سيرة الصحابة في موازین القرآن و السنة

مؤلف: الدكتورمحمدتقي مشكور
مكتبة العقائد

سيرة الصحابة

في

موازین القرآن و السنة

الدكتور

محمدتقي مشكور

رتبه و علق عليه

الاستاذ عبدالسلام العذاري



المقدِّمة

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الرسل والأنبياء محمد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين، وبعد:

هنالك امور عقائدية وأحداث تاريخية وممارسات سياسية حفل بها تاريخ الاسلام لازالت لها آثارسلبية على المجتمع الاسلامي وعلى سمعة الاسلام بين الأمم ؛ومع كل ذلك وحينما نريد تبيان الحقيقة يعترض بعض المسلمين على ذلك تحت ذريعة ((تلك أمة قد خلت))وانه لايصح نبش الماضي؛لأنّ فيه مساسا لشخصيات مرموقة ومقدّسة في تاريخ الاسلام والمسلمين،ولم يلتفت هؤلاءالى انه لا يزال الاختلاف بين المسلمين قائماً في كثير من المسائل العقائدية والأحكام الشرعية التفصيلية او الجزئية،ولازال الاختلاف قائما في تفاصيل الاحداث التاريخية وفي تقييم الاشخاص والخلفاء وتقييم الصحابة ؛ على الرغم من اتفاقهم في أساسيات وأولويات المنهج الإسلامي، ولم تعالج مسائل الخلاف بجديّة وموضوعية إلى يومنا هذا؛ ليتفق المسلمون على نقاط مشتركة مخالفة للمألوف وللمرتكزات الذهنية المسبقة؛ لأنّ أغلب الباحثين والمحققين استمروا على تقليد من سبقهم من علماء وباحثين ومؤرخين، فكانوا ينظرون إلى الآراء والمواقف ويحكمون عليها بالايجاب والسلب ؛ استناداً إلى مرتكزاتهم الذهنية والتصورية والعقائدية المسبقة، وإنّ من المسائل التي لا زالت تثيرنقاشا وحوارا و جدلاً واسعاً في أوساط الباحثين والمحققين والعلماء على اختلاف مذاهبهم هي مسألة عدالة الصحابة، وقد بقي البحث فيها موزعاً على آراء مطابقة للآراء المتقدمة على مرِّ التاريخ، فذهب البعض إلى عدالة جميع الصحابة فردا فردا، وذهب آخرون إلى عدالة الصحابة كمجموع وليس الصحابة كأفراد فردا فردا ،أي عدالة بعض الصحابة دون بعض.

إنَّ المنهج العلمي المنسجم مع العقل التحليلي ومع ثوابت القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة يستدعي النظر إلى الآراء والأفكار بموضوعية بحثاً عن الحقيقةلذاتها،وبعيداًعن تحكيم المرتكزات الذهنية والعقائدية المسبقة في البحث والتحقيق، لتكون النتيجة تابعة للدليل والبرهان بما هو دليل وبرهان وإن اصطدمت بالمألوف والمتعارف من الآراء والأفكار والأحكام

وفي بحثنا هذا نتطرق الى مسألةمهمة جدا ولها دور كبير في تمزق المسلمين في العصور الماضية ولازال التمزق قائما الى عصرنا الراهن لتتبعهم سيرة السابقين المتناقضة وهي مسألة عدالة الصحابة.


ونتابع العدالة باستنطاق القرآن الكريم والسُنّةالمطهرة المعلومة الصدور ونتابع أحداث التاريخ بحيادية وموضوعية للوصول إلى الرأي النهائي، تبعاً للدليل والبرهان والقرائن دون التأثر بالمرتكزات الذهنية والأحكام المسبقة، مواكبين موارد ذكر الصحابة في القرآن الكريم، والآيات النازلة فيهم مدحاً وذماً ، وما ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله في الصحابة من روايات المدح والثناء ام الذم والتقريع ، ونواصل البحث من خلال تتبع سيرالصحابة الذاتية وخصوصا من كانوا في موقع الاختلاف في التقييم وانشغل الباحثون بتقييمهم كل حسب نظرته او مرتكزاته الذهنية ضمن تتبعه لمراحل الأمة الإسلامية ومراحل حركة الصحابة ، منذ انضمامهم للإسلام في بداية البعثة، وفي اوساطها وبعد الهجرة وبعد فتح مكة واستسلام القبائل عن قناعة بالامر الواقع او طمعا او خوفا او تحينا للفرص ، ونتطرق لهم من خلال الصالحة او الطالحة تبعاً للقرآن والسُنّة والتاريخ، فإنّ من الخير أن تبقى الموازين والمقاييس الإسلامية ثابتة لا تتغير بتغير مواقف الأفراد والشخصيات ؛ لأنّ تاريخ الإسلام ليس كل موقف صنعه المسلمون، بل هو الموقف المنسجم مع روح الاسلام وثوابته التي لاتقبل التغير تبعا للاهواء والامزجة ، وإنّ المسلمين وإن كانوا من كبار الصحابة فإنّهم كبشر غير معصومين يقتربون ويبتعدون عن هذه الثوابت، فإنّ من الخير للإسلام وللمسلمين أن نصف المخطئين بكل ما يستحقونه دون تبرير أو تأويل، فإنّ التبرير والتأويل يكون أشد خطراً على الإسلام وهوالمنهج الالهي الثابت وغيره متغير.

ونود الإشارة إلى أنّ مثل هذه البحوث لا تساهم في إيقاد الفتنة الطائفية مادامت بحوثا علمية وتاريخية وتقييمية بل هي مقدّمة موصلة لمعرفة الفكر الأصوب والرأي الأصوب دون تعصّب او جمود ذهني، وهي مقدّمة لتجلية حقيقة التصور في الحكم على الأشخاص والوجودات والكيانات ومدى قربها وبعدها عن المنهج الاسلامي الثابت في مفاهيمه وقيمه، وبالرأي الأصوب نصل إلى الحقيقة لانّ التعصب في الانتماء والولاء كان أحد أهم الأسباب في تمزيق المسلمين على طول التاريخ.

والبحوث العلمية التي تتبع الدليل والبرهان من شأنها تطويق أحكام التكفير وتحجيم تأثيرها في الواقع العملي، والحيلولة دون استشراء الفتنة الطائفية في الواقع، فبتقييم الصحابة نصل إلى معرفة الموقف الأصوب في الواقع المعاصر، والتخلّي عن اتّباع المخالفين للمنهج الاسلامي وإن كانوا يتمتعون بالقداسة، لأنّ القداسة تتحقق بدرجة القرب من المنهج الإلهي وتجسيده في الواقع السلوكي والممارسات العملية، فقد كان تقديس الأشخاص عاملاً من عوامل الفتنة، فقد خرج البعض على أئمة زمانهم لأنهم كانوا مندفعين عاطفياً


نحو بعض الشخصيات التي ترتدي ثوب القداسة، فاختلطت على أذهانهم المفاهيم والتصورات، فانساقوا وراء توجيهاتهم وأوامرهم دون الرجوع إلى الموازين الثابتة، وبرّروا لهم مواقفهم وممارساتهم وإن كانت مخالفة لثوابت المنهج الإلهي.

وبعد هذه المقدّمة نودّ الإشارة إلى أنّ واقعنا المعاصر بحاجة إلى مثل هذه البحوث المقارنة، فهي عامل تقريب وليس عامل تفريق ما دامت تعتمد على الأدلة والبراهين، وباحترام الرأي والرأي الآخر تبقى الخلافات في حدودها النظرية وفي حدودها الجزئية التي لا تمنع من اللقاء والالتقاء في الأفق الأرحب، أفق العقيدة والمصلحة الواحدة والمصير الواحد.

ووحدةالمسلمين لاتعني وحدة الراي والتقييم اووحدة الولاء لشخص واحد ولاتعني انصهار المذاهب في مذهب واحد؛لأن ذلك لايتحقق في الواقع ،وانما تعني تمسك كل مذهب بمعتقداته وارائه وتصوراته وتقييماته مع الاتفاق على موقف واحد تجاه التحديات التي تواجه المسلمين،ووحدة الموقف من العدو المشترك الذي يخطط للقضاء على الاسلام والوجود الاسلامي.

والله ولي التوفيق


عنى اللغوي للصحبة

قبل التطرّق الى المعنى الاصطلاحي للصحبة المختلف فيه من قبل الباحثين والاصوليين من حيث مفهوم الصحابي توسعة او تضييقا دون ميزان اوضابطة ؛نتطرق الى المعنى اللغوي للصحبة:

ورد عن الراغب الأصفهاني:((الصاحب: الملازم... ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن وهو الأصل والأكثر، أو بالعناية والهمة

ويقال لمالك الشيء: هو صاحبه ، وكذلك لمن يملك التصرّف فيه

والمصاحبة والاصطحاب أبلغ من الاجتماع، لأجل أنّ المصاحبة تقتضي طول لبثة ، فكل اصطحاب اجتماع ، وليس كل اجتماع اصطحاباً))( ١ ) .

وقال الخليل الفراهيدي:((كلّ شيء لاءَم شيئاً فقد استصحبه، والصحابة: مصدر صاحَبَكَ، الصاحب يكون في حال نعتاً ولكنّه عمّ في الكلام فجرى مجرى الاسم))( ٢ ) .

فالصاحب هو الملائم وهذا هو المعنى نفسه عندالجوهري كما جاء في قوله:((كلّ شيء لاءَم شيئاً فقد استصحبه. اصطحب القوم: صَحِبَ بعضهم بعضاً. أصحب: إذا انقاد بعد صعوبة( ٣ ) .

وفي كتاب المنجد ورد:((صاحب مصاحبة؛لازمه ورافقه وعاشره،أصحب الرجل:صارذاصاحب،انقاد بعد صعوبة وامتناع.

يقال:أصحبه فهومصحب اي فعلت ماجعله صاحبا لي غير نافر مني

والصاحب :الملازم المعاشر

________________

) [١] ) مفردات ألفاظ القرآن: ٢٧٥.

٢) ) ترتيب كتاب العين.

٣) ) الصحاح١ : ١٦٢


والصحابة :أصحاب نبي المسلمين الذين رأوه وطالت صحبتهم معه))( ١ ) .

ومن خلال ماتقدم يكون معنى الصاحب هو: الملائم والمعاشر والملازم والمتابع، ولا يتم ذلك إلاّ باللقاء والاجتماع.

الصحبة في القرآن الكريم

المعنى اللغوي للصحبة كما تقدم ورد في القرآن الكريم في ألفاظ متعددة تشترك في معنى واحد أو متقارب، وهو المعاشرة والملازمة المتحققة بالاجتماع واللقاء واللبث، دون النظر إلى وحدة الاعتقاد أو وحدة السلوك، فقد أطلق ها القرآن الكريم في خصوص المعاشرة بين مؤمن ومؤمن، أوبين مؤمن وكافر، أوبين كافر وكافر،ونتطرق الى معان ثلاث للصحبة ، وهذه المعاني تدل على ان الصحبة بنفسها ليست تكريما ولاتشريفا للصاحب غير المؤمن أو غير العادل

أولاً : الصحبة بين مؤمن ومؤمن

قال الله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام في حديثه مع العبد الصالح: (قالَ إن سألتُكَ عن شيء بعدَها فلا تُصاحِبني )( ٢ ) .

فقد أطلق القرآن الصحبة على المتابعة والملازمة المؤقتة بين موسى عليه السلام والعبد الصالح أوالخضر عليه السلام والتي انتهت بالفراق او الانفصال ، كما ورد في التفسير ((و العالم الذي لقيه موسى و وصفه الله وصفا جميلا بقوله: "عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا و علمناه من لدنا علما" و لم يسمه ورد في الروايات أن اسمه الخضر و كان نبيا من الأنبياء معاصر لموسى عليه السلام))( ٣ ) .

فهنا اطلق الصحبة على العلاقة المؤقتة بين مؤمن ومؤمن لفترة قصيرة لم تدم طويلا وانتهت بالفراق

ثانياً : الصحبة بين مؤمن وكافر


قال تعالى : ((...فقالَ لصاحبهِ وهوَ يُحاوِرُهُ أنا أكثرُ مِنكَ مالاً وأعزُّ نفراً ...))( ١ )

وقال تعالى: ((قال له صاحبه وهويحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا ))( ٢ ) .

هنا الصحبة بين مؤمن وكافر وهذا ماورد في التفسير((والايتان رد من المؤمن لصاحبه الكافر من جهة مااستعلى عليه بانه اكثر مالا واعز نفرا))( ٣ ) .

وهناك راي يرى ان الاخر ليس كافرا بالمعنى الحقيقي للكفر ((قوله تعالى: "قال له صاحبه و هو يحاوره أ كفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا" الآية و ما بعدها إلى تمام أربع آيات رد من صاحب الرجل يرد به قوله: "أنا أكثر منك مالا و أعز نفرا" ثم قوله إذ دخل جنته "ما أظن أن تبيد هذه أبدا" و قد حلل الكلام من حيث غرض المتكلم إلى جهتين: إحداهما استعلاؤه على الله سبحانه بدعوى استقلاله في نفسه و فيما يملكه من مال و نفر و استثناؤه بما عنده من القدرة و القوة و الثانية استعلاؤه على صاحبه و استهانته به بالقلة و الذلة ثم رد كلا من الدعويين بما يحسم مادتها و يقطعها من أصلها ...فقوله: "قال له صاحبه و هو يحاوره" في إعادة جملة "و هو يحاوره" إشارة إلى أنه لم ينقلب عما كان عليه من سكينة الإيمان و وقاره باستماع ما استمعه من الرجل بل جرى على محاورته حافظا آدابه و من أدبه إرفاقه به في الكلام و عدم خشونته بذكر ما يعد دعاء عليه يسوؤه عادة فلم يذكر ولده بسوء كما ذكر جنته بل اكتفى فيه بما يرمز إليه ما ذكره في جنته من إمكان صيرورتها صعيدا زلقا و غور مائها.

و قوله: "أ كفرت بالذي خلقك" إلخ الاستفهام للإنكار ينكر عليه ما اشتمل عليه كلامه من الشرك بالله سبحانه بدعوى الاستقلال لنفسه و للأسباب و المسببات كما تقدمت الإشارة إليه و من فروع شركه استبعاده قيام الساعة وتردده فيه.

و أما ما ذكره في الكشاف، أنه جعله كافرا بالله جاحدا لأنعمه لشكه في البعث كما يكون المكذب بالرسول كافرا فغير سديد كيف؟ و هو يذكر في استدراكه نفي الشرك عن نفسه، و لو كان كما قال لذكر فيه الإيمان بالمعاد.

________________

(١) سورة الكهف : ٣٤.

(٢) سورة الكهف :٣٧.

(٣) الميزان في تفسير القران ١٣ :٢١٦.


فإن قلت: الآيات صريحة في شرك الرجل، و المشركون ينكرون المعاد.

قلت لم يكن الرجل من المشركين بمعنى عبدة الأصنام و قد اعترف في خلال كلامه بما لا تجيزه أصول الوثنية فقد عبر عنه سبحانه بقوله: "ربي" و لا يراه الوثنيون ربا للإنسان و لا إلها معبودا و إنما هو عندهم رب الأرباب و إله الآلهة، و لم ينف المعاد من أصله كما تقدمت الإشارة إليه بل تردد فيه و استبعده بالإعراض عن التفكر فيه و لو نفاه لقال: و لو رددت و لم يقل: و لئن رددت إلى ربي.

فما يذكر لأمره من الأثر السيىء في الآية إنما هو لشركه بمعنى نسيانه ربه و دعواه الاستقلال لنفسه و للأسباب الظاهرية ففيه عزله تعالى عن الربوبية و إلقاء زمام الملك و التدبير إلى غيره فهذا هو أصل الفساد الذي عليه ينشأ كل فرع فاسد سواء اعترف معه بلسانه بالتوحيد أو أنكره و أثبت الآلهة، قال الزمخشري في قوله تعالى: "قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا" و نعم ما قال: و ترى أكثر الأغنياء من المسلمين و إن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه))( ١ ) .

وعلى تقدير التفسيرين يطلق الصاحب على الصحبة بين مؤمن وكافر او مؤمن ومشرك او مؤمن وفاسق

ثالثا:الصحبة بين النبي صلى الله عليه واله وقومه الكافرين

قال تعالى:((ما ضَلَّ صاحِبُكُم وما غَوى ))(٢)

وفي التفسير ورد ((الضلال الخروج والانحراف عن الصراط المستقيم، والغي خلاف الرشد الذي هو إصابة الواقع، قال: الراغب: الغي جهل من اعتقاد فاسد، وذلك أن الجهل قد يكون من كون الانسان غير معتقد اعتقادا لا صالحا ولا فاسدا، وقد يكون من اعتقاد شئ فاسد، وهذا النحو الثاني يقال: له غي، قال: تعالى: " ما ضل صاحبكم وما غوى ". انتهى. والمراد بالصاحب هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

________________

(١) الميزان في تفسير القران ١٣ : ٢٤٢

(٢) سورة النجم ٥٣ : ٢


والمعنى: ما خرج صاحبكم عن الطريق الموصل إلى الغاية المطلوبة ولا أخطأ في اعتقاده ورأيه فيها))( ١ ) .

وقال تعالى: (أولَمْ يَتَفَكَّرُوا مابصاحِبِهِم مِن جِنَّة إن هوَ إلاّ نذيرٌ مُبينٌ )(٢) .

اطلقت الاية الكريمة الصحبة بين النبي صلى الله عليه واله وبين مشركي قريش رغم الاختلاف العقائدي بينهم.

ورد في التفسير((في تركيب الكلام اختلاف شديد بينهم، والذي يستبق إلى الذهن من السياق أن يكون قوله: " أ ولم يتفكروا " كلاما تاما سيق للانكار و التوبيخ ثم قوله: " ما بصاحبهم من جنة " الآية كلاما آخر سيق لبيان صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعواه النبوة، وهو يشير إلى ما يتفكرون فيه كأنه قيل: أ ولم يتفكروا في أنه ما بصاحبهم من جنة الآية حتى يتبين لهم ذلك؟ نعم، ما به من جنة إن هو إلا نذير مبين.

والتعبير عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصاحبهم للإشارة إلى مادة الاستدلال الفكري فإنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يصحبهم ويصحبونه طول حياته بينهم فلو كان به شئ من جنة لبان لهم))(٣) .

رابعا: الصحبة بين ولد ووالدين مختلفين بالاعتقاد

قال تعالى : (وإن جاهَدَاكَ على أن تُشرِكَ بي ما ليسَ لَكَ بهِ عِلمٌ فلا تُطعهما وصاحِبهُما في الَّدُنيا معرُوفاً )(٤)

الصحبة هنا بين ولد مؤمن ووالدين كافرين ،وقد ورد في التفسير((و صاحبهما في الدنيا معروفا و اتبع سبيل من أناب إلي، الجملتان كالتلخيص و التوضيح لما تقدم في الآيتين من الوصية بهما و النهي عن إطاعتهما إن جاهدا على الشرك بالله.

يقول سبحانه: يجب على الإنسان أن يصاحبهما في الأمور الدنيوية غير الدين الذي هو سبيل الله صحابا معروفا و معاشرة متعارفة غير منكرة من رعاية حالهما بالرفق و اللين من غير جفاء و خشونة و تحمل المشاق التي تلحقه من جهتهما فليست الدنيا إلا أياما معدودة متصرمة، و أما الوالدين فإن كانا ممن أناب إلى الله فلتتبع سبيلهما و إلا فسبيل غيرهما ممن أناب إلى الله....

________________

(١) الميزان في تفسير القران ١٩:٢١

(٢) سورة الأعراف ٧ : ١٨٤

(٣) الميزان ٨: ٥٣٣

(٤) سورة لقمان ٣١ : ١٥


و بما مر يظهر أن قوله في الدنيا يفيد أولا قصر المصاحبة بالمعروف في الأمور الدنيوية دون الدينية، و ثانيا: تهوين أمر الصحبة و أنها ليست إلا في أيام قلائل فلا كثير ضير في تحمل مشاق خدمتهما))( ١ ) .

خامسا: الصحبة بين كافر وكافرين

قال تعالى : (فنادَوا صاحِبَهُم فَتَعاطى فَعَقَر )(٢)

أطلقت الاية الكريمة الصحبة على العلاقة بين قوم ثمود وعاقر الناقة وهي صحبة بين كافر وكافرين وجاء في التفسير((المراد بصاحبهم عاقر الناقة))(٣) .

وفي تفسير اخر ورد :((أنّ قوم ثمود المتمردّين عقدوا العزم على قتل الناقة، في الوقت الذي حذّرهم نبيّهم صالح عليه السلام من مسّها بسوء، وأخبرهم بأنّ العذاب الإلهي سيقع عليهم بعد فترة وجيزة إن فعلوا ذلك.

ونظراً لإستخفافهم بهذا التحذير فقد نادوا أحد أصحابهم حيث تصدّى للناقة وقتلها ،ويمكن أن يكون المراد ب (صاحب) أحد رؤساء ثمود، وكان أحد أشرارهم المعروفين ))(٤) .

سادسا: الصحبة الاضطرارية

اطلقت الصحبة على العلاقة الاضطرارية الوقتية كما في خطاب يوسف عليه السلام لصاحبيه في السجن:((يا صاحِبَي السِجنِ ))(٥)

________________

(١) الميزان١٦ : ٤٣٧

(٢) سورة القمر ٥٤ : ٢٩

(٣) الميزان ١٩ : ٦٢.

(٤) الامثل ١٣ : ٣٩٨

(٥) سورة يوسف ١٢ : ٣٩


ورد في التفسير: (( ذكر أن يوسف صلوات الله عليه قال هذا القول للفتيين اللذين دخلا معه السجن ، لأن أحدهما كان مشركا ، فدعاه بهذا القول إلى الإسلام وترك عبادة الآلهة والأوثان ، فقال : ياصاحبي السجن ، يعني : يا من هو في السجن ، وجعلهما صاحبيه لكونهما فيه ))( ١ ) .

هنا الصحبة صحبة اضطرارية مفروضة وليس باختيار المتصاحبين، وهي صحبة وقتية وفي ظرف معين ومكان معين تتحقق بين مؤمن وكافر او بين مؤمن ومؤمن او بين كافر وكافر ولا تكريم للكافر ان كان صاحبا للمؤمن الا اذا اصبح مثله مؤمنا.

________________

(١) تفسير الطبري ١٦ : ٢٥٣


ثامناً:الصحبة اللبثية

وردت كلمة (أصحاب) في القرآن الكريم بكثرة وهي تدل على معنى اللبث والمكوث الطويل او الدائم ومنها: أصحاب الجنة، وأصحاب النار، وأصحاب الكهف، وأصحاب القرية، وأصحاب مَدْين، وأصحاب الأيكة.

فالصاحب كما ورد في الآيات الكريمة المتقدمة يعني المعاشر والملازم ، ولا تصدق المعاشرة والملازمة إلاّ باللقاء والاجتماع واللبث معاً

وعند الجمع بين المعنى اللغوي عند علماء اللغة ، وبين الآيات القرآنية ، يكون معنى الصاحب هو : من كثرت ملازمته ومعاشرته ، وهذا ما نصّ عليه بعضهم كصدّيق حسن خان حيث قال : (اللغة تقتضي أنَّ الصاحب هو من كثرت ملازمته)( ١ )

________________

(١) قواعد التحديث: ٢٠٠ عن كتاب : حصول المأمول لصديق حسن خان : ٦٥


الصحبة في الحديث النبوي

الصحبة في الحديث النبوي الشريف تطلق على كلِّ من صحب رسول الله صلى الله عليه واله من المسلمين ، سواء كان مؤمناً به واقعاً وحقيقة في عقله وقلبه وارادته، أو ظاهراً بلسانه خوفا أوطمعا أو استسلاما للأمر الواقع وعدم القدرة على مقاومة الدعوة، فكان اللفظ شاملاً للمسلم المؤمن وللمسلم المنافق ، سواء كان مشهوراً بنفاقه أو غير مشهور.

فهي تطلق على المصاحب فقط دون النظر الى ايمانه الحقيقي او درجة قربه او بعده العقائدي والسلوكي عن رسول الله صلى الله عليه واله،وتطلق على كل من شهد الشهادتين وان كان منافقا مشهورا او متسترا.

وهذا هو الظاهر من خلال الاحاديث الشريفة.

طلب عمر بن الخطّاب من رسول الله صلى الله عليه واله أن يقتل رئيس المنافقين والمشهور نفاقه عبدالله بن أُبي بن سلول قال صلى الله عليه واله:((فكيف يا عمر إذا تحدَّث الناس أنَّ محمّداً يقتل أصحابه ؟ ))( ١ )

وحينما طلب عبدالله بن عبدلله بن أُبي من رسول الله صلى الله عليه واله أن يقوم بنفسه بقتل والده حينماأثار الفتنة بين المهاجرين والأنصار أجابه صلى الله عليه واله بالقول:((بل نترفق به ، ونحسن صحبته ما بقي معنا ))( ٢ )

فقد أطلق صلى الله عليه واله لفظ الصحابي ليشمل حتّى من اشتهر بفسقه كعبدالله ابن أُبي بن سلول،فهو من الصحابة وان كان منافقا ولم يؤمن بالله رسوله الا بلسانه.

________________

(١) السيرة النبوية ، لابن هشام ٣ : ٣٠٣ والسيرة النبوية ، لابن كثير ٣ : ٢٩٩ وبنحوه في : صحيح البخاري ٦ : ١٩٢ وأسباب نزول القرآن ، للواحدي : ٤٥٢ .

( ٢ ) السيرة النبوية ، لابن هشام ٣ : ٣٠٥ والسيرة النبوية ، لابن كثير ٣ : ٣٠١ وبنحوه في : الطبقات الكبرى ، لابن سعد ٢ : ٦٥ وأسباب نزول القرآن : ٤٥٣


وأطلق رسول الله صلى الله عليه واله مصطلح الصحابي على المستور نفاقهم ممن لايعلمهم احد من الصحابة الا من علمهم رسول الله صلى الله عليه واله ، فقال صلى الله عليه واله:((إنَّ في أصحابي منافقين ))( ١ ) .

فالصحابي يشمل المؤمنين حقا الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه واله او المؤمنين بلسانهم دون سيرتهم ويشمل المنافقين الذين اعلنوا الاسلام بشهادة الشهادتين بلسانهم دون ارادتهم سواء كانوا في العهد المكي او العهد المدني.

________________

(١) مسند أحمد ٥ : ٤٠ وتفسير القرآن العظيم ، لابن كثير ٢ : ٣٩٩


المعنى الاصطلاحي للصحابي

وردت عدّة آراء حول المعنى الاصطلاحي للصحبة والصحابي وبالخصوص لصحابي رسول الله صلى الله عليه وتباينت الاراء من حيث ميزان الملازمة والمعاشرة كثرة أم قلة أم مجرد المعاصرة لزمانه ومن هذه الاراء :

الرأي الأوّل : أنّ الصحابي هو : من صحب النبي صلى الله عليه واله وطالت صحبته وأخذ عنه العلم

نسب أبو يعلى الفرّاء الحنبلي إلى عمرو بن بحر الجاحظ أنّه قال :((إنّ هذا الاسم إنّما يُسمى به من طالت صحبته للنبي صلى الله عليه واله واختلاطه به ، وأخذ عنه العلم ))( ١ )

والذي قيل في هذا الرأي :((إنّ طول الصحبة ليس شرطاً في إطلاق التسمية على من صحبه ، لأنّه يلزم إخراج كثير من الذين سُموا صحابة عن الصحبة ، واشتراط أخذ العلم أيضاً يستلزم تضييق عدد الصحابة وإخراج الكثير منهم لأنّهم لم يأخذوا العلم منه ))( ٢ )

الرأي الثاني : يرى ان الصحابي هو من صحب النبي صلى الله عليه واله في حياته ولو لحظات او مجرد الرؤية ،ولا يشترط أصحاب هذا الرأي كثرة الملازمة والمعاشرة مع النبي صلى الله عليه واله في إطلاق لفظ الصحابي ، بل يكتفون بها ولو كانت ساعة أو كانت مجرد رؤية

وتبنى هذا الرأي امام الحنابلة كما في رواية عبدوس بن مالك العطّار عن أحمد بن حنبل أنّه قال:((أفضل الناس بعد أهل بدر القرن الذي بعث فيهم ، كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه ، فهو من أصحابه ))( ٣ )

________________

(١) العدة في أصول الفقه ٣ : ٩٨٨

( ٢ ) راجع العدة في أصول الفقه ٣ : ٩٨٩

( ٣ ) العدّة في أُصول الفقه ٣ : ٩٨٨.


ومن القائلين بهذا الرأي البخاري : ((ومن صحب النبي صلى الله عليه واله أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه))(١)

وقال ابن حجر العسقلاني:((الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه واله مؤمناً به ومات على الإسلام ، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت ، ومن روى عنه أو لم يرو ، ومن غزا معه أو لم يغز ، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ، ومن لم يره لعارض كالعمى))( ٢ )

وقال علي بن المديني:((من صحب النبي صلى الله عليه واله أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي صلى الله عليه واله))( ٣ )

وذهب ابن حزم الاندلسي إلى هذا الرأي ، ولكنّه قيّده بعدم النفاق،فقال:((أمّا الصحابة رضي الله عنهم فهو كلّ من جالس النبي صلى الله عليه واله ولو ساعة ، وسمع منه ولو كلمة فما فوقها ، أو شاهد منه عليه السلام أمراً يعيه ، ولم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم واشتهر حتى ما توا على ذلك ، ولا مثل من نفاه عليه السلام باستحقاقه ، كهيت المخنّث ، ومن جرى مجراه ، فمن كان كما وصفنا أولاً فهو صاحب... ووفد عليه جميع البطون من جميع القبائل وكلهم صاحب))( ٤ ) .

وهذا الرأي يشمل المنافق الذي لم يشتهر بالنفاق او لم ينكشف نفاقه،فيكون معنى الصاحب كل مسلم رأى النبي وجالسه ولم يشترط فيه الايمان الحقيقي.

وقيد (لم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم واشتهر) مخالف لما ورد من روايات أطلق فيها رسول الله صلى الله عليه واله إسم الصحابي على المنافق المشهور وغيره.

________________

(١) فتح الباري ٧ : ٣

( ٢ ) الإصابة ١ : ٤.

( ٣ ) فتح الباري ٧ : ٣

( ٤ ) الإحكام في أصول الأحكام ٥ : ٨٦.


وتابع زين الدين العاملي رأي المشهور من المحدِّثين فقال:((الصحابي : من لقي النبي صلى الله عليه واله مؤمناً به ومات على الإسلام ، وإن تخللت ردّته بين كونه مؤمناً وبين كونه مسلماً على الأظهر ، والمراد باللّقاء ما هو أعم من المجالسة والمماشاة ووصول أحدهما إلى الآخر ، وإن لم يكالمه...))(١)

وقسّم الحاكم النيسابوري الصحابة الى اقسام او وزّعهم على طبقات ، وذكر في الطبقة الثانية عشرة :((صبيان وأطفال رأوا رسول الله صلى الله عليه واله يوم الفتح وفي حجة الوداع... ومنهم أبو الطفيل عامر بن واثلة))( ٢ )

ومن خلال ماتقدم من هذه الأقوال يصدق معنى الصحابي على كلِّ من صحب النبي صلى الله عليه واله ولو ساعة من الزمان ، ورآه وإن لم يكلّمه ، سواء كان رجلاً كبيراً أو امرأة أو طفلاً صغيراً ، ويشترط فيه الإسلام الظاهري ورؤية رسول الله صلى الله عليه واله فيشمل المؤمن والمنافق أي لايشترط الايمان الحقيقي

الرأي الثالث:الصحابي من عاصر النبي صلى الله عليه واله وإن لم يره.

ينص هذا الرأي على ان معنى الصحابي واسع يشمل كل من عاصر النبي صلى الله عليه واله وإن لم يره أي لايشترط الملازمة والمعاشرة والرؤية ، فكل مسلم معاصر له هو صحابي.

وذهب إلى هذا الرأي يحيى بن عثمان بن صالح المصري ، فقال:((إنّ الصحابي من عاصره فقط ، وقال : وممن دفن : أي بمصر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله ممن أدركه ولم يسمع به : أبو تميم الجيشاني ، واسمه عبدالله بن مالك ، كان صغيراً محكوماً بإسلامه تبعاً لأحد أبويه))( ٣ )

وعلى هذا الرأي فإنّ الصحابي يطلق على جميع من عاصر النبي صلى الله عليه واله من المسلمين كباراً وصغاراً وإن لم يروه ، وبعبارة اُخرى ، إنّ جميع المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه واله هم من الصحابة ، وكذا من يحكم بإسلامهم تبعاً لأحد الأبوين

________________

(١) الدراية ، زين الدين العاملي : ١٢٠.

( ٢ ) معرفة علوم الحديث: ٢٤.

( ٣ ) تيسير التحرير ٣ : ٦٧.


الرأي الرابع : الصحابي مصطلح يطلق على كل من رأى النبي صلى الله عليه واله واختص به ، واتبعه أو رافقه مدة يصدق معها اطلاق (صاحب فلان) عليه بلا تحديد لمقدار تلك الصحبةأووقتها

نقل هذا الرأي محمد أمين المعروف بأمير بادشاه ونسبه إلى جمهور الأصوليين(١)

ونسب الآمدي هذا الرأي إلى عمر بن يحيى وآخرين لم يذكر أسماءهم( ٢ ) .

وذهب إلى هذاالرأي الغزالي،فقال:((لا يطلق إلاّ على من صحبه ، ثم يكفي للاسم من حيث الوضع الصحبة ولو ساعة ، ولكن العرف يخصص الاسم بمن كثرت صحبته))( ٣ )

وضيّق سعيد بن المسيب المعنى أو الاصطلاح فاضاف اليه أحد شرطين ، إذ كان لا يعدّ في الصحابة إلاّ((من أقام مع النبي صلى الله عليه واله سنة فصاعداً أو غزا معه غزوة فصاعداً))( ٤ )

وقد اعترض البعض على هذا الرأي ، ومنهم ابن حجر العسقلاني ، فقال : ((والعمل على خلاف هذا القول ، لأنّهم اتفقوا على عدّ جمع جمٍّ في الصحابة لم يجتمعوا بالنبي صلى الله عليه واله إلاّ في حجة الوداع))( ٥ )

واعترض جمع من العلماء والباحثين الكبار على هذا الرأي ومنهم ابن حزم الأندلسي فقال :(( وهذا خطأ بيقين ، لأنّه قول بلا برهان ، ثم نسأل قائله عن حد التكرار الذي ذكر وعن مدة الزمان الذي اشترط))( ٦ )

وهذا الراي مخالف لمجموعة من الكتب المؤلفة في الصحابة حيث نجد أنّ كثيراً من المذكورين فيها لم يروا أو يصحبوا النبي صلى الله عليه واله إلاّ ساعات أو أيام معدودة ، بل أنّ بعضهم كان طفلاً صغيراً كجرير بن عبدالله وغيره

________________

(١) تيسير التحرير ٣ : ٦٦

( ٢ ) الإحكام في أصول الأحكام ٢ : ٣٢١

( ٣ ) المستصفى ٢ : ٢٦١.

( ٤ ) فتح الباري ٧ : ٢

( ٥ ) فتح الباري ٧ : ٢

( ٦ ) الإحكام في أُصول الأحكام ٥ : ٨٦


وخلاصة ماتقدم ان المفهوم اللغوي للصحبة مقيَّد بأنْ تكون ((المصاحبة)) في زمان تصدق فيه ((المعاشرة)) ، كما أنه مطلق من حيث الإيمان وعدمه ، إذ يصدق على كلّ من لازم شخصاً أنّه صاحبه ، وإنْ لم يكن مثله أو تابعاً له في الفكر والعقيدة ، وكذا من حيث التعلّم منه والأخذ عنه ، وعدمه ، نعم طول الملازمة وكثرة المعاشرة مع النبي صلى الله عليه واله يقتضيان الايمان به واقعاً والأخذ عنه والتعلّم منه، إلاّ أن تكون المعاشرة والملازمة لأغراض اُخرى

وأمّا ما أصطلح عليه الجمهور من أنّ مجرّد الرؤية كاف في اطلاق الصحبة فيحتاج إلى دليل مقبول

وقد يشهد بما ذكرنا ما روي عن أنس بن مالك ، وقد سُئل : (هل بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله غيرك ؟ قال : ناس من الأعراب رأوه ، فأما من صحبه فلا) وإنْ حاول ابن كثير توجيهه قائلاً : (وهذا إنّما نفى الصحبة الخاصة، ولا ينفي ما اصطلح عليه الجمهور من أنّ مجرد الرؤية كاف في إطلاق الصحبة)(١) .

ومهما تعددت الاراء في اطلاق مصطلح الصحابي فان محل البحث هو عدالة جميع الصحابة من حيث المجموع أو عدالتهم فردا فردا، فتوسعة مفهوم الصحابي وشموليته ينفع نظرية عدم عدالة الجميع فردا فردا ،ومن الناحية الواقعية هناك الاف الصحابة غير معلومين فلم تذكر كتب التراث والرجال أسماءهم وخصوصا بعد دخول القبائل والناس في دين الله أفواجا بعد فتح مكة.

ويكفينا في اثبات او نفي عدالة الصحابة فردا فردا التطرق الى سيرة جمع من الصحابة المشهورين ومنهم الخلفاء والامراء او المقربون اليهم.

الصحابة في القرآن الكريم

القرآن الكريم هو الميزان الثابت والمرجع الاساسي في تقييم الصحابة وهو ميزان مستقيم لايأتيه الباطل ولايختلط فيه مع الحق وهو ميزان لايحابي احدا مهما كان موقعه الديني والاجتماعي.

________________

(١) الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث: ١٧٥.


لقد قسّم القرآن الكريم الملتّفين حول النبي صلى الله عليه واله ـ في مقابل الكافرين والذين أُوتوا الكتاب ـ إلى ثلاثة طوائف هم :

١ ـ الذين آمنوا

٢ ـ الذين في قلوبهم مرض

٣ ـ المنافقون

والجدير بالدراسة والبحث وجود عنوان ((الذين في قلوبهم مرض)) إلى جنب ((الذين آمنوا)) في بعض السور المكية

ففي سورة المدثر ، المكية بالاجماع ، وهي من أوليات السور ، جاء قوله تعالى : (( وَما جَعلنا أصحَابَ النَّارِ إلاّ مَلائكةً * وما جَعلنَا عِدّتهُم إلاّ فِتنَةً للَّذينَ كَفرُوا ليستيقِنَ الَّذينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزدادَ الَّذينَ آمَنُوا إيماناً ولا يَرتَابَ الَّذينَ أُوتُوا الكِتابَ والمؤمنُونَ وليقُولَ الَّذينَ في قُلوبِهمِ مَرضٌ والكافِرونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً... )(١)

وفي التفسير قال السيد محمد حسين الطباطبائي:((وقد فسروا ﴿الذين في قلوبهم مرض ﴾ بالشك والجحود بالمنافقين وفسروا الكافرين بالمتظاهرين بالكفر من المشركين وغيرهم.

وقولهم: ﴿ماذا أراد الله بهذا مثلا ﴾ أرادوا به التحقير والتهكم يشيرون بهذا إلى قوله تعالى: ﴿عليها تسعة عشر ﴾ والمثل الوصف، والمعنى ما الذي يعنيه من وصف الخزنة بأنهم تسعة عشر؟ فهذه العدة القليلة كيف تقوى على تعذيب أكثر الثقلين من الجن والإنس.

واضافة لما تقدم من الكلام في النفاق ذكر بعضهم أن قوله تعالى: ﴿وليقول الذين في قلوبهم مرض ﴾ الآية - بناء على أن السورة بتمامها مكية، وأن النفاق إنما حدث بالمدينة - إخبار عما سيحدث من المغيبات بعد الهجرة.

أما كون السورة بتمامها مكية فهو المتعين من طريق النقل وقد ادعي عليه إجماع المفسرين، وما نقل عن مقاتل أن قوله: ﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ﴾ الآية مدني لم يثبت من طريق النقل، وعلى فرض الثبوت هو قول نظري مبني على حدوث النفاق بالمدينة والآية تخبر عنه.

وأما حديث حدوث النفاق بالمدينة فقد أصر عليه بعضهم محتجا عليه بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين لم يكونوا قبل الهجرة من القوة ونفوذ الأمر وسعة الطول بحيث يهابهم الناس أو يرجى منهم خير حتى يتقوهم ويظهروا لهم الإيمان ويلحقوا بجمعهم مع إبطان الكفر وهذا بخلاف حالهم بالمدينة بعد الهجرة.

والحجة غير تامة - كما أشرنا إليه في تفسير سورة المنافقون في كلام حول النفاق فإن علل النفاق ليست تنحصر في المخافة والاتقاء أو الاستدرار من خير معجل فمن علله الطمع ولو في نفع مؤجل ومنها العصبية والحمية ومنها استقرار العادة ومنها غير ذلك.

ولا دليل على انتفاء جميع هذه العلل عن جميع من آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة قبل الهجرة وقد نقل عن بعضهم أنه آمن ثم رجع أو آمن عن ريب ثم صلح))( وقوله: ﴿وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾ اللام في

________________

(١) سورة المدثر : ٣١


﴿ليقول ﴾ للعاقبة بخلاف اللام في ﴿ليستيقن ﴾ فللتعليل بالغاية، والفرق أن قولهم: ﴿ماذا أراد الله بهذا مثلا ﴾ تحقير وتهكم وهو كفر لا يعد غاية لفعله سبحانه إلا بالعرض بخلاف الاستيقان الذي هو من الإيمان، ولعل اختلاف المعنيين هو الموجب لإعادة اللام في قوله: ﴿وليقول ﴾.

وقد فسروا ﴿الذين في قلوبهم مرض ﴾ بالشك والجحود بالمنافقين وفسروا الكافرين بالمتظاهرين بالكفر من المشركين وغيرهم.))(١) .

وفي تفسيرسورة المنافقين ذكر:(( و من هنا ذكر بعضهم أن حركة النفاق بدأت بدخول الإسلام المدينة و استمرت إلى قرب وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم (

هذا ما ذكره جمع منهم لكن التدبر في حوادث زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم و الإمعان في الفتن الواقعة بعد الرحلة و الاعتناء بطبيعة الاجتماع الفعالة يقضي عليه بالنظر: أما

أولا: فلا دليل مقنعا على عدم تسرب النفاق في متبعي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المؤمنين بمكة قبل الهجرة، و قول القائل: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المسلمين بمكة قبل الهجرة لم يكونوا من القوة و نفوذ الأمر و سعة الطول بحيث يهابهم الناس و يتقوهم أو يرجوا منهم خيرا حتى يظهروا لهم الإيمان ظاهرا و يتقربوا منهم بالإسلام، و هم مضطهدون مفتنون معذبون بأيدي صناديد قريش و مشركي مكة المعادين لهم المعاندين للحق بخلاف حال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة بعد الهجرة فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) هاجر إليها و قد كسب أنصارا من الأوس و الخزرج و استوثق من أقوياء رجالهم أن يدفعوا عنه كما يدفعون عن أنفسهم و أهليهم، و قد دخل الإسلام في بيوت عامتهم فكان مستظهرا بهم على العدة القليلة الذين لم يؤمنوا به و بقوا على شركهم و لم يكن يسعهم أن يعلنوا مخالفتهم و يظهروا شركهم فتوقوا الشر بإظهار الإسلام فآمنوا به ظاهرا و هم على كفرهم باطنا فدسوا الدسائس و مكروا ما مكروا.غير تام، فما القدرة و القوة المخالفة المهيبة و رجاء الخير بالفعل و الاستدرار المعجل علة منحصرة للنفاق حتى يحكم بانتفاء النفاق لانتفائها فكثيرا ما نجد في المجتمعات رجالا يتبعون كل داع و يتجمعون إلى كل ناعق و لا يعبئون بمخالفة القوى المخالفة القاهرة الطاحنة، و يعيشون على خطر مصرين على ذلك رجاء أن يوفقوا يوما لإجراء مرامهم و يتحكموا على الناس باستقلالهم بإدارة رحى المجتمع و العلو في الأرض و قد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يذكر في دعوته لقومه أن لو آمنوا به و اتبعوه كانوا ملوك الأرض.

________________

(١) الميزان ٢٠: ٣٨٢


فمن الجائز عقلا أن يكون بعض من آمن به يتبعه في ظاهر دينه طمعا في البلوغ بذلك إلى أمنيته و هي التقدم و الرئاسة و الاستعلاء، و الأثر المترتب على هذا النوع من النفاق ليس هو تقليب الأمور و تربص الدوائر على الإسلام و المسلمين و إفساد المجتمع الديني بل تقويته بما أمكن و تفديته بالمال و الجاه لينتظم بذلك الأمور و يتهيأ لاستفادته منه و استدراره لنفع شخصه.

نعم يمكر مثل هذا المنافق بالمخالفة و المضادة فيما إذا لاح من الدين مثلا ما يخالف أمنية تقدمه و تسلطه إرجاعا للأمر إلى سبيل ينتهي إلى غرضه الفاسد.

و أيضا من الممكن أن يكون بعض المسلمين يرتاب في دينه فيرتد و يكتم ارتداده كما مرت الإشارة إليه في قوله تعالى: "ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا" الآية، و كما يظهر من لحن مثل قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم": المائدة: ٥٤.

و أيضا الذين آمنوا من مشركي مكة يوم الفتح لا يؤمن أكثرهم أن لا يؤمنوا إيمان صدق و إخلاص و من البديهي عند من تدبر في حوادث سني الدعوة أن كفار مكة و ما والاها و خاصة صناديد قريش ما كانوا ليؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لو لا سواد جنود غشيتهم و بريق سيوف مسلطة فوق رءوسهم يوم الفتح و كيف يمكن مع ذلك القضاء بأنه حدث في قلوبهم و الظرف هذا الظرف نور الإيمان و في نفوسهم الإخلاص و اليقين فآمنوا بالله طوعا عن آخرهم و لم يدب فيهم دبيب النفاق أصلا.

و أما ثانيا: فلأن استمرار النفاق إلى قرب رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و انقطاعه عند ذلك ممنوع نعم انقطع الخبر عن المنافقين بالرحلة و انعقاد الخلافة و انمحى أثرهم فلم يظهر منهم ما كان يظهر من الآثار المضادة و المكائد و الدسائس المشئومة.

فهل كان ذلك لأن المنافقين وفقوا للإسلام و أخلصوا الإيمان عن آخرهم برحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و تأثرت قلوبهم من موته ما لم يتأثر بحياته؟ أو أنهم صالحوا أولياء الحكومة الإسلامية على ترك المزاحمة بأن يسمح لهم ما فيه أمنيتهم مصالحة سرية بعد الرحلة أو قبلها؟ أو أنه وقع هناك تصالح اتفاقي بينهم و بين المسلمين فوردوا جميعا في مشرعة سواء فارتفع التصاك و التصادم؟ ))(١) .

دلّت الآيات المباركة على وجود أُناس ((في قلوبهم مرض)) حول النبي صلى الله عليه واله منذ الأيام الاُولى من الدعوة الإسلامية،فهؤلاء غير المنافقين الذين ظهروا بالمدينة المنورة ، قال الله تعالى :(( وممّن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة... ))( ٢ )

________________

(١) الميزان ١٩ : ٢٢٤

( ٢ ) سورة التوبة : ١٠١


فالذين في قلوبهم مرض لازموا النبي منذ العهد المكي، حيث كان الإسلام ضعيفاً والنبي صلى الله عليه واله مطارداً. أما المنافقون فقد ظهروا بعد أن ظهرت شوكة الإسلام ، فتظاهروا بالإسلام حفظاً لأنفسهم وأموالهم وشؤونهم

وبناءً على هذا، فكلّ آية من القرآن الكريم ورد في ظاهرها شيء من الثناء على عموم الصحابة ، فهي ـ لو تمّ الاستدلال بها ـ محفوفة بما يخرجها عن الاطلاق والعموم وتكون مخصّصةً بـ ((الذين آمنوا)) حقيقةً ، فلا يتوهّم شمولها للذين في قلوبهم مرض ، والمنافقين ، الذين وقع التصريح بذمّهم كذلك في كثير من الآيات.

وهناك تقسيم اخر للمسلمين أوالصحابةكما ورد في الاية الكريمة:

قال تعالى:(( ثم أورثنا الكتاب الّذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ))(١) .

ورد في تفسير الميزان : ((وقوله: " فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات " يحتمل أن يكون ضمير " منهم " راجعا إلى " الذين اصطفينا " فيكون الطوائف الثلاث الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات شركاء في الوراثة وإن كان الوارث الحقيقي العالم بالكتاب والحافظ له هو السابق بالخيرات.

ويحتمل أن يكون راجعا إلى عبادنا - من غير إفادة الإضافة للتشريف - فيكون قوله: " فمنهم " مفيدا للتعليل والمعنى إنما أورثنا الكتاب بعض عبادنا وهم المصطفون لا جميع العباد لان من عبادنا من هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ولا يصلح الكل للوراثة.

ويمكن تأييد أول الاحتمالين بأن لا مانع من نسبة الوراثة إلى الكل مع قيام البعض بها حقيقة كما نجد نظيره في قوله تعالى: " وأورثنا بني إسرائيل الكتاب " المؤمن: ٥٤ وما في الآية من المقابلة بين الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات يعطي أن المراد بالظالم لنفسه من عليه شئ من السيئات وهو مسلم من أهل القرآن لكونه مصطفى ووارثا، والمراد بالمقتصد المتوسط الذي هو في قصد السبيل وسواء الطريق والمراد بالسابق بالخيرات بإذن الله من سبق الظالم والمقتصد إلى درجات القرب فهو أمام غيره بإذن الله بسبب فعل الخيرات قال تعالى: " والسابقون السابقون أولئك المقربون " الواقعة: ١١.

________________

(١) سورة فاطر : ٣٢


واختلف في " فمنهم " فقيل: مرجع الضمير " الذين " وقيل: " عبادنا " واختلف في الظالم لنفسه والمقتصد والسابق فقيل: الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه و المقتصد من استوى ظاهره وباطنه والسابق من كان باطنه خيرا من ظاهره، وقيل: السابق هم السابقون الماضون في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أصحابه والمقتصد من تبع أثرهم ولحق بهم من الصحابة والظالم لنفسه غيرهم، وقيل: الظالم من غلبت عليه السيئة والمقتصد المتوسط حالا والسابق هو المقرب إلى الله السابق في الدرجات))(١) .

وماتقدم يعني ان الصحابة متوزعون على الاصناف الثلاثة فهم اما ظالم لنفسه او مقتصد او سابق بالخيرات.

وفيما يلي نستعرض الآيات القرآنية التي نزلت في الصحابة في مختلف مراحل الدعوة الإسلامية ، وفي مختلف ظروفهم من حيث القرب والبعد عن الأسس الثابتة في العقيدة والشريعة ، ومن حيث درجة الانقياد لله ورسوله صلى الله عليه واله في الأوامر والنواهي

آيات المدح والثناء

القرآن الكريم حافل بالآيات الكريمة المادحة للصحابة والتي تثني عليهم وعلى مواقفهم في نصرة الرسالة والرسول وعلى اخلاصهم وتفانيهم وتضحياتهم وعلى تجسيدهم للمفاهيم والقيم الاسلامية في سيرتهم وسلوكهم.

وقد استدل البعض من العلماء والباحثين على عدالة جميع الصحابة من خلال الآيات المادحة،وفي هذا المقام نتطرق الى الآيات الكريمة بامعان لنرى أن المدح والثناء هل يشمل جميع الصحابة فردا فردا، وهل ان العدالة المستقاة من المدح والثناء تشمل جميع الصحابة فردا فردا أم أنّ الله تعالى قد أثنى في كتابه على الصحابة بنحو العموم دون النظر الى الافراد فردا فردا :

الآية الاُولى : قال تعالى:(( كُنتُمْ خيرَ أُمَّة أُخرجَتْ للنّاسِ تأمُرُونَ بالمعروفِ وتَنهَونَ عَنِ المنكرِ وتؤمنونَ باللهِ ))( ٢ ) .

وتفسيرها((أنكم معاشر المسلمين خير أمة أظهرها الله للناس بهدايتها لأنكم على الجماعة تؤمنون بالله و تأتون بفريضتي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و من المعلوم أن انبساط هذا التشريف على جميع الأمة لكون البعض متصفين بحقيقة الإيمان و القيام بحق الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هذا محصل ما ذكروه في المقام.

________________

(١) الميزان ١٧ : ٣٤

( ٢ ) سورة آل عمران ٣ : ١١٠


و الظاهر و الله أعلم أن قوله: كنتم غير منسلخ عن الزمان و الآية تمدح حال المؤمنين في أول ظهور الإسلام من السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار، و المراد بالإيمان هو الإيمان بدعوة الاجتماع على الاعتصام بحبل الله و عدم التفرق فيه في مقابل الكفر به على ما يدل عليه قوله قبل: أ كفرتم بعد إيمانكم الآية، و كذا المراد بإيمان أهل الكتاب ذلك أيضا فيئول المعنى إلى أنكم معاشر أمة الإسلام كنتم في أول ما تكونتم و ظهرتم للناس خير أمة ظهرت لكونكم تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تعتصمون بحبل الله متفقين متحدين كنفس واحدة، و لو كان أهل الكتاب على هذا الوصف أيضا لكان خيرا لهم لكنهم اختلفوا منهم أمة مؤمنون و أكثرهم فاسقون))(١) ..

وفي مقام ورودها ونزولها قالوا : نزلت هذه الآية في المهاجرين من مكّة إلى المدينة كما ورد عن عبدالله بن عباس أنّه قال:((هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه واله من مكّة إلى المدينة))( ٢ )

وعن عكرمة ومقاتل:((نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة ، وذلك أنّ مالك بن الصيف ووهب بن يهوذا اليهوديين قالا لهم : إنَّ ديننا خير مما تدعوننا إليه ونحن خير وأفضل منكم فأنزل الله تعالى هذه الآية...))( ٣ )

ومهما كانت أسباب النزول وموارده الخاصة الا ان المفسرين وسّعوا المفهوم ليشمل جميع الامة الاسلامية وفي جميع الازمان كما يقول ابن كثير:((والصحيح أنَّ هذه الآية عامة في جميع الاُمّة كل قرن بحسبه)( ٤ )

واختلف العلماء والباحثون في تشخيص من تشمله الآية ، هل هو الاُمّة بأفرادها فرداً فرداً ؟ أي أنّ كلّ فرد من الاُمّة الإسلامية هو موصوف بالخيرية والتي تعني العدالة ، أو هو الاُمة إجمالاً،أي الأمة بمجموعها دون النظر إلى الأفراد فرداً فرداً.

فذهب جماعة إلى الرأي الأول ومنهم : الخطيب البغدادي ، وابن حجر العسقلاني ، وابن عبدالبر القرطبي ، وابن الصلاح ، وابن النجّار الحنبلي

________________

(١) الميزان ٣ :٢٧٨

( ٢ ) تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير ١ : ٣٩٩ والدر المنثور ، للسيوطي ٢ : ٢٩٣ وبنحوه في الجامع لاحكام القرآن ، للقرطبي ٤ : ١٧٠

( ٣ ) أسباب نزول القرآن ، للواحدي : ١٢١

( ٤ ) تفسير القرآن العظيم ١ : ٣٩٩


فالآية في نظرهم شاملة لجميع أفراد الاُمّة وهم الصحابة آنذاك ، فكل صحابي يتصف بالخيرية والعدالة مادام يشهد الشهادتين

وذهب آخرون إلى الرأي الثاني ، وهو اتصاف مجموع الاُمّة بالخيرية والعدالةدون النظر إلى الأفراد فرداً فرداً ، وقيّدوا هذه الصفة بشرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلا يتصف بالخيرية والعدالة من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر ، سواء كان فرداً أو أُمّة.

قال الفضل الطبرسي:((كان بمعنى صار ، ومعناه : صرتم خير أُمّة خلقت لأمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر وإيمانكم بالله ، فتصير هذه الخصال... شرطاً في كونهم خيراً))(١)

وقال الفخر الرازي:((... المعنى أنّكم كنتم في اللوح المحفوظ خير الاُمم وأفضلهم ، فاللائق بهذا أن لا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة... وأن تكونوا منقادين مطيعين في كلِّ ما يتوجه عليكم من التكاليف... والألف واللام في لفظ (المعروف) ، ولفظ (المنكر) يفيدان الاستغراق ، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكلِّ معروف وناهين عن كلِّ منكر... (تأمرون) المقصود به بيان علة تلك الخيرية))( ٢ )

وقال القرطبي:((تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر : مدح لهذه الاُمّة ما أقاموا ذلك واتصفوا به ، فإذا تركوا التغيير وتواطئوا على المنكر ، زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم ، وكان ذلك سبباً لهلاكهم))( ٣ )

فالاية ناظرة الى مجموع الامة في المتصفة بالخيرية والعدالة وهي تزول إن زالت علّتها ، وذهب إلى ذلك ـ أيضاً ـ نظام الدين النيسابوري( ٤ ) ، والشوكاني( ٥ ) ، وآخرون

________________

(١) الكفاية في علم الرواية : ٤٦ الاصابة ١ : ٦ والاستيعاب ١ : ٢ ومقدمة ابن الصلاح : ٤٢٧ وشرح الكوكب المنير ٢ : ٢٧٤

( ٢ ) مجمع البيان في تفسير القرآن ، للطبرسي ١ : ٤٨٦

( ٣ ) التفسير الكبير ٨ : ١٨٩ ـ ١٩١

( ٤ ) الجامع لأحكام القرآن ٤ : ١٧٣

( ٥ ) تفسير غرائب القرآن ، للنيسابوري ٢ : ٢٣٢


وممن تبنى هذا الرأي ابن كثير واورد حديثا لرسول الله صلى الله عليه واله:(( ‎ خيرُ الناس أقرأهم، وأتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم))( ٢ ) .

وحديث رسول الله صريح في تقييد الخيرية بقيود وصفات تنطبق على الأفراد الذين يتصفون بهذه الصفات دون غيرهم.

وقيّد أحمد مصطفى المراغي الخيرية بقيود مختصة بمن نزلت فيهم الآية في حينها ، ثم وسّع المفهوم مشروطاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقال في تفسيره : ((أنتم خير أُمّة في الوجود الآن ، لأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون إيماناً صادقاً يظهر أثره في نفوسكم... وهذا الوصف يصدق على الذين خوطبوا به أولاً ، وهم النبي صلى الله عليه واله وأصحابه الذين كانوا معه وقت التنزيل... وما فتئت هذه الاُمّة خير الاُمم حتى تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))( ٣ )

وأضاف محمد رشيد رضا اضافات أخرى: الاعتصام بحبل الله ، وعدم التفرّق ، إلى شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع تخصيص الخيرية بالامة كمجموع لا الافراد فردا فردا ،فتختص بالصحابة الملتزمين دون غيرهم فقال :((شهادة من الله تعالى للنبي صلى الله عليه واله ومن اتّبعه من المؤمنين الصادقين إلى زمن نزولها بأنّها خير أُمّة أُخرجت للناس بتلك المزايا الثلاث ، ومن اتّبعهم فيها كان له حكمهم لا محالة ، ولكن هذه الخيرية لا يستحقها من ليس لهم من الإسلام واتّباع النبي صلى الله عليه واله إلاّ الدعوى وجعل الدين جنسية لهم ، بل لا يستحقها من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحجّ البيت الحرام والتزم الحلال واجتنب الحرام مع الإخلاص الذي هو روح الإسلام، إلاّ بعد القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالاعتصام بحبل الله مع اتّقاء التفرّق والخلاف في الدين...

إنّ هذه الصفات العالية والمزايا الكاملة لذلك الإيمان الكامل ، لم تكن لكلِّ من يطلق عليه المحدثون اسم الصحابي))( ٤ )

ومن خلال طرح هذه الآراء نجد أنّ الرأي الثاني هو الأقرب لثوابت القران الكريم والسنة النبوية الشريفة ، فالخيرية والعدالةالمستفادة ناظرة الى الامة اجمالا او مجموع الامة وليس ناظرة إلى الأفراد فرداً فرداً.

________________

(١) فتح القدير ، للشوكاني ١ : ٣٧١

( ٢ ) تفسير القرآن العظيم ١ : ٣٩٩

( ٣ ) تفسير المراغي ٤ : ٢٩

( ٤ ) تفسير المنار ٤ : ٥٨ ـ ٥٩


فالأفراد من الصحابة فردا فردا لاتثبت الخيرية والعدالة لهم وهم غير مشمولين بها الا اذا ثبت عمليا وواقعيا التزامهم بالشروط المذكورة في الاية الكريمة، بل حتى خيريرة المجموع مشروطة ايضا بتلك الشروط فتزول بازالتها.

وأكدّ الدكتور عبدالكريم النملة هذا المعنى اي أنّ الخيرية والعدالةالمستفادة ناظرة الى الامة اجمالا او مجموع الامة وليس ناظرة إلى الأفراد فرداً فرداً.

فقال:((لا يجوز استعمال اللفظ في معنيين مختلفين ، فالمراد مجموع الاُمّة من حيث المجموع ، فلا يراد كل واحد منهم ـ أي من الصحابة ـ))(١) .

فالاية الكريمة وان دلت على الخيرية والعدالة فانها مختصة بالصحابة كمجموع ولا تشمل الصحابة فردا فردا مالم يؤد الشروط التي ذكرها القران الكريم ، فالصحابي كغيره يتصف بالعدالة أو عدم العدالة من خلال مواقفه وسلوكه وسيرته، ومن خلال التزامه بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد تهذيب النفس والسلوك والمحتوى الداخلي له

الآية الثانية : قال تعالى:(( وكذلِكَ جعلناكُم أُمَّةً وسطاً لِتكونُوا شُهداءَ على النّاسِ ويكونَ الرّسُولُ عليكم شهيداً... )( ٢ )

جعل الله تعالى الأُمّة الاسلامية أُمّة وسطاً بين الاُمم ، والوسط هي البعيدة عن التقصير والغلو في الاعتقاد وفي المواقف العملية من الأنبياء والرسل عليهم السلام ، فهي وسط بين جميع الامم ومنها أمةاليهود وأمةالنصارى بلا افراط ولاتفريط في الاعتقاد والسيرة وكل المجالات المتعلقة بهما.

قال القرطبي:((لمّا كان الوسط مجانباً للغلو والتقصير كان محموداً، أي هذه الأمة لم تغل غلوّ النصارى في أنبيائهم، ولا قصرّوا تقصير اليهود في أنبيائهم))( ٣ )

وقال النيسابوري:((إنّهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرّط ، والغالي والمقصّر في شأن الأنبياء لا كالنصارى... ولا كاليهود))( ٤ )

________________

(١) مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف : ٨٢

( ٢ ) سورة البقرة ٢ : ١٤٣

( ٣ ) الجامع لأحكام القرآن ٢ : ١٥٤

( ٤ ) تفسير غرائب القرآن ١ : ٤٢١


ويطلق الوسط أيضاً على الخيار والعدل.

قال الزمخشري :((... وقيل للخيار وسط لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخلل والإعوار ، والأوساط محمية محوطة.. أو عدولاً لأنَّ الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض))(١) .

والوسطية بمعنى الاعتدال بين الإفراط والتفريط هي المستعملة في آراء المشهور من المفسرين( ٢ )

وحاول البعض أن يجعل هذه الوسطية او العدل سارية على أفراد الامة فردا فردا بمعنى أنّ كل فرد هو وسط وعدل، وبمعنى اخر أنّ كل صحابي هو وسط وعدل وشاهد على الناس ومنهم : عبدالرحمن ابن أبي حاتم الرازي ، والخطيب البغدادي، وابن حجر العسقلاني ، وابن عبدالبر القرطبي ، وابن الصلاح ، وابن النجّار( ٣ ) .

فعمموا الوسطية والعدالة على جميع الصحابة ؛ فكل فرد من أفراد الصحابة هو وسط وعادل أي ان جميع الصحابة عدول.

ولكنّ الكثير من العلماء والباحثين لم يأخذوا بهذا الرأي، وتبنّوا وسطية وعدالة الصحابة بماهم مجموع دون السراية الى الأفراد فردا فردا،فليس كل فرد من أفراد الامة وليس كل صحابي وسطا وعدلا الا ضمن الموازين الاسلامية ومنها اتباع مفاهيم وقيم القران الكريم والسنة النبوية وتجسيدها في أفكارهم وعواطفهم وسيرتهم.

قال الفضل الطبرسي:((... إنّه ـ تعالى ـ جعل أُمّة نبيه محمد صلى الله عليه واله عدلاً وواسطة بين الرسول والناس ، ومتى قيل : إذا كان في الاُمّة من ليس هذه صفته ، فكيف وصف جماعتهم بذلك ؟ فالجواب : إنّ المراد به من كان بتلك الصفة ، ولأن كل عصر لا يخلو من جماعة هذه صفتهم))( ٤ )

________________

(١) الكشّاف ١ : ٣١٨

( ٢ ) مجمع البيان ١ : ٢٤٤ وتفسير المراغي ٢ : ٦ وتفسير المنار ٢ : ٥

( ٣ ) الجرح والتعديل ١ : ٧ والكفاية في علم الرواية : ٤٦ والإصابة ١ : ٦ والاستيعاب ١ : ٢ ومقدمة ابن الصلاح : ٤٢٧ وشرح الكوكب المنير ٢ : ٤٧٤


وجعل البعض اتّباع سيرة رسول الله صلى الله عليه واله شرطاً للاتصاف بالعدالة والوسطية ، فمن لم يتبعها يعتبر خارجاً عن هذه الاُمّة وهذا ماورد في قول أحمد مصطفى المراغي:((فنحن إنّما نستحق هذا الوصف إذا اتّبعنا سيرته وشريعته ، وهو الذي يحكم على من اتّبعها ومن حاد عنها وابتدع لنفسه تقاليد أُخرى وانحرف عن الجادّة ، وحينئذ يكون الرسول بدينه وسيرته حجّة عليه بأنّه ليس من أُمتّه.. وبذلك يخرج من الوسط ويكون في أحد الطرفين))( ٢ )

وتبنّى هذا الرأي محمد رشيد رضا في تفسيره للاية الشريفة فقال:((إنّ الرسول هو المثال الأكمل لمرتبة الوسط ، وإنّما تكون هذه الاُمّة وسطاً باتباعها له في سيرته وشريعته يشهد لها الرسول بما وافقت فيه سنته ، وما كان لها من الأسوة الحسنة فيه... فكأنه قال : إنّما يتحقق لكم وصف الوسط إذا حافظتم على العمل بهدي الرسول واستقمتم على سنته ، وأمّا إذا انحرفتم عن هذه الجادة فالرسول بنفسه ودينه وسيرته حجة عليكم بأنّكم لستم من أُمّته التي وصفها الله في كتابه))( ٣ ) .

وركزّ السيد محمد حسين الطباطبائي على وسطية وعدالة الاولياء فجعلها مختصة بهم دون غيرهم، فقال:((ومن المعلوم أنّ هذه الكرامة ليست تنالها جميع الاُمّة ، إذ ليست إلاّ كرامة خاصة للأولياء الطاهرين منهم، واما من دونهم من المتوسطين في السعادة والعدول من أهل الايمان فليس لهم ذلك، فضلا عن الأجلافالجافية ، والفراعنة الطاغية من الامة))( ٤ )

وقال ـ أيضاً ـ :((فالمراد بكون الاُمّة شهيدة أنّ هذه الشهادة فيهم ، كما أنّ المراد بكون بني إسرائيل فضّلوا على العالمين ، أنّ هذه الفضيلة فيهم من غير أن يتصف بها كل واحد منهم ، بل نسب وصف البعض إلى الكل لكون البعض فيه ومنه))( ٥ )

وأكدّ علاء الدين البخاري على أنّ المقصود هو مجموع الاُمّة فقال : ((فيقتضي ذلك أن يكون مجموع الاُمّة موصوفاً بالعدالة ، إذ لا يجوز أن يكون كل واحد موصوفاً بها ، لأنّ الواقع خلافه))( ٦ )

________________

(١) مجمع البيان ١ : ٢٢٤

( ٢ ) تفسير المراغي ٢ : ٦

( ٣ ) تفسير المنار ٢ : ٥

( ٤ ) الميزان في تفسير القرآن ١ : ٣٢١

( ٥ ) الميزان في تفسير القرآن ١ : ٣٢١

( ٦ ) كشف الأسرار : ٢٤٣.


وهناك شواهد عديدةعلى أنَّ المقصود ليس أفراد الاُمّة ومن هذه الشواهد أنَّ الذين ذهبوا إلى حجية إجماع الاُمّة استندوا إلى هذه الآية ، واعتبروا إجماع الاُمّة هو الحجّة دون النظر إلى الأفراد فرداً فرداً ، كما حكى عنهم الشريف المرتضى(١) وأبو حيان الأندلسي( ٢ ) .

وهناك أحاديث نبوية شريفة تخصص الأمة بأهل الحق وليس جميع الامة وافرادها.

سُئل الإمام عليّ عليه السلام عن تفسير الجماعة والفُرقة، فقال : (( الجماعةُ ـ واللهِ ـ مجامعة أهل الحقّ وإن قَلُّوا، والفُرقة مجامعة أهل الباطل وإن كَثُروا ))( ٣ ) .

وروى الإمام الصادق عليه السلام أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قيل له: ما جماعةُ أمّتك ؟

فقال: (( جماعة أُمّتي أهلُ الحقّ وإن قَلُّوا ))( ٤ ) .

فليس كل من ينتمي للامة هو وسط وعدل بل من كان على الحق ومن اهل الحق برأيه وسيرته وممارساته العملية ،وبعبارة أخرى أن الاية ومفادها الوسطية والعدل خاصة بمجموع الامة التي فيها رسول الله صلى الله عليه واله وأهل بيته عليهم السلام والمهاجرون والانصار الذين جاهدوا باموالهم وانفسهم واطاعوا الله ورسوله في جميع مجالات الطاعة ، واستمروا على ذلك بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه واله؛ فلم يغيّروا أو يبدّلوا من بعده.

ومن خلال لحاظ آيات القرآن الكريم كلّها وضمّ بعضها إلى البعض الآخر،نرى ان الاية وانْ شملت الأفراد لكنها مختصة بمن يسميهم القران الكريم ((الذين آمنوا)) ، دون ((الذين في قلوبهم مرض)) و ((المنافقين))،فلا يمكن أن يكون المقصود أفراد الاُمّة واحداً واحداً ليستفاد منها عدالة الصحابة ، لأن الواقع خلافه كما نصّ عليه العلاء البخاري

________________

(١) الشافي في الإمامة ١ : ٢٣٢ وما قبلها

( ٢ ) تفسير البحر المحيط ١ : ٤٢١

( ٣ ) بحار الانوار ٢٦٦:٢

( ٤ ) معاني الأخبار ١ :١٥٤.


فالآية الكريمة جعلت المسلمين أُمّة وسطاً أو عدلاً ، وهذه الوسطية والعدلية ممتدة مع امتداد الاُمّة الإسلامية في كلِّ عصر وزمان ومكان، فالاُمّة الإسلامية في مراحل لاحقة هي أُمّة وسط في عقيدتها وشريعتها وتطبيقها للمنهج الإسلامي ، وفي مرحلتنا الراهنة حينما نقول إنّ الاُمّة الإسلامية أُمّة وسط أو أُمّة عادلة ، يصح القول إذا كان المقصود مجموع الاُمّة ، أمّا سراية الوسطية والعدلية للأفراد فرداً فرداً فلا تصح ، لأنّ الواقع يخالف ذلك ، فكثير من المسلمين بعيدون عن الإسلام كلّ البعد في تصوراتهم ومشاعرهم ومواقفهم ، فكيف نعمّم العدالة على الأفراد ؟ وما نقوله هنا نقوله في حقّ أفراد الاُمّة في زمن النزول ، فالآية مختصة بمجموع الاُمّة بما فيها رسول الله صلى الله عليه واله واهل البيت عليهم السلام والمهاجرون والأنصار السابقون للخيرات والذين لم يخالفوا الأوامر الإلهية والنبوية طرفة عين، واستمروا على ذلك حتى بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه واله.

فالوسطية والعدالة خاصة بمجموع الامة ولاتسري الى الأفراد فردا فردا،فليس كل فرد وسطا وعدلا مالم يؤد حق الوسطية والعدالة في فكره وعاطفته وسلوكه وسيرته ومواقفه في حياة رسول الله صلى الله عليه واله او بعد رحيله ، فينبغي ان يكون كما اراده الله تعالى في جميع مسيرة حياته ، فمن كان وسطا وعدلا ثم بدّل وغيّر فانه لايبقى وسطا وعدلا.

الآية الثالثة:قال الله تعالى:(( والسّابِقُونَ الأوّلُونَ مِنَ المهاجرِينَ والأنصارِ والَّذينَ اتّبعُوهُم بإحسان رّضيَ اللهُ عنهُم ورضُوا عنهُ وأعدَّ لهُم جنّات تجري تَحتَها الأنهارُ خالدِينَ فيها أبداًذلك الفوز العظيم ))(١)

تنص الآية الكريمة على مدح وثناء من الله تعالى للسابقين الى الاسلام من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ، وتشير الى ان الله تعالى رضا عنهم لما قدّموا من تضحيات في سبيل الله وانه تعالى أعدّ لهم جنات خالدين فيها

واختلف المفسرون في مصداق السابقين على آراء( ٢ ) :

الرأي الأول : أهل بدر

________________

(١) سورة التوبة ٩ : ١٠٠

( ٢ ) مجمع البيان ٣ : ٦٤ والجامع لأحكام القرآن ٨ : ٢٣٦ والكشاف ٢ : ٢١٠ وتفسير القرآن العظيم ٢ : ٣٩٨ والدر المنثور ٤ : ٢٦٩


الرأي الثاني : الذين صلّوا إلى القبلتين

الرأي الثالث : الذين شهدوا بيعة الرضوان

وقال ابن كثير : ((الأول : قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدرا

وعن الشعبي هم الذين بايعوا بيعة الرضوان والصحيح عندي أنهم السابقون في الهجرة ، وفي النصرة ، والذي يدل عليه أنه ذكر كونهم سابقين ولم يبين أنهم سابقون في ماذا ، فبقي اللفظ مجملا إلا أنه وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصارا ، فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما به صاروا مهاجرين وأنصارا ، وهو الهجرة والنصرة ، فوجب أن يكون المراد منه السابقون الأولون في الهجرة والنصرة ؛ إزالة للإجمال عن اللفظ ، وأيضا فالسبق إلى الهجرة طاعة عظيمة من حيث إن الهجرة فعل شاق على النفس ، ومخالف للطبع ، فمن أقدم عليه أولا صار قدوة لغيره في هذه الطاعة ، وكان ذلك مقويا لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام ، وسببا لزوال الوحشة عن خاطره ، وكذلك السبق في النصرة ، فإن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لما قدم المدينة ، فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة ، فازوا بمنصب عظيم ؛ فلهذه الوجوه يجب أن يكون المراد : والسابقون الأولون في الهجرة ))(١) .

واختلفوا في تفسير التابعين على آراء :

الأول : هم الأنصار ، على قراءة من حذف الواو من قوله (والّذين)( ٢ )

الثاني : هم المسلمون الذين جاءوا بعد المهاجرين والأنصار( ٣ )

الثالث : هم المسلمون الذين جاءوا بعد عصر الصحابة( ٤ )

الرابع : هم المسلمون في كلِّ زمان إلى أن تقوم الساعة( ٥ ) .

________________

(١) التفسير الكبير ١٦ : ١٧٠

( ٢ ) التفسير الكبير ١٦ : ١٧١

( ٣ ) التفسير الكبير ١٦ : ١٧٢

( ٤ ) الجرح والتعديل ١ : ٨

( ٥ ) الدر المنثور ٤ : ٢٧٢


وفصّل السيد محمد حسين الطباطبائي تفسير الاية المباركة :(( و الأنصاربالكسر عطفا على المهاجرين، والتقدير: السابقون الأولون من المهاجرين و السابقون الأولون من الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان و قرأ يعقوب: و الأنصار بالرفع فالمراد به جميع الأنصار دون السابقين الأولين منهم فحسب.

و قد اختلفت الكلمة في المراد بالسابقين الأولين فقيل: المراد بهم من صلى إلى القبلتين، و قيل: من بايع بيعة الرضوان و هي بيعة الحديبية، و قيل: هم أهل بدر خاصة، و قيل: هم الذين أسلموا قبل الهجرة، و هذه جميعا وجوه لم يوردوا لها دليلا من جهة اللفظ.

و الذي يمكن أن يؤيده لفظ الآية بعض التأييد هو أن بيان الموضوع - السابقون الأولون - بالوصف بعد الوصف من غير ذكر أعيان القوم و أشخاصهم يشعر بأن الهجرة و النصرة هما الجهتان اللتان روعي فيهما السبق و الأولية.

ثم الذي عطف عليهم من قوله((و الذين اتبعوهم بإحسان)) يذكر قوما ينعتهم بالاتباع و يقيده بأن يكون بإحسان و الذي يناسب وصف الاتباع أن يترتب عليه هو وصف السبق دون الأولية فلا يقال: أول و تابع و إنما يقال: سابق و تابع، فالمراد بالسابقين هم السابقون إلى الإيمان من بين المسلمين من لدن طلوع الإسلام إلى يوم القيامة.

و لكون السبق و يقابله اللحوق و الاتباع من الأمور النسبية، و لازمه كون مسلمي كل عصر سابقين في الإيمان بالقياس إلى مسلمي ما بعد عصرهم كما أنهم لاحقون بالنسبة إلى من قبلهم قيد ((السابقون)) بقوله((الأولون)) ليدل على كون المراد بالسابقين هم الطبقة الأولى منهم.

و إذ ذكر الله سبحانه ثالث الأصناف الثلاثة و لم يقيده بتابعي عصر دون عصر و لا وصفهم بتقدم و أولية و نحوهما و كان شاملا لجميع من يتبع السابقين الأولين كان لازم ذلك أن يصنف المؤمنون غير المنافقين من يوم البعثة إلى يوم البعث في الآية ثلاثة أصناف: السابقون الأولون من المهاجرين، و السابقون الأولون من الأنصار، و الذين اتبعوهم بإحسان، و الصنفان الأولان فاقدان لوصف التبعية و إنما هما إمامان متبوعان لغيرهما و الصنف الثالث ليس متبوعا إلا بالقياس.

و هذا نعم الشاهد على أن المراد بالسابقين الأولين هم الذين أسسوا أساس الدين و رفعوا قواعده قبل أن يشيد بنيانه و يهتز راياته صنف منهم بالإيمان و اللحوق بالنبي صلى الله عليه واله و الصبر على الفتنة و التعذيب، و الخروج من ديارهم و أموالهم بالهجرة إلى الحبشة و المدينة، و صنف بالإيمان و نصرة الرسول و إيوائه و إيواء من هاجر إليهم من المؤمنين و الدفاع عن الدين قبل وقوع الوقائع.

و هذا ينطبق على من آمن بالنبي صلى الله عليه واله قبل الهجرة ثم هاجر قبل وقعة بدر التي منها ابتدأ ظهور الإسلام على الكفر أو آمن بالنبي صلى الله عليه واله و آواه و تهيأ لنصرته عند ما هاجر إلى المدينة.

ثم إن قوله((و الذين اتبعوهم بإحسان)) قيد فيه اتباعهم بإحسان و لم يرد الاتباع في الإحسان بأن يكون المتبوعون محسنين ثم يتبعهم التابعون في إحسانهم و يقتدوا بهم فيه - على أن يكون الباء بمعنى في - و لم يرد الاتباع بواسطة الإحسان - على أن يكون الباء للسببية أو الآلية - بل جيء بالإحسان منكرا، و الأنسب له كون الباء بمعنى المصاحبة فالمراد أن يكون الاتباع مقارنا لنوع ما من الإحسان مصاحبا له، و بعبارة أخرى يكون الإحسان وصفا للاتباع))(١) ..

________________

(١) الميزان ٩ : ٢٦٤ ،٢٦٥


وعلى ضوء هذا المدح والثناء والرضوان استدل الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني وابن النجّار حسب رأيهم المعروف بهذه الآية على رضوان الله تعالى عن جميع الصحابة الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه واله وإن أسلموا فيما بعد ، أو ارتدّوا ثم عادوا إلى الإسلام ، حسب تعريفهم للصحابة ، وبهذا الرضوان كانوا عدولاً(١) .

وورد في كتاب التفسير الكبير للرازي : ((قوله تعالى : رضي الله عنهم ورضوا عنه يتناول جميع الأحوال والأوقات بدليل أنه لا وقت ولا حال إلا ويصح استثناؤه منه فيقال رضي الله عنهم إلا في وقت طلب الإمامة ، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ أو نقول : إنا بينا أنه تعالى وصفهم بكونهم سابقين مهاجرين ، وذلك يقتضي أن المراد كونهم سابقين في الهجرة ، ثم لما وصفهم بهذا الوصف أثبت لهم ما يوجب التعظيم ، وهو قوله : رضي الله عنهم ورضوا عنه والسبق في الهجرة وصف مناسب للتعظيم ، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب ، يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ، فدل هذا على أن التعظيم الحاصل من قوله : رضي الله عنهم ورضوا عنه معلل بكونهم سابقين في الهجرة ، والعلة ما دامت موجودة فوجب أن يكون ذلك الرضوان حاصلا في جميع مدة وجودهم ، أو نقول : إنه تعالى قال : وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار وذلك يقتضي أنه تعالى قد أعد تلك الجنات وعينها لهم ، وذلك يقتضي بقاءهم على تلك الصفة التي لأجلها صاروا مستحقين لتلك الجنات ، وليس لأحد أن يقول : المراد أنه تعالى أعدها لهم لو بقوا على صفة الإيمان ، لأنا نقول : هذا زيادة إضمار وهو خلاف الظاهر وأيضا فعلى هذا التقدير : لا يبقى بين هؤلاء المذكورين في هذا المدح ، وبين سائر الفرق فرق ؛ لأنه تعالى وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار ولفرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب ، لو صاروا مؤمنين ، ومعلوم أنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح العظيم والثناء الكامل ، وحمله على ما ذكروه يوجب بطلان هذا المدح والثناء ، فسقط هذا السؤال ))( ٢ ) .

________________

(١) الكفاية في علم الرواية : ٤٦ والاصابة ١ : ٦ وشرح الكوكب المنير ٢ : ٤٧٢

( ٢ ) التفسير الكبير ١٦ : ١٧٢


وهذا الاستدلال خلاف للواقع ، فالآية مختصّة بالمهاجرين والأنصار الذين سبقوا غيرهم في الهجرة والنصرة ، من غير ((الذين في قلوبهم مرض)) و ((المنافقين)) أمّا التبعية لهم فمشروطة بالإحسان ، سواء فُسِّر باحسان القول فيهم كما ذهب الفخر الرازي(١) ،أو حال كونهم محسنين في أفعالهم وأقوالهم ، كما قال المراغي:((فإذا اتّبعوهم في ظاهر الإسلام كانوا منافقين مسيئين غير محسنين، وإذا اتّبعوهم محسنين في بعض أعمالهم ومسيئين في بعض كانوا مذنبين))( ٢ )

ويرى السيد محمد حسين الطباطبائي ان كلمة ((من)) تبعيضية بمعنى ان الرضوان لايشمل الجميع بل البعض ،فقال:(( ((فالظاهر أن المراد بالذين اتبعوهم بإحسان أن يتبعوهم بنوع من الإحسان في الاتباع و هو أن يكون الاتباع بالحق - و هو اتباعهم لكون الحق معهم - و يرجع إلى اتباع الحق بالحقيقة بخلاف اتباعهم لهوى فيهم أو في اتباعهم، و كذا مراقبة التطابق.

هذا ما يظهر من معنى الاتباع بإحسان، و أما ما ذكروه من أن المراد كون الاتباع مقارنا لإحسان في المتبع عملا بأن يأتي بالأعمال الصالحة و الأفعال الحسنة فهو لا يلائم كل الملاءمة التنكير الدال على النوع في الإحسان، و على تقدير التسليم لا مفر فيه من التقييد بما ذكرنا فإن الاتباع للحق و في الحق يستلزم الإتيان بالأعمال الحسنة الصالحة دون العكس و هو ظاهر.

فقد تلخص أن الآية تقسم المؤمنين من الأمة إلى ثلاثة أصناف: صنفان هما السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار، و الصنف الثالث هم الذين اتبعوهم بإحسان.

و ظهر مما تقدم أولا: أن الآية تمدح الصنفين الأولين، بالسبق إلى الإيمان و التقدم في إقامة صلب الدين و رفع قاعدته، و تفضيلهم على غيرهم على ما يفيده السياق.

و ثانيا: أن ((من)) في قوله ((من المهاجرين و الأنصار)) تبعيضية لا بيانية لما تقدم من وجه فضلهم، و لما أن الآية تذكر أن الله رضي عنهم و رضوا عنه، و القرآن نفسه يذكر أن منهم من في قلبه مرض و منهم سماعون للمنافقين، و منهم من يسميه فاسقا، و منهم من تبرأ النبي صلى الله عليه واله من عمله و لا معنى لرضى الله عنهم، و الله لا يرضى عن القوم الفاسقين..

و ثالثا: أن الحكم بالفضل و رضى الله سبحانه في الآية مقيد بالإيمان و العمل الصالح على ما يعطيه السياق فإن الآية تمدح المؤمنين في سياق تذم فيه المنافقين بكفرهم و سيئات أعمالهم و يدل على ذلك سائر المواضع التي مدحهم الله فيها أو ذكرهم بخير و وعدهم وعدا جميلا فقد قيد جميع ذلك بالإيمان و العمل الصالح ))( ٣ ) .

فمن لم يحسن القول في السابقين من المهاجرين والأنصار أو من لا يتبعهم بإحسان والتزام ماالتزموا به من أوامر الهية او نبوية ((لا يكون مستحقاً لرضوان الله تعالى ،ومن أبرز المهاجرين الامام علي عليه السلام فقد تربى في بيت النبوة واول الناس اسلاما وكان

________________

(١) التفسير الكبير ١٦ : ١٧٢

( ٢ ) تفسير المراغي ١١ : ١١

( ٣ ) الميزان ٩ : ٢٥٦


ملازما لرسول الله صلى الله عليه واله ورافقه في جميع حركاته ومواقفه وجاهد معه وكان له الدور الاكبر في انتصارات الاسلام والمسلمين،ولكن البعض لم يتبعه باحسان بل كانوا يؤذونه في حياة رسول الله صلى الله عليه واله وبعد رحيله، فمن أمر بشتم الإمام عليّ عليه السلام وذمه لا تشمله الآية ، فقد جاء في وصية معاوية للمغيرة بن شعبة:((لا تترك شتم عليّ وذمّه)) ، فكان المغيرة (لا يدع شتم عليّ والوقوع فيه))(١)

فكيف يدّعون رضوان الله عنهم وقد خالفوا شرطه في الاتّباع بإحسان، وخرجوا على أول المؤمنين ووصي رسول رب العالمين ، أو من استقرت له الخلافة ببيعة أهل الحل والعقد حسب رأيهم ، وسفكوا في هذا الخروج دماء السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان كعمّار بن ياسر وذي الشهادتين وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص وغيرهم كما هو مشهور ؟!

ورد في تفسير القشيري( ٢ ) نزل قوله تعالى: (( قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ .مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ))( ٣ ) .

كعب بن عجرة عن أبيه قال النبي صلى الله عليه وآله:(( لاتشكواعليا فانه ممسوس في ذات الله )).

بيان : أي يمسه الاذى والشدة في رضاء الله تعالى وقربه ، أو هو لشدة حبه لله واتباعه لرضاه كأنه ممسوس أي مجنون ، كما ورد في صفات المؤمن ((يحسبهم القوم أنهم قد خولطوا ))ويحتمل أن يكون المراد بالممسوس المخلوط والممزوج مجازا ، أي خالط حبه تعالى لحمه ودمه

وفي رواية ابن المغازلي : كنت مع عبدالله بن العبّاس وسعيد بن جبير يقوده على ضفّة زمزم ، فاذا بقوم من أهل الشام يَسُبُّون عليّاً (عليه السلام) ـ فقال لقائِده : ما سمعت هؤلاء يقولون ؟ قال : سَبُّوا عليّاً (عليه السلام) ! قال : فُردّني اليهم ، فَردَّهُ فقال : اَيُّكُم الساب الله عزّوجَلّ ؟ قالوا : سُبحان الله مَنْ سَبَّ الله فقد أشرك قال : قال : فايّكم الساب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قالوا : سُبحان الله مَن سَبَّ رسول الله فقد كفر قال : فاَيّكم السابّ علي بن ابي طالب ؟ قالوا : اَما هذا فقد كان ! قال : فأنا أشهد بالله اني سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول : ((مَن سَبّ عليّاً فقَد سَبّني ، ومَن سَبّني فقد سَبّ الله عَزّوجَلّ ، ومَن سَبّ الله اكبّهُ الله على منخريه في النار))

ثم ولى عنهم وقال لقائده : ما سمعتهم يقولون ؟ قال : ماقالوا شيئاً ، قال : فكيف رأيت وجوههم اِذ قلت ما قلت ؟ قال :

نظروُا اليك باَعيُن مُحَمّرة *** نظر التيوس الى شفار الجازر

قال : زدني فداك أبوك قال :

خزر العيون نواكس أبصارهم *** نظر الذليل الى العزيز القاهر

________________

(١) الكامل في التاريخ ٣ : ٤٧٢

( ٢ ) بحار الانوار ٣٩ :٨٥

( ٣ ) سورة المؤمنون : اية ٦٦ ، ٦٧


قال : زدني فداك أبوك قال : ما عندي غير هذا قال : لكن عندي :

أحياؤُهُم عارٌ على أمواتهم

والميُّتون فضيحةٌ للغابِر

ـ ومن المناقب أيضاً :

الحميري :

قد قال أحمد اِن شتم وصيّه

أو شتمه أبداً هما سيّان

وكذاك قد شتم الاله لشتمه

والذلّ يغشاهم بكل مكان

أبو الفضل :

لَعنوا أمير المؤمنين

بمثل أعلان القيامة

يالَعنةً صارت على

أعناقهم طوق الحمامة الحكاك :

يدَينون بالسبّ الصراح لحيدر

اَلا لعِنَ الرحمن من دينه السبّ

الموصلي :

أعلى المنابر تُعلِنُون بسبِّه

وبسيفه قامت لكم أعوادُها

وقال كثير :

وليت فلم تشتم عليّاً ولم تخف

بريّاً ولم تتبع شجية مجزم

وقلت فصَدّقت الذي قلت بالذي

فَعَلْتَ فاَضحىْ راضياً كل مسلم

تكَلّمتَ بالحَقِّ المبين وانما

تبين آيات الهدى بالتكلّم

وعاقبت فيما قَد تقدّمت قبله

واَعَرضْتَ عما كان قبل التقدّم


وكان قال قبله :

لَعَن الله من يسبّ عليّاً

وبنيهِ من سوقة وامامِ

أوليسَ المطيّبون جُدوداً

والكرام الاخوال والاعمامِ

وهناك فسق واضح غير قابل للتأويل أو التبرير صدر من بعض الصحابة ومنهم المغيرة بن شعبة حيث اتهم المغيرة بالزنا في عهد عمر بن الخطاب لكنه لم يعاقبه لتخلي احد الشهود عن الشهادة خوفا من عمر ، وبقي عمر كلما راه يقول :(( مارايتك الا خفت ان ارمى بحجارة من السماء))(١) .

