حمداً خالداً لوليّ النعم حيث أسعدني بالقيام بنشر
هذا السفر القيم في الملأ الثقافي الديني بهذه الصورة الرائعة.
و لروّاد الفضيلة الذين و ازرونافي انجاز هذا المشروع المقدّس شكر متواصل.
الشيخ محمد الاخوندي
بسم الله الرحمن الرحيم
( باب )
( فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية )
١ ـ عدّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن بعض أصحابنا ، عن حنان بن سدير ، عن سالم الحنّاط قال قلت لأبي جعفرعليهالسلام أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ »(١) قال هي الولاية لأمير المؤمنينعليهالسلام
________________________________________________________
باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية
أقول : النكت جمع نكتة بالضمّ وهي النقط كناية عن اللطائف والأسرار ، والنتف أيضا كصرد جمع نتفة بالضمّ وهي ما أخذته بإصبعك من النبت والشعر وغيرهما قال الجوهري : النتفة من النبات القطعة والجمع نتف كغرفة وغرف ، وأفاده نتفة من علم ، أي شيئاً نفيساً منه ، انتهى.
والمراد بهما الأخبار المتفرّقة الواردة في تفسير الآيات بالولاية ، لا تجمع بعضها مع بعض في عنوان ، فهو شبيه بباب النوادر.
الحديث الأول : مرسل.
« قال هي الولاية » أقول : ظاهر الآية رجوع الضمير إلى القرآن كما ذكره
__________________
(١) سورة الشعراء : ١٩.
________________________________________________________
المفسّرون ، وتأويلهعليهالسلام يحتمل وجهين : الأوّل : أنّ المراد به الآيات النازلة في الولاية أو هي عمدتها لأنّ أكثر القران نزل فيهم وفي أعدائهم ، الثاني : أنّ يكون المراد أنّ الإنذار الكامل بالقران إنّما يتم بنصب الإمام لأنه الحافظ للفظه المفسر لمعناه ، كما قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، ويؤيد الأوّل ما رواه عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن حسان عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله تعالى : «وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ »(١) قال : الولاية نزلت لأمير المؤمنينعليهالسلام يوم الغدير.
وقال بعض الأفاضل : لـمّا أراد الله سبحانه أن يعرّف نفسه لعباده ليعبدوه وكأنّ لا يتيسر معرفته كما أراد على سنة الأسباب إلا بوجود الأنبياء والأوصياء إذ بهم تحصل المعرفة التامة والعبادة الكاملة دون غيرهم ، وكان لم يتيسّر وجود الأنبياء والأوصياء إلا بخلق سائر الخلق ليكونوا أنسا لهم وسببا لمعاشهم ، فلذلك خلق سائر الخلق ثمّ أمرهم بمعرفة أنبيائه وأوليائه وولايتهم والتبرّي من أعدائهم وممّا يصدهم عن ذلك ليكونوا ذوات حظوظ من نعيمهم فوهب الكل معرفة بنفسه على قدر معرفتهم الأنبياء والأوصياء إذ بمعرفتهم لهم يعرفون الله ، وبولايتهم لهم يتولون الله فكلـمّا ورد من البشارة والإنذار والأوامر والنواهي والنصائح والمواعظ من الله سبحانه إنّما هو لذلك ، ولـمّا كان نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم سيّد الأنبياء ووصيّه صلوات الله عليه سيّد الأوصياء لجمعهما كمالات سائر الأنبياء والأوصياء ومقاماتهم مع ما لهما من الفضل عليهم ، وكان كل منهما نفس الآخر صح أنّ ينسب إلى أحدهما ما ينسب إليهم لاشتماله على الكلّ وجمعه لفضائل الكلّ ولذلك خص تأويل الآيات بهما وبأهل البيتعليهمالسلام الذين هم منها ذريّة بعضها من بعض ، وجيء بالكلمة الجامعة التي هي الولاية فإنّها مشتملة على المعرفة والمحبّة والمتابعة وسائر ما لا بدّ منه في ذلك.
__________________
(١) سورة الشعراء : ١٩٤.
٢ ـ محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن الحكم بن مسكين ، عن إسحاق بن عمار ، عن رجل ، عن أبي عبدّ اللهعليهالسلام في قول الله عز وجل : «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أنّ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسأنّ إِنَّهُ كان ظَلُوماً جَهُولاً »(١) قال هي ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام
________________________________________________________
الحديث الثاني : مرسل «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ » هذه الآية من المتشابهات وقد اختلف في تأويله المفسّرون والروايات على وجوه :
الأوّل : أنّ المراد بالأمانة التكليف بالأوامر والنواهي ، والمراد بعرضها على السماوات والأرض والجبال العرض على أهلها وعرضها عليهم هو تعريفه إيّاهم إذ في تضييع الأمانة الإثمّ العظيم ، وكذلك في ترك أوامر الله تعالى وأحكامه ، فبين سبحانه جرأة الإنسان على المعاصي وإشفاق الملائكة من ذلك ، فيكون المعنى عرضنا الأمانة على أهل السماوات والأرض والجبال من الملائكة والإنس والجنّ «فَأَبَيْنَ أنّ يَحْمِلْنَها » أي فأبى أهلهن أنّ يحملوا تركها وعقابها ، والمأثمّ فيها «وَأَشْفَقْنَ مِنْها » أي أشفقن أهلهنّ من حملها «وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كان ظَلُوماً » لنفسه بارتكاب المعاصي «جَهُولاً » بموضع الأمانة في استحقاق العقاب على الخيانة فيها ، فالمراد بحمل الأمانة تضييعها ، قال الزّجاج : كل من خان الأمانة فقد حملها ، ومن لم يحمل الأمانة فقد أدّاها.
والثاني : أنّ معنى عرضنا عارضنا وقابلنا ، فأنّ عرض الشيء على الشيء ومعارضته به سواء ، والمعنى أنّ هذه الأمانة في جلالة موقعها وعظم شأنها لو قيست السماوات والأرض والجبال وعورضت بها لكانت هذه الأمانة أرجح وأثقل وزناً ، ومعنى قوله : فأبين أنّ يحملنها ، ضعفن عن حملها ، كذلك وأشفقن منها لأنّ الشفقة ضعف القلب ، ولذلك صار كناية عن الخوف الذي يضعف عنده القلب ، ثمّ قال : أنّ هذه الأمانة التي من صفتها أنّها أعظم من هذه الأشياء العظيمة تقلدها الإنسان فلم يحفظها بل حملها وضيّعها لظلمة على نفسه ، ولجهله بمبلغ الثواب والعقاب.
__________________
(١) سورة الأحزاب : ٧١.
________________________________________________________
والثالث : ما ذكره البيضاوي حيث قال تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة ، وسماها أمانة من حيث إنهّا واجبة الأداء ، والمعنى أنها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام وكانت ذات شعور وإدراك لأبين أنّ يحملنها وَحَمَلَهَا الإنسان مع ضعف بنيته ورخاوة قوته لا جرم فأنّ الراعي لها والقائم بحقوقها بخير الدارين إِنَّهُ كان ظَلُوماً حيث لم يف بها ولم يراع حقها ، جَهُولاً بكنه عاقبتها ، وهذا وصف للجنس باعتبار الأغلب ، انتهى.
وقال الطبرسيقدسسره أنه على وجه التقدير أجرى عليه لفظ الواقع لأنّ الواقع أبلغ من المقدر معناه لو كانت السماوات والأرض والجبال عاقلة ، ثمّ عرضت عليها الأمانة وهي وظائف الدين أصولاً وفروعاً عرض تخيير لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها وشدتها وقوتها ، ولامتنعت من حملها خوفا من القصور عن أداء حقها ، ثمّ حملها الإنسان مع ضعف جسمه ، ولم يخف الوعيد لظلمة وجهله وعلى هذا يحمل ما روي عن ابن عباس أنها عرضت على نفس السماوات والأرض فامتنعت من حملها.
والرابع : أنّ معنى العرض والإباء ليس هو على ما يفهم بظاهر الكلام ، بل المراد تعظيم شأنّ الأمانة لا مخاطبة الجماد ، والعرب تقول : سألت الربع(١) وخاطبت الدار فامتنعت عن الجواب ، وإنّما هو إخبار عن الحال عبر عنه بذكر الجواب والسؤال ، وتقول : أتى فلان بكذب لا تحمله الجبال ، وقال سبحانه : «فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ »(٢) وخطاب من لا يفهم لا يصح ، فالأمانة على هذا ما أودع الله سبحانه السماوات والأرض والجبال من الدلائل على وحدانيته وربوبيته فأظهرتها والإنسان الكافر كتمها وجحدها لظلمة ويرجع إليه ما قيل : المراد بالأمانة الطاعة التي تعم الطبيعيّة والاختياريّة ، وبعرضها استدعاؤها
__________________
(١) الربع - كفَلس - المنزل ، قال جميل : « ألم تسمع الربع القواء فينطق * وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق. ». (٢) سورة فصلت : ١١.
________________________________________________________
الّذي يعمّ طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره ، وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها ، ومنه قولهم : حامل الأمانة ومحتملها لمن لا يؤديها وتبرأ ذمّته فيكون الإباء منه إتياناً بما يمكن أن يتأتىّ منها والظلم والجهالة للخيانة والتقصير.
والخامس : ما قيل : إنّه تعالى لـمّا خلق الله هذه الأجرام خلق فيها فهما وقال لها : إني قد فرضت فريضة وخلقت جنة لمن أطاعني فيها ، ونارا لمن عصاني فقلن :
نحن مسخرات على ما خلقنا لا نحتمل فريضة ولا نبتغي ثوابا ولا عقابا ، ولـمّا خلق آدمعليهالسلام عرض عليه مثل ذلك فتحمّله ، وكان ظلوماً لنفسه بتحمله ما يشق عليها ، جهولا بوخامة عاقبته.
والسادس : ما قيل : أنّ المراد بالأمانة العقل والتكليف ، وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن ، وبآبائهن الإباء الطبيعي الّذي هو عدم اللياقة والاستعداد ، وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها ، وكونه ظلوماً جهولاً لـمّا غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية ، وعلى هذا يحسن أنّ يكون علة للحمل عليه ، فأنّ من فوائد العقل أنّ يكون مهيمنا على القوتين حافظاً لهما عن التعدي ومجاوزة الحد ، ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما.
والسابع : أنّ المراد بالأمانة أداء الأمانة ضد الخيانة أو قبولها ، وتصحيح تتمة الآية على أحد الوجوه المتقدمة.
والثامن : أنّ المراد بالأمانة والخلافة الكبرى ، وحملها ادعاؤها بغير حق ، والمراد بالإنسان أبو بكر ، وقد وردت الأخبار الكثيرة في ذلك أوردتها في كتاب الإمامة وغيرها من كتاب بحار الأنوار ، كما يدلّ عليه هذا الخبر ، وقد روي بأسانيد عن الرضاعليهالسلام قال : الأمانة الولاية من ادّعاها بغير حق كفر ، وقال عليّ بن إبراهيم الأمانة هي الإمامة والأمر والنهي ، عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن
________________________________________________________
يحملنها قال : أبين أن يدّعوها أو يغصبوها أهلها ، وأشفقن منها وحملها الإنسان الأوّل إنه كان ظلوماً جهولاً ، وعن الصادقعليهالسلام : الأمانة الولاية والإنسان أبو الشرور المنافق ، وعن الباقرعليهالسلام : هي الولاية أبين أنّ يحملنها كفرا وحملها الإنسان والإنسان أبو فلان.
وممّا يدلّ على أنّ المراد بها التكليف ما روي أنّ عليّاً كان إذا حضر وقت الصلاة تغير لونه فسئل عن ذلك فقال : حضر وقت أمانة عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أنّ يحملنها وأشفقن منها.
وممّا يدلّ على كون المراد بها الإمامة المعروفة ما في نهج البلاغة في جملة وصاياه للمسلمين : ثمّ أداء الأمانة فقد خاب من ليس من أهلها ، أنها عرضت على السماوات المبنية والأرض المدحوة ، والجبال ذات الطول المنصوبة ، فلا أطول ولا أعرض ولا أعظم منها ، ولو امتنع شيء بطول أو عرض أو قوة أو عز لامتنعن ولكن أشفقن من العقوبة وعقلن ما جهل من هو أضعف منهن وهو الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا.
وعن الصادقعليهالسلام أنهّ سئل عن الرجل يبعث إلى الرجل يقول : ابتع لي ثوبا فيطلب في السوق فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق فيعطيه من عنده ، قال : لا يقربن هذا ولا يدنس نفسه أنّ الله عز وجل يقول : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ « الآية ».
والحق أنّ الجميع داخل في الآية بحسب بطونها كما قيل : أنّ المراد بالأمانة التكليف بالعبودية لله على وجهها ، والتقرب بها إلى الله سبحانه كما ينبغي لكل عبدّ بحسب استعداده لها ، وأعظمها الخلافة الإلهية لأهلها ثمّ تسليم من لم يكن من أهلها لأهلها ، وعدم ادعاء منزلتها لنفسه ، ثمّ سائر التكاليف ، والمراد بعرضها على السماوات والأرض والجبال النظر إلى استعدادهن لذلك ، وبآبائهن الإباء الطبيعي الّذي هو عبارة عن عدم اللياقة ، وتحمل الإنسان إياها تحمله لها من غير استحقاق تكبّراً على أهلها أو مع تقصيره بحسب وصف الجنس باعتبار الأغلب ، وهذه معانيها
________________________________________________________
الكليّة ، وكلّ ما ورد في تأويلها في مقام يرجع إلى هذه الحقائق كما يظهر عند التدبّر والتوفيق من الله سبحانه.
قال السيّد المرتضىرضياللهعنه في أجوبة المسائل العكبريّة حيث سئل عن تفسير هذه الآية : إنه لم يكن عرض في الحقيقة على السماوات والأرض والجبال بقول صريح أو دليل ينوب مناب القول ، وإنّما الكلام في هذه الآية مجاز أريد به الإيضاح عن عظم الأمانة ، وثقل التكليف بها وشدته على الإنسان ، وأنّ السماوات والأرض والجبال لو كانت مما تقبل لأبت حمل الأمانة ولم يؤد مع ذلك حقها ، ونظير ذلك قوله تعالى : «تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا »(١) ومعلوم أنّ السماوات والأرض والجبال جماد لا تعرف الكفر من الإيمأنّ ، ولكن المعنى في ذلك إعظام ما فعله المبطلون وتفوه به الضالون وأقدم به المجرمون من الكفر بالله تعالى ، وأنه من عظمه جار مجرى ما يثقل باعتماده على السماوات والأرض والجبال وأنّ الوزر به كذلك ، وكان الكلام في معناه ما جاء به التنزيل مجازا واستعارة كما ذكرناه ، ومثل ذلك قوله تعالى : «وَأنّ مِنَ الْحِجارَةِ لـمّا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ »(٢) الآية ومعلوم أنّ الحجارة جماد لا يعلم فيخشى أو يحذر أو يرجو ويؤمل وإنّما المراد بذلك تعظيم الوزر في معصية الله تعالى وما يجب أنّ يكون العبدّ عليه من خشية الله وقد بين الله ذلك بقوله في نظير ما ذكرناه : «وَلَوْ أنّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ »(٣) الآية ، فبيّن بهذا المثل عن جلالة القران وعظم قدره وعلو شأنه ، وأنه لو كان كلام يكون به ما عده ووصفه لكان بالقران لعظم قدره على سائر الكلام.
وقد قيل : أنّ المعنى في قوله : «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ » عرضها على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال ، والعرب تخبر عن أهل الموضع بذكر الموضع ويسميهم
__________________
(١) سورة مريم : ٩٠. (٢) سورة البقرة : ٧٤.
(٣) سورة الرعد : ٣١.
٣ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن أبي زاهر ، عن الحسن بن موسى الخشّاب ، عن عليّ بن حسان ، عن عبد الرَّحمن بن كثير ، عن أبي عبدّ اللهعليهالسلام في قول الله عز وجل [ و ] «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ »(١) قال بما جاء به محمّدصلىاللهعليهوآله
________________________________________________________
باسمه قال الله تعالى : «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ »(٢) يريد أهل القرية وأهل العير ، وكان العرض على أهل السماوات وأهل الأرض ، وأهل الجبال قبل خلق آدم ، وخيّروا بين التكليف لما كلّفه آدم وبنوه فأشفقوا من التفريط فيه واستعفوا منه فاعفوا ، فتكّلفه الإنسان ففرط فيه ، وليست الآية على ما ظنه السائل أنها هي الوديعة وما في بابها ولكنّها التكليف الّذي وصفناه ، ولقوم من أصحاب الحديث الذاهبين إلى الإمامة جواب تعلقوا به من جهة بعض الأخبار وهي أنّ الأمانة هي الولاية لأمير المؤمنينعليهالسلام ، وإنّما عرضت قبل خلق آدم على السماوات والأرض والجبال ليأتوا بها على شروطها فأبين من حملها على ذلك خوفاً من تضييع الحق فيها ، وكلفها الناس فتكلفوها ولم يود أكثرهم حقّها ، انتهى.
وأقول : إذا عرفت هذه المعاني وأحطت بما حققنا سابقاً يمكن حمل الخبر على أنّ المراد مطلق التكليف ، وإنّما خصعليهالسلام الولاية بالذكر لأنّها هي العمدة في التكاليف والشرط في صحّة باقيها وصونها وحفظها والله يعلم.
الحديث الثالث : ضعيف.
والآية في سورة الأنعام وتمامها : «أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ »(١) وقال الطبرسي (ره) : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ، معناه عرفوا الله تعالى وصدقوا به وبما أوجبه عليهم ولم يخلطوا ذلك بظلم والظلم هو الشرك عن ابن عباس وأكثر المفسرين ، وروي عن أبي بن كعب أنه قال : ألم تسمع قوله سبحانه : «أنّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ »(٣) وهو المرويّ عن سلمان وحذيفة ، وروي عن ابن مسعود قال
__________________
(١) سورة الأنعام : ٨١. (٢) سورة يوسف : ٨٢.
(٣) سورة لقمان : ١٣.
من الولاية ولم يخلّطوها بولاية فلان وفلان فهو الملبّس بالظلم
________________________________________________________
لـمّا نزلت هذه الآية شق على الناس وقالوا : يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟ فقالعليهالسلام : ليس الّذي تعنون ألم تسمعوا إلى ما قال العبدّ الصالح : «يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ أنّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » وقال الجبائي والبلخي : يدخل في الظلم كل كبيرة تحط ثواب الطاعة «أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ » من الله بحصول الثواب والأمأنّ من العقاب «وَهُمْ مُهْتَدُونَ » أي محكوم لهم بالاهتداء إلى الحق والدين وقيل : إلى الجنة ، انتهى.
واختلف في تأويلها في أخبارنا فعن أبي بصير عن أبي عبدّ اللهعليهالسلام قال : قلت : «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ » الزنا منه؟ قال : أعوذ بالله من أولئك ، لا ولكنه ذنب إذا تاب تاب الله عليه ، وقال : مدمن الزنا والسرقة وشارب الخمر كعابدّ الوثن.
وعن يعقوب بن شعيب عنهعليهالسلام قال : الضلال فما فوقه ، وعن أبي بصير عنهعليهالسلام قال : «بِظُلْمٍ » أي بشك ، ويظهر من بعضها أنّ المراد جميع المعاصي ويمكن حمله في الخبر على جميع ما يخرج من الدين ، ويكون تخصيص الولاية لأنها العمدة والأهم والمختلف فيه بين المسلمين.
قوله : وهو الملبّس بكسر الباء المشدّدة فالضمير راجع إلى الرجل الّذي خلط ولاية الحق بالباطل أو بفتحها ، فالضمير راجع إلى الإيمان الملبّس ، وفي القاموس : لبس عليه الأمر يلبسه خلطه وألبسه غطّاه وأمر ملبّس وملتبس مشتبه ، والتشبيه ، التخليط والتدليس ولا تقل ملبّس ، انتهى.
ويظهر من الخبر أنّه يأتي الملبّس على بعض الوجوه ، وقال بعضهم : الملبس بكسر الميم وسكون اللام اسم آلة والمراد أنّ قوله لم يلبسوا من قبيل الكناية ، فأنّ الخلط آلة اللبس وملزوم له ، ولا يخفى بعده.
٤ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن الحسين بن نعيم الصحاف قال سألت أبا عبدّ اللهعليهالسلام - عن قول الله عز وجل «فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ »(١) فقال عرف الله إيمانهم بولايتنا وكفرهم بها يوم أخذ عليهم الميثاق في صلب آدمعليهالسلام وهم ذر.ّ
٥ - أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن أحمد ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن محبوب ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي الحسنعليهالسلام في قول الله عز وجل «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ »(٢)
________________________________________________________
الحديث الرابع : حسن والآية في سورة التغابن هكذا : «هُوَ الّذي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ » والتقديم إما من النساخ أو كان في مصحفهمعليهمالسلام هكذا ، ونقل بالمعنى من الراوي ، وسيأتي هذا الخبر بعينه بهذا السند في أواخر الباب مع زيادة موافقا لـمّا في المصاحف ، فالظاهر أنه هنا من النساخ ، وقيل : إنّما قدم الكافر لأنهم أكثر والمعنى أنه يصير كافراً أو في علم الله أنه كافر والظاهر أنّ تأويلهعليهالسلام يرجع إلى الثاني أي في تكليفهم الأوّل وهم ذر كان يعرّف من يؤمن ومن لا يؤمن فكيف عند خلق الأجساد ، وعلى هذا يقرأ عرف على بناء المجرد ، ويمكن أنّ يقرأ على بناء التفعيل فالمراد بالخلق خلق الأجساد ، فالمعنى أنه حين خلقكم كان بعضكم كافراً لكفره في الذرّ وبعضكم مؤمناً لإيمانه في الذرّ ، والذرّ بالفتح جمع ذرة صغار النمل مائة منها بوزن حبّة شعير ، ويطلق على ما يرى في شعاع الشمس النافذة من الكوّة.
قوله : في صلب آدم ، أي حين كونهم أجزاء من صلب آدم وأنّ خرجوا منه حين الميثاق ، وكما سيأتي في كتاب الإيمان والكفر وأنّ احتمل أنّ يكون الميثاق مرّتين ، مرّة حين كونها في الصلب ومرّة بعد خروجها.
الحديث الخامس : مجهول.
«يُوفُونَ بِالنَّذْرِ » قال في القاموس : نذر على نفسه ينذر وينذر نذراً ونذوراً
__________________
(١) سورة التغابن : ٣. (٢) سورة الدهر : ٥.
الّذي أخذ عليهم من ولايتنا.
٦ - محمّد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن حمّاد بن عيسى ، عن ربعي بن عبد الله ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله عز وجل : «وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ
________________________________________________________
أوجبه ، والنذر ما كان وعداً على شرط ، وما ذكرهعليهالسلام من تأويل الإيفاء بالنذر بالوفاء في عالم الأجساد بما أوجب على نفسه من ولاية النبي والأئمة صلوات الله عليهم في الميثاق بطن من بطون الآية ، فلا ينافي ظاهره من الوفاء بالنذر والعهود المعهود في الشريعة ، وما ورد أنها نزلت في نذر أهل البيتعليهمالسلام الصوم لشفاء الحسنينعليهماالسلام كما رواه الصدوق في مجالسه وغيره.
ويمكن أنّ يكون المراد بالنذر مطلق العهود مع الله أو مع الخلق أيضاً وخصوص سبب النزول لا يصير سببا لخصوص الحكم والمعنى ، واكتفىعليهالسلام هنا بذكر الولاية لكونها الفرد الأخفى ويؤيده أنّ سابق الآية مسوقة لذكر مطلق الأبرار وأنّ كان المقصود الأصلي منها الأئمة الأطهار.
وأقول : سيأتي في آخر الباب رواية كبيرة عن محمّد بن الفضيل باختلاف في أول السند ، قلت : قوله : «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ »؟ قال : يوفون لله بالنذر الّذي أخذ عليهم في الميثاق من ولايتنا ، فهنا إما سقط أو اختصار مخل.
الحديث السادس : مجهول كالصحيح.
والآية في المائدة هكذا : «وَلَوْ أنّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ،وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ » وإقامة التوراة والإنجيل ترك تحريفهما لفظا ومعنى ، وإذاعة ما فيهما من البشارة بالرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وغير ذلك والقيام بأحكامهما ، وما أنزل إليهم قبل يعني سائر الكتب المنزلة ، فإنّها من حيث إنهم مكلفون بالإيمان بها كالمنزل إليهم القرآن.
وقولهعليهالسلام : الولاية ، الظاهر أنه تفسير لـمّا أنزل إليهم ، وعلى الثاني ظاهر
وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ »(١) قال الولاية.
٧ - الحسين بن محمّد الأشعريّ ، عن معلى بن محمّد ، عن الوشاء ، عن مثنى ، عن زرارة ، عن عبدّ الله بن عجلان ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله تعالى : «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى »(٢) قال هم الأئمةعليهمالسلام
________________________________________________________
فأنّ الولاية داخلة فيما أنزل إليهم في القران بل أكثره فيها كما مرّ أو هو تفسير لإقامة ما أنزل إليهم فأنّ إقامة القران لفظاً ومعنى لا يتمّ إلّا بولاية الأئمةعليهمالسلام لأنّهم الحافظون له والعالمون بمعناه ، وعلى الأوّل أيضاً صحيح لأنّ ولاية الرسول وأهل بيتهعليهمالسلام داخلة فيما أنزل الله على جميع الرسل كما ورد في أخبار كثيرة ، وعلى هذا الوجه يمكن أنّ يكون تفسيراً لإقامة التوراة والإنجيل أيضاً.
وأمّا الأكل من فوقهم ومن تحت أرجلهم فقيل : المعنى لوسّع عليهم أرزاقهم بأنّ يفيض عليهم بركات السماء والأرض أو يكثر ثمرّة الأشجار وغلة الزرع أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار فيجتنونها من رأس الشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض.
وأقول : يمكن أنّ يراد به الأغذية الروحانية مما نزل من السماء ، وممّا يستنبطونه بأفكارهم من المعارف ، كما مرّ في قوله تعالى : «فَلْيَنْظُرِ الإنسان إِلى طَعامِهِ »(٣) قالعليهالسلام : علمه الّذي يأخذه عمن يأخذه.
الحديث السابع : ضعيف على المشهور.
«قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى » قد مرّ الكلام في هذه الآية وأنها نازلة في مودتهمعليهمالسلام ، وقد اعترف المخالفون أيضاً بذلك ، قال البيضاوي :
«قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ » أي على ما تعاطاه من التبليغ والبشارة «أَجْراً » نفعاً منكم «إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى » أنّ تودوني لقرابتي منكم أو تودوا قرابتي ، وقيل : الاستثناء منقطع ، والمعنى لا أسئلكم أجراً قط ولكن أسئلكم المودة و «فِي الْقُرْبى » حال منها ، روي أنّها لـمّا نزلت قيل : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء؟ قال : عليّ وفاطمة وابناهما
__________________
(١) سورة المائدة : ٦٥. (٢) سورة الشورى : ٢٢.
(٣) سورة عبس : ٢٤.
________________________________________________________
ثمّ قال : «وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً » ومن يكتسب طاعة سيّما حبّ آل الرسول.
وروى الفخر الرازي إمامهم أخبارا كثيرة في ذلك قد أسلفنا بعضها في باب نصّ الرسول على الأئمة واحدا بعد واحد ، وذكر دلائل كثيرة على أنّ المراد بذوي القربى عليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام ، ثمّ قال : وروى صاحب الكشّاف أنه لـمّا نزلت هذه الآية قيل : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودّتهم فقال : عليّ وفاطمة وابناهما.
ثمّ قال : فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وإذا ثبت هذا وجب أنّ يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ويدلّ عليه وجوه :
الأول : قوله تعالى : «إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى » ووجه الاستدلال به ما سبق.
الثاني : لـمّا ثبت أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يحبّ فاطمة ، قالعليهالسلام : فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ، وثبت بالنقل المتواتر عن محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه كان يحبّ عليّاً والحسن والحسينعليهمالسلام وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله لقوله تعالى : «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ »(١) ولقوله تعالى : «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ »(٢) ولقوله تعالى : «قُلْ أنّ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ »(٣) ولقوله : «لَقَدْ كان لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ »(٤) .
الثالث : أنّ الدعاء للآل منصب عظيم ، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلوات ، وهو قوله : اللّهم صلى على محمّد وآل محمّد وارحم محمّداً وآل محمّد ، وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل ، فكل ذلك يدلّ على أنّ حبّ آل محمّد واجب.
وقال الشافعي :
يا راكباً قف بالمحصّب من منى |
واهتف بساكن خيفها والناهض |
__________________
(١) سورة الأعراف : ١٥٨. (٢) سورة النور : ٦٣.
(٣) سورة آل عمران : ٣١. (٤) سورة الأحزاب : ٢١.
٨ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن عليّ بن أسباط ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبدّ اللهعليهالسلام في قول الله عز وجل : «وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ » في ولاية عليّ و [ ولاية ] الأئمّة من بعده «فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً »(١) هكذا نزلت.
٩ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن أحمد بن النضر ، عن محمّد بن مروأنّ رفعه إليهم في قول الله عز وجل : «وَما كان لَكُمْ أنّ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ »(٢) في عليّ والأئمّة : «كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قالُوا »(٣)
________________________________________________________
متنحّراً إذا فاض الحجيج إلى منى |
فيضاً كملتطم الفرات الفائض |
|
إن كان رفضاً حبّ آل محمّد |
فليشهد الثقلان إنّي رافضي |
الحديث الثامن : ضعيف على المشهور.
« هكذا نزلت » ظاهره أنّ الآية كانت هكذا ، وربمّا يأول بأنّ معناه ذلك أو هي العمدة في ذلك ، إذ الإطاعة في سائر الأمور لا تتم إلّا بذلك ، ويؤيّده أنّها وردت بعد قوله سبحانه : «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ » وقد مرّ أنّها في الإمامة.
الحديث التاسع : ضعيف على المشهور.
وضمير « إليهم » راجع إلى الأئمّةعليهمالسلام وهذا كأنّه نقل للآية بالمعنى ، لأنه قال تعالى في سورة الأحزاب : «وَما كان لَكُمْ أنّ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أنّ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً » وقال بعد ذلك بفاصلة : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قالُوا » فجمععليهالسلام بين الاثنين وأفاد مضمونها ، ويحتمل أنّ يكون في مصحفهمعليهمالسلام كذلك لكنّه بعيد ، ويمكن أنّ يكون إيذاء موسى أيضاً لوصيّه هارون ، قال البيضاوي «فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قالُوا » فأظهروا(٤) برائته من
__________________
(١) سورة الأحزاب : ٧٠.(٢) سورة الأحزاب : ٥٣.
(٣) سورة الأحزاب : ٩.(٤) كذا في النسخ والظاهر « فأظهر ».
١٠ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن السيّاري ، عن عليّ بن عبدّ الله قال سأله رجل عن قوله تعالى : «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى »(١) قال من قال بالأئمّة واتّبع أمرهم ولم يجز طاعتهم.
١١ - الحسين بن محمّد ، عن عليّ بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد بن عبدّ الله رفعه في قوله تعالى : «لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ.* وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ.* وَوالِدٍ وَما وَلَدَ »(٢) قال
________________________________________________________
مقولهم يعني مؤدّاه ومضمونه ، وذلك أنّ قارون عرض امرأة على قذفه بنفسها ، فعصمه الله تعالى كما مرّ ، واتهمه ناس بقتل هارون لـمّا خرج معه إلى الطور فمات هناك فحملته الملائكة ومروا بهم حتّى رأوه غير مقتول ، وقيل : أحياه الله تعالى فأخبرهم ببراءته أو قذفوه بعيب في بدنه من برص أو أدرة لفرط تستره حياءا فأطلعهم الله على أنه بريء منه.
الحديث العاشر : كالسابق.
والضمير كأنّه للجواد أو الهاديعليهماالسلام ، والآية في سورة طه هكذا : «قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى » فالمراد بالهدي الرسول والكتاب النازلأنّ في كلّ أمّة ، واتباع الهداية إنّما يكون بمتابعة أوصيائهم ومصداقه في هذه الأمّة الأئمّة الطاهرينعليهمالسلام ومتابعتهم ، فمن قال بهم واتبع أمرهم ولم يتجاوز عن طاعتهم فلا يضل في الدنيا عن طريق الحق ، ولا يشقي في الآخرة باستحقاق العقوبة ، والهدى مصدر بمعناه أو بمعنى الفاعل للمبالغة ويستوي فيه الواحد والجمع.
الحديث الحادي عشر : كالسابق.
«لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ » قيل : لا للنفي إذ الأمرّ أوضح من أنّ يحتاج إلى قسم أو أقسم ولا مزيدة للتأكيد ، أولأ نا أقسم فحذف المبتدأ وأشبع فتحة لام الابتداء ، أو « لا » رد لكلام يخالف المقسم عليه ، قال البيضاوي : أقسم سبحانه بالبلد الحرام
__________________
(١) سورة الحج : ١٢٢.(٢) سورة البلد : ١ - ٣.
أمير المؤمنين وما ولد من الأئمّةعليهمالسلام .
١٢ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن أورمة ومحمّد بن عبدّ الله ، عن عليّ بن حسّان ، عن عبد الرَّحمن بن كثير ، عن أبي عبدّ اللهعليهالسلام في قول الله تعالى : «وَاعْلَمُوا إنّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى »(١) قال
________________________________________________________
وقيّده بحلول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه إظهارا لمزيد فضله وإشعاراً بأنّ شرف المكان لشرف أهله ، وقيل : حلّ مستحلّ بعرضك فيه كما يستحلّ بعرض الصيد في غيره ، أو حلال لك أنّ تفعل فيه ما تريد ساعة من النهار فهو وعد بما أحلّ له عام الفتح «وَوالِدٍ » عطف على هذا البلد ، والوالد آدم أو إبراهيمعليهماالسلام «وَما وَلَدَ » ذريته أو محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم والتنكير للتعظيم وإيثار « ما » على « من » بمعنى التعجب كما في قوله تعالى : «وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ »(٢) انتهى.
وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : كانت قريش تعظم البلد وتستحلّ محمّداً فيه ، فقال : لا أقسم بهذا البلد وأنت حلّ بهذا البلد ، يريد أنّهم استحلّوك فيه فكذبوك وشتموك ، وكانوا لا يأخذ الرجل منهم فيه قاتل أبيه ويتقلدون لحاء شجر الحرام(٣) فيأمنون بتقليدهم إيّاه ، فاستحلّوا من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما لم يستحلّوا من غيره ، فعاب الله ذلك عليهم.
وعنهعليهالسلام في قوله : «وَوالِدٍ » آدم «وَما وَلَدَ » من الأنبياء والأوصياء وأتباعهم وأولعليهالسلام الوالد في هذا الخبر بأمير المؤمنينعليهالسلام ، وما ولد بالأئمّةعليهمالسلام وهو أحد محامل الآية وبطونها ، أقسم بهم لبيان تشريفهم وتعظيمهم.
الحديث الثاني عشر : ضعيف.
«وَاعْلَمُوا إنّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ » قيل : المراد به غنائم دار الحرب ، وقيل :
يدخل فيه كلّ فائدة من أرباح التجارات والصناعات والزراعات فأنّ الغنيمة اسم
__________________
(١) سورة الأنفال : ٤٠.
(٢) سورة آل عمران : ٣٦. (٣) لحا الشجر : قشر عوده.
أمير المؤمنين والأئمّةعليهمالسلام .
١٣ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن عبد الله بن سنان قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عزَّ وجلَّ : «وَمِمَّنْ خَلَقْنا أمّة يَهْدُونَ بِالْحَقِ
________________________________________________________
للفائدة وقد دلّت عليه أخبار كثيرة ، وتفصيله مذكور في محلّه ، وقوله : من شيء ، بيأنّ لـمّا للتعميم «فَأنّ لِلَّهِ خُمُسَهُ » قيل : مبتدأ خبره محذوف أي فثابت أنّ لله خمسه.
والمشهور بين أصحابنا أنه يقسّم ستّة أقسام ثلاثة للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهي سهم الله وسهم رسوله وسهم ذي القربى وبعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم السهام الثلاثة للإمام ، وحكي قول نادر عن بعض الأصحاب بأنه يقسّم خمسة أقسام سهم الله لرسوله وسهم ذي القربى لهم ، والثلاثة الباقية ليتامى بني هاشم ومساكينهم وأبناء سبيلهم ، وهو مذهب أكثر العامّة وذهب ابن الجنيد إلى عدم اختصاص سهم ذي القربى بالإمام ، بل هو لجميع بني هاشم وهو نادر ، وسيأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى.
الحديث الثالث عشر : ضعيف على المشهور.
«يَهْدُونَ بِالْحَقِ » أي يهدون الخلق بالحقّ الّذي هو دين الإسلام وحدوده وأحكامه و «بِهِ » أي بدين الحق «يَعْدِلُونَ » أي يحكمون بالعدل والقسط « قال هم الأئمّة » قال الطبرسي (ره) في تفسير هذه الآية : روى ابن جريج عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : هو لأمتي بالحقّ يأخذون وبالحقّ يعطون ، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها «وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أمّة يَهْدُونَ بالحقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ » وقال الربيع بن أنس : قرأ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم هذه الآية فقال : إنّ من أمّتي قوماً على الحقّ حتّى ينزل عيسى بن مريم.
وروى العياشي بإسناده عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال : والّذي نفسي بيده لتفترقن هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلّا فرقة «وَمِمَّنْ خَلَقْنا أمّة يَهْدُونَ بالحقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ » فهذه الّتي تنجو ، وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله
وَبِهِ يَعْدِلُونَ »(١) قال هم الأئمّة.
١٤ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن أورمة ، عن عليّ بن حسّان ، عن عبد الرَّحمن بن كثير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله تعالى : «هُوَ الّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ »(٢) قال أمير المؤمنينعليهالسلام والأئمّة «وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ » قال فلان وفلان «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ » أصحابهم وأهل
________________________________________________________
عليهماالسلام أنّهما قالا : نحن هم ، انتهى.
واستدلّ بها على حجيّة الإجماع ولا يخفى ما فيه ، بل يدلّ على أنّه في كل عصر إمام عالم بجميع الأحكام عامل بها وهو الإمامعليهالسلام ، أو هو وأتباعه التابعون له قولاً وفعلاً ، وأمّا الإجماع فلا دليل على تحقّقه في كلّ عصر ، ولو سلم فيكون أهل الإجماع محقّين فيما أجمعوا عليه لا في جميع أمورهم ، وظاهر سياق الآية عموم الأحوال والأحكام والأمور.
الحديث الرابع عشر : ضعيف.
ولعل المراد أنّ ما نزل في أمير المؤمنينعليهالسلام والأئمّةعليهمالسلام من الآيات محكمات ، والذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابهات من الآيات فيأولونها في أئمتهم مع أنّ تأويل المتشابهات لا يعلمه إلّا الله والراسخون في العلم ، وهم الأئمّةعليهمالسلام أو يكون في هذا البطن من الآية ضمير منه راجعاً إلى من يتّبع الكتاب أو المذكور فيه ، أو يكون كلمة من ابتدائية أي حصل بسبب الكتاب ونزوله الفريقان ، فيحتمل حينئذ أنّ يكون ضمير تأويله راجعاً إلى الموصول في قوله : «ما تَشابَهَ » أي يأولون أعمالهم القبيحة وأفعالهم الشنيعة ، ولا يبعد أيضاً أنّ يكون المراد تشبيه الأئمّة بمحكمات الآيات وشيعتهم بمن يتبعها ، وأعدائهم بالمتشابهات لاشتباه أمرهم على الناس ، وأتباعهم بمن يتبعها طلبا للفتنة ومتاع الدنيا ، وطلبا لتأويل قبائح أعمالهم ، ولعلّ
__________________
(١) سورة الأعراف : ١٨٠.
(٢) سورة آل عمران : ٧.
ولايتهم «فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » أمير المؤمنينعليهالسلام والأئمّةعليهمالسلام .
١٥ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن مثنى ، عن عبد الله بن عجلان ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله تعالى «أَمْ حَسِبْتُمْ أنّ تُتْرَكُوا وَلـمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً »(١) يعني بالمؤمنين الأئمّةعليهمالسلام لم يتّخذوا الولائج من دونهم
________________________________________________________
الأول أظهر الوجوه وهو من متشابهات الأخبار ولا يعلم تأويله إلّا الله والراسخون في العلم.
الحديث الخامس عشر : ضعيف على المشهور.
وقال في القاموس : وليجة الرجل بطانته ودخلاؤه وخاصّته ومن تتّخذه معتمداً عليه من غير أهلك ، وقال الطبرسي (ره) : الوليجة الدخيلة في القوم من غيرهم والبطانة مثله ، ووليجة الرجل من يختصّ بدخلة أمره دون الناس ، الواحد والجمع فيه سواء أي ولم يعلم الله الذين لم يتّخذوا سوى الله ورسوله والمؤمنون بطانة وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم ، انتهى.
ولا يخفى أنّ تأويلهعليهالسلام أوفق بالآية إذ ضمّ المؤمنين إلى الله والرسول يدلّ على أنّ المراد بالوليجة أمرّ عظيم من أمور الدين من الموالاة والمتابعة ، وليس أهل ذلك إلّا الأئمّةعليهمالسلام وهم الكاملون في الإيمان والمستحقّون لهذه الصفة على الحقيقة وقال البيضاوي : «أَمْ حَسِبْتُمْ » خطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال ، وقيل : للمنافقين و « أم » منقطعة ومعنى همزتها التوبيخ على الحسبان «أنّ تُتْرَكُوا وَلـمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ » ولم يتبيّن المخلص منكم وهم الذين جاهدوا من غيرهم ، نفي العلم وأراد نفي المعلوم للمبالغة فإنه كالبرهان عليه من حيث أنّ تعلق العلم به مستلزم لوقوعه «وَلَمْ يتّخذوا » عطف على جاهدوا وداخل في الصلة ، وما في لـمّا في معنى التوقّع منيه على أن تبيّن ذلك متوقّع.
__________________
(١) سورة التوبة : ١٥.
١٦ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن جمهور ، عن صفوأنّ ، عن ابن مسكان ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله تعالى : «وَأنّ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها »(١) [ قال ] قلت ما السّلم ؟ قال : الدُّخول في أمرنا.
١٧ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله تعالى : «لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ »(٢) قال يا زرارة أولم تركب هذه الأمّة بعد نبيّنا طبقاً عن طبق في أمر فلان وفلان وفلان
________________________________________________________
الحديث السادس عشر : ضعيف.
«وَإنّ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ » الجنوح الميل ، يقال : جنح فلان إذا مال ويعدى باللام وبإلى ، والسّلم بالكسر والفتح الصلح ، وتأنيث الضمير باعتبار أنّ السّلم يذكر ويؤنث كما صرح به في المغرب ، وقال في القاموس : السّلم بالكسر السالم والصلح يفتح ويؤنث والسّلم والإسلام ، وقيل : تأنيثه بحمل السّلم على نقيضه فيه وهو الحرب ، وقيل : هي من الآيات المنسوخة وقيل : ليست بمنسوخة ، ولكنّها في موادعة أهل الكتاب ، وعلى تأويلهعليهالسلام يمكن أنّ يكون الضمير راجعاً إلى المنافقين أي أنّ قبل المنافقون المنكرون لولاية عليّعليهالسلام ولايته ظاهراً فاقبل منهم وأنّ علمت من باطنهم النفاق والبغض لهعليهالسلام ، ولا ينافي ذلك كون الآية في سياق آيات أحوال المشركين فانّ ذلك في الآيات كثير ، مع أنه من بطون الآيات.
الحديث السابع عشر : صحيح.
« أو لم تركب » الهمزة للاستفهام الإنكاري ، والواو للعطف على مقدر «طبقاً عَنْ طَبَقٍ » أي كانت ضلالتهم بعد نبيّهم مطابقة لـمّا صدر من الأمم السابقة من ترك الخليفة واتّباع العجل والسامري وأشباه ذلك ، كما قال عليّ بن إبراهيم في تفسير هذه الآية : يقول حإلّا بعد حال ، يقول : تركبّن سنّة من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة لا تخطئون طريقتهم ولا يخطي شبر بشبر وذراع بذراع وباع بباع ،
__________________
(١) سورة الأنفال : ٦.(٢) سورة الإنشقاق : ١٨.
١٨ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن جمهور ، عن حمّاد بن عيسى ، عن عبد الله بن جندب قال سألت أبا الحسنعليهالسلام عن قول الله عزَّ وجلَّ : «وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ »(١) قال إمام إلى إمام.
________________________________________________________
حتّى أن لو كان من قبلكم دخل حجر ضبّ لدخلتموه ، قالوا : اليهود والنصارى تعني يا رسول الله؟ قال : فمن أعني لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة ، فيكون أول ما تنقضون من دينكم الأمانة وآخر الصلاة.
ويحتمل أنّ يكون المراد تطابق أحوال خلفاء الجور في الشدّة والفساد ، قال البيضاوي طبقاً عَنْ طَبَقٍ ، أي حالا بعد حال مطابقة لأختها في الشدّة أو مراتب الشدّة بعد المراتب.
الحديث الثامن عشر : ضعيف.
«وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ » قال الطبرسي (ره) : أي فصلنا لهم القول وبينا عن ابن عباس ، ومعناه آتينا بآية بعد آية ، وبيأنّ بعد بيأنّ وأخبرناهم بأخبار المهلكين من أممهم لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، أي ليتذكروا أو يتفكروا فيعلموا الحقّ ويتفطنوا ، وقال البيضاوي : أي أتبعنا بعضه بعضا في الإنزال ليتصل التذكير أو في النظم ، ليتقرر الدعوة بالحجة والمواعظ بالمواعيد ، والنصائح بالعبر.
وأقول : على تأويلهعليهالسلام يحتمل وجهين : الأوّل : أنّ يكون المعنى قول إمام في حق إمام آخر ، ونصه عليه ، فقوله : إلى إمام ، يعني مفوضا أمره إلى إمام آخر والثاني : أنّ يكون المراد بالقول الحكم والأحكام والمعارف ، أي وصلناها لهم بنصب إمام بعد إمام ، فالمعنى موصلا إلى إمام من لدن آدم إلى انقراض الدنيا ، فيكون مناسبا لـمّا مرّ من قصص الأنبياءعليهمالسلام ، ويؤيّده ما رواه عليّ بن إبراهيم بسند آخر عنهعليهالسلام وفيه قال : إمام بعد إمام.
ويحتمل أنّ يكون المراد بالقول القول بالإمأمّة أي كلـمّا مضى إمام لا بدّ لهم من القول بإمأمّة إمام آخر ، أو المراد قوله تعالى : «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً »(٢)
__________________
(١) سورة القصص : ٥٠.(٢) سورة البقرة : ٣٠.
١٩ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن محبوب ، عن محمّد بن النعمأنّ ، عن سلام ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله تعالى : «قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا »(١) قال إنّما عنى بذلك عليّاًعليهالسلام وفاطمة والحسن والحسين وجرت بعدهم في الأئمّةعليهمالسلام ثمّ يرجع القول من الله في الناس فقال «فَأنّ آمَنُوا » يعني النّاس
________________________________________________________
أي هذا الوعد والتقدير متّصل إلى آخر الدهر.
الحديث التاسع عشر : مجهول.
« في قوله تعالى » الآية في سورة البقرة هكذا : «وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كان مِنَ الْمُشْرِكِينَ ،قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ، فَأنّ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَأنّ تَوَلَّوْا فَإنّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » وذكر المفسّرون أنّ الخطاب في قوله : «قُولُوا » للمؤمنين لقوله : فأنّ آمنوا بمثل آمنتم به ، وضمير آمنوا لليهود والنصارى «بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ » قال البيضاوي : من باب التعجيز والتبكيت كقوله تعالى : «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ »(٢) إذ لا مثل لـمّا آمن به المسلمون ، ولا دين كدين الإسلام ، وقيل : الباء للآلة دون التعدية ، والمعنى أنّ تحروا الإيمان بطريق يهدي إلى الحقّ مثل طريقكم ، فأنّ وحدة المقصد لا تأتي بطرق متعدّدة أو مزيدة للتأكيد كقوله : «وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها »(٣) والمعنى فأنّ آمنوا بالله إيماناً مثل أيمانكم أو المثل مقحم كما في قوله : «وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ »(٤) أي عليه «وَأنّ تَوَلَّوْا فَإنّما هُمْ فِي شِقاقٍ » أي أنّ أعرضوا من الإيمان أو عما تقولون لهم فما هم إلّا في شقاق الحقّ ، وهي المناواة والمخالفة ، فأنّ كلّ واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر ، انتهى.
__________________
(١) سورة البقرة : ١٣٦.(٢) سورة البقرة : ٢٣.
(٣) سورة الشورى : ٤٠.(٤) سورة الأحقاف : ١٠.
«بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ » يعني عليّاً وفاطمة والحسن والحسين والأئمّةعليهمالسلام «فَقَدِ اهْتَدَوْا وَأنّ تَوَلَّوْا فَإنّما هُمْ فِي شِقاقٍ ».
٢٠ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن مثنى ، عن عبد الله بن عجلان ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله تعالى : «أنّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ
________________________________________________________
وتأويلهعليهالسلام يرجع إلى ذلك لكن خصّ الخطاب بكلّ المؤمنين الموجودين في ذلك الزمأنّ ، ثمّ من كان بعدهم من أمثالهم كما في سائر الأوامر المتوجّهين إلى الموجودين في زمن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم الشاملة لمن وجد بعدهم وهو أظهر من توجّه الخطاب إلى جميع المؤمنين ، لقوله : «وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا » لأنّ الإنزال ابتداء حقيقة على من كان في بيت الوحي وأمرّ بتبليغه ، ولأنّه قرن بما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وسائر النبيين ، فكما أنّ المنزل إليهم في قرينه هم النبيّون والمرسلون ، ينبغي أنّ يكون المنزل إليهم أولاً أمثالهم وأضرابهم من الأوصياء والصدّيقين ، فضمير آمنوا راجع إلى سائر الناس غيرهم من أهل الكتاب وقريش وغيرهم ، فظهر أنّ ما ذكرهعليهالسلام أظهر مما ذكره المفسّرون.
والظاهر أنّ المشار إليه بذلك الخطاب بقوله : قولوا وأنّ سقط من الخبر ، لـمّا رواه العيّاشي بإسناده عن المفضّل بن صالح عن بعض أصحابه في قوله : قولوا آمنّا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ، الآية ، أما قوله : قولوا فهم آل محمّدعليهمالسلام لقوله فأنّ آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ، وعلى ما في هذه الرواية يحتمل أنّ يكون المراد إنّما عنى بضميري آمنا وإلينا والمآل واحد ، ثمّ على تفسيرهعليهالسلام يدلّ على إمامتهم وجلالتهمعليهمالسلام ، وكون المعيار في الاهتداء متابعتهم في العقائد والأعمال والأقوال ، وأنّ من خالفهم في شيء من ذلك فهو شقاق ونفاق.
الحديث العشرون : ضعيف على المشهور.
«أنّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ » أي أحقّ الناس بالانتساب به وكونه على ملته
اتَّبَعُوهُ وَهذَا النبيّ وَالَّذِينَ آمَنُوا »(١) قال هم الأئمّةعليهمالسلام ومن اتّبعهم.
٢١ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن أحمد بن عائذ ، عن ابن أذينة ، عن مالك الجهني قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام قوله عزَّ وجلَّ : «وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا القران لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ »(٢) قال من بلغ أنّ يكون إماماً من
________________________________________________________
الحنيفيّة ومتابعته في التوحيد الخالص ، وقال الطبرسي (ره) أي أحق الناس بنصرة إبراهيم بالحجة أو بالمعونة للذين اتبعوه في وقته وزمانه ، وتولوه بالنصرة على عدوه حتّى ظهر أمره وعلت كلمته «وَهذَا النبيّ وَالَّذِينَ آمَنُوا » يتولون نصرته بالحجة لـمّا كان عليه من الحقّ وتنزيه كلّ عيب عنه ، أي هم الذين ينبغي أنّ يقولوا إنا على دين إبراهيم ولهم ولايته «وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ » لأنه يتولى نصرتهم وإنّما أفرد الله النبيّ بالذكر تعظيماً لأمره وإجلالاً لقدره ، وفي الآية دلالة على أنّ الولاية تثبت بالدين لا بالنسب ، ويعضد ذلك قول أمير المؤمنينعليهالسلام : أنّ أولى الناس بالأنبياء أعلمهم ، بما جاءوا به ، ثمّ تلا هذه الآية فقال : أنّ ولي محمّد من أطاع الله وأنّ بعدت لحمته(٣) وأنّ عدو محمّد من عصى الله وأنّ قربت قرابته ، انتهى.
وقال البيضاوي : أنّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ ، أي أخصهم به وأقربهم منه من الولي وهو القرب «لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ » من أمته «وَهذَا النبيّ وَالَّذِينَ آمَنُوا » لموافقتهم له في أكثر ما شرع لهم على الأصالة ، وقرئ وهذا النبيّ بالنصب عطفا على الهاء في اتبّعوه ، وبالجرّ عطفاً على إبراهيم ، انتهى.
قولهعليهالسلام : هم الأئمّة ومن اتّبعهم ، لا ريب في أنّ المؤمن لا يطلق إلّا عليهم وعلى من اتّبعهم وسائر الفرق منافقون بل مشركون.
الحديث الحادي والعشرون : كالسابق.
«وَمَنْ بَلَغَ » أكثر المفسرين جعلوه معطوفاً على ضمير المخاطب في قوله : «لِأُنْذِرَكُمْ » ووجهوا الخطاب إلى الحاضرين أو الموجودين ، وفسّروا من بلغ بمن
__________________
(١) سورة آل عمران : ٦٧. (٢) سورة الأنعام : ١٨.
(٣) اللحمة - بضم اللام وسكون الحاء - : القرابة.
آل محمّد فهو ينذر بالقران كما أنذر به رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
٢٢ - عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن الحكم ، عن مفضل بن صالح ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله عزَّ وجلَّ : «وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً »(١) قال عهدنا إليه في محمّد والأئمّة من بعده فترك ولم يكن له عزم أنّهم هكذا وإنّما سمي أولو العزم أولي العزم لأنه عهد إليهم في محمّد والأوصياء من بعده والمهدي وسيرته وأجمع عزمهم على أنّ ذلك كذلك والإقرار به
________________________________________________________
بلغه من الغائبين أو المعدومين ، وعلى تفسيرهعليهالسلام في موضع رفع عطفاً على الضمير المرفوع « في أنذركم » ويجوز الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه ، وقيل : هو مبتدأ بتقدير من بلغ فهو ينذركم ، فيكون من عطف الجملة على الجملة ، والمراد بمن بلغ حينئذٍ من كمل أو وصل حد الإنذار وصار أهلاً له.
الحديث الثاني والعشرون : ضعيف.
قوله : فترك ، تفسير للنسيأنّ بالترك كما فسر به أكثر المفسّرون أيضاً ، قال الطبرسي (ره) في تفسير هذا الآية : أمرناه وأوصينا إليه أنّ لا يقرب الشجرة ولا يأكلّ منها فترك الأمرّ عن ابن عباس «وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً » ثابتاً وقيل : معناه فنسي من النسيأنّ الّذي هو السهو ، ولم نجد له عزما على الذنب لأنّه أخطأ ولم يتعمّد ، وقيل : ولم نجد له حفظا لـمّا أمرّ به ، انتهى.
ولم يكن له عزم ، كأنّه محمول على أنه لم يكن له اهتمام تامّ وسرور بهذا الأمر ومزيد تذكر له وتبجج به كما كان لغيره من أولي العزم وكان اللائق بحاله ذلك فترك الأولى وإلّا فعصمتهعليهالسلام ونبوته وجلالته تمنع من أنّ ينسب إليه عدم قبول ما أوحى الله إليه ، وعدم الرّضا بقضائه تعالى ، وقيل : أي ترك التوسل بهمعليهمالسلام بعد ارتكاب الخطيئة حتّى ألهمه الله ذلك.
__________________
(١) سورة طه : ١١٤.
٢٣ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن جعفر بن محمّد بن عبيد الله ، عن محمّد بن عيسى القميّ ، عن محمّد بن سليمأنّ ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله «وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ » كلمات في محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّةعليهمالسلام من ذريتهم «فَنَسِيَ » هكذا والله نزلت على محمّدصلىاللهعليهوآله .
٢٤ - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن النضر بن شعيب ، عن خالد بن ماد ، عن محمّد بن الفضل ، عن الثماليّ ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال أوحى الله إلى نبيهصلىاللهعليهوآله : «فَاسْتَمْسِكْ بِالّذي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »(١) قال : إنّك
________________________________________________________
الحديث الثالث والعشرون ضعيف.
« هكذا والله نزلت » ظاهر بل صريح في التنزيل ، وتأويله بالتأويل بأنّ يكون المعنى قال جبرئيلعليهالسلام عند نزوله أنّ معناه هذا في غاية البعد.
الحديث الرابع والعشرون مجهول.
والأخبار في تفسير الصراط بالأئمّةعليهمالسلام وولايتهم كثيرة ، والصراط ما يؤدي الناس إلى مقصودهم ، وهم صراط الله المستقيم الّذي لا يوصل إلى الله وطاعته وقربه ورضوانه إلّا بولايتهم ، والقول بإمامتهم وطاعتهم ، وصراط الآخرة صورة هذا الصراط فمن استقام على هذا الصراط في الدنيا يجوز صراط الآخرة آمنا إلى الجنة كما روى الصدوق في معاني الأخبار بإسناده عن المفضّل قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الصراط فقال : هو الطريق إلى معرفة الله عزَّ وجلَّ ، وهما صراطان صراط في الدنيا وصراط في الآخرة فأما الصراط الّذي في الدنيا فهو الإمام المفروض الطاعة ، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرّ على الصراط الّذي هو جسر جهنم في الآخرة ، ومن لم يعرفه في الدّنيا زلت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردى في نار جهنم ، فقوله تعالى : «فَاسْتَمْسِكْ بِالّذي أُوحِيَ إِلَيْكَ » أي بجميعها الّذي عمدتها ولاية عليّ وسائر الأئمّةعليهمالسلام ، فأنّ بها يتمّ ويعرّف ما سواها قولاً وعملا وتبليغاً ، فإنك على الدين الحقّ الّذي عمدتها الولاية فلا تقصر في تبليغها ودعوة الناس إليها خوفاً من المنافقين.
__________________
(١) سورة الزخرف : ٤٢.
على ولاية عليّ وعليُّ هو الصراط المستقيم.
٢٥ - عليّ بن إبراهيم ، عن أحمد بن محمّد البرقي ، عن أبيه ، عن محمّد بن سنان ، عن عمّار بن مروان ، عن مُنَخّل ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال نزل جبرئيلعليهالسلام بهذه الآية على محمّدصلىاللهعليهوآله هكذا : «بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أنّ يَكْفُرُوا بِما
________________________________________________________
قال ابن شهرآشوب (ره) في المناقب بعد إيراد هذه الرواية : معنى ذلك أنّ عليّ بن أبي طالب الصراط إلى الله كما يقال فلان باب السلطأنّ إذا كان يوصل به إلى السلطأنّ ، ثمّ الصراط الّذي عليه عليّعليهالسلام يدلك وضوحاً على ذلك قوله : صراط الذين أنعمت عليهم ، يعني نعمة الإسلام ، لقوله «وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ »(١) والعلم :
«وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ »(٢) والذريّة الطيبة «أنّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً »(٣) الآية وإصلاح الزوجات لقوله : «فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ »(٤) فكان عليّعليهالسلام في هذه النعم في أعلى ذراها.
الحديث الخامس والعشرون ضعيف.
«بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ » الآية هكذا : «بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أنّ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْياً أنّ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ » قال البيضاوي : ما نكرة بمعنى شيء مميزة لفاعل بئس المستكن « واشتروا » صفة ومعناه باعوا أو شروا بحسب ظنهم فأنّهم ظنوا أنّهم خلصوا أنفسهم من العقاب بما فعلوا «أنّ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ » هو المخصوص بالذم «بَغْياً » طلبا لـمّا ليس لهم وحسدا ، وهو صلة يكفروا دون اشتروا للفصل «أنّ يُنَزِّلَ اللهُ » أي لأنّ ينزل أي حسدوه على أنّ ينزل الله من فضله يعني الوحي «عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ » على من اختاره للرسالة ، انتهى.
والآية في سياق ذكر أحوال اليهود ، فلو كان قوله في عليّ تنزيلا يكون ذكر
__________________
(١) سورة لقمان : ٢٠.(٢) سورة النساء : ١١٣.
(٣) سورة آل عمران : ٣٣.(٤) سورة الأنبياء : ٩٠.
أَنْزَلَ اللهُ ( في عليّ )بَغْياً »(١) .
٢٦ - وبهذا الإسناد ، عن محمّد بن سنان ، عن عمّار بن مروان ، عن منخّل ، عن جابر قال نزل جبرئيلعليهالسلام بهذه الآية على محمّد هكذا «وَأنّ كُنْتُمْ فِي
________________________________________________________
ذلك بين أحوال اليهود لبيان أنّ المنكرين لولاية عليّعليهالسلام بمنزلة اليهود في إنكار ما أنزل الله ، ولو كان تأويلاً يحتمل وجهين :
الأوّل : أنّ عمدة ما أنزل الله الولاية كما عرفت.
والثاني : أنّ ظهر الآية في اليهود وبطنه في أضرابهم من المنكرين لـمّا أنزل الله في عليّ ، فأنّ الآية النازلة في جماعة لا تختص بهم بل تجري في أمثالهم ، وأشباههم إلى يوم القيامة.
الحديث السادس والعشرون كالسابق.
وكان الأولى وبهذا الإسناد عن جابر ، ولعله إشارة أنه أخذ من كتاب ابن سنان.
«وَأنّ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا » قال البيضاوي : إنّما قال «مِمَّا نَزَّلْنا » لأنّ نزوله نجما فنجما بحسب الوقائع كما يري عليه أهل الشعر والخطابة مما يريبهم كما حكى الله عزَّ وجلَّ عنهم «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ القران جُمْلَةً واحِدَةً » فكان الواجب تحديهم على هذا الوجه إزاحة للشبهة ، وإلزاما للحجة ، وأضاف العبد إلى نفسه تنويها بذكره وتنبيها على أنه مختص به منقاد لحكمه ، والسورة : الطائفة من القران المترجمة التي أقلها ثلاث آيات «مِنْ مِثْلِهِ » صفة سورة أي بسورة كائنة من مثله ، والضمير لـمّا نزلنا ، ومن للتبعيض أو للتبيين ، وزائدة عند الأخفش أي بسورة مماثلة للقرأنّ في البلاغة وحسن النظم أو لعبدنا ومن للابتداء أي بسورة كائنة ممن هو على حاله مع كونه بشرا أميا لم يقرأ الكتب ولم يتعلم العلوم أو صلة فأتوا والضمير للعبد ، والرد إلى المنزل أوجه لأنه المطابق لسائر الآيات ، انتهى.
وتتمة الآية : «وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أنّ كُنْتُمْ صادِقِينَ » أي ادعوا لمعارضة من
__________________
(١) سورة البقرة : ٩٠.
رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ( في عليّ )فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ »(١) .
٢٧ - وبهذا الإسناد ، عن محمّد بن سنان ، عن عمّار بن مروان ، عن منخّل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال نزل جبرئيلعليهالسلام على محمّدصلىاللهعليهوآله بهذه الآية هكذا «يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا ( في عليّ )نُوراً مُبِيناً »(٢) .
________________________________________________________
حضركم أو من رجوتم معونته من جنّكم وإنسكم وآلهتكم غير الله أنّ كنتم صادقين أنّه من كلام البشر ، والرواية تدل على أنّ شكهم كان فيما يتلوهصلىاللهعليهوآلهوسلم في شأن عليّعليهالسلام فرد الله عليهم بأنّ القران معجز لا يمكن أنّ يكون من عند غيره سبحانه ، فما نزل فيهعليهالسلام من عنده سبحانه ، وظاهر الخبر أنه تنزيل وأوّل بالتأويل كما مرّ.
الحديث السابع والعشرون كالسابق.
وليس في المصحف هكذا ، بل صدر الآية في أوائل سورة النساء هكذا : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لـمّا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أنّ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وكان أَمرّ اللهِ مَفْعُولاً » وآخرها في أواخر تلك السورة هكذا : «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهأنّ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً » وكأنه سقط من الخبر شيء ، وكانعليهالسلام ذكر اسمهعليهالسلام في الموضعين فسقط آخر الآية الأولى واتصلت بآخر الآية الثانية لتشابه الآيتين ، وكثيراً ما يقع ذلك ، ويحتمل أنّ يكون في مصحفهمعليهمالسلام إحدى الآيتين هكذا وعلى الأوّل ظاهره التنزيل ويحتمل التأويل أيضاً كما عرفت مراراً.
ولا يتوهم أنّ قوله في الآية الأولى «مُصَدِّقاً لـمّا مَعَكُمْ » ينافي ذلك على الاحتمال الأوّل ، لأنّ معاداة أهل الكتاب لأمير المؤمنينعليهالسلام كانت أشد منها لغيره لأنهعليهالسلام قتل كثيرا منهم بيده ، فيحتمل أنّ يكون الخطاب إليهم وقوله : مصدقا لـمّا معكم لأنه كان اسمهعليهالسلام كاسم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مثبتاً عندهم في كتبهم كما دلّت عليه الأخبار الكثيرة ، وكذا قوله : أوتوا الكتاب ، وأنّ احتمل أنّ يكون المراد بالكتاب القرآن.
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٣. (٢) راجع الشرح.
٢٨ - عليُّ بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، عن أبيه ، عن أبي طالب ، عن يونس بن بكار ، عن أبيه ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام «وَلَوْ أنّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ » في عليّ «لَكان خَيْراً لَهُمْ »(١) .
٢٩ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الحسن بن عليّ الوشّاء ، عن مثنّى الحنّاط ، عن عبد الله بن عجلان ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله عزَّ وجلَّ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السّلم كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطأنّ إِنَّهُ لَكُمْ
________________________________________________________
الحديث الثامن والعشرون مجهول.
والآية في سورة النساء وقبلها : «وَلَوْ أنّهم إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً ، فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثمّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ، وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنّ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ،وَلَوْ أنّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكان خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً » وقد مرّ في باب التسليم أنّ الخطاب في قوله تعالى : جاءوك ، ويحكموك ، وقضيت ، لأمير المؤمنينعليهالسلام فيحتمل أنّ يكون «ما يُوعَظُونَ » به في عليّ إشارة إلى هذا ويحتمل التنزيل والتأويل كما مرّ.
الحديث التاسع والعشرون ضعيف على المشهور.
والسّلم الإسلام أو الاستسلام والانقياد ، والولاية داخلة فيهما بل أعظم أجزائهما ، قال الطبرسي (ره) : ادخلوا في السّلم أي في الإسلام ، وقيل : الطاعة وهذا أعم ويدخل فيه ما رواه أصحابنا من أنّ المراد به الدُّخول في الولاية كافة أي ادخلوا جميعا في الاستسلام والطاعة ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان أي آثاره ونزغاته لأنّ ترككم شيئاً من شرائع الإسلام اتباع للشيطان.
وروى العيّاشي في تفسيره بإسناده عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السّلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان ، قال
__________________
(١) سورة النساء : ٦.
عَدُوٌّ مُبِينٌ »(١) قال في ولايتنا.
٣٠ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن عبد الله بن إدريس ، عن محمّد بن سنان ، عن المفضّل بن عمر قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام قوله جل وعزَّ : «بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدّنيا » قال ولايتهم «وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى » قال ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام «أنّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى. صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى »(٢) .
٣١ - أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن حسّان ، عن محمّد بن عليّ ، عن عمّار بن مروان ، عن منخل ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال «أَفَكُلـمّا جاءَكُمْ (محمّد)بِما
________________________________________________________
أتدري ما السّلم؟ قال : أنت أعلم ، قال : ولاية عليّ والأئمّة والأوصياء من بعدهعليهمالسلام قال : وخطوات الشيطان والله ولاية فلان وفلان.
الحديث الثلاثون ضعيف على المشهور.
« قال : ولايتهم » عبر عن ولايتهم بالحياة الدّنيا لأنها سبب لجمعها وحيازتها ، ولهذا اختارها الأشقياء على ولاية إمام الحقّ لأنهعليهالسلام كان يقسّم بالسوية ، وهم كانوا يؤثرون الكبراء والأشراف فمالوا إليهم وقووا بذلك ، وكذا عبر عن ولايتهعليهالسلام بالآخرة ، لأنها سبب للحياة الأبدية الأخروية ، ثمّ رغب في اختيار الآخرة باختيار ولايته بأنها خير وأبقى ، ثمّ قال «إنّ هذا » أي كون الآخرة خيرا وأبقى أو كون ولاية عليّ سببا لحصول ما هو خير وأبقى ، أو أصل الولاية «لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى » مذكورة فيها ثمّ بين الصحف الأولى بأنها صحف إبراهيم وموسى ، وفي بعض النسخ بدل ولايتهم ولاية شبويه ، بالباء الموحدة ثمّ المثناة التحتانية نسبة إلى شبوة وهي العقرب أو إبرتها كأنهعليهالسلام شبّه الجائر بالعقرب.
الحديث الحادي والثلاثون ضعيف.
« جائكم محمد» الآية في سورة البقرة هكذا : «وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلـمّا جاءَكُمْ
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٠. (٢) سورة الأعلى : ١٦ - ١٨.
لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ ( بموالاة عليّ)فاسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً ( من آل محمّد )كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ »(١) .
٣٢ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن عبد الله بن إدريس ، عن محمّد بن سنان ، عن الرضاعليهالسلام في قول الله عزَّ وجلَّ : «كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ (بولاية عليّ)ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ »(٢) يا محمّد من ولاية عليّ هكذا في الكتاب مخطوطة.
________________________________________________________
رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ » والخطاب ظاهراً إلى اليهود فلو كان ما ذكرهعليهالسلام تنزيلا ًكان وجه توجه الخطاب إليهم ما تقدم ذكره من شدة عداوتهم لهعليهالسلام وكونهعليهالسلام حامياً للدين وحافظاً للملة التي كانوا يريدون إزالتها ، ولو كان تأويلاً فيحتمل ذلك ويحتمل كون المراد جريان حكم الآية في كلّ من عارض الحقّ بهواه ، وأشدهم في ذلك الناصبون المنكرون للإمامة.
قال البيضاوي : بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ ، بما لا تحبه ، يقال : هوى بالكسر هوى إذا أحبّ ، وهوى بالفتح هويا بالضمّ سقط ، وسقطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به توبيخاً لهم على تعقيبهم ذاك بهذا ، وتعجيباً من شأنهم ، ويحتمل أنّ يكون استينافاً والفاء للعطف على مقدر «اسْتَكْبَرْتُمْ » عن الإيمان واتباع الرسل «فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ » كموسى وعيسى ، والفاء للسببية أو التفصيل «وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ » كزكريا ويحيى ، وإنّما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية استحضاراً لها في النفوس فأنّ الأمرّ فظيع ومراعاة للفواصل ، أو للدلالة على أنكم بعد فيه ، فإنكم حول قتل محمّد لو لا أنّي أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة ، انتهى.
وأقول : على تأويلهعليهالسلام لا يحتاج إلى تكلّف.
الحديث الثاني والثلاثون ضعيف على المشهور.
« مخطوطة » أي مكتوبة وهو صريح في التنزيل وحمله على التأويل بأنّ يكون المراد أنها مخطوطة شرحاً وتفسيراً للآية ، أو كون المراد أنّها مكتوبة في الكتاب من الكتب التي عندهم لا القران بعيد.
__________________
(١) سورة البقرة : ٨٧.
(٢) سورة الشورى : ١١ - ١٢.
٣٣ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن هلال ، عن أبيه ، عن أبي السّفاتج ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله جل وعزَّ : «الْحَمْدُ لِلَّهِ الّذي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أنّ هَدانَا اللهُ »(١) فقال إذا كان يوم القيأمّة دعي بالنبيّصلىاللهعليهوآله وبأمير المؤمنين وبالأئمّة من ولدهعليهمالسلام فينصبون للناس فإذا رأتهم شيعتهم قالوا «الْحَمْدُ لِلَّهِ الّذي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أنّ هَدانَا اللهُ » يعني هدانا الله في ولاية أمير المؤمنين والأئمّة من ولدهعليهمالسلام .
٣٤ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن أورمة ومحمّد بن عبد الله ، عن عليّ بن حسّان ، عن عبد الله بن كثير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله تعالى : «عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ » قال النّبأ العظيم الولاية ، وسألته عن قوله : «هُنالِكَ
________________________________________________________
الحديث الثالث والثلاثون ضعيف.
وقالوا الحمد لله ، في الأعراف هكذا : «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ » إلخ ، واللام في لنهتدي لتوكيد النفي وجواب لو لا محذوف دل عليه ما قبله ، وضمير قالوا راجع إلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات وليس المؤمن إلّا الشيعة ، ولا تقبل الأعمال الصالحة إلّا منهم« فينصبون للناس » أي لحساب. الخلق وشفاعتهم ، وقسمة الجنة والنار بينهم كما سيأتي في خطبة الوسيلة في الروضة وسائر الأخبار التي أوردناها في الكتاب الكبير مشحونة بذلك ، فإذا رأوا أئمتهم وشفعاءهم بتلك المنزلة الرفيعة قالوا تبجحا وشكرا الحمد لله إلخ « في ولاية أمير المؤمنين » أي لها أو للآيات النازلة فيها ، أو التقدير نزلت فيها تأكيدا أو في سببية أي هدانا إلى هذه المنزلة والكرأمّة بسبب ولايتهعليهالسلام .
الحديث الرابع والثلاثون كالسابق ، والظاهر عبد الرَّحمن بن كثير كما سيأتي بعينه في الثاني والخمسين من الباب.
«عَمَّ يَتَساءَلُونَ » عمّ أصله عمّا حذف الألف لاتّصال ما بحرف الجر ، قال الطبرسيقدسسره : قالوا لـمّا بعث رسول الله وأخبرهم بتوحيد الله وبالبعث بعد الموت
__________________
(١) سورة الأعراف : ٤١.
________________________________________________________
وتلا عليهم القران جعلوا يتساءلون بينهم ، أي يسأل بعضهم بعضاً على طريق الإنكار والتعجب ، فيقولون : ما ذا جاء به محمّد وما الّذي أتى به؟ فأنزل الله تعالى : «عمّ يَتَساءَلُونَ » أي عن أي شيء يتساءلون؟ قال الزّجاج : اللفظ لفظ استفهام والمعنى تفخيم القصة كما تقول : أي شيء زيد؟ إذا عظمت شأنه ، ثمّ ذكر أنّ تسائلهم عمّا ذا؟ فقال «عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ » وهو القران ، ومعناه الخبر العظيم الشأنّ لأنه ينبئ عن التوحيد وتصديق الرسول ، والخبر عمّا يجوز وعمّا لا يجوز ، وعن البعث والنشور وقيل : يعني نبأ يوم القيأمّةوقيل : النبا العظيم ما كانوا يختلفون فيه من إثبات الصانع وصفاته والملائكة والرسل والبعث والجنة والنار والرسالة والخلافة ، فأنّ النبإ معروف يتناول الكلّ «الّذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ » فمصدق به ومكذب «كَلاَّ » أي ليس الأمرّ كما قالوا «سَيَعْلَمُونَ » عاقبة تكذيبهم حتّى ينكشف الأمور «ثمّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ » هذا وعيد على أثر وعيد ، وقيل كلا أي حقا سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم ، وقيل : كلا سيعلمون ما ينالهم يوم القيأمّة ثمّ كلا سيعلمون ما ينالهم في جهنم من العذاب.
وروى السيّد ابن طاوسرضياللهعنه في الطرائف عن محمّد بن مؤمن الشيرازي في تفسيره بإسناده عن السّدي قال : أقبل صخر بن حرب حتّى جلس إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال : يا محمّد هذا الأمرّ بعدك لنا أم لمن؟ قال : يا صخر الأمرّ من بعدي لمن هو مني بمنزلة هارون من موسى ، فأنزل الله تعالى «عمّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الّذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ » ، منهم المصدق بولايته وخلافته ، ومنهم المكذب بهما ، ثمّ قال : كلا ، وهو رد عليهم ، سيعلمون خلافته بعدك أنّها حق ثمّ كلا سيعلمون ، يقول : يعرفون ولايته وخلافته إذ يسألون عنها في قبورهم فلا يبقى ميّت في شرق ولا غرب ولا بحر ولا بر إلّا ومنكر ونكير يسألانه عن ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام بعد الموت
الْوَلايَةُ لِلَّهِ الحقّ »(١) قال ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام .
________________________________________________________
يقولون : للميّت من ربّك وما دينك ومن نبيّك ومن إمامك؟ والأخبار في ذلك كثيرة من طرق الخاصة والعامّة أوردتها في الكتاب الكبير.
«هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الحقّ » الآية في سورة الكهف ، وقبلها قصة الأخوين اللذين أحدهما مؤمن والآخر كافر ، وكان للكافر جنّتان وكفر بالبعث فأرسل الله عليهما عذابا من السماء حيث قال : «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ » إلى قوله تعالى : «وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كان مُنْتَصِراً ، هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الحقّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً » قال البيضاوي : «هُنالِكَ » أي في ذلك المقام ، وفي تلك الحال «الْوَلايَةُ لِلَّهِ الحقّ » : النصرة له وحده ، ولا يقدر عليها غيره.
أقول : على تأويلهعليهالسلام لعلّ المعنى أنّ الأمثال التي يضربها الله لهذه الأمّة ليس الغرض منها محض الحكاية والقصّة ، بل لتنبيه هذه الأمّة وتذكيرهم لاجتناب سوء أعمالهم واقتفاء حسن آثارهم ، والمصداق الأعظم لهذا المثل وموردها الأكبر قصة غصب الخلافة واختيار الغاصبين وأعوانهم الدّنيا على الآخرة إما لإنكارهم البعث حقيقة غصب الخلافة واختيار الغاصبين وأعوانهم الدّنيا على الآخرة إما لإنكارهم البعث حقيقة كالخلفاء الثلاثة وبعض أتباعهم ، أو لعدم يقينهم كما هو حقه بالآخرة. وأنّ كانوا يعتقدونها في الجملة كما في بعض أتباعهم ، والأخ المؤمن مثل لأمير المؤمنين وأتباعهم ، فأنّهم وعظوا هؤلاء وزجروهم فلم ينزجروا حتّى نزل بهم عذاب الله في الدّنيا والآخرة ، ولم ينتفعوا كثيرا بدنياهم ، فالمراد بقوله ولاية أمير المؤمنين أنّ مورد المثل ولايتهعليهالسلام لا أنّ المراد بالولاية ولايتهعليهالسلام مع أنه يحتمل ذلك أيضاً بأنّ يكون المراد بالولاية ولايتهعليهالسلام في بطن الآية ، لأنه مورد المثل فالمعنى أنّ الولاية الخالصة لله الحقّ الّذي لا تغيير في ذاته وصفاته ، هي ولايتهعليهالسلام ، وولاية المعارضين له لمحض الدّنيا ، أو نسب ولاية عليّعليهالسلام إلى نفسه مبالغة وكناية لتلازمهما كقوله تعالى : «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ
__________________
(١) سورة الكهف : ٤٣.
٣٥ - عليُّ بن إبراهيم ، عن صالح بن السندي ، عن جعفر بن بشير ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله تعالى «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً »(١) قال هي الولاية.
٣٦ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن إبراهيم الهمذاني يرفعه إلى أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله تعالى : «وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ »(٢) «لِيَوْمِ الْقِيأمّة » قال الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام .
________________________________________________________
فَقَدْ أَطاعَ اللهَ »(٣) وقوله : «أنّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنّما يُبايِعُونَ اللهَ »(٤) وأمثاله كثيرة.
الحديث الخامس والثلاثون : مجهول.
«فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ » قال الطبرسي (ره) : أي أقم قصدك للدين ، والمعنى كن معتقداً للدين ، وقيل : معناه أثبت ودم على الاستقأمّة وقيل : معناه وأخلص دينك ، وقيل : معناه سدد عملك ، فأنّ الوجه ما يتوجه إليه ، وعمل الإنسان ودينه ما يتوجه الإنسان إليه لتسديده وإقامته «حَنِيفاً » أي مائلا إليه ثابتاً عليه مستقيما فيه لا ترجع عنه إلى غيره ، انتهى.
والحاصل أنّه أمر بالتوجه التام إلى الدين القويم ، والاعتراض عن جميع الأديأنّ الباطلة والآراء الفاسدة ، ولا ريب أنّه ولاية أمير المؤمنين والأئمّةعليهمالسلام أعظم أجزائه ، بل لا يعرّف غيرها إلّا به وتأنيث الضمير باعتبار الخبر.
الحديث السادس والثلاثون : مرفوع.
«وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ » قال البيضاوي : أي العدل يوزن بها صحائف الأعمال وقيل : وضع الموازين تمثيل لإرصاد الحساب السويّ والجزاء على حسب الأعمال بالعدل ، وإفراد القسط لأنه مصدر وصف به للمبالغة «لِيَوْمِ الْقِيأمّة » لجزاء يوم القيأمّة أو لأهله أو فيه كقولك : جئت لخمس خلون من الشهر ، انتهى.
__________________
(١) سورة الروم : ٢٩.(٢) سورة الأنبياء : ٤٨.
(٣) سورة النساء : ٨٠.(٤) سورة الفتح : ١٠.
________________________________________________________
وفسّرعليهالسلام الميزان بالأنبياء والأوصياءعليهمالسلام ، وقد وردت الأخبار الكثيرة بذلك واختاره الصدوق (ره) في رسالة العقائد ، وأكثر المتكلمين على أنّ لله في القيامة ميزاناً ذا كفّين توزن به صحائف الأعمال ، ويعطي الله الصحائف خفّة وثقلاً بحسب ما كتب فيه ، ولا تنافي بينهما فأنّ الأنبياء والأئمّةعليهمالسلام هم الحاضرون عند الميزان ، وإليهم إياب الخلق وعليهم حسابهم.
قال الصدوققدسسره في رسالة العقائد : اعتقادنا في الحساب أنه حق منه ما يتولاه الله عزَّ وجلَّ ومنه ما يتولّاه حججهعليهمالسلام فحساب الأنبياء والأئمّة صلوات الله عليهم يتولّاه الله عزَّ وجلَّ ويتولى كلّ نبي حساب أوصيائه ويتولى الأوصياء حساب الأمم فالله عزَّ وجلَّ الشهيد على الأنبياء والرسل ، وهم الشهداء على الأئمّة ، والأئمّة الشهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ، وقوله عزَّ وجلَّ : «أَفَمَنْ كان عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ »(١) يعني بالشاهد أمير المؤمنينعليهالسلام ، وقوله عزَّ وجلَّ : «أنّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثمّ أنّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ »(٢) وسئل الصادقعليهالسلام عن قول الله عزَّ وجلَّ : «وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ القيامة فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شيئاً »(٣) قال : الموازين الأنبياء والأوصياء ، ومن الخلق من يدخل الجنة بغير حساب.
وقال الشيخ المفيد نوّر الله ضريحه في شرح هذا الكلام : الحساب هو المقابلة بين الأعمال والجزاء عليها والموافقة للعبد على ما فرّط منه والتوبيخ له على سيّئاته والحمد على حسناته ومعاملته في ذلك باستحقاقه ، وليس هو كما ذهبت العامّة إليه من مقابلة الحسنات بالسيّئات والموازنة بينهما على حسب استعداد الثواب والعقاب عليهما إذا كان التحابط بين الأعمال غير صحيح ، ومذهب المعتزلة فيه باطل غير ثابت ، وما تعتمد الحشويّة في معناه غير معقول والموازين هي التعديل بين الأعمال والجزاء عليها ،
__________________
(١) سورة هود : ١٧. (٢) سورة الغاشية : ٢٥.
(٣) سورة الأنبياء : ٤٧.
________________________________________________________
ووضع كلّ جزاء في موضعه وإيصال كلّ ذي حقّ إلى حقّه ، فليس الأمر في معنى ذلك ما ذهب إليه أهل الحشو من أنّ في القيامة موازين كموازين الدّنيا لكلّ ميزان كفّتان توضع الأعمال فيها ، إذ الأعمال أعراض والأعراض لا يصح وزنها ، وإنّما توصف بالثقل والخفة على وجه المجاز ، والمراد بذلك أنّ ما ثقل منها هو ما كثر واستحقّ عليه عظيم الثواب ، وما خف منها ما قل قدره ولم يستحقّ عليه جزيل الثواب ، والخبر الوارد أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام والأئمّة من ذريّتهعليهمالسلام هم الموازين ، فالمراد أنّهم المعدلون بين الأعمال فيما يستحقّ عليها والحاكمون فيها بالواجب والعدل ، ويقال : فلان عندي في ميزان فلان ويراد به نظيره ، ويقال : كلام فلان عندي أوزن من كلام فلان ، والمراد به أنّ كلامه أعظم وأفضل قدرا ، والّذي ذكره الله تعالى في الحساب والخوف منه إنّما هو المواقفة على الأعمال ، لأنّ من وقف على أعماله لم يتخلّص من تبعاتها ومن عفا الله عنه في ذلك فاز بالنجاة ، ومن ثقلت موازينه بكثرة استحقاق الثواب فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت موازينه بقلة أعمال الطاعات فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ، والقران إنّما أنزل بلغة العرب وحقيقة كلامها ومجازه ، ولم ينزل على ألفاظ العامّة وما سبق إلى قلوبها من الأباطيل ، انتهى.
وقال بعض المحققين : ميزان كلّ شيء هو المعيار الّذي به يعرّف قدر ذلك الشيء فميزان يوم القيامة للناس ما يوزن به قدر كلّ إنسأنّ وقيمته على حساب عقائده وأخلاقه وأعماله ، لتجزي كلّ نفس بما كسبت ، وليس ذلك إلّا الأنبياء والأوصياء ، إذ بهم وباقتفاء آثارهم وترك ذلك والقرب من طريقتهم والبعد عنها يعرّف مقدار الناس وقدر حسناتهم وسيّئاتهم ، فميزان كلّ أمّة هو نبيّ تلك الأمّة ووصي نبيّها ، والشريعة التي أتى بها فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت موازينه فأولئك الّذين خسروا أنفسهم.
أقول : وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتاب بحار الأنوار.
٣٧ - عليَّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن الحسين بن عمرّ بن يزيد ، عن محمّد بن جمهور ، عن محمّد بن سنان ، عن المفضّل بن عمر قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله تعالى : «ائْتِ بِقُرْأنّ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ »(١) قال قالوا أو بدّل عليّاًعليهالسلام .
________________________________________________________
الحديث السابع والثلاثون : ضعيف.
«بِقُرْأنّ غَيْرِ هذا » الآية في سورة يونس هكذا : «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْأنّ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنّ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي أنّ أَتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ أنّ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ » وقال الطبرسيقدسسره : «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا » المنزلة في القران «بَيِّناتٍ » أي واضحات في الحلال والحرام وسائر الشرائع ، وهي نصب على الحال «قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا » أي لا يؤمنون بالبعث والنشور ولا يخشون عذابنا ولا يطمعون في ثوابنا «ائْتِ بِقُرْأنّ غَيْرِ هذا » الّذي تتلوه علينا «أَوْ بَدِّلْهُ » فاجعله على خلاف ما تقرؤه والفرق بينهما أنّ الإتيأنّ بغيره قد يكون معه وتبديله لا يكون إلّا برفعه ، وقيل : معنى قوله بدّله غيّر أحكامه من الحلال والحرام ، أرادوا بذلك زوال الخطر عنهم وسقوط الأمر منهم ، وأنّ يخلي بينهم وبين ما يريدونه «قُلْ » يا محمّد «ما يَكُونُ لِي أنّ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي » أي من جهة نفسي لأنّه معجز لا أقدر على الإتيأنّ بمثله «أنّ أَتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إِلَيَ » أي ما اتّبع إلّا الّذي أوحي إلىّ ، انتهى.
وأقول : تأويلهعليهالسلام ليس ببعيد من ذلك ، لأنّ عمدة ما كان يكرهه المشركون والمنافقون ولاية عليّعليهالسلام لـمّا قتل وأسر منهم من الجمّ الغفير ، كما ورد في تأويل قوله تعالى : «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ »(٢) إنّه لـمّا بلغ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بغدير خم ما بلغ وشاع ذلك في البلاد أتى الحارث بن نعمان الفهري فقال : يا محمّد أمرتنا بشهادة أنّ لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله وبالصلاة والصوم والحجّ والزكاة فقبلنا منك ، ثمّ لم ترض بذلك حتّى رفعت بضبع ابن عمّك ففضلته علينا وقلت : من كنت مولاه فعلي
__________________
(١) سورة يونس : ١٦. (٢) سورة المعارج : ١.
٣٨ - عليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن إسماعيل بن مهرأنّ ، عن الحسن القمي ، عن إدريس بن عبد الله ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سألته عن تفسير هذه الآية : «ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ.* قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ »(١) قال عنى بها لم نك من أتباع الأئمّة
________________________________________________________
مولاه ، فهذا شيء منك أم من الله ؟ فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : والّذي لا إله إلّا هو أنّ هذا من الله فولّى الحارث يريد راحلته وهو يقول : اللّهم إن كان ما يقول محمّد حقّاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فما وصل إليها حتّى رماه الله بحجر فسقط على هامته(٢) وخرج من دبره فقتله ، وأنزل الله تعالى : «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ » وروى هذا أبو عبيد والثعلبي والنقّاش وسفيان بن عيينة والرازي والنيسابوري والطبرسي والقزويني والطوسي في تفاسيرهم.
فالمراد بقولهعليهالسلام : أو بدل عليّاً بدل الآيات التي نزلت فيه وفي إمامته ، وولايتهعليهالسلام ، مع كون سائر القران بحاله ، أو أترك هذا القران وأت بقرأنّ لا يكون فيه ذكرهعليهالسلام .
ويحتمل أنّ يكون المراد بالآيات الأنبياء والأئمّةعليهمالسلام كما مرّ أنّهم آيات الله ، أي إذا يتلى عليهم في القران ذكرهمعليهمالسلام وفضلهم قالوا ائت بقرأنّ لا يكون فيه ذكرهم ، أو بدل من هذا القران الآيات الدالة على إمأمّة عليّعليهالسلام ، والأوّل أوفق بظاهر الآية ، وعلى التقديرين قوله : ما يكون لي أن أبدّله ، يرجع إلى أنه ليست الإمأمّة والخلافة بيدي وباختياري حتّى يمكنني أنّ أبدّله من قبل نفسي ، بل أتّبع في ذلك ما يوحى إلىّ وإن عصيته في ذلك إنّي أخاف عذاب يوم عظيم.
الحديث الثامن والثلاثون : ضعيف على المشهور.
«ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ » قال الطبرسي (ره) هذا سؤال توبيخ أي يطلع أهل الجنّة على أهل النار فيقولون لهم : ما أوقعكم في النار؟ قالوا : لم نك من المصلّين ، أي كنّا
__________________
(١) سورة المدثر : ٤٣ و٤٤. (٢) الهأمّة : الرأس.
الّذين قال الله تبارك وتعالى فيهم «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ »(١) أما ترى النّاس يسمّون الّذي يلي السّابق في الحلبة مصلّي ، فذلك الّذي عنى حيث قال :
________________________________________________________
لا نصلّي الصلوات المكتوبة على ما قررّها الشرع ، وفي هذا دلالة على أنّ الإخلال بالواجب يستحق به الذمّ والعقاب ، لأنّهم علقوا استحقاقهم العقاب بالإخلال بالصلاة وفيه دلالة أيضاً على أنّ الكفار مخاطبون بالعبادات الشرعية ، انتهى.
وقال البيضاوي : سقر علم لجهنّم ، ولذلك لم يصرّف ، من سقرته النار وصقرته إذا لوحته ، انتهى.
وقيل : إسم عجميّ لنار الآخرة ، وقال البيضاوي : أيضاً في قوله تعالى : «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ » أي الّذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة بعد ظهور الحقّ من غير تلعثمّ(٢) وتوأنّ ، أو سبقوا في حيازة الفضائل والكمالات ، أو الأنبياء فأنّهم مقدموا أهل الإيمان هم الذين عرفت رأيهم وعرفت ما لهم كقول أبي النجم أنا أبو النجم وشرعي شعري أو الذين سبقوا إلى الجنة أولئك المقربون في جنات النعيم ، والّذين قربت درجاتهم في الجنّة وأعليت مراتبهم ، انتهى.
والحلبة بفتح الحاء المهملة وسكون اللام ثمّ الباء الموحدة الدفعة من الخيل في الرهان ، وخيل تجمع للسباق من كلّ أوب لا تخرج من إصطبل واحد ، وهي عندهم عشرة ، لها عشرة أسماء فالسابق هو المقدم على الجميع عند السباق ويقال له المجلي لأنه جلي نفسه أي أظهرها وجلي عن صاحبه وأظهر فروسيته أو جلي همه حيث سبق والثانيالمصلي لأنه يحاذي رأسه صلوي السابق وهما العظمأنّ النابتان عن يمين الفرس وشماله والثالث التي لأنه تلاه ، والرابع البارع لأنه برع المتأخر عنه أي فاقة ، والخامس المرتاح كأنه نشط فلحقّ بالسوابق ، والسادس الحظي لأنه حظي عند صاحبه حيث لحقّ بالسوابق أي صار ذا حظوة عنده أي نصيب ، أو في مال الرّهان ، والسّابع العاطف لأنه عطف إلى السوابق أي مال إليها ، أو كرّ عليها فلحقّها ، والثامن المؤمّل لأنّه
__________________
(١) سورة الواقعة : ١٠. (٢) تلعثم في الأمر : توقف فيه وتأنى.
«لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ » لم نك من أتباع السابقين.
________________________________________________________
يؤمّل اللحوق بالسوابق ، والتاسع اللطيم لأنه يلطم إذا أراد الدُّخول إلى الحجرة الجامعة للسوابق ، والعاشر السكيت مصغراً مخففاً ويجوز تشديده لسكوت صاحبه إذا قيل : لمن هذا؟ أو لانقطاع العذر عنده ، ويقال له الفسكلّ بكسر الفاء والكاف أو بضمهما وقيل : هو غير العشرة يجيء آخر الخيل كلها وما ذكرهعليهالسلام من تفسير المصلي تفسير متين وجيه لأنّ نسبتهم العذاب إلى الإخلال بأصول الدين الّتي هي العمدة في الإيمان أولى من نسبتهم إلى الإخلال بالفروع ، وقوله : «وَلَمْ نَكُ نُطْعمّ الْمِسْكِينَ » أيضاً في تفسير أهل البيتعليهمالسلام يؤول إلى ذلك ، أي لا نؤدي حقوقهم من الخمس وغيره ، فالمعنى لم نكن نتبع الأئمّة ولا نعنيهم كما قال عليّ بن إبراهيم : لم نك من المصلين ، أي لم نك من أتباع الأئمّة ، ولم نك نطعمّ المسكين ، قال : حقوق آل رسول الله من الخمس لذوي القربى واليتامى وابن السبيل ، وهم آل رسول اللهعليهمالسلام ، انتهى.
ويؤيّده ما ذكره الراغب في المفردات ، والصلاة التي هي العبادة المخصوصة أصلها الدعاء وسميت هذه العبادة بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه وقال بعضهم : أصل الصلاة من الصّلا ، قال : ومعنى صلى الرجل أي أنه أزال عن نفسه بهذه العبادة الصلاة الّذي هو نار الله الموقدة وبناء صلى كبناء مرض لإزالة المرض ، ثمّ قال : وكلّ موضع مدح الله بفعل الصلاة أو حث عليه ذكر بلفظ الإقأمّة ، نحو : «وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ »(١) و «أَقِيمُوا الصَّلاةَ »(٢) و «أَقامُوا الصَّلاةَ » ولم يقل المصلين إلّا في المنافقين نحو قوله : «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٣) » و «لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وَهُمْ كُسالى »(٤) وإنّما خص لفظة الإقامة تنبيهاً على أنّ المقصود من فعلها توفية حقوقها وشرائطها لا الإتيان بهيئتها فقط ، ولهذا روي أنّ المصلّين كثير ، والمقيمين لها قليل.
وقوله : «لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعمّ الْمِسْكِينَ » أي من أتباع النبيّين ،
__________________
(١) سورة النساء : ١٦٢. (٢) سورة البقرة : ١٤٣ و٢٧٧.
(٣) سورة الماعون : ٤. (٤) سورة التوبة : ٥٤.
٣٩ - أحمد بن مهران ، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني ، عن موسى بن محمّد ، عن يونس بن يعقوب عمّن ذكره ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله عزَّ وجلَّ : «وَأنّ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً »(١) يقول : لأشربنا قلوبهم الإيمان والطريقة هي ولاية عليّ بن أبي طالب والأوصياءعليهمالسلام .
________________________________________________________
وقوله «فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى » تنبيها على أنه لم يك ممن يصلي أي يأتي بهيئتها فضلا عمّن يقيمها.
الحديث التاسع والثلاثون : ضعيف على المشهور وقد مضى بعينه مع الخبر الآتي في باب قبل باب أنّ الأئمّةعليهمالسلام معدن العلم.
وقال البيضاوي : «وَأنّ لَوِ اسْتَقامُوا » أي أنّ الشان لو استقام الجن أو الإنس أو كلاهما «عَلَى الطَّرِيقَةِ » المثلي «لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً » لوسعنا عليهم الأرزاق ، وتخصيص الماء الغدق وهو الكثير بالذكر لأنه أصل المعاش والسعة ، وعزة وجوده بين العرب ، انتهى.
ومعلوم أنّ الطريقة المثلي التي تجب الاستقأمّة عليها مشتملة على الولاية وهي من عمدتها ، واستعارة الماء للإيمان والعلم شائع ، لكونهما سببأنّ لحياة الأرواح كما أنّ الماء سبب الحياة الأبدان ، وقال الطبرسي (ره) : في تفسير أهل البيتعليهمالسلام عن أبي بصير قال : قلت لأبي جعفرعليهالسلام قول الله : «أنّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثمّ اسْتَقامُوا »(٢) قال : هو والله ما أنتم عليه ، ولو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ، وعن بريد العجلي عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : معناه لأفدناه علـماً كثيراً يتعلمونه من الأئمّة وروى محمّد بن العباس بن ماهيار بإسناده عن سماعة قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : في قول الله عزَّ وجلَّ «لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ » ، قال : استقاموا على الولاية في الأصل عند الأظلة حين أخذ الله عليه الميثاق على ذريّة آدم لأسقيناهم ماء غدقاً يعني لأسقيناهم من الماء العذب.
__________________
(١) سورة الجن : ١٦. (٢) يأتي في الحديث الآتي.
٤٠ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن جمهور ، عن فضالة بن أيوب ، عن الحسين بن عثمان ، عن أبي أيّوب ، عن محمّد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عزَّ وجلَّ : «الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثمّ اسْتَقامُوا »(١) فقال أبو عبد اللهعليهالسلام استقاموا على الأئمّة واحداً بعد واحد «تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ إلّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ».
٤١ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي حمزة قال سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله تعالى : «قُلْ إنّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ »(٢)
________________________________________________________
أقول : وهذا تأويل آخر أي سببنا على طينتهم الماء العذب الفرات ، لا الماء الملح الأجاج كما سيأتي في أخبار الطينة إنشاء الله.
الحديث الأربعون : كالسّابق «أنّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ » أي وحّدوا الله بلسانهم واعترفوا به وصدقوا أنبياءه «ثمّ اسْتَقامُوا » قال المفسّرون : على التوحيد أو على طاعته والاستقأمّة إنّما يستقيم بالولاية وإنكارها بمنزلة الشرك «تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ » عند الموت كما في تفسير الإمام وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أيضاً ، وقيل : تستقبلهم الملائكة إذا خرجوا من قبورهم بالبشارة من الله ، وقيل : عند الموت وفي القبر وعند البعث.
أقول : ويحتمل أنّ يكون في الدّنيا أيضاً ليعلموا ذلك بخبر الصادقينعليهمالسلام فتحصل لهم البشارة وفي بعض الأخبار أنّه مختصّ بالأئمّةعليهمالسلام ، يسمعون ذلك منهم «إلّا تَخافُوا » العقاب «وَلا تَحْزَنُوا » على فوت الثواب ، أو لا تخافوا ممّا أمامكم ولا تحزنوا على ما خلّفتم من أهل ومال وولد كما في تفسير الإمامعليهالسلام .
الحديث الحادي والأربعون : ضعيف على المشهور.
وروى محمّد بن العبّاس في تفسيره عن أحمد بن محمّد النوفلي عن يعقوب بن يزيد عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سألته عن قول الله عزَّ وجلَّ : «قُلْ إنّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ
__________________
(١) سورة فصلت : ٣٠. (٢) سورة السبأ : ٤٥.
فقال إنّما أعظكم بولاية عليّعليهالسلام هي الواحدة التي قال الله تبارك وتعالى «إنّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ ».
________________________________________________________
أنّ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى » قال : بالولاية ، قلت : وكيف ذاك؟ قال : إنه لـمّا نصب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أمير المؤمنينعليهالسلام للنّاس ، فقال : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اغتابه رجل وقال : أنّ محمّداً ليدعو كلّ يوم إلى أمر جديد وقد بدأ بأهل بيته يملكهم رقابنا فأنزل الله عزَّ وجلَّ على نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك قرآناً فقال : «قُلْ إنّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ » فقد أديت إليكم ما افترض ربكم عليكم ، قلت : فما معنى قوله «أنّ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى »؟ فقال : أما مثنى يعني طاعة رسول الله وطاعة أمير المؤمنينعليهالسلام ، وأمّا فرادى فيعني طاعة الأئمّة من ذريتهما من بعدهما ، ولا والله يا يعقوب ما عنى غير ذلك ، ورواه فرات بن إبراهيم أيضاً بإسناده عن عمرو بن يزيد عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام .
وروى ابن شهرآشوب في المناقب عن الباقر والصّادقعليهماالسلام في قوله تعالى : «قُلْ إنّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ » قال : الولاية «أنّ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى » قال : الأئمّة من ذريّتهما ، وقال البيضاوي «قُلْ إنّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ » ، أرشدكم وأنصح لكم بخصلة واحدة هي ما دل عليه «أنّ تَقُومُوا لِلَّهِ » وهو القيام من مجلس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والانتصاب في الأمر خالصا لوجه الله تعالى معرضا عن المراء والتقليد «مَثْنى وَفُرادى » متفرقين اثنين اثنين وواحداً واحداً ، فأنّ الازدحام يشوش الخاطر ويخلط القول «ثمّ تَتَفَكَّرُوا » في أمر محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وما جاء به لتعلموا حقيقته «ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ » فتعلموا ما به من جنون يحمله على ذلك ، أو استئناف على أنّ ما عرفوا من رجاحة عقله كاف في ترجيح صدقه. فإنه لا يدعه أنّ يتصدى لادّعاء أمر خطير وخطب عظيم من غير تحقق ووثوق ببرهان ، فيفضح على رؤوس الأشهاد ، ويسلم ويلقي نفسه إلى الهلاك ، كيف وقد انضمّ إليه معجزات كثيرة ، وقيل : ما استفهامية والمعنى ثمّ تتفكّروا أي شيء به من آثار الجنون ، انتهى.
٤٢ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن أورمة وعليّ بن عبد الله ، عن عليّ بن حسّان ، عن عبد الرَّحمن بن كثير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عزَّ وجلَّ «أنّ الَّذِينَ آمَنُوا ثمّ كَفَرُوا ثمّ آمَنُوا ثمّ كَفَرُوا ثمّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ
________________________________________________________
وأمّا التأويل الوارد في تلك الأخبار فهي من متشابهات التأويلات التي لا يعلمها إلّا الله والراسخون في العلم إن صحّ صدورها عنهمعليهمالسلام ، ويمكن تطبيقه على ما في الكتاب على الآية بأنّ الجنّة هي التي كانوا ينسبونها إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في أمر أمير المؤمنين حيث كانوا يقولون إنّه لمجنون في حبهعليهالسلام كما روي في تفسير قوله تعالى : «وَأنّ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ » إلى قوله «وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ »(١) والمعنى «قُلْ إنّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ » أي بسبب خصلة واحدة هي الولاية ، وأنّ تقوموا مفعول ثان لأعظكم أي تقوموا وتتفكروا في أمري فتعلموا أني لست بمجنون في محبته وإنّما أنا مأمور بتبليغ ولايتهعليهالسلام بغاية الجهد.
ويحتمل أيضاً أنّ يكون أنّ تقوموا بدل واحدة بدل اشتمال أي أعظكم بالولاية بأنّ تتفكروا في أمري فتعلموا أني لست بمجنون في تبليغها ، ويحتمل أنّ يكون التفسير بالولاية لبيان حاصل المعنى ، فأنّ هذه إنّما كانت لقبول ما أرسل بهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكانت العمدة والأصل فيها الولاية.
وعلى ما في سائر الروايات يحتمل أنّ يكون المعنى إنّما أعظكم بخصلة واحدة وبطريقة واحدة للرد على من نسب إليهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه يأتي كلّ يوم بأمر غريب موهما أنّ الأمور التي يأتي بها متخالفة ، وقوله : أنّ تقوموا بدل من الواحدة ، ولعلّ قوله مثنى وفرادى حينئذ منصوبان بنزع الخافض أي للإتيأنّ بما هو مثنى وفرادى ، أو صفتان المصدر محذوف أي قياماً مثنى وفرادى بناء على أنّ المراد بالقيام الطاعة والاهتمام بها.
الحديث الثاني والأربعون ضعيف.
والآية في سورة النساء(٢) هكذا : «أنّ الَّذِينَ آمَنُوا ثمّ كَفَرُوا ثمّ آمَنُوا ثُمَ
__________________
(١) سورة القلم : ٥١. (٢) الآية : ١٣٦.
تَوْبَتُهُمْ »(١) .
________________________________________________________
كَفَرُوا ثمّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ، بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأنّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً » وليس فيها« لن تقبل توبتهم » نعمّ في سورة آل عمران(٢) : «أنّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمأنّهم ثمّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ » ولعلهعليهالسلام أو الراوي ذكر آية النساء وضمّ إليها بعض آية آل عمران للتنبيه على أنّ مورد الذم في الآيتين واحد ، وأنّ كلّ واحدة منهما مفسّرة للأخرى لأنّ قوله : «لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ » وقع في موقع «لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ » لإفادته مفاده.
واختلف المفسّرون في مورد نزول الآية الأولى ، فقيل : هم الذين آمنوا بموسى ثمّ كفروا بعبادة العجل وغير ذلك ثمّ آمنوا بعيسى ثمّ كفروا به ثمّ ازدادوا كفراً بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقيل : المراد آمنوا بموسى ثمّ كفروا بعده ثمّ آمنوا بعزير ثمّ كفروا بعيسى ، ثمّ ازدادوا كفراً بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وقيل : عنى به طائفة من أهل الكتاب أرادوا تشكيك نفر من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فكانوا يظهرون الإيمان بحضرتهم ثمّ يقولون عرضت لنا شبهة في أمره ونبوته فيظهرون الكفر ثمّ ازدادوا كفراً بالثبات عليه إلى الموت ، وقيل : أنّ المراد به المنافقون ، آمنوا ثمّ ارتدوا ثمّ ماتوا على كفرهم ، وقال ابن عباس : دخل في هذه الآية كلّ منافق كان في عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في البر والبحر.
أقول : ويدلّ عليه قوله تعالى فيما بعد : «بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ » وقال الطبرسي (ره) «لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ » بإظهارهم الإيمان فلو كانت بواطنهم كظواهرهم في الإيمان لـمّا كفروا فيما بعد ، «وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً » إلى الجنّة ، وقال البيضاوي «لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً » إذ يستبعد منهم أنّ يتوبوا عن الكفر ويثبتوا على الإيمان ، فأنّ قلوبهم قد ضربت بالكفر وبصائرهم عميت عن الحقّ لا أنّهم لو أخلصوا الإيمان لم تقبل منهم ولم يغفر لهم.
__________________
(١) راجع الشرح. (٢) الآية : ٩٠.
قال نزلت في فلان وفلان وفلان ، آمَنُوا بالنبيّصلىاللهعليهوآله في أول الأمر و كَفَرُوا حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النبيّصلىاللهعليهوآله من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ثمّ آمَنُوا بالبيعة لأمير المؤمنينعليهالسلام ثمّ كَفَرُوا حيث مضى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلم يقروا بالبيعة ثمّ ازْدادُوا كفراً بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيءٌ
٤٣ - وبهذا الإسناد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله تعالى : «أنّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تبيّن لَهُمُ الْهُدَى »(١) فلانٌ وفلانٌ وفلانٌ ، ارتدّوا عن
________________________________________________________
قولهعليهالسلام : آمنوا بالنبيّ في أوّل الأمر المراد بالإيمان في الموضعين الإقرار باللّسان فقط ، وبالكفر الإنكار باللّسان أيضاً.
قال عليّ بن إبراهيم في تفسيره : نزلت في الذين آمنوا برسول الله إقرارا لا تصديقاً ، ثمّ كفروا لـمّا كتبوا الكتاب فيما بينهم أنّ لا يردّوا الأمر إلى أهل بيته أبداً فلـمّا نزلت الولاية وأخذ رسول الله الميثاق عليهم لأمير المؤمنينعليهالسلام آمنوا إقراراً لا تصديقاً ، فلـمّا مضى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كفروا وازدادوا كفراً «لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ » بأخذهم من بائعه بالبيعة لهم ، المستتر في بايعه راجع إلى الموصول والبارز إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ، أي أخذوا الجماعة الذين بايعوا أمير المؤمنينعليهالسلام يوم الغدير بالبيعة لأبي بكر وأخويه عليهم اللعنة ، ويحتمل أنّ يكون المراد بالموصول أمير المؤمنينعليهالسلام فيكون المستتر راجعاً إلى أبي بكر والبارز إلى الموصول ، أي أخذوا من بائعه أبو بكر يوم الغدير بأنّ يبايع لهم وهو بعيد ، ولو كان بايعوه كما في تفسير العيّاشي لكان هذا أظهر.
الحديث الثالث والأربعون كالسابق.
«أنّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تبيّن لَهُمُ الْهُدَى » تمامها في سورة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ ، ذلِكَ بِأنّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ
__________________
(١) سورة محمد (ص) : ٢٥.
الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام قلت قوله تعالى «ذلِكَ بِأنّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأمر »(١) قال نزلت والله فيهما وفي أتباعهما وهو قول الله عزَّ وجلَّ الّذي نزل به جبرئيلعليهالسلام على محمّدصلىاللهعليهوآله «ذلِكَ بِأنّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ » في عليّعليهالسلام «سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأمر » قال دعوا بني اُميّة إلى ميثاقهم إلّا يصيّروا الأمر فينا بعد النبيّصلىاللهعليهوآله ولا يعطونا من الخمس
________________________________________________________
اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأمر وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ » قال البيضاوي : أنّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ إلى ما كانوا عليه من الكفر مِنْ بَعْدِ ما تبيّن لَهُمُ الْهُدَى با لدلائل الواضحة والمعجزات الظاهرة «الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ » سهّل لهم اقتراف الكبائر «وَأَمْلى لَهُمْ » ومد لهم في الآمال والأماني ، أو أمهلهم الله ولم يعاجلهم بالعقوبة «ذلِكَ بِأنّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ » أي قال اليهود الذين كفروا بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد ما تبيّن لهم الهدى للمنافقين ، أو المنافقون لهم ، أو أحد الفريقين للمشركين «سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأمر » أي في بعض أموركم أو في بعض ما تأمرون به كالعقود عن الجهاد ، والموافقة في الخروج معهم أنّ أخرجوا والتظافر علي الرّسول «وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ » ومنها قولهم هذا الّذي أفشاه الله عليهم ، انتهى.
