يتصرّف فيها وإنّما ردّها(٤) إليه على حالها ، فكان ذلك فسخاً
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : باع.
(٢) لم نعثر على قوله في مظانّه من المصادر المتوفّرة لدينا.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٩.
(٤) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : ردّه. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
للقرض(١) . وهو ممنوع.
أمّا لو استقرض عشرة غيرها ودفعها عوضاً عن باقي الثمن ، جاز إجماعا.
ه- لو كان معه تسعة عشر درهما وأراد شراءه بعشرين ، فعلى ما تقدّم ، فإن لم يقرضه البائع وتقابضا وتفرّقا قبل تسليم الدرهم ، فسد الصرف فيه خاصّة ، وكان للبائع نصف عشر الدينار.
وللشافعي(٢) قولان في الفساد في الباقي ، فإن سوّغ تفريق الصفقة ، صحّ ، وإلّا فلا. نعم ، يثبت الخيار.
فإن أراد الخلاص من الخيار عندنا والفسخ عنده ، تفاسخا العقد قبل التفرّق ثمّ تبايعا تسعة عشر جزءاً من عشرين جزءاً من الدينار بتسعة عشر درهماً ، وسلّم(٣) الدينار ليكون الباقي أمانةً.
و - لو كان عليه دَيْن عشرة دنانير فدفع عشرة عدداً فوَزَنها فكانت أحد عشر ديناراً ، كان الزائد مضموناً على القابض مشاعاً ؛ لأنّه قبض ذلك على أن يكون بدلاً من دَيْنه ، وما يقبض على سبيل المعاوضة يكون مضموناً ، بخلاف الباقي لبائع الدينار في البيع في الفرع السابق ؛ لأنّه قبضه لصاحبه ، فكان أمانةً في يده.
ثمّ إن شاء طالبه بالدينار ، وإن شاء أخذ عوضه دراهم وقَبَضها في الحال ، وإن شاء أخذ عيناً غير النقدين ، وإن شاء أسلمه إليه في موصوف.
وهل له الاستعادة ودفع القدر لا غير؟ الأقرب : ذلك.
____________________
(١) حلية العلماء ٤ : ١٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٧٩.
(٢) لم نعثر على قوله فيما بين أيدينا من المصادر.
(٣) في الطبعة الحجريّة : يسلّم.
مسألة ٢٢٠ : تجوز المصارفة بما في الذمم ، فلو كان له على غيره ألف درهم وللغير عليه مائة دينار فتصارفا بهما ، صحّ الصرف. وكذا لو اتّفق الجنس وتساوى القدر وإن اختلفت الصفات ؛ عملاً بالأصل والنصوص.
وبما رواه عبيد بن زرارة - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يكون له عند الصيرفيّ مائة دينار ويكون للصيرفي عنده ألف درهم ، فيقاطعه عليها ، قال : « لا بأس »(١) .
ولا يشترط هنا التقابض ؛ لحصوله قبل البيع ، لكن لا يخلو من إشكال منشؤه اشتماله على بيع دَيْن بدَيْن.
ولو تباريا أو تصالحا ، جاز قطعاً.
إذا ثبت هذا ، فإنّه يجوز أيضاً اقتضاء أحد النقدين من الآخر ويكون مصارفة عين بدين بأن يكون له على غيره ألف درهم فيشتريها الغير منه بمائة دينار يدفعها إليه في المجلس ، لما تقدّم.
ولما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يكون عليه دنانير ، فقال : « لا بأس أن يأخذ بثمنها دراهم »(٢) .
وسأله في الرجل يكون له الدَّيْن دراهم معلومة إلى أجل فجاء الأجل وليس عند الذي حلّ عليه دراهم ، قال له : خُذْ منّي دنانير بصرف اليوم ، قال : « لا بأس »(٣) .
ولو لم يحصل قبض العين في المجلس حتى تفارقا قبله ، بطل الصرف ؛ لانتفاء شرطه.
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٠٣ / ٤٤٣.
(٢) التهذيب ٧ : ١٠٢ / ٤٣٧ ، الاستبصار ٣ : ٩٦ / ٣٢٧.