فلم يقل له أنت صحابي عادل أو تابع للمهاجرين والانصار باحسان ولم يقل له انت من الذين رضى الله تعالى عنهم

وروي المدايني أن المغيرة کان أزني الناس في الجاهلية، فلما دخل في الاسلام قيده الاسلام و بقيت عنده منه بقية ظهرت في أيام ولايته البصرة.

وروي عن الجاحظ أبي عثمان عمرو بن بحر، قال: کان المغيرة بن شعبة و الاشعث بن فيس و جرير بن عبد الله البجلي يوما متواقفين بالکناسة، في نفر، و طلع عليهم

أعرابي، فقال لهم، المغيرة دعوني أحرکه، قالوا: لا تفعل فان للاعراب جوابا يؤثر، قال: لابد قالوا: فانت أعلم، فقال المغيرة له: يا أعرابي أتعرف المغيرة بن شعبة؟ قال: نعم أعرفه.

أعور زانيا، فوجم المغيرة( ٢ ) .

وإضافة إلى ذلك فرضوان الله تعالى وان شمل الصحابة جميعا كما يدّعون الا أنه مشروط بحسن العاقبة كما ورد عن البراء بن عازب ، حينما قيل له : ((طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه واله وبايعته تحت الشجرة) ، فقال للقائل : (... إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده))( ٣ )

وفي جميع الاحوال فان المقصود بالسابقين أو التابعين هم السابقون والتابعون كمجموع وليس الافراد.

________________

(١) تاريخ الاسلام للذهبي : ١٢١

( ٢ ) شرح نهج البلاغة ١٥ : ٢٠٩

( ٣ ) صحيح البخاري ٥ : ١٦٠


الآيةالرابعة:قال الله تعالى:((يا أيُّها النَّبيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنينَ))(١)

ورد في التفسير :((نقل بعض المفسّرين أنّ هذه الآية الكريمة نزلت عندما قال جماعة من يهود بني قريظة وبني النضير لما قالوا للنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : نحن نسلم ونتبعك، يعني إنّنا مستعدون لا تباعك ونصرتك، فنزلت هذه الآية محذرةً النّبي لئلا يعتمد على هؤلاء، بل المعول عليه هو الله والمؤمنون

وقد أورد الحافظ أبو نعيم - وهو من أكابر علماء السنة - في كتابه فضائل الصحابة، بسنده، أنّ هذه الآية نزلت في حق علي أميرالمؤمنين، فالمقصود بالمؤمنين هو علي (عليه السلام)

وقد قلنا مراراً: إنّ مثل هذه التفاسير وأسباب النّزول لا تجعل الآيات محدودة ومنحصرةً، بل المقصود فيها هو أنّ شخصاً كعلي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي كان في أوّل صفوف المؤمنين هو السند الأوّل للنبي بعد الله من بين المسلمين، مع أنّ بقية المؤمنين هم أنصار النّبي صلى الله عليه واله وأعوانه))( ٢ ) .

في هذه الآية تطييب لخاطر النبي صلى الله عليه واله بأنّ الله حسبه أي كافيه وناصره ومؤيده على عدوه ، واختلف في بيان المقصود من ذيل الآية ، فقال مجاهد : (حسبك الله والمؤمنون)( ٣ ) ، فجعل المؤمنين معطوفين على الله تعالى ، فالله تعالى والمؤمنون هم الذين ينصرون النبي صلى الله عليه واله ويؤيدوه

وذهب ابن كثير إلى جعل المؤمنين معطوفين على النبي صلى الله عليه واله وأنّ الله تعالى ناصرهم ومؤيدهم فقال : (يخبرهم أنّه حسبهم ، أي كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم)( ٤ )

وذكر العلاّمة الطباطبائي كلا الرأيين ورجَّحَ الرأي الأول( ٥ )

وهنالك قرينة تدل على ترجيح الرأي الأول ، وهي قوله تعالى:((... فإنَّ حَسْبَكَ اللهُ هو الذي أيَّدَكَ بنصرِهِ وبالمؤمنين ))( ٦ ) .

والآية تسمّي من كان مع النبي صلى الله عليه واله بالمؤمنين سواء كان الله تعالى ناصره وناصرهم ، أو كان الله والمؤمنون ناصرين له صلى الله عليه واله ، ولا دلالة على أكثر من ذلك.

________________

(١) سورة الانفال ٨ : ٦٤

( ٢ ) الامثل في كتاب الله المنزل تفسير سورة الانفال

( ٣ ) الدر المنثور ٤ : ١٠١

( ٤ ) تفسير القرآن العظيم ٢ : ٣٣٧

( ٥ ) الميزان في تفسير القرآن ٩ : ١٢١

( ٦ ) سورة الأنفال ٨ : ٦٢


وقد ذهب الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني إلى أنّ الآية تدل على ثبوت عدالة الصحابة أجمعين وطهارتهم(١) . وجعلوا الآية شاملة لجميع الصحابة حتى الذين لم يشتركوا في أي غزوة من الغزوات ، وهذا التعميم بحاجة إلى دليل ، ولا يكفي أن نقول : إنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد ، فالآية قد نزلت في مورد خاص وفي معركة بدر بالخصوص ، فكيف نعمّمها على جميع الصحابة حتى الذين كانوا يقاتلون في صف المشركين ثم أسلموا فيما بعد؟

وتسالم المفسرون على نزول الآية في مورد خاص وهو غزوة بدر ، وفي جماعة خاصة من الصحابة ، وهم الصحابة الأوائل الذين اشتركوا في الغزوة ولم يتخلّفوا ، لا في مطلق الصحابة

فقيل : أنّها نزلت في الأنصار( ٢ )

وقيل : أنّها نزلت في الأربعين الذين أسلموا في بداية البعثة( ٣ )

وعن الإمام محمد الباقر عليه السلام : ‎ (( أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب))( ٤ ) .

والجامع المشترك لهذه الآراء أنّها نزلت في الصحابة الذين شاركوا رسول الله صلى الله عليه واله في القتال

وبهذا يتضح عدم صحة ما ذهب إليه الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني من شمولها لجميع الصحابة فرداً فرداً ، فالمتسالم عليه أنّ عدد الصحابة الذين اشتركوا في غزوة بدر كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر ، أمّا بقية الصحابة الذين أسلموا فيما بعد وخصوصاً بعد فتح مكة ، فقد كان بعضهم من امثال ابي سفيان وابنه معاوية وعتبة وعمروبن العاص وخالد بن الوليد في صفوف المشركين الذين قاتلوا رسول الله

________________

(١) الكفاية في علم الرواية : ٤٦ والإصابة في تمييز الصحابة ١ : ٦

( ٢ ) التفسير الكبير ١٥ : ١٩١ والدر المنثور ٤ : ١٠١

( ٣ ) أسباب النزول ، للسيوطي : ١٨٣ والدر المنثور ٤ : ١٠١

( ٤ ) شواهد التنزيل ، للحسكاني ١ : ٢٣٠


صلى الله عليه واله، فكيف تشملهم الآية التي نزلت لتطييب خاطر رسول الله صلى الله عليه واله وإبلاغه بأنّ الله تعالى كافيه وناصره على أعدائه الذين جمعوا له للقضاء عليه وعلى رسالته ، وجميعهم من الصحابة الذين أسلموا فيما بعد!

واذا تتبعنا احداث غزوة بدر من خلال كتب التاريخ لانجد دورا لكثير من الصحابة لافي القتال ولا في اسر المشركين فلم نسمع او نقرأ لهم دورا وموقفا في النصرة فهل يكونوا مصداقا لهذه الاية الكريمة كما هو غيرهم.

قال الواقدی: و دنا الناس بعضهم من بعض فخرج عتبة و شیبة و الولید حتى فصلوا من الصف ثم دعوا إلى المبارزة فخرج إلیهم فتیان ثلاثة من الأنصار و هم بنو عفراء معاذ و معوذ و عوف بنو الحارث

ثم نادى منادی المشرکین یا محمد أخرج إلینا الأکفاء من قومنا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه واله یا بنی هاشم قوموا فقاتلوا بحقکم الذی بعث الله به نبیکم إذ جاءوا بباطلهم لیطفئوا نور الله فقام حمزة بن عبد المطلب و علی بن أبی طالب و عبیدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف فمشوا ثم قال عتبة لابنه قم یا ولید فقام الولید و قام إلیه علی و کانا أصغر النفر فاختلفا ضربتین فقتله علی بن أبی طالب ثم قام عتبة و قام إلیه حمزة فاختلفا ضربتین فقتله حمزة رضی الله عنه ثم قام شیبة و قام إلیه عبیدة و هو یومئذ أسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله فضرب شیبة رجل عبیدة بذباب السیف فأصاب عضلة ساقه فقطعها و کر حمزة و علی على شیبة فقتلاه و قد روی أن عتبة بن ربیعة حین دعا إلى البراز قام إلیه ابنه أبو حذیفة بن عتبة یبارزه فقال له النبی صلى الله عليه واله اجلس فلما قام إلیه النفر أعان أبو حذیفة على أبیه عتبة بضربة قال الواقدی و کان عقبة بن أبی معیط قال بمکة حین هاجر رسول الله صلى الله عليه واله إلى المدینة

یا راکب الناقة القصواء هاجرنا عما قلیل ترانی راکب الفرس أعل رمحی فیکم ثم أنهله و السیف یأخذ منکم کل ملتبس

فبلغ قوله النبی فقال اللهم أکبه لمنخره و اصرعه فجمح به فرسه یوم بدر بعد أن ولى الناس فأخذه عبد الله بن سلمة العجلانی أسیرا وبصر بلال بامية بن خلف و هو یعجن عجینا له فترك العجین و جعل یفتل یدیه منه فتلا ذریعا و هو ینادی یا معشر الأنصار أمیة بن خلف رأس الکفر لا نجوت إن نجوت قال لأنه کان یعذبه بمکة فأقبلت الأنصار کأنهم عوذ حنت إلى أولادها حتى طرحوا أمیة على ظهره و اضطجعت علیه أحمیه منهم فأقبل الخباب بن المنذر فأدخل سیفه فاقتطع أرنبة أنفه و کان الزبیر بن العوام یحدث فیقول لما کان یومئذ لقیت عبیدة بن سعد بن العاص أن أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومی کان عند النبی ص تلک الساعة فوجد فی نفسه و أقبل على ابن مسعود و قال أنت قتلته قال نعم

و أقبل العاص بن سعید بن العاص یبحث للقتال فالتقى هو و علی و قتله علی

وروي: أن عثمان بن عفان و سعید بن العاص حضرا عند عمر فی أیام خلافته فجلس سعید بن العاص حجرة فنظر إلیه عمر فقال ما لی أراک معرضا کأنی قتلت أباک إنی لم أقتله و لکنه قتله أبو حسن

و کان علی حاضرا فقال اللهم غفرا ذهب الشرك بما فیه و محا الإسلام ما قبله فلما ذا تهاج القلوب فسکت عمر و قال سعید لقد قتله کف‏ء کریم و هو أحب إلی من أن یقتله من لیس من بنی عبد مناف

واذا تابعنا اسماء قتلى المشركين وقاتليهم لم نجد اي اسم لكبار الصحابة وللكثير من الصحابة

عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، جرحه عبيدة بن الحارث وذفف عليه علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبدالمطلب.

شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، قتله حمزة بن عبدالمطلب.


الوليد بن عتبة، قتله علي بن أبي طالب

حنظلة بن أبي سفيان بن حرب، قتله زيد بن حارثة

الحارث بن الحضرمي قتله النعمان بن عصر.

عامر الحضرمي قتله عمار بن ياسر

عمير بن أبي عمير، قتله سالم مولى أبي حذيفة.

عبيدة بن سعيد بن العاص، قتله الزبير بن العوام.

العاص بن سعيد بن العاص، قتله علي بن أبي طالب.

عقبة بن أبي معيط، قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، قتله صبراً في مكان يقال له عرق الظبية، وذلك أثناء عودة الجيش الإسلامي إلى المدينة.

عامر بن عبدالله النمر قتله علي بن أبي طالب.

الحارث بن عامر بن نوفل، قتله خبيب بن إساف.

طعيمة بن عدي بن نوفل، قتله علي بن أبي طالب، ويقال قتله حمزة بن عبدالمطلب.

زمعة بن الأسود بن المطلب، قتله ثابت بن الجذع، ويقال اشترك في قتله علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبدالمطلب.

أبو البختري بن هشام - واسمه العاص بن هشام بن الحارث قتله المجذر بن ذياد البلوي: أبو البختري

الحارث بن زمعة، قتله عمار بن ياسر.

نوفل بن خويلد بن أسد، قتله علي بن أبي طالب.

عقيل بن الأسود بن المطلب، قتله حمزة.

النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة، أسره علي بن أبي طالب.

زيد بن مليص، قتله بلال بن رباح

قتله المقداد نبيه بن زيد بن مليص.

عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، قتله علي بن أبي طالب.

عثمان بن مالك بن عبيدالله، قتله صهيب بن سنان


عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم، أقعده بضربة بالسيف معاذ بن عمرو بن الجموح فقطع رجله، ثم ضربه معوذ بن عفراء حتى أثبته، ثم ذفف عليه عبد الله بن مسعود، حين احتز رأسه.

يزيد بن عبدالله -حليف لهم- من بني تميم، قتله عمار بن ياسر.

أبو مسافع الأشعري -حليف لهم- قتله أبو دجانة الساعي.

حرملة بن عمرو وهو من الأسد قتله خارجة بن زيد، ويقال علي بن أبي طالب.

مسعود بن أبي أمية بن المغيرة، قتله علي بن أبي طالب.

أبو قيس بن الوليد بن المغيرة -أخو خالد بن الوليد- قتله حمزة بن عبدالمطلب، ويقال علي بن أبي طالب.

أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، قتله علي بن أبي طالب، ويقال عمار بن ياسر.

رفاعة بن أبي رفاعة عائذ بن عبدالله بن عمر بن مخزوم قتله سعد بن الربيع.

المنذر بن أبي رفاعة بن عائذ، قتله معن بن عدي بن الجد بن العجلان.

الأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر ن مخزوم، قتله حمزة بن عبدالمطلب.

حاجب بن السائب بن عويمر بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، قتله علي بن أبي طالب،:

عويمر بن السائب بن عويمر، قتله النعمان بن مالك القوقلي

عمرو بن سفيان من طي، قتله يزيد بن رقيش.

جابر بن سفيان قتله أبو بردة بن نيار.

عبدالله بن المنذر بن أبي رفاعة، قتله علي بن أبي طالب.

حذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة، قتله سعد بن أبي وقاص.

هشام بن أبي حذيفة بن المغيرة، قتله صهيب بن أبي سنان.

زهير بن أبي رفاعة، قتله أبو أسيد، مالك بن ربيعة.

السائب بن أبي رفاعة، قتله عبدالرحمن بن عوف.

عائذ بن السائب بن عويمر، جرحه في المعركة حمزة بن عبدالمطلب، ثم أسر فافتدى ثم مات متأثراً بجراحه.

منبه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم، قتله أبواليسر أخو بني سلمة.

ابنه العاص بن منبه بن الحجاج، قتله علي بن أبي طالب.


أخوه نبيه بن الحجاج، قتله حمزة بن عبدالمطلب، وعد بن أبي وقاص اشتركا في قتله.

أبو العاص بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، قتله علي بن أبي طالب، ويقال النعمان بن مالك القوقلي، ويقال أبو دجانة.

عاصم بن أبي عوف ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، قتله أبو اليسر، أخو بني سلمة.

الحارث بن منبه بن الحجاج، قتله صهيب بن سنان.

عامر بن عوف بن ضبيرة، أخو عاصم بن ضبيرة، قتله عبدالله ابن سلمة العجلاني، ويقال أبو دجانة.

معاوية بن عامر قتله علي بن أبي طالب.

معبد بن وهب - حليف لهم من بني كلب بن عوف- قتله خالد وإياس ابنا البكير، ويقال أبو دجانة.

أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، قتله رجل من الأنصار من بني مازن، ويقال اشترك في قتله معاذ بن عفراء وخبيب بن إيساف وخارجة بن زيد.

ابنه علي بن أمية بن خلف، قتله عمار بن ياسر

أوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح، قتله علي بن أبي طالب، ويقال قتله الحصين بن الحارث، وعثمان بن مظعون(١) .

ومع نزول الآية في الصحابة الأوائل ، إلاّ أنّها مشروطة بحسن العاقبة وهذا كلّه بحسب الأقوال والآراء في معنى الآية ونزولها

أمّا بالنظر إلى ما قدّمناه فإنّ الآية المباركة تقول للنبي صلى الله عليه واله : ( حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنينَ ) وهل يعمّ هذا اللسان غير ((الذين آمنوا)) من ((الذين في قلوبهم مرض)) ومن ((المنافقين)) ؟!

ولم يتحقق الاتّباع في كثير من المواقف والاحداث التي جاءت بعد نزول الاية الكريم.

أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أواخر أيام حياته أن يأتوه بدواة ليكتب للمسلمين كتاباً لا يضلّون بعده أبداً، فقالوا: ((إن رسول الله يهجر))( ٢ ) .

وقد اعترف عمر بن الخطاب بذلك في حواره مع عبد الله بن عباس فقال: ((... ولقد أراد في مرضه أن يصرِّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحَيْطةً على الإسلام، لا وربّ هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً!))(١) .

________________

(١) المغازي للواقدي، السيرة النبوية لأبن هشام.

( ٢ ) صحيح مسلم ٣ : ١٢٥٩; تاريخ الطبري ٣ : ١٩٣; تاريخ إبن الوردي ١ : ١٢٩.


وقد ذكر المؤرخون ذلك ولكنّهم حينما ذكروا قول عمر غيّروا عبارة الهجر، ونصّوا على إنّ عمر قال: ((إنّ رسول الله قد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله))( ٢ ) .

لذا سمّاها ابن عباس: رزية يوم الخميس( ٣ ) .

الآية الخامسة:قال تعالى:((لَّقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤمِنينَ إذ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهُمْ فتحاً قرِيباً))( ٤ )

أراد رسول الله صلى الله عليه واله أن يبيّن لمشركي قريش وخصوصاً عموم الناس من انه لا يريد حربا بل يريد الصلح والسلام، وإنه يريد الحج، مما جعل قريشاً في موقف حرج لا تستطيع بعده ان تبقى في دائرة التشويه والاتهام، وإذا حدث الصلح والسلام حصل على فرصة ثمينة للتبليغ والدعوة بحرية وبدون قتال ليطلع المشركون وخصوصاً المستضعفون على مفاهيم وقيم وموازين الرسالة الإسلامية، وهي تحمل بذاتها عناصر القوة التي تجد لها قبولاً عند عموم المشركين الذين يرومون العدل والحرية.

دعا النبي صلى الله عليه واله عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فيبلّغ عنه أشراف قريش ما جاء له.

فقال: يا رسول الله إنّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكّة من بني عديّ بن كعب احد يمنعني، ولكنّي أدلك على رجل هو اعز بها مني، عثمان بن عفان.

فدعا رسول الله صلى الله عليه واله عثمان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنّه لم يأت لحرب؛ وإنّما جاء زائراً لهذا

________________

(١) شرح نهج البلاغة ١٢ : ٢١.

( ٢ ) صحيح مسلم ٣ : ١٢٥٩; صحيح البخاري ١ : ٣٩; الملل والنحل ١ : ٢٩.

( ٣ ) تاريخ الطبري ٣ : ١٩٣; الكامل في التاريخ ٢ : ٣٢.

( ٤ ) سورة الفتح ٤٨ : ١٨


البيت معظماً لحرمته(١) .

ثم بعث رسول الله صلى الله عليه واله عثمان بن عفان إلى أشراف قريش ليخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه واله لم يأت للحرب، إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً له.

وحينما وصل عثمان احتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله والمسلمين أنه قد قتل ـ ورسول الله صلى الله عليه واله وإن كان يعلم الغيب إلا انه يتعامل مع الظواهر ـ ولذا قال:((لا نبرح حتى نناجز القوم)) فدعا إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه واله على الموت.

وكان جابر الأنصاري يقول: أن رسول الله صلى الله عليه واله لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على ان لا نفرّ( ٢ ) .

فقد بايعهم رسول الله صلى الله عليه واله على واجب شرعي سواء كان على الموت أو الشهادة أو عدم الفرار، فهم مطالبون شرعاً بذلك، ولكنّ بيعتهم تفيد التوكيد على أداء الواجب؛ ليشعروا بمشاركتهم في المسؤولية، وهي بيعة لا ضغط فيها ولا إكراه، وهي تحقق مسألتين: أداء الواجب، والالتزام بالعهد المعطى، حيث إن للعهد دوراً في التفاعل مع أداء المسؤولية، والبيعة في الأساس اختيارية، ولكن إذا دعا لها المعصوم تصبح واجبة فمن تخلف بعد البيعة يكون قد ارتكب معصيتين: الأولى عصيان الأمر، والثانية عدم الوفاء بالعهد وفي بيعة المسلمين نزلت الآية الكريمة

أثنى الله تعالى على الصحابة ((المؤمنين)) الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه واله تحت الشجرة ، وهي بيعة الرضوان ، ومصداق الثناء هو رضوان الله عنهم وإنزال السكينة على قلوبهم

وعلى الرغم من نزول الآية في بيعة الرضوان عام الحديبية واختصاصها بالمبايعين فقط، وعددهم ـ حسب المشهور من الروايات ـ كان ألفاً وأربعمائة(١) وهي بقرينة الآيات الاُخرى مخصّصة بالذين آمنوا ولم يكن في قلوبهم مرض، واستقاموا على الإيمان ولم ينحرفوا عن

________________

(١) تاريخ الطبري ٢ : ٤٦٦، محمد بن جرير الطبري،

( ٢ ) السيرة النبوية ٣ : ٣٣٠ ، عبد الملك بن هشام


لوازم البيعة، إلاّ أنّ الخطيب البغدادي أدرج جميع الصحابة حتى الذين أسلموا بعد البيعة او بعد فتح مكة في هذه الآية، وتابعه ابن حجر العسقلاني مستشهداً برأيه( ٢ ) ، ولهذا ادّعوا عدالة جميع الصحابة كما هو المشهور في تعريفهم للصحابي

وهذا الادّعاء غير صحيح من عدة وجوه:

الأول:رضوان الله وسكينته مختصة بالمبايعين الموصوفين بما ذكرناه فقط ، أمّا غيرهم فخارج عن ذلك ، ولأنّ سبب البيعة هو وصول الخبر بمقتل عثمان من قبل المشركين بعد أن أرسله صلى الله عليه واله مبعوثاً عنه إلى قريش ، فدعا رسول الله صلى الله عليه واله إلى البيعة على قتال المشركين( ٣ ) ، وهؤلاء المشركون هم الذين أسلموا فيما بعد وأصبحوا من الصحابة ومنهم :أبوسفيان ومعاوية وعمرو بن العاصوالحكم وابنه مروان والاف المشركين ، فكيف يشملهم رضوان الله وسكينته ، وهم السبب الأساسي في الدعوة إلى البيعة ، فكيف يُعقل أن يكون رضوان الله شاملاً للمبايعين وللمراد قتالهم في آن واحد ؟!

الثاني: إنّ الأجر المترتب على البيعة موقوف على الوفاء بالعهد ، كما جاء في الآية الكريمة : (إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوقَ أيدِيهِمْ فمن نَكَثَ فإنَّما يَنكُثُ على نفسِهِ وَمَنْ أوفى بما عاهَدَ عَلَيه اللهَ فسيؤتيهِ أجراً عظيماً)( ٤ ) ، فرضوان الله وسكينته مشروطة بالوفاء بالعهد وعدم نكثه( ٥ )

ولم تمضِ على البيعة إلاّ أيام معدودة حتى عقد رسول الله صلى الله عليه واله معاهدة الصلح في الحديبية.

بعثت قريش سهيل بن عمرو، وقالوا له: أئت محمداً فصالحة، ولا يكن في صلحه إلاّ أن يرجع عنّا عامه هذا، فوالله لا تحدث

________________

(١) السيرة النبوية ، لابن هشام ٣ : ٣٢٢ والسيرة النبوية ، لابن كثير ٣ : ٣٢٤

( ٢ ) الكفاية في علم الرواية : ٤٦ والإصابة ١ : ٦ ـ ٧

( ٣ ) السيرة النبوية ، لابن هشام ٣ : ٣٣٠

( ٤ ) سورة الفتح ٤٨ : ١٠

( ٥ ) الكشّاف ٣ : ٥٤٣ ومجمع البيان ٥ : ١١٣ وتفسير القرآن العظيم ٤ : ١٩٩


العرب انه دخل علينا عنوة ابداً(١) .

وحينما تم الصلح قال رسول الله صلى الله عليه واله للإمام عليّ عليه السلام اكتب:((هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو؛ إصطلحا على: وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهنّ الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنّه من أتى رسول الله من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممّن مع رسول الله لم تردّه عليه.

وانّ بيننا عيبة مكفوفة، وانه لا اسلال ولا أغلال.

وأنّه من أحبّ أن يدخل في عقد رسول الله وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه)).

ومن شروط قريش: ((وانّك ترجع عنّا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك؛ فأقمت بها ثلاثاً وأنّ معك سلاح الراكب؛ السيوف في القرب لا تدخلها بغير هذا ))( ٢ ) .

وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله لا يشكّون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه واله، فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون( ٣ ) .

وأمرهم رسول الله صلى الله عليه واله أن يحلقوا وينحروا، فامتنعوا وداخل أكثرهم الشك( ٤ ) .

فدخل الشك والريب قلوب بعض الصحابة حتى خالفوا أوامر رسول الله صلى الله عليه واله ، فلم يستجيبوا له حينما أمرهم بالحلق والنحر إلاّ بعد التكرار وقيامه بنفسه بالحلق والنحر، وهذا يدّل على أنّ لحسن العاقبة دوراً كبيراً في الحكم على البعض بالعدالة وعدمها.

وقبل عقد معاهدة الصلح وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر اليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى قال: فعلام نعطي الدنيّة في ديننا؟

ثم توجه إلى رسول الله صلى الله عليه واله قائلاً: السنا بالمسلمين؟ قال رسول الله صلى الله عليه واله: ((بلى<.

________________

(١) تاريخ الطبري ٢ : ٤٦٨.

( ٢ ) تاريخ الطبري ٢ : ٤٦٩ ، ٤٧٠.

( ٣ ) الكامل في التاريخ ٢ : ٢٠٤.

( ٤ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٥٥، احمد بن محمد بن أبي يعقوب.


قال عمر: فعلام نُعطي الدنية في ديننا؟

فقال رسول الله صلى الله عليه واله:((أنا عبد الله ورسوله ولن أخالف امره ولن يضيّعني)).

ولقي عمر من القضية أمراً كبيراً وجعل يردّ على رسول الله صلى الله عليه واله الكلام، ويقول: علام نعطي الدنية في ديننا.

قال ابن عباس: قال لي عمر في خلافته وذكر القصة:((أرتبت ارتياباً لم أرتبه منذ أسلمت إلاّ يومئذ، ولو وجدت ذلك اليوم شيعة تخرج عنهم رغبة من القضية لخرجت))(١) .

الثالث: رضوان الله تعالى إنّما خصص بالبيعة ، ولا دليل لشموله لجميع المراحل التي تعقب مرحلة البيعة، وكل ذلك مشروط بحسن العاقبة كما في رواية البراء بن عازب ، فحسن العاقبة هي المقياس والميزان في تقييم سيرة الصحابي، فقد ينال رضوان الله تعالى في موقف معين، ولكنه لا يناله في موقف آخر أو في جميع مسيرته، ولذا يجب على من يريد استمرار رضوان الله أن يضع نصب عينيه حسن العاقبة، وان يكون في تفكيره وعواطفه وسيرته متوجهاً إلى التكامل والتسامي لكي ينال رضوان الله تعالى، فلا يكتفي بماضيه المشرق أو يعجب به أو يفتخر به وحده، بل يجب الاستمرار على نهجه إلى نهاية العمر.

فمثلاً أنّ قاتل عمّار بن ياسر في صفين كان من المبايعين تحت الشجرة(٢) وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله في عمّار : ‎ قاتِلهُ وسالبه في النار(٣) ، وقال صلى الله عليه واله : ‎ ويح عمّار تقتله الفئة الباغية، عمّار يدعوهم إلى الله، ويدعونه إلى النّار(٤)

________________

(١) السيرة النبوية ، إسماعيل بن كثير٣ : ٣٢٠ المغازي ١ : ٦٠٧.

( ٢ ) الفصل في الأهواء والملل والنحل ٤ : ١٦١

( ٣ ) سير أعلام النبلاء ١ : ٤٢٠ ـ ٤٢٦ والطبقات الكبرى ٣ : ٢٦١ وأُسد الغابة ٤ : ٤٧ وكنز العمّال ١٣ : ٥٣١ : ٧٣٨٣ ومجمع الزوائد ٩ : ٢٩٧ وقال : رجاله رجال الصحيح

( ٤ ) صحيح البخاري ٤ : ٢٥ وبنحوه في العقد الفريد ٥ : ٩٠ والكامل في التاريخ ٣ : ٣١٠


الاية السادسة:قال تعالى:((للفُقَراءِ المُهاجرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِنْ ديارِهِم وأموالِهِم يَبتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللهِ ورِضواناً وينصُرُونَ اللهَ ورَسُولَهُ أولئكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ))(١)

ويلحق بها قوله تعالى:((والَّذِينَ تَبَوَّؤا الدارَ والإيمانَ مِن قَبلِهِم يُحبُّونَ مَنْ هاجرَ إليهِم ولا يَجدُونَ في صُدُورِهِم حَاجَةً ممَّا أوتُوا وَيُؤثِرونَ على أنفُسِهِم ولو كانَ بِهِم خَصاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ )(٢)

وقوله تعالى:((والَّذينَ جاؤُوا مِنْ بَعْدِهِم يقُولُونَ ربَّنا اغفِر لَنا ولإخواننا الَّذينَ سَبقُونا بالإيمانِ ولا تَجْعَل في قُلُوبِنا غِلاًّ للَّذِينَ آمَنْوا رَبَّنا إنَّكَ رؤوفٌ رَحِيمٌ ))(٣)

أثنى الله تعالى على الصحابة من المهاجرين والأنصار والذين آمنوا فيما بعد،وعبّر عنهم بالصدق والفلاح والظاهر من الثناء اختصاصه بالمجموع لا بالأفراد فرداً فرداً، لأنّ الثناء انصبَّ على خصائصهم المشرقة النبيلة المتمثلة بنصرهم لله ورسوله والإيثار على النفس، والدعاء للسابقين بالمغفرة ، ونزع الغل ـ أي العداوة ـ من قلوب الذين آمنوا بعد الهجرة ، فَمَن يتَّصف بهذه الصفات يستحق الثناء

وقد وردت تفاسير عديدة تؤكد أنّ المراد بالصادقين بعض المؤمنين وليس جميعهم(٤)

ولا ريب في أنّ المراد من هذا البعض هم المؤمنون الصادقون في إيمانهم والمخلصون لله سبحانه في جميع حالاتهم، فالآية لا تعم الذين في قلوبهم مرض، والذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم

بينما ذهب الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني إلى أنّ الثناء يشمل جميع أفراد المؤمنين، أي الصحابة فرداً فرداً(١) ، فهم الصادقون والمفلحون

________________

(١) سورة الحشر ٥٩ : ٨

( ٢ ) سورة الحشر ٥٩ : ٩

( ٣ ) سورة الحشر ٥٩ : ١٠

( ٤ ) مختصر تاريخ دمشق ١٨ : ١٠ وشواهد التنزيل : ٣٥١ والدر المنثور ٤ : ٣١٦


لكنَّ هذا الرأي كغيره من الاراء التي تنص على عدالة جميع الصحابة فردا فردا مخالف لبقية الاراء والتفاسير التي تؤكد على ان المدح والثناء مختص ببعض الصحابة دون بعض او مختص بالمجموع دون سرايته للافراد فردا فردا وهو لاينطبق على بعض الصحابة الذين لايحملون تلك الصفات الحميدة التي كانت سببا في مدحهم.

فإذا تتبّعنا سيرة بعض الصحابة نجدهم قد بدّلوا الدعاء بالغفران للسابقين إلى اللعن والشتم، والدعاء برفع الغلّ والعداوة إلى العداء الحقيقي الذي وصل إلى حدِّ استحلال قتل من تقدّمهم بالإيمان والهجرة، فكيف تشملهم الآية ؟ بل انهم لعنوا وشتموا وحاربوا أول الناس ايمانا وجهادا وهو الامام علي عليه السلام

وكان معاوية وولاته يسبونَّ الإمام عليّاً عليه السلام من على منابر المسلمين(٢) .

ووضع معاوية قوماً من الصحابة على رواية أخبار قبيحة في الإمام عليّ عليه السلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، ويجعل لهم هدايا من بيت المال مقابل ذلك(٣) .

وروَى أبو الحسن عليّ بن محمد بن أبي سيف المداينّي في كتاب الأحداث قال :((كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمّة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كلّ كُورة، وعلى كلِّ منبر، يلعنون علياً ويبرءون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته؛ وكان أشدَّ الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة؛ لكثرة مَنْ بها من شيعة عليّ عليه السلام ، فاستعمل عليهم زياد بن سمَيّة، وضمّ إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف؛ لأنه كان منهم أيام علي عليه السلام ؛ فقتلهم تحت كلّ حجَر ومَدَر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل وسَمَل العيون، وصَلَبهم على جُذوع النّخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق؛ فلم يبق بها معروف منهم وكتب معاويةُ إلى عُمّاله في جميع الآفاق : ألا يجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة وكتب إليهم: أن انظروا من

________________

(١) الكفاية في علم الرواية : ٤٦ والإصابة ١ : ٦ ـ ٧

( ٢ ) مسند أحمد ٧ : ٤٥٥ والمعجم الكبير ٢٣ : ٣٢٣ والعقد الفريد ٥ : ١١٥

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٤ : ٦٣


قَبلكم من شِيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته؛ والذين يروون فضائله ومناقبه؛ فأدنوا مجالسهم وقرّبُوهم وأكرمُوهم، واكتُبوا لي بكلّ ما يروى كلّ رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته

ففعلوا ذلك، حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثُه إليهم معاوية من الصّلات والكِساء والحِباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالى، فكثر ذلكَ في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجىء أحد مردود من النّاس عاملاً من عمال معاوية، فيروى في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ كتب اسمه وقربه وشفّعه فلبثوا بذلكَ حيناً

ثم كتب إلى عمّاله أنّ الحديث في عثمان قد كَثُر وفَشَا في كل مصر وفي كل وجه وناحية؛ فإذا جاءكم كتابي هذا فادعُوا الناس إلى الرواية في فضائل الصّحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبرا يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقِض له في الصحابة؛ فإن هذا أحبّ إليَّ وأقرُّ لعيني، وأدحضُ لحجة أبي تراب وشيعته، وأشدُّ اليهم من مناقب عثمان وفضله

فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلكَ على المنابر، وألقِيَ إلى معلّمي الكتاتيب؛ فعلّموا صبيانَهم وغلمانَهم من ذلك الكثير الواسع حتى رَووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم، وحشمهم، فلبثوا بذلكَ ما شاء الله))(١) .

فأين الدعاء بالمغفرة، والدعاء برفع الغلّ والعداوة؟ وهل يصح الاجتهاد في سبّ المهاجرين الأوائل المنزّهة قلوبهم من أيّ مرض ؟!

وقد اعترف مروان بن الحكم بأنّ سبّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام لا مبرّر له إلاّ الحفاظ على كرسي الحكم بعد أن أثبت براءته من دم عثمان، حيثُ جاء في قوله للإمام علي بن الحسين‘: (ما كان أحد أكفّ عن صاحبنا من صاحبكم) فقال عليه السلام : ‎ فَلِمَ تشتمونه على المنابر ؟ قال مروان : (لا يستقيم لنا الأمر إلاّ بذلك)(٢)

فمن بدّل الدعاء بالغفران ورفع الغلّ بالشتم والقتال ، لا يكون مصداقاً للآيات المتقدّمة

________________

(١) شرح نهج البلغة ١١:٤٥ ، ٤٦

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٣ : ٢٢٠ وبنحوه في أنساب الاشراف ٢ : ١٨٤


وخلاصة ما تقدَّم أنّ الآيات النازلة بحق الصحابة والثناء عليهم، لم تكن شاملة لجميع الأفراد، فبعضها ناظر إلى المجموع بما هو مجموع دون السراية إلى الأفراد، وبعضها مختصّ بطائفة منهم وضمن مواصفات خاصّة، وبعضها مشروط بشروط معينة، وبعضها مشروط بحسن العاقبة

الايةالسابعة: : قال الله تعالى :((مُحَمّدٌ رسُولُ اللهِ والَّذينَ معَهُ أشدّاءُ على الكفّار رُحماءُ بَينَهُم تراهُم رُكَّعاً سُجَّداً يبتغُونَ فضلاً من اللهِ ورضواناً... وَعَدَ اللهُ الَّذينَ آمنوا وعَمِلُوا الصَّالحاتِ مِنهُم مَغفِرةً وأجراً عظيماً)))(١)

وصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه واله وأصحابه الذين بايعوه تحت الشجرة في بيعة الرضوان بأنّهم أشداء على الكفار رحماء بينهم ، عرفوا بالركوع والسجود وابتغاء الفضل والرضوان من الله ، ووعد تعالى المؤمنين منهم والذين عملوا الصالحات مغفرة وأجراً عظيماً

وقد أُختلف في الصحابة الذين نزلت فيهم الآية وهم من بايع تحت الشجرة، وذهب ابن الصلاح وابن النجّار إلى أنّ الآية شاملة لكلِّ الصحابة(٢)

وذهب آخرون إلى أنّ الآية خاصة بالذين آمنوا وعملوا الصالحات من الصحابة ، وإلى هذا الرأي أشار العلاّمة الطباطبائي بالقول :((... ضمير منهم للذين معه ، و من للتبعيض على ما هو الظاهر المتبادر... ويفيد الكلام اشتراط المغفرة والأجر العظيم بالإيمان حدوثاً وبقاءً ، وعمل الصالحات ، فلو كان منهم من لم يؤمن أصلاً كالمنافقين الذين لم يعرفوا بالنفاق... أو آمن أولاً ثم أشرك وكفر... أو آمن ولم يعمل الصالحات ، لم يشمله وعد المغفرة والأجر العظيم

وقيل : إنَّ ((من)) في الآية بيانية لا تبعيضية ، فتفيد شمول الوعد لجميع الذين معه ، وهو مدفوع بأنّ ((من)) البيانية لا تدخل على الضمير مطلقاً))(٣) .

________________

(١) سورة الفتح ٤٨ : ٢٩

( ٢ ) مقدمة ابن الصلاح : ٤٢٧ وشرح الكوكب المنير : ٤٧٤

(٣) الميزان في تفسير القرآن ١٨ : ٣٠١ ـ ٣٠٢


والآية الكريمة نزلت في أصحاب بيعة الرضوان ومن شهد الحديبية(١) ، وتعميمها على الصحابة جميعاً ـ حتى الذين أسلموا بعد صلح الحديبية ـ بحاجة إلى دليل

وأصحاب رسول الله صلى الله عليه واله الذين كانوا معه والرحماء بينهم والأشدّاء على الكفّار هم الذين شهدوا الحديبية ، أمّا غيرهم فكان باقياً على كفره ولم يسلم إلاّ بعد فتح مكة من امثال ابي سفيان ومعاوية وعمرو بن العاص ، فكيف يصح التعميم ؟!

وصفات الرحمة بينهم والشدة على الكفّار، هي التي أوجبت لهم المغفرة والأجر من الله تعالى واوجبت لهم العدالة، ومن لا يتصف بهذه الصفات فخارج موضوعاً عنهم، ولايصح وصفه بالعدالة.

والعدالة تشمل مجموع المبايعين وليس الافراد فردا فردا لان فيهم من في قلبه مرض وفيهم منافقون غير مكشوفين، وتشمل من حسنت عاقبته.

فمن بدّل الرحمة بالعدوان لاتشمله الاية ، فقد حارب طلحة والزبير ومروان الامام عليا عليه السلام.

وحارب معاوية الإمام عليّاً عليه السلام ، بعد أن أهدى إلى قيصر الروم ذهباً وفضة ليتفرغ إلى حرب الإمام عليّ عليه السلام(١) ، فكان مخالفاً لصفة الذين آمنوا وهي الرحمة بينهم والشدة على أعدائهم ، فقد وادع عدوّه ، وحارب وليّه وقتل في معركة صفيّن خيار الصحابة ومن المهاجرين الأوائل ، كعمّار بن ياسر وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين

وقتل معاوية الصحابي حُجر بن عديّ ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله بحقه وحق من قتل معه: (( ‎ يقتل بمرج عذراء نفر يغضب لهم أهل السماوات))(٢) .

وإذا برّر البعض ما فعله معاوية بأنّه كان مجتهداً ـ كما سيأتي ـ فلا اجتهاد لبسر بن أرطأة حينما قتل طفلين لعبيدالله بن العبّاس بن عبدالمطلب(٣) وقتل الأطفال محرّم شرعاً، ولا تبرير له حتى وان كان اباؤهم كفاراً، فكيف إذا كانوا مسلمين، وكان أبوهم والياً للخليفة

________________

(١) تفسير الماوردي ٥ : ٣٠٩ وأسباب نزول القرآن ، للواحدي ٣٩٧ وأسباب النزول ، للسيوطي : ٣٤١

( ٢ ) الإمامة والسياسة ١ : ٩٨

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٢٣١


المنتخب من قبل أهل الحل والعقد في رأيهم، وهذه الأحداث تدل على انتزاع صفة الرحمة من بعض الصحابة ، فكيف يدخلون في عموم الآية ؟!

الاية الثامنة:قال تعالى : (( وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تبيَّنَ لهُ الهدى ويتَّبِع غيرَ سبيلِ المؤمنين نولِّه ما تولّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءت مصيراً ))(٢)

استدل البعض على طهارة وعدالة جميع الصحابة فرداً فرداً بهذه الآية الكريمة ومنهم عبدالرحمن الرازي(٣)

ووجه الاستدلال : أنّ الله تعالى جمع بين مشاقة الرسول واتّباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد ، فيكون اتّباع سبيلهم واجباً ، ولا يصح الأمر باتّباع سبيل من يجوز عليهم الانحراف والريبة والفسق

ولا علاقة للآية بمسألة عدالة الصحابة أبداً كما لا يخفى ومع التنزل فإنّ الاستدلال بهذه الآية على عدالة جميع الصحابة فرداً فرداً لا يصح من عدة وجوه:

الأول : ذهب كثير من المفسرِّين والمتكلمين إلى أنَّ المقصود بسبيل المؤمنين هو مجموع الاُمّة ، ومنهم القصّار المالكي والسبكي(٤)

الثاني : المراد بسبيل المؤمنين هو الاجتماع على الإيمان وطاعة الله ورسوله، فإنَّ ذلك هو (الحافظ لوحدة سبيلهم)(٥)

________________

(١) تفسير الماوردي ٥ : ٣٠٩ وأسباب نزول القرآن ، للواحدي ٣٩٧ وأسباب النزول ، للسيوطي : ٣٤١

( ٢ ) سورة النساء ٤ : ١١٥

(٣) الجرح والتعديل ، لعبدالرحمن الرازي ١ : ٧

(٤) المقدمة في الاُصول ، للقصّار المالكي : ٤٥ والابهاج في شرح المنهاج ، للسبكي ٢ : ٣٥٣

(٥) الميزان في تفسير القرآن ٥ : ٨٢


الثالث : أن يكون سبيل المؤمنين خالياً من الاثم والعدوان ، كما ورد في الآيات الكريمة ، ومنها : قوله تعالى : ((وتَعاونُوا على البرِّ والتَّقوى ولا تَعاونُوا على الإثمِ والعُدوانِ)(١) ، وقوله تعالى : (يا أيُّها الذين آمنُوا إذا تناجَيتُم فلا تَتَناجَوا بالإثمِ والعُدوانِ ومعصِيةِ الرَّسُولِ وتناجَوا بالبّرِ والتَّقوى))(٢)

فالله تعالى ينهى عن التعاون والمناجاة بالإثم والعدوان ، لإمكان وقوعه من قبل المسلمين

الرابع : اختلف الصحابة فيما بينهم حتى وصل الحال بهم إلى الاقتتال ، كما حدث في معركة الجمل وصفين ، فيجب على الرأي المتقدم اتّباع الجميع ، اتّباع علي بن أبي طالب عليه السلام والخارجين عليه ، وهذا محال ، واتّباع أحدهم دون الآخر يعني عدم اتّباع الجميع بل البعض منهم ، وهذا هو الوجه الصحيح ، وهو وجوب اتّباع من وافق الحق والشريعة وليس اتّباع كل سبيل

فالسبيل المقصود هو سبيل المؤمنين الموافق للحق وللأُسس الثابتة في الشريعة ، وليس هو سبيل كلّ فرد من أفراد المؤمنين

وقد أشار ابن قيم الجوزية إلى استحالة توزيع سبيل المؤمنين على الأفراد فقال : (إنّ لفظ الاُمّة ولفظ سبيل المؤمنين لا يمكن توزيعه على أفراد الاُمّة وأفراد المؤمنين)(٣)

الآية التاسعة : قال تعالى :((لَّقَد تَّابَ اللهُ على النبي والمهاجرين والأنصار الَّذين اتَّبعوهُ في ساعةِ العُسرَةِ مِن بعدِ ما كادَ يزيغُ قُلُوبُ فريق منهم ثم تاب عليهم إنّه بهم رؤوفٌ رحيمٌ))(٤)

إنّ الله تعالى يعطي للمسلمين فرصاً للانابة والعودة إلى الاستقامة من أجل مواصلة المسيرة لتحقيق المنهج الالهي في الحياة ، وفي هذه الآية تصريح بالتوبة على المهاجرين والأنصار بعد (ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم عن الحق ويشك في دين الرسول صلى الله عليه واله ويرتاب للذي نالهم من المشقة والشدة)(٥)

________________

(١) سورة المائدة ٥ : ٢

( ٢ ) سورة المجادلة ٥٨ : ٩

(٣) أعلام الموقعين ٤ : ١٢٧

(٤) سورة التوبة : ٩ : ١١٧

(٥) تفسير القرآن العظيم ٢ : ٤١١


والله تعالى قبل توبتهم (وإنّما ذكر اسم النبي صلى الله عليه واله مفتاحاً للكلام وتحسيناً له ولأنّه سبب توبتهم.. سهل الله عليهم التوبة حتى تابوا ، وقيل ليتوبوا أي ليعودوا إلى حالتهم الاُولى قبل المعصية)(١)

والتوبة المصرّح بها اختصت بمن تبع رسول الله صلى الله عليه واله في غزوة تبوك(٢) ، ولا دليل على سرايتها لجميع الصحابة الذين أسلموا بعد الغزوة ، حيث دخل الناس في الإسلام أفواجاً ووفدت القبائل إلى رسول الله صلى الله عليه واله بعد ذلك وأعلنت اسلامها في السنة التاسعة من الهجرة

والتوبة لا تعني شمولها للمستقبل لأنّها مختصّة بتلك المرحلة من مراحل مسيرة المسلمين ، وادعاء الشمولية بحاجة إلى دليل ، والقاعدة العامّة الثابتة : إنّ الله تعالى يتوب على من تاب وان باب التوبة مفتوح ، وان المقياس هو حسن العاقبة سواء كانت في حياة رسول الله صلى الله عليه واله أو بعد مماته

إضافة إلى ذلك هنالك آيات عديدة نزلت بعد هذه الآية تذم كثيراً من المسلمين سيأتي ذكرها في حينها

آيات الذم والتقريع

تطرقنا الى ايات المدح والثناء وتوصلنا الى أنها تختص بالصحابة المؤمنين الملتزمين بمفاهيم وقيم القران الكريم والسنة الشريفة والذين أطاعوا الله تعالى والرسول صلى الله عليه واله واستمروا على هذا النهج اثناء حياة الرسول وبعد رحيله، ولايشمل المدح المنافقين والذين في قلوبهم مرض أو الذين بدّلوا وغيّروا ولم تكن عاقبتهم صالحة

وأثبتنا ان العدالة المترتبة على المدح والثناء تشمل الصحابة كمجموع ولاتسري الى الأفراد فردا فردا.

________________

(١) مجمع البيان ٣ : ٨٠

( ٢ ) تفسير القرآن العظيم ٢ : ٤١١ والدر المنثور ٤ : ٣٠٩


حيث ابتعد كثير من الصحابة في مواقفهم وسلوكهم عن المنهج الإلهي المرسوم لهم، وخالفوا القواعد الأساسية للسلوك الإسلامي ، فنزلت الآيات في ذمّهم وتقريعهم ، والان نتطرق الى الآيات الكريمة الذامة والناقدة للصحابة الذين يستحقون الذم والنقد.

الآية الاُولى: قال تعالى :((ومِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الأعرابِ مُنَافِقُونَ وَمِن أهلِ المدينةِ مَردُوا على النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعلَمُهُمْ))(١)

وفي تفسيرها ورد((و المرد العتو و الخروج عن الطاعة، و الممارسة و التمرين على الشر و هو المعنى المناسب أي مرنوا عليه و مارسوا حتى اعتادوه.

و معنى الآية: و ممن في حولكم أو حول المدينة من الأعراب الساكنين في البوادي منافقون مرنوا على النفاق و من أهل المدينة أيضا منافقون معتادون على النفاق لا تعلمهم أنت يا محمد نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم))(٢) .

والاية واضحة الدلالة على وجودالنفاق والمنافقين في اوساط الصحابة وهم قسمان : الاول واضح وظاهر للعيان ، والاخر خفي لا يعلمه إلاّ الله، لأنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم إبطاناً(٣) .

أو كما وصفهم الفخر الرازي:((إنّهم تمرّنوا في حرفة النفاق، فصاروا فيها استاذين، وبلغوا إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع قوة خاطرك وصفاء حدسك ونفسك))(٤)

وكان رسول الله صلى الله عليه واله يتعامل مع المسلمين حسب ظواهرهم ولا يتابعهم أو يعلن عن أسماء المنافقين الذين يعرفهم، فعن أبي الدرداء أنَّ رجلاً يقال له حرملة.. قال: يا رسول الله: إنّه كان لي أصحاب من المنافقين، وكنت رأساً فيهم، أفلا آتيك بهم، قال صلى الله عليه واله:(( ‎ من أتانا استغفرنا له، ومن أصرَّ فالله أولى به، ولا تخرقنَّ على أحد ستراً))(٥) .

فوجود منافقين بين الصحابة، يعني أنّنا لا نستطيع أن نحكم على أفراد الصحابة بالخيرية والعدالة، وإنّما ننظر إلى سلوكهم ومواقفهم العملية، فمن كان سلوكه وموقفه مطابقاً لقواعد الإسلام الثابتة فهو من الأخيار والعدول، ومن لم يكن كذلك، فلا نحكم عليه بالخيرية والعدالة، وإنّما نصفه بالوصف الذي يستحقّه دون الحاجة إلى تبرير سلوكه وموقفه تارة بالتأويل وأُخرى بالاجتهاد، فما دام النفاق موجوداً

________________

(١) سورة التوبة ٩ : ١٠١

( ٢ ) الميزان ٩: ٢٦٨

(٣) راجع الكشّاف ٢ : ٢١١

(٤) التفسير الكبير ١٦ : ١٧٣

(٥) تفسير القرآن العظيم ٢ : ٣٩٩


لدى بعضهم في حياة رسول الله صلى الله عليه واله، فإنّه مستمر بالوجود بعد وفاته، وخصوصاً أنّ المنافقين أصبحوا في مأمن من كشف الوحي أسرارهم

وقال الله تعالى ـ في آية لاحقة ـ : (وآخرُونَ اعترفُوا بِذُنُوبِهِم خَلَطُوا عَملاً صالحاً وآخرَ سَيِّئاً عسى اللهُ أن يَتُوبَ عَلَيهِم إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(١) .

وفي التفسير ورد :((أي و من الأعراب جماعة آخرون مذنبون لا ينافقون مثل غيرهم بل اعترفوا بذنوبهم لهم عمل صالح و عمل آخر سيىء خلطوا هذا بذلك من المرجو أن يتوب الله عليهم إن الله غفور رحيم.

و في قوله: ((عسى الله أن يتوب عليهم)) إيجاد الرجاء في نفوسهم لتكون نفوسهم واقعة بين الخوف و الرجاء من غير أن يحيط بها اليأس و القنوط، و في قوله: ((إن الله غفور رحيم)) ترجيح جانب الرجاء ))(٢) ..

واختلف المفسرون في نزول الآية على قولين : الأول : انهم من المنافقين، والثاني : انهم قوم من المسلمين(٣)

والظاهر من الآية هو الرأي الثاني أي انهم قوم من المسلمين، وفي ذلك قال المراغي: ((وهناك فريق آخر ممّن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة ليسوا منافقين، ولا من السابقين الأولين بل من المذنبين الذين خلطوا الصالح من العمل بالسيء منه، والسيء بالصالح، فلم يكونوا من الصالحين الخلّص ولا من الفاسقين، فهم آمنوا وعملوا الصالحات واقترفوا بعض السيئات... انهم محل الرجاء لقبول الله توبتهم بتوفيقهم للتوبة الصحيحة التي هي سبب المغفرة والرحمة...))(٤)

فالذين يقترفون الذنوب ورسول الله صلى الله عليه واله بين ظهرانيهم يخبرهم بما يوحى إليه فمن باب أولى أن يقترف غيرهم الذنوب ببعده عن رسول الله صلى الله عليه واله في حياته أو بعد مماته، ولا يمنع أن يعود المعترفون بذنوبهم إلى ارتكابها بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه واله؛ لأنّ النفس الإنسانية تحمل نوازع الخير والشر وهي بحاجة إلى الهداية الدائمة لكي يتغلب الخير على الشر في

________________

(١) سورة التوبة : ٩ : ١٠٢

( ٢ ) الميزان ٩ : ٢٦٨

(٣) التفسير الكبير ١٦ : ١٧٤

(٤) تفسير المراغي ١١ : ١٤


جوانحها، فالأهواء النفسية والمغريات الخارجية تؤثر على السلوك والمواقف العملية للإنسان أمّا ايجاباً أو سلباً، والوصول إلى مرتبة التكامل والسمو بحاجة إلى مجاهدة متواصلة للأهواء والتحصن من الانسياق وراء المغريات التي يزخر بها الواقع.

والواقع التاريخي يتطرق الى ارتداد كثير من الصحابة رجع بعضهم عن ارتداده وبقي البعض الاخر مرتدا،وان بعضهم صدرت منهم ذنوب ومعاص وعلى سبيل المثال ماصدر عن المغيرة بن شعبة، حيث اتُهم المغيرة بالزنا في عهد عمر بن الخطاب لكنّه لم يعاقب لتخلّي أحد الشهود الأربعة عن الشهادة، وبقي عمر بن الخطاب ـ كلّما رأى المغيرة ـ يقول :((ما رأيتك إلاّ خفت ان أرمى بحجارة من السماء))(١) إشارة لعدم معاقبته ، عزله عمر عن ولاية البصرة بعد الاتهام بالزنا ، وطلب من عمر ان يوليه الكوفة ، فقال عمر: أنت رجل فاسق.

قال: وما عليك منّي؟ كفايتي ورجلتي لك، وفسقي على نفسي، فولاه الكوفة، فسأل أهل الكوفة عن المغيرة، فقالوا: أنت أعلم به وبفسقه(٢)

وصفه الإمام علي عليه السلام بالقول:(( لن يأخذ من الدين إلاّ ما خلطته الدنيا))(٣) .

وقال عنه:(( كذب المغيرة))،حينما ادّعى انّه احدث الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه واله(٤)

وكان ابو هريرة كثير الكذب والادعاء وكان من قوله : حدَّثني خليلي، وقال خليلي، ورأيت خليلي، فقال له عليّ عليه السلام :((متى كان النبيّ خليلك، يا أبا هريرة))(٥) .

الآية الثانية : قال الله تعالى:((أفَمَن كانَ مُؤمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاًلا يَستَوونَ))(٦)

________________

(١) الاغاني ١٦ : ٩٩ وشرح نهج البلاغة ١٢ : ٢٤٥ وتاريخ الإسلام : الذهبي : ١٢١

( ٢ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٥٥

(٣) مختصر تاريخ دمشق ٢٥ : ١٧١

(٤) الكامل في التاريخ ٢ : ٣٣٣

(٥) تأويل مختلف الحديث : ٢٧

(٦) سورة السجدة ٣٢ : ١٨


نزلت هذه الآية في الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام والوليد بن عقبة ، قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط للإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام : (أنا أحدّ منك سناناً ، وأبسط منك لساناً)

فقال له الإمام علي عليه السلام : ‎ اسكت ، فإنّما أنت فاسق ، فنزلت الآية ، قال عبدالله بن عباس : (يعني بالمؤمن عليّاً ، وبالفاسق الوليد بن عقبة)(١)

وقد اتّفق كثير من المفسرين في أنّ المراد بالفاسق هو الوليد بن عقبة٢١)

ونزلت آية اُخرى في الوليد بن عقبة ، وسمّته فاسقاً ، وهي قوله تعالى : (يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا إن جاءكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا أن تُصيبُوا قَوماً بِجهالة فَتُصبِحُوا على ما فَعَلتُم نادِمِينَ)(٣)

وسبب النزول أنّ رسول الله صلى الله عليه واله بعث الوليد بن عقبة لجمع صدقات بني المصطلق، فلمّا شارف ديارهم ركبوا مستقبلين له فحسبهم مقاتليه، فرجع لرسول الله صلى الله عليه واله، وقال له إنّهم قد ارتدّوا ومنعوا الزكاة ، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه واله وأخبروه بعدم صحة قول الوليد ، فنزلت الآية وهي محل اتّفاق بين المفسرين والمؤرخين في نزولها في الوليد بن عقبة ، وفي تسميته فاسقاً(٤)

ورد في تفسير الميزان:(( الآية نزلت بحق الوليد بن عتبة حينما اخبر بارتداد بني المصطلق فالّح جماعة من المسلمين البسطاء السذج ذوي النظرة السطحية على الرسول ان يقاتلهم.

________________

(١) أسباب نزول القرآن ، للواحدي ٣٦٣

( ٢ ) الكشّاف ٣ : ٥١٤ وأسباب النزول ، للسيوطي : ٢٩٣ والدر المنثور ٣ : ٥١٤

(٣) سورة الحجرات ٤٩ : ٦

(٤) السيرة النبوية ، لابن هشام ٣ : ٣٠٩ وأسباب نزول القرآن ، للواحدي : ٤٠٧ والكشّاف ٣ : ٥٥٩ وتفسير القرآن العظيم ٤ : ٢٢٤ والإصابة ٦ : ٣٢١ وأسباب النزول ، للسيوطي : ٣٤٧


والقرآن ينهاهم عن الأخذ بخبر الفاسق ثم يقول: من حسن حظكم ان فيكم رسول الله وهو مرتبط بالوحي فلا تتوقعوا ان يطيعكم ويتعلم منكم ولا تصروا وتلحوا عليه، فان ذلك فيه عنت لكم وليس من مصلحتكم))(١) .

والوليد بن عقبة كان مشهوراً بالفسق حتى بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه واله ، ففي خلافة عثمان بن عفّان كان الوليد أميراً على الكوفة ، فشرب الخمر ، وصلّى بالناس جماعة وهو سكران(٢)

وقال ابن حجر العسقلاني : (وقصة صلاته بالناس الصبح أربعاً وهو سكران مشهورة مخرجة ، وقصة عزله بعد أن ثبت عليه شرب الخمر مشهورة أيضاً مخرجة في الصحيحين)(٣)

وتسمية الصحابي الوليد بالفاسق يعني نفي العدالة عنه ،ونفي العدالة عنه وعن غيره،وهذا النفي يدل على عدم عدالة جميع الصحابة وانما البعض منهم عادل والبعض الاخر ليس بعادل.

الآية الثالثة:قال الله تعالى : ((يا َأيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسلْنَا عَلَيهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لّمْ تَرَوْهَا وَ كانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسفَلَ مِنكُمْ وَ إِذْ زَاغَتِ الأَبْصرُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوب الْحَنَاجِرَ وَ تَظنّونَ بِاللّهِ الظنُونَا هُنَالِك ابْتُلىَ الْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزَالاً شدِيداً وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَ الّذِينَ فى قُلُوبهِم مّرَضٌ مّا وَعَدَنَا اللّهُ وَ رَسولُهُ إِلا غُرُوراً ))(٤) .

.ورد في تفسير الايات المتقدمة ((قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود" إلخ، تذكير للمؤمنين بما أنعم عليهم أيام الخندق بنصرهم و صرف جنود المشركين عنهم و قد كانوا جنودا مجندة من شعوب و قبائل شتى كغطفان و قريش و الأحابيش و كنانة و يهود بني قريظة و النضير أحاطوا بهم من فوقهم و من أسفل منهم فسلط الله عليهم الريح و أنزل ملائكة يخذلونهم.

و هو قوله: "يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ" ظرف للنعمة أو لثبوتها "جاءتكم جنود" من طوائف كل واحدة منهم جند كغطفان و قريش و غيرهما "فأرسلنا" بيان للنعمة و هو الإرسال المتفرع على مجيئهم "عليهم ريحا" و هي الصبا و كانت باردة في ليال شاتية "و جنودا لم تروها" و هي الملائكة لخذلان المشركين "و كان الله بما تعملون بصيرا".

قوله تعالى: "إذ جاءوكم من فوقكم و من أسفل منكم" إلخ الجاءون من فوقهم و هو الجانب الشرقي للمدينة غطفان و يهود بني قريظة و بني النضير و الجاءون من أسفل منهم و هو الجانب الغربي لها قريش و من انضم إليهم من الأحابيش و كنانة فقوله: "إذ جاءوكم من

________________

(١) الميزان ١٨ :٣١٢

( ٢ ) الإمامة والسياسة ١ : ٣٢ وتاريخ اليعقوبي ٢ : ١٧٤ والكشّاف ٣ : ٥٥٩

(٣) الإصابة ٦ : ٣٢٢

(٤) سورة الاحزاب : الايات : ٩ ،١٠ ،١١ ،١٢


فوقكم و من أسفل منكم" عطف بيان لقوله: "إذ جاءتكم جنود".و قوله: "إذ زاغت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر"، عطف بيان آخر لقوله: "إذ جاءتكم" إلخ، و زيغ الأبصار ميلها و القلوب هي الأنفس و الحناجر جمع حنجر و هو جوف الحلقوم.و الوصفان أعني زيغ الأبصار و بلوغ القلوب الحناجر كنايتان عن كمال غشيان الخوف لهم حتى حولهم إلى حال المحتضر الذي يزيغ بصره و تبلغ روحه الحلقوم.و قوله: "و تظنون بالله الظنونا" أي يظن المنافقون و الذين في قلوبهم مرض الظنون فبعضهم يقول: إن الكفار سيغلبون و يستولون على المدينة، و بعضهم يقول: إن الإسلام سينمحق و الدين سيضيع، و بعضهم يقول: إن الجاهلية ستعود كما كانت، و بعضهم يقول: إن الله غرهم و رسوله إلى غير ذلك من الظنون.

قوله تعالى: "هنالك ابتلي المؤمنون و زلزلوا زلزالا شديدا" هنالك إشارة بعيدة إلى زمان أو مكان و المراد الإشارة إلى زمان مجيء الجنود و كان شديدا عليهم لغاية بعيدة، و الابتلاء الامتحان، و الزلزلة و الزلزال الاضطراب، و الشدة القوة و تختلفان في أن الغالب على الشدة أن تكون محسوسا بخلاف القوة، قيل: و لذلك يطلق القوي عليه تعالى دون الشديد.

و المعنى في ذلك الزمان الشديد امتحن المؤمنون و اضطربوا خوفا اضطرابا شديدا.

قوله تعالى: "و إذ يقول المنافقون و الذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله و رسوله إلا غرورا" الذين في قلوبهم مرض هم ضعفاء الإيمان من المؤمنين و هم غير المنافقين الذين يظهرون الإيمان و يبطنون الكفر، و إنما سمي المنافقون الرسول لمكان إظهارهم الإسلام.

و الغرور حمل الإنسان على الشر بإراءته في صورة الخير و الاغترار احتماله له.قال الراغب: يقال: غررت فلانا أصبت غرته و نلت منه ما أريد، و الغرة - بكسر الغين - غفلة في اليقظة))(١) ..

أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طرق عن حذيفة قال: (( لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا وقريظة اليهود أسفل نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا منها أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحد منا اصبعه فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه واله ويقولون ان بيوتنا عورة وما هي بعورة فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له يتسللون ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك اذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه واله رجلا رجلا حتى مر علي وما علي جنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال: من هذا ؟ قلت: حذيفة فتقاصرت إلى الأرض فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم فقال: قم فقمت فقال: انه كان في القوم خبر فاتني بخبر القوم قال: وأنا من أشد الناس فزعا وأشدهم قرا فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه واله: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته قال: فو الله ما خلق الله فزعا ولا قرا في جوف إلا خرج من جوفي فما أجد منه شيئا فلما وليت قال: يا حذيفة لا تحدث في القوم شيئا حتى تأتيني فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد واذا برجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل الرحيل ثم دخل العسكر فاذا في الناس رجال من بني عامر يقولون: الرحيل الرحيل يا آل عامر لا مقام لكم واذا

________________

(١) الميزان ١٨ :٣١٢


الرحيل في عسكرهم ما يجاوز عسكرهم شبرا فوالله أني لاسمع صوت الحجارة في رحالهم ومن بينهم الريح يضربهم بها ثم خرجت نحو النبي صلى الله عليه واله فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارسا متعممين فقالوا: اخبر صاحبك ان الله كفاه القوم فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه واله وهو يشتمل في شملة يصلي وكان إذا حز به أمر صلى فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يرتحلون فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذا جاءتكم جنود

وأخرج الفريابي وابن عساكر عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: قال رجل: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه واله لحملته ولفعلت فقال حذيفة: لقد رأيتني ليلة الأحزاب ونحن مع رسول الله صلى الله عليه واله فكان رسول الله صلى الله عليه واله يصلي من الليل في ليلة باردة ما قبله ولا بعده برد كان أشد منه فحانت مني التفاتة فقال " ألا رجل يذهب إلى هؤلاء فيأتينا بخبرهم - جعله الله معي يوم القيامة - قال: فما قام منه انسان قال: فسكتوا ثم عاد فسكتوا ثم قال: يا أبا بكر ثم قال: استغفر الله رسوله ثم قال: إن شئت ذهبت فقال: يا عمر فقال: استغفر الله رسوله ثم قال: يا حذيفة فقلت: لبيك فقمت حتى أتيت وان جنبي ليضربان من البرد فمسح رأسي ووجهي ثم قال: أئت هؤلاء القوم حتى تأتينا بخبرهم ولا تحدث حدثا حتى ترجع ثم قال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته حتى يرجع قال فلان: يكون أرسلها كان أحب الي من الدنيا وما فيها قال: فانطلقت فأخذت أمشي نحوهم كأني أمشي في حمام قال: فوجدتهم قد أرسل الله عليهم ريحا فقطعت أطنابهم وذهبت بخيولهم ولم تدع شيئا إلا أهلكته )).

وهذه الظنون موجبة لفسق من يظنها او انحرافه وعدم عدالته ،وبما أن اغلب هؤلاء غير معلومين بأسمائهم ،فأن وصف الصحابة جميعا بالعدالة بما فيهم هؤلاء يجانب الواقع؛فهناك منافقون وهناك في قلوبهم مرض وهم غير معلومين ، ولذا لايصح وصف جميع الصحابة بالعدالة.

يذكر الله تعالى صنفين من المسلمين أو من الصحابة: المنافقين، والذين في قلوبهم مرض ، فكلاهما يشهد الشهادتين ويعترف ولو بالظاهر برسول الله صلى الله عليه واله رسولاً

وهنالك ثلاثة آراء في معنى (الَّذينَ في قُلُوبِهِم مرضٌ) :

فعن محمد بن كعب قال : يعني المنافقين

وعن عكرمة قال : أصحاب الفواحش

وعن عطاء قال : كانوا مؤمنين ، وكانوا في أنفسهم أن يزنوا و...(١)

والظاهر أنّ معنى (الذين في قلوبهم مرض) : (هم ضعفاء الإيمان من المؤمنين ، وهم غير المنافقين)(٢) .

وضعفاء الإيمان يمكن صدور الذنب والمعصيّة منهم ، وقد صدر بالفعل بقولهم : (ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إلاّ غُروراً)، وهذا القول من أعظم الذنوب والمعاصي

________________

(١) الدر المنثور ٦ : ٦٦٢ ـ ٦٦٣

(٢) الميزان في تفسير القرآن ١٦ : ٤٨٦


ويلحق بهؤلاء من يعبد الله تعالى عبادة متزلزلة غير مستقرة.

قال الله تعالى:((وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ على حَرْف فإن أصابَهُ خيرٌ اطمأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتنَةٌ انقلبَ على وجهِهِ خَسِرَ الدنيا والآخرةِ...))(١) .

نزلت الآية في الذين أسلموا إسلاماً غير مستقر، قال الزمخشري:((على حرف: على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة... قالوا: نزلت في أعاريب قدموا المدينة، وكان أحدهم إذا صحّ بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً، وولدت امرأته غلاماً سوياً، وكثر ماله وماشيته، قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلاّ خيراً... وإن كان الأمر بخلافه قال : ما أصبت إلاّ شرّاً))(٢) . ونحو ذلك قال ابن كثير(٣)

ويلحق بهم الأعراب وهم قوم من الصحابة ، لأنّهم صحبوا رسول الله صلى الله عليه واله ولو ساعة من نهار حسب تعريف المشهور ، وإنَّ درجات إيمانهم تتناسب طردياً مع ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية ، فهم بين اندفاع وانكماش وبين تقدّم وتراجع تبعاً للظروف، وهؤلاء وإن أسلموا ورافقوا رسول الله صلى الله عليه واله بعض الوقت، إلاّ أنّ الإيمان لم يدخل قلوبهم، كما عبّر عنهم القرآن الكريم:(( قالتِ الأعرابُ آمنّا قُلْ لم تؤمنُوا ولكِن قُولُوا أسلَمنا ولمّا يَدخُلِ الإيمانُ في قلوبِكُم... إنّما المؤمنونَ الَّذِينَ آمنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لم يَرتابُوا وجَاهدُوا بأموالِهِم وأنفُسِهم في سبيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصادِقُونَ))(٤)

ويلحق بهم المؤلفة قلوبهم من الصحابة، فإنّ رسول الله صلى الله عليه واله كان يعطيهم الأموال ليتألفهم على الإسلام، ومنهم أبو سفيان وأولاده(٥) .

________________

(١) سورة الحج ٢٢ : ١١

(٢) الكشّاف ٣ : ٧

(٣) تفسير القرآن العظيم ٣ : ٢١٩

(٤) سورة الحجرات ٤٩ : ١٤ ـ ١٥

(٥) ربيع الأبرار ١ : ٧٨٨ ومختصر تاريخ دمشق ١١ : ٦٤ وسير أعلام النبلاء ٢ : ١٠٦


وقد حذّر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه واله من ترقيق القول، وقال : (... فلا تخضَعْنَ بالقولِ فَيطمَعَ الَّذي في قلبِهِ مرضٌ...)(١)

وقال العلاّمة الطباطبائي في تفسيره : (( فيطمَعَ الَّذي في قلبِهِ مرضٌ) وهو فقدانه قوة الإيمان التي تردعه عن الميل إلى الفحشاء)(٢)

فالذي في قلبه مرض يميل إلى الذنوب والمعاصي حسب درجة قوة وضعف إيمانه وعاقبته إمّا الاستقامة وإمّا الانحراف

ومثل هؤلاء الذين يكون ارتباطهم بالإسلام قائماً على أساس مقدار العطاء، لا نتوقع أن يكونوا بمستوى المجاهدين الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ثم لم يرتابوا

الآية الرابعة:: قال الله تعالى : (( وما كانَ لكُمْ أنْ تُؤذُوا رسُولَ اللهِ ولا أن تنكِحُوا أزواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبداً إنَّ ذلكُم كانَ عند اللهِ عظيماً ))(٣)

نزلت هذه الآية في بعض الصحابة الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه واله ، فقد روى الطبرسي : (انّ رجلين قالا : أينكح محمد نساءنا ولا ننكح نساءه ، والله لئن مات لنكحنا نساؤه ، وكان أحدهما يريد عائشة ، والآخر يريد أُم سلمة)(٤) .

فالاذى الاول انهم قالوا ((محمد)) دون رسول الله وهذا هو قمة في الأذى بل قد يعبّر عن عدم ايمانهم برسالته،والاذى الثاني هو التصريح بالزواج من نسائه وهو اذى عظيم.

وعن السدي أنّه قال : (بلغنا أنّ طلحة بن عبيدالله قال : أيحجبنا محمد عن بنات عمِّنا ويتزوج نساءنا ، لئن حدث به حدث لنتزوجنَّ نساءه من بعده)(٥)

وفي رواية أنّ محمد بن عمرو بن حزم ، قال : (إذا توفي رسول الله صلى الله عليه واله تزوجت عائشة)(٦)

________________

(١) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٢

(٢) الميزان في تفسير القرآن ١٦ : ٣٠٩

(٣) سورة الأحزاب ٣٣ : ٥٣

(٤) مجمع البيان ٤ : ٣٦٦

(٥) أسباب النزول ، للسيوطي : ٣٠٦

(٦) سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٢


وعن عبدالله بن عباس قال : (إنَّ رجلاً أتى بعض أزواج النبي صلى الله عليه واله فكلمّها وهو ابن عمها ، فقال النبي صلى الله عليه واله : لا تقومنَّ هذا المقام بعد يومك هذا... فمضى ثم قال : يمنعني من كلام ابنة عمّي ، لأتزوجنّها من بعده ، فأنزل الله هذه الآية... فأعتق ذلك الرجل رقبة ، وحمل على عشرة أبعرة في سبيل الله، وحجَّ ماشياً توبةً من كلمته)(٢)

وفي هذه الرواية أدرك ذلك الصحابي عظم الذنب ، فتاب إلى الله تعالى ، وهذا إن دلَّ على شيء إنّما يدل على أنَّ الصحابي معرّض للانحراف والانزلاق، وهو يستقيم أحياناً وينحرف أخرى وباب التوبة مفتوح للتائبين

وقسَّم المراغي ايذاء رسول الله إلى قسمين :(٣)

الأول في حياته فقال : (... وأمّا ايذاؤه في شؤونه البشرية والعادات الدنيوية فحرام لا كفر كايذاء الذين كانوا يطيلون المكث في بيوته لدى نسائه)

والثاني بعد وفاته فقال : (وايذاؤه صلى الله عليه واله بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى كايذائه في حال حياته كالخوض في أبويه، وآل بيته بما يعلم انّه يؤذيه لو كانا حيّاً، فالإيمان به صلى الله عليه واله مانع من تصدي المؤمن لما يعلم أو يظنّ انه يؤذيه صلوات الله عليه إيذاءً ما، فهذا الذنب من أكبر الذنوب ومعصية من أعظم المعاصي).

ويلحق بأذي رسول الله صلى الله عليه واله اذى المؤمنين والمؤمنات قال الله تعالى :((وَالّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَتِ بِغَيرِ مَا اكتَسبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَناً وَ إِثْماً مّبِيناً))(٤) .

((قوله تعالى: "و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و إثما مبينا" تقييد إيذائهم بغير ما اكتسبوا لأن إيذاءهم بما اكتسبوا كما في القصاص و الحد و التعزير لا إثم فيه.

و أما إيذاؤهم بغير ما اكتسبوا و من دون استحقاق فيعده سبحانه احتمالا للبهتان و الإثم المبين، و البهتان هو الكذب على الغير يواجهه به، و وجه كون الإيذاء من غير اكتساب بهتانا أن المؤذي إنما يؤذي لسبب عنده يعده جرما له يقول: لم قال كذا؟ لم فعل كذا؟ و ليس

________________

(١) أسباب النزول ، للسيوطي : ٣٠٦ والدر المنثور ٥ : ٢١٥

(٢) أسباب النزول ، للسيوطي : ٣٠٧

(٣) تفسير المراغي ١٠ : ١٤٨

(٤) سورة الاحزاب : اية ٥٨


بجرم فيبهته عند الإيذاء بنسبة الجرم إليه مواجهة و ليس بجرم.

و كونه إثما مبينا لأن الافتراء و البهتان مما يدرك العقل كونه إثما من غير حاجة إلى ورود النهي عنهما شرعا))(١) .

والمصداق الافضل للمؤمنين والمؤمنات هم اهل البيت عليهم السلام وقد آذى بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه واله بعد وفاته في أهل بيته عليهم السلام ، فحارب معاوية وعمرو بن العاص ابن عمِّه عليّاً عليه السلام ، وحارب معاوية سبطه الحسن عليه السلام حتى اضطرَّ للتنازل عن الخلافة، وسنَّ معاوية سنّةً سيئة في شتم عليٍّ عليه السلام من على منابر المسلمين، على الرغم من تواتر الروايات في تأكيد رسول الله صلى الله عليه واله على الثقلين: كتاب الله وعترته من أهل بيته

وقد اعتبرت أم سلمة سبّ علي عليه السلام من قبل معاوية هو سبّ لرسول الله صلى الله عليه واله محتجة بقوله صلى الله عليه واله:((من سبّ عليّاً فقد سبني))(٢)

وكتبت إلى معاوية : ((إنّكم تلعنون الله ورسوله على منابركم، وذلك انكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومن أحبّه ، وأنا أشهد أنّ الله أحبّه ورسوله))(٣)

ولم ينته معاوية عن سبّه واستمر السبّ إلى ما بعد وفاته في عهد يزيد ومروان إلى عهد عمر بن عبد العزيز كما هو المشهور ، حيث منع السب

ومن الروايات التي تشير الى التحذير من اذى اهل البيت عليهم السلام وفي مقدمتهم الامام علي عليه السلام:

الواحدي في أسباب النزول ومقاتل بين سليمان وأبوالقاسم القشيري في تفسيرهما أنه نزل قوله تعالى : ((والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات )) الآية في علي بن أبي طالب عليه السلام ، وذلك أن نفرا من المنافقين كانوا يؤذونه ويسمعونه و يكذبون عليه

وفي رواية مقاتل : ((والذين يؤذون المؤمنين ))يعني عليا ((والمؤمنات (( يعني فاطمة ((فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ))قال ابن عباس : وذلك أن الله تعالى أرسل عليهم الجرب في جهنم ، فلا يزالون يحتكون حتى تقطع أظفارهم ، ثم يحتكون حتى تنسلخ جلودهم ، ثم يحتكون حتى تبدو لحومهم ، ثم يحتكون حتى تظهر عظامهم ، ويقولون : ماهذا العذاب الذي نزل بنا ؟ فيقولون لهم : معاشر الاشقياء هذا عقوبة لكم ببغضكم أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله

________________

(١) الميزان ١٦ : ٥٢١.

(٢) مسند أحمد بن حنبل ٧ : ٤٥٥

(٣) العقد الفريد ٥ : ١١٥ وبنحوه في المعجم الكبير : الطبراني ٢٣ : ٣٢٣


تفسيري الضحاك ومقاتل : قال ابن عباس في قوله تعالى : ((إن الذين يؤذون الله ورسوله )) وذلك حين قال المنافقون : إن محمدا مايريد منا إلا أن نعبد أهل بيت رسول الله بألسنتهم ، فقال : لعنهم الله في الدنيا والآخرة بالنار وأعد لهم عذابا مهينا في جهنم .وفي تفاسير كثيرة أنه نزل في حقه : ((لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لايجاورونك فيها إلا قليلا )) يعني يهلكهم ، ثم قال : ((ملعونين أينما ثقفوا ))يعني بعدك يا محمد ((أخذوا وقتلوا تقتيلا ))فوالله لقد قتلهم أمير المؤمنين عليه السلام ثم قال : ((سنة الله في الذين خلوا من قبل .)).محمد بن هارون رفعه إليهم عليهم السلام : ((لاتؤذوا رسول الله ))في علي والائمة ((كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا )). كتاب ابن مردوية بالاسناد عن محمد بن عبدالله الانصاري وجابر الانصاري وفي الفضائل عن أبي المظفر بإسناده عن جابر الانصاري وفي الخصائص عن النطنزي بإسناده عن جابر كلهم عن عمر بن الخطاب قال : كنت أجفو عليا ، فلقيني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : إنك آذيتني يا عمر ، فقلت : أعوذ بالله من أذى رسوله ، قال : ((إنك قد آذيت عليا ومن آذى عليا فقد آذاني)).العكبري في الابانة : مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال : كنت أنا ورجلان في المسجد ، فنلنا من علي عليه السلام ، فأقبل النبي صلى الله عليه وآله مغضبا فقال : ((مالكم ولي ؟ من آذى عليا فقد آذاني ، من آذى عليا فقد آذاني ومن آذى عليا فقد آذاني)) .ثم قال : ((إن عليا مني وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي)) .وفي رواية أحمد : دعوا عليا .ابن سيرين عن أنس : قال النبي صلى الله عليه وآله : ((من حسد عليا فقد حسدني ومن حسدني فقد كفر))

وفي خبر : ((ومن حسدني فقد دخل النار )) .بإسناده إلى عبدالله بن عباس أنه قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل علي بن أبي طالب وهو مغضب ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله : ما بك يا أبا الحسن قال : آذوني فيك يارسول الله ، فقام صلى الله عليه وآله وهو مغضب وقال : ((أيها الناس من منكم آذى عليا ؟ فإنه أولكم إيمانا وأوفاكم بعهد الله ، أيها الناس من آذى عليا بعثه الله يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا ))، فقال جابر بن عبدالله الانصاري : يا رسول الله وإن شهد أن لا إله إلا الله ؟ قال : نعم وإن شهد أن محمدا رسول الله يا جابر

أحمد في مسنده وابن المغازلي في مناقبه من عدة طرق أن النبي صلى الله عليه وآله قال :(( ياأيها الناس من آذى عليا فقد آذاني)) .وزاد فيه ابن المغازلي عن النبي صلى الله عليه وآله:((يا أيها الناس من آذى عليا بعث يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا ))، فقال جابر بن عبدالله الانصاري : يارسول الله وإن شهدوا أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ؟ فقال : ((ياجابر كلمة يحتجزون بها أن لاتسفك دماؤهم وتؤخذ أموالهم وأن لايعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون))(٢) .

الآية الخامسة: قال الله تعالى:((إنَّ الَّذينَ جاءُوا بالإفكِ عُصبَةٌ مِنكُم... لكُلِّ امرىء مِنهُم ما اكتسَبَ مِنَ الإثمِ والَّذي تولّى كِبرَهُ منهُم لهُ عذابٌ عظيمٌ))(١)

________________

(١) مناقب ال ابي طالب ٣: ٢١٠ ، ٢١١ ،بحار الانوار: ٣٥ من ص ٣٣٣ الى ص ٣٤١

(٢) سورة النور ٢٤ : ١١


نزلت هذه الآية وآيات اُخرى في الصحابة الذي اتهموا إحدى زوجات رسول الله صلى الله عليه واله بالفاحشة، فكان بعضهم من المنافقين، وكان البعض الآخر من الصحابة غير المنافقين، قال ابن كثير: (جماعة منكم يعني ما هو واحد ولا اثنان، بل جماعة.. فكان المقدّم في هذه اللعنة عبدالله بن أُبَي بن سلول رأس المنافقين، فإنّه كان يجمعه ويستوشيه حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به، وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريباً من شهر حتى نزل القرآن)(١) .

وحادثة الافك من الحوادث التاريخية التي ذكرها القرآن الكريم، وقد كان الهدف منها هو التقليل من شأن رسول الله صلى الله عليه واله وإرباكه وإشغاله بالتحقق في الموضوع إلاّ انّه صلى الله عليه واله لم ينساق وراء ذلك، وبقي صابراً ينتظر نزول القرآن ليحسم الموقف ،وكذلك اشاعة الاضطراب في صفوف المسلمين وزرع الشقاق بينهم.

وقصة الافك على الرغم من تواترها بين المسلمين إلا أنهم اختلفوا في اسم وزوجة الرسول صلى الله عليه واله التي اتهمت وفيها تفاصيل كثيرة ليس من الصحيح الدخول فيها.

فقد ارتكب جماعة من الصحابة ذنباً عُدّ من كبائر الذنوب، فاتهام المسلمة وقذفها من الكبائر، فكيف والمتّهمة زوجة رسول الله صلى الله عليه واله؟! وأن المستهدف الحقيقي هو رسول الله صلى الله عليه واله كنبي وكحاكم.

ولم يحاول رسول الله صلى الله عليه واله تبرئة زوجته محتجاً بأنّ شرف الصحبة له يمنعها من ممارسة ما اتهمت فيه، وإنّما انتظر الوحي واكتفى صلى الله عليه واله بقوله:((يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي... ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً)).

فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: (يا رسول الله، أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك)، فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحميّة، فقال لسعد: (كذبت، لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله)، فقام أُسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: (كذبت، لعمر الله لنقتلنّه، فإنّك منافق تجادل عن المنافقين)(٢)

________________

(١) تفسير القرآن العظيم ٣ : ٢٧٩

(٢) صحيح البخاري ٦ : ١٣٠


وما جرى بين الصحابة، من مشادّة واتّهام بالكذب والنفاق يعني تجويز الكذب عليهم، وتجويز النفاق عليهم، وإنّ شرف الصحبة لا يحصّنهم من ذلك. هذا ما كان يقوله الصحابة أنفسهم في بعضهم ، فهل للجدال فيه معنىً ؟!

وعلى اثر حادثة الافك، اعترض صفوان بن المعطّل حسان بن ثابت بالسيف، وقد كان حسان قال شعراً يهجو فيه ابن المطّل وبمن اسلم من العرب من مضر.

ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه واله فقال ابن المعطّل: يا رسول الله: آذاني وهجاني، فاحتملني الغضب فضربته.

فقال رسول الله صلى الله عليه واله لحسّان:((أحسن يا حسّان أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام، أحسن يا حسّان في الّذي أصابك)).

قال: هي لك يا رسول الله(١) .

وننقل موضع الحاجة من الحادثة وعلى لسان زوجة رسول الله صلى الله عليه واله: (( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله عز وجل في بأمر يتلى ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه واله في النوم رؤيا يبرئني الله بها ، فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه واله مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه واله فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه ، فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه واله وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: (( أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك )).

فقالت لي أمي :قومي إليه ،فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي قالت فأنزل الله عز وجل: (( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ))عشر آيات فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات براءتي

فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ))(١) .

________________

(١)السيرة النبوية ٣ : ٣٣٤، تاريخ الطبري ٢ : ٤٥٦.


وعند الامعان في الحادثة نرى أن رسول الله صلى الله عليه واله وابابكر وعائشة وجميع الصحابة لم يحتجوا بعدالة الصحابة او عدالة زوجات رسول الله صلى الله عليه واله لأثبات البراءة بل كان الجميع ينتظر الوحي.

