تَذْكِرَةُ الْفُقَهاء
الجزء السّابع عشر
تأليْفُ : العَلّامِةَ الحِليْ
بسم الله الرحمن الرحيم
المقصد الرابع : في القراض
وفصوله خمسة :
الأوّل : الماهيّة
مسألة ١٩١ : القراض عقد شُرّع لتجارة الإنسان بمال غيره بحصّةٍ من الربح ، فإذا دفع الإنسان إلى غيره مالاً ليتّجر فيه ، فلا يخلو إمّا أن يشرطا قدر الربح بينهما أو لا ، فإن لم يشرطا شيئاً فالربح بأجمعه لصاحب المال ، وعليه أُجرة المثل للعامل.
وإن شرطا ، فإن جعلا جميعَ الربح للعامل كان المال قرضاً ودَيْناً عليه ، والربح له والخسارة عليه ، وإن جعلا الربحَ بأجمعه للمالك كان بضاعةً ، وإن جعلا الربحَ بينهما فهو القراض الذي عُقد الباب لأجله ، وسُمّي(١) المضاربة أيضاً.
والقراض لغة أهل الحجاز(٢) ، والمضاربة لغة أهل العراق(٣) .
____________________
(١) في « ج » : « ويُسمّى ».
(٢) كما في طلبة الطلبة : ٢٦٧ ، والزاهر : ٣٠٥ ، والحاوي الكبير ٧ : ٣٠٥ ، والمهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٩٢ ، وبحر المذهب ٩ : ١٨٦ ، والتهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٧ ، والبيان ٧ : ١٥٧ ، والاستذكار ٢١ : ١١٩ / ٣٠٧٠٧ ، والمغني ٥ : ١٣٥ ، والشرح الكبير ٥ : ١٣٠.
(٣) كما في الزاهر : ٣٠٥ ، والحاوي الكبير ٧ : ٣٠٥ ، والمهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٩٢ ، وبحر المذهب ٩ : ١٨٦ ، والتهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٨ ، والاستذكار ٢١ : ١١٩ / ٣٠٧٠٧.
أمّا القراض فإنّه لفظ مأخوذ من القرض ، وهو القطع ، كما يقال : قرض الفأر الثوبَ ، أي قطعه ، ومنه المقراض ؛ لأنّه يُقطع به ، فكأنّ صاحب المال اقتطع من ماله قطعةً وسلّمها إلى العامل ، أو اقتطع له قطعةً من الربح.
وقيل : اشتقاقه من المقارضة ، وهي المساواة والموازنة ، يقال : تقارض الشاعران إذا وازن كلٌّ منهما الآخَر بشعره(١) .
وحكي عن أبي الدرداء أنّه قال : قارض الناس ما قارضوك ، فإن تركتهم لم يتركوك(٢) ، يريد ساوِهم فيما يقولون.
وهذا المعنى متحقّق هنا ؛ لأنّ المال من جهة ربّ المال ، ومن جهة العامل العمل ، فقد تساويا في قوام العقد بهما ، فمن هذا المالُ ، ومن هذا(٣) العملُ.
ويحتمل أن يكون ذلك لاشتراكهما في الربح.
وأمّا المضاربة فهي مأخوذة من الضرب ، قال الله تعالى :( وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ ) (٤) والعامل يضرب في الأرض للتجارة يبتغي الربح.
وقيل : إنّه مأخوذ من ضرب كلٍّ منهما في الربح بسهمه ، أو لما فيه
____________________
(١) كما في بحر المذهب ٩ : ١٨٦ ، والبيان ٧ : ١٥٧ ، والعزيز شرح الوجيز ٦ : ٣ ، والمغني ٥ : ١٣٥ ، والشرح الكبير ٥ : ١٣٠.
(٢) كما في البيان ٧ : ١٥٧ ، وحكاه عنه الأزهري في الزاهر : ٣٠٤ ، والروياني في بحر المذهب ٩ : ١٨٦ ، وابن منظور في لسان العرب ٧ : ٢١٧ « قرض ».
(٣) في الطبعة الحجريّة : « ومن الآخَر » بدل « ومن هذا ».
(٤) سورة المزّمّل : ٢٠.
من الضرب بالمال والتقليب(١) .
ويقال للمالك من اللفظة الأُولى : مقارِض ، بكسر الراء ، وللعامل : مقارَض ، بفتحها ، ومن اللفظة الثانية يقال للعامل : مضارِب ، بكسر الراء ؛ لأنّه الذي يضرب في الأرض بالمال ويقلبه ، ولم يشتق أهل اللغة لربّ المال من المضاربة اسماً ، بخلاف القراض.
مسألة ١٩٢ : وهذه المعاملة جائزة بالنصّ والإجماع ؛ لما روى العامّة : إنّ الصحابة أجمعوا عليها(٢) .
قال الشافعي : روى أبو حنيفة عن حميد بن عبد الله بن عبيد الله(٣) عن جدّه أنّ عمر بن الخطّاب أعطاه مالَ يتيمٍ مضاربةً ، فكان يعمل عليه في العراق(٤) .
وروى الشافعي عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أنّ عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطّاب خرجا في جيشٍ إلى البصرة ، وفي منصرفهما من غزوة نهاوند لقيا أبا موسى الأشعري وتسلّفا من أبي موسى الأشعري مالاً وابتاعا به متاعاً وقدما به إلى المدينة فباعاه وربحا ، فأراد عمر أخذ رأس المال والربح كلّه ، فقالا : لو تلف كان ضمانه علينا فكيف لا يكون ربحه لنا؟ فقال رجل : يا عمر لو جعلتَه قراضاً؟ فقال : قد جعلتُه ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤.
(٢) بحر المذهب ٩ : ١٨٨ ، البيان ٧ : ١٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٧ ، المغني ٥ : ١٣٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١٣١.
(٣) كذا قوله : « عبيد الله » في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة ، وفي الأُم والعزيز شرح الوجيز : « عبيد الأنصاري ». وفي بحر المذهب : « عبيد ».
(٤) الأُم ٧ : ١٠٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤ ، بحر المذهب ٩ : ١٨٧ - ١٨٨.
وأخذ منهما نصف الربح(١) .
وقال بعض الشافعيّة : إنّ ما جرى كان قرضاً صحيحاً ، وكان الربح ورأس المال لهما ، لكن عمر استنزلهما عن نصف(٢) الربح خيفة أن يكون قد قصد أبو موسى إرفاقهما ، لا رعاية مصلحة بيت المال ، ولذلك قال في بعض الروايات : أو أسلف كلّ الجيش كما أسلفكما(٣) (٤) .
وعن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه(٥) أنّ عثمان أعطاه مالاً مقارضةً(٦) .
وروى قتادة عن الحسن عن عليٍّعليهالسلام أنّه قال : « إذا خالف المضارب فلا ضمان ، وهُما على ما شرطا »(٧) .
وعن ابن مسعود وحكيم بن حزام أنّهما قارضا(٨) ، ولا مخالف لهما ، فصار ذلك إجماعاً.
ومن طريق الخاصّة : ما رواه أبو بصير عن الصادقعليهالسلام في الرجل يعطي الرجل مالاً مضاربةً وينهاه أن يخرج به إلى أرض أُخرى ، فعصاه ، فقال : « هو له ضامن ، والربح بينهما إذا خالف شرطه وعصاه »(٩) .
____________________
(١) الأُم ٤ : ٣٣ - ٣٤ ، سنن البيهقي ٦ : ١١٠ ، بحر المذهب ٩ : ١٨٧ ، الموطّأ ٢ : ٦٨٧ - ٦٨٨ / ١ ، البيان ٧ : ١٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤ - ٥.
(٢) في المصدر و « خ » : « بعض » بدل « نصف ».
(٣) راجع : الهامش (١)
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٥.
(٥) فيما عدا الأُم وموضع من سنن البيهقي زيادة : « عن جدّه ».
(٦) الأُم ٧ : ١٠٨ ، الموطّأ ٢ : ٦٨٨ / ٢ ، سنن البيهقي ٦ : ١١١ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣٠٧ ، بحر المذهب ٩ : ١٨٨ ، المغني ٥ : ١٣٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١٣٠ - ١٣١.
(٧ و ٨) بحر المذهب ٩ : ١٨٨ ، المغني ٥ : ١٣٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١٣١.
(٩) التهذيب ٧ : ١٨٧ / ٨٢٧.
وفي الصحيح عن الحلبي عن الصادقعليهالسلام قال : « المال [ الذي ] يعمل به مضاربة له من الربح ، وليس عليه من الوضيعة شيء إلّا أن يخالف أمر صاحب المال »(١) .
وعن إسحاق بن عمّار عن الكاظمعليهالسلام ، قال : سألته عن مال المضاربة ، قال : « الربح بينهما ، والوضيعة على ربّ(٢) المال »(٣) .
والأخبار في ذلك كثيرة.
ولأنّ الحاجة ماسّة وداعية إلى المضاربة ، فإنّ الدراهم والدنانير لا تنمى إلّا بالتقليب ، ولا تُؤجر ، وليس كلّ مَنْ يملكها يمكنه التجارة ، ولا كلّ مَنْ يتمكّن من التجارة ويعرفها يتمكّن من المال ، فاقتضت الحكمة مراعاة طرفي العامل والمالك بتسويغ المضاربة.
ولأنّ السنّة الظاهرة وردت في المساقاة ، وإنّما جُوّزت المساقاة ؛ للحاجة من حيث إنّ مالك النخيل قد لا يُحسن تعهّدها أو لا يتفرّغ له ، ومَنْ يُحسن العمل قد لا يملك ما يعمل فيه ، وهذا المعنى موجود في القراض ، فوجب مشروعيّته.
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٨٧ - ١٨٨ / ٨٢٨ ، الاستبصار ٣ : ١٢٦ / ٤٥١ ، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(٢) كلمة « ربّ » لم ترد في المصدر.
(٣) التهذيب ٧ : ١٨٨ / ٨٢٩ ، الاستبصار ٣ : ١٢٦ / ٤٥٢.
الفصل الثاني : في أركانه
وهي خمسة تنظمها خمسة مباحث :
الأوّل : العقد.
مسألة ١٩٣ : لا بدّ في هذه المعاملة من لفظٍ دالٍّ على الرضا من المتعاقدين ؛ إذ الرضا من الأُمور الباطنة التي لا يطّلع عليها إلّا الله تعالى ، وهذه المعاملة وغيرها من المعاملات يعتبر فيها الرضا ؛ للآية(١) .
فاللفظ الدالّ على الإيجاب أن يقول ربّ المال : قارضتك ، أو : ضاربتك ، أو : عاملتك على أن يكون الربح بيننا نصفين أو أثلاثاً ، أو غير ذلك من الأجزاء ، بشرط تعيين الأكثر لمن هو منهما والأقلّ كذلك.
والقبول أن يقول العامل : قبلت ، أو : رضيت ، أو غيرهما من الألفاظ الدالّة على الرضا بالإيجاب.
وكذا الإيجاب لا يختصّ لفظاً ، فلو قال : خُذْه واتّجر به على أنّ ما سهّل الله تعالى في ذلك من ربحٍ وفائدةٍ يكون بيننا على السويّة أو متفاوتاً ، جاز.
مسألة ١٩٤ : ولا بدّ من القبول على التواصل المعتبر في سائر العقود.
وهل يعتبر اللّفظ؟ الأقرب : العدم ، فلو قال : خُذْ هذه الدراهم فاتّجر
____________________
(١) سورة النساء : ٢٩.
بها على أنّ الربح بيننا على كذا ، فأخذها واتّجر ، فالأقرب : الاكتفاء به في صحّة العقد ، كالوكالة ، ويكون قراضاً ، وهذا قول بعض الشافعيّة(١) .
قال الجويني : وقطع شيخي والطبقة العظمى من نَقَلة المذهب على أنّه لا بدّ من القبول ؛ بخلاف الجعالة والوكالة ، فإنّ القراض عقد معاوضةٍ يختصّ بمعيّنٍ ، فلا يشبه الوكالة التي هي إذن مجرّد ، والجعالة التي يبهم فيها العامل(٢) .
والوجه : الأوّل.
تذنيب : يجب التنجيز في العقد ، فلا يجوز تعليقه على شرطٍ أو صفةٍ ، مثل : إذا دخلت الدار ، أو : إذا جاء رأس الشهر فقد قارضتك بكذا [ كما ] لا يجوز تعليق البيع ونحوه ؛ لأنّ الأصل عصمة مال الغير.
مسألة ١٩٥ : وإنّما يصحّ العقد لو تعيّنت الحصّة في الربح لكلّ واحدٍ منهما ، فلو أبهما الحصّة لهما بأن يقول : على أنّ لي بعض الربح ولك البعض ، أو لأحدهما ، لم يصح قطعاً.
ولو عيّن حصّة العامل وسكت عن حصّته ، فقال : قارضتك بهذا المال على أنّ النصف لك ، صحّ ؛ لأنّ النماء والربح يتبع الأصل ، فهو بالأصالة للمالك ، وإنّما ينتقل إلى العامل بالشرط ، فإذا عيّن حصّة العامل بقي الباقي للمالك ؛ لأنّه تابع لماله.
وللشافعيّة وجهٌ ضعيف : إنّه لا يصحّ ، إلّا أن تجري الإضافة إلى المتعاملين في الجزءين من الجانبين ، فيقول : على أنّ الربح نصفه لك
____________________
(١) الوسيط ٤ : ١١٤ ، التهذيب ٤ : ٣٧٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٤.
ونصفه لي(١) .
والمعتمد ما تقدّم.
ولو عيّن حصّة المالك خاصّةً ، فقال : قارضتك بهذا على أنّ نصف الربح لي ، وسكت عن حصّة العامل ، بطل ؛ لأنّه لم يعيّن للعامل شيئاً ؛ إذ النماء المسكوت عنه يتبع المال ، فيكون للمالك ، إلّا إذا نُسب شيء منه إلى العامل ، والتقدير أنّه لم يُنسب إليه شيء.
وقال بعض الشافعيّة : يصحّ أيضاً ، ويكون النصف الآخَر للعامل ؛ لأنّه الذي يسبق إلى الفهم منه(٢) .
ولو قال : على أنّ لك النصف ولي السدس ، وسكت عن الباقي ، صحّ على ما اخترناه ، وكان الربح بينهما بالسويّة ، كما لو سكت عن جميع النصف الذي للمالك ؛ لأنّ الباقي مسكوت عنه ، فيتبع رأس المال.
البحث الثاني : المتعاقدان.
وشرط كلّ واحدٍ منهما البلوغُ والعقلُ وجوازُ التصرّف ، فلا يصحّ القراض بين الصبي وغيره ، وكذا المجنون والسفيه والمحجور عليه للفلس.
والأصل فيه : إنّ القراض توكيل وتوكّل في شيءٍ خاصّ ، وهو التجارة ، فيعتبر في العامل والمالك ما يعتبر في الوكيل والموكّل.
____________________
(١) التنبيه : ١١٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٢ ، بحر المذهب ٩ : ٢١٨ ، الوسيط ٤ : ١١٢ ، الوجيز ١ : ٢٢٢ ، البيان ٧ : ١٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٤.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٣٤٦ ، التنبيه : ١١٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٢ ، بحر المذهب ٩ : ٢١٨ ، الوسيط ٤ : ١١١ ، الوجيز ١ : ٢٢٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٠ ، البيان ٧ : ١٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٤.
ولا نعلم فيه خلافاً.
مسألة ١٩٦ : لو قارض المريض في مرض موته ، صح ، وكان للعامل ما شُرط له ، سواء زاد عن أُجرة مثل عمله أو ساواه أو قصر عنه ، ولا يحسب من الثلث ؛ لأنّ المحسوب من الثلث إنّما هو ما يفوّته المريض من ماله ، والربح ليس بحاصلٍ حتى يفوّته ، وإنّما هو شيء يتوقّع حصوله ، وإذا حصل حصل بتصرّفات العامل وكسبه.
ولو ساقى المريض في مرض الموت وزاد الحاصل عن أُجرة المثل ، فالأولى أنّ الزيادة عن أُجرة المثل تُحسب من الثلث ؛ لأنّ للنماء وقتاً معلوماً يُنتظر ، وهي حاصلة من عين النخل من غير عملٍ ، فكانت كالشيء الحاصل ، بخلاف أرباح التجارات التي تحصل من عمل العامل ، وهذا أظهر وجهي الشافعيّة. والثاني : إنّه لا تُحتسب من الثلث أيضاً ؛ لأنّه وقت العقد لم تكن ثمرة ، وحصولها منسوب إلى عمل العامل وتعهّده(١) .
مسألة ١٩٧ : يجوز تعدّد كلٍّ من المالك والعامل ، فيضارب الواحد اثنين وبالعكس ، فإذا تعدّد العامل بأن قارض الواحد اثنين ، اشترط تعيين الحصّة لهما ، ولا يجب تفصيلهما ، بل يجوز أن يجعل النصف لهما ، فيحكم بالنصف لهما معاً بالسويّة ؛ لاقتضاء الإطلاق ذلك ، وأصالة عدم التفضيل.
ولو شرط التفاوت بينهما بأن جعل لأحدهما ثلث الربح وللآخَر ربعه وأبهم فلم يعيّن المستحقّ للثلث ، بطل.
وإن عيّن الثلث لواحدٍ بعينه والربع للآخَر ، جاز ؛ لأنّ عقد الواحد مع
____________________
(١) الوسيط ٤ : ١١٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٥.
اثنين كعقدين ، ويكون كأنّه قد قارض أحدهما في نصف المال بنصف الربح والآخَر في نصفه بثلث الربح ، وبه قال الشافعي(١) .
وقال مالك : لا يجوز ؛ لأنّهما شريكان في العمل بأبدانهما ، فلا يجوز تفاضلهما في الربح ، كالمفردين(٢) .
والمعتمد : الأوّل ؛ لأنّ ذلك بمنزلة العقدين ، ولا شكّ أنّه لو ضارب اثنين في عقدين جاز أن يفاضل بينهما ، فكذا إذا جمعهما عقدٌ واحد ؛ لأنّه بمنزلتهما.
ولأنّه مع تعدّد العامل ووحدة العقد إمّا أن يُنظر إلى تعدّد العامل فيجوز التفاضل قطعاً ، وإمّا أن يُنظر إلى وحدة العقد فكذلك ؛ لأنّه في الحقيقة قد شرط للعاملَيْن - اللّذين هُما بمنزلة عاملٍ واحد - نصفاً وثلثاً ، ولا شكّ في أنّه يجوز ذلك في العامل الواحد ، فكذا ما هو بمنزلته.
وقياس مالك باطل عندنا ؛ فإنّه لا تصحّ شركة الأبدان.
تذنيب : يجوز أن يقارض الاثنين وإن لم يثبت لكلٍّ منهما الاستقلال ، بل شرط على كلّ واحدٍ منهما مراجعة الآخَر ؛ عملاً بمقتضى الشرط ، وهو قول أكثر الشافعيّة(٣) .
وقال الجويني : إنّما يجوز أن يقارض اثنين إذا ثبت لكلّ واحدٍ منهما
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٣٥٥ ، حلية العلماء ٥ : ٣٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٥ ، المغني ٥ : ١٤٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١٣٤ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٣ / ١١١٨ ، الذخيرة ٦ : ٤٠.
(٢) الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٣ - ٦٤٤ / ١١١٨ ، الذخيرة ٦ : ٤٠ ، النوادر والزيادات ٧ : ٢٧٢ - ٢٧٣ ، حلية العلماء ٥ : ٣٥١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩ ، المغني ٥ : ١٤٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١٣٤.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٥.
الاستقلال ، فإن شرط على كلّ واحدٍ منهما مراجعة الآخَر ، لم يجز(١) .
ولا وجه له.
مسألة ١٩٨ : يجوز أن يقارض الاثنان واحدا ، ويجب أن يُبيّنا نصيب العامل من الربح ، ويكون الباقي بينهما على ما يشترطانه ، سواء كان على نسبة المالين أو لا ، فلو شرطا له النصف من نصيب أحدهما والثلث من نصيب الآخَر من الربح ، فإن أبهما لم يجز قطعاً ؛ للغرر بالجهالة ، وإن عيّنا فإن كان عالماً بقدر كلّ واحدٍ منهما جاز ، وإلّا بطل.
ولو شرط أحدهما للعامل النصفَ من حصّته من الربح وشرط الآخَر الثلثَ على أن يكون الباقي بينهما نصفين ، جاز عندنا - وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور(٢) - عملاً بالشرط ، وقد بيّنّا أنّه يجوز اشتراط أحد الشريكين لنفسه أكثر ممّا يحصل له بالنسبة من ماله.
وقال الشافعي : لا يجوز ؛ لأنّ أحدهما يستحقّ ممّا بقي بعد شرطه النصفَ ، والآخَر الثلثين ، فلا يجوز أن يشترطا التساوي فيكون قد شرط أحدهما على الآخَر من ربح ماله بغير عملٍ عمله ولا مالٍ يملكه ، فلم يجز(٣) .
وهو غلط ؛ لأنّ الفاضل من حصّة العامل ، لا من حصّة شريكه.
مسألة ١٩٩ : يجوز لوليّ الطفل والمجنون أن يقارض على مالهما مع المصلحة ؛ لأنّه يجوز له أن يوكّل عنهما في أُمورهما ، فكذا يجوز أن يعامل على أموالهما قراضاً.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٥.
(٢) بحر المذهب ٩ : ٢٢٦ ، حلية العلماء ٥ : ٣٥١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩ ، المغني ٥ : ١٤٦ ، الشرح الكبير ٥ : ١٣٤ - ١٣٥.
(٣) الحاوي الكبير ٧ : ٣٥٥ ، بحر المذهب ٩ : ٢٢٦ ، حلية العلماء ٥ : ٣٥١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٥ ، المغني ٥ : ١٤٦ ، الشرح الكبير ٥ : ١٣٥.
ولا فرق بين الأب والجدّ له ووصيّهما والحاكم وأمينه.
ولو لم يكن الدافع وليّاً ، كان ضامناً ، والربح لليتيم ؛ لأنّه متعدٍّ بدفعه مالَ الغير.
وقد سأل بكرُ بن حبيب الباقرَعليهالسلام عن رجلٍ دفع مال يتيمٍ مضاربةً ، فقال : « إن كان ربح فلليتيم ، وإن كانت وضيعة فالذي أعطاه(١) ضامن »(٢) .
إذا عرفت هذا ، فإن كان العامل جاهلاً كان الربح لليتيم ، وعلى الدافع إليه أُجرة المثل ، وإن كان عالماً فلا أُجرة له ، وعلى التقديرين فالعامل ضامن ، لكن في الصورة الأُولى يرجع على الدافع إليه ، وفي الصورة الثانية لا يرجع.
مسألة ٢٠٠ : يشترط أن يكون الدافع مالك المال أو مَنْ أذن له المالك فيه ؛ لأنّ غيرهما ممنوع منه ؛ لما فيه من التصرّف في مال الغير بغير إذنه ، وهذا العقد قابل للاستنابة ، فجاز أن يوقعه المالك بنفسه أو وكيله ؛ لأنّه نائبه في الحقيقة.
ويشترط في الوكيل الكماليّة المشترطة في باقي الوكلاء.
مسألة ٢٠١ : ليس للعامل في القراض أن يضارب غيره إلّا بإذن المالك ، فإن فَعَل كان فاسداً ؛ لأنّ المالك لم يأذن فيه ولا ائتمن على المال غيره ، ولا يجوز للعامل أن يتصرّف في مال ربّ المال بما لا يتناوله إذنه ، ولا يجوز له أن يسلّمه إلى مَنْ لم يأتمنه.
فإن قارض العامل غيرَه بغير إذن المالك ، كان ضامناً ؛ لأنّه متعدٍّ فيه.
____________________
(١) في المصدر : « أعطى ».
(٢) التهذيب ٧ : ١٩٠ / ٨٤٢.
وإن قارض بإذن المالك ، صحّ ، وكان المالك قد أذن له أن يقارض إن اختار أو عجز عن العمل ، فإذا قارض بإذنه كان العامل الأوّل وكيلاً لربّ المال في ذلك.
البحث الثالث : في رأس المال.
وله شروط ثلاثة :
الأوّل : أن يكون من النقدين : دراهم ودنانير مضروبة منقوشة ، عند علمائنا - وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة(١) - لأنّ القراض معاملة تشتمل على غررٍ عظيم ؛ إذ العمل مجهول غير منضبطٍ ، والربح غير متيقّن الحصول.
وإنّما سوّغنا هذه المعاملة مع الغرر الكثير ؛ للحاجة والضرورة ، فتختصّ بما تسهل التجارة عليه وتروج في كلّ حالٍ وكلّ وقتٍ ؛ لأنّ النقدين أثمان البياعات ، والناس يتداولون بالمعاملة عليها من عهد النبيّصلىاللهعليهوآله
____________________
(١) مختصر المزني : ١٢٢ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٣٨ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣٠٧ ، التنبيه : ١١٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٢ ، بحر المذهب ٩ : ١٨٨ ، الوجيز ١ : ٢٢١ ، الوسيط ٤ : ١٠٦ ، حلية العلماء ٥ : ٣٢٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٨ ، البيان ٧ : ١٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٦ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٧ ، منهاج الطالبين : ١٥٤ ، الموطّأ ٢ : ٦٨٩ ، ذيل الرقم ٤ ، الاستذكار ٢١ : ١٣٦ / ٣٠٧٩١ و ٣٠٧٩٣ ، المدوّنة الكبرى ٥ : ٨٦ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٠ / ١١١١ ، التلقين : ٤٠٧ ، التفريع ٢ : ١٩٤ ، الذخيرة ٦ : ٣٠ ، المعونة ٢ : ١١٢٠ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٣٨٤ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٢٠ ، بدائع الصنائع ٦ : ٨٢ ، الفقه النافع ٣ : ١٢٨٧ / ١٠٤٠ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ١٦١ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٢ : ٢١ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٣٧ / ١٧٠٢ ، النتف ١ : ٥٣٨ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٠٢ ، المغني ٥ : ١٢٤ ، الشرح الكبير ٥ : ١١٢.
وقبله وبعده إلى زماننا هذا ، ويرجعون إليهما في قِيَم الـمُتلفات.
ولأنّ النقدين ثمنان لا يختلفان بالأزمنة والأصقاع إلّا قليلاً نادراً ، ولا يقوَّمان بغيرهما ، وأمّا غيرهما من العروض فإنّ قيمتها تختلف دائماً ، فلو جُعل شيء منها رأس المال لزم إمّا أخذ المالك جميعَ الربح ، أو أخذ العامل بعضَ رأس المال ، والتالي بقسميه باطل ، فالمقدَّم مثله.
بيان الشرطيّة : إنّهما إذا جعلا رأس المال ثوباً مثلاً ، فإمّا أن يشترط(١) ردّ ثوبٍ بتلك الصفات ، أو ردّ قيمته.
فإن شرطا الأوّل ، فربما كان قيمة الثوب في حال المعاملة يساوي ديناراً ويبيعه به ويتصرّف فيه حتى يبلغ المال عشرة دنانير ثمّ ترتفع قيمة الثياب حتى لا يوجد مثل ذلك الثوب إلّا بعشرة ، فيحتاج العامل إلى أن يصرف جميع ما معه إلى تحصيل رأس المال ، فيذهب الربح في رأس المال ، فيتضرّر العامل.
وبالعكس قد تكون قيمة الثوب عشرةً وقت المعاملة ، فيبيعه ولا يربح شيئاً ثمّ تتنازل قيمة الثياب حتى يوجد مثله بنصف دينارٍ فيدفعه إليه ويبقى نصف دينارٍ(٢) ويأخذ العامل منه حصّته ، فيحصل بعض رأس المال.
وإن شرطا ردّ القيمة ، فإمّا أن يشترطا قيمته حال المفاصلة أو قيمته حال الدفع ، والقسمان باطلان.
أمّا الأوّل : فلأنّها مجهولة ، ولأنّ القيمة قد تزيد بحيث تستوعب الأصل والنماء ، فيلزم المحذور السابق.
والثاني باطل ؛ لأنّه قد تكون قيمته في الحال عشرةً وتعود عند
____________________
(١) الظاهر : « يشترطا ».
(٢) الظاهر : « تسعة ونصف دينار ».
المفاصلة إلى واحدٍ ، فيلزم المحذور الثاني.
وأمّا بطلان التالي(١) : فلأنّه منافٍ للمضاربة ؛ لأنّ مقتضاها أن يرجع إلى ربّ المال رأس ماله ثمّ يشتركان في الربح.
واعتُرض(٢) بأنّ لزوم أحد الأمرين مبنيٌّ على أنّ رأس المال قيمة(٣) يوم العقد ، وبتقدير جواز القراض على العرض يجوز أن يكون رأس المال ذلك العرض بصفاته من غير نظرٍ إلى القيمة ، كما أنّه المستحقّ في السَّلَم ، وحينئذٍ فإن ارتفعت القيمة فهو كخسرانٍ حصل في أموال القراض ، وإن انخفضت فهو كزيادة قيمةٍ فيها.
وادّعى بعض الشافعيّة الإجماعَ على اختصاص القراض بالنقدين(٤) .
والشيخرحمهالله استدلّ على الاختصاص : بأنّ ذلك مُجمع على جوازه ، بخلاف المتنازع(٥) .
وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى : يجوز القراض بكلّ مالٍ ، فإن كان له مِثْلٌ أُعيد مثله عند المفاصلة ، وإن لم يكن له مِثْلٌ أُعيد قيمته - وبه قال طاوُس وحمّاد بن أبي [ سليمان ](٦) مسلم ، وعن أحمد روايتان - لأنّ ذلك يجوز أن يكون ثمناً ، فجاز أن يكون رأس مال المضاربة كالنقود(٧) .
____________________
(١) في « ث ، خ ، ر » : « الثاني » بدل « التالي ».
(٢) المعترض هو الرافعي في العزيز شرح الوجيز ٦ : ٧.
(٣) في « ث ، ج ، ر » : « قيمته ».
(٤) البيان ٧ : ١٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٧.
(٥) الخلاف ٣ : ٤٥٩ ، المسألة ١ من كتاب القراض.
(٦) ما بين المعقوفين أثبتناه من الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٣٩ ، والمغني ٥ : ١٢٥ ، والشرح الكبير ٥ : ١١٣ ، وتهذيب التهذيب ٣ : ١٤ / ١٥.
(٧) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٣٩ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣٠٧ ، بحر المذهب =
والفرق ظاهر بما قدّمناه.
إذا ثبت هذا ، فلو دفع إليه كُرّاً من طعامٍ مضاربةً ، فباعه واتّجر بثمنه ، فإنّ القراض فاسد ، وكان البيع والتجارة صحيحين بالإذن ، والربح بأجمعه لصاحب المال ، وعليه أُجرة المثل للعامل ؛ لأنّه عمل على أن يكون شريكاً في الربح ، ولم يثبت له ذلك ؛ لفساد العقد ، فيكون له أُجرة المثل.
مسألة ٢٠٢ : لا تجوز المضاربة بالنقرة ولا بالتبر ؛ لأنّهما متقوّمان ، كسائر الأعيان ، ولهذا يضمن بالقيمة في الإتلاف.
وكذا لا يجوز القراض بالحُليّ وسائر المصوغات من النقدين وكلّ ما ليس بمضروبٍ بسكّة المعاملة حال العقد أو قبله.
وأمّا الفلوس فلا يجوز القراض بها عند علمائنا - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف(١) - لأنّها ليست أثماناً غالباً ، فلا تصحّ المضاربة عليها ، كسائر الأعيان.
وقال محمّد بن الحسن : تجوز المعاملة على الفلوس ؛ استحساناً ؛ لأنّها ثمن في بعض البلاد(٢) .
____________________
= ٩ : ١٨٨ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٠ ، البيان ٧ : ١٥٩ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٠ / ١١١١ ، الاستذكار ٢١ : ١٣٦ / ٣٠٧٩٤ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٣٦ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٨١ / ٣٤٢٢ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٢ : ٣٣ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٣٧ / ١٧٠٢.
(١) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٣٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٢ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٠ ، الوسيط ٤ : ١٠٦ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٨ ، البيان ٧ : ١٦١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٧ - ١٩٨ ، بدائع الصنائع ٦ : ٨٢ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٢ : ٢١ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٣٧ / ١٧٠٢ ، عيون المسائل : ١٨٥ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ١٦١ ، عيون المجالس ٤ : ٧٨٩ / ١٢٥٦.
(٢) بدائع الصنائع ٦ : ٨٢ ، عيون المسائل : ١٨٥ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى =
وهو ممنوع.
وأمّا الدراهم المغشوشة فلا تصحّ المعاملة عليها إذا لم تكن معلومةَ الصرف بين الناس ، سواء كان الغشّ أقلّ أو أكثر - وبه قال الشافعي(١) - لأنّها تتقوّم ، كالأعواض.
وقال أبو حنيفة : إن كان الغشّ أكثر من النصف لم يجز ، وإن كان أقلَّ جاز ؛ لأنّ الاعتبار بالغالب ، كما اعتُبر ذلك في كثيرٍ من الأُصول(٢) .
وهو ممنوع ؛ لأنّه يقول في الزكاة : إذا كانت الفضّة أقلَّ ، لم يسقط حكمها ، واعتبر بلوغها النصاب(٣) .
وحكى الجويني وجهاً عن الشافعيّة : إنّه يجوز القراض على المغشوش اعتباراً برواجه(٤) .
وحكى بعضهم أنّ بين الشافعيّة خلافاً في القراض بالفلوس(٥) .
تذنيب : ظهر من هذا أنّه لا يجوز أن يجعل المنافع - كسكنى الدار
____________________
= الهنديّة - ٣ : ١٦١ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٢ : ٢١ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٣٧ / ١٧٠٢ ، النتف ١ : ٥٣٨ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٣٨ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٠ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣١ ، البيان ٧ : ١٦١ ، الاستذكار ٢١ : ١٣٧ / ٣٠٧٩٧.
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٣٠٨ ، التنبيه : ١١٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٢ ، بحر المذهب ٩ : ١٨٩ ، الوسيط ٤ : ١٠٦ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٨ ، البيان ٧ : ١٦١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٧ ، منهاج الطالبين : ١٥٤ ، الذخيرة ٦ : ٣٣.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٣٠٨ ، بحر المذهب ٩ : ١٨٩ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣١ ، البيان ٧ : ١٦١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٧ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٠ / ١١١٢ ، الذخيرة ٦ : ٣٣.
(٣) راجع : ج ٥ - من هذا الكتاب - ص ١٢٦ ، الهامش (٣)
(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٧.
وخدمة العبد - رأس مال القراض فإنّ العروض إذا لم يجز جَعْلها رأس المال له فالمنافع أولى بالمنع.
الشرط الثاني : أن يكون معلوماً ، فلا يصحّ القراض على الجزاف وإن كان مشاهداً ، مثل قبضةٍ من ذهبٍ أو فضّةٍ مجهولة المقدار ، أو كيس من الدراهم مجهول المقدار ، أو صُبرة مجهولة المقدار ، سواء شاهدها العامل والمالك ، أو لا - وبه قال الشافعي(١) - لعدم إمكان الرجوع إليه عند المفاصلة ، ولا بدّ من الرجوع إلى رأس المال عندها ، ولأنّ جهالة رأس المال تستلزم جهالة الربح.
وقال أبو حنيفة : يجوز أن يكون رأس المال مجهولاً ، ويكون القولُ قولَ العامل مع يمينه ، إلّا أن تكون لربّ المال بيّنةٌ ، فإن كانت لهما بيّنةٌ فبيّنة ربّ المال أولى ؛ لأنّ العامل أمينٌ لربّ المال ، وقوله مقبولٌ في ما في يده ، فقام ذلك مقام المعرفة(٢) .
وقد قال أبو حنيفة : يجب أن يكون رأس مال السَّلَم معلوماً(٣) ، وهو مذهبنا أيضاً ، وهو أحد قولَي الشافعي(٤) ؛ لأنّه قد يرجع إليه عند فساد السَّلَم ، فما لا بدّ من الرجوع أولى بأن يكون معلوماً.
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٣٠٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٢ ، التنبيه : ١١٩ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٢ ، الوسيط ٤ : ١٠٦ ، حلية العلماء ٥ : ٣٢٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٨ ، البيان ٧ : ١٦٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٧ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٨ ، منهاج الطالبين : ١٥٤ ، المغني ٥ : ١٩١ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤١.
(٢) فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ١٦١ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٢ : ٢٧ ، المغني ٥ : ١٩١ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤١ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٢ ، البيان ٧ : ١٦٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٨.
(٣) راجع : ج ١١ - من هذا الكتاب - ص ٣٣٣ ، الهامش (٣)
(٤) راجع : ج ١١ - من هذا الكتاب - ص ٣٣٣ ، الهامش (١)
وأجاب الشافعيّة : بأنّ المسلَم إليه القولُ قوله أيضاً في قدر رأس المال ، ولا يقوم ذلك مقام معرفته ، وفرّقوا بين السَّلَم على القول بجواز الجهالة فيه : بأنّ السَّلَم لا يعقد ليفسخ(١) ، والقراض يعقد ليفسخ(٢) ، ويميّز بين رأس المال والربح(٣) .
الشرط الثالث : أن يكون معيّنا ، فلو أحضر المالك ألفين وقال للعامل : قارضتك على إحدى هاتين الألفين ، أو على أيّهما شئت ، لم يصح ؛ لعدم التعيين ، وصار كما لو قال : قارضتك على هذه الدراهم ، أو على هذه الدنانير ، أو قال : بعتك أحد هذين العبدين ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة.
والثاني : إنّه يصحّ ؛ لتساويهما(٤) .
وينتقض بما تقدّم.
نعم ، يصحّ القراض بالمال المشاع ، فلو كان له نصف ألفٍ مشاعاً ، فقارض غيره على ذلك ، صحّ ؛ لأنّه معيّن.
وكذا لو كانت غائبةً عنهما وقت العقد ، وأشار ربّ المال إليها بما يميّزها عن غيرها حالة العقد ، صحّ.
أمّا لو قارضه على ألفٍ وأطلق ، ثمّ أحضر إليه ألفاً في المجلس وعيّنها ، فإنّه لا يصحّ - وهو أحد قولَي الشافعيّة(٥) - لعدم التعيين.
____________________
(١ و ٢) فيما عدا « ج » من النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « لينفسخ ».
(٣) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٨.
(٤) الحاوي الكبير ٧ : ٣٠٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٢ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٣ ، الوسيط ٤ : ١٠٦ ، حلية العلماء ٥ : ٣٢٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٨ - ٣٧٩ ، البيان ٧ : ١٦٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٩.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٨.
والآخَر : إنّه يصحّ ، كما في الصرف ورأس مال السَّلَم(١) .
مسألة ٢٠٣ : ولا يجوز القراض على الديون ، ولا نعلم فيه خلافاً.
قال ابن المنذر : أجمع كلّ مَنْ نحفظ عنه من أهل العلم أنّه لا يجوز أن يجعل الرجل دَيْناً له مضاربةً ، و [ ممّن ](٢) حفظنا عنه ذلك : عطاء والحكم وحمّاد ومالك والثوري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ، وبه قال الشافعي(٣) .
فلو كان له في ذمّة غيره ألف فقارضه عليها أو قارض غيره وقال : قد قارضتك على الألف التي في ذمّة فلان فاقبضه واتّجر فيه ، لم يجز ؛ لأنّا منعنا من القراض على العروض لعسر التجارة والتصرّف فيها ، ومعلومٌ أنّ التصرّف في الدَّيْن أعسر ، فكان المنع منه فيه أولى ؛ لأنّ ما في الذمّة لا بدّ من تحصيله أوّلاً ، وسيأتي أنّه لا يجوز في القراض ضمّ عملٍ إلى التجارة ، لكن مثل هذا العمل يجوز أن يُعدّ من توابع التجارة ، فلا يمتنع ضمّه إلى عمل القراض ، كما أنّه لو كان له عند غيره وديعة دراهم أو دنانير فقال لثالثٍ : قارضتك عليها فخُذْها وتصرّف فيها ، فإنّه يجوز قطعاً ، فإذَنْ التعويل على ما تقدّم وعلى ما رواه السكوني - في الموثّق - عن الصادقعليهالسلام قال : « قال أمير المؤمنينعليهالسلام في رجلٍ له على رجلٍ مال فتقاضاه فلا يكون عنده ، فيقول : هو عندك مضاربة ، قال : لا يصلح حتى يقبضه »(٤) .
مسألة ٢٠٤ : لو دفع إليه ثوباً فقال له : بِعْه فإذا نضّ ثمنه فقد قارضتك
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٨.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « من ». والظاهر ما أثبتناه كما في المصادر.
(٣) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٤٠ ، المغني ٥ : ١٩٠ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٠.
(٤) الكافي ٥ : ٢٤٠ / ٤ ، التهذيب ٧ : ١٩٢ / ٨٤٨.
عليه ، لم يصح عند علمائنا - وبه قال الشافعي(١) - لأنّه عقد لا يصحّ على المجهول ، فلم يجز تعليقه بالشرط ، كالبيع ، ولأنّ شرط مال القراض التعيينُ والتشخيصُ ، ولا يتحقّق ذلك في الثمن الذي يحصل بعد عقد القراض.
وقال أبو حنيفة : يصحّ ، فإذا باعه وقبض الثمن كان قراضاً ؛ لأنّ ذلك أمرٌ له بالتصرّف ، فجاز تعليقه على شرطٍ ، كالإمارة(٢) .
والفرق : إنّ الإمارة يجوز أن تكون شورى بين جماعةٍ ، ولا يجوز مثل ذلك في القراض.
مسألة ٢٠٥ : لو دفع إليه غزلاً وقال : انسجه ثوباً على أن يكون الفضل بيننا ، لم يصح ، وإذا نسجه كان الثوب لصاحب الغزل ، وعليه أُجرة الحائك ، وكذا إذا دفع إليه حنطةً ليطحنها ويبيعه على أنّ الفاضل بينهما ، لم يصح ؛ لأنّ القراض إنّما يجوز على النقدين على ما تقدّم(٣) ، فيكون الدقيق لصاحب الحنطة ، وعليه أُجرته.
ولو دفع إليه شبكةً ليصطاد بها ويكون ما يحصل من الصيد بينهما ، أو دفع إليه راويةً ليستقي عليها ويكون الماء أو ثمنه بينهما ، لم يصح ،
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٣٠٩ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٠ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٩ ، البيان ٧ : ١٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٨ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٨ ، عيون المجالس ٤ : ١٧٨٣ / ١٢٤٧ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٨٣ / ٣٤٣٤.
(٢) بدائع الصنائع ٦ : ٨٢ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٨٣ / ٣٤٣٣ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٢ : ٣٦ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٠٢ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٤٢ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٠ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٩ ، البيان ٧ : ١٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٨.
(٣) في ص ١٨.
ويكون الصيد للصائد ، وعليه أُجرة الشبكة لصاحبها ، وكذا الماء الذي استقاه ، وثمنه له أيضاً ، وعليه أُجرة الراوية ، وقد تقدّم(١) .
مسألة ٢٠٦ : لو كان له عند رجلٍ وديعة ، فقارضه عليها ، صحّ القراض ؛ لأنّه متعيّن ، وهو في يد العامل أمانة ، فهو بمنزلة كونه في يد ربّ المال ، وكذا لو كان عنده عارية.
ويجوز أن يعامل غيرَ المستودع والمستعير بالوديعة والعارية.
ولو كان له مال عنده غصب ، فقارضه عليه وهو موجود معيّن ، صحّ عندنا أيضاً ؛ لاستجماع شرائط الصحّة ، مع أصالتها ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني : لا يصحّ ؛ لأنّ مال القراض أمانة ، وهذا المال في يده مضمون عليه ، فلا يوجد فيه معنى القراض(٢) .
والمذهب عندهم : الوجه الأوّل(٣) ، وهو الحقّ عندنا.
واجتماع ما أصله الضمان وما أصله الأمانة غير منافٍ ؛ فإنّ العامل إذا تعدّى في مال المضاربة ضمن ، والقراض بحاله ، وكذا إذا ارتهن ما هو مغصوب عنده ، مع أنّ مقتضى الرهن الأمانة.
إذا ثبت هذا ، فإذا اشترى شيئاً للقراض وسلّم المال المغصوب إلى البائع ، صحّ ، وبرئ من الضمان حيث سلّمه بإذن صاحبه ، فإنّ المضاربة
____________________
(١) في ج ١٦ ، ص ٣٤٣ ، المسألة ١٦٢.
(٢ و ٣) الحاوي الكبير ٧ : ٣٠٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٢ ، بحر المذهب ٩ : ١٩١ ، حلية العلماء ٥ : ٣٢٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٩ ، البيان ٧ : ١٦٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٩.
تضمّنت تسليم المال إلى البائع في التجارة.
وهل يزول عن الغاصب ضمان الغصب بعقد المضاربة عليه ، أو بدفعه إلى بائع السلعة للقراض؟ أبو حنيفة ومالك على الأوّل ؛ لأنّه ماسك له بإذن صاحبه(١) ، والشافعي على الثاني ؛ لعدم التنافي بين القراض وضمان الغصب ، كما لو تعدّى فيه(٢) .
والوجه عندي : الأوّل ؛ لأنّ ضمان الغصب يتبع الغصب ، والغصب قد زال بعقد القراض ، فيزول تابعه.
مسألة ٢٠٧ : لو كان له في ذمّة غيره مال فقال : اعزل المال الذي لي في ذمّتك وقد قارضتك عليه بالنصف ، مثلاً ، فعزل المال ، بطل القراض ؛ لأنّه قبل العزل دَيْنٌ عليه ، وقد قارضه على الدَّيْن وقلنا : إنّه لا يجوز.
وقال الشافعي : لا يصحّ تعيينه بالدَّيْن ؛ لأنّه لا يجوز أن يكون قابضاً لغيره من نفسه ، ولا تبرأ ذمّته منه ، ويكون الدَّيْن باقياً في ذمّته(٣) .
فإن اشترى شيئاً للقراض ، فإن كان بعين المال كان ملكاً له ، ولم يكن قراضاً ؛ لأنّ المال ملكه ، ونيّة القراض لا تؤثّر في الشراء به.
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ١٩١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٩ ، المغني ٥ : ١٩٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٣٩ - ١٤٠.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٣٠٩ ، بحر المذهب ٩ : ١٩١ ، حلية العلماء ٥ : ٣٢٩ ، البيان ٧ : ١٦٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٩ ، المغني ٥ : ١٩٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٠.
(٣) بحر المذهب ٩ : ١٩١ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٩ ، البيان ٧ : ٢٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٨.
وإن اشترى شيئاً للقراض [ بثمنٍ مطلقٍ ](١) ودفع المال(٢) ، اختلفت الشافعيّة فيه :
فمنهم مَنْ قال : يكون المشترى للقراض ، ويكون قراضاً فاسداً ؛ لأنّه جعل له شرطاً ، وهو عزل المال الذي في ذمّته ، كما لو قال له : بِعْ هذا العبد ويكون ثمنه قراضاً ، وقد برئ من الدَّيْن بدفع ثمن الذي اشتراه ؛ لأنّه دَفَعه بإذن صاحبه ، ويكون له أُجرة المثل ، والربح لربّ المال.
ومنهم مَنْ قال : لا يكون قراضاً لا صحيحاً ولا فاسداً ، ويكون ما اشتراه له ، ولا يصحّ أن يشتري بنيّة القراض إلّا إذا كان في يده مال القراض ، وهذا المال الذي في يده ملكه ، فإذا اشترى وقع الشراء له ، ويكون الدَّيْن باقياً في ذمّته(٣) .
ولو كان لرجلٍ في ذمّة غيره ألف ، فقال لثالثٍ : اقبضها منه وقد قارضتك عليها ، فقبضها منه ، لم يصح القراض ، وصحّ القبض ؛ لأنّه قبض بإذن صاحب الدَّيْن ، وإذا اشترى بها للقراض صحّ الشراء له ، إلّا أنّه يكون قراضاً فاسداً ؛ لأنّه علّقه بشرطٍ ، فيكون الربح والخسران لربّ المال ، وللعامل أُجرة المثل ، كما إذا قال : بِع الثوب وقد قارضتك بثمنه.
فأمّا إذا قال : قارضتك على ألف ، ثمّ قال له : خُذْها من فلان ، أو قال للّذي عليه الدَّيْن : احملها إليه ، ففَعَل ، صحّ إن وقع ذلك في الحال ؛ لأنّه لا فرق بين أن يدفعها بنفسه أو بغيره.
هذا إذا كانت معيّنةً - عندنا - شخصيّة ، ولو كانت دَيْناً عليه لم يجز.
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « بطل ». والمثبت من « بحر المذهب » يقتضيه السياق.
(٢) في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة إضافة « و». وهي زائدة.
(٣) بحر المذهب ٩ : ١٩١ - ١٩٢ ، حلية العلماء ٥ : ٣٥٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٧٩ ، البيان ٧ : ٢٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٨ - ١٩٩.
مسألة ٢٠٨ : لو دفع إليه مائة دينار وألف درهم وقال : قارضتك على أحدهما بالنصف ، لم يصح ؛ لعدم التعيين ، والجهالة تمنع العقد ، كما لو قال : بعتك أحد هذين العبدين.
ولو دفع إليه ألف درهم وقال له : اعمل على هذه وربحها لي ، ودفع إليه ألفاً أُخرى وقال : اعمل على هذه ويكون ربحها لك ، كان القراض فاسداً ؛ لأنّه شرط أن يكون جميع الربح في إحداهما للمالك وجميع الربح في الأُخرى للعامل ، وذلك فاسد ؛ لأنّه لا يجوز أن ينفرد أحدهما بالربح ؛ لأنّ الربح يحصل بالمال والعمل ، فلا يصحّ عقد المضاربة.
أمّا لو دفع الألفين وقال : قارضتك على هذه على أن تكون الألف منهما ربحها لي والألف الأُخرى ربحها لك ، حكى ابن سريج عن أبي حنيفة وأبي ثور أنّهما قالا : يصحّ ، ويكون كأنّه قال : نصف الربح لي ونصفه لك ؛ لأنّ هذا معناه(١) .
قال ابن سريج : وهذا غلط ؛ لأنّ موضوع القراض على أن يكون كلّ جزءٍ من المال ربحه بينهما ، فإذا شرط ربح ألفٍ فقد شرط لنفسه الانفراد بربح جزءٍ منه ، فكان فاسداً ، ويفارق ما إذا شرط نصف الربح ؛ لأنّ شرطه لم يتضمّن الانفراد بجزءٍ منه(٢) .
قال الشيخرحمهالله : إذا أعطاه ألفين وقال : ما رزق الله تعالى من الربح كان لي ربح ألفٍ ولك ربح ألفٍ ، كان جائزاً ؛ لأنّه لا مانع منه ، والأصل جوازه.
وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور(٣) .
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ١٩٨ ، وراجع : البيان ٧ : ١٦٧ ، وحلية العلماء ٥ : ٣٤٠.
(٢) الوسيط ٤ : ١١٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٧.
(٣) الخلاف ٣ : ٤٦٢ ، المسألة ٧ من كتاب القراض.
وهذا موافقة منهرحمهالله لهما.
والمعتمد أن نقول : إن قصد الإشاعة جاز ، وإن قصد المعيّن بطل.
ولو أنّ صاحب الدَّيْن قال : قارضتك عليه لتقبض وتتصرّف ، أو اقبضه فإذا قبضته فقد قارضتك عليه ، لم يصح أيضاً ، وإذا قبض وتصرّف فيه لم يستحق الربح المشروط ، بل الجميع لصاحب المال ، وعليه أُجرة المثل للعامل عن التصرّف وإن كان قد قال : إذا قبضتَ فقد قارضتُك ، وإن قال : قد قارضتك عليه لتقبض وتتصرّف ، استحقّ أُجرة مثل التقاضي والقبض أيضاً.
ولو قال : قارضتك على الدَّيْن الذي عليك ، لم يصح القراض أيضاً ؛ لأنّه إذا لم يصح والدَّيْن على الغير فلأن لا يصحّ والدَّيْن عليه كان أولى ؛ لأنّ المأمور لو استوفى ما على غيره ، مَلَكه الآمر ، وصحّ القبض ، وما على المأمور لا يصير للمالك بعزله من ماله وقبضه للآمر ، بل لو قال : اعزل قدر حقّي من مالك ، فعزله ، ثمّ قال : قارضتك عليه ، لم يصح ؛ لأنّه لم يملكه.
وإذا تصرّف المأمور في ما عزله ، فإن اشترى بعينه للقراض ، فهو كالفضولي يشتري لغيره بعين ماله.
وإن اشترى في الذمّة ونقد ما عزله ، فللشافعيّة وجهان :
أحدهما : إنّه للمالك ؛ لأنّه اشترى له بإذنه.
والثاني : إنّه للعامل ؛ لأنّه إنّما أذن في الشراء بمال القراض إمّا بعينه أو في الذمّة لينقده فيه ، فإذا لم يملكه فلا قراض(١) .
والأقوى : الأوّل ، فحيث كان المال المعزول للمالك فالربح ورأس
____________________
(١) راجع : الهامش (٣) من ص ٢٩.
المال له ؛ لفساد القراض ، وعليه الأُجرة للعامل.
ولو قال : خُذ المال الذي على فلان واعمل به مضاربةً ، فأخذه ثمّ جدّد عقد المضاربة بعد أخذه ، صحّ.
وكذا لو قال : بِعْ هذا الثوب فإذا نضّ ثمنه فهو قراض ، ثمّ جدّد عقد القراض بعد الإنضاض.
ولو قال : خُذْ هذا المال قرضاً شهراً ثمّ هو قراض بعد ذلك ، لم يصر قراضاً بذلك ، بل لا بدّ من تجديد عقدٍ بعد الشهر وقبضه من يد المقترض ، أمّا لو قال : خُذْه قراضاً شهراً ثمّ هو قرض بعد ذلك ، صحّ.
مسألة ٢٠٩ : الأقرب عندي : إنّه لا يشترط في القراض أن يكون رأس المال مسلَّماً إلى العامل بحيث تستقلّ يده عليه وينفرد بالتصرّف فيه عن المالك وغيره ، فلو شرط المالك أن يكون الكيس في يده يوفي الثمن منه إذا اشترى العامل شيئاً ، أو شرط أن يراجعه العامل في التصرّف ، أو يراجع مُشْرفاً نصبه ، جاز ذلك ، ولم يجز للعامل التجاوز ، وكان القراض صحيحاً ؛ لأنّه شرط سائغ لا يخالف الكتاب والسنّة ؛ إذ للإنسان التوثّق على ماله بحفظه في يده أو يد مَنْ يثق به ، وقد يستعان بالخائن في المعاملات لحذقه فيها ، فلو لم يشرع هذا الشرط لزم تضرّر المالك إمّا بتسليم ماله إلى مَنْ لا يوثق به وإمّا بترك التجارة ، وكلاهما باطل.
وقالت الشافعيّة : يشترط في القراض أن يكون رأس المال مسلَّماً إلى العامل ، ويستقلّ باليد عليه والتصرّف فيه ، فلو شرط أن يكون الكيس في يده ويوفي الثمن منه إذا اشترى العامل شيئاً ، أو شرط أن يراجعه العامل في
التصرّف ، أو يراجع مُشْرفاً نصبه ، فسد القراض ؛ لأنّه [ قد ](١) لا يجده عند الحاجة ، أو لا يساعده على رأيه ، فيفوت عليه التصرّف الرابح ، والقراض موضوع تمهيداً وتوسيعاً لطريق التجارة ، ولهذا الغرض احتُمل فيه ضروب من الجهالة ، فيُصان عمّا يخلّ به.
ولو شرط أن يعمل معه المالك بنفسه ، فسد أيضاً ؛ لأنّ انقسام التصرّف يفضي إلى انقسام اليد ، ويُبطل الاستقلال(٢) .
وهذا ضعيف ؛ لأنّه يجوز أن يشترط المالك عليه نوعاً من التجارة ، أو السفر إلى بلدٍ بعينه ، أو عدم السفر. وبالجملة ، له أن يخصّص تجارته بنوعٍ دون غيره ، وببلدٍ دون غيره ، وبزمانٍ دون غيره ، ولم يعتبر الشارع هذه التضييقات ، فما نحن فيه أولى بعدم الالتفات ؛ لما فيه من حفظ رأس المال على صاحبه والزيادة في الربح ، وقد وافقنا بعض الشافعيّة(٣) على ما قلناه.
مسألة ٢١٠ : يجوز أن يشترط المالك على العامل أو العامل على المالك أن يعمل معه عبد المالك - وهو ظاهر كلام الشافعي ، وبه قال أكثر الشافعيّة(٤) - لأنّ العبد مال يدخل تحت اليد ، ولمالكه إعارته وإجارته ، فإذا دفعه إلى العامل فقد جعله معيناً وخادماً للعامل ، فوقع تصرّفه للعامل تبعاً
____________________
(١) ما بين المعقوفين أضفناه من « العزيز شرح الوجيز ».
(٢) الوجيز ١ : ٢٢١ ، الوسيط ٤ : ١٠٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٩ ، المغني ٥ : ١٣٨ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤١ - ١٤٢.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٩.
(٤) الحاوي الكبير ٧ : ٣١١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٩ ، الوسيط ٤ : ١٠٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٠ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٩ ، المغني ٥ : ١٣٨ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٢.
لتصرّفه ، ولأنّ ذلك عقد على أصلٍ يشترك ربّ المال والعامل على فائدته ، فجاز أن يشترط فيه على ربّ المال عمل غلامه ، كالمساقاة.
والقول الثاني للشافعي : إنّه لا يجوز ، كما لو شرط أن يعمل بنفسه ؛ لأنّ يد عبده يده في الحقيقة(١) .
والفرق : إنّ تصرّف العبد للعامل يقع تابعاً لتصرّف العامل ، بخلاف ما إذا شرط المالك أن يعمل بنفسه ، فإنّه لا وجه لجَعْله تابعاً ؛ لأنّ عمل ربّ المال لا يجوز أن يكون تابعاً لعمل العامل ، ولا يصحّ ضمّه إليه ، وعمل غلامه يصحّ أن يقع تابعاً لعمل العامل ، ولأنّ عمل غلامه مالٌ له ، فصحّ ضمّه إليه ، كما يصحّ أن يضمّ إليه بهيمة يعمل عليها ، فافترقا.
وموضع الخلاف بين الشافعيّة : ما إذا لم يحجر على العامل ، فأمّا إن صرّح بالحجر عليه بأن قال : على أن يعمل معك غلامي ولا تتصرّف دونه ، أو يكون بعض المال في يده ، فإنّه يفسد عندهم لا محالة(٢) .
ونحن نقول بالصحّة ؛ عملاً بالشرط.
ولو كان الغلام حُرّاً ، فإن شرط عليه العمل مع العامل جاز ، وكانا جميعاً عاملين.
وإن لم يشترط عليه عملاً ، لم يصح القراض ؛ لأنّ الربح لا يستحقّ إلّا بالمال أو العمل ، فكان الشرط فاسداً.
ولو شرط أن يكون الربح أثلاثاً : ثلث للمالك ، وثلث لعبده ، وثلث للعامل ، ولم يشرط عمل الغلام مع العامل ، صحّ شرطه له ؛ لأنّ ما شرطه للعبد فإنّما يكون مشروطاً لسيّده ، فكأنّهما شرطا لربّ المال الثلثين ،
____________________
(١) نفس المصادر في الهامش (٤) من ص ٣٣ ، ما عدا المغني والشرح الكبير.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٠.
وللعامل الثلث ، وبه قال الشافعي(١) أيضاً.
وكذا يجوز عندنا أن يشترط عمل الغلام وأن يكون له نصيب من الربح ؛ لأنّه في الحقيقة للسيّد ، خلافاً للشافعي في أحد القولين(٢) .
مسألة ٢١١ : لو شرط في المضاربة أن يعطيه بهيمةً يحمل عليها ، جاز ؛ لأنّه شرط سائغ لا ينافي الكتاب والسنّة ، فوجب الوفاء به ؛ عملاً بقولهعليهالسلام : « المسلمون عند شروطهم »(٣) وهو أصحّ قولَي الشافعيّة.
والثاني : المنع ؛ حملاً على المنع لو شرط أن يعمل معه غلام المالك(٤) ، وقد سبق(٥) .
مسألة ٢١٢ : قد بيّنّا أنّه يجوز القراض بالمال المشاع ، فلو كان بينه وبين غيره دراهم مشتركة فقال لشريكه : قارضتك على نصيبي منها ، صحّ ؛ إذ ليس فيه إلّا الإشاعة ، وأنّها لا تمنع صحّة التصرّفات.
فلو مزج ألفين له بألفٍ لغيره ثمّ قال صاحب الألفين للآخَر : قارضتك على أحدهما وشاركتك في الآخَر ، فإن قصد بالتجزية الإشاعةَ صحّ ، وإلّا فلا.
وعند الشافعيّة : يصحّ ، وانفرد العامل بالتصرّف في ألف القراض ،
____________________
(١) مختصر المزني : ١٢٢ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣١٠ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٣ ، البيان ٧ : ١٧١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٠.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٣١٠ ، البيان ٧ : ١٧١.
(٣) صحيح البخاري ٣ : ١٢٠ ، سنن الدار قطني ٣ : ٢٧ / ٩٨ و ٩٩ ، سنن البيهقي ٧ : ٢٤٩ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٤٩ و ٥٠ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٦ : ٥٦٨ / ٢٠٦٤ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٤ : ٢٧٥ / ٤٤٠٤.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٠.
(٥) في المسألة السابقة.
ويشتركان في التصرّف في [ باقي ](١) المال ، ولا يُخرّج على الخلاف في الصفقة الواحدة تجمع عقدين مختلفين ؛ لأنّهما جميعاً يرجعان إلى التوكيل بالتصرّف(٢) ، مع أنّ أصحّ القولين عندهم : إنّه لو دفع إليه كيسين في كلّ واحدٍ منهما ألف وقال : قارضتك على أحدهما : البطلان ؛ لعدم التعيين(٣) .
البحث الرابع : العمل.
العمل من العامل عوض ربح رأس المال المختصّ بالعامل ، وشرطه أن يكون تجارةً ، فلا يصحّ على الأعمال ، كالطبخ والخبز وغيرهما من الصنائع ؛ لأنّ هذه أعمال مضبوطة يمكن الاستئجار عليها ، فاستغني به عن القراض فيها ، وإنّما يسوغ القراض فيما لا يجوز الاستئجار عليه ، وهو التجارة التي لا يمكن ضبطها ولا معرفة قدر العمل فيها ولا قدر العوض ، والحاجة داعية إليها ، ولا يمكن الاستئجار عليها ، فللضرورة مع جهالة العوضين شُرّع عقد المضاربة.
وأمّا ما يتبع التجارة - كالنقل والكيل والوزن والنقد ونشر القماش وطيّه وغير ذلك - فإنّها لواحق التجارة وتابعة لها ، والتجارة إنّما هي الاسترباح بالبيع والشراء ، لا بالحِرَف والصنائع.
مسألة ٢١٣ : لو دفع إليه مالاً على أن يقارضه عليه وشرط أن يشتري - مثلاً - حنطةً يطحنها ، أو دقيقاً يخبزه ، أو طعاماً يطبخه ، أو غزلاً ينسجه ،
____________________
(١) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١١ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٠.
(٣) بحر المذهب ٩ : ١٩٣ ، الوسيط ٤ : ١٠٦ - ١٠٧ ، البيان ٧ : ١٦٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٩ ، روضة الطالبين ٤ : ١٩٩.
أو ثوباً يقصره أو يصبغه ثمّ يبيع ذلك ويقسّم الربح بينهما ، لم يصح ؛ لما تقدّم من أنّ الاسترباح بالقراض إنّما هو بالتجارة لا بالصنعة والحرفة.
أمّا لو اشترى العامل هذه الأعيان وفَعَل فيها هذه الصنائع من غير شرطٍ ، فإنّه يصحّ ، ولا يخرج الدقيق ولا الخبز ولا المطبوخ ولا الثوب المنسوج أو المقصور أو المصبوغ عن كونه رأس مال القراض - وهو أحد قولَي الشافعيّة(١) - ويكون القراض بحاله ، كما لو زاد عبد القراض بِكبَرٍ أو بسمنٍ أو تعلّم صنعةٍ ، فإنّه لا يخرج بذلك عن كونه مالَ القراض ، كذا هنا.
والقول الثاني للشافعيّة : إنّه تخرج هذه الأعيان عن كونها مالَ القراض ، فلو لم يكن في يده غير ذلك انفسخ القراض ؛ لأنّ الربح حينئذٍ لا يحال على البيع والشراء فقط ، بل على التغيير الحاصل في مال القراض بفعله ، وغير التجارة لا يُقابَل بالربح المجهول(٢) .
وما ذكرناه أصحّ ، وهذه الصفات لا تُخرج الأعيان عن كونها مالَ قراضٍ ، كسمن العبد وكِبَره.
وعلى قولهم هذا لو أمر المالك العاملَ بأن يطحن حنطة مال القراض ، كان فاسخاً للعقد(٣) .
والحقّ ما قلناه من عدم الفسخ ، لكنّ العامل إذا اشتغل بالطحن صار ضامناً ، وعليه غرم ما ينقص من قيمةٍ وعينٍ إن وُجد نقصٌ في الدقيق ، فإن باعه لم يكن الثمن مضموناً عليه ؛ لأنّه لم يتعدّ فيه ، ولا يستحقّ العامل بهذه الصناعات أُجرةً على المالك ، ولو استأجر عليه أجيراً فالأُجرة عليه ، والربح بينه وبين المالك كما شرطا.
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١١ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٠.
مسألة ٢١٤ : لو دفع إليه دراهم قراضاً على أن يشتري بها نخيلاً أو دوابّ أو مزارع ويمسك رقابها لثمارها أو نتاجها أو غلّاتها ، وتكون الفوائد بينهما ، بطل القراض - وبه قال الشافعي(١) - لأنّه ليس استرباحاً بالتجارة ؛ لأنّ التجارة قد بيّنّا أنّها التصرّف بالبيع والشراء ، وهذه الفوائد تحصل من عين المال ، لا من تصرّف العامل ، ولأنّ عقد المضاربة يقتضي التصرّف في رقبة المال ؛ لأنّه مضاربة بالمال ، بخلاف المساقاة ؛ لأنّ عقدها [ لا ] يقتضي ذلك ، فحينئذٍ يصحّ الشراء بالإذن ، ويكون الحاصل بأجمعه للمالك ؛ لأنّه نماء عينه ، وعليه أُجرة المثل للعامل.
هذا في النخل والشجر والدوابّ ، أمّا المزارع فإن كان البذر من مال القراض أو من المالك فكذلك ، وإن كان من غيره فالنماء لذلك الغير ، وعلى ذلك الغير أُجرة الأرض.
ولو دفع إليه بهيمةً وقال : تكريها وتنقل عليها والحاصل بيننا ، لم يصح ، ولم يكن ذلك قراضاً ؛ لأنّ القراض يقتضي تصرّف العامل في رقبة المال ، فيكون ما حصل من المنفعة لصاحب البهيمة ، وعليه أُجرة المثل للعامل.
ولو دفع إلى صيّادٍ شبكةً وأمره بالاصطياد بها ، وما يحصل يكون بينهما ، لم تصح هذه المعاملة أيضاً - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّها ليست بشركةٍ ولا قراضٍ ولا إجارةٍ ، فإن اصطاد بها شيئاً مَلَكه الصائد ، دون صاحب الشبكة ، وعليه أُجرة الشبكة لصاحبها.
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ١٩٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٥ ، البيان ٧ : ١٧٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠١.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٣١٠ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٠ ، البيان ٧ : ١٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠١.
والفرق بين الشبكة والدابّة ظاهر ؛ لأنّ العمل في الدابّة حاصل من الدابّة ؛ لأنّ العمل والحمل منها ، فكانت الأُجرة لصاحبها ، وأمّا الاصطياد فالعمل فيه للصائد ، والشبكة تبع لعمله ؛ لأنّها آلة له ، فكان الحاصل له ، دون صاحب الشبكة.
مسألة ٢١٥ : لو دفع إلى رجلٍ أرضاً وقال له : اغرسها كذا وكذا على أن يكون الغرس بيننا نصفين والأرض بيننا نصفين ، لم تصح هذه المغارسة ؛ لأنّها ليست بشركةٍ ولا قراضٍ ، وليست بيعاً لنصف الأرض بنصف الغراس ؛ لأنّه إنّما شرط ذلك إذا ثبت غراساً وقراضاً ، وذلك مجهول ، ولأنّه يشتمل على تعليق البيع بشرطٍ ، وهو باطل.
أمّا لو باعه نصف الغرس قبل أن يغرسه أو بعد ما غرسه بنصف الأرض ، جاز ، وكانت الأرض والغراس بينهما.
إذا ثبت هذا ، فالغرس في الصورة الأُولى لصاحبه ، ويكون عليه أُجرة الأرض للمالك ؛ لأنّه بذل له نصف الأرض بعوضٍ ، فإذا لم يثبت له العوض وجب له أُجرة المثل.
ثمّ يُنظر فإن لم يكن في قلع الغراس ضرر بأن لا ينقص بالقلع ، كان لصاحب الأرض مطالبته بقلعه.
وإن كان ينقص بالقلع ، لم يكن له مطالبته بقلعه ، إلّا أن يضمن له أرش ما ينقص بالقلع ؛ لأنّه غرسه فيه بإذنه ، فلم يكن له مطالبته بإزالته مع الإضرار به ، بخلاف الزرع إذا كان في أرضه بإذنه حيث قال بعض الشافعيّة : ليس له مطالبته بقلعه ؛ لأنّ الزرع له أمد ينتهي إليه لا يطول بقاؤه فيها ، بخلاف الغرس ، ولأنّ الزرع إذا قُطع لم يمكن زرعه في موضعٍ آخَر ،
بخلاف الغرس(١) .
فإن قال صاحب الغرس : لا تقلعه وعلَيَّ أُجرة الأرض ، لم يُجبر صاحب الأرض عليه ؛ لأنّ أحداً لا يملك الانتفاع بملك غيره بأُجرته إلّا برضاه.
ولو انعكس الفرض ، فقال صاحب الأرض : أقرّه في الأرض وادفع إلَيَّ الأُجرة ، وقال الغارس : اقلعه وعليك ما نقص ، لم تجب إجابته ؛ لأنّ صاحب الغرس لا يُجبر على اكتراء الأرض له.
ولو قال صاحب الأرض : خُذْ قيمته ، وقال الغارس : بل أقلعه وعلَيَّ ما نقص ، فالقول قول الغارس ؛ لأنّا لا نجبره على بيع ماله.
ولو قال ربّ الأرض : اقلعه وعلَيَّ ما نقص ، وقال الغارس : ادفع إلَيَّ قيمته ، قدّم قول صاحب الأرض ؛ لأنّا لا نجبره على ابتياع مال غيره.
ولو قال ربّ الأرض : خُذ القيمة ، وقال الغارس : خُذ الأُجرة وأقرّه في الأرض ، أو قال الغارس : ادفع إلَيَّ قيمته ، وقال ربّ المال : ادفع إلَيَّ الأُجرة وأقرّه ، لم يُجبَر واحد منهما على ذلك.
مسألة ٢١٦ : إذا أذن المالك للعامل في التصرّف وأطلق ، اقتضى الإطلاق فعل ما يتولّاه المالك من عرض القماش على المشترين والراغبين ونشره وطيّه وإحرازه وبيعه وقبض ثمنه وإيداعه الصندوق واستئجار ما يعتاد للاستئجار له ، كالدلّال والوزّان والحمّال.
ولو استأجر لما يجب عليه مباشرته ، كانت الأُجرة عليه خاصّةً ، ولو عمل بنفسه ما يستأجر له عادةً ، لم يستحق أُجرةً ؛ لأنّه متبرّع في ذلك ،
____________________
(١) راجع : التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٩ ، والعزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٣ ، وروضة الطالبين ٣ : ١٩٩.
وفي الأوّل استأجر لما يجب عليه فعله ، فتكون الأُجرة عليه.
مسألة ٢١٧ : لو خصّص المالك الإذنَ ، تخصّص ، فلا يجوز للعامل التعدّي ، فإن خالف ضمن ، ولا يبطل القراض بالتخصيص ، فلو قال له : لا تشتر إلّا من رجلٍ بعينه ، أو سلعة بعينها ، أو لا تبع إلّا على زيد ، أو لا تشتر إلّا ثمرة بستانٍ معيّن ، أو نخلة بعينها ، أو لا تشتر إلّا ثوباً بعينه ، جاز ، ولزم هذا الشرط ، وصحّ القراض ، سواء كان وجود ما عيّنه عامّاً في الأصقاع والأزمان ، أو في أحدهما ، أو خاصّاً فيهما ، وسواء قلّ وجوده وعزّ تحصيله وكان نادراً ، أو كثر ، عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة وأحمد(١) - لأنّه لـمّا جاز أن تكون المضاربة خاصّةً في نوعٍ جاز أن تكون خاصّةً في رجلٍ بعينه أو سلعةٍ بعينها ، كالوكالة.
ولما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام : في الرجل يعطي الرجل مضاربةً فيخالف ما شرط عليه ، قال : « هو ضامن ، والربح بينهما »(٢) .
وفي الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أحدهماعليهماالسلام ، قال : سألته عن الرجل يعطي المال مضاربةً وينهى أن يخرج به ، فيخرج به ، قال : « يضمن المال ، والربح بينهما »(٣) .
وفي الصحيح عن رجلٍ(٤) عن الصادقعليهالسلام : في رجلٍ دفع إلى رجلٍ
____________________
(١) تحفة الفقهاء ٣ : ٢٢ ، بدائع الصنائع ٦ : ٩٨ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٣١ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٨٧ / ٣٤٥٤ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٠٤ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٣٨ ، الاستذكار ٢١ : ١٤١ / ٣٠٨١٥ ، عيون المجالس ٤ : ١٧٨٥ / ١٢٤٩ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٣ ، المغني ٥ : ١٨٤ ، الشرح الكبير ٥ : ١٢٥.
(٢) التهذيب ٧ : ١٩٠ / ٨٣٨.
(٣) التهذيب ٧ : ١٨٩ / ٨٣٦.
(٤) كذا قوله : « رجل » في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة ، وبدله في المصدر : « جميل ».
مالاً يشتري به ضرباً من المتاع مضاربةً ، فذهب فاشترى غير الذي أمره ، قال : « هو ضامن ، والربح بينهما على ما شرط »(١) .
وقال الشافعي ومالك : يشترط في صحّة القراض أن لا يضيّق المالك على العامل بالتعيين ، فلو عيّن المالك نوعاً بعينه ، فإن كان ممّا يندر وجوده كالياقوت الأحمر والخَزّ الأدكن والخيل البُلق والصيد حيث يوجد نادراً ، فسد القراض ؛ لأنّ هذا تضييق يُخلّ بمقصوده ، وهو التقليب وطلب الربح.
وإن لم يكن نادرَ الوجود فإن كان ممّا يدوم شتاءً وصيفاً - كالحبوب والحيوان والخَزّ والبَزّ - صحّ القراض ، وإن لم يدم كالثمار الرطبة ، فوجهان ، أحدهما : إنّه لا يجوز ، كما إذا قارضه مدّةً معيّنة ، ومَنَعه من التصرّف بعدها.
ولو قال : لا تشتر إلّا من رجلٍ بعينه ، أو سلعة بعينها ، لم يصح القراض - وبه قال مالك - لأنّ ذلك [ يمنع ](٢) مقصود القراض ، وهو التقليب وطلب الربح ، لأنّه إذا لم يشتر إلّا من رجلٍ بعينه فإنّه قد لا يبيعه ، وقد يطلب منه أكثر من ثمنه ، وكذا السلعة ، وإذا كان كذلك لم يصح ، كما لو قال : لا تبع ولا تشتر إلّا من فلان(٣) .
والجواب : نمنع كون هذا الشرط مانعاً من مقصود القراض.
نعم ، إنّه يكون مخصّصاً للإطلاق ، وذلك جائز بالإجماع ، فكذا هنا.
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٩٣ / ٨٥٣.
(٢) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.
(٣) الحاوي الكبير ٧ : ٣١٤ - ٣١٦ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٦ - ١٩٧ ، الوسيط ٤ : ١٠٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٤ ، البيان ٧ : ١٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠١ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٨٧ / ٣٤٥٥ ، الاستذكار ٢١ : ١٤١ / ٣٠٨١٣ ، و ١٤٢ / ٣٠٨١٨ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٣٨ ، عيون المجالس ٤ : ١٧٨٤ / ١٢٤٩ ، المغني ٥ : ١٨٤ ، الشرح الكبير ٥ : ١٢٥ - ١٢٦.
فروع :
أ - لو شرط أن لا يشتري إلّا نوعاً بعينه ، وذلك النوع يوجد في بعض السنة وينقطع ، جاز عندنا وعند أكثر الشافعيّة(١) .
وقال بعضهم : لا يجوز(٢) ؛ لأنّ الشافعي قال بعد هذه المسألة : وإن اشترط أن يشتري صيداً موجوداً كما إذا قارضه مدّةً وشرط أنّها إذا انقضت لا يبيع ولا يشتري ، فإنّه لا يصحّ القراض(٣) .
والصحيح عندهم : الأوّل(٤) ؛ لأنّ ذلك لا يمنع مقصود المضاربة ، بخلاف ما إذا قدّره بمدّةٍ ؛ لأنّه قد تنقضي المدّة وبيده أعيان لا فائدة فيها إلّا ببيعها ، فإذا منعه البيع تعذّر المقصود بالمضاربة ، وما ذكرناه لا يوجد فيه ذلك ، فافترقا ، على أنّا نمنع بطلان القراض مع الاقتران بالمدّة ، أقصى ما في الباب أنّ هذا التأقيت لا يفيد إلّا منع العامل من العمل بعدها ،
ب - لو قال : اشتر هذا الشيء - وكان ممّا ينقطع - فإذا انقطع فتصرَّف في كذا ، جاز.
أمّا عندنا : فظاهر.
وأمّا عند الشافعي : فلدوام القراض(٥) .
ج - لا فرق عندنا بين أن يقول : لا تشتر إلّا هذه السلعة وإلّا هذا العبد ، وبين أن يقول : لا تشتر هذا العبد ولا هذه السلعة في الجواز.
____________________
(١ و ٢ و ٤) حلية العلماء ٥ : ٣٤٥.
(٣) لم نهتد إلى مظانّه فيما بين أيدينا من المصادر.
(٥) راجع : بحر المذهب ٩ : ١٩٧ ، والتهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٤ - ٣٨٥ ، والبيان ٧ : ١٧٣ ، والعزيز شرح الوجيز ٦ : ١٣ ، وروضة الطالبين ٤ : ٢٠١.
ومَنَع الشافعي من الأوّل - كما تقدّم(١) - دون الثاني ؛ لأنّ للعامل السعي فيما سواهما ، وهو كثير لا ينحصر(٢) .
د - لا فرق عندنا بين أن يقول المالك : لا تبع إلّا من فلان ولا تشتر إلّا من فلان ، وبين أن يقول : لا تبع من فلان ، أو لا تشتر منه في جواز القراض ووجوب الامتثال.
وفرّق أكثر الشافعيّة فجوّزوا الثاني دون الأوّل(٣) على ما مرّ(٤) .
وقال بعضهم : إنّ الثاني لا يجوز أيضاً كالأوّل(٥) .
ه - لا فرق بين أن يعيّن شخصاً للمعاملة وسلعةً للشراء لا ينقطع عنده المتاع الذي يتّجر على نوعه غالبا ، وبين شخصٍ ينقطع عنده ذلك المتاع الذي يتّجر على نوعه غالباً في جواز القراض معهما.
وأكثر الشافعيّة على عدم الفرق في عدم الجواز معهما(٦) .
وقال بعض الشافعيّة : يجوز في الأوّل دون الثاني ، فقال : إذا كان الشخص - الذي نصّ المالك على تعيين المعاملة معه - بيّاعاً لا ينقطع عنده المتاع الذي يتّجر على نوعه غالباً ، جاز تعيينه(٧) .
مسألة ٢١٨ : يجوز للمالك أن يطلق المشيئة إلى العامل في شراء أيّ نوعٍ شاء وبيع أيّ نوعٍ أراد ، ولا يشترط في صحّة القراض تعيين نوعٍ يتصرّف فيه العامل ؛ لأنّ الغرض تحصيل الفائدة والاسترباح ، فربما رأى العامل المصلحة في نوعٍ يخفى عن المالك ، فكان له أن يفوّض الأمر إليه
____________________
(١) في ص ٤٢.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠١.
(٣ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠١.
(٤) في ص ٤٢.
(٦ و ٧) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠١.
تحصيلاً للغاية الذاتيّة.
وللشافعيّة قولان في اشتراط تعيين نوعٍ يتصرّف فيه العامل ، كالخلاف في الوكالة.
والظاهر عندهم : إنّه لا يشترط ؛ لأنّ الوكالة نيابة محضة ، والحاجة تمسّ إليها في الأشغال الخاصّة ، والقراض معاملة يتعلّق بها غرض كلّ واحدٍ من المتعاقدين ، فمهما كان العامل أبسط يداً كان أفضى إلى مقصودها(١) .
ونحن نجوّز تعميم المشيئة للوكيل.
مسألة ٢١٩ : لا خلاف في أنّه إذا جرى تعيين صحيح ، لم يكن للعامل مجاوزته ، ولا له العدول عنه ، كما في سائر التصرّفات المستفادة من الإذن ، فإن تجاوز ضمن ، وإن ربح كان الربح بينهما على ما شرطاه ؛ لما تقدّم(٢) من الروايات.
ولما رواه أبو بصير عن الصادقعليهالسلام في الرجل يعطي الرجل مالاً مضاربةً وينهاه عن أن يخرج به إلى أرض أُخرى ، فعصاه ، فقال : « هو له ضامن ، والربح بينهما إذا خالف شرطه وعصاه »(٣) .
إذا عرفت هذا ، فالإذن في البزّ يتناول كلّ ما يُلبس من المنسوج من الإبريسم أو القطن أو الكتّان أو الصوف ، ولا يتناول البُسُط والفُرُش.
وفي الأكسية احتمال ؛ لأنّها ملبوسة ، لكن بائعها لا يُسمّى بزّازاً.
والأقرب : اتّباع الاسم.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٣ - ١٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٢.
(٢) في ص ٤١ - ٤٢.
(٣) تقدّم تخريجه في ص ٨ ، الهامش (٩)
وللشافعيّة فيه وجهان(١) .
مسألة ٢٢٠ : قد بيّنّا أنّ المضاربة عقد جائز من الطرفين لكلٍّ منهما فسخها متى شاء ، وهي تتضمّن تصرّف العامل في رقبة مال ربّ المال بإذنه ، فكان جائزاً كالوكالة ، فلا معنى للتأقيت فيها ، ولا يعتبر فيها بيان المدّة ، بخلاف المساقاة ؛ لأنّ العامل في المساقاة لا يتصرّف في رقبة المال ، وإنّما يعمل في إصلاح المال ، ولهذا افتقرت المساقاة إلى مدّةٍ معلومة ، والمقصود من المساقاة الثمرة ، وهي تنضبط بالمدّة ، فإنّ للثمرة أمداً معيّناً ووقتاً مضبوطاً ، أمّا المقصود من القراض فليس له مدّة مضبوطة ، فلم يشترط فيه التأقيت.
إذا عرفت هذا ، فلو وقّت القراض فقال : قارضتك على هذا المال سنةً ، فلا يخلو إمّا أن يُطلق أو يُقيّد.
فإن أطلق واقتصر ، لم يلزم التأقيت ، ولكلٍّ من المالك والعامل فسخ القراض قبل السنة.
نعم ، إنّه يفيد منع العامل بعد ذلك من التصرّفات إلّا بإذنٍ مستأنف ؛ لأنّ الأصل عصمة مال الغير ، ومنع الغير من التصرّف فيه إلّا بإذن مالكه ، والإذن لم يقع عامّاً ، فيتبع ما عيّنه المالك.
وإن قيّد فقال : قارضتك سنةً فإذا انقضت لا تبع ولا تشتر ، فالأقوى(٢) عندي : الجواز ؛ عملاً بالشرط ، ولأنّه مقتضى الإطلاق.
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٣١٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٣ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٧ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٥ ، البيان ٧ : ١٧٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٢.
(٢) في « ث ، ج ، ر » : « فالأقرب » بدل « فالأقوى ».
وقال الشافعي : يبطل القراض ؛ لأنّه شرط شرطاً فاسداً فأفسده ؛ لأنّ عقد القراض يقع مطلقاً ، فإذا شرط قطعه لم يصح ، كالنكاح ، ولأنّ هذا الشرط ليس من مقتضى العقد ، ولا له فيه مصلحة ، فلم يصح ، كما لو قال : على أن لا تبع ، وإنّما لم يكن من مقتضاه ؛ لأنّ القراض يقتضي ردّ رأس المال تامّاً ، فإذا منعه من التصرّف لم يكن له ذلك ، ولأنّ هذا الشرط يؤدّي إلى الإضرار بالعامل وإبطال غرضه ؛ لأنّ الربح والحظّ قد يكون في تبقية المتاع وبيعه بعد سنةٍ ، فيمنع ذلك مقتضاه(١) .
ونحن نمنع فساد العقد ؛ فإنّه المتنازع. نعم ، إنّه لا يلزم وقوع العقد مطلقاً ، ولا ينافي قطعه بالشرط ، كسائر الشروط في العقود ، والمقيس عليه ممنوع على ما يأتي ، وإنّما يقتضي القراض ردّ رأس المال لو لم يمنعه المالك ، وبالشرط قد منعه ، وإضرار العامل ينتفي بدفع أُجرته إليه ، ومراعاة مصلحة العامل كمراعاة مصلحة المالك ، فقد يكون المالك محتاجاً إلى رأس ماله.
مسألة ٢٢١ : لو قال : قارضتك سنةً على أنّي لا أملك منعك فيها ، فسد القراض ؛ لأنّ القراض من العقود الجائزة لكلٍّ من المتعاقدين فسخه ، فلا يجوز أن يشترط فيه لزومه ، كالشركة والوكالة ؛ لأنّه شرط ما ينافي مقتضى العقد ، وكذا لو قال : قارضتك سنةً على أنّي(٢) لا أملك الفسخ قبل
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٣١١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٣ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٥ ، الوجيز ١ : ٢٢٢ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٣ ، البيان ٧ : ١٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٢ ، المغني ٥ : ١٨٥ - ١٨٦ ، الشرح الكبير ٥ : ١٣٨.
(٢) في « خ » والطبعة الحجريّة : « أن » بدل « أنّي ».
انقضائها ، وبه قال الشافعي(١) أيضاً.
ولو قال : قارضتك سنةً فإذا انقضت السنة فلا تشتر بعدها وبِعْ ، صحّ القراض ، وبه قال الشافعي(٢) أيضاً ، وكذا لو قال : قارضتك سنةً على أن لا تشتر بعد السنة ولك البيع ؛ لأنّ لصاحب المال أن يرجع عن القراض أيّ وقتٍ شاء ، ويتمكّن من منع العامل من الشراء مهما شاء ، فإذا شرط منعه من الشراء ، كان قد شرط ما يقتضيه الإطلاق ، فلا يمنع ذلك صحّة العقد.
ولو قال : قارضتك سنةً فإذا مضت فلا تبع بعدها ، فالأقرب : الصحّة.
وقال الشافعي : إنّه يبطل ، وصار كما لو شرط منعه من التصرّف مطلقاً بعد السنة ؛ لأنّه يُخلّ بمقصود العقد ، ويخالف مقتضاه.
أمّا أنّه يُخلّ بالمقصود : فلأنّه قد لا يجد راغباً في المدّة ، فلا تحصل التجارة والربح.
وأمّا مخالفة مقتضاه : فلأنّه قد يكون عنده عروض عند انقضاء السنة ، وقضيّة عقد القراض أن ينضّ العامل ما في يده في آخر الآمر ليتميّز رأس المال عن الربح(٣) .
وقد بيّنّا أنّ للعامل مع فسخ العقد الأُجرة ، وهو يدفع المحاذير.
ولو قال : قارضتك سنةً ، وأطلق ، فقد بيّنّا الجواز عندنا ، وعدم
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٣١١ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٤ ، البيان ٧ : ١٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٢.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٣١٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٣ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٥ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٤ ، البيان ٧ : ١٧١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٢.
(٣) الوسيط ٤ : ١٠٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٢.
اللزوم.
وللشافعيّة وجهان :
أصحّهما عندهم : المنع ؛ لأنّ قضيّة انتفاء القراض امتناع التصرّف بالكلّيّة ، ولأنّ ما يجوز فيه الإطلاق من العقود لا يجوز فيه التأقيت ، كالبيع والنكاح.
والثاني : يجوز ، ويُحمل على المنع من الشراء دون البيع ، استدامةً للعقد(١) .
على أنّ لهم وجهاً ضعيفاً فيما إذا قارضه سنةً وشرط أن لا يشتري بعدها ، قاضياً بالبطلان ؛ لأنّ ما وضعه على الإطلاق من العقود لا يجوز فيه التأقيت(٢) .
لكن المعتمد عندهم : الجواز(٣) .
تذنيب : لو قال : قارضتك الآن ولكن لا تتصرّف حتى يجيء رأس الشهر ، جاز ؛ عملاً بمقتضى الشرط - وهو أحد وجهي الشافعيّة - كما جاز في الوكالة.
والثاني - وهو الأصحّ عندهم - : المنع ، كما لو قال : بعتك بشرط أن لا تملك إلّا بعد شهرٍ(٤) .
____________________
(١) الوسيط ٤ : ١١٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٤ ، البيان ٧ : ١٧١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٢.
(٢ و ٣) الوسيط ٤ : ١١٠ ، البيان ٧ : ١٧١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٢.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٢.
والفرق ظاهر.
البحث الخامس : في الربح.
وشروطه أربعة :
الأوّل : اختصاصه بالمتعاقدين ، فلو شرط بعض الربح لغيرهما ، لم يصح ، سواء كان قريباً أو بعيداً ، كما لو قال : على أن يكون لك ثلث الربح ، ولي الثلث ، ولزوجتي أو لابني أو لأجنبيٍّ الثلثُ الآخَر ، ويبطل القراض ؛ لأنّه ليس بعاملٍ ولا مالكٍ للمال.
أمّا لو شرط عمل الثالث فإنّه يصحّ ، ويكون في الحقيقة هنا عاملان لا واحد.
ولو كان المشروط له عبدَ المالك أو عبدَ العامل ، فقد بيّنّا أنّه يجوز ؛ لأنّه يكون ما شرطه للعبد للمالك ، فقد ضمّ المالك أو العامل إلى حصّته حصّةً أُخرى.
ولو قال : نصف الربح لك ونصفه لي ومن نصيبي نصفه لزوجتي ، صحّ القراض ، وكان ما عيّنه للزوجة وعداً منه لها إن شاء أعطاها وإن شاء منعها.
ولو قال للعامل : لك الثلثان على أن تعطي امرأتَك نصفَه أو ابنك ، لم يلزم الشرط ، فإن أوجبه فالأقوى : البطلان.
وقال بعض الشافعيّة : إن أوجب ذلك عليه فسد القراض ، وإلّا
لم يفسد(١) .
الشرط الثاني : أن يكون الربح مشتركاً بينهما ، فلو شرط أن يكون جميع الربح للمالك بأن قال : قارضتك على أن يكون جميع الربح لي ، فسد القراض - وبه قال الشافعي(٢) - لمنافاة الشرط مقتضاه ؛ فإنّ مقتضاه الاشتراك في الربح ؛ لأنّ إسحاق بن عمّار سأل الكاظمَعليهالسلام : عن مال المضاربة ، قال : « الربح بينهما ، والوضيعة على المال »(٣) .
وقال أبو حنيفة : إنّه يبطل القراض ، ويكون بضاعةً(٤) .
وقال مالك : يصحّ القراض ، ويكون الربح للمالك ؛ عملاً بشرطه ، لأنّهما دخلا في القراض ، فإذا شرط الربح لأحدهما جعل كأنّه وهب له الآخَر نصيبه ، فلا يمنع ذلك صحّة العقد(٥) .
وهو غلط ؛ لأنّ الهبة لا تصحّ قبل حصول الموهوب.
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ١٩٥ ، البيان ٧ : ١٧٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٣.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٣٣٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٢ ، بحر المذهب ٩ : ٢١٩ ، الوسيط ٤ : ١١١ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨١ ، البيان ٧ : ١٦٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٣ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٢ / ١١١٦ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٨١ / ٣٤١٩ ، المغني ٥ : ١٤٤ ، الشرح الكبير ٥ : ١٣٢.
(٣) التهذيب ٧ : ١٨٨ / ٨٢٩ ، الاستبصار ٣ : ١٢٦ / ٤٥٢.
(٤) الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٢٨ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٢ : ٢٤ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٠٢ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٨١ / ٣٤١٨ ، بحر المذهب ٩ : ٢٢٠ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٢ - ٣٣٣ ، البيان ٧ : ١٦٨ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٢ - ٦٤٣ / ١١١٦ ، المغني ٥ : ١٤٤ - ١٤٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١٣٢.
(٥) الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٢ / ١١١٦ ، المعونة ٢ : ١١٢٣ ، بحر المذهب ٩ : ٢٢٠ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٦ ، المغني ٥ : ١٤٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١٣٢.
ولو قال : قارضتك على أن يكون جميع الربح لك ، فسد القراض أيضاً عندنا - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(١) - لما تقدّم(٢) .
وقال مالك : يصحّ ، ويكون الربح بأسره للعامل ؛ لأنّهما دخلا في القراض ، فإذا شرط الربح للعامل أو المالك ، كان لمن جعل له ، كأنّ المالك قد وهبه نصيبه من الربح ، فلا يمنع ذلك صحّة العقد(٣) .
وقد تقدّم(٤) بطلانه ، وأنّ هذا الشرط منافٍ للقراض ؛ لاقتضاء القراض كون الربح بينهما ؛ لأنّه عبارة عن أن يكون من أحدهما المال ومن الآخَر العمل ، وذلك يقتضي الاشتراك ، فإذا شرطا ما يخالف ذلك فسد ، كشركة العنان إذا شرطا أن يكون الربح لأحدهما.
إذا عرفت هذا ، فإذا قال : قارضتك على أن يكون الربح كلّه لك ، فالقراض فاسد.
وما حكمه؟ للشافعيّة وجهان :
أحدهما : إنّه قراض فاسد ؛ رعايةً للّفظ.
والثاني : إنّه قرض صحيح ؛ رعايةً للمعنى(٥) .
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٣٣٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٢ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٢ - ٣٣٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨١ ، البيان ٧ : ١٦٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٣ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٢٨ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٣٨ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٢ / ١١١٦ ، المعونة ٢ : ١١٢٣ ، المغني ٥ : ١٤٤ ، الشرح الكبير ٥ : ١٣٢.
(٢) في ص ٥١.
(٣) بداية المجتهد ٢ : ٢٣٨ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٢ / ١١١٦ ، المعونة ٢ : ١١٢٣ ، بحر المذهب ٩ : ٢٢٠ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٦ ، المغني ٥ : ١٤٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١٣٢.
(٤) في ص ٥١.
(٥) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨١ ، البيان ٧ : ١٦٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٥ - ١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٣.
ولو قال : قارضتك على أنّ الربح كلّه لي ، فهو قراض فاسد أو إبضاع؟ فيه الوجهان للشافعيّة(١) .
أمّا لو قال : خُذْ هذه الدراهم وتصرَّفْ فيها والربح كلّه لك ، فهو قرض صحيح ، وبه قال ابن سريج(٢) ، بخلاف ما لو قال : قارضتك على أنّ الربح كلّه لك ؛ لتصريح اللّفظ بعقدٍ آخَر.
وقال بعض الشافعيّة : لا فرق بين الصورتين(٣) .
وليس جيّداً.
وعن بعضهم : إنّ الربح والخسران للمالك ، وللعامل أُجرة المثل ، ولا يكون قرضاً ؛ لأنّه لم يملكه(٤) .
ولو قال : تصرَّفْ في هذه الدراهم والربح كلّه لي ، فهو إبضاع.
مسألة ٢٢٢ : لو ضمّن المالكُ العاملَ ، انقلب القراض قرضاً ، وكان الربح بأسره للعامل ؛ لأنّ عقد القراض ينافي الضمان.
ولما رواه محمّد بن قيس عن الباقرعليهالسلام قال : « مَنْ ضمّن مُضاربه فليس له إلّا رأس المال ، وليس له من الربح شيء »(٥) .
وعن محمّد بن قيس عن الباقرعليهالسلام قال : « مَنْ ضمّن تاجراً فليس له إلّا رأس ماله ، وليس له من الربح شيء »(٦) .
إذا عرفت هذا ، فإن أراد المالك الاستيثاق ، أقرضه بعضَ المال ،
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ٢٢٠ ، البيان ٧ : ١٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٣.
(٢) البيان ٧ : ١٦٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٣.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٣.
(٥) التهذيب ٧ : ١٨٨ / ٨٣٠ ، الاستبصار ٣ : ١٢٦ - ١٢٧ / ٤٥٣.
(٦) الكافي ٥ : ٢٤٠ / ٣ ، التهذيب ٧ : ١٩٢ - ١٩٣ / ٨٥٢.
وضاربه على الباقي ، ويكون ذلك قرضاً صحيحاً وقراضاً جائزاً ؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما سائغ ، ولم يحدث عند الاجتماع شيء زائد.
ولما رواه عبد الملك بن عتبة قال : سألتُ بعضَ هؤلاء - يعني أبا يوسف وأبا حنيفة - فقلت: إنّي لا أزال أدفع المال مضاربةً إلى الرجل فيقول : قد ضاع ، أو قد ذهب ، قال : فادفع إليه أكثره قرضاً والباقي مضاربةً ، فسألت أبا عبد الله الصادقعليهالسلام عن ذلك ، فقال : « يجوز »(١) .
وسأل عبدُ الملك بن عتبة الكاظمَعليهالسلام : هل يستقيم لصاحب المال إذا أراد الاستيثاق لنفسه أن يجعل بعضه شركةً ليكون أوثق له في ماله؟ قال : « لا بأس به »(٢) .
الشرط الثالث : أن تكون الحصّة لكلٍّ منهما معلومة ، فلو قارضه على أن يكون له في الربح شركة أو نصيب أو حصّة أو شيء أو سهم أو حظّ أو جزء ، ولم يبيّن ، بطل القراض ، ولا(٣) يحمل الشيء ولا السهم ولا الجزء على الوصيّة ؛ اقتصاراً بالنقل على مورده ، ولا خلاف في بطلان القراض مع تجهيل الربح.
ولو قال : خُذْه مضاربةً ولك من الربح مثل ما شرطه فلان لعامله ، فإن علما معاً ما شرطه فلانٌ صحّ ؛ لأنّهما أشارا إلى معلومٍ عندهما ، ولو جهلاه معاً أو أحدهما بطل القراض ؛ لأنّه مجهول.
ولو قال : والربح بيننا ، ولم يقل : نصفين ، صحّ ، وحُكم بالنصف للعامل والنصف للمالك ، كما لو أقرّ بالمال ، ولو قال : إنّه بيني وبين فلان ،
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٨٨ - ١٨٩ / ٨٣٢ ، الاستبصار ٣ : ١٢٧ / ٤٥٥.
(٢) التهذيب ٧ : ١٨٩ / ٨٣٣ ، الاستبصار ٣ : ١٢٧ / ٤٥٦.
(٣) فيما عدا « ج » من النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « ولم » بدل « ولا ».
فإنّه يكون إقراراً بالنصف ، فكذا هنا ، والأصل في ذلك أصالة عدم التفاوت ، وقد أضاف الربح إليهما إضافة واحدة ، لم يرجّح فيها أحدهما على الآخَر ، فاقتضى التسوية ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة.
والثاني : الفساد ؛ لأنّه لم يبيّن ما لكلّ واحدٍ منهما ، فأشبه ما إذا شرطا أن يكون الربح بينهما أثلاثاً ، ولم يبيّن صاحب الثلثين مَنْ هو ، ولا صاحب الثلث مَنْ هو ، ولأنّ التثنية تصدق مع التفاوت كصدقها مع التساوي ، والعامّ لا دلالة له على الخاصّ(١) .
ونحن نمنع صدقها بالتواطؤ ، بل دلالتها على التنصيف أقوى ، وعليه يُحمل إطلاقها ، ويفتقر التفاوت إلى قرينةٍ.
مسألة ٢٢٣ : لو قال : خُذْ هذا المال مضاربةً ، ولم يُسمّ للعامل شيئاً من الربح ، فسد القراض ، وكان الربح بأسره لربّ المال ، وعليه أُجرة المثل للعامل ، والوضيعة على المالك - وبه قال الثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأحمد وأصحاب الرأي(٢) - لأنّ المضارب إنّما يستحقّ بالشرط ولم يوجد.
وقال الحسن وابن سيرين والأوزاعي : الربح بينهما نصفين ؛ لأنّه لو قال : والربح بيننا ، كان بينهما نصفين ، وكذا إذا لم يزد شيئاً(٣) .
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٣٤٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٢ ، الوسيط ٤ : ١١٣ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٠ ، البيان ٧ : ١٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٣.
(٢) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٣٩ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣٤٤ ، بحر المذهب ٩ : ٢١٧ - ٢١٨ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٣ ، المغني ٥ : ١٤٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٣١.
(٣) نفس المصادر ما عدا « الحاوي الكبير » و « بحر المذهب » و « حلية العلماء ».
وهو ممنوع ؛ لأنّ قوله : « مضاربةً » يقتضي أنّ له جزءاً من الربح مجهولاً ، فلا يصحّ.
ولو قال : على أنّ ثلث الربح لك وما بقي فثلثه لي وثلثاه لك ، صحّ.
وحاصله اشتراط سبعة أتساع الربح للعامل ؛ لأنّ الحساب من عدد لثلثه ثلاث ، وأقلّه تسعة.
هذا إذا علما عند العقد أنّ المشروط للعامل بهذه اللفظة كم هو ، فإن جهلاه أو أحدهما ، فوجهان للشافعيّة ، أحدهما : الصحّة(١) .
وهو حسن ؛ لسهولة معرفة ما تضمّنه اللّفظ.
وكذا لو قال : على أنّ لك من الربح سُدس رُبْع عُشْر الثُّمْن ، وهُما لا يعرفان قدره عند العقد ، أو أحدهما.
ولو قال : لك الرُّبْع ورُبْع الباقي ، فله ثلاثة أثمان ونصف ثُمنٍ ، سواء عرفا الحساب أو جهلاه ؛ لأنّها أجزاء معلومة.
ولو قال : لك ثلث الربح ورُبْع ما بقي ، فله النصف.
الشرط الرابع : أن يكون العلم به من حيث الجزئيّة المشاعة ، كالنصف أو الثلث أو الربع أو غير ذلك من الأجزاء الشائعة ، لا بالتقدير ، فلو قال : قارضتك على أنّ لك من الربح مائة والباقي بيننا بالسويّة ، فسد القراض ؛ لأنّه ربما لا يربح إلّا ذلك القدر ، فيلزم أن يختصّ به أحدهما.
وكذا إذا قال : على أنّ لي من الربح مائة والباقي بيننا ، لم يصح القراض.
وكذا لو قال : لك نصف الربح سوى درهم ، أو : لك نصف الربح
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٣.
ودرهم.
مسألة ٢٢٤ : لو دفع إليه ألفين وقال : قارضتك على هاتين الألفين على أن يكون لك ربح ألفٍ منهما ولي ربح الألف الأُخرى ، فإمّا أن تكونا متميّزتين أو ممتزجتين.
فإن كانتا متميّزتين وشرط تميّزهما ، لم يصح القراض ؛ لأنّه لا شركة بينهما في الربح ؛ إذ كلّ واحدةٍ من الألفين متميّزة عن الأُخرى ، وربح إحداهما بعينها للمالك لا يشاركه العامل فيه ، وربح الأُخرى بعينها للعامل لا يشاركه المالك فيه ، مع أنّ كلّ واحدةٍ منهما مال قراضٍ ، فلا يوجد فيه مقتضى القراض فيبطل ، ولأنّه ربما يختصّ الربح بإحداهما دون الأُخرى ، فيحصل كلّ الربح لأحدهما ويمنع الآخَر منه ، وذلك منافٍ لمقتضى القراض.
وإن كانتا ممتزجتين غير متميّزتين ، فالأقرب : الصحّة ، ويُحمل على الإشاعة والتسوية في الربح ؛ إذ لا فرق بين ذلك وبين قوله : الربح بيننا نصفين ، ولا بينه وبين أن يقول : نصف ربح الألفين لك ونصفه لي ، وهو قول بعض الشافعيّة(١) .
وقال ابن سريج : لا يصحّ ؛ لأنّه خصّصه بربح بعض المال ، فأشبه ما إذا كان الألفان متميّزين ، وما إذا دفع إليه ألفاً على أن يكون له ربحها ليتصرّف له في ألف أُخرى(٢) .
والفرق ظاهر.
ولو قال : على أنّ لي ربح أحد الثوبين ولك ربح الآخَر ، أو : على أنّ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٧.
لي ربح إحدى السفرتين ولك ربح الأُخرى ، أو : على أنّ لك ربح تجارة شهر كذا ولي ربح تجارة شهر كذا ، لم يصح.
إذا عرفت هذا ، فإذا دفع إليه مالاً قراضاً وشرط أن يكون له نصف ربحه ، جاز ، وكذا لو شرط له ربح نصفه.
ولو قال : على أنّ لك من الربح عشرةً ولي عشرة ، احتُمل البطلانُ ؛ لعدم العلم بحصولهما ، والصحّةُ إن قصد التناسب في مطلق الربح ، قلّ عن ذلك أو كثر أو ساواه.
مسألة ٢٢٥ : لو دفع إليه مالاً قراضاً وشرط عليه أن يولّيه سلعة كذا إذا اشتراها برأس المال ، احتُمل الصحّة ؛ عملاً بقولهعليهالسلام : « المسلمون(١) عند شروطهم »(٢) ، والبطلانُ - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّه ربما لا يحصل الربح إلّا منها.
ولو شرط أن يلبس الثوب الذي يشتريه ويركب الدابّة التي يشتريها ، قال الشافعي : يبطل القراض أيضاً ؛ لأنّ القراض جُوّز على العمل المجهول بالعوض المجهول [ للحاجة ](٤) - ولا حاجة إلى ضمّ ما ليس من الربح إليه ، ولأنّه ربما ينتقص بالاستعمال ويتعذّر عليه التصرّف(٥) .
والأقوى عندي : الجواز.
تذنيب : لو دفع إليه ألفاً قراضاً على أنّ الربح بينهما ، وشرط المالك
____________________
(١) في النُّسَخ الخطّيّة : « المؤمنون ».
(٢) تقدّم تخريجه في ص ٣٥ ، الهامش (٣) ، وفي التهذيب ٧ : ٣٧١ / ١٥٠٣ ، والاستبصار ٣ : ٢٣٢ / ٨٣٥ ، والجامع لأحكام القرآن ٦ : ٣٣ : « المؤمنون ».
(٣) الحاوي الكبير ٧ : ٣١٣ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٢ ، البيان ٧ : ١٦٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٤.
(٤) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « للراحة ». والمثبت من المصدر.
(٥) نفس المصادر في الهامش (٣) ما عدا « التهذيب ».
أن يدفع إليه ألفاً يعمل بها بضاعةً بحيث يكون الربح بأسره للمالك فيها ، فالوجه : صحّة القراض والشرط معاً.
وقيل : يصحّ القراض ، ويبطل الشرط(١) .
وقيل : يبطلان معاً(٢) .
مسألة ٢٢٦ : لو دفع إلى عاملٍ ألفَ درهمٍ ، فقال له : اعمل على هذه وربحها لي ، ودفع إليه ألفاً أُخرى وقال : اعمل على هذه ويكون ربحها لك ، فإن قصد القراض ، بطل ؛ لأنّه شرط أن يكون جميع الربح في إحداهما للمالك وفي الأُخرى للعامل ، وهو باطل ؛ لأنّه لا يجوز أن ينفرد أحدهما بالربح ؛ لأنّ الربح يحصل بالمال والعمل معاً ، فلا يصحّ في واحدةٍ من الألفين.
وإن لم يقصد القراض ، صحّ ، وكان ما شرطه المالك له بضاعةً ، وما شرطه العامل لنفسه قرضاً.
ولو دفع الألفين وقال : قارضتك على هذه على أن يكون ربح ألفٍ منها لي وألف لك ، فالأقوى : الصحّة - وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور(٣) - لأنّه بمنزلة أن يقول : نصف الربح لي ونصفه لك ؛ لأنّه بمعناه.
قال ابن سريج : وهذا غلط ؛ لأنّ وضع القراض على أن يكون كلّ جزءٍ من المال ربحه بينهما ، فإذا شرط ربح ألفٍ فقد شرط لنفسه الانفراد بربح جزءٍ منه ، فكان فاسداً ، بخلاف ما إذا شرط نصف الربح ؛ لأنّ شرطه لم يتضمّن الانفراد بجزءٍ منه(٤) .
____________________
(١) كما في شرائع الإسلام ٢ : ١٤٥.
(٢) قال به الطوسي في المبسوط ٣ : ١٩٧ ، والقاضي ابن البرّاج في المهذّب ١ : ٤٦٦.
(٣) بحر المذهب ٩ : ١٩٨ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤٠.
(٤) راجع : العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٧.
الفصل الثالث : في أحكام القراض
وفيه مباحث :
الأوّل : في اعتبار الغبطة في التصرّف.
مسألة ٢٢٧ : القراض إمّا صحيح وإمّا فاسد ، فالصحيح له أحكام تُذكر في مسائل ، وكذا الفاسد.
فمن أحكام الصحيح : إنّه يلزم الحصّة المشترطة للعامل ، ولا نعرف فيه مخالفاً ، إلّا مَنْ شذّ.
قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أنّ للعامل أن يشترط على ربّ المال ثلثي(١) الربح أو نصفه أو ما يجمعان عليه بعد أن يكون ذلك معلوماً جزءاً من أجزاء(٢) .
والأخبار من أهل البيتعليهمالسلام متظافرة بذلك(٣) .
وقال شاذٌّ(٤) من الفقهاء : إنّ العامل لا يستحقّ الحصّة ، بل أُجرة المثل عن عمله ؛ لأنّ هذه المعاملة مجهولة ، وفيها غرر عظيم ، وقد نهى
____________________
(١) في المصدر : « ثلث » بدل « ثلثي ».
(٢) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٣٩ ، الإجماع - لابن المنذر - : ٥٨ / ٥٢٨ ، المغني ٥ : ١٤٠.
(٣) راجع : الكافي ٥ : ٢٤٠ / ٢ ، والتهذيب ٧ : ١٨٧ - ١٨٩ / ٨٢٧ - ٨٢٩ و ٨٣٦ ، والاستبصار ٣ : ١٢٦ / ٤٥١ و ٤٥٢.
(٤) لم نتحقّقه.
النبيّصلىاللهعليهوآله عن الغرر(١) .
والجهالة لا تمنع الجواز ؛ لأنّ العلم ببعض الاعتبارات كافٍ ، فإذا شرط جزءاً معلوماً ، انتفت الجهالة الكلّيّة ، والعامّ مخصوص بالنقل المتواتر عن أهل البيتعليهمالسلام ، وقد خُصّ من عموم النهي عن الغرر كثير من الأحكام ، كالمساقاة والمزارعة وغيرهما ، فليكن المتنازع منها.
مسألة ٢٢٨ : لـمّا كان الغرض الأقصى من القراض تحصيل الربح والفائدة ، وجب أن يكون تصرّف العامل مقصوراً على ما يُحصّل هذه الغاية الذاتيّة ، وأن يمنع من التصرّف في المؤدّي(٢) إلى ما يضادّها ، فيتقيّد تصرّفه بما فيه الغبطة والفائدة ، كتصرّف الوكيل للموكّل ؛ لأنّها في الحقيقة نوع وكالةٍ وإن كان له أن يتصرّف في نوعٍ ما ممّا ليس للوكيل التصرّف به ، تحصيلاً للفائدة ، فإنّ له أن يبيع بالعرض ، كما أنّ له أن يبيع بالنقد ، بخلاف الوكيل ؛ فإنّ تصرّفه في البيع إنّما هو بالنقد خاصّةً ؛ لأنّ المقصود من القراض الاسترباحُ ، والبيع بالعرض قد يكون وصلةً إليه وطريقاً فيه.