(٣) التهذيب ٧ : ١٠٢ / ٤٣٨ ، الاستبصار ٣ : ٩٦ / ٣٢٨.
مسألة ٢٢١ : لو دفع قضاء الدَّيْن على التعاقب من غير مساعرة ولا محاسبة ، كان له الإندار بسعر وقت القبض وإن كان مثليّاً ؛ لأنّه بإقباضه له عيّن حقّه فيه ، فيندر ما يساوي من مخالفه في تلك الحال من الدَّيْن الذي عليه.
ولما رواه إسحاق بن عمّار عن الكاظمعليهالسلام ، قال : قلت له : الرجل يكون له على الرجل الدنانير فيأخذ منه دراهم ثمّ يتغيّر السعر ، قال : « فهي له على السعر الذي أخذها يومئذٍ »(١) .
وعن يوسف بن أيّوب عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يكون له على رجل دراهم فيعطيه دنانير ولا يصارفه فتصير الدنانير بزيادة أو نقصان ، قال : « له سعر يوم أعطاه »(٢) .
إذا ثبت هذا ، فإنّه يحسب كلّ مقبوض في يوم بسعر ذلك اليوم ، سواء كان مثليّاً ، كالدراهم والدنانير والحنطة والشعير ، أو غير مثليّ ، وهو فيه أظهر.
أمّا لو لم يكن الدفع على وجه القضاء بأن يكون له عند صيرفيّ دينار فيأخذ منه دراهم لا على وجه الاقتضاء ولم يَجْرِ بينهما معاملة ولا بيع ، كان الدينار له والدراهم عليه ، فإن تباريا ذلك بعد أن يصير في ذمّة كلّ واحد منهما ما أخذه ، جاز ، وبه قال الشافعي(٣) .
مسألة ٢٢٢ : لو كان عنده دينار وديعةً فاشتراه من صاحبه بدراهم ، صحّ إذا دفع الدراهم في المجلس ، ولا يشترط ردّ الدينار وقبضه ثانياً ؛ لأنّه
____________________
(١) الفقيه ٣ : ١٨٤ / ٨٢٩ ، التهذيب ٧ : ١٠٧ / ٤٥٩.
(٢) التهذيب ٧ : ١٠٨ / ٤٦١.
(٣) الحاوي الكبير ٥ : ١٥٢.
مقبوض عنده ، فإن تفرّقا قبل قبض الدراهم ، بطل الصرف ، وكان الدينار مضموناً على مستودعه ، سواء علما وجود الدينار حال عقد البيع أو ظنّاه أو شكّا فيه ؛ لأنّ الأصل البقاء. أمّا لو علما عدمه حينئذٍ ، كان الصرف باطلاً.
وكذا حكم غير الصرف من البيوع والمعاوضات.
وقال الشافعي : إذا لم يقرّ الذي عنده الدينار أنّه استهلكه حتى يكون ضامناً ولا أنّه في يده ، لم يصحّ الصرف ؛ لأنّه غير مضمون ولا حاضر ، ويجوز أن يكون هلك في ذلك الوقت ، فيبطل الصرف ، أمّا إذا علما البقاء ، صحّ الصرف(١) .
وهو ممنوع ، لأنّ الأصل البقاء ، وظنّه كافٍ.
فروع :
أ - إذا اشترى ديناراً بدينار وتقابضا ومضى كلٌّ منهما يزن الدينار الذي قبضه ، صحّ إذا اشتمل المقبوض على الحقّ ، سواء زاد عليه أو ساواه ، وقد تقدّم(٢) .
وقال الشافعي : لا يصحّ مع الجهل إلّا إذا عرف أحدهما وزن الدينار وصدّقه الآخر ، فلو وزن أحدهما فوجد المقبوض ناقصاً ، بطل الصرف ؛ لاشتماله على عوضين متفاضلين(٣) .
ب - لو اشترى دراهم بدنانير فقال له آخر : ولّني نصفها بنصف الثمن ، صحّ ؛ لأنّ التولية بيع.
____________________
(١) الاُم ٣ : ٣١ - ٣٢.
(٢) في ص ٤١٨ ، المسألة ٢٠٦.
(٣) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.