ومثل الاية المتقدمة قول الله تعالى:((يا نساءَ النَّبِيِّ مَن يأتِ مِنكُنَّ بفاحشة مُّبَيّنَة يُضاعف لها العذابُ ضِعفَينِ... وَمَن يقنُت منكُنَّ للهِ ورسُولهِ وتعملْ صالِحاً نُؤتِها أجرَها مَرَّتين وَأعتدنا لها رِزقاً كريماً)))(١)

إنّه قد تكون المرأة من نساء النبي صلى الله عليه واله أكثر وأطول صحبةً له من الغير، ولكن لا تأثير لهذه الصحبة في السلوك والموقف العملي ، فهي لا تعصم من الخطأ والزلل إلاّ إذا أعطى الصاحب للصحبة حقّها بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه واله، ولهذا فالله تعالى يحذّر نساء النبي صلى الله عليه واله من إتيان الفاحشة ، ويهدّد بجعل العذاب ضعفين لقربهنَّ من رسول الله صلى الله عليه واله

قال القرطبي : (لما كان أزواج النبي صلى الله عليه واله في مهبط الوحي وفي منزل أوامر الله ونواهيه ، قوي الأمر عليهنّ ولزمهنَّ بسبب مكانتهنَّ أكثر ممّا يلزم غيرهن فضوعف لهنّ الأجر والعذاب ، وقيل : إنّما ذلك لعظم الضرر في جرائمهنَّ بايذاء رسول الله صلى الله عليه واله فكانت العقوبة على قدر عظم الجريمة في إيذاء رسول الله صلى الله عليه واله)(٢)

فالصحبة بمفردها غير عاصمة من الزلل والخطأ ، ويكون الزلل والخطأ أكثر قبحاً إن صدر ممّن صاحب رسول الله صلى الله عليه واله ؛ لأنَّ الحجّة عليه تكون آكد وأشدّ

والأخطاء التي ارتكبت من قبل بعض نساء رسول الله صلى الله عليه واله أمر واقع ، فعن عائشة أنّها قالت : (إنَّ رسول الله كان يمكث عند زينب بنت جحش... فتواطأت أنا وحفصة أن أينّا دخل عليها النبي صلى الله عليه واله فلتقل إني أجدُ منك ريح مغافير ، أكلت مغافير.. فقال صلى الله عليه واله : ‎ لا بل شربتُ عسلاً عند زينب(٣)

________________

(١)السيرة النبوية ٣ : ٣٣٤، تاريخ الطبري ٢ : ٤٥٦،صحيح مسلم، الحديث: ٢٧٧٠.

(٢)سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٠ ـ ٣١

(٣)الجامع لأحكام القرآن ١٤ : ١٧٤


وفي رواية أنّ عمر بن الخطاب قال لحفصة : (أتغاضبنَّ إحداكنَّ رسول الله يوماً إلى الليل ؟) قالت : نعم ، قال : (أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله فيهلكك ؟)(٢)

وقد نزلت آيات عديدة في نساء رسول صلى الله عليه واله ونساء الأنبياءعليهم السلام، منها :

قال الله تعالى: (إنَّ تَتُوبَا إلى اللهِ فقد صَغَت قُلُوبُكُما وإن تَظَاهَرا عليهِ فإنَّ اللهَ هوَ مولاهُ وجبرِيلُ وصَالحُ المؤمنينَ والملائكةُ بَعدَ ذَلكَ ظَهيرٌ * عسى ربُّهُ إن طَلَّقَكُنَّ أن يُبدِلهُ أزواجاً خيراً مِّنكنَّ...)(٣)

وقال الله تعالى:((ضربَ اللهُ مَثَلاً للَّذينَ كفرُوا امرأتَ نُوح وامرأتَ لُوط كانتا تَحتَ عَبدَينِ مِنْ عِبادِنا صالحَينِ فَخَانَتاهُما فلمْ يُغنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيئاً وقيلَ ادخُلا النَّارَ معَ الداخلينَ))(٤)

وقال تعالى:((وضربَ اللهُ مثلاً للَّذينَ آمنُوا امرأتَ فِرعونَ... ومريمَ ابنتَ عِمرانَ))(٥)

وفي تفسير الزمخشري للآيات المتقدِّمة قال : (... وفي طيّ هذين التمثيلين تعريض بأمّي المؤمنين ـ يعني عائشة وحفصة ـ وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه واله بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده لما في التمثيل من ذكر الكفر... وإشارة إلى أنّ من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين، وأن لا تتكلا على أنّهما زوجا رسول الله، فإنَّ ذلك الفضل لا ينفعهما إلاّ مع كونهما مخلصتين)(٦)

________________

(١) سير أعلام النبلاء ٢ : ٢١٤ وبنحوه في المعجم الكبير ٢٣ : ٣١٠ والمغافير: جمع المغفار ، وهو صمغ حلو يسيل من بعض الشجر

(٢) الطبقات الكبرى ، لابن سعد ٨ : ١٨٢ وبنحوه في المعجم الكبير ٢٣ : ٢٠٩

(٣) سورة التحريم : ٤ ـ ٥

(٤) سورة التحريم: ١٠

(٥) سورة التحريم : ١١ ـ ١٢

(٦) الكشّاف ٤ : ١٣١


فالصحبة الطويلة والكثيرة لرسول الله صلى الله عليه واله فضل وشرف ولكنّها غير عاصمة من الزلل، فلو كانت عاصمة لعصمت أمرأة نوح وامرأة لوط، فكان مصيرهما النّار، ولم تنفعهما صحبتهما للنبي

فالميزان هو الاستقامة والاعتدال، والاستعداد لهما، ومجاهدة النفس للوصول إلى مراتب الكمال والعدالة

الآيةالسادسة : قال الله تعالى:((يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا أطيعُوا اللهَ وأطيعُوا الرّسُولَ ولا تُبطِلُوا أعمالَكُم))(١)

عن أبي العالية قال : (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله يرون أنّه لا يضرّ مع لا إله إلاّ الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت (الآية)، فخافوا أن يبطل الذنب العمل)(٢)

فهذه الآية نزلت لتصحيح المفاهيم الخاطئة، وأثبتت أنّ الأعمال الصالحة تبطل بالذنوب

ووردت آيات عديدة تتحدث عن دور الأهواء والمغريات الخارجية ودور الشيطان في منع الإنسان من الاستقامة والاعتدال، ووردت آيات عديدة تنهى الصحابة عن ممارسات خاطئة وقعوا فيها، وتحذّرهم من عذاب الله تعالى، وتخوفهم من سوء العاقبة بالارتداد والرجوع إلى الكفر، وكان الترغيب والترهيب هو السائد في أغلب الآيات القرآنية من أجل إصلاح الصحابة وربطهم بالمنهج الإسلامي ليكون حاكماً على تصوراتهم ومشاعرهم ومواقفهم ، بمعنى أنّ الصحابة يجوز عليهم الاشتباه والخطأ والانحراف والفسق، بل حتى الارتداد عن دين الله تعالى والكفر بالرسالة، وقد وقع هذا فعلاً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله، فمنهم من مات مرتداً ومنهم من عاد إلى الإيمان بعد حروب الردّة كما هو مشهور في كتب التاريخ والسيرة، وإذا جاز على بعض الارتداد، وقد حصل بالفعل وبالواقع، فمن الأولى يجوز عليهم الفسق في السلوك بعد غياب رسول الله صلى الله عليه واله وانقطاع الطاقة الدافعة للإيمان وللتقوى بانقطاع الوحي عن الأرض، لأنّ عوامل الانحراف والفسق لم تغب عن الواقع، وهي الأهواء النفسية والمغريات الخارجية، ودور الشيطان في ربط بعضها بالبعض الآخر

الآية السابعة: قال تعالى :((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ))(٤).

________________

(١) سورة محمد ٤٧ : ٣٣

(٢) أسباب النزول ، للسيوطي : ٣٤١


ان الارتباط العاطفي برسول الله صلى الله عليه واله بصورة أعمق من الارتباط بالرسالة وبالله تعالى يخالف ثوابت الدين والمنهج الالهي ويعتبر خللا في الايمان والاعتقاد ؛حيث تجتمع ظروف وأسباب وعوامل عديدة فتساهم في هذا الخلل، فبعضها داخلي بسبب إختلاف الصحابة في الايمان والوعي والإخلاص والإستعداد للتضحية بالمال والوقت والنفس، وكذلك الإختلاف في الجانب الأخلاقي، والإختلاف في دوافع الجهاد وفي القدرة على الثبات والمواصلة وأهم من كل ذلك مقتل الرسول صلى الله عليه واله.

وبعض الأسباب خارجي أي من خارج حركة الصحابة حيث تؤثر على أوضاعهم الفكرية والعاطفية والسلوكية، ومن هذه الأسباب قوة العدو أو سيطرته

إنّ هدف الصحابي الذي أراده الدين منه هو إعلاء كلمة لا اله الاّ الله، وإعادة الإسلام إلى موقعه الريادي في حركة الإنسانية، يجعل مفاهيمه وقيمه حاكمة على أفكار الناس وعواطفهم ومواقفهم العملية، وما الجهاد الاّ وسيلة لتحقيق ذلك باخلاص النيّة لله تعالى.

فالله تعالى هو الاصل وان رسول الله صلى الله عليه واله هو الرابط بينه وبين الناس أو الصحابة ، فالعبادة لله وحده وليس للرسول، ورسالة الله تعالى باقية حتى وان غاب الرسول او رحل عن هذه الحياة بموت او قتل.

وقد حفلت الآيات القرآنية بالارشادات المانعة من بروز ظاهرة الارتباط العاطفي بالرسول بمعزل عن الله تعالى، حيث وجهت العقول والقلوب نحو نصرة الله تعالى.

قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ))(١).

فالنبي عيسى عليه السلام يوجّه أتباعه إلى نصرة الله فهم أنصاره إلى الله تعالى، وليس أنصاره لنفسه وإن كان رسولاً منه تعالى.

وقال تعالى: ((مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ))(٢).

وقد ذمّ القرآن الكريم ظاهرة الارتباط بالانبياء او الاحبار عاطفيا بمعزل عن الله تعالى، كما ورد في قوله تعالى: ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ))(٣).


والارتباط العاطفي بالرسول صلى الله عليه واله ظاهرة إيجابية أن كانت مقدّمة للارتباط بالعقيدة والمنهج الإسلامي، بحيث يكون وسيلة لارتباط تتعمق من خلاله العلاقة مع المفاهيم والقيم الإسلامية.

إمّا الارتباط العاطفي المطلق والذي ينعكس آنياً على السلوك والممارسات، ويكون متوقفاً على وجود الرسول صلى الله عليه واله فانّه بمفرده يؤدي إلى التراجع عن المبادئ والتراجع عن المسؤولية والتردد في العمل الرسالي، وخصوصاً في حال غيابه مرحلياً أو دائمياً.

فقد إرتبط البعض برسول الله صلى الله عليه واله عاطفياً وتأثروا بوجوده ولكنهم سرعان ما تراجعوا بعد إشاعة قتله، أو تراجعوا بعد وفاته، ولذا وبّخهم القرآن الكريم، كما جاء في قوله تعالى:((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ )).

فيجب أن يكون الصحابي او المسلم مرتبطا بالمبادئ وهي العامل المحرّك لفكره وعاطفته وسلوكه، وبالتالي فهو يبقى على حماسه وفاعليته وإن فقد قائده أو غاب عنه، وقد إبتليت الامم ومنها الامة الاسلامية بالتراجع أو التردد بعد موت قائدها، وإنتابها الخلل والإضطراب فبرزت ظواهر سلبية كثيرة اولها الهروب من المعركة او التوقف عنها وأخرها مخالفته بعد رحيلة في الانقضاض على الخلافة التي هي من اختصاص وصيه الامام علي عليه السلام.

ومعنى انقلب :((رجع على عقبيه ...وحيث جعل الانقلاب على الاعقاب جزاء للشرط الذي هو موت الرسول أو قتله أفاد ذلك أنّ المراد به الرجوع عن الدين دون التولّي عن القتال ؛ اذ لاارتباط للفرار من الزحف بموت النبي صلى الله عليه واله أو قتله، وانما النسبة والرابطة بين موته أو قتله وبين الرجوع الى الكفر بعد الايمان... فالحقّ انّ المراد بالانقلاب على الأعقاب الرجوع الى الكفر السابق))(١) .

________________

(١) الميزان ٤ :٣٠٨ ، ٣٠٩


والاية الكريمة نزلت بعد واقعة احد فقد تراجع أغلب الصحابة وتوقفوا عن القتال وهرب بعضهم ومنهم عمر بن الخطاب وطلحة حيث قال لهم أنس بن الضر مايجلسكم قالوا :(( قتل رسول الله ))قال : ((فماذا تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على مامات رسول الله )) ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل(١) .فهو انقلاب على الدين والرسالة وقد تجلى واضحا بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه واله بعد رحيله. كما سيأتي في مواضيع لاحقة.

الآيةالثامنة :قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله ان الله سميع عليم ))(٢) .

والمراد أن لا يقترح على الله ورسوله في الامور، وترك العجلة والاسراع امام امر الله ورسوله صلى الله عليه واله وان لا يتقدموا عليهم في أي عمل وقول ولا يعجل أحد عندهم ، بل ينبغي ان يترك الامر للرسول صلى الله عليه واله نفسه.

وفي الحقيقة أن الاية جمعت كل هذه المعاني في طيّها(٣) .

والآية القرآنية الكريمة تأمر الصحابة بالاستسلام المطلق لله ولرسوله، وهو الاستسلام الواعي المتعقل عن قناعة وقبول ورضى لا عن جزع واكراه أو اجبار، فيستسلم المؤمن وهو مستأنس بالاستسلام لانه يطيع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه واله، والاستسلام تجسيد للتقوى الحقيقية وهي تقوى مطلقة لا تقتصر على التقوى في الاخلاق الرئيسة المعهودة في الذهن، بل تتعداها إلى جميع الامور ومنها الطاعة والاستسلام.

والطاعة والاستسلام والانقياد المطلق لم يأت من فراغ أو من مجرد طاعة سلسلة المراتب كما هو الحال في مؤسسات الدول الوضعية، بل هي طاعة لمن كان يتمتع بأقى خصائص ومؤهلات الشخصية الكاملة المعصومة في سكناتها وحركاتها، والمعصومة في وعيها وادراكها وتخطيطها، والمعصومة في معرفة الشخصيات والتيارات والاحداث والمواقف، والمعصومة في تحديد الاولويات ومعرفة القدرات الممكنة والانجازات المتحققة، والمعصومة في كشف الاخطاء في بدايتها والتعرف على حقيقتها، والمعصومة في اتخاذ القرار المناسب في

________________

(١) السيرة النبوية لأبن هشام ٣ ك ٨٨

(٢) سورة الحجرات: ١.

(٣) الامثل في كتاب الله المنزل ١٣ : ٩١ ، ناصر مكارم الشيرازي.


الظرف والوقت المناسب.

ومثل هذه القيادة غير محتاجة إلى راي الاخرين ومشورتهم واقتراحاتهم، ولذا يجب على الصحابةالمؤمنين عدم التقدّم عليها في كل شيء، باستثناء ما تريده هي، فقد تستشير الاخرين تطييباً لخواطرهم وتدريبهم على المشاركة في الرأي والتخطيط، أو استطلاع استعدادهم للعمل والمواصلة والتضحية، وفي هذه الحالة يجوز الاقتراح والاستشارة لانها من مصاديق الطاعة والاستسلام.

وفي جميع الاحوال ينبغي الاستسلام في جميع الامور سواء كانت أمورا عبادية بحتة أو أموراً إجتماعية أو سياسية، ومن الاخطاء التي ارتكبت هي التفريق بين الامور العبادية البحتة والامور السياسية.

وهذا من الاخطاء الخطيرة التي اربكت الوجود الإسلامي وكانت سببا اساسيا لاقصاء ائمة أهل البيت عليهم السلام عن مواقعهم في قيادة الدولة والحكومة.

وقال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط اعمالكم وانتم لا تشعرون ))(١) .

رفع الصوت ينطوي على امرين: اما نوع استخفاف به وهو الكفر، واما اساءة الأدب بالنسبة إلى مقامه وهو خلاف التعظيم والتوقير المأمور به.

وان من التعظيم عند التخاطب ان يكون صوت المتكلم اخفض من صوت مخاطبه، فمطلق الجهر بالخطاب فاقد لمعنى التعظيم، فخطباء العظماء بالجهر فيه كخطاب عامة الناس لا يخلو من اساءة الادب والوقاحة(٢) .

واحترام القيادة الربانية مسؤولية شرعية لا تقتصر على جانب دون اخر ، ومن ابسط مصاديق الاحترام هو عدم رفع الصوت امامها وعدم الجهر بالقول كما هو المتعارف بالجهر بين الناس المتقاربين في الوعي والمعرفة والسلوك والمواقف ، وياتي الاحترام في غير هذه الامور من باب الاولوية.

________________

(١) سورة الحجرات الاية :٢.

(٢) عوائد الايام: ٥٣٦.


والقرآن الكريم حينما اوجب الاحترام وربط عدمه باحباط الاعمال؛ أراد ان تكون العلاقة بين القيادة الربانية وقاعدتها علاقة احترام وتقدير وتكريم وهي مستبطنة للمودة والمحبة والرحمة، والاحترام هو اساس للطاعة والاستسلام للأوامر والتوجيهات، لكي تكون اوامر وتوجيهات ذات قدسية خاصة وليس مجرد اوامر صادرة من جهة فوقية حريصة على طاعتها من قبل القاعدة مهما كانت الوسيلة المتبعة في هذه الطاعة.

عن أبي مليكة قال : ((كاد الخيران أن يهلكا ابو بكر وعمر ، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه واله فقال ابو بكر لعمر: ماأردت الا خلافي.

فقال عمر: ماأردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك فانزل الله الاية))(١) .

ومن خلال الايات المتقدمة تظهر لنا مجموعة من الأمور الناقدة والذامة لأبي بكر وعمر ومنها:

١- انهما عوقبا في كتاب الله وذمهم الله تعالى في ستة ايات، واراد تعالى ان ان يبين سوء صحبتهما.

٢- حرصهما على التأّمر والحكومة فكل منهما يريد أن يؤخر صاحبه في حياة رسول الله صلى الله عليه واله،فكيف الحال بعد رحيله؟.

٣- انهما اشرفا على الهلاك

٤- قدما اختيارهما على اختيار الله تعالى وهو سوء ظن بالله تعالى ورسوله انهما لايختارا الأصلح.

٥- قال القاضي عياض:((ان التقدم والسبق بالقول على الرسول من سوء الأدب والسبق بالقول)).

وقال عبد الله بن عباس:((نهى الله عن التقدم بين يديه بالقول وسوء الأدب بسبقه بالكلام))(٢) .

٦- قال ابن تيمية:((ومن حقوق النبيّ أن الله حرّم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن له ، وان يرفع الرجل صوته فوق صوت رسول الله وأخبر أنّه يحبط به العمل))(٣) .

________________

(١) فتح الباري : ٤٥٦ حديث ٤٨٤٧

(٢) كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى : ٣٥

(٣) الصارم المسلول على شاتم الرسول : ٨٥٦


ويمكن للبعض ان يقول ان الايات الكريمة نزلت لتربّي الصحابة على احترام رسول الله صلى الله عليه واله وعدم التقدم عليه بقول أو فعل ؛ فلايصح طعن الصحابة لانهم كانوا جاهلين قبل نزولها ؛ فهي في مقام التربية والتوجيه والارشاد.

والجواب : انّ بعض الصحابة استمروا في هذا النهج أي في التقدم على رسول الله صلى الله عليه واله ومخالفته والاعتراض عليه في مواقف عديدة سنذكرها في المواضيع اللاحقة.

ونزلت ايات قرانية عديدة تحذر من كثير من السلبيات في التعامل والعلاقة مع القيادة الربانية ومنها:

قوله تعالى:((أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنْ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ))(٥).

التجمعات الجانبية بعيداً عن القيادة الربانية ظاهرة خطيرة في حركة الصحابة لأنها تؤدي إلى إرباك البرامج والخطط، وإلى إرباك النشاطات المختلفة، وإلى حدوث إضطراب في العلاقات الداخلية أو تؤدي إلى التمرد أو الانسلاخ عن العمل للاسلام، وهذا ما أشارت إليه الآية:

والتجمعات الجانبية مقدّمة للتمرّد على القيادة الربانية، ومقدّمة للخروج عن الطاعة.

وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ))(٩).

يصاب بعض الصحابة بالفضول وحبّ الإطلاع غير النافع له ولحركة الاسلام، ولذا نهى القرآن عن ذلك، وورد عن رسول الله صلى الله عليه واله انّه قال:((ذروني ما تركتكم، فانّما هلك من كان قبلكم بسؤالهم وإختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما إستطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا))(١٠).

وقال تعالى: ((وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ))(١١).


السريّة ضرورة من ضرورات الدين ما دامت أعين الأعداء مفتوحة تتابع الوجود الإسلامي وتضع الجواسيس للكشف عن أسراره من حيث القوة والضعف، لاستثمار الثغرات والدخول منها لاشاعة الاضطراب في صفوف الصحابة، أو وضع الخطط الرامية إلى إضعافهم وتشتيت صفوفهم أو تصفيتهم، ولهذا ذمّ القرآن الكريم الإذاعة وكشف الأسرار وإن كانت دون قصد ي.

والإذاعة أو كشف الأسرار أو إشاعة الأخبار والأحداث ظاهرة سلبية تؤدي إلى نتائج سلبية، وقد تكون نتائج قاصمة للامة بأسرها.

والآية الكريمة تشير إلى الإذاعة وكشف مطلق الأسرار سواء كانت الحالة التي يعيشها الصحابة إيجابية أو سلبية، فقد تكون إذاعة الإيجابيات مقدّمة للغرور والتراخي وعدم الحذر أو عدم الإستعداد لمواجهة أسوء الاحتمالات، وقد تكون إذاعة السلبيات إلى الارباك والاضطراب أو إلى الحذر الزائد أو وضع خطط غير ضرورية.

ولذا أمرت الآية الكريمة إلى الرجوع إلى القيادة الربّانية في مثل هذه الأمور، وعدم إتخاذ أي موقف الاّ بعد علمها وإخبارها، لكي توجّه الصحابةوجهة إيجابية، والرجوع إلى القيادة ضرورة إيجابية تقتضيها القيم الإسلامية وتقتضيها المصلحة الإسلامية ، فينبغي الإسراع لإخبار القيادة قبل الإخبار عن أيّ ظاهرة ، لانّ القيادة الربانية أعرف من غيرها بمواجهة الأمور وبمواجهة الأخبار والإشاعات ومعرفة صلاحها وفسادها.

ايات النقد للارشاد والتربية

أكّد القرآن الكريم بالكثير من الآيات على ظاهرة النقد الموجهة للصحابة.

وظاهرة النقد القرآني يراد منها أخذ الدروس والعبر في واقعنا المعاصر، فينبغي تعميم وتأصيل هذه الظاهرة من أجل تقييم وتقويم الأشخاص والوجودات أو الكتل الاجتماعية والسياسية، وكذلك المواقف والأحداث والقرارات من أجل تصحيح الأخطاء المقصودة وغير المقصودة، وتجاوز السلبيات للوصول إلى أفضل القرارات التي تحقّق الأمن والسعادة والعيش الكريم القائم على أساس إشباع حاجات الإنسان المادية والمعنوية؛ ليتسامى ويتكامل ويرتقي إلى مستوى الأمانة التي كلّفه الله تعالى بها.


فمن يريد لنفسه ولمجتمعه ولحركة الإسلام النجاح والظفر في جميع المجالات ينبغي ـ بل يجب ـ عليه ممارسة النقد البنّاء؛ ولذا عدّ الإمام الصادقعليه السلام الناقد من أحب إخوانه إليه فقال: ((أحبّ إخواني إليّ من أهدى إليّ عيوبي))(١) .

والنقد البنّاء أحد مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المأمور بهما في جميع مجالات الحياة الإنسانية.

فالإنسان والمجتمع في تدهور واضطراب وخسران في جميع مقوّمات الحياة الإنسانية وميادينها، باستثناء من تكون المفاهيم والقيم الإلهية هي الحاكمة على أفكاره وعواطفه وسيرته، حيث تُحَرِرُ الإنسان من جميع ألوان العبودية الفكرية والاجتماعية، وتزرع في الضمير والواقع الاستقرار والطمأنينة، وتدفع إلى العمل الإيجابي البنّاء في إصلاح وتغيير النفس والمجتمع.

ولهذا فالإنسان بحاجة إلى نقد بنّاء متواصل من قبل نفسه، ومن قبل خالقه المهيمن والمحيط بسكناته وحركاته، والنقد تقييم وتقويم لمظاهر الضعف البشري وملابسات الغريزة والنفس والعقل والضمير؛ ليتوجه إلى منهج خالقه فيجسده عملياً بعد الاستفادة من مواطن الضعف والقوّة. والنقد إنذار وتنبيه وتوجيه الشخصية الإنسانية.

والصحابي باعتباره كائناً ضعيفاً يتصف بالتسرع والعجلة ويتأثر بالظنون والأهواء النفسية، ويتأثر بالمغريات الخارجية، فانّه سرعان ما يخطأ نتيجة نسيانه للمفاهيم والقيم والموازين السامية أو عدم تحكيمها في فكره وعاطفته وسلوكه، وقد يبقى أسيراً للخطأ والنسيان فيفقد روح المقاومة للأهواء والرغبات التي تتأثر بالمغريات الخارجية، وبالتالي قد ينتهي به الأمر إلى الانزلاق دون عودة، ويستثنى من هذا المصير من يعترف بأخطائه بعد نقده لذاته، وهذا الاعتراف والنقد هو مقدّمة للصلاح والتوجه إلى الله تعالى وطلب العون منه لإصلاح النفس في علاقاتها مع الآخرين وفي الذنوب والرحمة، والانتصار على الأعداء.

قال تعالى: (... رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ )(٢) .

قال العلامة الطباطبائي :(( لما قالوا في مقام إجابة الدعوة سمعنا و أطعنا و هو قول ينبىء عن الإجابة المطلقة من غير تقييد ثم التفتوا إلى ما عليه وجودهم من الضعف و الفتور، و التفتوا أيضا إلى ما آل إليه أمر الذين كانوا من قبلهم و قد كانوا أمما أمثالهم استرحموا ربهم و سألوه أن لا يعاملهم معاملة من كان قبلهم من المؤاخذة و الحمل و التحميل لأنهم علموا بما علمهم الله أن لا حول و لا قوة إلا بالله، و أن لا عاصم من الله إلا رحمته.

________________

(١) بحار الأنوار ٧٤: ٢٨٢.

(٢) سورة البقرة: ٢٨٦.


و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و إن كان معصوما من الخطإ و النسيان لكنه إنما يعتصم بعصمة الله و يصان به تعالى فصح له أن يسأل ربه ما لا يأمنه من نفسه، و يدخل نفسه لذلك في زمرة المؤمنين.

قوله تعالى: ((ربنا و لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ))، الإصر هو الثقل على ما قيل، و قيل هو حبس الشيء بقهره، و هو قريب من المعنى الأول فإن في الحبس حمل الشيء على ما يكرهه و يثقل عليه.

قوله تعالى: ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به، المراد بما لا طاقة لنا به ليس هو التكليف الابتدائي بما لا يطاق، إذ قد عرفت أن العقل لا يجوزه أبدا، و أن كلامه تعالى أعني ما حكاه بقوله: و قالوا سمعنا و أطعنا يدل على خلافه بل المراد به جزاء السيئات الواصلة إليهم من تكليف شاق لا يتحمل عادة، أو عذاب نازل، أو رجز مصيب كالمسخ و نحوه.

قوله تعالى:((واعف عنا و اغفر لنا و ارحمنا )) العفو محو أثر الشيء، و المغفرة ستره، و الرحمة معروفة، و أما بحسب المصداق فاعتبار المعاني اللغوية يوجب أن يكون سوق الجمل الثلاث من قبيل التدرج من الفرع إلى الأصل، و بعبارة أخرى من الأخص فائدة إلى الأعم، فعليها يكون العفو منه تعالى هو إذهاب أثر الذنب و إمحاؤه كالعقاب المكتوب على المذنب، و المغفرة هي إذهاب ما في النفس من هيئة الذنب و الستر عليه، و الرحمة هي العطية الإلهية التي هي الساترة على الذنب و هيئته.

و عطف هذه الثلاثة أعني قوله: و اعف عنا و اغفر لنا و ارحمنا على قوله: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا على ما للجميع من السياق و النظم يشعر: بأن المراد من العفو و المغفرة و الرحمة ما يتعلق بذنوبهم من جهة الخطإ والنسيان ونحوهما ))(١) .

والنسيان هذا نسيان التكليف والمسؤولية والعهد مع الله تعالى، وهو الغفلة عن المواعظ والعبر والقيم الصالحة.

والنقد الإلهي للأمّة المتمثلة بالصحابة هو إرشاد وتوجيه وتربية وتعليم لها؛ للتقيّد بالمفاهيم والقيم الإلهية وتجسيدها في عالم الضمير وعالم الواقع، والاضطلاع بأمانة العقيدة والشريعة والنهوض بتكاليفها، والاستعلاء على المغريات والمعوّقات، وعدم التوقف عن الحركة الدؤوبة لإقرار المنهج الإلهي في الواقع.

والقرآن الكريم حافل بالآيات المباركة التي تتعرض إلى تقييم وتقويم الأمةأوالصحابة.

فقد انتقد الموازين والمعايير وهي مفاهيم وقيم محرّكة للإنسان وموجهة له نحو العمل والنشاط والفاعلية، فيها يتفاضل مع غيره طبقاً لمتبنيات المجتمع الفكرية وطبقاً للعادات والتقاليد المعمول بها، والتي تعمل عمل الحاكم على جميع الأفكار والعواطف والممارسات حيث تطبق على الإنسان فيتحرك على ضوئها؛ ليرضي الآخرين، أو يفخر أمامهم، أو يجد كرامته ومقامه فيها.

ومن هنا وجّه القرآن الكريم نقده إلى هذه الموازين وقارنها بموازينه ومعايره السليمة؛ لتكون دافعاً للأمة للاهتداء بهديها، ومنها موازين العلاقات.

________________

(١) الميزان في تفسير القران ٢: ٦٤٣.


قال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )(١) .

فقد جعل حبّ الله والرسول والجهاد موازينَ ثابتة لتوزن بها العلاقات للتخلّي عن الموازين الجاهلية.

وانتقد مَنَّ البعض بإسلامهم وبيّن العكس بأنّ الله تعالى هو الأحق بالمنّ لأنّه أنقذهم من الأوهام والضلالة والانحراف والعبودية.

قال تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ )(٢) .

ووجّه القرآن الكريم العقول والقلوب والمواقف إلى مفاهيمه وقيمه لتكون حاكمة على أثقال الدنيا وموازينها كالتجارة واللهو.

قال تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )(٣) .

وأراد الله تعالى للصحابة أن تتبنى منهجه في الحياة؛ ليكون حاكماً على جميع مقوّمات الشخصية، وحاكماً على جميع المواقف والأحداث والممارسات والوجودات والأشخاص، وما الارتباط بالقائد إلاّ وسيلة من وسائل تبني المنهج، فينبغي أن يكون الارتباط بالمنهج الإلهي مقدّماً على الارتباط بالنبي صلى الله عليه واله؛ لكي يبقى ثابتاً وراسخاً حتى في حال غيابه بموت أو قتل، أو سفر أو ظرف خاص.

قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ )(٤) .

________________

(١) سورة التوبة: ٢٤.

(٢) سورة الحجرات: ١٧.

(٣) سورة الجمعة: ١١.

(٤)سورة آل عمران: ١٤٤.


وحرّم الله تعالى التناجي أو التشاور بالإثم والعدوان ومعصية القائد، فينبغي أن تستسلم الأمة لتوجيهاته وإرشاداته وخططه وبرامجه، وهو نهي أو نقد لعقد التخالفات البعيدة عن نظره أو المخالفة له؛ لأنّ هذه التخالفات هي مقدّمة لظهور تكتلات متمردّة لا تهتدي بهدي القائد الذي يتمتع بالتفوّق عليها علماً ومعرفة وإخلاصاً ونزاهة، فينبغي ـ بل الواجب ـ الرجوع إليه، ناهيك عن معصيته.

قال تعالى: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ )(١) .

ووجه الانظار الى أن النصر لا يتحقق إلاّ بالاتحاد، وطاعة النبي، وعدم الانسياق وراء مغريات الحياة، وهذه العوامل الثلاثة وما ينطلق منها من مواقف وممارسات عملية في هذا الاتجاه تجعل النصر الإلهي قريباً، كما هو وارد طبقاً للسنن الإلهية الحاكمة على الكون والحياة والإنسان، وقد تحقق النصر في بداية معركة أحد، وقد كان رسول الله صلى الله عليه واله قد أمر خمسين رجلاً من الرماة وعلى رأسهم عبدالله بن جبير بقوله: ((انضح الخيل عنّا بالنبل، لا يأتُونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فأثبت مكانك؛ لا نُؤْتَينَّ من قِبَلك ))(٢) .

ولكنّ الرماة ـ بعد أن تحقق النصر ـ اختلفوا فيما بينهم، فثبت بعضهم، وترك الآخرون مواقعهم طلباً للغنيمة، فاستثمر المشركون الفرصة وعادوا من جديد، فكانت النتائج في صالحهم، وانهزم حينئذٍ المسلمون.

قال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ )(٣) .

وقد بيّن الله تعالى أسباب الهزيمة من أجل تربية الصحابة على الإخلاص والتجرّد له وحده، وطاعة الرسول صلى الله عليه واله، وتوحيد الصفوف وعدم الوهن، فلما شعرت الأمة بالأخطاء الفادحة وتجاوزتها عفا الله عنها.

________________

(١) سورة المجادلة: ٩.

(٢) السيرة النبوية ٣: ٧٠.

(٣) سورة آل عمران: ١٥٢.


والقرآن الكريم يوجّه نقده لأمة المسلمين أو للصحابة من أجل أن يستشعروا الرقابة الإلهية، ويستشعروا الرعاية الإلهية التي لا تتأتى جزافاً، وإنّما تنطوي على أسس ومقوّمات، فاستشعار الفشل والضعف يؤدي إلى عدم تحقيق النصر، واستشعار القوّة والرعاية الإلهية المترتبة على الإيمان بولاية وحاكمية الله هي التي تحقق النصر بعد التوجه إلى الله وإيكال الأمر إليه وهو العلّة الوحيدة للنصر.

قال تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ )(١) .

في هذه الآية المباركة كشف الله تعالى عن المخبوء في هاتين الطائفتين، ولم يتستر عليهما، بل أراد أن يربّيهما على استشعار الرقابة الإلهية، وعلى استشعار القوّة الغيبية الساندة لهم والناصرة لهم، وهي دعوة للتوكل على الله تعالى وطلب العون والتسديد منه وحده.

فالنقد هنا مُنْصبٌ على كشف المخبوء لما في ذلك الكشف من مصلحة لهاتين الطائفتين ولمطلق المسلمين، فالنقد هنا دعوة للحركة والعمل، وليس لتثبيط المعنويات، وقد أصبح درساً وعِبْرة لتجاوز ظاهرة الفشل في المستقبل.

وفي نهاية هذه الآية تأتي الآية اللاحقة حيث تنتقل من محور الفشل المخبوء إلى التذكير بالنصر والظفر في معركة بدر.

قال تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )(٢) .

في هذه الآية الكريمة يذكر الله تعالى المسلمين ببدرٍ فهم على قلّة عددهم وعدّتهم، وعلى ضعفهم فانّه نصرهم.

ومن خلال الآيتين الكريمتين يوجه الله تعالى عقول وقلوب المسلمين إلى أسباب النصر وأسباب الهزيمة، ليستشعروا بأنّها من عندالله تعالى، وإنّ مرجع الأُمور في النهاية إليه، بعد لفت انتباههم إلى الأسباب الطبيعية للنصر والهزيمة التي يرتب عليها النتائج طبقاً لسننه في الكون والحياة ليتعرف الصحابة على نقاط الضعف ومواطن القوّة فيسعون إلى تحقيقها.

وانتقد القران الكريم اعجاب الصحابة بكثرتهم التي ادت الى هزيمتهم في بداية المعركة وتركهم رسول الله صلى الله عليه واله مع عدد قليل من الصابة.

________________

(١) سورة آل عمران: ١٢٢.

(٢) سورة آل عمران: ١٢٣.


قال تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ )(١) .

أوكل الله تعالى أمر النصر إليه وهذه سنّة إلهية، فالنصر لا يعتمد على الكثرة والعدّة بمفردها إن لم يكن هنالك إخلاصاً وتجرداً لله تعالى والاعتقاد بأنّه الناصر والمعين.

وفي معركة حنين أعجبت المسلمين كثرتُهم وأصابهم الغرور بالاعتماد على قوّة غير قوّة الله تعالى، فبيّن الله لهم أنّ الكثرة العددية ليست بشيء، وأنّها لا تحسم المعركة لصالحهم، إنّما القلّة القليلة العارفة، المتصلة بالله تعالى هي التي تحقق النصر برعايته تعالى، فالكثرة لم تنفع في تحقق النصر، وإنّما الذي حقق النصر هو القلّة التي ثبتت مع رسول الله صلى الله عليه واله حيث أنزل الله سكينته عليهم، وأنزل عليهم جنوداً لم يروها فتحقق النصر، فبالسكينة ثبتت القلوب وهدأت الانفعالات الناجمة عن العجب والغرور بعد شعورها بأنّ النصر من عند الله تعالى.

وانتقد القران الكريم الازدواجية عند الصحابة بين القول والعمل

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ )(٢) .

إنّ الإيمان بالله تعالى ليس كلمة أو قولاً يقال باللسان، فلا جدوى للكلام والقول ما لم يتجسد في واقع سلوكي عملي تترجم فيه الأقوال والآراء إلى مشاعر وعواطف وأعمال وممارسات وعلاقات متجسدة في الواقع في جميع مجالاته، فمن يتبنى الإسلام منهجاً له في الحياة ينبغي أن يطابق فعله قوله، وأن تكون شخصيته شخصية واحدة لا ازدواجية فيها، فينبغي أن يستتبع قوله بعمل إيجابي مثمر وفق المفاهيم والقيم الإلهية التي ينطق بها بلسانه أو يدعو إليها.

وقد انتقد الله تعالى الذين آمنوا ممن يخالف فعلهم قولهم واعتبره أكبر مقتاً في موازينه الإلهية حبذا لو تذكر الآية: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ ).

________________

(١) سورة التوبة: ٢٥، ٢٦.

(٢) سورة الصف: ٢، ٣.


الصحابة في موازين السُنّة النبوية

وردت روايات مستفيضة ومتواترة عن رسول الله صلى الله عليه واله انه اثنى على أصحابه الذين واكبوا مسيرة الرسالة والدعوة الاسلامية في جميع مراحلها منذ بداية البعثة الشريفة والمرحلة السرية وتحمل العذاب ثم الهجرة والجهاد، ابتداءً من المهاجرين الأوائل والأنصار وانتهاءاً بمن أسلم فيما بعد، وكان ثناؤه تارة على المجموع بما هو مجموع، وتارة على بعض الأفراد من الصحابة بأسمائهم؛ لمواقفهم النبيلة والمشرقة في الدفاع عن الرسالة وعن الرسول صلى الله عليه واله، وقد وردت الروايات المستفيضة في كتب الشيعة والسُنّة مؤكدة على هذا الثناء الذي يتناسب مع مواقفهم العملية ودرجة ذوبانهم في المبادىء الإسلامية، فلم يترك صلى الله عليه واله مناسبة أو واقعة إلاّ اثنى فيها على أصحابه ، وهم أهلاً للثناء حيث آمنوا به وصدّقوه، وفارقوا الأهل والديار والأموال من أجل رضوان الله تعالى، واستمروا مع رسول الله صلى الله عليه واله مجاهدين ومضحّين، واتبعوه في أوقات العسرة والشدّة، متغلبين على شهوات النفس ومغريات الحياة وأذى الكفّار وتآمر الأعداء

ووردت روايات في ذم الكثير منهم لمخالفتهم له في أوامره ونواهيه ، وعصيانهم له، وابتعادهم عن منهجه في حياته وبعد مماته ، وجاء الذم تقريعاً لهم للعودة إلى الاستقامة وتحذيراً لهم من التردّد والنكوص والانحراف والارتداد على الاعقاب، وكشفاً لحقيقة البعض، والقدر المتيقن الأهم هو مخالفة رسول الله صلى الله عليه واله في الامور السياسية، وهذاما قاله النقيب أبو جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد، وهو على حد تعبير ابن أبي الحديد: ((لم يكن إمامي المذهب ولا يرتضي قول المسرفين من الشيعة))(١) .

ففي حواره مع ابن أبي الحديد قال: ((إن القوم لم يكونوا يذهبون في الخلافة إلى أنّها من معالم الدين، وأنّها جارية مجرى العبادات الشرعية، كالصلاة والصوم، ولكنّهم كانوا يُجروها مجرى الأُمور الدنيوية، ويذهبون لهذا، مثل تأمير الأُمراء وتدبير الحروب وسياسة الرعيّة، وما كانوا يبالون في أمثال هذا من مخالفة نصوصه(صلى الله عليه وآله) إذا رأوا المصلحة في غيرها; ألا تراه كيف نصّ على إخراج أبي بكر وعمر في جيش أسامة، ولم يخرجا لمّا رأيا أنّ في مقامهما مصلحة للدولة وللملّة، وحفظاً للبيضة، ودفعاً للفتنة وقد أطبقت

________________

(١) شرح نهج البلاغة ١٢ : ٩٠.


الصحابة إطباقاً واحداً على ترك كثير من النّصوص لمّا رأوا المصلحة في ذلك، كإسقاطهم سهم ذوي القربى وإسقاط سهم المؤلّفة قلوبهم، وهذان الأمران أدخلُ في باب الدّين منهما في باب الدنيا حتى اقتدى بهم الفقهاء من بعدُ، فرجّح كثير منهم القياس على النصّ ...))(١) .

ومن ابرز الصحابة واقدمهم واقربهم لرسول الله صلى الله عليه واله قربة نسبية وعقائدية وسلوكية هو الامام علي عليه السلام وهو المقياس لبقية الصحابة فمن ايده ونصره واحبه مع الالتزام بمفاهيم وقيم الاسلام فهو عادل ومن حاربه وابغضه فهو غير عادل،وسنتطرق الى مسيرة رسول الله صلى الله عليه واله ومعه اصحابه وابرزهم الامام عليه السلام لنتطلع على دوره وجهاده ومواقفه التي ساهمت في انتصار الاسلام ، وهو افضل مصاديق الصحابة وهو مقياس لتقييم الصحابة من حيث العدالة وعدمها ولا تبرير لمن حاربه ولاتأويل الا انهم حاربوه مع سبق الاصرار.

والتطرق الى فضائله ودوره ومقامه خير وسيلة لكشف هشاشة الراي بعدالة الصحابة فردا فردا.

وفي تصورنا ان عدالة الصحابة يراد منها اثبات عدالة معاوية بالذات ومن معه وتاييدا لممارساته.

في السنين الأولى من عمر الامام علي عليه السلام أصابت قريشاً أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله صلى الله عليه واله للعباس ـ وكان من أيسر بني هاشم: ((إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمة، فانطلق بنا، فلنخفف عنه من عياله، آخذ من بيته واحداً، وتأخذ واحداً، فنكفيهما عنه)).

قال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له: إنّا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ماهم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله صلى الله عليه واله علياً عليه السلام فضمه اليه وكان عمره يومئذ ستة أعوام(٢)

وفي ذلك قال رسول الله(ص): ((قد إخترت من اختاره الله لى عليكم علياً))(٣)

فكان الاختيار من الله تعالى وهذا يدل على الرعاية الالهية والتخطيط الالهي للامام علي عليه السلام ليكون قريباً من رسول الله صلى الله عليه واله يتعلّم منه مفاهيم وقيم الحياة الصالحة، وقد أشار الامام علي عليه السلام الى قربه من رسول الله صلى الله عليه واله في مواضع عديدة من خطبه وكلماته وتأثير هذا القرب على نشأته العقائدية والسلوكية، وكان يتبعه في حركاته وتنقلاته وخصوصاً في غار حراء.

________________

(١) شرح نهج البلاغة ١٢ : ٨٢، ٨٣، ٨٤.

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٣: ١٩٨.

(٣) شرح نهج البلاغة ١: ١٥.


وقد عبّر الامام علي عليه السلام عن ذلك قائلاً: ((وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه والهبالقرابة القريبة،والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمّني الى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسّني جسده، ويشمّني عرفه، وكان يمضع الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل...

ولقد كنت اتّبعه اتباع الفصيل أثرامّه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ فى الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه والهوخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة....))(١)

وهذا النصّ يدل على ان الامام علياً عليه السلام قد تمتع برعاية رسول الله صلى الله عليه واله منذ نشأته الأولى، فكان يرعاه رعاية خاصة وبجميع ألوان الرعاية كتقديم الغذاء، واشعاره بالمحبة، إضافة الى الرعاية التربوية، فقد ربّاه تربية الهية ورسالة، وكان يأمره بالاقتداء به، وهو تعبير عن إقتداء الإمامة بالنبوة.

وحينما بعث رسول الله صلى الله عليه واله نبياً ورسولاً كان الامام عليه السلام أول من صدّقه واتبعه جنباً الى جنب خديجة الكبرى عليها السلام.

عن أنس بن مالك قال: أنزلت النبوة على رسول الله صلى الله عليه واله يوم الإثنين وصلّى عليّ يوم الثلاثاء(٢)

وجعل رسول الله صلى الله عليه واله يذكر جميع ما نزل عليه سراً الى من يطمئن اليه من أهله وكان أوّل من تبعه إبن عمّه عليّ بن أبي طالب(٣)

قال عفيف أخو الأشعث بن قيس لأمه: ((كنت امرءاً تاجراً فقدمت منىً أيام الحج، وكان العباس بن عبدالمطلب امرءاً تاجراً فأتيته ابتاع منه وأبيعه، فبينا نحن إذ خرج رجل من خباء فقام يصلي تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت تصلي، وخرج غلام فقام يصلّي معه، فقلت: يا عباس ما هذا الدين؟ إن هذا الدين ما ندري ماهو! فقال: هذا محمد بن عبدالله يزعم أن الله أرسله، وأنّ كنوز كسرى وقيصر ستفتح له، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمّه علي بن أبي طالب آمن به))(٤)

________________

(١) نهج البلاغة: ٣٠٠، الخطبة :١٩٢.

(٢) الكامل في التاريخ ٢: ٥٨.

(٣) السيرة النبوية لابن كثير ١: ٤٢٨.

(٤) السيرة النبوية لابن كثير ١: ٤٢، ومثله في: الكامل في التاريخ ٢: ٥٧.


وبدأت الدعوة سريّة والظاهر منها هو مفاتحة البعض سرّاً واخفاء انتمائهم للاسلام أمام المشركين، وفي جانبها دعوة عامة بتبيان مفاهيم وقيم الدين الجديد، وذلك ظاهر من عبارات المؤرخين فقد ((دعا رسول الله الى الاسلام سرّاً وجهراً... وكفّار قريش غير مكترثين لما يقول، فكان اذا مرّ عليهم فى مجالسهم يقولون: إنّ غلام بني عبدالمطلب ليكلم من السماء))(١)

فالسرية المعنية هي المحافظة على شخصيات من أسلم، والمحافظة على سرية التحرك ((وكان أصحابه إذا أرادوا الصلاة ذهبوا الى الشعاب فاستخفوا))(٢)

ثم بدأت الدعوة العلنية فاسلم البعض من أبناء كبار الشخصيات والبعض من المستضعفين والعبيد مما أخاف قادة قريش من ذهاب سلطانهم فبدأوا يتآمرون على الرسالة وعلى شخص الرسول صلى الله عليه والهإلا أن التآمر لم يصل الى القتل خوفاً من أبي طالب وخوفاً من عمّه حمزة الذي أعلن إسلامه، واشتدت المواجهة فأمر رسول الله صلى الله عليه واله بعض أصحابه بالهجرة الى الحبشة، فكانوا على قسمين:

أولاً: المستضعفون ممن لا يجدون حماية.

ثانياً: الشخصيات المرموقة والظاهر انّ مهمتها الدعوة الى الاسلام وادارة شؤون المهاجرين، لأنهم كانوا بحماية عشائرهم.

وأوّل تصريح بامامة وخلافة الامام علي عليه السلام كان في واقعة يوم الدار، والتي حدثت في السنين الأولى من البعثة، حنيما أمر الله تعالى رسوله الكريم(ص): ((وانذر عشيرتك الأقربين))(٣) .

فأخبر رسول الله صلى الله عليه والهالامام علياً عليه السلام بذلك فجمعهم اليه وكانوا يومئذ أربعين رجلاً من أبرز رجال بني عبدالمطلب فتكلّم رسول الله صلى الله عليه والهوقال: ((يا بني عبدالمطلب: إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم اليه، فأيّكم يؤازرني على هذ الأمر أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟)) فأحجم القوم عنها جميعاً، فقام الامام عليه السلام وقال: ((أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه)).

فأخذ برقبة علي عليه السلام ثم قال: ((إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا))(٤)

وفي رواية قال صلى الله عليه واله : ((هذا أخي ووصيي وخليفتي من بعدي))(١)

________________

(١) المنتظم في تاريخ الامم والملوك ٢: ٣٦٤.

(٢) الكامل في التاريخ ٢: ٦٠.

(٣) سورة الشعراء: ٢١٤.

(٤) الكامل في التاريخ ٢: ٦٣، تاريخ أبي الفداء ١: ١٧٥،


وكان الامام عليه السلام يدعو للاسلام سراً وعلانية، وحينما إشتدت أزمة الصراع بين رسول الله والمشركين، وتعاقد المشركون على مقاطعة بني هاشم وبني عبدالمطلب لدفاعهم عن رسول الله صلى الله عليه واله توجه رسول الله صلى الله عليه واله ومعه الامام علي عليه السلام الى شعب أبي طالب، وتحمّل الحصار الظالم لثلاث سنين، ليخرج وهو أصلب عوداً وأشدّ شكيمة في الدعوة الى الاسلام.

وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) في بداية الدعوة يدعو إلى الايمان بالله تعالى والتخلي عن عبادة الاصنام ويدعو إلى ارساء القيم الصالحة في العلاقات والمعاملات، وإلى تطبيق العدالة والغاء والاضطهاد والاستغلال، ويدعو إلى مكارم الاخلاق، فكانت دعوته سلمية ليس فيها عداء ولا ظلم ولا صدام، إلاّ آنها جوبهت بعنف وعدوانية من قبل المشركين، فلم يكتفوا بالتكذيب وبث الاشاعات والاستهزاء تجاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) واصحابه، بل مارسوا الاضطهاد والأذى الجسدي وبأساليب لا تتناسب حتى مع القيم الجاهلية التي تعيب على الشخصيات المرموقة في المجتمع من ممارسة الوسائل الوضيعة مع الخصوم والاعداء.

وعلى سبيل المثال كان أبو جهل يضع القاذورات بين كتفي رسول الله(صلى الله عليه وآله)وهو يصلي، وكان بعض الأكابر من قريش يطرحون عليه رحم شاة وهو يصليّ(٢) .

واستمر مشركوا قريش في مواجهة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومن آمن به، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحرّ.

وكان ممن عذَّبوا بلال الحبشي، وكان اميّة بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمّد، وتعبد اللات والعزّى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد.

وكان بنو مخزوم يخرجون بعمّار بن ياسر وبأبيه وأمه إذا حميت الظهيرة، ويعذّبونهم برمضاء مكّة، فيمرّ بهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيقول: صبراً آل ياسر موعدكم الجنة، وقد قتل المشركون سميّة أم عمّار لانها أبت الرجوع عن الاسلام.

وكان أبو جهل إذا سمع بالرجل قد أسلم، فإذا كان ذا منعة ومكانة مرموقة أنّبه وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك! لنسفهنّ حلمك، ولنفيِّلنَّ رأيك، ولنضعنّ شرفك، وان كان تاجراً قال: والله لنكسدنَّ تجارتك، ولنهلكنّ مالك، وإن كان ضعيفاً ضربه وأغرى به.

قال ابن إسحاق: حدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير، قال: قلت لعبد الله بن عبّاس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) من العذاب ما يُعذَرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله; إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطّشونه

________________

(١) معالم التنزيل ٤: ٢٧٩، مختصر تاريخ دمشق ١٧: ٣١١.

(٢) أسباب النزول ، للسيوطي : ٣٤١


حتى ما يقدر أن يستوى جالساً من شدّه الضرّ الذي نزل به، حتى يعطيهم ماسألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: أللات والعزّى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم(١) .

وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يأمر المسلمين بالصبر ولم يتخذ أي موقف مسلح لردّ العدوان وان كان قادراً عليه، بل بقي يدعو إلى الصبر والاكتفاء بالحذر والاستتار عن أعين المشركين، إلى أن يأذن الله تعالى بأمره.

ولما رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما يصيب أصحابه من البلاء، وماهو فيه من العافية، بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب، وأنّه لا يقدر على أن يمنعهم ممّاهم فيه من البلاء ـ إلاّ بالقتال ـ قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ بها ملكاً لا يظلم عنده احد، وهي ارض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً ممّا أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله بدينهم(٢) .

والذي نراه وهو المنسجم مع سير الأحداث أنّ المهاجرين إلى الحبشة لم يكونوا من المستضعفين، بل أن اغلبهم له مكانة مرموقة في المجتمع المكّي وله عشيرة تمنعه كجعفر بن أبي طالب، وعثمان بن عفّان، وأبو حذيفة بن عتبة، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوّام، وهؤلاء قادرون على مواجهة المشركين ومقاتلتهم أو اغتيال قادتهم أو على أقل التقادير قدرتهم على حماية انفسهم، فاختاروا الهجرة علي أي موقف آخر، لانّ الاسلام لايرغب في القتال ابتداءً، ولا يرغب في المواجهة المسلحة في بداية الطريق لتجنب الدماء وللحفاظ على أرواح الناس من مسلمين ومشركين مادام هنالك أمل في انضوائهم تحت راية الاسلام عاجلاً أم آجلاً، فكانت الهجرة تجنباً لحدوث صراع دموي يخلّف الاحقاد في القلوب والمشاعر دون أن يحقق اهداف الاسلام الكبرى.

ولما رأت قريش أنّ اصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد نزلوا بلداً أصابوا منه أمناً وقراراً، وأنّ النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وجعل الاسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطّلب; على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً، ولا يبتاعوا منهم، فلما كتبوا الصحيفة وعلقوها في جوف الكعبة، انحازت بنو هاشم وبنو

________________

(١) السيره النبوية لابن هشام ١: ٣٣٩ ـ ٣٤٢، الكامل في التاريخ ٢: ٦٦.

(٢) السيرة النبوية ١: ٣٤٤، الكامل في التاريخ ٢: ٧٦.


عبد المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه شعبه، فأقاموا على ذلك ثلاث سنين، حيث قطعوا عنهم المواد الغذائية والاستهلاكية، حتى بلغ الجهد مبلغاً لا يطاق، وسمع اصوات صبيانهم من وراء الشعب(١) .

وتوفي أبو طالب بعد انتهاء المقاطعة بوقت قصير، فاشتدّ البلاء على رسول الله(صلى الله عليه وآله) ونالت قريش منه من الاذى مالم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه أحدهم فنثر على رأسه تراباً، وكان(صلى الله عليه وآله) يقول: ((مانالت منّي قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب))(٢) .

وبعد وفاة أبي طالب حامي رسول الله صلى الله عليه واله توجه رسول الله صلى الله عليه واله الى القبائل المحيطة بمكة يدعوهم الى الاسلام والى نصرته، وكان يصطحب الامام عليه السلام في دعوته هذه(٣)

وقابل رسول الله(صلى الله عليه وآله) الأذى بالصبر والتحمّل ولم يتخذ أيّ موقف يؤدي إلى اراقة الدماء طمعاً في إيمان الكثير من المشركين ولو بعد حين.

واستمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) على الدعوة السلمية في داخل مكة وخارجها، وكان يعرض الاسلام على القبائل القادمة من خارج مكة في موسم الحج، ففي أحد المواسم التقى مع جماعة من أهل يثرب فدعاهم إلى الله عزّوجلّ، وعرض عليهم الاسلام، وتلا عليهم القرآن، فأجابوه فيما دعاهم اليه ثم انصرفوا إلى بلادهم، حتى إذا كان العام المقبل لقوه عند العقبة وبايعوه، يقول عبادة بن الصامت: كنت فيمن حضر العقبة الاولى، فبايعنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب على (ان لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولانأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف)(٤) .

وبعد عام من هذه البيعة خرج جماعه من مسلمي يثرب إلى الموسم حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله(صلى الله عليه وآله) عند العقبة، وبايعوا رسول الله(صلى الله عليه وآله) سرّاً على الحماية والنصرة، وحينما علمت قريش بالخبر اقبلوا بالسلاح، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله)للمبايعين تفرّقوا، فقالوا: يارسول الله أن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ((لم أؤمر بذلك ولم يأذن الله لي في محاربتهم))(٥) .

________________

(١) السيرة النبوية ١: ٣٧٥، المنتظم ٢: ٣٨٧.

(٢) السيرة النبوية ٢: ٥٨.

(٣) السيرة النبوية لابن كثير ٢: ١٦٥.

(٤) السيرة النبوية ٢: ٧٥.

(٥) بحار الانوار ١٩: ١٣.


قال محمد بن إسحاق: وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم من بلادهم، فهم من بين مفتون في دينه، ومن بين معذّب في ايديهم، وبين هارب في البلاد فراراً منهم، منهم من بأرض الحبشة، ومنهم من بالمدينة، وفي كل وجه; فلما عتت قريش على الله عزّوجلّ، وردّوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذّبوا نبيّه(صلى الله عليه وآله)، وعذّبوا ونفوا من عبده ووحدّه وصدّق نبيّه واعتصم بدينه، أذن الله عزّوجلّ لرسوله(صلى الله عليه وآله) في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، فكانت أول آية نزلت في إذنه له في الحرب، وإحلا له الدماء والقتال، لمن بغى عليهم، قول الله تبارك وتعالى: (اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأ نَّهُمْ ظُلِمُوا وَإنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَـقَدِيرٌ الَّذِينَ اُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلاَّ أنْ يَـقُولُوا رَبُّـنَا اللهُ... )(١) .

فلما أذن الله تعالى له(صلى الله عليه وآله) في الحرب، وبايعه هذا الحيّ من الأنصار على الاسلام، والنٌّصرة له ولمن اتبعه، وأوَى اليهم من المسلمين، أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله)أصحابه من المهاجرين من قومه، ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة اليها واللحوق باخوانهم من الانصار.

ولما رأت قريش أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين اليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا داراً، وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله(صلى الله عليه وآله) اليهم، فاجتمعوا في دار الندوة يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله).

ولما وصل خبرهم إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) قرّر الهجرة إلى المدينة تاركاً وطنه وبلاده وعشيرته، ولم يدخل في صراع مسلح معهم في داخل مكة.

وحينما هاجر رسول الله صلى الله عليه واله الى المدينة أخبر الامام عليه السلام بتعاقد قريش على قتله وأمره ان ينام في مضجعه على فراشه الذي كان ينام فيه، ووصاه باداء الامانات الى اهلها، وقال له: ((اذا أبرمت ما أمرتك به، فكن على أهبة الهجرة الى الله ورسوله، وسر لقدوم كتابي عليك))(٢)

فنفّذ الامام عليه السلام وصية رسول الله صلى الله عليه واله ونام في فراشه، فانقذه الله تعالى من المشركين حينما هجموا على دار رسول الله ، ثم ادّى الامانات الى أهلها، والتحق برسول الله صلى الله عليه واله ، وكان ينتظر قدومه في مسجد قبا في أطراف المدينة.

________________

(١) الحج: ٣٩، ٤٠.

(٢) بحار الأنوار ١٩: ٥٩، ٦٠.


وفي بداية الهجرة آخى رسول الله صلى الله عليه واله بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، ثم أخذ بيد علي عليه السلام فقال: ((هذا أخي))(١)

وقد زوّجه من ابنته فاطمة الزهراء عليها السلام بأمر من الله تعالى كما ورد: ((إنّ الله أمرني أن أزوّج فاطمة من علي))(٢)

وقام رسول الله صلى الله عليه واله بنفسه في إجراء مراسيم الزوج، ودعا لهما بالذرية الصالحة.

وفي جميع الغزوات كانت راية المهاجرين مع علي عليه السلام في المواقف كلّها(٣)

وكان لعليّ عليه السلام دور متميّز في جميع الغزوات، ففي الخندق أحجم الجميع عن مبارزة عمرو بن عبد ودّ إلا علي إلا ان رسول الله صلى الله عليه والهلم يأذن له في المرتين الأولى والثانية، وأذن له في الثالثة، فكان النصر حليف المسلمين(٤)

حيث قال بحقه: ((برز الايمان كلّه الى الشرك كلّه))(٥)

وبعد هزيمة المشركين قال له: ((لو وزن اليوم عملك بعمل جميع أمّة محمد لرجح عملك على عملهم))(٦)

وفي غزوة خيبر تراجع ابو بكر وعمر بن الخطاب عن التقدّم فقال رسول الله(ص): ((لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّه الله ورسوله، ويحبّ الله ورسوله، يفتح الله على يديه وليس بفرّرا))(٧)

وفي رواية: ((كرّار غير فرّار))(٨)

فاعطاه الراية وكان النصر حليف المسلمين.

واستخلفه على المدينة في غزوة تبوك وقال له: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبيّ بعدي))(٩)

وكان يبثعه في المهام الصعبة، وخصوصاً في المهام التي يتدارك فيها أخطاء الآخرين.

________________

(١) السيرة النبوية لابن هشام ٢: ١٥٠.

(٢) المعجم الكبير ٢٢: ٤٠٨.

(٣) مختصر تاريخ دمشق ١٧: ٣٢٠.

(٤) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ٣: ٢٣٣.

(٥) تاريخ الخميس ١: ٤٦٨.

(٦) المستدرك على الصحيحين ٣: ٣٢.

(٧) الكامل في التاريخ ٢: ٢١٩.

(٨) تاريخ اليعقوبي ٢: ٥٦.

(٩) الصواعق المحرقة: ١٨٧، وروي بصيغ مختلفة في مصادر عديدة، صحيح مسلم، سنن ابن ماجة، الكامل في التاريخ، تاريخ الخلفاء.


وتقدم رسول الله(صلى الله عليه وآله) نحو مكة وقد عهد إلى امرائه: أن لا يقتلوا أحداً إلاّ من قاتلهم، وبعث أمامه جماعة من اصحابه منهم سعد بن عبادة، فقال سعد حين وجهّه:

اليوم يوم الملحمة

اليوم تستحل الحرمة

فسمعها رجل من المهاجرين، فأخبر رسول الله(صلى الله عليه وآله) بذلك، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله)لعليّ بن أبي طالب: ((أدركه، فخذ الراية منه، فكن أنت الذي تدخل بها))(١) .

وفى رواية: ((... وكن انت الذي يدخل بها، وأدخلها إدخالاً رفيقاً))، فأخذها علي(عليه السلام)وأدخلها كما أمر(٢) .

وفي بعض الروايات انّ علياً(عليه السلام) قال:

اليوم يوم المرحمة

اليوم تصان الحرمة

وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد عهد إلى أمرائه من المسلمين، حين أمرهم أن يدخلوا مكة، أن لا يقاتلوا إلاّ من قاتلهم، إلاّ أنّه قد عهد في نفر سمّاهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، إلاّ أنّ البعض منهم هربوا والبعض الاخر حصلوا على الأمان من قبل بعض الصحابة فعفى رسول الله(صلى الله عليه وآله) عنهم.(٣) .

ولمّا دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله) مكّة دخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنّون أنّ السيف لا يرفع عنهم، فأتى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ووقف قائماً على باب الكعبة فقال: ((لا اله إلاّ الله وحده وحده، انجز وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده، ألا إنّ كلّ مال ومأثرة ودم يدّعى تحت قدميّ هاتين إلاّ سدانة الكعبة، وسقاية الحاج، فإنّهما مردودتان إلى أهليهما، ألا إنّ مكة محرّمة بتحريم الله لم تحل لأحد كان قبلي، ولم تحلّ لي إلاّ ساعة من نهار، وهي محرّمة إلى أن تقوم الساعة، لا يختلي خلاها، ولا يقطع شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحلّ لقطتها إلاّ لمنشد))(٤) .

وفي رواية اخرى انّه اضاف: ((يا معشر قريش، إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية (يَا أ يُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَـقْنَاكُمْ مِنْ ذَ كَر وَاُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَـبَائِلَ لِتَـعَارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ)))(٥) .

________________

(١) السيرة النبوية ٤: ٤٩.

(٢) بحار الانوار ٢١: ١٠٥.

(٣) السيرة النبوية ٤: ٥٣.

(٤) بحار الانوار ٢١: ١٠٦.

(٥) الحجرات: ١٣.


ثم قال: ((يا معشر قريش، ما ترون أنّي فاعل فيكم؟)). قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء))(١) .

وحينما قتل بعض بني خزاعة أحد الرجال، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ((يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد كثر القتل إن نفع، لقد قتلتم قتيلاً لأدينّه))(٢) .

وكان فتح مكة تحريراً للناس جميعاً من الانحراف والاستغلال والاضطهاد وتحريراً للكعبة من دنس المشركين، وقد تحقق الفتح بدماء قليلة جداً قياساً للانجاز العظيم، وكان فاتحة للهداية والاصلاح، فتحول المشركون إلى عناصر فعالة في المجتمع والكيان الجديد وتلاشى الظلم والعدوان وعمت مفاهيم وقيم الصلاح جميع ارجاء المعمورة.

وحينما قتل خالد بن الوليد أفراد بني جذيمة خلافاً لأمر رسول الله صلى الله عليه والهأرسله لتدارك خطأ خالد، فودّى لهم الدماء والأموال(٣)

وله في حقّه أقوال متواترة عبّر عن مقامه، بالامام، والخليفة، والولي، وسيد المسلمين، ويعسوب الدين.

وفي حجة الوداع نصّبه خليفة من بعده في ١٨ ذي الحجة في غدير خم وقال: ((من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاده))(٤)

وكان من المهنئين له بالولاية عمر بن الخطّاب حيث قال: ((هنيئاً يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة))(٥)

وفي رواية: ((بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مسلم))(٦)

وحنيما رجع رسول الله صلى الله عليه واله الى المدينة بدأ يعدّ العدّة لبسط اليد للامام علي عليه السلام ليتصدى للخلافة دون منازع، فأمر المسلمين بالالتحاق بجيش أسامة بن زيد، لكي لا يبقى في المدينة من ينافس الامام عليه السلام حول الخلافة، كما ورد في قول الامام علي عليه السلام: ((ثم أمر رسول الله صلى الله عليه واله بتوجيه الجيش الذي وجّهه مع أسامة بن زيد عند الذي أحدث الله به من المرض الذي توفّاه فيه، فلم يدع النبي أحداً من أفناء العرب ولا من الأوس والخزرج وغيرهم من سائر الناس ممّن يخاف على

________________

(١) السيرة النبوية ٤: ٥٥.

(٢) السيرة النبوية ٤: ٥٧.

(٣) الكامل في التاريخ ٢: ٢٥٦.

(٤) مسند أحمد ٥: ٣٥٥، الكتاب المصنّف ١٢: ٧٩، مجمع الزوائد ٩: ١٠٤.

(٥) مسند أمد بن حنبل ٥: ٣٥٥.

(٦) أسد الغابة ٣: ٦٠٦، تاريخ بغداد ٨: ٢٩٠.


نقضه ومنازعته ولا أحداً ممّن يراني بعين البغضاء ممّن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه إلا وجّهه في ذلك الجيش، ولا من المهاجرين والأنصار... لتصفوا قلوب من يبقى معي بحضرته، ولئلا يقول قائل شيئاً ممّا أكرهه، ولا يدفعني دافع من الولاية والقيام بأمر رعيّته من بعده))(١)

ورحل رسول الله صلى الله عليه واله الى الرفيق الأعلى وكان آخر الناس عهداً به هو الامام علي عليه السلام وهو الذي قام بدفنه، ولم يشارك في سقيفة بني ساعدة لانشغاله بدفن رسول الله صلى الله عليه واله.

روايات المدح والاطراء الجميل

وردت روايات عديدة ومتواترة في مدح الأصحاب عامةً أو المهاجرين والأنصار او المهاجرين لوحدهم أو الأنصار لوحدهم أو مدح افراد من الصحابة،وكل مدح لم ينشأ من فراغ وانما من مؤهلات ومقومات وعوامل ايجابية تؤهلهم للمدح والثناء فهو مدح وثناء للمواقف والممارسات الصالحة.

روي عن رسول الله صلى الله عليه واله انه قال:((اللّهمَّ امضِ لأصحابي هجرتهم ، ولا تردّهم على أعقابهم))(٢١) .

مدح رسول الله صلى الله عليه واله المهاجرين الذين اسلموا وامنوا واخلصوا والتزموا بمفاهيم وقيم الاسلام واتبعوا وأطاعوا الله تعالى و رسول الله صلى الله عليه واله وجاهدوا وضحوا ولم يغيّروا او يبدّلوا، ثم استدرك وقال:(( ولا تردّهم على أعقابهم))بمعنى ان بعضهم سيرتد اما عقائديا او سلوكيا فالمدح والثناء مستمر باستمرار الالتزام والاخلاص في حياته وبعد رحيله.

والمدح هنا مدح للمهاجرين كمجموع وليس كأفراد فردا فردا، وهو متوقف على حسن العاقبة،

ولايشمل المدح من في قلبه مرض أو اسلم لغاية معينة ولم يدخل الاسلام والايمان الى قلبه.

وروي عن رسول الله صلى الله عليه واله انه قال: ((الأنصار كرشي وعيبتي))(٣) .

((في كلِّ دُور الأنصار خير))(٤) .

________________

(١) الخصال: ٣٧١، ٣٧٢، باب السبعة.

(٢) صحيح البخاري ٥ : ٨٧ ـ ٨٨

(٣) السيرة النبوية ، لابن كثير ٢ : ٢٨٢

(٤) صحيح مسلم ٤ : ١٧٨٥


وهو مدح لمجموع الانصار وليس للانصار فردا فردا أو هو مدح للانصار الذين نصروه قبل الهجرة اليهم او في بدايتها،ولايشمل المدح من في قلبه مرض او من كان منافقا علنا أو سرا.

وروي عن رسول الله صلى الله عليه واله انه قال:((المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة))(١)

((اللّهمَّ لا عيش إلاّ عيش الآخرة ، فاغفر للمهاجرين والأنصار))(٢) .

وهذا المدح كان مورده مدح المهاجرين والانصار الذين شاركوا في حفر الخندق ،وهو ايضا لايشمل المنافقين ولا من في قلوبهم مرض.

وقبل بدء القتال في غزوة بدر قال رسول الله صلى الله عليه واله:((اللّهمَّ إن تَهْلِكَ هذه العصابة اليوم لا تُعبد))(٣) .

وهو مدح لكل من شارك في غزوة بدر ولايشمل من أسلم لاحقا باختياره أو باستسلامه للأمر الواقع كالطلقاء، وهو ايضا لايشمل المنافقين ولا من في قلوبهم مرض.

ووضع صلى الله عليه واله ضابطة وميزانا لتمييز الاخيار من الاشرار فقال: ((يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم ، قالوا : بم يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه واله : بالثناء الحسن والثناء السيء ، أنتم شهداء الله في الأرض))(٤)

هنا اثنى على الصحابة كمجموع بما هم مجموع وليس كأفراد فردا فردا، حيث ذكر الاشرار وهم ضمن الصحابة.والشر ينفي العدالة عن بعضهم ماداموا أشرارا

ووردت روايات عديدة مادحة مختصة بمن امنوا من الصحابة ولاتشمل المنافقين ومتزعزعي الايمان :((طوبى لمن رآني وآمن بي ، وطوبى ثم طوبى ـ يقولها سبع مرات ـ لمن لم يرني وآمن بي))(٥) .

________________

(١) بحار الأنوار ٢٢ : ٣١١ ، عن أمالي ابن الشيخ : ١٦٨

(٢) صحيح البخاري ٥ : ١٣٧ .وتفسير القمي ١ : ١٧٧

(٣) السيرة النبوية ، لابن هشام ٢ : ٢٧٩

(٤) تفسير القرآن العظيم ١ : ١٩٧

(٥) الخصال ٢ : ٣٤٢


((لا زال هذا الدين ظاهراً على الأديان كلها ما دام فيكم من رآني))(١)

و قال له رجلان: يارسول الله ،أرأيت من رآك فآمن بك وصدّقك واتبعك،ماذا له ؟ قال صلى الله عليه واله : ‎ ((طوبى له))(٢) .

وهنا مدح مختص بمن آمن وصدّق واتبع ولايسري الى من لايتصف بهذه المواصفات.

وكان بين خالد بن الوليد وبين أحد المهاجرين الأوائل كلام ، فقال خالد له : ((تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها))، فسمع رسول الله صلى الله عليه واله بذلك فقال : ‎ ((دعوا لي أصحابي ، فو الذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد ـ أو مثل الجبال ـ ذهباً ما بلغتم أعمالهم))(٣) .

:((أثبتكم على الصراط أشدّكم حبّاً لأهل بيتي ولأصحابي))(٤)

والظاهر أنّ الروايتين الأخيرتين ليست عامّة في جميع الصحابة السابقين والمتأخرين في الإيمان والجهاد ، وإنّما هي مختصة في بعض منهم

فقد جمع رسول الله صلى الله عليه واله بين حبّ أهل بيته عليهم السلام وأصحابه ، فلو كان قصده جميع الصحابة لحدث تناقض لأنّ بعض الصحابة آذى بضعته من بعده ، وبعضهم كان مبغضاً لأهل بيته ، وقد وصل حد البغض إلى قتالهم واستباحة دمائهم ، فقد حارب معاوية وعمرو بن العاص وبسر بن أرطأة وآخرون الإمام عليّاً عليه السلام ومن بعده الإمام الحسن عليه السلام ، فكيف يجتمع حب الإمام عليّ عليه السلام وحبّ معاوية وأتباعه في قلب واحد ، والكلام موجّه إلى الصحابة ، فكيف يوجّه الصحابة إلى حبّ الصحابة ؟

ورواية ((دعوا لي أصحابي)) مختصة أيضاً ببعض الصحابة ؛ لأنّ الأمر موجّه إلى خالد بن الوليد وهو من الصحابة ، يأمره بالكّف عن صحابي آخر، ويقارن بين أعمال المتقدمين في الإيمان والهجرة والنصرة وأعمال المتأخرين، فالرواية واضحة الدلالة باختصاصها ببعض الصحابة

________________

(١) نوادر الراوندي : ١٥

(٢) بحار الأنوار ٢٢ : ٣٠٦ ، عن أمالي ابن الشيخ : ٣٣٢

(٣) مجمع الزوائد ١٠ : ١٥

(٤) نوادر الراوندي : ٢٣


وما تقدّم من ثناء مشروط بشروط،منها : الإيمان الحقيقي ، فلا يكون من في قلبه مرض مراداً قطعاً ، والاستقامة على المنهج الإسلامي وحسن العاقبة ؛ لأنَّ بعض الصحابة ارتدّوا ثم عادوا إلى الإسلام، وبعضهم منافقون اسرّوا نفاقهم،ولكنّه ظهر من خلال أعمالهم ومواقفهم كما سيأتي بيانه

وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه واله على بعض الصحابة بأسمائهم، ووجّه الأنظار إلى عدد محدود منهم، فكرّر مدحهم والثناء عليهم وجعلهم الصفوة من بين آلاف الصحابة، ولم يساو بين السابقين في الهجرة والإيمان وبين المتأخرين الذين أسلموا خوفاً أو طمعاً

وفي مقابل الثناء على بعض الصحابة، وردت أحاديث مفتعلة منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه واله بحق آخرين من الصحابة.

وقد كثر تزوير الأحاديث في عهد بني أُمية، قال ابن عرفة، المعروف بنفطويه: ((إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أُمية، تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أُنوف بني هاشم))(١)

وقال أبو الحسن المدائني: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله((أن برئت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته)).

ثم كتب: ((ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإنَّ هذا أحب إليَّ وأقرّ لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشدّ إليهم من مناقب عثمان وفضله)).

فرويت((أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها... فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة... حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان ، فقبلوها ورووها ، وهم يظنون أنّها حقّ ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ، ولا تدينوا بها(٢) .

وماقام به معاوية من تزوير للأحاديث هو انحراف واضح وملموس يسلب العدالة منه ولايشمله أي مدح ورد في حق الصحابة،ولايشمل من عاونوه وأيدوه ؛فقد ارتكب موبقات عديدة عن عمد وعلم وسبق اصرار،والتي تتمثل بعدة نقاط:

________________

(١) شرح نهج البلاغة ١١ : ٤٦

(٢) شرح نهج البلاغة ١١ : ٤٤ ـ ٤٦


الأولى:معاقبة من ينشر روايات رسول الله صلى الله عليه واله بحقّ الامام علي واهل بيته عليهم السلام، وهذا معناه التعتيم عليها والانكى من التعتيم معاقبة من ينشرها.

الثانية : الكذب على رسول الله صلى الله عليه واله بنسب مدح للصحابة ليس صادرا عنه.

الثالثة : مدح من لايستحق المدح أو المبالغة في مدحه.

الرابعة:اعلان العداوة لأول الناس اسلاما وايمانا

الخامسة: مخالفة القران الكريم الذي أكدّ على المودة في القربى، ومخالفة رسول الله صلى الله عليه واله في التأكيد على حب الامام علي عليه السلام.

السادسة: تضليل الكثير من المسلمين وتشجيعهم على نقل روايات كاذبة.

وبهذه الممارسات المتعمدة والمنحرفة تسقط عدالة معاوية ومن معه ،وسقوطها عن بعض الصحابة يعني انخرام الرأي بتبني عدالة جميع الصحابة فردا فردا.

روايات الذم والنقد

شخصية الصحابي كغيره من الناس تتحكم فيها عوامل ثلاثة: الفكر، والعاطفة، والإرادة ، وهي التي تحدّد موقف الصحابي وسلوكه في الحياة، فالإيمان بعقيدة معينة وفكرة معينة يجعل الشعور الباطني حركة سلوكية في الواقع، ويحوّل هذه الحركة إلى عادة ثابتة متفاعلة مع ما يحدّد لها من تعاليم ومفاهيم وقيم، إن تطابقت الإرادة مع أُسس الإيمان وقواعده، والإرادة هي الحد الفاصل بين مرحلة الشعور ومرحلة الواقع، وبها تتميز شخصية الصحابي أوالإنسان عموما في الخارج في قرارها النهائي، وكل هذه العوامل مرتبطة في ظواهرها مع عوامل اُخرى كالوراثة والمحيط الاجتماعي التي تؤثر على تلك العوامل تأثيراً إيجابياً أو سلبياً، وبالتالي تؤثر على تحديد شخصية الإنسان، ولذا نرى الصحابة متفاوتين في شخصياتهم، فمنهم من هو في قمة التكامل والسمو، ومنهم من هو في مراتب أدون فأدون، تبعاً


لتفاوت درجات الإيمان ودرجات الاُنس بالعقيدة والفكر، ودرجات الارتباط بالقدوة الصالحة المجسدة للعقيدة والشريعة في واقعها السلوكي، والتفاعل مع المغريات والمثيرات الخارجية إندفاعاً وإنكماشاً وخصوصا الرئاسة والسلطة والامارة، فبعض الصحابة الذين بقي إيمانهم متزعزاً قد نكصوا على أعقابهم وارتدّوا عن الإسلام، وبعضهم عاد إلى الإيمان بعد ردته خوفاً أو طمعاً أو استسلاماً للأمر الواقع أو قناعة بصحة الرسالة، وبعضهم لم يقاوم جبهة التصدّع في شخصيته، فاستسلم للأهواء واستجاب للمغريات الخارجية كحب الرئاسة وحب المال، فانحرف عن الاستقامة في موقفه وسلوكه العملي،وبعضهم لم يؤمن حقيقة فظهرت موبقاته وانحرافاته، ولذا جاءت الروايات في مقام التحذير من الانحراف والنكوص والتردّد، وجاء بعضها في مقام الذم والتقريع لمواقف سلوكية اتّخذها بعض الصحابة في مراحل حياتهم.

وفي عهد رسول الله صلّى الله عليه واله كان الصحابة في بداية اسلامهم وهم في طور الارشاد والتوجيه والتربية فاستطاعوا تجاوز السلبيات والازمات التي تحدث بين الحين والآخر والتي تؤدي الى التناحر والتباغض والمواقف المتشنجة الناجمة من رواسب الجاهلية وقرب العهد من الاسلام، ومن الأنا والهوى والتعصب، ومن وجود المندسين والمنافقين الذين يستثمرون الثغرات لخلق البلبلة والاضطراب داخل الوجود الاسلامي، أو الناجمة من قلة الوعي وضعف الادراك ومن التسرع في إتخاذ الموقف والقرار، فكان رسول الله صلّى الله عليه واله يتجاوز هذه الأزمات بحكمة ووعي ثاقب ويحجمها أو يتجاوزها وهي في مهدها قبل أن تستشري وتتأصل في النفوس ثم في أرض الواقع، فكانت تتلاشى في حينها ويتجاوزها المسلمون إستجابة لتوجيهات رسول صلّى الله عليه واله ويتناسوها وكأن شيئاً لم يكن، ويعودون الى الأصل وهو الوحدة والاتحاد والإخاء.

وكان صلّى الله عليه واله يتجاوز جميع المواقف التي تؤدي الى التناحر والتباغض والتنافس غير المشروع، سواء كانت مقصودة أم غير مقصودة، للوقاية من الاضطراب والخلاف، ومن هذه المواقف.

في غزوة بني المصطلق ازدحم جهجاه بن مسعود وسنان بن وبر الجهني على الماء فتصارعا، فصرخ الجهني: ((يا معشر الأنصار))، وصرخ جهجاه: ((يا معشر المهاجرين)).

فغضب المنافق عبدالله بن أبيّ بن سلول، وعنده رهط من قومه، فقال: ((أوقد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدّنا وجلابيب قريش إلاّ كما قال الأوّل: سمّن كلبك يأكلك! أما والله لئن رجعنا الى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل)).


ثم اقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: ((هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتوّلوا الى غير داركم)).

فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى الى رسول الله(ص) فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: ((مر به عبّاد بن بشر فليقتله)).

فقال له رسول الله(ص): ((فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أنّ محمداً يقتل أصحابه! لا ولكن أذن بالرحيل))، وذلك في ساعة لم يكن رسول لله(ص) يرتحل فيها، فارتحل الناس.

ثم مشى رسول الله(ص) بالناس يومهم ذلك حتى امسى، وليلتهم حتى اصبح، وصَدْر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياماً، وانما فعل ذلك رسول الله(ص) ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبدالله بن أبي(١)

وهذه الأزمة ناجمة عن التعصّب من جهة وعن دور المنافقين في إثارة الفتنة من جهة أخرى، وقد بدأت الأزمة بصراع بين مهاجر وأنصاري، وهذا الصراع هو بين فردين لا يمثلان إلا نفسيهما، ولا علاقة للمهاجرين والأنصار بهذا الصراع، ولكن الاوضاع النفسية والرواسب الجاهلية ودور المنافقين قد تحوّل الصراع الى صراع بين إنتمائين خلافاً للمفاهيم والقيم النبوية، وقد تعامل رسول الله صلى الله عليه واله مع هذه الأزمة تعاملاً حكيماً، فلم يلتجأ الى التحقيق في المسألة، أو إرسال لجنة لتقصي الحقائق، ولم يلتجأ الى جمع المهاجرين والأنصار لالقاء خطبة توجيهية اليهم، لأنّ الأزمنة بحاجة الى قرار حاسم يمنع من القيل والقال وبث الاشاعات وتضخيم الأحداث وتبادل الاتهامات، بل اسرع لإشغال المسلمين بالرحيل، وفعلاً تناسى المسلمون الأزمة.

وقد عبّر رسول الله صلى الله عليه واله عن موقفه بعد إنتهاء الأزمة، وخصوصاً بعد أن وعى الأنصار للمخاطر المحدقة بهم، وأصبحوا إذا أحدث عبدالله بن أبي حدثاً كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنّفونه، وحينها قال صلّى الله عليه واله لعمر بن الخطاب: ((كيف ترى يا عمر; أما والله لو قتلته يوم قلت لي: إقتله، لأرعدت له آنُفُ، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته))(٢)

________________

(١) السيرة النبوية لابن هشام ٣: ٣٠٣، ٣٠٤.

(٢) السيرة النبوية لابن هشام ٣: ٣٠٥.


وكانت بين الأوس والخزرج العديد من المعارك والحروب يقتتلون فيها قتالاً شديداً الى أن هدى الله تعالى قلوب بعضهم للاسلام، فأسلموا، وسألوا رسول الله صلى الله عليه واله أن يخرج معهم الى المدينة وقالوا: ((إنّه لم يصبح قوم في مثل ما نحن فيه من الشرّ، ولعلّ الله أن يجمعنا بك، ويجمع ذات بيننا، فلا يكون أحد أعز منها))، فقال لهم رسول الله قولاً جميلاً، ثم انصرفوا الى قومهم فدعوهم الى الاسلام، فكثر حتى لم تبقى دار من دور الأنصار إلاّ وفيها ذكر حسن من ذكر رسول الله، وسألوه الخروج معهم وعاهدوه أن ينصروه على القريب والبعيد والأسود والأحمر(١)

وحينما هاجر رسول الله(ص) الى المدينة أصبح الأوس والخزرج القاعدة الصلبة للاسلام ولرسول الله صلى الله عليه واله فتوحدوا تحت رايته، وانتهى الصراع الدائر بينهم، وتوجهوا جميعاً لمواجهة المشركين وأعداء الدين.

ولم يرق لليهود إتحاد الأوس والخزرج فبدأوا يتآمرون على زرع الفتنة الى أن نجحوا في اثارتها، فقام أحدهم بتذكير القبيلتين بقتلاهم في الجاهلية، وذكّرهم بالاشعار التي قيلت في حينها، فتنازع الفريقان وحملوا السلاح وخرجوا للقتال، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه واله بالأمر; خرج اليهم فيمن معه من المهاجرين فقال: ((يا معشر المسلمين! الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للاسلام... وألّف بين قلوبكم؟))، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً(٢)

فقد أسرع رسول الله صلى الله عليه واله لعلاج الأزمة وإنهاء الفتنة، ولولا حكمته وتدخله المباشر لحدث القتال، ولبقيت آثاره قائمة بتغلب التعصب والثأر على المفاهيم والقيم الاسلامية، ولأستمر القتال بينهم وخصوصاً إذا استمر اليهود والمنافقون في تأجيج نار الفتنة التي سرعان ما تتأصل وتتجذر لتأكل الأخضر واليابس، وتفتت وحدة المسلمين.

بعد فتح مكة بعث رسول الله صلى الله عليه واله خالد بن الوليد داعياً، ولم يبعثه مقاتلاً، فلما وصل الى بني جذيمة أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح، فقال لهم رجل يقال له جحدم: ويلكم يا بني جذيمة! إنّه خالد والله ما بعد وضع السلاح إلا الأسار،

________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ٣٧، ٣٨.

(٢) السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٢٠٥.


وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبداً، فأخذوه رجال من قومه ونزعوا سلاحه، ووضع القوم السلاح لقول خالد، فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك فكُتّفوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل جماعة منهم(١) .

وفي رواية قال بنو جذيمة: انّا لا نأخذ السلاح على الله ولا على رسوله ونحن مسلمون، فانظر ما بعثك رسول الله له، فان كان بعثك مصدّقاً فهذه إبلنا وغنمنا فاعد عليها.

قال خالد: ضعوا السلاح.

قالوا: إنّ نخاف أن تأخذنا بإحْنَة الجاهلية.

فانصرف عنهم وأذّن القوم وصلّوا، فلمّا كان في السحر شنّ عليهم الخيل فقتل المقاتلة وسبى الذريّة(٢) .

وقد كثرت الأشعار المعارضة والمؤيدة لعمل خالد بن الوليد.

ولما انتهى الخبر الى رسول الله صلى الله عليه واله رفع يديه الى السماء، ثم قال: ((اللهم إني ابرأ اليك ممّا صنع خالد بن الوليد)).

ثم دعا ـ الامام ـ عليّ بن ابي طالب ـ عليه السلام ـ فقال: ((يا علي، أخرج الى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك)).

خرج ـ الامام ـ علي عليه السلام حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله(ص)، فودّى لهم الدماء، وما أصيب لهم من الأموال حتى إنّه ليدي لهم ميلغة الكلب، حتى لم يبق شيء من دم ولا مال إلا ودّاه، وبقيت معه بقية من المال، فقال لهم رضوان الله عليه: ((فاني أعطيكم هذه البقية من هذا المال، إحتياطاً لرسول الله(ص) مما لا يعلم ولا تعلمون)).

ثم رجع الى رسول الله صلى الله عليه واله فأخبره الخبر، فقال: ((أصبت وأحسنت)).

ثم قام رسول الله صلى الله عليه واله فاستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه، حتى انّه ليُرى ما تحت منكبيه يقول: ((اللهم انّي ابرأ اليك ممّا صنع خالد بن الوليد)) ثلاث مرات(٣)

________________

(١) السيرة النبوية لابن هشام ٤: ٧١، ٧٢.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢: ٦١.

(٣) السيرة النبوية لابن هشام ٤: ٧٣، ونحو في المغازي للذهبي: ٥٦٨.


فأمام هذه الممارسة السيئة والجريمة الشنعاء اتخذ رسول الله صلى الله عليه واله موقفين: الأوّل: البراءة من عمل خالد لكي لا يحمّل بنو جذيمة المسؤولية على رسول الله(ص) أو على الكيان والوجود الاسلامي، والثاني: ارسال أقرب واعزّ الناس اليه أمينه ووزيره بل نفسه وهو الامام علي عليه السلام، ثم تعويضهم عن خسارتهم في الأرواح والأموال.

وبهذه الحمة استطاع إخماد فتنة عمياء قد تتطور وتتوسع وبالتالي تكون النتيجة هي خلخلة الوجود الاسلامي في بداية انتصاره على معاقل الكفر والشرك.