« فلان وفلان » هذه الكنايات تحتمل وجهين : الأوّل : أن يكون المراد بها بعض بني أمية كعثمان وأبي سفيان ومعاوية فالمراد بالذين كرهوا ما أنزل الله أبو بكر وعمرّ وأبو عبيدة إذ ظاهر السياق أنّ فاعل قالوا الضمير الراجع إلى الذين ارتدوا ، الثاني : أنّ يكون المراد بهذه الكنايات أبو بكر وعمرّ وأبا عبيدة ، وضمير « قالوا » راجعاً إلى بني أمية ، والمراد بالذين كرهوا الذين ارتدوا فيكون من قبيل وضع المظهر موضع المضمرّ ، ويؤيّده عدم وجود الكناية الثالثة في بعض النسخ.
قولهعليهالسلام : نزلت والله فيهما ، أي في أبي بكر وعمرّ وهو تفسير للدين كرهوا وقوله : وهو قول الله تفسير لـمّا نزل الله أو بيان لأنّ الآية نزلت هكذا ، وضمير دعوا راجع إليهما وأتباعهما ، وقوله : أنّ لا يصيروا بدل ميثاقهم « وقالوا » أي أبو بكر وعمر
__________________
(١) سورة محمّد (ص) ٢٨.
شيئاً وقالوا : إن أعطيناهم إيّاه لم يحتاجوا إلى شيء ولم يبالوا أنّ يكون الأمر فيهم فقالوا سنطيعكم في بعض الأمر الّذي دعوتمونا إليه وهو الخمس إلّا نعطيهم منه شيئاً وقوله «كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ » والّذي نزل الله ما افترض على خلقه من ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام وكان معهم أبو عبيدة وكان كاتبهم فأنزل الله «أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً
________________________________________________________
وأتباعهما« أنّ لا يكون الأمر فيهم » كذا في بعض النسخ(١) وفيه دلالة على كمال عداوتهم لأهل البيتعليهمالسلام حيث قصدوا مع غصب الخلافة منهم كسر قلوبهم بضيق المعيشة وفي بعضها ولم يبالوا إلّا أنّ يكون الأمر فيهم ، أي كانت همتهم حينئذ مقصورة في أخذ الخلافة لحصول أسبابه لهم لأنّ الناس يرغبون إلى الأموال لا سيّما إذا كانت مجتمعة مع النصّ والقرابة والفضل وسائرالجهات «فقالوا» أي بنو أمية وإنّما خصوا الإطاعة بمنع الخمس لأنّهم لم يجتروا على أنّ يبايعوهم في منع الولاية أو كانوا آيسين من ذلك للنصّ الصريح أو لأنّهم علموا أنّهم لا يفوضونها إليهم ويتصرفون فيها ، وأمّا الخمس فكانوا يعلمون أنّ يعطوا حصته منه ، وعلى جميع الوجوه ثمّ بعد ذلك أطاعوهم في الأمرين جميعا لـمّا عرض من الأمور التي صارت أسبابا لطمعهم في الخلافة بعد هؤلاء ولا يبعد أنّ تكون كلمة في على هذا التأويل للسببية أي نطيعكم بسبب الخمس لتعطونا منه شيئاً.
وقوله : كرهوا ما نزل الله ، إعادة للكلام السابق لبيان أنّ ما أنزل الله في عليّ هو الولاية إذ لم يظهر ذلك ممّا سبق صريحاً ، ولعله زيدت الواو في قوله : والّذي من النساخ ، وقيل : قوله ، بالرفع عطف على قول الله ، من قبيل عطف التفسير ، فإنه لا تصريح في المعطوف عليه بأنّ النازل فيهما وفي أتباعهما « كرهوا » أم « قالوا ».
وأبو عبيدة هو عأمر بن عبد الله بن الجرّاح من رؤساء المنافقين ، وكان كاتب الصحيفة الملعونة التي كتبوها ودفنوها في الكعبة ، وكان فيها ميثاقهم أنّ لا يصيروا الأمر في عليّ بعد النبيّ ، وهذا هو المراد بإبرامهم أمراً ، والآية في سورة الزخرف وما قبلها هكذا : «أنّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
__________________
(١) وفي المتن « أن يكون ».
فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ « - الآية - ».
٤٤ - وبهذا الإسناد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عزَّ وجلَّ : «وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ »(١) قال نزلت فيهم حيث دخلوا الكعبة فتعاهدوا وتعاقدوا على كفرهم وجحودهم بما نزل في أمير المؤمنينعليهالسلام فألحدوا في البيت بظلمهم الرسول ووليّه «فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ».
________________________________________________________
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ، وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا ربّك قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ، لَقَدْ جِئْناكُمْ بالحقّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحقّ كارِهُونَ ،أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ » وأم منقطعة بمعنى بل ، وقال البيضاوي «أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً » في تكذيب الحقّ ورده ولم يقتصروا على كراهته فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أمراً في مجازاتهم أو أم أحكم المشركون أمراً من كيدهم بالرسول فإنا مبرمون كيدنا بهم ، ويؤيّده قوله أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ، حديث نفسهم بذلك وَنَجْواهُمْ وتناجيهم ، بَلى نسمعها وَرُسُلُنا والحفظة مع ذلك لَدَيْهِمْ ملازمة لهم يَكْتُبُونَ ذلك ، انتهى.
وأقول : سيأتي في الروضة أنّ أصحاب الصحيفة كانوا ستّة هم أبو بكر وعمرّ وأبو عبيدة وعبد الرَّحمن بن عوف وسالم مولى أبي حذيفة ، والمغيرة بن شعبة ، وقيل : بإسقاط الأخير ، وفي بعض الروايات أربعة بحذف الرابع أيضاً.
الحديث الرابع والأربعون : كالسّابق.
«وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ » أي في المسجد الحرام المتقدّم ذكره في الآية السّابقة ، حيث قال : «أنّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الّذي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ » إلخ ، قال البيضاوي : ممّا ترك مفعوله ليتنأوّل كلّ متنأوّل بإلحاد عدول عن القصد وظلم بغير حقّ ، وهما حالأنّ مترادفأنّ ، والثاني بدل عن الأوّل بإعادة الجار أو صلة أي ملحدا بسبب الظلم كالإشراك واقتراف الآثام «نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ » جواب لمن ، انتهى.
__________________
(١) سورة الحج : ٢٥.
________________________________________________________
وقال الطبرسي (ره) : المراد بالمسجد الحرام الحرم كلّه ، وقيل : عين المسجد الّذي يصلي فيه الناس ، واختلف في معنى الإلحاد هيهنا ، فقيل : هو الشرك وعبادة غير الله ، وقيل : هو الاستحلال للحرام والركوب للآثام ، وقيل : هو كلّ شيء نهى الله عنه حتّى شتم الخادم لأنّ الذنوب هناك أعظم ، وقيل : هو دخول مكّة بغير إحرام ، انتهى.
وما ذكرهعليهالسلام مورد نزول الآية ومصداقها الأعظم لأنّه متضمن للشرك والكفر بآيات الله وظلم الرّسول وأهل بيته صلوات الله عليه وعليهم ويظهر منه نكتة ، إيراد الظلم بعد الإلحاد ، وبعدا منصوب بتقدير حرف النداء.
وقصّة الصحيفة التي أشير إليها في هذه الرواية والرواية السابقة وردت في أخبار كثيرة أوردناها في كتابنا الكبير ، فمنها : ما رواه السيّد بن طاوسرضياللهعنه من كتاب النشر والطي بطرق المخالفين عن عطية السعدي قال : سألت حذيفة بن اليمأنّ عن إقأمّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاًعليهالسلام يوم الغدير كيف كان؟ قال : أنّ الله أنزل على نبيه : «النبيّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ » فقالوا : يا رسول الله ما هذه الولاية التي أنتم بها أحقّ منا بأنفسنا؟ فقالعليهالسلام : السمع والطاعة فيما أحببتم وكرهتم فقلنا : سمعنا وأطعنا ، فأنزل الله «وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الّذي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا »(١) فخرجنا مع النبيّ في حجة الوداع فنزل جبرئيل فقال : يا محمّد أنّ ربّك يقرئك السلام ويقول : أنصب عليّاً علـمّا للناس ، فبكى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى اخضلت لحيته وقال : يا جبرئيل أنّ قومي حديثو عهد بالجاهلية ضربتهم على الدين طوعا وكرها حتّى انقادوا لي ، فكيف إذا حملت على رقابهم غيري! قال : فصعد جبرئيل وقد كان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعث عليّاًعليهالسلام إلى اليمن فوافى مكة ونحن مع الرسول ، ثمّ توجه عليّ يوما نحو الكعبة يصلي فلـمّا ركع أتاه سائل فتصدق عليه بحلقة خاتمه
__________________
(١) سورة المائدة : ٧.
________________________________________________________
فأنزل الله : «إنّما وَلِيُّكُمُ اللهُ » إلى قوله : «وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ »(١) فكبر رسول الله وقرأ علينا ، ثمّ قال : قوموا نطلب هذه الصّفة التي وصف الله بها ، فلـمّا دخل رسول الله المسجد استقبله سائل فقال : من أين جئت؟ قال : من عند هذا المصلي تصدق عليّ بهذه الحلقة وهو راكع ، فكبر رسول الله ومضى نحو عليّعليهالسلام فقال : يا عليّ ما أحدثت اليوم من خير؟ فأخبره بما كان منه إلى السائل ، فكبر ثالثة ، فنظر المنافقون بعضهم إلى بعض وقالوا : أفئدتنا لا تقوى على ذلك أبدا مع الطاعة ، فنسأل رسول الله أنّ يبدله لنا فأتوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبروه بذلك فأنزل الله قرآنا وهو : «قُلْ ما يَكُونُ لِي أنّ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي »(٢) الآية ، فقال جبرئيل : يا رسول الله أتمه فقال : حبيبي جبرئيل قد سمعت ما تؤامروا به! فانصرف رسول الله الأمين جبرئيل فلـمّا كان في آخر يوم من أيام التشريق أنزل الله عليه : «إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ » إلى آخرها ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : نعيت إلى نفسي ، فجاء إلى مسجد الخيف فدخله ونادى : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه وذكر خطبتهعليهالسلام ثمّ قال فيها : أيها الناس إني تارك فيكم الثقل الأكبر كتاب الله عزَّ وجلَّ ، طرف بيد الله وطرف بأيديكم فتمسكوا به ، والثقل الأصغر عترتي أهل بيتي فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض كإصبعي هاتين ، وجمع بين سبابتيه ، ولا أقول كهاتين وجمع بين سبابته والوسطى ، فتفضل هذه على هذه ، فاجتمع القوم وقالوا : يريد محمّد أنّ يجعل الإمأمّة في أهل بيته فخرج منهم أربعة ودخلوا الكعبة فكتبوا فيها بينهم أنّ أمات الله محمّداً وقتل لا يرد هذا الأمر في أهل بيته فأنزل الله تعالى : «أَمْ أَبْرَمُوا أمراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ، أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ » إلى آخر الحديث الطّويل.
وقد روى الديلمي في إرشاد القلوب في حديث طويل عن حذيفة بن اليمان أنّه قال : لـمّا نصب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاًعليهالسلام بغدير خم للإمأمّة وأمرهم أنّ يبايعوه
__________________
(١) سورة المائدة : ٥٥. (٢) سورة يونس : ١٥.
________________________________________________________
ورحل منه ، وقف أربعة عشر من المنافقين فيهم أبو بكر وعمرّ وعثمان وعبد الرَّحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح ومعاوية وعمرو بن العاص على العقبة لينفروا برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ناقته ، وحفظه الله من ذلك ، فلـمّا نزلوا من العقبة دخلوا مع الناس وصلوا خلف رسول الله صلاة الفجر فلـمّا انصرف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من صلاته نظر إلى أبي بكر وعمرّ يتناجون فأمر مناديا فنادى في الناس لا تجتمع ثلاثة نفر من الناس يتناجون فيما بينهم بسر ، وارتحلّ بالناس من منزل العقبة ، فلـمّا نزل المنزل الآخر رأي سالم مولى حذيفة أبا بكر وعمرّ وأبا عبيدة يسار بعضهم بعضاً فوقف عليهم ، وقال : أليس قد أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ لا تجتمع ثلاثة نفر من النّاس على سر واحد والله لتخبروني فيما أنتم وإلّا أتيت رسول الله أخبره بذلك منكم ، فأخذوا منه العهد والميثاق على الكتمان ، ثمّ قالوا : قد اجتمعنا على أنّ نتحالف ونتعاقد على أنّ لا نطيع محمّداً فيما عرض علينا من ولاية عليّ بن أبي طالب قال سالم : وأنا والله أوّل من يعاقدكم على هذا الأمر ولا نخالفكم عليه ، وإنه والله ما طلعت الشمس على أهل بيت أبغض إلى من بني هاشم ، ولا في بني هاشم أبغض إلى ولا أمقت من عليّ بن أبي طالب فاصنعوا في هذا الأمر ما بدا لكم فإني واحد منكم ، فتعاقدوا من وقتهم على هذا الأمر ثمّ تفرقوا. فلـمّا أراد رسول الله المسير أتوه فقال لهم : فيما كنتم تتناجون في يومكم هذا وقد نهيتكم عن النجوى؟ فقالوا : يا رسول الله ما التقينا غير وقتنا هذا! فنظر إليهم النبيّ مليا ثمّ قال : أنتم أعلم أم الله ، «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عمّا تَعْمَلُونَ » ، ثمّ سار حتّى دخل المدينة واجتمع القوم جميعاً وكتبوا صحيفة بينهم على ذكر ما تعاهدوا عليه في هذا الأمر ، وكان أوّل ما في الصحيفة النكث لولاية عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وأنّ الأمر إلى أبي بكر وعمرّ وأبي عبيدة وسالم معهم ليس بخارج عنهم ، وشهد بذلك أربعة وثلاثون رجلا أصحاب العقبة وثلاثون رجلاً آخر ، واستودعوا الصحيفة أبا عبيدة بن الجراح وجعلوه أمينهم عليها.
قال حذيفة : حدثتني أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر أنّ القوم اجتمعوا في
________________________________________________________
منزل أبي بكر فتئوامروا في ذلك وأسماء تسمعهم حتّى اجتمع رأيهم على ذلك فأمروا سعيد بن العاص الأموي فكتب لهم الصحيفة باتّفاق منهم.
وكانت نسخته : بسم الله الرحمن الرّحيم هذا ما اتفق عليه الملأ من أصحاب محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من المهاجرين والأنصار الذين مدحهم الله في كتابه على لسان نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم اتفقوا جميعاً بعد أنّ أجهدوا رأيهم وتشاوروا في أمرهم وكتبوا هذه الصحيفة نظراً منهم للإسلام وأهله على غابر الأيام وباقي الدهور ليقتدي بهم من يأتي من المسلمين من بعدهم ، أما بعد فأنّ الله بمنه وكرمه بعث محمّداً رسولا إلى الناس كافة بدينه الّذي ارتضاه لعباده فأدى من ذلك وبلغ ما أمره الله به وأوجب علينا القيام بجميعه حتّى إذا أكمل الدين وفرض الفرائض وأحكم السنن اختار الله له ما عنده فقبضه إليه مكرما محبوراً من غير أنّ يستخلف أحداً بعده ، وجعل الاختيار إلى المسلمين يختاروا لأنفسهم من وثقوا برأيه ونصحه ، وأنّ للمسلمين في رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أسوة حسنّة ، قال الله تعالى : «لَقَدْ كان لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسنّة لِمَنْ كان يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ » وأنّ رسول الله لم يستخلف أحدا لئلا يجري ذلك في أهل بيت واحد فيكون إرثا دون سائر المسلمين ، ولئلّا يكون دولة بين الأغنياء منهم ولئلا يقول المستخلف أنّ هذا الأمر باق في عقبه من والد إلى ولد إلى يوم القيامة والّذي يحبّ على المسلمين عند مضي خليفة من الخلفاء أنّ يجتمع ذوو الرأي والصلاح في أمورهم فمن رأوه مستحقّاً لها ولوه أمورهم ، وجعلوه القيم عليهم ، فإنه لا يخفى على أهل كلّ زمان من يصلح منهم للخلافة ، فأنّ ادعى مدع من الناس جميعاً أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم استخلف رجلاً بعينه نصبه الناس ونصّ عليه باسمه ونسبه فقد أبطل في قوله ، وأتى بخلاف ما يعرفه أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وخالف على جماعة المسلمين ، وأنّ ادعى مدع أنّ خلافة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إرث وأنّ رسول الله يورث فقد أحال في قوله لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ، وإن
________________________________________________________
ادّعى مدّع أنّ الخلافة لا يصلح إلّا لرجل واحد من بين الناس جميعاً وأنها مقصورة فيه ولا تنبغي لغيره لأنّها تتلو النبوّة فقد كذب لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتمّ اهتديتمّ ، وأنّ ادّعى مدّع أنه مستحقّ الخلافة والإمأمّة بقربه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ هي مقصورة عليه وعلى عقبه يرثها الولد منهم عن والده ثمّ هي كذلك في كلّ عصر وزمأنّ لا تصلح لغيرهم ولا ينبغي أنّ يكون لأحد سواهم إلى أنّ يرث الله الأرض فليس له ولا لولده وأنّ دنا من النبيّ نسبته ، لأنّ الله يقول وقوله القاضي على كلّ أحد : «أنّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ » وقال رسول الله : أنّ ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، وكلهم يد على من سواهم ، فمن آمن بكتاب الله وأقر بسنّة رسول الله فقد استقام وأناب وأخذ بالصواب ، ومن كره ذلك من فعالهم فقد خالف الحقّ والكتاب ، وفارق جماعة المسلمين فاقتلوه فأنّ في قتله صلاحاً للأمّة ، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من جاء إلى أمّتي وهم جميع ففرقهم فاقتلوه واقتلوا الفرد كائنا من كان من الناس فأنّ الاجتماع رحمة والفرقة عذاب ، ولا تجتمع أمّتي على ضلال أبداً وأنّ المسلمين يد واحدة على من سواهم ، وأنه لا يخرج من جماعة المسلمين إلّا مفارق ومعاند لهم ومظاهر عليهم أعداءهم ، فقد أباح الله ورسوله دمه وأحلّ قتله.
وكتب سعيد بن العاص باتفاق ممن أثبت اسمه وشهادته آخر هذه الصحيفة في المحرم سنّة عشر من الهجرة والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمّد وآله أجمعين وسلم.
ثمّ دفعت الصحيفة إلى أبي عبيدة بن الجراح ، فوجه بها إلى مكة فلم تزل الصحيفة في الكعبة مدفونة إلى أوان عمرّ بن الخطاب فاستخرجها من موضعها ، وهي الصحيفة التي تمنى أمير المؤمنين لـمّا توفّي عمر ، فوقف به وهو مسجى بثوبه فقال : ما أحبّ إلى أنّ ألقى الله بصحيفة هذا المسجّى.
ثمّ انصرفوا وصلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالناس صلاة الفجر ثمّ جلس في مجلسه يذكر الله تعالى حتّى طلعت الشمس فالتفت إلى أبي عبيدة فقال له : بخّ بخ ّمن مثلك
٤٥ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن عليّ بن أسباط ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عزَّ وجلَّ : «فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ
________________________________________________________
وقد أصبحت أمين هذه الأمّة؟ ثمّ تلا : «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثمّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ ممّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ ممّا يَكْسِبُونَ » لقد أشبه هؤلاء رجال في هذه الأمّة يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً ، ثمّ قال : لقد أصبح في هذه الأمّة في يومي هذا قوم ضاهوهم في صحيفتهم التي كتبوها علينا في الجاهلية وعلقوها في الكعبة وأنّ الله تعالى يمهلهم وليبتليهم ويبتلي من يأتي بعدهم تفرقة بين الخبيث والطيب ولو لا أنه سبحانه أمرني بالإعراض عنه للأمر الّذي هو بالغه لقد متهم فضربت أعناقهم.
قال حذيفة : فو الله لقد رأينا هؤلاء النفر عند قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هذه المقالة وقد أخذتهم الرعدّة فما يملك أحد منهم من نفسه شيئاً ولم يخف على أحد ممن حضر مجلس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك اليوم أنّ رسول الله إيّاهم عنى بقوله ، وضرب لهم تلك الأمثال بما تلا من القران ، إلى آخر ما أوردنا بطوله في كتابنا الكبير.
وفي كتاب سليم بن قيس أنّ معاذ بن جبل أيضاً كان منهم ، واختلاف عددهم في الأخبار محمول على أنّ الأربعة كانوا أصل هذه الفتنة وكان الباقون داخلين في ذلك على اختلاف مراتبهم في المدخلية لعنة الله عليهم أجمعين.
الحديث الخامس والأربعون ضعيف على المشهور.
«فَسَتَعْلَمُونَ » الآية في سورة الملك هكذا : «قُلْ هُوَ الرَّحمن آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » وظاهر الخبر أنه كان في مصحفهمعليهمالسلام هكذا « فستعلمون يا معشر المكذبين إلى آخره ، وأوّل بأنها نزلت هكذا تفسيراً للآية كما مرّ ، والمعنى فستعلمون عند الموت أو بعده أو الأعمّ يا معشر المكذبين لرسالتي من أجل أني أنبأتكم رسالة ربي في ولاية عليّ والأئمّة من بعده «مَنْ
هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ »(١) يا معشر المكذّبين حيث أنبأتكم رسالة ربّي في ولاية عليّعليهالسلام والأئمّةعليهمالسلام من بعده من هو في ضلال مبين كذا أنزلت وفي قوله تعالى : «أنّ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا »(٢) فقال : إن تلووا الأمر وتعرضوا عمّا أمرتم به «فَأنّ اللهَ كان بِما
________________________________________________________
هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » نحن أم أنتم ، لأنّهم كانوا ينسبون الضلالة إليهصلىاللهعليهوآلهوسلم في محبّة عليّ وتبليغ إمامته ، وأنه إنّما يقول ذلك من تلقاء نفسه ، وكان ذكر الإيمان في صدر الآية على هذا التأويل للإشعار بأنّ من لم يؤمن بالولاية فهو غير مؤمن بالله.
قال السيّد في الطرائف روى الفقيه الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب بإسناده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمنى وقد ذكر حديثا طويلا إلى أنّ قال : ثمّ نزل فَاسْتَمْسِكْ بِالّذي أُوحِيَ إِلَيْكَ في أمر علىّ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وأنّ عليّاً لعلم للساعة وذكر لك ولقومك وسوف تسألون عن عليّ بن أبي طالب ، هذا آخر الحديث ، وكان اللفظ المذكور المنزل في ذلك على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعضه قرأنّ وبعضه تأويل ، انتهى.
والغرض من إيراده أنهرحمهالله حمل تلك الأخبار على التأويل والله يعلم.
« وفي قوله تعالى «وَأنّ تَلْوُوا » الآية في سورة النساء هكذا : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ أنّ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أنّ تَعْدِلُوا وَأنّ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَأنّ اللهَ كان بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً » قال المفسّرون : فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أنّ تَعْدِلُوا أي لأنّ تعدلوا عن الحقّ أو كراهة أنّ تعدلوا من العدل ، وَأنّ تَلْوُوا أي تلووا أنفسكم عن شهادة الحقّ أو حكومة العدل أَوْ تُعْرِضُوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها ، وقرأ أنّ تلووا أو تعرضوا بمعنى كتمتم الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها وكأنهعليهالسلام فسّر الآية هكذا إنّ تَلْوُوا أي تصرفوا الخلافة عن موضعها وهو أمير المؤمنينعليهالسلام أَوْ تُعْرِضُوا عمّا أمرتم به من ولايته «فَأنّ اللهَ كان بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً » فيعاقبكم عليه.
__________________
(١) سورة الملك : ٢٩. (٢) سورة النساء : ١٣٤.
تَعْمَلُونَ خَبِيراً » وفي قوله «فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا » بتركهم ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام «عَذاباً شَدِيداً » في الدّنيا «وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الّذي كانُوا يَعْمَلُونَ »(١) .
٤٦ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن عليّ بن أسباط ، عن عليّ بن منصور ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن الوليد بن صبيح ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام «ذلِكُمْ
________________________________________________________
«فَلَنُذِيقَنَ » الآية في حم السجدة : «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا القران وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ، فَلَنُذِيقَنَ » إلى آخرها.
وقال البيضاوي «الْغَوْا فِيهِ » أي عارضوه بالخرافات وارفعوا أصواتكم بها لتشوشوه على القاري «لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ » أي تغلبونه على قراءته.
وعليّ تأويلهعليهالسلام كأنه قولهم ذلك في الآيات النازلة في الولاية ، ولـمّا كان أكثر الآيات فيها فكان كفرهم بالقران كفراً بها ، فأوعدهم اللهبقوله : «فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا » بتركهم ولاية أمير المؤمنين «عَذاباً شَدِيداً » في الدّنيا بالمصائب والقتل والأسر سيّما في زمأنّ القائمعليهالسلام «وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ » في الآخرة «أَسْوَأَ الّذي كانُوا يَعْمَلُونَ » أي بأقبح الجزاء على أقبح أعمالهم وهو ترك الولاية.
ويؤيّده أنه قال سبحانه بعد ذلك : «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ » وفسّر في الأخبار بأبي بكر وعمرّ ، وبعد ذلك أيضاً :
«الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثمّ اسْتَقامُوا » وقد مرّ أنها فيهمعليهمالسلام .
الحديث السادس والأربعون ضعيف على المشهور.
وقبل الآية في سورة المؤمن(٢) : «إنّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان فَتَكْفُرُونَ قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ، ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ » إلخ ، والظاهر أنّ تغيير « ذلكم » بذلك من النّساخ.
« ذلكم » أي ما أنتم فيه من العذاب بسبب أنّه إذا دعي الله وحده.
__________________
(١) سورة فصلت : ٢٦ - ٢٧. (٢) الآية : ١٢.
بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ ( وأهل الولاية )كَفَرْتُمْ »(١) .
٤٧ - عليَّ بن إبراهيم ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن خالد ، عن محمّد بن سليمأنّ ، عن أبيه ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله تعالى : «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ * لِلْكافِرينَ ( بولاية عليّ )لَيْسَ لَهُ دافِعٌ »(٢) ثمّ قال هكذا والله نزل بها جبرئيلعليهالسلام على محمّدصلىاللهعليهوآله .
________________________________________________________
« وأهل الولاية » يحتمل التنزيل والتأويل ، وعلى الثاني مبنيّ على أنّ الشرك كما يكون باتّخاذ الأصنام كذلك يكون بالعدول عن الخليفة الّذي نصبه الله تعالى إلى غيره ، فكأنّهم أشركوا خلفاء الجور مع الله ، حيث أطاعوهم من دون الله ، ولذا أوّل في كثير من الأخبار الشرك بترك الولاية أو الإشراك فيها ، فقوله : وأهل الولاية تفسير للتوحيد ، فأنّ التوحيد الكامل إنّما يكون بالولاية.
وروى عليّ بن إبراهيم في تفسيره بإسناده عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله تبارك وتعالى : «إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ » الآية يقول : إذا ذكر الله وحده بولاية من أمر الله تعالى بولايته كفرتم ، وأنّ يشرك به من ليست له ولاية تؤمنوا بأنّ له ولاية.
الحديث السابع والأربعون : ضعيف.
« بولاية عليّ » تنزيلاً كما هو الظاهر ، أو تأويلا على احتمال بعيد ، وقد مرّ في شرح الحديث السابع والثلاثين ما يؤيّد ذلك.
وروى محمّد بن العبّاس بن مروان في تفسيره بإسناده عن الحسين بن محمّد قال : سألت سفيان بن عيينة عن قول الله عزَّ وجلَّ : «سَأَلَ سائِلٌ » فيمن نزلت؟ فقال : يا بن أخي لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك ، لقد سألت جعفر بن محمّدعليهماالسلام عن مثل الّذي قلت ، فقال : أخبرني أبي عن جدّي عن أبيه عن ابن عباس قال : لـمّا كان يوم غدير خم قام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خطيباً ، ثمّ دعا عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فأخذ بضبعيه(٣)
__________________
(١) راجع الشرح. (٢) سورة المعارج : ٢ - ٣.
(٣) الضبع : العضد. الابط.
________________________________________________________
ثمّ رفعه بيده حتّى رئي بياض إبطيه وقال للناس : ألم أبلغكم الرسالة ولم أنصح لكم؟ قالوا : اللّهم نعمّ ، قال : فمن كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه ، قال : ففشت هذه في الناس فبلغ ذلك الحارث بن النعمأنّ الفهري فرحلّ راحلته ثمّ استوى عليها ورسول الله إذ ذاك بالأبطح ، فأناخ ناقته ثمّ عقلها ثمّ أتى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فسلم ثمّ قال : يا عبد الله إنك دعوتنا أنّ نقول لا إله إلّا الله ففعلنا ، ثمّ دعوتنا إلى أنّ نقول إنك رسول الله ففعلنا ، وفي القلب ما فيه! ثمّ قلت لنا : صوموا فصمنا ، ثمّ قلت لنا حجوا فحججنا ثمّ قلت لنا : من كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه ، فهذا عنك أم عن الله فقال له : بل عن الله ، فقالها ثلاثا فنهض وأنه لمغضب وإنه ليقول : اللّهم أنّ كان ما يقول محمّد حقّاً فأمطر علينا حجارة من السماء تكون لنا نقمة في أولنا وآية في آخرنا وأنّ كان ما يقول محمّد كذباً فأنزل به نقمتك.
ثمّ أثار ناقته واستوى عليها فرماه الله بحجر على رأسه فسقط ميتا ، فأنزل الله تبارك وتعالى : «سَأَلَ سائِلٌ » إلى قوله : «مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ ».
أقول : ذكر الأبطح في هذا الخبر غريب ، لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد يوم الغدير لم يرجع إلى مكّة ، وكأنه على تقدير صحته المراد به غير أبطح مكّة فأنّ الأبطح في اللغة مسيل واسع فيه دقاق الحصى.
أقول : وروى محمّد بن عباس أيضاً حديث المتن عن أبي بصير ، ثمّ قال هكذا هي في مصحف فاطمةعليهاالسلام ، وفي رواية أخرى عن أبي بصير أيضاً ، وفيه : ثمّ قال هكذا والله نزل بها جبرئيلعليهالسلام على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهكذا هو مثبت في مصحف فاطمةعليهاالسلام .
أقول : وهذان الخبران ممّا يقرب احتمال كونه تأويلاً لا تنزيلاً.
وقال البيضاوي سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ، أي دعا داع به بمعنى استدعاه ، ولذلك عدي الفعل بالباء والسائل نضر بن الحارث فإنه قال : اللّهم أنّ كان هذا هُوَ
٤٨ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن سيف ، عن أخيه ، عن أبيه ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله تعالى : «إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * ( في أمر الولاية )يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ »(١) قال : من أفك عن الولاية أفك عن الجنّة.
________________________________________________________
الحقّ مِنْ عِنْدِكَ » ، أو أبو جهل فإنه قال «فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ » ، أو الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم استعجل بعذابهم «لِلْكافِرينَ » صفة أخرى لعذاب ، أو صلة لواقع.
الحديث الثامن والأربعون : مجهول.
والآية في الذاريات قال تعالى : «وَالذَّارِياتِ ذَرْواً » إلى قوله : «إنّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ، وَأنّ الدِّينَ لَواقِعٌ ، وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ » وقال البيضاوي : الدين الجزاء ، ذاتِ الْحُبُكِ : أي ذات الطرائق والمراد إما الطرائق المحسوسة التي هي مسير الكواكب ، أو المعقولة التي يسلكها النظار ويتوصّل بها إلى المعارف ، أو النجوم فأنّ لها طرائق ، أو أنها تزينها كما تزين المواشي طرائق الوش ي ، إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ في الرسول ، وهو قولهم تارة أنه شاعر وتارة أنه ساحر ، وتارة أنه مجنون ، أو في القران أو في القيامة أو أمر الديانة ، ولعلّ النكتة في هذا القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافي أغراضها بطرائق السماوات في تباعدها واختلاف غاياتها.
«يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ » يصرف عنه ، والضمير للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أو القران أو الإيمان ، من صرف إذ لا صرف أشدّ منه ، فكأنّه لا صرف بالنسبة إليه أو يصرف من صرف في علم الله وقضائه ، ويجوز أنّ يكون الضمير للقول على معنى يصدر إفك من أفك عن القول المختلف وبسببه.
وقال الطبرسيّ (ره) : «لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ » في محمّد فبعضكم يقول شاعر ، وبعضكم
__________________
(١) سورة الذاريات : ٨ - ٩.
٤٩ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن جمهور ، عن يونس قال أخبرني من رفعه إلى أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله عزَّ وجلَّ : «فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ *
________________________________________________________
يقول مجنون ، وفي القران تقولون إنّه سحر ورجز وما سطره الأولون ، وقيل : معناه منكم مكذّب بمحمّد ومنكم مصدق به ومنكم شاك ، وفائدته أنّ دليل الحقّ ظاهر فاطلبوا الحقّ وإلّا هلكتم «يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ » أي يصرف عن الإيمان به من صرف عن الخير ، أي المصروف عن الخيرات كلّها من صرف عن هذا الدّين ، وقيل : معناه يؤفك عن الحقّ والصواب من أفك فدلّ ذكر القول المختلف على ذكر الحقّ فجاز الكناية عنه ، انتهى.
وما ذكرهعليهالسلام قريب من بعض تلك الوجوه ، لأنّ قولهم المختلف في الرسول صار سببا لعدم قبول الولاية منه ، مع أنّهم قالوا عند ذكره الولاية أقوالاً مختلفة فيه ، يؤفك عن الرسول وقبول قوله في الولاية من صرف عن جميع الخيرات التي عمدتها الجنّة.
وروى عليّ بن إبراهيم بإسناده عن أبي حمزة قال : سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول في قول الله تبارك وتعالى : «إنّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ » يعني في عليّ «وَأنّ الدِّينَ لَواقِعٌ » يعني في عليّ ، وعليّ هو الدين وقوله : «وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ » قال : السماء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّ ذات الحبك ، وقوله عزَّ وجلَّ : «إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ » يعني مختلف في عليّ ، اختلفت هذه الأمّة في ولايته فمن استقام على ولاية عليّ دخل الجنّة ، ومن خالف ولاية عليّ ، دخل النار ، وقوله عزَّ وجلَّ : «يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ » يعني من أفك عن ولايته أفك عن الجنّة.
الحديث التاسع والأربعون : ضعيف. «فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ » قال الطبرسيقدسسره : فيه أقوال : أحدها أنّ المعنى فلا يقتحم هذا الإنسان العقبة ولا جاوزها والثاني : أنّ يكون على وجه الدعاء عليه ، بأنّ لا يقتحم العقبة كما يقال : لا غفر الله له ، والثالث : أنّ المعنى فهلا اقتحم العقبة ، أو أفلا اقتحم العقبة ، وأمّا المراد بالعقبة
وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ »(١) يعني بقوله : «فَكُّ رَقَبَةٍ » ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام فأنّ ذلك فكٌّ رقبة.
________________________________________________________
ففيه وجوه : أحدها : أنّه مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال الخير والبر ، فجعل ذلك كتكليف صعود العقبة الشاقة ، فكأنه قال : لم يحمل على نفسه المشقّة بعتق الرقبة والإطعام ،وهو قوله : «وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ » أي ما اقتحام العقبة ، ثمّ ذكره فقال : «فَكُّ رَقَبَةٍ » وهو تخليصها من إسار الرقّ ، وثانيها : أنها عقبة حقيقة قال الحسن وقتادة : هي عقبة شديدة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة الله عزَّ وجلَّ ، وثالثها : أنّها الصراط يضرب على جهنم.
وقال البيضاوي : أي فلم يشكّ تلك الأيادي باقتحام العقبة ، وهو الدُّخول في أمر شديد والعقبة الطرائق في الجبل ، استعارها لـمّا فسّرها به من الفكّ والإطعام لـمّا فيهما من مجاهدة النفس ، انتهى.
وعلى تأويلهعليهالسلام أستار العقبة للولاية لصعوبة ارتكابها ، ثمّ حمل عليها فك رقبة مبالغة لأنّ الولاية سبب لفك الرقبة من عذاب الله ، فكأنها عينه ، أو من باب حمل المصدر على المتّصف به كزيد عدل ، وكذا الإطعام فأنّ الولاية سبب له ، وقيل : هو على التشبيه فأنّ الولاية سبب لحياة النفوس كما أنّ الطعام سبب لحياة الأبدان.
وأقول : على هذا التأويل يحتمل أنّ يكون المراد إطعام يتامى السادات والهاشميين من الخمس ، فالسببية أظهر ، ويؤيّده ما رواه عليّ بن إبراهيم في قوله : «يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ » يعني رسول الله ، ومسكيناً ذا متربة ، يعني أمير المؤمنين مترب بالعلم ويحتمل أيضاً أنّ يكون المراد باليوم ذي المسغبة يوم القيامة واليتامى المنقطعين عن إمامهم في الدّنيا ولهمه القرابة المعنوية به ، وبالمساكين مساكين الشيعة ، فأنّ الولاية سبب لإطعامهم في الآخرة ، أو المراد أنّ الولاية سبب لتسلط الإمام فيهدي الناس ويفكّ رقابهم من النار ، ويطعمّ الفقراء والمساكين ، ويؤدي إليهم حقوقهم كما
__________________
(١) سورة البلد : ١٢ - ١٤.
٥٠ - وبهذا الإسناد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله تعالى : «بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ »(١) قال ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام .
٥١ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أحمد بن محمّد البرقي ، عن أبيه ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله تعالى : «هذأنّ خَصْمأنّ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ
________________________________________________________
روى عليّ بن إبراهيم بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله : «فَكُّ رَقَبَةٍ » قال : بنا تفكّ الرقاب وبمعرفتنا ، ونحن المطعمون في يوم الجوع وهو المسغبة.
الحديث الخمسون : كالسابق.
«أنّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ » قال البيضاوي : أي سابقه ومنزلة رفيعة ، وسميّت قدماً لأنّ السبق بها ، كما سميّت النعمة يداً لأنّها تعطى باليد ، وإضافتها إلى الصدق لتحققها والتنبيه على أنّهم إنّما ينالونها بصدق القول والنيّة.
وقال الطبرسيقدسسره : قال ابن الأعرابي : القدم المتقدَّم في الشرف ، وقال أبو عبيدة والكسائي : كلّ سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم ، يقال : لفلان قدم في الإسلام ، ثمّ قال : أنّ لهم قدم صدق أي أجراً حسناً ومنزلة رفيعة بما قدّموا من أعمالهم ، وقيل : هو شفاعة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم في القيامة وهو المرويّ عن أبي عبد اللهعليهالسلام وروي أنّ المعنى سبقت لهم السعادة في الذكر الأوّل ، انتهى.
وأقول : في بعض الأخبار فسّر قدم الصدق بالنبيّ والأئمّة صلوات الله عليهم ، فالمراد ولايتهم وشفاعتهم ، أو المراد بالقدم المتقدَّم في العزَّ والشرف كما مرّ ، وفي هذا الخبر فسّر بالولاية لأنّها خير العقائد والأعمال وسبب للنّجاة يوم القيامة من المخاوف والأهوال.
الحديث الحادي والخمسون : مجهول.
«هذانّ خَصْمان » قال الطبرسي (ره) : قيل : نزلت في ستّة نفر من المؤمنين والكافرين تبارزوا يوم بدر ، وهو حمزة قتل عتبة ، وعليّعليهالسلام قتل الوليد ، وعبيدة بن
__________________
(١) سورة يونس : ٢.
فَالَّذِينَ كَفَرُوا ( بولاية عليّ )قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ »(١) .
________________________________________________________
الحارث قتل شيبة ، وكان أبو ذر يقسّم بالله أنّها نزلت فيهم ، وقيل : نزلت في أهل القران وأهل الكتاب عن ابن عباس ، وقيل : في المؤمنين والكافرين «هذأنّ خَصْمأنّ » أي جمعأنّ ، فالفرق الخمسة الكافرة خصم والمؤمنون خصم ، وقد ذكروا في قوله : «أنّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ » الآية «اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ » أي في دين ربهم فقالت اليهود والنصارى للمسلمين : نحن أولى بالله منكم لأنّ نبيّنا قبل نبيّكم ، وديننا قبل دينكم ، وقال المسلمون : بل نحن أحقّ بالله منكم ، آمنا بكتابنا وكتابكم ونبيّنا ونبيّكم ، وكفرتم أنتم نبيّنا حسداً ، فكان هذا خصومتهم ، وقيل : أنّ معنى اختصموا اقتتلوا يوم بدر «فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ » قال ابن عباس : حين صاروا إلى جهنم ألبسوا مقطعات النيرأنّ ، وهي الثياب القصار ، وقيل : يجعل لهم ثياب نحاس من نار وهي أشد ما يكون حرا ، وقيل : أنّ النار تحيط بهم كإحاطة الثياب التي يلبسونها بهم بعد ذلك «يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ » أي الماء الحار وهو خبر بعد خبر أو حال عن الضمير في لهم «يُصْهَرُ » أي يذاب «بِهِ » لفرط حرارته «ما فِي بُطُونِهِمْ » من الأحشاء والأمعاء وَيصهر به «الْجُلُودُ » أيضاً «وَلَهُمْ مع ذلك مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ » أي سياط يجلدون بها.
وروى عليّ بن إبراهيم بإسناده عن أبي الطيار عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله عزَّ وجلَّ : «هذأنّ خَصْمأنّ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ » قال : نحن وبنو أمية ، قلنا : صدق الله ورسوله ، وقالت بنو أمية : كذب الله ورسوله «فَالَّذِينَ كَفَرُوا » يعني بني أمية «قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ » إلى قوله «مِنْ حَدِيدٍ » قال : تشويه النار ، فتسترخي شفته السفلى حتّى تبلغ سرته وتقلص شفته العليّاً حتّى تبلغ وسط رأسه «وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ » قال : الأعمدة التي يضربون بها.
وأقول على ما في رواية الكليني : المراد بالذين كفروا الذين كفروا بولاية عليّعليهالسلام إما تنزيلاً أو تأويلاً ، وعلى الثاني إما عموماً فتشمل الولاية أيضاً أو خصوصا كما مرّ غير مرّة.
__________________
(١) سورة الحج : ١٩.
٥٢ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن أورمة ، عن عليّ بن حسّان ، عن عبد الرَّحمن بن كثير قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله تعالى : «هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الحقّ »(١) قال ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام .
٥٣ - محمّد بن يحيى ، عن سلمة بن الخطّاب ، عن عليّ بن حسّان ، عن عبد الرَّحمن بن كثير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله عزَّ وجلَّ : «صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً »(٢) قال صبغ المؤمنين بالولاية في الميثاق.
________________________________________________________
الحديث الثاني والخمسون : ضعيف ، وقد مرّ سنداً ومتناً لكن مع ضميمة في أوّله.
الحديث الثالث والخمسون : كالسابق.
«صِبْغَةَ اللهِ » قال البيضاوي : أي صبغنا الله صبغة ، وهي «فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » فإنّها حلية الإنسان كما أنّ الصبغة حلية المصبوغ ، أو هدانا الله هدايته أو أرشدنا حجّته ، أو طهّر قلوبنا بالإيمان تطهيره وسماه صبغة لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ ، وتداخل قلوبهم تداخل الصبغ الثوب ، أو للمشاكلة فأنّ النصارى يغمسون أولادهم في الماء العمودية ، ويقولون هو تطهير لهم ، وبه يحقّ نصرانيّتهم ونصبه على أنه مصدر مؤكّدة لقوله : آمنّا ، وقيل : على الإغراء ، وقيل : على البدل من ملة إبراهيم «وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً » لا صبغة أحسن من صبغته «وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ » تعريض بهم ، أي لا نشرك كشرككم ، انتهى.
وقال الراغب في مفرداته : الصبغ مصدر صبغت ، والصبغ المصبوغ قال تعالى : «صِبْغَةَ اللهِ » إشارة إلى ما أوجده الله في الناس من العقل المتميّز به عن البهائم كالفطرة وكانت النصارى إذا ولد لهم ولد غمسوه بعد السابع في ماء عمودية يزعمون أنّ ذلك صبغة له.
وأمّا على تأويلهعليهالسلام فكان المعنى : ألزموا الولاية التي صبغ الله المؤمنين بها في الميثاق ، وفي تفسير عليّ بن إبراهيم المراد بها الإيمان.
__________________
(١) سورة الكهف : ٤٣. (٢) سورة البقرة : ١٣٣.
٥٤ - عدّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن فضّال ، عن المفضّل بن صالح ، عن محمّد بن عليّ الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله عزَّ وجلَّ : «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مؤمناً »(١) يعني الولاية من دخل في الولاية دخل في بيت الأنبياءعليهمالسلام وقوله «إنّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
________________________________________________________
الحديث الرابع والخمسون : كالسابق.
«وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مؤمناً » قال الطبرسيقدسسره : أي دخل داري ، وقيل : مسجدي ، وقيل سفينتي ، وقيل : يريد بيت محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وللمؤمنين والمؤمنات عامّة ، وقيل : من أمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، انتهى.
واعلم أنّ البيت قد يطلق على البيت المبني بالحجر والمدر والطين ، وقد يطلق على الأنساب الشريفة والأحساب المنيفة ، وعلى أهل البيوت القديمة الكريمة ، كقول الشاعر :
أنّ الّذي سمك السماء بني لنا |
بيتاً دعائمه أعزَّ وأطول |
وقال الطبرسي (ره) : في قوله تعالى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أنّ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ معناه هذه المشكاة في بيوت هذه صفتها وهي المساجد في قول ابن عباس وغيره وقيل : هو بيوت الأنبياء ، ويؤيّده ما رواه أنس قال : قرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هذه الآية فقام إليه رجل فقال : أي بيوت هذه يا رسول الله؟ فقال : بيوت الأنبياء ، فقام إليه أبو بكر ، فقال : يا رسول الله هذا البيت منها؟ - وأشار إلى بيت عليّ وفاطمةعليهماالسلام - قال : نعمّ من أفضلها ، ويعضده قوله تعالى : «إنّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً »(٢) وقوله : «رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ »(٣) فالإذن يرفع بيوت الأنبياء والأوصياء مطلقا ، والمراد بالرفع التعظيم ورفع القدر من الأرجاس والتطهير من المعاصي والأدناس ، انتهى.
وقال الراغب الأصبهاني : أصل البيت مأوى الإنسان بالليل ، ثمّ قد يقال من
__________________
(١) سورة نوح : ٢٨. (٢) سورة الأحزاب : ٣٣.
(٣) سورة هود : ٧٣.
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً »(١) يعني الأئمّةعليهمالسلام وولايتهم من دخل فيها دخل في بيت النبيّصلىاللهعليهوآله .
________________________________________________________
غير إعتبار الليل فيه ، ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومن مدر ومن صوف ووبر ، وبه شبّه بيت الشعر وعبّر عن مكان الشيء بأنه بيته وصار أهل البيت متعارفاً في آل النبيّ ونبه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله : سلمان منا أهل البيت ، أنّ مولى القوم يصح نسبته إليهم ، وقوله : «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أنّ تُرْفَعَ » قيل : بيوت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، نحو : «لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبيّ إلّا أنّ يُؤْذَنَ لَكُمْ » وقيل : أشير بقوله : «فِي بُيُوتٍ » إلى أهل بيته وقومه ، وقيل : أشير به إلى القلب ، وقوله : «فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ » فقد قيل : إشارة إلى جماعة البيت فسماهم بيتا كتسمية نازل القرية قرية ، انتهى.
وسيأتي أنّ قتادة أتى أبا جعفرعليهالسلام فقال : أصلحك الله والله لقد جلست بين يدي الفقهاء وقد أم ابن عباس فما اضطرب قلبي قد أم واحد منهم ما اضطرب قد أمك فقال له أبو جعفرعليهالسلام : أتدري أين أنت؟ بين يدي بيوت أذن الله أنّ ترفع - إلى قوله - وإيتاء الزكاة ، فأنت ثمّ ونحن أولئك فقال له قتادة : صدقت والله جعلني الله فداك ، والله ما هي بيوت حجارة ولا طين.
فإذا عرفت هذا الخبر يحتمل وجوها : الأوّل : أنّ المراد بالبيت البيت المعنوي أوّل أهل البيت كما عرفت ، وبيوت الأنبياء كلها بيت واحد بناه الله تعالى للخلافة الكبرى ، وهو بيت العزَّ والشرف والكرأمّة والإسلام والإيمان والنبوّة والإمأمّة والطهارة ، وأهلها أيضاً سلسلة واحدة خلقهم الله لها ذريّة بعضها من بعض ، فمن تولاهم فقد دخل بيوتهم والحقّ بهم ، فأهل الولاية من الشيعة داخلون في هذا البيت ويشملهم دعاء نوحعليهالسلام .
الثاني : أنّ يكون المراد أنه لـمّا كان المراد بقول نوحعليهالسلام : لمن دخل بيتي
__________________
(١) سورة الأحزاب : ٣٣.
٥٥ - وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن محمّد ، عن عمرّ بن عبد العزيز ، عن محمّد بن الفضيل ، عن الرّضاعليهالسلام قال : قلت : «قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ
________________________________________________________
من دخل في ولايته وولاية أهل بيته فمن دخل في ولاية أهل بيت محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فهو أيضاً داخل في أهله يشمله دعاؤهم وتسري إليه كرامتهم.
الثالث : أن يكون الولاية بفتح الواو بمعنى الإمأمّة والخلافة فقوله : من دخل في الولاية أي صار إماماً دخل في بيت الأنبياء أي في منزلتهم ومرتبتهم وهي الرئاسة العامّة في الدين والدّنيا ، وقوله : مؤمناً احتراز عن الغاصب الجاهل أو حال مؤكدة.
ويؤيّد هذا الوجه قوله «وقوله إنّما يُرِيدُ اللهُ » ( إلخ ) لـمّا مرّ أنها نزلت في أهل البيتعليهمالسلام ، وعصمتهم وطهارتهم وإمامتهم وعلى الوجهين الأولين لعلّ المقصود ذكر نظير لكون المراد بالبيت البيت المعنوي فأنّ المراد بها بيت الخلافة لا أنّ من دخل فيها يكون من أهل البيتعليهمالسلام فإنه فرق بين الداخل في البيت ومن يكون من أهله ، على أنه يحتمل أنّ يكون هذا بطنا من بطون الآية ، وعلى هذا البطن يكون أهل هذا البيت منزهين عن رجس الشرك والكفر وأنّ كان بعضهم مخصوصين بالعصمة من سائر الذنوب.
الحديث الخامس والخمسون : ضعيف.
«قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ » قال البيضاوي : بإنزال القران ، والباء متعلقة بفعل يفسره قوله «فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا » فأنّ اسم الإشارة بمنزلة الضمير تقديره بفضل الله وبرحمته فليعتنوا أو فليفرحوا ، وفائدة ذلك التكرير والبيان بعد الإجمال ، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح أو بفعل دل عليه : قد جاءتكم ، و«ذلك» إشارة إلى مصدره ، أي فبمجيئها فليفرحوا ، والفاء بمعنى الشرط كأنه قيل : أنّ فرحوا بشيء فيهما ليفرحوا ، أو للربط بما قبلها والدلالة على أنّ مجيء الكتاب الجامع بين هذه الصفات موجب تكرير للتأكيد «هُوَ خَيْرٌ ممّا يَجْمَعُونَ » من حطام الدّنيا فإنّها إلى
خَيْرٌ ممّا يَجْمَعُونَ »(١) قال بولاية محمّد وآل محمّدعليهمالسلام هو خير ممّا يجمع هؤلاء من دنياهم.
٥٦ - أحمد بن مهران ، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني ، عن عليّ بن أسباط ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن زيد الشحّام قال قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام - ونحن في الطريق في ليلة الجمعة – إقرأ فإنّها ليلة الجمعة قرآناً ، فقرأت «إنّ يَوْمَ الْفَصْلِ
________________________________________________________
الزوال ، وهو ضمير ذلك ، وقرأ ابن عأمر « تجمعون » على معنى فبذلك فليفرح المؤمنون فهو خير ممّا تجمعونه أيها المخاطبون.
وقال الطبرسي : قيل : فضل الله هو القران ، ورحمته هو الإسلام ، وقيل : فضل الله الإسلام ورحمته القران ، وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام : فضل الله رسول الله ورحمته عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وروى ذلك الكليني عن أبي صالح عن ابن عباس ، وروى عليّ بن إبراهيم بإسناده عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله تعالى : «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لـمّا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ » قال : رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والقران ، ثمّ قال : قل لهم يا محمّد بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير ممّا يجمعون ، قال : الفضل رسول الله ورحمته أمير المؤمنين ، فبذلك فليفرحوا ، قال : فليفرح شيعتنا هو خير ممّا أعطوا أعداؤنا من الذهب والفضة.
أقول : على ما في خبر المتن كأنهعليهالسلام فسّر الفضل بالنبيّ والرحمة بالأئمّةعليهمالسلام أو فسرهما بهم جميعاً فأنّهم فضل الله ورحمته ، ويحتمل التعميم ليشمل جميع نعمّ الله الدينية على المؤمنين ، ويكون ذكرهم لبيان أفضل أفراد الفضل والرحمة فأنّ ولايتهم أعظم نعمّ الله على العباد كما ورد في أخبار كثيرة أنّ النعيم في قوله تعالى «ثمّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ » هو الولاية.
الحديث السادس والخمسون : ضعيف على المشهور ، ويدلّ على فضل تلاوة القران ليلة الجمعة وفضل استماعه.
«أنّ يَوْمَ الْفَصْلِ كان مِيقاتُهُمْ » كذا في أكثر النسخ وليس في المصحف « كان »
__________________
(١) سورة يونس : ٥٨.
( كان )مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ.* يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شيئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ* إلّا مَنْ رَحِمَ اللهُ »(١) فقال أبو عبد اللهعليهالسلام نحن والله الّذي رحم الله ونحن والله الّذي استثنى الله لكنّا نغني عنهم.
٥٧ - أحمد بن مهران ، عن عبد العظيم بن عبد الله ، عن يحيى بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لـمّا نزلت «وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ »(٢) قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله هي أذنك يا علي.
________________________________________________________
وكأنّه زيد من النساخ ، وقال البيضاوي : أي فصل الحقّ عن الباطل والمحقّ عن المبطل بالجزاء ، وفصل الرجل عن أقاربهوأحبّائه « ميقاتهم » وقت موعدهم «يَوْمَ لا يُغْنِي » بدل من يوم الفصل أو صفة لميقاتهم أو ظرف لـما دلّ عليه الفصل «مَوْلًى » من قرابة أو غيرها «عَنْ مَوْلًى » أي مولى كان «شيئاً » من الإغناء «وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ » الضمير لمولى الأوّل باعتبار المعنى لأنه عام «إلّا مَنْ رَحِمَ اللهُ » بالعفو عنه وقبول الشفاعة منه ومحلّه الرفع على البدل من الواو ، والنصب على الاستثناء ، انتهى.
وأقول : على تفسيرهعليهالسلام إلّا من رحم الله ، استثناء من المولى ، « نحن والله الّذي » كذا في أكثر النسخ وأفراده لموافقة لفظة من ، وفي بعض النسخ : الذين في الموضعين كما في تفسير محمّد بن العبّاس وفيه وإنا والله نغني عنهم ، وضمير عنهم للشيعة الإمامية.
الحديث السابع والخمسون : كالسابق.
«وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ » في سورة الحاقة «إِنَّا لـمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ ، لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها » ( إلخ ) ونزول هذه الآية في أمير المؤمنينعليهالسلام ممّا قد أجمع عليه المفسّرون ، قال الزمخشري : «أُذُنٌ واعِيَةٌ » من شأنها من تعي وتحفظ ما سمعت به ، ولا تضيعه بترك العمل وكلّ ما حفظته في نفسك فقد وعيته ، وما حفظته في غيرك فقد أوعيته ، كقولك : أوعيت الشيء في الظرف ، وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال
__________________
(١) سورة الدخان : ٤٠ - ٤٢. (٢) سورة العلق : ١٢.
________________________________________________________
لعليّعليهالسلام عند نزول هذه الآية : سألت الله أنّ يجعلها إذنك يا عليّ ، قال عليّ : فما نسيت شيئاً بعد ، وما كان لي أنّ أنسى.
فأنّ قيل لم قيل : أذن واعية على التوحيد والتنكير؟ قلت : للايذان بأنّ الوعاة فيهم قلّة ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم ، وللدلالة على أنّ الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله فهي السواد الأعظم [ عند الله ] وأنّ ما سواها لم يبال بهم وأنّ ملئوا ما بين الخافقين ، انتهى.
ونحو ذلك روى وذكر الرازي في تفسيره.
وأورد محمّد بن العبّاس في تفسيره ثلاثين حديثا عن الخاص والعام في نزول هذه الآية فيهعليهالسلام نذكر منها واحداً وهو ما رواه بإسناده عن جابر عن أبي جعفرعليهالسلام قال : جاء رسول الله إلى عليّعليهالسلام وهو في منزله فقال : يا عليّ نزلت على الليلة هذه الآية «وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ » وإني سألت ربّي أنّ يجعلها إذنك ، اللّهم اجعلها أذن على ، اللّهم اجعلها أذن عليّ ، ففعل.
وروي في كشف الغمّة عن محمّد بن طلحة عن الثعلبي في تفسيره يرفعه بسنده قال : لـمّا نزلت هذه الآية : وتعيها أذن واعية ، قال رسول الله لعليّعليهالسلام : سألت الله أنّ يجعلها إذنك يا عليّ ، قال عليّ : فما نسيت شيئاً بعد ذلك وما كان لي أنّ إنسي.
وروى السيّد في الطرائف عن الثعلبي وابن المغازلي مثله ، وروى الصفار في البصائر بإسناده عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله : وتعيها أذن واعية ، قال : وعت أذن أمير المؤمنين ما كان وما يكون.
وقال ابن شهرآشوب (ره) في المناقب : وروى أبو نعيم في الحلية عن عمرّ بن عليّ بن أبي طالب عن أبيهعليهالسلام ، والواحدي في أسباب نزول القران عن أبي بريدة وأبو القاسم بن حبيب في تفسيره عن زرّ بن حبيش عن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام واللفظ له : قال عليّ بن أبي طالب : ضمّني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال : أمرني ربّي أن أدنيك ولا
________________________________________________________
أقصيك وأن تسمع وتعي ، وفي تفسير الثعلبي في رواية بريدة وأنّ أعلمك وتعي ، وحقّ على الله أنّ تسمع وتعي ، وفي تفسير الثعلبي في رواية بريدة وأنّ أعلمك وتعي وحقّ على الله أنّ تسمع وتعي فنزلت : وتعيها أذن واعية ، وذكر النطنزي في أخبار أبي رافع قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنّ الله تعالى أمرني أنّ أدنيك ولا أقصيك ، وأن أعلمّك ولا أجفوك ، وحقّ عليّ أنّ أطيع ربّي فيك ، فحقّ عليك أنّ تعي ، وفي محاضرات الراغب قال الضحاك وابن عباس.
وفي أمالي الطوسي قال الصادقعليهالسلام وفي بعض كتب الشيعة عن سعد بن طريف عن أبي جعفرعليهالسلام قالوا : «وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ » أذن عليّعليهالسلام وعن الباقرعليهالسلام قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا نزلت هذه الآية : والله إذنك يا علي.
وفي كتاب الياقوت عن أبي عمرّ وغلام تغلب ، والكشف والبيان عن الثعلبي عن ميمون بن مهران عن ابن عباس عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا نزلت : وتعيها أذن واعية قلت : اللّهم اجعلها أذن عليّ فما سمع شيئاً بعده إلّا حفظه ، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس : وتعيها أذن واعية ، قال : قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما زلت أسأل الله تعالى منذ أنزلت أنّ تكون أذنيك يا عليّ ، انتهى.
وأقول : روى السيوطي في الدر المنثور بإسناده عن سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مكحول قال : لـمّا نزلت «وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ » قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : سألت أنّ يجعلها إذنك يا عليّ فقال عليّعليهالسلام ما سمعت من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم شيئاً فنسيته ، قال : وأخرج سعد بن منصور وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق لمكحول عن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام في قوله : وتعيها أذن واعية ، قال : قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : سألت الله أنّ يجعلها إذنك يا عليّ فقال عليّ : ما سمعت من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم شيئاً فنسيته ، قال : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والواحدي وابن مردويه وابن عساكر وابن النجار عن بريدة قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّ :
٥٨ - أحمد بن مهران ، عن عبد العظيم بن عبد الله ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال نزل جبرئيلعليهالسلام بهذه الآية على محمّدصلىاللهعليهوآله هكذا «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا » آل محمّد حقهم «قولاً غَيْرَ الّذي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى
________________________________________________________
أنّ الله أمرني أنّ أدنيك ولا أقصيك ، وأنّ أعلمك وأنّ تعي ، وحقّ لك أنّ تعي فنزلت هذه الآية «وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ » فأنت أذن واعية لعلمي ، انتهى.
فاعلم أنّه دلّت الآية باتّفاق الفريقين على كمال علمه واختصاصه من بين سائر الصحابة بذلك ، ولا يريب عاقل في أنّ فضل الإنسان بالعلم وأنّ العمدة في الخلافة التي هي رئاسة الدين والدّنيا العلم ، والآيات والأخبار المتواترة دالة عليّ ذلك ، فثبت أنهعليهالسلام أولى بالخلافة من سائر الصحابة ، وأنه لا يجوز تفضيل غيره عليه ، وقد فصلنا القول في ذلك في كتابنا الكبير.
الحديث الثامن والخمسون : كالسابق.
والآية في سورة البقرة وما قبلها هكذا : «وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قولاً غَيْرَ الّذي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ » وقال المفسّرون : نزلت في بني إسرائيل حيث أمروا بعد التيه أنّ يدخلوا القرية يعني بيت المقدس وقيل أريحاً فيأكلوا منها حيث شاءوا «رَغَداً » أي واسعا «وَادْخُلُوا الْبابَ » ، أي باب القرية أو القبة التي كانوا يصلون إليها «سُجَّداً » أي متطامنين مخبتين ، أو ساجدين لله شكراً على إخراجهم من التيه «وَقُولُوا حِطَّةٌ » أي مسألتنا أو أمرك حطة ، وهي فعلة من الحط أي حط ذنوبنا «نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ » بسجودكم ودعائكم «وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ » ثوابا «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قولاً غَيْرَ الّذي قِيلَ لَهُمْ » بأنّ طلبوا بدل ذلك ما يشتهون من أغراض الدنيا ، وقيل : أنّهم قالوا بالسريانية : حطاً سمقاتاً ومعناه حنطة حمراء فيها شعيرة ، وكان قصدهم في ذلك الاستهزاء.
الَّذِينَ ظَلَمُوا ( آل محمّد حقهم )رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ »(١) .
________________________________________________________
وقيل : إنّهم قالوا حنطة تجاهلا واستهزاء وكانوا قد أمروا أنّ يدخلوا الباب ليدخلوه كذلك فدخلوه زاحفين على أستاههم فخالفوا في الدُّخول أيضاً «فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا » أي فعلوا ما لم يكن لهم فعله من تبديلهم ما أمرهم الله به بالقول والفعل «رِجْزاً » أي عذابا «مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ » أي بفسقهم.
قيل : أهلكوا بالطاعون فمات منهم في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا من كبرائهم وشيوخهم ، وبقي الأنبياء فانتقل منهم العلم والعبادة.
وأمّا تأويلهعليهالسلام فكأنه مبني على ما مرّ من أنّ القصص والأمثال التي يذكرها الله سبحانه إنّما هو لتذكير هذه الأمّة وتنبيههم على الإتيأنّ بمثل ما أمر به الأمم السابقة والانتهاء عن مثل ما نهوا عنه ، وقد ورد في الأخبار المتواترة من طريق الخاصة والعامّة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : مثل أهل بيتي مثل باب حطة في بني إسرائيل فكما أنّ بني إسرائيل أمروا بدخول الباب والتطأمن عندها فأبوا وعذبوا ، فكذا أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالدُّخول في باب ولاية أمير المؤمنين والأئمّة من ولده صلوات الله عليهم ، والخضوع والانقياد لهم كما قال : أنا مدينة العلم وعلى بابها ، فلم يفعلوا وبدلوا ما أمروا به قولاً وفعلاً باتباع خلفاء الجور والاستكبار عن طاعة العترة الطاهرة ، فعذبوا في الدّنيا والآخرة ، ولو كانوا أطاعوهم لأكلوا حيث شاءوا رغدا من النعمّ الجسمانية والروحانية من العلوم والحكم الربانية ، فهو بيان لمورد نزول الآية أو لنظير تلك القصة في هذه الأمة.
على أنّه ورد في تفسير الإمام العسكريعليهالسلام في تفسير الآيتين قال الإمامعليهالسلام قال الله تعالى : واذكروا يا بني إسرائيل «إِذْ قُلْنَا » لأسلافكم «ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ » وهي أريحا من بلاد الشام وذلك حين خرجوا من التيه «فَكُلُوا مِنْها » من القرية «حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً » واسعا بلا تعب «وَادْخُلُوا » باب القرية «سُجَّداً » مثل الله
__________________
(١) سورة البقرة : ٥٩.
٥٩ - وبهذا الإسناد ، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال نزل جبرئيلعليهالسلام بهذه الآية هكذا «أنّ الَّذِينَ ظَلَمُوا (آل محمّد حقّهم)لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إلّا طَرِيقَ
________________________________________________________
تعالى على الباب مثال محمّد وعلىّ وأمرهم أنّ يسجدوا تعظيما لذلك المثال ، ويجددوا على أنفسهم بيعتهما وذكر موالاتهما وليذكروا العهد والميثاق المأخوذين عليهم لهما «وَقُولُوا حِطَّةٌ » أي قولوا أنّ سجودنا لله تعظيما لمثال محمّد وعليّ واعتقادنا لموالاتهما حطة لذنوبنا ومحو لسيئاتنا قال الله تبارك وتعالى «نَغْفِرْ لَكُمْ » أي بهذا الفعل «خَطاياكُمْ » السالفة ونزل عنكم آثامكم الماضية «وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ » ومن كان منكم لم يقارف الذنوب التي قارفها من خالف الولاية وثبت عليّ ما أعطى الله من نفسه من عهد الولاية فإنا نزيدهم بهذا الفعل زيادة درجات ومثوبات وذلك قوله : «سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ » قال الله عزَّ وجلَّ : «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قولاً غَيْرَ الّذي قِيلَ لَهُمْ » لم يسجدوا كما أمروا ولا قالوا ما أمروا ، ولكن دخلوها مستقبليها بأستاههم وقالوا حطا وسمقاتا أي حنطة حمراء نتقوتها أحبّ إلينا من هذا الفعل ، وهذا القول قال الله تعالى. «فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا » بأنّ غيروا وبدلوا ما قيل لهم ولم ينقادوا لولاية محمّد وعلى وآلهما الطاهرين «رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ » أي يخرجون عن أمر الله وطاعته.
قال : والرجز الّذي أصابهم أنه مات منهم بالطاعون في بعض يوم مائة وعشرون ألفا وهم من علم الله منهم أنّهم لا يؤمنون ولا يتوبون ، ولم ينزل هذا الرجز على من علم أنه يتوب أو يخرج من صلبه ذريّة طيبة يوحد الله ويؤمن بمحمّد ويعرّف موالاة على وصيّه وأخيه ، انتهى.
وعلى هذا لا يحتاج إلى تكلف ويستقيم الخبر تأويلاً وتنزيلاً.
الحديث التاسع والخمسون كالسابق.
والآيتأنّ في سورة النساء(١) هكذا : «أنّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ
__________________
(١) الآية : ١٦٨ - ١٧٠.
جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وكان ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً »(١) ثمّ قال «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بالحقّ مِنْ رَبِّكُمْ ( في ولاية علي )فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَأنّ تَكْفُرُوا ( بولاية علي )فَأنّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما في الْأَرْضِ »(٢) .
٦٠ - أحمد بن مهرانرحمهالله ، عن عبد العظيم ، عن بكار ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال هكذا نزلت هذه الآية «وَلَوْ أنّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ ( في علي)لَكان خَيْراً لَهُمْ »(٢) .
________________________________________________________
لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وكان ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً ، يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بالحقّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَأنّ تَكْفُرُوا فَأنّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وكان اللهُ عَلِيماً حَكِيماً » قال البيضاوي «أنّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا » محمّداً بإنكار نبوته أو الناس بصدهم عمّا فيه صلاحهم وخلاصهم أو بأعمّ من ذلك «فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ » أي إيمانا خيرا لكم ، أو ائتوا أمراً خيرا لكم ما أنتم عليه ، وقيل : تقديره يكن الإيمان خيرا لكم «وَأنّ تَكْفُرُوا » إلى آخره يعني وأنّ تكفروا فهو غني عنكم لا يتضرر بكفركم ، كما لا ينتفع بإيمانكم ، ونبه على غناه بقوله : «لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » وهو يعمّ ما اشتملتا عليه وما تركبتا منه «وكان اللهُ » بأحوالهم «حَكِيماً » فيما دبّر لهم ، انتهى.
وأقول : ما ذكرهعليهالسلام تنزيلاً أو تأويلاً قريب ممّا ذكروه ، لأنّ ظلم آل محمّد يمنعهم عن الإمأمّة التي جعلها الله لهم ظلم للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولجميع الناس ، والكفر بهم وإنكار إمامتهم كفر بالله ورسوله ولعلّ ترك قوله : كفروا هنا للدلالة على أنّ العطف للتفسير ، ويحتمل نزولها هكذا ، ويؤيّد الأوّل ما رواه عليّ بن إبراهيم بإسناده عن أبي بصير قال : قرأ أبو عبد اللهعليهالسلام أنّ الذين كفروا وظلموا آل محمّد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم الآية ، ويحتمل أنّ الترك من النّساخ أو بعض الرواة.
الحديث الستون كالسابق ، وقد مضى بسند آخر عن بكار في الثامن والعشرين من الباب.
__________________
(١) راجع الشرح. (٢) سورة النساء : ٦٦.
٦١ - أحمد ، عن عبد العظيم ، عن ابن أذينة ، عن مالك الجهني قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : «وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا القران لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ »(١) قال من بلغ أنّ يكون إماماً من آل محمّد ينذر بالقران كما ينذر به رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
٦٢ - أحمد ، عن عبد العظيم ، عن الحسين بن مياح عمّن أخبره قال قرأ رجل عند أبي عبد اللهعليهالسلام «قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ »(٢) فقال ليس هكذا هي إنّما هي والمأمونون فنحن المأمونون.
٦٣ - أحمد ، عن عبد العظيم ، عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال هذا صراط عليّ مستقيم(٣) .
________________________________________________________
الحديث الحادي والستون كالسابق ، وقد مرّ أيضاً بسند آخر عن ابن أذينة في الحادي والعشرين من الباب.
الحديث الثاني والستون ضعيف.
وظاهره كون قراءتهمعليهمالسلام والمأمونون ، وقد مضت أخبار كثيرة في باب عرض الأعمال عليهمعليهمالسلام على القراءة المشهورة وتفسير المؤمنين فيهما بالأئمّةعليهمالسلام ، فيحتمل أنّ يكون المراد هنا أيضاً ذلك ، أي ليس المراد بالمؤمنين هنا ما يقابل الكافرين ، ليشمل كلّ مؤمن بل المراد به كمل المؤمنين وهم المأمونون عن الخطإ ، المعصومون عن الزلل وهم الأئمّةعليهمالسلام ، ويحتمل أنّ يكون في مصحفهمعليهمالسلام المأمونون وفسروا في سائر الأخبار القراءة المشهورة بما يوافق قراءتهم.
الحديث الثالث والستون ضعيف على المشهور صحيح عندي.
وقرأ القراء السبعة بضمّ الصراط والتنوين وعليّ بفتح اللام ، وقال الطبرسي قرأ يعقوب صراط عليّ بالرفع أي بكسر اللام ورفع الياء والتنوين ، قال : وهو رواية أبي رجاء وابن سيرين وقتادة والضحاك ومجاهد وقيس بن عبادة وعمرو بن ميمون وروي ذلك عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، انتهى.
__________________
(١) سورة الأنعام : ١٩. (٢) سورة التوبة : ١٠٦.
(٣) سورة الحجر : ٤١.
٦٤ - أحمد ، عن عبد العظيم ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا «فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ ( بولاية عليّ )إلّا كُفُوراً »(١) قال ونزل جبرئيلعليهالسلام بهذه الآية هكذا : «وَقُلِ الحقّ مِنْ رَبِّكُمْ ( في ولاية عليّ )فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ( آل محمّد )ناراً »(٢) .
________________________________________________________
وأقول : كأنه فهم هذا الخبر هكذا وهو بعيد ، بل الظاهر أنه على قراءتهعليهالسلام صراط مرفوع غير منون وعليّ بكسر اللام مجرور منون ، وقبل هذه الآية قول إبليس «بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إلّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ » قال : هذا إلى آخره.
قال الطبرسي : فيه وجوه : أحدها : أنه على جهة التهديد له كما تقول لغيرك افعل ما شئت وطريقك على أي لا تفوتني ، وثانيها : أنّ ما تذكره من أمر المخلصين والغاوين طريق ممره على أي ممرّ من سلكه على مستقيم لا عدول فيه عني ، وأجازي كلا من الفريقين بما عمل ، وثالثها : أنّ معناه هذا دين مستقيم عليّ بيانه والهداية إليه وقال : في القراءة الأخرى قال ابن جني : على هنا كقولك كريم شريف وليس المراد به علو الشخص ، ويؤيّد قراءة الجر ما رواه السيّدقدسسره في الطرائف عن محمّد بن مؤمن الشيرازي بإسناده إلى قتادة عن الحسن البصري قال : كان يقرأ هذا الحرف(٣) صراط على مستقيم فقلت للحسن : وما معناه؟ قال : يقول : هذا طريق عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ودينه طريق ودين مستقيم فاتبعوه وتمسكوا به فإنه لا عوج فيه.
الحديث الرابع والستون : ضعيف على المشهور.
« بولاية عليّ » متعلق بقوله : كفروا ، والآية في بني إسرائيل هكذا : «وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا القران لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إلّا كُفُوراً » والضمير راجع إلى القران وعلى تنزيله أو تأويلهعليهالسلام المراد به الآيات النازلة في الولاية ، أو هي الأصل والعمدة
__________________
(١) سورة الإسراء : ٨٩. (٢) سورة الكهف : ٢٨.
(٣) هكذا في الأصل.
٦٥ - عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي الحسنعليهالسلام في قوله «وَأنّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً »(١) قال هم الأوصياء
________________________________________________________
فيه كما مرّ مراراً ، وإرجاع الضمير إلى عليّعليهالسلام كما قيل بعيد «وَقُلِ الحقّ مِنْ رَبِّكُمْ » الآية في سورة الكهف وقبلها : «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدّنيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وكان أَمْرُهُ فُرُطاً ، وَقُلِ الحقّ مِنْ رَبِّكُمْ » قال البيضاوي : ما يكون من جهة الله لا ما يقتضيه الهوى ، ويجوز أنّ يكون الحقّ خبر محذوف ومن ربكم حالاً «فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ » لا أبالي بإيمأنّ من آمن وكفر من كفر «إِنَّا أَعْتَدْنا » أي هيأنا «لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها » أي فسطاطها ، شبه به ما يحيط بهم من النار ، انتهى.
والآية السابقة في سلمان وأضرابه من شيعة أمير المؤمنينعليهالسلام فيناسب كون تلك الآية في ولايتهعليهالسلام قال عليّ بن إبراهيم : قال أبو عبد اللهعليهالسلام نزلت هذه الآية هكذا : قل الحقّ من ربكم ، يعني ولاية عليّعليهالسلام ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين آل محمّد نارا أحاط بهم سرادقها.
الحديث الخامس والستون : مجهول كالصحيح.
ووردت أخبار كثيرة في ذلك ، وروى محمّد بن عباس بإسناده عن موسى بن جعفر في هذه الآية قال : سمعت أبيعليهالسلام يقول : هم الأوصياء والأئمّة منا واحداً فواحداً فلا تدعوا إلى غيرهم فتكونوا كمن دعا مع الله أحدا هكذا نزلت ، وروى عليّ بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن الحسين بن خالد عن الرضاعليهالسلام في هذه الآية قال : المساجد الأئمّة صلوات الله عليهم.
وأقول : اختلف المفسّرون في المساجد المذكورة في هذه الآية ، فقيل : المراد بها المواضع التي بنيت للعبادة ، وقد دلّت عليه بعض أخبارنا ، وقيل : هي المساجد السبعة
__________________
(١) سورة الجنّ : ١٨.
٦٦ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن الأحول ، عن سلام بن المستنير ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله تعالى : «قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي »(١) قال ذاك رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأمير المؤمنينعليهالسلام والأوصياء من بعدهم.
________________________________________________________
الّتي يسجد عليها كما روي عن أبي جعفر الثانيعليهالسلام ، وقيل : هي الصلوات وأمّا التأويل الوارد في تلك الأخبار ، فيحتمل وجهين : الأوّل : أنّ يكون المراد بها بيوتهم ومشاهدهم فأنّ الله تعالى جعلها محلا للسجود ، أي الخضوع والتذلل والإطاعة والانقياد ، فيقدر مضاف في الأخبار ، وعلى هذا الوجه يحتمل التعميم بحيث تشمل سائر البقاع المشرفة ، ويكون ذكر هذا لبيان أشرف أفرادها ، والثاني : أنّ يكون المراد بها الأئمّةعليهمالسلام إما بأنّ يكون المراد بالمساجد البيوت المعنوية كما مرّ أو لكونهم أهل المساجد حقيقة كما قال سبحانه : «إنّما يَعْمرّ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ »(٢) ، الآية » فيقدر مضاف في الآية ، وكان الأوّلأنسب ، فقوله «فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً » أي مع خليفة الله أو جعل دعوتهم دعوة الله ، ودعوة غيرهم شركا بالله كما قال : «أنّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنّما يُبايِعُونَ اللهَ »(٣) .
الحديث السادس والستون : مجهول.
قال : ذاك ، أي الداعي إلى الله ، وذكر المفسّرون أنّ المراد بمن اتبعه من آمن به ، وذكر بالقران والمواعظ ، ونهى عن معاصي الله ، وما ذكرهعليهالسلام ألصق وأنسب بالآية ، إذ عدم ذكر ما يتّبع فيه يدلّ على العموم ، ومن اتبعهصلىاللهعليهوآلهوسلم في جميع أقواله وأفعاله وأحواله ليس إلّا المعصومون من عترتهعليهمالسلام ، وأيضاً الدعوة إلى الله تعالى منصب الأنبياء والأوصياء لا سيّما إذا قرنت بدعوة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأمير المؤمنينعليهالسلام كان أوّل من اتبعه وأقدمهم وأشدهم له متابعة من غيره ، فهو أولى بذلك ، ثمّ الأوصياء من ولده كانوا كذلك.
__________________
(١) سورة يوسف : ١٠٨.(٢) سورة التوبة : ١٨.
(٣) سورة الفتح : ١٠.
٦٧ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن حنأنّ ، عن سالم الحنّاط قال سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله عزَّ وجلَّ : «فَأَخْرَجْنا مَنْ كان فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ »(١) فقال أبو جعفرعليهالسلام : آل محمّد لم يبق فيها غيرهم.
________________________________________________________
وكون المراد بمن اتّبعه أمير المؤمنينعليهالسلام ممّا رواه المخالفون أيضاً بأسانيد ، رواه في كشف الغمة عن ابن مردويه قال : من اتبعني عليّ ، وروى ابن بطريق في المستدرك في قوله تعالى : «حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »(٢) قال : نزلت في عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وما ذكره بعض المفسرين أنّ الكلام تم عند قوله : إلى الله ، وقوله : على بصيرة أنا ومن اتبعني ، جملة أخرى فهو بعيد جداً ، وقد مضى بعض القول فيه في باب حالات الأئمّةعليهمالسلام في السن.
الحديث السابع والستون : موثق.
«فَأَخْرَجْنا مَنْ كان فِيها » الآية في سياق قصة قوم لوط ، وقال المفسّرون : ضمير فيها راجع إلى قراهم «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » أي ممن آمن بلوط «فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ » أي غير أهل بيت «مِنَ الْمُسْلِمِينَ » واستدلّ به على اتحاد الإسلام والإيمان وأمّا تأويلهعليهالسلام فكأنه مبني على ما أسفلنا من أنّ نزول القصص لتذكير هذه الأمّة وزجرهم عن الإتيأنّ بمثل أفعالهم ، فهذا إما بيان لمورد نزول الآية أو مصداقها في هذه الأمّة فأنّ كلّ ما وقع في الأمم السالفة يقع مثله في هذه الأمّة ، فنظير تلك الواقعة خروج عليّعليهالسلام وأهل بيته من المدينة ، إذ لـمّا أراد الله إهلاك قوم لوط أخرج لوطا وأهله منها ثمّ عذبهم ، فكذا لـمّا أراد أنّ يشمل أهل المدينة بسخطة لظلمهم وكفرهم وعداوتهم على أهل البيت أخرج أمير المؤمنين وأهل بيته منها فشملهم من البلايا الصورية والمعنوية ما شملهم ، ويحتمل أنّ يكون على هذا البطن ضمير منها راجعاً إلى المدينة والمعنى كما مرّ والأوّل أظهر.
__________________
(١) سورة الذاريات : ٣٥ - ٣٦. (٢) سورة الأنفال : ٦٤.
٦٨ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن جمهور ، عن إسماعيل بن سهل ، عن القاسم بن عروة ، عن أبي السفاتج ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله تعالى : «فَلـمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الّذي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ »(١) قال هذه نزلت في أمير المؤمنين وأصحابه الذين عملوا ما عملوا يرون
________________________________________________________
وقال بعض المحقّقين : يعني أنّ الناجين من قوم لوط المخرجين معه من القرية لئلّا يصيبهم العذاب النازل عليها هم آل محمّد وأهل بيته ، وذلك لأنّ آل كلّ كبير وأهل بيته من أقر بفضله واتبع أمره وسار بسيرته ، فالمؤمنون المنقادون المتّقون من كلّ أمّة آل نبيّهم ووصي نبيّهم ، وأهل بيت لهما وأنّ كان بيوتهم بعيدة بحسب المسافة عن بيتها ، فأنّ البيت في مثل هذا لا يراد به بيت البنيأنّ ، ولا بيت النساء والصبيان ، بل بيت التقوى والإيمان ، وبيت النبوّة والحكمة والعرفأنّ ، وكذلك كلّ نبي أو وصي فهو آل النبيّ الأفضل والوصي الأمثل فجميع الأنبياء والأوصياء السابقين وأممهم المتقين أهل بيته وآله ، ولذا قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : كلّ تقي ونقي آلى ، وقال : سلمان منا أهل البيت ، وورد في ابن نوح : «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ »(٢) إلى غير ذلك ، وتصديق ما قلنا في كلام الصادقعليهالسلام الّذي رواه المفضّل أنّ الأنبياء جميعاً محبون لمحمّد وعليّ متبعون أمرهما.
الحديث الثامن والستون ضعيف.
«فَلـمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً » أي ذا زلفة وقرب ، قال الطبرسيقدسسره : أي فلـمّا رأوا العذاب قريبا يعني يوم بدر وقيل : معاينة ، وقيل : أنّ اللفظ ماض والمراد به المستقبل ، والمعنى إذا بعثوا ورأوا القيامة قد قامت ورأوا ما أعد الله لهم من العذاب ، وهذا قول أكثر المفسرين «سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا » أي أسودت وجوههم وغلبها الكآبة(٣) وقيل : ظهر على وجوههم آثار الغم والحسرة ونالهم السوء والخزي
__________________
(١) سورة الملك : ٢٧. (٢) سورة هود : ٦٤.
(٣) الكآبة : الحزن والغمّ.
أمير المؤمنينعليهالسلام في أغبط الأماكن لهم فيسيء وجوههم ويقال لهم : «هذَا الّذي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ » الّذي انتحلتم اسمه.
________________________________________________________
وَقِيلَ لهؤلاء الكفار إذا شاهدوا العذاب : «هذَا الّذي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ » قال الفراء : تدّعون وتدّعون واحد ، مثل تدّخرون وتدّخرون والمعنى كنتم به تستعجلون وتدّعون الله بتعجيله ، وهو قولهم : «أنّ كان هذا هُوَ الحقّ مِنْ عِنْدِكَ » الآية عن ابن زيد ، وقيل : هو من الدعوى أي تدّعون أنّ لا جنة ولا نار.
وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بالأسانيد الصحيحة عن شريك عن الأعمش قال : لـمّا رأوا ما لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام عند الله من الزلفى سيئت وجوه الذين كفروا ، وعن أبي جعفرعليهالسلام قال : لـمّا رأوا مكان عليّعليهالسلام من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سيئت وجوه الذين كفروا ، يعني الذين كذبوا بفضله ، انتهى.
« في أغبط الأماكن » أي أحسن مكان يغبط الناس عليه ويتمنونه ، وفي القاموس الغبطة بالكسر حسن الحال والمسرة وتمنى نعمة على أنّ لا تتحول عن صاحبها ، وقال :انتحلّ فلان شعر غيره أو قول غيره ، إذا ادعاه لنفسه وتنحله مثله ، انتهى.
والمراد بالاسم أمير المؤمنين فالمعنى كنتم بسببه تدّعون اسمه ومرتبته ، أو تكون الباء زائدة كما روى محمّد بن العبّاس بإسناده عن فضيل عن أبي جعفرعليهالسلام قال : تلا هذه الآية «فَلـمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً » الآية ثمّ قال : أتدري ما رأوا؟ رأوا والله عليّاً مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقربه منه ، وقيل : هذا الّذي كنتم به تدّعون أي تتسمون به أمير المؤمنين ، يا فضيل لم يتسم بها أحد غير أمير المؤمنين إلّا مفتر كذاب إلى يوم البأس ، هذا ، وقال عليّ ابن إبراهيم : إذا كان يوم القيامة ونظر أعداء أمير المؤمنينعليهالسلام ما أعطاه الله تبارك وتعالى من المنزلة الشريفة العظيمة وبيده لواء الحمد وهو عليّ الحوض يسقي ويمنع تسود وجوه أعدائه فيقال لهم «هذَا الّذي كُنْتُمْ بِهِ تدّعون » ، أي هذا الّذي كنتم به تدّعون منزلته وموضعه واسمه.
٦٩ - محمّد بن يحيى ، عن سلمة بن الخطّاب ، عن عليّ بن حسّان ، عن عبد الرَّحمن بن كثير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله تعالى «وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ »(١) قال النبيّصلىاللهعليهوآله وأمير المؤمنينعليهالسلام .
________________________________________________________
الحديث التاسع والستون كالسابق.
وللمفسرين في تفسير الشاهد والمشهود أقوال شتى : الأوّل : أنّ الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة ، وروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام أيضاً ، الثاني : أنّ الشاهد يوم النحر والمشهود يوم عرفة الثالث : أنّ الشاهد محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم والمشهود يوم القيامة وهو المرويّ عن الحسن بن عليّعليهماالسلام ، الرابع : أنّ الشاهد الملك يشهد على ابن آدم والمشهود يوم القيامة ، الخامس : أنّ الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم الجمعة ، السادس : أنّ الشاهد أعضاء بني آدم والمشهود هم ، السابع : الشاهد الحجر الأسود والمشهود الحاج ، الثامن : الشاهد الأيام والليالي والمشهود بنو آدم ، التاسع : الشاهد الأنبياء والمشهود محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، العاشر : الشاهد الخلق والمشهود الحق.
وما ورد في الخبر ظاهره أنّ الشاهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لشهادته بإمأمّة أمير المؤمنينعليهالسلام وفضله وكرامته وهو المشهود له بذلك ، أو يشهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم له يوم القيامة بالتبليغ والأداء كما مرّ في قوله تعالى : «لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شهيداً »(٢) ويحتمل أنّ يكون المراد أنّ كلا منهما شاهد ومشهود بالوجه المذكور ، ويحتمل عكس الأوّل بأنّ يكون المراد أنّ كلا منهما شاهد ومشهود بالوجه المذكور ، ويحتمل عكس الأوّل بأنّ يكون النشر على خلاف ترتيب ألف ، ويؤيّده الأخبار الكثيرة الدالة على أنّ الشاهد في قوله تعالى : «أَفَمَنْ كان عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ »(٣) أمير المؤمنين ، والّذي على بينة من ربه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وذكره الرازي أيضاً في تفسيره.
__________________
(١) سورة البروج : ٣. (٢) سورة البقرة : ١٤٣.
(٣) سورة هود : ١٧.
٧٠ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن أحمد بن عمرّ الحلال قال سألت أبا الحسنعليهالسلام عن قوله تعالى «فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أنّ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ »(١) قال المؤذن أمير المؤمنينعليهالسلام .
٧١ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن أورمة ، عن عليّ بن حسّان ، عن عبد الرَّحمن بن كثير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله تعالى : «وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ
________________________________________________________
الحديث السبعون ضعيف على المشهور.
والآية في الأعراف هكذا : «وَنادى أَصْحابُ الجنّة أَصْحابَ النَّارِ أنّ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حقّاً قالُوا نَعمّ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أنّ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ » قال الطبرسيقدسسره : فأذن مؤذن بينهم ، أي نادى مناد بينهم أسمع الفريقين «أنّ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ » أي غضب الله وسخطه وأليم عقابه على الكافرين لأنه وصف الظالمين بقوله : الذين يصدون عن سبيل الله ثمّ قال : وقيل في المؤذن أنه مالك خازن النار ، وروي عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام أنه قال : المؤذن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، ذكره عن عليّ بن إبراهيم في تفسيره ، ورواه الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن محمّد بن الحنفية عن عليّعليهالسلام أنه قال أنا ذلك المؤذن ، وبإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس أنّ لعليّ في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس ، قوله : فأذن مؤذن بينهم ، فهو المؤذن بينهم يقول : إلّا لعنة الله على الذين كذبوا بولايتي واستخفوا بحقي.
الحديث الحادي والسبعون : ضعيف.
وقبل الآية الأولى في سورة الحج : «هذأنّ خَصْمأنّ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ » إلى قوله سبحانه «أنّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ،وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ » قال الطبرسيقدسسره : أي أرشدوا
__________________
(١) سورة الأعراف : ٤٣.
مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ »(١) قال ذاك حمزة وجعفر وعبيدة وسلمان وأبو ذر والمقداد بن الأسود وعمّار هدوا إلى أمير المؤمنينعليهالسلام وقوله : «حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ » يعني أمير المؤمنين «وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيأنّ »(٢)
________________________________________________________
في الجنّة إلى التحيات الحسنّة يحيي بعضهم بعضاً ويحييهم الله وملائكته بها ، وقيل إلى القول الّذي يلتذونه ويشتهونه وتطيب نفوسهم وقيل : إلى ذكر الله فهم به يتنعمون «وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ » والحميد هو الله المستحقّ للحمد ، المتحمد إلى عباده بنعمة ، وصراط الحميد هو طريق الإسلام وطريق الجنّة ، انتهى.
وقيل : الطيب من القول كلمة التوحيد وصراط الحميد صراط الإسلام ، وتأويلهعليهالسلام قريب من الأخير إذ الظاهر أنهعليهالسلام فسّر الطيب من القول بالعقائد الحقة الإيمانية ، والولاية تتضمن سائر العقائد ، فلذا عبر عنه بها ، ويؤيّد هذا التأويل ما مرّ من تأويل الخصمين بأمير المؤمنين وحمزة وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وعتبة وشيبة والوليد ، ويؤيّده أيضاً ما مرّ من تأويلها بالولاية.
«حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان » في الحجرات هكذا «وَاعْلَمُوا أنّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأمر لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيأنّ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ » ولعلّ المعنى حبب إلى بعضكم كما ذكره بعض المفسرين وقبل هذه الآية : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أنّ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنّ تُصِيبُوا قوماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ » والمشهور أنها نزلت في الوليد بن عقبة حيث بعثه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في صدقات بني المصطلق ، وكانت بينهم عداوة في الجاهلية فنسب إليهم أنّهم منعوها ، وتفسيرهعليهالسلام الإيمان بأمير المؤمنين على المبالغة ، لأنه لكماله في الإيمان وكونه داعيا إليه وكون ولايته الركن الأعظم من الإيمان فكأنه عينه ، أو يقدر المضاف بأنّ يقال : المراد يعني ولاية أمير المؤمنين لأنّها العمدة من أجزاء الإيمان ، والمستلزم لسائرها ، وكذا التعبير عن أبي بكر بالكفر لأنه بناه أولا أو في هذه الأمّة بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث غصب بالخلافة ودعى الناس إلى الضلالة ،
__________________
(١) سورة الحجّ : ٢٤. (٢) سورة الحجرات : ٧.
الأوّل والثاني والثالث.
٧٢ - محمّد بن يحيى ، عن ابن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن أبي عبيدة قال سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قوله تعالى «ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ أنّ كُنْتُمْ صادِقِينَ »(١) قال عنى بالكتاب التوراة والإنجيل وأثارة من علم فإنّما عنى بذلك علم أوصياء الأنبياءعليهمالسلام .
________________________________________________________
وعن عمرّ بالفسوق ، لأنّ ما جرى في هذه الأمّة من الفسوق والخروج عن الدين كان بسببه وكان خارجا منه ، وعن عثمان بالعصيأنّ لتظاهره بأنواع المعاصي وعدم مبالاته بالدين ظاهراً وباطنا.
الحديث الثاني والسبعون : صحيح.
والآية في الأحقاف هكذا «قُلْ أَرَأَيتمّ ما تدّعون مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ أنّ كُنْتُمْ صادِقِينَ » ذكر المفسّرون أنه تعالى كلفهم أولا بأنّ يأتوا بدليل عقلي يدلّ على استحقاق آلهتهم للعبادة بأنّ يثبتوا أنّ لها مدخلا في خلق شيء من أجزاء العالم فيستحقّ بها العبادة أو بدليل نقلي من كتاب نزل من قبل هذا يعني القران «أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ » قيل : أو بقية من علم بقية عليكم من علوم الأولين هل فيها ما يدلّ على استحقاقها للعبادة أو الأمر بها.
وقال الطبرسي (ره) : أي بقية من علم يؤثر من كتب الأولين ، وقيل : أي خبر من الأنبياء وقيل : هو الخط أي بكتاب مكتوب ، وقيل : خاصة من علم أوثرتم به ، والمعنى فهاتوا إحدى هذه الحجج الثلاث أولها دليل العقل ، والثانية الكتاب ، والثالثة الخبر المتواتر ، فإذا لم يمكنهم شيء من ذلك فقد وضح بطلان دعواهم ، انتهى.
وأقول : ما ذكرهعليهالسلام قريب ممّا ذكر فأنّ علوم الأنبياء مخزونة عند أوصيائهمعليهمالسلام فما ليس من علومهم في الكتب الّتي نزلت عليهم فهي عندهم.
__________________
(١) سورة الأحقاف : ٣.
٧٣ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد عمّن أخبره ، عن عليّ بن جعفر قال سمعت أبا الحسنعليهالسلام يقول لـمّا رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله تيما وعديا وبني أمية يركبون منبره أفظعه فأنزل الله تبارك وتعالى قرآنا يتأسى به «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا
________________________________________________________
الحديث الثالث والسبعون ضعيف على المشهور« لـمّا رأى » هو من رؤيا المنام إشارة إلى ما ذكره في خبر الصحيفة الشريفة ، وما رواه عليّ بن إبراهيم (ره) في تفسير قوله تعالى : «وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الّتي أَرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ »(١) لـمّا رأى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في نومه كان قرودا تصعد منبره فساءه ذلك وغمه غما شديداً فأنزل الله تعالى : «وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الّتي أَرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ » ليعمهوا فيها «وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القران » نزلت في بني أمية ، ثمّ حكى الله خبر إبليس فقال : «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً » إلى آخر الآيات ، انتهى.
وقال الطبرسيقدسسره في الأقوال الّتي ذكرها في تفسير الرؤيا : وثالثها : أنّ ذلك رؤيا رآها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في منامه أنّ قرودا تصعد منبره وتنزل ، فساءه ذلك واغتم به رواه سهل بن سعيد عن أبيه أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى ذلك وقال : إنهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يستجمع بعد ذلك ضاحكا حتّى مات ، ورواه سعيد بن يسار أيضاً وهو المرويّ عن أبي عبد الله وأبي جعفرعليهماالسلام ، وقالوا : على هذا التأويل أنّ الشجرة الملعونة في القران هي بنو أمية أخبره الله بتغلبهم على مقامه ، وقتلهم ذريّته ، انتهى.
وأقول : فظهر أنّ قصة سجود الملائكة لآدم وامتناع إبليس منه وأنّ كانت مذكورة في مواضع كثيرة من القران كالبقرة وطه والأعراف وبني إسرائيل والكهف فالمراد هنا ما ذكر في بني إسرائيل لاتصالها بآية الرؤيا الّتي ذكرنا فينطبق تفسيرهعليهالسلام عليه غاية الانطباق ، ومنه يظهر وجه لتكرار القصص في القران وأنه لاختلاف موارد نزولها.
وتيم : أبو بكر لأنه تيمي ، وعدي عمرّ لأنه عدوي ،وبنو أمية عبارة عن عثمان
__________________
(١) سورة الإسراء : ٦٠.
لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إِبْلِيسَ أَبى »(١) ثمّ أوحى إليه يا محمّد إني أمرت فلم أطع فلا تجزع أنت إذا أمرت فلم تطع في وصيك.
٧٤ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن الحسين بن نعيم الصحاف قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قوله «فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ »(٢) فقال عرف الله عزَّ وجلَّ إيمأنّهم بموالاتنا وكفرهم بها يوم أخذ عليهم الميثاق وهم ذر في صلب آدم وسألته عن قوله عزَّ وجلَّ «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَأنّ تَوَلَّيْتُمْ
________________________________________________________
ومن بعده إلى مروان بن محمد.
قولهعليهالسلام : أفظعه أي غمه وأزعجه « يتأسى به » أي يتسلى به ، والقران هو قوله : « وإذ قلنا » إلى آخره ، قال الجوهري : فظع الأمر بالضمّ فظاعة فهو فظيع أي شديد شنيع جاوز المقدار وكذلك أفظع الأمر فهو مفظع وأفظع الرجل على ما لم يسم فاعله أي نزل به أمر عظيم ، وقال : آسيته تأسيه أي عزيته والأسوة بالضمّ والكسر ما يتأسى به الحزين يتعزى به ، انتهى.
« إني أمرت » أي بسجود آدم « فلم أطع » على بناء المفعول « فلا تجزع » النهي للتسلية« إذ أمرت » على بناء المخاطب المعلوم « فلم تطع » على بناء المجهول ، ولا يخفى تناسب القصتين فأنّ الشيطان أبي عن سجدة آدم حسداً وتكبرا لأنّ يسجد لمخلوق من الطين ، وأنّهم أبو عن إطاعة عليّعليهالسلام حسداً وعتوا لأنّ يكون قبيلة واحدة مسلطة عليهم ، ولا يكون لهم نصيب فيها ، وتكون الخلافة مختصة بعترة سيّد المرسلين.
الحديث الرابع والسبعون : صحيح.
وقد مرّ جزء الأوّل من الخبر ، والآية فيه كانت مخالفة لـمّا في المصاحف ، وهنا موافقة كما أومأنا إليه «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ » الآية الأولى وهذه الآية كلاهما في سورة التغابن ، وطاعة الله والرسول وأنّ كانت بحسب اللفظ عأمّة لكن إمّا مورد نزولها الولاية أو بينعليهالسلام ما هو الأصل والعمدة فيها ، فأنّ طاعتهما بدون الولاية
__________________
(١) سورة طه : ١١٥.(٢) سورة التغابن : ٣.
فَإنّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ »(١) فقال أما والله ما هلك من كان قبلكم وما هلك من هلك حتّى يقوم قائمناعليهالسلام إلّا في ترك ولايتنا وجحود حقنا وما خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله من الدّنيا حتّى ألزم رقاب هذه الأمّة حقنا «وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ».
٧٥ - محمّد بن الحسن وعليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن موسى بن القاسم البجليّ ، عن عليّ بن جعفر ، عن أخيه موسىعليهالسلام في قوله تعالى «وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ
________________________________________________________
غير مقبولة ، ولا يعلم طاعتهما إلّا بها والحافظ للشريعة الّتي بها تعلم طاعتها في الأمر والنهي ، وجميع ما جاء به الرسول هو الإمام فترك ولايته ومخالفته سبب الهلاك ولذا قالعليهالسلام : « أما والله » أما بالتخفيف كلمة استفتاح « من كان قبلكم » لأنّهم كانوا مأمورين أيضاً بولاية نبيّنا وأوصيائه صلوات الله عليهم بأخبار أنبيائهم ، ويحتمل أنّ يكون ضمير ولايتنا شاملا للأوصياء المتقدمين أيضاً ، والأوّل أظهر « وما خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم » بيان لأنه لا عذر لمن ترك الولاية ، لأنّ الله تعالى أكمل الحجة عليهم في ذلك في يوم الغدير وغيره من المواطن الّتي لا تحصى «وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ » بالهدايات والألطاف الخاصة لمن يستحقّها ، والمراد بالصراط المستقيم ولاية عليّ والأئمّةعليهمالسلام ، أو الدين القويم الّذي العمدة فيه الولاية.
الحديث الخامس والسبعون : ضعيف على المشهور بسنده الأوّل صحيح بسنده الثاني.
وهو وأنّ كان من غرائب التأويل فهو مروي بأسانيد جمة ، ففي تفسير عليّ بن إبراهيم «وَقَصْرٍ مَشِيدٍ » مثل لآل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم «وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ » هو الّذي لا يستقى منها وهو الإمام الّذي قد غاب فلا يقتبس منه العلم إلى وقت ظهوره ، والقصر المشيد هو المرتفع ، وهو مثل لأمير المؤمنين والأئمّة منهعليهمالسلام وهو قوله : «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ » قال الشاعر في ذلك :
بئر معطلة وقصر مشرف |
مثل لآل محمّد مستطرف |
__________________
(١) سورة التغابن : ١٢.
وَقَصْرٍ مَشِيدٍ »(١) قال البئر المعطلة الإمام الصامت والقصر المشيد الإمام الناطق. ورواه محمّد بن يحيى ، عن العمركي ، عن عليّ بن جعفر ، عن أبي الحسنعليهالسلام مثله
________________________________________________________
فالقصر مجدهم الّذي لا يرتقي |
والبئر علمهم الّذي لا ينزف |
وروى الصدوق في كتاب معاني الأخبار بإسناده عن إبراهيم بن زياد قال :
سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عزَّ وجلَّ : «وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ » قال : البئر المعطّلة الإمام الصّامت ، والقصر المشيد الإمام الناطق.
وروي أيضاً في الكتاب المذكور بإسناده عن صالح بن سهل أنّه قال : أمير المؤمنينعليهالسلام هو القصر المشيد ، والبئر المعطّلة فاطمة وولدها معطّلين من الملك ، ثمّ قال :
وقال محمّد بن الحسن بن أبي خالد الملقّب بشينولة :
بئر معطّلة وقصر مشرف |
مثل لآل محمّد مستطرف |
|
فالناطق القصر المشيّد منهم |
والصّامت البئر الّتي لا تنزف |
وروى محمّد بن العبّاس في تفسيره أيضاً مثله ، وروى صاحب كتاب نخب المناقب بإسناده عن الصادقعليهالسلام أنّ القصر المشيد رسول الله ، والبئر المعطلة عليّعليهالسلام .
وأقول : أوّل الآية في سورة الحج : «فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ » وقال البيضاوي : عطف على قرية أي وكم بئر عامرّة في البوادي تركت لا يسقي منها لهلاك أهلها «وَقَصْرٍ مَشِيدٍ » أي مرفوع أو مجصص أخليناه عن ساكنيه وقيل : المراد ببئر ، بئر في سفح جبل بحضر موت ، وبقصر مشيد قصر مشرف على قلته فكانا لقوم حنظلة بن صفوأنّ من بقايا قوم صالح ، فلـمّا قتلوه أهلكهم الله وعطلهما ، انتهى.
وأقول : على تأويلهمعليهمالسلام يحتمل أنّ يكون المراد بهلاك أهل القرية هلاكهم المعنوي أي ضلالتهم فلا ينتفعون لا بإمام صامت ولا بإمام ناطق ، ووجه التشبيه فيهما ظاهر تشبيها للحياة المعنوية بالصورية والانتفاعات الروحانية بالجسمانية. ويحتمل على بعد
__________________
(١) سورة الحجّ : ٤٤.
٧٦ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن الحكم بن بهلول ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله تعالى «وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ »(١) قال يعني أنّ أشركت في الولاية غيره «بَلِ اللهَ فَاعبد وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ » يعني بل الله فاعبد بالطاعة وكن من
________________________________________________________
أنّ يكون الواو فيهما للقسم والأوّل أصوب ، وقد عرفت مراراً أنّ ما وقع في الأمم السالفة يقع نظيرها في تلك الأمّة ، فكلـمّا وقع من العذاب والهلاك البدني والمسخ الصوري في الأمم السالفة فنظيرها في هذه الأمّة هلاكهم المعنويّ بضلالتهم وحرمانهم عن العلم والكمالات ، وموت قلوبهم ومسخها ، فهم وأنّ كانوا في صورة البشر فهم كالأنعام بل هم أضل ، وهم وأنّ كانوا ظاهرين بين الأحياء فهم أموات ولكن لا يشعرون ، ولا يسمعون الحقّ ولا يبصرونه ولا ينطقون به ، ولا يتأتى منهم أمر ينفعهم ، فهم شر من الأموات إذ الأموات لا يأتون بما يضرهم وأنّ لم يأت منهم ما ينفعهم فعلى هذا التحقيق لا تنافي تلك التأويلات تفاسير ظواهر تلك الآيات ، وهذا الوجه يجري في أكثر الروايات المشتملة على غرائب التأويلات ممّا قد مضى وما هو آت.
الحديث السادس والسبعون : مجهول.
والآيات في الزمرّ هكذا : «قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعبد أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ،وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولتكونن من الخاسرين بل الله » إلى آخره.
«لَئِنْ أَشْرَكْتَ » قال المفسّرون كلام على سبيل الفرض المحال ، والمراد به تهييج الرسل وإقناط الكفرة ، وللإشعار على حكم الأمّة وإفراد الخطّاب باعتبار كلّ واحد واللام الأولى موطئة للقسم والأخريأنّ للجواب وقال ابن عباس : هذا أدب من الله لنبيه وتهديد لغيره «بَلِ اللهَ فَاعبد » أي وجه عبادتك إليه تعالى وحده دون الأصنام «وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ » الذين يشكرون الله على نعمه ويخلصون العبادة له.
وقال عليّ بن إبراهيم : هذه مخاطبة للنبي والمعنى لأمته وهو ما قال الصادق
__________________
(١) سورة الزمر : ٦٤.
الشاكرين » أنّ عضدتك بأخيك وابن عمك.
٧٧ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن محمّد الهاشمي قال حدثني أبي ، عن أحمد بن عيسى قال حدثني جعفر بن محمّد ، عن أبيه
________________________________________________________
عليهالسلام : أنّ الله تعالى بعث نبيّهعليهالسلام بإياك أعني واسمعي يا جارة(١) والدليل على ذلك قوله : «بَلِ اللهَ فَاعبد وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ». وقد علم أنّ نبيّه يعبده ويشكره ولكن استعبد نبيّه بالدعاء تأديبا لأمته.
وروي بإسناده عن أبي حمزة عن أبي جعفرعليهالسلام قال : سألته عن قول الله لنبيّه «لَئِنْ أَشْرَكْتَ » الآية قال : تفسيرها لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية عليّ بعدك «لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ».
أقول : تأويلهعليهالسلام في الخبر أنسب بالمخاطبين في الآية ، ومع ذلك الغرض إقناط الأمّة عن التشريك في الولاية وتهديدهم في تركها ، وعبر عن ذلك بالشرك إيذانا بأنّ ترك الولاية أو التشريك فيها بمنزلة الشرك بالله كما مر.
ويحتمل أنّ يكون المراد مطلق الشرك والتخصيص لكونه الفرد الأخفى ولبيان أنّ هذا أيضاً داخل في الشرك والكفر ، وعبادة لغير الله ، ولذا قال : «بَلِ اللهَ فَاعبد » ومخالفة أمره تعالى صريحاً وطاعة غيره عين الشرك ، ولذا قال : «أنّ لا تَعْبُدُوا الشيطان » وقال : «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبأنّهم أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ » حيث تركوا أمر الله وأطاعوهم.
الحديث السابع والسبعون : ضعيف على المشهور.
«يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ » الآية في سورة النحلّ وقال الطبرسي : أي يعرفون نعمّ الله عليهم لـمّا يجدونه من خلق نفوسهم وإكمال عقولهم ، وخلق أنواع المنافع الّتي ينتفعون بها لهم ، ثمّ أنّهم مع ذلك ينكرون تلك النعمّ أنّ تكون من جهة الله خاصة ، بل
__________________
(١) مثل يضرب لمن يتكلم بكلام ويريد به شيئاً غيره.
عن جدهعليهمالسلام في قوله عزَّ وجلَّ «يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثمّ يُنْكِرُونَها »(١) قال لـمّا نزلت «إنّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ »(٢) اجتمع نفرٌ من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله في مسجد المدينة فقال بعضهم لبعض ما تقولون في هذه الآية فقال بعضهم أنّ كفرنا بهذه الآية نكفر بسائرها وأنّ آمنّا فأنَّ هذا ذلٌّ حين يسلّط علينا ابن أبي طالب فقالوا قد علمنا أنّ محمّداً صادق فيما يقول ولكنا نتولاه ولا نطيع عليّاً فيما اُمرنا ، قال فنزلت هذه الآية «يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثمّ يُنْكِرُونَها » يعرفون يعني ولاية[ عليّ بن أبي طالب ] «وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ » بالولاية.
________________________________________________________
يضيفونها إلى الأوثان ويشكرون الأوثان عليها ، وقيل : أنّ معناه يعرفون محمّداً وهو من أنعمّ الله ثمّ يكذبونه ويجحدونه عن السدي «وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ » إنّما قال أكثرهم لأنّ منهم من لم تقم الحجة عليه إذ لم يبلغ حد التكليف لصغره أو كان ناقص العقل مؤوفا أو لم تبلغه الدعوة فلا يقع عليه اسم الكفر ، وقيل : إنّما ذكر الإكراه لأنه علم سبحانه أنّ فيهم من يؤمن ، وقيل إنه من الخاص في الصيغة العام في المعنى انتهى.
وقيل : الضمير للأمّة ، وقيل : أي أكثرهم كافرون بنبوة محمّد قوله : « ولكنا نتولاه » الضمير لمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويحتمل إرجاعه إلى عليّعليهالسلام أي نعتقد ولايته لكن لا نطيعه وهو بعيد « يعني ولاية عليّ » فسّر النعمة بالولاية ولا ريب أنّ الولاية أعظم نعمّ الله على العباد ، إذ بها تنتظم مصالح دنياهم ، وهذا التفسير قريب من تفسير السدي مع أنه يحتمل أنّ يكون المعنى أنّ الآية شاملة لإنكار هذه النعمة الجليلة بعد العلم بها بالآيات المتظافرة والأخبار المتواترة ، وأنّ كان مورد نزولها غير ذلك لكنّه بعيد عن الخبر ، وما قيل : من أنّ المراد بقوله : فنزلت فوقعت عليهم وصاروا داخلين فيه ، لأنّ الآية الأولى من سورة النحلّ هي مكّة والثانية من المائدة وهي مدنيّة فهو ضعيف لأنه قال الطبرسيقدسسره : أربعون آية من أوّلها مكيّة والباقي من قوله
__________________
(١) سورة النحل : ٨٢. (٢) سورة المائدة : ٥٥.
٧٨ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن محمّد بن النعمأنّ ، عن سلام قال سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قوله تعالى : «الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً »(١) قال هم الأوصياء من مخافة عدوهم.
٧٩ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن بسطام بن مرّة ، عن إسحاق بن حسّان ، عن الهيثمّ بن واقد ، عن عليّ بن الحسين العبدي ، عن سعد الإسكاف ، عن الأصبغ
________________________________________________________
«وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا » مدينة عن الحسن وقتادة ، وفهذه الآية من الآيات المدينة ورووا عن ابن عباس أنّ بعضها مدني مع أنه لا اعتماد على ضبطهم في ذلك.
