تَذْكِرَةُ الْفُقَهاءِ
الجزء الثاني عشر
تأليْفُ : العَلّامِةَ الحِليْ
بسم الله الرحمن الرحيم
المقصد الخامس : في تفريق الصفقة
مسالة ٥٥٠ : إذا جمع بين الشيئين ، فإمّا أن يجمع بينهما في عقدٍ واحد أو في عقدين ، فالأوّل إمّا أن يقع التفريق في الابتداء أو في الانتهاء.
والأوّل إن جمع بين شيئين يمتنع الجمع بينهما من حيث هو جمع ، فالعقد باطل قطعاً في الجميع ، كما لو جمع بين أختين في النكاح.
وإن لم يكن كذلك ، فإمّا أن يجمع بين شيئين كلّ واحد قابل لما أورده عليه من العقد ، أو لا يكون كذلك ، فالأوّل كما لو جمع بين عينين في البيع ، صحّ العقد عليهما.
ثمّ إن كانا من جنسين - كعبدٍ وثوب - أو من جنس واحد لكن قيمتهما مختلفة - كعبدين - يوزّع الثمن عليهما باعتبار القيمة.
وإن كانا من جنس واحد واتّفقت قيمتهما - كقفيزي حنطة(١) واحدة - يوزّع عليهما باعتبار الأجزاء.
وإن كان الثاني ، فإمّا أن لا يكون واحد منهما قابلاً لذلك العقد - كما لو باع خمراً وميتةً - فهو باطل قطعاً ، وإمّا أن يكون أحدهما قابلاً.
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « كقفيزين من حنطة ».
فالذي هو غير قابل ضربان :
أحدهما : أن يكون متقوّماً ، كما لو باع عبده وعبد غيره صفقة واحدة ، صحّ البيع ، ووقف البيع في عبد غيره ، فإن أجازه الغير ، وإلّا بطل.
والثاني : أن لا يكون متقوّماً ، فإمّا أن يتأتّى تقدير التقويم فيه من غير فرض تغيير في الخلقة ، كما لو باع عبداً وحُرّا ، فإنّ الحُرّ غير متقوّم ، لكن يمكن تقدير القيمة فيه بفرض العبوديّة من غير تغيّر في الخلقة ، ويصحّ البيع في العبد. وإمّا أن لا يتأتّى تقدير التقويم فيه من غير فرض تغيّر في الخلقة ، كما لو باع خَلّاً وخمراً ، أو مذكّاةً وميتةً ، أو شاةً وخنزيراً ، فإنّه يصحّ البيع في الخَلّ والمذكّاة والشاة.
إذا عرفت هذا ، فنقول : إذا باع عبده وعبد غيره صفقةً واحدة ، صحّ البيع في عبده ، ولا يقع البيع باطلاً فيه ، ويقف العقد في عبد الغير ، فإن أجاز البيع فيه ، لزم. وإن فسخ ، بطل ، ويتخيّر المشتري حينئذٍ بين فسخ البيع في الجميع وبين أخذ عبده بقسطه من الثمن ، ذهب إليه علماؤنا - وهو أحد قولي الشافعي ، وبه قال مالك وأبو حنيفة(١) - لأنّ كلّ واحد منهما لو انفرد بالعقد ، ثبت له حكمه ، فإذا جمع بينهما ، وجب أن يثبت لكلّ منهما حكم الانفراد ؛ لأنّ العلّة لهذا الحكم هو الماهيّة ، وهي باقية حالة الجمع ، فثبت مقتضاها ، كما لو باع شقصاً مشفوعاً وعبداً ، ثبتت الشفعة في الشقص دون العبد ، كما لو انفرد.
ولأنّ الصفقة اشتملت على صحيح وفاسد ، فانعقد التصحيح(٢) في
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٦ ، المجموع ٩ : ٣٨١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٩٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٣٨ - ١٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٩ و ١٤١ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٨ ، المغني ٤ : ٣١٥ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٣.
(٢) كذا في « س ، ي » والطبعة الحجريّة. وفي نسخة من الكتاب - المحقّقة المطبوعة سنة ١٣٧٥ ه في النجف الأشرف - : « الصحيح ».
الصحيح وقصر الفاسد على الفاسد ، كما إذا شهد عدل وفاسق ، لا يقضى بردّ الشهادتين ولا بقبولهما ، بل تلك مقبولة وهذه مردودة. ولو أخبر بصدق وكذب في خبرٍ واحد ، لا يقضى بصدقهما ولا بكذبهما.
ولما رواه محمد بن الحسن الصفّار عن العسكريعليهالسلام : كتب إليه في رجل كانت له قطاع أرضين فحضره الخروج إلى مكّة ، والقرية(١) على مراحل من منزله ولم يكن له من المقام ما يأتي بحدود أرضه ، وعرّف حدود القرية الأربعة فقال للشهود : اشهدوا أنّي قد بعت من فلان - يعني المشتري - جميع القرية التي حدّ منها والثاني والثالث والرابع ، وإنّما له في هذه القرية قطاع أرضين فهل يصلح للمشتري ذلك وإنّما له بعض القرية وقد أقرّ له بكلّها؟ فوقّععليهالسلام « لا يجوز بيع ما ليس يملك ، وقد وجب الشراء من البائع على ما يملك »(٢) .
والقول الثاني للشافعي : أنّه يبطل البيع في الجميع(٣) .
وعن أحمد روايتان(٤) .
واختلفت الشافعيّة في التعليل :
فقال بعضهم : لأنّ اللفظة واحدة لا يتأتّى تبعيضها ، فإمّا أن يغلب
____________________
(١) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « والمدينة » بدل « والقرية ». وما أثبتناه من المصادر.
(٢) التهذيب ٧ : ١٥٠ - ١٥١ / ٦٦٧ ، وفي الكافي ٧ : ٤٠٢ / ٤ ، والفقيه ٣ : ١٥٣ ، ٦٧٤ بتفاوت يسير.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٦ ، المجموع ٩ : ٣٨١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٩٥ - ٤٩٦ ، حلية العلماء ٤ : ١٣٨ - ١٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٨ - ٨٩ ، المغني ٤ : ٣١٥ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٣.
(٤) المغني ٤ : ٣١٥ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤١ ، المجموع ٩ : ٣٨٨.
حكم الحرام على الحلال أو بالعكس ، والأوّل أولى ؛ لأنّ تصحيح العقد في الحرام ممتنع ، وإبطاله في الحلال غير ممتنع. ولو باع درهماً بدرهمين أو تزوّج باُختين ، حكم بالفساد ؛ تغليباً للحرمة على الحلّ.
وقال بعضهم : إنّ الثمن المسمّى يتوزّع عليهما باعتبار القيمة ولا يدرى حصّة كلّ واحد منهما عند العقد ، فيكون الثمن مجهولاً ، وصار كما لو قال : بعتك عبدي هذا بما يقابله من الألف إذا وزّع عليه وعلى عبد فلان ، فإنّه لا يصحّ(١) .
ونقلوا عن الشافعي قوليه في أنّ العلّة هذه أم تلك؟(٢) .
والجواب : الفرق بين الدرهمين والاُختين وبين صورة النزاع ظاهر ؛ لأنّ أحد الدرهمين وإحدى الاُختين ليست أولى بالفساد من الاُخرى ، فلهذا أفسدنا العقد فيهما ، وهنا بخلافه ؛ لأنّ الفساد تعيّن في إحدى الصورتين بعينها دون الاُخرى. والعوض ليس مجهولاً ، لأنّه جعل الجميع في مقابلة الجميع ، فسقوط بعضه لا يجعله مجهولاً ، كأرش العيب.
مسالة ٥٥١ : لا فرق عندنا بين أن يكون المضموم إلى ما يصحّ بيعه ما لا يصحّ بيعه بنصٍّ أو إجماع ، كما في العبد والحُرّ ، أو ما ثبت التحريم فيه بغيرهما ، كما لو اشترى أمةً واُمَّ ولد ، وبه قال الشافعي(٣) ، لكن عندنا يصحّ البيع فيما يصحّ فيه البيع ، ويتخيّر المشتري بعد العلم ، فيبطل في الباقي.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٦ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٩٦ ، حلية العلماء ٤ : ١٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٩.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٠.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٩ و ١٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٩ ، المجموع ٩ : ٣٨١.
وللشافعي القولان السابقان(١) .
وقال أبو حنيفة : إن كان الفساد في أحدهما ثبت بنصٍّ أو إجماع كالحُرّ والعبد ، فسد في الكلّ. وإن كان قد ثبت بغير ذلك ، فسد فيما لا يجوز ، وصحّ فيما يجوز ، كالأمة واُمّ الولد. وإذا باع ماله ومال غيره ، صحّ في ماله ، ووقف في مال غيره على الإجازة(٢) .
وقال فيمن باع مذكّى و [ ما ](٣) ترك عليه التسمية عمداً : إنّه لا يصحّ في الكلّ(٤) . وخالفه أبو يوسف ومحمد(٥) .
وقالوا(٦) فيمن باع عبداً بخمسمائة نقداً ، وخمسمائة إلى العطاء ، أو ديناً على غيره : فسد في الكلّ ، لأنّ الفساد في الثمن ، والثمن كلّ جزء منه يقابل جميع المبيع(٧) . وهو ممنوع.
قال أبو حنيفة : إذا باع عبده ومكاتَبه ، فقد دخلا في العقد. وكذا الأمة واُمّ الولد ؛ لأنّ بيع اُمّ الولد تلحقه الإجازة ، وهو أن يحكم حاكم بصحّة بيعه ، فإذا دخلا فيه ثمّ فسد في أحدهما ، لعدم الإجازة ، لم يفسد في الآخَر ، كما لو باع عبدين فتلف أحدهما ، لم ينفسخ العقد في الآخَر. وأمّا
____________________
(١) في ص ٦ و ٧.
(٢) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٥٠ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٦٧ ، ١٢٤٧ ، حلية العلماء ٤ : ١٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤١ ، المجموع ٩ : ٣٨٨.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « من ». والصحيح ما أثبتناه.
(٤) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٥٠ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٣٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٤٣ ، المجموع ٩ : ٣٨٨.
(٥) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٥٠ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٣٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٤٣.
(٦) كذا ، وفي المصدر : « قال » بدل « قالوا ».
(٧) حلية العلماء ٤ : ١٤٣.
إذا باع حُرّاً وعبداً ، فسد فيهما ؛ لأنّ الفساد في نفس العقد ، وقبول أحدهما شرط في قبول الآخَر ، ألا ترى أنّه لا يجوز أن يقبل في أحدهما ، فإذا فسد في أحدهما ، فسد في الآخَر(١) .
وهو ممنوع ؛ لأنّه لا يدخل في العقد ، وحكم الحاكم إذا وجد حكم بصحّة العقد من حين وجد ، وقبل ذلك هو فاسد. ولا يقف العقد عند الشافعي على الإجازة ، والقبول لا يصحّ في بعض المعقود عليه ، لإمكانه في الجميع ، وهنا لا يصحّ الإيجاب إلّا في أحدهما ، ولهذا صحّ القبول فيه خاصّة ، ويبطل [ بما ](٢) إذا باع المذكّى وما لم يسمّ عليه.
مسالة ٥٥٢ : لو باع عبداً وحُرّاً ، صحّ البيع في العبد خاصّة بقسطه من الثمن ، وذلك بأن يفرض الحُرّ عبداً وينظر قيمتهما ثمّ يبسط المسمّى عليهما ، ويبطل ما قابل الحُرّ ، ويتخيّر المشتري مع الجهل.
وللشافعيّة في صحّة البيع في العبد طريقان :
أحدهما : القطع بالفساد - وبه قال أبو حنيفة ، كما تقدّم(٣) - لأنّ المضموم إلى العبد ليس من جملة المبيعات. ولأنّ الحاجة تدعو إلى التوزيع ، والتوزيع هنا يحوج إلى تقدير شيء في الموزّع عليه ، وهو غير موجود فيه.
وأصحّهما عندهم : طرد القولين(٤) .
قال الجويني : ولو قلنا في صحّة البيع قولان مرتّبان على ما إذا باع عبداً مملوكاً وآخر مغصوباً ، لأفاد ما ذكرنا من نقل الطريقين(٥) .
____________________
(١) اُنظر : الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٥٠ ، والاختيار لتعليل المختار ٢ : ٣٥ و ٤٠.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « به ». والظاهر ما أثبتناه.
(٣) في ص ٩.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٩ ، المجموع ٩ : ٣٨١.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٠.
مسالة ٥٣٣ : لو كان المشتري جاهلاً بأنّ المضموم ملك الغير أو حُرٌّ أو مكاتَب(١) أو اُمّ ولد ثمّ ظهر له ، فقد قلنا : إنّ البيع يصحّ فيما هو ملكه ، ويبطل في الآخر إن لم يُجز المالك ، ويكون للمشتري الخيار بين الفسخ والإمضاء فيما يصحّ بيعه بقسطه من الثمن ، لأنّه لم يسلم له المعقود عليه ، فكان له الفسخ. ولو كان عالماً ، صحّ البيع أيضاً ولا خيار له.
وقطع الشافعي بالبطلان فيما إذا كان عالماً ، كما لو قال : بعتك عبدي بما يخصّه من الألف إذا وزّع عليه وعلى عبد فلان ، وليس كذلك لو كان المضموم إلى العبد مكاتباً أو اُمَّ ولد ؛ لأنّ المكاتب واُمّ الولد يتقوّمان بالإتلاف ، بخلاف الحُرّ المضموم إلى العبد(٢) .
وليس بعيداً عندي من الصواب البطلانُ فيما إذا علم المشتري حُرّيّة الآخر أو كونه ممّا لا ينتقل إليه بالبيع ، كالمكاتَب واُمّ الولد ، والصحّة فيما إذا كان المضموم ملك الغير.
مسالة ٥٥٤ : لو باع خَلّاً وخمراً ، أو مذكّاةً وميتةً ، أو شاةً وخنزيراً ، صحّ البيع فيما يصحّ بيعه ، وبطل في الآخر ، ويقوَّم الخمر عند مستحلّيه وكذا الخنزير ، وبسط(٣) الثمن عليهما.
وللشافعي في صحّة البيع في الخَلّ والمذكّاة والشاة خلاف مرتّب على الخلاف في العبد والحُرّ. والفساد هنا أولى ؛ لأنّ تقدير القيمة غير ممكن هنا إلّا بفرض تغيّر الخلقة ، وحينئذٍ لا يكون المقوّم هو المذكور في العقد(٤) .
____________________
(١) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة « أو حُرّاً أو مكاتباً » والصحيح ما أثبتناه بالرفع في الكلمتين.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٩ ، المجموع ٩ : ٣٨١.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « وقسط » بدل « وبسط ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٠ - ١٤١ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٩ ، المجموع ٩ : ٣٨١ - ٣٨٢.
ولو رهن عبده وعبد غيره من إنسان أو وهبهما منه أو رهن عبداً وحُرّاً أو وهبهما ، هل يصحّ الرهن والهبة في المملوك؟.
أمّا عندنا : فنعم.
وأمّا عند الشافعي : فيترتّب ذلك على البيع إن صحّحنا ثمّ ، فكذلك هنا ، وإلّا فقولان مبنيّان على العلّتين إن قلنا بامتناع تجزئة العقد الواحد فإذا تطرّق الفساد إليه ، وجب أن لا ينقسم إذا لم يبن على الغلبة والسريان ، كالعتق والطلاق ، فلا يصحّ. وإن علّلنا بجهالة العوض ، صحّ ، إذ لا عوض هنا حتى يفرض الجهل فيه(١) .
وكذا لو تزوّج مسلمة ومجوسيّة أو اُخته وأجنبيّة ؛ لأنّ جهالة العوض لا تمنع صحّة النكاح.
مسالة ٥٥٥ : إذا وقع تفريق الصفقة في الانتهاء ، فهو على قسمين :
الأوّل : أن لا يكون اختياريّاً ، كما لو اشترى عبدين صفقةً ثمّ مات أحدهما قبل القبض فيهما معاً.
الثاني : أن يكون التفريق اختياريّاً ، كما لو اشترى عبدين صفقةً ثمّ وجد بأحدهما عيباً.
أمّا الأوّل : فإنّ العقد ينفسخ في التالف قطعاً ، ولا ينفسخ في الباقي إلّا أن يختار المشتري فسخه.
وللشافعي طريقان :
أحدهما : أنّه على القولين فيما لو جمع بين مملوك وغير مملوك تسويةً بين الفساد المقرون بالعقد وبين الطارئ قبل القبض.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤١ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٩ ، المجموع ٩ : ٣٨٢ - ٣٨٣.
وأظهرهما : عدم الانفساخ في الثاني ؛ لأنّ الانفساخ طرأ بعد العقد ، فلا تأثير به للآخر ، كما لو نكح أجنبيّتين دفعة واحدة ثمّ ارتفع نكاح إحداهما بردّة أو رضاع ، لا يرتفع نكاح الأخرى. ولأنّ علّة الفساد إمّا الجمع بين الحلال والحرام ، وإمّا جهالة الثمن ، ولم يوجد الجمع بين الحلال والحرام ، والثمن كلّه ثابت في الابتداء والسقوط طار ، فلا يؤثّر في الانفساخ ، كما لو خرج المبيع معيباً وتعذّر الردّ لبعض الأسباب والثمن غير مقبوض ، يسقط بعضه على سبيل الأرش ولا يلزم فيه(١) فساد العقد.
والطريقان جاريان فيما إذا تفرّقا في السّلم وبعض رأس المال غير مقبوض ، أو في الصرف وبعض العوض غير مقبوض وانفسخ العقد في غير المقبوض ، هل ينفسخ في الباقي؟(٢) .
هذا إذا تلف أحدهما في يد البائع قبل أن يقبضهما ، فأمّا إذا قبض أحدهما وتلف الآخر في يد البائع ، فالحكم عندنا كما تقدّم ، للمشتري الخيار بين الفسخ في الجميع وأخذ الباقي بحصّته من الثمن. وعند الشافعي يترتّب الخلاف في انفساخ العقد في المقبوض على الصورة السابقة ، وهذه أولى بعدم الانفساخ ، لتأكّد(٣) العقد في المقبوض بانتقال الضمان فيه إلى المشتري.
هذا إذا كان المقبوض باقياً في يد المشتري ، فإن تلف في يده ثمّ تلف الآخر في يد البائع ، فالقول بالانفساخ أضعف ، لتلف المقبوض على ضمانه(٤) .
____________________
(١) كذا ، وفي « العزيز شرح الوجيز » : « منه » بدل « فيه ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤١ - ١٤٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٩ - ٩٠.
(٣) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « لتأكيد » والظاهر ما أثبتناه من « العزيز شرح الوجيز » و « روضة الطالبين».
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٠.
وإذا قلنا بعدم الانفساخ ، فهل له الفسخ؟ فيه للشافعيّة وجهان ، أحدهما : نعم ، وتردّ قيمته. والثاني : لا ، وعليه حصّته من الثمن(١) .
ولو استأجر دارا مدّة وسكنها بعض المدّة ثمّ انهدمت الدار ، انفسخ العقد في المستقبل.
وهل ينفسخ في الماضي؟ يخرّج على الخلاف في المقبوض التالف في يد المشتري ، فإن قلنا : لا ينفسخ ، فهل له الفسخ؟ فيه الوجهان. وإن قلنا : ليس له ذلك ، فعليه من المسمّى ما يقابل الماضي. وإن قلنا : له الفسخ ، فعليه أجرة المثل للماضي.
ولو تلف بعض المسلم فيه عند المحلّ والباقي مقبوض أو غير مقبوض وقلنا : لو انقطع الكلّ ، انفسخ العقد ، انفسخ في المنقطع ، وفي الباقي الخلاف المذكور فيما إذا تلف أحد الشيئين قبل قبضهما. وإذا قلنا : لا ينفسخ ، فله الفسخ ، فإن أجاز ، فعليه حصّته من رأس المال لا غير. وإن قلنا : إذا انقطع الكلّ ، لم ينفسخ العقد ، فالمسلم بالخيار إن شاء فسخ العقد في الكلّ ، وإن شاء أجازه في الكلّ.
وهل ينفسخ في القدر المنقطع ، والإجازة في الباقي؟ للشافعيّة(٢) قولان مبنيّان على الخلاف الذي سيأتي.
وأمّا الثاني ، وهو أن يكون اختياريّاً ، كما لو اشترى عبدين صفقةً واحدة ثمّ وجد بأحدهما عيباً ، فهل له إفراده بالردّ؟ ذهب علماؤنا إلى المنع.
وللشافعيّة قولان ، أحدهما : هذا ، والمشهور : أنّه على قولين ، وبنوهما على جواز تفريق الصفقة ، فإن جوّزناه يجوز الإفراد ، وإلّا فلا.
____________________
(١ و ٢ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٠.
وقياس هذا البناء أن يكون قول التجويز أظهر ، لكن صرّح كثير من الصائرين إلى جواز التفريق بأنّ منع الإفراد أصحّ ؛ لأنّ الصفقة وقعت مجتمعةً ، ولا ضرورة إلى تفريقها ، فلا تفرّق(١) . وهو ما اخترناه نحن.
والقولان مفروضان في العبدين وفي كلّ شيئين لا تصل منفعة أحدهما بالآخر ، فأمّا في زوجي الخُفّ ومصراعي الباب ونحوهما فلا سبيل إلى أفراد المعيب بالردّ قبل القبض ، ويجوز بعده.
والحقّ : المنع من الإفراد مطلقاً.
وارتكب بعض الشافعيّة طرد القولين فيه(٢) .
ولا فرق على القولين بين أن يتّفق ذلك بعد القبض أو قبله.
وقال أبو حنيفة : لا يجوز إفراد المعيب بالردّ قبل القبض ، ويجوز بعده إلّا أن تتّصل منفعة أحدهما بالآخَر(٣) .
فإن لم نجوّز الإفراد ، فلو قال : رددت المعيب ، هل يكون هذا(٤) ردّاً لهما؟ لبعض الشافعيّة وجهان ، أصحّهما : لا(٥) . وهو أجود.
ولو رضي البائع بإفراده ، جاز في أصحّ الوجهين عندهم. فإن جوّزنا الأفراد فإذا ردّه ، استردّ قسطه من الثمن ، ولا يستردّ الجميع ، وإلّا لخلا بعض المبيع عن المقابل. وعلى هذا القول لو أراد ردّ السليم والمعيب معاً ، فله ذلك أيضاً(٦) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٢ - ١٤٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٠ - ٩١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٠.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٣.
(٤) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « هنا » بدل « هذا ». والصحيح ما أثبتناه.
(٥ و ٦ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٩١.
وفيه للشافعيّة وجه ضعيف(١) .
ولو وجد العيب بالعبدين معاً وأراد إفراد أحدهما بالردّ ، لم يكن له ذلك عندنا.
ويجري القولان للشافعيّة(٢) هنا.
ولو تلف أحد العبدين أو باعه ووجد بالباقي عيباً ، ففي إفراده قولان للشافعيّة مرتّبان ، وهذه الصورة أولى بالجواز ، لتعذّر ردّهما جميعاً. فإن قلنا : يجوز الإفراد ، ردّ الباقي واستردّ من الثمن حصّته. وسبيل التوزيع تقدير العبدين سليمين وتقويمهما وبسط الثمن المسمّى على القيمتين(٣) .
ولو اختلفا في قيمة التالف ، فادّعى المشتري ما يقتضي زيادة للواجب على ما اعترف به البائع ، فقولان للشافعيّة :
أصحّهما : تقديم قول البائع مع يمينه ؛ لأنّه ملك جميع الثمن بالبيع ، فلا رجوع عليه إلّا بما اعترف به.
والثاني : أنّ القول قول المشتري ؛ لأنّه تلف في يده ، فأشبه الغاصب مع المالك إذا اختلفا في القيمة ، كان القول قول الغاصب الذي حصل الهلاك في يده.
وإن قلنا : لا يجوز الإفراد ، فقولان :
أحدهما : أنّه يضمّ قيمة التالف إلى الباقي ويردّهما ويفسخ العقد ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أمر في المصرّاة بردّ الشاة وبدل اللبن الهالك(٤) ، فعلى هذا
____________________
(١ و ٢ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٩١.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٣ - ١٤٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٩١.
(٤) صحيح مسلم ٣ : ١١٥٨ / ١٥٢٤ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٧٠ / ٣٤٤٣ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٥٣ / ١٢٥١.
لو اختلفا في قيمة التالف ، فالقول قول المشتري مع يمينه ؛ لأنّه حصل التلف في يده وهو الغارم(١) .
ولهم في القيمة وجهٌ آخَر : أنّ القول قول البائع ؛ لأنّ المشتري يريد إزالة ملكه عن الثمن المملوك له(٢) .
وأصحّهما : أنّه لا فسخ له ، ولكنّه يرجع بأرش العيب ؛ لأنّ الهلاك أعظم من العيب(٣) .
ولو حدث عنده عيب ولم يتمكّن(٤) من الردّ ، فعلى هذا لو اختلفا في قيمة التالف ، عاد القولان السابقان ، لأنّه في الصورتين يردّ بعض الثمن ، إلّا أنّ(٥) على ذلك القول يردّ حصّة الباقي ، وعلى هذا القول يردّ أرش العيب(٦) .
والنظر في قيمة التالف إلى يوم العقد أو يوم القبض؟ فيه مثل الخلاف الذي سيأتي في اعتبار القيمة لمعرفة أرش العيب القديم(٧) .
مسالة ٥٥٦ : لو باع شيئاً يتوزّع الثمن على أجزائه بعضه له ، وبعضه لغيره ، كما لو باع عبداً له نصفه ، أو صاع حنطة له نصفه والباقي لغيره صفقة واحدة ، صحّ فيما يملكه ، ويتخيّر المشتري مع فسخ المالك الآخَر البيع في قدر حصّته ، ويبطل في الآخر مع الفسخ.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٩١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٤.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٩١.
(٤) في « س » والطبعة الحجريّة : « لم يتمكّن » بدون الواو.
(٥) الظاهر : « أنّه » بدل « أنّ ».
(٦) في « س » والطبعة الحجريّة : « المعيب » بدل « العيب ».
(٧) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٩١.
والشافعي رتّب ذلك على ما لو باع عبدين أحدهما له والآخر لغيره ، إن صحّحنا فيما يملكه ، فكذا هنا ، وإلّا فقولان ، إن علّلنا بالجمع بين الحلال والحرام ، لم يصح. وإن علّلنا بجهالة الثمن ، صحّ ؛ لأنّ حصّة المملوك هنا معلومة(١) .
ولو باع جميع الثمرة وفيها عُشْر الصدقة ، ففي صحّة البيع في قدر الزكاة إشكال ينشأ من أنّه بالخيار بين إخراج العين وإخراج القيمة ، فإذا باعه ، كان قد اختار القيمة. ومن أنّه باع مال غيره، والضمان يثبت بعد التضمين.
وللشافعيّة قولان ، فإن قلنا : لا يصحّ ، فالترتيب في الباقي(٢) كما ذكرنا فيما لو باع عبداً له نصفه ؛ لأنّ توزيع الثمن على ما لَه بيعه وما ليس له معلوم على التفصيل(٣) .
أمّا لو باع أربعين شاةً وفيها قدر الزكاة ، فالأقرب : أنّه كالأوّل.
وقال الشافعي : إن فرّعنا على امتناع البيع في قدر الزكاة ، فالترتيب في الباقي كما مرّ فيما لو باع عبده وعبد غيره(٤) .
وممّا يتفرّع على التعليلين : لو باع زيد عبده وعمرو عبده صفقةً بثمنٍ واحد ، فإنّه يصحّ عندنا ، ويوزّع الثمن على القيمتين.
وللشافعيّة في صحّة العقد قولان(٥) .
وكذا لو باع من رجلين عبدين له هذا من أحدهما وهذا من الآخَر
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٢ ، المجموع ٩ : ٣٨٢.
(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « الباب » بدل « الباقي ». وما أثبتناه من المصادر.
(٣و٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٢ ، المجموع ٩ : ٣٨٢.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٢.
بثمنٍ واحد إن علّلنا بالجمع بين الحلال والحرام ، صحّ. وإن علّلنا بجهالة العوض ، لم يصح ؛ لأنّ حصّة كلّ واحد منهما مجهولة.
مسالة ٥٥٧ : لو باع عبده وعبد غيره وسمّى لكلٍّ منهما ثمناً ، فقال : بعتك هذا بمائة وهذا بخمسين ، فقال المشتري : قبلت ، صحّ عندنا ، وكان له ما سمّاه في مقابلة عبده.
والشافعي بناه على العلّتين ، فإن علّل باجتماع الحلال والحرام ، فسد العقد. وإن علّل بجهالة الثمن ، صحّ في عبده(١) .
وللمشتري هنا الخيار أيضاً لو فسخ مالك الآخر البيع فيه ؛ لتبعّض الصفقة عليه.
مسالة ٥٥٨ : إذا باع ماله ومال غيره صفقةً واحدة ، صحّ البيع في ماله ، فإن كان المشتري جاهلاً بالحال ، فله الخيار ؛ لأنّه دخل في العقد على أن يسلم له العبدان ولم يسلم ، فإن اختار الإمضاء ، لزمه قسطه من الثمن ، وسقط عنه ما انفسخ البيع فيه عند علمائنا - وهو أصحّ قولي الشافعي(٢) - لأنّ الثمن يتقسّط(٣) على العينين على قدر قيمتهما ، فكان له أخذه بما استحقّه من الثمن ، ولا يلزمه أخذه بأكثر من ذلك ، فإنّ الثمن وقع في مقابلتهما جميعاً ، فلا يلزم في مقابلة أحدهما إلّا قسطه.
والثاني : أنّه يلزمه جميع الثمن - وبه قال أبو حنيفة(٤) - لأنّه لغا ذكر
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٢.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٩٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٣ ، المجموع ٩ : ٣٨٣.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « يقسّط ».
(٤) الظاهر أنّ موضع قوله : « وبه قال أبو حنيفة » بعد قوله قبل أسطر : « وهو أصحّ قولي الشافعي » لأنّه في بعض المصادر في الهامش التالي - =
المضموم إلى ماله ، فيقع جميع الثمن في مقابلة ما صحّ العقد فيه(١) . ولأنّ الإجازة ببعضه تودّي إلى جهالة العوض. ولأنّه لو تلف جزء من المبيع في يد البائع وصار معيباً ، كان بالخيار بين الإجازة بجميع الثمن أو الردّ ، كذا هنا.
وفسخ(٢) البيع فيه لا يوجب كون الكلام فيه لغواً ، بل يسقط من الثمن ما قابله. ويمنع الجهالة. ويمنع الإجازة بالجميع في المعيب. سلّمنا ، لكنّ العقد لا يقع متقسّطاً على الأجزاء.
واختلفت الشافعيّة ، فقال بعضهم : موضع القولين أن يكون المبيع ممّا يتقسّط الثمن على قيمته ، فإن كان ممّا يتقسّط على أجزائه ، فالواجب قسط المملوك من الثمن قولاً واحداً. والفرق : أنّ التقسيط هنا لا يورث جهالة الثمن عند العقد ، بخلاف ما يتقسّط على القيمة.
ومنهم مَنْ طرد القولين ، وهو الأظهر ؛ لأنّ الشافعي ذكر قولين فيما لو باع الثمرة بعد وجوب العُشْر فيها وأفسدنا البيع في قدر الزكاة دون غيره أنّ الواجب جميع الثمن أو حصّته؟ فإن قلنا : الواجب جميع الثمن ، فلا خيار للبائع إذا ظفر بما ابتغاه(٣) . وإن قلنا : الواجب القسط ، فوجهان:
____________________
= كالتهذيب والعزيز - وكذا في الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٥١ ، والاختيار لتعليل المختار ٢ : ٤٠ ، نُسب القول الأصحّ للشافعي إلى أبي حنيفة ، لا الثاني.
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٩٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٣ ، المجموع ٩ : ٣٨٣.
(٢) قوله : « وفسخ » إلى آخره ، كلام المصنّفقدسسره في الجواب عن استدلال الشافعي على قوله الثاني.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « بما ابتعناه » وفي « س » : « ابتاعه ». وكلاهما تصحيف ، والصحيح ما أثبتناه من « ي » وكما في « العزيز شرح الوجيز ».
أحدهما : أنّ له الخيار إذا لم يسلم له جميع الثمن.
وأصحّهما عندهم : أنّه لا خيار له ؛ لأنّ التفريط منه حيث باع ما لا يملكه وطمع في ثمنه(١) .
وإن كان المشتري عالماً بالحال ، فلا خيار له ، كما لو اشترى معيباً يعلم بعيبه(٢) .
وكم يلزمه من الثمن؟ الوجه عندي أنّه يلزمه القسط كالجاهل ؛ لأنّه قابل جميع الثمن بجملة المبيع ، وهو يقتضي توزيع الأجزاء على الأجزاء ، وهو أحد وجهي الشافعيّة(٣) .
وقطع جماعة منهم بوجوب الجميع ؛ لأنّه التزم بالثمن عالماً بأنّ بعض المذكور لا يقبل العقد(٤) .
ولو باع عبداً وحُرّاً ، أو خَلّاً وخمراً ، أو شاةً وخنزيراً ، أو مذكّاةً وميتةً ، [ و ](٥) صحّ العقد فيما يقبله ، وكان المشتري جاهلاً بالحال فأجاز أو(٦) عالماً ، قسّط الثمن ، ولزمه بالنسبة. والتقسيط بأن ينظر إلى قيمة هذه المحرّمات عند مستحلّيها ، وهو قول الشافعيّة(٧) .
ولهم في قدر ما يلزمه من الثمن طريقان :
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٦ - ١٤٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٣ ، المجموع ٩ : ٣٨٣.
(٢) في « س ، ي » : « عيبَه ».
(٣و٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٣ ، المجموع ٩ : ٣٨٣.
(٥) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.
(٦) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « و» بدل « أو » والصحيح ما أثبتناه.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٣ ، المجموع ٩ : ٣٨٣.
أحدهما : القطع بوجوب الجميع ؛ لأنّ ما لا قيمة له لا يمكن التوزيع على قيمته.
وأصحّهما : طرد القولين.
فإن قلنا : الواجب قسط من الثمن ، فكيف تعتبر هذه الأشياء؟ وجهان :
أحدهما : كما قلناه من النظر إلى القيمة عند مستحلّيه.
والثاني : أنّه يقدّر الخمر خَلّاً ، ويوزّع عليهما باعتبار الأجزاء ، وتقدّر الميتة مذكّاة ، والخنزير شاة ، ويوزّع عليهما باعتبار القيمة(١) .
وقال بعضهم : يقدّر الخمر عصيراً ، والخنزير بقرةً(٢) .
ولو نكح مسلمةً ومجوسيّةً في عقدٍ واحد وصحّحنا العقد في المسلمة ، لم يلزمه جميع المسمّى للمسلمة إجماعاً ؛ لأنّا إذا أثبتنا الجميع في البيع - كما قاله الشافعي(٣) - أثبتنا الخيار أيضاً ، وهنا لا خيار ، فإيجاب الجميع إجحاف.
وقال بعض الشافعيّة : يلزم لها جميع المسمّى ، لكن له الخيار في ردّ المسمّى ، والرجوع إلى مهر المثل(٤) .
وهذا لا يدفع الضرر ؛ لأنّ مهر المثل قد يساوي المسمّى أو يزيد عليه.
إذا ثبت هذا ، فما الذي يلزمه؟ الأقوى عندي أنّه القسط من المسمّى إذا وزّع على مهر مثل المسلمة ومهر مثل المجوسيّة ، وهو أحد قولي الشافعي. وأظهرهما : أنّه يلزمه مهر المثل(٥) .
ولو اشترى عبدين وتلف قبل القبض أحدهما ، انفسخ العقد فيه ،
____________________
(١و٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٣ ، المجموع ٩ : ٣٨٣.
(٣) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٧.
(٤و٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٣ ، المجموع ٩ : ٣٨٤.
ويثبت له الخيار في الباقي ، فإن أجاز ، فالواجب قسطه من الثمن ؛ لأنّ الثمن وجب في مقابلتهما في الابتداء ، فلا ينصرف إلى أحدهما في الدوام.
وقال بعض الشافعيّة بطرد القولين(١) .
ولو باع شيئاً من مال الربا بجنسه ثمّ خرج بعض أحد العوضين مستحقّاً وصحّحنا العقد في الباقي وأجاز ، فالواجب حصّته إجماعاً ؛ لأنّ الفضل بينهما حرام.
ولو باع معلوماً ومجهولاً ، لم يصحّ البيع في المجهول ، وأمّا في المعلوم فيصحّ ؛ لعدم المانع.
وعند الشافعي يبنى على ما لو كانا معلومين وأحدهما لغيره ، إن قلنا :
لا يصحّ في ماله ، لم يصح هنا في المعلوم. وإن قلنا : يصحّ ، فقولان مبنيّان على أنّه كم يلزمه في الثمن؟ فإن قلنا : الجميع - كما هو قول بعض الشافعيّة - صحّ ، ولزم(٢) هنا جميع الثمن. وإن قلنا : حصّته من الثمن - كما اخترناه ، وذهب إليه بعض الشافعيّة - لم يصح ؛ لتعذّر التوزيع(٣) .
وحكى بعضهم قولا أنّه يصحّ ، وله الخيار ، فإن أجاز ، لزمه جميع الثمن(٤) . وليس شيئاً.
مسالة ٥٥٩ : لو كان الثمن يتوزّع على الأجزاء كقفيزي حنطة أحدهما له والآخر لغيره وباعهما من شخص ، فإنّه يصحّ في المملوك دون غيره ، وهو قول الشافعي(٥) .
وكذا إذا رهن ما يجوز رهنه وما لا يجوز.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٤.
(٢) في المصادر : « لزمه ».
(٣و٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٤ ، المجموع ٩ : ٣٨٤.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٢ ، المجموع ٩ : ٣٨٢.
وإذا وهب ما يجوز هبته وما لا يجوز ، أو تزوّج أخته وأجنبيّة ، أو مسلمة ومجوسيّة ، صحّ فيما يجوز قولاً واحداً عندنا وعند الشافعي(١) ؛ لأنّ الرهن والهبة لا عوض لهما ، والنكاح لا يفسد بفساد العوض.
ويتخيّر المشتري إذا صحّ البيع في المملوك كما قلناه. وإذا أجاز بجميع الثمن ، فلا خيار للبائع قطعاً.
وإن أخذه بقسطه ، ففي خيار البائع للشافعي وجهان :
أحدهما : له الخيار ، لتبعّض الثمن عليه.
والثاني : لا خيار له ؛ لأنّ التبعّض(٢) من فعله حيث باع ما يجوز وما لا يجوز(٣) .
وهنا مسائل دوريّة لابُدَّ من التعرّض لها :
مسالة ٥٦٠ : لو باع مريض قفيز حنطة يساوي عشرين بقفيز حنطة يساوي عشرة ، ومات ولا مال سواه ، جاز البيع في ثلثي قفيز بثلثي قفيز ، وبطل في الثلث ، وهو أحد قولي الشافعي. والثاني : أنّه يبطل البيع(٤) .
والأصل فيه أنّ محاباة مرض الموت - كالهبة وسائر التبرّعات - في اعتبار الثلث ، فإن زادت عليه ولم يجز الورثة ما زاد - كما لو باع عبدا يساوي ثلاثين بعشرة ولا شيء له سواه - ردّ البيع في بعض العبد ، وفي الباقي للشافعيّة طريقان :
أحدهما : القطع بصحّة البيع فيه ، لأنّه نفذ في الكلّ ظاهراً ، والردّ في
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤١ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٩ ، المجموع ٩ : ٣٨٢.
(٢) في « س ، ي » : « التبعيض ».
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٣ ، المجموع ٩ : ٣٨٣.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٥.
البعض تداركّ حادث ؛ لأنّ المحاباة في المرض وصيّة ، والوصيّة تقبل من الغرر ما لا يقبله غيرها.
وأظهرهما عند أكثر الشافعيّة : أنّه على قولي تفريق الصفقة.
وإذا قلنا : يصحّ البيع في الباقي ، ففي كيفيّته قولان :
أحدهما : أنّ البيع يصحّ في القدر الذي يحتمله الثلث ، والقدر الذي يوازي الثمن بجميع الثمن ، ويبطل في الباقي ، لأنّه اجتمع للمشتري معاوضة ومحاباة ، فوجب أن يجمع بينهما ، فعلى هذا يصحّ العقد في ثلثي العبد بالعشرة ، ويبقى مع الورثة ثلث العبد وقيمته عشرة ، والثمن وهو عشرة ، وذلك مِثْلا المحاباة وهي عشرة.
وهذا اختيار الشيخ(١) رحمهالله وجماعة من الشافعيّة وغيرهم ، ولا دور على هذا القول.
والثاني : أنّه إذا ارتدّ البيع في بعض المبيع ، وجب أن يرتدّ إلى المشتري ما قابله من الثمن(٢) .
وهو الذي نختاره نحن ، فحينئذٍ يلزم الدور ؛ لأنّ ما ينفذ فيه البيع يخرج من التركة ، وما يقابله من الثمن يدخل فيها ، وما ينفذ فيه البيع يزيد بزيادة التركة وينقص بنقصانها ، فيزيد بحسب زيادة التركة ، وتزيد التركة بحسب زيادة المقابل الداخل ، ويزيد المقابل بحسب زيادة المبيع ، وهذا دور.
ويتوصّل إلى معرفة المقصود بطرق :
____________________
(١) أنظر : المبسوط - للطوسي - ٤ : ٦٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٤٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٤ ، المجموع ٩ : ٣٨٩ - ٣٩٠.
منها : أن ينظر إلى ثلث المال وينسبه إلى قدر المحاباة ويجيز البيع في المبيع بمثل نسبة الثلث من المحاباة ، فنقول : ثلث المال عشرة ، والمحاباة عشرون ، والعشرة نصفها ، فيصحّ البيع في نصف العبد ، وقيمته خمسة عشر بنصف الثمن ، وهو خمسة ، كأنّه اشترى سدسه بخمسة ، وثلثه وصيّة له ، يبقى مع الورثة نصف العبد ، وهو خمسة عشر ، والثمن خمسة يبلغ عشرين ، وهو مِثْلا المحاباة.
ومنها : طريقة الجبر ، فنقول : صحّ البيع في شيء من العبد وقابله من الثمن مثل ثلث ذلك الشيء ؛ لأنّ الثمن مثل ثلث العبد ، وبقي في يد الورثة عبد إلّا شيئاً ، لكن بعض النقصان انجبر بثلث الشيء العائد ، فالباقي عندهم عبد إلّا ثلثي شيء ، فثلثا شيء قدر المحاباة ، وعبد إلاّ ثلثي شيء مثلاه ، وإذا كان عبد إلّا ثلثي شيء مِثْلَي ثلثي شيء ، كان عديلاً لشيء وثلث شيء ، فإذا جبرنا العبد بثلثي شيء وزِدْنا على عديله مثل ذلك ، كان العبد عديلاً لشيئين ، فعرفنا أنّ الشيء الذي نفذ فيه البيع نصف العبد.
إذا عرفت هذا ، فإن قلنا بقول الشيخ ، بطل البيع في صورة الربويّين بلا خلافٍ ؛ لأنّ مقتضاه صحّة البيع في قدر الثلث وهو ستّة وثلثان ، وفي القدر الذي يقابل من قفيزه قفيز الصحيح(١) ، وهو نصفه ، فتكون خمسة أسداس قفيز في مقابلة قفيز ، وذلك ربا.
وعلى ما اخترناه نحن يصحّ البيع في ثلثي قفيز المريض بثلثي قفيز الصحيح ، ويبطل في الباقي.
وقطع بعض الشافعيّة بهذا القول - الذي اخترناه في الربوي - لئلّا
____________________
(١) في « س » والطبعة الحجريّة : « قفيزاً بصحيح ». وذلك خطأ.
يبطل غرض الميّت في الوصيّة(١) .
فعلى طريقة النسبة ثلث مال المريض ستّة وثلثان ، والمحاباة عشرة ، وستّة وثلثان ثلثا عشرة فينفذ البيع في ثلثي القفيز.
وعلى طريقة الجبر نفذ البيع في شيء وقابله من الثمن مثل نصفه ، فإنّ قفيز الصحيح نصف قفيز المريض ، وبقي في يد الورثة قفيز إلّا شيء ، لكن حصل لهم نصف شيء ، فالباقي عندهم قفيز إلّا نصف شيء هو المحاباة ، وما في يدهم - وهو قفيز ناقص بنصف شيء - مِثْلاه ، وإذا كان قفيز ناقص بنصف شيء مثلَي(٢) نصف شيء ، كان عديلاً للشيء الكامل ، فإذا جبرنا وقابلنا ، صار قفيزُ كاملٍ عديلَ شيء ونصف شيء ، فعُرف أنّ الشيء ثلثا قفيز.
إذا عرفت هذا ، فنقول : لا خيار هنا للورثة ، لأنّا لو أثبتنا لهم الخيار ، لأبطلنا المحاباة أصلاً ورأساً بفسخ البيع ، ولا سبيل إليه ، لأنّ الشرع سلّطه على ثلث ماله.
ولو كانت المسألة بحالها لكن قفيز المريض يساوي ثلاثين وقلنا بتقسيط الثمن ، صحّ البيع في نصف قفيز بنصف القفيز.
ولو كان قفيز المريض يساوي أربعين ، صحّ البيع في أربعة أتساع القفيز بأربعة أتساع القفيز.
ولو كان المريض قد أكل القفيز الذي أخذ ، استوت المسائل كلّها ، فيجوز بيع ثلث قفيز بثلث قفيز.
ولو أتلف المريض المحابي القفيز الذي أخذه ثمّ مات وفرّعنا على
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٥.
(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « مثل » والصحيح ما أثبتناه.
الدور ، صحّ البيع في ثلثه بثلث قفيز صاحبه ، سواء كانت قيمة قفيز المريض عشرين أو ثلاثين أو أكثر ، لأنّ ما أتلفه قد نقص من ماله. أمّا ما صحّ فيه البيع فهو ملكه وقد أتلفه. وأمّا ما بطل فيه البيع فعليه ضمانه ، فينتقص قدر الغُرْم من ماله ، ومتى كثرت القيمة كان المصروف إلى الغُرْم أقلّ والمحاباة أكثر ، ومتى قلّت كان المصروف إلى الغرم أكثر والمحاباة أقلّ.
مثاله : إذا كانت قيمة قفيز المريض عشرين ، وقيمة قفيز الصحيح عشرة ، وقد أتلفه المريض ، فعلى طريقة النسبة مال المريض عشرون وقد أتلف عشرة يحطّها من ماله ، فيبقى عشرة كأنّها كلّ ماله ، والمحاباة عشرة ، فثلث ماله هو ثلث المحاباة ، فيصحّ البيع في ثلث القفيز على القياس الذي مرّ.
وعلى طريقة الجبر صحّ البيع في شيء من قفيز المريض ، ورجع إليه مثل نصفه ، فعند ورثته عشرون إلّا نصف شيء ، لكن قد أتلف عشرة ، فالباقي في أيديهم عشرة إلّا نصف شيء ، وذلك مِثْلا نصف شيء ، فيكون مثل شيء ، فإذا جبرنا وقابلنا ، كانت عشرة مثل شيء ونصف شيء ، فالعشرة نصف القفيز ، فيكون القفيز الكامل مثل ثلاثة أشياء ، فالشيء ثلث القفيز.
وامتحانه أن نقول : ثلث قفيز المريض ستّة وثلثان ، وثلث قفيز الصحيح في مقابلة ثلاثة وثلث ، فتكون المحاباة بثلاثة وثلث ، وقد بقي في يد الورثة ثلثا قفيز ، وهو ثلاثة عشر وثلث يؤدّى منه قيمة ثلثي قفيز الصحيح ، وهي ستّة وثلثان ، ويبقى في أيديهم ستّة وثلثان ، وهي مِثْلا المحاباة.
ولو كان قفيز المريض يساوى ثلاثين وباقي المسألة بحالها ، فعلى طريقة النسبة نقول : مال المريض ثلاثون وقد أتلف عشرة يحطّها من ماله يبقى عشرون كأنّه كلّ ماله ، والمحاباة عشرون ، فثلث ماله هو ثلث المحاباة ، فصحّ البيع في ثلث القفيز.
وبالجبر نقول : صحّ البيع في شيء من قفيز المريض ، ورجع إليه مثل ثلثه ، فالباقي ثلاثون إلّا ثلثي شيء ، لكنّه أتلف عشرة ، والباقي عشرون إلّا ثلثي شيء ، وذلك مِثْلا ثلثي شيء ، فيكون مثل شيء وثلث شيء ، فإذا جبرنا وقابلنا ، كان عشرون مثل شيئين ، فعرفنا أن الشيء عشرة ، وهي ثلث الثلاثين.
وامتحانه أن نقول : ثلث قفيز المريض عشرة ، وثلث قفيز الصحيح في مقابله ثلاثة وثلث ، فالمحاباة ستّة وثلثان ، وقد بقي في يدي الورثة ثلثا قفيز ، وهو عشرون يؤدّى منه قيمة ثلثي قفيز الصحيح ، وهي ستّة وثلثان يبقى في أيديهم ثلاثة عشر وثلث ، وهي مِثْلا المحاباة.
هذا إذا أتلف صاحب القفيز الجيّد ما أخذه ، أمّا إذا أتلف صاحب القفيز الرديء ما أخذه ولا مال له سوى قفيزه ، ففي الصورة الاُولى - وهي ما إذا كانت قيمة قفيزه عشرين وقيمة قفيز الآخر عشرة - يصحّ البيع في الحال في نصف القفيز الجيّد وقيمته عشرة ، ويحصل للورثة في مقابله نصف القفيز الرديء وقيمته خمسة تبقى المحاباة بخمسة ، ولهم نصفه الآخر غرامةً لما أتلف عليهم ، فيحصل لهم عشرة وهي مِثْلا المحاباة ، والباقي في ذمّة متلف القفيز الجيّد ، ولا تجوز المحاباة في شيء إلّا بعد أن يحصل للورثة مِثْلاه.
وفي الصورة الثانية - وهي ما إذا كانت قيمة قفيزه ثلاثين - قال بعض
الشافعيّة : يصحّ البيع في نصف الجيّد ، وهو خمسة عشر ، والمحاباة ثلثه ، وهو خمسة ، وقد حصل للورثة القفيز الرديء وقيمته عشرة ، وهي ضٍعْف المحاباة ، فيبقى في ذمّة المشتري خمسة عشر كلّما حصل منها شيء جازت المحاباة في مثل ثلثه(١) .
وغلّطه بعضهم ؛ لأنّا إذا صحّحنا البيع في نصف الجيّد ، فإنّما نصحّحه بنصف الرديء ، وهو خمسة ، فتكون المحاباة بعشرة لا بخمسة ، وإذا كانت المحاباة بعشرة ، فالواجب أن يكون في يد الورثة عشرون ، وليس في أيديهم إلّا عشرة. فالصواب أن يقال : يصحّ البيع في ربع القفيز الجيّد ، وهو سبعة ونصف بربع الرديء ، وهو درهمان ونصف ، فتكون المحاباة بخمسة وفي يد الورثة ضعفها عشرة(٢) .
مسالة ٥٦١ : كما تعتبر محاباة المريض في البيع من الثلث ، كذا تعتبر محاباته في الإقالة من الثلث ، سواء قدّرت الإقالة فسخاً كما هو مذهبنا ، أو بيعاً جديداً كما هو مذهب الشافعي(٣) .
إذا ثبت هذا ، فنقول : إذا باع مريض قفيز حنطة يساوي عشرين من مريض بقفيز حنطة يساوي عشرة ثمّ تقايلا وماتا في المرض والقفيزان بحالهما ولا مال لهما سواهما ولم تجز الورثة ما زاد من محاباتهما على الثلث ، فإن منعنا من تفريق الصفقة - كما هو مذهب الشافعي(٤) - وقلنا بالتصحيح بجميع الثمن ، فلا بيع ولا إقالة.
____________________
(١و٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥٢.
(٣) الوسيط ٣ : ٤٩٢ - ٤٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨١ - ٢٨٢ ، المجموع ٩ : ٢٦٩.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥٣.
وإن قلنا بالتصحيح بالقسط ، فيدور كلّ واحد - ممّا نفذ فيه البيع والإقالة - على الآخَر ؛ لأنّ البيع لا ينفذ إلّا في الثلث ، وبالإقالة يزيد ماله فيزيد ما نفذ فيه البيع ، وإذا زاد ذلك ، زاد مال الثاني ، فيزيد ما نفذ فيه الإقالة.
فالطريق أن نقول : صحّ البيع في شيء من القفيز الجيّد ، ورجع إليه من الثمن نصف ذلك ، فبقي في يده عشرون إلّا نصف شيء ، وفي يد الآخر عشرة ونصف شيء ، ثمّ إذا تقايلا ، فالإقالة فيهما(١) تصحّ في ثلث مال المقيل فيأخذ ثلثَ عشرة و [ ثلث ](٢) نصف شيء وهو ثلاثة وثلث وسدس شيء ، فيضمّه إلى مال الأوّل ، وهو عشرون إلّا نصف شيء يصير ثلاثة وعشرين وثلثاً إلّا ثلث شيء ، وهذا يجب أن يكون مثلَي المحاباة أوّلاً ، وهو نصف شيء ، فيكون ذلك كلّه مثل شيء ، فإذا جبرنا وقابلنا ، كان ثلاثة وعشرون وثلث مثل شيء وثلث شيء يبسط الشيء والثلث أثلاثاً يكون أربعة والشيء ثلاثة أرباعه.
فإذا أردنا أن نعرف كم الشيء من ثلاثة وعشرين وثلث ، فسبيله أن نصحّح السهام بأن نجعل كلّ عشرة ثلاثة ؛ لأنّ الزائد على العشرين ثلاثة وثلث ، وهو ثلث العشرة ، فإذا جعلنا كلّ عشرة ثلاثة أسهم ، صار عشرون وثلاثة وثلث سبعة أسهم ، فتزيد قسمتها على الأربعة ، والسبعة لا تنقسم على الأربعة ، فتضرب سبعة في أربعة يكون ثمانية وعشرين ، فالشيء ثلاثة أرباعها ، وهي أحد وعشرون. فإذا عرفنا ذلك ، رجعنا إلى الأصل وقلنا : العشرون التي كانت قيمة القفيز صارت أربعةً وعشرين ؛ لأنّا ضربنا كلّ ثلاثة
____________________
(١) كذا ، والظاهر : « إنّما » بدل « فيهما ».
(٢) أضفناها لأجل السياق.
- وهي سهام العشرة - في أربعة ، فصارت اثني عشر ، فتكون العشرون أربعةً وعشرين وقد صحّ البيع في أحد وعشرين ، وذلك سبعة أثمان أربعة وعشرين.
وإذا عرفنا ذلك وأردنا التصحيح من غير كسر ، جعلنا القفيز الجيّد ستّة عشر ، والقفيز الرديء ثمانية ، وقلنا : صحّ البيع في سبعة أثمان الجيّد - وهي أربعة عشر - بسبعة أثمان الرديء ، وهي سبعة ، فتكون المحاباة سبعة ، ويبقى في يد بائع الجيّد [ تسعة ](١) : سهمان بقيا عنده ، وسبعة أخذها عوضاً ، ويحصل في يد الآخر خمسة عشر ، لأنّه أخذ أربعة عشر وكان قد بقي في يده سهم ، فلمـّا تقايلا نفذت الإقالة في عشرة - وهي خمسة أثمان القفيز الجيّد - بخمسة أثمان القفيز الرديء وهي خمسة ، فقد أعطى عشرة وأخذ خمسة ، فالمحاباة بخمسة. والحاصل من ذلك كلّه : المستقرّ في يد الأوّل أربعة عشر مثلا محاباته سبعة ، وفي يد الثاني عشرة مِثْلا محاباته خمسة.
ولو كانت المسألة بحالها والقفيز الجيّد يساوي ثلاثين ، فنقول : صحّ البيع في شيء منه ، ورجع إليه من الثمن مثل ثلث ذلك الشيء ، فبقي في يده ثلاثون إلّا ثلثي شيء ، وفي يد الآخر عشرة وثلثا شيء ، فإذا تقايلا ، أخذنا ثلث عشرة وثلثي شيء ، وذلك ثلاثة دراهم وثلث وتُسْعا شيء يضمّ إلى مال الأوّل ، فيصير ثلاثة وثلاثين وثلثا إلّا أربعة أتساع شيء ، وهو مِثْلا المحاباة ، وهي ثلثا شيء ، فيكون مثل شيء وثلث شيء ، فإذا جبرنا وقابلنا ، صار ثلاثة وثلاثون وثلث مثل شيء وسبعة أتساع شيء ، فعلمنا أنّ
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « منه ». والظاهر ما أثبتناه بقرينة السياق.
ثلاثة وثلاثين وثلثاً يجب أن تقسّم على شيء وسبعة أتساع شيء ، فيبسط هذا المبلغ أتساعاً يكون ستّة عشر الشيء منه تسعة ، والعدد المذكور لا ينقسم على ستّة عشر ، فنصحّح السهام بأن نجعل كلّ عشرة ثلاثة ، لأنّ الزائد على الثلاثين ثلاثة وثلث ، وذلك ثلث العشرة ، فإذا فعلنا ذلك ، صارت ثلاثة وثلاثون وثلث عشرةَ أسهم يحتاج إلى قسمتهما على ستّة عشر ، وعشرة لا تنقسم على ستّة عشر ، لكن بينهما توافق بالنصف ، فنضرب جميع أحدهما في نصف الآخر يكون ثمانين ، فنرجع إلى الأصل ونقول : الثلاثون التي كانت قيمة القفيز صارت اثنين وسبعين ، والشيء كان تسعة من ستّة عشر صار مضروبا في نصف العشرة ، وهو خمسة صارت خمسة وأربعين ، وذلك خمسة أثمان اثنين وسبعين ، فعرفنا صحّة البيع في خمسة أثمان القفيز الجيّد.
فإن أردنا التصحيح على الاختصار من غير كسر ، جُعل القفيز الجيّد أربعةً وعشرين ليكون للقفيز الرديء - الذي هو ثلثه - ثمن صحيح ، فنقول : صحّ البيع في خمسة أثمان الجيّد - وهي خمسة عشر - بخمسة أثمان الرديء ، وهي خمسة ، فتكون المحاباة بعشرة ، ويبقى في يد بائع الجيّد أربعة عشر : تسعة بقيت عنده ، وخمسة أخذها عوضاً ، ويحصل في يد الآخر ثمانية عشر ؛ لأنّه أخذ خمسة عشر ، وكان قد بقي عنده ثلاثة ، فلمـّا تقايلا نفذت الإقالة في تسعة ، وهي ثلاثة أثمان الجيّد بثلاثة أثمان الرديء ، وهي ثلاثة ، فقد أعطى تسعة وأخذ ثلاثة تكون المحاباة بستّة ، ويستقرّ في يد الأوّل عشرون : تسعة أخذها بحكم الإقالة ، وأحد عشر هي التي بقيت عنده من أربعة عشر بعد ردّ الثلاثة ، وذلك مثلا محاباته عشرة ، وفي يد الثاني اثنا عشر : ثلاثة أخذها بحكم الإقالة ، وتسعة بقيت عنده من ثمانية
عشر بعد ردّ التسعة ، وذلك مِثْلا محاباته.
وهنا طريقة سهلة المأخذ مبنيّة على أصول ظاهرة :
منها : أنّ القفيز الجيّد في هذه المسائل يعتبر بالأثمان ، فيقدّر ثمانية أسهم ، وينسب الرديّ إليه باعتبار الأثمان.
ومنها : أنّ محاباة صاحب الجيّد لا تبلغ أربعة أثمان أبداً ولا تنقص عن ثلاثة أثمان أبداً ، بل تكون بينهما ، فإذا أردت أن تعرف قدرها ، فانسب القفيز الرديء إلى الجيّد ، وخُذْ مثل تلك النسبة من الثمن الرابع.
وإذا أردت أن تعرف ما يصحّ البيع فيه من القفيز ، فانسب الرديء إلى المحاباة في الأصل وزِدْ مثل تلك النسبة على التبرّع ، فالمبلغ هو الذي يصحّ فيه البيع.
وإذا أردت أن تعرف ما يصحّ فيه تبرّع المقيل ، فانظر إلى تبرّع بائع الجيّد واضربه في ثلاثة أبداً وقابِل الحاصل من الضرب بالقفيز الجيّد ، فما زاد على القفيز فهو تبرّعه.
فإن أردت أن تعرف ما صحّت فيه الإقالة ، فزِدْ على تبرّعه بمثل نسبة زيادتك على تبرّع صاحبه ، فالمبلغ هو الذي صحّت الإقالة فيه.
مثاله في الصورة الاُولى : نقول : القفيز الجيّد ثمانية والرديء أربعة ، فالرديء نصف الجيّد ، فالتبرّع في ثلاثة أثمان ونصف ثمن ، وإذا نسبنا الرديء إلى أصل المحاباة ، وجدناه مثله ؛ لأنّ المحاباة عشرة من عشرين ، فنزيد على المتبرّع مثله يبلغ سبعة أثمان ، فهو الذي صحّ البيع فيه.
فإذا أردنا أن نعرف تبرّع المقيل ، ضربنا تبرّع الأوّل في ثلاثة يكون عشرة ونصفا ، وزيادة هذا المبلغ على الثمانية اثنان ونصف ، فعرفنا أنّ تبرّعه في ثمنين ونصف.
فإذا أردنا أن نعرف ما تصحّ فيه الإقالة ، زِدْنا على الثمنين والنصف مثله يكون خمسة أثمان.
ولا يخفى تخريج الصورة الاُخرى ونحوها على هذه الطريقة.
مسالة ٥٦٢ : إذا جمع في صفقة واحدة بين شيئين ، فإمّا أن يكون في عقدٍ واحد ، وقد تقدّم(١) حكمه. وإمّا أن يكون في عقدين مختلفي الحكم ، كما إذا جمع في صفقة واحدة بين إجارة وسَلَم ، أو نكاح وبيع ، أو إجارة وبيع.
وهو عندنا جائز ، للأصل ، وقوله تعالى :( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (٢) .
ولأنّهما عقدان يصحّان منفردين ، فجاز جمعهما في عقدٍ واحد ، كما لو تماثلا ، ويقسّط المسمّى على اُجرة المثل وثمن المثل ، أو مهر المثل وثمن المثل ، وهو أصحّ قولي الشافعي(٣) .
وفي الآخر : أنّ العقدين معاً يبطلان ، لأنّهما مختلفا الحكم ، فإنّ الإجارة والسّلم يختلفان(٤) في أسباب الفسخ والانفساخ. وكذا النكاح والبيع ، والإجارة والبيع يختلفان في الحكم أيضاً ، فإنّ التأقيت يشترط في الإجارة ويبطل البيع ، وكمال القبض في الإجارة لا يتحقّق إلّا بانقضاء المدّة ؛ لأنّه قبل ذلك معرض للانفساخ ، بخلاف البيع ، وإذا اختلفت الأحكام ، فربما يعرض ما يوجب فسخ أحدهما ، فيحتاج إلى التوزيع ، وتلزم الجهالة(٥) .
____________________
(١) في ص ٥ ، المسألة ٥٥٠.
(٢) المائدة : ١.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٦.
(٤) في « ي » والطبعة الحجريّة : مختلفان.
(٥) نفس المصدر في الهامش (٣).
وهو غلط ؛ فإنّ اختلاف الحكم لا أثر له ، كما لو باع شقص دار وثوباً ، فإنّهما اختلفا في حكم الشفعة واحتجنا إلى التوزيع فيه(١) .
وصورة الإجارة والسَّلَم أن يقول : آجرتك هذه الدار سنة ، وبعتك العبد سَلَماً بكذا. والإجارة والبيع : أن يقول : بعتك هذا الثوب وآجرتك داري سنة بكذا. والنكاح والبيع : بعتك هذه الجارية وزوّجتك ابنتي بكذا.
وعلى قولي الشافعي ما إذا جمع بين [ بيع ](٢) عين وسَلَم ، أو بيع صرف وغيره بأن باع ديناراً وثوباً بدراهم ؛ لاختلاف الحكم ، فإنّ قبض رأس المال شرط في السَّلَم ، والتقابض شرط في الصرف ، ولا يشترط ذلك في سائر البيوع(٣) .
ولو قال : زوّجتك ابنتي وبعتك عبدها بكذا ، فهو جمع بين بيع ونكاح ، ولا خلاف في صحّة النكاح ، أمّا البيع والمسمّى في النكاح فإنّهما عندنا صحيحان أيضاً.
وللشافعي القولان : إن صحّ ، وزّع المسمّى على قيمة المبيع ومهر مثل المرأة ، وإلّا وجب في النكاح مهر المثل عنده(٤) .
ولو جمع بين بيع وكتابة بأن قال لعبده : كاتبتك على نجمين ، وبعتك عبدي بألف ، صحّا عندنا.
وأمّا الشافعي : فإن حكم بالبطلان في صورة النكاح ، فهنا أولى ، وإلّا فالبيع باطل ؛ إذ ليس للسيّد البيع منه قبل أداء النجوم. وفي الكتابة
____________________
(١) كذا ، والظاهر : « بسببه » بدل « فيه ».
(٢) إضافة من المصدر.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥٦.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٧.
قولان(١) .
وقال بعض الشافعيّة : هذا لا يعدّ من صُور تفريق الصفقة ؛ لأنّا في قولٍ نُبطل العقدين جميعاً ، وفي قولٍ نصحّحهما جميعاً ، فلا تفريق(٢) .
مسالة ٥٦٣ : إنّما يثبت الخلاف لو اتّحدت الصفقة ، أمّا إذا تعدّدت ، فلا ، بل يصحّ الصحيح ، ويبطل الباطل ، فلو باع مالَه في صفقةٍ ومالَ غيره في اُخرى ، صحّت الاُولى إجماعاً ، ويتعدّد العقد إذا عيّن لكلّ شيء ثمنا مفصّلاً ، فيقول : بعتك هذا بكذا ، وهذا بكذا ، فيقول المشتري : قبلت ذلك على التفصيل.
ولو جمع المشتري بينهما في القبول ، فقال : قبلت فيهما ، فكذلك - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّ القبول ترتّب على الإيجاب ، فإذا وقع مفرّقاً ، فكذا القبول.
وقال بعض الشافعيّة : إن لم نجوّز تفريق الصفقة ، لم يجز الجمع في القبول(٤) .
ولو تعدّد البائع ، تعدّدت الصفقة أيضاً وإن اتّحد المشتري والمعقود عليه ، كما لو باع اثنان عبداً من رجل صفقةً واحدة ، وبه قال الشافعي(٥) .
وهل تتعدّد الصفقة بتعدّد المشتري خاصّة ، كما لو اشترى اثنان عبداً من رجل؟ المشهور عند علمائنا : عدم التعدّد ، فليس لهما الافتراق في الردّ بالعيب وعدمه ؛ لأنّ المشتري بأنٍ على الإيجاب السابق ، فالنظر إلى مَنْ صدر منه الإيجاب ، وهو أحد قولي الشافعي. وأصحّهما عنده : التعدّد ، كما
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥٧.
(٥-٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٨ ، المجموع ٩ : ٣٨٥.
في طرف البائع(١) .
مسالة ٥٦٤ : من فوائد التعدّد والاتّحاد : أنّا إذا حكمنا بالتعدّد فوفّى أحد المشتريين نصيبه من الثمن ، وجب على البائع تسليم قسطه من المبيع ، كما يسلّم المشاع. وإن حكمنا بالاتّحاد ، لم يجب تسليم شيء إلى أحدهما وإن وفّى جميع ما عليه حتى يوفي الآخر ؛ لثبوت حقّ الحبس للبائع ، كما لو اتّحد المشتري ووفّى بعض الثمن ، لا يسلّم إليه قسطه من المبيع.
وفيه وجه للشافعيّة : أنّه يسلّم إليه قسطه إذا كان المبيع ممّا يقبل القسمة(٢) .
ومنها : أنّا إذا قلنا بالتعدّد ، فلو خاطب واحد رجلين ، فقال : بعت منكما هذا العبد بألف ، فقَبِل أحدهما نصفه بخمسمائة ، ففي صحّته للشافعيّة وجهان : الصحّة ، لأنّه في حكم صفقتين. وأصحّهما : البطلان ، لأنّ الإيجاب وقع عليهما ، وأنّه يقتضي جوابهما جميعاً(٣) .
ويجري الوجهان فيما لو قال مالكا عبدٍ لرجلٍ : بِعْنا منك هذا العبد بألف ، فقبل نصيب أحدهما بعينه بخمسمائة(٤) .
ولو باع رجلان عبدا مشتركا بينهما من إنسان ، هل لأحدهما أن ينفرد بأخذ شيء من الثمن؟ وجهان للشافعيّة ، أحدهما : لا. والثاني : نعم(٥) .
والأوّل مذهبنا مع اتّحاد الصفقة.
مسالة ٥٦٥ : هل الاعتبار في الوحدة والتعدّد بالعاقد الوكيل أو المعقود له الموكّل ، كما لو وكّل رجلان رجلاً بالبيع أو بالشراء وقلنا : إنّ الصفقة
____________________
(٤-١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٨ ، المجموع ٩ : ٣٨٥.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥٨.
تتعدّد بتعدّد المشتري ، أو وكّل رجل رجلين بالبيع أو الشراء؟ فيه للشافعيّة وجوه :
أحدها : أنّ الاعتبار بالعاقد ؛ لأنّ أحكام العقد تتعلّق به ، ولهذا يعتبر رؤيته دون رؤية الموكّل ، وخيار المجلس يتعلّق به دون الموكّل.
والثاني : أنّ الاعتبار بالمعقود له ؛ لأنّ الملك يثبت له.
والثالث : أنّ الاعتبار في طرف البيع بالمعقود له ، وفي طرف الشراء بالعاقد.
والفرق : أنّ العقد يتمّ في جانب الشراء بالمباشر دون المعقود له ، وفي جانب البيع لا يتمّ بالمباشر حتى لو أنكر المعقود له الإذن ، بطل البيع.
وهذا الفرق إنّما يتمّ فيما إذا كان الشراء بثمن في الذمّة ، أمّا إذا وكّله في الشراء بمعيّن ، فهو كالوكيل بالبيع.
والرابع : أنّ الاعتبار في جانب الشراء بالموكّل ، وفي البيع بهما جميعاً ، فأيّهما تعدّد تعدّد العقد ، لأنّ العقد يتعدّد بتعدّد الموكّل في حقّ الشفيع ، ولا يتعدّد بتعدّد الوكيل حتى لو اشترى الواحد شقصاً لاثنين ، كان للشفيع أن يأخذ حصّة أحدهما ، وبالعكس لو اشترى وكيلان شقصا لواحدٍ ، لم يجز للشفيع أخذ بعضه ، وفي جانب البيع حكم تعدّد الوكيل والموكّل واحد حتى لو باع وكيل رجلين شقصاً من رجل ، ليس للشفيع أخذ بعضه ، وإذا ثبت ما ذكرناه في حكم الشفعة ، فكذا في سائر الأحكام(١) .
ويتفرّع على هذه الوجوهفروع :
أ - لو اشترى شيئاً بوكالة رجلين ، فخرج معيباً ، وقلنا : الاعتبار
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥٨ - ١٥٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٨ - ٩٩ ، المجموع ٩ : ٣٨٥ - ٣٨٦.
بالعاقد ، فليس لأحد الموكّلين ردّ نصيبه خاصّةً ، كما لو اشترى ومات عن ابنين وخرج معيباً ، لم يكن لأحدهما ردّ نصيبه خاصّة.
وهل لأحد الموكّلين والابنين أخذ الأرش؟
أمّا عندنا : فنعم.
وأمّا عند الشافعي : فكذلك إن وقع اليأس عن ردّ الآخر بأن رضي به. وإن لم يقع ، فكذلك على أصحّ الوجهين(١) .
ب - لو وكّلا واحداً ببيع عبدٍ لهما ، أو وكّل أحد الشريكين صاحبه ، فباع الكلّ ثمّ ظهر عيب ، فعلى الأوّل لا يجوز للمشتري ردّ نصيب أحدهما. وعلى الوجوه الباقية يجوز.
ولو وكّل رجل اثنين ببيع عبده ، فباعاه من رجلٍ ، فعلى الأوّل يجوز للمشتري ردّ نصيب أحدهما. وعلى الوجوه الباقية لا يجوز.
ولو وكّلا رجلاً بشراء عبد أو وكّل رجلٌ رجلاً بشراء عبد له ولنفسه ، ففَعَل وظهر العيب ، فعلى الأوّل والثالث ليس لأحد الموكّلين إفراد نصيبه بالردّ. وعلى الثاني والرابع يجوز.
وقال القفّال : إنّه إن علم البائع أنّه يشتري لاثنين ، فلأحدهما ردّ نصيبه ؛ لرضا البائع بالتبعيض. وإن جهله البائع ، فلا(٢) . ولا بأس به عندي.
ج - لو وكّل اثنان رجلا ببيع عبد ، ورجلان رجلا بشرائه ، فتبايع الوكيلان وخرج معيبا ، فعلى الأوّل لا يجوز التفريق. وعلى الوجوه الباقية يجوز.
ولو وكّل رجلٌ رجلين ببيع عبد ورجلٌ رجلين بشرائه ، وتبايع الوكلاء ، فعلى الأوّل يجوز التفريق ، ولا يجوز على الوجوه الباقية.
____________________
(١و٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٥٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٩٩ ، المجموع ٩ : ٣٨٦.
المقصد السادس : فيما يندرج في المبيع
وضابطه الاقتصار على ما يتناوله اللفظ لغةً وعرفاً.
والألفاظ التي تمسّ الحاجة إليها ستّة تشتمل عليها مباحث ستّة :
الأوّل : الأرض.
مسالة ٥٦٦ : إذا قال : بعتك هذه الأرض أو العرصة أو الساحة أو البقعة ، تناول اللفظ ما دلّ عليه حقيقةً ، وهو نفس الأرض ، فلو كان فيها ما هو متّصل بها كالأشجار والأبنية ، أو منفصل كالأمتعة وشبهها ، لم يدخل.
ولا خلاف في الثاني إلّا فيما يستثنى من المفتاح وشبهه ، وإنّما اختلفوا في الأوّل.
فإذا قال : بعتك هذه الأرض دون ما فيها من البناء والشجر ، لم يدخلا إجماعاً.
وإن قال : بعتكها بما فيها أو بما اشتملت عليه حدودها ، دخلا قطعاً.
وإن أطلق ، لم تدخل عندنا ، لخروجها عن مسمّى الأرض.
وقال الشافعي هنا : إنّه يدخل في البيع. وقال في الرهن : إذا قال : رهنتك هذه الأرض ، ولم يقل : بحقوقها ، لم يدخل الشجر والبناء في الرهن(١) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٥ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٥ ، الوسيط ٣ : =
واختلف أصحابه على طرق ثلاثة :
أحدها : أنّ البناء والغراس لا يدخل في بيع الأرض إذا كان مطلقاً ، وكذلك في الرهن ، والذي قال هنا أراد به إذا قال : بحقوقها ، لأنّ الأرض اسم لا يتناول البناء والشجر ، وهما ينفردان عنها في البيع ، فلم يدخلا في البيع باسم الأرض.
الثاني : أنّ جوابه مختلف ، ولا فرق بين البيع والرهن ، فتكون المسألتان على قولين ، أحدهما : لا يدخل فيهما البناء والشجر. والثاني : يدخلان ، لأنّهما للدوام والثبات في الأرض ، فأشبهت أجزاء الأرض ، ولهذا يلحق بها في الأخذ بالشفعة.
الثالث : الفرق بين البيع والرهن ؛ فإنّ البيع يزيل الملك ، فهو أقوى من الرهن الذي لا يزيله. ويفيد البيع ملك ما يحدث في الأرض من الشجر ، بخلاف الرهن ، فليستتبع البيع البناء والشجر ، ولهذا كان النماء الحادث في الأصل المبيع للمشتري ، ولم يكن النماء الحادث في الأصل المرهون مرهوناً. وهذا الثالث عندهم أوضح الطرق(١) .
لا يقال : لو باع النخل ، لم تدخل فيه الثمرة وإن كانت متّصلةً.
لأنّا نقول : الثمرة لا تراد للبقاء ، فليست من حقوقها ، بخلاف البناء والشجر.
____________________
= ١٦٩ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٧٦ ، حلية العلماء ٤ : ١٩٦ - ١٩٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢٨ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٤ ، المغني ٤ : ٢١٥ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٠٣.
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٥ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٥ ، الوسيط ٣ : ١٦٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٩٧ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢٨ - ٣٢٩ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٤ - ١٩٥ ، المغني ٤ : ٢١٥ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٠٣.
والوجه ما قلناه أوّلاً.
مسالة ٥٦٧ : لو قال : بعتك هذه الأرض بحقوقها ، ففي دخول البناء والشجر إشكال عندي أقربه : عدم الدخول ؛ لأنّ ذلك ليس من حقوق الأرض ، بل حقوقها الممرّ ومجرى الماء وأشباه ذلك.
وقال الشيخرحمهالله : يدخل(١) . وبه قال الشافعي(٢) .
وحكى الجويني في وجهٍ أنّه لا يدخل(٣) ، كما قلناه.
وقد روى محمد بن الحسن الصفّار عن العسكري ٧ في رجل اشترى من رجل أرضا بحدودها الأربعة فيها زرع ونخل وغيرهما من الشجر ، ولم يذكر النخل ولا الزرع ولا الشجر في كتابه ، وذكر فيه أنّه قد اشتراها بجميع حقوقها الداخلة فيها والخارجة عنها أتدخل النخل والأشجار والزرع في حقوق الأرض أم لا؟ فوقّع ٧ « إذا ابتاع الأرض بحدودها وما أغلق عليه بابها فله جميع ما فيها»(٤) .
وهذا الخبر صحيح لا ريب فيه ، إنّما المشكل صورة النزاع ، فإنّه فرق بين أن يبيع الأرض بحقوقها وهو المتنازع ، وبين أن يبيعها بما أغلق(٥) عليه بابها الذي هو الجواب ، فإنّ الشجر والبناء والزرع والبذر وأصل البقل تدخل في الصورة الثانية.
وكذا لو قال : بعتك الأرض بما فيها أو ما اشتملت عليه حدودها.
مسالة ٥٦٨ : الزرع قسمان :
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٠٥ ، الخلاف ٣ : ٨٢ ، المسألة ١٣٢.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٥ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢٨ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٤.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢٨.
(٤) التهذيب ٧ : ١٣٨ / ٦١٣.
(٥) في الطبعة الحجريّة : « يغلق ».
أ - ما لا تتعدّد فائدته وثمرته ، بل توجد(١) مرّة واحدة ، كالحنطة والشعير والدخن وغيرها. وهذا لا يدخل في الأرض لو قال : بعتك هذه الأرض ، لأنّه ليس للدوام والثبات ، فكان كالأمتعة في الدار.
وكذا لا يدخل في الأرض الجزر الثابت ولا الفجل ولا السلق ولا الثوم ، كالحنطة والشعير ، وبه قال الشافعي(٢) .
أمّا لو قال : بعتك هذه الأرض بحقوقها ، فإنّ هذا القسم من الزرع لا يدخل عندنا ؛ لأنّ الثابت المستمرّ - كالبناء والغرس - لا يدخل ، فغيره أولى بعدم الدخول ، وبه قال الشافعي(٣) .
ب - ما تتعدّد فائدته وتوجد(٤) ثمرته مرّة بعد اُخرى في سنتين وأكثر ، كالقطن والباذنجان والنرجس والبنفسج ، ولا تدخل في الأرض اُصولها عندنا وإن قال : بحقوقها.
وللشافعي قولان كالأشجار(٥) .
وأمّا الظاهر من ثمارها عند العقد فهو للبائع.
وفي النرجس والبنفسج وجه للشافعيّة : أنّهما من قبيل الزرع لا يدخلان(٦) .
وأمّا ما يجزّ مراراً كالقتّ والقصب والهندباء والكرّاث والنعناع والكرفس والطرخون فلا تدخل في الأرض عندنا وإن قال : بحقوقها ، لا ما ظهر منها ولا اُصولها.
____________________
(١) الظاهر : « تؤخذ » بدل « توجد ».
(٢) الحاوي الكبير ٥ : ١٨٥ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢٩ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٥.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢٩ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٦.
(٤) الظاهر : « تؤخذ » بدل « توجد ».
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٦.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٦.
وقال الشافعي : لا تدخل الجزّة الظاهرة عند البيع ، بل هي للبائع ، وفي دخول الأصول الخلاف(١) .
وعند بعضهم أنّها تدخل قطعاً في بيع الأرض ؛ لأنّها كامنة فيها بمنزلة أجزائها(٢) .
وبالجملة ، كلّ زرع لا يدخل في البيع لا يدخل وإن قال : بعت الأرض بحقوقها عند الشافعي(٣) .
مسالة ٥٦٩ : إذا باع الأرض وفيها زرع ، كان البيع صحيحاً ؛ عملاً بالأصل ، كما لو باع داراً مشغولة بأمتعة البائع ، وبه قال الشافعي(٤) .
وقال أبو إسحاق من الشافعيّة : إنّ للشافعي فيها قولين ، كما لو باع العين المستأجرة ، فإنّ فيها قولين باعتبار استثناء المنفعة ، والمعتدّة إذا استحقّت السكنى في الدار ، لم يجز بيعها عندهم قولاً واحداً(٥) .
وأنكر باقي أصحاب الشافعي عليه ، وفرّقوا بينهما ؛ لأنّ بقاء الزرع في الأرض لا يحول بين يدي المشتري وبين الأرض ، وإنّما للبائع ترك الزرع والدخول للحاجة إلى ذلك ، بخلاف المستأجر والمعتدّة ، فإنّ يدهما حائلة ، وفرق بينهما ، ولهذا لو زوّج أمته وباعها ، يصحّ البيع قولا واحدا ، لأنّ يد الزوج ليست حائلة ، وإنّما ينتفع ببعض منافعها.
قالوا : ولو كان الأمر على ما قاله أبو إسحاق ، لكان البيع هنا باطلاً قولاً واحداً ؛ لأنّ مدّة إكمال الزرع مجهولة(٦) .
____________________
(١ و ٢ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢٩ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٦.
(٤) الوجيز ١ : ١٤٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢٩ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٥.
(٥ و ٦ ) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.
مسالة ٥٧٠ : إذا ثبت أنّ البيع صحيح ، وأنّ الزرع للبائع ، فإنّ له تبقيته إلى أوان الحصاد بغير اُجرة عليه في المدّة - وبه قال الشافعي(١) - لأنّ تبقية الزرع مستثناة من بيعه ، فكأنّه باع العين دون المنفعة.
وقال أبو حنيفة : ليس له ذلك ؛ لأنّه بالبيع ملك المشتري المنافع(٢) . وهو ممنوع.
إذا ثبت هذا ، فإنّه إذا حضر وقت الحصاد ، أمر بالقطع وتفريغ الأرض ، وعليه تسويتها وقلع العروق التي يضرّ بقاؤها بالأرض ، كعروق الذرّة ، كما لو كان في الدار دابّة لا يتّسع لها الباب ، فإنّها تنقض ، وعلى البائع ضمانه.
ولو قطع البائع الزرع قبل أوان حصاده ، لم يكن له الانتفاع بالأرض ، وكانت المنفعة للمشتري؛ لأنّه إنّما استحقّ تبقية هذا الزرع قضاءً للعادة بالتبقية ، ولئلّا يتضرّر بقطعه ، وهذه الضرورة قد زالت ، فإذا أزاله ، لم يكن له الانتفاع بمكانه ، كما لو باع داراً فيها قماش له ، فإنّ عليه نقله بمجرى العادة ، فإن جمع الحمّالين ونقله في ساعة واحدة ، لم يكن له حبس الدار إلى أن يمضي زمان العادة في النقل والتفريغ ، كذا هنا.
وإذا ترك الزرع حتى استحصد ، وجب عليه نقله بحسب الإمكان ، فإن أراد تبقيته ؛ لأنّه أنفع له ، لم يترك ، فإذا حصده ، فإن بقي له اُصول لا تضرّ بالأرض ، لم يكن عليه نقلها ، وإلّا وجب.
مسالة ٥٧١ : إذا كان المشتري جاهلاً بالزرع بأن تقدّمت رؤيته للأرض قبل البيع وقبل الزرع ، ثمّ باعها بعده ، كان له الخيار في فسخ البيع ؛ لنقص
____________________
(١) حلية العلماء ٤ : ٢٠٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٦.
(٢) حلية العلماء ٤ : ٢٠٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٠.
المبيع عادة ، وعدم تمكّنه من الانتفاع به عقيب العقد وهو مقتضاه. وإن شاء أجاز البيع مجّاناً بغير أرش ولا اُجرة.
وإن كان عالماً ، لزمه البيع ، وسقط خياره ، كعالم العيب قبل البيع.
وإذا خلّى البائع بينه وبين الأرض المشغولة بزرعه ، كان إقباضاً له.
وهل يدخل في ضمان المشتري بذلك؟ الأقرب : ذلك وإن تعذّر انتفاعه بها ، لشغل الزرع المتقدّم - وهو أظهر قولي الشافعيّة(١) - لحصول التسليم في الرقبة ، وهي المبيعة.
والثاني : لا يدخل في ضمان المشتري ؛ لأنّها مشغولة بملك البائع ، كما ذكرنا فيما إذا كانت الدار مشحونةً بأمتعة البائع(٢) .
والمعتمد : الأوّل ، والفرق أنّ التفريغ في الأمتعة متأتٍّ في الحال ، على أن الجويني أورد فيها وجهاً(٣) أيضاً.
مسالة ٥٧٢ : إذا كان في الأرض اُصول لما يجزّ مرّة بعد اُخرى ، فقد قلنا : إنّها لا تدخل في بيع الأرض.
وقال الشافعي : تدخل. فعلى قوله يشترط المشتري على البائع قطع الجزّة الظاهرة ؛ لأنّها تزيد، ويشتبه المبيع بغيره(٤) .
وكذا عندنا لو شرط دخول اُصولها في العقد.
ولا فرق بين أن يكون ما ظهر بالغاً أوان الجزّ أو لا يكون.
قال بعض الشافعيّة : إلّا القصب ، فإنّه لا يكلّف قطعه إلّا أن يكون ما ظهر قدراً ينتفع به. ولو كان في الأرض أشجار خلافٍ تُقطع من وجه
____________________
(١ و ٢ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢٩ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٥.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٢٩.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٦.
الأرض ، فهي كالقصب(١) .
مسالة ٥٧٣ : لو كان في الأرض بذر كامنٌ لم يظهر ، لم يدخل في بيع الأرض وإن قال : بحقوقها ، على ما تقدّم.
وقال الشافعيّ هنا بالتفصيل الذي ذكره في الزرع ، فالبذر(٢) الذي لا ثبات لنباته ويؤخذ(٣) دفعةً واحدة لا يدخل في بيع الأرض المبيعة ، ويبقى إلى أوان الحصاد ، وللمشتري الخيار مع جهله، فإن تركه البائع له ، سقطه خياره ، وعليه القبول ، قاله الشافعي(٤) .
وعندي فيه إشكال.
ولو قال البائع : أنا آخذه وأفرغ الأرض ، فلا خيار للمشتري أيضاً إن قصر الزمان ، وإلّا فله الخيار.
وأمّا البذر الذي يدوم(٥) نباته ، كنوى النخل والجوز واللوز وبذر الكرّاث ونحوه من البقول فإنّ حكمها في الدخول تحت بيع الأرض حكم الأشجار ؛ لأنّ هذه الاُصول تُركت في الأرض للتبقية ، فهي كاُصول الشجر إذا غُرست(٦) .
والحقّ ما قلناه نحن من عدم الدخول في القسمين ؛ عملاً بالأصل ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٦.
(٢) في « س » والطبعة الحجريّة : « فالقدر » بدل « فالبذر ». والكلمتان ساقطتان في « ي » والظاهر ما أثبتناه لأجل السياق وكما هو في المصدر أيضاً.
(٣) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « يوجد » بدل « يؤخذ ». والظاهر ما أثبتناه وكما هو في المصدر أيضاً.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٦ - ١٩٧.
(٥) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « تقدّم » بدل « يدوم ». والصحيح ما أثبتناه كما هو في المصدر أيضاً.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٠ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٧.
واستصحاب ملك البائع.
مسالة ٥٧٤ : إذا باع أرضاً وفيها حجارة ، فإمّا أن تكون مخلوقةً فيها أو لا.
فإن كانت مخلوقةً ، دخلت في بيع الأرض مع الإطلاق ؛ لأنّها من جملة الأرض.
ثمّ إن كانت مضرّةً بالغراس وتمنع عروقه من النفوذ ، فإن كان المشتري عالماً بذلك ، فلا خيار له. وإن لم يكن عالماً ، ثبت له الخيار ؛ لأنّ ذلك عيب ، وبه قال الشافعي(١) .
وفيه وجهٌ(٢) آخر له : أنّه ليس بعيب ، وإنّما هو فوات فضيلة(٣) .
وإن لم تضرّ بالأرض ولا بالشجر بأن تكون بعيدةً من وجه الأرض لا تصل إليها عروق الشجر، فلا خيار للمشتري ، لأنّ ذلك ليس بعيب.
وأمّا إن لم تكن مخلوقةً في الأرض ، فإمّا أن تكون مبنيّهً فيها مدرجة في البناء ، فإنّها أيضاً تدخل في الأرض إن قلنا بدخول البناء ، أو اشترط دخوله. وإمّا أن تكون مودعةً فيها مدفونة للنقل [ فإنّها ] لم تدخل في البيع - وبه قال الشافعي(٤) - لأنّها بمنزلة الكنوز والأقمشة في الدار وقد تُركت في الأرض للنقل والتحويل.
وإذا كانت للبائع عند الإطلاق ، فإمّا أن يكون المشتري عالماً بالحال من كونها في الأرض وضررِها ، أو جاهلاً.
فإن كان عالماً ، فلا خيار له في فسخ العقد وإن تضرّر بقلع البائع ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣١ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٧.
(٢) في الطبعة الحجريّة : « وفي وجه ».
(٣ و ٤ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣١ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٧.
وله إجبار البائع على القلع والنقل تفريغاً لملكه ؛ لأنّه لا عرف في تبقيتها ، بخلاف الزرع ، فإنّ له أمداً ينتظر.
ولا اُجرة للمشتري في مدّة القلع والنقل وإن طالت ، كما لو اشترى داراً فيها أقمشة وهو عالم بها ، لا اُجرة له في مدّة النقل والتفريغ.
وعلى البائع - إذا نقل - تسوية الأرض ؛ لأنّ الحفر حصل بنقل ملكه من غير تعدٍّ من صاحب الأرض ، فكان عليه تسويتها.
وإن كان جاهلاً بالحجارة أو علمها وجهل ضررها ، فالأحوال أربعة :
أ - أن لا يكون في ترك الحجارة ولا في قلعها ضرر ، فإن لم يحوج النقل وتسوية الأرض إلى مدّة لمثلها اُجرة ولم تنقص الأرض بها ، فللبائع النقل ؛ لأنّها ملكه ، وعليه تسوية الأرض ، ولا خيار للمشتري إن كان الزمان يسيراً. وإن كان كثيراً يضرّ بمنفعة الأرض ، فله الخيار ، فإن فسخ ، فلا كلام. وإن أجاز ، فهل له الاُجرة؟ وجهان.
وله إجبار البائع على النقل.
وحكى الجويني وجهاً أنّه لا يجبر ، والخيرة للبائع(١) . والمذهب عندهم الأوّل(٢) .
ب - أن لا يكون في قلعها ضرر ويكون في تركها ضرر ، فيؤمر البائع بالنقل ، ولا خيار للمشتري ، كما لو اشترى داراً فلحق سقفها خلل يسير يمكن تداركه في الحال ، أو كانت البالوعة مفسدةً ، فقال البائع : أنا أصلحه وأنقيها ، لا خيار للمشتري.
ج - أن يكون الترك والقلع معاً مضرّين ، فيتخيّر المشتري ، سواء
____________________
(١ و ٢ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣١ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٧.
جهل أصل الأحجار أو يكون قلعها مضرّاً. ولا يسقط خياره بأن يترك البائع الأحجار ؛ لما في بقائها من الضرر.
ولو قال البائع للمشتري : لا تفسخ وأنا أغرم لك اُجرة المثل مدّة النقل ، لم يسقط خياره أيضاً، كما لو قال البائع : لا تفسخ بالعيب لأغرم لك أرشه ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة. والثاني: السقوط(١) . وليس بجيّد.
ثمّ إن اختار المشتري البيع ، فعلى البائع النقلُ وتسوية الأرض ، سواء كان النقل قبل القبض أو بعده.