وقسّم رسول الله صلى الله عليه واله غنائم حنين على المؤلفة قلوبهم وكانوا من رؤساء القبائل التي أسلمت مؤخراً، ولم يعط للانصار أي شيء منها، وجد هذا الحيّ من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت القالة(١) ، حتى قال قائلهم: ((لقي والله رسول لله قومه))، فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال: ((يا رسول الله إنّ هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسّمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحيّ من الأنصار شيء)).

قال رسول الله صلى الله عليه واله :((فأين أنت من ذلك يا سعد؟)).

قال: ((يا رسول الله، ما أنا إلاّ من قومي)).

قال:((فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة)).

فأتاهم رسول الله صلى الله عليه واله فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: ((يا معشر الأنصار: ما قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها عليّ في أنفسكم؟ الم آتكم ضُلاّلاً فهداكم الله، وعالةً فأغناكم الله، وأعداء فألّف الله بين قلوبكم!)).

قالوا: ((بلى، الله ورسوله أمنُّ وأفضل)).

ثم قال: ((ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟)).

قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنّ والفضل)).

________________

(١) القالة: الكلام الرديء.


قال: ((أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصُدِّقتم: أتيتنا مكذِّباً فصدّقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فأويناك، وعائلاً فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة(١) من الدنيا تألّفت بها قوماً ليُسلموا، ووكلتكم الى اسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله الى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت أمرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهمّ ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار.

فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: ((رضينا برسول الله قسماً وحظاً))(٢)

وبعد قول رسول الله صلى الله عليه واله تفرّق الأنصار، وانتهى القيل والقال، وخرجوا من عنده وهم مستسلمون لموقفه، ومطيعون لقراره عن قناعه ورضىً لاعن جزع واضطراب، فاستطاع بحكمته أن يتجاوز الأزمة، ولم يدخل معهم في حوار يبيّن لهم صلاحيته كنبي وكحاكم في توزيع الأموال، ولم يحاسب المعترضين أو يحذّر منهم، أو يحكم عليهم بمعارضته وتمرّدهم على أوامره، ولم ينبزهم بالكفر أو الفسق لعدم الانصياع الى أوامره، وانما خاطبهم برفق وبيّن لهم دورهم في حركة الجهاد، وبيّن لهم المصلحة العليا من جرّاء توزيعه الغنائم، ووجههم نحو المفاهيم والقيم المعنوية، وربّاهم على التعالي على أثقال الدنيا وزينتها ومغرياتها، فانتهت الأزمة بقناعة الأنصار بانّه لم يقدّم هؤلاء بالعطاء بعنوان إنتمائه اليهم، وانما بعنوان تأليف قلوبهم للاسلام.

ونهى صلى الله عليه واله عن التعصّب وهو من أخطر الظواهر التي تصيب الأمة، وهومنشأ لكثير من الممارسات السلبية التي تنخر في جسد الأمة، وتؤدي الى التفكك والاضمحلال والتدهور والنكوص الحضاري، وقد نهى عن التعصّب في جميع ألوانه ومظاهره، وعدّ المتعصب خارجاً عن الوجود والكيان الاسلامي، فقال: ((ليس منّا من دعا الى عصبية، وليس منّا من قاتل على عصبية، وليس منّا من مات على عصبية))(٣)

________________

(١) اللعاعة: بقلة خضراء ناعمة، شبّه بها زهرة الدنيا ونعيمها.

(٢) السيرة النبوية لابن هشام ٤: ١٤١، ١٤٢.

(٣) سنن ابي داود: ٩٥٦، حديث ٥١٢١.


والعصبية هي إعانة المتعصب لقومه وطائفته على الظلم، فعن واثلة بن الأسقع قال: ((قلت يا رسول الله ما العصبية؟ قال: أن تعين قومك على الظلم))(١)

وعن سراقة بن مالك المدلجي قال: ((خطبنا رسول الله(ص) فقال: خيركم المدافع عن عشيرته مالم يأثم))(٢)

وقد نهى رسول الله(ص) عن جميع ألوان ومظاهر التعصب للانتماء ، ونهى عن جميع الممارسات الواقعة في طريقه كالتفاضل الجاهلي الذي لا يقوم على سند مشروع، قال صلى الله عليه واله :((يا أيها الناس ألا أنّ ربّكم واحد، ألا أنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم))(٣)

ووجّه رسول الله صلى الله عليه واله أنظار ومشاعر الصحابة الى تقديم الانتماء للاسلام على غيره من الانتماءات، وتقديم الانتماء الثانوي المشروع في القرآن والسنة على الانتماءات غير القائمة على أسس مشروعة،ولهذا نراه يمنع الافتخار بالانتماءات التي لا علاقة لها بالانتماء المقرر من قبل القرآن والسنة، عن أبي عقبة قال: ((شهدت مع رسول الله(ص) أُحداً، فضربت رجلاً من المشركين، فقلت: خذها منّي وأنا الغلام الفارسي، فالتفت اليّ رسول الله(ص) فقال: فهلاّ قلت: خذها منّي وأنا الغلام الأنصاري))(٤)

والنهي عن التعصّب يحصّن المسلم من التفرّق والتشتت; لأنه في حال الخصومة والخلافات سيرجع الى الميزان الثابت وهو القرآن والسنة لتقويم الأشخاص والوجودات والأعمال والأحداث بعيداً عن الدوافع الناجمة عن الأهواء والأمزجة والمصالح والمنافع الضيقة، فلا يحابي جماعته ولا قومه ولا فئته مادام يزنها بالميزان الثابت، وبالتالي يستطيع تشخيص الموقف الحق فيقف الى جانبه، ويتخلى عن الموقف الباطل وان كان صادراً من انتمائه الثانوي الذي ينتمي اليه.

وقد راعى رسول الله صلى الله عليه واله المواقف والآراء المخالفة والمعارضة له، واستوعب متبنّيها من أجل هدايتهم وتربيتهم وإصلاح آرائهم ومواقفهم ما دامت منطلقة من قلة الوعي وعدم إدراك الحقائق، أو منطلقة من رواسب الجاهلية، أو من حالة ضعف طارئة أو متجذرة.

________________

(١) سنن أبي داود: ٩٥٦، حديث ٥١١٩.

(٢) سنن أبي داود: ٩٥٦، حديث ٥١٢٠.

(٣) الدر المنثور ٧: ٥٧٩.

(٤) سنن أبي داود: ٩٥٦، حديث ٥١٢٣.


ففي معركة بدر قال رسول الله(ص):((إني قد عرفت أنّ رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهاً ولا حجة لهم بقتالنا، فمن لقي منم أحداً من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله; فانّه خرج مستكرهاً)).

فقال أبو حذيفة: ((أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس؟ والله لئن لقيته للألحمنّه بالسيف)).

فاستقبل رسول الله صلى الله عليه واله هذا القول والاعتراض الشديد برحابة صدر ولم يرتّب أي أثر أو ردّ فعل سلبي، وحينها تراجع أبو حذيفة عن مقالته وقال: ((ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، لا أزل منها خائفاً إلا أن تكفّرها عني الشهادة)) فقتل يوم اليمامة شهيداً(١)

فقد راعى رسول الله صلى الله عليه واله لحظة الضعف البشري التي إنتابت أبا حذيفة، والناجمة عن رواسب الجاهلية أو الناجمة عن عاطفته نحو والده الذي لم يسلم أو الذي قتل أو سيقتل في المعركة.

وبعد معركة حنين جاء ذو الخويصرة الى رسول الله صلى الله عليه واله فقال: ((اعدل، فانّ هذه قسمة ما أريد بها وجه الله)).

فقال رسول الله صلى الله عليه واله:((ويحك فمن يعدل ان لم أعدل، خبت وخسرت ان لم أعدل)).

ونهى من أراد من أصحابه قتله(٢)

وكان يوزّع الغنائم في أحد المعارك، فقام اليه رجل فقال: ((اعدل)) فقال رسول الله(ص): لقد شقيت إذا لم أعدل)).

وقال آخر: ما اُريد بهذه القسمة وجه الله)).

فقال رسول الله(ص): ((رحم الله موسى! قد أُوذي بأكثر من هذا فصبر))(٣) .

وحذّر رسول الله صلى الله عليه واله في حياته من جملة من الممارسات السلبية لكي لايرتكبها بعض الصحابة في حياته وبعدها ، وبيّن ماسيقوم به البعض منهم من مخالفات وسلبيات وهذا مانبحثه في هذا الموضوع:

روايات الكذب على رسول الله صلى الله عليه واله

________________

(١) السيرة النبوية لابن هشام ٢: ١٩٧.

(٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١: ٢٢٢.

(٣) السيرة النبوية لابن كثير ٣: ٧٨٦.


قال رسول الله صلّى الله عليه واله(( ‎ لا تكذبوا عليَّ فإنَّهُ من كَذَبَ عليَّ فليلج النّار))(١)

(( ‎ من كذَّب عليَّ فليتبوأ مقعده من النّار))(٢)

((من تعمّدَّ عليَّ كذباً فليتبوأ مقعده من النّار))(٣)

((من يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النّار))(٤) .

كثر الكذب على رسول الله صلى الله عليه واله في حياته سواء كان كذبا في مسألة عقائدية أو تشريعية او فضائل او مثالب، وقد حذّر صلى الله عليه واله الصحابة من الكذب عليه في الحديث والرواية.

ولتفشي الكذب مطلقاً سواءً على رسول الله صلى الله عليه واله أو في الشؤون الاجتماعيةالاُخرى وتتابعه، كان صلى الله عليه واله يحذّر من الكذب قبل وقوعه وينهى عن ممارسته بعد وقوعه ، وكان يكرّر هذا التحذير في أوقات ومناسبات عديدة ليرتدع الكذّابون عن الكذب ويعودوا الى الاستقامة في مرحلة التربية والتوجيه والارشاد، فقد قام صلى الله عليه واله خطيباً وقال :((ما يحملكم على أن تتابعوا على الكذب، كما يتتابع الفراش في النّار! كلّ الكذب يكتب على ابن آدم إلاّ رجل كذب في خديعة حرب، أو إصلاح بين اثنين، أو رجل يحدّث امرأته فيرضيها))(٥) .

والكذب مطلقا حرام قليله وكثيره وانواعه وتزداد حرمته حينما يكون كذبا على رسول الله صلّى الله عليه واله، لما يترتب عليه من آثارعملية على جميع المستويات.

والكذب ذنب عظيم مسقط للعدالة فاذا ثبت كذب الصحابي فانه يخرج عن العدالة وهذه حقيقة لاتقبل النقاش والتبرير، واذا كان رسول الله صلّى الله عليه واله والصحابة الصالحون يتابعون الامور ويردعون الكاذب وينصحونه بالتخلي عن الكذب الا أنهم

________________

(١) صحيح البخاري ١ : ٣٨ وصحيح مسلم ١ : ٩

(٢) صحيح البخاري ١ : ٣٨ وسنن ابن ماجة ١ : ١٣

(٣) صحيح البخاري ١ : ٣٨ وصحيح مسلم ١ : ١٠

(٤) صحيح البخاري ١ : ٣٨ وبنحوه في المستدرك على الصحيحين ١ : ١٠٢

(٥) الدر المنثور ٤ : ٣١٧


لايستطيعون متابعة الجميع بعد الصدر الاول للاسلام وانتشار الصحابة في البلدان ووصول بعضهم للحكم كمعاوية الذي استخدم المال والسلطة لتزوير الاحاديث وتزييفها.

واعتمد على جماعة من الصحابةالوضّاعون وكان اشهرهم:ابوهريرة وعمروبن العاص وسمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة.

وروي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب: (مائة ألف درهم حتى يروي أنّ هذه الآية نزلت في حق علي (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام)(١) فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف درهم فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف درهم فقبل، وروى ذلك).

ومن الروايات المكذوبة التي فيها تشويه وتزييف ومخالفة للحقيقة ماوردفي صحيح البخاري الحديث ١١٢٧ : حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ،قال: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ‏:‏

رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَام لَيْلَةً فَقَالَ أَلَا تُصَلِّيَان؟

فَقُلْتُ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا‏.‏ فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يَقُولُ‏:‏ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جدلاً‏.‏

ووقع في رواية حكيم بن حكيم المذكورة ‏: ودخل النبي علي وعلى فاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة، ثم رجع إلى بيته فصلى هوياً من الليل فلم يسمع لنا حساً، فرجع إلينا فأيقظنا ‏

قال الطبري‏:‏ لولا ما علم النبي صلى الله عليه واله من عظم فضل الصلاة في الليل ما كان يزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله الله لخلقه سكناً، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدعة والسكون امتثالا لقوله تعالى ‏((وامر اهلك بالصلاة))‏

ووقع في رواية حكيم المذكورة ‏ قال علي‏:‏ فجلست وأنا أعرك عيني وأنا أقول‏:‏ والله ما نصلي إلا ما كتب الله لنا، إنما أنفسنا بيد الله ‏"‏ وفيه إثبات المشيئة لله، وأن العبد لا يفعل شيئاً إلا بإرادة الله‏.‏

وهذه الرواية معلومة البطلان ومخالفة لسيرة الامام علي عليه السلام وفاطمة عليها السلام في ارتباطهما بالله تعالى وعبادتهما.

عن عروة بن الزبير في حديث له عن أبي الدرداء: قال: ((شهدت علي بن أبي طالب بشويحطات النجار، وقد اعتزل عن مواليه، واختفى ممن يليه، واستتر بمغيلات النخل، فافتقدته، وبعد عن مكانه، فقلت الحق بمنزله فإذا أنا بصوت حزين ونغم شجي، وهو يقول: ((إلهي كم من موبقة حملت عن مقابلتها بنقمتك، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك.

________________

(١) سورة البقرة ٢: ٢٠٤ وما بعدها


إلهي إن طال في عصيانك عمري، وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك)).

فشغلني الصوت، واقتفيت الأثر، فإذا هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعينه، فاستترت له وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغامر، ثم فرغ إلى الدعاء والبكاء، والبث والشكوى، فكان مما ناجى به الله تعالى أن قال: ((إلهي أفكر في عفوك، فتهون علي خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك، فتعظم علي بليتي)).

ثم قال :((آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها، وأنت محصيها، فتقول: خذوه، فيا له من مأخوذ لاتنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته ولا يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء)).

ثم قال :((آه من نار تنضج الأكباد والكلى، آه من نار نزاعة للشوى، آه من لهبات لظى)).

قال أبو الدرداء: ثم أمعن في البكاء، فلم أسمع له حسا، ولا حركة. فقلت:غلب عليه النوم لطول السهر، أوقظه لصلاة الفجر، فأتيته، فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحركته، فلم يتحرك، وزويته فلم ينزو.

فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون مات والله علي بن أبي طالب، فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم.

فقالت فاطمة عليها السلام: يا أبا الدرداء ما كان من شأنه ومن قصته؟

فأخبرتها الخبر.

فقالت: ((هي والله – يا أبا الدرداء – الغشية التي تأخذه من خشية الله))

ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه، فأفاق، ونظر إلي وأنا أبكي فقال: مما بكاؤك يا أبا الدرداء؟

فقلت: مما أراه تنزله بنفسك.

فقال: ((يا أبا الدرداء، فكيف لو رأيتني، ودعى بي إلى الحساب، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار، قد أسلمني الأحباء ورفضني أهل الدنيا، لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية)).

فقال أبو الدرداء: ((فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله)).


و عن نوف البكالى قال: بت ليلة عند أمير المؤمنين (عليه السلام) فكان يصلي الليل كله، ويخرج ساعة بعد ساعة، فينظر إلى السماء، ويتلو القرآن، فمر بي بعد هدوء من الليل فقال: يا نوف أراقد أنت أم رامق؟

قلت: بل رامق أرمقك ببصري يا أمير المؤمنين.

قال: ((يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، أولئك الذين اتخذوا الأرض بساطاً، وترابها فراشاً، وماءها طيباً، والقرآن دثاراً، والدعاء شعاراً، وقرضوا من الدنيا تقريضاً على منهاج عيسى بن مريم )).

وعنه (عليه السلام) قال: ((ما تركت صلاة الليل منذ سمعت قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: صلاة الليل نور..))

فقال ابن الكواء: ولا ليلة الهرير!؟

قال (عليه السلام): ولا ليلة الهرير(١) .

وروى الامام الصادق عليه السلام بسنده الى الامام الحسن بن علي عليه السلام انه قال: ((رأيت أمي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعة فلم تزل راكعة وساجدة حتى انفجر عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم وتكثر الدعاء لهم ولاتدعوا لنفسها بشيء فقلت لها: يا أماه لم لاتدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت يابني الجار ثم الدار))(١) .

وعن الحسن البصري: ((ما كان في هذه الامة أعبد من فاطمة كانت تقوم حتى تورّم قدماها))(١) .

ونقل ابن بطال، عن المهلب، قال‏:‏ فيه أنه ليس للإمام أن يشدد في النوافل حيث قنع بقول علي رضي الله عنه‏:‏ ‏(( أنفسنا بيد الله ‏)) لأنه كلام صحيح في العذر عن التنفل، ولو كان فرضا ما عذره‏

وجاء في البخاري كتاب مواقيت الصلاة باب الاذان بعد ذهاب الوقت عن عبد الله بن أبي قتادة قال سرنا مع النبي صلى الله عليه واله ليلة، فقال بعض القوم: لو عرَّست بنا يا رسول الله!، قال: (أخاف أن تناموا عن الصلاة)، قال: بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي صلى الله عليه واله ليلة وقد طلع حاجب الشمس، فقال:

________________

(١) مناقب آل أبي طالب ١ : ٣٨٩.

(٢) كشف الغمة ٢ : ٤٦٨

(٣) بحار الانوار ٤٣ : ٨٤


(يا بلال! أين ما قلت؟) قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط. قال: (إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء, يا بلال قم فأذن بالناس بالصلاة), فتوضأ فلما ارتفعت الشمس وابياضت قام فصلى وجاء في البخاري في كتاب التهجد :ذُكِرَ عند النبي صلى الله عليه واله رَجُلٌ، نام ليلة حتى اصبح ،قال: ذاك رجل بالَ الشيطان في أُذنِيه ،او قال في أذنه

اختلفوا في معناه، فقيل: هو على حقيقته، قال القاضي عياض: ولا يبعد أنْ يكون على ظاهره، قال: وخص الأذن؛ لأنها حاسة الانتباه.

وقال القرطبي وغيره: ولا مانع من ذلك؛ إذْ لا إحالة فيه؛ لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب وينكح، فلا مانع من أن يبول..

وقيل: معناه أن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل، فحجب سمعه عن الذكر.

وقال ابن قتيبة: معناه: أفسده، يقال: بال في كذا، إذا أفسده.

وقال المهلب والطحاوي وآخرون: هو استعارة وإشارة إلى انقياده للشيطان، وتحكمه فيه، وعقده على قافية رأسه: عليك ليلٌ طويل، وإذلاله

وخص الأذن، وإنْ كانت العين أنسب بالنوم، إشارة إلى ثقل النوم، فإن المسامعَ هي مواردُ الانتباه. وخصّ البول؛ لأنه أسهلُ مدخلاً في التجاويف، وأسرع نفوذاً في العُروق، فيُورث الكسل في جميع الأعضاء

يقول صاحب المتواري:أقول: فهل بال الشيطان في اذني النبي الأكرم حتى تثاقل عن القيام لصلاة الصبح المفروضة(١) .

فالكذب على رسول الله صلى الله عليه واله قد كثر بعد رحيله وقد ذكرالإمام علي عليه السلام أصناف نقلة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه واله وقسمهم إلى أربعة :

الأول : المتعمد للكذب

الثاني : المتوهم في نقل الحديث ، إلاّ أنّه غير متعمد

الثالث : القليل العلم بالناسخ والمنسوخ في الأوامر والنواهي

الرابع : الصادق الواضع للحديث في موضعه

وقال في معرض هذا التقسيم :(( إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وَبَاطِلًا وَصِدْقاً وَكَذِباً وَنَاسِخاً وَمَنْسُوخاً وَعَامّاً وَخَاصّاً وَمُحْكَماً وَمُتَشَابِهاً وَحِفْظاً وَوَهْماً وَلَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله عَلَى عَهْدِهِ حَتَّى قَامَ خَطِيباً فَقَالَ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ وَإِنَّمَا أَتَاكَ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ

رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرٌ لِلْإِيمَانِ مُتَصَنِّعٌ بِالْإِسْلَامِ لَا يَتَأَثَّمُ وَلَا يَتَحَرَّجُ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) مُتَعَمِّداً فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَاذِبٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ وَلَقِفَ عَنْهُ فَيَأْخُذُونَ

________________

(١) المتواري في صحيح البخاري ١ : ٢٢٢


قَوْلِهِ وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللَّهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَالدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ فَوَلَّوْهُمُ الْأَعْمَالَ وَجَعَلُوهُمْ حُكَّاماً عَلَى رِقَابِ النَّاسِ فَأَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ وَالدُّنْيَا إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ فَهَذَا أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ .وَرَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئاً لَمْ يَحْفَظْهُ عَلَى وَجْهِهِ فَوَهِمَ فِيهِ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِباً فَهُوَ فِي يَدَيْهِ وَيَرْوِيهِ وَيَعْمَلُ بِهِ وَيَقُولُ أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) فَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ لَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ وَلَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَرَفَضَهُ وَرَجُلٌ ثَالِثٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) شَيْئاً يَأْمُرُ بِهِ ثُمَّ إِنَّهُ نَهَى عَنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَوْ سَمِعَهُ يَنْهَى عَنْ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ وَلَمْ يَحْفَظِ النَّاسِخَ فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ وَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ .وَآخَرُ رَابِعٌ لَمْ يَكْذِبْ عَلَى اللَّهِ وَلَا عَلَى رَسُولِهِ مُبْغِضٌ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اللَّهِ وَتَعْظِيماً لِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) وَلَمْ يَهِمْ بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ فَجَاءَ بِهِ عَلَى مَا سَمِعَهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ فَهُوَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ وَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ وَعَرَفَ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ فَوَضَعَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ مَوْضِعَهُ وَقَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) الْكَلَامُ لَهُ وَجْهَانِ فَكَلَامٌ خَاصٌّ وَكَلَامٌ عَامٌّ فَيَسْمَعُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا عَنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ وَلَا مَا عَنَى رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ وَيُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ وَمَا قُصِدَ بِهِ وَمَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ وَلَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَفْهِمُهُ حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِي‏ءَ الْأَعْرَابِيُّ وَالطَّارِئُ فَيَسْأَلَهُ (عليه السلام) حَتَّى يَسْمَعُوا وَكَانَ لَا يَمُرُّ بِي مِنْ ذَلِكَ شَيْ‏ءٌ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَحَفِظْتُهُ فَهَذِهِ وُجُوهُ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي اخْتِلَافِهِمْ وَعِلَلِهِمْ فِي رِوَايَاتِهِمْ .))(١) .وقد أشار الامام علي عليه السلام الى المستقبل القريب والظاهر هو زمان معاوية الذي كثر فيه الكذب على الله ورسوله وكثر فيه التحريف والتزييف فقال عليه السلام:((سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس في ذلك الزمان شئ أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ولا سلعة أنفق بيعا ولا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرف عن مواضعه وليس في العباد ولا في البلاد شئ هو أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر وليس فيها فاحشة أنكر ولا عقوبة أنكى من الهدى عند الضلال في ذلك الزمان فقد نبذ الكتاب حملته، وتناساه حفظته حتى تمالت بهم الاهواء وتوارثوا ذلك من الآباء وعملوا بتحريف الكتاب كذبا وتكذيبا فباعوه بالبخس وكانوا فيه من الزاهدين، فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان طريدان منفيان وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يأويهما مؤو، فحبذا ذانك الصاحبان واها لهما ولما يعملان له ، فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان في الناس وليسوا فيهم ومعهم وليسوا معهم وذلك لان الضلالة لا توافق الهدى وان اجتمعا، وقد اجتمع القوم على الفرقة وافترقوا عن الجماعة، قد ولوا أمرهم وأمر دينهم من يعمل فيهم بالمكر والمنكر والرشا والقتل كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم، لم يبق عندهم من الحق إلا اسمه ولم يعرفوا من الكتاب إلا خطه وزبره ، يدخل الداخل لما يسمع من حكم القرآن فلا يطمئن جالسا حتى يخرج من الدين ينتقل من دين ملك إلى دين ملك، ومن ولاية ملك إلى ولاية ملك، ومن طاعة ملك إلى طاعة ملك، ومن عهود ملك إلى عهود ملك، فاستدرجهم الله تعالى من حيث لا يعلمون وإن كيده متين بالامل والرجاء حتى توالدوا في المعصية ودانوا بالجور والكتاب لم يضرب عن شئ منه صفحا ضلالا تائهين، قد دانوا بغير دين الله عزوجل وأدانوا لغير الله.

مساجدهم في ذلك الزمان عامرة من الضلالة، خربة من الهدى قد بدل فيها من الهدى فقراؤها وعمارها أخائب خلق الله وخليقته، من عندهم جرت الضلالة وإليهم تعود، فحضور مساجدهم والمشي إليها كفر بالله العظيم إلا من مشى إليها وهو عارف بضلالهم فصارت مساجدهم من فعالهم على ذلك النحو خربة من الهدى عامرة من الضلالة قد بدلت سنة الله وتعديت حدوده ولا يدعون إلى الهدى ولا يقسمون الفئ ولا يوفون بذمة، يدعون القتيل منهم على ذلك شهيدا قد أتوا الله بالافتراء و الجحود واستغنوا بالجهل عن العلم ومن

________________

(١) نهج البلاغة : ٣٢٥ ـ ٣٢٦ الخطبة ٢١٠


قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة وسموا صدقهم على الله فرية وجعلوا في الحسنة العقوبة السيئة وقد بعث الله عزوجل إليكم رسولا من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم صلى الله عليه وآله وأنزل عليه كتابا عزيزا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قرآنا عربيا غير ذي عوج لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فلا يلهينكم الامل ولا يطولن عليكم الاجل، فإنما أهلك من كان قبلكم أمد أملهم وتغطية الآجال عنهم حتى نزل بهم الموعود الذي ترد عنه المعذرة وترفع عنه التوبة وتحل معه القارعة والنقمة وقد أبلغ الله عزوجل إليكم بالوعد وفصل لكم القول و علمكم السنة وشرح لكم المناهج ليزيح العلة وحث على الذكر ودل على النجاة وإنه من انتصح لله واتخذ قوله دليلا هداه للتي هي أقوم ووفقه للرشاد وسدده ويسره للحسنى، فإن جار الله آمن محفوظ وعدوه خائف مغرور، فاحترسوا من الله عزوجل بكثرة الذكر واخشوا منه بالتقى وتقربوا إليه بالطاعة فإنه قريب مجيب قال الله عزوجل: (( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ))فاستجيبوا لله وآمنوابه وعظموا الله الذي لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمة الله أن يتواضعوا له وعز الذين يعلمون ما جلال الله أن يذلوا له وسلامة الذين يعلمون ما قدره الله أن يستسلموا له، فلا ينكرون أنفسهم بعد حد المعرفة ولا يضلون بعد الهدى، فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الاجرب والبارئ من ذي السقم.واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه ولم تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، ولن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرفه، ولن تعرفوا الضلالة حتى تعرفوا الهدى، ولن تعرفوا التقوى حتى تعرفوا الذي تعدى، فإذا عرفتم ذلك عرفتم البدع والتكلف ورأيتم الفرية على الله وعلى رسوله والتحريف لكتابه ورأيتم كيف هدى الله من هدى فلا يجهلنكم الذين لا يعلمون، إن علم القرآن ليس يعلم ما هو إلا من ذاق طعمه، فعلم بالعلم جهله وبصربه عماه وسمع به صممه وأدرك به علم ما فات وحيي به بعد إذ مات وأثبت عند الله عز ذكره الحسنات ومحى به السيئات وأدرك به رضوانا من الله تبارك وتعالى فاطلبوا ذلك من عند أهله خاصة( فإنهم خاصة نور يستضاء به وأئمة يقتدى بهم وهو عيش العلم وموت الجهل هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم وصمتهم عن منطقهم وظاهرهم عن باطنهم لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه فهو بينهم شاهد صادق وصامت ناطق فهم من شأنهم شهداء بالحق ومخبر صادق لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه، قد خلت لهم من الله السابقة ومضى فيهم من الله عزوجل حكم صادق وفي ذلك ذكرى للذاكرين فاعقلوا الحق إذا سمعتموه عقل رعاية ولا تعقلوه عقل رواية فإن رواة الكتاب كثير ورعاته قليل والله المستعان))(١) .في هذا النص الشريف وردت عدة حقائق مستنبطة من سيرة الحكام الذين سبقوا الامام عليه السلام وسيرة من جاء بعده وهو معاوية بن أبي سفيان ،ومن هذه الحقائق:

١- يؤكد الامام علي عليه السلام أنّ الكتاب حرف عن مواضعه وليس بالضرورة أن يكون التحريف بنقص او اضافة ايات او سور.

وفي معنى التحريف و رد عن الخليل الفراهيدي: ((والتحريف في القرآن: تغيير الكلمة عن معناها وهي قريبة الشبه))(٢) .

وقال الزمخشري: ((يحرّفون الكلم عن مواضعه: أي يميلون عنها))(٣) .

وقال الشيخ الطوسي: (( يحرّفون الكلم عن مواضعه: يعني يغيّرونها عن تأويلها))(٤) .

________________

(١) شرح نهج البلاغة ٩ : ١٠٤ .الخطبة رقم ١٧٤

(٢) ترتيب كتاب العين: ١٧٣، الخليل الفراهيدي، مؤسسة النشر الاسلامي، قم، ١٤١٤هـ

(٣) الكشاف ١ : ٥١٦، الزمخشري، مؤسسة أدب الحوزة، ١٤١٥هـ

(٤) التبيان ٣ : ٤٧٠.


وذكر الشيخ الطبرسي معنيين للتحريف: ((أولهما: سوء التأويل، وثانيهما: التغيير أو التبديل))(١) .

وذكر الشيخ محمد رشيد رضا معنيين للتحريف: ((تحريف الألفاظ بالتقديم والتأخير والحذف والزيادة والنقصان، وتحريف المعاني بحمل الألفاظ على غير ما وضعت له))( ٢ ) .

والتحريف على ضوء تلك الآراء له معنيان: المعنى الأول: التحريف المعنوي. المعنى الثاني: التحريف اللفظي. والتحريف المعنوي بمعنى حمل اللفظ على غير المعنى الموضوع له قد وقع بالفعل، فقد فسرت الألفاظ تفاسير عديدة من قبل المفسرين المغرضين أو غير العارفين بأصول التفسير ولازال هذا التحريف قائماً الى وقتنا الراهن.

أمّا التحريف اللفظي بزيادة بعض الحروف والألفاظ أو حذف بعض الحروف والألفاظ أو الآيات فانّه لم يقع ولازال القرآن مصاناً من هذا التحريف، وقد أثبتت الدراسات والوقائع بانّ القرآن الكريم الذي يتداوله المسلمون على مرّ التاريخ هو نفس القرآن الذي أنزل على نبيّنا محمد صلّى الله عليه واله ، ولازال مصاناً لم يطرأ عليه أي تحريف أو تبديل أو تغيير رغم شبهات التحريف المثارة.

٢- انّ القائلين بالتحريف ليس لديهم أي دليل قطعي في ذلك الادّعاء، وانّما اعتمدوا على روايات قد تكون صادرة من بعض الصحابة أو نسبت لهم بعدوفاتهم في زمن معاوية ومنها:

الرواية الأولى: عن عمر بن الخطّاب قال لعبد الرحمن بن عوف: ((ألم تجد فيما انزل علينا ((ان جاهدوا كما جاهدتم أول مرة)) فانّا لا نجدها؟

قال: أسقطت فيما أسقط من القرآن))( ٣ ) . الرواية الثانية: عن عبد الله بن عمر: ((لا يقولن أحدكم قد أخذت من القرآن كلّه، وما يدريه ما كلّه؟ قد ذهب منه قرآن كثير))( ٤ ) .

الرواية الثالثة: عن عائشة: ((لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كانت في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله وتشاغلنا بموته دخل الداجن فأكلها))( ٥ ) .

الرواية الرابعة: عن عائشة: ((كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن رسول الله مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها الاّ على ما هو الآن))( ٦ ) .

وقد حاول بعض المفسرين تفسير النقيصة في القرآن بنسخ التلاوة أي بنسخ الألفاظ أي انّ الله تعالى هيأ الأجواء لنسيان ألفاظ الآية. قال ابو بكر الرازي: ((نسخ الرسم والتلاوة انّما يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم، ويأمرهم بالاعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف))( ٧ ) .

وقد اعتمد ابو بكر الرازي والآلوسي وغيرهم على آية النسخ: ((ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير))(١) .

________________

( [١] ) مجمع البيان ١ : ١٧٣.

( ٢ ) المنار ٦ : ٢٨٣.

( ٣ ) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٥٢، عبد الرحمن السيوطي، تحقيق أبو الفضل ابراهيم، ١٤١١هـ

( ٤ ) الإتقان في علوم القرآن ٣ : ٨١.

( ٥ ) مسند أحمد بن حنبل ٦ : ٢٦٩.

( ٦ ) الإتقان في علوم القرآن ١ : ٦٣.

( ٧ ) معترك الاقران ١ : ١٢٨.


وما يدّعى من نسخ التلاوة بانّ الله تعالى قد نسخ لفظ الآية وأنساها للمسلمين وللحفاظ منه فانه ادعاء يحتاج الى دليل معتبر، ولا دليل عليه. وهذه الشبهات المطروحة إنما جاءت من قبل الذين يرون أو يدّعون بأنّ القرآن الكريم لم يكن مجموعاً في عهد رسول الله صلّى الله عليه واله وانما جمع من بعد وفاته. وقد ورد انّ الامام علياً عليه السلام قد جمع القرآن بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه واله فانّ جمعه للقرآن كان بإضافة التفاسير له وظروف النزول، وهو في جميع الأحوال قد جمعه الامام علي عليه السلام سواء كان في عهد رسول الله صلّى الله عليه واله أو في العهد اللاحق لوفاته، فهو مجموع.

قال الامام محمد الباقر عليه السلام: ((... وكان من نبذهم الكتاب ان أقاموا حروفه وحرفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه))(١) .

٣- فقد طرأ التحريف على المعنى من قبل الفقهاء المنحرفين والجهلاء، وخصوصاً فقهاء السلطات الجائرة وخصوصا في عهد معاوية لتبرير تسلط الجائرين وممارستهم المخالفة لثوابت القرآن الكريم.

٤- لعب معاوية وأعداء الامام علي عليه السلام دوراً كبيراً في دس الروايات الطاعنة في عقيدة المسلمين وفي كتابهم وسنة نبيّهم، الذين يريدون إشغال المسلمين بالشبهات ورد الشبهات لخلق الاضطراب والبلبلة الفكرية والعقائدية والسلوكية في داخل صفوفهم وتمزيق وحدتم والفتهم لكي لاينتبهوا لممارسات الحكام وابتعادهم عن الدين، إضافة الى تشكيكهم بالقرآن الكريم والعمل على إلغاء اعتباره كمرجع ثابت للمسلمين يرجعون اليه في حال اضطراب المفاهيم والقيم، واضطراب الموازين ولكي لايطلعوا على التفاسير والروايات التي تشير الى أهل البيت والامام علي عليه السلام من حيث مقامهم السامي عند الله تعالى ودورهم الريادي في الامة الاسلامية،والى اخفاء التفاسير التي تشير الى الشجرة الملعونة في القران الكريم والمتمثلة ببني أمية، والى تفسير بعض الايات لصالحهم او صالح حكمهم.

٥- انهم منعوا من كتابة السنة الشريفة تحت ذريعة التخوف من اختلاطها بالقران الكريم،وحاربوا كلّ من يتحدث بها الا انهم وضعوا بديلا عنها كسنة الشيخين وسنة الصحابي.

٦- ان قولهم ((حسبنا كتاب الله))كلمة حق اريد بها باطل ،فهم ضيعوا كتاب الله والسنة معا فحاربوا وحاصروا عدل القران وهم العترة الطاهرة.

٧- انهم كذّبواعليا وفاطمة عليهما السلام بما قالوه عن رسول الله صلّى الله عليه واله،واتبعوا اكاذيب منافقيهم وأعداء علي عليه السلام

٨- انهم عاقبوا كل من يتحدث عن رسول الله صلّى الله عليه واله في العقائد والاحكام والفضائل والمثالب ونفوا بعض الصحابة خارج المدينة.

٩- أوهموا المسلمين بأنهم حريصون على القران الكريم لكي يبقى محفوظا ولايختلط بحديث رسول الله صلّى الله عليه واله، ولم يكن عذرهم منطقيا لأن القران الكريم كان مكتوبا في عهد رسول الله وان نصوصه متميزة عن الحديث النبوي الشريف.

وحفظ القران الكريم يعود الى الله تعالى كما جاء في قوله: ((إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون ))( ٢ ) .

وقوله تعالى: ((وانّه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ))( ٣ ) .

وأجمع الكثير من العلماء والمحققين على أنّ القرآن الكريم كان مكتوباً ومجموعاً في عهد النبي صلى الله عليه واله، وقد اتفق الكثير أو الأغلبية من علماء ومحققي الشيعة والسنة على أنّ لرسول الله كتاباً يكتبونه، وكان بعض الصحابة يكتب لنفسه، وهذا الاتفاق هو أفضل دليل قطعي على عدم ضياع شيء من القرآن الكريم. وقد تواترت الروايات والقرائن على أنّ القرآن الكريم كان مجموعاً على عهد رسول الله صلى الله عليه واله وأول من جمعه الامام علي عليه السلام كما ورد عنه انّه قال: ((... فما نزلت على رسول الله صلى الله عليه واله آية من القرآن إلاّ أقرانيها وأملاها علي فكتبتها بخطّي وعلّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصّها وعامّها، ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها، فما

________________

( ١ ) سورة البقرة: ١٠٦.

( ٢ ) الكافي ٨ : ٥٣.

( ٣ ) سورة الحجر: ٩.

( ٤ ) سورة حم السجدة: ٤٢.


نسيت آية من كتاب الله ولا علماً أملاه عليّ وكتبته، منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك شيئاً علّمه الله من حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي كان أو يكون ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية الاّ علّمنيه وحفظته، فلم أنس حرفاً واحداً، ثم وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكماً ونوراً، فقلت: يا نبي الله بأبي أنت وأمي منذ دعوت الله لي بما دعوت لم انس شيئاً ولم يفتني شيئاً لم أكتبه أفتتخوّف عليّ النسيان؟ فقال: لا لست أتخوّف عليك النسيان والجهل))(١) .

فالإمام علي عليه السلام كان حافظاً للقرآن الكريم، وكان يكتب آياته حينما تنزل، وهذا يدل على أنه كان مجموعاً من قبله في عهد رسول الله صلى الله عليه واله.

ومن الأدلة على أنه كان مجموعاً بين دفتين في عهد رسول الله صلى الله عليه واله الحديث المتواتر عنه انّه قال: ((يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي))( ٢ ) .

قد سمّاه رسول الله صلى الله عليه واله بكتاب الله، والكتاب لا يصدق الاّ على الشيء المكتوب، فكيف يوصي رسول الله بالتمسك بالكتاب وهو غير مجموع.

وقد وردت روايات متواترة تحث على قراءة القرآن الكريم في المصحف، أي قراءة القرآن المكتوب، ووردت روايات في استحباب قراءة القرآن بالنظر في المصحف، والمصحف لا يصدق الاّ على الشيء المكتوب.

فالكذب على عهد رسول الله صلى الله عليه واله وعلى المراحل التالية لعهده وخصوصا في عهد معاوية حقيقة لا تقبل التأويل وهو أشدّ أنواع الكذب تأثيراً في بلبلة المفاهيم والتصورات وخلق الاضطراب في المواقف الخاصة والعامّة، لما فيه من إغراء بالقبيح والمنكر، وتحريف للمنهج الإسلامي الثابت في مفاهيمه وقيمه وموازينه.

وجميع ألوان الكذب هدفها اخفاء فضائل أهل البيت عليهم السلام واخفاء دورهم الحقيقي في امامة وخلافة المسلمين.

الأحاديث الموضوعة في فضائل الشيخين

قال ابن الجوزي في ما وضع في فضل عمر:

أنبأنا إسماعيل بن أحمد، قال: أنبأنا إسماعيل بن مسعدة، قال: أنبأنا حمزة، قال: أنبأنا ابن عديّ، قال: حدثنا عليّ بن الحسن بن قديد، قال: حدّثنا زكريّا بن يحيى الوقّاد، قال: حدثنا بشر بن بكر، عن أبي بكر بن عبداللّه بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن غضيف بن الحرث، عن بلال بن رباح، قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم: ((لو لم أُبعث فيكم لبُعث عمر)).

قال ابن عديّ: حدثنا عمر بن الحسن بن مضر الحلبي، قال: حدثنا مصعب بن سعد أبو خيثمة، قال: حدثنا عبداللّه بن واقد،

________________

( ١ ) الكافي ١ : ٦٤، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث.

( ٢ ) سنن الترمذي ٥ : ٦٢٢، حديث ٣٧٨٦، ونحوه في مسند أحمد ٦ : ٢٣٢.


قال: حدّثنا حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو; عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر، قال:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم: ((لو لم أبعث فيكم لبُعث عمر)).

قال المصنّف : هذان حديثان لا يصحّان عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم. أمّا الأول، فإنّ زكريّا بن يحيى كان من الكذّابين الكبار. قال ابن عديّ: كان يضع الحديث. وأمّا الثاني، فقال أحمد ويحيى: عبداللّه بن واقد ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن حبّان: انقلبتْ على مشرح صحائفه فبطل الاحتجاج به))(١) .

ويقول ابن الجوزي: ((وما أزال أسمع العوامّ يقولون عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم أنّه قال:

((ما صبّ اللّه في صدري شيئاً إلاّ وصببته في صدر أبي بكر))

((اذا اشتقت إلى الجنّة قبّلت شيبة أبي بكر))

و((كنت أنا وأبو بكر كفرسي رهان، سبقته فاتّبعني ولو سبقني لاتّبعته))

في أشياء ما رأينا لها أثراً، في الصحيح ولا في الموضوع،

ولا فائدة في الإطالة بمثل هذه الأشياء)).

ويقول: المجد الفيروزآبادي:وباب فضائل أبي بكر الصديق أشهر المشهورات من الموضوعات:

((إنّ اللّه يتجلّى للناس عامّة ولأبي بكر خاصّة!))

وحديث: ((ما صبّ اللّه في صدري شيئاً إلاّ وصبّه في صدر أبي بكر!)).

وحديث:((إنّ اللّه لَمّا اختار الأرواح اختار روح أبي بكر!)).

وأمثال هذا من المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل)).

ويقول الفتني ـ نقلاً عن كتاب الخلاصة في أُصول الحديث للطيّبي ـ ما نصّه:

((في الخلاصة: ما صبّ اللّه في صدري شيئاً إلاّ وصببته في صدر أبي بكر. موضوع)).

ويقول القاري ـ نقلاً عن ابن القيّم ـ : ((وممّا وضعه جهلة المنتسبين إلى السُنّة في فضل الصدّيق:

________________

( ١ ) الموضوعات ١ : ٢٣٨..


حديث عمر: ((كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأبو بكر يتحدّثان وكنت كالزنجي بينهما!))

وحديث:(( لو حدّثتكم بفضائل عُمَر عُمْرَ نوح في قومه ما فنيت، وإنّ عمر حسنة من حسنات أبي بكر!)).

وحديث: ((ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، وإنّما سبقكم بشيء وقر في صدره! ))(١) .

الأحاديث الموضوعة ضد الامام علي عليه السلام

ذکر أبو جعفر الإسکافی :أن معاویة وضع قوما من الصحابة و قوما من التابعین على روایة أخبار قبیحة فی علی عليه السلام تقتضی الطعن فیه و البراءة منه و جعل لهم على ذلك جعلا یرغب فی مثله فاختلقوا ما أرضاه منهم أبو هریرة و عمرو بن العاص و المغیرة بن شعبة و من التابعین عروة بن الزبیر

روى الزهری أن عروة بن الزبیر حدثه قال حدثتنی عائشة قالت : ((کنت عند

رسول الله إذ أقبل العباس و علی فقال یا عائشة إن هذین یموتان على غیر ملتی أو قال دینی )).

و روى عبد الرزاق عن معمر قال کان عند الزهری حدیثان عن عروة عن عائشة فی علی عليه السلام فسألته عنهما یوما فقال ما تصنع بهما و بحدیثهما الله أعلم بهما إنی لأتهمهما فی بنی هاشم قال فأما الحدیث الأول فقد ذکرناه و أما الحدیث الثانی فهو أن عروة زعم أن عائشة حدثته

قالت : ((کنت عند النبی إذ أقبل العباس و علی فقال یا عائشة إن سرك أن تنظری إلى رجلین من أهل النار فانظری إلى هذین قد طلعا فنظرت فإذا العباس و علی بن أبی طالب )).

و أما عمرو بن العاص فروی عنه الحدیث الذی أخرجه البخاری و مسلم فی صحیحیهما مسندا متصلا بعمرو بن العاص

قال سمعت رسول الله ص یقول :((إن آل أبی طالب لیسوا لی بأولیاء إنما ولیی الله و صالح المؤمنین)).

و أما أبو هریرة : فروی عنه الحدیث الذی معناه أن علیا عليه السلام خطب ابنة أبی جهل فی حیاة رسول الله ص فأسخطه فخطب على المنبر و قال لاها الله لا تجتمع ابنة ولی الله و ابنة عدو الله أبی جهل إن فاطمة بضعة منی یؤذینی ما یؤذیها فإن کان علی یرید ابنة أبی جهل فلیفارق ابنتی و لیفعل ما یرید أو کلاما هذا معناه و الحدیث مشهور من روایة الکرابیسی قلت هذا الحدیث أیضا


مخرج فی صحیحی مسلم و البخاری عن المسور بن مخرمة الزهری و قد ذکره المرتضى فی کتابه المسمى تنزیه الأنبیاء و الأئمة و ذکر أنه روایة

حسین الکرابیسی و أنه مشهور بالانحراف عن أهل البیت عليه السلام و عداوتهم و المناصبة لهم فلا تقبل روایته

قال أبو جعفر و روى الأعمش قال لما قدم أبو هریرة العراق مع معاویة عام الجماعة جاء إلى مسجد الکوفة فلما رأى کثرة من استقبله من الناس جثا على رکبتیه ثم ضرب صلعته مرارا و قال یا أهل العراق أ تزعمون أنی أکذب على الله و على رسوله و أحرق نفسی بالنار

و الله لقد سمعت رسول الله ص یقول إن لکل نبی حرما و إن حرمی بالمدینة ما بین عیر إلى ثور فمن أحدث فیها حدثا فعلیه لعنة الله و الملائکة و الناس أجمعین و أشهد بالله أن علیا أحدث فیها

فلما بلغ معاویة قوله أجازه و أکرمه و ولاه أمارة المدینة(١) .

روايات الارتداد على الأعقاب

وردت روايات مستفيضة ومتواترةعن رسول الله صلى الله عليه واله أكدَّ فيها أنّ النكوص والانقلاب على الأعقاب واقع بعده من قبل بعض الصحابة،سواءكان ارتدادا في العقيدة او في مخالفة مفاهيم وقيم القران الكريم والسنة المطهرة

روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ، فَقَالَ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ.

فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ٤ : ٦٣


قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقا ))(١) .

قال القاضي عياض: ذهب أبو عمرو بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي فَضْلِ مَنْ يَأْتِي آخِرَ الزَّمَانِ إِلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيمَنْ يَأْتِي بَعْدَ الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ وَأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُكُمْ قَرْنِي عَلَى الْخُصُوصِ مَعْنَاهُ خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي أَيْ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ، فَهَؤُلَاءِ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ وَهُمُ الْمُرَادُونَ بِالْحَدِيثِ، وَأَمَّا مَنْ خَلَّطَ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ رَآهُ وَصَحِبَهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَابِقَةٌ وَلَا أَثَرٌ فِي الدِّينِ، فَقَدْ يَكُونُ فِي الْقُرُونِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ مَنْ يَفْضُلُهُمْ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآثَار.

قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَيْضًا غَيْرُهُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى الْمَعَانِي، قَالَ: وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ إِلَى خِلَافِ هَذَا وَأَنَّ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَآهُ مَرَّةً مِنْ عُمْرِهِ وَحَصَلَتْ لَهُ مَزِيَّةُ الصحبة أفضل من كل من يأتي بعد، فَإِنَّ فَضِيلَةَ الصُّحْبَةِ لَا يَعْدِلُهَا عَمَلٌ))( ٢ ) .

وقوله: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ؛ قال ابن حجر: ((وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي بَابِ صِفَةِ النَّارِ أَيْضًا فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ فَلَا أَرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ))

وَلِأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِي ِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ رَفَعَهُ لَيَرِدَنَّ عَلَى الْحَوْضِ رِجَالٌ مِمَّنْ صَحِبَنِي وَرَآنِي وَسَنَدُهُ حَسَنٌ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَحْوُهُ وَزَادَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ لَسْتَ مِنْهُمْ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ قَوْلُهُ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا إِلَى قَوْله الْحَكِيم كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ زِيَادَةُ مَا دُمْتُ فِيهِمْ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ قَوْلُهُ قَالَ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ

قَالَ الْفَرَبْرِيُّ ذُكِرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ عَنْ قَبِيصَةَ قَالَ هُمُ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي حَتَّى قُتِلُوا وَمَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَبِيصَةَ

________________

( ١ ) صحيح مسلم ١ : ١٣٣ ، حديث ٢٤٩

( ٢ ) شرح صحيح مسلم ، للنووي ٣: ١٣٨.


وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ يَرْتَدَّ مِنَ الصَّحَابَةِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا ارْتَدَّ قوم من جُفَاة الاعراب مِمَّن لانصرة لَهُ فِي الدِّينِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ قَدْحًا فِي الصَّحَابَةِ الْمَشْهُورِينَ وَيَدُلُّ قَوْلُهُ أُصَيْحَابِي بِالتَّصْغِيرِ عَلَى قِلَّةِ عَدَدِهِمْ وَقَالَ غَيْرُهُ قِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمُرَادُ بِأُمَّتِي أَمَّةُ الدَّعْوَةِ لَا أَمَّةُ الْإِجَابَةِ

وَقَالَ بن التِّينِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا مُنَافِقِينَ أَوْ مِنْ مُرْتَكِبِي الْكَبَائِرِوَقِيلَ هُمْ قَوْمٌ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ رَغْبَةً وَرَهْبَةً

وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ لَا يَمْتَنِعُ دُخُولُ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ وَالْبِدَعِ فِي ذَلِكَ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ قِيلَ هُمُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُرْتَدُّو نَ فَيَجُوزُ أَنْ يُحْشَرُوا بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ لِكَوْنِهِمْ مِنْ جُمْلَةِ الْأُمَّةِ فَيُنَادِيهِمْ مِنْ أَجْلِ السِّيمَا الَّتِي عَلَيْهِمْ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ أَيْ لَمْ يَمُوتُوا عَلَى ظَاهِرِ مَا فَارَقْتَهُمْ عَلَيْه قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ وَعَلَى هَذَا فَيَذْهَبُ عَنْهُمُ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ وَيُطْفَأ نُورُهُمْ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِمُ السِّيمَا بَلْ يُنَادِيهِمْ لِمَا كَانَ يَعْرِفُ مِنْ إِسْلَامِهِمْ وَقِيلَ هُمْ أَصْحَابُ الْكَبَائِرِ وَالْبِدَعِ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ وَعَلَى هَذَا فَلَا يُقْطَعُ بِدُخُولِ هَؤُلَاءِ النَّارَ لِجَوَازِ أَنْ يُذَادُوا عَنِ الْحَوْضِ أَوَّلًا عُقُوبَةً لَهُمْ ثُمَّ يُرْحَمُوا وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ غُرَّةٌ وَتَحْجِيلٌ فَعَرَفَهُمْ بِالسِّيمَا سَوَاءٌ كَانُوا فِي زَمَنِهِ أَوْ بَعْدَهُ

وَرَجَّحَ عِيَاضٌ وَالْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمَا مَا قَالَ قَبِيصَةُ رَاوِي الْخَبَرِ إِنَّهُمْ مَنِ ارْتَدَّ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ لَهُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمُ السِّيمَا لِأَنَّهَا كَرَامَةٌ يَظْهَرُ بِهَا عَمَلُ الْمُسْلِمِ وَالْمُرْتَدُّ قَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ فَقَدْ يَكُونُ عَرَفَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ لَا بِصِفَتِهِمْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ارْتِدَادِهِمْ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مَنْ كَانَ فِي زَمَنِهِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَعْرِفُ أَعْيَانَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ تِلْكَ السِّيمَا فَمَنْ عَرَفَ صُورَتَهُ نَادَاهُ مُسْتَصْحِبًا لِحَالِهِ الَّتِي فَارَقَهُ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وَأَمَّا دُخُولُ أَصْحَابِ الْبِدَعِ فِي ذَلِكَ فَاسْتُبْعِدَ لِتَعْبِيرِهِ فِي الْخَبَرِ بِقَوْلِهِ أَصْحَابِي وَأَصْحَابُ الْبِدَعِ إِنَّمَا حَدَثُوا بَعْدَهُ وَأُجِيبَ بِحَمْلِ الصُّحْبَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَاسْتُبْعِدَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْمُسْلِمِ وَلَوْ كَانَ مُبْتَدِعًا سُحْقًا وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ عَلَى مَعْصِيَةٍ ثُمَّ يَنْجُو بِالشَّفَاعَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ سُحْقًا تَسْلِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ مَعَ بَقَاءِ الرَّجَاءِ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ لَيْسَ قَوْلُهُ مُرْتَدِّينَ نَصًّا فِي كَوْنِهِمُ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ بَلْ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهُمْ عُصَاةُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُرْتَدُّونَ


عَنْ الِاسْتِقَامَةِ يُبَدِّلُونَ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ بِالسَّيِّئَةِ(١) .

والنصوص المتقدمة وان كانت تميل الى تبرئة الصحابة وايجاد الذرائع لهم الا انها ذكرت اصنافا منهم وهم:

١- عصاة المؤمنين.

٢- المرتدون عن الاستقامة

٣- المنافقون.

٤- اصحاب الكبائر والبدع الذين ماتوا على الاسلام.

فقد حاولوا ان يثبتوا لبعض الاصناف انهم سيدخلون الجنة وهذه المحاولة لاتنفي الفسق وعدم العدالة ، فعصاة المؤمنين ليسوا عدولا ، والمرتدون عن الاستقامة ليسوا عدولا ، والمنافقون أغلبهم غير معلومين ، واصحاب الكبائر ليسوا عدولا ، وعلى رأس الكبائر محاربة الامام علي عليه السلام ، وقتل الموالين له

وقال صلى الله عليه واله:((أنا فرطكم على الحوض، وسأنازع رجالاً فأغلب عليهم، فلأقولنَّ ربِّ أُصيحابي أُصيحابي! فيقال لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك))( ٢ )

والرواية واضحة الدلالة في أنّ هؤلاء الأصحاب كانوا معروفين في الناس بالاستقامة في حياة رسول الله صلى الله عليه واله، ولكنّهم انحرفوا من بعده

وفي رواية أخرى أنّه صلى الله عليه واله قال:((ليردنَّ على الحوض رجال ممّا صحبني ورآني، حتى إذا رفعوا إليَّ ورأيتهم اختلجوا دوني، فلأقولنَّ: ربِّ أصحابي أصحابي! فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك))( ٣ )

________________

( ١ ) فتح الباري ١١: ٣٨٥،٣٨٦

( ٢ ) مسند أحمد ٢ : ٣٥ وبنحوه في صحيح مسلم ٤ : ١٨٠

( ٣ ) مسند أحمد ٦ : ٣٣ وبنحوه في صحيح البخاري ٨ : ١٤٨ و ٩ : ٥٨


وقال صلى الله عليه واله:((إنّكم محشورون إلى الله تعالى... ثم يؤخذ بقوم منكم ذات الشمال، فأقول: يا ربِّ أصحابي! فيقال لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، لم يزالوا مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: (وكُنتُ عَليهِم شَهيداً مادُمتُ فِيهِم فَلمَّا تَوفَّيتني كُنتَ أنتَ الرقيبَ عَليهِم وأنتَ على كُلِّ شيء شَهيدٌ * إن تُعذِّبهُم فإنَّهم عِبادُكَ وإن تَغْفِر لهُم فإنَّكَ أنتَ العَزيزُ الحَكِيم))(١)

والعذاب المذكور في الآية قرينة على ارتكاب الذنب والاتّصاف بالفسق والخروج عن العدالة والاستقامة، وإلاّ لا موجب لعذاب العادل النزيه

ومن خلال تتبع الروايات نجد أنَّ الانحراف عن نهج رسول الله صلى الله عليه واله والابتعاد عن المفاهيم والقيم الإسلامية المعبّر عنه بالارتداد والرجوع على الأعقاب والتقهقر ، قد عمّ عدداً كبيراً من الصحابة الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه واله صحبة ليست بالقصيرة ، وقد عبّر صلى الله عليه واله عن كثرتهم بالقول:((بينا أنا قائم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال : هَلُمَّ، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلتُ: وما شأنهم؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم... قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم))( ٢ )

والروايات المتقدّمة تنصّ على أنّ المتسائل هو رسول الله صلى الله عليه واله والمجيب غيره، وهنالك روايات تنصّ على أنّ المجيب هو رسول الله صلى الله عليه واله مباشرة حيثُ يخاطب بعض أصحابه في يوم القيامة بإثبات إنحرافهم عن الاستقامة بعد رحيله من الدنيا، كما هو في الرواية عنه صلى الله عليه واله أنّه قال:(( ‎ ما بال أقوام يقولون: إنّ رحمي لا ينفع ، بلى والله إنّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإنّي أيُّها الناس فرطكم على الحوض، فإذا جئت قام رجال، فقال هذا: يا رسول الله، أنا فلان، وقال هذا: يا رسول الله أنا فلان، وقال هذا: يا رسول الله أنا فلان ، فأقول قد عرفتكم ولكنكم أحدثتم بعدي ورجعتم القهقرى))( ٣ ) .

وعبارة ((أنا فلان)) المتكررة ثلاثا تحتاج الى امعان النظر والتدقيق في معرفتهم والله العالم من هم.

________________

( ١ ) مسند أحمد ١ : ٣٨٩ وبنحوه في : صحيح البخاري ٦ : ٦٩ ـ ٧٠ ، ١٢٢ والآية من سورة المائدة ٥ : ١١٧ ـ ١١٨

( ٢ ) صحيح البخاري ٨ : ١٥١

( ٣ ) المستدرك على الصحيحين ٤ : ٧٤ ـ ٧٥


وتنص الروايات على أنَّ رسول الله صلى الله عليه واله يتبرء منهم ولا يتدخل في إنقاذهم ممّا هم فيه عند ورودهم الحوض ، ففي رواية يقول صلى الله عليه واله:(( فأقول أصحابي أصحابي ! فقيل : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : بعداً بعداً.. ـ أو ـ سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي))(١)

وكان رسول الله صلى الله عليه واله يحذّر من الانحراف بعد رحيله ، ويجعل ملاك التقييم هو حسن أو سوء العاقبة ، ففي رواية أنّه صلى الله عليه واله قال لشهداء أُحد: ((هؤلاء أشهد عليهم)) فقال أبو بكر : (ألسنا يا رسول الله بإخوانهم؟ أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا) فقال صلى الله عليه واله :(( ‎ بلى، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي))( ٢ ) .

والصحابة وان كانوا عدولا عند البعض في عهد رسول الله صلّى الله عليه واله ولكن ستنخرم العدالة وتسقط بسبب الأحداث التي أحدثوها ، وبسبب الممارسات والمواقف والسلوكيات المخالفة للقران الكريم والسنة الشريفة، وهذا ماحدث في الواقع بعد رحيل رسول الله صلّى الله عليه واله.

وقد أكدّ بعض الصحابة حقيقة الانحراف عن نهج رسول الله صلى الله عليه واله بعد رحيله، ومن ذلك قول أُبي بن كعب : ((مازالت هذه الاُمّة مكبوبةً على وجهها منذ فقدوا نبيّهم))( ٣ )

وقوله:((ألا هلك أهل العقدة، والله ما آسى عليهم، إنّما آسى على من يُضلّون من الناس))( ٤ )

والضلالة لها مصاديق عديدة ، فقد تكون ضلالة عقائدية في اصول الدين جميعها أوبعضها ، أو ضلالة سلوكية لاتقتصر على اضلال الصحابي لنفسه بل اضلال الاخرين معه وهذا ماحدث واقعا ولازال المسلمون يدفعون ثمن ذلك الضلال الذي بدأ أكثر وضوحا وعلانية في زمن حكم معاوية بن أبي سفيان.

والأحداث بعد رسول الله صلى الله عليه واله من الامور الواضحة المعالم وقد اعترف بعض الصحابة على أنفسهم بما احدثوه تصريحا

________________

( ١ ) مسند أحمد ٣ : ٤١٠ وبنحوه في صحيح مسلم ٤ : ١٧٩٣

( ٢ ) موطأ مالك ٢ : ٤٦٢

( ٣ ) شرح نهج البلاغة ٢٠ : ٢٤

( ٤ ) المستدرك على الصحيحين ٤ : ٧٤ ـ ٧٥


او تلميحا

روي أن اباعامر بن أبي موسى الأشعري قال: (( قال لي عبد الله بن عمر هل تدري ما قال أبي لأبيك.

قال قلت :لا قال فإن أبي قال لأبيك يا أبا موسى هل يسرك إسلامنا مع رسول الله وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس فقال أبي لا والله قد جاهدنا بعد رسول الله صلى الله عليه واله وصلينا وصمنا وعملنا خيرا كثيرا وأسلم على أيدينا بشر كثير وإنا لنرجو ذلك.

فقال أبي لكني أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك يرد لنا كل شئ عملناه وبعده نجونا منه كفافا رأسا برأس

فقلت :إن أباك والله خير من أبي))(١) .

وهذا اعتراف واضح بانه يطلب النجاة وطلب النجاة تعبير عن انقاذ النفس من التبعات الناجمة من مخالفة رسول الله صلى الله عليه واله في حياته وبعد رحيله ، او مخالفة بعض المفاهيم والقيم الالهية أو التقصير بحقوق المسلمين.

وفي مسند عبدالله بن عباس : ((أنّه لما طعن عمر بن الخطاب كان يتألم ، فقال له ابن عباس : ولا كلّ ذلك.

فقال عمر: والله أما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك ، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل ان أراه))( ٢ ) .

وهذا اعتراف واضح بالتخوف من عذاب الله تعالى ، فلم يتمسك بعدالة الصحابة للخلاص من العذاب الاخروي الذي يستحقه المذنبون او المقصرون بحقوق الله تعالى أوحقوق رسوله أو حقوق المسلمين من مهاجرين وأنصار وتابعين أو التقصير بحق علي بن أبي طالب عليه السلام.

________________

( ١ ) لطائف الطرائف ٢ : ٤٧٩

( ٢ ) لطائف الطرائف ٢ : ٤٨٠


وعند قرب وفاة أبي بكر دخل عليه عبدالرحمن بن عوف، فقال له أبو بكر: ((إنّي وليت أمركم خيرّكم في نفسي، فكلكم ورم أنفه من ذلك، يريد أن يكون الأمر له دونه، ورأيتم الدنيا قد أقبلت.. وأنتم أول ضالّ بالناس غداً، فتصدوهم عن الطريق يميناً وشمالاً...))(١) .

وقوله:((وأنتم أول ضالّ بالناس غداً، فتصدوهم عن الطريق يميناً وشمالاً))واضح الدلالة على دور بعض الصحابة باضلال الناس وصدهم عن طريق الحق والاستقامة وعن ثوابت القران الكريم والسنة النبوية.

وقال أبو بكر أيضاً:((فأمّا الثلاث اللاتي وددت أنّي تركتهنَّ ، فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء ، وإن كانوا قد غلّقوه على الحرب.. وأمّا اللاتي تركتهنَّ ، فوددت أني يوم أتيتُ بالأشعث بن قيس أسيراً كنت ضربت عنقه، فإنّه تخيَّل إليَّ أنه لا يرى شرّاً إلاّ أعان عليه...))( ٢ )

وهذا اعتراف واضح يدل على ندمه أنه كشف بيت فاطمة عليها السلام بلا حق أو بلا مجوّز شرعي ، وهو مخالفة خطيرة مهما كانت المبررات وأهمها أخذ البيعة،فالبيعة بالاسلام اختيارية ولا اكراه فيها.

وأنه أخلى سبيل الاشعث بن قيس وهو يرى انه لايرى شرا الا اعان عليه، والاشعث هو صحابي فلم يخطر في ذهن أبي بكر انه صحابي عادل لايعين على الشرّ.

ومن الموبقات المسقطة للعدالةأنّ ابابكر سيّر خالد بن الوليد الى من عارض تنصيبه او تخلف عن بيعته أو امتنع عن دفع الزكاةولقد كان من المتخلّفين عن بيعة أبي بكر: مالك بن نويرة وعشيرته، فسيّر أبو بكر إليهم خالد بن الوليد، فأغار عليهم وقتل مالكاً وجماعة من قومه وسبى نساءهم، وتزوّج بامرأة مالك من ليلة قتله، في قضية معروفة مفصّلة في كتب التاريخ ، تعدّ من أكبر ما طعن به أبو بكر بعد تصدّيه للأمر

________________

( ١ ) تاريخ الطبري ٣ : ٤٣٠ وبنحوها في تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٣٧

( ٢ ) تاريخ الطبري ٣ : ٤٣٠ ـ ٤٣١ وتاريخ اليعقوبي ٢ : ١٣٧ والعقد الفريد ٥ : ٢١


وحينما قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة وتزوج امرأته، بلغ ذلك عمر بن الخطاب، فتكلم في خالد عند أبي بكر فأكثر وقال:((عدو الله عدا على أمرىء مسلم فقتله، ثم نزا على امرأته)).

وحينما عاد خالد قام إليه عمر وقال : ((قتلت أمرءاً مسلماً ، ثم نزوت على امرأته ، والله لأرجمنك بأحجارك))(١)

وهذا اعتراف صريح من عمر بن الخطاب بان خالدا قتل أمرءاً مسلماً وهدده بالرجم ولم يقل له انك صحابي عادل.

روايات النفاق والمنافقين

النفاق ظاهرة واضحة المعالم ذكرها القران الكريم في سورة كاملة وفي ايات عديدة مبثوثة في السور المباركة ،والمنافقون محسوبون على الصحابة كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله أنّه قال: ((انّ في أصحابي منافقين))( ٢ ) .

والنفاق لم يبدأ بالمدينة بل بدأ مع بداية الدعوة الاسلامية ولكن كان مخفيا مستترا ولكنه توسع بعد الهجرة الى المدينة وتأسيس الدولة ، والنفاق قسمان: مخفي ومعلن ، وقد كان رسول الله صلّى الله عليه واله يعلم بأسماء المنافقين بواسطة الوحي ومتابعته لهم، ولكنه لم يكشفهم ويفضحهم الا في حدود معينة لأنه صلى الله عليه واله جاء لهداية الانسانية وتحريرها من الاوهام والخرافات، وتحرير سلوكها من الانحراف والرذيلة، بتحويل الذهنية إلى ذهنية اسلامية، وتحويل السلوك إلى سلوك اسلامي، وفي أجواء الدعوة انتمى بعض الناس الى الاسلام نفاقا الا أن رسول الله صلى الله عليه واله لم يرفضهم ولم يفضحهم بل منحهم فرصاً عديدة للايمان بالاسلام لأن الاسلام بحاجة إلى جميع الطاقات لكي تكون مهتدية بهديه، ولم يتعامل معهم بما ينفرهم من الاسلام ومنه

وقد راعى صلى الله عليه واله المصحلة العليا في التعامل مع المنافقين على ضوء اختلافهم في التآمر على الاسلام عقيدة وقيادة وكياناً، فالمصلحة العليا هي التي تحدّد الموقف.

وكان القران الكريم يتابعهم اجمالا ويحذّر من خطورتهم على الاسلام والمسلمين ، ونزلت سورة المنافقين متحدثة عن مخططاتهم ومؤامراتهم المعلنة والمخفية.

________________

( ١ ) تاريخ الطبري ٣ : ٢٨٠ والكامل في التاريخ ٢ : ٣٥٩

( ٢ ) مسند أحمد ٥ : ٤٠


عن زيد بن أرقم قال :((خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه واله في سفر فاصاب الناس شده فقال عبدالله بن ابي لاصحابه لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله وقال: (( لئن رجعنا الى المدينه ليخرجن الاعز منها الاذل)) فاتيت النبي صلّى الله عليه واله فاخبرته بذلك فارسل الى عبدالله بن ابي فساله فاجتهد يمينه ما فعل.

فقالوا :كذب زيد يا رسول الله فوقع في نفسي مما قالوا فانزل الله تصديقي ((اذا جاءك المنافقون)) ودعاهم رسول الله صلّى الله عليه واله ليستغفر لهم فلووا رءوسهم(١) .

وكان المنافقون يمارسون ممارسات تدلّ على نفاقهم وخصوصا في الغزوات ومنها غزوة تبوك وكان سببها أن النبي صلى الله عليه واله بلغه أن هرقل ملك الروم ومن عنده من متنصرة العرب قد عزموا على قصده فتجهز هو والمسلمون وساروا إلى الروم‏.‏

وكان الحر شديدًا والبلاد مجدبة والناس في عسرة وكانت الثمار قد طابت فأحب الناس المقام في ثمارهم فتجهزوا على كره فكان ذلك الجيش يسمى العسرة‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه واله للجد بن قيس وكان من رؤساء المنافقين‏:‏ هل لك في جلاد بني الأصفر؟

فقال‏:‏ والله لقد عرف قومي حبي للنساء وأخشى أن لا أصبر على نساء بني الأصفر فإن رأيت أن تأذن لي ولا تفتني‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ قد أذنت

وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إلى رسول الله صلّى الله عليه واله فلم يعذرهم الله وكان عدة من المسلمين تخلفوا من غير شك منهم‏:‏ كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وأبو خيثمة‏.‏ فلما سار رسول الله تخلف عنه عبد الله بن أبي المنافق فيمن تبعه من أهل النفاق واستخلف رسول الله صلى الله عليه واله ...علي بن أبي طالب فأجف به المنافقون وقالوا‏:‏ ما خلفه إلا استثقالًا له‏.

فلما سمع علي ذلك أخذ سلاحه ولحق برسول الله صلّى الله عليه واله فأخبره ما قال المنافقون فقال‏:‏( ‏(‏كذبوا وإنّما خلّفتُك لما ورائي فارجعْ فاخلفْني في أهلي وأهلك أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي‏)‏‏).‏ فرجع‏.‏

فسار رسول الله ...وكان بعض المنافقين يسير مع رسول الله صلّى الله عليه واله فلما جاء المطر قال له بعض المسلمين‏:‏ هل بعد هذا شيء قال‏:‏ سحابة مارة‏.‏

وضلت ناقة رسول الله في الطريق فقال لأصحابه وفيهم عمارة بن حزم وهو عقبي بدري‏:‏ إن رجلًا قال إن محمدًا يخبركم الخبر من السماء وهو لا يدري أين ناقته وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله عز وجل وهي في الوادي في شعب كذا قد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا فأتوه بها فرجع عمارة إلى أصحابه فخبرهم بما قال رسول الله صلى الله عليه واله عن الناقة تعجبًا مما رأى‏.‏

________________

( ١ ) صحيح مسلم ٢ : ٦١٥ حديث ٢٧٧٢


وكان زيد بن لصيت القينقاعي منافقًا وهو في رحل عمارة قد قال هذه المقالة فأخبر عمارة بأن زيدًا قد قالها فقام عمارة يطأ عنقه وهو يقول‏:‏ في رحلي داهية ولا أدري‏!‏ اخرج عني يا عدو الله‏!‏ فزعم بعض الناس أن زيدًا تاب بعد ذلك وحسن إسلامه وقيل‏:‏ لم يزل متهمًا حتى هلك(١) ‏.‏

وكان المنافقون المشهورون والمستترون لايتوقفون عن المؤامرات ضد الاسلام ونبي الاسلام ومجتمع المسلمين،وكانت أقوى وأخطر المؤامرات هي قتل رسول الله صلى الله عليه واله بالقائه من العقبة.

عن أبي الطفيل، وحذيفة، وجبير بن مطعم، والضحاك: أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان ببعض الطريق مكر به ناس من المنافقين، وائتمروا بينهم أن يطرحوه من عقبة في الطريق.

وكانوا قد أجمعوا أن يقتلوه، فجعلوا يلتمسون غرته، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يسلك العقبة أرادوا أن يسلكوها معه.

وقالوا: إذا أخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي، فأخبر الله تعالى رسوله بمكرهم.

فلما بلغ رسول الله صلّى الله عليه واله تلك العقبة نادى مناديه للناس: أن رسول الله صلّى الله عليه واله أخذ العقبة فلا يأخذها أحد، واسلكوا بطن الوادي، فإنه أسهل لكم وأوسع: فسلك الناس بطن الوادي إلا النفر الذين مكروا برسول الله صلّى الله عليه واله لما سمعوا ذلك استعدوا وتلثموا.

وسلك رسول الله صلّى الله عليه واله العقبة، وأمر عمار بن ياسر أن يأخذ بزمام الناقة ويقودها، وأمر حذيفة بن اليمان أن يسوق من خلفه.

فبينا رسول الله صلّى الله عليه واله يسير من العقبة إذ سمع حسّ القوم قد غشوه، فنفروا ناقة رسول الله صلّى الله عليه واله حتى سقط بعض متاعه.

وكان حمزة بن عمرو الأسلمي لحق برسول الله صلّى الله عليه واله بالعقبة، وكانت ليلة مظلمة، قال حمزة: فُنوِّر لي في أصابعي الخمس، فأضاءت حتى جمعت ما سقط من السوط والحبل وأشباههما.

فغضب رسول الله صلّى الله عليه واله وأمر حذيفة أن يردهم، فرجع حذيفة إليهم، وقد رأى غضب رسول الله صلّى الله عليه واله ومعه محجن، يضرب وجوه رواحلهم وقال: إليكم إليكم يا أعداء الله تعالى.

فعلم القوم أن رسول الله صلّى الله عليه واله قد اطلع على مكرهم، فانحطوا من العقبة مسرعين حتى خالطوا الناس.

وأقبل حذيفة حتى أتى رسول الله صلّى الله عليه واله فقال: اضرب الراحلة يا حذيفة، وامش أنت يا عمار، فأسرعوا حتى استوى بأعلاها، وخرج رسول الله صلّى الله عليه واله من العقبة ينتظر الناس، وقال لحذيفة: هل عرفت أحداً من الركب، الذين رددتهم؟

________________

( ١ ) الكامل في التاريخ ٢ : ٢٧٧ ،٢٧٨.


قال: يا رسول الله، قد عرفت رواحلهم، وكان القوم متلثمين فلم أبصرهم من أجل ظلمة الليل.

قال: هل علمتم ما كان من شأنهم وما أرادوا؟

قالوا: لا والله يا رسول الله.

قال: فإنهم مكروا ليسيروا معي، فإذا طلعت العقبة زحموني فطرحوني منها، وإن الله تعالى قد أخبرني بأسمائهم، وأسماء آبائهم، وسأخبركم بهم إن شاء الله تعالى.

قالوا: أفلا تأمر بهم يا رسول الله إذا جاء الناس أن تضرب أعناقهم؟

قال: أكره أن يتحدث الناس ويقولوا: إن محمداً قد وضع يده في أصحابه ، فسماهم لهما، ثم قال: اكتماهم ؛ فانطلق إذا أصبحت، فاجمعهم لي.

فلما أصبح رسول الله صلّى الله عليه واله قال له أسيد بن الحضير: يا رسول الله، ما منعك البارحة من سلوك الوادي؟ فقد كان أسهل من العقبة؟

فقال: أتدري يا أبا يحيى، أتدري ما أراد بي المنافقون، وما هموا به؟

قالوا: نتبعه من العقبة، فإذا أظلم عليه الليل قطعوا أنساع راحلتي، ونخسوها حتى يطرحوني عن راحلتي

فقال أسيد: يا رسول الله، قد اجتمع الناس ونزلوا، فمر كل بطن أن يقتل الرجل الذي همَّ بهذا، فيكون الرجل من عشيرته هو الذي يقتله، وإن أحببت ـ والذي بعثك بالحق ـ فنبئني بأسمائهم، فلا أبرح حتى آتيك برؤوسهم.

قال: يا أسيد، إني أكره أن يقول الناس: إن محمداً قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله تعالى بهم أقبل عليهم يقتلهم

وفي رواية: إني لأكره أن يقول الناس: إن محمداً لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه.

فقال: يا رسول الله، فهؤلاء ليسوا بأصحاب.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله ؟

قال: بلى ولا شهادة لهم.

قال: أليس يظهرون أني رسول الله ؟

قال: بلى. ولا شهادة لهم.

قال: فقد نُهِيْتُ عن قتل أولئك(١) .

________________

( ١ ) المغازي للواقدي ٣ :١٠٤٣ و١٠٤٤، الدر المنثور ٣ :٢٥٩.


إن المجموعة التي تآمرت على تنفير ناقة النبي صلّى الله عليه واله عند العقبة كانوا أربعة عشر صحابيا وصفوا بالنفاق، وقد عرفهم حذيفة من رواحلهم لأنهم كانوا ملثمين، وعرّفه النبي صلّى الله عليه واله بأسمائهم، فكان ـ كما يقول النووي : صاحب سر رسول الله صلّى الله عليه واله في المنافقين يعلمهم وحده،وسأله عمر بن الخطاب هل في عمالي أحد منهم؟ قال: نعم واحد، قال: من هو؟ قال: لا أذكره، فعزله عمر(١) .

وقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟ قال: وقال القوم: أخبره إذ سألك، قال (أبو موسى الاشعري) كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فقال حذيفة: فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله ان اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

وهذا هو الذي أشار إليه ابن عبد البر في (الاستيعاب) في ترجمة أبي موسى الاشعري فقال: فقد روى حذيفة فيه كلاماً كرهت ذكره... فتعقبه ابن أبي الحديد فقال: الكلام الذي أشار اليه... ولم يذكره قوله فيه وقد ذكر عنده بالدين: أما انتم فتقولون ذلك، وأما أنا فأشهد انه عدو لله ولرسوله وحرب لهما في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.

وقال ابن أبي الحديد: وروي ان عماراً سئل عن أبي موسى فقال: لقد سمعت فيه قولاً عظيماً سمعته يقول: صاحب البرنس الأسود، ثم كلح كلوحاً علمت انه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط( ٢ ) .

وعن حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه واله أنّه قال : ((في أصحابي اثنا عشر رجلاً منافقاً لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية يكفيهم الدبيلة: سراج من نار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم))( ٣ ) .

قال البيهقي: ((وروينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشرأو خمسة عشر))( ٤ ) .

________________

( ١ ) تهذيب الاسماء واللغات ١ :١٥٤

( ٢ ) شرح نهج ا لبلاغة ٣: ٢٩٢.

( ٣ ) سبل الهدى والرشاد ٥: ٤٦٨ ، السنن الكبرى ٨ : ١٩٨

( ٤ ) دلائل النبوة للبيهقي ٥ :٢٥٨. ،البداية والنهاية ٥ :٢٦ ،السيرة النبوية لابن كثير ٤ : ٣٧


وكان صلى الله عليه واله يغض النظر عن المسيئين اليه شخصياً، ففي احد المواقع ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه واله فخرج اصحابه في طلبها، فقال احد المنافقين: اليس محمد يزعم انه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري اين ناقته؟

فقال رسول الله صلى الله عليه واله:((ان رجلاُ قال: هذا محمد يخبركم انه نبي ويزعم انه يخبركم بامر السماء وهو لا يدري اين ناقته، واني والله ما اعلم الا ماعلمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في الوادي في شعب كذا كذا وقد حبستها شجرة بزمامها))(١) .

فلم يستخدم رسول الله صلى الله عليه واله الشدّة مع هذا المنافق ما دام لم يتخذ موقفاً يؤثر على سير الاحداث، وانما كان الموقف يستهدفه شخصياً، فمارس رسول الله صلى الله عليه واله اسلوب الاقناع، والرد على الكلام بكلام آخر.

وكان رهط من المنافقين يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه واله وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: اتحسبون جلاد بين الاصفر كقتال العرب بعضهم بعضا! لكأنّا بكم غداً مقرونين في الحبال.

فقال رسول الله صلى الله عليه واله لعمار بن ياسر:((ادرك القوم فانهم قد احترقوا ـ أي هلكوا ـ فسلهم عما قالوا، فان انكروا فقل: بلى قلتم كذا كذا)).

فانطلق اليهم عمار، فقال ذلك لهم، فاتوا رسول الله صلى الله عليه واله يعتذرون اليه( ٢ ) .

وبهذا الاسلوب جعلهم يعتذرون ويعترفون بالخطأ، وهو فرصة للحد من تأثيرهم.

وعفى عن الذين استهدفوه شخصياً وخططوا لقتله ولم يفضحهم امام المسلمين؛ ليمنحهم فرصة اخرى للتأثر بأخلاقه الكريمة ومن ثم القناعة برسالته.

وفي رواية أخرى :اتفق جماعة من المنافقين على القاء رسول الله صلى الله عليه واله من العقبة، فقال رسول الله صلى الله عليه واله لعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان هل علمتم ما شأن الركب وما أرادوا؟ قالوا: لا يا رسول الله.

قال صلى الله عليه واله:((فانهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا اظلمت بي العقبة طرحوني منها)).

قالوا: افلا تأمر بهم يا رسول الله اذا جاءك الناس فتضرب اعناقهم؟

________________

( ١ ) اعلام الورى باعلام الهدى: ١٣١.

( ٢ ) تاريخ الطبري ٢ : ٥٦٩.


قال:((اكره ان يتحدث الناس، ويقولوا: ان محمداً قد وضع يده في اصحابه)).

فسماهم لهما، وقال:((اكتماهم))(١) .

وحينما كان تآمر بعض المنافقين يستهدف تثبيط المسلمين عن الجهاد، لم يكتف بممارسة النصح والارشاد أو اللين والتساهل بل استخدام الشدة لخطورة موقفهم.

وكان يتعامل مع بعضهم بشدة للرد على كيدهم ومخططاتهم التي يمارسونها بأخفى الوسائل وأمكر الطرق، لأنهم اتخذوا موقف التآمر عناداً واصراراً بعد اطلاعهم على الادلة والبراهين التي تثبت صدق الدعوة الاسلامية وسلامة مفاهيمها وقيمها، فقد تعامل معهم بشدة، بعد ان انتهى أمد اللين والتساهل، وخصوصاً في ممارساتهم المؤدية الى خلخلة الصف الاسلامي وخلق الاضطراب في عقول وقلوب المسلمين.

ففي أحد الوقائع اجتمع بعضهم في المسجد يتحدثون بينهم خافضي أصواتهم قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم فأخرجوا من المسجد اخراجاً عنيفاً( ٢ )

وبلغ رسول الله صلّى الله عليه واله أنّ ناساً من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبّطون الناس عن رسول الله في غزوة تبوك، فبعث اليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، وأمره أن يحرّق عليهم بيت سويلم، ففعل( ٣ )

وحينما وجد المنافقين يجتمعون في مسجد ضرار لالقاء الفتنة بين المسلمين وتفريق كلمتهم قال لاثنين من أصحابه: ((انطلقا الى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه))( ٤ )

وبقي المنافقون على نهجهم في حياكة المؤامرات على الرسول والرسالة والمسلمين ، وبقوا على استتارهم في عهد رسول الله صلّى الله عليه واله والعهود اللاحقة له وانخرطوا في الغزوات والولايات ، وعلى الرغم من عدم فضحهم من قبل رسول الله صلّى الله عليه الا أنّه وضع مقياسا وضابطة لتشخيصهم ومعرفتهم ببغضهم للامام علي عليه السلام.

________________

( ١ ) السيرة النبوية ٤ : ١٧٩.

( ٢ ) السيرة النبوية لابن هشام ٢: ١٢٥.

( ٣ ) السيرة النبوية ٤: ١٦٠.

( ٤ ) السيرة النبوية ٤: ١٧٤.


عن ذر بن حبيش عن علي قال : عهد إلى النبي صلّى الله عليه واله :(( لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق))(١) .

وعن مساور الحميري عن أمه قالت : دخلت على أم سلمة فسمعتها تقول : قال رسول الله صلّى الله عليه واله لعلي :(( لا يبغضك مؤمن ، ولا يحبك منافق ))( ٢ ) .

وروى أحمد في الفضائل بسنده عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال : بعثني النبي صلى الله عليه واله ، إلى علي بن أبي طالب فقال : ((أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة ، من أحبك فقد أحبني ، وحبيبك حبيب الله ، وعدوك عدوي ، وعدوي عدو الله ، الويل لمن أبغضك بعدي))( ٣ ) .

وعن أبي سعيد الخدري قال :(( إنما كنا نعرف منافقي الأنصار ببغضهم عليا))( ٤ ) .

وروى احمد بن حنبل في الفضائل بسنده عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه واله ، يوم الجمعة فقال : ((يا أيها الناس ، قدموا قريشا ولا تقدموها ، وتعلموا منها ولا تعلموها ، قوة رجل من قريش تعدل قوة رجلين من غيرهم ، وأمانة رجل من قريش تعدل أمانة رجلين من غيرهم ، يا أيها الناس أوصيكم بحب ذي أقربها ، أخي وابن عمي ، علي بن أبي طالب ، فإنه لا يحبه إلا مؤمن ، ولا يبغضه إلا منافق ، ومن أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني ، ومن أبغضني عذبه الله عز وجل ))( ٥ ) .

وماتقدّم من وجود منافقين غير مشهورين بين الصحابة او من الصحابة فلا يصح شمولهم فردا فردا بالعدالة ، الا من خلال اعمالهم ومواقفهم وممارساتهم ، وكذلك معرفتهم من خلال بغضهم للامام علي عليه السلام وهو ناجم من بغضهم لمواقفه ودوره في انتصار الاسلام على الشرك والجاهلية ،فو بغض للدين وللنبوة لم يصرحوا به فتجسد ببغضهم لعلي عليه السلام.

ولو تنزلنا وتبنينا عدالة جميع الصحابة فنستثني منهم من يبغض الامام عليا عليه السلام ، وبما ان التاريخ يشهد بوجود صحابة يبغضون عليا عليه السلام ،فلا تشملهم العدالة فتكون العدالة مختصة بمن لايبغضه.

فمن يبغض عليا عليه السلام يكون ساقط العدالة سواء كان منافقا مشهورااو ليس بمنافق.

روايات اتّباع سنن السابقين

________________

( ١ ) فضائل الصحابة ٢ : ٦٥٠

( ٢ ) فضائل الصحابة ٢ : ٥٧٩

( ٣ ) فضائل الصحابة ٢ : ٦٤٢

( ٤ ) فضائل الصحابة ٢ : ٥٧٩

( ٥ ) شرح نهج البلاغة ٩ : ١٧٢


عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلّى الله عليه واله :((لتتبعنّ سنن الذين من قبلكم ؛ شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا في جحر ضبّ لأتبعتموهم)).

قلنا : يارسول الله اليهود والنصارى ؟

قال ((فمن؟))(١) .

وفي رواية قال رسول الله ‏صلّى الله عليه واله: ((لا تقوم الساعة حتى يأخذ أمتي ما أخذ الأمم والقرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع)).

قالوا : يا رسول الله كما فعلت ‏ ‏فارس ‏ ‏والروم ‏ ‏قال : ((وهل الناس إلاّ أولئك))( ٢ ) .

السنّة هي الطريقة والمنهاج والسيرة والسبيل وتشمل العادات والتقاليد ، بمعنى ان الامة الاسلامية أو المسلمين سيتبعون طرق ومناهج وسيرة من قبلهم من اليهود والنصارى أو الفرس والروم وابرز السنن هي تحريف السنة النبوية في مقابل تحريف التوراة والانجيل والتخلي عن عنوان الاسلام الجامع لجميع الديانات،

وقد أخرج القرآن الكريم الديانات المحرّفة من هذا العنوان، فأصبحت اليهودية عنواناً لمن حرّف التوراة التي انزلت على موسى(عليه السلام)، وأصبحت النصرانية عنواناً لمن حرّف الانجيل الذي نزل على عيسى(عليه السلام)، وكذا الحال في بقية الديانات المحرّفة، واختص عنوان الاسلام بمجموعة المفاهيم والشرائع التي جاء بها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، والتي هي المرحلة الأخيرة من مراحل مسيرة الانبياء (عليهم السلام)، وقد اكدّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) هذه الحقيقة في حواره مع اليهود.

قالو له: يا محمد، الست تزعم انّك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنّها من الله حق؟.

فأجابهم: ((بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ الله عليكم من الميثاق فيها، وكتمتم منها ما أُمرتم أن تبينوه للناس، فبرئتُ من احداثكم))(١) .