الحديث الثامن والسبعون : مجهول ورواه عليّ بن إبراهيم بسندين صحيحين.
«الَّذِينَ يَمْشُونَ » الآية في سورة الفرقأنّ : «وَعِبادُ الرَّحمن الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً » قال الطبرسي (ره) : أي بالسكينة والوقار والطاعة ، غير أشرين ولا مرحين(٢) ولا متكبرين ولا مفسدين وقيل : علماء لا يجهلون وأنّ جهل عليهم ، وبعدها : «وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقياماً » إلى قوله : «وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إماماً » وأقول : تفسيرهعليهالسلام ظاهر الانطباق على الآيات لا سيّما قوله : «وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إماماً » فأنّ تنزيلها على غيرهم يحتاج إلى تكلف شديد ، وقد أوردنا أخبارا كثيرة في تأويل تلك الآيات في الكتاب الكبير.
الحديث التاسع والسبعون ضعيف على المشهور ، وبسطام بكسر الباء والإسكاف بكسر الهمزة الخفاف وأصبغ بفتح الهمزة والباء وسكون الصاد ، ونباتة بضمّ النون وفتحها.
__________________
(١) سورة الفرقان : ٦٢.
(٢) أشر : بطر وطغى بالنعمة وصرفها إلى غير وجهها. ومرح الرجل : اشتد فرحه حتى جاوز القدر وتبختر واختال.
بن نباتة أنّه سأل أمير المؤمنينعليهالسلام عن قوله تعالى : «أنّ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ »(١) فقال الوالدأنّ اللذأنّ أوجب الله لهما الشكر هما اللذأنّ ولدا العلم وورثا الحكم وأمر الناس بطاعتهما ثمّ قال الله «إِلَيَّ الْمَصِيرُ » فمصير العباد إلى الله
________________________________________________________
والآيات في سورة لقمان هكذا : «وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أنّ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ، وَأنّ جاهَداكَ عَلى أنّ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدّنيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثمّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » قال البيضاوي : وهنا ذات وهن أو تهن وهنا على وهن ، أي تضعف ضعفاً فوق ضعف ، فإنّها لا تزال تتضاعف ضعفها «وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ » أي وفطامه في انقضاء عامين ، وكانت ترضعه في تلك المدة «أنّ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ » تفسير لوصينا أو وعلة له أو بدل من والديه بدل الاشتمال ، وذكر الحمل والفصال في الفصل اعتراض مؤكد للتوصية في حقّها خصوصا «إِلَيَّ الْمَصِيرُ » فأحاسبك على شركك وكفرك «وَأنّ جاهَداكَ عَلى أنّ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ » باستحقاقه الإشراك تقليداً لهما ، وقيل : أراد بنفي العلم به نفيه «فَلا تُطِعْهُما » في ذلك «وَصاحِبْهُما فِي الدّنيا مَعْرُوفاً » صحابا معروفاً يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم «وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَ » بالتوحيد والإخلاص في الطاعة «ثمّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ » مرجعك ومرجعهما «فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » بأنّ أجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما ، انتهى.
والتأويل الوارد في الخبر من أغرب التأويلات ، وعلى تقدير صدوره عنهمعليهمالسلام من البطون العميقة البعيدة عن ظاهر اللفظ ، وعلمه عند من صدر عنهعليهالسلام .
« هما اللذان ولدا العلم» أي صدر منهما علم الناس ، وبهما صاروا عالمين ، وميراثهما بعد وفاتهما الحكمة فحقهما على الإنسان حقّ الحياة الروحاني فأنّ حياة الروح بالعلم والحكمة ، ومن سلبهما فهو ميت بين الأحياء ، وحقّ والدي الجسم
__________________
(١) سورة لقمان : ١٣.
والدَّليل على ذلك الوالدان ، ثمَّ عطف القول على ابن حنتمة وصاحبه ، فقال : في
________________________________________________________
مدخليّتهما في الحياة الجسمانيّة المنقضية بالموت ، وتلك باقية أبدية وميراث الأخيرين المال الفاني الّذي لا ينتفع به إلّا في تلك الحياة القليلة الفانية ، وميراث الأولين العلم والحكمة الباقيان في ملك الأبدّ بلا فناء ولا انقضاء ، فهما أولى بالذكر والشرك والانقياد والطاعة.
« والدليل على ذلك » قيل : يحتمل معنيين : أحدهما : أنّ الّذي يدلك على أنّ المصير إلى الله تعالى الوالدان ، والثاني : الّذي يدلك على كيفية المصير إليه تعالى الوالدان.
وأقول : يحتمل أنّ يكون المعنى أنّ لفظ الوالدين يدلّ على ما ذكره من تفسيرهما ويرفع الاستبعاد عنه ، لأنّ المجاز في التغليب ليس بأولى من المجاز في أصل الكلمة ، لكن يشكلّ حملهما على ذلك من جهة التصريح في الآية بما يعين كون المراد الوالدين الجسمانيين وهو قوله : «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ ».
ويمكن توجيهه بوجوه : الأوّل : أنّ تكون جملة «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ » معترضة لبيان أشدية حقّ الوالدين في العلم ، على الوالدين في النسب ، بأنّ لهما مدخلية في التربية في زمان قليل في قوام البدن ، والوالدان الروحانيان حقوقهما باقية عليه ما بقي في الدّنيا فأن العلم من المهد إلى اللحد ، وفي الآخرة أيضاً بالشفاعة والنجاة من أهوال القيامة والتشرف بخدمتهم في الجنان ما توالت الأزمان.
الثاني : أنّ يكون المراد بالوالدين أولا المعنى الحقيقي ، وثانياً المعنى المجازي بتقدير عطف أو فعل ، أو بأنّ يكون الباء في قوله : «بِوالِدَيْهِ » سببية لا صلة للوصية ، أي وصيناه بسبب رعاية والديه الجسمانيين ووجوب رعايتهما عقلا ونقلا الشكر لوالديه الروحانيين ، فإنّهما أحرى بذلك ، والدليل عليه ضمّ الشكر لله في الثاني دون الأوّل فتأمل.
الخاصّ والعامّ «وَأنّ جاهَداكَ عَلى أنّ تُشْرِكَ بِي » يقول في الوصيّة وتعدل عمّن أمرت
________________________________________________________
الثالث : أنّ يكون ظهر الآية للوالدين الجسمانيين ، وبطنها للوالدين الروحانيين بتوسط أنه إذا وجبت رعاية حقوق الوالدين في النسب مع حقارتهما في جنب حقوق الوالدين في العلم ، فرعاية حقهما أولى وأوجب وألزم ، ولعلّ هذا أظهر الوجوه.
« ثمّ عطف القول » أي صرف الكلام عن الوالدين إلى آخرين وهما ابن حنتمة يعني عمرو صاحبه يعني أبا بكر ، قال في القاموس : حنتمة بلا لام بنت ذي الرمحين أم عمرّ بن الخطّاب وليست بأخت أبي جهل كما وهموا ، بل بنت عمه ، انتهى.
« فقال في الخاصّ والعامّ » أي الخطّاب للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وسائر الناس ، أو بحسب ظهر الآية الخطّاب عام وبحسب بطنه خاص ، أو المعنى بحسب البطن أيضاً الخطّاب للرسول بمعنى عدم الإشراك في الوصيّة ، وإلى الناس بمعنى عدم العدول عمّن أمروا بطاعته ، فيكون ما ذكره بعده نشرا على ترتيب اللف.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم : فقال في الخاصّ : وأنّ جاهداك ، وهو أظهر وأمّا خطاب صاحبهما فأنّ كان إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ففي المصاحبّة توسع وأنّ كان إلى غيره كخطاب اشكر فلا توسع ولا تكلف.
وقال بعض الأفاضل في شرح هذا الخبر : جملة «وَوَصَّيْنَا » إلى آخر الآيتين حالية بتقدير « قد » وعاملها يعظم أو عطف على جملة : وهو يعظه ، فهذه الوصيّة كانت في التوراة وما تقدمها من الكتب ونزلت فيما تأخرها أيضاً ، واللام للاستغراق ، والوالدان هما النبيّ والوصي وهما في هذه الأمّة رسول الله وأمير المؤمنين وفي حكمهما الأئمّة من أولادهما وجملة «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ » إلى «عامَيْنِ » معترضة لدفع توهم أنّ المراد بالوالدين الأب والأم ببيان أنّ حقّ الأب والأم حقير في جنب حقّ النبيّ والوصي ، فليسا شريكين لله في الشكر ، وذلك أنّ حقّ الإمام أعظم من الأب وحقّها حقير بوجهين : الأوّل : أنّ لها في القدرة على حمل الولد في بطنها وهنأنّ ، إذ ربما لم ترد ولم تحب
بطاعته «فَلا تُطِعْهُما » ولا تسمع قولهما ثمّ عطف القول على الوالدين فقال : «وَصاحِبْهُما
________________________________________________________
حدوث الحمل وحدث ، وربمّا أرادت إسقاط ما في بطنها ولم تسقط ، وهذا معنى قوله : حملته أمه وهنا على وهن ، الثاني : أنها ليست كلّ أم ترضع ولدها ، والّتي ترضع ولدها لا ترضع أكثر من عامين فحقّ الأم ضعيف لا يقتضي إشراكها بالله في الشكر والمتعارف في مقام تحقير شيء تحقير أكمل أفراده ليقاس عليه سائرها بطريق الأولوية وجملة «إِلَيَّ الْمَصِيرُ » استئناف لدفع اعتراض هو أنّ « أنّ » في قوله : «أنّ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ » مفسّرة للوصية وليست الوصيّة مشتملة على الشكر لله وينبغي أنّ يقال : أنّ أشكر لوالديك ، والجواب أنّ مصير شكر الوالدين إلى شكر الله فإنّهما خليفتأنّ لله وطاعتهما طاعة الله ، ومعصيتها معصية الله.
وجملة «وَأنّ جاهَداكَ » للتأكيد وإعظام الأمر بطاعة الوالدين ، فأنّ ضمير التثنية للرفيقين المصاحبين مطلقا كما هو عادة العرب في محاوراتهم نحو قفا نبك من ذكري حبيب ومنزل(١) والمعهودين في الضلالة خصوصا هما : عمرّ وصاحبه« على أنّ تشرك بي » أي في العبادة كشرك الذين اتخذوا أحبارهم ورهبأنّهم أربابا من دون الله ، أو في الشكر والمال واحد ، وذكر « ما » في موضع « من » للإشعار بكمال جهل رؤساء الضلالة ، والباء في « به » للسببية ، أي ليس فتواه ولا قضاؤه يورث لك علـمّا ، وضمير «صاحِبْهُما » للوالدين «فِي الدّنيا » ، أي في جميع العمرّ «مَعْرُوفاً » حال عن فاعل صاحبهما ، أي كن معروفا في الناس بمصاحبتهما بأنّ يكون فيك من التقوى ونحوهما ما إذا رآه الناس علموا فضلهما ومالوا إلى سبيلهما ، فأنّ من كان كذلك كان معهما في جميع عمره وأنّ لم يرهما كما أنّ من كان على ضد ذلك لم يكن معهما وأنّ رآهما وجاورهما ، فقوله : «وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَ » عطف تفسير للإشعار بأنّ هذا سبيل
__________________
(١) هو مطلع قصيدة لامرء القيس قالها في عنترة وهي من المعلقات السبعة ، وذيله « بسقط اللوى بين الدُّخول فحومل » راجع جامع الشواهد.
فِي الدّنيا مَعْرُوفاً » يقول : عرّف النّاس فضلهما وادع إلى سبيلهما وذلك قوله : «وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثمّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ » فقال إلى الله ثمّ إلينا ، فاتّقوا الله ولا تعصوا الوالدين فأنّ رضاهما رضا الله وسخطهما سخط الله.
٨٠ - عدّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن سيف ، عن أبيه ، عن عمرو بن حريث قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله : «كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ
________________________________________________________
النبييّن والصدّيقين والشهداء والصالحين من لدن آدم إلى هذا الزمان.
قولهعليهالسلام : والدليل على ذلك إشارة إلى مضمون مصير العباد إلى الله الوالدان أي الاكتفاء بذكر الوالدين في «وَصَّيْنَا الإنسان بِوالِدَيْهِ » والخاصّ والعامّ عبارة عن كلام منطوقه عام ومنظورة خاص فهو خاص باعتبار ، وعام باعتبار آخر ، وقوله : تقول ، مضارع مخاطب من باب نصر أو باب التفعل بحذف إحدى التائين منصوب « في الوصيّة » إشارة إلى أنّ المراد بالإشراك هنا الطعن في وصية الله للوالدين أو وصية الرسول لأمير المؤمنين وأولادهعليهمالسلام ، فإنه يتضمن الشرك بالله كشرك الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، وذلك قوله ، لبيان أنّ العطف في قوله : «وَاتَّبِعْ » تفسيري كما ذكرنا ، والإنابة إلى الله الرجوع إليه في جليل الأحكام ودقيقها ، انتهى.
وإنّما أوردناه بطوله لشدة غرابته.
الحديث الثمانون : صحيح ، والآية في سورة إبراهيم هكذا : «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ » وقال الطبرسيقدسسره : كلمة طيبة هي كلمة التوحيد ، وقيل : كلّ كلام أمر الله به وإنّما سماها طيبة لأنّها زاكية نامية لصاحبها بالخيرات والبركات «كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ » أي شجرة زاكية نامية راسخة أصولها في الأرض ، عالية أغصانها وثمارها في جانب السماء وأراد به المبالغة
وَفَرْعُها فِي السَّماءِ »(١) قال :فقال : رسول اللهصلىاللهعليهوآله أصلها ، وأمير المؤمنينعليهالسلام فرعها
________________________________________________________
في الرفعة ، فالأصل سافل والفرع عال ، إلّا أنّه يتوصّل من الأصل إلى الفرع ، وقيل : إنها النخلة وقيل : إنها شجرة في الجنّة ، وروى ابن عقدة عن أبي جعفر أنّ الشجرة رسول الله وذكر نحو هذا الخبر ، ثمّ قال : وروي عن ابن عباس قال : قال جبرئيل للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنت الشجرة وعليّ غصنها وفاطمة ورقها والحسن والحسين ثمارها وقيل : أراد بذلك شجرة هذه صفتها وأنّ لم يكن لها وجود في الدّنيا لكن الصّفة معلومة وقيل : أنّ المراد بالكلمة الطيبة الإيمان وبالشجرة الطيبة المؤمن «تُؤْتِي أُكُلَها » أي تخرج هذه الشجرة ما يؤكلّ منها «كلّ حِينٍ » أي في كلّ ستّة أشهر عن أبي جعفرعليهالسلام ، أو في كلّ سنّة ، أو في كلّ وقت ، وقيل : معناه ما يفتي به الأئمّة من آل محمّدعليهمالسلام شيعتهم في الحلال والحرام «مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ » وهي كلمة الشرك ، وقيل : كلّ كلام في معصية الله «كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ » غير زاكية وهي شجرة الحنظل ، وقيل : أنها الكشوث(٢) وقيل : إنّها شجرة هذه صفتها وهو أنه لا قرار لها.
وروى أبو الجارود عن أبي جعفرعليهالسلام أنّ هذا مثل بني أمية «اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ » أي قطعت واستوصلت واقتلعت جثتها من الأرض «ما لَها مِنْ قَرارٍ » أي من ثبات ولا بقاء ، انتهى.
قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا أصلها ، وفي بعض النسخ ليس « أنا »(٣) ففاعل « فقال » الراوي ، وفاعل « وقال » الصادقعليهالسلام ، ورسول الله مبتدأ وأصلها خبره ، أي عرقها أو ساقها أو هما معا وعلى الأخيرين المراد بالفرع الأغصان الصغار ، شبه الله تعالى نبيّه وأهل بيتهعليهمالسلام وعلومهم وشيعتهم بالشجرة ، وإنّما شبه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بأصلها لأنّ منه ترتفع المواد وتصل إلى الأغصان والثمار ، وبه تقوم تلك وشبه عليّاًعليهالسلام بالفرع
__________________
(١) سورة إبراهيم : ٢٣.
(٢) الكشوث : نبات طفيلي لا جذر له ولا ورق إنّما له أزهار كروية صغيرة لونه أبيض أو ضارب إلى الحمرّة تلتف ساقه على حاضنه ، يضر على الأخصّ بمروج القضب.
(٣) كما في المتن.
والأئمّة من ذريّتهما أغصانها وعلم الأئمّة ثمرتها وشيعتهم المؤمنون ورقها هل فيها فضل قال : قلت : لا والله ، قال : والله أنّ المؤمن ليولد فتورق ورقة فيها وأنّ المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها.
________________________________________________________
لأنّه فرع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلومه وكمالاته منه ، والأئمّة بالأغصأنّ لأنّهم فرعهما وعلومهم منهما ، وشبّه علومهم الّتي تصل إلى الخلق بالثمرّ وشيعتهم بالأوراق لقرب الورق بالثمرّة ، ولكونها حافظة لها من الضياع والفساد بالحر والبرد ، كما أنّ خلص الشيعة حافظون لعلوم أئمتهمعليهمالسلام ، فالمراد بالشيعة علماؤهم ورواتهم والكاملون منهم ومن ينتفع بالثمرّة سائر الشيعة أو مطلق الشيعة ، ولهم جهتان فمن جهة الحفظ والضبط مشبهون بالورق ، ومن جهة الانتفاع بالناس المنتفعين بالثمرّ ، ولعلّ الأوّل أظهر.
« هل فيها » أي في الشجرة« فضل » أي شيء آخر غير ما ذكرنا ، فلا يدخل في هذه الشجرة الطيبة ، ولا يلحقّ بالنبيّ غير من ذكر ، فالمخالفون وسائر الخلق داخلون في الشجرة الخبيثة ، وملحقون بها ، وقيل : أي هل في هذه الكلمة فضل عن الحقّ ، وفي بعض النسخ شوب مكان فضل ، أي هل فيها شوب خطاء وبطلان ، أو شوب حقّ بالباطل أو خلط شيء غير ما ذكر ، فيرجع إلى الأول.
قوله : فتورق ورقة فيها ، أي كأنه توجد ورقة في المشبه ويصير التشبيه أكمل ، وفوائد الثمرّة أعظم ، ويحتمل أنّ تكون في الجنّة شجرة هي المشبه بها ، وتورق الورقة من تلك الشجرة وتسقط منها ، ويمكن أنّ يستأنس به لإثبات عالم المثال وقد ورد تشبيه الشجرة وأجزائها على وجوه أخرى أوردتها في الكتاب الكبير.
وقد روت العامّة أيضاً قريبا من ذلك ، كما روى الديلمي في الفردوس والسمعاني بإسنادهما عن ابن عباس قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا شجرة وفاطمة حملها ، وعليّ لقاحها والحسن والحسين ثمرها ، والمحبون لأهل البيت ورقها من الجنّة حقّاً حقا.
٨١ - محمّد بن يحيى ، عن حمدان بن سليمأنّ ، عن عبد الله بن محمّد اليماني ، عن منيع بن الحجّاج ، عن يونس ، عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عزَّ وجلَّ «لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ » يعني في الميثاق «أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً »(١) قال الإقرار بالأنبياء والأوصياء وأمير المؤمنينعليهالسلام خاصة قال لا ينفع إيمانها لأنّها سلبت.
________________________________________________________
الحديث الحادي والثمانون : مجهول.
والآية في سورة الأنعام هكذا : «هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنّ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ ربّك أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ ربّك يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ ربّك لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها » الآية ، فعلى هذا التأويل يحتمل أنّ يكون المعنى هل ينتظرون إلّا أنّ تأتيهم الملائكة لقبض الروح ، أو يأتي ربّك لقبضها مجازا ، أو الملائكة للعذاب والرب للقبض ، أو أنّهم يقولون لا نؤمن حتّى نرى الملائكة أو الرب ، وأمّا آيات الرب فالمراد بها إما العذاب أو ظهور الإمامعليهالسلام فأنّهم آيات الله ، وعدم نفع الإيمان الّذي لم يكن في الميثاق لأنّ ما لم يكن كذلك لا يكون واقعيا بل ظاهراً للخوف ، أو لأنّ من آمن في الميثاق لا يؤخر إيمانه إلى ظهور العذاب ، وقبل هذه الآية «سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ » وقد ورد في الأخبار أنّ الآيات الأئمّةعليهمالسلام ، وقيل : لا ينفع نفسا إيمانها أي بك وبنبوتك «لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ » أي بك «أَوْ كَسَبَتْ » أي أو لم تكن كسبت من قبل «فِي إِيمانِها » بك «خَيْراً » أي أفضل الطاعات وهو الإقرار بالأئمّةعليهمالسلام ، فلفظة « أو » في الآية للتقسيم ، فأنّ الصادفين عن آيات الله قسمأنّ : الأوّل : من لم يؤمن بنبوة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الثاني : من آمن به ولم يؤمن بالأئمّةعليهمالسلام .
« لأنّها سلبت » أي لأنّ النفس سلبت الإيمان ، لأنّ إيمانها كلا إيمان ، أو تسلب الإيمان بالرسول أيضاً في ذلك الوقت ، لعدم إيمانه بالأوصياء وسائر
__________________
(١) سورة الأنعام : ١٥٧.
٨٢ - وبهذا الإسناد ، عن يونس ، عن صباح المزني ، عن أبي حمزة ، عن أحدهماعليهماالسلام في قول الله جلَّ وعزَّ : «بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ »
________________________________________________________
الأنبياء.
وقيل : المراد بالميثاق زمان التكليف وإتمام الحجّة البالغة وهو بعيد.
الحديث الثاني والثمانون : مجهول.
وما قبل الآية في سورة البقرة في أحوال اليهود : «وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ » ،بلى » قال البيضاوي : إثبات لـمّا نفوه من مساس النار لهم زمانا مديداً ودهرا طويلا على وجه أعمّ ليكون كالبرهان على بطلان قولهم «مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً » قبيحة والفرق بينهما وبين الخطيئة أنها قد يقال فيما يقصد بالذات ، والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض ، لأنّها من الخطإ والكسب استجلاب النفع ، وتعليقه بالسيئة على طريق قوله : «فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ».
«وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ » أي استولت عليه وشملت جملة أحواله حتّى صار كالمحاط بها لا يخلو عنها شيء من جوانبه ، وهذا إنّما يصح في شأنّ الكافر لأنّ غيره أنّ لم يكن سوى تصديق قلبه وإقراره لسانه فلم تحط الخطيئة به ، فلذلك قسرها السلف بالكفر.
وتحقيق ذلك أنّ من أذنب ذنبا ولم يقلع عنه استجرّه إلى معاودة مثله ، والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه حتّى يستولي عليه الذنوب ، وتأخذ بمجامع قلبه ، فيصير بطبعه مائلاً إلى المعاصي مستحسناً إياها ، معتقداً أنّ لا لذة سواها ، مبغضا لمن يمنعه عنها ، مكذباً لمن ينصحه فيها ، كما قال تعالى : «ثمّ كان عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أنّ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ »(١) .
«فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ » ملازموها في الآخرة كما أنّهم ملازموا أسبابها في
__________________
(١) سورة الروم : ١٠.
قال : إذا جحد إمأمّة أمير المؤمنينعليهالسلام «فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ »(١) .
٨٣ - عدّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن حمّاد بن عثمان ، عن أبي عبيدة الحذاء قال سألت أبا جعفرعليهالسلام عن الاستطاعة وقول الناس فقال :
________________________________________________________
الدنيا «هُمْ فِيها خالِدُونَ » دائمون أو لابثون طويلا ، انتهى.
وقال الطبرسيقدسسره : اختلف في السيئة فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم : السيئة هيهنا الشرك ، وقال حسن : هي الكبيرة الموجبة ، وقال السدي : هي الذنوب الّتي أوعد الله عليها النار ، والقول الأوّل يوافق مذهبنا ، لأنّ ما عدا الشرك لا يستحقّ به الخلود في النار عندنا.
وقوله : «وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ » ، يحتمل أمرين : أحدهما : أنها أحدقت به من كلّ جانب كقوله تعالى : «وَأنّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ »(٢) » الثاني : أنّ المعنى أهلكته ، من قوله : «إلّا أنّ يُحاطَ بِكُمْ » ، وقوله : «وَظَنُّوا أنّهم أُحِيطَ بِهِمْ » ، وقوله : و «أُحِيطَ بِثَمَرِهِ » ، فهذا كله بمعنى البوار والهلكة ، والمراد أنها سدت عليه طرق النجاة انتهى.
وأقول : في الخبر لا يبعد أنّ يكون المراد أنّ من جحد إمأمّة أمير المؤمنينعليهالسلام أيضاً داخل في هذه السيئة الّتي توجب إحاطة الخطيئة بالإنسان والخلود في النار ، فأنّ الإمأمّة من أصول الدين ومنكرها كافر ، فكما أنّ منكر النبوّة كاليهود الذين نزلت الآية ظاهراً فيهم كافر ، فكذا منكر سائر الأصول كافر فحكم الآية عام وأنّ كان مورد النزول خاصا كما حمل عليه القاضي الآية حيث قال : على وجه أعمّ ليكون كالبرهان على بطلان قولهم فافهم.
الحديث الثالث والثمانون : صحيح.
« عن الاستطاعة » أي هل يستطيع العبد من أفعاله شيئاً أم أنها بيد الله « وقول
__________________
(١) سورة البقرة : ٨١. (٢) سورة التوبة : ٤٩.
وتلا هذه الآية «وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلّا مَنْ رَحِمَ ربّك وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ »(١) يا أبا عبيدة الناس مختلفون في إصابة القول وكلهم هالك قال قلت قوله «إلّا مَنْ رَحِمَ ربّك » قال هم شيعتنا ولرحمته خلقهم وهو قوله «وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ » يقول لطاعة الإمام
________________________________________________________
الناس » يعني اختلافهم في هذه المسألة على أقوال شتى وقد مرّ تحقيقه في باب الجبر والاختيار وباب الاستطاعة ، والواو في « وتلا » للحالية وقوله : « يا أبا عبيدة » مفعول قال ، والمراد بالناس المختلفون ، والمراد بالإصابة الوجدان والإدراك والتفويض ، والآية في سورة هود هكذا : «وَلَوْ شاءَ ربّك لَجَعَلَ النَّاسَ أمّة واحِدَةً وَلا يَزالُونَ ».
وقال الطّبرسي (ره) : لجعل الناس أمّة واحدة ، أي على ملة واحدة ودين واحد ، فيكونون مسلمين صالحين ، وذلك بأنّ يلجئهم إلى الإسلام بأنّ يخلق في قلوبهم العلم بأنّهم لو راموا غير ذلك لمنعوا منه ولكن ذلك ينافي التكليف ويبطل كالغرض بالتكليف ، لأنّ الغرض استحقاق الثواب ، والإلجاء يمنع من استحقاق الثواب ، فلذلك لم يشأ الله ذلك ، ولكن شاء الله أنّ يؤمنوا باختيارهم ليستحقوا الثواب «وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ » في الأديأنّ ، وقيل : في الأرزاق والأحوال ، وتسخير بعضهم لبعض «إلّا مَنْ رَحِمَ ربّك » من المؤمنين فأنّهم لا يختلفون ويجتمعون على الحقّ ، والمعنى ولا يزالون مختلفين بالباطل إلّا منرحمهمالله بفعل اللطف لهم الّذي يؤمنون عنده ويستحقون به الثواب ، فأنّ من هذه صورته ناج من الاختلاف بالباطل.
«وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ » اختلفوا في معناه فقيل : يريد للرحمة خلقهم ولا ينافي ذلك تأنيث الرحمة لأنه غير حقيقي وإذا ذكر فعلى معنى الفضل والإنعام ، وقد قال سبحانه : «هذا رَحْمَةٌ مِنْ ربّي »(٢) و «أنّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ »(٣) وقيل : أنّ المعنى وللاختلاف خلقهم واللام لام العاقبة ، يريد أنّ الله خلقهم وعلم أنّ عاقبتهم يؤول إلى الاختلاف المذموم وقيل : أنّ ذلك إشارة إلى اجتماعهم على الإيمان ، وكونهم فيه أمّة واحدة ولا محالة
__________________
(١) سورة هود : ١١٨. (٢) سورة الكهف : ٩٨.
(٣) سورة الأعراف : ٥٦.
الرَّحمة الّتي يقول : «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كلّ شَيْءٍ »(١) يقول علم الإمام ووسع علمه الذي
________________________________________________________
أنّ الله سبحانه لهذا خلقهم كما قال تعالى : «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ »(٢) انتهى.
وأمّا ما ذكرهعليهالسلام فيحتمل وجوها كلها مبني على أنّ الإشارة في قوله : لذلك ، إلى الرحمة أو الرحم ، كما روى عليّ بن إبراهيم بإسناده عن أبي الجارود عن أبي جعفرعليهالسلام قال : لا يزالون مختلفين في الدين إلّا من رحم ربّك يعني آل محمّد وأتباعهم يقول الله تعالى «لِذلِكَ خَلَقَهُمْ » ، يعني أهل رحمة لا يختلفون في الدين.
الأوّل : أنّ قوله : هم شيعتنا تفسير للموصول في قوله : إلّا من ، ولرحمته تفسير لقوله : ولذلك ، وقوله : يقول لطاعة الإمام ، تفسير للرحمة ، فحاصل المعنى حينئذ إلّا من رحم ربّك بأنّ وفقه بطاعة الإمام ، ولهذه الطاعة خلقهم ، فالرحمة حقيقة هو الإمام من جهة أنّ الطاعة توجب النجاة وهو رحمة أيضاً من جهة علمه الّذي انتفع به الشيعة كلهم ووسعهم ، وهما يرجعأنّ إلى معنى واحد لتلازمهما وكون أحدهما علة للآخر ، إذ الطاعة ووجوبها معللة بسعة علمه ، فقولهعليهالسلام : الرحمة بدل لطاعة الإمام ، أو الإمام ، ففسّر الطاعة بالعلم لتلازمهما أو الإمام بالرحمة من جهة أنّ علمه وسع الشيعة وكفاهم وأغناهم عن غيره ، فقوله : الرحمة الّتي يقول ، أي الإمام هو الرحمة الّتي يقولها في قوله : «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كلّ شَيْءٍ » يقول : علم الإمام تفسير للرحمة لبيان أنّ كونه رحمة من جهة علمه ، ويمكن أنّ يقرأ علم بصيغة الماضي ، ووسع علمه أي علم الإمام الّذي من علمه أي من علم الله ، وفسّرعليهالسلام الشيء بالشيعة لأنّهم المنتفعون به فصار لهم رحمة وأمّا سائر الخلق فإنه وأنّ كان لهم أيضاً رحمة لكن لـمّا لم ينتفعوا به صار عليهم غضبا ، فالمراد بكلّ شيء إما كلّ محلّ قابل وهم الشيعة أو يكون عاما
__________________
(١) سورة الأعراف : ١٥٦. (٢) سورة الذاريات : ٥٦.
________________________________________________________
والتخصيص بالشيعة لعدم انتفاع غيرهم به ، ويحتمل أنّ يكون المراد بسعة علمه لهم أنه يعرّف شيعته من غير شيعته ، كناية عن علمه بحقائق جميع الأشياء وأحوالها وفيه بعد ، هذا هو الّذي خطر بالبال في حلّه.
والثاني : ما ذكره بعض الأفاضل قال : فسّر الرحمة بطاعة الإمام لأنّها توصل العبد إلى رحمة الله ، وفسّر الرّحمة الواسعة بعلم الإمام لأنه الهادي إليها « هم شيعتنا » أي كلّ شيء من ذنوب شيعتنا وسعه رحمة ربنا ، وفي تفسير الرحمة الواسعة بعلم الإمام إشارة إلى أنّهم لو كانوا يستندون فيه إلى علمه لـمّا اختلفوا فيما اختلفوا.
الثالث : ما ذكره بعضهم أيضاً أنّ الظرف في قوله : لطاعة الإمام متعلق بيقول ، والرحمة منصوب مفعول يقول ولـمّا فسّرعليهالسلام رحمة الله في سورة هود بطاعة الإمام أراد أنّ يدفع المناقشة فيه بآية الأعراف ، فأنّ وسعة طاعة الإمام كلّ شيء مستبعد عند العوام « يقول » الضمير لله « علم » فعل ماض والإمام فاعله « ووسع » عطف على علم ، وضمير عليه لمن رحم وهو المطيع للإمام « من علمه » من للابتداء أو للتعليل ، وضمير علمه للإمام ، وحاصل الجواب أنّ علم الإمام يسع كلّ شيء يحتاج إليه ، وطاعة الإمام يتضمن أخذ العلم بالمشكلات عن الإمام في كلّ ما يحتاج إليه ، فطاعة الإمام يسع كلّ شيء ، وقرأ هذا الفاضل هو شيعتنا هو سعتنا ، وقال : أي سعة طاعتنا كلّ شيء مبني على سعة علمنا.
الرابع : ما قيل : أنّ الرحمة مبتدأ وعلم الإمام خبر ، وإعادة « يقول » للتأكيد ، والغرض أنّ الرحمة هنا علم الإمام وقد وسع علمه الّذي هو من علم الله تعالى كلّ شيء ، والمراد بكلّ شيء الشيعة ، ويحتمل أنّ يرجع ضمير من علمه إلى الإمام ليوافق الضمير السابق فيفيد أنّ علمه المحيط بكلّ شيعة بعض من علومهعليهالسلام ، وإنّما ترك
هو من علمه كلَّ شيء هم شيعتنا ، ثمّ قال «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ » يعني ولاية
________________________________________________________
عطف هذه الجملة على السابقة لانقطاعها عنها لأنّها مستأنفة فكان السائل لـمّا سمع أنّ الرحمة في الآية السابقة عبارة عن طاعة الإمام سئل عن الرحمة الّتي في هذه الآية بأنّ الرحمة فيها عبارة عن علم الإمام ، انتهى.
وإنّما أوردنا تلك الوجوه لتعلم حسن ما وجهنا به الكلام أولا.
ثمّ اعلم أنّ الآية الأخيرة في سورة الأعراف وقعت بعد قصة موسىعليهالسلام حيث قال : «وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلـمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا أنّ هِيَ إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ ، وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدّنيا حَسنّة وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كلّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النبيّ الْأُمِّيَّ الّذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحلّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الّتي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الّذي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ».
أقول : على سياق الآيات السابقة لا يبعد أنّ يكون العذاب في قوله تعالى : عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ ، شاملا للعذاب الصوري وما هو سببه من العذاب المعنوي من الافتتأنّ بأئمة الضلالة والخذلان ، وسلب التوفيق ، وكذا الرحمة شاملة للرحمات الظاهرية والباطنية والصورية والمعنوية ورحماته الظاهرة شاملة لكلّ شيء في الدّنيا والرحمات المعنوية من الهدايات الظاهرة أيضاً شاملة لكلّ شيء لكن المنتفع بها المؤمنون ، والهدايات الخاصة مخصوصة بالمؤمنين والرحمات الأخروية أيضاً بعضها عأمّة وأكثرها خاصة بالمؤمنين ، وعمدة الرحمات الخاصة ومادتها الإمامعليهالسلام وطاعته
غير الإمام وطاعته ثمّ قال «يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ » يعني
________________________________________________________
والعلم المأخوذ منه ، فلذا فسرهاعليهالسلام بها.
ويمكن أنّ يقال : الرحمات العامّة أيضاً للمؤمنين بالذات ولغيرهم بالتبع ، كما ورد في الأخبار الكثيرة أنه لو لا الإمام وخواص شيعته لم تمطر السماء ولم تنبت الأرض ولم تبق الدّنيا ، فظهر وجه تخصيص الرحمة في كلام الإمام بالمؤمنين بوجوه شتى.
قال الطبرسي (ره) : «عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ » ممن عصاني واستحقّه بعصيانه وإنّما علقه بالمشيئة لجواز الغفرأنّ في العقل «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كلّ شَيْءٍ » قال الحسن وقتادة : أنّ رحمته في الدّنيا وسعت البر والفاجر ، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة ، وقال عطية العوفي : وسعت كلّ شيء ولكن لا تجب إلّا للذين يتقون ، وذلك أنّ الكافر يرزق ويدفع عنه بالمؤمن لسعة رحمة الله للمؤمن ، فيعيش فيها ، فإذا صار في الآخرة وجبت للمؤمنين خاصة كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه.
وقيل : معناه أنها تسع كلّ شيء أنّ دخلوها ، فلو دخل الجميع فيها لوسعتهم إلّا أنّ فيهم من لا يدخل فيها لضلاله «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ » أي فسأكتب رحمتي الذين يتقون الشرك أي يجتنبونه ، وقيل : يجتنبون الكبائر والمعاصي «وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ » أي يخرجون زكاة أموالهم لأنه أشق الفرائض ، وقيل : معناه يطيعون الله ورسوله عن ابن عباس والحسن ، وإنّما ذهبا إلى تزكية النفس وتطهيرها «وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ » أي بحججنا وبيناتنا يصدقون ، وروي أنه لـمّا نزلت : ورحمتي وسعت كلّ شيء ، قال إبليس : أنا من ذلك الشيء فنزعها الله من إبليس بقوله : فسأكتبها ، الآية ، فقالت اليهود والنصارى : نحن نتقي ونؤتى الزكاة ونؤمن بآيات ربنا ، فنزعها منهم وجعلها لهذه الأمّة بقوله : «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ » الآية.
قال الطبرسي أي يؤمنون به ويعتقدون نبوته «الّذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ » معناه يجدون نعته وصفته ونبوته مكتوباً عندهم فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ «يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ
النّبيّصلىاللهعليهوآله والوصيّ والقائم «يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ( إذا قام )وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ »
________________________________________________________
وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ » يجوز أنّ يكون هذا مكتوباً في التوراة والإنجيل فيكون موصولا بما قبله وبيانا لمن يكتب له رحمة الولاية والمحبّة ، ويجوز أنّ يكون ابتداء من قول الله تعالى مدحا للنبي والمعروف الحقّ والمنكر الباطل لأنّ الحقّ معروف الصحّة في العقول ، والباطل منكر الصحّة في العقول ، وقيل : المعروف مكارم الأخلاق وصلة الأرحام ، والمنكر عبادة الأوثان وقطع الأرحام عن ابن عباس ، وهذا القول داخل في القول الأوّل «وَيُحلّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ » أي يبيح لهم المستلذات الحسنّة ويحرم عليهم القبائح وما تعافه الأنفس «وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ » أي ثقلهم شبه ما كان على بني إسرائيل من التكليف الشديد بالثقل ، وقرأ ابن عأمر إصارهم على الجمع «وَالْأَغْلالَ الّتي كانَتْ عَلَيْهِمْ » معناه ويضع عنهم العهود الّتي كانت في ذمتهم ، وقيل : يعني ما امتحنوا به من التكاليف الشاقة «فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ » أي بهذا النبيّ وصدقوه في نبوته «وَعَزَّرُوهُ » أي عظموه ووقروه ومنعوا عنه أعداءه «وَنَصَرُوهُ » عليهم «وَاتَّبَعُوا النُّورَ » أي القران الّذي هو نور في القلوب كما أنّ الضياء نور في العيون ويهتدى به الخلق في أمور الدين كما يهتدون بالنور في أمور الدّنيا «الّذي أُنْزِلَ مَعَهُ » أي أنزل عليه وقد يقوم مع مقام عل وقيل : معناه أنزل في زمانه وعلى عهده «أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » أي الظافرون بالمراد الناجون من العقاب ، والفائزون بالثواب ، انتهى.
رجعنا إلى تفسيرالحديث قوله عليهالسلام : يعني ولاية غير الإمام ، بيان لمفعول يتقون المحذوف أي الذين يكفون أنفسهم عن ولاية غير الإمام المنصوب من قبل الله وهو لا ينافي تفسيره بالشرك فإنه أيضاً من الشرك فالغرض بيان الفرد الأخفى ، والحاصل أنّ المتقين هم المؤمنون ، ولا ريب في أنّ من لا يعرّف إمامه وتولى إماماً ليس من الله فهو ليس من المتقين ، ولا ريب في أنّ من لا يعرّف إمامه وتولى إماماً ليس من الله فهو ليس من المتقين ، ويحتمل أنّ يكون المراد خصوص ذلك أيضاً.
قولهعليهالسلام : يعني النبيّ والوصي والقائم ، لعلّ المعنى أنه ذكر في ضمن نعته المذكور في الكتابين أنّ له أوصياء أولهم على وآخرهم القائم يقوم بإعلاء كلمتهم
والمنكر من أنكر فضل الإمام وجحده «وَيُحلّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ » أخذ العلم من أهله «وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ » والخبائث قول من خالف «وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ » وهي
________________________________________________________
فهو بيان للوجدان ، أي يجدونه بتلك الأوصاف والخصوصيات ، وضمير يأمرهم راجع إلى القائم ، والغرض بيان أنّ الأمر والنهي المنسوبين إلى النبيّ ليس المراد به صدوره عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم بخصوصه بل يشمل ما يصدر عن أوصيائهعليهمالسلام ، والّذي يتمكن في هذين على وجه الكمال هو القائم لنفاذ حكمه وجريأنّ أمره ، ويحتمل أنّ يكون المراد بالذين يتقون أصحاب القائمعليهالسلام فإنه كتب وقدر لهم الرحمة والغلبة ، وضمير يأمرهم راجعاً إلى رئيسهم وهو القائمعليهالسلام ، لكنّه بعيد ، ولا حاجة إليه ، وقيل : « يعني » تفسير لضمير الجمع في يجدونه ، والمراد بالنبيّ موسى وعيسى ، وبالوصي يوشع وشمعون وهو غريب.
ثمّ أنّ المعروف كلّ أمر حسن يجد العقل السليم حسنه ويأمر الله به لذلك والمنكر كلّ ما لا ترضيه العقول السليمة ، فعلى هذا أشرف المعروفات وأعظمها ولاية الحقّ وطاعته ، وأفظع المنكرات إنكار إمام الحقّ ومخالفته واختيار غيره عليه ، فقولهعليهالسلام : والمنكر بفتح الكاف من أنكر فضل الإمام أي إنكار من أنكر ، كما في قوله تعالى : «وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى »(١) وقيل : المنكر بكسر الكاف والمراد أنّ المنكر بالفتح هنا إنكار فضل الإمام ولا يخفى ما فيه.
وكذا الطيبات كلـمّا تستطيبه العقول السليمة وله جهة حسن ، والخبائث كلّ ما تستقذره النفوس الطيبة وله جهة قبح ، وهكذا نفهم الآية فإنه امتنأنّ على العباد ووصف لكمال الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وفضل شريعته ، بأنّ كلّ ما يحله فهو طيب واقعا وكلّ ما يحرمه فهو خبيث واقعا كما فهمه أكثر أصحابنا ، بأنّ المراد بالطيب ما تستلذه طباع أكثر الخلق ، وبالخبيث ما تستقذره طباعهم فاستدلوا به على حرمة ما تستنكف منه الطباع فأنّ أكثر المحرمات ممّا تميل إليه الطباع ، وأكثر المحلات
__________________
(١) سورة البقرة : ١٨٩.
الذُّنوب الّتي كانوا فيها قبل معرفتهم فضل الإمام «وَالْأَغْلالَ الّتي كانَتْ عَلَيْهِمْ » والأغلال ما كانوا يقولون ممّا لم يكونوا أمروا به من ترك فضل الإمام ، فلـمّا عرفوا
________________________________________________________
بل الواجبات ممّا تستكرهه طباع أكثر الخلق ، فعلى هذا تشمل الطيّبات العلوم الحقّة المأخوذة عن أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم ، والخبائث العلوم الباطلة المأخوذة عن أئمّة الضلالة ، مع أنّ كلّ ما ورد في الأغذية الجسمانيّة فهو في بطن القران مأوّل بالأغذية الروحانية كما عرفت مراراً.
قوله : هي الذنوب الّتي كانوا فيها ، أي ذنب ترك الولاية أو الأعمّ منه وممّا يتبعه من الخطإ في الأقوال والأفعال ، والأوّل أظهر ، لأنّ غير ترك الولاية داخل في الأغلال كما قال : « والأغلال ما كانوا يقولون ممّا لم يكونوا أمروا به » من أصولهم الفاسدة ، شبه آرائهم الناشئة عن ضلالتهم وجهالتهم بالأغلال لأنّها قيدتهم وحبستهم عن الاهتداء إلى الحقّ ، أو لأنّها لزمت أعناقهم مع أو زارها لزوم الغل.
و « من » في قوله : من ترك ، تعليلية ويحتمل البيانية ويحتمل كون الأفعال داخلة في الأصر ، والأقوال والعقائد في الأغلال ، ولعله أظهر ، وفي القاموس : الإصر الكسر والحبس والعطف ، وبالكسر : العهد والذنب والنقل ويضمّ ويفتح في الكلّ والجمع آصار وأصرأنّ ، والإصار حبل صغير يشد به أسفل الخباء ، ووتد الطنب ، انتهى.
فقوله : وهي الإصار ، يحتمل وجوها : الأوّل : أنّ يكون بصيغة الجمع ويكون قراءتهمعليهمالسلام موافقة لقراءة ابن عأمر ، أو يكون المعنى أنّ المراد بالمفرد هنا الجمع والمراد جميع ذنوبهم.
الثاني : أنّ يكون الإصار بالكسر ، والمعنى أنّ الإصر مأخوذ من الإصار الّذي يشد به الخباء كما قيل : لعلّ المعنى أنّ الذنب يشد به رجل المذنب عن القيام بالطاعة كما أنّ الإصار يشد به أسفل الخباء.
الثالث : ما قيل أنّ ضمير « هي » للأغلال والآصار بصيغة الجمع ، والمراد
فضل الإمام وضع عنهم إصرهم والإصر الذنب وهي الآصار ثمّ نسبهم فقال «فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ » يعني بالإمام «وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الّذي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » يعني الذين اجتنبوا الجبت و «الطَّاغُوتَ أنّ يَعْبُدُوها » والجبت والطاغوت فلانٌ وفلانٌ وفلانٌ والعبادة طاعة النّاس لهم ثمّ قال «أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا
________________________________________________________
أنّ الأغلال عمدة أثقالهم وذنوبهم.
« ثمّ نسبهم » الضمير راجع إلى الشيعة المذكورين في صدر الحديث ، أي ذكر أصلهم الذين ينتسبون إليه كما ينتسب الرجل إلى الآباء والأمهات ، والمراد ذكر صفتهم وحليتهم ومثوباتهم.
« فقال الذين آمنوا » نقل بالمعنى ، وفي القران : فالذين آمنوا « يعني بالإمام » أي هو داخل في الإيمان وعمدة فيه ، والإيمان بالرسول لا يكون إلّا بالإيمان بالإمام وقد ورد في الأخبار أنّ المراد بالنور أمير المؤمنينعليهالسلام .
قولهعليهالسلام : « يعني الذين اجتنبوا » لعله تفسير لقوله : واتبعوا النور ، فأنّ اتباع القران أو الإمام لا يستقيم إلّا بالبراءة من أعدائهم ، أو المعنى أنّ المؤمنين المذكورين في هذه الآية هم المذكورون في الآيات الأخرى المبشرين فيها.
واعلم أنّ هذه المضامين في الآيات ليست متصلة بالآيات السابقة ، فإنّها في سورة الأعراف وفي سورة الزمرّ : «وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أنّ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ » وفي سورة النساء : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ » وفي سورة الزمرّ بعد ما مرّ بفاصلة : «وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أنّ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثمّ لا تُنْصَرُونَ » وفي صورة يونس : «الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدّنيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ».
لَهُ »(١) ثمّ جزاهم فقال «لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدّنيا وَفِي الْآخِرَةِ »(٢) والإمام يبشرهم بقيام القائم وبظهوره وبقتل أعدائهم وبالنجاة في الآخرة والورود على محمّد صلى الله
________________________________________________________
فجمععليهالسلام بين مضامين الآيات لبيان اتحاد مواردها ، واتصال بعضها ببعض في المعنى ، فالّتي في الزمرّ شرط البشارة فيها باجتناب الطاغوت وهو كلّ رئيس في الباطل ، وطاعة الطاغوت عبادتها كما قال تعالى : «لا تَعْبُدُوا الشيطان »(٣) وقال : «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبأنّهم أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ »(٤) .
وروى محمّد بن العبّاس عن أبي بصير عن أبي عبد الله وأبي جعفرعليهماالسلام أنه قال أنتم الذين اجتنبوا الطاغوت أنّ يعبدوها وأضافعليهالسلام الجبت إلى الطاغوت لاتحاد مضمونهما واقترإنّهما في سائر الآيات إشارة إلى أنّ في سائر الآيات أيضاً مؤولة بالأوّل والثاني والثالث ، بل مع سائر أئمّة الجور ، وفسّر العبادة بطاعة الناس لهم كما مرّ ، وكأنهعليهالسلام فسّر الإنابة إلى الرب والإسلام بقبول الولاية ، لأنّ من لم يقبلها رد على الله ولم يسلم له.
ويؤيّده أنّ بعد هذه الآية : «وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ » قال عليّ بن إبراهيم : من القرآن. وولاية أمير المؤمنين والأئمّةعليهمالسلام ، والدليل على ذلك قول الله : «أنّ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ » قال : في الإمام ، لقول الصادقعليهالسلام نحن جنب الله.
ثمّ جزاهم إلى أثابهم وبين جزائهم ، حيث قال : «الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى » وفي آيات الأعراف أيضاً وصفهم بالإيمان والتقوى ، فالبشارة متعلقة بهم ، ويظهر من الخبرأنّ البشارة بشارة الإمام ، وقوله «فِي الْحَياةِ الدّنيا وَفِي الْآخِرَةِ »
__________________
(١) سورة الزمرّ : ٥٥. (٢) سورة يونس : ٦٤.
(٣) سورة يس : ٦٠. (٤) سورة التوبة : ٣١.
على محمّد وآله الصادقين - على الحوض.
٨٤ - عليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن عمّار الساباطي قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عزَّ وجلَّ : «أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوأنّ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ »(١) فقال الذين اتبّعوا رضوان الله هم الأئمّة وهم والله يا عمّار درجات للمؤمنين وبولايتهم ومعرفتهم إيّانا يضاعف الله لهم أعمالهم ويرفع الله لهم الدرجات العلى
________________________________________________________
ظرف لمتعلّق البشارة أي يبشّرهم بما يكون لهم من السعادة في الحياة الدّنيا عند قيام القائمعليهالسلام ، وفي الآخرة ، وهذا أحد تأويلات الآية ، وقيل : البشارة في الدّنيا ما بشرهم الله تعالى به في القران على الأعمال الصالحة ، وقيل : بشارة الملائكة للمؤمنين عند موتهم ، وقيل : أنها في الدّنيا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه ، أو ترى له ، وفي الآخرة بالجنّة عند خروجهم من القبور وفي القيامة إلى أنّ يدخلوا الجنّة ، يبشّرونهم لها حالاً بعد حال ، وهو المرويّ عن أبي جعفرعليهالسلام وسيأتي الأخبار في بشارة الأئمّةعليهمالسلام المؤمن عند الموت في كتاب الجنائز.
الحديث الرابع والثمانون : ضعيف على المشهور.
«أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوأنّ اللهِ » قال المفسّرون : أي في العمل بطاعته «كَمَنْ باءَ » أي رجع «بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » في العمل بمعصيته «وَمَأْواهُ » أي مصيره ومرجعه «جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » أي المكان الّذي صار إليه «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ » شبّهوا بالدرجات لـمّا بينهم من التفاوت في الثواب والعقاب ، أو هم ذوو درجات.
أقول : على تفسيرهعليهالسلام ضمير « هم » راجع إلى الموصول باعتبار المعنى ، والحمل على المبالغة ، أو بتقدير ذوو أي هم أصحاب درجات مختلفة هي ولايتهم بالنظر إلى المؤمنين ، وبقدر شدّة ولايتهم ترتفع درجاتهم في الدّنيا والآخرة ، والعلى جمع العليّاً تأنيث الأعلى.
__________________
(١) سورة آل عمران : ١٦٣.
٨٥ - عليّ بن محمّد وغيره ، عن سهل بن زياد ، عن يعقوب بن يزيد ، عن زياد القندي ، عن عمّار الأسدي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عزَّ وجلَّ : «إِلَيْهِ يَصْعَدُ
________________________________________________________
الحديث الخامس والثمانون : ضعيف على المشهور.
والظاهر أنّ قوله : ولايتنا تفسير للعمل الصالح ، فالمستتر في قوله : يرفعه راجع إليه ، والبارز إلى الكلم ، والمراد به كلمة الإخلاص والدعاء والأذكار كلّها ، وبصعوده بلوغه إلى محلّ الرضا والقبول أي العمل الصالح وهو الولاية يرفع الكلم الطيب ويبلغه حدّ القبول.
ويحتمل أنّ يكون تفسيراً للكلم الطيب وإشارة إلى أنّ المراد به الولاية والإقرار به ، إما خصوصا أو في ضمن جميع العقائد الإيمانية ، وحكم الضميرين حينئذ بعكس ما سبق وهو أنسب بآخر الخبر ، وبما ذكره عليّ بن إبراهيم حيث قال : قوله : «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ » إلخ قال : كلمة الإخلاص والإقرار بما جاء من عند الله من الفرائض والولاية ، يرفع العمل الصالح إلى الله ، وروي عن الرضاعليهالسلام أنه قال : الكلم الطيب هو قول : لا إله إلّا الله محمّد رسول الله عليّ ولي الله وخليفته حقّاً ، وخلفاؤه خلفاء الله «وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ » فهو دليله ، وعمله اعتقاده الّذي في قلبه بأنّ هذا الكلام صحيح كما قتله بلساني.
وقال الطبرسيقدسسره : الكلم جمع الكلمة ، يقال : هذا كلم وهذه كلم ، فيذكر ويؤنث ، وكلّ جمع ليس بينه وبين واحدة إلّا الهاء يجوز فيه التذكير والتأنيث ومعنى الصعود هيهنا القبول من صاحبه والإثابة عليه ، وكلـمّا يتقبل الله سبحانه من الطاعات يوصف بالرفع والصعود ، لأنّ الملائكة يكتبون أعمال بني آدم ويرفعونها إلى حيث شاء الله ، وهذا كقوله : «أنّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ »(١) وقيل : معنى إليه يصعد : إلى سمائه ، حيث لا يملك الحكم سواه ، فجعل صعوده إلى سمائه صعودا إليه تعالى ، كما يقال : ارتفع أمرهم إلى السلطأنّ ، والكلم الطيب الكلمات الحسنة
__________________
(١) سورة المطففين : ١٨.
الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ »(١) ولايتنا أهل البيت - وأهوى بيده إلى صدره - فمن لم يتولّنا لم يرفع الله له عملاً.
٨٦ - عدّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن القاسم بن سليمان ، عن سماعة بن مهران ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عزَّ وجلَّ «يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ » قال : الحسن والحسين «وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً
________________________________________________________
من التعظيم والتقديس ، وأحسن الكلم لا إله إلّا الله.
«وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ » قيل فيه وجوه : أحدها : العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله ، فالهاء في يرفعه يعود إلى الكلم ، والثاني : على القلب من الأوّل ، أي والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيّب ، والمعنى أنّ العمل الصالح لا ينفع إلّا إذا صدر عن التوحيد عن ابن عباس ، والثالث : أنّ المعنى أنّ العمل الصالح يرفعه الله لصاحبه أي يقبله ، وعلى هذا يكون ابتداء إخبار لا يتعلق بما قبله ، انتهى.
قوله : وأهوى ، هو كلام الراوي والباء للتعدية يقال : هوى الشيء وأهوى إذا سقط أي حطعليهالسلام يده إلى صدره مومئا إلى نفسه وأضرابه من الأوصياء ، وفي بعض النسخ : وأومأ.
الحديث السادس والثمانون : مجهول.
والآية في سورة الحديد هكذا : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ » قال الطبرسيقدسسره : أي يعطكم نصيبين من رحمته ، نصيبا لأيمانكم بمن تقدم من الأنبياء ونصيبا لأيمانكم بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم «وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ » قيل : النور القران ، وفيه دلالة على كلّ حقّ والبيان لكلّ خير ، وبه يستحقّ الضياء الّذي يمشي به يوم القيامة عن ابن عباس ، انتهى.
وقيل : المراد بالنور الهدي الّذي يمشون به في ممشاهم العقلاني إلى جناب
__________________
(١) سورة الفاطر : ١١.
تَمْشُونَ بِهِ »(١) قال إمام تأتمّون به.
________________________________________________________
القدس تعالى شأنه كما مرّ في باب أنّهمعليهمالسلام نور الله.
وأقول : المراد بالرحمة هنا إما الرحمة الأخروية أو الأعمّ منهم ومن الدنيوية والكفل بالكسر النصيب ، وفالمراد به تضاعف النعمة عليهم ، ولا ريب أنّ الإمام أعظم رحمات الله ونعمه على العباد في الدّنيا والآخرة ، فذكرعليهالسلام أعظم مصداقهما ، أو هما الحسنان صلوات الله عليهما ، ويحتمل أنّ يكون المراد الإمام الناطق والإمام الصامت في كلّ عصر ، ويكون ذكرهما على التشبيه ، فيكون ذكر النور بعده تأكيداً ، ويحتمل في كلّ عصر ، ويكون ذكرهما على التشبيه ، فيكون ذكر النور بعده تأكيداً ، ويحتمل إفراد الحسنينعليهماالسلام لوجودهما في وقت نزول الآية وكون الأئمّةعليهمالسلام أنوار الله قد مرّ بيانه مفصلا ، ولا ريب فيه فأنّ الناس بهم يهتدون إلى مصالح دينهم ودنياهم.
ثمّ نقول : يحتمل أنّ يكون المراد بالكفلين الرحمة الدنيوية والرحمة الأخروية ولـمّا كان الأولى في الحسن صلوات الله عليه أظهر لأنه صالح معاوية لعنه الله وحقن الدماء واستنقذ الشيعة من القتل والأسر ، ولذا ورد أنّ مصالحتهعليهالسلام كان خيرا للشيعة ممّا طلعت عليه الشمس ، والثانية في الحسين صلوات الله عليه أبين لأنّ أصحابه رضي الله عنهم فازوا بالشهادة والسعادة الأبدية ، ولذا فسّر الكفلين بهما لإنّهما أعظم مصداقيهما وهذا أيضاً وجه متين قريب ممّا خطر بالبال والله يعلم حقيقة الحال.
وقال عليّ بن إبراهيم في تفسيره : «كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ » قال نصيبين من رحمته ، إحداهما أنّ لا يدخله النار ، والثانية أنّ يدخله الجنّة «وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ » يعني الإيمان ، ثمّ روي هذا الخبر بإسناده عن سماعة.
وروى فرات بن إبراهيم في تفسيره بإسناده عن ابن عباس في قوله : «يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ » قال : الحسن والحسين «وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ » قال : أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وروي أيضاً بإسناده عن جابر عن أبي جعفرعليهالسلام
__________________
(١) سورة الحديد : ٢٨.
٨٧ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمّد الجوهري ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله «وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحقّ هُوَ »(١) قال ما تقول في عليّ «قُلْ إِي وَربّي إِنَّهُ لَحقّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ».
________________________________________________________
يؤتكم كفلين من رحمته ، يعني حسناً وحسيناً ، قال : ما ضر من أكرمه الله أنّ يكون من شيعتنا ما أصابه في الدّنيا ولو لم يقدر على شيء يأكله إلّا الحشيش ، وروى محمّد بن العبّاس في تفسيره أخباراً كثيرة في ذلك.
الحديث السابع والثمانون : ضعيف.
والآية في سورة يونس وما قبلها هكذا : «أَثمّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْأنّ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ، ثمّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ » إلخ ، وقال المفسّرون : أثمّ إذا ما وقع ، أي أنّ أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان إلّا على إرادة القول ، أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب الأنّ آمنتم به وقد كنتم به تستعجلون تكذيباً واستهزاء «ثمّ قِيلَ » عطف على قيل المقدر «وَيَسْتَنْبِئُونَكَ » ويستخبرونك «أَحقّ هُوَ » أ حقّ ما تقول من الوعد أو ادعاء النبوّة تقوله بجد أم بباطل تهزل «قُلْ إِي وَربّي إِنَّهُ لَحقّ » أنّ العذاب لكائن أو أنّ ما أدعية لثابت ، وقيل : كلا الضميرين للقران «وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ » فائتين العذاب.
وقال عليّ بن إبراهيم : أثمّ إذا وقع آمنتم به ، أي صدقتم في الرجعة ، فيقال لهم الأنّ تؤمنون؟ يعني بأمير المؤمنينعليهالسلام وقد كنتم به من قبل تكذبون ، ثمّ قال : ويستنبئونك يا محمّد أهل مكّة في عليّ أحقّ هو ، أي إمام هو؟ قل : أي وربّي إنه إمام ، ثمّ قال : ولو أنّ لكلّ نفس ظلمت آل محمّد حقهم ما في الأرض جميعاً لافتدت به في ذلك الوقت يعني الرجعة.
وروى صاحب نخب المناقب عن الباقرعليهالسلام في قوله : «وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحقّ هُوَ »
__________________
(١) سورة يونس : ٥٤.
٨٨ - عليُّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن سليمأنّ الديلمي ، عن أبيه ، عن أبان بن تغلب ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قلت له جعلت فداك قوله : «فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ »(١) فقال من أكرمه الله بولايتنا فقد جاز العقبة ونحن تلك العقبة الّتي من اقتحمها نجا قال فسكت فقال لي فهلّا أفيدك حرفاً خير لك من الدّنيا وما فيها قلت بلى جعلت فداك قال قوله «فَكُّ رَقَبَةٍ » ثمّ قال الناس كلهم عبيد النار غيرك وأصحابك فأنّ الله فك رقابكم من النار بولايتنا أهل البيت.
٨٩ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن سماعة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله جلَّ وعزَّ «وَأَوْفُوا بِعَهْدِي »(٢) قال بولاية أمير المؤمنينعليهالسلام «أُوفِ
________________________________________________________
قال : يسئلونك يا محمّد أعليّ وصيك؟ قل أي وربّي لأنه لوصيي.
أقول : لا ينافي ذلك ما ذكره المفسّرون كما عرفت مراراً ، إذ على تقدير إرجاع الضمير إلى القران فولايتهعليهالسلام داخلة فيه ، أو إلى الوعد والوعيد فهي أعظم ما صدر فيه الوعد وفي تركه الوعيد ، أو النبوّة فهي من أعظم أجزاء النبوّة وما جاء به النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فالظهر والباطن متوافقان.
الحديث الثامن والثمانون : ضعيف ، وقد مرّ شرحه في التاسع والأربعين.
وقوله : خيراً ، صفة حرفاً وفي بعض النسخ بالرفع خبر مبتدإ محذوف أي هو خير ، والجملة نعت حرفا وعطف أصحابك بدون إعادة الجار مؤيد لمذهب الكوفيين.
الحديث التاسع والثمانون : حسن أو موثق.
«وَأَوْفُوا بِعَهْدِي » قال البيضاوي : بالإيمان والطاعة «أُوفِ بِعَهْدِكُمْ » بحسن الإثابة ، والعهد يضاف إلى المعاهد والمعاهد ، ولعلّ الأوّل مضاف إلى الفاعل والثاني إلى المفعول ، فإنه تعالى عهد إليهم بالإيمان والعمل الصالح بنصب الدلائل وإنزال
__________________
(١) سورة البلد : ١١.
(٢) سورة البقرة : ٣٨.
بِعَهْدِكُمْ » أوف لكم بالجنّة.
٩٠ - محمّد بن يحيى ، عن سلمة بن الخطّاب ، عن الحسن بن عبد الرَّحمن ، عن
________________________________________________________
الكتب ، ووعد لهم بالثواب على حسناتهم وللوفاء بهما عرض عريض ، فأوّل مراتب الوفاء منا هو الإتيان بكلمتي الشهادة ، ومن الله تعالى حقن الدم والمال ، وآخرها منا الاستغراق في بحر التوحيد بحيث يغفل عن نفسه فضلا عن غيره ، ومن الله تعالى الفوز باللقاء الدائم ، وما روي عن ابن عباس : أوفوا بعهدي في اتباع محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أوف بعهدكم في رفع الآصار والأغلال ، وعن غيره أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوف بالمغفرة والثواب ، أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم أوف بالكرأمّة والنعيم المقيم ، فبالنظر إلى الوسائط ، وقيل : كلاهما مضاف إلى المفعول ، والمعنى أوفوا بما عاهدتمون من الإيمان والتزام الطاعة أوف بما عاهدتكم من حسن الإثابة ، انتهى.
وما ذكر في الخبر بيان لعمدة أجزاء العهد وهي أصول الدين ، واكتفى بذكر الولاية لاستلزامها سائر أجزاء الأصول بل يمكن أنّ يقال هي مستلزمة للفروع أيضاً إذ ولايتهم ومتابعتهم تتضمن العمل بالطاعات وترك المناهي وتدعو إليهما بل لا تتحقق الولاية الحقيقية إلّا بهما ، وللولاية درجات كما أنّ للجنة أيضاً درجات ، وكلّ درجة من الولاية توجب درجة من الجنّة.
وكون الخطّاب إلى بني إسرائيل حيث قال : «يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الّتي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا » إلخ ، لا ينافي ذلك لوجهين : الأوّل : أنّ الخطّاب إلى بني إسرائيل الموجودين في زمن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم الذين نزل عليهم القران ، والثاني أنّ التوراة تشتمل على الإيمان بجميع الرسل والكتب لا سيّما الإقرار بنبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم وبما جاء به ، فهي داخلة في العهود المأخوذة عليهم أولا وآخراً.
الحديث التسعون : ضعيف.
عليِّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عزَّ وجلَّ : «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا »(١) قال كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله دعا قريشاً إلى ولايتنا فنفروا وأنكروا فقال الذين كفروا من قريش للذين آمنوا الذين أقروا لأمير المؤمنين ولنا أهل البيت «أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا » تعييراً منهم فقال الله ردا عليهم «وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ » من الأمم السالفة «هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً » قلت قوله «مَنْ كان فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحمن مَدًّا » قال كلهم كانوا في الضلالة لا
________________________________________________________
«وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ » الآية في سورة مريم ، قال البيضاوي : مزيلات الألفاظ مثبتات المعاني بنفسها أو ببيان الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أو واضحات الإعجاز للذين آمنوا أي لأجلهم أو معهم «أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ » المؤمنين والكافرين «خَيْرٌ مَقاماً » موضع قيام أو مكاناً «وَأَحْسَنُ نَدِيًّا » مجلساً ومجتمعاً ، والمعنى أنّهم لـمّا سمعوا الآيات الواضحات وعجزوا عن معارضتها والدخل عليها أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدّنيا ، والاستدلال بزيادة حظهم فيها على فضلهم وحسن حالهم عند الله تعالى ، لقصور نظرهم على الحال ، وعلمهم بظاهر من الحياة الدّنيا ، فرد عليهم ذلك أيضاً مع التهديد نقضاً بقوله : «كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِئياً ».
و « كم » مفعول أهلكنا « ومن قرن » بيانه ، وإنّما سمي أهل كلّ عصر قرنا لأنه يتقدم من بعدهم « وهم أحسن » صفة لكم ، وأثاثا تميز عن النسبة وهو متاع البيت ، وقيل : هو ماجد منه ، والرأي : النظر ، فعل من الرؤية لـمّا يرى كالطحن والخبز ، وقرأ نافع وابن عأمر ريا على قلب الهمزة وإدغامها ، أو على أنه من الري الّذي هو النعمة.
ثمّ بين أنّ تمتيعهم استدراج ليس بإكرام ، وإنّما المعيار على الفضل والنقص ما يكون في الآخرة بقوله : «قُلْ مَنْ كان فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحمن مَدًّا » فيمده
__________________
(١) سورة مريم : ٧٣.
يؤمنون بولاية أمير المؤمنينعليهالسلام ولا بولايتنا فكانوا ضالّين مضلّين ، فيمدُّ لهم في
________________________________________________________
ويمهله بطول النعمة والتمتّع به ، وإنّما أخرجه على لفظ الأمر إيذاناً بأنّ إمهاله ممّا ينبغي أنّ يفعله إستدراجاً وقطعاً لمعاذيره.
«حتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ » غاية المدّ ، وقيل : غاية قول الذين كفروا للذين آمنوا أيّ الفريقين خير.
«إِمَّا الْعَذابَ وأمّا السَّاعَةَ » تفصيل للموعود فإنه إما العذاب في الدّنيا وهو غلبة المسلمين عليهم وتعذيبهم إيّاهم قتلاً وأسراً ، وأمّا يوم القيامة وما ينالهم فيه من الخزي والنكال «فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً » من الفريقين بأنّ عاينوا الأمر على عكس ما قدروه وعاد ما منعوا به خذلانا ووبالا عليهم ، وهو جواب الشرط والجملة محكية بعد حتّى «وَأَضْعَفُ جُنْداً » أي فئة وأنصاراً قابل به «أَحْسَنُ نَدِيًّا » من حيث أنّ حسن النادي باجتماع وجوه القوم وأعيأنّهم لظهور شوكتهم واستظهارهم.
«وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً » عطف على الشرطية المحكية بعد القول ، كأنه لـمّا بين أنّ إمهال الكافر في تمتعه بالحياة الدّنيا ليس لفضله ، أراد بيان أنّ قصور حظ المؤمن منها ليس لمنقصة ، بل لأنّ الله تعالى أراد به ما هو خير وعوض منه ، وقيل : عطف على «فَلْيَمْدُدْ » لأنه في معنى الخبر ، كأنه قيل : من كان في الضلالة يزيد الله في ضلاله ويزيد المقابل له هداية.
«لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ » هذا بعد قوله تعالى : «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحمن وَفْداً ، وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً » قال البيضاوي ، الضمير في «لا يَمْلِكُونَ » للعباد المدلول عليها بذكر القسمين «إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحمن عَهْداً » أي إلّا من تحلى بما يستعد ويستأهل أنّ يشفع للعصاة من الإيمان والعمل الصالح ، على ما وعد الله ، أو إلّا من اتخذ من الله إذنا فيها كقوله : «لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحمن » من قولهم عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به ، ومحلّه الرفع على البدل
ضلالتهم وطغيانهم حتّى يموتوا فيصيّرهم الله شرّاً مكاناً وأضعف جنداً قلت قوله «حتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وأمّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً » قال أما قوله «حتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ » فهو خروج القائم وهو الساعة فسيعلمون ذلك اليوم وما نزل بهم من الله على يدي قائمه فذلك قوله «مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً » يعني عند القائم «وَأَضْعَفُ جُنْداً » قلت قوله : «وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً » قال يزيدهم ذلك اليوم هدى على هدى باتباعهم القائم حيث لا يجحدونه
________________________________________________________
من الضمير أو النصب على تقدير مضاف أي إلّا شفاعة من اتخذ ، أو على الاستثناء «سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحمن وُدًّا » سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرض منهم لأسبابها ، والسين إما لأنّ السورة مكيّة وكانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة ، فوعدوا ذلك إذا فشى الإسلام ، أو لأنّ الموعود في القيامة حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد فينزع ما في صدورهم من الغل «فَإنّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ » بأنّ أنزلناه بلغتك «لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ » الصائرين إلى التقوى «وَتُنْذِرَ بِهِ قوماً لُدًّا » أشداء الخصومة آخذين في كلّ لديد ، أي شق من المراد ، لفرط لجاجهم فبشر به وأنذر.
أقول : وأمّا على تأويلهعليهالسلام فلعلّ المراد بالآيات الأئمّةعليهماالسلام أو الآيات النازلة فيهم ، أو المعنى أنها شاملة لتلك الآيات أيضاً وقوله : « الذين كفروا » المراد بهم الكافرون بالولاية أو شاملة لهم « تغييراً » مفعول له لقال ، والضمير للذين كفروا.
وقال عليّ بن إبراهيم : في رواية أبي الجارود عن أبي جعفرعليهالسلام : الأثاث المتاع ، وأمّا رئيا فالجمال والمنظر الحسن.
قولهعليهالسلام « حتّى يموتوا » كأنهعليهالسلام فسّر العذاب بالعذاب النازل بهم بعد الموت ، والساعة بالرجعة في زمن القائمعليهالسلام ، أو بوصولهم إلى زمن القائمعليهالسلام أو
ولا ينكرونه ، قلت قوله «لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحمن عَهْداً » قال إلّا من دان الله بولاية أمير المؤمنين والأئمّة من بعده فهو العهد عند الله قلت :
________________________________________________________
الأعمّ منهما ، فأنّ كلّ ما ورد من الساعة وأمثالها في القران فظهرها القيامة وبطنها الرجعة ، فإنّها القيامة الصغرى ومن مقدّماتها ، ولـمّا ردد الله تعالى ما يوعدون بين العذاب وبين الساعة ، وفرع سبحانه عليهما قوله : «فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً » بينعليهالسلام التفريع على كلّ منهما مفصلا فقال في التفريع على العذاب : حتّى يموتوا فصيرهم الله شرا مكانا وأضعف جنداً ، ولـمّا لم يذكرعليهالسلام الشق الآخر أعاد السائل الآية ثانيا فبينعليهالسلام الساعة بقوله : أما قوله «حتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ » فهو خروج القائم أي أحد شقي ما يوعدون خروجهعليهالسلام لأنهعليهالسلام بين الشق الآخر سابقاً ولذا قالعليهالسلام : وهو الساعة ثمّ بين التفريع على هذا الشق بقوله : « فسيعلمون ذلك اليوم وما نزل » وفي بعض النسخ وما ينزل والظاهر أنّ الواو زيد من النساخ ، وذلك اليوم ظرف لقوله : سيعلمون ، وقوله : ما ينزل مفعوله ، وفي بعض النسخ كذلك كما في تأويل الآيات نقلاً عن الكليني ، وعلى ما في أكثر النسخ فقوله : ذلك اليوم مفعول أي حقيقة ذلك اليوم ، وقوله : وما ينزل عطف تفسير له ، أو يقدر ظرف قبل الموصول ، أي وحين ما ينزل.
« قال يزيدهم ذلك اليوم » أقول : لعلّ على تأويلهعليهالسلام يزيد عطف على يعلمون أي يزيد الله ، قولهعليهالسلام : « إلّا من دان » يحتمل أنّ يكون الاستثناء من الشافعين أو المشفوع لهم أو الأعمّ لأنّ قوله : لا يملكون الشفاعة يحتمل الوجوه الثلاثة ، وحمله الطبرسي (ره) على الأخير حيث قال : أي لا يقدرون على الشفاعة فلا يشفعون ولا يشفع لهم حين يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض ، لأنّ ملك الشفاعة على وجهين : أحدهما : أنّ يشفع للغير والآخر : أنّ يستدعي الشفاعة من غيره لنفسه ، فبين سبحانه أنّ هؤلاء الكفار لا تنفذ شفاعة غيرهم فيهم ، ولا شفاعة لهم لغيرهم ، ثمّ استثنى سبحانه
قوله «أنّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحمن وُدًّا »(١) ؟ قال : ولاية أمير المؤمنين هي الودّ الّذي قال الله تعالى قلت : «فَإنّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ
________________________________________________________
فقال «إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحمن عَهْداً » أي لا يملك الشفاعة إلّا هؤلاء ، وقيل : لا يشفع إلّا لهؤلاء ، والعهد هو الإيمان والإقرار بوحدانية الله تعالى وتصديق أنبيائه ، وقيل هو شهادة أنّ لا إله إلّا الله وأنّ يتبرأ إلى الله من الحول والقوّة ، ولا يرجو إلّا الله عن ابن عباس ، وقيل : معناه لا يشفع إلّا من وعد له الرَّحمن بإطلاق الشفاعة كالأنبياء والشهداء والعلماء والمؤمنين على ما ورد به الأخبار ثمّ روى رواية دالة على أنه عهد الوصيّة عند الموت بالعقائد الحقّة واستدعاء النجاة من المخاوف.
قولهعليهالسلام : هي الود ، على تأويلهعليهالسلام يحتمل أنّ يكون المراد بالذين آمنوا الأئمّةعليهمالسلام ، وتخصيص أمير المؤمنينعليهالسلام بالذكر لأنه أفضلهم وأصلهم والموجود في زمأنّ نزول الآية ، فالمعنى سيجعل الله لهم وداً في قلوب المؤمنين يودونهم ويتوالونهم وأنّ يكون المراد بالموصول المؤمنون فالمعنى سيجعل الله لهم ود أمير المؤمنين والأئمّةعليهمالسلام ويفرضه عليهم أو يوفقهم ، وكأنه يؤيّد الأخير ما رواه عليّ بن إبراهيم قال :
قال الصادقعليهالسلام : كان سبب نزول هذه الآية أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان جالسا بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال له : قل يا عليّ : اللّهم اجعل لي في قلوب المؤمنين ودا فأنزل الله : «أنّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » الآية.
وقال الطبرسي (ره) : قيل فيه أقوال ، أحدها : أنها خاصة في أمير المؤمنين ، فما من مؤمن إلّا وفي قلبه محبّة لعليّعليهالسلام عن ابن عباس ، وفي تفسير أبي حمزة الثمالي حدثني أبو جعفر الباقرعليهالسلام قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّ : قل اللّهم اجعل لي عندك عهدا ، واجعل لي في قلوب المؤمنين ودا ، فقالهما عليّعليهالسلام فنزلت هذه الآية ، وروى نحوه عن جابر بن عبد الله ، والثاني : أنها عأمّة في جميع المؤمنين ، يجعل الله لهم المحبّة والألفة والمقة(٢) والمودة في قلوب الصالحين ، قال الربيع بن
__________________
(١) سورة مريم : ٩٦. (٢) بمعنى المحبّة.
بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قوماً لُدًّا »(١) قال إنّما يسره الله على لسانه حين أقام أمير المؤمنينعليهالسلام علـمّا فبشر به المؤمنين وأنذر به الكافرين وهم الذين ذكرهم الله في كتابه «لُدًّا » أي كفاراً قال وسألته عن قول الله : «لِتُنْذِرَ قوماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ »(٢) قال لتنذر القوم الذين أنت فيهم كما أنذر آباؤهم فهم غافلون عن الله
________________________________________________________
أنس : أنّ الله إذا أحبّ مؤمناً قال لجبرئيل : إني أحببت فلانا فأحبه فيحبه جبرئيل ، ثمّ ينادي في السماء أنّ الله أحبّ فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماوات ثمّ يوضع له قبول في أهل الأرض ، والثالث : معناه يجعل الله لهم محبّة في قلوب أعدائهم ومخالفيهم ليدخلوا في دينهم ، ويتعززوا بهم ، والرابع : أنّ معناه سيجعل لهم ودا في الآخرة فيحبّ بعضهم بعضاً كمحبّة الوالد ولده ، ويؤيّد الأوّل ما صح عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال : لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أنّ يبغضني ما أبغضني ، ولو صببت الدّنيا بجملتها على المنافق على أنّ يحبني ما أحبني ، وذلك أنه قضى فانقضى على لسان النبيّصلىاللهعليهوآله أنه قال : لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق.
« إنّما يسره الله على لسانه» الضمير للقرأنّ باعتبار الآيات النازلة فيهعليهالسلام أو على هذا الضمير للود المفسّر بولاية أمير المؤمنينعليهالسلام والأوّل أظهر ، وتفسيراللد بالكفار لبيان أنّ شدة الخصومة في ولاية عليّعليهالسلام كفر.
وقال تعالى : «يس وَالقران الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قوماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ » قال البيضاوي : متعلق بتنزيل أو بمعنى لمن المرسلين ما أنذر آباؤهم قوماً غير منذرين آباؤهم ، يعني آباؤهم الأقربين لتطأوّل مدة الفترة فتكون صفة مبينة لشدة حاجتهم إلى إرساله أو الّذي أنذر به ، أو شيئاً أنذر به آباؤهم الأبعدون ، فيكون مفعولاً ثانياً لتنذر ، أو إنذار آبائهم على المصدر «فَهُمْ غافِلُونَ » متعلق بالنفي على الأوّل أي لم ينذروا فبقوا غافلين ،
__________________
(١) سورة مريم : ٩٧.
(٢) سورة يس : ٦.
وعن رسوله وعن وعيده «لَقَدْ حقّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ ( ممن لا يقرُّون بولاية أمير
________________________________________________________
وبقوله : إنّك لمن المرسلين ، على الوجوه الأخر أي أرسلتك إليهم لتنذرهم فأنّهم غافلون «لَقَدْ حقّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ » يعني قوله : «لَأَمْلَأنّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنّة وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ » فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، لأنّهم ممن علم أنّهم لا يؤمنون «إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلإلّا » تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا يغني عنهم الآيات والنذر بتمثيلهم بالذين غلت أعناقهم فهي إلى الأذقأنّ ، فالأغلال واصلة إلى أذقأنّهم فلا يخلهم يطأطئون فهم مقمحون رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنّهم لا يلتفتون لفت الحقّ ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له «وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا »، الآية وبمن أحاط بهم سدان فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنّهم محبوسون في مطمورة الجهالة ، ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل «وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ » أي مستور عليهم إنذارك وعدمه ، والإنذار التخويف أريد به التخويف من عقاب الله ، وإنّما اقتصر عليه دون البشارة لأنه أوقع في القلب وأشد تأثيرا في النفس من حيث أنّ دفع الضر أهم من جلب النفع «لا يُؤْمِنُونَ » جملة مفسّرة لإجمال ما قبلها فيما فيه الاستواء ، فلا محلّ لها ، أو حال مؤكدة أو بدل عنه.
والآية ممّا احتج به من جوز تكليف ما لا يطاق ، والحقّ أنّ التكليف بالممتنع لذاته وأنّ جاز عقلا لكنّه غير واقع للاستقراء ، والإخبار بوقوع الشيء أو عدمه لا ينفي القدرة عليه كإخباره تعالى عمّا يفعله هو أو العبد باختياره وفائدة الإنذار بعد العلم بأنه لا ينجع(١) إلزام الحجة وحيازة الرسول فضل الإبلاغ ، ولذا قال : «سَواءٌ عَلَيْهِمْ » ولم يقل : سواء عليك.
وفي الآية إخبار بالغيب على ما هو به أنّ أريد بالموصول أشخاص بأعيأنّهم فهو من المعجزات.
__________________
(١) أنجع الطعام وغيره : نفع.
المؤمنينعليهالسلام والأئمّة من بعده )فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » بإمأمّة أمير المؤمنين والأوصياء من بعده فلـمّا لم يقرُّوا كانت عقوبتهم ما ذكر الله «إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلإلّا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقأنّ فَهُمْ مُقْمَحُونَ » في نار جهنم ثمّ قال : «وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ » عقوبة منه لهم حيث أنكروا ولاية أمير
________________________________________________________
«إنّما تُنْذِرُ » إنذاراً يترتّب عليه البغية المرومة «مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ » أي القران بالتأمل فيه والعمل به «وَخَشِيَ الرَّحمن بِالْغَيْبِ » وخاف عقابه قبل حلوله ومعاينة أهواله أو في سريرته ولا يغتر برحمته ، فإنه كما هو رحمن ، منتقم قهار ، انتهى.
وعلى ما في الخبر « ما » في قوله : ما أنذر ، مصدرية ويحتمل الموصولة والموصوفة أيضاً ، ويحتمل أنّ يراد بالقول على هذا التأويل الوعيد بالقتل في الدّنيا على يد القائمعليهالسلام ، وبعذاب النار في الآخرة ، والتخصيص بالولاية إما لكونها الفرد الأهم أو هي مورد نزول الآيات.
قوله : « في نار جهنم » ظاهره أنّ هذا ليس على التشبيه ، بل هو بيان لعقوبتهم في نار الآخرة ، وهو أحد الوجوه الّتي ذكرها المفسّرون ، قال الطبرسي (ره) بعد ذكر الوجه الّذي ذكره البيضاوي : وثانيها : أنّ المعنى كان هذا القران أغلال في أعناقهم يمنعهم عن الخضوع لاستماعه وتدبره لثقله عليهم ، وثالثها : أنّ المعنى بذلك ناس من قريش هموا بقتل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فغلت أيديهم إلى أعناقهم فلم يستطيعوا أنّ يبسطوا إليه يداً عن ابن عباس والسدي ، ورابعها : أنّ المراد به وصف حالهم يوم القيامة فهو مثل قوله : إذ الأغلال في أعناقهم ، وإنّما ذكره بلفظ الماضي للتحقيق انتهى.
وأمّا قولهعليهالسلام : عقوبة لهم ، فيدلّ عليه أنّ قوله تعالى : «وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا » بيان لعقوبتهم في الدّنيا ، لكن يحتمل العقوبة الروحانية فيكون الكلام مبنيا على التشبيه كما مرّ ، والجسمانيّة كما ذكره بعض المفسرين ، قال
المؤمنينعليهالسلام والأئمّة من بعده هذا في الدُّنيا وفي الآخرة في نار جهنم مقمحون ثمّ قال يا محمّد «وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » بالله وبولاية عليّ ومن بعده ثمّ قال «إنّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ ( يعني أمير المؤمنينعليهالسلام )وَخَشِيَ
________________________________________________________
الطبرسيقدسسره : هذا على أحد الوجهين تشبيه لهم بمن هذه صفته في إعراضهم عن الإيمان وقبول الحقّ ، وذلك عبارة عن خذلأنّ الله إيّاهم لـمّا كفروا فكأنه قال : « وتركناهم مخذولين » فصار ذلك من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سدا وإذا قلنا أنه وصف حالهم في الآخرة فالكلام على حقيقة ، ويكون عبارة عن ضيق المكان في النار بحيث لا يجدون متقدماً ولا متأخراً إذ سد عليهم جوانبهم ، وإذا حملناه على صفة القوم الذين هموا بقتل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فالمراد جعلنا بين أيدي أولئك الكفار منعاً ، ومن خلفهم منعاً ، حتّى لم يبصروا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
«فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ » أي أغشينا أبصارهم فهم لا يبصرون النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقوله : فقد روي أنّ أبا جهل هم بقتله فكان إذا خرج بالليل لا يراه ويحول الله بينه وبينه ، وقيل : فأغشيناهم ، أي فأعميناهم فهم لا يبصرون الهدى ، وقيل : فأغشيناهم بالعذاب فهم لا يبصرون في النار ، وقيل : معناه أنّهم لـمّا انصرفوا عن الإيمان بالقران لزمهم ذلك حتّى لم يكادوا يتخلصون منه بوجه كالمغلول والمسدود عليه طرقه ، انتهى.
وأقول : ظاهر الخبر حمل الجميع على العقوبات الروحانية المعنويّة في الدنيا جزاء على تركهم الولاية ، فأنّهم لـمّا تركوا ولاية أهل البيتعليهمالسلام ووالوا أعداءهم سدت عليهم أبواب العلوم والحكم الربانية ، فصاروا عميا حيارى لا يبصرون طرق الهدى ولا يميزون بين الحقّ والباطل ، وكلّ ذلك لخذلان الله تعالى إيّاهم بترك الولاية والإعراض عنها ، وفسّرعليهالسلام الذكر بأمير المؤمنينعليهالسلام على المثال ، والمراد جميع الأئمّةعليهمالسلام ، فأنّهم يذكرون الناس ما فيه صلاحهم من علوم التوحيد والمعاد وسائر المعارف والشرائع والأحكام «وَخَشِيَ الرَّحمن بِالْغَيْبِ » أي في حال
الرَّحمن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ ( يا محمّد )بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ».
٩١ - عليُّ بن محمّد ، عن بعض أصحابنا ، عن ابن محبوب ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي الحسن الماضيعليهالسلام قال سألته عن قول الله عزَّ وجلَّ : «يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ »(١) قال يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام بأفواههم ، قلت : «وَاللهُ
________________________________________________________
غيبته عن الناس بخلاف المنافق ، أو فيما غاب عنه من أمر الآخرة كما ذكره الطبرسي «وَأَجْرٍ كَرِيمٍ » أي ثواب خالص من الشوائب.
الحديث الحادي والتسعون : مجهول.
«يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا » الآية في سورة الصف قال المفسّرون : أي يريدون أنّ يطفئوا واللام مزيدة لـمّا فيها من معنى الإرادة تأكيداً أو يريدون الافتراء «لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ » ، أي يريدون إذهاب نور الإيمان والإسلام بفاسد الكلام الجاري مجرى تراكم الظلام ، فمثلهم فيه كمثل من حاول إطفاء نور الشمس بفيه «وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ » أي مظهر كلمته ومؤيد نبيّه ومعلن دينه وشريعته ومبلغ ذلك غايته «وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ » إرغاما لهم.
وأقول : أوّلعليهالسلام النور بولاية أمير المؤمنينعليهالسلام لأنّها العمدة في الإيمان والإسلام ، وبها يتبيّن سائر أركانهما ، قوله : والله متم الإمأمّة ، أي ينصب في كلّ عصر إماماً ويبين حجته للناس وأنّ أنكروه أو الإتمام في زمأنّ القائمعليهالسلام ثمّ استشهدعليهالسلام لكون النور الإمام بآية أخرى وهي في سورة التغابن هكذا : «فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الّذي أَنْزَلْنا » فالتغيير إما من النساخ والرواة أو منهعليهالسلام نقلا بالمعنى ، أو كان مصحفهم هكذا ، وفسّر المفسّرون النور بالقران وأولهعليهالسلام بالإمام لمقارنته لهصلىاللهعليهوآلهوسلم في سائر الآيات كآية إنّما وليكم الله ، وآية أولي الأمر وغيرهما والإنزال لا ينافي ذلك لأنّه قال سبحانه في شأنّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم : «قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً »(٢) فأنزل نور النبيّ والوصيّ صلوات الله عليهما من صلب آدم إلى
__________________
(١) سورة الصف : ٨.
(٢) سورة الطلاق : ١٠.
مُتِمُّ نُورِهِ » قال والله متمُّ الإمأمّة لقوله عزَّ وجلَّ الذين «فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الّذي أَنْزَلْنا » فالنور هو الإمام قلت : «هُوَ الّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ
________________________________________________________
صلب عبد المطلب فافترقا نصفين فانتقل نصف إلى عبد الله ونصف إلى أبي طالب كما قال تعالى في عليّعليهالسلام : «النُّورَ الّذي أُنْزِلَ مَعَهُ »(١) وأيضاً فإنّه تعالى بعد رفعهم إلى الملإ الأعلى وتشريفهم بمنزل قاب قوسين أو أدنى أنزلهم من تلك المرتبة الكبرى إلى معاشرة الخلق وهدايتهم ، قائلين أنّ نحن إلّا بشر مثلهم ليكونوا وسائط بينه وبين الخلق ، يأخذون المعارف عنه سبحانه بتقدسهم ، ويبلغون إلى الخلق ببشريتهم فهم بأجسادهم بين الخلق وأرواحهم معلقة بالملأ الأعلى ، فإنزالهم إشارة إلى ذلك كما حققناه في الكتب وسيأتي له مزيد تحقيق إنشاء الله.
ويحتمل أنّ يكون مبنيّاً على أنّه ليس المراد بالإيمان بالقران الإذعأنّ به مجملاً بل فهم مضامينه والإذعان بجميعها ، ولا يتيسرون ذلك إلّا بمعرفة الإمام فإنه الحافظ للقرأنّ لفظاً ومعنى وظهراً وبطنا ، والعامل به ، بل هو القران حقيقة إذ إطلاق القران على المصحف مجاز ، إذ القران عبارة عن الألفاظ المخصوصة من حيث دلالتها على المعاني المعلومة ، أو عن المعاني من حيث دلالة تلك الألفاظ عليها أو عن المجموع ، فإطلاقه على المصحف لتضمنه نقوشا تدل على ألفاظ دالة على تلك المعاني ، فإطلاقه على نفوسهم المقدسة المنتقشة بألفاظ القران وجميع معانيها مع اتصافهم بجميع الصفات الحسنّة الّتي أمر بها فيه واجتنابهم عن جميع المناهي الّتي نهي عنها فيه ، كما ورد في وصف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان خلقه القران ، أصوب وأقرب إلى الحقيقة ، ولذا قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه وفي مواطن شتى : أنا كلام الله الناطق فظهر سر تأويل ما ظاهره القران فيه بهمعليهمالسلام في الأخبار الكثيرة.
«هُوَ الّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ » الآية مذكورة في مواطن ، أوّلها : في التوبة(٢) «يُرِيدُونَ أنّ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إلّا أنّ يتمّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
__________________
(١) سورة الأعراف : ١٥٧.
(٢) الآية. ٣٣.
الحقّ »(١) قال : هو الّذي أمر رسوله بالولاية لوصيّه والولاية هي دين الحقّ ، قلت : «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ » قال يظهره على جميع الأديأنّ عند قيام القائم قال يقول الله «وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ » ولاية القائم «وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ » بولاية عليّ ، قلت : هذا تنزيل ؟ قال : نعمّ أمّا هذا الحرف فتنزيلٌ وأمّا غيره فتأويلٌ.
________________________________________________________
هُوَ الّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الحقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ » وثانيها : في الفتح(٢) «هُوَ الّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الحقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شهيداً » وثالثها : في الصف(٣) «يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ، هُوَ الّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الحقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ » والظاهر أنّ الّذي ورد في الخبر هو تأويل ما في سورة الصف ، وقوله : والله متم ولاية القائم ، عود إلى تأويل تتمة الآية الأولى لأنّ السائل استعجل وسأل عن تفسير الآية الثانية قبل إتمام تفسير الأولى ، فعادعليهالسلام إلى إتمام الآية الأولى ولم يفسره ولو كره المشركون في الثانية ، لتقارب مفهومي عجزي الآيتين كذا خطر بالبال.
وقيل : ولو كره الكافرون ، تفسير لقوله : ولو كره المشركون ، أو نقل للآية بالمعنى ، ولا يخفى أنّ ما ذكرنا أظهر.
قوله : أما هذا الحرف أي قوله بولاية عليّ في آخر الآية ، أو من قوله : والله إلى قوله : على ، وربمّا يأوّل التنزيل بالتفسير حين التنزيل كما مرّ مراراً وقد ذكر بعض المفسرين أنّ المراد بالإظهار الغلبة بالحجة ، وما ذكرهعليهالسلام أنّ المراد به الظهور عند قيام القائمعليهالسلام فهو أظهر ، وقد رواه الخاصّ والعام.
قال الطبرسي (ره) : «هُوَ الّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ » محمّداً «بِالْهُدى » من التوحيد وإخلاص العبادة له «وَدِينِ الحقّ » وهو دين الإسلام وما تعبد به الخلق «لِيُظْهِرَهُ
__________________
(١) سورة الصف : ٩. (٢) الآية : ٢٨.
(٣) الآية : ٩.
قلت : «ذلِكَ بِأنّهم آمَنُوا ثمّ كَفَرُوا »(١) قال أنّ الله تبارك وتعالى سمى من لم يتّبع رسوله في ولاية وصيّه منافقين وجعل من جحد وصيّه إمامته كمن جحد محمّداً وأنزل بذلك قرآناً فقال يا محمّد «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ » بولاية وصيك «قالُوا نَشْهَدُ
________________________________________________________
عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ » معناه ليعلى دين الإسلام على جميع الأديان بالحجة والغلبة والقهر لها ، حتّى لا يبقى على وجه الأرض إلّا مغلوب ولا يغلب أحد أهل الإسلام بالحجة وهم يغلبون سائر الأديان بالحجة ، وأمّا الظهور بالغلبة فهو أنّ كلّ طائفة من المسلمين قد غلبوا على ناحية من نواحي أهل الشرك ولحقهم قهر من جهتهم ، وقيل أراد عند نزول عيسى بن مريم لا يبقى أهل دين إلّا أسلم أو أدى الجزية عن الضحاك وقال أبو جعفرعليهالسلام : أنّ ذلك يكون عند خروج المهدي من آل محمّد ، فلا يبقى أحد إلّا أقر بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو قول السدي ، وقال الكلبي : لا يبقى دين إلّا ظهرعليهالسلام وسيكون ذلك ولم يكن بعد ولا تقوم الساعة حتّى يكون ذلك.
وقال المقداد بن الأسود : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلّا أدخله الله كلمة الإسلام إما بعزَّ عزيز أو بذل ذليل إما يعزهم فيجعلهم الله من أهله فيعزوا به ، وأمّا يذلهم فيدينون له وقيل : أنّ الهاء في ليظهره عائدة إلى الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أي ليعلمه الله الأديان كلها حتّى لا يخفى عليه شيء منها عن ابن عباس ، انتهى.
وروى العيّاشي بإسناده عن عمران بن ميثمّ عن عباية أنه سمع أمير المؤمنينعليهالسلام يقول : هو الّذي أرسل عبده بالهدي ودين الحقّ ليظهره على الدين كله أظهر ذلك بعد؟ قالوا : نعمّ ، قال : كلا ، فو الّذي نفسي بيده حتّى لا تبقى قرية إلّا ينادي فيها بشهادة أنّ لا إله إلّا الله بكرة وعشيا.
أقول : والأخبار في ذلك كثيرة أوردتها في الكتاب الكبير.
«إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ » قال البيضاوي : الشهادة
__________________
(١) سورة المنافقون : ٣.
إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ أنّ الْمُنافِقِينَ ( بولاية عليّ )لَكاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمأنّهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ( والسبيل هو الوصي )إِنَّهُمْ
________________________________________________________
إخبار عن علم من الشهود وهو الحضور والاطلاع ، ولذلك صدق المشهود به وكذبهم في الشهادة بقوله : «وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ أنّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ » لأنّهم لم يعتقدوا «اتَّخَذُوا أَيْمأنّهم » حلفهم الكاذب أو شهادتهم هذا ، فإنّها تجري مجرى الحلف في التأكيد «جُنَّةً » وقاية عن القتل والسبي «فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ » قال الطبرسي (ره) : أي فأعرضوا بذلك عن دين الإسلام ، وقيل : منعوا غيرهم عن اتباع سبيل الحقّ بأنّ دعوهم إلى الكفر في الباطل «أنّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » أي بئس الّذي يعملونه من إظهار الإيمان مع إبطان الكفر والصد عن السبيل.
«ذلِكَ » قال البيضاوي : إشارة إلى الكلام المتقدَّم أي ذلك القول الشاهد على سوء أعمالهم ، أو إلى الحال المذكورة من النفاق والكذب والاستجنان بالإيمان «بِأنّهم آمَنُوا » بسبب أنّهم آمنوا ظاهراً «ثمّ كَفَرُوا » سرا أو آمنوا إذا رأوا آية «ثمّ كَفَرُوا » حيثما سمعوا من شياطينهم شبهة «فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ » حتّى يموتوا على الكفر واستحكموا فيه «فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ » حقيقة الإيمان ولا يعرفون صحته «لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ » عطفوها إعراضا واستكبارا عن ذلك «وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ » يعرضون عن الاستغفار «وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ » عن الاعتذار «سَواءٌ عَلَيْهِمْ » قال الطبرسي (ره) : أي يتساوى الاستغفار لهم وعدم الاستغفار «لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ » لأنّهم يبطنون الكفر وأنّ أظهروا الإيمان «أنّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ » أي لا يهدي القوم الخارجين عن الدين والإيمان إلى طريق الجنّة ، قال الحسن : أخبره سبحانه أنّهم يموتون على الكفر فلم يستغفر لهم ، انتهى.
ثمّ اعلم أنّ المشهور بين المفسرين نزول تلك الآيات في ابن أبي المنافق وأصحابه ، وهو لا ينافي جريانها في أضرابهم من المنافقين ، فأنّ خصوص السبب لا يصير
ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ * ذلِكَ بِأنّهم آمَنُوا ( برسالتك ) وكَفَرُوا ( بولاية وصيّك )فَطُبِعَ ( الله )عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ » قلت ما معنى لا يفقهون قال يقول لا يعقلون بنبوتك قلت «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ » قال وإذا قيل لهم ارجعوا إلى ولاية عليّ يستغفر لكم النبيُّ من ذنوبكم «لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ » قال الله : «وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ ( عن ولاية عليّ )وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ » عليه ثمّ عطف القول من الله بمعرفته بهم فقال «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ أنّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ » يقول : الظالمين لوصيّك.
________________________________________________________
سبباُ لخصوص الحكم مع أنه قد كانت الآية تنزل مرّتين في قضيتين لتشابههما ، وأيضاً لا اعتماد كثيراً على أكثر ما رووه في أسباب النزول.
وبالجملة يحتمل أنّ يكون المعنى أنّ آيات النفاق تشمل جماعة كانوا يظهرون الإيمان بالرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وينكرون إمأمّة وصية فإنه كفر به حقيقة فأنّ الإيمان بالرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يتمّ إلّا بالإيمان بجميع ما جاء به الوصاية والولاية.
قولهعليهالسلام : بولاية وصيّك ، أي بسببها فأنّ نفاقهم كان بسبب إنكار الولاية أو فيها ، فأنّهم كانوا يظهرون قبولها ، وكان يقول رئيسهم : بخ بخ لك يا بن أبي طالب ثمّ كانوا يدبرون باطناً في إزالتها «لَكاذِبُونَ » في ادعائهم الإذعأنّ بنبوتك إذ تكذيب الولاية يستلزم تكذيب النبوّة ، والسبيل هو الوصي لأنه الموصل إلى النجاة وهو الداعي إلى سبيل الخير ومعلمها ، ولا يقبل عمل إلّا بولايته « لا يعقلون بنبوتك » أي لا يدركون حقيقتها ولا يفهمون أنّ إنكار الوصي تكذيب للنبي وأنّ معنى النبوّة وفائدتها ونفعها لا تتم إلّا بتعيين وصي معصوم حافظ لشريعته ، فمن لم يؤمن بالوصيّ لم يعقل معنى النبوّة ، فتصديقه على فرض وقوعه تصديق من غير تصور.
« ثمّ عطف القول » على بناء المجهول.
والباء في قوله : بمعرفته ، بمعنى إلى أي عطف الله سبحانه القول عن بيان حالهم إلى بيان علمه بعاقبة أمرهم ، وأنّهم لا ينفعهم الإنذار ، ويحتمل أنّ تكون
قلت «أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »(١) قال أنّ الله ضرب مثل من حاد عن ولاية عليّ كمن يمشي على وجهه لا يهتدي لأمره وجعل من تبعه سويّاً على صراط مستقيم والصراط المستقيم أمير - المؤمنينعليهالسلام .
________________________________________________________
الباء سببيّة ويرجع إلى الأوّل.
«أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى » الآية من سورة الملك ، وقال البيضاوي يقال كببته فأكب وهو من الغرائب ، ومعنى مكبا أنه يعثر كلّ ساعة ويخر على وجهه لو عورة طريقه واختلاف أجزائه ، ولذلك قابله بقوله : «أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا » قائما سالـمّا من العثار «عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » مستوي الأجزاء أو الجهة ، والمراد تمثيل المشرك والموحد بالسالكين والدينين بالمسلكين ، ولعلّ الاكتفاء بما في الكب من الدلالة على حال المسلك للإشعار بأنّ ما عليه المشرك لا يستأهل أنّ يسمى طريقا كمشي التعسف في مكان متوعر غير مستو ، وقيل : المراد بالمكب الأعمى فإنه يعتسف فينكب ، وبالسوي البصير ، وقيل : من يمشي مكباً ، هو الّذي يحشر على وجهه إلى النار ومن يمشي سويا الّذي يحشر على قدميه إلى الجنّة ، انتهى.
« مثل من حاد » أي مال وعدل ، وتأويلهعليهالسلام منطبق على أكثر الوجوه المتقدمة فأنّ شيعة عليّعليهالسلام التابع له في عقائده وأعماله وأقواله يمشي على صراط مستقيم لا يعوج عن الحقّ ولا يشتبه عليه الطريق ، ولا يقع في الشبهات الّتي توجب عثاره ويعسر عليه التخلص منها ، والمخالف له أعمى حيران لا يعلم مقصده وعاقبة أمره فيسلك الطرق الوعرة المشتبهة الّتي لا يدري أين ينتهي ، ويقع في حفر ومضائق وشبهات لا يعرّف كيفية التخلص منها ، أو كالحيوأنّ الّذي يمشي على وجهه لا يدري مقصده ولا يحترز من عدوه والسباع الّتي تفترسه ، والصراط المستقيم أمير المؤمنين أي ولايته ومتابعته أو بقدر مضاف في الآية ولعلّ الأوّل أنسب.
__________________
(١) سورة الملك : ٢٢.
قال : قلت : قوله : «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ »(١) ؟ قال : يعني جبرئيل عن الله في ولاية
________________________________________________________
«إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ » الآية في سورة الحاقة ، وقالوا : أنّ الضمير راجع إلى القران وعلى ما فسرهعليهالسلام أيضاً راجع إليه لكن باعتبار الآيات النازلة في الولاية خصوصا ، أو المعنى أنها جار فيها أيضاً بل هي عمدتها ، وفسّرعليهالسلام الرسول بجبرئيل ، قال البيضاوي : لقول رسول يبلغه عن الله فأنّ الرسول لا يقول عن نفسه كريم على الله وهو محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أو جبرئيلعليهالسلام «وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ » كما تزعمون تارة «قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ » تصدقون لـمّا ظهر لكم صدقه تصديقاً قليلاً لفرط عنادكم «وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ » كما تزعمون أخرى «قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ » تذكراً قليلاً ولذلك يلتبس الأمر عليكم وذكر الإيمان مع نفي الشاعرية والتذكر مع نفي الكاهنية ، لأنّ عدم مشابهة القران للشعر أمر بين لا ينكره إلّا معاند بخلاف مباينته للكهانة فإنّها تتوقف على تذكر أحوال الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ومعاني القران المنافية لطريقة الكهنة ومعاني أقوالهم «تَنْزِيلٌ » هو تنزيل «مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » نزله على لسان جبرئيل «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ » سمى الافتراء تقولاً لأنه قول متكلف «لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ » بيمينه «ثمّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ » أي يناط قلبه يضرب عنقه وهو تصوير لإهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك لمن يغضبون عليه ، وهو أنّ يأخذ القتال بيمينه ويكفحه بالسيف ويضرب جيده(٢) وقيل : اليمين بمعنى القوة «فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ » عن القتل أو المقتول «حاجِزِينَ » دافعين وصف لأحد فإنه عام والخطّاب للناس «وَإِنَّهُ » وأنّ القران «لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ » لأنّهم المنتفعون به «وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أنّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ » فنجازيهم على تكذيبهم «وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ » إذا رأوا ثواب المؤمنين «وَإِنَّهُ لَحقّ الْيَقِينِ » لليقين الّذي لا ريب فيه «فَسَبِّحْ بِاسْمِ ربّك الْعَظِيمِ » فسبّح الله بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عن الرضا بالتقوّل عليه وشكراً
__________________
(١) سورة الحاقة : ٤٠.
(٢) الجيد : العنق.
عليّعليهالسلام ، قال : قلت : «وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ » قال قالوا أنّ محمّداً كذاب على ربه وما أمره الله بهذا في عليّ فأنزل الله بذلك قرآنا فقال : « ( إنَّ ولاية عليّ )تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا (محمّدٌ)بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثمّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ » ثمّ عطف القول فقال : «أنّ (ولاية علي)لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ للعالمينوَإِنَّا لَنَعْلَمُ أنّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَأنّ (علياً)لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ * وَأنّ (ولايته)لَحقّ الْيَقِينِ. فَسَبِّحْ (يا محمّد)بِاسْمِ ربّك الْعَظِيمِ » يقول اشكر ربّك العظيم الّذي أعطاك هذا الفضل.
________________________________________________________
على ما أوحى إليك ، انتهى.
قولهعليهالسلام : قالوا : أنّ محمّداً كذاب على ربه ، تفسير لشاعر لأنّ المراد به من يروج الكذب بلطائف الحيل ، وقد يكون منها الوزن والقافية ، والحاصل أنه لا بدّ أنّ يكون مرادهم بالشاعر من يكون بناء كلامه على الخيالات الشعرية والأمور الباطلة المموهة ، لأنّ عدم كون القران شعرا ممّا لا يريب فيه أحد ، وقولهعليهالسلام أنّ ولاية عليّ ، لا ينافي رجوع الضمير إلى القران لأنّ المراد به الآيات النازلة في ولايتهعليهالسلام كما عرفت ، وفي القاموس : الوتين عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه « ثمّ عطف» على بناء المعلوم والضمير لله أي ارجع القول إلى ما كان في الولاية « أنّ ولاية عليّ » تفسير لقوله «وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ »، أي الآيات النازلة في الولاية تذكرة ، وفسّر المتقين بالعالمين بالولاية ، وكفر من أنكرها «أنّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ » أي بالولاية « وأنّ عليّاً لحسرة » هذا أيضاً تفسير لمرجع الضمير ، وبيان لحاصل المعنى ، فأنّ الآيات النازلة في الولاية وعدم العمل بها لـمّا صارت وبإلّا وحسرة على الكافرين يوم القيامة فكأنهعليهالسلام صار حسرة لهم ، وكذا الكلام في قوله : وأنّ ولايته ، فأنّ الضمائر كلها راجعة إلى شيء واحد ، وعبر عنه بعبارات مختلفة تفنناً وتوضيحاً.
قلت : قوله : «لـمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ »(١) قال الهدى الولاية ،آمَنَّا بمولانا فمن آمن بولاية مولاه «فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً » قلت تنزيل قال لا تأويل قلت : قوله : «لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً »(٢) قال أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله دعا الناس إلى ولاية عليّ فاجتمعت إليه قريش فقالوا يا محمّد أعفنا من هذا فقال لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله هذا إلىَّ الله ليس إليَّ ، فاتّهموه وخرجوا من عنده فأنزل الله «قُلْ إِنِّي لا
________________________________________________________
«لـمّا سَمِعْنَا الْهُدى » الآيات في سورة الجنّ نقلا عنهم هكذا «وَأَنَّا لـمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ » وفسّر المفسّرون الهدى بالقران ، ولـمّا كان أكثره في الولاية إما تصريحاً أو تلويحاً وأمّا ظهراً وأمّا بطنا فسّرعليهالسلام الهدى بالولاية ، ولـمّا كان الإيمان بالولاية راجعاً إلى الإيمان بالمولى أي صاحب الولاية ، والّذي هو أولى بكلّ أحد من نفسه أرجع ضمير به إلى المولى بياناً لحاصل المعنى ، ويحتمل أنّ يكون الهدى مصدرا بمعنى اسم الفاعل مبالغة ، فالمراد بالهدي الهادي وهو المولى والأوّل أنسب بالظاهر.
وأوّلعليهالسلام «فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ » بالإيمان بالولاية ، للدلالة على أنّ من لم يؤمن بالولاية لم يؤمن بربه فإنّها شرط الإيمان بالله كما قال الرضاعليهالسلام : وأنا من شروطها ، وكما ورد أنّ كلمة التوحيد مسلوبة عن غير الإمامية في القيامة وكيف يتمّ الإيمان بالله مع رد ما أنزل في شأنّ المولى.
«فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً » قيل : أي نقصا في الجزاء ، ولا أنّ يرهقه ذلة أو جزاء نقص لأنّه لم يبخس حقّاً ولم يرهق ظلـمّا لأنّ من حقّ الإيمان بالقران أنّ يجتنب ذلك ، وفي القاموس : البخس : النقص والظلم ، والرهق محركة : غشيان المحارم.
«قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً » قال البيضاوي : أي لا نفعاً ، أو غيا ولا رشدا
__________________
(١) سورة الجن : ١٣.
(٢) سورة الجن : ٢١.
أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ ( أنّ عصيته )أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً * إلّا بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ ( في عليّ ) » قلت ، هذا تنزيل قال نعمّ ثمّ قال توكيداً : «وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ ( في ولاية عليّ )فَأنّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً » قلت : «حتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً » يعني بذلك القائم وأنصاره.
________________________________________________________
عبّر عن أحدهما باسمه ، وعن الآخر باسم سببه أو مسببه إشعاراً بالمعنيين «قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ » أنّ أراد بي سوءاً «وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً » أي منحرفاً وملتجئاً «إلّا بَلاغاً مِنَ اللهِ » استثناء من قوله : لا أملك ، فأنّ التبليغ إرشاد وإنفاع ، وما بينهما اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة ، أو من ملتحداً ، أو معناه أنّ لا أبلغ بلاغاً ، وما قبله دليل الجواب «وَرِسالاتِهِ » عطف على بلاغاً ومن الله صفته ، فأنّ صلته عن ، كقوله بلغوا عني ولو آية.
«وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ » في الأمر بالتوحيد إذ الكلام فيه «خالِدِينَ » جمعه للمعنى «حتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ » في الدّنيا كوقعة بدر أو في الآخرة ، انتهى.
« أعفنا » يقال : أعفاه عن الأمر إذا لم يكلفه به « قلت هذا تنزيل » قيل : أي أراد ذلك في ظهر القران أو هو مدلوله المطابقي يعني بذلك القائم فإنه من جملة ما وعدوا به ، ولا ينافي شموله للقيأمّة وعقوباتها أيضاً ، وروى عليّ بن إبراهيم عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام في قوله عزَّ وجلَّ : «حتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ » قال : القائم وأمير المؤمنينعليهماالسلام في الرجعة ، وفي قوله : «فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً » قال : هو قول أمير المؤمنينعليهالسلام لزفر : ولله يا بن صهاك لو لا عهد من رسول الله وكتاب من الله سبق لعلمت أينا أضعف ناصراً وأقل عدداً قال : فلـمّا أخبرهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما يكون من الرجعة قالوا : متى يكون هذا قال الله : قل يا محمّد أنّ أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربّي أمداً ، وقوله : «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إلّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » قال : يخبر الله رسوله الّذي يرتضيه بما كان قبله من الأخبار وما يكون بعده أخبار القائم والرجعة
قلت : «وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ (١) فيك «وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً * وَذَرْنِي
________________________________________________________
والقيامة وقالرحمهالله في قوله : «وَأَنَّهُ لـمّا قامَ عبد اللهِ يَدْعُوهُ » يعني رسول الله يدعوهم إلى ولاية أمير المؤمنين « كادت قريش يكون عليه لبدا » أي يتعاونون عليه « فلا أَمْلِكُ لَكُمْ » أنّ تول يتمّ عن ولايته «ضَرًّا وَلا رَشَداً ، قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ » أنّ كتمت ما أمرت به «وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً » يعني مأوى «إلّا بَلاغاً مِنَ اللهِ » أبلغكم ما أمرني الله به من ولاية عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
«وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ » في ولاية عليّ «فَأنّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ » قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عليّ أنت قسيم النار تقول هذا لي وهذا لك ، قالوا : فمتى يكون ما تعدنا به يا محمّد من أمر على والنار؟ فأنزل الله : «حتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ » يعني الموت والقيامة «فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً » يعني فلانا وفلانا ومعاوية وعمرو بن العاص وأصحاب الضغائن من قريش ، من أضعف ناصراً وأقل عددا ، قالوا : فمتى يكون هذا؟ قال الله لمحمّد «قُلْ أنّ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ ربّي أَمَداً » قال : أجلاً.
«عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إلّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ » يعني عليّاً المرتضى من رسول وهو منه «فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » قال : في قلبه العلم ومن خلفه الرصد يعلمه علمه ، ويزقه زقا ويعلمه الله إلهاما ، والرصد التعليم من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ليعلم النبيّ أنّ قد أبلغوا رسالات ربه وأحاط عليّ بما لدى الرسول من العلم «وَأَحْصى كلّ شَيْءٍ عَدَداً » ما كان وما يكون ، الخبر.
قوله : « فاصبر «عَلى ما يَقُولُونَ »(٢) » أقول : في المزمل «وَاصْبِرْ » وكأنه من تصحيف النساخ ، وقيل : من المحتمل أنّ ذكر الفاء بدل الواو للإشعار بأنّ واصبر عطف على اتخذ من تتمة التفريع قال : يقولون فيك : إنه شاعر أو كاهن أو أنّ ما يقول في ابن عمه هو من قبل نفسه ولم يوح إليه.
«وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً » قال البيضاوي : بأنّ تجانبهم وتداريهم وتكليفهم وتكل
__________________
(١) سورة المزمل : ٩.
(٢) وفي التمن « واصبر » وهو الصحيح كما ذكره الشارح (ره) أيضاً.
( يا محمّد )وَالمكذّبين ( بوصيّك )أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً » إ نّ هذا تنزيل ؟ قال : نعم.
قلت : «لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ »(١) قال يستيقنون أنّ الله ورسوله ووصيّه حقّ قلت : «وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً » قال ويزدادون بولاية الوصيّ إيماناً قلت : «وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ » قال بولاية عليّعليهالسلام قلت :
________________________________________________________
أمرهم إلى الله كما قال : «ذَرْنِي وَالمكذّبين » دعني وإيّاهم وكلّ إلى أمرهم فأنّ لي غنية عنك في مجازاتهم «أُولِي النَّعْمَةِ » أرباب التنعمّ يريد صناديد قريش «وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً » زمانا وإمهالا.
« قلت أنّ هذا تنزيل؟ » أي قوله : يوصيك ، ويجري فيه التأويلات المتقدمة فأنّ تكذيبه في أمر الوصي تكذيب للوصي «لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ » في سورة المدثر هكذا : «وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إلّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ » قال البيضاوي : أي ليكتسبوا اليقين بنبوة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وصدق القران لـمّا رأوا ذلك موافقا لـمّا في كتابهم «وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا » بالإيمان به أو تصديق أهل الكتاب له «وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ » أي في ذلك وهو تأكيد للاستيقأنّ وزيادة الإيمان ، ونفي لـمّا يعرض المتيقن حيثما عراه شبهة «وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ » شك أو نفاق فيكون إخبارا بمكّة عمّا سيكون في المدينة بعد الهجرة.
«وَالْكافِرُونَ » الجازمون في التكذيب «ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً » أي شيء أراد بهذا العدد المستغرب؟ استغرابا للمثل ، وقيل : لـمّا استبعدوه حسبوه أنه مثل مضروب «كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ » مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل الكافرين ويهدي المؤمنين «وَما يَعْلَمُ جُنُودَ ربّك » جموع خلقه على ما هم عليه «إلّا هُوَ » إذ لا سبيل لأحد إلى حصر الممكنات والاطّلاع على حقائقها وصفاتها وما يوجب اختصاص كلّ منهم بما يخصه من كم وكيف واعتبار ونسبة «وَما هِيَ » وما
__________________
(١) سورة المدثر : ٣١. والآيات التالية أيضاً في هذه السورة إلى قوله : «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ».
________________________________________________________
سقرأ أو عدّة الخزنة أو السورة «إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ » إلّا تذكرة لهم «كَلاَّ » ردع لمن أنكرها أو إنكار لأنّ يتذكروا بها «وَالْقَمرّ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ » أي أدبر كقبل بمعنى أقبل ، وقرأ نافع وحمزة ويعقوب وحفص إذا أدبر على المضي.
«وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ » أضاء «إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ » لأي البلايا الكبر أي البلايا كثيرة وسقر واحدة منها وإنّما جمع كبرى على كبر إلحاقا بفعله تنزيلاً للألف كالتاء ، كما ألحقت قاصعا بقاصعة فجمعت على قواصع والجملة جواب القسم ، أو تعليل لكلا والقسم معترض للتأكيد لإحدى الكبر «نَذِيراً لِلْبَشَرِ » إنذارا ، حال دلّت عليه عليه الجملة ، أي كبرت منذرة «لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أنّ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ » بدل من « للبشر » أي نذير للممكنين من السبق إلى الخير أو المتخلف عنه أو لمن شاء ، خبر لأنّ يتقدم فيكون في معنى قوله : «فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ».
«كلّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ » مرهونة عند الله ، مصدر كالشتيمة أطلق للمفعول كالرهن ، ولو كانت صفة لقيل رهين «إلّا أَصْحابَ الْيَمِينِ » فأنّهم فكوا رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم ، وقيل : هم الملائكة أو الأطفال «فِي جَنَّاتٍ » لا يكتنه وصفها وهي حال من أصحاب اليمين أو ضميرهم في قوله : «يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ » أي يسأل بعضهم بعضاً أو يسألون غيرهم عن حالهم كقولك تداعيناه أي دعوناه ، وقوله : «ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ » بجوابه حكاية لـمّا جرى بين المسؤولين والمجرمين أجابوا بها «قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ » الصلاة الواجبة «وَلَمْ نَكُ نُطْعمّ الْمِسْكِينَ » ما يجب إعطاؤهم «وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ » نشرع في الباطل مع الشارعين فيه «وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ » أخره لتعظيمه أي وكنا بعد ذلك كله مكذبين بالقيامة «حتّى أَتانَا الْيَقِينُ » الموت ومقدماته «فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ » لو شفعوا لهم جميعاً «فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ » أي معرضين عن التذكير يعني القران أو ما يعمه « ومعرضين » حال.
«كَأنّهم حُمرّ مُسْتَنْفِرَةٌ ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ » شبههم في إعراضهم ونفارهم عن استماع الذكر بحمرّ نافرة «فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ » أي أسد «بَلْ يُرِيدُ كلّ امْرِئٍ مِنْهُمْ
________________________________________________________
أنّ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً » قراطيس تنشر وتقرأ ، وذلك أنّهم قالوا للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لن نتبعك حتّى تأتي كلا منا بكتاب من السماء فيها من الله إلى فلان : اتبع محمدا.
«كَلاَّ » ردع عن اقتراحهم الآيات «بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ » فلذلك أعرضوا عن التذكرة لامتناع إيتاء الصحف «كَلاَّ » ردع عن أعراضهم «إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ » وأي تذكرة؟! «فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ » أي فمن شاء أنّ يذكره ذكره «وَما يَذْكُرُونَ إلّا أنّ يَشاءَ اللهُ » ذكرهم أو مشيتهم «هُوَ أَهْلُ التَّقْوى » حقيق بأنّ تقي عقابه «وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ » حقيق بأنّ يغفر عباده سيّما المتقين.
أقول : إذا عرفت تفسير الآيات وما يرتبط بها فلنرجع إلى التأويل الوارد في الرواية فإنه من أغرب التأويلات وأصعبها ، فأقول : قبل تلك الآيات : «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ، وَجَعَلْتُ لَهُ مإلّا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً ، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ، ثمّ يَطْمَعُ أنّ أَزِيدَ ، كَلاَّ إِنَّهُ كان لِآياتِنا عَنِيداً ، سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثمّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ، ثمّ نَظَرَ ثمّ عَبَسَ وَبَسَرَ ، ثمّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ، فَقالَ أنّ هذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ، أنّ هذا إلّا قَوْلُ الْبَشَرِ ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ، وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ ، لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ، لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ، عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ، وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ » إلخ.
وقد ذكر المفسّرون أنها نزلت في الوليد بن المغيرة وقيل : إنه كان ملقبا بالوليد فسماه الله به تهكما أو أراد أنه وحيد في الشرارة أو عن أبيه لأنه كان زنيما(١) ورووا أنه مرّ بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يقرأ حم السجدة فأتى قومه وقال : لقد سمعت من محمّد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس والجن أنّ له لحلاوة وأنّ عليه لطلاوة ، وأنّ أعلاه لمثمرّ ، وأنّ أسفله لمغدق(٢) وأنه ليعلو ولا يعلى ، فقال قريش : صبا الوليد(٣) فقال ابن أخيه أبو جهل : أنا أكفيكموه فقعد إليه حزينا وكلمه بما أحماه فقام فناداهم فقال : تزعمون أنّ محمّداً مجنون فهل رأيتموه يتجنن؟ وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهّن وتزعمون أنّه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا؟ فقالوا : لا ، فقال : ما هو إلا
__________________
(١) الزنيم : الدعي. (٢) المغدق : الكثير الماء. (٣) أي خرج من دين آبائه.
________________________________________________________
ساحر ، أما رأيتموه يفرق بين المرء وأهله وولده ومواليه ففرحوا به وتفرقوا مستعجبين منه ، فأنزل الله : «إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ » إلخ.
وروى عليّ بن إبراهيم بإسناده عن عبد الرحيم بن كثير عن أبي عبد الله في قوله : «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً » قال : الوحيد ولد الزنا وهو زفر ، وجعلت له مإلّا ممدودا قال : أجلا إلى مدة وبنين شهودا ، قال : أصحابه الذين شهدوا أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يورث ، ومهدت له تمهيداً ، ملكه الّذي ملكته مهدت له ، ثمّ يطمع أنّ أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيداً قال : لولاية أمير المؤمنين جاحدا عاندا لرسول الله فيها ، سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر ، فيما أمر به من الولاية قدر أنّ لا يسلم لأمير المؤمنينعليهالسلام البيعة الّتي بايعه بها على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقتل كيف قدر ثمّ قتل كيف قدر ، قال : عذاب بعد عذاب يعذبه القائم ثمّ نظر إلى رسول الله وأمير المؤمنين ، فعبس وبسر ممّا أمر به ، ثمّ أدبر واستكبر ، فقال أنّ هذا إلّا سحر يؤثر ، قال زفر : أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سحر الناس لعليّ «أنّ هذا إلّا قَوْلُ الْبَشَرِ » ليس هو بوحي من الله تعالى «سَأُصْلِيهِ سَقَرَ » إلى آخر الآيات فيه نزلت ، انتهى.
وأقول : قد عرفت مراراً أنّ الآية إذا نزلت في قوم فهي تجري في أمثالهم إلى يوم القيامة فظاهر تلك الآيات في الوليد وباطنها في الزنيم الشقي العنيد ، والأوّل كان معارضا في النبوّة والثاني في الولاية ، وهما متلازمأنّ ، ونفي كلّ منهما يستلزم نفي الأخرى فلا ينافي هذا التأويل كون السورة مكية ، مع أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في أوّل بعثته أظهر إمأمّة وصيّه وقال : أوّل من يؤمن بي ويبايعني فهو الوصي بعدي وخليفتي في أمّتي كما دلّت عليه الأخبار الكثيرة الواردة في الطريقين ، فيحتمل أنّ يكون الكافر والمنافق معا نسباه إلى السحر لإظهار الولاية ، وأيضاً نفي القران على أي وجه كان يستلزم نفي الولاية وإثباته إثباتها.
قوله : قلت : ما هذا الارتياب ، كان السائل جعل قولهعليهالسلام : بولاية عليّ متعلقا بالمؤمنين فلا يعلم حينئذ أنّ متعلق الارتياب المنفي ما هو؟ فلذا سئل عنه
ما هذا الارتياب ؟ قال يعني بذلك أهل الكتاب والمؤمنين الذين ذكر الله فقال ولا يرتابون في الولاية قلت «وَما هِيَ إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ » قال نعمّ ولاية عليّعليهالسلام قلت «إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ » قال الولاية قلت : «لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أنّ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ » قال من تقدم إلى ولايتنا أخّر عن سقر ومن تأخّر عنّا تقدَّم إلى سقر «إلّا أَصْحابَ الْيَمِينِ » قال هم والله شيعتنا قلت : «لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ » قال إنّا
________________________________________________________
فأجابعليهالسلام بأنّ الارتياب إنّما هو في الولاية.
وقيل : السؤال مبنيّ على توهّم أنّ ذكر الارتياب بعد الاستيقأنّ كاللغو إلّا أنّ يكون المراد بالارتياب ارتياب قوم من أهل الكتاب والمؤمنين غير الذين ذكرهم سابقاً وحاصل جواب الإمامعليهالسلام أنّ المراد بهذا الارتياب ارتياب المذكورين سابقاً وليس كاللغو لأنه لدفع احتمال الاستيقأنّ بوجه ، والارتياب بوجه آخر نظير قوله تعالى : «جَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ »(١) فقولهعليهالسلام : أهل الكتاب بتقدير ارتياب أهل الكتاب نظير : «وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى »(٢) انتهى.
وقولهعليهالسلام : نعم ولاية عليّ كان المعنى التذكير لولايتهعليهالسلام ، ويحتمل في بطن القران إرجاع الضمير إلى الولاية لكون الآيات نازلة فيها ، وكذا قولهعليهالسلام : الولاية ، يحتمل الوجهين.
وقولهعليهالسلام : من تقدم إلى ولايتنا ، يحتمل وجهين : الأوّل : أنّ يكون المراد بالتقدم التقدم إلى الولاية ، وبالتأخير التأخر عن سقر ، فالترديد بحسب اللفظ وهما راجعأنّ إلى أمر واحد ، الثاني : أنّ يكون كلاهما بالنظر إلى الولاية ، وأو للتقسيم كقولهم : الكلمة اسم أو فعل أو حرف ، والثالث : أنّ يكون المراد كليهما بحسب ظهر الآية وبطنها ، بأنّ يكون بحسب ظهر الآية المراد التقدّم إلى سقر والتأخّر عنها ، وبحسب بطنها التقدم إلى الولاية والتأخر عنها ، والشيعة أصحاب اليمين لأنهم
__________________
(١) سورة النمل : ١٤.
(٢) سورة البقرة : ١٨٩.
لم نتولَّ وصيَّ محمّد والأوصياء من بعده - ولا يصلّون عليهم - قلت : «فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ » قال عن الولاية معرضين قلت «كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ » ؟ قال الولاية.
قلت : قوله : «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ »(١) ؟ قال يوفون لله بالنذر الّذي أخذ عليهم في الميثاق من ولايتنا قلت «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القران تنزيلاً » ؟(٢) قال بولاية عليّعليهالسلام
________________________________________________________
يعطون كتابهم بيمينهم ، أو لأنّهم في القيامة عن يمين العرش ، وتأويل المصلّين بمن يصلّي عليهم أحد تأويلات الآية وبطونها.
«كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ » أقول : في المدثر أنه تذكرة ، فيحتمل أنّ يكون في مصحفهمعليهمالسلام « إنّها » نعمّ في سورة عبس «كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ » ، فيحتمل أنّ يكون سؤال السائل عنها.
قال : « يوفون الله » أقول : قدر مرّ هذا الجزء في الرابع(٣) من الباب عن هذا الراوي باختلاف في أوّل السند ولم يكن هنا في الميثاق فكان يحتمل العهد في الدّنيا وأنّ كان هيهنا أيضاً يحتمل ذلك لكنّه في غاية البعد « قال : بولاية عليّ » أي المراد بالقران ما نزل منه في الولاية ، أو هي العمدة فيه أو المعنى نزلنا عليك القران متلبسا بالولاية ، مشتملاً عليها.
« قال نعم » ليس « نعم » في بعض النسخ وهو أظهر ، ورواه صاحب تأويل الآيات الظاهرة نقلاً عن الكافي قال : لا تأويل ، ولا ندري كان في نسخته كذلك أو صححه ليستقيم المعنى ، وعلى ما في أكثر النسخ من وجود « نعم » فيمكن أنّ يكون مبنيّاً على أنّ سؤال السائل كان على وجه الإنكار والاستبعاد فاستعملعليهالسلام نعم مكان بلى ، وهو شائع في العرف ، أو يكون نعم فقط جواباً عن السؤال وذا إشارة إلى ما قالعليهالسلام في الآية السابقة ، أي هذا تنزيل وذا تأويل وقرأ بعض الأفاضل
__________________
(١)و(٢) سورة الدهر :٧ و ٢٣
(٣) أي في الحديث الرابع.
تنزيلاً ، قلت هذا تنزيل ؟ قال نعمّ ذا تأويل قلت «أنّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ » قال الولاية قلت «يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ » قال في ولايتنا قال «وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً » إلّا ترى أنّ الله يقول «وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ »(١) قال أنّ الله أعزَّ وأمنع من أنّ يظلم أو ينسب نفسه إلى ظلم ولكن الله خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته ثمّ أنزل بذلك قرآنا على نبيّه فقال : «وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ »(٢) قلت هذا تنزيل قال نعم.
________________________________________________________
يعمّ بالياء المثنّاة التحتانيّة وتشديد الميم بصيغة الفعل ، فذا مفعوله وتأويل فاعله ، أي هذا داخل في تأويل الخبر ، والقول بزيادة نعمّ من النساخ أولى من هذا التصحيف.
«إنّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ » أقول : المفسّرون أرجعوا الإشارة إلى السورة أو الآيات القريبة ، ولـمّا ذكر الخاصة والعامّة في روايات كثيرة أنّ السورة نزلت في أهل البيتعليهمالسلام فتفسيرهعليهالسلام الإشارة بالولاية غير مناف لـمّا ذكروه ، إذ السورة من حيث نزولها فيهم تذكرة لولايتهم ، والاعتقاد بفضلهم وجلالتهم وإمامتهم ، بل يحتمل أنّ يكون على تفسيرهعليهالسلام « هذه » إشارة إلى السورة أو الآيات ، ويكون قولهعليهالسلام الولاية تفسيراً لمتعلق التذكرة أي ما يتذكر بها ، فلا يحتاج إلى تكلف أصلا « في ولايتنا » لا ريب أنّ الولاية من أعظم الرحمات الدنيوية والأخروية كما عرفت مراراً ولا ريب أنّ الظلم على أهل البيتعليهمالسلام وغصب حقهم من أعظم الظلم ، فهم لا محالة داخلون في الآية أنّ لم تكن مخصوصة بهم بقرينة مورد نزول السورة.
ثمّ الظاهر من كلامهعليهالسلام أنّ المراد بالظالمين من ظلم الله أي ظلم الأئمّة وغصب حقهم وإنّما عبر كذلك لبيان أنّ ظلمهم بمنزلة ظلم الرب تعالى شأنه ، والحاصل أنّ الله تعالى أجلَّ من أنّ ينسب إليه أحد ظلـمّا بالظالمية أو المظلومية حتّى يحتاج إلى أنّ ينفي عن نفسه ذلك بل الله سبحانه خلط الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام بنفسه ونسب إلى نفسه كلَّ ما يفعل بهم ، أو ينسب إليهم لبيان كرامتهم لديه وجلالتهم عنده ، فقوله تعالى : «وَما ظَلَمْناهُمْ » ليس الغرض نفي الظلم عن نفسه ، بل عن
__________________
(١) سورة البقرة : ٥٧. (٢) سورة النحلّ : ١١٣.
________________________________________________________
حججه بأنّهم لا يظلمون الناس بقتلهم وجبرهم على الإسلام والاستقأمّة على الحقّ كما أنّهم كانوا يطعنون على أمير المؤمنينعليهالسلام بكثرة سفك الدماء وأشباهه ، بل هم يظلمون أنفسهم بترك متابعة الأنبياء والأوصياء صلوات الله عليهم.
ثمّ أنّ تلك الآيات وردت في مواضع من القران المجيد ، ففي سورة البقرة «وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » وفي سورة الأعراف «وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَ » إلى آخر ما مرّ بعينه ، وفي هود : «وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ » وفي النحلّ : «وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » وفي الزخرف «أنّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ، وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ».
فالآية الأولى هي ما في البقرة والأعراف ، والثانية هي ما في النحلّ ، فقولهعليهالسلام : نعمّ في جواب هذا تنزيل مشكلّ ، إذ كون الولاية مكان الرحمة بعيد ، وكون الآية : والظالمين آل محمّد ، كما فهم ينافي ما حققهعليهالسلام من قوله : خلطنا بنفسه « إلخ » إلّا أنّ يقال المراد بالتنزيل ما مرّ أنّه مدلوله المطابقي أو التضمني لا الالتزامي ، أو أنه قال جبرئيلعليهالسلام عند نزول الآية وفي بعض النسخ : « وما ظلموناهم » في الأخير ليدلّ على أنه كان في النحلّ هكذا ، فضمير هم تأكيد ومضمونها مطابق لـمّا في البقرة والأعراف وهو أظهر.
فأنّ قيل : هذه القراءة تنافي ما في صدر الآية إذ الظاهر أنه استدراك لـمّا يتوهم من أنّ التحريم ظلم عليهم ، فبين أنّ هذا جزاء ظلمهم.
قلت : قد قال تعالى في سورة النساء : «فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كثيراً » الآية ، فيحتمل أنّ يكون هذا لبيان أنّ ظلمهم الّذي صار سببا لتحريم الطيّبات عليهم لم يكن علينا أي على أنبيائنا
قلت : «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ » قال يقول ويل للمكذبين يا محمّد بما أوحيت إليك من ولاية عليّ بن أبي طالبعليهالسلام : «أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ. ثمّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ » قال الأولين الذين كذبوا الرسل في طاعة الأوصياء «كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ »(١) قال من أجرم إلى آل محمّد وركب من وصيّه ما ركب قلت «أنّ الْمُتَّقِينَ »(٢) قال نحن والله وشيعتنا ليس على ملة إبراهيم غيرنا وسائر الناس منها
________________________________________________________
وحججنا ، بل كان على أنفسهم حيث حرموا بذلك طيبات الدّنيا والآخرة ، ولعلّ هذا أفيد ، فخذ وكن من الشاكرين.
«وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ » الآية في سورة المرسلات قال : «وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ، لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ، لِيَوْمِ الْفَصْلِ ، وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ ، وَيْلٌ » ( إلخ ) ويوم الفصل يوم القيامة يفصل فيه بين المحقّ والمبطل.
وقال البيضاوي : ويل في الأصل مصدر منصوب بإضمار فعل ، عدل به إلى الرفع للدلالة على بيان الهلك للمدعو عليه ، ويومئذ ظرفه أو صفته «أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ » كقوم نوح وعاد وثمود «ثمّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ » أي ثمّ نحن نتبعهم نظراءهم الكفار وقرأ بالجزم عطفا على نهلك ، فيكون الآخرين المتأخرين من المهلكين كقوم لوط وشعيب وموسى «كَذلِكَ » مثل ذلك الفعل «نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ » بكلّ من أجرم ، انتهى.
وفسّرعليهالسلام المكذّبين بالذين كذبوا الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فيما أوحي إليه من ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام إما لأنه مورد نزول الآية أو لأنّ التكذيب في الولاية داخل فيه بل هو عمدته وأشد أفراده وأفظعها ، وكذا الآيات اللاحقة يجري فيها الوجهأنّ ، والظاهر أنهعليهالسلام فسّر الآخرين بهذه الأمّة على وفق القراءة المشهورة.
قيل : ليس هو من قبيل عطف الخبر على الإنشاء لأنّ الاستفهام الإنكاري خبر حقيقة ، ويقال : أجرم إليه إذا جنى عليه وقوله : ما ركب ، عبارة عن غصب الحقّ وإبطال الوصيّة ، ثمّ قال سبحانه في هذه السورة «إنّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ ، وَفَواكِهَ مِمَّا
__________________
(١) و (٢) سورة المرسلات : ١٥ - ١٨ و ٤١.
برآء ، قلت «يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ »(١) الآية قال : نحن
________________________________________________________
يَشْتَهُونَ ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » ففسّرعليهالسلام المتقين بالأئمّةعليهمالسلام وشيعتهم ، لأنّهم في مقابلة المكذّبين الذين عرفت أنّهم المنكرون للولاية أو من يعمهم ، ولا ريب أنّ الإقرار بالولاية مأخوذ في التقوى ، والمنكر للإمأمّة لم يتق عذاب الله بل استوجبه ، والإقرار بالإمأمّة داخل في الإيمان فكيف لا يدخل في التقوى الّذي هو أخص منه ، وملة إبراهيم ، هي التوحيد الخالص المتضمن للإقرار بجميع ما جاء به الرسل وأصله وعمدته الولاية «يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ » الآية في سورة النبإ ، وقال الطبرسي (ره) : اختلف في معنى الروح هنا على أقوال : أحدها أنّ الروح خلق من خلق الله تعالى على صورة بني آدم وليسوا بناس ولا بملائكة تقومون صفا والملائكة صفا ، قال الشعبي : هما سماطا(٢) رب العالمين يوم القيامة سماطا من الروح وسماطا من الملائكة.
وثانيها : أنّ الروح ملك من الملائكة وما خلق الله مخلوقا أعظم منه فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفا واحداً فيكون عظم خلقه مثل صفهم عن ابن عباس وغيره.
وثالثها : أنها أرواح الناس تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أنّ ترد الأرواح إلى الأجساد عن ابن عباس أيضاً.
ورابعها : إنه جبرئيلعليهالسلام قال وهب : أنّ جبرئيل واقف بين يدي الله عزَّ وجلَّ ترعد فرائصه يخلق الله عزَّ وجلَّ من كلّ رعدّة مائة ألف ملك فالملائكة صفوف بين يدي الله تعالى منكسوا رؤوسهم فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا : لا إله إلّا الله «وَقالَ صَواباً » أي لا إله إلّا الله ، وروى عليّ بن إبراهيم بإسناده عن الصادقعليهالسلام قال : هو ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل.
وخامسها : أنّ الروح بنو آدم وقوله صفّاً صفّاً معناه مصطّفين «لا يَتَكَلَّمُونَ
__________________
(١) سورة النبأ : ٣٨.
(٢) المساط - ككتاب - الصف من الناس وغيرهم.
والله المأذون لهم يوم القيامة والقائلون صواباً قلت ما تقولون إذا تكلمتم قال نمجّد ربّنا ونصلّي على نبيّنا ونشفع لشيعتنا فلا يردنا ربنا قلت «كَلاَّ أنّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ »(١) قال هم الذين فجروا في حقّ الأئمّة واعتدوا عليهم ،
________________________________________________________
إلّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحمن » وهم المؤمنون والملائكة «وَقالَ » في الدّنيا «صَواباً » أي شهد بالتوحيد وقال لا إله إلّا الله ، وقيل : أنّ الكلام هيهنا الشفاعة ، أي لا يشفعون إلّا من أذن له الرَّحمن أنّ يشفع عن الحسن والكلبي ، وروى معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سئل عن هذه الآية فقال : نحن والله المأذون لهم يوم القيامة والقائلون صواباً ، قلت : جعلت فداك ما تقولون؟ قال : نمجّد ربّنا ونصلّي على نبيّنا ونشفع لشيعتنا فلا يردنا ربنا ، رواه العيّاشي مرفوعاً ، انتهى.
وأقول : قد مضى أنّ الروح خلق أعظم من الملائكة وهو الّذي يسدد به الأئمّةعليهمالسلام ، والأخبار الدالة على أنّ هذه الآية في شفاعة النبيّ والأئمّة صلوات الله عليهم للشيعة كثيرة ، أوردتها في الكتاب الكبير ، وروى محمّد بن العبّاس بإسناده عن أبي خالد القماط عن الصادق عن أبيهعليهماالسلام قال : إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلائق من الأولين والآخرين في صعيد واحد خلع قول لا إله إلّا الله من جميع الخلائق إلّا من أقر بولاية عليّعليهالسلام ، وهو قوله تعالى : «يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ » الآية.
«أنّ كِتابَ الفُجَّارِ » الآيات في المطففين وقد مرّ تفسيره في باب خلق أبدأنّ الأئمّة قال البيضاوي (ره) أي ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم «لَفِي سِجِّينٍ » كتاب جامع لإعمال الفجرة من الثقلين ، كما قال : «وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ، كِتابٌ مَرْقُومٌ » ، أي مسطور بين الكتابة أو معلم بعلم من رآه أنه لا خير فيه فعيل من السجن لقب به الكتاب لأنه سبب الحبس ، أو لأنه مطروح - كما قيل - تحت الأرضين في مكان وحش وقيل : هو اسم المكان والتقدير ما كتاب السجين أو محلّ كتاب مرقوم ، فحذف المضاف ، ثمّ قال سبحانه : «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ، الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ، وَما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كلّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ، إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
__________________
(١) سورة المطففين : ٧.
قلت : «ثمّ يقال هذَا الّذي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ »(١) قال يعني أمير المؤمنين قلت تنزيلٌ ؟ قال : نعم.
٩٢ - محمّد بن يحيى ، عن سلمة بن الخطّاب ، عن الحسين بن عبد الرَّحمن ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عزَّ وجلَّ : «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَأنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً »(٢) قال يعني به ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام
________________________________________________________
كَلاَّ بَلْ رأنّ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ، كَلاَّ أنّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ، ثمّ أنّهم لَصالُوا الْجَحِيمِ ، ثمّ يُقالُ هذَا الّذي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ » قالوا : يقول لهم الزبانية.
أقول : لا ريب أنّ الذين فجروا في حقّ الأئمّةعليهمالسلام هم أشد الفجار والكفار « يعني أمير المؤمنين » الظاهر منه أنّ هذا إشارة إلى أمير المؤمنينعليهالسلام وهو بطن الآية ، أو العذاب المشار إليه لترك الولاية ، أو القائل هوعليهالسلام ، وكان في التنزيل هنا تأويلاً نحوا ممّا مرّ في أمثاله ، ويحتمل أنّ يكون في قراءتهمعليهمالسلام : هذا أمير المؤمنين الّذي كنتم به تكذبون ، والله يعلم.
الحديث الثاني والتسعون : ضعيف وقد مرّ في التسعين الحسن بن عبد الرَّحمن والظاهر أنّ أحدهما تصحيف والحسين غير مذكور في كتب الرجال والحسن مذكور فيه لكن عدوه من رجال الصادقعليهالسلام وكون هذا راوياً عنه في غاية البعد.
«وَمَنْ أَعْرَضَ » الآيات في سورة طه ، حيث قال عند ذكر آدم وحواءعليهماالسلام ونزولهما من الجنّة «قالَ اهْبِطا مِنْها جميعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى » أي لا يضل في الدّنيا ولا يشقي في الآخرة «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي » قال البيضاوي : أي عن الهدى الذاكر لي والداعي إلى عبادتي «فَأنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً » ضيقاً مصدر وصف به ، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنّث ، وذلك لأنّ مجامع همه ومطامح نظره يكون إلى أغراض الدّنيا متهالكا على ازديادها خائفاً على انتقاصها بخلاف المؤمن الطالب للآخرة مع أنه تعالى قد يضيّق بشؤم الكفر
__________________
(١) سورة المطففين : ١٦.(٢) سورة الحجّ : ١٢٤.
قلت : «وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أَعْمى » قال يعني أعمى البصر في الآخرة أعمى القلب في الدّنيا عن ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام ، قال : وهو متحيّر في القيامة يقول : «لِمَ
________________________________________________________
ويوسّع ببركة الإيمان كما قال : «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ »(١) «وَلَوْ أنّهم أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ »(٢) «وَلَوْ أنّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا »(٣) وقيل : هو الضريع والزقوم في النار ، وقيل : عذاب القبر.
«وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أَعْمى » أعمى البصر أو القلب ، ويؤيّد الأوّل «قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ » أي مثل ذلك فعلت ثمّ فسره فقال : «أَتَتْكَ آياتُنا » واضحة نيرة «فَنَسِيتَها » فعميت عنها وتركتها غير منظور إليها «وَكَذلِكَ » أي مثل تركك إياها «الْيَوْمَ تُنْسى » تترك في العمى والعذاب «وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ » بالانهماك في الشهوات والإعراض عن الآيات «وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ » بل كذبها وخالفها «وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ » هو الحشر على العمى ، وقيل : عذاب النار أي وللنار بعد ذلك «أَشَدُّ وَأَبْقى » من ضنك العيش ، أو منه ومن العمى ولعله إذا دخل النار زال عماه ليرى محلّه وماله أو ممّا فعله من ترك الآيات والكفر بها ، انتهى.
وفسّرعليهالسلام الذكر بالولاية لشموله لها وكونها عمدة أسباب التذكر والذكر المذكور في الآية شامل لجميع الأنبياء والأوصياء وولايتهم ومتابعتهم وشرائعهم وما أتوا به لكون الخطّاب إلى آدم وحواء وأولادهما ، لكن أشرف الأنبياء نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم وأكرم الأوصياء وأفضل الشرائع شريعته فتخصيص أمير المؤمنينعليهالسلام لكونه المتنازع فيه في هذه الأمة.
وروى عليّ بن إبراهيم بإسناده عن معاوية بن عمّار [ الدهني ] قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : عن قول الله : «فَأنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً » قال : هي والله للنصاب ، قلت : جعلت فداك قد رأيتهم دهرهم الأطول في كفاية حتّى ماتوا؟ قال : ذلك والله في الرجعة يأكلون العذرة.
__________________
(١) سورة البقرة : ٦١.(٢) سورة المائدة : ٦٦.
(٣) سورة الأعراف : ٩٦.
حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها » قال الآيات الأئمّةعليهمالسلام : «فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى » يعني تركتها وكذلك اليوم تترك في النار كما تركت الأئمّةعليهمالسلام فلم تطع أمرهم ولم تسمع قولهم قلت «وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى » قال يعني من أشرك بولاية أمير المؤمنينعليهالسلام غيره ولم يؤمن بآيات ربه وترك الأئمّة معاندة فلم يتّبع آثارهم ولم يتولهم قلت «اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ »(١) قال ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام قلت «مَنْ كان يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ » قال معرفة أمير المؤمنين
________________________________________________________
وروى محمّد بن العبّاس في تفسيره بإسناده عن عيسى بن داود النجار عن أبي الحسن موسىعليهالسلام أنه سأل أباه عن قول الله عزَّ وجلَّ : «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى »(٢) قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا أيها الناس اتبعوا هدى الله تهدوا وترشدوا وهو هداي وهداي بعدي عليّ بن أبي طالب ، فمن اتبع هداي في حياتي وبعد موتي فقد اتبع هداي ، ومن اتبع هداي فقد اتبع هدى الله ومن اتبع هدى الله فلا يضل ولا يشقي «وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ » في عداوة آل محمد.
قولهعليهالسلام : الآيات الأئمّة ، قد مرّ مراراً أو المراد الآيات النازلة فيهم أو هي عمدتها ، وفسّر أكثر المفسرين الإسراف بالشرك بالله وفسّرعليهالسلام بالشرك في الولاية فإنه يتضمن الشرك بالله كما مر.
«اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ » الآيات في حم عسق ، قال البيضاوي : بربهم ، بصنوف من البر الّتي لا تبلغها الأفهام «يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ » أي يرزقه كما يشاء ، فيخص كلا من عباده بنوع من البر على ما اقتضته حكمته ، وهو القوي الباهر القدرة العزيز المنيع الّذي لا يغلب «مَنْ كان يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ » ثوابها ، شبهه بالزرع من حيث أنه فائدة تحصل بعمل الدّنيا ولذلك قيل : الدّنيا مزرعة الآخرة ، والحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض ، ويقال : للزرع الحاصل منه ( نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ) فنعطه بالواحد عشرا إلى سبعمائة فما فوقها «وَمَنْ كان يُرِيدُ حَرْثَ الدّنيا نُؤْتِهِ مِنْها » شيئاً منها على
__________________
(١) سورة فصلت : ١٨. (٢) سورة طه : ١٢٣.
عليهالسلام والأئمّة «نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ » قال نزيده منها قال يستوفي نصيبه من دولتهم «وَمَنْ كان يُرِيدُ حَرْثَ الدّنيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ » قال ليس له في دولة الحقّ مع القائم نصيب.
( باب )
( فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية )
١ - محمّد بن يعقوب الكلينيّ ، عن محمّد بن الحسن وعليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن بكير بن أعين قال كان أبو جعفرعليهالسلام يقول أنّ الله أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية وهم ذر يوم أخذ الميثاق على الذرّ والإقرار
________________________________________________________
ما قسمنا له «وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ » إذ الأعمال بالنيات ولكلّ امرئ ما نوى ، انتهى.
وأقول : تفسير الرزق بالولاية تفسير للرزق بالرزق الروحاني أو بما يعمه وخص أشرفه وهو الولاية بالذكر لأنّها الأصل والمادة لسائر العلوم والمعارف ، ولا يحصل شيء منها إلّا بها ، وفسّر زيادة الحرث بالمنافع الدنيوية أو الأعمّ منها ومن العلوم والمعارف الّتي يلقونها إليهم ، وفسّر الآخرة بالرجعة ودولة القائمعليهالسلام لـمّا مرّ من أنّ أكثر آيات البعث والقيامة مؤولة بدولة القائمعليهالسلام والرجعة فإنّها من مباديها.
باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية
الحديث الأوّل :ضعيف على المشهور.
« ميثاق شيعتنا » إنّما خصّ بالشيعة لأنّهم قبلوها إذ ظاهر الأخبار أنّ الميثاق أخذ من جميع الخلق ، وقبلها الشيعة ولم يقبلها غيرهم « وهم ذرّ » قال الجوهري : الذرّ جمع ذرّة وهي أصغر النمل ، انتهى.
وشبههم بالذرّ لصغر الأجزاء الّتي تعلقت بها الأرواح عند الميثاق ، وذلك عند
له بالرُّبوبيّة ولمحمّدصلىاللهعليهوآله بالنبوَّة.
٢ - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع ، عن
________________________________________________________
كونهم في صلب آدم أو بعد إخراجهم منه كما سيأتي تفصيله في كتاب الإيمان والكفر قال المحدّث الأسترآبادي (ره) : أنّ الأرواح تعلّقت ذلك اليوم بأجساد صغيرة مثل النمل ، فأخذ منهم الميثاق بالولاية وغيرها ، انتهى.
وقيل : أنّهم لـمّا غفلوا إلّا من شاء الله عن تذكره في عالم الأبدأنّ إما لعدم شرط التذكّر أو وجود مانع منه ، بعث الأنبياء تكليفاً لهم ثانياً لدفع الغفلة وتكميل الحجّة.
قوله : والإقرار ، كأنه كان بالإقرار كما سيأتي في آخر الباب عن هذا الراوي بعينه مع اختلاف في أوّل السند ، وعلى تقدير صحته يمكن عطفه على الذرّ عطف تفسير أو على الولاية أو هو منصوب على أنه مفعول معه وعامله أخذ ، وقيل : كان فيه إشعاراً بأنّ الإقرار لله بالربوبية حقيقة لم يصدر عن غير الشيعة فأنّ إقرار غيرهم بها من قبيل الإقرار بالشيء مع إنكار لازمه البين وهو الولاية ، ولذا يسلب عنهم هذا الإقرار اليوم القيامة.
وقال بعض الأفاضل : إنّما أخذ الله المواثيق الثلاثة عن الناس أجمعين إلّا أنّهم أقروا بالربوبية جميعاً وأنكر النبوّة والولاية بقلبه من كان ينكره بعد خلقه في هذا العالم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم عن ابن مسكان عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : قلت له : معاينة كان هذا؟ قال : نعمّ ، فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه ، ولو لا ذلك لم يدر أحد من خالقه ورازقه ، فمنهم من أقر بلسانه في الذرّ ولم يؤمن بقلبه ، فقال الله : «فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ».
الحديث الثاني : ضعيف والظاهر الجعفي مكان الجعفري ، فإنه الموجود في كتب الرجال ، وسيأتي الخبر بعينه في أوائل الإيمان والكفر وفيه الجعفي.
صالح بن عقبة ، عن عبد الله بن محمّد الجعفري ، عن أبي جعفرعليهالسلام وعن عقبة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال أنّ الله خلق الخلق فخلق ما أحبّ ممّا أحبّ وكان ما أحبّ أنّ خلقه من طينة الجنّة ، وخلق ما أبغض ممّا أبغض وكان ما أبغض أنّ خلقه من طينة النار ثمّ بعثهم في الظلال فقلت وأي شيء الظلال قال ألم تر إلى
________________________________________________________
« فخلق ما أحبّ » قيل : « ما » في الأوّل موصولة وكذا في الثاني ، وفي الثالث مصدرية ، أقول : فيما سيأتي : فخلق من أحبّ ، وهو أظهر ، ويمكن أنّ يقدر مضاف أي وكان خلق ما أحب.
واعلم أنه ذهب المحدثون إلى أنه تعالى لـمّا علم أعمال العباد وعقائدهم في الأعيأنّ من الخير والشر خلق أبدان أهل الخير من طينة الجنّة وخلق أبدأنّ أهل الشر من طينة النار ، ليرجع كلّ إلى ما هو أهل له ولائق به ، فأعمالهم سبب لخلق الأبدأنّ على الوجه المذكور دون العكس ، قال المحدث الأسترآبادي (ره) : المراد خلق التقدير على الوجه المذكور دون العكس ، قال المحدث الأسترآبادي (ره) : المراد خلق التقدير لا خلق التكوين ، ومحصول المقام أنه تعالى قدر أبدانا مخصوصة من الطينتين ثمّ كلف الأرواح فظهر منها ما ظهر ، ثمّ قدر لكلّ روح ما يليق بها من تلك الأبدأنّ المقدرة.
« ثمّ بعثهم في الظلال » الضمير للمخلوقين معا والمراد بالظلال عالم المثال أو عالم الأرواح أو عالم الذرّ ، وإنّما سمي عالم المثال بالظلال لأنه بمنزلة الظل لهذا العالم ، تابع وموافق له ، والتشبيه في الوجهين الآخرين أيضاً قريب من ذلك ، أو لـمّا ذكرهعليهالسلام من شباهتها بالظلال في أنه شيء وليس بشيء والمعنى أنه بالنسبة إلى الوجود العيني ليس بشيء أو كناية عن أنها أجسام لطيفة على الأوّل ، وعلى الثاني إيماء إلى تجردها على القول بالتجرد أو إلى لطافتها على القول بعدمه ، وعلى الثالث كناية عن صغر تلك الذرات الّتي تعلقت بها الأرواح كأنّها ليست بشيء أو عن أنّها ليست شيئاً معتداً به بل هي حكاية لشيء معتد به.
قال المحدث الأسترآبادي (ره) : يفهم من الروايات أنّ التكليف الأول وقع
ظلّك في الشمس شيء وليس بشيء ، ثمّ بعث الله فيهم النبييّن يدعونهم إلى الإقرار بالله وهو قوله «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ »(١) ثمّ دعاهم إلى الإقرار بالنبييّن فأقر بعضهم وأنكر بعضهم ثمّ دعاهم إلى ولايتنا فأقر بها والله من أحبّ وأنكرها من أبغض وهو قوله «فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ »(٢) ثمّ قال أبو جعفر
________________________________________________________
مرّتين مرّة في عالم المجرد الصرف ، ومرّة في عالم الذرّ بأنّ تعلقت الأرواح فيه بجسد صغير مثل النمل ، ولـمّا لم يكن تصل أذهان أكثر الناس إلى إدراك الجوهر المجرد عبرواعليهمالسلام عن المجردات بالظلال لتفهيم الناس وقصدهم من ذلك أنّ موجودات ذلك العالم مجردة عن الكثافة الجسمانيّة كما أنّ الظل مجرد أنها ، فهي شيء وليست كالأشياء المحسوسة الكثيفة ، وهذا نظير قولهمعليهمالسلام في معرفة الله تعالى : شيء بخلاف الأشياء الممكنة.
« ثمّ بعث الله فيهم النبييّن » وفيما سيأتي « منهم » يدعوهم(٣) حال عن الله ، والمستكن عائد إليه والبارز للخلق ، أو هو علة للبعث فالمستكن للنبيين والبارز لغيرهم ، والتقدير لأنّ يدعوهم وفي بعض النسخ يدعونهم ، فهو حال عن النبييّن ومؤيد للمعنى الثاني ، وفيما سيأتي فدعوهم وهو أظهر ، وهو قوله : أي جبل النفوس على الإقرار بالصانع بعد الإعراض عن الدواعي الخارجية بالضرورة الفطرية من أجل تلقينهم المعرفة في ذلك اليوم ، وإقرارهم بها ولو لم يكن ذلك لم يكن هذا ، وقيل : المعنى أنّ إقرارهم بذلك عند السؤال في أي وقت كان دل على إقرارهم بذلك في ذلك اليوم والأوّل أظهر « من أحبّ » أي من أحبّ الإقرار بها ومن أحبها أو من أحبنا أو من أحبه الله ، وكذا قوله : من أبغض.
« وهو » أي إنكار من أبغض « قوله » أي مدلول قوله والآية في الأعراف « فَما كانُوا » وكان التغيير من النساخ أو نقل بالمعنى ، وفيما سيأتي : ما كانوا ، بدون الواو
__________________
(١) سورة الزخرف : ٨٧. (٢) سورة يونس : ٧٥.
(٣) وفي المتن « يدعونهم » وسيأتي في كلام الشارح (ره) أيضاً.
عليهالسلام كان التكذيب ثمَّ.
٣ - محمّد بن يحيى ، عن سلمة بن الخطّاب ، عن عليّ بن سيف ، عن العبّاس بن عأمر ، عن أحمد بن رزق الغمشاني ، عن محمّد بن عبد الرَّحمن ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ولايتنا ولاية الله الّتي لم يبعث نبيّاً قطّ إلّا بها.
٤ - محمّد بن يحيى ، عن عبد الله بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن عبد الحميد ، عن يونس بن يعقوب ، عن عبد الأعلى قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول ما من نبي جاء قط إلّا بمعرفة حقّنا وتفضيلنا على من سوانا.
٥ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي الصباح الكناني ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال سمعته يقول والله أنّ في السماء لسبعين صفّاً من الملائكة لو اجتمع أهل الأرض كلهم
________________________________________________________
أيضاً وهو أقرب «لِيُؤْمِنُوا » أي في التكليف الثاني «بِما كَذَّبُوا بِهِ » أي عن النبوة.
والولاية «مِنْ قَبْلُ » أي في التكليف الأوّل في الميثاق « كان التكذيب ثمّ » أي كان تكذيب المكذّبين من ذلك اليوم وليس بمتجدد أو مناط التكذيب الثاني والعمدة فيه هو الأوّل ، وكذا الإقرار.
أقول : سيأتي الكلام في هذه الأخبار الموهمة للجبر في كتاب الإيمان والكفر.
الحديث الثالث : كالسابق « ولاية الله » أي ولاية واجبة من قبل الله ، ولا يختصّ هذه الأمّة بل كان أوجب الله سبحانه في كلّ شريعة ولايتنا أو الحمل على المبالغة.
لبيان أنّ ولاية الله لا تقبل إلّا بولايتنا.
الحديث الرابع : مجهول « إلّا بمعرفة حقنا » أي بواجب معرفة حقّ أهل البيت أو النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيتهعليهمالسلام « على من سوانا » من الأنبياء السابقين والأوصياء وسائر الخلق ، وهذا ممّا يدلّ على فضلهم على جميع الخلق.
الحديث الخامس : كالسابق.
يحصون عدد كلّ صف منهم ما أحصوهم وأنّهم ليدينون بولايتنا.
٦ - محمّد ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي الحسنعليهالسلام قال ولاية عليّعليهالسلام مكتوبة في جميع صحف الأنبياء ولن يبعث الله رسولا إلّا بنبوة محمّدصلىاللهعليهوآله ووصيّه عليّعليهالسلام .
٧ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن محمّد بن جمهور قال حدثنا يونس ، عن حمّاد بن عثمان ، عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال أنّ الله عزَّ وجلَّ نصب عليّاًعليهالسلام علـمّا بينه وبين خلقه فمن عرفه كان مؤمناً ومن أنكره كان كافراً ومن جهله كان ضالا ومن نصب معه شيئاً كان مشركاً ومن جاء بولايته دخل الجنّة.
________________________________________________________
« يحصون » جملة حالية « عدد كلّ صف » أي جميع الصفوف أو واحد منها ، وفي البصائر لسبعين صنفا يحصون عدد صنف منهم وكأنه أظهر ، وما قيل : من أنّ ضمير منهم راجع إلى أهل الأرض فلا يخفى بعده « ليدينون بولايتنا » أي يعتقدون بها أو يعبدون الله بها أو متلبسا بها.
الحديث السادس : كالسابق « ولن » هنا لتأكيد النفي كما جوزه الزمخشري إذ لا معنى للتأبيد هنا ، وكأنه كان « لم » لكن في البصائر أيضاً كذلك.
الحديث السابع : ضعيف.
« علـمّا » بالتحريك وهو ما ينصب في الطريق ليهتدي به ، وقيل : علأمّة الرشد والغي بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم « فمن عرفه» أي عرف ولايته وأقر بها « ومن أنكره » أي أنكر إمامته بعد العلم أو التمكن منه « ومن جهله » أي لم يتمّ عليه الحجة من المستضعفين فهو ضال ولله فيه المشية ، أو المراد بالجاهل الشاك الّذي لا ينكر ولا يقر « ومن نصب معه شيئاً » بأنّ يعتقد إمامته ويقدم عليه أهل الضلال كأكثر الخلق من المخالفين فهو في حكم المشرك ومخلد في النار « ومن جاء بولاية » بلا فصل بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مع سائر الأئمّة إذ يستلزم ولايته والعلم بإمامته كما حقّه ، العلم بإمأمّة أوصيائه « دخل الجنّة » وظاهره أنّ غير هؤلاء لا يدخلون الجنّة ، فالضالون أنّ لم يدخلوا النار فهم أهل الأعراف.
٨ - الحسينُ بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي حمزة قال سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول أنّ عليّاًعليهالسلام باب فتحه الله فمن دخله كان مؤمناً ومن خرج منه كان كافراً ومن لم يدخل فيه ولم يخرج منه كان في الطبقة الذين قال الله تبارك وتعالى لي فيهم المشيئة.
٩ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن بكير بن أعين قال كان أبو جعفرعليهالسلام يقول أنّ الله أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية لنا وهم ذر يوم أخذ الميثاق على الذرّ بالإقرار له بالربوبية ولمحمّدصلىاللهعليهوآله بالنبوّة وعرض الله جل وعزَّ على محمّدصلىاللهعليهوآله أمته في الطين وهم أظلة وخلقهم من الطينة الّتي خلق منها آدم وخلق الله أرواح شيعتنا قبل أبدأنّهم بألفي عام وعرضهم عليه وعرفهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعرفهم عليّاً ونحن نعرفهم «فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ».
________________________________________________________
الحديث الثامن : ضعيف على المشهور.
« أنّ عليّاًعليهالسلام » أي ولايته« باب » ، أي باب رحمة الله وإسراره ومعارفه وباب علم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وحكمه كما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا مدينة العلم وعلى بابها ، وكلّ ذلك على الاستعارة والتمثيل « فمن دخله » أي قبل ولايته وقال بإمامته وإنّما قسمعليهالسلام في هذا الخبر ثلاثة أقسام لأنّ الخروج أعمّ من الإنكار مطلقاً أو التشريك في الإمأمّة فعد هنا قسمين قسما واحداً « قال الله » أي في قوله : «وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمر اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وأمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ »(١) .
الحديث التاسع : حسن.
« في الطين » أي حين كان الرسول في الطين أو أمته أو هما معا ، أي قبل خلق أجسادهم « وهم أظلة » أي أرواح بلا أجساد أو أجساد مثالية « وعرضهم عليه » أي على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهذا هو العرض الأوّل أو عرض آخر قبله كما مرّ « وعرفهم رسول الله » أي جعلهم عارفين بالرسول وبأمير المؤمنين صلوات الله عليهما أو جعلهما عارفين بهم وهو أظهر.
قوله : في لحن القول ، إشارة إلى قوله تعالى : «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
__________________
(١) سورة التوبة. ١٠٦.
( باب )
( في معرفتهم أولياءهم والتفويض إليهم )
١ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن صالح بن سهل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنَّ رجلا جاء إلى أمير المؤمنينعليهالسلام وهو مع أصحابه فسلم عليه ثمّ قال له أنا والله أحبك وأتولاك فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام كذبت قال بلى والله إني أحّبك وأتولاك فكرر ثلاثاً فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام كذبت ما أنت كما قلت أنّ الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام ثمّ عرض علينا المحبّ لنا فو الله ما رأيت روحك فيمن عرض فأين كنت فسكت الرجل عند ذلك ولم يراجعه.
وفي رواية أخرى قال أبو عبد اللهعليهالسلام كان في النار.
٢ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن عمرو بن ميمون ، عن عمّار بن مروان ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إنا لنعرف الرجل
________________________________________________________
أنّ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغأنّهم ، وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ »(١) قال البيضاوي لحن القول أسلوبه أو إمالته إلى جهة تعريض وتورية ومنه قيل : للمخطئ لاحن لأنه يعدل الكلام عن الصواب.
باب في معرفتهم أولياءهم والتفويض إليهم
الحديث الأول :ضعيف.
« خلق الأرواح » المشهور بين المتكلمين عدم تقدّم خلق الأرواح على الأبدأنّ والأخبار المستفيضة تدلّ على تقدّمها ولا مانع منه عقلاً والدلائل النافية مدخولة وسيأتي القول في ذلك في كتاب الإيمان والكفر إنشاء الله « كان في النار » أي في أهل النار وكانت طينته في طينتهم.
الحديث الثاني : مختلف فيه.
__________________
(١) سورة محمد : ٢٩ - ٣٠.
إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق.
٣ - أحمد بن إدريس ومحمّد بن يحيى ، عن الحسن بن عليّ الكوفي ، عن عبيس بن هشام ، عن عبد الله بن سليمان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سألته عن الإمام فوض الله إليه كما فوض إلى سليمأنّ بن داود فقال نعم وذلك أنّ رجلا سأله عن مسألة فأجابه فيها وسأله آخر عن تلك المسألة فأجابه بغير جواب الأوّل ثمّ سأله آخر فأجابه بغير جواب الأولين ثمّ قال هذا عطاؤنا فامنن أو أعط بغير حساب وهكذا هي في قراءة عليّعليهالسلام قال قلت أصلحك الله فحين أجابهم بهذا الجواب يعرفهم الإمام قال سبحان الله أما تسمع الله يقول : «أنّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ »(١)
________________________________________________________
« بحقيقة الإيمان » أي الإيمان الواقعي الحقّ الّذي لا يشوبه نفاق وذلك الّذي يحقّ أنّ يسمى إيمانا أو كناية عن أنّ الإيمان كأنه حقيقة المؤمن وماهيته أو بالحقيقة والطينة الّتي تدعو إلى الإيمان وكذا الكلام في حقيقة النفاق.
الحديث الثالث : مجهول كالحسن.
« وذلك أنّ رجلاً » الظاهر أنه كلام عبد الله لبيان سبب سؤاله السابق ، والتقدير ذلك السؤال لأنّ رجلاً سأله ويحتمل أنّ يكون من كلام الإمام ، فضمير سأله لسليمانعليهالسلام لكنّه بعيد.
قولهعليهالسلام : وهكذا هي ، أقول : لم تذكر هذه القراءة في القراءات الشاذة وكأنه على هذه القراءة المن بمعنى القطع أو النقض وحمله على أنّ الترديد بين العطاء مع المنة وبدونها بعيد عن سياق الخبر ، وعلى القراءة المشهورة المن بمعنى الإعطاء ، وقد مضى في باب أنّ المتوسميّن هم الأئمّةعليهمالسلام تأويل قوله تعالى : «أنّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ » وقد مضى في باب التفويض أنّ أحد معانيه تفويض بيان العلوم والأحكام بما أرادوا ورأوا المصلحة فيها بسبب اختلاف عقول الخلق
__________________
(١) سورة الحجر. ٧٥.
وهم الأئمّة «وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ » لا يخرج منها أبدا ثمّ قال لي نعمّ أنّ الإمام إذا أبصر إلى الرجل عرفه وعرف لونه وأنّ سمع كلامه من خلف حائط عرفه وعرف ما هو أنّ الله يقول : «وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ أنّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ »(١) وهم العلماء فليس يسمع شيئاً من الأمر ينطق به إلّا عرفه ناج أو هالك فلذلك يجيبهم بالّذي يجيبهم.
________________________________________________________
وإفهامهم ، أو بسبب التقية فيفتون بعض النّاس بالحكم الواقعي وبعضهم بالتقية ويبينون تفسير الآيات وتأويلها ويبدلون المعارف بحسب ما يحتمل عقل كلّ سائل ، وأيضاً لهم أنّ يجيبوا ولهم أنّ يسكتوا بحسب المصالح.
« وعرف لونه » أي ما يدلّ عليه لونه أو اللون بمعنى النوع من المؤمن والمنافق وكذا قوله : وعرف ما هو ، أي نوع هو ، وعلى أي صفة «أنّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ » على تأويلهعليهالسلام المعنى أنّ في الألسن المختلفة والألوأنّ المتنوعة آيات وعلامات للعلماء الربانيين وهم الأئمّةعليهمالسلام يستدلون بها على إيمانهم ونفاقهم ونجاتهم وهلاكهم.
__________________
(١) سورة الروم : ٢١.
(أبواب التاريخ )
(باب )
( باب مولد النبي صلىاللهعليهوآله ووفاته )
ولد النبيُّصلىاللهعليهوآله لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوّل في عام الفيل يوم الجمعة مع الزّوال ، وروي أيضاً عند طلوع الفجر قبل أنّ يبعث بأربعين سنّة وحملت به أمه في أيام التشريق عند الجمرّة الوسطى وكانت في منزل عبد الله بن
________________________________________________________
باب(١) التار يخ
تاريخ مولد النبيصلىاللهعليهوآله ووفاته
« لاثنتي عشرة » اعلم أنه اتفقت الإمامية إلّا من شذ منهم على أنّ ولادتهصلىاللهعليهوآلهوسلم كانت في سابع عشر شهر ربيع الأوّل ، وذهب أكثر المخالفين إلى أنها كانت في الثاني عشر منه ، واختاره المصنفرحمهالله إمّا اختياراً أو تقية والأخير أظهر ، لكن الدلائل الحسابية على الأوّل أدل كما سنشير إليه ، وذهب بعضهم إلى الثامن وبعضهم إلى العاشر من الشهر المزبور ، وذهب شاذ منهم إلى أنه ولد في شهر رمضان فأما يوم الولادة فالمشهور بين علمائنا أنه كان يوم الجمعة ، والمشهور بين المخالفين يوم الاثنين ، ثمّ الأشهر بيننا وبينهم أنه ولد بعد طلوع الفجر ، وقيل : عند الزوال وقيل : آخر النهار ، وقال صاحب العدد القوية كانت خمس وخمسين يوما من هلاك أصحاب الفيل بسبع بقين من ملك أنوشيروأنّ ، ويقال : في ملك هرمز بن أنوشيروان وذكر الطبرسي أنّ مولده كان لاثنتي وأربعين سنّة من ملك أنوشيروأنّ ، وهو الصحيح لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ولدت في زمن الملك العادل أنوشيروان.
قوله : عند طلوع الفجر ، أي بعده بقليل « قبل أنّ يبعث » متعلق بولد.
قوله : وحملت به أمه ، اعلم أنّ هيهنا إشكالاً مشهوراً أورده الشهيد الثاني
__________________
(١) كذا في النسخ وفي المتن « أبواب » بلفظ الجمع.
________________________________________________________
رحمهالله وجماعة وهو أنّه يلزم على ما ذكره الكلينيرحمهالله من كون الحمل بهصلىاللهعليهوآلهوسلم في أيام التشريق وولادته في ربيع الأوّل أنّ يكون مدة حملهصلىاللهعليهوآلهوسلم إما ثلاثة أشهر أو سنّة وثلاثة أشهر ، مع أنّ الأصحاب اتفقوا على أنه لا يكون الحمل أقل من ستّة أشهر ، ولا أكثر من سنّة ، ولم يذكر أحد من العلماء أنّ ذلك من خصائصهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والجواب أنّ ذلك مبني على النسيء الّذي كانوا يفعلونه في الجاهلية وقد نهى الله تعالى عنه ، وقال : «إنّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ » قال الشيخ الطوسيرحمهالله في تفسير هذه الآية نقلا عن مجاهد : كان المشركين يحجون في كلّ شهر عامين يحجوا في ذي الحجة عامين ثمّ حجوا في المحرم عامين وكذلك في المشهور حتّى وافقت الحجة الّتي قبل حجة الوداع في ذي القعدّة ، ثمّ حج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في العام القابل حجة الوداع فوافقت ذا الحجة ، فقال في خطبته : إلّا وأنّ الزمأنّ قد استدار كهيأته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنّة اثنتي عشر شهراً ، منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ، ذو القعدّة وذو الحجة ومحرم ورجب مضربين جمادى وشعبأنّ أراد بذلك أنّ الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها ، وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء ، انتهى.
إذا عرفت هذا فقيل : إنه على هذا يلزم أنّ يكون الحج عام مولدهصلىاللهعليهوآلهوسلم في جمادى الأولى لأنهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنّة ، ودورة النسيء أربعة وعشرون سنّة ضعف عدد الشهور ، فإذا أخذنا من السنّة الثانية والستين ورجعنا تصير السنّة الخامس عشر ابتداء الدورة لأنه إذا نقص من اثنين وستين ثمانية وأربعون يبقى أربعة عشر ، الاثنتان الأخيرتان منها لذي القعدّة ، واثنتان قبلهما الشوال وهكذا ، فتكون الأوليأنّ منها لجمادى الأولى ، فكان الحج عام مولد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو عام الفيل في جمادى الأولى ، فإذا فرض أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم حملت به أمه في الثاني عشر
________________________________________________________
منه ، ووضعت في الثاني عشر من ربيع الأوّل ، تكون مدّة الحمل عشرة أشهر بلا مزيدة ولا نقيصة.
أقول : ويرد عليه أنه قد أخطأرحمهالله في حساب الدورة وجعلها أربعة وعشرين سنّة ، إذ الدورة على ما ذكر إنّما تتم في خمسة وعشرين سنّة ، إذ في كلّ سنتين يسقط شهر من شهور السنّة باعتبار النسيء ، وفي كلّ خمسة وعشرين سنّة تحصل أربعة وعشرون حجة تمام الدورة ، وأيضاً على ما ذكره يكون مدة الحمل أحد عشر شهرا إذ لـمّا كان عام مولده أوّل حج في جمادى الأولى يكون في عام الحمل الحج في ربيع الثاني ، فالصواب أنّ يقال : كان في عام حملهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحج في جمادى الأولى ، وفي عام مولده في جمادى الثانية ، فعلى ما ذكرنا تتم من عام مولده إلى خمسين سنّة من عمرهصلىاللهعليهوآلهوسلم دورتان في الحادية والخمسين تبتدئ الدورة الثالثة من جمادى الثانية وتكون للشهر حجتان إلى أنّ ينتهي إلى الحادية والستين والثانية. والستين ، فيكون الحج فيهما في ذي القعدّة ويكون في حجة الوداع الحج في ذي الحجة فتكون مدة الحمل عشرة أشهر.
فأنّ قلت : على ما قررت من أنّ في كلّ دورة تتأخر سنّة ففي نصف الدورة تتأخر ستّة أشهر ومن ربيع الأوّل الّذي هو شهر المولد إلى جمادى الثانية الّتي هي شهر الحج نحو من ثلاثة أشهر فكيف يستقيم الحساب على ما ذكرت؟ قلت : تاريخ السنّة محسوبة من شهر الولادة فمن ربيع الأوّل من سنّة الولادة إلى مثله من سنّة ثلاث وستين تتم اثنان وستون ، ويكون السابع عشر منه ابتداء سنّة الثالث والستين وفي شهر العاشر من تلك السنّة أعني ذا الحجة وقع الحج الحادي والستون وتوفيصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل إتمام السنّة على ما ذهبت إليه الشيعة بتسعة عشر يوماً ، فصار عمرهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثلاثاً وستين إلّا تلك الأيام المعدودة.
وأمّا ما رواه سيّد بن طاوس في كتاب الإقبال نقلا من كتاب النبوّة للصدوق
عبد المطّلب وولدته في شعب أبي طالب في دار محمّد بن يوسف في الزاوية القصوى عن يسارك وأنت داخل الدّار ؛وقد أخرجت الخيزرأنّ ذلك البيت فصيرته مسجدا
________________________________________________________
رضي الله عنهما ، أنّ الحمل بسيدنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة فيمكن أنّ يكون الحمل في أوّل سنّة وقع الحج في جمادى الثانية ومن سنّة الحمل إلى سنّة حجة الوداع أربع وستون سنّة ، وفي الخمسين تمام الدورتين وتبتدئ الثالثة من جمادى الثانية ، ويكون في حجة الوداع ، والّتي قبلها الحج في ذي الحجة ولا يخالف شيئاً إلّا ما مرّ عن مجاهد أنّ حجة الوداع كانت مسبوقة بالحج في ذي القعدّة ، وقوله غير معتمد في مقابلة الخبر أنّ ثبت أنه رواه خبرا ، وتكون مدة الحمل على هذا تسعة أشهر إلّا يوما فيوافق ما هو المشهور في مدة حملهصلىاللهعليهوآلهوسلم عند المخالفين.
وقوله : عند الجمرّة الوسطى أي في بيت كان قريبا منها ، وكان البيت لعبد الله أو موضع نزوله إذ كانت لأهل مكّة في منى منازل وبيوت ينزلونه في الموسم ، ويحتمل أنّ يكون المراد بالمنزل الخيمة المضروبة له هناك ، وقال بعض الأفاضل في دفع الإشكال المتقدَّم : التشريق الخروج إلى ناحية المشرق ، وكانت أشراف قريش يخرجون من مكّة مع أهاليهم في الصيف إلى الطائف ، وهو في ناحية المشرق وكانوا يسمون تلك الأيام أيام التشريق وينزلون منى في بعض تلك الأيام ، والقرينة على أنه ليس المراد بأيام التشريق ما في موسم الحج أنّ المكان الّذي هو عند الجمرّة الوسطى لا يخلو في موسم الحج.« وكانت » أي حين إقامتها بمكّة ، ولو كان المراد حين كونها في منى لم يحتج إلى زيادة لفظ : وكانت ، انتهى.
ولا يخفى غرابته ولا أدري من أين أخذرحمهالله هذا الاصطلاح لأيام التشريق ، وأي مناسبة لمني مع الطائف.
والشعب بالكسر : ما انفرج بين جبلين ، وشعب أبي طالب معروف بمكّة وهو
يصلّي الناس فيه وبقي بمكّة بعد مبعثه ثلاث عشرة سنّة ثمّ هاجر إلى المدينة ومكث بها عشر سنين ،ثمّ قبضعليهالسلام لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأوّل يوم الإثنين
________________________________________________________
الموضع الّذي كان فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبو طالب وسائر بني هاشم فيه عند إخراج قريش إيّاهم من بينهم ، وكتب الكتاب بينهم في مهاجرتهم ومعاندتهم.
قوله : في دار محمّد بن يوسف ، المشهور في السير أنّ هذه الدار كانت للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بالميراث ، ووهبها عقيل بن أبي طالب ثمّ باعها أولاد عقيل بعد أبيهم محمّد بن يوسف أخا الحجّاج فاشتهرت بدار محمّد بن يوسف فأدخلها محمّد في قصره الّذي يسمونه بالبيضاء ثمّ بعد انقضاء دولة بني أمية حجت خيزران أم الهادي والرشيد من خلفاء بني العبّاس فأفزرها عن القصر وجعلها مسجداً ، والقصوى مؤنث أقصى أي الأبعد ، والمكان بهذا الوصف موجود الأنّ يزوره الناس.
وأمّا إقامتهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمكّة بعد البعثة فالمشهور أنه ثلاثة عشرة سنّة كما ذكره المصنف ، وقيل : خمس عشرة سنّة ، وقيل : ثمأنّ سنين وهما متروكان ، ولا خلاف في أنّ مدة إقامتهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالمدينة كانت عشر سنين.
وأمّا ما ذكره من يوم وفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقد بناه على ما هو المشهور بين المخالفين أيضاً ، والمشهور بيننا ما ذكره الشيخ في التهذيب وغيره في كتبهم أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبض مسموماً يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنّة عشر من الهجرة ، والأصوب أنّ وفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم كانت سنّة إحدى عشرة من الهجرة ليتمّ عشر سنين منها كما ذكره المسعودي وغيره ، لكن لـمّا ذكره الشيخ أيضاً وجه ، إذ لو حوسب التاريخ من المحرم الّذي هو مبدء التواريخ بعد الهجرة ، فالوفاة في الحادية عشرة ، وأنّ حوسب من وقت الهجرة فالوفاة قبل تمام العشرة على المشهور ، وعنده على قول الكليني ، قال في جامع الأصول : مات سنّة إحدى عشرة ، فقيل : كان يوم الاثنين مستهل ربيع الأوّل ، وقيل : لليلتين خلتا ، وقيل : لاثنتي عشرة وهو الأكثر ، انتهى.
وقال صاحب كشف الغمة من تاريخ أحمد بن أحمد الخشاب عن أبي جعفر الباقر
________________________________________________________
عليهالسلام قال قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو ابن ثلاث وستين سنّة في سنّة عشر من الهجرة ، فكان مقامه بمكّة أربعين سنّة ، ثمّ نزل عليه الوحي في تمام أربعين ، وكان بمكّة ثلاث عشرة سنّة ، ثمّ هاجر إلى المدينة وهو ابن ثلاث وخمسين سنّة ، فأقام بالمدينة عشر سنين ، وقبضعليهالسلام في شهر ربيع الأوّل يوم الاثنين لليلتين خلتا منه ، وروي لثماني عشرة ليلة منه ، رواه البغوي ، وقيل : لعشر خلون منه ، وقيل : لثمان بقين رواه ابن الجوزي والحافظ أبو محمّد بن حزم وقيل : لثمان خلون من ربيع الأوّل ، انتهى.
واعلم أنّ الّذي يدلّ على صحّة ما ذهب إليه الكلينيقدسسره من تاريخ الولادة هو أنه من أوّل ربيع الأوّل الّذي ولد فيهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أوّل ربيع الأوّل الّذي هاجر فيه إلى المدينة ثلاث وخمسون سنّة تأمّة قمرية ، لأنّ مدة مكثهصلىاللهعليهوآلهوسلم بها بعد الهجرة كانت عشر سنين كما عرفت ، ومدة حياته ثلاث وستين سنّة أو أقل منها بعشرين يوما ، على رواية أنه ولد في السابع عشر من ربيع الأوّل ، وقبض في آخر صفر ولا اختلاف في ولادته باعتبار الشهر بين الشيعة ، فمن أوّل المحرم المقدم على ميلاده الشريف الّذي هو رأس سنّة عام الفيل إلى أوّل المحرم المقدم على هجرته الّذي هو مبدء التاريخ الهجري أيضاً ثلاث وخمسون سنّة تأمّة قمرية ، فلـمّا ضربنا عدد السنين التأمّة القمرية المذكورة في ثلاثمائة وأربعة وخمسين عدد أيام سنّة تأمّة قمرية وحصلنا الكبائس وزدناها عليها على القانون المقرر عندهم ، حصل ثمانية عشر آلاف وسبعمائة وأحد وثمانون وكان أوّل محرم سنّة هجرتهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الخميس بالأمر الأوسط كما ذكروه في الزيجات ، وعليه مدار عملهم.
قال العلامة الرازي وأولها وهو أوّل المحرم يوم الخميس بالأمر الأوسط وقول أهل الحديث يوم الجمعة بالرؤية وحساب الاجتماعات نعمل عليه ، وأرخ منهما في مستأنف الزمان ، انتهى.
________________________________________________________
فإذا طرحنا من المبلغ سبعة سبعة عدد أيام الأسبوع لم يبق شيء فظهر أنّ أوّل المحرم في عام الفيل الّذي هو عام مولدهصلىاللهعليهوآلهوسلم أيضاً يوم الخميس بالأمر الأوسط فأوّل شهر صفر من هذا العام يوم السبت ، وأوّل ربيع الأوّل يوم الأحد بالأمر الأوسط ، ولـمّا كان أوّل الشهور يختلف بحسب الأمر الأوسط في الأكثر بيوم ، فأوله بالرؤية يوم الاثنين ، واليوم الثاني عشر منه يوم الجمعة ، وأمّا اليوم السابع عشر منه فيوم الثلاثاء بالأمر الأوسط ، ولا يختلف أوّل الشهور بالأمر الأوسط والرؤية بأكثر من يومين ، لأنّ أكثر المتوالية من الشهور التأمّة بالرؤية أربعة أشهر ، لا يزيد عليها وأكثر المتوالية من الناقصة ثلاثة أشهر لا غير ، والشهور الوسطية شهر تام وشهر ناقص إلّا في سنّة الكبيسة ، فأنّ شهرين متواليين فيها يكونأنّ تأمين وهما ذو الحجة والمحرم ، فعلى تقدير تقدم أوّل الشهر بالرؤية بيومين على الأمر الأوسط وتأخره كذلك عنه ، فالسابع عشر إما الخميس أو الأحد ، والجميع متفقون على أنّ ولادتهصلىاللهعليهوآلهوسلم كانت في يوم الجمعة وهو يبطل كونها في السابع عشر ، ويثبت الثاني عشر ، فالقول المشهور متهافت يناقض بعضها بعضاً ، وكونها يوم الجمعة تنافي كونها في السابع عشر.
وإذا تقرر ذلك فلننظر في وقت وفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإذا قد عرفت أنّ أوّل المحرم سنّة الهجرة يوم الخميس فأوّل صفر يوم السبت ، وأوّل ربيع الأوّل يوم الأحد ، وإذ قد عرفت أنّ أوّل ربيع الأوّل الّذي ولد فيهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الأحد وما بين ربيع الأوّل الّذي في خلال سنّة هجرته وبينه ثلاث وخمسون سنّة تأمّة قمرية كما مرّ ، فإذا جعلت السنين أيّاماً وطرحت منها سبعة سبعة لم يبق شيء ، فظهر أنّ أوّل ربيع الّذي في خلال سنّة هجرته أيضاً يوم الأحد.
فنقول : ما بين أوّل ربيع الأوّل الّذي خلال سنّة هجرته ، وأوّل ربيع الأوّل الّذي قبض فيه عشر سنين تأمّة قمرية فإذا ضربنا عدد السنين في عدد أيام السنّة القمرية وزدنا عليه الكبائس بلغ ثلاثة آلاف وخمسمائة وأربعاً وأربعين ، فإذا طرحنا من المبلغ
وهو ابن ثلاث وستّين سنة وتوفّي أبوه عبد الله بن عبد المطّلب بالمدينة عند أخواله
________________________________________________________
سبعة سبعة يبقى اثنان ، فإذا جمعنا هما مع الأحد أوّل ربيع الأوّل الّذي هاجرصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه ، يظهر أنّ أوّل الربيع الأوّل الّذي قبض فيه يوم الثلاثاء بالأمر الأوسط فالثاني عشر منه بالأمر الأوسط يوم السبت ، وبالرؤية يوم الاثنين ، وقد عرفت أنه قد يتقدم أوّل الشهر بحسب الرؤية عليه ويتأخر عنه بالأمر الأوسط بيومين وإذا كان أوّل الربيع بالأمر الأوسط يوم الثلاثاء يكون أوّل شهر صفر بالأمر الأوسط يوم الاثنين ، والسابع والعشرون منه يوم السبت ، فيمكن أنّ يكون الاختلاف لأجل اختلاف الرؤية ، والأمر الأوسط بأنّ يكون أوّل الشهر بالرؤية يوم أربعاء فينطبق الثامن والعشرون من شهر صفر على يوم الاثنين ، فلا يظهر ترجيح من هذا الوجه لأحد القولين على الآخر.
أقول : وقد أوردنا في كتاب السماء والعالم من كتاب بحار الأنوار وجوها أخرى حسابية لتقوية ما اختاره ثقة الإسلام (ره) ومع ذلك كله يشكلّ رد الخبر المعتبر الدال عليّ كون الولادة الشريفة في السابع عشر لابتناء تلك الوجوه على ما ظهر لأهل الهيئة من الأرصاد المختلفة في الكسور والكبائس ، ويظهر من اختلافها في الأزمنة المتطاولة اختلاف كثير ، وأيضاً كون الولادة في يوم الجمعة ليس شهرتها بين الإمامية كشهرة السابع عشر ، فيمكن أنّ يكون الاشتباه في الأوّل دون الثاني.
مع أنّ ما ورد في الأخبار مبني عليّ الرؤية الشرعية فيمكن أنّ يكون الرؤية أيضاً متأخرة عن هذا الحساب في ذلك الشهر الغيم أو نحوه ، والله يعلم حقائق الأمور.
قوله (ره) : وهو ابن ثلاث وستين سنّة ، وقال بعض العامّة : ابن خمس وستين ، وعلى الأوّل اتفق أصحابنا وهو المشهور بينهم أيضاً.
وأمّا نسبه الشريف على ما ذكره الأكثر هو محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن
وهو ابن شهرين ، وماتت أمّه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لويّ بن غالب وهوعليهالسلام ابن أربع سنين ومات عبد المطّلب وللنبي
________________________________________________________
أدي بن أدد بن اليسع بن شروع بن الهميسع بن سلامان بن النبت بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليلعليهالسلام بن تارخ بن تاخور بن شروع بن أرغو بن غالع بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح بن مالك بن متوشلخ بن أخنوخ بن البارذ بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدمعليهمالسلام .(١) فإلى عدنان اتفق الأكثر وبعده اختلفوا اختلافات كثيرة أوردناها في الكتاب الكبير.
قوله : عند أخواله ، قال الراوندي في القصص : أنّ أباه توفي وأمه حبلى ، وقدمت أمه آمنة بنت وهب على أخواله من بني عدي النجار بالمدينة ، ثمّ رجعت به حتّى إذا كانت بالأبواء ماتت وأرضعتهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى شب حليمة بنت عبد الله السعدية.
وقال ابن شهرآشوب (ره) في المناقب : توفي أبوه وهو ابن شهرين ، الواقدي وهو ابن سبعة أشهر ، الطبري : توفي أبوه بالمدينة ودفن في دار نابغة ، ابن إسحاق : توفي أبوه وأمه حامل به ، وماتت أمه وهو ابن أربع سنين ، الكلبي : وهو ابن ثمانية وعشرين شهرا ، محمّد بن إسحاق : توفيت أمه بالأبواء منصرفة إلى مكّة ، وهو ابن ست ورباه عبد المطلب ، وتوفي عنه وهو ابن ثمأنّ سنين وشهرين وعشرة أيام ، فأوصى به إلى أبي طالب فرباه.
وقال الكازروني في المنتقى : ولد عبد الله لأربع وعشرين سنّة مضت عن ملك كسرى أنوشيروان فبلغ سبع عشرة سنّة ، ثمّ تزوج آمنة ، فلـمّا حملت برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم توفي وذلك أنّ عبد الله بن عبد المطلب خرج إلى الشام في عير من عيرات قريش ، يحملون تجارات ففرغوا من تجاراتهم ثمّ انصرفوا فمروا بالمدينة وعبد الله يومئذ مريض ،
__________________
(١) في ضبط بعض تلك الأسماء اختلاف في النسخ وما أثبتناه هنا موافق لـمّا هو موجود في الأصل ، وعلى الباحث المحقق الرجوع إلى السير والتواريخ الموسوعة.
صلىاللهعليهوآله نحو ثمان سنين وتزوج خديجة وهو ابن بضع وعشرين سنّة فولد له منها
________________________________________________________
فقال : أتخلف عند أخوالي بني عديّ بن النجار فأقام عندهم مريضا شهرا ، ومضى أصحابه فقدموا مكّة فسألهم عبد المطلب عن عبد الله فقالوا : خلفناه عند أخواله بني عديّ وهو مريض ، فبعث إليه عبد المطلب أعظم ولده الحارث ، فوجده قد توفي في دار النابغة ، فرجع إلى أبيه فأخبره فوجد عليه عبد المطلب وجداً شديداً ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يومئذ حمل ولعبد الله يوم توفي خمس وعشرون سنّة ، وروي أنّه توفّي بعد ما أتى على رسول الله ثمانية وعشرون شهراً ، ويقال : سبعة أشهر والأوّل أصح ، انتهى.
قوله : وتزوج خديجة ، قال القرطبي : تزوجها قبل النبوّة ثيبا بعد زوجين ، بعد أبي هالة التميمي ، وبعد عتيق المخزومي ، ثمّ تزوجها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهي بنت أربعين سنّة وأقامت معه أربعاً وعشرين سنّة ، وتوفيت وهي بنت أربع وستين سنّة وستّة أشهر ، وسن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين تزوجها إحدى وعشرون سنّة ، وقيل : خمس وعشرون ، وقيل : ثلاث وثلاثون ، وقال بعضهم : أمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم كانت خديجة تحت أبي هالة بن زرارة التميمي ، فولدت له هندا وهالة وهما ذكرأنّ ثمّ تزوجها عتيق بن عائذ المخزومي ، فولدت له جارية اسمها هند ، وبعضهم يقدم عتيقا على أبي هالة ، ثمّ تزوجها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولها يومئذ من العمرّ أربعون سنّة وبعض أخرى ، وكان لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خمس وعشرون سنّة ، وقيل : إحدى وعشرون ، والأوّل أصح ولم ينكح النبيّ قبلها امرأة ولم ينكح عليها حتّى ماتت وهي أوّل من آمن من النساء.
قال ابن شهرآشوبرحمهالله في المناقب : تزوج أولاً بمكّة خديجة بنت خويلد قالوا : وكانت عند عتيق بن عائذ المخزومي ثمّ عند أبي هالة ، وروى أحمد البلاذري وأبو القاسم الكوفي في كتابيهما والمرتضى في الشافي أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم تزوج بها وكانت عذراء ، ويؤكد ذلك ما ذكر في كتابي الأنوار والبدع أنّ رقية وزينب كانتا ابنتي هالة أخت خديجة ، انتهى.
قبل مبعثهعليهالسلام القاسم ورقية وزينب وأم كلثوم وولد له بعد المبعث الطيّب
________________________________________________________
ثمّ اعلم أنه اختلف في عدد أولادهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال القرطبي : اجتمع أهل النقل عليّ أنها ولدت له أربع بنات كلهن أدركن الإسلام وهاجرن ، زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ، وأجمعوا أنها ولدت له ولداً سماه القاسم وكان به يكنى واختلف هل ولدت له ذكرا غيره ، فقيل : ولدت ثلاثا عبد الله والطيّب والطاهر ، والخلاف في ذلك كثير ومات القاسم بمكّة صغيراً قبل أنّ يمشي ، وقيل : إنه لم يعش إلّا أيّاماً يسيرة ، ولم يكن لهصلىاللهعليهوآلهوسلم من غير خديجة ولد غير إبراهيمعليهالسلام ولدته مارية القبطية ، ولدته بالمدينة وبها توفي وهو رضيع ، وتوفي جميع أولاده في حياته إلّا فاطمة رضي الله عنها ، فإنّها توفيت بعده بستّة أشهر.
وروى الصدوق (ره) في الخصال بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : ولد لرسول اللهعليهالسلام من خديجة القاسم والطاهر وهو عبد الله ، وأم كلثوم ورقية وزينب وفاطمة وتزوج عليّ بن أبي طالب فاطمةعليهماالسلام ، وتزوج أبو العاص بن الربيع وهو رجل. من بني أمية زينب وتزوج عثمان بن عفان أم كلثوم ، فماتت ولم يدخل بها ، فلـمّا ساروا إلى بدر زوجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رقية ، وولد لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إبراهيم من مارية القبطية وهي أم إبراهيم أم ولد.
ونحو ذلك روى الحميري في قرب الإسناد عن هارون بن مسلم عن مسعدّة بن صدقة عن جعفر عن أبيهعليهماالسلام .
وقال ابن شهرآشوب في المناقب : ولد من خديجة القاسم وعبد الله وهما الطاهر والطيّب ، وأربع بنات زينب ورقية وأم كلثوم وهي آمنة ، وفاطمة وهي أم أبيها ، ولم يكن له ولد من غيرها إلّا إبراهيم من مارية ، ولد بعالية في قبيلة مازن في مشربة أم إبراهيم ، ويقال ولد بالمدينة سنّة ثمان من الهجرة ، ومات بها ، وله سنّة وعشرة أشهر وثمانية أيام وقبره بالبقيع.
وفي الأنوار والكشف واللمع وكتاب البلاذري أنّ زينب ورقية كانتا ربيبته من
والطاهر وفاطمةعليهاالسلام وروي أيضاً أنّه لم يولد بعد المبعث إلّا فاطمةعليهاالسلام وأنّ الطيّب
________________________________________________________
جحش فأمّا القاسم والطيّب فماتا بمكّة صغيرين قال مجاهد : مكث القاسم سبع ليال ، وقال في المنتقى : ولدت خديجة لهصلىاللهعليهوآلهوسلم زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة والقاسم وبه كان يكنى والطاهر والطيّب وهلك هؤلاء الذكور في الجاهلية ، وأدركت الإناث الإسلام فأسلمن وهاجرن معه ، وقيل : الطيّب والطاهر لقبان لعبد الله ، وولد في الإسلام ، وقال ابن عباس : أوّل من ولد لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمكّة قبل النبوّة القاسم ويكنى به ، ثمّ ولد له زينب ثمّ رقية ثمّ فاطمة ثمّ أم كلثوم ، ثمّ ولد له في الإسلام عبد الله ، فسمي الطيّب والطاهر جميعاً وأمهم جميعاً خديجة بنت خويلد ، وكان أوّل من مات من ولده القاسم ثمّ مات عبد الله بمكّة فقال العاص بن وائل السهمي : قد انقطع ولده فهو أبتر ، فأنزل الله تعالى : «أنّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ».
وعن جبير بن مطعمّ قال : مات القاسم وهو ابن سنتين ، وقيل : سنّة ، وقيل : أنّ القاسم والطيّب عاشا سبع ليال ، ومات عبد الله بعد النبوّة بسنّة ، وأمّا إبراهيم فولد سنّة ثمان من الهجرة ، ومات وله سنّة وعشرة أشهر وثمانية أيام وقيل : كان بين كلّ ولدين لخديجة سنّة وقيل : أنّ الذكور من أولاده ثلاثة والبنات أربع أو لهن زينب ثمّ القاسم ثمّ أم كلثوم ثمّ فاطمة ثمّ رقية ثمّ عبد الله وهو الطيّب والطاهر ، ثمّ إبراهيم ، ويقال : أنّ أولهم القاسم ثمّ زينب ثمّ عبد الله ثمّ رقية ثمّ أم كلثوم ، ثمّ فاطمة انتهى.
وأقول : هذا القول الأخير أوفق بالرواية الّتي رواها المصنف وكأنه إشارة إلى ما سيأتي في الروضة في حديث إسلام عليّعليهالسلام في حديث طويل عن عليّ بن الحسينعليهماالسلام قال : ولم يولد لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من خديجة على فطرة الإسلام إلّا فاطمةعليهاالسلام .
وقال في النهاية : البضع في العدد بالكسر وقد يفتح ما بين الثلاث إلى التسع ، وقيل : ما بين الواحد إلى العشرة ، لأنه قطعة من العدد ، وقال الجوهري : تقول بضع
والطاهر ولداً قبل مبعثه ، وماتت خديجةعليهاالسلام حين خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله من الشعب
________________________________________________________
سنين وبضع عشر رجلاً ، فإذا جاوزت لفظ العشر لا تقول بضع وعشرون وهذا يخالف ما جاء في الحديث ، انتهى.
قوله (ره) : وماتت خديجة ، ذهب بعضهم إلى أنّها رضي الله عنها ماتت بمكّة قبل الهجرة بخمس سنين ، وقيل : بأربع ، وقيل : بثلاث وهو أشهر ، وكان لها من العمرّ خمس وستون سنّة ، وكانت مدة مقامها معهصلىاللهعليهوآلهوسلم خمساً وعشرين سنّة ، ودفنت بالحجر.
وقال في إعلام الورى : أنّ قريشاً اجتمعوا في دار الندوة وكتبوا بينهم صحيفة لا يؤاكلوا بني هاشم ولا يكلموهم ولا يبايعوهم ولا يزوجوهم ولا يزوجوا إليهم ، ولا يحضروا معهم حتّى يدفعوا محمّداً إليهم ، فيقتلونه وأنّهم يد واحدة على محمّد ليقتلوه غيلة ، أو صراحا فلـمّا بلغ ذلك أبا طالب جمع بني هاشم ودخل الشعب وكانوا أربعين رجلاً ، فحلف لهم أبو طالب بالكعبة والحرم والركن والمقام لئن شاكت محمّداً شوكة لآتين عليكم يا بني هاشم ، وحصن الشعب ، وكان يحرسه بالليل والنهار ، فإذا جاء الليل يقوم بالسيف عليه ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مضطجع ثمّ يقيمه ويضجعه في موضع آخر ، فلا يزال الليل كله هكذا ، ووكلّ ولده وولد أخيه به يحرسونه بالنهار ، وأصابهم الجهد وكان من دخل من العرب مكّة لا يجسر أنّ يبيع من بني هاشم شيئاً ومن باع منهم شيئاً انتهبوا ماله ، وكان أبو جهل والعاص بن وائل والنضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط يخرجون إلى الطرقات الّتي تدخل مكّة فمن رأوه معه ميرة نهوه أنّ يبيع من بني هاشم شيئاً ، ويحذرونه أنّ باع شيئاً أنّ ينهبوا ماله ، وكانت خديجة لها مال كثير فأنفقته على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الشعب ، ولم يدخل في حلف الصحيفة مطعمّ بن عديّ وقال : هذا ظلم ، وختموا الصحيفة بأربعين خاتماً ، ختمه كلّ رجل من رؤساء قريش بخاتمه وعلقوها في الكعبة وتابعهم أبو لهب على ذلك ، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يخرج في كلّ موسم فيدور على قبائل العرب فيقول لهم : تمنعون لي جانبي حتّى أتلو عليكم
وكان ذلك قبل الهجرة بسنة ومات أبو طالب بعد موت خديجة بسنة فلـمّا فقدهما
________________________________________________________
كتاب ربّي ، وثوابكم علىّ الجنة ، وأبو لهب في أثره فيقول : لا تقبلوا منه فإنه ابن أخي وهو ساحر كذاب ، فلم يزل هذه حاله فبقوا في الشعب أربع سنين لا يأمنون إلّا من موسم إلى موسم ، ولا يشترون ولا يباعون إلّا في الموسم ، وكان يقوم بمكّة موسمأنّ في كلّ سنّة موسم للعمرّة في رجب وموسم للحج في ذي الحجة ، فكان إذا اجتمعت المواسم يخرج بنو هاشم من الشعب فيشترون ويبيعون ، ثمّ لا يجسر أحد منهم أنّ يخرج إلى الموسم الثاني فأصابهم الجهد ، وجاعوا وبعث قريش إلى أبي طالب ادفع إلينا محمّداً حتّى نقتله ونملكك علينا ، فقال أبو طالب قصيدته الطويلة اللامية الّتي يقول فيها :
ألم تعلموا أنّ ابننا لا مكذّب |
لدنيا ولا يعني بقول الأباطل |
|
كذبتم وبيت الله يبزى محمّد |
ولـمّا نطاعن دونه ونناضل |
|
ونسلمه حتى نصرّع دونه |
ونذهل عن أبنائنا والحلائل |
إلى آخر الأبيات.
فلـما سمعوا هذه القصيدة أيسوا ، وكان أبو العاص بن الربيع وهو ختن رسول اللهصلىاللهعليهوآله يجيء بالعير بالليل عليها البر والتمرّ إلى باب الشعب ، ثمّ يصيح بها فتدخل الشعب فيأكله بنو هاشم ، فلـمّا أتى لرسول اللهصلىاللهعليهوآله في الشعب أربع سنين بعث الله على صحيفتهم القاطعة دابة الأرض فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور ، وتركت اسم الله ونزل جبرئيل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله فأخبره بذلك ، فأخبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أبا طالب ، فقام أبو طالب فلبس ثيابه ثمّ مشى حتّى دخل المسجد عليّ قريش وهم مجتمعون فيه ، فلـمّا بصروا به قالوا : قد ضجر أبو طالب وجاء الآن ليسلم ابن أخيه فدنا منهم وسلم عليهم ، فقاموا إليه وعظموه وقالوا : يا أبا طالب قد علمنا أنك أردت مواصلتنا والرجوع إلى جماعتنا وأنّ تسلم ابن أخيك إلينا! قال : والله ما جئت لهذا ولكن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أنّ الله أخبره أنّه بعث على صحيفتكم القاطعة
________________________________________________________
دابّة الأرض فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور ، وتركت اسم الله فابعثوا إلى صحيفتكم فان كان حقّاً فاتقوا الله وارجعوا عمّا أنتم عليه من الظلم وقطيعة الرحم وأنّ كان باطلا دفعته إليكم فان شئتم قتلتموه وأنّ شئتم استحييتموه ، فبعثوا إلى الصحيفة فأنزلوها من الكعبة وعليها وأربعون خاتماً فلـمّا أتوا بها نظر كلّ رجل منهم إلى خاتمه ثمّ فكوها فإذا ليس فيها حرف واحد إلّا باسمك اللّهم فقال لهم أبو طالب يا قوم اتقوا الله وكفوا عمّا أنتم عليه ، فتفرّق القوم ولم يتكلّم منهم أحد ، ورجع أبو طالب إلى الشعب وقال في ذلك قصيدته البائيّة الّتي أوّلها :
ألا من لهم آخر الليل منصب |
و شعب القضاء من قومك المتشعّب |
|
و قد كان في أمر الصحيفة عبرة |
متى ما يخبّر غائب القوم يعجب |
إلى آخر الأبيات.
وقال عند ذلك نفر من بني عبد مناف وبني قصي ورجال من قريش ولدتهم نساء بني هاشم ، منهم مطعمّ بن عديّ وكان شيخاً كبيراً كثير المال له أولاد ، وأبو البختري ابن هشام وزهير بن أمية المخزومي في رجال من أشرافهم : نحن براء ممّا في هذه الصحيفة وقال أبو جهل : هذا أمر قضى بليل ، وخرج النبيّصلىاللهعليهوآله من الشعب ورهطه وخالطوا الناس ومات أبو طالب بعد ذلك بشهرين. وماتت خديجة بعد ذلك ، وورد على رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمرأنّ عظيمأنّ ، وجزع جزعا شديداً ، ودخلصلىاللهعليهوآله على أبي طالب وهو يجود بنفسه فقال : يا عمّ ربيت صغيراً ونصرت كبيراً وكفلت يتيما فجزاك الله عني خيرا أعطني كلمة أشفع بها لك عند ربّي ، فقد روي أنه لم يخرج من الدّنيا حتّى أعطي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الرضا.
وفي كتاب دلائل النبوّة عن ابن عباس قال : فلـمّا ثقل أبو طالب رئي يحرّك شفتيه فأصغى إليه العبّاس يستمع قوله ، فرفع العبّاس رأسه عنه وقال : يا رسول الله قد والله قال الكلمة الّتي سئلته إيّاها ، وذكر محمّد بن إسحاق بن يسار : أنّ خديجة بنت خويلد و
رسول اللهصلىاللهعليهوآله شنأ المقام بمكّة ودخله حزن شديد وشكا ذلك إلى جبرئيلعليهالسلام فأوحى الله تعالى إليه اخرجمن الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها فليس لك بمكّة ناصر بعد أبي طالب وأمره بالهجرة.
١ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن فضال ، عن عبد الله بن محمّد ابن أخي حمّاد الكاتب ، عن الحسين بن عبد الله قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام كان رسول الله
________________________________________________________
أبا طالب ماتا في عام واحد ، وتتابعت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم المصائب بهلاك خديجة وأبي طالب ، وكانت خديجة وزير صدق على الإسلام ، وكان يسكن إليها وذكر أبو عبد الله بن مندة في كتاب المعرفة أنّ وفاة خديجة كانت بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيّام ، وزعمّ الواقدي أنّهم خرجوا من الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين وفي هذه السنّة توفيّت خديجة وأبو طالب وبينهما خمس وثلاثون ليلة ، انتهى.
وقال الكازروني في المنتقى : مات أبو طالب في سنّة عشر من النبوّة وهو ابن بضع وثمانين سنّة ، وفي هذه السنّة توفيت خديجة بعد أبي طالب بأيام ، وهي بنت خمس وستين ، ودفنت بالحجون ، ونزل رسول اللهصلىاللهعليهوآله قبرها ولم يكن يومئذ سنّة الجنازة والصلاة عليها ، وروي عن عبد الله بن ثعلبة ، قال : لـمّا توفي أبو طالب وخديجة وكان بينهما شهراً وخمسة أيّام اجتمعت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله مصيبتان ، فلزم بيته وأقلّ الخروج إلى آخر ما قال ، وما ذكره الكليني (ره) في ذلك مخالف لتلك التواريخ والله يعلم.
ويقال : شنأ كمنع أي كره وأبغض ، والمقام بالضمّ الاقامة ، والمراد بالقرية مكّة والآية في سورة النساء هكذا : «وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدأنّ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً » وفسّر المفسّرون القرية بمكّة ضاعف الله شرفها.
الحديث الأول : مجهول.
صلىاللهعليهوآله سيّد ولد آدم ؟ فقال كان والله سيّد من خلق الله وما برأ الله بريّة خير من محمّدصلىاللهعليهوآله .
٢ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحجّال ، عن حمّاد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام وذكر رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال قال أمير المؤمنينعليهالسلام ما برأ الله نسمة خيراً من محمّدصلىاللهعليهوآله .
٣ - أحمد بن إدريس ، عن الحسين بن عبد الله ، عن محمّد بن عيسى ومحمّد بن عبد الله ، عن عليّ بن حديد ، عن مرازم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال الله تبارك
________________________________________________________
سيّد ولد آدم ، أي أفضلهم وأشرفهم وصاحب النعمة عليهم ، قال في النهاية في الحديث : أنا سيّد ولد آدم ولا فخر ، قاله إخباراً عمّا أكرمه الله تعالى به من الفضل والسؤدد ، وتحدثا بنعمة الله تعالى عنده وإعلاما لأمته ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه ، ولهذا أتبعه بقوله : ولا فخر ، أي أنّ هذه الفضيلة الّتي نلتها كرأمّة من الله تعالى لم أنلها من قبل نفسي ولا بلغتها بقوتي فليس لي أنّ أفتخر بها ، قال : والسيّد يطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم ، ومتحمل أذى قومه والزوج والرئيس والمقدم وأصله من ساد يسود فهو سيود فقلبت الواو ياءا لأجل الياء الساكنة قبلها ثمّ أدغمت ، انتهى.
والكلام فيه تقدير الاستفهام « من خلق الله » أي من الملائكة والجن والعقول الّتي تزعمها الحكماء ، والبرية الخليقة ، و« خير » بالرفع خبر مبتداء محذوف بتقدير هي ، والجملة نعت برية والجملة تأكيد للجملة السابقة باعتبار مفهومه العرفي ، فإنه يفهم منه كونه أفضل من الجميع وأنّ كان مدلوله المطابقي لا ينفى المساواة.
الحديث الثاني : صحيح.
والنسمة ، بالتحريك ذو الروح ، والكلام فيه كما في الخبر المقدم.
الحديث الثالث : ضعيف.
قوله : بلا بدن ، أي أصلا ، أو بلا بدن عنصريّ بل بدن مثالي وظاهره كون
وتعالى يا محمد إنّي خلقتك وعليّاً نورا يعني روحا بلا بدن قبل أنّ أخلق سماواتي وأرضي وعرشي وبحري فلم تزل تهلّلني وتمجّدني ثمّ جمعت روحيكما فجعلتهما واحدة فكانت تمجدني وتقدسني وتهللني ثمّ قسمتها ثنتين وقسمت الثنتين ثنتين فصارت أربعة محمّد واحد وعليّ واحد والحسن والحسين ثنتان ثمّ خلق الله فاطمة من
________________________________________________________
الروح جسما لطيفا وهو غير البدن كما هو المشهور وربمّا يأوّل الخلق هنا بالتقدير.
« قبل أنّ أخلق » أي بحسب الزمان الموهوم وقيل : القبيلة بحسب الرتبة ، فإنّهما أشرف من كلّ مخلوق « تهللني » قيل : أي بلسان الحال كما في قوله تعالى : «وَأنّ مِنْ شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ »(١) والظاهر لسان المقال « ثمّ جمعت روحيكما » كان المراد جعل مادة بدنهما في صلب آدمعليهالسلام « فكانت تمجدني » أي بنفسها أو بتوسط الأبدأنّ المشتملة على الطينات المقدسات « ثمّ قسمتها ثنتين » أي في صلب عبد الله وأبي طالب « وقسمت الثنتين » أي بعضها في صلب عليّعليهالسلام إلى الحسنين « ثمّ خلق الله » أي بعد خلق النور الأوّل لا بعد الجمع والقسمة ، كما يدلّ عليه سائر الأخبار ، أو ثمّ للتراخي المعنوي لفضل الذكر على الأنثى.
ويؤيّد هذا الوجه ما رواه الصدوق في العلل بإسناده عن معاذ بن جبل أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : أنّ الله خلقني وعليّاً وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام قبل أنّ يخلق الدّنيا بسبعة آلاف عام ، قلت : فأين كنتم يا رسول الله؟ قال : قدام العرش نسبح الله ونحمده ونقدسه ونمجده ، قلت : على أي مثال؟ قال : أشباح نور حتّى إذا أراد الله عزَّ وجلَّ أنّ يخلق صورنا صيرنا عمود نور ثمّ قذفنا في صلب آدم ، ثمّ أخرجنا إلى أصلاب الآباء وأرحام الأمهات ولا يصيبنا نجس الشرك ولا سفاح الكفر ، يسعد بنا قوم ويشقي بنا آخرون ، فلـمّا صيرنا إلى صلب عبد المطلب أخرج ذلك النور فشقه نصفين ، فجعل نصفه في عبد الله ونصفه في أبي طالب ، ثمّ أخرج الّذي لي إلى آمنة والنصف إلى فاطمة بنت أسد ، فأخرجتني آمنة وأخرجت فاطمة عليّاً ثمّ أعاد عزَّ وجلَّ العمود إلى عليّ فخرجت مني فاطمة ، ثمّ أعاد عزَّ وجلَّ العمود إلى عليّ فخرج منه الحسن
__________________
(١) سورة الإسراء : ٤٤.
________________________________________________________
والحسين ، يعني من النصفين جميعاً ، فما كان من نور عليّ فصار في ولد الحسن ، وما كان من نوري صار في ولد الحسين ، فهو ينتقل في ولده إلى يوم القيامة.
والأخبار ، في ذلك مستفيضة أوردت أكثرها في الكتاب الكبير ، لكن فهمها صعب على العقول ، والأولى الإيمان بها مجملاً ، ورد علمه إليهمعليهمالسلام .
ويخطر بالبال أنّه يحتمل أنّ تكون إشارة إلى أنّهمعليهمالسلام لـمّا كانوا المقصودين من خلق آدمعليهالسلام وسائر ذريّته وكان خلق آدم من الطينة الطيّبة ليكون قابلاً لخروج تلك الأشخاص المقدّسة منه ربّي تلك الطينة في الآباء والأمهات حتّى كملت قابليتها في عبد الله وأبي طالبعليهماالسلام ، فخلق المقدّسين منهما ، فلعله يكون المراد بحفظ النور وانتقاله من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام المطهرة كناية عن انتقال تلك القابلية واستكمال هذا الاستعداد فما ورد من أنّ كمالهم وفضلهم كان سبب الاشتمال على تلك الأنوار يستقيم على هذا الوجه وكذا ما ضارعها من الأخبار ، والله يعلم حقائق تلك الأسرار وحججه الأخيارعليهمالسلام .
وقال المحدث الأسترآباديقدسسره : من الأمور المعلومة أنّ جعل المجردين واحداً ممتنع ، وكذلك قسمة المجرد فينبغي حمل الروح هنا على آلة جسمانية نورانية منزهة عن الكثافة البدنية ، وقال بعض الأفاضل : المراد بخلق الروحين بلا بدن خلقهما مجردين ، وبجمعهما وجعلهما واحدة جمعهما في بدن مثالي نوراني لاهوتي وبتقسيمهما تفريقهما وجعل كلّ واحد منهما في بدن شهودي جسماني واستحالة تعلق الروحين ببدن واحد إنّما هي في الأبدأنّ الشهودية لا في الأبدان المثالية اللاهوتية.
وقال بعض المحققّين : « ثمّ » في قوله : ثمّ جمعت روحيكما ، ليست للتراخي في الزمان بل في المرتبة كقوله تعالى : «كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثمّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ »(١) وقوله : كانت
__________________
(١) سورة التكاثر : ٣ - ٤.
نور ابتدأها روحا بلا بدن ثمّ مسحنا بيمينه فأفضى نوره فينا.
٤ - أحمد ، عن الحسين ، عن محمّد بن عبد الله ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي حمزة قال سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول أوحى الله تعالى إلى محمّدصلىاللهعليهوآله إنّي خلقتك وَلَمْ تَكُ شيئاً ونفخت فيك من روحي كرامة منّي أكرمتك بها حين أوجبت لك الطّاعة
________________________________________________________
تمجّدني وتقدّسني وتهللّني ، تكرير لقوله : فلم يزل تهللني وتمجدني ، ليس إفادة أمر آخر ، والمعنى أني خلقتكما جميعاً روحاً واحداً تمجدني تلك الروح ، ثمّ قسمتها ثنتين ، انتهى. وقال بعضهم : فجعلتهما واحدة أي بالاتصال الحسي ، وضمير فكانت لواحدة والمراد أنّ لهذا التوحيد والوصل حكما ومصالح ، انتهى.
وإطلاق المسح واليمين هنا على الاستعارة ، إذ من يريد اللطف بأحد يمسحه بيمينه ، ويحتمل أنّ يكون اليمين كناية عن الرحمة كما حققنا في قولهمعليهمالسلام : والخير في يديك ، أنه يمكن أنّ يكون المعنى أنّ النفع والضر الصادرين منك كلاهما حكمة ومصلحة ، فالنفع منسوب إلى اليمين والضر إلى الشمال « فأفضى نوره فينا » أي أوصله إلينا أو وصل إلينا ، وقيل : اتسع فينا قال في المصباح المنير : الفضاء بالمد المكان الواسع وفضا المكان فضوا من باب قعد اتسع فهو فضاء ، وأفضى الرجل بيده إلى الأرض بالألف مسها بباطن راحته ، قال ابن فارسي وغيره : وأفضى إلى امرأته : باشرها وجامعها وأفضاها ، وأفضيت إلى الشيء وصلت إليه والسر أعلمته به ، انتهى.
والنور : العلم وسائر الكمالات.
الحديث الرابع : مجهول.
«خَلَقْتُكَ » أي روحك قبل خلق كلّ شيء بلا مادة قديمة ، أو خلقت جسدك المثالي أو بدنك الأصلي في الرحم ، فعلى هذا معنى «لَمْ تَكُ شيئاً » أي موصوفا بالإنسانية « من روحي » أي ممّا اخترته من بين الأرواح ، أو شرفته واختصصته « كرامة » أي إكراماً « حين أوجبت » أي كان إيجاب الطّاعة لك عند نفخ الروح ، ويحتمل أن يكون المراد
على خلقي جميعاً ، فمن أطاعك فقد أطاعني ومن عصاك فقد عصاني وأوجبت ذلك في عليّ وفي نسله ، ممّن اختصصته منهم لنفسي
٥ - الحسين بن محمّد الأشعريّ ، عن معلّى بن محمّد ، عن أبي الفضل عبد الله بن إدريس ، عن محمّد بن سنان قال كنت عند أبي جعفر الثانيعليهالسلام فأجريت اختلاف الشيعة فقال يا محمّد أنّ الله تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته ثمّ خلق محمّداً وعليّاً وفاطمة فمكثوا ألف دهر ثمّ خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى
________________________________________________________
بالروح روح القدس الذي يتعلّق بهم عند النبوّة والإمامة« من أطاعك فقد أطاعني » لأنّ الله أمر بطاعته ، أو لأنه لا يأمر إلّا بما هو طاعة الله ، أو للمبالغة تشريفاً لهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.
« فأجريت اختلاف الشيعة » أي في معرفة الأئمّة عليهمالسلام وأحوالهم وصفاتهم أو في اعتقادهم في عدد الأئمّة عليهم ، السلام ، فان الشيعة هم القائلون بإمأمّة عليّعليهالسلام بعد النبيّصلىاللهعليهوآله بلا فاصلة ، فمنهم ناووسية ، ومنهم زيدية ومنهم فطحية ومنهم واقفية إلى غير ذلك ، والمحقّ منهم الإمامية والأوّل أنسب بالجواب « متفرداً بوحدانيّته » أنّ كان متفرداً بكونه واحداً لا شيء معه ، فهو مبالغة في التفرد ، أو الباء للملابسة أو سببية أي كان متفرداً بالقدم بسبب أنه الواحد من جميع الجهات ولا يكون كذلك إلّا الواجب بالذات ، فلا بدّ من قدمه وحدوث ما سواه ويدلّ صريحاً على حدوث العالم.
وفي القاموس : الدهر الزمان الطويل ، والأبدّ الممدود ، وألف سنّة وتفتح الهاء.
« فأشهدهم خلقها » أي خلقها بحضرتهم وهم يطلّعون على أطوار الخلق وإسراره فلذا صاروا مستحقّين للإمأمّة لعلمهم الكامل بالشرائع والأحكام ، وعلل الخلق وعلم الغيوب وأئمّة الإمامية وكلّهم موصوفون بتلك الصفات دون سائر الفرق فبه يبطل مذهبهم ، فيتوجه الجواب عليّ الوجه الثاني أيضاً.