ولو قال : اشتر عشرين درهماً بدينار لنفسك وولّني نصفها بنصف الدينار ، لم يصح ؛ لأنّ التولية بيع ، ولا يصحّ البيع قبل التملّك ، وبه قال الشافعي ؛ لعلّة المنع من بيع الغائب(١) .
ج - لو باعه بنصف دينار ، دفع المشتري شقّ دينار ؛ لأنّه حقيقة فيه ، ولا يلزمه نصف دينار صحيح ، إلّا أن يريده عرفاً أو يغلب العرف فيه ، فينصرف الإطلاق إليه ، كما انصرف في نصف درهم وربع درهم. ولو لم يغلب العرف في أحدهما ، وجب التعيين ، فإن أخلّا به ، بطل ؛ للجهالة.
فإن باعه شيئاً آخر بنصف دينار مطلق ، جاز ، ووجب شقّ دينار مثل الأوّل.
فإن أعطاه شقّي دينار ، بريء منه. وإن أعطاه ديناراً صحيحاً ، فقد زاده خيراً.
ولو باعه الثاني بنصف دينار على أن يعطيه الأوّل والثاني صحيحاً ، جاز ، ولزمه دفع صحيح؛ عملاً بالشرط السائغ شرعاً ، سواء كان البيع الثاني بعد لزوم الأوّل أو قبله في المجلس.
وقال الشافعي : إن كان البيع الثاني بعد لزوم الأوّل ، فسد الثاني ؛ لأنّ الزيادة لا تلزم في الأوّل وقد شرطها في الثاني. وإن كان ذلك قبل التفرّق ، فسد الأوّل والثاني(٢) .
وهو مخالف لقولهعليهالسلام : « المؤمنون عند شروطهم »(٣) .
د - لو باعه ثوباً بمائة درهم من صرف عشرين درهماً بدينار ، بطل ؛ لأنّ المسمّى هو الدراهم وهي مجهولة ؛ لأنّ وصف قيمتها لا تصير به معلومةً ، ولو كان نقد البلد صرف عشرين بدينار ، لم يصحّ أيضاً ؛ لأنّ
____________________
(١ و ٢) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.
(٣) التهذيب ٧ : ٣٧١ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٢٣٢ / ٨٣٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ٣٣.
السعر يختلف ، ولا يختصّ ذلك بنقد البلد.
وكذا ما يفعلونه الآن يسمّون الدراهم وإنّما يبيعون الدنانير ويكون كلّ قدر معلوم من الدراهم عندهم ديناراً. وهو باطل ؛ لأنّ الدراهم لا يعبّر بها عن الدنانير لا حقيقةً ولا مجازاً ، مع أنّ البيع بالكناية باطل ، بل يجب التصريح.
والأقوى عندي : أنّ صرف العشرين بالدينار إذا كان واحدا معيّنا معلوما للمتعاقدين ، صحّ البيع ، وانصرف الثمن إليه ، كما لو كانت الإماميّة عشرين بدينار ، وغيرها أزيد أو أنقص ، فباعه بدراهم صرفها عشرون بدينار ، انصرف إلى الإماميّة عرفاً ؛ لما رواه الحلبي - في الحسن - عن الصادقعليهالسلام قال : « اشترى أبي أرضا واشترط على صاحبها أن يعطيه ورقا كلّ دينار بعشرة دراهم »(١) .
مسألة ٢٢٣ : لو باعه بدينار غير درهم نسيئةً ممّا يتعامل الناس به وقت الأجل ، بطل البيع؛ للجهالة.
ولما رواه السكوني عن الصادق عن الباقر عن علي بن أبي طالب : : في الرجل يشتري السلعة بدينار غير درهم إلى أجل ، قال : « فاسد ، فلعلّ الدينار يصير بدرهم »(٢) .
أمّا لو استثنى الدرهم الآن وكان معلوم النسبة إلى الدينار ، صحّ البيع.
ولو كان البيع نقداً وجهل النسبة ، بطل أيضاً البيعُ ؛ لجهالة الثمن.
وكذا لو باعه بما يتجدّد من النقد ، ولو قدّر الدرهم من الدينار ، صحّ.