فقد حرفوا التوراة التي تدعو الى السلام والسماحة والرحمة واضافوا نصوصا تنسجم مع طبيعتهم الاجرامية وكذلك فعل بعض حكام المسلمين وخصوصا معاوية بن ابي سفيان وابنه يزيد بقتل كل من خالفهم

والنص الآتي يبيّن حقيقة الإسرائيليين، حيث يشير إلى أنّهم هاجموا قوماً مطمئنين مسالمين من أجل السيطرة على أراضيهم، كما ورد في كتاب القضاة ١٨ ص٣٣٧: ((شرع أبناء دان يبحثون عن مكان يستوطنون فيه؛ لأنّهم لم يكونوا قد ورثوا نصيبهم من الأرض... فأرسل الدانيون خمسة رجال من سبطهم... لتجسس الأرض واستكشافها... فعاد الرجال الخمسة إلى قومهم... فأجابوهم: هيا بنا نهجم على أهل لايش فأرضهم خصيبة... فأنتم عندما تقدّمون عليها ستجدون قوماً مطمئنين في أرض شاسعة، إنّ الربّ قد وهبها لكم وهي أرض خصيبة لا تفتقر إلى شيء.

فوجدوا شعبها آمناً مطمئناً مسالماً فهاجموها وقتلوا أهلها بحدّ السيف وأحرقوها )).

________________

( ١ ) مختصر صحيح البخاري : ٣٦٤ ، حديث ٣٤٥٦

( ٢ ) مسند احمد بن حنبل : الحديث ٧٩٥٧


وقد بلغت روح العدوان أقصاها حينما ربطت النصوص المحرّفة حرمان القوم من مدنهم من قبل الله تعالى الذي استجاب لنذر بني إسرائيل، كما ورد في كتاب العدد ٢١ ص٢٠٣.

((نذر الإسرائيليون للربّ نذراً قائلين: إن أظفرتنا بهؤلاء القوم؛ لنحرمنّ مدنهم، فاستجاب الربّ لهم، وأظفرهم بالكنعانيين فحرموه ومدنهم، فدعي اسم المكان((حرمة)).

وتمثّل اتّباع سنن السابقين بممارسات سلبية ومن أبرزها:

١ - عصيان أوامر رسول الله صلى الله عليه واله في حياته أوغيابه او رحيله كما عصى بنو اسرائيل نبي الله موسى عليه السلام، وعدم طاعة من نصّبه من الله تعالى عليهم اماما وخليفة وأميرا.

٢- قتل الأئمة والاولياء كما قتل من قبلهم الأنبياء.

٣-الاختلاف والفرقة

٤- التنافس على السلطة.

٥ - سفك دماء المخالفين

٦-الاقتتال الداخلي.

وفي هذا الموضوع نركّز على مخالفة وعصيان أوامر وارشادات رسول الله صلى الله عليه واله في حياته وبعد رحيله في قضايا اساسية ومصيرية ،وأهمها عصيانه في اقصاء الامام علي عليه السلام من منصبه خليفة على المسلمين

مخالفة رسول الله صلى الله عليه واله في حياته

خالف بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه واله في مواقف له وهم في طور التربية والتعلم وقد راعى فيها عقولهم ومستويات فهمهم وادراكهم لكي يطيب خواطرهم ، واذا صح التعبير نعبر عنها بالمخالفة المباحة المتوقفة على رضاه صلى الله عليه واله ، وهناك مخالفة غير مشروعة تنطلق من موقف متعمد ولغايات لاتخدم الرسالة الاسلامية ولا المجتمع الاسلامي

المخالفة المباحة برضاه

من صفات القائدأو الحاكم أو الزعيم الإسلامي نبيا كان أم وصي نبي أم فقيها عادلا ام مؤمنا عادلا التمتع بالعلم، والوعي، وإدراك الحقائق والأحداث والمواقف، والكفاءة في التخطيط واتخاذ القرار، والكفاءة في إدارة أُمور الناس، وهو الأعرف باتخاذ الرأي الأصوب والموقف الصحيح، ولكنّه مكلّف باحترام آراء الآخرين من أجل تطييب خاطرهم ليشعروا بأنّ القائد لا يريد الاستعلاء عليهم، فكان رسول الله صلى الله عليه واله يحترم آراء الآخرين لتطييب خواطرهم ولأشراكهم في اتخاذ القرار،فيسمح لهم بابداء الرأي أو الاقتراح او الاعتراض الاستفهامي.


فقد روي أنّ رسول الله صلى الله عليه واله توجه إلى بدر، ثم نزل في أحد المواقع، فقال له الحباب بن المنذر: ((يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ )).

قال صلى الله عليه واله: ((بل هو الرأي والحرب والمكيدة )).

فقال:((يا رسول الله، فإنّ هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله... ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماءً، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون )).

فقال رسول الله صلى الله عليه واله: ((لقد أشرت بالرأي ))(١) .

فقد راعى رسول الله صلى الله عليه واله الرأي المخالف لرأيه، وراعى تصورات الحباب بن المنذر الذي لم يدرك رأي رسول الله صلى الله عليه واله النابع من الوحي أو النابع من ذاته، فكلاهما وحيّ، وتسديد إلهي، كما قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}( ٢ ) .

وقبل غزوة الخندق بعث رسول الله صلى الله عليه واله الى قائدي غطفان وأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن لا يشاركا قريش في حربه، ولكن لم تقع شهادة على ذلك ولا عزيمة صلح، فلما أراد صلى الله عليه والهأن يمضي ذلك بعث الى اثنين من قادة الأنصار واستثمارهما في ذلك، مراعاة منه لظروف الأنصار الخاصة بهم وبانتمائهم المحدود، فقال له سعد بن معاذ: (يا رسول الله، قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشرك... وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرةً إلا قِرىً أو بيعاً، أح أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزّنا بك وبه، نعطيهم أموالنا... والله لا نعطيهم إلا السيف)، قال(ص): فأنت وذاك، فتناول الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب( ٣ ) .

فقد راعى صلى الله عليه واله خصوصية الموقف وأقرّ ما جاء في قول سعد لأنّ الثمار بالأصل هي ثمارهم وإن كان رسول الله صلى الله عليه واله هو القيّم عليهم، إلا أنّه استجاب لما أراده سعد باعتباره أحد رؤساء الأنصار وان الثمار تابعة لهم.

________________

( ١ ) السيرة النبوية ٢: ١٩٢.

( ٢ ) سورة النجم: ٣ ـ ٤.

( ٣ ) السيرة النبوية ٣: ٢٣٤.


فقد تقبّل الاعتراض و تنازل عن رأيه وموقفه لصالح رأي احد أصحابه ، ولكن التنازل عن الرأي له حدود وقيود، فليس دائماً يكون التنازل نافعاً، وخصوصاً إذا حدث تبدّل وتغيّر في الرأي الآخر، بحيث يؤثر على الانجازات المتوخاة منه.

فقبل معركة أحد، كان رأي رسول الله صلى الله عليه واله أن لا يخرج من المدينة، فأشارت عليه الأنصار بالخروج، فأخذ برأيهم، فلما لبس لباس الحرب، ردّت إليه الأنصار الأمر، وقالوا: (يا رسول الله صلى الله عليه واله استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلّى الله عليك).

فقال رسول الله صلى الله عليه واله: ((ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لامَتِه أن يضعها حتّى يقاتل )) فخرج رسول الله صلى الله عليه واله في ألفٍ من أصحابه ))(١) .

فلم يتراجع رسول الله صلى الله عليه واله عن رأيه وموقفه؛ لأنّه يعرقل الحركة، ويميّع الخطة، ويعثّر من اتخاذ القرار الحاسم في الظرف المناسب، ويفسح المجال للتردّد والتشكيك بل حتى الخلاف، فقد احترم رسول الله صلى الله عليه واله إصرار الأنصار على عدم البقاء في المدينة أوّلاً، ولكنّه لم يتنازل عن رأيه بعد اتخاذ القرار.

المخالفة المحرّمة

المخالفة المحرّمة هي المخالفة العمدية الصادرة من روح التمرد والعصيان والتي تخلق اجواءا سلبية لامصلحة فيها للاسلام والمسلمين ولم تصدر عن حسن نيّة أو حرص على الاسلام والمسلمين فقد خالف كبار الصحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حياته في كثير من المواقف، ففي صلح الحديبية واجهوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) مواجهة شديدة اللهجة واعترضوا على الصلح، بل رفضوا الانصياع لأوامره حينما أمرهم بالحلق والنحر لأنّه أوعدهم بدخول مكة فلم يتحقق الوعد، وصالح المشركين( ٢ ) .

وحينما أمَّر (صلى الله عليه وآله) أسامة بن زيد على كبار الصحابة طعنوا في إمارته فقال (صلى الله عليه وآله): ((إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيم الله لقد كان خليقاً للإمارة))( ٣ ) .

________________

( ١ ) السيرة النبوية ٣: ٢٣٤.

( ٢ ) السيرة النبوية لإبن هشام ٣ : ٣٣١، تاريخ اليعقوبي ٢ : ٥٥، تاريخ الطبري ٢ : ٦٣٤ صحيح البخاري ٣ : ٢٥٧، الدر المنثور ٧ : ٥٣٠.

( ٣ ) صحيح البخاري ٥ : ١٧٩، آفة أصحاب الحديث ١٢، الكامل في التاريخ ٢ : ٣١٧.


فقد سبق وان طعنوا بتأمير ابيه زيد بن حارثة عليهم ، وتكرر الطعن في تأمير اسامة.

وتثاقل كثير من الصحابة عن الالتحاق به، وعصوا أوامر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى غضب وقال: ((جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلّف عنه))(١) .

وفي رواية: ((جهزوا جيش أسامة، أنفذوا جيش أسامة، ارسلوا بعث أسامة لعن الله من تخلّف عنه))( ٢ ) .

فلم يطيعوا أوامر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في التوجه إلى الروم ومكثوا في المدينة، لأنهم كانوا ينتظرون مصيره (صلى الله عليه وآله) ولم يتوجهوا إلاّ في عهد أبي بكر( ٣ ) .

فقد اعترضوا عليه (صلى الله عليه وآله) لتأميره أسامة وتثاقلوا في الالتحاق به حتى وصل الأمر إلى أن لعن (صلى الله عليه وآله) المتخلفين، وكل ذلك في حياته، وانسحب أبو بكر وعمر وغيرهم من جيش أسامة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ...وقد طلب الصحابة من أبي بكر عزل أسامة، وبعثوا لهذه المهمة عمر بن الخطاب حيث قال له: ((فإنّ الأنصار تطلب رجلا أقدم سنّاً من أُسامة))( ٤ ) .

وفي تخلفهم عن جيش اسامة عصوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عصيانا مباشرا ، ولم يكتفوا بالعصيان بل طالبوا بعزل اسامة ليوحوا بأنهم اعرف منه ، وهذه النظرة متأصلة عند الكثير من كبار الصحابة وهي نظرة منطلقة من فساد العقيدة وعدم الانقياد للنبوة.

وفي مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحينما اشتدَّ به الوجع قال: ((إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً))،فتنازعوا، وقالوا: ((هجر رسول الله))، فقال: ((دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه))( ٥ ) .

________________

( ١ ) الملل والنحل للشهرستاني ١ : ٢٩; شرح نهج البلاغة ٦ : ٥٢.

( ٢ ) آفة أصحاب الحديث ١٢.

( ٣ ) الكامل في التاريخ ٣ : ٣٣٤.

( ٤ ) الكامل في التاريخ ٣ : ٣٣٥.

( ٥ ) صحيح البخاري ٤ : ٨٥; صحيح مسلم ٣ : ١٢٥٨; تاريخ الطبري ٣ : ١٩٣; الكامل في التاريخ ٢ : ٣٢٠; تاريخ ابن الوردي ١ : ١٢٩.


وفي رواية: ((قالوا: ما شأنه؟ أهجر! استفهموه))، فذهبوا (يعيدون عليه) القول(١) .

وما تقدم ينصّ على أنّ بعض المجتمعين عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) اتهموه بالهجر، ولم يذكر المحدثون اسم عمر بن الخطّاب، أمّا حينما يُذكر فإنَّ كلمة (يهجر) تحذف ويعوّض عنها بكلمة (غلبه الوجع) وفيما يلي نصّ الرواية: ((لما اشتدَّ بالنبي (صلى الله عليه وآله)وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، قال عمر: إن النبيّ (صلى الله عليه وآله)غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط)(٢) .

وفي رواية أكثر وضوحاً (... فقال عمر كلمة معناها أنَّ الوَجَعَ قد غلب على رسول الله، ثم قال: عندنا القرآن حسبُنا كتاب الله; فاختلف مَنْ في البيت واختصموا، فمِن قائل يقول: القول ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومِنْ قائل يقول: القول ما قال عمر، فلما أكثروا اللّغط واللغو والاختلاف، غضب رسول الله، فقال: قوموا; إنه لا ينبغي لنبيّ أن يختلف عنده هكذا)(٣) .

ويرى ابن أبي الحديد أنّ الحديث المذكور (اتفق المحدّثون كافة على روايته)(٤) .

وفي ذكر هذا الحديث لا نريد إثبات أن كلمة (الهجر) قالها عمر بن الخطّاب، بل نريد إثبات مخالفة النصّ في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والذي خالف النصّ في هذه الواقعة عمر بن الخطّاب ومعه جماعة من كبار الصحابة، حتّى انقسم الحاضرون إلى قسمين وتنازعوا، ومخالفة النصّ هنا لم تكن في قضية هامشية أو سطحية وإنّما كانت من القضايا الأساسية في حركة المسلمين التاريخية لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قرن بين كتابة الكتاب وبين عدم الضلال; بمعنى أنه (صلى الله عليه وآله) أراد هدايتهم وإيصالهم إلى التكامل والسمو في هذه الوصية، ومع ذلك أحدثوا ما يؤدي إلى تخلّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن كتابة الكتاب لئلا يُساء إليه بعد وفاته بتهمة الهجر التي قد تؤدي إلى التشكيك في قضايا أساسية أخرى تمسّ العقيدة والشريعة، فمن يخالف رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمر هام وهو الهداية وفي حياته ووجهاً لوجه، فمن الأولى أن يخالفه بعد وفاته في مسألة الخلافة من بعده، وخصوصاً إذا كان الواقع يشجّع على تلك المخالفة

________________

( ١ ) تاريخ الطبري ٣ : ١٩٣; تاريخ ابن الوردي ١ : ١٢٩; الكامل في التاريخ ٣ : ٣٢٠.

( ٢ ) صحيح البخاري ١ : ٣٩، صحيح مسلم ٣ : ١٢٥٩، الملل والنحل للشهرستاني ١ : ٢٩.

( ٣ ) شرح نهج البلاغة ٦ : ٥١.

( ٤ ) شرح نهج البلاغة ٦ : ٥١.


وكان عمر بن الخطاب يعرف نية رسول الله صلى الله عليه واله في التأكيد على خلافة علي عليه السلام ،وهذا امر واضح وقد اعترف به في حوار بينه وبين عبدالله بن عباس ، حينما سأله عمر عن علي (عليه السلام).

فقال: ياعبد الله، عليك دماءُ البُدن إن كتمتنيها! هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟.

قال ابن عباس: نعم.

قال عمر: ((أيزعم أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصَّ عليه؟)).

قال: ((نعم، وأزيدك، سألت أبي فقال: صدق.

فقال عمر: ((لقد كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمره ذروٌ من قول ولقد كان يربَع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام، لا وربِّ هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً! ولو وليها لانتقضتْ عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله)أني علمت ما في نفسه، فأمسك، وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم))(١) .

وفي هذا الحوار جملة من الحقائق :

الاولى: ان رسول الله صلى الله عليه واله اراد ان يكتب كتابا يؤكد فيه على خلافة علي عليه السلام.

الثانية: هناك نص بل نصوص سابقة على خلافة علي عليه السلام.

الثالثة : انّ عمر منع من كتابة الكتاب بقوله المشهور: (( حسبنا كتاب الله ))، او انه غلبه الوجع أو انه ليهجر.

الرابعة : انّ عمر يرى أنه اكثر اشفاقا او حيطة على الاسلام، وهذا انحراف عقائدي خطير وعظيم؛ لأنه انتقاص لرسول الله صلّى الله عليه واله.

الخامسة : الادعاء بأن الله تعالى أراد مااراده عمر وليس مااراده رسول الله صلّى الله عليه واله ؛هو انحراف عقائدي خطير وعظيم

السادسة : لو ان عليا عليه السلام اصبح خليفة لانتفض عليه العرب ، لادليل عليه لأن الذين انتفضوا عليه وهم عائشة وطلحة والزبير ومعاوية انما انتفضوا تحت ذريعة الطلب بدم عثمان ، وان معاوية تمرد لامتلاكه جيشا بعد تعيينه واليا عشرين عاما ، وان اغلب الانصار كانوا مع علي عليه السلام.

ولو كان الإمام هو الخليفة الأول لما تجرأ المرتدون ولما أرتد البعض، ولما منع الزكاة من منع فحاربهم أبو بكر، لأن الناس سيكونون تبعاً للسلطة وهي سلطة الامام علي عليه السلام ، فقد تبعوا أبا بكر ومن ثم عمر بن الخطاب وبعدهما عثمان لأنهم على هرم السلطة، كما تبعوا علياً في خلافته لأنه أعلى سلطة في حينها، فقد ازدادت شعبية الامام عليه السلام بعد استلام السلطة فقد وقف معه ٧٠٠ صحابي من الأنصار، في حين لم يقف معه في أيام أبي بكر وعمر سوى العشرات.

ولو ان الإمام علياً عليه السلام قد استلم زمام الأمور بعد رسول الله صلى مباشرة لأصبح الدين والخير والصلاح والعدل حاكماً على الأفكار والعواطف والممارسات، ولدخل الناس في دين الله أفواجاً بعد ان يشملهم عدل الإمام عليه السلام وبعد ان يروا فيه الحاكم والخليفة العادل والصالح، نعم قد يخرج من دين الله تعالى المستكبرون والظالمون والمنحرفون وذوو النفوس والقلوب المريضة الذين لا

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ١٢ : ٢٠، ٢١.


يريدون الصلاح والخير والاستقامة والعدل، فهؤلاء جميعاً لا يقارن عددهم بالغالبية المستضعفة والمحرومة والتي بحاجة إلى العدل وبحاجة إلى القدوة الصالحة، وبحاجة إلى من يرشدها إلى الاستقامة والصلاح.

فجميع اراء عمر ليست واقعية وجميعها مخالفة صريحة لرسول الله صلى الله عليه واله في اهم القضايا بعد النبوة وهي الامامة والخلافة

ولتعميم الفائدة للقارئ الكريم ولأثبات عدم صحة عدالة جميع الصحابة فردا فردا نتطرق الى الأدلة والشواهد والقرائن الدالة على تنصيب الامام علي عليه السلام خليفة على المسلمين ،وتعمد اقصائه ومواجهته

واقعة وحديث الغدير

من الأحاديث المتواترة التي يمكن الاستدلال بها على أنّ رسول الله صلّى الله عليه واله نصَّبَ علياً(عليه السلام) للولاية و للخلافة من بعده; هو حديث الغدير، وخلاصته: عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا: ((أمر الله تعالى محمداً أن ينصب عليّاً للناس ليخبرهم بولايته، فتخوّف رسول الله أن يقولوا: حابى ابن عمِّه، وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله إليه: ((يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغ ما أُنزِلَ إليكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغتَ رِسالَتَهُ واللهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ...))(١) فقام رسول الله بولايته يوم غدير خم))(١) .

وقد ذكر عدد كبير من المفسرين والمؤرخين أنها نزلت في عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، ولايمكننا هنا ذكر جميع المصادر فاكتفينا بعدد منها، وخصوصاً من المصادر السنيّة(١) لأنّ الشيعة مجمعون على أنها نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام

وقد ذكرت هذه المصادر الطرق المختلفة للمفسرين، ومنهم: عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، والخدري، وعبد الله بن أبي أوفى وغيرهم. ولمزيد الاطّلاع على مصادر التفسير وطرقه يُراجع كتاب (الغدير) للأميني.

نص الحديث والواقعة

عن زيد بن أرقم أنّه قال: ((نزلنا مع رسول الله صلّى الله عليه واله بوادي يقال له: خُم فأمر بالصلاة، فصلاّها بهجير، فخطب، وضلّل على رسول الله صلّى الله عليه واله على شجرة من الشمس، فقال: ألستم تعلمون أو ألستم تشهدون أنيّ أولى بكل مؤمن من نفسه؟، قالوا: بلى: قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمَّ وال من والاه وعاد من عاداه))(١) .

________________

( ١ ) سورة المائدة آية: ٦٧.

(٢) شواهد التنزيل ١ : ١٩٢.

(٣) أسباب نزول القرآن ٢٠٤; التفسير الكبير ٦ : ٥٣; تفسير غرائب القرآن ٢ : ٦١٦; الدر المنثور ٣ : ١١٧، عمدة القاري ١٨ : ٢٠٦; روح المعاني ٦ : ١٩٧.


وعن البراء بن عازب عن رسول الله صلّى الله عليه واله انّه قال: ((... ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أنّي أولى بكل مؤمن من نفسه، قالوا: بلى، فأخذ بيد عليّ، فقال: اللهمَّ من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه...))(٢) .

وفي رواية عن سعد بن أبي وقاص أنّه قال: ((أما والله، إنّي لأعرف عليّاً وما قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أشهد لقال لعليّ يوم غدير خم فأخذ بضبعه ثم قام به، ثم قال: أيّها الناس، من مولاكم؟ قالوا: الله ورسوله، قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه...))(٣) .

وفي رواية الحارث بن مالك أنّه قال: ((قام رسول الله صلّى الله عليه واله فأبلغ، ثمّ قال: أيها الناس: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ ثلاث مرّات، قالوا: بلى، قال: ادن يا عليّ، فرفع يده ورفع رسول الله صلّى الله عليه واله يده حتى نظرت إلى بياض إبطيه، فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، حتى قالها ثلاث مرّات))(٤) .

وبعد أن تم تنصيب عليّ(عليه السلام) أمر رسول الله صلّى الله عليه واله علياً (أن يجلس بخيمة بإزاء خيمته، ثم أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً يسلّمون عليه بِأمرة المؤمنين ثم أمر أزواجه وجميع نساء المؤمنين أن يسلمنّ عليه بِأمرة المؤمنين))(٥) .

وكان من المهنئين له عمر بن الخطّاب حيث قال له: ((هنيئاً يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة))(٦) .

وفي رواية قال له: ((بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم...))(٧) .

________________

( ١ ) مجمع الزوائد ٩ : ١٠٤.

(٢) مسند أحمد ٥ : ٣٥٥; الكتاب المصنّف ١٢ : ٧٩، مع تغيير يسير في: السيرة النبوية لابن كثير ٤ : ٤١٧.

(٣) مختصر تاريخ دمشق ١٧ : ٣٣٢.

(٤) مختصر تاريخ دمشق ١٧ : ٣٣٤.

(٥) إعلام الورى بأَعلام الهدى ١٣٩.

(٦) الكتاب المصنّف ١٢ : ٧٩; مسند أحمد بن حنبل ٥ : ٣٥٥; المناقب للخوارزمي ٩٤.

(٧) أسد الغاية ٣ : ٦٠٦; البداية والنهاية ٧ : ٣٥٠; تاريخ بغداد ٨ : ٢٩٠.


وفي رواية (بخ بخ لك يا عليّ بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن)(١) .وفي رواية أنّ أبابكر وعمر قالا له: ((أمسيت يا ابن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة))( ٢ ) .

وفي ذلك اليوم أنشد حسان شعراً بحقّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام):

يناديهم يوم الغدير نبيّهم

بخم فأسمع بالرسول منادياً

وقال فمن مولاكم ووليّكم

فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت ولينا

ومالك منّا في الولاية عاصيا

فقال له قم يا عليّ فانني

رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليّه

فكونوا له أنصار صدق مواليا( ٣ )

وبعد أن تمّ الإبلاغ بولاية علي(عليه السلام) نزلت الآية الكريمة: ((... اليَومَ يئسَ الّذين كفرُوا مِن دِينِكُمْ فلا تَخشوهُمْ واخشَونِ اليومَ أكملتُ لكُمْ دينَكُمْ وأتمَمْتُ عليكُم نِعمَتي وَرَضِيتُ لكم الإسلامَ دِيناً))( ٤ ) .

وقد روى نزولها بعد واقعة الغدير كثير من المفسرين والمؤرخين ذكرنا بعضاً منهم فمن مؤلفاتهم( ٥ ) وقد أجمع الشيعة على ذلك.

وبعد نزول هذه الآية قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ((الله اكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي والولاية لعليّ))( ٦ ) .

________________

( ١ ) شواهد التنزيل ١ : ١٥٨; مناقب عليّ بن أبي طالب لابن المغازلي ١٩.

(٢) الصواعق المحرقة ٦٧.

(٣) مختصر تاريخ دمشق ١٧ : ٣٣٢.

(٤) سورة المائدة الآية: ٣.

(٥) شواهد التنزيل ١ : ١٥٨; تاريخ بغداد ٨ : ٢٩٠; المناقب ٨٠; مختصر تاريخ دمشق ١٧ : ٣٥٨; فرائد السمطين ١ : ٣١٥; البداية والنهاية ٥ : ٢١٤; الدر المنثور ٣ : ١٩; روح المعاني ٦ : ١٩٧.

(٦) شواهد التنزيل ١ : ١٥٧، ١٥٨.


وفي رواية: ((...وولاية عليّ بن أبي طالب من بعدي)).( ١ )

وحديث الغدير من الأحاديث المتواترة، وقد ورد في أغلب كتب المؤلفين حتى اعترف بذلك ابن حجر الهيثمي بالقول: ((إنّه حديث صحيح لامرية فيه، وقد أخرجه جماعة كالترمذي، والنسائي، وأحمد. وطرقه كثيرة جداً، ومن ثم رواه ستة عشر صحابياً، وفي رواية لأحمد... ثلاثون صحابياً وشهدوا به لعليّ لما نوزع أيام خلافته))(١) .

وقال ابن حجر العسقلاني: ((وأمّا حديث من كنت مولاه فعليّ مولاه، فقد أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق جداً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان...))( ٢ ) .

الاستدلال بالحديث على النصّ بالخلافة

إن لفظة (مولى) لا تستعمل إلاّ بمعنى الأَولى، وإنما تفيد في شيء مخصوص بحسب ما يضاف إليه، فابن العم إنما سميّ مولى لأنه يعقل عن بني عمّه ويحوز ميراثهم ويكون بذلك أولى من غيره، وكذلك الحليف والمعتق وجميع معاني المولى; يكون فيها معنى (الأَولى) موجوداً، ولا يصحّ أن يكون المراد به الحليف لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن حليفاً لأحد، ولا ابن العم; لأنه تحصيل للحاصل، ولا الناصر والمحب، لأنّ ذلك معلوم لجميع المؤمنين( ٣ ) .

وقد استدل الكراجكي بالقول: ((وقد أجمع المفسرّون على أن المراد بقوله سبحانه: (النبيّ أَولى بالمؤمنين من أنفسهم)( ٤ ) أنه أولى بتدبيرهم والقيام بأمورهم، من حيث وجبت طاعته عليهم)، وقال أيضاً بعد ذكره لحديث الغدير: ((إن أراد الأول فهو ماذهبنا إليه واعتمدنا عليه، وإن أراد وجهاً غيره من أحد محتملات (مولى)، فقد خاطب الناس بخطاب يحتمل خلاف مراده، ولم يكشف لهم فيه عن قصده، ولا في العقل دليل عليه يعني عن التصريح بمعنى ما نحال إليه، وهذا لا يجيزه على رسول الله صلّى الله عليه واله إلاّ جاهل لاعقل له))( ٥ ) .

________________

( ١ ) الصواعق المحرقة ٦٤.

(٢) فتح الباري بشرح البخاري ٧ : ٦١.

(٣) الرسائل العشرة ١٣٥، ١٣٧ بتصرّف.

(٤) سورة الأحزاب آية ٦.

(٥) كنز الفوائد ٩٣.


وإضافة الى ذلك، فإن نزول آية البلاغ وإكمال الدين بيأس الكفّار من الكيد للإسلام يستدعي أهمية الموضوع، ولا معنى لنزول ذلك بخصوص الإخبار أوالأمر بمحبة ونصرة عليّ(عليه السلام)، فالموضوع أهم وأشمل من ذلك، وخصوصاً إنّ رسول الله صلّى الله عليه واله جمع المسلمين بالهجير وهو شدة حرّ الظهيرة، فالأمر أهم من ذلك وهو يعادل تبليغ الرسالة بأجمعها طيلة ثلاثة وعشرين عاماً.

وقد وضّح أهل البيت(عليهم السلام) المراد من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): ((من كنت مولاه فعليّ مولاه)) بإجابتهم للسائلين، فقال الإمام عليّ بن الحسين(عليه السلام) مجيباً ابن إسحاق: ((أخبرهم أنّه الإمام بعده))(١) .

وأجاب الإمام محمد بن علي الباقر(عليه السلام) أبان بن تغلب قائلا: ((علّمهم أنّه يقوم فيهم مقامه))( ٢ ) .

ويؤيد ذلك ما روي عن رسول الله صلّى الله عليه واله في فضل يوم الغدير أنّه قال: ((أفضل أعياد أُمّتي، وهو اليوم الذي أمرني الله ـ تعالى ذكره ـ بنصب أخي عليّ بن أبي طالب علماً لأُمتي يهتدون به من بعدي...))( ٣ ) .

ويؤيد ذلك ما ورد في احتجاج فاطمة الزهراء(عليها السلام) على من لا يرى إمامة وخلافة عليّ(عليه السلام) حين قالت: ((...كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك منها الرجاء...))( ٤ ) .

وإذا جمعنا بين الأدلة والمؤيدات والشواهد وجدنا أنّ بعضها يعضد بعضاً من إنّ تنصيب عليّ(عليه السلام) للولاية في يوم غدير خم هو تنصيب للإمامة والخلافة ، وبهذا التنصيب اكتمل الإسلام ويئس الكفّار منه.

الإثبات الواقعي للنصِّ

نستعرض الأدلة والشواهد التي تنهض لإثبات النصِّ من الناحية الواقعية، بقسميه الجليّ والخفيّ.

المرتكزات الذهنية للصحابة

________________

( ١ ) الصواعق المحرقة ٦٤.

(٢) فتح الباري بشرح البخاري ٧ : ٦١.

(٣) الرسائل العشرة ١٣٥، ١٣٧ بتصرّف.

(٤) سورة الأحزاب آية ٦.


كان الارتكاز الثابت في أذهان كثير من الصحابة أنّ عليّاً (عليه السلام) هو القائم بالأمر بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا الارتكاز لم يكن نابعاً من الأعراف والتقاليد القبلية المتعلقة باختيار القائد أو الزعيم; فالمتعارف عليه هو اختيار القائد الأقرب نسباً والأكبر سنّاً، وهو في خصوص هذا المورد يكون منصبّاً على العباس بن عبدالمطلب عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو على عقيل بن أبي طالب ابن عمِّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)الذي يكبر علياً بعشر سنين، ولكن أنظار الصحابة لم تتوجه إليهما، وإنّما توجهت إلى علي (عليه السلام) وهو الأصغر سنّاً من بني هاشم، فإن دلّ ذلك على شيء إنّما يدل على أنّ الارتكاز الذهني كان نابعاً من اعتقاد راسخ على وجود نصٍّ على علي (عليه السلام) في خصوص إمامته وقيادته.

فبعد اجتماع السقيفة أخبر البراء بن عازب بني هاشم بنتائج الاجتماع فقال العباس بن عبدالمطِّلب: ((فعلوها، وربّ الكعبة))(١) .

وكان (المهاجرون والأنصار لا يشكّون في علي)( ٢ ) .

وفي رواية (فقالت الأنصار، أو بعض الأنصار لا نبايع إلاّ عليّاً)( ٣ ) .

وفي رواية محمد بن إسحاق قال: ((وكان عامة المهاجرين، وجلّ الأنصار لا يشكّون أنّ علياً هو صاحب الأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)))( ٤ ) .

وعن عمر بن الخطّاب في وصفه لما جرى من أحداث قال: ((... وتخلفت عنّا الأنصار بأسرها))( ٥ ) .

ولما بويع أبو بكر واستقرّ أمره (ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته ولام بعضهم بعضاً، وذكروا علي بن أبي طالب وهتفوا باسمه))( ٦ ) .

________________

( ١ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٢٤.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٢٤.

(٣) تاريخ الطبري ٣ : ٢٠٢، الكامل في التاريخ ٢ : ٣٢٥.

(٤) شرح نهج البلاغة ٦ : ٢١.

( ٥ ) تاريخ الطبري ٣ : ٥٠٢.

( ٦ ) الأخبار الموفقيات ٥٨٣.


وفي حوار بشير بن سعد الأنصاري ـ مبرراً بيعته لأبي بكر ـ قال لعلي (عليه السلام): ((... إنّك جلست في منزلك ولم تشهد هذا الأمر، فظنَّ الناسَ أن لا حاجة لك فيه، والآن قد سبقت البيعة لهذا الشيخ وأنت على رأس أمرك))(١) .

فبرّر بشير بن سعد انصراف الناس عن علي (عليه السلام) هو جلوسه في بيته، فالمرتكز الذهني كان موجوداً حتّى عند الذين تنافسوا في الخلافة كسيد الأنصار سعد بن عبادة حيث ذكر بعد السقيفة ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خلافة علي (عليه السلام) فقال له ابنه قيس: ((أنت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول هذا الكلام في علي بن أبي طالب، ثم تطلب الخلافة، ويقول أصحابك: منّا أمير ومنكم أمير! لا كلمتك والله من رأسي بعد هذا كلمة أبداً))( ٢ ) .

وحول ذلك أشار علي (عليه السلام) بالقول: ((أولّ من جرّأ الناس علينا سعد بن عبادة; فتح باباً ولَجهُ غيره، وأضرم ناراً كان لهبُها عليه، وضوؤها لأعدائه))( ٣ ) .

والمرتكز الذهني الدالّ على إمامة وخلافة علي (عليه السلام) ناجم من قناعة بوجود نصٍّ عليه، وليس مجرد الأحقية بالأسبقية والأعلمية وغيرها، وإن كانت هذه الأحقية واردة في أقوال رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وبعد أن استقرّ الأمر لصالح أبي بكر بقي خيرة الصحابة على تخلفهم عن بيعته، ومنهم جميع بني هاشم، وخالد بن سعيد بن العاص، والمقداد، وسلمان، وأبو ذر، وعمّار، والبراء بن عازب، وأُبيّ بن كعب( ٤ ) .

ولا يمكن تفسير هذا التخلّف مع حرصهم على مصلحة الإسلام والمسلمين، وعلى وحدة المسلمين إلاّ بقطعهم على وجود نص على خلافة علي (عليه السلام) وخلافته; يبرّر لهم تخلفهم عن بيعة أبي بكر والدعوة إلى علي (عليه السلام) حيث كان على رأس المعارضين لبيعة أبي بكر.

ولو لم يوجد نص لاكتفى علي (عليه السلام) بالمعارضة السلمية، ولكنّه كان يفكر بالمعارضة المسلحة لكنّ الظروف لم تشجعه على ذلك فكان يقول: ((... وأيم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر، ويبور الدين، لكنّا على غير ما كنّا لهم عليه))( ٥ ) .

________________

( ١ ) الفتوح ١ : ١٣.

(٢) شرح نهج البلاغة ٦ : ٤٤.

(٣) شرح نهج البلاغة ٢٠ : ٣٠٧.

(٤) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٢٤.

( ٥ ) شرح نهج البلاغة ١ : ٣٠٧.


وفي رواية أخرى كان يقول: ((... فرأيت أنّ الصّبر على ذلك أفضلُ من تفريق كلمة المسلمين، وسفك دمائهم; والنّاس حديثو عهد بالاسلام، والدين يُمْخَضُ مَخْضَ الوطب، يُفسِده أدْنى وَهن، ويعكسه أقلّ خُلْف))(١) .

وكان بعض الصحابة يؤيد المعارضة المسلحة واستخدام القوة لإعادة الخلافة إلى علي (عليه السلام)، فالموقف لا يستوجب حمل السلاح لمجرد أفضلية علي (عليه السلام) ولكنّ هنالك أمراً أعظم من الأفضلية ألا وهو النصّ، وهو وحده المبرِّر الشرعي لحمل السلاح.

اعتراف الصحابة بأحقيّة علي عليه السلام

لو تتبعنا آراء كثير من كبار الصحابة في علي (عليه السلام)، وتقييمهم لمؤهلاته ومواقفه نجدهم يعترفون بأحقيته في الخلافة، وعلى رأس الصحابة عمر بن الخطّاب، حيث كان يعترف بين الحين والآخر بهذه الأحقيّة; ومن ذلك قوله لعبدالله بن عباس: ((ما أظنّ صاحبك إلاّ مظلوماً ما أظنّ القوم منعهم من صاحبك إلاّ أنهم استصغروه))( ٢ ) .

وقوله له أيضاً: ((أما والله إنّ صاحبك هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلاّ إنّا خفناه على اثنتين خفناه على حداثة سنِّه، وحبّه بني عبدالمطَّلب))( ٣ ) .

وقال في موضع آخر: ((... والله لولا سيفه لما قام عمود الإسلام، وهو بعد أقضى الاُمة وذو سابقتها وذو شرفها، فقيل له: فما منعكم ياأمير المؤمنين عنه؟ فقال: ((كرهناه على حداثة السن وحبّه بني عبدالمطَّلب))( ٤ ) .

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ١ : ٣٠٨.

(٢) شرح نهج البلاغة ٦ : ٤٥.

(٣) شرح نهج البلاغة ٦ : ٥٠.

(٤) شرح نهج البلاغة ١٢ : ٨٢.


ويؤيد هذا الحق ما روي أنَّ الحسن بن علي (عليهما السلام) جاء إلى أبي بكر وهو على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ((انزل عن مجلس أبي))، فقال أبو بكر: ((صدقت إنّه مجلس أبيك))، وأجلسه في حجره، وبكى، فقال علي (عليه السلام): ((والله ما هذا عن أمري))(١) .

وفي أحد اللقاءات قال علي لعمر: ((أنشدك الله، هل استخلفك رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟))، فقال: ((لا))، قال: ((فكيف تصنع أنت وصاحبك؟))، قال عمر: ((أمّا صاحبي فقد مضى لسبيله، وأمّا أنا فسأخلعها من عنقي إلى عنقك))، فقال علي: ((جدع الله أنف من ينقذك منها! لا ولكن جعلني الله علماً، فإذا قمت فمن خالفني ضلَّ))( ٢ ) .

وتظهر أحقيّة علي (عليه السلام) بالخلافة من خلال محاججة أروى بنت الحارث بن عبدالمطلب لمعاوية حيث جاء فيها: ((لقد كفرت النعمة وأسأت لابن عمِّك الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقِّك، وكنّا أهل البيت أعظم الناس في هذا البلاء، حتى قبض الله نبيّه مشكوراً سعيه، مرفوعاً منزلته، فوثبت علينا بعده تيم وعدي وأميّة، فابتزونا حقَّنا، ووليتم علينا، فكنّا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب بعد نبيِّنا، بمنزلة هارون من موسى))( ٣ ) .

ومن مصاديق اعتراف الصحابة بأحقيّة علي (عليه السلام) ما ورد في رسالة معاوية لمحمد بن أبي بكر حيث ذكر حقَّ علي(عليه السلام) في رأيه ورأي أبي بكر وعمر ومن ابتزَّ هذا الحق( ٤ ) .

وتحقيق القول في حقِّ علي (عليه السلام) الوارد في أقوال الصحابة إمّا أن يكون بالقرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو حقه لورود نصٍّ عليه، أو يكون بالأفضلية لما يتمتع به من مؤهلات قيادية انفرد بها من بين سائر الصحابة.

وحق علي بسبب القرابة غير مراد من ذلك، لأن عمر يقول: ((كرهناه على حداثة السن وحبّه بني عبدالمطِّلب))، فبنو عبدالمطلب لهم الحق بسبب القربى، فلا معنى لقول عمر، وإضافة إلى ذلك فإنَّ العباس أقرب لرسول الله (صلى الله عليه وآله)من علي، فلم يذكره أحد في مقام الأحقيّة.

وأحقيّة علي إذا كانت مرادة لورود نصٍّ عليه فهذا ما يؤيد ما أردنا أن نثبته، وإذا كانت الأحقية بالأفضلية، فهذه الأفضلية قد نصَّ عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أكثر من موقف مقرونة بشروط الخلافة ، فالأحقية إذن منبعها ورود نصٍّ من رسول الله(صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام).

________________

( ١ ) تاريخ الخلفاء، للسيوطي ٦١; ونحوه في: شرح نهج البلاغة ٦ : ٤٣.

(٢) شرح نهج البلاغة ٢ : ٥٨، عن كتاب السقيفة لأبي بكر الجوهري.

(٣) تاريخ أبي الفداء ١ : ٢٦٢; تاريخ إبن الوردي ١ : ١٦٢.

(٤) وقعة صفِّين ١٢٠.


مطالبة الامام علي عليه السلام بحقِّه

استمرَّ الامام علي (عليه السلام) يطالب بحقِّه بالخلافة في جانبها العملي في أكثر من مشهد وموقف، وكان يعبِّر عن ذلك الحقّ بصيغ مختلفة، فقد رفض في البداية بيعة أبي بكر واستمر يدعو لنفسه،وكان يقول: ((اللهمّ إنِّي أستعينك على قريش فإنّهم قطعوا رحمي واجتمعوا على منازعتي حقّاً كنت أولى به منهم فسلبونيه))(١) .

وقال: ((إنَّ الله لما قبض نبيّه، استأثرت علينا قريش بالأمر، ودفعتنا عن حقٍّ نحن أحقّ به من الناس كافة))( ٢ ) .

وقال (عليه السلام) ـ في ردِّه على قول القائلين: إنك على هذا الأمر لحريص ـ : ((أنتم أحرص منِّي وأبعد; أينا أحرص; أنا الذي طلبت ميراثي وحقِّي الذي جعلني الله ورسوله أولى به، وتحولون بيني وبينه ...))( ٣ ) .

وكان يقول: ((بايع الناس لأبي بكر وأنا والله أولى بالأمر منه ثم بايع النّاس عمر وأنا والله أولى بالأمر منه وأحق منه، فسمعت مخافة أن يرجع الناس كفّاراً يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف))( ٤ ) .

وعبَّر عن إقصائه عن الخلافة بالتظاهر فقال لعبدالرحمن بن عوف حينما عقد الخلافة لعثمان بن عفّان: ((ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا))( ٥ ) .

وحينما وصل إلى الخلافة كان يردّد القول بحقِّه ومن جملة ذلك قوله: ((... فوالله ما زلت مدفوعاً عن حقِّي، مستأثراً عليَّ منذ قبض الله نبيّه (صلى الله عليه وآله) حتّى يوم الناس هذا))( ٦ ) .

ومن جملة إظهاره لحقِّه خطبته المعروفة بالشقشقية. ((أمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابن أبي قحافه وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَ لَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَ طَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ

________________

( ١ ) الإمامة والسياسة ١ : ١٥٥.

(٢) شرح نهج البلاغة ١ : ٣٠٨.

(٣) شرح نهج البلاغة ٦ : ٦٩.

(٤) مختصر تاريخ دمشق ١٨ : ٣٩.

( ٥ ) الكامل في التاريخ ٣ : ٧١.

( ٦ ) نهج البلاغة ٥٣، الخطبة٦.


أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَ يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَ يَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ

فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذًى وَ فِي الْحَلْقِ شَجًا أَرَى تُرَاثِي نَهْباً حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى ابن الخطاب بَعْدَهُ ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا وَ يَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ

فَيَا عَجَباً بَيْنمَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا وَ يَخْشُنُ مَسُّهَا وَ يَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا وَ الِاعْتِذَارُ مِنْهَا فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَ إِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ فَمُنِيَ النَّاسُ

لَعَمْرُ اللَّهِ بِخَبْطٍ وَ شِمَاسٍ وَ تَلَوُّنٍ وَ اعْتِرَاضٍ فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ وَ شِدَّةِ الْمِحْة حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ فَيَا لَلَّهِ وَ لِلشُّورَى مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْاَسفُّوا وَ طِرْتُ إِذْ طَارُوا فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ وَ مَالَ الْآخَرُ لِصِهْرِهِ مَعَ هَنٍ وَ هَنٍ إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ وَ قَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ وَ أَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَ كَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ

فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَ النَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وَ شُقَّ عِطْفَايَ مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَ مَرَقَتْ أُخْرَى وَ قَسَطَ آخَرُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ تِلْكَ الدَّارُالْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بَلَى وَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَ وَعَوْهَا وَ لَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَ رَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا أَمَا وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَ قِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَ مَاأَخَذَ اللَّهُ عَلى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَ لَا سَغَبِ مَظْلُومٍ لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَ لَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا وَ لَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ)).

وقد ناشد الصحابة في أيام خلافته على من سمع حديث الولاية في يوم الغدير فقام جماعة فشهدوا له بذلك إلاّ ثلاثة فدعا عليهم فإستجاب الله دعوته عليهم(١) .

________________

( ١ ) مسند أحمد بن حنبل ١ : ١٩٢; السيرة النبوية لابن كثير ٤ : ٤٢٠.


وأوضح ما أخبره به رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالقول: ((أما وربّ السماء والأرض; إنّه لعهد النبيّ الأمِّي إليّ: لتغدرنَّ بك الأمّة من بعدي))(١) .

والغدر لا يتحقق بمجرد اختيار غيره للخلافة إذا كان الأمر لا نصَّ فيه، وإنما هو إشارة إلى إنَّ الحقَّ حقّه وأنّ الأمة عالمة بذلك، وقد بايعته على الولاية والخلافة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم غدرت بالبيعة لغيره، فلا يستقيم الحديث إلاّ بهذا التفسير حتى يكون الغدر مستعملا في معناه الحقيقي.

وهكذا يتضح أن الحقّ الذي أشار إليه علي (عليه السلام) هو الحقّ المنصوص عليه، وإلاّ لما عبّر عنه بالحق المسلوب والحق المدفوع.

اعتراف الصحابة بالنصّ

النصّ على إمامة و خلافة علي (عليه السلام) لم يكن دعوة اقتصرت على أهل البيت (عليهم السلام)أو أتباعهم، وإنّما حقيقة قائمة اعترف بها كبار الصحابة اعترافاً جلياً أو خفيّاً، وقد ظهر ذلك الاعتراف في بعض المحاورات والاحتجاجات التي حدثت بعد السقيفة في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وفي بداية خلافة علي (عليه السلام).

ففي حوار بين عمر وعبد الله بن عباس، قال عمر: ((أتدري ما منع قومكم منهم أي بني هاشم بعد محمد (صلى الله عليه وآله)؟... كَرِهوا أن يجمعوا لكم النبوّةَ والخلافة فَتَبجحَوا على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووُفّقت)).

قال ابن عباس: ((أمّا قولك اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووُفّقتْ، فلو أن قريشاً اختارت لأنفسها حين اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. وأمّا قولك: إنّهم أبوا أن تكون لنا النبوّة والخلافة، فإنَّ الله عزّوجلّ، وصف قوماً بالكراهة فقال: (ذلِك بأنَّهُمْ كَرِهُوا ما أنزَلَ اللهُ فأَحْبَطَ أعْمالَهُمْ)( ٢ ) .

فقال عمر: ((بلغني أنّك تقول: إنّما صرفوها حسداً وبغياً وظلماً)).

فقال ابن عباس: ((وأمّا قولك: ظلماً، فلقد تبيّن للجاهل والحليم، وأمّا قولك: حسداً، فإن آدم حُسِدَ ونحن ولده المحسودون))( ٣ ) .

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ٦ : ٤٥.

( ٢ ) سورة محمد آية: ٩.

( ٣ ) الكامل في التاريخ ٣ : ٦٣، ٦٤.


وفي رواية، قال ابن عباس: ((وأمّا قولك: فإن قريشاً اختارت، فإنّ الله تعالى يقول: (وربُّكَ يخلُقُ ما يشاءُ ويختارُ ما كان لهم الخيرة)(١) ، وقد علمتَ ياأمير المؤمنين أنّ الله اختار مِن خلقه لذلك من اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوُفِّقت وأصابت))( ٢ ) .

وفي هذا الحوار يصرّح عبد الله بن عباس بأن الله تعالى اختار رجلا من بني هاشم للخلافة ، وأنه لا حقَّ لقريش أن تختار غير ما اختاره الله تعالى لهم.

وفي حوار آخر بينهما سأل عمر عن علي (عليه السلام) فقال: ياعبد الله، عليك دماءُ البُدن إن كتمتنيها! هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قال ابن عباس: نعم، قال عمر: ((أيزعم أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصَّ عليه؟)) قال: ((نعم، وأزيدك، سألت أبي فقال: صدق، فقال عمر: ((لقد كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمره ذروٌ من قول ولقد كان يربَع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام، لا وربِّ هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً! ولو وليها لانتقضتْ عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله)أني علمت ما في نفسه، فأمسك، وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم))( ٣ ) .

ففي هذا الحوار يتضح أنّ ثلاثة من الصحابة أكّدوا وجود نصٍّ، وهم علي والعباس وابنه عبد الله، واعترف عمر اعترافاً ضمنيّاً بالنصّ وادعى أنّه منع الرسولَ (صلى الله عليه وآله) من التصريح باسم علي.

وفي حوار آخر قال عثمان بن عفّان لعبدالله بن عبّاس: ((ولقد علمت أن الأمر لكم، ولكن قومكم دفعوكم عنه واختزلوه دونكم، فوالله ما أدري أدفعوه عنكم أم دفعوكم عنه؟))، فقال ابن عباس: ((... فإما صرف قومنا عنّا الأمر فعن حسد قد والله عرفته، وبغي قد والله علمته، فالله بيننا وبين قومنا))( ٤ ) .

________________

( ١ ) سورة القصص آية: ٦٨.

( ٢ ) شرح نهج البلاغة ١٢ : ٥٣.

( ٣ ) شرح نهج البلاغة ١٢ : ٢٠، ٢١.

( ٤ ) الأخبار الموفقيات ٦٠٦.


واعترفت أم سلمة وعائشة بالنصِّ في حوار دار بينهنَّ، قالت أم سلمة لعائشة: ((وأذكّركِ أيضاً قلتِ له، وكنتِ أجرأ عليه مِنّا: مَن كنتَ يارسول الله مستخلفاً عليهم؟ فقال: خاصف النعل، فنظرنا فلم نر أحداً إلاّ علياً، فقلتِ: يارسول الله، ما أرى إلاّ علياً، فقال: هو ذاك))، فقالت عائشة: ((نعم أذكر ذلك))(١) .

وهنالك مؤيدات لتلك الأدلة يظهر من إيرادها الاعتراف بالنصّ كما في احتجاجات بعض الصحابة بعد السقيفة، نورد بعض تلك الاحتجاجات هنا; قال خالد بن سعيد بن العاص: ((إتقِّ الله ياأبا بكر، فقد علمتَ أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال يامعشر المهاجرين والأنصار، إنّي موصيكم بوصية فاحفظوها، وإنّي مودعكم أمراً فاحفظوه، ألا أنّ علي بن أبي طالب أميركم بعدي وخليفتي فيكم، بذلك أوصاني ربِّي))( ٢ ) .

وقال بريدة الأسلمي: ((ياأبا بكر أو لم تذكر ما أمرنا به رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تسمية علي بإمرة المؤمنين))( ٣ ) .

وفي احتجاج فاطمة الزهراء (عليها السلام) قالت: ((... كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك منها الرجاء))( ٤ ) .

وجميع ما تقدم من اعترافات واحتجاجات، إضافة إلى ما ذكرناه في البحوث المتقدمة، يدلنا على أنّ النصَّ على علي (عليه السلام) حقيقة قائمة، بقي علي وأهل البيت (عليهم السلام)يحتجّون بها حتى نُسب إليهم القول بالنصِّ في كتب الكلام للفريقين.

تقييم أحداث ونتائج شورى السقيفة

في هذا المبحث تدرس الشورى التي حدثت في السقيفة من جميع جوانبها النظرية والتطبيقية; دراسة موضوعية ابتداءً من اللقاء الأول، وبعد إعلان نتائجه، ومدى انطباق العنوان على المعنون، ومصير النظرية من الناحية التطبيقية عند من تبنّاها ووضع أُسسها وقواعدها، والبحث في ذلك يقع في نقاط:

________________

( ١ ) المعيار والموازنة ٢٩; شرح نهج البلاغة ٦ : ٢١٨; الإختصاص ١١٩.

( ٢ ) الاحتجاج ١ : ١٩٠.

( ٣ ) الاحتجاج ١ : ١٩٥.

( ٤ ) الاحتجاج ١ : ٢٠٣.


أولا: غياب الصحابة وبني هاشم.

إنّ من العقل والحصافة أن يشارك أهل الرأي والمشورة في الوقائع المهمة والخطيرة، وخصوصاً ما يتعلق بمصير الإسلام ومصير الاُمّة الاسلامية، وأن يُقدَّم الأفضل فالأفضل في إبداء وجهات النظر، وأن لا يكون عدد المشاركين محدوداً ببعض الأشخاص، ومن البديهيات في المنهج الإسلامي أن مسألة الخلافة هي أهم المسائل وأخطرها في حركة الإسلام والاُمة الإسلامية، ولو تتبعنا واقعة السقيفة نجد أنها قد حُدِّدت بأشخاص قلائل، فمن رؤوس الأنصار شارك سعد بن عبادة، والحباب بن المنذر، وبشير بن سعد، أمّا من المهاجرين فلم يشارك إلاّ أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرّاح، وغاب عنها جميع الصحابة كسلمان وعمّار والمقداد وأبو ذر الغفاري، وجابر بن عبد الله، والبراء بن عازب وغاب عنها بنو هاشم جميعاً وعلى رأسهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) والعباس بن عبدالمطلب، فلم يكتمل النصاب في الكمِّ والنوع، فلو تنزّلنا وقلنا بعدم وجود نص من الله ورسوله، فالشورى بنفسها لم تكتمل شروطها المتعارف عليها عند الأمم بل عند القبائل، وفي ذلك الأمر قال علي(عليه السلام) ـ محتجاً على من تبنّى الشورى ـ :

فإن كنت بالشورى ملكت أُمورهم***فكيف بهذا والمشيرون غيّب(١) .

فالشورى لم تتحقق شروطها من حيث عدد المتشاورين ومؤهلاتهم الذاتية.

ثانياً: الصراع القبلي وليس التشاور المنطقي

لم تتحقق أجواء الشورى وتبادل الآراء في السقيفة، فكان المشاركون مندفعين بدوافع ذاتية ونفعية غلب عليها طابع المغالبة فكانت صراعاً واضح المعالم تخلّلته جميع عوامل الصراع المتعارف من منافسة ذاتية، وحسد، وروح قبلية صرفة، واستخدام المناورة للوصول إلى السلطة.

واحداث السقيفة كما وردت : أن النبي صلى الله عليه وآله لما قبض، اجتمعت الأنصار في سقيفة بنى ساعدة، فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض، فقال سعد بن عبادة لابنه قيس - أو لبعض بنيه: إني لا أستطيع أن أسمع الناس كلامي لمرضى، ولكن تلق منى قولي فأسمعهم. فكان سعد يتكلم، ويستمع ابنه ويرفع به صوته ليسمع قومه، فكان من قوله، بعد حمد الله والثناء عليه أن قال: إن لكم سابقة إلى الدين، وفضيلة في الاسلام ليست لقبيلة من العرب، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث في قومه بضع

________________

( ١ ) نهج البلاغة ٣ ـ ٥.


عشرة سنة، يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله، ولا يعزوا دينه، ولا يدفعوا عنه عداه، حتى أراد الله بكم خير الفضيلة، وساق إليكم الكرامة، وخصكم بدينه، ورزقكم الايمان به وبرسوله، والإعزاز لدينه، والجهاد لأعدائه فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم وأثقله على عدوه من غيركم، حتى استقاموا لأمر الله طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داحضا، حتى أنجز الله لنبيكم الوعد، ودانت لأسيافكم العرب ثم توفاه الله تعالى، وهو عنكم راض، وبكم قرير عين، فشدوا يديكم بهذا الامر، فإنكم أحق الناس وأولاهم به. فأجابوا جميعا: أن وفقت في الرأي وأصبت في القول، ولن نعدو ما أمرت، نوليك هذا الامر، فأنت لنا مقنع، ولصالح المؤمنين رضا. ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم

فقالوا: إن أبت مهاجرة قريش فقالوا: نحن المهاجرون وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأولون، ونحن عشيرته وأولياؤه، فعلام تنازعوننا هذا الامر من بعده؟ فقالت طائفة منهم: إذا نقول: منا أمير، ومنكم أمير، لن نرضى بدون هذا منهم أبدا، لنا في الايواء والنصرة ما لهم في الهجرة، ولنا في كتاب الله ما لهم، فليسوا يعدون شيئا إلا ونعد مثله، وليس من رأينا الاستئثار عليهم فمنا أمير ومنهم أمير. فقال سعد بن عبادة: هذا أول الوهن. وأتى الخبر عمر، فأتى منزل رسول الله صلى الله عليه وآله، فوجد أبا بكر في الدار وعليا في جهاز رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان الذي أتاه بالخبر معن بن عدي، فأخذ بيد عمر وقال: قم.

فقال عمر: إني عنك مشغول، فقال: إنه لا بد من قيام، فقام معه، فقال له: إن هذا الحي من الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بنى ساعدة، معهم سعد بن عبادة، يدورون حوله، ويقولون: أنت المرجى، ونجلك المرجى وثم أناس من أشرافهم، وقد خشيت الفتنة، فانظر يا عمر ماذا ترى! واذكر لإخوتك من المهاجرين، واختاروا لأنفسكم، فإني أنظر إلى باب فتنة قد فتح الساعة إلا أن يغلقه الله. ففزع عمر أشد الفزع، حتى أتى أبا بكر، فأخذ بيده، فقال: قم، فقال أبو بكر: أين نبرح حتى نواري رسول الله! إني عنك مشغول.

فقال عمر: لابد من قيام، وسنرجع إن شاء الله. فقام أبو بكر مع عمر، فحدثه الحديث، ففزع أبو بكر أشد الفزع، وخرجا مسرعين إلى سقيفة بنى ساعدة، وفيها رجال من أشراف الأنصار، ومعهم سعد بن عبادة وهو مريض بين أظهرهم، فأراد عمر أن يتكلم ويمهد لأبي بكر، وقال خشيت أن يقصر أبو بكر عن بعض الكلام، فلما نبس عمر، كفه أبو بكر وقال: على رسلك، فتلق الكلام ثم تكلم بعد كلامي بما بدا لك. فتشهد أبو بكر، ثم قال: إن الله جل ثناؤه بعث محمدا بالهدى ودين الحق، فدعا إلى الاسلام، فأخذ الله بقلوبنا ونواصينا إلى ما دعانا إليه، وكنا معاشر المسلمين المهاجرين أول الناس إسلاما، والناس لنا في ذلك تبع، ونحن عشيرة


رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوسط العرب أنسابا، ليس من قبائل العرب إلا ولقريش فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوسط العرب أنسابا، ليس من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة، وأنتم أنصار الله، وأنتم نصرتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنتم وزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإخواننا في كتاب الله وشركاؤنا في الدين، وفيما كنا فيه من خير، فأنتم أحب الناس إلينا، وأكرمهم علينا، وأحق الناس بالرضا بقضاء الله، والتسليم لما ساق الله إلى إخوانكم من المهاجرين، وأحق الناس ألا تحسدوهم، فأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، وأحق الناس ألا يكون انتفاض هذا الدين واختلاطه على أيديكم، وأنا أدعوكم إلى أبى عبيدة وعمر، فكلاهما قد رضيت لهذا الامر، وكلاهما أراه له أهلا.

فقال عمر وأبو عبيدة: ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون فوقك، أنت صاحب الغار، ثاني اثنين، وأمرك رسول الله بالصلاة، فأنت أحق الناس بهذا الامر. فقال الأنصار: والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم، ولا أحد أحب إلينا ولا أرضى عندنا منكم. ولكنا نشفق فيما بعد هذا اليوم، ونحذر أن يغلب على هذا الامر من ليس منا ولا منكم، فلو جعلتم اليوم، رجلا منكم بايعنا ورضينا، على أنه إذا هلك اخترنا واحدا من الأنصار، فإذا هلك كان آخر من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الأمة، كان ذلك أجدر أن يعدل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فيشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي، ويشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري. فقام أبو بكر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث عظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخالفوه وشاقوه، وخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والايمان به، والمواساة له، والصبر معه على شدة أذى قومه، ولم يستوحشوا لكثرة عدوهم، فهم أول من عبد الله في الأرض، وهم أول من آمن برسول الله، وهم أولياؤه وعترته، وأحق الناس بالامر بعده، لا ينازعهم فيه إلا ظالم. وليس أحد بعد المهاجرين فضلا وقدما في الاسلام مثلكم. فنحن الامراء وأنتم الوزراء، لا نمتاز دونكم بمشورة، ولا نقضي دونكم الأمور. فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا معشر الأنصار، املكوا عليكم أيديكم، إنما الناس في فيئكم وظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولا يصدر الناس إلا عن أمركم، أنتم أهل الايواء والنصرة، وإليكم كانت الهجرة، وأنتم أصحاب الدار والايمان، والله ما عبد الله علانية إلا عندكم وفى بلادكم، ولا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم، ولا عرف الايمان إلا من أسيافكم، فاملكوا عليكم أمركم، فإن أبى هؤلاء فمنا أمير ومنهم أمير.


فقال عمر: هيهات! لا يجتمع سيفان في غمد، إن العرب لا ترضى أن تؤمركم ونبيها من غيركم، وليس تمتنع العرب أن تولى أمرها من كانت النبوة فيهم، وأو لوا الامر منهم، لنا بذلك الحجة الظاهرة على من خالفنا، والسلطان المبين على من نازعنا، من ذا يخاصمنا في في سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة

فقام الحباب، وقال: يا معشر الأنصار، لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من الامر، فإن أبوا عليكم ما أعطيتموهم فأجلوهم عن بلادكم، وتولوا هذا الامر عليهم، فأنتم أولى الناس بهذا الامر، إنه دان لهذا الامر بأسيافكم من لم يكن يدين له، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، إن شئتم لنعيدنها جذعة ، والله لا يرد أحد على ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف.

فلما رأى بشير بن سعد الخزرجي ما اجتمعت عليه الأنصار من تأمير سعد بن عبادة - وكان حاسدا له، وكان من سادة الخزرج - قام فقال: أيها الأنصار، إنا وإن كنا ذوي سابقة، فإنا لم نرد بجهادنا وإسلامنا إلا رضا ربنا وطاعة نبينا، ولا ينبغي لنا أن نستطيل بذلك على الناس، ولا نبتغي به عوضا من الدنيا، إن محمدا صلى الله عليه وسلم رجل من قريش وقومه أحق بميراث أمره، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الامر، فاتقوا الله ولا تنازعوهم، ولا تخالفوهم. فقام أبو بكر، وقال: هذا عمر وأبو عبيدة، بايعوا أيهما شئتم، فقالا: والله لا نتولى هذا الامر عليك، وأنت أفضل المهاجرين، وثاني اثنين، وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصلاة، والصلاة أفضل الدين. ابسط يدك نبايعك. فلما بسط يده، وذهبا يبايعانه، سبقهما بشير بن سعد، فبايعه.

فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير، عقك عقاق، والله ما اضطرك إلى هذا الامر إلا الحسد لابن عمك. ولما رأت الأوس أن رئيسا من رؤساء الخزرج قد بايع، قام أسيد بن حضير - وهو رئيس الأوس - فبايع حسدا لسعد أيضا ومنافسة له أن يلي الامر، فبايعت الأوس كلها لما بايع أسيد وحمل سعد بن عبادة وهو مريض، فأدخل إلى منزله، فامتنع من البيعة في ذلك اليوم وفيما بعده. وأراد عمر أن يكرهه عليها، فأشير عليه ألا يفعل، وأنه لا يبايع حتى يقتل وأنه لا يقتل حتى يقتل أهله، ولا يقتل أهله، حتى يقتل الخزرج وإن حوربت الخزرج كانت الأوس معها. وفسد الامر فتركوه، فكان لا يصلى بصلاتهم ولا يجمع بجماعتهم، ولا يقضى بقضائهم، ولو وجد أعوانا لضاربهم، فلم يزل كذلك حتى مات أبو بكر، ثم لقى عمر في خلافته، وهو على فرس، وعمر على بعير.

فقال له عمر: هيهات يا سعد! فقال سعد: هيهات يا عمر! فقال: أنت صاحب من أنت صاحبه؟ قال: نعم أنا ذاك، ثم قال لعمر: والله ما جاورني أحد هو أبغض إلى جوار منك، قال عمر: فإنه من كره جوار رجل انتقل عنه، فقال سعد: إني لأرجو أن أخليها


لك عاجلا إلى جوار من هو أحب إلى جوارا منك ومن أصحابك فلم يلبث سعد بعد ذلك إلا قليلا حتى خرج إلى الشام فمات بحوران ولم يبايع لأحد لا لأبي بكر ولا لعمر ولا لغيرهما

وكثر الناس على أبى بكر، فبايعه معظم ألمسلمين في ذلك اليوم، واجتمعت بنو هاشم إلى بيت علي بن أبي طالب، ومعهم الزبير، وكان يعد نفسه رجلا من بني هاشم ، كان على يقول: ما زال الزبير منا أهل البيت، حتى نشأ بنوه، فصرفوه عنا. واجتمعت بنو أمية إلى عثمان بن عفان، واجتمعت بنو زهرة إلى سعد وعبد الرحمن، فأقبل عمر إليهم وأبو عبيدة، فقال: ما لي أراكم ملتاثين؟ قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايع له الناس، وبايعه الأنصار. فقام عثمان ومن معه، وقام سعد وعبد الرحمن ومن معهما، فبايعوا أبا بكر. وذهب عمر ومعه عصابة إلى بيت فاطمة، منهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم، فقال لهم: انطلقوا فبايعوا فأبوا عليه، وخرج إليهم الزبير بسيفه، فقال عمر: عليكم الكلب، فوثب عليه سلمة بن أسلم، فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، ثم انطلقوا به وبعلي ومعها بنو هاشم، وعلى يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى انتهوا به إلى أبى بكر فقيل له: بايع، فقال: أنا أحق بهذا الامر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الامر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله، فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الامارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا من الامر مثل ما عرفت الأنصار لكم، وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع فقال له على: احلب يا عمر حلبا لك شطره! اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا! ألا والله لا أقبل قولك ولا أبايعه.

فقال له أبو بكر :فإن لم تبايعني لم أكرهك، فقال له أبو عبيدة: يا أبا الحسن، إنك حديث السن، وهؤلاء مشيخة قريش قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الامر منك، وأشد احتمالا له، واضطلاعا به، فسلم له هذا الامر وارض به، فإنك إن تعش ويطل عمرك فأنت لهذا الامر خليق وبه حقيق، في فضلك وقرابتك، وسابقتك وجهادك. فقال على: يا معشر المهاجرين، الله الله! لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين، لنحن - أهل البيت - أحق بهذا الامر منكم. أما كان منا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بالسنة، المضطلع بأمر الرعية! والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى، فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد: لو كان هذا الكلام سمعته منك


الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر، ما اختلف عليك اثنان، ولكنهم قد بايعوا. وانصرف على إلى منزله، ولم يبايع، ولزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع.

وذكر المدائني والواقدي أن معن بن عدي اتفق هو وعويم بن ساعدة على تحريض أبى بكر وعمر على طلب الامر وصرفه عن الأنصار.

قالا: وكان معن بن عدي يشخصهما إشخاصا ويسوقهما سوقا عنيفا إلى السقيفة، مبادرة إلى الامر قبل فواته.

قال الزبير بن بكار: فلما بويع أبو بكر، أقبلت الجماعة التي بايعته تزفه زفا إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان آخر النهار، افترقوا إلى منازلهم، فاجتمع قوم من الأنصار، وقوم من المهاجرين، فتعاتبوا فيما بينهم.

فقال عبد الرحمن بن عوف: يا معشر الأنصار، إنكم وإن كنتم أولى فضل ونصر وسابقة، ولكن ليس فيكم مثل أبى بكر ولا عمر ولا على ولا أبى عبيدة

فقال زيد بن أرقم: إنا لا ننكر فضل من ذكرت يا عبد الرحمن، وإن منا لسيد الأنصار سعد بن عبادة، ومن أمر الله رسوله أن يقرئه السلام وأن يأخذ عنه القرآن أبى ابن كعب، ومن يجئ يوم القيامة إمام العلماء معاذ بن جبل، ومن أمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين: خزيمة بن ثابت، وإنا لنعلم أن ممن سميت من قريش من لو طلب هذا الامر لم ينازعه فيه أحد: علي بن أبي طالب.

قال الزبير: فلما كان من الغد، قام أبو بكر فخطب الناس، وقال: أيها الناس، إني وليت أمركم ولست بخيركم فإذا أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أن لي شيطانا يعتريني، فإياكم وإياي إذا غضبت، لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف منكم قوى حتى أرد إليه حقه والقوى ضعيف حتى آخذ الحق منه. إنه لا يدع قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع في قوم الفاحشة إلا عمهم البلاء، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم.

وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز، قال: حدثني أبو زيد عمر بن شبة قال، حدثني إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبى بكر بغير مشورة، وغضب على والزبير، فدخلا بيت


فاطمة، معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة، فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن قريش، وهما من بنى عبد الأشهل، فاقتحما الدار، فصاحت فاطمة وناشدتهما الله، فأخذوا سيفيهما، فضربوا بهما الحجر حتى كسروهما، فأخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا

وذكر ابن شهاب بن ثابت أن قيس بن شماس أخا بنى الحارث من الخزرج، كان مع الجماعة الذين دخلوا بيت فاطمة.

قال: وروى سعد بن إبراهيم أن عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر ذلك اليوم، وأن محمد بن مسلمة كان معهم، وأنه هو الذي كسر سيف الزبير.

قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، عن رجاله، قال: جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار ونفر قليل من المهاجرين، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج إليه الزبير مصلتا بالسيف، فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ورجل آخر، فندر السيف من يده فضرب به عمر الحجر فكسر، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقا عنيفا، حتى بايعوا أبا بكر

وروي عن ابي بكر الباهلي، عن إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي، قال: قال أبو بكر: يا عمر، أين خالد بن الوليد؟ قال: هو هذا، فقال: انطلقا إليهما - يعنى عليا والزبير - فأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر ووقف خالد على الباب من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ قال: أعددته لأبايع عليا، قال: وكان في البيت ناس كثير، منهم المقداد بن الأسود وجمهور الهاشميين، فاخترط عمر السيف فضرب به صخرة في البيت فكسره، ثم أخذ بيد الزبير، فأقامه ثم دفعه فأخرجه، وقال: يا خالد، دونك هذا، فأمسكه خالد - وكان خارج البيت مع خالد جمع كثير من الناس، أرسلهم أبو بكر ردءا لهما

واجتمع الناس ينظرون، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال، ورأت فاطمة ما صنع عمر، فصرخت وولولت، واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات وغيرهن، فخرجت إلى باب حجرتها ونادت: يا أبا بكر، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله! والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله(١) .

واستعان أبو بكر وعمر بقبيلة أسلم لتثبيت السلطة وكان عمر يقول: ((ما هو إلاّ أن رأيت أسلم، فأيقنت بالنصر))(٢) .

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ٦ : ٥ – ٦٦.

(٢) تاريخ الطبري ٣ : ٢٢٢، ونحوه في: الكامل في التاريخ ٢ : ٣٣١.


وقال عمر ـ واصفاً للأحداث ـ : ((إن عليّاً والزبير ومن معهما تخلّفوا عنّا في بيت فاطمة، وتخلّفت عنّا الأنصار بأسرها))(١) .

ولامَ الأنصار بعضهم بعضاً ((وذكروا عليّاً وهتفوا باسمه))(٢) .

وهدّد عمر المتخلفين والرافضين لبيعة أبي بكر وهم في بيت فاطمة بأن يحرق البيت عليهم(٣) .

فالشورى المدّعاة لم تكن تامة لما جرى فيها من أحداث ومواقف صاخبة وتهديد بالقتل، وإن استندت الشورى إلى رأي أهل الحل والعقد فإن ((عامة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكّون أنّ علياً هو صاحب الأمر بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)))(٤) .

اعتراف أبي بكر وعمر بفقدان الشورى

الشورى لم تتحقق في الواقع، وقد اعترف المشاركون في واقعة السقيفة بذلك، فقد خاطب أبو بكر الرافضين لبيعته بالقول: ((إنَّ بيعتي كانت فلتة وقى الله شرّها))(٥) .

وقد كثر الكلام في التعبير عنها بالفلتة حتى قام عمر خطيباً في عهده وقال: ((فلا يغرّن امرؤ أن يقول: إنَّ بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت، وإنها قد كانت كذلك إلاّ أن الله قد وقى شرها))(٦) .

وأضاف في رواية أخرى :((فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فأيما رجل بايعَ رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنهما تغرّة يجب أن يقتلا))(٧) .

فقد اعترف بفقدان الشورى وأمر بقتل كل من بايع دون مشورة، وقرن ذلك بالسقيفة، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، كما جاء في قوله.

________________

( ١ ) تاريخ الطبري ٣ : ٢٠٥.

(٢) الأخبار الموفقيات ٥٨٣.

(٣) الامامة والسياسة ١ : ١٢، تاريخ الطبري ٣ : ٢٠٢.

(٤) شرح نهج البلاغة ٦ : ٢١.

(٥) شرح نهج البلاغة ٦ : ٤٧.

(٦) مسند أحمد بن حنبل ١ : ٩٠، السيرة النبوية لإبن هشام ٤ : ٣٠٨، ٣٠٩، تاريخ الطبري ٣ : ٢٠٥، شرح نهج البلاغة ٢ : ٢٣.

(٧) الملل والنحل للشهرستاني ١ : ٣١، ونحوه في: شرح نهج البلاغة ٦ : ٢٦.


وقال ابن أبي الحديد: ((وقد أكثر الناس في حديث الفلتة; وذكرها شيوخنا المتكلمون، فقال شيخنا أبو علي: الفلتة: ما وقع فجأة من غير رويَّة ولا مشاورة))(١) .

والاعتراف بفقدان الشورى يسدل الستار على النظرية من الأساس لأنّ الواقع الذي استوحت النظرية معالمها منه كان مضطرباً لاثبات له فلا يصح استنباط النظرية منه في مقابل ما تظافر من وجود نصٍّ من رسول الله (صلى الله عليه وآله)على علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلم تقع الشورى وإنّما كانت صراعاً صاخباً وتكالباً على الوصول إلى مقام الخلافة بأيِّ وسيلة كانت.

ثالثاً: عدم اختيار الأفضل

الخلافة من حقِّ الأفضل والأصلح، وهذه حقيقة يحكم بها الشرع والعقل السليم، وقد اعتاد العقلاء منذ القدم على اختيار أفضلهم وأصلحهم ليكون قائداً وزعيماً لهم، وفي تقييمنا لما حدث في السقيفة نقول: إنّ الاجتماع الذي حدث في السقيفة لم يراعِ الأفضلية في الاختيار، فاختير أبو بكر على أساس أنه (صاحب رسول الله، وثاني اثنين إذ هما في الغار)(٢) .

وفي رواية غير متواترة أنّه ((خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الصلاة))(٣) .

وتلك الاُمور الثلاثة لا تستوجب الأفضلية، فإذا كانت الصحبة دليلا على الأفضلية فإنّ عليّاً (عليه السلام) صحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) منذ صغره وقد تواترت الأحاديث النازلة في حقّه والتي ينصّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيها على أعلمية علي وأفضليته في القضاء، والقدرة على الخلافة ، وأنه الأعدل والأقوى على دين الله، والصدِّيق الأكبر، والفاروق بين الحقِّ والباطل، ورافق علي رسول الله(صلى الله عليه وآله)في جميع المواقف والأحداث، وكان آخر المسلمين عهداً به حيث كان معه في مرضه. وقبل وفاته جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يسارّه ويناجيه ثم قبض من يومه ذلك(٤) .

________________

(١) شرح نهج البلاغة ٦ : ٢٦.

(٢) تاريخ الطبري ٣ : ٢١٠.

(٣) الكامل في التاريخ ٢ : ٣٣٠.

(٤) الكتاب المصنّف ١٢ : ٥٨.


والأفضلية المدّعاة لأبي بكر لم يدّعيها هو لنفسه واعترف بعدمها لا اعتراف تواضع، وإنما اعتراف حقيقة فقال: ((... فإني وليتكم ولست بخيركم ...))(١) ، وقد وردت بألفاظ مختلفة في مصادرها المذكورة

وقد احتجّ علي (عليه السلام)بملاكات الأفضلية الاُخرى; فقال: ((أنا أحقُّ بهذا الأمر منكم، لا أُبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (صلى الله عليه وآله) وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار))(٢) .

فاحتجّ بالقرابة لأنّها كانت مقياساً للتفاضل بين أبي بكر وعمر وبين الأنصار، واحتجّ أيضاً بالأفضلية في الصفات القيادية فقال: ((... فوالله يامعشر المهاجرين، لنحن أحقّ الناس به لأنا أهل البيت، ونحن أحقُّ بهذا الأمر منكم; ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعيّة، المدافع عنهم الاُمور السيئة، القاسم بينهم بالسويّة، والله إنّه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله، فتزدادوا من الحقِّ بعداً))(٣) .

والأفضلية في اختيار الخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو في عصر الغيبة أجمع عليها علماء الشيعة، أما علماء السنّة فبعضهم تابع علماء الشيعة في ذلك(٤) ، والبعض الآخر لم يشترط الأفضلية ومنهم التفتازاني وعلل ذلك بالقول: ((الأفضلية أمر خفي قلّما يطلّع عليه أهل الحل والعقد، وربما يقع فيه النزاع ويتشوش الأمر))(٥) .

________________

(١) السيرة النبوية لابن هشام ٤ : ١٤٣، الامامة والسياسة ١ : ١٦، تاريخ الطبري ٣ : ٢١٠، الكامل في التاريخ ٢ : ٣٣٢، شرح نهج البلاغة ٢ : ٥٦، تاريخ الخلفاء للسيوطي ٥٤.

(٢) الإمامة والسياسة ١ : ١١.

(٣) الإمامة والسياسة ١ : ١٢، ونحوه في: الفتوح ١ : ١٣.

(٤) الأحكام السلطانية للماوردي٧، الأحكام السلطانية للفرّاء ٢٤، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني ٤٧٤.

(٥) شرح المقاصد ٥ : ٢٤٧.


وكلامه صحيح ومنه نستدل على وجود النّصِّ لأنّ الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) هما المطلعان على الأمر الخفي، وهما اللذان يحدّدان الأفضل في الخلافة بعد رحيل رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أمّا في عصر الغيبة فيحدّد الأفضل عن طريق العلم الظاهري.

ولو تتبعنا بعض مؤلفات السنّة لوجدنا أنّهم يقدّمون أبا بكر وعمر وعثمان على علي (عليه السلام)لأنّهم تقدّموا عليه بالخلافة، فهم يشترطون الأفضلية في اختيار الخليفة، وفي هذا الصدد قال ابن عرفة المعروف بنفطويه: ((إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أُمية; تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أُنوف بني هاشم))(١) .

وكتب معاوية إلى ولاته: ((أن برئت الذمّة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنَّ هذا أحبّ إليّ وأقرّ لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته))(٢) .

وقال أبو الحسن المدايني: ((... فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة حتى انتقلت إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان; فقبلوها ورووها، وهم يظنّون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها، ولا تديّنوا بها))(٣) .

وعلى كل حال فانّ أصحاب السقيفة لم يراعوا الأفضلية الواقعية، وعدم المراعاة خلاف الشورى المراد منها اختيار الأفضل والأصلح للقيام بأعباء الرسالة وخلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

الاشكالات على اراء وسيرة عمر بن الخطاب

خطب عمر فقال: لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم الا ارتجعت ذلك منها فقامت إليه امرأة فقالت والله ما جعل الله ذلك لك انه تعالى يقول: ((وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا)).

فقال عمر الا تعجبون من امام أخطأ وامرأة أصابت ناضلت إمامكم فنضلته

________________

(١) شرح نهج البلاغة ١١ : ٤٦.

(٢) شرح نهج البلاغة ١١ : ٤٤، ٤٥.

(٣) شرح نهج البلاغة ١١ : ٤٥، ٤٦.


كان يعس ليله فمر بدار سمع فيها صوتا فارتاب وتسور فرأى رجلا عند امرأة وزق خمر فقال يا عدو الله ا ظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته فقال لا تعجل يا أمير المؤمنين إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث قال: الله تعالى: (ولا تجسسوا) وقد تجسست، وقال: (وأتوا البيوت من أبوابها) وقد تسورت وقال: (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا) وما سلمت. فقال: هل عندك من خير ان عفوت عنك؟ قال: نعم، والله لا أعود، فقال: اذهب فقد عفوت عنك

وخطب عمر، فقال: أيها الناس، إنما كنا نعرفكم والنبي صلى الله عليه وآله بين أظهرنا، إذ ينزل الوحي وإذ ينبئنا الله من أخباركم، الا وإن النبي صلى الله عليه وسلم قد انطلق، والوحي قد انقطع وإنما نعرفكم بما يبدو منكم. من أظهر خيرا ظننا به خيرا وأحببناه عليه من أظهر شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه.

وخرج عمر يوما إلى المسجد، وعليه قميص في ظهره أربع رقاع، فقرأ حتى انتهى إلى قوله: (وفاكهة وأبا) فقال: ما الأب؟ ثم قال: ان هذا لهو التكلف! وما عليك يا بن الخطاب الا تدرى ما الأب.

وخرج للحج فسمع غناء راكب يغنى وهو محرم، فقيل: يا أمير المؤمنين، ألا تنهاه عن الغناء وهو محرم فقال: دعوه فإن الغناء زاد الراكب.

وروى سعيد بن المسيب، أن عمر لما صدر من الحج في الشهر الذي قتل فيه، كوم كومة من بطحاء، وألقى عليها طرف ثوبه، ثم استلقى عليها، ورفع يديه إلى السماء، وقال اللهم كبرت سنى، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. ثم قدم المدينة فخطب الناس فقال: أيها الناس قد فرضت لكم الفرائض وسننت لكم السنن، وتركتكم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا إياكم أن تنتهوا عن آية الرجم وأن يقول قائل: لا نجد ذلك حدا في كتاب الله فقد رأيت رسول الله رجم ورجمنا بعده، ولولا أن يقول الناس: إن ابن الخطاب أحدث آية في كتاب الله لكتبتها، ولقد كنا نقرؤها (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فما انسلخ ذو الحجة حتى طعن

وروى عن ابن عباس أيضا، قال: دخلت على عمر يوما، فقال: يا بن العباس لقد، أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتى نحلته، رياء. قلت: من هو؟ فقال: هذا ابن عمك - يعنى عليا - قلت: وما يقصد بالرياء أمير المؤمنين؟ قال يرشح نفسه بين الناس للخلافة، قلت: وما يصنع بالترشيح! قد رشحه لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرفت عنه. قال: إنه كان شابا حدثا فاستصغرت


العرب سنه، وقد كمل الان، ألم تعلم أن الله تعالى لم يبعث نبيا إلا بعد الأربعين! قلت يا أمير المؤمنين، أما أهل الحجى والنهى فإنهم ما زالوا يعدونه كاملا منذ رفع الله منار الاسلام، ولكنهم يعدونه محروما مجدودا، فقال: أما إنه سيليها بعد هياط ومياط ، ثم تزل فيها قدمه ولا يقضى منها أربه، ولتكونن شاهدا ذلك يا عبد الله، ثم يتبين الصبح لذي عينين وتعلم العرب صحة رأى المهاجرين الأولين الذين صرفوها عنه بادئ بدء فليتني أراكم بعدي يا عبد الله! إن الحرص محرمة، وإن دنياك كظلك كلما هممت به ازداد عنك بعدا.

وعن ابن عباس، قال: تبرم عمر بالخلافة في آخر أيامه، وخاف العجز، وضجر من سياسة الرعية، فكان لا يزال يدعو الله بأن يتوفاه، فقال لكعب الأحبار يوما وانا عنده: إني قد أحببت أن أعهد إلى من يقوم بهذا الامر وأظن وفاتي قد دنت، فما تقول في علي؟ أشر على في رأيك وأذكرني ما تجدونه عندكم، فإنكم تزعمون أن أمرنا هذا مسطور في كتبكم، فقال: أما من طريق الرأي فإنه لا يصلح، إنه رجل متين الدين، لا يغضي على عورة ولا يحلم عن زلة ولا يعمل باجتهاد رأيه وليس هذا من سياسة الرعية في شئ وأما ما نجده في كتبنا فنجده لا يلي الامر ولا ولده، وإن وليه كان هرج شديد، قال: كيف ذاك؟ قال: لأنه أراق الدماء، فحرمه الله الملك. إن داود لما أراد أن يبنى حيطان بيت المقدس أوحى الله إليه إنك لا تبنيه لأنك أرقت الدماء وإنما يبنيه سليمان، فقال عمر: أليس بحق أراقها؟ ، قال كعب: وداود بحق أراقها يا أمير المؤمنين، قال: فإلى من يفضي الامر تجدونه عندكم؟ قال: نجده ينتقل بعد صاحب الشريعة والاثنين من أصحابه، إلى أعدائه الذين حاربهم وحاربوه، وحاربهم على الدين. فاسترجع عمر مرارا، وقال أتستمع يا بن عباس! أما والله لقد سمعت من رسول الله ما يشابه هذا، سمعته يقول: ليصعدن بنو أمية على منبري، ولقد أريتهم في منامي ينزون عليه نزو القردة " وفيهم أنزل : ((وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن) ).

وروى الزبير بن بكار في (الموفقيات) ما يناسب هذا عن المغيرة بن شعبة قال: قال لي عمر يوما: يا مغيرة هل أبصرت بهذه عينك العوراء منذ أصيبت؟ قلت: لا، قال: أما والله ليعورن بنو أمية الاسلام كما أعورت عينك هذه، ثم ليعمينه حتى لا يدرى أين يذهب ولا أين يجئ؟ قلت: ثم ما ذا يا أمير المؤمنين؟ قال: ثم يبعث الله تعالى بعد مائه وأربعين أو بعد مائة وثلاثين وفدا كوفد الملوك طيبة ريحهم يعيدون إلى الاسلام بصره وشتاته. قلت: من هم يا أمير المؤمنين قال: حجازي وعراقي، وقليلا ما كان، وقليلا ما دام

وروى أبو سعيد الخدري قال: حججنا مع عمر أول حجة حجها في خلافته، فلما دخل المسجد الحرام، دنا من الحجر الأسود فقبله واستلمه، وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله قبلك واستلمك لما قبلتك ولا


استلمتك، فقال له: على بلى يا أمير المؤمنين إنه ليضر وينفع ولو علمت تأويل ذلك من كتاب الله لعلمت أن الذي أقول لك كما أقول قال: الله تعالى : ((وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى))

فلما أشهدهم وأقروا له أنه الرب عز وجل وأنهم العبيد كتب ميثاقهم في رق ثم ألقمه هذا الحجر وإن له لعينين ولسانا وشفتين تشهد لمن وافاه بالموافاة فهو أمين الله عز وجل في هذا المكان.

فقال عمر: لا أبقاني الله بأرض لست بها يا أبا الحسن. قلت قد وجدنا في الآثار والاخبار في سيرة عمر أشياء تناسب قوله في هذا الحجر الأسود كما أمر بقطع الشجرة التي بويع رسول الله صلى الله عليه وآله تحتها بيعه الرضوان في عمرة الحديبية لان المسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا يأتونها فيقيلون تحتها، فلما تكرر ذلك أوعدهم عمر فيها ثم أمر بها فقطعت. وروى المغيرة بن سويد قال: خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر ((ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)) و ((لإيلاف قريش)) فلما فرغ رأى الناس يبادرون إلى مسجد هناك، فقال: ما بالهم؟ قالوا: مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم والناس يبادرون إليه فناداهم فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم! اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا من عرضت له صلاة في هذا المسجد فليصل ومن لم تعرض له صلاة فليمض.

وجاء رجل إلى عمر فقال: إن ضبيعا التميمي لقينا يا أمير المؤمنين فجعل يسألنا عن تفسير حروف من القرآن فقال: اللهم أمكني منه فبينا عمر يوما جالس يغدى الناس إذ جاءه الضبيع وعليه ثياب وعمامة فتقدم فأكل حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين ما معنى قوله تعالى (والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا).

قال: ويحك أنت هو! فقام إليه فحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، فإذا له ضفيرتان، فقال: والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك ثم أمر به فجعل في بيت، ثم كان يخرجه كل يوم فيضربه مائة فإذا برأ أخرجه فضربه مائة أخرى ثم حمله على قتب وسيره إلى البصرة وكتب إلى أبى موسى يأمره أن يحرم على الناس مجالسته وأن يقوم في الناس خطيبا ثم يقول إن ضبيعا قد ابتغى العلم فأخطأه فلم يزل وضيعا في قومه وعند الناس حتى هلك وقد كان من قبل سيد قومه. وقال عمر: على المنبر الا إن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فأفتوا بآرائهم فضلوا وأضلوا ألا إنا نقتدي ولا نبتدي ونتبع ولا نبتدع إنه ما ضل متمسك بالأثر


وإنه عطل حد الله في المغيرة بن شعبة لما شهد عليه بالزنا ولقن الشاهد الرابع الامتناع عن الشهادة اتباعا لهواه فلما فعل ذلك عاد إلى الشهود فحدهم وضربهم فتجنب أن يفضح المغيرة وهو واحد وفضح الثلاثة مع تعطيله لحكم الله ووضعه في غير موضعه. أجاب قاضى القضاة فقال: إنه لم يعطل الحد إلا من حيث لم تكمل الشهادة وبإرادة الرابع لئلا يشهد لا تكمل البينة وإنما تكمل بالشهادة. وقال إن قوله (أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلا من المسلمين) يجرى في أنه سائغ صحيح مجرى ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله من أنه أتى بسارق فقال: (لا تقر).