وهل تجب اُجرة المثل لمدّة النقل إن كان النقل قبل القبض؟ قال الشافعي : يبنى على أنّ جناية البائع قبل القبض كآفة سماويّة أو كجناية الأجنبيّ؟ إن قلنا بالأوّل ، لم تجب ، لأنّ المبيع قبل القبض مضمون بالثمن ، فلا يضمن البائع إلّا ما يتقسّط عليه الثمن. وإن قلنا بالثاني ، فهو كما لو نقل بعد القبض(٢) .
وإن كان النقل بعد القبض ، فوجهان للشافعيّة : عدم الوجوب ؛ لأنّ إجازته رضا بتلف المنفعة في مدّة النقل. وأصحّهما عند أكثرهم : أنّها تجب ؛ لأنّ البيع قد استقرّ والمنافع مضمونة على المتلف ، كضمان أجزائه على المتلف وإن كان البائعَ ، وكما لو جنى على المبيع بعد القبض ، عليه ضمانه.
والحاصل أنّ في وجوب الاُجرة ثلاثة أوجه ، ثالثها - وهو الأظهر عندهم - : الفرق بين أن يكون(٣) النقل قبل القبض ، فلا تجب ، أو بعده
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣١ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٨.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٨.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « بين كون ».
فتجب(١) .
ويجري مثل هذا الخلاف في وجوب الأرش لو بقي في الأرض بعد التسوية نقصان وعيب(٢) .
د - أن يكون في قلعها ضرر ولا يكون في تركها ضرر ، فللمشتري الخيار ، فإن أجاز ، ففي الاُجرة والأرش ما مرّ. ولا يسقط خياره بأن يقول : أقلع وأغرم الاُجرة أو أرش النقص. ولو رضي بترك الأحجار في الأرض ، سقط خيار المشتري إبقاء للعقد.
ثمّ ينظر في الترك ، فإن اقتصر البائع على قوله : تركتها للمشتري ، كان ذلك إعراضا لا تمليكا - وهو أظهر وجهي الشافعيّة(٣) - فتكون باقية على ملك البائع ، والترك أفاد قطع الخصومة.
فإن أراد الرجوع ، فله ذلك - وبه قال أكثر الشافعيّة(٤) - ويعود خيار المشتري.
وقال الجويني : لا رجوع له ، ويلزمه الوفاء بالترك(٥) .
والثاني للشافعيّة : أنّه تمليك ليكون سقوط الخيار في مقابلة ملك حاصل(٦) .
ولو قال : وهبتها منك وحصلت شرائط الهبة ، حصل الملك. ومنهم مَنْ طرّد الخلاف ؛ لأنّه لا يقصد حقيقة الهبة ، إنّما قصد دفع الفسخ.
وإن لم تجمع شرائط الهبة ، بطلت.
وللشافعيّة في صحّتها للضرورة وجهان ، إن صحّحناها ، ففي إفادة
____________________
(١ - ٤ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٨.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٨ - ١٩٩.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٨.
الملك ما ذكرنا في لفظ الترك(١) .
هذا كلّه إذا كانت الأرض بيضاء ، أمّا إذا كان فيها غرس ، نُظر إن كانت حاصلةً يوم البيع واشتراها مع الأرض ، فنقصان الأشجار وتعيّبها بالأحجار كعيب(٢) الأرض في إثبات الخيار وسائر الأحكام.
وإن أحدثها المشتري بعد الشراء ، فإن كان قد أحدثها عالماً بالأحجار ، فللبائع قلعها ، وليس عليه ضمان نقصان الغراس.
وإن أحدثها جاهلاً ، فله الأرش عندنا ؛ لأنّه عيب تعقّبه تصرّف المشتري ، فسقط ردّه.
وللشافعيّة في ثبوت الخيار للمشتري وجهان : الثبوت ؛ لأنّ الضرر ناشٍ من إيداعه الأحجار في الأرض. والأصحّ عندهم : عدمه ؛ لرجوع الضرر إلى غير المبيع(٣) .
فإن كانت الأرض تنقص بالأحجار أيضاً ، نُظر فإن لم يورث الغرس وقلع الغروس نقصاناً في الأرض ، فله القلع والفسخ عند الشافعي(٤) لا عندنا.
وإن أورث الغرس أو القلع نقصاناً ، فلا خيار في الفسخ ، إذ لا يجوز له ردّ المبيع ناقصاً ، ولكن يأخذ الأرش.
وإذا قلع البائع الأحجار فانتقص الغراس ، فعليه أرش النقص بلا خلاف.
ولو كان فوق الأحجار زرع إمّا للبائع أو للمشتري ، ترك إلى أوان
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٩.
(٢) كذا ، والظاهر : « كتعيّب ».
(٣ و ٤ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٩.
الحصاد ؛ لأنّ له غايةً منتظرة ، بخلاف الغراس ، وهو قول بعض الشافعيّة(١) .
وقال بعضهم : لا فرق بينه وبين الغراس(٢) .
تذنيب : إنّما وجب على البائع والغاصب تسوية الحفر إذا حفر في الأرض المغصوبة ، ولم يوجبوا على هادم الجدار أن يعيده ، بل أوجبوا الأرش ؛ لأنّ [ طمّ ](٣) الحفر لا يتفاوت ، وهيئات البناء تختلف وتتفاوت ، فيشبه(٤) [ طمّ ](٥) الحفر بذوات الأمثال ، والهدم بذوات القِيَم حتى لو رفع لبنة أو اثنتين(٦) من رأس الجدار وأمكن الردّ من غير اختلاف في الهيئة ، لزمه الردّ إلى تلك الهيئة.
البحث الثاني : في البستان.
إذا قال : بعتك هذا الباغ أو البستان ، دخل فيه الأرض والأشجار والحائط الدائر عليه ؛ لأنّ لفظ « البستان » يدلّ على مجموع هذه الأشياء بالمطابقة ، لتبادر الذهن إليه.
ولو كان فيه بناء - كبيت أو دار - ففي دخوله في البستان ما مرّ في لفظة « الأرض » فعندنا لا يدخل. وعند الشافعي قولان(٧) .
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٩.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٩٩.
(٣ و ٥ ) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.
(٤) في « س ، ي » : « فشبه ».
(٦) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « حتى لو وقع لبنة أو اثنتان ». وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٧) الحاوي الكبير ٥ : ١٧٩ ، الوجيز ١ : ١٤٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٤ ، الوسيط ٣ : ١٧٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٠.
وهل يدخل العريش الذي توضع عليه القضبان؟ الظاهر عند الجويني(١) دخوله.
والأقرب عندي : عدم الدخول.
قالت الشافعيّة : لفظ « الكَرْم » كلفظ « البستان »(٢) .
وليس جيّداً ؛ فإنّ العادة والعرف والاستعمال تقتضي عدم دخول الحائط في مسمّى الكَرْم ، ودخوله في البستان.
ولو قال : هذه الدار بستان ، دخلت الأبنية والأشجار معاً.
ولو قال : هذا الحائط بستان ، أو هذه المحوطة ، دخل الحائط المحيط وما فيه من الأشجار ، وأمّا البناء ففيه(٣) ما سبق ، كذا قال بعض الشافعيّة(٤) .
ولا يظهر فرق بين الأبنية والأشجار في المحوطة ، فإمّا أن يدخلا معاً أو يخرجا معاً.
ويدخل المجاز والشرب في لفظ « البستان » و « الباغ » وإن لم يقل : « بحقوقه » على إشكال.
البحث الثالث : في القرية.
إذا قال : بعتك هذه القرية أو الدسكرة ، دخل في المبيع الأبنية
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٠.
(٢) الوسيط ٣ : ١٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٠.
(٣) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « وأمّا الشافعيّة » بدل « وأمّا البناء ففيه ». والصحيح ما أثبتناه.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٠.
والساحات الداخلة في السور وسور المحيط بها ؛ لأنّ القرية اسم لذلك ، لأنّها مأخوذة من الجمع.
ولا تدخل المزارع فيها - وبه قال الشافعي(١) - لأنّه لو حلف أن لا يدخل القرية ، لم يحنث بدخول المزارع.
ولو قال : بعتكها بحقوقها ، لم تدخل أيضاً ؛ لأنّها ليست من حقوق القرية ، فلا بُدَّ من النصّ على المزارع ، وبه قال أكثر الشافعيّة(٢) .
وقال بعضهم : إنّها تدخل(٣) . وبعضهم قال : إن قال : بحقوقها ، دخلت ، وإلّا فلا(٤) .
وكلاهما ضعيف.
أمّا الأشجار التي في وسط القرية فإنّها على الخلاف السابق فيما لو باع أرضاً وفيها شجر.
والأولى عندي عدم دخولها في القرية.
وقال بعض الشافعيّة : إنّها تدخل في لفظ القرية ، ولا تدخل في لفظ الأرض(٥) .
وقال الشافعي : إذا قال : بحقوقها ، دخلت الأشجار قولاً واحداً(٦) .
____________________
(١) الحاوي الكبير ٥ : ١٧٩ ، الوسيط ٣ : ١٧٤ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٠ ، منهاج الطالبين : ١٠٦.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٠.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٠.
(٤) فتح العزيز بهامش المجموع ٩ : ٣١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٠ ، وفي العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٥ قد سقط بعض القول فلاحِظْ.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٤.
(٦) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٤ ، وروضة الطالبين ٣ : ٢٠٠.
وتدخل فيها البيوت وحيطانها والسقوف والطرق المسلوكة فيها.
ولو وجدت قرينة تدلّ على إرادة المزارع ، دخلت ، وإلّا فلا ، كما لو ساومه على القرية ومزارعها واتّفقا على ثمن معيّن ثمّ اشترى القرية بذلك الثمن ؛ فإنّ المزارع تدخل هنا ؛ للقرينة الدالّة على الدخول.
وكذا لو بذل ثمناً لا يصلح إلّا للجميع ، دخلت ، عملاً بشاهد الحال.
البحث الرابع : الدار.
مسالة ٥٧٥ : إذا قال : بعتك هذه الدار ، دخل في المبيع الأرض والأبنية على تنوّعها حتى الحمّام المعدود من مرافقها ؛ لتناول اسم الدار لذلك كلّه.
وعن الشافعي أنّ الحمّام لا يدخل(١) .
وحَمَله أصحابه على حمّامات الحجاز ، وهي بيوت من خشب تنقل(٢) .
ولو كان في وسطها أشجار ، لم تدخل عندنا.
وقال الشافعي : إن قال : بحقوقها ، دخلت قطعاً. وإن أطلق ، فعلى الطرق المذكورة في لفظ الأرض(٣) .
ونقل الجويني في دخولها ثلاثة أوجه ، ثالثها : الفرق بين أن تكثر بحيث يجوز تسمية الدار بستاناً ، فلا تدخل في لفظ الدار ، وبين أن لا تكون كذلك فتدخل(٤) .
____________________
(١ و ٢ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٠.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٥ و ٣٢٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٠ و ١٩٤.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٠ - ٢٠١.
مسالة ٥٧٦ : الآلات التي في الدار على أقسام ثلاثة :
أ - المنقولات ، كالدلو والبكرة والرشا والمجارف(١) والسُّرُر والرفوف الموضوعة على الأوتاد من غير تسمّر والسلالم التي لم تسمّر ولم تطيّن والأقفال والكنوز والدفائن.
وهذه لا تدخل في البيع ، وبه قال الشافعي(٢) .
وأمّا المفاتيح للأغلاق المثبتة فالأقرب : دخولها - وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٣) - لأنّها من توابع المغلاق المثبت.
والآخر : لا تدخل كسائر المنقولات(٤) .
وكذا الأقرب في ألواح الدكاكين الموضوعة في أبوابها الدخولُ ؛ لأنّها أبواب لها ، فأشبه الباب المثبت.
ويحتمل عدم الدخول ؛ لأنّها تنقل وتحوّل ، فكانت كالفرش.
وللشافعيّة وجهان(٥) .
ب - ما اُثبت في الدار تتمّةً لها ليدوم فيها ويبقى ، كالسقوف
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « المخارق ». وفي « س ، ي » : « المخارف ». والظاهر ما أثبتناه.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٥ ، الحاوي الكبير ٥ : ١٧٩ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٩ و ٣٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠١.
(٣ و ٤ ) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٥ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠١.
(٥) الحاوي الكبير ٥ : ١٨٠ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠١.
والأبواب المنصوبة وما عليها من التعاليق(١) والحَلَق والسلاسل والضباب(٢) .
وهذه تدخل في البيع ؛ لأنّها معدودة من أجزاء الدار.
ج - ما اُثبت على غير هذا الوجه ، كالرفوف والدنان والإجّانات المثبتة والسلالم المسمّرة والأوتاد المثبتة في الأرض والجُدْران والتحتاني من حجري الرحى وخشب القصّار ومعجن الخبّاز.
والأقرب : عدم الدخول ؛ لأنّها ليست من أجزاء الدار ، وإنّما اُثبتت لسهولة الارتفاق بها كيلا تتزعزع وتتحرّك عند الاستعمال.
وللشافعي في الفوقاني من حجري الرحى وجهان إن أدخلنا التحتاني ، والأصحّ : الدخول عندهم(٣) .
وقطع الجويني بدخول الحجرين في بيع الطاحونة ، وبدخول الإجّانات المثبتة إذا باع باسم المدبغة(٤) .
مسالة ٥٧٧ : في دخول مسيل الماء في بيع الأرض وشربها من القناة والنهر المملوكين إشكال أقربه : عدم الدخول ، إلّا أن يشترطها ويقول : « بحقوقها ».
وعن بعض الشافعيّة أنّه لا يكفي ذكر الحقوق(٥) .
____________________
(١) الظاهر : « المغاليق » بدل « التعاليق ».
(٢) في « س ، ي » : « الضبّات ». وفي الطبعة الحجريّة : « والضباط ». وهو غلط ، والظاهر ما أثبتناه. والضبّة : حديدة عريضة يضبّب بها الباب والخشب. والجمع : ضباب. لسان العرب ١ : ٥٤١ « ضبب ».
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٧٩ - ١٨٠ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠١.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠١.
(٥) فتح العزيز بهامش المجموع ٩ : ٣٤ ، وفي العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٦ قد سقط حرف « لا » في قوله : « لا يكفي » ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٢.
ولا تدخل الحجارة المدفونة ولا الآجر المدفون ؛ لأنّه مودع فيها ، إلّا أن تكون الحجارة والآجر مثبتين فيها.
مسالة ٥٧٨ : إذا كان في الدار بئر الماء ، دخلت في المبيع ؛ لأنّها من أجزاء الدار ، وبه قال الشافعي(١) .
وأمّا الماء الحاصل في البئر فالأقرب دخوله.
وللشافعي وجهان :
أحدهما : أنّه مملوك لصاحب الدار ؛ لأنّه نماء ملكه ، فكان داخلاً في ملكه كلبن الشاة ، وبه قال ابن أبي هريرة.
والثاني : أنّه غير مملوك ، لأنّه يجري تحت الأرض ويجيء إلى ملكه ، فهو بمنزلة الماء يجري من النهر إلى ملكه لا يملكه بذلك. ولأنّه لو كان ملكاً لصاحب الدار ، لم يجز للمستأجر إتلافه ، لأنّ الإجارة لا تستحقّ إتلاف الأعيان ، فعلى هذا لو دخل داخل فاستقى ماءً بغير إذن صاحب الدار ، ملك الماء وإن كان متعدّياً بالدخول(٢) .
وإذا باع الماء الذي في البئر ، لم يصحّ البيع على الوجهين عند الشافعي(٣) ؛ لأنّه في أحد الوجهين لا يملك الماء ، فلا يصحّ. وفي الآخر : يكون الماء مجهولاً فيها ، ولا يمكن تسليمه ؛ لأنّه إلى أن يسلّمه يختلط به غيره ، فإذا باع الدار ، لم يدخل الماء في البيع المطلق على الوجهين.
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٢.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٩٨ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٦ ، و ٦ : ٢٣٩ - ٢٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٢ ، و ٤ : ٣٧٣ ، المغني ٤ : ٢١٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٠٣.
(٣) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٤٢ ، وروضة الطالبين ٤ : ٣٧٥.
وأمّا عندنا فإنّه يجوز بيعه منضمّاً إلى الدار ، والجهالة لا تضرّ ؛ لأنّها تابعة ، كأساسات الحيطان.
وإن شرط دخول الماء في البيع ، صحّ عندنا وعنده على قوله : إنّ الماء مملوك(١) .
وأمّا العيون المستنبطة فإنّها مملوكة.
وهل يملك الذي فيها؟ أمّا عندنا : فنعم. وأمّا عند الشافعي :
فوجهان(٢) .
ولا يمكن بيع الماء الذي فيها منفرداً ؛ للجهالة. ويجوز بيع العين وجزء منها.
وأمّا المياه التي في الأنهار - كالفرات ودجلة وما دونها من المياه في الجبال والعيون - فليست مملوكةً ، ومَنْ أخذ منها شيئاً وحازه(٣) ملَكَه ، وجاز له بيعه.
وإذا جرى من هذه المياه شيء إلى ملك إنسان ، لم يملكه بذلك ، كما لو توحّل ظبي في أرضه أو نزل ثلج إلى ساحته.
وكذا إذا حفر نهراً فجرى الماء إليه من هذه الأنهار ، لم يملكه بذلك ، فيجوز لغيره الشرب منه.
أمّا لو حفر النهر وقصد بذلك إجراء الماء وكان النهر مملوكاً له ، فالأولى أنّه يملكه ؛ لأنّه قد حازه(٤) حيث أجراه في نهره ، فكان كما لو أخذ في آنيته.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٢.
(٢) انظر : العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٤٠ ، وروضة الطالبين ٤ : ٣٧٣ ، والمغني ٤ : ٢١٧ ، والشرح الكبير ٤ : ٢٠٣.
(٣ و ٤ ) في الطبعة الحجريّة و « س ، ي » : « أحازه ». والصحيح ما أثبتناه.
مسالة ٥٧٩ : لو كان في الأرض أو الدار معدن ظاهر - كالنفط والملح والغاز والكبريت - فهو كالماء هل يملكه صاحب الأرض؟ للشافعيّة وجهان(١) .
وعندنا أنّه مملوك له إذا كان في ملكه.
وإن كان باطناً كالذهب والفضّة وغيرهما من الجامدات ، فهي مملوكة تتبع الأرض في الملك وفي البيع ؛ لأنّها جزء منها - وبه قال الشافعي(٢) - إلّا أنّه لا يجوز بيع معدن الذهب بالذهب.
ولو بِيع بالفضّة ، جاز عندنا ، وعنده قولان(٣) سبقا في الجمع بين البيع والصرف.
مسالة ٥٨٠ : لو باع داراً في طريقٍ غير نافذٍ ، دخل حريمها في البيع وطريقها.
وفي دخول الأشجار فيه ما سبق. وإن كانت في طريقٍ نافذ ، لم يدخل الحريم والأشجار في البيع ، بل لا حريم لمثل هذه الدار ، قاله الشافعي(٤) .
مسالة ٥٨١ : لو باع داراً ، دخل فيها الأعلى والأسفل ؛ لأنّ اسم الدار يشملهما ، إلّا أن تشهد العادة باستقلال الأعلى بالسكنى ، فلا يدخل. وكذا الخان.
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٩٩ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٢.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٥ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٢.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٢.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٠ - ٣٨١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٢ - ٢٠٣.
البحث الخامس : العبد.
مسالة ٥٨٢ : إذا باع عبده أو أمته ، لم يتناول العقد مالَ العبد إن كان له مال وقلنا : إنّه يملك بالتمليك ؛ اقتصاراً على ما يتناوله اللفظ وإبقاءً لغيره على أصله.
ولو شرط البائع المال لنفسه ، فلا بحث في أنّه له ؛ لأنّ ملك العبد ناقص ، وللمولى انتزاعه منه دائماً.
وإن باعه مع المال ، فإن قلنا : إنّه لا يملك ما ملّكه مولاه ، اعتبر فيه شرائط البيع ، فلو كان مجهولاً ، لم يصح. وكذا لو كان دَيْناً والثمن دَيْنٌ ، أو كان ذهباً والثمن منه.
ولو كان ذهباً والثمن فضّة أو بالعكس ، جاز عندنا.
وللشافعي قولان(١) .
وإن قلنا : إنّه يملك ، انتقل المال إلى المشتري مع العبد ، ولا تضرّ الجهالة عند الشافعي(٢) ؛ لأنّ المال هنا تابع وجهالة التابع محتملة كجهالة الأساسات والحمل واللبن وحقوق الدار ، بخلاف الأصل ؛ فإنّه لا يحتمل الجهالة.
وقال بعض الشافعيّة : إنّ المال ليس بمبيع لا أصلاً ولا تبعاً ولكن شرطه للمبتاع تبقية له على العبد كما كان ، فللمشتري انتزاعه ، كما كان للبائع الانتزاع ، فلو كان المال ربويّا والثمن من جنسه ، فلا بأس. وعلى الأوّل لا يجوز ذلك ، ولا يحتمل الربا في التابع كما في الأصل(٣) .
____________________
(١ - ٣ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٣.
والتحقيق أن نقول : إن باعه العبد وماله بحيث كان المال جزءاً من المبيع ، شرط فيه ما شرط في المبيع. وإن باعه العبد وشرط له المال ، كان المال للمشتري ، واشترط فيه شرائط البيع.
مسالة ٥٨٣ : الأقرب : عدم دخول الثياب التي للعبد في بيعه ، اقتصارا على ما تناوله حقيقة اللفظ ، كالسرج لا يدخل في بيع الدابّة ، وهو أحد وجهي الشافعيّة. وفي الثاني : تدخل ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنّ ما عليه من الثياب يدخل اعتباراً بالعرف ، وبه قال أبو حنيفة(١) .
ولا بأس بهذا القول عندي ، وهو الذي اخترناه في كتاب القواعد(٢) .
والثاني : يدخل ساتر العورة دون غيره(٣) .
ولا وجه له ؛ لأنّ العرف يقضي بالثاني واللغة بالأوّل ، فهذا لا اعتبار به.
ولو جرّده من الثياب وباعه ، لم تدخل قطعاً.
وكذا البحث في عذار الدابّة ومفقودها.
ويدخل نعلها ؛ لأنّه متّصل بها ، فصار كالجزء منها.
مسالة ٥٨٤ : ولا يدخل حمل الجارية ولا الدابّة في بيعهما إلّا مع الشرط ، ولا ثمرة شيء من الأشجار إلّا النخل إذا لم يؤبَّر. ولو شرط خلاف ذلك ، جاز. وقد تقدّم(٤) البحث في هذا كلّه.
____________________
(١ و ٣ ) الحاوي الكبير ٥ : ١٨١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٦٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٧ - ٣٣٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٣.
(٢) قواعد الأحكام ٢ : ٨٥.
(٤) في ج ١٠ ص ٢٧٥ و ٣١٥ - ٣١٦ و ٣٨٤ ، المسائل ١٢٥ و ١٤٠ و ١٨٣.
البحث السادس : الشجر.
مسالة ٥٨٥ : إذا باع شجرة ، دخل أغصانها في البيع ؛ لأنّها معدودة من أجزائها.
أمّا الغصن اليابس فالأقرب : دخوله ، ولهذا يحنث لو حلف لا يمسّ جزءا منها ، فلمسه. والقطع لا يخرجه عن الجزئيّة ، والدخول في مسمّى الشجرة كالصوف على الغنم.
وللشافعيّة وجهان ، هذا أحدهما. والثاني : أنّه لا يدخل ؛ لأنّ العادة فيه القطع ، كما في الثمار(١) .
ولو كانت الشجرة يابسةً ، دخلت أغصانها اليابسة قطعاً.
وتدخل العروق أيضاً في مسمّى الشجرة ؛ لأنّها جزء منها. وكذا الأوراق ؛ لأنّها جزء من الشجرة.
وفي أوراق التوت ، الخارجة(٢) في زمن الربيع نظر ينشأ : من أنّها كثمار سائر الأشجار ، فلا تدخل. ومن أنّها جزء من الشجرة(٣) فتدخل ، كما في غير الربيع. وهو الأقوى عندي.
وللشافعيّة وجهان(٤) .
وكذا شجر النبق يدخل فيه ورقه.
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٤.
(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « وفي ورق التوت الخارج ». وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « الشجر ».
(٤) راجع المصادر في الهامش ( ١).
وللشافعيّة طريقان ، هذا(١) أحدهما ، كأوراق سائر الأشجار. والثاني : عدم الدخول ؛ لأنّها تلتقط ليغسل بها الرأس(٢) .
مسالة ٥٨٦ : لو باع شجرة يابسة نابتة ، فعلى المشتري تفريغ الأرض منها. ولو(٣) شرط إبقاءها ، فإن عيّن المدّة ، صحّ. وإن أبهم ، بطل ، إذ لا حدّ لها ينتهي إليه.
وأطلق الشافعي البطلان لو شرط الإبقاء ، كما لو اشترى الثمرة بعد التأبير ، وشرط عدم القطع عند الجذاذ(٤) . والفرق ظاهر.
ولو باعها بشرط القطع أو القلع ، جاز.
وتدخل العروق في البيع عند شرط القلع ، ولا تدخل عند شرط القطع ، بل تقطع عن وجه الأرض.
وهل له الحفر إلى أن يصل إلى منبت العروق؟ إشكال.
مسالة ٥٨٧ : لو باع شجرة رطبة بشرط الإبقاء أو بشرط القلع ، اتّبع الشرط ، فإن أطلق ، فالأقرب أنّه يجب الإبقاء ؛ تبعاً للعادة ، كما لو اشترى ما يستحقّ إبقاءه.
ولا يدخل المغرس في البيع عندنا ؛ لأنّ اسم الشجرة لا يتناوله ، وهو أحد قولي الشافعي. وفي الثاني : أنّه يدخل - وبه قال أبو حنيفة - لأنّه يستحقّ منفعة المغرس لا إلى غاية ، وذلك لا يكون إلّا على سبيل الملك ، ولا وجه لتملّكه إلّا دخوله في البيع(٥) .
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « وهذا ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٤.
(٣) في « س ، ي » : « فلو ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٤.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٤ ، منهاج الطالبين : ١٠٦.
والمقدّمتان ممنوعتان ؛ لأنّ الغاية انتهاء حياة الشجرة وقد يستحقّ غير المالك المنفعة لا إلى غاية ، كما لو أعار جداره ليضع غيره الجذع عليه.
فعلى الأوّل - الذي اخترناه - لو انقلعت الشجرة أو قلعها المالك ، لم يكن له أن يغرس بدلها ، وليس له أن يبيع المغرس ، وعلى الثاني له أن يغرس بدلها ويبيع المغرس.
وكذا لو باع بستاناً واستثنى منه البائع نخلة.
ولو اشترى النخلة أو الشجرة بحقوقها ، لم يدخل المغرس ، بل الإبقاء ، وليس له الإبقاء في المغرس ميّته إلّا أن يستخلف عوضاً من فراخها المشترطة.
مسالة ٥٨٨ : لو باع شجرة أو نخلة ولها فراخ ، لم تدخل الفراخ في النخلة والشجرة ؛ لأنّها خارجة عن المسمّى ، فلا يتناولها العقد إلّا مع الشرط.
ولو تجدّدت الفراخ بعد البيع ، فهي لمشتري النخلة. ولا يستحقّ المشتري إبقاءها في الأرض إلّا مع الشرط ، فإن لم يشرط ، كان له قلعها عن أرضه عند صلاحية الأخذ لا قبله ، كما في الزرع ، ويرجع في ذلك إلى العادة.
ولو اشترى النخلة بحقوقها ، لم تدخل الفراخ.
ولو استثنى شجرة أو نخلة من البستان الذي باعه ، أو اشترى نخلة أو شجرة من جملة البستان الذي للبائع ، كان له الممرّ إليها والمخرج منها ومدّ(١) جرائدها من الأرض.
____________________
(١) في « س » : « مدى » بدل « مدّ ».
ولو انقلعت ، لم يكن له غرس اُخرى ، سواء كان مشترياً للنخلة أو بائعاً لها ، إلّا أن يستثني الأرض.
مسالة ٥٨٩ : لو باع النخل وعليه ثمرة ظاهرة ، فإن كانت مؤبّرةً ، فهي للبائع إجماعاً ، إلّا أن يشترطها المشتري ، فتكون له ؛ عملاً بمفهوم قولهعليهالسلام : « المؤمنون عند شروطهم »(١) .
وإن لم تكن مؤبّرةً ، فهي للمشتري ، إلّا أن يشترطها البائع ، فتكون له.
ومع الإطلاق للمشتري عندنا - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل(٢) - لما رواه العامّة أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : « مَنْ باع نخلاً بعد أن تؤبّر فثمرتها للبائع إلّا أن يشترط المبتاع »(٣) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « مَنْ باع نخلاً قد لقح فالثمرة للبائع إلّا أن يشترطها(٤) المبتاع ، قضى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بذلك »(٥) .
وعن الصادقعليهالسلام قال : « قال أمير المؤمنينعليهالسلام : مَنْ باع نخلاً قد أبّره فثمره للذي باع إلّا أن يشترط المبتاع » ثمّ قال : « إنّ عليّاًعليهالسلام قال :
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٣٧١ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٢٣٢ / ٨٣٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ٣٣.
(٢) الوسيط ٣ : ١٧٧ ، حلية العلماء ٤ : ٢٠١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٦٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٥ ، المنتقى - للباجي - ٤ : ٢١٥ ، التفريع ٢ : ١٤٦ ، الذخيرة ٥ : ١٥٧ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٩٥ / ١١٧٣ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ٢٠٦.
(٣) سنن البيهقي ٥ : ٢٩٧ ، معرفة السنن والآثار ٨ : ٦٨ / ١١١٤٧.
(٤) في المصدر : « يشترط ».
(٥) الكافي ٥ : ١٧٧ / ١٢ ، التهذيب ٧ : ٨٧ / ٣٦٩.
قضى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بذلك »(١) .
وهو يدلّ على أنّ النخل إذا لم تؤبّر ، تكون الثمرة للمشتري ؛ لأنّهعليهالسلام جعل الإبار حدّاً لملك البائع ، وهو يدلّ على أنّه جعل ما قبله حدّاً لملك المشتري. ولأنّها قبل التأبير كالجزء من النخلة لا يعلم حالها من صحّة الثمرة وفسادها.
وقال ابن أبي ليلى : إنّها للمشتري بكلّ حال ؛ لأنّها متّصلة بالأصل اتّصال الخلقة ، فكانت تابعةً له ، كالأغصان(٢) .
ونمنع المساواة ؛ فإنّ الغصن يطلب بقاؤه ، بخلاف الثمرة ، وهو جزء من النخلة داخل في اسمها ، بخلاف الثمرة. ولأنّه نماء كامنٌ لظهوره غاية ، فلم يتبع أصله بعد ظهوره ، كالحمل.
وقال أبو حنيفة : تكون للبائع أبّرت أولا ؛ لأنّه نماء جذاذ انتهى إليه الحدّ ، فلم يتبع أصله ، كالزرع(٣) .
ويبطل بأنّه نماء كامن لظهوره غاية ، فكان تابعاً لأصله قبل ظهوره ، كالحمل عنده(٤) ، والزرع ليس من نماء الأرض ولا متّصلاً بها ، بل هو مودع فيها.
مسالة ٥٩٠ : النخل إمّا فحول أو إناث ، وأكثر المقصود من طلع
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٨٧ / ٣٧٠.
(٢) مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٩٥ / ١١٧٣ ، حلية العلماء ٤ : ٢٠١ ، شرح السنّة - للبغوي - ٥ : ٧٧ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ٢٠٦.
(٣) مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٩٥ - ٩٦ / ١١٧٣ ، الوسيط ٣ : ١٧٨ ، حلية العلماء ٤ : ٢٠١ ، شرح السنّة - للبغوي - ٥ : ٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٠ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ٢٠٦.
(٤) الاستذكار ١٩ : ١٤ / ٢٧٩١١ و ٢٧٩١٢.
الفحول استصلاح ثمرة الإناث به.
والذي يبدأ(١) أوّلاً منها أكمة صغيرة ثمّ تكبر وتطول حتى تصير كآذان الحمار ، فإذا كبرت تشقّقت فتظهر العناقيد في أوساطها فيذرّ فيها طلع الفحول ليكون الحاصل من رطبها أجود ، فالتشقيق وذرّ طلع الفحول فيها هو التأبير والتلقيح.
ولا فرق بين أن يؤبّرها الملقّح أو يؤبّرها اللواقح ، فإذا كانت الفحول في ناحية الصبا فهبّ الصبا وقت التأبير فأبّرت الإناث برائحة طلع الفحول وكذا إذا تأبّرت من نفسها ، الحكم في الجميع واحد ؛ لظهور المقصود.
إذا ثبت هذا ، فالتأبير إنّما يعتبر في إناث النخل لا فحولها ، فلو باع فحولاً بعد تشقيق طلعها ، لم يندرج في البيع إجماعاً. وكذا إن لم يتشقّق عندنا - وهو أضعف وجهي الشافعيّة(٢) - عملاً بالأصل ، وعدم تناول اسم النخلة له ، السالم عن معارضة نصّ التأبير ، لأنّا قد بيّنّا أنّ جزءه ذرّ طلع الفحل فيه ، وإنّما يتحقّق ذلك في الإناث. ولأنّ طلع الفحل يؤكل على هيئته ، ويُطلب لتلقيح الإناث به ، وليس له غاية منتظرة بعد ذلك ، فكان ظهوره كظهور ثمرة لا قشر لها ، بخلاف طلع الإناث.
والثاني : الاندراج ، كما في طلع الإناث(٣) . وليس معتمدا.
مسالة ٥٩١ : لو أبّر بعض النخلة ، كان جميع طلعها للبائع ، ولا يشترط لبقاء الثمرة على ملكه تأبير جميع طلعها ؛ لما فيه من العسر ، وعدم
____________________
(١) كذا ، والظاهر : « يبدو » بدل « يبدأ ».
(٢ و ٣ ) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٦ ، حلية العلماء ٤ : ٢٠٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٥.
الضبط ، ولأنّه يصدق عليه أنّه قد باع نخلاً قد اُبّر ، فيدخل تحت نصّ أنّه للبائع ، وكان غير المؤبَّر تابعاً للمؤبَّر ، وهو أولى من العكس ، كما أنّ باطن الصبرة تبع لظاهرها في الرؤية. ولأنّ الباطن صائر إلى الظهور ، بخلاف العكس.
ولو باع نخلاتٍ اُبّر بعض نخلها وبعضه غير مؤبَّر ، فالوجه عندي : أنّ النخلة المؤبَّرة ثمرتها للبائع ، وغير المؤبَّرة للمشتري ، سواء كانت النخلات من نوعٍ واحد أو من أنواع مختلفة ، وسواء كانت في بستان واحد أو بساتين.
وقال الشافعي : إن كانت في بستان واحد واتّحد النوع وباعها صفقةً واحدة ، فالحكم كما في النخلة الواحدة إذا اُبّر بعض ثمرها دون بعض.
وإن أفرد ما لم يؤبّر طلعة ، فوجهان :
أحدهما : أنّه يبقى للبائع أيضاً ؛ لدخول وقت التأبير ، والاكتفاء به عن نفس التأبير.
وأصحّهما عندهم : أنّه يكون للمشتري ؛ لأنّه ليس في المبيع شيء مؤبَّر حتى يجعل غير المؤبَّر تبعاً له ، فيبقى تبعاً للأصل.
وإن اختلف النوع ، فوجهان :
أحدهما - وبه قال ابن خيران - : أنّ غير المؤبَّر يكون للمشتري ، والمؤبَّر للبائع ؛ لأنّ لاختلاف النوع تأثيراً بيّناً في اختلاف [ الأيدي ](١) وقت التأبير.
وأصحّهما : أنّ الكلّ يبقى للبائع كما لو اتّحد النوع ، دفعاً لضرر
____________________
(١) ما بين المعقوفين من « العزيز شرح الوجيز ».
اختلاف الأيدي وسوء المشاركة.
وإن كانت في بساتين ، فحيث قلنا في البستان الواحد : إنّ كلّ واحد من المؤبَّر وغير المؤبَّر يفرد بحكمه ، فهنا أولى. وحيث قلنا بأنّ غير المؤبَّر يتبع المؤبَّر ، فهنا وجهان ، أصحّهما : أنّ كلّ بستان يفرد بحكمه.
والفرق أنّ لاختلاف البقاع تأثيراً في وقت التأبير ، وأيضاً فإنّه يلزم في البستان الواحد ضرر اختلاف الأيدي وسوء المشاركة. ولأنّ للخطّة الواحدة من التأثير في الجميع(١) ما ليس في الخطّتين ، فإنّ خطّة المسجد تجمع بين المأموم والإمام وإن اختلف البناء وتباعدت المسافة بينهما.
ولا فرق بين أن يكون البستانان متلاصقين أو متباعدين(٢) .
فروع :
أ - لو باع نخلة وبقيت الثمرة له ثمّ خرج طلع آخر من تلك النخلة أو من نخلة اُخرى حيث يقتضي الحال اشتراكهما في الحكم - كما هو عند الشافعي - احتمل أن يكون الطلع الجديد للبائع أيضاً ؛ لأنّه من ثمرة العام ، ولأنّه يصدق على تلك النخلة أنّها مؤبَّرة. وأن يكون للمشتري ؛ لأنّه نماء ملكه بعد البيع.
وللشافعيّة وجهان(٣) كهذين.
ب - لو جمع في صفقة واحدة بين فحول النخل وإناثها ، كان كما لو جمع بين نوعين من الإناث ، عند الشافعيّة(٤) .
والوجه : أنّ طلع الفحول للبائع ، وطلع الإناث للمشتري إن لم يكن
____________________
(١) في العزيز شرح الوجيز : « الجمع ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٢ - ٣٤٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٧.
(٣ و ٤ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٨.
مؤبّراً.
ج - لو تشقّق الطلع من قِبَل نفسه ، فقد بيّنّا أنّه كما لو أبّره.
وللشافعيّة قولان ، هذا أحدهما.
وقال بعضهم : لا يندرج تحت البيع وإن لم يؤبَّر(١) .
مسالة ٥٩٢ : غير النخل من الأشجار لا تدخل ثمارها في البيع - للأصل - إذا كانت قد خرجت ، سواء بدا صلاحها أو لا ، وسواء كانت بارزةً أو مستترةً في كمام ، وسواء تشقّق الكمام عنها أو لا. وكذا وَرْد ما يقصد وَرْدُه ، سواء تفتّح أو لا ، عند علمائنا. وكذا القطن وغيره. وبالجملة ، كلّ ما عدا النخل فإنّ ثمرته باقية على ملك البائع إذا كانت قد وجدت عند العقد ؛ عملاً بالأصل السالم عن معارضة النصّ ؛ لتخصيصه بالنخل.
وقالت الشافعيّة : ما عدا النخل أقسام :
أوّلها : ما يقصد منه الورق ، كشجر التوت. وقد سبق حكمه.
وشجر الحِنّاء ونحوه يجوز أن يلحق بالتوت. ويجوز أن يقال : إذا ظهر [ ورقه ، فهي ](٢) للبائع بلا خلاف ؛ لأنّه لا ثمر له سوى الورق ، وللتوت ثمرة مأكولة.
وثانيها : ما يقصد منها الوَرْد ، وهو ضربان :
أحدهما : ما يخرج في كمام ثمّ يتفتّح كالورد الأحمر ، فإذا بِيع أصله بعد خروجه وتفتّحه ، فهو للبائع ، كطلع النخل المؤبَّر. فإن بِيع بعد خروجه وقبل تفتّحه ، فهو للمشتري ، كالطلع قبل التأبير.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٣.
(٢) ما بين المعقوفين أضفناه من « العزيز شرح الوجيز » و « روضة الطالبين ».
وقال بعضهم : إنّه يكون للبائع أيضاً.
والثاني : ما يخرج وَرْده ظاهراً ، كالياسمين ، فإن خرج وَرْدُه ، فهو للبائع ، وإلّا فللمشتري.
وثالثها : ما يقصد منه الثمرة ، وهو ضربان :
أحدهما : ما تخرج ثمرته بارزة بلا قشر ولا كمام ، كالتين ، فهو كالياسمين ، واُلحق العنب بالتين وإن كان لكلّ حبّة منه قشر لطيف ويتشقّق ويخرج منها نَوْرٌ لطيف ؛ لأنّ مثل ذلك موجود في ثمرة النخل بعد التأبير ، ولا عبرة به.
والثاني : ما [ لا ](١) يكون كذلك ، وهو ضربان :
أحدهما : ما تخرج ثمرته في نَوْر ثمّ يتناثر النَّوْر فتبرز الثمرة بغير حائل ، كالتفّاح والمشمش والكُمّثرى وأشباهها ، فإن باع الأصل قبل انعقاد الثمرة ، فإنها تنعقد على ملك المشتري وإن كان النَّوْر قد خرج. وإن باعه بعد الانعقاد وتناثر النّور ، فهي للبائع.
وإن باع بعد الانعقاد وقبل تناثر النّوْر ، فوجهان :
أحدهما : أنّها للمشتري تنزيلا للاستتار بالنّور منزلة استتار ثمر الشجر بالكمام.
والثاني : أنّها للبائع ؛ تنزيلاً لها منزلة استتارها بعد التأبير بالقشر الأبيض. وهو أرجح عند الكرخي.
والثاني : ما يبقى له حائل على الثمرة المقصودة ، وهو قسمان :
أحدهما : ما له قشرٌ واحد ، كالرمّان ، فإذا بيع أصله وقد ظهر الرمّان
____________________
(١) ما بين المعقوفين من « العزيز شرح الوجيز ».
بقشره ، فهو للبائع ، ولا اعتبار بقشره ؛ لأنّ إبقاءه من مصلحته ، والذي لم يظهر يكون للمشتري.
والثاني ما له قشران ، كالجوز واللوز والفستق والرانج(١) ، فإن باعها قبل خروجها ، فإنّها تخرج على ملك المشتري. وإن باعها بعد الخروج ، تبقى على ملك البائع ، ولا يعتبر في ذلك تشقّق القشر الأعلى على أصحّ الوجهين. والثاني : يعتبر.
واعلم أنّ أشجار الضربين الأخيرين منها : ما تخرج ثمرته في قشره من غير نَوْر ، كالجوز والفستق. ومنها : ما تخرج في نَوْر ثمّ يتناثر النَّوْر عنه ، كالرمّان واللوز ، وما ذكرنا من الحكم فيما إذا بِيع الأصل بعد تناثر النّور عنه ، فإن بيع قبله ، عاد الكلام السابق(٢) .
مسالة ٥٩٣ : القطن ضربان :
أحدهما : له ساق يبقى سنين ، ويثمر كلّ سنة ، وهو قطن الحجاز والشام والبصرة.
والثاني : ما لا يبقى أكثر من سنة واحدة.
[ وفي كليهما ](٣) لا يدخل الجوزق(٤) الظاهر في بيع الأصل ، سواء
____________________
(١) الرانج : النارجيل ، وهو جوز الهند. لسان العرب ٢ : ٢٨٤ « رنج ».
وفي « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « النارنج ». وهو غلط. والصحيح ما أثبتناه كما في المصدر أيضاً.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٠ - ٣٤٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٥ - ٢٠٧.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « وكلاهما ». والظاهر ما أثبتناه.
(٤) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « الجوز » وكذا في المواضع الآتية في هذه المسألة ، ولم نعثر في اللغة على كلمة « الجوز » بهذا المعنى. والصحيح ما أثبتناه.
تفتّح أو لا.
وقال الشافعي : القسم الأوّل كالنخل إن بِيع الأصل قبل خروج الجوزق أو بعده قبل تشقّقه ، فالحاصل للمشتري. وإن بِيع بعد التشقّق ، فهو للبائع. والثاني كالزرع ، فإن باعه قبل خروج الجوزق أو بعده قبل تكامل القطن ، فلا بدّ من شرط القطع. ثمّ إن لم يتّفق القطع حتى خرج الجوزق ، فهو للمشتري ، لحدوثه من عين ملكه(١) .
وقال بعضهم : إن باعه بعد تكامل القطن ، فإن تشقّق الجوزق ، صحّ البيع مطلقاً ، ودخل القطن في البيع ، بخلاف الثمرة المؤبَّرة ، لا تدخل في بيع الشجرة ، لأنّ الشجرة مقصودة لثمار سائر الأعوام ، ولا مقصود هنا سوى الثمرة الموجودة. وإن لم يتشقّق ، لم يجز البيع في أصحّ الوجهين ؛ لأنّ المقصود مستور بما ليس من صلاحه ، بخلاف الجوز واللوز في القشر الأسفل(٢) .
مسالة ٥٩٤ : إذا باع الثمرة ولم يشترط القطع ، استحقّ المشتري الإبقاء إلى القطاف بمجرى العادة ، فإن جرى عرف قوم بقطع الثمار ، فالأقرب :
إلحاق العرف الخاصّ بالعامّ ، وذلك كما يوجد في البلاد الشديدة البرد كروم لا تنتهي ثمارها إلى الحلاوة واعتاد أهلها قطع الحِصْرم.
إذا عرفت هذا ، فالثمار يختلف زمان أخذها ، فما يؤخذ في العادة بُسْراً يؤخذ إذا تناهت حلاوته ، وما يؤخذ رطباً إذا تناهى ترطيبه ، وليس له إلزامه بقطعه منصّفاً ، وما يؤخذ تمراً إذا انتهى نشافه.
وكذا يرجع إلى العادة في ثمرة غير النخل من سائر الأشجار.
____________________
(١ و ٢ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٧.
تذنيب : لو خِيف على الأصل الضررُ لو بقيت الثمرة ، لم يجب القطع وإن كان الضرر كثيراً على إشكال.
مسالة ٥٩٥ : لو انتقل النخل بغير عقد البيع ، لم يثبت هذا الحكم فيه ، بل الثمرة الظاهرة للناقل إذا وجدت قبل النقل ، سواء كانت مؤبّرة أو غير مؤبَّرة ، عند علمائنا.
ولا فرق بين أن يكون العقد الناقل عقد معاوضة ، كالنكاح والإجارة والصلح ، أو غير عقد معاوضة ، كما لو أصدقها نخلاً فأثمر ثمّ طلّقها وقد ظهر طلع غير مؤبّر ، فإنّه يرجع بنصف النخل دون الثمرة ؛ للأصل المانع من نقل الملك عن صاحبه إلّا بسبب شرعيّ ، السالم عن معارضة البيع.
وقال الشافعي : إنّ عقود المعاوضات تتبع البيع ، فلو أصدقها نخلاً بعد الطلع وقبل التأبير أو جَعَله مال إجارة أو عوض صلح ، دخلت الثمرة في العقد أيضاً ، قياساً على البيع(١) .
وليس بشيء ؛ لأنّا نعارضه بقياس ما قبل التأبير على ما بعده.
ولو ملكها بغير عقد معاوضة ، كما إذا أصدقها نخلاً ثمّ طلّقها بعد الطلع وقبل التأبير ، فإنّه يرجع بنصف النخل خاصّة دون الثمرة ؛ لأنّ الزيادة المتّصلة لا تتبع في الطلاق فالثمرة أولى.
ولو باع نخلاً فأثمر عند المشتري ثمّ أفلس بالثمن ، رجع البائع بالنخل ، ولم تتبعه الثمرة عندنا ، لانتفاء موجبه ، وهو عقد البيع.
وللشافعي قولان :
أحدهما : أنّها تتبع ؛ لأنّ ملكه زال عن الأصل ، فوجب أن تتبعه
____________________
(١) نقله السبكي أيضاً في تكملة المجموع ١١ : ٣٤٥.
الثمرة ، كما لو زال بالبيع.
والثاني : لا تتبعه ؛ لأنّه رجع إليه بغير عقد معاوضة ، فلم يتبعه الطلع ، كما لو طلّق امرأته(١) (٢) .
وكذا لو وهب نخلة فيها طلع غير مؤبَّر ، لم يتبع الطلع الأصلَ ، وكان باقياً على ملك الواهب، سواء كان بمعاوضة أو لا.
وللشافعي القولان(٣) السابقان.
ولو رجع في الهبة بعد الطلع قبل التأبير ، لم يدخل الطلع في الرجوع.
وللشافعي القولان(٤) .
ولو رهن نخلاً قد أطلع قبل أن يؤبَّر ، لم يدخل في الرهن ؛ اقتصاراً على ما يتناوله اللفظ. ولأنّ الرهن لا يزيل الملك ، فلا يستتبع الثمرة.
وهو جديد الشافعي. وقال في القديم : يدخل(٥) .
مسالة ٥٩٦ : لو كانت الثمرة مؤبَّرةً ، فهي للبائع ، فإن تجدّدت اُخرى في تلك النخلة ، فهي له أيضاً ، وإن كان في غيرها ، فللمشتري ، فإن لم تتميّزا ، فهُما شريكان ، فإن لم يعلما قدر ما لكلٍّ منهما ، اصطلحا ، ولا فسخ ؛ لإمكان التسليم.
وكذا لو اشترى طعاماً فامتزج بطعام البائع قبل القبض ، وله الفسخ.
ولو باع أرضاً وفيها زرع أو بذر ، فهو للبائع ، فإن شرطه المشتري
____________________
(١) نقله السبكي أيضاً في تكملة المجموع ١١ : ٣٤٥.
(٢) وردت العبارة في « س ، ي » والطبعة الحجريّة هكذا : « ولو باع نخلاً فأثمرت ولم تتبعها الثمرة أنّه يتبع فوجب أن تتبعها الثمرة والثاني : لا تتبعها » والصحيح ما أثبتناه.
(٣ - ٥ ) كما في تكملة المجموع ١١ : ٣٤٥.
لنفسه ، صحّ ، ولا تضرّ الجهالة ؛ لأنّه بائع.
وللبائع التبقية إلى حين الحصاد مجّاناً. فإن قلعه ليزرع غيره ، لم يكن له ذلك ، سواء قصرت مدّة الثاني عن الأوّل أو لا.
ولو كان للزرع أصل ثابت يجزّ مرّة بعد اُخرى ، فعلى البائع تفريغ الأرض منه بعد الجزّة الاُولى. ويحتمل الصبر حتى يستقلع.
ولا تدخل المعادن في البيع إلّا مع الشرط.
ولو(١) لم يعلم بها البائع وقلنا بالدخول مع الإطلاق ، تخيّر بين الفسخ والإمضاء في الجميع.
ويدخل في الأرض البئر والعين وماؤهما على ما قلناه.
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « فلو ».
المقصد السابع : في التحالف
ومطالبه ثلاثة :
الأوّل : في سببه.
مسالة ٥٩٧ : إنّما يقع التحالف إذا اختلفا واشتمل كلام كلٍّ من المتبايعين على دعوى ينفيها صاحبه ولا بيّنة هناك ، وذلك مثل أن يدّعي أنّه باع عليه هذا العبد بألف ، فيقول المشتري : ما بعتني العبد ، بل بعتني هذه الجارية بألف ، فكلّ واحد منهما مُدّعٍ لما ينكره الآخر ، وكلٌّ منهما منكر لما يدّعيه الآخر ، والمنكر يتوجّه(١) عليه اليمين ، فيحلف كلٌّ منهما بيمينه(٢) على نفي ما ادّعاه الآخر ، فيحلف المشتري أنّه ما باعه هذا العبد ، ويحلف البائع أنّه لم يبعه هذه الجارية ، ويحكم ببطلان العقدين معاً.
ولا فرق بين أن يكون الثمن معيّناً أو في الذمّة.
وقال الشافعي : إن كان الثمن معيّناً ، تحالفا ، كما لو اختلفا في جنس الثمن. وإن كان في الذمّة ، فوجهان ، أحدهما : أنّهما يتحالفان أيضاً ، كما لو كان معيّناً. والثاني : أنّه لا تحالف ، لأنّ المبيع مختلف فيه ، والثمن ليس بمعيّن حتى يربط به العقد(٣) .
مسالة ٥٩٨ : ولو قال الزوج : أصدقتكِ أباكِ ، فقالت : بل اُمّي ، حلف
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « لمـّا يتوجّه ».
(٢) في « س ، ي » : « يمينه ».
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣١.
كلّ واحد منهما(١) على نفي ما يدّعيه صاحبه ، ولم يجمع أحدهما في اليمين بين النفي والإثبات ، ولا يتعلّق بيمينهما فسخ ولا انفساخ ، بل يثبت مهر المثل.
وللشافعي قولان :
أحدهما : التحالف ، فيجمع كلٌّ منهما في يمينه بين النفي والإثبات.
والآخر : لا تحالف ، بل يحلف كلٌّ منهما على نفي ما يدّعيه الآخر ، ولا يجمع بين النفي والإثبات في يمينه ، ولا يتعلّق بيمينهما فسخ ولا انفساخ(٢) .
مسالة ٥٩٩ : لو أقام مدّعي بيع العبد البيّنةَ على دعواه ، وأقام مشتري الجارية البيّنةَ على دعواه ، فإن أمكن الجمع بينهما بأن يكون الثمن مطلقاً غير معيّن والزمان متعدّد ، حكم بهما معاً ، ويثبت(٣) العقدان ، ولا يمين هنا.
وإن لم يمكن إمّا بأن يكون الثمن واحداً معيّنا ، أو اتّحد الزمان بحيث لا يمكن الجمع بين العقدين ، تعارضتا ، وسيأتي حكم تعارض البيّنتين.
وقال الشافعي : إذا أقام كلٌّ منهما بيّنة على ما ذكره ، سلّمت الجارية للمشتري ، وأمّا العبد فقد أقرّ البائع ببيعه ، وقامت البيّنة عليه ، فإن كان في يد المشتري ، اُقرّ عنده. وإن كان في يد البائع ، فوجهان :
____________________
(١) في « س » : « حلف كلٌّ منهما ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦.
(٣) في « س ، ي » : « ثبت ».
أحدهما : أنّه يسلّم إلى المشتري ، ويُجبر على قبوله.
والثاني : لا يُجبر ؛ لأنّه ينكر ملكه فيه ، فعلى هذا يقبضه الحاكم ، وينفق عليه من كسبه. وإن لم يكن له كسب ورأى الحظّ في بيعه وحفظ ثمنه ، فعل(١) .
مسالة ٦٠٠ : لو اختلفا في قدر الثمن خاصّةً ، فقال البائع : بعتك هذا بمائة ، فيقول المشتري : بخمسين ، فإن كان لأحدهما بيّنة ، قضي بها.
وإن أقام كلّ واحد منهما بيّنةً على ما يقوله ، سمعنا بيّنة مَنْ لا يكون القول قوله مع اليمين وعدم البيّنة.
وعند الشافعي تسمع البيّنتان معا من حيث إنّ كلّ واحد منهما مدّع. وحينئذ قولان : إمّا التساقط ، فكأنّه لا بيّنة ، وإمّا التوقّف إلى ظهور الحال(٢) .
فإن لم يكن لواحدٍ منهما بيّنة ، قال أكثر علمائنا(٣) : إن كانت السلعة قائمةً ، فالقول قول البائع مع يمينه. وإن كانت تالفةً ، فالقول قول المشتري مع يمينه ؛ لأنّ المشتري مع قيام السلعة يكون مدّعياً لتملّكها وانتقالها إليه بما ادّعاه من العوض ، والبائع ينكره ، وأمّا بعد التلف فالبائع يدّعي على المشتري مالاً في ذمّته ، والمشتري ينكره ، فيقدّم قوله.
ولما روي عن الصادقعليهالسلام أنّه قال في الرجل يبيع الشيء فيقول المشتري : هو بكذا وكذا بأقلّ ممّا قال البائع ، قال : « القول قول البائع مع
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٥ - ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٠ - ٢٣١.
(٣) منهم : الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ١٤٧ ، المسألة ٢٣٦ ، والمبسوط ٢ : ١٤٦ ، والنهاية ونكتها ٢ : ١٤٢ - ١٤٤ ، والقاضي ابن البرّاج في جواهر الفقه : ٥٧ ، المسألة ٢٠٩.
يمينه إذا كان الشيء قائماً بعينه »(١) وهو يدلّ بالمفهوم على أنّه إذا لم يكن قائما بعينه ، يكون القول قول المشتري.
وقال بعض(٢) علمائنا - ولا بأس به - : القول قول البائع إن كانت السلعة في يده ، وقول المشتري إن كانت السلعة في يده.
وقال الشافعي : يتحالفان ، سواء كانت السلعة قائمةً أو تالفةً - وبه قال محمّد بن الحسن وأحمد في إحدى الروايتين - لما روى ابن مسعود أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع ، والمبتاع بالخيار »(٣) ومعنى ذلك أنّ القول قوله مع يمينه ، والمبتاع بالخيار إن شاء أخذ بما قال ، وإن شاء حلف ، وإنّما ذكر البائع ؛ لأنّه يبدأ بيمينه.
ولأنّهما اختلفا في العقد القائم بينهما ، وليس معهما بيّنة ، فتحالفا ، كما لو كانت السلعة قائمةً. ولأنّ البائع مُدّعٍ زيادةَ الثمن ، ومدّعى عليه في تملّك السلعة بالأقلّ ، والمشتري بالعكس ، فكلٌّ منهما مُدّعٍ منكرٌ(٤) .
ونمنع دلالة الخبر على المطلوب والعموم ؛ إذ ليس كلّ اختلاف يقع من المتبايعين يكون هذا حكمه ، فلِمَ قُلتم : إنّ صورة النزاع منه؟ ولِمَ قُلتم : إنّ المبتاع يتخيّر بين الأخذ بقوله والحلف؟ ولِمَ لا يجوز أن يكون الخيار له في أن يحلفه أو يعفو عنه؟ ولا نسلّم اختلافهما في العقد ،
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٧٤ ( باب إذا اختلف البائع والمشتري ) الحديث ١ ، الفقيه ٣ : ١٧١ ، ٧٦٥ ، التهذيب ٧ : ٢٣٠ / ١٠٠١.
(٢) كابن الجنيد وأبي الصلاح الحلبي وابن إدريس ، اُنظر : السرائر ٢ : ٢٨٢ - ٢٨٣.
(٣) سنن الترمذي ٣ : ٥٧٠ / ١٢٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٥.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣١ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٢٦ / ١٢٠٣ ، المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ٣٠ ، بداية المجتهد ٢ : ١٩٢ ، المغني ٤ : ٢٨٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١١٨.
بل في الثمن.
ونمنع ثبوت حكم الأصل ؛ فإنّا قد بيّنّا أنّ مع قيام السلعة يكون القول قول البائع مع يمينه من غير تحالف.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : إن كانت السلعة قائمة بحالها ، تحالفا. وإن كانت تالفةً ، لم يتحالفا - وهو الرواية الاُخرى عن أحمد - لأنّ القياس يقتضي أن يكون القول قول المشتري ؛ لاتّفاقهما على عقدٍ صحيح ، ثمّ البائع يدّعي زيادةً ينكرها المشتري ، فيقدّم قوله مع اليمين ، إلّا أنّا تركناه في حال قيام السلعة ؛ لما روى ابن مسعود عن النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بيّنة لأحدهما تحالفا »(١) وبقي الباقي على حكم القياس ، وهو أنّهما قد اتّفقا على انتقال الملك إلى المشتري واختلفا فيما يجب عليه ، فالبائع يدّعي زيادةً ينكرها المشتري(٢) .
أجاب الشافعيّة بمنع اقتضاء القياس تقديم قول المشتري ؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما مُدّعٍ ومدّعى عليه ؛ لأنّ البائع يدّعي العقد بألفين ، والمشتري يدّعي العقد بألف ، وهنا عقدان مختلفان ، والخبر لم يذكر فيه التحالف ولا في شيء من الأخبار. وعلى أنّ التحالف إذا ثبت مع قيام السلعة ، يمكن معرفة ثمنها في العرف ، ويتعذّر ذلك إذا تلفت ، وكان البيّنة مقدّماً على الدليل(٣) .
____________________
(١) أورده ابنا قدامة في المغني ٤ : ٢٨٨ ، والشرح الكبير ٤ : ١١٨.
(٢) المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ٢٩ و ٣٠ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٢٦ ، ١٢٠٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، بداية المجتهد ٢ : ١٩٢ ، المغني ٤ : ٢٨٩ - ٢٩٠ ، الشرح الكبير ٤ : ١١٩ - ١٢٠.
(٣) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦.
وعن مالك ثلاث روايات : إحداها كقول الشافعي. والثانية كقول أبي حنيفة. والثالثة : إن كان قبل القبض ، تحالفا. وإن كان بعد القبض ، فالقول قول المشتري ، لأنّ بعد القبض صار جانب المشتري أقوى من جانب البائع ، لأنّه لمـّا دفع إليه السلعة ائتمنه عليها ولم يتوثّق منه ، فكان القول قوله(١) .
وليس بصحيح ؛ لأنّ اليد لا تقويه مع اتّفاقهم على البيع. والتسليم باليد ليس استئمانا ، وإنّما يُقبل قول الأمين إذا أقامه مقام نفسه ، بخلاف صورة النزاع.
وقال زفر وأبو ثور : القول قول المشتري بكلّ حال ؛ لأنّه منكر(٢) . وفيه قوّة.
مسالة ٦٠١ : لو مات المتبايعان واختلف ورثتهما في مقدار الثمن أو المثمن ، فهو كاختلاف المتبايعين عندنا ، فإن كانت السلعة قائمةً ، حلف ورثة البائع. وإن كانت تالفة ، حلف ورثة المشتري.
وكذا قال الشافعي بأنّهما يتحالفان كالمتبايعين ؛ لأنّ ما كان للمورّث ينتقل إلى وارثه(٣) .
وقال أبو حنيفة : إن كان المبيع في يد وارث البائع ، تحالفا. وإن كان
____________________
(١) بداية المجتهد ٢ : ١٩٢ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٨ - ٣٢٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، المغني ٤ : ٢٨٨ و ٢٨٩ ، الشرح الكبير ٤ : ١١٨ و ١١٩.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٩ ، بداية المجتهد ٢ : ١٩٢ ، المغني ٤ : ٢٨٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١١٨.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٤ : ٣٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣١ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٢٧ / ١٢٠٤.
في يد وارث المشتري ، فالقول قوله مع يمينه ؛ لأنّ القياس عدم التحالف ، فأجزناه مع بقاء السلعة(١) .
مسالة ٦٠٢ : إذا اختلفا في المثمن ، فقال البائع : بعتك هذا العبد بألف ، فقال المشتري : بل بعتني هذا العبد وهذه الجارية بألف ، فالأقرب عندي هنا : تقديم قول البائع ، لأنّ المشتري سلم له استحقاق الألف في ذمّته ، ويدّعي بيع شيئين ، والبائع ينكر أحدهما ، فيقدّم(٢) قوله.
وقال الشافعي : يتحالفان(٣) ، كما تقدّم في مذهبه.
ولو اختلفا في قدر الثمن والمثمن معاً بأن يقول البائع : بعتك هذا العبد بألف ، ويقول المشتري بعتنيه وهذه الجارية بألفين ، فالأقوى عندي هنا : أنّهما يتحالفان - وبه قال الشافعي(٤) - لأنّ هنا دعويان مختلفتان(٥) ، فإذا حلف البائع أنّه ما باعه العبد والجارية بألفين وحلف المشتري أنّه ما باعه العبد وحده بألف ، انفسخ العقدان ، أو فسخه الحاكم.
مسالة ٦٠٣ : لو اختلفا في جنس الثمن بأن قال : بعتك بألف دينار ، فيقول المشتري : بل بألف درهم ، مع اتّفاقهما على عين المبيع ، فالأقرب عندي هنا : التحالف أيضاً ؛ لاتّفاقهما على نقل المبيع ، واختلافهما في جنس العوض ، وأحدهما غير الآخر وغير داخل فيه ، فكلٌّ منهما مُنكر
____________________
(١) حلية العلماء ٤ : ٣٣٠ ، فتح العزيز بهامش المجموع ٩ : ١٥٥ ، وفي العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ قد سقط في المنقول عنه بعضُ ما يغيّر المعنى.
(٢) في « س ، ي » : « فقُدّم ».
(٣) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٣ ، حلية العلماء ٤ : ٣٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣١ ، المغني ٤ : ٢٩٠ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٢.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣١.
(٥) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « مختلفان ». والصحيح ما أثبتناه.
مُدّعٍ ، فيتحالفان ، كما قلناه ، فيحلف البائع : ما بعته بألف درهم ، ويحلف المشتري : ما ابتاعه بألف دينار ، وبه قال الشافعي(١) .
ولو اختلفا في بعض صفاته ، قدّم قول منكر زيادة الصفة.
ولو اختلفا في وصفين مختلفين ، تحالفا ، وبه قال الشافعي(٢) .
مسالة ٦٠٤ : لو اختلفا في شرط في العقد كالأجل ، أو اختلفا في قدر الأجل ، أو اختلفا في الخيار وعدمه ، أو قدر مدّته ، أو اختلفا في اشتراط الرهن أو قدره ، أو في الضمان بالمال أو بالعهدة ، قدّم قول منكر ذلك كلّه - وبه قال أبو حنيفة وأحمد(٣) - لأنّ المشتري تمسّك بأصالة العدم ، فيقدّم قوله ، عملاً بأصالة النفي. ولأنّه اختلاف في شرط يلحق بالعقد ، فلم يتحالفا ، كما لو اختلفا في العيب أو شرط البراءة.
وقال الشافعي : يتحالفان في جميع ذلك ؛ عملاً بالقياس ، وهو أنّهما اختلفا في صفة العقد القائم بينهما ، وليس معهما بيّنة ، فيقضى بالتحالف ، كما لو اختلفا في الثمن(٤) .
والقياس عندنا باطل لا يجوز التعويل عليه ، مع أنّ الحكم في الأصل ممنوع على ما تقدّم.
مسالة ٦٠٥ : قد بيّنّا أنّ التحالف يثبت في كلّ موضع يحصل لكلٍّ من المتنازعين أن يكون مدّعياً على الآخر ومنكراً لدعوى الآخر.
____________________
(١و٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٠ - ٢٣١.
(٣) حلية العلماء ٤ : ٣٣١ ، المغني ٤ : ٢٩١ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢١.
(٤) الوجيز ١ : ١٥٢ - ١٥٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٣ ، حلية العلماء ٤ : ٣٣١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٠ - ٢٣١ ، المغني ٤ : ٢٩١ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢١.
وقال الشافعي : يجري التحالف في كلّ عقود المعاوضات ، ولا يختصّ بالبيع ، كالسَّلَم والإجارة والمساقاة والقراض والجعالة والصلح عن دم العمد والخلع والصداق والكتابة ؛ طرداً للمعنى. ثمّ في البيع ونحوه ينفسخ العقد بعد التحالف أو يفسخ ويترادّان ، كما سيأتي. أمّا الصلح عن الدم فلا يعود الاستحقاق ، بل أثر التحالف الرجوع إلى الدية [ وكذلك لا يرتدّ ](١) البضع ، ولكن في النكاح ترجع المرأة إلى مهر المثل ، وفي الخلع الزوج(٢) (٣) .
قال الجويني : أيّ معنى للتحالف في القراض؟ مع أنّه جائز وكلّ واحد منهما بسبيل من فسخه بكلّ حال. وأيّد ذلك بأنّ بعض الشافعيّة مَنَع من التحالف في البيع في زمن الخيار ؛ لإمكان الفسخ بسبب الخيار.
ثمّ أجاب بأنّ التحالف ما وُضع للفسخ ، ولكن عُرضت الأيمان رجاء أن ينكل الكاذب ، ويتقرّر العقد بيمين الصادق ، فإذا لم يتّفق ذلك وأصرّا ، فُسخ العقد للضرورة.
والوجه : أنّ في القراض تفصيلاً ، وهو : أنّ التحالف قبل الخوض في العمل لا معنى له ، وأمّا بعده فالنزاع يؤول إلى مقصود من ربح أو اُجرة مثل ، فيتحالفان. والجعالة كالقراض(٤) .
والأصل عندنا ما قدّمناه من الضابط ، وهو التحالف مع ادّعاء كلٍّ منهما
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في « س » : « ولذلك لا يزيل ». وفي « ي » : « ولذلك يريد ».
وفي الطبعة الحجريّة : « وذلك لا يزيد ». والكلّ غلط ، والصحيح ما أثبتناه.
(٢) أي : وفي الخلع يرجع الزوج إلى مهر المثل.
(٣) الوسيط ٣ : ٢٠٧ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣١ - ٢٣٢.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٢.
على صاحبه ما ينفيه الآخر. وإن كان الادّعاء من طرفٍ واحد ، حلف المنكر.
مسالة ٦٠٦ : لو قال : بعتك هذا بألف ، فقال : بل وهبتنيه ، حلف كلّ واحد منهما على نفي ما يدّعيه صاحبه ، وبه قال الشافعي ، وقال : إنّه لا تحالف هنا(١) ، لأنّ التحالف عنده ليس أن يحلف كلّ منهما على نفي دعوى الآخر ، كما قلناه نحن ، بل ما يأتي(٢) .
إذا ثبت هذا ، فإذا حلفا ، كان على مدّعي الهبة ردّه بزوائده ؛ لأنّ البائع إنّما ملّكه العين بزوائدها لو سلم له الثمن.
وقال بعض الشافعيّة : القول قول مدّعي الهبة ؛ لأنّه مالك باتّفاقهما ، وصاحبه يدّعي عليه مالاً ، والأصل براءة ذمّته(٣) .
وقال بعضهم : إنّهما يتحالفان(٤) .
ولو قال : بعتك هذا بألف ، فقال : بل وهبتنيه على الألف ، حلف كلٌّ منهما على نفي ما يدّعيه صاحبه ، وردّ الألف واستردّ العين.
ولو قال : رهنتكه(٥) على ألف استقرضتها منك ، فقال : بل بعتنيه بألف ، قدّم قول المالك مع يمينه ، وتردّ الألف ، ولا يمين على الآخر ، ولا يكون رهناً ؛ لأنّه لا يدّعيه ، وبذلك قال الشافعي(٦) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٢.
(٢) في ص ٩٥ ، المسألة ٦١١.
(٣و٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٢.
(٥) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « وهبتكه » بدل « رهنتكه ». والصحيح ما أثبتناه.
(٦) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٢.
مسالة ٦٠٧ : هذا كلّه فيما إذا اتّفقا على وقوع عقدٍ صحيح بينهما ، أمّا لو اختلفا من غير الاتّفاق على عقدٍ صحيح بأن يدّعي أحدهما صحّةَ العقد والآخر فسادَه - كما لو قال : بعتك بألف ، فقال المشتري : بل بألف وزقِّ(١) خمر ، أو قال أحدهما : شرطنا في العقد خياراً مجهولاً أو غيره من الشروط المبطلة ، وأنكر الآخر - فلا تحالف ، ويقدّم قول مدّعي الصحّة - وهو أحد قولي الشافعي(٢) - لأنّ الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين الصحّة ، ولهذا يحكم بصحّة البيع لو ادّعى المشتري حرّيّة العبد المبيع ، وقال المالك : بل هو عبد ، تصحيحاً للعقد.
وكذا مَنْ شكّ بعد الصلاة هل ترك ركناً منها أم لا ، فإنّه يحكم بصحّة صلاته بناءً على أصالة الصحّة.
والقول الثاني : أنّه يقدّم قول مَنْ يدّعي فساد العقد مع يمينه ؛ لأنّ الأصل عدم العقد الصحيح وبقاء الملك للمالك ، فصار كما لو اختلفا في أصل البيع(٣) .
ويعارض بأنّ الأصل عدم العقد الفاسد أيضاً ، لكن قد وقع العقد بينهما قطعاً ، والأصل الصحّة.
قال القفّال : الأصل المأخوذ فيمن قال : لفلان عليَّ ألف من ثمن خمر ، هل يؤخذ بأوّل كلامه أم يقبل قوله : من ثمن خمر؟ إن قلنا بالثاني ،
____________________
(١) الزِّقُّ : السقاء ، أو الذي تنقل فيه الخمر. لسان العرب ١٠ : ١٤٣ « زقق ».
(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٤ : ٣٣٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٢.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٤ : ٣٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٢.
فالقول قول مدّعي الفساد. وإن قلنا بالأوّل ، فالقول قول مدّعي الصحّة(١) .
ولو قال : بعتك بألف ، فقال : بل بخمر ، أو بثمن مجهول ، فالقول قول مدّعي الصحّة كما قلنا.
وبعض الشافعيّة قال : إنّ فيه طريقين ، أحدهما : طرد الوجهين. والثاني : القطع بالفساد ، لأنّه لم يقرّ بشيء ملزم(٢) (٣) .
وعلى قول مدّعي الصحّة لو قال : بعتك بألف ، فقال : بل بخمسمائة وزقّ خمر ، وحلف البائع على نفي سبب الفساد ، صدّق فيه ، ويبقى التنازع في قدر الثمن ، فيكون القول قول البائع مع يمينه إن كانت السلعة باقيةً ، وقول المشتري إن كانت تالفةً.
وعند الشافعي يتحالفان(٤) .
مسالة ٦٠٨ : لو اشترى عبداً وسلّمه إلى المشتري ، ثمّ جاءه بعبد ويُريد ردَّه بعيبٍ فيه ، فقال البائع : هذا ليس عبدي الذي ابتعته وقبضته منّي ، وادّعى المشتري أنّه هو ، قدّم قول البائع ؛ لأصالة براءة الذمّة ، والرادّ يريد الفسخ ، والأصل مضيّه على السلامة.
ولو فرض ذلك في السَّلَم أو قال : ليس هذا على الوصف الذي أسلمت إليك ، فيه وجهان للشافعيّة :
أحدهما : أنّ القول قول الـمُسْلَم إليه مع يمينه ، كما أنّ القول قول
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٩.
(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « لأنّه لم يفسّر بشيء يلتزم ». والظاهر ما أثبتناه من « العزيز شرح الوجيز » ونحوه في « التهذيب » للبغوي.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٩ ، وانظر : التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٥ ، وروضة الطالبين ٣ : ٢٣٣.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٣.
البائع.
وأصحّهما : أنّ القول قول الـمُسْلَم ؛ لأنّ اشتغال الذمّة بمال السّلم معلوم ، والبراءة غير معلومة.
ويفارق صورة البيع ، لأنّهما اتّفقا على قبض ما ورد عليه الشراء ، وتنازعا في سبب الفسخ ، والأصل استمرار العقد.
والوجهان جاريان في الثمن في الذمّة أنّ القول قول الدافع أو القابض؟(١)
وعن ابن سريج وجه ثالث : الفرق بين ما يمنع صحّة القبض ، وبين العيب الذي لا يمنعها ، فإذا كان الثمن دراهم في الذمّة وفُرض هذا النزاع وكان ما أراد البائع ردّه زيوفاً ولم يكن ورقاً ، فالقول قول البائع ؛ لإنكار أصل القبض الصحيح. وإن كانت ورقاً لكنّها رديئة كخشونة الجوهر أو اضطراب السكّة ، فالقول قول المشتري ، لأنّ أصل القبض قد تحقّق ، ولو رضي به ، لوقع المقبوض عن الاستحقاق(٢) .
ولا يخفى مثل هذا التفصيل في الـمُسْلَم فيه.
ويمكن أن يقال : المعنى الفارق في الـمُسْلَم فيه ظاهر ، لأنّ الاعتياض عنه غير جائز ، لكن في الثمن لو رضي بالمقبوض ، لوقع عن الاستحقاق وإن لم يكن ورقاً إذا كانت له قيمة ؛ لأنّ الاستبدال عن الثمن جائز.
ولو كان الثمن معيّنا ، فهو كالمبيع ، فإذا وقع فيه هذا الاختلاف ، قدّم قول المشتري مع يمينه.
لكن لو كان المعيّن نحاساً لا قيمة له ، فالقول قول الرادّ ؛ لأنّه يدّعي
____________________
(١و٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٣.
بقاء ملكه وفساد العقد ، قاله بعض الشافعيّة(١) .
مسالة ٦٠٩ : لو قبض المبيع أو الـمُسْلَم فيه بالكيل أو الوزن ثمّ ادّعى النقصان ، قال أصحابنا : إن كان حاضراً عند الكيل أو الوزن ، لم يلتفت إليه ، وقدّم قول الآخر مع اليمين ، إذ العادة تقضي باستظهاره واحتياطه في القبض. وإن لم يحضرهما ، قدّم قوله مع اليمين ، لأصالة عدم القبض.
وقال الشافعي : إن كان النقصان قدر ما يقع مثله في الكيل والوزن ، قبل ، وإلاّ فقولان :
أحدهما : أنّ القول قول القابض مع يمينه ، لأصالة بقاء حقّه ، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني : أنّ القول قول الدافع مع يمينه ؛ لأنّهما اتّفقا على القبض ، والقابض يدّعي الخطأ فيه ، فيحتاج إلى البيّنة ، كما لو اقتسما ثمّ ادّعى أحدهما الخطأ ، يحتاج إلى البيّنة ، وبه قال مالك(٢) .
ويحتمل عندي التفصيل ، وهو أن يقال : إن كان العقد يبطل بعدم القبض ، فالقول قول من يدّعي التمام ، وإلّا قُدّم قول مدّعي النقصان.
ولو اختلف المتبايعان في القبض ، فالقول قول المشتري.
مسالة ٦١٠ : لو باع عصيراً وأقبضه ثمّ وجد خمراً ، فقال البائع : تخمّر في يدك والقبض صحيح ، وقال المشتري : بل سلّمته خمراً والقبض فاسد ، وأمكن الأمران جميعاً ، احتمل تقديم قول البائع ؛ لأصالة عدم الخمريّة ، وبقاء الحلاوة ، وصحّة البيع والقبض ، وبراءة الذمّة. وتقديم قول المشتري ؛ لأصالة عدم القبض الصحيح.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٣.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٤.
وللشافعي قولان(١) كهذين الاحتمالين.
والأقوى عندي الأوّل.
ولو قال أحدهما : إنّه كان خمراً عند البيع ، فهو يدّعي فساد العقد والآخر يدّعي صحّته. وقد تقدّم حكمه.
ولو باعه لبناً أو دهناً في ظرف ثمّ وجد فيه فأرة وتنازعا في نجاسته عند القبض أو عند البيع أو بعدهما ، فعندنا قُدّم قول البائع ؛ لأصالة الطهارة.
وللشافعي الوجهان(٢) .
ولو قال المشتري : بعت العبد بشرط أنّه كاتب ، وأنكر البائع ، قُدّم قول البائع ، لأصالة عدم الاشتراط ، وبراءة الذمّة ، كما لو اختلفا في العيب ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني : أنّهما يتحالفان كما لو اختلفا في الأجل أو الخيار(٣) (٤) .
والأصل ممنوع على ما مرّ.
ولو كان الثمن مؤجّلا فاختلفا في انقضاء الأجل ، فالأصل بقاؤه.
المطلب الثاني : في كيفيّة اليمين.
مسالة ٦١١ : التحالف عند الشافعي أن يحلف كلّ واحد من المتعاقدين على إثبات ما يقوله ونفي ما يقوله صاحبه(٥) .
____________________
(١و٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٤.
(٣) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « الجيد » بدل « الخيار » والظاهر ما أثبتناه من « العزيز شرح الوجيز ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٤.
(٥) الوسيط ٣ : ٢١٠ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٤.
وأمّا نحن فلا نشترط الحلف على الإثبات ، بل يحلف كلٌّ منهما على نفي ما يدّعيه الآخر ، فإذا قال : بعتك هذا العبد بألف ، وقال المشتري : بل بعتني هذه الجارية بألف ولم تبعني العبد ، ولا بيّنة ، حلف البائع أنّه ما باع الجارية ، وحلف المشتري أنّه ما اشترى العبد.
ولا يجب على واحدٍ منهما الجمع بين النفي والإثبات كما قلناه ، خلافاً للشافعي(١) ، ولا يكون هذا تحالفاً ، بل يحلف كلٌّ منهما على النفي.
فإذا حلف البائع : أنّه ما باع الجارية ، بقيت على ملكه كما كانت ، وانتزعها من يد المشتري إن كانت في يده ، وجاز له التصرّف فيها.
وإذا حلف المشتري أنّه ما اشترى العبد ، فإن كان العبد في يده ، لم يكن للبائع مطالبته به ، لأنّه لا يدّعيه. وإن كان في يد البائع ، فإنّه لا يجوز له التصرّف فيه ؛ لأنّه معترف بأنّه للمشتري ، وأنّ ثمنه في ذمّته.
إذا تقرّر هذا ، فإن كان البائع قد قبض الثمن ، فإنّه يردّه على المشتري ، ويأخذ العبد قصاصاً ، ويجوز له بيعه بقدر الثمن. وإن لم يكن قبضه ، أخذ العبدَ قصاصاً أيضاً ، أو باعه بذلك الثمن. ولو زاد الثمن ، فهو مال لا يدّعيه الآن أحد.
مسالة ٦١٢ : الأقرب : انّه يبدأ بيمين من ادّعي عليه أوّلاً ، فإن كان البائع قد ادّعى بيع العبد منه وأنكر المشتري وقال : إنّما اشتريت الجارية ، حلف المشتري على نفي شراء العبد ، ثمّ حلف البائع على نفي شراء الجارية.
وإن كان المشتري قد ادّعى أوّلا ، فقال : إنّي اشتريت هذه الجارية ،
____________________
(١) الوسيط ٣ : ٢١١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٥.
فقال البائع : لم أبعه الجارية ، بل العبد ، قُدّم يمين البائع ، فإذا حلف على أنّه ما باع الجارية ، حلف المشتري أنّه لم يشتر العبد.
وللشافعي قولان : قال في البيع : إنّه يُبدأ بيمين البائع. وفي السَّلَم :
بالمسلم إليه. وفي الكتابة : بالسيّد(١) . وهذه الأقوال متوافقة.
وقال في الصداق : إنّه يبدأ بالزوج(٢) . وهو يخالف سائر الأقوال السابقة ؛ لأنّ الزوج يشبه المشتري.
وقال في الدعاوي : إنّه إن بدئ بيمين البائع ، خُيّر المشتري. وإن بدئ بيمين المشتري ، خُيّر البائع(٣) . وهذا يشعر بالتسوية والتخيير.
فقال أصحابه : إنّ في ذلك طريقين أظهرهما : أنّ المسألة على ثلاثة أقوال :
أظهرها : أنّ البداءة بالبائع - وبه قال أحمد بن حنبل - لما رووه من قوله ٧ : « فالقول ما قال البائع والمبتاع بالخيار ، أو يتتاركان ، أو يترادّان »(٤) .
ولأنّ جانب البائع أقوى ، فإنّهما إذا تحالفا ، عاد المبيع إليه ، فكان أقوى ، كما أنّ صاحب اليد أقوى من غيره. ولأنّ ملك البائع على الثمن يتمّ
____________________
(١و٢) الحاوي الكبير ٥ : ٣٠٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٠ ، الوسيط ٣ : ٢٠٩ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٢ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨١.
(٣) الحاوي الكبير ٥ : ٣٠٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٠ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨١.
(٤) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٣٧ / ٢١٨٦ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٨٥ / ٣٥١١ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٧٠ / ١٢٧٠ ، سنن الدارقطني ٣ : ٢٠ / ٦٣ و ٦٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٣٢ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٥٠ ، مسند أحمد ٢ : ٥٦ / ٤٤٣٠ - ٤٤٣٣ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٦ : ٢٢٧ / ٨٩٦ و ٨٩٧ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٢ : ٢١٥ / ١٠٣٦٥.
بالعقد ، وملك المشتري على المبيع لا يتمّ بالعقد.
والثاني : أنّه يبدأ بالمشتري - وبه قال أبو حنيفة - لأنّه مدّعى عليه زيادة ثمن ، والأصل براءة ذمّته عنها ، فاليمين في جنبه أقوى. ولأنّه إذا نكل ، وجب الثمن الذي ادّعاه البائع ، وانفصل الحكم ، وما كان أقرب إلى فصل الحكم بدئ به.
والثالث : أنّه لا يبدأ بيمين أحدهما ، بل يتساويان ؛ فإنّ كلّ واحد منهما مُدّعٍ ومدّعى عليه ، فقد تساويا ، فلا ترجيح. وعلى هذا فوجهان :
أظهرهما : أنّه يتخيّر الحاكم في ذلك ، فيبدأ بيمين من اتّفق.
والثاني : أنّه يقرع بينهما ، كما يقرع بين المتسابقين إلى المباح.
والطريق الثاني : القطع بأنّ البداءة بالبائع قولاً واحداً.
والذي قاله الشافعي في الصداق بأنّ الزوج يجري مجرى البائع ؛ لأنّ البُضْع يكون ملكه بعد فسخ الصداق ، كما يكون المبيع ملك البائع بعد فسخ البيع بالتحالف.
والذي قاله في الدعاوي والبيّنات فإنّما أراد أنّ الحاكم إذا كان يرى ذلك بفعله ، لا أنّه خيّره.
ومَنْ قال بالثاني قطع بأنّ البداءة في اختلاف الزوجين بالزوج ، لـ [وجهين :
أحدهما : ](١) أنّ أثر تحالف الزوجين إنّما يظهر في الصداق دون البُضْع ، والزوج هو الذي ينزل عن الصداق ، فكان كالبائع له.
والثاني : أنّ تقدّم البائع إنّما كان لقوّة جانبه ، لحصول المبيع له بعد
____________________
(١) ما بين المعقوفين أضفناه من « العزيز شرح الوجيز » من حيث السياق.
التحالف ، وفي النكاح يبقى البُضْع للزوج.
وإذا قدّمنا طريقة إثبات الخلاف ، فإن قدّمنا البائع ، لم يخف مَنْ ينزل منزلته في سائر العقود ، وفي الصداق يأتي وجهان :
أحدهما : أنّ البداءة بالمرأة.
والثاني : أنّ البداءة بالزوج.
وإن قدّمنا المشتري ، فالقياس انعكاس الوجهين(١) .
إذا ثبت هذا ، فإنّ جميع ما ذكرناه للاستحباب - عندهم(٢) - دون الإيجاب.
وأيضاً تقدُّم أحد الجانبين مخصوص بما إذا باع عرضاً بثمن في الذمّة ، فأمّا إذا تبادلا عرضاً بعرض ، فلا وجه إلّا التسوية.
وينبغي أن يخرّج ذلك على أنّ الثمن ما ذا؟ وقد سبق(٣) أنّه الذي تدخل عليه الباء وغير ذلك على ما مضى من الخلاف.
مسالة ٦١٣ : اليمين عندنا واحدة على نفي ما ادّعاه الآخر ، فيحلف البائع أنّه لم يبع بخمسمائة ، ويحلف المشتري أنّه لم يشتر بألف ، لأنّ المدّعي لا يمين عليه ، فكلّ مُدّعٍ منهما لا يحلف على ما ادّعاه ، ويحلف على نفي ما ادّعاه الآخر ثمّ ينفسخ العقدان.
وظاهر قول الشافعي الاكتفاء بيمينٍ واحدة من كلّ واحد من المتعاقدين جامعة بين النفي والإثبات ، فيقول البائع : ما بعت بخمسمائة وإنّما
____________________
(١) الحاوي الكبير ٥ : ٣٠٠ - ٣٠١ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٢ - ٣٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨١ - ٣٨٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٥ ، المغني ٤ : ٢٨٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١١٨.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٥.
(٣) في ج ١٠ ص ١٢٣ - ١٢٤ ، الفرع « د » من المسألة ٦٦ ، وج ١١ ص ٣٩٠ ، المسألة ٥٤٤.
بعت بألف ، ويقول المشتري : ما اشتريت بألف وإنّما اشتريت بخمسمائة(١) .
وقال الشافعي : لو تداعيا داراً في أيديهما فادّعى كلٌّ منهما أنّ جميعها له ، حلف كلّ واحد على مجرّد نفي استحقاق صاحبه ما في يده ، ولو حلف أحدهما ونكل الآخر ، حلف الحالف يميناً اُخرى للإثبات(٢) .
قال أصحابه : ففي القولين طريقان :
أحدهما : تقرير القولين.
والفرق بينهما : أنّ في مسألة التداعي يحلف أحدهما على نفي دعوى صاحبه في النصف الذي في يده ، ويكون القول قول الآخر في النصف الآخر ، فإذا نكل ، رددنا اليمين على الأوّل ، وهنا يحلف على صفة عقدٍ تضمّن إثباتاً ونفياً ، فلهذا كفى يمين واحدة ؛ لأنّ العقد واحد اتّفاقاً والتنازع في صفته ، فكأنّ الدعوى واحدة ، فجاز التعرّض في اليمين الواحدة للنفي والإثبات ، فمنفيّ كلّ واحد منهما في ضمن مثبتة ، ومنفيّ كلّ واحد منهما في صورة الدار ممتاز عن مثبتة ، فلا معنى ليمينه على الإثبات قبل نكول صاحبه.
الثاني : التصرّف بتخريج قول من مسألة الدار فيما نحن فيه.
ووجهه : الجري على قياس الخصومات ، فإنّ يمين الإثبات لا يُبدأ بها في غير القسامة.
وهل يتصرّف بتخريج قول فيما(٣) نحن فيه من مسألة الدار أيضاً؟
____________________
(١) الحاوي الكبير ٥ : ٣٠١ ، الوسيط ٣ : ٢١٠ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٤ - ٣٢٥ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٥ - ٥٠٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٢.
(٣) كذا ، وفي المصدر : « ما » بدل « فيما ».
قال كثير منهم : نعم ، حتى يكون قولان بالنقل والتخريج(١) .
وقال الجويني وغيره : لا ؛ لأنّ كلّ واحد لا يحتاج فيما في يده إلى الإثبات ، واليمين على الإثبات يمين الردّ ، فكيف يحلف الأوّل يمين الردّ وصاحبه لم ينكل بَعْدُ!؟ وكيف يحلفها الثاني وقد حلف صاحبه!؟(٢) .
مسالة ٦١٤ : إذا حلف البائع أنّه لم يبع العبد ، وحلف المشتري أنّه لم يشتر الجارية ، انفسخ العقدان. وإن نكل المشتري عن يمين النفي ، حلف البائع يميناً اُخرى على إثبات دعواه ، وحُكم على المشتري. ومَنْ قضى بالنكول لم يكلّف البائع يمين الإثبات ، بل يحكم له بمجرّد النكول.
وعند الشافعي : إذا اكتفينا بيمينٍ واحدة ، يجمع بين النفي والإثبات ؛ لأنّه أفصل للحكم وأسهل على الحاكم ، وجوّزنا(٣) الإثبات قبل نكول. الخصم ؛ لأنّه تبع للنفي. ولأنّهما يتحالفان على الإثبات من غير نكول وإن كانت يمينين(٤) ، فإذا حلف أحدهما ونكل الثاني ، قضي للحالف ، سواء نكل عن النفي والإثبات جميعاً أو عن أحدهما. والنكول عن البعض كهو عن الكلّ(٥) .
وينبغي أن يقدّم النفي - سواء حلف يميناً واحدة أو اثنتين ؛ لأصالته في الأيمان - على الإثبات(٦) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٢ - ٣٨٣.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٣.
(٣) في « ي » : « جوّز ».
(٤) قوله : « لأنّه أفصل للحكم وإن كانت يمينين » لم يرد في المصدر.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٣.
(٦) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة زيادة : « وقال بعض الشافعيّة : يقدّم الإثبات ؛ لأنّه المقصود ». وحذفناها لزيادتها.
وقال أبو سعيد : يقدّم الإثبات ؛ لأنّ الله تعالى قدّمه في اللعان على النفي ، فقال في اليمين( وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) (١) ولأنّه المقصود من الحالف(٢) .
وليس بصحيح ؛ لأنّ الأصل في الأيمان إنّما هو النفي ، وأمّا الإثبات فإنّما يكون فيها بالنكول أو تبعا للنفي ، فيجب أن يقدّم النفي ، وكلّ أيمان اللعان إثبات ، وليس فيها نفي. وقوله( إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) إثبات للصدق ، مثل قوله( إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ) (٣) .
وهل الخلاف في الاستحباب أو الاستحقاق؟ الأظهر عندهم : الأوّل(٤) .
ونقل الجويني الثاني(٥) .
فإذا قلنا : يحلف أوّلاً على مجرّد النفي ، فلو أضاف إليه الإثبات ، كان لغواً.
وإذا حلف مَنْ وقعت البداءة به على النفي ، عُرضت اليمين على الثاني ، فإن نكل ، حلف الأوّل على الإثبات ، وقضي له.
وإن نكل عن الإثبات ، لم يقض له ، لاحتمال صدقه فيما يدّعيه(٦) صاحبه وكذبه فيما يدّعيه.
وقال بعض الشافعيّة : إنّه كما لو تحالفا ؛ لأنّ نكول المردود عليه عن
____________________
(١) النور : ٧.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٠ ، الوسيط ٣ : ٢١٠ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٥.