والأولى في ذلك كلّه استثناء جزء من الدينار ؛ لما رواه وهب عن
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٤٩ / ١٨ ، التهذيب ٧ : ١١٢ / ٤٨٢.
(٢) التهذيب ٧ : ١١٦ / ٥٠٢.
الصادق عن الباقرعليهماالسلام أنّه كره أن يشتري الرجل بدينار إلّا درهماً وإلّا درهمين نسيئةً ، ولكن يجعل ذلك بدينارٍ إلّا ثلثاً وإلّا ربعاً وإلّا سدساً أو شيئاً يكون جزءاً من الدينار(١) .
والأصل جهالة النسبة ، فإنّها المانعة من الصحّة.
وكذا لو كان الثمن حالّاً وجهل النسبة ، لانتفاء شرط البيع ، وهو العلم بقدر الثمن.
روى حمّاد بن ميسر عن الصادقعليهالسلام عن أبيه الباقرعليهالسلام أنّه كره أن يشتري الثوب بدينار غير درهم ، لأنّه لا يدري كم الدينار من الدرهم(٢) .
وكذا لو باعه ثوباً بمائة درهم إلّا ديناراً ، لم يصح ؛ لجهالة الثمن ، لأنّه لا يعلم كم حصّة الدينار من المائة ، ولا يعلم كم يبقى منها ثمناً.
أمّا لو أقرّ بذلك ، صحّ ؛ لأنّ الإقرار بالمجهول صحيح.
ولو قيل بالجواز مع إرادة العرف من إطلاق الدينار على عددٍ معلوم من الدراهم ، كان أقرب.
تذنيب : لو قال لصائغٍ : صُغ لي خاتماً من فضّة فيه درهم لاُعطيك درهماً واُجرتك ، فصاغه ، لم يكن بيعاً ، والخاتم للصائغ ؛ لأنّه اشترى فضّة مجهولة بفضّةً مجهولة وتفرّقا قبل القبض ، وله بعد فراغه ابتياعه بمهما شاء.
مسألة ٢٢٤ : روي جواز ابتياع درهم بدرهم ، ويشترط عليه صياغة خاتم(٣) .
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١١٦ / ٥٠٣.
(٢) التهذيب ٧ : ١١٦ / ٥٠٤.
(٣) اُنظر : الكافي ٥ : ٢٤٩ / ٢٠ ، والتهذيب ٧ : ١١٠ / ٤٧١.
ولست أرى به بأساً ؛ لانتفاء الربا هنا ؛ إذ الشرط ليس جزءاً من أحد العوضين ، ولو كان كذلك ، لبطل كلّ عقد تضمّن شرطاً ؛ لاستلزامه الجهالة في العوض.
ومَنَعه بعض(١) علمائنا ، قال : فإن صحّت هذه الرواية ، وجب الاقتصار على هذه الصورة ، ولا يجوز التعدية.
تذنيب : لو اشترى ثوباً بعشرين درهماً غير معيّنة ودَفَعها ، ووزنُها أكثر من عشرين وأخذ بدل الباقي منه فضّةً ، جاز.
ولو شرط في بيع الثوب أن يعطيه صحاحاً ويأخذ بدل ما يفضل من وزنها فضّةً ، جاز عندنا ، خلافاً للشافعي ؛ لأنّه شرط بيعاً في بيع ، وذلك غير جائز(٢) . وهو ممنوع.
____________________
(١) لم نتحقّقه ، وانظر : شرائع الإسلام ٢ : ٥٠.
(٢) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.