طاعتهم عليها وفوَّض اُمورها إليهم ، فهم يحلّون ما يشاؤون ويحرّمون ما يشاؤون
________________________________________________________
فان قيل : كيف يستقيم هذا مع قوله تعالى : «ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ »(١) .
قلنا لا ينافي ذلك بل يؤيّده لأنّ الضمير في «ما أَشْهَدْتُهُمْ » راجع إلى الشيطان وذريّته أو إلى المشركين بدليل قوله تعالى : «وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً »(٢) فلا ينافي إشهاد الهادين للخلق ، قال تعالى : «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إِبْلِيسَ كان مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمر رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذريّته أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً * ما أَشْهَدْتُهُمْ » إلخ.
قال الطبرسي (ره) أي ما أحضرت إبليس وذريّته خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم مستعيناً بهم على ذلك ، ولا استعنت بعضهم على خلق بعض ، وهذا إخبار عن كمال قدرته واستغنائه عن الأنصار والأعوأنّ ، ويدلّ عليه قوله : «وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً » أي الشياطين الذين يضلون الناس أعواناً يعضدونني عليه ، وقيل : أنّ معنى الآية أنكم اتبعتم الشياطين كما يتّبع من يكون عنده علم لا ينال إلّا من جهته وأنا ما اطلعتهم على خلق السماوات والأرض ولا على خلق أنفسهم ، ولم أعطهم العلم بأنه كيف يخلق الأشياء فمن أين يتبعونهم؟ وقيل : معناه ما أحضرت مشركي العرب وهؤلاء الكفار خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم أي وما أحضرت بعضهم خلق بعض بل لم يكونوا موجودين فخلقتهم ، فمن أين قالوا : أنّ الملائكة بنات الله؟ ومن أين ادعوا ذلك ، انتهى.
« وأجرى طاعتهم عليها » أي أوجب على جميع الأشياء طاعتهم حتّى الجمادات والسماويات والأرضيات كشق القمرّ وإقبال الشجر وتسبيح الحصى وأمثالها ممّا لا يحصى كثرة.
« وفوض أمورها إليهم » من التحليل والتحريم والعطاء والمنع وأنّ كان
__________________
( ١ و٢ ) سورة الكهف : ٥١.
ولن يشاؤوا إلّا أنّ يشاء الله تبارك وتعالى ثمّ قال يا محمّد هذه الدّيانة الّتي من تقدمها مرق ومن تخلّف عنها محقّ ومن لزمها لحقّ ، خذها إليك يا محمّد
________________________________________________________
ظاهره تفويض تدبيرها إليهم من الحركات والسكنات والأرزاق والأعمّار وأشباهها ، ولا ريب في أنّ كلّ ذلك يحصل بدعائهم واستدعائهم ، وأمّا كون جميع ذلك منهم يشكلّ الحكم فيه نفياً وإثباتاً وقد مرّ الكلام فيه في باب التفويض ، ومن يسلك مسلك الحكماء ويمكنه تصحيح ذلك بأنه لـمّا كان العقل الفعال عندهم مدبرا للكائنات ويجعلونه مرتبطا بنفس النبيّ وأوصيائه صلوات الله عليهم ارتباط النفس بالبدن فالمراد بخلقهم خلق ذلك النور المتعلق بهم المشرق عليهم ، وشهوده خلق الأشياء وتفويض الأمور إليه بزعمهم ظاهر ، لكن تلك المقدمات موقوفة على أمور مخالفة للشريعة والأصول المقررةفيها كما أومأنا إليه مراراً « فهم يحلون ما يشاءون » مبني على التفويض في الأحكام الّذي مرت الإشارة إليه في بابه ، وقيل : فوض أمورها إليهم ، ( إلخ ) لبيان علمهم بجميع الأمور بحيث لا يتوقفون في شيء منها نظير قوله تعالى : «وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ »(١) وقوله : «أنّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ »(٢) مع علمنا بأنه لا يجوز عليه أنّ يشاء أو يريد خلاف مقتضى المصلحة فإحلالهم وتحريمهم يستحيل أنّ يتعلق بشيء إلّا بعد علمهم بإحلال الله وتحريمه ، وهذامعنى قوله : «وَما تَشاؤُنَ إلّا أنّ يَشاءَ اللهُ »(٣) والاستثناء مفرغ ، وأنّ مصدرية والمصدرنائب ظرف الزمان ، والديانة الاعتقاد المتعلق بأصول الدين « تقدمها » أي تجاوزها بالغلو « مرق » كنصر أي خرج من الإسلام ، في الصحاح مرق إليهم من الرمية مروقا أي خرج من الجانبالآخر « محقّ » على المعلوم أي أبطل دينه ، أو على المجهول أي بطل ، في القاموس محقة كمنعه أبطله ومحاه ، انتهى.
« لحقّ » كعلم أي كان مع أئمّة الهدىعليهمالسلام أو أدرك الحقّ « خذها إليك » أي احفظ تلك الديانة لنفسك.
__________________
(١) سورة إبراهيم : ٢٧.
(٢) سورة المائدة : ١.
(٣) وفي المتن « ولن يشاؤوا الاأن يشاء الله ».
٦ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن صالح بن سهل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّ بعض قريش قال لرسول اللهصلىاللهعليهوآله بأي شيء سبقت الأنبياء وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم قال إني كنت أوّل من آمن بربّي وأوّل من أجاب حين أخذ الله ميثاق النبييّن «وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى » فكنت أنا أوّل نبي قال بلى فسبقتهم بالإقرار بالله.
٧ - عليُّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن عليّ بن إبراهيم ، عن عليّ بن حمّاد ، عن المفضّل قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام كيف كنتم حيث كنتم في
________________________________________________________
الحديث السادس : ضعيف.
« سبقت الأنبياء » من باب ضرب أي في الفضل والمرتبة والقرب ، لا سبق خلق الروح لعدم مناسبة الجواب حينئذ ، ولا يتوهم التنافي بينه وبين قوله تعالى : «لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ »(١) لأنه معلوم أنّ المراد هنا القول برسالة بعضهم دون بعض ، وقد قال تعالى : «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ »(٢) .
« حين أخذ الله » إشارة إلى قوله تعالى : «وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النبييّن »(٣) وقوله : «وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النبييّن مِيثاقَهُمْ »(٤) وقوله : «وَإِذْ أَخَذَ ربّك مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ »(٥) .
« فكنت أوّل » يدلّ على أنّ سبق الإيمان والإقرار مناط الفضل ، لدلالته على مزيد الاستعداد للكمال وحدة القريحة وصحّة النية وشرف الطينة ، بل لا يبعد أنّ يكون سبق الإقرار في الميثاق كناية عن ذلك ، وعلى الظاهر يدلّ على فضل أمير المؤمنينعليهالسلام على سائر الصحابة فتأمل.
الحديث السابع : ضعيف على المشهور ، ومحمّد بن عليّ بن إبراهيم هو إما أبو سمينة ، أو الهمداني وكيل الناحية ، وليس ابن هاشم المعروف كما توهم وأنّ كان موجوداً عندنا منه كتاب العلل لأنه متأخر عن هذه المرتبة بمراتب كما لا يخفى.
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٨٥. (٢) سورة البقرة : ٢٣٥.
(٣) سورة آل عمران : ٨١. (٤) سورة الأحزاب : ٧.
(٥) سورة الأعراف : ١٧٢.
الأظلّة ؟ فقال : يا مفضّل كنّا عند ربّنا ليس عنده أحد غيرنا في ظلة خضراء نسبحه ونقدسه ونهلله ونمجده وما من ملك مقرب ولا ذي روح غيرنا حتّى بدا له في خلق الأشياء فخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة وغيرهم ثمّ أنهى علم ذلك إلينا.
٨ - سهل بن زياد ، عن محمّد بن الوليد قال سمعت يونس بن يعقوب ، عن سنان بن طريف ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام يقول قال إنا أوّل أهل بيت نوه الله بأسمائنا إنّه لـمّا خلق السماوات والأرض أمر مناديا فنادى أشهد أنّ لا إله إلّا الله
________________________________________________________
قوله : « في الأظلّة » أي عالم الظلال وهي عالم الأرواح أو عالم المثال أو عالم الذرّ كما مرّ « كنا عند ربنّا » أي مقرّبين لديه سبحانه بالقرب المعنوي أو كنا في علمه ومنظورين بعنايته « في ظلّة خضراء » الظلة بالضمّ ما يستظل به ، وشيء كالصّفة يستتر به من الحر والبرد ، ذكره الفيروزآبادي ، وكان المراد ظلال العرش قبل خلق السماوات والأرض.
وقال الأسترآباديقدسسره : أي في نور أخضر ، والمراد تعلّقهم بذلك العالم لا كونهم فيه ، انتهى.
ويحتمل أنّ يكون كناية عن معرفة الرب سبحانه كما مرّ في حديث أنوار العرش في بابه ، أي كانوا مغمورين في أنوار معرفته تعالى مشعوفين به ، إذ لم يكن موجود غيره وغيرهم « حتّى بدا له في خلق الأشياء » أي أراد خلقها لا البداء اللغوي كما مرّ في بابه « ثمّ انتهى » أي أبلغ وأوصل « علم ذلك » أي حقائق تلك المخلوقات وأحكامها « إلينا ».
الحديث الثامن : كالسابق.
« نوه الله » على التفعيل يقال : نوه باسمه إذا رفع ذكره وأعلى شأنه « إنه لـمّا خلق الله » بيان للتنويه ، وقوله ثلاثاً نائب مناب المفعول المطلق ، وعامله نادى
- ثلاثاً - أشهد أنَّ محمّداً رسول الله - ثلاثاً - أشهد أنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً – ثلاثاً -.
٩ - أحمد بن إدريس ، عن الحسين بن عبد الله الصغير ، عن محمّد بن إبراهيم الجعفري ، عن أحمد بن عليّ بن محمّد بن عبد الله بن عمرّ بن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أنّ الله كان إذ لا كان فخلق الكان والمكان وخلق نور الأنوار الّذي نورَّت منه الأنوار وأجرى فيه من نوره الّذي نورت منه الأنوار وهو النور الّذي خلق منه محمّداً وعليّاً فلم يزالا نورين أولين إذ لا شيء كون قبلهما
________________________________________________________
أي ثلاث مرّات ، وإنّما أكّد الشهادة الثالثة بقوله : حقّاً لعلمه بأنّ كثيراً ممّن يقر بالتوحيد والرسالة ينكر الولاية ، فناسب التأكيد.
الحديث التاسع : مجهول.
« إذ لا كان » قال الأسترآبادي (ره) : يعني لم يكن شيء من الممكنات ، « فخلق الكان» أدخل عليه الألف واللام ، لأنّ المراد الممكن الكائن مثل القيل والقال انتهى.
وكان المراد بنور الأنوار أولا نور النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ هو منور أرواح الخلائق بالعلوم والهدايات والمعارف ، بل سبب لوجود الموجودات وعلة غائية لها « وأجرى فيه » أي في نور الأنوار من نوره الّذي نورت منه الأنوار ، أي نور ذاته سبحانه من إفاضاته وهداياته الّتي نورت منها الأنوار كلها حتّى نور الأنوار المذكور أولا « وهو النور الّذي » أي نور الأنوار المذكور « أولاً إذ لا شيء كون قبلهما » أي قبل نورهما الّذي خلقاً منه أو سوى ذلك النور أو لا شيء من ذوات الروح ، كذا خطر بالبال.
وقيل : نور الأنوار أي هادي الهداة ، وقوله : الّذي ، نعت نور الأنوار ، ومن للسببية « من نوره » أي علمه وكتابه و « الّذي » مفعول أجرى ، ولـمّا كان نور الأنوار عبارة عن محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم والأنوار عن أوصيائه المعصومين ، ونوره عبارة عن القران الذي
فلم يزالا يجريان طاهرين مطهّرين في الأصلاب الطاهرة حتّى افترقا في أطهر طاهرين في عبد الله وأبي طالبعليهمالسلام .
١٠ - الحسين ، عن محمّد بن عبد الله ، عن محمّد بن سنان ، عن المفضّل ، عن جابر بن يزيد قال قال لي أبو جعفرعليهالسلام يا جابر أنّ الله أوّل ما خلق خلق محمّداًصلىاللهعليهوآله وعترته الهداة المهتدين فكانوا أشباح نور بين يدي الله قلت وما
________________________________________________________
هو تبيان كلّ شيء ، صحّ أن يقال : أنّ الأوصياء نوروا بسبب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّ يقال أنّهم نوروا بسبب القران ولا منافاة بينهما ، وضمير هو لنوره ومن في « منه » للتعليل والمراد أنه لو لا علمه وكتابه المنزل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله لـمّا خلق الرسول ولا الأوصياء ، انتهى.
« أطهر طاهرين » على التثنية أي في زمانها.
الحديث العاشر : ضعيف على المشهور ، وفي بعض النسخ الحسين عن محمّد بن عبد الله ، فالأوّل هو الحسين بن عبد الله المذكور في الخبر السابق ، والثاني هو الأشعريّ من أصحاب الرضاعليهالسلام مجهول أو غيره وفي بعضها الحسين بن محمّد بن عبد الله ، فالأوّل هو الأشعريّ أستاد الكليني ، والثاني هو ابن عامر.
قولهعليهالسلام : أوّل ما خلق ، أوّل منصوب بالظرفية ومضاف ، وما مصدرية « خلق محمّداً » خبر أنّ والمهتدين صفة ، وكونه مفعول الهداة بعيد « فكانوا أشباح نور» يحتمل أنّ تكون الإضافة بيانية أي أشباحاً هي أنوار ، والأشباح جمع الشبح بالتحريك وهو سواد الإنسان أو غيره تراه من بعيد ، فالمراد إما الأجساد المثالية فالمراد بقوله بلا أرواح ، بلا أرواح حيوانية ، أو الروح مجرداً كان أو جسماً لطيفاً ليستقيم أيضاً ، لأنّ الأرواح ما لم تتعلق بالأبدان فهي مستقلة بنفسها ، أرواح من جهة وأجساد من جهة ، فهي أبدأنّ نورانية لم تتعلق بها أرواح أخر ، وعلى هذا فظل النور أيضاً إضافته بيانية ، ويمكن أنّ تكون الإضافة فيهما لامية ويكون المراد بالنور نور ذاته تعالى ، فإنّها آثار ذلك النور وظلاله ، والمعنى دقيق ، وربما
الأشباح ؟ قال : ظلُّ النور أبدان نورانية بلا أرواح وكان مؤيداً بروح واحدة وهي روح القدس فبه كان يعبد الله وعترته ولذلك خلقهم حلماء علماء بررة أصفياء يعبدون الله بالصلاة والصوم والسجود والتسبيح والتهليل ويصلون الصلوات ويحجون ويصومون.
١١ - عليّ بن محمّد وغيره ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن الوليد شباب الصيرفي ، عن مالك بن إسماعيل النهدي ، عن عبد السلام بن حارث ، عن سالم بن أبي حفصة العجلي ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال كان في رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثلاثة لم تكن في أحد غيره لم يكن له فيء وكان لا يمرّ في طريق فيمرّ فيه بعد يومين أو ثلاثة إلّا عرف
________________________________________________________
يأوّل النور بالعقل على طريقة الحكماء« وكان مؤيداً بروح واحدة » أي في عالم الأرواح أو في عالم الأجساد ، والأوّل أظهر« ولذلك » أي لتأيدهم بذلك الروح في أوّل الفطرة الروحانية« خلقهم » في النشأة الجسمانيّة « حلماء علماء » إلخ.
« ويصلون الصلوات » كأنه تأكيد لـمّا مرّ أو المراد بقوله : خلقهم ، أي في عالم الأرواح ، أي كانوا يعبدون الله في هذا العالم ، وكانوا فيه علماء بخلاف سائر الأرواح لتأيدهم حينئذ بروح القدس ، فقولهعليهالسلام : ويصلون ( إلخ ) أي في عالم الأجساد فلا تكرار ، وقيل : المراد بالصلاة والصوم والسجود معانيها اللغوية ومصداقها هنا الائتمار بأوأمر الله ، والانتهاء بنواهي الله ، والتذلل عند الله ، والمراد بالصلاة في قوله يصلون معناه في عرف الشرع ، وكذا الصوم.
الحديث الحادي عشر : ضعيف.
« لم يكن له فيء » هذا من مشهورات معجزاتهصلىاللهعليهوآله رواه الخاصّ والعامّ ، وعدم الفيء إما بإيجاد الله تعالى ضوءا في محلّ الفيء أو بأنهصلىاللهعليهوآله كان له نور يضاهي نور الشمس ، كما ورد أنه كان يسطع منه نور في الليلة الظلماء كما رووا عن عائشة قالت : كنت أخيط ثوب رسول اللهصلىاللهعليهوآله فسقطت عني الإبرة فطلبتها فلم أقدر عليها فدخل رسول اللهصلىاللهعليهوآله فتبيّنت الإبرة لشعاع نور وجهه ، وفي رواية أخرى عنها أنها
أنّه قد مرّ فيه لطيب عرفه وكان لا يمرّ بحجر ولا بشجر إلّا سجد له
________________________________________________________
كانت تخيط شيئاً وقت السحر فضلت الإبرة ، وطفئ السراج ، فدخل عليها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأضاء البيت ، فوجدت الإبرة بضوئه فضحكت ، ثمّ قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : ويل لمن لا يراني يوم القيامة.
وما قيل : من أنّ جسده الشريف كان لطيفاً فلم يكن يمنع نفوذ الشعاع فهو بعيد ، لأنه لو كان جسده الشريف كذلك لم تكن ثيابه كذلك ، وأيضاً لو كان كذلك لا يمنع نفوذ شعاع البصر ولم ينقل ذلك ، وكذا ما قيل : أنّ السحاب كانت تظله فلذا كان لا يرى ظله فهو في غاية البعد ، لأنّ السحاب لم تكن دائما بل عند شدة الحر والتأذي بالشمس.
ثمّ اعلم أنه ورد مثل ذلك في شأنّ الأئمّةعليهمالسلام في بعض الأحيأنّ فالاختصاص بالإضافة إلى غيرهم فأنّهم من نوره أو يكون استمرار تلك الحالة من خواصه فلا ينافي حصول ذلك لبعض الأئمّةعليهمالسلام في بعض الأوقات والأحوال ، « فيمرّ فيه » على بناء المجهول ، والعرف بالفتح الريح ، وكثر استعماله في الأحوال ، « فيمرّ فيه » على بناء المجهول ، والعرف بالفتح الريح ، وكثر استعماله في الطيبة « إلّا سجد له » أي سجود تعظيم لا عبادة ، والمراد بالسجود انحناؤها نحوه ، وقيل : بعض هذه الثلاثة كان قبل البعثة فارتفع بعده لشدة الامتحأنّ ، وهو تخصيص من غير داع.
ثمّ اعلم أنّ الريح الطيبة كانت من جسده الشريف النظيف لا من استعمال الطيّب ، روى القاضي عياض في كتاب الشفاء بإسناده عن أنس قال : ما شممت عنبرا قط ولا مسكا ولا شيئاً أطيب من ريح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وعن جابر بن سمرّة أنهصلىاللهعليهوآله مسح خده قال : فوجدت ليده بردا وريحا كإنّما أخرجها من جونة عطار وقال غيره : مسها بطيب أو لم يمسها يصافح المصافح يظل يومه يجد ريحها ، ويضع يده على رأس الصبي فتعرف من بين الصبيان بريحها ونام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في دار أنس فعرق ، فجاءت أمه بقارورة تجمع فيها عرقه ، فسألها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن ذلك فقالت : نجعله في طيبنا وهو أطيب الطيب.
١٢ - عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن حمّاد بن عثمان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لـمّا عرج برسول اللهصلىاللهعليهوآله انتهى به جبرئيل إلى مكان فخلّى عنه ، فقال له يا جبرئيل تخلّيني على هذه الحالة فقال
________________________________________________________
وذكر البخاري في تاريخه الكبير عن جابر لم يكن النبيّصلىاللهعليهوآله يمرّ في طريق فيتبعه أحد إلّا عرف أنّه سلكه ، من طيبه.
وذكر إسحاق بن راهويه أنّ تلك كانت رائحته بلا طيب ، وروي في المنتقى عن أبي هريرة أنّ رجلاً أتى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : يا رسول الله إني زوجت ابنتي وإني أحبّ أنّ تعينني بشيء ، فقال : ما عندنا شيء ، ولكن إذا كان غدا فتعال وجئني بقارورة واسعة الرأس وعود شجر فأية(١) بيني وبينك إني أجيف الباب(٢) فأتاه بقارورة واسعة الرأس وعود شجر ، فجعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله يمسك العرق من ذراعيه حتّى امتلأت القارورة ، فقال : خذها وأمر ابنتك إذا أرادت أنّ تطيب أنّ تغمس العود في القارورة وتطيب بها ، وكانت إذا تطيب شم أهل المدينة ذلك الطيّب فسموا بيت المتطيبين.
وروي أنهصلىاللهعليهوآله كان إذا أراد أنّ يتغوط انشقت الأرض فابتلعت غائطه وبوله ، وفاحت لذلك رائحة طيبة.
الحديث الثاني عشر : حسن.
« لـمّا عرج برسول اللهصلىاللهعليهوآله » عرج على بناء المفعول ، والباء للتعدية ، والظرف نائب الفاعل والباء في به للمصاحبّة أو للتعدية « إلى مكان » التنوين للتفخيم ، ويقال : خلى عنه وخلاه بشد اللام فيهما أي فارقه ، والاستفهام للتعجب « على هذه الحال(٣) » إشارة إلى ما عرض لهصلىاللهعليهوآله بسبب القرب من الدهشة والحيرة والفزع « امضه » الهاء للسكت.
__________________
(١) كذا في النسخ ولم أظفر على المصدر.
(٢) أجاف الباب : فتحه. (٣) وفي المتن « على هذه الحالة ».
امضه فو الله لقد وطئت مكاناً ما وطئه بشر وما مشى فيه بشر قبلك.
١٣ - عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمّد الجوهري ، عن عليّ بن أبي حمزة قال سأل أبو بصير أبا عبد اللهعليهالسلام وأنا حاضر
________________________________________________________
« لقد وطئت » كعلمت أي وضعت قدمك وفي تعليل التخلف به إشكال ، ويمكن أنّ يوجه بوجوه : الأوّل : أنّ عدم وطي البشر مستلزم لعدم وطي الملك بناء على أنّ البشر أفضل منه ، الثاني : أنّ المعنى لا ضرر عليك في الانفراد فلا تخف فإنك أفضل وأشرف من كلّ بشر ، الثالث : أنه مع حصول هذه المنزلة الجليلة لا بدّ أنّ تصبر على مشقة الوحشة ، الرابع : أنّ هذه المرتبة القصوى يلزمها التفرد والوحشة عمّا سوى الله وينبغي لصاحب تلك الدرجة أنّ يعرض عمّا سواه ولا يتوجه إلى غير محبوبة ومولاه.
ثمّ أنه على أكثر الوجوه يشعر بتفضيل البشر على الملك بناء على أنّ جبرئيلعليهالسلام أعظم الملائكة وأفضلها وقد اختلف المسلمون فيه ، فذهب أكثر الأشاعرة إلى أنّ الأنبياءعليهمالسلام أفضل من الملائكة وصرح بعضهم بأنّ عوام البشر من المؤمنين أفضل من عوام الملائكة ، وخواص الملائكة أفضل من عوام البشر أي غير الأنبياء ، وذهب أكثر المعتزلة إلى أنّ الملائكة أفضل من جميع البشر ، ولا خلاف بين الإمامية في أنّ الأنبياء والأئمّةعليهمالسلام أفضل من جميع الملائكة ، وادّعى الإجماع عليه جماعة منهم السيّد المرتضىرضياللهعنه في الغرر والدرر ، والمفيدقدسسره في كتاب المقالات ، والصدوق طيب الله تربته في رسالة العقائد ، والعلأمّة (ره) في بعض كتبه ، والأخبار في ذلك مستفيضة أوردتها في الكتاب الكبير ، مع تأويل ما يوهم خلافه ، وأمّا سائر المؤمنين ففي فضل كلّهم أو بعضهم على جميع الملائكة أو بعضهم فلا يظهر شيء من ذلك من الآيات والأخبار ظهوراً بينا يمكن الحكم فيه بأحد الشقوق المذكورة أو نفيها فنحن فيها من المتوقفين.
الحديث الثالث عشر : ضعيف.
فقال جعلت فداك كم عرج برسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال مرّتين فأوقفه جبرئيل موقفا فقال له مكانك يا محمّد فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملك قطُّ ولا نبيُّ ، إنّ ربّك يصلي فقال يا جبرئيل وكيف يصلّي ؟ قال : يقول : سبّوحٌّ قدُّوس أنا ربُّ الملائكة والروح سبقت رحمتي غضبي فقال اللّهم عفوك عفوك ، قال وكان كما قال الله «قابَ
________________________________________________________
« فقال مرّتين » أقول : لا ينافي هذا ما رواه الصفار والصدوق رضي الله عنهما في البصائر والخصال بإسنادهما عن الصباح المزني عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : عرج بالنبيّصلىاللهعليهوآله إلى السماء مائة وعشرين مرّة ، ما من مرّة إلّا وقد أوحى الله عزَّ وجلَّ فيها النبيّصلىاللهعليهوآله بالولاية لعليّ والأئمّةعليهمالسلام أكثر ممّا أوحاه بالفرائض ، إذ يمكن أنّ تكون المرتأنّ بمكّة والبواقي بالمدينة ، أو المرتان إلى العرش والباقية إلى السماء ، أو المرتأنّ بالجسم والباقية بالروح ، ولعله أظهر أو المرتان ما أخبر بما جرى فيهما والباقية ما لم يخبر بما جرى فيها « فأوقفه » يمكن أنّ يكون هذا قبل عروجهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى موقف تخلف عنه جبرئيلعليهالسلام ، أو كان جبرئيل يكلمه في مكانه وأنّ تخلف عنه لئلا ينافي الخبر السابق ، أو يكون هذا في أحد المعراجين وذاك في معراج آخر « مكانك » بالنصب أي ألزم مكانك ولا تبرح ، وقيل : أوقفه أي أرشده إلى الوقوف ومكانك منصوب بالإغراء ، أي أدرك مكانك ، انتهى.
« ما وقفه ملك » أي قبل ذلك وكان وقوفه ببركة رفاقتهعليهماالسلام ، أو أنه حينئذ أيضاً لم يكن واقفا في ذلك المكان كما مرّ « أنّ ربّك يصلي» أي يترحم ويظهر رحمته على عباده ، أو يصلي عليك بأنّ يكون المراد بالرحمة الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام كما مرّ في الأخبار ، أو المعنى رحمتي عليك كما ورد في خبر آخر رواه السيّد في كتاب اليقين « سبقت رحمتي غضبي » لك ولذريتك ، وفي النهاية في حديث الدعاء. سبوح قدوس يرويان بالضمّ والفتح والفتح أقيس والضمّ أكثر استعمالاً ، وهو من أبنية المبالغة ، والمراد بها التنزيه من النقائص ، وقال أيضاً : في أسماء الله تعالى : القدوس هو الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص ، وفعول بالضمّ من أبنية المبالغة وقد تفتح القاف وليس
قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى » فقال له أبو بصير : جعلت فداكما قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ؟ قال : ما بين
________________________________________________________
بالكثير ولم يجيء منه القدوس وسبّوح وذرّوح ، انتهى.
وهما هنا خبرأنّ لمبتدء محذوف ، أي أنا سبّوح ، أو قوله أنا مبتدأ ورب منصوب باختصاص وقد مضى تفسير الروح مراراً « عفوك » منصوب بفعل محذوف أي أسأل أو أطلب أو مرفوع وخبره محذوف ، أي مطلوبي ونحوه والتكرير للتأكيد « كما قال الله » أي في سورة النجم حيث قال : «عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى » قال البيضاوي : أي ملك شديد قواه وهو جبرئيلعليهالسلام «ذُو مرّة » أي حصافة في عقله ورأيه «فَاسْتَوى » فاستقام عليّ صورته الحقيقة الّتي خلقه الله عليها ، وقيل : استولى بقوته على ما جعل له من الأمر «وَهُوَ » أي جبرئيل «بِالْأُفُقِ الْأَعْلى » أفق السماء «ثمّ دَنا » من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم «فَتَدَلَّى » فتعلق به ، وهو تمثيل لعروجه بالرسول ، وقيل : ثمّ تدلى من الأفق الأعلى فدنا من الرسول ، فيكون إشعاراً بأنه عرج به غير منفصل عن محلّه وتقريراً لشدة قوته ، فان التدلي استرسال مع تعلق «فَكان » جبرئيل من محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم «قابَ قَوْسَيْنِ » مقدارهما «أَوْ أَدْنى » على تقدير كم بل كقوله : أو يزيدون ، والمقصود تمثيل ملكة الاتصال وتحقيق استماعه لـمّا أوحى إليه بنفي البعد الملبّس «فَأَوْحى » جبرئيل «إِلى عَبْدِهِ » أي عبد الله وإضماره قبل الذكر لكونه معلوما «ما أَوْحى » جبرئيل ، وفيه تفخيم للموحى به أو الله إليه ، وقيل : الضمائر كلها لله تعالى وهو المعنى بشديد القوي كما في قوله تعالى «هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ »(١) ودنوة منه برفع مكانته ، وتدليه جذبه بشراشره إلى جناب القدس ، انتهى.
وقال الجوهري : تقول : بينهما قاب قوس ، وقيب قوس ، وقاد قوس ، وقيد قوس أي قدر قوس ، والقاب ما بين المقبض والسية ولكلّ قوس قابان ، وقال بعضهم في قوله تعالى : «فَكان قابَ قَوْسَيْنِ » أراد قابي قوس فقلبه ، وقال : سية القوس ما عطف من طرفيها والجمع سيات والهاء عوض من الواو ، انتهى.
__________________
(١) سورة الذاريات : ٥٨.
سيتها إلى رأسها فقال : كان بينهما حجاب يتلألأ يخفق ولا أعلمه إلّا وقد قال : زبرجد
________________________________________________________
وظاهر الخبر إرجاع الضمائر إلى الله تعالى ، وفي تفسير : قاب قوسين بما بين سيتها إلى رأسها خفاء إذ لا يوافق ما مرّ من التفاسير ، ولعله كان إلى وسطها أو إلى مقبضها وحمله على أنّ المراد ابتداء السية إلى رأسها ، أو حمل السية على محلّ العطف فقط فيكون تفسيراً للأدنى بعيد ، ويمكن أنّ يقرأ رئاسها بكسر الراء ثمّ الهمزة ثمّ الألف فيكون بمعنى المقبض قال في القاموس : رئاس السيف بالكسر مقبضه أو قبيعته ، انتهى.
فيكون استعماله في القوس على التوسع إذ ظاهر الفيروزآبادي اختصاصه بالسيف وضمير بينهما لهصلىاللهعليهوآلهوسلم وللموضع الّذي كان يسمع منه النداء أو له ولله سبحانه باعتبار أنّ سماع الصوت الّذي يخلقه من هذا المكان أو المراد بالحجاب الحجاب المعنوي الّذي بين الممكن والواجب ، يمنع الوصول إلى كنهه تعالى فما يعرفه من ذلك بوجه يناسب قابليته واستعداده كأنه حجاب بينه وبين الرب تعالى يقربه منه ، لكن يمنع الوصول إلى كنه حقيقته فكأنه شعاع يحير أبصار القلوب كالبرق الخاطف يتلألأ.
« يخفق » أي يتحرك ويضطرب قال في القاموس : خفقت الراية تخفق وتخفق اضطربت وتحركت وكذا السراب ، وخفق النجم يخفق غاب ، وفلان حرك رأسه إذا نعس ، انتهى.
« ولا أعلمه إلّا وقد قال » الضمير لأبي عبد اللهعليهالسلام والاستثناء مفرغ ، والواو حالية والحاصل أني أظنه ذكر الزبرجد إما بدلا من الحجاب أو بعده بأنّ قال : بينهما حجاب زبرجد ، لأنّ معرفة الممكن لـمّا كان علـمّا مخلوطا بنوع من الجهل فكأنه نور مخلوط بظلمة ، ومنهما يحصل اللون الزبرجدي ، وبعبارة أخرى لـمّا كان الوجوه المتصورة منه تعالى لغيره واجبا محفوفا باللوازم الإمكانية فهو كالزجاجة الّتي خلفها نور فيرى زبرجديا لكن يتلالا أنوار المعرفة مع تزلزل واضطراب واختلاف أحوال فقد يزيد وقد ينقص وقد يغيب وقد يطلع إشارة إلى اختلاف أحوال المقربين في معرفته
فنظر في مثل سمّ الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة فقال الله تبارك وتعالى يا محمّد قال لبيّك ربّي قال : من لأمتك من بعدك قال الله أعلم قال عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيّد المسلمين وقائد الغرّ المحجّلين قال ثمّ قال أبو عبد اللهعليهالسلام - لأبي بصير يا أبا محمّد والله ما جاءت ولاية عليّعليهالسلام من الأرض ولكن جاءت من السّماء مشافهة.
________________________________________________________
سبحانه وقربهم وبعدهم وهجرهم ووصلهم.
و « سم الإبرة » ثقبها ، وهذا أيضاً كأنه كناية عن قلة ما ظهر لهصلىاللهعليهوآلهوسلم من معرفة ذاته وصفاته بالنسبة إليه سبحانه ، وأنّ كان غاية طوق البشر كما أشار إليه بقوله : إلى ما شاء الله ، وأنّ احتمل أنّ يكون المراد ظاهره بأنّ يكون الرب تعالى كشف من ذلك الحجاب له شيئاً يسيرا حتّى نظر إلى ما ورائه من أنوار العرش والحجب وغرائب إسرارها ، والله يعلم وحججهعليهمالسلام غرائب حكمهم وغوامض علومهم وأسرارهم.
والقائد : الهادي في الدّنيا إلى الحقّ وفي الآخرة إلى الجنّة ، وقال في النهاية : المحجل : هو الّذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد ويجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين لأنّها مواضع الأحجال وهي الخلاخيل والقيود ، ولا يكون التحجيل باليد واليدين ما لم يكن معها رجل أو رجلأنّ ، ومنه الحديث : أمّتي الغر المحجلون أي بيض مواضع الوضوء من الأيدي والأقدام ، استعار أثر الوضوء في الوجه واليدين والرجلين للإنسان من البياض الّذي يكون في وجه الفرس ويديه ورجليه ، انتهى.
« مشافهة » أي بدون توسط ملك.
فائدة مهمة
إعلم أنّ هذين الخبرين من الأخبار الدلالة على معراج النبيّصلىاللهعليهوآله والآيات المتكثّرة والأخبار المتواترة من طرق الخاصّة والعامّة دالة عليه ، وقد روي عن الصادقعليهالسلام : ليس من شيعتنا من أنكر أربعة أشياء : المعراج ، والمساءلة في القبر ، وخلق الجنّة والنار ، والشفاعة ، وعن الرضاعليهالسلام : من كذّب بالمعراج فقد كذّب
________________________________________________________
رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والآيات مع الأخبار تدل على عروجهصلىاللهعليهوآله إلى بيت المقدس ثمّ منه إلى السماء في ليلة واحدة بجسده الشريف ، وإنكار ذلك أو تأويله بالمعراج الروحاني أو بكونه في المنام ينشأ إما من قلة التتبع في آثار الأئمّة الطاهرين أو من فقد التدين وضعف اليقين ، أو الانخداع بتسويلات المتفلسفين ، والأخبار الواردة في هذا المطلب لا أظن مثلها ورد في شيء من أصول المذهب ، فما أدري ما الباعث على قبول تلك الأصول وادعاء العلم فيها والتوقف في هذا المقصد الأسنى ، فبالحري أنّ يقال لهم : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟! أما اعتذارهم بعدم قبول الفلك للخرق والالتئام فلا يخفى على أولي الأفهام أنّ ما تمسكوا به في ذلك ليس إلّا من شبهات الأوهام ، مع أنّ شبهتهم على تقدير كونها برهانا إنّما يدلّ على عدم جوازهما في الفلك المحيط بجميع الأجسام والقول بالمعراج لا يستلزمه ، ولو كانت أمثال تلك الشكوك والشبهات مانعة عن قبول ما ثبت بالمتواترات لجاز التوقف في جميع ما صار في الدين من الضروريات وإني لأعجب من بعض متأخري أصحابنا كيف أصابهم الوهن في أمثال ذلك مع أنّ مخالفيهم مع قلة أخبارهم وندرة آثارهم بالنظر إليهم وعدم تدينهم لم يجوزوا ردها ولم يرخصوا في تأويلها ، وهم مع كونهم من أتباع الأئمّة الأطهار وعندهم أضعاف ما عند مخالفيهم من صحيح الآثار يقتفون آثار شر ذمة من سفهاء المخالفين ويذكرون أقوالهم بين أقوال الشيعة المتدينين ، أعاذنا الله وسائر المؤمنين من تسويلات المضلين.
قال شارح المقاصد : قد ثبت معراج النبيّصلىاللهعليهوآله بالكتاب والسنّة وإجماع الأمّة إلّا أنّ الخلاف في أنه في المنام أو في اليقظة ، وبالروح فقط أو الجسد ، وإلى المسجد الأقصى فقط أو إلى السماء ، والحقّ أنه في اليقظة بالجسد إلى المسجد الأقصى بشهادة الكتاب وإجماع القرن الثاني ، ومن بعده إلى السماء بالأحاديث المشهورة والمنكر مبتدع ، ثمّ إلى الجنّة والعرش أو إلى طرف العالم على اختلاف الآراء بخبر الواحد
________________________________________________________
وقد اشتهر أنّه نَعَت لقريش المسجد الأقصى على ما هو عليه ، وأخبرهم بحال عيرهم فكان على ما أخبر ، وبما رأي في السماء من العجائب وبما شاهد من أحوال الأنبياء على ما هو مذكور في كتب الحديث.
لنا أنّه أمر ممكن أخبر به الصادق ، ودليل الإمكان تماثل الأجسام فيجوز الخرق على السماء كالأرض وعروج الإنسان ، وأمّا عدم دليل الامتناع فإنه لا يلزم من فرض وقوعه محال ، وأيضاً لو كان دعوى النبيّصلىاللهعليهوآله المعراج في المنام أو بالروح لـمّا أنكره الكفرة غاية الإنكار ، ولم يرتد بعض من أسلم تردداً منه في صدق النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وتمسك المخالف بما روي عن عائشة أنها قالت : والله ما فقد جسد محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعن معاوية أنها كانت رؤيا صالحة ، وأنت خبير بأنه على تقدير صحته لا يصلح حجة في مقابلة ما ورد من الأحاديث وأقوال كبار الصحابة وإجماع القرون اللاحقة انتهى.
وبالغ إمامهم الرازي في تفسيره في إثبات إمكانه بدلائل ، منها : أنّ الفلك الأعظم يتحرك من أوّل الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدور ، وقد ثبت في الهندسة أنّ نسبة القطر إلى الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع ، فيلزم أنّ يكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور كذلك ، وبتقدير أنّ يقال : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ارتفع من مكّة إلى ما فوق الفلك الأعظم فهو لم يتحرك إلّا مقدار نصف القطر ، فلـمّا حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدور كان حصول الحركة بمقدار نصف القطر أولى بالإمكان ، فهذا برهأنّ قاطع على أنّ الارتفاع من مكّة إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث الليل أمر ممكن في نفسه ، وإذا كان كذلك كان حصوله في كلّ الليل أولى بالإمكان ، وأيضاً قد ثبت في الهندسة أنّ قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين مرّة وكذا مرّة ، ثمّ أنا نشاهد أنّ طلوع القرص يحصل في زمأنّ لطيف سريع ، وذلك يدلّ على أنّ بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه ،
________________________________________________________
وأيضاً كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم ، فان كان القول بمراجعة في الليلة الواحدة ممتنعاً في العقول كان القول بنزول جبرئيل فان كان القول بمعراجه في الليلة الواحدة ممتنعاً في العقول كان القول بنزول جبرئيل من العرش إلى مكّة في اللحظة الواحدة ممتنعاً ، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان طعنا في نبوة جميع الأنبياءعليهمالسلام والقول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوّة ، فلـمّا كانت هذه الحركة ممكنة الوجود في نفسها وجب أنّ لا يكون حصولها في جسد محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ممتنعاً ، لأنا قد بينا أنّ الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها ، فلـمّا صح حصول مثل الحركة في حقّ بعض الأجسام وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام.
فيلزم من مجموع هذه المقدمات أنّ هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه ، أقصى ما في الباب أنه يبقى التعجب ، إلّا أنّ هذا التعجب غير مخصوص بهذا المقام بل هو حاصل في جميع المعجزات ، كانقلاب العصا ثعبانا يبتلع سبعين ألف حبل من الحبال والعصي ، ثمّ تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب ، وكذا سائر المعجزات.
وأمّا وقوعه فقد قال أهل التحقيق : الّذي يدلّ على أنه تعالى أسرى بروح محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وجسده من مكّة إلى المسجد الأقصى القران والخبر ، أما القران فهو قوله تعالى : «سُبْحأنّ الّذي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى »(١) والعبد اسم للجسد والروح ، فيجب أنّ يكون الإسراء حاصلا بجميع الجسد والروح وأمّا الخبر فهو الحديث المرويّ في الصحاح وهو مشهور ، وهو يدلّ على الذهاب من مكّة إلى بيت المقدس ، ثمّ منه إلى السماوات ، انتهى ملخص كلامه.
وقال شيخ الطائفة قدس الله روحه في التبيان : وعند أصحابنا وعند أكثر أهل التأويل وذكر الجبائي أيضاً أنه عرج به في تلك الليلة إلى السماوات حتّى بلغ سدرة المنتهى في السماء السابعة ، وأراه الله من آيات السماوات والأرض ما ازداد به معرفة
__________________
(١) سورة الإسراء : ١.
١٤ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن سيف ، عن عمرو بن شمرّ ، عن جابر قال قلت لأبي جعفرعليهالسلام صف لي نبي اللهعليهالسلام قال كان نبي اللهعليهالسلام أبيض مشرب حمرّة أدعج العينين مقرون الحاجبين شثن الأطراف كان الذهب أفرغ على براثنه عظيم مشاشة المنكبين إذا التفت يلتفت جميعاً من شدّة استرساله ،
________________________________________________________
ويقيناً ، وكان ذلك في يقظته دون منامه ، والّذي يشهد به القران أنّ الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، والثاني يعلم بالخبر انتهى.
وقوله : عند أصحابنا ظاهره اتفاقهم على ذلك ، فلا يعبأ بمخالفة من خالف من المتأخرين ، وقد بسطنا القول في ذلك في كتابنا الكبير.
الحديث الرابع عشر : ضعيف.
وقال الجوهري : الإشراب خلط لون بلون كان أحدهما سقى من الآخر ، وإذا شدد يكون للتكثير والمبالغة ، ويقال : اشرب الأبيض حمرّة أي علاه ذلك ، وفي القاموس : الدعج التحريك والدعجة شدة سواد العين مع سعتها ، والأدعج الأسود ، وفي النهاية في صفتهصلىاللهعليهوآلهوسلم : في عينيه دعج ، يريد أنّ سواد عينيه كان شديد السواد ، وقيل : الدعج شدة سواد العين في شدة بياضها ، انتهى.
والقرن بالتحريك التقاء الحاجبين ، وهذا مخالف لـمّا في رواية هند بن أبي هالة المعروفة ، فان فيها : أزج الحواجب سوابغ في غير قرن ، إلّا أنّ يقال كان شعر ما بينهما قليلا ، وفي النهاية في صفتهصلىاللهعليهوآلهوسلم :شثن الكفين والقدمين ، أي إنّهما يميلأنّ إلى الغلظ والقصر ، وقيل : هو الّذي في أنامله غلظ بلا قصر ويحمد ذلك في الرجال ، لأنه أشد لقبضهم ، ويذم في النساء ، وفي القاموس : الأطراف من البدن اليدان والرجلان والرأس ، انتهى.
والمراد هنا الأولان ، وفي رواية هند شثن الكفين والقدمين ، سائل الأطراف أي ممتدها.
« كان الذهب أفرغ على براثنه » في القاموس : البرثن كقنفذ الكف مع الأصابع ،
سربته سائلة من لبّته إلى سرته كأنّها وسط الفضّة المصفاة وكأنّ عنقه إلى كاهله إبريق
________________________________________________________
ومخلب الأسد ، أو هو للسبع كالإصبع للإنسان ، انتهى.
وعلى المعنى الأخير كأنه إشارة إلى شجاعتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان إفراغ الذهب على براثنه كناية عن قوة أصابعه وشدتها ، والتخصيص بالذهب إما لأنّ مطلق الصلابة ليست بكمال بل مع لين وسلاسة في الحركات ، والذهب كذلك أو لشرافة الذهب رعاية للأدب ، أو كناية عن سطوع النور منها أو حمرتها ، وفي إكمال الدين وإعلام الورى في حديث آخر : كان عنقه إبريق فضة ، كان الذهب يجري في تراقيه ، فالمعنيأنّ الأخيرأنّ أنسب ، وما هنا أنسب بما قبله ، وقال في النهاية : في صفتهصلىاللهعليهوآلهوسلم : جليل المشاش أي عظيم رؤوس العظام كالمرفقين والكعبين والركبتين ، وقال الجوهري : المشاشة واحده المشاش وهي رؤوس العظام اللينة الّتي يمكن مضغها ، وفي النهاية في صفتهعليهالسلام : فإذا التفت التفت جميعاً ، أراد أنه لا يسارق النظر ، وقيل : أراد لا يلوي عنقه يمنة ويسرة إذا نظر إلى الشيء وإنّما يفعل ذلك الطائش الخفيف ، ولكن كان يقبل جميعاً ويدبر جميعاً ، انتهى.
وقال بعض مشايخنارحمهالله : أي كان لشدة رصافة بدنه واندماج أعضائه إذا أراد أنّ يلتفت تحرك جميع بدنه ، وقوله : من شدة استرساله في هذا الخبر يأبى عن الجميع ، إذ الاسترسال الاستئناس والطمأنينة إلى الإنسان والثقة به فيما يحدثه ، ذكره الجزري ، فالمعنى أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم لشدة استيناسه ورفقه ومداراته مع الناس كان لا يلتفت عليهم التفات المتكبرين بالعين والحاجب ، بل إذا أراد النظر إلى جليسه والتكلم معه انحرف نحوه وأقبل إليه بجميع بدنه ، شفقة عليه ورفقا به.
« سربته سائلة » في القاموس : السربة بالضمّ الشعر وسط الصدر إلى البطن كالمسربة ، وقال : اللبب المنحر كاللبة وموضع القلادة من الصدر ، قوله : كأنها وسط الفضة ، فيه تشبيه بليغ حيث شبه هذا الخيط الدقيق من الشعر في وسط الصدر والبطن الأبيضين المشرقين بما يتخيل للإنسان من خط أسود في وسط السبيكة المصقولة من
فضة يكاد أنفه إذا شرب أنّ يرد الماء وإذا مشى تكفأ كأنه ينزل في صبب لم ير مثل نبي الله قبله ولا بعدهصلىاللهعليهوآله .
________________________________________________________
الفضة إذا كانت فيها حدبة ، وفيه إشعار بخلو سائر البطن من الشعر.
« إبريق فضة » كأنه شبه عنقهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الصفاء والبياض والجلاء والاستقأمّة وحسن الصنعة بعنق الإبريق.
في القاموس : الكاهل كصاحب : الحارك أو مقدم أعلى الظهر ممّا يلي العنق ، وهو الثلث الأعلى وفيه ست فقرا وما بين الكتفين أو موصل العنق والصلب ، وقال :الإبريق معرب آب ري والجمع أباريق ، والسيف البراق والمرأة الحسناء البراقة ، انتهى. وكان المراد بالبريق هنا الصراحي.
« يكاد أنفه » وصف له بطول حسن غير مفرط ، وأقول : في رواية هند هكذا : إذا زال زال قلعا يخطو تكفأ ويمشي هونا ، ذريع المشية إذا مشى كإنّما ينحط في صبب ، وقال في النهاية : في صفتهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا مشى تقلع ، أراد قوة مشيه كأنه يرفع رجليه من الأرض دفعا قويا لا كمن يمشي اختيإلّا وتقارب خطاه ، فان ذلك من مشي النساء ويوصفن به ، وفي حديث أبي هالة إذا زال زال قلعا ، يروى بالفتح والضمّ فبالفتح هو مصدر بمعنى الفاعل أي يزول قالعا لرجله من الأرض ، وهو بالضمّ إما مصدر أو اسم وهو بمعنى الفتح ، وقال الهروي : قرأت هذا الحرف في كتاب غريب الحديث لابن الأنباري قلعا بفتح القاف وكسر اللام ، وكذلك قرأته بخط الأزهري وهو كما جاء في حديث آخر كإنّما ينحط من صبب ، والانحدار من الصبب والتقلع من الأرض قريب بعضه من بعض ، أراد أنه يستعمل التثبت ولا يبين منه في هذه الحال استعجال ومبادرة شديدة ، وقال في صفة مشيهصلىاللهعليهوآلهوسلم : كان إذا مشى تكفأ تكفيا أي تمايل إلى قدام ، هكذا روي غير مهموز والأصل الهمزة ، وبعضهم يرويه مهموزا لأنّ مصدر تفعل من الصحيح تفعل كتقدم تقدماً وتكفأ تكفأ والهمزة حرف صحيح ، فأما إذا اعتل انكسرت عين المستقبل منه نحو تخفى تخفيا ، فإذا خففت
________________________________________________________
الهمزة التحقت بالمعتل فصار تكفياً بالكسر ، انتهى.
وقال الكازروني : أي يتثبت في مشيته حتّى كأنه تميد كما يميد الغصن إذا هبت الريح أو السفينة ، وقال الجزري : الهون الرفق واللين والتثبت ، وقال : ذريع المشي أي واسع الخطو ، وقال الكازروني : الذريع السريع ، وربمّا يظن هذا اللفظ ضد الأوّل ولا تضاد فيه لأنّ معناه أنه كانصلىاللهعليهوآلهوسلم مع تثبته في المشي يتابع بين الخطوات ويسبق غيره كما ورد في حديث آخر أنه كان يمشي على هنيئة وأصحابه يسرعون في المشي فلا يدركونه ، أو ما هذا معناه ويجوز أنّ يريد به نفي التبختر في مشيه.
وقال القاضي عياض في الشفاء : التقلع رفع الرجل بقوة ، والتكفؤ الميل إلى سنن المشي وقصده ، والهون الرفق والوقار ، والذريع الواسع الخطو ، أي أنّ مشيه كان برفع رجله(١) . بسرعة ويمد خطوه خلاف مشية المختال ويقصد سمته وكلّ ذلك برفق وتثبت دون عجلة ، كما قال : كإنّما ينحط من صبب.
وقال في النهاية : في صفتهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا مشى كإنّما ينحط في صبب ، أي موضع منحدر ، وفي رواية كإنّما يهود من صبوب ، يروي بالفتح والضمة [ فالفتح ] اسم لـمّا يصب على الإنسان من ماء وغيره كالطهور ، انتهى.
وقال صاحب مجمع البحار : تكفأ أي يرفع القدم من الأرض ثمّ يضعها ولا يمسح قدمه على الأرض كمشي المتبختر ، كأنه ينحط من صبب ، أي رفع رجله عن قوة وجلادة ، والأشبه أنّ تكفىء بمعنى صب الشيء دفعة ، وقال الطيبي : تكفأ أي مال يمينا وشمإلّا كالسفينة ، وخطىء بأنه صفة المختال ، بل معناه أنه يميل إلى سنّة وقصد مشيه ، وأجيب بأنّ هذا إنّما يكون مذموما إذا قصده لا ما كان خلفة ، انتهى.
__________________
(١) وفي نسخة « كان يرفع فيه رجله ».
١٥ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن فضال ، عن أبي جميلة ، عن محمّد الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال أنّ الله مثل لي أمّتي في الطين وعلمني أسماءهم كما «عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها » فمرّ بي أصحاب الرايات فاستغفرت
________________________________________________________
وأقول : فقولهعليهالسلام كأنه ينزل ، يحتمل وجوها : الأوّل : أنّ يكون كناية عن سرعة مشيهصلىاللهعليهوآلهوسلم على خلاف مشي المتكبرين ، الثاني : أنّ يكون مؤكدا لميل رأسه إلى قدام فان من ينزل من منحدر يفعل ذلك اضطرارا ، الثالث : أنّ يكون المراد رفع قدمه بقوة كما يفعله النازل من منحدر ، الرابع : أنّ يكون كناية عن حسن مشيه وتوسطه فيه مع نوع إسراع لا ينافي الوقار كالماء المنحدر.
الحديث الخامس عشر : ضعيف.
« في الطين » أي قبل التعلق بالأجساد « وعلمني أسماءهم » أي صفاتهم وحالاتهم وإيمانهم ونفاقهم وأسماءهم مع تلك « فمرّ بي أصحاب الرايات » أي الخلفاء والملوك من أهل الحقّ والباطل ، وكأنه إشارة إلى ما رواه الصدوق (ره) في كتاب الخصال بإسناده عن مالك بن ضمرّة قال : لـمّا سير أبو ذر رحمة الله عليه اجتمع هو وعليّ بن أبي طالبعليهالسلام والمقداد وعمّار وحذيفة وابن مسعود وساق الحديث إلى أنّ قال : قال أبو ذر : ألستم تشهدون أنّ رسول الله قال : ترد على أمّتي على خمس رايات أولها راية العجل ، فأقوم آخذ بيده فإذا أخذت بيده أسود وجهه ورجفت قدماه وخفقت أحشاؤه ومن فعل فعله يتبعه ، فأقول : بما ذا خلفتموني في الثقلين من بعدي؟ فيقولون كذبنا الأكبر ومزقناه واضطهدنا الأصغر وأخذنا حقّه فأقول : اسلكوا ذات الشمال فينصرفون ظماء مظمئين قد أسودت وجوههم لا يطعمون منه قطرة ، ثمّ ترد عليّ راية فرعون أمّتي(١) وهم أكثر الناس ، ومنهم المبهرجون ، قيل : يا رسول الله ومن المبهرجون؟ بهرجوا الطريق؟ قال : لا ولكن بهرجوا دينهم وهم الذين يغضبون للدنيا ولها يرضون ، فأقوم فآخذ بيد صاحبهم فإذا أخذت بيده أسود وجهه ورجفت
__________________
(١) كناية عن معاوية بن أبي سفيان.
لعليّ وشيعته ، أنّ ربّي وعدني في شيعة عليّ خصلة قيل يا رسول الله وما هي قال
________________________________________________________
قدماه وخفقت أحشاؤه ومن فعل فعله يتبعه ، فأقول : بما خلفتموني في الثقلين بعدي؟ فيقولون : كذبنا الأكبر ومزقناه وقاتلنا الأصغر فقتلناه ، فأقول : اسلكوا سبيل أصحابكم فينصرفون ظماء مظمئين مسودة وجوههم لا يطعمون منه قطرة ، ثمّ ترد عليّ راية هامأنّ أمّتي فأقوم فآخذ بيده فإذا أخذت بيده أسود وجهه ورجفت قدماه وخفقت أحشاؤه ومن فعل فعله يتبعه ، فأقول : بما خلفتموني في الثقلين بعدي؟ فيقولون : كذبنا الأكبر وعصيناه وخذلنا الأصغر وخذلنا عنه ، فأقول : اسلكوا سبيل أصحابكم فينصرفون ظماء مظمئين مسودة وجوههم ، ثمّ ترد عليّ راية عبد الله بن قيس(١) وهو إمام خمسين ألفا من أمّتي فأقوم فآخذ بيده فإذا أخذت بيده أسود وجهه ورجفت قدماه وخفقت أحشاؤه ومن فعل فعله يتبعه ، فأقول : بما خلفتموني في الثقلين بعديّ ، فيقولون : كذبنا الأكبر وعصيناه وخذلنا الأصغر وخذلنا عنه(٢) فأقول : اسلكوا سبيل أصحابكم فينصرفون ظماء مظمئين مسودة وجوههم لا يطعمون منه قطرة ، ثمّ يرد على المخدج(٣) برايته فآخذ بيده فإذا أخذت بيده أسود وجهه ورجفت قدماه وخفقت أحشاؤه ومن فعل فعله يتبعه فأقول : بما خلفتموني في الثقلين بعدي؟ فيقولون : كذبنا الأكبر وعصيناه ، وقاتلنا الأصغر وقتلناه ، فأقول : اسلكوا سبيل أصحابكم ، فينصرفون ظماء مظمئين مسودة وجوههم لا يطعمون منه قطرة.
ثمّ ترد على رأيه أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين فأقوم فآخذ بيده فإذا أخذت بيده أبيض وجهه ووجوه أصحابه فأقول : بما خلفتموني في الثقلين بعدي؟ فيقولون : اتبّعنا الأكبر وصدّقناه ووازرنا الأصغر ونصرناه وقاتلنا معه ،
__________________
(١) اسم أبي موسى الأشعريّ.
(٢) وفي المصدر « وعد لنا عنه ».
(٣) المخدج هو ذو الثدية رئيس الخوارج سمّي بذلك لأنّه كان مخدج اليد أي ناقص اليد.
المغفرة لمن آمن منهم وأن لا يغادر منهم «صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً » ولهم تبدل السيئات حسنات.
١٦ - عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن الحسن بن سيف ، عن أبيه عمّن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال خطب رسول اللهصلىاللهعليهوآله الناس ثمّ رفع يده اليمنى قابضا على كفه ثمّ قال أتدرون أيّها الناس ما في كفّي ؟ قالوا الله ورسوله أعلم فقال فيها
________________________________________________________
فأقول : ردّوا رواء مرويّين فيشربون شربة لا يظمأون بعدها أبدا ، وجه إمامهم كالشمس الطالعة ، ووجوه أصحابه كالقمرّ ليلة البدر وكأضواء نجم في السماء.
ثمّ قال - يعني أبو ذر رحمة الله عليه - ألستم تشهدون على ذلك؟ قالوا : نعمّ قال : وأنا على ذلك من الشاهدين.
أقول : وقد أوردت مثله بأسانيد في الكتاب الكبير.
« لمن آمن منهم » لإخراج سائر فرق الشيعة غير الإمامية فان الشيعة كلّ من قال بإمأمّة أمير المؤمنينعليهالسلام بعد النبيّ بلا فصل ، أو المراد بالشيعة الإمامية والمراد بالإيمان صحّة سائر العقائد ، أو المراد بالإيمان عدم الإصرار على الكبائر أو يكون تأكيداً « وأنّ لا يغادر » أي لا يدع ولا يترك منهم صغيرة ولا كبيرة من المعاصي إلّا غفرها لهم ، ويحتمل أنّ يكون المراد قبول الصغيرة والكبيرة من الطاعات ، فإدخاله في الخصلة لتلازمهما مع أنه يحتمل عطفه على الخصلة لكنّه بعيد.
« ولهم تبدل السيئات » تقديم الظرف للحصر ، أي هذه الخصلة مختصة بهم وهو أيضاً إما معطوف على « أنّ ربّي » فليس داخلا في الخصلة ، أو هو من تتمتها ولعله إشارة إلى قوله تعالى : «إلّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ »(١) فالمعنى أنّ تبدل السيئات بالحسنات الوارد في تلك الآية مختصة بهم ، لأنّ الولاية داخلة في الإيمان ، أو هي المراد بالعمل الصالح كما ورد في الخبر.
الحديث السادس عشر : مرسل.
« قابضا على كفه » أي واضعاً أصابعها على راحتها « أتدرون » قيل سؤاله
__________________
(١) سورة الفرقان : ٧٠.
أسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة ثمّ رفع يده الشمال فقال أيها الناس أتدرون ما في كفّي ؟ قالوا الله ورسوله أعلم فقال أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة ثمّ قال حكم الله وعدل حكم الله وعدل
________________________________________________________
إيّاهم من هذا الأمر الّذي لا يعلمه إلّا الله ورسوله يكون للحث على استماع ما يلقى إليهم والكشف عن مقدار فهمهم ، ومبلغ علمهم ، فلـمّا راعوا الأدب بقولهم : الله ورسوله أعلم ، علم أنّهم يريدون استخراج ما عنده فأجاب بما ذكر ، وقيل : فائدته التعريف بمنزلته من الله تعالى في إعلام هذه الأمور المغيبة ، وقيل : فائدته استنطاقهم وحملهم على الإقرار بأنّ الله ورسوله أعلم.
« فيها أسماء أهل الجنّة » أي فيها كتاب فيه أسماؤهم ، أو من قبيل الاستعارة التمثيلية والمقصود بيان علمه بالمقربين وأصحاب اليمين بحيث صاروا كأنّهم مكتوبون في كفه أو في كتاب في كفه ، ولعلّ المراد بأسماء آبائهم نسبتهم إلى الآباء كفلان بن فلان وقيل : فيه دلالة على أنّ ولد الزنا لا يدخل الجنّة كما أنّ في مقابله دلالة على أنه لا يدخل النار فكأنّهم في الأعراف أو يخص أسماء آبائهم بمن له أب أو يعمّ الأب بحيث يشمل لغة وعرفا.
« حكم الله » أي يكون ما في اليد اليمنى من أهل الجنّة ، وعدل في ذلك ، لأنه لم يكن ذلك مجازفة ، بل لعلمه بأنّهم يختارون الإيمان باختيارهم « حكم الله » بكون ما في اليد اليسرى من أهل النار ، وعدل في ذلك لأنّ العلم لا يكون علته ، وفي أكثر النسخ ثلاث مرات ، فالثالث إشارة إلى حكم أهل الأعراف ، أو الأوّل إلى الحكم الأزلي والثاني إلى الحكم بعد إيجادهم ، والثالث إلى الحكم الأخروي أو لمحض التأكيد فيهما.
أقول : ومثل هذه الرواية موجودة في طرق المخالفين ، ففي الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : خرج علينا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفي يده كتابان ، فقال للذي في يده اليمنى : هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم
فَرِيقٌ فِي الجنّة وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
١٧ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن إسحاق بن غالب ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في خطبة له خاصة يذكر فيها حال النبيّ والأئمّةعليهمالسلام وصفاتهم فلم يمنع ربنّا لحلمه وأناته وعطفه ما كان من عظيم جرمهم وقبيح أفعالهم أنّ انتجب لهم أحبّ أنبيائه إليه وأكرمهم عليه محمّد بن عبد اللهعليهالسلام
________________________________________________________
ثمّ أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا ، وقال للذي في يده اليسرى : هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وأسماء قبائلهم ، ثمّ أجمل على آخرهم فلا يزيد فيهم ولا ينقص منهم أبدا ، ثمّ رمى بهما وقال فرغ ذلك من العباد فريق في الجنّة وفريق في السعير.
وفي النهاية : أجمل على آخرهم أجملت الحساب إذا جمعت آحاده وأكملت أفراده ، أي أحصوا وجمعوا فلا يزاد فيهم ولا ينقص ، انتهى.
واستدلّ بهذا الخبر عليّ الجبر ولا يخفى وهنه كما أومأنا إليه.
الحديث السابع عشر : صحيح.
قوله : خاصة ، كأنه حال عن حال النبيّ ، أي كانت الخطبة مخصوصة بهذا المطلب لا كسائرها حيث يذكر فيها أولا نعتهم ، ثمّ يفاض في غيره من المطالب ، وقيل : حال عن المستتر في قوله : يذكر ، أي غير صادرة عن غيره قبله ، أو بالجر نعت خطبة أي شريفة عالية ( انتهى ) وما ذكرنا أظهر.
« وربنا » بالنصب مفعول يمنع « ولحلمه » متعلق بلم يمنع ، والأناة تأكيد للحلم والعطف الرأفة و « ما كان » فاعل يمنع ، وما موصولة وكان تامة ، ومن للبيان وضمير جرمهم راجع إلى الناس أو إلى أهل مكّة من قريش وأمثالهم « أنّ انتجب » مفعول ثان ليمنع أو هو على الحذف والإيصال بتقدير عن ، أي عن أنّ اختار ، وفي القاموس حومة البحر والرمل والقتال وغيره معظمه أو أشد موضع منه ، وفي النهاية : الدومة واحدة الدوم وهي ضخام الشجر ، وقيل : هو شجر المقل ، وفي المغرب دومة
في حومة العزَّ مولده ، وفي دومة الكرم محتده غير مشوب حسبه ولا ممزوج نسبه ولا مجهول عند أهل العلم صفته - بشّرت به الأنبياء في كتبها ، ونطقت به العلماء بنعتها وتأملته الحكماء بوصفها مهذب لا يدانى هاشميٌّ لا يوازى ، أبطحيٌّ لا
________________________________________________________
الجندل بالضمّ والمحدثون على الفتح وهو خطأ ، وكان المراد بالحومة مكّة أو ذريّة إبراهيمعليهالسلام وبالدومة بنو هاشم أو المدينة ، أو هو على الاستعارة كأنه شبه الكرم بشجرة عظيمة وهو في ظلها ، وفي الأوّل أيضاً يحتمل ذلك، والمحتد الاقامة أو موضعها ، قال الجوهري : حتد بالمكان يحتد أقام به وثبت ، والمحتد الأصل يقال : فلان من محتد صدق ، أو محتدصدق غير مشوب أي مخلوط حسبه ، حسب الرجل دينه وقدره وأفعاله الحسنّة وصفاته الجميلة وأعماله المرضية ، وحسبه أيضاً مآثر آبائه لأنه يحسب بها في الفضائل والمناقب.
وكان المراد أنّ مآثره ومفاخر آبائه الكرام غير مشوبة بالأخلاق الذميمة والأفعال القبيحة ، ولا ممزوج نسبه بسفاح ولا شبهة ، ولا مجهول عند أهل العلم من الأوصياء وعلماء أهل الكتاب صفته ، بل كانوا عارفين بصفاته وعلاماته بما وجدوه في كتبهم « بشرت » استئناف كأنه قيل : كيف لم يكن مجهولاً صفته؟ فقال : لأنّ الأنبياء بشروا ببعثته وصفته في كتبهم ، والتأنيث بتأويل الجماعة وكذا ضميري « نعتها » و « بوصفها » راجعأنّ إلى العلماء والحكماء بالتأويل المذكور ، والإضافة فيهما إلى الفاعل ، وما قيل : من إرجاع الضميرين إلى الصّفة في غاية البعد ، وضميرا « به » و « تأملته » راجعان إليهصلىاللهعليهوآلهوسلم والتأمل التلبث في الأمر والنظر ، أي كان يتعرف وينظر إليه الحكماء بما علموا من صفاته في الكتب ، ويتفرسون أنه هوصلىاللهعليهوآلهوسلم .
« مهذب لا يدانى » أي مطهر الأخلاق ومهذب من النفاق لا يقاربه أحد « لا يوازي » أي لا يساويه أحد من الهاشميين وغيرهم « أبطحي » أي مكي فان الأبطح في مكّة وإنّما عد من المناقب لأنّها أشرف البلدان « لا يسامي » أي لا يغالب في السمو والرفعة ، قال في النهاية : فلان يسمو إلى المعالي إذا تطاول إليها ومنه حديث
يسامى ، شيمته الحياء وطبيعته السخاء مجبول على أوقار النبوّة وأخلاقها مطبوع على أوصاف الرسالة وأحلامها إلى أنّ انتهت به أسباب مقادير الله إلى أوقاتها ، وجرى بأمر الله القضاء فيه إلى نهاياتها ، أدّاه محتوم قضاء الله إلى غاياتها تبشّر به كلّ أمّة من بعدها ويدفعه كلّ أب إلى
________________________________________________________
عائشة : كانت أي زينب تساميني منهنّ أي تعاليني وتفاخرني ، وهو مفاعلة من السموّ أي تطاولني في الخطوة عنده ، ومنه حديث أهل أحد يتسامون كأنّهم الفحول ، أي يتبادرون ويتفاخرون ، وفي القاموس : الشيمة بالكسر الطبيعة.
« مجبول » أي مخلوق ومفطور « على أوقار النبوّة » أي شرائطها العظيمة الثقيلة من الفضائل العلمية وأخلاقها اللازمة لها ، قال الفيروزآبادي : جبله على الشيء : طبعه وجبره كأجبله ، وقال : الوقر بالكسر الحمل الثقيل أو أعمّ والجمع أو قار ، والأحلام جمع حلم بالكسر وهو العقل والأناة ، قال في النهاية في حديث الصلاة الجماعة : ليليني منكم أولو الأحلام والنهي ، أي ذوو الألباب والعقول ، واحدها حلم بالكسر وكأنه من الحلم الإناءة والتثبّت في الأمور ، وذلك من شعار العقلاء.
« إلى أن انتهت » الظرف متعلّق بانتجب وقيل : بمجبول ومطبوع ، والأوّل أظهر ، وأنّ مصدريّة والباء في به للتعدية والضمير لمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم والمقادير جمع مقدور وهو ما دبر الله وقوعه في وقته من المستقبل وضمير أوقاتها للمقادير أي أوصلته أسباب مقادير الله إلى أوقات حصول ما قدر فيه من وجوده وبعثته أو وفاته وهجرته وانقضاء مدته ، والأوّل أظهر وكذا ضميرا« نهاياتها » و « غاياتها » راجعان إلى المقادير.
ويحتمل إرجاعهما إلى القضاء بتكلف ، ومتعلّق الجمل كلّها إمّا أمر واحد أو الأولى للموجود والثانية للنبوّة والبعثة والغزوات وغيرها ، والثالثة للموت أو الأولى للحياة والنبوّة وسائر ما يتبعها ، والثانية للموت ، والثالثة استيناف لبيان الثانية ، فيحتمل أنّ يكون المراد بغايات المقادير فوائدها وهي لقاء الله والجنّة والرضوان والرفيق الأعلى وما يتبعها.
« تبشّر » استئناف بيانيّ أو عطف بيان للجمل السابقة ، والتبشير الإخبار بما
أب من ظهر إلى ظهر ، لم يخلطه في عنصره سفاح ولم ينجسّه في ولادته نكاح ، من لدن آدم إلى أبيه عبد الله ، في خير فرقة وأكرم سبط وأمنع رهط وأكلأ حمل وأودع حجر اصطفاه الله وارتضاه واجتباه وآتاه من العلم مفاتيحه ومن الحكم ينابيعه ،
________________________________________________________
يسرّ «من ظهر إلى ظهر » بالظاء المعجمة فيهما كما في أكثر النسخ ، أي كان ينتقل هذا النور وتلك الطينة الطيبة من ظهر إلى ظهر كما مرّ ، وفي بعض النسخ بالطاء المهملة أي من مسلم إلى مسلم ، وفي القاموس : العنصر ويفتح الصاد الأصل والحسب ، والسفاح بالكسر الفجور ، والمرادبالنكاح الفاسد من أنكحة الجاهليّة بقرينة لم ينجّسه ، والنكاح يطلق على الوطء والعقد ، فيمكن أنّ يكون المراد الوطء الحرام غير الزنا كالوطي في الحيض ، بل ما يشتمل المكروه من الجماع.
والفرقة بالكسر : الطائفة من الناس : والسبط بالكسر ولد الوالد ، والفريق ، من اليهود يقال للعرب قبائل ولليهود أسباط ، والرهط قوم الرجل وقبيلته ، والمعاني متقاربة ، ويمكن أنّ يكون المراد بالأوّل ذريّة إبراهيم ، وبالثاني القريش وبالثالث بني هاشم ، وقيل : خير فرقة قريش وأكرم سبط بنو هاشم وأمنع رهط أولاد فاطمة المخزومية من عبد المطلب كما قال حسّان في ذم ابن عبّاس :
وإنّ سنام المجد من آل هاشم |
بنو بنت مخزوم ووالدك العبد |
ويقال : منع كحسن أي صار رفيعاً شريفاً.
« وأكلا حمل » عبارة عن آمنة بنت وهب ، من كلأه بالهمز أي حفظه ، وكان المراد بالحمل هنا الحامل ، ولو كان المراد به ما يحمل في البطن من الولد فيمكن أنّ يكون أكلا كأشهر على خلاف القياس « وأودع حجر » عبارة عن حجر عبد المطلب وأبي طالب وفاطمة بنت أسد رضي الله عنهم ، والحجر بالكسر وقد يفتح الخصر وهو ما دون الإبط إلى الكشح كذا في المصباح ، وفي القاموس : نشأ في حجره أي في حفظه وستره ، وقال : ودع ككرم ووضع سكن واستقرّ واستودعته وديعة استحفظته إيّاها.
« وآتاه من العلم مفاتيحه » كأنّه كناية عن وفور ما أعطاه من العلم بأنّ منحه
ابتعثه رحمة للعباد وربيعاً للبلاد وأنزل الله إليه الكتاب فيه البيان والتبيان قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ، قد بيّنه للنّاس ونهّجه بعلم قد فصّله ، ودين قد
________________________________________________________
خزائن العلم وسلّم إليه مفاتيحه أو أنّه أعطاه الأمور الّتي يستنبط منها العلوم ككتب الأنبياء والوحي والإلهام ، وعلم النجوم والقران المجيد والقواعد الكلّية الّتي يستخرج منها الأحكام كما قال أمير المؤمنينعليهالسلام : علّمني ألف باب ، وكذا الاحتمالآن جاريأنّ في الفقرة الثانية ، وفي القاموس بعثه كمنعه أرسله كانبعثه فانبعث.
« وربيعاً للبلاد » أي جعله سبباً لطراوة البلاد وحسنها وعمارتها ونموّها في الخيرات كما أنّ الربيع سبب لظهور الأزهار والأنوار ونموّ الأعشاب والأشجار ، وقال في النهاية : في حديث الدعاء : اللّهم اجعل القران ربيع قلبي ، جعله ربيعاً له ، لأنّ الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الازمان ويميل إليه ، انتهى.
وقال الطيبي كما أنّ الربيع زمان إظهار آثار الله وإحياء الأرض كذا القران يظهر منه بتأثير لطف الله من الإيمان والمعارف ويزول به ظلمات الكفر والجهل والهموم « فيه البيان والتبيان » حال عن الكتاب والتبيان أخص وأبلغ من البيان ، لأنه بيان للشيء مع دليل وبرهان وقيل : المراد بالتبيان تبيان المعارف الإلهية والأسرار اللاهوتيّة ، وبالبيان بيان الأحكام الشرعيّة والقوانين العلمية ، وتقديم الظرف إما للحصر أو لقرب المرجع ، أو للاهتمام لاشتماله على ضمير الكتاب ، أو لربط الحال على ذي الحال ابتداءاً.
«قُرْآناً » حالاً بعد حال عن الكتاب لتأكيد اشتماله على كلّ شيء و «عَرَبِيّاً » صفة مخصصة أو مادحة ، واشتماله على غير العربّي نادراً لا يضر في عربيته « وغَيْرَ ذِي عِوَجٍ » أي لا اختلاف فيه أو لا شك ّصفة بعد صفة للمدح و «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ » علة غائية للإنزال ، ولم يذكر متعلّق « يتّقون » لقصد التعميم أو الاختصار والتحرّز عن توهّم التخصيص.
« قد بيّنه للناس » إمّا حال ثالثة للكتاب أو استيناف ، كأنّه قيل : ما فعل به
أوضحه وفرائض قد أوجبها ، وحدود حدّها للنّاس وبيّنها وأمور قد كشفها لخلقه وأعلنها فيها دلالة إلى النجاة ومعالم تدعو إلى هداه فبلّغ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما أرسل به ، وصدع بما أمر ، وأدّى ما حُمّل من أثقال النبوَّة ، وصبر لربّه وجاهد
________________________________________________________
بعد الإنزال؟ فأجاب بأنّه قد بيّنه للناس ، وفيه دلالة على أنّ الناس يحتاجون في فهم ما فيه إلى مبيّن « ونهجه » أي أوضحه من نهجت الطريق إذا أوضحته ، عطف تفسير لقوله : بيّنه ، أو المراد بالتبيّن بيان مدلولاته الظاهرة ، وبالنهج أيضاًح بطونه وإسراره الكامنة ، أو الأوّل أيضاًح أصول المطالب والثاني أيضاًح دلائلها ، أو الأوّل في الأصول والثاني في الفروع ، والمستتر فيهما راجع إلى الرسول ، ويحتمل رجوعه إلى الله وإلى الكتاب وكذا المستترات في فصله ، وأوضحه ، وأوجبها ، وكشفها ، وأعلنها لكن الظاهر رجوعها إلى الله لقوله : لخلقه ، وقوله : يعلم إمّا متعلّق ببيّنة ونهجه ، أو حال عن الكتاب ، وقوله : لخلقه ، متعلّق بقوله كشفها أو بجميع الأفعال على التنازع.
« فيها » أي في الأمور ، والمعالم مواضع العلوم وما يوجبها ، وهو عطف على دلالة أو عليّ النجاة ، وضمير « هداه » لله أو للرسول أو للكتاب وعلى التقادير الإضافة إلى الفاعل ، ومفعول « تدعو » محذوف وهو العباد ، وقيل ، الهدى بمعنى ما يهتدى به ، وهو الله أو الرسول أو الكتاب والإضافة على الأوّل لاميّة ، وعلى الأخيرين بيانيّة ، ولا يخفى ما فيه ، وفي بعض النسخ هداة بالتاء جمع الهادي ، وهم الأئمّةعليهمالسلام .
« وصدع بما أمر » اقتباس من قوله تعالى : «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمرّ »(١) أي اجهر به من صدع بالحجّة إذا تكلّم بها جهاراً ، أو أظهره من صدعه إذا أظهره وبيّنه ، أو فرّق بين الحقّ والباطل من صدعه إذا شقة على سبيل الاستعارة والتشبيه ، « وما » مصدريّة أو موصولة أو موصوفة ، والعائد محذوف ، والباء على الأخيرين زائدة والأثقال جمع
__________________
(١) سورة الحجر : ٩٤.
في سبيله ونصح لأمّته ، ودعاهم إلى النجاة وحثّهم على الذّكر ، ودلّهم على سبيل الهدى ، بمناهج ودواع أسّس للعباد أساسها ، ومنار رفع لهم أعلامها ، كيلا يضلّوا من بعده وكان بهم رؤوفاً رحيماً.
________________________________________________________
ثقل بالكسر ضدّ الخفّة أو جمع ثقل بالتحريك وهو متاع البيت ، وأراد به هنا ما أتى به الوحي على سبيل الاستعارة ، وقد أدّى كلّه إلى وصيّه أمير المؤمنينعليهالسلام .
« وصبر لربّه » أي صبر على تحمّل ما حمل وتبليغه وما لحقّه من أذى المعاندين وطعن الطاعنين لرضا ربّه وامتثال أمره « وجاهد في سبيله » أي في سبيل الله الّذي هو دين الحقّ« ونصح لأمته » النصح : الخلوص وأراد به إرشادهم إلى ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم وعونهم عليه والذبّ عنهم وعن أعراضهم « ودعاؤهم إلى النجاة » أي إلى ما فيه نجاتهم من شدائد الدّنيا وعقوبات الآخرة « وحثهم على الذكر » أي على ذكره سبحانه في جميع الأحوال بالقلب واللسان وكلّ ما يوجب قربه تعالى فهو ذكره ، ويحتمل أنّ يراد بالذكر القران « ودلهم على سبيل الهدى » لعلّ المراد بسبيل الهدى الدين الحقّ وبالمناهج وهي الطرق الواضحة الأوصياء ، وبالدواعي المنافع الّتي تدعو إلى سبيل الهدى ، وبتأسيس أساس هذه المناهج والدواعي وضعها وتعيينها وأحكامها ، ويحتمل أنّ يراد بالداعي الأدلة الدالة على خلافة الأوصياء ، أو يراد بسبيل الهدى الأوصياء وبالمناهج والدواعي الدلالة على خلافتهم.
والمنائر(١) جمع المنارة على خلاف القياس ، وهي موضع النور ، أستعير هنا للأوصياءعليهمالسلام ، ورفع أعلامها كناية عن نصب أدلة واضحة على خلافتهم وإمامتهم « كيلا يضلّوا » علة غائية لـمّا ذكر « وكان بهم رؤوف رحيماً » الواو للعطف ويحتمل الحاليّة واقتبس من قوله تعالى : «حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ »(٢) وقيل : قدم الأبلغ منهما وهو الرؤوف لأنّ الرأفة شدّة الرحمة ومحافظة على الفواصل.
__________________
(١) وفي المتن « ومنار ».
(٢) سورة التوبة : ١٢٨.
١٨ - محمّد بن يحيى ، عن سعد بن عبد الله ، عن جماعة من أصحابنا ، عن أحمد بن هلال ، عن أميّة بن عليّ القيسي قال حدثني درست بن أبي منصور أنه سأل أبا الحسن الأوّلعليهالسلام أكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله محجوجا بأبي طالب فقال لا
________________________________________________________
وأقول : التقديم هنا لرعاية نظم المقتبس منه ويمكن أنّ يقال فيهما أنّ الرأفة فيما يتعلق بالأمور الأخروية ، والرحمة فيما يتعلق بالأمور الدنيوية ، والتقديم للاهتمام كما أنّ تخصيص الأبلغ أيضاً بها لذلك ، وللإشعار بأنهصلىاللهعليهوآله كان جل اهتمامه فيما يصلح أمور آخرتهم وهذا وجه وجيه لم يذكره أحد.
الحديث الثامن عشر : ضعيف.
قوله : أكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله محجوجاً بأبي طالب(١) ، أقول : الخبر يحتمل وجوها : الأوّل : ما خطر ببالي وهو أظهر عندي وهو أنّ المعنى هل كان أبو طالبعليهالسلام حجة على رسول اللهصلىاللهعليهوآله إماماً له؟ فأجابعليهالسلام بنفي ذلك معللا بأنه كان
__________________
(١) يحتمل قريباً أنّ يكون « أبيطالب » فى هذا الحديث مصحّف « آبى بالط » وهو من علماء النصارى وآخر أوصياء عيسى (ع) ، قال الصدوق (ره) في إكمال الدين ج ٢ ص ٦٦٤ : وكان آخر أوصياء عيسى (ع) رجل يقال له « آبي » وكان يقال له « بالط » أيضاً ، ثمّ روى بسنده عن الصادق (ع) أنّه قال : الّذي تناهت إليه وصية عيسى بن مريم (ع) رجل يقال له « آبى » وروى بسنده عنه (ع) أيضاً أنّه قال : كان آخر أوصياء عيسى (ع) رجل يقال له « بالط ». والعجب من الشارح (ره) حيث نقله في البحار ج ١٧ ص ١٤٠ واحتمل ما ذكرنا من التصحيف ولم يذكره ها هنا ، وقال بعض المحشين : آبى ومثله آبة ( بإمالة الياء والتاء ) من ألقاب علماء النصارى وكان آبى هذا اسمه بالط ، فصحف « آبى بالط » فى نسخ الكافي بأبي طالب ، ولو كان ذاك المستودع للوصايا أبا طالب لـمّا أخّر الأداء والدفع إلى يوم وفاته ، بل الظاهر أنّ الثاني عشر من أوصياء عيسى (ع) لـمّا لم يكن له أنّ يوصي إلى أحد استودع الوصايا حين وفاته عند من يوصلها إلى النبيّ (ص) فكان آبى بالط آخر المستودعين الذين تناهت إليهم الوصايا فقدّم إلى النبيّ لأداء الوديعة الوصايا إليه ، والدافع إنّما يقال لإيصال الرجل ما ليس له إلى صاحبه ، فلو كان النبيّ محجوجاً به لـمّا دفع إليه الوصايا مقدماً بل كان على النبيّ أنّ يقدم إليه لأخذ الوصايا.
ولكنه كان مستودعاً للوصايا فدفعها إليهصلىاللهعليهوآله قال : قلت : فدفع إليه الوصايا على أنّه محجوجٌ به ؟ فقال لو كان محجوجاً به ما دفع إليه الوصيّة ، قال : فقلت : فما
________________________________________________________
مستودعاً للوصايا دفعها إليه ، لا على أنه أوصى إليه وجعله خليفة له ليكون حجة عليه ، بل كما يوصل المستودع الوديعة إلى صاحبها فلم يفهم السائل ذلك وأعاد السؤال ، وقال : دفع الوصايا مستلزم لكونه حجة عليه فأجابعليهالسلام بأنه دفع إليه الوصايا على الوجه المذكور ، وهذا لا يستلزم كونه حجة بل ينافيه ، وقولهعليهالسلام : ومات من يومه ، أي يوم الدفع لا يوم الإقرار ، ويحتمل تعلقه بهما ، ويكون المراد به الإقرار الظاهر الّذي اطلع عليه غيرهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
الثاني : أنّ المعنى هل كان الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم محجوجاً مغلوبا في الحجة بسبب أبي طالب حيث قصّر في هدايته إلى الإيمان فلم يؤمن؟ فقالعليهالسلام : ليس الأمر كذلك لأنه كان قد آمن وأقر وكيف لا يكون كذلك والحال أنّ أبا طالب كان من الأوصياء وكان أمينا على وصايا الأنبياء وحاملاً لها إليهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال السائل : هذا موجب لزيادة الحجة عليهما حيث علم نبوته بذلك ولم يقر؟ فأجابعليهالسلام بأنه لو لم يكن مقرا لم يدفع الوصايا إليه.
الثالث : ما ذكره بعض الأفاضل : أنّ المعنى أنه لو كان محجوجاً به وتابعا له لم يدفع الوصيّة إليه ، بل كان ينبغي أنّ يكون عند أبي طالب والوصايا الّتي ذكرت بعد كأنها غير الوصيّة الأولى ، واختلاف التعبير يدلّ عليه ، فدفع الوصيّة كان سابقاً على دفع الوصايا ، وإظهار الإقرار ، وأنّ دفعها كان في غير وقت ممّا يدفعه الحجة إلى المحجوج بأنّ كان متقدماً عليه أو أنه بعد دفعها اتفق موته ، والحجة يدفع إلى المحجوج عند العلم بموته أو دفع بقية الوصايا ، فأكمل الدفع يوم موته الرابع : ما ذكره بعضهم أنّ قوله : على أنه محجوج به ، يعني على أنّ يكون النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حجة عليه ، وقوله : ما دفع إليه الوصيّة لأنّ الوصيّة إنّما ينتقل ممّن له التقدم.
كان حال أبي طالب ؟ قال أقرّ بالنبيّ وبما جاء به ودفع إليه الوصايا ومات من يومه.
١٩ - الحسين بن محمّد الأشعريّ ، عن معلّى بن محمّد ، عن منصور بن العباس ، عن عليّ بن أسباط ، عن يعقوب بن سالم ، عن رجل ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال لـمّا قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله بات آل محمّدعليهمالسلام بأطول ليلة حتّى ظنّوا أنّ لا سماء تظلهم
________________________________________________________
الخامس : تأويل غريب ذكره بعض الشارحين حيث قال : محجوجاً ، أي مغلوباً بالحجة وهو أنّ يكون أبو طالب من أوصياء عيسى بعد عبد المطلب ، وقبل رسول الله وضمير لكنّه لأبي طالب ، والوصايا عبارة عن كتب الأنبياء وعصا موسى وخاتم سليمأنّ ونحو ذلك ، والمراد أنّ عبد المطلب كان من أوصياء عيسى فصار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وصي عيسى بلا توسط أبي طالب ، واستودع عبد المطلب أبا طالب الوصايا لصغر سن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حينئذ ، فدفع على بناء المجهول ، والدافع عبد المطلب وضميرا « أنه » و « إليه » لأبي طالب « به » نائب الفاعل والضمير لأبي طالب ، ومعنى كونه محجوجاً به كونه شريكاً لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في وصايته بأنّ لا يكون أحدهما محجوجاً بالآخر ، ويكون كلّ منهما حجة على قوم الآخر أو على الجميع بالإشاعة ، فأجابعليهالسلام بإبطال هذا بأنه لو كان أبو طالب شريكاً له لـمّا دفع إليه الوصيّة لأنه كان أكبر ، فما كان يدفعها بل أقر بكون النبيّ وصي عيسى أو لا وبكونه مبعوثاً بشريعة على حدة ثانياً أم لا؟ وحاصل الجواب أنه أقر بوصاية النبيّ أولا وبما جاء به ثانياً ، و « دفع » جملة حالية بتقدير « قد » والمستتر لأبي طالب ، وضمير إليه لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا لتأييد الإقرارين « ومات » عطف على أقر والضمير لأبي طالب ، ومن بمعنى في ، وضمير يومه لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أي مات في وقت رسالته لا قبله ، انتهى ولا يخفى غرابته.
الحديث التاسع عشر : ضعيف.
« بأطول ليلة » كناية عن شدّة حزنهم فانّ ليلة الحزين تطول عليه « حتّى ظنّوا » على بناء المعلوم بياناً لشدَّة تأثير المصيبة فيهم ، حتّى أنّهم أشبهوا بمن سلب
ولا أرض تقلّهم لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله وتر الأقربين والأبعدين في الله ، فبينا هم
________________________________________________________
عقله وغفل عن الأمور الواضحة كالظلال السماء وإقلال الأرض ، أو ظنوا أنّهم لا يبقون بعد تلك المصيبة فتظلهم السماء وتقلهم الأرض ، ويمكن أنّ يقرأ ظنوا على بناء المجهول أي ظن الحاضرون بهم ذلك ، وكلّ ذلك مبالغة شايعة بين العرب والعجم في بيان فخامة المصيبة وشدّة البليّة ، ويقال : أظله أي ألقى ظله عليه ، وأقله أي جملة.
« وتر الأقربين والأبعدين » أي جنى عليهم وقتل أقاربهم وجعلهم ذوي أوتار ، ودخول طالبين للدماء ونقصهم أموالهم ، كلّ ذلك « في الله » أي لطلب رضاء الله فكلمة « في » للتعليل ، قال الجوهري : الوتر بالفتح الذحلّ والموتور الّذي قتل له قتيل ، فلم يدرك بدمه ، تقول : منه وتره يتره وترا وترة ، وكذلك وتره حقّه أي نقصه ، وقال الفيروزآبادي : الوتر بالكسر ويفتح : الذحلّ أو الظلم فيه كالترة وقد وتره يتره وترا وترة ، والقوم جعل شفعهم وترا كأوترهم والرجل أفزعه وأدركه بمكروه ، ووتره ماله نقصه إيّاه ، انتهى.
وقيل : الوتر الحقد يعني أسخطهم على نفسه وأهله ، وجعلهم ذوي حقد عليهم في طلب رضاه ، وهو لا يوافق ما في اللغة وأنّ كان يؤول إلى ما ذكرنا ، وقيل : الوتر طلب المكافاة بجناية جنيت على الرجل من قتل أو جرح أو نحو ذلك ، والحمل للمبالغة ، والمقصود أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان طالب الجنايات للأقارب والأباعد ودافع الظلم عنهم ، وحافظ حقوقهم ، وفي ذكر الأبعدين تنبيّه على أنّ ذلك كان من كمال عدله وإنصافه ، لا على التعصب ، انتهى ، والأظهر ما ذكرنا.
« فبينما هم » وفي بعض النسخ : فبينا هم ، وهما ظرفان مضافان إلى الجملة الاسمية أو الفعلية ، وخفض المفرد بهما قليل ، وبينما في الأصل بين الّتي هي ظرف مكان أشبعت فيها الحركة فصارت بينا ، وزيدت الميم فصارت بينما ، ولـمّا فيهما من معنى الشرط يفتقرأنّ إلى جواب ويتمّ به المعنى ، والأفصح في جوابهما عند الأصمعي
كذلك إذ أتاهم آت لا يرونه ويسمعون كلامه فقال السّلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته أنّ في الله عزاء من كلّ مصيبة ونجاة من كلّ هلكة ودركاً لما
________________________________________________________
أنّ يصحبه إذا أو إذ الفجائيان ، وعند غيره أنّ يجرد عنهما.
والآتي أما الخضرعليهالسلام كما يدلّ عليه رواية رواها الصدوق (ره) في إكمال الدين عن الرضاعليهالسلام ، أو جبرئيلعليهالسلام كما يدلّ عليه ما سيأتي في كتاب الجنائز إنشاء الله.
« أهل البيت » منصوب بالنداء أو بالاختصاص « أنّ في الله عزاء » العزاء الصبر ، والتعزية حمل الغير على الصبر ، والمراد هنا ما يوجب التعزية والتسلية ، أي في ذات الله تعالى فان الله باق لكلّ أحد بعد فوت كلّ شيء ، أو في ثوابه تعالى وما أعد للصابرين ووعدهم أو في التفكر فيها أو في التفكر في أنه سبحانه حكيم لا يفعل إلّا الأصلح بعباده ما يوجب التصبر والتسلي والرضا بالمصيبة ، ويحتمل أنّ يكون الكلام مبنيا على التجريد ، كما قال صاحب الكشّاف في قوله تعالى : «رِيحٍ فِيها صِرٌّ »(١) بعد ذكر وجهين : الثالث : أنّ يكون من قوله تعالى : «لَقَدْ كان لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسنّة »(٢) ومن قولك أنّ ضيعني فلان ففي الله كاف وكافل ، قال : وفي الرَّحمن للضعفاء كاف ، انتهى.
وقال في تلخيص المفتاح وشرحه في عد أقسام التجريد : ومنها ما يكون بدخول « في » في المنتزع منه ، نحو قوله تعالى : «فِيها دارُ الْخُلْدِ »(٣) أي في جهنم وهي دار الخلد لكنّه انتزع منها دارا أخرى ، وجعلها معدّة في جهنم لأجل الكفار تهويلا لأمرها ومبالغة في اتصافها بالشدّة ، انتهى.
والدرك محركة اللحاق والوصول ، أي يحصل به تعالى أو بثوابه الخلف والعوض من كلّ هالك وتدارك ما قد فات ، أو الوصول إلى ما يتوهم فوته عن الإنسان من
__________________
(١) سورة آل عمران : ١١٧. (٢) سورة الأحزاب : ٢١.
(٣) سورة فصّلت : ٢٨.
فات «كلّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإنّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجنّة فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدّنيا إلّا مَتاعُ الْغُرُورِ » أنّ الله اختاركم وفضلكم وطهّركم وجعلكم أهل بيت نبيّه واستودعكم علمه وأورثكم كتابه وجعلكم
________________________________________________________
المنافع بفوات من مات.
«كلّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ » قال الطبرسي (ره) : أي ينزل بها الموت لا محالة ، فكأنها ذاقته ، وقيل : معناه كلّ نفس ذائقة مقدمات الموت وشدائده وسكراته «وَإنّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ » معناه وإنّما تعطون جزاء أعمالكم وافياً «يَوْمَ القيامة » أنّ خيرا فخيرا وثواباً وأنّ شرّاً فشرّاً وعقاباً ، فانّ الدّنيا ليست بدار جزاء وإنّما هي دار عمل والآخرة دار جزاء وليست بدار عمل «فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ » أي بوعد من نار جهنم ونحي عنها «وَأُدْخِلَ الجنّة فَقَدْ فازَ » أي نال المنية وظفر بالبغية ونجا من الهلكة «وَمَا الْحَياةُ الدّنيا إلّا مَتاعُ الْغُرُورِ » معناه : وما لذات الدّنيا وزينتها وشهواتها إلّا متعة متعكموها للغرور والخداع المضمحلّ الّذي لا حقيقة له عند الاختيار ، وقيل : متاع الغرور القوارير وهي في الأصل ما لا بقاء له عن عكرمة ، انتهى.
وقال البيضاوي : شبهها بالمتاع الّذي يدلس به على المستام ويغر حتّى يشتريه ، وهذا لمن آثرها على الآخرة فأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ ، والغرور مصدر أو جمع غار ، انتهى.
« أنّ الله اختاركم » أي للإمأمّة « وفضلكم على غيركم وطهركم » من الذنوب والشك والشبهة والأخلاق الذميمة إشارة إلى آية التطهير « وجعلكم أهل بيت نبيّه » لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أدخلهم خاصة في الكساء عند نزول آية التطهير « واستودعكم علمه » أي جعلكم حفظة لعلمه الّذي أنزل من لدن آدم إلى خاتم الأنبياء ، تقول : استودعته وديعة إذا استحفظته إياها « وجعلكم تابوت علمه » التابوت الصندوق الّذي يحرز فيه المتاع ، وقال الجوهري : أصله تابوة مثل ترقوة وهو فعلوة ، فلـمّا سكنت
تابوت علمه وعصا عزّه ، وضرب لكم مثلاً من نوره وعصمكم من الزّلل وآمنكم من الفتن فتعزُّوا بعزاء الله ، فانَّ الله لم ينزع منكم رحمته ولن يزيل عنكم نعمته ،
________________________________________________________
الواو انقلبت هاء التأنيث تاءاً « وعصا عزه » العزَّ والعزة : القوة والغلبة ، ومنه العزيز في أسمائه تعالى ، وهو القوي الغالب الّذي لا يغلب فهو كناية عن قيام عزه سبحانه بين الخلق بهم كقيام الإنسان بالعصا إذ بهم يقام معرفة الله ودينه وعبادته ، وبهم يقهر أعداء الله ويغلب أولياؤه ، ولا يبعد أنّ تكون الفقرتأنّ إشارتين إلى أنّهم بمنزلة تابوت بني إسرائيل لكونها مخزنا للألواح والصحف ، وسائر علومهم ، وإلى أنّهم للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بمنزلة العصا لموسى ، فإنّها كانت سببا لغلبته على الأعادي ، وآية نبوته وأمير المؤمنينعليهالسلام كان كذلك معينا للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ودافعا للأعادي عنه وآية نبوته وكذا سائر الأئمّةعليهمالسلام .
« وضرب لكم مثلا من نوره » إشارة إلى آية النور كما مرّ« وعصمكم من الزلل » أي الخطأ في العقائد والأقوال والأعمال ، ويدلّ على أنّ العصمة موهبية لا كسبية كما توهم « وآمنكم من الفتن » أي من الضلالة والافتتان بالشبهات وتسويلات النفس والشيطان وفي القاموس : الفتنة بالكسر الخبرة وإعجابك بالشيء أو الضلال والإثمّ والكفر والفضيحة والعذاب والإضلال والجنون والمحنة والمال والأولاد ، واختلاف الناس في الآراء ، وأكثر المعاني مناسبة هنا.
« فتعزّوا بعزاء الله » التعزّي التصبّر عند المصيبة ، وعزاء الله ما أمر من الصبر في الآيات كقوله تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا »(١) وقوله : «الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ »(٢) الآية ، وقوله : «أنّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ »(٣) » وأمثالها أو ما تقدم من الفقرات فإنّها كانت من قبل الله ، أو الأعمّ وقال في النهاية : في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من لم يتعزَّ بعزاء الله فليس منّا ، قيل : أراد بالتعزّي التأسّي والتصبّر عند
__________________
(١) سورة آل عمران : ٢٠٠. (٢) سورة البقرة : ١٥٦.
(٣) سورة البقرة : ١٥٣.
فأنتم أهل الله عزَّ وجلَّ الّذين بهم تمّت النعمة واجتمعت الفرقة وائتلفت الكلمة وأنتم أولياؤه ، فمن تولاكم فاز ومن ظلم حقكم زهق مودتكم من الله واجبةٌ في كتابه على عباده المؤمنين ، ثمّ الله على نصركم إذا يشاء قديرٌ ، فاصبروا لعواقب
________________________________________________________
المصيبة ، وأنّ يقول إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، كما أمر الله تعالى ، ومعنى قوله : بعزاء الله أي بتعزية الله إيّاه ، فأقام الاسم مقام المصدر « لم ينزع منكم رحمته » كأنه إشارة إلى قوله تعالى : «رَحْمَة اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ »(١) .
« ولن يزيل عنكم نعمته » لأنّ نعمة الولاية والخلافة والهداية وسائر الكمالات معهم إلى يوم القيامة وفيهم نزلت : «فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعمّ اللهُ عَلَيْهِمْ »(٢) الآية وقوله : «صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ».
« فأنتم أهل الله » أي أهل نعمته ورحمته المقربون لديه « الذين بهم تمت النعمة » إشارة إلى قوله سبحانه : «وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي »(٣) .
« واجتمعت الفرقة » بالضمّ أي الافتراق على الإسناد المجازي أو بالكسر أي الفرق المختلفة وكأنه إشارة إلى قوله تعالى : «وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً »(٤) .
« وائتلفت الكلمة » أي من تبعكم أمن من اتباع الآراء والأهواء المختلفة ، إذ ليس عندكم اختلاف في القول والرأي« وأنتم أولياؤه » أي أحباؤه أو خلفاؤه الذين هم أولى بالمؤمنين من أنفسهم « فمن تولاكم » أي اتخذكم أولياء واعتقد إمامتكم« فاز » أي نال المطلوب من الجنّة والرضوان « زهق » أي هلك « واجبة » أي في قوله سبحانه : «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أجراً إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى »(٥) كما مرّ « إذا يشاء » أي في زمن القائمعليهالسلام « فاصبر والعواقب الأمور» اللام للتعليل أو بمعنى إلى ، والعواقب
__________________
(١) سورة هود : ٧٣. (٢) سورة النساء : ٦٩.
(٣) سورة المائدة : ٣. (٤) سورة آل عمران : ١٠٣.
(٥) سورة الشورى : ٢٣.
الاُمور ، فإنّها إلى الله تصير قد قبلكم الله من نبيّه وديعة واستودعكم أولياءه المؤمنين في الأرض فمن أدَّى أمانته آتاه الله صدقه فأنتم الأمانة المستودعة ولكم المودة الواجبة والطاعة المفروضة وقد قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد أكمل لكم الدّين وبيّن لكم سبيل المخرج ، فلم يترك لجاهل حجّة ، فمن جهل أو تجاهل أو أنكر أو
________________________________________________________
ما وعد الله الصابرين في الآخرة أو في الدّنيا في الرجعة وظهور القائمعليهالسلام أو الأعمّ منهما ومن الوعيد للمخالفين.
« فإنّها » أي الأمور « إلى الله تصير » إشارة إلى قوله تعالى : «إلّا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ »(١) قال الطبرسي (ره) : أي إليه ترجع الأمور والتدبير يوم القيامة فلا يملك ذلك غيره ، انتهى.
والتعميم هنا أظهر أي الأمور كلها في الدّنيا والآخرة بتدبير الله وقضائه « قد قبلكم الله » أي لـمّا قرب وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم « استودعكم الله » أي طلب منه سبحانه حفظكم وقبل الله ذلك « واستودعكم أولياءه » أي طلب من الأولياء حفظكم ورعايتكم وقبول ولايتكم ومنكم رعاية الأولياء وحفظهم وهدايتهم ، والأوّل أظهر لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : فمن أدى أمانته ، والضمير راجع إلى الموصول أو إلى الله أو إلى الرسول وأداء الأمانة هو أنّ لا يقصر في حفظ الوديعة ورعاية حقّه« أتاه الله صدقة » أي جزاء صدقه ، إيماء إلى قوله تعالى : «يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ »(٢) وعلى الثاني نحتاج إلى تكلف بأنّ يراد بالأمانة الوديعة الّتي قبلها الله تعالى من نبيّه ، وبأدائها الاعتراف بأنها وديعة النبيّ من عند الله والإقرار بحقوقها.
« فأنتم الأمانة المستودعة » تفريع على الفقرتين المتقدّمتين « وقد أكمل لكم الدين » إشارة إلى قوله : «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ »(٣) وأنّ المراد به إكمال الدين بنصب الوصي وإيداعه جميع العلوم الّتي تحتاج إليه الأمّة « وبيّن لكم سبيل المخرج »
__________________
(١) سورة الشورى : ٥٣. (٢) سورة المائدة : ١١٩.
(٣) سورة المائدة : ٣.
نسي أو تناسى فعلى الله حسابه والله من وراء حوائجكم وأستودعكم الله والسّلام عليكم فسألت أبا جعفرعليهالسلام ممّن أتاهم التعزية فقال من الله تبارك وتعالى.
٢٠ - عدّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن إسماعيل بن عمّار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا رئي في الليلة الظلماء رئي له نورٌ كأنّه شقّة قمر.
٢١ - أحمد بن إدريس ، عن الحسين بن عبيد الله ، عن أبي عبد الله الحسين الصغير ، عن محمّد بن إبراهيم الجعفري ، عن أحمد بن عليّ بن محمّد بن عبد الله بن عمرّ بن عليّ بن أبي طالب ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ومحمّد بن يحيى ، عن سعد بن عبد الله ، عن يعقوب
________________________________________________________
أي من كلّ شبهة ومعضلة ، حتّى لا يخفى عليكم شيء من الأمور الواردة عليكم « فلم يترك لجاهل حجة » لأنّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بين ولايتكم وأوجب على الخلق الرجوع إليكم في كلّ ما اشتبه عليهم وبين لكم كلّ ما يحتاجون إليه ، فليس لجاهل قصّر في طلب العلم منكم على الله حجة يوم القيامة ، والتجاهل والتناسي إظهار الجهل والنسيان مع عدمهما.
« من وراء حوائجكم » أي يسوقها إليكم ويقضيها لكم ، والوراء فعال ولامه همزة عند سيبويه وأبي عليّ الفارسي ، وياء عند العامّة ، وهو من ظروف المكان بمعنى خلف وقدام « وأستودعكم الله » على صيغة المتكلم أي أجعلكم وديعة عند الله واستحفظه إيّاكم.
الحديث العشرون : ضعيف على المشهور.
والشقّة بالكسر القطعة ، وهذا التشبيه معروف بين العرب والعجم.
الحديث الحادي والعشرون : سنده الأوّل مجهول ، والثاني مرسل.
قوله : فالصلب ، كلام الصادق أو جبرئيلعليهماالسلام ، وقوله : والبطن ، بتقدير وأمّا البطن وفي مجالس الصدوق أمّا البطن.
بن يزيد ، عن ابن فضّال ، عن بعض رجاله ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال نزل جبرئيلعليهالسلام على النبيّصلىاللهعليهوآله فقال يا محمّد أنّ ربّك يقرئك السلام ويقول : إنّي قد حرَّمت النار على صلب أنزلك وبطن حملك وحجر كفلك ، - فالصلب صلب أبيك - عبد الله بن عبد المطّلب - والبطن الّذي حملك فآمنة بنت وهب وأمّا حجر كفلك فحجر أبي طالب.
وفي رواية ابن فضّال وفاطمة بنت أسد
________________________________________________________
« وفي رواية ابن الفضال » أي السند الثاني ، وروى الصدوق (ره) : في المجالس ومعاني الأخبار عن محمّد بن الحسن بن الوليد عن محمّد بن الحسن الصفار عن عليّ بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير عنهعليهالسلام مثله ، إلى قوله : وأمّا الحجر الّذي كفلّك فأبو طالب بن عبد المطلب وفاطمة بنت أسد.
وأقول : هذا الخبر ممّا يدلّ على إسلام والدي النبيّ ووالدي أمير المؤمنينعليهمالسلام ولا ريب في إسلام فاطمة رضي الله عنها وقد اتفق عليه المسلمون ، والباقون قد اختلف المسلمون في إسلامهم ، فأمّا والدا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقد اتفقت الإمامية على إسلامهما وإسلام جميع أجداده إلى آدمعليهمالسلام ، بل كانوا من الصديقين ، إما أنبياء مرسلين أو أوصياء معصومين ، ولعلّ بعضهم لم يظهر الإسلام للتقية أو لغيرها من المصالح الدينية قال أمين الدين الطبرسيقدسسره في مجمع البيان : قال أصحابنا : أنّ آزر كان جد إبراهيم لأمه أو كان عمه من حيث صح عندهم أنّ آباء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى آدم كلهم كانوا موحدين ، وأجمعت الطائفة على ذلك ، ورووا عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : لم يزل ينقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات حتّى أخرجني في عالمكم هذا ، لم يدنسني بدنس الجاهلية ، ولو كان في آبائهعليهالسلام كافر لم يصف جميعهم بالطهارة ، مع قوله سبحانه : «إنّما الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ »(١) ولهم في ذلك أدلة ليس هنا موضع ذكرها ، انتهى.
وقال إمامهم الرازي في تفسيره : قالت الشيعة : أنّ أحداً من آباء الرسول
__________________
(١) سورة التوبة : ٢٨.
________________________________________________________
صلىاللهعليهوآلهوسلم وأجداده ما كان كافراً وأنكروا أنّ يقال : أنّ والد إبراهيم كان كافراً ، وذكروا أنّ آزر كان عمّ إبراهيمعليهالسلام واحتجوا على قولهم بوجوه : الأوّل : أنّ آباء نبيّنا ما كانوا كفارا ويدلّ عليه وجوه ، منها : قوله تعالى : «الّذي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ »(١) قيل : معناه أنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد ، وبهذا التقدير فالآية دالة على أنّ جميع آباء محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم كانوا مسلمين ، فيجب القطع بأنّ والد إبراهيم كان مسلـمّا ، وممّا يدلّ على أنّ أحدا من آباء محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ما كانوا من المشركين قولهعليهالسلام : لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات وقال تعالى : «إنّما الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ».
أقول : ثمّ أورد بعض الاعتراضات والأجوبة الّتي لا حاجة لنا إلى إيرادها ، ثمّ قال : وأمّا أصحابنا فقد زعموا أنّ والد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان كافراً ، وذكروا أنّ نصّ الكتاب في هذه الآية تدل على أنّ آزر كان كافراً وكان والد إبراهيمعليهالسلام إلى آخر ما قال.
وإنّما أوردنا كلامه ليعلم أنّ اتفاق الشيعة على ذلك كان معلوما بحيث اشتهر بين المخالفين ، وأمّا المخالفون فذهب أكثرهم إلى كفر والدي الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وكثير من أجداده كعبد المطلب وهاشم وعبد مناف صلوات الله عليهم أجمعين ، وإجماعنا وأخبارنا متظافرة على خلافهم.
قال الصدوقرضياللهعنه في رسالة العقائد : اعتقادنا في آباء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّهم مسلمون من آدم إلى أبيه عبد الله ، وأنّ أبا طالب كان مسلـمّا ، وآمنة بنت وهب بن عبد مناف أم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كانت مسلمة ، وقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح إلى آدم ، وقد روي أنّ عبد المطلب كان حجة وأنّ أبا طالب كان وصيّه ، انتهى.
وأمّا أبو طالب فالمشهور أنّ اسمه عبد مناف ، وقال صاحب كتاب عمدة الطالب
__________________
(١) سورة الشعراء : ٢١٩.
________________________________________________________
فيه : قيل أنّ اسمه عمران وهي رواية ضعيفة رواها أبو بكر محمّد بن عبد الله الطرسوسي النسّابة ، وقيل : اسمه كنيته ، ويروى ذلك عن محمّد بن إبراهيم الأعرج ، وزعمّ أنه رأي خطّ أمير المؤمنينعليهالسلام وكتب عليّ بن أبو طالب ، ولكن حدّثني تاج الدين محمّد بن القاسم النسابة وجدّي لأمّي أنّ الّذي كان في آخر ذلك المصحف عليّ بن أبي طالب ولكن الياء مشتبهة بالواو في الخطّ الكوفي ، والصحيح أنّ إسمه عبد مناف ، انتهى.
وأقول : قد أجمعت الشيعة على إسلامه ، وأنه قد آمن بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في أوّل الأمر ولم يعبد صنما قط ، بل كان من أوصياء إبراهيمعليهالسلام واشتهر إسلامه من مذهب الشيعة حتّى أنّ المخالفين كلهم نسبوا ذلك إليهم وتواترت الأخبار من طرق الخاصة والعامّة في ذلك ، وصنف كثير من علمائنا ومحدثينا كتابا مفردا في ذلك كما لا يخفى على من تتبع كتب الرجال.