وأيضاً له أن يشتري المعيب إذا رأى فيه ربحاً ، بخلاف الوكيل.
ولا ينفذ تصرّفه مع الغبن الفاحش ، فليس له أن يبيع بدون ثمن المثل ، ولا أن يشتري بأكثر من ثمن المثل ؛ لأنّه منافٍ للاسترباح ، وبه قال الشافعي(٣) .
وقال أبو حنيفة : إنّه يملك العامل البيعَ بالغبن الفاحش ، وكذا الشراء ،
____________________
(١) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٣١٩ و ٣٣٠ ، المسألتان ١٣ و ٥.
(٢) الظاهر : « التصرّف المؤدّي ».
(٣) الوجيز ١ : ٢٢٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢١ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٧ ، المغني ٥ : ١٥٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٦.
كالوكيل(١) .
والأصل ممنوع.
أمّا ما يتغابن الناس بمثله فإنّه غير ممنوعٍ منه ؛ لعدم التمكّن من الاحتراز عنه.
ولو اشترى بأكثر من ثمن المثل ممّا لا يتغابن الناس بمثله ، فإن كان بالعين بطل ، وإلّا وقع الشراء له إن لم يذكر النسبة إلى القراض.
مسألة ٢٢٩ : إذا دفع إلى العامل مال القراض ، فإن نصّ على التصرّف بأن قال : نقداً ، أو : نسيئةً ، أو قال : بنقد البلد ، أو غيره من النقود ، جاز ، ولم يكن للعامل مخالفته إجماعاً ؛ لأنّ ذلك لا يمنع مقصود المضاربة ، وقد يطلب بكلّ ذلك الفائدة في العادة.
فإن أطلق وقال : اتّجر به ، اقتضى ذلك أن يبيعه نقداً بنقد البلد بثمن مثله ، فإن خالف ضمن ، كالوكيل.
إذا عرفت هذا ، فلو اشترى بأكثر من ثمن المثل أو باع بدونه ، بطل إن لم يُجز المالك ؛ لأنّه تصرّفٌ غير مأذونٍ فيه ، فأشبه بيع الأجنبيّ ، وبه قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(٢) .
فإن تعذّر ردّ المبيع ، كان العامل ضامناً للمثل إن كان مثليّاً ، وإن لم يكن أو تعذّر المثل وجبت القيمة ، وللمالك الخيار في الرجوع على مَنْ شاء منهما ، فإن أخذ من المشتري القيمة رجع المشتري على العامل بالثمن الذي دفعه إليه ، وإن رجع على العامل رجع العامل على المشتري بالقيمة ، وردّ ما أخذه منه ثمناً ؛ لأنّ التلف حصل في يد المشتري ، فاستقرّ الضمان
____________________
(١) بدائع الصنائع ٦ : ٨٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٣.
(٢) المغني ٥ : ١٥٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٦.
عليه.
وعن أحمد رواية أُخرى : إنّ البيع صحيح ، ويضمن العامل النقص ؛ لأنّ ضرر المالك ينجبر بضمان النقص(١) ، وهو قول بعض علمائنا(٢) .
والمعتمد : الأوّل.
مسألة ٢٣٠ : لو باع بغير نقد البلد مع إطلاق التصرّف ، لم يصح ؛ لأنّه منافٍ لما يقتضيه الإطلاق ، وبه قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين ، وفي الثانية : يجوز إذا رأى العامل أنّ المصلحة فيه ، والربح حاصل به ، كما يجوز أن يبيع عرضاً بعرضٍ ويشتريه به(٣) .
وإن فَعَل وخالف وباع بغير نقد البلد ، كان حكمه حكم ما لو اشترى أو باع بغير ثمن المثل.
وليس بعيداً من الصواب اعتبار المصلحة.
ولو قال له : اعمل برأيك أو بما رأيت أو كيف شئت ، كان له ذلك ، وليس له المزارعة ؛ لأنّ المضاربة لا يُفهم من إطلاقها المزارعة.
وقال أحمد في روايةٍ أُخرى : إنّ له ذلك ، وتصحّ المضاربة ، والربح بينهما(٤) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّ المزارعة لا تدخل تحت قوله : اتّجر بما شئت.
فعلى ما قلناه لو تلف المال في المزارعة ضمن.
____________________
(١) المغني ٥ : ١٥٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٦.
(٢) لم نتحقّقه.
(٣) الحاوي الكبير ٧ : ٣٢٢ ، بحر المذهب ٩ : ٢٠٢ ، البيان ٧ : ١٨١ ، المغني ٥ : ١٥٤ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٧.
(٤) المغني ٥ : ١٥٤ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٧.
وعلى الرواية الأُخرى عن أحمد : لا يضمن(١) .
مسألة ٢٣١ : وليس له أن يبيع نسيئةً بدون إذن المالك ؛ لما فيه من التغرير بالمال ، فإن خالف ضمن عندنا - وبه قال مالك وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(٢) - لأنّه نائب في البيع ، فلم يجز له البيع نسيئةً بغير إذنٍ صريح فيه ، كالوكيل ، والقرينة الحاليّة تفيد ما تفيده العبارات اللفظيّة ، فيصير كأنّه قال : بِعْه حالّاً.
وقال في الرواية الأُخرى : يجوز له البيع نسيئةً - وبه قال أبو حنيفة - لأنّ إذنه في التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجارة المعتادة ، وهذا النوع من التصرّف عادة التجّار ، ولأنّه يقصد به الربح ، بل هو في النسيئة أكثر منه في النقد ، بخلاف الوكالة المطلقة ، فإنّها لا تختصّ بقصد الربح ، وإنّما المقصود تحصيل الثمن ، فإذا أمكن تحصيله من غير خطرٍ كان أولى ، ولأنّ الوكالة المطلقة في البيع تدلّ على [ أنّ ](٣) حاجة الموكّل إلى الثمن ناجزة ، فلا يجوز تأخيره ، بخلاف المضاربة(٤) .
____________________
(١) المغني ٥ : ١٥٤ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٧.
(٢) المدوّنة الكبرى ٥ : ١١٦ ، الاستذكار ٢١ : ١٧٤ / ٣٠٩٣٧ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٤ / ١١٢١ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٤٥ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣٢٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٧ ، بحر المذهب ٩ : ٢٠٢ ، الوسيط ٤ : ١١٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٧ ، البيان ٧ : ١٨١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢١ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٧ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٢ : ٣٨ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٤١ / ١٧٠٧ ، المغني ٥ : ١٥٠ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٤.
(٣) ما بين المعقوفين أضفناه من المغني والشرح الكبير.
(٤) تحفة الفقهاء ٣ : ٢٢ ، بدائع الصنائع ٦ : ٨٧ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٢ : ٣٨ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٢٩ ، الفقه النافع ٣ : ١٢٩٣ / ١٠٥٣ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٤١ / ١٧٠٧ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢١٠ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٤٥ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣٢٢ ، بحر المذهب ٩ : ٢٠٢ ، التهذيب =
ولو قال له : اعمل برأيك ، فله البيع نسيئةً.
وكذا لو قال له : تصرَّفْ كيف شئت.
وقال الشافعي : ليس له البيع نسيئةً ؛ لأنّ فيه غرراً ، فلم يجز ، كما لو لم يقل له ذلك(١) .
وهو ممنوع ؛ لأنّه داخل في عموم لفظه ، وقرينة حاله تدلّ على رضاه برأيه في صفات البيع وفي أنواع التجارة ، وهذا منها.
إذا عرفت هذا ، فإذا باع نسيئةً في موضعٍ لا يجوز له فقد خالف مطلق الأمر ، فيقف على إجازة المالك ؛ لأنّه كالفضولي في هذا التصرّف.
وقال جماعة من العامّة منهم : الشافعي : إنّ البيع يبطل ، فيجب عليه ردّه ، فإن تعذّر فالمثل ، فإن تعذّر فالقيمة(٢) .
وكلّ موضعٍ يصحّ له البيع في النسيئة لا يكون على العامل ضمان إذا لم يفرّط ، فمهما فات من الثمن لا يكون عليه ضمانه ما لم يفرّط ببيع مَنْ لا يوثق به أو مَنْ لا يعرفه ، فيلزمه ضمان الثمن الذي انكسر على المشتري.
مسألة ٢٣٢ : كلّ موضعٍ قلنا : يلزم العامل الضمان - إمّا لمخالفة الأمر في البيع بالنسيئة من غير إذنٍ ، أو بالتفريط بأن يبيع على غير الموثوق به أو
____________________
= - للبغوي - ٤ : ٣٨٧ ، الاستذكار ٢١ : ١٧٤ / ٣٠٩٣٨ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٤ / ١١٢١ ، الذخيرة ٦ : ٧٣ ، المغني ٥ : ١٥٠ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٤ - ١٤٥.
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٣٢٢ ، بحر المذهب ٩ : ٢٠٣ ، المغني ٥ : ١٥٠ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٥.
(٢) المغني ٥ : ١٥٠ - ١٥١ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٥ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣٢٢ ، بحر المذهب ٩ : ٢٠٣.
على مَنْ لا يعرفه - فإنّ الضمان عليه من حيث إنّ ذهاب الثمن حصل بتفريطه.
فإن قلنا بفساد البيع ، وجب عليه قيمته إن لم يكن مثليّاً ، أو كان وتعذّر إذا لم يتمكّن من استرجاعه إمّا لتلف المبيع ، أو لامتناع المشتري من ردّه إليه.
وإن قلنا بصحّة البيع ، احتُمل(١) أن يضمنه بقيمته أيضاً ؛ لأنّه لم يفت بالبيع أكثر منها ، ولا ينحفظ بتركه سواها ، وزيادة الثمن حصلت بتفريطه ، فلا يضمنها.
والأقرب : إنّه يضمن الثمن ؛ لأنّه ثبت بالبيع الصحيح ، ومَلَكه صاحب السلعة وقد فات بتفريط البائع.
ولو نقص الثمن عن القيمة ، لم يلزمه أكثر منه ؛ لأنّ الوجوب انتقل إليه ؛ بدليل أنّه لو حصل الثمن لم يضمن شيئاً.
مسألة ٢٣٣ : وكما ليس للعامل البيع نسيئةً إلّا بإذن المالك ، كذا ليس له أن يشتري نسيئةً إلّا بإذنه ؛ لأنّه ربما يتلف رأس المال ، فتبقى عهدة الثمن متعلّقةً بالمالك ، وذلك يستلزم إثبات مالٍ على المالك ، وهكذا قد يتلف ما يدفعه المالك إليه ، فيحتاج إلى دفع عوضه ، وذلك من أعظم المحاذير.
وإذا أذن له في البيع نسيئةً فَفَعَل ، وجب عليه الإشهاد ، كالوكيل إذا دفع الدَّيْن عن موكّله ، فإن ترك الإشهاد ضمن.
وإذا أذن له في البيع نسيئةً ، فإن منعه من البيع حالّاً ، أو قال له : بِعْه
____________________
(١) في « ث ، خ ، ر » : « يحتمل » بدل « احتُمل ».
نسيئةً ، لم يكن له أن يبيعه حالّاً ؛ لأنّه مخالف لمقتضى أمره ، وقد تحصل للبائع فائدة ، وهي(١) أنّه لو باعه حالّاً لم يكن له تسليمه إلى المشتري إلّا بعد قبض الثمن ، وقد تتعلّق رغبة البائع بالتسليم قبل استيفاء الثمن خوفاً من الظالم.
ولو لم يمنعه من البيع حالّاً ، كان له ذلك ؛ لأنّه أنفع.
وإذا باعه حالّاً في موضع جوازه ، لم يجز له تسليمه إلى المشتري إلّا بعد استيفاء الثمن ، فإن سلّمه قبل استيفاء الثمن ضمن ، كالوكيل.
ولو كان مأذوناً له في التسليم قبل قبض الثمن ، سلّمه.
والأقرب : وجوب الإشهاد.
وقال الشافعي : لا يلزمه الإشهاد ؛ لأنّ العادة ما جرت بالإشهاد في البيع الحالّ(٢) .
مسألة ٢٣٤ : يجوز للعامل أن يبيع بالعرض إذا ظنّ حصول الفائدة فيه ، بخلاف الوكيل ؛ لأنّ الغرض من القراض الاسترباح بالبيع وقد يحصل بالبيع بالعرض ، فكان مشروعاً ، تحصيلاً لفائدة القراض.
وكذا يجوز له أن يشتري المعيب إذا رأى فيه ربحاً وإن لم يكن ذلك للوكيل ؛ لأنّ الشراء ليس للوكيل ، بل للموكّل ، وقد يطلب به القنية ، بخلاف العامل الذي يقع الشراء له وللمالك في الحقيقة ، ويطلب به إخراجه.
إذا ثبت هذا ، فإن اشتراه بقدر قيمته أو بدونها صحّ.
وللشافعيّة فيما إذا اشتراه بالقيمة وجهان ، أحدهما : المنع ؛ لأنّ
____________________
(١) في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « هو ». والظاهر ما أثبتناه.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٧.
الرغبات تقلّ في المعيب(١) .
وليس بشيءٍ.
ولو اشتراه بظنّ السلامة فبانَ العيب ، فله أن يفعل ما يرى من المصلحة وما فيه الربح ، فإن كان الحظّ في الردّ بالعيب ردّه ، وإن كان الحظّ له في الإمساك بالأرش أمسكه بالأرش.
فإن اختلف المالك والعامل فاختار أحدهما الردَّ والآخَر الأرشَ ، فَعَل ما فيه النظر والحظّ ؛ لأنّ المقصود تحصيل الحظّ والفائدة.
ولا يمنعه من الردّ رضا المالك بإمساكه ، بخلاف الوكيل ؛ لأنّ العامل صاحب حقٍّ في المال.
ولو كانت الغبطة في إمساكه ، أمسكه.
وللشافعيّة وجهان في تمكّنه من الردّ إذا كانت الغبطة في إمساكه ، أظهرهما : المنع ؛ لإخلاله بمقصود العقد(٢) .
وحيث يثبت الردّ للعامل يثبت للمالك بطريق الأولى.
مسألة ٢٣٥ : إذا ثبت الردّ على البائع ، فإن ردّ العامل ردّ على البائع ، ونقض البيع.
وإن ردّ المالك فإن كان الشراء بعين مال القراض ، كان له الردّ على البائع أيضاً.
وإن كان العامل قد اشترى في ذمّته للقراض ، فالأقوى : إنّه كذلك ؛ لأنّ العامل في الحقيقة وكيل المالك.
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٧.
وللشافعيّة قولان ، أحدهما : إنّ للمالك أن يصرفه عن مال القراض ، فينصرف إلى العامل على أحد القولين ، ولا ينصرف على القول الثاني ، كالخلاف في انصراف العقد إلى الوكيل إذا لم يقع للموكّل(١) .
مسألة ٢٣٦ : لا يجوز للمالك معاملة العامل في مال القراض بأن يشتري من مال القراض شيئاً ؛ لأنّه ملكه ، فلا تصحّ المعاملة عليه ؛ إذ لا يفيد انتقالاً آخَر إليه ، كما أنّ السيّد لا يصحّ أن يشتري من عبده المأذون له في التجارة شيئاً ، بخلاف السيّد مع مكاتَبه ، فإنّه يجوز أن يشتري منه ؛ لأنّ ما في يد المكاتَب قد انقطع تصرّف المولى عنه ، وصار ملكاً للمكاتَب ، ولهذا لو انعتق لم يملك السيّد منه شيئاً.
وقد خالف بعض الشافعيّة في العبد المأذون ، فقال : إذا ركبته الديون جاز للسيّد أن يشتري شيئاً ممّا في يده ؛ لأنّه لا حقّ له فيه ، وإنّما هو حقّ الغرماء(٢) . وهو غلط.
نعم ، يأخذه السيّد بقيمته ، كما يدفع قيمة العبد الجاني ، ولا يكون بيعاً.
وكذا ليس للمالك أن يأخذ من العامل من مال القراض بالشفعة ؛ لأنّه في الحقيقة يكون آخذاً من نفسه ، بل يملكه بعقد البيع.
وكذا ليس له أن يشتري من عبده القِنّ.
وله أن يشتري من المكاتَب المطلق وإن لم ينعتق منه شيء ، ومن المكاتَب المشروط ؛ لانقطاع تصرّفات المولى عن ماله.
مسألة ٢٣٧ : لا يجوز للعامل أن يشتري بمال القراض أكثر من مال
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٧.
(٢) راجع : المغني ٥ : ١٧٢ ، والشرح الكبير ٥ : ١٦١.
القراض ؛ لأنّ المالك إنّما رضي من العامل أن يشغل ذمّته بما دفعه إليه لا بغيره ، فإن فَعَل واشترى بأكثر من مال القراض ، لم يقع ما زاد عن جهة القراض.
فإذا دفع إليه مائة قراضاً فاشترى بها عبداً للقراض ثمّ اشترى عبداً آخَر بمائةٍ للقراض أيضاً ، لم يقع الثاني للقراض ؛ لأنّه غير مأذونٍ فيه.
ثمّ إن اشترى الأوّل بعين المائة تعيّنت للبائع الأوّل ، فإن اشترى الثاني بعينها أيضاً بطل الثاني ؛ لأنّه اشترى بعين مال غيره لغيره.
وإن اشترى في الذمّة ، فقد اشترى بعد أن صارت المائة مستحقّةَ الدفع إلى البائع الأوّل.
وكذا إن اشترى الأوّل في الذمّة ثمّ اشترى الثاني بعينها ، لم يصح ؛ لوجوب صَرفها إلى البائع الأوّل.
وإن اشترى الثاني في الذمّة ، لم يبطل ، لكن ينصرف الشراء إلى العامل ، كما ينصرف شراء الوكيل المخالف لموكّله إليه ، دون الموكّل.
هذا إذا لم يُسمّ في العقد مع البائع شراءه للقراض ، فأمّا إن سمّاه فسد الثاني.
وإذا انصرف العبد الثاني إلى العامل ، فلو دفع المائة في ثمنه فقد تعدّى في مال القراض ، ودخلت المائة في ضمانه ، وأمّا العبد فيبقى أمانةً في يده ؛ لأنّه لم يتعدّ فيه.
فإن تلفت المائة ، فإن كان الشراء الأوّل بعينها انفسخ العقد بتلف الثمن المعيّن قبل الإقباض ، وإن كان في الذمّة لم ينفسخ ، ويثبت للمالك على العامل مائة ، والعبد الأوّل للمالك ، وعليه لبائعه مائة ، فإن أدّاها العامل بإذن المالك وشرط الرجوع ثبت له مائة على المالك ، وتقاصّا ، وإن أدّى
من غير إذنه برئت ذمّة المالك من حقّ بائع العبد ، ويبقى حقّه على العامل.
مسألة ٢٣٨ : لا يجوز للعامل أن يشتري بمال القراض مَنْ يعتق على ربّ المال ؛ لأنّ ذلك منافٍ للاكتساب ؛ لأنّه تخسير محض ، فكان ممنوعاً منه.
فإن اشترى العامل فإمّا أن يشتريه بإذن صاحب المال ، أو بدون إذنه.
فإن اشتراه بإذنه ، صحّ الشراء ؛ لأنّه يجوز أن يشتريه بنفسه مباشرةً ، فإذا أذن لغيره فيه جاز ، وانعتق.
ثمّ إن لم يكن في المال ربحٌ عُتق على المالك ، وارتفع القراض بالكلّيّة إن اشتراه بجميع مال القراض ؛ لأنّه قد تلف ، وإن اشتراه ببعضه صار الباقي رأس المال.
وإن كان في المال ربحٌ ، فإن قلنا : إنّ العامل إنّما يملك نصيبه من الربح بالقسمة ، عُتق أيضاً ، وغرم المالك نصيبه من الربح ، فكأنّه استردّ طائفةً من المال بعد ظهور الربح وأتلفه ، والأقوى : أُجرة المثل.
وإن قلنا : إنّه يملك بالظهور ، عُتق منه حصّة رأس المال ونصيب المالك من الربح ، ويسري إلى الباقي إن كان موسراً ويغرمه ، وإن كان معسراً بقي رقيقاً ، وبه قال أكثر الشافعيّة(١) .
وقال بعضهم : إن كان في المال ربحٌ وقد اشتراه ببعض مال القراض ، يُنظر إن اشتراه بقدر رأس المال عُتِق ، وكأنّ المالك استردّ رأس المال ، والباقي ربح يقتسمانه بحسب الشرط ، وإن اشتراه بأقلّ من رأس المال فهو محسوب من رأس المال ، وإن اشتراه بأكثر حُسب قدر رأس المال من
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٨ - ٢٠٩.
رأس المال ، والزيادة من حصّة المالك ما أمكن(١) .
والظاهر عندهم : الأوّل(٢) ، وهو وقوعه سائغاً على ما سنذكر فيما إذا استردّ شيئاً من المال بعد الربح.
والحكم فيما إذا أعتق المالك عبداً من مال القراض كالحكم في شراء العامل مَنْ ينعتق عليه بإذنه.
وإن اشتراه العامل بغير إذن المالك ، فإن اشتراه بعين المال بطل الشراء ؛ لأنّ العامل اشترى ما ليس له أن يشتريه ، فكان بمثابة ما لو اشترى شيئاً بأكثر من ثمنه ، ولأنّ الإذن في المضاربة إنّما ينصرف إلى ما يمكن بيعه وتقليبه في التجارة والاسترباح منه ، ولا يتناول غير ذلك ، فإنّ في شراء مَنْ ينعتق على المالك تفويتَ رأس المال مع الربح ، فكان أولى بالبطلان.
وإن اشتراه في الذمّة ، فإن لم يذكر في العقد الشراءَ للقراض ولا لمالك المال وقع الشراء له ، ولزمه الثمن من ماله ، وليس له دفع الثمن من مال المضاربة ، فإن فَعَل ضمن ، ولو اشترى للقراض أو للمالك بطل ، وبه قال الشافعي(٣) .
وظاهر مذهب أحمد : إنّه يصحّ الشراء بعين المال ؛ لأنّه مالٌ متقوّم قابل للعقود ، فصحّ شراؤه ، كما لو اشتراه بإذن ربّ المال ، ثمّ يعتق(٤) على ربّ المال ؛ لأنّه دخل في ملكه فعُتِق عليه ، وتنفسخ المضاربة ؛ لتلف المال ، ويلزم العامل الضمان ، سواء علم أو لم يعلم ؛ لأنّ تلف مال
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٩ ، المغني ٥ : ١٥٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٨.
(٤) في الطبعة الحجريّة : « ينعتق ».
المضاربة حصل بسببه ، ولا فرق في الإتلاف الموجب للضمان بين العلم والجهل(١) .
وهو غلط ؛ لأنّه فعل غير مأذونٍ فيه ، ويلحق المالك به ضرر من إتلاف مالٍ ، فكان باطلاً.
فعلى قول أحمد له وجهان فيما يضمنه العامل :
أحدهما : قيمة العبد ؛ لأنّ الملك ثبت فيه ثمّ تلف بسببه ، فأشبه ما لو أتلفه بفعله.
والثاني : إنّه يضمن الثمن الذي اشتراه به ؛ لأنّ التفريط منه حصل ، فاشترى وبذل الثمن فيما يتلف بالشراء ، فكان ضمانه عليه ضمان ما فرّط فيه ، ومتى ظهر للمال ربح فللعامل حصّته منه(٢) .
وقال بعض أصحابه : إن لم يكن العامل عالماً بأنّه يعتق على ربّ المال لم يضمن ؛ لأنّ التلف حصل لمعنىً في المبيع لم يعلم به المشتري ، فلم يضمن ، كما لو اشترى معيباً لم يعلم بعيبه فتلف به. ثمّ قال : ويتوجّه أن لا يضمن وإن علم به(٣) .
تذنيب : لو اشترى مَنْ نذر المالكُ عتقَه ، صحّ الشراء إن لم يعلم العامل بالنذر ، وعُتِق على المالك ، ولا ضمان على العامل مع جهله.
مسألة ٢٣٩ : ليس للعامل أن يشتري زوج صاحبة المال لو كان صاحب المال امرأة ؛ لما فيه من تضرّرها ؛ إذ لو صحّ البيع لبطل النكاح ؛ لأنّها تكون قد مَلَكت زوجها ، وينفسخ النكاح ، ويسقط حقّها من النفقة
____________________
(١) المغني ٥ : ١٥٦ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٨ - ١٤٩.
(٢ و ٣) المغني ٥ : ١٥٦ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٩.
والكسوة ، فلا يصحّ ، كما لو اشترى مَنْ ينعتق عليها ، والإذن إنّما يتناول شراء ما لها فيه حظّ ، ولا حظّ لها في شراء زوجها.
إذا عرفت هذا ، فإن اشتراه بإذنها صحّ قطعاً ؛ لأنّ لها أن تشتريه بنفسها ، فجاز أن تشتريه بوكيلها ، والعامل في الحقيقة وكيل صاحب المال ، وحينئذٍ يصحّ الشراء ، ويكون القراض بحاله ؛ لأنّه لا ينعتق عليها ، وينفسخ نكاحها.
وإن اشتراه بغير إذنها ، فسد الشراء بمعنى أنّه يكون موقوفاً على إجازتها ، فإن أجازته كان حكمه حكم المأذون له ، وإن فسخته بطل.
وللشافعي قولان :
أحدهما : إنّه يفسد الشراء ؛ لما تقدّم من منافاته لغرض القراض الذي يقصد منه الاسترباح.
والثاني : يصحّ الشراء - وبه قال أبو حنيفة - لأنّه اشترى ما يمكنه طلب الربح فيه ولا يتلف رأس المال ، فجاز ، كما لو اشترى مَنْ ليس بزوجٍ لها(١) .
والفرق ظاهر ؛ للتضرّر بالأوّل ، دون الثاني.
مسألة ٢٤٠ : وليس للعامل أن يشتري زوجة المالك ؛ لاشتماله على فسخ عقدٍ عَقَده باختياره وقصده ، فلا يليق أن يفعل ما ينافيه ، وبه قال الشافعي(٢) .
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٣٢٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٤ ، بحر المذهب ٩ : ٢٠٧ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٨ - ٣٣٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩١ ، البيان ٧ : ١٨٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٩ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٩٠ / ٢٤٦٨ ، المغني ٥ : ١٥٦ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٩.
(٢) الوسيط ٤ : ١١٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٩.
وله قولٌ آخَر : إنّه يصحّ الشراء ، وينفسخ النكاح ، وبه قال بعض الحنابلة(١) .
ثمّ إن كان الشراء قبل الدخول ، ففي لزوم نصف الصداق للزوج وجهان ، فإن قلنا : يلزم ، رجع به على العامل ؛ لأنّه سبب تقريره عليه ، فيرجع به عليه ، كما لو أفسدت امرأة نكاحها بالرضاع.
ولو اشترى زوجَ صاحبة المال ، فللشافعيّة وجهان(٢) .
فعلى الصحّة لا يضمن العامل ما يفوت من المهر ويسقط من النفقة ؛ لأنّ ذلك لا يعود إلى المضاربة ، وإنّما هو بسببٍ آخَر ، ولا فرق بين شرائه في الذمّة أو بعين المال.
مسألة ٢٤١ : لو وكّل وكيلاً يشتري له عبداً ، فاشترى مَنْ ينعتق على الموكّل ، فالأقرب : إنّه لا يقع عن الموكّل ؛ لأنّ الظاهر أنّه يطلب عبد تجارةٍ أو عبد قُنيةٍ ، وشراء مَنْ ينعتق عليه لا يُحصّل واحداً من الغرضين ، وهو أحد قولَي الشافعيّة.
والثاني - وهو الأظهر عندهم - : إنّه يقع للموكّل ؛ لأنّ اللفظ شامل ، فربما يرضى بشراء عبدٍ إن بقي له انتفع به ، وإن عُتِق عليه حصل له ثواب العتق ، وهذا بخلاف عامل القراض ؛ لأنّ عقد القراض مبنيٌّ على تحصيل الفائدة والاسترباح بتقليب المتاجر وبيعها وشرائها(٣) .
ولكنّ الأوّل أقوى.
فإن اشترى بالعين ، بطل الشراء ؛ لما فيه من تضرّر الموكّل بإخراج
____________________
(١) نفس المصادر مضافاً إلى : المغني ٥ : ١٥٦ ، والشرح الكبير ٥ : ١٤٩.
(٢) راجع : الهامش (١) من ص ٧٥.
(٣) الوسيط ٤ : ١١٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٤ - ٢٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٩.
ماله عن ملكه.
وإن اشترى في الذمّة ، فإن سمّى الموكّل وقف على الإجازة ، وإن لم يُسمّه وقع للوكيل في الظاهر.
مسألة ٢٤٢ : لو اشترى العامل أو الوكيل عبداً لصاحب المال عليه مالٌ بغير إذنه ، احتُمل البطلان ؛ لما فيه من تضرّر المالك بإسقاط ماله عن غيره بواسطة الشراء ؛ إذ ما يشتريه العامل للقراض أو الوكيل في الحقيقة لصاحب المال ، ولا يثبت للمولى على عبده شيء ، فيؤدّي هذا الشراء الى إسقاط حقّه عنه.
ويحتمل الصحّة ؛ لأنّه مملوك يقبل النقل ، وصاحب المال يصحّ الشراء له فصحّ العقد ، كغيره.
لكنّ الأوّل أقرب.
فإن قلنا بالصحّة ، ففي تضمين العامل إشكال ينشأ من إسقاط الدَّيْن بواسطة فعله ، فكان ضامناً ؛ لأنّه سبب الإتلاف.
مسألة ٢٤٣ : إذا دفع السيّد إلى عبده المأذون له في التجارة مالاً وقال له : اشتر عبداً ، فهو كالوكيل ، وإن قال : اتّجر به ، فهو كالعامل.
وتقرير ذلك : إنّ العبد المأذون له في التجارة إذا اشترى مَنْ يعتق على سيّده ، فإن كان بإذن السيّد صحّ الشراء ، فإن لم يكن عليه دَيْنٌ عتق ، وإن كان على العبد دَيْنٌ فكذلك عندنا.
فإذا كان على المأذون دَيْنٌ يستغرق قيمته وما في يده وقلنا : يتعلّق الدَّيْن برقبته ، فعليه دفع قيمته الى الغرماء ؛ لأنّه الذي أتلف [ عليهم ](١)
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « عليه ». والصحيح ما أثبتناه.
بالعتق.
وللشافعي قولان في نفوذ العتق فيه ؛ لأنّ ما في يد العبد كالمرهون بالديون(١) .
وإن اشترى بغير إذن سيّده وكان المولى قد نهاه عن شرائه ، بطل الشراء ، سواء كان عليه دَيْنٌ أو لم يكن ؛ لأنّ العبد لا يملك البيع والشراء إلّا بإذن مولاه ، فإذا نهاه لم يملكهما.
وإن كان المالك قد أطلق الإذن ولم يأذن في شراء قريبه ولا نهاه عنه ، فالأقرب : البطلان أيضاً ؛ لأنّ إذنه يتضمّن ما فيه حظٌّ ويمكنه التجارة فيه ، فلا يتناول مَنْ ينعتق(٢) عليه ، كالعامل إذا اشترى مَنْ ينعتق(٣) على ربّ المال ، وهو أحد قولَي الشافعي.
والثاني : إنّه يصحّ الشراء ؛ لأنّ الشراء يقع للسيّد لا حقّ للعبد فيه ؛ إذ لا يتمكّن العبد من الشراء لنفسه ، وإنّما يشتريه لمولاه ، فإذا أطلق الإذن انصرف ما يشتريه إليه ، مقيّداً كان أو غير مقيّدٍ ، بخلاف العامل ، فإنّه يمكنه الشراء لنفسه ، كما يمكنه الشراء للمالك ، فما لا يقع مقصوداً بالإذن ظاهراً ينصرف إلى العامل(٤) .
والأوّل عندهم أصحّ - وبه قال المزني - كما قلنا في العامل ؛ لأنّ السيّد إنّما أذن في التجارة ، وهذا ليس منها(٥) .
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ٢٠٦ ، البيان ٧ : ٢١٢ - ٢١٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٩.
(٢ و ٣) في « ج » : « يعتق ».
(٤) الحاوي الكبير ٧ : ٣٢٥ ، بحر المذهب ٩ : ٢٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٩.
(٥) بحر المذهب ٩ : ٢٠٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٥.
وقطع الجويني بهذا القول فيما إذا كان الإذن في التجارة ، وردّ الخلاف إلى ما إذا قال : تصرَّفْ في هذا المال واشتر عبداً(١) ، فلهذا قيل : إن قال السيّد : اشتر عبداً ، فهو كالوكيل ، وإن قال : اتّجر ، فهو كالعامل(٢) .
إذا عرفت هذا ، فإذا اشترى العبد أبَ مولاه ، فإن قلنا : لا يصحّ ، فلا بحث.
وإن قلنا : يصحّ ، فإن لم يكن عليه دَيْنٌ عتق.
وإن كان على العبد دَيْنٌ ، فللشافعيّة ثلاثة أوجُهٍ :
أحدها : إنّه يبطل الشراء ؛ لأنّ الدَّيْن يمنع من عتقه ، فبطلان العقد أحسن.
والثاني : إنّه يصحّ ولا يعتق.
والثالث : يعتق عليه ، وتكون ديون الغرماء في ذمة السيّد(٣) .
وقال أبو حنيفة : إن لم يكن دفع إليه المال وإنّما أذن له في التجارة صحّ الشراء ، وعتق على مولاه ، وإن كان دفع إليه مالاً لم يصح الشراء ، كالمضارب ؛ لأنّ العبد إذا لم يدفع إليه المال فإنّما يشتري لنفسه ، ولهذا لا يصحّ نهيه عن نوعٍ أو سلعةٍ ، وإذا لم يكن يشتري له صحّ شراؤه له ، ولم يعتق عليه ، كالأجنبيّ(٤) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّه إذن مطلق في الشراء ، فلا يتناول مَنْ يعتق على
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٩.
(٢) الوجيز ١ : ٢٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٥.
(٣) بحر المذهب ٩ : ٢٠٦.
(٤) بحر المذهب ٩ : ٢٠٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٥ ، المغني ٥ : ١٥٧ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٠.
الآذن ، كما لو دفع إليه مالاً ، والمضارب والمأذون يشتري للمولى ، ولهذا يعتق عليه.
مسألة ٢٤٤ : لو اشترى العامل مَنْ يعتق عليه ، صحّ الشراء.
ثمّ لا يخلو إمّا أن لا يكون في المال ربح أو يكون ، فإن لم يكن لم يعتق على العامل ؛ لأنّه لم يملكه ولا شيئاً منه ، كالوكيل لشراء قريب نفسه لموكّله.
ثمّ إذا ارتفعت الأسواق وظهر ربح ، فإن قلنا : العامل إنّما يملك بالقسمة ، لم يعتق منه شيء أيضاً.
وإن قلنا : يملك بالظهور ، عتق عليه قدر حصّته من الربح ؛ لأنّه مَلَك بعض أبيه ، فيعتق(١) عليه ، كما لو اشتراه من ماله ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة.
والثاني لهم : إنّه لا يعتق عليه ؛ لأنّه مَلَكه ملكاً غير تامٍّ ؛ لأنّه وقاية لرأس المال ، فليكن هذا مُعدّاً لهذا الغرض إلى انفصال الأمر بينهما بالقسمة ؛ لأنّ بها يتمّ الملك ، فجرى مجرى ملك المكاتَب لأبيه يكون مُعدّاً إن عتق عتق ، وإلّا ملك(٢) .
فإذا قلنا : لا يعتق ، فلا كلام.
وإن قلنا : إنّه يعتق ، فإن كان الربح بقدره عتق جميعه.
وإن كان بقدر بعضه ، فإن كان له مالٌ آخَر قُوِّم عليه الباقي ، كما لو
____________________
(١) في « ج » : « فعتق ».
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٤ ، بحر المذهب ٩ : ٢٠٦ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٠ ، البيان ٧ : ١٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٠.
اشتراه وفيه ربح ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة.
والثاني : إنّه لا يُقوَّم عليه ؛ لأنّ العتق - والحال هذه - يحصل في الدوام بسببٍ قهريّ هو غير مختارٍ فيه ، ومثل ذلك لا يتعلّق به السراية ، كما لو ورث بعضَ قريبه ، عتق عليه ، ولم يَسْر(١) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّه في صورة الإرث غير مختارٍ البتّة ، وأمّا هنا فإنّ الشراء أوّلاً والإمساك له إلى حين ارتفاع الأسواق اختياريّان.
وإن لم يكن موسراً ، استقرّ الرقّ في الباقي.
وهل يستسعى العبد حينئذٍ؟ مذهبنا ذلك - وبه قال أبو حنيفة(٢) - لما رواه محمّد بن قيس - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت : رجل دفع إلى رجلٍ ألف درهم مضاربةً ، فاشترى أباه وهو لا يعلم ، قال : « يقوّم فإن زاد درهماً واحداً أُعتق واستُسعي في مال الرجل »(٣) .
وقال أحمد : لا يستسعى ، بل يبقى الباقي رقيقاً(٤) .
وإن كان في المال ربح قبل الشراء أو حصل بنفس الشراء بأن كان رأس المال مائةً فاشترى بها أباه وهو يساوي مائتين ، فإن قلنا : إنّ العامل يملك بالقسمة دون الظهور ، لم يعتق من العبد شيء ، وصحّ الشراء.
وإن قلنا : يملك بالظهور ، صحّ الشراء أيضاً - وهو أظهر وجهي
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٠.
(٢) الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٣٢ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٠٥ ، المغني ٥ : ١٥٨ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٠.
(٣) التهذيب ٧ : ١٩٠ / ٨٤١.
(٤) المغني ٥ : ١٥٨ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٠.
الشافعيّة(١) - لأنّه مطلق التصرّف في ملكه ، ولأنّهما شريكان في المال ، وأحد الشريكين إذا اشترى مَنْ يعتق عليه صحّ شراؤه.
والثاني لهم : المنع ؛ لأنّه لو صحّ فإمّا أن يُحكم بعتقه ، وهو مخالف لغرض الاسترباح الذي هو مقصود التجارة ، ولأنّ صحّة الشراء تؤدّي إلى تنجيز حقّ العامل قبل ربّ المال ، فكان تصرّفه يُضرّ بربّ المال ، فلم يصح ، أو لا يُحكم فيتخلّف العتق عن ملك القريب(٢) .
فإن قلنا بالمنع ، ففي الصحّة في نصيب المالك قولا تفريق الصفقة.
وإن قلنا بالصحّة - كما هو مذهبنا وأظهر وجهي الشافعيّة - ففي عتقه عليه الوجهان السابقان ، إن قلنا : يعتق ، فإن كان موسراً سرى العتق إلى الباقي ، ولزمه الغُرْم ؛ لأنّه مَلَكه باختياره ، وإلّا بقي رقيقاً ، أو استُسعي على ما تقدّم.
هذا كلّه إذا اشترى العامل قريبَ نفسه بعين مال القراض ، وأمّا إذا اشتراه في الذمّة للقراض ، فكلّ موضعٍ صحّحنا الشراء بعين مال القراض أوقعناه هنا عن القراض ، وكلّ موضعٍ أبطلناه هناك أوقعناه هنا عن العامل إن لم يذكر النسبة إلى القراض ، وإن ذكر فكالعين.
وقال بعض الشافعيّة : إنّه لو أطلق الشراء ولم ينسبه إلى القراض لفظاً ثمّ قال : كنتُ نويتُه ، وقلنا : إنّه إذا وقع عن القراض لم يعتق منه شيء ، لا يُقبل قوله ؛ لأنّ الذي جرى عقد عتاقة ، فلا يمكن رفعها(٣) .
ولا بأس به.
____________________
(١ و ٢) بحر المذهب ٩ : ٢٠٧ ، البيان ٧ : ١٩١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٠.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٠.
مسألة ٢٤٥ : ليس لعامل القراض أن يكاتب عبد القراض بغير إذن المالك ؛ لما فيه من تضرّر المالك بإخراج ملكه عنه بثمنٍ هو ملكه ؛ لأنّ الكتابة في الحقيقة بيع ماله بماله ، فإن أذن المولى جاز.
فإن كاتباه معاً صحّ ، وعتق بالأداء.
ثمّ إن لم يكن في المال ربح وقلنا بثبوت الولاء في الكتابة ، كان الولاء بأسره للمالك ، ولا ينفسخ القراض بالكتابة في أظهر وجهي الشافعيّة(١) ، بل ينسحب على النجوم.
وإن كان هناك ربح ، فالولاء بينهما على النسبة في الحصص فيه ، والزائد من النجوم على القيمة ربح.
البحث الثاني : في قراض العامل.
مسألة ٢٤٦ : قد بيّنّا فيما تقدّم(٢) أنّه ليس للعامل في القراض أن يقارض غيره - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(٣) - لأنّ المالك لم يأذن فيه ، وإنّما ائتمن على المال العاملَ دون غيره ، فليس له التغرير بمال صاحبه ، فإن أذن له المالك فيه صحّ ، وإلّا فلا.
وخرّج بعض الحنابلة وجهاً في الجواز ؛ بناءً على توكيل الوكيل من غير إذن الموكّل(٤) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٠.
(٢) في ص ١٧ ، المسألة ٢٠١.
(٣) الحاوي الكبير ٧ : ٣٣٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٣ ، بحر المذهب ٩ : ٢١٢ ، الوجيز ١ : ٢٢٣ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٢ ، البيان ٧ : ١٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٠.
(٤) المغني ٥ : ١٥٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٢.
وهو غلط.
أمّا أوّلاً : فللمنع من حكم الأصل.
وأمّا ثانياً : فللفرق ؛ لأنّ المالك إنّما دفع المال إلى العامل ليضارب به ، وإذا دفعه إلى غيره خرج عن كونه مضارباً به ، بخلاف الوكيل ، ولأنّ هذا يوجب في المال حقّاً لغيره ، ولا يجوز إيجاب حقٍّ في مال إنسانٍ بغير إذنه.
إذا عرفت هذا ، فلا يخلو إمّا أن يكون المالك قد أذن للعامل في أن يقارض غيره ، أو لا ، فإن أذن صحّ ؛ لأنّ العامل الأوّل وكيل ، وهذا العقد يقبل الوكالة.
واعلم أنّ العامل يتصوّر أن يقارض غيره بإذن المالك في موضعين :
أحدهما : أن يخرج نفسه من القراض ، ويجعل نفسه وكيلاً في القراض مع الثاني كأنّ المالك سلّم المال إليه وأذن له في أن يقارض غيره إن بدا له.
وهو قراض صحيح ، كما لو قارضه المالك بنفسه ؛ لأنّ العامل الأوّل في الحقيقة وكيل في عقد القراض مع الثاني ، سواء كان العامل الأوّل قد عمل أو لا.
والثاني : أن يأذن له في أن يعامل غيره ليكون ذلك الغير شريكاً له في العمل والربح المشروط له على ما يراه.
وهو جائز ، كما لو قارض المالك في الابتداء شخصين فكذا الانتهاء ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني - وهو الأظهر عندهم - : إنّه لا يصحّ ؛ لأنّه لو جاز ذلك لكان الثاني فرعاً للأوّل منصوباً من جهته ، والقراض معاملة يضيق مجال القياس
فيها ، فلا يعدل بها عن موضعها ، وهو أن يكون أحد المتعاملين مالكاً لا عمل له ، والثاني عاملاً لا ملك له(١) .
وهو ضعيف ؛ لأنّ العاملين كالواحد.
مسألة ٢٤٧ : إذا أذن المالك للعامل في أن يقارض غيره ، جاز.
ثمّ لا يخلو إمّا أن يجعل الربح الذي جعله المالك بأسره للعامل الثاني ، أو يجعل له قسطاً منه وللثاني الباقي ، فإن جعل الربح بين العامل الثاني والمالك نصفين أو ما قدّره ولم يشرط لنفسه شيئاً من الربح ، صحّ ، وكان الربح بين المالك والعامل الثاني على ما شرط.
وإن جعل العامل الأوّل لنفسه شيئاً كأنّه قال : النصف لربّ المال والباقي بيني وبينك نصفين ، لم يصح القراض ؛ لأنّه شرط لنفسه نصيباً من الربح ، وليس من جهته مال ولا عمل ، فلم يصح ، ويكون الربح لربّ المال ، وللعامل الثاني أُجرة مثل عمله على المالك.
مسألة ٢٤٨ : لو دفع العامل الأوّل قراضاً إلى الثاني بغير إذن المالك ، فسد ؛ لأنّ المالك لم يأذن فيه ، ولا ائتمن على المال غيره ، ولأنّه لا يجوز أن يتصرّف العامل في مال ربّ المال بما لا يتناوله إذنه ، فإذا عمل العامل الثاني ، فإن حصل ربح فالأقرب : إنّه للمالك.
ثمّ لا يخلو إمّا أن يكون العامل الثاني عالماً بالحال ، أو لا.
فإن كان عالماً ، لم يكن له شيء ؛ لأنّه تصرّف في مال الغير بغير إذنه مع علمه بأنّه ممنوع منه ، ولا يستعقب ذلك استحقاق شيءٍ.
وإن لم يكن عالماً ، رجع على العامل الأوّل بأُجرة المثل.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٠ - ٢١١.
ونقل المزني من الشافعيّة : [ إنّه ] إذا عمل العامل الثاني بغير إذن المالك وحصل في المال ربحٌ ، كان لربّ المال النصف الذي شرطه لنفسه ، وما بقي بين العامل الأوّل والثاني.
ثمّ قال المزني : هذا قولٌ للشافعي قديم ، وأصله الجديد المعروف : إنّ كلّ فاسدٍ لا يصحّ حتى يبتدأ بما يصحّ ، فإن اشترى بعين المال فالشراء فاسد ، وإن اشترى في الذمّة فالشراء صحيح ، والربح للعامل الأوّل ، وللعامل الثاني أُجرة مثله(١) .
وبنوا هذه المسألة على أصلٍ هي مسألة البضاعة ، وهي : إنّه إذا غصب رجل مالاً ثمّ اتّجر به وربح فيه ، ففيه قولان مبنيّان على أنّ تصرّفات الفضولي تنعقد موقوفةً على الإجازة ، أم لا؟ فإن قلنا : إنّ تصرّفه باطل ، فلو أنّ الثاني تصرّف في المال وربح ، لمَنْ يكون الربح؟ وهذا يبتني على أنّ الغاصب إذا اتّجر في المال المغصوب ما حكم تصرّفه؟ ولمن الربح الحاصل؟
أمّا إذا تصرّف في عين المغصوب فهو تصرّف الفضولي.
وأمّا إذا باع سَلَماً أو اشترى في الذمّة وسلّم المغصوب فيما التزمه وربح ، فعلى الجديد للشافعي : الربح للغاصب ؛ لأنّ التصرّف صحيح ، والتسليم فاسد ، فيضمن المال الذي سلّمه ، ويسلم له الربح ، وهذا قياس ظاهر.
وعلى القول القديم : هو للمالك ؛ لحديث عروة البارقي ؛ فإنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أخذ رأس المال والربح(٢) ، ولأنّا لو جعلناه للغاصب لاتّخذه
____________________
(١) مختصر المزني : ١٢٢.
(٢) سنن الترمذي ٣ : ٥٥٩ / ١٢٥٨ ، سنن الدارقطني ٣ : ١٠ / ٢٩ و ٣٠ ، سنن البيهقي ٦ : ١١٢ ، مسند أحمد ٥ : ٥٠٧ / ١٨٨٧٣ ، و ٥٠٨ / ١٨٨٧٧.
الناس ذريعةً إلى غصب الأموال ، والخيانة في الودائع والبضاعات ، ولأنّ تصرّفات الغاصب قد تكثر فيعسر تتبّع الأمتعة التي تداولتها الأيدي المختلفة ، أو يتعذّر(١) .
وفي هذا القول مباحث :
الأوّل : هل يجزم على هذا القول بأنّ الربح للمالك ، أو نوقفه على إجازته واختياره؟ قيل بالوقف على الإجازة(٢) .
وبناء هذا القول على قول الوقف في بيع الفضولي.
ولم يتعرّض الشافعي للفسخ والإجازة ؛ لأنّ الغالب أنّه يجيز إذا رأى الربح ، فعلى هذا إذا ردّه يرتدّ ، سواء اشترى في الذمّة أو بعين المغصوب.
وقال الأكثرون : إنّه مجزوم به ومبنيٌّ(٣) على المصلحة ، وكيف يستقيم توقيف شراء الغاصب لنفسه على إجازة غيره! وإنّما يجري قول الوقف إذا تصرّف في عين مال الغير أو له(٤) .
الثاني : إذا كان في المال ربح وكثرت التصرّفات وعسر تتبّعها ، فهو موضع القول القديم(٥) ، أمّا إذا قلّت وسهل التتبّع ولا ربح ، فلا مجال له.
وحكى الجويني وجهين فيما إذا سهل التتبّع وهناك ربح أو عسر ولا ربح(٦) .
الثالث : لو اشترى في ذمّته ولم يخطر له أن يؤدّي الثمن من الدراهم المغصوبة ثمّ عنّ له ذلك ، قال الجويني : ينبغي أن لا يجيء فيه القول
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١١.
(٢ و ٤) كما في العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٨ ، وروضة الطالبين ٤ : ٢١١.
(٣) في « ث ، ر » والطبعة الحجريّة : « يبنى ».
(٥) كما في العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٨.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٩.
القديم إن صدّقه صاحب الدراهم(١) .
وهذه المسألة تُلقّب بمسألة البضاعة.
إذا عرفت هذا ، فعلى الجديد - وهو وقوع عقد الفضولي لاغياً - إن اشترى بعين مال القراض ، فهو باطل.
وإن اشترى في الذمّة ، فأحد الوجهين : إنّ كلّ الربح للعامل الثاني ؛ لأنّه المتصرّف ، كالغاصب في صورة الغصب.
وأصحّهما عندهم : إنّ كلّه للأوّل ؛ لأنّ الثاني تصرّف للأوّل بإذنه ، فكان كالوكيل من [ جهته ](٢) ، وعليه للثاني أُجرة عمله ، وبه قال أبو حنيفة والمزني(٣) .
وإن قلنا بالقديم - وهو توقّف عقد الفضولي على الإجازة - ففيما يستحقّه المالك من الربح وجهان :
أحدهما : إنّ جميعه للمالك ، كما في الغصب ، طرداً لقياس(٤) هذا القول ، وعلى هذا فللعامل الثاني أُجرة مثله.
وعلى مَنْ تجب؟ وجهان :
أحدهما : إنّها على العامل الأوّل ؛ لأنّه استعمله وغرَّه.
والثاني : على المالك ؛ لأنّ نفع عمله عاد إليه.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٢.
(٢) ما بين المعقوفين أثبتناه من « العزيز شرح الوجيز » وبدله في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « حصته ». وهي تصحيف.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٩.
(٤) في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « للقياس ». والمثبت هو الصحيح كما في العزيز شرح الوجيز.
وأصحّهما - وبه قال المزني(١) - : إنّ له نصفَ الربح ؛ لأنّه رضي به ، بخلاف الغصب ، فإنّه لم يوجد منه رضا ، فصرفنا الجميع إلى المالك ؛ قطعاً لطمع مَنْ يغصب ويخون ، وعلى هذا ففي النصف الثاني وجوه :
أ : إنّ الجميع للعامل الأوّل ؛ لأنّ المالك إنّما شرط له ، وعقده مع الثاني فاسد ، فلا يتبع شرطه ؛ لأنّ المضاربة فاسدة ، والشرط لا يثبت في الفاسدة ، وعلى هذا فللثاني أُجرة مثل عمله على الأوّل ؛ لأنّه غرَّه.
ب : إنّ كلّه للثاني ؛ لأنّه العامل ، أمّا الأوّل فليس له عمل ولا ملك ، فلا يُصرف إليه شيء من الربح.
وأصحّها(٢) عندهم : إنّه يكون بين العاملين بالسويّة ؛ لأنّ تتبّع التصرّفات عسير ، والمصلحة اتّباع الشرط إلّا أنّه قد تعذّر الوفاء به في النصف الذي أخذه المالك ، فكأنّه تلف وانحصر الربح في الباقي ، وعلى هذا ففي رجوع العامل الثاني بنصف أُجرة المثل وجهان :
أحدهما : نعم ؛ لأنّه كان طمعه في نصف الربح بتمامه ، ولم يسلم له إلّا نصف النصف.
وأشبههما : لا ؛ لأنّ الشرط محمول على ما يحصل لهما من الربح ، والذي حصل هو النصف.
والوجهان فيما إذا كان العامل الأوّل قد قال للعامل الثاني : على أنّ ربح هذا المال بيننا ، أو على أنّ لك نصفه ، أمّا إذا كانت الصيغة : على أنّ ما رزقنا الله تعالى من الربح بيننا ، قطع أكثر الشافعيّة بأنّه لا رجوع ؛ لأنّ النصف هو الذي حصل.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٩.
(٢) في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « أصحّهما ». والمثبت هو الصحيح.
وعن بعضهم إجراء الوجهين ؛ لأنّ المفهوم تشطّر جميع الربح.
هذا كلّه إذا جرى القراضان على المناصفة ، وإن كانا أو أحدهما على نسبةٍ أُخرى فعلى ما تشارطا(١) .
مسألة ٢٤٩ : لو تلف المال في يد الثاني ، فإن كان عالماً بالحال فهو غاصب أيضا ؛ حيث تصرّف في مال الغير بغير إذنه مع علمه.
وإن كان جاهلاً وظنّ أنّ المالك هو العامل الأوّل فترتّب يده على يد الأوّل كترتّب يد المودع على يد الغاصب ؛ لأنّه يد أمانةٍ.
وفي طريقٍ للشافعيّة : إنّه كالمتّهب من الغاصب ؛ لعود النفع إليه(٢) .
والتحقيق أنّ العامل الثاني بمنزلة الغاصب في الإثم والضمان والتصرّف إن كان عالماً بأنّ هذا العامل الأوّل قارضه بغير إذن صاحب المال.
وإن كان غيرَ عالمٍ ، سقط عنه الإثم ، وبقي حكم التصرّف والضمان.
أمّا التصرّف : فقد تقدّم.
وأمّا الضمان : فإنّ المال مضمون على كلّ واحدٍ منهما.
أمّا على الأوّل : فبتعدّيه بتسليمه إلى الثاني.
وأمّا على الثاني : فلأنّه تسلّم مال غيره بغير إذنه.
فإن كان باقياً ، طالَب أيّهما شاء بردّه وأخذه.
وإن كان تالفاً ، كان له مطالبة أيّهما شاء ببدله ، فإن طالَب العامل الأوّل ، لم يرجع على الثاني ؛ لأنّه دفعه إليه على وجه الأمانة.
وإن طالَب الثاني ، فهل يرجع على الأوّل؟ للشافعيّة قولان :
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٩ - ٣٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٢.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٢.
أحدهما : يرجع ؛ لأنّ الأوّل غرَّه ، فأشبه ما لو غرّه بحُرّيّة أمته.
والثاني : لا يرجع ؛ لأنّ التلف حصل في يده ، فاستقرّ الضمان عليه(١) .
إذا تقرّر هذا ، فلو شرط العامل الأوّل على العامل الثاني أنّ نصف الربح للمالك وأنّ النصف الآخَر بينهما نصفين ، قال بعض الحنابلة : يكون على ما اتّفقا عليه ؛ لأنّ ربّ المال رضي بالنصف ، فلا يدفع إليه أكثر منه ، والعاملان على ما اتّفقا عليه(٢) .
وليس بشيءٍ ، مع أنّ أحمد قال : لا يطيب الربح للمضارب الأوّل ؛ لأنّه ليس له عمل ولا مال ، ولا للمضارب الثاني ؛ لأنّه عمل في مال غيره بغير إذنه ولا شرطه ، فلا يستحقّ ما شرط له غير المالك ، كما لو دفعه إليه الغاصب مضاربةً ، ولأنّه إذا لم يستحق ما شرطه له ربّ المال في المضاربة الفاسدة فما شرطه له غيره بغير إذنه أولى(٣) .
مسألة ٢٥٠ : لو أذن ربُّ المال للعامل في دفع المال مضاربةً ، جاز ذلك ، ولا نعلم فيه خلافاً ، ويكون العامل الأوّل وكيلاً لربّ المال في ذلك.
فإن كان بعد العمل ، جاز أيضاً ؛ لما بيّنّا من أنّ المضاربة من العقود الجائزة.
فإن كان قد ظهر ربح في عمل العامل وقلنا : يملك بالظهور ، استحقّ نصيبه من الربح.
وإن قلنا بالقسمة أو لم يظهر ربح ، فله أُجرة المثل.
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ٢١٤ ، البيان ٧ : ١٧٩.
(٢) المغني ٥ : ١٦١ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٣.
(٣) المغني ٥ : ١٦١ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٣ - ١٥٤.
وإذا دفعه العامل الأوّل ، لم يجز له أن يشترط لنفسه جزءاً من الربح ، فإن شرط شيئاً من الربح لم يجز ؛ إذ ليس من جهته مال ولا عمل ، والربح إنّما يستحقّ بأحدهما.
ولو قال له المالك : اعمل في هذا المال برأيك ، أو بما أراك الله تعالى ، فالأقرب : إنّه يجوز له دفعه مضاربةً ؛ لأنّه قد يرى أنّه يدفعه إلى مَنْ هو أبصر منه في التجارة وأقوى منه جلداً ، وبه قال أحمد(١) .
ويحتمل أن لا يجوز ذلك ؛ لأنّ قوله : « اعمل برأيك » يعني في كيفيّة المضاربة والبيع والشراء وأنواع التجارة ، وهذا يخرج [ به ] عن المضاربة ، فلا يتناوله إذنه.
مسألة ٢٥١ : لا يجوز لعامل القراض أن يمزج مال المضاربة بماله بحيث لا يتميّز ، فإن فَعَل أثم وضمن ؛ لأنّه أمانة ، فهو كالوديعة.
ولو قال له : اعمل برأيك ، جاز ذلك - وبه قال الثوري ومالك وأصحاب الرأي(٢) - لأنّه قد جعل النظر في المصلحة وفعلها موكولاً إلى نظره ، وربما رأى الحظّ للمضاربة في المزج ، فإنّه أصلح له ، فيدخل تحت قوله : اعمل برأيك.
وقال الشافعي : ليس له ذلك ؛ لأنّ ذلك ليس من التجارة(٣) .
____________________
(١) المغني ٥ : ١٦٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٤.
(٢) المغني ٥ : ١٦٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٤ ، المدوّنة الكبرى ٥ : ١٠٢ - ١٠٣ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٤٤ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٣٠ ، بدائع الصنائع ٦ : ٩٥ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٤٢ / ١٧١١ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٢ : ٣٩ - ٤٠ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢١٠.
(٣) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٤٤ ، البيان ٧ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز =
وهو غير مسلَّمٍ ؛ لأنّه قد يكون من مصلحتها.
وكذا ليس له المشاركة مع مال القراض ، إلّا أن يقول : اعمل برأيك ، وتكون المشاركة مصلحةً.
مسألة ٢٥٢ : إذا أخذ العامل من غيره مضاربةً ، جاز له أن يأخذ من غيره مضاربةً أُخرى ، سواء أذن له الأوّل أو لا إذا لم يتضرّر الأوّل بمعاملة الثاني.
فإن تضرّر الأوّل بمعاملة الثاني بأن يكون المال الثاني كثيراً يحتاج أن يقطع زمانه في التجارة به ويشغله عن السعي في الأوّل ، أو يكون المال الأوّل كثيراً متى اشتغل عنه بغيره انقطع عن بعض تصرّفاته فيه ، وفات باشتغاله في الثاني بعض مصالحه ، فأكثر الفقهاء على جوازه أيضاً ؛ لأنّه عقد لا يملك به منافعه بأسرها ، فلم يمنع من المضاربة ، كما لو لم يكن فيه ضرر ، وكالأجير المشترك(١) .
وقالت الحنابلة : لا يجوز له ذلك ؛ لأنّ المضاربة مبنيّة على الحظّ والنماء ، فإذا فَعَل ما يمنعه لم يكن له ، كما لو أراد التصرّف بالغبن.
قالوا : فعلى هذا إذا فَعَل وربح ردّ الربح في شركة الأوّل ويقتسمانه ، فينظر ما ربح في المضاربة الثانية ، فيدفع إلى ربّ المال نصيبه ، ويأخذ المضارب نصيبه من الربح ، فيضمّه إلى ربح المضاربة الأُولى ، ويقاسمه ربّ(٢) المضاربة الأُولى ؛ لأنّه استحقّ حصّته من الربح بالمنفعة التي
____________________
= ٦ : ٤٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٤ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٤٣ / ١٧١١ ، المغني ٥ : ١٦٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٤.
(١) المغني ٥ : ١٦٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٦.
(٢) في المصدر : « لربّ » بدل « ربّ ».
استُحقّت بالعقد ، فكان بينهما ، كربح المنفعة المستحقّة بالعقد الأوّل.
فأمّا حصّة ربّ المال الثاني من الربح فيدفع إليه ؛ لأنّ العدوان من المضارب لا يُسقط حقَّ ربّ المال الثاني ، ولأنّا لو رددنا ربح الثاني كلّه في الشركة الأُولى ، لاختصّ الضرر بربّ المال الثاني ، ولم يلحق المضارب شيء من الضرر والعدوان منه ، بل ربما انتفع إذا كان قد شرط الأوّل النصفَ والثاني الثلثَ(١) .
وهذا ليس بشيءٍ.
والحقّ أنّه لا شيء لربّ المضاربة الأُولى من ربح الثانية ؛ لأنّه إنّما يستحقّ بمالٍ أو عملٍ ، وليس له في المضاربة الثانية مالٌ ولا عمل ، وتعدّي المضارب إنّما كان بترك العمل واشتغاله عن المال الأوّل ، وهذا لا يوجب عوضاً ، كما لو اشتغل بالعمل في مال نفسه ، أو آجر نفسه ، أو ترك التجارة للتعب أو لاشتغالٍ بعلمٍ ، أو غير ذلك ، ولأنّه لو أوجب عوضاً لأوجب شيئاً مقدّراً لا يختلف ولا ينحصر بقدر ربحه في الثانية.
البحث الثالث : في السفر.
مسألة ٢٥٣ : لـمّا كان مبنى القراض على التكسّب المستلزم لحفظ رأس المال وحراسته ، وكان في السفر تغريرٌ به وتعريض لإتلافه ، وجب في الحكمة مشروعيّة منع العامل من السفر.
ولا خلاف في أنّه لو نهاه المالك عن السفر بالمال فسافر به ، ضمن ، وكذا لو أمره بالسفر إلى جهةٍ معيّنة أو بلدٍ معيّن فسافر إلى غير ذلك البلد
____________________
(١) المغني ٥ : ١٦٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٥ - ١٥٦.
وغير تلك الجهة ؛ لأنّ المال لصاحبه له التصرّف فيه كيف شاء ، والاختيار في ذلك إليه ، فلا يجوز العدول عنه.
ولما رواه أبو بصير عن الصادقعليهالسلام في الرجل يعطي [ الرجل ] مالاً مضاربةً وينهاه أن يخرج به إلى أرضٍ أُخرى فعصاه ، فقال : « هو له ضامن ، والربح بينهما إذا خالف شرطه وعصاه »(١) .
وعن الحلبي عن الصادقعليهالسلام : عن الرجل يعطي الرجل المال فيقول له : ائت أرض كذا وكذا ولا تجاوزها ، اشتر منها ، قال : « إن جاوزها فهلك المال فهو له ضامن ، وإن اشترى شيئاً فوضع فهو عليه ، وإن ربح فهو بينهما »(٢) .
وفي الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أحدهماعليهماالسلام ، قال : سألته عن الرجل يعطي المال مضاربةً وينهى أن يخرج به ، فيخرج ، قال : « يضمن المال ، والربح بينهما »(٣) .
مسألة ٢٥٤ : ولو لم ينهه عن السفر ولا أذن له فيه ، لم يجز له السفر ، عند علمائنا إلّا بإذن صاحب المال ، سواء كان الطريق مخوفاً أو آمناً ؛ لما تقدّم من التغرير المنافي للاكتساب ، وبه قال الشافعي ؛ لما فيه من الخطر والتغرير بالمال(٤) ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّ المسافر وماله لعلى قَلَتٍ إلّا ما
____________________
(١) التهذيب ٧ : ١٨٧ / ٨٢٧ ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
(٢) الكافي ٥ : ٢٤٠ / ١ ، التهذيب ٧ : ١٨٩ / ٨٣٥.
(٣) الكافي ٥ : ٢٤٠ / ٢ ، التهذيب ٧ : ١٨٩ / ٨٣٦.
(٤) الحاوي الكبير ٧ : ٣١٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٤ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٩ ، الوجيز ١ : ٢٢٤ ، الوسيط ٤ : ١٢٠ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٦ ، البيان ٧ : ١٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣١ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٢ ، المغني ٥ : ١٥١ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٦.
وقى الله »(١) أي لعلى هلاكٍ ، ولا يجوز له التغرير بالمال إلّا بإذن مالكه.
وقال مالك : يجوز له السفر مع الإطلاق أو التنصيص على السفر - وهو محكيٌّ عن أبي حنيفة ، وقياس مذهب أحمد يقتضيه - لأنّ الإذن المطلق ينصرف إلى ما جرت العادة به ، والعادة جارية بالتجارة سفراً وحضراً ، ولأنّها مشتقّة من الضرب في الأرض ، فمَلَك ذلك مطلقاً(٢) .
وهو ممنوع ؛ لأنّ العادة إنّما قضت بالسفر مع الإذن صريحاً أو قرينة حاليّة أو مقاليّة تدلّ عليه ، لا بدون ذلك.
وأبو حنيفة بناه على أصله من أنّه يجوز للمستودع أن يسافر بالوديعة إذا كان الطريق آمناً ؛ لأنّه بمنزلة المصر(٣) .
وهو ممنوع ؛ إذ لا تغرير في المصر كما في السفر.
____________________
(١) غريب الحديث - لابن قتيبة - ٢ : ٥٦٤.
(٢) الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٤ / ١١٢٢ ، التلقين : ٤٠٨ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٣٨٦ ، المعونة ٢ : ١١٢٤ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٢٩ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٢٢ ، بدائع الصنائع ٦ : ٨٨ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٩١ / ٣٤٧١ ، الفقه النافع ٣ : ١٢٨٧ / ١٠٤١ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٢ : ٣٩ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٤١ / ١٧٠٩ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٠٣ ، المغني ٥ : ١٥١ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٦ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣١٧ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٩ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٦ ، البيان ٧ : ١٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣١.
(٣) الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٣٩ ، تحفة الفقهاء ٣ : ١٧٢ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٩ ، روضة القُضاة ٢ : ٦١٧ / ٣٦٠٠ ، الفقه النافع ٣ : ٩٤١ / ٦٦٦ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ١٢٢ ، و ٢٢ : ٣٩ ، المحيط البرهاني ٥ : ٥٣١ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٠٣ و ٢١٧ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٥٧ ، الوسيط ٤ : ٥٠٢ ، حلية العلماء ٥ : ١٧١ ، البيان ٦ : ٤٣٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٢٩٥ - ٢٩٦ ، المغني ٧ : ٢٨٤ ، الشرح الكبير ٧ : ٣٠٢ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٢٠.
وللشافعي قولٌ في البويطي(١) كقول أبي حنيفة أيضاً.
لكنّ المشهور الأوّل.
وهذا البحث مع الإطلاق ، فأمّا إن أذن في السفر أو نهى عنه أو وُجدت قرينة دالّة على أحد الأمرين ، تعيّن ذلك ، وثبت ما أمر به وحرم ما نهى عنه.
ولا خلاف في أنّه لا يجوز له السفر في موضعٍ مخوف على القولين معاً ، وكذا لو أذن له في السفر مطلقاً ، لم يكن له السفر في طريقٍ مخوف ، فإن فَعَل فهو ضامن لما يتلف ؛ لأنّه متعدٍّ بفعل ما ليس له فعله.
مسألة ٢٥٥ : لو سافر مع انتفاء الإذن أو مع النهي عن السفر أو أمره بالسفر في جهةٍ بعينها فسافر في غيرها ، أو إلى بلدٍ فسافر إلى غيره ، فقد ضمن المال ؛ لمخالفته.
ثمّ يُنظر فإن كان المتاع بالبلدة التي سافر إليها أكثر قيمةً من الحضر أو من البلدة التي أمره بالسفر إليها أو تساوت القيمتان ، صحّ البيع ، واستحقّ الربح بالشرط.
ولما(٢) رواه الكناني : قال : سألتُ الصادقَعليهالسلام : عن المضاربة يعطى الرجل المال يخرج به إلى الأرض ونهي أن يخرج به إلى أرض غيرها فعصى فخرج به إلى أرض أُخرى فعطب المال ، فقال : « هو ضامن ، فإن سلم فربح فالربح بينهما »(٣) .
وإن كان المتاع أقلّ قيمةً ، لم يصح البيع بتلك القيمة ، إلّا أن يكون
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣١ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٢.
(٢) الظاهر : « لما » بدون الواو.
(٣) الفقيه ٣ : ١٤٣ - ١٤٤ / ٦٣١ ، التهذيب ٧ : ١٨٩ - ١٩٠ / ٨٣٧.
النقصان بقدر ما يتغابن به.
وإذا قلنا بصحّة البيع فإنّ الثمن الذي يقبضه يكون مضموناً عليه أيضاً.
ولو اشترى به متاعاً ، ضمن المتاع ، بخلاف ما إذا تعدّى الوكيل بالبيع في المال ثمّ باعه وقبض الثمن ، لا يكون الثمن مضموناً عليه وإن كان ضامناً للأصل ؛ لأنّ العدوان هنا لم يوجد في الثمن ، وسبب العدوان في المضاربة موجود في الثمن والمتاع الذي يشتريه به ؛ لأنّ سبب العدوان هو السفر ، وهو شامل للمال والثمن ، ولا تعود الأمانة بالعود من السفر ، وبه قال الشافعي(١) .
مسألة ٢٥٦ : لو سافر بالإذن ، فلا عدوان ولا ضمان ، وله بيع المتاع في البلد المنقول إليه مثل ما كان يبيعه في المنقول عنه وبأكثر منه.
وأمّا بدونه فالأقرب : إنّ له ذلك ؛ لأنه غير متعدٍّ بالسفر ، ولا حكم له على زيادة الأسواق ونقصانها ، بل الواجب عليه الاستظهار في طلب الربح إن حصل.
وقال بعض الشافعيّة : إذا باع بدونه فإن ظهر فيه غرض بأن كانت مئونة الردّ أكثر من قدر النقصان أو أمكن صرف الثمن إلى متاعٍ يتوقّع فيه ربحاً ، فله البيع أيضاً ، وإلّا لم يجز ؛ لأنّه محض تخسيرٍ(٢) .
مسألة ٢٥٧ : العامل إن اتّجر في الحضر كان عليه أن يلي من التصرّف فيه ما يليه ربّ المال في العادة ، كنشر الثوب وتقليبه على مَنْ يشتريه وطيّه عند البيع وقبض الثمن وحفظه ، وذرع الثوب وإدراجه في السَّفَط
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣١ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٣.
وإخراجه ، ووزن ما يخفّ ، كالذهب والفضّة والمسك والعود ، وحفظ المتاع على باب الحانوت ، وفي السفر بالنوم عليه ونحوه في العادة ، كالإشراف عليه وجمعه والاحتياط عليه.
وليس عليه رفع الأحمال ولا حطّها ، وليس عليه ما لا يليه ربّ المال ، فلا يجب عليه وزن الأمتعة الثقيلة وحملها ونقل المتاع من الخان إلى الحانوت والنداء عليه ، بل يستأجر العامل له مَنْ يعمله من مال المضاربة ، فإن تولّى العامل ذلك بنفسه ، لم يستحق له أُجرة ؛ لأنّه تبرّع به.
وأمّا ما يجب عليه فعله لو استأجر العامل من مال المضاربة مَنْ يعمل ما عليه أن يعمله بنفسه ، ضمن ما دفع إليه ؛ لأنّ ذلك العمل يجب عليه ، دون ربّ المال.
مسألة ٢٥٨ : ليس للعامل أن يُنفق من مال القراض في الحضر على نفسه ، عند علمائنا ، ولا أن يواسي منه بشيءٍ - وبه قال الشافعي(١) - لأنّ الأصل حراسة مال الغير وحفظه ، وعدم تعلّق وجوب الإنفاق منه.
وقال مالك : له أن يُنفق منه على العادة ، كالغذاء ودفع الكسرة إلى السقّاء وأُجرة الكيّال والوزّان والحمّال في مال القراض(٢) .
وليس بمعتمدٍ.
وأمّا في السفر فالمشهور أنّه يُنفق فيه كمال النفقة من أصل مال القراض إذا شخص عن البلد من المأكول والمشروب والملبوس - وبه قال علماؤنا والحسن والنخعي والأوزاعي ومالك وإسحاق وأصحاب الرأي
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٣١٨ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٦ ، البيان ٧ : ١٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٤.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٢.
والشافعي في أحد أقواله(١) - لأنّ سفره لأجل المال ، فكانت نفقته منه ، كأجر الحمّال ، ولأنّه في السفر قد سلّم نفسه وجرّدها لهذا الشغل ، فأشبه الزوجة تستحقّ النفقة إذا سلّمت نفسها ، ولا تستحقّ إذا لم تُسلّمْ.
ولما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى الكاظمعليهالسلام قال في المضاربة : « ما أنفق في سفره فهو من جميع المال ، وإذا قدم بلده فما أنفق فمن نصيبه »(٢) .
وظاهر مذهب الشافعي أنّه لا نفقة للعامل بحالٍ - وبه قال ابن سيرين وحمّاد بن أبي سليمان وأحمد - كما في الحضر ؛ لأنّ نفقته تخصّه ، فكانت عليه ، كما في الحضر وأجر الطبيب وثمن الطيب ، ولأنّه دخل على أنّه يستحقّ من الربح الجزء المسمّى ، فلا يكون له غيره ، ولأنّه لو استحقّ النفقة أفضى إلى أن يختصّ بالربح إذا لم يربح سوى ما أنفقه ، فيخلّ بمقصود العقد(٣) .
____________________
(١) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٤٧ ، المغني ٥ : ١٥٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٦٤ ، المدوّنة الكبرى ٥ : ٩٧ ، الاستذكار ٢١ : ١٧٠ / ٣٠٩٢٤ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٦ / ١١٢٦ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٤٠ ، التفريع ٢ : ١٩٤ ، التلقين : ٤٠٨ ، الذخيرة ٦ : ٥٩ ، عيون المجالس ٤ : ١٧٨٦ / ١٢٥١ ، المعونة ٢ : ١١٢٣ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٢٣ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٣٤ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٢ : ٦٢ - ٦٣ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٤٣ / ١٧١٢ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢١١ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣١٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٤ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٩ و ٢٠٠ ، الوجيز ١ : ٢٢٤ ، الوسيط ٤ : ١٢٠ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٦ ، البيان ٧ : ١٨٤ و ١٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٤ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٦.
(٢) الكافي ٥ : ٢٤١ / ٥ ، التهذيب ٧ : ١٩١ / ٨٤٧.
(٣) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٤٧ ، المغني ٥ : ١٥٢ ، الشرح الكبير ٥ : =
والقول الثالث للشافعي : إنّه يُنفق في السفر من ماله قدر نفقة الحضر ، والزائد من مال القراض ؛ لأنّ الزيادة إنّما حصلت بواسطته ، وهو الأصحّ عندهم ، وهو منقول عن مالك أيضاً(١) .
مسألة ٢٥٩ : ولو شرط له النفقة في الحضر ، لزم الشرط ، ووجب له ما يحتاج فيه إليه من المأكول والمشروب والمركوب والملبوس.
وكذا لو شرطها في السفر على قول مَنْ لا يوجبها على المال إجماعاً ؛ عملاً بالشرط.
وينبغي أن يعيّن قدر النفقة وجنسها ، فلا يجوز له التخطّي.
ولو أطلق ، رجع إلى العادة ، وكان صحيحاً.
وبعض الشافعيّة اشترط تعيين النفقة(٢) .
وليس شيئاً ؛ لأنّ الأسعار قد تختلف وتقلّ وتكثر.
وقال أحمد : لا كسوة له مع الإطلاق إذا شرط له النفقة(٣) .
إذا عرفت هذا ، فإنّ الكسوة يستحقّها للاستمتاع بها على جهة الملك
____________________
= ١٦٤ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣١٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٤ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٩ و ٢٠٠ ، الوسيط ٤ : ١٢١ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٦ ، البيان ٧ : ١٨٤ - ١٨٥ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٤ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٤٤ / ١٧١٢ ، الاستذكار ٢١ : ١٧٠ / ٣٠٩٢٧ و ٣٠٩٣٠ ، بداية المجتهد ٢ : ٢٤٠ ، عيون المجالس ٤ : ١٧٨٦ / ١٢٥١.
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٤ ، بحر المذهب ٩ : ٢٠٠ ، الوسيط ٤ : ١٢١ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤٠ ، البيان ٧ : ١٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٤.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٣١٩ ، بحر المذهب ٩ : ٢٠٠ ، البيان ٧ : ١٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٥.
(٣) المغني ٥ : ١٥٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٦٤.
الصريح ، فلو رجع إلى البلد من سفره وعليه كسوة أو دابّة ركوبٍ كانت مردودةً إلى القراض.
وإذا قلنا : له النفقة في السفر ولم يعيّن المالك واختلفا في قدرها ، رجع إلى الإطعام في الكفّارة ، وفي الكسوة إلى أقلّ ملبوسٍ مثله.
وهذا كلّه في السفر المباح ، أمّا لو خالف المالك فسافر إلى غير البلد الذي أمره بالسفر إليه ، فإنّه لا يستحقّ النفقة ، سواء قلّ الربح أو كثر عن البلد المأمور به.
ولو احتاج في السفر إلى خُفٍّ وإداوة وقِرْبة وشبهها ، أخرج من أصل المال ؛ لأنّه من جملة المؤونة ، ثمّ يردّه بعد رجوعه إلى مال القراض.
مسألة ٢٦٠ : لو استردّ المالك ماله وقد نضّ إمّا في الطريق أو في البلد الذي سافر إليه ، فأراد العامل أن يرجع إلى بلده ، لم يستحق نفقة الرجوع ، كما لو مات العامل لم يكن على المالك تكفينه ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة ، كما لو خالع زوجته في السفر ، والثاني : إنّ له ذلك ، قاله الشافعي ، ثمّ تردّد فقال : قولان(١) .
ولا فرق بين الذهاب والعود.
وعن أحمد رواية كالثاني ؛ لأنّه بإطلاقه كأنّه قد شرط له نفقة ذهابه وعوده ، وغرّه بتنفيذه إلى الموضع الذي أذن له فيه ، معتقداً أنّه يستحقّ النفقة ذاهباً وراجعاً ، فإذا قطع عنه النفقة تضرّر بذلك(٢) .
والصحيح ما قلناه.
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ٢٠٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٧ ، البيان ٧ : ١٨٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٤.
(٢) المغني ٥ : ١٥٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٦٥.
وإذا رجع العامل وبقي معه فضل زاد وآلات أعدّها للسفر كالمطهرة والقِرْبة وغير ذلك ، ردّها إلى مال القراض ؛ لأنّها من عينه ، وإنّما ساغ له التصرّف فيها للحاجة ؛ قضاءً للعادة ، وقد زالت الحاجة ، وهو أحد قولَي الشافعيّة.
والثاني : إنّها تكون للعامل(١) .
وليس شيئاً.
مسألة ٢٦١ : لو كان مع العامل مال(٢) لنفسه للتجارة واستصحبه معه في السفر ليعمل فيه وفي مال القراض ، قُسّطت النفقة على قدر المالين ؛ لأنّ السفر إنّما كان لماله ومال القراض ، فالنفقة اللازمة بالسفر تكون مقسومةً على قدر المال(٣) ، وهو قول بعض الشافعيّة(٤) .
ويحتمل النظر إلى مقدار العمل على المالين وتوزيع النفقة على أُجرة مثلهما ، وهو قول بعض الشافعيّة(٥) .
وقال بعضهم : إنّما تُوزّع إذا كان ماله قدراً يقصد السفر له ، فإن كان لا يقصد ، فهو كما لو لم يكن معه مال سوى مال القراض(٦) .
أمّا لو كان معه قراض لغير صاحب الأوّل ، فإنّ النفقة تُقسّط عليهما على قدر رأس المالين ، أو قدر العمل فيهما ، والأخير أقرب.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٤.
(٢) في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « مالاً ». وهو خطأ.
(٣) الظاهر : « المالين ».
(٤) الحاوي الكبير ٧ : ٣٢٠ ، الوسيط ٤ : ١٢١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٧ ، البيان ٧ : ١٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٤.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٤.
(٦) البيان ٧ : ١٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٤.
مسألة ٢٦٢ : كلّ موضعٍ يثبت له النفقة فإنّ المالك إن عيّن له قدراً ، لم يجز له التجاوز ولو احتاج إلى أزيد منه ، ولو نهاه عن الإنفاق من مال القراض في السفر ، لم يجز له الإنفاق ، سواء احتاج أو لا ، بل يُنفق من خاصّ ماله.
وإذا أطلق القراض ، كان له الإنفاق في السفر بالمعروف من غير إسرافٍ ولا تقتير ، والقدر المأخوذ في النفقة يُحسب من الربح ، فإن لم يكن هناك ربح فهو خسران لحق المال.
ولو أقام في طريقه فوق مدّة المسافرين في بلدٍ للحاجة ، كجباية المال أو انتظار الرفقة ، أو لغير ذلك من المصالح لمال القراض ، كانت النفقة على مال القراض أيضاً ؛ لأنّه في مصلحة القراض(١) ، أمّا لو أقام للاستراحة أو للتفرّج أو لتحصيل مالٍ له أو لغير مال القراض فإنّه لا يستحقّ عن تلك المدّة شيئاً من مال القراض في النفقة.
مسألة ٢٦٣ : قد بيّنّا أنّ العامل يستحقّ النفقة بالمعروف في السفر وإن لم يشترط ، فلو شرطها في عقد القراض فهو تأكيد وزيادة توثّقٍ ، وبه قال الشافعي على تقدير الوجوب(٢) .
أمّا على تقدير عدم استحقاقه للنفقة فله وجهان :
أحدهما : إنّ القراض يفسد ، كما لو شرط نفقة الحضر.
والثاني : لا يفسد ؛ لأنّه من مصالح العقد من حيث إنّه يدعوه إلى السفر ، وهو مظنّة الربح غالباً(٣) .
____________________
(١) في « ج » : « مال القراض ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٤.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٤ - ٢١٥.
وعلى هذا فهل يشترط تقديره؟ فيه للشافعيّة وجهان(١) .
وهذا القول يشعر بأنّه ليس له أن يشترط النفقة في الحضر.
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّه سائغ تدعو الحاجة إليه ، فجاز اشتراطه ولزم ؛ لقولهعليهالسلام : « المسلمون عند شروطهم »(٢) .
مسألة ٢٦٤ : لو كان معه مال قراضٍ لغير المالك الأوّل ، فقد قلنا : إنّ النفقة تُقسّط إمّا على المالين أو على العملين.
فإن شرط صاحب المال الأوّل النفقةَ من مال القراض مع علمه بالقراض الثاني ، جاز ، وكانت نفقته على الأوّل.
ولو لم يعلم بالقراض الثاني ، بُسطت النفقة وإن كان قد شرطها الأوّل ؛ لأنّه إنّما أطلق له النفقة بناءً على اختصاص عمله به ؛ لأنّه الظاهر.
ولو كان معه مالٌ لنفسه يعمل به أو بضاعة لغيره ، فالحكم كما تقدّم.
ولو شرط الأوّل له النفقةَ ، وشرطها الثاني أيضاً ، لم يحصل له بذلك زيادة الترخّص في الإسراف في النفقة ولا تعدّدها ، بل له نفقة واحدة عليهما على قدر المالين أو العملين.
مسألة ٢٦٥ : لو احتاج في السفر إلى زيادة نفقةٍ ، فهي من مال القراض أيضاً.
ولو مرض فافتقر إلى الدواء ، فإنّه محسوب عليه.
وكذا لو مات كُفّن من ماله خاصّةً ؛ لأنّ النفقة وجبت للقراض ، وقد بطل بموته ، فلا يُكفَّن من مال القراض.
وكذا لو أبطل القراض وفسخه هو أو المالك ، فلا نفقة ، كما لو أخذ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٥.
(٢) تقدّم تخريجه في ص ٣٥ ، الهامش (٣)
المالك ماله ؛ لأنّه إنّما استحقّ النفقة ما داما في القراض ، وقد زال فزالت النفقة.
ولو قتّر على نفسه في الإنفاق ، لم يكن له أخذ الفاضل ممّا لا يزيد على المعروف ؛ لأنّ هذه النفقة مواساة.
وكذا لو أسرف في النفقة ، حُسب عليه الزائد على قدر المعروف.
البحث الرابع : في وقت ملك الربح.
مسألة ٢٦٦ : العامل يملك حصّته المشروطة له من الربح بظهور الربح قبل القسمة - وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد القولين ، وأحمد في إحدى الروايتين(١) - لأنّ الشرط صحيح ، فيثبت مقتضاه ، وهو أن يكون له جزء من الربح ، فإذا حصل وجب أن يملكه بحكم الشرط ، كما يملك عامل المساقاة حصّته من الثمرة بظهورها ، وقياساً على كلّ شرطٍ صحيحٍ في عقدٍ.
ولأنّ هذا الربح مملوك ، فلا بدّ له من مالكٍ ، وربّ المال لا يملكه اتّفاقاً ، ولا تثبت أحكام الملك في حقّه ، فيلزم أن يكون للعامل ؛ إذ لا مالك غيرهما إجماعاً.
ولأنّ العامل يملك المطالبة بالقسمة ، فكان مالكاً ، كأحد شريكي العنان ، ولو لم يكن مالكاً لم يكن له مطالبة ربّ المال بالقسمة.
____________________
(١) الوسيط ٤ : ١٢١ - ١٢٢ ، الوجيز ١ : ٢٢٤ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٩ ، البيان ٧ : ١٨٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٣١٥ ، المغني ٥ : ١٦٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٦٦ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٥ / ١١٢٥.
ولأنّه لو لم يملك بالظهور ، لم يعتق عليه نصيبه من أبيه لو اشتراه ، والتالي باطل ؛ لحديث محمّد بن قيس عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : رجل دفع إلى رجلٍ ألف درهم مضاربةً فاشترى أباه وهو لا يعلم ، قال : « يُقوّم فإن زاد درهماً واحداً أُعتق واستسعى في مال الرجل »(١) والشرطيّة ظاهرة ؛ إذ المقتضي للإعتاق دخوله في ملكه.
وقال مالك : إنّما يملك العامل حصّته من الربح بالقسمة - وهو القول الثاني للشافعي ، والرواية الثانية عن أحمد - لأنّه لو مَلَك بالظهور لكان شريكاً في المال ، ولو كان شريكاً لكان النقصان الحادث بعد ذلك شائعاً في المال ، فلـمّا انحصر في الربح دلّ على عدم الملك.
ولأنّه لو مَلَكه لاختصّ بربحه.
ولأنّه لم يسلّم إلى ربّ المال رأس ماله ، فلا يملك العامل شيئاً من الربح ، كما لو كان رأس المال ألفاً فاشترى به عبدين كلّ عبدٍ يساوي ألفاً ، فإنّ أبا حنيفة قال : لا يملك العامل شيئاً منهما(٢) ، وإذا أعتقهما ربّ المال ، عُتقا ، ولا يضمن للعامل شيئاً ، قال المزني : لو مَلَك العامل حصّته بالظهور ، لكانا شريكين في المال ، وإذا تلف منه شيء ، كان بينهما كالشريكين شركة العنان ، ولأنّ القراض معاملة جائزة ، والعمل فيها غير مضبوطٍ ، فوجب أن لا يستحقّ العوض فيها إلّا بتمام العمل ، كما في الجعالة(٣) .
____________________
(١) الفقيه ٣ : ١٤٤ / ٦٣٣ ، التهذيب ٧ : ١٩٠ / ٨٤١.
(٢) بدائع الصنائع ٦ : ٩٣.
(٣) الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٥ / ١١٢٥ ، المغني ٥ : ١٦٩ ، الشرح الكبير ٥ : ١٦٦ ، الوسيط ٤ : ١٢٢ ، الوجيز ١ : ٢٢٤ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٩ ، البيان ٧ : ١٨٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٥.
والجواب : لا امتناع في أن يملك العامل ، ويكون ما يملكه وقايةً لرأس المال ، كما أنّ المالك يملك حصّته من الربح ، ومع ذلك فإنّها وقاية لرأس المال أيضاً ، ومن هنا امتنع اختصاصه بربحه ، ولأنّه لو اختصّ بربح نصيبه لاستحقّ من الربح أكثر ممّا شرط له ، ولا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه ، ومع ظهور الربح يحصل تمام العمل.
وكذا لو أوصى لرجلٍ بألفٍ من ثلث ماله ، ولآخَر بما يبقى من الثلث ومات وله أربعة آلاف ، فقد مَلَك كلّ واحدٍ منهما حصّته ، وإذا تلف من ذلك شيء كان من نصيب الموصى له بالباقي.
مسألة ٢٦٧ : ليس لأحدٍ من العامل ولا المالك استحقاق شيءٍ من الربح استحقاقاً تامّاً حتى يستوفي المالك جميع رأس ماله.
وإن كان في المال خسران وربح ، جُبرت الوضيعة من الربح ، سواء كان الخسران والربح في مرّةٍ واحدة ، أو الخسران في صفقةٍ والربح في أُخرى ، أو الخسران في سفرةٍ والربح في سفرةٍ أُخرى ؛ لأنّ معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال ، وإذا لم يفضل شيء فلا ربح ، ولا نعلم في هذا خلافاً.
مسألة ٢٦٨ : ملكُ كلّ واحدٍ من العامل والمالك حصّتَه من الربح بالظهور غير مستقرٍّ ، فليس للعامل أن يتسلّط عليه ، ولا يتصرّف فيه ؛ لأنّ الربح وقاية لرأس المال عن الخسران ما دامت المعاملة باقية ، حتى لو اتّفق خسران كان محسوباً من الربح دون رأس المال ما أمكن ، ولهذا نقول : ليس لأحد المتعاملين قسمة الربح قبل فسخ القراض قسمة إجبارٍ ، بل يتوقّف على رضاهما معاً ، فلا يُجبر أحدهما لو امتنع.
أمّا العامل : فإنّه لا يُجبر لو طلب المالك القسمة ؛ لأنّه لا يأمن أن
يخسر المال بعد ذلك ، ويكون قد أخرجه ، فيحتاج إلى غُرْم ما حصل له بالقسمة ، وفي ذلك ضرر عليه ، فلا تلزمه الإجابة إلى ما فيه ضرر عليه.
وأمّا المالك : فلا يُجبر على القسمة لو طلبها العامل ؛ لأنّ الربح وقاية لرأس ماله ، فله أن يقول : لا أدفع إليك شيئاً من الربح حتى تسلّم إلَيَّ رأس المال.
أمّا إذا ارتفع القراض والمال ناضّ واقتسماه ، حصل الاستقرار ، ومَلَك كلّ واحدٍ منهما ما حصل له بالقسمة ملكاً مستقرّاً عليه.
وكذا لو كان قدر رأس المال ناضّاً فأخذه المالك واقتسما الباقي.
وهل يحصل الاستقرار بارتفاع العقد وإنضاض المال من غير قسمةٍ؟
الأقرب عندي ذلك ؛ لأنّ العقد قد ارتفع ، والوثوق بحصول رأس المال قد حصل ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة.
وفي الثاني : لا يستقرّ إلّا بالقسمة ؛ لأنّ القسمة الباقية من تتمّة عمل العامل(١) .
وليس شيئاً.
ولو كان بالمال عروض ، فإن قلنا : إنّ العامل يُجبر على البيع والإنضاض ، فلا استقرار ؛ لأنّ العمل لم يتم ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة.
وإن قلنا بعدم الإجبار ، فلهم وجهان ، كما لو كان المال ناضّاً(٢) .
مسألة ٢٦٩ : لو اقتسما الربح بالتراضي قبل فسخ العقد ، لم يحصل الاستقرار ، بل لو حصل خسران بعده ، كان على العامل جَبْره بما أخذ.
ولو قلنا : إنّه لا يملك إلّا بالقسمة ، فإنّ له فيه حقّاً مؤكّداً ، حتى لو
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤ - ٣٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٥.
مات وهناك ربح ظاهر ، انتقل إلى ورثته ؛ لأنّه وإن لم يثبت له الملك لكن قد ثبت له حقّ التملّك ، ويتقدّم على الغرماء ؛ لتعلّق حقّه بالعين.
وله أن يمتنع عن العمل بعد ظهور الربح ، ويسعى في إنضاض المال ليأخذ حقّه منه.
ولو أتلف المالك المالَ ، غرم حصّة العامل ، وكان الإتلاف بمنزلة ما لو استردّ جميع المال ، فإنّه يغرم حصّة العامل ، فكذا إذا أتلفه.
ولو أتلف الأجنبيّ مالَ القراض ، ضمن بدله ، وبقي القراض في بدله كما كان.
مسألة ٢٧٠ : إذا اشترى العامل جاريةً للقراض ، لم يجز له وطؤها ؛ لأنّها ملكٌ لربّ المال إن لم يكن هناك ربح ، وإن كان هناك ربح فهي مشتركة على أحد القولين ؛ إذ له حقٌّ فيه.
وليس لأحد الشريكين وطؤ الجارية المشتركة.
فإن وطئها العامل ولا ربح فيها وكان عالماً ، حُدّ ، ويؤخذ منه المهر بأسره ، ويجعل في مال القراض ؛ لأنّه ربما وقع خسران فيحتاج إلى الجبر.
ولو كان هناك ربح ( يُحطّ منه بقدر حقّه ، ويؤخذ )(١) بقدر نصيب المالك مع يساره ، وقُوّمت عليه إن حملت منه ، وثبت لها حكم الاستيلاد ، ودفع إلى المالك نصيبه منها ومن الولد.
ولو كان جاهلاً ، فلا حدّ عليه.
هذا إن قلنا : يملك بالظهور ، وإن قلنا : لا يملك إلّا بالقسمة ، لم تصر أُمَّ ولدٍ لو استولدها ، فإن أذن له المالك في وطئها جاز.
____________________
(١) بدل ما بين القوسين في النُّسَخ الخطّيّة : « حُدّ ».
ولا يجوز للمالك أن يطأها أيضاً ، سواء كان هناك ربح أو لا ؛ لأنّ حقّ العامل قد تعلّق بها ، والوطؤ يُنقّصها إن كانت بكراً ، أو يُعرّضها للخروج من المضاربة والتلف ؛ لأنّه ربما يؤدّي إلى إحبالها.
ولو ظهر فيها ربح ، كانت مشتركةً على أحد القولين ، فليس لأحدهما الوطؤ.
ولو لم يكن فيها ربح ، لم يكن أيضاً للمالك وطؤها ؛ لأنّ انتفاء الربح في المتقوّمات غير معلومٍ ، وإنّما يتيقّن الحال بالتنضيض للمال ، أمّا لو تيقّن عدم الربح ، فالأقرب : إنّه يجوز له الوطؤ.
قال بعض الشافعيّة : إذا تيقّن عدم الربح ، أمكن تخريجه على أنّ العامل لو طلب بيعها وأباه المالك ، فهل له ذلك؟ وفيه خلاف بينهم يأتي ، فإن أجبناه فقد ثبت له علقة فيها ، فيحرم الوطؤ بها(١) .
وإذا قلنا بالتحريم ووطئ ، فالأقرب : إنّه لا يكون فسخاً للقراض ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة(٢) .
وعلى كلّ تقديرٍ لا يلزمه الحدّ ، سواء ظهر ربح أو لا.
أمّا مع عدم ظهور الربح : فلأنّها ملك له خاصّةً.
وأمّا مع ظهوره : فلأنّ الشبهة حاصلة ؛ إذ جماعة يقولون بأنّه ليس للعامل فيها شيء إلّا بعد البيع وظهور الربح والقسمة.
ولو وطئها وحملت ، صارت أُمَّ ولدٍ ؛ لأنّه وطئ جاريةً في ملكه فصارت أُمَّ ولده ، والولد حُرٌّ ، وتخرج من المضاربة ، وتُحتسب قيمتها ، ويضاف إليه بقيّة المال ، فإن كان فيه ربح فللعامل أخذ نصيبه منه.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٥.
تذنيب : ليس للمالك ولا للعامل تزويج جارية القراض مستقلّاً عن صاحبه ؛ لأنّ القراض لا يرتفع بالتزويج ، وهو ينقّص قيمتها ، فيتضرّر به كلّ واحدٍ منهما ، فإن اتّفقا عليه جاز ؛ لأنّ الحقّ لهما لا يعدوهما ، وذلك بخلاف أمة المأذون له في التجارة إذا أراد السيّد تزويجها ، فإنّه إن لم يكن عليه دَيْنٌ جاز ؛ لأنّ العبد لا حقّ له مع سيّده ، فإن كان عليه دَيْنٌ لم يجز وإن وافقه العبد ؛ لأنّ حقوق الغرماء تعلّقت بما في يده ، والمضاربة لا حقّ فيها لغيرهما.
ولو أراد السيّد أن يكاتب عبده للقراض ، لم يكن له إلّا برضا العامل.
البحث الخامس : في الزيادة والنقصان.
مسألة ٢٧١ : إذا دفع إلى غيره مالَ قراضٍ ثمّ حصل فيه زيادة متّصلة ، كما لو سمنت دابّة القراض ، فإنّ الزيادة تُعدّ من مال القراض قطعاً.
وأمّا إن كانت منفصلةً ، كثمرة الشجرة المشتراة للقراض ، ونتاج البهيمة ، وكسب العبد والجارية ، وولد الأمة ومهرها إذا وُطئت للشبهة ، فإنّها مال القراض أيضاً ؛ لأنّها من فوائده.
وكذا بدل منافع الدوابّ والأراضي ، سواء وجبت بتعدّي المتعدّي باستعمالها ، أو وجبت بإجارةٍ تصدر من العامل ، فإنّ للعامل الإجارة إذا رأى فيها المصلحة ، وهو المشهور عند الشافعيّة(١) .
وقال بعضهم بالتفصيل ، فإن كان في المال ربح وملّكنا العامل حصّتَه بالظهور ، كان الأمر كما سبق من أنّها من مال القراض ، وإن لم يكن فيها
____________________
(١) الوسيط ٤ : ١٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٦.
ربح أو لم نملّكه ، فقد اختلفوا.
فقال بعضهم : إنّها تُعدّ من مال القراض ، كالزيادات المتّصلة.
وأكثرهم قال : إنّها للمالك خاصّةً ؛ لأنّها ليست من فوائد التجارة(١) .
ولا بأس به.
ثمّ اختلفوا ، فقال بعضهم : إنّها محسوبة من الربح(٢) .
وقال بعضهم : إنّها لا تُعدّ من الربح خاصّةً ولا من رأس المال ، بل هي شائعة(٣) .
ولو وطئ المالكُ السيّدُ ، كان مستردّاً مقدار العُقْر حتى يستقرّ نصيب العامل فيه.
ولهم وجهٌ آخَر : إنّه إن كان في المال ربح وقلنا : إنّ العامل يملك نصيبه بالظهور ، وجب نصيب العامل من الربح ، وإلّا لم يجب(٤) .
واستيلاد المالك جارية القراض كإعتاقها.
وإذا أوجبنا المهر بالوطي الخالي عن الإحبال ، فالظاهر الجمع بينه وبين القيمة.
مسألة ٢٧٢ : لو حصل في المال نقصٌ بانخفاض السوق ، فهو خسران مجبور بالربح.
وكذا إن نقص المال بمرضٍ حادث أو بعيبٍ متجدّد.
وأمّا إن حصل نقصٌ في العين بأن يتلف بعضه ، فإن حصل بعد
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦ - ٣٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٦.
(٢) الوسيط ٤ : ١٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٦.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٦.
التصرّف في المال بالبيع والشراء ، فالأقرب : إنّه كذلك.
وأكثر الشافعيّة [ ذكروا ](١) أنّ الاحتراق وغيره من الآفات السماويّة خسران مجبور بالربح أيضاً(٢) ، وأمّا التلف بالسرقة والغصب ففيه لهم وجهان(٣) .
وفرّقوا بينهما بأنّ في الغصب والسرقة يحصل الضمان على الغاصب والسارق ، وهو يجبر النقص ، فلا حاجة إلى جبره بمال القراض(٤) .
وأكثرهم لم يفرّقوا بينهما ، وسوّوا بين التلف بالآفة السماويّة وغيرها ، فجعلوا الوجهين في النوعين ، أحدهما : المنع ؛ لأنّه نقصان لا تعلّق له بتصرّف العامل وتجارته ، بخلاف النقصان الحاصل بانخفاض السوق ، وليس هو بناشئ من نفس المال الذي اشتراه العامل ، بخلاف المرض والعيب ، فلا يجب على العامل جَبْره(٥) .
وكيفما كان فالأصحّ عندهم : إنّه مجبور بالربح(٦) .
وإن حصل نقص العين بتلف بعضه قبل التصرّف فيه بالبيع والشراء ، كما لو دفع إليه مائةً قراضاً فتلف منها قبل الاشتغال خمسون ، فالأقرب : إنّه من الربح أيضاً يُجبر به التالف ؛ لأنّه تعيّن للقراض بالدفع وقبض العامل له ، فحينئذٍ يكون رأس المال مائةً كما كان ، وهو أحد قولَي الشافعي ، وبه قال المزني(٧) .
____________________
(١) ما بين المعقوفين أثبتناه من « العزيز شرح الوجيز ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٦.
(٣ و ٤) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٦.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٦.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٧.
والأظهر عندهم : إنّه يتلف من رأس المال ، ويكون رأس المال الخمسين الباقية ؛ لأنّ العقد لم يتأكّد بالعمل(١) .
وليس بجيّدٍ ؛ إذ العمل فرع كون المال مالَ القراض.
مسألة ٢٧٣ : لو تلف المال بأسره في يد العامل قبل دورانه في التجارة إمّا بآفةٍ سماويّة أو بإتلاف المالك له ، انفسخت المضاربة ؛ لزوال المال الذي تعلّق العقد به.
فإن اشترى بعد ذلك للمضاربة ، كان لازماً له ، والثمن عليه ، سواء علم بتلف المال قبل نقد الثمن أو جهل ذلك ، إلّا أن يجيز المالك الشراءَ ، فإن أجاز احتُمل أن يكون قراضاً ، كما لو لم يتلف المال ، وعدمه ، كما لو لم يأخذ شيئاً من المال.
أمّا لو أتلفه أجنبيٌّ قبل دورانه في التجارة وقبل تصرّف العامل فيه ، فإنّ العامل يأخذ بدله ، ويكون القراض باقياً فيه ؛ لأنّ القراض كما يتناول عين المال الذي دفعه المالك ، كذا يتناول بدله ، كأثمان السِّلَع التي يبيعها العامل ، والمأخوذ من الأجنبيّ عوضاً بدله.
وكذا لو أتلف بعضه.
ولو تعذّر أخذ البدل من الأجنبيّ ، فالأقرب : إنّه يُجبر بالربح ، وهو أحد قولَي الشافعيّة(٢) .
إذا عرفت هذا ، فإنّ للعامل النزاعَ مع الأجنبيّ والمخاصمة له والمطالبة بالبدل والمحاكمة عليه - وهو أحد وجهي الشافعيّة(٣) - لأنّ حفظ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٧.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٧.
المال يقتضي ذلك ، ولا يتمّ إلّا بالخصومة والمطالبة خصوصاً مع غيبة ربّ المال ، فإنّه لو لم يطالبه العامل ، ضاع المال ، وتلف على المالك.
وفي الوجه الثاني : ليس له ذلك ؛ لأنّ المضاربة عقد على التجارة ، فلا يندرج تحته الحكومة(١) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّه من توابعها.
فعلى هذا لو ترك الخصومة والطلب مع غيبة المالك ضمن ؛ لأنّه فرّط في تحصيله ، وإن كان حاضراً وعلم الحال لم يلزم العامل طلبه ولا يضمنه إذا تركه ؛ لأنّ ربّ المال أولى بذلك من وكيله.
وفصّل بعضهم ، فقال : الخصمُ المالكُ إن لم يكن في المال ربح ، وهُما جميعاً إن كان فيه ربح(٢) .
مسألة ٢٧٤ : لو أتلف العاملُ مالَ القراض قبل التصرّف فيه للتجارة ، احتُمل ارتفاعُ القراض ؛ لأنّه وإن وجب بدله عليه فإنّه لا يدخل في ملك المالك إلّا بقبضٍ منه ، فحينئذٍ يحتاج إلى استئناف القراض ، وبه قال الجويني(٣) ، وبقاءُ القراض في البدل ، كبقائه في أثمان المبيعات ، وفي بدله لو أتلفه الأجنبيّ ، وعلى هذا التقدير يكون حكم البدل في كونه قراضاً حكم البدل المأخوذ من الأجنبيّ الـمُتلف.
ولو كان مال القراض مائتين فاشترى بهما عبدين أو ثوبين بكلّ مائةٍ منهما عبداً أو ثوباً فتلف أحدهما ، فإنّه يُجبر التالف بالربح ، فيحسب المغروم من الربح ؛ لأنّ العامل تصرّف في رأس المال ، وليس له أن يأخذ شيئاً من جهة الربح حتى يردّ ما تصرّف فيه إلى المالك ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة.
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٧.
والثاني : البناء على تلف بعض العين قبل التصرّف بأن نقول : لو تلفت إحدى المائتين قبل التصرّف جبرناها بالربح ، فهنا أولى ، وإن قلنا بتلف رأس المال فهنا كذلك ؛ لأنّ العبدين بدل المائتين ، ولا عبرة بمجرّد الشراء ، فإنّه تهيئة محلّ التصرّف ، والركن الأعظم في التجارة البيع ؛ لأنّ ظهور الربح منه يحصل(١) .
والمعتمد ما قلناه.
مسألة ٢٧٥ : لو اشترى عبداً للقراض فقتله قاتلٌ ، فإن كان هناك ربح فالمالك والعامل غريمان مشتركان في طلب القصاص أو الدية ، وليس لأحدهما التفرّد بالجميع ، بل الحقّ لهما ، فإن تراضيا على العفو على مالٍ أو على القصاص جاز ، وإن عفا أحدهما على غير شيءٍ سقط حقّه خاصّةً من القصاص والدية ، وكان للآخَر المطالبة بحقّه منهما معاً ، فإن أخذ الدية فذاك ، وإن طلب القصاص دفع الفاضل من المقتصّ منه واقتصّ.
وعند الشافعي يسقط حقّ القصاص بعفو البعض دون الدية(٢) .
وليس بشيءٍ ، وسيأتي.
وهذا بناءً على ما اخترناه من أنّ العامل يملك بالظهور ، وإن لم يكن هناك ربح ، فللمالك القصاص والعفو على غير مالٍ.
وكذا لو أوجبت الجناية المالَ ولا ربح ، كان له العفو عنه مجّاناً ، ويرتفع القراض.
ولو أخذ المال أو صالح عن القصاص على مالٍ ، بقي القراض فيه ؛
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧ - ٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٧.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٣٥١ ، بحر المذهب ٩ : ٢٣٣ ، البيان ٧ : ١٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٧.
لأنّه بدل مال القراض ، فإن كان بقدر رأس المال أو دونه كان لربّ المال ، وإن كان أكثر كان الفضل بينهما.
ولو كان هناك ربح وقلنا : إنّ العامل لا يملك إلّا بالقسمة ، لم يكن للسيّد القصاص بغير رضا العامل ؛ لأنّه وإن لم يكن مالكاً للربح فإنّ حقّه قد تعلّق به ، فإن اتّفقا على القصاص كان لهما.
مسألة ٢٧٦ : إذا اشترى العامل شيئاً للقراض فتلف الثمن قبل دفعه إلى البائع ، فإن كان بتفريطٍ من العامل إمّا في عدم الحفظ أو في التأخير للدفع ، كان ضامناً ، ويكون القراض باقياً ، ويجب عليه الدفع إلى البائع ، فإن تعذّر كان حكمه بالنسبة إلى صاحب المال ما سيأتي في عدم التفريط.
فنقول : إذا تلف المال بغير تفريطٍ من العامل ، فلا يخلو إمّا أن يكون الشراء بالعين أو في الذمّة ، فإن كان قد اشترى بالعين بطل البيع ، ووجب دفع المبيع إلى بائعه ، وارتفع القراض.
وإن كان الشراء في الذمّة للقراض ، فإن كان بغير إذن المالك بطل الشراء إن أضاف إلى المالك أو إلى القراض ؛ لأنّه تصرّفٌ غير مأذونٍ فيه ، ولا يلزم الثمن أحدهما ، بل يردّ المبيع إلى بائعه ، وإن لم يُضف الشراء إلى المالك ولا إلى القراض ، بل أطلق ظاهراً ، حُكم بالشراء للعامل ، وكان الثمن لازماً له.
وإن كان بإذن المالك ، وقع الشراء للقراض ، ووجب على المالك دفع عوض الثمن التالف ، ويكون العقد باقياً.
وهل يكون رأس المال مجموع التالف والمدفوع ثانياً ، أم الثاني خاصّةً؟ الأقوى : إنّ المجموع رأس المال ، وبه قال أبو حنيفة ومحمّد ، وهو أحد قولَي الشافعيّة ، والثاني : إنّ رأس المال هو الثاني خاصّةً ؛ لأنّ
التالف قد تلف قبل التصرّف فيه ، فلم يكن من رأس المال ، كما لو تلف قبل الشراء(١) .
وقال مالك : إنّ المالك يتخيّر بين أن يدفع ألفاً أُخرى ، ويكون هو رأس المال ، دون الأوّل ، وبين أن لا يدفع ، فيكون الشراء للعامل(٢) .
ويتخرّج هذا القول وجهاً للشافعيّة على ما قالوه في مداينة العبد فيما إذا سلّم إلى عبده ألفاً ليتّجر فيه فاشترى في الذمّة شيئاً ليصرفه إلى الثمن فتلف : إنّه يتخيّر السيّد بين أن يدفع إليه ألفاً أُخرى فيمضي العقد ، أو لا يدفع فيفسخ البائع العقد ، إلّا أنّ الفرق أنّ هنا يمكن صَرف العقد إلى المباشر إذا لم يخرج المعقود له ألفاً أُخرى ، وهناك لا يمكن فيصار إلى الفسخ(٣) .
واعلم أنّ الشافعي قال : لو قارض رجلاً ، فاشترى ثوباً وقبض الثوب ثمّ جاء ليدفع المال فوجد المال قد سُرق ، فليس على صاحب المال شيء ، والسلعة للعامل ، وعليه ثمنها.
واختلف أصحابه هنا على طريقين :
منهم مَنْ قال : إنّما أراد الشافعي إذا كانت الألف تلفت قبل الشراء ، فأمّا إذا تلفت بعد الشراء ، كانت السلعة لربّ المال ، ووجب عليه ثمنها.
والفرق بينهما : إنّها إذا تلفت قبل الشراء فقد انفسخ القراض ، فإذا
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ٢٣٠ ، الوسيط ٤ : ١٢٤ - ١٢٥ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤٢ - ٣٤٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٤ ، البيان ٧ : ١٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٨ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٢٤ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢١٤ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٦٣ / ١٧٣٦ ، المغني ٥ : ١٨٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٦٩.
(٢) بحر المذهب ٩ : ٢٣٠ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩.