(٣) النور : ٦.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٥.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٣ ، وانظر : روضة الطالبين ٣ : ٢٣٥.
(٦) في العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٣ : « في نفي ما يدّعيه ».
يمين الردّ ينزّل في الدعوى منزلة حلف الناكل أوّلاً(١) .
ولو نكل الأوّل عن اليمين ، حلف الآخر على النفي والإثبات ، وقضي له.
ولو حلفا(٢) على النفي ، فوجهان :
أصحّهما عندهم أنّه يكفي ذلك ، ولا حاجة بعده إلى يمين الإثبات ؛ لأنّ المحوج إلى الفسخ جهالة الثمن وقد حصلت.
والثاني : أنّه تُعرض يمين الإثبات عليهما ، فإن حلفا ، تمّ التحالف ، وإن نكل أحدهما ، قضي للحالف(٣) .
والقول في أنّه تُقدّم يمين النفي أو الإثبات كما ذكرنا على تقدير الاكتفاء بيمينٍ واحدة.
ولو عُرض اليمين عليهما فنكلا جميعاً ، فوجهان :
قال(٤) الجويني : إنّ تناكلهما كتحالفهما ، فإنّه إذا تداعى رجلان مولوداً ، كان ذلك كتحالفهما.
والثاني : أنّه يوقف الأمر كأنّهما تركا الخصومة(٥) .
المطلب الثالث : في حكم التحالف.
مسالة ٦١٥ : إذا حلف كلّ من المتبايعين يمين النفي ، سقطت الدعويان عندنا ، كما لو ادّعى على الغير بيع شيء أو شراءه ، فأنكر وحلف ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٦.
(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « حلف ». والظاهر ما أثبتناه من المصدر.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٦.
(٤) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « وقال ». والظاهر ما أثبتناه.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٦. ولا يخفى أنّ في المصدرين نُسب الوجه الثاني إلى الجويني أيضاً.
سقطت الدعوى ، وكان الملك باقياً على حاله ، ولم يحكم بثبوت عقد حتى يحكم بانفساخه.
وأمّا الشافعي القائل بالتحالف فقال : إذا تحالف المتعاقدان ، ففي العقد وجهان :
أحدهما : أنّه لا ينفسخ بنفس التحالف.
وفيه وجه آخر : أنّه ينفسخ بالتحالف ، كما ينفسخ النكاح بتحالف المتلاعنين. ولأنّ التحالف يحقّق ما قالاه ، ولو قال البائع : بعت بألف ، فقال المشتري : اشتريت بخمسمائة ، لم ينعقد ، فكذا هنا(١) .
قال القاضي أبو الطيّب : الأوّل هو المنصوص للشافعي في كتبه القديمة والجديدة لا أعرف له غير ذلك ؛ لأنّ البيّنة أقوى من اليمين ، ولو أقام كلٌّ منهما بيّنةً على ما يقوله ، لا ينفسخ العقد ، فاليمين أولى بعدم الفسخ. ولا يشبه اللعان ؛ لأنّ قول الزوج يقطع النكاح ، فقامت يمينه مقام طلاقه ، بخلاف المتنازع(٢) .
مسالة ٦١٦ : لو رجع أحدهما إلى قول الآخر ، فإن كان قبل التحالف ، حكم بمقتضى عقده. وإن كان بعد التحالف ، فكذلك ، فلو حلف أنّه لم يبع الجارية وحلف المشتري أنّه لم يشتر العبد ثمّ اعترف المشتري بصدق البائع ، كان حكمه حكم ما لو حلف المنكر ثمّ كذب بيمينه. قال علماؤنا : اليمين قاطعة للدعوى ، فإن جاء الحالف تائباً إلى الله تعالى ودفع ما حلف عليه ، كان لصاحبه أخذه ، فكذا يتأتّى هنا.
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٠ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٥ - ٣٢٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٦.
(٢) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٤ ، وفيه بعض المقصود.
وأمّا الشافعي فله قولان :
أحدهما : فسخ العقد بمجرّد التحالف من غير حاجة إلى حكم الحاكم بالفسخ.
والثاني : أنّه لا ينفسخ إلّا بحكم الحاكم(١) .
فعلى الأوّل فإنّهما يترادّان.
ولو تقارّا على أحد اليمينين(٢) ، لم يعد نافذاً ، بل لا بُدَّ من تجديد عقدٍ.
وهل ينفسخ في الحال أو يتبيّن ارتفاعه من أصله؟ للشافعيّة وجهان ، أظهرهما : الأوّل ؛ لنفوذ تصرّفات المشتري قبل الاختلاف.
وعلى هذا فالحاكم يدعوهما بعد التحالف إلى الموافقة ، فينظر هل يعطي المشتري ما يقوله البائع من الثمن؟ فإن فعل ، اُجبر البائع عليه ، وإلّا نظر هل يقنع البائع بما يقوله المشتري؟ فإن فعل فذاك ، وإلّا فحينئذٍ يحتاج إلى فسخ العقد.
ومَن الذي يفسخه؟ وجهان :
أحدهما : الحاكم ، لتعذّر إمضائه في الحكم ، وكالفسخ في العنّة ، لأنّه فسخ مجتهد فيه.
وأظهرهما عندهم : أنّ للمتعاقدين أيضاً أن يفسخا ، ولأحدهما(٣) أن
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٠ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٦.
(٢) في « س ، ي » : « الثمنين ».
(٣) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « وأحدهما ». وما أثبتناه من « العزيز شرح الوجيز » و « روضة الطالبين ».
ينفرد به ، كالفسخ بالعيب(١) .
قال الجويني : إذا قلنا : الحاكم هو الذي يفسخ ، فذلك إذا استمرّا على النزاع ولم يفسخا أو التمسا الفسخ ، فأمّا إذا أعرضا عن الخصومة ولم يتوافقا على شيء ولا فَسَخا ، ففيه نظر(٢) .
وإذا فسخ العقد إمّا بفسخهما أو بفسخ الحاكم ، وقع الفسخ ظاهراً.
وهل يقع باطناً؟ فيه للشافعيّة(٣) ثلاثة أوجه :
أحدها : لا ، لأنّ سبب الفسخ تعذّر إمضائه ، لعدم الوقوف على الثمن ، وأنّه أمر يتعلّق بالظاهر ، والعقد وقع صحيحا في نفسه ، وإنّما تعذّر إمضاؤه في الظاهر ، فكان الفسخ في الظاهر دون الباطن.
والثاني : أنّه يقع ظاهرا وباطنا ، لأنّه فسخ لاستدراك الظلامة ، فأشبه الردّ بالعيب.
والثالث : أنّ البائع إن كان ظالما ، فالفسخ يقع ظاهرا لا باطنا ، لأنّه يمكنه استيفاء الثمن وتسليم المبيع ، فإذا امتنع ، كان عاصيا ، فلا يقع الفسخ بذلك. وإن كان المشتري ظالما ، وقع الفسخ ظاهرا وباطنا ، لأنّ البائع لا يصل إلى حقّه من الثمن ، فاستحقّ الفسخ ، كما لو أفلس المشتري(٤) .
وهل يجري مثل هذا الخلاف إذا فرّعنا على انفساخ العقد بنفس
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٠ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٦.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٦.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « للشافعي ».
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٠ - ٣٠١ ، حلية العلماء ٣٢٦ - ٣٢٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٤ - ٣٨٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٦ - ٢٣٧.
التحالف أم يجزم بالارتفاع باطناً أيضاً؟ اختلفوا فيه(١) .
وإذا قلنا بالارتفاع باطناً ، ترادّا ، وتصرّف كلٌّ منهما فيما عاد إليه. وإن منعناه ، لم يجز لهما التصرّف ، لكن لو كان البائع صادقاً ، فهو ظافر بمال من ظلمه لما استردّ المبيع ، فله بيعه بالحاكم في أحد الوجهين ، أو بنفسه في أصحّهما عندهم(٢) ، واستيفاء حقّه من ثمنه.
إذا تقرّر هذا ، فكلّ موضع قلنا : إنّ الفسخ يقع ظاهراً وباطناً ، فإنّ للبائع التصرّف في المبيع بجميع أنواع التصرّف حتى بالوطئ. وإن قلنا : يقع ظاهراً دون الباطن ، فإن كان البائع ظالماً ، لم يجز له التصرّف في المبيع بوجه ، ووجب عليه ردّه على المشتري بالثمن المسمّى ؛ لأنّه لا يجوز له أن يستبيح ملك غيره بظلمه. وإن كان المشتري ظالماً ، فإنّ البائع قد حصل في يده ملك المشتري ، وله عليه الثمن ، وهو من غير جنسه ، فله أن يبيع جميعه أو مقدار حقّه.
وهل يبيعه بنفسه أو يتولّاه الحاكم؟ وجهان(٣) :
أحدهما : أنّه يرفعه إلى الحاكم ليبيعه ؛ لأنّ الولاية للحاكم على صاحبه دون هذا البائع.
والثاني : يبيعه بنفسه - وهو منصوص الشافعي - لأنّه يتعذّر عليه رفعه إلى الحاكم وإثبات حقّه عنده ، فجُوّز ذلك للضرورة ، كما جُوّز إمساك ملك المشتري للحاجة.
وعندنا إن تمكّن من الحاكم ، وجب ، وإلّا تولّاه بنفسه ، فإذا باعه فإن
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٧.
(٢ و ٣ ) حلية العلماء ٤ : ٣٢٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٧.
كان الثمن وفق حقّه ، فقد استوفاه. وإن نقص ، فالباقي في ذمّة المشتري. وإن فضل ، فللمشتري. وإن تلف هذا في يده ، كان من ضمانه. وإن تحالفا بعد تلف السلعة ، وجب ردّ قيمة المبيع.
ومتى تعتبر قيمته؟ على وجهين :
أحدهما : أكثر ما كانت من حين القبض.
والثاني : حال التلف ، كالمقبوض على وجه السوم(١) .
وهذه الفروع مبنيّة على ما إذا اختلفا في قدر الثمن. وذكر الجويني عبارةً نحو(٢) هذه الصورة وغيرها ، وهي : أنّ الفسخ إن صدر من المحقّ ، فالوجه : تنفيذه باطناً. وإن صدر من المبطل ، فالوجه : منعه. وإن صدر منهما جميعاً ، قال : لا شكّ في الانفساخ ، وليس ذلك موضع الخلاف ، وكان كما لو تقايلا. وإذا صدر من المبطل ، لم ينفذ باطناً. وطريق الصادق إنشاء الفسخ إن أراد الملك فيما عاد إليه. وإن صدر الفسخ من الحاكم ، فالظاهر الانفساخ باطناً لينتفع به المحقّ(٣) .
واعلم أنّ هذا لا يتأتى على مذهبنا فيما إذا كان الاختلاف في كمّيّة الثمن ، وإنّما يقع فيما إذا اختلفا في تعيين المبيع ، كالعبد أو الجارية ، أو في تعيين الثمن ، كالذهب أو الفضّة ، وهنا نقول : إنّ المبطل لا يباح له التصرّف فيما صار إليه ، والمحقّ له التصرّف.
مسالة ٦١٧ : إذا فسخ البيع ، كان على المشتري ردّ المبيع إن كان قائماً
____________________
(١) الوسيط ٣ : ٢١٦ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٥ - ٣٨٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٧.
(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « تجري » بدل « نحو ». والصحيح ما أثبتناه.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٧ ، والعبارة فيهما هكذا : « وإذا صدر من المبطل ولم ينفذه باطناً ، فطريق الصادق ».
بحاله ؛ لقولهعليهالسلام : « إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادّا » رواه العامّة(١) .
وهذا عندنا صحيح فيما إذا كان الاختلاف في الأعيان المتعدّدة ، لا في قدر الثمن ، فإذا كان المشتري قد أخذ ما ادّعاه وسقطت دعواه بيمين البائع ، وجب عليه ردّ ما أخذه ؛ لظهور بطلان الأخذ بيمين البائع.
وإن تلف في يد المشتري ، فعليه قيمته ، سواء كانت أكثر من الثمن أو أقلّ.
وهل يعتبر وقت التلف ؛ لأنّ مورد الفسخ العين لو بقيت ، والقيمة خلف عنها ، فإذا فات الأصل ، فحينئذٍ ينظر إليها ، أو يوم القبض ؛ لأنّه وقت دخول المبيع في ضمانه ، أو الأقلّ ؛ لأنّها إن كانت يوم العقد أقلّ ، فالزيادة حدثت في ملك المشتري ، وإن كان يوم القبض أقلّ ، فهو يوم دخوله في ضمانه ، أو بأعلى القِيَم من يوم القبض إلى يوم التلف ؛ لأنّ يده يد ضمان ، فتعيّن أعلى القِيَم؟
وللشافعيّة هذه الاحتمالات الأربعة أقوال(٢) فيما قلناه(٣) وفيما إذا اختلفا في قدر الثمن أو الأجل أو الضمين أو غير ذلك(٤) على ما تقدّم.
مسالة ٦١٨ : لو زادت العين في يد المشتري ، فإمّا زيادة متّصلة أو منفصلة.
فإن كانت متّصلة ، فهي للبائع يردّها المشتري مع العين.
وإن كانت منفصلةً ، كالولد والثمرة والكسب والمهر ، فإن قلنا : العقد
____________________
(١) الوجيز ١ : ١٥٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٥.
(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « أقوالاً ». والظاهر ما أثبتناه.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « نقلناه ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٥ - ٣٨٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٧.
يرتفع من أصله - وهو الظاهر عندنا إذا وقع التنازع في تعيين المبيع أو تعيين الثمن أيّ العينين هو؟ - فالنماء للبائع ، ويجب أقصى القِيَم لو تلف المبيع.
وإن قلنا : من حينه ، فالنماء للمشتري ، وعليه القيمة يوم التلف.
وعند الشافعي يتأتّى ذلك في هذه الصورة وفيما إذا اختلفا في قدر الثمن وغيره على ما سلف(١) .
وقال بعض الشافعيّة : هذا الخلاف السابق في القيمة متى تعتبر؟ نظرا إلى أنّ العقد يرتفع من أصله أو من حينه؟ إن قلنا بالأوّل ، فالواجب أقصى القيم. وإن قلنا بالثاني ، اعتبرنا قيمته يوم التلف(٢) .
مسالة ٦١٩ : لو اشترى عبدين وتلف أحدهما ثمّ اختلفا في قدر الثمن ، قدّم قول المشتري مع يمينه ، كما ذهبنا إليه.
وقال الشافعي : يتحالفان ، بناءً على أصله(٣) .
وهل يردّ الباقي؟ فيه الخلاف المذكور في مثله إذا وجد الباقي معيباً. وإن قلنا : يردّ ، فيضمّ قيمة التالف إليه ، وفي القيمة المعتبرة الوجوه الأربعة(٤) .
اعترض : بأنّه لِمَ كان الأصحّ هنا غير الأصحّ في القيمة المعتبرة لمعرفة الأرش؟
اُجيب : يجوز أن يكون السبب فيه أنّ النظر إلى القيمة ثَمَّ ليس ليغرم ، ولكن ليعرف منها الأرش الذي هو جزء من الثمن ، وكذلك
____________________
(١) في ذيل المسألة السابقة.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٦.
(٣ و ٤ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٧.
العوض(١) فيما إذا تلف أحد العبدين ووجدنا عيباً بالباقي وجوّزنا إفراده بالردّ ، يوزّع(٢) الثمن على قيمة التالف والباقي ، وهاهنا المغروم القيمة ، فكان النظر إلى حالة الإتلاف أليق(٣) .
ولو كان المبيع قائماً إلّا أنّه قد تعيّب ، ردّه مع الأرش ، وهو قدر ما نقص من القيمة ؛ لأنّ الكلّ مضمون على المشتري بالقيمة ، فيكون البعض مضموناً ببعض القيمة.
أمّا المبيع لو تعيّب في يد البائع وأفضى الأمر إلى الأرش ، وجب جزء من الثمن ؛ لأنّ الكلّ مضمون على البائع بالثمن ، فكذا البعض.
وهذا أصل مطّرد في المسائل أنّ كلّ موضع لو تلف الكلّ ، كان مضموناً على الشخص بالقيمة ، فإذا تلف البعض ، كان مضموناً عليه ببعض القيمة ، كالمغصوب وغيره ، إلّا في صورة واحدة ، وهي : ما إذا عجّل زكاته ثمّ تلف ماله قبل الحول وكان ما عجّل تالفاً ، يغرم المسكين القيمة ، ولو تعيّب ، ففي الأرش وجهان للشافعيّة(٤) .
تذنيب : لو اختلفا في القيمة الواجبة عليه أو الأرش ، قدّم قول المشتري مع اليمين ؛ لأنّه الغارم.
مسالة ٦٢٠ : التلف قد يكون حقيقيّاً ، كما لو هلكت العين ، وقد يكون حكميّاً ، كما لو أعتق المشتري أو وقف أو باع أو وهب وأقبض وتعوّض ،
____________________
(١) في « س » والطبعة الحجريّة : « الفرض » وفي « ي » : « العرض » بدل « العوض ». وما أثبتناه من المصدر.
(٢) في « س » والطبعة الحجريّة : « بالردّ توزيع » وفي « ي » : « بالردّ وتوزيع ». وما أثبتناه من المصدر.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٦.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٨.
وهنا يكون للبائع انتزاع العين ، ويحكم ببطلان هذه العقود ، وهو قول بعض الشافعية(١) .
وقال بعضهم : إنّ هذه التصرّفات بمنزلة الإتلاف ، فتجب القيمة ، وتبقى هذه التصرّفات على الصحّة(٢) . وليس جيّداً.
والتعيّب أيضاً قد يكون حقيقيّاً ، كما لو تلف جزء من المبيع أو نقصت صفة من صفاته ، وقد يكون حكميّاً ، كما لو زوّج الجارية المبيعة أو العبد المبيع ، فعندنا يبطل النكاح إن لم يجز البائع ، وهو أحد قولي الشافعيّة(٣) .
وقال بعضهم : على المشتري ما بين قيمتها مزوّجةً وخليّةً ، وتعود إلى البائع والنكاح بحاله(٤) .
مسالة ٦٢١ : لو كان العبد المبيع قد أبق من يد المشتري ، كان عليه قيمته للبائع إذا حلف أنّه لم يبعه ، لتعذّر الوصول إليه.
وقال الشافعي : إذا تحالفا ، لم يمتنع الفسخ ، فإنّ الإباق لا يزيد على التلف ، ويغرم المشتري القيمة(٥) كما قلناه.
ولو كاتبه المشتري كتابةً صحيحة ، كان للبائع فسخها.
وقال الشافعي : يتمّ مكاتباً ، ثمّ يغرّم المشتري القيمة ، كالإباق(٦) .
ولو رهنه ، كان للبائع انتزاعه
وقال الشافعي : تخيّر البائع بين أخذ القيمة والصبر إلى انفكاك
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٨.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٨.
(٣ - ٦ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٨.
الرهن(١) .
ولو آجره ، كان للبائع أخذه وفسخ الإجارة.
وقال الشافعي : يبنى على أنّ بيع المستأجر هل يجوز؟ إن قلنا : لا ، فهو كما لو رهنه. وإن قلنا : نعم ، فللبائع أخذه ، لكنّه يترك عند المستأجر إلى انقضاء المدّة ، والاُجرة المسمّاة للمشتري، وعليه للبائع اُجرة المثل للمدّة الباقية. وإن كان قد آجره من البائع ، فله أخذه لا محالة.
وفي انفساخ الإجارة وجهان ، كما لو باع الدار المستأجرة من المستأجر إن قلنا : لا ينفسخ ، فعلى البائع المسمّى للمشتري ، وعلى المشتري اُجرة مثل المدّة الباقية للبائع.
وإذا غرم القيمة في هذه الصورة ثمّ ارتفع السبب الحائل وأمكن الردّ ، هل تستردّ القيمة وتردّ العين؟ يبنى ذلك على أنّه قبل ارتفاع الحائل ملك مَنْ هو؟(٢) .
أمّا الآبق ففيه وجهان :
أحدهما : أنّه يبقى للمشتري ، والفسخ لا يرد على الآبق ، وإنّما هو وارد على القيمة.
وأصحّهما عندنا وعندهم(٣) أنّه في إباقه ملك البائع ، والفسخ وارد عليه ، وإنّما وجبت القيمة؛ للحيلولة.
وأمّا المرهون والمكاتب ففيهما طريقان :
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٨.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٩.
أحدهما : طرد الوجهين.
وأظهرهما عندهم : القطع ببقاء الملك للمشتري ، كما أنّ المشتري إذا أفلس بالثمن والعبد آبق ، يجوز للبائع الفسخ والرجوع إليه. ولو كان مرهوناً أو مكاتباً ، ليس له ذلك(١) .
والوجه عندنا بطلان الكتابة والرهن كما قلنا.
وأمّا المكتري إذا منعنا بيعه ، فهو كالمرهون والمكاتب ، أو كالآبق ؛ لأنّ حقّ المكري لا يتعلّق بمورد البيع والفسخ ، وهو الرقبة؟ فيه للشافعيّة احتمالات(٢) .
قال الجويني : وإذا قلنا ببقاء الملك للمشتري ، فالفسخ وارد على القيمة ، كما في صورة التلف، فلا ردّ ولا استرداد. وإذا قلنا بانقلابه إلى البائع ، ثبت الردّ والاسترداد عند ارتفاع الحيلولة(٣) .
مسالة ٦٢٢ : لو اختلف المتبايعان ، فادّعى أحدهما حُرّيّة العبد المبيع وأنكر الآخر ، فالقول قول المنكر مع يمينه.
قال الشافعي : إذا حلف كلٌّ منهما ، فبعد التحالف أو قبله لم يحكم بحُرّيّة العبد المبيع إن لم يكن الأمر كما قال ، فلا يعتق العبد في الحال ؛ لأنّه ملك المشتري ، وهو صادق بزعمه(٤) .
ثمّ إن فسخ العقد أو عاد العبد إلى البائع بسببٍ آخر ، عُتق عليه ؛ لأنّ المشتري كاذب بزعمه ، والعبد قد عُتق عليه ، فهو بمنزلة مَنْ أقرّ بحُرّيّة العبد ثمّ اشتراه ، ولا يعتق في الباطن إن كان البائع كاذباً ، ويعتق على
____________________
(١ - ٣ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٩.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٩.
المشتري إن كان صادقاً ، وولاء هذا العبد موقوف لا يدّعيه البائع ولا المشتري.
ولو صدّق المشتري البائع ، حكم بعتقه عليه ، ويرد الفسخ إن تفاسخا ، كما لو ردّ العبد بعيب ثمّ قال : كنت أعتقته ، يرد الفسخ ، ويحكم بعتقه.
ولو صدّق البائع المشتري ، نظر إن حلف البائع بالحُرّيّة أوّلاً ثمّ المشتري ، فإذا صدّقه البائع عقيب يمينه ثمّ عاد العبد إليه ، لم يعتق ؛ لأنّه لم يكذّب المشتري بعد ما حلف بالحُرّيّة حتى يجعل مُقرّاً بعتقه. وإن حلف المشتري بحُرّيّته أوّلاً ثمّ حلف البائع وصدّقه ، عُتِق إذا عاد إليه ؛ لأنّ حلفه بعد حلف المشتري تكذيب له وإقرار بالحُرّيّة عليه.
ولو كان المبيع بعض العبد ، فإذا عاد إلى ملك البائع ، عُتق ذلك القدر عليه ، ولم يقوَّم عليه الباقي ؛ لأنّه لم يحصل العتق بمباشرته(١) ، بل بإقراره على غيره ، فصار كما لو خلّف ابنين وعبداً ، وقال أحدهما : إنّ أبي أعتق هذا العبد ، وأنكره الآخر ، فعتُق(٢) نصيب المقرّ ، ولا يقوّم عليه الباقي.
مسالة ٦٢٣ : لو كان المبيع جاريةً ووطئها المشتري ثمّ اختلفا في قدر الثمن ، حلف المشتري ، عندنا إن كانت السلعة تالفةً. وإن كانت باقيةً ، حلف البائع.
وعند الشافعي يتحالفان ، ثمّ إن كانت ثيّباً ، فلا أرش عليه مع ردّها. وإن كانت بكراً ، ردّها مع أرش البكارة ؛ لأنّه نقصان جزء(٣) .
____________________
(١) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « لمباشرته ». والظاهر ما أثبتناه.
(٢) كذا ، والظاهر : « فيعتق ».
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٤٠.
ولو ترافعا إلى مجلس الحكم ولم يتحالفا بَعْدُ ، فأصحّ وجهي الشافعيّة : أنّ للمشتري وطء الجارية ؛ لبقاء ملكه(١) . وبعد التحالف وقبل الفسخ وجهان مرتّبان(٢) ، وأولى بالتحريم ؛ لإشرافه على الزوال(٣) .
مسالة ٦٢٤ : لو جرى البيع بين الوكيلين واختلفا ، للشافعي في تحالفهما وجهان ، وجه المنع : أنّ غرض اليمين ليخاف الظالم فيقرّ ، وإقرار الوكيل على موكّله غير مقبول(٤) .
ولو تقايل المتبايعان أو ردّ المشتري المبيع بالعيب بعد قبض البائع الثمن واختلفا في قدر الثمن ، فالقول قول البائع مع يمينه - قاله الشافعي(٥) - لأنّ العقد قد ارتفع ، والمشتري يدّعي زيادة ، والأصل عدمها.
مسالة ٦٢٥ : لو ادّعى الفسخ قبل التفرّق وأنكر الآخر ، قدّم قول المنكر مع اليمين ، لأصالة البقاء.
ولو قلنا بالتحالف فيما إذا اختلفا في قدر الثمن فاختلفا في قيمة السلعة التالفة ، رجع إلى قيمة مثلها موصوفاً بصفاتها ، فإن اختلفا في الصفة ، قُدّم قول المشتري ؛ لأصالة براءته.
ولو تقايلا البيع أو ردّ بعيب بعد قبض الثمن ثمّ اختلفا في قدره ، قدّم قول البائع مع يمينه ، لأنّه منكر لما يدّعيه المشتري بعد الفسخ(٦) .
ولو قال : بعتك وأنا صبي ، فقال : بل كنت بالغاً ، قُدّم قول مدّعي الصحّة.
ويحتمل تقديم قول البائع ؛ لأصالة البقاء.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٤٠.
(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « قريبان » بدل « مرتّبان ». وما أثبتناه من المصدر.
(٣ و ٤ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٤٠.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٤٠.
(٦) مرّ هذا الفرع في ذيل المسألة ٦٢٤.
ولو قال : بعت وأنا مجنون ، ولم يعلم له سبقه ، قُدّم قول المشتري مع يمينه ، وإلّا فكالصبي.
خاتمة تشتمل على الإقالة :
مسالة ٦٢٦ : الإقالة بعد البيع جائزة بل تستحبّ إذا ندم أحد المتعاقدين على البيع.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « مَنْ أقال أخاه المسلم صفقةً يكرهها أقاله الله عثرته يوم القيامة »(١) .
إذا عرفت هذا ، فالإقالة أن يقول المتبايعان : تقايلنا ، أو : تفاسخنا ، أو يقول أحدهما : أقلتك ، فيقبل الآخر.
ولو تقايلا بلفظ البيع ، فإن قصدا الإقالة المحضة ، لم يلحقها لواحق البيع حيث لم يقصداه.
مسالة ٦٢٧ : الإقالة فسخ للعقد الأوّل ، وليست بيعاً عندنا - وهو أصحّ قولي الشافعي(٢) - لأنّها لو كانت بيعاً لصحّت مع غير البائع وبغير الثمن الأوّل.
وقال في القديم : إنّها بيع - وبه قال مالك - لأنّها نقل ملك بعوض بإيجابٍ وقبول ، فأشبهت التولية(٣) .
____________________
(١) شرح السنّة - للبغوي - ٥ : ١٢٠ / ٢١١٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٠.
(٢) الوسيط ٣ : ١٤٠ ، الوجيز ١ : ١٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨١ ، حلية العلماء ٤ : ٣٨٥ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٩٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٣ ، المجموع ٩ : ٢٠٠ ، المغني ٤ : ٢٤٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٣٢.
(٣) الوسيط ٣ : ١٤٠ ، حلية العلماء ٤ : ٣٨٦ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨١ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٣ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٠٣ ، ١١٧٩ ، المغني ٤ : ٢٤٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٣٢.
والمشابهة لا تستلزم الاتّحاد ، وتُعارض بما تقدّم ، وبأنّ المبيع رجع إليه بلفظ لا ينعقد به البيع ابتداءً ، فلم يكن بيعاً ، كالردّ بالعيب.
إذا عرفت هذا ، فالإقالة إذا ذُكرت بلفظ الإقالة ، فيه الخلاف السابق ، أمّا إذا ذكرت بلفظ الفسخ ، فلا خلاف في أنّها فسخ ، وليست بيعاً ، قاله بعض الشافعيّة(١) .
مسالة ٦٢٨ : والإقالة فسخ في حقّ المتعاقدين وغيرهما ؛ للأصل. ولأنّ الصيغة ليست لفظ بيع. ولأنّ ما كان فسخاً في حقّ المتعاقدين كان فسخاً في حقّ غيرهما ، كالردّ بالعيب.
وقال أبو حنيفة : إنّها فسخ في حقّ المتعاقدين ، وهي بمنزلة البيع في حقّ غيرهما ، فيثبت فيها الشفعة للشفيع ، لأنّ الإقالة نقل ملك بعوض هو مال ، فيثبت فيه الشفعة ، كالبيع(٢) .
ونمنع كونها نقل ملك ، بل إعادة للملك الأوّل ، فبها يعود الملك الأوّل إذا فسخ العقد.
وقال أبو يوسف : هي بيع بعد القبض ، وفسخ قبله ، إلّا في العقار ، فإنّها بيع فيه قبل القبض وبعده(٣) .
مسالة ٦٢٩ : لا تثبت الشفعة عندنا بالإقالة وإن أتى بها قاصداً لها بلفظ البيع ؛ لأنّ القصد المعنى.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨١ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٣.
(٢) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٥٤ - ٥٥ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ١٦ ، تحفة الفقهاء ٢ : ١١٠ - ١١١ ، بدائع الصنائع ٥ : ٣٠٦ و ٣٠٨ ، حلية العلماء ٤ : ٣٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٢ ، المغني ٤ : ٢٤٤ ، الشرح الكبير ٤ : ١٣٢.
(٣) حلية العلماء ٤ : ٣٨٦.
وقال أبو حنيفة : يثبت فيها الشفعة وإن كان بلفظ الإقالة(١) .
ولو تقايلا في الصرف ، لم يجب التقابض في المجلس ؛ لأنّها ليست بيعاً. ومَنْ جَعَلها بيعاً أوجب التقابض فيه.
وتجوز الإقالة قبل قبض المبيع ؛ لأنّها ليست بيعاً. ومَنْ جَعَلها بيعاً مَنَع.
وتجوز في السَّلَم قبل القبض إن كانت فسخاً ، وإن كانت بيعاً ، فلا.
ولا تجوز الإقالة بعد تلف المبيع إن كانت بيعاً ، وتجوز إن كانت فسخاً.
وللشافعيّة على تقدير كونها فسخاً وجهان :
أحدهما : المنع ، كالردّ بالعيب.
وأصحّهما عندهم : الجواز ، كالفسخ بالتحالف ، فعلى هذا يردّ المشتري على البائع مثل المبيع إن كان مثليّاً ، وقيمته إن كان متقوّماً(٢) .
مسالة ٦٣٠ : يشترط في الإقالة عدم الزيادة في الثمن والنقصان فيه لا قدراً ولا وصفاً ، فلو أقاله بأكثر أو أقلّ ، فسدت الإقالة ، وكان المبيع باقياً على ملك المشتري - وبه قال الشافعي(٣) - لأنها فسخ في الحقيقة ، ومقتضاه عود كلّ عوض إلى مالكه ، وليست من الألفاظ الناقلة ، كالبيع وشبهه بحيث يحصل ملك الزيادة بها.
____________________
(١) تحفة الفقهاء ٢ : ١١٠ - ١١١ ، بدائع الصنائع ٥ : ٣٠٨ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ١٧ ، حلية العلماء ٤ : ٣٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٢.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٩٣ - ٤٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٤.
(٣) حلية العلماء ٤ : ٣٨٦ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٩١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٤.
وقال أبو حنيفة : تصحّ الإقالة ، ويبطل الشرط ، ويجب ردّ الثمن ؛ لأنّ الإقالة تصحّ بغير ذكر بدل ، فإذا ذكره فاسداً ، لم تبطل ، كالنكاح(١) .
ونحن نقول : إنّه أسقط حقّه من المبيع بشرط أن يحصل له العوض الذي شرطه ، فإذا لم يسلم له الذي شرطه ولا بذل له ، لم يزل ملكه عنه ، بخلاف النكاح ، فإنّه يثبت فيه عوض آخر. ولأنّ شرط الزيادة يخرج الإقالة عن موضوعها ، فلم تصحّ ، بخلاف النكاح.
مسالة ٦٣١ : تصحّ الإقالة في بعض المـُسْلَم فيه - وبه قال عطاء وطاوُس وعمرو بن دينار والحكم بن عيينة ، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي والثوري ، وروي عن عبد الله بن عباس أنّه قال : لا بأس به(٢) - وهو المعروف ؛ لأنّ الإقالة مستحبّة ، وهي من المعروف ، وكلّ معروف جاز في جميع العوض جاز في بعضه ، كالإبراء والإنظار.
وقال مالك وربيعة والليث بن سعد وابن أبي ليلى : لا يجوز ذلك. وكرهه أحمد وإسحاق ، ورواه ابن المنذر عن ابن عمر والحسن وابن سيرين والنخعي ؛ لأنّه إذا أقاله في بعضه فقد صار بيعاً وسَلَفاً ، وقد نهى النبيّصلىاللهعليهوآله عن البيع والسلف(٣) . [ و ](٤) لأنّه إذا أقاله في بعضه وردّ بعض
____________________
(١) تحفة الفقهاء ٢ : ١١١ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٥٥ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ١٦ ، حلية العلماء ٤ : ٣٨٦ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٩٢.
(٢) المغني والشرح الكبير ٤ : ٣٧٢ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٢٦ / ١٠٩٦ ، حلية العلماء ٤ : ٣٨٧ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٥ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٠٦.
(٣) سنن البيهقي ٥ : ٣٤٨ ، شرح معاني الآثار ٤ : ٤٦.
(٤) زيادة يقتضيها السياق.
رأس المال ، يصير في معنى القرض ؛ لأنّه ردّ مثله ، ويصير الباقي بيعاً(١) .
وهو منقوض بالرجوع بأرش العيب ، فإنّه في معنى ما ذكروه.
وكذلك ينتقض باليسير ، فانّ بعضهم كان يسلّم جواز الإقالة في اليسير منه.
على أنّا نمنع من كونه قرضاً. وردّ المثل لا يوجب كونه قرضاً ، وإلّا لزم أن يكون البيع إذا اُقيل منه قرضاً ؛ لوجوب ردّ المثل ، وليس كذلك.
سلّمنا ، لكن نمنع استحالة اجتماعهما في البيع ، لكن منع الاجتماع إنّما يكون إذا كان شرطاً في البيع ، وأمّا لو أسلفه شيئاً وباعه شيئاً ، جاز إذا لم يشترط أحدهما في الآخر عندهم(٢) .
مسالة ٦٣٢ : لو اشترى عبدين وتلف أحدهما ، صحّت الإقالة عندنا ؛ لأنّها فسخ.
ومَنْ قال : إنّها بيع فوجهان في الإقالة في التالف بالترتيب ، إذ القائم تصادفه الإقالة فيستتبع التالف(٣) .
وإذا تقايلا والمبيع في يد المشتري ، نفذ تصرّف البائع فيه ؛ لأنّها فسخ.
ومَنْ جَعَلها بيعاً مَنَع ؛ إذ لا يصحّ التصرّف في المبيع قبل قبضه.
ولو تلف في يده ، انفسخت الإقالة عند مَنْ قال : إنّها بيع ، وبقي البيع كما كان.
____________________
(١) بداية المجتهد ٢ : ٢٠٦ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ٣٧٢ ، حلية العلماء ٤ : ٣٨٧ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٩٣ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٢٦ / ١٠٩٦.
(٢) لم نعثر عليه في مظانّه.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٢ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٤.
ومَنْ قال : إنّها فسخ صحّت الإقالة ، وكان على المشتري الضمان ؛ لأنّه مقبوض على حكم العوض ، كالمأخوذ قرضاً وسوماً. والواجب فيه إن كان متقوّماً أقلّ القيمتين من يوم العقد والقبض.
ولو تعيّب في يده ، فإن كانت بيعا ، تخيّر البائع بين إجازة الإقالة مجّانا ، وبين أن يفسخ ويأخذ الثمن. وإن كانت فسخا ، غرم أرش العيب.
ولو استعمله بعد الإقالة ، فإن جعلناها بيعاً ، فهو كالمبيع يستعمله البائع. وإن جعلناها فسخاً ، فعليه الاُجرة.
ولو عرف البائع بالمبيع عيباً كان قد حدث في يد المشتري قبل الإقالة ، فلا ردّ له إن كانت فسخاً. وإن كانت بيعاً ، فله ردّه(١) .
ويجوز للمشتري حبس المبيع لاسترداد الثمن على القولين. ولا يشترط [ ذكر ](٢) الثمن في الإقالة.
ولو أقاله على أن ينظره بالثمن أو على أن يأخذ الصحاح عوض المكسّرة ، لم يجز.
ويجوز للورثة الإقالة بعد موت المتبايعين.
وتجوز الإقالة في بعض المبيع - كما تقدّم - إذا لم تستلزم الجهالة.
قال الجويني : لو اشترى عبدين وتقايلا في أحدهما ، لم تجز على قول [ إنّها ](٣) بيع ، للجهل بحصّة كلّ واحد منهما(٤) .
وتجوز الإقالة في بعض المسلم فيه ، لكن لو أقاله في البعض ليعجّل
____________________
(١) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « ردّها ». والصحيح ما أثبتناه.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « فك ». والظاهر ما أثبتناه.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « إنّه ». والظاهر ما أثبتناه.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٢٨٢ - ٢٨٣ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٤ - ١٥٥.
الباقي أو عجّل المـُسْلَم إليه البعض ليقيله في الباقي ، فهي فاسدة.
نعم ، لو قال للمُسْلَم إليه : عجّل لي حقّي ، وأخذ دون ما استحقّه بطيبة من نفسه ، كان جائزاً ؛ لأنّه نوع صلحٍ وتراضٍ ، وهو جائز.
وقال الشافعي : لا يجوز(١) .
مسالة ٦٣٣ : لا تسقط اُجرة الدلّال والوزّان والناقد بعد هذه الأفعال بالإقالة ؛ لأنّ سبب الاستحقاق ثابت ، فلا يبطل بالطارئ.
ولو اختلفا في قيمة التالف من العبدين ، فالقول قول من ينكر الزيادة مع اليمين.
____________________
(١) لم نعثر عليه في مظانّه.
المقصد الثامن : في اللواحق
وفيه فصلان :
الأوّل : في أنواع المكاسب.
مسالة ٦٣٤ : طلب الرزق للمحتاج واجب ، وإذا لم يكن له وجه التحصيل إلّا من المعيشة، وجب عليه.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « ملعون مَنْ ألقى كلّه على الناس »(١) .
وهو أفضل من التخلّي للعبادة.
روى عليّ بن عبد العزيز عن الصادقعليهالسلام قال : « ما فعل عمر بن مسلم؟ » قال : جعلت فداك أقبل على العبادة وترك التجارة ، فقال : « ويحه أما علم أنّ تارك الطلب لا يستجاب له ، إنّ قوماً من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله لمـّا نزلت( وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) (٢) أغلقوا الأبواب وأقبلوا على العبادة ، وقالوا : قد كفينا ، فبلغ ذلك النبيّصلىاللهعليهوآله ، فأرسل إليهم فقال : ما حملكم على ما صنعتم؟ فقالوا : يا رسول الله تكفّل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة ، فقال : إنّه من فعل ذلك لم يستجب له ، عليكم بالطلب »(٣) .
وسأل عمر بن زيد الصادقَعليهالسلام : رجل قال : لأقعدنّ في بيتي
____________________
(١) الكافي ٥ : ٧٢ / ٧ ، التهذيب ٧ : ٣٢٧ / ٩٠٢.
(٢) الطلاق : ٢ و ٣.
(٣) الكافي ٥ : ٨٤ / ٥ ، الفقيه ٣ : ١١٩ - ١٢٠ / ٥٠٩ ، التهذيب ٦ : ٣٢٣ / ٨٨٥.
ولاُصلّينّ ولأصومنّ ولأعبدنّ ربّي عزّ وجلّ ، فأمّا رزقي فسيأتيني ، فقال أبو عبد اللهعليهالسلام : « هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم »(١) .
وسأل العلاء بن كامل الصادقَعليهالسلام أن يدعو له الله تعالى أن يرزقه في دعة ، فقال : « لا أدعو لك ، اطلب كما أمرك الله »(٢) .
وسأل الصادقُعليهالسلام عن رجل ، فقيل : أصابته حاجة ، قال : « فما يصنع اليوم؟ » قيل(٣) : في البيت يعبد ربّه عزّ وجلّ ، قال : « فمن أين قوته؟ » قيل : من عند بعض إخوانه ، فقال الصادقعليهالسلام : « والله للذي(٤) يقوته أشدّ عبادةً منه »(٥) .
وقال الباقرعليهالسلام : « مَنْ طلب الدنيا استعفافاً عن الناس وسعياً على أهله وتعطّفاً على جاره لقي الله عزّ وجلّ يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر »(٦) .
مسالة ٦٣٥ : وفي طلب الرزق ثواب عظيم.
قال الله تعالى :( فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) (٧) .
وقال الباقرعليهالسلام : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال »(٨) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ٧٧ / ١ ، التهذيب ٦ : ٣٢٣ / ٨٨٧.
(٢) الكافي ٥ : ٧٨ / ٣ ، التهذيب ٦ : ٣٢٤ / ٨٨٨.
(٣) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « قال » بدل « قيل ». وما أثبتناه من المصدر.
(٤) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « بالله الذي ». وما أثبتناه من المصدر.
(٥) الكافي ٥ : ٧٨ / ٤ ، التهذيب ٦ : ٣٢٤ / ٨٨٩.
(٦) الكافي ٥ : ٧٨ / ٥ ، التهذيب ٦ : ٣٢٤ / ٨٩٠.
(٧) المـُلْك : ١٥.
(٨) الكافي ٥ : ٧٨ / ٦ ، التهذيب ٦ : ٣٢٤ / ٨٩١.
وقال الصادقعليهالسلام : « يا هشام إن رأيت الصفّين قد التقيا فلا تدع طلب الرزق في ذلك اليوم »(١) .
وقال الصادقعليهالسلام : « إنّ محمّد بن المنكدر كان يقول : ما كنت أرى أنّ عليّ بن الحسينعليهماالسلام يدع خلفاً أفضل من عليّ بن الحسين حتى رأيت ابنه محمّد بن عليّعليهماالسلام فأردت أن أعظه فوعظني ، فقال له أصحابه : بأيّ شيء وعظك؟ قال : خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة ، فلقيني أبو جعفر محمّد بن عليّعليهماالسلام وكان رجلاً بادناً ثقيلاً وهو متّكئ على غلامين أسودين أو موليين ، فقلت في نفسي : سبحان الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا ، أما لأعظنّه ، فدنوت منه فسلّمت عليه ، فردّ عليّ بنهر وهو يتصابّ عرقاً ، فقلت : أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا ، أرأيت لو جاء أجلك وأنت على هذه الحال ما كنت تصنع؟ فقالعليهالسلام : لو جاءني الموت وأنا على هذه الحال جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله عزّ وجلّ ، أكف بها نفسي وعيالي عنك وعن الناس ، وإنّما كنت أخاف أن لو جاءني(٢) الموت وأنا على معصية من معاصي الله عزّ وجلّ ، فقلت : صدقت يرحمك الله ، أردت أن أعظك فوعظتني »(٣) .
وأعتق أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ألف مملوك من كدّ يده(٤) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ٧٨ / ٧ ، التهذيب ٦ : ٣٢٤ / ٨٩٢.
(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « جاء » بدل « جاءني ». وما أثبتناه من المصدر.
(٣) الكافي ٥ : ٧٣ - ٧٤ / ١ ، التهذيب ٦ : ٣٢٥ / ٨٩٤.
(٤) الكافي ٥ : ٧٤ / ٤ ، التهذيب ٦ : ٣٢٥ - ٣٢٦ / ٨٩٥.
وقال الصادقعليهالسلام : « أوحى الله عزّ وجلّ إلى داوُدعليهالسلام أنّك نِعْم العبد لو لا أنّك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك شيئاً » قال : « فبكى داوُدعليهالسلام أربعين صباحاً ، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى الحديد أن لِنْ لعبدي داوُد ، فألانَ الله تعالى له الحديدَ ، فكان يعمل كلّ يوم درعاً فيبيعها بألف درهم ، فعمل ثلاثمائة وستّين درعاً ، فباعها بثلاثمائة وستّين ألفاً ، واستغنى عن بيت المال »(١) .
وقال محمّد بن عذافر عن أبيه ، قال : أعطى أبو عبد اللهعليهالسلام أبي ألفاً وسبعمائة دينار ، فقال له : « اتّجر لي بها » ثمّ قال : « أما إنّه ليس لي رغبة في ربحها وإن كان الربح مرغوباً فيه ، ولكن أحببت أن يراني الله عزّ وجلّ متعرّضاً لفوائده » قال : فربحت فيها مائة دينار ، ثمّ لقيته فقلت : قد ربحت لك فيها مائة دينار ، قال : ففرح أبو عبد اللهعليهالسلام بذلك فرحاً شديداً ، ثمّ قال : « أثبتها لي في رأس مالي »(٢) .
وقال الصادقعليهالسلام في تفسير قوله تعالى :( رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ) (٣) : « رضوان الله والجنّة في الآخرة ، والمعاش وحسن الخلق في الدنيا »(٤) .
وقال رجل للصادقعليهالسلام : والله إنّا لنطلب الدنيا ونحبّ أن نؤتى بها ، فقال : « تحبّ أن تصنع بها ما ذا؟ » قال : أعود بها على نفسي وعيالي وأصل منها وأتصدّق وأحجّ وأعتمر ، فقال الصادقعليهالسلام : « ليس هذا طلب الدنيا ،
____________________
(١) التهذيب ٥ : ٣٢٦ / ٨٩٦.
(٢) الكافي ٥ : ٧٦ / ١٢ ، التهذيب ٦ : ٣٢٦ - ٣٢٧ / ٨٩٨.
(٣) البقرة : ٢٠١.
(٤) الكافي ٥ : ٧١ / ٢ ، التهذيب ٦ : ٣٢٧ / ٩٠٠.
هذا طلب الآخرة »(١) .
وقال معاذ بن كثير - صاحب الأكسية - للصادقعليهالسلام : قد هممت أن أدع السوق وفي يدي شيء ، قال : « إذن يسقط رأيك ، ولا يستعان بك على شيء »(٢) .
مسالة ٦٣٦ : ولا ينبغي الإكثار في ذلك ، بل ينبغي الاقتصار على ما يموّن نفسه وعياله وجيرانه ويتصدّق به.
قال الباقرعليهالسلام : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حجّة الوداع : ألا إنّ الروح الأمين نفث في روعي أنّه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها ، فاتّقوا الله عزّ وجلّ ، وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنّكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بشيء من معصية الله ، فإنّ الله تعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالا ، ولم يقسّمها حراماً ، فمن اتّقى الله عزّ وجلّ وصبر أتاه الله برزقه من حلّه ، ومَنْ هتك حجاب الستر وعجّل فأخذه من غير حلّه قصّ به من رزقه الحلال ، وحوسب عليه يوم القيامة»(٣) .
وقال الصادقعليهالسلام : « ليكن طلبك المعيشة فوق كسب المضيّع ودون طلب الحريص الراضي بدنياه المطمئنّ إليها ، ولكن أنزل نفسك(٤) من ذلك بمنزلة النصف(٥) المتعفّف ، ترفع نفسك عن منزلة الواهن الضعيف ، وتكتسب ما لا بُدَّ للمؤمن منه ، إنّ الذين أعطوا المال ثمّ لم يشكروا لا مال
____________________
(١) الكافي ٥ : ٧٢ / ١٠ بتفاوت يسير فيه ، التهذيب ٦ : ٣٢٧ - ٣٢٨ / ٩٠٣.
(٢) الكافي ٥ : ١٤٩ / ١٠ ، التهذيب ٦ : ٣٢٩ / ٩٠٨.
(٣) الكافي ٥ : ٨٠ / ١ ، التهذيب ٦ : ٣٢١ / ٨٨٠.
(٤) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « ولكن اترك لنفسك ». وما أثبتناه من المصدر.
(٥) في الكافي و « ي » : « المنصف » بدل « النصف ». والنصف : العدل. القاموس المحيط ٣ : ٢٠٠.
لهم »(١) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « منهومان لا يشبعان : منهوم دنيا ، ومنهوم علم ، فمن اقتصر من الدنيا على ما أحلّ الله له سلم ، ومن تناولها من غير حلّها هلك إلّا أن يتوب ويراجع ، ومَنْ أخذ العلم من أهله وعمل به نجا ، ومَنْ أراد به الدنيا فهي حظّه »(٢) .
وقال الصادقعليهالسلام : « ما أعطى الله عبدا ثلاثين ألفا وهو يريد به خيرا » وقال : « ما جمع رجل قطّ عشرة آلاف درهم من حلّ(٣) وقد يجمعها لأقوام ، إذا اعطي القوت ورزق العمل ، فقد جمع الله له الدنيا والآخرة »(٤) .
مسالة ٦٣٧ : فقد ثبت من هذا أنّ التكسّب واجب إذا احتاج إليه الإنسان لقوت نفسه وقوت من تجب نفقته عليه ، ولا وجه له سواه ، وأمّا إذا قصد التوسعة على العيال ونفع المحاويج وإعانة من لا تجب عليه نفقته مع حصول قدر الحاجة بغيره ، فإنّه مندوب إليه ، لما تقدّم من الأحاديث.
وأمّا ما يقصد به الزيادة في المال لا غير مع الغناء عنه ، فإنّه مباح. وقد يكون مكروها إذا اشتمل على وجه نهي الشارع عنه نهي تنزيه ، كالصرف ، فإنّه لا يسلم من الربا ، وبيع الأكفان ، فإنّه يتمنّى موت الأحياء ، والرقيق واتّخاذ الذبح والنحر صنعة ، لما في ذلك من سلب الرحمة من القلب ، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « مَنْ قسا قلبه بعد من رحمة ربّه »(٥) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ٨١ / ٨ ، التهذيب ٦ : ٣٢٢ / ٨٨٢.
(٢) الكافي ١ : ٣٦ ، ١ ، التهذيب ٦ : ٣٢٨ ، ٩٠٦.
(٣) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « عشرة ألف من حلّ ». وما أثبتناه من المصدر.
(٤) التهذيب ٦ : ٣٢٨ ، ٩٠٧.
(٥) وجدنا الحديث من دون « رحمة » في الكافي ٣ : ١٩٩ / ٥ ، والتهذيب ١ : ٣١٩ ، ٩٢٨ عن الإمام الصادقعليهالسلام .
قال إسحاق بن عمّار : دخلت على الصادقعليهالسلام فخبّرته أنّه ولد لي غلام ، فقال : « ألا سمّيته محمّداً؟ » قال : قد فعلت ، فقال : « لا تضرب محمّداً ولا تشتمه ، جَعَله الله قرّة عين لك في حياتك وخَلَف صدْقٍ من بعدك » قلت : جعلت فداك فأيّ الأعمال(١) أضعه؟ قال : « إذا عدلته [ عن ](٢) خمسة أشياء فضَعْه حيث شئت ، لا تسلّمه صيرفيّاً ، فإنّ الصيرفيّ لا يسلم من الربا ، ولا تسلّمه بيّاع الأكفان ، فإنّ صاحب الأكفان يسرّه الوباء إذا كان ، ولا تسلّمه بيّاع طعام ، فإنّه لا يسلم من الاحتكار ، ولا تسلّمه جزّاراً فإنّ الجزّار تسلب [ منه ](٣) الرحمة ، ولا تسلّمه نخّاساً ، فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : شرّ الناس من باع الناس »(٤) .
وقال الكاظمعليهالسلام : « جاء رجل إلى النبيّصلىاللهعليهوآله ، فقال : يا رسول الله قد علّمت ابني هذا الكتابة ففي أيّ شيء أسلمه؟ فقال : أسلمه - لله أبوك - ولا تسلّمه في خمسة أشياء : لا تسلّمه سبّاء(٥) ولا صائغاً ولا قصّاباً ولا حنّاطاً ولا نخّاساً قال : فقلت : يا رسول الله ما السبّاء؟ فقال : الذي يبيع الأكفان ويتمنّى موت اُمّتي ، وللمولود من اُمّتي أحبّ إليَّ ممّا طلعت عليه الشمس ، وأمّا الصائغ فإنّه يعالج زين اُمّتي ، وأمّا القصّاب فإنّه يذبح حتى تذهب الرحمة من قلبه ، وأمّا الحنّاط فإنّه يحتكر الطعام على اُمّتي ، ولأن يلقى الله العبد سارقاً أحبّ إليَّ من أن يلقاه قد احتكر طعاماً أربعين يوماً ، وأمّا النخّاس فإنّه أتاني جبرئيلعليهالسلام فقال : يا محمّد إنّ شرّ اُمّتك الذين
____________________
(١) في المصدر : « في أيّ الأعمال ».
(٢) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٣) ما بين المعقوفين من التهذيب.
(٤) التهذيب ٦ : ٣٦١ - ٣٦٢ / ١٠٣٧ ، الاستبصار ٣ : ٦٢ - ٦٣ / ٢٠٨.
(٥) في النهاية - لابن الأثير - ٢ : ٤٣٠ : « سيّاء » بالياء المثنّاة التحتانيّة.
يبيعون الناس »(١) .
مسالة ٦٣٨ : ويكره اتّخاذ الحياكة والنساجة صنعةً ؛ لما فيهما من الضعة والرذالة.
قال الله تعالى في قصّة نوحعليهالسلام :( قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ) (٢) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام للأشعث بن قيس : « حائك بن حائك ، منافق بن كافر »(٣) .
قيل : إنّه كان ينسج الإبراد(٤) .
وقيل : إنّ قومه كانوا كذلك(٥) .
وقال أبو إسماعيل الصيقل الرازي(٦) : دخلت على الصادقعليهالسلام ومعي ثوبان ، فقال لي : « يا أبا إسماعيل تجيئني من قبلكم أثواب كثيرة وليس يجيئني مثل هذين الثوبين اللّذين تحملهما أنت» فقلت : جعلت فداك تغزلهما اُمّ إسماعيل وأنسجهما أنا ، فقال لي : « حائك؟ » قلت : نعم ، قال : « لا تكن حائكاً » قلت : فما أكون؟ قال : « كُنْ صيقلاً » وكان معي مائتا دينار(٧) فاشتريت بها سيوفاً ومرايا عُتْقاً وقدمت بها الريّ ، وبعتها بربح
____________________
(١) الفقيه ٣ : ٩٦ / ٣٦٩ ، التهذيب ٦ : ٣٦٢ / ١٠٣٨ ، الاستبصار ٣ : ٦٣ / ٢٠٩.
(٢) الشعراء : ١١١.
(٣) نهج البلاغة - بشرح محمّد عبده - ١ : ٥١ - ٥٢ / ١٨.
(٤) شرح نهج البلاغة - لابن ميثم البحراني - ١ : ٣٢٤ ، حدائق الحقائق ١ : ٢١٢.
(٥) اُنظر : شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد - ١ : ٢٩٧.
(٦) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « المرادي » بدل « الرازي ». وما أثبتناه من المصدر.
(٧) في المصدر : « درهم » بدل « دينار ».
كثير(١) .
مسالة ٦٣٩ : يكره كسب الحجّام مع الشرط.
قال الصادقعليهالسلام : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّي أعطيت خالتي غلاما ونهيتها أن تجعله قصّابا أو حجّاماً أو صائغاً »(٢) .
وسأل أبو بصير الباقرَعليهالسلام عن كسب الحجّام ، فقال : « لا بأس به إذا لم يشارط »(٣) .
إذا ثبت هذا ، فإنّ الاُجرة ليست حراماً ؛ للأصل.
وقال الباقرعليهالسلام : « احتجم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، حجمه مولى لبني بياضة وأعطاه(٤) ، ولو كان حراماً ، ما أعطاه ، فلمـّا فرغ قال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أين الدم؟ قال : شربته يا رسول الله ، فقال : ما كان ينبغي لك أن تفعل ، وقد جَعَله الله عزّ وجلّ حجاباً لك من النار ، فلا تَعُد»(٥) .
تذنيب : إذا شارط ، كره له الكسب مع الشرط ، ولم يكره الشرط لمن يشارطه.
قال زرارة : سألت الباقرَعليهالسلام عن كسب الحجّام ، فقال : « مكروه له أن يشارط ، ولا بأس عليك أن تشارطه وتماكسه ، وإنّما يكره له ، ولا بأس(٦) عليك »(٧) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ١١٥ / ٦ ، التهذيب ٦ : ٣٦٣ - ٣٦٤ / ١٠٤٢ ، الاستبصار ٣ : ٦٤ / ٢١٣.
(٢) الكافي ٥ : ١١٤ / ٥ ، التهذيب ٦ : ٣٦٣ / ١٠٤١ ، الاستبصار ٣ : ٦٤ / ٢١٢.
(٣) الكافي ٥ : ١١٥ / ١ ، التهذيب ٦ : ٣٥٤ / ١٠٠٨ ، الاستبصار ٣ : ٥٨ / ١٩٠.
(٤) في التهذيب : « وأعطاه الأجر ».
(٥) الكافي ٥ : ١١٦ / ٣ ، الفقيه ٣ : ٩٧ / ٣٧٢ ، التهذيب ٦ : ٣٥٥ / ١٠١٠ ، الاستبصار ٣ : ٥٩ / ١٩٢.
(٦) في « س ، ي » : « فلا بأس ». وما أثبتناه من المصدر.
(٧) الكافي ٥ : ١١٦ / ٤ ، التهذيب ٦ : ٣٥٥ / ١٠١١ ، الاستبصار ٣ : ٥٩ / ١٩٣.
وقال الصادقعليهالسلام : « إنّ رجلاً سأل رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله عن كسب الحجّام ، فقال : لك ناضح؟ فقال له : نعم ، فقال : اعلفه إيّاه ولا تأكله »(١) .
وهذا يدلّ على حكمين : الكراهة حيث نهاه عن أكله ، وعلى الإباحة حيث أمره أن(٢) يعلف الناضح به.
وكذا القابلة كسبها مكروه مع الشرط ، ولا معه طلق.
مسالة ٦٤٠ : لا بأس بأجر النائحة بالحقّ ، ويكره مع الشرط ، ويحرم بالباطل.
قال حنان بن سدير : كانت امرأة معنا في الحيّ ولها جارية نائحة فجاءت إلى أبي ، فقالت : يا عمّ أنت تعلم معيشتي من الله وهذه الجارية النائحة ، وقد أحببت أن تسأل أبا عبد اللهعليهالسلام عن ذلك ، فإن كان حلالاً ، وإلّا بعتها وأكلت من ثمنها حتى يأتي الله عزّ وجلّ بالفرج ، فقال لها أبي : والله إنّي لاُعظّم أبا عبد اللهعليهالسلام أن أسأله عن هذه المسألة ، قال : فلمـّا قدمنا عليه أخبرته أنا بذلك ، فقال أبو عبد اللهعليهالسلام : « أتشارط؟ » قلت : والله ما أدري أتشارط أم لا ، قال : « قُلْ لها : لا تشارط وتقبل كلّما اُعطيت »(٣) .
وقال الصادقعليهالسلام : « لا بأس بأجر النائحة التي تنوح على الميّت »(٤) .
مسالة ٦٤١ : يكره اُجرة الضراب ؛ لأنّه في معنى بيع عسيب الفحل. ويكره إنزاء الحمير على الخيل ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله نهى أن ينزى حمار على
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٥٦ / ١٠١٤ ، الاستبصار ٣ : ٦٠ ، ١٩٦.
(٢) في « س ، ي » : « بأن ».
(٣) الكافي ٥ : ١١٧ - ١١٨ / ٣ ، التهذيب ٦ : ٣٥٨ / ١٠٢٦ ، الاستبصار ٣ : ٦٠ - ٦١ / ٢٠٠.
(٤) الفقيه ٣ : ٩٨ / ٣٧٦ ، التهذيب ٦ : ٣٥٩ / ١٠٢٨ ، الاستبصار ٣ : ٦٠ / ١٩٩.
عتيق ، رواه السكوني عن الصادق(١) عليهالسلام . وفي السند ضعف.
وليس محرَّماً ؛ للأصل.
ولما رواه هشام بن إبراهيم عن الرضاعليهالسلام ، قال : سألته عن الحمير تنزيها على الرَّمَك(٢) لتنتج البغال أيحلّ ذلك؟ قال : « نعم ، انزها »(٣) .
ولا تنافي بين الروايتين ؛ لأنّ الإمامعليهالسلام سُئل عن الحلّ ، فأجاب بثبوته ، وقوله : « أنزها » على سبيل الإباحة ، والنهي الوارد عن النبيصلىاللهعليهوآله إنّما هو على سبيل التنزيه.
مسالة ٦٤٢ : كسب الصبيان ومَنْ لا يجتنب(٤) المحارم مكروه ؛ لعدم تحفّظهم من المحارم ، وعدم الوثوق بإباحة ما حصّلوه.
وكذا تكره الصياغة والقصابة ، وقد تقدّم بيانه في الرواية(٥) .
ويكره ركوب البحر للتجارة ؛ لرواية محمّد بن مسلم عن الباقر والصادقعليهماالسلام أنّهما كرها ركوب البحر للتجارة(٦) .
ولو حصل الخوف - كما في وقت اضطرابه وتكاثر الأهوية المختلفة - فإنّه يكون حراماً.
قال الباقرعليهالسلام في ركوب البحر للتجارة : « يغرّر الرجل بدينه »(٧) .
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٧٧ - ٣٧٨ / ١١٠٥ ، الاستبصار ٣ : ٥٧ / ١٨٤.
(٢) الرَّمكة : البرذونة التي تتّخذ للنسل. والجمع : رَمَك. لسان العرب ١٠ : ٤٣٤ « رمك ».
(٣) التهذيب ٦ : ٣٨٤ / ١١٣٧ ، الإستبصار ٣ : ٥٧ / ١٨٥.
(٤) في « س ، ي » : « لا يتجنّب ».
(٥) وهي حديث الإمام الكاظم ٧ ، المتقدّم في ص ١٣١.
(٦) الكافي ٥ : ٢٥٦ / ١ ، التهذيب ٦ : ٣٨٨ / ١١٥٨.
(٧) الكافي ٥ : ٢٥٧ / ٤ ، التهذيب ٦ : ٣٨٨ / ١١٥٩.
وسأل معلّى بن خنيس الصادقعليهالسلام : عن الرجل يسافر فيركب البحر ، فقال : « إنّ أبي كان يقول : إنّه يضرّ بدينك هو ذا الناس يصيبون أرزاقهم ومعايشهم »(١) .
مسالة ٦٤٣ : يجوز أخذ الاُجرة على تعليم الحكم والآداب والأشعار ، ويكره على تعليم القرآن ؛ لأنّ أمير المؤمنينعليهالسلام جاءه رجل فقال : يا أمير المؤمنين والله إنّي لاُحبّك لله ، فقال له : « ولكنّي أبغضك لله » قال : ولم؟ قال : « لأنّك تبغي في الأذان ، وتأخذ على تعليم القرآن أجراً ، وسمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : من أخذ على تعليم القرآن أجراً كان حظّه يوم القيامة»(٢) .
وعن إسحاق بن عمّار عن الكاظمعليهالسلام ، قال : قلت : إنّ لنا جاراً يكتب وقد سألني أن أسألك عن عمله ، فقال : « مُرْه إذا دفع إليه الغلام أن يقول لأهله : إنّي إنّما اُعلّمه الكتاب والحساب وأتّجر عليه بتعليم القرآن ، حتى يطيب له كسبه »(٣) .
وعن حسان المعلّم قال : سألت الصادقَعليهالسلام عن التعليم ، فقال : لا تأخذ على التعليم أجراً » قلت : الشعر والرسائل وما أشبه ذلك اُشارط عليه؟ قال : « نعم ، بعد أن يكون الصبيان عندك سواءً في التعليم لا تفضّل بعضهم على بعض »(٤) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٥٧ / ٥ ، التهذيب ٦ : ٣٨٨ / ١١٦٠.
(٢) التهذيب ٦ : ٣٧٦ / ١٠٩٩.
(٣) التهذيب ٦ : ٣٦٤ / ١٠٤٤ ، الإستبصار ٣ : ٦٦ / ٢١٧.
(٤) الكافي ٥ : ١٢١ ( باب كسب المعلّم ) الحديث ١ ، التهذيب ٦ : ٣٦٤ / ١٠٤٥ ، الاستبصار ٣ : ٦٥ / ٢١٤.
وسأل الفضلُ بن أبي قرّة الصادقَعليهالسلام : إنّ هؤلاء يقولون : إنّ كسب المعلّم سحت ، فقال : « كذبوا أعداء الله ، إنّما أرادوا أن لا يعلّموا القرآن ، ولو أنّ المعلّم أعطاه رجل دية ولده كان للمعلّم مباحاً »(١) .
قال الشيخرحمهالله : لا تنافي بين هذين الخبرين ؛ لأنّ الخبر الأوّل محمول على أنّه لا يجوز له أن يشارط في تعليم القرآن أجراً معلوماً ، والثاني على أنّه إن اُهدي إليه شيء واُكرم بتحفة ، جاز له أخذه ؛ لرواية جرّاح المدائني عن الصادقعليهالسلام قال : « المعلّم لا يعلّم بالأجر ، ويقبل الهديّة إذا اُهدي إليه »(٢) .
قال قتيبة الأعشى للصادقعليهالسلام : إنّي أقرأ القرآن فتهدي إليَّ الهديّة فأقبلها؟ قال : « لا » قال : قلت : إن لم أشارطه؟ قال : « أرأيت لو لم تقرأه أكان يهدى لك؟ » قال : قلت : لا ، قال : « فلا تقبله »(٣) .
وهو محمول على الكراهة ، جمعا بين الأدلّة.
مسالة ٦٤٤ : ويكره خصا الحيوان ؛ لما فيه من الإيلام ، ومعاملة الظالمين ؛ لعدم تحرّزهم عن المحرّمات.
وكذا تكره معاملة السفلة والأدنين والمحارفين ؛ لأنّ أمير المؤمنينعليهالسلام قال : « شاركوا مَنْ أقبل عليه الرزق فإنّه أجلب للرزق »(٤) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٢١ ( باب كسب المعلّم ) الحديث ٢ ، الفقيه ٣ : ٩٩ / ٣٨٤ ، التهذيب ٦ : ٣٦٥ / ١٠٤٦ ، الاستبصار ٣ : ٦٥ / ٢١٦.
(٢) التهذيب ٦ : ٣٦٥ ، والحديث رقم ١٠٤٧.
(٣) التهذيب ٦ : ٣٦٥ / ١٠٤٨ ، الاستبصار ٣ : ٦٦ / ٢١٩.
(٤) نهج البلاغة - بشرح محمّد عبده - ٣ : ٢٠٤ / ٢٣٠ بتفاوت في بعض الألفاظ.
و كذا تكره معاملة ذوي العاهات والأكراد ومجالستهم ومناكحتهم ؛ لما روي من أنّهم حيّ من الجنّ(١) .
وكذا تكره معاملة أهل الذمّة.
مسالة ٦٤٥ : من التجارة ما هو حرام ، وهو أقسام :
الأوّل : كلّ نجس لا يقبل التطهير ، سواء كانت نجاسته ذاتيّةً ، كالخمر والنبيذ والفقّاع والميتة والدم وأبوال ما لا يؤكل لحمه وأرواثه والكلب والخنزير وأجزائهما ، أو عرضيّةً ، كالمائعات النجسة التي لا تقبل التطهير ، إلّا الدهن النجس بالعرض لفائدة الاستصباح تحت السماء خاصّةً ، لا تحت الأظلّة ، لأنّ البخار الصاعد بالاشتعال لا بُدّ أن يستصحب شيئا من أجزاء الدهن.
ولو كانت نجاسة الدهن ذاتيّة - كالألية المقطوعة من الميتة أو الحيّة - لم يجز الاستصباح بها تحت السماء أيضا.
والماء النجس يجوز بيعه ؛ لقبوله التطهير.
وأبوال ما يؤكل لحمه وإن كانت طاهرةً إلّا أنّ بيعها حرام ؛ لاستخباثها ، إلّا بول الإبل للاستشفاء بها.
ويجوز بيع كلب الصيد والزرع والماشية والحائط ، وإجارتها واقتناؤها وإن هلكت الماشية ، وتربيتها.
ويحرم اقتناء الأعيان النجسة إلّا لفائدة ، كالكلب والسرجين لتربية الزرع ، والخمر للتخليل.
ويحرم أيضاً اقتناء المؤذيات ، كالحيّات والعقارب والسباع.
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٥٨ / ٢ ، الفقيه ٣ : ١٠٠ / ٣٩٠ ، التهذيب ٧ : ١١ / ٤٢.
الثاني : كلّ ما يكون المقصود منه حراماً ، كآلات اللهو ، كالعود ، وآلات القمار ، كالنرد والشطرنج ، وهياكل العبادة ، كالصنم ، وبيع السلاح لأعداء الدين وإن كانوا مسلمين ؛ لما فيه من الإعانة على الظلم ، وإجارة السفن والمساكن للمحرّمات ، وبيع العنب ليعمل خمراً ، والخشب ليعمل صنماً وآلة قمار ، ويكره بيعهما على مَنْ يعمل ذلك من غير شرط ، والتوكيل في بيع الخمر وإن كان الوكيل ذمّيّاً.
وليس للمسلم منع الذمّي المستأجر داره من بيع الخمر فيها سرّاً. ولو آجره لذلك ، حرم.
ولو آجر دابّةً لحمل خمر ، جاز إن كان للتخليل والإراقة ، وإلّا فلا.
ولا بأس ببيع ما يُكنّ من آلة السلاح على أعداء الدين وإن كان وقت الحرب.
الثالث : بيع ما لا ينتفع به ، كالحشرات ، مثل : الفأر والحيّات والخنافس والعقارب والسباع ممّا لا يصلح للصيد ، كالأسد والذئب والرّخَم والحَدَأة والغراب وبيوضها ، والمسوخ البرّيّة ، كالقرد وإن قصد به حفظ المتاع ، والدبّ ، أو بحريّة ، كالجرّي والسلاحف والتمساح.
ولو قيل بجواز [ بيع ](١) السباع كلّها ؛ لفائدة الانتفاع بجلودها ، كان حسناً.
ويجوز بيع الفيل والهرّ ، وما يصلح للصيد ، كالفهد ، وبيع دود القزّ والنحل مع المشاهدة وإمكان التسليم.
وكذا يجوز بيع عامّ الوجود ، كالماء والتراب والحجارة.
____________________
(١) الزيادة يقتضيها السياق.
ويحرم بيع الترياق ؛ لاشتماله على الخمر ولحوم الأفاعي. ولا يجوز شربه للتداوي إلّا مع خوف التلف ، والسمّ من الحشائش.
والنبات يجوز بيعه إن كان ممّا ينتفع به ، كالسقمونيا ، وإلّا فلا.
والأقرب : المنع من بيع لبن الآدميّات.
ولو باعه داراً لا طريق لها مع علم المشتري ، جاز ، ومع جهله يتخيّر.
الرابع : ما نصّ الشارع على تحريمه عيناً ، كعمل الصُّور المجسّمة ، والغناء وتعليمه واستماعه ، وأجر المغنّية.
قال الصادقعليهالسلام وقد سأله رجل عن بيع الجواري المغنّيات ، فقال : « شراؤهنّ حرام ، وبيعهنّ حرام ، وتعليمهنّ كفر ، واستماعهنّ نفاق »(١) .
وقال الصادقعليهالسلام : « المغنّية ملعونة ، ملعون مَنْ أكل كسبها »(٢) .
وأوصى إسحاق بن عمر عند وفاته بجوارٍ له مغنّيات أن يُبعن ويُحمل ثمنهنّ إلى أبي الحسنعليهالسلام ، قال إبراهيم بن أبي البلاد : فبعت الجواري بثلاثمائة ألف درهم ، وحملت الثمن إليه ، فقلت له : إنّ مولىً لك يقال له : إسحاق بن عمر أوصى عند وفاته ببيع جوار له مغنّيات وحَمْل الثمن إليك ، وقد بعتهنّ وهذا الثمن ثلاثمائة ألف درهم ، فقال : « لا حاجة لي فيه ، إنّ هذا سحت ، وتعليمهنّ كفر ، والاستماع منهنّ نفاق ، وثمنهنّ سحت »(٣) .
أمّا المغنّية في الأعراس فقد ورد رخصة بجواز كسبها إذا لم تتكلّم بالباطل ولم تلعب بالملاهي ولم يدخل الرجال عليها.
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٢٠ / ٥ ، التهذيب ٦ : ٣٥٦ / ١٠١٨ ، الاستبصار ٣ : ٦١ / ٢٠١.
(٢) الكافي ٥ : ١٢٠ / ٦ ، التهذيب ٦ : ٣٥٧ / ١٠٢٠ ، الاستبصار ٣ : ٦١ / ٢٠٣.
(٣) الكافي ٥ : ١٢٠ / ٧ ، التهذيب ٦ : ٣٥٧ / ١٠٢١ ، الاستبصار ٣ : ٦١ / ٢٠٤.
روي عن الصادقعليهالسلام أنّه قال : « أجر المغنّية التي تزفّ العرائس ليس به بأس وليست بالتي يدخل عليها الرجال »(١) .
إذا ثبت هذا ، فإن أدخلت الرجال أو غنّت بالكذب ، كان حراماً ؛ لما تقدّم.
ولما رواه أبو بصير عن الباقرعليهالسلام ، قال : سألته عن كسب المغنّيات ، فقال : « التي يدخل عليها الرجال حرام ، والتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس ، وهو قول الله عزّ وجلّ :( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) (٢) »(٣) .
مسالة ٦٤٦ : القمار حرام وتعلّمه واستعماله وأخذ الكسب به حتى لعب الصبيان بالجوز والخاتم.
قال الله تعالى :( وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ) (٤) وقال تعالى :( وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ ) (٥) .
قال الباقرعليهالسلام : « لمـّا أنزل الله تعالى على رسوله( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) (٦) قيل : يا رسول الله ما الميسر؟ قال : كلّ ما يقمروا به حتى الكعاب والجوز ، فقيل : وما الأنصاب؟ قال : ما ذبحوا لآلهتهم ، قيل : والأزلام؟ قال : قداحهم
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٢٠ / ٣ ، الفقيه ٣ : ٩٨ / ٣٧٦ ، التهذيب ٦ : ٣٥٧ / ١٠٢٢ ، الاستبصار ٣ : ٦٢ / ٢٠٥.
(٢) سورة لقمان : ٦.
(٣) الكافي ٥ : ١١٩ / ١ ، التهذيب ٦ : ٣٥٨ / ١٠٢٤ ، الاستبصار ٣ : ٦٢ / ٢٠٧.
(٤) المائدة : ٣.
(٥ و ٦ ) المائدة : ٩٠.
التي كانوا يستقسمون بها »(١) .
وسأل إسحاق بن عمّار الصادقَعليهالسلام : الصبيان يلعبون بالجوز والبيض ويقامرون ، فقال : « لا تأكل منه فإنّه حرام »(٢) .
وكان الصادقعليهالسلام ينهى عن الجوز يجيء به الصبيان من القمار أن يؤكل ، وقال : « هو سحت »(٣) .
مسالة ٦٤٧ : الغشّ والتدليس محرَّمان ، كشوب اللبن بالماء ، وتدليس الماشطة ، وتزيين الرجل بالحرام.
قال الصادقعليهالسلام : « ليس منّا مَنْ غشّنا »(٤) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لرجل يبيع التمر : « يا فلان أما علمت أنّه ليس من المسلمين مَنْ غشّهم »(٥) .
ونهى رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يشاب اللبن بالماء للبيع(٦) .
ولا بأس بكسب الماشطة إذا لم تفعل التدليس.
قال [ عليّ ](٧) : سألته عن امرأة مسلمة تمشط العرائس ليس لها معيشة غير ذلك وقد دخلها تضيّق ، قال : « لا بأس ، ولكن لا تصل الشعر بالشعر »(٨) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٢٢ - ١٢٣ / ٢ ، الفقيه ٣ : ٩٧ / ٣٧٤ ، التهذيب ٦ : ٣٧١ / ١٠٧٥ ، بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.
(٢) الكافي ٥ : ١٢٤ / ١٠ ، التهذيب ٦ : ٣٧٠ / ١٠٦٩.
(٣) الكافي ٥ : ١٢٣ / ٦ ، التهذيب ٦ : ٣٧٠ / ١٠٧٠.
(٤) الكافي ٥ : ١٦٠ / ١ ، التهذيب ٧ : ١٢ / ٤٨.
(٥) الكافي ٥ : ١٦٠ / ٢ ، التهذيب ٧ : ١٢ / ٤٩.
(٦) الكافي ٥ : ١٦٠ / ٥ ، الفقيه ٣ : ١٧٣ / ٧٧١ ، التهذيب ٧ : ١٣ / ٥٣.
(٧) بدل ما بين المعقوفين في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « سماعة ». ولقد ورد في المصدر لفظ « سماعة » في الحديث السابق بسطرٍ واحد. وما أثبتناه من المصدر.
(٨) التهذيب ٦ : ٣٥٩ / ١٠٣٠ ، وفيه : « وقد دخلها ضيق ».
وإذا لم يحصل تدليس بالوصل ، لم يكن به بأس.
سُئل [ الباقر ](١) عليهالسلام عن القرامل التي يضعها النساء في رؤوسهن يصلنه بشعورهنّ ، فقال : « لا بأس به على المرأة ما تزيّنت به لزوجها » فقيل له : بلغنا أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعن الواصلة والموصولة ، فقال : « ليس هناك ، إنّما لعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله [ الواصلة ](٢) التي تزني في شبابها ، فإذا كبرت قادت النساء إلى الرجال ، فتلك الواصلة والموصولة »(٣) .
مسالة ٦٤٨ : وتحرم معونة الظالمين على الظلم.
قال ابن أبي يعفور : كنت عند الصادقعليهالسلام إذ دخل عليه رجل من أصحابنا ، فقال له : أصلحك الله إنّه ربما أصاب الرجل منّا الضيق أو(٤) الشدّة فيدعى إلى البناء يبنيه ، أو النهر يكريه ، أو المسنّاة يصلحها ، فما تقول في ذلك؟ فقال الصادقعليهالسلام : « ما أحبّ أنّي(٥) عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء وإنّ لي ما بين لابتيها لا ولا مدّة بقلم ، إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد »(٦) .
مسالة ٦٤٩ : يحرم حفظُ كتب الضلال ونسخُها لغير النقض أو الحجّة وتعلُّمُها ، ونسخُ التوراة والإنجيل ؛ لأنّهما منسوخان محرَّفان ، وتعليمهما وتعلّمهما حرام ، وأخذُ الاُجرة على ذلك.
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « الصادق ». وما أثبتناه هو الموافق لما في المصدر ، وفيه : « أبو جعفر ».
(٢) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٣) الكافي ٥ : ١١٩ / ٣ ، التهذيب ٦ : ٣٦٠ / ١٠٣٢.
(٤ و ٥ ) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « والشدّة إن عقدت ». وما أثبتناه كما في المصدر.
(٦) الكافي ٥ : ١٠٧ / ٧ ، التهذيب ٦ : ٣٣١ / ٩١٩.
وكذا يحرم هجاء المؤمنين والغيبة.
قال الله تعالى :( وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ) (١) .
ويحرم سبّ المؤمنين والكذب عليهم والنميمة(٢) ومدح مَنْ يستحقّ الذمّ وبالعكس ، والتشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة ، بلا خلافٍ في ذلك كلّه.
مسالة ٦٥٠ : تعلّم السحر وتعليمه حرام.
وهو كلام يتكلّم به أو يكتبه أو(٣) رقية أو يعمل شيئاً [ يؤثّر ](٤) في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة.
وهل له حقيقة؟ قال الشيخ : لا ، وإنّما هو تخييل(٥) .
وعلى كلّ تقدير لو استحلّه قُتل.
ويجوز حلّ السحر بشيء من القرآن أو الذكر والأقسام ، لا بشيء منه.
روى إبراهيم بن هاشم قال : حدّثني شيخ من أصحابنا الكوفيّين ، قال : دخل عيسى بن سيفي(٦) على الصادقعليهالسلام - وكان ساحراً يأتيه الناس
____________________
(١) الحجرات : ١٢.
(٢) في الطبعة الحجريّة : « التهمة » بدل « النميمة ».
(٣) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « و» بدل « أو ». والظاهر ما أثبتناه.
(٤) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.
(٥) الخلاف ٥ : ٣٢٧ - ٣٢٨ ، المسألة ١٤ من كتاب كفّارة القتل ، المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٦٠.
(٦) في الكافي : « شفقي » بدل « سيفي ». وفي التهذيب - تحقيق السيّد حسن الخرسان - وكذا الفقيه : « شقفي». وفي التهذيب - تحقيق علي أكبر الغفاري - كما في المتن.
ويأخذ على ذلك الأجر - فقال له : جعلت فداك أنا رجل كانت صناعتي السحر وكنت آخذ عليه الاُجرة وكان معاشي ، وقد حججت ومَنَّ الله عليَّ بلقائك وقد تبت إلى الله تعالى ، فهل لي في شيء منه مخرج؟ قال : فقال :الصادقعليهالسلام : « حُلّ ولا تعقد »(١) .
وكذا يحرم تعلّم الكهانة وتعليمها ، والكاهن هو الذي له رئيٌّ(٢) من الجنّ يأتيه بالأخبار. ويقتل ما لم يتب.
والتنجيم حرام ، وكذا تعلّم النجوم مع اعتقاد تأثيرها في عالم العنصريّات على ما يقوله الفلاسفة.
والشعبذة حرام. وهي الحركات السريعة جدّاً بحيث يخفى على الحسّ الفرقُ بين الشيء وشبهه لسرعة(٣) انتقاله من الشيء إلى شبهه.
والقيافة حرام عندنا.
مسالة ٦٥١ : يحرم بيع المصحف ، لما فيه من الابتذال له وانتفاء التعظيم ، بل ينبغي أن يبيع الجلد والورق.
قال سماعة : سألته عن بيع المصاحف وشرائها ، فقال : « لا تشتر كتاب الله ، ولكن اشتر الحديد والجلود(٤) والدفَّتين(٥) ، وقُلْ : أشتري هذا منك بكذا وكذا »(٦) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ١١٥ / ٧ ، التهذيب ٦ : ٣٦٤ / ١٠٤٣ ، وانظر : الفقيه ٣ : ١١٠ / ٤٦٣.
(٢) يقال للتابع من الجنّ : رئيٌّ ، بوزن كمِيّ ، سُمّي به لأنّه يتراءى لمتبوعه. النهاية - لابن الأثير - ٢ : ١٧٨ « رأي».
(٣) في الطبعة الحجريّة : « بسرعة ».
(٤) في المصدر : « والورق » بدل « والجلود ».
(٥) في الطبعة الحجريّة : « والدفين ». وفي « س ، ي » : « والدفتر ». وما أثبتناه من المصدر.
(٦) الكافي ٥ : ١٢١ ( باب بيع المصاحف ) الحديث ٢.
وسأل جرّاح المدائني الصادقَعليهالسلام : عن بيع المصاحف ، فقال(١) : « لا تبع الكتاب ولا تشتره ، وبع الورق والأديم والحديد »(٢) .
ولا بأس بأخذ الأجرة على كِتْبة القرآن.
قال الصادقعليهالسلام وقد سأله روح بن عبد الرحيم(٣) ، فقال له : ما ترى أن أُعطي على كتابته أجراً؟ قال : « لا بأس »(٤) .
مسالة ٦٥٢ : يحرم تعشير المصاحف بالذهب وزخرفتها.
قال سماعة : سألته عن رجل يعشّر المصاحف بالذهب ، فقال : « لا يصلح » فقال : إنّها معيشتي ، فقال : « إنّك إن تركته لله جعل الله لك مخرجاً »(٥) .
والأولى عندي الكراهة دون التحريم ؛ عملاً بالأصل ، واستضعافاً للرواية ؛ لأنّها غير مستندة إلى إمام ، والرواة ضعفاء.
ويكره كِتْبة القرآن بالذهب.
قال محمّد الورّاق(٦) : عرضت على الصادقعليهالسلام كتاباً فيه قرآن مختّم معشّر بالذهب ، وكتب في آخره سورة بالذهب ، فأريته إيّاه ، فلم يَعِبْ منه شيئاً إلّا كتابة القرآن بالذهب ، فإنّه قال : « لا يعجبني أن يكتب القرآن إلّا بالسواد كما كتب أوّل مرّة »(٧) .
____________________
(١) في « س ، ي » : « قال ».
(٢) التهذيب ٦ : ٣٦٦ / ١٠٥١.
(٣) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « عبد الرحمن ». وما أثبتناه من المصدر.
(٤) الكافي ٥ : ١٢١ - ١٢٢ / ٣ ، التهذيب ٦ : ٣٦٦ / ١٠٥٣.
(٥) التهذيب ٦ : ٣٦٦ ، ١٠٥٥.
(٦) في الكافي : « محمّد بن الورّاق ».
(٧) الكافي ٢ : ٤٦٠ / ٨ ، التهذيب ٦ : ٣٦٧ / ١٠٥٦.
مسالة ٦٥٣ : السرقة والخيانة حرام بالنصّ والإجماع ، وكذا بيعهما.
ولو وجد عنده سرقة ، ضمنها ، إلّا أن يقيم البيّنة بشرائها ، فيرجع على بائعها مع جهله.
روى جرّاح عن الصادقعليهالسلام قال : « لا يصلح شراء السرقة والخيانة إذا عرفت »(١) .
وقال الصادقعليهالسلام : « من اشترى سرقة وهو يعلم فقد شرك في عارها وإثمها »(٢) .
وقال الصادقعليهالسلام في الرجل يوجد عنده سرقة ، فقال : « هو غارم إذا لم يأت على بائعها بشهود(٣) »(٤) .
ولو اشترى بمال السرقة جاريةً أو ضيعةً ، فإن كان بالعين ، بطل البيع ، وإلّا حلّ له وطؤ الجارية ، وعليه وزر المال.
روى السكوني عن الصادق عن الباقر عن آبائهعليهمالسلام : « لو أنّ رجلاً سرق ألف درهم فاشترى بها جاريةً أو أصدقها امرأة فإنّ الزوجة(٥) له حلال ، وعليه تبعة المال »(٦) .
ولو حجّ به مع وجوب الحجّ بدونه ، برئت ذمّته إلّا في الهدي.
ولو طاف أو سعى في الثوب المغصوب أو على الدابّة المغصوبة ،
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٢٨ / ٤ ، التهذيب ٦ : ٣٧٤ / ١٠٨٩.
(٢) الكافي ٥ : ٢٢٩ / ٦ ، التهذيب ٦ : ٣٧٤ / ١٠٩٠.
(٣) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « شهود ». وفي التهذيب : « شهوداً ». وما أثبتناه من الكافي.
(٤) الكافي ٥ : ٢٢٩ / ٧ ، التهذيب ٦ : ٣٧٤ / ١٠٩١.
(٥) في المصدر : « الفرج » بدل « الزوجة ».
(٦) التهذيب ٦ : ٣٨٦ / ١١٤٧ ، و ٨ : ٢١٥ / ٧٦٧.
بطل.
مسالة ٦٥٤ : التطفيف في الكيل والوزن حرام بالنصّ والإجماع.
قال الله تعالى :( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ) (١) .
ويحرم الرشا في الحكم وإن حكم على باذله بحقّ أو باطل.
الخامس : ما يجب على الإنسان فعله يحرم أخذ الأجر عليه ، كتغسيل الموتى وتكفينهم ودفنهم.
نعم ، لو أخذ الأجر على المستحبّ منها(٢) ، فالأقرب : الجواز.
وتحرم الاُجرة على الأذان ، وقد سبق(٣) ، وعلى القضاء ؛ لأنّه واجب.
ويجوز أخذ الرزق عليهما من بيت المال.
ويجوز أخذ الاُجرة على عقد النكاح والخطبة في الإملاك(٤) .
ويحرم الأجر على الإمامة والشهادة وقيامها.
مسالة ٦٥٥ : لو دفع إنسان إلى غيره مالا ليصرفه في المحاويج أو في قبيل وكان هو منهم ، فإن عيّن ، اقتصر على ما عيّنه ، ولا يجوز له إعطاء غيرهم ، فإن فَعَل ، ضمن.
وإن أطلق ، فالأقرب : تحريم أخذه منه ؛ لأنّ الظاهر أنّ الشخص هنا لا يتولّى طرفي القبض والإقباض.
ولما رواه عبد الرحمن بن الحجّاج عن الصادقعليهالسلام في رجل أعطاه
____________________
(١) المطفّفين : ١ - ٣.
(٢) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « منهما » بدل « منها ». والصحيح ما أثبتناه.
(٣) في ج ٣ ص ٨١ ، المسألة ١٨٤.
(٤) الإملاك : التزويج. الصحاح ٤ : ١٦١٠ « ملك ».
رجل مالاً ليقسمه في المساكين وله عيال محتاجون ، أيعطيهم منه من غير أن يستأذن(١) صاحبه؟ قال : « نعم »(٢) .
وقال بعض علمائنا : يجوز له أن يأخذ مثل ما يعطي غيره ، ولا يفضّل نفسه عليهم(٣) .
وهو عندي جيّد إن علم بقرينة الحال تسويغ ذلك.
إذا عرفت هذا ، فإن كان الأمر بالدفع إلى قوم معيّنين ، لم تُشترط عدالة المأمور ، وإلّا اشترطت.
مسالة ٦٥٦ : يجوز أكل ما ينثر في الأعراس مع علم الإباحة إمّا لفظاً أو بشاهد الحال. ويكره انتهابه.
فإن لم يعلم قصد الإباحة ، حرم ؛ لأنّ الأصل عصمة مال المسلم.
قال إسحاق بن عمّار : قلت للصادقعليهالسلام : الإملاك يكون والعرس فينثر على القوم ، فقال: « حرام ، ولكن كل ما أعطوك منه »(٤) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : « لا بأس بنثر الجوز والسُّكّر »(٥) .
وعن الكاظمعليهالسلام ، قال : سألته عن النثار من السّكّر واللوز وأشباهه أيحلّ أكله؟ قال : « يكره أكل ما انتهب »(٦) .
مسالة ٦٥٧ : الولاية من قبل العادل مستحبّة. وقد تجب إذا ألزمه بها ، أو كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتمّ إلّا بولايته.
____________________
(١) في المصدر : « يستأمر » بدل « يستأذن ».
(٢) التهذيب ٦ : ٣٥٢ - ٣٥٣ / ١٠٠١.
(٣) المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام ٢ : ١٢.
(٤) التهذيب ٦ : ٣٧٠ / ١٠٧١ ، الاستبصار ٣ : ٦٦ / ٢٢٠.
(٥) التهذيب ٦ : ٣٧٠ / ١٠٧٣ ، الاستبصار ٣ : ٦٦ - ٦٧ / ٢٢٢.
(٦) الكافي ٥ : ١٢٣ / ٧ ، التهذيب ٦ : ٣٧٠ / ١٠٧٢.
وتحرم من الجائر ، إلّا مع التمكّن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو مع الإكراه بالخوف على النفس أو المال أو الأهل أو بعض المؤمنين ، فيجوز حينئذٍ اعتماد ما يأمره إلّا القتل الظلم ، فإنّه لا يجوز له فعله وإن قُتل.
ولو خاف ضررا يسيرا بترك الولاية ، استحبّ له تحمّله ، وكرهت له الولاية.
روى عمّار قال : سئل الصادقعليهالسلام : عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل ، قال : « لا ، إلّا أن لا يقدر على شيء [ ولا ](١) يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة ، فإن فعل فصار في يده شيء فليبعث بخُمْسه إلى أهل البيت »(٢) .