وقال ابن الأثير في جامع الأصول : وما أسلم من أعمام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم غير حمزة والعبّاس وأبي طالب عند أهل البيتعليهمالسلام ، وقال الطبرسيرحمهالله : قد ثبت إجماع أهل البيتعليهمالسلام على إيمأنّ أبي طالب ، وإجماعهم حجة لأنّهم أحد الثقلين الذين أمر النبيّ بالتمسك بهما ، ثمّ نقل عن الطبري وغيره من علمائهم الأخبار والأشعار الدالة على إيمانه ، وذكر ابن بطريق في المستدرك دلائل كثيرة على إيمانه أوردتها في الكتاب الكبير.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج : اختلف الناس في إسلام أبي طالب ، فقالت الإمامية وأكثر الزيدية : ما مات إلّا مسلـمّا ، وقال بعض شيوخنا المعتزلة بذلك ، وقال أكثر الناس من أهل الحديث والعامّة ومن شيوخنا البصريين وغيرهم : مات على دين قومه ، ثمّ ذكر بعض دلائلهم السخيفة ، ثمّ قال : فأما الذين زعموا أنه كان مسلـمّا فقد رووا خلاف ذلك وذكر هذا الخبر ، ثمّ قال : قالوا وقد نقل الناس كافة عن
٢٢ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن زرارة بن أعين ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال يحشر عبد المطلّب يوم
________________________________________________________
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى أرحام الزكيّة فوجب أنّ يكون آباؤهم كلّهم منزّهين عن الشرك ، لأنّهم لو كانوا عبدة أصنام لـمّا كانوا طاهرين وروي أنّ العبّاس بن عبد المطلب قال لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالمدينة : ما ترجو لأبي طالب؟
فقال : أرجو له كلّ خير من الله عزَّ وجلَّ ، وروي أنّ رجلاً من رجال الشيعة وهو أبأنّ بن أبي محمود كتب إلى عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام : جعلت فداك قد شككت في إسلام أبي طالب؟ فكتب إليه : «وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تبيّن لَهُ الْهُدى وَيتّبع غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً » وبعدها : إنك أنّ لم تقر بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار ، وروي عن محمّد بن عليّ الباقرعليهالسلام أنه سئل عمّا يقوله الناس أنّ أبي طالب في ضحضاح من نار؟ فقال : لو وضع إيمأنّ أبي طالب في كفة ميزان ، وإيمان هذا الخلق في الكفة الأخرى لرجح إيمانه ، ثمّ قال : ألم تعلموا أنّ أمير المؤمنين عليّاًعليهالسلام كان يأمر أنّ يحج من عبد الله وآمنة وأبي طالب في حياته ، ثمّ أوصى في وصيته بالحج عنهم ، إلى آخر ما أورده في ذلك.
أقول : وقد أشبعنا القول في جميع ذلك في كتاب بحار الأنوار.
الحديث الثاني والعشرون : صحيح.
« أمّة واحدة » أي إذا حشر الناس زمراً زمراً وفوجاً ، هو يحشر وحده لأنّه كان متفرّداً في زمانه بدين الحق من بين قومه ، قال في النهاية : وفي حديث قسّ بن ساعدّة أنه يبعث يوم القيامة أمّة وحدة ، الأمّة الرجل المتفرد بدينه كقوله تعالى : «أنّ إِبْراهِيمَ كان أمّة قانِتاً لِلَّهِ »(١) انتهى.
وفي ناظر عين القريبين : الأمّة الرجل الجامع للخير والدين والصنف من الناس وأتباع الأنبياء ، والطريقة المستقيمة ، والمدة من الزمان ، وقال الراغب في المفردات
__________________
(١) سورة النحل : ١٢٠.
القيامة أمّة واحدة ، عليه سيماء الأنبياء وهيبة الملوك.
٢٣ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عبد الرَّحمن الأصمّ ، عن الهيثمّ بن واقد ، عن مقرن ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أنّ عبد المطّلب أوّل من قال بالبداء يبعث يوم القيامة أمّة وحده عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء.
٢٤ - بعض أصحابنا ، عن ابن جمهور ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن عبد الرَّحمن بن الحجّاج [ و ] ، عن محمّد بن سنان ، عن المفضّل بن عمر جميعاً ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال يبعث عبد المطلب أمّة وحده عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء وذلك أنه أوّل من قال بالبداء قال وكان عبد المطلب أرسل رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى رعاته في إبل قد ندت له فجمعها فأبطأ عليه فأخذ بحلقة باب الكعبة
________________________________________________________
«أنّ إِبْراهِيمَ كان أمّة » أي قائماً مقام جماعة في عبادة الله ، نحو قولهم : فلان في نفسه. قبيلة ، وروي أنّه يحشر زيد بن عمرو بن نفيل أمّة وحدة.
« عليه سيماء الأنبياء » حال أو استيناف بيانيّ ، والظاهر أنّ المراد بيان حاله في الآخرة ، أي يحشر بنور مثل نور الأنبياء ، وجلالة مثل جلالة الملوك في الدّنيا أو حاله في الدنيا فإنه كان تابعاً للأنبياء ، ومن أوصيائهم ومستنّاً بسنتّهم وكان ألقى الله مهابته في قلوب الناس.
الحديث الثالث والعشرون : ضعيف.
« أوّل من قال بالبداء » أي من قومه بني إسماعيل أو من غير الأنبياء ، والبهاء الحسن.
الحديث الرابع والعشرون : ضعيف.
« وذلك أنّه » تعليل لقولهعليهالسلام : سيماء الأنبياء ، أو لجميع ما تقدّم وما بعده تفصيل لهذا الإجمال ، وقد مضى تحقيق البداء في كتاب التوحيد ، والرعاء بالكسر جمع راع كجائع وجياع ، قال تعالى : «حتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ »(١) ويقال : ندّ
__________________
(١) سورة القصص : ٢٣.
وجعل يقول : « يا ربّ أتهلك آلك إن تفعل فأمرٌ ما بدا لك » فجاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالإبل وقد وجّه عبد المطّلب في كلّ طريق وفي كلّ شعب في طلبه وجعل يصيح : « يا ربّ أتهلك آلك إن تفعل فأمرٌ ما بدا لك » ولـمّا رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخذه فقبّله وقال : يا بنيَّ لا وجّهتك بعد هذا في شيء فإنّي أخاف أن تغتال فتقتل.
________________________________________________________
البعير يندّ ندّاً وندوداً : نفر وذهب على وجهه شارداً ، ذكره الجوهري ، وربمّا يقرأ بتخفيف الدال من الندو والندى بمعنى التفرّق ، قال في القاموس : ندا الشيء تفرق والإبل خرجت من الحمض إلى الخلة ، ونديتها أنا ، وإبل نواد : شاردة ، وقال : الحمض ما ملح وأمر من النبات ، وهي كفاكهة الإبل والخلّة ما حلا وهي كخبزها ، والأوّل أظهر ، والتقدير في إبل له قد ندت فقوله « له » نعت إبل « آلك » أي أقرب الخلق إليك ، وآل الرجل من يؤول إليه أمره قال في النهاية في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : في شهر الله المحرّم أضاف الشهر إلى الله تعظيماً له وتفخيماً ، كقولهم بيت الله وآل الله لقريش انتهى.
وإنّما قال ذلك تعجبّاً لـمّا وصل إليه من أخبار الأنبياء بنبوتّه وأنّه يملك المشارق والمغارب ، ثمّ تفطّن بإمكان البداء والمحو بعد الإثبات فقال : أنّ تفعل فأمر ما بدا لك ، « ما » إبهاميه أي فأمر من الأمور ظهر لك أي يظهر من تقديرك أمر خفي على الخلق مسبّبه ، فمن هنا ظهر أنه كان قائلا بالبداء وهذا على تقدير أنّ يكون أمر اسما ، ويحتمل أنّ يكون فأمر بصيغة الأمر أي أهلكني قبل هلاكه ، أو المراد أنّ تهلكه مع أنه آلك فالأمر أمرك وقيل : أي فأمر ما بدا لك في أسباب عدم إهلاكه والأوّل أظهر الوجوه.
وصحّف بعض الفضلاء ، وقرأ ألك بهمزة الاستفهام وأنّ تفعل بفتح الهمزة أي أيجوز لك أنّ تفعل! تعجبّاً ، وقال : حذف مفعول تهلك لظهوره ولا يخفى بعده.
وقال في النهاية : الاغتيال هو أنّ يخدع فيقتل في موضع لا يراه فيه أحد.
٢٥ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن أبي عمير ، عن محمّد بن حمران ، عن أبان بن تغلب قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام لـمّا أنّ وجّه صاحب الحبشة بالخيل ومعهم الفيل ليهدم البيت مرُّوا بإبل لعبد المطلب فساقوها فبلغ ذلك عبد المطلب فأتى صاحب الحبشة فدخل الآذن فقال هذا عبد المطلب بن هاشم قال وما يشاء قال الترجمأنّ جاء في إبل له ساقوها يسألك ردها فقال ملك الحبشة لأصحابه هذا رئيس قوم وزعيمهم جئت إلى بيته الّذي يعبده لأهدمه وهو يسألني إطلاق إبله أما لو سألني الإمساك عن هدمه لفعلت ردوا عليه إبله فقال عبد المطلب لترجمانه ما قال لك الملك فأخبره فقال عبد المطّلب أنا رب الإبل ولهذا البيت ربُّ يمنعه ، فردت إليه إبله وانصرف عبد المطلب نحو منزله فمرّ بالفيل في منصرفه ، فقال للفيل : يا محمود فحرّك الفيل رأسه فقال له أتدري لم جاءوا بك فقال الفيل برأسه لا فقال عبد المطّلب جاءوا بك لتهدم بيت ربّك أفتراك فاعل ذلك ؟ فقال برأسه : لا فانصرف عبد المطلب إلى منزله فلـمّا أصبحوا غدوا به
________________________________________________________
الحديث الخامس والعشرون : مجهول.
« لـمّا أنّ وجّه » قيل : أن زائدة لتأكيد اتصال جواب لـمّا بمدخولها ، أي أمر بالتوجه ، والحبشة جنس من السودان ، ويطلق على بلادهمأيضاً « بالخيل » أي الفرسان والباء زائدة ، أو المفعول مقدر أي وجه قائدا وهو ابن الصباح بالخيل فالباء للمصاحبّة ويمكن أنّ يقرأ وجه على بناء المجهول ، فالمراد بصاحب الحبشة أبرهة « ليهدم» أي الفيل أو الصاحب ، والإبل اسم الجمع ، وعلى المشهور كانت مائتين « فدخل الآذن » أي الحاجب الّذي يطلب الإذن للنّاس ويأذنهم للدخول ، وفي القاموس : الترجمان كعنفوان وزعفران وريهقان المفسّر للسان ، وقال : الزعيم الكفيل ، وسيّد القوم ورئيسهم ، أو المتكلم عنهم ، والزعامة الشرف والرئاسة « في إبل » كلمة في للتعليل.
« في منصرفه » مصدر ميميّ أو اسم مكان ، ومحمود : اسم الفيل وحركة الرأس إجابة « غدوا به » أي بكروا ، والباء للتعدية أو للمصاحبّة ، والضمير للفيل « أجمع »
لدخول الحرم فأبى وامتنع عليهم فقال عبد المطّلب لبعض مواليه عند ذلك اعل الجبل فانظر ترى شيئاً ؟ فقال : أرى سواداً من قبل البحر ، فقال له : يصيبه بصرك أجمع فقال له لا ولأوشك أنّ يصيب ، فلـمّا أنّ قرب قال هو طير كثير ولا أعرفه يحمل كلّ طير في منقاره حصاة مثل حصاة الخذف أو دون حصاة الخذف فقال عبد المطّلب : وربّ عبد المطّلب ما تريد إلّا القوم حتّى لـمّا صاروا فوق رءوسهم أجمع ألقت الحصاة فوقعت كلّ حصاة على هأمّة رجل فخرجت من دبره فقتلته فما انفلت منهم إلّا رجلٌ واحدٌ يخبر النّاس ، فلـمّا أنّ أخبرهم ألقت عليه حصاة فقتلته.
________________________________________________________
تأكيد لضمير يصيبه.
« ولا أعرفه » أي لا أعرف أيّ جنس هو من أجناس الطير لأنّه لم يكن من جنس الطيور المعروفة ، والخذف: رمي الحصاة ونحوها بطرفي إصبعين و « أو » للترديد لعدم تبيّنه لبعد المسافة أو للتقسيم أي بعضها هكذا وبعضها هكذا ، « ألقت » أي الطير والتأنيث باعتبار الجمعيّة ، وقد يذكّر وقد يؤنّث وفي القاموس : الطير جمع طائر وقد يقع على الواحد ، وقال في المصباح : الطير جمع الطائر كصاحب وصحبّ ، وجمع الطير طيور وأطيار ، وقال أبو عبيدة وقطرب : يقع الطير على الواحد والجمع ، وقال ابن الأنباري : الطير جماعة وتأنيثها أكثر من التذكير ، والناس عبارة عن صاحب الحبشة وأصحابه وقيل : ضمير ألقت للطير نظير «فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ »(١) مع أنّ المنادي واحد.
أقول : وقال الطبرسي (ره) في مجمع البيان : أجمعت الرواة على أنّ مالك اليمن الّذي قصد هدم الكعبة هو أبرهة بن الصّباح ، وقيل : أنّ كنيته أبو يكسوم قال الواقدي : هو صاحب النجاشي جدّ النجاشي الّذي كان على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال محمّد بن إسحاق : أقبل تبّع حتّى نزل على المدينة فنزل بوادي قبا ، فحفر بها بئرا تدعى اليوم ببئر الملك ، قال : وبالمدينة إذ ذاك يهود الأوس والخزرج ، فقاتلوه وجعلوا يقاتلونه بالنهار فإذا أمسى أرسلوا إليه بالضيافة ، فاستحيى وأراد صلحهم فخرج
__________________
(١) سورة آل عمران : ٣٩.
________________________________________________________
إليه رجل من الأوس يقال له : أحيحة بن الجلاح وخرج إليه من اليهود بنيامين القرطبي فقال له أحيحة : أيها الملك نحن قومك ، وقال له بنيامين : هذه بلدة لا تقدر أنّ تدخلها ولو جهدت ، قال : ولم؟ قال : لأنّها منزل نبي من الأنبياء يبعثه الله من قريش.
قال : ثمّ خرج يسير حتّى إذا كان من مكّة على ليلتين بعث الله عليه ريحا قصفت يديه ورجليه وشنجت جسده(١) فأرسل إلى من معه من اليهود فقال : ويحكم ما هذا الّذي أصابني؟ قالوا : حدثت نفسك بشيء؟ قال : نعمّ ، وذكر ما أجمع عليه من هدم البيت وإصابة ما فيه قالوا : ذاك بيت الله الحرام ، ومن أراده هلك ، قال : ويحكم وما المخرج ممّا دخلت فيه؟ قالوا : تحدث نفسك بأنّ تطوف وتكسوه وتهدي له ، فحدث نفسه بذلك فأطلقه الله ، ثمّ سار حتّى دخل مكّة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وكسى البيت.
وذكر الحديث في نحره بمكّة وإطعامه الناس ثمّ رجوعه إلى اليمن وقتله وخروج ابنه إلى قيصر واستعانته به فيما فعل قومه بأبيه ، وأنّ قيصرا كتب له إلى النجاشي ملك الحبشة وأنّ النجاشي بعث معه ستين ألفا واستعمل عليهم روزبه حتّى قاتلوا حمير قتلة أبيه ، ودخلوا صنعاء فملكوها وملكوا اليمن ، وكان في أصحاب روزبه رجل يقال له أبرهة وهو أبو يكسوم ، فقال لروزبه : أنا أولى بهذا الأمر منك وقتله مكرا وأرضى النجاشي.
ثمّ أنه بني كعبة باليمين وجعل فيها قبابا من ذهب وأمر أهل مملكته بالحج إليها يضاهي بذلك البيت الحرام ، وأنّ رجلاً من بني كناية خرج حتّى قدم اليمن فنظر إليها ثمّ قعد فيها يعني لحاجة الإنسان فدخلها أبرهة ، فوجد تلك العذرة فيها فقال : من اجترأ عليّ بهذا؟ ونصرانيتي لأهدمن ذلك البيت حتّى لا يحجه حاج
__________________
(١) أي نقبض.
________________________________________________________
أبداً ، فدعا بالفيل وأذن في قومه بالخروج ومن اتبعه من أهل اليمن وكان أكثر من تبعه منهم عكّ والأشعريّون وخثعم.
قال : ثمّ خرج يسير حتّى إذا كان ببعض طريقه بعث رجلاً من بني سليم ليدعو الناس إلى حج بيته الّذي بناه فتلقاه رجل من الحمس من بني كنانة فقتله فازداد بذلك حنقاً وأحثّ السير والانطلاق ، وطلب من أهل الطائف دليلاً فبعثوا معه رجلاً من هذيل يقال له نفيل ، فخرج بهم يهديهم حتّى إذا كانوا بالمغمس نزلوا وهو من مكّة على ستّة أميال ، فبعثوا مقدماتهم إلى مكّة فخرجت قريش عباديد(١) في رؤوس الجبال وقالوا : لا طاقة لنا اليوم بقتال هؤلاء القوم ، ولم يبق بمكّة غير عبد المطلب بن هاشم أقام على سقايته وغير شيبة بن عثمان بن عبد الدار أقام على حجابة البيت ، فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادتي الباب ثمّ يقول :
لا همّ أنّ المرء يمنع رحله فامنع رحالك |
لا يغلبوابصليبهم ومحالهم عدواً محالك(٢) |
أنّ يغلبوا(٣) البيت الحرام إذا فأمر ما بدا لك |
ثمّ أنّ مقدّمات أبرهة أصابت نعماً لقريش فأصابت فيها مائتي بعير لعبد المطلب ابن هاشم ، فلـمّا بلغه ذلك خرج حتّى أتى القوم وكان حاجب أبرهة رجلاً من الأشعرييّن وكانت له بعبد المطلب معرفة ، فاستأذن له على الملك وقال له : أيها الملك جاءك سيّد قريش الّذي يطعمّ أنسها في الحي ووحشها في الجبل ، فقال : ائذن له ، وكان عبد المطلب رجلاً جسمياً جميلاً ، فلـمّا رآه أبو يكسوم أجله أنّ يجلسه تحته وكره أنّ يجلسه معه على سريره ، فنزل من سريره فجلس على الأرض وأجلس عبد المطلب
__________________
(١) العباديه : الفرق من الناس.
(٢) المحال : التدبير والقوّة.
(٣) وفي نسخة : « ان يدخلوا » بدل « ان يغلبوا » وفي المصدر : « لا يدخلوا البلد الحرام ».
________________________________________________________
معه ثمّ قال : ما حاجتك؟ قال : حاجتي مائتا بعير لي أصابتها مقدمتك ، فقال أبو يكسوم : والله لقد رأيتك فأعجبتني ، ثمّ تكلمت فزهدت فيك(١) فقال : ولم أيها الملك قال : لأني جئت إلى بيت عزكم ومنعتكم من العرب وفضلكم في الناس وشرفكم عليهم ودينكم الّذي تعبدون ، فجئت لأكسره وأصيبت لك مائتا بعير فسألتك عن حاجتك فكلمتني في إبلك ولم تطلب إلى في بيتكم؟ فقال عبد المطلب : أيها الملك إنّما أكلمك فيما لي ولهذا البيت رب هو يمنعه ، لست أنا منه في شيء ، فراع ذلك أبا يكسوم وأمر برد إبل عبد المطلب عليه.
ثمّ رجع وأمست ليلتهم تلك الليلة كالحة نجومها(٢) كأنّها تكلّمهم كلاماً لاقترابها منهم ، فأحسّت نفوسهم بالعذاب ، وخرج دليلهم حتّى دخل الحرم وتركهم وقام الأشعريون وخثعمّ وكسروا رماحهم وسيوفهم وبرأوا إلى الله أنّ يعينوا على هدم البيت فباتوا كذلك بأخبث ليلة ، ثمّ أدلجوا بسحر(٣) فبعثوا فيلهم يريدون أنّ يصبحوا بمكّة فوجهوه إلى مكّة فربض(٤) فضربوه فتمرغ فلم يزالوا كذلك حتّى كادوا أنّ يصبحوا ، ثمّ أنّهم أقبلوا على الفيل فقالوا : لك الله أنّ لا نوجهك إلى مكّة فانبعث فوجهوه إلى اليمن راجعاً فتوجه يهرول فعطفوه حين رأوه منطلقا حتّى إذا ردوه إلى مكانه الأوّل ربض ، فلـمّا رأوا ذلك عادوا إلى القسم فلم يزالوا كذلك يعالجونه حتّى إذا كان مع طلوع الشمس طلعت عليهم الطير معها الحجارة فجعلت ترميهم ، وكلّ طائر في منقاره حجر وفي رجليه حجران وإذا رمت بتلك مضت وطلعت أخرى
__________________
(١) أي رغبت عنك.
(٢) من كلح وجهه بمعنى عبس.
(٣) أي ساروا قريباً من السحر.
(٤) ربض : برك.
________________________________________________________
فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطن إلّا خرقه ولا عظم إلّا أوهاه(١) وثقبه وثاب(٢) أبو يكسوم راجعاً قد أصابته بعض الحجارة ، فجعل كلـمّا قدم أرضاً انقطع له فيها إرب(٣) حتّى إذا انتهى إلى اليمن لم يبق شيء إلّا أباده فلـمّا قدمها انصدع صدره وانشق بطنه فهلك ، ولم يصب من خثعم والأشعرييّن أحد.
قال وكان عبد المطلب يرتجز ويدعو على الحبشة يقول :
يا ربّ لا أرجو لهم سواكا |
يا ربّ فامنع عنهم حماكا |
|
أنّ عدوّ البيت من عاداكا |
أنّهم لم يقهروا قواكا |
قال : ولم تصب تلك الحجارة أحداً إلّا هلك ، وليس كلّ القوم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الّذي منه جاءوا ويسألون عن نفيل ليدلّهم على الطريق(٤) .
وقال مقاتل : السبب الّذي جر أصحاب الفيل إلى مكّة هو أنّ فئة من قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي ، فساروا حتّى دنوا من ساحلّ البحر وفي حقف من أحقافها(٥) بيعة للنصارى تسميها قريش الهيكل ويسميها النجاشي وأهل أرضه ماسرخشان ، فنزل القوم فجمعوا حطبا ثمّ أججوا نارا فاشتووا لحما فلـمّا ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف ، فذهبت الرياح بالنار فاضطرم الهيكلّ نارا ، فغضب النجاشي لذلك فبعث أبرهة لهدم الكعبة.
__________________
(١) أي كسره.
(٢) أي عاد.
(٣) أي عضو من أعضائه.
(٤) وفي المصدر بعد قوله « على الطريق » هكذا وقال نفيل في ذلك :
ردينة لو رأيت ولن ترينه |
لدى جنب المحصب ما رأينا |
|
حمدت الله اذ عاينت طيراً |
وخفت حجارة تلقى علينا |
|
وكل القوم يسأل عن نفيل |
كان على للحبشأنّ دينا |
(٥) الحقف : ما اعون من الرمل واستطال.
________________________________________________________
وروي العياشي بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : أرسل الله على أهل الفيل طيراً مثل الخطّاف أو نحوه ، في منقاره حجر مثل العدسة فكان يحاذي برأس الرجل فيرميه بالحجر ، فيخرج من دبره ، فلم تنزل بهم حتّى أتت عليهم ، قال : فأفلت رجل منهم فجعل يخبر الناس بالقصّة فبينا هو يخبرهم إذ أبصر طيراً منها فقال : مثل هذا هو منها ، قال : فحاذى به فطرحه على رأسه فخرج من دبره.
وقال عبيد بن عمير : لـمّا أراد الله أنّ يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيراً نشأت من البحر كأنّها الخطاطيف ، كلّ طير منها معه ثلاثة أحجار ، ثمّ جاءت حتّى صفّت على رؤوسهم ثمّ صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها ، فما من حجر وقع منها على رجل إلّا خرج من الجانب الآخر ، أنّ وقع على رأسه خرج من دبره وأنّ وقع على شيء من جسده خرج من الجانب الآخر.
وعن ابن عباس قال : دعا الله الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سودا عليها الطين فلـمّا حاذت بهم رمتهم فما بقي أحد منهم إلّا أخذته الحكة فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلّا تساقط لحمه ، قال : وكانت الطير نشأت من قبل البحر لها خراطيم الطيور ورؤوس السباع ، لم تر قبل ذلك ولا بعده.
وروي الشيخ المفيد (ره) في مجالسه بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عن أبيه عن جدّهعليهمالسلام قال : لـمّا قصد أبرهة بن الصباح ملك الحبشة لهدم البيت تسرعت الحبشة فأغاروا عليها فأخذوا سرحاً(١) لعبد المطلب بن هاشم ، فجاء عبد المطلب إلى الملك فاستأذن عليه فأذن له وهو في قبّة ديباج على سرير له ، فسلم عليه فردّ أبرهة السلام وجعل ينظر في وجهه ، فراقه(٢) حسنه وجماله وهيئته ، فقال له : هل كان في آبائك مثل هذا النور الّذي أراه لك والجمال؟ قال : نعم أيّها الملك
__________________
(١) السرح : الماشية.
(٢) أي أعجبه.
________________________________________________________
كلّ آبائي كان لهم هذا الجمال والنور والبهاء ، فقال له أبرهة : لقد فقتم فخراً وشرفاً ويحقّ لك أنّ تكون سيّد قومك ثمّ أجلسه معه على سريره وقال لسائس فيله الأعظم - وكان فيلاً أبيضاً عظيم الخلق ، له نأبان مرصعان بأنواع الدر والجواهر ، وكان الملك يباهي به ملوك الأرض - ائتني به ، فجاء به سائسه وقد زين بكلّ زينة حسنّة فحين قابل وجه عبد المطلب سجد له ولم يكن يسجد لملكه ، وأطلق الله لسانه بالعربية فسلم على عبد المطلب ، فلـمّا رأى الملك ذلك ارتاع له وظنه سحرا فقال : ردوا الفيل إلى مكانه ، ثمّ قال لعبد المطلب : فيم جئت فقد بلغني سخاؤك وكرمك وفضلك؟ ورأيت من هيبتك وجمالك وجلالك ما يقتضي أنّ أنظر في حاجتك فسلني ما شئت ، وهو يرى أنه يسأله في الرجوع عن مكّة ، فقال عبد المطلب : أنّ أصحابك عدوا على سرح لي فذهبوا به ، فمرهم برده عليّ ، قال : فتغيظ الحبشي من ذلك وقال لعبد المطلب : لقد سقطت من عيني ، جئتني تسألني في سرحك وأنا قد جئت لهدم شرفك وشرف قومك ومكرمتكم الّتي تتميزون بها من كلّ جيل ، وهو البيت الّذي يحج إليه من كلّ صقع في الأرض ، فتركت مسالّتي في ذلك وسألتني في سرحك؟
فقال له عبد المطلب : لست برب البيت الّذي قصدت لهدمه ، وأنا رب سرحي الّذي أخذه أصحابك فجئت أسألك فيما أنا ربه وللبيت رب هو أمنع له من الخلق كلهم وأولى به منهم ، فقال الملك : ردوا عليه سرحه وانصرف إلى مكّة وأتبعه الملك بالفيل الأعظم مع الجيش لهدم البيت ، فكانوا إذا حملوه على دخول الحرم أناخ ، وإذا تركوه رجع مهرولا ، فقال عبد المطلب لغلمانه : ادعوا لي ابني فجيء بالعبّاس ، فقال : ليس هذا أريد ، ادعوا لي ابني فجيء بأبي طالب ، فقال : ليس هذا أريد ادعوا لي ابني فجيء بعبد الله أب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلـمّا أقبل إليه قال : اذهب يا بني حتّى تصعد أبا قبيس ثمّ اضرب ببصرك ناحية البحر فانظر أي شيء يجيء من هناك وخبرني به قال : فصعد عبد الله أبا قبيس فما لبث أنّ جاء طير أبابيل مثل السيل والليل ، فسقط
________________________________________________________
على أبي قبيس ثمّ صار إلى البيت فطاف سبعاً ثمّ صار إلى الصفا والمروة فطاف بهما سبعاً.
فجاء عبد الله إلى أبيه فأخبره الخبر فقال : انظر يا بني ما يكون من أمرها بعد فأخبرني به ، فنظرها فإذا هي قد أخذت نحو عسكر الحبشة فأخبر عبد المطلب بذلك ، فخرج عبد المطلب وهو يقول : يا أهل مكّة اخرجوا إلى العسكر فخذوا غنائمكم.
قال : فأتوا العسكر وهم أمثال الخشب النخرة وليس من الطير إلّا ما معه ثلاثة أحجار في منقاره ويديه يقتل بكلّ حصاة منها واحداً من القوم ، فلـما أتوا على جميعهم انصرف الطير فلم ير قبل ذلك اليوم ولا بعده ، فلـمّا أهلك القوم بأجمعهم جاء عبد المطلب إلى البيت فتعلّق بأستاره وقال :
يا حابس الفيل بذي المغمّس |
حبسته كأنّه مكوّس |
في مجلس تزهق فيه الأنفس |
فانصرف وهو يقول في فرار قريش وجزعهم من الحبشة :
طارت قريش إذ رأت خميساً |
فظلت فرداً لا أرى أنيساً |
|
ولا أحسّ منهم حسيساً |
إلّا أخاً لي ماجداً نفسياً |
مسوّداً في أهله رئيساً |
وروي الشيخ أبو الفتح الكراجكيقدسسره في كنز الفوائد بإسناده عن أبي عبد اللهعليهالسلام عن آبائهعليهمالسلام : قال لـمّا ظهرت الحبشة باليمن وجّه يكسوم ملك الحبشة بقائدين من قوادة يقال لأحدهما أبرهة والآخر أرباط في عشرة من الفيلة كلّ فيل في عشرة آلاف لهدم بيت الله الحرام ، فلـمّا صاروا ببعض الطريق وقع بأسهم بينهم واختلفوا ، فقتل أبرهة أرباط واستولى على الجيش فلـمّا قارب مكّة طرد أصحابه عير عبد المطلب بن هاشم فصار عبد المطلب إلى أبرهة والمستولي عليه ابن
________________________________________________________
داية لعبد المطلب ، فقال الترجمان لأبرهة : هذا سيّد العرب وديانها فأجله وأعظمه ثمّ قال لكاتبه : سله ما حاجته؟ فسأله فقال : أنّ أصحاب الملك طردوا لي نعمّا ، فأمر بردها ثمّ أقبل على الترجمان فقال قل له : عجباً لقوم سودوك ورأسوك عليهم حيث جئت تسألني في عيرك وقد جئت لأهدم شرفك ومجدك ، ولو سألتني الرجوع عنه لفعلت فقال : أيها الملك أنّ هذه العير لي وأنا ربها فسألتك إطلاقها وأنّ لهذه البنية ربّاً يدفع عنها ، قال : فإني غاد لهدمها حتّى أنظر ما ذا يفعل ، فلـمّا انصرف عبد المطلب رحلّ أبرهة بجيشه فإذا هاتف يهتف في السحر الأكبر : يا أهل مكّة أتاكم أهل عكة بجحفل جرار يملأ الاندار ملء الجفار(١) فعليهم لعنة الجبار ، فأنشأ عبد المطلب يقول :
أيّها الداعي لقد أسمعتني |
كلّ ما قلت ومآبي من صمم |
|
إنّ للبيت لربّاً مانعاً |
من يرده بآثام يصطلم |
|
رامه تبّع في أجناده |
حمير والحيّ من آل إرم |
|
هلكت بالبغي فيهم جرهم |
بعد طسم وجديس وحشم(٢) |
|
و كذلك الأمر في من كاده |
ليس أمر الله بالأمر الأمم(٣) |
|
نحن آل الله فيما قد خلا |
لم يزل ذاك على عهد أبرهم(٤) |
|
نعرف الله وفينا شيمة |
صلة الرّحم ونوفي بالذمم |
|
لم يزل لله فينا حجّة |
يدفع الله بها عنها النقم |
|
ولنا في كلّ دور كرّة |
نعرف الدين وطوراً في العجم |
__________________
(١) عكّة : اسم بلد في الثغور ، والجحفل : الجيش ، والأندر : البيدر ، وهي الموضع الّذي يجمع فيه الحصاد ويداس ، والجفار من الأرض : سعة فيها مستديرة.
(٢) أسماء قبائل من العرب البائدة.
(٣) الأمم : اليسير.
(٤) مخفف إبراهيم.
٢٦ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن رفاعة ،
________________________________________________________
فإذا ما بلغ الدّور إلى |
منتهى الوقت أتى الطين فدم(١) |
|
بكتاب فصّلت آياته |
فيه تبيان أحاديث الأمم |
فلـمّا أصبح عبد المطلب جمع بينه وأرسل الحارث ابنه الأكبر إلى أعلى أبي قبيس فقال : انظر يا بني ما ذا يأتيك من قبل البحر فرجع فلم ير شيئاً فأرسل واحداً بعد واحد من ولده ولم يأته أحد منهم عن البحر بخبر ، فدعا عبد الله وإنه لغلام حين أيفع(٢) وعليه ذؤابة تضرب إلى عجزه ، فقال : اذهب فداك أبي وأمي ، فاعل أبا قبيس فانظر ما ذا ترى يجيء من البحر ، فنزل مسرعاً فقال : يا سيّد النادي(٣) رأيت سحابا من قبل البحر مقبلا يستفل تارة ويرتفع أخرى ، أنّ قلت غيما قلته ، وأنّ قلت جهام(٤) اخلته يرتفع تارة وينحدر أخرى ، فنادى عبد المطلب : يا معشر قريش ادخلوا منازلكم فقد أتاكم الله بالنصر من عنده ، فأقبلت الطير الأبابيل في منقار كلّ طائر حجر وفي رجليه حجران ، فكان الطائر الواحد يقتل ثلاثة من أصحاب أبرهة كان يلقي الحجر في قمة(٥) رأس الرجل فيخرج من دبره.
وقد قص الله تبارك وتعالى نبأهم في كتابه فقال سبحانه : «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ ربّك بِأَصْحابِ الْفِيلِ » السورة.
الحديث السادس والعشرون حسن كالصحيح وفي القاموسفناء الدار ككساء :
ما اتسع من أمامها وغيره إما منصوب بالاستثناء أو مجرور بالنعت لأنه لا يكسب التعريف بالإضافة ، وفي المصباح : درج الصبي دروجاً من باب فقد : مشى قليلاً في أوّل
__________________
(١) قال الشارح (ره) في البحار : الفدم : الأحمرّ المشبع حمرّة ولعله هنا كناية عن الدم.
(٢) يفع الغلام وأيفع : ترعوع وناهز البلوغ.
(٣) النادي : مجلس القوم ما داموا مجتمعين فيه.
(٤) الجهام : السحاب لا ماء فيه.
(٥) القِمّة - بالكسر - أعلى كلّ شيء.
عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : كان عبد المطلب يفرش له بفناء الكعبة لا يفرش لأحد غيره وكان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنا منه فجاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو طفل يدرج حتّى جلس على فخذيه فأهوى بعضهم إليه لينحيه عنه فقال له عبد المطلب دع ابني فان الملك قد أتاه
________________________________________________________
ما يمشي ، وقال : هوى يهوي من باب ضرب هويّا بضمّ الهاء وفتحها : سقط من أعلى إلى أسفل وأهوى إلى الشيء بيده مدّها ليأخذه إذا كان عن قرب فان كان من بعد قيل هوى إليه من غير ألف ، انتهى.
« فان الملك قد أتاه » الظاهر أنّ الملك بالتحريك والمراد إما الإتيأنّ حقيقة في ذلك الزمان ، فالمراد غير جبرئيلعليهالسلام فإنه قد دلّت الأخبار على نزول روح القدس والملائكة عليه قبل بعثته وفي صباه أو مجازاً تنزيلاً للأمر المتيقن الوقوع منزلة الواقع وربمّا يقرأ أتاه على بناء التفعيل أو بناء الأفعال ، أي الملك حمله وجاء به هنا ، ولم يأت بنفسه ولا يخفى بعده ، ويمكن أنّ يقرأ الملك بالضمّ أي سيصير ملكاً في منزلة الدين والدّنيا يطيعه أهل الشرق والغرب ، أو حقيقة في ذلك الوقت أيضاً كما عرفت.
وقد يقال : أنه على الوجه الأوّل إشارة إلى ما روي في الكتب الخاصة والعامّة من نزول الملائكة عليهصلىاللهعليهوآله في صباه وشق صدره وغسل قلبه وأمثال ذلك ممّا أوردته في الكتاب الكبير وتكلمنا فيه نفياً وإثباتاً.
قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى : «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ » وقيل : إنه إشارة إلى ما روي أنّ جبرئيل أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في صباه أو يوم الميثاق فاستخرج قلبه وغسله ثمّ ملأه إيماناً وعلـماً ، انتهى.
وأقول : لا حاجة إلى حمله على ذلك ، إذ الأخبار في نزول الملائكة عليه من عند ولادته إلى بعثته كثيرة.
وفي نهج البلاغة قال أمير المؤمنينعليهالسلام في وصف الرسول : ولقد قرن الله به من لدن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم
________________________________________________________
ليله ونهاره.
وعندي أنّهصلىاللهعليهوآله كان نبيّاً مذ ولد ، وكان يوحى إليه ويعمل بشريعة نفسه ، وإنّما كانت رسالته وبعثته على الناس بعد أربعين سنّة ، ولو كان تابعاً لشريعة غيره لكان رعية لذلك الرسول ، وكان ذلك الرسول أفضل منه ، وأيضاً لو لم يكن وحي أو إلهام من الله تعالى كيف كان يعلم شريعة غيره حتّى يعمل بها ، لأنهصلىاللهعليهوآله كان أميا ولم يختلف إلى عالم ، ولم يأخذ من أحد علـمّا وكان هذا من أقوى معجزاتهصلىاللهعليهوآله فإذا علم ذلك بالوحي كان شريعته وأنّ وافق شريعة غيره ، وقد بسطنا القول في ذلك في الكتاب الكبير بما لا يبقى معه شبهة للفطن الخبير.
ويؤيّد بعض الوجوه المتقدمة ما رواه الصدوق (ره) في إكمال الدين بإسناده عن ابن عباس قال : كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه إلّا هو إجلالاً له ، وكان بنوه يجلسون حوله حتّى يخرج عبد المطلب ، فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يخرج وهو غلام صبي فيجيء حتّى يجلس على الفراش فيعظم ذلك أعمامه ويأخذونه فيقول لهم عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم : دعوا ابني فو الله أنّ له لشأنا عظيما إني أراني أنه سيأتي عليكم يوم وهو سيدكم ، إني أرى غرته غرة تسود الناس ، ثمّ يحمله فيجلسه معه ويمسح ظهره ويقبله ويقول : ما رأيت قبلة أطيب منه ولا أطهر قط ولا جسداً ألين منه ولا أطيب ، ثمّ يلتفت إلى أبي طالب ، وذلك أنّ عبد الله وأبا طالب لأم واحدة فيقول : يا أبا طالب أنّ لهذا الغلام لشأنا عظيما فاحفظه واستمسك به ، فإنه فرد وحيد وكن له كالأم لا يصل إليه شيء يكرهه ، ثمّ يحمله على عنقه فيطوف به أسبوعا وكان عبد المطلب قد علم أنه يكره اللات والعزى فلا يدخله عليهما فلـمّا تمت له ست سنين ماتت أمه آمنة بالأبواء بين مكّة والمدينة ، وكانت قدمت به على أخواله من بني عديّ فيبقى رسول الله يتيما لا أب له ولا أم فازداد عبد المطلب له رقة وحفظا ، وكانت هذه حاله حتّى أدرك عبد المطلب الوفاة ، فبعث إلى أبي طالب ومحمّد على صدره وهو في غمرات الموت وهو يبكي
٢٧ - محمّد بن يحيى ، عن سعد بن عبد الله ، عن إبراهيم بن محمّد الثقفي ، عن عليّ بن المعلّى ، عن أخيه محمّد ، عن درست بن أبي منصور ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لـمّا ولد النبيّصلىاللهعليهوآله مكث أيّاماً ليس له لبنٌ ، فألقاه أبو طالب على ثدي نفسه فأنزل الله فيه لبنا فرضع منه أيّاماً حتّى وقع أبو طالب على حليمة السعديّة فدفعه إليها
________________________________________________________
ويلتفت إلى أبي طالب ويقول : يا أبا طالب انظر أنّ تكون حافظاً لهذا الوحيد الّذي لم يشم رائحة أبيه ، ولم يذق شفقة أمّه ، انظر يا أبا طالب أنّ يكون من جسدك بمنزلة كبدك ، فإني قد تركت بني كلّهم وأوصيتك به لأنك من أم أبيه ، يا أبا طالب أنّ أدركت أيامه تعلم أني كنت من أبصر الناس به وأنظر الناس وأعلم فان استطعت أنّ تتبعه فافعل وانصره بلسانك ويدك ومالك ، فإنه والله سيسودكم ويملك ما لم يملك أحد من بين آبائي ، يا أبا طالب ما أعلم أحدا من آبائك مات منه أبوه على حال أبيه ولا أمه على حال أمه فاحفظه لوحدته ، هل قبلت وصيتي؟ قال : نعمّ قد قبلت ، والله عليّ ذلك شاهد فقال عبد المطلب : فمد يدك إلى ، فمد يده فضرب بيده إلى يده ، ثمّ قال عبد المطلب : الآن خفف على الموت ، ثمّ لم يزل يقبله ويقول : أشهد أني لم أقبل أحداً من ولدي أطيب ريحاً منك ولا أحسن وجها منك ويتمنّى أنّ يكون قد بقي حتّى يدرك زمانه ، فمات عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين ، فضمه أبو طالب إلى نفسه لا يفارقه ساعة من ليل ولا نهار وكان ينام معه حتّى بلغ لا يأمن عليه أحداً.
الحديث السابع والعشرون : ضعيف.
« ليس له لبن » إما لمرض أمه أو لفقد لبنها لا لموتها كما زعمّ ، فان موتها على جميع الأقوال المتقدمة لم يكن متصلاً بالولادة ، ونزول اللبن على ثدي أبي طالبرضياللهعنه من قبيل الإعجاز ، وبه تشتد أخوة أمير المؤمنينعليهالسلام لهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقيل المراد بثدي نفسه ثدي فاطمة بنت أسد وهو في غاية البعد.
« فرضع » كضرب « حتّى وقع » أي اطلع ، وحليمة هي بنت أبي ذؤيب من
٢٨ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أنّ مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أَجْرَهُمْ مرّتين
٢٩ - الحسين بن محمّد ومحمّد بن يحيى ، عن أحمد بن إسحاق ، عن بكر بن محمّد الأزدي ، عن إسحاق بن جعفر ، عن أبيهعليهالسلام قال قيل له أنّهم يزعمون أنّ أبا طالب كان كافراً فقال كذبوا كيف يكون كافراً وهو يقول :
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً |
نبيّاً كموسى خطَّ في أوَّل الكتب |
________________________________________________________
بني سعد بن بكر ، واسم زوجها الحارث بن عبد العزى وقصصها طويلة أوردتها في الكتاب الكبير.
الحديث الثامن والعشرون : حسن.
والمثل بالتحريك - الحال العجيبة ، وقيل : الإيمان الطوع القلبي بجميع ما جاء به الرسول ، فان الأوّل لا يجتمع مع الجحد بخلاف الثاني كما قال تعالى : «جَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ »(١) .
« وأظهروا الشرك » أي عند من تجب التقية عنده لا عند جميع الناس « مرّتين » مرّة للإيمأنّ ومرّة للتقية عند وجوبها ، فإنّها من أفضل الطاعات لا سيّما تقية أبي طالبعليهالسلام لأنّها صارت سببا لشدة اقتداره على إعانة الرسولصلىاللهعليهوآله والخبر يدلّ على أنّ أصحاب الكهف كانوا مؤمنين ولم يحدث إيمانهم عند خروجهم وهو المشهور أيضاً بين المفسرين وغيرهم.
الحديث التاسع والعشرون : صحيح وآخره مرسل.
« ألم تعلموا » الخطّاب للكفار والمنكرين والاستفهام للإنكار أو للتقرير « في أوّل الكتب» أي في أوّل كلّ كتاب بالأولية الإضافية ، أو المراد كتاب آدم أو التوراة ، وقيل : اللوح المحفوظ ، أو التشبيه بموسىعليهالسلام في كونه نبيا صاحب شريعة ناسخة.
__________________
(١) سورة النمل : ٥١٤
وفي حديث آخر كيف يكون - أبو طالب كافراً وهو يقول :
لقد علموا أنَّ ابننا لا مكذَّب |
لدينا ولا يعبأ بقيل الأباطل |
|
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه |
ثمال اليتامى عصمة للأرامل |
________________________________________________________
« لقد علموا » هذان البيتان من قصيدة مشهورة لأبي طالبعليهالسلام رواها الخاصّ والعام أوردت أكثرها في الكتاب الكبير « ولا يعبأ » على المعلوم والمجهول من العبأ وهو المبالاة بالشيء والاعتناء به ، وفي بعض النسخ ولا تعيأ باليائية والمثناة من العياء والكلال ، وفي بعضها ولا يعني بالنون أي لا يعتني على بناء المعلوم أو المجهول والأوّل أصح وأشهر ، والأباطل جمع أبطل أفعل التفضيل ، وهم المكذبون له والقائلون أنه ساحر أو مجنون أو أنّ ما جاء به سحر أو أساطير الأولين وأمثال ذلك.
« وأبيض » مرفوع معطوف على « لا مكذب » والبياض كناية عن اليمن والسعادة وإشارة إلى النور الّذي كان في وجههصلىاللهعليهوآله « يستسقي الغمام بوجهه » أي بجاهه عند الله تعالى وكأنه إشارة إلى ما رواه الشهرستاني في الملل والنحلّ في بيان آراء محصلة للعرب في بيان حال عبد المطلب : وممّا يدلّ على معرفته بحال الرسالة وشرف النبوّة أنّ أهل مكّة لـمّا أصابهم الجذب العظيم ، وأمسك السحاب عنهم سنين أمر أبا طالب ابنه أنّ يحضر المصطفىصلىاللهعليهوآله وهو رضيع في قماط فوضعه على يديه واستقبل الكعبة ورماه إلى السماء فقال : يا رب بحقّ هذا الغلام اسقناغيثاً مغيثاً دائباً هطلاً ، فلم يلبث ساعة أنّ طبق السحاب وجه السماء وأمطر حتّى خافوا على المسجد ، وأنشأ أبو طالب ذلك الشعر :
وأبيض يستقي الغمام بوجهه |
ثمال اليتامى عصمة للأرامل |
|
يطيف به الهلاك من آل هاشم |
فهم عنده في نعمة وفواضل |
|
كذبتم وبيت الله نبزي محمد |
ولـمّا نطاعن دونه ونناضل |
|
ونسلمه حتى نصرّع حوله |
ونذهل عن أبنائنا والحلائل(١) |
__________________
(١) مرت الأبيات بمعناها قريبا فراجع
________________________________________________________
وإلى ما رواه السيّد الجليل الرضي فخار بن معد الموسوي في كتاب إيمأنّ أبي طالب عن شيخه محمّد بن إدريس الحليرحمهالله بإسناده عن عرفطة قال : وردت الأبطح يوما وقد أجدبت الصحراء وأخلقت الأنواء(١) وإذا قريش حلق قد ارتفعت لهم ضوضاء(٢) فقائل يقول : استجيروا باللات والعزى وقائل يقول : بل استجيروا بمناة الثالثة الأخرى ، فقام رجل من جملتهم يقال له ورقة بن نوفل عمّ خديجة بنت خويلد فقال : فيكم بقيّة إبراهيم وسلالة إسماعيل فقالوا : كأنك عنيت أبا طالب ، قال :
إنه ذلك فقاموا إليه بأجمعهم وقمت معهم فقالوا : يا أبا طالب قد أقحط الواد وأجدب العباد ، فهلّم فاستق لنا ، فقال : رويدكم دلوك الشمس وهبوب الريح ، فلـمّا زاغت الشمس أو كادت وافى أبو طالب قد خرج وحوله أغيلمة من بني عبد المطلب وفي وسطهم غلام أيفع منهم كأنه شمس دجى تجلت عنه غمامة قتماء(٣) فجاء حتّى أسند ظهره إلى الكعبة في مستجارها ، ولاذ بإصبعه وبصبصت الأغيلمة حوله(٤) وما في السماء قزعة(٥) فأقبل السحاب من هيهنا ومن هيهنا حتّى كث ولف وأسحم واقتحم وأرعد وأبرق ، وانفجر له الوادي ، فلذلك قال أبو طالب يمدح النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم « وأبيض يستسقي الغمام بوجهه » إلى آخر الأبيات.
وقد أوردت خبرا طويلا في الكتاب الكبير بأسانيد أنّ الناس استسقوا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في جدب عرض لهم ، فدعا النبيّصلىاللهعليهوآله فأرخت السماء عزاليها(٦) وتبرم الناس من كثرة المطر ، فضحك النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال : لله در أبي طالب لو كان حيا لقرت عيناه ، من ينشدنا قوله؟ فقام عمرّ بن الخطّاب فقال : عسى أردت يا رسول الله :
وما حملت من ناقة فوق ظهرها |
أبرّ وأوفى ذمّة من محمّد |
__________________
(١) الأنواء جمع النوء : النبات والبقل.
(٢) الضوضاء : أصوات الناس في الازدحام. (٣) القتماء : الشديدة السواد.
(٤) بصبص فلان : تملق.
(٥) القزعة : القطعة من السحاب. (٦) كناية عن شدّة وقع المطر.
٣٠ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال بينا النبيّصلىاللهعليهوآله في المسجد الحرام وعليه ثياب له جدد فألقى المشركون عليه سلى ناقة فملئوا ثيابه بها فدخله من ذلك ما شاء الله فذهب إلى أبي طالب فقال له يا عمّ كيف ترى حسبي فيكم فقال له وما ذاك يا ابن أخي فأخبره الخبر فدعا أبو طالب حمزة وأخذ السيف وقال لحمزة خذ السلى ثمّ توجه إلى القوم والنبيّ معه فأتى قريشاً وهم حول الكعبة فلـمّا رأوه عرفوا الشرَّ في وجهه ثمّ قال لحمزة أمر السلى على سبالهم ففعل ذلك حتّى أتى على آخرهم
________________________________________________________
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليس هذا من قول أبي طالب ، هذا من قول حسّان بن ثابت ، فقام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فقال : كأنّك أردت يا رسول الله : « وأبيض يستسقي الغمام بوجهه » إلى آخر الأبيات المتقدّمة.
وقال في النهاية في قوله : ثمال اليتامى ، الثمال بالكسر : الملجأ والغياث ، وقيل : هو المطعمّ في الشدّة ، وقال في قوله : عصمة للأرامل ، العصمة المنعة ، والعاصم المانع الحامي ، أي يمنعهم من الضياع والحاجة ، وقال : الأرامل المساكين من رجال ونساء ويقال : لكلّ واحد من الفريقين على انفراده أرامل ، وهو بالنساء أخص وأكثر استعمالاً ، والواحد أرمل وأرملة ، وقد تكرر ذكر الأرامل والأرملة في الحديث ، فالأرامل : الّذي ماتت زوجته والأرملة الّتي مات زوجها سواء كانا غنيين أو فقيرين.
الحديث الثلاثون : حسن كالصحيح.
والجدد بضمتين جمع جديد نعت ثياب ، والسلى مقصورا الجلدة الرقيقة الّتي يكون فيها الولد « فملأوا ثيابه بها » أي لطخوا جميع ثيابه بالدم والكثافات الّتي فيها « ما شاء الله » أي من الغم والحزن « كيف ترى حسبي فيكم » أي لست بدني الحسب والنسب بينكم فلم تخذلونني ولا تنصرونني « وما ذاك » أي وما سبب هذا الكلام « عرفوا الشر » أي إرادة الشر والغضب « على سبالهم » وفي بعض النسخ : على أسبالهم ، وفي القاموس : السبلة محركة الدائرة في وسط الشفة العليّاً أو ما على الشارب
ثمّ التفت أبو طالب إلى النبيّصلىاللهعليهوآله فقال يا ابن أخي هذا حسبك فينا.
٣١ - عليّ ، عن أبيه ، عن ابن أبي نصر ، عن إبراهيم بن محمّد الأشعريّ ، عن عبيد بن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لـمّا توفّي أبو طالب نزل جبرئيل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال يا محمّد اخرج من مكّة فليس لك فيها ناصرٌ ، وثارت قريش بالنبيّصلىاللهعليهوآله فخرج هاربا حتّى جاء إلى جبل بمكّة يقال له الحجون فصار إليه.
٣٢ - عليُّ بن محمّد بن عبد الله ومحمّد بن يحيى ، عن محمّد بن عبد الله رفعه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أنّ أبا طالب أسلم بحساب الجمل قال بكلّ لسان
________________________________________________________
من الشعر أو طرفه أو مجتمع الشاربين ، أو ما على الذقن إلى طرف اللحية كلّها أو مقدمها خاصة ، والجمع سبال ، وعين سبلاء طويلة الهدب وملأها إلى أسبالها أي حروفها وشفاهها.
وأقول : أوردت هذا الخبر بوجوه أخرى أبسط من ذلك في الكتاب الكبير.
الحديث الحادي والثلاثون : كالسابق.
« ثارت » أي هاجت ، وقال في النهاية : الحجون : الجبل المشرف ممّا يلي شعب الجزّارين بمكّة وقيل : هو موضع بمكّة فيه اعوجاج ، والمشهور الأوّل ، وهو بفتح الحاء وفي القاموس : جبل بمعلاة مكّة وموضع آخر ، وأقول : الظاهر الجبل الّذي فيه الغار المشهور.
الحديث الثاني والثلاثون : مرفوع.
وحساب الجمل بضمّ الجيم وفتح الميم المشدّدة كما في الصحاح وفي القاموس وقد يخفف : حساب الأبجد ، ويمكن أنّ يكون ضمير« قال » أولا راجعاً إلى الراوي وثانياً إلى الإمامعليهالسلام بأنّ يكون الراوي قال من نفسه أو ناقلا عن غيره أنّ أبا طالب أظهر إسلامه للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بحساب الجمل كما سيأتي في الخبر الثاني؟ فأجابعليهالسلام بأنه أظهر إسلامه بجميع الألسن فإنه كان عارفاً بها ، ويحتمل أنّ يكون المراد أنه أظهر عند موته بحساب الجمل بعقود الأنامل ، لكن قبل ذلك تكلم بعقائد الإيمان
٣٣ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد وعبد الله ابني محمّد بن عيسى ، عن أبيهما ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن إسماعيل بن أبي زياد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أسلم أبو طالب بحساب الجمل وعقد بيده ثلاثاً وستّين.
________________________________________________________
بكلّ لسان ردّاً على بعض العامّة القائلين بأنّه إنّما أسلم بلسان الحبشة ، أو المراد أنّ إسلامه بحساب الجمل كان بكلّ لسان.
الحديث الثالث والثلاثون : ضعيف على المشهور.
وهو من معضلات الأخبار وقد تحير في حله العلماء الأخيار ولنذكر منها وجوها :
الأوّل : ما رواه الصدوق (ره) في كتاب معاني الأخبار عن محمّد بن المظفر عن محمّد بن أحمد الداودي عن أبيه قال : كنت عند أبي القاسم الحسين بن روحقدسسره فسأله رجل ما معنى قول العبّاس للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ عمك أبا طالب قد أسلم بحساب الجمل وعقد بيده ثلاثة وستين؟ فقال : عنى بذلك إله أحد جواد ، وتفسير ذلك أنّ الألف واحد ، واللام ثلاثون ، والهاء خمسة ، والألف واحد ، والحاء ثمانية والدال أربعة ، والجيم ثلاثة والواو ستّة والألف واحد والدال أربعة فذلك ثلاثة وستون.
واعترض عليه بعض الأفاضل في العصر السابق بعد حكمه بالبعد بأنّ قوله بيده لا فائدة له حينئذ سواء كان الضمير للعباس أو لأبي طالب.
أقول : الاعتراض على الأخبار وأنّ بعدت عن الأفهام ليس من طريقة الأتقياء الأخيار ، إذ هؤلاء الأجلاء والفائزون بدرجة السفارة كانوا في تلو رتبة العصمة وكثيراً ما كانوا يقولون : لا نقول شيئاً برأينا ، ولا نروي ولا نبدي إلّا ما سمعناه من الحجةعليهالسلام ، مع أنّ اعتراضه (ره) مبني على عدم فهم المراد إذ المقصود أنّ أبا طالبعليهالسلام أظهر إسلامه للنبيصلىاللهعليهوآله أو لغيره بحساب العقود ، بأنّ أظهر الألف أولا ثمّ اللام ثمّ الهاء وهكذا ، وإنّما أظهر كذلك للتقية من قريش وليتمكن من معاونة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبه تظهر فائدة ذكر حساب الجمل ، إذ دلالة الأعداد المبنية بالعقود
________________________________________________________
على الحروف إنّما هو بحساب الجمل فتأمل.
وقيل : يحتمل في هذا الخبر الّذي رواه الصدوق أنّ يكون العاقد العبّاس حين أخبر النبيّ بذلك ولا يخفى بعده وعدم انطباقه على خبر الكتاب.
الثاني : أنه أشار بإصبعه المسبحة إلى قول لا إله إلّا الله محمّد رسول الله ، أو قالهما مشيراً لذلك فان عقد الخنصر والبنصر وعقد الإبهام على الوسطى يدلّ على الثلاث والستين على اصطلاح أهل العقود ، فيكون المراد بالجمل حساب العقود ، ويؤيّده ما رواه الشيخ ابن شهرآشوب المازندراني في كتاب المناقب بإسناده عن شعبة عن قتادة عن الحسن في خبر طويل نقلنا منه موضع الحاجة ، وهو أنه لـمّا حضرت أبا طالب الوفاة دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبكى ، وقال : يا محمّد إني أخرج من الدّنيا وما لي غم إلّا غمك ، إلى أنّ قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عمّ إنك تخاف عليّ أذى أعادي ولا تخاف على نفسك عذاب ربّي ، فضحك أبو طالب وقال : يا محمّد دعوتني وقد كنت قدم أمينا وعقد بيده على ثلاث وستين عند الخنصر والبنصر ، وعقد الإبهام على إصبعه الوسطى وأشار بإصبعه المسبحة بقول لا إله إلّا الله محمّد رسول الله ، فقام عليّعليهالسلام وقال : الله أكبر ، والّذي بعثك بالحقّ نبيا لقد شفعك في عمك وهداه بك ، فقام جعفر وقال : لقد سدتنا في الجنّة يا شيخي كما سدتنا في الدّنيا ، فلـمّا مات أبو طالب أنزل الله تعالى : «يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا أنّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ » انتهى.
وهذا حلّ متين مؤيد بالخبر ، لكن يرد عليه أنه لم يعهد إطلاق الجمل على حساب العقود.
الثالث : أنه أشار بذلك إلى كلمتي لا وإلّا ، والمراد كلمة التوحيد فان الأصل والعمدة فيها النفي والإثبات.
الرابع : أنّ أبا طالب أو أبا عبد اللهعليهالسلام أمر بالإخفاء اتقاء ، فأشار بحساب العقود إلى كلمة سج من التسجية وهي التغطية أي غط واستر هذا فإنه من الأسرار
________________________________________________________
وهذا هو المرويّ عن شيخنا البهائي طيب الله مضجعه ، ولا يستقيم هذأنّ إلّا بما ذكرنا في الوجه الأول.
الخامس : أنه أشار بذلك إلى أنه أسلم بثلاث وستين لغة ، ويؤيّده الخبر السابق بأنّ يكون الظرف فيه متعلقا بالقول ، وعلى هذا الوجه والوجه السابق ضمير « عقد » و « بيده » راجعان إلى أبي عبد الله ، وعلى الوجه الثالث يحتمل ذلك ورجوعه إلى أبي طالب.
السادس : أنّ أبا طالب علم بنبوة نبيّناصلىاللهعليهوآله قبل بعثته بالجفر ، فالمراد أنه أسلم بسبب حساب مفردات الحروف بحساب الجمل.
السابع : أنه أشار بذلك إلى عمرّ أبي طالب حين أظهر الإسلام وآمن بالله زمان تكليفه وهي ثلاث وستون سنة.
الثامن : أنه إشارة إلى أنّ أبا طالب قال ثلاث وستين قصيدة في مدح النبيّصلىاللهعليهوآله كلّ منهما يدلّ على إيمانه ، ذكره بعض الأفاضل وذكر وجها أغرب من ذلك وهو أنّ يكون المقصود هذه الصورة الدالة على هذا العدد بدون قصد إلى الدلالة عليه ليكون إشارة إلى أنّ أبا طالب رمى بإلهام على قلوب مشركي قريش ، وهذا يدلّ على إيمانه ولا يخفى بعد هذه الوجوه وركاكتها سوى الوجهين الأولين المؤيدين بالخبرين ، والأوّل منهما أوثق وأظهر.
فائدة
لـمّا ذكر في حلّ هذا الخبر حساب العقود ، وكثيراً ما يبتني على معرفته حلّ الأخبار الموردة في الأصول المعتبرة أردت أنّ أذكرها هيهنا ، اعلم أنّ القدماء قد وضعوا ثمان عشرة صورة من أوضاع الأصابع الخمسة اليمنى لضبط الواحد إلى تسعة وتسعين ومثلها من أوضاع الأصابع الخمسة اليسرى لضبط المائة إلى تسعة آلاف ووضعا لعشرة آلاف ، فيضبطون بتلك الأوضاع من الواحد إلى عشرة آلاف ، وذلك أنّهم جعلوا
________________________________________________________
الخنصر والبنصر والوسطى من اليمين لعقود الآحاد ، أي للواحد إلى التسعة ومن اليسرى لعقود الآحاد الألوف الّتي هي من الألف إلى تسعة آلاف ، وجعلوا السبابة والإبهام من اليمين لعقود العشرات ، أي للعشرة إلى تسعين ، ومن اليسرى العقود المئات أي للمائة إلى التسعمائة.
وتفصيلها أنّ تثني الخنصر فقط للواحد وتضمّ إليه البنصر للاثنين وتضمّ إليهما الوسطى للثلاثة كما هو المعهود بين الناس في عد الواحد إلى الثلاثة لكن نضع رؤوس الأنامل في هذا العقود قريبة من أصولها ، وللأربعة ترفع الخنصر وتقعد البنصر والوسطى ، وللخمسة ترفع البنصر أيضاً وتثني الوسطى فقط ، وللستّة تثني البنصر فقط ، وللسبعة تثني الخنصر فقط ، وللثمانية تضمّ إليه البنصر وللتسعة تضمّ إليهما الوسطى ، ولكن في هذه الثلاثة تبسط الأصابع على الكف مائلة أناملها إلى جهة الرسغ لئلا يلتبس بالثلاثة الأوّل ، وللعشرة تضع رأس ظفر السبابة على مفصل أنملة الإبهام ليصير الإصبعأنّ معا كحلقة مدورة ، وللعشرين تضع ظفر الإبهام تحت طرف العقدة التحتانية من السبابة الّتي تلي الوسطى بحيث يظن أنّ أنملة الإبهام أخذت بين أصل السبابة والوسطى وأنّ لم يكن الوضع الوسطى مدخل في ذلك ، لكون أوضاعها متغيرة بعقود الآحاد وللثلاثين تضع رأس أنملة السبابة على طرف ظفر الإبهام الّذي يليها ليصير وضع السبابة والإبهام كهيأة القوس مع وترها ، ويجوز أنّ يعرض للإبهام انحناء أيضاً وللأربعين تضع باطن الأنملة الإبهام على ظهر العقدة التحتانية من السبابة بحيث لا يبقى بينهما فرجة أصلاً ، وللخمسين تجعل السبابة منتصبة وتضع الإبهام على الكف محاذيا للسبابة ، وللستين تأخذ ظفر الإبهام بباطن العقدة الثانية للسبابة كما تفعله الرماة ، وللسبعين تأخذ الإبهام منتصباً وتضع على رأس أنملته باطن أنملة السبابة ، أو عقدتها الثانية بحيث يبقى تمام ظفره مكشوفاً ، وللثمانين تأخذ الإبهام منتصبا وتضع على مفصل أنملته طرف أنملة السبابة ، وللتسعين
٣٤ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن فضال ، عن الحسين بن علوأنّ الكلبي ، عن عليّ بن الحزور الغنوي ، عن أصبغ بن نباتة الحنظلي قال رأيت أمير المؤمنينعليهالسلام يوم افتتح البصرة وركب بغلة رسول اللهصلىاللهعليهوآله [ ثمّ ] قال أيّها الناس إلّا أخبركم بخير الخلق يوم يجمعهم الله فقام إليه - أبو أيّوب الأنصاري فقال بلى يا أمير المؤمنين حدثنا فإنك كنت تشهد ونغيب فقال أنّ خير الخلق يوم يجمعهم الله سبعة من ولد عبد المطلب لا ينكر فضلهم إلّا كافر ولا يجحد به إلّا جاحد فقام عمّار بن ياسررحمهالله فقال يا أمير المؤمنين سمهم لنا لنعرفهم فقال : إنَّ خير الخلق
________________________________________________________
تضع رأس ظفر السبابة على مفصل العقدة الثانية من الإبهام.
ثمّ كلّ وضع يدلّ على عقد من الآحاد في اليمنى يدلّ على ذلك العقد من آحاد الألوف في اليسرى ، وكلّ وضع يدلّ على عقد من العشرات في اليمنى يدلّ على ذلك العقد من المئات في اليسرى ، فبهذه العقود الستّة والثلاثين تضبط من الواحد إلى تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين ، ولعشرة آلاف تضع طرف أنملة الإبهام على طرف السبابة بحيث يصير ظفراهما متحاذيين ، فلخمسة آلاف وسبعمائة وستّة وثلاثين مثلا تثني وسط اليسرى وتأخذ إبهام اليسرى منتصبا واضعا على رأس أنملته باطن أنملة السبابة ، وتثني بنصر اليمنى وتضع رأس أنملة السبابة على طرف ظفر الإبهام الّذي يليها ليصيرا كالقوس والوتر ، وقس عليه ما عداه.
وقال أستاذنا في الرياضيات قدس الله لطيفه : لو جعل وضع عشرة آلاف مختصا باليسرى لأمكن ضبط العدد من الواحد إلى عشرة آلاف وتسعة وتسعين.
الحديث الرابع والثلاثون : مجهول.
وعلوان ، بضمّ العين وسكون اللام ، والحزور بالفتحات وتشديد الواو ، والغنوي بفتحتين ونباتة بضمّ النون ، والحنظلي نسبة إلى حنظلة بن مالك أبي بطن من تميم « ونغيب » بصيغة المتكلم أي كنت تحضر دائماً عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكنا نغيب أحيانا في الغزوات وغيرها ، مع أنّه صلوات الله عليه كان يدخل مداخل من الخلوات لا يدخل فيها غيره ، وفي بعض النسخ بصيغة الخطّاب أي تغيب بعد ذلك عنا والأوّل أظهر.
يوم يجمعهم الله الرسل وأنّ أفضل الرسل محمّدصلىاللهعليهوآله وأنّ أفضل كلّ أمّة بعد نبيها وصي نبيها حتّى يدركه نبي إلّا وأنّ أفضل الأوصياء وصي محمّد عليه وآله السلام إلّا وأنّ أفضل الخلق بعد الأوصياء الشهداء إلّا وأنّ أفضل الشهداء - حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب له جناحأنّ خضيبان يطير بهما في الجنّة لم ينحلّ أحد من هذه الأمّة جناحأنّ غيره شيء كرم الله به محمّداًصلىاللهعليهوآله وشرفه والسبطان الحسن والحسين والمهديعليهمالسلام يجعله الله من شاء منا
________________________________________________________
والمراد بالرسل أولو العزم أو الأعمّ منهم وممّن له كتاب من غيرهم ، أو جميع الأنبياء والأوصياء وهم النبيّون والصديقون والأوصياء ، والمراد بالشهداء من استشهد من غير الأنبياء والأوصياء بقرينة المقابلة ، فالمراد بقوله : أفضل الشهداء ، أفضلهم من غير المعصومين ، فلا ينافي فضل الشهداء من الأئمّة عليهم « خضيبان » أي ملونان بلون دمه « لم ينحلّ » أي لم يعط « وجناحان » بالرفع على ما في النسخ حكاية للسابق ، وإلّا فالظاهر جناحين ، ويمكن حمله على أنه لم ينحلّ أحد قبله أو من جملة الصحابة ، فلا ينافي إعطاؤهما العبّاس بن أمير المؤمنينعليهماالسلام كما ورد في الخبر وإعطاء الجناحين إما في الجسد الأصلي في الآخرة في جنة الخلد ، أو في الجسد المثالي في البرزخ في جنة الدّنيا ، أو الجسد الأصلي أيضاً في البرزخ ، والسبطان مبتدأ خبره محذوف ، أي منهم السبطان وكذا المهدي منصوب بفعل مضمرّ يفسره يجعله ، فالسبعة النبيّ وعليّ والحسن والحسين والمهدي وحمزة وجعفر.
وكونهم خير الخلق إما إضافي بالنسبة إلى غير سائر الأئمّةعليهمالسلام ، أو المراد خيرية كلّ منهم بالنسبة إلى صنفهم ، فالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أفضل الأنبياء وعليّ أفضل الأوصياء بلا واسطة ، والحسنان والمهدي أفضل الأئمّةعليهمالسلام وحمزة وجعفر أفضل الشهداء غير المعصومين ، واكتفى من ذكر سائر الأئمّة بذكر أولهم وآخرهم ، أو هو محمول
أهل البيت ثمّ تلا هذه الآية «وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعمّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النبييّن والصدّيقين وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً. ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً »(١) .
٣٥ - محمّد بن الحسين ، عن سهل بن زياد ، عن ابن فضال ، عن عليّ بن النعمان ، عن أبي مريم الأنصاري ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قلت له كيف كانت الصلاة على
________________________________________________________
على التقية ، أو هو من أخبار المخالفين ذكر إلزاما عليهم كما سيأتي.
وعلى بعض الوجوه المراد بالصالحين سائر الأئمّة ، وعلى بعضها لمن لم يرتكب كبيرة أو لم يصر عليها وعلى الصغائر.
«فَأُولئِكَ » إشارة إلى الذين و «رَفِيقاً » تميز عن النسبة ، وذلك إشارة إلى حسن حال رفيقهم ، والفضل خبر أو الفضل صفة ذلك والظرف خبر.
وأقول : قد روي مثل هذا الخبر من طرق المخالفين ، روى السيّد في الطرائف من مناقب ابن المغازلي الشافعي يرفعه إلى أبي أيّوب الأنصاري أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال :
يا فاطمة إنا أهل بيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من الأولين والآخرين من قبلنا ، أو قال : الأنبياء ولا يدركه أحد من الآخرين غيرنا نبيّنا أفضل الأنبياء وهو أبوك ، ووصينا أفضل الأوصياء وهو بعلك ، وشهيدنا أفضل الشهداء وهو حمزة عمك ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنّة حيث شاء ، وهو ابن عمك ، ومنها سبطا هذه الأمّة وهما ابناك ، ومنها والّذي نفسي بيده مهدي هذه الأمة.
وأقول : أوردت فضائل حمزة وجعفرعليهماالسلام وأحوالهما في الكتاب الكبير.
الحديث الخامس والثلاثون : ضعيف على المشهور.
وفي القاموس تسجية الميت تغطيته ، وقال : العالية قرى بظاهر المدينة وهي العوالي ، وفي النهاية : العوالي أماكن بأعلى أراضي المدينة والنسبة إليها علوي على غير قياس ، وأدناها من المدينة على أربعة أميال وأبعدها من جهة النجد ثمانية ، وفي
__________________
(١) سورة النساء : ٧٠ - ٧١.
النبيّصلىاللهعليهوآله قال لـمّا غسله أمير المؤمنينعليهالسلام وكفنه سجاه ثمّ أدخل عليه عشرة فداروا حوله ثمّ وقف أمير المؤمنينعليهالسلام في وسطهم فقال «أنّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ
________________________________________________________
المغرب : موضع على نصف فرسخ من المدينة ، وفي كتاب إكمال الإكمال : عوالي المدينة القرى الّتي عند المدينة ، وضميرا « عليه » و « حوله» للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وإرجاعهما أو الأخير إلى عليّعليهالسلام بعيد.
وظاهر الخبر أنّ الصلاة عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان على هذا الوجه بلا تكبير ودعاء آخر ، وربمّا يأوّل بأنّ هذا كان قبل الصلاة أو أنّهم كانوا يقرءون هذه الآية بعد كلّ تكبير وهما بعيدان جداً.
قال بعض الأفاضل : ثمّ أدخل عليه عشرة ، أي من بني هاشم الأقربين « تم وقف » أي بعد خروجه وخروج العشرة من البيت الّذي فيه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم « في وسطهم » أي لم يتقدم عليهم تقدم الإمام على المأموم في صلاة الجماعة ، والمضارع في « فيقول » وفي « كما يقول » مبنيان على أنّ قراءة هذه الآية كانت قبل الشروع في الصلاة المعروفة على الميت ، وأنه كان منفرداً بقراءة هذه الآية ، ولم يوافقوه في قراءتها « كما يقول » أي التكبيرات والدعوات في الصلاة على الجنازة ، وهذا مبني على أنّهم صلوا فرادى بدون اقتداء « حتّى صلى » أي كانعليهالسلام قائما في وسط كلّ عشرة وكرر مع كلّ عشرة صلاة الجنازة عند باب البيت ، انتهى.
وأقول : الأظهر عندي أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام صلى عليه أولا مع سائر المعصومين وخواص الملائكة وخواص أصحابه ، وكانت صلاة الناس عليه بهذا الوجه للتقية والمصلحة ، لئلا يريد التقدم في هذه الصلاة غاصب الخلافة فيجعله فضيلة له وحجة على خلافته ، كما احتجوا بالتقدم غصبا في حياتهعليهالسلام عليها ، كما رواه الطبرسي (ره) في كتاب الاحتجاج عن سليم بن قيس الهلالي عن سلمان الفارسيرضياللهعنه قال : لـمّا غسل أمير المؤمنينعليهالسلام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وكفنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسناً وحسيناعليهمالسلام ، فتقدم وصففنا خلفه وصلى عليه وعائشة
يُصَلُّونَ عَلَى النبيّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً » فيقول القوم كما يقول حتّى صلى عليه - أهل المدينة وأهل العوالي.
٣٦ - محمّد بن يحيى ، عن سلمة بن الخطّاب ، عن عليّ بن سيف ، عن أبي المغراء ، عن عقبة بن بشير ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : قال النبيّصلىاللهعليهوآله لعليّعليهالسلام : يا عليُّ ادفنّي في هذا المكان وارفع قبري من الأرض أربع أصابع ورشَّ عليه من الماء.
٣٧ - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبيّ
________________________________________________________
في الحجرة لا تعلم قد أخذ جبرئيل ببصرها ، ثمّ أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الأنصار فيصلّون ويخرجون حتّى لم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلّا صلّى عليه الخبر.
وقال المفيدقدسسره في الإرشاد : فلـمّا فرع أمير المؤمنينعليهالسلام من غسله وتجهيزه تقدّم فصلّى عليه وحده ولم يشركه معه أحد في الصلاة عليه ، وكان المسلمون في المسجد يخوضون فيمن يؤمّهم في الصلاة عليه وأين يدفن ، فخرج إليهم أمير المؤمنينعليهالسلام فقال لهم : أنّ رسول الله إمامنا حيّاً وميّتاً فيدخل إليه فوج بعد فوج منكم فيصلّون عليه بغير إمام وينصرفون ، وأنّ الله تعالى لم يقبض نبيّاً في مكان إلّا وقد ارتضاه لرمسه فيه وإنّي دافنه في حجرته الّتي قبض فيها فسلم القوم لذلك ورضوا به ، انتهى.
وأقول : الخبر الأوّل أوثق وأوفق.
الحديث السادس والثلاثون : ضعيف.
ويدلّ على استحباب رفع القبر أربع أصابع ، والظاهر أنّها المفرّجات ، ورشّ الماء(١) كما سيأتي في كتاب الجنائز إنشاء الله تعالى.
الحديث السابع والثلاثون : حسن كالصحيح.
والبقيع ، بفتح الباء وكسر القاف الموضع فيه أروم الشجر من ضروب شتّى ،
__________________
(١) أي واستحباب رش الماء.
عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : أتى العبّاس أمير المؤمنينعليهالسلام فقال يا عليُّ إنَّ النّاس قد اجتمعوا أنّ يدفنوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله في بقيع المصلّى وأنّ يؤمهم رجل منهم فخرج أمير المؤمنينعليهالسلام إلى الناس فقال يا أيها الناس أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله إمام حيّاً وميّتاً وقال إنّي أدفن في البقعة الّتي أقبض فيها ثمّ قال على الباب فصلى عليه ثمّ أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه ثمّ يخرجون.
٣٨ - محمّد بن يحيى ، عن سلمة بن الخطّاب ، عن عليّ بن سيف ، عن عمرو بن شمرّ ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال لـمّا قبض النبيّصلىاللهعليهوآله صلت عليه الملائكة والمهاجرون والأنصار فوجا فوجا قال - وقال أمير المؤمنينعليهالسلام سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول في صحته وسلامته إنّما أنزلت هذه الآية عليّ في الصلاة عليّ بعد قبض الله لي «أنّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبيّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ».
________________________________________________________
واسم خمسة مواضع في المدينة وامتيازها بالمضاف إليه ، الأوّل : بقيع المصلى وهو موضع كان يصلي فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله صلاة العيد يقال له بقيع الخيل ، الثاني : بقيع الغرقد بالفتح لشجر كان ينبت فيه وهو اليوم مقبرة المدينة الثالث : بقيع الزبير لإقطاع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إيّاه زبير بن العوام ، الرابع : بقيع الجبجبة لشجر كان ينبت فيه ، الخامس : بقيع البطحأنّ بالضمّ لواد كان بجنبه.
« رجل منهم » أي أبو بكر « فصلى عليه » ظاهره الصلاة وحده لكن لا ينافي ما رويناه عن الاحتجاج من اقتداء الجماعة به ، بل يمكن أنّ يكون وقوفه على الباب لذلك.
قوله : يصلون ، ظاهره الصلاة حقيقة ، ويمكن حمله على ما مرّ من قراءة الآية.
الحديث الثامن والثلاثون : ضعيف.
« صلت عليه » أي دعت له وترحمّت عليه ، أو ضلّت الصلاة المعهودة « إنّما أنزلت » أي الأمر بالصلاة في هذه الآية المراد به الصلاة بعد الموت أو يشملها أو أنّها نزلت لتقرأ قبل الصلاة أو بعد كلّ تكبير منها ، أو عوضاً عن الصلاة كما مر.
٣٩ - بعض أصحابنا رفعه ، عن محمّد بن سنان ، عن داود بن كثير الرقي قال قلت لأبي عبد الله ما معنى السلام على رسول الله فقال أنّ الله تبارك وتعالى لـمّا خلق نبيّه ووصيّه وابنته وابنيه وجميع الأئمّة وخلق شيعتهم أخذ عليهم الميثاق وأن
________________________________________________________
الحديث التاسع والثلاثون : ضعيف على المشهور.
« ما معنى السلام » السلام مجرور والظرف متعلّق به ، أو حال منه ، أو مرفوع مبتدأ والظرف خبره ، ومضمون الجملة مضاف إليه والأوّل أظهر « لـمّا خلق » أي في عالم الأرواح ، ويحتمل عالم الأجساد « أخذ عليهم » أي على الشيعة أو على الجميع « الميثاق » أي على ربوبيته ونبوة محمّد وولاية الأئمّة عليه وعليهمالسلام كما ورد في سائر الأخبار ، فاللام للعهد ، وقوله : وأنّ يصبروا إما عطف على مقدر متعلّق بالميثاق فينسحبّ عليه الميثاق ، أو على الميثاق ، ولا يبعد كون الواو زائدة من النساخ وهو إشارة إلى قوله سبحانه : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »(١) .
وقد روي في معاني الأخبار بإسناده عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن قول الله عزَّ وجلَّ : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا » فقال : اصبروا على المصائب ، وصابروهم على التقية ، ورابطوا على من تقتدون به «وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ».
وقال البيضاوي : اصبروا على ميثاق الطاعات وما يصيبكم من الشدائد «وَصابِرُوا » غالبوا أعداء الله بالصبر على شدائد الحرب وأعدى عدوكم في الصبر على مخالفة الهوى ، وتخصيصه بعد الأمر بالصبر مطلقاً لشدته «وَرابِطُوا » أبدانكم وخيولكم في الثغور مرتصدين للغزو وأنفسكم على الطاعة كما قالعليهالسلام : من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة «وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » فاتقوه بالتبري عمّا سواه لكي تفلحوا غاية الفلاح ، واتقوا القبيح لعلكم تفلحون بنيل المقامات الثلاث ، المرتبة الّتي هي الصبر على حضض الطاعات ، ومصابرة النفس في رفض العادات ، ومرابطة السر على جناب الحقّ لترصد الواردات المعبر عنه بالشريعة والطريقة والحقيقة ، انتهى.
__________________
(١) سورة آل عمران : ٢٠٠.
يصبروا ويصابروا ويرابطوا وأنّ يتّقوا الله ووعدهم أن يسلّم لهم الأرض المباركة والحرم الآمن وأنّ ينزل لهم البيت المعمور ، ويظهر لهم السقف المرفوع ويريحهم
________________________________________________________
« أنّ يسلم لهم الأرض المباركة » أي بيت المقدس كما قال تعالى : و «جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الّتي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً »(١) أو المدينة أو الكوفة ، والحرم الأمن مكّة أو الأعمّ منها ومن المدينة ، كما قال تعالى : «أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً »(٢) وقيل : الأرض المباركة جميع الأرض سميّت مباركة لكونها منازل الأنبياء والأوصياء والأولياء والصلحاء ، أو تصير في هذا الزمان مباركة كما سيأتي.
« وأنّ ينزل لهم البيت المعمور » لم أر فيما أظن نزول البيت المعمور في زمن القائمعليهالسلام إلّا في هذا الخبر ، وربمّا يأوّل بنزول الملائكة منه إلى القائمعليهالسلام أو يصير الكعبة كالبيت المعمور لكثرة العبادة فيه ونزول الملائكة إليه ، أو المراد بالبيت المعمور بيوت أذن الله أنّ ترفع وهي بيوت الأئمّةعليهمالسلام كناية عن صيرورتها معمورة بعد ما كانت مهجورة ، ولعله لا حاجة إلى هذه التكلفات ولا امتناع في حمله على ظاهره.
« ويظهر لهم السقف المرفوع » أي السماء الدّنيا أو السماوات كلها أو العرش بنفوذ بصرهم فيها واطلاعهم على غرائبها ، ويمكن تخصيصه بهعليهالسلام وبخواص أصحابه ولا يبعد أنّ يكون المراد بالسقف المرفوع ما ورد في رواية طويلة عن المفضّل بن عمرّ عن الصادقعليهالسلام حيث قال : ثمّ يخرج الصديق الأكبر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه وتنصب له القبة بالنجف ويقام أركانها ، ركن بالنجف وركن بهجر(٣) وركن بصنعاء وركن بأرض طيبة لكأني أنظر إلى مصابيحها تشرق في السماء والأرض كأضوء من الشمس والقمرّ ، فعندها تبلى السرائر وتذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت ، الخبر.
ويحتمل أنّ يكون المراد إظهار بركات السماء كما روي في الخصال في حديث طويل عن أمير المؤمنينعليهالسلام : ما أنزلت السماء قطرة من ماء منذ حبسه الله عزَّ وجلّ
__________________
(١) سورة سبأ : ١٨. (٢) سورة القصص : ٥٧.
(٣) هجر : اسم لجميع أرض البحرين.
من عدوّهم والأرض الّتي يبدّلها الله من السلام ويسلّم ما فيها لهم لا شِيَةَ فِيها ، قال :
________________________________________________________
ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها ولأخرجت الأرض نباتها ، ولذهبت الشحناء من قلوب العباد واصطلحت السباع والبهائم حتّى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام لا تضع قدميها إلّا على النبات ، وعلى رأسها زينتها لا يهيجها سبع ولا تخافه.
« والأرض » إما عطف على عدوهم أي تريحهم من آفات الأرض ومن في قوله : من السلام ، تعليلية متعلقة بالتبديل ، أي يريحهم من آفات الأرض الفاسدة فيصلحها لهم لسلامتهم من الشرور ، أو الأرض مبتدأ ومن السلام خبره ومن تبعيضية ، أي من جملة السلام أو تعليلية أي بسببه ، وكأنه إشارة إلى بطن قوله تعالى : «يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ »(١) فان آيات البعث أكثرها مؤولة بالرجعة وزمان القائمعليهالسلام في القران كما اطلعت على بعضها سالفاً ، وكون «من» صلة للإبدال يفيد عكس المرام إلّا أنّ يقال هو على القلب ، قال في القاموس تبدله وبه استبدله ، وأبدل منه وبدله اتخذه منه بدلا ، وقيل : والأرض عطف على أنّ يسلم ، وقيل : على الأرض المباركة ويؤيّد ما ذكرنا ما رواه الراوندي (ره) في الخرائج بإسناده عن جابر عن أبي جعفرعليهالسلام قال : قال الحسين صلوات الله عليه قبل أنّ يقتل لأصحابه : أبشروا فو الله لئن قتلونا فإنا نرد على نبيّنا ، قال : ثمّ أمكث ما شاء الله فأكون أوّل من ينشق الأرض عنه فأخرج خرجة يوافق ذلك خرجة أمير المؤمنين ، وقيام قائمنا ثمّ لينزلن عليّ وفد من السماء من عند الله ، وساق الحديث إلى أنّ قالعليهالسلام : ثمّ لأقتلن كلّ دابّة حرم الله لحمها حتّى لا يكون على وجه الأرض إلّا الطيّب ، وساق إلى أنّ قال : ولا يبقى على وجه الأرض أعمى ولا مقعد ولا مبتلى إلّا كشف الله عنه بلائه بنا أهل البيت ولينزلن البركة من السماء إلى الأرض حتّى أنّ الشجرة لتنقصف بما يريد الله فيها من الثمرّة ، وليأكلن ثمرّة الشتاء في الصيف وثمرّة الصيف في الشتاء ، وذلك قوله تعالى : «وَلَوْ أنّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
__________________
(١) سورة إبراهيم : ٤٨.
لا خصومة فيها لعدوّهم وأنّ يكون لهم فيها ما يحبّون وأخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآله على جميع الأئمّة وشيعتهم الميثاق بذلك وإنّما السلام عليه تذكرة نفس الميثاق وتجديد له على الله لعلّه أن يعجّله جلَّ وعزَّ ويعجّل السلام لكم بجميع ما فيه.
٤٠ - ابن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سمعته
________________________________________________________
وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ »(١) الخبر.
« ويسلم ما فيها لهم لا شية فيها » تضمين من الآية الكريمة في قصة البقرة : «بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها »(٢) قال البيضاوي : «مُسَلَّمَةٌ » سلمه الله من العيوب أو أهلها من العمل ، أو أخلص لونها من سلم له كذا إذا أخلص له «لا شِيَةَ فِيها » لا لون فيها يخالف لون جلدها ، وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية إذا خلط بلونه لونا آخر ، وفي القاموس : وشى الثوب كرعا وشيا وشية حسنّة ونقشه وحسنه كوشاه ، وكلامه : كذب فيه ، وبه أي السلطأنّ ، وشيا ووشاية ، نم وسعى ، وشية الفرس كعدّة : لونه ، انتهى.
وتفسير الشية هنا بالخصومة مبني على حمل الكلام على الاستعارة ، فإنه إذا لم يسلم لهم الأرض كملا بل كان لبعضها فيه خصومة فكانت كحيوأنّ فيه لون غير لون أصله.
« وإنّما السلام عليه » الظرف متعلّق بالسلام قدم للحصر والسلام مبتدأ وتذكرة خبره ، ومضاف إلى نفس المضاف إلى الميثاق ، أي تذكير أصل الميثاق وما قيل : أنّ نفساً منّون مجرور ، والميثاق منصوب فهو بعيد ، وقوله : على الله مبني على أنّ السلام على رسول الله جملة دعائيّة« بجميع ما فيه » أي مع جميع ما في السلام وما يستلزمه من البركات المتقدّمة.
الحديث الأربعون : صحيح على الظاهر ، إذ الكليني وأنّ لم يرو عن ابن محبوب لكن مرّ مراراً توسط الأسانيد الصحيحة بينه وبينه كما مرّ في أوائل هذا
__________________
(١) سورة الأعراف : ٩٦. (٢) سورة البقرة : ٧١.
يقول : اللهمّ صلّ على محمّد صفيّك وخليلك ونجيّك المدبّر لأمرك.
( باب )
( النهي عن الإشراف على قبر النبيّ صلىاللهعليهوآله )
١ - عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد البرقي ، عن جعفر بن المثنى الخطيب قال كنت بالمدينة وسقف المسجد الّذي يشرف على القبر قد سقط والفعلة يصعدون وينزلون ونحن جماعة فقلت لأصحابنا من منكم له موعد يدخل على أبي عبد اللهعليهالسلام الليلة فقال مهران بن أبي نصر أنا وقال إسماعيل بن عمّار الصيرفي أنا فقلنا لهما سلاه لنا عن الصعود لنشرف على قبر النبيّصلىاللهعليهوآله فلـمّا كان من الغد لقيناهما فاجتمعنا جميعاً فقال إسماعيل قد سألناه لكم عمّا ذكرتم فقال ما أحبّ لأحد منهم أنّ يعلو فوقه ولا آمنه أنّ يرى شيئاً يذهب منه بصره أو يراه قائماً
________________________________________________________
الباب أيضاً ، عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب ، وإنّما ذكر الخبر في هذا الباب لاشتماله على فضائل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكأنه ترك تتمة الدعاء فلا يدلّ على جواز الصلاة على الرسول بدون الصلاة على الآل كما توهم.
والصفي المختار والنجي صاحب السر والخالص المدبر لأمرك ، يدلّ على أنّ لهصلىاللهعليهوآله مدخلا في تدبير أمور العالم ، وأنّ الملائكة الموكلين بذلك مأمورين بأمره ويمكن أنّ يراد به أمر الدين كما مرّ في باب التفويض ، أو المراد إجراء أوأمر الله بين الخلق.
باب النهي عن الإشراف على قبر النبيّ صلىاللهعليهوآله
الحديث الأول : مجهول وكان في السند سقطاً أو إرسالاً ، فان جعفر بن المثنى من أصحاب الرضاعليهالسلام ولم يدرك زمان الصادقعليهالسلام .
والفعلة بالتحريك جمع فاعل : عملة البناء « من منكم »؟ استفهام « الليلة » منصوب بالظرفية « يذهب منه » أي بسببه « بصره » وهذا مشهور عند أهل المدينة
يصلّي أو يراه مع بعض أزواجهصلىاللهعليهوآله .
________________________________________________________
أنّ رؤية قبره المقدّس المنوّر يورث ذهاب البصر ، فإذا أسقط في الضريح شيء يشدّون عصابة على بصر صبيّ ويدخلونه فيخرج ذلك ، وقولهعليهالسلام : لا أحبّ ، ظاهره الكراهة لكن التعليل يومئ إلى الحرمة ، ولم أر لأصحابنا في ذلك نصا « أو يراه قائماً » بجسده الأصلي أو المثالي ، والظاهر في بعض الأرواح الأجساد المثالية.
واعلم أنّ الأخبار مستفيضة في أنّ النبيّ والأئمّة صلوات الله عليهم بل سائر الأنبياءعليهمالسلام لهم بعد وفاتهم أحوال غريبة ليس لسائر الخلق معهم فيها شركة لحرمة لحومهم على الأرض ، وصعود أجسادهم إلى السماء ورؤية بعضهم بعضاً وأحيائهم أمواتهم ، بل بعض الناس من غيرهم أيضاً إيّاهم ، وقد أوردت أخباراً كثيرة في ذلك في الكتاب الكبير ، وإنّما النظر في أنّ تلك الأحوال هل لأجسادهم الأصلية أو للأجساد المثالية ، فظاهر أكثر أصحابنا أنها في أجسادهم الأصلية ولا دليل عقلاً ونقلاً على نفي ذلك مع أنّ كثيراً من الأخبار الصحيحة والمعتبرة تدل عليه.
قال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب المقالات : أنّ رسل الله تعالى من البشر وأنبياءه والأئمّة من خلفائهعليهمالسلام محدثون مصنوعون تلحقهم الآلام وتحدث لهم اللذات وتنمي أجسادهم بالأغذية ، وتنقص على مرور الزمان ، ويحلّ بهم الموت ويجوز عليهم الفناء ، وعلى هذا القول إجماع أهل التوحيد ، وقد خالفنا فيه المنتمون إلى التفويض وطبقات الغلاة ، فأما أحوالهم بعد الوفاة فأنّهم ينقلون من تحت التراب فيسكنون بأجسامهم وأرواحهم جنة الله تعالى ، فيكونون فيها أحياء يتنعمون إلى يوم الممات ، يستبشرون بمن يلحقّ بهم من صالحي أممهم وشيعتهم ، ويلقونه بالكرامة وينتظرون من يرد عليهم من أمثال السابقين في الديانات ، وأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمّة من عترتهعليهمالسلام خاصة لا تخفى عليهم بعد الوفاة أحوال شيعتهم في دار الدّنيا بإعلام الله تعالى لهم ذلك ، حالاً بعد حال ، ويسمعون كلام المناجي لهم في مشاهدهم المكرمة العظام بلطيفة من ألطاف الله تعالى يبينهم بها من جمهور العباد ،
________________________________________________________
وتبلغهم المناجاة من بعد كما جاءت به الرواية ، وهذا مذهب فقهاء الإمامية كافة وحملة الآثار منهم ، ولست أعرف فيه لمتكلمهم من قبل مقإلّا ، وبلغني عن بني نوبخت خلاف فيه ، ولقيت جماعة من المقصرين عن المعرفة ممّن ينتمي إلى الإمأمّة أيضاً يأبونه ، وقد قال الله تعالى : «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ إلّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ »(١) وما يتلو هذا من الكلام ، وقال في قصة مؤمن آل فرعون : «قِيلَ ادْخُلِ الجنّة قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي ربّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ »(٢) وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من سلم عليّ عند قبري سمعته ، ومن سلم من بعيد بلغته ، سلام الله عليه وآله ورحمة الله وبركاته ، ثمّ الأخبار في تفصيل ما ذكرناه من الجملة عن أئمّة آل محمّدعليهمالسلام بما وصفناه نصا ولفظاً أكثر ، وليس هذا الكتاب موضع ذكرها ، انتهى كلامه رفع الله مقامه.
وقال الشيخ أبو الفتح الكراجكي (ره) في كتاب كنز الفوائد : إنا لا نشك في موت الأنبياءعليهمالسلام غير أنّ الخبر قد ورد بأنّ الله تعالى يرفعهم بعد مماتهم إلى سمائه ، وأنّهم يكونون فيها أحياء متنعمين إلى يوم القيامة ليس ذلك بمستحيل في قدرة الله سبحانه ، وقد ورد عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : أنا أكرم عند الله من أنّ يدعني في الأرض أكثر من ثلاث وهكذا عندنا حكم الأئمّةعليهمالسلام ، قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : لو مات نبي بالمشرق ومات وصيّه بالمغرب يجمع الله بينهما ، وليس زيارتنا بمشاهدهم على أنّهم بها ولكنّها أشرف المواضع ، فكانت غيبت الأجسام فيها ولعبادتنا أيضاً ندبنا إليها ، فيصح على هذا أنّ يكون النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم رأي الأنبياءعليهمالسلام في السماء فسألهم كما أمره الله تعالى ، وبعد فقد قال الله تعالى : «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً
__________________
(١) سورة آل عمران : ١٦٩. (٢) سورة يس : ٢٧.
( باب )
( مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه )
ولد أمير المؤمنينعليهالسلام بعد عام الفيل بثلاثين سنة وقتلعليهالسلام في شهر رمضان
________________________________________________________
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ » فإذا كان المؤمنون الذين قتلوا في سبيل الله على هذا الوصف فكيف ينكر أنّ الأنبياء بعد موتهم أحياء منعمون في السماء ، وقد اتصلت الأخبار من طريق الخاصّ والعام بتصحيح هذا ، وأجمع الرواة على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لـمّا خوطب بفرض الصلاة ليلة المعراج وهو في السماء قال له موسىعليهالسلام : أنّ أمتك لا تطيق ، وإنه راجع إلى الله تعالى دفعة بعد أخرى ، وما حصل عليه الاتفاق فلم يبق فيه كذب ، انتهى.
وأقول : نظير هذا موجود في طرق المخالفين أيضاً ، روى مسلم بإسناده عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : مررت على موسى بن عمرانعليهالسلام وهو يصلي في قبره وقال الآبي : صلاته في قبره من الجائز عقلاً ، وأخبر الشرع به فيجب الإيمان به وليست صلاة تكليف لانقطاع التكليف بالموت ، بل محبّة واستحلاء كما يجد كثير من العباد من اللذة في قيام الليل ، ولـمّا دفن ثابت البناني ووضعت اللبن عليه سقطت لبنة فرآه بعضهم ممّن الحدة قائما يصلي ، فقال لمن الحدة معه : إلّا ترى؟ فلـمّا انصرفا من دفنه أتيا داره وسإلّا ابنته ما كان حاله في حياته؟ فقالت لا أخبركما حتّى تخبراني بما رأيتما ، فأخبراها ، فقالت :
علمت أنّ الله تعالى لا يضيع دعاءه ، كان كثيراً ما يقول : اللّهم أنّ أعطيت أحداً الصلاة في قبره فأعطنيها ، انتهى.
باب مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه
« بعد عام الفيل » فكان للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يومئذ ثلاثون سنة ، وكان قبل المبعث بعشر سنين ، وقال الشيخ في التهذيب : ولدعليهالسلام بمكّة في البيت الحرام يوم الجمعة لثلاثة عشرة ليلة خلت من رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنّة ، وقبضعليهالسلام قتيلاً بالكوفة
لتسع بقين منه ليلة الأحد سنة أربعين من الهجرة وهو ابن ثلاث وستّين سنة ، بقي بعد قبض النبيّصلىاللهعليهوآله ثلاثين سنة وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف وهو
________________________________________________________
ليلة الجمعة لتسع ليال بقين من شهر رمضأنّ سنّة أربعين من الهجرة ، وله يومئذ ثلاث وستون سنّة ، وقال (ره) في المصباح : ذكر ابن عياش أنّ اليوم الثالث عشر من رجب كان مولد أمير المؤمنينعليهالسلام في الكعبة قبل النبوّة باثنتي عشرة سنّة ، وروي عن عتاب بن أسيّد أنه قال : ولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بمكّة في بيت الله الحرام يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب ، وللنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمان وعشرون سنّة قبل النبوّة باثنتي عشرة سنة.
قال : وروى صفوان الجمال عن أبي عبد الله جعفر بن محمّدعليهالسلام قال : ولد أمير المؤمنينعليهالسلام في يوم الأحد لسبع خلون من شعبان ، وقال الشهيد (ره) في الدروس : أمير المؤمنين أبو الحسن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، وأبو طالب وعبد الله أخوأنّ للأبوين ، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم وهو وإخوته أوّل هاشمي ولد بين هاشميين ، ولد يوم الجمعة ثالث عشر رجب ، وروى سابع شعبان بعد مولد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بثلاثين سنّة ، انتهى.
وأقول : قد قيل : أنه ولد في الثالث والعشرين من شعبان ، وقال صاحب الفصول المهمة : كان ولد أبي طالب طالبا ولا عقب له ، وعقيلا وجعفراً وعليّاً ، وكلّ واحد أسن من الآخر بعشر سنين ، وأم هاني واسمها فاختة ، وأمهم جميعاً فاطمة بنت أسد هكذا ذكر موفق بن أحمد الخوارزمي في كتاب المناقب ، ولدعليهالسلام بمكّة المشرفة داخل البيت الحرام في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر الله الأصم رجب ، سنّة ثلاثين من عام الفيل قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنّة ، وقيل : بخمس وعشرين وقبل المبعث باثنتي عشرة سنّة ، وقيل : بعشر سنين ، ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه ، وهي فضيلة خصه الله تعالى بها إجلالاً له وإعلاء لمرتبته وإظهاراً لكرامته ، وكان هاشمياً من هاشميين أولد من ولده هاشم مرّتين ، وكان مولده بعد أنّ دخل رسول الله
أوّل هاشميّ ولده هاشم مرّتين.
١ - الحسين بن محمّد ، عن محمّد بن يحيى الفارسيّ ، عن أبي حنيفة محمّد بن يحيى ، عن الوليد بن أبان ، عن محمّد بن عبد الله بن مسكان ، عن أبيه قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام أنّ فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب لتبشره بمولد النبيّصلىاللهعليهوآله فقال أبو طالب اصبري سبتاً أبشرّك بمثله إلّا النبوّة ، وقال السبت ثلاثون سنّة وكان بين رسول الله
________________________________________________________
صلىاللهعليهوآله بخديجة بثلاث سنين ، وكان عمرّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم ولادة عليّعليهالسلام ثماني وعشرين سنّة ، انتهى كلام المالكي.
وقال بعض علمائهم : هو أوّل من أسلم من الذكور في أكثر الأقوال ، وقد اختلف في سنه يومئذ فقيل : كان له خمس عشرة سنّة ، وقيل : ست عشرة ، وقيل : أربع عشرة ، وقيل ثلاث عشرة ، وقيل : ثماني سنين وقيل : عشر سنين.
وضربه ابن ملجم لعنه الله بالكوفة صبيحة الجمعة لسبع عشر ليلة خلت من شهر رمضان ، سنّة أربعين ومات بعد ثلاث ليال من ضربته ، وقيل : ضرب ليلة إحدى وعشرين ومات ليلة الأحد ، وقيل : يوم الأحد وله من العمرّ ثلاث وستون سنّة ، وقيل : خمس وستون سنّة وقيل : سبع ، وقيل : ثمان وخمسون ، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وأيّاماً ، انتهى.
قوله (ره) : ولده هاشم مرّتين ، أي انتسب إلى هاشم من قبل الأب والأم معاً ، وكان المراد الأولية الإضافية وإلّا فإخوته كانوا أكبر منه ، فكيف يكون أوّل من ولده هاشم مرّتين ، فالأولى ما ذكره المفيد والشهيد وغيرهما قدس الله أسرارهم : هو وإخوته أوّل هاشمي ولد بين هاشميين ، وقال بعضهم : كانت فاطمة أوّل هاشمية ولدت لهاشمي ، وهذا أيضاً حسن.
الحديث الأوّل مجهول ، والسبت الدهر كما ذكره الجوهري والفيروزآبادي وغيرهما ، وفي النهاية : مدة من الزمان قليلة كانت أم كثيرة ، فالتفسير بالسبت إما لشيوعه بهذا المعنى في ذلك الزمان ، أو لأنّ مراده كان هذه المدة وأنّ لم يوضع
صلىاللهعليهوآله وأمير المؤمنينعليهالسلام ثلاثون سنة.
٢ - عليُّ بن محمّد بن عبد الله ، عن السيّاري ، عن محمّد بن جمهور ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أنّ فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين كانت أوّل امرأة هاجرت إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله من مكّة إلى المدينة على قدميها وكانت من أبرّ الناس - برسول اللهصلىاللهعليهوآله فسمعت رسول الله وهو يقول أنّ الناس يحشرون يوم
________________________________________________________
لخصوص هذا المعنى ، ويدلّ عليّ تقدّم إيمان أبي طالب وأنّه كان من الأوصياء ، وأميناً على أسرار الأنبياء.
الحديث الثاني ضعيف ، وقال صاحب الدار النظيم : أسلمت فاطمة بنت أسد رضي الله عنها وهاجرت وبايعت وماتت بالمدينة ، وبإسناد المخالفين عن أنس بن مالك قال : لـمّا ماتت فاطمة بنت أسد دخل إليها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فجلس عند رأسها وقال : رحمك الله يا أمي كنت أمي بعد أمي تجوعين وتشبعيني ، وتعرين وتكسيني ، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعميني ، تريدين بذلك وجه الله والآخرة ، وغمضها ثمّ أمر أنّ تغسل بالماء ثلاثاً فلـمّا بلغ الماء الّذي فيه الكافور سكبه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيده ثمّ خلع قميصه فألبسه إياها وكفنت ، ودعا لها أسأمّة بن زيد مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبا أيّوب الأنصاري وعمرّ بن الخطّاب وغلاما أسود ، فحفروا لها قبرها ، فلـمّا بلغوا اللحد حفره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيده وأخرج ترابه ودخل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبرها فاضطجع فيه ، ثمّ قال : الله الّذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اللّهم اغفر لأمي فاطمة بنت أسد بن هاشم ، ولقنها حجتها ، ووسع عليها مدخلها بحقّ نبيّك والأنبياء من قبلي ، فإنك أرحم الراحمين ، وأدخلها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اللحد والعبّاس وأبو بكر.
وقولهصلىاللهعليهوآله عراة ، كان المراد أنه يحشر بعضهم أو أكثرهم عراة ، أو في أوّل الأمر ثمّ يكسون لدلالة كثير من الأخبار على حشر بعضهم مكسوا وللأمر بتجديد الأكفان معللا بأنّهم يحشرون يوم القيامة بها ، ويمكن أنّ يكون الحشر مع الكفن أو ثياب الجنّة لكمل المؤمنين أو لهذه الأمّة ، وعاريا لغيرهم ويكون تكفينها في
القيامة عراة كما ولدوا فقالت وا سوأتاه فقال لها رسول اللهصلىاللهعليهوآله فإني أسأل الله أنّ يبعثك كاسية.
وسمعته يذكر ضغطة القبر فقالت وا ضعفاه فقال لها رسول اللهصلىاللهعليهوآله فإني أسأل الله أنّ يكفيك ذلك وقالت لرسول اللهصلىاللهعليهوآله يوما إني أريد أنّ أعتق جاريتي هذه فقال لها أنّ فعلت أعتق الله بكلّ عضو منها عضوا منك من النار فلـمّا مرضت أوصت إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأمرت أنّ يعتق خادمها واعتقل لسانها فجعلت تومي إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله إيماء فقبل رسول اللهصلىاللهعليهوآله وصيتها.
فبينما هو ذات يوم قاعد إذ أتاه أمير المؤمنينعليهالسلام وهو يبكي فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما يبكيك فقال ماتت أمّي فاطمة فقال رسول الله وأمي والله وقام مسرعاً حتّى دخل فنظر إليها وبكى ثمّ أمر النساء أنّ يغسلنها وقالصلىاللهعليهوآله إذا
________________________________________________________
قميصه لزيادة الاطمئنان ، وقد روت العامّة أيضاً بعثهم عراة ، روى مسلم عن عائشة قالت : سمعت النبيّصلىاللهعليهوآله يقول : يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة ، قلت : يا رسول الله الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال : الأمر أشد من أنّ ينظر بعضهم إلى بعض ، فيمكن حمل مثله من أخبارنا على التقية.
« واسوأتاه » « وا » حرف تفجع يدخل على المتفجع منه كوا حزناه ، وعلى المتفجع عليه كوا زيداه ، والألف زائدة لمد الصوت في المصيبة ، وزيادة الهاء الساكنة لزيادة مد الصوت والسوأة بالفتح الفضيحة قال في النهاية : السوءة في الأصل الفرج ، ثمّ يقال على كلّ ما يستحيي منه إذا ظهر من قول أو فعل.
والضغطة بالفتح : العصر ، وفي المغرب اعتقل لسانه بضمّ التاء إذا احتبس عن الكلام ، ولم يقدر عليه ، انتهى.
والإيماء لتكليف الوصيّة أو لبيان الوصايا ، ويدلّ على جواز الوصيّة بالإشارة المفهمة كما ذكروه الأصحاب « أمي » أي هي أمي ، أو ماتت أمي على التشبيه والاستعارة لتربيتها له ، وكون شفقتها عليه كشفقة الأم « وبكى » يدلّ على عدم مرجوحية البكاء
فرغتنّ فلا تحدّثن شيئاً حتّى تعلمنني فلـمّا فرغن أعلمنه بذلك فأعطاهن أحد قميصيه الّذي يلي جسده وأمرهنّ أن يكفّنّها فيه وقال للمسلمين إذا رأيتموني قد فعلت شيئاً لم أفعله قبل ذلك فسلوني لم فعلته فلـمّا فرغن من غسلها وكفنها دخلصلىاللهعليهوآله فحمل جنازتها على عاتقه فلم يزل تحت جنازتها حتّى أوردها قبرها ثمّ وضعها ودخل القبر فاضطجع فيه ثمّ قام فأخذها على يديه حتّى وضعها في القبر ثمّ انكب عليها طويلاً يناجيها ويقول لها ابنك ابنك [ ابنك ] ثمّ خرج وسوّى عليها ثمّ انكبّ على قبرها فسمعوه يقول لا إله إلّا الله اللّهمّ إنّي أستودعها إياك ثمّ انصرف فقال له المسلمون : إنّا رأيناك فعلت أشياء لم تفعلها قبل اليوم ؟
________________________________________________________
على الميت إذا لم يكن متضمّناً للشكاية.
« إذا فرغتنّ » أي من الغسل « فلا تحدّثن شيئاً » من الكفن وغيره « أجدى قميصه »(١) أي أنفعهما وأحسنهما فهو بالجيم ، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة وهو خطاء للتوصيف بالمذكّر وأنّ أمكن أنّ يرتكب فيه نوع من التكلف ، والعاتق موضع الرداء من المنكب ، وفيه حث عليّ حمل الجنازة لا سيّما جنازة الصلحاء والأبرار وعلى عدم كراهته للأقارب البعيدة.
« ثمّ انكب عليها » أي أدنى رأسه إلى رأسها بعد وضع اللبن أو قبله « ابنك ابنك » أي هو ابنك « وسوى عليها » أي طرح عليها التراب أو أمر بطرحه عليها إلى امتلاء القبر واستوى بالأرض « أستودعها إياك » أي أجعلها وديعة عندك « اليوم فقدت بر أبي طالب » أي كان إحسّان أبي طالب ولطفها(٢) به مستمرا إلى اليوم بوجود فاطمة ، لأنّها كانت برة بي إلى الآن ، وكان أبو طالب السبب في ذلك أو برأ شبيها ببره ، ثمّ ذكرصلىاللهعليهوآلهوسلم برها بقوله : أنّ كانت ، أنّ مخففة وضمير الشأنّ مقدر واللام في ليكون معترضة مفتوحة كقوله تعالى : «وَأنّ كانَتْ لَكَبِيرَةً »(٣) وقوله : لذلك متعلّق بكلّ من الفعلين ، فالتكفين للضمأنّ الأوّل والاضطجاع للثاني « ما يسئل عنه » أي ما يسئل الناس
__________________
(١) وفي المتن « أحد قميصيه » وسيأتي في كلام الشارح (ره) أيضاً. (٢) كذا.
(٣) سورة البقرة : ١٤٣.
فقال : اليوم فقدت برّ أبي طالب ، إن كانت ليكون عندها الشيء فتؤثرني به على نفسها وولدها وإنّي ذكّرت القيامة وأنّ النّاس يحشرون عراة فقالت وا سوأتاه ، فضمنت لها أنّ يبعثها الله كاسية وذكّرت ضغطة القبر فقالت وا ضعفاه فضمنت لها أنّ يكفيها الله ذلك ، فكفنّتها بقميصي واضطجعت في قبرها لذلك ، وانكببت عليها
________________________________________________________
عنه ، وفي القاموس رتج كفرح استغلق عليه الكلام كارتج عليه وارتجّ ، وفي الصحاح : ارتجت الباب أغلقته ، وارتج على القاري على ما لم يسمّ فاعله إذا لم يقدر على القراءة كأنه أطبق عليه ، كما يرتج الباب ، وكذلك ارتتج عليه ، ولا تقل ارتجّ عليه بالتشديد انتهى.
ويدلّ على أنّه يقع السؤال عن الإمام وقيل إمامته أيضاً أنّ قلنا بأنّ أمير المؤمنينعليهالسلام لم يكن إماماً في حياة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد النصّ عليه ، ويمكن أنّ يقال : أنّ هذا السؤال كان مختصّاً بها وبأمثالها الذين لهم اختصاص بهمعليهمالسلام ، واطّلاع على فضائلهم ودرجاتهم ، أو بكلّ من علم النصّ لأنّه مكلّف بالإذن به بعد السماع من المعصوم.