اشترى للقراض وقع الشراء له ، ووجب الثمن عليه ، وإذا تلفت بعد الشراء فقد وقع الشراء للقراض ، ومَلَكه ربّ المال ، وإذا تلف الثمن كان الثمن على مالكه يسلّم إليه ألفاً أُخرى ليدفعها ، فإن هلكت أيضاً سلّم إليه أُخرى ، وعلى هذا.
واختلفوا في رأس مال القراض.
منهم مَنْ قال : إنّ الألفين الأوّلة والثانية تكونان رأس المال.
ومنهم مَنْ قال : الثانية خاصّةً ، والاولى انفسخ القراض فيها(١) .
وقال ابن سريج : إنّ الشراء يقع للعامل ، سواء تلفت الألف قبل الشراء أو بعده ، وحمل كلام الشافعي على عمومه(٢) .
وإنّما كان كذلك ؛ لأنّها إذا تلفت قبل الشراء فقد انفسخ القراض ، فإن اشترى قبل تلفها فقد صحّ الشراء للقراض ، إلّا أنّ إذنه تناول الشراء بها أو بعدها في الثمن ، فإذا تعذّر ذلك ، فقد حصل الشراء على غير الوجه الذي أذن ، فيصير الشراء للعامل.
قال : وهذا مثل أن يعقد الحجّ عن غيره ، فيصحّ الإحرام عنه ، فإذا أفسده الأجير ، صار عنه ؛ لأنّه خالف في الإذن ، كذا هنا.
لا يقال : لو وكّل وكيلاً ودفع إليه ألفاً ليشتري له سلعةً فاشتراها وقبل أن يدفع الثمن هلك في يده ، أليس يكون الشراء للموكّل والألف عليه؟
لأنّا نقول : قال ابن سريج : في ذلك وجهان :
____________________
(١) راجع : بحر المذهب ٩ : ٢٣٠ ، وحلية العلماء ٥ : ٣٤٢ ، والعزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩.
(٢) بحر المذهب ٩ : ٢٣٠ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٨.
أحدهما : إنّه يلزم الوكيل ، كمسألتنا.
والثاني : إنّه يلزم الموكّل(١) .
والفرق بينهما : إنّه أذن العاملَ في التصرّف في ألفٍ واحدة على أنّه لا يزيد عليها ؛ لأنّ إذنه تناول المال ، ولا يلزمه أن يزيد على ذلك ، وفي الوكالة تعلّق إذنه بشراء العبد وقد اشتراه له ، فكان ثمنه عليه.
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ٢٣٠ - ٢٣١.
الفصل الرابع : في التنازع
مسألة ٢٧٧ : لو ادّعى العامل التلفَ ، صُدّق باليمين وعدم البيّنة ، سواء ادّعاه قبل دورانه في التجارة أو بعدها(١) ؛ لأنّه أمين في المال ، كالمستودع.
والأصل فيه : إنّه يتصرّف في مال غيره بإذنه ، فكان أميناً ، كالوكيل.
ولما رواه الحلبي - في الحسن - عن الصادقعليهالسلام قال : « صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان »(٢) .
وفي الصحيح عن محمّد بن مسلم أنّه سأل الباقرَعليهالسلام عن الرجل يستبضع المال فيهلك أو يسرق أعلى صاحبه ضمان؟ قال : « ليس عليه غُرْمٌ بعد أن يكون الرجل أميناً »(٣) .
وبه قال الشافعي(٤) ، وفرّق بين العامل وبين المستعير حيث ذهب إلى أنّ المستعير ضامن(٥) : بأنّ المستعير قبضه لمنفعة نفسه خاصّةً بغير استحقاقٍ ، وهنا معظم المنفعة لربّ المال.
وفرّق أيضاً بين العامل وبين الأجير المشترك ، فإنّه عنده - على أحد القولين - ضامن ؛ لأنّ المنفعة تعجّلت له ، فكان قبضه للمال لمنفعةٍ حصلت
____________________
(١) الظاهر : « بعده ».
(٢) الكافي ٥ : ٢٣٨ / ١ ، الفقيه ٣ : ١٩٣ / ٨٧٨ ، التهذيب ٧ : ١٧٩ / ٧٩٠.
(٣) الكافي ٥ : ٢٣٨ - ٢٣٩ / ٤ ، التهذيب ٧ : ١٨٤ / ٨١٢.
(٤) مختصر المزني : ١٢٢ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣٢٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٦ ، بحر المذهب ٩ : ٢٠٤ ، الوسيط ٤ : ١٣٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٤٠١ ، البيان ٧ : ٢٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٢.
(٥) راجع : ج ١٦ - من هذا الكتاب - ص ٢٧٣ ، الهامش (٤)
له ، وهنا لم تحصل له بالقبض منفعة معجّلة ، فافترقا(١) .
إذا عرفت هذا ، فإنّ قوله مقبول في التلف ، سواء ادّعى التلف بسببٍ ظاهر أو خفيّ أو لم يذكر سبباً ، وسواء أمكنه إقامة البيّنة على السبب أو لا.
وللشافعي تفصيل(٢) تقدّم مثله في الوديعة(٣) .
مسألة ٢٧٨ : لو اختلف المالك والعامل في ردّ المال ، فادّعاه العامل وأنكره المالك ، فالأقوى : تقديم قول المالك - وهو قول أحمد ، وأحد وجهي الشافعيّة(٤) - لأنّه قبض المال لنفع نفسه ، فلم يقبل قوله في ردّه إلى المالك ، كالمستعير ، ولأنّ صاحب المال منكر والعامل مدّعٍ ، فيُقدَّم قول المنكر مع اليمين إذا لم تكن هناك بيّنة.
والوجه الثاني لأصحاب الشافعي : إنّه يُقدَّم قول العامل مع اليمين ؛ لأنّه أمين ، ولأنّ معظم النفع لربّ المال ، والعامل كالمستودع(٥) .
ونمنع أنّه أمين في المتنازع ، ولا ينفع في غيره.
والفرق بينه وبين المستودع ظاهر ؛ فإنّ المستودع لا نفع له في الوديعة البتّة.
ونمنع أنّ معظم النفع لربّ المال. سلّمنا ، لكنّ العامل لم يقبضه إلّا لنفع نفسه ، ولم يأخذه لنفع ربّ المال.
____________________
(١) راجع : البيان ٧ : ٢٠٤.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٤٠١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٢.
(٣) راجع : ج ١٦ - من هذا الكتاب - ص ٢١٢ ، المسألة ٦٢.
(٤ و ٥) الحاوي الكبير ٧ : ٣٢٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٦ ، بحر المذهب ٩ : ٢٠٤ ، الوسيط ٤ : ١٣٠ ، حلية العلماء ٥ : ٣٥٤ ، البيان ٧ : ٢٠٣ - ٢٠٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٢.
مسألة ٢٧٩ : لو اختلفا في الربح ، فالقول قول العامل مع يمينه وعدم البيّنة - سواء اختلفا في أصله وحصوله بأن ادّعى المالك الربحَ وأنكر العامل وقال : ما ربحتُ شيئاً ، أو في مقداره بأن ادّعى المالك أنّه ربح ألفاً وادّعى العامل أنّه ربح مائة - لأنّه أمين.
وكذا لو قال : كنتُ ربحتُ كذا ثمّ خسرتُ وذهب الربح ، وادّعى المالك بقاءه في يده ، قُدّم قول العامل مع اليمين ؛ لأنّه أمين ، كما لو ادّعى المستودع التلفَ ، وكما لو ادّعاه العامل في أصل المال فكذا في ربحه ، ولأنّه أمين يُقبل قوله في التلف فيُقبل في الخسارة ، كالوكيل ، وبه قال الشافعي وغيره(١) .
وأمّا لو قال العامل : ربحتُ ألفاً ، ثمّ قال : غلطتُ في الحساب ، وإنّما الربح مائة ، أو تبيّنتُ أنّه لا ربح هنا ، أو قال : كذبتُ في الإخبار بالربح خوفاً من انتزاع المال من يدي فأخبرتُ بذلك ، لم يُقبل رجوعه ؛ لأنّه أقرّ بحقٍّ عليه ثمّ رجع عنه ، فلم يُقبل ، كسائر الأقارير ، وبه قال الشافعي(٢) .
وقال مالك : إن كان بين يديه موسم يتوقّع فيه ربح ، قُبِل قوله : كذبتُ ليترك المال في يدي فأربح في الموسم ، بخلاف ما إذا قال : خسرتُ بعد الربح الذي أخبرتُ عنه ، فإنّه لا يُقبل ، كما لو ادّعى عليه وديعة ، فقال له : ما أودعتَ عندي شيئاً ، ثمّ قامت البيّنة بالإيداع ، فادّعى التلف ، لم يُقبل قوله ، أمّا لو قال : ما تستحقّ علَيَّ شيئاً ، ثمّ قامت البيّنة بالإيداع ، فادّعى
____________________
(١) الوسيط ٤ : ١٣١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٤٠١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٢ ، المغني ٥ : ١٩٤ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٦.
(٢) مختصر المزني : ١٢٣ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣٥٣ ، بحر المذهب ٩ : ٢٢٤ ، الوسيط ٤ : ١٣١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٤٠٠ ، البيان ٧ : ٢٠٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٢.
التلف ، كان القولُ قولَه مع يمينه ؛ لأنّه ليس فيه تكذيب لقوله الأوّل ، كذا هنا(١) .
هذا إذا كانت دعوى الخسران في موضعٍ يُحتمل بأن عرض في الأسواق كساد ، ولو لم يُحتمل لم يُقبل.
مسألة ٢٨٠ : إذا اشترى العامل سلعةً فظهر فيها ربح ثمّ اختلفا ، فقال صاحب المال : اشتريتَه للقراض ، وقال العامل : اشتريتُه لنفسي ، قُدّم قول العامل مع اليمين ، وكذا لو ظهر خسران فاختلفا ، فادّعى صاحب المال أنّه اشتراه لنفسه ، وادّعى العامل أنّه اشتراه للقراض ، قُدّم قول العامل مع اليمين ؛ لأنّ الاختلاف هنا في نيّة العامل ، وهو أبصر بما نواه ، ولا يطّلع على ذلك من البشر أحد سواه ، وإنّما يكون مال القراض بقصده ونيّته - وهو أحد قولَي الشافعي(٢) - ولأنّ في المسألة الأُولى المال في يد العامل ، فإذا ادّعى ملكه فالقول قوله.
وقد ذكر الشافعي في الوكيل والموكّل إذا اختلفا في بيع شيءٍ أو شراء شيءٍ ، فقال الموكّل : ما بعتَه ، أو قال : ما اشتريتَه ، وقال الوكيل : بعتُ أو اشتريتُ ، قولين(٣) .
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ٢٢٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٤٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٦.
(٢) مختصر المزني : ١٢٣ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣٤٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٦ ، بحر المذهب ٩ : ٢٢٣ ، الوسيط ٤ : ١٣١ ، حلية العلماء ٥ : ٣٥٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٤٠٠ ، البيان ٧ : ٢٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٢.
(٣) الحاوي الكبير ٦ : ٥٢١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٦٤ ، بحر المذهب ٩ : ٢٢٣ ، الوسيط ٣ : ٣١٠ ، حلية العلماء ٥ : ١٥٧ ، البيان ٦ : ٤١٥ ، و ٧ : ٢٠٦ ، العزيز شرح الوجيز ٥ : ٢٦٤ - ٢٦٥ ، روضة الطالبين ٣ : ٥٦٨.
واختلف أصحابه.
فمنهم مَنْ قال هنا أيضاً : قولان ، يعني في المسألة الثانية التي ظهر فيها الخسران :
أحدهما : القول قول ربّ المال ؛ لأنّ الأصل أنّه ما اشتراه لمال القراض ، والأصل عدم وقوعه للقراض ، كأحد القولين فيما إذا قال الوكيل : بعتُ ما أمرتني ببيعه ، أو اشتريتُ ما أمرتني بشرائه ، فقال الموكّل : لم تفعل.
والثاني : القول قول الوكيل ؛ لأنّه أعلم بما نواه.
ومنهم مَنْ قال هنا : القول قول العامل قولاً واحداً ، بخلاف مسألة الوكالة.
والفرق بينهما : إنّ الموكّل والوكيل اختلفا في أصل البيع والشراء ، وهنا اتّفقا على أنّه اشتراه ، وإنّما اختلفا في صفة الشراء ، فكان القولُ قولَ مَنْ باشر الشراء(١) .
ولو أقام المالك بيّنةً في الصورة الثانية ، ففي الحكم بها للشافعيّة وجهان ، أحدهما : المنع ؛ لأنّه قد يشتري لنفسه بمال القراض متعدّياً ، فيبطل البيع ، ولا يكون للقراض(٢) .
مسألة ٢٨١ : لو اختلفا في قدر حصّة العامل من الربح ، فقال المالك : شرطتُ(٣) لك الثلث ، وقال العامل : بل النصف ، فالقول قول المالك مع
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ٢٢٣ ، البيان ٧ : ٢٠٦.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٣٤٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٦ ، بحر المذهب ٩ : ٢٢٣ ، حلية العلماء ٥ : ٣٥٦ ، البيان ٧ : ٢٠٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٢.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « اشترطتُ ».
يمينه وعدم البيّنة ، عند علمائنا - وبه قال الثوري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر وأحمد في إحدى الروايتين(١) - لأنّ المالك منكر لما ادّعاه العامل من زيادة السدس ، والقول قول المنكر مع اليمين.
وقال الشافعي : يتحالفان ؛ لأنّهما اختلفا في عوض العقد وصفته ، فأشبه اختلاف المتبايعين في قدر الثمن ، وكالإجارة ، فإذا حلفا فسخ العقد ، واختصّ الربح والخسران بالمالك ، وللعامل أُجرة المثل عن عمله ، كما لو كان القراض فاسداً - وفيه وجه : إنّها إن كانت أكثر من نصف الربح فليس له إلّا قدر النصف ؛ لأنّه لا يدّعي أكثر منه(٢) - ولو حلف أحدهما ونكل الآخَر حُكم للحالف بما ادّعاه(٣) .
وعن أحمد رواية ثانية : إنّ العامل إذا ادّعى أُجرة المثل وزيادة يتغابن الناس بمثلها فالقول قوله ، وإن ادّعى أكثر فالقول قوله فيما وافق أُجرة المثل(٤) .
____________________
(١) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٤٣ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣٥٠ ، بحر المذهب ٩ : ٢٢٨ ، حلية العلماء ٥ : ٣٥٤ ، المغني ٥ : ١٩٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٥ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٦٤ / ١٧٣٨ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٢ : ٨٩ ، بدائع الصنائع ٦ : ١٠٩ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٩٤ / ٣٤٨٣ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ١٦٥ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢١٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٣) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٤٤ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣٥٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٦ ، بحر المذهب ٩ : ٢٢٧ - ٢٢٨ ، الوجيز ١ : ٢٢٦ ، الوسيط ٤ : ١٣٠ ، حلية العلماء ٥ : ٣٥٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٤٠٠ ، البيان ٧ : ٢٠٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٢ ، المغني ٥ : ١٩٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٥ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٦٤ / ١٧٣٨ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٩٤ / ٣٤٨٥.
(٤) المغني ٥ : ١٩٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٥.
والمعتمد ما قلناه ؛ لأنّ المالك منكر ، ولأنّه اختلاف في فعله ، وهو أبصر به وأعرف ، ولأنّ الأصل تبعيّة الربح للمال ، فالقول قول مَنْ يدّعيه ، وعلى مَنْ يدّعي خلافَه البيّنةُ.
مسألة ٢٨٢ : لو اختلفا في قدر رأس المال ، فقال المالك : دفعتُ إليك ألفين هي رأس المال ، وقال العامل : بل دفعتَ إلَيَّ ألفاً واحدة هي رأس المال ، قُدّم قول العامل مع اليمين.
قال ابن المنذر : أجمع كلّ مَنْ يُحفظ عنه من أهل العلم أنّ القول قول العامل في قدر رأس المال ، كذلك قال الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي(١) .
لأنّ المالك يدّعي عليه قبضاً وهو ينكره ، والقول قول المنكر ، والأصل عدم القبض إلّا فيما يُقرّ به ، ولأنّ المال في يد العامل وهو يدّعيه لنفسه ربحاً ، وربّ المال يدّعيه لنفسه ، فالقول قول صاحب اليد.
ولا فرق عندنا بين أن يختلفا وهناك ربح أو لم يكن ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٢) .
ولهم وجهٌ آخَر : إنّ الأمر كذلك إن لم يكن هناك ربح ، وإن كان تحالفا ؛ لأنّ قدر الربح يتفاوت به ، فأشبه الاختلاف في القدر المشروط من
____________________
(١) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ٤٣ ، المغني ٥ : ١٩٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٤ - ١٧٥ ، روضة القُضاة ٢ : ٥٩٤ - ٥٩٥ / ٣٤٨٦ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ١٦٥ ، بدائع الصنائع ٦ : ١٠٩ ، المبسوط - للسرخسي - ٢٢ : ٩١ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢١٤.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٦ ، الوسيط ٤ : ١٣٠ ، حلية العلماء ٥ : ٣٥٤ و ٣٥٥ ، البيان ٧ : ٢٠٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٣.
الربح(١) .
والحكم في الأصل ممنوع على ما تقدّم ، مع أنّ الفرق ظاهر ؛ فإنّ الاختلاف في القدر المشروط من الربح اختلاف في كيفيّة العقد ، والاختلاف هنا اختلاف في القبض ، فيُصدَّق فيه النافي ، كما لو اختلف المتبايعان في قبض الثمن ، فإنّ المصدَّق البائع.
مسألة ٢٨٣ : لو كان العامل اثنين وشرط المالك لهما نصفَ الربح بينهما بالسويّة وله النصف ، وتصرّفا واتّجرا فنضّ المال ثلاثة آلاف ، ثمّ اختلفوا فقال ربّ المال : إنّ رأس المال ألفان ، فصدّقه أحد العاملين وكذّبه الآخَر وقال : بل دفعتَ إلينا ألفاً واحدة ، لزم الـمُقرّ ما أقرّ به ، ثمّ يحلف المنكر ؛ لما بيّنّا من تقديم قول العامل في قدر رأس المال ، ويُقضى للمنكر بموجب قوله ، فالربح بزعم المنكر ألفان وقد استحقّ بيمينه منهما خمسمائة ، فتُسلّم إليه ، ويأخذ المالك من الباقي ألفين عن رأس المال ؛ لاتّفاق المالك والـمُقرّ عليه ، تبقى خمسمائة تُقسَّم بين المالك والمصدِّق أثلاثاً ؛ لاتّفاقهم على أنّ ما يأخذه المالك مِثْلا ما يأخذه كلّ واحدٍ من العاملين ، وما أخذه المنكر كالتالف منهما ، فيأخذ المالك ثلثي خمسمائة والمصدِّق ثلثها ؛ لأنّ نصيب ربّ المال من الربح نصفه ، ونصيب المصدِّق الربع ، فيقسّم بينهما على ثلاثة أسهم ، وما أخذه الحالف كالتالف ، والتالف في المضاربة يُحسب من الربح.
ولو كان الحاصل ألفين لا غير ، فادّعاها المالك رأسَ المال ، فصدّقه أحدهما وكذّبه الآخَر وادّعى أنّ رأس المال ألف والألف الأُخرى ربح ،
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٦ ، الوسيط ٤ : ١٣٠ - ١٣١ ، حلية العلماء ٥ : ٣٥٥ ، البيان ٧ : ٢٠٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٣.
صُدّق المكذِّب بيمينه ، فإذا حلف أخذ ربعها مائتين وخمسين الزائدة على ما أقرّ به ، والباقي يأخذه المالك.
مسألة ٢٨٤ : لو اختلفا في جنس مال القراض ، فادّعى المالك أنّ رأس المال كان دنانير ، وقال العامل : بل دراهم ، فالقول قول العامل مع يمينه ؛ لما تقدّم من أنّه أمين.
ولو اختلفا في أصل القراض ، مثل : أن يدفع إلى رجلٍ مالاً يتّجر به ، فربح ، فقال المالك : إنّ المال الذي في يدك كان قراضاً والربح بيننا ، وقال التاجر : بل كان قرضاً علَيَّ ، ربحه كلّه لي ، فالقول قول المالك مع يمينه ؛ لأنّه ملكه ، والأصل تبعيّة الربح له ، فمدّعي خلافه يفتقر الى البيّنة ، ولأنّه ملكه فالقول قوله في صفة خروجه عن يده ، فإذا حلف قُسّم الربح بينهما.
وقال بعض العامّة : يتحالفان ، ويكون للعامل أكثر الأمرين ممّا شُرط له أو أُجرة مثله ؛ لأنّه إن كان الأكثر نصيبه من الربح ، فربّ المال يعترف له به ، وهو يدّعي كلّه ، وإن كان أُجرة مثله أكثر ، فالقول قوله مع يمينه في عمله ، كما أنّ القول قول ربّ المال في ماله ، فإذا حلف قُبِل قوله في أنّه ما عمل بهذا الشرط ، وإنّما عمل لعوضٍ لم يسلم له ، فتكون له أُجرة المثل(١) .
ولو أقام كلٌّ منهما بيّنةً بدعواه ، فالأقوى : إنّه يُحكم ببيّنة العامل ؛ لأنّ القول قول المالك ، فتكون البيّنة بيّنة العامل.
وقال أحمد : إنّهما يتعارضان ، ويُقسّم الربح بينهما نصفين(٢) .
ولو قال ربّ المال : كان بضاعةً فالربح كلّه لي ، وقال العامل : كان قراضاً ، فالأقرب : إنّهما يتحالفان ، ويكون للعامل أقلّ الأمرين من نصيبه
____________________
(١) المغني ٥ : ١٩٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٧.
(٢) المغني ٥ : ١٩٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٧ - ١٧٨.
من الربح أو أُجرة مثله ؛ لأنّه لا يدّعي أكثر من نصيبه من الربح ، فلا يستحقّ زيادةً عليه وإن كان الأقلّ أُجرة مثله ، فلم يثبت كونه قراضاً ، فيكون له أُجرة عمله.
ويحتمل أن يكون القول قولَ العامل ؛ لأنّ عمله له ، فيكون القولُ قولَه فيه.
ولو قال المالك : كان بضاعةً ، وقال العامل : كان قرضاً علَيَّ ، حلف كلٌّ منهما على إنكار ما ادّعاه خصمه ، وكان للعامل أُجرة عمله لا غير.
ولو خسر المال أو تلف ، فقال المالك : كان قرضاً ، وقال العامل : كان قراضاً أو بضاعةً ، فالقول قول المالك.
وكذا لو كان هناك ربح فادّعى العامل القراضَ والمالك الغصبَ ، فإنّه يُقدّم قول المالك مع يمينه.
* * *
الفصل الخامس : في التفاسخ واللواحق
مسألة ٢٨٥ : قد بيّنّا أنّ القراض من العقود الجائزة من الطرفين ، كالوكالة والشركة ، بل هو عينهما ؛ فإنّه وكالة في الابتداء ، ثمّ قد يصير شركةً في الأثناء ، فلكلّ واحدٍ من المالك والعامل فسخه والخروج منه متى شاء ، ولا يحتاج فيه إلى حضور الآخَر ورضاه ؛ لأنّ العامل يشتري ويبيع لربّ المال بإذنه ، فكان له فسخه ، كالوكالة ، وبه قال الشافعي(١) .
وقال أبو حنيفة : يعتبر الحضور كما ذكر في خيار الشرط(٢) .
والحكم في الأصل ممنوع.
إذا ثبت هذا ، فإن فسخا العقد أو أحدهما ، فإن كان قبل العمل عاد المالك في رأس المال ، ولم يكن للعامل أن يشتري بعده.
وإن كان قد عمل ، فإن كان المال ناضّاً ولا ربح فيه أخذه المالك أيضاً ، وكان للعامل أُجرة عمله إلى ذلك الوقت ، وإن كان فيه ربح أخذ رأس ماله وحصّته من الربح ، وأخذ العامل حصّته منه.
وإن لم يكن المال ناضّاً ، فإن كان دَيْناً بأن باع نسيئةً بإذن المالك ، فإن كان في المال ربح كان على العامل جبايته ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(٣) .
____________________
(١) البيان ٧ : ١٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٨.
(٢) بدائع الصنائع ٦ : ٧٧ و ١٠٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٨ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٣٥ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٠٩ ، المغني ٥ : ١٨٠ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٢.
وإن لم يكن هناك ربح ، قال الشيخرحمهالله : يجب على العامل جبايته أيضاً(١) ، وبه قال الشافعي ؛ لأنّ المضاربة تقتضي ردّ رأس المال على صفته ، والديون لا تجري مجرى المال الناضّ ، فيجب(٢) عليه أن ينضّه إذا أمكنه ، كما لو كانت عروضاً فإنّه يجب عليه بيعها(٣) .
والأصل فيه : إنّ الدَّيْن ملك ناقص ، والذي أخذه كان ملكاً تامّاً ، فليردّ كما أخذ.
وقال أبو حنيفة : إن كان في المال ربح كان عليه أن يجبيه ، وإن لم يكن فيه ربح لم يجب عليه أن يقتضيه ؛ لأنّه إذا لم يكن فيه ربح لم يكن له غرض في العمل ، فصار(٤) كالوكيل(٥) .
والفرق : إنّ الوكيل لا يلزمه بيع العروض ، والعامل يلزمه.
مسألة ٢٨٦ : لو فسخ المالك القراض والحاصل دراهم مكسّرة وكان رأس المال صحاحا ، فإن قدر على إبدالها بالصحاح وزناً أبدلها ، وإلّا باعها بغير جنسها من النقد ، واشترى بها الصحاح.
ويجوز أن يبيعها بعرضٍ ويشتري به الصحاح ؛ لأنّه سعي في إنضاض المال ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة ، والثاني : لا يجوز ؛ لأنّه قد
____________________
(١) الخلاف ٣ : ٤٦٣ - ٤٦٤ ، المسألة ١٠ من كتاب القراض.
(٢) في الطبعة الحجريّة : « فوجب ».
(٣) بحر المذهب ٩ : ٢٠٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٩ ، البيان ٧ : ١٩٨ و ١٩٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٨ ، المغني ٥ : ١٨٠ - ١٨١ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٢.
(٤) في النُّسَخ الخطّيّة : « فكان » بدل « فصار ».
(٥) الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٣٥ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٢٠٩ ، بحر المذهب ٩ : ٢٠٨ ، البيان ٧ : ١٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠ ، المغني ٥ : ١٨٠ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٢.
يتعوّق عليه بيع العرض(١) .
ولو كان رأس المال دنانير والحاصل دراهم ، أو بالعكس ، أو كان رأس المال أحد النقدين والحاصل متاع ، فإن لم يكن هناك ربح فعلى العامل بيعه إن طلبه المالك.
وللعامل أيضاً بيعه وإن كره المالك - وبه قال الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق(٢) - لأنّ حقّ العامل في الربح لا يظهر إلّا بالبيع.
ولا يجب على المالك الصبر وتأخير البيع إلى موسم رواج المتاع - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّ حقّ المالك معجَّل.
وقال مالك : للعامل أن يؤخّر البيع إلى الموسم(٤) .
ولو طلب المالك أن يأخذه بقيمته ، جاز ، وما يبقى بعد ذلك بينهما يتقاسمانه.
وإن لم يطلب ذلك ، وطلب أن يباع بجنس رأس المال ، لزم ذلك ، ويباع منه بقدر رأس المال ، ولا يُجبر العامل على بيع الباقي.
ولو قال العامل : قد تركتُ حقّي منه فخُذْه على صفته ولا تكلّفني البيع ، فالأقرب : إنّه لا يُجبر المالك على القبول ؛ لأنّ له طلب ردّ المال كما أخذه ، وفي الإنضاض مشقّة ومئونة ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة ، والثاني :
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٨.
(٢) المغني ٥ : ١٧٩ - ١٨٠ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٨ - ٢١٩.
(٣) بحر المذهب ٩ : ٢٠٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٩.
(٤) بحر المذهب ٩ : ٢٠٨ - ٢٠٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠.
إنّه يجب على المالك القبول(١) .
وقد اختلفت الشافعيّة في مأخذ الوجهين هنا وفي كيفيّة خروجهما.
فقال بعضهم : إنّ هذا مبنيّ على الخلاف في أنّه متى يملك العامل الربحَ؟ إن قلنا بالظهور ، لم يلزم المالك قبول ملكه ، ولم يسقط به طلب البيع ، وإن قلنا بالقسمة ، أُجيب ؛ لأنّه لم يبق له توقّع فائدةٍ ، فلا معنى لتكليفه تحمّل مشقّةٍ(٢) .
وقال بعضهم : بل هُما مفرَّعان أوّلاً على أنّ حقّ العامل هل يسقط بالترك والإسقاط؟ وهو مبنيّ على أنّ الربح متى يملك؟ إن قلنا بالظهور ، لم يسقط كسائر المملوكات ، وإن قلنا بالقسمة ، سقط على أصحّ الوجهين ؛ لأنّه مَلَك أن يملك ، فكان له العفو والإسقاط كالشفعة ، فإن قلنا : لا يسقط حقّه بالترك ، لم يسقط بتركه المطالبة بالبيع ، وإذا قلنا : يسقط ، ففيه خلاف - سيأتي - في أنّه هل يُكلّف البيع إذا لم يكن في المال ربح؟(٣) .
ولو قال المالك : لا تبع ونقتسم العروض بتقويم عَدْلين ، أو قال : أُعطيك نصيبك من الربح ناضّاً ، فالأقوى : إنّ للعامل الامتناع ؛ لأنّه قد يجد زبوناً(٤) يشتريه بأكثر من قيمته.
وللشافعيّة وجهان بناهما قومٌ منهم على أنّ الربح متى يملك؟ إن قلنا بالظهور ، فله البيع ، وإن قلنا بالقسمة ، فلا ؛ لوصوله إلى حقّه بما يقوله المالك(٥) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٩.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠ - ٤١.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١.
(٤) راجع : ج ١٤ - من هذا الكتاب - ص ١٦١ ، الهامش (٥)
(٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٩.
وقطع بعضهم على الثاني ، وقال : إذا غرس المستعير في أرض العارية ، كان للمعير أن يتملّكه بالقيمة ؛ لأنّ الضرر مندفع عنه بأخذ القيمة ، فهنا أولى(١) .
والأصل ممنوع.
ثمّ اختلفوا ، فالذي قطع به محقّقوهم أنّ الذي يلزمه بيعه وإنضاضه قدر رأس المال خاصّةً ، أمّا الزائد فحكمه حكم عرضٍ آخَر يشترك فيه اثنان ، لا يكلّف واحد منهما بيعه ؛ لأنّه في الحقيقة مشترك بين المالك والعامل ، ولا يلزم الشريك أن ينضّ مال شريكه ، ولأنّ الواجب عليه أن ينضّ رأس المال ليردّ عليه رأس ماله على صفته ، ولا يوجد هذا المعنى في الربح.
وإذا باع بطلب المالك أو بدونه ، باع بنقد البلد إن كان من جنس رأس المال ، ولو لم يكن من جنسه باعه بما يرى من المصلحة إمّا برأس المال أو بنقد البلد ، فإن اقتضت بيعه بنقد البلد باعه به ، وحصل به رأس المال(٢) .
مسألة ٢٨٧ : لو لم يكن في المال ربح ، ففي وجوب البيع على العامل وإنضاض المال لو كلّفه المالك إشكال ينشأ : من أنّ غرض البيع أن يظهر الربح ليصل العامل إلى حقّه منه ، فإذا لم يكن ربح وارتفع العقد لم يحسن تكليفه تعباً بلا فائدة ، ومن أنّ العامل في عهدة أن يردّ المال كما أخذه ؛ لئلّا يلزم المالك في ردّه إلى ما كان مئونة وكلفة.
وللشافعيّة وجهان(٣) كهذين.
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٩.
وهل للعامل البيع لو رضي المالك بإمساك المتاع؟ إشكال ينشأ : من أنّه قد يجد زبوناً يشتريه بزيادةٍ ، فيحصل له ربحٌ ما ، ومن أنّ المالك قد كفاه مئونة البيع ، وهو شغل لا فائدة فيه.
وللشافعيّة وجهان(١) .
والثاني عندي أقوى ؛ لأنّ المضارب إنّما يستحقّ الربح إلى حين الفسخ ، وحصول راغبٍ يزيد إنّما حصل بعد فسخ العقد ، فلا يستحقّها العامل.
وقال بعضهم : إنّ العامل ليس له البيع بما يساويه بعد الفسخ قطعاً ، وله أن يبيع بأكثر ممّا يساويه عند الظفر بزبونٍ(٢) .
وتردّد بعضهم في ذلك ؛ لأنّ هذه الزيادة ليست ربحاً في الحقيقة ، وإنّما هو رزق يساق إلى مالك العروض(٣) .
وعلى القول بأنّه ليس للعامل البيع إذا أراد المالك إمساك العروض أو اتّفقا على أخذ المالك العروض ثمّ ظهر ربح بارتفاع السوق ، فهل للعامل نصيبٌ فيه ؛ لحصوله بكسبه ، أو لا ؛ لظهوره بعد الفسخ؟ الأقوى : الثاني ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة(٤) .
مسألة ٢٨٨ : يرتفع القراض بقول المالك : « فسختُ القراض » و « رفعتُه » و « أبطلتُه » وما أدّى هذا المعنى ، وبقوله للعامل : « لا تتصرّف بعد هذا » أو « قد أزلتُ يدك عنه » أو « أبطلتُ حكمك فيه » وباسترجاع المال من العامل لقصد رفع القراض.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٩.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٩.
ولو باع المالك ما اشتراه العامل للقراض ، فإن قصد بذلك إعانة العامل لم يرتفع ، وإن قصد رفع حكم العامل فيه ارتفع ، كما أنّ الموكّل لو باع ما وكّل في بيعه ، فإنّ الوكيل ينعزل ، كذا العامل هنا ؛ لأنّه في الحقيقة وكيلٌ خاصّ ، ولو لم يقصد شيئاً منهما احتُمل حمله على الأوّل وعلى الثاني.
وللشافعيّة وجهان(١) .
ولو حبس العامل ومنعه من التصرّف ، أو قال : لا قراض بيننا ، فالأقرب : الانعزال.
مسألة ٢٨٩ : القراض من العقود الجائزة يبطل بموت المالك أو العامل أو جنون أحدهما أو إغمائه أو الحجر عليه للسفه ؛ لأنّه متصرّف في مال غيره بإذنه ، فهو كالوكيل.
ولا فرق بين ما قبل التصرّف وبعده.
فإذا مات المالك ، فإن كان المال ناضّاً لا ربح فيه أخذه الوارث ، وإن كان فيه ربح اقتسماه.
وتُقدَّم حصّة العامل على جميع الغرماء ، ولم يأخذوا شيئاً من نصيبه ؛ لأنّه يملك الربح بالظهور ، فكان شريكاً للمالك ، وليس لربّ المال شيء من نصيبه ، فهو كالشريك ، ولأنّ حقّه متعلّق بعين المال دون الذمّة ، فكان مقدَّماً ، كحقّ الجناية ، ولأنّه متعلّق بالمال قبل الموت ، فكان أسبق ، كحقّ الرهن.
وإن كان المال عرضاً ، فالمطالبة بالبيع والتنضيض كما في حالة
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٩.
ظهور(١) الفسخ في حياتهما ، وللعامل البيع هنا حيث كان له البيع هناك ، ولا يحتاج إلى إذن الوارث ؛ اكتفاءً بإذن مَنْ يتلقّى الوارث الملك منه ، بخلاف ما إذا مات العامل حيث لا يتمكّن وارثه من البيع دون إذن المالك ؛ لأنّه لم يرض بتصرّفه.
وللشافعيّة وجهٌ آخَر : إنّ العامل أيضاً لا يبيع إلّا بإذن وارث المالك(٢) .
والمشهور عندهم : الأوّل(٣) . ولا بأس بالثاني.
ويجري الخلاف في استيفائه الديون بغير إذن الوارث(٤) .
أمّا لو أراد العامل الشراء ، فإنّه ممنوع منه ؛ لأنّ القراض قد بطل بموت المالك.
مسألة ٢٩٠ : إذا مات المالك وأراد هو والوارث الاستمرار على العقد ، فإن كان المال ناضّاً ، لم يكن لهما ذلك إلّا بتجديد عقدٍ واستئناف شرطٍ بينهما ، سواء وقع العقد قبل القسمة أو بعدها ، وسواء كان هناك ربح أو لا ؛ لجواز القراض على المشاع ، ويكون رأس المال وحصّته من الربح رأس المال ، وحصّة العامل من الربح شركة له مشاع ، كما لو كان رأس المال مائةً والربح مائتين وجدّد الوارث العقد على النصف ، فرأس مال الوارث مائتان من ثلاثمائة ، والمائة الباقية للعامل ، فعند القسمة يأخذها وقسطها من الربح ، ويأخذ الوارث مائتين ، ويقتسمان ما بقي.
وهذه الإشاعة لا تمنع القراض عندنا وعند العامّة(٥) .
____________________
(١) الظاهر : « حصول » بدل « ظهور ».
(٢ - ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٠.
(٥) المغني ٥ : ١٨١ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٢.
أمّا عندنا : فلجواز القراض بالمشاع.
وأمّا عندهم : فلأنّ الشريك هو العامل ، وذلك لا يمنع التصرّف(١) .
وكذلك يجوز القراض مع الشريك بشرط أن لا يشاركه في اليد عندهم(٢) ، ويكون للعامل ربح نصيبه خاصّةً ، ويتضاربان في ربح نصيب الآخَر.
إذا ثبت هذا ، فإنّه لا بدّ فيه من عقدٍ صالحٍ للقراض بألفاظه المشترطة ؛ لأنّه عقد مبتدأ ، وليس هو تقريراً لعقدٍ ماضٍ ؛ لأنّ العقد الماضي قد ارتفع ، فلا بدّ من لفظٍ صالحٍ للابتداء ، والتقرير يشعر بالاستدامة ، فلا ينعقد بلفظ الترك والتقرير بأن يقول الوارث أو وليُّه : « تركتُك ، أو : أقررتُك على ما كنتَ عليه » - وهو أحد قولَي الشافعيّة(٣) - لأنّ هذه العقود لا تنعقد بالكنايات.
والثاني - وهو الأظهر عند الجويني - : إنّه ينعقد بالترك والتقرير ؛ لفهم المعنى ، وقد يستعمل التقرير لإنشاء عقدٍ على موجب العقد السابق(٤) .
وإن كان المال عروضاً ، لم يصح تقرير الوارث عليه ، وبطل القراض عندنا وارتفع - وهو أظهر وجهي الشافعيّة وإحدى الروايتين عن أحمد(٥) - لارتفاع القراض الأوّل بموت المالك ، فلو وُجد قراضٌ آخَر لكان عقداً
____________________
(١) المغني ٥ : ١٨١ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٢.
(٢) الوسيط ٤ : ١٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٠.
(٣ و ٤) الوسيط ٤ : ١٢٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٠.
(٥) الحاوي الكبير ٧ : ٣٣٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٥ ، بحر المذهب ٩ : ٢١٠ ، الوسيط ٤ : ١٢٩ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٧ ، البيان ٧ : ٢٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٠ ، المغني ٥ : ١٨١ و ١٨٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٢.
مستأنفاً فيرد على العروض ، وهو باطل.
والثاني : إنّه يجوز تقرير الوارث عليه ؛ لأنّه استصحاب قراضٍ ، فيظهر فيه جنس المال وقدره ، فيجريان على موجبه ، وهذا الوجه هو منصوص الشافعي(١) .
والرواية الثانية عن أحمد : إنّ القراض إنّما منع منه في العروض ؛ لأنّه يحتاج عند المفاصلة إلى ردّ مثلها أو قيمتها ، ويختلف ذلك باختلاف الأوقات ، وهذا غير موجودٍ هنا ؛ لأنّ رأس المال غير العروض ، وحكمه باقٍ ، فإنّ للعامل أن يبيعه ليسلّم رأس المال ويقسّم الباقي(٢) .
وهو غلط ؛ لأنّ المظنّة لا يناط الحكم بها ، بل بالوصف الضابط لها ، ولا ريب في أنّ هذا ابتداء قراضٍ ، ولهذا لو كان المال ناضّاً كان ابتداء قراضٍ إجماعاً ، وكانت حصّة العامل من الربح شركةً له يختصّ بربحها ، ويضارب في الباقي ، وليس لربّ المال في حصّة العامل شركة في ربحها ، ولو كان المال ناقصاً بخسارةٍ أو تلفٍ كان رأس المال الموجودَ منه حال ابتداء القراض ، فلو جاز ابتداء القراض هنا وبناؤها على القراض الأوّل لصارت حصّة العامل من الربح غير مختصّةٍ [ به ] وحصّتها من الربح مشتركة بينهما ، وحُسب عليه العروض بأكثر من قيمتها فيما إذا كان المال ناقصاً ، وهذا لا يجوز في القراض بلا خلافٍ ، ويلزم أيضاً أن يصير بعض رأس المال ربحاً ، وذهاب بعض الربح في رأس المال.
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٣٣٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٥ ، بحر المذهب ٩ : ٢١٠ ، الوسيط ٤ : ١٢٩ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٧ ، البيان ٧ : ٢٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٠ ، المغني ٥ : ١٨١ و ١٨٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٢.
(٢) المغني ٥ : ١٨١ - ١٨٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٢.
مسألة ٢٩١ : لو مات العامل ، فإن كان المال ناضّاً ولا ربح أخذه المالك ، وإن كان فيه ربح أخذ المالك المالَ وحصّته من الربح ، ودفع إلى الوارث حصّته.
ولو كان متاعاً واحتيج إلى البيع والتنضيض ، فإن أذن المالك لوارث العامل فيه جاز ، وإلّا تولّاه شخص ينصبه الحاكم.
ولا يجوز تقرير الوارث على القراض ؛ لأنّه لا يصحّ القراض على العروض ، والقراض الأوّل قد بطل بموت العامل أو جنونه ، وبه قال الشافعيّة(١) .
ولا يُخرّج على الوجهين المذكورين عندهم في موت المالك حيث قالوا هناك : إنّه يجوز - في أحد الوجهين - تقرير العامل على القراض ؛ لأنّ الفرق واقع بين موت المالك وموت العامل ؛ لأنّ ركن القراض من جانب العامل عمله وقد فات بوفاته ، ومن جانب المالك المال ، وهو باقٍ بعينه انتقل إلى الوارث ، ولأنّ العامل هو الذي اشترى العروض ، والظاهر أنّه لا يشتري إلّا ما يسهل عليه بيعه وترويجه ، وهذا المعنى لا يؤثّر فيه موت المالك ، وإذا مات العامل فربما كانت العروض كلاًّ على وارثه ؛ لأنّه لم يشترها ولم يخترها(٢) .
وعند أحمد : إنّه يجوز القراض بالعروض ، فيجوز هنا في كلّ موضعٍ يجوز ابتداء القراض فيه بالعروض بأن تُقوّم العروض ويجعل رأس المال
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ٢١٠ ، الوسيط ٤ : ١٣٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٧ ، البيان ٧ : ٢٠١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٤ ، وراجع : الحاوي الكبير ٧ : ٣٣١ ، والبيان ٧ : ٢٠١.
قيمتها يوم العقد(١) .
ولو كان المال ناضّاً وقت موت العامل ، جاز أن يبتدئ المالك القراضَ مع وارثه بعقدٍ جديد ، ولا يصحّ بلفظ التقرير.
وللشافعيّة الوجهان السابقان(٢) .
فإن لم يرض ، لم يجز للوارث شراء ولا بيع.
إذا عرفت هذا ، فالوجهان المذكوران في التقرير للشافعيّة كالوجهين في أنّ الوصيّة بالزائد على الثلث إذا جعلناها ابتداء عطيّةٍ هل تنفذ بلفظ الإجازة؟ ويجريان أيضاً فيما إذا انفسخ البيع الجاري بينهما ثمّ أرادا إعادته ، فقال البائع : قرّرتُك على موجب العقد الأوّل ، وقَبِل صاحبه(٣) .
وفي مثله من النكاح لا يعتبر ذلك عندهم(٤) .
وللجويني احتمال فيه ؛ لجريان لفظ النكاح مع التقرير(٥) .
مسألة ٢٩٢ : إذا مات العامل وعنده مال مضاربةٍ لجماعةٍ متعدّدين ، فإن عُلم مال أحدهم بعينه كان أحقَّ به ، وإن جُهل كانوا فيه سواءً ، وإن جُهل كونه مضاربةً قضي به ميراثاً.
ولو سمّى الميّت واحداً بعينه قضي له به ، وإن لم يذكر كان أُسوة الغرماء ؛ لما رواه السكوني عن الصادقعليهالسلام عن الباقر عن آبائه عن عليٍّعليهمالسلام أنّه كان يقول : « مَنْ يموت وعنده مال مضاربةٍ - قال - إن سمّاه بعينه قبل موته فقال : هذا لفلانٍ ، فهو له ، وإن مات ولم يذكر فهو أُسوة الغرماء »(٦) .
____________________
(١) المغني ٥ : ١٨٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٣.
(٢) الوسيط ٤ : ١٢٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٠.
(٣ - ٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٤.
(٦) التهذيب ٧ : ١٩٢ / ٨٥١.
مسألة ٢٩٣ : إذا استردّ المالك بعضَ المال من العامل بعد دورانه في التجارة ولم يكن هناك ربح ولا خسران ، رجع رأس المال إلى القدر الباقي ، وارتفع القراض في القدر الذي أخذه المالك.
وإن كان بعد ظهور ربحٍ في المال ، فالمستردّ شائع ربحاً على النسبة الحاصلة من جملتي الربح ورأس المال ، ويستقرّ ملك العامل على ما يخصّه بحسب الشرط ممّا هو ربح منه ، فلا يسقط بالنقصان الحادث بعده.
وإن كان الاسترداد بعد ظهور الخسران ، كان الخسران موزَّعاً على المستردّ والباقي ، فلا يلزم جبر حصّة المستردّ من الخسران ، كما لو استردّ الكلّ بعد الخسران لم يلزم العامل شيء ، ويصير رأس المال الباقي بعد المستردّ وحصّته من الخسران.
مثال الاسترداد بعد الربح : لو كان رأس المال مائةً وربح عشرين ، ثمّ استردّ المالك عشرين ، فالربح سدس المال ، فالمأخوذ يكون سدسه ربحاً : ثلاثة وثلث ، ويستقرّ ملك العامل على نصفه إذا كان الشرط المناصفةَ ، وهو واحد وثلثا واحدٍ ، ويبقى رأس المال ثلاثة وثمانين وثُلثاً ؛ لأنّ المأخوذ سدس المال ، فينقص سدس رأس المال ، وهو ستّة عشر وثلثان ، وحظّهما من الربح ثلاثة وثلث ، فيستقرّ ملك العامل على درهمٍ وثلثين ، حتى لو انخفضت السوق وعاد ما في يده إلى ثمانين لم يكن للمالك أن يأخذ الكلّ ويقول : كان رأس المال مائةً وقد أخذتُ عشرين أضمّ إليها هذه الثمانين لتتمّ لي المائة ، بل يأخذ العامل من الثمانين واحداً وثلثي واحدٍ ، ويردّ الباقي ، وهو ثمانية وسبعون وثلث واحدٍ.
ومثال الاسترداد بعد الخسران : كان رأس المال مائةً ، وخسر عشرين ، ثمّ استردّ المالك عشرين ، فالخسران موزَّع على المستردّ والباقي ،
تكون حصّة المستردّ خمسةً لا يلزمه جبرها ، حتى لو ربح بعد ذلك فبلغ المال ثمانين ، لم يكن للمالك أخذ الكلّ ، بل يكون رأس المال خمسةً وسبعين ، والخمسة الزائدة تُقسّم بينهما نصفين ، فيحصل للمالك من الثمانين سبعة وسبعون ونصف.
ولو كان رأس المال مائةً فخسر عشرةً ثمّ أخذ المالك عشرةً ثمّ عمل الساعي فربح ، فرأس المال ثمانية وثمانون وثمانية أتساع ؛ لأنّ المأخوذ محسوب من رأس المال ، فهو كالموجود ، والمال في تقدير تسعين ، فإذا بسط الخسران - وهو عشرة - على تسعين أصاب العشرة المأخوذة دينار وتُسْع دينار ، فيوضع ذلك من رأس المال ، وإن أخذ نصف التسعين الباقية بقي رأس المال خمسين ؛ لأنّه أخذ نصف المال ، فسقط نصف الخسران ، وإن أخذ خمسين بقي أربعة وأربعون وأربعة أتساع.
ولو كان رأس المال مائةً فربح عشرين ثمّ أخذ المالك ستّين ، بقي رأس المال خمسين ؛ لأنّه أخذ نصف المال ، فبقي نصفه ، وإن أخذ خمسين بقي رأس المال ثمانية وخمسين وثلثاً ؛ لأنّه أخذ ربع المال وسدسه ، فبقي ثلثه وربعه ، فإن أخذ منه ستّين ثمّ خسر فصار معه أربعون فردّها كان له على المالك خمسة ؛ لأنّ الذي أخذه المالك قد انفسخت فيه المضاربة ، فلا يجبر ربحه خسران الباقي ؛ لمفارقته إيّاه ، وقد أخذ من الربح عشرة ؛ لأنّ سدس ما أخذه ربح ، ولو ردّ منها عشرين لا غير بقي رأس المال خمسة وعشرين.
مسألة ٢٩٤ : حكم القراض الفاسد استحقاق المالك جميعَ الربح ؛ لأنّ المال له ، ونماؤه تابع ، والعامل إنّما يستحقّ شيئاً من الربح بالشرط ، فإذا بطل الشرط لم يستحق العامل شيئاً.
ويجب للعامل أُجرة المثل ، سواء كان في المال ربح أو لم يكن.
ولا يستحقّ العامل قراضَ المثل ، بل أُجرة المثل عندنا وعند الشافعي(١) ؛ لأنّ عمل العامل إنّما كان في مقابلة المسمّى ، فإذا لم تصح التسمية وجب ردّ عمله عليه ، وذلك يوجب له أُجرة المثل ، كما إذا اشترى شيئاً شراءً فاسداً وقبضه وتلف ، فإنّه يجب عليه قيمته.
وقال مالك : يجب للعامل قراض المثل ، يعني أنّه يجب ما يقارضه به مثله ؛ لأنّ شبهة كلّ عقدٍ وفاسده مردود إلى صحيحه ، وفي صحيحه لا يستحقّ شيئاً من الخسران ، وكذلك في الفاسد ، والصحيح يستحقّ فيه المسمّى ، سواء كانت أُجرته دونه أو أكثر(٢) .
والتسمية إنّما هي من الربح ، وفي مسألتنا بطلت التسمية ، وإنّما تجب له الأُجرة ، وذلك لا يختصّ بالربح ، فافترقا ، فبطل القياس.
إذا عرفت هذا ، فإنّ القراض الفاسد له حكمٌ آخَر ، وهو صحّة تصرّف العامل ونفوذه ؛ لأنّه أذن له فيه ، فوقع بمجرّد إذنه ، فإن كان العقد فاسداً - كما لو وكّله وكالةً فاسدة - وتصرّف فإنّه يصحّ تصرّفه.
لا يقال : أليس إذا باع بيعاً فاسداً وتصرّف المشتري لم ينفذ؟
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ١٩٨ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤٨ - ٣٤٩ ، البيان ٧ : ١٧٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٥ ، المغني ٥ : ١٨٨ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٦٥ / ١٧٤٠ ، الاستذكار ٢١ : ١٥١ / ٣٠٨٥١ و ٣٠٨٥٢ ، عيون المجالس ٤ : ١٧٨٦ / ١٢٥٠.
(٢) الاستذكار ٢١ : ١٥١ / ٣٠٨٥٠ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤١ / ١١١٤ ، التفريع ٢ : ١٩٦ - ١٩٧ ، عيون المجالس ٤ : ١٧٨٥ / ١٢٥٠ ، المعونة ٢ : ١١٢٨ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٦٥ / ١٧٤٠ ، بحر المذهب ٩ : ١٩٩ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٠ ، المغني ٥ : ١٨٨ - ١٨٩.
لأنّا نقول : الفرق ظاهر ؛ لأنّ تصرّف المشتري إنّما لم ينفذ لأنّه يتصرّف من جهة الملك ولم يحصل له ، وكذلك إذا أذن له البائع أيضاً ؛ لأنّ إذنه كان على أنّه ملك المأذون فيه ، فإذا لم يملك لم يصح ، وهنا أذن له في التصرّف في ملك نفسه ، وما شرطه من الشروط الفاسدة ، فلم يكن مشروطاً في مقابلة الإذن ؛ لأنّه أذن في تصرّفٍ يقع له ، فما شرطه لا يكون في مقابلته.
مسألة ٢٩٥ : لو دفع إليه مالاً قراضاً وقال : اشتر به هرويّاً أو مرويّاً بالنصف ، قال الشافعي : يفسد القراض(١) . واختلف أصحابه في تعليله.
فمنهم مَنْ قال : إنّما فسد ؛ لأنّه قال بالنصف ، ولم يبيّن لمن النصف؟ فيحتمل أن يكون شرط النصف لربّ المال ، وإذا ذكر في القراض نصيب ربّ المال ولم يذكر نصيب العامل ، كان القراض فاسداً(٢) .
وليس بشيءٍ ؛ لأنّ الشرط إذا أُطلق انصرف إلى نصيب العامل ؛ لأنّ ربّ المال يستحقّ الربح بالمال ، ولا يحتاج إلى شرطٍ ، كما لا يحتاج في شركة العنان إلى شرط الربح ، فإذا شرط كان الظاهر أنّه شرط ذلك للعامل.
وقال بعضهم : إنّما فسد ؛ لأنّه أذن له في الشراء ، دون البيع(٣) .
____________________
(١) مختصر المزني : ١٢٣ ، الحاوي الكبير ٧ : ٣٤٣ ، بحر المذهب ٩ : ٢١٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٢ ، البيان ٧ : ١٧٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٦.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٣٤٤ ، بحر المذهب ٩ : ٢١٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٣ ، البيان ٧ : ١٧٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢١ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٦.
(٣) الحاوي الكبير ٧ : ٣٤٤ ، بحر المذهب ٩ : ٢١٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٢ ، البيان ٧ : ١٧٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٦.
وفيه نظر ؛ لأنّ إطلاق المضاربة يقتضي تسويغ التصرّف للعامل بيعاً وشراءً ، والتنصيص على الإذن في شراء جنسٍ لا يقتضي عدم الإذن في البيع ، فيبقى على الإطلاق.
وقال بعضهم : إنّه يفسد ؛ للتعيين(١) .
وليس بشيءٍ.
وقال آخَرون : إنّما يفسد ؛ لأنّه لم يعيّن أحد الجنسين(٢) .
وليس بشيءٍ ؛ لأنّه يجوز أن يخيّره بما يشتريه.
والمعتمد : صحّة القراض.
مسألة ٢٩٦ : لا يجوز للعامل أن يبيع الخمر ولا يشتريه ، وكذا الخنزير وأُمّ الولد ، سواء كان العامل مسلماً أو نصرانيّاً إذا كان ربّ المال مسلماً أو كان العامل مسلماً ، ولو كانا ذمّيّين جاز - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّه وكيل المالك ، ولا يدخل ذلك في ملك المالك ، فيكون منهيّاً عنه ؛ لما فيه من خروج الملك عن ملكه.
وقال أبو حنيفة : إذا كان العامل نصرانيّاً فباع الخمر أو اشتراها ، صحّ ذلك(٤) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢١ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٦.
(٢) الحاوي الكبير ٧ : ٣٤٣ - ٣٤٤ ، بحر المذهب ٩ : ٢١٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٣ ، البيان ٧ : ١٧٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢١ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٦.
(٣) الحاوي الكبير ٧ : ٣٥٤ ، بحر المذهب ٩ : ٢٢٥ ، حلية العلماء ٥ : ٣٥٢ ، البيان ٧ : ١٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٣ ، المغني ٥ : ١٦٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٥.
(٤) الحاوي الكبير ٧ : ٣٥٤ ، بحر المذهب ٩ : ٢٢٥ ، حلية العلماء ٥ : ٣٥٢ ، البيان ٧ : ١٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٨ ، المغني ٥ : ١٦٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٥.
وقال أبو يوسف ومحمّد : يصحّ منه الشراء ، ولا يصحّ منه البيع ، وفرّقوا بينهما بأنّ الوكيل يدخل ما يشتريه أوّلاً في ملكه ، فإذا باع ملك غيره لم يدخل في ملكه ، وكان العامل كأنّ في يده عصيراً فصار خمراً ، فيكون ذلك لربّ المال ، ولا يكون بيعه إلّا من جهته ، ولا يصحّ من المسلم بيع الخمر(١) .
إذا عرفت هذا ، فلو خالف العامل واشترى خمراً أو خنزيراً أو أُمَّ ولدٍ ودفع المال في ثمنه ، فإن كان عالماً كان ضامناً ؛ لأنّ ربّ المال لا يملك ذلك ، فكأنّه قد دفع ثمنه بغير عوضٍ ، فكان ضامناً.
وإن كان جاهلاً ، فكذلك - وهو الأشهر للشافعيّة(٢) - لأنّ حكم الضمان لا يختلف بالعلم والجهل.
وقال القفّال من الشافعيّة : يضمن في الخمر ، دون أُمّ الولد ؛ لأنّه ليس لها أمارة تُعرف بها(٣) .
وقال بعضهم : لا يضمن فيهما(٤) .
وقال آخَرون : لا يضمن في العلم أيضاً ؛ لأنّه اشترى ما طلب فيه الفضل بحسب رأيه(٥) .
وهو خطأ ؛ لأنّ ربّ المال لا يملك ذلك ، فلا يجوز له دفع المال في عوضه.
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ٢٢٥ ، حلية العلماء ٥ : ٣٥٢ ، المغني ٥ : ١٦٢ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٥.
(٢) البيان ٧ : ١٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٤.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٨.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٨.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٨.
مسألة ٢٩٧ : قد بيّنّا أنّه إذا قال للعامل : قارضتك على أن يكون لك شركة في الربح ، أو شركة ، فإنّه لا يصح ؛ لأنّه لم يعيّن مقدار حصّة العامل ، وبه قال الشافعي(١) .
وقال محمّد بن الحسن : إنّه إذا قال : شركة ، صحّ ، وإذا قال : شرك ، لم يصح(٢) .
وقال أصحاب مالك : يصحّ ، ويكون له مضاربة المثل(٣) .
وقد بيّنّا غلطهم.
ولو قال : خُذْه قراضاً على النصف أو الثلث أو غير ذلك ، صحّ ، وكان ذلك تقديراً لنصيب العامل ؛ قضيّةً للظاهر من أنّ الشرط للعامل ؛ لأنّ المالك يستحقّه بماله ، والعامل يستحقّه بالعمل ، والعمل يكثر ويقلّ ، وإنّما تتقدّر حصّته بالشرط فكان الشرط له.
فإن اختلفا فقال العامل : شرطتَه لي ، وقال المالك : شرطتُ ذلك لنفسي ، قُدّم قول العامل ؛ لأنّ الظاهر معه.
مسألة ٢٩٨ : لو دفع إليه ألفين قراضاً فتلف أحدهما قبل التصرّف ، فقد قلنا : إنّ الأقرب : احتساب التالف من الربح.
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ٢٢١ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٣ ، البيان ٧ : ١٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٣.
(٢) بدائع الصنائع ٦ : ٨٥ ، بحر المذهب ٩ : ٢٢١ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٣ ، البيان ٧ : ١٦٥ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٢ / ١١١٥ ، المنتقى - للباجي - ٥ : ١٥٢.
(٣) الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٢ / ١١١٥ ، المنتقى - للباجي - ٥ : ١٥٢ ، بحر المذهب ٩ : ٢٢١ ، حلية العلماء ٥ : ٣٣٤ ، البيان ٧ : ١٦٥.
وقال الشافعي : يكون من رأس المال(١) .
فإن كان التلف بعد أن باع واشترى ، فالتلف من الربح قولاً واحداً.
ولو اشترى بالألفين عبدين فتلف أحدهما ، فللشافعيّة وجهان :
أحدهما : إنّه يكون من الربح ؛ لأنّه تلف بعد أن ردّ المال في التجارة.
والثاني : يكون من رأس المال ؛ لأنّ العبد التالف بدل أحد الألفين ، فكان تلفه كتلفها(٢) .
قال أبو حامد : هذا خلاف مذهب الشافعي ؛ لأنّ المزني نقل عنه أنّه إذا ذهب بعض المال قبل أن يعمل ثمّ عمل فربح وأراد(٣) أن يجعل البقيّة رأس المال بعد الذي هلك ، فلا يُقبل قوله ، ويوفى رأس المال من ربحه حتى إذا وفاه اقتسما الربح على شرطهما ؛ لأنّ المال إنّما يصير قراضاً في يد العامل بالقبض ، فلا فرق بين أن يهلك قبل التصرّف أو بعده ، فيجب أن يحتسب من الربح(٤) .
وهذا كما اخترناه نحن.
مسألة ٢٩٩ : لو دفع المالك إلى العامل مالاً قراضاً ثمّ دفع إليه مالاً آخَر قراضا ، فإن كان بعد تصرّف العامل في الأوّل بالبيع والشراء كانا قراضين ، وإلّا كانا واحداً ، فلو دفع إليه ألفاً قراضاً فأدارها العامل في التجارة بيعاً
____________________
(١) الحاوي الكبير ٧ : ٣٣٣ ، بحر المذهب ٩ : ٢٣١ ، الوسيط ٤ : ١٢٤ ، البيان ٧ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٧.
(٢) بحر المذهب ٩ : ٢٣١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٩٥ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤٣ ، البيان ٧ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧ - ٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٢١٧.
(٣) في « ث ، خ ، ر » : « فأراد ».
(٤) راجع : بحر المذهب ٩ : ٢٣١.
وشراءً ثمّ دفع إليه ألفاً أُخرى قراضاً ، تعدّد القراضان على معنى أنّ ربح كلّ واحدةٍ منهما لا يجبر خسران الأُخرى ، بل تختصّ كلٌّ منهما بربحها وخسرانها ، وجبر خسرانها من ربحها خاصّةً.
فإن قال المالك : ضمّ الثانية إلى الأُولى ، بعد أن اشتغل العامل بالتجارة ، لم يصح القراض الثاني ؛ لأنّ ربح الأوّل قد استقرّ ، فكان ربحه وخسرانه مختصّاً به ، فإذا شرط ضمّ الثانية إليه ، اقتضى أن يجبر به خسران الأُولى إن كان فيه خسران ، ويجبر خسران الثانية بربح الأوّلة ، وهو غير جائزٍ ؛ لأنّ لكلّ واحدٍ من العقدين حكماً منفرداً ، فإذا شرط في الثاني ما لا يصحّ ، فسد.
وإن كان قبل أن يتصرّف في الأُولى(١) وقال له : ضمّ الثانية إلى الأُولى ، جاز ، وكان قراضاً واحداً.
ولو كان المال الأوّل قد نضّ وقال له المالك : ضمّ الثانية إليه ، جاز - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّه قد أمن فيه المعنى الذي ذكرناه ، وصار كأنّه لم يتصرّف.
ولما رواه محمّد بن عذافر عن أبيه قال : أعطى الصادقعليهالسلام أبي ألفاً وسبعمائة دينار فقال له : « اتّجر لي بها » ثمّ قال : « أما إنّه ليس لي رغبة في ربحها وإن كان الربح مرغوباً فيه ، ولكن أحببتُ أن يراني الله تعالى متعرّضاً لفوائده » قال : فربحتُ فيها مائة دينار ثمّ لقيته فقلت له : قد ربحتُ لك فيها مائة دينار ، قال : ففرح الصادقعليهالسلام بذلك فرحاً شديداً ثمّ قال لي : « أثبتها
____________________
(١) في « ث » ، خ ، ر » : « الأوّلة » بدل « الأُولى ».
(٢) بحر المذهب ٩ : ٢٢٧.
لي في رأس مالي »(١) .
إذا عرفت هذا ، فإنّه إذا دفع إليه ألفاً قراضاً ثمّ دفع إليه ألفاً أُخرى قراضاً ولم يأمره بضمّ إحداهما إلى الأُخرى ، بل جعل الألف الأُولى قراضاً بعقدٍ ثمّ دفع إليه الثانية قراضاً بعقدٍ آخَر ، لم يجز له ضمّ الثانية إلى الأُولى ومزجها به ؛ لأنّهما قراضان بعقدين على مالين ، فلا يجوز مزجهما إلّا بإذن المالك ، كما لو قارضه اثنان بمالين منفردين ، فإن ضمّ إحداهما إلى الأُخرى ومزجهما ضمن ، وبه قال الشافعي(٢) ، خلافاً لأبي حنيفة(٣) .
وقال إسحاق : يجوز ضمّ الثانية إلى الأُولى إذا لم يتصرّف في الأُولى(٤) .
وكذا لو ضمّ مال أحد المالكين إلى مال الآخَر ومزجه به ضمن ، إلّا أن يأذن كلّ واحدٍ منهما ، ولا يكفي إذن الواحد في عدم ضمان مال الآخَر ، بل في مال الآذن خاصّةً.
مسألة ٣٠٠ : إذا دفع إليه ألفاً قراضاً وقال له : أضف إليها ألفاً أُخرى من عندك ويكون الربح لك منه الثلثان ولي الثلث ، أو قال : لك الثلث ولي الثلثان ، فالأقرب عندنا : الصحّة ؛ للأصل.
وقال الشافعي : لا يصحّ ؛ لأنّه إن شرط لنفسه الأكثر فقد فسد ؛ لتساويهما في المال ، وذلك يقتضي تساويهما في الربح ، فإذا شرط عليه
____________________
(١) الكافي ٥ : ٧٦ / ١٢ ، التهذيب ٦ : ٣٢٦ - ٣٢٧ / ٨٩٨.
(٢) بحر المذهب ٩ : ٢٣٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٤.
(٣) بحر المذهب ٩ : ٢٣٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٩.
(٤) المغني ٥ : ١٧٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١٦٨.
العمل ونصيبه من الربح كان باطلاً ، وإن شرط للعامل الأكثر فسد أيضاً ؛ لأنّ الشركة إذا وقعت على مالٍ كان الربح تابعاً له دون العمل ، فتكون الشركة فاسدةً ، ويكون هذا قراضاً فاسداً ؛ لأنّه عقد بلفظ القراض(١) .
ولو كان قد دفع إليه ألفين وقال له : أضف إليهما ألفاً من عندك فتكون الألف بيننا شركةً والألف الأُخرى قارضتك عليها بالنصف ، جاز عنده(٢) أيضاً ؛ لأنّ أكثر ما فيه أنّ مال القراض مشاع ، والإشاعة إذا لم تمنع التصرّف لم تمنع الصحّة.
وقال أصحاب مالك : لا يجوز أن يضمّ إلى القراض الشركة(٣) ؛ لأنّه لا يجوز أن يضمّ إليه عقد إجارةٍ ، فلا يجوز أن يضمّ إليه عقد شركةٍ(٤) .
والأصل ممنوع ، ولأنّ أحد العقدين إذا لم يجعلاه شرطاً في الآخَر لم يمنع من جمعهما ، كما لو كان المال متميّزاً ، والإجارة إن كانت متعلّقةً بزمانٍ نافت القراض ؛ لأنّه يمنعه من التصرّف ، وإن كانت متعلّقةً بالذمّة جاز.
ولو دفع إليه ألفاً قراضاً فخلطها بألف له بحيث لا تتميّز ، فقد تعدّى بذلك ، فصار ضامناً ، كالمودع إذا مزج الوديعة بغيرها من ماله أو غير ماله.
ولأنّه صيّره بمنزلة التالف.
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ٢٢٧ ، البيان ٧ : ١٦٦ - ١٦٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٤ ، المغني ٥ : ١٣٧ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٣.
(٢) بحر المذهب ٩ : ٢٢٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١١ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٠٠ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٥ / ١١٢٣ ، المغني ٥ : ١٣٦ - ١٣٧ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٢ - ١٤٣.
(٣) في « ث ، خ ، ر » : « شركة ».
(٤) الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٤٥ / ١١٢٣ ، التفريع ٢ : ١٩٥ ، المعونة ٢ : ١١٢٤ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٣٨٦ ، بحر المذهب ٩ : ٢٢٧ ، المغني ٥ : ١٣٧ ، الشرح الكبير ٥ : ١٤٣.
مسألة ٣٠١ : إذا دفع إليه مالاً قراضاً وشرط عليه أن ينقل المال إلى موضع كذا ويشتري من أمتعته ثمّ يبيعها هناك أو يردّها إلى موضع القراض ، جاز ذلك ؛ للأصل ، بل لو خالف ضمن ؛ لما رواه الكناني عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن المضاربة يعطى الرجل المال يخرج به إلى الأرض ونهي(١) أن يخرج به إلى أرض غيرها فعصى فخرج به إلى أرض أُخرى فعطب المال ، فقال : « هو ضامن ، فإن سلم فربح فالربح بينهما »(٢) .
وقال أكثر الشافعيّة : يفسد القراض ؛ لأنّ نقل المال من قُطْرٍ إلى قُطْرٍ عمل زائد على التجارة ، فأشبه شرط الطحن والخبز ، ويخالف ما إذا أذن له في السفر ؛ فإنّ الغرض منه رفع الحرج(٣) .
وقال جماعة من محقّقيهم : إنّ شرط المسافرة لا يضرّ ، فإنّها الركن الأعظم في الأموال والبضائع الخطيرة(٤) .
والأصل عندنا ممنوع.
ولو قال : خُذْ هذه الدراهم قراضاً وصارِف بها مع الصيارفة ، لم يجز له أن يصارف مع غيرهم ؛ لأنّه قد خالف ما عيّنه له ، وهو أحد وجهي الشافعيّة ، والثاني : إنّه يصحّ ؛ لأنّ الغرض من مثله أن يصرفه صرفاً لا قوام بأعيانهم(٥) .
مسألة ٣٠٢ : لو دفع إليه زيد مالاً قراضاً ودفع إليه عمرو كذلك ، فاشترى بكلّ واحدٍ من المالين عبداً ثمّ اشتبها عليه ، بِيع العبدان ، وبسط الثمن بينهما على النسبة - ولو ربح فعلى ما شرطاه له ، فإن اتّفق خسران ،
____________________
(١) في الفقيه و « ر » : « وينهى ».
(٢) الفقيه ٣ : ١٤٣ - ١٤٤ / ٦٣١ ، التهذيب ٧ : ١٨٩ - ١٩٠ / ٨٣٧.
(٣ - ٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٤.
فإن كان لتقصيره ضمن ، وإن كان لانخفاض السوق لم يضمن ؛ لأنّ غايته أن يكون كالغاصب ، والغاصب لا يضمن نقصان السوق - وهو أحد قولَي الشافعيّة(١) ؛ لأنّ قضيّة المال الممتزج هذا.
ولما رواه إسحاق بن عمّار عن الصادقعليهالسلام أنّه قال في الرجل يبضعه الرجل ثلاثين درهماً في ثوبٍ وآخَر عشرين درهماً في ثوبٍ ، فبعث الثوبين فلم يعرف هذا ثوبه ولا هذا ثوبه ، قال : « يباع الثوبان ، فيعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن ، والآخَر خُمسي الثمن » قال : قلت : فإنّ صاحب العشرين قال لصاحب الثلاثين : اختر أيّهما شئت ، قال : « قد أنصفه »(٢) .
وللشافعيّة قولٌ بأنّ شراء العبدين ينقلب إلى العامل ، ويغرم لهما ؛ للتفريط حيث لم يفردهما حتى تولّد الاشتباه(٣) .
ثمّ المغروم عند الأكثرين الألفان(٤) .
وقال بعضهم : يغرم قيمة العبدين وقد تزيد على الألفين(٥) .
ولهم قولٌ غريب ثالث : إنّه يبقى العبدان على الإشكال إلى أن
____________________
(١) بحر المذهب ٩ : ٢٣٢ ، الوسيط ٤ : ١٣١ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٥ ، البيان ٧ : ١٩٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٥.
(٢) الكافي ٧ : ٤٢١ - ٤٢٢ / ٢ ، الفقيه ٣ : ٢٣ / ٦٢ ، التهذيب ٦ : ٢٠٨ / ٤٨٢ و ٣٠٣ - ٣٠٤ / ٨٤٧.
(٣) بحر المذهب ٩ : ٢٣٢ ، الوسيط ٤ : ١٣١ ، حلية العلماء ٥ : ٣٤٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٣٩٥ ، البيان ٧ : ١٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٤.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٤.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٤ - ٢٢٥.
يصطلحا(١) .
مسألة ٣٠٣ : إذا تعدّى المضارب وفَعَل ما ليس له فعله أو اشترى شيئاً نهاه المالك عن شرائه ، ضمن المال في قول أكثر أهل العلم(٢) ، وروي ذلك عن أهل البيتعليهمالسلام (٣) ، وبه قال أبو هريرة وحكيم بن حزام وأبو قلابة ونافع وأياس والشعبي والنخعي والحكم ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي(٤) .
وروى العامّة عن عليٍّعليهالسلام أنّه قال : « لا ضمان على مَنْ شُورك في الربح »(٥) ونحوه عن الحسن والزهري(٦) .
والمعتمد : الأوّل ، والرواية عن أمير المؤمنينعليهالسلام نحن نقول بموجبها ؛ فإنّه لا ضمان بدون التفريط.
والأصل فيه أنّه قد تصرّف في مال غيره بدون إذنه ، فلزمه الضمان ، كالغاصب. وقد تقدّم أنّه يشارك في الربح.
إذا عرفت هذا ، فلو اشترى شيئاً نهاه المالك عن شرائه فربح ، فالربح على الشرط ، وبه قال مالك(٧) ؛ لما تقدّم(٨) من الرواية عن أهل البيتعليهمالسلام ، ولأنّه تعدٍّ ، فلا يمنع كون الربح لهما على ما شرطاه ، كما لو لبس الثوب وركب دابّةً ليس له ركوبها.
وقال أحمد : الربح بأسره لربّ المال - وعن أحمد رواية أُخرى :
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٢٢٥.
(٢) كما في المغني ٥ : ١٦٥ ، والشرح الكبير ٥ : ١٥٨.
(٣) التهذيب ٧ : ١٩٣ / ٨٥٣.
(٤ - ٦) المغني ٥ : ١٦٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٨.
(٧) المنتقى - للباجي - ٥ : ١٧٠ ، المغني ٥ : ١٦٥ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٨.
(٨) آنفاً.
إنّهما يتصدّقان بالربح على سبيل الورع ، وهو لربّ المال في القضاء - لأنّ عروة بن [ الجعد ](١) البارقي قال : عرض للنبيصلىاللهعليهوآله جلب فأعطاني ديناراً فقال : « يا عروة ائت الجلب فاشتر لنا شاةً » فأتيتُ الجلب فساومتُ صاحبه فاشتريتُ شاتين بدينارٍ ، فجئتُ أسوقهما - أو أقودهما - فلقيني رجل بالطريق فساومني ، فبعتُ منه شاةً بدينار ، فجئتُ بالدينار والشاة فقلت : يا رسول الله هذا ديناركم وهذه شاتكم ، فقال : « وكيف صنعتَ؟ » فحدّثته الحديث ، فقال : « اللّهمّ بارك له في صفقة يمينه »(٢) .
ولأنّه نماء عينه بغير إذن مالكه ، فكان لمالكه ، كما لو غصب حنطةً فزرعها(٣) .
والخبر لا يدلّ على المتنازع ، والفرق ظاهر بين الغاصب والمضارب المأذون له.
إذا عرفت هذا ، فهل يستحقّ العامل الأُجرة ، أم لا؟ عن أحمد روايتان :
إحداهما : إنّه لا يستحقّ ، كالغاصب.
والثانية : إنّه يستحقّ ؛ لأنّ ربّ المال رضي بالبيع وأخذ الربح ، فاستحقّ العامل عوضاً ، كما لو عقده بإذنٍ(٤) .
وفي قدر الأُجرة عنه روايتان :
إحداهما : أُجرة مثله ما لم يحط بالربح ؛ لأنّه عمل ما يستحقّ به
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « لبيد ». والصحيح ما أثبتناه.
(٢) تقدّم تخريجه في ص ٨٦ ، الهامش (٢)
(٣) المغني ٥ : ١٦٥ - ١٦٦ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٨ - ١٥٩.
(٤) المغني ٥ : ١٦٦ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٩.
العوض ولم يسلم له ، فكان له أُجرة مثله ، كالمضاربة الفاسدة.
والثانية : له الأقلّ من المسمّى أو أُجرة المثل ؛ لأنّه إن كان الأقلّ المسمّى فقد رضي به ، فلم يستحق أكثر منه ، وإن كان الأقلّ أُجرة المثل لم يستحق أكثر منه ؛ لأنّه لم يعمل ما رضي به(١) .
ولو قصد الشراء لنفسه ، فإن كان الشراء بعين المال لم يصح ، ولا أُجرة له.
وعن أحمد روايتان(٢) .
وإن كان اشترى في الذمّة ثمّ نقد المال ، فله الربح ، ولا أُجرة له.
مسألة ٣٠٤ : إذا اشترى العامل سلعةً للتجارة ، فقال ربّ المال : كنتُ نهيتُك عن ابتياعها وابتعتَها بعد النهي فليست للقراض ، فقال العامل : ما نهيتني قطّ ، قُدّم قول العامل ؛ لأنّه أمين ، وربّ المال يدّعي عليه الخيانة.
أمّا لو قال العامل : أذنتَ لي في شراء كذا ، فقال المالك : لم آذن فيه ، أو قال العامل : أذنتَ لي في البيع نسيئةً أو في الشراء بعشرةٍ ، فقال المالك : بل أذنتُ لك في البيع نقداً أو في الشراء بخمسةٍ ، قُدّم قول المالك - وبه قال الشافعي(٣) - لأصالة عدم الإذن ، ولأنّ القول قول المالك في أصل الإذن فكذا في صفته.
وقال أبو حنيفة وأحمد : يُقدّم قول العامل ؛ لأنّهما اتّفقا على الإذن واختلفا في صفته ، فكان القولُ قولَ العامل ، كما لو قال : كنتُ قد نهيتُك
____________________
(١ و ٢) المغني ٥ : ١٦٦ ، الشرح الكبير ٥ : ١٥٩.
(٣) المغني ٥ : ١٩٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٦.
عن شراء عبدٍ ، فأنكر النهي(١) .
والفرق ظاهر.
مسألة ٣٠٥ : إذا دفع المالك إلى العامل ألفاً قراضاً فاتّجر فيها ونضّ المال فخسر مائة ، فقال العامل لصديقٍ له : أقرضني مائةً أضمّها إلى المال ليرى ذلك ربّ المال فلا ينتزع المال من يدي ، فإذا استبقاه في يدي رددت المائة إليك ، ففَعَل ، فلـمّا حمل المال إلى صاحبه أخذه وفسخ المضاربة ، لم يكن للمُقرض الرجوع على ربّ المال ؛ لأنّ العامل قد مَلَك المائة بالقرض ، وإذا دفعها إلى المالك وقال : هذا مالك ، فلا يمكنه أن يرجع بعد ذلك ويُنكره ، والمُقرض لا يرجع على ربّ المال ؛ لأنّه ليس هو [ المقترض ](٢) منه [ وبه ](٣) قال الشافعي(٤) .
[ و ](٥) قال أبو القاسم : للمُقرض أن يرجع بالمائة على ربّ المال(٦) .
وغلط فيه ؛ لما تقدّم.
ولو دفع إليه ألفاً مضاربةً ، فاشترى متاعاً يساوي ألفين فباعه بهما ثمّ اشترى به جاريةً وضاع الثمن قبل دفعه ، رجع على المالك بألف وخمسمائة ، ودفع من ماله خمسمائة على إشكالٍ ، فإذا باعها بخمسة آلاف أخذ العامل ربعها ، وأخذ المالك من الباقي رأس ماله ألفين وخمسمائة ، وكان الباقي ربحاً بينهما على ما شرطاه.
____________________
(١) المغني ٥ : ١٩٣ ، الشرح الكبير ٥ : ١٧٦.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « المُقرض ». والمثبت هو الصحيح.
(٣ و ٥) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.
(٤) بحر المذهب ٩ : ٢٣٤ ، البيان ٧ : ٢٠٧.
(٦) لم نعثر عليه في مظانّه.
مسألة ٣٠٦ : عقد المضاربة قابل للشروط كغيره من العقود ، والشروط تنقسم إلى صحيحةٍ وفاسدةٍ.
فالصحيح مثل أن يشترط على العامل أن لا يسافر بالمال ، أو أن يسافر به ، أو لا يتّجر إلّا في بلدٍ بعينه أو نوعٍ بعينه ، أو لا يشتري إلّا من رجلٍ بعينه ، فهذا بأجمعه صحيح ، سواء كان النوع ممّا يعمّ وجوده أو لا يعمّ ، أو الرجل ممّا يكثر عنده المتاع أو يقلّ ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد(١) .
وقال مالك والشافعي : إذا شرط أن لا يشتري إلّا من رجلٍ بعينه ، أو سلعة بعينها ، أو ما لا يعمّ وجوده كالياقوت الأحمر والخيل البُلْق ، لم يصح(٢) . وقد تقدّم(٣) .
والفاسد ينقسم عند العامّة إلى ما ينافي مقتضى العقد ، أو يعود إلى جهالة الربح ، أو يشترط ما ليس فيه مصلحة العقد ولا مقتضاه.
فالأوّل : مثل أن يشترط لزوم المضاربة ، أو لا يعزله مدّة بعينها ، أو لا يبيع إلّا برأس المال أو أقلّ ، أو لا يبيع إلّا ممّن اشترى [ منه ](٤) أو شرط أن لا يشتري ولا يبيع ، فهذه الشروط تنافي مقتضى العقد ، وهو الاسترباح.
والثاني : مثل أن يشترط للمضارب جزءاً ما من الربح من غير تعيينٍ ، أو شرط له ربح أحد الكيسين أو أحد العبدين.
والثالث : مثل أن يشترط على العامل المضاربة له في مالٍ آخَر ، أو يأخذ له بضاعةً أو قرضاً ، أو يخدمه في شيءٍ بعينه ، أو يرتفق بالسِّلَع ، مثل
____________________
(١) راجع : الهامش (١) من ص ٤١.
(٢) راجع : الهامش (٣) من ص ٤٢.
(٣) في ص ٤٢.
(٤) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
أن يلبس الثوب ويستخدم العبد(١) .
وعندي لا بأس بذلك.
أمّا لو شرط على المضارب ضمان المال أو سهماً من الوضيعة ، أو أنّه متى باع السلعة فهو أحقّ بها بالثمن ، فهذه شروط باطلة.
وهل يبطل العقد ببطلان الشرط؟ الأقرب عندي : ذلك.
____________________
(١) المغني ٥ : ١٨٦ - ١٨٧.
المقصد الخامس : في اللّقطة
وفيه مقصدان :
المقصد الأوّل(١) : في لقطة الأموال
اللُّقطة هي المال الضائع عن صاحبه يلتقطه غيره.
قال الخليل بن أحمد : اللُّقَطة بفتح القاف : اسم للملتقط ؛ لأنّ ما جاء على « فُعَلة » فهو اسم للفاعل ، كقوله : « هُمَزة لُمَزة » ويقال : فلان هزأة.
وبسكون القاف هي المال الملقوط ، مثل الضَّحْكة - بسكون الحاء - هو الذي يضحك منه ، والهزأة - بفتح الزاء - هو الذي يهزأ به(٢) .
وقال الأصمعي وابن الأعرابي والفرّاء : اللّقَطة - بفتح القاف - : اسم للمال الملقوط أيضاً(٣) .
والأصل في اللّقطة : ما رواه العامّة عن زيد بن خالد الجهني قال : سئل رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن لقطة الذهب والورق ، فقال : « اعرف وكاءها وعفاصها ثمّ عرِّفها سنةً ، فإن جاء صاحبها وإلّا فشأنك بها » - وفي روايةٍ أُخرى : « ثمّ عرِّفها سنةً ، فإن لم تعرف فاستنفع بها ، ولتكن وديعةً عندك ، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه » - قال : فضالّة الغنم؟ قال :
____________________
(١) كذا قوله : « وفيه مقصدان ، المقصد الأوّل » في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة ، ولم يُعنون المصنّفقدسسره « المقصد الثاني » فيما يأتي.
(٢) الزاهر ( مقدّمة الحاوي الكبير ) : ٣١٢ ، البيان ٧ : ٤٣٨ ، المغني والشرح الكبير ٦ : ٣٤٦.
(٣) الزاهر ( مقدّمة الحاوي الكبير ) : ٣١٢ - ٣١٣ ، البيان ٧ : ٤٣٨ ، المغني والشرح الكبير ٦ : ٣٤٦.
« خُذْها فإنّما هي لك أو لأخيك أو للذئب » قال : يا رسول الله فضالّة الإبل؟ فغضب حتى احمرّت وَجْنتاه وقال : « ما لَك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها ترد المال وترعى الشجر حتى يجدها ربّها »(١) .
والوكاء : الخيط الذي يشدّ به المال في الخرقة. والعفاص : الوعاء الذي هي فيه من خرقةٍ أو قرطاسٍ أو غيره ، والأصل في العفاص أنّه الجلد الذي يلبسه رأس القارورة. وحذاؤها يعني به خُفّها ؛ لأنّه لقوّته وصلابته يجري مجرى الحذاء. وسقاؤها : بطنها ؛ لأنّها تأخذ فيه ماءً كثيراً فيبقى معها يمنعها العطش. وكونها ترد الماء وترعى الشجر ، أي : محفوظة بنفسها.
ومن طريق الخاصّة : ما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام قال : « جاء رجل إلى النبيّصلىاللهعليهوآله فقال : يا رسول الله إنّي وجدتُ شاةً ، فقال : هي لك أو لأخيك أو للذئب ، فقال : إنّي وجدتُ بعيراً ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : خُفُّه حذاؤه ، وكرشه سقاؤه فلا تهجه »(٢) .
وعن داوُد بن سرحان عن الصادقعليهالسلام أنّه قال في اللّقطة : « يُعرفها سنةً ثمّ هي كسائر ماله »(٣) .
ولا نعلم في ذلك خلافاً.
واعلم أنّ الملقوط إمّا إنسان أو غيره من الأموال ، والغير إمّا حيوان أو غيره ، فالفصول ثلاثة.
____________________
(١) صحيح البخاري ١ : ٣٤ ، و ٣ : ١٦٣ و ١٦٥ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٤٦ - ١٣٤٨ / ١٧٢٢ ، شرح معاني الآثار ٤ : ١٣٤ ، سنن البيهقي ٦ : ١٨٥ و ١٨٦ و ١٨٩ و ١٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣٦ - ٣٣٧ ، المغني والشرح الكبير ٦ : ٣٤٦ بتفاوتٍ في بعض الألفاظ.
(٢) التهذيب ٦ : ٣٩٤ / ١١٨٤.
(٣) الكافي ٥ : ١٣٧ ( باب اللّقطة والضالّة ) ح ٢ ، التهذيب ٦ : ٣٨٩ / ١١٦١.
[ الفصل ] الأوّل : في لقطة الأموال غير الحيوان
وفيه مطالب :
المطلب الأوّل : في الأركان.
وهي ثلاثة :
الركن الأوّل : الالتقاط.
وهو معلوم في اللّغة ، وأمّا في الشرع : فهو أخصّ ، وهو عبارة عن أخذ مالٍ ضائعٍ ليعرّفه الآخذ سنةً ثمّ يتملّكه إن لم يظهر مالكه بشرط الضمان إذا ظهر ولم يكن في الحرم ، أو يحتفظه واجباً فيه ، ومستحبّاً في غيره.
واعلم أنّ الالتقاط إن كان في غير الحرم ، كان مكروهاً عند علمائنا ، سواء وثق الملتقط من نفسه أو لا ، وسواء خاف ضياعها أو لا - وبه قال ابن عباس وابن عمر وجابر بن زيد والربيع بن خثيم ، وهو مذهب عطاء ومالك وأحمد(١) - لما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « لا يُؤوي الضالّةَ إلّا ضالٌّ »(٢) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام في اللّقطة ، إلى أن قال : « وكان عليّ بن الحسينعليهالسلام يقول لأهله :
____________________
(١) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٥١ ، بداية المجتهد ٢ : ٣٠٤ ، المغني ٦ : ٣٤٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٦٠ ، المحلّى ٨ : ٢٦١ ، الحاوي الكبير ٨ : ١١ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٥ ، البيان ٧ : ٤٤٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣٩.
(٢) سنن ابن ماجة ٢ : ٨٣٦ / ٢٥٠٣ ، سنن أبي داوُد ٢ : ١٣٩ / ١٧٢٠ ، سنن البيهقي ٦ : ١٩٠ ، مسند أحمد ٥ : ٤٨١ / ١٨٧٠٢ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٢ : ٣٣٠ - ٣٣١ / ٢٣٧٦ و ٢٣٧٧ ، شرح معاني الآثار ٤ : ١٣٣.
لا تمسّوها »(١) .
وفي الصحيح عن الحسين بن أبي العلاء قال : ذكرنا للصادقعليهالسلام اللّقطة ، فقال : « لا تعرّض لها ، فإنّ الناس لو تركوها لجاء صاحبها فأخذها »(٢) .
واختلف قول الشافعي.
فقال في موضعٍ : إذا عرف الآخذ من نفسه الأمانة ، أخذها(٣) .
وفي موضعٍ آخَر : ولا يحلّ ترك اللّقطة لمَن وجدها إذا كان أميناً عليها(٤) .
واختلف أصحابه في ذلك.
فمنهم مَنْ قال : ليست على قولين ، وإنّما هي على اختلاف حالين ، فالموضع الذي استحبّ أخذها ولم يوجبه إنّما أراد إذا وجدها في قريةٍ أو محلّةٍ يُعرف أهلها بالثقة والأمانة فالظاهر سلامتها فلا يجب أخذها ، والموضع الذي قال : يجب عليه أخذها إذا وجدها في موضعٍ لا يُعرف أهله بالثقة والأمانة ، أو كانت في مسلك أخلاط الناس وممرّ الفُسّاق والخَوَنة فإنّ
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٨٩ / ١١٦٣ ، الاستبصار ٣ : ٦٨ / ٢٢٧.
(٢) التهذيب ٦ : ٣٩٠ / ١١٦٦.
(٣) مختصر المزني : ١٣٥ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٥١ ، الحاوي الكبير ٨ : ١٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٦ ، الوسيط ٤ : ٢٨١ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٤٧ ، البيان ٧ : ٤٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣٨ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٣٣٦ ، ذيل الرقم ٢٠٤٢ ، المغني ٦ : ٣٤٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٦٠.
(٤) الأُم ٤ : ٦٦ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٥١ ، الحاوي الكبير ٨ : ١١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٦ ، الوسيط ٤ : ٢٨١ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٤٧ ، البيان ٧ : ٤٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣٨ ، المغني ٦ : ٣٤٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٦٠.
الظاهر هلاكها فيجب عليه أخذها(١) .
ومنهم مَنْ قال : في المسألة قولان :
أحدهما : يستحبّ ؛ لأنّ ذلك أخذ أمانةٍ ، فلم يلزمه ، كقبول الوديعة.
والثاني : يجب ؛ لقوله تعالى :( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) (٢) وإذا كان وليّه وجب عليه حفظ ماله إذا خاف هلاكه ، كوليّ الصغير ، بخلاف الوديعة ، فإنّه لا يخاف هلاكها ، ولأنّ حرمة مال المسلم كحرمة دمه ، فيجب صونه عن الضياع(٣) .
وهو معارَض بقول ابن عباس وابن عمر ، ولم يُعرف لهما مخالف في الصحابة ، ولأنّه تعريض لنفسه لأكل الحرام وتضييع الواجب من تعريفها وأداء الأمانة فيها ، فكان تركه أولى وأسلم ، كولاية مال اليتيم.
وقد احتجّ الشافعي على الاستحباب : بحديث زيد بن خالد الجهني ، قال : جاء رجل إلى النبيّصلىاللهعليهوآله فسأله عن اللّقطة ، فقال : « اعرف عفاصها ووكاءها »(٤) الحديث.
وبما رواه أُبيّ بن كعب قال : وجدتُ مائة دينار - وروي : ثمانين ديناراً(٥) - فأتيتُ بها النبيّصلىاللهعليهوآله ، فقال : « عرِّفها حولاً » فعرّفتُها حولاً فلم تُعرف ، فرجعتُ إليه ، فقال : « اعرف عدّتها ووعاءها ووكاءها واخلطها
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ١١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٦ ، الوسيط ٤ : ٢٨١ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٤ - ٥٢٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٤٧ ، البيان ٧ : ٤٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٢.
(٢) سورة التوبة : ٧١.
(٣) الحاوي الكبير ٨ : ١١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٦ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٤٧ ، البيان ٧ : ٤٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٢ ، المغني ٦ : ٣٤٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٦٠.
(٤) تقدّم تخريجه في ص ١٦٦ ، الهامش (١)
(٥) الأُم ٤ : ٦٧.
بمالك ، فإن جاء ربّها فأدِّها إليه »(١) .
ولأنّه أخذ أمانة ، فلم يكره ، كالوديعة(٢) .
ولا دلالة في الحديثين ؛ لأنّهما سألا عن اللّقطة إذا أخذها الملتقط ما حكمها؟
وللشافعيّة طريقة أُخرى : إنّ الواجد إن كان لا يثق بنفسه لم يجب الالتقاط قولاً واحداً ، والقولان في مَنْ يغلب على ظنّه أنّه لا يخون(٣) .
وطريقة رابعة قاطعة بنفي الوجوب مطلقاً ، وحمل قوله بالوجوب على تأكيد الأمر به(٤) .
وعلى القول بنفي الوجوب فإن كان الواجد غير أمينٍ لم يأخذها ؛ لأنّه يعرّضها للتلف.
وإن كان أميناً ، فإن لم يثق بنفسه وليس هو في الحال من الفسقة لم يستحب له الالتقاط قولاً واحداً.
وعن بعض الشافعيّة وجهان في الجواز ، أصحّهما عندهم : الثبوت(٥) .
مسألة ٣٠٧ : الأمين إذا وجد اللّقطة ولم يأخذها لم يضمنها ، وهو على مذهبنا ظاهرٌ ؛ لأنّا نقول بكراهة الالتقاط.
أمّا الشافعي فكذلك عنده أيضاً ، سواء قال بوجوب الالتقاط أو
____________________
(١) صحيح البخاري ٣ : ١٦٢ و ١٦٦ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٥٠ / ١٧٢٣ ، سنن البيهقي ٦ : ١٨٦ و ١٩٢ - ١٩٤ ، وفيها التعريف لمدّة ثلاثة أحوال.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٤٧ ، البيان ٧ : ٤٤٣.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٢.
(٤) الوسيط ٤ : ٢٨١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٣.
(٥) الوسيط ٤ : ٢٨٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٣.
استحبابه ؛ لأنّها لم تحصل في يده ، وما لا يحصل في يده لا يضمنه ، كما لو حبس رجلاً عن ماله حتى هلك فإنّه لا يضمنه(١) .
وإن وجدها الخائن فأخذها ، لم يضمنها إلّا بالتعدّي أو نيّة التصرّف وعدم الردّ على المالك.
وأمّا إذا أخذها على وجه الالتقاط فلا يضمنها ، كما أنّ المستودع إذا كان خائناً وقَبِل الوديعة لم يضمنها إلّا بالتعدّي ، كذا هنا.
فإن ردّها الملتقط إلى الموضع الذي وجدها فيه ، لزمه ضمانها - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّه لـمّا أخذها التزم بحفظها ، فإذا ردّها إلى الموضع فقد ضيّعها ، فلزمه الضمان ، كما لو رماها إلى موضعٍ آخَر.
وقال أبو حنيفة : لا يلزمه ضمانها ، ويبرأ بردّها إلى موضعها من الأمانة ؛ لأنّه مأذون له في أخذها منه ، وإذا ردّها إليه زال عنه الضمان ، كالمستودع إذا ردّ الوديعة إلى يد صاحبها(٣) .
والفرق ظاهر ؛ لأنّ الوديعة عادت إلى يد صاحبها ، ولهذا لو كان غصبها ثمّ ردّها إلى صاحبها زال الضمان ، كذا هنا ، ووزان المتنازع أن يردّ المستودع الوديعة إلى الموضع الذي أخذها منه بنيّة التعدّي ، وهناك لا يبرأ بالردّ إلى موضعها على ما تقدّم في باب الوديعة(٤) .
مسألة ٣٠٨ : الملتقط إذا علم الخيانة من نفسه ، فالأقرب : إنّه يحرم عليه أخذها - وبه قال بعض الشافعيّة(٥) - لأنّ نفسه تدعوه إلى كتمانها
____________________
(١) البيان ٧ : ٤٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٣.
(٢) حلية العلماء ٥ : ٥٤٩ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٥.
(٣) المبسوط - للسرخي - ١١ : ١٣ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٩ ، البيان ٧ : ٤٤٤ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٥.
(٤) راجع : ج ١٦ - من هذا الكتاب - ص ١٦٠ ، المسألة ١٤.
(٥) الوجيز ١ : ٢٥٠ - ٢٥١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣٩.
وضياعها عن مالكها.
وقال الأكثر منهم : إنّه مكروه(١) .
وأمّا الأمين في الحال إذا علم أنّه لو أخذها لخان فيها وفسق ، فالأقرب : الكراهة الشديدة فيه ، دون التحريم ، وبه قال أكثر الشافعيّة(٢) .
إذا عرفت هذا ، فإنّه لا فرق بين الغني والفقير في اللّقطة وأحكامها ؛ لما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام في اللّقطة يجدها الرجل الفقير أهو فيها بمنزلة الغني؟ قال : « نعم »(٣) .
مسألة ٣٠٩ : اللّقطة إمّا أن توجد في الحرم أو في غير الحرم. أمّا لقطة غير الحرم فإنّها مكروهة عند علمائنا على ما تقدّم(٤) . وأمّا لقطة الحرم فلعلمائنا قولان :
أحدهما : تحريم أخذها ؛ لقوله تعالى :( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) (٥) وذلك يقتضي وجوب أمنه على نفسه وماله ، وإنّما يحصل الأمن في المال بعدم أخذه.
ولما رواه إبراهيم بن أبي البلاد عن بعض أصحابه عن الكاظمعليهالسلام قال : « لقطة الحرم لا تمسّ بيدٍ ولا رِجْل ، ولو أنّ الناس تركوها لجاء صاحبها فأخذها »(٦) .
والثاني : الكراهة - وهو الأقوى عندي - للأصل ، ولما فيه من حفظها على مالكها ، فإنّه لا يجوز له تملّكها بوجهٍ من الوجوه ، فإذا أخذها بنيّة
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٣.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣٩.
(٣) التهذيب ٦ : ٣٨٩ / ١١٦٣ ، الاستبصار ٣ : ٦٨ / ٢٢٧.
(٤) في ص ١٦٧.
(٥) سورة آل عمران : ٩٧.
(٦) التهذيب ٦ : ٣٩٠ / ١١٦٧.
الحفظ يكون مُحسناً إلى مالكها بحفظ ماله عليه.
ومنه يظهر الجواب عن الآية ؛ إذ نيّة الحفظ وفعله يقتضي أمن صاحبها عليها.
والرواية لا تقتضي التحريم ؛ فإنّ النهي لفظ يدلّ على معنى مشترك بين التحريم والكراهة ، ولا دلالة للعامّ على الخاصّ ، مع أنّ الرواية مرسلة.
إذا ثبت هذا ، فإنّه إذا التقط في الحرم لم يجز له أن يملكها لا قبل التعريف ولا بعده ، بل إمّا أن يحفظها أو يتصدّق بها بعد التعريف حولاً.
وفي الضمان قولان لعلمائنا.
مسألة ٣١٠ : يستحبّ لواجد اللّقطة الإشهاد عليها حين يجدها ، فإن لم يُشهد عليها لم يكن ضامناً.
وليس الإشهاد واجباً عند علمائنا - وبه قال مالك وأحمد والشافعي في أظهر قوليه(١) - لأصالة عدم الوجوب ، ولأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لم يذكر الإشهاد في خبر زيد بن خالد ، ولا خبر أُبيّ بن كعب(٢) ، بل أمرهما بالتعريف ، ولو كان الإشهاد واجباً لبيّنه ؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، ولأنّه أخذ أمانة ، فلم يفتقر إلى الإشهاد ، كالوديعة.
وقال أبو حنيفة : يجب الإشهاد ، فإن أخلّ به ضمن - وبالوجوب قال الشافعي في القول الثاني - لما روي عن عياض بن حمار أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « مَن التقط لقطةً فليُشهد عليها ذا عَدْلٍ أو ذَوَي عَدْلٍ ، ولا يكتم
____________________
(١) بداية المجتهد ٢ : ٣٠٨ ، التمهيد ٣ : ١٢١ ، المغني ٦ : ٣٦٢ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨٧ ، الحاوي الكبير ٨ : ١٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٧ ، الوسيط ٤ : ٢٨٢ ، الوجيز ١ : ٢٥١ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٤٨ ، البيان ٧ : ٤٤٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٣.
(٢) تقدّم خبراهما في ص ١٦٥ - ١٦٦ و ١٦٩ - ١٧٠.
ولا يغيِّب »(١) وهذا أمر يقتضي الوجوب ، ولأنّه إذا لم يُشهد كان الظاهر أنّه أخذها لنفسه(٢) .
والحمل على الوجوب ممنوع ، بل الأصل عدمه ، فيُحمل على الاستحباب ؛ لوروده فيهما ، فيكون للقدر المشترك ، وإلّا لزم الاشتراك أو المجاز ، وكلاهما خلاف الأصل ، مع أنّ الظاهر أنّه للاستحباب ، وإلّا لما جاز لهعليهالسلام أن يؤخّر بيانه في الخبرين السابقين.
والظاهر ممنوع ؛ لأنّه إذا أخذها وعرّفها لم يكن قد أخذها لنفسه.
وفائدة الإشهاد صيانة نفسه عن الطمع فيها ، وحفظها من ورثته لو مات ، ومن غرمائه لو أفلس.
إذا ثبت هذا ، فإنّه ينبغي له أن يُشهد على جنسها وبعض صفاتها من غير استقصاءٍ لئلّا يذيع خبرها فيدّعيها مَنْ لا يستحقّها فيأخذها إذا ذكر صفاتها إن اكتفينا بالصفة ، أو يواطئ الشهود الذين عرفوا صفاتها على التفصيل فيأخذها بشهادتهم ، أمّا إذا ذكر بعض صفاتها وأهمل الباقي انتفت هذه المخالفة.
ولا ينبغي الاقتصار في الإشهاد على الإطلاق بأن يقول : عندي لقطة ، ولا على ذكر الجنس من غير ذكر وصفٍ ما لئلّا يموت فيتملّكها الوارث ، بل ينبغي أن يذكر للشهود ما يذكره في التعريف من ذكر الجنس والنوع.
____________________
(١) سنن أبي داوُد ٢ : ١٣٦ / ١٧٠٩ ، سنن البيهقي ٦ : ١٨٧ و ١٩٣ ، مسند أحمد ٥ : ٣٣٠ / ١٧٨٧٢ ، و ٣٣١ / ١٧٨٧٩ ، مسند أبي داوُد الطيالسي : ١٤٦ / ١٠٨١.
(٢) بدائع الصنائع ٦ : ٢٠١ ، مضافاً إلى المصادر المزبورة في الهامش (١) من ص ١٧٣.
وللشافعي قولان :
أحدهما : إنّه يُشهد على أصلها دون صفاتها ، ويجوز أن يذكر جنسها خوف الإذاعة فيدّعيها الكاذب.
والثاني : يُشهد على صفاتها أيضاً لئلّا يأخذها الورثة(١) .
والأوسط ما قلناه.
الركن الثاني : الملتقط.
مقدّمة : اللّقطة تشتمل على نوع أمانةٍ وولايةٍ واكتسابٍ.
أمّا الأمانة والولاية ففي ابتداء أمرها ؛ لأنّ الملتقط يجب عليه التعريف حولاً ، فهو في مدّة الحول أمين سبيله سبيل سائر الأُمناء ، لا يضمن تلفها إلّا مع التعدّي أو التفريط ، وقد فوّض الشرع إليه حفظها ، كما فوّض إلى الوليّ حفظ مال الصبي.
وأمّا الاكتساب ففي انتهاء أمرها ؛ لأنّ له أن يتملّك اللّقطة بعد الحول.
وللشافعي(٢) قولان :
أحدهما : إنّ المغلَّب فيه معنى الأمانة والولاية ؛ لأنّها معجّلة في ابتداء الالتقاط ، والتملّك منتظَرٌ إلى أن ينتهي حول التعريف ، فيناط الحكم بالناجز الحاضر ، ويبنى الأخير على الأوّل.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٣٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٣.
(٢) في الطبعة الحجريّة : « للشافعيّة ».
والثاني : إنّ المغلَّب الاكتساب ؛ لأنّه مآل الأمر والقصد باللّقطة والغرض منها ، فالنظر إليه أولى ، فكونه مناط الحكم أولى ، ولأنّ الملتقط مستقلّ بالالتقاط ، وآحاد الناس لا يستقلّون بالأمانات إلّا بائتمان المالك ، ويستقلّون بالاكتساب(١) .
فإذا اجتمع في الشخص أربع صفات : الإسلام والحُرّيّة والعدالة والتكليف ، كان له أن يلتقط إجماعاً ، ويُعرّف ويتملّك ؛ لأنّه أهل للولاية والأمانة والاكتساب جميعاً.
وإن خلا عن البعض أو عن الجميع ، فله مسائل نذكرها الآن إن شاء الله تعالى.
مسألة ٣١١ : ليس للذمّيّ أن يلتقط في الحرم ؛ لأنّه ليس أهلاً للأمانة ، والاكتساب فيها منتفٍ ؛ إذ ليس للملتقط في الحرم التملّكُ مطلقاً ، وإنّما هو استئمان مجرّد ، والكافر ليس أهلاً له ، فلا يصحّ التقاطه فيه ، فإن التقط منه نزعه الحاكم من يده ، واستأمن عليه ثقةً يُعرّفه حولاً ، ثمّ إمّا أن يتصدّق به ، أو يستديم الحفظ على ما يأتي.
وأمّا لقطة غير الحرم فإنّه يجوز للكافر أخذها ، سواء كانت في دار الإسلام أو في دار الحرب.
وللشافعي قولان :
أحدهما : إنّه ليس للذمّيّ أن يلتقط في دار الإسلام ، كما أنّه ليس له أن يحيي شيئاً من أرضها ؛ لأنّ الالتقاط أمانة ، وهو ليس من أهلها.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٠ - ٣٤١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٤.
والثاني - وهو الأصحّ عندهم - : إنّ له أن يلتقط - كما ذهبنا إليه - لأنّه من أهل الاكتساب ، وله ذمّة صحيحة ، ويملك القرض ، ويصحّ أن يصطاد ويحتطب ويحتش ، ويملك ذلك كلّه ، فكذا له أن يلتقط ؛ ترجيحاً لمعنى الاكتساب(١) .
وقطع بعض أصحابه بالجواز(٢) .
وشرط قوم في الجواز كونه عَدْلاً في دينه(٣) .
وشبه الالتقاط بالاصطياد والاحتطاب أقوى من شبهه بالإحياء.
وعلى قول الشافعي بالمنع من التقاط الذمّيّ في دار الإسلام لو التقط أخذه الإمام ، وحفظه إلى ظهور مالكه(٤) .
مسألة ٣١٢ : المرتدّ إن كان عن فطرةٍ زالت أمواله عنه ، فليس له أن يلتقط ، فإن التقط نُزع من يده ، كما لو احتطب يُنزع من يده.
وهل يكون ميراثاً لورثته؟ الأقرب : إنّه ليس كذلك ؛ لأنّه لا يصحّ أن يملك ؛ لأنّ وجوب قتله في كلّ آن ينافي جواز تملّكه لشيءٍ من الأشياء في آن من الآنات ، فحينئذٍ لا حكم لالتقاطه ، بل تكون اللّقطة في يده كهي على الأرض لكلّ أحدٍ أخذها من يده ، فيكون هذا الأخذ منه التقاطاً من الآخذ ، وإنّما يورّث عنه ما يدخل في ملكه.
ويحتمل ضعيفاً دخوله في ملكه ، ولا ينافي خروجه عنه في ثاني
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ١٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤١ ، الوسيط ٤ : ٢٨٣ ، الوجيز ١ : ٢٥١ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٣ ، البيان ٧ : ٤٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٤.
(٢ - ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٤.
الحال ، كما لو مَلَك الإنسان مَنْ ينعتق عليه ، فحينئذٍ يكون لورثته ، ويجري مجرى السيّد لو التقط عبده.
وعلى الوجه الأوّل لو أخذه إنسان من يده ، لم يكن للإمام نزعه منه.
وهل يكون لقطةً بالنسبة إلى الآخذ منه على معنى أنّ له أن يملكه بعد التعريف حولاً؟ إشكال من حيث إنّه يصدق عليه أنّه لقطة ، أم لا؟ فإن قلنا : يصدق اسم اللّقطة عليه ، كان له تملّكه بعد التعريف حولاً ، وإلّا دفعه إلى الحاكم.
أمّا الشافعيّة فاختلفوا في المرتدّ هل يزول ملكه أم لا؟ فإن قلنا : يزول ، نُزع من يده ، كما لو احتطب يُنزع من يده ، وإن قلنا : إنّ ملكه لا يزول ، يكون كالفاسق يلتقط(١) .
وقال بعضهم : إن قلنا : إنّ ملكه زائل ، فإنّ ما يحتطبه يُنزع من يده ، ويُحكم بكونه لأهل الفيء ، فإن كانت اللّقطة كذلك ، فقياسه أن يجوز للإمام ابتداء الالتقاط لأهل الفيء ولبيت المال ، وأن يجوز للوليّ الالتقاط للصبي ، وإن قلنا : إنّ ملكه غير زائلٍ ، فهو بالذمّيّ أشبه منه بالفاسق ، فليكن التقاطه كالتقاط الذمّيّ(٢) .
مسألة ٣١٣ : يكره للفاسق الالتقاط ؛ لأنّه لا يؤمن عليها ، ويُعرّض نفسه للأمانة وليس هو من أهلها.
فإن التقط ، صحّ التقاطه ؛ لأنّ الالتقاط جهة من جهات الكسب ، وهو من أهله ، ولأنّه إذا صحّ التقاط الكافر فالفاسق أولى ، وبه قال أحمد
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٤ - ٤٥٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٥.
والشافعي في أحد القولين على تقدير ترجيح أصل الاكتساب على أصل الأمانة والولاية.
والثاني : ليس للفاسق أخذ اللّقطة ؛ ترجيحاً لطرف الأمانة والولاية ؛ لأنّه ليس من أهل ذلك ، فإن أخذه كان حكمه حكم الغاصب(١) .
والأوّل أغلب عند أكثر أصحابه(٢) .
إذا عرفت هذا ، فإذا التقط الفاسق ، أُقرّت اللّقطة في يده ، وضمّ الحاكم إليه مشرفاً يُشرف عليه ؛ لئلّا يتصرّف فيها ، ويتولّى تعريفها ؛ لئلّا يُخلّ به ؛ لأنّه لا أمانة له ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد والشافعي في أحد القولين.
والثاني - وهو الأصحّ عندهم - : إنّه لا يُقرّ يده عليها ، بل ينتزعها الحاكم من يده ، ويضعها عند عَدْلٍ ؛ لأنّ مال أولاده لا يُقرّ في يده فكيف مال الأجانب(٣) .
والمعتمد : الأوّل ؛ لأنّه يخلّى بينه وبين الوديعة ، فكذا يخلّى بينه وبين اللّقطة ، كالعَدْل.
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤١ ، الوسيط ٤ : ٢٨٣ ، الوجيز ١ : ٢٥١ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٣ ، البيان ٧ : ٤٧٦ - ٤٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٥.