وعن الوليد بن صبيح قال : دخلت على الصادقعليهالسلام فاستقبلني زرارة خارجاً من عنده ، فقال لي الصادقعليهالسلام : « يا وليد أما تعجب من زرارة سألني عن أعمال هؤلاء أيّ شيء كان يريد؟ [ أيريد ](٣) أن أقول له : لا ، فيروي ذلك عليّ؟ » ثمّ قال : « يا وليد متى كانت الشيعة تسأل عن أعمالهم؟ إنّما كانت الشيعة تقول : يؤكل من طعامهم ، ويشرب من شرابهم ، ويستظلّ بظلّهم ، متى كانت الشيعة تسأل عن هذا؟ »(٤) .
وروى حمّاد عن حميد قال : قلت للصادقعليهالسلام : إنّي(٥) ولّيت عملا
____________________
(١) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٢) التهذيب ٦ : ٣٣٠ / ٩١٥.
(٣) ما بين المعقوفين من الكافي.
(٤) الكافي ٥ : ١٠٥ ، ٢ ، التهذيب ٦ : ٣٣٠ - ٣٣١ ، ٩١٧.
(٥) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « أن » بدل « إنّي ». وما أثبتناه كما في المصدر.
فهل لي من ذلك مخرج؟ فقال : « ما أكثر مَنْ طلب [ من ](١) ذلك المخرج فعسر عليه » قلت : فما ترى؟ قال : « أرى أن تتّقي الله عزّ وجلّ ولا تعود »(٢) .
وكان النجاشي - وهو رجل من الدهاقين - عاملاً على الأهواز وفارس ، فقال بعض أهل عمله للصادقعليهالسلام : إنّ في ديوان النجاشي عليَّ خراجاً وهو ممّن يدين بطاعتك ، فإن رأيت أن تكتب إليه كتاباً ، قال : فكتب إليه كتاباً : بسم الله الرحمن الرحيم ، سرّ أخاك يسرّك الله » فلمـّا ورد عليه الكتاب وهو في مجلسه وخلا ناوله الكتاب وقال : هذا كتاب الصادقعليهالسلام ، فقبّله ووضعه على عينيه وقال : ما حاجتك؟ فقال : عليّ خراج في ديوانك ، قال له : كم هو؟ قال : عشرة آلاف درهم ، قال : فدعا كاتبه فأمره بأدائها عنه ، ثمّ أخرج مثله فأمره أن يثبتها له لقابل ، ثمّ قال : هل سررتك؟ قال : نعم ، قال : فأمر له بعشرة آلاف درهم أخرى ، فقال : هل سررتك؟ فقال : نعم ، جعلت فداك ، قال : فأمر له بمركب ثمّ أمر له بجارية وغلام وتخت ثياب في كلّ ذلك يقول : هل سررتك؟ فكلّما قال : نعم ، زاده حتى فرغ قال له : احمل فرش هذا البيت الذي كنت جالسا فيه حين دفعت إليّ كتاب مولاي فيه ، وارفع إليّ جميع حوائجك ، قال : ففعل ، وخرج الرجل فصار إلى الصادقعليهالسلام بعد ذلك ، فحدّثه بالحديث على جهته ، فجعل يستبشر بما فعله ، قال له الرجل : يا بن رسول الله فإنّه قد سرّك ما فعل بي؟ قال : « إي والله لقد سرّ الله ورسوله »(٣) .
____________________
(١) ما بين المعقوفين من التهذيب. وفي الكافي : « مَنْ طلب المخرج من ذلك ».
(٢) الكافي ٥ : ١٠٩ / ١٥ ، التهذيب ٦ : ٣٣٢ / ٩٢٢.
(٣) الكافي ٢ : ١٥٢ ( باب إدخال السرور على المؤمنين ) الحديث ٩ ، التهذيب ٦ : ٣٣٣ - ٣٣٤ / ٩٢٥.
مسالة ٦٥٨ : جوائز الجائر إن علمت حراماً لغصبٍ وظلم وشبهه حرم أخذها ، فإن أخذها، وجب عليه ردّها على المالك إن عرفه. وإن لم يعرفه ، تصدّق بها عنه ويضمن ، أو احتفظها أمانةً في يده ، أو دفعها إلى الحاكم. ولا يجوز له إعادتها إلى الظالم ، فإن أعادها ، ضمن، إلّا أن يقهره الظالم على أخذها ، فيزول التحريم.
أمّا الضمان فإن كان قد قبضها اختياراً ، لم يزل عنه بأخذ الظالم لها كرهاً. وإن كان قد قبضها مكرهاً ، زال الضمان أيضاً.
وإن لم يعلم تحريمها ، كانت حلالاً بناءً على الأصل.
قال محمّد بن مسلم وزرارة : سمعناه يقول : « جوائز العمّال ليس بها بأس »(١) .
وقال الباقرعليهالسلام : « إنّ الحسن والحسين ٨ كانا يقبلان جوائز معاوية »(٢) .
ولو علم أنّ العامل يظلم ولم يعلم أنّ المبيع بعينه ظلم ، جاز شراؤه.
قال معاوية بن وهب : قلت للصادقعليهالسلام : أشتري من العامل الشيء وأنا أعلم أنّه يظلم ، فقال : « اشتر منه »(٣) .
قال أبو المغراء : سأل رجلٌ الصادقَعليهالسلام وأنا عنده ، فقال : أصلحك الله أمرّ بالعامل فيجيزني بالدراهم آخذها؟ قال : « نعم » قلت : وأحجّ بها؟ قال : « نعم »(٤) .
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٣٦ / ٩٣١.
(٢) التهذيب ٦ : ٣٣٧ / ٩٣٥.
(٣) التهذيب ٦ : ٣٣٨ / ٩٣٨.
(٤) الفقيه ٣ : ١٠٨ / ٤٥٠ ، التهذيب ٦ : ٣٣٨ / ٩٤٢.
مسالة ٦٥٩ : ما يأخذ الجائر من الغلّات باسم المقاسمة ، ومن الأموال باسم الخراج عن حقّ الأرض ، ومن الأنعام باسم الزكاة يجوز شراؤه واتّهابه ، ولا تجب إعادته على أصحابه وإن عُرفوا ؛ لأنّ هذا مال لا يملكه الزارع وصاحب الأنعام والأرض ، فإنّه حقّ لله أخذه غير مستحقّه ، فبرئت ذمّته ، وجاز شراؤه.
ولأنّ أبا عبيدة سأل الباقرَعليهالسلام : عن الرجل منّا يشتري من السلطان من إبل الصدقة وغنمها وهو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم ، فقال : « ما الإبل والغنم إلّا مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه » قيل له : فما ترى في مصدّقٍ يجيئنا فيأخذ صدقات أغنامنا(١) ، نقول : بعناها ، فيبيعناها ، فما ترى في شرائها منه؟ قال : « إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس » قيل له : فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظّنا ويأخذ حظّه فيعزله بكيل ، فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال : « إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه بغير كيل »(٢) .
روى عبد الرحمن بن الحجّاج - في الصحيح - عن أبي الحسنعليهالسلام ، قال : قال لي : « ما لك لا تدخل مع عليّ في شراء الطعام؟ إنّي أظنّك ضيّقاً » قال : قلت : نعم ، فإن شئت وسّعت عليَّ ، قال : « اشتره »(٣) .
مسالة ٦٦٠ : إذا كان له مال حلال وحرام ، وجب عليه تمييزه منه ، ودفع الحرام إلى أربابه ، فإن امتزجا ، أخرج بقدر الحرام ، فإن جهل أربابه ،
____________________
(١) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « أغنيائنا » بدل « أغنامنا ». وما أثبتناه من المصدر.
(٢) الكافي ٥ : ٢٢٨ / ٢ ، التهذيب ٦ : ٣٧٥ / ١٠٩٤.
(٣) التهذيب ٦ : ٣٣٦ / ٩٣٢.
تصدّق به عنهم ، فإن جهل المقدار ، صالح أربابه عليه ، فإن جهل أربابه ومقداره ، أخرج خُمْسه، وحلّ له الباقي.
قال الصادقعليهالسلام : « أتى رجل أمير المؤمنينعليهالسلام فقال : إنّي كسبت مالا أغمضت في مطالبه حلالا وحراما وقد أردت التوبة ولا أدري الحلال منه والحرام وقد اختلط عليَّ ، فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : تصدّق بخُمْس مالك ، فإنّ الله عزّ وجلّ رضي من الأشياء بالخمس ، وسائر المال لك »(١) .
مسالة ٦٦١ : تكره معاملة مَنْ لا يتحفّظ من الحرام ، فإن دفع إليه من الحرام ، لم يجز له أخذه ولا شراؤه ، فإن أخذه ، ردّه على صاحبه. وإن بايعه بمال يعلم أنّه حلال ، جاز. وإن اشتبه، كان مكروهاً.
قال النبيّصلىاللهعليهوآله : « الحلال بيّن ، والحرام بيّن ، وبين ذلك اُمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس ، فمَن اتّقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، ألا إنّ لكلّ ملك حمىً ، وحمى الله محارمه »(٢) .
وروى الحسن بن عليّعليهماالسلام عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه كان يقول : « دَعْ ما يُريبك إلى ما لا يُريبك»(٣) .
مسالة ٦٦٢ : الأجير إمّا عامّ أو خاصّ ، فالعامّ هو الذي يستأجر للعمل
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٢٥ / ٥ ، التهذيب ٦ : ٣٦٨ - ٣٦٩ / ١٠٦٥.
(٢) صحيح البخاري ١ : ٢٠ ، صحيح مسلم ٣ : ١٢١٩ / ١٥٩٩ ، سنن الترمذي ٣ : ٥١١ / ١٢٠٥ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٤٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٦٤ باختلاف في بعض الألفاظ.
(٣) سنن الترمذي ٤ : ٦٦٨ / ٢٥١٨ ، سنن النسائي ٨ : ٣٢٧ - ٣٢٨ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٣٥ ، مسند أحمد ١ : ٣٢٩ / ١٧٢٤ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ١٣ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٣ : ٧٥ / ٢٧٠٨ ، شرح السنّة - للبغوي - ٥ : ١٣ / ٢٠٣٢.
المطلق ، فيجوز له فعله مباشرةً وتسبيباً. والخاصّ هو الذي يشترط عليه العمل مباشرة مدّة معيّنة ، فلا يجوز أن يعمل لغير من استأجره إلّا بإذنه.
و(١) لما رواه إسحاق بن عمّار عن الكاظمعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يستأجر الرجل بأجر معلوم فيعينه في صنعته(٢) فيعطيه رجل آخر دراهم فيقول : اشتر لي كذا وكذا ، فما ربحت فبيني وبينك ، قال : « إذا أذن له الذي استأجره فليس به بأس »(٣) .
ويجوز للمطلق.
وثمن الكفن حلال ، وكذا ماء تغسيل الميّت واُجرة البدرقة.
مسالة ٦٦٣ : يجوز لمن مرَّ بشيء من الثمرة في النخل أو الفواكه الأكلُ منها إن لم يقصد ، بل وقع المرور اتّفاقاً. ولا يجوز له الإفساد ولا الأخذ والخروج به ، ولا يحلّ له الأكل أيضاً مع القصد. ولو أذن المالك مطلقاً ، جاز.
روى محمّد بن مروان قال : قلت للصادقعليهالسلام : أمرّ بالثمرة فآخذ(٤) منها ، قال : « كُلْ ولا تحمل » قلت : فإنّهم قد اشتروها ، قال : « كُلْ ولا تحمل » قلت : جعلت فداك إنّ التجّار قد اشتروها ونقدوا أموالهم ، قال : « اشتروا ما ليس لهم »(٥) .
وعن يونس عن بعض رجاله عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن
____________________
(١) كذا ، والظاهر زيادة الواو حيث إنّها غير مسبوقة بذكر دليل حتى يتمّ العطف عليه.
(٢) كذا في النسخ الخطّيّة والحجريّة المعتمدة في التحقيق ، وفي المصدر : « فيبعثه في ضيعته » بدل « فيعينه في صنعته».
(٣) التهذيب ٦ : ٣٨١ - ٣٨٢ / ١١٢٥.
(٤) في المصدر : « فآكل » بدل « فآخذ ».
(٥) التهذيب ٦ : ٣٨٣ / ١١٣٤.
الرجل يمرّ بالبستان وقد حِيط عليه أو لم يحط ، هل يجوز له أن يأكل من ثمره وليس يحمله على الأكل من ثمره إلّا الشهوة وله ما يغنيه عن الأكل من ثمره؟ وهل له أن يأكل منه من جوع؟ قال : « لا بأس أن يأكل ، ولا يحمله ولا يفسده »(١) .
وهل حكم الزرع ذلك؟ إشكال أقربه : المنع ؛ لما رواه مروك بن عبيد عن بعض أصحابنا عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : الرجل يمرّ على قراح الزرع يأخذ منه السنبلة ، قال : « لا » قلت : أيّ شيء سنبلة؟ قال : « لو كان كلّ من يمرّ به يأخذ سنبلة كان لا يبقى منه شيء »(٢) .
وكذا الخضراوات والبقول.
ولو مَنَعه المالك ، فالوجه : أنّه يحرم عليه التناول مطلقاً إلّا مع خوف التلف.
مسالة ٦٦٤ : روي أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن بيعتين في بيعة(٣) .
وفُسّر بأمرين :
أحدهما : أن يبيع الشيء بثمن نقداً وبآخَر نسيئةً. وقد بيّنّا بطلان هذا البيع.
والثاني : أن يكون المراد به أن يقول : بعتك بكذا على أن تبيعني أنت كذا بكذا.
والثاني عندنا صحيح ، خلافاً للشافعي ؛ لأنّه شرط بيع ماله ، وذلك
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٨٣ - ٣٨٤ / ١١٣٥.
(٢) التهذيب ٦ : ٣٨٥ / ١١٤٠.
(٣) سنن الترمذي ٣ : ٥٣٣ / ١٢٣١ ، سنن النسائي ٧ : ٢٩٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٤٣ ، مسند أحمد ٢ : ٣٦٦ / ٦٥٩١ ، و ٣ : ٢٤٦ / ٩٧٩٥ ، و ٢٩٧ / ١٠١٥٧ ، الموطّأ ٢ : ٦٦٣ / ٧٢.
غير واجب بالشرط(١) .
وهو ممنوع ؛ لقولهعليهالسلام : « المؤمنون عند شروطهم »(٢) وقد تقدّم(٣) .
مسالة ٦٦٥ : النجش حرام ؛ لأنّهعليهالسلام نهى عنه(٤) ، وهو خديعة ، وليس من أخلاق أهل الدين.
ومعناه أن يزيد الرجل في ثمن سلعة لا يريد شراءها ليقتدي به المشترون بمواطاة البائع.
وروي أنّهعليهالسلام قال : « لا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا»(٥) .
إذا ثبت هذا ، فإذا اشترى(٦) المشتري مع النجش ، كان البيع صحيحاً - وبه قال الشافعي(٧) - لأصالة صحّة البيع. وقوله تعالى :( وَأَحَلَّ اللهُ
____________________
(١) مختصر المزني : ٨٨ ، الحاوي الكبير ٥ : ٣٤١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٤ ، الوسيط ٣ : ٧٢ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٠٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٦٤ ، المجموع ٩ : ٣٣٨.
(٢) التهذيب ٧ : ٣٧١ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٢٣٢ / ٨٣٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ٣٣.
(٣) في ج ١٠ ص ٢٢٤ و ٢٥٠ ، المسألتان ١١٢ و ١١٨.
(٤) صحيح البخاري ٣ : ٩١ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٣٤ / ٢١٧٣ ، مسند أحمد ٢ : ١٧١ / ٥٢٨٢ ، و ٢٤٩ / ٥٨٢٨ ، و ٣٣٤ / ٦٤١٥.
(٥) المعجم الصغير - للطبراني - ٢ : ٨٩ ، تاريخ بغداد ٢ : ٢٧٣ ، وبتفاوت في المعجم الأوسط - للطبراني - ٧ : ١٥٧ / ٧٠٢١ ، والمصنّف - لابن أبي شيبة - ٦ : ٥٧١ / ٢٠٧٤ ، وسنن البيهقي ٦ : ٩٢ ، ومسند أحمد ٢ : ٥٤١ / ٧٦٧٠.
(٦) في « س ، ي » : « اشتراه ».
(٧) الحاوي الكبير ٥ : ٣٤٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٩٨ ، حلية العلماء ٤ : ٣٠٦ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣١ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٢ ، بداية المجتهد ٢ : ١٦٧ ، المغني ٤ : ٣٠٠ ، الشرح الكبير ٤ : ٨٨.
الْبَيْعَ ) (١) السالم عن معارضة النهي ؛ لأنّه لمعنى في غير البيع ، وإنّما هو الخديعة.
وقال مالك : يكون مفسوخاً لأجل النهي عنه(٢) .
ويثبت للمشتري الخيار إذا علم بالنجش ، سواء كان ذلك بمواطاة البائع وعلمه أو لا إن اشتمل على الغبن ، وإلّا فلا.
وقال الشافعي : إذا علم أنّه كان نجشاً ، فإن لم يكن بمواطأة البائع وعلمٍ ، فلا خيار. وإن كان ، فقولان.
أظهرهما : عدم الخيار ؛ لأنّه ليس فيه أكثر من الغبن ، وذلك لا يوجب(٣) الخيار ؛ لأنّ التفريط من المشتري حيث اشترى ما لا يعرف قيمته ، فهو بمنزلة من اشترى ما لا يعرف قيمته ، وغبنه بائعه.
ونحن لمـّا أثبتنا الخيار بالغبن سقط هذا الكلام بالكلّيّة.
والثاني : أنّه يثبت الخيار - كما قلناه - لأنّه تدليس من جهة البائع ، فأشبه التصرية(٤) .
ولو قال البائع : أعطيت في هذه السلعة كذا وكذا ، فصدّقه المشتري فاشتراها بذلك ، ثمّ ظهر له كذبه ، فإنّ البيع صحيح ، والخيار على هذين
____________________
(١) البقرة : ٢٧٥.
(٢) بداية المجتهد ٢ : ١٦٧ ، حلية العلماء ٤ : ٣٠٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣١ ، المغني ٤ : ٣٠٠ ، الشرح الكبير ٤ : ٨٨.
(٣) ظاهر الطبعة الحجريّة : « لا يجيز » بدل « لا يوجب ». وظاهر « س ، ي » : « لا يعيّن ».
وما أثبتناه من نسخة بدل في هامش الطبعة الحجريّة.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٩٨ ، حلية العلماء ٤ : ٣٠٧ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣١ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٢ ، المغني ٤ : ٣٠١ ، الشرح الكبير ٤ : ٨٨.
الوجهين(١) .
والأقرب عندي : انتفاء الخيار هنا ؛ لأنّ التفريط من المشتري.
مسالة ٦٦٦ : نهى النبيّصلىاللهعليهوآله عن بيع البعض على البعض ، فقال : « لا يبيع(٢) بعضكم على بيع بعض »(٣) .
ومعناه أنّ المتبايعين إذا عقدا البيع وهُما في مجلس الخيار ، فجاء آخَر إلى المشتري فقال له : أنا أبيعك مثل هذه السلعة بدون ثمنها الذي اشتريت به ، أو أنا أبيعك خيراً منها بثمنها ، أو عرض عليه سلعة حسب ما ذكره.
والأقرب : أنّه مكروه.
وقال الشافعي : إنّه محرَّم ؛ عملاً بظاهر النهي ؛ لأنّ الحديث وإن كان ظاهره ظاهر الخبر إلّا أنّ المراد به النهي. ولأنّه إضرار بالمسلم(٤) وإفساد عليه ، فكان حراماً(٥) .
ويُمنع ذلك.
فإن خالَف وفَعَل ذلك وبائع المشتري ، صحّ البيع ؛ لأنّ النهي لمعنى في غير البيع ، فأشبه البيع حالة النداء.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣١ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٢.
(٢) كذا ، وفي بعض المصادر : « لا يبع ».
(٣) صحيح البخاري ٣ : ٩٢ ، صحيح مسلم ٣ : ١١٥٤ / ١٤١٢ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٣٣ / ٢١٧١ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٨٧ / ١٢٩٢ ، سنن النسائي ٧ : ٢٥٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٤٤ ، مسند أحمد ٢ : ١٧١ / ٥٢٨٢ ، و ٢٤٩ / ٥٨٢٨.
(٤) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « بالمسلمين ». وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٥) الحاوي الكبير ٥ : ٣٤٣ - ٣٤٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٩٨ ، الوسيط ٣ :
٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٠ - ١٣١ ، روضة الطالبين ٣ : ٨١ ، المغني ٤ : ٣٠١ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٨.
وكذا إذا اشترى رجل سلعة بثمن فجاء آخَر قبل لزوم العقد ، فقال للبائع : أنا أشتريها بأكثر من الثمن الذي اشتراها هذا ، فإنّه مكروه عندنا ، وحرام عند الشافعي ؛ لأنّه في معنى نهيهعليهالسلام . ولأنّ اللفظ مشتمل عليه ؛ لأنّ اسم البائع يقع عليهما ، ولهذا يسمّيان متبايعين. ولأنّهعليهالسلام نهى عن أن يخطب الرجل على خطبة أخيه(١) ، والمشتري في معنى الخاطب(٢) .
مسالة ٦٦٧ : يكره السوم على سوم المؤمن ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « لا يسوم الرجل على سوم أخيه »(٣) .
فإن وجد من البائع تصريح بالرضا بالبيع ولم يعقد أو أذن فيه لوكيله ، كره السوم.
وقال الشافعي : يحرم ، كما تحرم الخطبة(٤) .
والأصل عندنا مكروه.
وأمّا إن لم يوجد ذلك ولا ما يدلّ عليه بل سكت ولم(٥) يُجِبْ إلى البيع ، لم يحرم السوم ، وبه قال الشافعي(٦) .
وأمّا أن يكون لم يصرّح بالرضا ، بل ظهر منه ما يدلّ على الرضا بالبيع ، فهو عند الشافعي مبنيّ على القولين في الخطبة.
____________________
(١) سنن البيهقي ٧ : ١٨٠ ، سنن النسائي ٧ : ٢٥٨ ، مسند أحمد ٢ : ٢٨٧ / ٦١٠٠.
(٢) الحاوي الكبير ٥ : ٣٤٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٠ - ١٣١ ، روضة الطالبين ٣ : ٨١ ، المغني ٤ : ٣٠١ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٨.
(٣) سنن الترمذي ٣ : ٥٨٧ / ١٢٩٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٤٤ ، شرح معاني الآثار ٣ : ٣.
(٤) الحاوي الكبير ٥ : ٣٤٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٩٨ ، الوسيط ٣ : ٦٥ - ٦٦ ، حلية العلماء ٤ : ٣٠٨ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٣٨ - ٥٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٠.
(٥) في الطبعة الحجريّة : « فلم ».
(٦) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٩٨ ، الوسيط ٣ : ٦٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٨١.
قال في القديم : تحرم الخطبة ؛ لعموم النهي.
وقال في الجديد : لا تحرم ؛ لحديث فاطمة بنت قيس ، وقوله [صلىاللهعليهوآله ] لها : « انكحي اُسامة» وقد خطبها معاوية وأبو جهم(١) ، فالبيع مثل ذلك(٢) .
هذا إذا تساوما بينهما ، فأمّا إذا كانت السلعة في النداء ، فإنّه يجوز أن يستامها واحد بعد واحد ، لأن صاحبها لم يرض بأن يبيعها أو يسومها مع واحد ، بل سامها للكلّ ولم يخصّ واحداً.
وأصله أنّ رجلاً من الأنصار شكا إلى النبيّصلىاللهعليهوآله الشدّةَ والجهد ، فقال له : « ما بقي لك شيء؟ » فقال : بلى قدح وحلس ، قال : « فأتني بهما » فأتاه بهما ، فقال : « مَنْ يبتاعهما؟» فقال رجل : أنا أبتاعهما بدرهم ، وقال(٣) رجل آخر : عليَّ درهمين ، فقال النبيّ : « هُما لك بالدرهمين »(٤) .
ولأنّه قد يبيعهما من واحد ويقصد إرفاقه ويخصّصه(٥) ، فإذا سامها آخَر ، فسد غرضه ، وإذا نادى عليها ، فلم يقصد إلّا طلب الثمن ، فافترقا.
تذنيب : يكره السوم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، لدلالته على شدّة الحرص في طلب الدنيا ، لأنّه وقت طلب الرزق من الله تعالى.
ولما رواه عليّ بن أسباط رَفَعه ، قال : « نهى رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن السوم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس »(٦) .
____________________
(١) صحيح مسلم ٢ : ١١١٤ / ١٤٨٠ ، سنن البيهقي ٧ : ١٧٧ - ١٧٨ ، ١٨١ ، ٤٧١ ، شرح معاني الآثار ٣ : ٥ و ٦.
(٢) الحاوي الكبير ٥ : ٣٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٠.
(٣) في « س ، ي » : « فقال ».
(٤) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٤٠ / ٢١٩٨ ، سنن أبي داوُد ٢ : ١٢٠ / ١٦٤١ ، مسند أحمد ٣ : ٥٥٨ - ٥٥٩ / ١١٧٢٤ بتفاوت.
(٥) في الطبعة الحجريّة : « أو تخصيصه ».
(٦) الكافي ٥ : ١٥٢ / ١٢.
وتكره الزيادة وقت النداء ، بل إذا سكت المنادي ، زاد ؛ لقول الصادقعليهالسلام : « كان أمير المؤمنين عليّعليهالسلام يقول : إذا نادى المنادي فليس لك أن تزيد ، وإنّما يحرّم الزيادةَ النداءُ ، ويُحلّها السكوت »(١) .
مسالة ٦٦٨ : لا يجوز للرجل أن يأخذ من ولده البالغ شيئاً إلّا بإذنه - إلّا مع خوف التلف - إن كان غنيّاً ، أو كان الولد ينفق عليه ؛ لأصالة عصمة مال الغير.
ولو كان الولد صغيراً أو مجنوناً ، فالولاية للأب ، فله الاقتراض مع العسر واليسر.
ويجوز له أن يشتري من مال ولده الصغير لنفسه بثمن المثل ، ويكون موجباً قابلاً ، وأن يقوّم جاريته عليه ، ويطأها حينئذٍ.
ولو كان الأب معسراً ، جاز أن يتناول من مال ولده الموسر قدر مؤونة نفسه خاصّةً إذا مَنَعه الولد.
روى محمّد بن مسلم - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه ، قال : « يأكل منه ما شاء من غير سرف » وقال : « وفي كتاب عليّعليهالسلام أنّ الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً إلّا بإذنه ، والوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء ، وله أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها ، وذكر أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لرجل : أنت ومالك لأبيك »(٢) .
وعن الباقرعليهالسلام قال : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لرجل : أنت ومالك لأبيك » ثمّ قال الباقرعليهالسلام : « لا نحبّ أن يأخذ من مال ابنه إلّا ما احتاج إليه
____________________
(١) الكافي ٥ : ٣٠٥ - ٣٠٦ / ٨ ، وبتفاوت يسير في التهذيب ٧ : ٢٢٧ - ٢٢٨ / ٩٩٤.
(٢) التهذيب ٦ : ٣٤٣ / ٩٦١ ، وفي الاستبصار ٣ : ٤٨ / ١٥٧ عن الإمام الباقرعليهالسلام .
ممّا لا بُدّ منه ، إنّ الله عزّ وجلّ لا يحبّ الفساد »(١) .
وعن عليّ بن جعفر عن أخيه الكاظمعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يأكل من مال ولده ، قال : « لا ، إلّا أن يضطرّ إليه ، فليأكل منه بالمعروف ، ولا يصلح للولد أن يأخذ من مال والده شيئا إلّا بإذن والده »(٢) .
مسالة ٦٦٩ : والولد يحرم عليه مال والده ، فلا يحلّ له أن يأخذ منه شيئاً إلّا بإذنه ، فلو اضطرّ الولد المعسر إلى النفقة ومَنَعه الأب ، كان للولد أن يأخذ قدر مؤونته ؛ لأنّه كالدَّيْن على الأب.
ويحرم على الاُمّ أن تأخذ من مال ولدها شيئاً إلّا إذا مَنَعها النفقة الواجبة عليه.
وكذا يحرم على الولد أخذ مال الاُمّ إلّا إذا وجب نفقته عليها ومَنَعْته.
وليس لها أن تقترض من مال ولدها الصغير كما سوّغنا ذلك للأب ؛ لأنّ الولاية له دونها ؛ لما رواه - في الحسن - محمّد بن مسلم عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن رجل لابنه مال فيحتاج الأب إليه ، قال : « يأكل منه ، فأمّا الاُمّ فلا تأكل منه إلّا قرضاً على نفسها »(٣) .
ويجوز للأب أن يقترض من مال ابنه الصغير ويحجّ عنه ؛ للولاية.
ولما رواه سعيد بن يسار قال : قلت للصادقعليهالسلام : أيحجّ الرجل من مال ابنه وهو صغير؟ قال : « نعم » قلت : أيحجّ حجّة الإسلام وينفق منه؟ قال : « نعم بالمعروف » ثمّ قال : « نعم ، يحجّ منه وينفق منه ، إنّ مال الولد
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٣٥ / ٣ ، التهذيب ٦ : ٣٤٣ / ٩٦٢ ، الاستبصار ٣ : ٤٨ / ١٥٨.
(٢) الكافي ٥ : ١٣٥ / ٢ ، التهذيب ٦ : ٣٤٤ / ٩٦٣ ، الاستبصار ٣ : ٤٨ - ٤٩ / ١٥٩ ، وفيها : « فيأكل» بدل « فليأكل ».
(٣) الكافي ٥ : ١٣٥ / ١ ، التهذيب ٦ : ٣٤٤ / ٩٦٤ ، الاستبصار ٣ : ٤٩ / ١٦٠.
للوالد ، وليس للولد أن ينفق من مال والده إلّا بإذنه »(١) .
وسأل ابنُ سنان - في الصحيح - الصادقَعليهالسلام : ما ذا يحلّ للوالد من مال ولده؟ قال : « أمّا إذا أنفق عليه ولده بأحسن النفقة فليس له أن يأخذ من ماله شيئاً ، فإن كان لوالده جارية للولد فيها نصيب فليس له أن يطأها إلّا أن يقوّمها قيمة تصير لولده قيمتها عليه » قال : « ويعلن ذلك فإن كان للرجل ولد صغار لهم جارية ، فأحبّ أن يفتضّها فليقوّمها على نفسه قيمة ثمّ يصنع بها ما شاء ، إن شاء وطئ ، وإن شاء باع »(٢) .
وعلى هذا تُحمل الأحاديث المطلقة.
مسالة ٦٧٠ : لا يحلّ لكلٍّ من الزوجين أن يأخذ من مال الآخَر شيئاً ؛ لأصالة عصمة مال الغير ، إلّا بإذنه ، فإن سوّغت له ذلك ، حلّ.
ولو دَفَعتْ إليه مالاً وقالت له : اصنع به ما شئت ، كره له أن يشتري به جاريةً ويطأها ؛ لأنّ ذلك يرجع بالغمّ عليها.
روى هشام عن الصادقعليهالسلام في الرجل تدفع إليه امرأته المال فتقول : اعمل به واصنع به ما شئت ، أله أن يشتري الجارية ثمّ(٣) يطأها؟ قال : « ليس له ذلك »(٤) ومقصود الإمامعليهالسلام الكراهة ؛ لأصالة الإباحة.
روى الحسين بن المنذر قال : قلت للصادقعليهالسلام : دَفَعَتْ إليَّ امرأتي مالاً أعمل به ، فأشتري من مالها الجارية أطأها؟ قال : فقال : « أرادت أن تقرّ
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٤٥ / ٩٦٧ ، الاستبصار ٣ : ٥٠ / ١٦٥.
(٢) التهذيب ٦ : ٣٤٥ / ٩٦٨ ، الاستبصار ٣ : ٥٠ / ١٦٣.
(٣) كلمة « ثمّ » لم ترد في المصدر.
(٤) التهذيب ٦ : ٣٤٦ - ٣٤٧ / ٩٧٥.
عينك وتسخن عينها »(١) .
وقد وردت رخصة في أنّ المرأة لها أن تتصدّق بالمأدوم إذا لم تجحف به ، إلّا أن يمنعها فيحرم.
قال ابن بكير : سألت الصادقَعليهالسلام عمّا يحلّ للمرأة أن تتصدّق به من مال زوجها بغير إذنه؟ قال : « المأدوم »(٢) .
وسأل عليّ بن جعفر أخاه ( موسى بن جعفرعليهماالسلام )(٣) : عن المرأة لها أن تعطي من بيت زوجها بغير إذنه؟ قال : « لا ، إلّا أن يحلّلها »(٤) .
مسالة ٦٧١ : في الاحتكار قولان لعلمائنا :
التحريم ، وهو أصحّ قولي الشافعي(٥) ؛ لما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « لا يحتكر إلّا خاطئ »(٦) أي آثم.
وقالعليهالسلام : « الجالب مرزوق ، والمحتكر ملعون »(٧) .
وقالعليهالسلام : « من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد بريء من الله وبريء الله منه »(٨) .
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٤٧ / ٩٧٦.
(٢) الكافي ٥ : ١٣٧ ( باب الرجل يأخذ من مال امرأته ) الحديث ٢ ، التهذيب ٦ : ٣٤٦ / ٩٧٣.
(٣) بدل ما بين القوسين في « س ، ي » : « الكاظمعليهالسلام ».
(٤) التهذيب ٦ : ٣٤٦ / ٩٧٤.
(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٩٩ ، حلية العلماء ٤ : ٣١٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٨.
(٦) صحيح مسلم ٣ : ١٢٢٨ / ١٣٠ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٢٨ / ٢١٥٤ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٧١ / ٣٤٤٧ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٦٧ / ١٢٦٧ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٤٨.
(٧) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٢٨ / ٢١٥٣ ، سنن البيهقي ٦ : ٣٠ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٤٩.
(٨) المستدرك - للحاكم - ٢ : ١١ - ١٢ ، مسند أحمد ٢ : ١١٦ ، ٤٨٦٥.
ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليهالسلام : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لا يحتكر الطعام إلّا خاطئ»(١) .
وعن الصادقعليهالسلام قال : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الجالب مرزوق ، والمحتكر ملعون »(٢) .
وقال الصادقعليهالسلام : « الحكرة في الخصب أربعون يوماً ، وفي الشدّة والبلاء ثلاثة أيّام ، فما زاد على الأربعين يوماً في الخصب فصاحبه ملعون ، وما زاد في العسرة على ثلاثة أيّام فصاحبه ملعون »(٣) .
وروي عن النبيّصلىاللهعليهوآله « من احتكر على المسلمين لم يمت حتى يضربه الله بالجذام والإفلاس »(٤) .
والكراهة ؛ للأصل.
ولقول الصادقعليهالسلام : « وإن كان الطعام قليلا لا يسع الناس فإنّه يكره أن يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام »(٥) .
مسالة ٦٧٢ : الاحتكار هو حبس الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن والملح بشرطين : الاستبقاء للزيادة ، وتعذّر غيره ، فلو استبقاها لحاجته أو وُجد غيره ، لم يمنع.
وقيل : أن يستبقيها في الغلاء ثلاثة أيّام ، وفي الرخص أربعين
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٥٩ / ٧٠١ ، الاستبصار ٣ : ١١٤ / ٤٠٣.
(٢) الكافي ٥ : ١٦٥ / ٧ ، الفقيه ٣ : ١٦٩ / ٧٥١ ، التهذيب ٧ : ١٥٩ / ٧٠٢ ، الاستبصار ٣ : ١١٤ / ٤٠٤.
(٣) الكافي ٥ : ١٦٥ / ٧ ، التهذيب ٧ : ١٥٩ / ٧٠٣ ، الاستبصار ٣ : ١١٤ / ٤٠٥.
(٤) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٢٩ / ٢١٥٥ ، الترغيب والترهيب ٢ : ٥٨٣ / ٤ بتفاوت.
(٥) الكافي ٥ : ١٦٥ / ٥ ، التهذيب ٧ : ١٦٠ / ٧٠٨ ، الاستبصار ٣ : ١١٥ - ١١٦ / ٤١١.
يوماً(١) .
وفسّر الشافعيّةُ الاحتكارَ : أن يشتري ذو الثروة من الطعام ما لا يحتاج إليه في حال ضيقه وغلاة على الناس فحبسه عنهم(٢) .
فأمّا إذا اشترى في حال سعته ، وحَبَسه ليزيد نفعه(٣) ، أو كان له طعام في زرعه فحبسه ، جاز ما لم يكن بالناس ضرورة ، فأمّا إذا كان بهم ضرورة ، وجب عليه بذله لهم لأحيائهم ، وبه قال الشافعي(٤) أيضاً.
ولا بأس أن يشتري في وقت الغلاء لنفقة نفسه وعياله ثمّ يفضل شيء فيبيعه في وقت الغلاء.
ولا بأس أن يشتري في وقت الرخص ليربح في وقت الغلاء.
ولا بأس أن يمسك غلّة ضيعته ليبيع في وقت الغلاء ، ولكنّ الأولى أن يبيع ما فضل عن كفايته.
وهل يكره إمساكه؟ للشافعيّة وجهان(٥) .
وتحريم الاحتكار مختصّ بالأقوات ، ومنها : التمر والزبيب ، ولا يعمّ جميع الأطعمة ، قاله الشافعي(٦) .
وقال الصادق ٧ : « الحكرة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن »(٧) .
____________________
(١) القائل بذلك من أصحابنا الإماميّة هو الشيخ الطوسي في النهاية : ٣٧٤ - ٣٧٥.
(٢و٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٨.
(٣) في « س » و الطبعة الحجريّة : « ليريد منعه » و في « ي » : « ليزيد منعه » والظاهر ما أثبتناه
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٨ - ٧٩.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٩.
(٧) الكافي ٥ : ١٦٤ / ١ ، التهذيب ٧ : ١٥٩ / ٧٠٤ ، الاستبصار ٣ : ١١٤ / ٤٠٦.
وسأل الحلبي الصادقَعليهالسلام : عن الزيت ، فقال : « إذا كان عند غيرك فلا بأس بإمساكه»(١) .
وقال الصادقعليهالسلام : « الحكرة أن يشتري طعاماً ليس في المصر غيره فيحتكره ، فإن كان في المصر طعام أو يباع غيره فلا بأس أن يلتمس بسلعته الفضل »(٢) .
مسالة ٦٧٣ : يجبر الإمام أو نائبه المحتكر على البيع.
وهل يسعّر عليه؟ قولان لعلمائنا ، المشهور : العدم ؛ لما رواه العامّة أنّ السعر غلا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقالوا : يا رسول الله سعِّر لنا ، فقال : « إنّ الله هو المسعِّر القابض الباسط ، وإنّي لأرجو أن ألقى ربّي وليس أحد(٣) منكم يطلبني بمظلمةٍ بدمٍ ولا مالٍ »(٤) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « فقد الطعام على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فأتى المسلمون فقالوا : يا رسول الله فقد الطعام ولم يبق منه شيء إلاّ عند فلان ، فمره يبع ، قال : فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : يا فلان إنّ المسلمين ذكروا أنّ الطعام قد فُقد إلّا شيئاً عندك ، فأخرجه وبِعْه كيف شئت ولا تحبسه »(٥) ففوّض السعر إليه.
وعن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام قال : « إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله مرّ بالمحتكرين فأمر بحكرتهم أن تخرج إلى بطون الأسواق وحيث تنظر
____________________
(١و٢) الكافي ٥ : ١٦٤ - ١٦٥ / ٣ ، التهذيب ٧ : ١٦٠ / ٧٠٦ ، الاستبصار ٣ : ١١٥ / ٤٠٩.
(٣) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « لأحد ». وما أثبتناه من المصادر.
(٤) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٤١ / ٢٢٠٠ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٧٢ / ٣٤٥١ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٤٩ ، مسند أحمد ٣ : ٦٢٩ / ١٢١٨١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٧.
(٥) الكافي ٥ : ١٦٤ / ٢ ، التهذيب ٧ : ١٥٩ / ٧٠٥ ، الاستبصار ٣ : ١١٤ / ٤٠٧.
الأبصار إليها ، فقيل لرسول اللهصلىاللهعليهوآله : لو قوّمت عليهم ، فغضبعليهالسلام حتى عرف الغضب من وجهه ، فقال : أنا اُقوّم عليهم!؟ إنّما السعر إلى الله يرفعه إذا شاء ، ويخفضه إذا شاء »(١) .
إذا ثبت هذا ، فإنّه لا يجوز أن يسعّر حالة الرخص عندنا وعند الشافعي(٢) .
وأمّا حالة الغلاء فكذلك عندنا.
وللشافعي وجهان :
أحدهما : يجوز له أن يسعّر - وبه قال مالك - رفقاً بالضعفاء.
وأصحّهما : أنّه لا يجوز تمكيناً للناس من التصرّف في أموالهم. ولأنّهم قد يمتنعون بسبب ذلك عن البيع ، فيشتدّ الأمر(٣) .
وقال بعض الشافعيّة : إن كان الطعام يجلب إلى البلدة ، فالتسعير حرام. وإن كان يزرع بها ويكون عند التناه(٤) فيها ، فلا يحرم(٥) .
وحيث جوّزنا التسعير فإنّما هو في الأطعمة خاصّة دون سائر الأقمشة والعقارات.
ويلحق بها علف الدوابّ ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة(٦) .
وإذا قلنا بالتسعير فسعَّر الإمام فخالف واحدٌ ، عُزّر ، وصحّ البيع.
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٦١ - ١٦٢ / ٧١٣ ، الاستبصار ٣ : ١١٤ - ١١٥ / ٤٠٨.
(٢و٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٩.
(٤) في « العزيز شرح الوجيز » : « الغلاء » بدل « التناه ». وفي « ي » : « التناء ». والظاهر أنّ كلمة « التناه » مأخوذة من ناه الشيء ينوه : ارتفع وعلا. اُنظر : لسان العرب ١٣ :٥٥٠ « نوه ».
(٥و٦) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٩.
وللشافعي في صحّته قولان(١) .
مسالة ٦٧٤ : تلقّي الركبان منهيّ عنه إجماعاً.
وهل هو حرام أو مكروه؟ الأقرب : الثاني ؛ لأنّ العامّة روت أنّ النبيّعليهالسلام قال : « لا تتلقّوا الركبان للبيع »(٢) .
ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليهالسلام قال : « قال رسول اللهعليهالسلام :
لا يتلقّى أحدكم تجارة خارجاً من المصر ، ولا يبيع حاضر لباد ، والمسلمون يرزق الله بعضهم من بعض »(٣) .
وصورته أن ترد طائفة إلى بلد بقماش ليبيعوا فيه ، فيخرج الإنسان يتلقّاهم فيشتريه منهم قبل قدوم البلد ومعرفة سعره. فإن اشترى منهم من غير معرفة منهم بسعر البلد ، صحّ البيع ؛ لأنّ النهي لا يعود إلى معنى في البيع ، وإنّما يعود إلى ضرب من الخديعة والإضرار ، لأنّ في الحديث « فإن تلقّاه متلقّ فاشتراه فصاحبه بالخيار إذا قدم السوق »(٤) فأثبت البيع مع ذلك.
إذا ثبت هذا ، فإنّه لا خيار لهم قبل أن يقدموا البلد ويعرفوا السعر ، وبعده يثبت لهم الخيار مع الغبن ، سواء أخبر كاذباً أو لم يخبر. ولو انتفى الغبن ، فلا خيار.
وقال الشافعي : إذا كان الشراء بسعر البلد أو زائداً ، ففي ثبوت الخيار(٥) وجهان :
أحدهما : يثبت ؛ لظاهر الخبر.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٩.
(٢) سنن البيهقي ٥ : ٣٤٨ ، مسند أحمد ٣ : ٢٩٤ / ١٠١٣٨.
(٣) الكافي ٥ : ١٦٨ ( باب التلقّي ) الحديث ١ ، التهذيب ٧ : ١٥٨ / ٦٩٧.
(٤) صحيح مسلم ٣ : ١١٥٧ / ١٧ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٤٨.
(٥) في « س » : « ثبوته » بدل « ثبوت الخيار ».
وأصحّهما : العدم ؛ لأنّه لم يوجد تغرير وخيانة(١) .
ولا فرق بين أن يكون مشترياً منهم أو بائعاً عليهم.
ولو ابتدأ الباعة والتمسوا منه الشراء مع علمٍ منهم بسعر البلد أو غير علم ، فالأقرب : ثبوت الخيار مع الغبن كما قلنا.
وللشافعي(٢) القولان السابقان.
ولو خرج اتّفاقاً لا بقصد التلقّي ، بل خرج لشغلٍ(٣) آخر من اصطياد وغيره فرآهم مقبلين فاشترى منهم شيئاً ، لم يكن قد فَعَل مكروهاً.
وللشافعيّة وجهان :
أحدهما : أنّه يعصي ؛ لشمول المعنى.
والثاني : لا يعصي ؛ لأنّه لم يتلقّ.
والأظهر عندهم : الأوّل(٤) .
فعلى الثاني لا خيار لهم وإن كانوا مغبونين ، عند الشافعي(٥) .
وعندنا يثبت الخيار للمغبون مطلقاً.
وقال بعض الشافعيّة : إن أخبر بالسعر كاذباً ، ثبت(٦) الخيار.
وحيث ثبت الخيار فهو على الفور ، كخيار العيب.
وللشافعي قولان ، هذا أحدهما ، وهو أصحّهما. والثاني : أنّه يمتدّ ثلاثة أيّام ، كخيار التصرية(٧) .
ولو تلقّى الركبان وباع منهم ما يقصدون شراءه في البلد ، فهو
____________________
(١و٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٠.
(٣) في « س » والطبعة الحجريّة : « بشغل ».
(٤و٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٠.
(٦) في الطبعة الحجريّة : « يثبت ».
(٧) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٠.
كالتلقّي.
وللشافعي وجهان :
أحدهما : لا يثبت فيه حكمه ؛ لأنّ النهي ورد عن الشراء.
والثاني : نعم ؛ لما فيه من الاستبداد بالرفق الحاصل منهم(١) .
وقال مالك : البيع باطل(٢) .
وحدّ التلقّي عندنا أربعة فراسخ ، فإن زاد على ذلك ، لم يكره ولم يكن تلقّياً ، بل كان تجارةً وجلباً ؛ لما رواه منهال عن الصادقعليهالسلام قال : قال : « لا تلقّ فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نهى عن التلقّي » قلت : وما حدّ التلقّي؟ قال : « ما دون غدوة أو روحة » قلت : وكم الغدوة والروحة؟ قال : « أربعة فراسخ » قال ابن أبي عمير : وما فوق ذلك فليس بتلقّ(٣) .
مسالة ٦٧٥ : يكره أن يبيع حاضر لباد فيكون الحاضر وكيلا للبادي.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « لا يبيع حاضر لباد »(٤) .
وصورته أن يجلب أهل البادية متاعا إلى بلد أو قرية فيجيء إليه الحاضر في البلد فيقول : لا تبعه فأنا أبيعه لك بعد أيّام بأكثر من ثمنه الآن.
وليس محرّما ، للأصل.
وقال الشافعي : إنّه محرّم ، للنهي(٥) .
ويحصل له الإثم بشروط أربعة :
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٩.
(٣) الكافي ٥ : ١٦٩ / ٤ ، التهذيب ٧ : ١٥٨ / ٦٩٩.
(٤) صحيح مسلم ٣ : ١١٥٥ / ١١ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٣٤ / ٢١٧٦ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٢٥ / ١٢٢٢ ، سنن النسائي ٧ : ٢٥٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٤٦.
(٥) الحاوي الكبير ٥ : ٣٤٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٩.
أ - أن يكون البدوي يريد البيع.
ب - أن يريد بيعه في الحال.
ج - أن يكون بالناس حاجة إلى المتاع وهُمْ في ضيق.
د - أن يكون الحاضر استدعى منه ذلك.
روى ابن عباس أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « لا يبيع حاضر لباد » قال طاوُس : وكيف لا يبيع؟ فقال : لا يكون له سمساراً(١) .
والأصل في المنع أنّ فيه إدخال الضرر على أهل الحضر وتضييقاً عليهم ، فلهذا نهي عنه.
فإن لم توجد هذه الشرائط أو شرط منها ، جاز ذلك ؛ لأنّه إذا لم يكن بأهل البلد حاجة ، فلا ضرر في تأخير بيع ذلك.
وكذا إذا لم يرد صاحبه بيعه أو لم يرد بيعه في الحال ، فإنّه يجوز للحضري أن يتولّى له البيع.
ولو وُجدت الشرائط وخالف الحاضر وباع ، صحّ البيع ؛ لأنّ النهي لا لمعنى يعود إلى البيع.
وشرط بعض الشافعيّة أن يكون الحاضر عالماً بورود النهي فيه ، وهذا شرط يعمّ جميع المناهي. وأن يظهر من ذلك المتاع سعة في البلد ، فإن لم تظهر إمّا لكبر البلد وقلّة ذلك الطعام أو لعموم وجوده ورخص السعر ، ففيه عندهم وجهان ، أوفقهما لمطلق الخبر : أنّه يحرم. والثاني : لا ، لأنّ المعنى المحرّم تفويت الرزق ، والربح على الناس ، وهذا المعنى لم يوجد هنا. وأن يكون المتاع المجلوب إليه ممّا تعمّ الحاجة إليه ، كالصوف والأقِط
____________________
(١) صحيح البخاري ٣ : ٩٤ ، صحيح مسلم ٣ : ١١٥٧ / ١٥٢١ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٦٩ / ٣٤٣٩ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٤٦.
وسائر أطعمة القرى ، وأمّا ما لا يحتاج إليه إلّا نادراً فلا يدخل تحت النهي(١) .
ولو استشار البدوي بالحضري فيما فيه حظّه ، قال بعض الشافعيّة : إذا كان الرشد في الادّخار والبيع على التدريج ، وجب عليه إرشاده إليه بذْلاً للنصيحة(٢) .
وقال بعضهم : لا يرشده إليه توسّعاً على الناس(٣) .
مسالة ٦٧٦ : روى العامّة أنّه قد نهى النبيّصلىاللهعليهوآله عن بيع العربان(٤) . ويقال : عربون ، وأربان وأربون. والعامّة يقولون : ربون.
وهو أن يشتري السلعة فيدفع درهما أو دينارا على أنّه إن أخذ السلعة ، كان المدفوع من الثمن. وإن لم يدفع الثمن وردّ السلعة ، لم يسترجع ذلك المدفوع - وبه قال الشافعي(٥) - للنهي الذي رواه العامّة.
ومن طريق الخاصّة : قول الصادق ٧ : « كان أمير المؤمنين ٧ يقول : لا يجوز بيع العربون إلاّ أن يكون نقدا من الثمن »(٦) .
وقال أحمد : لا بأس به ؛ لما روي أنّ نافع بن عبد الحارث اشترى لعمر دار السجن من صفوان، فإن رضي عمر ، وإلّا له كذا وكذا. وضعّف
____________________
(١) الحاوي الكبير ٥ : ٣٤٧ - ٣٤٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٧ - ١٢٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٩.
(٢ و ٣ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٢٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٧٩ - ٨٠.
(٤) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٣٨ / ٢١٩٢ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٨٣ / ٣٥٠٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٤٢.
(٥) حلية العلماء ٤ : ٣١٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٤ ، المغني ٤ : ٣١٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٦٦.
(٦) الكافي ٥ : ٢٣٣ ( باب العربون ) الحديث ١ ، التهذيب ٧ : ٢٣٤ / ١٠٢١.
حديث النهي(١) .
قالت الشافعيّة : إنّه ليس بصحيح ؛ لأنّه شرط أن يكون للبائع شيء بغير عوض ، فهو كما لو شرط للأجنبيّ(٢) .
ويفسّر العربون أيضاً بأن يدفع دراهم إلى صانع ليعمل له شيئاً من خاتم يصوغه أو خفّ يخرزه أو ثوب ينسجه على أنّه إن رضيه بالمدفوع في الثمن ، وإلّا لم يستردّه منه. وهُما(٣) متقاربان.
مسالة ٦٧٧ : بيع التلجئة باطل عندنا ، وهو أن يتّفقا على أن يُظهرا العقد خوفاً من ظالم من غير بيع ، ويتواطآ على الاعتراف بالبيع ، أو لغير ذلك - وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمّد(٤) - لأنّ الأصل بقاء الملك على صاحبه ، ولم يوجد ما يخرجه عن أصالته. ولأنّهما لم يقصدا البيع ، فلا يصحّ منهما ، كالهازلَيْن.
وقال أبو حنيفة والشافعي : هو صحيح ؛ لأنّ البيع تمّ بأركانه وشروطه خاليةً عن مقارنة مُفسدٍ ، فصحّ ، كما لو اتّفقا على شرطٍ فاسد ثمّ عقدا البيع بغير شرط(٥) .
ونمنع تماميّة البيع.
ولو تبايعا بعد ذلك بعقدٍ صحيح ، صحّ البيع إن لم يوقعاه قاصدين لما تقدّم من المواطأة ؛ لأصالة الصحّة ، وعدم صلاحية سبق المواطاة للمانعيّة.
وكذا لو اتّفقا على أن يتبايعا بألف ويُظهرا ألفين فتبايعا بألفين ، فإنّ
____________________
(١) المغني ٤ : ٣١٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٦٦ ، حلية العلماء ٤ : ٣١٣ ، المجموع ٩ : ٣٣٥.
(٢) المغني ٤ : ٣١٣ ، الشرح الكبير ٤ : ٦٦.
(٣) أي : هذا التفسير والتفسير المتقدّم في صدر المسألة.
(٤ و ٥ ) المغني ٤ : ٣٠٢ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٩ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٧٦ ، المجموع ٩ : ٣٣٤.
البيع لازم ، والاتّفاق السابق لا يؤثّر ، قاله الشافعي ، ورواه أبو يوسف عن أبي حنيفة(١) .
وروى محمّد عن أبي حنيفة أنّه لا يصحّ البيع إلّا على أن يتّفقا على أنّ الثمن ألف درهم ويتبايعاه بمائة دينار ، فيكون الثمن مائة دينار استحساناً - وإليه ذهب أبو يوسف ومحمّد - لأنّه إذا تقدّم الاتّفاق ، صارا كالهازلَيْن بالعقد ، فلم يصحّ العقد(٢) .
قالت الشافعيّة : الشرط السابق لحالة العقد لا يؤثّر فيه ، كما لو اتّفقا على شرطٍ فاسد ثمّ عقدا العقد ، فإنّه لا يثبت فيه(٣) .
مسالة ٦٧٨ : قد ذكرنا أنّ التجارة مستحبّة.
قال الصادقعليهالسلام : « ترك التجارة ينقص العقل »(٤) .
وقال الصادقعليهالسلام لمعاذ في حديثٍ : « اسع على عيالك ، وإيّاك أن يكونوا هُم السعاة عليك »(٥) .
إذا ثبت هذا ، فينبغي لمن أراد التجارة أن يبدأ أوّلاً فيتفقّه.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام : « مَن اتّجر بغير علمٍ ارتطم في الربا ثمّ ارتطم »(٦) .
وكان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول على المنبر : « يا معشر التجّار الفقه ثمّ المتجر ، الفقه ثمّ المتجر، والله للربا في هذه الاُمّة أخفى من دبيب النملة على الصفا ، شوبوا أيمانكم بالصدقة(٧) ، التاجر فاجر ، والفاجر في النار إلّا
____________________
(١ - ٣ ) المجموع ٩ : ٣٣٤.
(٤) الكافي ٥ : ١٤٨ / ١ ، التهذيب ٧ : ٢ / ١.
(٥) الكافي ٥ : ١٤٨ - ١٤٩ / ٦ ، التهذيب ٧ : ٢ - ٣ / ٣.
(٦) الكافي ٥ : ١٥٤ / ٢٣ ، الفقيه ٣ : ١٢٠ / ٥١٣ ، التهذيب ٧ : ٥ / ١٤.
(٧) في الكافي « بالصدق ».
مَنْ أخذ الحقّ وأعطى الحقّ »(١) .
« وكان عليّعليهالسلام بالكوفة يغتدي كلّ يوم بكرةً من القصر يطوف في أسواق الكوفة سوقاً سوقاً ومعه الدرّة على عاتقه فيقف على أهل كلّ سوق فينادي : يا معشر التجّار اتّقوا الله عزّ وجلّ ، فإذا سمعوا صوته ألقوا ما في أيديهم وأرعوا إليه بقلوبهم وسمعوا بآذانهم ، فيقول : قدّموا الاستخارة ، وتبرّكوا بالسهولة ، واقتربوا من المتبايعين ، وتزيّنوا بالحلم ، وتناهوا عن اليمين ، وجانبوا الكذب ، وتجافوا عن الظلم ، وأنصفوا المظلومين ، ولا تقربوا الربا ، وأوفوا الكيل والميزان ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، فيطوف في جميع الأسواق بالكوفة ثمّ يرجع فيقعد للناس »(٢) .
مسالة ٦٧٩ : يكره الحلف على البيع ، وكتمان العيب ، ومدح البائع ، وذمّ المشتري ، والمبادرة إلى السوق أوّلاً ؛ لما فيه من شدّة الحرص في الدنيا.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « مَنْ باع واشترى فليحفظ خمس خصال ، وإلّا فلا يشتر ولا يبع : الربا ، والحلف ، وكتمان العيب ، والحمد إذا باع ، والذمّ إذا اشترى »(٣) .
وقال الكاظمعليهالسلام : « ثلاثة لا ينظر الله اليهم ، أحدهم : رجل اتّخذ الله عزّ وجلّ بضاعة لا يشتري إلّا بيمين ولا يبيع إلّا بيمين »(٤) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٥٠ / ١ ، الفقيه ٣ : ١٢١ / ٥١٩ ، التهذيب ٧ : ٦ / ١٦.
(٢) الكافي ٥ : ١٥١ / ٣ ، بتفاوت يسير في بعض الألفاظ ، التهذيب ٧ : ٦ / ١٧.
(٣) التهذيب ٧ : ٦ / ١٨ ، وفي الكافي ٥ : ١٥٠ - ١٥١ / ٢ ، والفقيه ٣ : ١٢٠ - ١٢١ / ٥١٥ بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.
(٤) الكافي ٥ : ١٦٢ / ٣ ، التهذيب ٧ : ١٣ / ٥٦.
وقال الصادقعليهالسلام : « إيّاكم والحلف ، فإنّه يمحق البركة ، وينفق السلعة »(١) .
وتكره معاملة ذوي العاهات.
قال الصادقعليهالسلام : « لا تعامل ذا عاهة فإنّهم أظلم شيء »(٢) .
وكذا تكره مخالطة السفلة والمحارفين والأكراد ، ولا يعامل إلّا مَنْ نشأ في خير.
قال الصادقعليهالسلام : « إيّاكم ومخالطة السفلة فإنّ السفلة لا يؤول إلى خير »(٣) .
وقال الصادقعليهالسلام : « لا تشتر من محارف ، فإنّ حرفته لا بركة فيها »(٤) .
وسأل أبو الربيع الشامي الصادقَعليهالسلام ، فقلت : إنّ عندنا قوماً من الأكراد وإنّهم لا يزالون يجيئون بالبيع فنخالطهم ونبايعهم ، فقال : « يا أبا الربيع لا تخالطوهم ، فإنّ الأكراد حيّ من أحياء الجنّ كشف الله عنهم الغطاء ، فلا تخالطوهم »(٥) .
وقال الصادقعليهالسلام : « لا تخالطوا ولا تعاملوا إلّا مَنْ نشأ في الخير »(٦) .
واستقرض قهرمان لأبي عبد اللهعليهالسلام من رجل طعاماً للصادقعليهالسلام ، فألحّ في التقاضي ، فقال له الصادقعليهالسلام : « ألم أنهك أن تستقرض ممّن
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٣ / ٥٧.
(٢) الكافي ٥ : ١٥٨ / ٣ ، التهذيب ٧ : ١١ / ٤٠.
(٣) الكافي ٥ : ١٥٨ / ٧ ، التهذيب ٧ : ١٠ / ٣٨.
(٤) التهذيب ٧ : ١١ / ٤١.
(٥) الكافي ٥ : ١٥٨ / ٢ ، التهذيب ٧ : ١١ / ٤٢.
(٦) الكافي ٥ : ١٥٨ / ٥ ، الفقيه ٣ : ١٠٠ / ٣٨٨ ، التهذيب ٧ : ١٠ / ٣٦.
لم يكن له فكان »(١) .
مسالة ٦٨٠ : يستحبّ إنظار المعسر ، وإقالة النادم ؛ لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم يأذن لحكيم بن حزام في تجارة حتى ضمن له إقالة النادم وإنظار المعسر وأخذ الحقّ وافياً أو غير وافٍ(٢) .
وعن الصادقعليهالسلام قال : « لا يكون الوفاء حتى يرجّح »(٣) .
وقال : « لا يكون الوفاء حتى يميل الميزان »(٤) .
ولا ينبغي أن يتعرّض للكيل أو الوزن(٥) إلّا من يعرفهما حذراً من أخذ مال الغير.
مسالة ٦٨١ : لا يبيع المبيع في المواضع المظلمة التي لا يظهر فيها المبيع ظهوراً بيّناً ، حذراً من الغشّ.
قال هشام بن الحكم : كنت أبيع السابري في الظلال ، فمرّ بي الكاظمعليهالسلام فقال : « يا هشام إنّ البيع في الظلال غشّ ، والغشّ لا يحلّ »(٦) .
ويحرم أن يزيّن المتاع بأن يُظهر جيّده ويكتم رديئه.
قال الباقرعليهالسلام : « مرّ النبيّصلىاللهعليهوآله في سوق المدينة بطعام ، فقال لصاحبه : ما أرى طعامك إلّا طيباً ، وسأل عن سعره ، فأوحى الله تعالى [ إليه ](٧) أن يدير يده في الطعام ، ففَعَل فأخرج طعاماً رديئاً ، فقال لصاحبه :
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٥٨ / ٤ ، التهذيب ٧ : ١٠ / ٣٩.
(٢) الكافي ٥ : ١٥١ / ٤ ، التهذيب ٧ : ٥ / ١٥.
(٣) الكافي ٥ : ١٦٠ ( باب الوفاء والبخس ) الحديث ٥ ، التهذيب ٧ : ١١ / ٤٣.
(٤) الكافي ٥ : ١٥٩ / ١ ، التهذيب ٧ : ١١ / ٤٤.
(٥) في « ي » : « للكيل والوزن ». وفي الطبعة الحجريّة : « الكيل والوزن ».
(٦) الكافي ٥ : ١٦٠ - ١٦١ / ٦ ، التهذيب ٧ : ١٣ / ٥٤.
(٧) ما بين المعقوفين من المصدر.
ما أراك إلّا قد جمعت خيانةً وغشّاً للمسلمين »(١) .
مسالة ٦٨٢ : إذا قال له إنسان : اشتر لي ، فلا يعطه(٢) من عنده وإن كان الذي عنده أجود ، لأنّه إنّما أمره بالشراء ، وهو ظاهر في الشراء من الغير.
قال الصادقعليهالسلام : « إذا قال لك الرجل : اشتر لي ، فلا تعطه من عندك وإن كان الذي عندك خيراً منه »(٣) .
وسأل إسحاقُ الصادقَعليهالسلام : عن الرجل يبعث إلى الرجل فيقول له : ابتع لي ثوبا ، فيطلب في السوق فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق فيعطيه من عنده ، قال : « لا يقربن هذا ولا يدنس نفسه ، إنّ الله عزّ وجلّ يقول ( إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً )(٤) وإن كان عنده خيرا ممّا يجد له في السوق فلا يعطيه من عنده »(٥) .
مسالة ٦٨٣ : إذا قال التاجر لغيره : هلمّ أحسن إليك ، باعه من غير ربح استحبابا.
قال الصادقعليهالسلام : « إذا قال الرجل للرجل : هلمّ أحسن بيعك ، يحرم عليه الربح »(٦) .
ويكره الربح على المؤمن ، فإن فعل فلا يكثر منه.
قال الصادقعليهالسلام : « ربح المؤمن على المؤمن ربا إلاّ أن يشتري بأكثر
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٦١ / ٧ ، التهذيب ٧ : ١٣ ، ٥٥.
(٢) في الطبعة الحجريّة : « فلا يعطيه ».
(٣) الكافي ٥ : ١٥١ - ١٥٢ / ٦ ، التهذيب ٦ : ٣٥٢ / ٩٩٨ ، و ٧ : ٦ - ٧ / ١٩.
(٤) الأحزاب : ٧٢.
(٥) التهذيب ٦ : ٣٥٢ / ٩٩٩.
(٦) الكافي ٥ : ١٥٢ / ٩ ، الفقيه ٣ : ١٧٣ / ٧٧٤ ، التهذيب ٧ : ٧ / ٢١.
من مائة درهم فاربح عليه قوت يومك ، أو يشتريه للتجارة فاربحوا عليهم وارفقوا بهم »(١) .
وينبغي أن يكون الساكت عنده بمنزلة المماكس ، والجاهل بمنزلة البصير المذاقّ.
قال قيس : قلت للباقرعليهالسلام : إنّ عامّة من يأتيني إخواني فحدّ لي من معاملتهم ما لا أجوزه إلى غيره ، فقال : « إن ولّيت أخاك فحسن ، وإلاّ فبع بيع البصير المذاق »(٢) .
وعن الصادقعليهالسلام في رجل عنده بيع وسعّره سعرا معلوما ، فمن سكت عنه ممّن يشتري منه باعه بذلك السعر ، ومن ماكسه فأبى أن يبتاع منه زاده » قال : « لو كان يزيد الرجلين والثلاثة لم يكن بذلك بأس ، فأمّا أن يفعله لمن أبى عليه ويماكسه(٣) ويمنعه مَنْ لا يفعل فلا يعجبني إلّا أن يبيعه بيعاً واحداً »(٤) .
مسالة ٦٨٤ : يستحبّ إذا دخل السوق الدعاءُ وسؤال الله تعالى أن يبارك له فيما يشتريه ويخير له فيما يبيعه ، والتكبير والشهادتان عند الشراء.
قال الصادقعليهالسلام : « إذا دخلت سوقك فقُلْ : اللّهمّ إنّي أسألك من خيرها وخير أهلها ، وأعوذ بك من شرّها وشرّ أهلها ، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أظلم أو أظلم أو أبغي أو يبغى عليّ أو أعتدي أو يُعتدى عليَّ ، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من شرّ إبليس وجنوده وشرّ فسقة العرب والعجم ، وحسبي الله
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٥٤ / ٢٢ ، التهذيب ٧ : ٧ / ٢٣ ، الاستبصار ٣ : ٦٩ / ٢٣٢.
(٢) التهذيب ٧ : ٧ / ٢٤ ، وفي الكافي ٥ : ١٥٣ - ١٥٤ / ١٩ عن ميسّر عن الإمام الصادقعليهالسلام .
(٣) في المصدر : « كايسه » بدل « ماكسه ».
(٤) الكافي ٥ : ١٥٢ / ١٠ ، التهذيب ٧ : ٨ / ٢٥.
الذي لا إله إلّا هو عليه توكّلت ، وهو ربّ العرش العظيم »(١) .
وإذا اشترى المتاع ، قال ما روي عن الصادقعليهالسلام ، قال : « إذا اشتريت شيئاً من متاع أو غيره فكبّر ، ثمّ قُلْ : اللّهمّ إنّي اشتريته ألتمس فيه من فضلك ، فاجعل فيه فضلاً ، اللّهمّ إنّي اشتريته ألتمس فيه رزقك ، فاجعل لي فيه رزقاً ، ثمّ أعد على(٢) كلّ واحدة ثلاث مرّات »(٣) .
قال الصادقعليهالسلام : « وإذا أراد أن يشتري شيئاً قال : يا حيّ يا قيّوم يا دائم يا رؤوف يا رحيم ، أسألك بعزّتك وقدرتك وما أحاط به علمك أن تقسم لي من التجارة اليوم أعظمها رزقاً وأوسعها فضلاً وخيرها عاقبةً فإنّه لا خير فيما لا عاقبة له » قال الصادقعليهالسلام : « إذا اشتريت دابّةً أو رأساً فقُلْ : اللّهمّ ارزقني أطولها حياةً وأكثرها منفعةً وخيرها عاقبةً »(٤) .
مسالة ٦٨٥ : ينبغي له إذا بُورك له في شيء من أنواع التجارة أو الصناعة أن يلتزم به. وإذا تعسّر عليه فيه رزقه ، تحوّل إلى غيره.
قال الصادقعليهالسلام : « إذا رزقت في(٥) شيء فالزمه »(٦) .
وقال الصادقعليهالسلام : « إذا نظر الرجل في تجارة فلم ير فيها شيئاً فليتحوّل إلى غيرها »(٧) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٥٦ / ٢ ، التهذيب ٧ : ٩ / ٣٢.
(٢) كلمة « على » لم ترد في الكافي.
(٣) الكافي ٥ : ١٥٦ / ١ ، التهذيب ٧ : ٩ / ٣٣.
(٤) الكافي ٥ : ١٥٧ / ٣ ، التهذيب ٧ : ٩ - ١٠ / ٣٤.
(٥) في الفقيه والتهذيب : « من » بدل « في ».
(٦) الكافي ٥ : ١٦٨ ( باب لزوم ما ينفع من المعاملات ) الحديث ٣ ، الفقيه ٣ : ١٠٤ / ٤٢٣ ، التهذيب ٧ : ١٤ ، ٦٠.
(٧) الكافي ٥ : ١٦٨ / ٢ ، التهذيب ٧ : ١٤ / ٥٩.
وينبغي له التساهل والرفق في الأشياء.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « بارك الله على سهل البيع ، سهل الشراء ، سهل القضاء ، سهل الاقتضاء »(١) .
مسالة ٦٨٦ : يجوز لوليّ اليتيم الناظر في أمره المصلح لمالِه أن يتناول اُجرة المثل ؛ لأنّه عمل يستحقّ عليه اُجرة ، فيساوي(٢) اليتيم غيره.
وسأل هشامُ بن الحكم الصادقَعليهالسلام فيمن تولّى مال اليتيم مالَه أن يأكل منه؟ قال : « ينظر إلى ما كان غيره يقوم به من الأجر لهم فليأكل بقدر ذلك »(٣) .
ويستحبّ له التعفّف مع الغنى ، قال الله تعالى :( وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ) (٤) .
مسالة ٦٨٧ : يجوز أن يواجر الإنسان نفسه.
سأل ابنُ سنان الكاظمَعليهالسلام عن الإجارة ، فقال : « صالح لا بأس به إذا نصح قدر طاقته ، فقد آجر موسىعليهالسلام نفسه واشترط فقال : إن شئت ثماني وإن شئت عشراً ، وأنزل الله عزّ وجلّ فيه( أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ ) (٥) »(٦) .
قال الشيخرحمهالله : لا ينافي هذا ما رواه الساباطي عن الصادقعليهالسلام ،
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٨ / ٧٩.
(٢) في « ي » وظاهر « س » : « فساوى ».
(٣) التهذيب ٦ : ٣٤٣ / ٩٦٠.
(٤) النساء : ٦٠.
(٥) القصص : ٢٧.
(٦) الكافي ٥ : ٩٠ / ٢ ، الفقيه ٣ : ١٠٦ / ٤٤٢ ، التهذيب ٦ : ٣٥٣ / ١٠٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٥٥ / ١٧٨.
قال : قلت له : الرجل يتّجر فإن هو آجر نفسه اُعطي ما يصيب في تجارته ، فقال : « لا يواجر نفسه ، ولكن يسترزق الله عزّ وجلّ ويتّجر فإنّه إذا آجر نفسه حظر على نفسه الرزق »(١) لأنّه محمول على الكراهة ، لعدم الوثوق بالنصح(٢) .
وأقول : لا استبعاد في نهيه عن الإجارة للإرشاد ، فإنّ التجارة أولى ؛ لما فيها من توسعة الرزق ، وقد نبّهعليهالسلام في الخبر عليه. ولأنّه قد روي « أنّ الرزق قسّم عشرة أجزاء ، تسعة أجزاء منها(٣) في التجارة ، والباقي في سائر الأجزاء(٤) »(٥) .
مسالة ٦٨٨ : يحرم بيع السلاح لأعداء الدين في وقت الحرب ، ولا بأس به في الهدنة.
قال هند السرّاج : قلت للباقرعليهالسلام : أصلحك الله ما تقول إنّي كنت أحمل السلاح إلى أهل الشام فأبيعهم فلمـّا عرّفني الله هذا الأمر ضقت بذلك وقلت : لا أحمل إلى أعداء الله ، فقال : « احمل إليهم فإنّ الله عزّ وجلّ يدفع بهم عدوّنا وعدوّكم - يعني الروم - فإذا كانت الحرب بيننا فمَنْ حمل إلى عدوّنا سلاحاً يستعينون به علينا فهو مشرك »(٦) .
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٥٣ / ١٠٠٢ ، الاستبصار ٣ : ٥٥ / ١٧٧.
(٢) التهذيب ٦ : ٣٥٣ ، ذيل الحديث ١٠٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٥٥ ، ذيل الحديث ١٧٨.
(٣) في « س ، ي » : « منه ».
(٤) كذا قوله : « في سائر الأجزاء ». ونصّ الرواية في المصدر هكذا : « الرزق عشرة أجزاء ، تسعة أجزاء في التجارة وواحدة في غيرها ».
(٥) الكافي ٥ : ٣١٨ - ٣١٩ / ٥٩ ، الفقيه ٣ : ١٢٠ / ٥١٠.
(٦) الكافي ٥ : ١١٢ / ٢ ، التهذيب ٦ : ٣٥٣ / ١٠٠٤ ، الاستبصار ٣ : ٥٨ / ١٨٩.
وقال حكم السرّاج للصادقعليهالسلام : ما ترى فيما يحمل إلى الشام من السروج وأداتها؟ فقال : « لا بأس أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، إنّكم في هدنة ، فإذا كانت المباينة حرم عليكم أن تحملوا إليهم السلاح والسروج »(١) .
وقال السرّاد للصادقعليهالسلام : إنّي أبيع السلاح ، قال : « لا تبعه في فتنة »(٢) .
ويجوز بيع ما يُكنّ من النبل لأعداء الدين ؛ لأنّ محمّد بن قيس سأل الصادقَعليهالسلام عن الفئتين تلتقيان من أهل الباطل أبيعهما السلاح؟ فقال : « بِعْهما ما يكنّهما ، الدرع والخُفّين ونحو هذا»(٣) .
مسالة ٦٨٩ : يجوز الأجر على الختان وخفض الجواري.
قال الصادقعليهالسلام : « لمـّا هاجرن النساء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله هاجرت فيهنّ امرأة يقال لها : أمّ حبيب وكانت خافضة تخفض الجواري ، فلمـّا رآها رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لها : يا اُمّ حبيب ، العمل الذي كان في يدك هو في يدك اليوم؟ قالت : نعم يا رسول الله إلّا أن يكون حراماً فتنهاني عنه ، قال : لا ، بل حلال فاُدْني منّي حتى اُعلّمك ، فدنت منه ، فقال : يا اُمّ حبيب إذا أنت فعلت فلا تَنْهكي ، أي لا تستأصلي ، وأشمّي فإنّه أشرق للوجه وأحظى عند الزوج ».
قال : « وكانت لاُمّ حبيب اُخت يقال لها : اُمّ عطيّة ماشطة ، فلمـّا
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٥٤ / ١٠٠٥ ، الاستبصار ٣ : ٥٧ / ١٨٧ ، وفي الكافي ٥ : ١١٢ / ١ بتفاوت يسير.
(٢) الكافي ٥ : ١١٣ / ٤ ، التهذيب ٦ : ٣٥٤ / ١٠٠٧ ، الاستبصار ٣ : ٥٧ / ١٨٦.
(٣) الكافي ٥ : ١١٣ / ٣ ، التهذيب ٦ : ٣٥٤ / ١٠٠٦ ، الاستبصار ٣ : ٥٧ - ٥٨ / ١٨٨.
انصرفت اُمّ حبيب إلى اُختها أخبرتها بما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فأقبلت اُمّ عطيّة إلى النبيّصلىاللهعليهوآله فأخبرته بما قالت لها اُختها ، فقال لها رسول اللهصلىاللهعليهوآله : اُدني منّي يا اُمّ عطيّة إذا أنت قيّنت الجارية فلا تغسلي وجهها بالخرقة ، فإنّ الخرقة تذهب بماء الوجه »(١) .
مسالة ٦٩٠ : يكره كسب الإماء والصبيان.
قال الصادقعليهالسلام : « نهى رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن كسب الإماء فإنّها إن لم تجده زنت إلّا أمة قد عُرفت بصنعة يد ، ونهى عن كسب الغلام الصغير الذي لا يحسن صناعة فإنّه إن لم يجد سرق»(٢) .
ويكره للصانع سهر الليل كلّه في عمل صنعته ؛ لما فيه من كثرة الحرص على الدنيا وترك الالتفات إلى اُمور الآخرة.
قال الصادقعليهالسلام : « مَنْ بات ساهراً في كسب ولم يعط العين حظَّها من النوم فكسبه ذلك حرام »(٣) .
وقال الصادقعليهالسلام : « الصنّاع إذا سهروا الليل كلّه فهو سحت »(٤) .
وهو محمول على الكراهة الشديدة ، أو على التحريم إذا منع من الواجبات أو منع القسم بين الزوجات.
مسالة ٦٩١ : يجوز بيع عظام الفيل واتّخاذ الأمشاط وغيرها منها ؛ لأنّها طاهرة ينتفع بها ، فجاز بيعها ؛ للمقتضي للجواز ، السالم عن المانع.
ولأنّ عبد الحميد بن سعد سأل الكاظمَعليهالسلام عن عظام الفيل يحلّ بيعه
____________________
(١) الكافي ٥ : ١١٨ / ١ ، التهذيب ٦ : ٣٦٠ - ٣٦١ / ١٠٣٥.
(٢) الكافي ٥ : ١٢٨ / ٨ ، التهذيب ٦ : ٣٦٧ / ١٠٥٧.
(٣) الكافي ٥ : ١٢٧ / ٦ ، التهذيب ٦ : ٣٦٧ / ١٠٥٩.
(٤) الكافي ٥ : ١٢٧ / ٧ ، التهذيب ٦ : ٣٦٧ / ١٠٥٨.
أو شراؤه للذي يجعل منه الأمشاط؟ فقال : « لا بأس قد كان لأبي منه مشط أو أمشاط »(١) .
وكذا يجوز بيع الفهود وسباع الطير.
سأل عيصُ بن القاسم - في الصحيح - الصادقَعليهالسلام عن الفهود وسباع الطير هل يلتمس التجارة فيها؟ قال : « نعم »(٢) .
أمّا القرد فقد روي النهي عن بيعه.
قال الصادقعليهالسلام : « إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نهى عن القرد أن يشترى أو يباع »(٣) .
وفي الطريق قول ، فالأولى الكراهة.
ودخل إلى الصادقعليهالسلام رجل فقال له : إنّي سرّاج أبيع جلود النمر ، فقال : « مدبوغة هي؟» قال : نعم ، قال : « ليس به بأس »(٤) .
مسالة ٦٩٢ : لا بأس بأخذ الهديّة.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « الهديّة على ثلاثة وجوه : هديّة مكافأة ، وهديّة مصانعة ، وهديّة لله عزّ وجلّ »(٥) .
وروى إسحاق بن عمّار قال : قلت له : الرجل الفقير يهدي الهديّة يتعرّض لما عندي فآخذها ولا اُعطيه شيئاً أتحلّ لي؟ قال : « نعم ، هي لك حلال ولكن لا تدع أن تعطيه »(٦) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٢٦ / ١ ، التهذيب ٦ : ٣٧٣ / ١٠٨٣.
(٢) الكافي ٥ : ٢٢٦ / ٤ ، التهذيب ٦ : ٣٧٣ / ١٠٨٥.
(٣) الكافي ٥ : ٢٢٧ / ٧ ، التهذيب ٦ : ٣٧٤ / ١٠٨٦ ، و ٧ : ١٣٤ / ٥٩٤.
(٤) الكافي ٥ : ٢٢٧ / ٩ ، التهذيب ٧ : ١٣٥ / ٥٩٥.
(٥) الكافي ٥ : ١٤١ / ١ ، التهذيب ٦ : ٣٧٨ / ١١٠٧.
(٦) الكافي ٥ : ١٤٣ / ٦ ، الفقيه ٣ : ١٩٢ / ٨٧٢ ، التهذيب ٦ : ٣٧٩ / ١١١٢.
وقال محمّد بن مسلم : « جلساء الرجل شركاؤه في الهديّة »(١) .
وهي مستحبّة مرغَّبٌ فيها ؛ لما فيها من التودّد.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام : « لأن أهدي لأخي المسلم هديّة تنفعه أحبّ إليّ من أن أتصدّق بمثلها »(٢) .
وقبولها مستحبّ ؛ اقتداءً برسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فإنّه قال : « لو اُهدي إليَّ كراع لقبلت »(٣) .
ولو أهدي إليه هديّة طلباً لثوابها فلم يثبه ، كان له الرجوع فيها إذا كانت العين باقيةً ؛ لما رواه عيسى بن أعين قال : سألت الصادقَعليهالسلام عن رجل أهدى إلى رجل هديّة وهو يرجو ثوابها فلم يثبه صاحبها حتى هلك وأصاب الرجل هديّته بعينها ، أله أن يرتجعها إن قدر على ذلك؟ قال : « لا بأس أن يأخذه »(٤) .
مسالة ٦٩٣ : لا يجوز عمل التماثيل والصور المجسّمة. ولا بأس بها فيما يوطأ بالأرجل ، كالفراش وشبهه ؛ لما رواه أبو بصير عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : إنّما(٥) نبسط عندنا الوسائد فيها التماثيل ونفرشها ، قال : « لا بأس بما يبسط منها ويفرش ويوطأ ، وإنّما يكره منها ما نُصب على الحائط وعلى السرير »(٦) .
مسالة ٦٩٤ : يجوز لمن أمره غيره بشراء شيء أن يأخذ منه على ذلك
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٤٣ / ١٠ ، التهذيب ٦ : ٣٧٩ / ١١١٣.
(٢) الكافي ٥ : ١٤٤ / ١٢ ، التهذيب ٦ : ٣٨٠ / ١١١٥.
(٣) الكافي ٥ : ١٤١ / ٢ ، التهذيب ٦ : ٣٧٨ / ١١٠٨.
(٤) الفقيه ٣ : ١٩٢ / ٨٧١ ، التهذيب ٦ : ٣٨٠ / ١١١٦.
(٥) كذا في المصدر والطبعة الحجريّة ، وفي « س ، ي » : « إنّا » بدل « إنّما ».
(٦) التهذيب ٦ : ٣٨١ / ١١٢٢.
الجُعْل ؛ لأنّه فعل مباح.
ولما رواه ابن سنان عن الصادقعليهالسلام ، قال : سأله أبي وأنا حاضر ، فقال : ربما أمرنا الرجل يشتري لنا الأرض أو الدار أو الغلام أو الخادم ونجعل له جُعْلاً ، فقال الصادقعليهالسلام : « لا بأس به »(١) .
مسالة ٦٩٥ : لا بأس بالزراعة ، بل هي مستحبّة.
روى سيابة أنّ رجلاً سأل الصادقعليهالسلام : أسمع قوماً يقولون : إنّ الزراعة مكروهة ، فقال : « ازرعوا واغرسوا ، فلا والله ما عمل الناس عملاً أحلّ ولا أطيب منه ، والله لنزرعنّ الزرع ولنغرسنّ(٢) غرس النخل بعد خروج الدجّال »(٣) .
وسأل هارون بن يزيد الواسطي الباقرَعليهالسلام (٤) عن الفلّاحين ، فقال : « هُم الزارعون كنوز الله في أرضه ، وما في الأعمال شيء أحبّ إلى الله من الزراعة ، وما بعث الله نبيّاً إلّا زارعاً ، إلّا إدريسعليهالسلام فإنّه كان خيّاطاً »(٥) .
مسالة ٦٩٦ : يجوز أخذ أجر البذرقة من القوافل إذا رضوا بذلك ، وإلّا حرم.
كتب محمّد بن الحسن الصفّار إليه : رجل يبذرق القوافل من غير أمر السلطان في موضع مخيف ، ويشارطونه على شيء مسمّى أن يأخذ منهم إذا صاروا إلى الأمن ، هل يحلّ له أن يأخذ منهم؟ فوقّععليهالسلام « إذا واجر(٦)
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٨١ / ١١٢٤.
(٢) في « ي » والطبعة الحجريّة والكافي : « ليزرعنّ ليغرسنّ ».
(٣) الكافي ٥ : ٢٦٠ / ٣ ، التهذيب ٦ : ٣٨٤ - ٣٨٥ / ١١٣٩.
(٤) كذا في « س ، ي » والطبعة الحجريّة. وفي المصدر : « يزيد بن هارون الواسطي عن جعفر بن محمّدعليهماالسلام ».
(٥) التهذيب ٦ : ٣٨٤ / ١١٣٨.
(٦) في المصدر : « آجر ».
نفسه بشيء معروف أخذ حقّه إن شاء الله »(١) .
مسالة ٦٩٧ : يكره بيع العقار إلّا لضرورة.
قال أبان بن عثمان : دعاني الصادقعليهالسلام فقال : « باع فلان أرضه؟ » فقلت : نعم ، فقال: « مكتوب في التوراة أنّه مَنْ باع أرضاً أو ماءً ولم يضعه في أرض وماء ذهب ثمنه محقاً »(٢) .
وقال الصادقعليهالسلام : « مشتري العقدة مرزوق وبائعها ممحوق »(٣) .
وقال مسمع للصادقعليهالسلام : إنّ لي أرضاً تُطلب منّي ويرغّبوني ، فقال لي : « يا أبا سيّار أما علمت أنّه مَنْ باع الماء والطين ولم يجعل ماله في الماء والطين ذهب ماله هباءً » قلت : جعلت فداك إنّي أبيع بالثمن الكثير فأشتري ما هو أوسع ممّا بعت ، فقال : « لا بأس »(٤) .
مسالة ٦٩٨ : يكره الاستحطاط من الثمن بعد العقد ؛ لأنّه قد صار ملكاً للبائع بالعقد ، فيندرج تحت قوله تعالى :( وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ ) (٥) .
وروى إبراهيم الكرخي عن الصادقعليهالسلام ، قال : اشتريت للصادقعليهالسلام جاريةً فلمـّا ذهبت أنقدهم قلت : أستحطّهم ، قال : « لا ، إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نهى عن الاستحطاط بعد الصفقة»(٦) .
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٨٥ / ١١٤١.
(٢) الكافي ٥ : ٩١ / ٣ ، التهذيب ٦ : ٣٨٧ - ٣٨٨ / ١١٥٥.
(٣) الكافي ٥ : ٩٢ / ٤ ، التهذيب ٦ : ٣٨٨ / ١١٥٦.
(٤) التهذيب ٦ : ٣٨٨ / ١١٥٧ ، وبتفاوت في الكافي ٥ : ٩٢ / ٨.
(٥) هود : ٨٥.
(٦) الكافي ٥ : ٢٨٦ ( باب الاستحطاط بعد الصفقة ) الحديث ١ ، التهذيب ٧ : ٢٣٣ / ١٠١٧ ، الاستبصار ٣ : ٧٣ / ٢٤٣.
قال الشيخ : إنّه محمول على الكراهة(١) ؛ لما روى معلّى بن خنيس عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يشتري المتاع ثمّ يستوضع ، قال : « لا بأس به » وأمرني فكلّمت له رجلاً في ذلك(٢) .
وعن يونس بن يعقوب عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : الرجل يستوهب من الرجل الشيء بعد ما يشتري فيهب له ، أيصلح له؟ قال : « نعم »(٣) .
وكذا في الإجارة. روى عليّ أبو الأكراد عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : إنّي أتقبّل العمل فيه الصناعة وفيه النقش فاُشارط النقاش على شيء فيما بيني وبينه العشرة أزواج بخمسة دراهم أو العشرين بعشرة ، فإذا بلغ الحساب قلت له : أحسن ، فأستوضعه من الشرط الذي شارطته عليه ، قال : « بطيب نفسه؟ » قلت : نعم ، قال : « لا بأس »(٤) .
مسالة ٦٩٩ : أصل الأشياء الإباحة إلّا أن يُعلم التحريم في بعضها.
روي عن الصادقعليهالسلام - في الصحيح - قال : « كلّ شيء يكون منه حرام وحلال فهو حلال لك أبداً حتى تعرف أنّه حرام بعينه فتدعه »(٥) .
وقالعليهالسلام : « كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قِبَل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، أو المملوك عندك ولعلّه حُرٌّ قد باع نفسه أو خُدع فبِيع أو قُهر ، أو امرأة تحتك وهي اُختك أو رضيعتك ، والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٢٣٣ ، ذيل الحديث ١٠١٧ ، الاستبصار ٣ : ٧٤ ، ذيل الحديث ٢٤٥.
(٢) التهذيب ٧ : ٢٣٣ / ١٠١٨ ، الاستبصار ٣ : ٧٣ / ٢٤٤.
(٣) التهذيب ٧ : ٢٣٣ - ٢٣٤ / ١٠١٩ ، الاستبصار ٣ : ٧٤ / ٢٤٥.
(٤) التهذيب ٧ : ٢٣٤ / ١٠٢٠.
(٥) الكافي ٥ : ٣١٣ / ٣٩ ، التهذيب ٧ : ٢٢٦ / ٩٨٨.
ذلك أو تقوم به البيّنة »(١) .
مسالة ٧٠٠ : لا ينبغي التهوين في تحصيل قليل الرزق ، فإنّ علي بن بلال روى عن الحسين الجمّال قال : شهدت إسحاق بن عمّار وقد شدّ كيسه وهو يريد أن يقوم فجاء إنسان يطلب دراهم بدينار ، فحلّ الكيس وأعطاه دراهم بدينار ، فقلت له : سبحان الله ما كان فضل هذا الدينار ، فقال إسحاق بن عمّار : ما فعلت هذا رغبة في الدينار ، ولكن سمعت الصادقَعليهالسلام يقول : « من استقلّ قليل الرزق حرم الكثير »(٢) .
مسألة ٧٠١ : ينبغي الاقتصاد في المعيشة وترك الإسراف.
قال الباقرعليهالسلام : « من علامات المؤمن ثلاث : حسن التقدير في المعيشة ، والصبر على النائبة ، والتفقّه في الدين » وقال : « ما خير في رجل لا يقتصد في معيشته ما يصلح [ لا ](٣) لدنياه ولا لآخرته »(٤) .
وقال الصادقعليهالسلام في قوله عزّ وجلّ :( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ) (٥) قال : « ضمّ يده » فقال : « هكذا »( وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ) (٦) قال : « وبسط راحته » وقال : « هكذا »(٧) .
وقال الصادقعليهالسلام : « ثلاثة من السعادة : الزوجة الموافقة(٨) ، والأولاد البارّون ، والرجل يرزق معيشته ببلده يغدو إليه ويروح »(٩) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ٣١٣ - ٣١٤ / ٤٠ ، التهذيب ٧ : ٢٢٦ ، ٩٨٩.
(٢) الكافي ٥ : ٣١١ / ٣٠ ، التهذيب ٧ : ٢٢٧ / ٩٩٣.
(٣) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٤) التهذيب ٧ : ٢٣٦ / ١٠٢٨.
(٥ و ٦ ) الإسراء : ٢٩.
(٧) التهذيب ٧ : ٢٣٦ / ١٠٣١.
(٨) في المصدر : « المؤاتية » بدل « الموافقة ».
(٩) التهذيب ٧ : ٢٣٦ / ١٠٣٢ ، وفي الكافي ٥ : ٢٥٨ ( باب أنّ من السعادة ) الحديث ٢ بتفاوت يسير.
الفصل الثاني : في الشفعة
الشفعة مأخوذة من قولك : شفعت كذا بكذا ، إذا جعلته شفعاً به كأنّ الشفيع يجعل نصيبه شفعاً بنصيب صاحبه.
وأصلها التقوية والإعانة ، ومنه الشفاعة والشفيع ؛ لأنّ كلّ واحد من الموترين(١) يتقوّى بالآخَر.
وفي الشرع عبارة عن استحقاق الشريك انتزاع حصّة شريكه ، المنتقلة عنه بالبيع ، أو حقّ تملّك قهري يثبت(٢) للشريك القديم على الحادث ، وليست بيعاً ، فلا يثبت فيها خيار المجلس.
ولا بدّ في الشفعة من مشفوع - وهو المأخوذ بالشفعة ، وهو محلّها - ومن آخذٍ له ، ومن مأخوذ منه ، فهُنا مباحث :
البحث الأوّل : المحلّ.