وسئل السيّد المرتضىرضياللهعنه في المسائل العكبرية : قد كان أمير المؤمنين والحسن والحسينعليهمالسلام في زمان واحد وجميعهم أئمّة منصوص عليهم ، فهل كانت طاعتهم جميعاً واجبة في وقت واحد؟ وهل كانت طاعة بعضهم واجبة على بعض وكيف كانت الحال في ذلك؟ فأجابقدسسره بأنّ الطاعة في وقت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كانت له من جهة الإمأمّة دون غيره ، فلـمّا قبضعليهالسلام صارت الإمأمّة من بعده لأمير المؤمنينعليهالسلام ومن عداه من الناس رعية له ، فلـمّا قبض صارت الإمامة للحسن بن عليّعليهماالسلام والحسين إذ ذاك رعية لأخيه الحسنعليهالسلام ، فلـمّا قبض الحسنعليهالسلام صار الأمر إلى الحسينعليهالسلام وهو إمام مفترض الطاعة على الأنام ، وهكذا حكم كلّ إمام ولم يستدل الجماعة في الامامة بشيء إلّا ما ذكرناه.
وقد قال قوم من أصحابنا الإماميّة : أنّ الامامة كانت لرسول الله وأمير المؤمنين
فلقّنتها ما تسأل عنه ، فأنّها سئلت عن ربّها فقالت ، وسئلت عن رسولها فأجابت وسئلت عن وليها وإمامها فارتجَّ عليها ، فقلت : ابنك ابنك [ ابنك ].
٣ - بعض أصحابنا عمّن ذكره ، عن ابن محبوب ، عن عمر بن أبان الكلبي ، عن المفضّل بن عمر قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول لـمّا ولد رسول اللهصلىاللهعليهوآله فتح لآمنة بياض فارس وقصور الشام فجاءت فاطمة بنت أسد أمُّ أمير المؤمنين إلى أبي
________________________________________________________
والحسن والحسين صلوات الله عليهم في وقت واحد ، إلّا أنّ النطق والأمر والنهي كان لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مدّة حياته دون غيره ، وكذلك الأمر لأمير المؤمنين صلوات الله عليه دون الحسن والحسينعليهماالسلام وجعلوا الإمام الثاني في وقت صاحبه صامتاً وجعلوا الأول ناطقاً ، وهذا خلاف في عبارة والأصل ما قدمناه ، انتهى.
وظاهر الشافي انعقاد الإجماع على عدم إمأمّة أمير المؤمنينعليهالسلام في زمن حياة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والحقّ أنّ الامامة بمعنى الرئاسة العامّة وعموم الأمر والنهي وعدم كونه رعيّة لأحد إنّما هي بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأمّا فرض الطاعة فالظاهر أنه كانعليهالسلام في هذا الوقت أيضاً بحيث إذا أمر بشيء أو نهى عنه وجبت إطاعته ، وكان كلامه حجّة لكونه معصوماً ، ونعمّ ما قال السيّدقدسسره أنّ المناقشة لفظيّة فتأمّل.
ثمّ أنّ اضطرابها رضي الله عنهما وارتجاج الكلام عليها لعله كان لشدة قربهعليهالسلام بها ، أو لمصلحة أنّ يظهر على الناس السؤال في القبر عن الامامة على أبلغ وجه.
الحديث الثالث : مختلف فيه للمفضّل.
« فتح لآمنة » أي كشف الحجاب عنها وقوي بصرها على رؤية قصور المدائن والشام لتعلم أنّها تفتح على أمّة ابنه ، أومثّل لها مثالها ، قال في النهاية : في الحديث أعطيت الكنيزين الأحمرّ والأبيض ، فالأحمرّ ملك الشام والأبيض ملك فارس ، وإنّما قال لفارس الأبيض لبياض ألوأنّهم ، ولأنّ الغالب على أموالهم الفضّة كما أنّ الغالب
طالب ضاحكة مستبشرة ، فأعلمته ما قالت آمنة ، فقال لها أبو طالب : وتتعجبّين من هذا إنّك تحبلين وتلدين بوصيّه ووزيره.
٤ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن البرقيّ ، عن أحمد بن زيد النيسابوريّ قال حدَّثني عمر بن إبراهيم الهاشميّ ، عن عبد الملك بن عمر ، عن أسيّد بن صفوان صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لـمّا كان اليوم الّذي قبض فيه - أمير المؤمنينعليهالسلام ارتجَّ الموضع بالبكاء ودهش الناس كيوم قبض النبيُّصلىاللهعليهوآله
________________________________________________________
على ألوأنّ أهل الشام الحمرة وعلى أموالهم الذهب ، انتهى.
وأقول : يظهر من بعض الأخبار أنّ قصور المدائن كانت بيضاً وقصور الشام كانت حمراً ، كما روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام في الاحتجاج أنّ النبيّ سقط من بطن أمّه واضعاً يده اليسرى على الأرض رافعاً يده اليمنى إلى السماء ويحرّك شفتيه بالتوحيد وبدا من فيه نور رأى أهل مكّة منه قصور بصري من الشام وما يليها ، والقصور الحمرّ من أرض اليمن وما يليها ، والقصور البيض من اصطخر وما يليها ، الخبر.
أقول : وقد أوردت في الكتاب الكبير الأخبار المشتملة على المعجزات ولادتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وغرائبها ليس هذا الكتاب موضع ذكرها ، وقال في العدد القوية : لـمّا ولد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال أبو طالب لفاطمة بنت أسد : أي شيء خبرتك به آمنة أنها رأت حين ولدت هذا المولود؟ قالت : خبرتني أنها لـمّا ولدته خرج معتمداً على يده اليمنى رافعاً رأسه إلى السماء يصعد منه نور في الهواء حتّى ملأ الأفق ، فقال لها أبو طالب : استري هذا ولا تعلمي به أحداً ، أما إنك ستلدين مولودا يكون وصيه.
الحديث الرابع : مجهول.
والمراد بالبرقي هنا محمّد لا ابنه أحمد ، وأسيّد بفتح الهمزة وكسر السين « وصاحب » أما نعت أسيد أو صفوان « ارتج الموضع » الارتجاج والرجرجة والترجرج الاضطراب والمراد بالموضع الكوفة أو باب بيته صلوات الله عليه « ودهش » على بناء المجهول أو المعلوم من باب علم ، أي تحيّر في القاموس : دهش كفرح تحيّر أو ذهب عقله من
وجاء رجلٌ باكياً وهو مسرعٌ مسترجعٌ وهو يقول : اليوم انقطعت خلافة النبوَّة حتّى وقف على باب البيت الّذي فيه أمير المؤمنينعليهالسلام فقال :
________________________________________________________
ذهل أو وله ، ودهش كعني فهو مدهوش.
قوله « مسترجع » أي قائل إنّا لله وإنا إليه راجعون ، وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : إنا لله إقرار على أنفسنا بالملك ، وإنا إليه راجعون إقرار على أنفسنا بالهلك ، وسيأتي الكلام فيه في الجنائز إنشاء الله.
« انقطعت خلافة النبوّة » أي استيلاء خلفاء الحقّ« كنت أوّل القوم إسلاماً » القوم عبارة عن أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو عن المدعين للخلافة منهم.
وسبق إسلامهعليهالسلام ممّا تواترت به الروايات من طرق الخاصّة والعامّة ، ولم يخالف في ذلك إلّا شرذمة قليلة من المتعصّبين حتّى أنّ الشارح الجديد للتجريد مع شدة تعصبه لم ينكر ذلك وقال عند قول المحقق المصنفقدسسره : وأقدمهم إيماناً ، يدلّ على ذلك ما روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : بعثت يوم الاثنين وأسلم عليّ يوم الثلاثاء ، وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أولكم إسلاماً عليّ بن أبي طالب وما روي عن عليّعليهالسلام أنه كان يقول : أنا أوّل من صلى وأوّل من آمن بالله ورسوله ، ولا يسبقني إلى الصلاة إلّا نبي الله ، وكان قولهعليهالسلام هذا مشهورا بين الصحابة ولم ينكر عليه منكر فدل على صدقه.
وإذا ثبت أنه أقدم إيمانا كان أفضل منهم ، لقوله تعالى : «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ »(١) وروي أنهعليهالسلام قال يوما على المنبر بمشهد من الصحابة : أنا الصديق الأكبر آمنت قبل إيمأنّ أبي بكر ، وأسلمت قبل أنّ يسلم ، ولم ينكر عليه منكر ، انتهى.
ولم يتصد لرد هذا الكلام.
وقال القاضي الأموي الشافعي في كتاب لباب الأربعين : سبق إسلام عليّعليهالسلام أقرب إلى العقل ، لأنّه كان ابن عمّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وفي داره ، مختصّاً به ، فالأقرب
__________________
(١) سورة الواقعة : ١٠.
رحمك الله يا أبا الحسن كنت أوّل القوم اسلاماً
________________________________________________________
عرض هذه المهمّات العظيمة على الأقارب المختصين به ، ولذلك قال تعالى : «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ »(١) انتهى.
وقال أبي الصلاح في كتابه في أصول الحديث ، قال الحاكم أبو عبد الله : لا أعلم خلافاً بين أصحاب التواريخ أنّ عليّ بن أبي طالبرضياللهعنه أوّلهم إسلاماً.
وقال ابن أبي الحديد من عظماء علمائهم في شرح نهج البلاغة ، حيث قالعليهالسلام ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة ، فان قيل : كيف قال سبقت إلى الإيمان وقد قال من الناس أنّ أبا بكر أسبق؟ وقد قال قوم أنّ زيد بن حارثة سبقه؟ والجواب أنّ أكثر أهل الحديث وأكثر المحققّين من أهل السيرة رووا أنهعليهالسلام أوّل من أسلم ، ثمّ ذكر من كتاب الاستيعاب لابن عبد البر أخباراً كثيرة عن جماعة شتى من الصحابة في ذلك ، ثمّ قال : فهذه الأخبار والروايات كلها ذكرها أبو عمرو يوسف بن عبد البر في الكتاب المذكور ، وهو كما تراها تكاد تكون إجماعاً ، وقال أبو عمرو : إنّما الاختلاف في كمية سنّة يوم أسلم ، فمنهم من روي أنه كان حين أسلم ابن ثمان سنين وقيل : ابن خمس عشرة سنين ، وقيل : ابن ست عشرة وقيل : ابن ثلاث عشرة وقيل : ابن عشر.
ثمّ قال ابن أبي الحديد : واعلم أنّ شيوخنا المتكلمين لا يكادون يختلفون في أنّ أوّل الناس إسلاماً عليّ بن أبي طالب إلّا من عساه خالف في ذلك من أوائل البصريين ، فأما الّذي تقررت المقالة عليه الآن فهو القول بأنه أسبق الناس إلى الإيمان لا تكاد تجد اليوم في تصانيفهم وعند متكلّميهم والمحققّين منهم خلافاً في ذلك ، واعلم أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام ما زال يدعي ذلك لنفسه ويفتخر به ويجعله حجة في أفضليته ويصرح بذلك ، وقد قال غير مرّة : إنا الصدّيق الأكبر ، والفاروق الأوّل أسلمت قبل إسلام أبي بكر ، وصليت قبل صلاته ، وروي عنه هذا الكلام بعينه أبو محمّد بن قتيبة
__________________
(١) سورة الشعراء : ٢١٤.
________________________________________________________
في هذا المعنى الأبيات الّتي أولها :
محمّد النبيّ أخي وصنوي |
وحمزة سيّد الشهداء عمّي |
ومن جملتها :
سبقتكم إلى الإسلام طرّاً |
غلاماً ما بلغت أوان حلمي |
والأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة جدّاً لا يتّسع هذا الكتاب لذكرها ، ومن تأمل كتب السير والتواريخ عرف من ذلك ما قلناه ، فأما الذاهبون إلى أنّ أبا بكر أقدمها إسلاماً فنفس قليلون ، انتهى.
وقال شيخنا المفيد قدّس الله روحه في كتاب الفصول : أجمعت الأمّة على أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام أوّل ذكر أجاب الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يختلف في ذلك أحد من أهل العلم إلّا أنّ العثمانيّة طعنت في أيمان أمير المؤمنينعليهالسلام بصغر سنّة في حال الإجابة وقالوا : إنه لم يكنعليهالسلام في تلك الحال بالغاً فيقع إيمانه على وجه المعرفة وأنّ أيمأنّ أبي بكر حصل منه مع الكمال فكان على اليقين والمعرفة ، والإقرار من جهة التلقين والتقليد غير مساو للإقرار بالمعلوم المعروف بالدلالة ، لأنهعليهالسلام كان يومئذ ابن سبع سنين ومن كانت هذه سنه لم يكن كامل العقل ولا مكلفاً ، فإنه يقال لهم : إنكم قد جهلتم في ادعائكم أنه كان وقت مبعث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ابن سبع سنين ، وذلك أنّ جمهور الروايات جاءت بأنهعليهالسلام قبض وله خمس وستون سنّة وجاء في بعضها أنّ سنّة كانت عند وفاته ثلاثاً وستين سنّة ، وأمّا ما سوى هاتين الروايتين فشاذ مطرح ، فإذا حكمنا في سنه على خمس وستين كانت سنه عند المبعث اثنتي عشرة سنّة ، وأنّ حكمنا على ثلاث وستين كانت سنّة حينئذ عشر سنين.
ثمّ ذكر (ره) أخباراً كثيرة دالة على أنّ سنّةعليهالسلام كان عند ذلك أكثر من عشر سنين ، ثمّ قال : على أنّا لو سلّمنا لخصومنا أنّه كان حينئذٍ ابن سبع سنين لم يدلّ ذلك على صحّة ما ذهبوا إليه ، وذلك أنّ صغر السن لا ينافي كمال العقل ، وليس
________________________________________________________
دليل وجوب التكليف بلوغ الحلم فيراعى ذلك هذا باتفاق أهل النظر والعقول ، وإنّما يراعي بلوغ الحلم في الأحكام الشرعيّة دون العقلية ، وقد قال سبحانه في قصة يحيىعليهالسلام «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا »(١) وفي قصة عيسى «فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كان فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا »(٢) الآيات فلم ينف صغر سن هذين النبييّن كمال عقلهما ، والحكمة الّتي آتاهما الله سبحانه ولو كانت العقول تحيل ذلك لإحالته في كلّ أحد وعلى كلّ حال ، وقد أجمع أهل التفسير إلّا من شذ عنهم في قوله تعالى : «وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها »(٣) الآية أنه كان طفلا صغيراً في المهد ، أنطقه الله حتّى برأ يوسف من الفحشاء وأزال عنه التهمة ، والناصبة إذا سمعت هذا الاحتجاج قالت : أنّ هذا الّذي ذكرتموه فيمن عددتموه كان معجزا لخرقه العادة ودلالة لنبي من أنبياء الله عزَّ وجلَّ فلو كان أمير المؤمنينعليهالسلام مشاركاً لمن وصفتموه في خرق العادة لكان معجزا لهعليهالسلام أو للنبيصلىاللهعليهوآله ، وليس يجوز أنّ يكون المعجز له ، ولو كان للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لجعله في معجزاته واحتج به في جملة بيناته ولجعله المسلمون من آياته ، فلـمّا لم يجعله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لنفسه علـمّا ولا عده المسلمون في معجزاته علمنا أنه لم يجز فيه الأمر على ما ذكرتموه؟ فيقال لهم : ليس كلّ ما خرق الله به العادة وجب أنّ يكون علـمّا ولا لزم أنّ يكون معجزا ولا شاع علمه في العالم ، ولا عرف من صحّة الاضطرار وإنّما المعجز العلم هو خرق العادة عند دعوة داع أو براءة معروف يجري براءته مجرى التصديق له في مقاله ، بل هي تصديق في المعنى وأنّ لم يك تصديقاً بنفس اللفظ والقول.
وكلام عيسىعليهالسلام إنّما كان معجزا لتصديقه له في قوله : «إِنِّي عبد اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا »(٤) مع كونه خرق العادة وشاهداً لبراءة أمه من الفاحشة ،
__________________
(١) سورة مريم : ١٢. (٢) سورة مريم : ٢٩.
(٣) سورة يوسف : ٢٦. (٤) سورة مريم : ٣٠.
________________________________________________________
ولصدقها فيما ادّعته من الطهارة ، وكانت حكمة يحيىعليهالسلام في حال صغره تصديقاً له في دعوته في الحال ، ولدعوة أبيه زكريّاعليهالسلام فصارت مع كونها خرق العادة دليلاً ومعجزاً ، وكلام الطفل في براءة يوسف إنّما كان معجزاً لخرق العادة بشهادته ليوسفعليهالسلام بالصدق في براءة ساحته ويوسفعليهالسلام نبي مرسل فثبت أنّ الأمر على ما ذكرناه ، ولم يكن كمال عقل أمير المؤمنينعليهالسلام شاهداً في شيء ممّا ادعاه ولا استشهد هوعليهالسلام به فيكون مع كونه خرقاً للعادة معجزاً ولو استشهد بهعليهالسلام أو شهد على حدّ ما شهد الطفل ليوسف وكلام عيسىعليهالسلام له ولأمه ، وكلام يحيىعليهالسلام لأبيه بما يكون في المستقبل والحال ، لكان لخصومنا وجه للمطالبة بذكر ذلك في المعجزات بما يكون في المتقبل والحال ، لكان لخصومنا وجه للمطالبة بذكر ذلك في المعجزات لكن لا وجه له على ما بيّناه.
على أنّ كمال عقل أمير المؤمنينعليهالسلام لم يكن ظاهراً للحواس ولا معلوماً بالاضطرار فيجري مجرى كلام المسيح وحكمة يحيى وكلام شاهد يوسفعليهالسلام فيمكن الاعتماد عليه في المعجزات وإنّما كان طريق العلم به مقال الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والاستدلال الشاقّ بالنظر الثاقب ، والسر الحالةصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلى مرور الأوقات بسماع كلامه والتأمل لاستدلالاته والنظر فيما يؤدي إلى معرفته وفطنته ، ثمّ لا يحصل ذلك إلّا لخاصّ من الناس ومن عرف وجوه الاستنباطات وما جرى هذا المجرى فارق حكمه حكم ما سلف للأنبياء من المعجزات ، وما كان لنبيّناعليهالسلام من الإعلام ، إذ تلك بظواهرها تقدح في القلوب أسباب اليقين وتشترك الجميع في علم الحال الظاهرة منها المبينة عن خرق العادات دون أنّ تكون مقصودة على ما ذكرناه من البحث الطويل ، والاستبراء للأحوال على مرور الأوقات أو الرجوع فيه إلى نفس قول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم الّذي يحتاج في العلم به إلى النظر في معجز غيره والاعتماد على ما سواه من البيّنات فلا ينكر أنّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّما عدل عن ذكر ذلك واحتجاجه به في جملة آياته لـمّا وصفناه.
وشيء آخر وهو أنّه لا ينكر أنّ يكون الله سبحانه علم من مصلحة خلقه الكفّ
________________________________________________________
من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الاحتجاج بذلك ، والدعاء إلى النظر فيه ، وأنّ اعتماده على ما ظاهره خرق العادة أولى في مصلحة الدين ، وشيء آخر وهو أنّ الرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنّ لم يحتج به على التفصيل والتعيين فقد فعل ما يقوم مقام الاحتجاج به على البصيرة واليقين ، فابتدأ عليّاً بالدعوة قبل الذكور كلّهم ممّن ظاهره البلوغ وافتتح بدعوته قبل أداء رسالته واعتمد عليه في إيداعه سرّه ، وأودعه ما كان خائفاً من ظهوره عنه فدل باختصاصه بذلك على ما يقوم مقام قولهعليهالسلام أنه معجز له ، وأنّ بلوغ عقله علم على صدقه ثمّ جعل ذلك من مفاخره وجليل مناقبه ، وعظيم فضائله ونوه بذكره وشهره بين أصحابه واحتجّ له به في اختصاصه ، وكذلك فعل أمير المؤمنين صلوات الله عليه في ادّعائه له فاحتجّ به على خصوصه وتمدّح به بين أوليائه وأعدائه ، وفخر به على جميع أهل زمانه وذلك هو معنى النطق بالشهادة بالمعجز له ، بل هو الحجّة في كونه نائبا في القوم بما خصّه الله تعالى منه ، ونفس الاحتجاج بعلمه ودليل الله وبرهانه وهذا يسقط ما اعتمدوه.
وممّا يدلّ على أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان عند بعثة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالغاً مكلّفاً وأنّ إيمانه به كان بالمعرفة والاستدلال ، وأنه وقع على أفضل الوجوه وآكدها في استحقاق عظيم الثواب : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مدحه به وجعله من فضائله وذكره في مناقبه ، ولم يك بالّذي يفضل بما ليس بفضل ويجعل في المناقب ما لا يدخل في جملتها ويمدح على ما لا يستحقّ عليه الثواب ، فلـمّا مدح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمير المؤمنينعليهالسلام بتقدمه الإيمان بقوله لفاطمةعليهماالسلام أما ترضين أني زوجتك أقدمهم سلـمّا وقوله في رواية سلمان : أوّل هذه الأمّة وروداً على نبيّها الحوض أولها إسلاماً عليّ بن أبي طالب ، وقوله : لقد صلت الملائكة عليّ وعلى عليّ سبع سنين ، وذلك أنه لم يكن من الرجال أحد يصلّي غيري وغيره ، وإذا كان الأمر على ما وصفناه فقد ثبت أنّ إيمانهعليهالسلام وقع بالمعرفة واليقين دون التقليد والتلقين ، لا سيّما وقد سماه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إيماناً و
________________________________________________________
إسلاماً وما يقع من الصبيان على وجه التلقين لا يسمى على الإطلاق الديني إيماناً وإسلاماً.
ويدلّ على ذلك أيضاً أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام قد تمدح به وجعله من مفاخره ، واحتج به على أعدائه ، وكرره في غير مقام من مقاماته ، حيث يقول : اللّهم إني لا أعرف عبدا لك من هذه الأمّة عبدك قبلي ، وقولهعليهالسلام : أنا الصديق الأكبر قبل أنّ يؤمن أبو بكر(١) ، وأسلمت قبل أنّ يسلم ، وقوله صلوات الله عليه لعثمان : أنا خير منك ومنهما عبدت الله قبلهما ، وعبدت الله بعدهما ، وقوله : أنا أوّل ذكر صلى ، وقولهعليهالسلام : على من أكذب؟ أعلى الله فأنا أوّل من آمن به وعبده ، فلو كان إيمانه على ما ذهب إليه الناصبة من جهة التلقين ولم يكن له معرفة ولا علم بالتوحيد لـمّا جاز منهعليهالسلام أنّ يتمدح بذلك ولا يسميه عبادة ، ولا أنّ يفخر به على القوم ولا أنّ يجعله تفضيلاً له على أبي بكر وعمر ولو أنه فعل من ذلك ما لا يجوز لرده عليه مخالفوه واعترضه فيه مضادوه وحاجة في بطلانه مخاصموه.
وفي عدول القوم عن الاعتراض عليه في ذلك وتسليم الجماعة له ذلك دليل على ما ذكرناه وبرهان على فساد قول الناصبة الّذي حكيناه ، وليس يمكن أنّ يدفع ما رويناه في هذا الباب من الأخبار لشهرتها ، وإجماع الفريقين من الناصبة والشيعة على روايتها ، ومن تعرض للطعن فيها مع ما شرحناه لم يمكنه الاعتماد عليّ تصحيح خبر وقع في تأويله الاختلاف ، وفي ذلك إبطال جمهور الأخبار وإفساد عأمّة الآثار.
وهب من لا يعرّف الحديث ولا خالط أهل العلم يقدم على إنكار بعض ما رويناه أو يعاند فيه بعض العارفين ويغتنم الفرصة بكونه خاصة في أهل العلم كيف يمكن دفع شعر أمير المؤمنينعليهالسلام في ذلك ، وقد شاع من شهرته على حد يرتفع فيه الخلاف وانتشر حتّى صار مسموعا من العامّة فضلاً عن الخواص في قولهعليهالسلام
__________________
(١) كذا في النسخ والظاهر وقوع السقط وأنّ الأصل هكذا « آمنت قبل أن يؤمن ابوبكر اه » كما في سائر الروايات.
________________________________________________________
محمّد النبيّ أخي وصنوي |
وحمزة سيّد الشهداء عمّي |
|
وجعفر الذي يضحي ويمسي |
يطير مع الملائكة ابن أمّي |
|
وبنت محمّد سكنى وعرسي |
مساط لحمها بدمي ولحمي |
|
وسبطا أحمد ولداي منها |
فمن فيكم له سهم كسهمي |
|
سبقتكم إلى الإسلام طرّاً |
على ما كان من فهمي وعلمي |
|
وأوجب لي الولا معا عليكم |
خليلي يوم دوح غدير خم |
وفي هذا الشعر كفاية في البيان عن تقدّم إيمانهعليهالسلام ، وأنّه وقع مع المعرفة بالحجّة والبيان ، وفيه أيضاً أنه كان الإمام بعد الرّسولعليهالسلام بدليل المقال الظاهر في اليوم الغدير ، الموجب للاستخلاف.
وممّا يؤيّد ما ذكرناه ما رواه عبد الله بن الأسود البكري عن محمّد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جدّه انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صلّى يوم الاثنين ، وصلّت خديجة معه ، ودعا عليهاعليهالسلام إلى الصلاة معه يوم الثلاثاء ، فقال له : أنظرني حتّى ألقى أبا طالب ، فقال له النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّها أمانة ، فقال عليّعليهالسلام : فان كانت أمانة فقد أسلمت لك ، فصلّى معه وهو ثاني يوم البعث وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله ، وقال في حديثه : أنّ هذا دين يخالف دين أبي حتّى أنظر فيه وأشاور أبا طالب فقال له النبيّعليهالسلام : انظر واكتم قال : فمكث هنيئة ثمّ قال : بلى أجبتك وأصدّق بك ، فصدّقه وصلّى معه.
وروي هذا المعنى بعينه وهذا المقال من أمير المؤمنين على اختلاف في اللفظ واتّفاق في المعنى كثير من حملة الآثار وهو يدلّ على أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان مكلفاً عارفاً في تلك الحال بتوقفه واستدلاله وتمييزه بين الإقدام على القبول والطاعة للرسول من غير فكرة ولا تأمل ، ثمّ خوفه أنّ ألقى ذلك إلى أبيه أنّ يمنعه مع أنه حقّ ، فيكون قد صد عن الحقّ فعدل عن ذلك إلى القبول وعلم من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مع أمانته
________________________________________________________
وما كان يعرفه من صدق مقاله وما سمعه من القران الّذي أنزل عليه وأراد أنه من برهانه أنه رسول محقّ فآمن به وصدّقه ، وهذا بعد أنّ ميز بين الأمانة وغيرها ، وعرف حقّها وكره أنّ يفشي سر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد ائتمنه عليه ، وهذا لا يقع باتّفاق من صبي لا عقل له ، ولا يحصل ممّن لا تميز معه.
ويؤيّد أيضاً ما ذكرناه أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بدأ به في الدعوة قبل الذكور كلّهم وإنّما أرسله الله تعالى إلى المكلفين ، فلو لم يعلم أنه عاقل مكلّف لـمّا افتتح به أداء رسالته وقدّمه في الدعوة على جميع من بعث إليه ، لأنه لو كان الأمر على ما ادّعته الناصبة لكانعليهالسلام قد عدل عن الأولى ، وتشاغل بما لم يكلّفه عن أداء ما كلّفه ، ووضع فعله في غير موضعه ، ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يجل عن ذلك.
وشيء آخر وهو أنّه دعا عليّاًعليهالسلام في حال كان مستترا فيها بدينه ، كاتما لأمره خائفا أنّ شاع من عدوه ، فلا يخلو أنّ يكون قد كان واثقاً من أمير المؤمنين بكتم سره وحفظ وصيته وامتثال أمره وحمله من الدين ما حمله ، أو لم يكن واثقاً ، وأنّ كان واثقا فلم يثق بهعليهالسلام إلّا وهو في نهاية كمال العقل وعلى غاية الأمانة وصلاح السريرة والعصمة والحكمة وحسن التدبير ، لأنه الثقة بما وصفناه دليل جميع ما شرحناه على الحال الّتي قدمنا وصفها ، وأنّ كان غير واثق من أمير المؤمنينعليهالسلام بحفظ سره وغير آمن من تضييعه وإذاعة أمره فوضعه عنده من التفريط وضد الحزم والحكمة والتدبير ، حاشى الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم من ذلك ومن كلّ صفة نقص وقد أعلى الله عزَّ وجلَّ رتبته وأكذب مقال من ادّعى ذلك فيه ، وإذا كان الأمر على ما بيناه فما ترى الناصبة قصدت بالطعن في أيمأنّ أمير المؤمنينعليهالسلام إلّا عيب الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والذم لأفعاله ووصفه بالعبث والتفريط ، ووضع الأشياء غير مواضعها ، والإزراء عليه في تدبيراته ، وما أراد مشايخ القوم ومن ألقى هذا المذهب إليهم إلّا ما ذكرناه والله متم نوره ولو كره الكافرون ، انتهى كلامهقدسسره .
وأخلصهم إيماناً ، وأشدهم يقينا وأخوفهم لله وأعظمهم عناء وأحوطهم على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وآمنهم على أصحابه
________________________________________________________
وقد أشبعنا الكلام في ذلك الباب في كتابنا الكبير.
« وأخلصهم إيماناً » أي لم يكن إيمانهعليهالسلام مشوبا برياء ولا سمعة ، ولا شيء من الأغراض الدنيوية ، ولـمّا كان الإيمان ليس محض المعرفة بل مع الطوع القلبي والظاهري ، فيوصف بالإخلاص وعدمه.
« وأشدهم يقيناً » المشهور أنّ اليقين هو الاعتماد الجازم المطابق للواقع ، ويظهر من بعض الأخبار أنه العلم الّذي يترتب عليه العمل ، وقد يخص فيها بالعلم بأمور الآخرة ، وبالعلم بالقضاء والقدر ، وعلى أي وجه يدلّ على أنّ اليقين يقبل الشدّة والضعف كما هو ظاهر كثير من الآيات والأخبار ، ومن قال بأنه لا يقبل الشدّة والضعف يقول أشديته بضمّ الأعمال إليه ، وسيأتي تحقيق جميع ذلك في كتاب الإيمان والكفر.
« وأخوفهم لله » لأنه كان أعلمهم وكثرة العلم موجبة لكثرة الخوف ، وقال تعالى : «إنّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ »(١) .
« وأعظمهم عناءاً » العناء بالفتح والمد التعب ، وشدة تعبهعليهالسلام في الجهاد والعبادات والرياضات ومكابدة الشدّة من الأعداء أشهر من أنّ يخفى« وأحوطهم على رسول الله » أي أشدهم له حفظاً وحياطة ، وتعديته بعلى لتضمين معنى الإشفاق ، وفي النهاية : حاطه يحوطه حاطاً وحياطة : حفظه وصانه وذب عنه وتوفر على مصالحه « وآمنهم على أصحابه » الضمير للرسول أو لهعليهالسلام ، وكان التعدية لتضمين معنى المحافظة ، وقد قال تعالى : «هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إلّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ »(٢) أي كان اعتماده عليك في رعاية الصحابة وهدايتهم وحفظهم أكثر من غيرك ، والمناقب : المفاخر والخصال الشريفة.
__________________
(١) سورة فاطر : ٢٨.(٢) سورة يوسف : ٦٤
وأفضلهم مناقب وأكرمهم سوابق وأرفعهم درجة وأقربهم من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأشبههم به هدياً وخلقاً وسمتاً وفعلاً وأشرفهم منزلة وأكرمهم عليه فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيراً
________________________________________________________
وأكثرية مناقبهعليهالسلام بالنسبة إلى سائر الصحابة ممّا اعترف به المخالفون أيضاً ، قال القاضي عياض : لعليّرضياللهعنه من الشجاعة والعلم والحلم والزهد والورع وكرم الأخلاق وغير ذلك من المناقب ما لا يسعه كتاب.
وقال الآمدي : لا يخفى أنّ عليّاًعليهالسلام كان مستجمعا لخلال شريفة ومناقب منيفة كان بعضها كافيا في استحقاق الامامة ، وقد اجتمع فيه من حميد الصفات وأنواع الكمالات ما لا نعرف في غيره من الصحابة حتّى أنه كان من أشجع الصحابة وأعلمهم وأزهدهم وأفصحهم وأسبقهم إيماناً وأكثرهم جهاداً بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأقربهم نسبا منه ، كان معدودا في أوّل الجريدة وسابقاً إلى كلّ فضيلة ، وقد قال ابن عباس فيه : رباني هذه الأمة.
« وأكرمهم سوابق » أي أكرمهم على الله وعلى رسوله من جهة سبقته إلى كلّ فضيلة ومنقبة ، أو المعنى أنّ سوابقه وفضائله كانت أكرم وأعلى من سوابق غيره « وأرفعهم درجة » عند الله وعند الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في الدّنيا والآخرة ، لوفور مناقبه وفضائله « وأقربهم من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم » ذاتا وطينة ونسبا ومنزلة ، فإنّهما كانا من نور واحد ومن طينة واحدة ، والعبّاس وأنّ كان عمّا لكن ابن العمّ من الأب والأم أقرب من العمّ من جهة الأب في الميراث ، مع أنه لم يكن له تلك الجهات الأخر ، وفي النهاية : الهدى السيرة والهيئة والطريقة وفي المغرب : السمت الطريق ويستعار لهيئة أهل الخير.
« وأشرفهم منزلة » لديه كما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنت مني بمنزلة هارون من موسى وبمنزلة روحي من جسدي ، وأمثال ذلك كثيرة ، وكونهعليهالسلام أكرم الناس عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يحتاج إلى البيان.
قويت حين ضعف أصحابه وبرزت حين استكانوا ونهضت حين وهنوا ، ولزمت منهاج رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذ همَّ أصحابه [ و ] كنت خليفته حقّاً ، لم تنازع ولم تضرع
________________________________________________________
« قويت » أي في جميع أمور الدين من الجهاد وغيره « حين ضعف أصحابه » عنها ، وحذف المتعلّق فيهما للتعميم « وبرزت» إلى الجهاد حيث طلبوا المبارزة « حين استكانوا » أي خضعوا وجنبوا « ونهضت » أي قمت بالجهاد أو بإعلان الحقّ والعمل به ودفع شبهات المنكرين « حين وهنوا » وضعفوا عن ذلك « ولزمت منهاج رسول الله » أي طريقته وشريعته « إذ هم أصحابه » العدول عنه وقصدوا إحداث البدع في الدين كما كان في يوم الشورى حيث عرض عبد الرَّحمن بن عوف عليه لزوم سيرة أبي بكر وعمر ليبايعه فأبى إلّا منهاج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
« لم تنازع » على بناء الفاعل لعدم الأعوان وللمصلحة ، ولم يكن لإذعان خلافتهم والظاهر لم تنازع على بناء المجهول فيحتمل وجوها :
الأوّل : أنّ المراد ما كان ينبغي النزاع فيها لظهور الأمر.
الثاني : أنّ يكون المراد عدم النزاع في أصل خلافته فإنّها ممّا اتفقت عليه الأمّة ، وإنّما النزاع في أنه هل تقدم عليه أحد فيها أم لا؟
الثالث : أنّ يكون المعنى لم تنازع في استحقاق الخلافة وكونك أحقّ بها من غيرك.
الرابع : أنّ يكون المعنى لم ينازعك أحد في أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله استخلفك ونصّ عليك وإنّما تمسكوا في رفع ذلك بالبيعة.
الخامس : أنّ يكون مخصوصاً بأيام خلافته الظاهرة فإنه لم ينازع فيها أحد وإنّما نازع معاوية في طلب قتلة عثمان وهذا أقرب من الثاني ، والفقرات الآتية بهذا الوجه أنسب.
« ولم تضرع » في القاموس ضرع إليه - ويثلث - ضرعاً محركة وضراعة : خضع وذل واستكان ، أو كفرح ومنع تذلل ، وككرم : ضعف ، ومهر ضرع - محركة - لم يقو
برغم المنافقين ، وغيظ الكافرين وكره الحاسدين وصغر الفاسقين.
فقمت بالأمر حين فشلوا ، ونطقت حين تتعتعوا ، ومضيت بنور الله إذ وقفوا ،
________________________________________________________
على العدو ، وأضرع فلاناً أذلّه.
وأقول : المعنى أنّه متى قدرت على نهي المنكر وإعلاء الدين لم تذلل لأحد ولم تخضع لمنافق ، بل بذلت جهدك في إقأمّة الحقّ ما قدرت عليه ، أو المعنى - لا سيّما على الوجه الأوّل في الفقرة السابقة - لم يكن تركك للخلافة والجهاد في إقامتها ضراعة وتذللا ، بل كان لا طاعة أمر الله ورسوله ، والأوّل أظهر.
« برغم المنافقين » يقال : أرغم الله أنفه أي ألصقه بالرغام وهو التراب ، هذا هو الأصل ثمّ شاع استعماله في الذل والعجز ، والظرف في موضع النصب على أنه حال من فاعل تضرع أو كنت ، وقيل : لعلّ المراد بالمنافقين من وافقه من أصحابه ظاهراً لا باطنا ، فان كثيراً من أصحابه كانوا على صفة النفاق ، وبالكافرين من خالفه وقاتله كمعاوية وأضرابه ، والحاسدين الخلفاء الماضين وبالفاسقين أتباعهم ، مع احتمال أنّ يراد بالجميع من خالفه ظاهراً أو باطناً أو فيهما قاتله أم لا ، والتكرار باعتبار تعدد صفاتهم أعني النفاق والكفر والحسد والفسق ، فان كلّ من خالفه بنحو من الأنحاء فهو متصف بهذه الصفات ، وفي القاموس : الصغر كعنب خلاف العظم ، والصاغر الراضي بالذل وقد صغر ككرم صغرا كعنب وصغارا وصغارة بفتحها ، وأصغره : جعله صاغرا ، وفي إكمال الدين : وضغن الفاسقين.
« فقمت بالأمر » أي بأمر الخلافة بعد قتل عثمان أو بالنهي عن المنكر في أيامه أو بأمور الدين في جميع الأزمان ، وفي القاموس فشل كفرح فهو فشل : كسل وضعف وتراخى وجبن ، انتهى.
« ونطقت » أي في حلّ المشكلات وجواب السؤالات « حين تتعتعوا » من باب التفعلل أي عجزوا عن الكلام ، وفي نهج البلاغة : تعتعوا بتاء واحدة في الأوّل ، وفي القاموس التعتعة في الكلام : التردد فيه من حصر أو عي.
فاتّبعوك فهدوا ، وكنت أخفضهم صوتا وأعلاهم قنوتا وأقلهم كلاما وأصوبهم نطقا
________________________________________________________
« ومضيت بنور الله » أي جريت في سبيل الحقّ بما أعطاك الله من العلم ، وعملت بما ينبغي في جهاد الأعداء وغيره إذ وقف غيرك عن سلوك سبيل الحقّ لجهله « فاتبعوك فهدوا » أي كلّ من اهتدى فإنّما اهتدى بمتابعتك ، وفي الإكمال : ولو اتبعوك لهدوا ، وهو أظهر « وكنت أخفضهم صوتاً » لعلّ خفض الصوت كناية عن التواضع ونفي الكبر والإعجاب ، أو ربط الجأش وثبات القلب لأنّ رفع الصوت في المخاوف من الجبن والفزع ، وقيل : المراد خفض الصوت عند الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم « وأعلاهم قنوتاً » القنوت يطلق على الطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام وطول القيام والسكوت ، والأكثر مناسب ، وفي الإكمال والنهج وأعلاهم فوتا ، وهو أنسب ، والفوت السبق إلى الشيء من دون ائتمار واستشارة ، ومنه قولهم : فلان لا يفتات عليه ، أي لا يعمل شيء دون أمره ، والغرض نفي الاحتياج إلى الغير في استعلام الحق.
« وأقلهم كلاماً » أي كانعليهالسلام لا يتكلم إلّا عند الحاجة « وأصوبهم نطقاً » وفي الإكمال منطقاً « وأكبرهم رأياً » أي كان رأيه في الأمور أعظم وأحزم من آراء غيره وفي بعض النسخ أكثر بالمثلثة ، فالمراد بالرأي الصواب منه « وأشدّهم يقيناً » هذه الفقرة مكرّرة ولعلّه من الرواة ، أو المراد بالأوّل اليقين بالله ورسوله لاقترانه بالإيمان وبما هنا اليقين بالقضاء والقدر وتورطه في المخاطرات والمجاهدات ليقينه بالقضاء والقدر أو بالمثوبات الأخرويّة كما سيأتي في باب اليقين أنهعليهالسلام جلس تحت حائط مائل يقضي بين الناس ، فلـمّا قيل له في ذلك ، قال : حرس امرءاً أجله(١) وقال الصادق
__________________
(١) قال الشارح (ره) في البحار : « امرءا » مفعول حرس ، و « أجله » فاعله وهذا ممّا استعمل فيه النكرة في سياق الإثبات للعموم ، أي حرس كلّ امرىء أجله ؛ كقوله : أنجز حرما وعده ؛ ويؤيّده ما في النهج انه قالعليهالسلام كفى بالاجل حارساً.
ومن العجب ما ذكره بعض الشارحين : أنّ امرء مرفوع على الفاعلية وأجله منصوب على المفعولية والعكس محتمل ؛ والمقصود الإنكار لأنّ أجل المرء ليس بيده حتّى يحرسه ؛ انتهى ، ثمّ قال (ره) : ويشكلّ هذا بأنّه يدلّ على جواز إلقاء النفس إلى التهلكة وعدم وجوب =
وأكبرهم رأياً ، وأشجعهم قلباً ، وأشدهم يقيناً وأحسنهم عملا ، وأعرفهم بالأمور.
كنت والله يعسوباً للدين أولا وآخرا الأوّل حين تفرَّق الناس ، والآخر حين فشلوا كنت للمؤمنين أباً رحيماً ، إذ صاروا عليك عيالاً فحملت أثقال ما عنه ضعفوا وحفظت ما أضاعوا ورعيت ما أهملوا وشمّرت إذ [ ا ] اجتمعوا ، وعلوت
________________________________________________________
عليهالسلام هذا اليقين ، وأنّه كان من يقينه أنه يخرج مع وفور أعدائه في الليالي وحده ، ومنع قنبراً من اتباعه وأمثال ذلك ، وهويناسب قوله : « أشجعهم قلباً ».
« وأعرفهم بالأمور » أي من الشرائع والتدابير الحقّة والحوادث الماضية والآتية والمعارف الإلهية ، في القاموس اليعسوب أمير النحلّ وذكرها ، والرئيس الكبير « أوّلا وآخراً » الظاهر إنّهما بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فالأوّل حين تفرق الناس عنه واتبعوا الثلاثة والآخر بعد مقتل عثمان ، أو أوّلاً وآخرا في زمان الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أيضاً فإنه آمن أولا حين نفر الناس ، ونصر آخراً حين فشلوا عن الجهاد وفروا ، أو الأوّل في زمن الرسول والآخر بعده ، ولعلّ الأوّل أظهر « كنت للمؤمنين أبا رحيماً » أي كالأب الرحيم في الشفقة وهو الوالد العقلاني فان الحياة الحقيقية بالإيمان والعلم كان بسببه ، كما قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عليّ أنا وأنت أبوا هذه الأمة.
والعيال بالكسر جميع عيل كجياد وجيد ، وعال عيالة أقاتهم وأنفق عليهم والناس كلهم عيال الإمام من جهة الغذاء الجسماني والروحاني كما مرّ أنه يميرهم العلم « إذ صاروا » أي لأنّهم صاروا أو حين صاروا من ابتداء إمامته « فحملت أثقال ما عنه ضعفوا » بقتل من عجزوا عن مبارزته ، وبتعليم ما عجزوا عن إدراكه ، وبإنفاق ما عجزوا عن تحصيله من المعونات ، وحفظ كتاب الله وأحكام الشريعة وقد ضعفوا من حفظها « وحفظت ما أضاعوا » من أمور الدين وكتاب الله وسنّة سيّد المرسلين « ورعيت ما أهملوا » من الشرائع والأحكام ، وفي مجالس الصدوق « ووعيت » أي حفظت.
__________________
= الفرار عما يظن عنده الهلاك ؛ والمشهور عند الأصحاب خلافه؟ وأجاب عنه بوجوه كثيرة طويلة الذيل ومن أراد الوقوف عليها فليراجع ج ٧٠ ( الطبعة الحديثة ) ص ١٤٩ - ١٥٢. ولعلها يأتي عند شرح الحديث في الكتاب أيضاً فانتظر.
إذ هلعوا ، وصبرت إذ أسرعوا ، وأدركت أوتار ما طلبوا ونالوا بك ما لم يحتسبوا.
كنت على الكافرين عذاباً صبّاً ونهباً ، وللمؤمنين عمداً وحصناً ، فطرت والله
________________________________________________________
« وشمرت إذا اجتمعوا » أي تهيأت وعزمت إذا اجتمعوا لأمر من أمور الدين ، في القاموس شمرّ وانشمر وتشمرّ مرّ جادّاً أو مختالا وتشمرّ للأمر تهيّأ ، وفي بعض النسخ إذ جشعوا بالجيم والجشع أشد الحرص ، وفي بعضها خشعوا أي خضعوا وذلوا « وعلوت » أي ارتفعت في تحصيل المكارم والغلبة على الأعداء « إذ هلعوا » والهلع أفحش الجزع « وصبرت إذ أسرعوا » أي في الأمور من غير روية ، وفي المجالس : إذا شرعوا في الباطل ، وفي الإكمال : إذ جزعوا وهو أظهر.
« وأدركت أوتار ما طلبوا » أي أدركت الجنايات الّتي وقعت من الكفار عليّ المسلمين فانتقمت منهم كالكفار الذين قتلهم في حياة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمنافقين الذين قتلهم بعد وفاته بسبب جنايات وقعت منهم على المؤمنين ، قال في النهاية : الوتر الجناية الّتي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي ، ومنه الحديث : ولا تقلدوها الأوتار ، أي لا تطلبوا على الخيل الأوتار الّتي وترتم بها في الجاهلية ، ومنه حديث عليّعليهالسلام فأدركت أوتار ما طلبوا ، وفي الإكمال وأدركت إذ تخلفوا.
« ونالوا بك » من الخيرات والبركات « ما لم يحتسبوا » أي لم يظنوا ولم يتوقعوا « كنت للكافرين عذاباً صباً » أي مصبوباً بكثرة شبهه بالمطر الغريز الوابل ، فالمصدر بمعنى المفعول ، وفي قوله : نهبا ، بمعنى الفاعل ، يقال : نهب الشيء ينهبه نهبا إذا أخذه وسلبه قهراً ، إشارة إلى شوكته وغلبته على الكافرين « وللمؤمنين عمداً وحصناً » قال الجوهري : العمود البيت ، وجمع القلة أعمدة وجمع الكثرة عَمَد وعُمُد انتهى.
وقيل : إنّما جمَع العمد وأفرد الحصن لافتقار البناء غالباً إلى الأعمدة ، فهوعليهالسلام قائم مقام الجميع بخلاف الحصن فإنّه يكفي الواحد الحصين ، وفي الإكمال غيثاً وخصباً ولعلّه أنسب ، والخصب بالكسر : كثرة العشب ورفاعة العيش كذا في
بنعمائها وفزت بحبائها ، وأحرزت سوابغها وذهبت بفضائلها ، لم تفلل حجّتك ، ولم
________________________________________________________
القاموس.
« فطرت » النسخ هنا مختلفة ففي أكثر نسخ الكتاب فطرت والله بغمائها ، ويحتمل وجهين « الأوّل » أنّ يكون الفاء للعطف وطرت بالكسر من الطيران ، أي أعالي الدرجات بسبب غمّائها أو متلبّساً بها ، أو طرت إلى الآخرة متلبّساً بغمومها ، والضمير للخلافة أو الأمّة أو المعيشة ، والغماء بفتح الغين المعجمة وتشديد الميم والمد الكرب والداهية ، وفي بعض النسخ بنعمائها أي بنعمتها ، وهو مفرد ويجري فيه الوجوه المتقدمة كلها.
الثاني : أنّ يكون فطرت بصيغة المجهول من الفطرة أي خلقت متلبّساً بالغم والمصيبة أو بالنعمّ الجليلة العظيمة كناية عن استمرار إحدى الحالتين له من أوّل عمره إلى آخر دهره.
قال بعض شراح العامّة فطرت بصيغة المجهول بمعنى الخلقة ، وبصيغة المعلوم بمعنى الطيران ، وقرأ فطرت على المجهول وتشديد الطاء يقال : فطرت الصائم إذا أعطيته الفطور ، انتهى.
وفي نهج البلاغة فطرت والله بعنانها واستبددت برهانها فالطيران بالعنان كناية عن السبق المعنوي والضميران في عنانها ورهانها راجعان إلى الفضيلة المدلول عليها بالمقام ، والظاهر أنّ الظرف متعلّق بمحذوف أي طرت ممسكا بعنانها ، وفي الحديث خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله كلـمّا سمع هيعة طار إليها ، والاستبداد بالشيء الانفراد به ، والرهان بالكسر المسابقة على الخيل ، وكان المراد هنا ما يرهن ويستبق عليه أو الاستبداد بالرهان كناية عن الانفراد بأخذ الخطر ، وفي الإكمال : فطرت والله بعنانها وفزت بجنانها ، وهنا « بحبائها » والفوز الظفر بالمطلوب ، والحباء بالكسر العطاء أي فزت بحبوات الله وعطإيّاه الفائضة على هذه الأمّة ، أو بحباء الخلافة أو الفضيلة كما مرّ « وأحرزت سوابقها » وفي القاموس أحرز الأجر حازه وقال : له
يزغ قلبك ، ولم تضعف بصيرتك ، ولم تجبن نفسك ولم تخرَّ
كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف ، وكنت كما قال : ءامن النّاس في صحبتك وذات
________________________________________________________
سابقه في هذا الأمر أي سبق الناس إليه ، انتهى.
وقيل : السوابق الخيل الّتي لا بدّ من تقديمها ، والسبق إليها في الخلافة والفضيلة ما يوجب الفضل والذّهاب بها أخذها والاتصاف بها منفردا ، أو ذهبت بها إلى الآخرة « لم تفلل حجتك » على بناء المجهول من المجرد أو بناء المعلوم من باب التفعل بحذف إحدى التائين في القاموس فله وفلله ثلمة فتفلل وانفل وافتل والقوم هزمهم فانفلوا أو تفللوا وسيف فليل ومفلول : منثلم ، انتهى.
شبهعليهالسلام الحجة على الامامة وسائر الأمور الحقّة بالسيف القاطع ، وأثبت لها الفلول « ولم يزغ » من باب ضرب أي لم يمل إلى الباطل « ولم تضعف » من باب حسن وكذا لم تجبن « ولم تخر » من الخرور وهو السقوط من علو إلى سفل أو مطلقا والفعل من باب ضرب ونصر ، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة من الحيرة ، وفي الإكمال والمجالس وبعض نسخ الكتاب : ولم تخن ، من الخيانة وهو أظهر.
« وكنت كالجبل لا تحركه العواصف » وفي النهج كالجبل لا تحركه القواصف ، وفي الإكمال لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف ، والقواصف الرياح الشديدة الّتي تكسر السفن ونحوها ، أو شديدة الصوت كالرعد ، والريح العاصف العاصفة الشديدة ، شبههعليهالسلام في قوة الإيمان وشدة اليقين وكمال العزم في أمور الدين وعدم تزلزله فيها بالشكوك والشبهات والأغراض والشهوات بالجبل حيث لا تحركه الرياح الشديدة.
« وكنت كما قال » أي النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في شأنك « آمن الناس » آمن أفعل التفضيل مأخوذ من الأمانة ضد الخيانة « في صحبتك و » في « ذات يدك » أي كنت أكثر الناس أمانة في مصاحبتك بحيث لا تغش فيها أصلا ، وفي الأموال الّتي بيدك من بيت المال وغيره أو الأعمّ منها ومن العلوم والمعارف الّتي خصه الله بها ، وقيل : في للتعليل والمراد بالصحبّة ملازمته للرسول في الخلوات لتعلم الأحكام وبذات يده ما معه من العلوم
يدك ، وكنت كما قال: ضعيفاً في بدنك قوياً في أمر الله متواضعاً في نفسك عظيما عند الله كبيراً في الأرض جليلاً عند المؤمنين لم يكن لأحد فيك مهمزٌ ولا لقائل فيك مغمز [ ولا لأحد فيك مطمع ] ولا لأحد عندك هوادة الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتّى تأخذ له بحقّه والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل حتّى تأخذ منه الحقّ والقريب والبعيد عندك في ذلك سواء شأنك الحقّ والصدق والرفق وقولك حكم وحتم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم فيما فعلت وقد نهج السبيل وسهل العسير - وأطفئت
________________________________________________________
والمعارف ولا يخفى بعده « ضعيفاً في بدنك » أي كانوا يرونك ضعيفاً بحسب الجسم والبدن أو كنت في أمر رعاية بدنك وتربيتها ضعيفا ، وفي إقامة دين الله والجهاد في سبيله قوياً « متواضعاً في نفسك » أي عند نفسك متذللا متواضعا.
« لم يكن لأحد فيك مهمز » المهمز والمغمز مصدران أو أسماء مكان من الهمز والغمز وهما بمعنى ، أو الهمز الغيبة والوقيعة في الناس وذكر عيوبهم ، والغمز : الإشارة بالعين خاصة أو بالعين والحاجب واليد ، وفي فلان مغمز أي مطعن ، والهماز والهمزة العياب والنفي لظهور الفساد ، والمطمع أيضاً مصدر أو اسم مكان ، أي لم يكن أحد يطمع منك أنّ تميل إلى جانبه بغير حقّ أو لا تطمع في مال أحد والأوّل أظهر.
وقال في النهاية : فيه لا يأخذه في الله هوادة ، أي لا يسكن عند وجوب حد لله ولا يحابي فيه أحداً ، والهوادة : السكون والرخصة والمحاباة ، انتهى.
« الضعيف الذليل » أي عند الناس وهو استئناف لبيان نفي الهوادة « حتّى تأخذ » تعليل أو غاية للقوة والعزة إذ بعد ذلك هو وسائر الناس عنده سواء « قولك حكم » أي حكمة أو محكم ومتقن ، والحزم ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة « ورأيك علم » أي مبني على العلم لا الظن والتخمين « وعزم » أي تعزم عليه لابتنائه على اليقين « فيما عملت» (١) أي رأيك كذلك في كلّ ما فعلت ، وفي الإكمال والمجالس « فأقلعت وقد نهج السبيل » وهو الصواب ، أي فمضيت وذهبت عنا وقد وضح سبيل الحقّ ببيانك ،
__________________
(١) وفي المتن « في ما فعلت ».
النيران ، واعتدل بك الدين ، وقوي بك الإسلام ، فظَهَرَ أمر اللهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ، وثبت بك الإسلام والمؤمنون وسبقت سبقاً بعيداً وأتعبت من بعدك تعباً شديداً فجللت عن البكاءِ ، وعظمت رزيّتك في السّماء ، وهدَّت مصيبتك الأنام ، فإِنَّا لِلَّهِ
________________________________________________________
قال الجوهري : الإقلاع عن الأمر الكف عنه يقال : أقلع عمّا كان عليه وأقلعت عنه الحمى ، ويقال : هم على قلعة أي على رحلة ، وفي القاموس : نهج كمنع وضح وأوضح ، والطريق : سلكه ، وسهل كحسن ، أو مجهول باب التفعيل.
« وأطفئت النيران » أي نيران قتال المشركين والخوارج « واعتدل » أي استقام « بك » أي بسيفك وبيانك « الدين » و « سبقت » أي في الفضائل والكمالات « سبقاً بعيداً » لا يمكن لأحد الوصول إليك فيها ، أو سبقت بمضيك إلى الآخرة سبقاً بعيداً لا يوصل إليك إلّا في القيامة أو الرجعة « وأتعبت من بعدك » أي بمصيبتك أو بأنّهم يسعون لأنّ يصلوا إلى ما وصلت إليه من الكمالات فلا يمكنهم « فجللت عن البكاء » أي أنت أجل من أنّ تتدارك مصيبتك بالبكاء ، بل قتل الأنفس أيضاً قليل في ذلك.
والرزيئة بالهمز وقد تقلب ياءا : المصيبة ، والهد : الهدم الشديد.
« فإِنَّا لِلَّهِ » أي فنصير ونقول هذا الكلام وهي كلمة أثنى الله تعالى على قائلها عند المصائب لدلالتها على الرضا بقضائه والتسليم لأمره ، فمعنى «إِنَّا لِلَّهِ » إقرار له بالعبودية أي نحن عبيد الله وملكه ، فله التصرف فينا بالموت والحياة والمرض والصحّة والمالك على الإطلاق أعلم بصلاح مملوكه واعتراض المملوك عليه جرأة وسفاهة «وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » إقرار بالبعث والنشور ، وتسلية للنفس بأنّ الله تعالى عند رجوعنا إليه يثيبنا على ما أصابنا من المكاره والآلام أحسن الثواب كما وعدنا ، وينتقم لنا ممّن ظلمنا ، وفيه تسلية من جهة أخرى وهي أنه إذا كان رجوعنا جميعاً إلى الله وإلى ثوابه فلا بأس بافتراقنا بالموت ، ولا ضرر على الميت أيضاً لأنه انتقل من دار إلى دار أخرى أحسن من الأولى ، ورجع إلى رب كريم هو رب الآخرة والدنيا.
وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، رضينا عن الله قضاه وسلمنا لله أمره فو الله لن يصاب المسلمون بمثلك أبداً.
كنت للمؤمنين كهفاً وحصناً وقنة راسيا وعلى الكافرين غلظة وغيظاً فألحقك الله بنبيّه ولا أحرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك وسكت القوم حتّى انقضى كلامه وبكى وبكى أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثمّ طلبوه فلم يصادفوه.
٥ - عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن الحكم ، عن صفوان الجمّال قال كنت أنا وعأمر وعبد الله بن جذاعة الأزديّ عند أبي عبد اللهعليهالسلام قال : فقال له عامر : جعلت فداك إنَّ الناس يزعمون أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام دُفن بالرحبة
________________________________________________________
« لن يصاب » أي في المستقبل لأنه كان أفضل ممّن بعده إلى يوم القيامة ، ولا ينافي كون الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أفضل منه وكون مصيبته أشد من مصيبته ، وفي القاموس الكهف كالبيت المنقور في الجبل ، والوزر والملجا ، وقال : القنة بالضمّ : الجبل الصغير وقلة الجبل ، والمنفرد والمستطيل في السماء ، ولا يكون إلّا أسود ، أو الجبل السهل المستوي المستنبط على الأرض ، والراسي : الثابت ، وقيل : هو تميز مثل : لله درة ، أو نعت قنة ، وترك التأنيث في مثله جائز ، قال الجوهري : قوله تعالى «أنّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ »(١) ولم يقل قريبة لأنه أراد بالرحمة الإحسّان ولأنّ ما لا يكون تأنيثه حقيقيا جاز تذكيره ، انتهى.
ويجوز كون ما بعد الياء ألفا ممدودة للتأنيث كنافقاء ، وليست هذه الفقرة في الإكمال « وغيظا» أي موجباً لغيظهم « فألحقك الله » جملة دعائية « وبكى » ثانياً على المجرد ورفع « أصحاب » أو على التفعيل ونصب أصحاب ، وفي الإكمال : وأبكي على بناء الأفعال.
الحديث الخامس : صحيح.
وفي القاموس : الرحبّة بالفتح محلة بالكوفة ، وفي الصحاح : رحبّة المسجد ساحته
__________________
(١) سورة الأعراف : ٥٦.
قال : لا ، قال : فأين دفن ؟ قال إنه لـمّا مات احتمله الحسنعليهالسلام فأتى به ظهر الكوفة قريباً من النجف يسرة عن الغريّ يمنة عن الحيرة ، فدفنه بين ركوات بيض ،
________________________________________________________
وفي المصباح : الرحبّة البقعة المتسعة بين أفنية القوم ، وكان المراد هنا ميدان الكوفة أو ساحة مسجدها ، وفي القاموس :النجف محركة - وبهاء - مكان لا يعلوه الماء ، مستطيل منقاد ، ويكون في بطن الوادي ، وقد يكون ببطن من الأرض أو هي أرض مستديرة مشرفة على ما حولها ، والنجف محركة التل - وبهاء - موضع بين البصرة والبحرين ، ومسناة بظاهر الكوفة تمنع ماء السيل أنّ يعلو مقابرها ومنازلها ، انتهى.
وفي معجم البلدان : النجف بالتحريك بظهر الكوفة كالمسناة يمنع سيل الماء أنّ يعلو الكوفة ومقابرها ، وبالقرب من هذا الموضع قبر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
وقال الجوهري : الغريان هما طربالآن يقال هما قبر مالك وعقيل نديمي جذيمة الأبرش ، وسميا غريين لأنّ النعمان بن المنذر كان يغريهما بدم من يقتله إذا خرج يوم بؤسه ، وفي المغرب : الحيرة بالكسر مدينة كان يسكنها النعمان بن المنذر ، وهي على رأس ميل من الكوفة.
قولهعليهالسلام : بين ذكوات ، كذا في أكثر نسخ الحديث ، ولعله أراد التلال الصغيرة الّتي كانت محيطة بقبره صلوات الله عليه شبهها - لضيائها وتوقدها عند شروق الشمس عليها ، لاشتمالها على الحصيات البيض والدراري - بالجمرّة الملتهبة إذ الذكوة هي الجمرّة الملتهبة كما ذكره اللغويون ، ويحتمل على بعد أنّ يكون المراد بالذكوات تلك الحصيات ، وقيل : أنّ أصله ذكاوات جمع ذكاء بمعنى التل الصغير ، ورأيت في بعض نسخ فرحة الغري الركوات جمع ركوة وهي الحوض الكبير ، فالمراد به الحياض الّتي كان يجمع فيها الماء حول قبره صلوات الله عليه.
واعلم أنّ سبب هذا السؤال أنه نشأ اختلاف في أوّل الأمر في موضع قبره الشريف لأنهعليهالسلام أوصى بإخفاء دفنه خوفاً من الخوارج لئلا ينبشوا قبرهعليهالسلام
قال : فلـمّا كان بعد ذهبت إلى الموضع ، فتوهّمت موضعاً منه ، ثمَّ أتيته فأخبرته
________________________________________________________
فدفنه الحسنان وخواصّ أقاربه ليلاً ، فذهب جماعة من المخالفين إلى أنه دفن في رحبّة الكوفة ، وبعضهم إلى أنه دفن في المسجد ، وقيل : دفن في قصر الإمارة ، وقيل : دفن في بيته ، وكان بعض جهلة الشيعة يزورونه بمشهد في الكرخ ، ثمّ أئمتناعليهمالسلام عرفوا موضع قبره بعض خواص الشيعة فاجتمعت الشيعة وتواترت رواياتهم على أنه مدفون في الغري في الموضع المعروف عند الخاصّ والعامّ ، وارتفع الخلاف ، وقد كتب السيّد النقيب الجليل عبد الكريم بن أحمد بن طاوس كتاباً في تعيين موضع قبرهعليهالسلام ورد أقوال المخالفين في ذلك سماه فرحة الغري وأورد فيه أخباراً كثيرة أوردناها في كتابنا الكبير.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج : وروى أبو الفرج الأصفهاني بإسناده عن الأسود الكندي والأجلح قالاً : توفي عليّعليهالسلام وهو ابن أربع وستين سنّة ، وفي عام أربعين من الهجرة ليلة الأحد لإحدى وعشرين ليلة مضت من شهر رمضأنّ ، وولي غسله ابنه الحسن فكبر عليه خمس تكبيرات ، ودفن بالرحبّة ممّا يلي أبواب كندة عند صلاة الصبح ، هذه رواية أبي مخنف ، قال أبو الفرج : وحدثني أحمد بن سعيد بإسناده عن الحسن بن عليّ الحلال عن جده قال : قلت للحسين بن عليّعليهالسلام : أين دفنتم أمير المؤمنينعليهالسلام ؟ قال : خرجنا به ليلاً من منزله حتّى مررنا به على منزل الأشعث ، حتّى خرجنا به إلى الظهر بجنب الغري.
قال ابن أبي الحديد : وهذه الرواية هي الحقّ وعليها العمل ، وقد قلنا فيما تقدم : أنّ أبناء الناس أعرف بقبور آبائهم من غيرهم من الأجانب ، وهذا القبر الّذي بالغري ، هو الّذي كان بنو عليّ يزورونه قديماً وحديثاً ، ويقولون : هذا قبر أبينا لا يشك أحد في ذلك من الشيعة ولا من غيرهم أعني بني عليّ من ظهر الحسن والحسين وغيرهما من سلالة المتقدمين منهم والمتأخرين ، ما زاروا ولا وقفوا إلّا على هذا القبر بعينه.
فقال لي : أصبت رحمك الله - ثلاث مرّات -.
________________________________________________________
وروى أبو الفرج عليّ بن عبد الرحمن الجوزي عن أبي الغنائم قال : مات بالكوفة ثلاثمائة صحابي ليس قبر أحد منهم معروفاً إلّا قبر أمير المؤمنين ، وهو القبر الّذي يزوره الناس الآن.
جاء جعفر بن محمّد وأبوه محمّد بن عليّ بن الحسين فزاراه ، ولم يكن إذ ذاك قبر ظاهر ، وإنّما كان به شيوخ أيضاً حتّى جاء محمّد بن زيد الداعي صاحب الديلم فأظهر القبة ، انتهى.
وروي في فرحة الغري بإسناده عن محمّد بن الحسن الجعفري قال : وجدت في كتاب أبي وحدثتني أمي عن أمها أنّ جعفر بن محمّدعليهالسلام حدثها أنّ أمير المؤمنين أمر ابنه الحسنعليهالسلام أنّ يحفر له أربع قبور في أربعة مواضع ، في المسجد ، وفي الرحبّة ، وفي الغري وفي دار جعدّة بن هبيرة ، وإنّما أراد بهذا أنّ لا يعلم أحد من أعدائه موضع قبره.
وروي أيضاً بإسناده عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفرعليهالسلام بإسناد آخر عن أبي عبد الله الجدلي ، أنه أوصى أمير المؤمنين إلى الحسنعليهالسلام فقال : يا بني إني ميت من ليلتي هذه ، فإذا أنا مت فغسلني وكفني وحنطني بحنوط جدك ، وضعني على سريري ولا يقربن أحد منكم مقدّم السرير فإنكم تكفونه ، فإذا حمل المقدم فاحملوا المؤخّر وليتّبع المؤخر المقدّم حيث ذهب ، فإذا وضع المقدم فضعوا المؤخر ، ثمّ تقدم أي بني فصل عليّ فكبر سبعا فإنّها لن تحلّ لأحد من بعديّ إلّا لرجل من ولدي يخرج في آخر الزمان ، يقيم اعوجاج الحقّ ، فإذا صليت فحطّ حول سريري ثمّ احفر لي قبرا في موضعه إلى منتهى كذا وكذا ، ثمّ شق لي لحداً فإنك تقع على ساجة منقورة ادخرها لي أبي نوحعليهالسلام ، وضعني في الساجة ثمّ ضع عليّ سبع لبنات كبار ثمّ ارقب هنيئة ثمّ انظر فإنك لن تراني في لحدي.
وفي رواية أخرى عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنه قال للحسن والحسينعليهماالسلام : فإنّكما
٦ - أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي عمير ، عن القاسم بن محمّد ، عن عبد الله بن سنان قال أتاني عمر بن يزيد فقال لي اركب فركبت معه فمضينا حتّى أتينا منزل حفص الكناسي فاستخرجته فركب معنا ثمّ مضينا حتّى أتينا الغري فانتهينا إلى قبر فقال انزلوا هذا قبر أمير المؤمنينعليهالسلام فقلنا من أين علمت فقال أتيته مع أبي عبد اللهعليهالسلام حيث كان بالحيرة غير مرّة وخبرني أنه قبره.
٧ - محمّد بن يحيى ، عن سلمة بن الخطّاب ، عن عبد الله بن محمّد ، عن عبد الله بن القاسم ، عن عيسى شلقان قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام له خئولة في بني مخزوم وأنّ شاباً منهم أتاه فقال يا خالي أنّ أخي مات وقد حزنت
________________________________________________________
تنتهيان إلى قبر محفور ولحد ملحود ولبن محفوظ ، فألحداني وأشرجا عليّ اللبن وارفعا لبنة ممّا عند رأسي فانظراً ما تسمعان ، فأخذاً اللبنة من عند الرأس بعد ما أشرجا عليه اللبن فإذا ليس في القبر شيء وإذا هاتف يهتف : أمير المؤمنين كان عبدا صالحا فألحقّه الله بنبيّهصلىاللهعليهوآله ، وكذلك يفعل بالأوصياء بعد الأنبياء حتّى لو أنّ نبيا مات في المشرق ومات وصيّه في المغرب الحقّ الله الوصي بالنبي.
وفي رواية أم كلثوم ثمّ أخذ الحسن المعول فضرب ضربة فانشق القبر عن ضريح فإذا هو بساجة مكتوب عليها سطران بالسريانية : بسم الله الرَّحمن الرحيم هذا قبر قبره نوح النبيّعليهالسلام لعليّ وصي محمّد قبل الطوفان بسبعمائة عام ، قالت أم كلثوم فانشق القبر فلا أدري أنبش سيدي في الأرض أم أسري به إلى السماء ، إذا سمعت ناطقا لنا بالتعزية : أحسن الله لكم العزاء في سيدكم وحجة الله على خلقه.
وروي بإسناده عن محمّد بن السائب الكلبي قال : أخرج به ليلاً ، خرج به الحسن والحسين وابن الحنفية وعبد الله بن جعفر في عدّة من أهل بيته ودفن ليلاً في ذلك الظهر ظهر الكوفة ، فقيل له : لم فعل به ذلك؟ قال : مخافة الخوارج وغيرهم.
الحديث السادس : ضعيف.
الحديث السابع : كالسابق.
وقيل : شلقان ، لقب معناه الضارب « له خؤولة » أي كانت إحدى خالاته منهم
عليه حزناً شديداً ، قال فقال له تشتهي أنّ تراه قال بلى قال فأرني قبره قال فخرج ومعه بردة رسول اللهصلىاللهعليهوآله متزراً بها فلـمّا انتهى إلى القبر تلملمت شفتاه ثمّ ركضه برجله فخرج من قبره وهو يقول بلسان الفرس ، فقال أمير المؤمنينعليهالسلام ألم تمت وأنت رجل من العرب قال بلى ولكنّا متنا على سنّة فلان وفلان فانقلبت ألسنتنا
________________________________________________________
أو كان هوعليهالسلام خالاً لبعضهم ، فيكون« في » بمعنى « مع » ويؤيّد الأخير ما روي أنّ أم هانئ أخت أمير المؤمنينعليهالسلام كانت زوجة هبيرة بن وهب بن عمرو بن عائذ ابن عمران بن مخزوم ، وعلى الأوّل الخئولة جمع الخال ، وعلى الثاني مصدر وكلاهما ورد في اللغة ، يقال : بيني وبينهم خولة ، ويقال : خال بين الخئولة « متزراً بها » أي شدّها على وسطه مكان الإزار ، أو التحف بها وليس « متزراً بها » في الخرائج وفيه : معه برد رسول الله السنجاب.
« تلملمت » في أكثر نسخ الكتاب بتقديم اللام على الميم أي انضمت شفتاه أو تحركت كناية عن التكلم ، يقال كتيبة ململمة وملمومة أي مجتمعة مضمومة بعضها إلى بعض ، ولملم الحجر : أداره والململم بفتح لاميه : المجتمع المدور المضموم ، وفي الخرائج وغيره من الكتب بتقديم الميم على اللام ، وفي بعضها بعكسها وهو أظهر ، قال في القاموس : تململ تقلب والململة السرعة وفي المصباح ركض الرجل ركضا من باب قتل : ضربه برجله وفي الخرائج : فخرج من قبره وهو يقول رميكا بلسان الفرس ، وروي أيضاً برواية أخرى عن الصادقعليهالسلام قال : كان قوم من بني مخزوم لهم خئولة من عليّعليهالسلام فأتاه شاب منهم يوما فقال : يا خال مات ترب لي(١) فحزنت عليه حزناً شديداً قال : فتحبّ أنّ تراه؟ قال : نعمّ ، فانطلق بنا إلى قبره فدعا الله وقال : قم يا فلان بإذن الله ، فإذا الميت جالس على رأس القبر وهو يقول : ونيه ونيه سالا ، معناه لبيك لبيك سيدنا ، فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : ما هذا اللسان؟ ألم تمت وأنت رجل من
__________________
(١) الترب : من ولد معك.
٨ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد وعليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد جميعاً ، عن ابن محبوب ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال لـمّا قبض أمير المؤمنينعليهالسلام قام الحسن بن عليّعليهالسلام في مسجد الكوفة فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّصلىاللهعليهوآله ثمّ قال أيّها الناس إنّه قد قبض في هذه الليّلة رجلٌ ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون إنه كان لصاحب راية رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن يمينه جبرئيل وعن يساره ميكائيل لا ينثني حتّى يفتح الله له والله ما ترك بيضاء ولا حمراء إلّا سبعمائة درهم فضّلت عن عطائه ، أراد أنّ يشتري بها خادماً لأهله والله لقد قبض في اللّيلة الّتي فيها قبض وصيُّ موسى يوشع بن نون واللّيلة الّتي عرج فيها بعيسى ابن مريم واللّيلة الّتي نزل فيها القرآن.
٩ - عليُّ بن محمّد رفعه قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : لـمّا غسّل أمير المؤمنين
________________________________________________________
العرب؟ قال : نعمّ ولكني مت على ولاية فلان وفلان فانقلب لساني إلى السنّة أهل النار.
الحديث الثامن صحيح.
« ما سبقه » أي في الفضل والعلم والكمالات ، والأولون الأنبياء السابقون وأوصياؤهم ، والآخرون من يأتي بعده من الأوصياء وغيرهم لأنهعليهالسلام كان أفضل منهم فهم لا يدركونه في الفضل ، وفي رواية أخرى في مجالس الصدوق : والله لا يسبق أبى أحد كان قبله من الأوصياء إلى الجنّة ولا من يكون بعده.
« أنّ كان » أنّ مخففة « لا ينثني » أي لا ينعطف ولا يرجع ، والبيضاء الفضة والحمراء الذهب ، والخادم الجارية « أنزل فيها القران » أي إلى البيت المعمور ويدلّ على كون الحادية والعشرين ليلة القدر لقوله تعالى : «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ » وسيأتي تحقيقه في كتاب الصوم إنشاء الله تعالى.
الحديث التاسع مرفوع.
عليهالسلام نودوا من جانب البيت : إن أخذتم مقدَّم السرير كُفيتم مؤخّره ، وإن أخذتم مؤخّره كُفيتم مقدَّمه.
[ ١٠ - عبد الله بن جعفر وسعد بن عبد الله جميعاً ، عن إبراهيم بن مهزيار ، عن أخيه عليّ بن مهزيار ، عن الحسن بن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن حبيب السجستاني قال سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول ولدت فاطمة بنت محمّدصلىاللهعليهوآله - بعد مبعث رسول الله بخمس سنين وتوفيت ولها ثمان عشرة سنّة وخمسة وسبعون يوماً.]
١١ - سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن عليّ بن فضّال ، عن عبد الله بكير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنه سمعه يقول : لـمّا قبض أمير المؤمنينعليهالسلام أخرجه الحسن والحسين ورجلان آخران حتّى
________________________________________________________
« نودوا » النداء من الملائكة وسماعه لا يدلّ علي النبوّة لعدم رؤية الشخص كما مرّ « كفيتم » على بناء المجهول أي تحمله الملائكة.
الحديث العاشر حسن.
وكأنّه كان من الباب الآتي فاشتبه على النساخ وكتبوه هنا ، وربمّا يتكلف بأنّ مناسبته للباب لأجل أنه يشتمل على أنّ الظلم لأمير المؤمنينعليهالسلام واستقرار عصب حقّه إنّما كان لقرب وفاة فاطمة من وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم كما روى البخاري في صحيحه في بحث غزوة خيبر ، وكان لعليّ من الناس وجه حياة فاطمة فلـمّا توفيت استنكر على وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر ، فأرسل إلى أبي بكر أنّ ائتنا ولا يأتنا أحد معك كراهية محضر عمر بن الخطّاب ، فقال عمر لأبي بكر : والله لا تدخل عليهم وحدك ، فقال أبو بكر : ما عسى هم أنّ يفعلوا.
ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التعسف.
الحديث الحادي عشر مرسل كالموثق بل كالصحيح.
ولعلّ المراد بالرجلين الآخرين محمّد بن الحنفية وعبد الله بن جعفر كما يظهر
إذا خرجوا من الكوفة تركوها عن إيمانهم ثمّ أخذوا في الجبّانة حتّى مرّوا به إلى الغريّ فدفنوه وسوّوا قبره فانصرفوا.
( باب )
( مولد الزهراء فاطمة عليهاالسلام )
ولدت فاطمة عليها وعلى بعلها السلام بعد مبعث رسول اللهصلىاللهعليهوآله بخمس سنين
________________________________________________________
من بعض الأخبار ، وفي بعضها أنّ صعصعة بن صوحان كان معهم « وسوّوا قبره » أي جعلوه مستوياً بالأرض ولم يرفعوه ولم يجعلوا له علامة.
باب مولد الزهراء فاطمةعليهاالسلام
قوله (ره) « ولدت » إلى آخره ، هذا موافق لـمّا مرّ من رواية السجستاني واختلفت الخاصة والعامّة في تاريخ ولادتها ووفاتها وعمرها الشريف عليّ أقوال كثيرة قال الشيخ في المصباح : في يوم العشرين من جمادى الآخرة سنّة اثنتين من المبعث كان مولد فاطمةعليهاالسلام في بعض الروايات وفي رواية أخرى سنّة خمس من المبعث ، والعامّة يروي أنّ مولدها قبل المبعث بخمس سنين ، وقال : في الثالث من جمادى الآخرة كانت وفاة فاطمةعليهاالسلام سنّة إحدى عشرة ، وقال أيضاً في اليوم الحادي والعشرين من رجب وفاة الطاهرة فاطمةعليهاالسلام في قول ابن عياش.
وقال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين : كان مولد فاطمةعليهاالسلام قبل النبوّة وقريش حينئذ تبني الكعبة ، وكان تزويج عليّ بن أبي طالبعليهالسلام إياها في صفر بعد مقدم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم المدينة ، وبنى بها بعد رجوعه من غزاة بدر ولها يومئذ ثماني عشرة سنّة ، حدثني بذلك الحسن بن عليّ بإسناده عن إسحاق بن عبد الله عن جعفر بن محمّد بن عليّعليهمالسلام وكانت وفاة فاطمة صلوات الله عليها بعد وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بمدة يختلف في مبلغها فالمكثر يقول ثمانية أشهر ، والمقلل يقول : أربعين يوما إلّا أنّ الثبت في ذلك ما روي عن أبي جعفر محمّد بن عليّعليهالسلام أنّها توفيت بعده بثلاثة أشهر ، حدثني بذلك الحسن بن عليّ عن الحارث عن ابن سعد عن الواقدي عن عمرو بن دينار عن أبي
وتوفّيتعليهاالسلام ولها ثمان عشرة سنة وخمسة وسبعون يوماً وبقيت بعد أبيهاصلىاللهعليهوآله خمسة وسبعين يوماً.
________________________________________________________
جعفرعليهالسلام .
وروى الطبرسي في كتاب دلائل الامامة عن أبي المفضّل الشيباني عن محمّد بن همام عن أحمد بن محمّد البرقي عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن ابن أبي نجرأنّ عن ابن سنان عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : ولدت فاطمةعليهاالسلام في جمادى الآخرة يوم العشرين منه سنّة خمس وأربعين من مولد النبيّ فأقامت بمكّة ثمان سنين ، وبالمدينة عشر سنين ، وبعد أبيها خمساً وسبعين يوماً وقبضت في جمادى الآخرة يوم الثلاثاء الثلاث خلون منه سنّة إحدى عشرة من الهجرة صلوات الله عليها.
وقال في كشف الغمة : ذكر ابن الخشاب عن شيوخه يرفعه عن أبي جعفر محمّد بن عليّ قال : ولدت فاطمة بعد ما أظهر الله نبوة وأنزل عليه الوحي بخمس سنين ، وقريش تبني البيت ، وتوفيت ولها ثماني عشرة سنّة وخمسة وسبعين يوماً ، وفي رواية صدقة : ثمانية عشرة سنّة وشهر وخمسة عشر يوماً ، وكان عمرها مع أبيها بمكّة ثمان سنين وهاجرت إلى المدينة مع رسول اللهعليهالسلام فأقامت معه عشر سنين ، وكان عمرها ثمان عشرة سنّة وشهر وعشرة أيام.
وقال ابن شهرآشوب في المناقب : قال الدولابي في كتاب الذريّة الطاهرة لبثت فاطمة بعد النبيّصلىاللهعليهوآله ثلاثة أشهر وقال ابن شهاب : ستّة أشهر ، وقال الزهري : ستّة أشهر ، ومثله عن عائشة وعروة بن الزبير ، وعن أبي جعفرعليهالسلام خمساً وسبعين ليلة في سنّة عشر ، وقال ابن قتيبة في معارفه مائة يوم ، وقيل : ماتت في سنّة إحدى عشرة ليلة الثلاثاء لثلاث ليال من شهر رمضان ، وهي بنت تسع وعشرين سنّة أو نحوها ، وقيل : ولدت قبل النبوّة بخمس سنين ، انتهى.
وروي في كتاب مصباح الأنوار عن أبي جعفر عن آبائهعليهمالسلام : أنّ فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عاشت بعد النبيّ ستّة أشهر ما رئيت ضاحكة ، وقال الخوارزمي في مناقبه
١ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن أبي عبيدة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أنّ فاطمةعليهاالسلام مكثت بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله خمسة وسبعين يوماً وكان دخلها حزنٌ شديدٌ على أبيها وكان يأتيها جبرئيلعليهالسلام فيحسن عزاءها على أبيها ويطيّب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعدها في ذرّيتها وكان عليَّعليهالسلام يكتب ذلك.
________________________________________________________
قال محمّد بن إسحاق توفّيت ولها ثمان وعشرون سنّة ، وقيل : سبع وعشرون سنّة ، وفي رواية أنها ولدت عليّ رأس سنّة إحدى وأربعين من مولد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فيكون سنها عليّ هذا ثلاثاً وعشرين ، والأكثر عليّ أنها كانت بنت تسع وعشرين أو ثلاثينعليهاالسلام وذكر وهب بن منبه عن ابن عباس أنها بقيت أربعين يوماً بعده ، وفي رواية ستّة أشهر انتهى.
وأقول : إذا عرفت هذه الأقوال فاعلم أنه يشكلّ التطبيق بين أكثر تواريخ ولادتها ووفاتها وبين مدة عمرها الشريف ، وكذا بين تواريخ الوفاة وبين ما ورد في الخبر واختاره المصنف من أنهاعليهاالسلام عاشت بعد أبيها خمسة وسبعين يوماً ، إذ لو كانت وفاة الرسولصلىاللهعليهوآله في الثامن والعشرين من صفر كان على هذا وفاتها في أواسط جمادى الأولى ، ولو كان في ثاني عشر ربيع الأوّل كما اختاره العامّة كان وفاتها في أواخر جمادى الأولى ، وما رواه أبو الفرج عن الباقرعليهالسلام من كون مكثهاعليهاالسلام بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثلاثة أشهر يمكن تطبيقه على ما هو المشهور من كون وفاتها في ثالث جمادى الآخرة بأنّ يكونعليهالسلام أسقط الأيام الزائدة لقلتها كما هو الشائع في التواريخ والمحاسبات من إسقاط الأقل من النصف وعد الأكثر منه تاما ، والله يعلم.
الحديث الأول صحيح ، وقد مرّ مضمونه في باب ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة ، وفي القاموس : العزاء : الصبر أو حسنة كالتعزوة ، عزي كرضى عزاءاً فهو عزَّ وعزاه يعزيه كيعزوه ، انتهى.
٢ - محمّد بن يحيى ، عن العمركيّ بن عليّ ، عن عليّ بن جعفر ، عن أخيه أبي الحسنعليهالسلام قال إنّ فاطمةعليهاالسلام صدّيقة شهيدة
________________________________________________________
الحديث الثاني صحيح.
والصدّيقة فعلية للمبالغة في الصدق والتصديق ، أي كانت كثيرة التصديق لـمّا جاء به أبوهاصلىاللهعليهوآله ، وكانت صادقة في جميع أقوالها مصدّقة أقوالها بأفعالها ، وهي معنى العصمة ، ولا ريب في عصمتها صلوات الله عليها لدخولها في الذين نزلت فيهم آية التطهير بإجماع الخاصّة والعامّة والروايات المتواترة من الجانبين ، وأمّا دلالة الآية على العصمة فلان المراد بالإرادة في الآية إما الإرادة المستتبعة للفعل أعني إذهاب الرجس حتّى يكون الكلام في قوة أنّ يقال : إنّما أذهب الله عنكم الرجس أو الإرادة المحضة حتّى يكون المراد أمركم الله يا أهل البيت باجتناب المعاصي ، فعلى الأوّل ثبت المدعى وأمّا الثاني فباطل من وجوه :
الأوّل : أنّ كلمة إنّما تدل على التخصيص والإرادة المذكورة تعمّ سائر المكلفين حتّى الكفار لاشتراك الجميع في التكليف وقد قال سبحانه : «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ »(١) فلا وجه للتخصيص بهمعليهمالسلام .
الثاني : أنّ المقام يقتضي المدح والتشريف لمن نزلت الآية فيه ، حيث جللهم بالكساء ، ولم يدخل فيه غيرهم ، وخصصهم بدعائه فقال : اللّهم هؤلاء أهل بيتي وحأمّتي ، وكذا التأكيد في الآية حيث أعاد التطهير بعد ذكر إذهاب الرجس ، والمصدر بعد الفعل منونا بتنوين التعظيم.
وقد أنصف الفخر الرازي في تفسيره حيث قال : في قوله تعالى : «لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ وَيُطَهِّرَكُمْ » لطيفة هي أنّ الرجس قد يزول عينا ولا يطهر المحلّ فقوله : ليذهب عنكم الرجس أي يزيل عنكم الذنوب «وَيُطَهِّرَكُمْ » أي يلبسكم خلع الكرامة انتهى.
__________________
(١) سورة الذاريات : ٥٦.
________________________________________________________
ولا مدح ولا تشريف فيما دخل فيه الفساق والكفار ، فان قيل : إذهاب الرجس لا يكون إلّا بعد ثبوته فدلّت الآية على ثبوت الرجس والمعصية فيهم وأنتم قد قلتم بعصمتهم عن الذنوب من أوّل العمر إلى انقضاء الأجل؟ قلنا : أنّ الإذهاب والصرف وما يؤدّي هذا المؤدّي كما يستعمل في إزالة الأمر الموجود يستعمل في المنع عن طريأنّ أمر على محلّ قابل له ، قال الله تعالى : «وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ »(١) وقال في يوسفعليهالسلام : «كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ »(٢) وتقول في الدعاء : صرف الله عنك كلّ سوء ، وأذهب عنك كلّ محذور ، وبناء الكلام في مثلها على التخييل الذهني بفرض المحلّ متّصفاً بالأمر لكونه مظنة له بخصوصه ، أو لكون الغالب اتصاف أمثاله بذلك الأمر ، والعبد لـمّا كان في الغالب مظنة لارتكاب المعصية قد يسمى تأييد الله إيّاه بالعصمة عن ارتكابها إذهاباً لها وتطهيراً منها ، وليس الغرض اتصافه بها كما أنه ليس المراد في الآيتين السابقتين الصرف بعد الإصابة.
على أنا نقول : إذا سلم الخصم منا دلالة الآية على العصمة في الجملة كفانا في المقصود ، إذ القول بعصمتهم في بعض الأوقات خرق للإجماع المركب وهو واضح فثبت عصمتهم مطلقا.
وممّا يدلّ على عصمتها صلوات الله عليها الأخبار الدالة على أنّ إيذاءها إيذاء الرسول ، وأنّ الله تعالى يغضب لغضبها ويرضى لرضاها ، كما روى البخاري ومسلم وغيرهما عن المسور بن مخرمة قال : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول ، وهو على المنبر إنه قال في سياق حديث فاطمة : فإنّما هي بضعة مني يربيني ما رابها ، ويؤذيني من آذاها.
وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما أنهصلىاللهعليهوآله قال : فاطمة بضعة مني يؤذيني
__________________
(١) سورة النور : ٤٣. (٢) سورة يوسف : ٢٤.
________________________________________________________
ما آذاها.
وفي صحيح الترمذي عن ابن الزبير قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها.
وروي في المشكاة عن المسوّر بن مخرمة أنه قالصلىاللهعليهوآله : فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني.
وروى ابن شهرآشوب عن مستدرك الحاكم بإسناده أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : فاطمة شجنة(١) مني يقبضني ما يقبضها ، ويبسطني ما يبسطها ، وعن أبي سعيد الواعظ في شرف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي عبد الله العكبري في الإبانة ، ومحمود الإسفرائيني في الديانة رووا جميعاً أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال : يا فاطمة أنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك.
وروى صاحب كشف الغمة عن مجاهد قال : خرج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو آخذ بيد فاطمةعليهاالسلام فقال : من عرف هذه فقد عرفها ، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمّد ، وهي بضعة مني وهي قلبي وروحي الّتي بين جنبي ، فمن آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ، ورواه أيضاً عن الثعلبي عن مجاهد ، والأخبار من طرقنا في ذلك أكثر من أنّ يحصى.
وأمّا وجه دلالتها على المدعى فهو أنه إذا كانت فاطمةعليهاالسلام ممّن يقارف الذنوب لجاز إيذاؤها بل إقأمّة الحد والتعزير عليها لو فعلت ، والعياذ بالله ما يوجبها ، ولم يكن رضاها رضى الله سبحانه إذا رضيت بالمعصية ، ولا من سرها في معصية سار الله سبحانه ومن أبغضها بمنعها عن معصية مبغضا له جل شأنه ، وكلّ ذلك يناقض عموم الأخبار السالفة.
وليس موضع الاستدلال فيها لفظة البضعة بالفتح وقد يكسر أي القطعة من اللحم ،
__________________
(١) الشجنة : الشعبة من كلّ شيء.
________________________________________________________
أو الشجنة بالضمّ والكسر أي الشعبة من غصون الشجر ، حتّى يجاب بما أجاب به صاحب المواقف وتبعه غيره من أنه مجاز لا حقيقة.
بل الاستدلال بعموم من آذاها ، ومن سرّها ، ومن أغضبها ، ونحو ذلك.
فان قيل : لعلّ المراد من آذاها ظلـمّا ومن سرّها في طاعة ومثل ذلك لشيوع التخصيص في العمومات؟
قلنا : أوّلاً : لا ريب في أنّ التخصيص خلاف الأصل ولا يصار إليه إلّا لدليل ، وثانياً : أنّها صلوات الله عليها تكون حينئذ كسائر المسلمين لم تخص بخاصة في تلك الأخبار ، ولا كان فيها مدحة ولا تشريف ، ولا يريب عاقل في أنّ سياق هذه الأخبار مشتملة على مدحها وتشريفها وتفضيلها ، لا سيّما مع التفريع على قوله : بضعة مني ، ولذا ذكرها العامّة والخاصة في باب مناقبها وفضائلها ، وعلى هذا الاحتمال يكون بالذم أشبه بالمدح كما لا يخفى على من شم رائحة الإنصاف.
ثمّ أنّ هذا الخبر يدلّ على أنّ فاطمة صلوات الله عليها كانت شهيدة وهو من المتواترات وكان سبب ذلك أنّهم لـمّا غصبوا الخلافة وبايعهم أكثر الناس بعثوا إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ليحضر للبيعة ، فأبى فبعث عمر بنار ليحرق على أهل البيت بيتهم وأرادوا الدُّخول عليه قهراً ، فمنعتهم فاطمة عند الباب فضرب قنفذ غلام عمر الباب على بطن فاطمةعليهاالسلام فكسر جنبيها وأسقطت لذلك جنينا كان سماه رسول اللهصلىاللهعليهوآله محسناً ، فمرضت لذلك وتوفيت صلوات الله عليها في ذلك المرض.
فقد روى الطبري والواقدي في تاريخيهما أنّ عمر بن الخطّاب جاء إلى عليّعليهالسلام في عصابة فيهم أسيد بن الحصين وسلمة بن أسلم فقال : اخرجوا أو لأحرقنها عليكم ، وروى ابن حزانة في غرره قال : قال زيد بن أسلم : كنت ممّن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة حين امتنع على وأصحابه عن البيعة أنّ يبايعوا ، فقال عمر لفاطمة : أخرجي من في البيت أو لأحرقنه ومن فيه ، قال : وفي البيت على وفاطمة والحسن والحسين
________________________________________________________
وجماعة من أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآله فقالت فاطمة : أتحرق على ولدي؟ فقال : أي والله أو لتخرجن وليبايعن.
وروى الطبرسي (ره) في الاحتجاج عن عبد الله بن عبد الرَّحمن في رواية ذكر فيها قصة السقيفة قال : أنّ عمر احتزم(١) بإزاره وجعل يطوف بالمدينة وينادي أنّ أبا بكر قد بويع له فهلموا إلى البيعة ، فينثال الناس(٢) ويبايعون فعرف أنّ جماعة في بيوت مستترين فكان يقصدهم في جمع فيكبسهم ويحضرهم في المسجد فيبايعون حتّى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فطالبه بالخروج فأبى ، فدعا عمر بحطب ونار وقال : والّذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقن على ما فيه ، فقيل له : أنّ فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وولد رسول الله وآثارهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه ، وأنكر الناس ذلك من قوله ، فلـمّا عرف إنكارهم قال : ما بالكم أتروني فعلت ذلك! إنّما أردت التهويل ، فراسلهم عليّعليهالسلام : أنّ ليس إلى خروجي حيلة لأني في جمع كتاب الله الّذي قد نبذتموه وألهتكم(٣) الدّنيا عنه وقد حلفت أنّ لا أخرج من بيتي ولا أضع ردائي على عاتقي حتّى أجمع القرآن.
قال : وخرجت فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إليهم فوقفت عليّ الباب ثمّ قالت : لا عهد لي بقوم أسوأ محضراً منكم ، تركتم رسول الله جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم فيما بينكم لم تؤامرونا ولم تروا لنا حقّاً كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم! والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك منها الرجاء ولكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيّكم والله حسيب بيننا وبينكم في الدّنيا والآخرة.
وعن سليم بن قيس الهلالي في حديث طويل أنّ عمر قال لأبي بكر : ما يمنعك أنّ تبعث إليه فيبايع ، فإنه لم يبق أحد غيره وغير هؤلاء الأربعة معه وهم سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام؟ وكان أبو بكر أرأف الرجلين وأدهاهما وأرفقهما
__________________
(١) احتزم : شد وسطه. (٢) تناثل القوم إليه : انصبوا.
(٣) أي شغلتكم.
________________________________________________________
وأبعدهما غوراً والآخر أفظهما وأغلظهما وأجفاهما ، فقال : من ترسل إليه؟ فقال : أرسل إليه قنفذاً وكان رجلاً فظّاً غليظاً جافياً من الطلقاء أحد بني تميم ، فأرسله وأرسل معه أعوانا فانطلق فاستأذن فأبى عليّعليهالسلام أنّ يأذن له ، فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر وهما في المسجد ، والناس حولهما ، فقالوا : لم يأذن لنا ، فقال عمر : أنّ أذن لكم وإلّا فادخلوا عليه بغير إذنه ، فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمةعليهاالسلام : أحرج عليكم أنّ تدخلوا على بيتي بغير إذن ، فرجعوا وثبت قنفذ فقالوا : أنّ فاطمة قالت كذا وكذا فحرجتنا أنّ ندخل عليها بغير إذن.
فغضب عمر وقال : ما لنا وللنساء ثمّ أمر أناسا حوله فحملوا حطبا وحمل معهم عمر ، فجعلوه حول منزله وفيه على وفاطمة وابناهاعليهمالسلام ، ثمّ نادى عمر حتّى أسمع عليّاًعليهالسلام : والله لتخرجن ولتبايعن خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو لأضرمن عليك بيتك نارا ، قال : فلـمّا أخرجوه حالت فاطمةعليهاالسلام بين زوجها وبينهم عند باب البيت ، فضربها قنفذ بالسوط على عضدها فصار بعضدها مثل الدملوج من ضرب قنفذ إياها ودفعها ، فكسر ضلعا من جنبها ، وألقت جنينا من بطنها ، فلم تزل صاحبّة فراش حتّى ماتت من ذلك شهيدة صلوات الله عليها ولعنة الله على من ظلمها.
وروى العيّاشي بإسناده عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه عن جده أنه لـمّا أرسلوا مراراً إلى عليّعليهالسلام فأبى أنّ يأتيهم قال عمر : قوموا بنا إليه ، فقام أبو بكر وعمر وعثمان وخالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى حذيفة وقنفذ ، فقمت معهم فلـمّا انتهينا إلى الباب ورأتهم فاطمة أغلقت الباب في وجوههم وهي لا تشك أنّ لا يدخل عليها أحد إلّا بإذنها فضرب عمر الباب برجله فكسره ثمّ دخلوا فأخرجوا عليّاًعليهالسلام ملبباً ، فخرجت فاطمةعليهاالسلام فقالت : يا أبا بكر أتريد أنّ ترملني من زوجي لئن لم تكف عنه لأنشرن شعري ولأشقن جيبي ولآتين قبر أبي ولأصيحن إلى ربّي ، الخبر.
وأنّ بنات الأنبياء لا يطمثن.
٣ - أحمد بن مهران -رحمهالله - رفعه وأحمد بن إدريس ، عن محمّد بن عبد الجبّار الشيبانيّ قال : حدَّثني القاسم بن محمّد الرّازيّ قال : حدَّثنا عليّ بن محمّد الهرمزاني عن أبي عبد الله الحسين بن عليّعليهالسلام قال لـمّا قبضت فاطمةعليهاالسلام دفنها أمير المؤمنين
________________________________________________________
وروي في الاحتجاج فيما احتجّ به الحسن على معاوية وأصحابه أنه قال المغيرة بن شعبة : أنت ضربت فاطمة بنت رسول الله حتّى أدميتها وألقت ما في بطنها استذلإلّا منك لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومخالفة منك لأمره وانتهاكا لحرمته وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنت سيدة نساء أهل الجنّة ، الخبر.
والأخبار في ذلك كثيرة أخرجتها في الكتاب الكبير.
قولهعليهالسلام : وأنّ بنات الأنبياء لا يطمثن ، أقول : لا ينافي ذلك الأخبار الواردة في حيض حواء لأنّها مع ضعفها لم تكن من بنات الأنبياء ، وما ورد من أنّ مريمعليهاالسلام حاضت ، فيمكن أنّ يكون تقية أو إلزاماً على المخالفين ، ويمكن حمل هذا الخبر على أولي العزم منهم ، وبه يمكن الجواب عن حيض سارة أنّ ثبت كونها من بنات الأنبياء بلا واسطة إذ الظاهر أنّ المراد هنا بناتهم بغير واسطة ، ويمكن الجواب عنها وعن مريم بأنه لم يثبت كونهما من بنات الأنبياء بلا واسطة.
الحديث الثالث مجهول.
قولهعليهالسلام : دفنها أمير المؤمنينعليهالسلام سرّاً.
أقول : تواترت الأخبار من طريقي الخاصة والعامّة أنّ فاطمةعليهاالسلام لسخطها على أبي بكر وعمر أوصت أنّ تدفن ليلاً لئلاً يصلياً عليها ، ولا يحضراً جنازتها.
روى السيّد الجليل المرتضىرضياللهعنه في الشافي عن الطبري أنّ فاطمة دفنت ليلاً ولم يحضرها إلّا العبّاس وعليّ والمقداد والزبير.
وقال : روى القاضي أبو بكر بإسناده في تاريخه عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أنّ فاطمة عاشت بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ستّة أشهر ، فلـمّا توفيت دفنها عليّ ليلاً وصلى عليها عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وذكر في كتابه هذا أنّ أمير المؤمنين
________________________________________________________
والحسن والحسينعليهمالسلام دفنوها ليلاً وغيبوا قبرها.
وقال البلاذري في تاريخه أنّ فاطمة لم تر متبسمة بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يعلم أبو بكر وعمر بموتها.
وقالرضياللهعنه : وردت الروايات المستفيضة الظاهرة الّتي هي كالمتواتر أنها أوصت بأنّ تدفن ليلاً حتّى لا يصلي عليها الرجلان ، وصرحت بذلك وعهدت فيه عهدا بعد أنّ كانا استأذنا عليها في مرضها ليعوداها فأبت أنّ تأذن لهما ، فلـمّا طال عليها المدافعة رغباً إلى أمير المؤمنينعليهالسلام في ذلك وجعلاها حاجة إليه فكلمها أمير المؤمنينعليهالسلام في ذلك وألح عليها فأذنت لهما في الدُّخول ، ثمّ أعرضت عنهما عند دخولهما ولم تكلمهما ، فلـمّا خرجا قالت لأمير المؤمنينعليهالسلام لقد صنعت ما أردت؟ قال : نعمّ ، قالت : فهل أنت صانع ما آمرك؟ قال : نعمّ قالت : فإني أنشدك الله أنّ لا يصليا على جنازتي ولا يقوماً على قبري.
وروي أنهعليهالسلام عمي على قبرها ورش أربعين قبرا في البقيع ، ولم يرش على قبرها حتّى لا يهتديا إليه وإنّهما عاتباه على ترك إعلامهما بشأنها وإحضارهما للصلاة عليهما ، انتهى كلام السيّدقدسسره .
وروى مسلم في صحيحه عن عائشة في حديث طويل بعد ذكر مطالبة فاطمة أبا بكر في ميراث رسول اللهصلىاللهعليهوآله وفدك وسهمه من خيبر قالت : فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتّى ماتت ، فدفنها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر ، قالت : فكان لعليّ من الناس وجه حياة فاطمة ، فلـمّا توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن عليّ ومكثت فاطمة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ستّة أشهر ثمّ توفيت.
وروى ابن أبي الحديد من كتاب أحمد بن عبد العزيز الجوهري بعد إيراد قصة فدك أنّ فاطمةعليهاالسلام قالت : والله لا كلمتك أبداً قال : والله لا هجرتك أبداً قالت : والله لأدعون عليك ، قال : والله لأدعون الله لك ، فلـمّا حضرته الوفاة أوصت أنّ لا يصلّي عليها ، فدفنت ليلاً وصلى عليها العبّاس بن عبد المطلب وكان بين وفاتها ووفاة
سرّاً وعفا على موضع قبرها ، ثمَّ قام فحوَّل وجهه إلى قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال السلام عليك يا رسول الله عنّي والسلام عليك عن ابنتك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك والمختار
________________________________________________________
أبيها صلى الله عليهما اثنتان وسبعون ليلة.
وقال ابن أبي الحديد بعد ذكر الروايات : والصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة(١) على أبي بكر وعمر ، وأنها أوصت أنّ لا يصليا عليها ، إلى آخر ما قال.
وروى الصدوق بإسناده عن عمرو بن أبي المقدام وزياد بن عبيد الله عن أبي عبد اللهعليهالسلام في حديث طويل ذكر فيهعليهالسلام غضبها على أبي بكر وعمر ، قالعليهالسلام : ثمّ قالت أنشدكما بالله هل سمعتما النبيّصلىاللهعليهوآله يقول : فاطمة بضعة مني وأنا منها ، من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذاها بعد موتي فكان كمن آذاها في حياتي ، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي؟ قإلّا : اللّهم نعمّ ، فقالت : الحمد لله ثمّ قالت : اللّهم إني أشهدك فأشهد ، واشهدوا يا من حضرني إنّهما قد آذاني في حياتي وعند موتي ، والله لا أكلمهما من رأسي كلمة حتّى ألقى أبي فأشكوكما إليه بما صنعتما بي وارتكبتما مني ، فدعا أبو بكر بالويل والثبور وقال : ليت أمي لم تلدني ، فقال عمر : عجبا للنّاس كيف ولوك أمورهم وأنت شيخ قد خرفت تجزع لغضب امرأة وتفرح برضاها ، وما لمن أغضب امرأة؟ وقاما وخرجا ثمّ ذكرعليهالسلام وصيتها أنّ لا يحضراً جنازتها ولا الصلاة عليها وأنه هم عمر أنّ يمضي إلى المقابر فينبشها حتّى يجد قبرها فيصلي عليها فنازعه عليّعليهالسلام وكاد أنّ تقع فتنة فقعد عن ذلك.
وروى الصدوق أيضاً بإسناده عن ابن نباتة قال : سئل أمير المؤمنين عن علة دفنه لفاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليلا؟ فقالعليهالسلام إنها كانت ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها وحرام على من يتولاهم أنّ يصلي على أحد من ولدها.
قولهعليهالسلام : وعفا على موضع قبرها ، قال في القاموس : العفو المحو والإمحاء وقال : الثرى التراب الندى من الأرض.
« ببقعتك » ظاهره الدفن قريبا من قبرهصلىاللهعليهوآله وأنّ جاز إطلاق البقعة على
__________________
(١) أي ساخطة عليهما.
الله لها سرعة اللّحاق بك ، قلَّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري وعفا عن سيّدة نساء
________________________________________________________
جميع المدينة ، وفي مجالس المفيد : ببقيعك ، ولعلّه تصحيف ، وفي نهج البلاغة : السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك ، فيحتمل أنّ يكون المراد النزول في جواره في منازل الجنان ، ويقال : لحقّ به كعلم لحاقاً بالفتح أي أدركه ، والمختار اسم فاعل مضاف إلى الفاعل والألف واللام فيه موصولة ، وسرعة مفعول.
ويدلّ على أنّ وفاتها صلوات الله عليها كانت أصلح لها دينا ودنيا ، بل يومئ إلى أنها كانت راضية بذلك كما روى الراوندي في القصص بإسناده عن ابن عباس قال : دخلت فاطمة على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في مرضه الّذي توفي فيه ، فقال : نعيت إلى نفسي فبكت فاطمة فقال لها : لا تبكين فإنك لا تمكثين من بعديّ إلّا اثنين وسبعين يوماً ونصف يوم حتّى تلحقي بي ، ولا تلحقي بي حتّى تتحفي بثمار الجنّة ، فضحكت فاطمةعليهاالسلام .
وروت العامّة في صحاحهم بطرق عن عائشة قالت : ما رأيت من الناس أحداً أشبه كلاماً وحديثا برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من فاطمة ، كانت إذا دخلت عليه رحبّ بها وقبل يديها وأجلسها في مجلسه ، فإذا دخل عليها قامت إليه فرحبت به وقبلت يديه ودخلت عليه في مرضه فسارها فبكت ثمّ سارها فضحكت ، فقلت : كنت أرى لهذه فضلا على النساء ، فإذا هي امرأة من النساء بينما هي تبكي إذ ضحكت ، فسألتها فقالت : إني لبذرة(١) فلـمّا توفي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سألتها ، فقالت : إنه أخبرني أنه يموت فبكيت ، ثمّ أخبرني أني أوّل أهله لحوقا به فضحكت.
« قل يا رسول الله عن صفيتك صبري » الصفية الحبيبة المصافية والخالصة من كلّ شيء « وعن » متعلقة بصبري أو تعليلية ويدلّ على أنهاعليهاالسلام كانت محبوبة مختارة عندهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما روى شارح صحيح مسلم عن القرطبي أنّ فاطمة
__________________
(١) قال الجزريّ في النهاية : فى حديث فاطمة رضى الله عنها عند وفاة النبيّصلىاللهعليهوآله قالت لعايشة إنّي إذَن لَبَذِرَة ، البذر : الّذي يفشي السرّ ويظهر ما يسمعه.
العالمين تجلدي إلّا أنّ لي في التأسي بسنتك في فرقتك موضع تعزَّ فلقد وسدتك
________________________________________________________
رضي الله عنها كانت أحبّ بناتهصلىاللهعليهوآله ، وأكرم من عنده وسيدة نساء الجنّة ، وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثمّ ببيت فاطمة رضي الله عنها فيسئل عنها ثمّ يدور على نسائه إكراماً لفاطمة واعتناء بها.
« وعفا عن سيّدة نساء العالمين تجلدي » قد مرّ أنّ العفو يكون بمعنى المحو وبمعنى الإمحاء والثاني هو الأنسب ، فقوله : تجلدي فاعله ، وقيل : إذا كان بمعنى المحو فالفاعل ضمير مستتر لمصدر قل « وعن » يحتمل تعلقه بالتجلد ، والتعليلية والجلد بالتحريك القوة والشدّة والصبر ، يقال : جلد ككرم جلادة بالفتح والتجلد تكلفه ، وفي النهج : ورق عنها تجلدي ، وفي المجالس : وضعف عن سيدة النساء.
« إلّا أنّ في التأسي لي بسنتك في فرقتك موضع تعزَّ » يمكن أنّ يقرأ إلّا بالكسر والتشديد وفتح أنّ وبالفتح والتخفيف وكسر أنّ ، وقد ضبط بهما في النهج ولكلّ منهما وجه ، والفرقة بالضمّ الاسم من قولك افترق القوم ، والتعزي التسلي والتصبر ، والتأسي الاقتداء ، ويقال أساه فتأسى أي عزاه فتعزى ، وكان المعنى أنّ التأسي لي بالسنّة الّتي جعلتها لي وأوصيتني بها في فرقتك أو مطلق سنتك وطريقتك في الصبر على المصائب - فإنهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان صبورا فيها - يمكن أنّ يكون داعيا إلى الصبر في تلك المصيبة ، والحاصل أني قد تأسيت بسنتك في فرقتك يعني صبرت عليها ، فبالحري أنّ أصبر في فرقة ابنتك فان مصيبتي بك أعظم ، وقد ورد عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : إذا أصاب مصيبة(١) فليذكر مصيبته بي فإنّها أعظم المصائب ، وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من عظمت مصيبته فليذكر مصيبته بي فإنّها ستهون عليه ، أو المعنى أني أتأسى وأقتدي في صبري على هذه المصيبة بصبري في مصيبتك ، فالمراد « بسنتك في فرقتك » بسنّة فرقتك ، والأوّل أظهر.
ويحتمل أنّ يكون التأسي بمعنى التعزي ، أي تصبري بسبب الاقتداء بسنتك
__________________
(١) كذا في النسخ والظاهر « إذا أصاب احدكم ».
في ملحودة قبرك وفاضت نفسك بين نحري وصدري بلى وفي كتاب الله لي أنعمّ القبول ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ قد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة وأخلست الزهراء
________________________________________________________
في الصبر في مصيبتك موجب لتصبري في تلك المصيبة أيضاً.
وفي المجالس : إلّا أنّ في التأسي لي بسنتك والحزن الّذي حلّ بي لفراقك موضع التعزي ، وفي النهج : إلّا أنّ في التأسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعزَّ فلقد « إلى آخره ».
« لقد وسدتك في ملحودة قبرك » الوسادة بالكسر المخدة والمتكإ « وسدتك » أي جعلت لك وسادة ، وهنا كناية عن إضجاعهصلىاللهعليهوآله في اللحد ، واللحد الشق في جانب القبر « وملحودة قبرك » أي الجهة المشقوقة من قبرك كما قاله ابن أبي الحديد.
أقول : ويحتمل أنّ تكون إضافة الملحودة إلى القبر بيانية ، وفي القاموس اللحد ويضمّ : الشق يكون في عرض القبر كالملحود ، ولحد القبر كمنع والحدة عمل له لحدا والميت دفنه ، وقبر لأحد وملحود ذو لحد.
« وفاضت » أي سألت وجرت « نفسك » أي روحك ، ويدلّ على عدم تجرد الروح ويكون النفس بمعنى الدم ومنه النفس السائلة ، وقال بعض شارحي النهج : المراد مقاساته للمصيبة عند فيضأنّ نفسهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهي دمه بين نحره وصدره ، ولا يخفى ما فيه ، والحاصل أنّ عند خروج روحه المقدسة كان رأسهصلىاللهعليهوآلهوسلم في صدرهعليهالسلام متكئا عليه وهذا من أشد أوضاع وقوع مصيبة الأحباء.
« بلى وفي كتاب الله لي أنعمّ القبول » ليست هذه الفقرة في النهج ، وقولهعليهالسلام بلى ، إثبات لـمّا يفهم نفيه في قوله : قل ، إلى آخره ، أي في كتاب الله من مدح الصابرين ووعد المثوبات الجزيلة لهم ما يصير سببا لي للصبر على المصائب وقبولها أنعمّ القبول أي أحسنه.