(٣) الحاوي الكبير ٨ : ٢١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤١ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٣ ، البيان ٧ : ٤٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٥ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٧ ، المغني ٦ : ٣٩٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٩٨.
إذا عرفت هذا ، فإنّ ضمّ المشرف إليه على جهة الاستظهار والاستحباب ، دون الإيجاب ، وبه قال أبو حنيفة(١) .
ولو علم الحاكم خيانته فيها ، فالأقرب : وجوب ضمّ مشرفٍ إليه ، فإذا انتهى التعريف حولاً مَلَكها ملتقطها ؛ لأنّ سبب الملك منه وُجد.
أمّا الشافعيّة فسواء قالوا : إنّه تُنتزع اللّقطة من يده أو يُضمّ إليه مشرف ففي التعريف لهم قولان :
أشبههما عندهم : إنّه لا يعتمد في التعريف عليه ؛ لأنّه ربما يخون فيه حتى لا يظهر المالك ، بل يضمّ إليه نظر العَدْل ومراقبته.
والثاني : إنّه يكتفى بتعريفه ؛ فإنّه الملتقط ، فإذا تمّ التعريف فللملتقط التملّك(٢) .
تذنيب : الأقرب : إنّ الفاسق يُمنع من لقطة الحرم ؛ لأنّها مجرّد أمانةٍ ، والفاسق ظالم ، فلا يُركن إليه في تركها معه ؛ لقوله تعالى :( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (٣) فحينئذٍ لو التقط منه انتزعه الحاكم ، كما قلنا في الكافر.
وأكثر العامّة لم يفرّقوا بين اللّقطتين ، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى.
مسألة ٣١٤ : التقاط العبد لا يخلو من أقسام ثلاثة : إمّا أن يكون السيّد
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٢.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٢١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤١ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٧ - ٥٤٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٣ ، البيان ٧ : ٤٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٥.
(٣) سورة هود : ١١٣.
قد أذن له فيه ، أو نهاه عنه ، أو لم يأذن فيه ولا نهى عنه.
فإن كان المولى قد أذن له في الالتقاط - مثل أن يقول : مهما وجدتَ ضالّةً فخُذْها وائتني بها - جاز ذلك عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة وأحمد(١) - كما لو أذن له المولى في قبول الوديعة ، فإنّه يصحّ منه قبولها ، ولعموم الخبر(٢) ، ولأنّ الالتقاط سبب يملك به الصبي ويصحّ منه ، فصحّ من العبد ، كالاحتطاب والاحتشاش والاصطياد ، ولأنّ مَنْ جاز له قبول الوديعة صحّ منه الالتقاط ، كالحُرّ.
وللشافعيّة فيه طريقان :
أحدهما : القطع بالصحّة ؛ لما تقدّم.
والثاني : إنّ فيه قولين ، أحدهما : المنع ؛ لما في اللّقطة من معنى الولاية ، والإذن لا يفيده أهليّة الولاية.
وفي رواية الخاصّة عن أبي خديجة عن الصادقعليهالسلام : إنّه سأله ذريح عن المملوك يأخذ اللّقطة ، فقال : « ما للمملوك واللّقطة؟ والمملوك لا يملك من نفسه شيئاً ، فلا يُعرّض لها المملوك ، فإنّه ينبغي للحُرّ أن يعرّفها سنةً في مجمعٍ ، فإن جاء طالبها دفعها إليه ، وإلّا كانت في ماله ، فإن مات كانت ميراثاً لولده ولمن ورثه ، فإن جاء طالبها بعد ذلك دفعوها إليه »(٣) .
ولأنّ الالتقاط أمانةٌ وولايةٌ في السنة الأُولى ، وتملّكٌ بعوضٍ في السنة
____________________
(١) المغني ٦ : ٣٨٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٠٠ ، البيان ٧ : ٤٧٠.
(٢) تقدّم تخريجه في ص ١٧٤ ، الهامش (١)
(٣) الكافي ٥ : ٣٠٩ / ٢٣ ، الفقيه ٣ : ١٨٨ / ٨٤٥ ، التهذيب ٦ : ٣٩٧ / ١١٩٧ بتفاوتٍ.
الأُخرى ، والعبد ليس من أهل الولايات ، ولا يملك المال ، ولا له ذمّة يستوفى منها(١) .
والرواية لا تعطي التحريم ، فيحتمل الكراهة ، والولاية قد ثبتت له مع إذن مولاه ، والتملّك لمولاه.
وإن كان المولى قد نهاه عن الالتقاط ، حرم عليه ؛ لأنّه محجور عليه في التصرّف ، إلّا بإذن المولى ، فإن التقط والحال هذه كان للمولى انتزاعها من يده.
وللشافعيّة طريقان :
أحدهما : القطع بمنع العبد مع نهي مولاه من الالتقاط.
والثاني : طرد القولين(٢) .
وإن كان المولى لم يأمره بالالتقاط ولا نهاه عنه ، فإنّه يصحّ التقاطه عندنا - وبه قال أبو حنيفة وأحمد والشافعي في أحد القولين(٣) - لأنّ يد العبد يد سيّده ، فكأنّ السيّد هو الملتقط ، وكما أنّه يعتبر اصطياده واحتطابه ، كذا يعتبر التقاطه ، ويكون الحاصل للسيّد ، ولا عبرة بقصده.
وهذا القول نقله المزني عمّا وضعه بخطّه ، قال : ولا أعلمه سُمع منه(٤) .
____________________
(١) البيان ٧ : ٤٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٩.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٩.
(٣) المغني ٦ : ٣٨٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٠٠ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٢ ، البيان ٧ : ٤٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٥.
(٤) مختصر المزني : ١٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٣.
والثاني - نصّ عليه في الأُم ، واختاره المزني - : إنّه لا يصحّ ؛ لأنّ اللّقطة أمانة وولاية في الابتداء ، وتملّكٌ في الانتهاء ، والعبد لا يملك ، ولا هو من أهل الأمانة والولاية(١) .
قال ابن سريج : القولان مبنيّان على أنّ العبد يملك ، فأمّا إذا فرّعنا على الجديد - وهو أنّه لا يملك - فليس له الالتقاط بحالٍ(٢) .
وقال بعضهم : في هذا التباس من جهة أنّه ليس القولان في أنّ العبد هل يملك مطلقاً؟ وإنّما هُما في أنّه هل يملك بتمليك السيّد؟ ولا تمليك هنا من جهة السيّد(٣) .
مسألة ٣١٥ : قد بيّنّا أنّ العبد يصحّ التقاطه ، فإذا التقط شيئاً صحّ منه أن يُعرّفه ، كما صحّ التقاطه - وهو أحد قولَي الشافعي(٤) - كالحُرّ ، فإذا كمل حول التعريف لم يكن للعبد أن يتملّكها لنفسه ؛ لأنّه ليس أهلاً للتملّك مطلقاً عندنا - وهو الجديد للشافعي(٥) - وبدون تمليك السيّد على قول بعض علمائنا(٦) والشافعي في القديم(٧) ، وهنا لم يُملّكه السيّد.
____________________
(١) الأُم ٤ : ٦٨ ، مختصر المزني : ١٣٥ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٢ ، البيان ٧ : ٤٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٥.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٣.
(٤) البيان ٧ : ٤٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٧.
(٥) الحاوي الكبير ٥ : ٢٦٥ - ٢٦٦ ، الوجيز ١ : ١٥٢ ، الوسيط ٣ : ٢٠٤ ، حلية العلماء ٥ : ٣٦٠ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٦٧ ، البيان ٧ : ٤٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٠.
(٦) لم نتحقّقه.
(٧) الحاوي الكبير ٥ : ٢٦٥ - ٢٦٦ ، الوجيز ١ : ١٥٢ ، الوسيط ٣ : ٢٠٤ ، حلية العلماء ٥ : ٣٦٠ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٦٧ ، البيان ٧ : ٤٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٠.
فإن اختار العبد التملّكَ على الوجه الذي لو فَعَله الحُرّ مَلَك به ، لم يملك به ؛ لأنّ التملّك على وجه الاقتراض ، واقتراضه بغير إذن سيّده لا يصحّ ، إلّا أنّها تكون في يده مضمونةً ؛ لأنّها في يده بقرضٍ فاسد ، فإذا تلفت ضمنها في ذمّته يتبع بها بعد العتق.
وله التملّك للسيّد بإذنه.
ولو لم يأذن السيّد ، فالأقوى : إنّه لا يدخل في ملك السيّد بنيّة العبد التملّك له.
وللشافعيّة طريقان :
أحدهما : إنّه على الوجهين في أنّه هل يصحّ اتّهاب العبد بدون إذن السيّد؟ أو على القولين في شرائه بغير إذنٍ.
والثاني : القطع بالمنع ، بخلاف الهبة ؛ لأنّ الهبة لا تقتضي عوضاً ، وبخلاف الشراء ؛ فإنّا إن صحّحناه علّقنا الثمن بذمّة العبد ، وهنا يبعد أن لا يطالب مالك اللّقطة السيّدَ المتملّك ؛ لأنّه لم يرض بذمّة العبد(١) .
والأصحّ عندهم : المنع ، سواء ثبت الخلاف أم لا(٢) .
وعلى هذا فقد قال بعض الشافعيّة : إنّه لا يصحّ تعريفه دون إذن السيّد أيضاً(٣) .
لكنّ الأصحّ عندهم : إلحاق التعريف بالالتقاط(٤) .
قال الجويني : نعم ، إن قلنا : انقضاء مدّة التعريف يوجب الملك ، فيجوز أن يقال : لا يصحّ تعريفه ، ويجوز أن يقال : يصحّ ، ولا يثبت الملك
____________________
(١ - ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٧.
في هذه الصورة ، كما لا يثبت إذا عرف من قصده الحفظ أبداً(١) .
وعلى القول الثاني للشافعي بأنّه لا يصحّ التقاط العبد لا يعتدّ بتعريفه(٢) .
ثمّ إن لم يعلم السيّد بالتقاطه ، فالمال مضمون في يد العبد ، والضمان يتعلّق برقبته ، سواء أتلفه أو تلف بتفريطه أو بغير تفريطٍ ، كما في المغصوب.
وإن علم السيّد ، فأقسامه ثلاثة :
أحدها : أن يأخذه من يده.
وينبغي أن يُقدَّم عليه مقدّمة هي : إنّ الحاكم لو أخذ المغصوب من الغاصب ليحفظه للمالك هل يبرأ الغاصب من الضمان؟ فيه للشافعيّة وجهان ، ظاهر القياس منهما البراءة ؛ لأنّ يد الحاكم نائبة عن يد المالك.
فإن قلنا : لا يبرأ ، فللقاضي أخذها منه.
وإن قلنا : يبرأ ، فإن كان المال عرضةً للضياع والغاصب بحيث لا يبعد أن يفلس أو يغيب وجهه ، فكذلك ، وإلّا فوجهان :
أحدهما : إنّه لا يأخذ ، فإنّه أنفع للمالك.
والثاني : يأخذ ؛ نظراً لهما جميعاً(٣) .
وليس لآحاد الناس أخذ المغصوب إذا لم يكن في معرض الضياع ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٥ - ٣٤٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٧.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٠ ، البيان ٧ : ٤٧٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٥.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٣ - ٣٤٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٥ - ٤٥٦.
ولا الغاصب بحيث تفوت مطالبته ظاهراً.
وإن كان كذلك ، فوجهان :
أظهرهما عندهم : المنع ؛ لأنّ القاضي هو النائب عن الناس ، ولأنّ فيه ما يؤدّي إلى الفتنة وشهر السلاح.
والثاني : الجواز احتساباً ونهياً عن المنكر.
فعلى الأوّل لو أخذ ضمن ، وكان كالغاصب من الغاصب.
وعلى الثاني لا يضمن ، وبراءة الغاصب على الخلاف السابق ، وأولى بأن لا يبرأ(١) .
وفصّل قومٌ بين أن يكون هناك قاضٍ يمكن رفع الأمر إليه فلا يجوز ، وبين أن لا يكون فيجوز(٢) .
إذا عرفتَ ذلك ، فقد قال أكثر الشافعيّة : إذا أخذ السيّد اللّقطة من العبد صار هو الملتقط ؛ لأنّ يد العبد إذا لم تكن يدَ التقاطٍ كان الحاصل في يده ضائعاً بَعْدُ ، ويسقط الضمان عن العبد ؛ لوصوله إلى نائب المالك ، فإن كان أهلاً للالتقاط كان نائباً عنه(٣) .
وبمثله أجابوا فيما لو أخذه أجنبيٌّ ، إلّا أنّ بعضهم جعل أخذ الأجنبيّ على الخلاف فيما لو تعلّق صيدٌ بشبكة إنسانٍ فجاء غيره وأخذه(٤) .
واستبعد الجويني قولَهم : « إنّ أخذ السيّد التقاطٌ » لأنّ العبد ضامن بالأخذ ، ولو كان أخذ السيّد التقاطاً لسقط الضمان عنه ، فيتضرّر به المالك(٥) .
وقال بعضهم : إنّ السيّد ينتزعه من يده ، ويسلّمه إلى الحاكم ليحفظه
____________________
(١ - ٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٦.
للمالك أبداً(١) .
وأمّا الجويني فإنّه قال : إذا قلنا : إنّه ليس بالتقاطٍ فأراد أخْذَه بنفسه وحِفْظه لمالكه ، ففيه وجهان مرتَّبان على أخذ الآحاد المغصوبَ للحفظ ، وأولى بعدم الجواز ؛ لأنّ السيّد ساعٍ لنفسه غير محتسبٍ ، ثمّ يترتّب على جواز الأخذ حصول البراءة ، كما قدّمناه.
وإن استدعى من الحاكم انتزاعه ، فهذه الصورة أولى بأن يزيل الحاكم فيها اليد العادية ، وإذا أزال فأولى بأن تحصل البراءة ؛ لتعلّق غرض السيّد بالبراءة وكونه غير منسوبٍ إلى العدوان حتى يغلظ عليه(٢) .
الثاني : أن يُقرّه في يده ويستحفظه عليه ليعرّفه.
فإن كان العبد أميناً جاز ، كما لو استعان به في تعريف ما التقطه بنفسه.
والأقرب عندهم : عدم سقوط الضمان ، وقياس كلام جمهورهم سقوطه(٣) .
وإن لم يكن أميناً فالمولى متعدٍّ بإقراره عليه ، وكأنّه أخذه منه وردّه إليه.
الثالث : أن يُهمله ، فلا يأخذه ولا يُقرّه ، بل يعرض عنه ، فللشافعي قولان :
ففي رواية المزني : إنّ الضمان يتعلّق برقبة العبد كما كان ، ولا يُطالَب به السيّد في سائر أمواله ؛ لأنّه لا تعدّي منه ، ولا أثر لعلمه ، كما لو رأى عبده يُتلف مالاً فلم يمنعه منه.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٤ - ٣٤٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٦ - ٤٥٧.
وفي رواية الربيع : تعلّقه بالعبد وبجميع أموال السيّد ؛ لأنّه متعدٍّ بتركه في يد العبد(١) .
ثمّ اختلفوا فيهما على أربعة طُرقٍ :
قال الأكثر : المسألة على قولين ، أظهرهما : تعلّقه بالعبد وبسائر أموال السيّد ، حتى لو هلك العبد لا يسقط الضمان ، ولو أفلس السيّد قُدّم صاحب اللّقطة في العبد على سائر الغرماء. ومَنْ قال به لم يُسلّم عدمَ وجوب الضمان فيما إذا رأى عبده يُتلف مالاً فلم يمنعه.
وبعضهم حَمَل منقولَ المزني على ما إذا كان العبد مميّزاً ، وحَمَل منقول الربيع على ما إذا كان غير مميّزٍ.
وقطع بعضهم بما رواه المزني ، وبعضهم بما رواه الربيع ، وغلّطوا المزني في النقل ، واستشهدوا بأنّه روى في الجامع الكبير كما رواه الربيع ، فأشعر بغفلته هنا عن آخر الكلام(٢) .
وهذا كلّه ساقط عندنا حيث قلنا : إنّ للعبد الالتقاط.
مسألة ٣١٦ : إذا التقط العبد ولم يأمره السيّد به ولا نهاه عنه ، صحّ التقاطه.
ثمّ لا يخلو إمّا أن يعلم السيّد بالالتقاط أو لا يعلم.
فإن لم يعلم ، فالمال أمانة في يد العبد.
فإن أعرض عن التعريف ، ضمن ، وهو أحد وجهي الشافعيّة ،
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٠ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٠ ، البيان ٧ : ٤٧٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٧.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٠ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٤ ، البيان ٧ : ٤٧٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٧.
كالحُرّ ؛ فإنّ فيه وجهين لهم لو أعرض عن التعريف(١) .
ولو أتلفه العبد بعد مدّة التعريف أو تملّكه لنفسه فهلك عنده ، تعلّق المال بذمّة العبد ، كما لو استقرض قرضاً فاسداً واستهلكه ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني : إنّه يتعلّق برقبته ، كما لو غصب شيئاً فتلف عنده ، وليس كالقرض ، فإنّ صاحب المال سلّمه إليه(٢) .
والحكم في الأصل عندنا ممنوع.
ولو أتلفه في المدّة ، تعلّق بذمّته عندنا يُتبع به بعد العتق.
وأكثر الشافعيّة قالوا : يتعلّق برقبته(٣) .
وكذا لو تلف بتقصيرٍ منه عندنا ، ويتعلّق بذمّته.
وعندهم يتعلّق برقبته ، وفرّقوا بينه وبين الإتلاف بعد المدّة - حيث كان على الخلاف السابق - بأنّ الإتلاف في السنة خيانة محضة ؛ لأنّه لم يدخل وقت التملّك ، وأمّا بعدها فالوقت وقت الارتفاق والإنفاق ، فاستهلاك العبد يشابه استقراضاً فاسداً(٤) .
وحكى بعض الشافعيّة أنّ المسألة على قولين :
أحدهما : التعلّق بالرقبة.
والثاني : التعلّق بالذمّة ؛ لأنّا إذا جوّزنا له الالتقاط فكان المال قد حصل في يده برضا صاحبه ، وحينئذٍ فالإتلاف لا يقتضي إلّا التعلّق بالذمّة ، كما لو أُودع العبد مالاً فأتلفه ، يكون الضمان في ذمّته(٥) .
ولمانعٍ أن يمنع ذلك ؛ لأنّ الضمان في الوديعة أيضاً يتعلّق برقبته عند
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٧.
(٢ - ٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٨.
بعض الشافعيّة(١) .
وأمّا عندنا فيتعلّق بذمّته أيضاً.
وإن علم به السيّد ، فله انتزاعها من يده ، كالأموال التي يكتسبها العبد ؛ فإنّ اللّقطة نوعٌ منها ، ثمّ يصير السيّد كالملتقط بنفسه إن شاء حفظها على مالكها ، وإن شاء عرّفها وتملّكها ، ولو كان العبد قد عرّف بعضَ الحول احتسب به وأكمل الحول.
وإن أقرّه في يد العبد ، فإن كان خائناً ضمن بإبقائه في يده عند الشافعيّة(٢) .
والأقوى ذلك إن كان قد قبضه المولى ثمّ دفعه إليه ، وإلّا فلا.
ولو كان أميناً ، لم يضمن ، سواء قبضها ثمّ دفعها إليه ، أو أقرّها في يده من غير قبضٍ.
ولو تلف المال في يد العبد في مدّة التعريف ، فلا ضمان.
وإن تلف بعدها ، فإن أذن السيّد في التملّك وجرى التملّكُ ضمن.
وإن لم يَجْر التملّك بَعْدُ ، فالأقوى : تعلّق الضمان بالسيّد ؛ لأنّه أذن في سبب الضمان ، فأشبه ما لو أذن له في أن يسوم شيئاً فأخذه وتلف في يده ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة.
والثاني : إنّه لا يضمن ، كما لو أذن له في الغصب فغصب(٣) .
فإن قلنا بالثاني ، تعلّق الضمان برقبة العبد عندهم(٤) .
وإن قلنا بالأوّل ، تعلّق بذمّة العبد يتبع به بعد العتق ، كما أنّ السيّد مطالب به.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٦.
(٢ - ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٨.
وإن كان السيّد لم يأذن له في التملّك ، تعلّق الضمان بذمّة العبد - وهو أظهر وجهي الشافعيّة(١) - لأنّه دَيْنٌ لزم لا برضا مستحقّه ، ولا يتعلّق الضمان بالسيّد بحالٍ ؛ لعدم الإذن.
والثاني للشافعيّة : إنّه يتعلّق برقبته(٢) .
ولو أتلفه العبد بعد المدّة ، تعلّق بذمّته.
وللشافعيّة قولان(٣) .
وهل يثبت الفرق بين أن يقصد العبد الالتقاط لنفسه أو لسيّده؟
الأقرب : انتفاء الفرق ؛ فإنّ كلّ واحدٍ منهما يقع الالتقاط فيه(٤) للسيّد.
واختلفت الشافعيّة.
فقال بعضهم : إنّ القولين في المسألة مفروضان فيما إذا نوى بالالتقاط نفسَه ، فأمّا إذا نوى سيّدَه فيحتمل أن يطّرد القولان ، ويحتمل القطع بالصحّة(٥) .
وعكس بعضهم ، فقال : القولان فيما إذا التقط ليدفعها إلى سيّده ، فأمّا إذا قصد نفسَه فليس له الالتقاط قولاً واحداً ، بل هو متعدٍّ بالأخذ(٦) .
مسألة ٣١٧ : قد بيّنّا أنّه يجوز التقاط العبد.
وللشافعي قولٌ آخَر : إنّه لا يجوز ، فإذا التقطها ضمنها في رقبته عنده ، سواء أتلفها ، أو تلفت في يده بتفريطٍ أو بغير تفريطٍ ؛ لأنّه أخذ مال غيره على وجه التعدّي ، وسواء كان قبل الحول أو بعده ؛ لأنّ تعريفه
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٨.
(٤) في « ج » : « منه » بدل « فيه ».
(٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٨ - ٤٥٩.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٩.
لا يصحّ ، لأنّه ليس من أهل الالتقاط عنده(١) .
فإن علم به سيّده ، فإن انتزعها من يده كان له ذلك ، وسقط عن العبد الضمان ، وكانت أمانةً في يد السيّد ؛ لأنّه يأخذها على سبيل الالتقاط.
وهذا بخلاف ما لو غصب العبد شيئاً فأخذه سيّده منه ، فإنّه لا يزول عن العبد الضمان ؛ للفرق بينهما ، فإنّ السيّد لا ينوب عن المغصوب منه ، فلا يزول الضمان بأخذه ، وهنا ينوب عن صاحبها ، وله حفظها عليه.
وينبغي أن يكون لو أخذها من العبد غيرُ سيّده من الأحرار جاز ، وزال الضمان عنه ؛ لأنّ كلّ مَنْ هو مِنْ أهل الالتقاط نائب عن صاحبها.
إذا ثبت هذا ، فإن أخذها سيّده كان كما لو ابتدأ التقاطها إن شاء حفظها لصاحبها ، وإن شاء تملّكها بعد التعريف ، ولا يعتدّ بتعريف العبد عنده(٢) .
وإن أقرّها في يد العبد ، ضمن إن لم يكن أميناً ، وإلّا فلا.
فإذا قلنا : لا ضمان على المولى ، تعلّق الضمان برقبة العبد خاصّةً ، فإن تلف سقط الضمان.
وإن قلنا : يضمن السيّد ، تعلّق الضمان بمحلّين : رقبة العبد ، وذمّة السيّد.
فإن أفلس السيّد ، كان صاحب اللّقطة أحقَّ باستيفاء عوضها من العبد ؛ لأنّ حقّه تعلّق برقبته عنده(٣) .
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٠ ، البيان ٧ : ٤٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٥.
(٢) راجع : الهامش (٢) من ص ١٨٥.
(٣) راجع : الهامش (١) من ص ١٨٨.
وإن مات العبد ، تعلّق بذمّة سيّده يدفعه من سائر أمواله.
مسألة ٣١٨ : إذا التقط العبد لقطةً ثمّ أعتقه السيّد قبل علمه باللّقطة ، أو بعد علمه وقبل أن يأخذها منه ، كان السيّد أحقَّ بأخذها من يده ؛ لأنّ التقاط العبد قد صحّ ، وكان كسباً له ، وما كسبه العبد قبل عتقه يكون للسيّد ، فيُعرّفها السيّد ويتملّكها ، فإن كان العبد قد عرّف ، اعتدّ به ، وهذا ظاهر مذهب الشافعي(١) .
وعن بعض الشافعيّة وجهان في أنّ السيّد أحقّ بها ؛ اعتباراً بوقت الالتقاط ، أو العبد ؛ اعتباراً بوقت الملك؟ وشبّهه بما إذا أُعتقت الأمة تحت عبدٍ ولم تفسخ حتى تحرّر العبد(٢) .
وعلى القول الثاني للشافعي من منع التقاط العبد للشافعيّة قولان ، أحدهما : إنّه ليس للسيّد أخذها من يد العبد ؛ لأنّه قبل أن يعتق لم يتعلّق بها حقُّ السيّد ؛ لكون العبد متعدّياً ، وقد زالت ولايته بالعتق ، فإذا أُعتق صار كأنّه اكتسبها بعد عتقه ، وصار كأنّه التقطها بعد حُرّيّته ، فلم يكن للسيّد فيها حقٌّ(٣) .
وهل للعبد تملّكها؟ الوجه ذلك ، ويجعل كأنّه التقطه بعد الحُرّيّة ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة ، والثاني : المنع ؛ لأنّه لم يكن أهلاً للأخذ ، فعليه تسليمها إلى الإمام(٤) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٠ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦١ ، البيان ٧ : ٤٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٩.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٩.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٩.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦١ - ٥٦٢ ، البيان ٧ : ٤٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٩.
تذنيب : للعبد أخذ لقطة الحرم ، كما له أخذ لقطة الحِلّ ، ولا يجوز له التملّك لا له ولا لسيّده على ما يأتي(١) ، والمدبَّر وأُمّ الولد كالقِنّ ، ولا نعلم فيه خلافاً.
مسألة ٣١٩ : المكاتَب إن كان مشروطاً فكالقِنّ ، يجوز له الالتقاط ، لكن ليس للمولى انتزاعها من يده ؛ لأنّها كسب له إذا لم يكن لقطة الحرم.
نعم ، لو عجز فاستُرقّ كان للمولى انتزاعها من يده ، كالقِنّ.
وللشافعيّة في المكاتَب طريقان مبنيّان على اختلاف قولَي الشافعي ، فإنّه قال في الأُم : المكاتَب كالحُرّ(٢) ، وقال في موضعٍ آخَر : إنّه كالعبد(٣) .
واختلف أصحابه :
فقال بعضهم : إنّ المكاتَب كالحُرّ قولاً واحداً ، وقطع بصحّة التقاطه ؛ لأنّه مستقلّ بالتملّك والتصرّف كالحُرّ ، وله ذمّة يمكن استيفاء الحقوق منها ، ثمّ تأوّلوا قوله : « كالعبد » بأنّه أراد به إذا كانت الكتابة فاسدةً(٤) .
وقال بعضهم : فيه قولان :
أحدهما : إنّه كالحُرّ ؛ لأنّه ماله ، كذا قال الشافعي في الأُم(٥) ، ونقل المزني أنّ ماله يسلم له(٦) ، والأوّل أولى ؛ لأنّ المال في الحال له ، وقد يسلم له بتمام الكتابة ، وقد لا يسلم بفسخها.
والثاني : إنّه كالعبد ، وفي التقاطه قولان ؛ لتعارض معنى الولاية والاكتساب ، فإنّ الملك موجود في العبد ، وهو ينافي الولاية ، ولهذا
____________________
(١) في ص ٢٤٥ ، المسألة ٣٥٤ ، وص ٢٥١ ، المسألة ٣٥٦.
(٢) الأُم ٤ : ٦٨ ، مختصر المزني : ١٣٦.
(٣) قاله في الإملاء على ما في الحاوي الكبير ٨ : ٢١.
(٤) الحاوي الكبير ٨ : ٢١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٠ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٤ و ٥٤٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٨.
(٥ و ٦) راجع : الهامش (٢)
لا تصحّ الوصيّة إليه ، فجرى مجرى العبد(١) .
وللشافعيّة هنا أُمور غريبة.
أ : عن ابن القطّان رواية قاطعة بالمنع من التقاط المكاتَب ، بخلاف القِنّ ؛ لأنّ سيّده ينتزعه من يده ، وأمّا المكاتَب فقد انقطعت ولاية السيّد عنه على نقصانه(٢) .
ب : حكى القاضي ابن كج خلافاً في أنّ الخلاف المذكور في المكاتَب سواء صحّت الكتابة أو فسدت ، أو في المكاتَب كتابةً صحيحةً؟
وأمّا المكاتَب كتابةً فاسدةً فهو كالقِنّ لا محالة ، والصحيح عندهم : الثاني(٣) .
ج : نقل الجويني عن تفريع العراقيّين على القطع بالصحّة أنّ في إبقاء اللّقطة في يده قولين على قياس ما مرّ في الفاسق ، وكتبهم ساكتة عن ذلك ، إلّا ما شاء الله(٤) .
ونحن قد قلنا : إن التقاط المكاتَب صحيح ، فحينئذٍ يُعرّف اللّقطة ويتملّكها إن شاء ، وبدلها في كسبه ، وليس للمالك(٥) انتزاعها من يده ، وهو قول الشافعي(٦) على تقدير قوله بصحّة التقاطه.
وهل يُقدَّم صاحب اللّقطة بها على الغرماء؟ الأقرب عندي ذلك.
وللشافعيّة وجهان(٧) .
وعلى القول للشافعي بأنّ المكاتَب كالحُرّ لا بحث ، وبأنّه كالعبد إن قلنا : إنّه لا يصحّ التقاط العبد لا يصحّ التقاط المكاتَب ، ويكون متعدّياً
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٢١ ، الوسيط ٤ : ٢٨٧ ، البيان ٧ : ٤٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٨.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٨.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٨ - ٣٤٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٠.
(٥) أي : المولى.
(٦ و ٧) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٠.
بأخذها ، وعليه ضمانها ، وليس للسيّد انتزاعها من يده ؛ لانتفاء ولاية السيّد عن المكاتَب ، وإنّما يسلّمها إلى الحاكم ليُعرّفها ، فإذا مضى الحول تملّكها المكاتَب ؛ لأنّه من أهل التملّك ، هكذا قال بعض الشافعيّة(١) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّه إذا فسد الالتقاط لم يجز له الالتقاط ، فلا يملكها بالحول والتعريف ، وإنّه إذا أخذها من يده مَنْ هو من أهل الالتقاط وإن كان أجنبيّاً يكون ملتقطاً ، ولم يعتبروا الولاية ، وليس السيّد في حقّ المكاتَب بأدنى حالاً من الأجنبيّ في القِنّ أن يجوز ذلك ، وبرئ من ضمانها كما قلنا في العبد إذا أخذها سيّده منه.
لا يقال : للسيّد يدٌ على العبد وعلى ما في يده ، دون المكاتَب.
لأنّا نقول : إنّما له ذلك فيما هو كسب للعبد ويُقرّ يده عليه ، وأمّا هذه اللّقطة فلا يُقرّ يد العبد عليها ، ولا له فيها كسب.
وقال بعض الشافعيّة : إنّه يسلّمها إلى الحاكم ليحفظها ، ولا يعرّفها(٢) .
والكلّ عندنا غلط.
مسألة ٣٢٠ : لو التقط المكاتَب ، صحّ عندنا ، فإذا اشتغل بالتعريف فأُعتق ، أتمّ التعريف وتملّك.
وإن عاد إلى الرقّ قبل تمام التعريف ، كان حكمه حكمَ القِنّ ، للمولى انتزاعها من يده وتقرير يده عليها.
وقال بعض الشافعيّة : يأخذها القاضي ويحفظها للمالك ، وإنّه ليس للسيّد أخذها وتملّكها ؛ لأنّ التقاط المكاتَب لا يقع للسيّد ابتداءً فلا ينصرف
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٢ ، البيان ٧ : ٤٧٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٠.
(٢) حلية العلماء ٥ : ٥٤٥.
إليه انتهاءً(١) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّ الالتقاط اكتسابٌ ، واكتساب المكاتَب عند عجزه للسيّد.
ولو مات المكاتَب أو العبد قبل التعريف ، وجب أن يجوز للسيّد التعريف والتملّك ، كما أنّ الحُرّ إذا التقط ومات قبل التعريف ، يُعرّف الوارث ويتملّك.
مسألة ٣٢١ : مَنْ نصفه حُرٌّ ونصفه رقيقٌ يصحّ التقاطه ؛ لأنّ القِنّ عندنا يجوز التقاطه ، فالمعتق بعضه أولى.
وقال الشافعي : إنّه كالمكاتَب(٢) .
وللشافعيّة طريقان :
منهم مَنْ قال : يصحّ التقاطه قولاً واحداً ؛ لاستقلاله بالملك والتصرّف وقوّة ذمّته(٣) .
ومنهم مَنْ قال : فيه قولان ، كالعبد(٤) .
وقال بعضهم بالتفصيل ، وهو : إنّه يصحّ التقاطه بقدر الحُرّيّة قولاً واحداً ، والطريقان إنّما هُما في نصيب الرقّيّة(٥) .
فعلى القول بمنع الالتقاط يكون متعدّياً بالأخذ ، ضامناً بقدر الحُرّيّة في ذمّته يؤخذ منه إن كان له مال ، وبقدر الرقّ في رقبته ، بناءً على أنّ إتلافه متعلّق برقبته(٦) .
وعندنا أنّه متعلّق بذمّته أيضاً يُتبع به بعد العتق لو تعدّى في اللّقطة ،
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٩.
(٣ و ٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٠ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٦ ، البيان ٧ : ٤٧٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦١.
(٥ و ٦) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦١.
ولا يؤخذ نصيب الرقّيّة من نصيب الحُرّيّة.
وذكر بعض الشافعيّة وجهين في أنّه ينتزع منه ، أو يبقى في يده ويُضمّ إليه مُشرف؟ والظاهر عندهم : الانتزاع(١) .
ثمّ بعد الانتزاع وجهان في أنّه يُسلّم إلى السيّد ، أو يحفظه الحاكم إلى ظهور مالكه؟ والأظهر عندهم : الثاني(٢) .
فإن سلّم إلى السيّد ، قال بعضهم : إنّ السيّد يُعرّفه ويتملّكه(٣) .
وقال بعضهم : يكون بينهما بحسب الرقّ والحُرّيّة ، ويصيران كشخصين التقطا مالاً(٤) .
وقال بعضهم : بل يختصّ السيّد بها ؛ إلحاقاً للقطته بلقطة القِنّ(٥) .
مسألة ٣٢٢ : مَنْ نصفه حُرٌّ ونصفه عبدٌ يصحّ التقاطه على ما تقدّم ، وهو أحد قولَي الشافعي(٦) .
ثمّ لا يخلو إمّا أن يكون بينه وبين سيّده مهايأة ، أو لا.
فإن لم يكن هناك مهايأة ، كان ما يكتسبه بينهما على النسبة ، ومن جملته الالتقاط.
وإن كان بينهما مهايأة ، فاللّقطة من الاكتسابات النادرة ، فعندنا أنّها تدخل في المهايأة - وهو أحد قولَي الشافعي - لأنّ هذا كسب ، فكان حكمه حكمَ سائر الاكتسابات.
والثاني : لا تدخل ؛ لأنّ الالتقاط نادر غير معلوم الوجود ولا مظنونه ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٩ - ٣٥٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦١.
(٢ - ٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦١.
(٦) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٠ ، الوسيط ٤ : ٢٨٧ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٦ ، البيان ٧ : ٤٧٤.
فلا تدخل تحت المهايأة(١) .
والمعتمد ما قلناه.
فعلى ما اخترناه إن وقعت اللّقطة في نوبة المولى كانت للمولى ، وإن وقعت في نوبة العبد كانت له ، وأيّهما وقعت له فإنّه يُعرّفها ويتملّكها.
والاعتبار بيوم الالتقاط ؛ لأنّه وقت حصول الكسب ، لا بوقت الملك ، وهو قول أكثر الشافعيّة(٢) .
ولهم وجهٌ آخَر ، وهو : اعتبار وقت التملّك(٣) .
ولو وقع الالتقاط في نوبة أحدهما وانقضاء مدّة التعريف في نوبة الآخَر ، فعندنا الحكم بنوبة الالتقاط.
وعند مَن اعتبر التملّك ألحقه به ، وعلى القول بعدم دخول النادر في المهايأة يكون الحكم فيه كما لو لم يكن بينهما مهايأة(٤) .
مسألة ٣٢٣ : قد بيّنّا أنّ المدبَّر والمعتق بصفةٍ(٥) عند مَنْ جوّزه وأُمّ الولد حكمهم حكم القِنّ يصحّ التقاطهم عندنا - وللشافعي قولان(٦) - كالقِنّ أيضاً ، إلّا أنّ أُمّ الولد إذا التقطت فأتلفت اللّقطة أو تلفت في يدها يكون حكمها عندنا حكمَ القِنّ من أنّها تُتبع بعد العتق.
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٢٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٠ ، الوسيط ٤ : ٢٨٨ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٢ - ٥٦٣ ، البيان ٧ : ٤٧٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦١ - ٤٦٢.
(٢ و ٣) الوسيط ٤ : ٢٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٢.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٢.
(٥) في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة بدل « بصفة » : « نصفه ». وهو تصحيف.
(٦) البيان ٧ : ٤٧٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٢.
وأمّا عند الشافعي على تقدير صحّة التقاطها يتعلّق الضمان بذمّة سيّدها دون رقبتها ؛ لأنّه لا يجوز بيعها ، وإنّما منع السيّد بالإحبال من بيعها ، فضمن عنها.
وهذا مبنيٌّ على أصله من أنّ الضمان في القِنّ يتعلّق برقبته دون ذمّته ، أمّا هنا فلا يمكن بيعها ، فلزم الضمان مولاها ، سواء علم بالتقاطها أو لم يعلم ؛ لأنّ جناية أُمّ الولد على سيّدها(١) .
هذا هو المشهور عند الشافعيّة.
وقال الشافعي في الأُم : ليس للعبد أن يلتقط ؛ لأنّ أخذه اللّقطة غرر ، وكذلك المدبَّر وأُمّ الولد ، وإن علم بها سيّدها فالضمان في ذمّته ، وإن لم يعلم بها فالضمان في ذمّتها(٢) .
وهذا مخالف لما ذكره الأصحاب(٣) ، فمنهم مَنْ نسب ذلك إلى سهو الكاتب(٤) ، وقال بعضهم : يكون هذا على القول الذي يقول : لها أن تلتقط(٥) .
وهذا لا وجه له ؛ لأنّه لا نصّ في هذا الكلام على أنّه ليس للعبد الالتقاط.
وتأوّله بعضهم بأنّه يكون قد التقطت لسيّدها لا لنفسها ، قال : ويجوز
____________________
(١) البيان ٧ : ٤٧٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٢.
(٢) الأُم ٤ : ٦٨ ، وراجع : البيان ٧ : ٤٧٥ ، والعزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٠ ، وروضة الطالبين ٤ : ٤٦٢.
(٣) أي : الأصحاب من الشافعيّة.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٢.
(٥) البيان ٧ : ٤٧٥.
ذلك ، فإذا لم تدفعه إلى سيّدها ضمنته في ذمّتها ، كالقرض الفاسد ، قال هذا القائل : وكذا العبد القِنّ إذا التقط لسيّده(١) .
مسألة ٣٢٤ : لو التقط الصبي أو المجنون أو السفيه ، فإن كان من الحرم أخذها الوليُّ منهم ؛ لأنّ هذه اللّقطة مجرّد أمانةٍ ، ولا يجوز تملّكها ، ومَنْ ليس يملك(٢) لا يصحّ استئمانه ، فيجب على الوليّ انتزاعها من يده واحتفاظها لصاحبها.
وإن كانت لقطة غير الحرم ، صحّ التقاطهم ؛ لأنّهم من أهل التكسّب ، ويصحّ منهم الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد - وهو أصحّ قولَي الشافعيّة(٣) - فإذا أخذ أحدهم اللّقطة ، تثبت يده عليها.
فإن لم يعرف الوليُّ بالتقاطه وأتلفه الصبي ، ضمن ، وإن تلف في يده بغير تفريطٍ منه ، لم يضمن ؛ لأنّه أخذ ما لَه أخذه ، فلا يكون عليه ضمان ، كما لو أُودع مالاً فتلف عنده.
وإن علم الوليُّ ، لزمه أخذها منه ؛ لأنّه ليس من أهل الحفظ والأمانة ، فإن تركها في يد الصبي ضمنها الوليُّ ؛ لأنّه يجب عليه حفظ ما يتعلّق بالصبي من أمواله وتعلّقاته وحقوقه ، وهذا قد تعلّق به حقّه ، فإذا تركها في يده صار مضيّعاً لها فضمنها ، وإذا أخذها الوليُّ عرّفها ؛ لأنّ الصبي والمجنون ليسا من أهل التعريف ، وبه قال الشافعي(٤) .
وعنه قولٌ آخَر : إنّ الوليّ إذا لم يعلم باللّقطة وتلفت في يد الصبي من غير تفريطٍ من الصبي ، كان الصبي ضامناً لها أيضاً ؛ لأنّه وإن كان أهلاً
____________________
(١) لم نعثر عليه في مظانّه.
(٢) في النُّسَخ الخطّيّة : « ومَنْ ليس له تملّك ».
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٢.
للالتقاط فلا يُقرّ المال في يده ، ولا يُجعل أهلاً للأمانة ، بخلاف الوديعة ؛ لأنّ مالك الوديعة سلّطه عليه(١) .
ونحن نقول : تسليط الشرع يُغني عن تسليط المالك.
مسألة ٣٢٥ : إذا انتزع وليّ الطفل أو المجنون اللّقطة منهما وعرّفها حولاً ، اعتمد المصلحة.
فإن رأى المصلحة في تمليك الصبي إيّاها وتضمينه لها ، فَعَل ذلك ، كما يجوز له أن يقترض عليه ؛ لأنّ تملّك اللّقطة استقراض.
وحينئذٍ اختلفت الشافعيّة :
فقال بعضهم : إذا اقتضت المصلحة تمليك الصبي ملّكه حيث يجوز له الاستقراض ، ولا يجوز حيث لا يجوز له الاستقراض(٢) .
وقال بعضهم : يجوز أن يتملّك وإن كان ممّن لا يجوز عليه الاستقراض ؛ لاستغنائه عنه ؛ لأنّ الظاهر عدم صاحبه ؛ لأنّا نلحقه على هذا القول بالاكتساب(٣) .
وهو المعتمد عندي ؛ لأنّه لو جرى مجرى الاقتراض في ذلك لم يصح الالتقاط من الصبي والمجنون ، فلهذا جعلناه بمنزلة الاكتساب.
وإن رأى أنّ المصلحة للطفل والمجنون في عدم التمليك ، احتفظها الوليُّ أمانةً ، أو سلّمها إلى القاضي.
ولو احتاج التعريف إلى مئونةٍ ، لم يصرف مال الصبي إليه ، بل يرفع الأمر إلى الحاكم ليبيع جزءاً من اللّقطة لمئونة التعريف.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٢.
(٢ و ٣) البيان ٧ : ٤٧٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٢ ، المغني ٦ : ٣٨٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٩٩.
ولو تلفت اللّقطة في يد الصبي قبل الانتزاع من غير تقصيرٍ ، فلا ضمان على الصبي.
وإن كان الوليُّ قصّر بتركها في يده حتى تلفت أو أتلفها ، فعليه الضمان ، كما لو احتطب الصبي وتركه الوليُّ في يده حتى تلف أو أتلفه ، يجب الضمان على الوليّ ؛ لأنّ عليه حفظَ الصبي عن مثله ، ثمّ يعرّف التالف ، وبعد التعريف يتملّك الصبي إن كان النظر له فيه.
وللشافعي قولٌ آخَر : إنّه لا يصحّ من الصبي والمجنون الالتقاط ، فلو التقط وتلفت اللّقطة في يده أو أتلفها ، وجب الضمان في ماله ، وليس للوليّ أن يُقرّها في يده ، بل يسعى في انتزاعها ، فإن أمكنه رَفْعُ الأمر إلى القاضي فَعَل ، فإذا انتزع القاضي ففي براءة الصبي عن الضمان للشافعيّة وجهان ، كالخلاف في انتزاع القاضي للمغصوب من الغاصب ، وأولى بحصول البراءة ؛ نظراً للطفل ، وإن لم يمكنه رَفْعُ الأمر إلى القاضي ، أخذه بنفسه ، وفي براءة الصبي عن الضمان للشافعيّة قولان ، كالخلاف في براءة الغاصب بأخذ الآحاد ، فإن لم تحصل البراءة ، ففائدة الأخذ صون عين المال عن التضييع والإتلاف(١) .
وإذا أخذه الوليّ ، فإن أمكنه التسليم إلى القاضي فلم يفعل حتى تلف ، قال الشافعي : يكون عليه الضمان ، وإن لم يمكنه فقرار الضمان على الصبي ، وفي كون الوليّ طريقاً وجهان(٢) .
هذا إذا أخذ الوليُّ لا على قصد الالتقاط ، أمّا إذا قصد ابتداء الالتقاط ، ففيه له وجهان(٣) .
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٣.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٤.
وكذا الخلاف في الأخذ من العبد على هذا القصد إذا لم يصح التقاطه(١) .
وعندي في ذلك نظر ، أقربه - بناءً على بطلان التقاط الصبي - : عدم الضمان على الوليّ ، ويكون أخذه التقاطاً مبتدأً ، ولا حاجة إلى نيّة الالتقاط ، كما لو أخذه من الأرض لا بنيّة الالتقاط.
ولو قصّر الوليُّ وترك المالَ في يده ، قال بعض الشافعيّة : لا ضمان عليه ؛ بناءً على أنّه لا يصحّ التقاط الصبي ؛ لأنّه لم يحصل في يده ، ولا حقّ للصبي فيه حتى يلزمه الحفظ له ، بخلاف ما إذا قلنا : إنّه يصحّ التقاطه(٢) .
وخصّص بعض الشافعيّة هذا بما إذا قلنا : إنّ أخذه لا يُبرئ الصبي ، أمّا إذا قلنا : إنّه يُبرئه ، فعليه الضمان ؛ لإلقائه الطفل في ورطة الضمان ، ويجوز أن يضمن وإن قلنا : إنّ أخذه لا يُبرئ الصبي ؛ لأنّ المال في يد الصبي في معرض الضياع ، فمن حقّه أن يصونه(٣) .
والمجنون والسفيه المحجور عليه كالصبي في الالتقاط ، إلّا أنّه يصحّ تعريف السفيه ، دون الصبي والمجنون.
الركن الثالث : في المال الملقوط.
اللّقطة كلّ مالٍ ضائعٍ أُخذ ولا يد لأحدٍ عليه.
فإن كان في الحرم ، لم يجز تملّكه ، عند علمائنا أجمع ، بل في جواز التقاطها قولان.
ولا خلاف في الكراهة الشاملة للتحريم والتنزيه.
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٤.
وعلى القول بالتحريم أو الكراهة لا يجوز التقاطها للتملّك قطعاً عندنا ، بل ليحتفظها لصاحبها دائماً ، ويعرّفها حولاً ، ويتصدّق بها بعد الحول عن صاحبها.
وفي الضمان لعلمائنا قولان مع التصدّق ، المشهور : ثبوته ؛ لأنّه دفع مال غيره المعصوم إلى غير مالكه ، فكان ضامناً له.
ولما رواه عليّ بن أبي حمزة عن العبد الصالح موسى الكاظمعليهالسلام ، قال : سألته عن رجلٍ وجد ديناراً في الحرم فأخذه ، قال : « بئس ما صنع ، ما كان ينبغي له أن يأخذه » قال : قلت : ابتلى بذلك ، قال : « يُعرّفه » قلت : فإنّه قد عرّفه فلم يجد له باغياً ، فقال : « يرجع إلى بلده فيتصدّق به على أهل بيتٍ من المسلمين ، فإن جاء طالبه فهو له ضامن »(١) .
وقال بعض علمائنا : لا يضمن إذا تصدّق بها بعد الحول ؛ لأنّه امتثل الأمر بالصدقة بها ، فلا ضمان عليه(٢) .
والمشهور : الأوّل.
إذا عرفت هذا ، فاعلم أنّ أحمد بن حنبل - في إحدى الروايتين - ذهب إلى ما اخترناه من الفرق بين لقطة الحِلّ والحرم ، فحرّم التقاط لقطة الحرم للتملّك ، وإنّما يجوز التقاطها لحفظها لصاحبها ، فإن التقطها عرّفها أبداً حتى يأتي صاحبها - وهو أحد قولَي الشافعي - لقول النبيّصلىاللهعليهوآله : « لا تحلّ ساقطتها إلّا لـمُنشدٍ »(٣) معناه : لا تحلّ لقطة مكة إلّا لمن يُعرّفها ؛
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٩٥ - ٣٩٦ / ١١٩٠.
(٢) المفيد في المقنعة : ٦٤٦ ، والطوسي في النهاية : ٣٢٠ ، وسلاّر في المراسم : ٢٠٦ ، وابن البرّاج في المهذّب ٢ : ٥٦٧ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٢٧٨ ، والمحقّق الحلّي في شرائع الإسلام ٣ : ٢٩٢.
(٣) صحيح البخاري ٣ : ١٦٤ - ١٦٥ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٨٨ / ١٣٥٥.
لأنّها خُصّت بهذا من بين سائر البلدان.
وفي حديثٍ آخَر : إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن لقطة الحاج(١) .
قال ابن وهب : يعني يتركها حتى يجدها صاحبها(٢) .
وفي روايةٍ أُخرى أنّه قال في مكة : « لا يُنفَّر صيدها ، ولا يُعضد شجرها ، ولا يُختلى خلاها ، ولا تحلّ لقطتها إلّا لـمُنشدٍ »(٣) يعني لمعرّفٍ(٤) .
وهذا القول يوافق قول علمائنا من وجهٍ ، ويخالفه من وجهٍ آخَر.
أمّا وجه الموافقة : ففي تحريم تملّكها للّاقط.
وأمّا وجه المخالفة : فإنّ أصحابنا جوّزوا الصدقة بها بعد تعريفها حولاً ، وفي الضمان حينئذٍ خلاف.
ولم يذكر هؤلاء العامّة الصدقةَ.
والقول الثاني للشافعي : إنّه لا فرق بين لقطة الحرم والحِلّ ، بل هُما سواء في الحكم من التعريف حولاً وتملّكها بعده - ورواه العامّة عن ابن عباس وابن عمر وعائشة وابن المسيّب ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين - لعموم الأحاديث ، ولأنّه أحد الحرمين ،
____________________
(١) صحيح مسلم ٣ : ١٣٥١ / ١٧٢٤ ، سنن أبي داوُد ٢ : ١٣٩ / ١٧١٩ ، سنن البيهقي ٦ : ١٩٩ ، مسند أحمد ٤ : ٥٥٨ / ١٥٦٤٠ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٦٤ - ٦٥.
(٢) سنن أبي داوُد ٢ : ١٣٩ ، ذيل ح ١٧١٩.
(٣) صحيح البخاري ٣ : ١٦٤ ، سنن النسائي ٥ : ٢١١.
(٤) المغني ٦ : ٣٦٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨٥ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٦ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٢ - ٥٢٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٢ ، البيان ٧ : ٤٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٧ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٧ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٢ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٧.
فأشبه المدينة ، ولأنّها أمانة ، فلم يختلف حكمها بالحِلّ والحرم ، كالوديعة(١) .
والعمومات قد تُخصّص بالأدلّة ، وقد بيّنّاه ، والحرمة في حرم مكة أعظم منه في حرم المدينة ، ولهذا حرم فيه أشياء هي مباحة في المدينة ، وجاز أن تختلف الأمانة باختلاف المحلّ ، فلا يتمّ القياس.
مسألة ٣٢٦ : لقطة غير الحرم إن كانت قليلةً جاز تملّكها في الحال ، ولا يجب تعريفها ، ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في إباحة أخذ القليل والانتفاع به من غير تعريفٍ ، ورواه العامّة عن عليٍّعليهالسلام وعن عمر وابن عمر وعائشة ، وبه قال عطاء وجابر بن زيد وطاوُوس والنخعي ويحيى بن أبي كثير ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل(٢) وإن اختلفوا في حدّ القليل.
والأصل فيه : ما روى العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه لم يُنكر على واجد التمرة حيث أكلها ، بل قال له : « لو لم تأتها لأتتك »(٣) .
ورووا عنهصلىاللهعليهوآله أنّه رأى تمرةً فقال : « لو لا إنّي أخشى أن تكوني من
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٦ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٣ ، البيان ٧ : ٤٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٦ ، المغني ٦ : ٣٦٠ - ٣٦١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨٥ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٧ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٢ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٧.
(٢) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٥١ ، المغني ٦ : ٣٥١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٤٧ ، بداية المجتهد ٢ : ٣٠٨ ، البيان ٧ : ٤٣٨ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٤٨.
(٣) المغني ٦ : ٣٥١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٤٧ ، وفي صحيح ابن حبّان - بترتيب ابن بلبان - ٨ : ٣٣ / ٣٢٤٠ ، وكتاب السنّة - لابن أبي عاصم - : ١١٧ / ٢٦٥ بتفاوتٍ.
تمر الصدقة لأكلتكِ »(١) .
وعن جابر قال : رخّص [ لنا ] رسول اللهصلىاللهعليهوآله في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به(٢) .
وعن عائشة أنّها قالت : لا بأس بما دون الدرهم أن يستنفع به(٣) .
وعن سويد بن غفلة قال : خرجتُ مع [ سلمان بن ربيعة ](٤) وزيد بن صوحان حتى إذا كُنّا بالعُذَيب التقطتُ سوطاً [ فقالا ](٥) لي : ألقه [ فأبيتُ ](٦) فلـمّا قدمنا المدينة أتيتُ أُبيّ بن كعب فذكرتُ ذلك له ، فقال : أصبت(٧) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه محمّد بن أبي حمزة عن بعض أصحابنا عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن اللّقطة ، قال : « تعرّف سنةً قليلاً كان أو كثيراً » قال : « وما كان دون الدرهم فلا يُعرّف »(٨) .
مسألة ٣٢٧ : وقد اختلف في حدّ القليل الذي لا يجب تعريفه ، فالذي عليه علماؤنا أنّه ما نقص عن الدرهم ، فهذا لا يجب تعريفه ، ويجوز تملّكه
____________________
(١) أورده الطوسي في المبسوط ٣ : ٣٠٢ ، وفي صحيح البخاري ٣ : ١٦٤ ، وصحيح مسلم ٢ : ٧٥٢ / ١٠٧١ ، وسنن البيهقي ٦ : ١٩٥ بتفاوتٍ يسير.
(٢) سنن أبي داوُد ٢ : ١٣٨ / ١٧١٧ ، سنن البيهقي ٦ : ١٩٥ ، المغني ٦ : ٣٥١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٤٧ ، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصادر.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٦.
(٤) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « سعد ». والمثبت كما في المصدر.
(٥) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « فقال ». والمثبت كما في المصدر.
(٦) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(٧) سنن ابن ماجة ٢ : ٨٣٧ - ٨٣٨ / ٢٥٠٦ ، المغني ٦ : ٣٥١ - ٣٥٢ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٤٨.
(٨) الكافي ٥ : ١٣٧ / ٤ ، التهذيب ٦ : ٣٨٩ / ١١٦٢ ، الاستبصار ٣ : ٦٨ / ٢٢٦.
في الحال عند علمائنا أجمع ، وما زاد على ذلك يجب تعريفه حولاً ؛ لحديث محمّد بن أبي حمزة(١) .
وفي الحسن عن حريز عن الصادقعليهالسلام قال : « لا بأس بلقطة العصا والشظاظ والوتد والحبل والعقال وأشباهه » قال : « وقال الباقرعليهالسلام : ليس لهذا طالب »(٢) .
وفي الصحيح عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى الكاظمعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يصيب درهماً أو ثوباً أو دابّةً كيف يصنع؟ قال : « يُعرّفها سنةً ، فإن لم يعرف حفظها في عرض ماله حتى يجيء طالبها فيعطيها إيّاه ، وإن مات أوصى بها وهو لها ضامن »(٣) .
وقال الشافعي : حدّ القليل ما لا تتبعه النفس ولا تطلبه ، فهذا يجوز الانتفاع به من غير تعريفٍ(٤) .
وهذا غلط ؛ لأنّه غير مضبوطٍ ولا مقدَّر بقدرٍ ، ولا يجوز التحديد به ، وهو مضطرب مختلف باختلاف النفوس شرفاً وضعةً وغناءً وفقراً ، ومثل ذلك لا يجوز من الشارع أن [ يجعله ](٥) مناطاً للأحكام.
وقال مالك وأبو حنيفة : لا يجب تعريف ما لا يقطع به السارق ، وإن اختلفا في القدر الذي يقطع به السارق ، فعند مالك ربع دينار ، فما نقص
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٣٧ / ٤ ، التهذيب ٦ : ٣٨٩ / ١١٦٢ ، الاستبصار ٣ : ٦٨ / ٢٢٦.
(٢) الكافي ٥ : ١٤٠ - ١٤١ / ١٥ ، التهذيب ٦ : ٣٩٣ / ١١٧٩.
(٣) الفقيه ٣ : ١٨٦ / ٨٤٠ ، التهذيب ٦ : ٣٩٧ - ٣٩٨ / ١١٩٨.
(٤) الحاوي الكبير ٨ : ١٦ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٨ ، البيان ٧ : ٤٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٦ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٧.
(٥) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « يجعلها ». والظاهر ما أثبتناه.
عنه لا يجب تعريفه ، وعند أبي حنيفة عشرة دراهم ، فما نقص عنه لا يجب تعريفه ؛ لأنّ ما دون ذلك تافه ، فلا يجب تعريفه ، كالتمرة واللّقمة ، وقد قالت عائشة : كانوا لا يقطعون في الشيء التافه(١) .
وروى العامّة عن عليٍّعليهالسلام : إنّه وجد ديناراً فتصرّف فيه(٢) .
وهو عندنا ضعيف ، ويُحمل على غير اللّقطة.
ورووا عن سلمى بنت كعب قالت : وجدتُ خاتماً من ذهبٍ في طريق مكة ، فسألتُ عائشة عنه ، قالت : تمتّعي به(٣) (٤) .
وليس قول عائشة بحجّةٍ البتّة ، والتحديد بما يجب فيه القطع منافٍ للأصل ، وهو عصمة مال الغير ، وقد ثبت تحريم مال المسلم ، وأنّ حرمته كحرمة دمه(٥) ، صِرْنا إلى ما نقص عن الدرهم ؛ للإجماع ، فيبقى الباقي على الأصل.
فروع :
أ - لو تملّك ما دون الدرهم ثمّ وجد صاحبه ، فالأقرب : وجوب
____________________
(١) المحلّى ١١ : ٣٣٨ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ٢ : ٤٢٦ ، الكامل - لابن عدي - ٤ : ١٥٠٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٥ ، المغني ٦ : ٣٥١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٤٨.
(٢) المغني ٦ : ٣٥١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٤٨ ، وراجع : سنن أبي داوُد ٢ : ١٣٧ - ١٣٨ / ١٧١٤ و ١٧١٥.
(٣) كتاب الثقات ٤ : ٣٥١ ، المغنى ٦ : ٣٥١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٤٨.
(٤) بداية المجتهد ٢ : ٤٤٧ ، التلقين : ٥٠٨ ، المعونة ٣ : ١٤١٣ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ١٦٠ ، المبسوط - للسرخسي - ٩ : ١٣٧ ، و ١١ : ٣ ، المغني ٦ : ٣٥١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٤٨ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٨ ، و ٨ : ٤٩ - ٥٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٥ ، و ١١ : ١٧٥ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٧ - ٥٨.
(٥) سنن البيهقي ٦ : ١٠٠ ، سنن الدارقطني ٣ : ٢٦ / ٩١ و ٩٢ ، مسند أحمد ٦ : ٦٩ / ٢٠١٧٢ ، مسند الشهاب ١ : ١٣٧ - ١٣٨ / ١٧٧ و ١٧٨ ، حلية الأولياء ٧ : ٣٣٤.
دفعه إليه ؛ لأصالة بقاء ملك صاحبه عليه ، وتجويز التصرّف للملتقط لا ينافي وجوب ردّه.
ب - الأقرب : وجوب دفع العين مع وجود صاحبه.
ويحتمل القيمة مطلقاً كالكثير إذا تملّكه بعد التعريف ، والقيمة إن نوى التملّك ، وإلّا فالعين ، وهو أقرب.
ج - لو تلف بتفريطه ثمّ وجد صاحبه ، فالأقرب : وجوب الضمان ، مع احتمال عدمه.
د - الأقرب : إنّه فرقٌ بين لقطة الحرم والحِلّ فيما دون الدرهم ، كما في الزائد عليه ؛ لحرمة الحرم ، الشاملة للقليل والكثير.
مسألة ٣٢٨ : إذا بلغت اللّقطة درهماً فما زاد ، وجب فيها التعريف ، فلا يجوز تملّكها في الحال ، فإن نواه لم يملك وضمن ؛ لأنّ بعض أصحابنا سأل الصادقَعليهالسلام عن اللّقطة ، قال : « تعرّف سنةً قليلاً كان أو كثيراً » قال : « وما كان دون الدرهم فلا يُعرّف »(١) فلزم من هذا وجوب تعريف الدرهم.
وعن محمّد بن قيس عن الباقرعليهالسلام قال : « قضى عليٌّعليهالسلام في رجلٍ وجد ورقاً في خربةٍ أن يُعرّفها ، فإن وجد مَنْ يعرفها وإلّا تمتّع بها »(٢) .
وعن داوُد بن سرحان عن الصادقعليهالسلام أنّه قال في اللّقطة : « يُعرّفها سنةً ثمّ هي كسائر ماله »(٣) .
إذا عرفت هذا ، فإنّ وجوب التعريف حولاً إنّما هو في الأموال التي
____________________
(١) تقدّم تخريجه في ص ٢٠٨ ، الهامش (٨)
(٢) التهذيب ٦ : ٣٩٨ / ١١٩٩.
(٣) تقدّم تخريجه في ص ١٦٦ ، الهامش (٣)
يمكن بقاؤها ولا يسرع الفساد إليها إمّا بمعالجةٍ كالرطب المفتقر إلى العلاج بالتشميس والكبس حتى يصير تمراً ، أو بغير معالجةٍ كالذهب والفضّة والثياب وغيرها.
وأمّا ما لا بقاء له - كالهريسة والطبيخ وشبههما - فإنّه يجوز تناوله بعد التقويم على نفسه ، ويضمنه للمالك.
مسألة ٣٢٩ : يكره التقاط ما تكثر فائدته وتقلّ قيمته ، كالنعلين والإداوة(١) والسوط وأشباه ذلك ؛ لأنّ عبد الرحمن بن أبي عبد الله سأل الصادقَعليهالسلام عن النعلين ، والإداوة ، والسوط يجده الرجل في الطريق أينتفع به؟ قال : « لا يمسّه »(٢) .
ولأنّ الاكتساب في ذلك منتفٍ ، وربما تضرّر مالكه بضياعه عنه.
وقول الصادقعليهالسلام : « لا بأس بلقطة العصا والشظاظ والوتد والحبل والعقال وأشباهه »(٣) لا ينافي ما قلناه ؛ لحقارة هذه الأشياء ، فلا يطلبها المالك ، ولهذا روي في تتمّة الخبر عن أبيه الباقرعليهالسلام قال : « قال أبو جعفرعليهالسلام : ليس لهذا طالب »(٤) فدلّ ذلك على البناء على العادة في الإعراض عن هذه الأشياء ، فيكون في الحقيقة إباحة من المالك لها ، مع أنّ نفي البأس لا يضادّ الكراهة.
إذا عرفت هذا ، فلو التقط أحدٌ هذه الأشياء ثمّ ظهر مالكها ، كان له أخذها.
وبالجملة ، فأخذ اللّقطة مطلقاً عندنا مكروه ، ويتأكّد في مثل هذه
____________________
(١) الإداوة : إناء صغير من جلدٍ يُتّخذ للماء. لسان العرب ١٤ : ٢٥ « أدا ».
(٢) التهذيب ٦ : ٣٩٤ / ١١٨٣.
(٣ و ٤) تقدّم تخريجه في ص ٢٠٩ ، الهامش (٢)
الأشياء ، وتتأكّد الكراهة في مطلق اللّقطة للفاسق ، وآكد منه المعسر.
مسألة ٣٣٠ : ما ليس بمالٍ ممّا يجوز اقتناؤه ، مثل كلب الصيد إذا منعنا من بيعه ، وكذا غيره من الكلاب المنتفع بأعيانها - مثل كلب الماشية والزرع والحائط - فإنّه يجوز التقاطه ، ويُعرَّف سنةً ، وبه قال الشافعي ، إلّا أنّ الشافعي شرط في الالتقاط قصد الحفظ أبداً ؛ لأنّه لا يجوز له تملّكه بعد السنة بالعوض ؛ لأنّه لا قيمة له عنده ، وبغير عوضٍ مخالفٌ لوضع اللّقطة(١) .
وأمّا المنفعة فعلى وجهين ، إن جوّزوا إجارة الكلب كانت مضمونةً ، وإلّا فلا(٢) .
وقال أكثر الشافعيّة يُعرّفه سنةً - كما قلناه - ثمّ يختصّ به وينتفع به ، فإن ظهر صاحبه بعد ذلك وقد تلف لم يضمنه.
وهل عليه أُجرة المثل لمنفعة تلك المدّة؟ وجهان مبنيّان على جواز إجارة الكلب(٣) .
وأمّا عندنا فإن كان الكلب له قيمة مقدّرة في الشرع فإذا عرّفه حولاً ولم يجد صاحبه ، جاز له أن يتملّكه ، فيكون عليه القيمة الشرعيّة.
المطلب الثاني : في الأحكام.
ومباحثه أربعة :
الأوّل : الضمان وعدمه.
مسألة ٣٣١ : اللّقطة أمانة في يد الملتقط ما لم يَنْو التملّك أو يفرّط فيها أو يتعدّى ، فإذا أخذها بقصد الحفظ لصاحبها دائماً فهي أمانة في يده
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٨.
ما لم يَنْو التملّك أو يفرّط أو يتعدّى وإن بقيت في يده أحوالاً إن قلنا بافتقار التملّك إلى نيّةٍ ؛ لأنّه بذلك مُحسنٌ في حقّ المالك بحفظ ماله وحراسته ، فلا يتعلّق به ضمان ؛ لقوله تعالى :( ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ) (١) ولأنّ حاله لم يختلف قبل الحول ولا بعده ، فكذا الحكم بعدم الضمان ينبغي أن لا يختلف.
وأمّا إن قلنا بدخولها في ملكه بعد الحول وإن لم يقصد التملّك ، فإنّه يضمنها بدخولها في ملكه.
لكن المعتمد عند علمائنا : الأوّل ، وسيأتي.
مسألة ٣٣٢ : إذا نوى الاحتفاظ لها دائماً ، فهي أمانة في يده على ما تقدّم.
فإن دفعها إلى الحاكم ، وجب عليه القبول ؛ لأنّه مُعدٌّ لمصالح المسلمين ، وأعظمها حفظ أموالهم ، بخلاف الوديعة ، فإنّه لا يلزمه قبولها - على أحد وجهي الشافعيّة(٢) - لأنّه قادر على الردّ إلى المالك ، بل لا يجوز له دفعها إلى الحاكم مع القدرة على صاحبها ؛ لقوله تعالى :( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) (٣) .
ولو تعذّر عليه الردّ إلى المالك وافتقر إلى إيداعها ، أودعها الحاكم ؛ للضرورة.
ولو أخذ للتملّك ثمّ بدا له ودفعها إلى الحاكم ، لزمه القبول.
ولو قصد الحفظ أبداً ، لزمه التعريف حولاً ، ولا يسقط وجوب
____________________
(١) سورة التوبة : ٩١.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٤٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٩.
(٣) سورة النساء : ٥٨.
التعريف حولاً بقصد الحفظ دائماً ، وهو أحد وجهي الشافعيّة(١) على ما يأتي ، فإن لم يجب لم يضمن بتركه عندهم(٢) .
وإذا بدا له قصد التملّك ، عرّفها سنةً من حينئذٍ ، ولا يعتدّ بما عُرّف من قبلُ.
وإن أوجبناه ، فهو ضامن بالترك ، حتى لو ابتدأ بالتعريف بعد ذلك فهلك في سنة التعريف ضمن.
مسألة ٣٣٣ : لو نوى الخيانة والتملّك بغير تعريفٍ حين الالتقاط وأخفاها عن المالك ، كان ضامناً غاصبا ، ولا يحلّ له أخذها بهذه النيّة ، فإن أخذها لزمه ضمانها ، سواء تلفت بتفريطه أو بغير تفريطه.
فإن دفعها إلى الحاكم ، فالأقرب : زوال الضمان ؛ لأنّه نائب عن المالك ، فكأنّه قد دفع إلى المالك ، وهو أحد وجهي الشافعيّة ، كما في الغاصب(٣) .
ولو لم يدفعها إلى الحاكم بل عرّفها حولاً ، فالأقرب : إنّه يجوز له التملّك ؛ لأنّه قد وُجد سبب التملّك(٤) ، وهو التعريف والالتقاط ، فيملكها به ، كالاصطياد والاحتشاش ، فإنّه لو دخل حائط غيره بغير إذنه فاصطاد منه صيداً مَلَكه وإن كان دخوله محرَّماً ، كذا هنا.
ولأنّ عموم النصّ يتناول هذا الملتقط ، فيثبت حكمه فيه.
ولأنّا لو اعتبرنا نيّة التعريف وقت الالتقاط ، لافترق الحال بين العَدْل
____________________
(١ و ٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٤٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٩ - ٤٧٠.
(٤) في النُّسَخ الخطّيّة : « الملك » بدل « التملّك ».
والفاسق والصبي والسفيه ؛ لأنّ الغالب على هؤلاء الالتقاط للتملّك من غير تعريفٍ.
وهو أحد قولَي الشافعيّة.
والأظهر عندهم والأشهر بينهم : إنّه لا يُمكَّن من التملّك ؛ لأنّه أخذ مال غيره(١) .
وعلى وجهٍ : لا يجوز له أخذه ، فأشبه الغاصب(٢) . ولا بأس به.
مسألة ٣٣٤ : لو أخذ اللّقطة بنيّة التعريف حولاً والتملّك بعده ، فإنّها في الحول أمانة غير مضمونة لو تلفت بغير تفريطٍ منه أو نقصت ، فلا ضمان عليه كالوديعة ، إلّا بالتعدّي أو التفريط أو نيّة التملّك.
وأمّا بعد السنة فالأقرب : إنّها تصير مضمونةً عليه إذا كان عزم التملّك مطّرداً وإن لم يَجْر حقيقةً ؛ لأنّه صار ممسكاً لنفسه ، فأشبه المستام.
هذا إن قلنا : إنّ اللّقطة لا تُملك بمضيّ السنة ، فإن قلنا : تُملك ، فإذا تلفت تلفت منه لا محالة ، وهذا قول بعض الشافعيّة(٣) .
وأكثرهم على أنّها أمانة إذا لم يختر التملّك قصداً أو لفظاً إذا اعتبرنا اللفظ كما كانت قبل الحول. نعم ، إذا اختار وقلنا : لا بدّ من التصرّف ، فحينئذٍ يكون مضموناً عليه ، كالقرض(٤) .
وقد اعتُرض على ذلك : بأنّه قد يغيّر القصد إلى الحفظ ما لم يتملّك ، فلا يكون ممسكاً لنفسه ، فلو كان قصد التملّك يجعله ممسكاً لنفسه ، لزم أن يكون الذي لا يقصد بالتعريف إلّا تحقيق شرط التملّك ممسكاً لنفسه في
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٤٥٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٠.
(٢ - ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٠.
مدّة السنة أيضاً(١) .
مسألة ٣٣٥ : لو أخذ اللّقطة بنيّة الأمانة والتعريف ثمّ قصد الخيانة ، ضمن بقصده ؛ لأنّ سبب أمانته مجرّد نيّته ، وإلّا فأخذ مال الغير بغير رضاه ممّا يقتضي الضمان ، ولأنّه استئمان ضعيف ؛ لأنّه ثبت من غير جهة المالك ، فيكفي في زواله أدنى سبب ، ولأنّ نيّة الخيانة لو حصلت حالة الالتقاط لاقتضت الضمان ، فكذا بعده ؛ لبراءة ذمّته قبل الالتقاط وحالة الأمانة ، وهو أحد وجهي الشافعيّة(٢) .
والأصحّ عندهم : إنّه لا يصير المال مضموناً عليه بمجرّد القصد ، كالمستودع لو جدّد نيّة الخيانة في الوديعة بعد نيّة الحفظ لم يصر ضامناً بذلك ، كذا الملتقط(٣) .
والفرق ظاهر بين الملتقط والمستودع ؛ لأنّ المستودع مسلّط مؤتمن من جهة المالك ، على أنّ في المستودع وجهاً للشافعيّة : إنّه يضمن بمجرّد القصد(٤) .
وعلى الظاهر من مذهب الشافعيّة - من أنّ الودعيّ لا يضمن بقصد الخيانة بعد نيّة الحفظ - لو أخذ الوديعة على قصد الخيانة في الابتداء وجهان للشافعيّة في أنّه هل يكون ضامناً أم لا؟(٥) .
وإذا قلنا : صار الملتقط ضامناً في الدوام إمّا بنفس الخيانة أو بقصدها ثمّ رجع عن نيّة الخيانة وقَصَد الأمانة وأراد أن يُعرّف ويتملّك للشافعيّة
____________________
(١) راجع : العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٩.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٩ - ٣٦٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٠.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٠.
(٥) الوسيط ٤ : ٢٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٠٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٢٩٧.
وجهان :
أحدهما : المنع ؛ لأنّه قد تعدّى في أمانته ، وصار مضموناً عليه بنيّة الخيانة أوّلاً ، فلا يبرأ من الضمان ؛ لأنّ الأمانة لا تعود بترك التعدّي.
والثاني : إنّ التقاطه في الابتداء وقع مفيداً للتملّك ، فلا يبطل حكمه بتفريطٍ يطرأ ، ولأنّ سبب التملّك هو الالتقاط ، والتعريف غير محرَّمٍ ، وإنّما المحرَّم ما قصده ، ولم يتّصل به تحقيق(١) .
مسألة ٣٣٦ : قال الشيخ ; : اللّقطة تُضمن بمطالبة المالك لا بنيّة التملّك(٢) . وفيه نظر ؛ لأنّ المطالبة تترتّب على الاستحقاق ، فلو لم يثبت الاستحقاق أوّلاً لم يكن لصاحبها المطالبة ، فلو ترتّب الاستحقاق على المطالبة لزم الدور.
ولو أخذ الملتقط اللّقطة ولم يقصد خيانةً ولا أمانةً ، لم تكن مضمونةً عليه ، وله أن يتملّك بشرطه ، وكذا لو أضمر أحدهما ونسي ما أضمره ؛ لأصالة البراءة.
البحث الثاني : في التعريف.
مسألة ٣٣٧ : ينبغي للملتقط أن يقف على اللّقطة ليميّزها عن أمواله ، فلا يختلط أمرها عليه ويشتبه بما يختصّ به ، وأيضاً يستدلّ بها على معرفة صدق مدّعيها إذا جاء وطلبها ، فحينئذٍ يستحبّ أن يعرف عفاصها - وهو الوعاء من جلدٍ أو خرقٍ أو غيرهما - ووكاءها - وهو الخيط الذي يشدّ به -
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٠.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٣ : ٣٣٠ - ٣٣١.
لورود ذلك في الخبر : إنّهعليهالسلام قال : « اعرف عفاصها ووكاءها »(١) .
وينبغي أن يعرف أيضاً جنسها هل هي ذهب أو فضّة ، أو ثوب هرويّ أو مرويّ ، ويعرف قدرها بالوزن أو العدد إن كان ممّا يُعدّ في العادة ؛ لما ورد في حديث أُبيّ بن كعب : « اعرف عدّتها »(٢) ومهما ازداد عرفاناً ازداد احتياطاً في حفظها وتبيّنها على أنّه لا يفرّط في طرفها.
وينبغي أن يقيّد ذلك بالكتابة لئلّا ينسى ما عرفه منها.
مسألة ٣٣٨ : ويجب على الملتقط تعريف اللّقطة إذا بلغت درهماً فما زاد ، والإنشاد بها ليظهر خبرها لصاحبها فيأخذها ، سواء قصد الملتقط حفظها دائماً لصاحبها ، أو نوى التملّك بعد السنة ، عند علمائنا - وبه قال أحمد(٣) - لما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله في حديث زيد بن خالد الجهني ، قال : جاء رجل إلى النبيّصلىاللهعليهوآله يسأله عن اللّقطة ، فقال : « اعرف عفاصها ووكاءها ثمّ عرِّفها سنةً ، فإن جاء صاحبها وإلّا فشأنك بها »(٤) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه داوُد بن سرحان عن الصادقعليهالسلام أنّه قال في اللّقطة : « يُعرّفها سنةً ثمّ هي كسائر ماله »(٥) .
وفي الصحيح عن الحلبي عن الصادقعليهالسلام في اللّقطة في حديثٍ قال : « يُعرّفها سنةً ، فإن جاء لها طالب وإلّا فهي كسبيل ماله »(٦) .
ولأنّه مال للغير حصل في يده فيجب عليه دفعه إلى مالكه ، ولا طريق
____________________
(١) تقدّم تخريجه في ص ١٦٦ ، الهامش (١)
(٢) تقدّم تخريجه في ص ١٧٠ ، الهامش (١)
(٣) المغني ٦ : ٣٤٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٣.
(٤) تقدّم تخريجه في ص ١٦٦ ، الهامش (١)
(٥) تقدّم تخريجه في ص ١٦٦ ، الهامش (٣)
(٦) تقدّم تخريجه في ص ١٦٨ ، الهامش (١)
إلى العلم به إلّا بالتعريف والإنشاد ، وما لا يتمّ الواجب إلّا به يكون واجباً ، فوجب التعريف ، ولأنّ ترك التعريف كتمانٌ مفوّتٌ للحقّ على المستحقّ.
وهو أظهر وجهي الشافعيّة.
والثاني : إنّه إن قصد الملتقط التملّكَ وجب التعريف حولاً ، وإن قصد الحفظَ أبداً لم يجب ؛ لأنّ التعريف إنّما يجب لتحقيق شرط التملّك(١) .
وهو ممنوع ، بل التعريف وجب لإيصال الحقّ إلى مستحقّه.
ولأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله والأئمّةعليهمالسلام لم يفرّقوا ، بل أطلقوا وجوب التعريف.
ولأنّ حفظها في يد الملتقط من غير إيصالها إلى مستحقّها مساوٍ لعدمها عنه ولهلاكها.
ولأنّ إمساكها من غير تعريفٍ تضييعٌ لها عن صاحبها ، فلم يجز ، كردّها إلى موضعها أو إلقائها في غيره.
ولأنّه لو لم يجب التعريف لما جاز الالتقاط ؛ لأنّ بقاءها في مكانها إذَنْ أقرب إلى وصولها إلى صاحبها إمّا بأن يطلبها في الموضع الذي ضاعت منه فيجدها ، وإمّا أن يجدها مَنْ يعرفها ، وأخذ هذا لها يُفوّت الأمرين معاً ، فكان محرَّماً ، لكن الالتقاط جائز ، فلزم التعريف كي لا يحصل هذا الضرر.
ولأنّ التعريف واجب على مَنْ أراد تملّكها ، فكذا يجب على مَنْ أراد حفظها ، فإنّ التملّك غير واجبٍ ، فلا تجب الوسيلة إليه ، فيلزم أن يكون الوجوب في المحلّ المتّفق عليه ، لصيانتها عن الضياع عن صاحبها ، وهذا موجود في محلّ النزاع.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٢ - ٣٦٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٢.
مسألة ٣٣٩ : لا يراد بالتعريف سنةً استيعاب السنة وصَرفها بأسرها في التعريف ، بل يسقط التعريف في الليل ؛ لأنّ النهار مجمع الناس وملتقاهم ، دون الليل ، ولا يستوعب الأيّام أيضاً ، بل على المعتاد ، فيُعرّف في ابتداء أخذ اللّقطة في كلّ يومٍ مرّتين في طرفي النهار ، ثمّ في كلّ يومٍ مرّةً ، ثمّ في كلّ أُسبوعٍ مرّةً أو مرّتين ، ثمّ في كلّ شهرٍ مرّةً بحيث لا ينسى كونه تكراراً لما مضى.
وبالجملة ، فلم يقدّر الشرع في ذلك سوى المدّة التي قلنا : إنّه لا يجب شغلها به ، فالمرجع حينئذٍ في ذلك إلى العادة.
وينبغي المبادرة إلى التعريف من حيث الالتقاط ؛ لأنّ العثور على المالك في ابتداء الضياع أقرب ، ويكرّر ذلك طول الأُسبوع ؛ لأنّ الطلب فيه أكثر.
وللشافعيّة في وجوب المبادرة إلى التعريف من حين الالتقاط قولان :
أحدهما : الوجوب ؛ لما تقدّم.
والثاني : عدمه ، بل الواجب تعريفها سنةً مطلقاً ، وبه ورد الأمر(١) .
مسألة ٣٤٠ : قدر مدّة التعريف سنة فيما بلغ درهماً فصاعداً ، عند علمائنا أجمع - وبه قال عليٌّعليهالسلام وابن عباس وعمر وابن المسيّب والشعبي ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي(٢) - لحديث زيد بن
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧١.
(٢) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٥٢ و ١٥٣ ، الحاوي الكبير ٨ : ١٢ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٦ و ٥٢٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٤٨ ، البيان ٧ : ٤٤٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧١ ، التمهيد ٣ : ١١٧ - ١١٨ ، المغني ٦ : ٣٤٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٤ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٤.
خالد ، الذي رواه العامّة ، وقد تقدّم(١) .
ومن طريق الخاصّة : ما تقدّم(٢) .
وما رواه محمّد بن مسلم - في الصحيح - عن أحدهماعليهماالسلام ، قال : سألته عن اللّقطة ، قال : « لا ترفعوها ، فإن ابتليتَ فعرِّفها سنةً ، فإن جاء طالبها ، وإلّا فاجعلها في عرض مالك يجري عليها ما يجري على مالك إلى أن يجيء لها طالب »(٣) .
ولأنّ السنة لا تتأخّر عنها القوافل وتمضي فيها الأزمان التي تقصد فيها البلاد من الحَرّ والبرد والاعتدال.
وروي عن عمر روايتان أُخريان :
إحداهما : يُعرّفها ثلاثة أشهر.
والأُخرى : ثلاثة أعوام(٤) ؛ لأنّ أُبيّ بن كعب روى أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أمره بتعريف مائة دينارٍ ثلاثة أعوام ؛ لأنّه قد روي في حديث أُبيّ بن كعب أنّه قال له : « عرِّفها حولاً » فعرَّفها ، ثمّ عاد إليه ، فقال له : « عرِّفها [ حولاً ] » فعرَّفها ، ثمّ عاد إليه ، فقال له : « عرِّفها حولاً »(٥) فأمره أن يعرِّفها ثلاثة أحوال.
____________________
(١) في ص ١٦٥ و ٢١٩.
(٢) في ص ١٦٦ و ٢١٩.
(٣) التهذيب ٦ : ٣٩٠ / ١١٦٥ ، الاستبصار ٣ : ٦٨ - ٦٩ / ٢٢٩.
(٤) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٥٣ ، المغني ٦ : ٣٤٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٤.
(٥) صحيح البخاري ٣ : ١٦٦ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٥٠ / ١٧٢٣ ، سنن أبي داوُد ٢ : ١٣٤ / ١٧٠١ ، سنن الترمذي ٣ : ٦٥٨ / ١٣٧٤ ، سنن البيهقي ٦ : ١٨٦ ، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصادر.
قال أبو داوُد : شكّ الراوي في ذلك فقال : قال له : حولاً ، أو ثلاثاً(١) .
قال ابن المنذر : قد ثبت الإجماع بخلاف هذا الحديث ، وعلى أنّ [ في ] حديث زيد بن خالد أمره بسنةٍ واحدة ، فدلّ على إجزاء ذلك(٢) .
وقال أبو أيّوب الهاشمي : ما دون الخمسين درهماً يعرّفها ثلاثة أيّام إلى سبعة أيّام(٣) .
وقد روي عن أبان بن تغلب قال : أصبتُ يوماً ثلاثين ديناراً ، فسألتُ الصادقَعليهالسلام عن ذلك ، فقال لي : « أين أصبتَه؟ » قال : فقلت : كنتُ منصرفاً إلى منزلي فأصبتُها ، قال : فقال : « صِرْ إلى المكان الذي أصبتَ فيه فتعرّفه ، فإن جاء طالبه بعد ثلاثة أيّام فأعطه ، وإلّا تصدّق به »(٤) .
والرواية في سندها قولٌ ، فلا تعويل عليها ، على أنّه يحتمل تعريفها سنةً ثمّ يتصدّق بها بعد ثلاثة أيّام من تمام الحول استظهاراً في الحفظ لصاحبها.
وقال الثوري : في الدرهم يُعرّفه أربعة أيّام(٥) .
وقال الحسن بن صالح بن حي : ما دون عشرة دراهم يُعرّفها ثلاثة أيّام(٦) .
____________________
(١) سنن أبي داوُد ٢ : ١٣٤ ، ذيل ح ١٧٠١ ، وعنه في المغني ٦ : ٣٤٩ ، والشرح الكبير ٦ : ٣٧٥.
(٢) البيان ٧ : ٤٤٨.
(٣) المغني ٦ : ٣٤٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٤.
(٤) التهذيب ٦ : ٣٩٧ / ١١٩٥.
(٥) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٥٢ ، الحاوي الكبير ٨ : ١٦ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٩ ، المغني ٦ : ٣٤٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٤ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٣٣٦ / ٢٠٤٢ ، التمهيد ٣ : ١١٧.
(٦) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٥١ ، الحاوي الكبير ٨ : ١٦ ، المغني ٦ : =
وقال إسحاق : ما دون الدينار يُعرّفه جمعةً أو نحوها(١) .
وروى أبو إسحاق الجوزجاني بإسناده عن يعلى بن أُميّة قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « مَن التقط درهماً أو حبلاً أو شبه ذلك فليعرّفه ثلاثة أيّام ، وإن كان فوق ذلك فليعرّفه سبعة أيّام »(٢) .
وهذا الحديث لم يُعلم به قائل على وجهه ، فإذَنْ الأحاديث التي أوردناها أولى بالعمل من هذا ، فإنّ إطراح الفقهاء من العامّة والخاصّة له يدلّ على الضعف في الرواية.
مسألة ٣٤١ : لا يجب التوالي في التعريف ، فلو فرّقه جاز بأن يُعرّف شهرين ويترك شهرين ، وهكذا - وهو أحد وجهي الشافعيّة(٣) - كما لو نذر صوم سنةٍ ، يجوز أن يوالي وأن يُفرّق ، كذا هنا.
وفي الآخَر : لا يجوز التفريق ؛ لأنّه إذا فرّق لم تظهر فائدة التعريف ، فعلى هذا لو قطع التعريف مدّةً وجب الاستئناف عندهم(٤) .
والأقرب : وجوب المبادرة في التعريف ؛ تحصيلاً لغرض وقوف المالك عليها ، وهو في الغالب يعجّل الطلب ، فإذا أخفاها عن مالكها فات الغرض المطلوب شرعاً ، فإن فرّط في المبادرة فَعَل محرَّماً ، فإذا عرّف متفرّقاً لم يجب الاستئناف ، وكفاه التلفيق.
____________________
= ٣٤٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٤ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٣٣٦ / ٢٠٤٢ ، التمهيد ٣ : ١١٧.
(١) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٥٢ ، الحاوي الكبير ٨ : ١٦ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٩ ، المغني ٦ : ٣٤٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٤.
(٢) نقله عنه ابنا قدامة في المغني ٦ : ٣٤٨ ، والشرح الكبير ٦ : ٣٧٤ - ٣٧٥.
(٣ و ٤) حلية العلماء ٥ : ٥٢٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٤٩ ، البيان ٧ : ٤٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦١ - ٣٦٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧١.
مسألة ٣٤٢ : الأحوط في التعريف الإيغال في الإبهام ، فلا يذكر الجنس فضلاً عن النوع ووصفه ، بل يقول : مَنْ ضاع له شيء أو مال ؛ لأنّه أبعد أن يدخل عليه بالتخمين وأحفظ لها من ادّعاء كاذبٍ.
ولو ذكر الجنس جاز ، كأن يقول : مَنْ ضاع له ذهب أو فضّة أو ثوب ، ولا يزيد عليه ، فإنّه ربما ادّعاها الكاذب.
ولو ذكر بعض صفاتها ، لم يستقص على الجميع ؛ لئلّا يعلم بصفتها مَنْ يسمع تلك الأوصاف المفصّلة ، فلا تبقى صفتها دليلاً على ملكها ؛ لمشاركة غير المالكِ [ المالكَ ](١) في ذلك ، ولا يؤمن أن يدّعيها بعض مَنْ سمع صفتها ويذكر صفتها التي تُدفع اللّقطة بها فيأخذها وهو غير مالكٍ لها فتضيع على مالكها.
وقال بعض الشافعيّة : لا بدّ وأن يصف الملتقط بعض أوصاف اللّقطة ؛ فإنّه أفضى إلى الظفر بالمالك(٢) .
وهل ذلك شرطٌ أو مستحبٌّ؟ فيه وجهان ، الأظهر منهما عندهم : الثاني(٣) .
وعلى القول بكونه شرطاً فهل يكفي ذكر الجنس بأن يقول : مَنْ ضاع منه دراهم؟ قال الجويني : ما عندي أنّه يكفي ، ولكن يتعرّض للعفاص والوكاء ومكان الالتقاط وتأريخه ، ولا يستوعب الصفات ولا يبالغ لئلّا يدّعيها الكاذب(٤) .
فإن استوعب جميع الصفات ، ففي الضمان عندهم وجهان :
____________________
(١) ما بين المعقوفين أثبتناه من المغني ٦ : ٣٥٠.
(٢) الوجيز ١ : ٢٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧١.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧١.
أحدهما : المنع ؛ لأنّه لا يلزمه الدفع إلّا بالبيّنة.
والثاني : الثبوت ؛ لأنّ المدّعي قد يرفع الملتقط إلى حاكمٍ يعتقد وجوب الدفع إلى الواصف(١) .
مسألة ٣٤٣ : لا يجب على الملتقط مباشرة التعريف ؛ إذ الغرض به الإشهار والإعلان ، ولا غرض للشارع متعلّق بمباشرٍ دون آخَر ، فيجوز أن يباشر النداء بنفسه ، وأن يولّيه غلامه وولده ومَنْ يستعين به ويستأجره عليه ، ولا نعلم فيه خلافاً.
فإن تبرّع الملتقط بالتعريف أو بذل مئونته فذاك ، وإلّا فإن أخذها للحفظ أبداً وجب التعريف أيضاً عندنا ، وعلى أحد قولَي الشافعي لا يجب حينئذٍ ، فهو متبرّع إذا عرّف(٢) .
فإن قلنا : يجب - وهو الحقّ عندنا - إذا احتاج التعريف إلى مئونةٍ ، فإن أخذها للتملّك واتّصل الأمر بالتملّك ، فمئونة التعريف على الملتقط ؛ لأنّه إنّما يفعل التعريف ليتشبّث به إلى إباحة تملّكه لها ، فكانت مئونة التعريف عليه ؛ لأنّها لمصلحته ونفعه ، وإن ظهر المالك فهي على الملتقط أيضاً ؛ لقصده التملّك ، وهو أظهر وجهي الشافعيّة ، والثاني : إنّها على المالك ؛ لعود الفائدة إليه(٣) .
ولو قصد الحفظ حين الالتقاط أبداً ، فالأقرب : إنّه لا يجب على
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٢ ، المغني ٦ : ٣٤٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٣.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٤٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٢.
الملتقط أُجرة التعريف ، بل يرفع الأمر إلى الحاكم ليبذل أُجرته من بيت المال ، أو يستقرض على المالك ، أو يأمر الملتقط بالاقتراض ليرجع ، أو يبيع بعضها إن رآه أصلح أو لم يمكن إلّا به.
ولو قصد الأمانة أوّلاً دائماً ثمّ قصد التملّك ، ففيه للشافعيّة وجهان مبنيّان على أنّ النظر هل هو إلى منتهى الأمر ومستقرّه ، أو إلى حالة ابتدائه؟(١) .
ويحتمل عندي أنّه إذا قصد التملّك دائماً أن تكون مئونة التعريف عليه أيضاً ؛ لأنّه واجب عليه ، فإذا لم يتمّ إلّا بالأجر وجب ؛ لأنّ ما لا يتمّ الواجب إلّا به يكون - لا شكّ - واجباً.
وكذا البحث في أُجرة لقطة الحرم.
أمّا أُجرة مخزنها ونشرها وطيّها وتجفيفها فإنّه على المالك.
ولو وليه الملتقط بنفسه ، لم يكن له أُجرة.
وقال مالك : إذا دفع الملتقط من اللّقطة شيئاً لمن عرّفها ، لم يكن عليه غُرم ، كما لو دفع منها شيئاً لمن يحفظها(٢) .
والأصل ممنوع.
مسألة ٣٤٤ : مكان التعريف في مجتمع الناس ، كالأسواق وأبواب المساجد عند خروج الناس من الجماعات ، وفي الجوامع في الوقت الذي يجتمعون فيها ، وفي مجامع الناس ؛ لأنّ المقصود إشاعة ذكرها وإظهارها ليظهر عليها مالكها ، فيجب تحرّي مجامع الناس.
ولا ينشدها في وسط المسجد ؛ لأنّ المسجد لم يُبْنَ لهذا ، وقد روي
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٢.
(٢) المغني ٦ : ٣٥٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٧.
عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « مَنْ سمع رجلاً ينشد ضالّةً في المسجد فليقل : لا أدّاها الله إليك ، فإنّ المساجد لم تُبْن لهذا »(١) وكراهة تعريف الضالّة ككراهة طلبها في المساجد.
وقال بعض الشافعيّة : الأصحّ من الوجهين : جواز التعريف في المسجد الحرام ، بخلاف سائر المساجد(٢) .
ثمّ إذا التقط في بلدٍ أو قريةٍ فلا بدّ من التعريف فيها ، وليكن أكثر تعريفه في البقعة بالمحلّة التي وُجد فيها ، فإنّ طلب الشيء في موضع فقدانه أكثر ، فإن اتّفق له سفر فوّض التعريف إلى غيره ، ولا يسافر بها.
ولو التقط في الصحراء ، فإن اجتازت به قافلة يتبعهم وعرّفها فيهم ، وإلّا فلا فائدة في التعريف في المواضع الخالية ، ولكن يعرّف عند الوصول إليها.
ولا يلزمه أن يغيّر قصده ويعدل إلى أقرب البلاد إلى ذلك الموضع ، أو يرجع إلى مكانه الذي أنشأ السفر منه.
وقال بعض الشافعيّة : يُعرّفها في أقرب البلدان إليه(٣) .
نعم ، لو التقطها في منزل قومٍ رجع إليه وعرّفهم ، فإن عرفوها فهي لهم ، وإلّا فلا ؛ لما رواه إسحاق بن عمّار أنّه سأل الكاظمَعليهالسلام : عن رجلٍ نزل في بعض بيوت مكة فوجد [ فيها ] نحواً من سبعين درهماً مدفونة ، فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع؟ قال : « يسأل عنها
____________________
(١) سنن أبي داوُد ١ : ١٢٨ / ٤٧٣ ، سنن البيهقي ٦ : ١٩٦ ، مسند أحمد ٣ : ١٥٠ / ٩١٦١.
(٢) حلية العلماء ٥ : ٥٢٣ - ٥٢٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٣.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٣.
أهل المنزل لعلّهم يعرفونها » قلت : فإن لم يعرفوها؟ قال : « يتصدّق بها »(١) .
إذا عرفت هذا ، فإنّه لا يصحب اللّقطة في السفر ، كما لا يصحب الوديعة ، ولكن يُعرّف في أيّ بلدٍ دَخَله.
مسألة ٣٤٥ : ينبغي أن يتولّى التعريفَ شخصٌ أمين ثقة عاقل غير مشهورٍ بالخلاعة واللعب ؛ ليحصل الوثوق بإخباره ، ولا يتولّاه الفاسق ؛ لئلّا يفقد فائدة التعريف ، وهذا على الكراهة دون التحريم.
وليس للملتقط تسليم اللّقطة إلى غيره إلّا بإذن الحاكم ، فإن فَعَل ضمن ، إلّا مع الحاجة بأن يريد السفر ولا يجد حاكماً يستأذنه ، فيجوز أن يسلّمها إلى الثقة.
وكذا لو التقط في الصحراء ولم يتمكّن من حفظها ومراعاتها ، فإنّه يجوز له الاستعانة بغيره وتسليمها إليه مع عدم القدرة على الاستقلال بحفظها والمشاركة فيه.
مسألة ٣٤٦ : قد بيّنّا أنّ التعريف سنةً يجب في قليل المال وكثيره ما لم يقصر عن درهمٍ فلا يجب - وهو أحد وجوه الشافعيّة(٢) - لما رواه العامّة عن عائشة أنّه لا بأس بما دون الدرهم أن يستنفع به(٣) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « وما [ كان ] دون الدرهم فلا يعرّف »(٤) .
الثاني للشافعيّة : إنّ القليل إن انتهت قلّته إلى أن يسقط تموّله كالحبّة
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٩١ / ١١٧١ ، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(٢) حلية العلماء ٥ : ٥٢٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٠ ، البيان ٧ : ٤٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٤ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٤٧ - ٣٤٨.
(٣) تقدّم تخريجه في ص ٢٠٨ ، الهامش (٣)
(٤) تقدّم تخريجه في ص ٢٠٨ ، الهامش (٨) ، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
من الحنطة والزبيبة الواحدة ، فلا تعريف على واجده ، وله الاستبداد به - وبينهم خلاف في أنّ مَنْ أتلف ممّا لا يتموّل ما هو من قبيل المثليّات هل يغرمه؟ والظاهر بينهم أنّه لا يغرمه ، كما لا يجوز بيعه وهبته - وإن كان متموّلاً مع القلّة فيجب تعريفه ؛ لأنّ فاقده يطلبه(١) ، خلافاً لأبي حنيفة ومالك(٢) .
واختلفوا في قدر مدّة تعريفه على وجهين :
أحدهما : سنة ؛ لإطلاق الأخبار.
والثاني : المنع ؛ لأنّ الشيء الحقير لا يدوم فاقده على طلبه سنةً ، بخلاف الخطير.
وعلى هذا فأوجُه :
أحدها : قال الاصطخري : إنّه يكفي التعريف مرّةً ؛ لأنّه يخرج بها عن حدّ الكاتم ، وليس بعدها ضبط يعتمد.
والثاني : يُعرّف ثلاثة أيّام ؛ لأنّه قد روي في بعض الأخبار : « مَن التقط لقطةً يسيرة فليعرّفها ثلاثة أيّام »(٣) .
والثالث - وهو الأظهر بينهم - : إنّه يُعرّف مدّةً يُظنّ في مثلها طلب الفاقد له ، فإذا غلب على الظنّ إعراضه سقط التعريف(٤) .
ويختلف ذلك باختلاف قدر المال.
قال بعض الشافعيّة : دانق الفضّة يُعرَّف في الحال ، ودانق الذهب
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٤.
(٣) سنن البيهقي ٦ : ١٩٥ ، مسند أحمد ٥ : ١٨٣ / ١٧١١٦.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٤ - ٣٦٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٤.
يُعرَّف يوماً أو يومين أو ثلاثة(١) .
واختلفوا في الفرق بين القليل المتموّل وبين الكثير على أوجُه :
أحدها : إنّه لا يتقدّر بمقدارٍ ، ولكن ما يغلب على الظنّ أنّ فاقده لا يكثر أسفه عليه ولا يطول طلبه له في الغالب فهو قليل.
والثاني : إنّ القليل ما دون نصاب السرقة ، فإنّه تافه في الشرع ، وقد قالت عائشة : ما كانت الأيدي تُقطع على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الشيء التافه(٢) ، وبه قال أبو حنيفة ومالك(٣) .
والثالث : إنّ القليل دينار فما دون ؛ لما رواه العامّة أنّ عليّاًعليهالسلام وجد ديناراً فسأل النبيّصلىاللهعليهوآله ، فقال : « هذا رزق الله » فاشترى به دقيقاً ولحماً ، فأكل منه رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعليٌّ وفاطمةعليهماالسلام ، ثمّ جاء صاحب الدينار ينشد الدينار ، فقال النبيّصلىاللهعليهوآله : « يا علي أدِّ الدينار »(٤) (٥) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه الفضيل بن غزوان عن الصادقعليهالسلام ، قال : كنتُ عنده فقال له الطيّار : إنّ حمزة ابني وجد ديناراً في الطواف قد انسحق كتابته ، قال : « هو له »(٦) .
ويحتمل أن يكون الدينار التي طمست كتابته قصرت عن الدرهم ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٤.
(٢) تقدّم تخريجه في ص ٢١٠ ، الهامش (١)
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٥ ، المغني ٦ : ٣٥١.
(٤) سنن أبي داوُد ٢ : ١٣٧ / ١٧١٤ ، سنن البيهقي ٦ : ١٩٤.
(٥) الوسيط ٤ : ٢٩٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٠ ، البيان ٧ : ٤٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٥ - ٣٦٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٤ ، المغني ٦ : ٣٥١ - ٣٥٢ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٤٧ - ٣٤٨.
(٦) التهذيب ٦ : ٣٩٤ - ٣٩٥ / ١١٨٧.
وعليه تُحمل رواية العامّة.
تذنيب : قال بعض الشافعيّة : يحلّ التقاط السنابل وقت الحصاد إن أذن فيه المالك أو كان قدر ما لا يشقّ عليه أن يلتقط وإن كان يلتقط بنفسه لو اطّلع عليه ، وإلّا لم يحل(١) .
مسألة ٣٤٧ : لو التقط ما لا بقاء له ممّا يفسد بسرعةٍ ، كالطبائخ والرطب الذي لا يتتمّر والبقول ، فإن كان في برّيّةٍ تخيّر بين أن يبيعه ويأخذ ثمنه فيعرّفه ، وبين أن يتملّكه في الحال فيأكله ويغرم قيمته لصاحبه إن وجده ؛ لما رواه العامّة أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : « فمَنْ وجد طعاماً أكله ولم يُعرّفه »(٢) .
وإن وجده في قريةٍ أو بلدةٍ ، فكذلك عندنا يتخيّر بين البيع وتعريف الثمن ، وبين التقويم والتملّك والتعريف حولاً.
وقال المزني : إن وجده في الصحراء فكذلك ، وإن وجده في القرية أو البلد فقولان :
أحدهما : ليس له الأكل ، بل يبيعه ويأخذ ثمنه لمالكه ؛ لأنّ البيع يتيسّر في العمران.
والثاني : إنّه كما لو وجده في الصحراء ؛ لإطلاق الخبر.
وهو أشهر عند الشافعيّة ، ومنهم مَنْ قطع به(٣) .
إذا عرفت هذا ، فإنّه إذا أراد بيعه إمّا في الصحراء أو في العمران فإنّه يدفعه إلى الحاكم ليتولّى ذلك أو يأذن له فيه ؛ لأنّه منصوب للمصالح ، وهذا منها ، فإن تعذّر الحاكم تولّاه الملتقط ، وإذا دفعه إلى الحاكم فلا ضمان.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٥.
وعلى أحد قولَي الشافعيّة من عدم جواز الأكل في العمران لو أكل كان غاصباً عندهم(١) .
وعلى القول الثاني بجواز الأكل فلهم في وجوب التعريف بعده وجهان ، أصحّهما عندهم : الوجوب إذا كان في البلد ، كما أنّه لو باع يُعرّف(٢) .
وإذا كان في الصحراء ، قال الجويني : لا يجب ؛ لأنّه لا فائدة فيه في الصحراء(٣) .
وعندنا أنّ تعريف ما بلغ قدر الدرهم واجب ، سواء كان المأكول في الصحراء أو العمران ، وإذا أكله وجب عليه القيمة ؛ لأنّه أتلف مال غيره بغير إذنه.
ثمّ بعد الوقوف على المستحقّ هل يجب إفراز القيمة المغرومة؟
للشافعيّة قولان :
أظهرهما : إنّه لا يجب ؛ لأنّ ما في الذمّة لا يخاف هلاكه ، وإذا أفرز كان المفروز أمانةً في يده ، فربما تلف ، فما في الذمّة أحفظ ، ولأنّ كلّ موضعٍ جاز له التصرّف في اللّقطة لا يجب عليه عزل قيمتها ، كما بعد الحول.
والثاني : إنّه يجب ؛ احتياطاً لصاحب المال ؛ لتقدّم صاحب المال بتلك القيمة لو أفلس الملتقط ، ولأنّه لو باعها كان الثمن عنده معزولاً ، فكذا إذا أكلها ، فحينئذٍ يجب أن يرفع الأمر إلى الحاكم ليقبض عن صاحب
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٧ - ٣٦٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٥.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٥.
المال(١) .
فإن لم يجد حاكماً ، فهل للملتقط بسلطنة الالتقاط أن ينيب عنه؟ فيه عند الجويني احتمال ، وذكر أنّه إذا أفرزها لم تصر ملكاً لصاحب المال ، لكنّه أولى بتملّكها ، لكنّه لو كان كذلك لما سقط حقّه بهلاك القيمة المفروزة ، وقد نصّ الشافعي على السقوط ، وأيضاً نصّ على أنّه إذا مضت مدّة التعريف فله أن يتملّك تلك القيمة ، كما يتملّك نفس اللّقطة ، وكما يتملّك الثمن إذا باع الطعام ، وهو يقتضي صيرورتها ملكاً لصاحب اللّقطة(٢) .
ولو اختلفت القيمة يوم الأخذ ويوم الأكل ، قال بعض الشافعيّة : إنّه إن أخذ للأكل اعتُبرت قيمته يوم الأخذ ، وإن أخذ للتعريف اعتُبرت قيمته يوم الأكل(٣) .
ولا بأس به عندي.
ولو افتقر ما يمكن إبقاؤه إلى المعالجة ، كتجفيف الرطب بحيث يصير تمراً ، فإن كان الحظّ لصاحبه في بيعه رطباً ، بِيع إمّا بأمر الحاكم إن وُجد ، أو يتولّاه الملتقط إن لم يمكن الوصول إليه.
وإن لم يكن الحظّ في بيعه ، فإن تبرّع أحد بتجفيفه فذاك ، وإلّا باع الحاكم أو الملتقط مع تعذّره بعضَه ، وأنفق على تجفيف الباقي ، بخلاف الحيوان حيث يُباع بأجمعه ؛ لأنّ النفقة قد تُكرّر فيؤدّي إلى أن يأكل نفسه.
تذنيب : إذا باع الطعام عرّف المبيعَ دون الثمن ، كما أنّه إذا أكل يعرّف المأكولَ دون القيمة.
مسألة ٣٤٨ : ما لا يبقى عاماً كالطبيخ والبطّيخ والفاكهة التي لا تُجفّف
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٥.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٦.
والخضروات يتخيّر ملتقطها بين أكلها وحفظ ثمنها ، وبين دفعها إلى الحاكم ليبيعها إن تمكّن منه على ما قدّمناه.
ولا يجوز له إبقاؤه ؛ لأنّه يتلف ، فإن تركه حتى تلف ضمن ؛ لأنّه فرّط في حفظه ، فلزمه ضمانه ، كالوديعة.
وليس له بيعه بنفسه مع وجود الحاكم.
خلافاً لأحمد في الشيء القليل(١) .
وهو يبطل بالكثير ، ولأنّه مال الغير ، ولا ولاية له عليه ولا على مالكه ، فلم يجز بيعه إلّا بالحاكم ، كغير اللّقطة.
احتجّ : بأنّه أُبيح له أكله فأُبيح له بيعه ، كماله ، ولأنّه أُبيح له بيعه عند العجز عن الحاكم ، فجاز عند القدرة عليه(٢) .
وهو غلط ؛ لأنّ في البيع ولايةً على مال الغير ، بخلاف الأكل ؛ لأنّ القصد به مع الانتفاع أداء القيمة إلى المالك ، وحالة العجز لا قدرة على الحاكم ، فأُبيح له البيع ؛ تخلّصاً من ضررها ، بخلاف حال القدرة.
إذا تقرّر هذا ، فإن أراد الأكل أو البيع ، عرف صفاته وحفظها ، ثمّ عرّفه عاماً ، فإن جاء صاحبه فإن كان قد باعه دفع ثمنه إليه ، وإن كان قد أكله غرمه له بقيمته.
ولو تلف الثمن منه بغير تفريطه قبل تملّكه أو نقص أو تلفت العين أو نقصت بغير تفريطٍ ، فلا ضمان على الملتقط ، وإن تلفت أو نقصت أو نقص الثمن أو تلف بتفريطه ، لزمه ضمانه.
وكذا لو تلف الثمن بعد أن تملّكه أو نقص أو تلفت العين أو نقصت
____________________
(١ و ٢) المغني ٦ : ٣٩٥.
بعد أن تملّكها.
مسألة ٣٤٩ : ما يفتقر إلى العلاج يُنظر الحظّ لصاحبه فيفعل كما قلناه أوّلا ، فإن كان في التجفيف جفّفه أو رفعه إلى الحاكم ليس له إلّا ذلك ؛ لأنّه مال غيره ، فلزمه الحظّ فيه لصاحبه ، كالوليّ عن اليتيم.
ولو افتقر إلى غرامةٍ ، باع بعضه في ذلك.
ولو كان الحظّ في بيعه ، باعه وحفظ ثمنه ، ولو تعذّر بيعه ولم يمكن تجفيفه ، تعيّن أكله ، كالبطّيخ.
وعن أحمد رواية أُخرى : إنّه لا يؤكل ، بل إمّا أن يبيعه أو يتصدّق به ، وكذا كلّ طعامٍ يتغيّر لو بقي لا يجوز أكله ، بل يتخيّر بين الصدقة به والبيع ، وبه قال مالك وأصحاب الرأي(١) .
وقال الثوري : يبيعه ويتصدّق بثمنه(٢) .
والكلّ باطل بما روي من طُرق العامّة والخاصّة من قول النبيّصلىاللهعليهوآله في ضالّة الغنم : « خُذْها فإنّما هي لك أو لأخيك أو للذئب »(٣) وهذا تجويز للأكل ، فإذا جاز فيما هو محفوظ بنفسه ففيما يفسد ببقائه أولى.
تذنيب : إذا باع الطعام الذي يخشى فساده أو الذي يحتاج إلى العلاج ، تولّاه الحاكم ، فإن تعذّر تولّاه بنفسه ؛ لأنّه موضع ضرورةٍ ، وإذا باع وعرف صاحبه ، لم يكن له الاعتراض في البيع ؛ لأنّه وقع جائزاً.
أمّا لو باعه بدون إذن الحاكم وفي البلد حاكم ، كان البيع باطلاً ، فإذا جاء صاحبه ، كان له مطالبة المشتري به ، فإن كان تالفاً رجع بالقيمة على مَنْ شاء ؛ لأنّ الملتقط ضمنه بالبيع والتسليم ، والمشتري بالتسلّم ، فإن رجع
____________________
(١ و ٢) المغني ٦ : ٣٩٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٢.
(٣) راجع : الهامش ( ١ و ٢ ) من ص ١٦٦.
على الملتقط رجع الملتقط على المشتري ؛ لأنّ التلف حصل في يده ، ويده ضامنة ، وإن رجع على المشتري لم يرجع على الملتقط.