محلّ الشفعة كلّ عقار ثابت مشترك بين اثنين قابل للقسمة.
واعلم أنّ أعيان الأموال على أقسام ثلاثة :
الأوّل : الأراضي. وتثبت فيها الشفعة أيّ أرض كانت بلا خلاف - إلّا من الأصمّ(٣) - لما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « الشفعة فيما
____________________
(١) كذا في « س ، ي » والطبعة الحجريّة.
(٢) في « س ، ي » : « ثبت ».
(٣) حلية العلماء ٥ : ٢٦٣ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ٤٦٠.
لم يقسم ، فإذا وقعت(١) الحدود فلا شفعة »(٢) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « الشفعة لا تكون إلّا لشريكٍ »(٣) .
احتجّ الأصمّ على قوله بنفي الشفعة في كلّ شيء : بأنّ في إثباتها إضراراً بأرباب الأملاك ، فإنّه إذا علم المشتري أنّه يؤخذ منه ما يبتاعه ، لم يبتعه ، ويتقاعد الشريك بالشريك ، ويستضرّ المالك(٤) .
وهو غلط ؛ لما تقدّم من الأخبار. وما ذكره غلط ؛ لأنّا نشاهد البيع يقع كثيراً ولا يمتنع المشتري - باعتبار استحقاق الشفعة - من الشراء. وأيضاً فإنّ له مدفعاً إذا علم التضرّر بذلك بأن يقاسم الشريك ، فتسقط الشفعة إذا باع بعد القسمة.
وتثبت الشفعة في الأراضي سواء بيعت وحدها أو مع شيء من المنقولات ، ويوزّع الثمن عليهما بالنسبة ، ويأخذ الشفيع الشقص بالقسط.
الثاني : المنقولات ، كالأقمشة والأمتعة والحيوانات ، وفيها لعلمائنا قولان :
أحدهما - وهو المشهور - : أنّه لا شفعة فيها - وبه قال الشافعي(٥) -
____________________
(١) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « وضعت » بدل « وقعت ». وما أثبتناه هو الموافق لما في المصادر ، وكذا تأتي الرواية أيضاً بعنوان « وقعت » في ص ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٢) الموطّأ ٢ : ٧١٣ / ١ ، التمهيد ٧ : ٣٧ - ٤٤ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٨٥ / ٣٥١٤ ، سنن البيهقي ٦ : ١٠٣ و ١٠٥ ، معرفة السنن والآثار ٨ : ٣٠٨ / ١١٩٨٦.
(٣) التهذيب ٧ : ١٦٤ / ٧٢٥.
(٤) المغني والشرح الكبير ٥ : ٤٦٠.
(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٣ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ١١٦ ، الوجيز ١ : ٢١٥ ، الوسيط ٤ : ٦٩ ، حلية العلماء ٥ : ٢٦٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٣٧ ، =
لما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « لا شفعة إلّا في رَبْعٍ أو حائط »(١) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « قضى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن ، ثمّ قال : لا ضرر ولا إضرار »(٢) .
وقول الصادقعليهالسلام : « ليس في الحيوان شفعة »(٣) .
ولأنّ الأصل عدم الشفعة ، ثبت في الأراضي بالإجماع ، فيبقى الباقي على المنع.
والثاني لعلمائنا : تثبت الشفعة في كلّ المنقولات - وبه قال مالك في إحدى الروايات عنه(٤) - لما رواه العامّة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « الشفعة في كلّ شيء »(٥) .
ومن طريق الخاصّة : رواية يونس عن بعض رجاله عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن الشفعة لمن هي؟ وفي أيّ شيء هي؟ ولمن تصلح؟ وهل تكون في الحيوان شفعة؟ وكيف هي؟ فقال : « الشفعة جائزة في كلّ شيء من حيوان أو أرض أو متاع إذا كان الشيء بين شريكين لا غيرهما ، فباع أحدهما نصيبه فشريكه أحقّ به من غيره ، وإن زاد على
____________________
= العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٢ و ٤٨٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٥ ، منهاج الطالبين : ١٥١.
(١) نصب الراية ٤ : ١٧٨ نقلاً عن البزار في مسنده.
(٢) الكافي ٥ : ٢٨٠ / ٤ ، الفقيه ٣ : ٤٥ / ١٥٤ ، التهذيب ٧ : ١٦٤ / ٧٢٧.
(٣) التهذيب ٧ : ١٦٥ / ٧٣٣ ، الاستبصار ٣ : ١١٧ - ١١٨ / ٤١٩.
(٤) حلية العلماء ٥ : ٢٦٣ - ٢٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٣ ، المغني ٥ : ٤٦٤ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧٢.
(٥) سنن الترمذي ٣ : ٦٥٤ / ١٣٧١ ، سنن البيهقي ٦ : ١٠٩ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١١ : ١٢٣ / ١١٢٤٤ ، شرح معاني الآثار ٤ : ١٢٥.
الاثنين فلا شفعة لأحدٍ منهم »(١) .
ولأنّ الشفعة تثبت لأجل ضرر القسمة ، وذلك حاصل فيما يُنقل.
والجواب : أنّ خبر العامّة وخبر الخاصّة معاً مرسلان ، وأخبارنا أشهر ، فيتعيّن العمل بها وطرح أخبارهم. والضرر بالقسمة إنّما هو لما يحتاج إليه من إحداث المرافق ، وذلك يختصّ بالأرض دون غيرها ، فافترقا.
وقد وردت رواية تقتضي ثبوت الشفعة في المملوك دون باقي الحيوانات :
روى الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام أنّه قال في المملوك بين شركاء فيبيع أحدهم نصيبه ، فيقول صاحبه : أنا أحقّ به ، أله ذلك؟
قال : « نعم إذا كان واحدا » فقيل : في الحيوان شفعة؟ فقال : « لا »(٢) .
وعن عبد الله بن سنان قال : قلت للصادقعليهالسلام : المملوك يكون بين شركاء فباع أحدهم نصيبه ، فقال أحدهم : أنا أحقّ به ، إله ذلك؟ قال : « نعم إذا كان واحداً »(٣) .
وعن مالك رواية اُخرى : أنّ الشفعة تثبت في السفن خاصّة(٤) .
الثالث : الأعيان التي كانت منقولةً في الأصل ثمّ اُثبتت في الأرض للدوام ، كالحيطان والأشجار ، وإن بيعت منفردةً ، فلا شفعة فيها على المختار ؛ لأنّها في حكم المنقولات ، وكانت في الأصل منقولةً ، وستنتهي
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٨١ / ٨ ، التهذيب ٧ : ١٦٤ - ١٦٥ / ٧٣٠ ، الاستبصار ٣ : ١١٦ / ٤١٣.
(٢) الكافي ٥ : ٢١٠ / ٥ ، التهذيب ٧ : ١٦٦ / ٧٣٥ ، الاستبصار ٣ : ١١٦ / ٤١٥.
(٣) التهذيب ٧ : ١٦٥ - ١٦٦ / ٧٣٤ ، الاستبصار ١ : ١١٦ / ٤١٤.
(٤) حلية العلماء ٥ : ٢٦٣ - ٢٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٣ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٢.
إليه وإن طال أمدها ، وليس معها ما تجعل تابعةً له ، وبه قال الشافعي(١) .
وحكى بعض أصحابه قولاً آخَر : أنّه تثبت فيها الشفعة كثبوتها في الأرض(٢) .
ولو بِيعت الأرض وحدها ، ثبتت الشفعة فيها ، ويكون الشفيع معه كالمشتري.
وإن بِيعت الأبنية والأشجار مع الأرض ، ثبتت الشفعة فيها تبعا للأرض ، لأنّ في بعض أخبار العامّة لفظ « الرّبع »(٣) وهو يتناول الأبنية ، وفي بعض أخبار الخاصّة : « والمساكن »(٤) وهو يتناول الأبنية أيضاً ، وفي بعضها : « الدار »(٥) وهو يتناول الجدران والسقوف والأبواب.
مسالة ٧٠٢ : الأثمار على الأشجار - سواء كانت مؤبَّرةً أو لا - إذا بِيعت معها ومع الأرض ، لا تثبت فيها الشفعة - وبه قال الشافعي(٦) - وكذا إذا شرط إدخال الثمرة في البيع ؛ لأنّها لا تدوم في الأرض.
وكذا الزروع الثابتة في الأرض ؛ لأنّ ما لا يدخل في بيع الأرض بالإطلاق لا يثبت له حكم الشفعة ، كالفدان(٧) الذي يعمل فيها ، وعكسه
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٦.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٤.
(٣) تقدّمت الإشارة إلى مصدره في ص ١٩٥ ، الهامش (١).
(٤) تقدّمت الإشارة إلى مصدره في ص ١٩٥ ، الهامش (٢).
(٥) راجع : الكافي ٥ : ٢٨٠ / ٢ ، والتهذيب ٧ : ١٦٥ / ٧٣١ ، والاستبصار ٣ : ١١٧ / ٤١٧.
(٦) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٤ ، حلية العلماء ٥ : ٢٦٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٦ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٩ ، ١٩٦٧ ، المغني ٥ : ٤٦٤ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧١.
(٧) الفَدان : الذي يجمع أداة الثورين في القِران للحرث. لسان العرب ١٣ : ٣٢١ « فدن ».
البناء والشجر.
وقال الشيخ وأبو حنيفة ومالك : تدخل الثمار والزروع مع اُصولها ومع الأرض التي نبت الزرع بها(١) ؛ لأنّها متّصلة بما فيه الشفعة ، فتثبت الشفعة فيها ، كالبناء والغراس(٢) .
ويمنع الاتّصال ، بل هي بمنزلة الوتد المثبت في الحائط.
وفي الدولاب الغرّاف والناعورة نظر من حيث عدم جريان العادة بنقله ، فكان كالبناء.
والأقرب : عدم الدخول.
ولا تدخل الحبال التي تركب عليها الدلاء.
مسالة ٧٠٣ : قد بيّنّا أنّه لا تثبت الشفعة في المنقولات ، ولا فرق بين أن تباع منفردةً أو مع الأرض التي تثبت فيها الشفعة ، بل يأخذ الشفيع الشقص من الأرض خاصّة بحصّته من الثمن.
وعن مالك رواية ثالثة أنّها : إن بِيعت وحدها ، فلا شفعة فيها. وإن بيعت مع الأرض ، ففيها الشفعة ؛ لئلّا تتفرّق الصفقة(٣) .
والجواب : المعارضة بالنصوص.
ولو كانت الثمرة غير مؤبَّرة ، دخلت في المبيع شرعاً ، ولا يأخذها الشفيع ؛ لأنّها منقولة. ولأنّ المؤبَّرة لا تدخل في الشفعة فكذا غيرها ، وهو
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « يثبت الزرع فيها » بدل « نبت الزرع بها ».
(٢) الخلاف ٣ : ٤٤٠ ، المسألة ١٥ ، المبسوط - للطوسي - ٣ : ١١٩ ، المبسوط - للسرخسي - ١٤ : ١٣٤ ، بدائع الصنائع ٥ : ٢٧ - ٢٨ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٩ / ١٩٦٧ ، المدوّنة الكبرى ٥ : ٤٢٧ ، حلية العلماء ٥ : ٢٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٤ ، المغني ٥ : ٤٦٤ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧١.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٣.
أحد قولي الشافعي. والآخَر : أنّها تدخل في الشفعة ؛ لدخولها في مطلق البيع(١) .
وعلى هذا فلو لم يتّفق الأخذ حتى تأبّرت ، فوجهان للشافعيّة :
أظهرهما : الأخذ ؛ لأنّ حقّه تعلّق بها ، وزيادتها كالزيادة الحاصلة في الشجرة.
والثاني : المنع ؛ لخروجها عن كونها تابعةً للنخل.
وعلى هذا فبِمَ يأخذ الأرض والنخيل؟ وجهان :
أشبههما : بحصّتهما من الثمن كما في المؤبَّرة ، وهو مذهبنا.
والثاني : بجميع الثمن تنزيلاً له منزلة عيبٍ يحدث بالشقص(٢) .
ولو كانت النخيل حائلةً عند البيع ثمّ حدثت الثمرة قبل أخذ الشفيع ، فإن كانت مؤبَّرةً ، لم يأخذها. وإن كانت غير مؤبَّرة ، فعلى قولين(٣) .
وعندنا لا يأخذها ؛ لاختصاص الأخذ عندنا بالبيع ، والشفعة ليست بيعاً.
وإذا بقيت الثمرة للمشتري ، فعلى الشفيع إبقاؤها إلى الإدراك مجّاناً.
وهذا إذا بِيعت الأشجار مع الأرض أو مع البياض الذي يتخلّلها ، أمّا إذا بيعت الأشجار ومغارسها لا غير ، فوجهان للشافعي ، وكذا لو باع الجدار مع الاُسّ :
أحدهما : أنّه تثبت الشفعة ؛ لأنّها أصل ثابت.
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٤ ، حلية العلماء ٥ : ٢٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٦.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٦.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٤ - ٣٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١٥٦.
وأشبههما : المنع ؛ لأنّ الأرض هنا تابعة ، والمتبوع منقول(١) .
وعندنا أنّ قبل القسمة تثبت الشفعة ، وإلّا فلا.
مسالة ٧٠٤ : لو باع شقصاً فيه زرع لا يجزّ مراراً وأدخله في البيع ، أخذ الشفيع الشقص بحصّته من الثمن دون الزرع ، وبه قال الشافعي(٢) ، خلافاً لأبي حنيفة ومالك(٣) ، وقد سبق(٤) .
وإن كان ممّا يجزّ مراراً ، فالجزّة الظاهرة التي لا تدخل في البيع المطلق كالثمار المؤبَّرة ، والاُصول كالأشجار ، قاله الشافعي(٥) .
وعندنا أنّه لا يدخل في الشفعة أيضاً ولا في البيع على ما تقدّم(٦) .
أمّا ما يدخل تحت مطلق بيع الدار من الأبواب والرفوف والمسامير فالأقرب : أنّه يؤخذ بالشفعة تبعاً ، كالأبنية.
ولو باع شقصاً من طاحونة ، لم يدخل شيء من الأحجار فيها على ما تقدّم(٧) .
وقال الشافعي : يؤخذ التحتاني(٨) إن قلنا بدخوله في البيع ، وفي الفوقاني وجهان(٩) .
____________________
(١) الوسيط ٤ : ٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٦.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٥.
(٤) في ص ١٩٧ - ١٩٨ ، المسألة ٧٠٢.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٦.
(٦) في ص ٤٧ ، المسألة ٥٧٢.
(٧) في ص ٥٩ ، ضمن المسألة ٥٧٦ ، القسم الثالث.
(٨) أي : الحجر التحتاني.
(٩) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٧.
مسالة ٧٠٥ : شرطنا في محلّ الشفعة من العقار كونه ثابتاً. واحترزنا بالثابت عمّا إذا كان بين اثنين غرفةٌ عالية أو حجرة معلّقة على سقف لأحدهما أو لغيرهما ، فإذا باع [ أحدهما ](١) نصيبه ، فلا شفعة لشريكه ؛ لأنّه لا أرض لها ولا ثبات فأشبهت المنقولات.
ولو كان السقف لهما وبِيع معها ، فالأقرب : أنّه لا شفعة لشريكه أيضاً ؛ لأنّ الأرض التي لهما لا ثبات لها ، وما لا ثبات له في نفسه لا يعدّ(٢) ثباتاً لما هو عليه ، وهو أحد وجهي الشافعيّة(٣) .
والثاني : أنّ الشفعة تثبت ؛ للاشتراك بينهما أرضاً وجدراناً(٤) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ ما هو أرضهما لا ثبات له.
ولو كان السفل بين اثنين والعلوُّ لأحدهما فباع صاحب العلوِّ العلوَّ ونصيبَه من السفل ، كان للشفيع أخذ السفل لا غير ؛ لأنّ الشفعة لا تثبت في الأرض إلّا إذا كانت مشتركةً ، فكذلك ما فيها من الأبنية ، ولا شركة بينهما في العلوّ ، وهو قول بعض الشافعيّة(٥) .
وقال بعضهم : إنّ الشريك يأخذ السفل ونصف العلوّ بالشفعة ، لأنّ الأرض مشتركة بينهما ، وما فيها تابع لها ، ألا ترى أنّه يتبعها في بيع الأرض عند الإطلاق ، فكذلك في الشفعة(٦) . وليس بشيء.
ولو كانت بينهما أرض مشتركة ، وفيها أشجار لأحدهما ، فباع صاحب الأشجارِ الأشجارَ ونصيبَه من الأرض ، ففيه الخلاف المذكور.
مسالة ٧٠٦ : يشترط كون المبيع مشتركاً بين اثنين لا أزيد ، فلو تعدّد
____________________
(١) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.
(٢) كذا ، والظاهر : « لا يفيد » بدل « لا يعدّ ».
(٦-٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٧.
الشركاء وزادوا على اثنين ، فلا شفعة عند أكثر علمائنا(١) ، خلافاً للعامّة.
لنا : الأصل عدم الشفعة ، أثبتناها في الاثنين ؛ دفعاً لضرورة الشركة ، وهذا المعنى منتفٍ في حقّ الزائد على الاثنين ، فيبقى على أصالة العدم.
وما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله « أنّه قضى بالشفعة في كلّ مشترك(٢) لم يقسم رَبْع أو حائط لا يحلّ له أن يبيعه حتى يؤذنَ شريكه ، فإن شاء أخذ ، وإن شاء ترك ، فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحقّ به »(٣) وهو يدلّ على الاقتصار على الواحد.
ومن طريق الخاصّة : رواية عبد الله بن سنان - الصحيحة - عن الصادقعليهالسلام قال : « لا تكون الشفعة إلّا لشريكين ما لم يتقاسما ، فإذا صاروا ثلاثةً ، فليس لواحدٍ منهم شفعة »(٤) .
وفي رواية يونس - السابقة(٥) - عن الصادقعليهالسلام : « وإن زاد على الاثنين فلا شفعة لأحدٍ منهم ».
وقال بعض(٦) علمائنا - وهو قول الجمهور كافّة - : إنّها تثبت مع الكثرة ، لما رواه السكوني عن الصادق عن الباقر عن آبائه عن عليّ : قال : « الشفعة على عدد الرجال »(٧) .
____________________
(١) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : ٦١٨ ، والشيخ الطوسي في النهاية : ٤٢٤ ، وسلّار في المراسم : ١٨٣ ، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : ٣٦١.
(٢) كذا في « س ، ي » والطبعة الحجريّة ، وفي المصدر : « شركة » بدل « مشترك ».
(٣) صحيح مسلم ٣ : ١٢٢٩ / ١٣٤ ، سنن النسائي ٧ : ٣٢٠.
(٤) الكافي ٥ : ٢٨١ / ٧ ، التهذيب ٧ : ١٦٤ / ٧٢٩ ، الاستبصار ٣ : ١١٦ / ٤١٢.
(٥) في ص ١٩٥ - ١٩٦.
(٦) الشيخ الصدوق في الفقيه ٣ : ٤٦ ، ذيل الحديث ١٦٢.
(٧) التهذيب ٧ : ١٦٦ / ٧٣٦ ، الاستبصار ٣ : ١١٦ - ١١٧ / ٤١٦.
والطريق ضعيف لا يعوّل عليه.
إذا ثبت هذا ، فالقائلون بثبوت الشفعة مع الكثرة اختلفوا ، فقال بعضهم : إنّها على عدد الرؤوس(١) . وقال بعضهم : إنّها على عدد الأنصباء(٢) .
مسالة ٧٠٧ : شرطنا في المأخوذ أن كان ممّا يقبل القسمة ، كالبساتين والدور المتّسعة وغيرها ؛ لأنّ ما لا يقبل القسمة - كالحمّام والدار الضيّقة والعضائد الضيّقة وما أشبه ذلك - لا تثبت فيه الشفعة عند أكثر علمائنا(٣) - وبه قال عثمان وربيعة والشافعي ومالك في إحدى الروايتين(٤) - لأنّ الشفعة تضرّ بالبائع ؛ لأنّه لا يمكنه أن يخلص نصيبه بالقسمة ، وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع ، ولا يمكنه القسمة ، فيسقط حقّ الشفعة ، فلهذا لم تجب الشفعة.
____________________
(١) الهداية - للمرغيناني - ٤ : ٢٥ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٨ / ١٩٦٥ ، الوسيط ٤ : ٩٤ ، حلية العلماء ٥ : ٢٩٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٢ ، المغني ٥ : ٥٢٣ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٩٠.
(٢) الهداية - للمرغيناني - ٤ : ٢٥ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٨ / ١٩٦٥ ، الوسيط ٤ : ٩٤ ، حلية العلماء ٥ : ٢٩٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٧ ، روضة الطالبين ٣ : ١٨٢ ، المغني ٥ : ٥٢٣ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٩٠.
(٣) منهم : الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٤٤١ ، المسألة ١٦ ، وسلاّر في المراسم : ١٨٣ ، والمحقّق الحلّي في المختصر النافع : ٢٥٧.
(٤) المغني ٥ : ٤٦٥ و ٤٦٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦٨ و ٤٦٩ ، معالم السنن - للخطّابي - ٥ : ١٧٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٤ ، الوجيز ١ : ٢١٥ ، حلية العلماء ٥ : ٢٦٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٧ و ١٥٨ ، وفي الخلاف - للشيخ الطوسي - ٣ : ٤٤١ ، المسألة ١٦ حكاية قول عثمان أيضاً.
ولما رواه السكوني عن الصادق ٧ قال : « قال رسول الله ٦ : لا شفعة في سفينة ولا في نهر ولا في طريق »(١) .
وقال بعض(٢) علمائنا : تثبت فيه الشفعة - وبه قال الثوري ومالك في الرواية الاُخرى ، وأبو حنيفة وأصحابه ، وأبو العباس بن سريج من الشافعيّة ، ونقله قولاً آخَر للشافعي(٣) - لعموم قول الصادقعليهالسلام : « الشفعة جائزة في كلّ شيء »(٤) .
ولأنّ الشفعة تثبت لأجل الضرر بالمشاركة ، والضرر في هذا النوع أكثر ، لأنّه يتأبّد ضرره.
والرواية مقطوعة السند.
وأصل اختلاف الشافعيّة هنا مبنيّ على علّة ثبوت الشفعة في المنقسم(٥) إن قلنا : إنّها تثبت لدفع ضرر الشركة فيما يتأبّد ويدوم ، كتضيّق المداخل ، والتأذّي بحرفة(٦) الشريك أو أخلاقه(٧) أو كثرة الداخلين عليه ، وما أشبه ذلك.
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٨٢ / ١١ ، التهذيب ٧ : ١٦٦ / ٧٣٨ ، الاستبصار ٣ : ١١٨ / ٤٢٠.
(٢) كالسيّد المرتضى في الانتصار : ٢١٥ ، وابن إدريس في السرائر ٢ : ٣٨٩.
(٣) المغني ٥ : ٤٦٥ - ٤٦٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦٩ ، معالم السنن - للخطّابي - ٥ : ١٧٢ ، الهداية - للمرغيناني - ٤ : ٣٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٤ ، حلية العلماء ٥ : ٢٦٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٧.
(٤) الكافي ٥ : ٢٨١ / ٨ ، التهذيب ٧ : ١٦٤ / ٧٣٠ ، الاستبصار ٣ : ١١٦ / ٤١٣.
(٥) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « التقسيم » بدل « المنقسم ». والصحيح ما أثبتناه.
(٦) في الطبعة الحجريّة : « بخراءة » بدل « بحرفة » ولها وجه ، وفي « س ، ي » بدلهما : « بجزية ». وهي تصحيف ما أثبتناه من المصدر.
(٧) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « اختلافه » بدل « أخلاقه ». وما أثبتناه من المصدر.
وأصحّهما : أنّها تثبت لدفع الضرر الذي ينشأ من القسمة من بذل مئونتها ، والحاجة إلى أفراد الحصّة الصائرة إليه بالمرافق الواقعة في حصّة صاحبه ، كالمِصْعَد والمبرز والبالوعة ونحوها ، وكلّ واحد من الضررين وإن كان حاصلاً قبل البيع لكن مَنْ رغب من الشريكين في البيع كان من حقّه أن يخلص الشريك ممّا هو فيه ببيعه منه ، فإذا لم يفعل ، سلّطه الشرع على أخذه. فإن قلنا بالأصحّ ، لم تثبت الشفعة فيما لا ينقسم ؛ لأنّه يؤمن فيه من ضرر القسمة. وإن قلنا بالأوّل ، ثبتت الشفعة فيه(١) .
مسالة ٧٠٨ : المراد من المنقسم ما يتجزّأ ويكون كلّ واحد من جزءيه منتفعاً به من الوجه الذي كان ينتفع به قبل القسمة دون غيره ، ولا عبرة بإمكان الانتفاع به من وجوه اُخر ؛ للتفاوت العظيم بين أجناس المنافع.
وقيل : المنقسم ما لا تنقص قيمته نقصاناً فاحشاً ، فلو كانت قيمة الدار مائةً ولو قُسّمت عادت قيمة كلّ نصف إلى ثلاثين ، لم تقسّم ، لما فيها من الضرر(٢) .
وقيل : إنّه الذي يبقى منتفعاً به بعد القسمة بوجه ما ، أمّا إذا خرج عن حدّ الانتفاع بالكلّيّة - أمّا لضيق الخطّة وقلّة النصيب ، أو لأنّ أجزاءه غير منتفع بها وحدها ، كشرب القنا(٣) ، ومصراعي الباب - فلا ينقسم(٤) .
مسالة ٧٠٩ : إذا كانت الطاحونة أو الحمّام كبيرين يمكن إفراد حصّة
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٧.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٧.
(٣) في « العزيز شرح الوجيز » بدل « كشرب القنا » : « كماء سراب القنا ». ولعلّها : « كأسراب القنا ». والسرب : القناة الجوفاء التي يدخل منها الماءُ الحائطَ. لسان العرب ١ : ٤٦٦ « سرب ».
(٤) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٧ - ١٥٨.
كلٍّ منهما عن صاحبه من غير تضرّر ، أو كان مع البئر أرض تسلم البئر لأحدهما ، أو كان في الرحى أربعة أحجار دائرة يمكن أن ينفرد كلٌّ منهما بحجرين ، أو كان الطريق واسعاً لا تبطل منفعته بالقسمة ، أو كان الحمّام كثير البيوت يمكن جَعْله حمّامين ، أو متّسع البيوت يمكن جعل كلّ بيت بيتين ، أو كانت البئر واسعة يمكن أن يبنى فيها فتجعل بئرين لكلّ واحدة بياض يقف فيه المستقي ويُلقي فيه ما يخرج منها ، تثبت الشفعة في ذلك كلّه.
ولو كان بين اثنين دار ضيّقة لأحدهما عُشْرها ، فإن قلنا بثبوت الشفعة فيما لا يقسم ، فأيّهما باع نصيبه فلصاحبه الشفعة. وإن حكمنا بمنعها ، فإن باع صاحب العُشْر نصيبه ، لم تثبت لصاحبه الشفعة ؛ لأنّه آمنٌ من أن يطلب مشتريه القسمة ؛ لانتفاء فائدته فيها ، ولو طلب لم يُجِبْ إليه ؛ لأنّه متعنّت مضيّع لماله ، وإذا كان كذلك ، فلا يلحقه ضرر القسمة.
فإن باع الآخَر ، ففي ثبوت الشفعة لصاحب العُشْر وجهان بناءً على أنّ صاحب الأزيد هل يُجاب إذا طلب القسمة ؛ لأنّه منتفع بالقسمة؟ والظاهر عند الشافعي أنّه يجاب(١) . ونحن نقول بخلافه.
ولو كان حول البئر بياض وأمكنت القسمة بأن تُجعل البئر لواحدٍ والبياض لآخَر ، أو كان موضع الحجر والرحى واحداً وله بيت ينتفع به وأمكنت القسمة بأن يجعل موضع الحجر لواحدٍ والبيت لآخَر ، تثبت الشفعة - وهو أحد قولي الشافعي(٢) - وهو مبنيّ على أنّه لا يشترط فيما يصير لكلّ واحدٍ منهما أن يمكن الانتفاع به من الوجه الذي كان ينتفع به قبل القسمة.
ولو كان لاثنين مزرعة يمكن قسمتها وبئر يستقى منها باع أحدهما
____________________
(١و٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٨.
نصيبه منهما ، تثبت للآخَر الشفعة فيهما إن انقسمت البئر ، أو قلنا بثبوت الشفعة فيما لا ينقسم ، وإلّا ثبتت في المزرعة.
وهل تثبت في البئر؟ الأقوى : أنّها تثبت ؛ لأنّها تابعة ، كالأشجار ، وهو أحد قولي الشافعي(١) .
وأصحّهما : المنع ، والفرق بين البئر والأشجار ظاهر ؛ فإنّ الأشجار ثابتة في محلّ الشفعة ، والبئر مباينة عنه(٢) .
والفرق لا يُخرج البئر عن التبعيّة ، ويُذكر غيره(٣) ، كالحائط.
البحث الثاني : في الآخذ.
مسالة ٧١٠ : أخذ الشفعة يشترط أن يكون شريكاً في المشفوع ، فلا تثبت الشفعة بالجوار ، وإنّما تثبت بالخلطة إمّا في الملك أو في طريقه أو نهره أو ساقيته ، وبه قال عبيد الله بن الحسن العنبري وسوار القاضي(٤) .
ووافقنا الشافعي على أنّ الشفعة لا تثبت للجار - وبه قال عمر وعثمان وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار وسعيد بن المسيّب ويحيى ابن سعد الأنصاري ، ومن الفقهاء : ربيعة ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور(٥) - لما رواه العامّة عن النبيّ ٦ أنّه قال : « الشفعة فيما
____________________
(١و٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٨.
(٣) أي : أنّ الذي يُذكر في البيع غير البئر.
(٤) المغني ٥ : ٤٦١ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦٦ - ٤٦٧ ، حلية العلماء ٥ : ٢٦٧.
(٥) المغني ٥ : ٤٦١ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦٦ ، الوجيز ١ : ٢١٥ ، الوسيط ٤ : ٧٢ ، حلية العلماء ٥ : ٢٦٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٩ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٦.
لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصُرّفت(١) الطرق فلا شفعة »(٢) .
ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليهالسلام : « إذا وقعت السهام ارتفعت الشفعة »(٣) .
وقال الصادقعليهالسلام : « الشفعة لا تكون إلّا لشريك »(٤) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إذا رفّت الأرف(٥) وحدّت الحدود فلا شفعة »(٦) .
وقال أبو حنيفة والثوري وابن شبرمة وابن أبي ليلى : إنّ الشفعة تثبت بالشركة ثمّ بالشركة في الطريق ثمّ بالجوار(٧) .
وفصّل أبو حنيفة ، فقال : يقدّم الشريك ، فإن لم يكن شركة وكان الطريق مشتركاً كدربٍ لا ينفذ ، فإنّه تثبت الشفعة لجميع أهل الدرب الأقرب فالأقرب ، ولو لم يأخذ هؤلاء ، تثبت للملاصق من درب آخَر خاصّةً ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « الجار أحقّ بسَقَبه(٨) »(٩) وقالعليهالسلام : « جار
____________________
(١) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « ضربت » بدل « صُرّفت ». وما أثبتناه من المصادر. اُنظر : الهامش التالي.
(٢) صحيح البخاري ٣ : ١١٤ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٨٣٥ / ٢٤٩٩ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٨٥ / ٣٥١٤ ، سنن البيهقي ٦ : ١٠٢.
(٣) الكافي ٥ : ٢٨٠ / ٣ ، الفقيه ٣ : ٤٦ / ١٦١ ، التهذيب ٧ : ١٦٣ / ٧٢٤.
(٤) التهذيب ٧ : ١٦٤ / ٧٢٥.
(٥) الاُرفة : الحدّ ومعالم الحدود بين الأرضين. الصحاح ٤ : ١٣٣١ « أرف ».
(٦) الكافي ٥ : ٢٨٠ / ٤ ، التهذيب ٧ : ١٦٤ / ٧٢٧.
(٧) حلية العلماء ٥ : ٢٦٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٩ ، المغني ٥ : ٤٦١ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦٦.
(٨) السَّقَب : القرب. النهاية - لابن الأثير - ٢ : ٣٧٧ « سقب ».
(٩) صحيح البخاري ٣ : ١١٥ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٨٦ / ٣٥١٦ ، سنن الترمذي ٣ : ٦٥٣ ، ذيل الحديث ١٣٧٠.
الدار أحقّ بدار جاره أو الأرض »(١) (٢) .
والحديث ممنوع ، وقد طعن فيه جماعة ؛ لأنّ الحديث الأخير رواه الحسن(٣) [ عن ](٤) سمرة(٥) ، وقال أصحاب الحديث : لم يرو عنه إلّا حديثاً واحداً ، وهو حديث العقيقة(٦) (٧) . و « الجار » في الحديث الأوّل يُحمل على الشريك.
إذا ثبت هذا ، فإنّه لا شفعة للجار ، سواء كان ملاصقاً أو مقابلاً.
وقال أبو حنيفة : للجار الملاصق الشفعة ، وللمقابل أيضاً إذا لم يكن الطريق بينهما نافذاً(٨) . وعن ابن سريج من الشافعيّة(٩) تخريج كمذهب أبي حنيفة.
مسالة ٧١١ : قد بيّنّا أنّه لا تثبت الشفعة بالجوار ولا فيما قُسّم ومُيّز إلّا أن يكون بينهما شركة في طريق أو نهر أو ساقية بشرط أو يبيع الدارَ مع الطريق ، والبستانَ مع الشرب أو النهر ؛ لما رواه منصور بن حازم - في الحسن - عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن دار فيها دُوْرٌ وطريقهم واحد
____________________
(١) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٨٦ / ٣٥١٧.
(٢) مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٣٩ / ١٩٤٧ ، حلية العلماء ٥ : ٢٦٧ ، المغني ٥ : ٤٦١ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦٦.
(٣) وهو : الحسن البصري. راجع المصادر في الهامش ٦.
(٤) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « ابن ». وذلك تصحيف.
(٥) وهو : سمرة بن جندب. راجع المصادر في الهامش التالي.
(٦) سنن الترمذي ٤ : ١٠١ / ١٥٢٢ ، سنن البيهقي ٩ : ٣٠٣ ، المستدرك - للحاكم - ٤ : ٢٣٧ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٧ : ٢٤٢ - ٢٤٣ / ٦٨٢٧ - ٦٨٣٢ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٨ : ٤٨ / ٤٢٩٠ ، و ١٤ : ١٢٢ / ١٨١٥٦.
(٧) التمهيد ١ : ٣٧ ، الاستذكار ٥ : ١٩ / ٥٦٨٦ ، المغني ٥ : ٤٦٢ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦٨.
(٨و٩) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٩.
في عرصة الدار فباع بعضهم منزله من رجل هل لشركائه في الطريق أن يأخذوا بالشفعة؟ فقال : « إن كان باب الدار وما حول بابها إلى الطريق غير ذلك ، فلا شفعة لهم ، وإن باع الطريق مع الدار فلهم الشفعة »(١) .
وعن منصور بن حازم - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : دار بين قوم اقتسموها فأخذ كلّ واحد منهم قطعة وتركوا بينهم ساحة فيها ممرّهم فجاء رجل فاشترى نصيب بعضهم ، إله ذلك؟ قال : « نعم ، ولكن يسدّ بابه ويفتح باباً إلى الطريق ، أو ينزل من فوق البيت ويسدّ بابه ، وإن أراد صاحب الطريق بيعه فإنّهم أحقّ به ، وإلّا فهو طريقه يجيء يجلس على ذلك الباب »(٢) .
وعن منصور بن حازم عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : دار بين قوم اقتسموها وتركوا بينهم ساحة فيها ممرّهم فجاء رجل فاشترى نصيب بعضهم ، إله ذلك؟ قال : « نعم ، ولكن يسدّ بابه ويفتح بابا إلى الطريق أو ينزل من فوق البيت ، فإن أراد شريكهم أن يبيع منقل قدميه فإنّهم أحقّ به ، وإن أراد يجيء حتى يقعد على الباب المسدود الذي باعه لم يكن لهم أن يمنعوه »(٣) .
مسالة ٧١٢ : الدار إمّا أن يكون بابها مفتوحاً إلى دربٍ نافذ ، أو غير نافذ ، فإن كان الأوّل ولا شريك له في الدار ، فلا شفعة فيها لأحدٍ ولا في ممرّها ؛ لأنّ هذا الدرب غير مملوك. وإن كان الثاني ، فالدرب ملك مشترك بين سكّانه على السويّة. فإن باع نصيبه من الممرّ وحده ، فللشركاء الشفعة
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٦٥ / ٧٣١.
(٢) الكافي ٥ : ٢٨١ / ٩ ، التهذيب ٧ : ١٦٥ / ٧٣٢ ، الاستبصار ٣ : ١١٧ / ٤١٨.
(٣) التهذيب ٧ : ١٦٧ - ١٦٨ / ٧٤٣.
إن كان واحداً وأمكن قسمته ، وإلّا فلا.
وإن باع الدار بممرّها فللشريك في الممرّ الشفعةُ في الدار وطريقها.
وقال الشافعي : لا شفعة له في الدار ؛ لأنّه لا شركة [ له ](١) فيها ، فصار كما لو باع شقصاً من عقار مشترك وعقاراً غير مشترك(٢) .
وقال أبو حنيفة(٣) كقولنا من إثبات الشفعة.
وإن أرادوا أخذ الممرّ بالشفعة ، قال الشافعي : يُنظر إن كان للمشتري طريق آخَر إلى الدار أو أمكنه فتح بابٍ آخَر إلى شارع ، فلهُمْ ذلك على المشهور إن كان منقسماً ، وإلّا فعلى الخلاف في غير المنقسم.
وقال بعض الشافعيّة : إن كان في اتّخاذ الممرّ الحادث عسر أو مئونة لها وَقْعٌ ، وجب أن يكون ثبوت الشفعة على الخلاف الآتي(٤) .
وإن لم يكن له طريق آخر ولا أمكن اتّخاذه ، ففيه وجوه :
أحدها : أنّهم لا يمكّنون منه ، لما فيه من الإضرار بالمشتري ، والشفعة شرّعت لدفع الضرر ، فلا يزال الضرر بالضرر.
والثاني : أنّ لهم الأخذ ، والمشتري هو المضرّ بنفسه حيث اشترى مثل هذه الدار.
والثالث : أن يقال لهم : إن أخذتموه على أن تمكّنوا المشتري من المرور ، فلكم الأخذ ، وإلّا فلا شفعة لكم جمعاً بين الحقّين(٥) .
والأقرب عندي : أنّ الطريق إن كان ممّا يمكن قسمته والشريك واحد
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « لهم ». وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٠.
(٤و٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٩.
وبِيع مع الدار المختصّة بالبائع صفقةً ، فللشريك الآخَر أخذ الطريق خاصّةً إن شاء ، وإن شاء أخذ الجميع. وإن لم يمكن قسمته ، لم يكن له أخذه خاصّةً ، بل إمّا أن يأخذ الجميع أو يترك.
وإذا كان في الخان بيوت مشتركة بين مالكين ، فالشركة في صحنه كشركة مالكي الدارين في الدرب المنقطع. وكذا الشركة في مسيل ماء الأرض ، دون الأرض.
مسالة ٧١٣ : لا تثبت الشفعة في المقسوم والجوار بغير الشركة في الطريق والنهر والساقية ولا إذا بِيعت الدار منفردةً عن الطريق ، أمّا لو باعها مع الطريق ثمّ حوّل الباب ، ثبتت الشفعة.
ولو كانت الشركة في الجدار أو السقف أو غير ما ذكرنا من الحقوق ، فلا شفعة ؛ عملاً بالأصل.
ولو كانت المزرعة مختصّةً وبئرها التي يسقى الزرع منها مشتركةً حتى بِيعت المزرعة والبئر ، ففي ثبوت الشفعة في المزرعة بمجرّد الشركة في البئر إشكال ينشأ : من الاقتصار على مورد النصّ فيما يخالف الأصل ، ولا شكّ في مخالفة الشفعة للأصل. ومن أنّها مشتركة في مسقى.
والشافعي ألحق الشركة في البئر بالشركة في الممرّ(١) .
مسالة ٧١٤ : يشترط في الآخذ بالشفعة الإسلام إن كان المشتري مسلما ، وإلّا فلا تثبت الشفعة للذمّيّ على المسلم ، وتثبت للمسلم على الذمّي ، وللذمّي على مثله ، سواء تساويا في الكفر أو اختلفا ولو كان أحدهما حربيّاً ، ذهب إليه علماؤنا - وبه قال الشعبي وأحمد والحسن بن
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٩.
صالح بن حي(١) - لأنّه نوع سبيل ، وقال الله تعالى :( وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) (٢) .
ولما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « لا شفعة لذمّيٍّ على مسلم »(٣) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « ليس لليهود والنصارى شفعة »(٤) .
ولأنّه تملّك بغير مملّك ، فأشبه الإحياء.
وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك والأوزاعي وأصحاب أبي حنيفة : تثبت للذّميّ الشفعةُ على المسلم ؛ لأنّ الشفعة خيار يثبت لإزالة الضرر عن المال ، فاستوى فيه المسلم والذمّي ، كالردّ بالعيب(٥) .
ويمنع كونها خياراً ، وإنّما هو تملّك قهريّ ، فلا يثبت للكافر ؛ للآية(٦) .
____________________
(١) المغني ٥ : ٥٥١ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٤٣ ، حلية العلماء ٥ : ٢٧١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٠ - ٤٩١.
(٢) النساء : ١٤١.
(٣) لم نقف على نصّ الحديث في المصادر الحديثيّة المتوفّرة لدينا ، وقد روى البيهقي في السنن الكبرى ٦ : ١٠٨ عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « لا شفعة للنصراني ».
وفي ص ١٠٩ « ليس لليهودي والنصراني شفعة ». وقد أورد الحديث كما في المتن الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٤٥٤ ، المسألة ٣٨ من كتاب الشفعة.
(٤) الكافي ٥ : ٢٨١ / ٦ ، التهذيب ٧ : ١٦٦ / ٧٣٧.
(٥) بدائع الصنائع ٥ : ١٦ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٤ / ١٩٥٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٥ ، حلية العلماء ٥ : ٢٧١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٩ ، المدوّنة الكبرى ٥ : ٤٥٣ ، المغني ٥ : ٥٥١ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٤٣ - ٥٤٤.
(٦) النساء : ١٤١.
مسالة ٧١٥ : تثبت الشفعة للكافر على الكافر وإن اختلفا في الدين ؛ لعموم الأخبار السالمة عن معارضة تسلّط الكافر على المسلم ، وكالردّ بالعيب.
فإن كان الثمن حلالاً ، تثبت(١) الشفعة.
وإن كان خمراً أو خنزيراً ، فإن لم يتقابضاه وترافعا إلى الحاكم ، أبطل البيع ، وسقطت الشفعة.
وإن وقع بعد التقابض والأخذ بالشفعة ، لم يردّه ولا الشفعة ، وصحّ البيع والأخذ.
وإن كان بعد التقابض وقبل الأخذ بالشفعة ، لم يردّ البيع ؛ لأنّهما تقابضا الثمن ، ولم تثبت الشفعة - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّ البيع وقع بثمن حرام ، فلم تثبت فيه الشفعة ، كما لو كان ثمنه مغصوباً.
وقال أبو حنيفة : تجب الشفعة ، بناءً على أصله في أنّ الخمر مال لأهل الذمّة(٣) . وهو غلط.
ولو بِيع شقص فارتدّ الشريك ، فهو على شفعته إن كانت ردّته عن غير فطرة ، وكان المأخوذ منه كافراً. وإن كان عن فطرة أو كان المأخوذ منه مسلماً ، فلا شفعة.
قال الشافعي : إن قلنا : إنّ الردّة لا تزيل الملك ، فهو على شفعته. وإن قلنا : تزيله ، فلا شفعة له. فإن عاد إلى الإسلام وعاد ملكه ، ففي عود
____________________
(١) في « س » : « ثبتت ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٥٩ - ١٦٠ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٦ ، المغني ٥ : ٥٥٢ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٤٥.
(٣) بدائع الصنائع ٥ : ١٦ ، المغني ٥ : ٥٥٢ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩١.
الشفعة خلاف ، والظاهر : المنع ، وإن قلنا بالوقف فمات أو قُتل على الردّة ، فللإمام أخذه لبيت المال ، كما لو اشترى معيباً أو شرط(١) الخيار وارتدّ ومات ، للإمام ردّه. ولو ارتدّ المشتري ، فالشفيع على شفعته(٢) .
تذنيب : ولو اشترى المرتدّ عن فطرة ، فلا شفعة ؛ لبطلان البيع ، وعن غير فطرة تثبت الشفعة.
مسالة ٧١٦ : هل تثبت الشفعة للوقوف على المساجد والربط والمدارس مثلاً؟ كدار(٣) يستحقّ رجل نصفها والنصف الآخَر ملك المسجد اشتراه متولّي المسجد له ، أو وُهب منه ليصرفه في عمارته ، فباع الرجل نصيبه ، ففي جواز أخذ المتولّي بالشفعة نظر.
قال الشافعي : له ذلك مع المصلحة ، كما لو كان لبيت المال شريك في دار فباع الشريك نصيبه ، للإمام الأخذ بالشفعة(٤) .
وعندي فيه نظر.
ولو كان نصف الدار وقفاً والآخَر طلقاً فباع صاحب الطلق نصيبه ، فإن أثبتنا للموقوف عليه الملك وكان واحداً ، تثبت له الشفعة - على رأي - لرفع ضرر القسمة وضرر مداخلة الشريك. وإن قلنا بعدم ملك الموقوف عليه أو كان متعدّداً وقلنا : لا شفعة مع التعدّد ، فلا شفعة.
وقال الشافعي : إن قلنا : لا يملك الوقف ، فلا شفعة. وإن قلنا : يملك ، فيبني على أنّ الملك هل يفرز عن الوقف؟ إن قلنا : نعم ، ففي
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « بشرط ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٠.
(٣) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة بدل « كدار » : « كذا و». وهو تصحيف.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٠.
ثبوت الشفعة وجهان :
أحدهما : تثبت لدفع ضرر القسمة ، وعلى هذا فلو كان الوقف على غير معيّن ، أخذه المتولّي إن رأى المصلحة.
وأظهرهما : المنع ؛ لأنّ الوقف لا يستحقّ بالشفعة ، فينبغي أن لا تستحقّ به الشفعة ، ولنقص الملك فيه ، فإنّه لا ينفذ تصرّفه فيه ، فلا يتسلّط على الأخذ.
وإن قلنا : لا يفرز الملك عن الوقف ، فإن منعنا من شفعة ما لا ينقسم ، فلا شفعة. وإن أثبتناه ، فوجهان(١) .
مسالة ٧١٧ : لا يستحقّ الشريك بالمنفعة شفعةً ، فلو كان الشريك لا ملك له في الرقبة بل كان يستحقّ المنافع إمّا موقّتة بالإجارة ، أو مؤبّدة بالوصيّة ، لم يكن له الأخذ بالشفعة.
وكذا ليس للمتواجرين إذا آجر أحدهم أخذه بالشفعة.
وتثبت الشفعة للمكاتب وإن كان من سيّده ، فلو كان السيّد والمكاتب شريكين في الدار ، فلكلٍّ منهما الشفعة على الآخَر.
والمأذون له في التجارة إذا اشترى شقصاً ثمّ باع الشريك نصيبه ، كان له الأخذ بالشفعة ، إلّا أن يمنعه السيّد أو يعفو عن الشفعة ، وله العفو وإن كان مديوناً معسراً وكان في الأخذ غبطة ، كما أنّ له منعه من جميع الاعتياضات في المستقبل.
ولو أراد السيّد أخذه بنفسه ، كان له ذلك ؛ لأنّ أخذ العبد أخذ له في الحقيقة.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩١.
وللشفيع الأخذ بنفسه وبوكيله ، فلا تعتبر الشركة في مباشر الأخذ ، بل فيمن له الأخذ.
البحث الثالث : في المأخوذ منه.
مسالة ٧١٨ : إنّما تؤخذ الشفعة من المشتري الذي تجدّد ملكه بعد ملك الآخذ ، فلو اشترى اثنان دفعةً واحدة ، لم يكن لأحدهما على الآخَر شفعة ؛ لعدم الأولويّة وعدم إمكان الشركة(١) .
وهل يشترط لزوم البيع؟ [ فيه ] نظر أقربه : عدم الاشتراط ، فلو باع الشقص بخيار لهما أو للبائع ، تثبت(٢) الشفعة ، ولا يسقط خيار البائع.
وقال الشافعي : يشترط اللزوم من طرف البائع ، فلا تثبت مع بقاء مدّة الخيار له.
أمّا على قول : إنّ الملك لا ينتقل إلى المشتري في مدّة الخيار : فظاهر.
وأمّا على قول الانتقال : فلأنّ في أخذه إبطالَ خيار البائع ، ولا سبيل للشفيع إلى الإضرار بالبائع وإبطال حقّه(٣) .
وعن بعض الشافعيّة احتمال ثبوت الشفعة(٤) .
وعلى ما قلناه لا يتأتّى المنع ؛ لأنّا لا نسقط حقّ البائع من الخيار ، بل يأخذ الشفيع على حدّ أخذ المشتري.
____________________
(١) أي : الشركة في الشفعة.
(٢) في « س » : « ثبتت ».
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٢ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٠ - ١٦١.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦١.
وأمّا إن كان الخيار للمشتري وحده ، يبنى عندهم على الأقوال في انتقال الملك ، فإن قلنا : إنّ الملك لا ينتقل إلّا بانقطاع الخيار ، أو قلنا : هو مراعى ، تثبت الشفعة ؛ لعدم العلم بانتقال الملك إلى المشتري ، فيستحقّ فيه الشفعة عليه.
وإن قلنا : إنّه ينتقل بنفس العقد ، نقل المزني عن الشافعي أنّها تثبت - وهو مذهبنا ، وبه قال أبو حنيفة - لأنّه قد انتقل الملك إلى المشتري ، ولا حقّ فيه إلّا له ، والشفيع مسلّط عليه بعد لزوم الملك واستقراره ، فقبله أولى ، وإنّما ثبت له خيار الفسخ ، وذلك لا يمنع من الأخذ بالشفعة ، كما لو وجد به عيباً يثبت(١) له الخيار ، وكان للشفيع أخذه.
ونقل الربيع عن الشافعي أيضاً أنّه لا شفعة - وبه قال مالك وأحمد - لأنّ المشتري لم يرض بالتزام العقد ، وفي أخذ الشفيع الشقص التزام له وإيجاب للعهدة عليه ، فلم يكن له ذلك ، كما لو كان الخيار للبائع ، بخلاف الردّ بالعيب ؛ لأنّه إنّما يثبت(٢) له الردّ لأجل الظلامة ، وذلك يزول بأخذ الشفيع.
ونقل الجويني في المسألة طريقين :
إحداهما : ثبوت القولين هكذا ، لكن كلاهما مخرّج(٣) من أنّ المشتري إذا اطّلع على عيب بالشقص وأراد ردّه وأراد الشفيع أخذه بالشفعة ، فعلى قولٍ للشفيع قطع خيار المشتري في الصورتين. وعلى قولٍ لا يمكّن منه.
____________________
(١) في « س ، ي » : « ثبت ».
(٢) في « س » : « ثبت ».
(٣) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « مخرّجان ». والظاهر ما أثبتناه.
والثاني : القطع بأنّه لا يأخذه إلى أن يلزم العقد. والفرق بين الردّ بالعيب وبينه أنّ الأخذ بالشفعة يفتقر إلى استقرار العقد وتمامه(١) .
ونقل بعض الشافعيّة فيما إذا قلنا : إنّه بَعْدُ للبائع أو موقوف وجهاً أنّ للشفيع أخذ الشقص؛ لانقطاع سلطنة البائع بلزوم العقد من جهته(٢) .
والأصحّ عندهم : المنع ؛ لأنّ ملك البائع غير زائل على تقدير أنّ الملك للبائع [ و ](٣) غير معلوم الزوال على تقدير الوقف. وعلى الأوّل إذا أخذه الشفيع تبيّنّا أنّ المشتري ملك قبل أخذه ، وانقطع الخيار(٤) .
مسالة ٧١٩ : لو باع أحد الشريكين حصّته بشرط الخيار ثمّ باع الثاني نصيبه بغير خيار في زمن خيار الأوّل وقلنا : إنّ الشفعة لا تثبت مع الخيار - كما هو مذهب الشافعي(٥) - فلا شفعة في المبيع أوّلا للبائع الثاني ، سواء علم به أو لا ، لزوال ملكه ، ولا للمشتري منه وإن تقدّم ملكه على ملك المشتري الأوّل إذا قلنا : إنّه لا يملك في زمن الخيار ؛ لأنّ سبب الشفعة البيع ، وهو سابق على ملكه.
وأمّا الشفعة في المبيع ثانياً فموقوفة إن توقّفنا في الملك على الإجازة أو الفسخ ، وللبائع الأوّل إن أبقينا الملك له ، وللمشتري منه إن أثبتنا الملك له.
ولو فسخ البيع قبل العلم بالشفعة ، بطلت شفعته إن قلنا : إنّ خيار الفسخ يرفع العقد من أصله. وإن قلنا : يرفعه من حين وقوع الفسخ ، فهو
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٣ ، المغني ٥ : ٤٧١ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٣٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٣.
(٣) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر لأجل السياق.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٣.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٠.
كما لو باع ملكه قبل العلم بالشفعة. وإن أخذه بالشفعة ثمّ فسخ البيع ، فالحكم في الشفعة كالحكم في الزوائد الحادثة في زمن الخيار.
مسالة ٧٢٠ : إذا اشترى شقصاً فوجد به عيباً ، فإن كان المشتري والشفيع معاً عالمـَين به ، لم يكن للشفيع ردّه لو أخذه من المشتري ، ولم يكن للمشتري ردّه لو لم يكن الشفيع أخذه ، بل يثبت(١) للمشتري الأرش.
ولو لم يعلما معاً بالعيب ، كان للشفيع ردّه على المشتري ، وللمشتري ردّه على البائع.
وإن علم به المشتري خاصّةً دون الشفيع ، كان للشفيع ردّه بالعيب على المشتري ، ولم يكن للمشتري ردّه على البائع.
وإن كان الشفيع عالماً به دون المشتري ، لم يكن للشفيع ردّه على المشتري ، ويثبت للمشتري الأرش.
وقال بعض الشافعيّة : إنّه استدرك ظلامته ، فلم يكن له الرجوع بالأرش(٢) .
وقال بعضهم : إنّه لم ييأس من الردّ(٣) .
فإن رجع إلى المشتري ببيعٍ أو إرث أو غير ذلك ، فهل له ردّه؟ مبنيّ على التعليلين ، إن قلنا : إنّه لا يرجع ؛ لأنّه استدرك ظلامته ، لم يكن له ردّه. وإن قلنا بالآخَر ، فله ردّه.
____________________
(١) في « س ، ي » : « ثبت ».
(٢ و ٣) لم نعثر عليه في مظانّه.
وإذا لم يكن المشتري عالماً بالعيب وأراد(١) ردّه وأراد الشفيع أخذه ورضي بكونه معيباً ، فللشافعي قولان :
أحدهما : أنّ الشفيع أولى بالإجابة ؛ لأنّه حقٌّ سابق على حقّ المشتري ، فإنّه ثابت بالبيع. ولأنّ الغرض للمشتري استدراك الظلامة والوصول إلى الثمن ، وهذا الغرض يحصل بأخذ الشفيع ، ولأنّا لو قدّمنا المشتري ، بطل حقّ الشفيع بالكلّيّة ، ولو قدّمنا الشفيع ، حصل للمشتري مثل الثمن أو قيمته.
وهذا أقوى عندي وهو قول أكثرهم.
والثاني : أنّ المشتري أولى ؛ لأنّ الشفيع إنّما يأخذ إذا استقرّ العقد وسلم عن الردّ. ولأنّه قد يريد استرداد عين ماله ودفع عهدة الشقص عنه(٢) .
مسالة ٧٢١ : لو ردّه المشتري بالعيب قبل علم الشفيع ومطالبته ثمّ علم وجاء يطلب الشفعة ، فإن قلنا : إنّ المشتري أولى عند اجتماعهما - كما هو أحد قولي الشافعي(٣) - فلا يُجاب الشفيع.
وإن قلنا : الشفيع أولى ، فللشافعي وجهان :
أظهرهما : أنّه يُجاب ويفسخ الردّ ، أو نقول : تبيّنّا أنّ الردّ كان باطلاً. وهو الأقوى عندي.
والثاني : لا يجاب ؛ لتقدّم الردّ(٤) .
وهذا الخلاف في أنّ الشفيع أولى أو المشتري جارٍ فيما إذا اشترى
____________________
(١) في « س ، ي » : « فأراد ».
(٢ و ٣ ) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦١.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦١ - ١٦٢.
شقصاً بعبدٍ ثمّ وجد البائع بالعبد عيباً فأراد ردّه واسترداد الشقص ، وأراد الشفيع أخذه بالشفعة ، وسيأتي(١) ، وفيما إذا اشترى شقصاً بعبدٍ وقبض الشقص قبل تسليم العبد ، فتلف العبد في يده، تبطل شفعة الشفيع في وجهٍ ، ويتمكّن من الأخذ في الثاني(٢) ، كما لو تلف بعد أخذ الشفيع ، فإنّ الشفعة لا تبطل ، بل على الشفيع قيمة العبد للمشتري ، وعلى المشتري قيمة الشقص للبائع.
ولو كان الثمن معيّناً وتلف قبل القبض ، بطل البيع والشفعة.
مسالة ٧٢٢ : لا تثبت الشفعة في عقد غير البيع ، سواء كان عقد معاوضة كالهبة المعوّض عنها ، والإجارة والنكاح وغيرها من جميع العقود عند علمائنا أجمع ، فلو تزوّج امرأة وأصدقها شقصاً ، لم تثبت الشفعة عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة(٣) - للأصل الدالّ على أصالة عصمة مال الغير ، وأنّه لا يحلّ أخذه منه إلّا عن طيبة نفس ، خرج ما اتّفقنا على إثبات الشفعة فيه ؛ للنصوص ، فيبقى الباقي على أصله.
وما رواه - في الصحيح(٤) - أبو بصير عن الباقرعليهالسلام ، قال : سألته عن رجل تزوّج امرأة على بيت في دار له وفي تلك الدار شركاء ، قال : « جائز له ولها ، ولا شفعة لأحد من الشركاء عليها »(٥) .
____________________
(١) في ص ٢٧٧ ، المسألة ٧٥٤.
(٢) أي : في الوجه الثاني.
(٣) بدائع الصنائع ٥ : ١٠ - ١١ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٤ / ١٩٥٤ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٤٩ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٧ ، المغني ٥ : ٤٦٩ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦٤ - ٤٦٥.
(٤) جملة « في الصحيح » لم ترد في « س ، ي ».
(٥) الفقيه ٣ : ٤٧ / ١٦٥ ، التهذيب ٧ : ١٦٧ / ٧٤٢.
وقول الصادقعليهالسلام : « الشفعة في البيوع »(١) .
ولأنّ البُضْع ليس بمال ، وإذا ملك الشقص بغير مال ، لا تثبت فيه الشفعة ، كالهبة.
وقال الشافعي ومالك : تثبت الشفعة(٢) . ثمّ اختلفا ، فقال الشافعي : يأخذه الشفيع بمهر مثل الزوجة(٣) .
وقال مالك : بقيمة الشقص ؛ لأنّه عقد معاوضة ، فجاز أن تثبت الشفعة في الأرض المملوكة به ، كالبيع(٤) (٥) .
ويمنع صلاحيّة عقد المعاوضة للعلّيّة ، بل العلّة عقد خاصّ ، وهو البيع.
قال مالك : ولو أوجبنا مهر المثل ، لقوّمنا البُضْع على الأجانب ، ولأضررنا(٦) بالشفيع ؛ لأنّه قد يتفاوت مهر المثل مع المسمّى ؛ لأنّ المهر قد يسامح فيه في العادة ، بخلاف البيع(٧) (٨) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٨١ / ٥ ، التهذيب ٧ : ١٦٤ / ٧٢٨.
(٢) حلية العلماء ٥ : ٣٨٤ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٢ ، المنتقى - للباجي - ٦ : ٢٠٧ ، المغني ٥ : ٤٦٩ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦٥.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٦ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٥٠ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٤ / ١٩٥٤ ، المغني ٥ : ٤٦٩ ، المنتقى - للباجي - ٦ : ٢٠٨.
(٤) في الطبعة الحجريّة : « كالمبيع ».
(٥) المنتقى - للباجي - ٦ : ٢٠٨ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٥٠ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٤ / ١٩٥٤.
(٦) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة بدل « لأضررنا » : « لاضربنا ». والصحيح ما أثبتناه من المصدر.
(٧) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة بدل « البيع » : « البضع ». وما أثبتناه من المصدر.
(٨) اُنظر : المغني ٥ : ٤٦٩ ، والشرح الكبير ٥ : ٤٦٥.
قالت الشافعيّة : إنّ المرأة ملكت الشقص القابل للشفعة ببدلٍ ليس له مثل ، فوجب الرجوع إلى قيمته في الأخذ بالشفعة ، كما لو باع سلعةً لا مثل لها(١) .
ولا يمتنع تقويم البُضْع على الأجنبيّ بسببٍ ، كما نقوّمه(٢) على المرضعة وشاهدَي الطلاق إذا رجعا. والمسامحة لا اعتبار بها ، والظاهر أنّ العوض يكون عوض المثل.
مسالة ٧٢٣ : إذا أصدقها شقصاً ثمّ طلّقها قبل الدخول ، فلا شفعة عندنا.
وقال الشافعي : تثبت الشفعة(٣) .
فعلى قوله لا يخلو إمّا أن يكون قد طلّقها بعد ما أخذ الشفيع الشقصَ أو بعد عفوه قبل علمه.
فإن طلّقها بعد ما أخذ ، رجع الزوج إلى قيمة الصداق ؛ لزوال ملكها عن الصداق ، كما لو باعته ثمّ طلّقها ، ويكون له قيمة نصف الصداق أقلّ ما كان من حين العقد إلى حين القبض.
وإن طلّقها بعد عفو الشفيع ، رجع في نصف الشقص ؛ لأنّ حقّ الشفيع قد سقط ، والشقص في يدها نصفه ، وتعلّق حقّ الشفيع قبل سقوطه لا يمنع من الرجوع بعد سقوطه ، ألا ترى أنّه لو باعته ثمّ اشترته ثمّ طلّقها الزوج ، فإنّه يرجع في نصفه.
____________________
(١) اُنظر : المغني ٥ : ٤٦٩.
(٢) في « ي » : « يقوَّم » بدل « نقوّمه ».
(٣) مختصر المزني : ١٢٠ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٥١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٢.
وإن طلّقها قبل أن يعلم الشفيع ثمّ علم وجاء يريد أخذه بالشفعة ، فله أخذ نصفه.
وأمّا النصف الآخَر فهل الزوج أولى به أو الشفيع؟ وجهان للشافعيّة :
أحدهما : أنّ الشفيع أولى ؛ لأنّ حقّه أسبق ، فإنّ حقّ الزوج ثبت بالطلاق.
والثاني : الزوج أولى ؛ لأنّ حقّه ثبت بالنصّ.
والأوّل أصحّ عندهم ؛ لأنّ حقّ الشفعة في الجملة ثبت أيضاً بالإجماع ، كما أنّ حقّ الزوج ثبت بالنصّ في الجملة(١) .
وهذا عندنا ساقط ؛ إذ لا شفعة هنا.
مسالة ٧٢٤ : لو اشترى شقصاً وأفلس بالثمن وأراد البائع الرجوع في الشقص وطلبه الشفيع، فالأقوى عندي : تقديم حقّ الشفيع ، ويؤخذ منه الثمن ويدفع إلى البائع ؛ لأنّ حقّه ثبت بالعقد ، وحقّ البائع ثبت بالإفلاس ، والعقد أسبق ، وأسبق الحقّين أولى بالرعاية. ولأنّ منع الشفيع يقتضي إبطال حقّه بالكلّيّة ، وإذا قدّمناه ، لا يبطل حقّ البائع ، بل ينتقل إلى البدل. ولأنّ حقّ الشفيع أقوى من حقّ البائع ، فإنّ الشفيع يُبطل تصرّف المشتري ويأخذ الشقص ، والبائع لا يُبطل تصرّف المشتري عند إفلاسه ، وهذا وجهٌ للشافعي(٢) .
وله وجهان آخَران :
أحدهما : تقديم حقّ البائع ؛ لاستناد حقّه إلى ملك سابق. ولأنّ البائع
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٢٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٢.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٢.
لم يرض بزوال الشقص إلّا على أن يسلم له الثمن ، فإذا لم يسلم ، وجب أن لا يؤخذ منه.
والآخَرَ : الشفيع أولى ، ويكون الثمن اُسوة الغرماء ؛ لأنّ حقّ البائع إذا انتقل عن العين إلى الذمّة ، التحق بسائر الغرماء.
وقيل : يقدّم البائع بالثمن رعايةً للجانبين.
والثالث(١) : إن كان البائع سلّم الشقص ثمّ أفلس المشتري ، لم يكن أولى بالثمن ؛ لرضاه بذمّة المشتري. وإن لم يسلّمه ، فهو أولى بالثمن(٢) .
وهذا الخلاف بين الشافعيّة ثابت في الزوج إذا طلّق قبل الدخول أو ارتدّ والمهر الشقص(٣) .
وقال بعض الشافعيّة : إنّ الشفيع أولى من الزوج ، والبائع أولى من الشفيع في الإفلاس ؛ لأنّ الثابت للزوج بالطلاق الملكُ ، والشفيع يثبت له ولاية التملّك ، لكنّ الشفيع أسبق حقّاً ، فهو أولى بالتقديم(٤) .
هذا إن اجتمع الشفيع مع الزوج أو البائع ، أمّا لو أخذ الشفيع الشقص من يد الزوجة ثمّ طلّق الزوج ، أو من يد المشتري ثمّ أفلس ، فلا رجوع للزوج وللبائع بحال ، لكنّ البائع يرجع إلى الثمن ، والزوج إلى القيمة في مالها ، كما لو زال الملك ببيع وشبهه.
ولو طلّقها قبل علم الشفيع وأخذ النصف ، فلا شفعة عندنا.
وقال الشافعي : إذا جاء الشفيع ، ففي استرداده ما أخذ الزوج وجهان ،
____________________
(١) أي الوجه الثالث للشافعيّة أيضاً.
(٢ و ٣ ) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٢.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٥.
كما إذا جاء بعد الردّ بالعيب(١) .
وحكى الجويني طريقةً قاطعة بالمنع ؛ لأنّ المهر يشطر بالطلاق من غير اختيار ، فيبعد نقضه. فإن قلنا : يستردّه ، أخذه وما بقي في يدها ، وإلّا أخذ ما في يدها ، ودفع إليها نصف مهر المثل(٢) .
ولو كان للشقص الممهور شفيعان وطلبا وأخذ أحدهما نصفه وطلّقها قبل أن يأخذ الآخَر ، لم يأخذ الزوج النصف الحاصل في يد الشفيع.
وهل هو أولى في النصف الآخَر أم الشفيع؟ فيه ما سبق من الخلاف.
ويجري فيما إذا أخذ أحد الشفيعين من يد المشتري ثمّ أفلس ، فإن قلنا : الشفيع أولى ، ضارَبَ البائع مع الغرماء بالثمن.
وإن قلنا : البائع أولى ، فإن شاء أخذ النصف الثاني وضارَبَ مع الغرماء بنصف الثمن ، وإلّا تركه وضارب بجميع الثمن.
مسالة ٧٢٥ : قد بيّنّا أنّ الشفعة إنّما تثبت بالبيع خاصّةً.
وقال الشافعي : تثبت بكلّ عقد معاوضة(٣) .
ووافقنا(٤) على ما إذا ملك من غير معاوضة ، فلا شفعة عليه ، كالإرث والهبة والوصيّة.
أمّا الإرث : فلأنّ الوارث يملك بغير اختياره ، بخلاف المشتري المالك باختياره ، فإنّه بدخوله على الشريك سلّط الشريك عليه دفعاً للتضرّر به ، وقد كان من حقّه أن لا يدخل عليه.
____________________
(١ و ٢ ) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٣.
(٣ و ٤ ) حلية العلماء ٥ : ٢٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٣.
وأمّا الهبة والوصيّة : فلأنّ المتّهب والموصى له تقلّدا المنّة من الواهب والموصي حيث قبلا تبرّعهما ، ولو أخذ الشفيع ، لأخذ عن استحقاقٍ وتسلّط ، فلا يكون متقلّداً للمنّة ، ووضع الشفعة على أن يأخذ الشفيع بما أخذ به المتملّك.
أمّا لو شرط في الهبة الثواب أو قلنا : إنّها تقتضي الثواب مع الإطلاق ، فلا شفعة فيها أيضاً عندنا.
وقال الشافعي : إن كان العوض معلوماً ، صحّت الهبة ، وكانت بيعاً ، وتثبت فيه الشفعة ، سواء تقابضا أو لم يتقابضا - وبه قال زفر - لأنّه ملك بعوض ، فلم يفتقر إلى التقابض ، كالبيع(١) .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تثبت حتى يتقابضاً ؛ لأنّ الهبة لا تلزم إلّا بالقبض ، فهو بمنزلة بيع الخيار(٢) .
وأجاب الشافعيّة بأنّه لا يصحّ ما قالوه من اعتبار لفظ الهبة ؛ لأنّ العوض يصرفها عن مقتضاها ، وتصير عبارةً عن البيع ، وخاصّة عندهم ينعقد بها النكاح ، ولا يفتقر النكاح إلى القبض(٣) .
فأمّا إذا كانت بغير شرط العوض ، فكذلك مبنيّ على القولين في اقتضائها الثواب.
وكلّ موضع قلنا : تقتضي الثواب تثبت الشفعة فيها بمثل الثواب إن كان مثليّاً ، وإلّا القيمة. وكلّ موضع قلنا : لا تقتضيه ، لم تثبت الشفعة ولو
____________________
(١) المغني ٥ : ٤٦٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦٤ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٥ / ١٩٥٨ ، بدائع الصنائع ٥ : ١١.
(٢) بدائع الصنائع ٥ : ١١ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٥ / ١٩٥٨ ، المغني ٥ : ٤٦٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦٤.
(٣) اُنظر : المغني ٥ : ٤٦٨ - ٤٦٩ ، والشرح الكبير ٥ : ٤٦٤.
أثابه الموهوب له.
وقال ابن أبي ليلى : تثبت الشفعة فيها بقيمة الشقص - وهو إحدى الروايتين عن مالك - لأنّ الشفعة تثبت لإزالة الضرر بالاشتراك ، وذلك موجود في الهبة(١) .
قالت الشافعيّة : إنّه يملكها بغير بدل ، فأشبه الميراث(٢) . وأمّا الضرر فلا يزال بضرر ، وفي أخذ الهبة ضرر ؛ لأنّه لا عوض فيها ، وإذا أخذها بغير عوض ، أبطل غرض(٣) الواهب والمتّهب معاً.
وعن الشافعي قولٌ آخَر : إنّه إذا شرط الثواب ، أو قلنا : إنّها تقتضيه ، لا يؤخذ – كمذهبنا - لأنّه ليس المقصود منه المعاوضة.
وعلى قول الأخذ ففي أخذه قبل قبض الموهوب وجهان :
أظهرهما : الأخذ ؛ لأنّه صار بيعاً.
والثاني : لا ؛ لأنّ الهبة لا تتمّ إلّا بالقبض ، وهذا هو الخلاف في أنّ الاعتبار باللفظ أم بالمعنى؟(٤)
مسالة ٧٢٦ : لو كان بين اثنين دار ، فادّعى أجنبيّ ما في يد أحدهما ، فصالَحه المتشبّث عليه ، فلا شفعة عندنا ؛ لأنّها تتبع البيع ، والصلح عقد مستقلّ بنفسه مغاير للبيع.
وقال الشافعي : إن صالَحه بعد إقراره له به ، صحّ الصلح ، وتثبت
____________________
(١) المغني ٥ : ٤٦٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦٣.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٤ ، وانظر : المغني ٥ : ٤٦٨ ، والشرح الكبير ٥ : ٤٦٣.
(٣) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « عوض » بدل « غرض ». والظاهر ما أثبتناه.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٣.
الشفعة للشريك ؛ لأنّ الصلح عنده بيع. وإن(١) أنكره وصالَح ، لم يصحّ الصلح عنده بناءً على مذهبه من أنّ الصلح لا يصحّ عن الإنكار(٢) .
وكذا لو ادّعى رجل على أحد الشريكين في الدار ألفاً ، فصالَحه منها على نصف الدار الذي له ، فلا شفعة عندنا.
وقال الشافعي : إن كان مع الإقرار بالألف ، صحّ الصلح ، وكان للشفيع أخذه بالألف. وإن كان الصلح مع الإنكار ، لم يصحّ الصلح ، ولم تجب الشفعة(٣) .
مسالة ٧٢٧ : لو اشترى شقصا فعفا الشريك عن الشفعة ثمّ تقايلا ، لم تثبت الشفعة بالإقالة عندنا على ما تقدّم(٤) من أنّ الشفعة تتبع البيع ، وأنّ الإقالة ليست بيعاً.
وقال الشافعي : إن قلنا : إنّ الإقالة فسخ لا بيع ، فلا شفعة ، كما لا يأخذ بالردّ بالعيب ؛ لأنّ الفسوخ وإن اشتملت على ترادّ العوضين فلا تعطى أحكام المعاوضات ، ألا ترى أنّه يتعيّن فيها العوض الأوّل. وإن قلنا : إنّها بيع ، فله الشفعة وأخذه من البائع(٥) .
وقال أبو حنيفة : تثبت الشفعة بالإقالة ، وبالردّ بالعيب بالتراضي(٦) ؛ لأنّه نقل الملك بالتراضي ، فأشبه البيع(٧) .
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « فإن » بدل « وإن ».
(٢) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٤٤٩ - ٤٥٠ ، المسألة ٣٠.
(٣) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٤٥٠ ، المسألة ٣١.
(٤) في ص ٢٢٢ ، المسألة ٧٢٢ ، وفي ص ١١٧ ، المسألة ٦٢٧.
(٥) حلية العلماء ٥ : ٢٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٣.
(٦) في « س » والطبعة الحجريّة : « وبالتراضي ».
(٧) حلية العلماء ٥ : ٢٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٨ ، المغني ٥ : ٤٧٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦٥.
ولو تقايلا قبل علم الشريك بالبيع ، كان له الأخذ بالشفعة وفسخ الإقالة ؛ لسبق حقّه على الإقالة.
وقال الشافعي : إن قلنا : إنّ الإقالة بيع ، فالشفيع بالخيار [ بين ](١) أن يأخذ بها وبين أن يُبطلها حتى يعود الشقص إلى المشتري ، فيأخذ منه. وإن جعلناها فسخاً ، فهو كطلب الشفعة بعد الردّ بالعيب(٢) .
أمّا لو باع المشتري ، فللشريك هنا الخيار بين الأخذ من الأوّل وفسخ البيع الثاني ، وبين الأخذ من الثاني.
مسالة ٧٢٨ : لو جعل الشقص اُجرةً في إجارة ، أو جُعْلاً في جعالة ، أو أصدقها شقصاً أو متّعها به أو خالعها على شقص ، أو صالَح عليه عن(٣) مال أو دم أو جراحة عن إقرار أو(٤) إنكار أو جعله المكاتب عوض نجومه ، لم تثبت الشفعة في شيء من ذلك عندنا ، بل إنّما تثبت الشفعة في الشراء لا غير ، وبه قال أبو حنيفة ، وهو رواية عن أحمد(٥) ، وقد تقدّم(٦) بيانه.
ولو أقرضه شقصاً ، صحّ القرض ، وبه قال الشافعي(٧) .
وليس للشفيع أخذه بالشفعة عندنا.
وقال الشافعي : له الأخذ(٨) .
____________________
(١) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٣.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « من » بدل « عن ».
(٤) في « س ، ي » : « و» بدل « أو ».
(٥) بدائع الصنائع ٥ : ١٠ - ١١ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٤ / ١٩٥٤ ، حلية العلماء ٥ : ٢٧٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٧ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٩ ، المغني ٥ : ٤٦٩ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦٤ - ٤٦٥.
(٦) في ص ٢٢٢ ، المسألة ٧٢٢.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٣ - ١٦٤.
(٨) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٤.
والجعالة لا تثبت بها الشفعة ، كما قلنا.
وعند الشافعي تثبت بعد العمل ، لأنّ الملك حينئذٍ يحصل للعامل(١) .
أمّا لو اشترى بالشقص شيئاً أو جَعَله رأس مال السَّلَم ، فالأقرب : ثبوت الشفعة ؛ لصدق البائع على المشتري.
ولو بذل المكاتب شقصاً عوضاً عن بعض النجوم ثمّ عجز ورقّ ، فلا شفعة عندنا.
وأمّا عند الشافعي ففي بطلان الشفعة وجهان ينظر في أحدهما إلى أنّه كان عوضاً أو لا ، وفي الثاني إلى خروجه أخيراً عن العوضيّة ، وهذا أظهر عندهم(٢) .
ويشبه هذا الخلاف خلافهم فيما إذا كان الثمن عيناً وتلف قبل القبض(٣) .
ولو قال لمستولدته : إن خدمتِ أولادي شهراً ، فلك هذا الشقص ، فخدَمَتْهم ، استحقّت الشقص عند الشافعي. وفي ثبوت الشفعة وجهان :
أحدهما : تثبت ؛ لأنّها ملكتْه بالخدمة ، فكان كالمملوك بالإجارة وسائر المعاوضات.
وأظهرهما : المنع ؛ لأنّه وصيّة معتبرة من الثلث كسائر الوصايا ، وذكر الخدمة شرط داخل على الوصيّة(٤) .
مسالة ٧٢٩ : لوليّ الصبي والمجنون أن يأخذ لهما بالشفعة ما بِيع في شركتهما مع الغبطة لهما، عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي
____________________
(١ و ٢ ) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٤.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٧.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٤.
وأبو حنيفة(١) - لأنّه خيار جُعل لإزالة الضرر عن المال ، فملكه الوليّ في حقّ الصبي والمجنون ، كخيار الردّ بالعيب. وللعمومات الدالّة على ثبوت الشفعة للشريك ، فيدخلان فيه ، وكلّ حقٍّ هو لهما فإنّما يتولّاه الوليّ.
ولما رواه الخاصّة عن الصادقعليهالسلام قال : « قال أمير المؤمنينعليهالسلام : وصيّ اليتيم بمنزلة أبيه يأخذ له الشفعة إذا كان [ له ](٢) رغبة فيه »(٣) .
وقال ابن أبي ليلى : لا شفعة فيه ؛ لأنّ الوليّ لا يثبت له الأخذ بالشفعة ، لأنّه لا يملك العفو، ومن لا يملك العفو لا يملك الأخذ ، ولا يمكن الانتظار بها ؛ لأنّ في ذلك إضرارا بالمشتري ، فبطلت(٤) .
وقال الأوزاعي : تثبت الشفعة ، وليس للوليّ أن يأخذ بها ، ويتأخّر ذلك إلى زوال الحجر عن مستحقّها ؛ لأنّ خيار القصاص ثبت للصبي ولا يستوفيه الوليّ ، كذلك الشفعة(٥) .
والجواب : لا نسلّم أنّه ليس له العفو ، بل له ذلك مع المصلحة.
سلّمنا ، لكنّ العفو إسقاط حقّه ، والأخذ استيفاء حقّه ، وهذا فرقٌ ، كما يملك قبض حقوقه ولا يملك إسقاط شيء منها.
وخيار القصاص ثابت للوليّ مع المصلحة.
سلّمنا ، لكنّ القصد التشفّي ، وذلك لا تدخله النيابة ، والغرض
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٢٧٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٣٦ ، الوسيط ٤ : ٣٧٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٨١ ، روضة الطالبين ٣ : ٤٢٤ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٦ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٤ / ١٩٥٥ ، فتاوى قاضى خان ( بهامش الفتاوى الهنديّة ) ٣ : ٥٣٦ ، المغني ٥ : ٤٩٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٨٦ - ٤٨٧.
(٢) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٣) الكافي ٥ : ٢٨١ / ٦ ، التهذيب ٧ : ١٦٦ / ٧٣٧.
(٤) الحاوي الكبير ٧ : ٢٧٦ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٤ ، ١٩٥٥ ، المغني ٥ : ٤٩٥ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٨٥.
(٥) المغني ٥ : ٤٩٥ و ٤٩٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٨٧.
بالشفعة إزالة الضرر عن المال ، وهو ممّا تدخله(١) النيابة.
مسالة ٧٣٠ : إنّما يأخذ الوليّ لهما إذا كان الأخذ مصلحةً بأن يكون قد بِيع بأقلّ من ثمن مثله ، أو تزيد قيمة الملك بأخذه ، أو يكون له مال يحتاج أن يشترى به العقار ، فيأخذه بثمن المثل.
وإن كان الحظّ في الأخذ فتُرك ، لم يصحّ الترك ، ولم تسقط الشفعة ، وكان للصبي والمجنون بعد الكمال أخذ الشقص - وبه قال محمد وزفر(٢) - لأنّه إسقاط حقَّ للمولّى عليه ، لا حظّ له في إسقاطه ، فلم يسقط ، كالإبراء وإسقاطِ خيار الردّ بالعيب.
وقال أبو حنيفة : إذا عفا ، سقطت ؛ لأنّ مَنْ ملك الأخذ ملك العفو ، كالمالك(٣) .
والفرق : أنّ المالك يملك الإبراء والتبرّع ، بخلاف الوليّ ، فبطل القياس.
وإن كان الحظّ في الترك - بأن يكون قد اشترى بأكثر من ثمن المثل أو لم يكن للصبي مال يشتري به فاستقرض له ورهن ماله وأخذ الشقص - لم يصحّ أخذه ، فإن أخذه ، لم يصحّ ، ولم يملكه الصبي بهذا الأخذ ، بل يكون باقياً على ملك المشتري ، ولا يقع للوليّ.
وكذا لو اشترى بأكثر من ثمن المثل ، لم يصحّ ، ولا يقع له إن سمّى الشراء للطفل. ولو أطلق ، وقع له ، بخلاف الأخذ بالشفعة ؛ لأنّ الشفعة تؤخذ بحقّ الشركة ، وذلك مختصّ بالصبي ، ولهذا لو أراد الوليّ الأخذ لنفسه ، لم يصحّ ، بخلاف الشراء.
____________________
(١) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « يدخل » بدل « تدخله ». والصحيح ما أثبتناه.
(٢) المغني ٥ : ٤٩٥ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٨٦.
(٣) المغني ٥ : ٤٩٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٨٦.
وفي النكاح لو تزوّج لغيره بغير إذنه ، لم يقع للعاقد ؛ لأنّه يفتقر إلى ذكر الزوجين ، بخلاف البيع ؛ لأنّ عقد النكاح اختصّ بالمعقود له ، والشراء لا يحتاج إلى ذكر المشتري له.
مسالة ٧٣١ : العفو كالترك ليس للوليّ العفو عن الشفعة مع الحظّ بالأخذ ولا تركها كما بيّنّا.
ولو كان الحظّ في الترك فتُرك ، سقطت الشفعة ، وإذا زال الحجر عن المحجور عليه ، لم يكن له المطالبة بها - وبه قال الشافعي(١) - لأنّ الوليّ يتبع الحظّ والمصلحة للمولّى عليه ، فله الأخذ إذا كان فيه حظّ ، فإذا كان الحظّ في العفو ، وجب أن يصحّ ، كما يصحّ الأخذ ، ولهذا يصحّ من الوليّ الردّ بالعيب ، وإذا بلغ ، لم يكن له الاعتراض ، كذا هنا.
وقال بعض(٢) الشافعيّة : ليس للوليّ أن يعفو ، وإنّما يترك الأخذ إذا لم يكن حظّاً ، فإذا زال الحجر ، كان المحجور عليه بالخيار. وجَعَله قولاً ثانياً للشافعي - وبه قال زفر ومحمد بن الحسن الشيباني(٣) - لأنّ المستحقّ للشفعة له أخذها ، سواء كان له فيها حظّ أو لم يكن ، وإنّما يعتبر الحظّ في حقّ المولّى [ عليه ](٤) ، وإذا زال عنه الحجر ، كان له الأخذ.
مسالة ٧٣٢ : لو باع الوصي أو الوليّ شقصا للطفل وطفل آخر - هو وليّه أيضا - شريك ، كان له الأخذ بالشفعة للآخَر ؛ لأنّ الأوّل قد يحتاج إلى البيع ، والثاني إلى الأخذ.
ولو كان الوليّ هو الشريك ، فالأقرب : أنّ له الأخذ ؛ لأنّه حقّ ثبت له على المشتري بعد تمام العقد وانقطاع ملك الطفل ، وهو أحد وجهي
____________________
(١ و ٢ ) حلية العلماء ٥ : ٣١٣.
(٣) اُنظر : بدائع الصنائع ٥ : ١٦ ، وحلية العلماء ٥ : ٣١٢.
(٤) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.
الشافعيّة. والثاني - وهو الأصحّ عندهم - : أنّه ليس له أخذه بالشفعة ؛ لأنّه لو مُكّن منه ، لم يؤمن أن يترك النظر والاستقصاء للصبي ، ويسامح في البيع ليأخذ بالشفعة بالثمن البخس ، كما أنّه لا يُمكّن من بيع ماله من نفسه(١) .
ولو رفع ذلك إلى الحاكم فباعه ، أخذه الوصيّ ؛ لزوال التهمة.
ولو كان البائعُ الأبَ أو الجدَّ له ، جاز له الأخذ - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّه يجوز أن يبيع من نفسه. ولأنّ ولايتهما أقوى ، وكذا شفقتهما.
ولو اشترى شقصاً للطفل وهو شريك في العقار ، فله الأخذ بالشفعة ؛ لثبوت السبب السالم عن معارضة التهمة ؛ إذ لا يزيد في الثمن ليأخذ به ، وهو أحد قولي الشافعي.
وفي الثاني : أنّه ليس له الأخذ ؛ لأنّه يلزم الصبي العهدة ولا منفعة له فيه(٣) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ له أن يشتري للصبي وأن يشتري منه.
ولو وكّل الشريكُ شريكَه في البيع فباع ، فله الأخذ بالشفعة - وهو أحد قولي الشافعيّة ، وقال بعضهم : إنّه قول الأكثر(٤) - لأنّ الموكّل ناظر لنفسه ، يعترض ويستدرك إن وقف على تقصير الوكيل ، والصبي عاجز عن ذلك ، فيُصان حقّه عن الضياع.
وقال بعضهم : ليس له الأخذ ؛ للتهمة(٥) .
ولو وكّل إنسان أحد الشريكين ليشتري الشقص من الآخَر ، فاشتراه ، فله الأخذ.
وهنا إشكال ، وهو إن رضي الشريك بالبيع ، تبطل شفعته ، وفي هذه الصور كيف تتحقّق الشفعة مع قصد البيع ورضاه حيث كان وكيلاً باختياره!؟
____________________
(١ - ٥ ) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٤.
وقال أبو حنيفة : في الوكيل والوصي معاً تثبت الشفعة في الشراء ، ولا تثبت في البيع(١) .
ولو وكّل الشريكُ شريكَه ببيع نصف نصيبه ، أو أذن له في بيع نصيبه أو بعض نصيبه مع نصيب الموكّل إن شاء ، فباع نصف نصيب الموكّل مع نصف نصيبه صفقة واحدة ، فللموكّل أخذ نصيب الوكيل بالشفعة.
وهل للوكيل أخذ نصيب الموكّل؟ للشافعي(٢) الوجهان السابقان.
مسالة ٧٣٣ : إنّه سيأتي(٣) الخلاف في أنّ الشفعة هل تثبت مع الكثرة أم لا؟ فإن قلنا به لو كان ملكٌ بين ثلاثة فباع أحدهم نصيبه من أحد الآخَرَيْن ، فالشفعة بين المشتري والشريك الآخَر يشتركان في المبيع - وبه قال أبو حنيفة ومالك والمزني والشافعي في أصحّ الوجهين(٤) - لاستوائهما في الشركة وسبب الشفعة ، كما لو كان المشتري غيره.
وقال بعض الشافعيّة : إنّ الشريك الثالث منفرد بالشفعة ، ولا حقّ فيه للمشتري - وهو محكيّ عن الحسن البصري وعثمان البتّي - لأنّ الشفعة تستحقّ على المشتري ، فلا يجوز أن يستحقّها المشتري على نفسه(٥) .
وليس بصحيح ؛ لأنّا لا نقول : تجب له الشفعة ، بل لا يستحقّ عليه
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٩.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٥.
(٣) لم نعثر على الخلاف فيما يأتي من مسائل الشفعة ، وقد تقدّم في ص ٢٠١ - ٢٠٢ ، المسألة ٧٠٦.
(٤) المغني ٥ : ٥٢٥ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٩٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٩ - ٥٠٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٥.
(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٥ ، المغني ٥ : ٥٢٥ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٩٥.
في نصف النصيب ؛ لأنّه أولى من الشريك الآخَر ، ولا بُعْد في استحقاق الإنسان على نفسه لأجل تعلّق حقّ الغرماء ، كالعبد المرهون إذا جنى على عبدٍ آخَر لسيّده ، فإنّه يثبت للسيّد على العبد أرش الجناية لأجل تعلّق حقّ الغير به ، ولو لم يكن مرهوناً ، ما تعلّق به ، فعلى هذا يكون الثالث بالخيار بين أن يترك جميع المبيع ، أو يأخذ الجميع ، وعلى الأوّل يتخيّر بين أن يأخذ نصف المبيع أو يترك.
فإن قال المشتري : خُذ الكلَّ أو اترك الكلَّ وقد تركتُ أنا حقّي ، لم تلزمه الإجابة ، ولم يصح إسقاط المشتري الشفعة ؛ لأنّ ملكه مستقرّ على النصف بالشراء ، فأشبه ما إذا كان للشقص شفيعان : حاضر وغائب ، فأخذ الحاضر الجميعَ ، ثمّ عاد الغائب ، له أن يأخذ نصفه ، وليس للحاضر أن يقول : اترك الكلَّ أو خُذ الكلَّ وأنا تركت حقّي ، ولا نظر إلى تبعّض الصفقة عليه ، فإنّه لزم من دخوله في هذا العقد.
وعن بعض الشافعيّة وجه : أنّه إذا ترك فيه المشتري حقّه ، وجب على الآخَر أخذ الكلّ أو ترك الكلّ ، كما إذا باع من أجنبيّ وله شفيعان ، فترك أحدهما حقّه ، يأخذ الآخَر الكلَّ أو يترك الكلَّ ، إلّا أنّ هذا الترك سابق على اختيار التملّك هناك ، وفيما نحن فيه اختيار(١) التملّك بالشراء ، فلم يؤثّر الإعراض بعده(٢) .
ولو كان بين اثنين دار فباع أحدهما نصف نصيبه من ثالث ثمّ باع النصف الثاني من ذلك الثالث ، فعلى أحد قولي الشافعيّة حكمه حكم ما لو
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « اختار ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٥.
باع النصف الثاني من أجنبيّ. وعلى الآخَر : لا شفعة للمشتري ، وللشفيع الخيار بين أن يأخذ الكلَّ أو يأخذ أحد النصفين دون الآخَر(١) .
مسالة ٧٣٤ : تبرّعات المريض عندنا من الثلث ، فلو باع المريض شقصاً من دار وله شفيع ، فإمّا أن يبيع بثمن المثل أو بدونه ، فإن باع بثمن المثل ، لزم البيع ، وثبتت فيه الشفعة ، سواء كان المشتري والشفيع وارثين أو أحدهما أو غير وارثين - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّ البيع بثمن المثل لا اعتراض فيه ، وإنّما يعترض على المريض في التبرّع ، وبه قال أبو يوسف ومحمد(٣) أيضاً.
وقال أبو حنيفة : لا يصحّ بيعه من وارثه ؛ لأنّه محجور عليه في حقّه ، فصار كبيع الصبي(٤) .
وهو غلط ؛ لأنّه محجور عليه في التبرّع في حقّه ، كما يحجر عليه في حقّ الأجنبيّ في الثلث ، ويصحّ أن يبيع منه بثمن مثله مطلقاً ، كذا هنا.
وإن باع بدون ثمن المثل ، فلا يخلو إمّا أن يكون المشتري والشفيع أجنبيّين أو وارثين أو المشتري وارثاً والشفيع أجنبيّاً أو بالعكس.