فلا يمتنع من عمر ألا يحب أن تكمل الشهادة وينبه الشاهد على ألا يشهد وقال: إنه جلد الثلاثة من حيث صاروا قذفه وإنه ليس حالهم - وقد شهدوا - كحال من لم تتكامل الشهادة عليه لان الحيلة في إزالة الحد عنه - ولما تتكامل الشهادة عليه - ممكنة بتلقين وتنبيه غيره ولا حيلة فيما قد وقع من الشهادة فلذلك حدهم.،وليس في إقامة الحد عليهم من الفضيحة ما في تكامل الشهادة على المغيرة لأنه يتصور بأنه زان ويحكم بذلك وليس كذلك حال الشهود لأنهم لا يتصورون بذلك وإن وجب في الحكم أن يجعلوا في حكم القذفة. وحكى عن أبي على إن الثلاثة كان القذف قد تقدم منهم للمغيرة بالبصرة لأنهم صاحوا به من نواحي المسجد بأنا نشهد أنك زان فلو لم يعيدوا الشهادة لكان يحدهم لا محالة فلم يمكن في إزالة الحد عنهم ما أمكن في المغيرة. وحكى عن أبي على في جواب اعتراضه عن نفسه بما روى عن عمر إنه كان رآه يقول لقد خفت أن يرميني الله عز وجل بحجارة من السماء إن هذا الخبر غير صحيح ولو كان حقا لكان تأويله التخويف وإظهار قوة الظن لصدق القوم الذين شهدوا عليه ليكون ردعا له وذكر أنه غير ممتنع أن يحب ألا يفتضح لما كان متوليا للبصرة من قبله. ثم أجاب عن سؤال من سأله عن امتناع زياد من الشهادة وهل يقتضى الفسق أم لا؟ فان قال: لا نعلم أنه كان يتمم الشهادة: ولو علمنا ذلك لكان حيث ثبت في الشرع أن له السكوت لا يكون طعنا ولو كان ذلك طعنا وقد ظهر أمره لأمير المؤمنين عليه السلام لما ولاه فارس ولما ائتمنه على أموال الناس ودمائهم.

اعترض المرتضى فقال: إنما نسب إلى تعطيل الحد من حيث كان في حكم الثابت وإنما بتلقينه لم تكمل الشهادة لان زيادا ما حضر إلا ليشهد بما شهد به أصحابه وقد صرح بذلك كما صرحوا قبل حضورهم ولو لم يكن هذا لما شهد القوم قبله وهم لا يعلمون هل حاله في ذلك الحكم كحالهم لكنه أحجم في الشهادة لما رأى كراهية متولي الامر لكمالها وتصريحه بأنه لا يريد أن يعمل بموجبها. ومن العجائب أن يطلب الحيلة في دفع الحد عن واحد وهو لا يندفع إلا بانصرافه إلى ثلاثة فإن كان درء الحد والاحتيال في دفعه من السنن المتبعة


فدرؤه عن ثلاثة أولى من درئه عن واحد!. وقوله إن دفع الحد عن المغيرة ممكن ودفعه عن ثلاثة - وقد شهدوا - غير ممكن طريف لأنه لو لم يلقن الشاهد الرابع الامتناع عن الشهادة لاندفع الحد عن الثلاثة وكيف لا تكون الحيلة ممكنة فيما ذكره!. وقوله: إن المغيرة يتصور بصورة زان لو تكاملت الشهادة وفي هذا من الفضيحة ما ليس في حد الثلاثة غير صحيح لان الحكم في الامرين واحد لان الثلاثة إذا حدوا يظن بهم الكذب وإن جوز أن يكونوا صادقين والمغيرة لو تكاملت الشهادة عليه بالزنا لظن به ذلك مع التجويز لان يكون الشهود كذبة وليس في أحد إلا ما في الاخر. وما روى عنه عليه السلام من أنه أتى بسارق فقال له: (لا تقر) إن كان صحيحا لا يشبه ما نحن فيه لأنه ليس في دفع الحد عن السارق إيقاع غيره في المكروه. وقصة المغيرة تخالف هذا لما ذكرناه.

و روى عن عمر من قوله (متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما) وهذا اللفظ قبيح لو صح المعنى فكيف إذ فسد! لأنه ليس ممن يشرع فيقول هذا القول ولأنه يوهم مساواة الرسول صلى الله عليه وآله في الأمر والنهي وأن اتباعه أولى من اتباع رسول الله صلى الله عليه وآله. أجاب قاضى القضاة، فقال: إنه إنما عنى بقوله: (وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما) كراهته لذلك وتشدده فيه من حيث نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عنهما بعد أن كانتا في أيامه منبها بذلك على حصول النسخ فيهما وتغير الحكم لأنا نعلم أنه كان متبعا للرسول متدينا بالاسلام فلا يجوز أن نحمل قوله على خلاف ما تواتر من حاله

اعترض المرتضى هذا الكلام ، فقال: ظاهر الخبر المروى عن عمر في المتعتين يبطل هذا التأويل لأنه قال: (متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما) فأضاف النهى إلى نفسه ولو كان الرسول نهى عنهما لأضاف النهى إليه، فكان آكد وأولى فكان يقول: فنهى عنهما أو نسخهما وأنا من بعده أنهى عنهما وأعاقب عليهما.

وروي إنه أبدع في الدين ما لا يجوز كالتراويح، وما عمله في الخراج الذي وضعه على السواد وفي ترتيب الجزية وكل ذلك مخالف للقرآن والسنة، لأنه تعالى جعل الغنيمة للغانمين، والخمس منها لأهل الخمس، فخالف القرآن، وكذلك السنة تنطق في الجزية أن على كل حالم دينارا، فخالف في ذلك السنة وأن الجماعة لا تكون إلا في المكتوبات، فخالف السنة.

وروى: أن عمر خرج في شهر رمضان ليلا فرأى المصابيح في المسجد، فقال: ما هذا؟ فقيل له: إن الناس قد اجتمعوا لصلاة التطوع، فقال: بدعة فنعمت البدعة! فاعترف كما ترى بأنها بدعة، وقد شهد الرسول صلى الله عليه وآله أن كل بدعة ضلالة. وقد روى أن أمير المؤمنين عليه السلام لما اجتمعوا إليه بالكوفة فسألوه أن ينصب لهم إماما يصلى بهم نافلة شهر رمضان، زجرهم وعرفهم أن ذلك


خلاف السنة فتركوه واجتمعوا لأنفسهم وقدموا بعضهم فبعث إليهم ابنه الحسن عليه السلام فدخل عليهم المسجد ومعه الدرة فلما رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا وا عمراه(١) .

الاشكالات على اراء وسياسة عثمان بن عفان

لاشكال الاول :إنه ولى أمور المسلمين من لا يصلح لذلك ولا يؤتمن عليه، ومن ظهر منه الفسق والفساد، ومن لا علم عنده، مراعاة منه لحرمة القرابة، وعدولا عن مراعاة حرمة الدين والنظر للمسلمين، حتى ظهر ذلك منه وتكرر، وقد كان عمر حذره من ذلك، حيث وصفه بأنه كلف بأقاربه، وقال له: إذا وليت هذا الامر فلا تسلط بنى أبى معيط على رقاب الناس. فوقع منه ما حذره إياه، وعوتب في ذلك فلم ينفع العتب، وذلك نحو استعماله الوليد بن عقبة ، وتقليده إياه حتى ظهر منه شرب الخم... واستعماله سعيد بن العاص حتى ظهرت منه الأمور التي عندها أخرجه أهل الكوفة، وتوليته عبد الله بن أبي سرح وعبد الله بن عامر بن كريز ، حتى روى عنه في أمر ابن أبي سرح أنه لما تظلم منه أهل مصر وصرفه عنهم بمحمد بن أبي بكر، كاتبه بأن يستمر على ولايته، فأبطن خلاف ما أظهر، فعل من غرضه خلاف الدين. ويقال: إنه كاتبه بقتل محمد بن أبي بكر وغيره ممن يرد عليه، وظفر بذلك الكتاب، ولذلك عظم التظلم من بعد، وكثر الجمع، وكان سبب الحصار والقتل، حتى كان من أمر مروان وتسلطه عليه وعلى أموره ما قتل بسببه، وذلك ظاهر لا يمكن دفعه وظنه

الاشكال الثاني :كونه رد الحكم بن أبي العاص إلى المدينة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله طرده، وامتنع أبو بكر من رده، فصار بذلك مخالفا للسنة ولسيرة من تقدمه،مدعيا على رسول الله صلى الله عليه وآله، عاملا بدعواه من غير بينة.

اعترض المرتضى رحمه الله تعالى على هذا، فقال: أما دعواه أن عثمان ادعى أن رسول الله صلى الله عليه وآله أذن في رد الحكم فشئ لم يسمع إلا من قاضى القضاة، ولايدرى من أين نقله، ولا في أي كتاب وجده! والذي رواه الناس كلهم خلاف ذلك،

وروى الواقدي من طرق مختلفة وغيره أن الحكم بن أبي العاص لما قدم المدينة بعد الفتح،أخرجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وقال: لا تساكني في بلد أبدا، فجاءه عثمان فكلمه فأبى، ثم كان من أبى بكر مثل ذلك، ثم كان من عمر مثل ذلك، فلما قام عثمان أدخله ووصله وأكرمه، فمشى في ذلك على والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف وعمار بن ياسر، حتى دخلوا على عثمان فقالوا له: إنك قد أدخلت هؤلاء القوم – يعنون الحكم ومن معه - وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أخرجهم، وإنا نذكرك الله والاسلام ومعادك، فإن لك معادا ومنقلبا، وقد أبت ذلك الولاة قبلك، ولم يطمع أحد أن يكلمها فيهم، وهذا شئ نخاف الله فيه عليك. فقال عثمان: إن قرابتهم منى ما تعلمون، وقدكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كلمته أطعمني في أن يأذن لهم، وإنما أخرجهم لكلمة بلغته عن الحكم، ولم يضركم مكانهم شيئا، وفي الناس من هو شر منهم. فقال علي عليه السلام: لا أجد شرا منه ولا منهم، ثم قال: هل تعلم عمر يقول: والله ليحملن بنى أبى معيط على رقاب الناس! والله إن فعل ليقتلنه، فقال عثمان: ما كان منكم أحد ليكون بينه وبينه من القرابة ما بيني وبينه، وينال من المقدرة ما نلت إلا قد كان سيدخله،وفي الناس من هو شر منه.

________________

(١) شرح نهج البلاغة ١٢ : ٢٠٢ – ٢٤٦


فغضب علي عليه السلام، وقال: والله لتأتينا بشر من هذا إن سلمت، وستری يا عثمان غب ما تفعل! ثم خرجوا من عنده.

الاشكال الثالث:أنه كان يؤثر أهل بيته بالأموال العظيمة التي هي عدة المسلمين، نحو ما روى أنه دفع إلى أربعة أنفس من قريش زوجهم بناته أربعمائة ألف دينار، وأعطى مروان مائة ألف عند فتح إفريقية، ويروى خمس إفريقية، وغير ذلك، وهذا بخلاف سيرة من تقدمه في

القسمة على الناس بقدر الاستحقاق، وإيثار الأباعد على الأقارب.

وفي رد ذلك قال قاضى القضاة: وجوابنا عن ذلك أن من الظاهر المشهور أن عثمان كان عظيم اليسار، كثير المال، فلا يمتنع أن يكون إنما أعطى أهل بيته من ماله، وإذا احتمل ذلك وجب حمله على الصحة.

وقد قال شيخنا أبو علي رحمه الله تعالى: إن الذي روى من دفعه إلى ثلاثة نفر من قريش زوجهم بناته، إلى كل واحد منهم مائة ألف دينار، إنما هو من ماله، ولا رواية صح أنه أعطاهم ذلك من بيت المال، ولو صح ذلك لكان لا يمتنع أن يكون أعطاهم

من بيت المال ليرد عوضه من ماله، لان للامام عند الحاجة أن يفعل ذلك، كما له أن يقرض غيره.

وقال شيخنا أبو علي أيضا: إن ما روى من دفعه خمس إفريقية لما فتحت إلى مروان، ليس بمحفوظ ولا منقول على وجه يجب قبوله، وإنما يرويه من يقصد التشنيع.

وقد قال الشيخ أبو الحسين الخياط: إن ابن أبي سرح لما غزا البحر، ومعه مروان في الجيش، ففتح الله عليهم، وغنموا غنيمة عظيمة، اشترى مروان من ابن أبي سرح الخمس بمائة ألف، وأعطاه أكثرها، ثم قدم على عثمان بشيرا بالفتح، وقد كانت قلوب المسلمين تعلقت بأمر ذلك الجيش، فرأى عثمان أن يهب له ما بقي عليه من المال، وللامام فعل مثل ذلك، ترغيبا في مثل هذه الأمور.

قال: وهذا الصنع كان منه في السنة الأولى من إمامته، ولم يبرأ أحد منه فيها، فلاوجه للتعلق بذلك.

وذكر أبو الحسين الخياط أيضا فيما أعطاه أقاربه أنه وصلهم لحاجتهم، فلا يمتنع مثله في الامام إذا رآه صلاحا. وذكر في إقطاعه القطائع لبني أمية، أن الأئمة قد تحصل في أيديهم الضياع لا مالك لها، ويعلمون أنها لا بد فيها ممن يقوم بإصلاحها وعمارتها،ويؤدى عنها ما يجب من الحق، فله أن يصرف من ذلك إلى من يقوم به، وله أيضا أن

يهد بعضها على بعض بحسب ما يعلم من الصلاح والتألف، وطريق ذلك الاجتهاد.

اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام، فقال: أما قوله: يجوز أن يكون إنما أعطاهم من ماله، فالرواية بخلاف ذلك، وقدصرح الرجل بأنه كان يعطى من بيت المال صلة لرحمه، ولما عوتب على ذلك لم يعتذر عنه بهذا الضرب من العذر، ولا قال: إن هذه العطايا من مالي، فلا اعتراض لأحد فيها.

وروى الواقدي بإسناده عن المسور بن عتبة،قال: سمعت عثمان يقول: إن أبا بكر وعمر كانا يتأولان في هذا المال ظلف أنفسهما

وذوي أرحامهما، وإني تأولت فيه صلة رحمي.

وروى عنه أيضا أنه كان بحضرته زياد بن عبيد، مولى الحارث بن كلدة الثقفي،وقد بعث إليه أبو موسى بمال عظيم من البصرة، فجعل عثمان يقسمه بين ولده وأهله بالصحاف، فبكى زياد، فقال: لا تبك، فإن عمر كان يمنع أهله وذوي قرابته ابتغاء وجه الله، وأنا أعطى أهلي وولدي وقرابتي ابتغاء وجه الله.

وروى الواقدي أيضا بإسناده، قال: قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان، فوهبها للحارث بن الحكم بن أبي العاص.

وروى أيضا أنه ولى الحكم بن أبي العاص صدقات قضاعة، فبلغت ثلاثمائة ألف فوهبها له حين أتاه بها.

وروى أبو مخنف والواقدي أن الناس أنكروا على عثمان إعطاء سعيد بن العاص مائة ألف، وكلمه على والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن في ذلك، فقال: إن له قرابة ورحما.

قالوا: فما كان لأبي بكر وعمر قرابة وذوو رحم؟ فقال: إن أبا بكر وعمر كان يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي، قالوا: فهديهما - والله - أحب إلينا من هديك.

وروى أبو مخنف أن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، قدم على عثمان من مكة، ومعه ناس، فأمر لعبد الله بثلاثمائة ألف، ولكل واحد من القوم بمائة ألف وصك بذلك على عبد الله بن الأرقم - وكان خازن بيت المال - فاستكثره ورد الصك به. ويقال: إنه سأل عثمان أن يكتب عليه بذلك كتابا، فأبى وامتنع ابن الأرقم أن يدفع المال إلى القوم، فقال له عثمان: إنما أنت خازن لنا،


فما حملك على ما فعلت؟ فقال ابن الأرقم: كنت أراني خازن المسلمين، وإنما خازنك غلامك، والله لا إلى لك بيت المال أبدا، وجاء بالمفاتيح فعلقها على المنبر، ويقال: بل ألقاها إلى عثمان، فرفعها إلى نائل مولاه.

وروى الواقدي ان عثمان أمر زيد بن ثابت أن يحمل من بيت مال المسلمين إلى عبد الله بن الأرقم في عقيب هذا الفعل ثلاثمائة ألف درهم، فلما دخل بها عليه، قال له:

يا أبا محمد، إن أمير المؤمنين أرسل إليك يقول: إنا قد شغلناك عن التجارة، ولك ذوورحم أهل حاجة، ففرق هذا المال فيهم، واستعن به على عيالك، فقال عبد الله بن الأرقم: ما لي إليه حاجة، وما عملت لان يثيبني عثمان، والله إن كان هذا من بيت مال المسلمين ما بلغ قدر

عملي أن أعطى ثلاثمائة ألف، ولئن كان من مال عثمان ما أحب أن أرزأه من ماله شيئا. وما في هذه الأمور أوضح من أن يشار إليه وينبه عليه.

الاشكال الرابع:أنه حمى الحمى عن المسلمين، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله جعلهم سواء في الماء والكلأ.

قال قاضى القضاة: وجوابنا عن ذلك أنه لم يحم الكلأ لنفسه، ولا استأثر به، لكنه حماه لإبل الصدقة التي منفعتها تعود على المسلمين. وقد روى عنه هذا الكلام بعينه، وأنه قال: إنما فعلت ذلك لإبل الصدقة، وقد أطلقته الان، وأنا أستغفر الله،وليس في الاعتذار ما يزيد عن ذلك.

واعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام، فقال: اما أولا فالمروي بخلاف ما ذكر، لان الواقدي روى بإسناده، قال: كان عثمان يحمى الربذة والشرف والبقيع، فكان لا يدخل الحمى بعير له ولا فرس، ولا لبني أمية حتى كان آخر الزمان، فكان يحمى الشرف لإبله وكانت ألف بعير، ولإبل الحكم بن أبي العاص، ويحمى الربذة لإبل الصدقة، ويحمى البقيع لخيل المسلمين وخيله وخيل بنى أمية.

قال: على أنه لو كان إنما حماه لإبل الصدقة لم يكن بذلك مصيبا، لان الله تعالى ورسوله أباحا الكلأ، وجعلاه مشتركا، فليس لأحد أن يغير هذه الإباحة. ولو كان في هذا الفعل مصيبا، وأنه إنما حماه لمصلحة تعود على المسلمين لما جاز أن يستغفر الله منه ويعتذر، لان الاعتذار إنما يكون من الخطأ دون الصواب.

الاشكال الخامس :أنه ضرب عبد الله بن مسعود حتى كسر بعض أضلاعه. وقد روى كل من روى السيرة من أصحاب الحديث على اختلاف طرقهم أن ابن مسعود كان يقول: ليتني وعثمان برمل عالج يحثو على وأحثو عليه حتى يموت الأعجز منى ومنه!

ورووا أنه كان يطعن عليه، فيقال له: ألا خرجت عليه، ليخرج معك! فيقول:لان أزاول جبلا راسيا أحب إلى من أن أزاول ملكا مؤجلا.

وكان يقوم كل يوم جمعة بالكوفة جاهرا معلنا:إن أصدق القول كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار،وإنما كان يقول ذلك معرضا بعثمان، حتى غضب الوليد بن عقبة من استمرار تعريضه، ونهاه عن خطبته هذه، فأبى أن ينتهى، فكتب إلى عثمان

فيه، فكتب عثمان يستقدمه عليه.

وروى أنه لما خرج عبد الله بن مسعود إلى المدينة مزعجا عن الكوفة خرج الناس معه يشيعونه، وقالوا له: يا أبا عبد الرحمن، ارجع، فوالله لا نوصله إليك أبدا، فإنا لا نأمنه عليك، فقال: أمر سيكون، ولا أحب أن أكون أول من فتحه.

وقد روى عنه أيضا من طرق لا تحصى كثرة أنه كان يقول: ما يزن عثمان عند الله جناح ذباب، وتعاطى ما روى عنه في هذا الباب يطول، وهو أظهر من أن يحتاج إلى الاستشهاد عليه، وإنه بلغ من إصرار عبد الله على مظاهرته بالعداوة أن قال لما حضره الموت: من يتقبل منى وصية أوصيه بها على ما فيها! فسكت القوم، وعرفوا الذي

يريد، فأعادها، فقال عمار بن ياسر رحمه الله تعالى: أنا أقبلها، فقال ابن مسعود: ألا يصلى على عثمان، قال: ذلك لك، فيقال: إنه لما دفن جاء عثمان منكرا لذلك، فقال له قائل:إن عمارا ولى الامر، فقال لعمار: ما حملك على أن تؤذني؟ فقال: عهد إلى ألا أؤذنك، فوقف على قبره وأثنى عليه، ثم انصرف وهو يقول: رفعتم والله أيديكم عن خير من بقي.

ولما مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه، أتاه عثمان عائدا، فقال: ما تشتكي؟

فقال: ذنوبي، قال: فما تشتهى؟ قال: رحمه بي، قال: ألا أدعو لك طبيبا؟.


قال: الطبيب أمرضني، قال: أفلا آمر لك بعطائك؟ قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطينيه وأنا مستغن عنه! قال: يكون لولدك، قال: رزقهم على الله تعالى، قال: استغفر لي يا أبا عبد الرحمن، قال: أسأل الله أن يأخذ لي منك حقي.

وقد روى الواقدي بإسناده وغيره أن ابن مسعود لما استقدم المدينة، دخلها ليلة جمعة، فلما علم عثمان بدخوله، قال: أيها الناس، إنه قد طرقكم الليلة دويبة، من تمشى على طعامه يقئ ويسلح. فقال ابن مسعود: لست كذلك، ولكنني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وصاحبه يوم أحد، وصاحبه يوم بيعة الرضوان، وصاحبه يوم الخندق، وصاحبه يوم حنين. قال: وصاحت عائشة: يا عثمان!

أتقول هذا لصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال عثمان: اسكتي، ثم قال لعبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى بن قصي: أخرجه إخراجا عنيفا، فأخذه ابن زمعة، فاحتمله حتى جاء به باب مسجد، فضرب به الأرض، فكسر ضلعا من أضلاعه، فقال ابن مسعود: قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان. وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي أن عثمان ضرب ابن مسعود أربعين سوطا في دفنه أبا ذر. وهذه قصة أخرى، وذلك أن أبا ذر رحمه الله تعالى لما حضرته الوفاة بالربذة، وليس معه إلا امرأته وغلامه عهد إليهما أن غسلاني ثم كفناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمرون بكم قولوا لهم: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى لله عليه، فأعينونا على دفنه، فلما مات فعلوا ذلك، وأقبل ابن مسعود في ركب من العراق معتمرين، فلم يرعهم إلا الجنازة على قارعة الطريق، قد كادت الإبل تطؤها،

فقام إليهم العبد، فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعينونا على دفنه، فانهل ابن مسعود باكيا، وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه، قال له: تمشى وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك ، ثم نزل هو وأصحابه، فواروه.

الاشكال السادس :أنه جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصة، وأحرق المصاحف، وأبطل ما لا شك أنه نزل من القرآن، وأنه مأخوذ عن الرسول صلى الله عليه، ولو كان ذلك مما يسوغ لسبق إليه رسول الله صلى الله عليه، ولفعله أبو بكر وعمر.

قال قاضى القضاة: وجوابنا عن ذلك أن الوجه في جمع القرآن على قراءة واحدة تحصين القرآن وضبطه، وقطع المنازعة والاختلاف فيه. قولهم: لو كان ذلك واجبا لفعله الرسول صلى الله عليه غير لازم، لان الامام إذا فعله صار كأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله، ولان الأحوال في ذلك تختلف، وقد روى أن عمر كان عزم على ذلك

فمات دونه. وليس لأحد أن يقول: إن إحراقه المصاحف استخفاف بالدين، وذلك لأنه إذا جاز من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرب المسجد الذي بنى ضرارا وكفرا، فغير ممتنع إحراق المصاحف.

اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام، فقال: إن اختلاف الناس في القراءة ليس بموجب لما صنعه، لأنهم يروون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:نزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شاف كاف، فهذا الاختلاف عندهم في القرآن مباح مسند عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف يحظر عليهم عثمان من التوسع في الحروف ما هو

مباح! فلو كان في القراءة الواحدة تحصين القرآن كما ادعى، لما أباح النبي صلى الله عليه وسلم في الأصل إلا القراءة الواحدة، لأنه أعلم بوجوه المصالح من جميع أمته، من حيث كان مؤيدا بالوحي، موفقا في كل ما يأتي ويذر. وليس له أن يقول: حدث من الاختلاف في أيام عثمان ما لم يكن في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا ما أباحه، وذلك لان الامر و كان على هذا لوجب أن ينهى عن القراءة الحادثة، والامر المبتدع، ولا يحمله ما أحدث من القراءة على تحريم المتقدم بلا شبهة.

وقوله: إن الامام إذا فعل ذلك، فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله تعلل بالباطل، وكيف يكون كما ادعى، وهذا الاختلاف بعينه قد كان موجودا في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، فلو كان سبب الانتشار الزيادة في القرآن، وفي قطعه تحصين له، لكان عليه السلام بالنهي عن هذا الاختلاف أولى من غيره، اللهم إلا أن يقال: حدث

اختلاف لم يكن، فقد قلنا فيه ما كفى.

وأما قوله: إن عمر قد كان عزم على ذلك فمات دونه، فما سمعناه إلا منه، ولو فعل ذلك أي فاعل كان لكان منكرا.

فأما الاعتذار عن كون إحراق المصاحف لا يكون استخفافا بالدين، بحمله إياه على تخريب مسجد الضرار، فبين الامرين بون بعيد، لان البنيان إنما يكون مسجدا وبيتا لله تعالى بنية الباني وقصده، ولولا ذلك لم يكن بعض البنيان بأن يكون مسجدا أولى من بعض، ولما كان قصد الباني لذلك الموضع غير القربة والعبادة، بل خلافها وضدها من الفساد والمكيدة. لم يكن في الحقيقة مسجدا، وإن


سمى بذلك مجازا على ظاهر الامر، فهدمه لا حرج فيه، وليس كذلك ما بين الدفتين، لأنه كلام الله تعالى الموقر المعظم، الذي يجب صيانته عن البذلة والاستخفاف، فأي نسبة بين الامرين!(١) .

رابعاً: التخلِّي عن الشورى

إنّ الشورى المدعاة في اختيار االخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتي وضعت من قبل البعض تبريراً لعمل أبي بكر وعمر، نجدها لم تقوى على النهوض في مقابل النّص، فإن أول خليفة قام بالأمر على أساسها سرعان ما تخلّى عنها وعاد إلى النصِّ فنصّ على عمر بن الخطّاب على الرغم من اعتراض بعض الصحابة عليه وعلى رأسهم طلحة بن عبيدالله(٢) .

وتخلّى ثاني شخصية من شخصيات السقيفة عن الشورى وعاد مؤمناً بالنصِّ والاستخلاف، فحينما قربت وفاته، وطلب منه المسلمون أن يستخلف من يقوم بالأمر قال: ((لو أدركت أبا عبيدة بن الجرّاح باقياً استخلفته ووليته ولو أدركت معاذ بن جبل استخلفته ولو أدركت خالد بن الوليد لوليته))(٣) .

وفي رواية إنّه قال: ((لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيّاً استخلفته ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً استخلفته))(٤) .

وهذا الرأي إنْ دلَّ على شيء إنّما يدل على تراجعه عن الشورى وتبنّي النصّ، وحينما لم يجد شخصاً مؤهلا في نظره كأبي عبيدة أو سالم جعلها شورى بين ستة من الصحابة، وأمر أبا طلحة الأنصاري باختيار خمسين رجلا من الأنصار يشرفون على الشورى، وأوصى لصهيب بقتل من يخالف الاتفاق إذا كان واحداً أو اثنين وإنْ رضي ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا فعبدالله ابنه هو الحكم، فإن لم يرضوا به أرجع الأمر إلى عبدالرحمن بن عوف وقال: ((... فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس))(٥) .

________________

(١) شرح نهج البلاغة ٣: ١١- ٥٩

(٢) الكامل في التاريخ ٢ : ٤٢٥.

(٣) الإمامة والسياسة ١ : ٢٣، ٢٤.

(٤) تاريخ الطبري ٤ : ٢٢٧، الكامل في التاريخ ٣ : ٦٥، شرح نهج البلاغة ١ : ١٩٠.

(٥) تاريخ الطبري ٤ : ٢٢٩، الكامل في التاريخ ٣ : ٦٧، ونحوه في: الطبقات الكبرى ٣ : ٦١.


فجعلها شورى بين ستة مهدّدين بالقتل ومحاطين بقوة مسلحة، وكانت نتيجة الشورى معلومة كما قال علي (عليه السلام)للعباس: ((فسعد لا يخالف ابن عمِّه عبدالرحمن، وعبدالرحمن صهر عثمان; لا يختلفون))(١) .

وحين الاجتماع أصبح الأمر لعبدالرحمن بن عوف يختار من يشاء، وكانت الشروط التي وضعها هي العمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده(٢) فقبلها عثمان ورفض علي الشرط الثالث، فاختار ابن عوف عثمان بن عفّان، فكان تظاهراً كما عبّر عنه علي بقوله: ((ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا))(٣) .

والشورى بهذه الطريقة لم تتحقق في جميع صورها، فهنالك تهديد بالقتل وميل إلى ذي القرابة، وتقييد بسيرة أبي بكر وعمر، وتظاهر على علي (عليه السلام)، وخلاصة القول: إنّ الواقع الذي عمله أبو بكر وعمر لا يصلح أن يكون أساساً لوضع نظرية الشورى، فلم تكن في الحقيقة شورى; لا في الواقع ولا في رأي من نُسبت إليه، حتى يجعلها بعض المسلمين الطريقة الأساسية في اختيار القائد بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فالطريقة التي وصل بها الأوائل إلى منصب الخلافة لم يكن فيها أيّ مظهر من مظاهر الشورى; فلا حوار هادئ، ولا تصفّح وجهات النظر، ولا تأنّي ولا رويّة، ولم يتمتّع المشاركون بالحرية اللازمة لإبداء آرائهم، فالأهواء كانت هي الغالبة، والانفعال والأحداث الصاخبة كانت هي السائدة، حتى أصبح التهديد بالقتل حقيقةً واضحة.

روايات القتال الداخلي و سفك الدماء

لم يتوقف رسول الله صلى الله عليه واله عن ارشاد الصحابة وتوجيههم للتسامي والتكامل ليكونوا كما ارادهم الله تعالى هداة وقدوة للاجيال ، وكان يحذّرهم باستمرار من التنافس على الدنيا في حياته وبعدها، وخصوصاً التنافس على الرئاسة والسلطة التي تسفك من أجلها الدماء ، ويستحل الصحابي دم صحابي مثله من أجل الحصول عليها وعلى المكاسب والمغانم التي تكون وسيلة لوجودها ، فقد كان حريصا على سلامتهم وسلامة المجتمع الاسلامي ليأخذ دوره الريادي بين الأمم ولتكون كلمة الله هي العليا في أرجاء الأرض.

________________

(١) تاريخ الطبري ٤ : ٢٣٠.

(٢) تاريخ الطبري ٤ : ٢٣٨، الكامل في التاريخ ٣ : ٧١.

(٣) الكامل في التاريخ ٣ : ٧١.


قال رسول الله صلى الله عليه واله : ((... إنّي لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكنّي أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، وتُقتلوا، فتهلكوا، كما هلك من كان قبلكم))(١)

وأخبر صلى الله عليه واله أصحابه بأنّهم سيحرصون على الإمارة فقال: ((إنّكم ستحرصون على الإمارة، وستصير ندامة وحسرة يوم القيامة، فبئست المرضعة، ونعمت الفاطمة))(٢)

وحذّر صلى الله عليه واله من الرجوع إلى الكفر من بعده ، وجعل سفك الدماء علةً لهذا الكفر ، وقد يكون مقصوده صلى الله عليه واله هو الكفر الحقيقي ؛ لأنَّ المؤمن لا يستحلَّ دم أخيه ما دام مؤمناً بالله تعالى وبالعقاب يوم القيامة ، وقد يكون مقصوده هو الانحراف الحقيقي عن الإسلام في الواقع العملي ، وفي صدد ذلك التحذير قال صلى الله عليه واله:((لاترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ))(٣)

ولكن بعض الصحابة لم يهتموا بالتحذير فتنافسوا على السلطة وأقصوا الامام عليا وبعده الامام الحسن عليهما السلام من منصبهم في الولاية والخلافة، وهذا الاقصاء خلق ظروفا ادى الى تسلل المنافقين والمنحرفين الى مراكز الدولة والى المناصب الحساسة كمعاوية بن ابي سفيان ،وقد أدت الظروف الى مقتل عثمان بن عفان ، فكانت بداية الاقتتال الداخلي ، تحت عنوان المطالبة بدمه فكانت معركة الجمل ومن بعدها صفين.

________________

(١) صحيح مسلم ٤ : ١٧٩٦

(٢) مسند أحمد ٣ : ١٩٩ وبنحوه في تحف العقول : ٢٥

(٣) مسند أحمد ١ : ٦٦٤ و ٦ : ١٩ وصحيح البخاري ١ : ٤١ وصحيح مسلم ١ : ٨٢ وسنن ابن ماجة ٢ : ١٣٠


واقعة مقتل عثمان بن عفان

سنتطرق الى واقعة مقتل عثمان بن عفان لانها بداية ترتب عليها من نتائج سلبية كانت بداية للقتال الداخلي وسفك الدماء.فقد كان أول موقف في حركة وتاريخ الصحابةوالمسلمين يتبنّى التمرّد العسكري أوالثورة المسلحة ويتبنى استخدام القوّة لتغيير الحاكم والحكومة، ولم يكن مقتله مجرد قتل شخص وإزاحته عن السلطة، بل كان بداية لصراع دموي فتح الباب لدماء عديدة أربكت الصف الإسلامي وخلقت فيه الاضطراب، ولا نبالغ إذا قلنا بان مقتله كان سبباً لاضطرابات ذهب ضحيتها الكثير من المسلمين في عهود متتابعة ومتلاحقة.

وقد تضافرت عدّة أسباب وعوامل أدّت إلى هذه الثورة المسلّحة العارمة التي تأججت فلم يستطع العقلاء والواعون والمخلصون والحريصون على الإسلام والكيان الإسلامي أن يوقفوها أو ينطلقوا من الثوابت الإسلامية، لوضع حلول للوضع المتأزم.

ولا نريد أن نتطرّق إلى شرعية أو عدم شرعية الموقف بل نريد القول بأنّ مقتل الخليفةعثمان كان خطأ كبيراً إرتكبه المعارضون على اختلاف انتماءاتهم وولاءاتهم ونواياهم، وكان أمامهم مواقف بديلة لإصلاح الأوضاع، وكان أمام الخليفةعثمان فرصة لتفادي القتل إلا ان الجميع قد تسّرعوا بسبب الأفعال وردود الأفعال الصاخبة، ولم يفكرّوا بعواقب الأمور، ولو تركوا الامر للامام علي عليه السلام لتغير مجرى التاريخ.

وفيما يلي نستعرض جملة من الامور السياسية التي كانت سببا للقتل وما تبعها من نتائج

أسباب وعوامل الثورة على عثمان بن عفان

في جميع الثورات تتضافر أسباب وعوامل مختلفة وأحياناً متضادة ومتناقضة بتضاد وتناقض القائمين عليها من حيث أفكارهم وعواطفهم وأهدافهم وغاياتهم، وتصطف فيها عناصر عديدة مختلفة في الولاء والانتماء ولكن متحدّة في الوسيلة وهي الثورة وتبديل الحاكم بقوة السلاح

واهم أسباب وعوامل أي ثورة هو التنافي والتضاد بين الثوار وبين السلطة القائمة، فقد يكون التنافي فكرياً وعقائدياً وقد يكون سياسيا، وقد يكون ردود فعل شخصية او اجتماعية بسبب ظلم أو حرمان، أو رد فعل لحكم قضائي مشروع، أو لاسترداد حق، ومن أهم أسباب وعوامل الثورة على عثمان هي مخالفة بعض الثوابت الإسلامية أي عدم التقيّد بقيم القران الكريم والسنة المطهرة، فكانت ثغرة استثمرها المعارضون سواء كانوا مبدئيين أو مصلحيين، وابتدأت المعارضة بأن اجتمع ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه


واله فكتبوا كتاباً ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول الله صلى الله عليه واله ومنها:

١ـ هبته خمس أفريقية لمروان، وفيه حقّ الله ورسوله ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين.

٢ـ تطاوله في البنيان حتى عدّوا سبع دور بناها بالمدينة من الخمس الواجب لله ولرسوله.

٣ـ إسناده العمل في الولايات لبني أمية.

٤ـ تعطيلة إقامة الحدّ على الوليد بن عقبة إذ صلّى الصبح في الكوفة وهو سكران أربع ركعات.

٥ـ استغنى برأيه عن رأي المهاجرين والأنصار.

٦ـ إعطائه القطائع والأرزاق إلى أفراد ليست لهم صحبة ولم يشتركوا في الجهاد(١) .

ومن الإشكالات التي أثيرت على عثمان:أنّه زوّج ابنته من عبد الله بن خالد بن أسيد وأمر له بستمائة ألف درهم من بيت مال البصرة.

وأثيرت عليه أنّه: آثر القربى، واتخذ الضياع والأموال بمال الله والمسلمين، وآوى الحكم بن أبي العاص، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح طريدي رسول الله صلى الله عليه واله(٢) .

وأكثر الأسباب التي حركت الثورة هي تقريب الأمويين من عثمان وتنصيبهم في الولايات، فالأمويون وقفوا في الصف الأول لمحاربة الإسلام ورسول الله صلى الله عليه واله وساهموا في إضطهاد المسلمين في مكة ومحاربتهم في المدينة، ومن جهة أخرى اعتمد عثمان على المنحرفين منهم وآوى من طرده رسول الله صلى الله عليه واله ولم يتجرأ من سبقه في ذلك.

فواجب الحاكم الإسلامي أن يعيّن الأمناء والصالحين في مراكز الدولة وخصوصاً المراكز الحساسة ذات التأثير في سير الأحداث من أجل ضمان مسيرة الحكومة في تطبيق القوانين والتشريعات والقيم الأخلاقية، وفي معرض الحديث عن واجبات الحاكم جعل

________________

(١) الامامة والسياسة ١ : ٣٢ ،٣٣، ابن قتيبة الدينوري.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٦٨ ـ ١٧٤.


رسول الله صلى الله عليه واله هذا الواجب من ضمنها فقال: ((وأن يستعين على أمرهم بخير من يعلم ))(١) .

والإسلام ينظر إلى المركز الحكومي بأنّه وسيلة لأداء الواجب والتكليف الشرعي فلا يناله إلاّ الأمناء، ولذا كان رسول الله صلّى الله عليه واله لا يولّي من كان حريصاً على الوصول إلى أحد مراكز الحكومة، وكان صلّى الله عليه واله يقول: ((إنّا والله لا نولّي على هذا العمل أحداً سأله، ولا أحداً حرص عليه ))(٢) .

والمراكز الحكومية أمانة كما وصفها صلّى الله عليه واله: ((إنّها أمانة وإنّها يوم القيامة خزي وندامة إلاّ من أخذها بحقّها وأدّى الذي عليه فيها))(٣) .

وكان يحذّر من إسناد المناصب الحكومية إلى الأقارب لمجرّد إنّهم أقارب للحاكم دون النظر إلى الأمانة والصلاح والكفاءة، فكان يقول: ((مَن ولي ذا قرابة محاباة وهو يجد خيراً منه لم يجد رائحة الجنّة))(٤) .

إضافة إلى ذلك بدأ عثمان يمنح أقاربه العطايا والإمتيازات وهي ملك للمسلمين ولا حقّ للحاكم أن يتصّرف ببيت المال وكأنّه ملك شخصي له، بل ينبغي التقيد بالضوابط الشرعية والقانونية.

وتلعب سياسة توزيع الأموال دوراً في خلق حركة معارضة داخل المجتمع إن كانت مخالفة لثوابت القران والسنة، ومنطلقة من أهواء ومزاجات فردية يتصرف من خلالها الحاكم برغبته دون الاستناد إلى قاعدة ثابتة في التوزيع، فالاستئثار بالأموال وتوزيعها على الأقرباء والأصدقاء وبعض المقربين من الحاكم احد أهم عوامل المعارضة التي تستقطب الاغلبية العظمى من الناس وخصوصاً الفقراء وذوي الدخل المحدد، وتستقطب المحرومين من ايتام وأرامل وعاطلين عن العمل ليكونوا أداة فاعلة في حركة المعارضة مهما كانت الوجوه القيادية فيها.

وتوزيع الأموال هو جزء من السياسية الاقتصادية وهي بدورها جزء من المنهج الإسلامي الشامل لجميع جوانب الحياة لا

________________

(١) كنز العمال ٦: ٤٧.

(٢) صحيح مسلم ٣: ١٤٥٦.

(٣) المصدر السابق ٣: ١٤٥٧

(٤) كنز العمّال ٦: ٣٩.


تنفصل عنه بأي حال من الأحوال، فالمفاهيم والقيم الإسلامية هي الحاكمة على سياسة الحاكم والحكومة، وليس الحاكم إلا فرداً من أفراد الأمة تحمّل مسؤولية النهوض بالمسؤولية الشرعية، وقد حدّد له المنهج الإسلامي صلاحيات محدّدة، يعمل على أساس قواعدها وقوانينها، وليس له الحرية المطلقة في التصرف بالأموال التي في حوزة بيت المال، فهو ليس إلا أمينا عليها، وما هي إلا أمانة في عنقه يؤديها طبقاً لما أمره الله تعالى ولما حدّد له من إرشادات وتوجيهات وأوامر ونواهي، فالمال مال الله تعالى، وهو المصدر في تحديد أنواع الملكيات ومنها ملكية الحاكم وملكية المجتمع الذي يحكمه، ولذا فالملكية أو السياسة الاقتصادية مرتبطة بمفاهيم وقيم الإسلام، فهي وسيلة لغاية سامية مرتبطة بالعدالة والاستقامة وتربية الحاكم والأمة على أساس الموازين الثابتة في الإنفاق والعطاء.

ففي رواية تناول رسول الله من الأرض وبرة من بعير ، أو شيئا ، ثم قال : (( والذي نفسي بيده ، ما لي مما أفاء الله عليكم ، ولا مثل هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم ))(١) .

والمال الذي بحوزة بيت المال أو خزينة الدولة إنما هو أمانة بيد الحاكم.

وعلى ضوء ذلك فالحاكم أمين على الأموال، وهذه قاعدة ثابتة في المنهج الاقتصادي الإسلامي، وهي قاعدة تأنس لها العقول والقلوب لأنها تنسجم مع تطلع الناس نحو العدالة.

وهذه القاعدة ميزان تقاس به تصّرفات الحاكم وولاته في الأموال من حيث التزامه أو عدم التزامه بقيم الإسلام، ولكن بعض ولاة عثمان خالفوا ذلك، ولم يكتفوا بالمخالفة بل حاولوا تزييف وتحريف هذه القاعدة ومنحوا لأنفسهم الصلاحية في التلاعب بالاموال، وقننوا هذا التلاعب، وهذا ما حدث في عهد عثمان بن عفّان، ففي رواية:

قال سعيد بن العاص والي الكوفة: إنما هذا السواد بستان قريش.

فقال الاشتر: أتزعم ان السواد الذي افاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك؟(٢) .

ومن مصاديق هذه الرؤية ان عثمان(أعطى أبا سفيان مائتي ألف من بيت المال)(٣) .

________________

(١) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الامصار ج١٤:١٧٩.

(٢) الكامل في التاريخ ٣ : ١٣٩.

(٣) شرح نهج البلاغة ١ : ١٩٩.


وتقنين الاستئثار بالأموال أو التلاعب في توزيعها دون الاستناد إلى ثوابت المنهج الاقتصادي الإسلامي أثار غضب الصحابة المبدئيين الذين تحمّلوا مسؤولية الإصلاح كما أثار غضب عموم الناس.

فكان الصحابي أبو ذر الغفاري يدعو إلى تطبيق العدالة الإسلامية، فحينما أعطى عثمان مروان بن الحكم وغيره أموالا طائلة من بيت المال، جعل أبو ذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع: بشر الكافرين بعذاب اليم، ويرفع بذلك صوته، ويتلو قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }(١) .

فرفع ذلك إلى عثمان مرارا وهو ساكت، ثم انه أرسل له مولى من مواليه:

أن انته عما بلغني عنك، فقال أبو ذر: اوَينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله تعالى، وعيب من ترك امر الله تعالى! فوالله لأن أرضى الله بسخط عثمان أحب اليّ وخير لي من ان اسخط الله برضا عثمان.

فاغضب عثمان ذلك واحفظه، فتصابر وتماسك، إلى أن قال عثمان يوماً، والناس حوله: أيجوز للإمام ان يأخذ من المال شيئاً قرضاً، فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك، فقال أبو ذر: يا بن اليهوديين، أتعلمنا ديننا! فقال عثمان: قد كثر أذاك لي وتولعك بأصحابي، الحق بالشام فنفاه إلى الشام، فكان ينكر على معاوية أشياء يفعلها، وكان يقول: والله لقد حدثت أعمال ما اعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيّه صلى الله عليه واله ، والله انّي لأرى حقّاً يطفأ، وباطلاً يحيا، وصادقاً مكذباً وأثرة بغير تقى، وصالحاً مستأثراً عليه.

وحنيما جيء به إلى معاوية، قال له: يا عدو الله وعدو رسوله! تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع...

فقال أبو ذر: ما أنا بعدو لله ولا لرسوله، بل أنت وأبوك عدوان لله ولرسوله، أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر، ولقد لعنك رسول الله صلى الله عليه واله ودعا عليك مرّات ألاّ تشبع...

فأمر معاوية بحبسه، وكتب إلى عثمان فيه، فكتب عثمان إليه: أن احمل جندباً إلي، على أغلظ مركب وأوعره، فوجّه به مع من

________________

(١) سورة التوبة: ٣٤.


سار به الليل والنهار، وحمله على ناقة ليس عليها إلاّ قتب؛ حتى قدم به المدينة، وقد سقط لحم فخذيه من الجهد(١) .

فلما دخل عليه وعنده جماعة، قال: بلغني أنك تقول: سمعت رسول الله يقول((إذا كملت بنو اميّة ثلاثين رجلاً اتخذوا بلاد الله دولاً، وعباد الله خولاً، ودين الله دخلاً)) فقال: نعم! سمعت رسول الله يقول ذلك... فلم يقم بالمدينة إلاّ أياما حتى ارسل اليه عثمان: والله لتخرجنّ عنها!

قال: أتخرجني من حرم رسول الله؟

قال: نعم وأنفك راغم.

قال فإلى مكة؟ قال: لا!، قال: فإلى البصرة؟ قال: لا!، قال فإلى الكوفة؟ قال: لا! ولكن إلى الربذة التي خرجتَ منها حتى تموت بها(٢) .

فلولا الإستئثار بالأموال والتلاعب بها وتقنين هذا التلاعب لما كانت فرصة متاحة للمعارضين، ولو إلتزم عثمان وولاته بالقاعدة الإسلامية في التوزيع لتوثقت العلاقة بينه وبين الصحابة وعموم الناس، ولأصبحوا حماةً له ولحكومته، ولما آل مصيره إلى الثورة المسلحة عليه ومن ثمّ قتله

تعدد اتجاهات المعارضين :

________________

(١) شرح نهج البلاغة ٨: ٢٥٦ ـ ٢٥٨.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٧٢.


وطعن جماعة من الصحابة على عثمان ، لأنّه آثر أقاربه الأموال والهدايا، فكان أبو ذر الغفاري يقول : (والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا سُنّة نبيّه، والله إني لأرى حقاً يُطفأ وباطلاً يحيا، وصادقاً مكذّباً، وأثرة بغير تقى، وصالحاً مستأثراً عليه)(١)

وقال عثمان ذات مرّة لأبي ذر : (لا أنعم الله بك عيناً يا جنيدب... أنت الذي تزعم أنّا نقول : إنّ يد الله مغلولة...) فقال أبو ذر : (لو كنتم لا تزعمون لأنفقتم مال الله على عباده ، ولكني أشهدُ لسمعت رسول الله صلّى الله عليه واله يقول: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً جعلوا مال الله دولاً، وعباد الله خولاً، ودين الله دخلاً فقال عثمان: (ويلك يا أبا ذر! أتكذب على رسول الله) فقال أبو ذر: (أحدثكم أني سمعت هذا من رسول الله صلّى الله عليه واله ثم تتهمونني ! ما كنت أظنَّ أني أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد صلّى الله عليه واله)(٢)

هذا وقد قال الصادق الأمين صلّى الله عليه واله في حقّ أبي ذر : ‎ ما أظلت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر والأدهى من ذلك هو طرد أبي ذرّ من مدينة رسول الله صلّى الله عليه واله على يد طريد رسول الله صلّى الله عليه واله وابن طريده مروان بن الحكم(٣)

واشتد الطعن على عثمان، ففي ذات مرّة صلّى عثمان بالناس، فلما كبَّر قالت أم المؤمنين عائشة: (يا أيُّها الناس... تركتم أمر الله وخالفتم عهده)، ثم صمتت وتكلمت أم المؤمنين حفصة بمثل ذلك، فلما أتم عثمان الصلاة أقبل على الناس، وقال: (إنَّ هاتين لفتّانتان، يحلّ لي سبُّهما، وأنا بأصلهما عالم)(٤)

________________

(١) شرح نهج البلاغة ٨: ٢٥٦ ـ ٢٥٨.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٧٢.

(٣) شرح نهج البلاغة ٨: ٢٥٦ ـ ٢٥٨.

(٤) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٧٢.


وتجاوز الطعن إلى التصريح بكفر عثمان من قبل إحدى نساء النبي صلّى الله عليه واله وهي عائشة حيثُ كانت تفتي بقتله وتقول: (اقتلوا نعثلاً فقد كفر)(١)

وكثر الطعن عليه (ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد)( ٢ ) . وكان طلحة بن عبيدالله من ضمن الطاعنين على عثمان حتى اجتمع عليه بعض الطاعنين، فأمسك بمفاتيح بيت المال والناس حوله، فلما سمع الإمام عليّ عليه السلام بالخبر قام بكسر باب بيت المال وتوزيع مافيه، فتفرق الجمع عن طلحة وانصرفوا عنه، وسمع عثمان بذلك فأبدى رضاه وسروره، وجاء طلحة ودخل على عثمان، فقال عثمان: (والله ما جئت تائباً، ولكن جئتَ مغلوباً، الله حسيبك يا طلحة)( ٣ ) .

وكتب جمع من أهل المدينة من (الصحابة وغيرهم إلى من بالآفاق منهم: إن أردتم الجهاد فهلمّوا إليه، فإنّ دين محمد صلّى الله عليه واله قد أفسده خليفتكم فأقيموه)( ٤ ) .

اعتبار السلطة ملكا وليس مسؤولية

السلطة والحكومة في الإسلام مسؤولية وتكليف شرعي لتوجيه الناس وقيادتهم لتطبيق المنهج الإسلامي في واقع الحياة، وليس الحاكم إلا فرداً من أفراد الأمة تحمل هذه المسؤولية للنهوض بها، وليس له امتياز عليها، ولكن حينما تتحول السلطة إلى ملك أو ملكية فان المفاهيم والقيم والموازين الإسلامية تفقد سلامتها فلا يبقى الا الاضطراب الذي هو مقدّمة لإراقة الدماء بسبب حب السلطة والسعي للبقاء في قمتها.

حينما اجتمع عثمان مع بني أمية في بداية حكومته قال أبو سفيان: ((يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا قيامة))( ٥ ) .

ولكن عثمان اكتفى بنهره ولم يقدمه للمحاكمة بتهمة الارتداد، ولم يقاطعه أيضاً، بل كان الغالب على أمره (مروان بن الحكم و

________________

(١) تاريخ الطبري ٤ : ٤٥٩ والكامل في التاريخ ٣ : ٢٠٦

(٢) تاريخ الطبري ٤ : ٣٣٦

(٣) الكامل في التاريخ ٣ : ١٦٧

(٤) الكامل في التاريخ ٣ : ١٦٨

( ٥ ) شرح نهج البلاغة ٩ : ٥٣.


أبو سفيان)(١) .

والنظرة إلى السلطة والحكومة نظرة الملك والملكية ظاهر من تصريحات اغلب الولاة ومنهم الوليد بن عقبة، وهذا ظاهر من الرواية التالية:

عزل عثمان سعد بن أبي وقاص عن ولاية الكوفة واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط فلما قدم قال له سعد: أكستَ بعدنا أم حمقنا بعدك؟ فقال: لاتجزعنّ يا أبا اسحاق، كل ذلك لم يكن وإنّما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه آخرون.

فقال سعد: أراكم جعلتموها ملكاً( ٢ ) .

حيث جعلوا من المنصب ملكاً، وهذا واصح من الناحية العملية، حيث توزعت المناصب على بني أمية وابعد عنها الكثير من المهاجرين والأنصار من أصحاب التقوى والنزاهة والكفاءة.

فمروان بن الحكم يعد الشخصية الثانية بعد عثمان بن عفّان، وقد قال للمعارضين:((جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا))( ٣ ) .

عدم الاستجابة لدعوات اصلاح الأوضاع

المصلحة الإسلامية العليا وكذلك مصلحة الحكومة والحاكم تستلزم الاستجابة لمطاليب المعارضة وخصوصاً إذا كانت عادلة ومنسجمة مع القران والسنة؛ فيحقق الحاكم من خلالها جملة من المكاسب والنتائج الايجابية:

١ـ العودة إلى الاستقامة.

٢ـ توثيق العلاقة مع الآخرين.

________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٧٣.

(٢) الكامل في التاريخ ٣ : ٨٣.

(٣) المصدر السابق ٣ : ١٦٥.


٣ـ إصلاح الواقع.

٤ـ توقف نشاط المعارضة المخالف للحاكم.

٥ـ غلق الثغرات أمام المتربصين.

٦ـ التعاون في البناء والأعمار والإصلاح.

فحينما تجد المعارضة أذناً صاغية لمطالبها فانّها تتوقف عن نشاطاتها لتتحول إلى تسديد وترشيد هادئ، أما إذا لم تجد أذناً صاغيه، أو تواجه بشتيمة أو اهانة أو تهديد فانها ستزداد وتيرتها وتلتجأ إلى أساليب أشد قسوة أو تتحول إلى معارضة مسلحة.

وفي موضوع معارضة عثمان بن عفان من قبل بعض الصحابة والتابعين وجدنا أنّه قابلهم بشتيمة ولم يتراجع عن سياسته، ففي رواية تاريخية انّه: ارسل جمع من المسلمين عامر بن عبد القيس إلى عثمان، فقال له: إن أناساً من المسلمين اجتمعوا ونظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت اموراً عظاماً، فاتّق الله وتب إليه.

فقال عثمان: انظروا إلى هذا فانّ الناس يزعمون انّه قارئ ثم هو يجيء يكلّمني في المحقّرات، والله ما يدري أين الله.

فقال عامر: بلى والله إنّي لأدري إن الله لبالمرصاد(١) .

وحينما اجتمع بعض المعارضين وكتبوا كتاباً، وأعطوا الكتاب إلى عمّار بن ياسر، فلما دخل على عثمان، فقال مروان:((هذا العبد الأسود قد جرّأ عليك الناس، وإنّك إن قتلته نكلت به من ورائه)).

قال عثمان: (اضربوه) فضربوه وضربه عثمان حتى فتقوا بطنه، فغشي عليه، فجرّوه حتى طرحوه على باب الدار))( ٢ ) .

وتطور الأمر فجعل البعض يطعن بالوالي وبعثمان في مجالسهم وكثر من يجلس معهم، فكتب الوالي إلى عثمان في إخراجهم،

________________

(١) المصدر السابق ٣ : ١٤٩.

(٢) الامامة والسياسة ١ : ٣٣.


فكتب عثمان بإخراجهم إلى معاوية، ثم بعد ذلك كتب عثمان إلى معاوية بردّهم إلى الكوفة، ثم كتب إليه بعد مدّة إرسالهم إلى حمص(١) .

عدم تقبّل نصيحة الامام علي عليه السلام

تبنى الإمام علي عليه السلام دور الحياد ودور الوساطة بين المعارضين وعثمان، وأبلغ في نصيحة عثمان الا انه لم يستجب له ، وقد تحدث المؤرخون انه: تكاتب نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وغيرهم بعضهم إلى بعض: أن أقدموا فانّ الجهاد عندنا، وعظم الناس على عثمان ونالوا منه، ثم اجتمعوا فكلّموا ـ الامام ـ عليّ بن أبي طالب عليه السلام فدخل على عثمان فقال له:((...إن أفضل عباد الله امام عادل هُدي وهدى فأقام سنّة معلومة وأمات بدعة متروكة... وان شر الناس عند الله أمام جائر ضل وأضل فأمات سنة معلومة واحيا بدعة متروكة ، واني احذرك أن تكون إمام هذه الأمة الذي يقتل فيفتح الله عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، ويلبّس أمورها عليها ويتركها شيعاً لا يبصرون الحق لعلو الباطل...)).

وبعد حوار بينهما قال الإمام علي عليه السلام:((إن معاوية يقتطع الأمور دونك ويقول للناس هذا أمر عثمان، وأنت تعلم ذلك فلا تغير عليه)).

ثم خرج الإمام عليه السلام من عنده وخرج عثمان على أثره فجلس على المنبر ثم قال:((...إن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيّابون طعّانون... ألا فقد والله عبتم عليّ ما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنه وطأكم برجله وضربكم بيده وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم ، ولنت لكم... فاجترأتم علي، أما والله لأنا أعزّ نفراً وأقرب ناصراً وأكثر عدداً...)).

فقام مروان بن الحكم فقال:((إن شئتم حكّمنا والله ما بيننا وبينكم السيف)).

فقال عثمان:(( اسكت لاسكتّ، دعني وأصحابي، ما منطقك في هذا، الم أتقدّم إليك أن لا تنطق)).

فسكت مروان ونزل عثمان عن المنبر، فاشتدّ قوله على الناس وعظم وزاد تألبهم عليه( ٢ ) .

________________

(١) الكامل في التاريخ ٣ : ١٤٩.

(٢) لكامل في التاريخ ٣ : ١٥٣ ، الامامة


دور البطانة الفاسدة في تأزّم الاوضاع

البطانة أو الحاشية لها تأثير على اغلب القادة والحكام سواء كانت صالحة أو طالحة، فالصالحة توجهه للصلاح في الواقع، وتمنعه من أي خطأ أو زلل، وتشجعه على الاعتراف بأخطائه للحيلولة دون تكرارها.

أما البطانة الطالحة أو الفاسدة فإنها تزين له قوله وفعله وان كان خاطئا، وخصوصاً ما يتعلق بمصالحها الآنية والمستقبلية، وتوصل له المعلومات غير الصحيحة عن سيرته وسيرة رعيته، وتزيّف له الحقائق، وهذا وللأسف ما يحدث بالفعل في كثير من الدول والحكومات، وممّا يؤسف له أن يصبح الحاكم أداة بيد البطانة، فيأخذ برأيها واحياناً تتجاوز بعض البطانات الحدود فتصبح هي الآمرة والناهية بعلم الحاكم أو بدون علمه، فتصدر الأوامر لتلبس على الناس أو توحي لهم بانها من إصدار الحاكم أو تنهى عن آراء أو مواقف وتنسيها إلى الحاكم، وتتجازو بعض البطانات والحواشي الحدود لتزوَر الكتب والرسائل وتنسبها إلى الحاكم مستغلة ثقته بها أو ضعفه أولا مبالاته.

خرج عثمان إلى المعارضين ، فقال: ((أنا أول من اتعظ، استغفر الله مما فعلت وأتوب إليه.. فوالله لئن ردّني الحقّ عبداً لأستنّنّ بسنّة العبد ولأذلنّ ذلّ العبد وما عن الله مذهب إلاّ اليه، فوالله لأعطينكم الرضا ولأنحينّ مروان وذويه ولا احتجب دونكم)).

فرقّ الناس وبكوا حتى أخضبوا لحاهم وبكى هو أيضاً.

ولما رجع إلى منزله قال له مروان:((والله لإقامة على خطيئة يستغفر منها أجمل من توبة يخوّف عليها...)).

فقال عثمان: ((فاخرج عليهم فكلمهم فانّي استحي أن اكلمهم)).

فخرج مروان فقال: ((... شاهت الوجوه... جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا، اخرجوا عنّا، والله لئن رمتمونا ليمّرن عليكم منا أمر لا يسركم ولا تحمدوا غبّ رأيكم، إرجعوا إلى منازلكم فانا والله ما نحن بمغلوبين على ما في أيدينا)).

فرجع الناس واتى بعضهم علياً عليه السلام فأخبره الخبر ثم دخل على عثمان فقال له:((اما رضيت من مروان ولا رضي منك

________________

اوالسياسة ١ : ٢٨.


إلاّ بتحرّفك عن دينك وعقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به؟ والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه! وايم الله إنّي لأراه يوردك ولا يصدرك، وما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذْهبتَ شرفك وغُلبت على رأيك)).

فلما خرج الامام عليه السلام قالت له امراته نائلة:((... تتقي الله وتتبع سنة صاحبيك، فانّك متى اطعت مروان قتلك، ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبة، وانما تركك الناس لمكانه))(١) .

خطط عثمان لموجهة المعارضة

أرسل عثمان إلى بعض ولاته، فقال لهم: إن لكل امرئ وزراء ونصحاء وأنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما قد رأيتم، وطلبوا إليّ أن اعزل عمّالي وأن ارجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون، فاجتهدوا رأيكم.

فقال له ابن عامر: أرى لك يا أمير المؤمنين أن تشغلهم بالجهاد عنك حتى يذلوا لك ولا يكون همّة احدهم إلا في نفسه وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته.

وقال سعيد بن العاص: أحسن عنك الداء فاقطع عنك الذي تخاف، إنّ لكلّ قوم قادة متى تهلك يتفرّقوا ولا يجتمع لهم امر.

وقال معاوية: أشير عليك أن تأمر أمراء الأجناد فيكفيك كل رجل منهم ما قبله وأكفيك أنا أهل الشام.

وقال عبد الله بن سعد: ان الناس أهل طمع فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم.

ثم قام عمرو بن العاص فقال: يا امير المؤمنين إنّك قد ركبت الناس بمثل بني أمية فقلت وقالوا وزغت وزاغوا، فاعتدل أو اعتزل.

فقال له عثمان: ما لك قمل فروك؟ أهذا الجدّ منك؟ فسكت حتى تفرقوا، فقال: والله يا أمير المؤمنين لانت أكرم علي من ذلك ولكني علمت ان بالباب من يبلغ لنا قول كل رجل منّا فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي فأقود إليك خيراً وأدفع عنك شرّاً.

________________

(١) تاريخ الطبري ٤ : ٩٣ ، الكامل في التاريخ ٣ : ١٦٣ ـ ١٦٦.


فردّ عثمان عماله إلى أعمالهم وأمرهم بتجهيز الناس في البعوث(١) .

وحينما تشتد المعارضة للحاكم ولم يستجب لها بسبب عدم استطاعته التخلي عن بطانته أو التراجع عن قراراته ظناً منه أنه بداية التنازل عن موقعه أو سلطته لأنّ المعارضة ـ وبحسب ظنّه ـ سوف تطالبه بمطالب جديدة وتساومه إلى ان تضعف قوته، فيلتجأ إلى أساليب وخطط لإضعافها أو إيقافها، ولو فكر جيداً لوجد أنّ إصلاح الأوضاع كفيل بإنهاء المعارضة.

وما تحدّث به عمرو بن العاص يناغي مشاعر المعارضة التي تطالب بالاعتدال أو الاعتزال.

ولو عمل عثمان بما طالبته به المعارضة لكان خيرا له ولها وللمسلمين وللإسلام، ولما حدثت اضطرابات من بعده سفكت بها الدماء وتشتت بها الألفة وتمزقت الصفوف، ولم تكن مطالب المعارضة عسيرة عن التحقيق، فعزل الولاة بولاة صالحين يساهم في إيقاف المعارضة وبقاء الحاكم في السلطة لفترة أطول ولحين وفاته.

الاستبداد مقدّمة للخلع أو القتل

استبداد الحاكم برأيه وموقفه يوصله إلى التهلكة أما بخلعه وإقالته عن منصبه أو قتله ، وهو في كلا الحالتين يخسر جميع ما كان يتمتع به من مال وسلطان، فلو انفق الأموال في حقها وحسب ثوابت القران والسنة لاستمر في حكمه، ولو عيّن الصالحين وعزل الطالحين لاستمر في حكمه.

حينما اشتدت الأزمة بين عثمان والطاعنين عليه دخل عليه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وقال له: (( ‎ أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلاّ بتحرّفك عن دينك وعن عقلك مثل الظعينة يقاد حيثُ يُسار به، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه! وأيم الله إنّي لأراه يوردك ولا يصدرك...))( ٢ ) .

________________

(١) تاريخ الطبري ٤ : ٧١ ، الكامل في التاريخ ٣ : ١٥٠.

( ٢ ) تاريخ الطبري ٤ : ٣٦٢ والكامل في التاريخ ٣ : ١٦٥ ـ ١٦٦


وتدخّل الإمام عليّ عليه السلام لتهدئة الأزمة وقال لطلحة: ‎ أنشدك الله إلاّ رددت الناس عن عثمان!، فرفض طلحة نصيحة الإمام عليّ؛ وقال: (لا والله حتى تعطيني بنو أُمية الحقّ من أنفسها)(١)

وكلّم الإمام عليّ عليه السلام القادمين من الأمصار ووعدهم بإصلاح الأوضاع من قبل عثمان، فخرجوا من المدينة، وفي طريقهم إلى مصر أمسكوا بغلام عثمان وعنده كتاب مختوم بختم عثمان يأمر فيه والي مصر بقتلهم، فجاءوا بالكتاب إلى عثمان فأنكر كتابته له، وقيل: إنَّ مروان قد كتبه باسم عثمان، فقالوا له: (ما أنت إلاّ صادق أو كاذب، فإن كنت كاذباً فقد استحققت الخلع لما أمرت به من قتلنا بغير حق، وإن كنت صادقاً فقد استحققت أن تخلع نفسك لضعفك عن هذا الأمر وغفلتك وخبث بطانتك.. فاخلع نفسك منه كما خلعك الله) فقال: (لا أنزع قميصاً ألبسنيه الله، ولكني أتوب وأنزع)، فقالوا: (لو كان هذا أوّل ذنب تبت منه قبلنا، ولكنّا رأيناك تتوب ثم تعود، ولسنا منصرفين حتى نخلعك أو نقتلك أو تلحق أرواحنا بالله تعالى)( ٢ ) .

ثم ارجع الإمام علي عليه السلام المعارضين بعد ان تعهد عثمان بإصلاح الأوضاع، فخرج المصريون من المدينة ثمّ عادوا، فلما عادوا سألهم محمد بن مسلمة عن سبب عودتهم، فأخرجوا صحيفة في أنبوبة رصاص وقالوا: وجدنا غلام عثمان على بعير من ابل الصدقة، ففتشنا متاعه فوجدنا فيه هذه الصحيفة يأمر فيها بجلد عبد الرحمن بن عديس وعمرو بن الحمق وعروة بن البياع وحبسهم وحلق رؤوسهم ولحاهم وصلب بعضهم.

وحضروا مع الامام علي عليه السلام ومحمد بن مسلمة عند عثمان، فأقسم بالله: ما كتبته ولا علم لي به.

فقال محمد: صدق، هذا من عمل مروان.

فقال المعارضون: فيجترأ عليك ويبعث غلامك وجملاً من الصدقة وينقش على خاتمك.

ويبعث إلى عاملك بهذه الأمور العظيمة وأنت لا تعلم؟ قال: نعم.

قالوا: ما أنت إلا صادق أو كاذب، فان كنت كاذباً فقد استحققت الخلع لما أمرت به من قتلنا بغير حق، وان كنت صادقاً فقد استحققت أن تخلع نفسك لضعفك عن هذا الأمر وغفلتك وخبث بطانتك... فاخلع نفسك منه.

________________

(١) الكامل في التاريخ ٣ : ١٨٣

( ٢ ) المصدر السابق ٣ : ١٩٦


فقال: لا انزع قميصاً ألبسنيه الله, ولكنّي أتوب وأنزع.

قالوا: ولكنّا رأيناك تتوب ثم تعود ولسنا منصرفين حتى نخلعك أو نقتلك أو تلحق أرواحنا بالله تعالى.

ثمّ تدّخل الامام علي عليه السلام ، فكتب عثمان كتاباً على رد كل مظلمة وعزل كل عامل كرهوه.

فكف الناس عنه، فجعل يتأهب سراً للقتال ويستعد بالسلاح واتخذ جنداً ، فلما مضت الأيام الثلاثة ولم يغير شيئاً ثار به الناس بعد عودتهم وطلبوا منه عزل عماله، فقال:((إن كنت مستعملاً من أردتم وعازلاً من كرهتم فلست في شيء والأمر أمركم)).

فقالوا: والله لتفعلنّ أو لتخلعنّ أو لتقتلنّ، فأبى عليهم، وقال:((لا انزع سربالاً سربلنيه الله))، فحصروه وإشتدّ الحصار عليه.. فكانت مدّة الحصار أربعين يوماً(١) .

وبقي عثمان مصراً على آرائه ومواقفه إلى أن أوصلته إلى هذه النهاية المأساوية.

رمى كثير بن الصلت الكندي احدهم بسهم فقتله، فقالوا لعثمان: ادفع إلينا قاتله لنقتله به.

قال: لم أكن اقتل رجلاً نصرني وأنتم تريدون قتلي، فكانت النتيجة قتل عثمان( ٢ ) .

وكان المفروض ان يجيب عثمان المعارضين بالقول بانّه سيسلم لهم القاتل ليحاكموه حسب الدستور، ولكن لا أدري بماذا أفسر موقفه هذا وهو محاصر وهو قريب من القتل المؤكد الوقوع، وهذا ما كان يتوقعه عثمان.

كتب عثمان إلى معاوية يسأل تعجيل القدوم عليه، فتوجه اليه في اثنى عشر الفاً، ثم قال: كونوا بمكانكم في اوائل الشام، فأتى عثمان فقال: قدمت لأعرف رأيك وأعود اليهم فأجيئك بهم.

قال عثمان: لا والله، ولكنك أردت أن أقتل فتقول: أنا وليّ الثأر ، إرجع فجئني بالناس.

________________

(١) تاريخ الطبري ٤ : ١٠٦ ، الكامل في التاريخ ٣ : ١٧٠ ـ ١٧٢.

( ٢ ) الكامل في التاريخ ٣ : ١٧٥.


فرجع فلم يعد اليه حتى قتل(١) .

فحوصر عثمان من قبل المسلحين أربعين يوماً ثم قتلوه، وكان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه واله منهم من حرَّض على المعارضة له ، وعلى رأسهم عائشة وحفصة وعمّار بن ياسر وعبدالله بن مسعود وطلحة والزبير وعمرو بن العاص. ومنهم من حاصره ولم يقدم على قتله. ومنهم من اشترك في قتله أيضاً كعبدالرحمن بن عديس، وكان أمير القادمين لقتله، وهو ممّن بايع رسول الله صلّى الله عليه واله تحت الشجرة( ٢ ) ومنهم من كان هواه في قتل عثمان، كمعاوية بن أبي سفيان( ٣ ) ليتخذ قتله ذريعة للوصول إلى الخلافة، حيثُ تربّص به وأقرّ الجيش الذي بعثه لنصرته( ٤ )

معركة الجمل

اتخذ البعض مقتل عثمان بن عفان ذريعة للتمرد على خلافة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام سواء من قبل المحرضين على عثمان أو من المتربصين بقتله، في ظرف مضطرب لا استقرار فيه، وبدلاً من انتظار استقامة الظروف وهدوء الأوضاع الصاخبة، خرج بعض الصحابة، وأحدثوا فتنة بين المسلمين متمردين فيها على الخلافة الشرعية

فالطلب بدم عثمان ذريعة غير مشروعة وغير منطقية، استثمرها هؤلاء للتمرد على حكومة الإمام علي عليه السلام، وهذا حال جميع الطامعين بالسلطة أو الراغبين في الحصول على امتيازات قد يحرمون منها في ظل عدالة الحكومة القائمة.

فبعد مقتل عثمان اصبح الإمام علي عليه السلام الخليفة المتصدي لقيادة الحكومة والدولة، وهو مفترض الطاعة على رأي الشيعة لأنّه منصّب من قبل الله تعالى ومن قبل رسول الله صلّى الله عليه واله، وهو الخليفة المنتخب من أهل الحل والعقد القاطنين في عاصمة الدولة الإسلامية وهي المدينة؛ على رأي السنة، ولذا فان تصريحاته هي الفيصل وهي الدستور، وهي تصريحات منسجمة مع الوقائع والأحداث التي شهدها المسلمون، وقد صرح حول دور المطالبين بدم عثمان في التحريض عليه أو خذلانه.

________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٧٥.

( ٢ ) الكامل في التأريخ ٣ : ٢٨٧ وتاريخ المدينة المنورة ٤ : ١١٥٥

( ٣ ) تاريخ المدينة المنورة ٤ : ١١٥٣

( ٤ ) الكامل في التاريخ ٣ : ١٧٠


قال عليه السلام:((وإنهم ليطلبون حقاً هم تركوه ودماً هم سفكوه، فلئن كنت شريكهم فيه فانّ لهم لنصيبهم منه، ولئن كانوا ولّوه دوني، فما التبعة الاّ عندهم..))(١) .

وحول موقف طلحة قال عليه السلام:

((والله ما استعجل متجرداً للطلب بدم عثمان إلاّ خوفاً من أن يطالب بدمه، لأنه مظنّته، ولم يكن في القوم احرص عليه منه، فأراد أن يغالوا بما اجلب فيه ليتلبس الأمر ويقع الشك.

ووالله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث: لئن كان ابن عفّان ظالماـ كما كان يزعم ـ لقد كان ينبغي له أن يوازر قاتليه، ولئن كان مظلوماً لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه والمعذّرين فيه، ولئن كان في شك من الخصلتين، لقد كان ينبغي له ان يعتزله ويركد جانباً، ويدع الناس معه، فما فعل واحدة من الثلاث، وجاء بأمر لم يعرف بابه، ولم تسلم معاذيره))( ٢ ) .

التحالف ضمن المصالح المشتركة

من خلال الشواهد والتصريحات الواقعية التي لا تقبل التأويل نستنتج ان المطالبة بدم عثمان لم تكن إلاّ مبرراً لشرعنة التمرّد، فقد كان موقفاً مع سبق الإصرار، وبعد إلقاء الحجة، وكان المطالبون بدمه يعون الحقيقة الا أنهم تناسوها أو ان رغباتهم أقنعتهم بأحقيتهم، أو أنهم أرادوا التنصل عن التحريض عليه لكي لا يطالبون بدمه من قبل ذويه أو من قبل القضاء.

قال كعب بن سور إلى طلحة والزبير:((إن يكن عثمان قتل ظالماً، فما لكما وله؟ وإن كان قتل مظلوماً فغيركما أولى به، وان كان أمره أشكل على من شهده، فهو على من غاب عنه أشكل))( ٣ ) .

كتب المنذر بن ربيعة إلى طلحة والزبير:((إنما اوجب حقّ عثمان اليوم حقه أمس وقد كان بين أظهركم فخذلتموه، فمتى استنبطتم هذا العلم وبدا لكم هذا الرأي))( ٤ ) .

وقال أبو الأسود الدؤلي لطلحة:((إن كان قتل عثمان صواباً فمسيركم لماذا؟ وإن كان خطأ فحظكم منه الأوفر، ونصيبكم منه

________________

(١) نهج البلاغة: ٦٣.

( ٢ ) نهج البلاغة: ٢٤٩.

( ٣ ) الامامة والسياسة ١: ٦١.

( ٤ ) الامامة والسياسة ١: ٦١.


الأوفى))(١) .

وروي إن عائشة لما بلغها قتل عثمان قالت:((أبعده الله قتله ذنبه، وأقاده الله بعمله... إن احقّ الناس بهذا الأمر ذو الإصبع)).

فلما جاءت الأخبار ببيعة علي عليه السلام قالت: تعسوا تعسوا، لا يردّون الأمر في تيم ابداً)).

وكتب طلحة والزبير إليها: أن خذّلي الناس عن بيعة عليّ وأظهري الطلب بدم عثمان، فلما قرأت الكتاب أظهرت الطلب بدم عثمان( ٢ ) .

وسألت عائشة عبيد بن أبي سلمة عن الأخبار فأجابها بأن الناس اجتمعوا على بيعة علي.

فقالت: ليت هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك، فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبنّ بدمه.

فقال لها: والله ان أول من أمال حرفه لانت، ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر.

قالت: أنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأول.

والظاهر أن دور هؤلاء في التحريض على عثمان كان من المسلّمات عند أغلب الناس بما فيهم أتباعه، ففي رواية لقي سعيد بن العاص بن الحكم ومعه جماعة، فقال: أين تذهبون وتتركون ثأركم على أعجاز الإبل وراءكم؟ يعني عائشة وطلحة والزبير، أقتلوهم ثم ارجعوا إلى منازلكم.

فقالوا: نسير فلعلّنا نقتل قتلة عثمان جميعاً( ٣ ) .

ولما تضعضع أهل الجمل قال مروان: لا أطلب ثأر عثمان من طلحة بعد اليوم، فرماه بسهم فقطع عرقاً في ذراعه فجعل الدم يسيل، فانتهى إلى احد دور البصرة فنزلها ومات بها( ٤ ) .

________________

(١) الإمامة والسياسة ١: ٦٤.

( ٢ ) شرح نهج البلاغة ٦: ٣٥٤.

( ٣ ) الكامل في التاريخ ٣: ٢٠٩، تاريخ الطبري ٤: ١٥٧.

( ٤ ) شرح نهج البلاغة ٩: ٨٦.


فمروان كان مع عائشة وطلحة والزبير متمرداً على الإمام عليّ عليه السلام تحت ذريعة المطالبة بدم عثمان ولكنّه تحين الفرصة فقتل طلحة، واعترف في وقت متأخر ببرائة الإمام عليه السلام من دم عثمان، وهذا هو الظاهر من حديثه مع الإمام زين العابدين عليه السلام، حيث قال له:((ما كان احد اكف عن صاحبنا من صاحبكم)).

فقال له الإمام عليه السلام:((فَلِمَ تشتمونه على المنابر؟)).

قال:((لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك))(١) .

تحالف هؤلاء المتمردون بلا وحدة هدف ولاوحدة انتماء ولكن جمعتهم المصالح الذاتية والانية،فاجتمع المختلفون والخصوم والاعداء في شعار واحد واهداف معلنة واحدة وتوحدوا في جبهة واحدة،وهذا حال جميع التمردات على الحكومات العادلة او الجائرة.

ومعركة الجمل واحدة من وقائع التاريخ قادها جمع من الشخصيات متمردين فيها على الامامة والخلافة الشرعية، ورفعوا شعاراً أو طالبوا بمطلب ليس من حقهم المطالبة به ابتداءً وبالأسلوب الذي اختاروه دون الرجوع إلى القضاء أو دون الانتظار لحين استقرار الدولة، فندم بعضهم في بداية المعركة وآخرون بعد انتهائها لأنهم لم يقدّروا النتائج، ولكن لم ينفع الندم بعد حدوث شرخ بين المسلمين كان مقدمة لشروخ أخرى.

وفي هذا الموضوع سنتطرق إلى معركة الجمل لنستلهم منها دروساً وعبراً واهمها عدم عدالة من خرج على امام زمانه، ولا نستهدف الطعن بشخصية من الشخصيات بل نتابع المسيرة حسب ما ورد في مصادر التاريخ ونعود إلى الثوابت الإسلامية في تقييم الأحداث والأشخاص لنصف كل شخص بما يستحقه من قربه وبعده عن هذه الثوابت.

كانت عائشة في مقدمة المحرضين على معارضة عثمان، فقد روى اليعقوبي أن عثمان قام يوماً ليخطب إذ دلّت عائشة قميص رسول الله صلّى الله عليه واله ونادت:((يا معشر المسلمين هذا جلباب رسول الله لم يبل، وقد أبلى عثمان سنته)).

وكان أكثر من يؤلّب عليه طلحة والزبير وعائشة( ٢ ) .

وكانت تقول له:((يا عثمان أكلت امانتك وضيّقت رعيتك وسلطت عليهم الأشرار من أهل بيتك، لاسقاك الله الماء من فوقك

________________

(١) شرح نهج البلاغة ١٣: ٢٢٠.

( ٢ ) تاريخ اليقعوبي ٢ : ١٧٥.


وحرمك البركة من تحتك! اما والله لو لا الصلوات الخمس لمشى إليك قوم ذو بصائر يذبحوك كما يذبح الجمل)).

وكانت تقول:((إقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً))(١) .

ولما خرجت تريد مكة لقيها عبد الله بن عباس، فقالت له:((انك قد أوتيت عقلاً وبياناً فإياك أن ترد الناس عن قتل هذا الطاغي عثمان، فاني اعلم انه سيشأم قومه كما شأم أبو سفيان قومه يوم بدر)).

ثم أنها مضت إلى مكة وتركت عثمان على ما هو فيه من ذلك الحصار والشدة( ٢ ) .

فعائشة لها حقّ تبيان وجهة نظرها المعارضة لسياسة عثمان باعتبارها كمسلمة وكزوجة رسول الله صلّى الله عليه واله ، فمن مسؤوليتها الأمر بالمعروف والنهي عن النكر، والدعوة إلى إصلاح الواقع، إلاّ أنّه ليس من حقّها التحريض على قتل الحاكم لأنّه ليس من صلاحيتها ؛ لأنّ مثل هذا القرار لا يصدر من قبل أي كان، فهنالك شخصيات عديدة يمكنها بل يجب عليها التدخّل لإصلاح الواقع، وعلى رأسها الإمام عليّ عليه السلام فقد تدخل لإصلاح الواقع وكان وسيطاً بين الحاكم أو الخليفة وبين المعارضين، وكان لا يشجّع على قتله.

موقف طلحة والزبير

كان طلحة أكثر من الزبير شدّة على عثمان وتحريضاً عليه،.

قال الإمام علي عليه السلام لطلحة:(( انشدك الله ألا رددت الناس عن عثمان)).

قال:((لا والله حتى تعطيني بنو أميّة الحقّ من نفسها))( ٣ ) .

وحينما حوصر عثمان قال الإمام عليّ عليه السلام:((يا طلحة ما هذا الأمر الذي وقعت فيه)).

فقال طلحة:((يا أبا الحسن بعد ما مسّ الحزام الطيبين))، فانصرف الإمام علي عليه السلام حتى أتى بيت المال، وأعطى الناس، فانصرفوا من عند طلحة حتى بقي وحده، وسُرّ بذلك عثمان.

________________

(١) كتاب الفتوح ٢ : ٤٢١.

( ٢ ) المصدر السابق: ٢: ٤٢٢.

( ٣ ) الكامل في التاريخ ٣: ١٨٣.


وجاء طلحة فقال لعثمان:(( يا أمير المؤمنين أردت أمراً فحال الله بيني وبينه)).

فقال عثمان:((والله ما جئت تائبا، ولكن جئت مغلوباً الله حسيبك يا طلحة))(١) .

في فترة الحصار مرّ طلحة فناجى عبد الرحمن بن عديس، فقال إبن عديس لأصحابه:((لا تتركوا احداً يدخل على عثمان ولا يخرج من عنده)).

فقال عثمان:((هذا ما أمر به طلحة، والله إنّي لأرجوا أن يكون منها صفراً))( ٢ ) .

تصريحات الإمام علي عليه السلام

الإمام علي عليه السلام كان الخليفة المتصدي لقيادة الحكومة والدولة، وهو مفترض الطاعة على رأي الشيعة لأنّه منصّب من قبل الله تعالى ومن قبل رسول الله صلّى الله عليه واله ، وهو الخليفة المنتخب من أهل الحل والعقد القاطنين في عاصمة الدولة الإسلامية وهي المدينة؛ على رأي السنة، ولذا فان تصريحاته هي الفيصل وهي الدستور، وهي تصريحات منسجمة مع الوقائع والأحداث التي شهدها المسلمون، وقد صرح حول دور المطالبين بدم عثمان في التحريض عليه أو خذلانه.

قال عليه السلام:((وإنهم ليطلبون حقاً هم تركوه ودماً هم سفكوه، فلئن كنت شريكهم فيه فانّ لهم لنصيبهم منه، ولئن كانوا ولّوه دوني، فما التبعة الاّ عندهم..))( ٣ ) .

وحول موقف طلحة قال عليه السلام:

((والله ما استعجل متجرداً للطلب بدم عثمان إلاّ خوفاً من أن يطالب بدمه، لأنه مظنّته، ولم يكن في القوم احرص عليه منه، فأراد أن يغالوا بما اجلب فيه ليتلبس الأمر ويقع الشك.

ووالله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث: لئن كان ابن عفّان ظالماـ كما كان يزعم ـ لقد كان ينبغي له أن يوازر قاتليه، ولئن كان مظلوماً لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه والمعذّرين فيه، ولئن كان في شك من الخصلتين، لقد كان ينبغي له ان يعتزله

________________

(١) المصدر السابق ٣: ١٦٧.

( ٢ ) المصدر السابق ٣: ١٧٤.

( ٣ ) نهج البلاغة: ٦٣.


ويركد جانباً، ويدع الناس معه، فما فعل واحدة من الثلاث، وجاء بأمر لم يعرف بابه، ولم تسلم معاذيره))(١) .

شواهد وتصريحات واقعية

من خلال الشواهد والتصريحات الواقعية التي لا تقبل التأويل نستنتج ان المطالبة بدم عثمان لم تكن إلاّ مبرراً لشرعية التمرّد، فقد كان موقفاً مع سبق الإصرار، وبعد إلقاء الحجة، وكان المطالبون بدمه يعون الحقيقة الا أنهم تناسوها أو ان رغباتهم أقنعتهم بأحقيتهم، أو أنهم أرادوا التنصل عن التحريض عليه لكي لا يطالبون بدمه من قبل ذويه أو من قبل القضاء.

قال كعب بن سور إلى طلحة والزبير:((إن يكن عثمان قتل ظالماً، فما لكما وله؟ وإن كان قتل مظلوماً فغيركما أولى به، وان كان أمره أشكل على من شهده، فهو على من غاب عنه أشكل))( ٢ ) .

كتب المنذر بن ربيعة إلى طلحة والزبير:((إنما اوجب حقّ عثمان اليوم حقه أمس وقد كان بين أظهركم فخذلتموه، فمتى استنبطتم هذا العلم وبدا لكم هذا الرأي))( ٣ ) .

وقال أبو الأسود الدؤلي لطلحة:((إن كان قتل عثمان صواباً فمسيركم لماذا؟ وإن كان خطأ فحظكم منه الأوفر، ونصيبكم منه الأوفى))( ٤ ) .

وروي إن عائشة لما بلغها قتل عثمان قالت:((أبعده الله قتله ذنبه، وأقاده الله بعمله... إن احقّ الناس بهذا الأمر ذو الإصبع)).

فلما جاءت الأخبار ببيعة علي عليه السلام قالت: تعسوا تعسوا، لا يردّون الأمر في تيم ابداً)).

وكتب طلحة والزبير إليها: أن خذّلي الناس عن بيعة عليّ وأظهري الطلب بدم عثمان، فلما قرأت الكتاب أظهرت الطلب بدم عثمان( ٥ ) .

________________

(١) نهج البلاغة: ٢٤٩.

( ٢ ) الامامة والسياسة ١: ٦١.

( ٣ ) الإمامة والسياسة ١: ٦١.

( ٤ ) الإمامة والسياسة ١: ٦٤.

( ٥ ) شرح نهج البلاغة ٦: ٣٥٤، ابن أبي الحديد المعتزلي المدائني


وسألت عائشة عبيد بن أبي سلمة عن الأخبار فأجابها بأن الناس اجتمعوا على بيعة علي.

فقالت: ليست هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك، فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبنّ بدمه.

فقال لها: والله ان أول من أمال حرفه لانت، ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر.

قالت: أنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأول.

والظاهر أن دور هؤلاء في التحريض على عثمان كان من المسلّمات عند أغلب الناس بما فيهم أتباعه، ففي رواية لقي سعيد بن العاص بن الحكم ومعه جماعة، فقال: أين تذهبون وتتركون ثأركم على أعجاز الإبل وراءكم؟ يعني عائشة وطلحة والزبير، أقتلوهم ثم ارجعوا إلى منازلكم.

فقالوا: نسير فلعلّنا نقتل قتلة عثمان جميعاً(١) .

ولما تضعضع أهل الجمل قال مروان: لا أطلب ثأر عثمان من طلحة بعد اليوم، فرماه بسهم فقطع عرقاً في ذراعه فجعل الدم يسيل، فانتهى إلى احد دور البصرة فنزلها ومات بها(٢) .

فمروان كان مع عائشة وطلحة والزبير متمرداً على الإمام عليّ عليه السلام تحت ذريعة المطالبة بدم عثمان ولكنّه تحين الفرصة فقتل طلحة، واعترف في وقت متأخر ببرائة الإمام عليه السلام من دم عثمان، وهذا هو الظاهر من حديثه مع الإمام زين العابدين عليه السلام، حيث قال له:((ما كان احد اكف عن صاحبنا من صاحبكم)).