مسألة ٣٥٠ : قد بيّنّا أنّه تجب المبادرة إلى التعريف ، فلو أخّره عن الحول الأوّل مع الإمكان أثم ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أمر به(١) ، وقال : « لا يكتم ولا يغيّب »(٢) .
ولأنّ ذلك وسيلة إلى أن لا يعرفها صاحبها ، فإنّ الظاهر أنّ صاحبها بعد الحول ييأس منها ويسلو(٣) عنها ويترك طلبها.
ولا يسقط التعريف بتأخيره عن الحول الأوّل ؛ لأنّه واجب ، فلا يسقط بتأخّره عن وقته ، كالعبادات وسائر الواجبات ، ولأنّ المقصود يحصل بالتعريف في الحول الثاني على نعت من القصور ، فيجب الإتيان به ؛ لقولهعليهالسلام : « إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم »(٤) .
وقال أحمد : يسقط التعريف بتأخّره عن ذلك الحول الأوّل ؛ لأنّ حكمة التعريف لا تحصل بعد الحول الأوّل(٥) .
وهو ممنوع.
فعلى هذا لو ترك التعريف في بعض الحول الأوّل ، عرّف بقيّته وأكمله من الحول الثاني.
وعن أحمد : يكتفي بالتعريف باقي الحول خاصّةً(٦) .
____________________
(١) راجع : الهامش (١) من ص ١٦٦.
(٢) تقدّم تخريجه في ص ١٧٤ ، الهامش (١)
(٣) أي : ينسى. لسان العرب ١٤ : ٣٩٤ « سلا ».
(٤) صحيح البخاري ٩ : ١١٧ ، مسند أحمد ٣ : ١٦٢ / ٩٢٣٩ ، و ٣٠٧ / ١٠٢٢٩.
(٥) المغني ٦ : ٣٥٢ - ٣٥٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٧.
(٦) المغني ٦ : ٣٥٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٧.
وإذا عرّفها حولاً بعد الحول الأوّل ، جاز له أن يتملّكها بعده.
وكذا لو أخّر بعض الحول عرّف باقيه وأتمّه من الثاني ، وتملّكها بعد الإتمام عندنا.
وقال أحمد : ليس له أن يتملّكها بعد إهماله ، سواء قلنا بسقوط التعريف في الحول الثاني ، أو قلنا بوجوبه ، وسواء عرّفها الحول الثاني أو بعض الأوّل وأكمل من الثاني ؛ لأنّ شرط الملك التعريفُ في الحول الأوّل وقد فات ، فيسقط ؛ لفوات شرطه(١) .
وهو ممنوع ؛ لأنّ العبادات لا تسقط بفوات أوقاتها ، فكيف إذا تعلّق بها حقّ الغير!
إذا عرفت هذا ، فقال أحمد : إنّه يجب عليه إمّا حفظها أبداً أو الصدقة بها على روايتين(٢) .
وقال بعض أصحابه : يجوز أن يدفعها إلى الحاكم ، كما إذا التقط ما لا يجوز التقاطه(٣) .
ولو ترك التعريف في بعض الحول الأوّل ، لم يملكها أيضاً بالتعريف فيما بعده عنده ؛ لأنّ الشرط لم يكمل ، وعدم بعض الشرط كعدم جميعه ، كما لو أخلّ ببعض الطهارة(٤) .
ولو ترك التعريف في الحول الأوّل ؛ لعجزه عنه بأن يتركه لمرضٍ أو حبسٍ أو نسيانٍ ونحوه ، لم يسقط التعريف عندنا ، وجاز ومَلَك بعد التعريف في الحول الثاني.
____________________
(١) المغني ٦ : ٣٥٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٨.
(٢ و ٣) المغني ٦ : ٣٥٣.
(٤) المغني ٦ : ٣٥٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٨.
وللحنابلة وجهان :
أحدهما : إنّ حكمه حكم ما لو تركه مع إمكانه ، ليس له التملّك بعد التعريف في الحول الثاني ؛ لأنّ تعريفه في الحول الأوّل سبب الملك ، والحكم ينتفي لانتفاء سببه ، سواء كان انتفاؤه لعذرٍ أو لغير عذرٍ.
والثاني : إنّه يُعرّفه في الحول الثاني ويملكه ؛ لأنّه لم يؤخّر التعريف عن وقت إمكانه ، فأشبه ما لو عرّفه في الحول الأوّل(١) .
البحث الثالث : في التملّك.
مسألة ٣٥١ : إذا عرّف الملتقط حولاً ولم يكن من لقطة الحرم ، تخيّر بين أُمور ثلاثة : إمّا أن يستديم حفظها لمالكها أبداً إلى أن يظهر فيسلّمها إليه ، ولا ضمان عليه إلّا مع التفريط أو التعدّي ، أو نيّة التملّك بعده(٢) ، أو يتصدّق بها ، ويضمن إذا جاء صاحبها خيّره بين الأجر والقيمة ، أو يتملّكها ويتصرّف فيها كيف شاء ، ويضمنها ، وتكون في ذمّته ، سواء كان الملتقط غنيّاً أو فقيراً أو مَنْ تحلّ له الصدقة أو تحرم عند علمائنا - وبه قال عليٌّعليهالسلام وابن عباس والشعبي والنخعي وعمر وابن مسعود وعائشة وطاوُوس وعكرمة والشافعي(٣) - لما رواه العامّة في حديث زيد بن خالد : « فإن لم تعرف فاستنفقها »(٤) .
____________________
(١) المغني ٦ : ٣٥٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٨.
(٢) أي : بعد الحول.
(٣) المغني ٦ : ٣٥٤ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨٠ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٠ ، البيان ٧ : ٤٥٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٦.
(٤) صحيح مسلم ٣ : ١٣٤٩ / ٥ ، سنن البيهقي ٦ : ١٩٠ ، المغني ٦ : ٣٥٤ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨٠.
وفي لفظٍ : « وإلّا فهي كسبيل مالك »(١) .
وفي لفظٍ : « ثمّ كُلْها »(٢) .
وفي لفظٍ : « فانتفع بها »(٣) .
وفي لفظٍ : « فشأنك بها »(٤) .
وفي حديث أُبيّ بن كعب : « فاستنفقها »(٥) .
وفي لفظٍ : « فاستمتع بها »(٦) .
قال الشافعي : وكان أُبيّ من أيسر أهل المدينة أو كأيسرهم(٧) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام في اللّقطة يجدها الرجل الفقير أهو فيها بمنزلة الغني؟ قال : « نعم » [ و ] اللّقطة يجدها الرجل ويأخذها ، قال : « يُعرّفها سنةً ، فإن جاء لها طالب ، وإلّا فهي كسبيل ماله »(٨) .
ولأنّه مَنْ مَلَك بالعوض القرضَ مَلَك بالعوض اللّقطةَ ، كالفقير ، ولأنّ اللّقطة سببٌ في التملّك ، فاستوى فيه الغني والفقير ، كالاحتطاب ، ولأنّ
____________________
(١) كما في المغني ٦ : ٣٥٤ ، والشرح الكبير ٦ : ٣٨٠ - ٣٨١.
(٢) صحيح مسلم ٣ : ١٣٤٩ / ٧ ، المغني ٦ : ٣٥٤ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨١.
(٣) المغني ٦ : ٣٥٤ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨١.
(٤) صحيح البخاري ٣ : ١٦٣ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٤٧ / ١٧٢٢ ، سنن البيهقي ٦ : ١٨٥ ، المغني ٦ : ٣٥٤ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨١.
(٥) كما في المغني ٦ : ٣٥٤ - ٣٥٥.
(٦) صحيح البخاري ٣ : ١٦٢ و ١٦٦ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٥٠ / ١٧٢٣ ، سنن أبي داوُد ٢ : ١٣٤ / ١٧٠١ ، سنن البيهقي ٦ : ١٩٣ و ١٩٧.
(٧) الأُم ٤ : ٦٧ ، مختصر المزني : ١٣٥ ، الحاوي الكبير ٨ : ٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٠.
(٨) تقدّم تخريجه في ص ١٦٨ ، الهامش (١) ، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
تملّك الغني لها أولى من تملّك الفقير وأنفع لمالكها حيث يجد لها عوضاً ، بخلاف الفقير ؛ فإنّه إذا تملّكها لم يجد عوضاً لها غالباً فيتلف منه.
وقال أبو حنيفة : إن كان الملتقط فقيراً تخيّر بين الثلاثة المذكورة : الحفظ لصاحبها دائماً ، والصدقة بها وتكون موقوفةً على إجازة صاحبها ، والتملّك لها ، إلّا أن يكون من ذوي القربى ، وإن كان غنيّاً لم يكن له التملّك ، بل يتخيّر بين الإمساك والصدقة ، فإذا جاء صاحبها فإن رضي بالأجر ، وإلّا كان له الرجوعُ على الملتقط بها - وبه قال الحسن بن صالح والثوري - لما رواه عياض بن حمار المجاشعي : إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « مَنْ وجد لقطةً فليُشهد عليها ذا عدلٍ أو ذوي عدلٍ ، ولا يكتم ولا يغيِّب ، فإن وجد صاحبها فليردّها عليه ، وإلّا فهو مال الله يؤتيه مَنْ يشاء »(١) .
قالوا : وما يضاف إلى الله تعالى فإنّما يملكه مَنْ يستحقّ الصدقة.
ولما روى العامّة عن أبي هريرة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه سئل عن اللّقطة ، فقال : « عرّفها حولاً ، فإن جاء ربّها وإلّا تصدّق بها ، فإذا جاء ربّها فرضي بالأجر وإلّا غرمها »(٢) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه الحسين بن كثير عن أبيه قال : سأل رجلٌ أميرَ المؤمنينعليهالسلام : عن اللّقطة ، فقال : « يُعرّفها فإن جاء صاحبها دفعها إليه ، وإلّا حبسها حولاً ، فإن لم يجئ صاحبها أو مَنْ يطلبها تصدّق بها ، فإن جاء صاحبها بعد ما تصدّق بها إن شاء أغرمها الذي كانت عنده وكان الأجر
____________________
(١) تقدّم تخريجه في ص ١٧٤ ، الهامش (١)
(٢) تحفة الفقهاء ٣ : ٣٥٥ ، المغني ٦ : ٣٥٤ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨٠ ، الحاوي الكبير ٨ : ١٥ ، حلية العلماء ٥ : ٥٣٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٠ ، البيان ٧ : ٤٥٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٦٩ - ٣٧٠ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٦.
له ، وإن كره ذلك احتسبها والأجر له »(١) .
ورواياتنا أظهر من حديث عياض ؛ لأنّ الأشياء كلّها تضاف إلى الله تعالى ؛ فإنّه خالقها ومالكها ، كما قال الله تعالى :( وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ ) (٢) فدعوى أنّ ما يضاف إلى الله تعالى لا يتملّكه إلّا مَنْ يستحقّ الصدقة دعوى باطلة بغير دليلٍ.
وحديث أبي هريرة لم يثبت عند نَقَلة الأخبار ، ولا نُقل في كتابٍ يوثق به عندهم(٣) ، فلا حجّة فيه ، ومع ذلك فإنّ الأمر بالصدقة إمّا لأنّه أحد الأشياء المخيّر فيها فيتناوله الأمر ، أو على وجه الاستحباب ؛ جمعاً بين الأدلّة.
وكذا الحديث من طريق الخاصّة ؛ جمعاً بين الأدلّة.
وقد روى محمّد بن مسلم - في الصحيح - عن أحدهماعليهماالسلام ، قال : سألته عن اللّقطة ، قال : « لا ترفعوها ، فإن ابتليتَ فعرِّفها سنةً ، فإن جاء طالبها ، وإلّا فاجعلها في عرض مالك يجري عليها ما يجري على مالك إلى أن يجيء [ لها ] طالب »(٤) .
والأخبار في ذلك كثيرة.
وحكى الشافعيّة عن مالك عكسَ قول أبي حنيفة ، وهو : إنّه قال : يتملّكها الغني ، ولا يتملّكها الفقير(٥) ، ولم يحكه أصحابه عنه.
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٨٩ / ١١٦٤ ، الاستبصار ٣ : ٦٨ / ٢٢٨.
(٢) سورة النور : ٣٣.
(٣) المغني ٦ : ٣٥٥ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨١.
(٤) تقدّم تخريجه في ص ٢٢٢ ، الهامش (٣) ، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(٥) الحاوي الكبير ٨ : ١٥ ، حلية العلماء ٥ : ٥٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٠.
مسألة ٣٥٢ : لا يملك الملتقط اللّقطةَ بمضيّ الحول من غير أن يختار الملتقط تملّكها ، ولا تدخل في ملكه بعد الحول قهراً على أشهر القولين لعلمائنا - وهو أحد قولَي الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد(١) - لأنّه تملّكٌ بعوضٍ ، فلم يحصل إلّا باختيار التملّك ، كالبيع.
ولما رواه العامّة من قولهصلىاللهعليهوآله : « فشأنك بها »(٢) فوّض الأمر إلى خيرته ، ولم يحكم بقهره على تملّكها.
ومن طريق الخاصّة : ما روي عن الباقرعليهالسلام ، قال في حديث أبي بصير : « مَنْ وجد شيئاً فهو له فليتمتّع به حتى يأتيه طالبه ، فإذا جاء طالبه ردّه إليه »(٣) أمره بردّه ، وإنّما يثبت له ردّ العين ، ولو مَلَك لم يجب ردّ العين.
وفي الصحيح عن عليّ بن جعفر عن أخيه الكاظمعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يصيب درهماً أو ثوباً أو دابّةً كيف يصنع؟ قال : « يُعرّفها سنةً ، فإن لم يعرف حفظها في عرض ماله حتى يجيء طالبها فيعطيها إيّاه ، وإن مات أوصى بها وهو لها ضامن »(٤) ولو كان مالكاً لها بغير اختياره كان له التصرّف فيها كيف شاء ، ولم يأمره بحفظها.
والقول الثاني للشافعي : إنّه يملكها بمضيّ حول التعريف ، وتدخل في ملكه بغير اختياره ، كالإرث ؛ لأن مضيّ حول التعريف هو السبب في
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ١٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٧ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥١ ، البيان ٧ : ٤٥٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٠ ، المغني ٦ : ٣٥٥ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٨.
(٢) راجع : الهامش (٤) من ص ٢٤٠.
(٣) الكافي ٥ : ١٣٩ / ١٠ ، التهذيب ٦ : ٣٩٢ / ١١٧٥.
(٤) تقدّم تخريجه في ص ٢٠٩ ، الهامش (٣)
التملّك ، فإذا حصل ، حصل الملك كالإحياء والاحتطاب - وهو الرواية الشهيرة(١) عن أحمد(٢) ، وقولٌ لبعض علمائنا(٣) - لما رواه العامّة عن قول النبيّصلىاللهعليهوآله : « فإذا جاء صاحبها [ وإلّا ] فهي كسائر مالك »(٤) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام في اللّقطة : « يُعرّفها سنةً ثمّ هي كسائر ماله »(٥) .
ونمنع كون التعريف حولاً سبباً للملك القهري.
نعم ، هو سبب للملك الاختياري.
والحاصل : إنّه بعد الحول يملك إن تملّك ، وكونها كسائر ماله يصدق على الملك الاختياري.
مسألة ٣٥٣ : يثبت الملك بعد التعريف حولا واختيار الـمُلتقط التملّكَ بأن يقول : اخترتُ تملّكها - وهو أحد أقوال الشافعي(٦) - لأنّ الملك هنا حصل بالعوض - وهو المثل أو القيمة - فافتقر إلى الاختيار واللفظ الدالّ عليه ، كالبيع ، وكالشفيع والغانمين في تملّك الغنيمة.
والثاني للشافعي : إنّه لا بدّ مع الاختيار واللفظ من التصرّف ، فلو
____________________
(١) في « ث ، ر » : « المشهورة ».
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ١٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٧ ، الوسيط ٤ : ٢٩٧ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥١ ، البيان ٧ : ٤٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٠ ، المغني ٦ : ٣٥٥ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٨.
(٣) ابن إدريس في السرائر ٢ : ١٠٢ و ١٠٣.
(٤) الشرح الكبير ٦ : ٣٧٩ ، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(٥) تقدّم تخريجه في ص ١٦٦ ، الهامش (٣)
(٦) الحاوي الكبير ٨ : ١٥ ، الوسيط ٤ : ٢٩٧ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥١ ، البيان ٧ : ٤٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٦.
لم يتصرّف الـمُلتقط لم يملك اللّقطة وإن قال : اخترتُ التملّك ؛ لأنّ صاحبها لو حضر قبل التصرّف كان أحقَّ بها ، فلم تكن مملوكةً لغيره ، ولأنّ التملّك باللّقطة كالاستقراض لا يملكه المستقرض إلّا بالتصرّف والعقد والقبض ، وعلى هذا فيشبه أن يجيء الخلاف المذكور في القرض في أنّ الملك بأيّ نوعٍ من التصرّف يحصل؟(١) .
والثالث : إنّه يملك بمجرّد النيّة والقصد من غير تلفّظٍ ولا تصرّفٍ ؛ لأنّ التصرّف يتوقّف على الملك ؛ لأنّ الأصل تحريم التصرّف في مال الغير إلّا بإذنه ، فلو توقّف الملك عليه لزم الدور ، ولـمّا خلا هذا التملّك عن الإيجاب لم يفتقر إلى القبول ، وإنّما يراعى فيه الاختيار ، وذلك يحصل بالقصد والنيّة(٢) .
فحصل له أقوال أربعة فيما به يملك : الثلاثة المذكورة ، والرابع : إنّه يدخل في ملكه بغير اختياره(٣) .
مسألة ٣٥٤ : قد بيّنّا أنّه لا يلتقط من حرم مكة ، وذكرنا الخلاف في التحريم والكراهة ، وعلى القولين معاً لا يجوز تملّكها بحالٍ ، بل إن التقطها نوى الحفظ لمالكها وعرّفها دائماً - وهو أحد قولَي الشافعي(٤) - لما رواه
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ١٥ ، الوسيط ٤ : ٢٩٧ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥١ ، البيان ٧ : ٤٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٦.
(٢) الوسيط ٤ : ٢٩٧ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥١ ، البيان ٧ : ٤٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٦.
(٣) راجع : الهامش (٢) من ص ٢٤٤.
(٤) الحاوي الكبير ٨ : ٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٦ ، والوسيط ٤ : ٢٩٨ ،
العامّة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، لا يُعضد شوكه ، ولا يُنفَّر صيده ، ولا يلتقط لقطته إلّا مَنْ عرّفها »(١) وروي : « لا تحلّ لقطتها إلّا لمنشدٍ »(٢) أي : لمعرّفٍ ، والمعنى على الدوام ، وإلّا فالحكم في سائر البلاد كذلك ، ولا تظهر فائدة التخصيص.
ومن طريق الخاصّة : ما رواه سعيد بن عمرو الجعفي(٣) قال : خرجتُ إلى مكة وأنا من أسوأ الناس حالاً فشكوتُ إلى أبي عبد الله الصادقعليهالسلام ، فلـمّا خرجتُ وجدتُ على بابه كيساً فيه سبعمائة دينار ، فرجعتُ إليه من فوري ذلك فأخبرتُه ، فقال : « يا سعيد اتّق الله عزّ وجلّ ، وعرِّفه في المشاهد » وكنتُ رجوتُ أن يرخّص لي فيه ، فخرجتُ وأنا مغتمّ فأتيتُ منى فتنحّيتُ عن الناس حتى أتيتُ الماقوفة(٤) فنزلتُ في بيتٍ متنحّياً عن الناس ثمّ قلت : مَنْ يعرف الكيس؟ فأوّل صوتٍ صوّت إذا رجل على رأسي يقول : أنا صاحب الكيس ، فقلت في نفسي : أنت فلا كنت ، قلت : ما علامة الكيس؟ فأخبرني بعلامته ، فدفعته إليه ، فتنحّى ناحيةً فعدّها فإذا الدنانير على حالها ثمّ عدَّ منها سبعين ديناراً فقال : خُذْها حلالاً خير لك من سبعمائة حراماً ، فأخذتُها ثمّ دخلتُ على الصادقعليهالسلام فأخبرتُه كيف تنحّيتُ
____________________
= حلية العلماء ٥ : ٥٢٢ - ٥٢٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٢ ، البيان ٧ : ٤٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٦ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٧ ، المغني ٦ : ٣٦٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨٥.
(١) صحيح مسلم ٢ : ٩٨٦ - ٩٨٧ / ١٣٥٣ ، سنن البيهقي ٥ : ١٩٥.
(٢) تقدّم تخريجه في ص ٢٠٦ ، الهامش (٣)
(٣) في التهذيب : « الخثعمي » بدل « الجعفي ».
(٤) في الكافي : « الموقوفة ». والماقوفة لعلّها اسم موضعٍ ، أو محلّ الوقوف بمنى ، كما في ملاذ الأخيار ١٠ : ٤٢٦.
وصنعتُ ، فقال : « أما إنّك حين شكوتَ إلَيَّ أمرنا لك بثلاثين ديناراً ، يا جارية هاتيها » فأخذتُها وأنا أحسن قومي حالاً(١) .
ولأنّ مكة مثابة للناس يعودون إليها مرّةً بعد أُخرى ، فربما يعود مَنْ أضلّها ، أو يبعث في طلبها.
والقول الثاني للشافعي : إنّ مكة كغيرها من البقاع في حكم اللّقطة يُعرّفها الملتقط سنةً ثمّ إن شاء حفظها لمالكها وإن شاء تملّكها ، وبه قال أبو حنيفة ومالك ، وهو أظهر الروايتين عن أحمد(٢) .
وقد بيّنّا بطلانه.
مسألة ٣٥٥ : كلّ ما جاز التقاطه ملك بالتعريف عند تمامه حولا ، سواء كانت اللّقطة أثماناً أو عروضاً عند علمائنا أجمع - وهو قول جمهور العلماء ؛ فإنّهم لم يختلفوا فيه ، ولم يفرّقوا بين العروض والأثمان في التعريف حولاً وجواز التصرّف فيها بعد الحول(٣) - لأنّ الأخبار الواردة في ذلك عامّة تشمل القسمين.
روى العامّة : إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله سئل عن اللّقطة ، فقال : « عرِّفها سنةً » ثمّ قال في آخره : « فانتفع بها »(٤) أو : « فشأنك بها »(٥) .
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٣٨ / ٦ ، التهذيب ٦ : ٣٩٠ - ٣٩١ / ١١٧٠.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٦ ، الوسيط ٤ : ٢٩٨ ، حلية العلماء ٥ : ٥٢٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٣ ، البيان ٧ : ٤٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٦ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٨٠ / ١٢١٤ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٢ ، المغني ٦ : ٣٦٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨٥ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٧.
(٣) المغني ٦ : ٣٥٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨١ - ٣٨٢.
(٤) راجع : الهامش (١) من ص ١٦٦ ، والهامش (٣) من ص ٢٤٠.
(٥) راجع : الهامش (١) من ص ١٦٦.
وجاء رجل إلى النبيّصلىاللهعليهوآله فقال : يا رسول الله كيف ترى في متاعٍ يوجد في الطريق المنتاب أو في قريةٍ مسكونة؟ قال : « عرِّفه سنةً ، فإن جاء صاحبه وإلّا فشأنك به(١) »(٢) .
وروى الحرّ(٣) بن الصباح قال : كنتُ عند ابن عمر بمكة إذ جاءه رجل فقال : إنّي وجدتُ هذا البرد وقد نشدته وعرّفته فلم يعرفه أحد وهذا يوم التروية ويوم يتفرّق الناس ، فقال : إن شئت فقوِّمه قيمة عدلٍ ولبسته وكنتَ ضامناً له متى جاءك صاحبه دفعته إليه(٤) ، وإن لم يجئ له طالب فهو لك إن شئت(٥) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه هشام بن سالم - في الحسن - عن الصادقعليهالسلام قال : « جاء رجل إلى النبيّصلىاللهعليهوآله فقال : يا رسول الله ، إنّي وجدتُ شاةً ، فقال رسولصلىاللهعليهوآله : هي لك أو لأخيك أو للذئب »(٦) .
وفي الحسن عن حريز عن الصادقعليهالسلام قال : « لا بأس بلقطة العصا والشظاظ والوتد والحبل والعقال وأشباهه » قال : « وقال الباقرعليهالسلام : ليس لهذا طالب »(٧) .
وفي الصحيح عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، قال : سألتُ
____________________
(١) في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « صاحبها بها » ، والمثبت يقتضيه السياق وكما في المصدر.
(٢) أورده ابنا قدامة في المغني ٦ : ٣٥٨ ، والشرح الكبير ٦ : ٣٨٣.
(٣) في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « الحارث » بدل « الحر ». والمثبت كما في المصدر.
(٤) في المصدر : « دفعت ثمنه إليه ».
(٥) أورده ابنا قدامة في المغني ٦ : ٣٥٨ - ٣٥٩ ، والشرح الكبير ٦ : ٣٨٣.
(٦) الكافي ٥ : ١٤٠ / ١٢ ، التهذيب ٦ : ٣٩٢ / ١١٧٦.
(٧) تقدّم تخريجه في ص ٢٠٩ ، الهامش (٢)
أبا الحسن الرضاعليهالسلام : عن الرجل يصيد الطير الذي يسوي دراهم كثيرة وهو مستوي الجناحين ، وهو يعرف صاحبه أيحلّ إمساكه؟ فقال : « إذا عرف صاحبه ردّه عليه ، وإن لم يكن يعرفه ومَلَك جناحه(١) فهو له ، وإن جاءك طالب لا تتّهمه ردّه عليه »(٢) .
وعن أبي بصير عن الباقرعليهالسلام قال : « مَنْ وجد شيئاً فهو له فليتمتّع به حتى يأتيه طالبه ، فإذا جاء طالبه ردّه إليه »(٣) وهو عامّ في النقد وغيره.
ولأنّ ما جاز التقاطه جاز ملكه بالتعريف ، كالأثمان.
وعن أحمد روايتان ، هذا أظهرهما عنده.
والثانية - وعليها أكثر أصحابه - : إنّ العروض لا تُملك بالتعريف - وفرّقوا بينها وبين الأثمان ، واختلفوا فيما يُصنع بها ، فقال بعضهم : يُعرّفها أبداً. وقال بعضهم : هو بالخيار بين أن يقيم على تعريفها حتى يجيء صاحبها ، وبين دفعها إلى الحاكم حتى يرى فيها رأيه. وهل له بيعها والصدقة بثمنها؟ روايتان - لأنّ ابن عمر وابن عباس وابن مسعود قالوا بذلك ، ولأنّها لقطة لا تُملك في الحرم فلا تُملك في غيره ، كالإبل ، ولأنّ الخبر [ ورد ](٤) في الأثمان ، وغيرها لا يساويها ؛ لعدم الغرض المتعلّق بعينها ، فمثلها يقوم مقامها من كلّ وجهٍ ، بخلاف غيرها(٥) .
ونقلُهم عن ابن عمر وغيره ممنوع ؛ لما تقدّم من نقل ضدّه ، على أنّ
____________________
(١) في المصدر : « جناحيه ».
(٢) التهذيب ٦ : ٣٩٤ / ١١٨٦.
(٣) تقدّم تخريجه في ص ٢٤٣ ، الهامش (٣)
(٤) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(٥) المغني ٦ : ٣٥٧ - ٣٥٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨١ - ٣٨٢.
قول هؤلاء ليس حجّةً.
ونمنع أنّها لا تُملك في الحرم ، وهو منقوض بالأثمان.
ولا يصحّ قياسها على الإبل ؛ لأنّ معها حذاءها وسقاءها ، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها مالكها ، ولا يوجد ذلك في غيرها ، ولأنّ الإبل لا يجوز التقاطها فلا تُملك به ، وهنا يجوز التقاطها فتُملك ، كالأثمان.
ولا يصحّ قياسها على لقطة الحرم ؛ لأنّ الحرم متميّز بأنّ لقطته لا يضمنها إلّا منشد ، ولهذا لم تُضمن الأثمان بالتقاطها فيه ، فلا يلزم أن لا تُملك في موضعٍ آخَر لم يوجد المانع فيه.
ونمنع خصوصيّة النصّ في الأثمان ، بل هو عامّ في كلّ لقطةٍ.
وأيضاً لو تخصّص اللّقطة بالأثمان ، لجاز القياس عليها عندكم إذا وُجدت المشاركة بينهما في المعنى ، كسائر النصوص التي عقل معناها ووجد في غيرها ، وهنا قد وُجد المعنى ، بل هو آكد ؛ لأنّ الأثمان لا تتلف بمضيّ الأزمنة عليها وانتظار صاحبها أبداً ، والعروض تتلف بذلك ، ففي النداء عليها دائماً هلاكُها وضياع ماليّتها على مالكها وملتقطها وسائر الناس ، وفي إباحة الانتفاع بها وملكها بعد التعريف حفظٌ لماليّتها على صاحبها بدفع قيمتها إليه ونفع غيره ، فيجب المصير إليه ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن إضاعة المال(١) ، ولاشتماله على المصلحة والحفظ للمال على صاحبه وجب مشروعيّة التقاطه وتملّكه ، ولأنّ في [ إثبات ](٢) الملك فيها حثّاً على التقاطها
____________________
(١) معاني الأخبار : ٢٧٩ ( باب معنى المحاقلة والمزابنة ) ، صحيح البخاري ٢ : ١٣٩ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٤١ / ١٤ ، سنن البيهقي ٦ : ٦٣ ، سنن الدارمي ٢ : ٣١١ ، مسند أحمد ٥ : ٣١٢ / ١٧٧٦٨.
(٢) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.
وحفظها وتعريفها ؛ لكونه وسيلةً إلى الملك المقصود للآدمي ، وفي نفي ملكها تضييع لها.
البحث الرابع : في وجوب الردّ.
مسألة ٣٥٦ : يجب ردّ لقطة الحرم على مالكها بعينها مع ظهوره ، ولا يجوز تملّكها بحال ، بل إمّا أن يحتفظها دائماً ولا ضمان ، وإمّا أن يتصدّق بها بعد الحول.
وفي الضمان قولان.
وأمّا لقطة غير الحرم : فإن كانت أقلَّ من درهمٍ لم يجب تعريفها ، وللملتقط التصرّف فيها كيف شاء ، فإن جاء صاحبها فإن كانت العين باقيةً ، فالأقرب : وجوب ردّها إليه ؛ لأصالة عصمة مال الغير ، سواء نوى الملتقط التملّك أو لا ، وإن كانت تالفةً فالأقرب : ردّ القيمة على إشكالٍ.
وأمّا ما زاد على ذلك فإن كانت العين باقيةً ولم يخرج حول التعريف ، وجب ردّها بجميع زوائدها المتّصلة والمنفصلة ؛ لأنّ النماء تابع للأصل ، والأصل هنا باقٍ على ملك المالك لم يخرج عنه ، فيكون النماء له.
وكذا الحكم لو عرّفها حولاً ولم يَنْو التملّك ؛ لبقاء ملك صاحبها عليها حيث اعتبرنا في تملّك الملتقط النيّة واللفظ ولو بقيت في يده أحوالاً كذلك إذا لم يَنْو التملّك.
ولو عرّفها حولاً ثمّ نوى التملّك وتملّك باللفظ ، وبالجملة أتى بشرائط التملّك ، أو كمل حول التعريف وقلنا : يملك به ، ثمّ ظهر المالك ، فإن ردّها الملتقط عليه وجب عليه قبولها ، وليس له المطالبة ببدلها وإن كان
الملتقط قد نوى تملّكها ؛ لأنّها لا تنحطّ عن مرتبة المثل ، ولا شكّ في أنّه لو دفع إليه المثل لم يكن له المطالبة بغيره فكذا العين.
ولو لم يدفعها الملتقط ، فالأقرب : إنّه ليس للمالك انتزاعها ؛ لأنّها قد صارت ملكاً للملتقط ، فلا تُنتقل عنه إلّا بوجهٍ شرعيّ ، كالقرض ليس للمُقرض بعد تملّك المقترض الرجوعُ في العين ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني - وهو الأظهر عندهم - : إنّه ليس للملتقط إلزام المالك بأخذ البدل ، بل للمالك انتزاع العين ؛ لأنّ الملتقط إنّما يملكها ملكاً مراعىً(١) ، ولهذا قالعليهالسلام : « عرِّفها سنةً ، فإن جاء صاحبها وإلّا فشأنك بها »(٢) ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام - في الصحيح - قال : « يُعرّفها سنةً ، فإن جاء لها طالب وإلّا فهي كسبيل ماله »(٣) .
ولا حجّة فيهما ؛ لاحتمال « فإن جاء في السنة » ونمنع كون الملتقط يملكها ملكاً مراعىً ؛ فإنّه نفس المتنازع.
مسألة ٣٥٧ : إذا زادت اللّقطة بعد تملّك الملتقط لها ثمّ جاء المالك ، فإن كانت الزيادة متّصلةً تبعت العين ، وأخذها المالك وزيادتها ؛ لأنّ الزيادة المتّصلة تتبع العين في الردّ بالعيب وفي الإقالة ، فكذا هنا ؛ لأنّها إنّما تبعت هناك ؛ لكونها بمنزلة الجزء من العين ، وهذا المقتضي موجود هنا.
وإن كانت الزيادة منفصلةً ، فهي للملتقط خاصّةً ، ويأخذ المالك العينَ مسلوبةَ الزيادة ، كالولد والثمرة ؛ لأنّ الزيادة نمت على ملك الملتقط ، وهي متميّزة غير تابعةٍ للعين في المفسوخ ، فكان له ، كنماء المبيع إذا رُدّ بعيبٍ.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٨.
(٢) راجع : الهامش (١) من ص ١٦٦.
(٣) تقدّم تخريجه في ص ١٦٨ ، الهامش (١)
وللحنابلة وجه آخَر ضعيف : إنّ الزيادة تتبع الأصل أيضاً وإن كانت منفصلةً ؛ بناءً على المفلس إذا استُرجعت منه العين بعد أن زادت زيادةً متميّزة ، والولد إذا استرجع أبوه ما وهبه له بعد زيادته(١) .
والحكم في المثالين ممنوع ، بل الزيادة هنا لمن وقعت في ملكه ، وهو المفلس والولد ، على أنّا نمنع الرجوع في هبة الولد بعد التصرّف ، لكن يُفرض ذلك في الأجنبيّ عندنا ، على أنّ الفرق قائم بين المتنازع وبين الصورتين المذكورتين ؛ لأنّ الملتقط ضمن الأصل ومَلَكه مضموناً بالمثل أو القيمة ، فكان النماء له ليكون الخراج بالضمان ، وفي الصورتين لا ضمان على المفلس ولا على الولد ، فلم تكن لهما الزيادة ، على أنّ الحقّ ما قلناه من كون الزيادة لهما أيضاً.
مسألة ٣٥٨ : لو التقط وعرّف حولاً ثمّ مَلَك ثمّ باع أو وهب أو فَعَل ما يوجب خروجها عن ملكه ثمّ جاء المالك ، لم يكن له أخذ العين ؛ لأنّ الملتقط قد تصرّف تصرّفاً صحيحاً ، وكان له أخذ بدلها.
فإن رجعت إلى الملتقط بفسخٍ أو عقدٍ ناقل - كبيعٍ أو هبةٍ أو غير ذلك - قبل أخذ البدل ، فإن قلنا : للمالك إذا وجد العين بعد التملّك المطالبةُ بها ، كان له هنا ذلك ؛ لأنّه وجد عين ماله في يد ملتقطه ، فكان له أخذه ، كالزوج إذا طلّق قبل الدخول فوجد الصداق قد رجع إلى المرأة. وإن قلنا : ليس له الرجوعُ هناك إلى العين بل الواجب له المثل أو القيمة ، فعدم الرجوع في العين هنا أولى.
ولو كان الملتقط قد باعها بخيارٍ ثمّ جاء مالكها في مدّة الخيار ،
____________________
(١) المغني ٦ : ٣٦٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٩٠.
لم يكن له فسخ العقد - وهو أحد وجهي الشافعيّة(١) - لأنّ فسخ العقد حقّ العاقد ، فلا يتمكّن غيره منه بغير إذنه.
والثاني : إنّ له الفسخَ(٢) .
وردّ بعض الشافعيّة الوجهين إلى أنّه هل يُجبر الملتقط على الفسخ؟(٣) .
ويجوز عندهم فرض الوجهين في الانفساخ كالوجهين فيما إذا باع العَدْل الرهنَ بثمن المثل فظهر طالب في مجلس العقد بزيادةٍ(٤) .
مسألة ٣٥٩ : لو باع الملتقط اللّقطةَ أو اشترى بها شيئاً بعد أن تملّكها ، لم يكن للمالك الرجوعُ في الثمن الذي باع به الملتقط ولا في العين التي اشتراها بها ، بل يرجع إلى مثل اللّقطة أو قيمتها ؛ لأنّه الواجب له ، إلّا أن يشتري لصاحبها لا له.
فإن اشترى بالعين بعد التملّك ، لم يصح ؛ لأنّه لا يجوز أن يشتري الإنسان لغيره بمالٍ ليس للغير.
وإن اشترى في الذمّة ونسب ، فإن جاء صاحبها وأجاز الشراء كان له ، وإن لم يُجز الشراء كان له المطالبة بالمثل أو القيمة.
وإن كان الملتقط قد أضاف الشراء إليه في العقد وسمّاه ، كان له الفسخ وأخذ عين ماله ؛ لأنّ الملتقط لم يشتر لنفسه ، بل على حدّ الوكالة التي لم يأذن الموكّل في الشراء فيها.
ولو كان الملتقط قد اشترى بالعين جاريةً لنفسه ثمّ ظهر أنّها بنت
____________________
(١ و ٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٨ ، حلية العلماء ٥ : ٥٣٢ ، البيان ٧ : ٤٥٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٨.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٩.
صاحب اللّقطة ، لم تُعتق عليه ، ولم يجز له أخذها من الملتقط ؛ لأنّ الشراء وقع له.
ولما رواه أبو العلاء عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : رجل وجد مالاً فعرّفه حتى إذا مضت السنة اشترى منه خادماً فجاء طالب المال فوجد الجارية التي اشتُريت بالدراهم هي ابنته ، قال : « ليس له أن يأخذ إلّا دراهمه ، وليس له البنت ، إنّما له رأس ماله ، وإنّما كانت ابنته مملوكة قومٍ »(١) .
مسألة ٣٦٠ : اللّقطة في مدّة حول التعريف أمانة في يد الملتقط إذا لم يتملّكها قبل التعريف ولا فرّط ولا تعدّى فيها ، فلو تلفت لم يكن عليه شيء ، وكذا لو نقصت.
وإن أتلفها الملتقط أو تلفت بتفريطه ، ضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال ، وبقيمتها إن لم يكن لها مثلٌ بغير خلافٍ.
وإن تلفت بعد الحول قبل نيّة التملّك ، فكذلك إن لم نقض بالتملّك بمجرّد حئول الحول.
وإن قلنا : إنّه يملك بمضيّ الحول بغير اختياره ، أو حال الحول وتملّك باختياره ثمّ تلفت أو أتلفها ، ثبت في الذمّة مثلها إن كانت من ذوات الأمثال ، وإن كانت من ذوات القِيَم ضمن القيمة ؛ لأنّه تصرّف في مال الغير بالتملّك أو الإتلاف بغير إذنه ورضاه ، فكان ضامناً.
ولما رواه حنان قال : سأل رجل أبا عبد الله الصادقَعليهالسلام : عن اللّقطة
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٣٩ / ٨ ، التهذيب ٦ : ٣٩١ - ٣٩٢ / ١١٧٣.
وأنا أسمع ، قال : « تعرّفها سنةً ، فإن وجدتَ صاحبها وإلّا فأنت أحقّ بها » وقال : « هي كسبيل مالك » وقال : « خيِّره إذا جاءك بعد سنةٍ بين أجرها وبين أن تغرمها له إذا كنت أكلتها »(١) .
إذا عرفت هذا ، فإنّه إن كانت العين من ذوات الأمثال ، وجب ردّ المثل مع تلفها إن أمكن ، وإن تعذّر ردّ المثل كان عليه قيمته يوم الغرم ، وإن كانت من ذوات القِيَم وجب عليه ردّ قيمتها يوم التملّك.
مسألة ٣٦١ : إذا تملّكها الغني أو الفقير بعد التعريف حولاً ثمّ أتلفها أو تلفت ، كان عليه بدلها لصاحبها في قول عامّة أهل العلم(٢) ، وإن كانت باقيةً ردّها بعينها أو بقيمتها أو مثلها على الخلاف الذي تقدّم ؛ لما رواه العامّة في حديث أُبيّ بن كعب أنّه قال : « فإن جاء صاحبها فأدِّها إليه »(٣) وأمر النبيّصلىاللهعليهوآله عليّاًعليهالسلام بغرم الدينار الذي وجده لـمّا جاء صاحبه(٤) ، فوجب أن يكون ضامناً في ذمّته من يوم التلف ، ولو لا تقوّمه(٥) لما تمكّن المالك من طلبه إذا جاء.
ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليهالسلام : « مَنْ وجد شيئاً فهو له فليتمتّع به حتى يأتيه طالبه ، فإذا جاء طالبه ردّه إليه »(٦) .
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٩٦ - ٣٩٧ / ١١٩٤.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٨ ، حلية العلماء ٥ : ٥٣١ ، البيان ٧ : ٤٥٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٩ ، المغني ٦ : ٣٦٦ - ٣٦٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٩١.
(٣) تقدّم تخريجه في ص ١٧٠ ، الهامش (١)
(٤) تقدّم تخريجه في ص ٢٣١ ، الهامش (٤)
(٥) كذا قوله : « ضامناً تقوّمه ». والظاهر : « ثابتاً ثبوته ».
(٦) تقدّم تخريجه في ص ٢٤٣ ، الهامش (٣)
ولأنّ هذا مال مَنْ له حرمة ، فإذا أتلفه بغير إذنه وكان من أهل الضمان في حقّه ، لزمه بدله ، كما لو اضطرّ إلى طعام غيره فأكله.
وقال بعض الشافعيّة : إذا تملّكها الملتقط بعد الحول ، لم يطالب بقيمةٍ ولا بعينٍ ، سواء كانت باقيةً أو تالفةً - وبه قال داوُد الظاهري - لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال للسائل : « عرِّفها حولاً ، فإن جاء صاحبها وإلّا فشأنك بها »(١) وروي « فهي لك »(٢) ولم يأمره بردّ بدلها(٣) .
وهو غلط ؛ لأنّ الأمر بردّ البدل قد ثبت بغير هذا الحديث ، ولا معارضة له في هذا الحديث.
مسألة ٣٦٢ : قال أبو إسحاق من الشافعيّة : إذا تملّك اللّقطة بعد الحول فإن جاء صاحبها وإلّا فهي مال الله يؤتيه مَنْ يشاء ، فجَعَلها من المباحات ، ولأنّه لو مات لم يعزل بدلها من تركته(٤) .
وهو غلط ؛ لأنّه يستحقّ صاحبه المطالبة ببدله ، فدلّ على أنّه يملكه بعوضٍ ، كالقرض ، والحديث(٥) لو ثبت حُمل على جواز التملّك واستباحته.
ولا نسلّم أنّه لا يعزل بدله ؛ فإنّ جماعةً من الشافعيّة قالوا : لا نعرف
____________________
(١) تقدّم تخريجه في ص ١٦٦ ، الهامش (١)
(٢) المصنّف - لابن أبي شيبة - ٦ : ٤٥٠ / ١٦٧٢ ، مسند أحمد ٢ : ٤٢٠ - ٤٢١ / ٦٨٩٧.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٨ ، حلية العلماء ٥ : ٥٣١ ، البيان ٧ : ٤٥٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٩ ، المغني ٦ : ٣٦٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٩١.
(٤) البيان ٧ : ٤٥٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٩ ، المغني ٦ : ٣٥٦.
(٥) أي : حديث عياض بن حمار ، المتقدّم في ص ٢٤١.
هذه المسألة(١) ، ولئن(٢) سلّمناها فإنّما كان كذلك ؛ لأنّه لا يعرف المستحقّ ، فالظاهر أنّه لا يعرف فلم توقف التركة.
إذا عرفت هذا ، فإنّ اللّقطة عندنا تُملك بالتعريف والاختيار على ما تقدّم(٣) .
وقال الحسن والنخعي وأبو مجلز والحارث العكلي ومالك وأبو يوسف : لا يجوز للملتقط تملّك اللّقطة بحالٍ ، فإذا تلفت بعد الحول أو قبله من غير تعدٍّ ولا تفريطٍ ، لم يضمنها الملتقط(٤) .
وقد بيّنّا جواز تملّكها ، فيضمن حينئذٍ.
وقد بيّنّا أنّ داوُد وبعض الشافعيّة ذهب إلى أنّ الملتقط يملك العين بعد الحول ، فإذا أتلفها لم يضمنها(٥) .
وعن أحمد رواية بمثل ذلك(٦) .
وقد تقدّم بطلانه ، ولأنّها عين يجب ردّها لو كانت باقيةً ، فيلزمه ضمانها إذا أتلفها ، كما قبل الحول.
مسألة ٣٦٣ : لو وجد المالك العينَ ناقصةً ، فإن كان قبل التملّك من غير تفريطٍ من الملتقط أخذها المالك بحالها ، ولا ضمان على الملتقط ؛ لأنّها لو تلفت بأسرها لم يكن عليه ضمان ، فالأجزاء أولى ؛ لأنّها تابعة للأصل.
____________________
(١) لم نهتد إلى مظانّه.
(٢) في « ج ، خ » : « وإن » بدل « ولئن ».
(٣) في ص ٢٤٤ ، المسألة ٣٥٣.
(٤) المغني ٦ : ٣٦٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٩١.
(٥) راجع : ص ٢٥٧ ، الهامش (٣)
(٦) المغني ٦ : ٣٦٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٩١.
وإن نقصت قبل تملّكه من غير تفريطٍ ثمّ تملّكها ثمّ جاء المالك ، لم يكن له المطالبة بالأرش أيضاً ؛ لأنّ النقص وقع وهي في ملكه بَعْدُ لم تنتقل إلى الملتقط(١) ، وإنّما مَلَكها ناقصةً ، فلم يكن عليه ضمان النقص ، كما لو تلفت قبله.
وكذا لو تلفت بعد أن تملّكها ناقصةً ، لم يكن عليه ضمان النقص ، بل يضمن العين ناقصةً بالمثل أو القيمة ناقصةً.
ولو نقصت بعد التملّك أو بتفريطٍ منه ثمّ جاء مالكها ، فإن قلنا : إنّ المالك لا يرجع في العين ، بل ينتقل حقّه إلى المثل أو القيمة ، لم يكن له أخذها ، ويرجع إلى بدلها سليمةً.
ولو دفعها الملتقط مع الأرش ، فإن قلنا بوجوب قبولها لو كانت سليمةً ، وجب هنا أيضاً ، وإن قلنا : للمالك أن يأخذ عين ماله ، كان له الأخذ هنا مع الأرش ؛ لأنّ الكلّ مضمون على الملتقط لو تلف فكذا البعض.
وقال بعض الشافعيّة : إنّه يقنع بها ، وليس له أرش(٢) .
وليس بجيّدٍ.
ولو أراد الرجوع إلى بدلها وقال الملتقط : أنا أدفع العين مع الأرش ، فالأقوى : إنّه يجب على المالك القبول - وهو أحد وجهي الشافعيّة(٣) - لأنّ العين الناقصة مع الأرش كغير الناقصة ، وصار كالغاصب.
ولهم وجهٌ آخَر : إنّ للمالك الرجوعَ إلى البدل وإن أوجبنا عليه أخذ
____________________
(١) في « ج » : « ملتقطها ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٣ - ٣٧٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٩.
العين السليمة إذا دفعها الملتقط ؛ لأنّ ما خرج عن ملكه تغيّر عمّا كان(١) .
وحينئذٍ هو بالخيار بين البدل والعين الناقصة إمّا مع الأرش - كما ذهبنا إليه وإمّا بدونه ، كما قاله بعض الشافعيّة(٢) .
مسألة ٣٦٤ : إذا كانت اللّقطة موجودةً وكتمها الملتقط ولم يُعرّفها ثمّ ظهر المالك ، كان له أخذها لا غير ؛ لأصالة براءة الذمّة ، والملتقط لم تشتغل ذمّته إلّا بعين اللّقطة ، فلا يجب عليه ردّ ما عداها.
وقد روى صفوان الجمّال عن الصادقعليهالسلام أنّه سمعه يقول : « مَنْ وجد ضالّةً فلم يُعرّفها ثمّ وجدت عنده فإنّها لربّها ومثلها من مال الذي كتمها »(٣) .
وهو مناسب لقول أحمد في الغنيمة : إنّ مَنْ غلّ منها شيئاً وجب عليه ردّها ومثله(٤) .
والرواية محمولة على الاستحباب ، أو على أنّه قد مضى من الزمان الذي بقيت في يده ما تكون أُجرته مساويةً لها ، فيجب عليه أداء ذلك إذا كان مالكها قد طلبها وكَتَمها عنه.
مسألة ٣٦٥ : لو وجد اللّقطةَ اثنان فالتقطاها معاً دفعةً ، وجب عليهما معاً تعريفها حولاً.
والأقرب : الاكتفاء بتعريف أحدهما إذا فَعَل ما يجب في التعريف ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّه لا يجب على الملتقط مباشرة التعريف ، بل له أن يُعرّفها بنفسه وبغيره.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٩.
(٣) الكافي ٥ : ١٤١ / ١٧ ، الفقيه ٣ : ١٨٧ / ٨٤٣ ، التهذيب ٦ : ٣٩٣ / ١١٨٠.
(٤) المغني ١٠ : ٥٢٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٧.
إذا عرفت هذا ، فإن عرّفاها حولاً وقلنا : إنّ الملتقط يملك ملكاً قهريّاً ، مَلَكاها معاً بحئول الحول ، وليس لأحدهما نقل حقّه إلى صاحبه ، إلّا بسببٍ ناقلٍ من هبةٍ أو غيرها ، كما لو ورثا معاً مالاً ، وكما أنّه ليس للملتقط نقل حقّه إلى غيره.
وإن قلنا : لا يملك الملتقط إلّا باختياره لو اختارا معاً تملّكها ، مَلَكاها. ولو اختارا حفظها وعدم تملّكها ، لم يملكها أحدهما ، وكانت أمانةً في أيديهما. ولو اختلفا فاختار أحدهما التملّك دون الآخَر ، مَلَك المختار نصفها دون الآخَر.
ولو رأياها معاً فبادر أحدهما فأخذها أو رآها أحدهما فأعلم بها الآخَر فأخذها ، فهي للآخذ خاصّةً ؛ لأنّ استحقاق اللّقطة بالأخذ ؛ لا بالرؤية ، كالاصطياد والاحتطاب.
ولو رآها أحدهما فأعلم بها صاحبه وقال له : هاتها ، أو أعطني إيّاها ، أو ارفعها إلَيَّ ، فإن أخذها المأمور لنفسه ، فهي له دون الآمر ؛ لوجود سبب الملك في حقّه ، دون صاحبه ، وإن أخذها للآمر أو لنفسه وللآمر ، بُني على جواز التوكيل في الاصطياد ونحوه ، إن سوّغنا التوكيل عُمل بمقتضى نيّة الآخذ ، وإلّا كانت للآخذ خاصّةً.
ولو تنازعا في لقطةٍ(١) ، فادّعى كلٌّ منهما أنّه الذي التقطها دون صاحبه وأقام كلٌّ منهما بيّنةً ، فإن شهدت إحداهما بالسبق حُكم له ، وإلّا حُكم بها للخارج عندنا ، وللداخل عند الشافعي(٢) .
مسألة ٣٦٦ : لو ضاعت اللّقطة عن ملتقطها بغير تفريطٍ منه ، فلا ضمان
____________________
(١) في النُّسَخ الخطّيّة : « اللّقطة ».
(٢) راجع : العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٤ ، وروضة الطالبين ٤ : ٤٧٩.
عليه ؛ لأنّها أمانة في يده ، وكما لو تلفت في يده ، فأشبهت الوديعة.
فإن التقطها آخَر فعرف أنّها ضاعت من الأوّل ، فعليه ردّها إليه ؛ لأنّه قد ثبت له حقّ التموّل وولاية التعريف والحفظ ، فلا يزول ذلك بالضياع ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني : إنّ الثاني أحقّ بها(١) .
وليس بجيّدٍ.
ولو لم يعلم الثاني بالحال حتى عرّفها حولاً ، مَلَكها الثاني ؛ لأنّ سبب الملك وُجد منه من غير عدوانٍ ، فيثبت الملك فيه ، كالأوّل ، ولا يملك الأوّل انتزاعها ؛ لأنّ الملك مقدَّم على حقّ التملّك ، وإذا جاء صاحبها فله أخذها من الثاني ، وليس له مطالبة الأوّل ؛ لأنّه لم يفرّط.
ولو علم الثاني بالأوّل فردّها إليه فامتنع من أخذها وقال : عرِّفها أنت ، فعرَّفها ، مَلَكها أيضاً ؛ لأنّ الأوّل ترك حقّ اليد وولاية التعريف ، فسقط.
وإن قال : عرِّفها ويكون ملكها لي ، ففَعَل ، فهو مستنيب له في التعريف ، ويملكها الأوّل ؛ لأنّه وكّله في التعريف ، فصحّ ، كما لو كانت في يد الأوّل.
وإن قال : عرِّفها وتكون بيننا ، صحّ أيضاً ، وكانت بينهما ؛ لأنّه أسقط حقّه من نصفها ، ووكّله في الباقي.
ولو قصد الثاني بالتعريف تملّكها لنفسه دون الأوّل ، احتُمل أن يملكها الثاني ؛ لأنّ سبب الملك وُجد منه ، فمَلَكها ، كما لو أذن له الأوّل وعرَّفها لنفسه ، وأن لا يملكها الثاني ؛ لأنّ ولاية التعريف للأوّل ، فأشبه ما
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٤ - ٣٧٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٠.
لو غصبها من الملتقط غاصب فعرّفها.
وكذا الحكم إذا علم الثاني بالأوّل فعرّفها ولم يُعلِمْه بها ، وهذا يشبه المحجّر في الموات إذا سبقه غيره إلى ما حجره فأحياه بغير إذنه.
فأمّا إن غصبها غاصب من الملتقط فعرّفها لم يملكها ؛ لأنّه متعدٍّ بأخذها ، ولم يوجد منه سبب تملّكها ، فإنّ الالتقاط من جملة السبب ولم يوجد منه ، بخلاف ما لو التقطها اثنان ، فإنّه وُجد منه الالتقاط والتعريف.
ولو دفعها الثاني إلى الأوّل فامتنع الأوّل من أخذها فمَلَكها الثاني وأتلفها أو تلفت بعد تملّكه مطلقاً أو قبله بالتفريط فجاء المالك فطلبها ، تخيّر في الرجوع على مَنْ شاء منهما.
أمّا الأوّل : فلتمكّنه من أخذ مال الغير الذي استولى عليه ، فكان كالدافع لها إلى الغير ، لكن يستقرّ الضمان على الثاني.
وأمّا الثاني : فلأنّ التلف في يده.
ولو تملّكها الأوّل بعد التعريف حولاً ثمّ ضاعت منه فالتقطها الثاني فعرّفها حولاً ومَلَكها ثمّ جاء المالك ، فإن قلنا : له الرجوع في العين ، كان له مطالبة مَنْ شاء منهما ، ويستقرّ الضمان على الثاني ، وإن قلنا : لا حقّ له في العين ، فالأقوى : إنّه ليس له مطالبة الثاني ، بل الأوّل خاصّةً ، وللأوّل الرجوع على الثاني.
فروع :
أ - لو رأى شيئاً مطروحاً على الأرض فدفعه برِجْله ليعرف جنسه أو قدره ثمّ لم يأخذه حتى ضاع ، قال بعض الشافعيّة : لا يضمنه ؛ لأنّه
لم يحصل في يده(١) .
وفيه نظر.
ب - لو دفع اللّقطة إلى الحاكم وترك التعريف والتملّك ثمّ ندم وأراد أن يُعرّف ويتملّك ، كان له ذلك ، ويُمكّنه الحاكم منه.
وللشافعيّة وجهان(٢) .
ج - لو وجد خمراً أراقها صاحبها ، لم يلزمه تعريفها ؛ لأنّ إراقتها مستحقّة.
فإن صارت عنده خَلاًّ ، مَلَكها ؛ لأنّ الأوّل أسقط حقّه منها ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
والثاني : إنّه لمَنْ أراقها ، كما لو غصبها فصارت خَلاًّ عنده(٣) .
والفرق : إنّها في الغصب مأخوذة بغير رضا صاحبها ، وفي المتنازع قد أسقط صاحبها حقّه منها.
وهذا البحث يستمرّ في الخمر المحترمة خاصّةً ، فالقول حينئذٍ بأنّ إراقتها مستحقّة ممنوع.
أمّا في الابتداء فظاهر.
وأمّا عند الوجدان فكذلك ينبغي أن يجوز إمساكها إذا خلا عن قصدٍ فاسد.
ثمّ هذا الحكم مخصوص بما إذا أراقها ؛ لأنّه بالإراقة مُعرض عنها ، فيكون كما لو أعرض عن جلد ميتةٍ فدبغه غيره.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٠.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٠.
وفيه للشافعيّة وجهان(١) .
وأمّا إذا ضاعت الخمر المحترمة من صاحبها ، فلتُعَّرف ، كالكلب.
مسألة ٣٦٧ : وإنّما يجب الدفع إلى المالك ، فإذا جاء مَنْ يدّعيها ، فإن لم يُقِمْ بيّنةً بها ولا وَصَفها ، لم تُدفع إليه ، إلّا أن يعلم الملتقط أنّها له ، فيجب عليه دفعها إليه.
وإن أقام البيّنة ، رُدّت عليه.
وإن لم تكن هناك بيّنة ولكن وَصَفها بصفاتها الخاصّة التي تخفى عن غير المالك ، فإن لم يغلب على ظنّ الملتقط صدقه وأنّها له ، لم تُدفع إليه - وهو المشهور للشافعيّة(٢) - لأصالة عصمة مال الغير.
ولقولهعليهالسلام : « البيّنة على المدّعي »(٣) .
وحكى الجويني وجهاً آخَر في جواز الدفع(٤) .
وقال مالك وأبو عبيد وداوُد وأحمد وابن المنذر : إذا عرف عفاصها ووكاءها وعددها ، وجب دفعها إليه ، سواء غلب على ظنّه صدقه أو لم يغلب(٥) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٧.
(٣) جامع المسانيد - للخوارزمي - ٢ : ٢٧٠ ، سنن الترمذي ٣ : ٦٢٦ / ١٣٤١ ، سنن الدارقطني ٤ : ١٥٧ / ٨ ، سنن البيهقي ٨ : ٢٧٩ ، و ١٠ : ٢٥٢.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٧.
(٥) الاستذكار ٢٢ : ٣٣٩ / ٣٣١٠٧ ، التمهيد ٣ : ١٢٠ ، بداية المجتهد ٢ : ٣٠٦ ، الذخيرة ٩ : ١١٧ ، المعونة ٢ : ١٢٦٣ ، المغني ٦ : ٣٦٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨٨ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٨ ، الحاوي الكبير ٨ : ٢٣ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٠ ، البيان ٧ : ٤٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٢.
وأمّا الشافعي وأبو حنيفة فإنّهما قالا : لا يُجبر على دفعها إلّا ببيّنةٍ(١) ، كما ذهبنا إليه.
ويجوز له دفعها إليه إذا غلب على ظنّه صدقه ، وبه قالا(٢) .
وقال أصحاب الرأي : إن شاء دفعها إليه ، وأخذ كفيلاً(٣) .
واحتجّ مالك وأحمد : بما روي عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « فإن جاء أحد يُخبرك بعددها ووعائها ووكائها فادفعها إليه »(٤) .
قال ابن المنذر : هذا الثابت عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وبه أقول(٥) .
ولأنّ إقامة البيّنة بذلك تتعذّر(٦) في اللّقطة ، فاكتفي فيها بالوصف ،
____________________
(١) الأُم ٤ : ٦٦ ، مختصر المزني : ١٣٦ ، الحاوي الكبير ٨ : ٢٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٨ ، الوجيز ١ : ٢٥٣ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٤ ، البيان ٧ : ٤٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٧ ، مختصر القدوري : ١٣٥ - ١٣٦ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٣٥٥ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٢ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٥٠ ، المغني ٦ : ٣٦٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨٨ ، الاستذكار ٢٢ : ٣٣٩ - ٣٤٠ / ٣٣١١٤ و ٣٣١١٥ ، التمهيد ٣ : ١٢٠ ، بداية المجتهد ٢ : ٣٠٦ ، الذخيرة ٩ : ١١٧ ، المعونة ٢ : ١٢٦٣ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٨.
(٢) الأُم ٤ : ٦٦ ، مختصر المزني : ١٣٦ ، الحاوي الكبير ٨ : ٢٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٨ ، الوجيز ١ : ٢٥٣ ، حلية العلماء ٥ : ٥٤٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٤ ، البيان ٧ : ٤٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٧ ، مختصر القدوري : ١٣٦ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٢ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٥٠ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٨ ، المغني ٦ : ٣٦٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨٨ ، الاستذكار ٢٢ : ٣٣٩ - ٣٤٠ / ٣٣١١٤ و ٣٣١١٥.
(٣) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٧ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٢ ، الاستذكار ٢٢ : ٣٤٠ / ٣٣١١٨ ، المغني ٦ : ٣٦٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨٨.
(٤) سنن البيهقي ٦ : ١٩٢ و ١٩٧.
(٥) المغني ٦ : ٣٦٣.
(٦) في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « متعذّر ». والصحيح ما أثبتناه.
ولهذا أمر النبيّصلىاللهعليهوآله الملتقط بمعرفة العفاص والوكاء(١) (٢) .
والمعتمد ما قلناه ؛ لأنّ وصف الوعاء لا يستحقّ به(٣) ، كالمغصوب ، وتعذّر إقامة البيّنة قائم في المغصوب والمسروق ، وذِكْرُ النبيّصلىاللهعليهوآله الصفاتِ ؛ لما قدّمناه من الفوائد ، لا للتسليم إلى مدّعيه بمجرّد ذكرها.
وإن غلب على ظنّ الملتقط صدق المدّعي الواصف لها ، جاز دفعها إليه ولا يجب - وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أصحّ القولين(٤) - لما تقدّم من أنّه مُدّعٍ ، فيفتقر إلى البيّنة.
والوجه الثاني للشافعي : إنّه يجب دفعها ، وبه قال مالك وأحمد ؛ لأنّهم أوجبوا الدفع مع وصف العفاص والوعاء والعدد وإن لم يغلب على الظنّ الصدقُ ، فمعه أولى(٥) .
مسألة ٣٦٨ : ولا يكفي في وجوب الدفع الشاهدُ الواحد وإن كان عَدْلا ؛ لأنّ البيّنة لا تثبت به ، والأمر بالإشهاد وقع باثنين ، فلا يكفي الواحد ، والأصل عصمة مال الغير.
وللشافعيّة وجهٌ آخَر : الاكتفاء بالعَدْل الواحد ؛ لحصول الثقة بقوله(٦) .
ويحتمل عندي جواز الدفع إن حصل الظنّ ، كما لو حصل الظنّ بالوصف.
ولو قال الواصف : يلزمك تسليمها إلَيَّ ، فله أن يحلف أنّه لا يلزمه.
____________________
(١) تقدّم تخريجه في ص ١٦٦ ، الهامش (١)
(٢) المغني ٦ : ٣٦٣ - ٣٦٤ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٨٨ - ٣٨٩.
(٣) في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « بها ». والمثبت هو الصحيح.
(٤) راجع : الهامش ( ١ و ٢ ) من ص ٢٦٦.
(٥) راجع : الهامش (٥) من ص ٢٦٥.
(٦) الوسيط ٤ : ٢٩٩ ، الوجيز ١ : ٢٥٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٢.
ولو قال : تعلم أنّها ملكي ، حلف على نفي العلم ، فإن نكل حلف المدّعي ، وحُكم له به.
مسألة ٣٦٩ : إذا حضر طالب اللّقطة ووَصَفَها ولم يُقِم بيّنةً فدفعها الملتقط إليه ثمّ جاء آخَر وأقام البيّنة على أنّها له ، فإن كانت باقيةً انتُزعت منه ودُفعت إلى الثاني.
وإن تلفت عنده ، تخيّر المالك بين أن يُضمّن الملتقطَ ؛ لأنّه حالَ بين المالك وملكه بدفعه إلى غيره ، أو الواصفَ ؛ لفساد القبض ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(١) .
فإن ضمّن الواصفَ ، لم يرجع على الملتقط ؛ لأنّ التلف وقع في يده ، ولأنّ الثاني ظالم بزعمه ، فلا يرجع على غير ظالمه ، وإن ضمّن الملتقطَ رجع إن لم يُقرّ للواصف بالملك ، وإن أقرّ لم يرجع ؛ مؤاخذةً له بقوله.
وقال بعض أصحاب مالك ، وأبو عبيد : إنّه لا يضمن الملتقط ؛ لأنّه فَعَل ما أُمر به ، وهو أمين غير مفرّطٍ ولا مقصّرٍ ، فلم يضمن ، كما لو دفعها بأمر الحاكم [ و ](٢) لأنّ الدفع واجب عليه ، فصار الدفع بغير اختياره ، فلم يضمنه ، كما لو أُكره(٣) .
هذا إذا دفع بنفسه ، وأمّا إذا ألزمه الحاكم الدفع إلى الواصف ، لم يكن لمقيم البيّنة تضمينه ؛ لأنّها مأخوذة منه على سبيل القهر ، فلم يضمنها ، كما
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٨ ، البيان ٧ : ٤٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٧ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٥٠ ، المغني ٦ : ٣٦٥ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٩٣.
(٢) ما بين المعقوفين أثبتناه من المغني.
(٣) الذخيرة ٩ : ١١٩ : المغني ٦ : ٣٦٥.
لو غصبها غاصب.
وإذا ضمّن الواصفَ ، لم يرجع على أحدٍ ؛ لأنّ العدوان منه ، والتلف عنده.
ثمّ إن كان رأي الحاكم الدفعَ بالوصف ، كان لمقيم البيّنة تضمين المدفوع إليه خاصّةً.
وإن لم يكن رأيه ذلك ، كان مخيّراً بين أن يرجع على الحاكم ؛ لبطلان الدفع عنده ، وبين أن يرجع على القابض ، ويستقرّ الضمان على القابض.
ولو جاء الواصف بعد ما تملّك الملتقط اللّقطةَ وأتلفها فغرمها الملتقط له لظنّه صدقه ثمّ جاء آخَر وأقام البيّنة بملكيّتها ، كان له مطالبة الملتقط دون الواصف ؛ لأنّ الذي قبضه الواصف ليس عين ماله ، وإنّما هو مال الملتقط.
ثمّ إنّ الملتقط يرجع على الواصف إن لم يكن قد أقرّ له بالملك عند الغرامة ، وإن كان قد أقرّ لم يكن له الرجوعُ ؛ لاعترافه بأنّه المستحقّ ، وأنّ الثاني ظالم.
ولو تعذّر الرجوع على الملتقط ، فالأقوى : إنّ له الرجوعَ على القابض اقتصاصاً للملتقط إن لم يُقم القابض البيّنةَ على الملتقط باعترافه له بالملكيّة.
مسألة ٣٧٠ : لو أقام واحد بيّنةً بها فدُفعت إليه ثمّ أقام آخَر بيّنةً أُخرى بأنّها له أيضا ، فإن لم يكن هناك ترجيح لإحدى البيّنتين على الأُخرى ، أُقرع بينهما ؛ لأنّه مشكل ؛ لانتفاء الأولويّة والحكم بهما ودفعهما معاً.
فإن خرجت للأوّل فلا بحث ، وإن خرجت القرعة للثاني انتُزعت من
الأوّل وسُلّمت إليه.
ولو تلفت ، فإن كان الملتقط قد دفع بإذن الحاكم ، لم يضمن ، وكان الضمان على الأوّل ، وإن كان قد دفعها باجتهاده ضمن ؛ لأنّه ليس له الحكم لنفسه.
أمّا لو قامت البيّنة بعد الحول وتملّك الملتقط ودفع العوض إلى الأوّل ، ضمن الملتقط للثاني على كلّ حالٍ ؛ لأنّ الحقّ ثابت في ذمّته لم يتعيّن بالدفع إلى الأوّل ، ورجع الملتقط على الأوّل ؛ لتحقّق بطلان الحكم.
وعند الشافعي إذا أقام كلّ واحدٍ بيّنةً على أنّها له ، ففيه أقوال التعارض(١) .
تذنيب : لو أقام مدّعي اللّقطة شاهدَيْن عَدْلين عنده وعند الملتقط وفاسقين عند القاضي ، لم يجز للقابض الدفع بشهادة هذين الشاهدين وإن اعترف الغريم بعدالتهما ؛ لأنّه يعرف منهما ما يخفى عن الغريم.
وللشافعيّة وجهان :
أصحّهما عندهم : هذا.
والثاني : إنّ له الدفعَ ؛ لاعترافه بعدالتهما(٢) .
وليس بشيءٍ.
آخَر : لو وصفها اثنان وتداعياها ، فإن قلنا بالدفع بالوصف وجوباً ، أُقرع بينهما ، كما لو أقاما بيّنةً ، وإن قلنا به جوازاً ، جازت القرعة ، والحكم كما تقدّم.
وقال بعض الحنابلة : تقسم بينهما ؛ لتساويهما فيما يستحقّ به الدفع ،
____________________
(١) حلية العلماء ٥ : ٥٥٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٨.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٧٨.
فتساويا فيها ، كما لو كانت في أيديهما(١) .
وليس بشيءٍ ؛ لأنّهما لو تداعيا عيناً في يد غيرهما وتساويا في البيّنة أو عدمها ، تكون لمن وقعت له القرعة ، كما لو تداعيا وديعةً في يد إنسانٍ واعترف لأحدهما من غير تعيينٍ ، بخلاف ما لو كانت في يديهما ؛ لأنّ يد كلّ واحدٍ منهما على نصفها ، فيُرجّح قوله فيه.
آخَر : لا تُدفع إلى مَنْ خرجت له القرعة إلّا باليمين ، فإن امتنع منها أُحلف الآخَر ، فإن امتنعا احتُمل إيقافها إمّا عليهما حتى يصطلحا ، أو على غيرهما.
ولا فرق في ذلك بين وجوب القرعة بالوصف أو بالبيّنة.
آخَر : لو وصفها واحد فدُفعت إليه ثمّ جاء آخَر فوصفها وادّعاها ، لم يستحق شيئا ؛ لأنّ الأوّل استحقّها لوصفه إيّاها ، وعدم المنازع فيها ، وتثبت يده عليها ، ولم يوجد ما يقتضي انتزاعها منه ، فيجب بقاؤها له ، كسائر أمواله.
مسألة ٣٧١ : لو جاء مدّعي اللّقطة فادّعاها ولم يُقم بيّنةً ولا وَصَفَها ، لم يجز دفع اللّقطة إليه ، سواء غلب على ظنّه صدقه أو كذبه - وبه قال جمهور العامّة(٢) - لأنّها أمانة ، فلم يجز(٣) دفعها إلى مَنْ لم يثبت أنّه صاحبها ، كالوديعة.
____________________
(١) المغني ٦ : ٣٦٤ - ٣٦٥ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٩٢.
(٢) المغني ٦ : ٣٦٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٩٤.
(٣) في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « لم يجب » بدل « لم يجز ». والمثبت يقتضيه السياق.
فإن دفعها إليه فجاء آخَر فوَصَفَها أو أقام بيّنةً ، لزم الدافع غرامتها ؛ لأنّه فوّتها على مالكها ، وحالَ بينه وبينها بدفعه ، وله الرجوع على مدّعيها ؛ لأنّه أخذ مال غيره ، ولصاحبها تضمين آخذها ، فإذا ضمّنه لم يرجع على أحدٍ.
وإن لم يأت أحد ، فللملتقط مطالبة آخذها بها ؛ لأنّه لا يأمن مجيء صاحبها ، فيغرمه إيّاها ، ولأنّها أمانة في يده ، فمَلَك أخذها من غاصبها ، كالوديعة.
* * *
المطلب الثالث : في اللواحق.
مسألة ٣٧٢ : قد بيّنّا الخلاف في أنّ الملتقط هل يملك اللّقطة ملكاً مراعىً يزول بمجيء صاحبها ويضمن له بدلها إن تعذّر ردّها ، أو يملكها ملكاً مستقرّاً ويجب عليه دفع العوض إلى صاحبها وإن كانت موجودةً؟
إذا تقرّر هذا ، فهل يملكها الملتقط مجّاناً بغير عوضٍ يثبت في ذمّته ، وإنّما يتجدّد وجوب العوض بمجيء صاحبها ، كما يتجدّد زوال الملك عنها بمجيئه ، وكما يتجدّد وجوب نصف الصداق للزوج أو بدله إن تعذّر ثبوت الملك فيه بالطلاق ، أو لا يملكها إلّا بعوضٍ يثبت في ذمّته لصاحبها؟ إشكال ينشأ : من قولهعليهالسلام : « فإن جاء صاحبها وإلّا فهي مال الله تعالى يؤتيه مَنْ يشاء »(١) فجَعَلها من المباحات ، رواه العامّة ، ومن أنّه يملك المطالبة ، فأشبه القرض.
والثاني أولى ، والفائدة : وجوب عزلها ، أو عزل بدلها من تركته ، واستحقاق الزكاة بسبب الغرم ، ووجوب الوصيّة بها ، ومنع وجوب الخمس بسبب الدَّيْن على التقدير الثاني.
مسألة ٣٧٣ : ما يوجد في المفاوز أو في خربةٍ قد باد أهلها ، فهو لواجده من غير تعريفٍ إن لم يكن عليه أثر الإسلام ، وإلّا فهو لقطة.
وكذا المدفون في أرضٍ لا مالك لها ، ولو كان لها مالك فهو له ؛ قضاءً لليد.
____________________
(١) تقدّم تخريجه في ص ١٧٤ ، الهامش (١)
ولو انتقلت عنه بالبيع إليه عرّفه ، فإن عرّفه فهو أحقّ به ، وإلّا عرّفه البائع السابق على بائعه ، وهكذا ، فإن لم يعرفه أحد منهم فهو لواجده ؛ لما رواه محمّد بن مسلم - في الصحيح - عن أحدهماعليهماالسلام ، قال : وسألته عن الورق يوجد في دارٍ ، فقال : « إن كانت الدار معمورةً فهي لأهلها ، وإن كانت خربةً فأنت أحقّ بما وجدتَ »(١) .
وفي الصحيح عن محمّد بن مسلم عن الباقرعليهالسلام ، قال : سألته عن الدار يوجد فيها الورق ، فقال : « إن كانت معمورةً فيها أهلها فهو لهم ، وإن كانت خربةً قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به »(٢) .
ولا ينافي هذا ما رواه محمّد بن قيس عن الباقرعليهالسلام قال : « قضى عليٌّعليهالسلام في رجلٍ وجد ورقاً في خربةٍ أن يُعرّفها ، فإن وجد مَنْ يعرفها ، وإلّا تمتّع بها »(٣) لأنّه محمول على ما إذا كان لها مالك معروف ، أو كان على الورق أثر الإسلام.
ولو وجد في داره شيئاً ولم يعرفه ، فإن كان يدخل منزله غيره فهو لقطة يُعرّفه سنةً ، كما يُعرّف اللّقطة ، ويكون حكمه حكم اللّقطة ، وإن كان لا يدخله غيره كان له ؛ بناءً على الظاهر ، وقد يعرض له النسيان عمّا مَلَكه.
ولما رواه جميل بن صالح - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : رجل وجد في بيته ديناراً ، قال : « يدخل منزله غيره؟ » قال : نعم كثير ، قال : « هذه لقطة »(٤) .
ولو وجد في صندوقه شيئاً ولم يعرف أنّه له ، فالحكم كالدار إن كان
____________________
(١) التهذيب ٦ : ٣٩٠ / ١١٦٥.
(٢) الكافي ٥ : ١٣٨ / ٥ ، التهذيب ٦ : ٣٩٠ / ١١٦٩.
(٣) التهذيب ٦ : ٣٩٨ / ١١٩٩.
(٤) الكافي ٥ : ١٣٧ / ٣ ، الفقيه ٣ : ١٨٧ / ٨٤١ ، التهذيب ٦ : ٣٩٠ / ١١٦٨.
غيره يشاركه في فتحه ، كان لقطةً ، وإلّا كان لصاحبه ؛ لما رواه جميل بن صالح - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام : قلت : فرجل قد وجد في صندوقه ديناراً ، قال : « يدخل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئاً؟ » قلت : لا ، قال : « فهو له »(١) .
مسألة ٣٧٤ : لو وجد شيئاً في جوف دابّةٍ ، فإن كانت الدابّة قد انتقلت إليه من غيره ، عرّفه المالك ، فإن عرفه فهو أحقّ به ، وإلّا كان(٢) ملكاً له.
ويحتمل أن يكون لقطةً يُعرّف البائع وغيره ، ويبدأ بالبائع ، لكن علماؤنا على الأوّل.
وكذا لو لم تنتقل إليه من غيره ، بل تولّدت عنده.
لما رواه عبد الله بن جعفر - في الصحيح - قال : كتبتُ إلى الرجل أسأله عن رجلٍ اشترى جزوراً أو بقرةً للأضاحي فلـمّا ذبحها وجد في جوفها صُرّةً فيها دراهم أو دنانير أو جوهر لمن تكون؟ قال : فوقّععليهالسلام : « عرّفها البائع ، فإن لم يكن يعرفها فالشيء لك رزقك الله إيّاه »(٣) .
ولو وجد شيئاً في جوف سمكةٍ كالدرّة يجدها في جوف السمكة ، فإن كان قد مَلَكها بالصيد فهو له ، قال الله تعالى :( وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ) (٤) فيكون لواجدها.
وإن كانت قد انتقلت إليه بالبيع من الصيّاد فوجدها المشتري ولم يعلم الصيّاد بها ، قال أحمد : تكون للصيّاد ؛ لأنّه إذا لم يعلم ما في بطنها لم يبعه ولم يرض بزوال ملكه عنه ، فلم يدخل في المبيع ، كمن باع
____________________
(١) نفس المصادر.
(٢) في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « كانت » بدل « كان ». والصحيح ما أثبتناه.
(٣) الكافي ٥ : ١٣٩ / ٩ ، التهذيب ٦ : ٣٩٢ / ١١٧٤.
(٤) سورة النحل : ١٤.
داراً له مال مدفون فيها(١) .
ولو وجد شيئاً غير الدرّة ممّا يكون في البحر ، فهو للصيّاد ، وكان حكمه حكم الجوهرة.
وإن وجد دراهم أو دنانير ، فهي لقطة ؛ لأن ذلك لا يخلق في البحر ، ولا يكون إلّا لآدميٍّ ، فيكون لقطةً ، كما لو وجده في البحر.
وكذا الدرّة إذا كان فيها أثر آدميّ ، كما لو كانت مثقوبةً أو متّصلةً بذهبٍ أو فضّةٍ أو غيرها ، فإنّها تكون لقطةً لا يملكها الصيّاد ؛ لأنّها لم تقع في البحر حتى تثبت اليد عليها ، فهي كالدينار.
وأمّا علماؤنا فقد أطلقوا القول بأنّ ما يجده في جوف السمكة يكون له ، ولم يفصّلوا إلى ما ذكرناه ، وهو يدلّ على أنّ تملّك اللّقطة يشترط فيه النيّة.
وبالجملة ، قول أحمد لا بأس به عندي.
ولم يفرّق علماؤنا بين أن يصطاد السمكة من البحر وغيره.
وأحمد فرَّق بينهما ، فجعل ما يصطاد من السمك في النهر والعين كالشاة في أنّ ما يوجد في بطنها من ذلك يكون لقطةً ، درّةً كانت أو غيرها(٢) .
مسألة ٣٧٥ : لو وجد عنبرةً على ساحل البحر ، فهي له ؛ لإمكان أن يكون البحر قد ألقاها ، والأصل عدم الملك فيها ، فكانت مباحةً لآخذها ، كالصيد.
وقد روي أنّ بحر عدن ألقى عنبرةً مثل البعير فأخذها ناس بعدن ، فكُتب إلى عمر بن عبد العزيز ، فكتب عمر : خُذوا منها الخُمْس وادفعوا إليهم سائرها ، وإن باعوكموها فاشتروها ، فأردنا أن نزنها فلم نجد ميزاناً
____________________
(١) المغني ٦ : ٣٧٠.
(٢) المغني ٦ : ٣٧٠ - ٣٧١.
يخرجها ، فقطعناها باثنتين(١) ووزناها فوجدناها ستّمائة رطل ، فأخذنا خُمْسها ودفعنا سائرها إليهم ثمّ اشتريناها بخمسة آلاف دينار وبعثنا بها إلى عمر بن عبد العزيز فلم يلبث إلّا قليلاً حتى باعها بثلاثة وثلاثين ألف دينار(٢) .
وعلماؤنا قالوا : إنّ العنبر إن أُخرج من البحر بالغوص ، أُخرج منه الخُمْس إن بلغ قيمته ديناراً فصاعداً ، وكان الباقي للمُخْرج ، وإن قلّت قيمته عن دينارٍ ، فهو له بأجمعه ، وإن جُبي من وجه الماء أو من الساحل ، كان للواجد يخرج منه خُمْسه إن بلغت قيمته عشرين ديناراً ، والباقي له.
وقيل : لا يشترط النصاب(٣) .
وقد روى الشعيري عن الصادقعليهالسلام أنّه سئل عن سفينةٍ انكسرت في البحر فأُخرج بعضه بالغوص وأخرج البحر بعضَ ما غرق فيها ، فقال : « أمّا ما أخرجه البحر فهو لأهله ، الله أخرجه، وأمّا ما أُخرج بالغوص فهو لهم وهُمْ أحقّ به »(٤) .
مسألة ٣٧٦ : لو اصطاد غزالاً فوجده مخضوباً أو وجد في عنقه خرزاً أو في أُذنه خيطاً أو نحو ذلك ممّا يدلّ على ثبوت اليد عليه ، فهو لقطة ؛ لأنّ ذلك دليل على أنّه كان مملوكاً لغيره.
ولو ألقى شبكةً في البحر فوقع فيها سمكة فجذبت السمكةُ الشبكةَ فمرّت بها في البحر فصادها رجل ، فالسمكة للّذي صادها ، وأمّا الشبكة
____________________
(١) في النُّسَخ الخطّيّة والمغني : « باثنين ».
(٢) المغني ٦ : ٣٧١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٦٣.
(٣) لم نتحقّق القائل بذلك.
(٤) التهذيب ٦ : ٢٩٥ / ٨٢٢.
فيُعرفها ، فإن وجد صاحبها دفعها إليه ، ولا يملك صاحب الشبكة السمكةَ وإن حصلت في شبكته ؛ لأنّ شبكته لم تثبتها ، فبقيت على الإباحة.
وكذا لو نصب فخّاً(١) أو شَرَكاً(٢) فوقع فيه صيد من صيود البَرّ فأخذه وذهب به وصاده آخَر ، فهو للصائد ، ويردّ الآلة إلى صاحبها ، فإن لم يعرف صاحبها فهي لقطة.
أمّا لو وجد غزالاً أو حمارَ وحشٍ أو غيرهما من الصيود في شَرَكٍ وقد شارف الموت فخلّصه وذبحه ، فهو لصاحب الحبالة ، وما كان من الصيد في الحبالة فهو لناصبها وإن كان صقراً أو عقاباً.
مسألة ٣٧٧ : لو أُخذت ثيابه في الحمّام ووجد بدلها ، أو أُخذ مداسه(٣) وتُرك له بدله ، لم يملكه بذلك ، ولا بأس باستعماله إن علم أنّ صاحبه تركه له عوضاً ، ويعرّفه سنةً ، ثمّ إمّا أن يتملّكه مع الضمان ، أو يحتفظه دائماً ، أو يتصدّق به ويضمن ؛ لأنّ سارق الثياب لم تَجْر بينه وبين مالكها معاوضة توجب زوال ملكه عن ثيابه ، فإذا أخذها فقد أخذ مال غيره ، فلا يعرف مالكه ، فيعرّفه كاللّقطة ، إلّا أن يعلم أنّ السارق قصد المعاوضة بأن يكون الذي له أردأ من الذي سرقه ، وكانت ممّا لا يشتبه على الآخذ بالذي له ، فلا يحتاج حينئذٍ إلى التعريف ؛ لأنّ مالكها تركها قصداً ، والتعريف إنّما جُعل للضائع عن صاحبه ليعلم به ويأخذه ، وتارك هذا عالم به وراضٍ ببدله عوضاً عمّا أخذه ، فلا تحصل من تعريفه فائدة ، وحينئذٍ يباح للواجد
____________________
(١) الفخّ : المصيدة التي يصاد بها. لسان العرب ٣ : ٤١ « فخخ ».
(٢) الشَّرَك : حبائل الصائد وما يُنصب للطير. لسان العرب ١٠ : ٤٥٠ « شرك ».
(٣) المداس : الذي ينتعله الإنسان أو ما يُلبَس في الرِّجْل. المصباح المنير : ٢٠٣ ، القاموس المحيط ٢ : ٢١٧ « دوس ».
استعمالها ؛ لأنّ الظاهر أنّ صاحبها تركها له باذلاً له إيّاها عوضاً عمّا أخذه ، فصار كالمبيح له أخذها بلسانه ، وهو أحد وجوه الحنابلة.
ولهم آخَران :
أحدهما : الصدقة بها.
والثاني : الرفع إلى الحاكم ليبيعها ويدفع ثمنها إليه عوضاً عن ماله(١) .
وما قلناه أولى ؛ لأنّه أرفق بالناس ؛ لأنّ فيه نفعاً لمن سُرقت ثيابه ؛ لحصول عوضها له ، وللسارق بالتخفيف عنه من الإثم وحفظ هذه الثياب المتروكة من الضياع ، وقد أُبيح لمن له على إنسانٍ حقٌّ من دَيْنٍ أو غصبٍ أو غير ذلك أن يأخذ من مال مَنْ عليه الحقّ بقدر ما عليه إذا عجز عن استيفائه بغير ذلك ، فهنا مع رضا مَنْ عليه الحقّ بأخذه أولى.
فإن وجد هناك قرينة تدلّ على اشتباه الحال على الآخذ ، وأنّه إنّما أخذها ظنّاً أنّها ثيابه بأن تكون المتروكة خيراً من المأخوذة أو مساويةً لها وهي ممّا تشتبه ، فينبغي أن يُعرّفها ؛ لأنّ صاحبها لم يتركها عمداً ، فهي بمنزلة الضائعة منه ، والظاهر : إنّه إذا علم بها أخذها ، وردّ ما كان أخذه.
إذا عرفت هذا ، فالظاهر أنّه يتملّكها باختياره بعد التعريف حولاً ، فإن ظهر المالك قاصّه بماله وترادّ الفضل.
ولو دفعها إلى الحاكم بعد التعريف حولاً ليبيعها ويأخذ ثمنها ، جاز.
مسألة ٣٧٨ : لو كان عنده وديعة قد أتى عليها زمان لا يعرف صاحبها ، يبيعها ويتصدّق بثمنها ، فإذا جاء مالكها بعد ذلك خيّره المستودع بين الغرم ويكون الأجر له ، وبين إجازة ما فَعَله ويكون الأجر للمالك.
____________________
(١) المغني ٦ : ٣٧٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٦٥.
ولو كان عنده رهون لا يعرف أربابها لطول مكثها ، باعها الحاكم ودفع إليه دَيْنه الذي له ، وتصدّق بالباقي ، ولا يكون ذلك لقطةً.
ولو كان المُلاّك قد أذنوا له في البيع ، جاز أن يتولّاه بنفسه.
ولو تعذّر الحاكم ولم يكن أربابها أذنوا له في البيع ، جاز له التقويم والبيع للضرورة.
ولو وجد كنزاً في فلاةٍ أو خربةٍ وليس عليه أثر الإسلام ، أخرج منه الخُمْس ، والباقي له ، ولو كان عليه أثر الإسلام فهو لقطة.
ولو وجد لقطةً في دار الحرب ، فإن لم يكن فيها مسلم مَلَكها ، وإن كان فيها مسلم عرَّفها حولاً ثمّ يملكها إن شاء ، ولا يجب عليه المقام في دار الحرب للتعريف ، بل يتمّ التعريف في دار الإسلام.
وكذا لو وجد لقطةً في بلدٍ ، عرّفه فيه ثمّ جاز له أن يسافر ، ويكمل التعريف في غيره.
ولو دخل دار الحرب بأمانٍ فالتقط منها لقطةً ، عرّفها حولاً ؛ لأنّ أموالهم محرّمة عليه ، فإن لم يعرفها أحد مَلَكها بعد التعريف.
ولو دخل إليهم متلصّصاً فوجد لقطةً ، مَلَكها إن لم يكن فيها مسلم ، وإلّا عرّفها حولاً.
مسألة ٣٧٩ : لو مات الملتقط قبل التعريف ، قام وارثه مقامه في التعريف حولاً ثمّ يتملّكها بعده ، ويضمن كالمورّث.
ولو كان الملتقط قد عرّف بعض الحول ، أكمله الوارث ، ولا يحتاج إلى استئناف التعريف ، بخلاف الملتقط من الملتقط ؛ لأنّه يطلب المالك أو الملتقط ، فافتقر إلى استئناف التعريف حولاً ، وأمّا الوارث فإنّه يطلب المالك لا غير.
ولو كان المورّث قد عرّفها حولاً ولم يتملّك ، كان للوارث أن يتملّك بغير تعريفٍ.
ولو مات بعد أن عرّفها حولاً وتملّكها ، صارت موروثةً عنه ، كغيرها من أمواله ، فإن جاء صاحبها أخذها من الوارث ، كما يأخذها من المورّث ، وإن كانت معدومة العين فصاحبها غريم للميّت يطالبه بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال ، وإلّا فبالقيمة ، فيأخذ [ ذلك ](١) من تركته إن اتّسعت لذلك ، فإن ضاقت زاحم الغرماء ببدلها ، سواء تلفت بعد التملّك بفعله أو بغير فعله ، وكذا لو تلفت بَعْدُ بتعدّيه بفعله أو بغير فعله ؛ لأنّها في الأوّل دخلت في ملكه بنيّة التملّك ، وفي الثاني في ضمانه بتعدّيه.
ولو علم أنّها تلفت قبل الحول بغير تفريطه ، فلا ضمان عليه ، ولا شيء لصاحبها ؛ لأنّها أمانة في يده تلفت بغير تفريطه ، فلم يضمنها ، كالوديعة.
وكذا لو تلفت بعد الحول قبل التملّك بغير تفريطٍ على رأي مَنْ يعتقد أنّها لا تدخل في ملكه إلّا بنيّة التملّك.
ولو لم يعلم تلفها ولم توجد في تركته ، احتُمل أن يكون لصاحبها المطالبة من تركته ، سواء كان قبل الحول أو بعده ؛ لأنّ الأصل بقاؤها.
ويحتمل أن لا يلزم الملتقط شيء ، ويسقط حقّ صاحبها ؛ لأصالة براءة ذمّة الملتقط منها.
ويحتمل أن تكون قد تلفت بغير تفريطٍ ، فلا تشتغل ذمّته بالشكّ.
____________________
(١) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.
الفصل الثاني : في لقطة الحيوان
ومطالبه ثلاثة :
الأوّل : المأخوذ.
مسألة ٣٨٠ : كلّ حيوانٍ مملوكٍ ضائعٍ ولا يد عليه يجوز التقاطه ، إلّا ما يستثنى ، ويُسمّى ضالّةً.
وأخذه في صُور الجواز مكروه ؛ لما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « لا يؤوي الضالّةَ إلّا ضالٌّ »(١) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه جرّاح المدائني عن الصادقعليهالسلام قال : « الضوالّ لا يأكلها إلّا الضالّون إذا لم يُعرّفوها »(٢) .
وعن وهب عن الصادقعليهالسلام عن أبيه الباقرعليهالسلام قال : « لا يأكل الضالّة إلّا الضالّون »(٣) .
أمّا إذا تحقّق التلف ، فإنّه تزول الكراهة ، ويبقى طلقاً.
إذا عرفت هذا ، فإنّه يستحبّ الإشهاد - كما قلنا في لقطة الأموال - لما لا يؤمن تجدّده على الملتقط ، ولتنتفي التهمة عنه.
مسألة ٣٨١ : الحيوان إن كان ممّا يمتنع من صغار السباع إمّا لفضل قوّته - كالإبل والخيل والبغال والحمير - أو لشدّة عَدْوه - كالظباء المملوكة والأرانب - أو بطيرانه - كالحمام - وبالجملة ، كلّ ما يمتنع من صغار السباع
____________________
(١) تقدّم تخريجه في ص ١٦٧ ، الهامش (٢)
(٢) التهذيب ٦ : ٣٩٤ / ١١٨٢.
(٣) التهذيب ٦ : ٣٩٦ / ١١٩٣.
وصغار الثعالب وابن آوى وولد الذئب والسبع لا يجوز التقاطه ولا التعرّض له ، سواء كان لكِبَر جثّته - كالإبل والخيل والبغال والحمير - أو لطيرانه ، أو لسرعة عَدْوه ، أو لنابه ، كالكلاب والفهود - وبه قال الشافعي والأوزاعي وأبو عبيد وأحمد(١) - لما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه سئل عن ضالّة الإبل ، فغضب حتى احمرّت وَجْنتاه وقال : « ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها ، ترد الماء وترعى الشجر »(٢) .
وسئلعليهالسلام ، فقيل : يا رسول الله ، إنّا نُصيب [ هوامي ](٣) الإبل ، فقال : « ضالّة المسلم حرَق النار(٤) »(٥) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه هشام بن سالم - في الحسن - عن الصادقعليهالسلام قال : « جاء رجل إلى النبيّصلىاللهعليهوآله فقال : يا رسول الله ، إنّي وجدتُ شاةً ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : هي لك أو لأخيك أو للذئب ، فقال : يا رسول الله ، إنّي وجدتُ بعيراً ، فقال : معه حذاؤه وسقاؤه ، حذاؤه خُفّه ، وكرشه سقاؤه ، فلا تهجه »(٦) .
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٥ - ٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٨ ، حلية العلماء ٥ : ٥٣٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٣ - ٣٥٤ ، المغني ٦ : ٣٩٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٤٩ - ٣٥٠.
(٢) تقدّم تخريجه في ص ١٦٦ ، الهامش (١)
(٣) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « هؤلاء ». وذلك تصحيف ، والمثبت كما في المصدر ، والهوامي : المهملة التي لا راعي لها ولا حافظ. غريب الحديث - لابن سلاّم - ١ : ٢٣ « همي ».
(٤) « حرَق النار » بالتحريك : لهبُها. النهاية - لابن الأثير - ١ : ٣٧١ « حرق ».
(٥) غريب الحديث - لابن سلاّم - ١ : ٢٢ ، سنن البيهقي ٦ : ١٩١ ، مسند أحمد ٤ : ٦٠٤ / ١٥٨٧٩ ، صحيح ابن حبّان - بترتيب ابن بلبان - ١١ : ٢٤٩ / ٤٨٨٨.
(٦) تقدم تخريجه في ص ٢٤٨ ، الهامش (٦)
ولأنّ مثل هذا الحيوان مصون عن أكثر السباع بامتناعه ، مستغنٍ بالرعي ، فمصلحة المالك ترك التعرّض له حتى يجده ، والغالب أنّ مَنْ أضلّ شيئاً طلبه حيث ضيّعه ، فلو أخذه غيره ضاع عنه.
وقال مالك والليث في ضالّة الإبل : مَنْ وجدها في القرى عرّفها ، ومَنْ وجدها في الصحراء لا يقربها(١) . ورواه المزني عن الشافعي(٢) .
وكان الزهري يقول : مَنْ وجد بدنةً فليُعرّفها ، فإن لم يجد صاحبها فلينحرها قبل أن تنقضي الأيّام الثلاثة(٣) .
وقال أبو حنيفة : هي لقطة يباح التقاطها ؛ لأنّها لقطة أشبهت الغنم وما لا يمتنع بنفسه(٤) .
وهو غلط ؛ لأنّه قياس في معرض النصّ ، مع قيام الفرق ، وقد نبّهصلىاللهعليهوآله عليه ؛ لأنّ الغنم ضعيفة لا تصبر على الماء ، وهي في معرض التلف غالباً.
مسألة ٣٨٢ : وهذا الحكم في البعير إنّما هو إذا كان صحيحاً ضلّ عن صاحبه أو تركه من غير جهدٍ ولا تعب ، أمّا إذا كان مريضاً أو ضعيفاً أو لا يتبع صاحبه ، فإن كان صاحبه قد تركه من جهدٍ في كلأ وماء فكذلك لا يجوز أخذه ، وإن كان قد تركه في غير كلأ ولا ماء فهو لواجده ؛ لأنّه كالتالف ، ويملكه الآخذ ، ولا ضمان عليه لصاحبه ؛ لأنّه يكون كالمبيح له.
____________________
(١) المغني ٦ : ٣٩٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٠.
(٢) مختصر المزني : ١٣٦ ، البيان ٧ : ٤٦٤ ، المغني ٦ : ٣٩٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٠.
(٣) المغني ٦ : ٣٩٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٠.
(٤) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٦ ، المغني ٦ : ٣٩٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٠.
وكذا حكم الدابّة والبقرة والحمار إذا ترك من جهدٍ في غير كلأ ولا ماء.
لما رواه السكوني عن الصادقعليهالسلام : « إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام قضى في رجلٍ ترك دابّته من جهدٍ ، قال : إن تركها في كلأ وماء وأمن فهي له يأخذها حيث أصابها ، وإن كان تركها في خوفٍ وعلى غير ماءٍ ولا كلأ فهي لمن أصابها »(١) .
وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادقعليهالسلام قال : « مَنْ أصاب مالاً أو بعيراً في فلاةٍ من الأرض قد كلّت(٢) وقامت وسيّبها(٣) صاحبها لـمّا لم تتبعه فأخذها غيره فأقام عليها وأنفق نفقةً حتى أحياها من الكلال ومن الموت فهي له ، ولا سبيل له عليها ، وإنّما هي مثل الشيء المباح »(٤) .
وعن مسمع عن الصادقعليهالسلام قال : « إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان يقول في الدابّة : إذا سرحها أهلها أو عجزوا عن علفها أو نفقتها فهي للّذي أحياها » قال : « وقضى أمير المؤمنينعليهالسلام في رجلٍ ترك دابّته ، فقال : إن كان تركها في كلأ وماء وأمن فهي له يأخذها متى شاء ، وإن تركها في غير كلأ وماء فهي للّذي أحياها »(٥) .
مسألة ٣٨٣ : لو أخذ البعير وشبهه في موضع المنع من أخذه بأن كان في كلأ وماء أو كان صحيحاً ، كان ضامنا ؛ لأنّه متعدٍّ بالأخذ ، لأنّه أخذ ملك
____________________
(١) الكافي ٥ : ١٤٠ / ١٤ ، التهذيب ٦ : ٣٩٣ / ١١٧٨.
(٢) كللت من المشي : أعييت ، وكذا البعير إذا أعيا. لسان العرب ١١ : ٥٩١ « كلل ».
(٣) سيّب الدابّة أو الشيء : تركه. لسان العرب ١ : ٤٧٨ « سيب ».
(٤) الكافي ٥ : ١٤٠ / ١٣ ، التهذيب ٦ : ٣٩٢ - ٣٩٣ / ١١٧٧.
(٥) الكافي ٥ : ١٤١ / ١٦ ، التهذيب ٦ : ٣٩٣ / ١١٨١.
غيره بغير إذنه ولا إذن الشارع ، فهو كالغاصب ، ولا يبرأ لو تركه في مكانه أو ردّه إليه ، بل إنّما يبرأ بالردّ إلى صاحبه مع القدرة ، فإن فقده سلّمه إلى الحاكم ؛ لأنّه منصوب للمصالح - وبه قال الشافعي وأحمد(١) - لأنّ ما لزمه ضمانه لا يزول عنه إلّا برّده إلى صاحبه أو نائبه ، كالمسروق والمغصوب.
وقال أبو حنيفة ومالك : يبرأ ؛ لأنّ عمر قال : أرسِلْه في الموضع الذي أصبتَه فيه ، وجرير طرد البقرة التي لحقت ببقره(٢) .
وقول عمر لا حجّة فيه ، ولا جرير أيضاً ، مع أنّه لم يأخذ البقرة ولا أخذها راعيه ، إنّما لحقت بالبقر فطردها عنها ، فأشبه ما لو دخلت داره فأخرجها ، وعلى هذا متى لم تثبت يده عليها ويأخذها لم يلزمه ضمانها وإن طردها على إشكالٍ.
مسألة ٣٨٤ : لو وجد شاةً في الفلاة أو في مهلكةٍ ، كان له أخذها عند علمائنا ، وهو قول أكثر أهل العلم(٣) .
قال ابن عبد البرّ : أجمعوا على أنّ [ آخذ ](٤) ضالّة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها(٥) .
والأصل فيه ما رواه العامّة والخاصّة حين سئلعليهالسلام عن ضالّة الغنم ،
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٦ ، الوسيط ٤ : ٢٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٥ ، المغني ٦ : ٣٩٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٢.
(٢) الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٤٦ ، المغني ٦ : ٣٩٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٢ ، الحاوي الكبير ٨ : ٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٤.
(٣) المغني ٦ : ٣٩٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٦٨.
(٤) ما بين المعقوفين أثبتناه من « الاستذكار » و « التمهيد ».
(٥) الاستذكار ٢٢ : ٣٣٠ / ٣٣٠٤٠ ، التمهيد ٣ : ١٠٨ ، المغني ٦ : ٣٩٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٦٨.
فقال : « خُذْها فإنّما هي لك أو لأخيك أو للذئب »(١) .
وكذا الحيوان الذي لا يمتنع عن صغار السباع ، مثل الثعلب وابن آوى والذئب وولد الأسد ونحوها ، فإنّ صغار النَّعَم كفُصْلان الإبل وعجول البقر وصغار الخيل والدجاج والإوَزّ ونحوها فإنّ ذلك كلّه يجوز التقاطه في الفلوات والمواضع المهلكة.
وعن أحمد رواية أُخرى : إنّه لا يجوز لغير الإمام التقاط الشاة وصغار النَّعَم(٢) .
وقال الليث بن سعد : لا أُحبّ أن يقربها إلّا أن يحرزها لصاحبها ؛ لقول النبيّصلىاللهعليهوآله : « لا يؤوي الضالّةَ إلّا ضالٌّ »(٣) .
ولأنّه حيوان ، فأشبه الإبل في المنع(٤) .
وحديثهم عامّ ، فيُحمل على ما يمتنع من الحيوان لكِبَره أو لسرعة عَدْوه أو طيرانه ؛ جمعاً بين العامّ والخاصّ.
والقياس على الإبل لا يصحّ ؛ لأنّهعليهالسلام مَنَع وذَكَر علّة المنع من التقاطها بأنّ معها حذاءها وسقاءها(٥) ، وهذا المعنى مفقود في الغنم ، فلا يتمّ القياس.
وأيضاً إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله فرّق بينهما في خبرٍ واحد(٦) ، فلا يجوز الجمع بين ما فرّق الشارع ، ولا قياس ما أمر بالتقاطه على ما منع ذلك فيه.
____________________
(١) راجع : الهامش ( ١ و ٢ ) من ص ١٦٦.
(٢) المغني ٦ : ٣٩٠ - ٣٩١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٨.
(٣) راجع : الهامش (٢) من ص ١٦٧.
(٤) المغني ٦ : ٣٩١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٨.
(٥) راجع : الهامش (١) من ص ١٦٦.
(٦) راجع : خبر زيد بن خالد الجهني في ص ١٦٥ - ١٦٦.
مسألة ٣٨٥ : وهذا الحكم في الشاة وغيرها من صغار الأنعام التي لا تمتنع من صغار السباع إنّما يثبت لو وجدها في الصحراء أو في موضع مهلكة ، أمّا لو وجدها في العمران فإنّه لا يجوز له التقاطها بحالٍ.
ولا فرق بين ما يمتنع بكِبَره أو سرعة عَدْوه أو طيرانه ، وبين ما لا يمتنع كالشاة وشبهها في تحريم الأخذ من العمران - وبه قال مالك وأبو عبيد وابن المنذر(١) - لأنّه المفهوم من قولهعليهالسلام : « هي لك أو لأخيك أو للذئب »(٢) والذئب لا يكون في المصر.
ولعموم قولهعليهالسلام : « الضوالّ لا يأكلها إلّا الضالّون »(٣) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام قال : « سأل رجلٌ رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله عن الشاة الضالّة بالفلاة ، فقال للسائل : هي لك أو لأخيك أو للذئب » قال : « وما أُحبّ أن أمسّها »(٤) وإذا كان في موضع المخافة والهلاك وتعرّضها للذئب كره أخذها ، ناسب التحريم وجدانها في العمران.
وقال أحمد بن حنبل : لا فرق بين أن يجدها في الفلاة أو في العمران ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « خُذْها »(٥) ولم يفرّق ولم يستفصل بين وجدانها في العمران والصحاري ، ولو افترق الحال لسأل واستفصل ، ولأنّها لقطة ، فيستوي فيها المصر والصحراء ، كغيرها من اللّقطات(٦) .
____________________
(١) المغني ٦ : ٣٩١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٨.
(٢) راجع : الهامش (١) من ص ١٦٦.
(٣) تقدّم تخريجه في ص ٢٨٣ ، الهامش (٢) من طريق الخاصّة.
(٤) التهذيب ٦ : ٣٩٤ / ١١٨٥.
(٥) راجع : الهامش (١) من ص ١٦٦.
(٦) المغني ٦ : ٣٩١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٨.
ونمنع عدم الاستفصال ؛ لأنّه مفهوم من قولهعليهالسلام : « أو للذئب »(١) والقياس باطل خصوصاً مع قيام الفارق.
مسألة ٣٨٦ : إذا أخذ الشاة وشبهها من صغار النَّعَم من الفلاة ، تخيّر إن شاء تملّكها وضمن على إشكال ، وإن شاء دفعها إلى الحاكم ليحفظها ، أو يبيعها ويوصل ثمنها إلى المالك ، وإن شاء حبسها أمانةً في يده لصاحبها ويُنفق عليها من ماله ، وإن شاء تصدّق بها وضمن إن لم يرض المالك بالصدقة.
وقال الشافعي : هو بالخيار بين أن يأكلها في الحال ويغرم قيمتها إذا جاء صاحبها ، وبين أن يُعرّفها سنةً ويُنفق عليها من ماله ، وبين أن يُمسكها على صاحبها ويُنفق عليها من ماله ولا يعرّفها ولا يتملّكها ، وبين أن يبيعها بإذن الإمام في الحال ويحفظ ثمنها على صاحبها(٢) .
قال ابن عبد البرّ : أجمعوا على أنّ [ آخذ ](٣) ضالّة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها ؛ لقولهعليهالسلام : « هي لك أو لأخيك أو للذئب »(٤) أضافها إليه بلفظة « له »(٥) المقتضية للتمليك في الحال ، وسوّى فيها بينه وبين الذئب الذي لا يستأني بأكلها ، ولأنّ في أكلها في الحال دفعاً لنقلها بالمئونة عليها والإنفاق ، وحفظاً لماليّتها على صاحبها إذا جاء أخذ قيمتها بكمالها من غير نقصٍ [ فيها ](٦) وفي إبقائها تضييع للمال بالإنفاق عليها
____________________
(١) راجع : الهامش (١) من ص ١٦٦.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٧ - ٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٩ ، البيان ٧ : ٤٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٥.
(٣) ما بين المعقوفين أثبتناه من « الاستذكار » و « التمهيد ».
(٤) راجع : الهامش (١) من ص ١٦٦.
(٥) الظاهر : « لك ».
(٦) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « فيه ». والظاهر ما أثبتناه.
والغرامة في نقلها ، فكان أكلها أولى(١) .
إذا ثبت هذا ، فإذا أراد أكلها ، حفظ صفتها حتى إذا جاء صاحبها غرمها له ؛ فإنّ الغرامة تجب عليه في قول عامّة أهل العلم(٢) ، إلّا مالكاً ؛ فإنّه قال : يأكلها ولا يغرم قيمتها لصاحبها ولا يعرّفها ؛ لقول النبيّصلىاللهعليهوآله : « هي لك »(٣) ولم يوجب تعريفاً ولا غرماً ، وسوّى بينه وبين الذئب ، والذئب لا يعرّف ولا يغرم(٤) .
قال ابن عبد البرّ : لم يوافق مالكاً أحدٌ من العلماء على قوله ، وقول النبيّصلىاللهعليهوآله : « ردّ على أخيك ضالّته » دليل على أنّ الشاة على ملك صاحبها ، ولأنّها لقطة لها قيمة وتتبعها النفس ، فتجب غرامة قيمتها لصاحبها إذا جاء ، كغيرها ، ولأنّها ملك لصاحبها ، فلم يجز تملّكها عليه بغير عوضٍ من غير رضاه ، كما لو كانت في البنيان ، ولأنّها عين يجب ردّها مع بقائها ، فوجب غرمها إذا أتلفها ، كلقطة الذهب ، وقولهعليهالسلام : « هي لك » لا يمنع وجوب غرامتها ، فإنّه قد أذن في لقطة الذهب والورق بعد تعريفها في أكلها وإنفاقها ، وقال : « هي كسائر مالك » ثمّ قد أجمعوا على وجوب غرامتها ولم يذكره في الحديث ، فكذا الشاة ، ولا فرق بينهما في الماليّة ، فلا فرق بينهما في الغرم(٥) .
____________________
(١) الاستذكار ٢٢ : ٣٣٠ / ٣٣٠٤٠ ، التمهيد ٣ : ١٠٨ ، المغني ٦ : ٣٩٢ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٦٨.
(٢) المغني ٦ : ٣٩٢ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٦٨.
(٣) راجع : الهامش (١) من ص ١٦٦.
(٤) الاستذكار ٢٢ : ٣٤٣ / ٣٣١٤١ ، التمهيد ٣ : ١٢٣ و ١٢٦ ، الحاوي الكبير ٨ : ٦ ، حلية العلماء ٥ : ٥٣٦ ، البيان ٧ : ٤٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٥ ، المغني ٦ : ٣٩٢ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٦٨.
(٥) الاستذكار ٢٢ : ٣٤٤ - ٣٤٥ / ٣٣١٤٨ - ٣٣١٥٥ ، التمهيد ٣ : ١٢٥ - ١٢٦ ، وحكاه عنه ابنا قدامة في المغني ٦ : ٣٩٢ - ٣٩٣ ، والشرح الكبير ٦ : ٣٦٨ - ٣٦٩.
مسألة ٣٨٧ : إذا اختار الملتقط للشاة في الفلاة حِفْظَها على صاحبها ، كان عليه الإنفاق عليها ؛ لأنّ بقاءها لا يتمّ بدونه ، ولأنّه قد التزم حفظها فقد ألزم نفسه بما يتوقّف حفظها عليه.
إذا ثبت هذا ، فإنّه يتخيّر بين أن يتبرّع بالإنفاق عليها ولا يرجع به على مالكها ، وبين أن يرفع أمرها إلى الحاكم لينفق عليها الحاكم أو يأمره بالإنفاق عليها ليرجع به على مالكها ، ولو لم يرفع أمرها إلى الحاكم وأنفق فهو متبرّع ، كما لو أنفق على حيوان غيره مع تمكّنه من استئذانه ، فإنّ الحاكم وليّ المالك ونائب عنه مع غيبته.