فإن كانا أجنبيّين ، فإن احتمل الثلث المحاباة ، صحّ البيع ، وأخذ الشقص بالشفعة ، ولا(٥) إشكال ؛ لأنّ المحاباة وقعت في البيع ، فإذا وقع البيع مسترخصاً ، لم يسقط حقّ الشفعة ، ولم يجز أن يأخذه بأكثر من الثمن.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٥.
(٢ - ٤ ) حلية العلماء ٥ : ٢٨٠ ، المغني ٥ : ٤٧٢ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٣٥.
(٥) في « ي » والطبعة الحجريّة : « فلا » بدل « ولا ».
وإن لم يحتمله ، كما لو باع شقصاً مستوعباً يساوي ألفين بألف ، فإن ردّه الورثة ، بطل البيع في بعض المحاباة ، وهو ما زاد على الثلث. وفي صحّة البيع في الباقي للشافعيّة طريقان :
أحدهما : التخريج على الخلاف في تفريق الصفقة.
والثاني : القطع بالصحّة(١) .
وهو مذهبنا ، لكنّ المشتري بالخيار ؛ لتبعّض الصفقة عليه ، فإن اختار الشفيع أن يأخذه ، لم يكن للمشتري الردُّ. وإن لم يرض الشفيع بالأخذ ، فللمشتري الخيارُ بين أخذ الباقي وبين الردّ.
وعلى الصحّة ففيما يصحّ البيع؟ للشافعيّة قولان :
أحدهما : أنّه يصحّ في قدر الثلث والقدر الذي يوازي الثمن بجميع الثمن.
والثاني : أنّه لا يسقط من المبيع شيء إلّا ويسقط ما يقابله من الثمن(٢) .
وهذا الأخير هو الأقوى عندي ، وقد تقدّم(٣) بيانه.
فإن قلنا بالأوّل ، صحّ البيع - في الصورة المفروضة - في خمسة أسداس الشقص بجميع الثمن. وإن قلنا بالثاني ، دارت المسألة.
وطريقه أن نقول : صحّ البيع في شيء من الشقص بنصف شيء ، يبقى مع الورثة ألفان يعادل شيئاً ونصفاً والشيء من شيء ونصف ثلثاه ، فعلمنا صحّة البيع في ثلثي الشقص ، وقيمته ألف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث بثلثي الثمن ، وهو نصف هذا ، فتكون المحاباة بستّمائة وستّة وستّين
____________________
(١ و ٢ ) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٦.
(٣) في ص ٢٤ ، المسألة ٥٦٠.
وثلثين ، يبقي للورثة ثلث الشقص وثلثا الثمن وهُما ألف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، وذلك ضِعْف المحاباة.
وعلى القولين(١) للمشتري الخيارُ حيث لم يسلم له جميع المثمن(٢) . فإن اختار ، أخذ الشفيع خمسة أسداس الشقص بجميع الثمن على الأوّل ، وثلثيه بثلثي الثمن على الثاني.
ولو فسخ المشتري قبل طلب الشفيع ، لم تبطل الشفعة عندنا. وللشافعي قولان(٣) .
ولو أجاز الورثة ، صحّ البيع في الجميع.
ثمّ إن قلنا : إنّ إجازتهم تنفيذ لما فعله المورّث ، أخذ الشفيع الكلَّ بكلّ الثمن. وإن قلنا : إنّها ابتداء عطيّة منهم ، لم يأخذ الشفيع القدر النافذ بإجازتهم ، وأخذ القدر المستثنى عن إجازتهم. وفيه القولان المذكوران عند الردّ.
وإن كانا وارثين أو كان المشتري وارثاً ، فهي محاباة للوارث ، وهي عندنا صحيحة ، فالحكم فيه كما في الأجنبيّ.
أمّا الجمهور : فإنّهم منعوا من المحاباة للوارث ، فتكون المحاباة مردودةً(٤) .
ثمّ للشافعي قولان ، فإن لم يفرّق الصفقة ، بطل البيع في الجميع. وإن قال بالتفريق ، فإن قال في القسم الأوّل على ما سبق من التصوير : إنّ البيع
____________________
(١) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « التفريق » بدل « القولين ». والظاهر ما أثبتناه.
(٢) في جميع النسخ الخطّيّة والحجريّة : « الثمن » بدل « المثمن ». والصحيح ما أثبتناه.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٦.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٢ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٦ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٤ ، المغني ٥ : ٤٧٢ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٣٥.
يصحّ في خمسة أسداس الشقص بجميع الثمن ، فهنا في مثل تلك الصورة يصحّ البيع في نصفه بجميع الثمن. وإن قلنا هناك : يصحّ في ثلثيه بثلثي الثمن ، فهنا يبطل البيع في الكلّ ؛ لأنّ البيع لا يبطل في شيء إلاّ ويسقط بقدره من الثمن ، فما من جزء يصحّ فيه البيع إلاّ ويكون بعضه محاباةً ، وهي مردودة.
وفيه كلامان :
أحدهما : أنّ المفهوم من هذا التوجيه شيوع المعاوضة والمحاباة في جميع الشقص ، وذلك لا يمنع تخصيص قدر المحاباة بالإبطال ، كما أنّه لم يمنع في القسم الأوّل تخصيص ما وراء القدر المحتمل من المحاباة بالإبطال.
والثاني : أنّ الوصيّة للوارث - عندهم(١) - موقوفة على إجازة باقي الورثة على رأي ، كما أنّ الوصيّة بما زاد على الثلث موقوفة على إجازة الورثة على رأي ، فلنفرّق هنا أيضاً بين الإجازة والردّ ، كما في الأوّل.
إذا عرفت هذا وقلنا بالأوّل ، تخيّر المشتري بين أن يأخذ النصف بكلّ وبين أن يفسخ ، لأنّ الصفقة تفرّقت عليه ، ويكون للشفيع أن يأخذ ذلك وإن كان وارثا ، لأنّه لا محاباة فيه.
وإن أراد المشتري الردَّ وأراد الشفيع الأخذَ ، كان حقّ الشفيع مقدّماً ؛ لأنّه لا ضرر على المشتري ، وجرى مجرى المبيع المعيب إذا رضيه الشفيع لم يكن للمشتري ردّه.
وإن كان الشفيع وارثاً دون المشتري ، فعندنا يصحّ البيع فيما يحتمل
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٢
الثلث ، ويكون للشفيع أخذه بالشفعة.
وقالت الشافعيّة : إن احتمل الثلث المحاباة أو لم يحتمل وصحّحنا البيع في بعض المحاباة في القسم الأوّل ومكّنّا الشفيع من أخذه ، ففيه وجوه :
أ - أنّه يصحّ البيع في الجميع ، ولا يأخذه الوارث بالشفعة ، وهو مذهب أصحاب أبي حنيفة.
أمّا صحّة البيع : فلأنّ المشتري أجنبيّ.
وأمّا بطلان الشفعة : فلأنّها لو ثبتت ، لكان المريض قد نفع وارثه بالمحاباة ؛ لأنّ الشفعة تستحقّ بالبيع ، فقد تعذّرت الشفعة ، فلم نعد ذلك بإبطال البيع ، لأنّها فرع عليه ، وإذا بطل بطلت ، فلم تبطل لأجلها - وهو أصحّ الوجوه عندهم - لأنّا إذا أثبتنا الشفعة ، فقد جعلنا للوارث سبيلاً إلى إثبات حقٍّ له في المحاباة. ويفارق الوصيّة ممّن له عليه دَيْنٌ ؛ لأنّ استحقاقه للآخَر إنّما هو بدَيْنه ، لا من جهة الوصيّة ، وهذا استحقاقه حصل بالبيع ، فافترقا.
ب - أنّه يصحّ البيع ويأخذه الوارث بالشفعة ؛ لأنّ محاباة البائع مع المشتري ، وهو أجنبيّ عنه ، والشفيع يتملّك على(١) المشتري ، ولا محاباة معه من المريض.
ج - أنّه لا يصحّ البيع أصلاً ؛ لأنّه لو صحّ لتقابلت فيه أحكام متناقضة ؛ لأنّا إن لم نثبت الشفعة ، أضررنا بالشفيع ، وإن أثبتناها ، أوصلنا إليه المحاباة.
____________________
(١) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « مع » بدل « على ». وما أثبتناه من « العزيز شرح الوجيز ».
د - يصحّ البيع في الجميع ويأخذ الشفيع ما يقابل الثمن منه ، ويبقى الباقي للمشتري مجّاناً ؛ لأنّ المحاباة تصحّ مع الأجنبيّ دون الوارث ، ويُجعل كأنّه باع بعض الشقص منه ووهب بعضه ، فيأخذ المبيع دون الموهوب.
ه- أنّه لا يصحّ البيع إلّا في القدر الموازي للثمن ؛ لأنّه لو صحّ في الكلّ فإن أخذه الشفيع ، وصلت إليه المحاباة ، وإن أخذ ما وراء قدر المحاباة ، كان إلزاماً بجميع الثمن ببعض المبيع ، وهو على خلاف وضع الشفعة(١) .
ويضعّف بأنّ صحّة البيع لا تقف على اختيار الشفيع للشفعة.
وقد يقال في العبارة عن هذا الوجه : إن ترك الشفيع الشفعة ، صحّت المحاباة مع المشتري ، وإلّا فهو كما لو كان المشتري وارثاً ، فلا تصحّ المحاباة.
ووجه ترتيب هذه الأقوال أن يقال : في صحّة البيع وجهان ، إن صحّ فيصحّ في الجميع أو فيما وراء قدر المحاباة؟ وجهان ، إن صحّ في الجميع فيأخذ الجميع بالشفعة أو ما وراء قدر المحاباة أو لا يأخذ شيئاً؟ ثلاثة أوجه(٢) .
وهذا - عندنا - كلّه ساقط.
مسالة ٧٣٥ : من شرط الشفعة : تقدّم ملك الآخذ على ملك المأخوذ منه على ما سبق ، فلو كان في يد اثنين ملك اشترياه بعقدين وادّعى كلٌّ
____________________
(١) الوسيط ٤ : ٧٨ - ٧٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦٧ - ٣٦٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٢ - ٥٠٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٣.
منهما سبق عقده على عقد صاحبه ، وأنّه يستحقّ الشفعة عليه ، فمن أقام البيّنة منهما على دعواه حُكم له بها ، وسقطت دعوى الآخر.
ولو أقاما بيّنتين على السبق - بأن شهدت بيّنة هذا بسبق عقده على عقد صاحبه ، وشهدت بيّنة صاحبه بسبق عقده على العقد الأوّل ، أو شهدت إحداهما لأحدهما أنّه اشترى يوم السبت وصاحبه اشترى يوم الأحد ، وشهدت الاُخرى للآخَر أنّه اشترى يوم السبت والآخَر يوم الأحد - تعارضتا ، وينبغي أن يُحكم لأكثرهما عدداً وعدالةً ، فإن تساويا ، احتُمل القرعة ؛ لأنّه أمر مشكل ، وكلّ أمر مشكل ففيه القرعة ، والقسمة بينهما.
وللشافعي هنا قولان :
أحدهما : تساقط البيّنتين كأنّه لا بيّنة لواحد منهما.
والثاني : أنّهما تُستعملان ، وفي كيفيّته أقوال :
أحدها : القرعة ، فعلى هذا مَنْ خرجت قرعته أخذ نصيب الآخَر بالشفعة.
والثاني : القسمة ، ولا فائدة لها إلاّ مع تفاوت الشركة ، فيكون التنصيف تعبّدا(١) .
والثالث : الوقف ، وعلى هذا يوقف حقّ التملّك إلى أن يظهر الحال(٢) .
ومن الشافعيّة مَنْ لا يجري قول الوقف هنا ؛ لانتفاء معناه مع كون الملك في يدهما(٣) .
____________________
(١) كذا ، وفي المصدر : « مقيّداً » بدل « تعبّداً ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٣ - ٥٠٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٧ - ١٦٨.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٨.
ولو عيّنت كلّ واحدة من البيّنتين وقتاً واحداً ، فلا تنافي بينهما ؛ لاحتمال وقوع العقدين معاً ، ولا شفعة لواحدٍ منهما ؛ لأنّا تبيّنّا وقوع العقدين دفعةً.
وللشافعيّة وجه : أنّهما تسقطان ؛ لأنّ كلّ واحدة منهما لم تتعرّض لمقصود مقيمها فكأنّه لا بيّنة(١) .
البحث الرابع : في كيفيّة الأخذ بالشفعة.
مسالة ٧٣٦ : يملك الشفيع الأخذ بالعقد إمّا بالفعل بأن يأخذ الحصّة ويدفع الثمن إلى المشتري ، أو يرضى بالصبر فيملكه حينئذٍ ، وإمّا باللفظ ، كقوله : أخذته ، أو : تملّكه ، أو : اخترت الأخذ ، وما أشبه ذلك ؛ عملاً بالأصل من عدم اشتراط اللفظ.
وقال بعض الشافعيّة : لا بدّ من لفظٍ ، ك « تملّكت » وما تقدّم ، وإلّا فهو من باب المعاطاة(٢) .
وهو ممنوع ؛ لأنّ المعاطاة تتوقّف على رضاهما ، ولا يتوقّف الأخذ بالشفعة على رضا المشتري.
ولا يكفي أن يقول : لي حقّ الشفعة وأنا مطالب بها ، عنده(٣) ؛ لأنّ المطالبة رغبة في الملك ، والملك(٤) لا يحصل بالرغبة المجرّدة(٥) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٨.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٨.
(٣) أي : عند البعض من الشافعيّة ، المتقدّم قوله آنفاً.
(٤) في جميع النسخ الخطّيّة والحجريّة : « فالملك ». وما أثبتناه من « العزيز شرح الوجيز ».
(٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٨.
وقال بعضهم(١) بقولنا.
ولا يملك الشفيع بمجرّد اللفظ ، بل يعتبر مع ذلك أحد اُمور :
إمّا أن يسلّم العوض إلى المشتري ، فيملك به إن تسلّمه ، وإلّا خلّى بينه وبينه ، أو رفع الأمر إلى الحاكم حتى يلزمه التسليم.
و [إمّا ](٢) أن يسلّم المشتري الشقص ، ويرضى بكون الثمن في ذمّته.
ولو كان المبيع داراً عليها صفائح من أحد النقدين والثمن من الآخَر ، وجب التقابض فيما قابَلَه خاصّةً.
ولو رضي بكون الثمن في ذمّته ولم يسلّم الشقص ، حصل الملك عندنا - وهو أحد وجهي الشافعيّة - لأنّه معاوضة ، والملك في المعاوضات لا يتوقّف على القبض.
والثاني لهم : لا يحصل الملك ، وقول المشتري ما لم يتّصل به القبض في حكم الوعد.
وإمّا أن يحضر في مجلس القاضي ، ويثبت حقّه في الشفعة ، ويختار التملّك ويقضي القاضي له بالشفعة - وهو أصحّ وجهي الشافعيّة - لأنّ الشرع نزّل الشفيع منزلة المشتري حتى كأنّ العقد له ، إلّا أنّه مخيّر بين الأخذ والترك ، فإذا طلب وتأكّد طلبه بالقضاء ، وجب أن يحكم له بالملك.
والثاني لهم : لا يحصل الملك ، ويستمرّ ملك المشتري إلى أن يصل إليه عوضه ، أو يرضى بتأخيره.
وإمّا أن يشهد عدلان على الطلب واختيار الشفعة ، فإن لم نثبت
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٨.
(٢) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.
الملك بحكم القاضي ، فهنا أولى ، فإن(١) أثبتناه ، فوجهان لهم ؛ لقوّة قضاء القاضي(٢) .
وهذا كلّه غير معتبر عندنا.
مسالة ٧٣٧: لا يشترط في تملّك الشفيع بالشفعة حكمُ الحاكم ولا حضور الثمن أيضاً ولا حضور المشتري ورضاه ، عند علمائنا - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّ حكم الشفعة يثبت بالنصّ والإجماع ، فيستغني عن حكم الحاكم ، كمدّة الإيلاء والردّ بالعيب. ولأنّه تملّك بعوض ، فلا يفتقر إلى إحضار العوض ، كالبيع ، ولا إحضار المشتري ورضاه به ، كالردّ بالعيب.
وقال أبو حنيفة : يعتبر حضور المشتري أو حكم الحاكم ، ولا يحكم الحاكم إلّا إذا اُحضر الثمن(٤) .
وعن الصعلوكي أنّ حضور المأخوذ منه أو وكيله شرط(٥) . وهو ممنوع.
وإذا ملك الشفيع بغير تسليم الثمن - بل إمّا بتسليم المشتري الشقص ويرضى بكون الثمن في ذمّته ، أو بحضوره في مجلس القاضي وإثبات حقّه في الشفعة ويختار الملك فيقضي له القاضي - لم يكن له أن يتسلّم الشقص حتى يؤدّي الثمن إلى المشتري وإن سلّمه المشتري قبل أداء الثمن ، ولا يلزمه أن يؤخّر حقّه بأن أخّر البائع حقّه.
مسالة ٧٣٨ : يجب على الشفيع دفع الثمن معجّلاً ، فإن تعذّر تعجيله
____________________
(١) الظاهر : « وإن ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٨.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٤.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٨.
أو ادّعى غيبته ، اُجّل ثلاثة أيّام لإحضاره ؛ لأنّ تحصيله في الحال يتعذّر في غالب العادات ، فلو شرط إحضاره في الحال ، أدّى إلى إسقاط الشفعة ، وذلك إضرار بالشفيع ، فإن أحضر الثمن في مدّة الثلاثة ، فهو أحقّ ، وإلاّ بطلت شفعته بعدها.
ولو ذكر أنّ الثمن في بلد آخر ، أجّل بقدر وصوله من ذلك البلد وثلاثة أيّام بعده ما لم يتضرّر المشتري.
ولو هرب الشفيع بعد الأخذ ، كان للحاكم فسخ الأخذ ، وردّه إلى المشتري وإن لم يكن له ذلك في البيع لو هرب المشتري أو أخّر الدفع ؛ لأنّ البيع حصل باختيارهما ، فلهذا لم يكن للحاكم فسخه عليهما ، وهنا أخذه الشفيع بغير اختيار المشتري لإزالة الضرر عن نفسه ، فإذا اشتمل على إضرار بالمشتري ، مَنَعه الحاكم وردّه.
ولو هرب قبل الأخذ ، فلا شفعة له ، وكذا العاجز عن الثمن.
وقال بعض الشافعيّة : إذا قصّر في الأداء ، بطل حقّه من الشفعة. وإن لم يوجد ، رفع إلى الحاكم ( وفسخ منه )(١) (٢) .
والمعتمد : الأوّل ؛ لما قلناه.
ولما روى عليّ بن مهزيار أنّه سأل الجوادَعليهالسلام : عن رجل طلب شفعة أرض ، فذهب على أن يحضر المال فلم ينضّ ، فكيف يصنع صاحب الأرض إن أراد بيعها أيبيعها أو ينتظر مجيء شريكه صاحب الشفعة؟ قال : « إن كان معه بالمصر فلينتظر به ثلاثة أيّام ، فإن أتاه بالمال
____________________
(١) ورد ما بين القوسين سهواً في النسخ الخطّيّة والحجريّة بعد تمام الرواية الآتية في نفس المسألة. وموضعه هنا تتمّةً لقول بعض الشافعيّة كما في « العزيز شرح الوجيز » و « روضة الطالبين ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٩.
وإلّا فليبع وبطلت شفعته في الأرض ، وإن طلب الأجل إلى أن يحمل المال من بلد إلى آخر فلينتظر به مقدار ما يسافر الرجل إلى تلك البلدة وينصرف وزيادة ثلاثة أيّام إذا قدم ، فإن وافاه ، وإلّا فلا شفعة له »(١) .
مسالة ٧٣٩ : ولا يثبت في الشفعة خيار المجلس عند علمائنا ؛ للأصل الدالّ على عدمه.
ولدلالة قولهعليهالسلام : « البيّعان بالخيار ما لم يفترقا »(٢) على اختصاص الخيار بالبيع ؛ لأنّه وصف علّق عليه حكم ، فينتفي بانتفائه.
ولأنّ الخيار لا يثبت للمشتري ؛ لأنّه يؤخذ الملك منه قهراً ، ولا للآخذ ؛ لأنّ له العفو والإسقاط.
نعم ، لو أخذ وثبت الملك له ، لم يكن له الخيار في الفسخ ؛ للأصل.
وللشافعي قولان :
أظهرهما : ثبوت الخيار - وقد تقدّم(٣) - بأن يترك بعد ما أخذ ، أو يأخذ بعد ما ترك ما دام في المجلس ؛ لأنّ ذلك معاوضة ، فكان في أخذها وتركها خيار المجلس ، كالبيع(٤) .
وله قولٌ آخَر : إنّه يسقط ؛ لأنّ الشفعة حقّ له ثبت ، فإذا أخّره أو تركه ، سقط ، كغيره من الحقوق(٥) .
فعلى قوله بالخيار يمتدّ إلى مفارقة المجلس.
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٦٧ / ٧٣٩.
(٢) صحيح البخاري ٣ : ٨٤ ، صحيح مسلم ٣ : ١١٦٤ / ١٥٣٢ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٤٧ / ١٢٤٥ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٥.
(٣) في ج ١١ ص ١٥ ، ضمن المسألة ٢٢٧.
(٤) الوسيط ٤ : ٨١ ، العزيز ٤ : ١٧٢ ، و ٥ : ٥٠٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٩.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧٢ ، و ٥ : ٥٠٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٩ ، المجموع ٩ : ١٧٧.
وهل ينقطع بأن يفارقه المشتري؟ وجهان : المنع ؛ لأنّه لا حظّ له في الخيار ، فلا اعتبار بمفارقته. والانقطاع ؛ لحصول التفريق(١) .
مسالة ٧٤٠ : يجوز للمشتري التصرّف في الشقص قبل أن يأخذه الشفيع وقبل علمه بالبيع ، فإذا تصرّف ، صحّ تصرّفه ؛ لأنّ ملكه بالعقد إجماعاً ، وفائدة الملك استباحة وجوه الانتفاعات ، وصحّ قبض المشتري له ، ولم يبق إلّا أنّ الشفيع ملك عليه أن يملك ، وذلك لا يمنع تصرّفه ، كما لو كان الثمن معيباً فتصرّف المشتري في المبيع.
وكذا الموهوب له إذا كان الواهب ممّن له الرجوع فيها ، فإنّ تصرّفه يصحّ وإن ملك الواهب [ الرجوع ](٢) فيها.
إذا ثبت هذا ، فإنّ تصرّفه إن كان ممّا تجب به الشفعة - كالبيع خاصّةً عندنا ، وكلّ معاوضة عند الشافعي(٣) ، كجَعْله عوض الصداق أو الخلع أو غير ذلك من المعاوضات - تخيّر الشفيع إن شاء فسخ تصرّفه وأخذ بالثمن الأوّل ؛ لأنّ حقّه أسبق ، وسببه متقدّم ، فإنّ الشفعة وجبت له قبل تصرّف المشتري. وإن شاء أمضى تصرّفه ، وأخذ بالشفعة من المشتري الثاني ؛ لأنّ هذا التصرّف يُثبت الشفعة ، فلو باعه المشتري بعشرة بعشرين فباعه الآخَر بثلاثين ، فإن أخذ من الأوّل ، دفع عشرة ، ورجع الثالث على الثاني بثلاثين ، والثاني على الأوّل بعشرين ، لأنّ الشقص يؤخذ من الثالث وقد انفسخ عقده ، وكذا الثاني. ولو أخذ من الثاني ، صحّ ، ودفع عشرين ؛ وبطل
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٩.
(٢) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٩.
الثالث ، فيرجع بثلاثين. ولو أخذ من الثالث ، صحّت العقود ، ودفع ثلاثين.
وإن كان تصرّفه لا تثبت به الشفعة كالهبة والوقف وجَعْلِه مسجداً ، فإنّ للشفيع إبطالَ ذلك التصرّف ، ويأخذ بالثمن الأوّل ، ويكون الثمن للمشتري ، وبه قال الشافعي(١) .
وقال مالك : إنّه يكون الثمن للموهوب له(٢) .
وهو غلط ؛ لأنّ الشفيع أبطل الهبة ، وأخذ الشقص بحكم العقد الأوّل ، ولو لم يكن وهب كان الثمن له ، كذا بعد الهبة المفسوخة.
وكذا للشفيع فسخ الوقف وكونه مسجدا أو غير ذلك من أنواع التصرّفات ، وبه قال أكثر الشافعيّة(٣) .
وقال بعضهم : إنّ الوقف يُبطل الشفعة ؛ لأنّ الشفعة إنّما تثبت في المملوك وقد خرج من أن يكون مملوكاً(٤) .
وهو غلط ؛ لأنّ ذلك الاستحقاق سابق والوقف متأخّر ، فلا يبطل السابق ، ولا يمتنع أن يبطل الوقف لأجل حقّ الغير ، كما لو وقف المريض أملاكه أو أعتق عبيده وعليه دَيْنٌ مستوعب ، فإنّ العتق والوقف صحيحان ، وإذا مات ، فسخا لحقّ الغرماء ، كذا هنا.
مسالة ٧٤١ : إذا ملك الشفيع ، امتنع تصرّف المشتري. ولو طلب الشفيع ولم يثبت الملك بَعْدُ ، لم يمنع الشريك من التصرّف ؛ لبقائه في ملكه.
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٩ ، الوسيط ٤ : ٩١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٨ - ١٧٩ ، المغني ٥ : ٤٩٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٠٥.
(٢) المغني ٥ : ٤٩١ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٠٦.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٩.
(٤) المغني ٥ : ٤٩٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٠٥.
ويحتمل قويّاً المنع ؛ لتعلّق حقّ الشفيع به وتأكّده بالطلب.
وكلاهما للشافعيّة(١) أيضاً.
ولو تصرّف الشفيع قبل القبض بعد أن سلّم الثمن إلى المشتري ، نفذ.
وللشافعيّة وجهان ، أظهرهما : المنع ، كتصرّف المشتري قبل القبض(٢) .
وهو باطل ؛ لاختصاص ذلك بالبيع ، والشفعة ليست بيعاً. ولأنّه ملك قهريّ كالإرث ، فصحّ تصرّفه فيه ، كالوارث قبل القبض.
ولو ملك بالإشهاد أو بقضاء القاضي ، نفذ تصرّفه.
وقالت الشافعيّة : لا ينفذ(٣) .
وكذا لو ملك برضا المشتري بكون الثمن عنده.
مسالة ٧٤٢ : لا يشترط علم الشفيع بالثمن ولا بالشقص في طلب الشفعة ، بل في الأخذ ، فلا يملك الشقص الذي لم يره بالأخذ ولا بالطلب ؛ لأنّه غرر والنبيّصلىاللهعليهوآله نهى عنه(٤) ، بل يشترط علم الشفيع في التملّك بالثمن والمثمن معاً ، فلو جهل أحدهما ، لم يصح الأخذ ، وله المطالبة بالشفعة.
ولو قال : أخذته بمهما كان ، لم يصح مع جهالته بالقدر.
وقالت الشافعيّة : في تملّك الشفيع الشقص الذي لم يره طريقان :
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٠.
(٢و٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٠.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٠.
(٤) صحيح مسلم ٣ : ١١٥٣ / ١٥١٣ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٣٩ / ٢١٩٤ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٥٤ / ٣٣٧٦ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٣٢ / ١٢٣٠ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٥١ ، الموطّأ ٢ : ٦٦٤ / ٧٥.
أظهرهما : أنّه على قولي(١) بيع الغائب إن منعناه ، لم يتملّكه قبل الرؤية ، وليس للمشتري منعه من الرؤية. وإن صحّحناه ، فله التملّك.
[ ثمّ ](٢) منهم مَنْ جَعَل خيار الرؤية على الخلاف في خيار المجلس.
ومنهم مَنْ قطع به وقال : المانع هناك - على رأي - بُعْدُ اختصاص ذلك الخيار بأحد الجانبين.
والثاني : المنع ، سواء صحّحنا بيع الغائب أو أبطلناه ؛ لأنّ البيع جرى بالتراضي فأثبتنا الخيار فيه ، وهنا الشفيع يأخذ من غير رضا المشتري ، فلا يمكن إثبات الخيار فيه.
نعم ، لو رضي المشتري بأن يأخذه الشفيع ويكون بالخيار ، فعلى قولي بيع الغائب ، فإذا جوّزنا له التملّك وأثبتنا الخيار ، فللمشتري أن يمتنع من قبض الثمن وإقباض المبيع(٣) حتى يراه ليكون على ثقة فيه(٤) .
وإذا بلغه البيع فقال : قد اخترت أخذ الشقص بالثمن الذي تمّ عليه العقد ، وعلم قدره ونظر إلى الشقص أو وُصف له وصفاً يرفع الجهالة ، صحّ الأخذ وإن لم يجز المشتري ولا حضر.
وقال أبو حنيفة : لا يأخذ بالشفعة حتى يحضر الثمن ، ولا يقضي له القاضي بها حتى يحضر الثمن(٥) .
وقال محمد : إنّ القاضي يؤجّله يومين أو ثلاثة ، ولا يأخذه إلّا بحكم
____________________
(١) في النسخ الخطّيّة والحجريّة المعتمدة في التحقيق : « قول ». والصحيح ما أثبتناه.
(٢) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٣) في النسخ الخطّيّة والحجريّة المعتمدة في التحقيق : « البائع » بدل « المبيع ».
والصحيح ما أثبتناه من المصدر.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٠.
(٥) المغني ٥ : ٥١٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٢١.
الحاكم أو رضا المشتري ؛ لأنّ الشفيع يأخذ الشقص بغير اختيار المشتري ، فلا يستحقّ ذلك إلّا بعد إحضار الثمن ، ولهذا كان المشتري لمـّا كان يستحقّ تسلّم المبيع بغير اختيار البائع لم يكن له إلّا بعد إحضار الثمن(١) .
وقد بيّنّا أنّ الشفيع يأخذ بالعوض ، فلا يشترط حضوره ، كالبيع ، والتسليم في الشفعة كالتسليم في البيع ، فإنّ الشفيع لا يتسلّم الشقص إلّا بعد إحضار الثمن ، وكون التملّك بغير اختياره يدلّ على قوّته ، فلا يمنع من اعتباره في الصحّة بالبيع.
وإذا كان الثمن مجهولاً عند الشفيع ، لم يصح الأخذ ؛ لأنّه تملّك بعوض ، فلا يصحّ مع جهالة العوض ، كالبيع.
ولو قال : أخذته بالثمن إن كان مائةً فما دونها ، لم يصح الأخذ ؛ لأنّ مثل هذا لا يجوز أن يكون ثمناً في البيع ، كذا الشفعة.
ولو لم يشاهد الشقص ولا وُصف له بما يرتفع معه الجهالة ، لم يكن له أخذه ، وبه قال بعض الشافعيّة ، سواء قالوا بجواز بيع خيار الرؤية أو لا ؛ لأنّ مع القول بالجواز أثبتوا فيه خيار الرؤية برضا البائع ، لأنّه دخل على ذلك ، وفي مسألتنا يأخذه الشفيع بغير رضا المشتري ، فلا يثبت الخيار(٢) .
و(٣) قال ابن سريج : إلّا أن يرضى المشتري بخيار الرؤية ، فيجوز ذلك على القول الذي يجيز البيع بها(٤) .
وقال بعض الشافعيّة : مَنْ قال من أصحابنا : إنّه يثبت في الشفعة خيار المجلس يجيز أيضاً خيار الرؤية فيها على أحد القولين(٥) .
إذا عرفت هذا ، فإذا أخذ الشقص بالشفعة ، وجب عليه الثمن ،
____________________
(١) بدائع الصنائع ٥ : ٢٤ ، وانظر : المغني ٥ : ٥١٠ ، والشرح الكبير ٥ : ٥٢١.
(٢و٤و٥) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.
(٣) في « س ، ي » لم ترد كلمة « و».
ولا يجب على المشتري تسليم الشقص حتى يقبض الثمن.
مسالة ٧٤٣ : إذا كان الشقص في يد البائع ، فقال الشفيع : لا أقبضه إلّا من المشتري ، لم يكن له ذلك ، ولم يكلّف المشتري أخذه من البائع ، بل يأخذه الشفيع من يد البائع ؛ لأنّ هذا الشقص حقّ الشفيع ، فحيثما وجده أخذه. ولأنّ يد الشفيع كيد المشتري ؛ لأنّه استحقّ قبض ذلك من جهته ، كما لو وكّل وكيلاً في القبض ، ألا ترى أنّه لو قال : أعتق عبدك عن ظهاري ، فأعتقه ، صحّ ، وكان الآمر كالقابض له ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني : أنّ للشفيع ذلك ؛ لأنّ الشفيع بمنزلة المشتري من المشتري ، فيلزمه أن يسلّمه بعد قبضه ، وعلى الحاكم تكليف المشتري أن يتسلّم ويُسلّم ، أو يوكّل في ذلك ، فإن كان المشتري غائباً ، نصب الحاكم مَنْ يقبضه من البائع عن المشتري ويسلّمه إلى الشفيع ، وإذا أخذه الشفيع من المشتري أو من البائع ، فإنّ عهدته على المشتري خاصّةً(١) .
ولو أفلس الشفيع وكان المشتري قد سلّم الشقص إليه راضياً بذمّته ، جاز له الاسترداد ، وكان أحقَّ بعينه من غيره.
مسالة ٧٤٤ : إنّما يأخذ الشفيع بالثمن الذي وقع عليه العقد ؛ لما روى العامّة عن جابر أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « فهو أحقّ به بالثمن »(٢) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « فهو أحقّ بها من غيره بالثمن »(٣) .
ولأنّ الشفيع إنّما يستحقّ الشفعة بسبب البيع ، فكان مستحقّا له
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٥ - ٥٤٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٢.
(٢) سنن البيهقي ٦ : ١٠٤ ، المغني ٥ : ٥٠٥ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٢٠.
(٣) التهذيب ٧ : ١٦٤ / ٧٢٨.
بالثمن ، كالمشتري.
لا يقال : الشفيع استحقّه بغير اختيار مالكه ؛ لحاجته إليه ، فكان يجب أن يستحقّه بالقيمة ، كالمضطرّ إلى طعام الغير.
لأنّا نقول : المضطرّ إنّما استحقّه بسبب الحاجة خاصّةً ، فكان المرجع في بدله إلى القيمة ، والشفيع يستحقّه لأجل البيع ، فإنّه لو كان انتقاله في الهبة أو الميراث ، لم يستحقّ فيه الشفعة ، وإذا اختصّ ذلك بالبيع ، وجب أن يكون بالعوض الثابت بالبيع.
إذا ثبت هذا ، فإن بِيع بمثليٍّ - كالنقدين والحبوب - أخذه بمثله.
ثمّ إن قُدِّر بمعيار الشرع ، أخذه به. وإن قُدِّر بغيره كما لو باع بمائة رطل من الحنطة ، أخذه بمثله وزناً تحقيقاً للمماثلة.
وللشافعي قولان ، هذا أحدهما. والثاني : أنّه يأخذه بالكيل(١) .
ولو تعذّر المثل وقت الأخذ ؛ لانقطاعه أو لغيره ، عدل إلى القيمة ، كما في الغصب.
تذنيب : لا يجب على الشفيع دفع ما غرمه المشتري من دلالة واُجرة وزّان ونقّاد وكيل وغير ذلك من المؤن.
مسالة ٧٤٥ : ولو لم يكن الثمن مثليّاً بل مقوَّماً - كالعبد والثوب وشبههما - أخذه الشفيع بقيمة السلعة التي جُعلت ثمناً - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك(٢) - لأنّه أحد نوعي الثمن ، فجاز أن تثبت الشفعة
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧١.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٦ ، حلية العلماء ٥ : ٢٩٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧١ ، بدائع الصنائع ٥ : ٢٦ ، المعونة ٢ : ١٢٧٦ ، التفريع ٢ : ٣٠٢ ، المغني ٥ : ٥٠٥ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٢٤.
بالمشتري به ، كالذي له مِثْلٌ.
وقال الشيخرحمهالله : تبطل الشفعة(١) - وبه قال الحسن البصري وسوار القاضي(٢) - لما رواه عليّ بن رئاب عن الصادقعليهالسلام في رجل اشترى داراً برقيق ومتاع وبزّ وجوهر ، قال : « ليس لأحد فيها شفعة »(٣) .
ولأنّ الشفعة إنّما تجب بمثل الذي ابتاعه به ، وهذا لا مثل له ، فلم تجب.
والرواية ضعيفة السند ؛ لأنّ في طريقها الحسن بن محمد بن سماعة وليس منّا.
والمثل قد يكون من طريق الصورة وقد يكون من طريق القيمة ، كما في بدل الإتلاف والغصب.
وتُعتبر القيمة يوم البيع ؛ لأنّه يوم إثبات العوض واستحقاق الشفعة ، فلا اعتبار بالزيادة بعد ذلك ولا النقصان ، وبه قال الشافعي(٤) .
وقال ابن سريج : تُعتبر قيمته يوم استقرار العقد بانقطاع الخيار(٥) .
وقال مالك : الاعتبار بقيمته يوم المحاكمة(٦) .
وليس بجيّد ؛ لما تقدّم من أنّ وقت الاستحقاق وقت العقد
____________________
(١) الخلاف ٣ : ٤٣٢ ، المسألة ٧.
(٢) حلية العلماء ٥ : ٢٩٤ ، المغني ٥ : ٥٠٥ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٢٤.
(٣) التهذيب ٧ : ١٦٧ / ٧٤٠.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧١.
(٥) حلية العلماء ٥ : ٢٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٧ - ٥٠٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧١.
(٦) حلية العلماء ٥ : ٢٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٨ ، المغني ٥ : ٥٠٧ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٢٤.
للمشتري. ولأنّ الثمن صار ملكاً للبائع ، فلا تُعتبر زيادته في حقّ المشتري.
ولو اختلفا في القيمة في ذلك الوقت ، قُدّم قول المشتري مع اليمين.
مسالة ٧٤٦ : لو جعل الشقص رأس مال سَلَمٍ ، أخذ الشفيع بمثل الـمُسْلَم فيه إن كان مثليّاً ، وبقيمته إن كان متقوَّماً.
ولو صالح من دَيْنٍ على شقص ، لم تكن له شفعة.
وعند الشافعي يأخذه بمثل ذلك الدَّيْن إن كان مثليّاً ، وبقيمته إن كان متقوَّماً(١) .
ولا فرق بين أن يكون دَيْن إتلافٍ أو دَيْن معاملة.
ولو أمهرها شقصاً ، فلا شفعة عندنا.
وعند الشافعي يأخذ بمهر مثل المرأة ؛ لأنّ البُضْع متقوَّم ، وقيمته مهر المثل. وكذا إذا خالعها على شقص. والاعتبار بمهر مثلها يوم النكاح أو يوم جريان البينونة(٢) .
وخرّج بعض الشافعيّة وجهاً أنّه يأخذه بقيمة الشقص(٣) . والأصل فيه أنّ المرأة إذا وجدت بالصداق عيباً وردّته ، ترجع بقيمته على أحد القولين ، فإذا كان المستحقّ عند الردّ بالعيب بدل المسمّى ، كذا عند الأخذ بالشفعة ، وبه قال مالك(٤) .
ولو متَّع المطلّقة بشقص ، فلا شفعة عندنا.
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧١.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧١.
(٣) في « العزيز شرح الوجيز » : « بقيمته يوم القبض ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧١.
[ وقال الشافعي : يأخذه الشفيع بمتعة مثلها لا بالمهر ؛ لأنّ المتعة هي التي وجبت بالطلاق ، والشقص عوض عنها(١) .
ولو أخذ من المكاتب شقصاً عوضاً عن النجوم ، فلا شفعة عندنا ](٢) .
وقال الشافعي : يأخذه الشفيع بمثل النجوم أو بقيمتها ؛ لأنّ النجوم هي التي قابلته(٣) .
ولو جعل الشقص اُجرة دار ، فلا شفعة عندنا.
وقال الشافعي : يؤخذ بقيمة المنفعة ، وهي اُجرة مثل الدار(٤) .
ولو صالح على الشقص عن دم ، فلا شفعة عندنا.
وقال الشافعي : يأخذه الشفيع بقيمة الدم ، وهي الدية(٥) . ويعود فيه مذهب مالك(٦) .
ولو استقرض شقصاً ، فلا شفعة عندنا.
وقال الشافعي : يأخذه الشفيع بقيمته وإن قلنا : إنّ المستقرض يردّ المثل ؛ لأنّ القرض مبنيّ على الإرفاق ، والشفعة ملحقة بالإتلاف(٧) (٨) .
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧١.
(٢) بعض ما بين المعقوفين أضفناه من « العزيز شرح الوجيز » نصّاً ، ونحوه في « التهذيب » للبغوي ، و « روضة الطالبين ». وبعضه الآخَر من تصحيحنا لأجل السياق.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧١.
(٤و٥) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧١.
(٦) كذا في النسخ الخطّيّة والحجريّة. وورد في العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٨ - تتمّةً لقول الشافعي - : « ويقود منه الجريح ويذهب ملكه » بدل « ويعود فيه مذهب مالك ».
(٧) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « بالإتلاف ». وما أثبتناه من « العزيز شرح الوجيز ».
(٨) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧١.
مسالة ٧٤٧ : لو كان الثمن مؤجَّلاً ، مثلاً : اشترى الشقص بمائة مؤجَّلة إلى سنة ، فللشيخرحمهالله قولان :
أحدهما - وهو الأقوى عندي ، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في القديم(١) - : أنّ للشفيع الأخذ كذلك بعد إقامة كفيل إذا لم يكن مليّاً ، وليس له الصبر والأخذ عند الأجل(٢) .
لنا : أنّ الأخذ إنّما يكون بالثمن ، ويجب أن يكون على الشفيع مثل الثمن قدراً ووصفاً ، والتأجيل وصف في الثمن. ولأنّ الشفعة على الفور ، وتأخير الطلب إلى الأجل مناف للفوريّة ، وأخذها بالثمن المعجّل إضرار بالشفيع بغير وجه ، فلم يبق إلّا ما قلنا توصّلاً إلى الجمع بين الحقوق كلّها.
وقال الشيخ أيضاً : يتخيّر الشفيع بين أن يأخذه ويعجّل الثمن ، وبين أن يصبر إلى أن يحلّ الأجل ثمّ يأخذه بالثمن(٣) - وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الجديد(٤) - لأنّ ذلك يؤدّي إلى أن يلزم المشتري قبول ذمّة الشفيع ، والذمم لا تتماثل ، ولهذا إذا مات مَنْ عليه الدَّيْن المؤجَّل ، حلّ الأجل ، ولم ينتقل إلى ذمّة الورثة. وملاءة الأشخاص لا توجب تماثل الذمم ، فإنّها تختلف في كون بعضها أوفى وبعضها أسهل في المعاملة.
____________________
(١) الموطّأ ٢ : ٧١٥ ، ذيل الحديث ٣ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٥٩ ، المغني ٥ : ٥٠٧ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٢٣ ، المحلّى ٩ : ٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٩ ، وانظر : روضة الطالبين ٤ : ١٧١ - ١٧٢.
(٢) النهاية : ٤٢٥.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٣ : ١١٢ ، الخلاف ٣ : ٤٣٣ ، المسألة ٩ من كتاب الشفعة.
(٤) بدائع الصنائع ٥ : ٢٧ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٣ / ١٩٥٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٥٦ ، الوسيط ٤ : ٨٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧١ - ١٧٢ ، المغني ٥ : ٥٠٧ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٢٣.
ولأنّ في ذلك تغريراً بالمشتري ؛ لجواز أن يذهب مال الشفيع قبل حلول الأجل ، فيلزمه غرمه ، ولا يجوز أن يلزمه ذلك ، ولم يحصل له حظّ بهذا البيع.
وهو ممنوع ؛ لأنّا نلزم الشفيع بكفيل مليّ يرتضيه المشتري ، فاندفع المحذور.
وللشافعي قولٌ ثالث : إنّ الشفيع يأخذه بسلعة قيمتها الثمن إلى سنة ؛ لأنّه لم يأخذ السلعة بثمن مؤجّل على ما تقدّم ، وإن أخذها بثمنٍ حالّ في الحال أو بعد انقضاء الأجل ، فقد كلّفناه أكثر من الثمن ؛ لأنّ ما يباع بمائة إلى سنة لا يساويها حالّا ، ولئلّا يتأخّر الأخذ ولا يتضرّر الشفيع(١)
وعلى ما اخترناه فإنّما يأخذه بثمنٍ مؤجّل إذا كان مليّاً موثوقاً به أو(٢) إذا أعطى كفيلاً مليّاً ، وإلّا لم يأخذه ؛ لأنّه إضرار بالمشتري ، وهو أحد قولي الشافعي على تقدير قوله بما قلناه. والثاني له : أنّ له الأخذ على الإطلاق ، ولا ينظر إلى صفته ، ولو أخذه ثمّ مات ، حلّ عليه الأجل(٣) .
وعلى قول أبي حنيفة والشيخ والشافعي في الجديد لا يبطل حقّ الشفيع بالتأخير ؛ لأنّه تأخير بعذر ، ولكن هل يجب تنبيه المشتري على الطلب؟ فيه وجهان ، أحدهما : لا ؛ إذ لا فائدة فيه. والثاني : نعم ؛ لأنّه ميسور وإن كان الأخذ معسوراً(٤) .
ولو مات المشتري وحلّ عليه الثمن ، لم يتعجّل الأخذ على الشفيع ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٢.
(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « و» بدل « أو ». والظاهر ما أثبتناه.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٢.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٢.
بل هو على خيرته إن شاء أخذ في الحال ، وإن شاء صبر إلى مجيء ذلك المحلّ.
ولو مات الشفيع ، فالخيرة التي كانت له تثبت لورثته.
ولو باع المشتري الشقص قبل أن يحلّ الأجل ، صحّ البيع ؛ لأنّ الثمن لو كان حالّاً فباع المشتري صحّ بيعه ، فإذا كان مؤجّلاً وتأخّر الأخذ ، كان جواز البيع أولى ، ويتخيّر الشفيع بين أن يجيز البيع الثاني ويأخذه بالثمن الثاني وبين أن يفسخه إمّا في الحال أو عند حلول الأجل ، ويأخذه بالثمن الأوّل ؛ لأنّ ذلك كان له ، ولا يسقط بتصرّف المشتري.
هذا إذا قلنا : إنّ للشفيع نقض تصرّف المشتري ، وهو الظاهر عندهم(١) ، وفيه خلاف ، وإن قلنا بالثالث ، فتعيين(٢) العرض إلى الشفيع وتعديل القيمة [ إلى ](٣) مَنْ يعرفها.
ولو لم يتّفق طلب الشفعة حتى حلّ الأجل ، وجب أن لا يطالب على هذا القول إلّا بالسلعة المعدلة ؛ لأنّ الاعتبار في قيمة عوض المبيع بحال البيع ، ألا ترى أنّه إذا باع بمتقوّم ، تعتبر قيمته يوم البيع. وعلى القولين الآخَرَيْن لو أخّر الشفعة ، بطل حقّه.
مسالة ٧٤٨ : لو ضمّ شقصاً مشفوعاً إلى ما لا شفعة فيه في البيع ، مثل أن يبيع نصفَ دار وثوباً أو عبداً أو غيرهما صفقةً واحدة ، بسط الثمن عليهما باعتبار القيمتين ، وأخذ الشفيع الشقص بحصّته من الثمن ، عند علمائنا ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد(٤) ، ولا شفعة في المضموم ؛
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٢.
(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « فيتعيّن ». والصحيح ما أثبتناه.
(٣) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٢ ، المغني ٥ : ٥٠٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٠٢.
لأنّ المضموم لا شفعة فيه ولا هو تابع لما فيه الشفعة ، فلا تثبت فيه الشفعة ، كما لو أفرده.
وقال مالك : تثبت الشفعة فيهما معاً. ويروى عنه أيضاً أنّه إن كان من مصالح الضيعة وتوابعها كالثيران وآلات الحرث والعبد العامل في البستان ، أخذه الشفيع مع الشقص. وإن كان غير ذلك ، لم يأخذه ؛ لأنّه لو أخذ الشقص وحده ، تبعّضت الصفقة على المشتري ، وفي ذلك ضرر ، ولا يزال الضرر عن الشفيع بإلحاق ضرر المشتري(١) .
وهو غلط ؛ لأنّه أدخله على نفسه بجمعه في العقد بين ما ثبت فيه الشفعة وما لا تثبت.
ثمّ النظر إلى قيمتهما يوم البيع ؛ فإنّه وقت المقابلة.
قال الجويني : إذا قلنا : إنّ الملك ينتقل بانقطاع الخيار ؛ فيجوز أن يعتبر وقت انقطاع الخيار ، لأنّ انتقال الملك - الذي هو سبب الشفعة - حينئذٍ يحصل(٢) .
وهذا يتأتّى على قول الشيخ أيضاً.
وإذا أخذ الشفيع الشقص ، لم يثبت للمشتري الخيار وإن تفرّقت الصفقة عليه ، لدخوله فيها عالماً بالحال.
مسالة ٧٤٩ : إذا اشترى شقصاً من دار فاستهدمت إمّا بفعل المشتري أو بغير فعله ، فلها أحوال :
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٠ ، المغني ٥ : ٥٠٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٠٢.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٠.
أ - أن تتعيّب من غير تلف شيء منها ولا انفصال بعضها عن بعض بأن يتشقّق جدار أو تميل أسطوانة أو ينكسر جذع أو يضطرب سقف ، فالشفيع بالخيار بين الأخذ بكلّ الثمن ، وبين الترك ، ويكون تعيّبه في يد المشتري كتعيّب المبيع في يد البائع ، فإنّه يتخيّر المشتري بين الفسخ وبين الأخذ بجميع الثمن ، عند بعض(١) علمائنا ، وبه قال الشافعي(٢) .
وعند بعضهم(٣) يسقط(٤) الأرش ، فينبغي هنا أن يكون كذلك.
ب - أن يتلف بعضها ، فيُنظر إن تلف شيء من العرصة بأن غشيها السيل فغرّقها ، أخذ الباقي بحصّته من الثمن.
وإن بقيت العرصة بتمامها وتلفت السقوف والجدران باحتراقٍ وغيره ، فإن قلنا : إنّ الأبنية كأحد العبدين المبيعين(٥) ، أخذ العرصة بحصّتها من
____________________
(١) كالشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ١٠٩ ، المسألة ١٧٨ ، والمبسوط ٢ : ١٢٧ ، وابن إدريس في السرائر ٢ : ٣٠٥.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٢ - ١٧٣.
(٣) اُنظر : نكت النهاية ( النهاية ونكتها ) ٢ : ١٦١ - ١٦٢.
(٤) كذا بصيغة الإثبات. وفي جواهر الكلام ١٦ : ٣٥٩ حيث نقل عبارة التذكرة قال : « لا يسقط الأرش ». وقال المحقّق الكركي في جامع المقاصد ٤ : ٤١٧ - ٤١٨ عند شرح قول المصنّف في القواعد : « ولو انهدم أو تعيّب بفعل المشتري قبل المطالبة » : فهاهنا أربع صور : الاولى : أن يكون ذلك بفعل المشتري قبل مطالبة الشفيع بالشفعة بأن ينقض البناء أو يشقّ الجدار أو يكسر الجذع إلى أن ساق الكلام إلى قوله : وقد سبق في كتاب البيع وجوب الأرش على البائع إذا تعيّب المبيع في يده فينبغي أن يكون هنا كذلك ، وقد نبّه كلام المصنّف في التذكرة على ذلك. انتهى ، فلاحظ قوله : « وجوب الأرش على البائع » حيث إنّه يخالف قول المصنّف : « يسقط الأرش » ويوافق ما في الجواهر من قوله : « لا يسقط ». وانظر أيضاً : الكافي في الفقه - للحلبي -: ٣٥٥.
(٥) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « المسمّيين » بدل « المبيعين ». والظاهر ما أثبتناه.
الثمن ، وهو الأصحّ ، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد(١) .
وإن قلنا : إنّها كأطراف العبد وصفاته ، أخذها بكلّ الثمن على رأي - وبه قال الشافعي(٢) - وبما بعد الأرش على رأي.
وفرّق بعضهم بين أن يكون التلف بآفة سماويّة ، فيأخذها بجميع الثمن ، أو بإتلاف متلفٍ ، فيأخذها بالحصّة ؛ لأنّ المشتري يحصل له بدل التالف ، فلا يتضرّر ، وبه قال أبو حنيفة(٣) .
ج - أن لا يتلف شيء منها ولكن ينفصل بعضها عن بعض بالانهدام وسقوط الجدران ، فإنّ الشفيع يأخذ الشقص مع الأبعاض - وهو أحد قولي الشافعي(٤) - لأنّها دخلت في البيع وكانت متّصلة به حالة البيع ممّا يدخل في الشفعة ، فكذا بعد النقض ، وكونه منقولا عرض بعد البيع وبعد تعلّق حقّ الشفيع به ، والاعتبار بحال جريان العقد ، ولهذا لو اشترى داراً فانهدمت ، يكون النقض والعرصة للمشتري وإن كان النقض لا يندرج في البيع لو وقع بعد الانهدام.
والثاني للشافعي : لا يأخذ الشفيع النقض ؛ لأنّه منقول كما لو كان في الابتداء كذلك وأدخل النقض في البيع ، لا يؤخذ بالشفعة(٥) .
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٣ ، المغني ٥ : ٥٠٤ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٠٣.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٣.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٣ ، بدائع الصنائع ٥ : ٢٨ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٥١ / ١٩٧٢ ، المغني ٥ : ٥٠٤ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٠٣.
(٤و٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٣.
فإن قلنا بالأوّل ، أخذه مع العرصة بجميع الثمن أو بما بعد الأرش على ما تقدّم ، أو يعرض عن الكلّ.
وإن قلنا : إنّه لا يأخذه - كما هو اختيار الشافعي في القول الثاني - فيبني على أنّ السقوف والجدران كأحد العبدين أو كطرف العبد؟ إن قلنا بالأوّل ، أخذ العرصة وما بقي من البناء بحصّتهما من الثمن.
وإن قلنا بالثاني ، فوجهان :
أحدهما : أنّه يأخذ بالحصّة ؛ لأنّ الأنقاض كانت من الدار المشتراة ، فيبعد أن تبقى للمشتري مجّاناً ويأخذ الشفيع ما سواه بتمام الثمن.
والثاني - وهو قياس الأصل المبنيّ عليه - : أن يأخذ بتمام الثمن ، كما في الحالة الاُولى. وعلى هذا فالأنقاض تشبه بالثمار والزوائد التي يفوز بها المشتري قبل قبض الشفيع(١) .
ومنهم مَنْ كان يطلق قولين - تفريعاً على أنّ النقض غير مأخوذ من غير البناء - على أنّ النقض كأحد العبدين أو كأطراف العبد؟(٢)
ووجه الأخذ بالكلّ : أنّه نَقْصٌ حصل عند المشتري ، فأشبه تشقّق الحائط ، والأخذِ بالحصّة : أنّ ما لا يؤخذ من المبيع بالشفعة تسقط حصّته من الثمن ، كما إذا اشترى شقصاً وسيفاً.
واعلم أنّ المزني نقل عن الشافعي أنّ الشفيع مخيّر بين أن يأخذه بجميع الثمن أو يردّ(٣) .
وقال في القديم ومواضع من الجديد : أنّه يأخذه بالحصّة(٤) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١١ - ٥١٢ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٣.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٢.
(٣) مختصر المزني : ١٢٠ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٢.
(٤) الحاوي الكبير ٧ : ٢٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٢.
وقد ذكر بعض الشافعيّة فيه خمس طرق :
أ - منهم مَنْ قال : إنّ ما انهدم من الدار لا يدخل في الأخذ بالشفعة ، وإنّما يأخذ العرصة وما فيها من البناء ؛ لأنّ ذلك منفصل عنها ، كما لو باع داراً ، لم يدخل فيها ما كان منفصلاً عنها. وهل يأخذ العرصة والبناء الذي فيها بجميع الثمن أو بالحصّة؟ قولان.
ب - ما ذُكر في الطريقة الاُولى إلّا في أنّه يأخذ ذلك بحصّته من الثمن قولاً واحداً.
ج - إنّ ما انفصل من الدار يستحقّه الشفيع مع الدار ؛ لأنّ استحقاقه للشفعة إنّما كان حال عقد البيع وفي ذلك الحال كان متّصلاً.
د - المسألة على اختلاف حالين ، فالموضع الذي قال : يأخذها بالحصّة إذا ذهب بعض العرصة بغرقٍ أو غير ذلك ، والموضع الذي قال : يأخذها بجميع الثمن إذا كانت العرصة باقيةً وإنّما ذهب البناء.
ه- إنّ الموضع الذي قال : يأخذ بالحصّة إذا تلف بعض الأعيان بفعله أو فعل آدميّ ، والموضع الذي قال : يأخذه بجميع الثمن إذا حصل ذلك بأمر سماويّ(١) .
وبهذه(٢) الطريقة الأخيرة قال أبو حنيفة(٣) .
أقول : ما فعله المشتري مضمون ( وإن كان إذا )(٤) حصل بغير فعله لم يضمنه ، كما لو قلع عين المبيع ، كان تضمينها عليه ، ولو سقطت
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٢٦٥ - ٢٦٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٢.
(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « هذه ». والصحيح ما أثبتناه.
(٣) بدائع الصنائع ٥ : ٢٨ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٥١ / ١٩٧٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١١ ، المغني ٥ : ٥٠٤ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٠٣.
(٤) بدل ما بين القوسين في الطبعة الحجريّة : « وإذا كان ».
لم يسقط شيء من الثمن.
هذا كلّه إذا كان التعيّب لا بفعل المشتري أو بفعله قبل الطلب ، أمّا إذا كان بفعل المشتري بعد الطلب ، فهل يضمن المشتري؟ قولان لعلمائنا ، الأقرب : الضمان.
ولو تلف بعض المبيع ، أخذه بحصّته من الثمن.
مسالة ٧٥٠ : إذا بنى المشتري أو غرس قبل القسمة ، كان للشريك قلعه ، لا من حيث الشفعة ، بل من حيث إنّ أحد الشريكين إذا بنى أو غرس في الأرض المشتركة ، كان للشريك الآخر قلعه وتخريب البناء مجّاناً ، وله الأخذ بالشفعة بعد القلع وقبله.
وإن كان المشتري قد قسّم - إمّا لغيبة الشريك ، أو لصغره - بإذن الحاكم ، أو لكذبه في الإخبار بالثمن فعفا ، أو في الاتّهاب فظهر(١) البيع ، أو قاسمه وكيله وأخفى(٢) عنه وجه الحظّ في الأخذ بالشفعة ثمّ يجيء الموكّل فيظهر له الوجه ثمّ بنى أو غرس أو زرع بعد القسمة والتمييز ثمّ علم الشفيع ، فللمشتري قلع غرسه وبنائه ؛ لأنّه ملكه.
فإذا قلعه ، لم يكن عليه تسوية الحفر ؛ لأنّه غرس وبنى في ملكه ، وما حدث من النقص فإنّما حدث في ملكه ، وذلك ممّا لا يقابله الثمن ، وإنّما يقابل الثمن سهام الأرض من نصف وثلث وربع ، ولا يقابل التراب ، فيكون الشفيع بالخيار بين أن يأخذ الأرض بجميع الثمن أو يترك.
وإن لم يقلع المشتري الغراس ، تخيّر الشفيع بين ثلاثة أشياء : ترك الشفعة ، وأخذها ودفع قيمة البناء والغراس إن رضي الغارس والباني ،
____________________
(١) في « س ، ي » : « فيظهر ».
(٢) في « س ، ي » : « خفي ».
ويصير الملك له ، وأن يُجبر المشتري على القلع ، ويضمن له ما نقص له بالقلع.
وقيل : رابعٌ : أن يُبقيه في الأرض باُجرة(١) .
فأمّا إذا طالبه بقلع ذلك من غير أن يضمن له النقص ، لم يلزمه قلعه ، قاله الشيخ(٢) رحمهالله ، والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق والنخعي(٣) ؛ لأنّه بنى في ملكه الذي يملك نفعه ، فلم يُجبر على قلعه مع الإضرار به ، كما لو كان لا شفعة فيه.
وقال أبو حنيفة والثوري : يُجبر على قلعه ؛ لأنّه بنى في حقّ غيره بغير إذنه ، فكان عليه قلعه ، كما لو بنى فيها وبانت مستحقَّةً(٤) .
وفرّق(٥) الأوائل بأنّه غرس في ملك غيره(٦) .
وقول أبي حنيفة عندي لا بأس به ، والبناء وإن كان في ملكه لكنّه ملكٌ غير مستقرّ ، فلا يؤثّر في منع القلع ، والقياس على عدم الشفعة باطل.
لا يقال : القسمة تقطع الشركة ، وتردّ العلقة بينهما إلى الجوار ، وحينئذٍ وجب أن لا تبقى الشفعة ؛ لاندفاع الضرر الذي كُنّا نثبت الشفعة لدفعه ، كما لا تثبت ابتداءً للجار.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٨.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٣ : ١١٨ ، الخلاف ٣ : ٤٣٩ ، المسألة ١٤.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٦ - ١٧٧ ، المغني ٥ : ٥٠١ ، الشرح الكبير ٥ : ٥١٣.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٩ ، المغني ٥ : ٥٠١ ، الشرح الكبير ٥ : ٥١٣.
(٥) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « فرّقوا ».
(٦) المغني ٥ : ٥٠١ ، الشرح الكبير ٥ : ٥١٣.
لأنّا نقول : الجوار وإن لم يكن يكتفى به في الابتداء إلّا أنّه اكتفي به في الدوام عند حصول الشركة في الابتداء ، ولم يخرّج على الخلاف في بطلان الشفعة فيما إذا باع نصيبه جاهلاً بالشفعة ؛ لأنّ الجوار على حال ضرب اتّصال قد يؤدّي إلى التأذّي(١) بضيق المرافق وسوء الجوار ، ولذلك اختلف العلماء في ثبوت الشفعة به.
إذا عرفت هذا ، فلا فرق بين تصرّف المشتري والمستعير إذا بنى في أرض المعير أو غرس. ولو كان قد زرع ، ترك زرعه إلى أن يدرك ويحصد.
وهل للشفيع أن يطالبه باُجرة بقاء الزرع؟ الأقوى : العدم ، بخلاف المستعير ، فإنّه زرع أرض الغير وقد رجع في العارية ، فكان عليه الاُجرة ، أمّا المشتري فإنّه زرع ملك نفسه واستوفى منفعته بالزراعة ، وهو أحد وجهي الشافعيّة. وفي الثاني : له المطالبة ، كما أنّ المعير يبقي بالاُجرة(٢) . وقد بيّنّا الفرق.
وكذا لو باع أرضاً مزروعة ، لا يطالبه المشتري بالاُجرة لمدّة بقاء الزرع.
وللشافعيّة في الصور الثلاث - صورة بيع الأرض المزروعة ، وصورة العارية ، وصورة الشفعة - وجهان في وجوب الاُجرة ، لكنّ الظاهر عندهم في صورة العارية وجوب الاُجرة ، وفي الصورتين الاُخريين المنع ؛ للمعنى الجامع لهما ، وهو أنّه استوفى منفعة ملكه(٣) .
وأمّا إذا زرع بعد المقاسمة ، فإنّ الشفيع يأخذ بالشفعة ، ويبقى زرع المشتري إلى أوان الحصاد ، لأنّ ضرره لا يبقى ، والأجرة عليه ، لأنّه زرعه
____________________
(١) في « س » والطبعة الحجريّة : « على حال ضرر إيصال قد يتأدّى إلى التأذّي ». وفي « ي » : « على حال ضرر أيضاً . .». والظاهر ما أثبتناه.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٠.
في ملكه.
تذنيب : إذا زرع ، لزم الشفيع إبقاء الزرع ، وحينئذٍ يجوز له تأخير الشفعة إلى الإدراك والحصاد ؛ لأنّه لا ينتفع به قبل ذلك ، ويخرج الثمن من يده ، فله في التأخير غرض صحيح ، وهو الانتفاع بالثمن إلى ذلك الوقت ، قاله بعض الشافعيّة(١) .
وقال بعضهم : ويحتمل أن لا يجوز التأخير وإن تأخّرت المنفعة ، كما لو بِيعت الأرض في وسط الشتاء ، لا تؤخّر الشفعة إلى أوان الانتفاع(٢) . ولعلّ بينهما فرقاً.
ولو كان في الشقص أشجار عليها ثمار لا تستحقّ بالشفعة ، ففي جواز التأخير إلى وقت القطاف وجهان للشافعيّة(٣) .
وعندي أنّه يجب الأخذ معجّلاً.
مسالة ٧٥١ : لو تصرّف المشتري بوقف أو هبة وغيرهما ، صحّ ؛ لأنّه واقع في ملكه ، وثبوت حقّ التملّك للشفيع لا يمنع المشتري من التصرّف ، كما أنّ حقّ التملّك للواهب بالرجوع(٤) لا يمنع تصرّف المتّهب ، وكما أنّ حقّ التملّك للزوج بالطلاق لا يمنع تصرّف الزوجة.
وعن ابن سريج من الشافعيّة أنّ تصرَّفاته باطلة ؛ لأنّ للشفيع حقّاً لا سبيل إلى إبطاله ، فأشبه حقّ المرتهن(٥) .
وإذا قلنا بالصحّة على ما اخترناه نحن - وهو الظاهر من قول الشافعيّة(٦) - أنّه يُنظر إن كان التصرّف ممّا لا تثبت به الشفعة ، فللشفيع نقضه ، وأخذ
____________________
(٣-١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٨.
(٤) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « فالرجوع ». والصحيح ما أثبتناه.
(٥و٦) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٨.
الشقص بالشفعة ، وإلّا تخيّر بين الأخذ بالأوّل وفسخ الثاني ، وبين إمضائه والأخذ بالثاني.
وعن المروزي أنّه ليس تصرّف المشتري بأقلّ من بنائه ، فكما لا ينقض المشتري بناؤه لا ينبغي أن ينقض تصرّفه(١) .
واختلفت الشافعيّة في موضع هذا الوجه :
فمنهم مَنْ خصّصه بما تثبت فيه الشفعة من التصرّفات ، أمّا ما لا تثبت فله نقضه ، لتعذّر الأخذ به.
ومنهم مَنْ عمّم وقال : تصرّف المشتري يُبطل حقَّ الشفيع ، كما يُبطل تصرّف المشتري المفلس حقَّ الفسخ للبائع ، وتصرّف المرأة حقَّ الرجوع إلى العين إذا طلّق قبل الدخول ، وتصرّف المتّهب رجوعَ الواهب. نعم ، لو كان التصرّف بيعاً ، تجدّد حقّ الشفعة بذلك(٢) .
وعن أبي إسحاق من الشافعيّة أنّها لا تتجدّد أيضاً ؛ لأنّ تصرّف المشتري إذا كان مبطلاً للشفعة ، لا يكون مثبتاً لها ، كما إذا تحرّم(٣) بالصلاة ثمّ شكّ فجدّد نيّةً وتكبيراً ، لا تنعقد بها الصلاة ؛ لأنّه يحصل بها الحلّ فلا يحصل العقد(٤) .
ووجه ظاهر المذهب : أنّ للشفيع نقض تصرّف المشتري ؛ لأنّ حقّه ثابت بأصل العقد ، فلا يتمكّن المشتري من إبطاله ، ولا يشبه تصرّف المفلس وتصرّف المرأة في الصداق ، فإنّ حقّ البائع والزوج لا يبطل بالكلّيّة ، بل ينتقل إلى الثمن والقيمة ، والواهب رضي بسقوط حقّه حيث سلّمه إليه وسلّطه عليه ، وهنا لم يبطل حقّ الشفيع بالكلّيّة ، ولم يوجد منه
____________________
(١و٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢١.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « أحرم » بدل « تحرّم ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٢.
رضا ولا تسليم(١) .
قال بعض الشافعيّة : يجوز أن يبنى الوجهان على القولين فيما إذا عُتقت الأمة تحت عبد وطلّقها قبل أن تختار الفسخ ، هل ينفذ الطلاق؟
ووجه الشبه : أنّ الطلاق يُبطل حقّها في الفسخ ولم تسلّطه عليه ، كما ذكرنا في الشفيع(٢) .
وحكي عن بعضهم أنّه لا ينقض الشفعةَ تصرّفُ الوقف ، وينقض ما عداه(٣) .
مسالة ٧٥٢ : النخل تتبع الأرض في الشفعة ، وبه قال الشافعي(٤) .
فإن طالب بالشفعة وقد زادت النخل بطولٍ وسعفٍ ، رجع في ذلك ؛ لأنّ هذه زيادة غير متميّزة ، فتبعت الأرض في الرجوع ، كسمن الجارية.
اعترض بعض الشافعيّة بأنّه كيف جعلتم النخل تبعاً للأرض في الشفعة وقد قلتم : إنّ الأرض تتبع النخل في المساقاة ، فتجوز المزارعة على ما بين النخل من البياض تبعاً للنخيل!؟
واُجيب : بأنّه يجوز أن تكون الأرض تبعاً في حكمٍ يختصّ بالنخل ، والنخل تبعاً لها في حكم آخَر يختصّ بالأرض ، وإنّما لا يجوز أن يكون الشيء تابعاً ومتبوعاً في أمرٍ واحد ، وقد عرفت الكلبُ مقيس على الخنزير في النجاسة ، والخنزير مقيس عليه في الغَسْل من ولوغه عندهم(٥) .
ولو طلّق الزوج قبل الدخول وكان الصداق نخلاً وقد طالت ، لا يرجع في النصف ، لأنّ الزوج يمكنه الرجوع في القيمة إذا تعذّر الرجوع في
____________________
(٣-١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٢.
(٤) الحاوي الكبير ٧ : ٢٦٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٨٤.
(٥) لم نعثر على الاعتراض والجواب عنه في المصادر المتوفّرة لدينا.
العين ، والقيمة تنوب منابها ، وفي الشفعة إذا لم يرجع في ذلك ، سقط حقّه من الشفعة ، فلهذا لم يسقط من الأصل لأجل ما حدث من البائع.
إذا عرفت هذا ، فإن كان في هذه النخل طلع حدث ، نُظر فإن كان قد اُبّر وتشقّق ، كان للمشتري ؛ لأنّه بمنزلة النماء المنفصل من ملكه.
وإن كان لم يؤبّر ، فهل يتبع في الشفعة؟
أمّا عندنا فلا ؛ لاختصاص الشفعة بالبيع خاصّةً.
وأمّا عند الشافعي فقولان(١) ، كالمفلس إذا ابتاع نخلاً وحدث فيها طلع لم يؤبّر وأراد البائع الرجوع في النخل.
ويفارق ذلك البيعَ ؛ لأنّه أزال ملكه باختياره ، وكان الطلع تابعاً إذا لم يكن ظاهراً ، ويكون في الردّ بالعيب كالشفعة.
وكذلك إذا كان انتقال الملك بغير عوض - كالهبة ، وفسخ الهبة - فيه قولان(٢) .
فإن كان المشتري اشترى النخل وفيها الطلع ، فإن كان مؤبَّراً ، فإنّه لا يتبع في البيع ، وإذا اشترطه ، دخل في البيع ، ولا تثبت فيه الشفعة ، وإنّما يأخذ الأرض والنخل بحصّتهما من الثمن.
فإن كانت غير مؤبَّرة ، تبعت بمطلق العقد.
فإن أخذ الشفيع الشقص قبل أن تؤبّر الثمرة ، لم يأخذه الشفيع بالثمرة إن تجدّدت بعد الشراء.
وإن كانت موجودةً حال البيع ، فالأقوى : الدخول في الشفعة ، كما دخلت في البيع ، فصارت بمنزلة النخل في الأرض.
____________________
(١ و ٢) لم نعثر عليه في مظانّه.
وإن أخذ الشقص بعد التأبير ، لم يتبعه الطلع.
وقال بعض الشافعيّة : إذا أخذ الشفيع الشقص قبل أن يؤبّر الطلع ، كان في الطلع القولان ؛ لأنّه لو ثبت حقّ الشفيع في هذا الطلع ، لوجب أن يأخذه وإن تشقّق ؛ لأنّ ذلك زيادة متّصلة(١) .
والغراس تبع في الشفعة ؛ لأنّه يراد للتبقية في الأرض والتأبيد.
مسالة ٧٥٣ : إذا تبايعا بثمن ثمّ زاده المشتري عليه زيادة أو نقص البائع منه شيئاً بعد العقد، فإن كان ما اتّفقا عليه من الزيادة أو الحطّ بعد لزوم البيع وانقضاء الخيار ، لم يكن للشفيع في ذلك حقّ ، ولا عليه شيء لا في حطّ الكلّ ولا في حطّ البعض ؛ لأنّ الشفيع إنّما يأخذ بما استقرّ عليه العقد ، والذي استقرّ عليه المسمّى.
ولو كان في زمن الخيار ، لم يلحق أيضاً الشفيع عندنا ؛ لوقوع العقد على شيء ، فلا تضرّ الزيادة والنقيصة بعده.
وقال الشافعي : يثبت ذلك التغيير في حقّ الشفيع في أحد الوجهين ؛ لأنّ حقّ الشفيع إنّما ثبت إذا تمّ العقد ، وإنّما يستحقّ بالثمن الذي هو ثابت في حال استحقاقه. ولأنّ زمن الخيار بمنزلة حالة العقد ، والتغيير يلحق بالعقد ؛ لأنّهما على اختيارهما فيه كما كانا في حال العقد(٢) .
فأمّا إذا انقضى الخيار وانبرم(٣) العقد فزاد أو نقص ، لم يلحق بالعقد ؛ [ لأنّ الزيادة ](٤) لا تثبت إلّا أن تكون هبةً مقبوضةً ، والنقصان يكون
____________________
(١) لم نعثر عليه في مظانّه.
(٢) الوجيز ١ : ٢١٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٣ ، المغني ٥ : ٥٠٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٢٢.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « لزم » بدل « انبرم ».
(٤) بدل ما بين المعقوفين في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « والزيادة ». والظاهر ما أثبتناه كما في المغني والشرح الكبير.
إبراءً ، ولا يثبت [ ذلك ](١) في حقّ الشفيع ، وبه قال الشافعي(٢) .
وقال أبو حنيفة : يثبت النقصان بعد الخيار للشفيع ، ولا تثبت الزيادة وإن كانا(٣) عنده يلحقان بالعقد ، ويقول : الزيادة تضرّ بالشفيع فلم يملكها(٤) .
وهو غلط ؛ لأنّ ذلك تغيّر بعد استقرار العقد ، فلم يثبت في حقّ الشفيع ، كالزيادة.
والفرق ليس بصحيح ؛ لأنّ ذلك لو لحق بالعقد ، لثبت في حقّه وإن أضرّ به ، كما لو كان في زمن الخيار.
ولو حطّ كلّ الثمن في زمن الخيار ، لم يلحق الحطّ عندنا بالشفعة - وبه قال الشافعي(٥) - لأنّ ذلك بمنزلة ما لو باع بلا ثمن ، فلا شفعة للشريك ؛ لأنّه يصير هبةً ، فيبطل على رأي ، ويصحّ على رأي.
أمّا إذا حطّ منه أرش العيب ، فإنّه يثبت في حقّ الشفيع ؛ لأنّه سقط بجزء فقد من المبيع ، ولهذا فاته جزء من الثمن.
مسالة ٧٥٤ : لو كان ثمن الشقص عبداً ، ثبتت الشفعة عندنا ، خلافاً لبعض علمائنا وبعض الجمهور ، وقد سبق(٦) ، ويأخذ الشفيع بقيمة العبد.
فإن وجد البائع بالعبد عيباً ، فإمّا أن يكون [ قبل ](٧) أن يحدث عنده
____________________
(١) ما بين المعقوفين من المغني والشرح الكبير.
(٢) المصادر في الهامش (٢) من ص ٢٧٦.
(٣) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « كان » بدل « كانا ». وما أثبتناه من المغني والشرح الكبير.
(٤) المغني ٥ : ٥٠٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٣.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٣.
(٦) في ص ٢٥٧ ، المسألة ٧٤٥.
(٧) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « بعد » بدل « قبل ». والصحيح ما أثبتناه.
عيب أو يكون الوقوف على العيب بعد حدوث عيب عنده. فإن علمه قبل أن يحدث عنده عيب ، فإمّا أن يكون ذلك بعد أخذ الشفيع بالشفعة أو قبله.
فإن وقف عليه بعد أخذ الشفيع ، كان له ردّ العبد على المشتري ، ولم يكن له استرجاع الشقص ؛ لأنّ الشقص قد ملكه بالأخذ ، فلم يكن للبائع إبطال ملكه ، كما لو كان المشتري قد باعه ثمّ وجد البائع بالثمن عيباً ، فإنّه يردّه ، ولا يفسخ بيع المشتري ، ويرجع البائع إلى قيمة الشقص ، كذا هنا.
وقال بعض الشافعيّة : يستردّ المشتري الشقص من الشفيع ، ويردّ عليه ما أخذه ، ويسلّم الشقص إلى البائع ؛ لأنّ الشفيع نازل منزلة المشتري ، فردُّ البائع يتضمّن نقض ملكه ، كما يتضمّن نقض ملك المشتري لو كان في ملكه(١) .
والمشهور عندهم(٢) ما قلناه.
فإذا دفع الشفيع قيمة العبد إلى المشتري ودفع المشتري إلى البائع قيمة الشقص ، فإن تساويا ، فلا بحث. وإن تفاوتا ، لم يرجع المشتري على الشفيع إن كانت قيمة الشقص أكثر بشيء ، ولا يرجع الشفيع على المشتري إن كانت قيمة العبد أكثر - وهو أحد قولي الشافعيّة(٣) - لأنّ الشفيع أخذه بالثمن الذي وقع عليه العقد ، فلا يلزمه أكثر من ذلك.
والثاني : يتراجعان ؛ لأنّ المشتري استقرّ عليه عوض الشفيع قيمته ، فينبغي أن يستحقّ ذلك على الشفيع ، فيرجع كلّ مَنْ كان ما دفعه أكثر على صاحبه بالزيادة(٤) .
ولو عاد الشقص إلى المشتري ببيع أو هبة أو ميراث أو غير ذلك ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٤ ، وأيضاً : فتح العزيز ١١ : ٤٥٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٤.
(٢ - ٤ ) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٤.
لم يكن للبائع أخذه منه ، بخلاف الغاصب إذا دفع القيمة لتعذّر ردّ المغصوب ثمّ قدر عليه ، فإنّه يجب عليه ردّه على المالك ، واسترداد ما دفعه من القيمة ؛ لأنّ المالك لم يزل ملكه عن المغصوب بالتقويم ودفع القيمة ، وإنّما أخذنا القيمة للضرورة وقد زالت ، وهنا زال ملك البائع عنه وصار ملكاً للشفيع ، وانقطع حقّه عنه ، وإنّما انتقل حقّه إلى القيمة ، فإذا أخذها ، لم يبق له حقّ.
وحكى بعض الشافعيّة فيه وجهين بناءً على أنّ الزائل العائد كالذي لم يزل ، أو كالذي لم يعد؟(١)
وأمّا إذا كان قد علم بالعيب قبل أن يأخذ الشفيع بالشفعة ، فهنا حقّان ، ففي تقديم أيّهما للشافعيّة وجهان :
أحدهما : الشفيع أولى ؛ لأنّ حقّه سبق حقّ البائع في الردّ.
والثاني : البائع أولى ؛ لأنّ الشفعة تثبت لإزالة الضرر عن الشريك ، فلا نثبتها مع تضرّر البائع بإثباتها(٢) .
وحكى الجويني الجزم بتقديم البائع(٣) .
والوجه عندي : تقديم حقّ الشفيع ؛ لسبقه.
فإذا قلنا : الشفيع أحقّ ، فإنّ البائع يأخذ من المشتري قيمة الشقص ، ويرجع المشتري على الشفيع بقيمة العبد ، وهو أحد وجهي الشافعيّة. والثاني : يرجع على الشفيع بقيمة الشقص(٤) .
ولو وجد البائع العيب في العبد بعد أن حدث عنده عيب أو بعد
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٤.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٣.
(٤) لم نعثر عليه في مظانّه.
تصرّفه ، لم يكن له ردّه ، وكان له على المشتري الأرش.
ثمّ إن كان الشفيع دفع إليه أوّلاً قيمة عبدٍ سليم ، فلا يرجع عليه بشيء.
وإن كان دفع قيمة معيب ، فالأقرب : أنّه يرجع عليه - وهو أحد وجهي الشافعيّة(١) - لأنّ الثمن الذي استقرّ على المشتري العبد والأرش ، فينبغي أن يرجع بهما.
والثاني : أنّه لا يرجع ؛ لأنّه استحقّه بما سمّي في العقد(٢) .
قال بعض الشافعيّة : ينبغي أن يرجع هنا وجهاً واحداً ، بخلاف ما تقدّم من قيمة الشقص ؛ لأنّ العقد اقتضى سلامة العبد ، وما دفع إلّا ما اقتضاه العقد ، بخلاف قيمة الشقص ، ولهذا إذا كان دفع إليه قيمة عبدٍ سليم ، لم يكن للشفيع أن يرجع عليه بقدر قيمة العيب ، فإذا لم يدفعه ، وجب دفْعه ، فثبت أنّه مستحقّ عليه بالبيع(٣) .
ولو رضي البائع بالعيب ولم يردّ ولا أخذ الأرش ، فالأقوى : أنّ الشفيع يدفع قيمة العبد السليم؛ لأنّ ذلك نوع إسقاط من الثمن بعد العقد ، فلا يلحق الشفيع ، وهو أحد وجهي الشافعيّة. والثاني : تجب على الشفيع قيمة المعيب حتى لو بذل قيمة السليم ، استردّ قسط السلامة من المشتري(٤) .
وغلّط الجويني قائلَه(٥) .
تذنيب : للمشتري ردّ الشقص بالعيب على البائع ، وللشفيع ردّه على المشتري بالعيوب السابقة على البيع وعلى الأخذ. ثمّ لو وجد المشتري العيب بعد أخذ الشفيع ، فلا ردّ في الحال ، ولا أرش له على مذهب
____________________
(١ - ٥ ) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٤.
الشافعي(١) ، المشهور. ويجيء فيه الخلاف فيما إذا باعه. ولو ردّ عليه الشفيع بالعيب ، ردّه حينئذٍ على البائع.
ولو وجد المشتري عيب الشقص قبل أخذ الشفيع ومَنَعه عيبٌ حادث من الردّ فأخذ الأرش القديم ، حطّ ذلك عن الشفيع.
وإن قدر على الردّ لكن توافقا على الأرش ، صحّ عندنا ؛ لأنّ الأرش أحد الحقّين.
وللشافعيّة وجهان إن صحّحناها(٢) ، ففي حطّه عن الشفيع وجهان أصحّهما عندهم : الحطّ. والثاني : لا ؛ لأنّه تبرّع من البائع(٣) ، وهو الذي اخترناه نحن.
مسالة ٧٥٥ : تثبت الشفعة للمفلَّس ، فإذا بِيع شقص في شركته ، كان له الأخذ والعفو ، ولم يكن للغرماء الاعتراض عليه ؛ لأنّه إذا أراد الترك ، لم نجبره على الأخذ ؛ لأنّه تملّك ، وإن أراد الأخذ فإنّما يأخذ بثمن في ذمّته ، وليس بمحجور عليه في ذمّته.
ولو مات مفلَّس وله شقص فباع شريكه ، كان لوارثه الشفعة ، خلافاً لأبي حنيفة(٤) .
وللمكاتب أيضاً الأخذ بالشفعة والترك لها ، وليس للسيّد الاعتراضُ عليه ؛ لأنّ التصرّف وقع له دون السيّد ، بل وله الأخذ من سيّده لو كان هو المشتري ، وبالعكس.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٤.
(٢) أي الموافقة التي دلّ عليها قوله : « توافقا ».
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٤ - ١٧٥.
(٤) المغني ٥ : ٥٣٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٥١٧.
والمأذونِ له في التجارة ، فإن أخذ بالشفعة ، جاز ؛ لأنّه مأذون له في الشراء ، وإن عفا ، كان للسيّد إبطال عفوه ؛ لأنّ الملك للسيّد ، فإن أسقطها السيّد ، سقطت ، ولم يكن للعبد أن يأخذ، لأنّ للسيّد الحجر عليه.
وللوكيل العامّ الأخذ بالشفعة مع الغبطة. ولو عفا معها ، صحّ عفوه ، ولم يكن للموكّل المطالبة بها.
وللسفيه أن يأخذ بالشفعة ، ويأذن الوليّ أو يتولّاه.
إذا عرفت هذا ، فلو أراد المفلَّس بعد الحجر عليه الأخذ بالشفعة بدفع الثمن ، مُنع من ذلك؛ لأنّ الحجر يقتضيه.
مسالة ٧٥٦ : للعامل في المضاربة الأخذُ بالشفعة إذا بِيع شقص في شركة المضاربة ، فإذا أخذُ فإن كان هناك ربح ، فلا حصّة له في ذلك ، بل الجميع للمالك ؛ لأنّ العامل لا يملكه بالبيع ، فالجميع لصاحب المال ، وكذا إن لم يكن ربح ، وللعامل الاُجرة. ولو ترك ، كان لربّ المال الأخذُ ؛ لأنّ المشتري بمال المضاربة ملكه.
هذا إذا لم يظهر في الحصّة التي اشتراها المضارب ربحٌ ، ولو كان قد ظهر فيه ربحٌ ، لم يكن هناك شفعة لا للعامل ولا لربّ المال ؛ لزيادة الشركة على اثنين.
ولو اشترى العامل بمال المضاربة شقصاً لربّ المال فيه شركة ، فهل تثبت له الشفعة؟ للشافعيّة وجهان :
أحدهما : تثبت له ؛ لأنّ مال المضاربة كالمنفرد عن ملكه ؛ لتعلّق حقّ الغير به وهو العامل ، ويجوز أن يثبت له على ملكه حقّ لأجل الغير ، كما يثبت له على عبده المرهون حقّ الجناية.
والثاني : لا تثبت ؛ لأنّه لا يجوز أن يستحقّ أن يتملّك ملكه ، ويخالف
الجناية ؛ لأنّها ليست بملك(١) .
وقال ابن سريج وجهاً ثالثاً : أنّ له أن يأخذ بحكم فسخ المضاربة ، وهذا ليس من الشفعة(٢) .
فأمّا إن كان العامل شفيعه ، فإن لم يكن له(٣) ربحٌ ، فله الشفعة ، وإن كان وقلنا : لا يملك بالظهور ، فكذلك. وإن قلنا : يملك بالظهور ، ففي الشفعة للشافعيّة وجهان(٤) ، كما قلنا في ربّ المال.
مسالة ٧٥٧ : الشفعة تثبت للغائب كما تثبت للحاضر ، عند علمائنا كافّة ، وهو قول جميع العامّة ، إلّا النخعي ؛ فإنّه قال : الشفعة تسقط بالغيبة(٥) .
وهو غلط ؛ لأنّ العمومات دالّة على المتنازع.
وما رواه الخاصّة عن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام قال(٦) : « للغائب شفعة »(٧) .
إذا ثبت هذا ، فإذا بلغه الخبر ، طالَب حينئذٍ ، فإن أخّر مع إمكان المطالبة ، بطلت شفعته.
مسالة ٧٥٨ : اختلفت علماؤنارحمهمالله في أنّ الشفعة هل تورث أم لا؟
فقال السيّد المرتضى(٨) ومَنْ(٩) تبعه : إنّها تورث ، ولا تسقط بموت
____________________
(١) حلية العلماء ٥ : ٢٧٤.
(٢) حلية العلماء ٥ : ٢٧٥.
(٣) كلمة « له » لم ترد في « س » وفي « ي » سقطت جملة « فإن لم يكن فله الشفعة ».
(٤) المغني ٥ : ٤٩٩.
(٥) مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٥١ / ١٩٧١ ، المغني ٥ : ٤٨٥ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧٧.
(٦) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « فإن » بدل « قال ». وذلك تصحيف.
(٧) الفقيه ٣ : ٤٦ / ١٦٠ ، التهذيب ٧ : ١٦٦ / ٧٣٧.
(٨) الانتصار : ٢١٧.
(٩) كالشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٢٧ ، المسألة ٣٦.
مستحقّها ولا بترك مطالبته إن قلنا : إنّها على التراخي أو كان بعدها(١) إن قلنا : على الفور - وبه قال الشافعي ومالك وعبيد الله بن الحسن العنبري(٢) - لأنّه حقٌّ يتعلّق بالمال ، فكان موروثاً كغيره من الحقوق الماليّة. ولأنّه خيار ثابت لإزالة الضرر عن المال ، فكان موروثاً ، كخيار الردّ بالعيب.
وقال الشيخ(٣) وجماعة من علمائنا(٤) : إنّها غير موروثة ، وإذا مات المستحقّ ، بطلت - وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل(٥) - لما رواه طلحة بن زيد عن الصادق عن الباقر عن عليّعليهمالسلام : ، قال : « لا شفعة إلّا لشريك [ غير ](٦) مقاسم » وقال : « إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : لا يشفع في المحدود ، وقال : لا تورث الشفعة »(٧) .
ولأنّه خيار لاستخلاف مالٍ ، فيبطل(٨) بالموت ، كخيار القبول.
وفي طريق الرواية قول ؛ لأنّ طلحة بن زيد بتريّ.
والفرق أنّ خيار القبول غير ثابت ، فإنّ للموجب أن يُبطله قبل قبول القابل.
____________________
(١) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « بعده ». والظاهر ما أثبتناه. أي : كان الموت بعد المطالبة.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٢٥٧ ، حلية العلماء ٥ : ٣١٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٢ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٩ / ١٩٦٦ ، المغني ٥ : ٥٣٦ - ٥٣٧ ، الشرح الكبير ٥ : ٥١٦.
(٣) الخلاف ٣ : ٤٣٦ ، المسألة ١٢ ، النهاية : ٤٢٥ - ٤٢٦.
(٤) كالقاضي ابن البرّاج في المهذّب ١ : ٤٥٩ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٢٥٩.
(٥) الحاوي الكبير ٧ : ٢٥٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٥٩ ، حلية العلماء ٥ : ٣١٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٧ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٤ و ٢٢ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٨ / ١٩٦٦ ، المغني ٥ : ٥٣٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٥١٦.
(٦) ما بين المعقوفين من المصدر.
(٧) التهذيب ٧ : ١٦٧ / ٧٤١.
(٨) في « س ، ي » : « فبطل ».
إذا ثبت هذا ، فإنّ الشفعة تثبت للورثة على قدر الأنصباء ، فللزوجة الثّمن ، وللأبوين السدسان ، وللذكر الباقي لو اجتمعوا. وبالجملة ، على قدر الميراث.
واختلفت الشافعيّة ، فقال بعضهم : إنّ الشافعي قال : إنّها على عدد الرؤوس ، ونقله المزني عنه. وقال بعضهم : هذا لا يحفظ عن الشافعي ، فإنّ الجماعة إذا ورثوا أخذوا الشفعة بحسب فروضهم قولاً واحداً ؛ لأنّهم يرثون الشفعة عن الميّت ، لا أنّهم يأخذونها بالملك. وقال جماعة من الشافعيّة : إنّها على قولين(١) .
إذا عرفت هذا ، فإذا كان الوارث اثنين(٢) فعفا أحدهما ، صحّ عفوه في حقّ نفسه ، وسقط نصيبه من الشفعة بمعنى أنّه ليس له المطالبة بها ، وللآخَر جميع الشقص ؛ لأنّها شفعة وُضعت لإزالة الضرر ، فلا يثبت بها الضرر. ولأنّها شفعة تثبت لاثنين ، فإذا عفا أحدهما توفّر على الآخَر، كالشريكين إن أثبتنا الشفعة مع الكثرة - وهو أحد وجهي الشافعيّة(٣) - وكما لو عفا أحد الوارثين عن نصيبه في حدّ القذف.
والثاني لهم : أنّ حقّ الآخَر يسقط أيضاً ؛ لأنّهما ينوبان مناب الموروث ، ولو عفا الموروث عن بعضها ، سقط جميعها(٤) .
والفرق : أنّ الشفعة تثبت لواحدٍ هو الموروث. ولأنّه يؤدّي إلى تبعيض الشقص ، بخلاف مسألتنا.
والوجه عندي أنّ حقّ العافي للمشتري ؛ لأنّهما لو عفوا معاً ، لكان
____________________
(١) اُنظر : الحاوي الكبير ٧ : ٢٥٩ ، وحلية العلماء ٥ : ٣١٦ ، والتهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦١ - ٣٦٢ ، والعزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٧ - ٥٢٨ ، وروضة الطالبين ٤ : ١٨٢.