الفهرس
القاعدة الثانية : في العقود كتاب البيع ، وفيه مقاصد : الأوّل : في أركانه ، وفيه فصول : الأوّل : في ماهيّته ٦
الفصل الثاني في الصيغة مسألة ١ : ٨
مسألة ٢ : ٩
فروع : ١١
الفصل الثالث في المتعاقدين مسألة ٣ : ١٢
فروع : ١٣
مسألة ٤ : فروع : ١٤
مسألة ٥ : ١٥
فروع : ١٦
مسألة ٦ : ٢٠
فروع : ٢١
مسألة ٧ : ٢٤
الفصل الرابع : العوضان مسألة ٨ : ٢٦
مسألة ٩ : ٢٧
فروع : ٢٨
مسألة ١٠ : مسألة ١١ : ٣٢
فروع : ٣٣
مسألة ١٢ : ٣٤
مسألة ١٣ : ٣٥
الشرط الثاني : المنفعة مسألة ١٤ : مسألة ١٥ : ٣٦
مسألة ١٦ : ٣٧
مسألة ١٧ : ٣٨
مسألة ١٨ : مسألة ١٩ : ٣٩
الشرط الثالث : الملك مسألة ٢٠ : ٤٠
فروع : ٤١
مسألة ٢١ : مسألة ٢٢ : ٤٢
مسألة ٢٣ : ٤٣
مسألة ٢٤ : ٤٦
مسألة ٢٥ : مسألة ٢٦ : ٤٧
الشرط الرابع : القدرة على التسليم ٤٩
فروع : ٥٠
مسألة ٢٧ : ٥١
مسألة ٢٨ : ٥٢
مسألة ٢٩ : مسألة ٣٠ : ٥٣
الشرط الخامس : العلم بالعوضين مسألة ٣١ : ٥٤
فروع : ٥٥
مسألة ٣٢ : فروع : ٥٩
مسألة ٣٣ : ٦٠
فروع : ٦١
مسألة ٣٤ : ٦٢
فروع : ٦٣
مسألة ٣٥ : مسألة ٣٦ : ٦٤
تذنيب : ٦٥
مسألة ٣٧ : ٦٦
مسألة ٣٨ : تذنيب : ٦٧
مسألة ٣٩ : ٦٨
فروع : ٦٩
مسألة ٤٠ : ٧٠
مسألة ٤١ : مسألة ٤٢ : ٧٢
مسألة ٤٣ : مسألة ٤٤ : ٧٤
مسألة ٤٥ : ٧٥
فروع : ٧٦
مسألة ٤٦ : ٧٧
فروع : ٧٨
مسألة ٤٧ : ٨٥
فروع : ٨٦
مسألة ٤٨ : ٩٠
مسألة ٤٩ : ٩١
مسألة ٥٠ : ٩٢
مسألة ٥١ : ٩٣
مسألة ٥٢ : ٩٤
مسألة ٥٣ : مسألة ٥٤ : ٩٥
فروع : ٩٦
مسألة ٥٥ : ٩٧
فروع : ٩٨
مسألة ٥٦ : تذنيب : ٩٩
مسألة ٥٧ : مسألة ٥٨ : ١٠٠
تذنيب : ١٠١
الشرط السادس : عدم النهي الأوّل : ماهيّة القبض ١٠٢
مسألة ٥٩ : مسألة ٦٠ : ١٠٤
فروع : ١٠٥
النظر الثاني : في وجوبه(١) ١٠٩
مسألة ٦١ : ١١٠
فروع : ١١٢
مسألة ٦٢ : النظر الثالث : في حكمه ١١٣
تذنيب : ١١٤
مسألة ٦٣ : مسألة ٦٤ : ١١٥
فروع : مسألة ٦٥ : ١١٧
فروع : المطلب الثاني : في التصرّفات مسألة ٦٦ : ١٢٠
فروع : ١٢٣
مسألة ٦٧ : ١٢٧
مسألة ٦٨ : ١٢٨
مسألة ٦٩ : ١٣٠
مسألة ٧٠ : ١٣٢