ولو لم يجد حاكماً ، أشهد شاهدين بالرجوع بما يُنفقه ويرجع به ؛ لأنّه أنفق على اللّقطة لحفظها ، فكان من مال صاحبها ، كمئونة تجفيف الرطب والعنب ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، والرواية الثانية عنه : إنّه لا يرجع بشيءٍ ، وبه قال الشعبي والشافعي(١) .
ولم يعجب الشعبي قضاء عمر بن عبد العزيز - في مَنْ وجد ضالّةً فلينفق عليها فإذا جاء ربّها طالبه بما أنفق - لأنّه أنفق على مال غيره بغير إذنه ، فلم يرجع به(٢) .
وهو غلط ؛ لأنّه محسن بالإنفاق ، فلا سبيل عليه ، وفي عدم تمكّنه من الرجوع سبيل عليه بإسقاط ماله بغير عوضٍ.
ولو لم يتمكّن من شاهدين ، فإن نوى الرجوع بما يُنفق رجع ، وإلّا فلا ، لكن لا يقضى له بقوله وادّعائه النيّة ، على إشكالٍ ينشأ : من أنّ الرجوع في النيّة إليه ، ومن أصالة براءة الذمّة.
____________________
(١ و ٢) المغني ٦ : ٣٩٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٦٩.
مسألة ٣٨٨ : قد ذكرنا أنّ للملتقط الخيار بين تملّكها وحفظها وبيعها ، فإذا اختار البيع جاز له ، وحفظ ثمنها.
وهل له أن يتولّى ذلك بنفسه ، أو يجب رفعها إلى الحاكم؟ الأقرب : الأوّل ، والأحوط : الثاني ، وليس شرطاً - خلافاً لبعض الشافعيّة(١) - لأنّه يجوز له أكلها بغير إذنٍ ، فبيعها أولى.
وهل يجب تعريفها؟ الأقرب : العدم ، لكن لو اختار ذلك عرّفها حولاً ، كما يعرّف اللّقطة ، ويغرم عليها النفقة إمّا من ماله أو من مال صاحبها على ما تقدّم.
وقال بعض العامّة : يجب تعريفها حولاً ؛ لأنّها لقطة لها خطر ، فوجب تعريفها ، كالمطعوم الكثير ، ولا يلزم من جواز التصرّف فيها في الحول سقوط التعريف ، كالمطعوم(٢) .
وقال آخَرون : لا يجب التعريف ؛ لقولهعليهالسلام : « هي لك أو لأخيك أو للذئب »(٣) ولم يأمر بتعريفها كما أمرعليهالسلام في لقطة الذهب والورق(٤) (٥) .
والأقوى : الأوّل.
وإن أكلها ، ثبت في ذمّته قيمتها ، ولا يلزم عزلها ؛ لعدم الفائدة في ذلك ؛ لأنّها لا تنتقل عن الذمّة إلى المال المعزول.
ولو عزل شيئاً ثمّ أفلس ، كان صاحب اللّقطة أُسوة الغرماء في المال
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٩ ، حلية العلماء ٥ : ٥٣٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٧ ، البيان ٧ : ٤٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٦ ، المغني ٦ : ٣٩٤ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٠.
(٢) المغني ٦ : ٣٩٤ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٠.
(٣ و ٤) راجع : الهامش (١) من ص ١٦٦.
(٥) المغني ٦ : ٣٩٤ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٧٠.
المعزول ، ولا يختصّ بصاحب اللّقطة.
ولو باعها وحفظ ثمنها ثمّ جاء صاحبها ، أخذه ، ولم يشاركه فيه أحد من الغرماء ؛ لأنّه ماله لا شيء للمفلس فيه ، بخلاف ما لو تملّكها أو تملّك الثمن.
ويحتمل التخصيص ؛ لأنّ مَنْ وجد عين ماله كان أحقَّ به مع وجود سبب الانتقال منه ، فهنا أولى.
مسألة ٣٨٩ : قد بيّنّا أنّه لا يجوز أخذ الشاة وشبهها في العمران ، خلافاً لأحمد(١) ، فإن أخذها لم يجز له تملّكها بحالٍ ، بل يتخيّر آخذها بين إمساكها لصاحبها أمانةً ، وعليه نفقتها من غير رجوعٍ بها ؛ لتبرّعه حيث أخذ في موضع المنع ، وبين دفعها إلى الحاكم ؛ لأنّه من المصالح.
ولو تعذّر الحاكم ، أنفق ورجع بالقيمة.
ولا فرق في ذلك بين الحيوان الممتنع وغيره.
ولو وجد شاةً في العمران ، حبسها ثلاثة أيّام ثمّ تصدّق بها عن صاحبها إن لم يأت ، أو باعها وتصدّق بثمنها.
والأقرب : إنّه يضمن.
وقد روى ابن أبي يعفور عن الصادقعليهالسلام أنّه قال : « جاءني رجل من أهل المدينة فسألني عن رجلٍ أصاب شاةً » قال : « فأمرتُه أن يحبسها عنده ثلاثة أيّام ، ويسأل عن صاحبها ، فإن جاء صاحبها ، وإلّا باعها وتصدّق بثمنها »(٢) .
ونقل المزني عن الشافعي فيما وضعه بخطّه ولا أعلم أنّه سُمع منه :
____________________
(١) المغني ٦ : ٣٩٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٨.
(٢) التهذيب ٦ : ٣٩٧ / ١١٩٦.
إذا وجد الشاة أو البقرة أو الدابّة ما [ كانت ](١) بمصر أو في قريةٍ فهي لقطة ، فسوّى في البلد والقرية بين الصغير والكبير(٢) .
واختلف أصحابه.
فقال أبو إسحاق : الذي نقله المزني هو الصحيح ، ويستوي الصغير والكبير في كونها لقطةً بالمصر ؛ لأنّ الكبير لا يهتدي فيه للرعي وورود الماء ، فيكون ضائعاً ، كالصغير(٣) .
وقال الباقون : لا فرق بين المصر والصحاري ، والكبير لا يكون لقطةً ؛ لأنّ الكبير لا يضيع في البلد ولا يخفى أمره ، بخلاف الصغير(٤) .
فعلى هذا الوجه لا فرق بين الصحاري والأمصار إلّا في حكمٍ واحد ، وهو أنّ في الصحاري له أكل الصغار ؛ لأنّه يتعذّر عليه بيعها ، ولا يتعذّر ذلك في الأمصار ، فليس له أكلها.
وعلى ما نقله المزني الصغار والكبار لقطة ، وهي كالصغار في الصحاري في جواز الأكل.
وقد بيّنّا مذهبنا في ذلك.
مسألة ٣٩٠ : لا يجوز أخذ الغِزْلان واليحامير وحُمُر الوحش في الصحاري إذا مُلكت هذه الأشياء ثمّ خرجت إلى الصحراء ، وكذا باقي
____________________
(١) في « ج » والطبعة الحجريّة : « ما قامت ». وبدلها في « ث ، ر ، خ » : « ما لم يثبت ». والمثبت كما في مختصر المزني.
(٢) مختصر المزني : ١٣٦ ، وراجع : الحاوي الكبير ٨ : ٢٦ ، والمهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٩ ، وحلية العلماء ٥ : ٥٣٦ ، والبيان ٧ : ٤٦٤.
(٣ و ٤) البيان ٧ : ٤٦٤ ، وراجع : الحاوي الكبير ٨ : ٢٦ ، والمهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٩ ، وحلية العلماء ٥ : ٥٣٦ ، والعزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٤ ، وروضة الطالبين ٤ : ٤٦٥.
الصيود المستوحشة التي إذا تُركت رجعت إلى الصحراء ؛ لأنّها تمتنع بسرعة عَدْوها عن صغار السباع ، وهي مملوكة للغير ، فلا تخرج عن ملكه بالامتناع ، كما لو توحّش الأهلي.
أمّا لو خاف الواجد لها ضياعَها عن مالكها أو عجز مالكها عن استرجاعها ، فالأقوى : جواز التقاطها ؛ لأنّ تركها أضيع لها من سائر الأموال ، والمقصود حفظها لصاحبها ، لا حفظها في نفسها ، ولو كان الغرض حفظها في نفسها لما جاز التقاط الأثمان ، فإنّ الدينار محفوظ حيثما كان.
مسألة ٣٩١ : حكم البقر حكم الإبل - وبه قال الشافعي وأبو عبيد وأحمد(١) - لأنّها تمتنع عن صغار السباع ، وتجزئ في الأُضحية والهدي عن سبعةٍ ، فأشبهت الإبل.
وقال مالك : إنّ البقر كالشاة(٢) . وليس بشيءٍ.
أمّا الخيل والبغال فإنّها كالإبل ؛ لأنّها تمتنع عن صغار السباع ، وبه قال الشافعي وأحمد(٣) .
____________________
(١) مختصر المزني : ١٣٥ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٥٩ ، الحاوي الكبير ٨ : ٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٨ ، حلية العلماء ٥ : ٥٣٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٥ ، البيان ٧ : ٤٥٩ ، الاستذكار ٢٢ : ٣٥٠ / ٣٣١٧٥ ، المغني ٦ : ٣٩٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥١.
(٢) الاستذكار ٢٢ : ٣٤٣ / ٣٣١٤٢ ، الذخيرة ٩ : ٩٦ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٤٢٦ - ٤٢٧ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٥٩ - ١٦٠ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٣٤٥ - ٣٤٦ / ٢٠٤٥ ، المغني ٦ : ٣٩٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥١.
(٣) مختصر المزني : ١٣٥ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٥٩ ، الحاوي الكبير ٨ : ٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٨ ، حلية العلماء ٥ : ٥٣٢ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٥ ، البيان ٧ : ٤٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٣ ، روضة =
وأمّا الحُمُر فإنّها كذلك أيضاً ؛ لامتناعها(١) عن صغار السباع ، ولها أجسام عظيمة ، فأشبهت البغال والخيل ، ولأنّها من الدوابّ فأشبهت البغال ، وهو أحد قولَي الحنابلة.
والثاني : إنّها كالشاة ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله علّل الإبلَ : بأنّ معها حذاءها وسقاءها(٢) ، يريد شدّة صبرها عن الماء ؛ لكثرة ما توعي في بطونها منه وقوّتها على وروده ، وإباحةَ ضالّة الغنم : بأنّها معرّضة لأخذ الذئب إيّاها ؛ لقوله : « هي لك أو لأخيك أو للذئب »(٣) والحُمُر مساوية للشاة في علّتها ، فإنّها لا تمتنع من الذئب ، ومفارقة للإبل في علّتها ، فإنّها لا صبر لها عن الماء ، وإلحاق الشيء بما ساواه في علّة الحكم وفارقه في الصورة أولى من إلحاقه بما فارقه في الصورة والعلّة(٤) .
مسألة ٣٩٢ : الأحجار الكبار كأحجار الطواحين ، والحباب الكبيرة وقدور النحاس العظيمة وشبهها ممّا يتحفّظ بنفسه ملحقة بالإبل في تحريم أخذه ، بل هو أولى منه ؛ لأنّ الإبل في معرض التلف إمّا بالأسد أو بالجوع أو بالعطش أو غير ذلك ، وهذه بخلاف تلك ، ولأنّ هذه الأشياء لا تكاد تضيع عن صاحبها ولا تخرج من مكانها ، بخلاف الحيوان ، فإذا حرم أخذ الحيوان فهذه أولى.
____________________
= الطالبين ٤ : ٤٦٥ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٣٤٦ / ٢٠٤٥ ، الاستذكار ٢٢ : ٣٥٠ / ٣٣١٧٦ ، المغني ٦ : ٣٩٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥١.
(١) في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « وأمّا الحمار فإنّه كذلك أيضاً ؛ لامتناعه » وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٢ و ٣) راجع : الهامش (١) من ص ١٦٦.
(٤) المغني ٦ : ٣٩٧ - ٣٩٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥١.
وكذا السفن المربوطة في الشرائع المعهودة لا يجوز أخذها ، والأخشاب الموضوعة على الأرض.
أمّا السفن المحلولة الرباط السارية في الفرات وشبهها بغير ملاّحٍ فإنّها لقطة إذا لم يعرف مالكها.
مسألة ٣٩٣ : ما يوجد من الحيوان قريباً من العمران حكمه حكم الموجود في العمران ؛ للعادة القاضية بأنّ الناس يشمّرون(١) دوابّهم قريباً من عمارة البلد.
وقد تقدّم أنّ للشافعي في جواز التقاط الممتنع في المفازة قولين(٢) .
وكذا له قولان في جواز التقاطها في العمران ، أصحّهما : جواز التقاطها للتملّك ؛ لأنّها في العمران تضيع بامتداد اليد الخائنة ، بخلاف المفازة ، فإنّ طروق الناس بها لا يعمّ ، ولأنّها لا تجد ما يكفيها ، ولأنّ البهائم في العمران لا تُهمل ، وفي الصحراء قد تسرح وتُهمل ، فيحتمل أنّ صاحبها يظفر بها ولا يضلّ عنها(٣) .
وحكى بعض الشافعيّة طريقين ، أحدهما : القطع بالمنع ، والثاني : القطع بالجواز(٤) .
هذا إذا كان الزمان زمانَ أمنٍ ، أمّا في زمان النهب والفساد فيجوز
____________________
(١) أي : يرسلون. العين ٦ : ٢٦٢ « شمر ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٥ ، ولم نعثر فيما تقدّم على القولين للشافعي.
(٣) الحاوي الكبير ٨ : ٢٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٩ ، حلية العلماء ٥ : ٥٣٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٦ ، البيان ٧ : ٤٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٥.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٥.
التقاطها ، سواء وُجدت في الصحاري أو العمران.
والمشهور عند الشافعيّة : إنّ ما لا يمتنع من الغنم والعجاجيل والفُصْلان يجوز أخذها للتملّك ، سواء كانت في العمران أو المفاوز(١) .
وقال بعضهم : إنّها لا تؤخذ(٢) ، كما ذهبنا نحن إليه.
فإذا وجدها في المفازة تخيّر بين أن يُمسكها ويُعرّفها ويتملّكها ، وبين أن يبيعها ويحفظ ثمنها ويُعرّفها ثمّ يتملّك الثمن ، وبين أن يأكلها إن كانت مأكولةً ويغرم قيمتها ، والأوّل أرجح من الثاني ، والثاني من الثالث.
قالوا : ولو وجدها في العمران ، فله الإمساك والتعريف وتملّك الثمن ، وفي الأكل قولان :
أحدهما : الجواز ، كما في الصحراء.
وأرجحهما عند أكثر الشافعيّة : المنع ؛ لسهولة البيع في العمران(٣) .
وهل يجوز تملّك الصغار ممّا لا يؤكل في الحال؟ لهم وجهان :
أحدهما : نعم ، كما يجوز أكل المأكول.
وأصحّهما عندهم : إنّه لا يجوز تملّكها حتى تُعرَّف سنةً ، كغيرها من اللّقطة(٤) .
فإذا أمسكها وأراد الرجوع بالإنفاق ، استأذن الحاكم ، فإن تعذّر أشهد ، وقد سبق(٥) .
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٥.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٥.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٥ - ٤٦٦.
(٥) في ص ٢٩٢ ، المسألة ٣٨٧.
وإن أراد البيع ولا حاكم هناك ، استقلّ به ، فإن كان فوجهان لهم ، أحدهما : جواز الاستقلال ؛ لأنّه نائب عن المالك في الحفظ ، فكذا في البيع(١) .
مسألة ٣٩٤ : لو وجد بعيراً في أيّام منى في الصحراء مقلَّداً كما يُقلَّد الهدي ، لم يجز أخذه ؛ لأنّه لا يجوز مع عدم التقليد فمعه أولى.
وقال الشافعي : يأخذه ويُعرّفه أيّام منى ، فإن خاف أن يفوته وقت النحر نحره ، والأولى عنده أن يرفع إلى الحاكم حتى يأمره بنحره(٢) .
ونقل بعضهم قولاً آخَر : إنّه لا يجوز أخذه(٣) ، كما ذهبنا إليه.
ثمّ بنوا القولين على القولين فيما إذا وجد بدنة منحورة غمس ما قُلّدت به في دمها وضرب صفحة سنامها ، هل يجوز الأكل منها؟ فإن منعنا الأكل ، منعنا الأخذ هنا ، وإن جوّزنا الأكل اعتماداً على العلامة ، فكذا التقليد علامة كون البعير هدياً ، والظاهر أنّ تخلّفه كان لضعفه عن المسير ، والأُضحية المعيّنة إذا ذُبحت في وقت النحر وقع في موقعه وإن لم يأذن صاحبها(٤) .
قال الجويني : لكن ذبح الضحيّة وإن وقع في موقعه لا يجوز الإقدام عليه من غير إذنٍ(٥) .
وجوّز بعض الشافعيّة الأخذ والنحر(٦) .
ولهذا الإشكال ذهب القفّال تفريعاً على هذا القول أنّه يجب رفع
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٦.
(٢) البيان ٧ : ٤٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨١.
(٣ - ٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨١.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٦.
الأمر إلى الحاكم لينحره(١) .
وهذا ليس بشيءٍ ؛ لأنّ الأخذ الممنوع منه إنّما هو الأخذ للتملّك ، ولا شكّ أنّ هذا البعير لا يؤخذ للتملّك.
المطلب الثاني : في الملتقط.
مسألة ٣٩٥ : يصحّ أخذ الضالّة في موضع الجواز لكلّ بالغٍ عاقلٍ.
ولو أخذه في موضع المنع ، لم يجز ، وضمنه ، إماماً كان أو غيره ؛ لأنّه أخذ ملك غيره بغير إذنه ، ولا أذن الشارع له ، فهو كالغاصب.
وهذا الفرض في الإمام عندنا باطل ؛ لأنّه معصوم.
أمّا عند العامّة الذين لم يوجبوا عصمة إمامهم فإنّه قد يُفرض.
وكذا يُفرض عندنا في نائب الإمام.
وكذا يجوز للصبي والمجنون أخذ الضوالّ ؛ لأنّه اكتساب ، وينتزع الوليّ ذلك من يدهما ، ويتولّى التعريف عنهما سنةً ، فإن لم يأت له مالك تملّكاه وضمناه بتمليك الوليّ لهما وتضمينهما إيّاه إن رأى الغبطة في ذلك ، وإن لم يكن في تمليكهما غبطة ، أبقاها أمانةً.
مسألة ٣٩٦ : الأقرب : عدم اشتراط الحُرّيّة ، فيجوز للعبد القِنّ والمدبَّر والمكاتَب وأُمّ الولد والمعتق بعضه التقاطُ الضوالّ في موضع الجواز ؛ لأنّه اكتساب وهؤلاء من أهله وهُمْ أهلٌ للحفظ.
والأقرب : إنّه لا يشترط الإسلام ولا العدالة ، فيجوز للكافر أخذ الضالّة ، وكذا للفاسق ؛ لأنّه اكتساب وهُما من أهله.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨١.
وقال الشافعي : لا يجوز لغير الإمام وغير نائبه أخذ الضوالّ للحفظ لصاحبها ، فإن أخذها غير الامام أو نائبه ليحفظها لصاحبها لزمه الضمان ؛ لأنّه لا ولاية له على صاحبها(١) .
ولأصحابه وجهٌ آخَر : إنّه يجوز أخذها لحفظها قياساً على الإمام(٢) .
واحتجّ بأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله مَنَع من أخذها من غير أن يفرّق بين قاصد الحفظ وقاصد الالتقاط ، والقياس على الإمام باطل ؛ لأنّ له ولايةً ، وهذا لا ولاية له(٣) .
ونحن نقول بموجبه في موضع المنع من أخذها.
أمّا لو وجدها في موضعٍ يخاف عليها فيه ، مثل أن يجدها في أرض مسبعة يغلب على الظنّ افتراس الأسد لها إن تركها فيه ، أو وجدها قريبةً من دار الحرب يخاف عليها من أهلها ، أو في موضعٍ يستحلّ أهله أخذ أموال المسلمين ، أو في برّيّة لا ماء بها ولا مرعى ، فالأولى جواز الأخذ للحفظ ، ولا ضمان على آخذها ؛ لما فيه من إنقاذها من الهلاك ، فأشبه تخليصها من غرقٍ أو حرقٍ ، وإذا حصلت في يده سلّمها إلى بيت المال ، وبرئ من ضمانها ، وله التملّك مع الضمان ؛ لأنّ الشارع نبّه على علّة عدم التملّك لها بأنّها محفوظة ، فإذا كانت في المهلكة انتفت
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٥ - ٥٥٦ ، البيان ٧ : ٤٦٠ - ٤٦١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٣ و ٣٥٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٥ ، المغني ٦ : ٣٩٩ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٣.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٨ ، حلية العلماء ٥ : ٥٣٢ - ٥٣٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٥٦ ، البيان ٧ : ٤٦١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٥ ، المغني ٦ : ٣٩٩ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٣.
(٣) راجع : المغني ٦ : ٣٩٩ ، والشرح الكبير ٦ : ٣٥٣.
العلّة.
مسألة ٣٩٧ : لو ترك دابّة بمهلكةٍ فأخذها إنسان فأطعمها وسقاها وخلّصها ، تملّكها - وبه قال الليث والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق(١) - إلّا أن يكون تركها بنيّة العود إليها فأخذها ، أو كانت قد ضلّت منه ؛ لما رواه العامّة عن الشعبي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : « مَنْ وجد دابّةً قد عجز عنها أهلها فسيّبوها فأخذها فأحياها فهي له »(٢) .
وفي لفظٍ آخَر عن الشعبي عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « مَنْ ترك دابّةً بمهلكةٍ فأحياها رجل فهي لمَنْ أحياها »(٣) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه عبد الله بن سنان - في الصحيح - عن الصادقعليهالسلام قال : « مَنْ أصاب مالاً أو بعيراً في فلاةٍ من الأرض قد كلّت وقامت وسيّبها صاحبها لـمّا لم تتبعه فأخذها غيره فأقام عليها وأنفق نفقةً حتى أحياها من الكلال ومن الموت فهي له ، ولا سبيل له عليها ، وإنّما هي مثل الشيء المباح »(٤) .
ولأنّ القول بملكها يتضمّن إحياءها وإنقاذها من الهلاك ، وحفظاً للمال عن الضياع ، ومحافظةً على حرمة الحيوان ، وفي القول بعدم الملك
____________________
(١) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٦٠ - ١٦١ ، الحاوي الكبير ٨ : ٢٧ ، حلية العلماء ٥ : ٥٣٩ ، المغني ٦ : ٤٠٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٤.
(٢) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٨٧ / ٣٥٢٤ ، سنن الدارقطني ٣ : ٦٨ / ٢٥٩ ، سنن البيهقي ٦ : ١٩٨ ، المغني ٦ : ٤٠٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٤ - ٣٥٥.
(٣) سنن أبي داوُد ٣ : ٢٨٨ / ٣٥٢٥ ، سنن البيهقي ٦ : ١٩٨ ، المغني ٦ : ٤٠٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٥.
(٤) تقدّم تخريجه في ص ٢٨٦ ، الهامش (٤)
تضييع ذلك كلّه من غير مصلحةٍ تحصل ، ولأنّ مالكه نبذه رغبةً عنه وعجزاً عن أخذه ، فمَلَكه آخذه ، كالمتساقط من السنبل وسائر ما ينبذه الناس رغبةً عنه وزهداً فيه.
المطلب الثالث : في الأحكام.
مسألة ٣٩٨ : يجوز للإمام ونائبه أخذ الضالّة على وجه الحفظ لصاحبه ، ثمّ يرسله في الحمى الذي حماه الإمام لخيل المجاهدين والضوالّ ؛ لأنّ للإمام نظراً في حفظ مال الغائب ، وفي أخذ هذه حفظ لها عن الهلاك ، ثمّ يُعرّفها حولاً ، فإن جاء صاحبها ، وإلّا بقيت في الحمى.
وقال أحمد : لا يلزمه تعريفها ؛ لأنّ عمر لم يكن يُعرّف الضوالّ(١) .
وفعل عمر ليس حجّةً.
وإذا عرف إنسان دابّته ، أقام البيّنة عليها وأخذها ، ولا يكفي وصفها ؛ لأنّها ظاهرة بين الناس يعرف صفاتها غير أهلها ، فلا تكون الصفة(٢) لها دليلاً على ملكه لها ، ولأنّ الضالّة قد كانت ظاهرةً للناس حين كانت في يد مالكها ، فلا يختصّ هو بمعرفة صفاتها دون غيره ، ويمكنه إقامة البيّنة عليها ؛ لظهورها للناس ومعرفة خلطائه وجيرانه بملكه إيّاها.
مسألة ٣٩٩ : الأقرب عندي : إنّه يجوز لكلّ أحدٍ أخذ الضالّة ، صغيرةً كانت أو كبيرةً ، ممتنعةً عن السباع أو غير ممتنعةٍ ، بقصد الحفظ لمالكها ، والأحاديث(٣) الواردة في النهي عن ذلك محمولة على ما إذا نوى بالالتقاط
____________________
(١) المغني ٦ : ٣٩٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٣.
(٢) في « ث ، خ ، ر » : « الصفات ».
(٣) منها : ما تقدّم تخريجه في الهامش (١) من ص ١٦٦.
التملّك إمّا قبل التعريف أو بعده ، أمّا مع نيّة الاحتفاظ فالأولى الجواز ، كما أنّه لا يجوز للإمام ولا لنائبه أخذ ما لا يجوز أخذه على وجه التملّك.
مسألة ٤٠٠ : ما يحصل عند الإمام من الضوالّ فإنّه يُشهد عليها ويَسِمها بوَسْم أنّها ضالّة.
ثمّ إن كان له حمى ، تركها فيه إن رأى المصلحة في ذلك ، وإن رأى المصلحة في بيعها أو لم يكن له حمى ، باعها بعد أن يصفها ويحفظ صفاتها ، ويحفظ ثمنها لصاحبها ، فإنّ ذلك أحفظ لها ؛ لأنّ في تركها ضرراً على مالكها ؛ لإفضائه إلى أن تأكل جميع ثمنها.
وأمّا غير الإمام ونائبه إذا التقط الضالّة ولم يجد سلطاناً يُنفق عليها ، أنفق من نفسه ، ويرجع مع نيّة الرجوع.
وقيل : لا يرجع ؛ لأنّ عليه الحفظَ ، ولا يتمّ إلّا بالإنفاق(١) .
والأوّل أقرب ؛ دفعاً لتوجّه الضرر بالالتقاط.
ولا يبعد من الصواب التفصيلُ ، فإن كان قد نوى التملّك قبل التعريف أو بعده ، أنفق من ماله ، ولا رجوع ؛ لأنّه فَعَل ذلك لنفعه ، وإن نوى الحفظ دائماً ، رجع مع الإشهاد إن تمكّن ، وإلّا فمع نيّته.
ولو كان للّقطة نفعٌ كالظهر للركوب ، أو الحمل أو اللبن أو الخدمة ، قال الشيخرحمهالله : يكون ذلك بإزاء ما أنفق(٢) .
والأقرب : أن ينظر في قدر النفقة وقيمة المنفعة ، ويتقاصّان.
مسألة ٤٠١ : لا يضمن الضالّة بعد الحول إلّا مع قصد التملّك.
ولو قصد حفظها دائماً ، لم يضمن ، كما في لقطة الأموال ، إلّا مع
____________________
(١) كما في شرائع الإسلام ٣ : ٢٩٠.
(٢) النهاية : ٣٢٤.
التفريط أو التعدّي.
ولو قصد التملّك ، ضمن ، فإن نوى الحفظ بعد ذلك ، لم يبرأ من الضمان ؛ لأنّه قد تعلّق الضمان بذمّته ، كما لو تعدّى في الوديعة ثمّ نوى الحفظ.
ولو قصد الحفظ ثمّ نوى التملّك ، لزمه الضمان من حين نيّة التملّك.
مسألة ٤٠٢ : لو وجد مملوكاً بالغاً أو مراهقاً ، لم يجز له أخذه ؛ لأنّه كالضالّة الممتنعة يتمكّن من دفع المؤذيات عنه.
ولو كان صغيراً ، كان له أخذه ؛ لأنّه في معرض التلف ، والمال إذا كان بهذه الحال جاز أخذه ، وهو نوع منه.
وإذا أخذ عبداً صغيراً للحفظ ، لم يدفع إلى مدّعيه إلّا بالبيّنة ، ولا تكفي الشهادة على شهود الأصل بالوصف ؛ لاحتمال الشركة في الأوصاف ، بل يجب إحضار شهود الأصل ليشهدوا بالعين ، فإن تعذّر إحضارهم لم يجب نقل العبد إلى بلدهم ولا بيعه على مَنْ يحمله ، ولو رأى الحاكم ذلك صلاحاً جاز ، ولو تلف قبل الوصول أو بعده ولم يثبت دعواه ، ضمن المدّعي قيمة العبد وأجره.
مسألة ٤٠٣ : لو ترك متاعاً في مهلكةٍ فخلّصه إنسان ، لم يملكه ؛ لأنّه لا حرمة له في نفسه ولا يخشى عليه التلف كالخشية على الحيوان ، فإنّ الحيوان يموت إذا لم يطعم ويسقى وتأكله السباع ، والمتاع يبقى إلى أن يعود مالكه إليه.
ولو كان المتروك عبداً ، لم يملكه آخذه ؛ لأنّ العبد في العادة يمكنه التخلّص إلى الأماكن التي يعيش فيها ، بخلاف البهيمة.
وله أخذ العبد والمتاع ليخلّصه لصاحبه.
وهل يستحقّ الأُجرة عن تخليص العبد أو المتاع؟ الوجه : إنّه لا يستحقّ إلّا مع الجُعْل ؛ لأنّه عمل في مال غيره بغير جُعْلٍ ، فلم يستحق شيئاً ، كالملتقط.
وقال أحمد : يستحقّ الجُعْل(١) . وليس بجيّدٍ.
مسألة ٤٠٤ : ما يلقيه رُكْبان البحر فيه من السفينة خوفاً من الغرق إذا أخرجه غير مالكه ، فالأقرب : إنّه للمُخرج ، وبه قال الليث بن سعد والحسن البصري [ قال : ](٢) وما نضب عنه الماء فهو لأهله(٣) .
وقال ابن المنذر : يردّه على أربابه ، ولا جُعْل له(٤) ، وهو مقتضى قول الشافعي(٥) .
ويتخرّج على قول أحمد : إنّ لمن أنقذه أُجرة مثله(٦) .
والأقرب : ما قدّمناه ؛ لأنّه مال ألقاه أربابه فيما يتلف بتركه فيه اختياراً منهم ، فمَلَكه مَنْ أخرجه ، كالمنبوذ بنيّة الإعراض عن تملّكه.
ولو انكسرت السفينة في البحر فأُخرج بعض المتاع الذي فيها بالغوص وأخرج البحر بعض ما غرق فيها ، روى الشعيري فيه أنّ الصادقعليهالسلام سئل عن ذلك ، فقال : « أمّا ما أخرجه البحر فهو لأهله ، الله أخرجه ، وأمّا ما أُخرج بالغوص فهو لهم وهُمْ أحقّ به »(٧) .
____________________
(١) المغني ٦ : ٤٠٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٥.
(٢) ما بين المعقوفين أثبتناه من المغني والشرح الكبير ، وهو مقتضى ما في الإشراف على مذاهب أهل العلم.
(٣ و ٤) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٦١ ، المغني ٦ : ٤٠١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٦.
(٥) كما في المغني ٦ : ٤٠١ ، والشرح الكبير ٦ : ٣٥٦.
(٦) المغني ٦ : ٤٠١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٦.
(٧) تقدّم تخريجه في ص ٢٧٧ ، الهامش (٣)
وقال الشافعي وابن المنذر : إذا انكسرت السفينة فأخرجه قوم ، يأخذ أصحاب المتاع متاعهم ، ولا شيء للّذين أصابوه(١) .
وعلى قياس قول أحمد يكون لمستخرجه أُجرة المثل ؛ لأنّ ذلك وسيلة إلى تحصيله(٢) وحفظه لصاحبه وصيانته عن الغرق ، فإنّ الغوّاص إذا علم أنّه يُدفع إليه الأجر بادر إلى التخليص ، وإن علم أنّه يؤخذ منه بغير شيءٍ لم يخاطر بنفسه في استخراجه(٣) .
مسألة ٤٠٥ : قد بيّنّا أنّه يجوز للإنسان أن يلتقط العبد الصغير وكذا الجارية الصغيرة ، ويُملك كلٌّ منهما بعد التعريف.
وقياس مذهب أحمد : إنّه لا يُملكان بالتعريف(٤) .
وقال الشافعي : يملك العبد دون الجارية ؛ لأنّ التملّك بالتعريف - عنده - كالقرض ، والجارية - عنده - لا تُملك بالقرض(٥) .
واستشكل بعض العامّة ذلك ؛ فإنّ الملقوط محكوم بحُرّيّته ، وإن كان ممّن يعبّر عن نفسه فأقرّ بأنّه مملوك لم يُقبل إقراره ؛ لأنّ الطفل لا قول له ، ولو اعتبر قوله في ذلك لاعتبر في تعريف سيّده(٦) .
____________________
(١) المغني ٦ : ٤٠١ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٦ - ٣٥٧.
(٢) الظاهر : « تخليصه ».
(٣) كما في المغني ٦ : ٤٠١ ، والشرح الكبير ٦ : ٣٥٧.
(٤) كما في المغني ٦ : ٤٠٢ ، والشرح الكبير ٦ : ٣٥٧.
(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٣٩ ، حلية العلماء ٥ : ٥٣٩ ، البيان ٧ : ٤٦٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٥٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٦٧ ، المغني ٦ : ٤٠٢ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٧.
(٦) المغني ٦ : ٤٠٢ ، الشرح الكبير ٦ : ٣٥٧.
الفصل الثالث : في اللقيط
وفيه مطالب :
الأوّل : الأركان.
اللقيط كلّ صبي ضائع لا كافل له ، ويُسمّى منبوذاً باعتبار أنّه يُنبذ ، أي يرمى ، ويُسمّى لقيطاً ، أي ملقوطاً ، واللقيط فعيل بمعنى مفعول ، كما يقال : دهين وخضيب وجريح وطريح ، وإنّما هو مدهون ومخضوب ومجروح ومطروح ، ويُسمّى ملقوطاً باعتبار أنّه يُلقط.
إذا عرفت هذا ، فالأركان ثلاثة :
الأوّل : الالتقاط.
وهو واجب على الكفاية ؛ لاشتماله على صيانة النفس عن الهلاك ، وفي تركه إتلاف النفس المحترمة ، وقد قال الله تعالى :( وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) (١) .
ولأنّ فيه إحياء النفس فكان واجباً ، كإطعام المضطرّ وإنجائه من الغرق ، وقد قال الله تعالى :( وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً ) (٢) وقال تعالى :( وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ) (٣) .
ووجد سُنَين أبو جميلة منبوذاً فجاء به إلى عمر بن الخطّاب ، فقال :
____________________
(١) سورة المائدة : ٢.
(٢) سورة المائدة : ٣٢.
(٣) سورة الحجّ : ٧٧.
ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال : وجدتُها ضائعةً فأخذتُها ، فقال عريفه : إنّه رجل صالح ، فقال : كذلك؟ قال : نعم ، قال : اذهب فهو حُرٌّ ، ولك ولاؤه ، وعلينا نفقته(١) .
وهذا الخبر عندنا لا يُعوّل عليه ، والولاء عندنا لمن يتولّاه الملتقط ، فإن لم يتوال أحداً ، كان ميراثه للإمام.
وليس أخذ اللقيط واجباً على الأعيان بالإجماع وأصالة البراءة ، ولئلّا تتضادّ الأحكام ، ولأنّ الغرض الحفظ والتربية ، وذلك يحصل بأيّ واحدٍ اتّفق ، بل هو من فروض الكفايات إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، ولو تركه الجماعة بأسرهم أثموا بأجمعهم إذا علموا به وتركوه مع إمكان أخذه.
مسألة ٤٠٦ : ويستحبّ الإشهاد على أخذه ؛ لأنّه أصون وأحفظ ، لأنّه يحتاج إلى حفظ الحُرّيّة والنسب ، ولأنّ اللّقطة يشيع أمرها بالتعريف ، ولا تعريف في اللقيط.
وللشافعيّة طريقان ، أحدهما : إنّه على وجهين أو قولين كما قدّمنا في اللّقطة ، والأصح : القطع بالوجوب ، بخلاف اللّقطة ، فإنّ الأصحّ فيها الاستحباب ؛ لأنّ اللقيط يحتاج إلى حفظ الحُرّيّة والنسب ، فجاز أن يجب الإشهاد عليه كما في النكاح(٢) .
والأصل عندنا ممنوع.
وحكى الجويني وجهاً ثالثاً هو : الفرق ، فإن كان الملتقط على ظاهر العدالة لم يكلّف الإشهاد ، وإن كان مستور العدالة كُلّف ليصير الإشهاد قرينةً
____________________
(١) الموطّأ ٢ : ٧٣٨ / ١٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٧.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٣٧ ، الوجيز ١ : ٢٥٤ ، البيان ٨ : ٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٣.
تغلب على الظنّ الثقة(١) .
وإذا أوجبنا الإشهاد فلو تركه لم تسقط ولاية الحضانة.
وقال الشافعي : تسقط ولاية الحضانة ، ويجوز الانتزاع(٢) .
وإذا أشهد فليشهد على الملتقط وما معه من ثيابٍ وغيرها إن كان معه شيء.
الركن الثاني : اللقيط.
وقد ذكرنا أنّه كلّ صبي ضائع لا كافل له ، والتقاطه من فروض الكفايات ، فيخرج بقيد الصبي البالغ ، فإنّه مستغنٍ عن الحضانة والتعهّد ، فلا معنى لالتقاطه.
نعم ، لو وقع في معرض هلاكٍ ، أُعين ليتخلّص.
أمّا الصبي الذي بلغ سنّ التمييز فالأقرب : جواز التقاطه ؛ لحاجته إلى التعهّد والتربية ، وهو أحد قولَي الشافعيّة ، والثاني : إنّه لا يلتقط ؛ لأنّه مستقلٌّ ممتنع ، كضالّة الإبل ، فلا يتولّى أمره إلّا الحاكم(٣) .
وقولنا : « ضائع » نريد به المنبوذ ؛ لأنّ غير المنبوذ يحفظه أبوه أو جدّه لأبيه أو الوصي لأحدهما ، فإن لم يكن أحد هؤلاء ، نصب القاضي له مَنْ يراعيه ويحفظه ويتسلّمه ؛ لأنّه كان له كافل معلوم ، وهو أبوه أو جدّه أو وصيّهما ، فإذا فقد قام القاضي مقامه ، كما أنّه يقوم لحفظ مال الغائبين والمفقودين ، أمّا المنبوذ فإنّه يشبه اللّقطة ولهذا يُسمّى لقيطاً فلم يختصّ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٩.
(٢) الوسيط ٤ : ٣٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٣.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٧٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٤.
حفظه بالقاضي.
وقولنا : « لا كافل له » نريد به مَنْ لا أب له ولا جدّ للأب ومَنْ يقوم مقامهما ، والملتَقَط ممّن هو في حضانة أحد هؤلاء لا معنى لالتقاطه.
نعم ، لو وُجد في مضيعةٍ أُخذ ليُردّ إلى حاضنه.
الركن الثالث : الملتقِط.
مسألة ٤٠٧ : يعتبر في الملتقِط التكليف والحُرّيّة والإسلام والعدالة ، فلا يصحّ التقاط الصبي ولا المجنون.
ولو كان الجنون يعتوره أدواراً ، أخذه الحاكم من عنده ، كما يأخذه لو التقطه المجنون المطبق أو الصبي.
وأمّا العبد فليس له الالتقاط ؛ لأنّ منافعه ملك سيّده ، فليس له صَرفها إلى غيره إلّا بإذنه ، ولأنّ الالتقاط تبرّعٌ والعبد ليس من أهله ؛ إذ أوقاته مشغولة بخدمة مولاه.
ولو أذن له السيّد أو علم به فأقرّه في يده ، جاز ، وكان السيّد في الحقيقة هو الملتقِط ، والعبد نائبه قد استعان به عليه في الأخذ والتربية والحضانة ، فصار كما لو التقطه سيّده وسلّمه إليه.
وإذا أذن له السيّد ، لم يكن له الرجوع في ذلك.
أمّا لو كان الطفل في موضعٍ لا ملتِقط له سوى العبد ، فإنّه يجوز له التقاطه ؛ لأنّه تخليصٌ له من الهلاك ، فجاز ، كما لو أراد التخليص من الغرق.
ولو التقط العبد مع وجود ملتقطٍ غيره ، لم يُقر في يده ، وينتزعه الحاكم ؛ لأنّه المنصوب للمصالح ، إلّا أن يرضى مولاه ويأذن بتقريره في
يده ، فيقدَّم على الحاكم.
ولا فرق بين القِنّ والمدبَّر وأُمّ الولد والمكاتَب والمحرَّر بعضه في ذلك كلّه ؛ لأنّه ليس لأحد هؤلاء التبرّعُ بماله ولا بمنافعه إلّا بإذن السيّد.
وقال الشافعي : المكاتَب إذا التقط بغير إذن السيّد انتُزع من يده ، كالقِنّ ، وإن التقط بإذن السيّد جاء فيه الخلاف في تبرّعاته بالإذن ، لكنّ الظاهر عندهم المنع ؛ لأنّ حقّ الحضانة ولاية ، وليس المكاتَب أهلاً لها(١) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّ الحقّ لا يعدوهما.
وللشافعيّة وجهان في الـمُعتَق نصفه إذا التقط في يوم نفسه هل يستحقّ الكفالة؟(٢) .
مسألة ٤٠٨ : لا يجوز للكافر أن يلتقط الصبي المسلم ، سواء كان الكافر ذمّيّاً أو معاهداً أو حربيّاً ؛ لأنّه لا ولاية للكافر على المسلم ، قال الله تعالى :( وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) (٣) ولأنّه لا يؤمن أن يفتنه عن دينه ويُعلّمه الكفر ، بل الظاهر أنّه يُربّيه على دينه وينشأ على ذلك كولده ، فإن التقطه لم يُقرّ في يده.
أمّا لو كان الطفل محكوماً بكفره ، فإنّه يجوز للكافر التقاطه ؛ لقوله تعالى :( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) (٤) .
وللمسلم التقاط الطفل الكافر.
مسألة ٤٠٩ : الأقرب : اعتبار العدالة في الملتقِط ، فلو التقطه الفاسق
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٥.
(٢) حلية العلماء ٥ : ٥٥٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٥.
(٣) سورة النساء : ١٤١.
(٤) سورة الأنفال : ٧٣.
لم يُقر في يده ، وينتزعه الحاكم ؛ لأنّ الفاسق غير مؤتمنٍ شرعاً ، وهو ظالم ، فلا يجوز الركون إليه ؛ لقوله تعالى :( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ ) (١) ولا يؤمن أن يبيع الطفل أو يسترقّه ويدّعيه مملوكاً له بعد مدّةٍ ، ولا يؤمن سوء تربيته له ولا يوثق عليه ويخشى الفساد به ، وهو قول الشافعي(٢) أيضاً.
ويفارق اللّقطة - حيث أُقرّت في يد الفاسق عندنا وفي أحد قولَي الشافعي(٣) - من ثلاثة أوجُه :
الأوّل : إنّ في اللّقطة معنى التكسّب ، والفاسق من أهل التكسّب ، وهاهنا لا كسب ، بل هو مجرّد الولاية.
الثاني : إنّ في اللّقطة وجوب ردّها إليه لو انتزعناها منه بعد التعريف حولاً ونيّة التملّك ليتملّكها ، فلم ننتزعها منه واستظهرنا عليه في حفظها وإن كان الانتزاع أحوط ، وهنا لا يردّ اللقيط إليه ، فكان الانتزاع أحوط وأسهل.
الثالث : المقصود في اللّقطة حفظ المال ، ويمكن الاحتياط عليه بالاستظهار في التعريف ، أو بنصب الحاكم مَنْ يُعرّفها ، فيزول خوف الخيانة ، ولا يحتاج إلى أن ينتزعها الحاكم ، وهنا المقصود حفظ الحُرّيّة والنسب ، ولا سبيل إلى الاستظهار عليه ؛ لأنّه قد يدّعي رقّه في بعض البلدان وبعض الأحوال.
____________________
(١) سورة هود : ١١٣.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٣٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٢ ، الوجيز ١ : ٢٥٤ ، الوسيط ٤ : ٣٠٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٠ ، البيان ٨ : ١٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٥ ، المغني ٦ : ٤١٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٠٩.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٣ ، البيان ٧ : ٤٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٤٢ و ٣٨١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٥٥.
وقيل : لا يشترط العدالة ، ولا ينتزع اللقيط من يد الفاسق ؛ لإمكان حفظه في يده بالإشهاد عليه ، ويأمر الحاكم أميناً يشارفه عليه كلّ وقتٍ ويتعهّده في كلّ زمانٍ ، ويشيع أمره فيعرف أنّه [ لقيط ](١) فينحفظ بذلك من غير زوال ولايته ؛ جمعاً بين الحقّين ، كما في اللّقطة(٢) .
مسألة ٤١٠ : مَنْ ظاهر حاله الأمانة إلّا أنّه لم يختبر حاله ، لا ينتزع من يده ؛ لأنّ ظاهر المسلم العدالة ، ولم يوجد ما يعارض هذا الظاهر ، ولأنّ حكمه حكم العَدْل في لقطة المال والولاية في النكاح وأكثر الأحكام ، لكن يوكل الإمام مَنْ يراقبه من حيث لا يدري لئلّا يتأذّى ، فإذا حصلت للحاكم الثقة به صار كمعلوم العدالة.
وقبل ذلك لو أراد السفر به ، مُنع وانتُزع منه ؛ لأنّه لا يؤمن أن يسترقّه وأن يكون إظهاره العدالة لمثل هذا الغرض الفاسد ، وهو أحد قولَي الشافعي ، والثاني له : إنّه يُقرّ في يده ويسافر به ؛ لأنّه يُقرّ في يده في الحضر من غير مشرفٍ يُضمّ إليه ، فكذا في السفر ، كالعَدْل ، ولأنّ الظاهر الستر والصيانة(٣) .
فأمّا مَنْ عُرفت عدالته وظهرت أمانته فيُقرّ اللقيط في يده في سفرٍ وحضرٍ ؛ لأنّه مأمون عليه إذا كان سفره لغير النقلة ، ولها وجهان.
مسألة ٤١١ : يعتبر في الملتقِط الرشد ، فلا يصحّ التقاط المبذِّر
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « لقطة ». والمثبت كما في المصدر.
(٢) المغني ٦ : ٤١٣ - ٤١٤ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٠٩ - ٤١٠.
(٣) الوسيط ٤ : ٣٠٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٦ ، المغني ٦ : ٤١٤ ، الشرح الكبير ٦ : ٤١١ ، وفيها القول الأوّل فقط.
المحجور عليه ، فلو التقط لم يُقر في يده وانتُزع منه ؛ لأنّه ليس مؤتمناً عليه شرعاً وإن كان عَدْلاً.
ولا يشترط في الملتقِط الذكورة ، فإنّ الحضانة أليق بالإناث.
ولا يشترط كونه غنيّاً ؛ إذ ليست النفقة على الملتقط.
والفقير يساوي الغني في الحضانة.
وللشافعيّة وجهٌ آخَر ، وهو : إنّه لا يُقرّ في يد الفقير ؛ لأنّه لا يتفرّغ للحضانة ؛ لاشتغاله بطلب القوت(١) .
مسألة ٤١٢ : لو ازدحم على لقيطٍ اثنان ، فإن كان ازدحامهما عليه قبل أخذه وقال كلّ واحدٍ منهما : أنا آخذه وأحضنه ، جعله الحاكم في يد مَنْ رآه منهما أو من غيرهما ؛ لأنّه لا حقّ لهما قبل الأخذ.
وإن ازدحما بعد الأخذ بأن تناولاه تناولاً واحداً دفعةً واحدة ، فإن لم يكن أحدهما أهلاً للالتقاط مُنع منه ، وسلّم اللقيط إلى الآخَر ، كما لو كان أحدهما مسلماً حُرّاً عَدْلاً والآخَر يكون كافراً أو فاسقاً أو عبداً لم يأذن له مولاه ، أو مكاتَباً كذلك ، فإنّ المسلم العَدْل الحُرّ يُقرّ في يده ، ولا يشاركه الآخَر ، ولا اعتبار بمشاركته إيّاه في الالتقاط ؛ لأنّه لو التقطه وحده لم يُقرّ في يده ، فإذا شاركه مَنْ هو من أهل الالتقاط كان أولى.
وأمّا إن كان كلّ واحدٍ منهما أهلاً للالتقاط ، فإن سبق أحدهما إلى الالتقاط ، مُنع الآخَر من مزاحمته.
ولا يثبت السبق بالوقوف على رأسه من غير أخذٍ ، وهو أظهر وجهي
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٣ ، الوسيط ٤ : ٣٠٤ ، البيان ٨ : ١٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٦.
الشافعيّة ، والثاني : إنّه يثبت(١) .
وإن لم يسبق أحدهما ، فإن اختصّ أحدهما بوصفٍ يوجب تقدّمه قُدّم ، وكان أولى من الآخَر.
وإن تساويا من كلّ وجهٍ ، فإن سلّم أحدهما لصاحبه ورضي بإسقاط حقّه جاز ؛ لأنّ الحقّ له ، فلا يُمنع من الإيثار به ، وإن تشاحّا أُقرع بينهما - وبه قال الشافعي(٢) - لقوله تعالى :( وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ) (٣) .
ولأنّه أمر مشكل ؛ لعدم إمكان الجمع بينهما ، وعدم أولويّة أحدهما ، وكلّ مشكلٍ ففيه القرعة بالنصّ عن أهل البيتعليهمالسلام (٤) .
ولأنّه لا يمكن أن يُخرج عن أيديهما ؛ لاشتماله على إبطال حقّهما الثابت لهما بالالتقاط ، أو يُترك في أيديهما إمّا جمعاً ، والاجتماع على الحضانة مشقٌّ أو متعذّر ، ولا يمكن أن يكون عندهما في حالةٍ واحدة ، وإمّا بالمهايأة ، وهو يشتمل على الإضرار باللقيط ؛ لما في تبدّل الأيدي من قطع الأُلفة واختلاف الأغذية والأخلاق ، أو يختصّ به أحدهما لا بالقرعة ، ولا سبيل إليه ؛ لتساويهما ، فلم يبق مخلص إلّا القرعة ، كالزوج يسافر بإحدى زوجاته بالقرعة.
____________________
(١) الوسيط ٤ : ٣٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٢ - ٣٨٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٦.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٣٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٣ ، الوجيز ١ : ٢٥٤ ، الوسيط ٤ : ٣٠٥ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥٥ ، البيان ٨ : ١٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٧.
(٣) سورة آل عمران : ٤٤.
(٤) الفقيه ٣ : ٥٢ / ١٧٤ ، التهذيب ٦ : ٢٤٠ / ٥٩٣.
وقال بعض الشافعيّة : يرجّح أحدهما باجتهاد القاضي ، فمَن رآه خيراً للّقيط أقرّه في يده(١) .
وهو غلط ؛ لأنّه قد يستوي الشخصان في اجتهاد القاضي ولا سبيل إلى التوقّف ، فلا بدّ من مرجوعٍ إليه ، وليس سوى القرعة.
وقال بعض الشافعيّة : يخيّر الصبي في الانضمام إلى مَنْ شاء منهما(٢) .
وهو غلط ؛ لأنّه قد لا يكون مميّزاً بحيث يفوّض إليه التخيير ، ولو كان مميّزاً فإنّه لا يخيّر ، كما يخيّر الصبي بين الأبوين عند بلوغه سنّ التمييز - عندهم(٣) - لأنّه هناك يعوّل على الميل الناشئ من الولادة ، وهذا المعنى معدوم في اللقيط.
مسألة ٤١٣ : هذا إذا تساويا في الصفات ، فإن ترجّح أحد الملتقطين بوصفٍ يوجب تخصيصه به دون الآخَر وكانا معاً ممّن يثبت لهما جواز الالتقاط ، أُقرّ في يده ، وانتُزع من يد الآخَر.
والصفات المرجّحة أربعة :
أ : الغنى ، فلو كان أحدهما غنيّاً والآخَر فقيراً ، فللشافعيّة وجهان :
أحدهما : إنّهما يتساويان - وهو قول بعض علمائنا(٤) - لأنّ الفقير أهل للالتقاط ، كالغني.
وأظهرهما عند الشافعيّة : أولويّة الغني ؛ لأنّه ربما يواسيه بمالٍ وينفعه في كثيرٍ من الأوقات ويؤاكله أحياناً ، ولأنّ الفقير قد يشتغل بطلب القوت
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٤٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٣ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥٦ ، البيان ٨ : ١٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٧.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٤.
(٤) لم نتحقّقه.
عن الحضانة(١) .
فإن رجّحنا الغني على الفقير وكانا معاً غنيّين إلّا أنّ أحدهما أكثر غنىً من الآخَر ، فللشافعيّة وجهان في تقديم أكثرهما مالاً(٢) .
ب : أن يكون أحدهما بلديّاً والآخَر قرويّاً ، أو كان أحدهما بلديّاً أو قرويّاً والآخَر بدويّاً ، تساويا عند بعض علمائنا(٣) ، ورجّح البلديّ على القرويّ ، والقرويّ على البدويّ ؛ لما فيه من حفظ نسبه وإمكان وصول قريبه إليه.
وللشافعيّة وجهان(٤) .
ج : مَنْ ظهرت عدالته بالاختبار يُقدّم على المستور على خلافٍ بين علمائنا.
وللشافعيّة وجهان :
أحسنهما : إنّه يقدّم احتياطاً للصبي.
والثاني : يستويان ؛ لأنّ المستور لا يسلّم ثبوت المزيّة للآخَر ويقول : لا أترك حقّي بجهلكم بحالي(٥) .
د : الحُرّ أولى من العبد والمكاتَب وإن كان التقاطه بإذن السيّد ؛ لأنّه في نفسه ناقص ، وليست يدُ المكاتَب يدَ السيّد.
مسألة ٤١٤ : لا تُقدّم المرأة على الرجل ؛ لأنّ المرأة وإن كانت
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٦.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٦.
(٣) لم نتحقّقه.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٧ - ٣٨٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٧ - ٤٨٨.
(٥) الوسيط ٤ : ٣٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٦.
بالحضانة أولى لشفقتها وملامستها إلّا أنّ الرجل أقوى ، ولا فرق بين أن يكون المنبوذ ذكراً أو أُنثى ، بخلاف الأُم ، فإنّها تُقدّم على الأب في الحضانة ؛ لأنّ المراعى هناك شفقة الأُمومة في الحضانة.
وكذا لا يتقدّم المسلم على الكافر في اللقيط المحكوم بكفره.
وقال بعض الشافعيّة : يُقدّم المسلم ليُعلّمه دينه(١) ، فتحصل له سعادة الدنيا والآخرة ، ينجو من الجزية أو الصغار ، ويتخلّص من النار ، وهذا أولى من الترجيح باليسار الذي إنّما يتعلّق بتوسعته عليه في الإنفاق ، ولا بأس به عندي.
وقال بعض الشافعيّة : يُقدّم الكافر ؛ لأنّه على دينه(٢) .
وهو ينافي المعقول ؛ إذ الغرض اجتذاب الكافر إلى الإسلام.
مسألة ٤١٥ : إذا تساويا وأُقرع بينهما فخرجت القرعة لأحدهما فترك حقّه للآخَر ، لم يجز ؛ لأنّه ليس للمنفرد نقل حقّه وتسليم اللقيط إلى الآخَر ، وبتخصيصه بالقرعة صار منفرداً.
ولو قال قبل القرعة : تركتُ حقّي ، فالأصحّ عند الشافعيّة - وهو المعتمد - انفراد الآخَر به ؛ لأنّ الحقّ لهما ، فإذا أسقط أحدهما حقّه استقلّ الآخَر ، كالشفيعين.
والثاني : المنع ، كما لو ترك حقّه بعد خروج القرعة ، بل يرفع الأمر إلى الحاكم حتى يقرّه في يد الآخَر إن رأى ذلك ، وله أن يختار أميناً آخَر فيقرع بينه وبين الذي لم يترك حقّه(٣) .
وقال بعض الشافعيّة : إنّ التارك لا يتركه الحاكم ، ويقرع بينه وبين
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٦.
(٣) الحاوي الكبير ٨ : ٤٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٣ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥٦ ، البيان ٨ : ١٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٧.
صاحبه ، فإن خرجت القرعة عليه أُلزم القيام بحضانته ، بناءً على أنّ المنفرد إذا شرع في الالتقاط لا يجوز له الترك(١) .
المطلب الثاني : في أحكام الالتقاط.
وفيه بحثان :
الأوّل : في نقله.
يجب على الملتقِط حفظ اللقيط ورعايته ، ولا يجب عليه نفقته ، سواء كان موسراً أو معسراً ، فإن عجز عن حفظه سلّمه إلى القاضي.
ولو تبرّم به مع القدرة على حضانته وتربيته ، فالأقرب : إنّه يسلّمه إلى القاضي أيضاً.
وللشافعيّة وجهان مبنيّان على أنّ الشروع في فروض الكفاية هل يوجب إتمامها؟ وهل يصير الشارع فيها متعيّناً لها ، أم لا؟(٢) .
والكلام فيه مضى في كتاب السير(٣) .
وقطع بعض الشافعيّة ٤ بما ذهبنا إليه.
ولا شكّ في أنّ الملتقط يحرم عليه نبذه وردّه إلى المكان الذي التقطه فيه ؛ لما فيه من تعريضه للإتلاف.
إذا عرفت هذا ، فإنّ الواجب على الملتقط حفظه وتربيته ، دون نفقته وحضانته.
مسألة ٤١٦ : الملتقط للصبي إن كان بلديّاً وقد التقطه في بلدته ، أُقرّ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٧.
(٢ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٨.
(٣) راجع : ج ٩ - من هذا الكتاب - ص ٣٥.
في يده ، وليس له أن ينقله إلى البادية لو أراد الانتقال إلى البادية ، بل ينتزع منه ؛ لما في عيش أهل البوادي من الخشونة وقصورهم عن معرفة علوم الأديان والصناعات التي تُكتسب بها ، فلو انتقل باللقيط لزم تضرّره ، ولأنّ ظهور نسبه إنّما يكون في موضع التقاطه غالباً ، فلو سافر به لضاع نسبه ؛ لأنّ مَنْ ضيّعه يطلبه حيث ضيّعه.
ولو كان الموضع المنقول إليه من البادية قريباً من البلدة ويسهل تحصيل ما يراد منها ، فإن راعينا خشونة المعيشة لم يُمنع ، وإن راعينا حفظ النسب ، فإن كان أهل البلد يختلطون بأهل تلك البادية لم يُمنع أيضاً ، وإلّا مُنع.
وكما أنّه ليس له نقله إلى البادية ، فكذا ليس له نقله إلى القرى ؛ لأنّ مقامه في الحضر أصلح له في دينه ودنياه وأرفق له ، ولأنّ بقاءه في البلد أقرب إلى كشف نسبه وظهور أهله واعترافهم به.
ولو أراد النقلة به إلى بلدٍ آخَر ، فإن نظرنا إلى اعتبار المعيشة فالبلاد متقاربة ، وإن راعينا أمر النسب منعناه ؛ لأنّ طلبه في موضع ضياعه أظهر ، فيكون كشف نسبه فيه أرجى ، فلا يُقرّ في يد المنتقل عنه ، كما لا يُقرّ في يد المنتقل به إلى البادية.
وللشافعيّة وجهان(١) .
ولا فرق في ذلك بين سفر النقلة والتجارة والزيارة.
ولو غلب على ظنّ الملتقط قصد رمي أهله له وتضييعه ، فالأقوى عندي : جواز نقله إلى أين شاء.
ولو وجده القرويّ في قريته أو في قريةٍ أُخرى أو في بلدةٍ ، فالحكم كما قلنا في البلديّ والبدويّ إذا التقطه في بلدٍ أو قريةٍ لم يُقرّ يده عليه
____________________
(١) الوجيز ١ : ٢٥٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٨ - ٤٨٩.
لو أراد الخروج به إلى البادية ؛ لما فيه من خشونة العيش وضياع النسب ، ولو أراد المقام بها أُقرّ في يده.
مسألة ٤١٧ : لو التقطه الحضري في البادية ، فإن كان في مهلكةٍ فلا بدّ من نقله ؛ حراسةً له عن التلف.
وللملتقط أن يتوجّه به إلى مقصده ويذهب إليه به.
ومَنْ أوجب من العامّة تعريف اللّقطة في أقرب الأماكن يقول : لا يذهب به إلى مقصده ؛ رعايةً لأمر النسب(١) .
ولو التقطه في حِلّةٍ أو قبيلةٍ ، فله نقله إلى البلدة والقرية.
وللشافعيّة وجهان(٢) .
ولو أقام هناك ، أُقرّ في يده قطعاً.
ولو التقطه البدويّ في حِلّةٍ أو قبيلةٍ في البادية ، فإن كان من أهل حِلّةٍ مقيمين في موضعٍ راتب أُقرّ في يده ؛ لأنّه كبلدةٍ أو قريةٍ.
وإن كانوا ممّن ينتقلون من موضعٍ إلى موضعٍ ، فوجهان للشافعيّة :
أحدهما : المنع ؛ لما فيه من التعب.
والثاني : يُقرّ ؛ لأنّ أطراف البادية كمحالّ البلدة(٣) .
مسألة ٤١٨ : لو ازدحم على لقيطٍ في البلدة أو القرية اثنان ، أحدهما مقيم في ذلك الموضع ، والآخَر ظاعن عنه ، فالأولى أنّه يُقرّ في يد المقيم ؛ لأنّه أرفق له وأرجى لظهور نسبه ، وهو أحد قولَي الشافعيّة ، والثاني : إن كان الظاعن يظعن إلى البادية فالمقيم أولى ، وإن كان إلى بلدٍ آخَر ، فإن منعنا المنفرد من الخروج باللقيط إلى بلدٍ آخَر ، فكذلك يكون المقيم أولى ، وإن جوّزنا له ذلك تساويا(٤) .
ولو اجتمع على لقيطٍ في القرية قرويٌّ مقيم بها وبلديٌّ ، فالأولى
____________________
(١ - ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٩.
تقديم القرويّ ؛ لأنّه يُطلب في موضع ضياعه ، وهو أحد قولَي الشافعيّة ، والثاني : إنّا إذا جوّزنا النقل من بلدٍ إلى بلدٍ تساويا ، وإن منعناه فالقرويّ أولى(١) .
ولو اجتمع حضريٌّ وبدويٌّ على لقيطٍ في البادية ، فإن وُجد في حِلّةٍ أو قبيلةٍ والبدويّ في موضعٍ راتب تساويا.
وقال بعض الشافعيّة : البدويّ أولى إن كان مقيماً فيهم ؛ رعايةً لنسبه(٢) .
وإن كان البدويّ من المنتجعين ، فإن قلنا : يُقرّ في يده لو كان منفرداً ، فهُما سواء ، وإلّا فالحضريّ أولى.
وإن وُجد في مهلكةٍ ، للشافعيّة قولان ، أحدهما : تقديم الحضري ، والثاني : تقديم البدويّ(٣) .
والأقرب : تقديم مَنْ مكانه أقرب إلى موضع الالتقاط.
البحث الثاني : في النفقة على اللقيط.
لا يجب على الملتقط النفقة على اللقيط إجماعاً ؛ لأصالة براءة الذمّة.
قال ابن المنذر : أجمع كلّ مَنْ يُحفظ عنه من أهل العلم على أنّ نفقة اللقيط غير واجبةٍ على الملتقط كوجوب نفقة الولد(٤) .
وذلك لأنّ أسباب وجوب النفقة من القرابة والزوجيّة والملك منتفية عن الالتقاط ، لأنّه عبارة عن تخليص نفس اللقيط من الهلاك ، وتبرّع بحفظه ، فلا يوجب ذلك النفقةَ ، كما لو فَعَله بغير اللقيط.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٨٩.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٠.
(٤) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٦٣ ، المغني ٦ : ٤٠٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٠٤.
ولأنّ محمّد بن علي الحلبي سأل الصادقَعليهالسلام ، قال : قلت له : مَن الذي أُجبر على نفقته؟ قال : « الوالدان والولد والزوجة والوارث الصغير » يعني الأخ وابن الأخ وغيره ، رواه الصدوق ابن بابويه(١) رحمهالله ، ولم يذكر اللقيط.
ولأنّ إيجاب الإنفاق عليه يؤدّي إلى ترك التقاطه وإهماله ، فيلزم الإفضاء إلى تلفه.
مسألة ٤١٩ : اللقيط إن كان له مال ، أُنفق عليه منه.
وماله ينقسم إلى ما يستحقّه بعموم كونه لقيطاً وإلى ما يستحقّه بخصوصه.
فالأوّل : مثل الحاصل من الوقوف على اللقطاء أو أُوصي لهم.
قال بعض الشافعيّة : أو وُهب لهم(٢) .
واعترض عليه بأنّ الهبة لا تصحّ لغير معيّنٍ(٣) .
قال آخَرون : ويجوز أن تُنزّل الجهة العامّة منزلة المسجد حتى يجوز تمليكها بالهبة كما يجوز الوقف عليها ، وحينئذٍ يقبله القاضي(٤) .
وليس بشيءٍ.
نعم ، تصحّ الوصيّة لهم.
والثاني : ما يوجد تحت يده واختصاصه ؛ لأنّ للطفل يداً واختصاصاً كالبالغ ، والأصل الحُريّة ما لم يعرف غيرها ، وذلك كثيابه التي عليه ملبوسة له والملفوفة عليه والمفروشة تحته والذي غطّى به من لحافٍ وشبهه وما شدّ عليه وعلى ثوبه ، أو جعل في جيبه من حُليٍّ أو دراهم وغيرها ،
____________________
(١) الفقيه ٣ : ٥٩ / ٢٠٩.
(٢) الغزالي في الوجيز ١ : ٢٥٥ ، وعنه في العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٩.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٩.
وكذا ما يكون الطفل مجعولاً فيه ، كالسرير والمهد والسفط ، وما فيه من فرش أو دراهم أو ثياب - وبهذا قال الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي(١) - لأنّ الطفل يملك وله يد صحيحة ، ولهذا يرث ويورّث ، ويصحّ أن يشتري له وليُّه ويبيع.
مسألة ٤٢٠ : الدابّة المشدودة في وسطه أو ثيابه أو التي عنانها بيده يُحكم له بملكيّتها.
وكذا الدنانير المنثورة فوقه والمصبوبة تحته وتحت فراشه.
وللشافعيّة فيما يوجد تحته قولان(٢) .
ولو كان في خيمةٍ أو دارٍ ليس فيهما غيره ، فهُما له.
وفي البستان لو وُجد فيه للشافعيّة وجهان(٣) .
ولو كان بالقرب منه ثياب أو أمتعة موضوعة أو دابّة ، فالأقرب : [ إنّها ليست ](٤) له ، كما لو كانت بعيدةً عنه ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة ، والثاني : تجعل له ؛ لأنّ مثل هذا يُثبت اليد والاختصاص في حقّ البالغ ، فإنّ الأمتعة في السوق بقرب الشخص تجعل له(٥) .
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٣٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤١ ، الوجيز ١ : ٢٥٥ ، الوسيط ٤ : ٣٠٧ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٨ ، البيان ٨ : ٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٠ ، المغني ٦ : ٤٠٩ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٠٦ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٤٥.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٣٥ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٠.
(٣) الحاوي الكبير ٨ : ٣٦ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥١ - ٥٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٠.
(٤) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « إنّه ليس ». والمثبت يقتضيه السياق.
(٥) الحاوي الكبير ٨ : ٣٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤١ ، الوجيز ١ : ٢٥٥ ، الوسيط ٤ : ٣٠٧ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٨ ، البيان ٨ : ٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٨٩ - ٣٩٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٠.
والأصحّ من الوجهين عند الحنابلة : الثاني ؛ لأنّ الظاهر أنّه ترك له ، فهو(١) بمنزلة ما هو تحته ، وكالحمّال إذا جلس للاستراحة وترك حمله قريباً منه(٢) .
مسألة ٤٢١ : لو وُجد تحت الطفل مال مدفون ، لم يُحكم له به إذا كان في أرضٍ لا تختصّ به ، أمّا الذي يختصّ به - كالخيمة والدار - فإنّه يُحكم له به ؛ لأنّه لا يقصد بالدفن الضمّ إلى الطفل ، ولأنّ الظاهر أنّه لو كان للطفل ، لشدّه واضعه في ثيابه ليعلم به ، ولم يتركه في مكانٍ لا يطّلع عليه.
وللحنابلة وجهان :
أحدهما : إنّه إن كان الحفر طريّاً فهو له ، وإلّا فلا ؛ لأنّ الظاهر أنّه إذا كان طريّاً فواضع اللقيط حفره ، وإذا لم يكن طريّاً كان مدفوناً قبل وضعه.
والثاني : كما قلناه - وهو قول الشافعيّة(٣) - لأنّه بموضعٍ لا يستحقّه إذا لم يكن الحفر طريّاً ، فلم يكن له إذا كان طريّاً كالبعيد منه(٤) .
ولو وُجد معه أو في ثيابه رقعة مكتوب فيها : إنّ تحته دفيناً وإنّه له ، فللشافعيّة وجهان حكاهما الجويني.
أظهرهما : إنّه له بقرينة الرقعة ، وقد [ يتّفق ](٥) في العرف مثله.
____________________
(١) الظاهر بحسب السياق : « أنّها تركت له فهي ».
(٢) المغني ٦ : ٤٠٩ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٠٧.
(٣) الحاوي الكبير ٨ : ٣٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤١ ، الوجيز ١ : ٢٥٥ ، الوسيط ٤ : ٣٠٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٨ ، البيان ٨ : ٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٠ - ٤٩١.
(٤) المغني ٦ : ٤٠٩ - ٤١٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٠٧.
(٥) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « سبق ». والصحيح ما أثبتناه كما في العزيز شرح الوجيز.
والثاني : الجري على القياس من غير مبالاةٍ بالرقعة(١) .
والأقرب : الأوّل ؛ لأنّه في الأمارة والدلالة على تخصيص اللقيط به أقوى من الموضوع تحته.
ولو أرشدت الرقعة إلى دفينٍ بالبُعْد منه أو دابّة مربوطة بالبُعْد ، فالأقوى : عدم الالتفات إلى الاستدلال بها.
ولو كانت الدابّة مشدودةً باللقيط وعليها راكب ، قال بعض الشافعيّة : تكون بينهما(٢) .
وعلى ما اخترناه من أنّ راكب الدابّة أولى من قابض لجامها يكون الراكب هنا أولى.
وكلّ ما لا يُحكم للّقيط به من هذه الأموال سوى الدفن يكون لقطةً ، والدفن قد يكون ركازاً وقد يكون لقطةً على ما تقدّم.
مسألة ٤٢٢ : كلّ ما حُكم للّقيط به فإن كان فيه كفايته ، لم تجب على أحدٍ نفقته ؛ لأنّه ذو مال مستغنٍ عن غيره ، فأشبه سائر الناس.
ولو لم يُعرف له مال البتّة ، وجب أن يُنفق عليه الإمام من بيت المال من سهم المصالح ؛ لأنّ عمر استشار الصحابة في نفقة اللقيط ، فقالوا : من بيت المال(٣) ، وقال لأبي جميلة لـمّا التقط الصبي : اذهب فهو حُرٌّ ، لك ولاؤه ، وعلينا نفقته(٤) ، ولأنّ بيت المال وارث له وماله مصروف إليه ،
____________________
(١) الوجيز ١ : ٢٥٥ ، الوسيط ٤ : ٣٠٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩١.
(٣) الحاوي الكبير ٨ : ٣٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٠.
(٤) تقدّم تخريجه في ص ٣١٠ ، الهامش (١)
فتكون نفقته عليه ، كقرابته ومولاه ، وهو أصحّ قولَي الشافعي ؛ لأنّ البالغ المعسر يُنفق عليه من بيت المال ، فاللقيط العاجز أولى ، ولأنّه للمصالح وهذا منها.
والثاني : إنّه لا تكون من بيت المال ؛ لأنّ بيت المال مُعدٌّ للصرف إلى ما لا وجه له سواه ، واللقيط يجوز أن يكون رقيقاً فنفقته على سيّده ، أو حُرّاً له مال أو قريب فنفقته في ماله أو على قريبه ، فعلى هذا يستقرض عليه الإمام لنفقته من بيت المال أو من آحاد الناس ، فإن لم يكن في بيت المال شيء ولم يُقرضه أحد من الناس استعان الإمام بالمؤمنين في الإنفاق عليه إمّا على سبيل الصدقة أو القرض.
ثمّ إن ظهر أنّه مملوك رجع على سيّده بما اقترضه الإمام له ، وإن ظهر أنّه حُرٌّ وله مَنْ تجب عليه نفقته رجع عليه ، وإن بانَ حُرّاً لا مال له ولا قريب ولا كسب قضى الإمام من سهم الفقراء والمساكين أو الغارمين(١) .
والأوّل أثبت.
مسألة ٤٢٣ : قد بيّنّا أنّ نفقة اللقيط إذا لم يكن له مالٌ على بيت المال ، فإن لم يكن في بيت المال شيء أو كان لكن هناك ما هو أهمّ ، كسدّ ثغرٍ يعظم أمره ، وحاجة إلى رعاية عمارةٍ عامّة ، كسدّ بثقٍ يخشى الغرق منه ، أو غير ذلك من المصالح العظيمة ، وجب على المسلمين القيام بكفايته ، ولم يجز لهم تضييعه.
ثمّ طريقه طريق النفقة ؛ لأنّه محتاج عاجز ، فأشبه الفقير المزمن والمجنون والميّت إذا لم يكن له كفن ، فعلى هذا إذا قام به البعض سقط
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٣٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٢ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٠ - ٣٩١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩١.
عن الباقين ؛ لحصول الغرض به ، وإن امتنعوا بأسرهم استحقّوا العقاب ، وطالَبهم الإمام ، فإن امتنعوا قاتلهم ، فإن تعذّر استقرض الإمام على بيت المال وأنفق عليه ، وهو أحد قولَي الشافعيّة.
والثاني : إنّ طريقه طريق القرض حتى يثبت الرجوع ؛ لأنّ هذا يجب دفعه لإحيائه ، فأشبه المضطرّ يدفع إليه بالعوض ، كما يبذل الطعام للمضطرّ بالعوض ؛ لما تقدّم من أنّه يجوز أن يكون رقيقاً أو يكون له مال أو قريب كما تقدّم ، فعلى هذا إن تيسّر الاقتراض استقرض ، وإلّا قسّط الإمام نفقته على الموسرين من أهل البلد ، ثمّ إن ظهر عبداً فالرجوع على سيّده ، وإن ظهر له مالٌ أو اكتسبه فالرجوع عليه ، وإن لم يكن شيء قضى من سهم الفقراء أو الغارمين ، وإن حصل في بيت المال مالٌ فنفقته منه(١) .
ولو حصل في بيت المال مالٌ وحصل للّقيط مالٌ دفعةً ، قضى من مال اللقيط ، كما أنّه إذا كان له مال وفي بيت المال مال تكون نفقته في ماله ، ولا يؤخذ من بيت المال شيء ؛ لاستغنائه عنه.
ولو احتاج الإمام إلى التقسيط على الأغنياء ، قسّط مع إمكان الاستيعاب ، ولو كثروا وتعذّر التوزيع يضربها السلطان على مَنْ يراه بحسب اجتهاده ، فإن استووا في نظره تخيّر.
والمراد أغنياء تلك البلدة أو القرية.
ولو احتاج إلى الاستعانة بغيرهم ، استعان ، ولو رأى المصلحة في التناوب عليه في الإنفاق منهم فَعَله.
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٣٨ - ٣٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٢ ، الوسيط ٤ : ٣٠٨ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥٣ - ٥٥٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٩ - ٥٧٠ ، البيان ٨ : ١٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٢.
مسألة ٤٢٤ : إذا كان للّقيط مال ، فالأقرب عندي : إنّ الملتقط لا يستقلّ بحفظه ، بل يحتاج إلى إذن الحاكم ؛ لأنّ إثبات اليد على المال إنّما يكون بولايةٍ إمّا عامّة أو خاصّة ، ولا ولاية للملتقط ، ولهذا أوجبنا الرجوع إلى الحاكم في الإنفاق عليه من ماله ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.
وأرجحهما عندهم : إنّ الملتقط يستقلّ بحفظ ماله ، ولا يحتاج إلى إذن الحاكم ؛ لأنّه مستقلّ بحفظ المالك ، بل هو أولى به من القاضي ، فكان أولى بحفظ ماله(١) .
ثمّ اختلفوا - بناءً على هذا القول - في أنّه هل له أن يخاصم عن اللقيط مَنْ يدّعي ما يختصّ اللقيط به من الأموال؟ والأصحّ عندهم : إنّه لا يخاصم(٢) .
مسألة ٤٢٥ : إذا كان للّقيط مال ، أُنفق عليه منه إجماعا ، ولا يجب على غيره الإنفاق عليه ، كما أنّ الصغير الموسر تجب نفقته من ماله دون مال أبيه.
ولا يتولّى الملتقط الإنفاق عليه من ماله بالاستقلال ما لم يأذن الحاكم إذا أمكن مراجعته - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّه لا ولاية له على ماله ، وإنّما له حقّ الحضانة ؛ لأنّ الولاية للأب والجدّ له والحاكم على مال الصغير دون بقيّة الأقارب وإن كان لأقارب الصغار ولاية الحضانة ، كذلك الملتقط يلي
____________________
(١) الوسيط ٤ : ٣٠٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٣.
(٢) حلية العلماء ٥ : ٥٥٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٣.
(٣) الحاوي الكبير ٨ : ٣٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٢ ، الوسيط ٤ : ٣٠٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٨ ، البيان ٨ : ١٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٣.
الحضانة ، ولا يلي المال.
وقال أحمد : إنّ الولاية للملتقط ينفق عليه بغير إذن الحاكم ؛ لأنّه وليٌّ له ، فلم يعتبر في الإنفاق عليه في حقّه إذن الحاكم ، كوصيّ اليتيم ، ولأنّ هذا من الأمر بالمعروف ، فاستوى فيه الإمام وغيره ، كإراقة الخمر(١) .
وقد روي عنه في رجلٍ أودع رجلاً مالاً وغاب وطالت غيبته وله ولد ولا نفقة لهم هل ينفق عليهم هذا المستودع من مال الغائب؟ فقال : تقوم امرأته إلى الحاكم حتى يأمره بالإنفاق عليهم ، فلم يجعل له الإنفاق من غير إذن الحاكم ، فقال بعض أصحابه : هذا مثله ، ومَنَع الباقون ، وفرّقوا بوجهين :
أحدهما : إنّ الملتقط له ولاية على اللقيط وعلى ماله ، فإنّ له ولاية أخذه وحفظه.
والثاني : إنّه إنّما ينفق على الصبي من مال أبيه بشرط أن يكون الصبي محتاجاً إلى ذلك لعدم ماله وعدم نفقةٍ تركها أبوه برسمه ، وذلك لا يقبل [ فيه ] قول المستودع فاحتيج إلى إثبات ذلك عند الحاكم ، ولا كذلك في مسألتنا(٢) .
ونمنع ثبوت الولاية على الملتقط في غير الحضانة.
مسألة ٤٢٦ : إذا ثبت ما قلناه من أنّه لا يتولّى الملتقط الإنفاق عليه إلّا بإذن الحاكم ، فإنّه يرفع أمره إلى الحاكم ، فإن أذن له في الإنفاق عليه جاز له ، كما يجعل أميناً للصغير إذا مات أبوه بغير وصيّةٍ ، فإن أنفق عليه بغير
____________________
(١) المغني ٦ : ٤١٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٠٨.
(٢) المغني ٦ : ٤١٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٠٨ - ٤٠٩ ، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
إذن الحاكم مع إمكانه ضمن ما أنفقه ، ولم يكن له الرجوع على اللقيط ، كمَنْ في يده وديعة ليتيمٍ فأنفقها عليه.
ولبعض الشافعيّة وجه غريب : إنّه لا يصير ضامناً(١) .
إذا تقرّر هذا ، فإذا رفع الأمر إلى الحاكم كان للحاكم أن يأخذ المال منه ويسلّمه إلى أمينٍ لينفق منه على اللقيط بالمعروف ، أو يصرفه إلى الملتقط يوماً بيومٍ ، أو يتركه بحاله في يد الملتقط إذا رأى الإمام الصلاح في ذلك.
ثمّ الأمين إن قتر عليه مُنع منه ، وإن أسرف ضمن الأمين والملتقط الزيادةَ ، ويستقرّ الضمان على الملتقط إذا كان الأمين قد سلّمه إليه ؛ لحصول الهلاك في يده ، وقد قلنا : إنّ للحاكم أن يأذن للملتقط في الإنفاق ويترك المال في يده إذا كان أميناً عنده.
وأمّا الشافعيّة فقدّموا على الحكم مقدّمةً ، وهي : إنّه إذا لم يكن للّقيط مال واحتيج إلى الاستقراض له ، هل يجوز للقاضي أن يأذن للملتقط في الإنفاق عليه من مال نفسه ليرجع؟ نصّ الشافعي على الجواز ، ونصّ في الضالّة أنّه لا يأذن لواجدها في الإنفاق عليها من مال نفسه ليرجع على صاحبها ، بل يأخذ المال منه ويدفعه إلى أمينٍ ، ثمّ الأمين يدفع إليه كلّ يومٍ بقدر الحاجة.
فاختلف أصحابه ، فقال أكثرهم : المسألة على قولين :
أحدهما : المنع في الصورتين ، وبه قال المزني ، وإلّا كان قابضاً للغير من نفسه ومقبضاً.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٣.
وأشبههما عندهم : الجواز ؛ لما في الأخذ والردّ شيئاً فشيئاً من العسر والمشقّة ، ولا يبعد أن يجوز للحاجة تولّي الطرفين ، ويلحق الأمين بالأب في ذلك.
ومثل هذا الخلاف آتٍ فيما إذا أنفق المالك عند هرب العامل في المساقاة ، والمكتري عند هرب الجمّال(١) .
وقال آخَرون بظاهر النصّين ، وفرّقوا بأنّ اللقيط لا وليّ له ظاهراً ، فجاز أن يجعل القاضي الملتقط وليّاً ، وصاحب اللّقطة قد يكون رشيداً لا يولّى عليه(٢) .
إذا تقرّر هذا ، فأكثر الشافعيّة طردوا الطريقين في جواز ترك المال في يد الملتقط والإذن في الإنفاق منه.
والأحسن عندهم ما ذهبنا نحن إليه ، وهو القطع بالجواز ؛ لأنّ ما ذكرنا من اتّحاد القابض والمقبض لا يتحقّق هنا ، بل هو كقيّم اليتيم يأذن له القاضي في الإنفاق عليه من ماله(٣) .
وعلى ما قلناه من جواز الإذن له في الإنفاق فإذا أذن ثمّ بلغ اللقيط واختلفا فيما أنفق ، قُدّم قول الملتقط في قدره إذا لم يتجاوز المعروف وما يليق بحال الملتقط.
ويجيء للشافعيّة وجهٌ آخَر : إنّ القول قول اللقيط(٤) .
ولو ادّعى الملتقط الزائدَ على قدر المعروف ، فهو مُقرٌّ على نفسه بالتفريط ، فيضمن ، ولا معنى للتحليف إلّا أن يدّعي الملتقط الحاجة
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٤.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٤.
وينكرها اللقيط.
نعم ، لو وقع النزاع في عين مالٍ فزعم الملتقط أنّه أنفقها ، صُدّق مع اليمين ، لتنقطع المطالبة بالعين ، ثمّ يضمن ، كالغاصب إذا ادّعى التلف.
مسألة ٤٢٧ : ولو لم يتمكّن من مراجعة الحاكم أو لم يكن هناك حاكم ، فإنّه يُنفق الملتقط من مال الطفل عليه بنفسه - وهو أحد قولَي الشافعيّة(١) - لأنّه موضع ضرورةٍ ، فأُبيح له ذلك ، وإلّا لزم تضرّر الصبي.
والثاني : إنّ الملتقط يدفع المال إلى أمينٍ لينفق عليه.
والأصحّ عندهم : الأوّل ؛ إذ لا فرق بين دفعه إلى الأمين وإلى اللقيط(٢) .
إذا ثبت هذا ، فهل يجب الإشهاد؟ الأقرب : ذلك ؛ لأنّ الإشهاد مع عدم الحاكم قائم مقام إذن الحاكم مع وجوده ، كما في الضالّة.
وإذا أشهد على الإنفاق ، لم يضمن - وهو أحد قولَي الشافعيّة - لأنّه موضع ضرورة.
والثاني : إنّه يضمن(٣) .
ولو لم يُشهد مع القدرة على الإشهاد ، ضمن ، ولا معها فلا ضمان.
وللشافعيّة فيهما وجهان :
أحدهما : إنّه يضمن مع القدرة على الإشهاد وعدمها.
والثاني : إنّه يضمن مع القدرة ، لا مع عدمها(٤) .
____________________
(١ و ٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٤.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٤.
المطلب الثالث : في أحكام اللقيط.
وفيه مباحث :
البحث الأوّل : في إسلامه وكفره.
مسألة ٤٢٨ : إسلام الشخص قد يكون بالاستقلال من نفسه ، وقد يكون بالتبعيّة لغيره.
أمّا الأوّل فإنّما يتحقّق في طرف البالغ العاقل بأن يباشر الإسلام إمّا بالعبارة إن كان ذا نطقٍ ، أو بالإشارة المفهمة إن كان أخرس.
وأمّا الصبي فلا يصحّ إسلامه ؛ لأنّه غير مكلّفٍ ، ولا اعتبار بعبارته في العقود وغيرها ، سواء كان مميّزاً أو لا.
وللشافعيّة في المميّز قولان :
أظهرهما : ما قلناه.
والثاني : إنّه يعتبر إسلامه في الظاهر دون الباطن. فإذا بلغ ووصف الإسلام ، كان مسلماً من حين وصفه قبل بلوغه(١) .
وعلى القول الأوّل إذا بلغ ووصف الإسلام ، كان مسلماً من [ حين ] وصفه بعد البلوغ.
قال الشيخرحمهالله : المراهق إذا أسلم حُكم بإسلامه ، فإن ارتدّ بعد ذلك يُحكم بارتداده ، وإن لم يتب قُتل ، ولا يعتبر إسلامه بإسلام أبويه ، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد ، غير أنّه قال : لا يُقتل إن ارتدّ ؛ لأنّ هذا الوقت ليس وقت التعذيب حتى يبلغ.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٥.
وقال الشافعي : لا يُحكم بإسلامه ولا بارتداده ، ويكون تبعاً لوالديه ، غير أنّه يُفرّق بينه وبينهما ؛ لئلّا يفتناه ، وبه قال زفر.
ثمّ استدلّرحمهالله بروايات أصحابنا : إنّ الصبي إذا بلغ عشر سنين أُقيمت عليه الحدود التامّة واقتُصّ منه ، ونفذت وصيّته وعتقه ، وذلك عامٌّ في جميع الحدود ، وبقولهعليهالسلام : « كلّ مولودٍ يولد على الفطرة ، وأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه حتى يعرب عنه لسانه ف( إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً ) » وهذا عامٌّ إلّا مَنْ أخرجه الدليل.
وقال أبو حنيفة : يصحّ إسلامه ، وهو مكلّف بالإسلام ، وإليه ذهب بعض أصحابنا ؛ لأنّه يمكنه معرفة التوحيد بالنظر والاستدلال ، فصحّ منه ، كالبالغ.
ونقل الشيخ عن أصحابه(١) بإسلام عليٍّعليهالسلام وهو غير بالغٍ ، وحكم بإسلامه بالإجماع.
وأجاب الشافعيّة عن الأوّل : بأنّه غير مكلّفٍ بالشرع ، فلم يصح إسلامه ، كالصغير ، ويفارق البالغ بأنّه يُقبل تزويجه ، ويصحّ طلاقه وإقراره ، بخلاف الصغير ، وعن الثاني : بأنّهم حكموا بإسلام عليٍّعليهالسلام ؛ لأنّه كان بالغاً ، لأنّ أقلّ البلوغ عند الشافعي تسع سنين ، وعند أبي حنيفة إحدى عشرة سنة ، واختلف الناس في وقت إسلام عليٍّعليهالسلام ، فمنهم مَنْ قال : أسلم وله عشر سنين ، ومنهم مَنْ قال : تسع سنين ، ومنهم مَنْ قال : إحدى عشرة سنة.
قال الواقدي : وأصحّ ما قيل : إنّه ابن إحدى عشرة سنة.
وروي عن محمّد بن الحنفيّة أنّه قُتل عليٌّعليهالسلام السابع والعشرين من
____________________
(١) أي أصحاب أبي حنيفة.
شهر رمضان وله ثلاث وستّون سنة.
ولا خلاف في أنّه قُتل سنة أربعين من الهجرة ، فيكون لعليٍّعليهالسلام ثلاث وعشرون سنة حين هاجر النبيّصلىاللهعليهوآله إلى المدينة ، وأقام النبيّصلىاللهعليهوآله بمكة دون ثلاث عشرة سنة ثمّ هاجر إلى المدينة ، فظهر بهذا أنّه كان لعليٍّعليهالسلام إحدى عشرة سنة.
قال أبو الطيّب الطبري : وجدتُ في فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل : إنّ قتادة روى عن الحسن أنّ عليّاًعليهالسلام أسلم وله خمس عشرة سنة ، قال : وأمّا البيت الذي ينسب إليه :
غلاماً ما بلغت أوان حلمي
فيحتمل أن يكون قال : « غلاماً قد بلغت أوان حلمي »(١) .
وقال ابن أبي هريرة من الشافعيّة : إذا أسلم المميّز يُتوقّف ، فإن بلغ واستمرّ على كلمة الإسلام تبيّنّا كونه مسلماً من يومئذٍ ، وإن وصف الكفر تبيّنّا أنّه كان لغواً(٢) .
وهو الذي تقدّم ، فإنّه يُعبَّر عنه بصحّة إسلامه ظاهراً لا باطناً ، ومعناه إنّا نخرجه من أيدى الكفّار ونلحقه بزمرة المسلمين في الظاهر ، ولا ندري استمرار هذا الإلحاق وتحقّقه.
ولهم وجهٌ آخَر : إنّه يصحّ إسلامه حتى يُفرّق بينه وبين زوجته الكافرة ، ويورث من قريبه المسلم(٣) ؛ لأنّ عليّاًعليهالسلام دعاه رسول اللهصلىاللهعليهوآله
____________________
(١) الخلاف ٣ : ٥٩١ - ٥٩٤ ، المسألة ٢١.
(٢) البيان ١٢ : ١٣٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٥.
(٣) الحاوي الكبير ٨ : ٤٦ ، البيان ١٢ : ١٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٥.
إلى الإسلام قبل بلوغه ، فأجابه(١) ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد(٢) .
واختلفت الرواية عن مالك(٣) .
وعلى قول الشافعي بصحّة إسلامه وقول أبي حنيفة وأحمد لو ارتدّ صحّت ردّته أيضاً ، لكن لا يُقتل حتى يبلغ ، فإن تاب وإلّا قُتل(٤) .
وعلى ما اخترناه نحن يجب أن يُفرّق بينه وبين أبويه وأهله الكفّار لئلّا يستدرجوه ، فإن وصف الكفر بعد البلوغ هُدّد وطُولب بالإسلام ، فإن أصرّ رُدّ إليهم.
إذا عرفت هذا ، فالأقرب : وجوب الحيلولة بينه وبين أبويه احتياطاً لأمر الإسلام ، وهو أحد وجهي الشافعيّة ، والثاني : إنّها مستحبّة ، فيستعطف بأبويه ليؤخذ منهما ، فإن أبيا فلا حيلولة(٥) .
هذا ما يتعلّق بأُمور الدنيا ، وأمّا ما يتعلّق بأمر الآخرة فالوجه : إنّه ناجٍ ، وإن أُدخل الجنّة فعلى جهة التفضّل.
قال بعض الشافعيّة : إذا أضمر الإسلام كما أظهره ، كان من الفائزين بالجنّة وإن لم يتعلّق بإسلامه أحكام الدنيا ، ويعبّر عن هذا بأنّ إسلامه
____________________
(١) الطبقات الكبرى ٣ : ٢١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٥.
(٢) الاختيار لتعليل المختار ٤ : ٢٣٤ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٣٤ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ١٢٠ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٦٩ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٦ ، و ١٣ : ١٧١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٥ ، المغني ١٠ : ٨٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٨١.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٦.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٥ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٣٥ ، المغني ١٠ : ٨٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٨١ و ٨٥.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٥.
صحيح باطناً لا ظاهراً(١) .
واستشكله الجويني ؛ لأنّ مَنْ يُحكم له بالفوز [ لإسلامه كيف لا يُحكم بإسلامه!؟(٢) .
وقد يجاب عنه : بأنّه قد يُحكم بالفوز ] في الآخرة وإن لم يُحكم بأحكام الإسلام في الدنيا ، كمن لم تبلغه الدعوة(٣) .
وغير المميّز ، والمجنون لا يصحّ إسلامهما مباشرةً إجماعاً ، ولا يُحكم بإسلامهما إلّا بالتبعيّة لغيرهما.
مسألة ٤٢٩ : جهة التبعيّة في الإسلام عندنا أُمور ثلاثة ، فالنظر هنا في أُمور ثلاثة :
الأوّل : إسلام الأبوين أو أحدهما وذلك يقع على وجهين :
أحدهما : أن يكون الأبوان أو أحدهما مسلماً حال علوق الولد ، فيُحكم بإسلام الولد ؛ لأنّه جزء من مسلمٍ ، فإن بلغ ووصف الإسلام فلا بحث ، وإن أعرب عن نفسه بالكفر واعتقده ، حُكم بارتداده عن فطرةٍ يُقتل من غير توبةٍ ، ولو تاب لم تُقبل توبته.
والثاني : أن يكون أبواه كافرين حالة العلوق ثمّ يُسلما أو أحدهما قبل الولادة أو بعدها إلى قبل البلوغ بلحظة ، فيُحكم بإسلام الولد من حين إسلام أحد الأبوين ، ويجري عليه أحكام المسلمين ، فيقتصّ له من المسلم لو قتله ، ويُحكم له بدية المسلم بقتله ، ويرث قريبه المسلم ، ويجزئ عتقه عن الظهار لو كان مملوكاً.
هذا إذا قلنا : إنّ إسلام الصبي غير صحيحٍ ، أمّا إذا قلنا بصحّة إسلام
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٦.
(٣) كما في المصدر السابق ، وما بين المعقوفين أثبتناه منه.
المراهق ، فقد تردّد أصحاب أبي حنيفة في تبعيّته لمن أسلم من أبويه ؛ لأنّ الجمع بين إمكان الاستقلال وبين إثبات التبعيّة بعيد(١) .
إذا عرفت هذا ، فإنّه لا فرق عندنا بين أن يُسلم الأب أو الأُمّ في أنّ الولد يتبعه في إسلامه ، فأيّهما أسلم تبعه الولد ، وكان مسلماً بإسلامه في الحال إذا لم يكن بالغاً - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّه إذا كان أحد الأبوين مسلماً ، وجب تغليب الإسلام على طرف الكفر ؛ لقولهصلىاللهعليهوآله : « الإسلام يعلو ولا يعلى »(٣) .
وقال مالك : لا يكون الصغير مسلماً بإسلام الأُمّ ، بل بإسلام الأب ؛ لقوله تعالى :( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ ) (٤) ولأنّه لا يدخل في أمان الأُمّ ، فلا يتبعها في الإسلام ، كالأجنبيّ(٥) .
ولا دلالة في الآية ؛ لدخول الأُمّ تحت لفظة : ( الَّذِينَ ) ولأنّ الحكم باتّباع الذرّيّة للأب إذا آمن لا ينافي اتّباعهم للأُمّ إذا آمنت ، ونعارضه بأنّ الولد يتبع الأُمّ في الملك عنده ، وولادتها متحقّقة ، فكان أولى بالتبعيّة ، وقد سلّم أنّ الولد إذا كان حملاً في بطنها فأسلمت يتبعها الولد في إسلامها ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٧.
(٢) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٣ : ١٥٨ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٤ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٠ ، الوجيز ١ : ٢٥٦ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٣ ، البيان ٨ : ٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٦ ، المغني ١٠ : ٩١ ، الشرح الكبير ١٠ : ١٠٥.
(٣) الفقيه ٤ : ٢٤٣ / ٧٧٨ ، سنن البيهقي ٦ : ٢٠٥ ، سنن الدارقطني ٣ : ٢٥٢ / ٣.
(٤) سورة الطور : ٢١.
(٥) الذخيرة ٩ : ١٣٤ ، المعونة ٢ : ١٢٩٢ ، المغني ١٠ : ٩١ ، الشرح الكبير ١٠ : ١٠٥ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٣ : ١٥٨ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٤ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٣ ، البيان ٨ : ٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٧.
فيقيس المتنازع عليه وعلى ما إذا كانت مسلمةً يوم العلوق.
واعلم أنّه متى تأخّر إسلام أحدهما عن العلوق فلا فرق بين أن يتّفق في حالة اجتنان الولد أو بعد انفصاله.
وقال بعض الشافعيّة : يجوز أن يجعل إسلام أحدهما في حالة الاجتنان كما لو كان مسلماً يوم العلوق جواباً على أنّ الحمل لا يُعرف حتى يلتحق ذلك بالوجه الأوّل(١) .
مسألة ٤٣٠ : في معنى الأبوين الأجداد والجدّات ، سواء كانوا وارثين أو لا ، فلو أسلم الجدّ أو الجدّة لأبٍ كان أو لأُمٍّ تبعه الطفل ، فيُحكم عليه بالإسلام من حين إسلام الجدّ إن لم يكن الأب حيّاً ؛ لصدق الأب عليه ، ولأنّ الأب يتبعه ويكون أصلاً له ، فيكون أصالته للطفل أولى ، وبه قال الشافعي(٢) .
ولو كان الأب حيّاً ، فإشكال ينشأ : من أنّ سبب التبعيّة القرابة وأنّها لا تختلف بحياة الأب وموته ، كسقوط القصاص وحدّ القذف ، ومن انتفاء ولاية الحضانة للجدّين مع الأبوين.
وللشافعيّة قولان(٣) كهذين.
ولا فرق بين أن يكون المسلم من الجدّين طرف أحد الأبوين أو مقابله ، فلو أسلم جدّ الأُمّ والأب حيٌّ أو أسلم جدّ الأب والأُمّ حيّة ، جاء الإشكال.
وكذا البحث لو كان الأبوان والجدّان القريبان موتى وأسلم الجدّ البعيد أو الجدّة البعيدة إمّا من قِبَل الأب أو من الأُمّ أو من قِبَلهما معاً ، فإنّ الولد
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٨.
(٢ و ٣) الوجيز ١ : ٢٥٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٦.
يتبعه.
والإشكال الثالث في طرف الأب والأُمّ مع الجدّ القريب والجدّة القريبة آتٍ في طرف الأبوين والجدّين البعيدين.
وكذا الإشكال لو كان الأبوان معدومين ووُجد أحد الأجداد الأربعة الأدنين وأحد الأجداد الثمانية الأباعد وأسلم أحد الثمانية.
مسألة ٤٣١ : لا شكّ في أنّ الولد يُحكم له بالإسلام إذا كان أبواه أو أحدهما مسلماً بالأصالة أو تجدّد إسلامه حال علوق الولد ، فإذا بلغ الولد ووصف الإسلام تأكّد ما حُكم به ، وانقطع الكلام ، وإن أعرب الكفر فهو مرتدّ عن فطرةٍ يُقتل في الحال.
وإن كان الأبوان كافرين وعلقت الأُم به قبل إسلام أحدهما ثمّ أسلم أحدهما بعد العلوق وقبل بلوغ الصبي ، فإنّه يُحكم على الصبي بالإسلام من حين إسلام أحد أبويه ، فإذا بلغ فإن أعرب عن نفسه بالإسلام فقد تأكّد ما حكمنا به أيضاً من إسلامه ، وإن أعرب بالكفر فهو مرتدّ.
وهل تُقبل توبته ، ويكون ارتداده كارتداد مَنْ أسلم عقيب كفره وقت بلوغه ، أو يكون مرتدّاً عن فطرةٍ لا تُقبل توبته ، ويكون ارتداده كارتداد مَنْ هو مسلم بالأصالة لا عقيب كفره حالة بلوغه؟ الأقوى : الأوّل ؛ لأنّه كافرٌ أصليٌّ حكمنا بكفره أوّلاً ثمّ أُزيل كفره بالتبعيّة ، فإذا استقلّ انقطعت التبعيّة ، فوجب أن يعتبر بنفسه.
وللشافعيّة فيما إذا بلغ هذا الصبي الذي تجدّد تكوّنه قبل إسلام أحد أبويه ثمّ أسلم أحد أبويه قبل بلوغه إذا أعرب بالكفر وجهان :
أصحّهما : إنّه مرتدّ ؛ لأنّه سبق الحكم بإسلامه جزماً ، فأشبه ما إذا باشر الإسلام ثمّ ارتدّ ، وما إذا حصل العلوق حالة الإسلام.
والثاني : إنّه كافرٌ أصليٌّ ؛ لأنّه كافر محكوم بكفره أوّلاً وأُزيل بالتبعيّة(١) .
مسألة ٤٣٢ : إذا حكمنا بارتداد هذا الصبي إذا أسلم أحد أبويه ثمّ بلغ وأعرب الكفر بعد بلوغه ، لم ينقض شيئا ممّا أمضيناه من أحكام الإسلام ، وإن قلنا : إنّه كافرٌ أصليٌّ ، فللشافعيّة وجهان :
أحدهما : إنّها ممضاة بحالها ؛ لجريانها في حالة التبعيّة.
وأظهرهما عندهم : إنّا نتبيّن الانتقاض ، ونستدرك ما يمكن استدراكه حتى يردّ ما أخذه من تركة قريبه المسلم ، ويأخذ من تركة قريبه الكافر ما حرم بمنعه ، ويُحكم بأنّ إعتاقه عن الكفّارة لم يقع مجزئاً.
هذا فيما يجري في الصغر ، فأمّا إذا بلغ ومات له قريب مسلم قبل أن يعرب عن نفسه بشيءٍ أو أُعتق عن الكفّارة في هذه الحالة ، فإن قلنا : لو أعرب عن نفسه بالكفر لكان مرتدّاً ، أمضينا أحكام الإسلام ، ولا نقض ، وإن جعلناه كافراً أصليّاً ، فإن أعرب بالكفر تبيّنّا أنّه ما أجزأ عن الكفّارة.
فإن فات الإعراب بموتٍ أو قتلٍ ، فوجهان :
أحدهما : إمضاء أحكام الإسلام ، كما لو مات في الصغر.
وأظهرهما : إنّا نتبيّن الانتقاض ؛ لأنّ سبب التبعيّة الصغر وقد زال ، ولم يظهر في الحال حكمه في نفسه ، ويُردّ الأمر إلى الكفر الأصلي(٢) .
وللشافعيّة قولٌ : إنّه لو مات قبل الإعراب وبعد البلوغ يرثه قريبه
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٥ ، الوجيز ١ : ٢٥٦ ، الوسيط ٤ : ٣١٠ ، حلية العلماء ٥ : ٥٦٨ ، البيان ٨ : ٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٦.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٧.
المسلم. ولو مات له قريب مسلم فإرثه عنه موقوف ، بناءً منهم على أنّ المسلم لا يرث الكافر(١) .
قال الجويني : أمّا التوريث منه فيخرج على أنّه إذا مات قبل الإعراب هل ينقض الحكم؟ وأمّا توريثه فإن عني بالتوقّف أنّه يقال : أعرب عن نفسك بالإسلام ، فهو قريب ، ويستفاد به الخروج من الخلاف ، وأمّا إذا مات القريب ثمّ مات هو وفات الإعراب بموته ، فلا سبيل إلى الفرق بين توريثه والتوريث عنه(٢) .
ولو قُتل بعد البلوغ وقبل الإعراب ، ففي تعلّق القصاص بقتله قولان :
أحدهما : التعلّق ، كما لو قُتل قبل البلوغ.
والثاني : المنع ؛ لأنّ سكوته يحتمل الكفر والجحود ، والقصاص يدرأ بالشبهة ، ويخالف ما قبل البلوغ ، فإنّه حينئذٍ محكوم بإسلامه تبعاً ، وقد انقطعت التبعيّة بالبلوغ.
والقولان مبنيّان على أنّه لو أعرب بالكفر كان مرتدّاً أو كافراً أصليّاً؟ إن قلنا بالأوّل ، وجب القصاص ، وإن قلنا بالثاني ، فلا ، لكنّ الأظهر : منع القصاص وإن كان الأظهر كونه مرتدّاً ، تعليلاً بالشبهة.
وأمّا الدية فالذي أطلقه الشافعيّة وحكوه عن قول الشافعي : تعلّق الدية الكاملة بقتله.
وعلى القول بأنّه لو أعرب بالكفر كان كافراً أصليّاً لا يوجب الدية
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٩ و ٥٠٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٧ ، و ٥ : ٣٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٧.
الكاملة على رأي(١) .
وروى الجويني عن القاضي الحسين من الشافعيّة : إجراء القول بمنع القصاص مع الحكم بأنّه لو أعرب بالكفر لكان مرتدّاً. وعدّه من هفواته(٢) .
تذنيب : الصبي المحكوم بكفره إذا بلغ مجنوناً كان حكمه حكم الصغير حتى أنّه لو أسلم أحد أبويه تبعه ، أمّا لو بلغ عاقلاً ثمّ جُنّ ففي التبعيّة إشكال.
وللشافعيّة وجهان :
أحدهما : إنّه لا يتبعهما ؛ لأنّه قد ثبت له حكم الإسلام بنفسه ، فلا يكون تبعاً ، كالعاقل.
والثاني : إنّه يكون تبعاً ؛ لأنّه غير مكلّفٍ ، فأشبه الذي بلغ مجنوناً ، وإسلامه بنفسه قد بطل بجنونه ، فعاد تبعاً ، كما يعود مولّياً عليه(٣) .
ثمّ أصحّهما عندهم : إنّهم قالوا : إنّه إذا طرأ جنونه عادت ولاية المال إلى الأب ، فإذا أسلم استتبعه ، وإلّا فلا(٤) .
النظر الثاني : في الجهة الثانية في تبعيّة الإسلام.
مسألة ٤٣٣ : قال بعض علمائنا : إنّ الصبي يتبع السابي في الإسلام(٥) ، فإذا سبى المسلم طفلاً منفرداً عن أبويه حُكم بإسلامه ؛ لأنّه صار تحت ولايته ، وليس معه مَنْ هو أقرب إليه ، فيتبعه ، كما يتبع الأبوين ؛ لأنّ السبي
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٩٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٠.
(٣) الوسيط ٤ : ٣١٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٧.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٠.
(٥) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢٣ ، و ٣ : ٣٤٢.
لـمّا أبطل حُرّيّته قلبه قلباً كلّيّاً فعدم عمّا كان وتجدّد له وجود تحت يد السابي وولايته ، فأشبه تولّده من الأبوين ، وهو أحد وجهي الشافعيّة(١) .
والثاني : إنّه لا يُحكم بإسلامه(٢) .
وهو جيّد ؛ لأنّ يد السابي يد ملكٍ ، فأشبهت يد المشتري.
لكن المشهور عندهم : الأوّل.
مسألة ٤٣٤ : لو كان السابي ذمّيّاً ، لم يُحكم بإسلامه - وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٣) - إذ لا سبب له من إسلام أحد أبويه أو إسلام سابيه ، فيبقى على حالة الكفر.
والثاني : إنّه يُحكم بإسلامه ؛ لأنّه إذا سباه صار من أهل دار الإسلام ؛ لأنّ الذمّي من أهلها ، فيجعل مسلماً تبعاً للدار(٤) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّ كون الذمّي من أهل دار الإسلام لا يؤثّر فيه ولا في حقّ أولاده فكيف يؤثّر في حقّ مسبيّه!؟ وتبعيّة الدار له إنّما تؤثّر في حقّ المجهول حاله ونسبه.
ولو باعه الذمّي السابي من مسلمٍ ، لم يُحكم بإسلامه أيضاً ؛ لأنّ ملك المسلم طرأ عليه وهو رقيق ، وإنّما تحصل التبعيّة في ابتداء الملك ، فإنّ عنده يتحقّق تحوّل الحال ، وكذا سبي الزوجين يقطع النكاح ، وتجدّد
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٤٥ ، و ١٤ : ٢٤٦ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٠ ، الوجيز ١ : ٢٥٦ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٣ ، البيان ٨ : ٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٧ - ٤٩٨.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٤٥ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٠ ، الوجيز ١ : ٢٥٦ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٣ ، البيان ٨ : ٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٨.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٨.
الملك على الرقيقين لا يقطعه عند الشافعي(١) .
مسألة ٤٣٥ : لو سبي الطفل ومعه أبواه الكافران أو أحدهما ، لم يُحكم بإسلامه ، ولا يتبع السابي هنا في الإسلام - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّ والديه أقرب إليه من سابيه ، فكانا أولى بالاستتباع.
وقال أحمد : إنّه يتبع السابي أيضاً في إحدى الروايتين(٣) .
ولو كانا معه ثمّ ماتا ، لم يُحكم بإسلامه أيضاً ؛ لما تقدّم من أنّ التبعيّة إنّما تثبت في ابتداء السبي.
وحكم الصبي المحكوم بإسلامه تبعاً [ للسابي إذا بلغ حكم الذي حُكم بإسلامه تبعاً ](٤) لأبويه إذا بلغ.
واعلم أنّ الصبي المسبي والذي أسلم أحد أبويه إذا أعربا الكفر وجعلناهما كافرين أصليّين ألحقناهما بدار الحرب ، فإن كان كفرهما ممّا يجوز التقرير عليه بالجزية قرّرناهما.
ولو أعربا بنوعٍ من الكفر غير ما كانا موصوفين به ، فهُما منتقلان من ملّةٍ إلى ملّةٍ.
وهل يُقبل؟ قولان سبقا.
ولو ماتا ، فالقول في تجهيزهما والصلاة عليهما ودفنهما في مقابر
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠١.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٤٥ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٠ ، الوسيط ٤ : ٣١٢ ، البيان ٨ : ٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠١ ، روضة الطالبين ٤ : ٤٩٩ ، المغني ١٠ : ٤٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٤ - ٤٠٥.
(٣) المغني ١٠ : ٤٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠١.
(٤) ما بين المعقوفين أثبتناه من العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٢ ، وروضة الطالبين ٤ : ٤٩٩.
المسلمين إذا ماتا بعد البلوغ وقبل الإعراب يتفرّع على القولين في أنّهما إذا أعربا بالكفر كانا مرتدّين أو كافرين أصليّين؟
النظر الثالث : في الجهة الثالثة في التبعيّة في الإسلام.
وهي تبعيّة الدار ، وهي المقصودة هنا ؛ لأنّ الغرض من عقد الباب بيان أحكام اللقيط في الإسلام وغيره ، والجهتان السابقتان لا تُفرضان في حقّ اللقيط حتى يُعرف بهما إسلامه ، وإنّما يُحكم بإسلامه بهذه الجهة خاصّةً.
مسألة ٤٣٦ : الدار قسمان : دار إسلامٍ ودار كفرٍ.
أمّا دار الإسلام فقسّمها الشافعيّة أقساماً ثلاثة(١) .
أ : دار خطّها المسلمون ، كالبصرة والكوفة وبغداد ، فإذا وُجد فيها لقيط حُكم بإسلامه تبعاً للدار وإن كان فيها أهل ذمّةٍ ؛ لظاهر الدار ، ولأنّ الإسلام يعلو ولا يعلى ، ولأنّه إن كان المسلمون أكثر فالظاهر أنّه من أولادهم ، وإن كان أهل الذمّة أكثر فيُحتمل أن يكون من أولاد المسلمين ، فيُغلّب حكم الإسلام ، حتى لو لم يكن فيها سوى مسلمٍ واحد حُكم بإسلام اللقيط ، تغليباً للإسلام.