(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « اثنان ». والصحيح ما أثبتناه.
(٣ و ٤ ) الحاوي الكبير ٧ : ٢٥٩.
الشقص له ، فكذا إذا عفا أحدهما ، يكون نصيبه له ، بخلاف حدّ القذف ؛ فإنّه وُضع للزجر ، فللّه تعالى فيه حقٌّ.
مسالة ٧٥٩ : إذا خرج الشقص مستحقّاً ، كانت عهدة المشتري فيه على البائع ، وعهدة الشفيع على المشتري ، سواء أخذ الشفيع الشقص من يد البائع أو من يد المشتري ؛ لأنّ المشتري يجب عليه أن يتسلّمه من البائع ويسلّمه إلى الشفيع ، فإن غاب أو امتنع ، أقام الحاكم مَنْ يسلّمه إلى المشتري ويسلّمه إلى الشفيع. ولو حكم الحاكم بتسلّمه منه ، كان كما لو سلّمه المشتري ؛ لأنّ التسليم حقّ على المشتري - وبه قال الشافعي وأحمد(١) - لأنّ الشفعة مستحقّة بعد الشراء وحصول ذلك للمشتري ، فإذا زال الملك من المشتري إليه بالثمن ، كانت العهدة عليه ، كالمشتري مع البائع ، بخلاف الشفيع.
وأمّا إذا أخذه من البائع ، فقد قلنا : إنّه يأخذه بأمر الحاكم إن أذن له في ذلك ؛ لأنّه تسليم مستحقّ على المشتري ، لينوب ذلك مناب قبض المشتري.
ولو انفسخ عقد المشتري ، بطلت الشفعة ؛ لأنّها استحقّت به.
وقال ابن أبي ليلى وعثمان البتّي : تجب عهدة الشفيع على البائع ؛ لأنّ الحقّ ثبت له بإيجاب البائع ، فصار كالمشتري(٢) .
وقال أبو حنيفة : إن أخذه من المشتري ، كانت العهدة على
____________________
(١) مختصر المزني : ١٢٠ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٨٣ ، حلية العلماء ٥ : ٣١٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٥ - ٥٤٦ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٣ / ١٩٥٠ ، المغني ٥ : ٥٣٤ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٤٠.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٢٨٣ ، حلية العلماء ٥ : ٣١١ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٢ / ١٩٥٠ ، المغني ٥ : ٥٣٤ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٤٠.
المشتري ، وإن أخذه من يد البائع ، كانت العهدة على البائع ؛ لأنّ الشفيع إذا أخذه من يد البائع ، تعذّر القبض ، وإذا تعذّر القبض ، انفسخ البيع بين البائع والمشتري ، فكأنّ الشفيع - إذا أخذ من البائع - مبتاع منه(١) .
وهو خطأ ؛ لأنّه لو انفسخ البيع بطلت الشفعة.
تذنيب : لو أخذ الشفيع الشقص وبنى أو غرس ثمّ ظهر الاستحقاق ، وقلع المستحقّ بناءه وغرسه ، فالقول فيما يرجع الشفيع على المشتري من الثمن وما نقص من قيمة البناء والغراس وغير ذلك كالقول في رجوع المشتري من الغاصب عليه.
مسالة ٧٦٠ : لو كان الثمن دنانير معيّنة ، تعيّنت بالعقد على قولنا وقول الشافعي(٢) ، خلافاً لأبي حنيفة(٣) ، وقد سبق(٤) . فإذا تعيّنت وظهر أنّها مستحقّة ، فالشراء والشفعة باطلان.
ولو كان الشراء بمالٍ في الذمّة ، لم يتعيّن في المدفوع ، فلو ظهر المدفوع مستحقّاً ، لم يبطل البيع ولا الشفعة ؛ لأنّ الشراء صحيح ، والشفعة تابعة له.
ولو استحقّت الدنانير التي وزنها الشفيع ، لم تبطل الشفعة ، سواء أخذ الشفعة بعين تلك الدنانير المستحقّة أو بدنانير في ذمّته ؛ لأنّه استحقّ الشفعة لا بعين ما دفعه ، بل بما يساوي الثمن الذي دفعه المشتري ، وهو أمر كلّيّ
____________________
(١) مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٢ / ١٩٥٠ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٨٣ ، حلية العلماء ٥ : ٣١١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٦ ، المغني ٥ : ٥٣٤ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٤٠.
(٢) راجع المصادر في الهامش (٤) من ص ٤٢٧ من ج ١٠ من هذا الكتاب.
(٣) راجع المصادر في الهامش (٢) من ص ٤٢٨ من ج ١٠ من هذا الكتاب.
(٤) في ج ١٠ ، ص ٤٢٧ - ٤٢٨ ، المسألة ٢١٥.
يشتمل على كلّ النقود ، فاذا أعطاه شيئاً وظهر استحقاقه ، كان عليه إبداله ؛ لأنّ الدفع ظهر بطلانه ، ولا تبطل شفعته ، وليس ذلك تركاً للشفعة ؛ لأنّه يجوز أن يعتقدها له أو تغلط البيّنة عليه ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني : البطلان ؛ لأنّه إذا أخذ بما لا يجوز الأخذ به ، صار كأنّه تركها مع القدرة عليه(١) .
ويُمنع أنّه ترك.
مسالة ٧٦١ : لو كان الثمن عبداً وأخذ الشفيع الشقص بقيمة العبد ثمّ خرج العبد مستحقّاً، فإن قامت البيّنة أنّه مغصوب ، أو أقرّ المتبايعان والشفيع أنّه مغصوب ، حكمنا ببطلان البيع والشفعة ، ويردّ العبد على صاحبه ، والشقص على بائعه ؛ لأنّ البيع إذا كان باطلاً ، لا تثبت فيه الشفعة.
فإن لم تقم البيّنة بذلك وإنما أقرّ به المتبايعان وأنكر الشفيع ، لم يقبل قولهما عليه ، ويردّ العبد على صاحبه ؛ لاعترافهما باستحقاقه له ، ويرجع البائع على المشتري بقيمة الشقص ؛ لاعتراف المشتري ببطلان البيع وقد تعذّر عليه دفع المبيع ، فكان كالإتلاف. وينبغي أن لا يرجع أحدهما بالفضل على صاحبه لو كان ؛ لأنّ الشفيع منكر لاستحقاق قيمة الشقص ، وبه قال الشافعي(٢) .
مسالة ٧٦٢ : قد بيّنّا أنّ الشفعة تتبع البيع دون غيره من العقود مطلقاً.
وأثبت الشافعي الشفعة في عقود المعاوضات(٣) .
إذا عرفت هذا ، فنقول : دية الموضحة عندنا خمس من الإبل ، أو
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٦.
(٢) لم نعثر عليه في مظانّه.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٣.
خمسون ديناراً ، أو خمسمائة درهم ، أو خمسون شاةً ، أو عشرة من البقر ، أو من الحلل(١) على ما يأتي.
وعند الشافعي أنّها خمس من الإبل ، فإن أعوزت ، فقولان ، أحدهما : ينتقل إلى مقدّر ، وهو خمسون ديناراً أو خمسمائة درهم نصف عُشْر الدية. والثاني : إلى قيمتها.
فإن أعوزت الإبل وقلنا : ينتقل إلى مقدّر فصالَحَه منه على شقص مع معرفته ، صحّ الصلح ، وتثبت فيه الشفعة عنده بالعوض.
وإن قلنا : ينتقل إلى قيمتها فإن علماها وذكراها وتصالحا عليها ، صحّ ، وتثبت الشفعة أيضاً بذلك. وإن لم يعلما أو أحدهما ، لم يصح الصلح ، ولا تثبت شفعة.
وإن كانت الإبل موجودة فاصطلحا بالشقص عنها ، فإن كانا لا يعلمان ذلك ، ففي الصلح عنها قولان :
أحدهما : يصحّ ؛ لأنّها معلومة العدد والأسنان ، وإنّما يجهل قدّها ولونها ، وذلك يقتضي أقلّ ما يقع عليه الاسم.
والثاني : لا يصحّ ؛ لأنّ القدّ واللون مقصودان ، فإذا جهل(٢) ، لم يصح الصلح ، فإذا قلنا : يصحّ ، تثبت الشفعة ، وأخذ الشقص بقيمة الإبل. وإذا قلنا : لا يصحّ الصلح ، لم تثبت شفعة(٣) .
وهذا كلّه ساقط عندنا.
مسالة ٧٦٣ : إذا ارتدّ المشتري فقتل أو مات قبل رجوعه إلى
____________________
(١) كذا ، حيث لم يذكر المصنّفقدسسره عدد الحلل.
(٢) كذا ، والظاهر : « جُهلا ».
(٣) لم نعثر عليه في مظانّه.
الإسلام ، كان للشفيع أخذه بالشفعة ؛ لأنّه استحقّها بالبيع ، والانتقال بالموت أو القتل لا يخرجه عن الاستحقاق ، كما لو مات المشتري بعد البيع ، كان للشفيع الأخذُ بالشفعة.
قال الشافعي : إنّه بقتله أو موته ينتقل الشقص عنه إلى المسلمين(١) ، وذلك لا يمنع الشفعة ، كما لو اشترى شقصاً فيه شفعة ثمّ باعه ، ويكون المطالب الإمام أو نائبه. وعندنا إلى ورثته إن كان له وارث مسلم ، وإلّا كان ميراثه للإمام ، فتكون الشفعة على من انتقل الملك إليه.
ولو ارتدّ الشفيع وقُتل بالردّة أو مات ، كانت الشفعة للمسلمين عند الشافعي(٢) - وعندنا لوارثه - إن كان قد طالَب بها ، وإن لم يطالب ، فإن جعلناه كالكافر ، سقطت شفعته ، وهو الأقوى عندي. وإن جعلناه كالمسلم ، فالشفعة لوارثه.
ولو مات الشفيع المسلم ولا وارث له ، انتقل نصيبه إلى الإمام عندنا ، وعند الشافعي إلى المسلمين(٣) . فعلى قولنا يكون المستحقّ للشفعة الإمامَ ، وعلى قوله المسلمون ، ويطالب لهم الإمام.
مسالة ٧٦٤ : إذا اشترى شقصاً فيه شفعة ووصّى به فمات ثمّ جاء الشفيع والموصى له يطالبان ، كان الشقص للشفيع ؛ لسبق استحقاقه ، ويدفع الثمن إلى الورثة دون الموصى له ؛ لأنّه لم يوصَ له إلّا بالشقص وقد سقط حقّه.
____________________
(١ و ٢ ) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٢.
(٣) اُنظر : الحاوي الكبير ٧ : ٢٥٧ - ٢٥٨.
البحث الخامس : في التنازع.
مسالة ٧٦٥ : لو اختلف المشتري والشفيع في قدر الثمن ، فقال المشتري : اشتريته بمائة ، وقال الشفيع : بل بخمسين ، فأيّهما أقام البيّنة على ما ادّعاه حُكم له بها.
ويثبت ذلك بشاهدَيْن وشاهدٍ وامرأتين ، وشاهدٍ ويمين ؛ لأنّه مال.
ولا تُقبل فيه شهادة البائع ؛ لأنّه يشهد على فعل نفسه ، وقد تلحقه التهمة إذا شهد للشفيع ، فإنّه إذا نقص الثمن نقص ضمان الدرك ، وبه قال الشافعي ؛ لأنّه يشهد بحقّ لنفسه وفعل نفسه(١) .
وقال بعض أصحابه : تُقبل ؛ لأنّه لا يجرّ لنفسه نفعاً ، والثمن ثابت له بإقرار المشتري(٢) .
وقد ذكرنا في القواعد(٣) احتمالاً حسناً ، وهو أنّه تُقبل شهادة البائع على الشفيع بعد القبض، وللشفيع بدون القبض ؛ لأنّه إذا شهد على الشفيع بالمائة ، انتفت التهمة عنه ؛ لاعترافه بأنّه ضامن لمائة ، وإذا شهد له بخمسين قبل القبض ، فقد اعترف أنّه لا يستحقّ على المشتري أكثر من الخمسين ، وأنّ المشتري لا يجب عليه أكثر منها ، فإذا دفعها ، برئت ذمّته باعترافه ، وكان ضامناً لها خاصّة ؛ إذ لا يقبض البائع أكثر منها.
ولو أقام كلٌّ منهما بيّنةً ، قال الشيخرحمهالله : تُقدّم بيّنة المشتري ؛ لأنّه هو المدّعي للثمن ، والشفيع ينكره(٤) . ولأنّه أعلم بعقده - وهو أحد قولي
____________________
(١ و ٢ ) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٠.
(٣) قواعد الأحكام ١ : ٢٦٧.
(٤) الخلاف ٣ : ٤٣١ - ٤٣٢ ، المسألة ٦ من كتاب الشفعة.
الشافعي(١) - كما تُقدّم بيّنة الداخل على الخارج ، و [ المشتري ](٢) هنا داخل. ولأنّ [ المشتري](٣) كالبائع ، فيقدّم قوله في قدر الثمن عندنا مع بقاء السلعة ، وبه قال أبو يوسف(٤) أيضاً.
وقال أبو حنيفة ومحمّد : القول قول الشفيع ؛ لأنّه منكر. ولأنّه الخارج(٥) .
ولا بأس به عندي.
وللشافعي قولٌ آخَر : إنّ البيّنتين تتعارضان هنا ، ولا تُقدّم بيّنة المشتري لأجل اليد ؛ لأنّهما لا يتنازعان في اليد ، وإنّما يتنازعان فيما وقع عليه العقد ، فحينئذٍ تسقطان ، ويكون الحال كما لا بيّنة لواحدٍ منهما(٦) .
وقال بعض الشافعيّة : يقرع وتُقدّم بالقرعة. وهل يحلف مَنْ خرجت له القرعة؟ قولان(٧) .
ولو لم يكن لواحدٍ منهما بيّنة ، قُدّم قول المشتري مع يمينه ؛ لأنّه المالك ، فلا تزول يده إلّا بما يدّعيه إذا لم تكن بيّنة ، كما أنّ المشتري لا يملك المبيع إلّا بما يقرّ به البائع من الثمن.
لا يقال : الشفيع غارم فيُقدّم قوله ، كما في الغاصب والمتلف والضامن لنصيب شريكه إذا أعتق شريكه نصيبه.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٠.
(٢ و ٣ ) بدل ما بين المعقوفين في الموضعين في النسخ الخطّيّة والحجريّة « الشفيع ».
وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٤ و ٥ ) بدائع الصنائع ٥ : ٣١ ، الهداية - للمرغيناني - ٤ : ٣٠ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٤٦ ، المغني ٥ : ٥١٥ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٢٥.
(٦ و ٧ ) الحاوي الكبير ٧ : ٢٤٦.
لأنّا نقول : الشفيع ليس بغارم ؛ لأنّه لا شيء عليه ، وإنّما يريد أن يتملّك الشقص ، بخلاف الغاصب والمتلف ، وأمّا المعتق فإن [ قلنا : ](١) العتق يسري باللفظ ، فقد وجب عليه قيمته وهو غارم ، وإذا قلنا : يسري بأداء القيمة أو مراعى ، كان القول قول المالك ؛ لأنّ العتق لا يثبت عليه القيمة مثل مسألتنا.
لا يقال : لِمَ لا قلتم : يتحالف المشتري والشفيع ، كما قلتم في البائع والمشتري إذا اختلفا في الثمن؟
لأنّا نقول : إذا اختلف المتبايعان ، فكلٌّ منهما مُدّعٍ ومدّعى عليه ، فتحالفا ، وليس كذلك هنا؛ فإنّ الشفيع مُدّعٍ للشقص ، والمشتري لا يدّعي عليه شيئاً ؛ لأنّ المشتري إذا ثبت له ما قال، كان الشفيع بالخيار. ولأنّ المتبايعين قد باشرا العقد ، بخلاف الشفيع والمشتري.
ولو نكل المشتري عن اليمين ، حلف الشفيع على دعواه ، وأخذ بما ادّعاه.
ولو شهد البائع للشفيع ، فللشافعيّة وجوه :
أحدها : لا تُقبل ، وقطع به العراقيّون ؛ لأنّه يشهد على فعله ، كما مرّ.
والثاني : نعم ، وصحّحه البغوي ؛ لأنّه ينقض حقّه.
والثالث : إن شهد قبل قبضه الثمن ، قُبلت ؛ لأنّه ينقض حقّه ؛ إذ لا يأخذ أكثر ممّا شهد به. وإن شهد بعده ، فلا ؛ لأنّه يجرّ إلى نفسه نفعاً ، فإنّه إذا قلّ الثمن قلّ ما يغرمه عند ظهور الاستحقاق(٢) .
____________________
(١) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٠.
تذنيب : لو ادّعى المشتري أنّ هذا البناء ممّا أحدثه بعد الشراء وأنكر ذلك الشفيعُ ، قُدّم قول المشتري ؛ لأنّ ذلك ملكه ، والشفيع يريد تملّكه عليه ، فكان القول قول المالك ، وبه قال ابن سريج(١) .
مسالة ٧٦٦ : إذا اختلف المتبايعان في الثمن ، فقد قلنا : إنّ القول قول البائع مع يمينه مع بقاء السلعة ، فإذا حلف البائع ، أخذ من المشتري ما حلف عليه.
ثمّ الشفيع إن صدّق البائع ، دفع ما حلف عليه ، وليس للمشتري المطالبة به ؛ لأنّه يدّعي أنّ ما أخذه البائع زائداً عمّا ادّعاه ظلم ، فلا يطالب غير مَنْ ظلمه.
وإن لم يعترف بما قال البائع ، أدّى ما ادّعاه المشتري ثمناً.
ولو قلنا : إنّ القول قول المشتري في الثمن فيثبت قول البائع بالبيّنة أو باليمين المردودة ، فالحكم كما تقدّم.
وتُقبل شهادة الشفيع للبائع ؛ لأنّه الغارم في الحقيقة أن أخذ الشفعة ، وإلّا فلا تهمة ، ولا تُقبل للمشتري ؛ لأنّه متّهم في تقليل الثمن ، فإنّه يدفع عن نفسه المطالبة بالزائد.
ولو تحالفا - كما هو مذهب الشافعي(٢) - عند عدم البيّنة ، وفسخ عقدهما أو انفسخ ، فإن جرى ذلك بعد ما أخذ الشفيع الشقص ، أقرّ في يده ، وعلى المشتري قيمة الشقص للبائع.
وإن جرى قبل الأخذ ، فالأقرب : عدم سقوط حقّه ؛ لاعترافهما معاً بجريان البيع واستحقاقه للشفعة ، فيأخذها بما قال البائع ؛ لحلفه عليه ،
____________________
(١) لم نعثر عليه في مظانّه.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٠.
لا بما حلف عليه المشتري ؛ لأنّ للبائع فسخ البيع ، فإذا أخذه بما قال المشتري ، مُنع منه. وإن رضي المشتري بأخذه بما قال البائع ، جاز ، وملك الشفيع أخذه بما قال المشتري ، فإن عاد المشتري وصدّق البائع وقال : كنت غالطاً ، فالأقرب : أنّ للشفيع أخذه بما حلف عليه
وللشافعيّة في سقوط الشفعة وجهان سبقا في خروجه معيباً ، فإن قلنا : لا تسقط ، أخذه بما حلف عليه البائع - كما قلناه - لاعتراف البائع باستحقاق الشفيع الأخذ بذلك الثمن ، فيأخذ منه ، وتكون عهدته على البائع خاصّة ، لا على المشتري ؛ لانفساخ عقده(١) .
مسالة ٧٦٧ : لو ادّعى على رجل شفعة في شقص اشتراه ، فقال له المدّعى عليه : ليس لك ملك في شركتي ، قُدّم قول المدّعى عليه مع اليمين ، وكان على طالب الشفعة البيّنة أنّه يملك شقصاً في شركة المشتري - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومحمّد بن الحسن(٢) - لأنّ الملك لا يثبت بمجرّد اليد ، وإذا لم يثبت الملك المستحقّ به الشفعة ، لم تثبت الشفعة. ومجرّد الظاهر لا يكفي ، كما لو ادّعى ولد أمة في يده.
وقال أبو يوسف : إذا كان في يده ، استحقّ به الشفعة ؛ لأنّ الظاهر من اليد الملك(٣) . ولا بأس به عندي.
ولو لم تكن بيّنة ، حلف المشتري - إن ادّعى الطالب علمه بالشركة - على نفي علمه بالشركة ؛ لأنّها يمين على نفي فعل الغير ، فإذا حلف ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٠ ، المغني ٥ : ٥١٩ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٣٢.
(٣) المغني ٥ : ٥١٩ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٣٢.
سقطت دعواه ، ولا يحلف على نفي شركته. ولو نكل ، حلف الطالب على القطع بأنّه شريك ؛ لأنّها يمين على إثبات فعل ، فإن حلف ، استحقّ الشفعة ، وإن نكل ، سقطت.
فلو اعترف الشريك - بعد نكول الطالب وسقوط شفعته - بصدقه ، كان عليه دفع الحصّة بالشفعة ، ولم يضرّ التأخير ؛ لأنّه لعذر ، ويكون نكوله عن اليمين عذراً له في التأخير على إشكال.
وكذا الحكم لو أنكر تقدّم ملك الطالب على ملكه.
مسالة ٧٦٨ : دار بين اثنين فغاب أحدهما ورأينا نصيبه في يد ثالثٍ ، فادّعى الحاضر أنّه اشتراه ، وأنّه يستحقّه بالشفعة ، فإن أقام المدّعي بيّنةً بالشراء وأقام المتشبّث بيّنةً(١) ، قضي بها ، وأخذ بالشفعة.
ثمّ إن اعترف المدّعى عليه ، سلّم إليه الثمن ؛ لثبوت البيع بالبيّنة.
وإن لم يعترف ، فإمّا أن يترك الثمن في يد المدّعي إلى أن يقرّ المدّعى عليه ، أو يأخذه القاضي حافظاً له ، أو يجبر على قبوله أو الإبراء منه ، فيه احتمالات ثلاثة.
ولو أقام المدّعي بيّنةً بالشراء وأقام المتشبّث بيّنةً بأنّه ورثه أو اتّهبه ، تعارضت البيّنتان ؛ لأنّ الشراء والميراث متنافيان ، وكذا الشراء والاتّهاب.
ومع التعارض يكون له حكم عندنا سيأتي في كتاب القضاء إن شاء الله تعالى.
وعند الشافعي قولان : التساقط ، واستعمالهما ، وسيأتي.
ولو أقام المتشبّث أنّ الغائب أودعه إيّاه أو أعاره ، فإن لم يكن
____________________
(١) كذا ورد قوله : « وأقام المتشبّث بيّنةً ». والظاهر زيادتها.
للبيّنتين تأريخ أو كان تأريخ الإيداع سابقاً ، قضي بالشفعة ؛ لعدم التنافي بين البيّنتين ؛ لجواز أن يودعه ثمّ يبيعه.
ولو سبق تأريخ البيع ، فلا منافاة أيضا ، لاحتمال أنّ البائع غصبه بعد البيع ثمّ ردّه إليه بلفظ الإيداع ، أو بردّ مطلق فاعتمده الشهود ، أو يكون المشتري قد عجز عن الثمن ، فقال له البائع : خذه وديعة إلى أن تجد الثمن فتزنه وتقبضه.
ولو انتفى الاحتمال - بأن تأخّر تأريخ الإيداع وشهدت بيّنة الإيداع بأنّه أودعه ما هو ملكه ، وبيّنة الشراء مطلقة - كانت بيّنة الإيداع أولى ؛ لأنّها صرّحت بالملك ، ثمّ يراسل الغائب فإن قال : هو لي وديعة ، بطلت بيّنة الشراء. وإن قال : لا حقّ لي فيه ، قضي ببيّنة الشراء فالشفعة.
ولو صرّحت بيّنة الشراء بالملك فقال : باع ما هو ملكه ، وأطلقت بيّنة الإيداع ، قُدّمت بيّنة الشراء.
وأمّا إذا لم يكن للمدّعي بيّنة ، فالمدّعى عليه إما أن يُقرّ بأنّه كان لذلك الغائب فاشتراه منه ، أو يُنكر أصل الشراء ، أو يقول : اشتريته لفلان. فإن أقرّ ، فالأقرب : أنّه لا يأخذه المدّعي ؛ لأنّ المتشبّت لا يُقبل قوله على الغائب ، فيوقف الأمر حتى يراسل ، فإن أقرّ بصدقه ، أخذه الشفيع ، وإلّا فلا ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والأصحّ عندهم : أنّ للمدّعي أخذه ؛ لتصادقهما على البيع ، ويكتب القاضي في السجلّ أنّه أثبت الشفعة بتصادقهما ، فإذا قدم الغائب ، فهو على حقّه(١) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨١.
وليس بجيّد ؛ لأنّه حكم على الغائب بغير بيّنة.
وإن أنكر الشراء ، صُدّق في قوله باليمين ؛ لأنّه منكر. ثمّ إمّا أن يُجيب بأنّك لا تستحقّ الشفعة ، أو أنّني لا يلزمني التسليم إليك ، فيحلف كذلك ، ولا يلزمه التعرّض لنفي الشراء ؛ لإمكان أن يكون قد اشتراه مع إسقاط الشريك الشفعة.
وإن تكلّف في الجواب : لم أشتره بل ورثته أو اتّهبته ، ففي كيفيّة الحلف احتمالان :
أحدهما : أنّه يحلف على نفي الشراء ؛ لأنّه أجاب به ، وإذا أجاب بشيء ، فقد أمكنه اليمين عليه حيث عدل إليه في الجواب.
والثاني : أنّه يحلف أنّه لا يستحقّ الشفعة ؛ لأنّه لو أجاب بذلك ، لكفاه ، فكذا في اليمين ، ويمكن أن يكون قد اشتراه بحيث لا تجب فيه شفعة أو سقطت ثمّ تساهل في الجواب بعدم الشراء، فإذا كُلّف اليمين ، عدل إلى ما يمكنه الحلف عليه. وهُما وجهان للشافعيّة(١) .
ولو نكل المدّعى عليه ، حلف الطالب ، واستحقّ الشقص. وفي [ الثمن ](٢) ما تقدّم من الوجوه : إمّا أن يقرّ في يد الشفيع ، أو يقبضه الحاكم ، أو يقهره على القبض أو الإبراء.
وإن قال : اشتريته لفلان ، رجع الحال إلى المضاف إليه ، وسيأتي.
مسالة ٧٦٩ : إذا ادّعى أنّه اشترى شقصاً في شركته وأنّه يستحقّ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨١.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « اليمين ». والصحيح ما أثبتناه.
الشفعة عليه ، فإنّه يحتاج إلى أن يحرّر دعواه فيحدّد(١) المبيع الذي يدّعيه ويذكر ثمنه ويدّعي فيه الشفعة ، فإذا فعل ذلك ، سئل المدّعى عليه ، فإن أقرّ ، لزمه ، وإن أنكر فقال : وهب لي أو ورثته ولم أشتره ، أو لا يستحقّ عليّ الشفعة ، قدّم قوله - على ما تقدّم - مع اليمين ، فإن حلف ، سقطت الدعوى ، وإن نكل ، حلف المدّعي ، واستحقّ أخذه بالشفعة.
وأمّا الثمن فإمّا أن يُجعل في ذمّة الشفيع إلى أن يطالبه المشتري ؛ لأنّه أقرّ له بحقّ فأنكره ، فلم يكن له مطالبته ، وإمّا أن يلزمه الحاكم بأخذه أو الإبراء منه إذا سأل ذلك الشفيع - كما أنّ المكاتب إذا حمل لسيّده نجوم الكتابة قيل له : إمّا أن تأخذه أو تبرئ - وإمّا أن يحفظه الحاكم في بيت المال ، فمتى ادّعاه المشتري سلّم إليه ، وإلاّ كان محفوظا عليه ، لأنّ عليه ضررا في بقاء حقّ غيره في ذمّته ، ولهذا إذا طالب من عليه الدّين صاحب الدَّيْن بقبضه ، لزم صاحب الدَّيْن قبضه أو الإبراء منه.
هذا إذا أنكر المشتري الشراء ، والشريك القديم غير معترف بالبيع ، ولو اعترف والشقص في يده ، فإن لم يعترف بقبض الثمن ، ثبتت الشفعة.
وفيه وجهٌ للشافعيّة : أنّها لا تثبت(٢) .
وإذا قلنا بالثبوت ، سلّم الثمن إلى البائع ، والعهدة عليه ؛ لأنّه تلقّى الملك منه حيث لم يعترف المشتري بالشراء ولا بيّنة هناك ، وهو أحد وجهي الشافعيّة. والثاني : ينصب القاضي أميناً يقبض الثمن منه للمشتري ويدفعه إلى البائع ، ويقبض الشقص من البائع للمشتري ويدفعه إلى
____________________
(١) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « فيجدّد » بالجيم ، وهو غلط.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨١.
الشفيع(١) .
وإذا أخذ البائع ثمن الشقص ، فهل له مخاصمة المشتري ومطالبته بالثمن؟ الأقرب ذلك ؛ لأنّ له غرضاً صحيحاً ، فإنّه قد يكون ماله أبعد عن الشبهة ، والرجوع عليه بالدرك أسهل(٢) ، وهو أحد وجهي الشافعيّة(٣) . وحينئذٍ لو حلف المشتري ، فلا شيء عليه. وإن نكل ، حلف البائع ، وأخذ الثمن من المشتري ، وكانت عهدته عليه.
وأمّا ما أخذه من الشفيع فهل يؤخذ منه ويوقف أو يترك في يده؟ وجهان.
وقيل : إنّ الوجهين في أنّه هل يطالب المشتري فيما إذا لم يرض بأخذ الثمن من الشفيع؟ فإن رضي ، فليقنع(٤) به(٥) .
فإن اعترف مع البيع بقبض الثمن ، فإن قلنا : لا شفعة إذا لم يعترف بالقبض ، فهنا أولى ، وإلّا فوجهان أصحّهما عندهم : ثبوتها(٦) .
ثمّ هل يترك الثمن في يد الشفيع ، أم يأخذه القاضي ويحفظه ، أم يجبر المشتري على قبوله أو الإبراء منه؟ فيه ما تقدّم(٧) .
مسالة ٧٧٠ : لو ادّعى عليه الشراء فصدّقه وقال : لم أشتره لنفسي ، بل لفلان ، فإن كان المضاف إليه حاضراً ، استدعاه الحاكم ، فإن صدّقه ، كان
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨١.
(٢) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « سهل ». والظاهر ما أثبتناه.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٢.
(٤) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « فليتبع » بدل « فليقنع ». والصحيح ما أثبتناه كما في المصدر.
(٥ و ٦ ) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٢.
(٧) في ص ٢٩٦ ، ضمن المسألة ٧٦٨.
الشراء له ، والشفعة عليه. وإن كذّبه ، حكم بأنّ الشراء للمدّعى عليه ، وأخذ منه بالشفعة.
وإن كان غائباً ، أخذه الحاكم منه ، ودفعه إلى الشفيع ، وكان الغائب على حجّته إذا قدم ، ولا تؤخّر الشفعة إلى حضور الغائب ؛ لما فيه من إسقاط الشفعة ، إذ لكلّ مشترٍ الالتجاء إلى دعوى الشراء للغائب. ولأنّ الغائب إمّا مصدّق أو مكذّب ، وعلى التقديرين يستحقّ الشفيع الشفعة إمّا عليه أو على الحاضر.
وإن قال : اشتريته لطفل هو ابني أو لي عليه ولاية ، فالأقرب : ثبوت الشفعة إن ثبت الشراء المطلق ، وإلّا فلا.
أمّا على التقدير الأوّل : فلأنّ الشراء موجب للشفعة على كلّ مشترٍ ، سواء كان طفلاً أو لا.
وأمّا على التقدير الثاني : فلأنّ الملك للطفل ، ولا تجب الشفعة بإقرار الوليّ عليه ؛ لاشتمال ذلك على إيجاب حقٍّ في مال الصغير بإقرار الوليّ.
وللشافعي قولان :
أحدهما : أنّه إذا أضاف الشراء إلى من له عليه ولاية ، تثبت ، لأنّ المقرّ يملك الشراء ، فصحّ إقراره فيه ، كما يصحّ في حقّ نفسه.
والثاني : لا تثبت ؛ إذ لا يُقبل إقرار الوليّ في حقّ الطفل(١) .
تذنيب : إذا ادّعى عليه الشفعة [ فيما بيده ](٢) فقال : هذا الشقص لفلان الغائب أو لفلان الصغير ، لم تثبت الشفعة إلى أن يقدم الغائب ويبلغ
____________________
(١) المغني ٥ : ٥١٧ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٣٠.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « في يده ». والظاهر ما أثبتناه.
الصغير فيطالبهما بذلك ، ولا يسأل المقرّ عن سبب ملك الغائب والصغير ؛ لأنّ إقراره بعد ذلك يكون إقراراً في ملك الغير ولا يُقبل ، ويفارق إذا أقرّ بالشراء ابتداءً ؛ لأنّ الملك ثبت لهما بذلك الإقرار ، فيثبت جميعه.
مسالة ٧٧١ : لو قال المشتري : إنّي اشتريت الشقص بألف ، فدفع الشفيع إليه الألف وأخذ الشقص بالشفعة فادّعى البائع أنّه باع الشقص بألفين ، قضي له بالألفين ؛ عملاً بالبيّنة ، ولم يكن للمشتري الرجوع على الشفيع بما زاد على الألف - وبه قال الشافعي(١) - لاعتراف المشتري بكذب بيّنة البائع ، وأنّه قد ظلمه في الزيادة ، فلم يحكم له بها ؛ وإنّما حكمنا للبائع بها ؛ لأنّه لم يكذّبها.
وقال أبو حنيفة : يأخذ الشفيع بالألفين ؛ لأنّ الحاكم إذا حكم عليه بالبيّنة ، فقد أبطل إقراره ، وثبت أنّ البيع كان بألفين(٢) .
ونمنع كذب المشتري ، وإبطال الحاكم إقراره في حقّ البائع لا يقتضي إبطاله في حقّ نفسه.
ولو قال المشتري : صدقت البيّنة وقد كنت نسيت(٣) الثمن ، لم يُقبل قوله ؛ لأنّه رجوع عن إقرار تعلّق به حقّ غيره ، فلا يُقبل ، كما لو أقرّ الإنسان بشيء ثمّ قال : نسيت ، هو دونه ، لم يُقبل.
مسالة ٧٧٢ : لو ادّعى كلٌّ من الشريكين أنّ له الشفعة على صاحبه فيما في يده ، رجعنا إليهما وقلنا : متى ملكتما؟ فإن قالا : ملكنا دفعةً واحدةً ، فلا شفعة ؛ لعدم السبق الذي هو شرط الأخذ بالشفعة.
____________________
(١) المغني ٥ : ٥٢٠ - ٥٢١ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٢٦.
(٢) المغني ٥ : ٥٢١ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٢٦.
(٣) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « أنسيت ». وهو غلط.
ولو ادّعى كلٌّ منهما السبق ، فقد تقدّم حكمه ما لو أقاما بيّنتين أو أقام أحدهما خاصّةً.
ولو لم يكن لأحدهما بيّنة ، نظر إلى السابق بالدعوى فقدّمنا دعواه ، وكان القول قول الآخَر مع يمينه ؛ لأنّه منكر ، فإذا حلف ، استحقّ نصيبه بالشفعة ، ولم تسمع دعواه على الأوّل ؛ لأنّ ملكه الذي يستحقّ به الشفعة قد زال.
مسالة ٧٧٣ : لو ادّعى أحد الشريكين أنّه قد باع حصّته على زيد فأنكر زيد ، قُدّم قول المنكر - وهو زيد - مع اليمين وعدم البيّنة ، فإن صدّق الشفيع شريكه على البيع ، وطلب الشفعة وبذل الثمن ليأخذ الشقص ، فالأقرب : ثبوت الشفعة في حقّ البائع للشريك - وهو أحد قولي الشافعي ، وقول أبي حنيفة وأحمد(١) - لأنّ البائع أقرّ بحقّ للمشتري ، وحقٍّ للشفيع ، وقد سقط حقّ المشتري بإنكاره ، فلا يسقط حقّ الشفيع ، كما لو أقرّ بحقٍّ لاثنين فردّه أحدهما.
والقول الثاني للشافعي : [ لا ](٢) لأنّه لا شفعة هنا - وبه قال مالك - لأنّ الشفعة فرع على البيع ، فإذا لم يثبت البيع ، لم تثبت الشفعة ، فإنّ النسب إذا لم يثبت بإقرار أحد الورثة ، لم يثبت الميراث(٣) .
والفرق : أنّ النسب يتضمّن حقّاً له وحقّاً عليه ، فإذا لم يثبت ما له ، لم يثبت ما عليه ، وهنا يثبت ما له ، وهو الثمن ، فتثبت.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨١ ، المغني ٥ : ٤٧٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٣٨.
(٢) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨١ ، المغني ٥ : ٤٧٦ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٣٨.
إذا عرفت هذا ، فإن قلنا : لا تثبت الشفعة ، فللبائع مخاصمة المشتري وإحلافه ، فإن حلف ، سقطت الدعوى. وإن نكل ، حلف البائع ، ويثبت البيع ، وتثبت فيه الشفعة.
وهل للشفيع دون البائع إحلاف المشتري؟ الأقرب ذلك.
وكذا للشفيع إحلاف المشتري لو ملك(١) البائع.
ولو حلف المشتري للبائع ، فهل عليه أن يحلف للشفيع؟ الأقرب ذلك ، لأنّه مُدّعٍ آخَر ، فإن حلف ، سقطت الشفعة ، ولا تسقط بحلف المشتري للبائع. وإن نكل ، حلف الشفيع ، وكان حكمه مع البائع حكم الشفيع لو لم يُقرّ المشتري بالبيع وأقرّ البائع.
وأمّا إن قلنا : تثبت الشفعة ، فإن رضي البائع بتسليم الشقص إلى الشفيع وأخذ الثمن منه ، كانت العهدة عليه ولا كلام. وإن قال : أنا أُطالب المشتري بتسليم الثمن وبتسليم المبيع ، فهل له ذلك؟ فيه وجهان :
أحدهما : ليس له ذلك ؛ لأنّه قد حصل له مقصود دعواه من جهة الشفيع ، فلا حاجة له إلى المخاصمة.
والثاني : له ذلك ؛ لأنّه قد يكون له غرض بأن تكون معاملة المشتري أحبّ إليه في حقوق العقد وفي الدرك.
فإن قلنا : لا يخاصم المشتري ، دفعه إلى الشفيع ، وأخذ الثمن.
لا يقال : أليس لو ادّعى على رجل بدَيْن ، فقال رجل : أنا أدفع إليك الذي تدّعيه ولا تخاصمه ، لم يلزمه قبوله ، فهلّا(٢) قلتم هنا : لا يلزمه قبول الثمن من الشفيع؟
____________________
(١) كذا ، والظاهر « هلك » بدل « ملك ».
(٢) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « فألّا » بدل « فهلّا » والصحيح ما أثبتناه.
لأنّا نقول : الفرق ثبوت المنّة في قبول الدّين من الدافع إليه تبرّعاً ، وهنا بخلافه.
وإن قلنا : له مخاصمة المشتري ، فإن حلف ، سقطت دعواه عنه ، وأخذه الشفيع ، وكانت العهدة على البائع. وإن نكل ، حلف البائع ، وثبت(١) الشراء ، وطُولب بالثمن ، وكانت الشفعة عليه ، والعهدة للشفيع.
وأمّا إن كان البائع يدّعي البيع ويُقرّ بقبض الثمن والمشتري ينكر ، فهل تثبت الشفعة؟ قال بعض الشافعيّة : لا تثبت ، لأنّها لو ثبتت ، لكان الشفيع يأخذه بغير عوض ، وذلك لا يثبت له، كما لا تثبت له الشفعة في الهبة(٢) .
وقال بعضهم : تثبت الشفعة ؛ لأنّه قد أقرّ بالشفعة ، فلزمه ، ويأخذه الشفيع(٣) .
ويكون في الثمن ما تقدّم(٤) إمّا أن يأخذه المشتري أو يبرئ ، وإمّا أن يحفظه الحاكم ، وإمّا أن يبقى في ذمّة الشفيع.
مسالة ٧٧٤ : لو أثبتنا الشفعة مع الكثرة - كما هو رأي بعض علمائنا والعامّة(٥) - إذا كانت دار بين أربعة ، فباع أحدهم نصيبه من أجنبيّ فادّعى المشتري على أحدهم أنّه عفا ، وشهد له الشريكان الآخَران ، قُبلت شهادتهما إن كانا قد عفوا(٦) عن الشفعة ؛ لأنّهما لا يجرّان بهذه الشهادة نفعاً إلى أنفسهما. وإن لم يكونا قد عفوا ، لم تسمع شهادتهما ؛ لأنّهما يجرّان
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « يثبت ».
(٢ و ٣ ) لم نعثر عليه في مظانّه.
(٤) في ص ٢٩٦ ، ضمن المسألة ٧٦٨.
(٥) تقدّم في ص ٢٠٢ ، ضمن المسألة ٧٠٦.
(٦) في النسخ الخطّيّة والحجريّة هنا وفيما يأتي : « عفيا » فصحّحناه بما ترى.
إلى أنفسهما استحقاق جميع المبيع.
ولو شهدا بالعفو قبل أن يعفوا فردّت شهادتهما ثمّ عفوا وشهدا ، لم تُقبل ؛ لأنّ الشهادة إذا ردّت للتهمة ثمّ زالت التهمة ، لم تُقبل الشهادة ، كما لو شهد الفاسق فردّت شهادته فتاب ثمّ أقامها ، لم تسمع.
ولو شهدا بعد أن عفا أحدهما ، سُمعت شهادة العافي ، وحلف معه الذي لم يعف ، وسقطت شفعة المشهود عليه. وإن عفا الآخر بعد ما شهد ، حلف المشتري مع الشاهد ، وأخذ جميع الشقص.
فرعان :
أ - لو شهد البائع على الشفيع بالعفو ، فإن كان قبل قبضه الثمن ، لم تقبل شهادته ، لأنّه يجرّ إلى نفسه نفعاً ، وهو أن يفلس المشتري فيرجع إليه دون الشفيع. وإن كان بعد قبضه الثمن ، قبلت ، وهو أحد وجهي الشافعيّة. وفي الثاني : لا تُقبل ؛ لأنّه ربّما توقّع العود إلى العين بسببٍ مّا(١) .
ب - لو شهد السيّد على مكاتبه بالعفو عن الشفعة ، قُبل ؛ لأنّ ذلك في الحقيقة شهادة عليه.
ولو شهد بالشراء فيما لمكاتبه الشفعة فيه ، قال بعض الشافعيّة :
تُقبل ، ثمّ تثبت فيه الشفعة تبعاً ، ولو شهد له بالشفعة ، لم تُقبل(٢) .
وفيه نظر.
مسالة ٧٧٥ : لو كان ملكٌ بين اثنين أحدهما حاضر والآخَر غائب ، ونصيب الغائب في يد وكيله ، فادّعى الحاضر على الوكيل أنّه اشترى نصيب
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٣.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٤.
الغائب وله فيه الشفعة ، وأقام بذلك بيّنةً ؛ فإنّ الحاكم يسمع بيّنته ، ويثبت الشراء والشفعة ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(١) .
قال المزني : وهذا قضاء على الغائب بالشراء(٢) ، يريد أنّ الشراء يثبت وهو على الغائب ، فقال بعض(٣) الشافعيّة : إنّه ليس قضاءً على الغائب ، وإلّا احتيج إلى اليمين مع الشهادة.
وهذا الفرع ساقط عنّا ؛ لأنّا نحكم على الغائب.
مسالة ٧٧٦ : دار بين أخوين وأجنبيّ أثلاثا فباع الأجنبيّ نصيبه من رجل فطالب أحد الشريكين الأخوين بالشفعة ، فقال المشتري : إنّما اشتريته لأخيك ، فكذّبه وقال : بل اشتريته لنفسك ، فإن صدّقه الذي أقرّ له ، كان الشقص بين الأخوين ، وكذا إن كذّبه وطالَب بالشفعة فإن قال : أحلفوه أنّه اشتراه لأخي ، لم يحلف ، لأنّ المدّعي يستحقّ نصفه سواء صدّق أو كذّب.
وقد أثبت أبو العباس من الشافعيّة الشفعة للمشتري في هذا الفرع(٤) .
فإن قال أحد الأخوين للمشتري : شراؤك باطل ، وصدّقه الآخر على ( صحّة الشراء )(٥) كانت الشفعة للمصدّق خاصّةً.
وكذا إن قال أحدهما : لم يبعه وإنّما اتّهبه ، وصدّقه الآخَر على الشراء ، كانت الشفعة للمصدّق ؛ لأنّ المكذّب أسقط حقّ نفسه وأقرّ أنّه لا شفعة.
____________________
(١) مختصر المزني : ١٢١ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٩٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٤ ، المغني ٥ : ٥١٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٣٠ - ٥٣١.
(٢) مختصر المزني : ١٢١.
(٣) الحاوي الكبير ٧ : ٢٩٨.
(٤) لم نعثر عليه في مظانّه.
(٥) بدل ما بين القوسين في « س ، ي » : « صحّته ».
تذنيب : لو كانت دار في يد رجل فادّعى آخر عليه أنّه يستحقّ سدسها ، فأنكره ثمّ قال له المدّعى عليه : خذ منّي السدس الذي ادّعيته بسدس دارك ، فإذا فعل هذا ، صحّ ، ووجبت الشفعة في كلّ واحد من الشقصين للشفيع ، عند الشافعي(١) .
وعندنا لا تثبت الشفعة وإن كان له ، وليس ذلك صلحاً على الإنكار ؛ لأنّ المدّعى عليه باع المدّعى ، دون المدّعي.
مسالة ٧٧٧ : لو كان في يد اثنين دار بالشركة بينهما ، فادّعى أحدهما على الآخر بأنّ النصف الذي في يده اشتراه من زيد ، وصدّقه زيد على ذلك ، وقال الشريك : ما اشتريته وإنّما ورثته من أبي ولا شفعة لك ، فأقام الشفيع شاهدين شهدا بأنّ زيداً ملك هذا الشقص ميراثاً عن أبيه ، لم يشهدا بأكثر من ذلك ، قال محمّد بن الحسن : تثبت الشفعة للشفيع ، ويقال له : إمّا أن تدفع الشقص إليه وتأخذ الثمن ، أو تردّه على البائع ليأخذه الشفيع من البائع ويأخذ الثمن يدفعه إليك ، لأنّ الشاهدين يشهدان لزيد بالملك ، وزيد يقرّ أنّ المشتري قد ملكه منه بالشراء ، فكأنّهما شهدا لزيد بالملك ، وعليه بالبيع(٢) .
قال ابن سريج من الشافعيّة : هذا غلط ، ولا شفعة لهذا المدّعي بذلك ، لأنّ البيّنة لم تشهد بالبيع. وأمّا إقراره فليس بينه وبين المشتري منازعة فيثبت إقراره ، وإنّما يقرّ على المشتري بالشفعة ، وليست الشفعة من حقوق العقد على البائع ، فيقبل فيها قول البائع. ولأنّ شهادته مقبولة ؛ لأنّه
____________________
(١) لم نعثر عليه في مظانّه.
(٢) حكاه عنه الشيخ الطوسي في المبسوط ٣ : ١٦٠.
يشهد على فعل نفسه.
وقال : هذا بمنزلة أن يحلف رجل أنّي ما اشتريت هذه الدار من زيد ، فيقول زيد : أنا ما بعتها منه ، وقد كانت ملكاً لزيد ، فإنّه لا يُقبل قوله عليه في الحنث ، كذا هنا(١) .
مسالة ٧٧٨ : لو مات شفيع وله وارثان ، فادّعى المشتري أنّهما عفوا عن الشفعة ، ولا بيّنة، فالقول قولهما في عدم العفو ، فإن حلفا ، تثبت لهما الشفعة ، فإن حلف أحدهما ونكل الآخَر ، لم يحلف المشتري مع نكوله ؛ لأنّه إذا حلف مع نكوله ، عاد حقّ الشفعة إلى الشريك الحالف ، ولم ينتفع المشتري بيمينه.
ثمّ يُنظر في الشريك الحالف ، فإن صدّق شريكه على عدم العفو ، كانت الشفعة بينهما ، ويأخذ الناكل بالتصديق لا بيمين غيره ، ودركه على المشتري. وإن كذّبه ، أحلف الناكل له ، ولا يكون النكول مسقطاً ؛ لأنّ ترك اليمين عذر ، على إشكال. وإن ادّعى أنّه عفا ، حلف هو مع نكوله ، وتثبت الشفعة كلّها له. فإن عفا هذا الحالف بعد يمينه ، كان للمشتري أن يحلف مع نكول الآخَر ؛ لأنّه الآن تسقط عنه الشفعة.
ولو شهد أجنبيّ بعفو أحدهما ، فإن حلف بعد عفو الآخَر ، بطلت الشفعة ، وإلّا أخذ الآخَر الجميعَ.
ولا فرق في هذا الفرع بين أن يكون الشفيعان ورثا الشفعة أو كانا شريكين عند مثبتي الشفعة مع الشركة.
مسالة ٧٧٩ : لو ادّعى على شريكه أنّه اشتراه وله عليه شفعة ، فأنكر
____________________
(١) حكاه عنه الشيخ الطوسي في المبسوط ٣ : ١٦٠.
الشريك الشراء وادّعى الميراث ، قُدّم قول الشريك ؛ لأصالة عدم الشفعة ، وقد سبق(١) .
ولو أقام كلٌّ منهما بيّنةً ، قيل : يُقرع ؛ لأنّه مشتبه.
ويُحتمل قويّاً الحكم ببيّنة الشفيع ؛ لأنّ القول قول مدّعي الإرث مع اليمين ، فتكون البيّنة بيّنة الآخَر.
مسالة ٧٨٠ : لو ادّعى الشفعة فأنكر المدّعى عليه ملكيّة المدّعي ، فالأقرب : القضاء له باليد على ما تقدّم(٢) .
ولو ادّعى أحدُ المتشبّثين الجميع والآخر النصف فقضي له بالنصف باليمين وقضي لصاحب الجميع بالنصف ؛ لعدم المزاحمة فيه ثمّ باعه مدّعي الكلّ ، لم يكن لمدّعي النصف شفعة إلّا مع القضاء باليد.
ولو ادّعى عليه أنّه اشترى حصّة الغائب ، التي في يده ، فصدّقه ، احتُمل ثبوت الشفعة ؛ لأنّه إقرار من ذي اليد. وعدمُه ؛ لأنّه إقرار على الغائب ، فإن قضي بالشفعة فقدم الغائب وأنكر البيع، قُدّم قوله مع اليمين ، وانتزع(٣) الشقص ، وطالَب بالأجرة مَنْ شاء منهما ، ولا يرجع أحدهما على الآخَر.
مسالة ٧٨١ : لو قال أحد الوارثين أو أحد الشريكين - إن أثبتنا [ الشفعة ](٤) مع الكثرة - : شراؤك باطل ، وقال الآخَر : بل هو صحيح ، فالشفعة بأجمعها للمعترف بالصحّة.
____________________
(١) في ص ٢٩٨ - ٢٩٩ ، المسألة ٧٦٩.
(٢) في ص ٢٩٥ ، المسألة ٧٦٧.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « وانتزعه ».
(٤) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « الشركة ». والصحيح ما أثبتناه.
وكذا لو قال : أنت اتّهبته ، أو ورثته ، وقال الآخَر : بل اشتريته.
ولو ادّعى المتبايعان غصبيّة الثمن المعيّن ، لم ينفذ في حقّ الشفيع ، بل في حقّهما ، ولا يمين عليه ، إلّا أن يدّعى عليه العلم ، فيحلف على نفيه.
ولو أقرّ الشفيع والمشتري خاصّةً ، لم تثبت الشفعة ، وعلى المشتري ردّ قيمة الثمن على صاحبه ، ويبقى الشقص معه يزعم أنّه للبائع ويدّعي وجوب ردّ الثمن ، والبائع ينكرهما ، فيشتري الشقص منه اختياراً ، ويتباريان ، وللشفيع في الثاني الشفعة.
ولو أقرّ الشفيع والبائع خاصّةً ، ردّ البائع الثمن على المالك ، وليس له مطالبة المشتري ، ولا شفعة.
ولو ادّعى مِلْكاً على اثنين ، فصدّقه أحدهما ، فباع حصّته على المصدّق ، فإن كان المكذّب نفى الملك عنه ، فلا شفعة. وإن نفى دعواه عن نفسه ، فله الشفعة.
مسالة ٧٨٢ : لو أقام المشتري بيّنةً على الشفيع بأنّه قد عفا عن الشفعة ، وأقام الشفيع بيّنةً بأخذه بالشفعة ، والشقص في يد الشفيع ، فالأقرب : الحكم ببيّنة السابق ، فإن اتّحد أو أطلق التاريخان ، احتُمل تقديم بيّنةِ الشفيع ؛ لقوّتها باليد ، وبيّنةِ المشتري ؛ لزيادة علمها بالعفو.
وأصحّهما عند الشافعيّة : الثاني(١) .
وفيه نظر ؛ فإنّ بيّنة الآخذ تزيد أيضاً الشهادة بالأخذ.
مسالة ٧٨٣ : لو خرج الشقص مستحقّاً بعد بناء الشفيع فيه وغرسه ، وقلع المستحقّ البناء والغرس ، فالقول فيما يرجع به الشفيع على المشتري
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٣.
من الثمن وما نقص من قيمة البناء والغرس وغير ذلك كالقول في رجوع المشتري من الغاصب عليه.
البحث السادس : في مسقطات الشفعة.
مسالة ٧٨٤ : المشهور عند علمائنا أنّ الشفعة على الفور ، فإن أخّر الشفيع الطلب مع عدم العذر ، بطلت شفعته - وهو المشهور من أقوال الشافعي(١) ، وهو المذكور في كتبه الجديدة، وبه قال أبو حنيفة إلّا أنّه يقدّره بالمجلس(٢) - لما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « الشفعة لمن واثبها »(٣) .
وعنهعليهالسلام « الشفعة كنشط العقال إن قُيّدت ثبتت ، وإن تُركت فاللوم على مَنْ تركها »(٤) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه عليّ بن مهزيار عن الجوادعليهالسلام في حديثٍ أنّه حدَّ للشفيع مجيء الثمن ثلاثة أيّام إن كان الثمن في البلد ومدّة غيبته ، وثلاثة أيّام بعد حضوره إن كان في غير البلد، ثمّ قالعليهالسلام : « فإن
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٢٤٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٦ - ٣٨٧ ، الوجيز ١ : ٢٢٠ ، الوسيط ٤ : ٩٧ ، حلية العلماء ٥ : ٢٨٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٨ ، المغني ٥ : ٤٧٧ و ٤٧٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧٣.
(٢) تحفة الفقهاء ٣ : ٥١ - ٥٢ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٧ ، الهداية - للمرغيناني - ٤ : ٢٦ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤١ / ١٩٤٩ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٤٠ ، حلية العلماء ٥ : ٢٨٣ - ٢٨٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٤٦ - ٣٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٩ ، المغني ٥ : ٤٧٧ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧٣ و ٤٧٤.
(٣) بدائع الصنائع ٥ : ١٧ ، المغني ٥ : ٤٧٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧٤.
(٤) المغني ٥ : ٤٧٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٧ - ٥٣٨.
وافاه وإلّا فلا شفعة له »(١) ولو كانت الشفعة على التراخي ، لم تسقط الشفعة بتأخير الثمن ، بل كانت تفتقر إلى تجديد فسخ ، كما افتقر البائع إذا أخّر المشتري أداء الثمن بعد ثلاثة أيّام.
ولأنّ خيار الشفعة إنّما يثبت لإزالة الضرر عن المال ، فكان على الفور ، كخيار الردّ بالعيب.
والقول الثاني للشافعي : أنّ له الخيار ثلاثة أيّام ، فإن شاء أخذ بالشفعة ، وإن شاء ترك ، فإن خرجت الثلاثة ولم يختر الأخذ ، بطلت شفعته - وبه قال ابن أبي ليلى والثوري - لأنّ إثبات الخيار على التراخي إضرار بالمشتري ؛ لأنّ ملكه لا يستقرّ على المبيع ، ولا يتصرّف بعمارته على حسب اختياره ؛ لأنّه يخاف أن يؤخذ منه فيضيع بعض نفقته ، ولا يمكن جَعْلها على الفور ؛ لأنّ الشفيع يحتاج إلى أن يتفكّر وينظر هل الحظّ في الأخذ أو الترك؟ ويتسبّب في تحصيل الثمن ، فإذا جعل على الفور ، أضرّ به ، فلم يكن بُدٌّ من حدٍّ فاصل ، وليس إلّا الثلاثة ، كما حدّ بها خيار الشرط عندهم - وخيار الحيوان عندنا - وهي آخر حدّ القلّة(٢) .
وهو يبطل بخيار الردّ بالعيب.
والثالث : أنّه على التراخي لا يسقط إلّا بإسقاطه والتصريح بالترك ، وليس للمشتري مطالبته بالأخذ أو الترك - وبه قال مالك ، إلّا أنّ عند مالك
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٦٧ / ٧٣٩.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٧ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٤٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٥٠ ، حلية العلماء ٥ : ٢٨٤ ، الوجيز ١ : ٢٢٠ ، الوسيط ٤ : ٩٧ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٨ ، المغني ٥ : ٤٧٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧٣.
في انقطاعه روايتين(١) : إحداهما : أنّها تنقطع بعد سنة. والثانية : تنقطع بأن يمضي عليه من الزمان ما يعلم أنّه تارك لها - لأنّ هذا الخيار لا ضرر في تأخيره ؛ لأنّ المنفعة تكون للمشتري ، وإن أحدث فيه عمارةً من بناء أو غرس ، فإنّه يأخذ قيمته ، وما لا ضرر في تأخيره يكون على التراخي ، كخيار القصاص(٢) .
ونمنع عدم التضرّر(٣) وقد سبق.
[ و ] الرابع : قال في القديم : إنّه على التراخي لا يسقط إلّا بإسقاطه ، أو يوجد منه ما يدلّ على إسقاطه ، مثل أن يقول المشتري : يعني هذا الشقص ، أو : بِعْه لمن شئت ، أو : هَبْة لي أو لمن شئت ، أو : قاسمني(٤) .
وقال بعض الشافعيّة. لا يبطل بهذا ، وللمشتري أن يرفعه إلى الحاكم ، فيقول له : إمّا أن تأخذ أو تدع(٥) .
أمّا التراخي : فلما مرّ.
____________________
(١) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « روايتان ». والصحيح ما أثبتناه.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٢٤١ - ٢٤٢ ، حلية العلماء ٥ : ٢٨٥ و ٢٨٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٥٠ ، الوسيط ٤ : ٩٧ - ٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٨ و ٥٣٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٨ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٦٣ ، المعونة ٢ : ١٢٧٤ ، المغني ٥ : ٤٧٧ - ٤٧٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧٣.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « الضرر ».
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٦ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٤١ ، حلية العلماء ٥ : ٢٨٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٨ ، وانظر : الوسيط ٤ : ٩٨.
(٥) الحاوي الكبير ٧ : ٢٤١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٨ ، وانظر : المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٦ - ٣٨٧ ، وحلية العلماء ٥ : ٢٨٥ ، والوسيط ٤ : ٩٨.
وأمّا المطالبة : فليزول عن المشتري ما يخافه من أخذ الشفيع ، وذلك يمنعه من العمارة والتصرّف على حسب اختياره ، وقد يلزمه على العمارة أكثر ممّا يقوم به ، فيلحقه الضرر.
وليس بجيّد ؛ لوجود التضرّر مع التراخي.
والخامس : أنّه على التراخي يمتدّ مدّة تتّسع لتأمّل المصلحة في الأخذ(١) .
وهو إضرار بالمشتري.
إذا عرفت هذا ، فلو أخّر المطالبة مع عدم العذر ، بطلت شفعته وإن لم يفارق المجلس ؛ لما تقدّم(٢) .
وقال أبو حنيفة : إذا لم يفارق المجلس ، لم تبطل(٣) .
مسالة ٧٨٥ : إنّما يُحكم بالفوريّة في الشفعة إذا علم الشفيع بالبيع ، فحينئذ إذا أخّر لغير عذر ، بطلت ، أمّا لو لم يعلم بالبيع ، فلا تبطل شفعته وإن مضت سنون كثيرة ، وهو على شفعته إذا علم.
ولو أخبره مَنْ يفيد قوله العلم ، كالمعصوم أو عدد التواتر ، فترك المطالبة وقال : لم اُصدّق المخبر ، بطلت شفعته ، وعُلم(٤) كذبه.
وإن أخبره مَنْ لا يفيد خبرُه العلم ، فإن كان ممّن تثبت الحقوق الشرعيّة بإخباره كالعدلَين أو الرجل والمرأتين مع عدالتهم ، سقطت شفعته أيضاً ، لأنّ إخبار هؤلاء حجّة في الشرع يُعمل بها.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٨.
(٢) في صدر نفس المسألة.
(٣) تحفة الفقهاء ٣ : ٥١ - ٥٢ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٧ ، الهداية - للمرغيناني - ٤ : ٢٦ ، حلية العلماء ٥ : ٢٨٣ - ٢٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٩.
(٤) في الطبعة الحجريّة : « إذا علم » بدل « وعلم ».
وإن أخبره عَدْلٌ واحد ، فالأقرب : أنّه لا تسقط شفعته ؛ لأنّ الواحد لا تقوم به البيّنة ، وهو أحد قولي الشافعي ، ورواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وزفر(١) .
والثاني للشافعي : أنّه تبطل شفعته ، ولا يُقبل عذره بعدم التصديق ؛ لأنّ الواحد حجّة إذا حلف المدّعي معه(٢) .
وليس شيئاً ؛ إذ لا يمين هنا ، فإنّه غير عالم فكيف يحلف!؟ فإذا لم يحلف كيف يثبت!؟
ولو أخبره مَنْ لا يُقبل قوله - كالكافر والفاسق والصبي - لم تبطل شفعته.
والمرأة كالعبد يُقبل قولها ، وتبطل شفعته باختيارها عند الشافعي في أحد قوليه. وفي الثاني : أنّها كالفاسق(٣) .
وفي النسوة عنده وجهان بناءً على أنّ المدّعي هل يقضى له بيمينه مع امرأتين؟ إن قلنا : لا ، فهنّ كالمرأة ، وإلّا فكالعدل الواحد(٤) .
ولو بلغ هؤلاء عدد التواتر ، بطل حقّه وإن كانوا كافرين أو فسقةً ؛ لثبوت العلم عند خبرهم.
____________________
(١) الوجيز ١ : ٢٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٠ ، المغني والشرح الكبير ٥ : ٤٨٠ ، عيون المسائل : ١٣٤ ، حلية العلماء ٥ : ٢٨٨ و ٢٨٩ ، وفي ص ٢٨٨ نسبة العكس إلى رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وزفر.
(٢) الوجيز ١ : ٢٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤١ ، حلية العلماء ٥ : ٢٨٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٠.
(٣) حلية العلماء ٥ : ٢٨٨ - ٢٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٠.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٠.
ولو أخبره واحد فصدّقه ولم يطلب الشفعة ، بطلت وإن لم يكن عدلاً ؛ لأنّ العلم بذلك قد يحصل بالواحد للقرائن.
مسالة ٧٨٦ : إذا علم بالبيع وجهل استحقاقه للشفعة ، لم تبطل شفعته ، وكان له طلبها بعد العلم. ولو علم الشفعة أيضاً ، لم نكلّفه(١) المبادرة على خلاف العادة ، والعَدْوَ حالَ مشيه ولا تحريك دابّته ، بل يمشي على حسب عادته ، بل يرجع(٢) في ذلك كلّه إلى العرف ، فكلّ ما لا يُعدّ تقصيراً لا تبطل به الشفعة ، وما يُعدّ تقصيراً أو توانياً في الطلب فإنّه مسقط لها.
مسالة ٧٨٧ : لو أخّر الطلب لعذر ، لم تسقط شفعته. والعذر ضربان :
أحدهما : ينتظر زواله عن قرب ، مثل الاشتغال بصلاةٍ واجبة أو مندوبة أو أكل أو قضاء حاجة أو كونٍ في حمّام ، فله الإتمام ، ولا يكلّف قطعها على خلاف العادة ، وهو أصحّ قولي الشافعيّة. والثاني : أنّه يكلَّف قطعها حتى الصلاة إذا كانت نافلةً(٣) .
وعلى الصحيح لو دخل وقت الأكل أو الصلاة أو قضاء الحاجة ، جاز له أن يقدّمها ، فإذا فرغ ، طلب(٤) الشفعة ، ولا يلزمه تخفيف الصلاة الواجبة ولا المندوبة ، ولا يجب عليه الاقتصار على المجزئ.
ولو علم ليلاً ، أو كان يريد الصلاة فأصبح إلى الغد ، أو أذّن وأقام وصلّى السنّة ، لم تبطل شفعته. وكذا لو انتظر الجماعة.
____________________
(١) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « لم يكلّفه ». والصحيح : « لم يكلّف » أو ما أثبتناه.
(٢) في الطبعة الحجريّة : « ويرجع » بدل « بل يرجع ».
(٣) الوجيز ١ : ٢٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٩.
(٤) في الطبعة الحجريّة : « يطلب ».
الثاني : ما لا ينتظر زواله عن قرب ، كالمرض والحبس والغيبة.
أمّا المرض فإن مَنَعه من الطلب والتوكيل فيه ، لم تبطل شفعته.
وإن لم يمنعه عن التوكيل فأخّر التوكيل مع إمكانه ، بطلت شفعته - وهو أظهر مذاهب الشافعي - لأنّه أخّر الطلب مع إمكانه.
والثاني له : لا تبطل شفعته بترك التوكيل ؛ لأنّه قد يكون له غرض بأن يطالب بنفسه ؛ لأنّه أقوم بذلك ، أو يخاف الضرر من جهة وكيله بأن يقرّ عليه فيلزمه إقراره برشوة أو غير ذلك ، فكان معذوراً في تأخيرها.
والثالث : إن لم يلحقه في التوكيل منّة ولا مؤونة ثقيلة(١) ، بطلت ، وإلّا فلا(٢) .
والمعتمد ما قلناه.
نعم ، لو خاف ضرراً على ما قلناه أوّلاً فأخّر التوكيل ، لم تبطل شفعته.
ولو لم يمكنه التوكيل ولا الطلب وأمكنه الإشهاد على الطلب ، وجب عليه الإشهاد ، فإن أهمل الإشهادَ لغير عذر ، بطلت شفعته عند بعض الشافعيّة ؛ لأنّه قد يترك الطلب للعذر وقد يتركه لغير عذر ، فإذا لم يشهد لم يعلم أنّه لعذر ، فسقطت شفعته.
والثاني - وهو الأقوى عندي - أنّه لا يحتاج إلى الإشهاد ؛ لأنّه إذا ثبت عذره ، كان الظاهر أنّه ترك الشفعة لأجل ذلك ، فقُبل قوله في ذلك(٣) .
وأمّا المحبوس فإن كان حبسه ظلماً بغير حقٍّ أو بحقٍّ هو عاجزٌ عنه ، فحكمه كالمريض إن لم يمكنه التوكيل ، لم تسقط شفعته. وإن أمكنه
____________________
(١) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « بفعله » بدل « ثقيلة » ، وما أثبتناه من المصادر.
(٢) الوجيز ١ : ٢٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٩.
ولم يفعل ، سقطت.
وللشافعيّة(١) الوجهان السابقان.
ولو كان محبوساً بحقٍّ يقدر على أدائه ويجب عليه دفعه وهو مُماطل به ، فإن وكّل ، جاز. وإن لم يوكّل ، بطلت شفعته ؛ لأنّه تركها مع القدرة عليها ، وبه قال الشافعي(٢) .
وأمّا الغائب فإذا بلغته الشفعة ، فإن أمكنه المسير فسار أو وكّل في الطلب ، لم تسقط شفعته. وإن تعذّر عليه المسير والتوكيل ، فحقّه باقٍ. وإن أمكنه التوكيل فلم يوكّل ، كان على الوجهين في المريض.
إذا ثبت هذا ، فكلّ موضعٍ أخّر لعذرٍ ، فهل يجب عليه أن يُشهد على نفسه أنّه على الطلب؟ وجهان تقدّما.
والخوف من العدوّ كالمرض.
وكذا خوف الطريق أو عدم الرفيق مع الحاجة إليه والخوف على ضياع شيء من ماله أعذار.
والمسافر إذا بلغه الخبر ، يخرج طالباً عند بلوغ الخبر ، أو يبعث وكيلاً مع أمن الطريق ، وإلّا انتظر مَنْ يعتمد عليه ويثق بالسفر معه فيسافر ، أو يبعث معه الوكيل.
والحَرّ والبرد المفرطان اللّذان يتعذّر السير معهما كالخوف.
وإذا لم يُشهد على الطلب مع إمكانه ، ففي بطلان الشفعة ما تقدّم من الوجهين.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٩.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٩ - ٥٤٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٩.
ولو سار المسافر في الحال طالباً للشفعة ، لم تسقط شفعته بترك الإشهاد ، ولا يكون الإشهاد واجباً. وكذا لو بعث وكيله في الحال ولم يُشهد.
وللشافعي قولان(١) .
وكذا لو كان حاضراً في البلد فخرج في الحال إلى المشتري أو إلى الحاكم ولم يُشهد.
مسالة ٧٨٨ : إذا علم بالشفعة ، مضى إلى المشتري ، ولا يحتاج أن يرفع ذلك إلى الحاكم ؛ لأنّ الشفعة ثبتت بالنصّ والإجماع ، فلا تفتقر إلى الحاكم ، كمدّة الإيلاء والردّ بالعيب ، وبه قال الشافعي(٢) .
فإذا لقي المشتري ، بدأه بالسلام ؛ لأنّه سنّة. قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « مَنْ بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه »(٣) فيقول : السلام عليكم ، أو : سلام عليك ، أو : سلام عليكم ، ولا تبطل بذلك شفعته.
قال الجويني : ومَنْ غلا(٤) في اشتراط قطع ما هو مشغول به من الطعام وقضاء الحاجة لم يبعد أن يشترط فيه ترك الابتداء بالسلام(٥) .
وكذا لا تبطل لو قال عقيب السلام حديثاً آخَر يتّصل بالسلام ، كقوله : بارك الله لك في صفقة يمينك.
قال الشافعي : لا تبطل الشفعة ؛ لأنّ ذلك يتّصل بالسلام ، ويكون
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٩.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٠٤ و ٥٤٠.
(٣) حلية الأولياء ٨ : ١٩٩ ، وانظر : الكافي ٢ : ٤٧١ / ٢.
(٤) في النسخ الخطيّة والحجريّة : « عذر » بدل « غلا ». وما أثبتناه من المصدر.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٢ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩١.
دعاءً لنفسه ؛ لأنّ الشقص يرجع إليه(١) .
وله قولٌ آخَر : البطلان(٢) .
ولو قال غير ذلك ، فقد أخّر الشفعة لغير عذر.
ولو قال عند لقائه : بكَمْ اشتريته؟ لم تبطل شفعته - وهو أحد قولي الشافعيّة(٣) - لافتقاره إلى تحقّق ما أخذ به(٤) .
وقال الباقون : تبطل ؛ لأنّه تأخير ، لأنّ من حقّه أن يظهر الطلب ثمّ يبحث(٥) .
ولو قال : اشتريت رخيصاً ، وما أشبهه ، بطلت شفعته ؛ لأنّه فضول.
مسالة ٧٨٩ : ولو لم يمض الشفيع إلى المشتري ومشى إلى الحاكم وطلب الشفعة ، لم يكن مقصّراً في الطلب ، سواء ترك مطالبة المشتري مع حضوره أو غيبته.
أمّا لو اقتصر على الإشهاد بالطلب ولم يمض إلى المشتري ولا إلى القاضي مع إمكانه ، قال الشيخرحمهالله : لا تبطل شفعته ؛ لعدم الدليل عليه(٦) ، وبه قال أبو حنيفة(٧) .
وقال الشافعي : يكون مقصّراً ، وبطلت شفعته(٨) .
ولو جهل البطلان ، كان عذراً ، ولم يكن مقصّراً ، كما لو جهل أصل
____________________
(١ - ٣ ) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٢ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩١.
(٤) كذا ، والظاهر : « لافتقاره إلى تحقيق ما أخذه به ».
(٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٢ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩١.
(٦) الخلاف ٣ : ٤٥٦ ، المسألة ٤٢.
(٧) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٤٥٦ ، المسألة ٤٢ ، وانظر : العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٠.
(٨) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٠.
الشفعة.
ولو كان المشتري غائباً ، رفع أمره إلى القاضي وأخذ ، ولم يكف الإشهاد.
ولو لم يتمكّن من الرفع إلى المشتري ولا إلى القاضي ، كفاه الإشهاد على الطلب ، فإن تمكّن بعد ذلك من المضيّ إلى المشتري أو القاضي ، فالأقرب : عدم الاكتفاء بالإشهاد السابق ، فيكون مقصّراً لو لم يمض إلى أحدهما ؛ لأنّ الالتجاء إلى الإشهاد كان لعذر وقد زال.
ولو لم يتمكّن من المضيّ إلى أحدهما ولا من الإشهاد ، فهل يؤمر أن يقول : تملّكت الشقص أو أخذته؟ الأقرب : ذلك ؛ لأنّ الواجب الطلبُ عند القاضي أو المشتري ، فإذا فات القيد ، لم يسقط الآخَر.
وللشافعيّة وجهان(١) .
مسالة ٧٩٠ : لا يجب الطلب في بلد المبايعة ، فلو باع الشقص بمصر ثمّ وجد الشفيع المشتري بمصرٍ آخَر فأخّر الطلب فلمـّا رجعا إلى مصره طالَبه بالشفعة ، لم يكن له ذلك ، وسقطت شفعته.
فإن اعتذر الشفيع عن التأخير بأنّي إنّما تركت الطلب لآخذ في موضع الشفعة ، لم يكن ذلك عذراً ، وقلنا له : ليس تقف المطالبة على تسليم الشقص ، فكان ينبغي أن تطلبها حال علمك بها ، فبطل حقّك ؛ لاستغناء الأخذ عن الحضور عند الشقص.
مسالة ٧٩١ : لو أظهر المتبايعان أنّهما تبايعا بألف فترك الشفيع الشفعة فعفا أو توانى في الطلب ، ثمّ بان أنّهما تبايعاه بأقلّ من ذلك ، لم تسقط
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٠.
الشفعة ، وكان للشفيع المطالبة بها ؛ لاحتمال أن يكون الترك لأجل كثرة الثمن ، فإذا كان أقلّ منه ، رغب فيه ، فلم تسقط بذلك الترك شفعتُه.
وكذا لو بلغه أنّه باعه بالثمن المسمّى سهاماً قليلة ثمّ ظهر أنّها كثيرة.
وكذا إذا كانا قد أظهرا أنّهما تبايعا ذلك بالدنانير ، فترك ثمّ بان أنّهما تبايعا ذلك بالدراهم ، تثبت الشفعة ، سواء كانت بقيمة الدراهم أو أكثر أو أقلّ - وبه قال الشافعي وزفر(١) - لأنّه قد يكون له غرض في ذلك بأن يكون مالكاً لأحد النقدين دون الذي وقع التبايع به.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد : إذا كانت قيمتهما سواءً ، سقطت شفعته - وبه قال بعض الشافعيّة - لأنّهما يجريان مجرى الجنس الواحد(٢) .
وكذا إن أظهرا له أنّ زيداً اشتراها ، فترك الشفعة فبانَ أنّ المشتري عمرو وأنّ زيداً كان وكيلاً لعمرو ، لم تبطل الشفعة ، وكان له المطالبة بها ؛ لاحتمال أن يكون يرضى بشركة زيد ولا يرضى بشركة عمرو.
ولو ظهر كذب نوع الثمن ، فقال : اشتريته بدراهم راضيّة ، فترك الشفعة فظهر أنّه اشترى بدراهم رضويّة ، لم تبطل شفعته ، وكان له الطلب.
وكذا لو اُخبر بأنّ المشتري اشترى النصف بمائة ، فترك الشفيع ثمّ
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٥٣ ، حلية العلماء ٥ : ٢٩٨ - ٢٩٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤١ - ٥٤٢ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٠ ، بدائع الصنائع ٥ : ١٩ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٥٤٢ ، المغني ٥ : ٤٨١ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧٩.
(٢) بدائع الصنائع ٥ : ١٩ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٧٣ - ٧٤ ، حلية العلماء ٥ : ٢٩٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٢ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٠ - ١٩١ ، المغني ٥ : ٤٨١ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٧٩.
بانَ(١) أنّه اشترى الربع بخمسين أو بالعكس ، تثبت الشفعة ؛ لأنّه قد يكون له غرض في القليل ، وقد يكون له أيضاً غرض في الكثير.
وكذا لو قيل له : باع كلّ نصيبه ، فترك ثمّ ظهر بعضه أو بالعكس ، أو أنّه باعه بثمنٍ حالّ ، فترك ثمّ ظهر أنّه مؤجّل ، أو أنّه باعه إلى شهر ، فترك فظهر أنّه إلى شهرين أو بالعكس ، أو أنّه باع رجلين فبانَ رجلاً أو بالعكس ، فترك الشفعة قبل ظهور الحال ، لم تبطل الشفعة ؛ لاختلاف الغرض بذلك.
ولو ظهر بأنّ الثمن عشرة ، فترك الشفعة ثمّ ظهر أنّ الثمن عشرون(٢) ، أو اُخبر بأنّ الثمن مؤجّل(٣) ، فترك فبانَ حالّا ، أو أنّ المبيع الجميعُ بألف فبانَ أنّ البعض بألف ، بطل حقّه من الشفعة قطعاً.
ولو أخبر(٤) أنّه اشترى النصف بمائة ، فترك الشفعة ثمّ ظهر أنّه اشترى الربع بخمسين أو بالعكس ، تثبت الشفعة ؛ لأنّه قد يكون له غرض في القليل أو الكثير.
ولو بلغه(٥) أنّ المشتري واحد ، فترك الشفعة ثمّ ظهر أنّه ذلك الواحد وآخر ، فله الشفعة من كلّ منهما ومن أحدهما إن قلنا بثبوت الشفعة مع الكثرة ، لأنّه ترك الذي ترك له على أنّه اشترى الجميع ، فإذا كان اشترى البعض ، تثبت له ، وأمّا الآخَر فلم يتركه له.
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « ظهر » بدل « بان ».
(٢) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « عشرين ». والصحيح ما أثبتناه.
(٣) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « مؤجّلاً » بالنصب.
(٤) تقدّم هذا الفرع آنفا بعد قوله : « ولو ظهر كذب كان له طلب ».
(٥) تقدّم هذا الفرع آنفاً عند قوله : « أو أنّه باع أو بالعكس ».
مسالة ٧٩٢ : لو أخّر الطلب واعتذر بحصول مرض أو حبس أو غيبة ، وأنكر المشتري ، قُدّم قول الشفيع إن عُلم حصول العارض - الذي ادّعاه - له ، وإن لم يُعلم له هذه الحال ، قُدّم قول المشتري ؛ لأصالة العدم ، وأصالة عدم الشفعة.
ولو قال : لم أعلم ثبوت حقّ الشفعة ، أو قال : أخّرت لأنّي لم أعلم أنّ الشفعة على الفور(١) ، فإن كان قريبَ العهد بالإسلام ، أو نشأ في برّيّة لا يعرفون الأحكام ، قُبل قوله ، وله الأخذ بالشفعة ، وإلّا فلا.
مسالة ٧٩٣ : لو ضمن الشفيع العهدة للمشتري أو ضمن الدرك للبائع عن المشتري ، قال الشيخرحمهالله : لا تسقط شفعته ، وبه قال الشافعي ، وكذا إذا شرطا الخيار للشفيع إذا قلنا بصحّة اشتراط الخيار للأجنبيّ ؛ لأنّ هذا سبب سبق وجوب الشفعة ، فلا تسقط به ، كما إذا أذن له في البيع أو عفا عن الشفعة قبل تمام البيع(٢) .
وقال أهل العراق : إنّه تسقط الشفعة ؛ لأنّ العقد تمّ به ، فأشبه البائع إذا باع بعض نصيبه ، لا شفعة له(٣) .
قالت الشافعيّة : هذا ليس بصحيح ، لأنّ البيع لا يقف على الضمان ، ويبطل بما(٤) إذا كان المشتري شريكاً ، فإنّه تثبت له الشفعة بقدر نصيبه(٥) .
____________________
(١) ورد في النسخ الخطّيّة والحجريّة قوله : « أو قال على الفور » بعد قوله : « فإن كان قريب العهد بالإسلام ». وهو سهو من النُّسّاخ.
(٢) الخلاف ٣ : ٤٤٧ ، المسألة ٢٥ ، وانظر : حلية العلماء ٥ : ٣١٢ ، والعزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٦ ، والمغني ٥ : ٥٤٣ ، والشرح الكبير ٥ : ٤٨٣.
(٣) حلية العلماء ٥ : ٣١٢ ، المغني ٥ : ٥٤٣ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٨٣ ، الخلاف - للطوسي - ٣ : ٤٤٧ ، المسألة ٢٥.
(٤) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « به » بدل « بما ». والصحيح ما أثبتناه.
(٥) اُنظر : المغني ٥ : ٥٤٣ ، والشرح الكبير ٥ : ٤٨٤.
والقول ببطلان الشفعة لا بأس به عندي ؛ لدلالة ذلك على الرضا بالبيع.
قال الشيخرحمهالله : ولو كان الشفيع وكيلاً في البيع(١) ، لم تسقط شفعته ، سواء كان وكيلاً للبائع في البيع أو للمشتري في الشراء - وبه قال الشافعي - لعدم الدليل على سقوط الشفعة بالوكالة(٢) .
وقال بعض الشافعيّة : إن كان وكيلا للبائع ، فلا شفعة له ، وإن كان وكيلا للمشتري ، ثبتت له الشفعة ، والفرق : أنّه إذا كان وكيلاً في البيع ، لحقته التهمة ، وفي الشراء لا تهمة(٣) .
وقال أهل العراق : إذا كان وكيلاً للمشتري ، سقطت شفعته ، بناءً على أصلهم أنّ الوكيل يملك ، ولا يستحقّ على نفسه الشفعة(٤) .
ويحتمل عندي قويّاً بطلان الشفعة ؛ لأنّ التوكيل يدلّ على الرضا بالبيع.
مسالة ٧٩٤ : لو أذن الشفيع في البيع ، فقال : بعْ نصيبك وقد عفوت عن الشفعة ، أو أبرأه(٥) من الشفعة قبل تمام البيع أو أسقط حقّه أو عفا قبل العقد ، لم تسقط شفعته ، وبه قال الشافعي(٦) .
____________________
(١) أي : بيع الشقص الذي يستحقّ به الشفعة.
(٢) الخلاف ٣ : ٤٤٨ ، المسألة ٢٧ ، وراجع : المغني ٥ : ٥٤٢ ، والشرح الكبير ٥ : ٤٨٣ - ٤٨٤.
(٣) المغني ٥ : ٥٤٢ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٨٣.
(٤) حكاه عنهم الشيخ الطسوسي في الخلاف ٣ : ٤٤٨ ، المسألة ٢٧ ، وابنا قدامة في المغني ٥ : ٥٤٢ ، والشرح الكبير ٥ : ٤٨٣.
(٥) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « أبرأ ». والظاهر ما أثبتناه.
(٦) حلية العلماء ٥ : ٣٠٩ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٠ / ١٩٤٨ ، المغني ٥ : ٥٤١ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٨٤.
وحكي عن عثمان البتّي أنّه قال : تسقط الشفعة(١) ؛ لرواية جابر عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « الشفعة في كلّ شرك في أرض(٢) أو رَبْع أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع »(٣) فأجاز تركه.
والمراد العرض على الشريك ليبتاع ذلك إن أراد ، فيخفّ بذلك المؤونة عليه في أخذ المشتري الشقص ؛ لأنّ قولهعليهالسلام : « فيأخذ » ليس بالشفعة ، لأنّ العرض متقدّم على البيع ، والأخذ متعقّب للعرض ، فقوله : « أو يدع » أي : يدع الشراء ، لا أنّه يسقط حقّه بتسليمه. والأصل فيه أنّ ذلك إسقاط حقٍّ قبل وجوبه ، فلا يصحّ ، كما لو أبرأه ممّا يدينه إيّاه.
وكذا لو قال للمشتري : اشتر فلا أطالبك بالشفعة وقد عفوت عنها ، لم يسقط حقّه بذلك.
فروع :
أ - إذا شهد الشفيع على البيع ، لم تبطل شفعته بذلك ؛ لأنّه قد يريد البيع ليأخذه بالشفعة ، وكذا في الإذن بالبيع على ما تقدّم(٤) .
ب - لو بارك للبائع فيما باع أو للمشتري فيما اشترى ، لم تسقط شفعته ، وقد سلف(٥) .
ج - لو قال الشفيع للمشتري : بِعْني أو قاسمني ، بطلت شفعته ؛ لأنّه يتضمّن الرضا بالبيع وإجازته له.
____________________
(١) مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٠ / ١٩٤٨ ، حلية العلماء ٥ : ٣٠٩.
(٢) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « شرك بأرض ». وما أثبتناه من المصدر.
(٣) صحيح مسلم ٣ : ١٢٢٩ / ١٣٥.
(٤) في صدر المسألة ٧٩٤.
(٥) في ص ٣٢٠ ضمن المسألة ٧٨٨.
د - لو شرط الخيار للشفيع فاختار الإمضاء ، سقطت شفعته إن ترتّبت على اللزوم.
مسالة ٧٩٥ : لو باع أحد الشريكين نصيبه ولم يعلم شريكه حتى باع نصيبه ثمّ علم بيع شريكه ، فالأقرب : عدم الشفعة ؛ لأنّها إنّما ثبتت لزوال الضرر بها عن نصيبه ، فإذا باع نصيبه فلا معنى لإثباتها ، كما لو وجد بالمبيع عيباً ثمّ زال قبل علم المشتري ، وهو أحد قولي الشافعي. والثاني : أنّه تثبت له الشفعة في النصيب الأوّل ؛ لأنّه استحقّ فيه الشفعة بوجود ملكه حين التبايع ، فلم يؤثّر زوال ملكه بعد ذلك(١) .
وكذا البحث لو وهب نصيبه قبل علمه بالبيع ثمّ علم ، وكذا لو تقايلا في هذا بالبيع(٢) الثاني.
إذا عرفت هذا ، فإن قلنا : لا شفعة له ، فللمشتري منه الأخذ بالشفعة ؛ لوجود المقتضي ، وهو الشركة.
وإن قلنا : له الشفعة ، فالأقرب : عدم استحقاق المشتري منه للشفعة إن قلنا بانتفاء الشفعة مع الكثرة ، وإلّا فإشكال أقربه ذلك أيضاً ؛ لأنّ الشفعة استحقّها البائع الجاهل ؛ لسبق عقد الشفعة على عقده ، فلا يستحقّها الآخَر ؛ لامتناع استحقاق المستحقّين شيئاً واحداً.
ولو كان الجاهل قد باع نصف نصيبه وقلنا بالشفعة مع الكثرة ، فوجهان :
أحدهما : أنّه تسقط الشفعة - وهو أحد قولي الشافعي(٣) - كما إذا عفا
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩١.
(٢) كذا.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩١ - ١٩٢.
عن بعض الشفعة.
والثاني : لا تسقط ؛ لأنّه قد بقي من نصيبه ما يستحقّ به الشفعة في جميع المبيع لو انفرد كذا إذا بقي. ولأنّه معذور بجهله ، وقد بقيت الحاجة - الموجبة للشفعة - للمشاركة(١) .
ولو باع الشفيع نصيبه عالماً أو وهبه عالماً بثبوت الشفعة ، بطلت شفعته ، سواء قلنا : إنّ الشفعة على الفور أو على التراخي ؛ لزوال ضرر المشاركة.
ولو باع بعض نصيبه عالماً ، فإن قلنا ببطلان الشفعة مع الكثرة ، فكذلك ؛ لتكثّر الشركاء. وإن قلنا بثبوتها معها ، فالأقرب : البطلان أيضاً ؛ لثبوت التضرّر بالشركة ، فلا أثر للشفعة في زوالها.
ويحتمل عدم البطلان ؛ لأنّ تضرّر الشركة قد يحصل مع شخص دون آخَر ، ولهذا قلنا : إنّه إذا بلغه أنّ المشتري زيدٌ فترك الشفعة ثمّ بان أنّه عمرو ، لم تبطل شفعته ، كذا هنا.
أمّا لو طالب بالشفعة فامتنع عليه المشتري من الدفع بعد أن بذل المال ، لم تسقط شفعته.
فإن باع نصيبه حالة المنع منها ثمّ تمكّن من الطلب ، ففي ثبوته إشكال ينشأ : من استحقاقه للطلب أوّلاً وقد طلب ، فلا تبطل شفعته بالبيع ، والبيع معذور فيه ، لإمكان حاجته ، ومن بطلان العلّة الموجبة للشفعة ، وهي الشركة. وهو أقرب.
ولو تملّك بالشفعة فقال : تملّكت بالشفعة ، حالة منع المشتري منها ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩١ - ١٩٢.
فالأقرب : أنّه يملك الشقص بذلك ، فإذا باع نصيبه بعد ذلك ، لم تسقط شفعته على هذا التقدير قطعاً. وكذا له النماء من المشتري والاُجرة.
مسالة ٧٩٦ : إذا وجبت الشفعة واصطلح الشفيع والمشتري على تركها بعوض ، صحّ عندنا ، وسقطت الشفعة - وبه قال مالك(١) - لعموم جواز الصلح. ولأنّه عوض على إزالة ملك في ملك ، فجاز ، كأخذ العوض على تمليك امرأته أمرها في الخلع.
وقال أبو حنيفة والشافعي : لا تصحّ المعاوضة ؛ لأنّه خيار لا يسقط إلى مال ، فلا يجوز أخذ العوض عنه ، كخيار المجلس(٢) .
وهل تبطل الشفعة؟ للشافعي وجهان :
أحدهما : البطلان ؛ لأنه تركها بعوض لا يسلم له ، فكان كما لو تركها.
والثاني : لا تسقط ؛ لأنّه لم يرض بإسقاطها مجّاناً ، وإنّما رضي بالمعاوضة عنها ، فإذا لم تثبت له المعاوضة ، كانت الشفعة باقيةً(٣) .
وهذان الوجهان جاريان في الردّ بالعيب إذا عاوض عنه وقلنا : لا تصحّ المعاوضة.
وعندنا أنّه تصحّ المعاوضة أيضاً.
مسالة ٧٩٧ : إذا وجبت الشفعة في شقص فقال صاحب الشفعة : أخذت نصف الشقص ، لم يكن له ذلك.
____________________
(١) المغني والشرح الكبير ٥ : ٤٨٢.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٢٤٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٥٣ ، المغني ٥ : ٤٨٢ - ٤٨٣ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٨١ - ٤٨٢.
(٣) الحاوي الكبير ٧ : ٢٤٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٥٣ - ٣٥٤.
وهل تسقط شفعته؟ قال محمّد بن الحسن وبعض الشافعيّة : نعم ؛ لأنّه إذا طلب بعضها ، فقد أخّر بعضها ، فقد ترك شفعته في بعضها ، وإذا ترك بعضها ، سقطت كلّها ؛ لأنّها لا تتبعّض(١) .
وقال أبو يوسف : لا تسقط ؛ لأنّ اختياره لبعضها طلب للشفعة ، فلا يجوز أن يكون هو بعينه تركاً لها ؛ لعدم دلالة الشيء على نقيضه. ولأنّه لمـّا لم يجز له أن يأخذ بعضها دون بعض كان طلب بعضها كطلب جميعها(٢) .
واعتُرض : بأنّ طلب البعض لا يكون طلباً للجميع ، ولا معنى لطلب الجميع بطلب البعض ، ولا غرض ، فتسقط(٣) .
البحث السابع : في تفاريع القول بالشفعة مع الكثرة.
مسالة ٧٩٨ : اختلف القائلون بثبوت الشفعة مع الكثرة - من أصحابنا ومن العامّة - هل هي على عدد الرؤوس أو على قدر الأنصباء؟
فذهب بعض علمائنا إلى أنّها تثبت على عدد الرجال(٤) ، فلو كان لأحد الشركاء النصفُ وللباقين النصفُ الآخَر بالسويّة فباع صاحب الربع نصيبَه ، كانت الشفعة بين صاحب النصف وصاحب الربع بالسويّة - وبه قال
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٢٤٤ ، حلية العلماء ٥ : ٢٩٢ ، المغني ٥ : ٤٨٣ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٨٩ - ٤٩٠.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٢٤٤ ، حلية العلماء ٥ : ٢٩٣ ، المغني ٥ : ٤٨٣ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٩٠.