مسألة ٧١ : ١٣٣
مسألة ٧٢ : القسم الثاني : الربا ١٣٤
مسألة ٧٣ : ١٣٦
مسألة ٧٤ : مسألة ٧٥ : ١٣٧
مسألة ٧٦ : ١٤١
مسألة ٧٧ : ١٤٤
فروع : ١٤٧
مسألة ٧٨ : ١٤٩
مسألة ٧٩ : تذنيب : ١٥١
مسألة ٨٠ : ١٥٢
فروع : ١٥٣
مسألة ٨١ : ١٥٦
فروع : ١٥٧
مسألة ٨٢ : ١٥٩
فروع : ١٦١
مسألة ٨٣ : ١٦٢
مسألة ٨٤ : ١٦٤
فروع : ١٦٨
مسألة ٨٥ : ١٦٩
فروع : ١٧٠
مسألة ٨٦ : ١٧١
فروع : ١٧٣
مسألة ٨٧ : ١٧٧
مسألة ٨٨ : مسألة ٨٩ : ١٧٩
مسألة ٩٠ : ١٨١
مسألة ٩١ : مسألة ٩٢ : ١٨٢
فروع : ١٨٤
مسألة ٩٣ : ١٨٦
فروع : ١٨٧
مسألة ٩٤ : ١٨٩
فروع : ١٩١
مسألة ٩٥ : تذنيب : ١٩٤
المطلب الثاني : في شرط التقدير مسألة ٩٦ : ١٩٥
فروع : ١٩٨
مسألة ٩٧ : فروع : ٢٠٠
[ الأمر الثاني ](٣) : في الأحكام مسألة ٩٨ : ٢٠٢
فروع : ٢٠٣
مسألة ٩٩ : ٢٠٤
مسألة ١٠٠ : مسألة ١٠١ : ٢٠٦
مسألة ١٠٢ : مسألة ١٠٣ : مسألة ١٠٤ : ٢٠٧
مسألة ١٠٥ : ٢٠٨
فروع : ٢٠٩
مسألة ١٠٦ : ٢١٠
مسألة ١٠٧ : ٢١٣
مسألة ١٠٨ : ٢١٤
مسألة ١٠٩ : ٢١٥
فروع : مسألة ١١٠ : ٢١٦
فروع : ٢١٨
مسألة ١١١ : ٢٢٢
مسألة ١١٢ : ٢٢٥
تذنيب : مسألة ١١٣ : ٢٢٧
فروع : ٢٢٨
مسألة ١١٤ : مسألة ١١٥ : ٢٣٤
فروع : ٢٣٦
مسألة ١١٦ : ٢٣٨
فروع : ٢٤٠
القسم الرابع : النهي عن بيع وشرط ٢٤٦
مسألة ١١٧ : ٢٤٨
مسألة ١١٨ : ٢٥١
فروع : ٢٥٢
مسألة ١١٩ : ٢٥٤
فروع : ٢٥٦
مسألة ١٢٠ : ٢٥٧
فروع : ٢٥٨
مسألة ١٢١ : ٢٦٠
فروع : ٢٦١
مسألة ١٢٢ : ٢٦٢
فروع : ٢٦٣
مسألة ١٢٣ : فروع : ٢٦٤
مسألة ١٢٤ : ٢٦٥
فروع : ٢٦٧
مسألة ١٢٥ : ٢٧٦
فروع : ٢٧٧
مسألة ١٢٦ : ٢٨٠
مسألة ١٢٧ : ٢٩٣
مسألة ١٢٨ : ٢٩٤
فروع : ٢٩٧
مسألة ١٢٩ : ٣٠٠
مسألة ١٣٠ : ٣٠٢
مسألة ١٣١ : ٣٠٣
المقصد الثاني : في أنواع البيع الأوّل : في الحيوان وفيه مطلبان : ٣٠٦
مسألة ١٣٢ : مسألة ١٣٣ : ٣٠٨
مسألة ١٣٤ : مسألة ١٣٥ : ٣٠٩
المطلب الثاني : في الأحكام مسألة ١٣٦ : مسألة ١٣٧ : ٣١١
فروع : ٣١٢
مسألة ١٣٨ : ٣١٣
مسألة ١٣٩ : ٣١٥
مسألة ١٤٠ : ٣١٦
مسألة ١٤١ : ٣١٨
فروع : ٣٢٠
مسألة ١٤٢ : ٣٢٣
مسألة ١٤٣ : ٣٢٥