فقال له الإمام عليه السلام:((فَلِمَ تشتمونه على المنابر؟)).

قال:((لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك))(٣) .

________________

(١) الكامل في التاريخ ٣: ٢٠٩، تاريخ الطبري ٤: ١٥٧.

( ٢ ) شرح نهج البلاغة ٩: ٨٦.

( ٣ ) شرح نهج البلاغة ١٣: ٢٢٠.


الحوار وإلقاء الحجة قبل المعركة

الحوار وإلقاء الحجة ضرورة شرعية وسياسية واجتماعية، لتذكير الطرف المقابل بخطأ موقفه وقراره وتذكيره بالنتائج الخطيرة له، وهو ضرورة لتوعية الأمة أو المواطنين لكي يقفوا مع الحق أو يخذلوا الباطل أو يكونوا محايدين لحين الاطلاع على حقيقة الأمر، ويجب أن يكون الحوار وإلقاء الحجة قائماً على أسس مشروعة دون كذب أو خداع أو لفّ أو دوران، وأن يستخدم الطرف الحق جميع أساليب ووسائل الحوار وإلقاء الحجة والتذكير لكي يتراجع الطرف المقابل عن قراره وموقفه، وأن يتلو الحوار حوار والحجة حجة إلى أن ينتهي أمدهما ولا يبقى لدى الطرف المصرّ على موقفه أي حجة على باطله، فيثبت على نفسه انه متمرد ليس تمرداً في أمور يسيرة أو في أوامر معينة، وإنما متمرد على الوجود الإسلامي بأكمله لما ينتج منه الفرقة والتمزق وإراقة الدماء بدون حق.

والحوار وإلقاء الحجة لا يقتصر على الحوار المباشر أو على جانب معين أو أسلوب معيّن، بل ينبغي ممارسة جميع الأساليب والوسائل الكفيلة بإعادة المتمردين إلى الاستقامة أو إنهاء التمرد والعودة إلى العقل والوجدان، والرجوع إلى الثوابت الإسلامية والعرفية.

ففي بداية الأمر بيّن الإمام عليه السلام خطأ الأسلوب الذي يريد المتمردون استخدامه، وبيّن خطورة الموقف.

أجاب الإمام علي عليه السلام طلحة والزبير حينما طالباه بالقصاص من قتلة عثمان:((إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف اصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟ ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم... إن هذا الأمر أمر جاهلية وإنّ لهؤلاء القوم مادة... ان الناس من هذا الأمر ان حرك على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا هذا، حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق، فأهدأوا عنّي وانظروا ما يأتيكم ثمّ عودوا))(١) .

فالموقف الاصوب هو الانتظار لحين هدوء الأوضاع واستقرار الحكومة ثم يأتي دور التحقيق في الموضوع، ودور القضاء الذي يعتمد على الأدلة والبراهين.

وقال جارية بن قدّامة السعدي لعائشة: يا أمّ المؤمنين والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح، إنّه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك! إنّه من رأى قتالك يرى قتلك! لئن كنت اتيتينا

________________

(١) الكامل في التاريخ ٣: ١٩٦، تاريخ الطبري ٤: ١٦١.


طائعة فارجعي إلى منزلك، وإن كنت اتيتينا مكرهة فاستعيني بالناس(١) .

وقالت أم سلمة لعائشة:((إن عماد الدين لا يقام بالنساء، حماديات النساء غض الأبصار، وخفض الأطراف، وجر الذيول، إن الله وضع عني وعنك هذا، ما أنت قائلة لو أن رسول الله عارضك بأطراف الفلوات قد هتكت حجاباً قد ضربه عليك؟)) فنادى مناديها: إلا أن أم المؤمنين مقيمة فأقيموا.

وأتى طلحة والزبير وأزالاها عن رأيها(٢) .

وقال الإمام علي عليه السلام للزبير:((تذكر يوم مررت مع رسول الله صلّى الله عليه واله في بني غنم، فنظر إلي فضحك وضحكت إليه، فقلت له لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال لك رسول الله صلّى الله عليه واله : ليس به زهو، لتقاتلنه وأنت ظالم له)).

قال: ((اللهم نعم، ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبداً)).

وقيل إنما عاد عن القتال لما سمع ان عمّار بن ياسر مع علي عليه السلام فخاف ان يقتل عماراً، وقد قال النبي عليه السلام:((يا عمّار تقتلك الفئة الباغية))(٣) .

انسحب الزبير بعد إلقاء الحجة عليه، وكذلك انسحب طلحة، وانسحاب طلحة قد لا يتفق عليه الرواة، ولكنّي أتبنى الرواية التي تشير إلى انسحابه من المعركة بعد إلقاء الحجة عليه، لأنها تنسجم مع ماضي طلحة ومع قوة حجة الإمام عليه السلام الذي أغلق ثغرات اللبس والغموض أمامه.

نادى الإمام علي عليه السلام طلحة حين رجع الزبير: يا أبا محمد، ما الذي أخرجك؟

قال: الطلب بدم عثمان.

قال: قتل الله أولانا بدم عثمان، أما سمعت رسول الله صلّى الله عليه واله يقول:((اللهّم وال من والاه، وعاد من عاداه))،

________________

(١) الكامل في التاريخ ٣: ٢١٣، تاريخ الطبري ٤ : ١٨٥.

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٨٠.

(١) الكامل في التاريخ ٣: ٢٤٠، ٢٤١.


وأنت أول من بايعني ثم نكث، وقد قال الله عز وجل:((فمن نكث فإنما ينكث على نفسه))(١) .

فقال: استغفر الله، ثم رجع.

فقال مروان بن الحكم: رجع الزبير ويرجع طلحة، ما أبالي رميت ها هنا أم ها هنا، فرماه فقتله(٢) .

وانسحاب الزبير وطلحة وعدم انسحاب عموم المتمردين يدل دلالة واضحة على انّهما مجرد شخصين لا تأثير لهما على الآخرين ولا على سير التمرّد، بمعنى ان المتمردين ليسوا من أتباعهما، وانّما هم جزء من مؤامرة تدار من وراء الكواليس يقودها الأمويون وجميع الحاقدين على الإمام علي عليه السلام فلو كان لهما أتباع لانسحبوا معهما تبعاً لهم وتأثراً بأفكارهم.

إلقاء الحجة من خلال الأحاديث النبوية

وردت عدة أحاديث صحيحة ومتواترة عن رسول الله صلّى الله عليه واله توجه الأنظار إلى أحقية الإمام علي عليه السلام وأهل البيت عموماً، لا مجال لذكرها ومنها:((حديث الثقلين)) و((حديث سفينة النجاة))، و((حديث علي مع الحق)) و((حديث عليّ مع القرآن))و((حديث قتال الناكثين والقاسطين والمارقين)).

وأقوى الحجج حديث ماء الحوأب، وهو حديث لا نقاش فيه، ولا تأويل ولا لبس ولا غموض.

قال العرني صاحب جمل عائشة:((طرقنا ماء الحوأب فنبحتنا كلابها، قالوا: أي ماء هذا؟ قلت: ماء الحوأب، فصرخت عائشة بأعلى صوتها، ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته، ثم قالت: أنا والله صاحبة كلاب الحوأب طروقا، ردّوني، تقول ذلك ثلاثاً، فأناخت وأناخوا حولها وهم على ذلك، وهي تأبى حتى كانت الساعة التي أناخوا فيها من الغد، فجاءها ابن الزبير ، فقال: النجاء النجاء، فقد أدرككم والله عليّ بن أبي طالب، فارتحلوا(٣) .

وفي رواية قالت: قد سمعت رسول الله صلّى الله عليه واله يقول وعنده نساؤه:((ليت شعري أيتكنّ تنبحها كلاب الحوأب)).

________________

(١) سورة الفتح: ١٠.

(٢) مروج الذهب ٢: ٢٩٣

(٣) تاريخ الطبري ٤: ١٧٨، ١٧٩.


فأرادت الرجوع فأتاها عبد الله بن الزبير فزعم انه قال: كذب من قال ان هذا الحوأب ، ولم يزل حتى مضت(١) .

وفي رواية قالت:((هذا الماء الذي قال لي رسول الله: لا تكوني التي تنبحك كلاب الحوأب))(١٢) .

وفي رواية المسعودي، قال الزبير : بالله ما هذا بالحوأب، لقد غلط فيما أخبرك به، وكان طلحة في ساقة الناس فلحقها فأقسم ان ذلك ليس بالحوأب، وشهد معهما خمسون رجلاً مما كان معهم، فكان ذلك أول شهادة زور أقيمت في الإسلام(٣) .

القدر المتقين في مصداق الرواية هو: نباح كلاب الحوأب على إحدى نساء رسول الله صلّى الله عليه واله ، وقد أخبرت بذلك ، وفي هذه الحالة يجب عليها الاحتياط، ولا ينبغي ان تؤثر عليها شهادة الشهود ، فيجب عليها الانسحاب بعد قيام الحجج الأخرى وتعاضدها مع هذه الحجة، وخصوصا، إنّ عائشة غير مكلّفة بالطلب بدم عثمان وبطريقة التمرد العسكري، والموقف الشرعي المطلوب هو إيكال الأمر إلى الإمام علي عليه السلام ليتابع قتلة عثمان ، أو إيكال الأمر إلى الصحابة من المهاجرين والأنصار.

فالتمرد على الخليفة الشرعي تمرد مع سبق الاصرار وقد القيت الحجة على المتمردين وهنا ننقل جملة من الروايات تعميما للفائدة:

روى من طرق مختلفه أن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهي بمكة، قالت: أبعده الله! ذلك بما قدمت يداه، وما الله بظلام للعبيد.

وقد روى قيس بن أبي حازم أنه حج في العام الذي قتل فيه عثمان وكان مع عائشة لما بلغها قتله، فتحمل إلى المدينة، قال: فسمعها تقول في بعض الطريق: إيه ذا الإصبع! وإذا ذكرت عثمان قالت: أبعده الله! حتى أتاها خبر بيعة على، فقالت: لوددت أن هذه وقعت على هذه، ثم أمرت برد ركائبها إلى مكة فردت معها، ورأيتها في سيرها إلى مكة تخاطب نفسها، كأنها تخاطب أحدا: قتلوا ابن عفان مظلوما! فقلت لها: يا أم المؤمنين، ألم أسمعك آنفا تقولين: أبعده الله وقد رأيتك قبل أشد الناس عليه وأقبحهم فيه قولا! فقالت: لقد كان ذلك، ولكني نظرت في أمره، فرأيتهم استتابوه حتى إذا تركوه كالفضة البيضاء أتوه صائما محرما في شهر حرام فقتلوه. قال: وروى من طرق أخرى أنها قالت لما بلغها قتله، أبعده الله! قتله ذنبه، وأقاده الله بعمله! يا معشر قريش لا يسومنكم قتل عثمان، كما سام أحمر ثمود قومه، إن أحق الناس بهذا الامر ذو الإصبع، فلما جاءت الاخبار ببيعة علي عليه السلام، قالت: تعسوا تعسوا! لا يردون الامر في تيم أبدا. كتب طلحة والزبير إلى عائشة وهي بمكة كتابا: أن خذلي الناس عن بيعة على، وأظهري الطلب بدم عثمان، وحملا الكتاب مع ابن

________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ١٨٩.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٨١.

(٣) مروج الذهب ٢: ٢٨٨.


أختها عبد الله بن الزبير، فلما قرأت الكتاب كاشفت وأظهرت الطلب بدم عثمان، وكانت أم سلمة رضي الله عنها بمكة في ذلك العام، فلما رأت صنع عائشة، قابلتها بنقيض ذلك، وأظهرت موالاة علي عليه السلام ونصرته(١) .

وقال أبو مخنف: جاءت عائشة إلى أم سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان، فقالت لها: يا بنت أبي أمية، أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنت كبيرة أمهات المؤمنين، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم لنا من بيتك، وكان جبريل أكثر ما يكون في منزلك، فقالت أم سلمة: لأمر ما قلت هذه المقالة، فقالت عائشة: إن عبد الله أخبرني أن القوم استتابوا عثمان، فلما تاب قتلوه صائما في شهر حرام، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ومعي الزبير، وطلحة، فأخرجي معنا، لعل الله أن يصلح هذا الامر على أيدينا بنا، فقالت أم سلمة: إنك كنت بالأمس تحرضين على عثمان، وتقولين فيه أخبث القول، وما كان اسمه عندك إلا نعثلا، وإنك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب عند رسول الله صلى الله عليه وآله، أفأذكرك؟ قالت: نعم، قالت: أتذكرين يوم أقبل عليه السلام ونحن معه، حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال، خلا بعلي يناجيه، فأطال، فأردت أن تهجمي عليهما، فنهيتك فعصيتني، فهجمت عليهما، فما لبثت أن رجعت باكية، فقلت: ما شأنك؟ فقلت: إني هجمت عليهما وهما يتناجيان، فقلت لعلى، ليس لي من رسول الله إلا يوم من تسعة، أيام، أفما تدعني يا بن أبي طالب ويومي! فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على، وهو غضبان محمر الوجه، فقال: ارجعي وراءك، والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الايمان، فرجعت نادمة ساقطة! قالت عائشة: نعم أذكر ذلك. قالت: وأذكرك أيضا، كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تغسلين رأسه، وأنا أحيس له حيسا، وكان الحيس يعجبه، فرفع رأسه، وقال:((يا ليت شعري، أيتكن صاحبة الجمل الا ذنب، تنبحها كلاب الحوأب، فتكون ناكبة عن الصراط!))، فرفعت يدي من الحيس، فقلت: أعوذ بالله وبرسوله من ذلك، ثم ضرب على ظهرك، وقال: (إياك أن تكونيها)، ثم قال: (يا بنت أبي أمية إياك أن تكونيها يا حميراء، أما أنا فقد أنذرتك)، قالت عائشة: نعم، أذكر هذا.

قالت: وإذكرك أيضا كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر له، وكان على يتعاهد نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخصفها ، ويتعاهد أثوابه فيغسلها، فنقبت له نعل، فأخذها يومئذ يخصفها، وقعد في ظل سمرة، وجاء أبوك ومعه عمر، فاستأذنا عليه، فقمنا إلى الحجاب، ودخلا يحادثانه فيما أراد، ثم قالا: يا رسول الله، إنا لا ندري قدر ما تصحبنا، فلو أعلمتنا من

________________

(١) شرح نهج البلاغة ٦ : ٢١٦ – ٢١٧


يستخلف علينا، ليكون لنا بعدك مفزعا؟ فقال لهما: أما إني قد أرى مكانه، ولو فعلت لتفرقتم عنه، كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران، فسكتا ثم خرجا، فلما خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت له، وكنت أجرا عليه منا: من كنت يا رسول الله مستخلفا عليهم؟ فقال: خاصف النعل، فنظرنا فلم نر أحدا إلا عليا، فقلت: يا رسول الله، ما أرى إلا عليا فقال هو ذاك، فقالت عائشة: نعم، أذكر ذلك، فقالت: فأي خروج تخرجين بعد هذا؟

فقالت: إنما أخرج للاصلاح بين الناس وأرجو فيه الاجر إن شاء الله، فقالت: أنت ورأيك. فانصرفت عائشة عنها، وكتبت أم سلمة بما قالت وقيل لها إلى علي عليه السلام

وروى هشام بن محمد الكلبي في كتاب الجمل أن أم سلمة كتبت إلى علي عليه السلام من مكة: أما بعد، فإن طلحة والزبير وأشياعهم أشياع الضلالة، يريدون أن يخرجوا بعائشة إلى البصرة ومعهم عبد الله بن عامر بن كريز، ويذكرون أن عثمان قتل مظلوما، وإنهم يطلبون بدمه، والله كافيهم بحوله وقوته، ولولا ما نهانا الله عنه من الخروج، وأمرنا به من لزوم البيت لم أدع الخروج إليك، والنصرة لك، ولكني باعثه نحوك ابني، عدل نفسي عمر بن أبي سلمة، فاستوص به يا أمير المؤمنين خيرا.

وروي إن أم سلمة رحمها الله، كتبت به إلى عائشة: إنك جنة بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين أمته، وإن الحجاب دونك لمضروب على حرمته، وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه، وسكن عقيراك فلا تصحريها، لو أذكرتك قولة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرفينها لنهشت بها نهش الرقشاء المطرقة. ما كنت قائله لرسول الله صلى الله عليه وآله لو لقيك ناصة قلوص قعودك من منهل إلى منهل قد تركت عهيداه، وهتكت ستره، إن عمود الدين لا يقوم بالنساء، وصدعه لا يرأب بهن، حماديات النساء خفض الأصوات وخفر الاعراض، اجعلي قاعدة البيت قبرك حتى تلقينه، وأنت على ذلك.

فقالت عائشة: ما أعرفني بنصحك، وأقبلني لوعظك! وليس الامر حيث تذهبين، ما أنا بعمية عن رأيك، فإن أقم ففي غير حرج، وإن أخرج ففي إصلاح بين فئتين من المسلمين. وقد ذكر هذا الحديث أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتابه المصنف في غريب الحديث في باب أم سلمة، على ما أورده عليك، قال: لما أرادت عائشة الخروج إلى البصرة، أتتها أم سلمة، فقالت لها: إنك سدة بين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أمته، وحجابك مضروب على حرمته، قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه، وسكن عقيراك فلا تصحريها، الله من وراء هذه الأمة، لو أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعهد إليك عهدا علت علت، بل قد نهاك عن الفرطة


في البلاد، إن عمود الاسلام لا يثاب بالنساء إن مال، ولا يرأب بهن إن صدع، حماديات النساء غض الأطراف وخفر الاعراض وقصر الوهازة، ما كنت قائلة لو أن رسول الله صلى الله عليه وآله عارضك بعد الفلوات، ناصة قلوصا، من منهل إلى آخر، إن بعين الله مهواك، وعلى رسوله تردين، وقد وجهت سدافته - ويروى سجافته - وتركت عهيداه. لو سرت مسيرك هذا ثم قيل لي: ادخلي الفردوس لاستحييت أن ألقى محمدا صلى الله عليه وسلم هاتكة حجابا، وقد ضربه على، اجعلي حصنك بيتك، ووقاعة الستر قبرك، حتى تلقينه، وأنت على تلك أطوع ما تكونين لله بالرقبة، وأنصر ما تكون للدين ما حلت عنه. لو ذكرتك قولا تعرفينه لنهشت به نهش الرقشاء المطر قة

.فقالت عائشة: ما أقبلني لوعظك! وليس الامر كما تظنين، ولنعم المسير مسير فزعت فيه إلى فئتان متناجزتان - أو قالت متناحرتان - إن أقعد ففي غير حرج وإن أخرج فإلى ما لابد لي من الازدياد منه(١) .

شروط نقض البيعة وعدم الطاعة

بيعة المسلمين للإمام المعصوم عليه السلام تفيد توكيد إمامته وخلافته؛ لأنها ثابتة له بحكم التنصيب والتعيين الإلهي، وهي ثابتة أيضا عند من لا يؤمن بذلك، فبالبيعة تنعقد الخلافة للشخص المبايع له، وهذا ما كان معمولاً به من قبل أصحاب نظرية البيعة، وإذا انعقدت البيعة وجب الوفاء بها وعدم نقضها ووجب طاعة المبايع له إلا إذا انحرف عن الإسلام أو انحرف عن الشروط التي اشترطها المسلمون المبايعون.

فالحدث الذي يحدثه المبايع له وهو الحاكم والذي يخالف فيه شروط البيعة يكون شرطاً لجواز النقض، فمخالفة الشريعة موجب لنقض البيعة وعزل المبايع له، ومخالفة الشريعة موجب للفسق، والفسق يمنع من إدامة البيعة، كما ورد في آراء جمع من العلماء والفقهاء من غير الشيعة.

قال عبد القاهر البغدادي:(( وإنما يشترط فيها عدالة ظاهرة، فمتى أقام في الظاهر على موافقة الشريعة كان أمره في الإمامة

________________

(١) شرح نهج البلاغة ٦ : ٢١٧ – ٢٢٠


منتظماً، ومتى زاغ عن ذلك كانت الأمة عياراً عليه في العدول به من خطأ إلى صواب، أو في العدول عنه إلى غيره))(١) .

وقال الماوردي:((وإذا طرأت عليه هذه الحالة ـ أي الفسق ـ فانه يخلع من منصبه، ويخرج منه))(٢) .

وقال ابن حزم الأندلسي:((والواجب ان وقع شيء من الجور وان قل ان يكلم الإمام في ذلك ويمنع منه، فان امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه ولم يراجع وجب خلعه وإقامة غيره ممن يقوم بالحق))(٣) .

وقد تسالم جميع فقهاء السنة على أن البيعة لا يشترط فيها اتفاق جميع المسلمين، فلو عقدها جماعة لشخص تتوفر فيه الشروط أصبح خليفة على الجميع وان لم يبايعوا، فيجب على جميع الأمصار طاعته(٤) .

وعلى ضوء ذلك فان الإمام علياً عليه السلام قد أصبح خليفة بالبيعة ـ وان كان رأي الشيعة ثبوتها له بالبيعة أو عدمها ـ فواجب على طلحة والزبير طاعته، وواجب على غيرهم كعائشة ومروان وجميع أصحاب الجمل طاعته لأنه منتخب من الصحابة المتواجدين في عاصمة الدولة الإسلامية.

ولذا فهو واجب الطاعة ويحرم الخروج عليه إلا إذا احدث حدثاً ـ حاشاه الله ـ يوجب نقض بيعته، ولا يوجد دليل عند المتمردين على مخالفته للثوابت الشرعية ، وهذا ما أكدته الاحتجاجات التي احتج بها إتباعه على مخالفيه والمتمردين عليه.

تحدث رجل من عبد القيس مع طلحة والزبير مستعرضا بيعة الخلفاء من قبلهم ودون مشورة من أهل البصرة إلى ان قال:((بايعتم علياً عن غير مشورة منا، فما الذي نقمتم عليه فنقاتله؟ هل استأثر بفيء أو عمل بغير الحق أو أتى شيئاً تنكرونه فنكون معكم عليه، وإلا فما هذا؟(٥) .

________________

(١) أصول الدين: ٢٧٨.

(٢) الأحكام السلطانية: ١٧.

(٣) الفصل في الملل والاهواء والنحل ٤: ١٧٥.

(٤) الاحكام السلطانية: ٧ للماوردي، شرح المقاصد ٥: ٢٣٣ للتافتازاني، روضة الطالبين ٧: ٢٦٣ للنووي، اصول الدين: ٢٨٠ للبغدادي.

(٥) الكامل في التاريخ ٣: ٢١٧، تاريخ الطبري ٤: ١٨٩.


وقال عمّار بن ياسر:((... إن طلحة والزبير كانا أول من طعن وآخر من أمر، وكانا أول من بايع علياً، فلمّا أخطأهما ما أملاه نكثا بيعتهما من غير حدث))(١) .

وقال الإمام علي عليه السلام:((إن طلحة والزبير لأول من بايعني وأول من غدر، فهل استأثرت بمال أو بدلت حكماً))(٢) .

الاحتياط في الدماء والدعوة للسلم

الإسلام دين الرحمة والرأفة جاء لهداية الناس وإنقاذهم من جميع ألوان ومظاهر الانحراف والاضطهاد والظلم، ولذا لم يشرع القتال إلا لضرورة بعد استنفاذ جميع وسائل وسبل السلام والصلح بحيث لا يترك المتمردون فرصة له لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه من الفة ومودة وأخوة، فيكون القتال أخر الحلول للخروج من الأزمة.

وكان الإمام علي عليه السلام يتلكأ في اختيار قرار القتال لعل المتمردين يعودون إلى رشدهم للحيلولة دون إراقة دمائهم ودماء أصحاب الحق.

لما أراد الإمام عليه السلام المسير من الربذة إلى البصرة، قام إليه ابن لرفاعة بن رافع فقال:((يا أمير المؤمنين أي شيء تريد وأين تذهب بنا؟)).

فقال:(( أما الذي نريد وننوي فالإصلاح إن قبلوا منّا وأجابونا إليه)).

قال:((فإن لم يجيبونا إليه؟)).

قال:(( ندعهم بعذرهم ونعطيهم الحق ونصبر)).

قال:((فإن لم يرضوا؟)).

قال:((ندعهم ما تركونا)).

قال:((فإن لم يتركونا)).

________________

(١) الامامة والسياسة ١: ٦٧.

(٢) الكامل في التاريخ ٣: ٢٣٠.


قال:((إمتنعنا منهم))(١) .

فالإمام عليه السلام لم يمنع المعارضة السياسية بطرح الرأي ووجهة النظر، المخالفة له أو لسياسة حكومته، وإنّما منع من إرباك الأوضاع عن طريق التمرّد العسكري لأنه يستهدف الكيان الإسلامي ووحدة الدولة ووحدة المجتمع.

وكان عليه السلام يقول: سأصبر ما لم اخف على جماعتكم، واكف ان كفّوا، وأقتصر على ما بلغني))(٢) .

وحينما خطب الإمام عليه السلام بالناس قام إليه الأعور بن بنان المنقري فسأله عن إقدامهم على أهل البصرة.

فقال له:(( على الإصلاح وإطفاء النائرة لعل الله يجمع شمل هذه الأمة بنا ويضع حربهم)).

قال: فان لم يجيبونا؟

قال:((تركناهم ما تركونا)).

قال: فان لم يتركونا؟

قال:((دفعناهم عن أنفسنا))(٣) .

وقال الإمام علي عليه السلام لجماعة من أهل الكوفة لقيهم في ذي قار:((...قد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فان يرجعوا فذاك الذي نريد، وان يلجّوا داويناهم بالرفق حتى يبدأونا بظلم، ولم ندع أمراً فيه صلاح الا أثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله))(٤) .

فقد سمّاهم بالإخوان وبيّن تعامله المتسامح معهم ودعوته إلى إصلاح الأوضاع.

وأرسل الإمام عليه السلام القعقاع إلى طلحة والزبير وقال له:((الق هذين الرجلين فادعهما إلى الألفة والجماعة، وعظم عليهما الفرقة))(٥) .

________________

(١) الكامل في التاريخ ٣: ٢٢٤، تاريخ الطبري ٤: ١٩٧.

(٢) الكامل في التاريخ ٣: ٢٠٥.

(٣) الكامل في التاريخ ٣: ٢٣٤.

(٤) الكامل في التاريخ ٣: ٢٣٢.

(٥) الكامل في التاريخ ٣: ٢٣٢.


وكتب الإمام علي عليه السلام إلى طلحة والزبير:((...فان كنتما بايعتماني طائعين، فارجعا وتوبا إلى الله من قريب... فارجعا ايّها الشيخان عن رأيكما، فإنّ الآن أعظم أمركما العار من قبل ان يتجمع العار والنار))(١) .

وفي خطاب للإمام عليه السلام قال:((يا أيّها الناس، املكوا أنفسكم، كفوا أيديكم وألسنتكم عن هؤلاء القوم، فإنهم إخوانكم، واصبروا على مايأتيكم، وإياكم ان تسبقونا فانّ المخصوم غداً من خصم اليوم)).

وقال الأحنف بن قيس للإمام عليه السلام: إنّ قومنا بالبصرة يزعمون انك ان ظهرت عليهم غداً تقتل رجالهم وتسبي نساءهم.

فقال:((ما مثلي يخاف هذا منه، وهل يحل هذا إلا ممن تولى وكفر، ألم تسمع إلى قول الله عز وجل:{لست عليهم بمصيطر* الا من تولى وكفر }(٢) . وهم قوم مسلمون))(٣) .

ولما انهزم أهل البصرة أمر علي عليه السلام منادياً فنادى:((ألا لا تتبعوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح ولا تدخلوا الدور))(٤) .

ولما خرج الإمام عليه السلام من عند عائشة قال له رجل من أزد: والله لا تغلبنا هذه المرأة، فغضب وقال:((مه! لا تهتكنّ ستراً ولا تدخلن داراً ولا تهيجن امرأة بأذى وإن شتمنّ أعراضكم وسفهن أمراءكم وصلحاءكم، فإنّ النساء ضعيفات، ولقد كنّا نؤمر بالكفّ عنهنّ وهن مشركات، فكيف إذاهنّ مسلمات؟))(٥) .

مبرّرات قرار القتال

استخدم الإمام عليّ عليه السلام جميع السبل والوسائل السلمية للحيلولة دون القتال الا ان المتمردين اصرّوا عليه، وقاموا بأعمال وممارسات تستوجب ردعهم بقوة السيف، حيث اعتدوا على المسلمين دون أي مبرر شرعي.

فقد كان الجميع مصراً على التمرد والبدء بالقتال لأسباب ودوافع عديدة، ولم يكن دم عثمان الا ذريعة اخفَوْا من خلالها دوافعهم

________________

(١) نهج البلاغة: ٤٤٥، ٤٤٦.

(٢) سورة الغاشية/ ٢٢ ،٢٣.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٢١٣.

(٤) الكامل في التارخ ٣: ٢٥٤.

(٥) الكامل في التاريخ ٣: ٢٥٧.


الأساسية، وانساق الكثير منهم وراء مخططات اعدت من قبل معاوية وبعض الحاقدين على شخص الإمام عليه السلام ومنهجه العادل، والّذين سيتضررون من تطبيق العدالة ويفقدون بعض الامتيازات من أموال ومناصب في أجواء هذه العدالة.

فبعد إتمام البيعة طلع الزبير وطلحة فجلسا بعيداً عن الإمام عليه السلام ثم طلع مروان وسعيد وعبد الله بن الزبير فجلسوا إليهما ثم جاء قوم من قريش فانضموا إليهم فتحدثوا نجيا ساعة ثم قام الوليد بن عقبة فجاء إلى علي عليه السلام فقال: يا أبا الحسن انك قد وترتنا جميعا أما أنا فقتلت أبي يوم بدر صبرا وخذلت أخي يوم الدار بالأمس وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر في الحرب وكان ثور قريش وأما مروان فسخفت أباه عند عثمان إذ ضمه إليه ونحن إخوتك ونظراؤك من بني عبد مناف ونحن نبايعك اليوم على ان تضع عنا ما أصبناه من المال في أيام عثمان وان تقتل قتلته وإنا إن خفناك تركتنا والتحقنا بالشام، فقال عليه السلام: أما ما ذكرتم من وتري إياكم فالحق وتركم. وأما وضعي عنكم ما أصبتم فليس لي ان أضع حق الله عنكم ولا عن غيركم. واما قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم أمس ولكن لكم علي إن خفتموني أن أؤمنكم وإن خفتكم أن أسيركم.

فقام الوليد إلى أصحابه فحدثهم وافترقوا على إظهار العداوة وإشاعة الخلاف(١) .

فكان الدافع أحقاداً جاهلية قديمة أضيفت اليها حرمانهم من الامتيازات التي حصلوا عليها من الحكومة السابقة، وخصوصاً بعد قيام الإمام عليه السلام بعزل المنحرفين من ولاة عثمان.

وبلغ عبد الله بن عامر وهو يومئذِ أمير البصرة أنّ علياً عليه السلام قد عزله، فقام في الناس خطيباً فقال:((إنّ خليفتكم عثمان بن عفّان قتل مظلوماً وبيعته في أعناقكم، ونصرته، ميتاً كنصرته حياً، ولي عليكم اليوم ما كان لي بالأمس، وقد بايع الناس علياً ونحن اليوم طالبون بدم عثمان فأعدّوا للحرب عدّتها))(٢) .

وجاء إليه طلحة والزبير وطلبا منه أو يولّيهما البصرة والكوفة، فقال عليه السلام: ارضيا بقسم الله تعالى لكما واعلما أنّي لا أشرك في أمانتي إلا من ارضى بدينة وأمانته، فدخلهما اليأس فاستأذناه للخروج إلى مكة للعمرة فقال عليه السلام ما العمرة تريدان وإنما تريدان الغدرة ونكث البيعة، فحلفا له بالله أنهما ما يريدان غير العمرة فقال لهما: أعيدا البيعة لي ثانيا فأعاداها بأشد ما يكون من الإيمان والمواثيق

________________

(١) بحار الانوار ٣٢: ١٩.

(٢) كتاب الفتوح ٢: ٤٤٩.


فأذن لهما(١) .

وشجّع معاوية الزبير وطلحة على التمرّد والمطالبة بدم عثمان، بعد أن أغراهم بالخلافة، فكتب إلى الزبير:

بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله بن الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك أما بعد: فإني قد بايعت لك أهل الشام فاجابوا واستوثقوا فدونك الكوفة والبصرة، وبها كنوز الرجال وعين الخلافة لا يسبقك إليها ابن أبي طالب وقد بايعت لطلحة بن عبد الله من بعدك وطلحة هو ابن عم لأبي بكر فأظهر الطلب بدم عثمان وادع الناس إلى ذلك وليكن منكما الجد والتشمير. فلما وصل الكتاب إلى الزبير اعلم به طلحة واقرأه إياه، فلم يشكا في النصح لهما من قبل معاوية وأجمعا على خلاف علي عليه السلام بعدما بايعا له(٢) .

وتوجه جميع المتمردين إلى البصرة، وما رسوا أعمالاً مخالفة للشريعة أريقت فيها الدماء بدون حق.

فحينما حاور رجل من عبد القيس طلحة والزبير وألقى الحجة عليهما همّوا بقتله فمنعته عشيرته، فلما كان الغد وثبوا عليه وعلى من معه فقتلوا منهم سبعين(٣) .

وهؤلاء قتلوا بدون أي ذنب فلم يكونوا من قتلة عثمان، وإنّما قتلوا لأنهم رفضوا الانسياق وراء طلبهم، أو لأنهم من أنصار الإمام عليه السلام.

وأراد القوم بيت المال فما نعهم الخزّان والموكلون به، فقتل منهم سبعون رجلاً غير من جرح، وخمسون من السبعين ضربت رقابهم صبراً من بعد الأسر، وقتلوا حكيم بن جبلة العبدي، وكان من سادات عبد القيس وزهّاد ربيعة ونسّاكها(٤) .

وقد بيّن الإمام عليه السلام الجرائم التي ارتكبوها.

ومن خطاب للإمام علي عليه السلام جاء فيه:((بايعني طلحة والزبير، وأنا أعرف الغدر في أوجههما، والنكث في أعينهما، ثم

________________

(١) شرح نهج البلاغة ١: ٢٣١.

(٢) شجرة طوبى ٢: ٣١٨.

(٣) الكامل في التاريخ ٣: ٢١٧، تاريخ الطبري ٤: ١٨٩.

(٤) مروج الذهب ٢: ٢٨٩.


استأذناني في العمرة، فأعلمتهما أن ليس العمرة يريدان، فسارا إلى مكة واستخفّا عائشة وخدعاها، وشخص معهما أبناء الطلقاء، فقدموا البصرة، فقتلوا بها المسلمين، وفعلوا المنكر... وخرجا يوهمان الطغام أنهما يطلبان بدم عثمان، والله ما أنكرا عليّ منكراًن ولا جعلا بيني وبينهم نصفاً، وانّ دم عثمان لمعصوب بهما، ومطلوب منهما))(١) .

((فخرجوا يجرّون حرمة رسول الله صلّى الله عليه واله كما تجرّ الأمَة عند شرائها متوجهين بها إلى البصرة، فحبسا نساءهما في بيوتهما، وأبرزا حبيس رسول الله صلّى الله عليه واله لهما ولغيرهما، في جيش ما منهم رجل إلا وقد أعطاني الطاعة، وسمح لي بالبيعة طائعاً غير مكره، فقدموا على عاملي بها وخزّان بيت مال المسلمين وغيرهم من أهلها، فقتلوا طائفة صبراً وطائفة غدراً))(٢) .

وقال الإمام علي عليه السلام لأصحابه:((لا ترموا بسهم، ولا تطعنوا برمح، ولا تضربوا بالسيف... إعذروا)).

فرمى رجل من عسكر القوم بسهم فقتل رجلاً من أصحاب أمير المؤمنين، فأتي به إليه، فقال:((اللهمّ اشهد))، ثم رمى آخر، فقتل رجلاً من أصحاب علي عليه السلام، فقال:((اللهّم اشهد))، ثم رمى رجل آخر فأصاب عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي فقتله، فأتى به أخوه عبد الرحمن يحمله، فقال ـ الإمام ـ عليّ عليه السلام: اللهّم اشهد))(٣) .

وكان آخر الحلول هو إخماد التمرّد بالقوة، ولا خيار آخر سوى القتال، والقتال له مبرراته ومن أهمها:

١ـ إنّ المتمردين وخصوصاً القادة ليس لهم حق المطالبة بدم عثمان لأنهم إمّا أن يكونوا من المحرضين على قتله أو المتخاذلين في نصرته.

٢ـ إن المطالبة بدمه من حقّ أوليائه وهم أبناؤه وبناته.

٣ـ إن المطالبة تتم عن طريق القضاء وبعد استقرار الدولة.

٤ـ إنّ قتلة عثمان ليسوا من أهل البصرة.

٥ـ إن المتمردين قاموا بجرائم ومنها الاستيلاء على بيت المال وقتل عدد من الأبرياء.

________________

(١) شرح نهج البلاغة ١: ٣١٠.

(٢) شرح نهج البلاغة ٩: ٢٢٦.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٨٢.


٧ـ إن الإمام عليه السلام وأصحابه قد القوا الحجة على المتمردين وليس أمامهم الا ايقاف التمرد والعودة الى الألفة

المعنى الحقيقي للفتنة.

قام رجل إلى الإمام عليّ عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين، أي فتنة أعظم من هذه؟ إن البدرية ليمشي بعضها إلى بعض بالسيف.

فقال الإمام عليه السلام:((ويحك أتكون فتنة أنا أميرها وقائدها؟))(١) .

الفتنة لا تطلق على الصراع بين الحق والباطل داخل الدائرة الإسلامية، فيجب على المسلمين معرفة الحقّ واتّباعه، ومعرفة الباطل واجتنابه، ولا يجوز الحياد لأنه خذلان للحق والتخلّي عن نصرته.

والفتنة لا تطلق إلاّ في أجواء الصراع بين طائفة من أهل الباطل مع طائفة أخرى من أهل الباطل، بمعنى انّها الصراع بين الفئات الضالة والمنحرفة التي تتصارع من اجل مصالح فئوية أو دنيوية وان أطرت صراعها بأطر عقائدية، وهذا هو المراد من روايات الاعتزال في ظروف الفتنة، بعد عجز الإصلاح بين المتصارعين، فالفتنة المنهي عنها الصراع بين الفئات الضالة والمنحرفة،

أما الصراع بين قادة وأتباع الحقّ وبين قادة وأتباع الباطل فلا يسمى فتنة، فيجب نصرة الموقف الحقّ، وهو أمر واضح لا لبس فيه ولا غموض إذا تجرد الإنسان عن أهوائه ومصالحه الضيقة، ونظر بموضوعية إلى الدوافع والى الأهداف والشعارات المعلنة والمخفية، ثم عرضها على القيم والموازين الثابتة فإنّه سيميّز بين الحقّ والباطل.

وفي معركة الجمل كان الحقّ واضحاً، فقائد الدولة والحكومة هو الإمام عليه عليه السلام وقد تواترت الأحاديث في حقّه وفي فضائله بصورة لا تقبل التأويل، إضافة إلى ذلك فانّه تصدى للخلافة بعد البيعة أي اصبح خليفة بأحد الطرق المشروعة ـ بعد التخلّي عن النص ـ فيجب على الجميع طاعته، وإن الطلب بدم عثمان لا يصح بطريق التمرد على حكومته وخلافته.

وإذا اشتبهت الأمور على البعض فان اشتباههم لم يستمر طويلاً بعد إلقاء الحجة.

قال طلحة لما سقط:((تالله ما رأيت كاليوم قط، شيخاً من قريش أضيع منّي! إنّي والله ما وقفت موقفاً قط إلاّ عرفت موضع

________________

(١) شرح نهج البلاغة ١: ٢٢٨.


قدمي فيه، إلاّ هذا الموقف(١) .

وقبل بدء القتال قال الزبير:((ألا ألف فارس أسير بهم إلى عليّ فأقتله)) فلم يجبه أحد، فقال:((إنّ هذه للفتنة التي كنّا نحدّث عنها)).

فقال له مولاه:((أتسميها فتنة وتقاتل فيها؟)).

قال:((ويلك، إنّا نُبصّر ولا نُبْصر، ما كان أمر قط الا وأنا أعلم موضع قدمي فيه غير هذا الأمر، فانّي لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر))(٢) .

واعترف ببطلان موقفه، فقال لعائشة:((ما شهدت موطناً قط في الشرك ولا في الإسلام إلا ولي فيه رأي وبصيرة غير هذا الموطن، فانّه لا رأي فيه ولا بصيرة، وإنّي لعلي باطل))(٣) .

الموقف الحقيقي في ظروف الاقتتال الداخلي

كان أبو موسى الأشعري والياً من قبل عثمان على الكوفة، فلما بعث الإمام علي عليه السلام محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر إليه لينصر الحقّ، قال أبو موسى:((إنّ هذه الفتنة النائم فيها خير من اليقضان، والقاعد خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، والساعي خير من الراكب، فأغمدوا سيوفكم حتى تنجلي هذه الفتنة)).

وقد بيّن عمّار خطأ هذا الرأي والموقف فقال: أيها الناس، إن أبا موسى ينهاكم عن الشخوص إلى هاتين الجماعتين، ولعمري ما صدق فيما قال، وما رضى الله من عباده بما ذكر، قال الله عزّ وجلّ:{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }(٤) .

فلم يرض من عباده بما ذكر أبو موسى من ان يجلسوا في بيوتهم ويخلوا بين الناس، فيسفك بعضهم دماء بعض، فسيروا

________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٨٢.

(٢) الكامل في التاريخ ٣: ٢٢٠، تاريخ الطبري ٤: ٤٧٦.

(٣) الامامة والسياسة ١: ٧٢.

(٤) سورة الحجرات: ٩.


معنا إلى هاتين الجماعتين واسمعوا من حججهم، وانظروا من أولى بالنصرة فاتبعوه، فان أصلح الله أمركم رجعتم مأجورين وقد قضيتم حق الله، وإن بغى بعضهم على بعض نظرتم إلى الفئة الباغية، فقاتلتموها حتى تفيء إلى أمر الله، كما أمركم الله، وافترض عليكم))(١) .

معركة صفين

معركة صفين هي ثاني معركة قادها بعض الصحابة ضد الحكومة الشرعية التي يقودها الامام علي عليه السلام بلا مبرر شرعي اريقت فيها دماء كثيرة واضعفت المجتمع الاسلامي والدولة الاسلاميةوكان عدد قتلى معركة صفين من الطرفين سبعين ألفاً(٢)

وقتل مع الإمام عليّ عليه السلام خمسة وعشرون صحابياً، منهم عمّار بن ياسر قتله أبو العادية يسار بن سبع السلمي وهو من الصحابة الذين شهدوا بيعة الرضوان(٣) .

ومعركة صفين لم تكن معركة محدودة في زمن معين وانتهت في حينها ،بل كانت حلقة وصل بين الماضي والحاضر والمستقبل ، فالماضي اوصل معاوية للحكم ،والحاضر خلق الاجواء المناسبة لتفرد معاوية بولاية الشام ومن ثم السيطرة على الحكم ، والمستقبل اوصل يزيد بن معاوية للحكم والذي ابتدأه بقتل الامام الحسين عليه السلام واهل بيته وسبي نسائه ثم استباحة المدينة والهجوم على الكعبة، واستمر نزيف الدماء وتسلط الجائرين وانحراف الحكومة والدولة عن القران الكريم والسنة النبوية.

وبسبب الاثار التي خلفتها معركة صفين وقائدها المتمرد معاوية بن أبي سفيان ينبغي ان نسلط الاضواء على سيرة معاوية ونثبت انحرافه عن الدين ليعي من يصرح ان معاوية من العدول وانه ((اجتهد فأخطأ))لنثبت انه كان متعمدا مع سبق الاصرار وليس مجتهدا ونتطرق باختصار عن سيرة بقية الصحابة الذين ايدوا معاوية وساندوه.

أسلم معاوية بعد فتح مكّة، وكان يعد عند المسلمين من الطلقاء، ومن المؤلفة قلوبهم، فقد حارب رسول الله صلى الله عليه واله معَ أبيه في بدر وأحد والأحزاب وغيرها من الوقائع، ثمّ أسلم بعد فتح مكة

________________

(١) الإمامة والسياسة ١: ٦٦.

(٢) مروج الذهب ٢ : ٣٥٢ والمنتظم ٥ : ١٢٠

(٣) الفصل في الأهواء والملل والنحل ٤ : ١٦١


سار إلى الشام في عهد أبي بكر معَ أخيه يزيد، فلمّا مات يزيد استخلفه أبو بكر على الشام، فأقرّه عمر بن الخطاب على ولاية الشام.

وكان يتمتع بمكانة متميزة خاصة عندَ عمر دون غيره من الولاة، وكان إذا رآه يمتدحه ويقول :((هذا كسرى العرب))(١)

وكان يمتدحه ويثني عليه دون غيره من الولاة ويفضله عل دهاء كسرى وقيصر فقال عنه:((يذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية))(٢)

وكان يرفض ان يذم احدهم معاوية فقدوردأنّ أحدهم ذمّ معاوية عنده فقال:((دعونا من ذمّ فتى قريش من يضحك في الغضب، ولا ينال ما عنده إلاّ على الرضا))(٣)

وكان يتمتع باستقلالية تامة عنده فكان يقول له:((لا آمرك ولا أنهاك))(٤)

وحذّر عمر أهل الشورى الستة الذين عينهم ليختاروا خليفة من بعده من الفرقة ووجه أنظارهم إلى غلبة معاوية في حال الفرقة والذي يفهم من كلامه السابق واللاحق انه شجعه على طلب الحكومة والطمع بها، فقال: ((إياكم والفرقة بعدي فان فعلتم، فاعلموا انّ معاوية بالشام، فإذا وكلتم إلى رأيكم كيف يستبزها منكم ))(٥) .

وبعد وصول عثمان بن عفان الى الحكم بقي معاوية على منصبه بل اصبح اكثر استقلالية من قبل،

وكانت سياسة معاوية وبقية الولاة سببا في نقمة الصحابة والتابعين على عثمان.

وحينما توالت واشتدت المعارضة على عثمان، بعث إلى ولاته ومنهم معاوية، يستشيرهم في اتخاذ الموقف المناسب من المعارضين، فأشار عليه معاوية بالقول: ((ان تأمر أمراء الأجناد، فيكفيك كلّ رجل منهم ما قبله، واكفيك أنا أهل الشام))(٦) .

________________

(١) تاريخ الخلفاء، للسيوطي : ١٥٥

(٢) الكامل في التاريخ ٤ : ١١

(٣) الاستيعاب ٣ : ٣٩٧

(٤) الاستيعاب ٣ : ٣٩٧، العقد الفريد ١ : ٥١

(٥) الإصابة ٦ : ١١٤

(٦) الكامل في التاريخ ٣ : ١٤٩


وحينما تكاتب نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وغيرهم من التابعين بعضهم إلى بعض : أن اقدموا فانّ الجهاد عندنا، اجتمع الناس فكلموا عليَّ بن أبي طالب عليه السلام ، فدخل على عثمان فقال له :((الناس ورائي وقد كلّموني فيك ))وكلمه في عزل بعض الولاة ومنهم معاوية، وقال له : ((فانّ معاوية يقتطع الاُمور دونك ويقول للناس : هذا أمر عثمان، وأنت تعلم فلا تغيّر عليه))(١)

وطلب معاوية من عثمان ان يرحل معه إلى الشام، فرفض طلبه،والظاهر ومن خلال متابعة الاحداث نرى ان معاوية كان يخطط للهجوم على المدينة بعد استقرار عثمان في الشام ولم يقم معاوية بأي عمل للحيلولة دون قتله، فقد أوصى معاوية قائد جيشه أن يرابط قرب المدينة في زمن حصار عثمان، وقال له:((إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها، ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب). فأقام قائده بذي خشب حتى قُتل عثمان، وحينما سئل جويرية عن ذلك قال: (صنعه عمداً ليُقتل عثمان فيدعو إلى نفسه))(٢) .

ولهذه الحقيقة أدلة وشواهد كثيرة ، فحينما طلب معاوية من عبدالله بن سعد بن أبي سرح البيعة أجاب: ((ما كنتُ لاُبايع رجلاً أعرف أنّه يهوى قتل عثمان))(٣) .

وبعد تولّي أمير المؤمنين عليه السلام للخلافةشجّع معاوية الزبير وطلحة على التمرّد والمطالبة بدم عثمان، بعد أن أغراهم بالخلافة، فكتب إلى الزبير:

((بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله بن الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك أما بعد: فإني قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوثقوا فدونك الكوفة والبصرة، وبها كنوز الرجال وعين الخلافة لا يسبقك إليها ابن أبي طالب وقد بايعت لطلحة بن عبد الله من بعدك وطلحة هو ابن عم لأبي بكر فاظهر الطلب بدم عثمان وادع الناس إلى ذلك وليكن منكما الجد والتشمير)).

فلما وصل الكتاب إلى الزبير اعلم به طلحة واقرأه إياه، فلم يشكا في النصح لهما من قبل معاويةوأجمعا على خلاف علي بعدما

________________

(١) الكامل في التاريخ ٣ : ١٥٢

(٢) تاريخ المدينة المنورة ٤ : ١٢٨٩

(٣) تاريخ المدينة المنورة ٤ : ١١٥٣


بايعا له(١) .

فقادا المعركة ضد الامام عليه السلام فاضعفوا جيشه.

وبعد انتهاء معركة الجمل كتب الامام علي عليه السلام إلى معاوية يدعوه للبيعة قائلاً :((... قد بلغك ما كان من قتل عثمان، وبيعة الناس عامة إياي، ومصارع الناكثين لي، فادخل فيما دخل الناس فيه، والاّ فأنا الذي عرفت، وحولي من تعلمه والسلام))(٢) .

وكتب إليه ثانية يحتج عليه اويلزمه بما الزم نفسه من انعقاد بيعة ابي بكر وعمر وعثمان بالمبايعة لهم من قبل اهل المدينة:((أمّا بعد فانّ بيعتي بالمدينة لزمتك، وأنتَ بالشام لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغايب أن يرد ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار إذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضا ، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى ، ويصله جهنم وساءت مصيرا

وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي فكان نقضهما كردتهما فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، فإن احب الأمور إلي فيك العافية إلا أن تتعرض للبلاء ، فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت بالله عليك.

وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس وحاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله ، فأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان واعلم يامعاوية انك من الطلقاء، الذين لا تحلّ لهم الخلافة، ولا تعقد معهم الإمامة، ولا تعرض فيهم الشورى.))(٣) .

فقدبيّن الامام عليه السلام هدف معاوية وهو الوصول الى الخلافة وليس الطلب بدم عثمان الّاذريعة ،وبيّن ان الحل الحقيقي هو تقديم شكوى للقضاء وليس التمرد بالسلاح.

وكثرت بينهما الرسائل والكتب، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يحذّره من الغيّ والضلال والعدوان إلاّ انّه لم ينته عن ذلكَ إلى أن وقعت الحرب.

________________

(١) شرح نهج البلاغة٢٣١:١، شجرة طوبى ٢: ٣١٨.

(٢) الإمامة والسياسة ١ : ٨٣

(٣) الإمامة والسياسة ١ : ٩٣


وحاول معاوية استمالة بعض الصحابة ـ ومنهم سعد بن أبي وقاص ـ إلى جانبه إلاّ أنهم رفضوا ما طلبه منهم أشدّ الرفض وبينوا له أحقية عليّ عليه السلام في الأمر(١) .

عزل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أغلب ولاة عثمان بن عفان، وحينما أشار عليه المغيرة بن شعبة بإبقاء معاوية قال عليه السلام:(( ‎ لا أُداهن في ديني، ولا أعطي الدنيَّة في أمري))(٢) .

فكان يرى إبقاء معاوية في ولايته مداهنة في الدين لان معاوية لم يكن صاحب دين ولم يكن من الصحابة العدول، ولذا عزله بعد أن يئس من رجوعه إلى الطاعة او التزامه بالدين والقيم النبوية.

وقد كتب إليه عدة كتب يدعوه فيها إلى الطاعة، ويبيّن له غيّه ومساوءه، جاء في أحدها قوله عليه السلام ‎ :((وأرديت جيلاً من النّاس كثيراً، خدعتهم بغيِّك، وألقيتهم في موج بحرك، تغشاهم الظلمات، وتتلاطم بهم الشبهات، فجاوزوا عن وجهتهم، ونكصوا على أعقابهم.. فاتق الله يا معاوية في نفسك، وجاذب الشيطان قيادك..))(٣)

وكتب عليه السلام إليه أيضاً: ‎ (( فسبحان الله! ما أشدَّ لزومك للأهواء المبتدعة... فإمّا إكثارك الحِجاجَ على عثمان وقتلته، فإنّك إنّما نصرت عثمان حيثُ كان النصر لك، وخذلته حيثُ كان النّصر له))(٤) .

فقد بيّن له أنّه اتخذ دم عثمان وسيلة لينتصر بها، حيثُ إنّه لم ينصره في حياته

وحينما أراد معاوية استمالة عمرو بن العاص إلى جانبه استشار الأخير ابنيه عبدالله ومحمداً، فقال له عبدالله : (.. فإنّك إنّما تفسد دينك بدنيا يسيرة تصيبها مع معاوية فتضجعان غداً في النار)، وقال ابنه محمد: (بادر هذا الأمر) وقال له مولاه وردان : (اعترضت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : عليّ معه آخرة بلا دنيا، ومعاوية معه دنيا بلا آخرة، وليس في الدنيا عوض من الآخرة)

وقال ابنه عبدالله أيضاً : (بال الشيخ على عقبيه ، وباع دينه بدنياه)(٥)

________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٨٧

(٢) الكامل في التاريخ ٣ : ١٩٧

(٣) نهج البلاغة : ٤٠٦ الكتاب ٣١

(٤) نهج البلاغة : ٤١٠ الكتاب ٣٧

(٥) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٨٤ ـ ١٨٥


وكتب الإمام علي عليه السلام إلى ابن العاص كتاباً جاء فيه: ((فإنّك قد جعلتَ دينك تبعاً لدنيا امرىء ظاهر غيُّه، مهتوك ستره... فأذهبت دنياك وآخرتك... ))(١)

وألقيت الحجة عليه بعد مقتل عمّار بن ياسر إلاّ انه تمادى في غيّه وعدوانه عن سبق اصرار ،وسنتطرق الى ذلك في موضوع لاحق، وحينما أحسّ بالخطر المحدق به، رفع المصاحف للحيلولة دون استئصاله واتباعه.

أحداث مابعد صفين والتحكيم

بعد خدعة رفع المصاحف كتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام : ((وقد دعوتنا إلى حكم القرآن، ولست من أهله، ولسنا ايّاك أجبنا، ولكن أجبنا القرآن في حكمه))(٢)

وكتب الإمام عليّ عليه السلام اليه : ‎ (( و إنّ البغي و الزّور يذيعان بالمرء في دينه و دنياه ، و يبديان خلله عند من يعيبه و قد علمت أنّك غير مدرك ما قضي فواته و قد رام أقوام أمرا بغير الحقّ فتأوّلوا على اللّه فأكذبهم .فاحذر يوماً يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله، ويندم من أمكن الشيطان من قياده فلم يجاذبه، وقد دعوتنا إلى حكم القرآن ولست من أهله ، ولسنا إياك أجبنا، ولكنّا أجبنا القرآن في حكمه))(٣)

خطب الإمام علي عليه السلام أصحابه موضحاعدم تديّن بعض الصحابة وانحرافهم عن القران والسنة : ((عباد الله، امضوا على حقكم وصدقكم وقتال عدوّكم، فإنّ معاوية وعمراً وابن أبي معيط وحبيباً وابن أبي سرح والضحّاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم

________________

(١) نهج البلاغة : ٤١١ الكتاب ٣٩

(٢) شرح نهج البلاغة ١٧ : ١٢

(٣) نهج البلاغة : ٤٢٣ الكتاب ٤٨


منكم، قد صحبتهم أطفالاً ثم رجالاً، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال، ويحكم والله ما رفعوها إلاّ خديعة ووهناً ومكيدةً... فإنّي إنّما أقاتلهم ليدينوا لحكم الكتاب، فإنّهم قد عصوا الله فيما أمرهم، ونسوا عهده، ونبذوا كتابه))(١) .

وانتهت المعركة بالتحكيم ، وقد كان الإمام عليّ عليه السلام يحذّر معاوية من القتال وسفك الدماء فلم يستجب وكان جوابه لسفراء الإمام عليّ عليه السلام : (... ليس بيني وبينكم إلاّ السيف)(٢)

وانتهى التحكيم بخديعة عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري، فقال الأشعري لابن العاص:((غدرت وفجرت، إنّما مثلك كمثل الكلب) فقال له ابن العاص.((إنّما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً))(٣) .

وبما أنّ الحكم كان نابعاً من الهوى والابتعاد عن الهدى تبرَّء الإمام عليّ عليه السلام من عمروبن العاص وابي موسى الاشعري وكلاهما من الصحابة ونسب إليهما نبذ حكم القرآن ومخالفته فقال عليه السلام:((ألا إنَّ هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحيا ما أمات القرآن، واتبع كل منهما هواه بغير هدى من الله، فحكما بغير حجة بينة ولا سُنة ماضية، واختلفا في حكمهما وكلاهما لم يرشد، فبرىء الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين))(٤)

وحول الحكمين قال عبدالله بن عمر :((انظروا إلى ما صار أمر هذه الاُمّة، إلى رجل لا يبالي ما صنع ، وآخر ضعيفاً))(٥) .

ولم يكتف معاوية بالبغي على إمام زمانه وقتل في هذا البغي آلاف المسلمين وخيرة الصحابة، بل استمر في بغيه بالاعتداء على الأبرياء الذين يوالون الإمام عليّا عليه السلام باعتباره الخليفة الشرعي، وكان يبعث الغارات على المدن التابعة للدولة الإسلامية التي يحكمها الإمام علي عليه السلام فبعث بسر بن أرطأة ـ وهو من الصحابة ـ في ثلاثة آلاف إلى الحجاز وإلى المدينة فدخلها فخطب في

________________

(١) الكامل في التاريخ ٣ : ٣١٦ ـ ٣١٧ وبنحوه في المنتظم ٥ : ١٢١

(٢) مروج الذهب ٢ : ٣٧٧

(٣) نهاية الارب ٢٠ : ١٥٩

(٤) تاريخ الطبري ٥ : ٧٧ والكامل في التأريخ ٣ : ٣٣٨

(٥) نهاية الأرب ٢٠ : ١٥٩


الناس وهدّدهم وقال: (والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبدالله) فلما سمع الصحابي جابر بن عبدالله انطلق إلى أُم المؤمنين أم سلمة وقال لها: (ماذا ترين؟ انّي قد خشيت أن أُقتل، وهذه بيعة ضلالة)، وكان ذلك الجيش يقتل (من أبى أن يقرّ بالحكومة)(١)

ثم مضى بسر بن أرطأة إلى اليمن فقتل جماعة من أهلها، ومنهم طفلان صغيران لعبيد الله بن العباس(٢)

وبعد معاهدة الصلح وتوقف القتال استمر معاوية على عدوانه وكان يوجه الغارات على الامصار البعيدة عن عاصمة أمير المؤمنين عليه السلام ، وكانت أوامره إلى قادة الغارات ان يقتلوا كل من لم يبايع معاوية، وكل من يشايع أمير المؤمنين عليه السلام ، ومن وصاياه لسفيان بن عوف الغامدي : أقتل من لقيته ممّن ليس هو على مثل رأيك، واخرب كلّ مامررت به من القرى، واحرب الأموال، فانّ حرب الأموال شبيه بالقتل، وهو أوجع للقلب(٣) .

ونتيجةً للجرائم المتوالية التي ارتكبها بسر بن ارطأة طاعة لمعاوية دعا أمير المؤمنين عليه السلام عليه : ((اللهُمّ انّ بسراً باع دينه بالدنيا، وانتهك محارمك، وكانت طاعة مخلوق فاجر آثر عنده ممّا عندك، اللهُمّ فلا تمته حتى تسلبه عقله اللهُمّ العن بسراً وعمراً ومعاوية، وليحل عليهم غضبك))(٤)

وقنت عليه السلام أربعين ليلة يدعو على معاوية(٥)

وفي عهد أمير المؤمنين عليه السلام قتل معاوية محمد بن أبي بكر وسمّ مالك الأشتر، وسيطر على مصر

وكثر الحديث حول دهاء معاوية فأجاب الإمام عليّ عليه السلام موضحا انه يغدر ويفجر والغدر والفجور مسقط للعدالة فقال:((والله ما معاوية بأدهى منّي، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس...))(٦)

________________

(١) تاريخ الطبري ٥ : ١٣٩

(٢) تاريخ الطبري ٥ : ١٤٠

(٣) شرح نهج البلاغة ٢ : ٨٦

(٤) شرح نهج البلاغة ٢ : ١٨

(٥) مختصر تاريخ دمشق ٢٥ : ٣٧

(٦) شرح نهج البلاغة ١٠ : ٢١١


تمّرد معاوية على خلافة الامام الحسن عليه السلام

خروج معاوية بن أبي سفيان على خلافة الامام الحسن عليه السلام ومانتج عنه من نتائج كلّها دلائل واضحة على عدم عدالته ، فهو خارج على إمام زمانه او خليفة زمانه الشرعي، والخروج مسقط للعدالة إذا كان الخليفة عادلا، والأمر الثاني إنّ تمرده كان مسلحا بمعنى أنّه كان مستحلا للدماء ، وانّه عاهد الامام عليه السلام على عهود أساسية وهامة ثمّ نقضها ولم يحققها فهو ناقض للعهود وغادر مما يسلبه العدالة،وأنّه قتل جماعة من الصحابة لأنّهم رفضوا سبّ الامام علي عليه السلام.

فالإمام الحسن عليه السلام كان منتخباً من قبل أهل الحل والعقد على رأي علماء السنة فهو واجب الطاعة عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام، قال: خطب الحسن بن علي عليهما السلام حين قتل عليّ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((قبض في هذه الليلة رجل لا يسبقه الأولون بعمل ولا يدركه الآخرون، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعطيه رأيته فيقاتل وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فما يرجع حتى يفتح الله عليه وما ترك على أهل الأرض صفراء ولا بيضاء إلاّ سبع مائة درهم فضلت من عطاياه أراد أن يبتاع بها خادمة لأهله

أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي وأنا ابن النبي وأنا ابن الوصي وأنا ابن البشير وأنا ابن النذير وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه وأنا ابن السراج المنير وأنا من أهل البيت الذي كان جبرائيل ينزل إلينا ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وأنا من أهل البيت الذي افترض الله مودتهم على كل مسلم، فقال تبارك وتعالى لنبيّه:((قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ))(١) .

فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت)(٢) .

ولمّا تمّ خطاب الإمام عليه السلام تقدّم عبدالله بن عباس، وقال: ((معاشر الناس، هذا ابن نبيّكم، ووصيّ إمامكم فبايعوه)).

________________

(١) سورة الشورى : اية ٢٣

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٨٩


واستجاب الناس إلى بيعته، وقالوا: (ما أحبّه إلينا وأحقّه بالخلافة))(١) .

وكان عدد المبايعين له أكثر من أربعين ألفاً، كانوا قد بايعوا أباه عليه السلام على الموت.

وبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق وماوراءه من خراسان والحجاز واليمن(٢) .

وخلافة الإمام الحسن عليه السلام مطابقة لمتبنيات علماء الشيعة وغير الشيعة، فالإمام الحسن عليه السلام إمام مفترض الطاعة منصوص عليه من قبل الله تعالى ورسول الله صلى الله عليه وآله ثمّ من قبل أمير المؤمنين عليه السلام، فهو إمام وخليفة سواء بايعته الأمة أم لم تبايعه والبيعة هنا لا تُنشئ الإمامة أو الخلافة بل توّكدها،وهو إمام وخليفة مفترض الطاعة في رأي غير الشيعة الذين لا يؤمنون بالنصّ والتعيين من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الله تعالى، فالبيعة وحدها كافية لانعقاد الولاية والإمامة والخلافة، ولا تتوقف عند المخالفين على مبايعة سائر أفراد الناس بل يتم انعقادها ولو بعقد رجل واحد وقد عمل فقهاء مدرسة الخلفاء بذلك، فاقرّوا خلافة أبي بكر بمبايعة عمر له في السقيفة، وأقرّوا خلافة عمر بن الخطاب بعهد أبي بكر له، وأقرّوا خلافة عثمان حينما بويع من قبل عبد الرحمن بن عوف أو بقية أصحاب الشورى وإن كانوا مكرهين على ذلك.

وبعد ان بويع الامام عليه السلام بالخلافة كتب

لمعاوية بن أبي سفيان كتاباً جاء فيه: (( بسم الله الرحمن الرحيم من امير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان إنّ الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين فلمّا توفي تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمد في الناس وحقّه ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجّت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا فاليوم فليعجب المتعجّب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله لابفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله إنّ

________________

(١) مقاتل الطالبيين : ٦٢

(٢) اسد الغابة ١ : ٤٩١


عليّا رضوان الله عليه لما مضى لسبيله رحمة الله عليه ولاّني المسلمون الأمر بعده فدع التمادي في الباطل وأدخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فانك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله، وعند كل أوّاب حفيظ، ومن له قلب منيب. واتق الله ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحق به منك؛ ليطفئ الله النائرة بذلك، وتجمع الكلمة وتصلح ذات البين. وإن أبيت إلاّ التمادي في غيك نهدت إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين))(١) .

وتفاصيل الكتاب تدل على فسق معاوية وعدم عدالته ، وأنه مجر د متمرد يملك قوة عسكرية واجباره على الطاعة عن طريق القوة أمر مشروع؛ للحفاظ على وحدة الدولة ووحدة الكيان الإسلامي ووحدة المسلمين.

فالإمام الحسن عليه السلام هدّد معاوية باستخدام القوة من أجل اعادته للصف الإسلامي، وليس لمجرد عدم البيعة. فعدم البيعة لا يكفي لوحده لاستخدام القوة ما لم تترتب عليها مفسدة شق عصا المسلمين وتفتيت الدولة والكيان الإسلامي. وكان جواب معاوية: ((من عبدالله أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي لو علمت أنك اضبط مني للرعية، وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال وأكيد للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي ...)).

قال جندب بن عبدالله الأزدي: ((فلما أتيت الحسن بن علي بكتاب معاوية قلت له: إنّ الرجل سائر إليك فابدأ أنت بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فأما أن تقدر أنّه يتناولك فلا والله حتى يرى يوماً أعظم من يوم صفين)).

وكتب معاوية: ((... فاحذر أن تكون منيتك على يد رعاع من الناس وإن أنت أعرضت عمّا أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأجرت لك ما شرطت ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها، والسلام)).

________________

(١) مقاتل الطالبيين : ٦٤


فأجابه الإمام الحسن عليه السلام: ((بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، وصل إلي كتابك تذكر فيه ما ذكرت، فتركت جوابك خشية البغي عليك، وبالله أعوذ من ذلك، فاتبع الحق تعلم أني من أهله، وعليّ إثم أن أقول فأكذب والسلام)).

فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه، ثم كتب إلى عماله على النواحي نسخة واحدة (... اقبلوا إليّ حتى يأتيكم كتابي هذا بجندكم وجهدكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمدالله الثأر، وبلغتم الأمل...)).

فاجتمعت العساكر إلى معاوية بن أبي سفيان، وسار قاصداً إلى العراق، وبلغ الحسن خبر مسيره، فتحرك لذلك. وبعث حجر بن عدي يأمر العمّال والناس بالتهيؤ للمسير ونادى المنادي الصلاة جامعة، فأقبل الناس يتوثبون ويجتمعون، فقال الحسن عليه السلام إذا رضيت جماعة الناس فاعلمني، وجاء سعيد بن قيس الهمداني فقال: أخرج، فخرج الحسن عليه السلام فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أمّا بعد، فإنّ الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: ((وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ))(١) .

فلستم أيّها الناس نائلين ما تحبّون إلاّ بالصبر على ما تكرهون، إنّه بلغني أنّ معاوية بلغه أنا كنّا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، فاخرجوا رحمكم إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا ...)).

وخرج الناس فعسكروا ونشطوا للخروج، وخرج الحسن إلى معسكره. ثمّ إنّ الحسن عليه السلام سار في عسكر عظيم وعدة حسنة حتى أتى دير عبد الرحمن فأقام بها ثلاثاً حتى اجتمع الناس، ثمّ دعا عبيدالله بن العباس فقال له: ((... إذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك، فإن فعل فقاتل، فإن أصبت فقيس بن سعد على الناس ...)).

وفي اليوم الثاني من وصول عبيدالله إلى مسكن، وجّه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيدالله فيمن معه فضربهم حتى ردّهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيدالله أنّ الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلم الأمر إلي، فإن دخلت في طاعتي

________________

(١) سورة الانفال : اية ٤٦


الآن كنت متبوعاً، وإلاّ دخلت وأنت تابع، ولك أن أجبتني الآن إن أعطيك ألف ألف درهم، أعجل لك في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فانسل عبيدالله إليه ليلاً(١) .

وكان معاوية يدس إلى عسكر الحسن عليه السلام من يتحدث أنّ قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار معه، ويوجه إلى عسكر قيس من يتحدث أنّ الحسن قد صالح معاوية وأجابه(٢) .

واستمر معاوية في دسائسه وخبثه وكذبه وحيلته ، فقد بعث لكل من عمرو بن حريث والأشعث بن قيس وحجار بن أبجر عيناً من عيونه يمني كل واحد منهم بقيادة جند من جنوده، أو بتزويج إحدى بناته، أو بمائة ألف درهم أن قتلوا الحسن، وقد بلغه عليه السلام ذلك فاستلأم ولبس درعاً، فكان لايتقدم للصلاة إلاّ وعليه وقاية(٣) .

وكان معاوية يدسّ الجواسيس في جيش الإمام عليه السلام لبث الاشاعات، ومنها: أن قيس بن سعد قد صالح معاوية، ودسّ إلى عسكر قيس من يتحدث أنّ الحسن قد صالح معاوية وأجابه. ووجّه معاوية إلى الإمام عليه السلام المغيرة بن شعبة وآخرين فالتقوا به، وحينما خرجوا قالوا: (إنّ الله قد حقن بابن رسول الله الدماء، وسكنّ الفتنة وأجاب إلى الصلح، فاضطرب العسكر، ولم يشكك الناس في صدقهم))(٤) .

وتوالت الاشاعات مما أدت إلى خلخلة جيش الإمام عليه السلام وخلق الاضطرابات فيه، وتشجيع أهل الأهواء والمنافع للالتحاق بمعاوية حيث بدأت بعض القبائل تلتحق به (قبيلة بعد قبيلة حتّى خفّ عسكره)(٥) .

وبعد استمرار الفرار من جيش الإمام عليه السلام والالتحاق بمعاوية، وبعد تعرّض الإمام عليه السلام لعدّة محاولات استهدفت

________________

(١) شرح نهج البلاغة ١٦ : ٤٢

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٢١٤

(٣) علل الشرائع ٢٢١

(٤) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٢١٥

(٥) الفتوح ٢ : ٢٩١


قتله، وبعد أن يئس الإمام عليه السلام من حسم المعركة لصالحه، وأيقن أنّ بقاء الأوضاع على هذه الحالة يؤدّي إلى قتله وقتل أهل بيته وأصحابه المخلصين، جاءته وفود معاوية تدعوه للصلح، ومعهم كتب رؤساء العشائر الّذين ضمنوا لمعاوية فيها قتل الإمام أو تسليمه إليه(١) .

وكان مع آخر الوفود صحيفة بيضاء، مختوم على أسفلها، بخطّ معاوية وختمه: أن اشترط في هذه الصحيفة الّتي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك(٢) .

ولما راسله معاوية خطب في البقيّة المتبقيّة من جيشه، وأخبرهم بدعوة معاوية للصلح، ثمّ قال: ((فإن أردتم الموت رددناه عليه، وحاكمناه إلى الله عزّ وجل بظُبى السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه، وأخذنا لكم الرضا) فناداه الناس من كلّ جانب: (البقيّة البقيّة))(٣) .

ظروف الصلح البعيدة والقريبة:

إنّ قضية صلح الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية ليست قضية زمنية حدثت في حقبة زمنية معينة، بل هي قضية تفاعلت فيها ظروف الماضي مع ظروف الحاضر ؛ حيث استطاع الطلقاء أن يجدوا لهم موقعاً ومركزا حسّاساً داخل الكيان الإسلامي، فقد كان معاوية والياً على الشام في عهد الثلاثة وكانت له صلاحيات مطلقة كما تقدّم، حتّى كان عمر بن الخطاب يحاسب جميع ولاته غير معاوية حيث كان يقول له: (لا آمرك ولا أنهاك). وكان يمدحه كثيراً، وينهى عن ذمّه ،كما حذّر أهل الشورى من الفرقة ، فاستقل معاوية استقلالاً حقيقياً نظراً لصلاحياته المطلقة وعدم تدخّل الحكّام في شؤونه، وتوسّعت ولايته بعد أنّ ضمّ عثمان له الشام

فاستطاع أن يكوّن جيشاً مطيعاً مستسلماً، عن طريق الخداع والتضليل وشراء الضمائر بأموال المسلمين، وكان يوجّهه توجيهاً خاصّاً

________________

(١) الارشاد : ١٩٠

(٢) تاريخ الطبري ٥ : ١٦٢

(٣) الكامل في التاريخ ٣ : ٤٠٦


عن طريق الوعّاظ والرواة المتملّقين، وكان معزولاً عن بقيّة الأمصار، فلا يعرف غير معاوية وبيت أبي سفيان، ولا يعرف من الإسلام إلاّ ما يوجّهه به معاوية من حيث تاريخ الإسلام وتاريخ رجاله، فكان الناس يفهمون أنّ معاوية خال المؤمنين، وموضع ثقة الخلفاء السابقين، وابن عم الخليفة عثمان، إضافة إلى ما نسبه وعّاظ السلاطين إليه من فضائل بعد غياب الوعي وعدم الاختلاط ببقيّة الأمصار. وتربّص معاوية بعثمان حتّى قتل، فلم ينصره في حياته، وإنّما استغلّ مقتله للتمرّد على خلافة أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، ومن ثمّ الاستقلال الكامل بالشام بعد حرب صفّين. فكان أهل الشام مستسلمين له وحده، ومنقادين لقيادة واحدة، وليس له في الشام من ينافسه على الحكم والإمرة. وممّا ساعد على تقوية كيان الأمويّين هو عدم تأمير أحد من بني هاشم في عهد أبي بكر وعمر وعثمان(١) .

وفي المقابل لم يكن جيش الإمام الحسن عليه السلام جيشا متماسكاً موحداً في أفكاره وولاءاته، بل كان خليطاً غير متجانس من آراء مختلفة وولاءات متعددة، وقد عبّر الإمام عليه السلام عن ذلك قائلاً: ((رأيت أهل الكوفة قوماً لا يثق بهم أحد أبدا إلاّ غـُلب، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى؛ مختلفين لا نيّة لهم في خير ولا شر))(٢) .

وهذا الاختلاف من شأنه خلق البلبلة والاضطراب وعدم الوصول إلى وحدة في القرار والموقف وقد لعبت الأهواء والشهوات والمنافع الذاتيّة دوراً كبيراً في تبدّل النوايا عمّا كانت عليه من قبل ، ومن الطبيعي أن يفرز تعدّد الولاءات وتعدّد الآراء ـ زيادة على تقديم الدنيا على الدين ـ

ووجد الإمام الحسن عليه السلام نفسه أمام مرحلة طويلة من الإعداد، وإصلاح وترميم كثيرٍ من المواقع السياسيّة والعسكريّة، وحتّى الاقتصاديّة والاجتماعية، وهو يرى أنّه يقود جيشاً منهاراً عسكرياً ومعنوياً، لا يمكن جعله منقاداً إلاّ باستخدام وسائل وأساليب كالّتي يستخدمها معاوية، وهو عليه السلام غير مستعدّ لاستخدام تلك الوسائل والأساليب غير المشروعة كالخداع

________________

(١) النزاع والتخاصم ٨٤

(٢) الكامل في التاريخ ٣ : ٤٠٧


والتضليل وشراء الضمائر بأموال المسلمين وإنفاقها على جماعة خاصّة كرؤساء القبائل وقادة الجيش، فالإمام عليه السلام مقيدٌ بقيود شرعيّة حاكمة على جميع ممارساته ومواقفه. وليس هدفه البقاء في السلطة الآنيّة وإنّما هو جزء من حركة إصلاحيّة تنظر إلى الحاضر والمستقبل، لكي تبقى المفاهيم والقيم الإسلامية هي الحاكمة على أفكار المسلمين وعواطفهم وممارساتهم العمليّة على طول الحركة التاريخيّة لهم. وكان عليه السلام حريصاً على المصلحة الإسلامية الكبرى، ومصلحة كيان أهل البيت عليهم السلام وحيث وجد عليه السلام أنّه لا يستطيع بحسب الظروف القائمة أن يحسم الموقف لصالح الوجود الإسلامي، ولا يستطيع القضاء على رأس الفتنة الّتي كان يقودها الطليق معاوية، لذا أصبح أمام خيارين: إمّا الاستمرار في معركة خاسرة تؤدّي إلى إضعاف الكيان الإسلامي ككلّ أمام التحديات الخارجيّة، أو الميل إلى الصلح وحقن الدماء، والمحافظة على الوجود الإسلامي ثمّ ممارسة الإصلاح من الداخل. والخيار الأول يعني استيلاء معاوية على الحكم دون قيد أو شرط بعد مقتل الإمام الحسن عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام والخيرة من أصحابه، ومن هنا اختار عليه السلام الصلح على الاستمرار في المعركة، مقيّدا بشروط فيها مصلحة الكيان الإسلامي وكيان الموالين لأهل البيت عليهم السلام التي تضمن للشريعة بقاءها واستمرارها. فالصلح إذن جاء منسجماً مع تلك الظروف تماماً وإن حاول أنصار الطلقاء تغييب هذه الحقائق بشتى الأساليب كالكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه قال بشأن الإمام الحسن عليه السلام: ((إن ابني هذا سيد ولعل الله تبارك وتعالى أن يصلح به بين فئتين من المسلمين))(١) . وهو خبر واحد لا يوجب علماً ولا عملاً تفرّد به الحسن البصري عن أبي بكرة ولم يروه أحد غيره.

والصلح مقيّد بقيود وشروط وضعها الإمام عليه السلام تجعله في موقع القوّة دائماً ومعاوية في موقع الضعف على المدى القريب والبعيد، سواء كان معاوية يفي بالشروط أو لا، فإنّ عدم الوفاء بها يضمن للإمام عليه السلام ولكيان أهل البيت عليهم السلام نصراً على المدى البعيد لا محالة.

________________

(١) مسند أحمد ٦ : ١٧ ، صحيح البخاري ٥ : ٣٢


وقد تعهد معاوية إلى الإمام الحسن عليه السلام بجملة من الأمور، حيث كتب إليه: ((إنّي صالحتك على أنّ لك الأمر من بعدي.

ولك عهد الله وميثاقه وذمّته لا أبغيك غائلة ولا مكروهاً.

وعلى أن أعطيك في كلّ سنة ألف ألف درهم من بيت المال، وعلى أنّ لك خراج (فسا) و (دار أبجرد) تبعث إليها عمّالك، وتصنع بهما ما بدا لك)(١) .

وأمّا شروط الإمام الحسن عليه السلام فهي:

أن يعمل معاوية بكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وآله.

وليس لمعاوية أن يعهد لأحدٍ من بعده عهداً.

والناس آمنون حيث كانوا في العراق والشام والحجاز وتهامة، مع أمان شيعة وأصحاب علي عليه السلام على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم.

وأن لا يبغي للحسن ولا لأحد من أهل بيته غائلة سرّاً وعلانيةً، ولا يُخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق(٢) .

وأن لا يسميه الحسن عليه السلام بأمير المؤمنين وأن لا يقيم عنده شهادة، ولا يتعقب معاوية على شيعة عليّ عليه السلام شيئاً.

وأن يفرق في أولاد من قُتل مع أبيه عليه السلام يوم الجمل وصفين ألف ألف درهم(٣) .

إنّ الوعود والشروط الممضاة من قبل الطرفين، تشجع على قبول الصلح مع تلك الظروف والموازنة العسكريّة غير المتكافئة، وإلاّ فإنّ معاوية سينال السلطة إمّا بانتصاره العسكري أو بقتل الإمام عليه السلام من قبل عملائه المندسين في جيش الإمام عليه السلام، وستؤول السلطة إليه دون شروط أو قيود تقيّده أمام المسلمين. بينما أخذ الإمام عليه السلام عهوداً ومواثيق مقرونة بأَيْمانٍ مغلّظة

________________

(١) أنساب الأشراف ٣ : ٤١

(٢) أنساب الأشراف ٣ : ٤٢

(٣) بحار الأنوار ٤٤ :٢


من قبل معاوية على أن يفي بها. فإن وفى بما تعهّد به، فإنّ الأمر سيعود إلى الإمام من بعده، وستكون لأتباع الإمام عليه السلام مطلق الحرّيّة في أداء دورهم الإصلاحي والتغييري. وإنّ شرط عدم تسميته بأمير المؤمنين يسلب عنه شرعيّة الخلافة وإمرة المؤمنين، ويبقى مجرّد حاكمٍ أو ملك في أنظار المسلمين.

وإذا لم يفِ معاوية بالشروط فإنّ الاُمّة ستنكشف لها حقيقة معاوية والحكم الأموي، وأنّه مجرّد طالب سلطة منذ أوّل شعار أعلنه حين مطالبته بدم عثمان، وبالتالي فإنّ الاُمّة ستشخص قادتها الحقيقيّين وهم أهل البيت عليهم السلام وستعود إلى موالاتهم في الحاضر أو في المستقبل.

ومن الصلح يمكننا ان نميّز بين الصحابي العادل والصحابي غير العادل ، فالإمام الحسن عليه السلام وان كان من أئمة أهل البيت عليهم السلام إلاّ أنّ رجال الحديث صنفوه ضمن الصحابة، ففرق بين صحابي منتخب للخلافة ولكنّه يتنازل عنها لحقن الدماء ، وبين صحابي يتمرد على الخلافة الشرعية من أجل التسلط والهيمنة.

ومن أهم نتائج الصلح انكشاف حقيقة معاوية والحكم الأموي فبعد أن استلم معاوية زمام الأمور استسلم لزهو الإنتصار، ولم يتمالك نفسه حتّى كشف عن سريرته ومكنونات أهوائه، ولم يلتفت إلى الآثار المترتّبة على هذا الكشف، فأعلن لأهل العراق عن أهدافه الحقيقيّة وهي تتلخّص في الوصول إلى قمّة السلطة، كما جاء ذلك في خطابه حين قال: ((إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجّوا، ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم))(١) .

وهذا التصريح قد كشف عن الوجه الحقيقي لمعاوية كشفاً لا يمكن بعد ذلك التستّر عليه بتزوير الأحاديث، وتحريف الوقائع، ولا تقوّل المبرّرات الموضوعة للتستّر عليه والّتي كان منها عدالة جميع الصحابة، وغيرها من الفضائل الّتي أدلى بها الوضّاعون من رواة السلاطين كأبي هريرة وأمثاله. وانكشفت حقيقة معاوية أمام الأمويّين خصوصاً أمام عائلة عثمان، إذ قد رفع معاوية شعار الطلب بدم

________________

(١) مقاتل الطالبيين : ٧٧


عثمان وتمرّد على الإمامة الشرعيّة المنصوبة من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وبالبيعة من قبل أهل الحلّ والعقد ـ كما هو الرأي السائد آنذاك ـ وهو ما حصل في خلافة الإمام الحسن عليه السلام بعد أن بايعه عامّة المهاجرين والأنصار، فتخلّى معاوية عن شعاراته حين تمّ الصلح، وترك متابعة قتلة عثمان، وحينما دخل دار عثمان قالت عائشة بنت عثمان: وا أبتاه، وبكت، فأجابها معاوية: ((يا ابنة أخي إنّ الناس أعطونا طاعة، وأعطيناهم أماناً وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كلّ إنسان سيفه وهو يرى مكان أنصاره، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا ولا ندري أعلينا تكون أم لنا؟ ولأن تكوني بنت عمّ أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين))(١) .

لقد كشف معاوية عن نواياه في عدم الوفاء بالعهود والمواثيق التي قطعها على نفسه وقال: (ألا أنّ كلّ شيء أعطيته للحسن بن عليّ تحت قدميّ هاتين لا أفي به))(٢) .

وهنا انكشفت حقيقة الصراع فهو صراع بين منهجين: منهج الاستقامة الّذي يمثّله الإمام عليه السلام ومنهج الانحراف والجاهليّة الّذي يمثّله معاوية. ولم يطل الأمر فسرعان ما كشف القناع عن هدفه الحقيقي ، فبعد أن تمّ تسليم السلطة إليه بأيّام قلائل: نادى ـ وهو في المدائن ـ بأعلى صوته: ((ألا إنّ ذمّة الله بريئة ممّن لم يخرج فيبايع ألا وإنّا قد أجّلنا ثلاثاً، فمن لم يبايع فلا ذمّة له ولا أمان له عندنا)(٣) .

فقد خالف معاوية أساسيات المنهج الإسلامي المتفق عليه بين عموم المسلمين وهو عدم الإكراه على البيعة، وقد قامت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرة أمير المؤمنين عليه السلام على ذلك، فلم يكرهوا أحداً على البيعة لأنّها اختياريّة، بينما أعلن معاوية عن طبيعته الإرهابيّة في ملاحقة ومطاردة وقتل الرافضين لبيعته. ومن ذلك مواجهة عبدالله بن جعفر له في الشام وأمام المقربين له؛

________________

(١) عيون الأخبار١ : ٦٧

(٢) مقاتل الطالبيين : ٧٧

(٣) أنساب الأشراف ٣ : ٤٧


حيث خاطبه قائلاً: ((ما يجهل موضع الصفوة إلاّ أهل الجفوة، وإنّك لتعرف وشائظ قريش وصبوة غرائزها، فلا يدعونك تصويب ما فرط من خطئك في سفك دماء المسلمين ومحاربة أمير المؤمنين إلى التمادي فيما قد وضح لك الصواب في خلافه، فاقصد لمنهج الحقّ، فقد طال عماك عن سبيل الرشد، وضبطك في بحور ظلمة الغيّ))(١) .

وقد كشف عليه السلام فسق وجور معاوية فقال عليه السلام ذات يوم لمعاوية: ((أما الخليفة فمن سار بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وعمل بطاعة الله عزّ وجلّ، ليس الخليفة من سار بالجور وعطّل السنن واتخذ الدنيا أمّاً وأباً، ولكن ذلك أمرَ ملْكٍ أصابَ مَلِكاً، فتمتع به قليلاً، وكان قد انقطع عنه وضم لذته، وبقيت عليه تبعته))(٢) .

ومن موبقات معاوية التي تدل على عدم عائلته أنّه خطب بالكوفة حين دخلها، والحسن والحسين عليهما السلام جالسان تحت المنبر، فذكر علياً عليه السلام فنال منه، ثم نال من الحسن ثم قام الحسن عليه السلام فقال: ((أيّها الذاكر علياً، أنا الحسن وأبي عليّ، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمّي فاطمة وأمّك هند، وجدّي رسول الله وجدّك عتبة بن ربيعة، وجدّتي خديجة وجدّتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا وألأمنا حسباً، وشرّنا قديماً وحديثاً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً، فقال طوائف من أهل المسجد: آمين)(٣) . وروى أبو الحسن المدائني قال: سأل معاوية الحسن بن علي بعد الصلح أن يخطب فامتنع، فناشده أن يفعل، فوضع له كرسي فجلس عليه ثم قال: ((الحمد لله الذي توحد في ملكه، وتفرّد في ربوبيته، يؤتي الملك من يشاء وينزعه عمّن يشاء، والحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم، وأخرج من الشرك أولكم وحقن دماء آخركم، فبلاؤنا عندكم قديماً وحديثاً أحسن البلاء، إن شكرتم أو كفرتم. أيها الناس، إنّ ربّ عليّ كان أعلم بعليّ حين قبضه إليه، ولقد اختصه بفضل لم تعتادوا مثله، ولم تجدوا مثل سابقته وأيم الله لا ترى أمة محمد خفضاً ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أميّة ...)(٤) .

________________

(١) شرح نهج البلاغة ٦ : ٢٩٦

(٢) الأحتجاج ٢ : ٥٢

(٣) شرح نهج البلاغة ١٦ : ٤٦ ، ٤٧

(٤) شرح نهج البلاغة ١٦ : ٢٨


وكانت لقاءات الإمام الحسن عليه السلام مع رؤوس النظام الأموي على هيئة مناظرات، استطاع الإمام عليه السلام من خلالها فضح رأس النظام الأموي معاوية وأتباعه وتبيان فضائل ومقامات الإمام علي عليه السلام، ففي أول مناظرة بينهما افتخر معاوية عليه فأجابه عليه السلام: ((هيهات لشرّ ما علوت يابن آكلة الأكباد؛ المجتمعون عليك رجلان: بين مطيع ومكره، فالطائع لك عاص لله، والمكره معذور بكتاب الله، وحاشا لله أن أقول أنا خير منك، لأنّك لا خير فيك، فإنّ الله قد برأني من الرذائل كما برّأك من الفضائل)(١) .