(٣) المغني ٥ : ٤٨٣ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٩٠.
(٤) كما في المبسوط - للطوسي - ٣ : ١١٣ ، ونسبه الفاضل الآبي في كشف الرموز ٢ : ٣٩٣ إلى ابن الجنيد.
الشعبي والنخعي وابن أبي ليلى وابن شُبْرمة وأبو حنيفة وأصحابه والمزني والشافعي في أحد القولين ، وأحمد في إحدى الروايتين(١) - لقول أمير المؤمنينعليهالسلام : « الشفعة على عدد الرجال »(٢) .
ولأنّ كلّ واحد منهم لو انفرد ، كان له أخذ الكلّ ، فإذا اجتمعوا اشتركوا ، كالبنين في الميراث، وكما لو كان لواحد من الثلاثة نصف عبد وللثاني ثلثه وللثالث سدسه فأعتق صاحب الثلث والسدس حصّتهما معاً دفعةً وهُما موسران ، فإنّ النصف يقوَّم عليهما بالسويّة وإن اختلف استحقاقهما.
وقال بعض علمائنا : إنّها تثبت على قدر النُّصّب(٣) - وبه قال عطاء ومالك وإسحاق وأحمد في الرواية الاُخرى والشافعي في القول الآخَر ، وهو مذهب سوار القاضي وعبيد الله بن الحسن العنبري(٤) - لأنّه حقّ يستفاد بسبب الملك ، فكان على قدر الأملاك كالغلّة.
____________________
(١) المغني ٥ : ٥٢٣ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٩٠ ، الهداية - للمرغيناني - ٤ : ٢٥ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٨ / ١٩٦٥ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٥٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٨ ، حلية العلماء ٥ : ٢٩١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦٢ ، الوسيط ٤ : ٩٤ ، الوجيز ١ : ٢١٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٧ و ٥٢٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٢ ، المحلّى ٩ : ٩٨ - ٩٩ ، الاستذكار ٢١ : ٢٨١ / ٥ - ٣١٣٧٤.
(٢) الفقيه ٣ : ٤٥ / ١٥٦ ، التهذيب ٧ : ١٦٦ / ٧٣٦ ، الاستبصار ٣ : ١١٦ - ١١٧ / ٤١٦.
(٣) كما في المبسوط - للطوسي - ٣ : ١١٣ ، والمهذّب - لابن البرّاج - ١ : ٤٥٣.
(٤) المغني ٥ : ٥٢٣ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٩٠ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٦٠ ، الاستذكار ٢١ : ٢٨٠ / ٣١٣٧٠ ، و ٢٨١ / ٣ - ٣١٣٧٢ ، المعونة ٢ : ١٢٦٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٨ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٥٩ ، حلية العلماء ٥ : ٢٩١ - ٢٩٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦٢ ، الوسيط ٤ : ٩٤ ، الوجيز ١ : ٢١٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٧ و ٥٢٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٢ ، المحلّى ٩ : ٩٩ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٢٤٨ ، ١٩٦٥ ، الهداية - للمرغيناني - ٤ : ٢٥.
ثمّ نقضوا الأوّل(١) بالفرسان والرجّالة في الغنيمة ، مَن انفرد منهم استحقّ الكلّ ، وإذا اجتمعوا تفاضلوا ، وكذا أصحاب الديون إذا كان مَنْ عليه الدَّيْن ماله مثل أقلّ الديون ، والمعتقان استويا ؛ لأنّ العتق إتلاف النصيب الباقي ، وسبب الإتلاف يستوي فيه القليل والكثير ، كالنجاسة تقع في المائع ، وهنا يستحقّ بسبب الملك ، فافترقا(٢) .
والفرق ظاهر ؛ فإنّ الفرس كالفارس ، فلا تفاضل في الحقيقة ، والدَّيْن كالكسب الحاصل لأرباب الديون ، فكانوا فيه على قدر رؤوس أموالهم.
إذا ثبت هذا ، فإن قلنا : الشفعة على عدد الرءوس ، فلا بحث.
وإن قلنا : على قدر الأنصباء ، فلو كان لأحدهما النصفُ وللآخَر الربعُ والمبيع الربعُ ، استحقّ صاحب النصف ثلثي المبيع ، وصاحب الربع ثلثه ، فتقسّم الجملة من اثني عشر ، لصاحب النصف ثمانية ، ولصاحب الربع أربعة ، فقد صار لأحدهما الثلثان وللآخَر الثلث.
مسالة ٧٩٩ : إذا تزاحم الشركاء ، فالأقسام ثلاثة :
الأوّل : أن يتّفقوا على الطلب ، فإن كانوا حاضرين بأجمعهم حالة البيع ، فتثبت بينهم الشفعة على عدد الأنصباء أو على عدد الرؤوس ، فلو كانت الدار بين أربعة بالسويّة باع أحدهم نصيبه ، كان للثلاثة الباقية أخذها بالشفعة ، فتصير الدار أثلاثاً بعد أن كانت أرباعاً.
الثاني : أن لا يكونوا بأجمعهم حاضرين فإمّا أن يكونوا بأجمعهم غُيّاباً أو بعضهم ، وعلى كلا التقديرين لا تسقط شفعة الغائب بغيبته مع التأخّر ؛ لمكان العذر. فإن قدموا بأجمعهم ، فحكمهم حكم الحاضرين.
____________________
(١) أي القول الأوّل.
(٢) راجع المغني ٥ : ٥٢٣ ، والشرح الكبير ٥ : ٤٩١.
وإن حضر بعضهم ، فحكمه حكم ما إذا غاب البعض خاصّةً.
إذا ثبت هذا ، فإن كان الحاضر واحداً أو قدم بعد غيبة الجميع ، فليس له أخذ حصّته فقط ؛ لما فيه من التبعيض ، والشفعة وُضعت لإزالته ، فلا تكون سبباً فيه. ولما فيه من تضرّر المشتري ، ولا يكلّف الصبر إلى حضور الغُيّاب ؛ لأنّه إضرار به وبالمشتري ، بل يأخذ الجميع ؛ لأنّ الحاضر هو المستحقّ للجميع بطلبه ، والغُيّاب لم يوجد منهم مطالبة بالشفعة ، فحينئذٍ إمّا أن يأخذ الحاضر الجميعَ أو يترك.
ولو كان الحاضر اثنين أو قدم اثنان ، تساويا في أخذ الجميع أو الترك.
الثالث : أن يطلب بعض الشركاء ويعفو بعضهم ، فالطالبون بالخيار بين أخذ الكلّ أو تركه ولو كان الباقي واحداً ؛ لأنّ الشفعة إنّما تثبت بسوء المشاركة ومئونة القسمة ، فإذا أراد أن يأخذ من المشتري بعض الشقص ، لم يزل الضرر الذي لأجله تثبت الشفعة. ولأنّ الشفعة إنّما تثبت لإزالة الضرر عنه ، وفي تبعيض الشقص إضرار بالمشتري ، فلا يزال الضرر بإلحاق ضررٍ.
مسالة ٨٠٠ : ليس للشفيع تشقيص الشفعة ، بل إمّا أن يأخذ بالجميع(١) أو يترك الجميع ، لما في التشقيص من الإضرار بالمشتري.
إذا ثبت هذا ، فلو عفا عن بعض الشفعة ، سقطت شفعته ، كالقصاص ، وهو أحد وجوه الشافعيّة.
والثاني : لا يسقط شيء ، كعفوه عن بعض حدّ القذف.
____________________
(١) في « س ، ي » : « الجميع ».
والثالث : يسقط ما عفا عنه ، ويبقى الباقي(١) .
قال الصيدلاني منهم : موضع هذا الوجه ما إذا رضي المشتري بتبعيض الصفقة ، فإن أبى وقال : خُذ الكلّ أو دَعْه ، فله ذلك(٢) .
وقال الجويني : هذه الأوجُه إذا لم نحكم بأنّ الشفعة على الفور ، فإن حكمنا به ، فطريقان : منهم مَنْ قطع بأنّ العفو عن البعض تأخير لطلب الباقي ، ومنهم مَنْ احتمل ذلك إذا بادر إلى طلب الباقي ، وطرّد الأوجُه(٣) (٤) .
إذا تقرّر هذا ، فنقول : إذا استحقّ اثنان شفعةً فعفا أحدهما عن حقّه ، سقط نصيب العافي ، ويثبت جميع الشفعة للآخَر ، فإن شاء أخذ الجميع ، وإن شاء تركه ، وليس له الاقتصار على قدر حصّته ؛ لئلّا تتبعّض الصفقة على المشتري ، وهو أحد وجوه الشافعيّة.
والثاني : أنّه يسقط حقّهما - وهو اختيار ابن سريج - كالقصاص.
والثالث : لا يسقط حقّ واحد منهما تغليباً للثبوت.
والرابع : يسقط حقّ العافي ، وليس لصاحبه أن يأخذ إلّا قسطه ، وليس للمشتري إلزامه بأخذ الجميع(٥) .
هذا إذا ثبتت الشفعة لعددٍ ابتداءً ، ولو ثبتت لواحدٍ فمات عن اثنين فعفا أحدهما ، فهل له كما لو ثبتت لواحدٍ فعفا عن بعضها ، أم كثبوتها
____________________
(١و٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٤.
(٣) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « الوجه » بدل « الأوجه ». وما أثبتناه من « روضة الطالبين ». وبدلها في « العزيز شرح الوجيز » : « الوجوه ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨١.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٢ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨١.
لاثنين عفا أحدهما؟ للشافعيّة وجهان(١) .
تذنيب : لو كان للشقص شفيعان فمات كلٌّ عن اثنين فعفا أحدهم عن حقّه ، فللشافعيّة وجوه :
أ - أنّه يسقط جميع الشفعة.
ب - يبقى جميع الشفعة للأربعة ؛ لبطلان العفو.
ج - يسقط حقّ العافي وأخيه خاصّةً ؛ لاتّحادهما في سبب الملك ، ويأخذه الآخَران.
د - ينتقل حقّ العافي إلى الثلاثة ، فيأخذون الشقص أثلاثاً.
ه- يستقرّ حقّ العافي للمشتري ، ويأخذ الثلاثة ثلاثةَ أرباع الشقص.
و - نتقل حقّ العافي إلى أخيه فقط(٢) .
وعلى ما اخترناه نحن قبل ذلك فالوجه المعتمد هو الخامس من هذه الوجوه.
مسالة ٨٠١ : لو مات عن اثنين وله دار ، فهي بينهما بالسويّة ، فلو مات أحدهما وورثه ابنان له فباع أحدهما نصيبه فإنّ الشفعة تثبت لأخيه وعمّه - وبه قال الشافعي في الإملاء ، قال : وهو القياس ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد والمزني(٣) - لأنّهما شريكان حال ثبوت الشفعة ، فكانت الشفعة بينهما ، كما لو ملك الثلاثة بسببٍ واحد.
وقال في القديم : أنّ أخاه أحقّ بالشفعة - وبه قال مالك - لأنّ الأخ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٢ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٢ - ٥٣٣ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٤ - ١٨٥.
(٣) المغني ٥ : ٥٢٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٨ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٥٥ ، حلية العلماء ٥ : ٢٩٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦٢ ، الوسيط ٤ : ٩٤ - ٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٣.
أخصّ بشركته من العمّ ؛ لاشتراكهما في سبب الملك ، ولهذا لو قُسّمت الدار ، كانا حزباً والعمّ حزباً آخَر(١) .
ولا معنى(٢) للاختصاص ؛ لأنّ الاعتبار بالشركة لا بسببها. وأمّا القسمة فإنّ القاسم يجعل الدار أربعة أجزاء : اثنان للعمّ ، ولكلّ واحد جزء ، كما يفعل ذلك في الفرائض.
فروع :
أ - لو قلنا : تختصّ بالأخ - كما هو أحد قولي الشافعي - لو عفا عن الشفعة ، ففي ثبوتها للعمّ عند الشافعيّة وجهان :
أحدهما : أنّها لا تثبت ؛ لأنّه لو كان مستحقّاً ، لما تقدّم عليه غيره.
والثاني : تثبت له ؛ لأنّه شريك ، وإنّما يُقدّم الأخ لزيادة قُرْبه ، كما أنّ المرتهن يقدَّم في المرهون على باقي الغرماء ، فلو أسقط حقّه ، أمسكه الباقون(٣) .
ب - هذا الحكم لا يختصّ بالأخ والعمّ ، بل في كلّ صورة مَلَكَ شريكان عقاراً بسببٍ واحد ، وغيرهما من الشركاء بسببٍ آخَر ، فلو اشترى نصف دار واشترى آخَران النَصف الآخَر ثمّ باع أحد الآخَرين نصيبه ، فهل
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٨ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٥٦ ، حلية العلماء ٥ : ٣٠٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦٣ ، الوسيط ٤ : ٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٣ ، المغني ٥ : ٥٢٤.
(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « فلا معنى ». والظاهر ما أثبتناه حيث إنّه ردٌّ على الشافعي في قوله القديم.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٨ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٥٦ ، حلية العلماء ٥ : ٣٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٨ - ٥٢٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٣.
الشفعة للآخَر الذي يشاركه في الشراء خاصّةً ، أو لَه وللأوّل صاحب النصف؟ للشافعي قولان ؛ لاختلاف سبب الملك(١) .
وكذا لو ورث ثلاثة داراً فباع أحدهم نصيبه من اثنين وعفا الآخَر ثمّ باع أحد المشتريين نصيبه ، فهل تثبت الشفعة للمشتري الآخَر أم [ للكلّ ](٢) ؟ على القولين(٣) .
ج - لو مات صاحب عقار وخلّف ابنتين واُختين ، فالمال بأجمعه - عندنا - للبنتين.
وعند العامّة للبنتين الثلثان ، وللأختين الثلث.
فلو باعت إحدى الاُختين نصيبها ، فهل تثبت الشفعة لاُختها أو لها وللبنتين؟ للشافعيّة وجهان :
أحدهما : أنّ ذلك مبنيّ على القولين اللّذين ذكرناهما ؛ لاختلاف سبب الملك.
والثاني : [ أنّهنّ يشتركن ](٤) في الشفعة قولاً واحداً ؛ لأنّ السبب واحد - وهو الميراث - وإن اختلف قدر الاستحقاق(٥) .
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٣.
(٢) في النسخ الخطّيّة والحجريّة بدل « للكلّ » : « لذلك ». والصحيح ما أثبتناه.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٨ - ٣٨٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦٣ ، حلية العلماء ٥ : ٣٠٠.
(٤) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « أنّهم يشتركون ». والصحيح ما أثبتناه.
(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٨٩ ، حلية العلماء ٥ : ٣٠١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٣.
د - لو مات الرجل عن ثلاثة(١) بنين وخلّف داراً ثمّ مات أحدهم وخلّف ابنين فباع أحد العمّين نصيبه ، فهل يكون العمّ الآخَر أحقَّ بالشفعة ، أو يشترك هو وابنا(٢) أخيه؟ للشافعيّة وجهان :
أحدهما : أنّ ذلك على القولين.
والثاني : أنّهم يشتركون(٣) .
والفصل بين هذه وما تقدّم من مسألة الأخ والعمّ : أنّ هنا يقوم أبناء الميّت منهم مقام أبيهم ويخلفونه في الملك ، ولو كان أبوهم باقياً ، شارَك أخاه في الشفعة ، فلهذا شاركوه ، وفي مسألة الأخ والعمّ البائعُ ابن أخيهم ، وهُمْ لا يقومون مقام أخيهم ، وإنّما يقومون مقام أبيهم.
ه- إذا قلنا : إنّ الشفعة للجماعة ، قسّم بينهم إمّا على قدر النصيب أو على عدد الرؤوس.
فإن قلنا : إنّ الشفعة لشريكه في النصيب دون غيره ، فلو عفا عن الشفعة ، فهل تثبت للشريك الآخر؟ للشافعيّة وجهان ، أحدهما : أنّها(٤) تثبت(٥) ؛ لأنّه شريكه ، وإنّما يقدَّم عليه مَنْ كان أخصّ بالبائع ، فإذا عفا ، ثبتت للشريك الآخَر ، كما لو قتل واحد جماعةً واحداً بعد واحد ، ثبت القصاص للأوّل ، فإذا عفا الأوّل ، ثبت القصاص للثاني ، كذا هنا(٦) .
مسالة ٨٠٢ : قد ذكرنا أنّه إذا قدم واحد من الأربعة وتخلّف اثنان وكان
____________________
(١) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « ثلاث » وما أثبتناه هو الصحيح.
(٢) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « ابني ». والصحيح ما أثبتناه.
(٣) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.
(٤) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « أنّه ». وما أثبتناه لأجل السياق.
(٥) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « لا تثبت » بزيادة « لا ». والصحيح ما أثبتناه.
(٦) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.
الرابع قد باع نصيبه أو كان واحد من الثلاثة حاضراً ، فإنّه إمّا أن يأخذ الجميع أو يترك الجميعَ ، وليس له أخذ نصيبه ؛ لما فيه من تضرّر المشتري.
فإن أخذ الجميعَ ثمّ قدم ثانٍ ، أخذ منه النصفَ ؛ لأنّه لا شفيع الآن غيرهما ، ووجدت المطالبة منهما دون الثالث ، فكانت الشفعة بينهما ، فإن قدم الثالث ، أخذ منهما الثلث ليكونوا سواء ، فإن عفا الثاني ، استقرّ على الأوّل ، وإن عفا الثالث ، استقرّ عليهما.
ولو كان للشقص غلّة حصلت في يد الأوّل ، لم يشاركه الثاني فيها ؛ لأنّه مَلَك الجميعَ بالأخذ ، وقد حصل النماء في ملكه ، فكانت كما لو انفصلت في يد المشتري قبل الأخذ بالشفعة.
وكذا إن أخذ الثاني وحصلت الغلّة في يده ، لم يشاركه الثالث فيها.
ولو خرج الشقص مستحقّاً ، قال أكثر الشافعيّة : إنّ العهدة على المشتري يرجع الثلاثة عليه ، ولا يرجع أحدهم على الآخَر ؛ لأنّ الشفعة [ ليست ](١) مستحقّة عليهم(٢) .
وقال بعض الشافعيّة : يرجع الثاني على الأوّل ، والثالث يرجع عليهما ، والأوّل يرجع على المشتري ، لأنّ الثاني أخذ من الأوّل ودفع الثمن إليه(٣) .
وقال بعض الشافعيّة : هذا الخلاف في الرجوع بالمغروم من اجرة ونقص قيمة الشقص ، فأمّا الثمن فكلّ يستردّ ما سلّمه ممّن سلّمه إليه
____________________
(١) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المعنى.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٥.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٥ - ١٨٦.
بلا خلاف(١) . وهو المعتمد.
مسالة ٨٠٣ : لو قال الأوّل : لا آخذ الجميعَ وإنّما أنتظر مجيء الشركاء ليأخذوا أو يعفوا ، فالأقرب : عدم سقوط شفعته بذلك ، لأنّ له غرضاً في الترك ، وهو أن لا يأخذ ما يؤخذ منه ويحتاج إلى ثمن كثير ربما لا يقدر عليه في تلك الحال ، ومع ذلك يؤدّي حاله إلى عدم التمكّن من العمارة على ما يريده ، وربما انتزع منه فيضيع تعبه ، وهو أحد قولي الشافعيّة.
والثاني : أنّه تسقط شفعته ؛ لأنّه يمكنه الأخذ فلم يفعل فبطلت(٢) .
وليس بجيّد ؛ لعدم تمكّنه من أخذ حقٍّ لا ينازعه فيه غيره.
ولو قال الثاني : لا آخذ النصف ، بل الثلث خاصّةً لئلّا يحضر الثالث فيأخذ منّي ، فله ذلك ؛ لأنّه يأخذ دون حقّه ، بخلاف الأوّل ؛ لأنّ أخذه لبعض الشقص تبعيض للشقص على المشتري ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٣) .
ويُشكل بأنّه يريد أن يأخذ بعض ما يخصّه ، وليس لأحد الشفيعين أن يأخذ بعض ما يخصّه. فإن أخذ الثلث إمّا على هذا الوجه أو بالتراضي ، وهو سهمان من ستّة ، ثمّ قدم الثالث ، فله أن يأخذ من الأوّل نصف ما في يده ، فإن أخذه ، فلا كلام. وإن أراد أن يأخذ من الثاني ثلث ما في يده ، فله ذلك ؛ لأنّ حقّه ثابت في كلّ جزء.
ثمّ له أن يقول للأوّل : ضمّ ما معك إلى ما أخذته لنقسمه نصفين ؛
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٦.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٢٦١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٣ ، روضة الطالبين ٤ :١٨٥.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٦.
لأنّا متساويان.
وتصحّ المسألة من ثمانية عشر ؛ لأنّا نحتاج إلى عددٍ لثُلْثه ثُلْث ، وهو تسعة ، مع الثاني - منها - ثلاثة ، ومع الأوّل ستّة ، فيأخذ الثالث من الثاني(١) واحداً ويضمّه إلى ما مع الأوّل وهو ستّة ، فلا تنقسم ، فنضرب(٢) اثنين في تسعة تبلغ ثمانية عشر ، للثاني منها اثنان في اثنين أربعة ، تبقى أربعة عشر ، للأوّل والثالث نصفين ، وهذا المنقسم من ثمانية عشر ربع الدار ، فتكون جملتها اثنين وسبعين - قال بعض الشافعيّة : لمـّا ترك الثاني سدساً للأوّل صار عافياً عن بعض حقّه ، فيبطل جميع حقّه على الأصحّ ، كما سبق ، فينبغي أن يسقط حقّ الثاني كلّه ، ويكون الشقص بين الأوّل والثالث(٣) - فكأنّ الثالث يقول للأوّل : نحن سواء في الاستحقاق ، ولم يترك واحد منّا شيئا من حقّه ، فنجمع ما معنا ونقسمه ، بخلاف الثاني ، لأنّه ترك شيئا من حقّه. ولأنّه لمـّا قدم الثالث فله أن يأخذ من الثاني ثلث ما في يده ، وذلك ثلثا سهم ، ولا يسقط حقّه بما تركه في يد الأوّل ، ثمّ يضمّ ما معه إلى ما في يد الأوّل ، وهو أربعة أسهم ، فيكون أربعة أسهم وثلثي سهم يقتسمانها نصفين ، لأنّه يطالب الأوّل بثلث نصيبه ، وهو سهم من ثلاثة وثلث السهم الذي تركه الثاني ، لأنّه لو أخذه لأخذ ثلثه ، ويبقى ثلثا هذا السهم تركه الثاني ، وسقط حقّه عنه ، فيقتسمانه بينهما ، فيحصل له ذلك من أربع جهات ، فإن قدم الرابع أخذ من الثاني سهما ، وهو ربع ما بيده ، وضمّه إلى ما في يد الأوّل والثالث يصير خمسة عشر يقتسمونه أثلاثا لكلّ واحد
____________________
(١) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « فيأخذ الثاني من الثالث ». والصحيح ما أثبتناه.
(٢) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « نضرب ». والأنسب ما أثبتناه.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٧.
خمسة.
مسالة ٨٠٤ : لو أخذ الأوّل الشقص بالشفعة ثمّ وجد به عيباً فردّه ثمّ قدم الثاني ، كان له أخذ جميع الشقص - وبه قال الشافعي(١) - لأنّ الشفيع فسخ تملّكه ، ورجع إلى المشتري بالسبب الأوّل ، فكان للشفيع الآخَر أن يأخذه ، كما لو عفا.
وقال محمد بن الحسن الشيباني : إنّه لا يأخذ إلّا حصّته ؛ لأنّ الأوّل لم يعف عن الشفعة ، وإنّما ردّ ذلك لأجل العيب ، فلم يتوفّر نصيبه على الآخَر ، كما لو رجع إليه نصيب أحدهما بسببٍ آخَر(٢) .
والفرق بين صورة النزاع وبين عوده بسببٍ آخَر ثابت ؛ لأنّه عاد غير الملك الأوّل الذي تعلّقت به الشفعة.
مسالة ٨٠٥ : لو حضر اثنان وأخذا الشقص واقتسماه ، كان للثالث بعد حضوره نقض القسمة ، والمطالبة بحصّته من الشفعة ، وله أن يأخذ من كلّ واحدٍ منهما ثلث ما في يده ، وتبقى القسمة بحالها إن رضي المتقاسمان بذلك ، وإلّا فلكلٍّ منهما الفسخ ؛ لأنّه إنّما رضي بأخذ الجميع ، والقسمة لم تقع فاسدةً في نفسها ، بل وقعت صحيحةً ، وتعقَّبها البطلان المتجدّد ، فإذا لم يسلم له جميع ما وصل إليه ، كان له الفسخ.
ولو قدم الثالث وأحد الشريكين كان غائباً ، فإن قضى له القاضي على الغائب ، أخذ من الحاضر الثلث ، ومن الغائب الثلث. وإن لم يقض ، أخذ من الحاضر الثلث ؛ لأنّه قدر ما يستحقّه ممّا في يده ، وهو أحد وجهي
____________________
(١) حلية العلماء ٥ : ٢٩٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٦.
(٢) حلية العلماء ٥ : ٢٩٦.
الشافعيّة ، والثاني : النصف ؛ لأنّ أحدهما إذا كان غائباً ، صار كأنّهما الشفيعان ، فيقتسمان بينهما بالسويّة(١) .
إذا ثبت هذا ، فإن حضر الغائب وغاب هذا الحاضر ، فإن كان أخذ من الحاضر ثلث ما في يده ، أخذ من الذي كان غائباً وحضر ثلثَ ما في يده أيضاً(٢) . وإن كان قد أخذ من الحاضر النصفَ ممّا في يده ، أخذ من هذا سدس ما في يده ، فيتمّ بذلك نصيبه ، ويكون ذلك من ثمانية وأربعين ، والمبيع اثنا عشر أخذ ستّةً.
مسالة ٨٠٦ : لو كانت الدار بين ثلاثة فباع اثنان من رجل شقصاً ، فقال الشفيع : أنا آخذ ما باع فلان وأترك ما باع فلان الآخر ، كان له ذلك ؛ لأنّ العقد إذا كان في أحد طرفيه عاقدان كان بمنزلة العقدين ، وبه قال الشافعي(٣) ، خلافاً لأبي حنيفة(٤) ، وقد سلف(٥) .
ولو باع واحد من اثنين ، كان للشفيع أن يأخذ منهما أو من أحدهما ، دون الآخر - وبه قال الشافعي(٦) - لأنّهما مشتريان ، فجاز(٧) للشفيع أخذ نصيب أحدهما.
____________________
(١) حلية العلماء ٥ : ٢٩٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٧.
(٢) كلمة « أيضاً » لم ترد في « س » والطبعة الحجريّة.
(٣) مختصر المزني : ١٢١ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٧.
(٤) الحاوي الكبير ٧ : ٢٨٩ ، المغني ٥ : ٥٣٠.
(٥) راجع ص ٣٧ ، المسألة ٥٦٣.
(٦) مختصر المزني : ١٢١ ، الحاوي الكبير ٧ : ٢٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٧ ، المغني ٥ : ٥٣٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٩٨.
(٧) في الطبعة الحجريّة : « فكان » بدل « فجاز ».
وقال أبو حنيفة : يجوز بعد القبض ، ولا يجوز قبله في إحدى الروايتين ، لأنّه قبل القبض يكون تبعيضاً للصفقة على البائع(١) ؛ بناءً على أصله في أنّه يأخذ المبيع منه.
وهو ممنوع ، على أنّ الباقي يأخذه المشتري والآخَر ، وليس تبعيضاً.
وكذا لو باع اثنان من واحد ، فإنّ للشفيع أن يأخذ الحصّتين أو حصّة أحدهما دون الآخَر ؛ لما تقدّم ، خلافاً لأبي حنيفة ولمالك(٢) .
ولو باع الشريكان من اثنين ، كان ذلك بمنزلة أربعة عقود ، وللشفيع أخذ الكلّ أو ما شاء منهما إمّا ثلاثة أرباعه ، وهو نصيب أحد المشتريين ونصف نصيب الآخَر ، أو يأخذ نصف الجملة إمّا بأن يأخذ نصيب أحدهما أو نصف نصيب كلّ واحد ، أو يأخذ ربع الجملة ، وهو نصف نصيب أحدهما.
مسالة ٨٠٧ : لو باع أحد الشريكين بعض(٣) نصيبه من رجل ثمّ باع منه الباقي ثمّ علم شريكه ، كان له أن يأخذ المبيع أوّلاً خاصّةً ، أو ثانياً خاصّةً ، أو هُما معاً بالشفعة ؛ لأنّ لكلّ واحدٍ من العقدين حكمَ نفسه ، فإن عفا عن الأوّل وأراد أخذ الثاني ، لم يشاركه المشتري بنصيبه الأوّل ؛ لأنّ ملكه على الأوّل لم يستقرّ ؛ لأنّ للشفيع أخذه ، فلا يستحقّ به شفعته ، كما لو ارتهن بعضه واشترى الباقي ، وبه قال الشافعي(٤) .
وقال أبو حنيفة : ليس له أن يأخذ النصيبين معاً ، وإنّما له أن يأخذ
____________________
(١) المغني ٥ : ٥٣٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٦.
(٢) المغني ٥ : ٥٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٦.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « نصف » بدل « بعض ».
(٤) اُنظر : المغني ٥ : ٥٣٣.
الأوّل ونصف الثاني - وبه قال بعض الشافعيّة - لأنّ ملكه ثبت له على الأوّل ، فإذا اشترى الثاني ، كان شريكاً له بالنصف(١) .
مسالة ٨٠٨ : إذا باع أحد الشريكين نصيبه من ثلاثة أنفس صفقةً واحدة ، فإن عفا [ الشريك ](٢) عن أحدهم ، صحّ عفوه ، ولم يجز للمعفوّ عنه مشاركته في الشفعة على الآخَرَيْن ؛ لأنّ ملك المعفوّ عنه لم يسبق ملكهما ، وإنّما ملك الثلاثة دفعة واحدة ، وإنّما يستحقّ الشفعة بملكٍ سابق لملك المشتري.
فإن باع أحد الشريكين نصيبه من ثلاثة في ثلاثة عقود على الترتيب فعفا الشريك عن المشتري الأوّل ، وطلب من الآخرين ، كان للمشتري الأوّل مشاركته في شفعة الآخرَيْن ؛ لأنّ ملكه سابق لشرائهما.
وكذا إن عفا عن الأوّل والثاني ، شاركاه في حقّ الشفعة على الثالث.
ولو عفا عن الثاني خاصّةً ، كان له مشاركته في شفعة الثالث ، دون الأوّل.
ولو عفا عن الثالث خاصّة ، لم يكن له مشاركته في شفعة الأوّلين.
ولو عفا عن الثاني والثالث ، لم يشاركاه في شفعة الأوّل ، لأنّهما حين وجوب الشفعة لم يكن لهما ملك.
مسالة ٨٠٩ : لو وكّل أحد الشركاء الثلاثة ثانيَهم ، فباع الوكيل نصيبه ونصيب مُوكِّله صفقةً واحدة ، كان للثالث الشفعةُ ، وليس للوكيل ولا للموكّل شفعة على الآخَر ؛ لعدم الأولويّة. ولأنّهما بائعان.
وهل للثالث أن يأخذ أحد النصيبين دون الآخَر؟ الأقوى ذلك ؛ لأنّ
____________________
(١) اُنظر : المغني ٥ : ٥٣٣.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
المالك اثنان ، فهو كما لو تولّيا العقد ، وهو أحد قولي الشافعيّة. والثاني : ليس له ؛ لأنّ العاقد واحد في الطرفين اعتباراً بالوكيل(١) .
ولو كانت الدار لاثنين فوكّل أحدهما الآخَر ببيع نصف نصيبه ، وجوّز له أن يبيع نصيب نفسه إن شاء صفقةً واحدة ، فباع كذلك ، وأراد الموكّل أخذ نصيب الوكيل بالشفعة بحقّ النصف الباقي ، فله ذلك ؛ لأنّ الصفقة اشتملت على ما لا شفعة للموكّل فيه - وهو ملكه - وعلى ما فيه شفعة - وهو ملك الوكيل - فأشبه مَنْ باع شقصين من دارين صفقةً واحدة.
فإن كان الشفيع في إحداهما غير الشفيع في الاُخرى ، فلكلٍّ أن يأخذ ما هو شريك فيه ، سواء وافقه الآخَر في الأخذ أو لا. وإن كان شفيعهما واحداً ، جاز له أخذ الجميع ، وأخذ أيّتهما شاء ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٢) .
مسالة ٨١٠ : لو كانت الدار لثلاثة نصفها لواحدٍ ولكلّ واحد من الآخَرَيْن الربع ، فقارض أحد هذين الرجلين الآخَرَ على ألف ، فاشترى العامل منهما نصف نصيب صاحب النصف ، فلا شفعة هنا ؛ لأنّ البائع لا شفعة له فيما باع ، والشريك الآخَر ربّ المال ، والثالث هو العامل ، وربّ المال والعامل بمنزلة الشريكين في المبتاع ، فلا يستحقّ أحدهما على الآخَر شفعة فيما ابتاعه ، وهو أحد وجهي الشافعيّة(٣) .
فإن باع الذي كان صاحب النصف الربعَ الذي بقي له من أجنبيّ ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٨.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٨.
(٣) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٥ ، وروضة الطالبين ٤ : ١٩٢ ، والمغني ٥ : ٤٩٩ ، والشرح الكبير ٥ : ٥٤٧.
فالشقص للشفعة أثلاثاً ، الثلث بالربع الذي لربّ المال ، والثلث بالربع الذي للعامل ، والثلث لمال المضاربة وكان مال القراض بمنزلة شريكٍ آخَر ؛ لأنّ حكمه متميّز عن مال كلّ واحد منهما.
مسالة ٨١١ : لو اشترى بعيراً وشقصاً بعبد وجارية ، وقيمة البعير والشقص مائتان كلّ واحد بمائة ، وكذا قيمة العبد مائة ، وقيمة الجارية مائة ، تثبت الشفعة في الشقص بنصف قيمة العبد والجارية.
فإن تلف البعير قبل القبض ، بطل فيه العقد ، ولا يبطل في الشقص ، وهو أحد قولي الشافعيّة(١) في طريق تفريق الصفقة ، فإن قلنا : يبطل ، بطل الكلّ وسقطت الشفعة. وإن قلنا : يصحّ في الشقص ، صحّ فيه بنصف العبد والجارية ، وأخذه الشفيع بقيمة ذلك.
وإن تلف العبد ، بطل العقد في نصف البعير ونصف الشقص ، وأخذ الشفيع نصف الشقص بنصف قيمة الجارية.
مسالة ٨١٢ : لو كانت الدار بين أربعة بالسويّة فاشترى اثنان منهم من واحد نصيبه وهو الربع ، استحقّ الذي لم يشتر عليهما الشفعة ، واستحقّ كلّ واحد من المشتريين ؛ لأنّه شريك ، فلا يسقط حقّه من الشفعة ، وتبسط الدار ثمانية وأربعين سهماً ، فالربع اثنا عشر ، وفيه أربع صُور :
أ - أن يطالب كلّ واحد بشفعة ، فيقتسمون المبيع أثلاثاً ، فيحصل لكلّ واحد أربعة.
ب - أن يعفو كلّ واحد من الشريكين عن صاحبه ، ويطالب الذي لم يشتر ، فإنّه يأخذ من كلّ واحد منهما نصف ما في يده ؛ لأنّه ممّا اشتراه
____________________
(١) لم نعثر عليه في مظانّه.
كلّ واحد شريكه في الشفعة ؛ إذ لا شفعة فيه إلّا لهما ، فيحصل للّذي لم يشتر نصفُ السهم ستّة ، ولكلّ واحد من المشتريين ثلاثة أسهم.
ج - أن يعفو الذي لم يشتر خاصّة ، فكلّ واحد من المشتريين يأخذ من صاحبه ما في يده ، فيكون ذلك قدر ما اشتراه لكلّ واحد ستّة.
د - أن يعفو الذي لم يشتر عن أحدهما دون الآخَر ، فإنّه يأخذ ممّن لم يعف عنه سهمين ، وتبقى معه أربعة أسهم يأخذ منها المعفوّ عنه سهمين ، ويأخذ الذي لم يعف عنه من المعفوّ عنه ثلاثة أسهم نصف ما في يده ؛ لأنّه لا شفيع في هذا السهم سواهما ، فيحصل مع كلّ واحد منهما خمسة ، ومع العافي سهمان.
البحث الثامن : في الحِيَل المسقطة للشفعة.
مسالة ٨١٣ : يجوز استعمال الحِيَل بالمباح مطلقاً عندنا وعند جماعة من العامّة ، خلافاً لأحمد بن حنبل(١) .
فإذا أراد أن يشتري الشقص ولا تلزمه شفعة ، أمكنه أن يشتريه بثمن مشاهد لا يعلمان قدره ولا قيمته إذا لم يكن من المكيلات والموزونات ، ثمّ يخرجه عن ملكه بتلفٍ أو غيره بحيث لا يتمكّن من العلم به وقت المطالبة بالشفعة ، فإذا طُولب بالشفعة وتعذّر عليه معرفة الثمن ، سقطت الشفعة ، فإن ادّعى الشفيع أنّ الثمن كان معلوماً وذكر قدره فأنكر المشتري ، قُدّم قول المشتري مع اليمين.
ولو كان الثمن مكيلاً أو موزوناً ، فقال المشتري : إنّه كان جزافاً أو كان
____________________
(١) المغني ٥ : ٥١١.
معلوماً وقد نسيته ، لم يُسمع منه في الجزاف عندنا ، وطُولب بجوابٍ صحيح ، فإن أجاب وإلّا جُعل ناكلاً.
ومَنْ قال : إنّه يجوز البيع به هل يكون الجواب به أو بالنسيان صحيحاً؟ الأقرب عندي ذلك - وهو قول أكثر الشافعيّة(١) - لأنّ نسيان المشتري ممكن ، وقد يكون الثمن جزافاً عند مجوّزيه ، فإذا أمكن ، حلف عليه.
وقال بعض الشافعيّة : إنّه لا يكون جواباً صحيحاً ، فيقال له : إمّا أن تجيب بجوابٍ صحيح ، وإلّا جعلناك ناكلاً ، ويحلف الشفيع ، كما لو ادّعى رجل على آخَر ألف درهم دَيْناً ، فقال : لا أعلم قدر دَيْنك ، لم يكن جواباً(٢) .
والفرق : أنّ المدّعي يدّعي عليه قدراً معيّناً ، وهو لا يجيب عنه لا بإقرارٍ ولا بإنكارٍ ، فلهذا جعلناه ناكلاً ، وفي مسألتنا قوله : « إنّ الثمن كان جزافاً ، أو : لا أذكره » إنكار للشفعة ؛ لأنّه إذا كان كذلك ، لا تجب الشفعة.
نعم ، لو قال : لا أدري لك شفعة أم لا ، كان كمسألة الدَّيْن.
ولأنّ الدَّيْن إن لم يعلمه مَنْ هو عليه يجوز أن يعلمه من هو له ، فيجعل القول قوله مع يمينه ، وهنا هذا هو العاقد ، وإذا كان جزافاً أو لا يعلم ، فلا طريق للشفيع إلى معرفته.
مسالة ٨١٤ : لو أتلف المشتري الثمن المعيّن قبل القبض وكان قد قبض الشقص وباعه ، سقطت الشفعة ، وصحّ تصرّف المشتري ، وكان عليه قيمة الشقص للبائع.
____________________
(١و٢) لم نعثر عليه في مظانّه.
ولو أراد المتبايعان التوصّل إلى رغبة الشفيع عن الشفعة ، اشتراه بألف إذا كان يساوي مائةً ثمّ يبيعه بالألف سلعة تساوي مائةً ، فإذا أراد الشفيع أن يأخذه ، وجب عليه دفع الألف. وكذا إذا باعه سلعة تساوي مائةً بألفٍ ثمّ اشترى الشقص المساوي مائةً بألف ، فإذا أراد الشفيع أن يأخذه ، أخذه بالألف.
وهذا يصحّ عندنا مطلقاً.
وعند الشافعي إنّما يصحّ إذا لم يشترط مشتري الشقص على بائعه أخذ السلعة بالثمن في العقد ، فإنّه متى شرط ذلك ، بطل العقد عنده ، ويحصل على المشتري بشراء ما يساوي مائة بألفٍ غررٌ(١) .
مسالة ٨١٥ : لو نُقل الشقص بهبةٍ أو صلح أو بجَعْله مالَ إجارة أو غيرها من العقود المغايرة للبيع ، فلا شفعة عندنا.
ووافقنا الشافعي(٢) في كلّ عقد لا يشتمل على المعاوضة ، وعلى أنّهما إذا اتّفقا على أن يهب أحدهما الشقص للآخَر ويهب الآخَر الثمن ، ويكون هذا الاتّفاق قبل عقد الهبة ويعقدانها مطلقةً ، فلا تجب الشفعة.
ولو اتّفقا على بيع الشقص بألف وهو يساوي مائةً ثمّ يُبرئه من تسعمائة بعد انبرام البيع فتعاقدا على ذلك ، رغب الشفيع عن أخذه ؛ لأنّه لو طلبه لزمه الألف.
مسالة ٨١٦ : ومن الحِيَل أن يبيعه جزءاً من الشقص بثمنه كلّه ، ويهب له الباقي أو يهبه بعض الشقص ، أو يملّكه إيّاه بوجهٍ آخَر غير البيع ، ثمّ
____________________
(١) لم نعثر عليه في مظانّه.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٢٣٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٣.
يبيعه الباقي ، فإنّه لا شفعة عند مَنْ يُبطلها مع الكثرة ، أو يبيعه بثمن حاضر مجهول القدر عند مَنْ يُجّوزه ، ويقبضه البائع ولا يزنه ، بل ينفقه أو يمزجه بمالٍ له مجهول ، فتندفع الشفعة على أصحّ قولي الشافعيّة(١) .
ولو باع بعض الشقص ثمّ باع الباقي ، لم يكن للشفيع أخذ جميع المبيع ثانياً على أحد الوجهين(٢) .
ولو وكّل البائع شريكه بالبيع فباع ، لم يكن له الشفعة على أحد الوجهين(٣) .
مسالة ٨١٧ : لا يكره دفع الشفعة بالحيلة ؛ إذ ليس فيها دفع حقٍّ عن الغير ، فإنّ الشفعة إنّما تثبت بعد البيع مع عدم المعارض ، فإذا لم يوجد بيع أو وُجد مع معارض الشفعة ، فلا شفعة ؛ لعدم الثبوت ، وبه قال أبو يوسف(٤) .
وقال محمد بن الحسن : يكره(٥) .
وللشافعيّة وجهان ، أصحّهما عندهم : الثاني(٦) ، ولا يكره عندهم دفع شفعة الجار بالحيلة قطعاً(٧) .
ولو اشترى عُشْر الدار بتسعة أعشار الثمن ، فلا يرغب الشفيع ؛ لكثرة
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٥.
(٢و٣) الوجهان للشافعيّة أيضاً ، اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٤ ، وروضة الطالبين ٤ : ١٩٥.
(٤و٥) الهداية - للمرغيناني - ٤ : ٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٦.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٦.
(٧) روضة الطالبين ٤ : ١٩٦.
الثمن ، ثمّ يشتري تسعة أعشاره بعُشْر الثمن ، فلا يتمكّن الجار من الشفعة ؛ لأنّ المشتري حالة الشراء شريك في الدار ، والشريك مقدّم على الجار ، أو يخطّ البائع على طرف ملكه خطّاً ممّا يلي دار جاره ، ويبيع ما وراء الخطّ ؛ لأنّ ما بين ملكه وبين المبيع فاصلاً ، ثمّ يهبه الفاصل.
البحث التاسع : في اللواحق.
مسالة ٨١٨ : لو مات المديون وله شقص يستوعبه الدَّيْن فبِيع شقصٌ في شركته ، كان للورثة الشفعةُ ؛ لأنّ الدَّيْن لا يمنع انتقال الملك إلى الورثة على ما يأتي ، وبه قال الشافعي(١) ، خلافاً لأبي حنيفة(٢) وبعض الشافعيّة(٣) .
ولو كان للمديون دار فبِيع بعضها في الدّين ، لم يكن للورثة الشفعة ، لأنّ البيع يقع لهم ، فلا يستحقّون الشفعة على أنفسهم.
ولو كان الوارث شريك الموروث فبيع نصيب الموروث في دينه ، تثبت الشفعة للوارث بنصيبه الذي كان يملكه ؛ لأنّ البيع على الميّت إنّما كان بسبب دينه الذي ثبت عليه في حال الحياة ، فصار البيع كأنّه قد وقع في حال الحياة ، والوارث كان شريكه في حال الحياة ، فتثبت له الشفعة ، ولا يلزم إذا كانت الدار للموروث فبيع بعضها في دَيْنه ؛ لأنّا إذا جعلنا البيع كأنّه وقع في حال الحياة ، لم يكن الوارث شريكه في تلك الحال ، وهو قول بعض الشافعيّة(٤) .
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٤ ، المغني ٥ : ٥٣٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٥١٧.
(٢) المغني ٥ : ٥٣٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٥١٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٤.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٧ - ٥٤٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٥.
وقال أكثرهم : لا شفعة ؛ لأنّ الدَّيْن لا يمنع انتقال الملك إلى الوارث ، فإذا بِيع فقد بِيع ملك الوارث عليه ، فلا يستحقّ الشفعة ، كما لو كان له على رجل دَيْنٌ وهو غائب فباع بعض داره ثمّ قدم ، لم تثبت له الشفعة ، كذا هنا(١) .
وما ذكره أوّلاً بعضهم فليس بشيء ؛ لأنّه إنّما يلحق بحال الحياة إذا وجد سببه في حال الحياة وما لا يمكن(٢) ابتداؤه بعد الوفاة ، ولو كان كذلك ، لم يكن للوارث أن يقضي الدَّيْن من عنده ، ويمنع(٣) من البيع.
وهذا عندي هو المعتمد.
لا يقال : هذا الدَّيْن وجب على الميّت ، فلا يجوز أن يباع غيره فيه ، وإنّما يُجعل كأنّه بِيع عليه.
لأنّا نقول : مَنْ يقول : إنّ الملك ينتقل إلى الوارث قد لزمه ما اُلزم ؛ لأنّه يبطل ملك الوارث لأجل دَيْن الميّت ، على(٤) أنّ ذلك لا يمنع(٥) ؛ لأنّ هذا الدَّيْن يتعلّق(٦) بهذه العين ؛ لأنّها مُلكت من جهة السبب ، ألا ترى أنّ العبد إذا جنى ، تعلّقت الجناية برقبته ، وهي ملك لمولاه ، ويُباع فيها وإن لم يكن الدَّيْن على مولاه.
مسالة ٨١٩ : لو كان لأحد الثلاثة نصف الدار ولكلٍّ من الآخَرَيْن ربع ، فاشترى صاحب النصف من أحد شريكيه ربعه ، والآخَر غائب ، ثمّ باع
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٥.
(٢) كذا ، والظاهر : « وما لم يكن ».
(٣) في الطبعة الحجريّة : « ويمتنع ».
(٤) في « ي » والطبعة الحجريّة : « وعلى ».
(٥) في « س ، ي » : « لا يمتنع ».
(٦) في « ي » : « تعلّق ».
صاحب ثلاثة الأرباع ربعاً منها لرجل ، ثمّ قدم الشريك الغائب ، كان له أخذ ما يخصّه من المبيع الأوّل بالشفعة ، وهو ثُمْنٌ ، ويأخذ المبيع الثاني بأجمعه ؛ إذ لا شفيع غيره.
فإن أراد العفو عن الثاني والأخذ من الأوّل ، أخذ من المشتري الثاني سهماً من ستّة ، ومن الأوّل سهمين من ستّة ؛ لأنّا نفرض الدار أربعة وعشرين سهماً ؛ إذ لا تخرج صحيحةً من أقلّ.
وإنّما قلنا ذلك ؛ لأنّ صاحب النصف اشترى الربع ، فكان بينه وبين الغائب نصفين إن قلنا : إنّ للمشتري شفعةً وإنّ الشفعة على عدد الرؤوس فإذا باع الربع ممّا في يده وفي يده ثلاثة أرباع ، فقد باع ثلث ما في يده ، وهو ستّة ، وبقي في يده اثنا عشر ، وللغائب شفعة ثلاثة أسهم ، فإذا قدم ، أخذ من المشتري ثلث ما استحقّه ، وهو سهم واحد ، لأنّه حصل له ثلث ما كان في يد بائعه ، وأخذ من الأوّل سهمين.
وإن جعلنا الشفعة على قدر النصيب ، فالذي يستحقّ الغائب سهمان من الستّة ، لأنّ ملكه مثل نصف ملك المشتري حصل له في المبيع ثلثا سهم ، ويأخذ من المشتري الأوّل سهماً وثُلثاً ومن الثاني ثلثي سهم.
هذا إذا عفا عن الثاني ، وإن عفا عن الأوّل وأخذ من الثاني ، أخذ من المشتري ما اشتراه ، وهو ستّة أسهم ، لأنّ شريكه بائع ، فلا شفعة له.
وإن أراد أن يأخذ الشفعة بالعقدين ، أخذ ما في يد الثاني ، وأخذ من الأوّل سهمين إن جعلنا الشفعة على عدد الرؤوس ، وإن قلنا : على قدر النصيب ، يأخذ سهماً وثُلثاً.
مسالة ٨٢٠ : لو بِيع شقص وله شفيعان فعفا أحدهما ومات الآخَر وكان وارثه هو العافي ، كان له أن يأخذ الشقص بما ورثه من الشفعة ،
ولا يبطلها العفو السابق ؛ لأنّ العفو وقع عمّا يملكه بالأصالة لا بالميراث.
وكذا لو قذف رجل أباهما وهو ميّت فعفا أحدهما ، كان للآخَر استيفاء الحدّ كملاً ، فإن مات وكان العافي وارثَه ، كان له استيفاؤه بالنيابة عن مورّثه.
مسالة ٨٢١ : قد سلف(١) أنّ الإقالة لا توجب الشفعة ، خلافاً لأبي حنيفة(٢) . وكذا الردّ بالعيب وإن كان على سبيل التراضي ، وبه قال الشافعي(٣) .
وقال أبو حنيفة : تثبت الشفعة إن وقع الردّ بالتراضي ، لأنّه نقل الملك بالتراضي ، فأشبه البيع(٤) .
وهو خطأ ، لأنّه فسخ ، وليس بمعاوضة ، ولهذا يعتبر فيه العوض الأوّل ، فلم تثبت فيه الشفعة ، كالفسخ بالخيار.
ولو لم يقايله(٥) ، بل باعه المشتري من البائع بذلك الثمن أو غيره ، كان للشفيع الشفعة ، لأنّه عفا عمّا استحقّه بالعقد الأوّل ، وهذا عقد يستحقّ به الشفعة ، فوجبت له.
تذنيب : إذا كان الثمن معيّناً فتلف قبل القبض ، بطل البيع والشفعة ؛ لأنّه تعذّر التسليم ، فتعذّر إمضاء العقد ، بخلاف الإقالة والردّ بالعيب.
____________________
(١) في ص ٢٣٠ ، المسألة ٧٢٧.
(٢) حلية العلماء ٥ : ٢٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٨ ، المغني ٥ : ٤٧٠ ، الشرح الكبير ٥ : ٤٦٥.
(٣) حلية العلماء ٥ : ٢٩٥ ، الوسيط ٤ : ٧٤ ، الوجيز ١ : ٢١٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٦٣.
(٤) حلية العلماء ٥ : ٢٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٤٩٨.
(٥) في « ي » : « ولم يقابل ». وفي الطبعة الحجريّة : « ولم يقابله » بالباء. وفي « س » : « ولم يقايله » بالياء. والصحيح ما أثبتناه.
ولو ظهر الثمن المعيّن مستحقّاً ، بطل البيع أيضاً والشفعة.
ولو كان المشتري قد باع الشقص قبل التلف ، صحّ بيعه ، وللشفيع أخذه بالشفعة ، وبطل البيع الأوّل.
أمّا لو باعه ثمّ ظهر استحقاق الثمن المعيّن ، بطل الثاني أيضاً ، ولا شفعة ؛ لأنّ المقتضي لبطلان البيع الاستحقاقُ لا ظهورُه.
آخَر : لو وجبت الشفعة وقضى له القاضي بها والشقص في يد البائع ودفع الثمن إلى المشتري فقال البائع للشفيع : أقلني ، فأقاله ، لم تصحّ الإقالة ؛ لأنّها إنّما تصحّ بين المتبايعين ، وليس للشفيع ملكٌ من جهة البائع ، فإن باعه منه ، كان حكمه حكم بيع ما لم يقبض.
مسالة ٨٢٢ : لو كان أحد الشريكين في الدار غائباً وله وكيل فيها ، فقال الوكيل : قد اشتريته منه ، لم يكن للحاضر أخذه بالشفعة ؛ لأنّ إقرار الوكيل لا يقبل في حقّ موكّله. ولأنّه لو ثبتت الشفعة للحاضر بمجرّد دعوى الوكيل ، لثبت للوكيل جميع توابع الملك ، فكان لو مات(١) الموكّل ، لم يفتقر الوكيل في دعوى الشراء منه إلى بيّنة ، بل يكتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي فيه الموكّل ، ويسأله عن ذلك ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني : أنّ الحاضر يأخذه بالشفعة - وبه قال أبو حنيفة وأصحابه - لأنّه أقرّ بحقٍّ له فيما في يده(٢) .
ويذكر الحاكم ذلك في السجلّ ، فإن قدم الغائب وصدّقه ، فلا كلام.
وإن أنكر البيع فإن أقام مدّعيه البيّنةَ ، بطل إنكاره ، وإن لم يُقم بيّنةً ، حلف المنكر ، ثمّ يردّ النصف عليه واُجرة مثله وأرش نقصه إن كان ، وله أن
____________________
(١) كذا ، والظاهر : « فكان كما لو مات ».
(٢) المغني ٥ : ٥١٨ ، الشرح الكبير ٥ : ٥٣٠ - ٥٣١.
يرجع بذلك على مَنْ شاء ، فإن رجع على الوكيل ، رجع به على الشفيع ، وإن رجع على الشفيع ، لم يرجع به على الوكيل ؛ لأنّ التلف حصل في يده.
وفي وجهٍ للشافعيّة : أنّه يرجع عليه ؛ لأنّه غرَّه(١) .
مسالة ٨٢٣ : لو حكم حاكمُ شرعٍ باعتقاده أنّ الشفعة تثبت مع الكثرة ، لم يعترض عليه مَنْ لا يعتقد ذلك من الحُكّام.
وكذا عند الشافعي إذا قضى الحنفي بشفعة الجوار ، لم يعترض عليه في الظاهر ، وفي الحكم باطناً عندهم خلاف(٢) .
أمّا نحن فإن كان الآخذ مقلّداً وقلّد مَنْ يجب تقليده ، كان مباحاً له في الباطن. وإن كان مجتهداً ، لم يجز له أن يأخذ على خلاف مذهبه.
مسالة ٨٢٤ : لو اشترى الشقص بكفٍّ من الدراهم لا يعلم(٣) وزنها ، أو بصُبرة حنطة لا يعلم كيلها ، فعندنا يبطل البيع.
وعند مَنْ جوَّزه تُكال أو تُوزن ليأخذ الشفيع بذلك القدر(٤) .
فإن كان غائباً فتبرّع البائع بإحضاره أو أخبر عنه واعتُمد قوله ، فذاك ، وإلّا فليس للشفيع أن يكلّفه الإحضار والإخبار عنه.
ولو هلك وتعذّر الوقوف عليه ، تعذّر الأخذ بالشفعة.
وهذا يتأتّى مثله عندنا ، وهو أن يبيع بما لا مِثْل له ثمّ يتلف قبل العلم بقيمته.
ولو أنكر الشفيع الجهالة ، فإن عيّن قدراً وقال للمشتري : قد اشتريتَه
____________________
(١و٢) لم نعثر عليه في مظانّه.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « لم يعلم ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٥.
بكذا ، وقال المشتري : لم يكن قدره معلوماً ، فأصحّ القولين عند الشافعيّة : أنّه يقنع منه بذلك ، ويحلف عليه(١) ، وهو المعتمد عندي في عدم العلم بالقيمة.
وقال ابن سريج : لا يُقبل منه ذلك ، ولا يحلف ، بل إن أصرّ على ذلك ، جُعل ناكلاً ، ورُدّت اليمين على الشفيع(٢) .
وكذا الخلاف لو قال : نسيت(٣) (٤) .
وإن لم يعيّن الشفيع قدراً لكن ادّعى على المشتري أنّه يعلمه وطالَبه بالبيان ، فللشافعيّة وجهان أصحّهما عندهم : لا تُسمع دعواه حتى يعيّن قدراً ، فيحلف المشتري حينئذٍ أنّه لا يعرف. والثاني : تُسمع ، ويحلف المشتري على ما يقوله ، فإن نكل ، حلف الشفيع على علم المشتري ، وحُبس المشتري حتى يُبيّن قدره.
فعلى الأوّل طريق الشفيع أن يعيّن قدراً ، فإن وافقه المشتري ، فذاك ، وإلّا حلّفه على نفيه ، فإن نكل ، استدلّ الشفيع بنكوله ، وحلف على ما عيّنه ، وإن حلف المشتري ، زاد وادّعى ثانياً ، وهكذا يفعل إلى أن ينكل المشتري ، فيستدلّ الشفيع بنكوله ويحلف ، وهذا(٥) لأنّ اليمين عندهم قد تستند إلى التخمين.
قالوا : ولهذا له أن يحلف على خطّ أبيه إذا سكنت نفسه إليه(٦) .
وهذا باطل ، وأنّ اليمين لا تصحّ إلّا مع العلم والقطع دون الظنّ
____________________
(١و٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٥.
(٣) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « انسيت ». وما أثبتناه كما في المصدر.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٥.
(٥) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « وهكذا » بدل « وهذا ». وما أثبتناه كما في المصدر.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٦ - ٥١٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٥.
والتخمين.
مسالة ٨٢٥ : لو خرج بعض الثمن مستحقّاً ، بطل البيع في ذلك القدر ، وتخيّر المشتري في الفسخ والإمضاء ، وهو أحد قولي الشافعي في تفريق الصفقة(١) .
فإن اختار الإمضاء ، فللشفيع الأخذ. وإن اختار الفسخ وأراد الشفيع أخذه ، فالأقوى تقديمه ، ويأخذ بالشفعة ، ويبطل فسخ المشتري ؛ لسبق حقّ الشفيع.
ولو ظهر استحقاق ما دفعه الشفيع ، لم تبطل شفعته ، سواء كان عالماً بالاستحقاق أو جاهلاً.
وللشافعيّة وجهان(٢) .
ولو قال الشفيع : تملّكت بهذه الدراهم ، لم تسقط شفعته مع استحقاقها أيضاً ؛ لعدم تعيّنها بالعقد.
وللشافعيّة قولان(٣) .
ثمّ إذا قال : تملّكت بهذه الدراهم ، حالة العلم بالاستحقاق أو الجهل ، فلا يبطل حقّه ، كما قلناه ، ويتبيّن أنه ملك بالقول لا بالدفع.
ولا يفتقر إلى تملّكٍ جديد ، وهو أحد قولي الشافعيّة.
والثاني : أنّه يفتقر إلى تجديد قوله : تملّكت(٤) .
ولو خرج الذهب نحاساً ، فكالمستحقّ.
ولو خرج الثمن معيباً ، فإن رضي البائع ، لم يلزم المشتري الرضا
____________________
(١و٢) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥١٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٧٦.
(٣و٤) روضة الطالبين ٤ : ١٧٦.
بمثله ، بل يأخذ من الشفيع ما وقع عليه العقد.
مسالة ٨٢٦ : قد بيّنّا أنّ الشفعة موروثة ، ويشترك الورثة فيها كما في الميراث ، وهو أحد قولي الشافعي على ما تقدّم(١) . وفي الثاني : على عدد الرؤوس(٢) .
فلو مات الشفيع عن ابن وزوجة ، فللزوجة ثُمْن الشفعة ، والباقي للابن ، وهو أصحّ طُرق الشافعيّة.
والطريق الثاني : القطع بالتسوية هنا.
والثالث : على القولين(٣) .
مسالة ٨٢٧ : لو كان بين اثنين دار بالسويّة باع أحدهما نصف نصيبه لزيدٍ ثمّ باع النصفَ الآخَر لعمرو ، فالشفعة في النصف الأوّل تختصّ بالشريك الأوّل ، ثمّ قد يعفو عنه وقد يأخذ.
وفي النصف الثاني للشافعيّة وجوه :
أحدها : أن يختصّ به الأوّل.
والثاني : يشترك فيه الأوّل والمشتري الأوّل.
وأصحّها عندهم : إن عفا الشريك الأوّل عن النصف الأوّل ، اشتركا ، وإلّا اختصّ به الشريك الأوّل(٤) .
مسالة ٨٢٨ : لو كانت الدار لأربعة فباع أحدهم نصيبه والثلاثة غُيّاب ، فقدم أحدهم وأخذ كلّ الشقص ثمّ نصب الحاكم مَنْ يقسّم على الغُيّاب ،
____________________
(١) في ص ٢٨٥ ، ضمن المسألة ٧٥٨.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٢٥٩ ، حلية العلماء ٥ : ٣١٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦١ - ٣٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٢.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٢٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٣.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٠ - ٥٣١ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٣ - ١٨٤.
فاقتسما ، وبنى الحاضر فيما أصابه أو غرس ثمّ قدم الغائبان ، فهل لهما القلع مجّاناً؟ فيه احتمال.
وللشافعي وجهان :
أصحّهما عندهم : أنّه ليس لهما ذلك ، كما أنّ الشفيع لا يقلع بناء المشتري وغراسه مجّاناً.
والثاني : نعم ؛ لأنّهما يستحقّان كاستحقاق الأوّل ، فليس له التصرّف حتى يظهر حالهما ، بخلاف الشفيع مع المشتري(١) .
ولو حضر اثنان فأخذا الشقص واقتسما مع القيّم في مال الغائب ثمّ قدم(٢) ، فله الأخذ ، وإبطال القسمة ، فإن عفا ، استمرّت القسمة.
ولو أخذ اثنان فحضر الثالث فأراد أخذ ثلث ما في يد أحدهما ، ولا يأخذ من الثاني شيئاً ، فله ذلك ، كما للشفيع أن يأخذ نصيب أحد المشتريين دون الآخَر.
مسالة ٨٢٩ : لو وهب شقصاً لعبده ، لم يصح على ما اخترناه نحن ، وعند الشيخ أنّه يملك ما يملّكه مولاه(٣) .
وللشافعي(٤) كالقولين.
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٣٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٨٦.
(٢) أي : قدم الغائب.
(٣) في النهاية : ٥٤٣ ، والخلاف ٣ : ١٢١ ، ال يملك العبد التصرّف في المال ولا يملكه.
(٤) الحاوي الكبير ٥ : ٢٦٥ - ٢٦٦ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٦٧ ، حلية العلماء ٥ : ٣٦٠ ، الوسيط ٣ : ٢٠٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٣ ، المغني ٤ : ٢٧٧.
فعلى تقدير أن يملك لو باع شريك العبد حصّته ، كان للعبد الأخذُ بالشفعة.
والأولى افتقاره إلى إذن السيّد ؛ لأنّه محجور عليه.
وللشافعيّة وجهان(١) .
مسالة ٨٣٠ : لو كان بينهما دار فمات أحدهما عن حمل فباع الآخَر نصيبه ، فهل للحمل شفعة؟ الأقرب : ذلك ، كما أنّه يعزل له الميراث.
إذا ثبت هذا ، فإن خرج ميّتا ، سقطت الشفعة. وإن خرج حيّاً ومات ، ثبتت لوارثه الشفعة.
فإن كان للميّت وصيّ ، فهل له أخذها حالة الحمل؟ الأقرب : المنع ؛ لعدم تيقّن حياته ، ولا ظنّ للحياة ، لعدم الاستناد إلى الاستصحاب ، بخلاف الغائب ، فإن خرج حيّاً ، كان له الأخذُ ، فإن ترك ، كان للحمل مع بلوغه ورشده الأخذ.
ويحتمل العدم ؛ لأنّ الحمل لا يملك بالابتداء إلّا الوصيّة.
وقال الشافعي : لا تثبت للحمل شفعة ، لعدم تيقّن الحياة ، فإن كان هناك وارث غير الحمل ، فله الشفعة. وإن انفصل حيّا ، فليس لوليّه أن يأخذ شيئا من الوارث(٢) . وهو ممنوع.
ولو ورث الحمل شفعة عن مورّثه ، فللأب أو الجدّ الأخذ قبل الانفصال ، وهو أحد وجهي الشافعيّة(٣) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٥ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٢.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٤.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٤.
وقال ابن سريج : ليس لهما الأخذُ ؛ لأنّه لا يتيقّن وجوده(١) .
مسالة ٨٣١ : قد بيّنّا أنّ الأقرب ثبوت الشفعة في بيع الخيار ، ولا يسقط الخيار عمّن له الخيار ، سواء اشترك الخيار أو اختصّ بأحدهما ، ولا يسقط خيار البائع. وكذا لو باع الشريك ، ثبت للمشتري الأوّل الشفعة.
وإن كان لبائعه خيار الفسخ فإن فسخ بعد الأخذ ، فالمشفوع للمشتري. وإن فسخ قبله ، فلا حقّ للبائع ، وفي المشتري إشكال.
مسالة ٨٣٢ : لو باع المكاتب شقصاً بمال الكتابة ثمّ فسخ السيّد الكتابة لعجزه ، لم تسقط الشفعة ؛ لأنّها ثبتت أوّلاً ، فلا تبطل بالفسخ المتجدّد.
ولو عفا وليّ الطفل عن أخذ الشفعة له وكانت الغبطة في الأخذ ، لم يصح العفو.
والأقرب : أنّ للوليّ الأخذ بعد ذلك ؛ لبطلان العفو ، ولا عبرة بالتأخير هنا ، لأنّ التأخير حصل في حقّ الطفل لعذر ، وهو عفو الوليّ وتقصيره.
ويحتمل أن لا يكون للوليّ المطالبةُ ؛ لأنّه عفا ؛ فلو أثبتنا له الطلب ، لأدّى إلى التراخي ، بخلاف الصبي عند بلوغه ؛ لتجدّد الحقّ له حينئذٍ.
ولو ترك لإعسار الصبي ، لم يكن له الأخذ بعد يساره ، ولا للصبي ، والمغمى عليه كالغائب.
وكذا السكران وإن كان عذره محرّما.
وليس لغرماء المفلس الأخذُ بالشفعة بدله ، ولا لهم إجباره على الأخذ ولا مَنعْه منه وإن لم يكن له فيها حظٌّ.
نعم ، لهم منعه من دفع المال ثمناً فيها. فإن رضي الغرماء بالدفع أو
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧١ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٥٤٧ ، روضة الطالبين ٤ :١٩٤.
المشتري بالصبر ، تعلّق حقّ الغرماء بالمشفوع ، وإلّا كان للمشتري الانتزاع.
مسالة ٨٣٣ : لو كان لأحد الثلاثة النصفُ وللآخَر الثلثُ وللثالث السدسُ ، فباع أحدهم وأثبتنا الشفعة مع الكثرة ، فانظر مخرج السهام ، فخُذْ منها سهام الشفعاء ، فإذا علمت العدّة قسّمت المشفوع عليها ، ويصير العقار بين الشفعاء على تلك العدّة.
فلو كان البائع صاحبَ النصف ، فسهام الشفعاء ثلاثة : اثنان لصاحب الثلث ، وللآخر سهم ، فالشفعة على ثلاثة ، ويصير العقار كذلك.
ولو كان صاحبَ الثلث ، فالشفعة أرباعاً : لصاحب النصف ثلاثة أرباع ، وللآخَر ربع.
ولو كان صاحبَ السدس ، فهي بين الآخَرَيْن أخماساً : لصاحب النصف ثلاثة ، وللآخَر سهمان إن قلنا بثبوتها على قدر النصيب ، وإلّا تساووا.
ولو وهب بعض الشركاء نصيبه من الشفعة لبعض الشركاء أو غيره ، لم يصح.
مسالة ٨٣٤ : لو باع شقصاً من ثلاثة دفعةً ، فلا شفعة لأحدهم.
ولو رتّب ، فإن أخذ من اللاحق وعفا عن السابق ، شاركه السابق.
ويحتمل عدمه ؛ لأنّ ملكه حال شراء الثاني يستحقّ أخذه بالشفعة ، فلا يكون سبباً في استحقاقها.
ولو أخذ من الجميع ، لم يشاركه أحد.
ويحتمل مشاركة الأوّل الشفيع في شفعة الثاني ، ومشاركة الشفيع الأوّل والثاني في شفعة الثالث ؛ لأنّه كان ملكاً صحيحاً حال شراء الثاني ، ولهذا يستحقّ لو عفا عنه ، فكذا إذا لم يعف ؛ لأنّه إنّما يستحقّ الشفعة
بالملك لا بالعفو ، كما لو باع الشفيع قبل علمه ، فحينئذ للشفيع سدس الأوّل ، وثلاثة أرباع سدس الثاني ، وثلاثة أخماس الثالث ، وللأوّل ربع سدس الثاني ، وخمس الثالث ، وللثاني خمس الثالث ، فيصحّ من مائة وعشرين : للشفيع مائة وسبعة ، وللأوّل تسعة ، وللثاني أربعة.
وعلى الآخر للأوّل نصف سدس الثاني وثلث الثالث ، وللثاني ثلث الثالث ، فيصحّ من ستّة وثلاثين : للشفيع تسعة وعشرون ، وللأوّل خمسة ، وللثاني اثنان.
مسالة ٨٣٥ : لو باع أحد الأربعة وعفا آخر ، فللآخرين أخذ المبيع.
ولو باع ثلاثة في عقود ثلاثة ولم يعلم الرابع ولا بعضهم ببعض ، فللرابع الشفعة على الجميع.
وفي استحقاق الثاني والثالث فيما باعه الأوّل واستحقاق الثالث فيما باعه الثاني وجهان.
وفي استحقاق مشتري الربع الأوّل فيما باعه الثاني والثالث ، واستحقاق الثاني شفعة الثالث ثلاثة أوجه : الاستحقاق ، لأنّهما مالكان حال البيع. وعدمه ، لتزلزل الملك. وثبوته للمعفوّ عنه خاصّة.
فإن أوجبناه للجميع ، فللّذي لم يبع ثلث كلّ ربع ، لأنّ له شريكين ، فصار له الربع مضموما إلى ملكه ، فكمل له النصف ، وللبائع الثالث والمشتري الأوّل الثلث لكلّ منهما سدس ، لأنّه شريك في شفعة مبيعين ، وللبائع الثاني والمشتري الثاني السدس لكلّ منهما نصفه ، لأنّه شريك في شفعة بيع واحد ، ويصحّ من اثني عشر.
مسالة ٨٣٦ : لو وهب المشتري الشقص - الذي اشتراه - لآخر ، كان للشفيع فسخ الهبة ، وأخذ الشقص بالشفعة ، ويكون الثمن للواهب ، وقد
تقدّم(١) .
هذا إذا لم تكن الهبة لازمةً ، وأمّا إن كانت لازمةً بأن يعوّض عنها أو كانت لذي الرحم ، فالأقرب : أنّ الثمن للمتّهب ، فإن قلنا بأنّه للواهب ، رجع المتّهب بما دفعه عوضاً ، وإلّا تخيّر بينه وبين الثمن.
ولو تقايلا أو ردّه المشتري ، فللشفيع فسخ الإقالة والردّ ، والدرك باق على المشتري.
ولو تحالفا عند اختلافهما في الثمن ، أخذه الشفيع بما حلف عليه البائع ؛ لأنّه يأخذه منه في هذه الصورة ، والدرك على البائع حينئذٍ ؛ لفسخ العقد بالتحالف ، وليس للشفيع فسخ البيع والأخذ من البائع.
ولو غرس المشتري أو بنى ، فللمشتري قلع غرسه وبنائه ، ولا يضمن النقص الداخل على الأرض بالغرس والبناء ؛ لأنّه لم يصادف ملك الشفيع ، ويأخذ الشفيع بكلّ الثمن أو يترك.
ولو امتنع المشتري من القلع ، تخيّر الشفيع بين قلعه مع دفع الأرش - ومع عدمه نظر - وبين النزول عن الشفعة.
فإن اتّفقا على بذل القيمة أوجبنا قبولها على المشتري مع اختيار الشفيع ، لم يقوَّم مستحقّاً للبقاء في الأرض ، ولا مقلوعاً ؛ لأنّه إنّما يملك قلعه مع الأرش ، بل إمّا أن تقوَّم الأرض وفيها الغرس ثمّ تقوّم خالية ، فالتفاوت قيمة الغرس ، فيدفعه الشفيع ، أو ما نقص منه إن اختار القلع ، أو يقوَّم الغرس مستحقاً للترك بالاُجرة أو لأخذه بالقيمة إذا امتنعا من قلعه.
ولو اختلف الوقت فاختار الشفيع قلعه في وقتٍ أسبق تقصر قيمته
____________________
(١) في ص ٢٧٢ ، المسألة ٧٥١.
عن قلعه في آخَر ، فله ذلك.
ولو غرس المشتري أو بنى مع الشفيع أو وكيله في المشاع ثمّ أخذه الشفيع ، فالحكم كذلك.
مسالة ٨٣٧ : لو ردّ البائع الثمن بالعيب ، لم يمنع الشفيع ، لسبق حقّه ، ويأخذه بقيمة الثمن ، وللبائع قيمة الشقص وإن زادت عن قيمة الثمن ، ولا يرجع المشتري بالزيادة.
ويُحتمل تقديم حقّ البائع ؛ لأنّ حقّه استند إلى وجود العيب الثابت حالة التبايع ، والشفعة تثبت بعده ، بخلاف المشتري لو وجد المبيع معيباً ؛ لأنّ حقّه استرجاع الثمن وقد حصل من الشفيع ، فلا فائدة في الردّ.
أمّا لو لم يردّ البائع الثمن حتى أخذ الشفيع ، فإنّ له ردَّ الثمن ، وليس له استرجاع المبيع ؛ لأنّ الشفيع ملكه بالأخذ ، فلا يملك البائع إبطال ملكه ، كما لو باعه المشتري لأجنبيّ.
ولو باع الشفيع نصيبه بعد العلم بالشفعة ، بطلت ، وللمشتري الأوّل الشفعة على الثاني.
ولو باع بعض نصيبه وقلنا بثبوتها مع الكثرة ، احتُمل السقوطُ ؛ لسقوط ما يوجب الشفعة. والثبوت ، لبقاء ما يوجب الجميع ابتداءً ، فله أخذ الشقص من المشتري الأوّل.
وهل للمشتري الأوّل شفعة على الثاني؟ إشكال ينشأ : من ثبوت السبب ، وهو الملك ، ومن تزلزله ؛ لأنّه يؤخذ بالشفعة.
مسالة ٨٣٨ : لو وصّى لإنسان بشقص ، فباع الشريك بعد الموت وقبل القبول ، استحقّ الشفعةَ الوارثُ.
ويُحتمل الموصى له إن قلنا : إنّه يملك بالموت خاصّةً ، فإذا قَبِل
الوصيّة ، استحقّ المطالبة ، لأنّا تبيّنّا أنّ الملك كان له ، ولا يستحقّ المطالبة قبل القبول ، ولا الوارث ؛ لأنّا لا نعلم أنّ الملك له قبل الردّ.
ويُحتمل مطالبة الوارث ؛ لأنّ الأصل عدم القبول ، وبقاء الحقّ ، فإذا طالَب الوارث ثمّ قَبِل الموصى له ، افتقر إلى الطلب ثانياً ؛ لظهور عدم استحقاق الطلب.
ويُحتمل أنّ المشفوع للوارث ؛ لأنّ الموصى به إنّما انتقل إلى الموصى له بعد أخذ الشفعة.
ولو لم يطالب الوارث حتى قَبِل الموصى لله ، فلا شفعة للموصى له ؛ لتأخّر ملكه عن البيع.
وفي الوارث وجهان مبنيّان على مَنْ باع قبل علمه ببيع شريكه.
مسالة ٨٣٩ : لو باع أحد الثلاثة حصّته من شريكه ثمّ باع المشتري على أجنبي ولم يعلم الثالث بالبيعين ، فإن أخذ بالثاني ، أخذ جميع ما في يد مشتريه ؛ إذ لا شريك له في الشفعة.
وإن أخذ بالأوّل ، أخذ نصف المبيع ، وهو السدس ، لأنّ المشتري شريكه ، ويأخذ نصفه من المشتري الأوّل ونصفه من الثاني ؛ لأنّ شريكه لمـّا اشترى الثلث كان بينهما.
فإذا باع الثلث من جميع ما في يده وفي يده ثلثان ، فقد باع نصف ما في يده ، والشفيع يستحقّ ربع ما في يده ، وهو السدس ، فصار منقسماً في أيديهما نصفين ، فيأخذ من كلّ واحد منهما نصفه ، وهو نصف السدس ، ويرجع المشتري الثاني على الأوّل بربع الثمن ، وتكون المسألة من اثني عشر ، ثمّ ترجع إلى أربعة : للشفيع النصفُ ، ولكلّ واحد الربعُ.
وإن أخذ بالعقدين ، أخذ جميع ما في يد الثاني وربع ما في يد الأوّل ، فله ثلاثة أرباعه ، ولشريكه الربع ، ويدفع إلى الأوّل نصف الثمن الأوّل ، وإلى الثاني ثلاثة أرباع الثمن الثاني ، ويرجع الثاني على الأوّل بربع الثمن الثاني ؛ لأنّه يأخذ نصف ما اشتراه الأوّل ، وهو السدس ، فيدفع إليه نصف الثمن كذلك ، وقد صار نصف هذا النصف في يد الثاني ، وهو ربع ما في يده ، فيأخذه منه ، ويرجع الثاني على الأوّل بثمنه ، ويبقى المأخوذ من الثاني ثلاثة أرباع ما اشتراه ، فأخذها منه ، ودفع إليه ثلاثة أرباع الثمن.
* * *
فهرس الموضوعات
المقصد الخامس : في تفريق الصفقة مسالة ٥٥٠ : ٦
مسالة ٥٥١ : ٩
مسالة ٥٥٢ : ١١
مسالة ٥٣٣ : مسالة ٥٥٤ : ١٢
مسالة ٥٥٥ : ١٣
مسالة ٥٥٦ : ١٨
مسالة ٥٥٧ : مسالة ٥٥٨ : ٢٠
مسالة ٥٥٩ : ٢٤
مسالة ٥٦٠ : ٢٥
مسالة ٥٦١ : ٣١
مسالة ٥٦٢ : ٣٦
مسالة ٥٦٣ : ٣٨
مسالة ٥٦٤ : مسالة ٥٦٥ : ٣٩
المقصد السادس : فيما يندرج في المبيع الأوّل : الأرض مسالة ٥٦٦ : ٤٢
مسالة ٥٦٧ : مسالة ٥٦٨ : ٤٤
مسالة ٥٦٩ : ٤٦
مسالة ٥٧٠ : مسالة ٥٧١ : ٤٧
مسالة ٥٧٢ : ٤٨
مسالة ٥٧٣ : ٤٩
مسالة ٥٧٤ : ٥٠
تذنيب : البحث الثاني : في البستان ٥٥
البحث الثالث : في القرية ٥٦
البحث الرابع : الدار مسالة ٥٧٥ : ٥٨
مسالة ٥٧٦ : ٥٩
مسالة ٥٧٧ : ٦٠
مسالة ٥٧٨ : ٦١
مسالة ٥٧٩ : مسالة ٥٨٠ : مسالة ٥٨١ : ٦٣
البحث الخامس : العبد مسالة ٥٨٢ : ٦٤
مسالة ٥٨٣ : مسالة ٥٨٤ : ٦٥
البحث السادس : الشجر مسالة ٥٨٥ : ٦٦
مسالة ٥٨٦ : مسالة ٥٨٧ : ٦٧
مسالة ٥٨٨ : ٦٨
مسالة ٥٨٩ : ٦٩
مسالة ٥٩٠ : ٧٠
مسالة ٥٩١ : ٧١
فروع : ٧٣
مسالة ٥٩٢ : ٧٤
مسالة ٥٩٣ : ٧٦
مسالة ٥٩٤ : ٧٧
تذنيب : مسالة ٥٩٥ : ٧٨
مسالة ٥٩٦ : ٧٩
المقصد السابع : في التحالف الأوّل : في سببه مسالة ٥٩٧ : مسالة ٥٩٨ : ٨٢
مسالة ٥٩٩ : ٨٣
مسالة ٦٠٠ : ٨٤
مسالة ٦٠١ : ٨٧
مسالة ٦٠٢ : مسالة ٦٠٣ : ٨٨
مسالة ٦٠٤ : مسالة ٦٠٥ : ٨٩
مسالة ٦٠٦ : ٩١
مسالة ٦٠٧ : ٩٢
مسالة ٦٠٨ : ٩٣
مسالة ٦٠٩ : مسالة ٦١٠ : ٩٥
المطلب الثاني : في كيفيّة اليمين مسالة ٦١١ : ٩٦
مسالة ٦١٢ : ٩٧
مسالة ٦١٣ : ١٠٠
مسالة ٦١٤ : ١٠٢
المطلب الثالث : في حكم التحالف مسالة ٦١٥ : ١٠٤
مسالة ٦١٦ : ١٠٥
مسالة ٦١٧ : ١٠٩
مسالة ٦١٨ : ١١٠
مسالة ٦١٩ : ١١١
تذنيب : مسالة ٦٢٠ : ١١٢
مسالة ٦٢١ : ١١٣
مسالة ٦٢٢ : ١١٥
مسالة ٦٢٣ : ١١٦
مسالة ٦٢٤ : مسالة ٦٢٥ : ١١٧
مسالة ٦٢٦ : مسالة ٦٢٧ : ١١٨
مسالة ٦٢٨ : مسالة ٦٢٩ : ١١٩
مسالة ٦٣٠ : ١٢٠
مسالة ٦٣١ : ١٢١
مسالة ٦٣٢ : ١٢٢
مسالة ٦٣٣ : ١٢٤
المقصد الثامن : في اللواحق الأوّل : في أنواع المكاسب مسالة ٦٣٤ : ١٢٦
مسالة ٦٣٥ : ١٢٧
مسالة ٦٣٦ : ١٣٠
مسالة ٦٣٧ : ١٣١
مسالة ٦٣٨ : ١٣٣
مسالة ٦٣٩ : تذنيب : ١٣٤
مسالة ٦٤٠ : مسالة ٦٤١ : ١٣٥
مسالة ٦٤٢ : ١٣٦
مسالة ٦٤٣ : ١٣٧
مسالة ٦٤٤ : ١٣٨
مسالة ٦٤٥ : ١٣٩
مسالة ٦٤٦ : مسالة ٦٤٧ : ١٤٣
مسالة ٦٤٨ : مسالة ٦٤٩ : ١٤٤
مسالة ٦٥٠ : ١٤٥
مسالة ٦٥١ : ١٤٦
مسالة ٦٥٢ : ١٤٧
مسالة ٦٥٣ : ١٤٨
مسالة ٦٥٤ : مسالة ٦٥٥ : ١٤٩
مسالة ٦٥٦ : مسالة ٦٥٧ : ١٥٠
مسالة ٦٥٨ : ١٥٣
مسالة ٦٥٩ : مسالة ٦٦٠ : ١٥٤
مسالة ٦٦١ : مسالة ٦٦٢ : ١٥٥
مسالة ٦٦٣ : ١٥٦
مسالة ٦٦٤ : ١٥٧
مسالة ٦٦٥ : ١٥٨
مسالة ٦٦٦ : ١٦٠
مسالة ٦٦٧ : ١٦١
تذنيب : ١٦٢
مسالة ٦٦٨ : ١٦٣
مسالة ٦٦٩ : ١٦٤
مسالة ٦٧٠ : ١٦٥
مسالة ٦٧١ : ١٦٦
مسالة ٦٧٢ : ١٦٧
مسالة ٦٧٣ : ١٦٩
مسالة ٦٧٤ : ١٧١
مسالة ٦٧٥ : ١٧٣
مسالة ٦٧٦ : ١٧٥
مسالة ٦٧٧ : ١٧٦
مسالة ٦٧٨ : مسالة ٦٧٩ : ١٧٨
مسالة ٦٨٠ : مسالة ٦٨١ : ١٨٠
مسالة ٦٨٢ : مسالة ٦٨٣ : ١٨١
مسالة ٦٨٤ : ١٨٢
مسالة ٦٨٥ : ١٨٣
مسالة ٦٨٦ : مسالة ٦٨٧ : ١٨٤
مسالة ٦٨٨ : ١٨٥
مسالة ٦٨٩ : ١٨٦
مسالة ٦٩٠ : مسالة ٦٩١ : ١٨٧
مسالة ٦٩٢ : ١٨٨
مسالة ٦٩٣ : مسالة ٦٩٤ : ١٨٩
مسالة ٦٩٥ : مسالة ٦٩٦ : ١٩٠
مسالة ٦٩٧ : مسالة ٦٩٨ : ١٩١
مسالة ٦٩٩ : ١٩٢
مسالة ٧٠٠ : مسألة ٧٠١ : ١٩٣
الفصل الثاني : في الشفعة البحث الأوّل : المحلّ ١٩٤
مسالة ٧٠٢ : ١٩٨
مسالة ٧٠٣ : ١٩٩
مسالة ٧٠٤ : ٢٠١
مسالة ٧٠٥ : مسالة ٧٠٦ : ٢٠٢
مسالة ٧٠٧ : ٢٠٤
مسالة ٧٠٨ : مسالة ٧٠٩ : ٢٠٦
البحث الثاني : في الآخذ مسالة ٧١٠ : ٢٠٨
مسالة ٧١١ : ٢١٠
مسالة ٧١٢ : ٢١١
مسالة ٧١٣ : مسالة ٧١٤ : ٢١٣
مسالة ٧١٥ : ٢١٥
تذنيب : مسالة ٧١٦ : ٢١٦
مسالة ٧١٧ : ٢١٧
البحث الثالث : في المأخوذ منه مسالة ٧١٨ : ٢١٨
مسالة ٧١٩ : ٢٢٠
مسالة ٧٢٠ : ٢٢١
مسالة ٧٢١ : ٢٢٢
مسالة ٧٢٢ : ٢٢٣
مسالة ٧٢٣ : ٢٢٥
مسالة ٧٢٤ : ٢٢٦
مسالة ٧٢٥ : ٢٢٨
مسالة ٧٢٦ : ٢٣٠
مسالة ٧٢٧ : ٢٣١
مسالة ٧٢٨ : ٢٣٢
مسالة ٧٢٩ : ٢٣٣
مسالة ٧٣٠ : ٢٣٥
مسالة ٧٣١ : مسالة ٧٣٢ : ٢٣٦
مسالة ٧٣٣ : ٢٣٨
مسالة ٧٣٤ : ٢٤٠
مسالة ٧٣٥ : ٢٤٥
البحث الرابع : في كيفيّة الأخذ بالشفعة مسالة ٧٣٦ : ٢٤٧
مسالة ٧٣٧: مسالة ٧٣٨ : ٢٤٩
مسالة ٧٣٩ : ٢٥١
مسالة ٧٤٠ : ٢٥٢
مسالة ٧٤١ : ٢٥٣
مسالة ٧٤٢ : ٢٥٤
مسالة ٧٤٣ : مسالة ٧٤٤ : ٢٥٧
تذنيب : مسالة ٧٤٥ : ٢٥٨
مسالة ٧٤٦ : ٢٦٠
مسالة ٧٤٧ : ٢٦٢
مسالة ٧٤٨ : ٢٦٤
مسالة ٧٤٩ : ٢٦٥
مسالة ٧٥٠ : ٢٧٠
تذنيب : مسالة ٧٥١ : ٢٧٣
مسالة ٧٥٢ : ٢٧٥
مسالة ٧٥٣ : ٢٧٧
مسالة ٧٥٤ : ٢٧٨
تذنيب : ٢٨١
مسالة ٧٥٥ : ٢٨٢
مسالة ٧٥٦ : ٢٨٣
مسالة ٧٥٧ : مسالة ٧٥٨ : ٢٨٤
مسالة ٧٥٩ : ٢٨٧
تذنيب : مسالة ٧٦٠ : ٢٨٨
مسالة ٧٦١ : مسالة ٧٦٢ : ٢٨٩
مسالة ٧٦٣ : ٢٩٠
مسالة ٧٦٤ : ٢٩١
البحث الخامس : في التنازع مسالة ٧٦٥ : ٢٩٢
تذنيب : مسالة ٧٦٦ : ٢٩٥
مسالة ٧٦٧ : ٢٩٦
مسالة ٧٦٨ : ٢٩٧
مسالة ٧٦٩ : ٢٩٩
مسالة ٧٧٠ : ٣٠١
تذنيب : ٣٠٢
مسالة ٧٧١ : مسالة ٧٧٢ : ٣٠٣
مسالة ٧٧٣ : ٣٠٤
مسالة ٧٧٤ : ٣٠٦
فرعان : مسالة ٧٧٥ : ٣٠٧
مسالة ٧٧٦ : ٣٠٨
تذنيب : مسالة ٧٧٧ : ٣٠٩
مسالة ٧٧٨ : مسالة ٧٧٩ : ٣١٠
مسالة ٧٨٠ : مسالة ٧٨١ : ٣١١
مسالة ٧٨٢ : مسالة ٧٨٣ : ٣١٢
البحث السادس : في مسقطات الشفعة مسالة ٧٨٤ : ٣١٣
مسالة ٧٨٥ : ٣١٦
مسالة ٧٨٦ : مسالة ٧٨٧ : ٣١٨
مسالة ٧٨٨ : ٣٢١
مسالة ٧٨٩ : ٣٢٢
مسالة ٧٩٠ : مسالة ٧٩١ : ٣٢٣
مسالة ٧٩٢ : مسالة ٧٩٣ : ٣٢٦
مسالة ٧٩٤ : ٣٢٧
فروع : ٣٢٨
مسالة ٧٩٥ : ٣٢٩
مسالة ٧٩٦ : مسالة ٧٩٧ : ٣٣١
البحث السابع : في تفاريع القول بالشفعة مع الكثرة مسالة ٧٩٨ : ٣٣٢
مسالة ٧٩٩ : ٣٣٤
مسالة ٨٠٠ : ٣٣٥
تذنيب : مسالة ٨٠١ : ٣٣٧
فروع : ٣٣٨
مسالة ٨٠٢ : ٣٤٠
مسالة ٨٠٣ : ٣٤٢
مسالة ٨٠٤ : مسالة ٨٠٥ : ٣٤٤
مسالة ٨٠٦ : ٣٤٥
مسالة ٨٠٧ : ٣٤٦
مسالة ٨٠٨ : مسالة ٨٠٩ : ٣٤٧
مسالة ٨١٠ : ٣٤٨
مسالة ٨١١ : مسالة ٨١٢ : ٣٤٩
البحث الثامن : في الحِيَل المسقطة للشفعة مسالة ٨١٣ : ٣٥٠
مسالة ٨١٤ : ٣٥١
مسالة ٨١٥ : مسالة ٨١٦ : ٣٥٢
مسالة ٨١٧ : ٣٥٣
البحث التاسع : في اللواحق مسالة ٨١٨ : ٣٥٤
مسالة ٨١٩ : ٣٥٥
مسالة ٨٢٠ : ٣٥٦
مسالة ٨٢١ : تذنيب : ٣٥٧
مسالة ٨٢٢ : ٣٥٨
مسالة ٨٢٣ : مسالة ٨٢٤ : ٣٥٩
مسالة ٨٢٥ : ٣٦١
مسالة ٨٢٦ : مسالة ٨٢٧ : مسالة ٨٢٨ : ٣٦٢
مسالة ٨٢٩ : ٣٦٣
مسالة ٨٣٠ : ٣٦٤
مسالة ٨٣١ : مسالة ٨٣٢ : ٣٦٥
مسالة ٨٣٣ : مسالة ٨٣٤ : ٣٦٦
مسالة ٨٣٥ : مسالة ٨٣٦ : ٣٦٧
مسالة ٨٣٧ : مسالة ٨٣٨ : ٣٦٩
مسالة ٨٣٩ : ٣٧٠
فهرس الموضوعات ٣٧٢