فروع : ٣٢٦
مسألة ١٤٤ : ٣٢٧
مسألة ١٤٥ : ٣٢٨
مسألة ١٤٦ : ٣٢٩
مسألة ١٤٧ : مسألة ١٤٨ : ٣٣٠
مسألة ١٤٩ : ٣٣١
تذنيب : مسألة ١٥٠ : ٣٣٢
فروع : ٣٣٤
مسألة ١٥١ : مسألة ١٥٢ : ٣٣٩
مسألة ١٥٣ : ٣٤٢
مسألة ١٥٤ : مسألة ١٥٥ : مسألة ١٥٦ : ٣٤٣
الفصل الثاني في الثمار الأوّل : في ثمرة النخل ٣٤٦
مسألة ١٥٧ : ٣٤٨
تذنيب : ٣٥١
مسألة ١٥٨ : ٣٥٢
مسألة ١٥٩ : ٣٥٤
مسألة ١٦٠ : تذنيب : ٣٥٥
مسألة ١٦١ : ٣٥٦
مسألة ١٦٢ : مسألة ١٦٣ : ٣٥٧
مسألة ١٦٤ : مسألة ١٦٥ : ٣٥٩
الثاني : في ثمرة الأشجار مسألة ١٦٦ : مسألة ١٦٧ : ٣٦٠
مسألة ١٦٨ : ٣٦١
مسألة ١٦٩ : ٣٦٣
مسألة ١٧٠ : ٣٦٤
مسألة ١٧١ : تذنيب : ٣٦٥
المطلب الثاني : في الأحكام مسألة ١٧٢ : ٣٦٦
مسألة ١٧٣ : ٣٦٧
مسألة ١٧٤ : ٣٦٨
مسألة ١٧٥ : ٣٦٩
فروع : ٣٧٠
مسألة ١٧٦ : ٣٧١
فروع : ٣٧٢
مسألة ١٧٧ : ٣٧٣
فروع : ٣٧٤
مسألة ١٧٨ : ٣٧٥
فروع : ٣٧٦
مسألة ١٧٩ : ٣٧٩
مسألة ١٨٠ : مسألة ١٨١ : ٣٨١
فروع : ٣٨٢
مسألة ١٨٢ : ٣٨٣
تذنيب : ٣٨٤
مسألة ١٨٣ : ٣٨٥
فروع : ٣٨٦
مسألة ١٨٤ : ٣٨٨
فروع : ٣٩١
مسألة ١٨٥ : ٣٩٤
مسألة ١٨٦ : ٣٩٥
مسألة ١٨٧ : ٣٩٦
فروع : ٣٩٨
مسألة ١٨٨ : ٤٠١
مسألة ١٨٩ : ٤٠٢
مسألة ١٩٠ : مسألة ١٩١ : ٤٠٣
مسألة ١٩٢ : ٤٠٤
مسألة ١٩٣ : فروع : ٤٠٥
مسألة ١٩٤ : ٤٠٦
مسألة ١٩٥ : ٤٠٧
مسألة ١٩٦ : ٤٠٨
مسألة ١٩٧ : مسألة ١٩٨ : ٤٠٩
مسألة ١٩٩ : تذنيب : مسألة ٢٠٠ : ٤١٠
مسألة ٢٠١ : ٤١١
الفصل الثالث في الصرف مسألة ٢٠٢ : ٤١٤
فروع : ٤١٥
مسألة ٢٠٣ : ٤١٧
مسألة ٢٠٤ : مسألة ٢٠٥ : ٤١٨
مسألة ٢٠٦ : ٤١٩
مسألة ٢٠٧ : ٤٢٠
مسألة ٢٠٨ : ٤٢١
مسألة ٢٠٩ : مسألة ٢١٠ : ٤٢٣
مسألة ٢١١ : مسألة ٢١٢ : مسألة ٢١٣ : ٤٢٤
تذنيب : ٤٢٥
مسألة ٢١٤ : ٤٢٦
تذنيب : مسألة ٢١٥ : ٤٢٨
مسألة ٢١٦ : ٤٢٩
القسم الثاني : ٤٣١
تذنيب : مسألة ٢١٧ : ٤٣٤
تذنيب : مسألة ٢١٨ : ٤٣٥
مسألة ٢١٩ : ٤٣٦
فروع : ٤٣٧
مسألة ٢٢٠ : ٤٤٠
مسألة ٢٢١ : مسألة ٢٢٢ : ٤٤١
فروع : ٤٤٢
مسألة ٢٢٣ : ٤٤٤
تذنيب : مسألة ٢٢٤ : ٤٤٥
تذنيب : ٤٤٦
الفهرس ٤٤٨