ب : دار فتحها المسلمون فملكوها وأقرّوهم فيها ببذل الجزية ، أو لم يملكوها وصالحوهم على بذل الجزية ، فإنّها تكون دار الإسلام أيضاً ؛ لأنّ حكم الإسلام جارٍ فيها ، فإذا كان في هذه ولو مسلم واحد حُكم بإسلام اللقيط ، وإن لم يكن فيها مسلم البتّة حُكم بكفره ؛ لأنّا نغلّب حكم الإسلام
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٠.
مع الاحتمال.
ج : دار غلب عليها المشركون كطرسوس ، فإنّها كانت للإسلام فغلب عليها المشركون ، فإن كان فيها ولو مسلم واحد حكمنا بإسلام اللقيط. وأمّا إذا لم يكن فيها مسلم البتّة لم يُحكم بإسلامه ، وهو قول أكثر الشافعيّة(١) .
وقال أبو إسحاق منهم : يُحكم بإسلامه ؛ لأنّه لا يخلو أن يكون فيها مسلم وإن لم يظهر إسلامه ، ولأنّ الدار دار الإسلام وربما بقي فيها مَنْ يكتم إيمانه ، ولو كان فيها مسلم واحد حُكم باسلامه(٢) .
والأقوى : إنّ دار الإسلام قسمان :
أ : دار خطّها المسلمون ، كبغداد والبصرة والكوفة ، فلقيط هذه محكوم بإسلامه وإن كان فيها أهل الذمّة.
ب : دار فتحها المسلمون ، كمدائن والشام ، فهذه إن كان فيها مسلم واحد حُكم بإسلام لقيطها ، وإلّا فهو كافر.
وقال الجويني : القسم الثالث السابق مجراه مجرى دار الكفر ؛ لغلبة الكفّار عليها(٣) .
وعدُّ القسم الثاني من بلاد الإسلام يدلّ على أنّه لا يشترط في بلاد الإسلام أن يكون فيها مسلمون ، بل يكفي كونها في يد الإمام واستيلائه.
وأمّا القسم الثالث : فقال بعض الشافعيّة : إنّ الاستيلاء القديم يكفي
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٤٣ ، الوسيط ٤ : ٣١٢ - ٣١٣ ، البيان ٨ : ٨ - ٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٠.
(٢) الوسيط ٤ : ٣١٣ ، البيان ٨ : ٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٠.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٠.
لاستمرار الحكم(١) .
ونزّل بعضهم ما ذكروه على ما إذا كانوا لا يمنعون المسلمين عنها ، فإن منعوهم فهي دار الكفر(٢) .
وأمّا دار الكفر فعلى ما اخترناه قسمان :
أ : بلد كان للمسلمين فغلب الكفّار عليه ، كالساحل ، فهذا إن كان فيه ولو مسلم واحد حُكم بإسلام لقيطه ، وإن لم يكن فيها مسلم فهو كافر.
ويحتمل أن يكون مسلماً ؛ لاحتمال أن يكون فيه مؤمن يكتم إيمانه ، وقد سبق.
ب : أن لم يكن للمسلمين أصلاً ، كبلاد الهند والروم ، فإن لم يكن فيها مسلم فلقيطها كافر ؛ لأنّ الدار لهم وأهلها منهم.
وإن كان فيها مسلمون - كالتجّار وغيرهم - ساكنون ، فهو مسلم ؛ لقيام الاحتمال ، تغليباً للإسلام ، وهو أحد وجهي الشافعيّة ، والثاني : إنّه يُحكم بكفره ، تبعاً للدار(٣) .
ويجري الوجهان فيما إذا كان فيها أُسارى مسلمون.
وقال الجويني : الخلاف في الأُسارى مرتَّب على الخلاف في التجّار ؛ لأنّهم تحت الضبط.
قال : ويشبه أن يكون الخلاف في قومٍ منتشرين إلّا أنّهم ممنوعون من الخروج من البلدة ، فأمّا المحبوسون في المطامير فيتّجه أن لا يكون لهم أثر ، كما لا أثر لطروق العابرين من المسلمين(٤) .
قال ابن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على أنّ الطفل إذا وُجد في
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٠ - ٥٠١.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠١.
بلاد المسلمين ميّتاً في أيّ مكانٍ وُجد أنّ غسله ودفنه في مقابر المسلمين يجب ، وقد منعوا أن يُدفن الطفل من أولاد المشركين في مقابر المسلمين.
قال : وإذا وُجد لقيط في قريةٍ ليس فيها إلّا مشرك ، فهو على ظاهر ما حكموا به أنّه كافر ، وهكذا قول الشافعي وأصحاب الرأي(١) .
تذنيب : كلّ موضعٍ حكمنا بكفر اللقيط فيه لو كان أهل البقعة أصحاب مللٍ مختلفة ، فالأقرب : أن يجعل من خيرهم ديناً.
آخَر : إنّما نحكم بإسلام مَنْ يوجد في بلاد الكفر إذا كان فيها مسلم ساكن ، فلا اعتبار بالطروق والاجتياز في ذلك.
مسألة ٤٣٧ : كلّ صبيٍّ حكمنا بإسلامه بأحد الأسباب الثلاثة فحكمه قبل بلوغه أحكام المسلمين ، فيرث من المسلم ، ولا يرثه الكافر ، ويُقتل قاتله ، ويصلّى عليه.
فإذا بلغ ووصف الإسلام ، فقد استقرّ إسلامه ، وحكمه حكم ما كان قبل بلوغه.
وإن وصف الكفر فإن كان ممّن حكمنا بإسلامه تبعاً لأحد أبويه ، فإنّه مرتدّ.
وقال الشافعي : إنّه يطالَب بالإسلام ، ولا يُقرّ على الكفر. فأجراه مجرى المرتدّ عن غير فطرةٍ(٢) .
وقال بعض أصحابه : إنّه يُقرّ على الكفر ؛ لأنّا حكمنا بإسلامه تبعاً لغيره ، فإذا بلغ صار حكمه حكم نفسه ، فرُوعي قوله ، وزال حكم التبع
____________________
(١) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٦٣ و ١٦٦ ، وعنه في المغني ٦ : ٤٠٤ - ٤٠٥ ، والشرح الكبير ٦ : ٤٠٦.
(٢) البيان ٨ : ٣٦.
عنه(١) .
وحكى بعض الشافعيّة هذا قولاً آخَر للشافعي(٢) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّا حكمنا بإسلامه باطناً وظاهراً ، فلم يُقرّ على الكفر ، كما لو أسلم بعد بلوغه ثمّ ارتدّ.
وإن كان ممّن حكمنا عليه بإسلامه تبعاً للسابي ، قال الشافعي : إنّه كالأوّل الذي حكمنا عليه بإسلامه تبعاً لأحد أبويه(٣) .
وليس بجيّدٍ ؛ لضعف العلاقة هناك وقوّتها في النسب.
وإن كان ممّن حكمنا عليه بإسلامه تبعاً للدار ، فالأقرب : إنّه لا يُحكم بارتداده ، بل بكفره ؛ لأنّ الحكم بإسلامه وقع ظاهراً ، لا باطناً ؛ بدليل أنّه لو ادّعى ذمّيٌّ بنوّته وأقام بيّنةً على دعواه ، سُلّم إليه ، وحُكم بكفره ، ونُقض الحكم بإسلامه ، فإذا بلغ ووصف الكفر كان قوله أقوى من ظاهر اليد فأقررناه ، ولهذا لو حكمنا بحُرّيّته بظاهر الدار ثمّ بلغ وأقرّ بالرقّ فإنّه يُحكم عليه بالرقّ ، وهذا بخلاف مَنْ تبع أباه ؛ لأنّ الحكم هناك كان على علمٍ منّا بحقيقة الحال ، وهنا مبنيٌّ على ظاهر الدار ، فإذا أعرب عن نفسه بالكفر ظهر كذب ما ظننّاه.
وقال الشافعي : لا يتبيّن لي أن أقتله ولا أُجبره على الإسلام(٤) .
ولأصحابه فيه طريقان ، أحدهما : إنّ هذا ترديد قولٍ منه ، وفي كونه مرتدّاً أو كافراً أصليّاً قولان ، كما في المحكوم بإسلامه تبعاً لأبويه(٥) .
ولهم وجهٌ آخَر : إنّه لا يُقرّ عليه - وبه قال أبو حنيفة وأحمد - لأنّه
____________________
(١ - ٣) البيان ٨ : ٣٦.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٥.
(٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠١.
حُكم بإسلامه قبل بلوغه ، فأشبه مَنْ تبع أبويه(١) .
مسألة ٤٣٨ : إذا بلغ المحكوم بإسلامه تبعاً للدار فأعرب بالكفر ، فإن جعلناه كافراً أصليّاً ، ففي التوقّف في الأحكام الموقوفة على الإسلام إشكال ، أقربه : إنّا لا نتوقّف ، بل نمضيها ، كما في المحكوم بإسلامه تبعاً لأبويه.
ويحتمل التوقّف إلى أن يبلغ فيعرب عن نفسه.
فإن مات في صباه ، لم يُحكم بشيءٍ من أحكام الإسلام.
وللشافعي قولان(٢) كالاحتمالين.
وقال أبو حنيفة وأحمد : إنّه مرتدّ(٣) .
وبالجملة ، فالحكم بإسلام الصبي تبعاً للدار إنّما يثبت ظاهراً ، لا يقيناً ؛ لاحتمال أن يكون أبوه كافراً.
فإن ادّعى كافر بنوّته وأقام عليه بيّنةً ، لحقه وتبعه في الكفر ، وارتفع ما ظننّاه أوّلاً ؛ لضعف تبعيّة الدار.
ولو تجرّدت دعواه عن البيّنة ، فالأقرب : عدم الالتفات إليه ، ويُحكم بإسلامه ؛ لأنّا حكمنا له بالإسلام أوّلاً ، فلا نغيّره بمجرّد دعوى الكافر ، وجاز أن يكون ولده لكن من مسلمةٍ ، فلا يتبع الدين النسب ، وهذا أظهر قولَي الشافعي.
والثاني : إنّه يُحكم بكفره ؛ لأنّه يلحقه بالاستلحاق ، وإذا ثبت نسبه تبعه في الدين ، كما لو قامت البيّنة على النسب(٤) .
____________________
(١ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠١.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٢.
ونمنع لحوقه وتبعيّة الدين النسب على ما تقدّم.
وعلى كلا القولين سواء قلنا بإسلامه - كما اخترناه نحن - أو قلنا بكفره - كما قال الشافعي - يحال بينه وبين مدّعيه الكافر لئلّا يرغبه عن الإسلام ويزهده فيه ، ويُقرّب إليه الكفر ويزيّنه عليه.
إذا ثبت هذا ، فإن بلغ ووصف الكفر ، فإن قلنا بتبعيّته في الكفر ، قُرّر عليه ، لكن يُهدَّد ويُخوَّف أوّلاً لعلّه يُسلم.
وإن قلنا : لا يتبعه ، ففي تقريره إشكال.
وللشافعيّة قولان(١) .
فإن قلنا : يُقرّ على كفره ، فإن وصف كفراً يُقرّ أهله عليه ، خيّرناه بين التزام الجزية والرجوع إلى دار الحرب ، وإن وصف كفراً لا يُقرّ أهله عليه ، قلنا له : إمّا أن تسلم أو تخرج إلى دار الحرب أو تصف كفراً يُقرّ أهله عليه على الخلاف ، قاله بعض الشافعيّة(٢) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّ هذا إمّا ابن حربيٍّ وقد حصل في يد المسلمين بغير عهدٍ فيكون لواجده ، ويصير مسلماً بإسلام سابيه ، أو يكون أحد أبويه ذمّيّاً ، فلا يُقرّ على الانتقال إلى غير دين أهل الكتاب ، أو يكون ابن مسلمٍ ، فيكون مسلماً ، فلا وجه لردّه إلى دار الحرب.
تذنيب : اللقيط المحكوم بإسلامه يُنفَق عليه من بيت المال إذا لم يكن له مال ولم يوجد متبرّع عليه على ما تقدّم ، أمّا المحكوم بكفره فإشكال ينشأ : من أنّه كافر فلا يعان من بيت مال المسلمين ، ومن احتمال الإنفاق عليه ؛ إذ لا وجه لتضييعه وفيه مصلحة للمسلمين ، فإنّه إذا بلغ إمّا أن
____________________
(١) البيان ٨ : ٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٢.
(٢) البيان ٨ : ٣٧.
يُسلم ويصير من المسلمين ، أو يعطي الجزية إن بقي على كفره ، وكلاهما مصلحة للمسلمين.
البحث الثاني : في حكم جناية اللقيط والجناية عليه.
مسألة ٤٣٩ : إذا جنى هذا اللقيط ، فإن كان بالغاً وكانت الجناية عمداً ، وجب عليه القصاص عيناً عندنا ، ولا يجب المال إلّا صلحاً.
وعند الشافعي يتخيّر وليّ الجناية بين أن يقتصّ أو يعفو على مالٍ(١) .
فإن عفي على مالٍ ، كان الأرش في ذمّته - إمّا مع رضا الغريم عندنا ، أو مطلقاً عند الشافعي(٢) - مغلّظاً يتبع إذا أيسر.
وإن كانت الجناية خطأً ، تعلّقت بعاقلته ، وهو الإمام عندنا ؛ لأنّ ميراثه له ، فإنّه وارث مَنْ لا وارث له.
وعند العامّة في بيت مال المسلمين ؛ لأنّه ليس له عاقلة خاصّة ، ومالُه إذا مات مصروف إلى بيت المال إرثاً ، فلـمّا كان بيت المال وارثاً له عقل عنه(٣) .
وإن كانت الجناية صدرت منه قبل البلوغ ، فعندنا أنّها خطأٌ محض تكون على عاقلته مخفّفةً.
والعاقلة عندنا هو الإمام.
وللشافعي قولان في أنّ عمده عمد أو خطأ؟ فإن قلنا بأنّها عمد ،
____________________
(١ و ٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٣ ، البيان ٨ : ٣٨.
(٣) الوجيز ١ : ٢٥٦ - ٢٥٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٣ ، البيان ٨ : ٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٢ ، المغني ٦ : ٤٠٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٤١٩.
وجبت الدية مغلّظةً في ماله ، وإن لم يكن له مال فهي في ذمّته إلى أن يجد ، وإن قلنا : إنّ عمد الصبي خطأ ، وجبت الدية مخفّفةً في بيت المال(١) .
ولو أتلف مالاً ، كان الضمان عليه لا غير ، سواء أتلفه عمداً أو خطأً.
ولو كان اللقيط محكوماً بكفره ، لم يضرب موجَب جنايته على بيت المال على ما تقدّم ، وتركته له.
مسألة ٤٤٠ : لو جُني على اللقيط ، فإن كانت خطأً وكانت على النفس أُخذت الدية ووُضعت في بيت المال عند العامّة(٢) وعندنا للإمام ، بناءً على القولين في أنّ وارثه الإمام أو بيت المال.
وإن كانت على الطرف ، فالدية على عاقلة الجاني إن تحمّلها العاقلة ، أو على الجاني إن قصرت عن الموضحة يستوفيه الحاكم له ؛ لأنّه وليّه.
وإن كانت الجناية عمداً ، فإن كانت نفساً كان للإمام أن يقتصّ إن رأى ذلك حظّاً للملاقيط ، وكان له العفو على مالٍ إذا رأى ذلك صلاحاً ورضي به الجاني عندنا ، ومطلقاً عند الشافعي ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وابن المنذر ، إلّا أنّ أبا حنيفة يخيّره بين القصاص والمصالحة(٣) ، كما ذهبنا
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٤٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٣ ، البيان ٨ : ٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٢.
(٢) المغني ٦ : ٤٠٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٤١٧ - ٤١٨ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٦٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٣ ، البيان ٨ : ٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٣.
(٣) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٦٦ ، البيان ٨ : ٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٣ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - =
نحن إليه.
واختلفت الشافعيّة على قولين :
قال بعضهم بالقطع على ما قلناه ولم يُثبتوا فيه خلافاً.
وأثبت الأكثر منهم قولاً آخَر : إنّه لا يجب القصاص(١) .
وهو خطأ ؛ لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : « السلطان وليّ مَنْ لا وليّ له »(٢) .
ثمّ اختلف هؤلاء في شيئين :
أحدهما : في مأخذ القولين.
قال قوم : وجه الوجوب : إنّه مسلم معصوم الدم ، فوجب القصاص كغير اللقيط ، ووجه المنع : إنّه لو وجب القصاص لوجب لعامّة المسلمين ، كما يصرف ماله إليهم ، وفي المسلمين أطفال ومجانين ، ومهما كان في الورثة أطفال ومجانين لا يمكن استيفاء القصاص قبل البلوغ والإفاقة ، وأيضاً لا بدّ من اجتماع الورثة على الاستيفاء ، واجتماع جميع المسلمين متعذّر(٣) .
وقال بعضهم : بناؤهما على أنّ المحكوم بإسلامه تجري عليه أحكام الإسلام ، أو يتوقّف فيه إلى أن يعرب بالإسلام؟ فإن قلنا بالأوّل ، أوجبنا القصاص ، وإن قلنا بالثاني ، فقد فات الإعراب بقتله ، فلا يجري عليه حكم المسلمين.
قال : والمأخذ الأوّل فاسد ؛ لأنّ الاستحقاق ينسب إلى جهة الإسلام ،
____________________
= ٣ : ٣٩٩ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٢١٨ ، المغني ٦ : ٤٠٦ ، الشرح الكبير ٦ ٤١٨.
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٣.
(٢) سنن ابن ماجة ١ : ٦٠٥ / ١٨٧٩ ، سنن أبي داوُد ٢ : ٢٢٩ / ٢٠٨٣ ، سنن الترمذي ٣ : ٤٠٨ / ١١٠٢ ، سنن الدارمي ٢ : ١٣٧ ، مسند أحمد ١ : ٤١٥ / ٢٢٦٠.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٨.
لا إلى آحاد المسلمين ، ولهذا لو أوصى مَنْ ليس له وارثٌ خاصّ لجماعةٍ من المسلمين لا يُجعل ذلك وصيّةً للورثة(١) .
فهذان مأخذان للمسألة عند الشافعيّة.
وفرّع بعضهم عليهما ما إذا ثبت لرجلٍ حقُّ قصاصٍ ولم يستوفه حتى مات وورثه المسلمون ، فعلى المأخذ الأوّل في بقاء القصاص القولان ، وعلى الثاني يبقى لا محالة(٢) .
وهذا لا يتأتّى على مذهبنا ؛ لأنّ المستحقّ لقصاصه وديته هو الإمام خاصّةً.
ولو قُتل اللقيط بعد البلوغ والإعراب بالإسلام ، اقتصّ له مع العمد ، وأُخذت الدية للإمام مع الخطأ.
ويجري هنا الخلاف للشافعيّة على المأخذ الأوّل ، دون الثاني(٣) .
ولو قُتل بعد البلوغ وقبل الإعراب ، جرى الخلاف على المأخذين ، ولكن الترتيب على ما قبل البلوغ ، إن منعنا القصاص ثَمَّ فهنا أولى ، وإن أوجبناه فهنا وجهان ؛ لقدرته على إظهار ما هو عليه(٤) .
والاختلاف الثاني في كيفيّة قول المنع.
فعن جماعةٍ منهم : البويطي والربيع : إنّه غير منصوصٍ عليه في المسألة بخصوصها ، لكن قال قائلون : إنّ اللقيط لا وارث له(٥) .
وروى البويطي : أن لا قصاص بقتل مَنْ لا وارث له ، فيتناول اللقيطَ تناولَ العموم للخصوص(٦) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٨.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٨ - ٤٠٩.
(٣ - ٦) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٩.
وعن القفّال تخريجه من أحد القولين في أنّ مَنْ قذف اللقيط بعد بلوغه لا يُحدّ ، ويُخرَّج من هذا مأخذٌ ثالث ، وهو دَرْء القصاص بشبهة الرقّ والكفر(١) .
ثمّ الأصحّ من القولين عندهم : وجوب القصاص بالاتّفاق(٢) .
فإن كانت الجناية على طرف اللقيط ، فعلى المأخذ الأوّل يُقطع وجوب القصاص ؛ لأنّ الاستحقاق فيه للّقيط وهو متعيّن ، لا للعامّة.
وعلى المأخذ الثاني إذا فرّعنا على قول المنع هناك يُتوقّف في قصاص الطرف ، فإن بلغ وأعرب بالإسلام تبيّنّا وجوبه ، وإلّا تبيّنّا عدمه.
وعلى المأخذ الثالث يجري القولان بلا فرق.
وإذا كان الجاني على النفس أو الطرف كافراً رقيقاً ، جرى القولان على المأخذ الأوّل ، دون الثاني والثالث.
هذا ما يتعلّق بوجوب القصاص.
مسألة ٤٤١ : أمّا استيفاء القصاص إذا قلنا بالوجوب فقصاص النفس يستوفيه الإمام لنفسه عندنا وللمسلمين عند العامّة(٣) إن رأى المصلحة فيه ، وإن رأى في أخذ المال عدل عنه إلى الدية مع رضا الجاني عندنا ، ومطلقاً عند الشافعي(٤) ، ولو لم نجوّز ذلك لالتحق هذا القصاص بالحدود المتحتّمة ، وليس له العفو مجّاناً عندهم(٥) ؛ لأنّه خلاف مصلحة المسلمين ، والحقّ لهم عند العامّة.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٩.
(٣) المغني ٦ : ٤٠٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٤١٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٣.
(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٣.
وأمّا قصاص الطرف فإن كان اللقيط بالغاً عاقلاً فالاستيفاء إليه ، وإن لم يكن بالغاً عاقلاً بل انتفى عنه الوصفان أو أحدهما ، لم يكن للإمام استيفاؤه ؛ لأنّه قد يريد التشفّي ، وقد يريد العفو ، فلا يُفوّت عليه ، قاله بعض الشافعيّة(١) .
والأقوى عندي : إنّ له الاستيفاء ؛ لأنّه حقٌّ للمولّى عليه فكان للولي استيفاؤه ، كحقّ المال ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين ؛ لأنّه أحد نوعي القصاص ، فكان للإمام استيفاؤه عن اللقيط ، كالقصاص في النفس(٢) .
وقال القفّال : له الاستيفاء في المجنون ؛ لأنّه لا وقت معيّن ينتظر لإفاقته ، والتأخير لا إلى غايةٍ قريبٌ من التفويت(٣) .
وهو بعيد عند الشافعيّة(٤) .
وأبعد منه عند الشافعيّة قول بعضهم بجواز الاقتصاص حيث يجوز له [ أخذ ](٥) الأرش ؛ لأنّه أحد البدلين ، فله استيفاؤه كالثاني(٦) .
والمشهور عندهم : الأوّل(٧) .
وعلى قول الشافعيّة بالمنع من استيفاء القصاص هل له أخذ أرش الجناية؟ يُنظر إن كان المجنيّ عليه مجنوناً فقيراً فله الأخذ ؛ لأنّه محتاج ، وليس لزوال علّته غاية تُنتظر.
وإن كان صبيّاً غنيّاً ، لم يأخذه ؛ لأنّه لا حاجة في الحال ، ولأنّ زوال
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٣.
(٢) المغني ٦ : ٤٠٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٤١٨ - ٤١٩.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٣.
(٥) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(٦) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٩ - ٤١٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٣ - ٥٠٤.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٤.
الصبوة له غاية منتظرة.
وإن كان مجنوناً غنيّاً أو صبيّاً فقيراً ، فوجهان :
أحدهما : جواز الأخذ ؛ لبُعْد الإفاقة في الصورة الأُولى ، وقيام الحاجة في الثانية.
والثاني : المنع ؛ لعدم الحاجة في الأُولى ، وقرب الانتظار في الثانية(١) .
والظاهر في الصورتين : المنع ، واعتبار الجنون والفقر معاً لجواز الأخذ.
وحيث قلنا : لا يجوز أخذ الأرش أو لم نر المصلحة فيه فيُحبس الجاني إلى أوان البلوغ والإفاقة.
وإذا جوّزناه فأخذه ثمّ بلغ الصبي أو أفاق المجنون وأراد أن يردّه أو يقتصّ ، فالوجه : إنّه لا يُمكَّن من ذلك - وهو أحد وجهي الشافعيّة(٢) - لأنّ فعل الولي حال الصغر والجنون كفعل البالغ العاقل.
والثاني : إنّه يُمكَّن من ذلك(٣) .
والوجهان شبيهان بالخلاف فيما لو عفا الوليّ عن حقّ شفعة الصبي للمصلحة ثمّ بلغ وأراد أخذه.
والوجهان مبنيّان على أنّ أخذ المال عفو كلّيّ وإسقاط للقصاص ، أم شبيه الحيلولة لتعذّر استيفاء القصاص الواجب؟
وقد يرجّح التقدير الأوّل بأنّ التضمين للحيلولة إنّما ينقدح إذا جاءت الحيلولة من قِبَل الجاني ، كما لو غيّب الغاصب المغصوبَ ، أو أبق العبد من
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٤.
يده ، وهنا لم يأت التعذّر من قِبَله ، وأيضاً لو كان الأخذ للحيلولة لجاز الأخذ فيما إذا كان المجنيّ عليه صبيّاً غنيّاً.
وهذا الذي ذكرناه في أخذ الأرش للّقيط آتٍ في كلّ طفلٍ يليه أبوه أو جدّه.
وقال بعض الشافعيّة : ليس للوصي أخذه(١) .
واستحسنه بعضهم على تقدير كونه إسقاطاً ، فلا يجوز الإسقاط إلّا لوالٍ أو وليٍّ(٢) .
أمّا إذا جوّزناه للحيلولة ، جاز للوصي أيضاً.
إذا عرفت هذا ، فكلّ موضعٍ قلنا : ينتظر البلوغ ، فإنّ الجاني يُحبس حتى يبلغ اللقيط فيستوفي لنفسه.
البحث الثالث : في نسب اللقيط.
والنظر في أمرين :
الأوّل : أن يكون المدّعي واحداً.
مسألة ٤٤٢ : كلّ صبيٍّ مجهول النسب - سواء كان لقيطاً أو لا - إذا ادّعى بنوّته حُرٌّ مسلم ، أُلحق به ؛ لأنّه أقرّ بنسب مجهول النسب يمكن أن يكون منه ، وليس في إقراره إضرار بغيره ، فيثبت إقراره.
وإنّما شرطنا الإمكان ؛ لأنّه إذا أقرّ بنسب مجهول مَنْ هو أكبر منه أو مثله أو أصغر منه بما لم تَجْر العادة بتولّده عنه ، عُلم كذبه ، وأبطلنا إقراره.
وإنّما شرطنا أن لا يعود بالضرر على غيره ؛ لأنّه إذا أقرّ بنسب عبد
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٤.
غيره لم يُقبل إقراره ؛ لأنّه يضرّ به ، لأنّه يقدّم في الإرث على المولى.
وقد عرفت فيما سبق شرائط الإلحاق ، فإذا حصلت هنا ألحقناه بالمدّعي ، وإلّا فلا.
قال الشافعي : ويستحبّ للحاكم أن يسأله عن سبب نسبه ؛ لئلّا يكون ممّن يعتقد أنّ الالتقاط والتربية يفيد النسب ، فإن لم يسأله فلا بأس(١) .
وقال مالك : إنّه إن استلحقه الملتقط لم يلحق به ؛ لأنّ الإنسان لا ينبذ ولده ثمّ يلتقطه إلّا أن يكون ممّن لا يعيش له ولد فيُلحق به ؛ لأنّه قد يفعل مثل ذلك تفاؤلاً ليعيش الولد(٢) .
ولا خلاف بين أهل العلم أنّ المدّعي الحُرّ المسلم يلحق نسب الولد به إذا أمكن منه ، فكذا في اللقيط ؛ لأنّه أقرّ له بحقٍّ ، فأشبه ما لو أقرّ له بالمال ، ولأنّ الإقرار محض نفعٍ للطفل ؛ لاتّصال نسبه ، والتزامه بتربيته وحضانته ، ولأنّ إقامة البيّنة على النسب ممّا يعسر ، ولو لم نثبته بالاستلحاق لضاع كثير من الأنساب.
مسألة ٤٤٣ : لو ادّعى أجنبيٌّ بنوّته ووُجدت شرائط الإلحاق ، أُلحق به ؛ لما تقدّم ، وينتزع اللقيط من يد الملتقط ، ويُسلَّم إلى الأب ؛ لأنّه لو ثبت أنّه أبوه فيكون أحقَّ بولده في التربية والكفالة من الأجنبيّ ، كما لو قامت به بيّنةٌ.
ولا فرق بين أن يكون المدّعي لبنوّته مسلماً أو كافراً ؛ لأنّ الكافر أقرّ بنسب مجهول النسب يمكن أن يكون منه ، وليس في إقراره إضرار بغيره ،
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٥٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٣ ، البيان ٨ : ١٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٤.
(٢) الوسيط ٤ : ٣١٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٢.
فيثبت إقراره ، كالمسلم ؛ لاستوائهما في الجهات المثبتة للنسب ، وبه قال الشافعي وأحمد(١) .
وقال أبو ثور : لا يلحق بالكافر ؛ لأنّه محكوم بإسلامه(٢) .
ولا نزاع فيه ، فإنّا نقول بموجبه ، ونلحقه به في النسب ، لا في الدين ، ولا حقّ له في حضانته ، ولأنّ الذمّي أقوى من العبد في ثبوت الفراش ، فإنّه يثبت له بالنكاح والوطؤ في الملك ، وسيأتي الإلحاق بالعبد.
إذا عرفت هذا ، فإنّ اللقيط يلتحق بالكافر في النسب ، لا في الدين عندنا وعند أحمد(٣) .
وللشافعي قولان :
أحدهما : قال في باب اللقيط : يلحق به فيه(٤) .
والثاني : قال في الدعوى والبيّنات : لا يلحق به فيه(٥) .
واختلف أصحابه في ذلك على طريقين.
قال أبو إسحاق : ليست المسألة على قولين ، وإنّما هي على اختلاف
____________________
(١) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٦٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٣ ، الوجيز ١ : ٢٥٧ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٦ ، البيان ٨ : ٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٤ - ٥٠٥ ، المغني ٦ : ٤٢١ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٢٨.
(٢) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٦٥ ، المغني ٦ : ٤٢١ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٢٨.
(٣) المغني ٦ : ٤٢١ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٢٨.
(٤) مختصر المزني : ١٣٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٣ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥٧ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٦ ، البيان ٨ : ٢١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٢ ، المغني ٦ : ٤٢١ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٢٨.
(٥) نفس المصادر ، مضافاً إلى : الأُم ٦ : ٢٤٩.
حالين ، فالموضع الذي قال : « يلحق به في الدين » أراد به إذا ثبت نسبه بالبيّنة ، والموضع الذي قال : « لا يلحق به في الدين » أراد به إذا ثبت بدعواه(١) .
وقال أبو علي من أصحابه : إنّه يلحقه في الدين إذا أقام البيّنة بنسبه قولاً واحداً ، وإذا ثبت نسبه بدعواه فقولان ، أحدهما : لا يلحق به في الدين ؛ لأنّه يجوز أن يكون ولده وهو مسلم بإسلام أُمّه ، وإذا احتمل ذلك لم يبطل ظاهر الإسلام بالاحتمال ، وإنّما قبلنا إقراره فيما يضرّه في النسب ، دون ما يضرّ غيره(٢) .
فعلى قولنا : « إنّه لا يلحقه في الدين » يفرّق بينه وبينه إذا بلغ ، فإن وصف الكفر لم يقر عليه.
وللشافعي قولان(٣) .
فإن قلنا : يلحق به في الدين - كما هو مذهب الشافعي(٤) - فإنّه يحال أيضاً بينه وبينه لئلّا يعوده الكفر والتردّد إلى البِيَع والكنائس ، إلّا أنّه إذا بلغ ووصف الكفر أُقرّ عليه عنده على هذا القول وجهاً واحداً(٥) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٦ ، البيان ٨ : ٢١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٢.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٤ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥٧ - ٥٥٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٦ ، البيان ٨ : ٢١.
(٣) حلية العلماء ٥ : ٥٦٨ ، البيان ٨ : ٢٢ و ٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٢.
(٤) راجع : الهامش (٤) من ص ٣٦٥.
(٥) الحاوي الكبير ٨ : ٥٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٠٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٢.
مسألة ٤٤٤ : لو ادّعى بنوّةَ [ اللقيط ](١) عبدٌ ، صحّ دِعوته ، بكسر الدال ، وهي ادّعاء النسب ، وبضمّها : الطعام الذي يدعى إليه الناس ، وبفتحها : مصدر « دعا ».
وإنّما حكمنا بصحّتها ؛ لأنّ لمائه حرمةً ، فلحقه(٢) نسب ولده ، كالحُرّ ، فصحّت دعوته إذا ادّعى نسب لقيطٍ ، فيلحقه(٣) نسبه ، سواء صدّقه السيّد أو كذّبه ، غير أنّه لا تثبت له حضانته(٤) ؛ لأنّه مشغول بخدمة سيّده.
ولا تجب عليه نفقته ؛ لأنّ العبد فقير لا مال له ، ولا تجب على سيّده ؛ لأنّ اللقيط محكوم بحُرّيّته بظاهر الدار ، فتكون نفقته في بيت المال ، ويكون حكمه حكم مَنْ لم يثبت نسبه إلّا في ثبوت النسب خاصّةً.
وبه قال الشافعي إن صدّقه السيّد ، وأمّا إن كذّبه ، فله قولان :
أحدهما : قال في باب اللقيط : إنّه يلحق به ، كما قلناه.
والثاني : قال في الدعاوي : إنّ العبد ليس أهلاً للاستلحاق ، فحصل قولان :
أحدهما : المنع ؛ لما فيه من الإضرار بالسيّد بسبب انقطاع الميراث عنه لو أعتقه.
وأصحّهما : اللحوق ؛ لأنّ العبد كالحُرّ في أمر النسب ؛ لإمكان العلوق منه بالنكاح وبوطئ الشبهة ، ولا اعتبار بما ذكر من الإضرار ، فإنّ مَن استلحق ابناً وله أخ يُقبل استلحاقه وإن أضرّ بالأخ(٥) .
____________________
(١) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.
(٢) في « ث ، ر » : « فيلحقه ».
(٣) في « ث ، ر » : « لحقه ».
(٤) في « ث ، ر » : « حضانة ».
(٥) الحاوي الكبير ٨ : ٥٦ - ٥٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٥.
وعن الشريف ناصر العمري طريقتان للشافعيّة أُخريان :
إحداهما : القطع بالقول الأوّل.
والثانية : القطع باللحوق إذا كان مأذوناً في النكاح ومضى من الزمان ما يحتمل حصول الولد ، وتخصيص القولين بما إذا لم يكن مأذوناً(١) .
ويجري الخلاف فيما إذا أقرّ العبد بأخٍ أو عمٍّ(٢) .
ولهم طريقة أُخرى قاطعة بالمنع هاهنا ؛ لأنّ لظهور نسبه طريقاً آخَر ، وهو إقرار الأب والجدّ(٣) .
ويجري الخلاف فيما إذا استلحق حُرٌّ عبدَ غيره ؛ لما فيه من قطع الإرث المتوهّم بالولاء(٤) .
وقال بعضهم بالقطع بثبوت النسب هنا ، وقال : الحُرّ من أهل الاستلحاق على الإطلاق(٥) .
ويجري الخلاف فيما إذا استلحق المعتق غيره(٦) .
والقول بالمنع هنا أبعد ؛ لاستقلاله بالنكاح والتسرّي.
وإذا جعلنا العبد من أهل الاستلحاق ، فلا يُسلّم اللقيط إليه كما تقدّم ؛ لأنّه لا يتفرّغ لحضانته وتربيته.
مسألة ٤٤٥ : لو ادّعت المرأة مولوداً ، فإن أقامت بيّنةً لحقها ولحق زوجها إن كانت ذات زوجٍ وكان العلوق منه ممكنا ، ولا ينتفى عنه إلّا باللعان.
هذا إن قيّدت البيّنة بأنّها ولدته على فراشه ، ولو لم تتعرّض للفراش
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٣.
(٢ - ٦) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٥.
ففي ثبوت نسبه من الزوج وجهان للشافعيّة(١) .
وعندنا لا يثبت نسبه من الزوج ، إلّا إذا شهدت بأنّها ولدته على فراشه.
ولو لم تُقم المرأة بيّنةً واقتصرت على مجرّد الدعوى ، قال بعض علمائنا : يثبت نسبه ، ويلتحق بها ، كالأب(٢) ، وهو أحد أقوال الشافعي ، وهو رواية عن أحمد ؛ لأنّها أحد الأبوين ، فصارت كالرجل بل أولى ؛ لأنّ جهة اللحوق بالرجل النكاح والوطؤ بالشبهة ، والمرأة تشارك الرجل [ فيهما ](٣) وتختصّ بجهةٍ أُخرى ، وهي الزنا(٤) .
والأظهر عندهم : المنع - وبه قال أبو حنيفة - لأنّها يمكنها إقامة البيّنة على الولادة ، فلا يُقبل قولها فيه ، ولهذا لو علّق الزوج طلاقها بولادتها ، فقالت : قد ولدتُ ، لم يقع الطلاق حتى تُقيم البيّنة ، وتفارق الرجل من حيث إنّه يمكنها إقامة البيّنة على الولادة من طريق المشاهدة ، والرجل لا يمكنه ، فمست الحاجة إلى إثبات النسب من جهته بمجرّد الدعوى ، ولأنّها إذا أقرّت بالنسب فكأنّها تقرّ بحقٍّ عليها وعلى غيرها ؛ لأنّها فراش الزوج ، وقد بطل إقرارها في حقّ الزوج ، فيبطل الجميع ؛ لأنّ الإقرار الواحد
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٥.
(٢) الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ٥٩٧ ، المسألة ٢٦ ، والمبسوط ٣ : ٣٥٠.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « فيه ». والصحيح ما أثبتناه من العزيز شرح الوجيز.
(٤) الحاوي الكبير ٨ : ٥٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٤ ، الوسيط ٤ : ٣١٧ - ٣١٨ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٦ - ٥٧٧ ، البيان ٨ : ٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٣ و ٤١٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٥ ، المغني ٦ : ٤٢١ و ٤٢٢ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٢٩.
إذا بطل بعضه بطل كلّه(١) .
وفيه نظر ؛ لأنّ مَنْ أقرّ على نفسه وغيره بمالٍ يلزمه في حقّ نفسه وإن لم يُقبل في حقّ الغير.
والقول الثالث : إنّها إن كانت ذات زوجٍ لم يُقبل إقرارها ؛ لتعذّر الإلحاق بها دون الزوج ، وتعذّر قبول قولها على الزوج(٢) .
وعن أحمد روايتان كالوجه الأوّل والثالث(٣) .
وإذا قبلنا استلحاقها ولها زوج ، ففي اللحوق به عند الشافعيّة وجهان :
أحدهما : اللحوق ، كما إذا قامت البيّنة.
وأصحّهما عندهم : المنع ؛ لاحتمال أنّها ولدته من وطئ شبهةٍ أو زوجٍ آخَر ، فصار كما لو استلحق الرجل ولداً وله زوجة ، فإنّه لا يلحقها(٤) .
واستلحاق الأمة كاستلحاق الحُرّة عند مَنْ يجوّز استلحاق العبد ، فإن
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٥٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٤ ، الوسيط ٤ : ٣١٨ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٧ ، البيان ٨ : ٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٥ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٣٥٣ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٠ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٢٢٠ - ٢٢١ ، النتف ٢ : ٩٠٠ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ١٧٨.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٥٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٤ ، الوسيط ٤ : ٣١٨ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٧ ، البيان ٨ : ٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٥ ، المغني ٦ : ٤٢٢ - ٤٢٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٢٩ - ٤٣٠.
(٣) المغني ٦ : ٤٢١ - ٤٢٢ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٢٩ - ٤٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٤.
(٤) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٥.
قبلناه فهل يُحكم برقّ الولد لمولاها؟ للشافعيّة وجهان(١) .
النظر الثاني : فيما إذا تعدّد المدّعي.
مسألة ٤٤٦ : لو ادّعى بنوّته اثنان ، فإن كان أحدهما الملتقط فإن لم يكن قد حُكم بنسب اللقيط للملتقط ، فقد استويا في الدعوى ، فالحكم فيه كما لو كانا أجنبيّين ، وسيأتي.
وإن كان قد حُكم بنسب اللقيط للملتقط بدعواه ثمّ ادّعاه أجنبيٌّ ، فإن أقام البيّنة كان أولى ؛ لأنّ البيّنة أقوى من الدعوى ، ولو أقام كلٌّ منهما بيّنةً تعارضت البيّنتان.
والشافعي وإن حكم في الملك لذي اليد عند تعارض البيّنتين(٢) ، ونحن وأبو حنيفة(٣) وإن حكمنا للخارج ، فهنا لا ترجيح باليد ولا تُقدّم بيّنة الملتقط باليد ولا بيّنة الأجنبيّ بخروجه ؛ لأنّ اليد لا تثبت على الإنسان ، وإنّما تثبت على الأملاك ، ولهذا يحصل الملك باليد ، كما في الاصطياد والاغتنام ، والنسب لا يحصل باليد ، بل يُحكم بالقرعة.
وإن لم يكن هناك بيّنة لأحدهما واستلحقاه معاً ، فعندنا يُحكم
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٥.
(٢) الحاوي الكبير ١٧ : ٣٠٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٣١٢ ، الوسيط ٧ : ٤٣٣ ، حلية العلماء ٨ : ١٨٧ ، التهذيب - للبغوي - ٨ : ٣٢٠ ، البيان ١٣ : ١٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ١٣ : ٢٣٣ ، روضة الطالبين ٨ : ٣٣٥ ، المغني ١٢ : ١٦٨ ، الشرح الكبير ١٢ : ١٨٣ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ١٥٧ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٣٢.
(٣) الهداية - للمرغيناني - ٣ : ١٥٧ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٣٢ ، المبسوط - للسرخسي - ١٧ : ٣٢ ، الحاوي الكبير ١٧ : ٣٠٣ ، الوسيط ٤ : ٤٣٣ ، حلية العلماء ٨ : ١٨٨ ، التهذيب - للبغوي - ٨ : ٣٢٠ ، البيان ١٣ : ١٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ١٣ : ٢٣٣ ، المغني ١٢ : ١٦٨ ، الشرح الكبير ١٢ : ١٨٢ - ١٨٣.
بالقرعة ؛ إذ لا مرجّح هنا ، لأنّ اليد قد قلنا : إنّها لا تدلّ على النسب ، فعندنا أيضاً يقرع بينهما.
وعند الشافعي وأحمد أنّه يُعرض على القافة - وهو قول أنس وعطاء وزيد بن عبد الملك والأوزاعي والليث بن سعد - لأنّ عائشة روت أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله دخل عليها مسروراً تبرق أسارير وجهه ، فقال : « ألم تري أنّ مجزّزاً نظر آنفاً إلى زيد وأُسامة وقد غطّيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال : إنّ هذه الأقدام بعضها من بعضٍ »(١) فلولا جواز الاعتماد على القافة لما سرّ به النبيّصلىاللهعليهوآله ولا اعتمد عليه ، ولأنّ عمر بن الخطّاب قضى به(٢) .
والطريق عندنا ضعيف لا يُعتمد عليه ، مع أنّهم قد رووا عن النبيّصلىاللهعليهوآله قوله في ولد الملاعنة : « انظروها فإن جاءت به حَمْش الساقين(٣) كأنّه وَحَرة(٤) فلا أراه إلّا قد كذب عليها ، وإن جاءت به أكحل جَعْداً جُماليّاً(٥) سابغ الأليتين(٦) خدلج الساقين(٧) فهو للّذي رميت به » فأتت به
____________________
(١) صحيح البخاري ٨ : ١٩٥ ، صحيح مسلم ٢ : ١٠٨٢ / ٣٩ ، سنن أبي داوُد ٢ : ٢٨٠ / ٢٢٦٧ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٧٨٧ / ٢٣٤٩ ، سنن الترمذي ٤ : ٤٤٠ / ٢١٢٩ بتفاوتٍ.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٤ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٥ ، البيان ٨ : ٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٥ - ٥٠٦ ، المغني ٦ : ٤٢٥ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٢.
(٣) أي : دقيقهما. النهاية - لابن الأثير - ١ : ٤٤٠ « حمش ».
(٤) أي : الأسود الدميم القصير. العين ٣ : ٢٩٠ « وحر ».
(٥) الجماليّ - بالتشديد - : الضخم الأعضاء التامّ الأوصال. النهاية - لابن الأثير - ١ : ٢٩٨ « جمل ».
(٦) أي : تامّهما وعظيمهما. النهاية - لابن الأثير - ٢ : ٣٣٨ « سبغ ».
(٧) أي : عظيمهما. النهاية - لابن الأثير - ٢ : ١٥. « خدلج ».
على النعت المكروه ، فقال النبيّصلىاللهعليهوآله : « لو لا الإيمان لكان لي ولها شأن »(١) وهو يدلّ على أنّه لم يمنعه من العمل بالشبه إلّا الإيمان ، فكان العمل بالشبه منافياً للإيمان ، فكان مردوداً.
والسرور الذي وجده النبيصلىاللهعليهوآله إن ثبت فلأنّه طابق قوله وحكمهعليهالسلام في أنّ زيداً ولد أُسامة ، لا ما يستدلّون به من العرض على القافة.
إذا عرفت هذا ، فالقافة قوم يعرفون الأنساب بالشبه ، ولا يختصّ ذلك بقبيلةٍ معيّنةٍ ، بل مَنْ عرف منه المعرفة بذلك وتكرّرت منه الإصابة فهو قائف.
وقيل : أكثر ما يكون هذا في بني مدلج رهط مجزّز المدلجي الذي رأى أُسامة وأباه زيداً قد غطّيا رءوسهما وبدت أقدامهما ، فقال : إنّ هذه الأقدام بعضها من بعضٍ(٢) .
وكان إياس بن معاوية قائفاً(٣) ، وكذلك قيل في شريح(٤) .
[ و ] لا يُقبل قول القائف إلّا أن يكون ذكراً عَدْلاً مجرّباً في الإصابة حُرّاً ؛ لأنّ قوله حكم ، والحكم تُعتبر فيه هذه الشروط.
قال بعض العامّة : وتُعتبر معرفة القائف بالتجربة ، وهو أن يترك الصبي مع عشرة من الرجال غير مَنْ يدّعيه ويرى إيّاهم ، فإن ألحقه بواحدٍ منهم سقط قوله ؛ لأنّا نتبيّن خطأه ، وإن لم يلحقه بواحدٍ منهم أريناه إيّاه مع عشرين فيهم مدّعيه ، فإن ألحقه لحق عند العامّة(٥) .
____________________
(١) المغني ٦ : ٤٢٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٣ ، وفي سنن أبي داوُد ٢ : ٢٧٦ - ٢٧٨ / ٢٢٥٦ بتفاوتٍ.
(٢ و ٣) كما في المغني ٦ : ٤٢٨ ، والشرح الكبير ٦ : ٤٣٥ و ٤٤٢.
(٤) كما في المغني ٦ : ٤٢٨ ، والشرح الكبير ٦ : ٤٣٥.
(٥) المغني ٦ : ٤٢٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٤٢.
ولو اعتبر بأن يرى صبيّاً معروف النسب مع قومٍ فيهم أبوه أو أخوه ، فإذا ألحقه بقريبه عُلمت إصابته ، وإن ألحقه بغيره سقط قوله ، جاز.
وهذه التجربة عند عرضه على القائف للاحتياط في معرفة إصابته ، وإن لم نجرّبه في الحال بعد أن يكون مشهور الإصابة في مرّاتٍ كثيرة جاز.
وقد روت العامّة : إنّ رجلاً شريفاً شكّ في ولدٍ له من جاريته وأبى أن يستلحقه ، فمرّ به إياس بن معاوية في المكتب وهو لا يعرفه ، فقال له : ادع لي أباك ، فقال المعلّم : ومَنْ أبو هذا؟ قال : فلان ، قال : من أين قلت : إنّه أبوه؟ فقال : إنّه أشبه به من الغراب بالغراب ، فقام المعلّم مسرعاً إلى أبيه فأعلمه بقول إياس ، فخرج الرجل وسأل إياساً من أين علمتَ أنّ هذا ولدي؟ فقال : سبحان الله وهل يخفى هذا على أحدٍ؟ إنّه لأشبه بك من الغراب بالغراب ، فسر الرجل واستلحق ولده(١) .
وهذا كلّه عندنا باطل ؛ لأنّ تعلّم القيافة حرام ، ولا يجوز إلحاق الإنسان بها ، وسيأتي.
وظاهر كلام أحمد أنّه لا بدّ من قول اثنين ؛ لأنّهما شاهدان ، فإن شهد اثنان من القافة أنّه لهذا ، فهو لهذا ؛ لأنّه قول يثبت به النسب ، فأشبه الشهادة(٢) .
وعنه رواية أُخرى : إنّه يُقبل قول الواحد ؛ لأنّه حكم ، ويكفي في الحكم قول الواحد ، وهو قول أكثر أصحابه(٣) .
وحملوا الأوّل على ما إذا تعارض أقوال القائفين ، فإذا تعارض اثنان تساووا ، وإن عارض واحد اثنين حُكم بقولهما ، وسقط قول الواحد ؛ لأنّهما
____________________
(١) المغني ٦ : ٤٢٨ - ٤٢٩ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٤٢ - ٤٤٣.
(٢ و ٣) المغني ٦ : ٤٢٩ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٤٣.
شاهدان ، فقولهما أقوى من قول الواحد ، ولو عارض قول الاثنين قول اثنين تساقطا ، ولو عارض قول الاثنين قول الثلاثة وأكثر سقط الجميع عنده ، كالبيّنات لا يعتبر فيها زيادة العدد عنده(١) .
ولو ألحقته القافة بواحدٍ ثمّ جاءت قافة أُخرى فألحقته بآخَر ، كان لاحقاً بالأوّل عندهم ؛ لأنّ القائف جرى مجرى الحاكم ، ومتى حكم الحاكم بحكمٍ لم ينتقض بمخالفة غيره له(٢) .
وكذا لو ألحقته بواحدٍ ثمّ عادت فألحقته بغيره لذلك.
ولو أقام الآخَر بيّنةً أنّه ولده ، حُكم له به ، وسقط قول القائف ؛ لأنّه بدل ، فسقط مع وجود الأصل ، كالتيمّم مع الماء.
ولو ألحقته القافة بكافرٍ أو رقيقٍ ، لم يُحكم بكفره ولا برقّه ؛ لأنّ الحُرّيّة والإسلام ثبتا له بحكم الدار ، فلا يزول ذلك بمجرّد الشبه أو الظنّ ، كما لم يزل ذلك بمجرّد الدعوى من المنفرد بها ، وقبول قول القافة في النسب للحاجة إلى إثباته ، ولأنّه غير مخالفٍ للظاهر ، ولهذا اكتفي فيه بمجرّد الدعوى في المنفرد ، ولا حاجة إلى إثبات رقّه وكفره ، وإثباتهما يخالف الظاهر(٣) .
وهذا كلّه عندنا وعند أبي حنيفة باطل ؛ لأنّا لا نثبت النسب بقول القافة ، ولا حكم لها عندنا ولا عنده ، إلّا أنّ أبا حنيفة يقول : إذا تعارضت البيّنتان أُلحق بالمدّعيين جميعاً(٤) ، ونحن نقول بالقرعة ؛ لأنّه موضع
____________________
(١ و ٢) المغني ٦ : ٤٢٩ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٤٣.
(٣) المغني ٦ : ٤٢٩ - ٤٣٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٤٣.
(٤) الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٤٤ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٣٥٣ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٠ ، المحيط البرهاني ٥ : ٤٢٨ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٣ ، حلية العلماء ٥ : ٥٦٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٧ ، المغني ٦ : ٤٢٥ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٢.
الإشكال والاشتباه ، وقد روى علماؤنا عن أهل البيتعليهمالسلام : « كلّ أمرٍ مشكلٍ ففيه القرعة »(١) .
وقول أبي حنيفة باطل ؛ لأنّه لا يمكن تولّده منهما ، واتّفقنا نحن وإيّاه على عدم اعتبار القافة ؛ لأنّ الحكم بها حكمٌ بمجرّد الشبه والظنّ والتخمين ، وقد نهى الله تعالى عن اتّباع الظنّ(٢) ، والشبه يوجد بين الأجانب كما يوجد بين الأقارب ، فلا يبقى دليلاً على النسب ، بل قد يثبت الشبه بين الأجانب وينتفى عن الأقارب ، ولهذا روي عن النبيّصلىاللهعليهوآله : إنّ رجلاً أتاه فقال : يا رسول الله إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسود ، فقالعليهالسلام : « هل لك من إبل؟ » قال : نعم ، قال : « فما ألوانها؟ » قال : حمر ، قال : « هل فيها من أورق؟ » قال : نعم ، قال : « أنّى أتاها ذلك؟ » قال : لعلّ عرقاً ينزع ، قال : « وهذا لعلّ عرقاً ينزع »(٣) .
وأيضاً لو كان الشبه كافياً ، لاكتفى به في ولد الملاعنة وفيما إذا أقرّ أحد الورثة بأخٍ وأنكره الباقون.
مسألة ٤٤٧ : لو ادّعاه اثنان ولا بيّنة أو وُجدت بيّنتان متعارضتان ، فالحكم القرعة عندنا ، وعند الشافعي وأحمد يُعرض على القائف على ما تقدّم(٤) .
فإن ألحقته القافة بهما ، سقط اعتبار القائف عند الشافعي ، ولم يعتبر
____________________
(١) الفقيه ٣ : ٥٢ / ١٧٤ ، التهذيب ٦ : ٢٤٠ / ٥٩٣ ، الاستبصار ٣ : ٨٣ ، ذيل ح ٢٧٩.
(٢) سورة الإسراء : ٣٦.
(٣) المغني ٦ : ٤٢٥ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٢ ، ونحوه في صحيح البخاري ٨ : ٢١٥ ، وسنن ابن ماجة ١ : ٦٤٥ - ٦٤٦ / ٢٠٠٢ و ٢٠٠٣ ، وسنن أبي داوُد ٢ : ٢٧٩ / ٢٢٦٠ ، وسنن النسائي ٦ : ١٧٨.
(٤) في ص ٣٧٢.
بقولها ولم يُحكم به ، ويُترك اللقيط حتى يبلغ ، فإذا بلغ أُمر بالانتساب إلى أحدهما ، ولا ينتسب بمجرّد التشهّي ، بل يعوّل فيه على ميل الطبع الذي يجده الولد إلى الوالد ، والقريب إلى القريب بحكم الجبلّة(١) .
وعنه وجهٌ آخَر : إنّه لا يشترط البلوغ ، بل يرجع إلى اختياره إذا بلغ سنّ التميز ، كما يخيّر حينئذٍ بين الأبوين في الحضانة(٢) .
لكن المشهور عندهم : الأوّل.
وفرّقوا بأنّ اختياره في الحضانة لا يلزم ، بل له الرجوع عن الاختيار الأوّل ، وهنا إذا انتسب إلى أحدهما لزمه ، ولم يقبل رجوعه ، والصبي ليس يتحقّق في طرفه قول ملزم(٣) .
وقال أحمد : إذا ألحقته القافة بهما لحق بهما ، وكان ابنهما يرثهما ميراث ابن وزيادة ، ويرثانه ميراث أبٍ واحد(٤) ، ونقله عن عليٍّعليهالسلام (٥) ، وهو افتراء عليه ، ونقله أيضاً عن عمرَ ، وهو قول أبي ثور(٦) .
وقال أصحاب الرأي : يلحق بهما بمجرّد الدعوى(٧) .
والكلّ باطل ؛ لعدم إمكان تولّد الطفل من اثنين ، والحوالة على الأمر المستحيل باطلة ؛ لأنّه لا يتصوّر كونه متولّداً من رجلين ، فإذا ألحقته القافة
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٥ ، البيان ٨ : ٢٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٦ ، المغني ٦ : ٤٣٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٥.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٤ ، البيان ٨ : ٢٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٥ و ٤١٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٦.
(٤) المغني ٦ : ٤٣٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٥ ، البيان ٨ : ٢٥.
(٥ - ٧) المغني ٦ : ٤٣٠ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٥.
بهما تبيّنّا كذبهما ، فيسقط قولهما ، كما لو ألحقته [ بأُمّين لو اتّفقتا ](١) على ذلك لم يثبت.
ولو ادّعاه [ كلّ ](٢) واحدٍ منهما وأقام بيّنةً ، سقطتا ، ولو جاز أن يلحق بهما لثبت لهما باتّفاقهما ، وأُلحق بهما عند تعارض بيّنتهما ، بل جاز أن يلحق بهما بمجرّد دعواهما ؛ لعدم التنافي بين الدعويين حينئذٍ ، ولما قدّم في الحكم البيّنة على الدعوى ولا على القافة ، ولا قُدّمت القافة على الدعوى.
واحتجّ أحمد : بما روي عن عمر في امرأةٍ وطئها رجلان في طهرٍ ، فقال القائف : قد اشتركا فيه جميعاً ، فجعله بينهما.
وبما رواه الشعبي عن عليٍّعليهالسلام أنّه كان يقول : « هو ابنهما وهُما أبواه يرثهما ويرثانه ».
وعن سعيد بن المسيّب في رجلين اشتركا في وطئ امرأةٍ فولدت غلاماً يشبههما ، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطّاب ، فدعا القافة فنظروا فقالوا : نراه يشبههما ، فألحقه بهما ، وجعله يرثهما ويرثانه(٣) .
وقول عمر لا حجّة فيه ، والنقل عن عليٍّعليهالسلام لم يثبت ؛ لأنّ أهل البيت أعرف بمذهبه ومقالتهعليهالسلام من غيرهم ، مع أنّهم اتّفقوا على إبطال هذا القول ، والعقل أيضاً دلّ عليه.
مسألة ٤٤٨ : لو ادّعاه أكثر من اثنين أو من ثلاث ، حُكم بالقرعة مع
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « باثنين لو اتّفقا ». والمثبت هو الصحيح.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « رجل ». والصحيح ما أثبتناه.
(٣) المغني ٦ : ٤٣١ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٥.
عدم البيّنة ومع تعارضهما عندنا.
والقائلون بالقافة اختلفوا ، فعن أحمد روايتان :
إحداهما : إنّه يلحق بالثلاثة فما زاد ؛ لوجود المقتضي للإلحاق عندهم.
والثانية : إنّه لا يلحق بأكثر من اثنين ، وهو قول أبي يوسف ؛ اقتصاراً على ما ورد به [ الأثر ](١) عن عمر(٢) .
وقال بعض أصحابه : لا يلحق بأكثر من ثلاثة ، وهو قول محمّد بن الحسن ، وروي ذلك عن أبي يوسف أيضاً(٣) .
والكلّ باطل عندنا.
ثمّ لو جوّزنا الأكثر ، فأيّ دليلٍ دلّ على الحصر في الثلاثة؟ وهل هو إلّا تحكّمٌ محض؟ فإنّ القائل به لم يقتصر على المنصوص عن عمر ولا قال بتعدية الحكم إلى كلّ ما وُجد فيه المعنى ، وليس في الثلاثة معنىً [ خاصٌّ ](٤) يقتضي إلحاق النسب بهم ، فلا يجوز الاقتصار عليه بالتحكّم.
مسألة ٤٤٩ : إذا تداعياه اثنان أو ما زاد ، وجب عليهما النفقة في مدّة الانتظار إمّا إلى أن يثبت بالبيّنة أو بالقرعة التحاقه بأحدهما ، أو بالقافة عند القائلين بها ، أو بإقراره عند بلوغه ، كما هو قول الشافعي في الجديد ، أو
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « الأمر ». والمثبت كما في المغني والشرح الكبير.
(٢) المغني ٦ : ٤٣٢ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٨ ، فتاوى قاضيخان - بهامش الفتاوى الهنديّة - ٣ : ٣٩٩ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٠.
(٣) المغني ٦ : ٤٣٢ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٨ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٠.
(٤) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة : « خاصّاً ». والصحيح ما أثبتناه.
بلوغه حدّ التمييز عند الشافعي في القديم(١) ، فإذا بلغ وانتسب إلى أحدهما رجع الآخَر عليه بما أنفق ، قاله الشافعي(٢) .
ويحتمل عدم الرجوع ؛ لأنّه مُقرٌّ باستحقاق الإنفاق عليه.
ولو انتفت البيّنة عنهما ، فقد قلنا بالقرعة ، وعند الشافعي وأحمد الرجوع إلى القافة ، فإن لم توجد قافة أو أشكل الأمر عليها أو تعارضت أقوالها أو وُجد مَنْ لا يوثق بقوله ، لم يرجّح أحدهما بذكر علامةٍ في جسده ؛ لأنّ ذلك لا يرجّح به في سائر الدعاوي سوى الالتقاط في المال ، ويضيع نسبه(٣) .
ولهم قولٌ آخَر : إنّه يُترك حتى يبلغ وينتسب إلى مَنْ شاء(٤) .
وقال أصحاب الرأي : يلحق بالمدّعيين بمجرّد الدعوى ؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما لو انفرد سُمعت دعواه ، فإذا اجتمعا وأمكن العمل بهما وجب ، كما لو أقرّا له بمالٍ(٥) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّ دعواهما تعارضت ، ولا حجّة لواحدٍ منهما ، فلم يثبت ، كما لو ادّعيا رقّه.
وقول الشافعي : « إنّه يُحكم به لمن يميل قلبه إليه »(٦) ليس بشيءٍ ؛
____________________
(١) المغني ٦ : ٤٣٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٤٠.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٥ و ٤١٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٥ - ٥٠٦ و ٥٠٨ ، المغني ٦ : ٤٣٢ - ٤٣٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٩.
(٤) المغني ٦ : ٤٣٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٩ ، وراجع : الهامش (١) من ص ٣٧٧.
(٥) المغني ٦ : ٤٣٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٤٠ ، وراجع : الهامش (٤) من ص ٣٧٥.
(٦) راجع : الهامش (١) من ص ٣٧٧.
لأنّ الميل القلبي لا ينحصر في القرابة ، فإنّ المحسن يميل الطبع إليه ، فإنّ القلوب جُبلت على حُبّ مَنْ أحسن إليها وبُغض مَنْ أساء إليها ، وقد يميل إليه لإساءة الآخَر إليه ، وقد يميل إلى أحسنهما خلقاً وأعظمهما قدراً أو جاهاً أو مالاً ، فلا يبقى للميل أثر في الدلالة على النسب.
وقول عمر : والِ أيّهما شئت(١) ، ليس بحجّةٍ ؛ لأنّه إنّما أمره بالموالاة ، لا بالانتساب.
وعلى قول الشافعي : « إنّه يلحق بمن ينتسب إليه » لو انتسب إلى أحدهما ثمّ عاد وانتسب إلى الآخَر ، أو نفى نسبه من الأوّل ولم ينتسب إلى أحدٍ ، لم يُقبل منه ؛ لأنّه قد ثبت نسبه ، فلا يُقبل رجوعه(٢) .
والتصديق عندنا معتبر في حقّ البالغ العاقل ، فيجيء هذا الحكم عليه.
مسألة ٤٥٠ : ولو لم ينتسب اللقيط إلى أحد المدّعيين ، بقي الأمر موقوفاً على القرعة عندنا وإلى أن يظهر نسبه بالقافة عند الشافعيّة(٣) أو بالبيّنة.
ولو انتسب إلى غير المدّعيين وادّعاه ذلك الغير ، ثبت نسبه منه ، وبه قال الشافعيّة(٤) .
ولهم وجهٌ آخَر : إنّه إن كان الرجوع إلى انتسابه بسبب إلحاق القائف بهما جميعاً لم يُقبل انتسابه إلى غيرهما(٥) .
ولو انتسب إلى أحدهما لفقد القائف ثمّ وجد القائف ، قال الشافعي :
____________________
(١) الموطّأ ٢ : ٧٤٠ - ٧٤١ / ٢٢ ، سنن البيهقي ١٠ : ٢٦٣ ، شرح معاني الآثار ٤ : ١٦٢ ، المغني ٦ : ٤٣٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٤٠.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٥٤ ، البيان ٨ : ٢٥.
(٣) راجع : الهامش (٢) من ص ٣٧٢.
(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٦.
يُعرض عليه ، فإن ألحقه بالثاني ، قدّمنا قوله على الانتساب ؛ لأنّه حجّة أو حكم(١) .
وقال بعضهم : يُقدّم الانتساب على قول القائف ، وعلى هذا فمهما ألحقه القائف بأحدهما فللآخَر أن ينازعه ويقول : ننتظر حتى يبلغ فينتسب(٢) .
وهذا كلّه عندنا باطل ؛ إذ لا عبرة بقول القائف في مذهبنا لو خلا عن المعارض فكيف إذا عارضه التصديق.
وعلى قول الشافعي لو ألحقه القائف بأحدهما ثمّ أقام الآخَر بيّنةً ، قُدّمت البيّنة على قول القائف ؛ لأنّ البيّنة حجّة يعتمد عليها في كلّ خصومةٍ ، وقول القائف مستنده حدس وتخمين(٣) .
وقال بعض الشافعيّة : لا ننقض ما حكمنا به ولا نعمل بالبيّنة(٤) .
مسألة ٤٥١ : لو ادّعت المرأة بنوّته ، ففي إلحاقها بالرجل في ثبوت النسب بمجرّد الدعوى من غير تصديقٍ ولا بيّنةٍ إذا لم يكن معارض قولان لعلمائنا سبقا(٥) .
فإن قلنا بمساواتها للرجل لو ادّعت امرأتان بنوّته وأقامتا بيّنتين أو لم تكن هناك بيّنة ، فالقرعة عندنا ، كالرجلين.
وللشافعيّة في عرضه على القافة وجهان :
أحدهما : المنع ؛ لأنّ معرفة الأُمومة يقيناً بمشاهدة الولادة ممكنة.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٦ - ٥٠٧.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٧.
(٥) في ص ٣٦٩.
وأصحّهما : إنّه يُعرض ؛ لأنّ قول القائف حجّة أو حكم ، فكان كالبيّنة ، وعلى هذا تبتنى تجربة القائف وامتحانه(١) .
وإذا ألحقه القائف بإحداهما وهي ذات زوجٍ ، لحق زوجها أيضاً عند الشافعيّة ، كما لو قامت البيّنة(٢) .
ولهم وجهٌ آخَر : إنّه لا يلحقه(٣) .
وهو المعتمد ؛ لأنّ قول القائف لا يصلح للإلحاق بالمنكر ، فإنّ القائف لا يلحق المنبوذ بمن لا يدّعيه.
ولا فرق بين أن تكون إحدى الامرأتين مسلمةً والأُخرى كافرةً أو كانتا كافرتين.
وروي عن أحمد في يهوديّةٍ ومسلمةٍ ولدتا فادّعت اليهوديّة ولد المسلمة ، فتوقّف ، فقيل : يرى القافة ، فقال : ما أحسنه ، ولأنّ الشبه يوجد بينها وبين ابنها كما يوجد بين الرجل وابنه بل أكثر ؛ لاختصاصها بحمله وتغذيته ، والكافرة والمسلمة والحُرّة والأمة في التشابه سواء(٤) .
وقد عرفت بطلان القول بالقافة عندنا.
ولو ألحقته القافة بأُمّين ، لم يلحق بهما إجماعاً عندنا وعند القائلين بالقافة(٥) ؛ لأنّه يُعلم خطؤه يقيناً.
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٥٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٥ ، حلية العلماء ٥ : ٥٦٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٧ ، البيان ٨ : ٢٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٧.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٧ ، البيان ٨ : ٢٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٧.
(٤) المغني ٦ : ٤٣٤ - ٤٣٥ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٦ - ٤٣٧.
(٥) المغني ٦ : ٤٣٥ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٧.
وقال أصحاب الرأي : يلحق بهما بمجرّد الدعوى ؛ لأنّ الأُم أحد الأبوين ، فجاز أن يلحق بأُمّين كالآباء(١) .
وهذا غلط ؛ لأنّا نعلم يقيناً استحالة كونه منهما ، فلم يجز إلحاقه بهما ، كما لو كان أكبر منهما أو مثلهما.
وفرّق الشافعيّة بين الأُمّين والأبوين ؛ لأنّه يجوز اجتماع نطفتي رجلين في رحم امرأةٍ ويمكن أن يخلق منهما ولد ، كما يخلق من نطفة الرجل وامرأةٍ ، ولذلك قال القائف لعمر : قد اشتركا فيه(٢) ، ولا يلزم من إلحاقه بمَنْ يتصوّر كونه منه إلحاقه بمَنْ يستحيل تكوّنه منه ، كما لم يلزم من إلحاقه بمَنْ يولد مثله لمثله إلحاقه بأصغر منه(٣) .
مسألة ٤٥٢ : ولو ادّعى نسبه رجل وامرأة ، أُلحق بهما ؛ لأنّه لا تنافي بينهما ؛ لإمكان أن يكون بينهما نكاح أو وطؤ شبهة ، فيلحق بهما جميعاً ، فيكون ابنهما بمجرّد دعواهما ، كما لو انفرد كلّ واحدٍ منهما بالدعوى.
ولو قال الرجل : هذا ابني من زوجتي وادّعت زوجته ذلك وادّعت امرأة أُخرى أنّه ابنها ، فهو ابن الرجل.
وهل ترجّح زوجته على الأُخرى؟ الأقرب : ذلك ؛ لأنّ زوجها أبوه فالظاهر أنّها أُمّه ، ولأنّها ادّعت وحصل لدعواها قرينة تصديق الرجل إيّاها ، بخلاف الأُخرى ، فإنّه حصل لدعواها معارضة تكذيب الأب لها.
ويحتمل تساويهما ؛ لأنّ كلّ واحدةٍ منهما لو انفردت لالتحق بها ، فإذا اجتمعتا تساوتا.
____________________
(١) المغني ٦ : ٤٣٥ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٧.
(٢) سنن البيهقي ١٠ : ٢٦٣ و ٢٦٤.
(٣) الحاوي الكبير ٨ : ٥٩ ، وراجع : المغني ٦ : ٤٣٥ ، والشرح الكبير ٦ : ٤٣٧.
ولو ادّعت المرأة الأُخرى أنّه ابنها من زوجها وادّعى الرجل غير الزوج أنّه ابنه من زوجته غير المدّعية أوّلاً وصدّق الزوجُ المرأةَ المدّعية والزوجةُ الرجل المدّعي ، تعارضت الدعاوي وتساوى المتنازعان.
مسألة ٤٥٣ : إذا ادّعى بنوّته اثنان وأحدهما عبد ، تساويا في الدعوى ، ويكون الحكم القرعة كالحُرّين - وبه قال أحمد والشافعي على تقدير قبول استلحاق العبد ، إلّا أنّهما يعرضانه على القافة(١) - لأنّ كلّ واحدٍ منهما لو انفرد صحّت دعواه ، فإذا تنازعوا تساووا في الدعوى ، كالأحرار المسلمين.
وإن قلنا : لا يقبل استلحاق العبد - كما ذهب إليه الشافعي في القول الآخَر(٢) - فإنّ الحُرّ يكون أولى من العبد.
وقال أبو حنيفة : الحُرّ أولى من العبد ؛ لأنّ على اللقيط ضرراً في إلحاقه بالعبد ، فكان إلحاقه بالحُرّ أولى ، كما لو تنازعا في الحضانة(٣) .
ونمنع الضرر ؛ لأنّا لم نحكم برقّه ، والنسب لا يشبه الحضانة ؛ لأنّا نقدّم في الحضانة الموسر والحضريّ ، ولا نقدّمهما في دعوى النسب.
مسألة ٤٥٤ : ولو كان أحد المدّعيين مسلماً والآخَر كافراً ، تساويا أيضاً ، وحُكم بالقرعة عندنا ، وبالعرض على القافة عند الشافعي وأحمد(٤) ؛
____________________
(١) المغني ٦ : ٤٢٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣١ ، الحاوي الكبير ٨ : ٥٥ ، الوجيز ١ : ٢٥٧ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥٨ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٦ ، البيان ٨ : ٢٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٥.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٥.
(٣) الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٤٤ ، بدائع الصنائع ٦ : ١٩٩ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٤ ، المغني ٦ : ٤٢٣ - ٤٢٤ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣١ ، الحاوي الكبير ٨ : ٥٥ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥٨ ، البيان ٨ : ٢٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٤.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٤ و ٤١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٥ و ٥٠٦ ، المغني ٦ : ٤٢٣ و ٤٢٥ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣١ و ٤٣٢.
لاستوائهما في الاستلحاق وجهات النسب.
وقال أبو حنيفة : المسلم أولى من الذمّي ؛ لما تقدّم من لحوق الضرر باللقيط لو ألحقناه بالذمّي(١) .
وهو ممنوع ؛ لما تقدّم من أنّا لا نحكم بكفر اللقيط وإن ألحقناه به في النسب.
وكذا لو كان أحدهما حُرّاً مسلماً والآخَر عبداً كافراً ، فإنّهما يتساويان عندنا وعند الشافعي وأحمد(٢) ، ويُقدّم المسلم الحُرّ عند أبي حنيفة(٣) .
ولو كان أحدهما مسلماً عبداً والآخَر حُرّاً كافراً ، تساويا عندنا.
ويتأتّى على قول أبي حنيفة ذلك أيضاً ؛ لما في كلّ واحدٍ منهما من صفات الأرجحيّة والمرجوحيّة.
مسألة ٤٥٥ : لو اختصّ أحد المتداعيين باليد ، فإن كان صاحب اليد هو الملتقطَ لم يُقدَّم ؛ لأنّ اليد لا تدلّ على النسب.
نعم ، لو استلحقه الملتقط أوّلاً وحكمنا بالنسب ثمّ ادّعاه آخَر فالأقوى : تقديم الملتقط ؛ لأنّا أثبتنا نسبه قبل معارضة المدّعي.
وقال الشافعي : يُعرض مع الثاني على القائف ، [ فإن نفاه بقي لاحقاً بالملتقط باستلحاقه ، وإن ألحقه بالثاني عُرض مع الملتقط عليه ](٤) فإن نفاه عنه فهو للثاني ، وإن ألحقه به أيضاً فقد تعذّر العمل بقول القائف
____________________
(١) تحفة الفقهاء ٣ : ٣٥٣ ، بدائع الصنائع ٦ : ١٩٩ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٤٤ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٤ ، المحيط البرهاني ٥ : ٤٢٩ ، الحاوي الكبير ٨ : ٥٥ ، حلية العلماء ٥ : ٥٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٥ ، المغني ٦ : ٤٢٣ - ٤٢٤ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣١.
(٢ و ٣) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.
(٤) ما بين المعقوفين أثبتناه من « العزيز شرح الوجيز » و « روضة الطالبين » وورد مؤدّاه في « الحاوي الكبير » و « التهذيب ».
فيُوقَف(١) .
وإن كان صاحب اليد غيرَ الملتقط ، فقد حكى الجويني عنه أنّه إن كان قد استلحقه حُكم بالنسب له ، ثمّ إن جاء آخَر وادّعى نسبه لم يُلتفت إليه ؛ لثبوت النسب من الأوّل معتضداً باليد وتصرّفِ الآباء في الأولاد ، وإن لم يُسمع استلحاقه إلّا بعد ما جاء الثاني واستلحقه ، ففيه وجهان :
أحدهما : تقديم صاحب اليد كما يُقدّم استلحاقه.
وأشبههما عندهم : التساوي ؛ لأنّ الغالب من حال الأب أن يذكر نسب ولده ويشهره ، فإذا لم يفعل صارت يده كيد الملتقط في أنّها لا تدلّ على النسب(٢) .
مسألة ٤٥٦ : لو تداعياه اثنان فأقام كلّ واحدٍ منهما بيّنةً وتعارضتا ، أُقرِع بينهما عندنا ، وقد تقدّم(٣) دليله.
وللشافعي في تعارض البيّنتين في الأملاك قولان :
أحدهما : التساقط ، فعلى تقديره تتساقطان هنا أيضاً ، ويرجع إلى قول القائف ، أو لا تتساقطان وتُرجَّح إحداهما بقول القائف.
والثاني : إنّهما تُستعملان إمّا بالتوقّف أو بالقسمة أو بالقرعة على ثلاثة أقوال معروفة بينهم(٤) .
والتوقّف لا يمكن هنا ؛ لما فيه من الإضرار بالطفل ، ولا القسمة ؛ إذ لا مجال لها في النسب. وأمّا القرعة ففيه وجهان :
أحدهما : إنّها تجري هنا ، فيُقرع ويُقدَّم مَنْ خرجت قرعته.
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٥٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٦.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٦.
(٣) في ص ٣٧١.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٧.
والثاني : المنع ؛ لأنّ القرعة لا تثبت في النسب ولا تعمل به(١) .
ولو اختصّ أحدهما باليد لم ترجّح بيّنته باليد ، بخلاف الأملاك ، حيث تُقدّم فيها بيّنة ذي اليد ؛ لأنّ اليد تدلّ على الملك.
وقال بعض الشافعيّة : لو أقام أحدهما البيّنة على أنّه في يده منذ سنةٍ والثاني على أنّه في يده منذ شهرٍ وتنازعا في نسبه ، فالتي هي أسبق تاريخاً أولى ، وصاحبها مقدَّم(٢) .
وهو باطل ؛ لأنّ ثبوت اليد لا يقتضي ثبوت النسب.
ولو فرض تعرّض البيّنتين لنفس النسب ، فلا مجال فيه للتقدّم والتأخّر.
وإن شهدتا على الاستلحاق ، فيبنى على أنّ الاستلحاق من شخصٍ هل يمنع غيره من الاستلحاق بعده؟
فروع :
أ - وألحقه القائف بأحدهما ثمّ ألحقه بالثاني ، لم ينتقل إليه ، فإنّ الاجتهاد لا ينتقض بمثله.
ب - لو وصف أحد المتداعيين خالا(٣) أو أثر جراحةٍ في ظَهْرٍ أو بعض أعضائه الباطنة وأصاب ، لا يُقدّم جانبه - وبه قال الشافعي(٤) - كما لو وصف أحدهما في الملك المتنازع بينهما وصفاً خفيّاً ، لم يقدّم باعتبار ذلك ، كذا هنا.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٧.
(٣) الخال : نكتة في الجسد. لسان العرب ١١ : ٢٣٢ « خيل ».
(٤) حلية العلماء ٥ : ٥٦٦ ، البيان ٨ : ٢٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٨ ، المغني ٦ : ٤١٩ ، الشرح الكبير ٦ : ٤١٦.
وقال أبو حنيفة : يقدّم ويثبت النسب للواصف(١) . وليس بشيءٍ.
ج - لو تداعياه ثمّ رجع أحدهما ، أُلحق بالآخَر ؛ عملاً بالمقتضي ، وهي الدعوى السالمة عن معارضة الدعوى الأُخرى ؛ لبطلانها بالرجوع.
ولو رجع مَنْ وقعت عليه القرعة ، فكذلك ، ولو رجع الآخَر قبل القرعة أو بعدها ، فإشكال ، أمّا لو قامت لأحدهما بيّنة بدعواه ثمّ رجع ، فإنّه لا يُقبل رجوعه وإن بقي الآخَر على دعواه.
مسألة ٤٥٧ : لو تنازع اثنان في التقاط الصبي وولاية الحضانة والتعهّد ، فإن كان قبل أخذهما له أو حال أخذه ، فقد سبق(٢) .
وإن قال كلّ واحدٍ منهما : أنا الذي التقطتُه(٣) وإلَيَّ حفظه ، فإن اختصّ أحدهما باليد وقال الآخَر : إنّه أخذه منّي ، فالقول قول صاحب اليد مع يمينه ، فإنّها تشهد بقوله.
وإن أقام كلٌّ منهما بيّنةً ، فبيّنة الخارج مقدَّمة عندنا ، كما في دعوى الملك ، فتُقدّم بيّنة الخارج.
وعند الشافعي تُقدَّم بيّنة ذي اليد ، فتُقدّم هنا أيضاً(٤) .
وإن لم يختص أحدهما باليد ، فإن لم يكن في يد واحدٍ منهما ، فهو كما لو أخذاه معاً وتشاحّا في حفظه ، فيجعله الحاكم عند مَنْ يراه منهما أو
____________________
(١) مختصر القدوري : ١٣٤ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٣٥٣ ، بدائع الصنائع ٦ : ١٩٩ ، المحيط البرهاني ٥ : ٤٢٩ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٤٤ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٣ ، حلية العلماء ٥ : ٥٦٦ ، البيان ٧ : ٢٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٨ ، المغني ٦ : ٤١٩ ، الشرح الكبير ٦ : ٤١٦.
(٢) في ص ٣١٦ ، المسألة ٤١٢.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « التقطه ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٨.
من غيرهما.
وإن كان في أيديهما معاً ، فإن حلفا معاً أو نكلا معاً ، فالحكم كما لو ازدحما على الأخذ وهُما متساويان ومتساويا الحال.
فإن حلف أحدهما دون الآخَر ، خُصّ به ، سواء كان في يدهما أو لم يكن في يد واحدٍ منهما.
فلو أقام كلّ واحدٍ منهما البيّنةَ على ما يدّعيه ، نُظر فإن كانت البيّنتان مطلقتين أو مقيّدتين بتأريخٍ واحد ، أو إحداهما مطلقة والأُخرى مقيّدة ، تعارضتا ، فإن قلنا بالتساقط - كما هو أحد قولَي الشافعي(١) - فكأنّه لا بيّنة ، وإن قلنا بالاستعمال ، لم يجئ قول الوقف للشافعيّة ولا قول القسمة ، بل قول القرعة(٢) ، كما نذهب نحن إليه ، فيقرع ويُسلّم إلى مَنْ خرجت قرعته بعد اليمين.
وللشافعي في اليمين قولان(٣) .
وإن قيّدتا بتأريخين مختلفين ، حُكم لمن سبق تأريخه ؛ لأنّ الثاني إنّما أخذ مَنْ قد ثبت الحقّ فيه لغيره ، بخلاف المال - عند الشافعي في أصحّ قولَيه(٤) - حيث لا يُحكم بسبق التأريخ فيه ؛ لأنه قد ينتقل ذلك عن الأسبق إلى الأحدث ، وليس كذلك الالتقاط ؛ فإنّه لا يُنقل اللقيط عن الملتقط ما دامت الأهليّة باقية ، فإذا ثبت السبق لزم استمراره.
قال بعض الشافعيّة : هذا إذا قلنا : إنّ مَن التقط لقيطاً ثمّ نبذه لم يسقط حقّه ، فإن أسقطناه فهو على القولين في الأموال ؛ لأنّه ربما نبذه الأوّل
____________________
(١ و ٢) البيان ٨ : ١٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٨.
(٣) البيان ٨ : ١٨.
(٤) البيان ٨ : ١٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٨.
فالتقطه غيره(١) .
ويتفرّع على تقديم البيّنة المتعرّضة للسبق فيما إذا كان اللقيط في يد أحدهما وأقام مَنْ في يده البيّنة وأقام الآخَر البيّنة على أنّه كان في يده انتزعه منه صاحب اليد : تقديم بيّنة مدّعي الانتزاع ؛ لإثباتها السبق.
ولو كان أحد المتداعيين مَنْ لا يُقرّ يده على اللقيط ، أُقرّ في يد الآخَر ، ولم يُلتفت إلى دعوى مَنْ لا يُقرّ اللقيط في يده بحالٍ ، ولا إلى بيّنته مطلقاً.
مسألة ٤٥٨ : لو ولدت امرأتان ابناً وبنتاً فادّعت كلّ واحدةٍ منهما أنّ الابن ولدها دون البنت ، فحكمه حكم التنازع في الولد لو لم تكن هناك بيّنة ، وذلك بأن يُقرع بينهما إن ألحقنا الولد بالأُم بمجرّد الدعوى ، وإن اعتبرنا التصديق انتظر بلوغه ، فإن صدّق إحداهما لحق بها ، وإلّا لم يلحق بواحدةٍ منهما.
وللحنابلة وجهان :
أحدهما : أن تُرى المرأتان القافة مع الولدين فيلحق كلّ واحدٍ منهما بمن ألحقته به ، كما لو لم يكن لهما ولد.
والثاني : أن يعرض لبنهما على أهل الطبّ والمعرفة ، فإنّ لبن الذكر يخالف لبن الأُنثى في الطبع والوزن ، فقد قيل : إنّ لبن الذكر ثقيل ولبن الأُنثى خفيف ، فيعتبران بطباعهما ووزنهما وما يختلفان به عند أهل المعرفة ، فمَن كان لبنها لبن الابن فهو لها والبنت للأُخرى(٢) .
ولو كان الولدان ذكرين أو أُنثيين ، أُقرع عندنا ، وعُرضا على القافة
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤١٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٨.
(٢) المغني ٦ : ٤٣٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٨.
عند العامّة(١) .
وقد روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام في قضاياه أنّ امرأتين تداعيا ولداً وأنّ كلّ واحدةٍ منهما ادّعت أنّها أُمّه ، فوعظهماعليهالسلام فلم ترجعا فأمر قنبراً بإحضار منشارٍ ، فقالتا لهعليهالسلام : ما تصنع بالمنشار يا أمير المؤمنين؟ فقالعليهالسلام : « أنشره بنصفين فأُعطي كلّ واحدةٍ منكما نصفَه » فرضيت إحداهما وبكت الأُخرى وقالت : يا أمير المؤمنين إذا كان الحال كذلك سلّمه إليها ، فحكم لها به(٢) .
مسألة ٤٥٩ : لو ادّعى اللقيطَ رجلان ، فقال أحدهما : هذا ابني ، وقال الآخَر : إنّه بنتي ، نُظر فإن كان ابناً فهو لمدّعيه ، وإن كانت بنتاً فهي لمدّعيها ؛ لأنّ كلّ واحدٍ لا يستحقّ غير ما ادّعاه.
ولو ظهر خنثى مشكلاً ، أُقرع بينهما إن لم تكن بيّنة.
ولو أقام كلٌّ منهما بيّنةً بما ادّعاه ، فالحكم فيه كالحكم فيما لو انفرد كلّ واحدٍ منهما بالدعوى.
وعند أحمد يُرى القافة مع عدم البيّنة - وهو قول الشافعي - لعدم أولويّة تقديم قول أحدهما على الآخَر ؛ لتساويهما في الدعوى(٣) .
مسألة ٤٦٠ : لو وطئ رجلان امرأةً واحدة في طهرٍ واحد ، فإن كانا زانيين ، فلا حرمة لمائهما ، ولا يلتحق الولد بأحدهما.
وإن كان أحدهما زانياً ، فالولد للآخَر ؛ لقولهعليهالسلام : « الولد للفراش ،
____________________
(١) المغني ٦ : ٤٣٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٨.
(٢) راجع : الإرشاد - للمفيد - ١ : ٢٠٤ - ٢٠٥ ، ومناقب آل أبي طالب - لابن شهرآشوب - ٢ : ٣٦٧.
(٣) المغني ٦ : ٤٣٦ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٣٨ ، وراجع : الهامش (٢) من ص ٣٧٢.
وللعاهر الحجر »(١) .
ولو لم يكونا زانيين بأن يطئا جاريةً مشتركة بينهما في طهرٍ واحد أو يطأ رجل امرأةً أُخرى لشبهةٍ في طهرٍ وطئها زوجها فيه ، أو وطئ جارية الآخَر بشبهة أنّها زوجته أو أمته في طهرٍ وطئها سيّدها فيه بأن يجدها على فراشه فيظنّها زوجته أو أمته ، أو يدعو زوجته أو أمته في ظلمةٍ فتجيبه زوجة الآخَر أو جاريته ، أو يتزوّجها كلٌّ منهما تزويجاً فاسداً ولا يعرفان فساده ، أو يكون نكاح أحدهما صحيحاً ونكاح الآخَر فاسداً بأن يقع في العدّة ولم يعلم ، فإنّ الحكم فيه عندنا بالقرعة ؛ لأنّه أمر مشكل.
وعند الشافعيّة وأحمد يُعرض على القافة(٢) .
البحث الرابع : في رقّ اللّقيط وحُرّيّته.
اللّقيط إمّا أن يُقرّ على نفسه بالرقّ في وقت اعتبار الإقرار ، أو لا يُقرّ ، وعلى التقدير الثاني فإمّا أن يدّعي رقّه مُدّعٍ ، أو لا يدّعيه أحد ، فإن ادّعاه فإمّا أن يقيم عليه بيّنةً ، أو لا يقيم ، فالأقسام أربعة.
____________________
(١) صحيح البخاري ٨ : ٢٠٥ ، صحيح مسلم ٢ : ١٠٨٠ و ١٠٨١ / ١٤٥٧ و ١٤٥٨ ، سنن ابن ماجة ١ : ٦٤٧ / ٢٠٠٦ و ٢٠٠٧ ، سنن أبي داوُد ٢ : ٢٨٢ و ٢٨٣ / ٢٢٧٣ و ٢٢٧٤ ، سنن الترمذي ٣ : ٤٦٣ / ١١٥٧ ، سنن النسائي ٦ : ١٨٠ و ١٨١ ، سنن الدارمي ٢ : ٣٨٩ ، سنن الدارقطني ٣ : ٤٠ - ٤١ / ١٦٦ ، سنن البيهقي ٧ : ١٥٧ و ٤٠٢ و ٤١٢.
(٢) الحاوي الكبير ١٧ : ٣٨٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ١٢١ ، الوسيط ٧ : ٤٥٦ - ٤٥٧ ، الوجيز ٢ : ٢٧٣ ، حلية العلماء ٧ : ٢١٦ ، التهذيب - للبغوي - ٨ : ٣٤٧ ، البيان ١٠ : ٣٨٢ ، العزيز شرح الوجيز ١٣ : ٢٩٨ ، روضة الطالبين ٨ : ٣٧٦ ، المغني ٦ : ٤٣٦ - ٤٣٧ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٤١.
القسم الأوّل : أن لا يُقرّ ولا يدّعي رقّه أحد ، فهو على أصالة الحُرّيّة ؛ لأنّ الآدمي خُلق لتسخير غيره ، لا ليُسخّره غيره ، ولأنّ الأغلب على الناس الحُرّيّة ، فإلحاقه بالأغلب أولى ، وأيضاً الأحرار هُمْ أهل الدار ، والأرقّاء مجلوبون إليها ليسوا من أهلها ، فكما نحكم بالإسلام بظاهر الدار نحكم بالحُرّيّة.
وبعض الشافعيّة لا يجزم بالإسلام ، ويذهب إلى التوقّف ، وذلك التردّد يجري في الحُرّيّة عنده ، بل هي أولى بالتردّد من الإسلام ؛ لقوّة الإسلام واقتضائه الاستتباع ، ولذلك يتبع الولد أيَّ الأبوين كان في الإسلام ، دون الحُرّيّة ، ويتبع السابي في الإسلام - عند جماعةٍ - دون الحُرّيّة.
ثمّ فصّل فقال : نجزم بالحُرّيّة ما لم ينته الأمر إلى إلزام الغير شيئاً ، فإذا انتهى إليه تردّدنا ما لم يعترف الملتزم بحُرّيّته ، فيخرج من ذلك أنّا نحكم له بالملك فيما يصادفه معه جزماً ، وإذا أتلفه عليه متلف ، أخذنا العوض منه وصرفناه إليه ؛ لأنّ المال المعصوم مضمون على المتلف ، فليس أخذ الضمان والعوض بسبب الحُرّيّة حتى يقع التردّد فيه ، فإن أخذناه فلا غرض للمتلف في أن يصرفه إلى اللقيط أو لا يصرفه ، ويكون ميراثه لبيت المال ، وأرش جنايته فيه(١) ، وعندنا للإمام.
وإذا قُتل اللّقيط ، ففي القصاص للشافعيّة وجهان تقدّما(٢) ، فمَنْ لا يجزم بحُرّيّته وإسلامه لا يوجب القصاص على الحُرّ المسلم بقتله ، ويوجبه على الرقيق الكافر ؛ ومَنْ يجزم بالحُرّيّة والإسلام من الشافعيّة يُخرِّج وجوبَ القصاص بكلّ حالٍ على قولين ، بناءً على أنّه ليس له وارث
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٠ - ٤٢١ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٩.
(٢) في ص ٣٥٨ ، المسألة ٤٤٠.
معيّن(١) .
وإذا قُتل خطأً ، فالواجب الدية في أظهر الوجهين ؛ أخذاً بظاهر الحُرّيّة ، وأقلّ الأمرين من الدية أو القيمة في الثاني ؛ بناءً على أنّ الحُرّيّة غير متيقّنةٍ ، فلا يؤخذ الجاني بما لا يتيقّن شغل ذمّته به(٢) .
وقال الجويني : قياس هذا أن نوجب له الأقلّ من قيمة عبدٍ أو دية مجوسيٍّ ؛ لإمكان الحمل على التمجّس(٣) .
مسألة ٤٦١ : قد بيّنّا أنّ اللقيط إن التُقط في دار الإسلام كان حُرّا ، بناءً على الدار ، فإنّها دار الإسلام ، والأصل فيه الحُرّيّة ، وهو قول عامّة أهل العلم ، إلّا النخعي(٤) .
قال ابن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على أنّ اللقيط حُرٌّ ، روينا ذلك عن عليٍّعليهالسلام وعمر بن الخطّاب ، وبه قال عمر بن عبد العزيز والشعبي والحكم وحمّاد ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ومَنْ تبعهم(٥) .
للأصل ، فإنّ الله تعالى خلق آدمعليهالسلام وذرّيّته أحراراً ، وإنّما الرقّ لعارضٍ ، فإذا لم يُعلم ذلك العارض فله حكم الأصل.
وقال النخعي : إن التقطه الملتقط للحسبة ، فهو حُرٌّ ، وإن كان يعزم أنّه يسترقّه ، فذلك له(٦) .
وهو قولٌ شاذّ لم يصر إليه أحد من العلماء ، ولا يصحّ في النظر ؛
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢١ ، روضة الطالبين ٤ : ٥٠٩.
(٤) المغني والشرح الكبير ٦ : ٤٠٣.
(٥) الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٦٣ ، وعنه في المغني والشرح الكبير ٦ : ٤٠٣.
(٦) المغني ٦ : ٤٠٣ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٠٣ - ٤٠٤.
لأصالة الحُرّيّة.
فإن التقط في دار الحرب ولا مسلم فيها ، قال علماؤنا : إنّه يكون رقّاً.
والأقرب عندي : الحكم بحُرّيّته ؛ عملاً بالأصل ، لكن تتجدّد الرقّيّة عليه بالاستيلاء عليه ؛ لأنّه كافر تبعاً للدار الخالية من مسلمٍ واحد.
مسألة ٤٦٢ : لو قذف أحدٌ اللقيطَ ، فإن كان اللقيط صغيراً عُزّر. وإن كان بالغاً ، فإن اعترف القاذف بحُرّيّته حُدّ قطعاً.
وإن ادّعى رقّه ، فإن صدّقه اللقيط سقط الحدّ ، ووجب التعزير ؛ لأنّه الواجب في قذف العبيد ، لأنّ المستحقّ أقرّ بسقوط الحدّ.
وإن كذّبه اللقيط وقال : إنّي حُرٌّ ، فالقول قوله ؛ لأنّه محكوم بحُرّيّته ، فقوله موافق للظاهر ، وأوجبنا له القصاص على الحُرّ ، بناءً على الظاهر ، والأُمور الشرعيّة منوطة بالظاهر ، فيثبت الحدّ ، كثبوت القصاص ، وهو أحد قولَي الشيخرحمهالله .
وقال في الآخَر : لا يُحدّ ، بل يُعزَّر ؛ لأنّ الحكم بالحُرّيّة غير معلومٍ ، بل هو بالبناء على الظاهر ، وهو محتمل للنقيض ، فيحصل الاشتباه الموجب لسقوط الحدّ ، فإنّ الحدّ يُدرأ بالشبهات ، بخلاف القصاص لو ادّعى الجاني أنّه عبد ؛ لأنّ القصاص ليس بحدٍّ ، وإنّما وجب حقناً للآدميّ(١) .
وأصحّ قولَي الشافعيّة عندهم : الأوّل ؛ لأنّ الأصل الحُرّيّة ، فيُحدّ القاذف ، إلّا أن يقيم بيّنةً على الرقّ ، وهو قول المزني.
والثاني : أصالة البراءة ، وتصديق قول القاذف ؛ لاحتمال أن يكون
____________________
(١) راجع : المبسوط - للطوسي - ٣ : ٣٤٧.
رقيقاً ، فلا يقطع بثبوت حقٍّ في الذمّة بأمرٍ محتمل(١) .
وقطع بعض الشافعيّة بالقول الأوّل ؛ لأنّه محكوم بحُرّيّته بظاهر الدار ، وحمل القول الثاني على مجهولٍ لم تُعلم حُرّيّته بالدار(٢) .
مسألة ٤٦٣ : لو قطع حُرٌّ طرفه وادّعى رقّه ، وادّعى اللقيط الحُرّيّة ، اقتصّ من الجاني ، وصُدِّق اللقيط ؛ للأصل.
وللشافعيّة طريقان :
أحدهما : إجراء القولين تخريجاً لقول المنع من القصاص ممّا ذكر في اللعان ، فإنّ الشافعي قال فيه : إنّه يُحكم بقول القاذف : إنّه رقٌّ ، لا بدعواه الحُرّيّة ، والآخَر منصوص.
والثاني : القطع بالوجوب(٣) .
وقد فرّق القائلون بأمرين :
أ : بتصديق القاذف بأنّ المقصود من الحدّ الزجر ، وفي التعزير الذي يُعدل إليه من الحدّ ما يحصّل بعض هذا الغرض ، والمقصود من القصاص التشفّي والمقابلة ، وليس في المال المعدول إليه من الحدّ ما يحصّل هذا الغرض.
وهو ممنوع ؛ لأنّ بعض غرض التشفّي يحصل بالإضرار له في أخذ ماله.
____________________
(١) مختصر المزني : ١٣٧ ، الحاوي الكبير ٨ : ٥١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٥ ، الوجيز ١ : ٢٥٩ ، حلية العلماء ٥ : ٥٦٩ - ٥٧٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٣ - ٥٧٤ ، البيان ٨ : ٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٨.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٨.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٥ ، حلية العلماء ٥ : ٥٧٠ ، البيان ٨ : ٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٨.
ب : إنّ ا ب :لتعزير الذي يُعدل إليه متيقّن ؛ لأنّه بعض الحدّ ، فالعدول إليه عدولٌ من ظاهرٍ أو مشكوكٍ إلى متيقّنٍ ، وإذا أسقطنا القصاص عدلنا إلى نصف الدية أو القيمة ، وذلك مشكوك فيه ؛ لأنّ الحُرّيّة شرط وجوب الدية ، والرقّ شرط [ وجوب ] القيمة ، فكان ذلك عدولاً من ظاهرٍ أو مشكوكٍ فيه إلى غير مشكوكٍ فيه ، ولأنّ حدّ القذف أقرب سقوطاً بالشبهة من القصاص ، فلذلك افترقا(١) .
مسألة ٤٦٤ : لو قذف اللقيط محصناً واعترف بأنّه حُرٌّ ، حُدَّ حَدّ الأحرار ؛ عملاً بمقتضى إقراره ، وإن ادّعى أنّه رقيق وصدّقه المقذوف ، حُدّ حَدّ العبيد ، وإن كذّبه فالأقرب : وجوب الثمانين عليه ؛ عملاً بأصالة الحُرّيّة.
وللشافعي قولان في أنّه يُحدّ حدّ العبيد أو حدّ الأحرار؟
وبنى أصحابه الأوّلَ على قبول إقراره مطلقاً ، والثاني على أنّه إنّما يُقبل فيما يضرّه ، لا فيما ينفعه ، وهُما على القولين فيما إذا ادّعى قاذف على اللقيط رقّه ، إن صدّقناه صدّقنا اللقيط هنا ، وإلّا فلا(٢) .
ولبعضهم وجهٌ آخَر : إنّه إن أقرّ لمعيّنٍ قُبِل إقراره ، وحُدّ حدّ العبيد ، وإن لم يعيّن حُدّ حدّ الأحرار(٣) .
إذا عرفت هذا ، فقد حصل للشافعيّة ثلاثة أوجُه ، فيقال : إن لم نوجب الدية في قتله فالقصاص أولى. وإن أوجبناها ففي القصاص وجهان ؛ لسقوطه بالشبهة ، فثالث الوجوه : وجوب الدية دون القصاص(٤) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٥ ، البيان ٨ : ٤٠ - ٤١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٦ ، وما بين المعقوفين أثبتناه من العزيز شرح الوجيز.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٨.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢١.
القسم الثاني : أن يدّعي رقَّ اللقيط ولا بيّنة.
ولنقدّم عليه مقدّمةً ، وهي : إنّ كلّ مَن ادّعى رقّيّة صغيرٍ في يده ولا تُعلم حُرّيّته ، فإنّه تُسمع دعواه ؛ لإمكانها إذا كانت غير اليد التي عرفنا استنادها إلى التقاط المنبوذ.
فإن كانت اليد هي يد اللقطة ، لم يُحكم برقّه ، وكان الحكم الأصل فيه الحُرّيّة - وهو أصحّ قولَي الشافعي(١) - ويحتاج الملتقط في دعوى الرقّيّة إلى البيّنة ؛ لأصالة الحُرّيّة ، فلا يخالف بمجرّد الدعوى.
والثاني للشافعي : إنّه يُقبل قول الملتقط ، ويُحكم له بالرقّ ، كما في يد غير الالتقاط ، وكما لو التقط مالاً وادّعى أنّه لا منازع له فيه ، فإنّه يُقبل قوله ، ويصحّ شراؤه منه(٢) .
والفرق ظاهر ؛ فإنّ اليد إذا كانت عن الالتقاط ، يُعرف حدوثها لا بسبب الملك ؛ لما بيّنّا من أصالة الحُرّيّة ، ولم تظهر يد تدلّ على خلافها ، وأمّا يد غير اللقطة فإنّها تقضي بالملكيّة ؛ لأنّ الظاهر أنّ مَنْ في يده شيء وهو متصرّف فيه تصرّفَ السادات في العبيد فإنّه ملكه ، ولم يُعرف حدوثها بسببٍ لا يقتضي الملك ، وأمّا المال الملقوط فإنّه يُحكم للملتقط به إذا ادّعى ملكيّته ؛ لأنّ المال في نفسه مملوك ، وليس في دعوى ملكيّته إخراج له عن صفة المال ، وأمّا اللقيط فإنّه حُرٌّ ظاهراً ، وفي دعواه تغيير هذه الصفة ، فافترقا ، فلا يجوز القياس.
وإن كانت اليد غير يد اللقطة ، حُكم لصاحبها بالرقّ إذا ادّعاه ، بناءً على الظاهر الذي سبق.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٠.
ولا فرق بين أن يكون الصبي مميّزاً أو غير مميّزٍ ، ولا بين أن يكون مُقرّاً أو منكراً ؛ إذ لا عبرة بكلام الصبي ولا بإقراره ولا بإنكاره ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة.
والثاني : إنّه إن كان مميّزاً منكراً ، افتقر مدّعي رقّيّته إلى بيّنةٍ ؛ لأنّ لكلامه حكماً واعتباراً في الجملة(١) .
قال بعض الشافعيّة : الوجهان مبنيّان على الوجهين في المولود إذا ادّعاه اثنان ولا قائف هل يؤمر بالانتساب لسنّ التمييز ، أم ينتظر إلى أن يبلغ؟ وفي أنّ الخنثى المشكل هل يراجع لسنّ التمييز ، أم ينتظر إلى أن يبلغ؟(٢) .
ثمّ يحلف المدّعي والحالة هذه ؛ لخطر شأن الحُرّيّة.
وهل التحليف واجب أو مستحبّ؟ للشافعيّة قولان ، ويُحكى الوجوب عن نصّ الشافعي(٣) .
مسألة ٤٦٥ : لو بلغ الصغير(٤) وقال : أنا حُرٌّ ، فإن كان المدّعي الملتقطَ ، فالقول قوله مع اليمين ؛ لأصالة الحُرّيّة فيه ، وإن كان مدّعي رقّه غيرَ الملتقط وهو صاحب يدٍ وحكمنا له بالرقّيّة أوّلاً ، كان القول قولَ المدّعي ، ولا يُقبل قول الصغير ، إلّا أن يقيم بيّنةً على الحُرّيّة ؛ لأنّا قد حكمنا برقّه في حال الصغر ، فلا يرفع ذلك الحكم إلّا بحجّةٍ ، لكن له تحليف المدّعي ، وهو أحد قولَي الشافعيّة.
والثاني : إنّه يُقبل قوله ، إلّا أن يقيم مدّعي الرقّ بيّنةً على رقّه ؛ لأنّ
____________________
(١ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٢.
(٤) في الطبعة الحجريّة : « الصبي » بدل « الصغير ».
الحكم بالرقّ إنّما جرى حين لا قول له ولا منازعة ، فإذا صار معتبر القول فلا بدّ من إقراره أو البيّنة عليه ، كما لو ادّعى مُدّعٍ رقَّ بالغٍ.
وهُما كالوجهين فيما إذا التحق صغيراً فبلغ وأنكر.
والوجهان في المسألتين مبنيّان على القولين في مَنْ حُكم بإسلامه بأحد أبويه أو بالسابي ثمّ بلغ وأعرب بالكفر يُجعل مرتدّاً أو كافراً أصليّاً ويقال : إنّه الآن صار من أهل القول فيُرجع إلى قوله ولا يُنظر إلى ما حكمنا به من قبلُ؟(١) .
مسألة ٤٦٦ : لو ادّعى رقَّ اللقيط أو غيره من الصغار المجهولي النسب مدّعٍ ولا يد له عليه ، لم تُقبل دعواه ، إلّا بالبيّنة ؛ لأنّ الظاهر الحُرّيّة ، فلا يُترك إلّا بحجّةٍ.
أمّا لو ادّعى نسبه ، فإنّه يُقبل وإن لم يكن له عليه يد إذا لم يدّعه أحد.
والفرق : إنّ في دعوى النسب وقبولها مصلحةً للطفل وإثباتَ حقٍّ له ، وهنا في القبول إضرار به وإثبات رقّه عليه ؛ لأنّه لا نسب له في الظاهر ، فليس في قبول قول المدّعي ترك أمرٍ ظاهر ، والحُرّيّة محكوم بها ظاهراً.
ولو كان له عليه يد فادّعى رقّيّته ، فقد بيّنّا أنّه يُحكم له بها إذا لم يكن ملتقطاً على الخلاف ، فإن بلغ الصغير وأقرّ بالرقّ لغير صاحب اليد ، لم يُقبل.
وإن رأى صغيراً في يد إنسانٍ يأمره وينهاه ويستخدمه هل له أن يشهد بالملك؟ للشافعيّة وجهان(٢) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٢ - ٤٢٣.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٠.
وقال بعضهم : إن سمعه يقول : هو عبدي ، أو سمع الناس يقولون : إنّه عبد ، شهد بالملك ، وإلّا فلا(١) .
ولو كانت صغيرة في يد إنسانٍ فادّعى نكاحها ، فبلغت وأنكرت ، قُبل قولها ، واحتاج المدّعي إلى البيّنة.
ولا يُحكم في الصغر بالنكاح ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٢) .
والفرق بينه وبين الملك أنّ اليد في الجملة دالّة على الملك ، ويجوز أن يولد المولود وهو مملوك ، ولا يجوز أن تُولد وهي منكوحة ، فالنكاح طارئ بكلّ حالٍ ، فافتقر إلى البيّنة.
والثاني لهم : إنّه يُحكم بالزوجيّة قبل البلوغ(٣) .
القسم الثالث : أن يقيم مدّعي رقّه بيّنةً.
إذا ادّعى مدّعٍ رقَّ الصغير الملقوط أو المجهول نسبه وأقام بيّنةً ، فلا يخلو إمّا أن تشهد البيّنة باليد أو بالملك أو بالولادة ، فإن شهدت بالملك أو اليد ، لم يُقبل فيه إلّا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، وإن شهدت بالولادة ، قُبلت شهادة المرأة الواحدة أو الرجل الواحد ؛ لأنّه ممّا لا يطّلع عليه الرجال.
وحيث يحتاج مدّعي الرقّ إلى البيّنة فالأقرب : سماع الشهادة بالملك مطلقاً أو الرقّ مطلقاً والاكتفاء بهذه الشهادة في ثبوت الملك المطلق والرقّيّة المطلقة ، كما لو شهدت البيّنة على الملك في دارٍ أو دابّةٍ وشبههما ، فإنّه يكفي الإطلاق ، كذا هنا.
وهو أحد قولَي الشافعي ، واختاره المزني ، وذكره الشافعي في الدعاوي والبيّنات وفي القديم.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٠.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١١.
والثاني - وهو الذي ذكره في كتاب اللقيط - : إنّه لا يكتفى بها ؛ لأنّا لا نأمن أن يكون قد اعتمد الشاهد على ظاهر اليد وتكون اليد يدَ التقاطٍ ، وإذا احتُمل ذلك واللقيط محكوم بحُرّيّته بظاهر الدار ، فلا يزال ذلك الظاهر إلّا عن تحقيقٍ ، ويخالف سائر الأموال ؛ لأنّ أمر الرقّ خطير(١) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّ قيام البيّنة على مطلق الملك ليس بأقلّ من دعوى غير الملتقط رقّيّة الصغير في يده ، فإذا اكتفينا به جاز أن يكتفى بالبيّنة على الملك المطلق.
وللشافعيّة قولٌ ثالث : إنّه لا تُقبل من الملتقط البيّنة على الملك المطلق أو الرقّيّة المطلقة ، وتُقبل من غيره ؛ لسقوط الخيال الذي قيل في الملتقط من جواز استناد البيّنة إلى يد اللقطة(٢) .
مسألة ٤٦٧ : ولو شهدت البيّنة باليد عقيب ادّعائه الرقّيّة ، فإن كانت يدَ الملتقط ، لم يثبت بها ملكه ؛ لأنّا عرفنا سبب يده ، ولأنّا لو شاهدناه تحت يده وهو ملتقط وادّعى رقّيّته لم يثبت فكيف إذا شهد له بيد الالتقاط.
أمّا لو كانت يدَ أجنبيٍّ ، فإنّه يُحكم له باليد ، والقول قوله مع يمينه في الملك.
وإن شهدت له البيّنة بالولادة ، فإن شهدت له أنّ مملوكته ولدته ، أو أنّه ابن مملوكته ، فإن ضمّت إلى ذلك أنّها ولدته مملوكاً له أو أنّها ولدته في ملكه ، حُكم له بالملك قطعاً.
وإن اقتصرت البيّنة على أنّ مملوكته ولدته ، أو أنّه ابن مملوكته ولم تضمّ إليه شيئاً ، فالأقرب : الاكتفاء بذلك ؛ إذ الغرض بذلك العلمُ بأنّ
____________________
(١) الوجيز ١ : ٢٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١١.
(٢) الوجيز ١ : ٢٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١١.
شهادتهم لم تستند إلى ظاهر اليد ، وقد حصل هذا الغرض ، ولأنّ الغالب أنّ ولد أمته ملكه ، وهو أظهر قولَي الشافعي.
والثاني : عدم الاكتفاء ؛ لأنّه قد يكون ابن مملوكته ولا يكون مملوكاً له ، كما لو اشترى جاريةً كانت قد ولدت في ملك غيره أولاداً له أو ولدت في ملكه ولداً يكون ملكاً لغيره إمّا بأن يشترطه مولى الأب ، أو لم يكن مولاه قد أذن له في النكاح ، وقد تلد حُرّاً بالشبهة والغرور ، وقد يكون الولد مملوكاً لغيره بالوصيّة بأن يوصي لزيدٍ بما تلد أمته ثمّ مات ، فالمملوكة للورثة ، والولد للموصى له ، وهو كثير النظائر(١) .