« قد استرجعت الوديعة » الفعل فيها وفي قرينتيها إما على بناء المجهول أو المعلوم ، وفي النهج وأخذت الرهينة أما حزني. وسقط ما بين ذلك ، وضبط الفعلان
فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله أمّا حزني فسرمد وأمّا ليلي فمسهّد وهمٌّ لا يبرح
________________________________________________________
فيه على بناء المجهول ، والمراد بالوديعة والرهينة لا سيّما في رواية الكتاب نفس فاطمة صلوات الله عليها ، فاستعار لفظ الوديعة والرهينة لتلك النفس الكريمة ، لأنّ الأرواح كالودائع والرهائن في الأبدان ، أو لأنّ النساء كالودائع والرهائن عند الأزواج ، والرهينة فعلية بمعنى المفعول.
وقال بعض شرّاح النهج : المراد بالوديعة والرهينة نفسهصلىاللهعليهوآلهوسلم والتعبير بالوديعة لأنّها في الدّنيا تشبه الودائع والآخرة هي دار القرار ، أو لأنّها تجب المحافظة عليها عن الهلكات كالودائع ، وبالرهينة لأنّ كلّ نفس رهينة على الوفاء بالميثاق الّذي واثقها الله تعالى به ، والعهد الّذي أخذ عليها قال الله تعالى : «كلّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ »(١) وقيل : لأنّها كالرهن إذا أكملت مدتها واستوفت طعمتها ترجع إلى مقرها.
وقال بعضهم : الرهينة والوديعة فاطمةعليهاالسلام كأنها كانت عندهعليهالسلام عوضا من رؤية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقيل : الوديعة إشارة إليهصلىاللهعليهوآله والرهينة عبارة عنها صلوات الله عليها ، والأظهر ما ذكرنا أولا.
« وأخلست الزهراء » وفي المجالس : اختلست وهو أظهر ، والاختلاس أخذ الشيء بسرعة حبا له ، في القاموس : الخلس السلب كالاختلاس ، أو هو أوحى من الخلس ، والتخالس التسالب.
« فما أقبح » صيغة التعجب والخضراء السماء ، والغبراء الأرض ، والغرض إظهار كمال الوجد والحزن وعظيم المصيبة ، وقبح أعمال المنافقين والظالمين والشوق إلى اللحوق بسيّد المرسلين وسيدة نساء العالمين ، والسرمد الدائم ، والسهد بالضمّ : السهر ، وبضمتين القليل النوم ، وسهدته فهو مسهد على صيغة التفعيل والإسناد إلى الليل تجوز ، ويحتمل أنّ يكون اسم زمان فلا تجوز.
« وهم لا يبرح » كأنه خبر مبتدإ محذوف ، أي همي أو مصيبتي هم لا يزول
__________________
(١) سورة المدّثّر : ٣٨.
من قلبي أو يختار الله لي دارك الّتي أنت فيها مقيم ، كمدٌ مقيّحٌ ، وهمٌّ مهيجٌ سرعان ما فرّق بيننا وإلى الله أشكو وستنبّئك ابنتك بتظافر أمّتك على هضمها فأحفها
________________________________________________________
من قلبي« أو يختار الله » أي إلى أنّ ، أو إلّا أنّ يختار الله لي دارك الّتي أنت فيها مقيم ، وهي الجنّة والدرجات العالية في الآخرة ، أو هم عطف على مسهد أي ذوهم « كمد مقيح » أي حزن شديد يخرج قلبي ويقيحه ، أي يوجب سيلانالقيح منه « وهم مهيج » أي همي هم يهيج هموما أخرى ، لأنّ مصيبتها صلوات الله عليهما أورثتا لهعليهالسلام هموما كثيرة سوى أصل المصيبة ، أو يهيج الشوق إلى الآخرة ويمكن أنّ يكون هم أولا مبتدأ وكمد خبره ، وهم ثانيا عطفاً عليه ، قال الفيروزآبادي الكمدة بالضمّ والكمد بالفتح وبالتحريك تغيير اللون وذهاب صفائه ، والحزن الشديد ، ومرض القلب منه ، وقال : القيح المدة لا يخالطها دم ، قاح الجرح يقيح كقاح يقوح وقيح وتقيح وأقاح واوية ويائية ، انتهى.
وربمّا يقرأ كمد بكاف التشبيه وكسر الميم أي القيح وهو مضاف إلى مقيح اسم فاعل باب الأفعال أو التفعيل ، أي جرح ذي قيح و « سرعان » بتثليث السين وسكون الراء اسم فعل ماض أي سرع وهو يستعمل خبرا محضا وخبرا فيه معنى التعجب و« ما » عبارة عن الموت وفرق معلوم من باب التفعيل.
« وإلى الله أشكو » أي سوء فعال القوم بعدك حتّى صار سببا لشهادة حبيبتك.
وروى البخاري عنهعليهالسلام أنه قال : أنا أوّل من يجثو بين يدي الرَّحمن للخصومة « بتظافر أمتك على هضمها » أي تعاون بعضهم بعضاً كذا في النسخ بالظاء المعجمة وكذا شاع بين الناس ، والضاد المعجمة أوفق بما في كتب اللغة ، قال الجوهري تضافروا على الشيء تعاونوا عليه ولم يذكر التظافر بهذا المعنى ، بل ذكر الظفر بالمطلوب وعلى العدو ، وكذا غيره من أهل اللغة وكان التصحيف من النساخ.
وفي المجالس : بتظاهر أمتك على وعلى هضمها حقّها فاستخبرها الحال ، وهو حسن ، إذ التظاهر بالهاء بمعنى التعاون ، وفي الصحاح : الهضمّ الكسر ، يقال : هضمه
السؤال واستخبرها الحال فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبيلاً ، وستقول ويحكم اللهوَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.
سلام مودّع لا قال ولا سئم فان أنصرف فلا عن ملالة وأنّ أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين ؛ واه واهاً والصبر أيمن وأجمل ولو لا غلبة المستولين
________________________________________________________
حقّه واهتضمه إذا ظلم وكسر عليه حقّه.
« فأحفه السّؤال » الإحفاء في السؤال الاستقصاء فيه « واستخبرها الحال » أي حالي وحالها وحال أمتك في ظلمهم لي ولها « فكم من غليل معتلج بصدرها » الغليل كأمير حرارة الجوف وحرارة الحبّ والحزن ذكره الفيروزآبادي ، وقال : اعتلجت الأمواج : التطمت ، وقال : بث الخبر : نشره وفرقه وبثثتك السر وأبثثتكه أظهرته « وستقول » بصيغة الغيبة أي فاطمة لك جميع أحوالها ، أو بصيغة الخطّاب أي تقول في جوابها ما يوجب رفع حزنها كما قيل ، والأوّل أظهر.
« سلام مودع » منصوب بفعل مقدر أي سلمت سلام ، وفي النهج : والسلام عليكما سلام ، وفي المجالس سلام عليك يا رسول الله سلام مودع ، التوديع طلب الدعة لمحبوب عند فراقه « لا قال » بالجر نعت مودع أو بالرفع بتقدير : لا هو قال ، والجملة نعت مودع والقلاء : البغض ، يقال قلاه يقليه إذا أبغضه ، وقال الجوهري : إذا فتحت مددت ويقلاه لغة طيئ.
وسئمت من الشيء وسئمته كعلمت أي مللته « واه واها » الواو فيهما جزء الكلمة ، أو للعطف أو في إحداهما للعطف وفي الأخرى جزء الكلمة ، وهما إما للتلهف والتحسر أو للتعجب ممّا وعد الله الصابرين وطيبه وحسنه والأوّل أظهر ، وعلى التقادير الأوّل غير منون والثاني منون قال في النهاية فيه : من ابتلي فصبر فواها واها قيل : معنى هذه الكلمة التلهف ، وقد توضع موضع الإعجاب بالشيء يقال : واها له وقد ترد بمعنى التوجّع يقال : فيها آها ومنه حديث أبي الدرداء : ما أنكرتم من زمانكم فيما غيرتم من أعمالكم أنّ يكن خيراً فواهاً واهاً وان يكن شرّاً فآهاً آهاً.
لجعلت المقام واللّبث لزاماً معكوفاً ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزيّة فبعين
________________________________________________________
وقال الزمخشري في الفائق : آهاً كلمة تأسف وانتصابها على إجرائها مجرى المصادر كقولهم : ويحاً له ، وتقدير فعل ينصبها كأنه قال تأسّفاً على تقدير أتأسّف تأسّفاً.
وقال الفيروزآبادي : واهاً له ويترك تنوينه كلمة التعجب من طيب شيء وكلمة تلهف ، انتهى.
وأيمن أفعل من اليمن بمعنى البركة وأجمل أي أشد جمإلّا وحسناً « ولو لا غلبة المستولين » أي استيلاء الغاصبين للخلافة وخوف تشنيعهم أو علمهم بمكان القبر الشريف وإرادتهم نبشه« لجعلت المقام واللبث » عند القبر وقيل : إشارة إلى خروجهعليهالسلام عن المدينة إلى البصرة والكوفة وغيرهما ، فالمراد بالمقام المقام بالمدينة وهو بعيد ، واللبث بالفتح وبالضمّ وبفتحتين : المكث « لزاماً» أي أمراً لازماً يقال : لازمه ملازمة ولزاما وككتاب الملازم.
قوله : معكوفاً ، أي معكوفاً عليه قال القاموس : عكف عليه عكوفاً أقبل عليه مواظباً ، وشعر معكوف ممشوط مضفور ، وفي المجالس : ولو لا غلبة المستولين علينا لجعلت المقام عند قبرك لزاماً ، والتلبث عنده معكوفاً ، والإعوال مد الصوت بالبكاء ، والثكلى امرأة مات ولدها ، والرزية بالهمز وقد تقلب ياءا : المصيبة.
« فبعين الله » أي بعلم الله ومع رؤيته وشهوده ، وقيل : الفاء لبيان باعث ترك الإعوال.
أقول : أو لبيان باعث الإعوال ، قال الراغب في المفردات : فلان بعيني أي أحفظه وأراعيه ، كقولك : هو مني بمرأى ومسمع ، قال «فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا »(١) وقال : «تَجْرِي بِأَعْيُنِنا »(٢) وقال «وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا »(٣) أي بحيث نرى ونحفظ ، وقال : «وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي »(٤) أي بكلاءتي وحفظي ، وقال البيضاوي في قوله تعالى
__________________
(١) سورة الطور : ٤٨. (٢) سورة القمر : ١٤.
(٣) سورة هود : ٣٧. (٤) سورة طه : ٣٩.
الله تدفن ابنتك سرّاً وتهضمّ حقّها وتمنع إرثها.
________________________________________________________
«وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا » أي ملتبّساً بأعيننا ، عبّر بكثرة آلة الحس الّذي به يحفظ الشيء ويراعى عن الاختلال والزيغ عن المبالغة في الحفظ والرّعاية على طريقة التمثيل ، انتهى.
« تدفن ابنتك سرّاً » لغاية مظلوميتها« وتهضمّ » على بناء المجهول أي تغصب« حقّها » بالنصب مفعول ثان وكذا « إرثها » ومنع الإرث لمنعهم إياها فدك.
وجملة القول في ذلك أنّ فدك كانت ممّا أفاء الله على رسوله بعد فتح خيبر ، فكانت خاصة لهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب وقد وهبها لفاطمة صلوات الله عليها ، وتصرف فيها وكلاؤها ونوابها ، فلـمّا غصب أبو بكر الخلافة انتزعها فجاءته فاطمةعليهاالسلام متعدية فطالبها بالبينة فجاءت بأمير المؤمنين والحسنينعليهمالسلام وأم أيمن المشهود لها بالجنّة فرد شهادة أهل البيت بجر النفع وشهادة أم أيمن بقصورها عن نصاب الشهادة ، ثمّ ادعتها على وجه الميراث تنزلا فرد عليها بخبر موضوع افتروه مخالفاً لكتاب الله : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ، فغضبت عليه وعلى عمر وهجرتهما وأوصت بدفنها ليلاً لئلا يصليا عليها.
ثمّ لـمّا انتهت الأمارة إلى عمر بن عبد العزيز ردها عليّ بني فاطمة ، ثمّ انتزعها منهم يزيد بن عبد الملك ثمّ دفعها السفاح إلى الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ثمّ أخذها المنصور ، ثمّ أعادها المهدي ثمّ قبضها الهادي ، ثمّ ردها المأمون.
فنقول : خطاء أبي بكر وعمر في القضية واضحة من وجوه شتى : الأوّل : أنّ فاطمة كانت معصومة فكان يجب تصديقها في دعواها وقد بينا عصمتها فيما تقدم ، وما قيل : من أنّ عصمتها لا تنافي طلب البينة منها فلا يخفى سخافته لأنّ الحاكم يحكم
________________________________________________________
بعلمه ، وقد دلّت الدلائل عليه ، وأيضاً اتفقت الخاصة والعامّة على رواية قصة خزيمة بن ثابت وتسميته بذي الشهادتين لـمّا شهد للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بدعواه ، ولو كان المعصوم كغيره لـمّا جاز للنبيصلىاللهعليهوآله قبول شاهد واحد والحكم لنفسه ، بل كان يجب عليه الترافع إلى غيره.
الثاني : أنه لا ريب ممّن له أدنى تتبع في الآثار في أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان يرى فدك حقّاً لفاطمة سلام الله عليها وقد اعترف بذلك جل أهل الخلاف ورووا أنهعليهالسلام شهد لها وقد ثبت بالأخبار المتظافرة عند الفريقين أنّ عليّاًعليهالسلام لا يفارق الحقّ والحقّ لا يفارقه ، بل يدور معه حيثما دار ، وقد اعترف ابن أبي الحديد وغيره بصحّة هذا الخبر وهل يشك عاقل في صحّة دعوى كان المدعي فيها سيدة نساء العالمين باتفاق المخالفين والمؤالفين ، والشاهد لها أمير المؤمنين وسيداً شباب أهل الجنّة أجمعين صلوات الله عليهم أجمعين.
الثالث : أنه طلب البينة من صاحب اليد مع أنه أجمع المسلمون على أنّ البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
الرابع : أنه رد شهادة الزوج ، والزوجية غير مانعة من القبول كما بين في محله.
الخامس : أنه رد شهادة الحسنينعليهماالسلام إما لجر النفع أو للصغر كما قيل ، مع أنه لا ريب أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان أعرف منهم بالأحكام بالاتفاق ولو لم تكن شهادتهما جائزة مقبولة لم يأت بهما للشهادة والقول في أم أيمن كذلك.
السادس : أنه لو لم تكن شهادة ما سوى أمير المؤمنين مقبولا فلم لم يحكم بالشاهد واليمين ، مع أنه قد حكم بهما جل المسلمين ، قال شارح الينابيع من علمائهم : ثبوت المال بشاهد ويمين مذهب الخلفاء الأربعة وغيرهم.
السابع : أنّ الخبر الّذي رواه موضوع مطروح لكونه مخالفا للكتاب ، وقد
________________________________________________________
وورد بأسانيد عن النبيّصلىاللهعليهوآله : إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله ، فان وافقه فاقبلوه وإلّا ردوه.
وأمّا مخالفته للقرأنّ فمن وجوه : « الأوّل » عموم آيات الميراث فإنه لا خلاف مجملا في عمومها إلّا ما أخرجه الدليل.
الثاني : قوله تعالى مخبرا عن زكرياعليهالسلام : «وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ »(١) الآية ولفظ الميراث في اللغة والشريعة والعرف إذا أطلق ولم يقيد لا يفهم منه إلّا الأموال وما في معناها ، ولا يستعمل في غيرها إلّا مجازاً فمن ادّعى أنّ المراد ميراث العلم والنبوّة لا بدّ له من دليل.
عليّ أنّ القرائن على إرادة ما ذكرنا كثيرة : « منها » أنّ زكريا اشترط في وارثه أنّ يكون رضياً ، وإذا حمل الميراث على العلم والنبوّة لم يكن لهذا الاشتراط معنى ، بل كان لغواً لأنه إذا سأل من يقوم مقامه في العلم والنبوّة فقد دخل في سؤاله الرضا وما هو أعظم منه ، فلا معنى لاشتراطه ، إلّا ترى أنه لا يحسن أنّ يقول أحد اللّهم ابعث إلينا نبيا واجعله مكلفاً عاقلاً « ومنها » أنّ الخوف من بني العمّ ومن يحذو حذوهم يناسب المال دون النبوّة والعلم ، وكيف يخاف مثل زكرياعليهالسلام أنّ يبعث الله تعالى إلى خلقه نبيا يقيمه مقام زكريا ولم يكن أهلا للنبوة والعلم ، سواء كان من موالي زكريا أو غيرهم ، عليّ أنّ زكرياعليهالسلام كان إنّما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس ، فلا يجوز أنّ يخاف من الأمر الّذي هو الغرض في بعثته.
الثالث : قوله سبحانه : «وَوَرِثَ سُلَيْمأنّ داوُدَ »(٢) والتقريب ما مر.
أقول : ويدلّ على بطلان هذا الخبر وجوه أخرى.
__________________
(١) سورة مريم : ٦.
(٢) سورة النمل : ١٦.
________________________________________________________
منها : أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان يرى الخبر موضوعا باطلا وكانعليهالسلام لا يرى إلّا الحقّ والصدق ، فلا بدّ من القول بأنّ من زعمّ أنه سمع الخبر كاذب ، أما الأولى فلـمّا رواه مسلم في صحيحه في رواية طويلة أنه قال عمر لعليّعليهالسلام والعبّاس : قال أبو بكر : قال رسول الله لا نورث ما تركناه صدقة فرأيتماه كاذبا آثما خائنا غادرا ، والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحقّ ، ثمّ توفي أبو بكر فقلت : أنا ولي رسول الله وولي أبي بكر فرأيتماني كاذبا غادرا خائنا والله يعلم إني لصادق بار تابع للحقّ فوليتها.
ونحو ذلك روى البخاري وابن أبي الحديد عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري وأمّا المقدمة الثانية فللأخبار الدالة على أنّ عليّاًعليهالسلام مع الحقّ يدور معه حيثما دار.
ومنها : أنّ فاطمة سلام الله عليها أنكرت الخبر وحكمت بكذب أبي بكر في خطبتها المشهورة وغيرها ، وعصمتها وجلالتها ممّا ينافي تكذيب ما كان يحتمل عندها صدقه لغرض دنيوي.
ومنها : أنه لو كانت تركة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم صدقة ولم يكن لها صلوات الله عليها حظ فيها ، لبين النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الحكم لها إذ التكليف في تحريم أخذها يتعلق بها ولو بينه لها لـمّا طلبتها لعصمتها ، ولا يرتاب عاقل في أنه لو كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بين لأهل بيتهعليهمالسلام أنّ تركتي صدقة لا تحلّ لكم ، لـمّا خرجت ابنته وبضعته من بيتها مستعدية ساخطة صارخة في معشر المهاجرين والأنصار تعاتب إمام زمانها بزعمكم ، وتنسبه إلى الجور والظلم في غصب تراثها وتستنصر المهاجرة والأنصار في الوثوب عليه وإثارة الفتنة بين المسلمين وتهيج الشر ، ولم يستقر بعد أمر الإمارة والخلافة وقد أيقنت بذلك طائفة من المؤمنين أنّ الخليفة غاصب للخلافة ناصب لأهل الامامة فصبوا عليه اللعن والطعن إلى نفخ الصور ويوم النشور ، وكان ذلك من آكد الدواعي
________________________________________________________
إلى شقّ عصا المسلمين وافتراق كلمتهم وتشتت ألفتهم وقد كانت تلك النيران تخمدها بيان الحكم لها صلوات الله عليها أو لأمير المؤمنينعليهالسلام ، ولعله لا يجسر من أوتي حظّاً من الإسلام على القول بأنّ فاطمةعليهاالسلام مع علمها بأنّ ليس لها في التركة بأمر الله نصيب كانت تقدم على مثل تلك الأمور أو كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه مع علمه بحكم الله لم يزجرها عن الظلم والاستعداء ، ولم يأمرها بالقعود في بيتها راضية بأمر الله فيها ، وكان ينازع العبّاس بعد موتها ويتحاكم إلى عمر بن الخطّاب ، فليت شعري هل كان ذلك الترك والإهمال لعدم الاعتناء بشان بضعته الّتي كانت يؤذيه ما آذاها أو بأمر زوجها وابن عمه المساوي لنفسه ومواسيه بنفسه ، أو لقلة المبالاة بتبليغ أحكام الله وأمر أمته وقد أرسله الله بالحقّ بشيرا ونذيرا للعالمين.
ومنها : أنا مع قطع النظر عن جميع ما تقدم نحكم قطعا بأنّ مدلول هذا الخبر كاذب باطل ، ومن أسند إليه لا يجوز عليه الكذب فلا محيص من القول بكذب من رواه والقطع بأنه وضعه وافتراه ، أما المقدمة الثانية فغنية عن البيان ، وأمّا الأولى فبيانها أنه قد جرت عادة الناس قديما وحديثاً بالأخبار عن كلّ ما جرى بخلاف المعهود بين كافة الناس ، سيّما إذا وقع في كلّ عصر وزمان ، وتوفرت الدواعي إلى نقله وروايته ، ومن المعلوم لكلّ أحد أنّ جميع الأمم على اختلافهم في مذاهبهم يهتمون بضبط أحوال الأنبياءعليهمالسلام وسيرتهم وأحوال أولادهم وما يجري عليهم بعد آبائهم وضبط خصائصهم وما يتفردون به عن غيرهم ، ومن المعلوم أيضاً أنّ العادة قد جرت من يوم خلق الله الدّنيا وأهلها إلى انقضاء مدتها بأنّ يرث الأقربون من الأولاد وغيرهم أقاربهم وذوي أرحامهم ، وينتفعوا بأموالهم وما خلفوه بعد موتهم ، ولا شك لأحد في أنّ عأمّة الناس عالمهم وجاهلهم وغنيهم وفقيرهم ، وملوكهم ورعاياهم ، يرغبون إلى كلّ ما نسب إلى ذي شرف وفضيلة ، ويتبركون به ، ويحرزه
________________________________________________________
الملوك في خزائنهم ، ويوصون به لأحبّ أهلهم فكيف بسلاح الأنبياء وثيابهم وأمتعتهم.
إذا تمهدت تلك المقدمات فنقول : لو كان ما تركه الأنبياء من لدن آدمعليهالسلام إلى الخاتمصلىاللهعليهوآله صدقة ، لقسمت بين الناس بخلاف المعهود من توارث الآباء والأولاد وسائر الأقارب ، ولا تخلو الحال إما أنّ يكون كلّ نبي يبين هذا الحكم لورثته بخلاف نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم أو يتركون البيان كما تركهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فان كان الأوّل فمع أنه خلاف الظاهر كيف خفي هذا الحكم على جميع أهل الملل والأديان ولم يسمعه أحد إلّا أبو بكر ومن يحذو حذوهم ، ولم ينقل أحد أنّ عصا موسى انتقل على وجه الصدقة إلى فلان ، وسيف سليمان صار إلى فلان ، وكذا ثياب سائر الأنبياء وأسلحتهم وأدواتهم فرقت بين الناس ولم يكن في ورثته أكثر من مائة ألف نبي قوم ينازعون في ذلك وأنّ كان بخلاف حكم الله عزَّ وجلَّ ، وقد كان أولاد يعقوبعليهالسلام مع علوم قدرهم يحسدون على أخيهم ويلقونه في الجب لـمّا رأوه أحبهم إليه ووقعت تلك المنازعة مراراً ولم ينقلها أحد في الملل السابقة وأرباب السير مع شدة اعتنائهم بضبط أحوال الأنبياء وخصائصهم وما جرى بعدهم.
وأنّ كان الثاني فكيف كانت حال ورثة الأنبياء؟ أكانوا يرضون بذلك ولا ينكرون؟ فكيف كانت ورثة الأنبياء جميعاً يرضون بقول القائمين بالأمر مقام الأنبياء ولم ترض به سيدة النساء أو كانت سنّة المنازعة جارية في جميع الأمم ولم ينقلها أحد ممّن تقدم ولا ذكر من انتقلت تركات الأنبياء إليهم ، أنّ هذا لشيء عجاب!
وأمّا أنّ فدك كان لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فممّا لا نزاع فيه ، وقد أوردنا من رواياتنا وأخبار المخالفين في الكتاب الكبير ما هو فوق الغاية.
وروي في جامع الأصول من صحيح أبي داود عن عمر قال : أنّ أموال بني النضير ممّا أفاء الله على رسوله ممّا لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، فكانت
________________________________________________________
لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خاصة قرى عرينة وفدك وكذا وكذا ينفق على أهله منها نفقة سنتهم ثمّ يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدّة في سبيل الله ، وتلا : «ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ »(١) الآية.
وروي أيضاً عن مالك بن أوس قال : كان فيما احتج عمر أنّ قال : كانت لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثلاث صفايا ، بنوا النضير وخيبر وفدك ، إلى آخر الخبر.
وأمّا أنها كانت في يد فاطمةعليهاالسلام فلأخبار كثيرة من كتبهم دلّت على ذلك أوردتها في الكتاب الكبير.
وفي نهج البلاغة في كتاب أمير المؤمنينعليهالسلام إلى عثمان بن حنيف : بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين ونعمّ الحكم الله(٢) .
وروى الطبرسيقدسسره في الاحتجاج عن حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : لـمّا بويع أبو بكر واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله منها فجاءت فاطمة (ع) إلى أبي بكر فقالت : يا أبا بكر لم تمنعني ميراثي من أبي رسول الله وأخرجت وكيلي من فدك وقد جعلها لي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأمر الله تعالى؟ فقال : هاتي على ذلك بشهود فجاءت بأم أيمن فقالت : لا أشهد يا أبا بكر حتّى أحتج عليك بما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنشدك بالله ألست تعلم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : أنّ أيمن امرأة من أهل الجنّة؟ فقال : بلى ، قالت : فأشهد أنّ الله عزَّ وجلَّ أوحى إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حقّه »(٣) فجعل فدك لها طعمة بأمر الله ، وجاء عليّ فشهد بمثل ذلك ، فكتب لها كتابا ودفعه إليها ، فدخل عمر فقال : ما هذا الكتاب؟ فقال : أنّ فاطمة ادعت في فدك وشهدت لها أم أيمن وعليّ فكتبته ، فأخذ عمر الكتاب من
__________________
(١) سورة الحشر : ٧.
(٢) شح على الشيء : بخل. (٣) سورة الروم : ٣٨.
________________________________________________________
فاطمة فمزّقه ، فخرجت فاطمةعليهاالسلام تبكي فلـمّا كان بعد ذلك جاء عليّعليهالسلام إلى أبي بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والأنصار فقال : يا أبا بكر لم منعت فاطمة ميراثها من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد ملكته في حياة رسول الله؟ فقال أبو بكر : أنّ هذا فيء للمسلمين فان أقامت شهوداً أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله جعله لها وإلّا فلا حقّ لها فيه ، فقال أمير المؤمنين : يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين؟ قال : لا ، قال : فان كان في يد المسلمين شيء يملكونه ثمّ ادعيت أنا فيه من تسأل البينة؟ قال : إياك كنت أسأل البينة ، قال : فما بال فاطمة سألتها البينة على ما في يدها وقد ملكته في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعده ولم تسأل المسلمين البينة على ما ادعوها شهوداً كما سألتني على ما ادعيت عليهم؟ فسكت أبو بكر فقال عمر : يا عليّ دعنا من كلامك فإنا لا نقوى على حجتك فان أتيت بشهود عدول وإلّا فهو فيء للمسلمين لا حقّ لك ولا لفاطمة فيه فقال عليّعليهالسلام : يا أبا بكر تقرأ كتاب الله؟ قال : نعمّ ، قال : أخبرني عن قول الله عزَّ وجلَّ : «إنّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً »(١) فينا نزلت أو في غيرنا؟ قال : بل فيكم قال : فلو أنّ شهوداً شهدوا على فاطمة بنت رسول الله بفاحشة ما كنت صانعا بها؟ قال : كنت أقيم عليها الحد كما أقيم على سائر المسلمين ، قال : كنت إذا عند الله من الكافرين ، قال : ولم؟ قال : لأنك رددت شهادة الله لها بالطهارة وقبلت شهادة الناس عليها كما رددت حكم الله وحكم رسوله أنّ جعل لها فدك وقبضته في حياته ثمّ قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها وأخذت منها فدك وزعمت أنه فيء للمسلمين ، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ، فرددت قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم البينة على من ادّعى واليمين على من ادعي عليه.
قال : فدمدم الناس(٢) وأنكر بعضهم وقالوا : صدق والله عليّ ورجع عليّعليهالسلام
__________________
(١) سورة الأحزاب : ٣٣. (٢) دمدم : كلم مغضباً.
________________________________________________________
إلى منزله.
قال : ودخلت فاطمةعليهاالسلام المسجد وطافت بقبر أبيها وهي تقول :
قد كان بعدك أنباء وهنبثة |
لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب(١) |
|
إنّا فقدناك فقد الأرض وإبلها |
واختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا(٢) |
|
قد كان جبريل بالآيات يؤنسنا |
فغاب عنّا فكلّ الخير محتجب |
|
قد كنت بدراً ونوراً يستضاء به |
عليك تنزل من ذي العزّة الكتب |
|
تهجّمتنا رجال واستخفّ بنا |
إذ غبت عنّا فنحن اليوم نغتصب |
|
فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت |
منّا العيون بتهمال لها سكب(٣) |
قال : فرجع أبو بكر وعمر إلى منزلهما وبعث أبو بكر إلى عمر ، ثمّ دعاه فقال : أما رأيت مجلس عليّ منّا في هذا اليوم؟ والله لئن قعد مقعدا مثله ليفسدن أمرنا فما الرأي؟ قال عمر : الرأي أنّ نأمر بقتله ، قال : فمن يقتله؟ قال : خالد بن الوليد ، فبعثوا إلى خالد فأتاهم فقالاً له : نريد أنّ نحملك على أمر عظيم ، فقال : احملوني على ما شئتم ولو على قتل عليّ بن أبي طالب ، قالا : فهو ذاك ، قال خالد : متى أقتله؟ قال أبو بكر : أحضر المسجد وقم بجنبه في الصلاة فإذا سلمت قم إليه واضرب عنقه ، قال : نعم.
فسمعت أسماء بنت عميس وكانت تحت أبي بكر ، فقالت لجاريتها : اذهبي إلى منزل عليّ وفاطمة واقرئيهما السلام وقولي لعليّ : «أنّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ » فجاءت الجارية إليهما وقالت لعليّ : أنّ أسماء بنت عميس تقرأ عليك السلام وتقول : أنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إنّي لك من الناصحين ، فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : قولي لها أنّ الله يحول بينهم وبين ما يريدون
__________________
(١) الهنبثة : الأمر الشديد. الداهية. (٢) الوابل : المطر الشديد.
(٣) هملت العين : فاضت وسالت. وسكب الماء وغيره : انصبّ.
________________________________________________________
ثمّ قام وتهيّأ للصلاة وحضر المسجد وصلّى خلف أبي بكر وخالد بن الوليد بجنبه ومعه السيف ، فلـمّا جلس أبو بكر للتشهّد ندم على ما قال وخاف الفتنة وعرف شدّة عليّ وبأسه فلم يزل متفكراً لا يجسر أنّ يسلّم حتّى ظنّ الناس أنّه سهى ثمّ التفت إلى خالد وقال : خالد لا تفعلنّ ما أمرتك ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : يا خالد ما الّذي أمرك به؟ قال : أمرني بضرب عنقك قال : أو كنت فاعلاً؟ قال : أي والله لو لا أنّه قال لي : لا تفعله قبل التسليم لقتلتك ، قال : فأخذه عليّ فجلد به الأرض فاجتمع الناس عليه فقال عمر : يقتله وربّ الكعبة فقال الناس : يا أبا الحسن الله الله بحقّ صاحب القبر ، فخلّى عنه.
ثمّ التفت إلى عمر فأخذ بتلابيبه(١) فقال : يا بن صهّاك والله لو لا عهد من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكتاب من الله سبق لعلمت أيّنا أضعف ناصراً وأقلّ عدداً ، ودخل منزله.
وروى الصدوق (ره) في العلل نحوا من ذلك بإسناده عن أبي عبد اللهعليهالسلام .
وقالت فاطمة صلوات الله عليها في الخطبة الطويلة الّتي احتجت على القوم في أمر فدك : وأنتم تزعمون أنّ لا إرث لنا ، أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ، أفلا تعلمون؟ بلى تجلى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته ، أيها المسلمون ، أأغلب على إرثيه ، يا بن أبي قحافة أفي كتاب الله أنّ ترث أباك ولا أرث أبي ، لقد جئت شيئاً فرياً ، أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول : «وَوَرِثَ سُلَيْمأنّ داوُدَ »(٢) وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكرياعليهالسلام : إذ قال
__________________
(١) تلابيب جمع التلبيب : ما في موضع اللبب من الثياب ويعرف بالطوق ، يقال : أخ بتلابيبه ، أي أمسكه متمكناً منه.
(٢) سورة النمل : ١٦.
ولم يتباعد العهد ولم يخلق منك الذكر وإلى الله يا رسول الله المشتكى وفيك يا رسول الله أحسن العزاء صلّى الله عليك وعليهاالسلام والرضوان
________________________________________________________
«ربّ هب لي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ »(١) » وقال : «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ »(٢) وقال : «يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ »(٣) وقال : «إنّ تَرَكَ خَيْراً الوصيّة لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ »(٤) وزعمتم أن لا حظوة لي ولا أرث من أبي ولا رحم بيننا ، أفخصكم الله بآية أخرج منها أبي أم هل تقولون أهل ملتين لا يتوارثأنّ ، ولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة أم أنتم أعلم بخصوص القران وعمومه من أبي وابن عمي فدونكها(٥) مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعمّ الحكم الله والزعيم محمّد والموعد القيامة وعند الساعة ما تخسرون ولا ينفعكم إذ تندمون ، ولكلّ نبأ مستقر وسوف تعلمون ، من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم ، إلى آخر الخطبة المذكورة مع شرحها في الكتاب الكبير.
قولهعليهالسلام : ولم يتباعد العهد ، الجملة حالية أي فعلوا جميع ذلك ولم يبعد ذلك ولم يبعد عهدهم بك وبما سمعوا منك في أهل بيتك مع وجوب رعاية حرمتك ، وفي النهج : ولم يطل العهد ، وفي المجالس : تدفن بنتك سرّاً ويهتضمّ حقّها قهرا وتمنع إرثها جهراً ولم يطل العهد ، وفي القاموس : العهد الوصيّة ، والتقدم إلى المرء في الشيء واليمين وقد عاهده ، والّذي يكتب للولاة ، من عهد إليه أوصاه ، والحفاظ ورعاية الحرمة والأمأنّ ، والذمة والالتقاء والمعرفة ، منه عهدي به بموضع كذا والمنزل المعهود به الشيء ، والزمان والوفاء ، انتهى.
ولا يخفى على اللّبيب ما يناسب المقام من تلك المعاني « ولم يخلق » على المعلوم من باب نصر وعلم وحسن أي لم يصر ذكرك وتذكّر أحوالك ورواية أقوالك
__________________
(١) سورة مريم : ٦. (٢) سورة الأحزاب : ٦.
(٣) سورة النساء : ١١.(٤) سورة البقرة : ١٨٠.
(٥) الضمير للخلافة.
٤ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن عبد الرَّحمن بن سالم ، عن المفضّل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام من غسّل فاطمة قال ذاك أمير المؤمنين وكأني استعظمت ذلك من قوله فقال كأنك ضقت بما أخبرتك به قال فقلت قد كان ذاك جعلت فداك قال فقال لا تضيقنَّ فإنّها صديقة ولم يكن يغسلها إلّا صديق أما علمت أنّ مريم لم يغسلها إلّا عيسى.
٥ - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن صالح بن عقبة ، عن عبد الله بن محمّد الجعفي ، عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهالسلام قإلّا أنّ فاطمةعليهاالسلام لـمّا أنّ كان من أمرهم ما كان أخذت بتلابيب عمر فجذبته إليها ثمّ قالت
________________________________________________________
بالياً ، بل كان كلّها جديداً ، وقيل : الذكر القران، والمشتكى مصدر ميمي أي الشكوى.
« وفيك يا رسول الله أحسن العزاء » أي في أقوالك وصفاتك وما أمرتني به فيما يعرض لي بعدك أو في سبيل رضاك أحسن التعزية ، وما يوجب أحسن الصبر ، وقيل في للسببية وقد مرّ بعض الوجوه في باب تاريخ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في قوله : أنّ في الله عزاء.
الحديث الرابع : ضعيف على المشهور.
وفي القاموس : الضيق الشك في القلب ويكسر ، وما ضاق عنه صدرك « فإنّها صديقة » أي معصومة كما مرّ ، ولا يغسل المعصوم رجلاً كان أو امرأة إلّا المعصوم ، ولا يشكلّ الاستدلال به على جواز تغسيل الرجل زوجته لظهور الاختصاص هنا فتأمل.
الحديث الخامس : ضعيف.
« لـمّا أنّ كان » أنّ زائدة لتأكيد اتصال جواب لـمّا بمدخولها ، ضمير « أمرهم » لأبي بكر وعمر وأصحابهما « ما كان » أي من دخولهم دار فاطمة بأمر الملعونين قهراً
أما والله يا ابن الخطّاب لو لا أنّي أكره أنّ يصيب البلاء من لا ذنب له لعلمت أنّي سأقسم على الله ثمّ أجده سريع الإجابة.
________________________________________________________
وإخراج عليّ إلى بيعة أبي بكر وسائر ما مرّ قليل منهاآنفاً « أخذت » أي للضرورة لإنقاذ أمير المؤمنينعليهالسلام من أيديهم ، وكان واجبا على جميع الخلق ، وقيل : أي أمرت بذلك من قبيل : قطع الأمير اللص ، قال الفيروزآبادي :لب به تلبيبا جمع ثيابه عند نحره في الخصومة ثمّ جره ، والتلبيب ما في موضع اللبب من الثياب اسمكالتمتين « من لا ذنب له » أي من لم يبايع أبي بكر أو بائع جبراً والأطفال ونحوهم ، أو جميع من في المشرق والمغرب ممّن لم يعلم بالواقعة أيضاً لأنّ العذاب إذا نزل عم.
وقال في المغرب : القسم على الله أنّ تقول : بحقك أفعل كذا وإنّما عديّ بعلى لأنه ضمن معنى التحكم.
وأقول : روى أحمد بن أبي طالب الطبرسي في الاحتجاج عن أبي عبد اللهعليهالسلام وابن شهرآشوب عن الشيخ في اختيار الرجال عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، وعن سلمان الفارسيرضياللهعنه : أنه لـمّا استخرج أمير المؤمنينعليهالسلام من منزله خرجت فاطمةعليهاالسلام فما بقيت هاشمية إلّا خرجت معها حتّى انتهت قريباً من القبر فقالت : خلوا عن ابن عمي فو الّذي بعث محمّداً بالحقّ لأنّ لم تخلوا عنه لأنشرن شعري ولأضعن قميص رسول الله على رأسي ، ولأصرخن إلى الله تبارك وتعالى ، فما ناقة صالح بأكرم على الله مني ، ولا الفصيل بأكرم على الله من ولدي ، قال سلمانرضياللهعنه : كنت قريباً منها ، فرأيت والله أساس حيطان المسجد ، مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله تقلعت من أسفلها حتّى لو أراد رجل أنّ ينفذ من تحتها نفذ ، فدنوت منها فقلت : يا سيدتي ومولاتي أنّ الله بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة ، فرجعت ورجعت الحيطان حتّى سطعت الغبرة من أسفلها ، فدخلت في خياشيمنا(١) .
أقول : سيأتي بعض القول في ذلك في شرح الروضة إنشاء الله ، وتفصيل القول في تلك الوقائع موكول إلى كتابنا الكبير.
__________________
(١) خياشيم جمع الخيوشم : أقصى الأنف.
٦ - وبهذا الإسناد ، عن صالح بن عقبة ، عن يزيد بن عبد الملك ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال لـمّا ولدت فاطمةعليهاالسلام أوحى الله إلى ملك فأنطق به لسان محمّدصلىاللهعليهوآله فسماها فاطمة ثمّ قال إني فطمتك بالعلم وفطمتك من الطمث ثمّ قال أبو جعفرعليهالسلام والله لقد فطمها الله بالعلم وعن الطمث في الميثاق.
________________________________________________________
الحديث السادس : مجهول.
« أوحى الله » لم يذكر الموحى به لدلالة قوله : « فانطلق » عليه ، والحاصل أنّ تسميتهاعليهاالسلام بذلك كانت بالإلهام ، وضمير « به » راجع إلى الملك أو إلى مصدر أوحى ، « ثمّ قال » الضمير راجع إلى الله أو إلى الرسول ، والفطم كالقطع.
« فطمتك بالعلم » أي قطعتك عن الجهل بسبب العلم ، أو جعلت فطامك من اللبن مقرونة بالعلم كناية عن كونها في بدو الخلقة عالمة بالعلوم الربانية ، أو المعنى أرضعتك بالعلم حتّى استغنيت وفطمت ، وعلى التقادير الربانية ، أو المعنى أرضعتك بالعلم حتّى استغنيت وفطمت ، وعلى التقادير الفاعل بمعنى المفعول كالدافق بمعنى المدفوق أو يقرأ على بناء التفعيل ، أي جعلتك قاطعة الناس من الجهل ، أو المعنى لـمّا فطمها من الجهل فهي تفطم الناس ، وفطمتك من الطمث أي الحيض ، والوجهان الأخيران يشكلّ إجراؤهما في هذه الفقرة إلّا بتكلف بأنّ يجعل الطمث كناية عن المعاصي والأخلاق الدنية الرديئة أو يقال على الثالث لـمّا فطمتك عن الأدناس الروحانية والجسمانيّة فأنت تفطم الناس عن دنس الجهل والفسوق والمعاصي.
قوله : في الميثاق ، أي قدرا وأثبت لها ذلك في ذلك اليوم أو جعلها في ذلك اليوم قابلة لذلك.
ثمّ اعلم أنه ورد في الأخبار المعتبرة من طرق الخاصة والعامّة علل أخرى للتسمية بهذا الاسم ، منها : ما روي عن الصادقعليهالسلام أنها فطمت من الشر.
وعن الرضا عن آبائه عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لأنّ الله فطمها وفطم من أحبها من النار.
وعن الكاظم قال : أنّ الله تعالى علم ما كان قبل كونه ، فعلم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله
٧ - وبهذا الإسناد ، عن صالح بن عقبة ، عن عمرو بن شمرّ ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال النبيّصلىاللهعليهوآله لفاطمةعليهاالسلام يا فاطمة قومي فأخرجي تلك الصحفة فقامت فأخرجت صحفة فيها ثريد وعراق يفور فأكلّ النبيّصلىاللهعليهوآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين ثلاثة عشر يوماً ثمّ أنّ أمّ أيمن رأت الحسين معه شيء فقالت له من أين لك هذا قال إنا لنأكله منذ أيام فأتت أمّ أيمن فاطمة فقالت يا فاطمة إذا كان عند أمّ أيمن شيء فإنّما هو لفاطمة وولدها وإذا كان عند فاطمة شيء فليس لأمّ أيمن منه شيء ؟ فأخرجت لها منه فأكلت منه أم أيمن ونفدت الصحفة فقال لها النبيّصلىاللهعليهوآله أما لو لا أنّك أطعمتها لأكلت منها أنت وذرّيّتك إلى أن
________________________________________________________
يتزوّج في الأحياء وأنّهم يطمعون في وراثة هذا الأمر من قبله ، فلـمّا ولدت فاطمة سمّاها الله تبارك وتعالى فاطمة لأنّها فطمت طمعهم ، ومعنى فطمت قطعت ، وعدم تدنسها بالطمث ممّا روته العامّة أيضاً بأسانيد عن عائشة وغيرها ، كما أخرجناه في البحار.
وروى السيّد في الطرائف عن أحمد الطبراني عن هشام بن عروة عن عائشة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه وصف فاطمة سلام الله عليها في حديث طويل ، وفي آخره : ليست كنساء الآدميين ، ولا تعتل كما يتعللن به يعني الحيض.
الحديث السابع : ضعيف.
وقال الجوهري : الصحفة كالقصعة والجمع صحاف ، قال الكسائي : أعظم القصاع الجفنة ثمّ القصعة تليها تشبع العشرة ، ثمّ الصحفة تشبع الخمسة ، ثمّ المئكلة تشبع الرجلين والثلاثة ، ثمّ الصحيفة تشبع الرجل.
وقال : ثردت الخبز ثرداً كسرته فهو ثريد ومثرود.
وقال الفيروزآبادي : العرق وكغراب العظم أكلّ لحمه والجمع ككتاب وغراب نادراً ، والعرق العظم بلحمه فإذا أكلّ لحمه فعراق أو كلاهما لكليهما ، وقال : فار فوراً جاش.
________________________________________________________
وأم أيمن جارية النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وحاضنته ورثها من أبيه وأعتقها ، وأيمن بن عبيد وأسأمّة بن زيد ابناها « منه شيء » جملة حالية « يخرج بها قائمنا » أي يظهر الصحفة مع ما فيها من الطعام.
وأقول : قصة نزول المائدة لفاطمةعليهاالسلام ممّا رواه كثير من المخالفين كالثعلبي في كتابه المعروف بالبلغة ، وموفق بن أحمد الخوارزمي ذكرهما سيّد بن طاوسقدسسره .
وقال الزمخشري في الكشّاف عند ذكر قصة زكريا ومريمعليهماالسلام ما لفظه : وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه جاء في زمن قحط فأهدت له فاطمة رغيفين وبضعة لحم آثرته بها فرجع بها إليها ، وقال. هلمي يا بنية وكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزا ولحما فبهتت وعلمت أنها نزلت من الله ، فقال لها : أنى لك هذا؟ قالت : هو من عند الله أنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب ، فقالعليهالسلام : الحمد لله الّذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل ، ثمّ جمع رسول الله عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيتهعليهمالسلام حتّى شبعوا وبقي الطعام كما هو وأوسعت فاطمة على جيرانها.
وروى الراونديرحمهالله في الخرائج : أنّ عليّاً أصبح يوماً فقال لفاطمة : عندك شيء تغذينيه؟ قالت : لا ، فخرج واستقرض ديناراً ليبتاع ما يصلحهم ، فإذا المقداد في جهد وعياله جياع ، فأعطاه الدينار ودخل المسجد وصلى الظهر والعصر مع رسول الله ، ثمّ أخذ النبيّ بيد عليّ وانطلقا إلى فاطمة وهي في مصلاها وخلفها جفنة تفور ، فلـمّا سمعت كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خرجت فسلمت عليه وكانت أعزَّ الناس عليه ، فرد السلام ومسح بيده على رأسها ثمّ قال : عشينا غفر الله لك وقد فعل ، فأخذت الجفنة فوضعتها بين يدي رسول الله ، فقال لها : يا فاطمة أنى لك هذا الطعام الّذي لم أنظر إلى مثل لونه قط ولم أشم مثل رائحته قط ولم آكلّ أطيب منه؟ ووضع كفه
٨ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد بن عليّ ، عن عليّ بن جعفر قال سمعت أبا الحسنعليهالسلام يقول بينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله جالسٌ إذ دخل عليه ملك له أربعة وعشرون وجهاً ، فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله حبيبي جبرئيل لم أرك في مثل هذه الصورة قال الملك لست بجبرئيل يا محمّد بعثني الله عزَّ وجلَّ أنّ أزوِّج النور من النور قال من ممّن ؟قال - فاطمة من عليّ قال فلـمّا ولى الملك إذا بين كتفيه محمّد رسول الله - عليّ وصيّه فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله منذ كم كتب هذا بين كتفيك فقال من قبل أنّ يخلق الله آدم باثنين وعشرين ألف عام
________________________________________________________
بين كتفي وقال : هذا بدل عن دينارك ، إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب.
وروى العيّاشي مثله في حديث طويل عن أبي جعفرعليهالسلام وساق الحديث إلى قوله : فأقبل عليّ فوجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله جالسا وفاطمة تصلي وبينهما شيء مغطى ، فلـمّا فرغت اجترت ذلك الشيء فإذا جفنة من خبز ولحم قال : يا فاطمة أنى لك هذا؟ قالت : هو من عند الله أنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إلّا أحدثك بمثلك ومثلها؟ قال : بلى ، قال : مثل زكريا إذ دخل على مريم المحراب فوجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله أنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب فأكلوا منها شهراً وهي الجفنة الّتي يأكلّ منها القائمصلىاللهعليهوآلهوسلم وهي عندنا.
الحديث الثامن : ضعيف على المشهور.
« باثنين وعشرين » قال ابن شهرآشوب : وفي رواية بأربعة وعشرين ألف عام ، ورواه بأسانيد من طرق العامّة وفي بعضها ملك له عشرون رأساً في كلّ رأس ألف لسان وكان اسم الملك صرصائيل ، وقال : كان التزويج في أوّل يوم من ذي الحجة ، وروي أنه كان يوم السادس منه ، ومثل ذلك قال الشيخ في المصباح ، وروى السيّد بن طاوس من كتاب حدائق الرياض للمفيد رحمهما الله قال : ليلة إحدى وعشرين من المحرم وكانت ليلة خميس سنّة ثلاث من الهجرة كان زفاف فاطمةعليهاالسلام .
ثمّ إنّ الخبر يدلّ على أنّ التزويج يتعدّى بمن ، كما هو الدائر على ألسنة
٩ - عليُّ بن محمّد وغيره ، عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال سألت الرضاعليهالسلام عن قبر فاطمةعليهاالسلام فقال دفنت في بيتها فلـمّا زادت بنو أمية
________________________________________________________
أكثر الفقهاء في صيغ النكاح ، والّذي يظهر من كتب اللغة تعديته بالنفس ، وكذا ورد في الكتاب العزيز قال تعالى : «زَوَّجْناكَها »(١) وورد التعدية بالباء في قوله تعالى : «وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ »(٢) » وأولوه بأنه بمعنى قرناهم ، قال الفيروزآبادي : زوجته امرأة وتزوجت امرأة وبها أو هذه قليلة «وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ » أي قرناهم ، وقال الراغب : وزوجناهم بحور عين ، قرناهم بهن ولم يجيء في القران زوجناهم حورا كما يقال : زوجه امرأة تنبيها على أنّ ذلك لا يكون على حسب المتعارف من المناكحة فيما بيننا ، انتهى.
وكذا النكاح متعديا بالنفس كما قال تعالى : «أُرِيدُ أنّ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَ »(٣) والمشهور بين الفقهاء تعديته أيضاً بمن ، والأحوط في صيغ النكاح الجمع بين الوجهين.
الحديث التاسع : ضعيف على المشهور.
ويدلّ على أنّهاعليهاالسلام دفنت في بيتها ، وهذا أصح الأقوال في موضع قبرها صلوات الله عليها ، قال الشيخقدسسره في التهذيب : ذكر الشيخ في الرسالة أنك تأتي الروضة فتزور فاطمة لأنّها مقبورة هناك ، وقد اختلف أصحابنا في موضع قبرها فقال بعضهم : إنها دفنت في البقيع ، وقال بعضهم : إنها دفنت بالروضة ، وقال بعضهم : أنّها دفنت في بيتها ، فلـمّا زادت بنو أمية في المسجد صارت من جملة المسجد ، وهاتان الروايتان كالمتقاربتين ، والأفضل عندي أنّ يزور الإنسان في الموضعين جميعاً فإنه لا يضره ذلك ، ويحوز به أجراً عظيماً وأمّا من قال : أنها دفنت في البقيع فبعيد من الصواب ، انتهى.
__________________
(١) سورة الأحزاب : ٣٧. (٢) سورة الدخان : ٥٤.
(٣) سورة القصص : ٢٧.
في المسجد صارت في المسجد.
١٠ - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن الخيبريّ ، عن يونس بن ظبيان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سمعته يقول لو لا أنّ الله تبارك وتعالى خلق أمير المؤمنينعليهالسلام لفاطمة ما كان لها كفو على ظهر الأرض من آدم
________________________________________________________
وأقول : الأظهر أنّها صلوات الله عليها مدفونة في بيتها ، والأخبار فيه كثيرة أوردتها في البحار ، لكن روى الصدوق في معاني الأخبار بسند صحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : قال رسول الله ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة ، ومنبري على ترعة من ترع الجنّة ، لأنّ قبر فاطمة بين قبره ومنبره وقبرها روضة من رياض الجنّة وإليه ترعة من ترع الجنّة ، ويمكن الجمع بأنّ يقال : الروضة متسعة بحيث تشمل بعض بيتهاعليهاالسلام الّذي دفنت فيه ، ويؤيّده قولهعليهالسلام : فلـمّا زادت بنو أمية إلى آخرها.
وسيأتي ما يدلّ على اتساع الروضة وعلى أنّ بيتهاعليهاالسلام منها في كتاب الحج إنشاء الله ، وقيل : أنّ عمر بن عبد العزيز وسع المسجد في زمن خلافة وليد بن عبد الملك بأمره في جانب مشرق المسجد حتّى ضيق البيت الّذي دفن فيه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأخرج تراب قبري المنافقين لمرور الجدار عليهما كما يفهم ممّا ذكره السمهودي في خلاصة الوفاء.
الحديث العاشر : ضعيف.
ويدلّ على فضل أمير المؤمنينعليهالسلام على أولي العزم سوى نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فان قلت : لا يدلّ على فضلهعليهالسلام على نوح وإبراهيم لأنّ القرابة فيهما مانعة من الزواج قلت : الظاهر من سياق الحديث أنّ المراد به الكفاءة مع قطع النظر عن القرابة كما يدلّ عليه التصريح بآدمعليهالسلام مع عدم القائل بالفرق وقد يستدلّ به على فضل فاطمةعليهاالسلام عليهم أيضاً ولا يخلو من نظر إذ يمكن أنّ تكون الكفاءة مشروطة بزيادة في جانب الزوج ، بل الظاهر ذلك وفضل أمير المؤمنين عليها صلوات الله عليهما لعلّه ممّا
ومن دونه.
( باب )
( مولد الحسن بن عليّ صلوات الله عليهما )
ولد الحسن بن عليّعليهالسلام في شهر رمضان في سنة بدر ، سنة اثنتين بعد الهجرة وروي أنّه ولد في سنّة ثلاث ومضىعليهالسلام في شهر صفر في آخره من سنة تسع وأربعين
________________________________________________________
لا كلام فيه ، وإن كان الجميع من نور واحد ، والله يعلم حقائق أحوالهم وأنوارهم وأسرارهم.
باب مولد الحسن بن عليّ صلوات الله عليهما
قوله (ره) : وروي أنّه ولد في سنة ثلاث ، قيل : الرواية حكاية لـمّا يجيء في الخبر الثاني ، والتحقيق أنه لا منافاة بين تاريخي الولادة لأنّ كلا منهما مبني على اصطلاح في مبدء التاريخ الهجري غير الاصطلاح الّذي عليه بناء الآخر ، وتفصيله أنّ فيه ثلاث اصطلاحات ، الأوّل : أنّ يكون مبدؤه ربيع الأوّل فان الهجرة إنّما كانت فيه وكان معروفاً بين الصحابة إلى ستين ، وبناء كلام المصنف على هذا ، الثاني : أنّ يكون مبدؤه شهر رمضأنّ السابق على ربيع الأوّل الّذي وقعت الهجرة فيه ، لأنه أوّل السنّة الشرعيّة كما سيأتي في الأخبار في كتاب الصيام ، والرواية مبنية على هذا ، الثالث : ما اخترعه عمر ، وهو أنّ مبدؤه المحرم السابق موافقاً لـمّا زعمه أهل الجاهلية ، وهذا ساقط وأنّ اشتهر بين العوام.
قال ابن الجوزي في التلقيح : روى أبو بكر بن أبي خيثمة عن الشعبي والزهري قإلّا : لـمّا أهبط آدم من الجنّة وانتشر ولده أرخ بنوه من هبوط آدم ، فكان ذلك التاريخ حتّى بعث الله نوحا فأرخوا مبعث نوح ، حتّى كان الفرق فكان التاريخ من الطوفان إلى نار إبراهيم ، فلـمّا كثر ولد إسماعيل افترقوا ، فأرخ بنو إسحاق من نار إبراهيم إلى مبعث يوسف ، ومن مبعث يوسف إلى مبعث موسى ، ومن مبعث موسى إلى ملك سليمأنّ ، ومن ملك سليمأنّ إلى مبعث عيسى ، ومن مبعث عيسى إلى أنّ بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ،
________________________________________________________
وأرّخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم إلى بناء البيت ، ومن بنيأنّ البيت حتّى تفرقت معد ، وكانت للعرب أيام وأعلام يعدونها ثمّ أرخوا من موت كعب بن لؤي إلى الفيل وكان التاريخ من الفيل حتّى أرخ عمر بن الخطّاب من الهجرة ، وإنّما أرخ عمر بعد سبع عشرة سنّة من مهاجر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قال الشعبي : كتب أبو موسى إلى عمر أنه يأتينا من قبلك كتب ليس لها تاريخ فأرخ ، فاستشار عمر في ذلك فقال بعضهم : أرخ لمبعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقال بعضهم لوفاته ، فقال عمر : بل نؤرخ لمهاجر رسول الله فان مهاجرة فرق بين الحقّ والباطل فأرخ لذلك.
وقال سعيد بن المسيب : كتب التاريخ بمشورة عليّ ، قال المدائني : واختلفوا بأي شهر يبدءون فقال عثمان : أرخوا المحرم أوّل السنّة ، انتهى ، ثمّ قال : وكان التاريخ من شهر ربيع الأوّل إلّا أنّهم ردوه إلى المحرم لأنه أوّل السنّة ، انتهى.
وأقول : قال المفيدقدسسره في الإرشاد كنية الحسن بن عليّ صلوات الله عليهما أبو محمّد ، ولد بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضأنّ المبارك سنّة ثلاث من الهجرة ، ثمّ قال : ولـمّا استقر الصلح بينهعليهالسلام وبين معاوية خرج الحسنعليهالسلام إلى المدينة فأقام بها كاظماً غيظه لازماً منزله ، منتظراً لأمر ربه عزَّ وجلَّ إلى أنّ تم لمعاوية عشر سنين من إمارته ، وعزم على البيعة لابنه يزيد ، فدس إلى جعدة بنت الأشعث ابن قيس وكانت زوجة الحسنعليهالسلام من حملها على سمه وضمن لها أنّ يزوجها بابنه يزيد ، فأرسل إليها مائة ألف درهم فسقته جعدّة السم فبقي أربعين يوماً مريضاً ومضى لسبيله في شهر صفر سنّة خمسين من الهجرة ، وله يومئذ ثمانية وأربعون سنّة ، وكانت خلافته عشر سنين ، وتولى أخوه ووصيّه الحسينعليهالسلام غسله وتكفينه ودفنه عند جدته فاطمة بنت أسد رضي الله عنها بالبقيع ، انتهى.
وقال الشهيد نور الله مرقده في الدروس : ولد بالمدينة يوم الثلاثاء منتصف شهر شعبان سنّة اثنتين من الهجرة وقبض بها مسموماً يوم الخميس سابع صفر سنّة تسع
ومضى وهو ابن سبع وأربعين سنّة وأشهر واُمّه فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
١ - محمّد بن يحيى ؛ عن الحسين بن إسحاق ؛ عن عليّ بن مهزيار ؛ عن الحسين
________________________________________________________
وأربعين أو سنّة خمسين من الهجرة ، عن سبع وأربعين أو ثمان.
وقال ابن شهرآشوب في المناقب : ولدعليهالسلام بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضأنّ عام أحد سنّة ثلاث من الهجرة ، وقيل : سنّة اثنتين ، فعاش مع جده سبع سنين وأشهراً ، وقيل : ثمان سنين ، ومع أبيه ثلاثين سنّة ، وبعده تسع سنين وقالوا : عشر سنين ، ومات مسموماً ، وقبض بالمدينة بعد مضي عشر سنين من ملك معاوية ، ومضى لليلتين بقيتا من صفر سنّة خمسين من الهجرة ، وقيل : سنّة تسع وأربعين ، وعمره سبعة وأربعون سنّة وأشهر ، وقيل : ثمان وأربعون ، وقيل : في سنّة تمام خمسين من الهجرة ، وكان بذل معاوية لجعدّة بنت أشعث الكندي وهي ابنة أم فروة أخت أبي بكر عشرة آلاف دينار وأقطاع عشرة ضياع من سقي سور أو سواد الكوفة على أنّ تسمهعليهالسلام ، انتهى.
وروي في كشف الغمة عن الدولابي أنهعليهالسلام ولد لأربع سنين وستّة أشهر ونصف من الهجرة ، وعن عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي أنهعليهالسلام توفي وهو ابن خمس وأربعين سنّة في سنّة تسع وأربعين ، انتهى.
وروى صاحب كفاية الأثر أنهعليهالسلام توفي يوم الخميس في آخر صفر سنّة خمسين من الهجرة وله سبع وأربعون سنّة ، وقال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين : اختلف في مبلغ سن الحسنعليهالسلام فحدثني أحمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن عليّ بن إبراهيم بن الحسن عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم وجميل بن دراج عن جعفر بن محمّد أنه توفي وهو ابن ثماني وأربعين سنّة ، وعن أحمد بن سعيد عن يحيى ابن الحسن عن حسن بن الحسين اللؤلؤي ، عن محمّد بن سنان عن عبد الله بن مسكان عن أبي بصير عن جعفر بن محمّدعليهالسلام أنّ الحسن توفي وهو ابن ستّ وأربعين سنة.
الحديث الأوّل : مجهول.
بن سعيد ؛ عن النضر بن سويد ؛ عن عبد الله بن سنان عمّن سمع أبا جعفرعليهالسلام يقول لـمّا حضرت الحسنعليهالسلام الوفاة بكى فقيل له يا ابن رسول الله تبكي ومكانك من رسول اللهصلىاللهعليهوآله الّذي أنت به ؟ وقد قال فيك ما قال ؛ وقد حججت عشرين حجّة ماشيا وقد قاسمت مالك ثلاث مرات حتّى النعل بالنعل فقال إنّما أبكي لخصلتين : لهول المطّلع وفراق الأحبّة
________________________________________________________
« تبكي » الاستفهام مقدّر « ومكانك » الواو للحال ، ومن للنسبة « ما قال » أي من المناقب والفضائل الكثيرة « قاسمت » أي ناصفت ، النعل منصوب بتقدير أعطيت ونحوه والباء للمقابلة ، والمقاسمة كانت بينهعليهالسلام وبين الفقراء في سبيل الله ، وروى الصدوق في العيون والمجالس هذا الخبر بإسناده عن الرضاعليهالسلام ، وفيه قد قاسمت ربّك مالك.
وفي النهاية في الحديث : لو أنّ لي ما في الأرض جميعاً لافتديت به من هول المطلع ، يريد به الموقف يوم القيامة أو ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت فشبهه بالمطلع الّذي يشرف عليه من موضع عال ، انتهى.
وربمّا يقرأ المطلع بكسر اللام ، أي الرب تعالى المطلع على السرائر ، والبكاء لهذا الخوف لا ينافي علو شأنهعليهالسلام فان خشية المقربين أكثر من سائر العالمين ، وقد قال تعالى : «إنّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ »(١) وفي جميع أحوالهم كانوا باكين مع علمهم بكونهم من الفائزين ، وكذا فراق الأحبّة والحزن له من لوازم البشرية مع أنّ حزنهعليهالسلام لـمّا كان يعلم من مصائبهم والبلايا الواردة عليهم بعدهعليهالسلام ، ويحتمل أنّ يكون الأوّل للتعليم ، والثاني للشفقة على الأمّة وتسهيل الأمر عليهم.
وما قيل : أنّ المطلّع عبارة عن واقعة كربلاء من مصيبة الحسينعليهالسلام وإخوته وأهل بيته وأصحابه وهو المراد بالأحبّة ، أو المراد بالمطّلع جميع مصائب أهل الحق
__________________
(١) سوره فاطر : ٢٨.
٢ - سعدُ بن عبد الله ؛ وعبد الله بن جعفر ، عن إبراهيم بن مهزيار ، عن أخيه عليّ [ ابن مهزيار ] ؛ عن الحسن بن سعيد ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ؛ عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قبض الحسن بن عليّعليهالسلام وهو ابن سبع وأربعين سنّة في عام خمسين ؛ عاش بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أربعين سنة.
٣ - عدّة من أصحابنا ؛ عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن النعمان ؛ عن سيف بن عميرة ؛ عن أبي بكر الحضرمي قال إنَّ جعدّة بنت أشعث بن قيس الكندي سمت الحسن بن عليّ وسمت مولاة له فأما مولاته فقاءت السم وأمّا الحسن فاستمسك في
________________________________________________________
إلى ظهور القائمعليهالسلام فهو تكلف مستغنى عنه.
وروى الشيخ في مجالسه عن ابن عباس قال : دخل الحسين بن عليّعليهماالسلام عليّ أخيه الحسن في مرضه الّذي توفي فيه فقال له : كيف تجدك يا أخي؟ قال : أجدني في أوّل يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدّنيا ، واعلم أني لا أسبق أجلي وأني وارد على أبي وجديعليهماالسلام على كره مني لفراقك وفراق إخوتك وفراق الأحبّة ، وأستغفر الله من مقالّتي هذه وأتوب إليه ، بل على محبّة مني للقاء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وأمي فاطمةعليهماالسلام وحمزة وجعفرعليهماالسلام ، الخبر.
الحديث الثاني : مختلف فيه ، صحيح عندي.
ويدلّ على أنّ الولادة كانت في سنّة ثلاث وأنه عاش بعد أمير المؤمنينعليهالسلام عشر سنين.
الحديث الثالث : حسن موقوف.
« فاستمسك » أي احتبس السم ، وفي القاموس : النقطة الجدري والبشرة ، وكف نفيطة ومنفوطة ونافطة وقد نفطت كفرح نفطا ونفطا ونفيطا قرحت عملاً أو مجلت وقد انفطها العمل ونفط ينفط غضب أو احترق غضبا كتنفط والقدر غلت ، وأنفطت العنز ببولها رمت والقدر تنافط ترمي بالزبد ، انتهى.
والمراد هنا إما التورم أو الغليان أو رمي الكبدّ وفي بعض النسخ فانتقض به
بطنه ثمَّ انتفط به فمات.
٤ - محمّد بن يحيى وأحمد بن محمّد ، عن محمّد بن الحسن ؛ عن القاسم النهدي ؛ عن إسماعيل بن مهران ؛ عن الكناسي ؛ عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : خرج الحسن بن عليّ
________________________________________________________
بالقاف أي كسره ، وفي بعضها بالفاء أي تفرق بعض أحشائه ، في القاموس : نفض الثوب حركه لينتفض.
والأشعث هو زوج أخت أبي بكر بن أبي قحافة وأبناؤه محمّد وقيس وعبد الرَّحمن كانوا من قتلة الحسينعليهالسلام ، وسيأتي عن الصادقعليهالسلام أنّ الأشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنينعليهالسلام ، وابنته جعدّة سمت الحسنعليهالسلام ومحمّداً ابنه شرك في دم الحسينعليهالسلام .
وروى الراونديقدسسره في الخرائج عن الصادق عن آبائهعليهمالسلام أنّ الحسنعليهالسلام قال لأهل بيته : إني أموت بالسم كما مات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قالوا : ومن يفعل ذلك؟ قال : امرأتي جعدّة بنت الأشعث بن قيس ، فان معاوية يدس إليها ويأمرها بذلك قالوا : أخرجها من منزلك وباعدها من نفسك! قال : كيف أخرجها ولم تفعل بعد شيئاً ولو أخرجتها ما قتلني غيرها وكان لها عذر عند الناس ، فما ذهبت الأيام حتّى بعث إليها معاوية مإلّا جسيّما وجعل يمنيها بأنّ يعطيها مائة ألف درهم أيضاً ويزوجها من يزيد ، وحمل إليها شربة سم لتسقيها الحسن ، فانصرف إلى منزله وهو صائم ، فأخرجت [ وقت ] الإفطار وكان يوماً حاراً شربة لبن وقد ألقت فيها ذلك السم فشربها وقال : عدوة الله قتلتني قتلك الله ، والله لا تصيبن مني خلفا ولقد غرك وسخر منك والله يخزيك ويخزيه ، فمكث يومان ثمّ مضى فغدر بها معاوية ولم يف بها بما عاهد عليه.
أقول : وفي رواية أخرى قال : امرأة لم تصلح للحسن بن عليّ لا تصلح لا بني يزيد.
الحديث الرابع : صحيح.
عليهماالسلام في بعض عمره ومعه رجل من ولد الزبير كان يقول بإمامته فنزلوا في منهل من تلك المناهل تحت نخل يابس ، قد يبس من العطش ففرش للحسنعليهالسلام تحت نخلة وفرش للزبيري بحذاه تحت نخلة أخرى قال فقال الزبيري ورفع رأسه لو كان في هذا النخل رطب لأكلنا منه فقال له الحسن وإنّك لتشتهي الرُّطب ؟ فقال الزبيري نعمّ قال فرفع يده إلى السماء فدعا بكلام لم أفهمه فاخضرت النخلة ثمَّ صارت إلى حالها فأورقت وحملت رطبا فقال الجمّال الّذي اكتروا منه سحر والله قال فقال الحسنعليهالسلام ويلك ليس بسحر ولكن دعوة ابن نبيّ مستجابة قال فصعدوا إلى النخلة فصرموا ما كان فيه فكفاهم.
________________________________________________________
والعمر بضمّ العين وفتح الميم جمع عمرّة وقال الجوهري : المنهل المورد ، وهو عين ماء ترده الإبل في المرعى وتسمى المنازل الّتي في المفاوز على طرق السفار مناهل لأنّ فيها ماء.
قوله : بحذاه كذا في أكثر النسخ مقصوراً ، وفي بصائر الدرجات بحذائه وهو أصوب ، وأنّ كان القصر أيضاً جائزاً ، قال الجوهري : حذاء الشيء إزاؤه ، يقال : جلس بحذائه ، وفي القاموس : الحذاء الإزاء ويقال : هو حذاك وجملة « ورفع » حالية بتقدير قد ، وفي الخرائج وقد رفع « وإنك لتشتهي »؟ الاستفهام مقدر.
« لم أفهمه » كذا فيما عندنا من النسخ فضمير« قال » راجع إلى الزبيري ، والغرض أنّ الزبيري أيضاً حكى ذلك للنّاس وفي البصائر : لم يفهمه الزبيري ، وهو أصوب « ثمّ صارت إلى حالها » أي قبل اليبس ، وقيل : أي لونها الّذي كان لها قبل الاخضرار ، ولا يخفى ما فيه « سحر» اسم أو فعل « ويلك » بتقدير حرف النداء ، والويل الهلاك وفي القاموس : صرمه يصرمه صرماً ويضمّ قطعه قطعاً بائناً ، وأصرم النخل حأنّ له أنّ يصرم ، انتهى.
وقيل : الأمر الخارق للعادة من حيث أنه دال على صدق من أتى به وحقيته يسمى آية وعلامة وبينة ومن حيث أنه دال على أنّ صاحبه مكرم عند الله تعالى
٥ - أحمد بن محمّد ومحمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسن ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن رجاله ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إنَّ الحسنعليهالسلام قال أنّ لله مدينتين إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب عليهما سورُ من حديد وعلى
________________________________________________________
يسمّى كرامة ومن حيث أنّه دالّ على تصديقه تعالى إيّاه يسمّى معجزة ومن ثمّ قيل : شرط المعجزة أنّ يكون أخبار النبيّ بأنه نبي للتحدي بها ، والفرق بينها وبين الآية أنّ المعجزة ما وقع والتحدي بها ، فان كان المدعي نبيّاً دلّت على صدق نبوته ، وأنّ كان وليّاً دلّت على صدق ولايته.
الحديث الخامس : صحيح.
والمدينتان جابلقا وجابلسا ، قال في المغرب : قالوا جابلقا وجابلسا قريتان إحداهما بالمغرب والأخرى بالمشرق ، وقال في القاموس : جابلس بفتح الباء واللام أو سكونها بلدة بالمغرب ليس وراءه إنسي ، وجابلق بلد بالمغرب ، وليس وجود القريتين على الصفتين ممتنعاً في قدرة الله تعالى ، ولم يحط أحد سوى المعصومين والمؤيدين من عند الله تعالى بجميع الأرض حتّى يمكنه نفي ذلك وقد وجد قريب من زماننا بلاد عظيمة يسمى « ينكي دنيا » لم يكن القدماء اطلعوا عليها ، ولا ذكروا منها شيئاً في كتبهم.
وقال بعض أهل التأويل : كان المدينتين كنايتأنّ عن عالمي المثال المتقدَّم أحدهما على الدّنيا وهو الشرقي ، والمتأخر أخر عنها وهو الغربّي وكون سورهما من حديد كناية عن صلابته وعدم إمكان الدُّخول فيهما إلّا من أبوابهما ، وكثرة اللغات كناية عن اختلاف الخلائق في السلائق والألسن اختلافاً لا يحصى ، وحجيتّه وحجية أخيه في زمإنّهما ظاهرة فإنّها كانت عأمّة لجميع الخلق ، انتهى.
وقال شارح المقاصد : ذهب بعض المتألهين من الحكماء ونسب إلى القدماء أنّ بين عالمي المحسوس والمعقول واسطة تسمى عالم المثل ليس في تجرّد المجرّدات ، ولا في مخالطة المادّيات وفيه لكلّ موجود من المجرّدات والأجسام والأعراض
كلّ واحد منهما ألف ألف مصراع وفيها سبعون ألف ألف لغة يتكلّم كلُّ لغة بخلاف لغة صاحبها وأنا أعرف جميع اللّغات وما فيهما وما بينهما ، وما عليهما حجّة غيري وغير الحسين أخي.
________________________________________________________
والحركات والسكنات والأوضاع والهيئات والطعوم والروائح مثال قائم بذاته معلق لا في مادّة ومحلّ يظهر للحسّ بمعونة مظهر كالمرآة والخيال والماء والهواء ونحو ذلك ، وقد ينتقل من مظهر إلى مظهر ، وقد يبطل كما فسدت المرآة والخيال ، أو زالت المقابلة أو التخيل ، وبالجملة هو عالم عظيم الفسحة غير متناه ، يحذو حذو العالم الحسي في دوام حركة أفلاكه المثالية وقبول عناصره ومركباته آثار حركات أفلاكه وإشراقات العالم العقلي ، وهذا ما قال الأقدمون أنّ في الوجود عالـماً مقدارياً غير العالم الحسي لا تتناهى عجائبه ولا تحصى مدته.
ومن جملة تلك المدن جابلقا وجابرسا ، وهما مدينتأنّ عظيمتأنّ لكلّ منهما ألف باب لا يحصى ما فيها من الخلائق ، ومن هذا عالم يكون فيه الملائكة والجن والشياطين والغيلان ، لكونها من قبيل المثل والنفوس الناطقة المفارقة الظاهرة فيها ، وبه يظهر المجردات في صور مختلفة بالحسن والقبح واللطافة والكثافة وغير ذلك بحسب استعداد القابل والفاعل.
وعليه بنوا أمر المعاد الجسماني فان البدن المثالي الّذي يتصرف فيه النفس حكمه حكم البدن الحسي في أنّ له جميع الحواس الظاهرة والباطنة فيلتذ ويتألم باللذات والآلام الجسمانيّة وأيضاً تكون من الصور المعلقة نورانية فيها نعيم السعداء وظلمانية فيها عذاب الأشقياء وكذا أمر المنامات وكثير من الإدراكات ، فان جميع ما يرى في المنام أو التخيل في اليقظة بل نشاهد في الأمراض وعند غلبة الخوف ونحو ذلك من الصور المقدارية الّتي لا تحقق لها في عالم الحس كلها من عالم المثل.
وكذا كثير من الغرائب وخوارق العادات كما يحكى عن بعض الأولياء أنه مع إقامته ببلدته كان من حاضري المسجد الحرام أيام الحج ، وأنه ظهر من بعض
٦ - الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن عليّ بن النعمان ، عن صندل ، عن أبي أسأمّة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال خرج الحسن بن عليّعليهالسلام إلى مكّة سنّة ماشياً فورمت قدماه فقال له بعض مواليه لو ركبت لسكن عنك هذا الورم فقال كلا إذا أتينا هذا المنزل فإنه يستقبلك أسود ومعه دهن فاشتر منه ولا تماكسه فقال له مولاه بأبي أنت وأمي ما قدمنا منزلا فيه أحد يبيع هذا الدواء فقال له بلى إنه أمامك دون المنزل فساراً ميلا فإذا هو بالأسود فقال الحسنعليهالسلام لمولاه دونك الرجل فخذ منه الدهن وأعطه الثمن فقال الأسود يا غلام لمن أردت هذا الدهن فقال للحسن بن عليّ فقال انطلق بي إليه فانطلق فأدخله إليه فقال له بأبي أنت وأمي لم أعلم أنك تحتاج إلى هذا أوترى ذلك ولست آخذ له ثمنا إنّما أنا مولاك ولكن ادع الله أنّ يرزقني ذكراً سوياً يحبكم
________________________________________________________
جدران البيت ، أو خرج من بيت مسدود الأبواب والكوى ، وأنه أحضر بعض الأشخاص والثمار أو غير ذلك ، من مسافة بعيدة جدا في زمان قريب إلى غير ذلك ، انتهى.
وهذه الكلمات شبيهة بالخرافات ، وتصحيح النصوص والآيات لا يحتاج إلى ارتكاب هذه التكلفات ، والله يعلم حقائق العوالم والموجودات.
الحديث السادس : ضعيف على المشهور.
« فورمت » بكسر الراء « ما قدمنا منزلاً » أي هذا المنزل الّذي نأتيه ليس مظنة كون هذا الدواء فيه ، وفي الخرائج ليس إمامنا منزل فيه أحد يبيع هذا الدواء فقال : بلى إنه إمامنا وساروا أميالاً فإذا الأسود قد استقبلهم إلى قوله : فان الله قد وهب لك ولداً ذكراً سوياً ، فرجع الأسود من فوره فإذا امرأته قد ولدت غلاما سويا ثمّ رجع الأسود إلى الحسن ودعا له بالخير بولادة الغلام له ، وأنّ الحسن قد مسح رجليه بذلك الدهن فما قام من موضعه حتّى زال الورم.
قوله : أو ترى ذلك؟ أي تعلم وجود هذا الدواء عندي ، وفي القاموس : مخضت
أهل البيت ، فإنّي خلّفت أهلي تمخض فقال : إنطلق إلى منزلك فقد وهب الله لك ذكراً سويّاً وهو من شيعتنا.
( باب )
( مولد الحسين بن عليّ عليهالسلام )
ولد الحسين بن عليّعليهماالسلام في سنة ثلاث وقبضعليهالسلام في شهر المحرَّم من سنة
________________________________________________________
كسمع ومنعوعني مخاضاً ومخاضاً ، ومخضت تمخيضاً أخذها الطلق أي وجع الولادة.
وأقول : الخبر مشتمل على معجزات ويدلّ على تأكّد استحباب المشي إلى بيت الله.
باب
مولد الحسين بن عليعليهماالسلام
أقول : قال الشيخقدسسره في التهذيب : ولدعليهالسلام آخر شهر ربيع الأوّل سنّة ثلاث من الهجرة ، وقال الطبرسي (ره) في إعلام الورى : ولدعليهالسلام يوم الثلاثاء وقيل : يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان ، وقيل : لخمس خلون منه لسنّة أربع من الهجرة ، وقيل : ولدعليهالسلام آخر ربيع الأوّل سنّة ثلاث منها ، وقال ابن شهرآشوب في المناقب : ولدعليهالسلام عام الخندق بالمدينة يوم الخميس أو يوم الثلاثاء لخمس خلون من شعبان سنّة أربع من الهجرة بعد أخيه بعشرة أشهر وعشرين يوماً ، وقال المفيد (ره) في الإرشاد : ولدعليهالسلام بالمدينة لخمس ليال خلون من شعبان سنّة أربع من الهجرة ، وقال الشيخ في المصباح : خرج إلى القاسم بن العلاء الهمداني وكيل أبي محمّدعليهالسلام أنّ مولانا الحسينعليهالسلام ولد يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان وروى الحسين بن زيد عن جعفر بن محمّدعليهماالسلام قال : ولد الحسين بن عليّعليهماالسلام لخمس ليال خلون من شعبان سنّة أربع من الهجرة.
وقال في كشف الغمة : قال كمال الدين بن طلحة : ولدعليهالسلام بالمدينة لخمس خلون من شعبان سنّة أربع من الهجرة ، علقت البتولعليهاالسلام به بعد أنّ ولدت أخاه
إحدى وستين من الهجرة وله سبع وخمسون سنّة وأشهر قتله عبيد الله بن زياد لعنه الله
________________________________________________________
الحسن بخمسين ليلة ، وكذلك قال الحافظ الجنابذي ، وقال كمال الدين : كان انتقاله إلى دار الآخرة في سنّة إحدى وستين من الهجرة ، فتكون مدة عمره ستا وخمسين سنّة وأشهر ، كان منها مع جده رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ست سنين وشهورا ، وكان مع أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ثلاثين سنّة بعد وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان مع أخيه الحسن بعد وفاة أبيه عشر سنين ، وبقي بعد وفاة أخيه الحسنعليهماالسلام إلى وقت مقتله عشر سنين.
قال ابن الخشاب : حدثنا حرب بإسناده عن أبي عبد الله الصادقعليهالسلام قال : مضى أبو عبد الله الحسين بن عليّ وأمه فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين وهو ابن سبع وخمسين سنّة في عام الستين من الهجرة في يوم عاشوراء ، كان مقامه مع جده رسول الله سبع سنين إلّا ما كان بينه وبين أبي محمّد وهو سبعة أشهر وعشرة أيام وأقام مع أبيه ثلاثين سنّة ، وأقام مع أبي محمّد عشر سنين ، وأقام بعد مضي أخيه الحسنعليهالسلام عشر سنين ، فكان عمره سبعا وخمسين سنّة إلّا ما كان بينه وبين أخيه من الحمل ، وقبض في يوم عاشوراء في يوم الجمعة في سنّة إحدى وستين ، ويقال : يوم الاثنين ، انتهى.
وقال الشهيد (ره) في الدروس ولدعليهالسلام بالمدينة آخر شهر ربيع الأوّل سنّة ثلاث من الهجرة ، وقيل : يوم الخميس ثالث عشر شهر رمضان ، وقال الشيخ ابن نما قيل : ولدعليهالسلام لخمس خلون من جمادى الأولى ، وكانت مدة حمله ستّة أشهر ، ولم يولد لستّة سواه وعيسى وقيل : يحيىعليهمالسلام ، انتهى.
وأقول : إنّما اختار الشيخ (ره) كون ولادتهعليهالسلام في آخر شهر ربيع الأوّل تبعاً لـمّا اختاره المفيد (ره) في المقنعة ، مع مخالفته لـمّا رواه من الروايتين ، لـمّا ثبت عنده واشتهر بين الفريقين من كون ولادة الحسن في منتصف شهر رمضان ، وما ورد في روايات صحيحة أنه لم يكن بين ولادتيهما إلّا ستّة أشهر وعشراً كما سيأتي بعضها
في خلافة يزيد بن معاوية لعنه الله وهو على الكوفة وكان على الخيل الّتي حاربته وقتلته عمر بن سعد لعنه الله بكربلاء - يوم الإثنين لعشر خلون من المحرم وأمه فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
١ - سعد وأحمد بن محمّد جميعاً ، عن إبراهيم بن مهزيار ، عن أخيه عليّ بن مهزيار ، عن الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قبض الحسين بن عليّعليهالسلام - يوم عاشوراء وهو ابن سبع وخمسين سنة.
٢ - عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن الحكم ، عن عبد الرَّحمن العرزمي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال كان بين الحسن والحسينعليهالسلام طهر وكان بينهما في الميلاد ستّة أشهر وعشراً.
٣ - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الوشّاء والحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن أحمد بن عائذ ، عن أبي خديجة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال :
________________________________________________________
لكن مع ورود هذه الأخبار يمكن ترك القول بكون ولادة الحسنعليهالسلام في شهر رمضان لعدم استناده إلى رواية معتبرة والله يعلم.
قوله : وهو، أي عبيد الله لعنه الله « على الكوفة » أي وال على الكوفة والخيل الفرسان ، والمراد هنا العسكر الملعون « لعشر » أي لعشر ليال« خلون » أي مضين.
الحديث الأوّل : مختلف فيه صحيح عندي.
الحديث الثاني : صحيح.
« بين الحسن والحسين » أي بين ولادة الحسن والعلوق بالحسين « طهر » أي مقدار أقل الطهر في النساء اللاتي يحضن وهو عشرة أيام ، ولم يكن لهاعليهاالسلام دم ، والميلاد وقت الولادة.
الحديث الثالث : مختلف فيه.
قوله : لـمّا حملت ، لعلّ المعنى قرب حملها ، أو المراد جاء جبرئيل قبل ذلك ،
لـمّا حملت فاطمةعليهاالسلام بالحسين جاء جبرئيل إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال أنّ فاطمةعليهاالسلام ستلد غلاما تقتله أمتك من بعدك فلـمّا حملت فاطمة بالحسينعليهالسلام كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه ثمّ قال أبو عبد اللهعليهالسلام لم تر في الدّنيا أم تلد غلاماً تكرهه ولكنّها كرهته لـمّا علمت أنه سيقتل قال وفيه نزلت هذه الآية «وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوالِدَيْهِ » حسناً «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ
________________________________________________________
أو المراد بقوله : حملت ثانيا شعرت به ، وربمّا يقرأ الثاني حملت على بناء المجهول من التفعيل ، أي عدت حاملا ، وفي كامل الزيارة الحسين بدون الباء ، وعلى هذا التأويل يحتمل أنّيكون « وصينا » معناه جعلناه وصيا من الأوصياء ، فالباء في « بوالديه » للسببية، فقوله : حسناً نصب على الإغراء بتقدير القول أي قائلين ألزم حسناً كما قيل ، لكنّه بعيد ، والأظهر أنّ « وصينا » بمعناه ، والياء للسببية ، وحسناً مفعول وصينا ، وأنّ قرأ بفتح الحاء والسين لا يبعد الوجه الأوّل أيضاً ، أي وصيناه أيضاً حسنا.
قال في مجمع البيان : قرأ أهل الكوفة إحسانا ، والباقون حسناً ، وروي عن عليّعليهالسلام وأبي عبد الرَّحمن السلمي حسناً بفتح الحاء والسين ، انتهى.
ويحتمل أنّ يكون الوالدان رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما كما مرّ وسيأتي ، أو عليّاً وفاطمةعليهماالسلام .
« لم تر » على بناء المجهول ، وفي الكامل : هل رأيتمّ في الدّنيا أما ، إلى آخره وحمله وفصاله ثلاثون شهراً موافق لهذا التأويل ، لأنّ حمله كان ستّة أشهر ، ومدة الرضاع سنتان ، قال البيضاوي «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً ، وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً » ذات كره أو حملا ذا كره ، وهو المشقّة «وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ » ومدة حمله وفصاله ، والفصال الفطام ، والمراد به الرضاع التام المنتهى به ، ولذلك عبر به كما يعبر بالأمر عن المدة ثلاثون شهراً كلّ ذلك بيان لـمّا تكابده الأم في تربية الولد مبالغة في التوصية بها وفيه دليل على أنّ أقل مدة الحمل ستّة لأنه إذا حط عنه للفصال حولان لقوله : «حَوْلَيْنِ
ثَلاثُونَ شهراً »(١) .
٤ - محمّد بن يحيى ، عن عليّ بن إسماعيل ، عن محمّد بن عمرو الزيات ، عن رجل من أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أنّ جبرئيلعليهالسلام نزل على محمّدصلىاللهعليهوآله فقال له يا محمّد أنّ الله يبشرك بمولود يولد من فاطمة تقتله أمتك من بعدك فقال يا جبرئيل وعلى ربّي السلام لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله أمّتي من بعديّ فعرج ثمّ هبطعليهالسلام فقال له مثل ذلك فقال يا جبرئيل وعلى ربّي السلام لا حاجة لي في مولود تقتله أمّتي من بعديّ فعرج جبرئيلعليهالسلام إلى السماء ثمّ هبط فقال يا محمّد أنّ ربّك يقرئك السلام ويبشرك بأنه جاعل في ذريّته الامامة والولاية والوصيّة فقال قد رضيت ثمّ أرسل إلى فاطمة أنّ الله يبشرني بمولود يولد لك تقتله أمّتي من بعدي فأرسلت إليه لا حاجة لي في مولود مني تقتله أمتك من بعدك فأرسل إليها أنّ الله قد جعل في ذريّته الامامة والولاية
________________________________________________________
كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أنّ يتمّ الرَّضاعَةَ » بقي ذلك ، وبه قال الأطباء ، ولعلّ تخصيص أقل الحمل وأكثر الرضاع لانضباطهما وتحقق ارتباط حكم النسب والرضاع بهما.
الحديث الرابع : مرسل ، وآخره أيضاً مرسل.
والظاهر أنّ الإرسال والتبشير من الله والرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم كانا على وجه التخيير لا الحتم ، حتّى يكون ردهما رداً على الله «حتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ » أي استحكم قوته وعقله «وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سنّة » أقول : لا يلزم من كون هذا الدعاء بعد أربعين سنّة من عمره أنّ يكون مصادفاً لأوّل إمامته ، بل يمكن أنّ يكون قبل ذلك ، فان إمأمّة الحسينعليهالسلام كان بعد مضي سبع وأربعين من عمره الشريف ، مع أنه بطن للآية ولا يلزم انطباقها من جميع الوجوه ، وما قيل : من أنّ بلوغ الأشد كان عند وفاة الرسولصلىاللهعليهوآله وابتداء الأربعين من بلوغ الأشد فيكون مصادفا لابتداء إمامتهعليهالسلام فهو تكلف مستغنى عنه.
__________________
(١) سورة الأحقاف : ١٥ وفي المصحف «إِحْساناً » بدل « حسناً ».
والوصيّة فأرسلت إليه إنّي قد رضيت ف- « ـحَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شهراً حتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سنّة قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أنّ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الّتي أَنْعَمْتَ عليّ وَعَلى والِدَيَّ وَأنّ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي » فلو لا أنهقال أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي » لكانت ذريّته كلهم أئمّة - ولم يرضع الحسين من فاطمةعليهاالسلام ولا من أنثى كان يؤتى به النبيّ فيضع إبهامه في فيه فيمص منها ما يكفيها اليومين والثلاث فنبت لحم الحسينعليهالسلام من لحم رسول الله ودمه ولم يولد لستّة أشهر إلّا عيسى ابن مريمعليهالسلام والحسين بن عليّعليهالسلام .
وفي رواية أخرى ، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله كان يؤتى
________________________________________________________
«أَوْزِعْنِي » أي ألهمني وأصله أولعني من أوزعته بكذا ، والمراد بالنعمة نعمة الامامة والنبوّة «وَأنّ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ » قال البيضاوي : نكرة للتعظيم أو لأنه أراد نوعاً من الجنس يستجلب رضا الله تعالى «وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي » واجعل لي الصلاح سارياً في ذريتي راسخاً فيهم.
أقول : على تأويلهعليهالسلام « في » للتبعيض أي بعض ذريتي وهو أظهر.
« فنبت لحما » تميز وفي بعض النسخ كما في كامل الزيارة لحم الحسين وهو أظهر « إلّا عيسى بن مريم » لعلّ هذا من تصحيف الرواة أو النساخ ، وفي أكثر الأخبار المعتبرة إلّا يحيى والحسينعليهالسلام ، وقد ورد في الأخبار المعتبرة أنّ حمل عيسى كان تسع ساعات ، وقيل : ثلاث ساعات ، قال الثعلبي : اختلف العلماء في مدة حمل مريم بعيسى ، فقال بعضهم : كان مقدار حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء ، وقيل : ثمانية أشهر وكان ذلك آية أخرى لأنه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى ، وقيل : ستّة أشهر ، وقيل : ثلاث ساعات ، وقيل : ساعة واحدة ، انتهى.
وأقول : يحتمل أنّ يكون مادة تولد عيسى أحدثها الله في مريم (ع) قبل نفخ جبرئيلعليهالسلام بستّة أشهر.
قولهعليهالسلام : فيلقمه لسانه ، يمكن الجمع بينه وبين ما سبق بأنه كان في
به الحسين فيلقمه لسانه فيمصّه فيجتزيء به ولم يرتضع من اُنثى.
٥ - عليُّ بن محمّد رفعه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عزَّ وجلَّ «فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ »(١) قال حسب فرأى ما يحلّ بالحسينعليهالسلام فقال إني سقيم لـمّا يحلّ بالحسينعليهالسلام
________________________________________________________
بعض الأوقات يمص لسانه وفي بعضها إبهامهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
الحديث الخامس : مرفوع.
«فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ » أقول : هذه إحدى الآيات الّتي استدل بها المخطئون للأنبياء زعمّا منهم أنه كذب ، وأجيب بوجوه : « الأوّل » أنهعليهالسلام نظر في النجوم فاستدل بها على وقت حمى كانت تعتاده ، فقال إني سقيم ، أراد أنه قد حضر وقت علته فكأنه قال : سأسقم.
الثاني : أنه نظر في النجوم كنظرهم في استنباط الأحكام من النجوم ، فأوهمهم أنه يقول بمثل قولهم ، فقال عند ذلك إني سقيم ، فتركوه ظنا منهم أنّ نجمع يدلّ على سقمه ، ويجوز أنّ يكون الله تعالى أعلمه بالوحي أنه سيسقمه في وقت مستقبل وجعل العلأمّة على ذلك إما طلوع نجم على وجه مخصوص أو اتصاله بآخر على وجه مخصوص ، فلـمّا رأى إبراهيم تلك الأمارة قال إني سقيم.
الثالث : أنّ المعنى أنه سقيم القلب أو الرأي حزنا من إصرار القوم على عبادة الأصنام ، وهي لا تسمع ولا تبصر ، فمعنى «نَظْرَةً فِي النُّجُومِ » تفكره في أنها محدثة مخلوقة مدبرة ، وتعجبه كيف ذهب على العقلاء ذلك من حالها حتّى عبدوها.
الرابع : أنّ من كتب عليه الموت فهو سقيم وأنّ لم يكن به سقم في الحال ، وما ورد في هذه الرواية أحد الوجوه ، والمراد سقم القلب ، ولا ينافي ذلك أنّ يكون أوهمهم ظاهراً أنه سيسقم في بدنه ، وكان مراده سقم القلب تورية ، وهذا مجوز عند الضرورة والمصلحة ، وليس بكذب ، ولذا ورد في الخبر أنّ في المعاريض لمندوحة عن
__________________
(١) سورة الصافات : ٨٩.
٦ - أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن الحسن ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد ، عن عليّ بن أسباط ، عن سيف بن عميرة ، عن محمّد بن حمران قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام لـمّا كان من أمر الحسينعليهالسلام ما كان ، ضجّت الملائكة إلى الله بالبكاء وقالت يفعل هذا بالحسين صفيّك وابن نبيّك ؟ قال : فأقام الله لهم ظل القائمعليهالسلام وقال بهذا أنتقم لهذا.
________________________________________________________
الكذب ، وقد روي بأسانيد عن الباقر والصادقعليهماالسلام إنّهما قالاً : والله ما كان سقيما وما كذب ، ثمّ ظاهر الخبر أنهعليهالسلام علم ما يحلّ بالحسينعليهالسلام بحساب النجوم والأوضاع الفلكية وأنها تدل على الحوادث ، والأخبار في ذلك كثيرة أوردتها في الكتاب الكبير ، ولا ينافي ذلك منع سائر الخلق من التفكر فيها والحكم بها.
وما يتحصل من جميع الأخبار هو أنّ علم النجوم من علوم الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام وهو إحدى الطرق الّتي يستنبطون بها العلم بالحوادث وهي مختصة بهم ، وسائر الخلق لم يحيطوا بها علـمّا ، فلذا منعوا عن التفكر فيها ، والإخبار بها أو لمصالح أخرى لا يخفى بعضها على أولي الأبصار ، وهذا هو المشهور بين علمائنا.
وذهب السيّد بن طاوس (ره) وجماعة إلى جواز النظر فيها وحملوا أخبار النهي على ما إذا ظن أنها مؤثرات ، ولا ريب في بطلان هذه العقيدة ، وأنّ القول بأنها مؤثرات تأمّة كفر ، والمشهور أنّ القول بالتأثير الناقص فسق ، والقول بأنها علامات لا ضير فيه ، والأظهر تحريم النظر فيها والإخبار بها بل تعليمها وتعلمها كما حققناه في كتاب السماء والعالم.
الحديث السادس : موثق كالصحيح.
« ضجت » من باب ضرب أي صاحت وجزعت « ظل القائم » أي جسده المثالي. أو صورة خلقت شبيهة به ، حاكية لأحواله أو روحه المقدسة ، قال في القاموس : الظل الخيال من الجن وغيره يرى ، ومن كلّ شيء شخصه.
٧ - عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن عليّ بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن عبد الملك بن أعين ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال لـمّا نزل النصر على الحسين بن عليّ حتّى كان بين السماء والأرض ثمّ خير النصر أو لقاء الله فاختار لقاء الله.
٨ - الحسين بن محمّد قال حدثني أبو كريب وأبو سعيد الأشج قال حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن أبيه إدريس بن عبد الله الأودي قال لـمّا قتل الحسينعليهالسلام أراد القوم أنّ يوطّئوه الخيل فقالت فضة لزينب يا سيدتي أنّ سفينة كسر به في
________________________________________________________
الحديث السابع : حسن.
وقد مرّ بسند حسن آخر عنهعليهالسلام في باب أنّ الأئمّةعليهمالسلام يعلمون متى يموتون ، وليس فيه « لـمّا » بل فيه : « أنزل الله النصر » إلى آخره ، وهو الصواب ، والملائكة الذين نزلوا كانوا أربعة آلاف ملك على أكثر الأخبار ، وخمسين ألف ملك على بعضها.
روى الصدوق بإسناده عن أبان بن تغلب قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : أنّ أربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين بن عليّ صلوات الله عليهما ، فلم يؤذن لهم في القتال ، فرجعوا في الاستئذأنّ وهبطوا وقد قتل الحسينعليهالسلام فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة ورئيسهم ملك يقال له منصور ، وروى ابن قولويه في كامل الزيارة بإسناده عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : مرّ بالحسين بن عليّ خمسون ألف ملك وهو يقتل فعرجوا إلى السماء ، فأوحى الله إليهم مررتم بابن حبيبي وهو يقتل فلم تنصروه فاهبطوا إلى الأرض فأسكنوا عند قبره شعثا غبرا إلى أنّ تقوم الساعة.
الحديث الثامن : مجهول.
« فقالت فضة » هي جارية فاطمة صلوات الله عليها« لزينب » أي بنتها ، وسفينة لقب مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، قال المازري : اسم سفينة قيس ، وقيل : نجرأنّ ،
البحر فخرج إلى جزيرة فإذا هو بأسد فقال يا أبا الحارث أنا مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فهمهم بين يديه حتّى وقفه على الطريق والأسد رابضٌ في ناحية ، فدعيني أمضي إليه
________________________________________________________
وقيل : رومان ، وقيل : مهران ، وكنيته المشهورة أبو عبد الرَّحمن ، وسبب تسميته بسفينة أنه حمل متاعاً كثيراً لرفقائه في الغزو فقال له النبيّصلىاللهعليهوآله : أنت سفينة ، وقال الذهبي : أعتقته أم سلمة.
وأشارت فضة إلى قصته المشهورة واختلف فيها ، قال في شرح السنّة أنّ سفينة مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخطأ الجيش بأرض الروم وأسر فانطلق هاربا يلتمس الجيش ، فإذا هو بأسد فقال : يا أبا الحارث أنا مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكان من أمري كيت وكيت ، فأقبل الأسد حتّى قام إلى جنبه كلـمّا سمع صوتاً أهوى إليه ثمّ أقبل يمشي إلى جنبه حتّى أبلغه الجيش ثمّ رجع.
وروى الراوندي في الخرائج والجرائح عن ابن الأعرابي أنّ سفينة مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : خرجت غازيا فكسر بي فغرق المركب وما فيه وأفلت(١) وما عليّ إلّا خرقة قد اتزرت بها ، وكنت على لوح ، وأقبل اللوح يرمي بي على جبل في البحر ، فإذا صعدت وظننت أني نجوت جاءتني موجة فانتسفتني(٢) ففعلت بي مراراً ثمّ إني خرجت اشتد على شاطئ البحر ، فلم تلحقني فحمدت الله على سلأمّتي ، فبينا أنا أمشي إذا بصر بي أسد وأقبل يزأر(٣) إلى أنّ يفترسني ، فرفعت يدي إلى السماء فقلت : اللّهم إني عبدك ومولى نبيّك نجيتني من الغرق ، أفتسلط عليّ سبعك؟ فألهمت أنّ قلت : أيها السبع أنا سفينة مولى رسول الله ، احفظ رسول الله في مولاه ، فو الله إنه لترك الزئير وأقبل كالسنور يمسح خده بهذا الساق مرّة وبهذه أخرى وهو ينظر في وجهي مليا ثمّ طأطأ ظهره(٤) وأومأ إلى أنّ أركب
__________________
(١) أي تخلصت. (٢) انتسف الشيء : اقتعله.
(٣) الزئير : صوت الأسد. (٤) من طأ طأ رأسه : خفضه.
وأعلمه ما هم صانعون غداً ، قال فمضت إليه فقالت يا أبا الحارث فرفع رأسه ثمّ قالت : أتدري ما يريدون أنّ يعملوا غدا بأبي عبد اللهعليهالسلام ؟ يريدون أنّ يوطئوا الخيل ظهره قال فمشى حتّى وضع يديه على جسد الحسينعليهالسلام فأقبلت
________________________________________________________
فركبت ظهره فخرج يخب بي(١) فما كان بأسرع من أنّ هبط جزيرة فإذا فيها من الشجرة والثمار وعين عذبة من ماء دهشت فوقف وأومأ إلى أنّ أنزل ، فنزلت وبقي واقفا حذائي ينظر ، فأخذت من تلك الثمار وأكلت وشربت من ذلك الماء فرويت وعمدت إلى ورقة فجعلتها لي مئزرا واتزرت بها وتلحفت بأخرى ، وجعلت ورقة شبيها بالمزود فملأتها من تلك الثمار وبللت الخرقة الّتي كانت معي لأنّ أعصرها إذا احتجت إلى الماء فأشربه.
فلـمّا فرغت ممّا أردت أقبل إلى فطأطأ ظهره ثمّ أومأ إلى أنّ أركب ، فلـمّا ركبت أقبل بي نحو البحر في غير الطريق الّذي أقبلت منه ، فلـمّا صرت على البحر إذا مركب سائر في البحر فلوحت لهم فاجتمع أهل المركب يسبحون ويهللون ويرون رجلاً راكبا أسدا فصاحوا : يا فتى من أنت؟ أجني أم إنسي قلت : أنا سفينة مولى رسول الله رعى الأسد بي حقّ رسول الله ففعل ما ترون ، فلـمّا سمعوا ذكر رسول الله حطوا الشراع(٢) وحملوا رجلين في قارب صغير ودفعوا إليهما ثيابا فجاءاني ونزلت من الأسد ووقف ناحية ينظر فانتظر ما أصنع ، فرميا إلى بالثياب وقالا ألبسها فلبستها ، فقال أحدهما : اركب ظهري حتّى أحملك إلى القارب أيكون السبع أرعى لحقّ رسول الله عن أمته ، فأقبلت على الأسد فقلت : جزاك الله خيرا عن رسول الله ، فنظرت إلى دموعه تسيل على خده ما يتحرك حتّى دخلت القارب وأقبل يلتفت إلى ساعة بعد ساعة حتّى غبنا عنه.
وأبو الحارث من كنى الأسد ، والربوض للأسد والشاة كالبروك للإبل.
__________________
(١) الجنب : ضرب من العدو.
(٢) الشراع. مثل الملاءة الواسعة يشرع وينصب على السفينة فتهب فيه الرياح فتمى بالسفينة.
الخيل فلـمّا نظروا إليه قال لهم عمر بن سعد - لعنه الله - : فتنة لا تثيروها انصرفوا ، فانصرفوا
________________________________________________________
قوله لعنه الله : لا تثيروها أي لا تظهروها ولا تفشوها ، ويدلّ على أنّ للحيوانات شعورا ، وعلى أنّ بعضهم يحبون أهل البيت ويعرفونهم ، ويمكن أنّ يكون الله تعالى ألهمه في هذا الوقت أنّ يفعل هذا الفعل أو أعطاه شعوراً عرف كلام فضة ، ويدلّ على أنّ ما ذكره الخاصة والعامّة من وقوع هذا الأمر الفظيع لا أصل له.
حتّى أنّ السيّد بن طاوسقدسسره قال في كتاب الملهوف : ثمّ نادى عمر ابن سعد في أصحابه : من ينتدب للحسين فيوطئ الخيل ظهره؟ فانتدب منهم عشرة وهم إسحاق بن حوية الّذي سلب الحسينعليهالسلام قميصه ، وأخنس بن مرثد وحكيم ابن طفيل ، وعمرو بن صبيح ، ورجاء بن منقذ ، وسالم بن خيثمة ، وصالح بن وهب ، وواخط بن ناعمّ ، وهاني بن ثبيت ، وأسيد بن مالك ، فداسوا الحسين صلوات الله عليه بحوافر خيلهم حتّى رضوا ظهره وصدره.
قال : وجاء هؤلاء العشرة حتّى وقفوا على ابن زياد فقال أسيد بن مالك أحد العشرة :
نحن رضضنا الظهر بعد الصدر |
بكلّ يعبوب شديد الأسر(١) |
فقال ابن زياد : من أنتم؟ فقالوا : نحن الذين وطئنا بخيولنا ظهر الحسين حتّى طحنّا جناجن صدره(٢) فأمر لهم بجائزة يسيرة ، قال أبو عمر والزاهد : فنظرنا في هؤلاء العشرة فوجدناهم جميعاً أولاد زناء ، وهؤلاء أخذهم المختار فشد أيديهم وأرجلهم بسلك الحديد وأوطأ الخيل ظهورهم حتّى هلكوا ، انتهى.
وأقول : المعتمد ما رواه الكليني (ره) ويمكن أنّ يكون ما رواه السيّد إدّعاء من الملاعين ذلك لإخفاء هذه المعجزة ، وكأنّه لذلك قلّل ولد الزنا جائزتهم لعلمه
__________________
(١) اليعبوب : الفرس السريع. والاسر : الدرع الحصينة.
(٢) الجناجن : عظام الصدر.
٩ - عليُّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن أحمد ، عن الحسن بن عليّ ، عن يونس ، عن مصقلة الطحان قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول لـمّا قتل الحسينعليهالسلام أقامت امرأته الكلبية عليه مأتما وبكت وبكين النساء والخدم حتّى جفت دموعهنَّ وذهبت فبينا هي كذلك إذا رأت جارية من جواريها تبكي ودموعها تسيل فدعتها فقالت لها ما لك أنت من بيننا تسيل دموعك قالت إني لـمّا أصابني الجهد شربت شربة سويق قال فأمرت بالطعام والأسوقة فأكلت وشربت وأطعمت وسقت وقالت إنّما نريد بذلك أنّ نتقوى على البكاء على الحسينعليهالسلام قال وأهدي إلى الكلبية جونا لتستعين بها على مأتم الحسينعليهالسلام فلـمّا رأت الجون قالت ما هذه
________________________________________________________
بكذبهم وما فعله المختار لادعائهم ذلك وأنّ كان باطلا ، وأنّ كان ما فعلوه بهعليهالسلام قبل ذلك أفحش وأفظع منه.
الحديث التاسع : ضعيف على المشهور « أقامت امرأته الكلبية » هي بنت امرئ القيس الكلبي أم سكينة بنت الحسينعليهالسلام وبنو كلب حي من قضاعة.
قال المفيدقدسسره في الإرشاد : كان للحسينعليهالسلام ستّة أولاد : عليّ بن الحسين الأكبر كنيته أبو محمّد أمه شه زنأنّ بنت كسرى يزدجرد ، وعليّ بن الحسين الأصغر قتل مع أبيه بالطف ، أمه ليلى بنت أبي مرّة الثقفية ، وجعفر بن الحسين لا بقية له ، وأمه قضاعية ، وكانت وفاته في حياة الحسينعليهالسلام ، وعبد الله بن الحسين قتل مع أبيه صغيراً وسكينة بنت الحسين وأمها الرباب بنت امرئ القيس بن عديّ كلبية معدية وهي أم عبد الله بن الحسين ، وفاطمة بنت الحسين وأمها أم إسحاق بنت طلحة ابن عبد الله تميمية ، انتهى.
والمأتم مصدر ميمي أو اسم مكان : مجتمع النساء للمصيبة ، والنساء بدل أو عطف بيان لضمير بكين ، والخدم بالتحريك جمع خادم ، والجهد بالفتح المشقّة ، والسويق كأمير دقيق الحنطة المشوية ونحوها.
وقال الجوهري : الجون الأسود ، وهو من الأضداد ، والجمع جون بالضمّ ،
قالوا هديّةٌ أهداها فلانٌ لتستعيني على مأتم الحسين فقالت لسنا في عرس ، فما نصنع بها ؟ ثمّ أمرت بهنَّ فأخرجن من الدّار فلـمّا أخرجن من الدّار لم يُحسّ لها حسٌّ كأنّما طرن بين السّماء والأرض ولم ير لهنَّ بها بعد خروجهنَّ من الدار أثر
________________________________________________________
والجوني من الخيل ومن الإبل الأدهم الشديد السواد ، والجونة أيضاً العطار والجمع جون بفتح الواو ، والجوني ضرب من القطا ، سود البطون والأجنحة ، وهو أكبر من الكدري ، انتهى.
وأقول : كان الجون هنا كصرد جمع الجوني ، وأنّ لم يذكر اللغويون جمعه أو يكون جونا بالضمّ صفة محذوف أي طيورا جونا يعني بيضا أو سودا ، وفاعل أهدى محذوف أي رجل من قبيلته أو أهدى الله ، فقولهم أهداها فلان على الظن والأصوب جون بالضمّ ، وأهدي على بناء المفعول ، وكان فقدهن على سبيل الإعجاز لكونها لتعزيتهعليهالسلام فلعلها ذهب بها إلى الجنّة.
وقيل : الجون بالضمّ جمع جونة وهي ظرف للطيب « لم يحس لها حس » أي لم يدرك لها أثر من رائحة ونحوها ، وهذا إشعار بأنّ الذين جاءوا بها ذهبوا بها سريعاً ، انتهى.
وقيل : كان النساء كن من الجن أو كن من الأرواح الماضيات تجسدن ، انتهى.
وبالجملة الخبر لا يخلو من تشويش واضطراب لفظاً ومعنى.
إلى هنا تمّ الجزء الخامس حسب تجزئتنا ويليه الجزء السادس - إنشاء الله تعالى - وأوّله « باب مولد عليّ ابن الحسينعليهالسلام » وقد تمّ تصحيحاً وتعليقاً في التاسع من شهر جمادى الأولى سنة ١٣٩٤. وأنا العبد المذنب الفاني السيد هاشم الرسولي المحلاتي |
الفهرس
( باب ) ( فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية ) باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية ٦
( باب ) ( فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية ) ١٦٥
( باب ) ( في معرفتهم أولياءهم والتفويض إليهم ) ١٧٢
(أبواب التاريخ) (باب) ( باب مولد النبي صلىاللهعليهوآله ووفاته ) باب(١) التار يخ تاريخ مولد النبي صلىاللهعليهوآله ووفاته ١٧٥
( باب ) ( النهي عن الإشراف على قبر النبيّ صلىاللهعليهوآله ) ٢٧٧
( باب ) ( مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه ) باب مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه ٢٨٠
( باب ) ( مولد الزهراء فاطمة عليهاالسلام ) ٣١٧
( باب ) ( مولد الحسن بن عليّ صلوات الله عليهما ) باب مولد الحسن بن عليّ صلوات الله عليهما ٣٥٥
( باب ) ( مولد الحسين بن عليّ عليهالسلام ) باب مولد الحسين بن علي عليهماالسلام ٣٦٥
الفهرس ٣٨٠