مسألة ٤٦٨ : إذا لم يُكتف بالبيّنة المطلقة ، فلا بدّ للشهود من تعرّضهم لسبب الملك من الإرث أو الشراء أو الاتّهاب ونحوه ، فلو شهدت البيّنة بأنّ أمته ولدته في ملكه ، فالأقرب على هذا القول : عدم الاكتفاء ؛ لأنّه قد تلد أمته في ملكه حُرّاً أو مملوكاً للغير على ما تقدّم ، وهو أظهر قولَي الشافعي ، والثاني : الاكتفاء بهذا(٢) .
هذا على تقدير عود قوله : « في ملكه » إلى المولود ، لا إلى الولادة ، ولا إلى الوالدة ، وحينئذٍ فلا فرق بينه وبين قوله : « ولدته مملوكاً له » ويكون قوله : « في ملكه » بمثابة قول القائل : « ولدته في مشيمته ».
وعلى القولين تُقبل هذه الشهادة من رجلٍ وامرأتين ؛ لأنّ الغرض إثبات الملك.
ولو اكتفينا بالشهادة على أنّه ولدته أمته ، فيُقبل فيه أربع نساء أيضاً ؛ لأنّها شهادة على الولادة ، ثمّ يثبت الملك في ضمنها ، كما يثبت النسب في
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١١.
ضمن الشهادة على الولادة ، وذكر الملك لا يمنع من ثبوت الولادة ، ثمّ يثبت الملك ضمناً ، لا بتصريحهنّ.
مسألة ٤٦٩ : قد بيّنّا أنّه لو شهدت البيّنة لمدّعي الرقّ باليد ، فإن كان المدّعي الملتقطَ لم يُحكم له ، وإن كان غيره حُكم.
وللشافعي في الحكم للغير قولان(١) .
ولو أقام الغير المدّعي البيّنةَ على أنّه كان في يده قبل أن التقطه الملتقط ، قُبلت بيّنته ، وثبتت يده ، ثمّ يُصدّق في دعوى الرقّ ؛ لأنّ صاحب اليد على الصغير إذا لم يُعرف أنّ يده عن التقاطٍ يُصدَّق في دعوى الرقّ.
ولو أقام الملتقط بيّنةً على أنّه كان في يده قبل التقاطه ، فالأقوى : الحكم له بدعوى الرقّيّة له ؛ لما تقدّم ، وانضمام الالتقاط لا ينافي دعواه ولا ينافي يده أوّلاً.
وللشافعي قولان ، هذا أحدهما ، والثاني : إنّه لا تُسمع دعوى الملتقط في رقّه ولا بيّنته حتى يقيم البيّنة على سبب الملك ؛ لأنّه إذا اعترف بأنّه التقطه فكأنّه أقرّ بالحُرّيّة ظاهراً ، فلا تُزال إلّا عن تحقيقٍ(٢) .
وليس بشيءٍ.
القسم الرابع : أن يُقرّ اللقيط على نفسه بالرقّ ، وإنّما نحكم عليه بإقراره لو كان بالغاً عاقلا ، فإذا أقرّ اللقيط أو غيره من البالغين العقلاء الذين لا تُعرف حُرّيّتهم ولا ادّعاها أحدهم أوّلاً أنّه مملوك ، حُكم عليه بمقتضى إقراره ؛ لقولهعليهالسلام : « إقرار العقلاء على أنفسهم جائز ».
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٢.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٥ - ٤٢٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٣.
فإن كذّبه الـمُقرّ له ، لم يثبت الرقّ عند الشيخ(١) ، وبه قال الشافعي(٢) .
ويحتمل ثبوت الرقّيّة المجهولة المالك.
فإن عاد الـمُقرّ له فصدّقه ، لم يلتفت إليه عند الشيخ(٣) والشافعي(٤) ؛ لأنّه لـمّا كذّبه ثبتت حُرّيّته بالأصل ، فلا يعود رقيقاً.
والملازمة الأُولى ممنوعة ؛ لما بيّنّاه من ثبوت الرقّيّة المطلقة ، فمَن ادّعاها حُكم له بها ؛ إذ لا فرق بين العبد والمال في ذلك.
هذا إذا لم يسبق من اللقيط ما ينافي إقراره.
وللشافعي قولٌ آخَر : إنّه لا يُقبل إقراره وإن صدّقه الـمُقرّ له ؛ لأنّه محكوم بحُرّيّته بالدار فلا يُنقض ، كما أنّ المحكوم بإسلامه بظاهر الدار إذا أعرب بالكفر لا ينقض ما حُكم به في قولٍ ، بل يجعل مرتدّاً(٥) .
وليس بشيءٍ ؛ لأنّ الحكم بحُرّيّته إنّما هو ظاهر ، وظاهر إقراره أقوى من ظاهريّة الدار ؛ لأنّه كالبيّنة بل أقوى ، وإنّما لم نحكم بالكفر إذا أعرب به احتفاظاً بالدين.
مسألة ٤٧٠ : لو أقرّ اللقيط بعد بلوغه ورشده بأنّه حُرٌّ ثمّ أقرّ بالعبوديّة ، لم يُقبل ؛ لأنّه بالإقرار الأوّل التزم أحكام الأحرار في العبادات وغيرها ، فلم يملك إسقاطها ، ولأنّ الحكم بالحُرّيّة بظاهر الدار قد تأكّد بإعرابه عن نفسه ، فلا يُقبل منه ما يناقضه ، كما لو بلغ وأعرب عن نفسه بالإسلام ثمّ وصف الكفر لا يُقبل ، ويُجعل مرتدّاً ، ولأنّه اعترف بالحُرّيّة ، وهي حقٌّ لله تعالى ، فلا يُقبل رجوعه في إبطالها ، وبه قال الشافعي
____________________
(١ و ٣) راجع : المبسوط - للطوسي - ٣ : ٣٥٢.
(٢ و ٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٣.
وأحمد(١) .
وقطع بعض الشافعيّة بالقبول ؛ تشبيهاً بما إذا أنكرت المرأة الرجعةَ ثمّ أقرّت ، ولأنّه لو قال : هذا ملكي ، ثمّ أقرّ به لغيره يُقبل(٢) .
مسألة ٤٧١ : إذا ادّعى رجل رقّيّة اللقيط بعد بلوغه ، كُلّف إجابته ، فإن أنكر ولا بيّنة للمدّعي ، لم تُقبل دعواه ، وكان القولُ قولَ اللقيط مع يمينه ، وإن كان له بيّنة حُكم بها ، فإن لم يكذّبه بل صدّق اللقيط المدّعي لرقّه ، حُكم عليه بمقتضى إقراره على ما تقدّم - وبه قال أصحاب الرأي(٣) - لأنّه مجهول الحال أقرّ بالرقّ ، فيُقبل ، كما لو قدم رجلان من دار الحرب فأقرّ أحدهما للآخَر بالرقّ ، وكما لو أقرّ بقصاصٍ أو حدٍّ ، فإنّه يُقبل وإن تضمّن ذلك فوات نفسه.
وقال ابن المنذر وأبو القاسم والشافعي في أحد الوجهين ، وأحمد : لا يُقبل إقراره ؛ لأنّه مبطلٌ به حقَّ الله تعالى في الحُرّيّة المحكوم بها ، فلم يصح ، كما لو كان قد أقرّ قبل ذلك بالحُرّيّة ، ولا نّه حال الطفوليّة لا يُعلم رقّه ولم يتجدّد له رقٌّ بعد التقاطه ، فكان إقراره بالرقّيّة باطلاً(٤) .
وقد سبق(٥) الجواب.
مسألة ٤٧٢ : لو أقرّ بعد بلوغه ورشده بالرقّ لزيدٍ فكذّبه زيد فأقرّ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٧ - ٤٢٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٣ ، المغني ٦ : ٤٣٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٢١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٣.
(٣) المغني ٦ : ٤٣٨ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٢١.
(٤) المغني ٦ : ٤٣٨ - ٤٣٩ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٢٢.
(٥) في ص ٤٠٦ ، ذيل القسم الرابع.
لعمرو ، حُكم عليه بالرقّيّة لعمرو ، كما لو أقرّ بمالٍ لزيدٍ فكذّبه زيد فأقرّ لعمرو به ، ولأنّ احتمال الصدق في الثاني قائم ، فوجب قبوله ، وهو قول بعض الشافعيّة(١) .
والمنصوص لهم عن الشافعي : المنع ؛ لأنّ إقراره الأوّل تضمّن نفي الملك لغيره ، فإذا ردّ الـمُقرّ له خرج عن كونه مملوكاً أيضاً ، فصار حُرّاً بالأصل ، والحُرّيّة مظنّة حقوق الله تعالى والعباد ، فلا سبيل إلى إبطالها بالإقرار الثاني(٢) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّ إقراره الأوّل تضمّن الشيئين : الرقّيّة المطلقة ، وإسنادها إلى زيدٍ ، ولا يلزم من إبطال الثاني إبطال الأوّل ، وإذا حُكم عليه بالرقّيّة المطلقة قبل إضافتها إلى عمرو ، كما نقول في المال ، فإنّ ما ذكره بعينه آتٍ فيه ، ولا مخلص إلّا ما قلناه.
مسألة ٤٧٣ : إذا بلغ اللقيط رشيداً ووُجد منه بعد ذلك تصرّفات يستدعي نفوذها الحُرّيّة ، كالبيع والنكاح وغيرهما ، ثمّ أقرّ على نفسه بأنّه رقٌّ ، فإن قامت البيّنة برقّه نقضت تصرّفاته ؛ لأنّه قد ظهر فسادها حيث تصرّف بغير إذن سيّده ، وإن لم تكن بيّنة لكن أقرّ ، فإن كان قد اعترف قبل الإقرار بالرقّيّة بأنّه حُرٌّ لم يُقبل إقراره بالرقّيّة.
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٦٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٦ ، الوسيط ٤ : ٣٢٤ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٨٣ ، البيان ٨ : ٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٣.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٦٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٦ - ٤٤٧ ، الوسيط ٤ : ٣٢٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٨٣ ، البيان ٨ : ٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٣.
وقالت الشافعيّة : إن قلنا : إنّه لا يُقبل إقراره بالرقّيّة لو لم يدّع الحُرّيّة أوّلاً ، فإقراره بالرقّ هنا لاغٍ مطَّرَح ، بل هو أولى بالإبطال. نعم ، لو نكح ثمّ أقرّ بالرقّ ، فإقراره اعتراف بأنّها محرَّمة عليه ، فلا يمكن القول بحلّها ، وإن قلنا بالقبول هناك ولا إقرار قبله ولا تصرّف ، فقولان ، إلّا أنّه لو ثبت الرقّ بالبيّنة والحالة هذه ، نقضت التصرّفات المبنيّة على الحُرّيّة ، وتُجعل صادرةً من عبدٍ لم يأذن له السيّد ، ويستردّ ما دُفع إليه من الزكاة والميراث وما أُنفق عليه من بيت المال ، وتُباع رقبته فيها ، وإن لم تكن بيّنة ، بل إقرار لا غير ، أُلزم بما لزمه قبل إقراره.
وفي إلزامه بالرقّ للشافعي قولان.
ولأصحابه فيما ذكره طريقان :
أحدهما : إنّ في قبول أصل الإقرار قولين : عدم القبول ؛ لأنّه محكوم بحُرّيّته بظاهر الدار ، وثبوته ؛ لأنّ ذلك الحكم كان بناءً على الظاهر ، فيجوز أن يُغيَّر بالإقرار ، كما أنّ مَنْ حُكم بإسلامه بظاهر الدار فبلغ واعترف بالكفر يُجعل كافراً أصليّاً على الأصحّ.
وأصحّهما عندهم : قبول أصل الإقرار وثبوت أحكام [ الأرقّاء ](١) مطلقاً ، وتخصيص القولين بأحكام التصرّفات السابقة.
وأحد القولين : القبول في أحكامها أيضاً ، سواء كان ممّا يتضرّر به أو ينتفع ويضرّ غيره ؛ لأنّه لا تهمة فيه ؛ إذ الإنسان لا يرقّ نفسه لإلحاق ضررٍ جرى بالغير ، ولأنّ تلك الأحكام فروع الرقّ ، فإذا قبلنا إقراره في الرقّ الذي
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « الارقاق ». والمثبت هو الصحيح.
هو الأصل ، وجب القبول في أحكامه التي هي فروع له.
وأصحّهما : المنع في الأحكام التي تضرّ بغيره ، وتخصيص القبول بالأحكام التي تضرّ به ، كما لو أقرّ بمالٍ على نفسه وعلى غيره ، فإنّه يُقبل عليه ، ولا يُقبل على غيره ، وبهذا قال أبو حنيفة(١) .
وعن أحمد روايتان(٢) كالقولين.
قال بعض الشافعيّة : وهذان القولان مع القبول في أصل الرقّ ، كما نقول فيما إذا أقرّ العبد بسرقةٍ توجب القطع والمال في يده ، يُقبل إقراره في القطع ، وفي المال خلاف(٣) .
وأصحاب هذه الطريقة قالوا : قول الشافعي : « في إلزامه الرقّ قولان » معناه في إلزامه أحكام الرقّ ، ففي قولٍ يلزمه الكلّ ، وفي قولٍ تفصيلٌ على ما يأتي.
قالوا : وأمّا قوله : « ما لزمه قبل الإقرار » ففي بعض الشروح تفسيره بالأحكام التي تلزم الأحرار والعبيد جميعاً(٤) .
وقال بعض الشافعيّة : لا أُسقط بهذا الإقرار ما لزمه قبله من حقوق الآدميّين(٥) .
وطرد بعض الشافعيّة قولَ التفصيل بين ما يضرّه وبين ما يضرّ بغيره
____________________
(١) حلية العلماء ٥ : ٥٧٢ - ٥٧٣ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٧٩ - ٥٨٠ ، البيان ٨ : ٤١ - ٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٨ - ٤٢٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٣ ، المغني ٦ : ٤٣٩ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٢٢.
(٢) المغني ٦ : ٤٣٩ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٩.
(٣ - ٥) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٩.
في المستقبل أيضاً(١) .
فخرج من ذلك ثلاثة أقوال :
أحدها : القبول في أحكام الرقّ كلّها ماضياً ومستقبلاً.
والثاني : تخصيص القبول بما يضرّ به ، والمنع فيما عداه ماضياً ومستقبلاً.
والثالث : تخصيص المنع بما يضرّ بغيره فيما مضى ، والقبول فيما عداه.
والأقوال الثلاثة متّفقة على القبول فيما عليه(٢) .
ويتفرّع على الخلاف مسائل نذكرها الآن بعون الله تعالى.
مسألة ٤٧٤ : إذا بلغ اللقيط وكان أُنثى ثمّ عقدت على نفسها عقد النكاح ثمّ أقرّت بالرق ، فعلى ما اخترناه من القبول مطلقاً فهذه جارية نكحت بغير إذن سيّدها ، فالنكاح صحيح في حقّ الزوج ؛ لأنّه لا يبطل حقّه بمجرّد إقرارها ، ويكون فاسداً بالنسبة إليها.
فإن كان قبل الدخول ، فلا شيء على الزوج ؛ لإقرارها بفساد نكاحها وأنّها أمة تزوّجت بغير إذن سيّدها ، والنكاح الفاسد لا يجب المهر فيه إلّا بالدخول.
وإن كان إقرارها بعد الدخول بها ، لم يسقط مهرها ، وكان عليه الأقلّ من المسمّى أو مهر المثل - وبه قال بعض الشافعيّة(٣) - لأنّ المسمّى إن كان أقلّ فالزوج ينكر وجوب الزيادة ، وقولها غير مقبولٍ في حقّه ، وإن كان
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٢٩.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٦ ، البيان ٨ : ٤٣.
الأقلّ مهر المثل فهي وسيّدها يُقرّان بفساد النكاح ، وأنّ الواجب مهر المثل ، فلا يجب أكثر منه.
وقال بعض الشافعيّة : إن قلنا : يُقبل إقرارها فيما يضرّ بالغير ، يجب مهر المثل للمُقرّ له ، فإن كان قد سلّم إليها المهر استردّه إن كان باقياً ، وإلّا رجع عليها بعد العتق(١) .
وعن أحمد روايتان :
إحداهما : كما قلنا أوّلاً.
والثانية : وجوب المسمّى ؛ لأنّ النكاح الفاسد يجب فيه المسمّى قلّ أو كثر ؛ لاعتراف الزوج بوجوبه(٢) .
وأمّا الأولاد فإنّهم أحرار ؛ لأنّ الزوج ظنّ الحُرّيّة ، ولا يثبت الرقّ في حقّ أولادها بإقرارها.
وهل تجب قيمتهم على الزوج؟ الأقرب : العدم - وبه قال أحمد وبعض الشافعيّة(٣) - لأنّه لو وجب لوجب بقولها ، ولا يجب بقولها حقٌّ على غيرها.
وقال بعض الشافعيّة : بناءً على قبول قولها فيما يضرّ بالغير يجب على الزوج قيمتهم للمُقرّ له، ويرجع عليها بالقيمة إن كانت هي التي غرّته(٤) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٨١ ، البيان ٨ : ٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٣ - ٥١٤.
(٢) المغني ٦ : ٤٤٠ - ٤٤١ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٢٣ - ٤٢٤.
(٣) المغني ٦ : ٤٤١ ، الشرح الكبير ٦ : ٤٢٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٦ ، البيان ٨ : ٤٣.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٨١ ، البيان ٨ : ٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٤.
وفي الرجوع بالمهر للشافعيّة قولان(١) .
وهل تعتدّ عدّة الإماء بناءً على هذا القول؟ الأظهر عندهم : ذلك ؛ لأنّ عدّة الأمة بعقد النكاح الصحيح قُرءان ، ونكاح الشبهة في المحرّمات كالنكاح الصحيح.
والثاني : إنّه لا عدّة عليها ؛ إذ لا نكاح ، ولكن تستبرئ بقرءٍ واحد ؛ لمكان الوطؤ(٢) .
قال الجويني : ويجب طرد هذا التردّد في كلّ نكاحِ شبهةٍ على أمةٍ(٣) .
مسألة ٤٧٥ : إذا قلنا : لا يُقبل إقرارها فيما يضرّ بالغير ، لم يُحكم بانفساخ النكاح ، بل يطّرد كما كان.
قال الجويني : ولا فرق بين الماضي والمستقبل هنا ، سواء فرّقنا بين الماضي والمستقبل ، أو لم نفرّق ، فكأنّا نجعل النكاح في حكم المستوفى المقبوض فيما تقدّم ، وعلى هذه القاعدة تبيّنّا أنّ الحُرّ إذا وجد الطول بعد نكاح الأمة لم نقض بارتفاع النكاح بينهما(٤) .
واستدرك بعض الشافعيّة ، فقال : إن كان الزوج ممّن لا يجوز له نكاح الإماء ، فيُحكم بانفساخ النكاح ؛ لأنّ الأولاد الذين تلدهم في المستقبل أرقّاء ، فليس له الثبات عليه(٥) .
ومنع بعضهم من انفساخ النكاح ؛ لأنّ شروط نكاح الأمة لا تُعتبر في استدامة العقد ، وإنّما تُعتبر في ابتدائه(٦) .
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٨١ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٤.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٤.
(٤ - ٦) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣١ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٤.
وأطلق أصحاب الشافعي أنّ للزوج خيارَ فسخ النكاح ؛ لأنّ حقّه ناقص ؛ لحكمنا بالرقّ في الحال والمستقبل(١) .
وقال بعضهم : هذا مفروض فيما إذا نكحها في الابتداء على أنّها حُرّة ، فإن توهّم الحُرّيّة ولم يَجْر شرطها ، فخلاف بينهم يُذكر في موضعه(٢) .
مسألة ٤٧٦ : إذا قلنا : لا يُقبل الإقرار فيما يضرّ بالغير ، فحكم المهر لو أقرّت بالرقّ وأثبتنا للزوج الخيارَ ففسخ النكاح قبل الدخول [ أنّه ] لا شيء عليه ؛ لظهور فساد العقد ، وإن كان بعده فعليه أقلّ الأمرين من المسمّى ومهر المثل ؛ لأنّ المسمّى إن كان أقلّ لم يُقبل إقرارها في الزيادة عليه ، وإن كان مهر المثل أقلَّ فالـمُقرّ له لا يدّعي أكثر منه.
وإن أجاز ، قال بعض الشافعيّة : عليه المسمّى ، فإن طلّقها بعد الإجازة وقبل الدخول فعليه نصف المسمّى(٣) .
ويشكل بأنّ الـمُقرّ له يزعم فساد العقد ، فإذا لم يكن دخولٌ وجب أن لا يطالبه بشيءٍ ، فإن كان الزوج قد دفع الصداق إليها لم يطالب به مرّةً ثانية.
وأمّا الأولاد منها فالذين حصلوا قبل الإقرار أحرار ، ولا يجب على الزوج قيمتهم ؛ لأنّ قولها غير مقبولٍ في إلزامه ، وأمّا الحادثون بعده فهُمْ أرقّاء ؛ لأنّه وطئها على علمٍ بأنّها أمة.
قال الجويني : هذا ظاهرٌ فيما إذا قبلنا الإقرار فيما يضرّ بالغير في المستقبل ، أمّا إذا لم نقبل فيه ماضياً ومستقبلاً ، فيحتمل أن يقال بحُرّيّتهم ؛
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣١ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٤.
(٣) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٨٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣١ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٤ - ٥١٥.
صيانةً لحقّ الزوج ، فإنّ الأولاد من مقاصد النكاح ، كما أنّا أدمنا النكاح صيانةً لحقّه في الوطؤ وسائر المقاصد(١) .
ويحتمل عند الشافعيّة القول برقّهم ؛ لأنّ العلوق أمر موهوم ، فلا يجعل مستحقّاً بالنكاح ، بخلاف الوطؤ.
وتردّدوا أيضاً في أنّا إذا أدمنا النكاح نسلّمها إلى الزوج تسليمَ الإماء أو تسليمَ الحرائر؟ ولا نبالي بتعطيل المنافع على الـمُقرّ له ، والظاهر : الثاني ، وإلّا لعَظُم الضرر على الزوج ، واختلّت مقاصد النكاح ، ويخالف أمر الولد ؛ لما ذكرنا أنّه موهوم(٢) .
وأمّا العدّة فإن كانت عدّة الطلاق الرجعي نُظر إن طلّقها ثمّ أقرّت ، فعليها ثلاثة أقراء ، وله الرجعة فيها جميعاً ؛ لأنّه قد ثبت ذلك بالطلاق ، فليس له إسقاطه بالإقرار.
وإن أقرّت ثمّ طلّقها ، فوجهان للشافعيّة :
أصحّهما - وهو الذي عوّل عليه أكثرهم - : إنّ الجواب كذلك ؛ لأنّ النكاح أثبت له حقَّ المراجعة في ثلاثة أقراء.
والثاني : إنّها تعتدّ بقُرءين عدّة الإماء ؛ لأنّه أمر متعلّق بالمستقبل ، فأشبه إرقاق الأولاد(٣) .
وإن كان الطلاق بائناً ، فأصحّ الوجهين عندهم : [ إنّ الحكم ](٤) فيه كالحكم في الطلاق الرجعي ؛ لأنّ العدّة فيهما لا تختلف.
والثاني : إنّها تعتدّ عدّة الإماء على الإطلاق ؛ لأنّها محكوم برقّها ،
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٥.
(٤) ما بين المعقوفين أثبتناه من « العزيز شرح الوجيز ».
وليس للزوج غرض المراجعة(١) .
وأمّا عدّة الوفاة فإنّها تعتدّ بشهرين وخمسة أيّام عدّة الإماء ، نصّ عليه الشافعي(٢) .
ولا فرق بين أن تقرّ قبل موت الزوج أو بعده في العدّة.
والفرق بين عدّة الوفاة وعدّة الطلاق : إنّ عدّة الطلاق حقّ الزوج ، وإنّما وجبت صيانةً لمائه ، ألا ترى أنّها لا تجب قبل الدخول ، وعدّة الوفاة حقّ الله تعالى ، ألا ترى أنّها تجب قبل الدخول ، فقبول قولها في انتقاض عدّة الوفاة لا يُلحق ضرراً بالغير.
وللشافعيّة وجهٌ آخَر : إنّه لا تجب عليها عدّة الوفاة أيضاً ؛ لأنّها تزعم بطلان النكاح من أصله وقد مات الزوج ، فلا معنى لمراعاة جانبه ، بخلاف عدّة الطلاق(٣) .
وعلى هذا إن جرى دخولٌ فعليها الاستبراء.
وهل هو بقُرءٍ واحد ، أو بقُرءين؟ على ما سبق في التفريع على القول الأوّل.
وإن لم يَجْر دخولٌ ، احتُمل أنّها تستبرئ بقُرءٍ واحد ، كما إذا اشتُريت من امرأةٍ أو مجبوبٍ.
والثاني(٤) : إنّه لا استبراء أصلاً ؛ لأنّا كُنّا نحكم بالنكاح لحقّ الزوج
____________________
(١) الحاوي الكبير ٨ : ٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٥ - ٥١٦.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٦٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٦ ، الوسيط ٤ : ٣٢٥ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٨٢ ، البيان ٨ : ٤٤ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٦.
(٤) أي : الاحتمال الثاني.
وقد انقطع كلّ حقوقه ، وهي والـمُقرّ له يقولان : لا نكاح ولا دخول ، فمِمَّ الاستبراء؟
مسألة ٤٧٧ : لو كان اللقيط ذكراً فبلغ ونكح ثمّ أقرّ بالرقّ ، فإن قبلنا إقراره مطلقاً ، قلنا : هذا نكاح فاسد ؛ لأنّه عبد نكح بغير إذن سيّده ، فيفرَّق بينهما ، ولا مهر عليه إن لم يكن قد دخل ، وإن كان قد دخل بها فعليه مهر المثل.
والأقرب : الأقلّ من مهر المثل أو المسمّى ؛ لأنّه إن كان المسمّى أقلّ ، فهي لا تدّعي الزيادة.
وهل يتعلّق الواجب بذمّته أو برقبته؟ الوجه : الأوّل ، وهو أصحّ قولَي الشافعي في الجديد.
والثاني : إنّه يتعلّق برقبته ، وهو قول الشافعي في القديم(١) .
والولد حُرٌّ يتبع أشرف طرفيه ، وهو الأُمّ مع جهلها.
وإن لم نقبل إقراره فيما يتضرّر به الغير ، بل قبلناه فيما يضرّه خاصّةً ، فالنكاح صحيح في حقّها ، ونحكم بانفساخ النكاح بإقراره ؛ لأنّه لا نكاح بينهما ، ولم يُقبل قوله في المهر ، فإن لم يكن دخل وجب عليه نصف المسمّى ، وإن دخل وجب جميع المسمّى ، ويؤدّي ذلك ممّا في يده أو من كسبه في الحال أو المستقبل ، فإن لم يوجد فهو في ذمّته إلى أن يعتق.
مسألة ٤٧٨ : لو كانت عليه ديون وقت الإقرار بالرقّ وفي يده أموال ، فإن قبلنا إقراره مطلقاً ، فالأموال تُسلّم للمُقرّ له ، والديون في ذمّته ؛ لأنّا حكمنا عليه بالرقّ ، وجميع ما في يد العبد لمولاه ، ولا يُقبل إقراره على ما
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٨١ ، البيان ٨ : ٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٦.
في يده.
وإن قبلناه فيما يضرّ به دون ما يضرّ بغيره ، قضينا الديون ممّا في يده ؛ لأنّ الإقرار يضرّ بصاحب الدَّيْن ، فلا ينفذ فيه ، فيثبت له حقّ المطالبة بدَيْنه ممّا في يده.
ثمّ إن فضل من المال شيء حُكم به للمُقرّ له ؛ لأنّه يضرّ به دون غيره ، فينفذ إقراره فيه ، وإن بقي من الديون شيء كان ثابتاً في ذمّته إلى أن يعتق ، كما لو أقرّ العبد بدَيْنٍ لغيره كان ثابتاً في ذمّته يُتبع به بعد العتق.
مسألة ٤٧٩ : إذا باع اللقيط أو اشترى بعد البلوغ ثمّ أقرّ بالرقّ ، فإن قبلنا الإقرار منه في كلّ شيءٍ بطل البيع والشراء ؛ لأنّه قد صادف العبوديّة ، فلا يصحّ إلّا بإذن مولاه ، فإن كان ما باعه [ باقياً ] في يد المشتري أخذه الـمُقرّ له ، وإلّا طالبه بقيمته.
ثمّ الثمن إن كان قد أخذه الـمُقرّ واستهلكه ، فهو في ذمّته يُتبع به بعد العتق ، وإن كان باقياً ردّه ، وما اشتراه إن كان باقياً في يده ردّه إلى بائعه ، وإلّا استردّ الثمن من البائع ، ويتعلّق حقّ البائع بذمّته.
وإن قبلنا إقراره فيما يضرّه خاصّةً دون ما يضرّ بغيره ، لم يُحكم ببطلان البيع ولا الشراء ؛ لتعلّق حقّ العاقد بائعاً ومشترياً بالثمن والمثمن.
ثمّ ما باعه إن لم يستوف ثمنه استوفاه الـمُقرّ له ، وإن كان قد استوفاه لم يطالب المشتري ثانياً.
وأمّا ما اشتراه ، فإن كان قد سلّم ثمنه تمّ العقد ، والمبيع مسلَّم للمُقرّ له.
وإن لم يكن قد سلّمه ، فإن كان في يده مال حين أقرّ بالرقّ قضى الثمن منه ؛ لأنّا لا نقبل إقراره فيما يضرّ بالبائع ، وإن لم يكن في يده مال
فهو كإفلاس المشتري ، فيرجع البائع إلى عين ماله إن كان باقياً ، وإن لم يكن فهو في ذمّة الـمُقرّ حتى يعتق ، كما أنّه إذا أفلس المشتري والمبيع هالك يكون الثمن في ذمّته يطالَب به بعد يساره.
مسألة ٤٨٠ : لو جنى اللقيط بعد بلوغه ثمّ أقرّ بالرقّ ، فإن كانت الجناية عمداً فعليه القصاص ، سواء كان المجنيّ عليه حُرّاً أو عبداً على القولين عند الشافعي.
أمّا إذا قبلنا إقراره مطلقاً ، فظاهرٌ.
وأمّا إذا قبلناه فيما يضرّ به دون ما يضرّ بغيره ، فإن كان المجنيّ عليه حُرّاً فلا فضيلة للجاني ، وإن كان عبداً ألزمناه القصاص ؛ لأنّه يضرّه(١) .
وعندنا أنّ إقرار العبد بما يوجب القصاص لا ينفذ في حقّ المولى ، بل يتعلّق بذمّته يُتبع به بعد العتق.
وإن كانت الجناية خطأً ، فإن كان في يده مالٌ أُخذ الأرش منه ، قاله بعض الشافعيّة - خلاف قياس القولين ؛ لأنّ أرش الخطأ لا يتعلّق بما في يد الجاني ، حُرّاً كان أو عبداً - وإن لم يكن في يده مالٌ ، تعلّق الأرش برقبته على القولين(٢) .
وقال بعض الشافعيّة : إن قلنا بالقول الثاني ، يكون الأرش في بيت المال(٣) .
وأُجيب عنه : بأنّا على القول الثاني إنّما لا نقبل إقراره فيما يضرّ
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤٤٦ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٨٢ ، البيان ٨ : ٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٧.
(٢) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٨٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٧.
(٣) البيان ٨ : ٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٧.
بالغير ، وما يتعلّق برقبته لا يضرّ المجنيّ عليه ، بل ينفعه ، فامّا أن يتبع ذلك تعلّقه ببيت المال فلا ضرر به ، فإنّ(١) قطع التعلّق عن بيت المال إضرار(٢) .
ولو زاد الأرش على قيمة الرقبة ، فالزيادة في بيت المال على القول الثاني(٣) .
مسألة ٤٨١ : لو جُني على اللقيط بأن قُطع طرفه ، ثمّ أقرّ بالرقّ ، فإن كانت الجناية عمداً ، فإن كان الجاني عبداً اقتُصّ منه ، وإن كان حُرّاً لم يُقتَصّ منه ؛ لأنّ قوله مقبول فيما يضرّ به ، ويكون الحكم كما لو كانت الجناية خطأً [ وإن كانت خطأً ](٤) فإن قبلنا إقراره في كلّ شيءٍ فعلى الجاني كمال قيمته إن صادفت قتلاً ، وإلّا فما تقتضيه جراحة العبد.
وإن قبلنا إقراره فيما يضرّه خاصّةً دون ما يضرّ بغيره وكانت الجناية قَطْعَ يدٍ ، فإن كان نصف القيمة مثلَ نصف الدية ، أو كان نصف القيمة أقلَّ ، فهو الواجب.
وإن كان نصف الدية أقلَّ ، فللشافعيّة وجهان :
أحدهما : إنّا نوجب نصف القيمة ، ونغلّظ على الجاني ؛ لأنّ أرش الجناية يتبيّن مقداره بالأخرة ، وقد بانَ رقّه ، فلو نقصنا عن نصف القيمة لتضرّر السيّد.
وأصحّهما عنده(٥) : إنّه لا يجب إلّا نصف الدية ؛ لأنّ قبول قوله في الزيادة إضرار بالحال ، ونحن نفرع على أنّ قوله لا يُقبل فيما يضرّ بالغير ،
____________________
(١) كذا قوله : « فامّا أن يتبع ذلك فلا ضرر به ، فإنّ ». وبدله في المصدر : « وله أن يمنع ذلك بأنّ ».
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٤.
(٣) البيان ٨ : ٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٧.
(٤) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.
(٥) الظاهر : « عندهم ».
وعلى هذا فالواجب أقلّ الأمرين من نصف الدية أو نصف القيمة(١) .
وهذا كلّه تفريع على تعلّق الدية بقتل اللقيط.
وفيه وجهٌ آخَر للشافعيّة ، وهو : إنّ الواجب الأقلّ من الدية أو القيمة(٢) .
وهذا الوجه مطّرد في الطرف من غير أن يُقرّ بالرقّيّة.
مسألة ٤٨٢ : لو ادّعى مدّعٍ رقَّه فأنكره ولا بيّنة للمدّعي ، كان عليه اليمين لإنكاره.
وقالت الشافعيّة : إن قلنا بقبول أصل الإقرار منه ، فله أن يحلّفه لرجاء أن يُقرّ ، وإن منعنا أصل الإقرار لم يكن له تحليفه ؛ لأنّ التحليف لطلب الإقرار ، وإقراره غير مقبولٍ(٣) .
هذا إن جعلنا اليمين مع النكول كإقرار المدّعى عليه ، فإن جعلناها كالبيّنة فله التحليف فلعلّه ينكل فيحلف المدّعي ويستحقّ ، كما لو أقام البيّنة.
واعلم أنّه لا فرق فيما تقدّم بأسره بين أن يُقرّ اللقيط بالرقّ ابتداءً وبين أن يدّعي رقَّه فيُصدَّق المدّعي.
ولو ادّعى إنسان رقَّه فأنكره ثمّ أقرّ ، ففي قبول قوله وجهان ؛ لأنّه بالإنكار لزمه أحكام الأحرار.
مسألة ٤٨٣ : ولاء اللقيط لمن يتولّى إليه ، فإن لم يتوال أحداً كان ميراثه للإمام عندنا ؛ لأنّه وارث مَنْ لا وارث له.
وعند أكثر العامّة ولاؤه لسائر المسلمين ؛ لأنّ ميراثه لهم(٤) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٤ - ٤٣٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٥ ، روضة الطالبين ٤ : ٥١٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٤٣٥.
(٤) المغني ٦ : ٤١١ ، الشرح الكبير ٦ : ٤١٧.
ولا ولاء للملتقط عليه عند علمائنا أجمع - وبه قال عليٌّعليهالسلام وأهل بيتهعليهمالسلام ، وأكثر الصحابة ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم(١) - لما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « إنّما الولاء لمن أعتق »(٢) و « إنّما » للحصر.
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « المنبوذ إن شاء جعل ولاءه للّذين ربّوه وإن شاء لغيرهم »(٣) .
ولأنّه حُرٌّ في الأصل لم يثبت عليه رقٌّ ولا على آبائه ، فلم يثبت عليه الولاء ، كالمعروف نسبه.
وقال شريح وإسحاق : عليه الولاء لملتقطه(٤) .
لما رواه واثلة بن الأسقع عن النبيّصلىاللهعليهوآله : « المرأة تحوز ثلاث مواريث : عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه »(٥) .
ولقول عمر لأبي جميلة في لقيطه : هو حُرٌّ ، لك ولاؤه وعلينا نفقته(٦) .
وهُما ممنوعان ، قال ابن المنذر : حديث واثلة لم يثبت ، وأبو جميلة مجهول(٧) .
____________________
(١) المغني ٦ : ٤١١ ، الشرح الكبير ٦ : ٤١٧ ، حلية العلماء ٥ : ٥٧٣.
(٢) صحيح البخاري ٣ : ٩٤ و ٢٠٠ ، صحيح مسلم ٢ : ١١٤٤ - ١١٤٥ / ١٤ ، سنن أبي داوُد ٤ : ٢١ - ٢٢ / ٣٩٣٠ ، سنن الترمذي ٤ : ٤٣٦ / ٢١٢٤ ، سنن الدارقطني ٣ : ٢٢ / ٧٧ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٣٨.
(٣) الفقيه ٣ : ٨٦ / ٣١٨ ، التهذيب ٨ : ٢٢٧ / ٨٢٠.
(٤) المغني ٦ : ٤١١ ، الشرح الكبير ٦ : ٤١٧.
(٥) سنن أبي داوُد ٣ : ١٢٥ / ٢٩٠٦ ، سنن الترمذي ٤ : ٤٢٩ / ٢١١٥ ، سنن البيهقي ٦ : ٢٥٩ ، مسند أحمد ٤ : ٥٤٤ / ١٥٥٧٤.
(٦) تقدّم تخريجه في ص ٣١٠ ، الهامش (١)
(٧) المغني ٦ : ٤١٢ ، الشرح الكبير ٦ : ٤١٧.
المقصد السادس : في الجعالة
وفيه فصول :
الأوّل : الماهيّة
لـمّا كانت الحاجة غالباً إنّما تقع في ردّ الضوالّ والأموال المنبوذة ، وجب ذكر الجعالة بعقب اللّقطة والضوالّ.
والجعالة في اللّغة ما يجعل للإنسان على شيءٍ يفعله ، وكذلك الجُعْل والجعيلة.
وأمّا في الشرع فصورة عقد الجعالة أن يقول : مَنْ ردّ عبدي الآبق ، أو : دابّتي الضالّة ، أو : مَنْ خاط لي ثوباً ، أو : مَنْ قضى لي الحاجة المعيّنة ، وبالجملة ، كلّ عملٍ محلَّلٍ مقصودٍ ، فله كذا.
وهي جائزة ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لقوله تعالى :( وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ) (١) .
وروى العامّة عن أبي عمرو الشيباني قال : قلت لعبد الله بن مسعود : إنّي أصبتُ عبيداً أُبّاقاً(٢) ، فقال : لك أجر وغنيمة ، فقلت : هذا الأجر فما الغنيمة؟ فقال : من كلّ رأسٍ أربعين درهماً(٣) ، وهذا لا يقوله إلّا توقيفاً.
ومن طريق الخاصّة : ما رواه وهب بن وهب عن الصادق عن
____________________
(١) سورة يوسف : ٧٢.
(٢) في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « عبداً آبقاً ». والمثبت كما في المصدر ويقتضيه السياق.
(٣) المغني ٦ : ٣٨٢.
الباقرعليهماالسلام ، قال : سألته عن جُعْل الآبق والضالّة ، فقال : « لا بأس »(١) .
وعن مسمع بن عبد الملك عن الصادقعليهالسلام قال : « إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله جعل في جُعْل الآبق ديناراً إذا أُخذ في مصره ، وإن أُخذ في غير مصره فأربعة دنانير »(٢) .
ولأنّ الحاجة تدعو إلى ذلك ، فإنّ العمل قد يكون مجهولاً ، كردّ الآبق والضالّة ونحو ذلك ، فلا يمكن عقد الإجارة فيه ، والحاجة داعية إلى ردّهم ، وقلّ أن يوجد متبرّع به ، فدعت الضرورة إلى إباحة بذل الجُعْل فيه مع جهالة العمل ؛ لأنّها غير لازمةٍ ، بخلاف الإجارة ، فإنّ الإجارة لـمّا كانت لازمةً افتقرت إلى تقدير مدّةٍ معيّنةٍ مضبوطةٍ لا يتطرّق إليها الزيادة والنقصان ، وأمّا العقود الجائزة - كالشركة والوكالة - فلا يجب لها ضرب المدّة ، ولأنّ كلّ عقدٍ جائزٍ يتمكّن كلٌّ من المتعاقدين فيه من فسخه وتركه.
____________________
(١) الفقيه ٣ : ١٨٩ / ٨٥١ ، التهذيب ٦ : ٣٩٦ / ١١٩٣.
(٢) التهذيب ٦ : ٣٩٨ - ٣٩٩ / ١٢٠٣.
الفصل الثاني : في الأركان
وهي أربعة :
الأوّل : الصيغة.
وهي كلّ لفظٍ دالٍّ على الإذن في العمل واستدعائه بعوضٍ يلتزمه ، كقوله : مَنْ ردّ عبدي أو ضالّتي ، أو : خاط لي ثوباً ، أو : بنى لي حائطاً ، أو ما أشبه ذلك من الأعمال المحلّلة المقصودة في نظر العقلاء ، سواء كان العمل مجهولاً أو معلوماً ؛ لأنّه عقد جائز كالمضاربة.
ولا بدّ من الإيجاب الصادر من الجاعل ، فلو عمل لغيره عملاً أو ضاع لغيره مالٌ غير الآبق والضالّة فردّه غيره تبرّعاً ، لم يكن له شيء ، سواء كان معروفاً بردّ اللّقطة ، أو لم يكن ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنّه عمل يستحقّ العوض مع المعاوضة ، فلا يستحقّ مع عدمها ، كالعمل في الإجارة.
مسألة ٤٨٤ : وأمّا الآبق والضالّة من الحيوانات فإن تبرّع الرادّ بالردّ أو حصل في يده قبل الجُعْل ، فلا شيء له عند أكثر علمائنا(١) ، كما في غيرهما من الأموال - وبه قال الشافعي والنخعي وأحمد في إحدى الروايتين ، وابن المنذر(٢) - لأنّه عمل لغيره عملاً من غير أن يشترط له عوضاً ،
____________________
(١) منهم : ابن البرّاج في المهذّب ٢ : ٥٧٠ ، وابن إدريس في السرائر ٢ : ١٠٩ ، ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع : ٣٢٦.
(٢) الأُم ٤ : ٧١ ، مختصر المزني : ١٣٦ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٦٩ ، الحاوي الكبير ٨ : ٢٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤١٨ ، الوسيط ٤ : ٢١٠ ، حلية العلماء ٥ : ٤٥٨ - ٤٥٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٤ ، البيان ٧ : ٣٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٣٥ ، المغني ٦ : ٣٨١ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٣٥٦ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٣ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٨ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٣٥٢ / ٢٠٤٩ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٩ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٨١ / ١٢١٦ ، الذخيرة ٦ : ٦ و ٧.
فلم يستحق شيئاً ، كما لو ردّ لقطته من الأموال.
وقال الشيخرحمهالله : لم ينص أصحابنا على شيءٍ من جُعْل اللّقط والضوالّ إلّا على إباق العبد ، فإنّهم رووا أنّه إن ردّه من خارج البلد استحقّ الأُجرة أربعين درهماً قيمتها أربعة دنانير ، وإن كان من البلد فعشرة دراهم قيمتها دينار ، وفيما عدا ذلك يستحقّ الأُجرة بحسب العادة.
ثمّ نقل عن الشافعي أنّه لا يستحقّ الأُجرة على شيءٍ من ذلك إلّا أن يجعل له الجاعل(١) ، وعن مالك : إن كان معروفاً بردّ الضوالّ وممّن يستأجر لذلك فإنّه يستحقّ الجُعْل ، وإن لم يكن معروفاً به لم يستحق(٢) ، وعن أبي حنيفة : إن كان ضالّةً أو لقطةً فإنّه لا يستحقّ شيئاً ، وإن كان آبقاً فردّه من مسيرة ثلاثة أيّام فأكثر - وهو ثمانية وأربعون ميلاً وزيادة - استحقّ أربعين درهماً ، وإن نقص أحد الشرطين بأن جاء به من مسيرة أقلّ من ثلاثة أيّام فبحسابه ، وإن كان من مسيرة يومٍ فثلث الأربعين ، وإن كان من مسيرة يومين فثلثا الأربعين(٣) .
____________________
(١) راجع : الهامش السابق.
(٢) الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٨١ / ١٢١٦ ، الذخيرة ٦ : ٦ و ٧ ، عيون المجالس ٤ : ١٨٤٤ / ١٣٠٤ ، المحلّى ٨ : ٢٠٦ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٩ ، المغني ٦ : ٣٨٣ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٣٥٢ / ٢٠٤٩ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٧٠ ، الحاوي الكبير ٨ : ٢٩ ، حلية العلماء ٥ : ٤٦٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٤ ، البيان ٧ : ٣٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩٦.
(٣) الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٥١ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٣٥٦ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٣ - =
وإن كان قيمته أقلّ من أربعين ، قال أبو حنيفة ومحمّد : ينقص عن قيمته درهم ، ويستحقّ الباقي إن كان قيمته أربعين ، فيستحقّ تسعة وثلاثين ، وإن كان قيمته ثلاثين يستحقّ تسعة وعشرين(١) .
وقال أبو يوسف : يستحقّ أربعين وإن كان يسوى عشرة دراهم ، والقياس أنّه لا يستحقّ شيئاً ، لكن أعطيناه استحساناً(٢) ، هكذا حكاه الشيخرحمهالله عن الساجي(٣) .
إذا عرفت هذا ، فإنّ قول الشيخ يحتمل استحقاق الرادّ للآبق وإن لم يشترط المالك له جُعْلاً ، ورواه العامّة عن عليٍّعليهالسلام وابن مسعود وعمر وشريح وعمر بن عبد العزيز ومالك وأصحاب الرأي وأحمد في إحدى
____________________
= ٢٠٥ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ٢١ - ٢٢ ، المحيط البرهاني ٥ : ٤٤٦ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٣٥١ / ٢٠٤٩ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٨ ، المغني ٦ : ٣٨٢ ، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢ : ٥٩ ، المحلّى ٨ : ٢٠٦ ، عيون المجالس ٤ : ١٨٤٤ / ١٣٠٤ ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢ : ٦٨٢ / ١٢١٧ ، الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢ : ١٧٠ ، الحاوي الكبير ٨ : ٢٩ ، حلية العلماء ٥ : ٤٥٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٤ ، البيان ٧ : ٣٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩٦.
(١) تحفة الفقهاء ٣ : ٣٥٦ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٥ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ٣٢ ، المحيط البرهاني ٥ : ٤٤٦ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٥١ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٩ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٣٥١ / ٢٠٤٩ ، المحلّى ٨ : ٢٠٦ ، المغني ٦ : ٣٨٣ ، حلية العلماء ٥ : ٤٦٠ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٤ ، البيان ٧ : ٣٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩٦.
(٢) تحفة الفقهاء ٣ : ٣٥٦ ، بدائع الصنائع ٦ : ٢٠٥ ، المبسوط - للسرخسي - ١١ : ٣٢ ، المحيط البرهاني ٥ : ٤٤٦ ، الاختيار لتعليل المختار ٣ : ٥١ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٩ ، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ٣٥٢ / ٢٠٤٩ ، المحلّى ٨ : ٢٠٦ ، المغني ٦ : ٣٨٣ ، حلية العلماء ٥ : ٤٦٠ ، البيان ٧ : ٣٥٩.
(٣) الخلاف ٣ : ٥٨٩ - ٥٩٠ ، المسألة ١٧.
الروايتين(١) ؛ لما رواه العامّة عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه جعل في جُعْل الآبق إذا جاء به خارجاً من الحرم ديناراً(٢) .
ولأنّه قول مَنْ سمّيناه من الصحابة ، ولم نعرف لهم في زمنهم مخالفاً ، فكان إجماعاً ، ولأنّ في شرط الجُعْل في ردّهم حثّاً على ردّ الأُبّاق وصيانةً لهم عن الرجوع إلى دار الحرب وردّتهم عن دينهم(٣) وتقوية أهل الحرب بهم ، فيكون مشروعاً لهذه المصلحة ، بخلاف ردّ اللقط من الأموال فإنّه لا يفضي إلى ذلك.
والقول الأوّل أقوى ؛ لأنّ الأصل عدم الوجوب.
مسألة ٤٨٥ : لو استدعى الردّ فقال لغيره : رُدّ آبقي ، استحقّ الجُعْل ؛ لأنّه عمل يستحقّ في مثله الأُجرة ، فكان عليه الجُعْل ، كما لو استدعى ردّ اللّقطة ، كان عليه أُجرة المثل وإن لم ينص له على الأُجرة.
وكذا إذا أذن لرجلٍ في ردّ عبده الآبق ولم يشترط له عوضاً بردّه ، فالأقوى : استحقاق الجُعْل.
وللشافعيّة قولان :
منهم مَنْ قال : إن كان معروفاً بردّ الأُبّاق بالأُجرة ، استحقّ.
ومنهم مَنْ قال : لا يستحقّ ، وهو ظاهر كلام الشافعي ؛ لأنّه قال : إلّا أن يجعل له جُعْلاً(٤) .
____________________
(١) المغني ٦ : ٣٨١.
(٢) المغني ٦ : ٣٨١ - ٣٨٢.
(٣) في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « وردّهم دينهم » بدل « وردّتهم عن دينهم ». والظاهر ما أثبتناه.
(٤) الحاوي الكبير ٨ : ٣٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤١٨ ، حلية العلماء ٥ : ٤٥٩ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٥ ، البيان ٧ : ٣٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩٦ - ١٩٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٣٦ ، وراجع : الأُم ٤ : ٧١ ، ومختصر المزني : ١٣٦.
وفيه الخلاف المذكور لهم فيما لو دفع ثوباً إلى غسّالٍ فغسله ، ولم يَجْر للأُجرة ذكر(١) .
ولو حصلت الضالّة في يد إنسانٍ قبل الجعل ، وجب دفعها إلى مالكها ، ولا شيء عليه ، وكذا المتبرّع ، سواء عُرف بردّ الأُبّاق أو لا ، وسواء جعل المالك وقصد العامل التبرّع ، أو لم يجعل وإن لم يقصد التبرّع.
تذنيب : لا فرق في صيغة المالك بين أن يقول : مَنْ ردّ عبدي ، وبين أن يقول : إن ردّه إنسان ، أو : إن رددتَه ، أو : رُدّه ولك كذا.
ويصحّ التقييد بالزمان والمكان وأحدهما ، والإطلاق ، فيقول : مَنْ ردّ عبدي من بغداد في شهر كذا ، أو : خاط ثوبي في بغداد ، أو في يومٍ فله كذا.
الركن الثاني : العاقد.
ويشترط فيه أن يكون من أهل الاستئجار مطلق التصرّف ، فلا ينفذ جعل الصبي والمجنون والسفيه والمحجور عليه لفلسٍ والمكره وغير القاصد ، ولا نعلم فيه خلافاً.
ولا يشترط أن يكون الملتزم هو المالك ، ولا أن يقع العمل في ملكه ، فلو قال شخص : مَنْ ردّ عبد فلانٍ فله كذا ، استحقّه الرادّ عليه ؛ لأنّه التزمه ، فلزمه ، بخلاف ما إذا التزم الثمن في بيع غيره والثواب على هبة غيره ؛ لأنّه عوض تمليكٍ ، فلا يتصوّر وجوبه على غير مَنْ حصل له
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٣٦.
الملك ، والجُعْل ليس عوض تمليكٍ.
مسألة ٤٨٦ : لو قال فضوليٌّ : قال فلانٌ : مَنْ ردّ عبدي فله كذا ، لم يستحقّ الرادّ على الفضوليّ شيئا ؛ لأنّه لم يلتزم ، أقصى ما في الباب أنّه كذب ، وهو لا يوجب الضمان.
وأمّا المالك فإن كان الفضوليّ قد كذب عليه ، لم يكن [ عليه ] شيء أيضاً ، وكان من حقّ الرادّ أن يتثبّت ويتفحّص ويسأل ، فالتفريط وقع منه.
وإن كان قد صدق ، فالأقوى : وجوب المال عليه ، خلافاً لبعض الشافعيّة حيث قال بذلك إن كان المُخبر ممّن يُعتمد على قوله ، وإلّا فهو كما لو ردّ غير عالمٍ بإذنه والتزامه(١) .
مسألة ٤٨٧ : لا يشترط تعيين العامل ، فيجوز أن يكون شخصاً معيّناً أو جماعةً معيّنين ، مثل أن يقول : إن ردّ زيدٌ عبدي فله كذا ، وإن ردّ زيد وعمرو وخالد فلهم كذا ، ويجوز أن يكون مجهولاً ، كقوله : مَنْ ردّ عبدي من هؤلاء العشرة فله كذا ، أو : مَنْ ردّ عبدي مطلقاً فله كذا ؛ لأنّ الغرض ردّ الآبق ، ولا تعلّق للمالك بخصوصيّة الرادّ ، فلم يكن شرطاً ، ولأنّ ردّ الآبق وما في معناه قد لا يتمكّن منه معيّن ، ومَنْ يتمكّن منه [ ربما ] لا يكون حاضراً ، وربما لا يعرفه المالك ، فإذا أطلق الاشتراط وشاع ذلك سارع مَنْ تمكّن منه إلى تحصيله فيحصل الغرض ، فاقتضت مصلحة العقد احتمال التجهيل فيه.
مسألة ٤٨٨ : لو عيّن واحداً فردّ غيره ، لم يستحق شيئا ، كما لو قال لزيدٍ : رُدّ عبدي ولك كذا ، أو قال : إن ردّه زيد فله كذا ، فردّه عمرو ؛ لأنّه
____________________
(١) التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٣٦.
لم يشترط لغير ذلك المعيّن ، فكان متبرّعاً.
ولو ردّه عبد ذلك المعيّن ، استحقّ المولى الجُعْل ؛ لأنّ ردّ عبده كردّه ، ويده كيده.
ولو قال : مَنْ ردّه فله كذا ، استحقّ الرادّ ، سواء سمع نداءه أو لا ؛ لأنّه قد حصل المقصود ، وشمله اللفظ بعمومه ، ولم يقصد بقوله شخصاً معيّناً ولا جماعةً معيّنين ، بل أطلق ، فيُعمل بمقتضى إطلاقه ، كما لو قال : مَنْ صلّى فأعطه ديناراً ، وهو أحد قولَي الشافعيّة.
والثاني - وهو الأظهر عندهم - : إنّه لا يستحقّ شيئاً ؛ لأنّه قصد التبرّع ، فإن قصد العوض ؛ لاعتقاده أنّ مثل هذا العمل لا يحبط ويستحقّ به الأُجرة ، فكذلك(١) .
وليس بجيّدٍ ؛ لأنّا نمنع قصد التبرّع ، ولو قصد التبرّع لم يستحق شيئاً ، كما لو عيّنه وقال : إن رددتَ عبدي فلك كذا ، أو : إن ردّ زيد عبدي فله كذا ، فردّه زيد متبرّعاً بعد سماعه بالجعالة ، لم يستحق شيئاً ؛ لتبرّعه.
وكذا لو عيّنه وكان غائباً فقال : إن ردّه فلان فله كذا ، فردّه غير عالمٍ بإذنه والتزامه ، فإن نوى التبرّع لم يستحق شيئاً ، وإن لم يَنْوه استحقّ على ما تقدّم.
مسألة ٤٨٩ : لا يشترط القبول لفظا ، فلو قال : مَنْ ردّ عبدي فله كذا ، فاشتغل واحد بالردّ من غير أن يقول : قبلت ، أو : أنا أردّ ، صحّ العقد وتمّ ، سواء كان العامل معيّناً أو غير معيّنٍ.
وقالت الشافعيّة : إذا لم يكن العامل معيّناً فلا يتصوّر للعقد قبول ، وإن كان معيّناً فلا يشترط قبوله أيضاً على المشهور ، ويكفي الإتيان
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩٦ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٣٦.
بالعمل(١) ، كما ذهبنا إليه.
وقال الجويني : لا يمتنع أن يكون كالوكيل في اشتراط القبول(٢) .
ونحن نمنع اشتراط القبول لفظاً في الوكيل.
نعم ، يشترط في العامل المعيّن أن يكون له أهليّة العمل ، فلو قال المسلم : مَنْ طالَب بدَيْني الذي على فلان المسلم فله كذا ، لم يدخل الذمّي تحته ؛ لما بيّنّا من أنّ الذمّي ليس أهلاً للتوكيل على المسلم.
مسألة ٤٩٠ : لو قال : مَنْ ردّ عبدي فله كذا ، وكان العبد مسلماً ، فهل للكافر ردّه؟ الأقرب ذلك ؛ لأنّه ليس بتوكيل عليه ، فلا يندرج تحت النهي ، مع احتمال اندراجه ؛ لاستلزامه إثبات السبيل للكافر على المسلم ، وهو منفيٌّ بالآية(٣) .
ويدخل تحته الرجل والمرأة والحُرّ والعبد والصبي والمسلم والكافر قطعاً في غير ردّ العبد المسلم ، وعلى إشكالٍ فيه(٤) .
ويدخل تحته الصبي والمجنون على إشكالٍ ينشأ : من عدم اشتراط التبرّع المشروط بالقصد المشروط بالعقل ، ومن اشتراط عدم التبرّع.
ويدخل تحته أيضاً الواحد والمتعدّد.
مسألة ٤٩١ : لو كان العوض شيئاً لا يصلح للكافر تملّكه ، كما لو قال : مَنْ ردّ عبدي ، أو : ضالّتي ، أو : فَعَل كذا فله عبدي فلان ، وكان عبده مسلماً ، أو : فله المصحف الفلاني ، ففي دخول الكافر إشكال ينشأ : من العموم الشامل للكافر ، ومن عدم صحّة تملّكه للجُعْل ، فيكون قرينة تصرف
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩٧ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٣٧.
(٣) سورة النساء : ١٤١.
(٤) أي : في ردّ العبد المسلم.
اللفظ عن عمومه.
فإن قلنا بالدخول ، ففي ملكه إشكال أقربه : العدم ، فحينئذٍ هل يثبت له القيمة أو لا؟ إشكال.
الركن الثالث : العمل.
ويشترط فيه أن يكون محلّلاً ، فلا تصحّ الجعالة على المُحرَّم ، فلو قال : مَنْ زنى ، أو : قتل ، أو : سرق ، أو : ظلم ، أو : شرب خمراً ، أو : أكل محرَّماً ، أو : غصب ، أو غير ذلك من الأفعال الـمُحرَّمة فله كذا ، لم يصح ، ولو فَعَل المجعول له ذلك لم يستحق العوض ، سواء كان المجعول له معيّناً أو مجهولاً ، ولا نعلم فيه خلافاً.
ويشترط أيضاً أن يكون مقصوداً للعقلاء ، فلو قال : مَن استقى من دجلةٍ ورماه في الفرات ، أو : حفر نهراً وطمّه ، أو : بئراً وطمّها ، أو غير ذلك ممّا لا يعدّه العقلاء مقصوداً ، لم يصح.
ويشترط أن لا يكون واجباً ، فلو قال : مَنْ صلّى الفريضة ، أو : صام شهر رمضان فله كذا ، لم يصح ؛ لأنّ الواجب لا يصحّ أخذ العوض عليه.
مسألة ٤٩٢ : لا يشترط في العمل العلمُ إجماعا ؛ لأنّ الغرض الكلّي في الجعالة بذل العوض على ما لا يمكن التوصّل بعقد الإجارة إليه ؛ لجهالته ، فما لا تجوز الإجارة عليه من الأعمال لكونه مجهولاً يجوز عقد الجعالة عليه ؛ لأنّ مسافة ردّ الآبق قد لا تُعرف ، فتدعو الحاجة إلى احتمال الجهالة فيه ، كما تدعو إلى احتمالها في العامل ، فإذا احتُملت الجهالة في القراض لتحصيل زيادةٍ فلأن تُحتمل في الجعالة أولى.
وهل يشترط الجهل في العمل؟ الأصحّ : العدم ، فلو قال : مَنْ خاط
ثوبي فله درهم ، أو قال : مَنْ حجَّ عنّي ، أو : مَنْ ردّ عبدي من بغداد فله مائة ، صحّ ، واستحقّ العامل الجُعْل ؛ لأنّه إذا جاز مع الجهل فمع العلم أولى ؛ لانتفاء الغرر فيه ، وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(١) .
ولهم وجهٌ آخَر : إنّه لا تجوز الجعالة على العمل المعلوم ، وإنّما تصحّ على المجهول ؛ لإمكان التوصّل في المعلوم بالإجارة(٢) .
وهو غير جيّدٍ ؛ لعدم المنافاة ، ولا استبعاد في التوصّل بأمرين أو أُمور.
ولو قيّد المعلوم بالمدّة المعلومة ، فقال : مَنْ ردّ عبدي الآبق من البصرة في الشهر فله كذا ، فالأقرب : الجواز.
ومَنَع منه بعض الشافعيّة ؛ لأنّه يكثر بذلك الغررُ(٣) .
مسألة ٤٩٣ : لو قال : مَنْ ردّ علَيَّ مالي فله كذا ، فردّه مَنْ كان المال في يده ، نُظر فإن كان في ردّه من يده كلفة ومئونة كالعبد الآبق ، استحقّ الجُعْل ، وإن لم يكن كالدراهم والدنانير ، فلا ؛ لأنّ ما لا كلفة فيه لا يُقابَل بالعوض.
ولو قال : مَنْ دلّني على مالي فله كذا ، فدلّه مَن المالُ في يده ، لم يستحق الجُعْل ؛ لأنّ ذلك واجب عليه بالشرع ، فلا يجوز أخذ العوض عليه ، أمّا لو كان في يد غيره فدلّه عليه ، استحقّ ؛ لأنّ الغالب أنّه يلحقه مشقّة في البحث عنه.
واعلم أنّ كلّ ما يجوز الاستئجار عليه تجوز الجعالة فيه ، ويعتبر فيما
____________________
(١ و ٢) الوسيط ٤ : ٢١١ ، الوجيز ١ : ٢٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩٨ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٣٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٠٣ - ٢٠٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٤٢.
تجوز الجعالة فيه ما يعتبر في جواز الإجارة ، سوى كونه معلوماً ، فلو قال : مَنْ ردّ عبدي ، أو : جاريتي فله دينار ، صحّ جعالةً ؛ لأنّ الجهالة غير ضائرةٍ في الجعالة ، ولا يجوز عقد الإجارة على ذلك ؛ لجهالة العمل ، المبطلة للإجارة.
الركن الرابع : في الجُعْل.
مسألة ٤٩٤ : يشترط في الجُعْل أن يكون مملوكاً مباحاً للعامل معلوما ، فلو شرط جُعْلاً لا يصحّ تملّكه - كالكلب والخنزير والخمر والعذرة وسائر ما لا يتملّك - لم يصح العقد ، ولم يستحقّ العامل شيئاً لا المسمّى ولا غيره.
نعم ، لو توهّم التملّك بذلك أو الاستحقاق ، فالأقرب : أُجرة المثل ؛ لأنّه غير متبرّعٍ بالعمل ، والمسمّى لا يصحّ أن يكون عوضاً وهو مغرور ، فاستحقّ أُجرة مثل عمله.
ولو كان المجعول محرَّماً ولم يُعلم ، مثل أن يقول : مَنْ ردّ عبدي فله ما في هذا الدَّن ، أو الزِّق ، أو ما في يدي ، وكان ذلك خمراً أو ما لا يتملّك ، وجب أُجرة المثل قطعاً.
ولو كان ممّا لا تقع المعاوضة عليه كحبّةٍ من حنطةٍ أو زبيبةٍ واحدة ، احتُمل استحقاق ذلك خاصّةً ، وعدم استحقاق شيءٍ البتّة.
وشرطنا كونه مباحاً بالنسبة إلى العامل ؛ لأنّ الملك يقع له ، فإذا لم يصح له تملّكه لم يصح العقد ، وقد سبق ذكره.
مسألة ٤٩٥ : لا يجوز أن يكون العوض مجهولا ، بل يجب أن يكون معلوماً بالكيل أو الوزن أو العدد إن كانت العادة جاريةً بعدّه ، كالأُجرة ، فلو
كان مجهولاً فسد العقد ، ووجب بالعمل أُجرة المثل ؛ لانتفاء الحاجة إلى احتمال الجهالة فيه.
والفرق بينه وبين العمل حيث جاز أن يكون هنا مجهولاً دعوى الحاجة إلى كون العمل هنا مجهولاً ، فإنّ الغالب أنّه لا يُعلم موضع الآبق والضالّ ، فلو شرطنا العلم لزم الحرج وعدم دعوى الحاجة إلى كون العوض مجهولاً.
وأيضاً العمل في الجعالة لا يصير لازماً ، فلهذا لم يجب كونه معلوماً ، وليس كذلك العوض ، فإنّه يصير بوجود العمل لازماً ، فوجب كونه معلوماً.
وأيضاً فإنّه لا يكاد يرغب أحد في العمل إذا لم يعلم الجُعْل ، فلا يحصل مقصود العقد ، فإن شرط جُعْلاً مجهولاً بأن قال : مَنْ ردّ عبدي الآبق فله ثوب ، أو : دابّة ، أو قال لغيره : إن رددتَ عبدي فعلَيَّ أن أُرضيك أو أُعطيك شيئاً ، فسد العقد ، ووجب بالعمل أُجرة المثل.
وكذا لو جعل العوض خمراً أو خنزيراً وكانا أو أحدهما مسلمين.
ولو جعل العوض شيئاً مغصوباً ، فسد العقد ، ووجب أُجرة المثل أيضاً.
وللشافعيّة هنا احتمالان :
أحدهما : تخريجه على القولين فيما إذا جعل المغصوب صداقاً حتى يرجع في قولٍ إلى قيمة ما يقابل الجُعْل وهو أُجرة المثل ، وفي قولٍ إلى قيمة المسمّى.
والثاني : القطع بأُجرة المثل ؛ لأنّ العوض ركن في هذه المعاملة ، بخلاف الصداق(١) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٣٨.
ولو قال : مَنْ ردّ عبدي فله ثيابه أو سَلَبه ، فإن كانت معلومةً ، أو وصفها بما يفيد العلم ، فللرادّ المشروط ، وإلّا فله أُجرة المثل.
ولو قال : مَنْ ردّ عبدي فله نصفه أو ربعه ، فالأقوى : الجواز ؛ للأصل ، وهو أحد وجهي الشافعية ، والثاني : المنع(١) .
وهو قريب من استئجار المرضعة بجزءٍ من المرتضع الرقيق بعد الفطام.
مسألة ٤٩٦ : لو قال : مَنْ ردّ عبدي من بغداد - مثلاً - فله دينار ، صحّ عندنا وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٢) .
فإن ردّه من نصف الطريق ، استحقّ نصف الجُعْل ، وإن ردّه من ثلثه فله الثلث ؛ لأنّه عمل نصف العمل أو ثلثه ، فكان له من الجُعْل مقابل عمله.
وإن ردّه من مكانٍ أبعد ، لم يستحق زيادةً ؛ لأنّ المالك لم يلتزم ذلك ، فيكون العامل فيه متبرّعاً بالزيادة ، فلا عوض له عنها.
ولو ردّه من غير ذلك البلد ، لم يستحق شيئاً ؛ لأنّه لم يجعل في ردّه منه شيئاً ، فأشبه ما لو جعل في ردّ عبدٍ شيئاً ، فردّ جاريةً.
ولو قال : مَنْ ردّ عبدَيَّ فله كذا ، فردّ أحدهما ، استحقّ نصف الجُعْل ، قاله بعض الشافعيّة(٣) .
وعندي فيه نظر.
أمّا لو كان الجُعْل على شيءٍ تتساوى أجزاؤه ويقسّط عليها بالسويّة ؛ لتساوي العمل فيها ، كان الحكم ذلك.
ولو قال لاثنين : إن رددتما عبدي الآبق فلكما كذا ، فردّه أحدهما ،
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ١٩٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٣٨.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤١٩ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٣٨.
استحقّ النصف ؛ لأنّه لم يلتزم له أكثر من ذلك ، لأنّه جعل الجُعْل لاثنين ، فقد جعل لكلّ واحدٍ منهما النصف على نصف العمل ، فيكون كلّ واحدٍ منهما في النصف الآخَر لو باشره متبرّعاً.
ولو قال لهما : إن رددتما عبدَيَّ الآبقين فلكما كذا ، فردّ أحدُهما أحدَهما ، لم يستحق إلّا الربع.
ويشكل بأنّ الالتزام متعلّق بالردّ من ذلك البلد وبردّ العبدين ، ولو توزّع الجُعْل في الجعالة على العمل لاستحقّ النصف إذا ردّ من ذلك البلد إلى نصف الطريق ، ولما وقع النظر إلى كون المأتيّ به نافعاً أو غير نافعٍ ، كما في الإجارة.
مسألة ٤٩٧ : لو قال : مَنْ ردّ عبدي فله كذا ، فإن ردّه واحد كان الجُعْل بأسره له ، وإن ردّه اثنان كان بينهما بالسويّة ، وإن ردّه جماعة اشترك الجُعْل بينهم كذلك ؛ لصدق لفظة « مَنْ » على كلّ واحدةٍ من هذه المراتب.
ولو قال لجماعةٍ : إن رددتم عبدي فلكم كذا ، فردّوه ، فالجُعْل بينهم بالسويّة على عدد الرءوس وإن تعاونوا في العمل ؛ لأنّ العمل في أصله مجهول ، فلا يُنظر إلى مقداره في التوزيع ، قاله بعض الشافعيّة(١) .
والمعتمد خلافه ، بل يُوزّع الجُعْل على قدر العمل كالإجارة ؛ لأنّا إنّما ندفع الجُعْل إليهم عند تمام العمل ، وحينئذٍ فقد انضبط العمل ، فيُوزّع على أُجور أمثالهم.
مسألة ٤٩٨ : يجوز أن يخصّص الجُعْل لواحدٍ بعينه ، كما يجوز تعميمه ، فلو قال لزيدٍ : إن رددتَ عبدي فلك دينار ، فردّه غيره ، لم يستحق الرادّ شيئاً ؛ لأنّه متبرّع به ، ولا زيد ؛ لأنّه لم يعمل.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٠٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٣٨.
نعم ، يجوز الاستعانة ، فإن استعان زيد المجعول له بغيره إمّا من عبدٍ أو غيره ، استحقّ زيد.
ولو قال لزيدٍ : إن رددته فلك دينار ، فردّه زيد وعمرو ، لم يكن لعمرو شيء ؛ لتبرّعه ، ولم يلتزم المالك بشيءٍ.
وإن قصد عمرو معاونة زيدٍ إمّا بعوضٍ أو مجّاناً ، فلزيدٍ تمام الجُعْل ؛ لأنّه قد يحتاج إلى الاستعانة بالغير ، ومقصود المالك ردّ العبد بأيّ وجهٍ أمكن ، فلا يُحمل لفظه على قصر العمل على المخاطب بالمباشرة.
ثمّ ذلك الغير إن تبرّع على زيدٍ بالإعانة ، لم يكن له شيء.
وإن قصد العمل بالأُجرة فاستعمله زيد عليها ، فإن عيّن قدر الأُجرة استحقّ ما عيّنه له ، سواء زاد على مال الجعالة أو نقص ، وإن لم يعيّن له شيئاً كان له أُجرة المثل على زيدٍ وإن زادت على ما حصل له بالجعالة.
ولو قال عمرو : عملتُ للمالك ، لم يكن لزيدٍ تمام الجُعْل ، بل ما قابَل عمله.
ثمّ هل يُوزَّع مال الجعالة على الرءوس أو على قدر العمل؟ الأقرب : الثاني ، وهو قول بعض الشافعيّة. والمشهور عندهم : الأوّل(١) .
وكذا البحث لو عمل المالك مع زيدٍ فإنّه لا يستحقّ زيد كمالَ الجعالة ، إلّا أن يقصد المالك إعانته ، على إشكالٍ.
ولو قصد عمرو العمل للمالك ، لم يكن له شيء ، سواء قصد التبرّع أو الشركة في الجُعْل ؛ لأنّ المالك لم يلتزم له شيئاً.
مسألة ٤٩٩ : لو قال لزيدٍ : إن رددتَ عبدي فلك كذا ، اختصّ بمال الجعالة مع كمال العمل ، فإن شاركه في العمل اثنان ، فإن قصدا معاً إعانةَ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٠٠ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٣٩.
زيدٍ فله تمام الجُعْل ، ولو قصدا معاً العمل للمالك فلزيدٍ ثلث الجُعْل ؛ لأنّه عمل ثلث العمل ، وإن قصد أحدهما إعانةَ زيدٍ وقصد الآخَر العمل للمالك فلزيدٍ الثلثان.
وهل لزيدٍ أن يوكّل الغير لينفرد بالردّ كما يستعين به؟ إشكال ينشأ : من أنّ الغرض تحصيل الردّ من غير التعرّض إلى مباشرٍ معيّن ، ومن أنّه كالوكيل ليس له أن يوكّل إلّا بالإذن.
ولو عمّم الجعالة فقال : مَنْ ردّ عبدي فله كذا ، فقد بيّنّا أنّ كلّ مَنْ باشر الردّ وانفرد به استحقّ كمالَ الجُعْل ، سواء كان واحداً أو أكثر.
وهل يصحّ لواحدٍ أن يوكّل غيره ليردّ له؟ الأقرب : إنّه كالتوكيل في الاحتطاب والاحتشاش.
مسألة ٥٠٠ : لو قال لواحدٍ : إن رددتَ عبدي فلك دينار ، وقال لآخَر : إن رددته فلك ديناران ، وقال لثالثٍ : إن رددته فلك ثلاثة دنانير ، فكلّ مَنْ ردّه منهم كان له ما جعله له خاصّةً ، ولو ردّه اثنان كان لكلّ واحدٍ منهما نصف ما جعله له ، ولو ردّه الثلاثة كان لكلّ واحدٍ منهم ثلث ما جعله له.
هذا إذا عمل كلّ واحدٍ من الثلاثة لنفسه ، أمّا لو قال أحدهم : أعنتُ صاحبَيّ وعملتُ لهما ، فلا شيء له ، ولكلّ واحدٍ منهما نصف ما شُرط له ، ولو قال اثنان منهم : عملنا لإعانة صاحبنا ، فلا شيء لهما ، وله جميع ما شُرط له.
ولو أعانهم رابع في الردّ ، فلا شيء له.
ثمّ إن قال : قصدتُ العمل للمالك ، فلكلّ واحدٍ من الثلاثة رُبْع ما جُعل له ، وإن قال : أعنتُهم جميعاً ، فلكلّ واحدٍ منهم ثلث المشروط له ، كما لو لم يكن معهم غيرهم ، ولو قال : أعنتُ فلاناً ، فله نصف المشروط
له ، ولكلّ واحدٍ من الآخَرين رُبْع المشروط له ، وعلى هذا القياس.
ولو قال : أعنتُ فلاناً وفلاناً ، فلكلّ واحدٍ رُبْع المشروط وثُمْنه ، ولثالثٍ رُبْع المشروط له.
ولو عيّن لأحد الاثنين وجهَّل للآخَر ، فقال لزيدٍ : إن رددته فلك دينار ، وقال لعمرو : إن رددته أرضيتك ، أو : فلك شيء ، أو : ثوب ، فردّاه معاً ، فلزيدٍ نصف دينارٍ ، ولعمرو نصف أُجرة المثل.
لا يقال : إنّه لو قال : مَنْ دخل داري فله دينار ، فدخلها جماعة ، استحقّ كلّ واحدٍ منهم ديناراً كاملاً ، فليكن هنا كذلك.
لأنّا نقول : الفرق : إنّ كلّ واحدٍ من الداخلين قد صدر عنه دخولٌ كامل كدخول المنفرد ، فاستحقّ كلّ واحدٍ منهم العوض كاملاً ، وهنا لم يحصل من كلّ واحدٍ منهم ردٌّ كامل ، بل اشتركوا جميعاً في الردّ الكامل ، وصدر عنهم بأسرهم ردٌّ واحد ، فاشتركوا في عوضه.
ونظير الدخول ما لو قال : مَنْ ردّ عبداً من عبيدي فله دينار ، فردّ كلّ واحدٍ منهم عبداً ، فإنّ كلّ واحدٍ منهم يستحقّ الدينار الكامل.
ونظير الردّ ما لو قال : مَنْ نقب السور فله دينار ، فنقب ثلاثة نقباً واحداً ، كان الدينار للثلاثة بالسويّة.
مسألة ٥٠١ : لو قال : مَنْ ردّ عبدي من بغداد فله دينار ، فردّه إنسان إلى نصف الطريق فهرب منه ، لم يستحق شيئا ؛ لأنّه شرط الجُعْل بردّه ولم يردّه.
وكذا لو مات العبد بعد وصوله ولم يسلّمه إلى المالك ؛ لأنّه لم يرد إليه ، كما لو استأجره لخياطة ثوبٍ فخاطه ولم يسلّمه حتى تلف ، لم يستحق أُجرةً.
ولو قال : مَنْ وجد عبدي فله دينار ، فوجده واجد ثمّ هرب ، فالأقرب : إنّه لا يستحقّ ؛ لأنّ قرينة الحال تدلّ على اشتراط الردّ ، إذ المقصود الردّ ، لا الوجدان ؛ لأنّ الوجدان بمجرّده غير مقصودٍ للمالك ، وإنّما اكتفى بالوجدان ؛ لأنّه سبب الردّ ، فصار كأنّه قال : مَنْ وجد لقطتي فردّها علَيَّ.
* * *
الفصل الثالث : في الأحكام
مسألة ٥٠٢ : الجعالة عقد جائز من الطرفين إجماعا لكلٍّ منهما فسخها قبل التلبّس بالعمل وبعده قبل تمامه ؛ لأنّ الجعالة تشبه الوصيّة من حيث إنّها تعليق استحقاقٍ بشرطٍ ، والرجوع عن الوصيّة جائز ، وكذا ما يشبهها.
وأمّا بعد تمام العمل فلا معنى للفسخ ولا [ أثر له ](١) لأنّ الجُعْل قد لزم بالعمل.
إذا عرفت هذا ، فإن رجع المالك قبل شروع العامل في العمل أو فسخ العامل فلم يعمل ، فلا شيء للعامل.
وإن كان بعد التلبّس بالعمل فعمل البعض أو قطع بعض المسافة ، فإن فسخ العامل لم يستحق لما عَمِل شيئاً ؛ لأنّه امتنع باختياره ، ولم يحصل غرض المالك بما عَمِل ، وقد أسقط العامل حقّ نفسه حيث لم يأت بما شُرط عليه العوض ، كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح.
وإن فسخ المالك ، فعليه للعامل أُجرة مثله ؛ لأنّه إنّما عَمِل بعوضٍ فلم يسلم له ، ولا يليق أن يحبط عمله بفسخ غيره ، وهو أصح وجهي الشافعيّة.
والثاني : إنّ العامل لا يستحقّ أيضاً شيئاً ، كما لو كان الفسخ من العامل(٢) .
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة : « أجر ». والمثبت كما في العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٠١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٠٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٤٠.
وليس بشيءٍ ؛ فإنّ الفرق ظاهر.
ولو عَمِل العامل بعد الفسخ من المالك مع علمه بالفسخ ، فإنّه لا يستحقّ في العمل بعد الفسخ شيئاً ؛ لأنّه متبرّع فيه ، ويستحقّ فيما عَمِل قبل الفسخ.
ولو لم يعلم العامل بالفسخ ، فالأقرب : إنّه يستحقّ كمالَ الجعالة.
وللشافعيّة خلافٌ بنوه على فسخ الموكّل الوكالة في غيبة الوكيل ، وهل تُنفذ تصرّفاته قبل علمه بالعزل أم لا؟(١) .
تذنيب : وكما تنفسخ الجعالة بالفسخ تنفسخ بالموت ، فلو مات المالك قبل العمل بطلت ، وكذا لو مات بعد التلبّس قبل إكمال العمل ، ولا شيء للعامل فيما يعمل بعد الموت ؛ لأنّه متبرّع بالنسبة إلى الوارث.
ولو قطع بعض المسافة فمات المالك فردّه إلى وارثه ، استحقّ من المسمّى بقدر ما عَمِل في حياته.
مسألة ٥٠٣ : كما يجوز الفسخ في أصل الجعالة يجوز في صفات الجُعْل بالزيادة والنقصان وتغيير الجنس قبل التلبّس بالعمل وبعده قبل إكماله ، فيعمل بالجعالة الأخيرة إن وقعت قبل التلبّس بالعمل ، فلو قال : مَنْ ردّ عبدي فله عشرة ، ثمّ قال : مَنْ ردّه فله خمسة ، فالعمل على الأخيرة ، وكذا بالعكس يعمل بالأخير فيه ، والمذكور فيه هو الذي يستحقّه الرادّ.
ولو قال : مَنْ ردّ عبدي فله دينار ، ثمّ قال بعده قبل التلبّس : مَنْ ردّ عبدي فله ثوب ، عمل على الأخيرة من الجعالتين.
ولو لم يسمع العامل الجعالة الأخيرة ، قال بعض الشافعيّة : يحتمل
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٠٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٤٠.
الرجوع إلى أُجرة المثل(١) . ولا بأس به.
أمّا لو كان التغيير بالزيادة والنقصان أو بالجنس بعد التلبّس بالعمل ، فالأقرب : الرجوع إلى أُجرة المثل ؛ لأنّ الجعالة الثانية فسخ للأُولى ، والفسخ في أثناء العمل يقتضي الرجوع إلى أُجرة المثل.
مسألة ٥٠٤ : استحقاق العامل للجُعْل موقوف على تمام العمل ، فلو سعى في طلب الآبق فردّه فمات في الطريق أو على باب دار المالك أو هرب أو غصبه غاصبٌ أو تركه العامل ورجع بنفسه ، فلا شيء للعامل ؛ لتعلّق الاستحقاق بالردّ ، وهو المقصود ولم يحصل ، وهذا بخلاف الإجارة ؛ فإنّه لو استأجره ليحجّ عنه فتلبّس بالعمل ثمّ مات ، فإنّه يستحقّ من الأُجرة بقدر ما عَمِل ؛ لأنّ المقصود من الحجّ الثواب وقد حصل ببعض العمل بعضُ الثواب ، وهنا لم يحصل شيء من المقصود.
والثاني(٢) أنّ الإجارة لازمة تجب الأُجرة فيها بالعقد ، وتستقرّ شيئاً فشيئاً ، والجعالة جائزة لا يثبت فيها شيء إلّا بالشرط ولم يوجد ، وظاهرٌ أنّ الجعالة على العمل ليس كالإجارة أيضاً ، فلو قال : مَنْ خاط ثوبي فله درهم ، فخاط واحد بعضَه ثمّ أهمل ، لم يستحق شيئاً ، مع احتمال استحقاقه ، ولو مات فاحتمال الاستحقاق أقوى.
وإذا ردّ الآبق ، لم يكن له حبسه إلى استيفاء الجُعْل ؛ لأنّ الاستحقاق بالتسليم ، ولا حبس قبل الاستحقاق.
ولو قال : إن علّمتَ ولدي القرآن ، أو : علّمتني فلك كذا ، فعلَّمه
____________________
(١) الوسيط ٤ : ٢١٣ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٠٢ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٤١.
(٢) كذا قوله : « والثاني » إلى آخره ، في النُّسَخ الخطّيّة والحجريّة ، وهو الفرق الثاني للشافعيّة بين الجعالة والإجارة ، راجع : العزيز شرح الوجيز ٦ : ٣٠٢.
البعض وامتنع من تعليم الباقي ، فلا شيء له ، على إشكالٍ.
وكذا لو كان الصبي بليداً لا يتعلّم ، على إشكالٍ ، كما لو طلب العبد فلم يجده.
أمّا لو مات الصبي في أثناء التعليم فإنّه يستحقّ أجر ما علّمه ؛ لوقوعه مسلَّماً بالتعليم ، بخلاف ردّ الآبق ، فإنّ تسليم العمل بتسليم الآبق ، وهنا ليس عليه تسليم الصبي ، ولا هو في يده.
ولو منعه أبوه من التعليم ، فللمعلّم أُجرة المثل لما علَّم.
ولو قال : إن خطتَ لي هذا القميص فلك درهم ، فخاط بعضه ، فإن تلف في يد الخيّاط لم يستحق شيئاً ، وإن تلف في يد ربّ الثوب بعد ما سلّمه إليه استحقّ من الأُجرة بنسبة ما عَمِل.
مسألة ٥٠٥ : لو جاء بعبده أو ضالّته أو لقطته أو ثوبه مخيطاً وطالَبه بالعوض ، فأنكر المالك شرط الجعالة وقال : لم أجعل لك شيئاً ، فالقول قول المالك ؛ لأصالة عدم الشرط.
ولو اتّفقا على الجُعْل واختلفا في قدر العوض ، فالقول قول المالك أيضاً ؛ لأنّه منكر للزيادة.
وقال الشافعي : يتحالفان ، وتثبت أُجرة المثل ، كما لو اختلفا في الإجارة وثمن المبيع(١) .
والأصل عندنا ممنوع.
ولو اختلفا في عين العبد الذي شرط في ردّه العوض ، فقال العامل :
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٤١٩ ، الوسيط ٤ : ٢١٣ ، الوجيز ١ : ٢٤١ ، التهذيب - للبغوي - ٤ : ٥٦٦ - ٥٦٧ ، البيان ٧ : ٣٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٠٣ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٤٢.
شرطتَ لي العوض في العبد الذي رددتُه ، وقال [ المالك ] : بل شرطتُ لك في العبد الذي لم تردّه ، فالقول قول المالك مع اليمين ؛ لأنّه ادّعي عليه شرط العوض في هذا العبد فأنكره ، والأصل عدم الشرط.
وكذا لو قال المالك : شرطتُ لك العوض على ردّ العبدين ، فقال العامل : بل على ردّ أحدهما.
ولو اختلفا في جنس العوض ، فقال المالك : جعلتُ لك عشرة دراهم ، وقال العامل : بل عشرة دنانير ، فالقول قول المالك أيضاً ، كما قلنا في القدر : إنّ القول قول المالك مع يمينه.
فإذا حلف المالك في الصورتين ، كان له أقلّ الأمرين من أُجرة المثل والقدر المدّعى.
وقال الشيخرحمهالله : يحلف المالك ، ويثبت عليه أُجرة المثل(١) .
ولو اختلفا في السعي بأن قال : حصل في يدك قبل الجُعْل فلا جُعْل لك ، وقال العامل : بل حصل بعد الجُعْل ، فالقول قول المالك أيضاً ؛ لأصالة براءة الذمّة.
مسألة ٥٠٦ : لو قال : مَنْ ردّ عبدي إلى شهرٍ فله كذا ، صح ، فإن جاء به إلى شهرٍ استحقّ الجُعْل ، وإن خرج الشهر ولم يأت به لم يكن له شيء ؛ لأنّه لم يأت بما شرطه.
وقال بعض الشافعيّة : لا يجوز ؛ لأنّ تقدير هذه المدّة مخلٌّ بمقصود العقد ، فإنّه ربما لا يظفر به في تلك المدّة ، فيضيع سعيه ، ولا يحصل غرض المالك ، وهذا كما أنّه لا يجوز تقدير مدّة القراض(٢) .
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٣ : ٣٣٣ ، الخلاف ٣ : ٥٩٠ ، المسألة ١٨.
(٢) البيان ٧ : ٣٥٧ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٠٣ - ٢٠٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٤٢.
ولو قال : بِعْ عبدي هذا ، أو اعمل كذا ولك عشرة دراهم ، فإن كان العمل مضبوطاً مقدَّراً ، قال بعض الشافعيّة : إنّه يكون إجارةً(١) ، وإن احتاج إلى تردّداتٍ غير مضبوطةٍ فهو جعالة.
مسألة ٥٠٧ : الأقوى : إنّ يد العامل على ما يحصل في يده إلى أن يردّه يد أمانةٍ.
ولم أقف فيه على شيءٍ ، لكنّ النظر يقتضي ذلك ؛ لأصالة البراءة.
ثمّ إذا رفع اليد عن الدابّة وخلاّها في مضيعةٍ ، فهو تقصير مضمّن.
ونفقة العبد وعلف الدابّة في مدّة الردّ على المالك ؛ لأنّه ملكه ، ويد العامل كيَد الوكيل.
وقال بعض الشافعيّة : إنّه محمول على مكتري الجمال إذا هرب مالكها وخلاّها عنده(٢) .
وقال بعضهم : يجوز أن يقال : ذلك أمر أفضت إليه الضرورة ، وهنا أثبت العامل اليد عليه باختياره فليتكلّف مئونته ، ويؤيّده العادة(٣) .
وليس بشيءٍ.
ولو قال لغيره : إن أخبرتني بخروج فلان من البلد فلك كذا ، فأخبره ، فإن كان له في الإخبار غرض صحيح ، استحقّ ، وإلّا فلا.
وقال بعض الشافعيّة : إن كان له غرض صحيح في خروجه استحقّ ، وإلّا فلا ، وهذا يقتضي أن يكون صادقاً ، فإنّ الغرض يحصل به ، بخلاف ما إذا قال : إن أخبرتني بكذا فأنتِ طالق ، فأخبرته كاذبةً.
قال : وينبغي أن يُنظر في أنّه هل يناله تعب أو لا؟(٤) .
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٠٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٤٢.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٠٤ ، روضة الطالبين ٤ : ٣٤٢ - ٣٤٣.
مسألة ٥٠٨ : العامل إن ردّ الآبق أو الضالّة أو غيرهما متبرّعاً بذلك ، فلا أُجرة له.
وإن بذل المالك له جُعْلاً فإن عيّنه فعليه تسليمه مع الردّ ، وإن لم يعيّنه وجب عليه أُجرة المثل ، إلّا في ردّ الآبق ، فإنّ فيه أربعة دنانير قيمتها أربعون درهماً إن ردّه من خارج البلد ، وإن ردّه من البلد ففيه دينار قيمته عشرة دراهم ؛ لما تقدّم(٢) في رواية كردين عن الصادقعليهالسلام .
قال الشيخرحمهالله : هذا على الأفضل ، لا الوجوب ، والعمل على الرواية أولى(٣) .
ولو نقصت قيمة العبد عن ذلك ، ففي وجوب ذلك إشكال.
وقال بعض علمائنا : الحكم في البعير الشارد كذلك ، إن ردّه من المصر كان عليه دينار قيمته عشرة دراهم ، وإن ردّه من غير مصره كان عليه أربعة دنانير(٤) .
وفيه نظر ؛ لعدم الظفر بدليلٍ عليه.
ولو استدعى الردّ ولم يبذل أُجرة ، لم يكن للرادّ شيء ؛ لأنّه متبرّع بالعمل.
مسألة ٥٠٩ : يجوز أخذ الآبق لمن وجده - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وأصحاب الرأي(٥) - ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنّ العبد لا يؤمن لحاقه بدار الحرب وارتداده واشتغاله بالفساد في سائر البلاد.
____________________
(١) في ص ٤٢٤.
(٢) المبسوط ٣ : ٣٣٣.
(٣) الشيخ المفيد في المقنعة : ٦٤٨ - ٦٤٩ ، والشيخ الطوسي في النهاية : ٣٢٣ - ٣٢٤ ، وابن البرّاج في المهذّب ٢ : ٥٧٠ ، وابن إدريس في السرائر ٢ : ١٠٩.
(٤) المغني ٦ : ٣٨٣.
ويكون أمانةً في يده ، وإن تلف بغير تفريطٍ ، فلا ضمان عليه ؛ لأنّه محسن ، فينتفى السبيل عليه ، فإن وجد صاحبه دفعه إليه إذا أقام به البيّنة أو اعترف العبد أنّه سيّده ، وان لم يجد مولاه دفعه إلى الإمام أو نائبه ، فيحفظه لصاحبه أو يبيعه إن رآه مصلحةً ، ونحوه قال مالك وأحمد وأصحاب الرأي(١) ، ولا نعرف لهم مخالفاً.
وليس لملتقطه بيعه ولا تملّكه بعد تعريفه ؛ لأنّه ينحفظ بنفسه ، فهو كضوالّ الإبل ، فإن باعه فسد في قول عامّة أهل العلم(٢) .
وإن باعه الإمام لمصلحةٍ رآها في بيعه ، فجاء سيّده واعترف بأنّه قد كان أعتقه ، فالأقرب : عدم القبول إلّا بالبيّنة ؛ لأنّه الآن ملكٌ لغيره ، فلا يُقبل إقراره في ملك غيره ، كما لو باعه السيّد ثمّ أقرّ بعتقه.
وقال بعض العامّة : يُقبل قوله ؛ لأنّه لا يجرّ إلى نفسه نفعاً ، ولا يدفع عنه ضرراً(٣) .
وعلى ما اخترناه من عدم قبول قوله ليس له المطالبة بثمنه ؛ لإقراره بحُرّيّته ، لكن يؤخذ لبيت المال ؛ لأنّه لا مستحقّ له ظاهراً.
فإن عاد السيّد فأنكر العتق وطلب المال ، كان له أخذه ؛ لأنّه مالٌ لا منازع له فيه ، فيُحكم له به.
تمّ الجزء الحادي عشر من كتاب تذكرة الفقهاء بعون الله تعالى ، ويتلوه في الجزء الثاني عشر - بتوفيق الله تعالى - المقصد السابع في الإجارة ، وذلك على يد مصنّفه العبد الفقير إلى الله تعالى حسن بن يوسف ابن المطهّر.
____________________
(١) المغني ٦ : ٣٨٣.
(٢ و ٣) المغني ٦ : ٣٨٤.
وقد فرغت من تصنيفه وتسويده في ثالث جمادى الأُولى من سنة خمس عشرة وسبعمائة بالسلطانيّة ، والحمد لله وحده ، وصلّى الله على سيّدنا ومولانا محمّد النبيّ وآله الطاهرين.
* * *
الفهرس
المقصد الرابع : في القراض الأوّل : الماهيّة مسألة ١٩١ : ٦
مسألة ١٩٢ : ٨
الفصل الثاني : في أركانه الأوّل : العقد مسألة ١٩٣ : مسألة ١٩٤ : ١٢
تذنيب : مسألة ١٩٥ : ١٣
البحث الثاني : المتعاقدان ١٤
مسألة ١٩٦ : مسألة ١٩٧ : ١٥
تذنيب : ١٦
مسألة ١٩٨ : مسألة ١٩٩ : ١٧
مسألة ٢٠٠ : مسألة ٢٠١ : ١٨
البحث الثالث : في رأس المال ١٩
مسألة ٢٠٢ : ٢٢
تذنيب : ٢٣
مسألة ٢٠٣ : مسألة ٢٠٤ : ٢٦
مسألة ٢٠٥ : ٢٧
مسألة ٢٠٦ : ٢٨
مسألة ٢٠٧ : ٢٩
مسألة ٢٠٨ : ٣١
مسألة ٢٠٩ : ٣٣
مسألة ٢١٠ : ٣٤
مسألة ٢١١ : مسألة ٢١٢ : ٣٦
البحث الرابع : العمل مسألة ٢١٣ : ٣٧
مسألة ٢١٤ : ٣٩
مسألة ٢١٥ : ٤٠
مسألة ٢١٦ : ٤١
مسألة ٢١٧ : ٤٢
فروع : ٤٤
مسألة ٢١٨ : ٤٥
مسألة ٢١٩ : ٤٦
مسألة ٢٢٠ : ٤٧
مسألة ٢٢١ : ٤٨
تذنيب : ٥٠
البحث الخامس : في الربح ٥١
مسألة ٢٢٢ : ٥٤
مسألة ٢٢٣ : ٥٦
مسألة ٢٢٤ : ٥٨
مسألة ٢٢٥ : تذنيب : ٥٩
مسألة ٢٢٦ : ٦٠
الفصل الثالث : في أحكام القراض ٦٢
الأوّل : في اعتبار الغبطة في التصرّف مسألة ٢٢٧ : ٦٢
مسألة ٢٢٨ : ٦٣
مسألة ٢٢٩ : ٦٤
مسألة ٢٣٠ : ٦٥
مسألة ٢٣١ : ٦٦
مسألة ٢٣٢ : ٦٧
مسألة ٢٣٣ : ٦٨
مسألة ٢٣٤ : ٦٩
مسألة ٢٣٥ : ٧٠
مسألة ٢٣٦ : مسألة ٢٣٧ : ٧١
مسألة ٢٣٨ : ٧٣
تذنيب : مسألة ٢٣٩ : ٧٥
مسألة ٢٤٠ : ٧٦
مسألة ٢٤١ : ٧٧
مسألة ٢٤٢ : ٧٨
مسألة ٢٤٣ : ٧٨
مسألة ٢٤٤ : ٨١
مسألة ٢٤٥ : البحث الثاني : في قراض العامل مسألة ٢٤٦ : ٨٤
مسألة ٢٤٧ : مسألة ٢٤٨ : ٨٦
مسألة ٢٤٩ : ٩١
مسألة ٢٥٠ : ٩٢
مسألة ٢٥١ : ٩٣
مسألة ٢٥٢ : ٩٤
البحث الثالث : في السفر مسألة ٢٥٣ : ٩٥
مسألة ٢٥٤ : ٩٦
مسألة ٢٥٥ : ٩٨
مسألة ٢٥٦ : مسألة ٢٥٧ : ٩٩
مسألة ٢٥٨ : ١٠٠
مسألة ٢٥٩ : ١٠٢
مسألة ٢٦٠ : ١٠٣
مسألة ٢٦١ : ١٠٤
مسألة ٢٦٢ : مسألة ٢٦٣ : ١٠٥
مسألة ٢٦٤ : مسألة ٢٦٥ : ١٠٦
البحث الرابع : في وقت ملك الربح مسألة ٢٦٦ : ١٠٧
مسألة ٢٦٧ : مسألة ٢٦٨ : ١٠٩
مسألة ٢٦٩ : ١١٠
مسألة ٢٧٠ : ١١١
تذنيب : البحث الخامس : في الزيادة والنقصان مسألة ٢٧١ : ١١٣
مسألة ٢٧٢ : ١١٤
مسألة ٢٧٣ : ١١٦
مسألة ٢٧٤ : ١١٧
مسألة ٢٧٥ : ١١٨
مسألة ٢٧٦ : ١١٩
الفصل الرابع : في التنازع مسألة ٢٧٧ : ١٢٤
مسألة ٢٧٨ : ١٢٥
مسألة ٢٧٩ : ١٢٦
مسألة ٢٨٠ : ١٢٧
مسألة ٢٨١ : ١٢٨
مسألة ٢٨٢ : ١٣٠
مسألة ٢٨٣ : ١٣١
مسألة ٢٨٤ : ١٣٢
الفصل الخامس : في التفاسخ واللواحق مسألة ٢٨٥ : ١٣٤
مسألة ٢٨٦ : ١٣٥
مسألة ٢٨٧ : ١٣٨
مسألة ٢٨٨ : ١٣٩
مسألة ٢٨٩ : ١٤٠
مسألة ٢٩٠ : ١٤١
مسألة ٢٩١ : ١٤٤
مسألة ٢٩٢ : ١٤٥
مسألة ٢٩٣ : ١٤٦
مسألة ٢٩٤ : ١٤٧
مسألة ٢٩٥ : ١٤٩
مسألة ٢٩٦ : ١٥٠
مسألة ٢٩٧ : مسألة ٢٩٨ : ١٥٢
مسألة ٢٩٩ : ١٥٣
مسألة ٣٠٠ : ١٥٥
مسألة ٣٠١ : مسألة ٣٠٢ : ١٥٧
مسألة ٣٠٣ : ١٥٩
مسألة ٣٠٤ : ١٦١
مسألة ٣٠٥ : ١٦٢
مسألة ٣٠٦ : ١٦٣
المقصد الخامس : في اللّقطة المقصد الأوّل(١) : في لقطة الأموال ١٦٦
[ الفصل ] الأوّل : في لقطة الأموال غير الحيوان المطلب الأوّل : في الأركان الركن الأوّل : الالتقاط ١٦٨
مسألة ٣٠٧ : ١٧١
مسألة ٣٠٨ : ١٧٢
مسألة ٣٠٩ : ١٧٣
مسألة ٣١٠ : ١٧٤
الركن الثاني : الملتقط ١٧٦
مسألة ٣١١ : ١٧٧
مسألة ٣١٢ : ١٧٨
مسألة ٣١٣ : ١٧٩
تذنيب : مسألة ٣١٤ : ١٨١
مسألة ٣١٥ : ١٨٤
مسألة ٣١٦ : ١٨٩
مسألة ٣١٧ : ١٩٢
مسألة ٣١٨ : ١٩٤
تذنيب : مسألة ٣١٩ : ١٩٥
مسألة ٣٢٠ : ١٩٧
مسألة ٣٢١ : ١٩٨
مسألة ٣٢٢ : ١٩٩
مسألة ٣٢٣ : ٢٠٠
مسألة ٣٢٤ : ٢٠٢
مسألة ٣٢٥ : ٢٠٣
الركن الثالث : في المال الملقوط ٢٠٥
مسألة ٣٢٦ : ٢٠٨
مسألة ٣٢٧ : ٢٠٩
فروع : ٢١١
مسألة ٣٢٨ : ٢١٢
مسألة ٣٢٩ : ٢١٣
مسألة ٣٣٠ : الأوّل : الضمان وعدمه مسألة ٣٣١ : ٢١٤
مسألة ٣٣٢ : ٢١٥
مسألة ٣٣٣ : ٢١٦
مسألة ٣٣٤ : ٢١٧
مسألة ٣٣٥ : ٢١٨
مسألة ٣٣٦ : البحث الثاني : في التعريف مسألة ٣٣٧ : ٢١٩
مسألة ٣٣٨ : ٢٢٠
مسألة ٣٣٩ : مسألة ٣٤٠ : ٢٢٢
مسألة ٣٤١ : ٢٢٥
مسألة ٣٤٢ : ٢٢٦
مسألة ٣٤٣ : ٢٢٧
مسألة ٣٤٤ : ٢٢٨
مسألة ٣٤٥ : مسألة ٣٤٦ : ٢٣٠
تذنيب : مسألة ٣٤٧ : ٢٣٣
تذنيب : مسألة ٣٤٨ : ٢٣٥
مسألة ٣٤٩ : تذنيب : ٢٣٧
مسألة ٣٥٠ : ٢٣٨
البحث الثالث : في التملّك مسألة ٣٥١ : ٢٤٠
مسألة ٣٥٢ : ٢٤٤
مسألة ٣٥٣ : ٢٤٥
مسألة ٣٥٤ : ٢٤٦
مسألة ٣٥٥ : ٢٤٨
البحث الرابع : في وجوب الردّ مسألة ٣٥٦ : ٢٥٢
مسألة ٣٥٧ : ٢٥٣
مسألة ٣٥٨ : ٢٥٤
مسألة ٣٥٩ : ٢٥٥
مسألة ٣٦٠ : ٢٥٦
مسألة ٣٦١ : ٢٥٧
مسألة ٣٦٢ : ٢٥٨
مسألة ٣٦٣ : ٢٥٩
مسألة ٣٦٤ : مسألة ٣٦٥ : ٢٦١
مسألة ٣٦٦ : ٢٦٢
فروع : ٢٦٤
مسألة ٣٦٧ : ٢٦٦
مسألة ٣٦٨ : ٢٦٨
مسألة ٣٦٩ : ٢٦٩
مسألة ٣٧٠ : ٢٧٠
تذنيب : آخَر : ٢٧١
آخَر : آخَر : مسألة ٣٧١ : ٢٧٢
المطلب الثالث : في اللواحق مسألة ٣٧٢ : مسألة ٣٧٣ : ٢٧٤
مسألة ٣٧٤ : ٢٧٦
مسألة ٣٧٥ : ٢٧٧
مسألة ٣٧٦ : ٢٧٨
مسألة ٣٧٧ : ٢٧٩
مسألة ٣٧٨ : ٢٨٠
مسألة ٣٧٩ : ٢٨١
الفصل الثاني : في لقطة الحيوان الأوّل : المأخوذ مسألة ٣٨٠ : مسألة ٣٨١ : ٢٨٤
مسألة ٣٨٢ : ٢٨٦
مسألة ٣٨٣ : ٢٨٧
مسألة ٣٨٤ : ٢٨٨
مسألة ٣٨٥ : ٢٩٠
مسألة ٣٨٦ : ٢٩١
مسألة ٣٨٧ : ٢٩٣
مسألة ٣٨٨ : ٢٩٤
مسألة ٣٨٩ : ٢٩٥
مسألة ٣٩٠ : ٢٩٦
مسألة ٣٩١ : ٢٩٧
مسألة ٣٩٢ : ٢٩٨
مسألة ٣٩٣ : ٢٩٩
مسألة ٣٩٤ : ٣٠١
المطلب الثاني : في الملتقط مسألة ٣٩٥ : مسألة ٣٩٦ : ٣٠٢
مسألة ٣٩٧ : ٣٠٤
المطلب الثالث : في الأحكام مسألة ٣٩٨ : مسألة ٣٩٩ : ٣٠٥
مسألة ٤٠٠ : مسألة ٤٠١ : ٣٠٦
مسألة ٤٠٢ : مسألة ٤٠٣ : ٣٠٧
مسألة ٤٠٤ : ٣٠٨
مسألة ٤٠٥ : ٣٠٩
الفصل الثالث : في اللقيط الأوّل : الأركان الأوّل : الالتقاط ٣١٠
مسألة ٤٠٦ : ٣١١
الركن الثاني : اللقيط ٣١٢
الركن الثالث : الملتقِط مسألة ٤٠٧ : ٣١٣
مسألة ٤٠٨ : مسألة ٤٠٩ : ٣١٤
مسألة ٤١٠ : مسألة ٤١١ : ٣١٦
مسألة ٤١٢ : ٣١٧
مسألة ٤١٣ : ٣١٩
مسألة ٤١٤ : ٣٢٠
مسألة ٤١٥ : ٣٢١
المطلب الثاني : في أحكام الالتقاط الأوّل : في نقله مسألة ٤١٦ : ٣٢٢
مسألة ٤١٧ : مسألة ٤١٨ : ٣٢٤
البحث الثاني : في النفقة على اللقيط ٣٢٥
مسألة ٤١٩ : ٣٢٦
مسألة ٤٢٠ : ٣٢٧
مسألة ٤٢١ : ٣٢٨
مسألة ٤٢٢ : ٣٢٩
مسألة ٤٢٣ : ٣٣٠
مسألة ٤٢٤ : مسألة ٤٢٥ : ٣٣٢
مسألة ٤٢٦ : ٣٣٣
مسألة ٤٢٧ : ٣٣٦
المطلب الثالث : في أحكام اللقيط البحث الأوّل : في إسلامه وكفره مسألة ٤٢٨ : ٣٣٧
مسألة ٤٢٩ : ٣٤١
مسألة ٤٣٠ : ٣٤٣
مسألة ٤٣١ : ٣٤٤
مسألة ٤٣٢ : ٣٤٥
تذنيب : النظر الثاني : في الجهة الثانية في تبعيّة الإسلام مسألة ٤٣٣ : ٣٤٧
مسألة ٤٣٤ : ٣٤٨
مسألة ٤٣٥ : ٣٤٩
النظر الثالث : في الجهة الثالثة في التبعيّة في الإسلام مسألة ٤٣٦ : ٣٥٠
تذنيب : مسألة ٤٣٧ : ٣٥٣
مسألة ٤٣٨ : ٣٥٥
تذنيب : ٣٥٦
البحث الثاني : في حكم جناية اللقيط والجناية عليه مسألة ٤٣٩ : ٣٥٧
مسألة ٤٤٠ : ٣٥٨
مسألة ٤٤١ : ٣٦١
البحث الثالث : في نسب اللقيط الأوّل : أن يكون المدّعي واحداً مسألة ٤٤٢ : ٣٦٤
مسألة ٤٤٣ : ٣٦٥
مسألة ٤٤٤ : ٣٦٨
مسألة ٤٤٥ : ٣٦٩
النظر الثاني : فيما إذا تعدّد المدّعي مسألة ٤٤٦ : ٣٧٢
مسألة ٤٤٧ : ٣٧٧
مسألة ٤٤٨ : ٣٧٩
مسألة ٤٤٩ : ٣٨٠
مسألة ٤٥٠ : ٣٨٢
مسألة ٤٥١ : ٣٨٣
مسألة ٤٥٢ : ٣٨٥
مسألة ٤٥٣ : مسألة ٤٥٤ : ٣٨٦
مسألة ٤٥٥ : ٣٨٧
مسألة ٤٥٦ : ٣٨٨
فروع : ٣٨٩
مسألة ٤٥٧ : ٣٩٠
مسألة ٤٥٨ : ٣٩٢
مسألة ٤٥٩ : مسألة ٤٦٠ : ٣٩٣
البحث الرابع : في رقّ اللّقيط وحُرّيّته ٣٩٤
مسألة ٤٦١ : ٣٩٦
مسألة ٤٦٢ : ٣٩٧
مسألة ٤٦٣ : ٣٩٨
مسألة ٤٦٤ : ٣٩٩
مسألة ٤٦٥ : ٤٠١
مسألة ٤٦٦ : ٤٠٢
مسألة ٤٦٧ : ٤٠٤
مسألة ٤٦٨ : ٤٠٥
مسألة ٤٦٩ : ٤٠٦
مسألة ٤٧٠ : ٤٠٧
مسألة ٤٧١ : مسألة ٤٧٢ : ٤٠٨
مسألة ٤٧٣ : ٤٠٩
مسألة ٤٧٤ : ٤١٢
مسألة ٤٧٥ : ٤١٤
مسألة ٤٧٦ : ٤١٥
مسألة ٤٧٧ : مسألة ٤٧٨ : ٤١٨
مسألة ٤٧٩ : ٤١٩
مسألة ٤٨٠ : ٤٢٠
مسألة ٤٨١ : ٤٢١
مسألة ٤٨٢ : مسألة ٤٨٣ : ٤٢٢
المقصد السادس : في الجعالة الأوّل : الماهيّة ٤٢٤
الفصل الثاني : في الأركان الأوّل : الصيغة مسألة ٤٨٤ : ٤٢٦
مسألة ٤٨٥ : ٤٢٩
تذنيب : الركن الثاني : العاقد ٤٣٠
مسألة ٤٨٦ : مسألة ٤٨٧ : مسألة ٤٨٨ : ٤٣١
مسألة ٤٨٩ : ٤٣٢
مسألة ٤٩٠ : مسألة ٤٩١ : ٤٣٣
الركن الثالث : العمل مسألة ٤٩٢ : ٤٣٤
مسألة ٤٩٣ : ٤٣٥
الركن الرابع : في الجُعْل مسألة ٤٩٤ : مسألة ٤٩٥ : ٤٣٦
مسألة ٤٩٦ : ٤٣٨
مسألة ٤٩٧ : مسألة ٤٩٨ : ٤٣٩
مسألة ٤٩٩ : ٤٤٠
مسألة ٥٠٠ : ٤٤١
مسألة ٥٠١ : ٤٤٢
الفصل الثالث : في الأحكام مسألة ٥٠٢ : ٤٤٤
تذنيب : مسألة ٥٠٣ : ٤٤٥
مسألة ٥٠٤ : ٤٤٦
مسألة ٥٠٥ : ٤٤٧
مسألة ٥٠٦ : ٤٤٨
مسألة ٥٠٧ : ٤٤٩
مسألة ٥٠٨ : مسألة ٥٠٩ : ٤٥٠
الفهرس ٤٥٤