وعلى أثر مواقف الامام الحسن عليه السلام في فضح حقيقة معاوية أيقن معاوية أنّ بقاء الإمام الحسن عليه السلام حيّاً يشكّل تهديداً واضحاً لنظامه القائم على أساس الخداع والتضليل وتزوير الحقائق وشراء الضمائر، لأنه عليه السلام الخليفة الحق والأعلم والأتقى والقمة في جميع مقوّمات الشخصية الانسانية، وزيادة على مؤهلاته الذاتية فإنّه يتمتع بفضائل ومقامات وردت في القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي مقابل ذلك يبقى معاوية باغياً طليقاً مبتزّاً متسلطاً غاصباً للسلطة والحكومة لا يملك أي مؤهلات سوى الخداع والتضليل وشراء الضمائر كمقوّمات لبقائه في السلطة، وهو لا يستطيع الاستمرار في التسلط وممارسة الانحرافات المخالفة للكتاب والسنة، وتحويل الخلافة إلى ملكٍ عضوض وسلطان يتوارثه بنو أمية مادام الإمام الحسن عليه السلام حياً؛ ولهذا فكّر في التخلّص من الإمام عليه السلام فقتله بالسمّ. قال قتادة وأبوبكر بن حفص: ((سُمَّ الحسن ابن علي، سمّته امرأته بنت الأشعث بن قيس الكندي، وقالت طائفة كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك))(٢) .

وفي رواية عن الإمام الحسن عليه السلام قال: ((لقد رقي إليّ أنّه كتب إلى ملك الروم يسأله أن يوجّه إليه من السمّ القتال بشربة، فكتب إليه ملك الروم: أنّه لا يصلح لنا في ديننا أن نعين على قتال من لا يقاتلنا. فكتب إليه: إنّ هذا ابن الرجل الذي خرج بأرض

________________

(١) حياة الامام الحسن ،باقر شريف القرشي ٢ : ٣٠٦

(٢) الاستيعاب ١ : ٣٤٧


تهامة قد خرج يطلب ملك أبيه، وأنا أريد أن أدّس إليه من يسقيه ذلك، فاريح العباد والبلاد منه، ووجّه إليه بهدايا وألطاف، فوجّه إليه ملك الروم بهذه الشربة التي دسّ بها فسقيتها))(١) .

وعملية السم ليست عملية حقد شخصي أو ناجمة عن خلافات عشائرية أو قبلية فقط، بل هي تآمر سافر على مستقبل الرسالة الإسلامية.

وخلاصة القول : كيف يكون معاوية عادلا وهو لم يترك ذنبا كبيراً إلاّ وارتكبه من خروجه على إمام وخليفة زمانه الى قتله بالسم ثم قتل الموالين له ولأبيه الامام علي عليه السلام.

التناقض بين الصحابة

حديث أصحابي كالنجوم

نسب إلى رسول الله صلى الله عليه واله أنّه قال:((إنَّ أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيِّها أخذتم به اهتديتم))(٢) .

هذه الرواية نناقشها من حيث السند ومن حيث الدلالة ومن حيث وضعها مقابل الروايات الداعية للتمسك بأهل البيت عليهم السلام وهي روايات متواترة عند الجميع.

اما السند فهو غير تام عند فقهاء ومحققي الشيعة و عند كثير من الفقهاء والعلماء غير الشيعة بما فيهم بعض المؤمنين بعدالة جميع الصحابة

قال أبو عمر يوسف بن عبدالبر القرطبي : ((وهذا مذهب ضعيف عند جماعة من أهل العلم، وقد رفضه أكثر الفقهاء وأهل النظر))(٣)

________________

(١) بحار الأنوار ٤٤ : ١٤٧

(٢) الكفاية في علم الرواية : ٤٨

(٣) جامع بيان العلم وفضله ٢ : ٣٠٠.


وذكر ابن حزم الإندلسي أسماء الرواة الضعاف والكذّابين والمجهولين في أسانيد هذه الرواية، ثم أبرز رأيه من خلال تلك المقدمات فقال:((فقد ظهر أنّ هذه الرواية لا تثبت أصلاً، وبلا شك أنّها مكذوبة... فمن المحال أن يأمر رسول الله صلى الله عليه واله باتّباع كلّ قائل من الصحابة، وفيهم من يحلّل الشيء وغيره من يحرمه، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالاً اقتداءً بسمرة بن جندب))(١)

وضعّف ابن قيم الجوزية إسناد الرواية ثم ناقش الدلالة فقال:((إنَّ هذا يوجب عليكم تقليد الجميع، فإن سوّغتم هذا، فلا تحتجّوا لقول على قول ومذهب على مذهب... ولا تنكروا على من خالف مذهبكم واتّبع قول أحدهم، وإن لم تسوّغوه فأنتم أول مبطل لهذا الحديث ومخالف له))(٢)

وفي معرض تقييم الذهبي لجعفر بن عبد الواحد الهاشمي قال:((ومن بلاياه.. عن النبي صلى الله عليه واله : ‎ أصحابي كالنجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى))(٣)

ومن الذين ضعفّوا إسناد الرواية الاسفرايني(٤) ، وأبو حيان الأندلسي وتلميذه تاج الدين الحنفي(٥) واعتبروها مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه واله

ومنهم : (أحمد بن حنبل، البزار، ابن عدي، الدارقطني، ابن حزم، البيهقي، ابن عبدالبر، ابن عساكر، ابن الجوزي، ابن دحية، الذهبي، الزين العراقي، ابن حجر العسقلاني، السخاوي، السيوطي، المتقي، القاري)(٦)

ويمكن مناقشة الرواية من حيث الدلالة ومن حيث نتائج الأخذ بها من الناحية العملية والواقعية

________________

(١) الإحكام في أُصول الأحكام ٦ : ٢٤٤

(٢) إعلام الموقعين ٢ : ٢٣٤.

(٣) ميزان الاعتدال ، للذهبي ١ : ٤١٣.

(٤) التبصير في الدين : ١٧٩

(٥) البحر المحيط ٥ : ٥٢٨.

(٦) الإمامة في أهم الكتب الكلامية: ٤٦١ ـ ٥١٤


فالأمر بالاقتداء موجّه إلى الصحابة، فكيف يأمر رسول الله صلى الله عليه واله الصحابة بالاقتداء بالصحابة وهذا يعني أنّه أمر للصحابة بالاقتداء بأنفسهم، وهذا محال

ولو فرضنا صحته، فإنّه مختص بالاقتداء ببعض الصحابة لا جميعهم ،والأعراف المتبعة عند العرب آنذاك إنّهم لا يهتدون بأي نجم كان، وإنّما كانوا يهتدون بنجوم معينة ومحدّدة في مسيرهم، والإطلاق الذي في الحديث لا يتناسب مع علومهم ومعارفهم الدارجة آنذاك

ولو تتبعنا سيرة الصحابة وأخذنا بها لوقعنا في تناقض حتمي، كما ورد في قول ابن حزم و ابن القيم.

وإذا قيل: إنّ المراد هو الاقتداء ببعض المواقف دون بعض، فلا بدَّ من مخصّص لهذا الاقتداء، ولا مخصص له، لأنَّ الرواية مطلقة

فالرواية إذن لا يصحّ الاستدلال بها على عدالة جميع الصحابة، فهي غير تامة السند ولا الدلالة

بين القريشيين والانصار

الخلاف بين الصحابة القريشيين واغلبهم من الطلقاء وبين الانصار ومادار فيه من تصريحات واشعار يرسم لنا حقيقة اغلبهم وتماديهم في مخالفة مفاهيم وقيم القران والسنة باستحلال بعض الصحابة دماء البعض الاخر اضافة الى فضح احدهم الاخر.

في رواية الزبير بن بكار(١) قال : لما بُويع أبو بكر واستقرّ أمرُهُ، نَدِم قوم كثير من الأنصار على بيعته، ولام بعضُهم بعضاً، وذكروا عليّ بن أبي طالب، وهتفوا باسمه، وإنّه في داره لم يخرج إليهم، وجزع لذلكَ المهاجرون، وكثر في ذلك الكلام.

وكان أشدّ قريش على الأنصار نفرٌ فيهم، وهم سهيل بن عمرو، أحد بني عامر بن لؤيّ، والحارث بن هشام، وعِكْرمة بن أبي جهل المخزوميّان، وهؤلاء أشراف قريش الّذين حاربوا النبي صلى الله عليه واله، ثمّ دخلوا في الإسلام، وكلُّهم موتورٌ قد وَتَرَهُ الأنصار. أمّا سهيل بن عمرو فأسره مالك بن الدخشم يوم بَدْر، وأمّا الحارث بن هشام، فضربه عروة بن عمرو، فجرحه يوم بَدْر، وهو فارٌّ عن أخيه. وأمّا عِكْرِمة بن أبي جهل، فقتل أباه ابنا عَفْراء، وسَلبه دِرْعه يوم بدر زيادُ بن لبيد، وفي أنفسهم ذلكَ

________________

(١) شرح نهج البلاغة ٦ : ٢٢ إلى ٣٨


فلما اعتزلت الأنصار تجمّع هؤلاء، فقام سهيل بن عمرو فقال : يامعشر قريش، إنّ هؤلاء القوم سمّاهم الله الأنصار، وأثنى عليهم في القرآن، فلهم بذلكَ حظٌّ عظيم، وشأن غالب، وقد دَعَوْا إلى أنفسهم وإلى عليّ بن أبي طالب، وعليّ في بيته لو شاء لردَّهم، فأدعوهم إلى صاحبكم وإلى تجديد بيعته، فإن أجابوكم وإلاّ فاقتلوهم، فوالله إني لأرجوا أن ينصرَكم عليهم كما نُصِرتم بهم

ثمّ قام الحارث بن هشام، فقال : إن تكن الأنصار تبوأت الدار والإيمان مِنْ قَبْل، ونقلوا رسول الله صلى الله عليه واله إلى دورهم من دورنا، فآووْا ونصروا، ثمّ مارَضُوا حتى قاسمونا الأموال، وكفوْنا العمل، فإنهم قد لهجوا بأمر إن ثبتوا عليه، فإنهم قد خرجوا مما وُسِموا به، وليس بيننا وبينهم معاتبة إلاّ السّيف، وإن نزعوا عنه فقد فعلوا الأولى بهم والمظنون معهم

ثمّ قام عِكْرمة بن أبي جهل، فقال : والله لولا قولُ رسول الله، صلى الله عليه واله : ‎ الأئمة من قريش، ماأنكرنا إمرة الإنصار، ولكانوا لها أهلاً، ولكنه قولٌ لا شكّ فيه ولا خيار، وقد عجِلت الأنصار علينا، والله ماقبضنا عليهم الأمر ولا أخرجناهم من الشورى، وإنّ الذي هم فيه من فلتات الأمور ونَزَغات الشيطان، ومالا يبلغه المُنى، ولا يحمله الأمل أعذِروا إلى القوم، فإن أبَو فقاتلوهم، فوالله لو لم يبق من قريش كلّها إلاّ رجل واحد لصيّر الله هذا الأمر فيه.

قال : وحضر أبو سفيان بن حرب، فقال :

يا معشر قريش، إنه ليس للأنصار أن يتفضّلوا على الناس حتى يُقرُّوا بفضلنا عليهم، فإن تفضّلوا فحَسبنا حيث انتهى بها، وإلاّ فحسبهم حيث انتهى بهم. وإيمُ الله لئن بَطروا المعيشة، وكَفَروا النعمة، لنضربهم على الإسلام كما ضرِبوا عليه، فأمّا عليّ بن أبي طالب فأهل والله أن يسوَّد على قريش، وتطيعه الأنصار

فلمّا بلغ الأنصار قول هؤلاء الرهط قام خطيبهم ثابت بن قيس بن شماس فقال :

يامعشر الأنصار، إنّما يكبُر عليكم هذا القول لو قاله أهلُ الدين من قريش، فأمّا إذا كان من أهل الدنيا، لا سيما من أقوام كلّهم موتور، فلا يكبُرَنّ عليكم، إنما الرأي والقول معَ الأخيار المهاجرين، فإن تكلّمت رجال قريش، والذين هم أهل الآخرة مثل كلام هؤلاء، فعند ذلكَ قولوا ماأحببتم وإلاّ فأمسكوا

وقال حسان بن ثابت يذكر ذلكَ :

تنادَى سُهَيلٌ وابنُ حَرْب وحارِثٌ

وعِكْرِمةُ الشَّاني لنا ابن أبي جَهْلِ


قتلنا أباهُ وانتزعنا سِلاحَهُ

فأصبَحَ بالبطْحا أذلَّ مِنَ النَّعْلِ

فأمّا سهيلٌ فاحتواهُ ابن دخشم

أسيراً ذليلاً لا يُمِرُّ ولا يُحْلىِ

وصخْر بن حرب قد قتلنا رجاله

غداةَ لِوَا بَدْر فمِرْجَلُه يَغْلى

وراكَضنا تحتَ العجاجة حارثٌ

على ظهر جرْداء كباسِقة النَّخْلِ

يقبّلها طَوْراً وطوراً يحَتها

ويعدلها بالنفس والمال والأهل

وكّلهم ثان عن الحقِّ عِطفَه

يقول اقتلوا الأنصار، يابِئسَ مِنْ فِعْل!

فكان جزاء الفضل منّا عليهم

جهالتهم حمقاً وما ذاك بالعدْلِ

فبلغَ شعر حسان قريشاً، فغضبوا وأمروا ابن أبي عزّة شاعرهم أن يجيبه، فقال:

معشر الأنصار خافوا ربّكمْ

واستجيروا الله من شرِّ الفِتَنْ

إنّني أرهب حرْباً لاقحاً

يَشرَق المُرضَعُ فيها باللّبَنْ

جَرّها سعد وسعدٌ فِتْنَةٌ

ليت سعدَ بن عباد لم يَكُنْ

خلف برهوت خفيا شخصُه(١)

بين بُصرى ذى رُعين وَجَدَنْ

ثمّ اجتمعت جماعة من قريش يوماً وفيهم ناس من الأنصار وأخلاط من المهاجرين، وذلكَ بعد انصراف الأنصار عن رأيها وسكون الفتنة، فاتّفق ذلكَ عندَ قدوم عمرو بن العاص من سفر كان فيه، فجاء إليهم، فأفاضُوا في ذكر يوم السَّقيفة وسعد ودعواه الأمر، فقال عمرو بن العاص: والله لقد دفع الله عنّا من الأنصار عظيمة، ولمَا دفع الله عنهم وأعظم، كادوا والله أن يحلّوا حبلَ الإسلام كما قاتلوا عليه، ويخرِجُوا منه مَنْ أدخلوا فيه، والله لئن كانوا سمعوا قول رسول الله، صلى الله عليه واله : ‎ الأئمة من قريش û ، ثمّ ادّعَوها لقد هَلكُوا وأهلَكوا، وإن كانوا لم يسمعوها فما هم كالمهاجرين، ـ كأبي بكر، ولا المدينة كمكة، ولقد قاتلونا أمس فغلبونا على البدء، ولو قاتلناهم اليوم لغلبناهم على العاقبة، فلم يجبه أحد، وانصرف إلى منزله وقد ظفر، فقال :

ألا قُلْ لأوس إذا جئتها

وقلْ كُلّما جئت للخزْرجِ

________________

(١) برهوت : واد باليمن


تمنيتُم الملك في يثرب

فأنزلت القِدرِ لم تنضج

وأخدجتُم الأمر قبل التمام

وأعجب بذا المعجَل المخدَجِ(١)

تريدون نتْج الحِيال العشا

ر ولم تلقحوه فلم يُنتجِ

عَجِبْتُ لسعد وأصحابه

ولو لم يهيجوه لم يهتَجِ

رجا الخزرجي رجاء السّراب

وقد يخلف المرء مايرتجى

فكان كَمُنْح على كفّه

بكفّ يقطّها أهوجِ

فلما بلغ الأنصار مقالته وشعره، بعثوا إليه لسانهم وشاعرهم النعمان بن العجلان ـ وكان رجلاً أحمر قصير، تزدريه العيون، وكان سيّداً فخما ـ فأتى عمرا وهو في جماعة من قريش، فقال : والله ياعمرو ماكرهتُم من حربنا إلاّ ماكرهنا من حربكم، وماكان الله ليخرجَكم من الإسلام بمن أدخلكم فيه، إن كان النبيّ، صلى الله عليه واله قال : ‎ الأئمة من قريش، والله ماأخرجناكم من الأمر إذ قلنا : منّا أمير ومنكم أمير، وأمّا مَنْ ذكرت، فأبو بكر لَعَمَرْى خير من سَعْد، لكنّ سعدا في الأنصار أطوعُ من أبي بكر في قريش، فأمّا المهاجرُون والأنصار، فلا فرق بينهم أبدا، ولكنّك يابن العاص، وترْتَ بني عبد مناف بمسيرك إلى الحبشة لقتل جعفر وأصحابه، ووترتَ بني مخزوم بإهلاك عُمارة بن الوليد ثم انصرف فقال :

فقل لقريش نحن أصحاب مكّة

ويوم حُنين والفوارس في بَدْر

وأصحاب أحد والنّضير وخيبر

ونحن رجعنا من قريظة بالذّكر

ويوم بأرض الشام أدخِل جعفر

وزيد وعبد الله في علَق يجرِى

وفي كلِّ يوم ينكر الكلبُ أهله

نطاعنُ فيه بالمثقفة السُّمرِ

ونضربُ في نقع العجاجة أرؤساً

ببيض كأمثال البروق إذا تسرى

نصرْنا وآوينا النبيّ ولم نخف

صروف اللّيالي والعظيم من الأمر

________________

(١) يقال : أخذج الأمر، إذا لم يحكمه، والمخدج : الناقص


وقلنا لقوم هاجروا قبلُ : مرحباً

وأهلاً وسهلاً، قد أمنتم من الفقرِ

نقاسمكم أموالنا وبيوتنا

كقسمة أيسار الجزور على الشّطرِ

ونكفيكم الأمر الذي تكرهونه

وكنّا اناساً نُذْهبُ العسر باليسر

وقلتم : حرامٌ نصب سعد ونصبكم

عتيق بن عثمان ـ حلال ـ أبا بكر

وأهلٌ أبو بكر لها خير قائم

وإنّ علياً كان أخلَقَ بالأمر

وكان هواناً في عليّ وإنّه

لأهْل لها ياعمروا من حيثُ لا تدري

فذاك بعون الله يدعو إلى الهدى

وينهى عن الفحشاء والغي والنُّكر

وصيُّ النبي المصطفى وابن عمّه

وقاتِلُ فرسان الضّلالة والكُفر

وهذا بحمدِ الله يهدي من العَمَى

ويفتح آذاناً نقُلْنَ من الوَقْرِ

فلولا اتّقاء الله لم تذهبوا بها

ولكن هذا الخير أجمع للصّبرِ

ولم نرْضَ إلاّ بالرِّضا ولربما

ضربنا بأيدينا إلى أسفل القِدْرِ

فلما انتهى شعر النعمان وكلامه إلى قريش، غضب كثير منها، وألفى ذلكَ قدوم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن وكان رسول الله استعمله عليها، وكان له ولأخيه أثر قديم عظيم في الإسلام وهما من أوّل من أسلم من قريش، ولهما عبادة وفضل فغضب للأنصار، وشتمَ عمرو بن العاص، وقال : يامعشر قريش، إنّ عمراً دخل في الإسلام حين لم يجِدْ بداً من الدخول فيه، فلما لم يستطِعْ أن يكيدَه بيده كاده بلسانه، وإنّ مِنْ كيده الإسلام تفريقَه وقطعه بين المهاجرين والأنصار والله ماحاربناهم للدين ولا للدنيا، لقد بذلوا دماءهم لله تعالى فينا، ومابذلنا دماءنا لله فيهم، وقاسمونا ديارهم وأموالهم، ومافعلنا مثل ذلكَ بهم، وآثرونا على الفَقْر، وحرمناهم على الغنى، ولقد وصّى رسولُ الله بهم، وعزّاهم عن جَفْوة السلطان، فأعوذ بالله أن أكون وإياكم الخلّف المضيّع، والسلطان الجاني!

ثمّ قال :

تفوّه عمرو بالذي لا نُريدُه

وصرّح للأنصار عن شَنْأةِ البُغْضِ

فإن تكن الأنصار زَلّتْ فإننا

نُقيلُ ولا نجزيهم بالقَرْضِ


فلا تقطعنْ ياعمرو ماكان بيننا

ولا تحملنْ ياعمرو بعضاً على بعضِ

أتنسى لهم ياعمرو ماكان منهمُ

ليالي جئناهم من النّفْلِ والفَرْضِ

وقسْمَتنا الأموال كاللّحم بالمُدَى

وقسمتَنا الأوطان كلٌّ به يقضي

لياليَ كلُّ الناس بالكفر جهرة

ثِقالٌ علينا، مجمعونَ على البُغضِ

فساوَوْا وآووا وانتهينا إلى المُنى

وقرّ قَرَارَانا من الأمن والخفضِ

ثمّ إنّ رجالاً من سفهاء قريش ومثيري الفِتَن منهم، اجتمعوا إلى عمرو بن العاص، فقالوا له : إنّك لسانُ قريش ورجُلها في الجاهلية والإسلام، فلا تدَع الأنصار وما قالت، وأكثروا عليه من ذلك، فراح إلى المسجد، وفيه ناس من قريش وغيرهم، فتكلم وقال : إنّ الأنصار تَرَى لنفسها ماليس لها، وايمُ الله لوددت أنّ الله خلّى عنّا وعنهم، وقضى فيهم وفينا بما أحبّ، ولنحنُ الذين أفسدْنا على أنفسنا أحرزناهم عن كلّ مكروه، وقدّمناهم إلى كلّ محبوب، حتى أمنوا المخوف، فلما جاز لهم ذلك صغّروا حقّنا، ولم يراعُوا ماأعظمنا من حقوقهم

ثمّ التفتَ فرأى الفضل بن العباس بن عبد المطلب، وندِم على قوله، للخئولة التي بين ولد عبد المطلب وبين الأنصار، ولأنّ الأنصار كانت تُعظّم عليّاً، وتهتِف باسمه حينئذ، فقال الفضل : ياعمرو، إنّه ليس لنا أن نكتُم ماسمعنا منك، وليس لنا أن نجيبَك، وأبو الحسن شاهد بالمدينة، إلاّ أن يأمرنا فنفعل

ثمّ رجع الفضلُ إلى عليّ فحدّثه فغضب وشتم عمْرا. وقال آذى الله ورسوله، ثمّ قام فأتى المسجد، فاجتمع إليه كثير من قريش وتكلّم مغضباً، فقال:

يا معشَر قريش، إن حبّ الأنصار إيمان، وبغضهم نفاق، وقد قَضَوا ما عليهم، وبقي ما عليكم، واذكروا أنّ الله رغب لنبيكم عن مكّة، فنقله إلى المدينة، وكره له قريشاً، فنقله إلى الأنصار، ثمّ قدِمنا عليهم دارَهم، فقاسمونا الأموال، وكَفوْنا العمل، فصرنا منهم بين بذل الغنّى وإيثار الفقير، ثمّ حاربَنا الناس فوقونا بأنفسهم، وقد أنزل الله تعالى فيهم آية من القرآن، جمع لهم فيها بين خمس نِعَم، فقال: (والّذين تبَوءوا الدَّار والإيمان مِنْ قَبْلِهم يُحبُّون مَنْ هَاجَرَ إليْهِم ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِم حَاجَةً مِمّا اُوتُوا وَيُؤثِرُونَ علَى أنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ


وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فاُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ)(١) ، ألا وإنّ عمرو بن العاص قد قام مقاما آذى فيه المّيت والحيّ، ساء به الواتر وسرّ به الموتور، فاستحقَ من المستمع الجواب، ومن الغائب المقْت، وإنه مَنْ أحبّ الله ورسوله أحبَّ الأنصار، فليكفُف عمرو عَنّا نفسه

فمشت قريش عند ذلكَ إلى عمرو بن العاص، فقالوا : أيّها الرجل، أمّا إذا غضب عليّ فاكفُفْ

وقال خُزيمة بن ثابت الأنصاري يخاطب قريشاً :

أيال قُريْش أصلِحوا ذات بيننا

وبينكُم قد طالَ حَبْلُ التماحك(٢)

فلا خيْر فيكُم بعدنا فارفُقوا بنا

ولا خير فينا بعد فِهْر بن مالك

كِلانا على الأعداء كفٌ طويلة

إذا كان يومٌ فيه جَبُّ الحَواركِ(٣)

فلا تذكُروا ما كان مِنَّا ومنكُم

ففي ذِكْرِ ماقد كان مَشْيُ النَّساوكِ

وقال عليّ للفضل : يافضل، انصر الأنصار بلسانك ويدك، فإنهم منك وإنك منهم فقال الفضل :

قلتَ ياعمرُو مقالا فاحشا

إن تعُد ياعمرو والله فلكْ

انمّا الأنصار سيفٌ قاطعٌ

مَنْ تُصِبْه ظُبَةُ السّيْفِ هَلَك

وسيوفٌ قاطع مَضرَبُها

وسهام الله في يوم الحَلَكْ

نصرُوا الدين وآوَوْا أهلَه

منزلٌ رَحْبٌ ورِزْقٌ مُشْتَرَك

وإذا الحرب تَلظَّت نارُها

بركوا فيها إذا الموت بَرَكْ

ودخل الفضل على عليّ فأسمعه شعره، ففرح به، وقال وَرِيَتْ بك زنادى يافَضْل، أنت شاعر قريش وفتاها، فاظهر شِعْرَك وابعث به إلى الأنصار، فلما بلغ ذلكَ الأنصار، قالت : لا أحد يجيبُ إلاّ حسّان الحسام، فبعثوا إلى حسان بن ثابت، فعرضوا عليه شعر

________________

(١) سورة الحشر : ٩

(٢) الماحك : اللجاج

(٣) كناية عن الشدة، والحارك : عظم على الظهر


الفضل، فقال : كيف أصنع بجوابه! إنْ لم أتحرَ قوافيه فضحني، فرويدا حتى أقفُوا أثره في القوافي، فقال له خُزيمة بن ثابت : اذكر عليا وآله يكفِك عن كلّ شيء، فقال :

جزى الله عنّا والجزاء بكَفِّه

أبا حسن عَنّا وَمَنْ كأبي حسَنْ

سبقت قريشاً بالذي أنتَ أهلُه

فصدرك مشروح، وقلبك ممتحَنْ

تمنّت رجالٌ من قريش أعِزّةٌ

مكانك، هيهات الهزال من السِّمَن!

وأنتَ من الإسلام في كلِّ موطن

بمنزلة الدّلو البطين من الرّسَنْ

غضبتَ لنا إذ قام عمروٌ بخطبة

أمات بها التقوى وأحيا بها الإحَنْ

فكنت المرجّى من لؤيّ بن غالب

لما كان منهم والّذي كان لن يكُنْ

حفظت رسول الله فينا وعهده

إليك ومَنْ أولى به منك مَنْ ومَنْ!

ألستَ أخاه في الهُدى ووصيّهُ

وأعلم منهم بالكتابِ وبالسُّنَنْ

فحقّك مادام بنجْد وشيجةٌ

عظيم علينا ثمّ بعد على اليمنْ

وبعثت الأنصار بهذا الشعر إلى عليّ بن أبي طالب، فخرج إلى المسجد، وقال لمن به من قريش وغيرهم يامعشر قريش، إنّ الله جعلَ الأنصار أنصارا، فأثنى عليهم في الكتاب، فلا خير فيكم بعدهم، إنّه لا يزال سفيه من سفهاء قريش وَتَره الإسلام، ودفعه عن الحقّ، وأطفأ شرفه وفضَّل غيره عليه، يقوم مقاماً فاحشاً فيذكر الأنصار، فاتقّوا الله وارعَوْا حقّهم، فوالله لو زالوا لزلتُ معهم، لأنّ رسول الله قال لهم : ‎ أزولُ حيثما زُلتم ، فقال المسلمون جميعاً : رحِمك الله ياأبا الحسن! قلت قولاً صادقاً

وترك عمرو بن العاص المدينة، وخرجَ عنها حتى رضي عنه عليّ والمهاجرون ثمّ إنّ الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط ـ وكان يبغض الأنصار، لأنهم أسرُوا أباه يوم بدر، وضَربُوا عنقه بين يدي رسول الله ـ قام يشتم الأنصار، وذكرهم بالهُجْر، فقال : إنّ الأنصار لَترى لها من الحقّ علينا ما لا نراه، والله لئن كانوا آوَوا لقد عزُّوا بنا، ولئن كانوا آسوا لقد منُّوا علينا، والله ما نستطيع مودّتهم، لأنه لا يزال قائل منهم يذكر ذلّنا بمكة، وعزّنا بالمدينة، ولا ينفكّون يعيّرون موتانا، ويغيظون أحياءنا، فإن أجبناهم قالوا: غضبت قريش على غاربها، ولكن قد هوّن عليّ ذلكَ منهم حرْصُهم على الدين أمس، واعتذارهم من الذنب اليوم، ثمّ قال :


تباذَخَتِ الأنصار في الناس بأسمِها

ونسبُها في الأزْد عَمْروا بن عامِر

وقالوا : لَنَا حقٌّ عظيم ومِنَّةٌ

على كلِّ باد من مَعَدٍّ وحاضرِ

فإن يكُ للأنصار فضلٌ فلم تنل

بحرمته الأنصار فضلَ المهاجرِ

وإن تكن الأنصار آوت وقاسمت

معايشها مَنْ جاء قسمةَ جازرِ

فقد أفسدت ما كان منها بمنّها

وما ذاك فعلُ الأكرمين الأكابر

إذا قال حسانٌ وكعب قصيدةً

بشتمِ قريش غُنِّيتْ في المعاشر

وسارَ بها الرُّكبان في كلِّ وجهة

وأعملَ فيها كلُّ خُف وحافرِ

فهذا لنا من كلِّ صاحب خطبة

يقوم بها منكم من كلِّ شاعر

وأهلٌ بأن يُهجَوا بكلِّ قصيدة

وأهلٌ بأن يُرْمَوْا بنبل فواقرِ

ففشا شعره في الناس، فغضبت الأنصار، وغضب لها من قريش قومٌ، منهم ضرار بن الخطاب الفهريّ، وزيد بن الخطاب، ويزيد بن أبي سفيان، فبعثوا إلى الوليد فجاء

فتكلّم زيد بن الخطاب، فقال: يابن عُقبة بن أبي معيط، أما والله لو كنت من الفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، لأحببتَ الأنصار، ولكنّك من الجفاة في الإسلام البطآء عنه، الذين دخلوا فيه بعد أنْ ظهر أمرُ الله وهم كارهون، إنّا نعلم أنا أتيناهم ونحنُ فقراء، فأغنونا، ثمّ أصبنا الغنى فكفُّوا عنا. ولم يرزءونا شيئاً. فأما ذكرهم ذلة قريش بمكة وعزها بالمدينة، فكذلكَ كنا، وكذلكَ قال الله تعالى: ( واذْكُروا إذ أنتُمْ قليلٌ مستضْعَفُونَ في الأرضِ تخافُونَ أنْ يتخَطَفَّكُمُ النَّاسُ )(١) ، فنصرنا الله تعالى بهم، وآوانا إلى مدينتهم

وأما غضبك لقريش فإنا لا ننصر كافراً، ولا نوادّ مُلحِداً ولا فاسِقاً، ولقد قلت وقالوا، فقطعك الخطيب، وألجمكَ الشاعر

وأمّا ذكر الذي كان بالأمس، فدعِ المهاجرين والأنصار، فإنّك لستَ من ألسنتهم في الرّضا، ولا نحن من أيديهم في الغضب.

________________

(١) سورة الأنفال : ٢٦


وتكلّم يزيد بن أبي سفيان، فقال : يابن عُقْبة، الأنصار أحقُّ بالغضب لقتلى أُحد، فاكفف لسانك، فإنّ من قتله الحقّ لا يغضب له

وتكلّم ضرار بن الخطاب، فقال : أما والله لولا أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ‎ الأئمة من قريش لقلنا : الأئمة من الأنصار، ولكن جاء أمر غلب الرأي، فاقمع شِرَّتَك أيها الرجل، ولا تكن أمرأ سَوْء، فإن الله لم يفرّق بين الأنصار والمهاجرين في الدنيا، وكذلكَ الله لا يفرّق بينهم في الآخرة

وأقبل حسان بن ثابت مغضَباً من كلام الوليد بن عُقْبة وشعره، فدخل المسجد وفيه قوم من قريش، فقال : يامعشر قريش، إن أعظم ذنبنا إليكم قتلنا كفارَكم، وحمايتُنا رسول الله، صلى الله عليه واله ، وإن كنتم تنقمون مِنّا مِنَّة كانت بالأمس، فقد كفى الله شرّها، فما لنا ومالكم، والله مايمنعنا من قتالكم الجبنُ، ولا من جوابكم العِىّ. إنا لحىّ فَعال ومقال، ولكنا قلنا : إنها حرب، أولها عار وآخرها ذلّ، فأغضيْنا عليها عيوننا، وسحبنا ذيولَنا، حتى نرَى وتَرَوْا، فإن قلتم قلنا، وإن سكتّم سكتنا

فلم يجْبه أحدٌ من قريش، ثمّ سكت كلٌّ من الفريقين عن صاحبه

بين فاطمة (عليها السلام) وابي بكر

قرر الخليفة ان يصادر فدك وسلبها من فاطمة عليها السلام، فلمّا بلغها ذلك أرسلت مَنْ يطالب بحقّها من أبي بكر ثمّ قرّرت أن تواجهه بنفسها، ولهذا قِدمت ومعها بعض النساء فدخلت على أبي بكر، وأنّت أنّةً أجهش لها القوم بالبكاء، فلما سكتوا خطبت فيهم خطبة طويلة قالت في آخرها: ((فاتّقوا الله حق تقاته،وأطيعوا فيما أمركم به... ونحن وسيلته في خلقه، ونحن خاصّته، ومحلّ قدسه، ونحن حجّته في غيبه، ونحن ورثة أنبيائه...

ثمّ أنتم تزعمون أنّ لا إرثَ لأبي... أبى الله أنْ ترث يا ابن أبي قحافة أباك، ولا أرث أبي؟! لقد جئت شيئاً فريّاً! فدونكها مخطوطة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنِعمَ الحَكَمُ الله، والزعيم محمّد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولكّل نبأٍ مستقرّ، وسوف تعلمون مَنْ يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذابُ مقيم!)).

ثمّ التفتت إلى قبر رسول الله(صلى الله عليه واله) فتمثّلت بقول هند بنت أثاثة:

قد كان بعدك أنباء وهنبثة

لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

أبدت رجال لنا نجوى صدورهم

لمّا قضيت وحالت دونك الكتب

تجهّمتنا رجال واستُخفّ بنا

إذ غبت عنّا فنحن اليوم نُغتَصَبُ

ثمّ عدلت إلى جمع الأنصار فقالت:

يا معشر البقيّة، وأعضاد الملّة، وحضنة الإسلام، ما هذه الفترة عن نصرتي ، والونية عن معونتي ، والغمزة في حقّي ، والسنِّة عن ظُلامتي...))(١) .

________________

(١) شرح نهج البلاغة: ج١٦، ص٢١٦.


وحينما احتجّ أبو بكر بحديث نسبه إلى رسول الله (صلى الله عليه واله) : ((إنّ الأنبياء لا يورّثون))، قالت عليها السلام: إنّ فدكاً وهبها لي رسول الله (صلى الله عليه واله) ، وشهد عليّ عليه السلام وأمّ أيمن بذلك، وشهد عمر و عبد الرحمن بن عوف بأنّ رسول الله (صلى الله عليه واله) كان يقسّمها(١) ، فأخذ بقول عمر.

وقد طلبتها عليها السلام بالميراث تارة وبالنِّحلة اُخرى فدُفعت عنها(٢) .

وفي رواية: جاءت تطلب ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه واله): أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فلم يجبها أبو بكر لما طلبت، فهجرته ولم تكلّمه في ذلك حتّى ماتت(٣) .

وبقيت فدك حقّاً مغتصباً تُعاد إلى ولد فاطمة ثمّ ّ تؤخذ منهم تبعاً لطبيعة الحاكم وعلاقته مع أهل البيت(٤) .

ولم تكن فاطمة عليها السلام تطالب بفدك لكونها أرضاً بل تعبيراً عن الحقّ المغتصب، وقد وضّح الإمام موسى الكاظم عليه السلام هذه الحقيقة لهارون الرشيد العبّاسي، حينما أراد إرجاعها له فقال عليه السلام: ((لا آخذها إلاّ بحدودها))، وقد جعل حدودها جميع أراضي الدولة الإسلامية، ويظهر ذلك من خلال الرواية التالية:

كان هارون يقول لموسى الكاظم بن جعفر: يا أبا الحسن خذ فدك حتّى أردها عليك، فيأبى، حتّى ألحّ عليه.

فقال لا آخذها إلاّ بحدودها.

قال: وما حدودها؟

قال: إنْ حددتها لم تردها.

قال: بحق جدك إلا فعلت.

قال: اما الحد الأول فعدن، والحد الثاني سمرقند، والحد الثالث أفريقية، والرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية.

قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء فتحول في مجلسي.

قال موسى عليه السلام: ((قد أعلمتك أني ان حددتها لم تردها، فعند ذلك عزم على قتله))(٥) .

فالمسألة ليست أرضاً بل هي رمز الخلافة، ولهذا فقد طالبت بها فاطمة الزهراء عليه السلام وإلاّ فهي كأرض لا قيمة لها عندها وهي الزاهدة والمتصدقة بأموالها على الفقراء والمساكين، ولو كانت فدك بيدها لأنفقت مالها على المحتاجين، ولكنها طالبت بها باعتبارها رمزاً للخلافة التي هي واحدة من حقوق الإمام علي عليه السلام، ومن جهة ثانية إنّ وارداتها ضخمة جداً فخشي ابو بكر أن يستعين بها الإمام علي عليه السلام لإسترداد حقّه بالخلافة.

خطاب فاطمة (عليها السلام) في المسجد النبوي

دخلت فاطمة عليها السلام على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، ثمّ أنَّت أنَّة أجهش لها القوم بالبكاء، وارتجّ المجلس، ثمّ أمهلت هنيئة حتّى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، افتتحت كلامها بالحمد لله عزّ وجلّ والثناء عليه، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه واله، ثمّ قالت: ((لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنّتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)) فإنْ تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم)).

إلى أن قالت: ((وكنتم على شفا حفرة من النار، حتّى أنقذكم الله برسوله (صلى الله عليه واله) بعد اللتيّا والتي، وبعد أن مني بهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب، وكلما اوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، أو نجم قرن الشيطان، أو فغرت فاغرة قذف أخاه في لهواتها، ولا ينكفي حتّى يطأ صماخها بأخمصه ويطفئ عادية لهيبها بسيفه، مكدوراً في ذات الله، وانتم في رفاهية)).

________________

(١) شرح نهج البلاغة: ج١٦، ص٢١٦.

(٢) شرح نهج البلاغة: ج١، ١٩٩.

(٣) تأريخ الطبري: ج٣، ص٢٠٨.

(٤) شرح نهج البلاغة: ج١٦، ص٢١٦.

(٥) ربيع الأبرار: ج١، ص٣١٦.


وفي رواية اخرى: ((حتّى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ظهرت حسيكة النفاق، وشمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خال الاَفكين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه صارخاً بكم، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين، ولقربه متلاحظين... بئس للظالمين بدلاً...))(١) .

وفي رواية عبد الله بن حسن بن الحسن عليها السلام: ((... نحن وسيلته في خلقه، ونحن خاصته ومحل قدسه، ونحن حجته في غيبه، ونحن ورثة أنبيائه...))(٢) .

واستمرت تبيّن عمق المؤامرة على أهل البيت (عليهم السلام) ومما قالته في ذلك : ((وما الذي نقموا من أبي حسن، نقموا والله نكير سيفه وشدّة وطأته ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله، وتالله لو كافّوا عن زمام نبذه إليه رسول الله (صلى الله عليه واله) لاعتلقه، ولسار إليهم سيراً سجحا... ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض... استبدلوا والله الذنابى بالقوادم، والعجز بالكاهل...

أما لعمر الله لقد لقحت فنظرةٌ ريثما تُحلب ثمّ احتلبوها طلاع القعب دماً عبيطاً هنالك يخسر المبطلون و يعرف التالون غبّ ما أسّس الأوّلون ثمّ طيبوا عن أنفسكم نفساً وابشروا بسيف صارم وهرج شامل واستبداد من الظالمين يدع فيأكم زهيداً وجمعكم حصيداً فيا حسرة عليكم))(٣) .

في هذه الخطبة بينت فاطمة الزهراءعليها السلام دور أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الإنسانية والإسلامية، وهو دور القدوة والحجة، ولهم دور الإمامة والقيادة، وهم خلفاء الله تعالى في أرضه وعباده، وبيّنت دور أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو دور الإمامة والخلافة، وبيّنت فضائله ابتداءً بالمؤاخاة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه واله ودوره في انتصارات رسول الله ، ثمّ بينت الإنقلاب الطارئ بعد رحيله، والأسباب والدوافع التي ساهمت في إزاحة الإمام علي عليه السلام عن الخلافة.

وهي (عليها السلام) قد طالبت بفدك كوسيلة لإثبات الحق، فقد كانت خطبتها بالأساس بسبب أخذ فدك ولكنها تحدثت عن دور أهل البيت (عليهم السلام) وعن واقع المسلمين بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه واله) ، لتصبح فدك وسيلة لتبيان مظلومية أهل البيت (عليهم السلام).

مقاطعة فاطمة (عليه السلام) لأبي بكر وعمر

قال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها، فلم تأذن لهما، فأتيا عليّاً فكلّماه، فأدخلهما عليها، فلمّا قعدا عندها، حوّلت وجهها إلى الحائط... وقالت:

نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول: ((رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي؟))...

قال أبو بكر: نعم. قالت: فإنّي اُشهدُ اللهَ وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي (صلى الله عليه واله) لأشكونّكما إليه. فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطكِ يافاطمة، ثمّ أنحب يبكي... وهي تقول: ((والله لأدعونَّ الله عليك في كل صلاة اُصلّيها))(٤) .

وهجرت فاطمة عليها السلام أبا بكر ولم تكلّمه حتّى ماتت(٥) .

وفي ذلك قال أبن أبي الحديد المعتزلي: ((والصحيح عندي أنّها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر، وأنّها أوصت ألا يصليّا عليها(٦) .

________________

(١) شرح نهج البلاغة: ج١٦، ص٢٥٠، ٢٥١.

(٢) شرح نهج البلاغة: ج١٦، ص٢١١.

(٣) شرح نهج البلاغة: ج١٦، ص٢٣٤.

(٤) الإمامة والسياسة: ج١، ص١٤.

(٥) تاريخ الطبري: ج٣، ص٢٠٨؛ البداية والنهاية: ج٥، ص٢٤٩.

(٦) شرح نهج البلاغة: ج٦، ص٥٠.


حزن فاطمة (عليها السلام) المتواصل تكالبت عوامل الحزن على فاطمة عليها السلام فلم تفارقها، وأصبح الألم والأسى وذرف الدموع مرافقاً لها من حين وفاة رسول الله (صلى الله عليه واله) إلى حين ارتحالها إلى الرفيق الأعلى.

فقد حزنت على رسول الله (صلى الله عليه واله) وانقطاع الوحي، وعلى ما طرأ على الرسالة من تشويه وتزييف وتحريف، وإلى اتّفاق الأكثريّة على إقصاء عليّ عليه السلام من منصبه، حقداً وحسداً وخوفاً من عدالته وشدّته في ذات الله، ونفاقاً من بعضهم، والتظافر على هضمها واغتصاب حقوقها مع قلّة المأساة التي عاشتها بالقول:

((اللهمّ الحق روحي بروحه، واشفعني بالنظر إلى وجهه، ولا تحرمني أمره وشفاعته يوم القيامة))، وأخذت تربةً من تراب قبر رسول الله (صلى الله عليه واله) فشمّتها ثمّ أنشأت تقول:

ماذا على مَنْ شمَّ تُربةَ أحمدٍ

أنْ لا يَشمَّ مدى الزمانِ غواليا

صُبَّت عليَّ مصائبٌ لو أنّها

صُبَّت على الأيامِ صِرن لَياليا(١)

وكانت تبكي أباها ليلاً ونهاراً، فقال لها عليّ عليه السلام: إنّ شيوخ المدينة يسألونني أن أسألك إمّأ أن تبكي أباك ليلاً أو تبكيه نهاراً.

فقالت: يا أبا الحسن، ما أقلّ مكثي بينهم، وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم!

فبنى لها عليه السلام بيتاً خلف البقيع وسمّاه (بيت الأحزان)، فإذا أصبحت قَدَّمت الحسن والحسين (عليهما السلام) أمامها وخرجت إليه، وهي تمرّ على البقيع باكيةً(٢) ، فإذا جاء الليل أقبل عليّ عليه السلام ورافقها إلى منزلها.

وكان لبكائها دور كبير في كشف الواقع المنحرف الذي عاشته عليها السلام.

الرحيل إلى الرفيق الأعلى

لم يراع المتصدّون للحكم حقّ عليّ وحقّ فاطمة عليها السلام، وخالفوا النصّ على الإمامة ، واغتصبوا فاطمة حقّها، وبدأ الإنحراف عن النهج السليم واضحاً واعتدوا عليها في دارها وأسقطوا جنينها، واجتمعت عليها المصائب والآلام الجسديّة والنفسيّة، فبدأت حياتها تقترب من الموت. وفي أواخر حياتها أوصت عليّاً عليه السلام ببعض الوصايا ومنها: أن لا يحضر جنازتها أبو بكر وعمر وأن لا يصلّيا عليها(٣) . وفي يوم شهادتها اغتسلت ثمّ لبست ثياباً جدداً، ثمّ قالت لاُمّ رافع: اجعلي فراشي وسط البيت، فاضطجعت عليه واستقبلت القبلة، وقالت: يا أمه! إنّي مقبوضة الساعة، فماتت وحملها عليّ ودفنها بغسلها(٤) ليلاً ولم يشعر بذلك أبو بكر(٥) ولا من اغتصبها حقّها. وتركت لنا مقياساً في تشخيص الرجال وتشخيص الأحداث والمواقف بعد رسول الله (صلى الله عليه واله) حتّى يومنا هذا.

________________

(١) تأريخ الخميس: ج٢، ص١٧٣.

(٢) بحار الأنوار: ج٤٣، ص١٧٧.

(٣) شرح نهج البلاغة: ج٦، ص٥٠.

(٤) الإصابة: ج٨، ص١٥٩.

(٥) تالمستدرك على الصحيحين: ج٣، ص١٦٢؛ الكافي: ج١، ص٤٥٨.


أخيارالصحابةوعثمان ومعاوية

سنتطرق الى سيرة ثلاثة من الصحابة المتصفين بالعدالة وهم مصداق الآيات الكريمة المادحة للصحابة وللروايات النبوية المادحة لهم ، وهم ميزان ومقياس لبقية الصحابة فمن شابههم فهو عادل ومن خالفهم وعاداهم فهو مسلوب العدالة ، وكيف يكون عادلا من عاداهم وهم من الصحابة الاوائل الذين هاجروا وجاهدوا وأخلصوا.

سيرة الصحابي ابي ذر الغفاري ومواقفه من عثمان ومعاوية

اسلم أبو ذر الغفاري رضي الله عنه في بداية الدعوة الإسلامية وفي مرحلتها السرية، فقد سمع بظهور نبي في مكة فبدأ يتساءل عنه وبعث أخيه ليرجع إليه بالأخبار إلاّ أنّه لم يقتنع بما جاءه من أخبار، فتوجه بنفسه للقاء رسول رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولعل توجهه نابعاً من اشتياقه للقرب منه، فقد آمن بالإسلام ديناً وبمحمد رسولا، ثم أمره رسول الله صلّى الله عليه وآله بالعودة إلى قومه ليكون داعية لله تعالى، فأدى مسؤوليته فأسلم عن طريقه جمع من عشيرته، ثم التحق برسول الله صلّى الله عليه وآله بعد سنتنين من هجرته للمدينة.

وبعد هجرته لم يخلد للراحة بل شارك في اغلب المعارك التي خاضها رسول الله صلّى الله عليه وآله.

وكان أبو ذر من الموالين إلى الإمام علي عليه السلام بعد ما سمع من رسول الله صلّى الله عليه وآله ما قاله في حقه، وما قام به من إعداد له ليكون وصيّه من بعده وخليفته في أمته، واستمر على ولائه.

وامتاز أبو ذر بحماسه لإصلاح الواقع فكان يعترض على كل مخالفة شرعية يراها في الواقع، فكان تطبيق الإسلام همّه الدائم، وقد واجه الأذى والشدائد من اجل ذلك، فأ¬خرجوه من المدينة إلى الشام ثم أعيد إليها ولكنه لم يركن إلى الراحة والسكوت، فبقي يدعو لإصلاح الواقع إلى أن نفي إلى الربذة، فعاش بها وحيداً غريباً إلى ان توفي فيها في زمن عثمان بن عفان.

وقصة إسلام أبي ذر رضي الله عنه من القصص المتواترة، ونذكرها هنا باختصار وعلى لسانه: (( بلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنّه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل كلمه واتني بخبره.. فقال: والله لقد رأيت رجلا يأمر بالخير وينهى عن الشر، فقلت له: لم تشفني من الخبر، فأخذت جراباً وعصا، ثم أقبلت إلى مكة)).

فاستضافه الإمام علي عليه السلام يومين ثم اخبره عن سبب مجيئه، فقال له عليه السلام : ((هذا وجهي إليه فاتبعني، ادخل حيث ادخل، فاني إن رأيت أحدا أخافه عليك، قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي وامض أنت )).


قال أبو ذر: ((ودخلت معه على النبي صلّى الله عليه وآله فقلت له: اعرض علي الإسلام، فعرضه فأسلمت مكاني، فقال لي: ((يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك، فاذا بلغك ظهورنا فاقبل )).

فقلت: والذي بعثك بالحق لاصرخن بها بين أظهرهم.

فجاء إلى المسجد فقال: يا معشر قريش إني اشهد أن لا اله إلا الله، واشهد أن محمدا عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئي ،فقاموا فضربت لأموت، فأدركني العباس فاكب علي، فقال: ويلكم تقتلون رجلا من غفار ومتجركم وممركم على غفار فاقلعوا عني، فلما ان اصبحت الغد رجعت، فقلت مثل ما قلت بالأمس، فصنع بين مثل ما صنع بالأمس، وادركني العبّاس فاكب علي، وقال مثل مقالته بالأمس)(١) .

وهنالك عدّة دروس مستفادة من هذه القصة:

١ـ إنّ وصول الخبر عن ظهور نبيّ إلى أبي ذر وهو بعيد عن مكة يدلّ دلالة واضحة على انه كان يبحث عن دين يتبناه وينتمي إليه، وانه يتابع ذلك باستمرار حتى علم الناس بذلك، فأوصلوا له الخبر.

٢ـ لم يكتف بإخبار أخيه له وهذا يدل على عمقه في تتبع الأحداث وعدم الانسياق ورائها بسرعة، بل يتصف بالتريث والتأني لكي لا ينخدع بالمظاهر والشعارات المطروحة؛ لذا ذهب بنفسه لمتابعة الأخبار عن قرب.

٣ـ إنه يتمتع بفطرة سليمة وبوعي تام لذا اسلم منذ اللحظات الأولى للقائه برسول الله صلّى الله عليه وآله بعد ان وجد فيه صدقا وصراحة وخلقا رفيعا، وفكرا واقعيا.

٤ـ لم يمنعه رسول الله صلّى الله عليه وآله من إعلان إسلامه في تلك الظروف لاتصافه بصفات تؤهله لتحمل تبعات موقفه الذي لا يشكّل خطورة على حركة رسول الله صلّى الله عليه وآله وانه صلّى الله عليه وآله يحتاج مثل هذه الصرخات في تلك الظروف ومن قبل رجال من أمثال أبي ذر.

________________

(١) مختصر صحيح البخاري: ٣٧٠.


٥ـ إن صرخته أمام قريش جعلته يستعجل الخروج من مكة، ليعود إلى قومه ليدعوهم إلى الإسلام وهذا ما كان يرغب فيه رسول الله.

تشكيل نواة الدعوة خارج مكة

إن محاصرة الحركة الرسالية داخل مكة يمنعها من الانطلاق السريع والانتشار الواسع، ولذا من الضروري ان تخلق نواة وقاعدة للدعوة الإسلامية بعيدة عن محاصرة وملاحقة قريش، وقد اوكلت هذه المسؤولية إلى أبي ذر، وهذا دليل على تمتعه بمؤهلات الداعية والمبلغ الناجح والقدير.

قال أبو ذر: ((فقدمت على أخي فأخبرته أني أسلمت، قال: فاني على دينك، فانطلقنا إلى امّنا فقالت: فاني على دينكما، واتيت قومي فدعوتهم فتبعني بعضهم ))(١) .

إن إسراع أخيه وأمه وجماعة من قومه إلى الإسلام يدل دلالة واضحة على الاستعداد لقبول الإسلام، وهذا الاستعداد ناجم عن تأثرهم بشخصية أبي ذر وارتباطهم العاطفي معه، بحيث تقبلوا ما ابداه لهم من افكار وقيم، ولعلهم كانوا متأثرين به قبل لقائه برسول الله صلّى الله عليه وآله في بحثه عن دين جديد يخالف دين الجاهلية ويخالف الواقع المتناقض الذي يعيشون فيه، فكان الفضل يعود إلى جهود أبي ذر في تأسيس نواة للدعوة وللرسالة الإسلامية.

شخصيتة في موازين أهل البيت( عليهم السلام)

عاد إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فأقام معهم ثم التحق برسول الله صلّى الله عليه وآله بعد الهجرة وبعد غزوة احد.

وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يبتدئ أبا ذر إذا حضرويتفقده إذا غاب.

وقال بحقه: ((ما اقلت الغبراء ولا أضلت الخضراء اصدق لهجة من أبي ذر )).

________________

(١) الإصابة في تمييز الصحابة ٤: ٦٤،.


وقال صلّى الله عليه وآله: ((يرحم الله أبا ذر يعيش وحده ويموت وحده ويحشر وحده ))(١) .

والقول الأخير قاله رسول الله صلّى الله عليه وآله في طريقه إلى تبوك حينما رأى أبا ذر قد التحق به لوحده.

وكانت له مكانة خاصة عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام.

قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: ((أبو ذر في أمتي على زهد عيسى ابن مريم عليه السلام ))(٢) .

وقال الإمام علي عليه السلام : (( أبو ذر وعاء مليء علماً ))(٣) .

وقال عليه السلام : (( وعى أبو ذر علما عجز الناس عنه ثم اوكأ عليه فلم يخرج شيئاً منه ))(٤) .

وقال الإمام الصادق عليه السلام : ((كان أكثر عبادة أبي ذر خصلتين: التفكر والاعتبار ))(٥) .

وحينما سئل الإمام الصادق عليه السلام عن شرايع الدين أجاب بحديث طويل جاء فيه: ((وحب أولياء الله والولاية لهم واجبة... والولاية للمؤمنين الذين لم يغيروا ولم يبدلوا بعد نبيّه صلّى الله عليه وآله واجبة مثل سلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود الكندي وعمار بن ياسر... ))(٦) .

وهذه المكانة والأحاديث التي قيلت بحقه إنما تعبّر عن إرشاد الناس أو المسلمين إلى معرفة الحق بمعرفة الشخصيات الممدوحة من قبل رسول الله صلّى الله عليه وآله ومعرفة الباطل المتمثل بمن عاداهم فقد اخبر بزهده وصدقه، واخبر أهل البيت عليهم السلام بعلمه ووعيه الثاقب، وعلى ضوء هذه الخصائص فان موقفه من الأحداث هو الموقف الحق الذي يجب إتباعه حينما تلتبس الأمور على المسلمين في ظروف الخلاف والنزاع والخصام.

________________

(١) أسد الغابة ٥ : ١٠١.

(٢) الاستيعاب ٤ : ٦٤.

(٣) الإصابة في تمييز الصحابة ٤ : ٦٥.

(٤) الاستيعاب ٤ : ٦٤.

(٥) الخصال ١ : ٤٢.

(٦) الخصال: ٦٠٧.


وقد وقف أبو ذر إلى جنب الإمام علي عليه السلام وتابعه في جميع الأمور، وكان تحركه طاعة الإمام علي عليه السلام ومراعاته للمصلحة الإسلامية العليا.

وكان أبو ذر من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام يدعو إلى ولايته وإمامته أينما حل وفي عدة مواطن في المدينة ومكة والشام، وكان يدعو إلى تطبيق العدالة الإسلامية، فحينما أعطى عثمان مروان بن الحكم وغيره أموالاً طائلة من بيت المال، جعل أبو ذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع: بشر الكافرين بعذاب أليم، ويرفع بذلك صوته، ويتلو قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهبَ والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذابِ أليم }(١) .

فرفع ذلك إلى عثمان مراراً وهو ساكت، ثم انه أرسل إليه مولى من مواليه: ان انته عما بلغني عنك، فقال أبو ذر: أو ينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله تعالى، وعيب من ترك أمر الله تعالى! فوالله لأن أرضى الله بسخط عثمان أحبّ إلىّ وخير لي من أن أسخط الله برضا عثمان.

فاغضب عثمان ذلك واحفظه، فتصابر وتماسك، إلى ان قال عثمان يوماً والناس حوله: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال شيئاً قرضا، فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الاحبار: لا بأس بذاك، فقال أبو ذر: يا بن اليهوديين، اتعلمنا ديننا!

فقال عثمان: قد كثر أذاك لي وتولعك باصحابي، الحق بالشام فنفاه إلى الشام، فكان ينكر على معاوية أشياء يفعلها، وكان يقول: والله لقد حدثت أعمال ما اعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيّه صلّى الله عليه وآله، والله إنّي لأرى حقاً يطفأ، وباطلا يحيا، وصادقاً مكذباً، وأثرة بغير تقى، وصالحاً مستأثرا عليه.

وكان يقف على باب دار معاوية ويقول: أتتكم القطار تحمل النار اللهم العن الآمرين بالمعروف التاركين له، اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له.

وحينما جيء به إلى معاوية قال له: يا عدو الله وعدو رسوله! تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع...

________________

(١) التوبة/ ٣٤.


فقال أبو ذر: ما أنا بعدو لله ولا لرسوله، بل أنت وأبوك عدوان لله ولرسوله، أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر، ولقد لعنك رسول الله صلّى الله عليه وآله ودعا عليك مرات ألاّ تشبع...(١) .

وحينما دخل عمار بن ياسر على عثمان ليبلغه بكتاب الصحابة لم يستجب له عثمان وحدث بينهما كلام شديد اللهجة، فأمر عثمان غلمانه، فضربوه ضرباً شديداً حتى وقع لجنبه حتى غشي عليه.

فبلغ ذلك أبا ذر وكان مقيما بالشام فجعل يظهر عيب عثمان هناك، فكتب معاوية بن أبي سفيان بذلك إلى عثمان.

فكتب إليه عثمان: ابعث به إليّ واحمله على أغلظ المراكب واوعرها.

لما وصل قال له: أنت الذي تزعم بأننا نقول: أن يد الله مغلولة وأن الله فقير ونحن أغنياء؟

فقال أبو ذر: أو كنتم لا تقولون ذلك لأنفقتم مال الله على عباده المؤمنين؟

فقال عثمان: كذبت أنت رجل محب للفتنة.

فقال أبو ذر: والله ما اعرف لي إليك ذنباً إلاّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(٢) .

وفي موقف آخر أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف من المال ، فنثر حتى حال بين عثمان وبين رجل قائم.

فقال عثمان : إني لأرجو لعبد الرحمن خيرا لأنه كان يتصدق ويقري الضيف، وترك ما ترون.

فقال كعب الأحبار: صدقت يا أمير المؤمنين

فرفع أبو ذر العصا فضرب به رأس كعب، وقال: يا بن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال : إن الله أعطاه خير الدنيا والآخرة ، وتقطع على الله بذلك، وأنا سمعت النبي صلّى الله عليه وآله يقول: ((ما يسرني أن أموت وادع ما يزن قيراطا )).

فقال له عثمان : وار عنّي وجهك، ورفض عثمان سيره إلى مكة أو الشام أو البصرة، ورفض إبقاءه بالمدينة ، ثم قال: فاني مسيرك إلى الربذة.

________________

(١) شرح نهج البلاغة ٨ : ٢٥٦ ، ٢٥٨.

(٢) كتاب الفتوح ٢ : ٣٧٣ـ ٣٧٥.


قال أبو ذر: الله اكبر صدق رسول الله صلّى الله عليه وآله قد اخبرني بكل ما أنا لاقِ.

قال عثمان: وما قال لك؟

قال: اخبرني بأني امنع من مكة والمدينة وأموت بالربذة.

فنفاه وأمر أن يتجافاه الناس(١) .

وفي رواية أخرى وردت في مصادر أخرى:

فلما دخل عليه وعنده جماعة، قال: بلغني انك تقول: سمعت رسول الله يقول: ((إذا كملت بنو أمية ثلاثين اتخذوا بلاد الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا ))، فقال: نعم! سمعت رسول الله يقول ذلك... فلم يقم بالمدينة إلاّ أياماً حتى أرسل إليه عثمان: والله لتخرجن عنها!

قال: أتخرجني من حرم رسول الله؟

قال: نعم وانفك راغم.

قال: فإلى مكة؟ قال: لا !، قال: فإلى البصرة؟ قال: لا!، قال فإلى الكوفة؟ قال: لا! ولكن إلى الربذة التي خرجت منها حتى تموت بها.

ثم قال لمروان بن الحكم: يا مروان! أخرجه، ولا تدع أحداً يكلّمه حتى يخرج(٢) .

وكان في توديعه جماعة من الصحابة ومن أهل البيت عليهم السلام وفي وداعه تكّلموا معه قال له أمير المؤمنين عليه السلام : ((يا أبا ذر انك غضبت لله! إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فامتحنوك بالقلى ونفوك إلى الفلا...

يا أبا ذر لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل )).

________________

(١) مروج الذهب ٢:٢٧٦.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٧٢، تقدم في رواية أخرى: إذا بلغ بنو أبي العاص.


وقال الإمام الحسين عليه السلام : ((يا عمّاه، إن الله تعالى قادر أن يغيّر ما قد ترى؛ والله كل يوم هو في شأن وقد منعك القوم دنياك، ومنعتهم دينك؛ فما أغناك عما منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم... ))

ثم تكلّم عمار مغضبا، فقال، لا آنس الله من أوحشك، ولا آمن من أخافك؛ أما والله لو أردت دنياهم لأمّنوك، ولو رضيت أعمالهم لأحبوك؛ وما منع الناس ان يقولوا بقولك إلاّ الرضا بالدنيا، والجزع من الموت، ومالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه؛ والملك لمن غلب فوهبوا لهم دينهم، ومنحهم القوم دنياهم، فخسروا الدنيا والآخرة، ألا ذلك هو الخسران المبين.

فبكى أبو ذر، وقال: إني ثقلت على عثمان بالحجاز، كما ثقلت على معاوية بالشام، وأكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين، فافسد الناس عليهما؛ فسيّرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلاّ الله، والله ما أريد إلاّ الله صاحباً، وما أخشى مع الله وحشة.

فلم يزل أبو ذر بالربذة حتى توفي منفياً.(١) .

سيرة الصحابي حجر بن عدي الكندي

وفد إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله مع أخيه هانيء فأسلم، وكان من عباد الناس وزهادهم، وكان كثير الصلاة والصيام.

وكان شريفاً، أميراً مطاعاً، أمّاراً بالمعروف، مقدماً على الإنكار، وكان ذا صلاح وتعبد(٢) وكان مجاب الدعوة(٣) .

وكان من الموالين للإمام علي عليه السلام بعد ان سمع العديد من الأحاديث النبوية في حقّه، واستمر على ولائه وتابعه في جميع أموره، وكان كإمامه يفضل المصلحة الإسلامية العليا على غيرها، ولذا اشترك في الفتوحات التي قادها من تولى السلطة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله فلم ينقطع عن الجهاد، بحجة انّه يجاهد تحت ظل قيادة مخالفة لولائه وانتمائه، فقد شارك في حرب القادسية، وفي

________________

(١) شرح نهج البلاغة ٨ : ٢٥٣، ٢٥٤.

(٢) سير أعلام النبلاء ٣: ٤٦٣.

(٣) أسد الغابة ١: ٤٦٢.


معركة جلولاء كان قائداً لألفي فارس وكان على ميسرة الجيش(١) .

وهو الذي افتتح مرج عذراء، وشاءت الأقدار أن يقتل فيها(٢) .

وكانت مشاركته في الفتوحات كغيره من أتباع الإمام علي عليه السلام خير دليل على الحرص على المصلحة الإسلامية العليا المتمثلة بالاتحاد والتعاون والتآزر مع بقية المسلمين من أتباع الخلفاء، أو مع الجيش الإسلامي المؤتمر بأوامر أبي بكر وعمر.

ووحدة المسلمين تعني وحدة الموقف العملي تجاه القضايا المصيرية، ووحدة الموقف العملي تجاه تحديات ومؤامرات الأعداء مع الاحتفاظ بالمتبنيات الفكرية والسياسية وعدم التنازل عنها أو المجاملة عليها تحت ذريعة الوحدة الإسلامية فقد احتفظ بولائه للإمام علي عليه السلام والإيمان بأنّه منصّب من قبل الله تعالى وانّه أفضل ممّن تقدّمه في قيادة الدولة، ولكن ذلك لم يمنعه من الاشتراك في الفتوحات.

وفي عهد عثمان كان ينطلق من المصلحة الإسلامية العليا في مواقفه المتنوعة، فحينما قرّب عثمان الأمويين وعينهم ولاة ومستشارين دون مؤهلات متوفرة فيهم، ووزع الأموال عليهم؛ انطلق حجر ليؤدي مسؤوليته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح الأوضاع القائمة التي تنعكس آثارها السلبية على حركة الإسلام والمسلمين، ولذلك اشترك في كتابة كتاب إلى عثمان بن عفّان جاء فيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عثمان أمير المؤمنين...سلام عليك... أما بعد فإننا كتبنا إليك هذا الكتاب نصيحة لك واعتذاراً وشفقة على هذه الأمة من الفرقة... فأنت أميرنا ما أطعت الله واتبعت ما في كتابه... نكون لك على الحق أنصار أو أعوانك... ادع الله بك إلى طاعته، يعصمك بتقواه من معصيته ))(٣) .

فقد كان الكتاب بمنتهى الأدب والخلُق الرفيع، فقد كان يخاطب عثمان بإمرة المؤمنين وان كان يرى أن أمير المؤمنين علياً عليه السلام أحق بالخلافة منه، وقد بين أن محتوى الكتاب هو نصيحة للعودة إلى مفاهيم وقيم الإسلام في إسناد المناصب وتوزيع الأموال،

________________

(١) كتاب الفتوح ١: ٢١١.

(٢) الإصابة في تمييز الصحابة ١: ٣١٤.

(٣) كتاب الفتوح ١: ٣٩٠.


ومن الأمور المهمة التي جاءت بالكتاب إن المقياس في تقبل قيادة وسلطة الحاكم هو طاعة الله تعالى وأتباع إرشادات وتعاليم القرآن الكريم، أي الالتزام ببنود الدستور الإسلامي.

وأتبع الإمام علياً بعد أن بايعه وشارك معه في إنهاء التمردّات على سلطته الشرعية، فقاتل معه في الجمل وصفين والنهروان.

فقد انطلق من مسؤوليته الشرعية في طاعة القائد الربّاني المنصَّب من الله ورسوله صلّى الله عليه وآله استناداً لما سمعه من رسول الله صلّى الله عليه وآله في حقّه، إضافة إلى مؤهلاته التي أهلته للإمامة والخلافة وفي مقدّمتها: العلم والتقوى التي تصل إلى قمتها وهي العصمة، فهو يجاهد عن قناعة تامة بأحقيّة الإمام عليه السلام ولم يكن مجرد جندي أو قائد عسكري مأموراً بطاعة القيادة العليا للجيش أو للدولة، ولذا كان يقاتل باندفاع ذاتي، فلم يكن مكرهاً أو مجبوراً.

وقد كان الإمام عليه السلام يكلّفه بمهام عديدة، فحينما أقبل الضحّاك بن قيس في خيل أهل الشام حتى وصل إلى القطقطانة أمر الإمام علي عليه السلام حجر بن عدي بالمسير إليه، فقاتله فانهزم الضحّاك(١) .

وكان قائدا لكندة في صفين، وكان مستسلماً لأوامر وتوجيهات الإمام علي عليه السلام

وإتّبع حجر الإمام الحسن عليه السلام وتجهزّ مع الجيش الذي بعثه لردع معاوية وإعادته للطاعة، ولكنّ الظروف لم تساعد الإمام عليه السلام على الاستمرار في المعركة لأسباب عديدة، فقبل الصلح بشروط عديدة اثر فيها الإمام عليه السلام مصلحة شيعته والمصلحة الإسلامية العليا

وبقي حجر موالياً لمنهج أهل البيت عليهم السلام بعد شهادة الإمام الحسن عليه السلام وكان يدافع عنهم، فحينما كان المغيرة بن شعبة ـ والي معاوية على الكوفة ـ لا يدع شتم عليّ والوقوع فيه والدعاء لعثمان والاستغفار له، كان حجر يقول: بل إياكم ذمّ الله ولعن.

ويقول: أنا اشهد أن من تذمون أحق بالفضل، ومن تزكون أولى بالذم(٢) .

وأمره ذات يوم المغيرة أن يقوم فيلعن علياً عليه السلام ، فأبى ذلك، فتوعده، فقام فقال: أيها الناس، إن أميركم أمرني أن العن

________________

(١) كتاب الفتوح ٤: ٢٢٠.

(٢) الكامل في التاريخ ٣: ٤٧٢، ٤٧٣.


علياً فالعنوه، وأعاد الضمير إلى المغيرة بالنية والقصد(١) .

وحينما كتب معاوية إلى المغيرة يستمده بمال يبعثه من بيت المال، فبعث عيراً تحمل مالاً، فاعترض لها حجر، فأمسك بزمام أولها، وقال: لا والله حتى يوفي كل ذي حقّ حقّه.

وحينما طلب قوم المغيرة منه قتل حجر أجابهم: إني قد قرب اجلي ولا أحب أن اقتل خيار أهل هذا المصر فيسعدوا وأشقى، ويعزّ في الدنيا معاوية، ويشقى في الآخرة المغيرة(٢) .

وبعد موت المغيرة تولى زياد بن أبيه الأمر في الكوفة، وكانت بينه وبين حجر مودّة سابقة، فاحضره، ثم قال له: يا حجر ارايت ما كنت عليه من المحبّة والموالاة لعلّي؟ قال: نعم! قال: فإنّ الله قد حوّل ذلك بغضة وعداوة، أو رأيت ما كنت عليه من البغضة والعدوان لمعاوية؟ قال: نعم! قال: فإنّ الله قد حوّل ذلك محبة وموالاة، فلا اعلمنّك ما ذكرت علياً بخير ولا أمير المؤمنين معاوية بشر.

واستمر حجر على موقفه في موالاة علي عليه السلام والدفاع عن سيرته، وكان يرد اللعن على زياد.

وفي احد المواقف أطال زياد الخطبة وأخّر الصلاة، فقال له حجر: الصلاة، فمضى في خطبته، فلما خشي حجر الفوت ضرب بيده إلى كف من الحصا، وثار إلى الصلاة وثار الناس معه، فنزل زياد فصلى بالناس، ثم كتب إلى معاوية في أمره من أنّه خلع الطاعة ودعا إلى الفتنة(٣) .

وفي رواية كتب إليه: أنهم خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب، وزروا على الولاة، فخرجوا بذلك من الطاعة(٤) .

فأمر معاوية بأشخاصهم إليه ـ وكانوا ثلاثة عشر رجلاً ـ فلما صاروا بمرج عذراء من دمشق على أميال، أمر معاوية بإيقافهم هناك، ثم جاء الأمر بقتلهم فقتلوا باستثناء ستة منهم.

________________

(١) شرح نهج البلاغة ٤: ٥٨.

(٢) الكامل في التاريخ ٣: ٤٧٣.

(٣) المنتظم ٥: ٢٤.

(٤) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٣٠.


وفي وصية حجر قال: لا تنزعوا عنّي حديداً، ولا تغسلوا عنّي دماً، فانّي لاق معاوية على الجادة(١) ,

وكان السبب في قتل حجر وأصحابه هو رفض البراءة من علي عليه السلام وفي آخر اللحظات قيل لهم: تبرأوا من علي حتى يطلقكم، فلم يفعلوا(٢) .

وقد بعثت عائشة عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية تسأله ان يخّلي سبيلهم(٣) .

إلا أنّ معاوية لم يهتم بالأمر، وحينما عاتبته بالقول: ما حملك على قتل أهل عذراء حجراً وأصحابه؟ قال إني رأيت في قتلهم صلاحاً للأمة، وفي مقامهم فساداً للأمة.

فقالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: ((سيقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء )).

وكان الإمام علي عليه السلام يقول: ((يا أهل العراق سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود ))(٤) .

وقد ألقيت الحجة على معاوية قبل قراره بقتل حجر، فقد كتب إليه شريح بن هاني، بلغني أن زياداً كتب شهادتي، وان شهادتي على حجر انه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعُمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله، وان شئت فدعه.

وقال حجر لعامر بن الأسود العجلي ابلغ معاوية: أن دماءنا عليه حرام، وأنّا قد أومنّا وصالحناه وصالحنا، وأنّا لم نقتل احداً من أهل القبلة فيحلّ له دماؤنا(٥) .

________________

(١) اسد الغابة ١: ٤٦٢.

(٢) المنتظم ٥: ٢٤٢.

(٣) سير أعلام النبلاء ٣: ٤٦٤.

(٤) البداية والنهاية ٨: ٥٥.

(٤) الكامل في التاريخ ٣: ٤٨٤.


ومن مواقفه روى إبراهيم بن الجنيد: أن حجر بن عدي أصابته جنابة، فقال للموكل به: أعطني شرابي أتطهر به ولا تعطني غداً شيئاً، فقال: أخاف أن تموت عطشاً فيقتلني معاوية.

فدعا الله فانسكبت له سحابة بالماء فأخذ منها الذي احتاج إليه، فقال له أصحابه: أدع الله أن يخلّصنا، فقال: ((اللهم خر لنا ))، فقتل هو وطائفة منهم(١) .

فقد دعا الله تعالى ليختار لهم ولم يدع للخلاص من القتل، وهذا يعبر عن عمق إيمانه وعن اشتياقه للانتقال إلى الدار الآخرة، فآثر الاختيار الإلهي على اختياره وان كان اختياره هي الشهادة.

وقال المأمور بقتله: إن أمير المؤمنين أمرني بقتلك يا رأس الضلال ومعدن الكفر والطغيان والمتولي لأبي تراب وقتل أصحابك إلاّ أن ترجعوا عن كفركم، وتلعنوا صاحبكم وتتبرؤوا منه.

فقال حجر وجماعة ممن كان معه: ((إن الصبر على حدّ السيف لأيسر علينا مما تدعونا إليه، ثم القدوم على الله وعلى نبيّه وعلى وصيّه أحب إلينا من دخول النار ))(٢) .

فقولهم: ((أحب إلينا من دخول النار )) يدل دلالة واضحة على أن طلب معاوية هو طلب البراءة الحقيقية وليست البراءة باللسان، والبرائة باللسان هي بداية التنازل والتراجع وهي لا تليق بشخصية مثل شخصية حجر، التي عرفت بالمواقف البطولية في حركة المسلمين، فقد تكون البراءة باللسان لأفراد عاديين لا ضرر فيها لإنقاذ أنفسهم من القتل، ولكن شخصية مثل حجر أرادت أن تثبت موقفاً للجيل الحاضر وللأجيال المقبلة لكي لا يتنازلوا عن مبادئهم وقيمهم، وبإراقة هذا الدم أصبح منهج أهل البيت عليه السلام مناراً لجميع المسلمين، وبقي منهجاً فاعلاً رغم القتل والإبادة على يد زياد وابنه عبيد الله والحجاج ويوسف بن عمر وجميع الطغاة على طول التاريخ.

لما قدم ليقتل قال: دعوني أصلي ركعتين، فجعل يطول في صلاته، فقيل له: اجزعاً من الموت؟

فقال: ((لا، ولكني ما تطهرت للصلاة قط إلا صليت، وما صليت قط اخف من هذه، وكيف لا اجزع وأني لأرى قبراً محفوراً

________________

(١) الإصابة في تمييز الصحابة ١: ٣١٤.

(٢) مروج الذهب ٣: ١٢.


وسيفاً مشهوراً وكفناً منشوراً ))(١) .

سيرة الصحابي عمار بين ياسر

كان عمار رضي الله عنه من السابقين للايمان بالاسلام وبنبوة رسول الله صلّى الله عليه وآله حينما كانت الدعوة سريّة، فكان صلّى الله عليه وآله لا يفاتح إلاّ من يجد فيه المؤهلات لتبني الاسلام منهجا في الحياة، ومن يتصف بصفات حميدة وفطرة سليمة، مع الوثوق باخلاصه وشجاعته ونزاهته وقدرته على تحمّل المسؤولية، ومواجهة الصعاب في جميع مراحل السيرة النبوية وما بعدها.

وري عن زر عن عبد الله: أن اول من اظهر اسلامه سبعة فذكر منهم عماراً(٢) .

فحينما اعلن رسول الله صلّى الله عليه وآله بدء الدعوة العلنية والاعلان عن مفاهيم وقيم الاسلام ودعوة قريش والقبائل إلى الانتماء للاسلام، كان عمار من السبعة الاوائل الذين اظهروا الاسلام، واظهار الاسلام في تلك الظروف يعني الاستعداد للمواجهة والاستعداد لتحمّل الأذى والعذاب، ولذا كان اول من عذب في سبيل الله ومعه ابوه وامه.

كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يمرّ به وأبيه وأمه وهم يعذبون في رمضاء مكة، فيقول: ((صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة )).

وكان صلّى الله عليه وآله يضع يده على رأس عمار ويقول: ((يا نار كوني برداً وسلاماً على عمار كما كنت على ابراهيم ))(٣) .

في احد المشاهد اخذه المشركون فعذبوه فلم يتركوه حتى نال من رسول الله صلّى الله عليه وآله وذكر الهة المشركين بخير، فلما اتى رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: ما وراءك؟

قال: شرّ يا رسول الله! ما تُركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير.

قال: كيف تجد قلبك؟

________________

(١) مروج الذهب ٣: ١٣.

(٢) الاصابة في تمييز الصحابة ٢: ٥٠٦.

(٣) تاريخ الاسلام: ٥٧١.


قال: مطمئناً بالإيمان.

قال: فإن عادوا لك فعد لهم(١) .

وفي عمار نزلت الاية المباركة: ((من كفر بالله من بعد ايمانه الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان...))(٢) .

وقد تواترت الروايات والتفاسير على نزولها بحقّ عمّار حينما عذبوا والديه أمامه وقتلوهما، فاضطر وتحت التعذيب إلى التراجع عن الايمان بلسانه دون قلبه.

وهاجر إلى المدينة وشهد بدراً وأحد والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد مع رسول الله صلّى الله عليه وآله.

قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله في بداية الهجرة: ((ابشر يا عمار تقتلك الفئة الباغية ))(٣) .

وكان صلّى الله عليه وآله يكرر القول في مناسبات ومشاهد عديدة وكان يقول في حقه:

((إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق ))(٤) .

وهذا القول اشارة واضحة لتمييز الحق عن الباطل في مرحلة ما بعد رحيل رسول الله صلّى الله عليه وآله.

وقال صلّى الله عليه وآله: ((لا يُخيّر بين امرين الا اختار ارشدهما ))(٥) .

وقال صلّى الله عليه وآله: ((عمار مُليء ايماناً إلى مشاشه ))(٦) .

________________

(١) اسد الغابة ٣ : ٦٢٨.

(٢) سورة النحل: اية ١٠٦.

(٣) أسد الغابة ٣ : ٦٣٠.

(٤) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٣٩١.

(٥) مسند احمد ٧ : ١٦٣.

(٦) سير اعلام النبلاء ١ : ٤١٣.


وكان صلّى الله عليه وآله يؤكد على فضائل عمار وخصائصه ومن ذلك قوله صلّى الله عليه وآله: ((أبو اليقظان على الفطرة...))(١) .

وحنما أغلظ خالد بن الوليد القول لعمار وانطلق يشكوه إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله قال صلّى الله عليه وآله: ((من عادى عماراً عاداه الله ومن أبغض عماراً أبغضه الله ))(٢) .

وعن امير المؤمنين علي عليه السلام قال: كنا جلوساً عند النبي صلّى الله عليه وآله فجاءه عمار فاستأذن فقال: ((ائذنوا له، مرحباً بالطيّب المطيّب ))(٣) .

وقال صلّى الله عليه وآله: ((إنّ الجنة تشتاق إلى ثلاثة عليّ وعمّار وسلمان ))(٤) .

إن مدح رسول الله صلّى الله عليه وآله لصحابي من الصحابة بتبيان دوره وفضله لم يكن رغبة منه صلّى الله عليه وآله أو مجاملة شخصية، وانما يقع مدحه ضمن المنهج النبوي في الهداية والارشاد والاصلاح، بتشجيع المحمود لكي يؤدي دوره ومسؤوليته على احسن وجه، ولا يقصر في أي تكليف يسند اليه، والاهم من ذلك جعل المدح وسيلة للهداية ، ولذا نرى ان مدحه صلّى الله عليه وآله متعلق بأحداث ووقائع حاضرة ومستقبلية قد تلتبس فيها الامور على الكثير من المسلمين بسبب قلة الوعي وعدم الاحاطة بالنوايا والممارسات مما يقعون في المعصية أو مخالفة الثوابت الاسلامية أو مخالفة المصلحة الاسلامية العليا.

فقد بين صلّى الله عليه وآله الرأي الحق والموقف الحق في ظروف خلط الاوراق السياسية والتباس المفاهيم والقيم، وعدم التمييز بين الحق والباطل، وقد بيّن صلّى الله عليه وآله الحجة والقاها على من ستلتبس عليه الامور ، فقد بيّن صلّى الله عليه وآله الموقف الحق في الاحداث المستقبلية والوقائع المستجدة، كواقعة السقيفة وواقعة الاختلاف بين عثمان والمعارضين ، وواقعة الجمل، وواقعة صفين التي ذهب ضحيتها الآلاف من المسلمين ، فلو تدبر المسلمون بالاحاديث الشريفة التي قيلت بحق عمار رضي الله عنهلأستطاعوا معرفة الرأي والموقف الحق واتبعوه، وتخلوا عن اتباع بعض الشخصيات المنحرفة والضالة والمضلة.

________________

(١) مجمع الزوائد ٩ : ٩٢٥.

(٢) مسند احمد ٥ : ٥٠.

(٣) مسند احمد ٥ : ٥٠.

(٤) البداية والنهاية ٧ : ٣١١.


وبعد احداث السقيفة ساند عمار امير المؤمنين علياً عليه السلام في رفضه لبيعة أبي بكر ، وكان يدعو إلى امامته وخلافته والبيعة له، ولم يبايع الا بعد بيعة امير المؤمنين عليه السلام حفاظا على وحدة المسلمين.

وتابع عمار امير المؤمنين عليه السلام في موقفه من الخلفاء ، وفي مراعاته للمصلحة العامة للاسلام وللمسلمين، فاشترك في الغزوات في عهد عمر بن الخطاب، وكان له دور فعّال في كثير منها.

جعله عمر اميراً على الكوفة، وكتب إلى اهلها: اما بعد، فإنّي قد بعثت إليكم عماراً أميراً، وعبد الله بن مسعود وزيراً ومعلماً، وهما من نجباء اصحاب محمد، فاقتدوا بهما(١) .

وعلى الرغم من اعترافه بأحقية الامام علي عليه السلام إلاّ أنه وافق ان يكون والياً لعمر بن الخطاب على الكوفة تقديراً منه للمصلحة العامة، والتي بقيت المحرك له في تعامله مع الاشخاص والاحداث والوقائع.

وفي عهد عثمان كتب عمار وعدة من اصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله كتابا إلى عثمان عددّوا فيه الأحداث، وخوّفوه به، واعلموه أنهم مواثبوه ان لم يُقلع، فأخذ عمار الكتاب، فأتاه به، فقرأ منه صدراً، ثم قال له: أعليّ تقدم من بينهم! فقال: لأني انصحهم لك(٢) .

وتفاقمت الأوضاع وازدادت تشنجاً بين عمار وعثمان، فقد صلّى عمّار على عبد الله بن مسعود وبعده المقداد دون اذن من عثمان حسب وصيتهما، فاشتدّ غضب عثمان على عمّار، وقال: ويلي على ابن السوداء! اما لقد كنت به عليماً(٣) .

وقد روي من طرق مختلفة وبأسانيد كثيرة أن عمارا كان يقول: ثلاثة يشهدون على عثمان بالكفر، وأنا الرابع، وأنا شر الاربعة، ((ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون))(٤)

________________

(١) أسد الغابة ٣ : ٦٣١.

(٢) شرح نهج البلاغة ٣ : ٥٠.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٧١.

(٤) سورة المائدة: اية ٤٤.


وأنا أشهد أنه قد حكم بغير ما أنزل الله(١) .

واعترض عمار على تسيير أبي ذر إلى الربذة، وبلغ عثمان عن عمار كلام، فأراد أن يسيره أيضا، فاجتمعت بنو مخزوم إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ، وسألوه إعانتهم، فقال علي عليه السلام لا ندع عثمان ورأيه، فجلس عمّار في بيته، وبلغ عثمان ما تكلمت به بنو مخزوم، فامسك عنه(٢) .

لم يكن موقف عمار من عثمان منطلقاً من مصلحة شخصية أو خلاف شخصي، بل كان منطلقاً من مسؤوليته الرسالية في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، واصلاح الاوضاع وتغييرها نحو الأفضل ، فقد وقف مواقف شجاعة من اجل إعادة الامور إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ولذا عبر عن ذلك بقوله لعثمان: ((لاني انصحهم لك)).

ولو إستجاب عثمان لمطالب الثوار أو المعارضين لما استمر عمار بالمعارضة له لانتفاء موضوعها وهو اصلاح الاوضاع.

وبعد مقتل عثمان بن عفان كان عمار من اوائل الداعين إلى بيعة امير المؤمنين علي عليه السلام

وحينما خرج طلحة والزبير وعائشة على الامام علي عليه السلام مطالبين بدم عثمان، توجه عمار إلى جمع من الصحابة ليحثهم على اسناد الامام علي عليه السلام ومنهم: (عبد الله بن عمر ، ومحمد بن مسلمة وسعد بن أبي وقاص)(٣) .

وبعثه الامام عليه السلام إلى أهل الكوفة ليحثهم على جهاد البغاة عليه، فخطب في أهل الكوفة قائلا: ((إن طلحة والزبير... كانا اول من بايع علياً ، فلما اخطأهما ما املاه نكثا بيعتهما من غير حدث)(٤) .

وكان له دور كبير في اقناع الكوفيين بنصرة الامام عليه السلام

وحينما صعد أبو موسى الاشعري المنبر في الكوفة ثم قال: ((إن هذه الفتنة النائم فيها خير من اليقظان ، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الساعي، والساعي خير من الراكب ، فأغمدوا سيوفكم حتى تنجلي هذه الفنتة )).

فقام عمار بن ياسر فقال: ((أيها الناس ان أبا موسى ينهاكم عن الشخوص إلى هاتين الجماعتين، ولعمري ما صدق فيما قال ، وما

________________

(١) شرح نهج البلاغة ٣ : ٥١.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٧٣.

(٣) الامامة والسياسة: ١ : ٥٥.

(٤) المصدر السابق ١ : ٦٧.


رضى الله من عباده بما ذكر

قال الله عز وجل : {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى امر الله فان فاءت فاصحلوا بينهما بالعدل واقسطوا }

وقال:{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله }.

فلم يرض من عباده بما ذكر أبو موسى من ان يجلسوا في بيوتهم ويخلوا بين الناس، فيسفك بعضهم دماء بعض، فسيروا معنا إلى هاتين الجماعتين واسمعوا من حججهم وانظروا من اولى بالنصرة فاتبعوه... ))(١) .

فكانت حجة وأدلة وبراهين عمار اقوى من حجة الاشعري، ولو رجع الاشعري إلى الوراء وتعمق في احاديث رسول الله صلّى الله عليه وآله حول عمار لعرف الحقيقة وعرف الموقف المناسب ، فاذا كان الكوفيون معذورين لعدم سماعهم الاحاديث الشريفة فان أبا موسى الاشعري غير معذور.

وكان لعمّار دور واضح في معركة الجمل، فقبل بدئ المعركة قام عمار بن ياسر بين الصفين فقال: ((ايها الناس ما انصفتم نبيكم حين كففتم عقائلكم في الخدور وابرزتم عقيلته للسيوف)).

ثم دنا من عائشة فنادى: إلى ماذا تدعين؟ قالت: إلى الطلب بدم عثمان ، فقال: قاتل الله في هذا اليوم الباغي والطالب بغير الحق، ثم قال: ايها الناس انكم لتعلمون اينا المماليء في قتل عثمان؟ فرشقوه بالنبل، وتواتر عليه الرمي واتصل فحرك فرسه واتى عليا عليه السلام(٢) .

ولم يساند عمار الامام عليه السلام تعصبا له ، بل سانده عن قناعة تامة لانه وجده على الحق وان مخالفيه على الباطل للأسباب التالية:

١ـ وجوب طاعة الامام عليه السلام من قبل عائشة وطلحة والزبير لأنه منتخب من أهل الحل والعقد على راي أهل السنة ،

________________

(١) الامامة والسياسة ١ : ٦٦.

(٢) مروج الذهب ٢ : ٢٩١.


ومنصب من قبل الله تعالى على رأي الشيعة

٢ـ ان الثلاثة كانوا من المحّرضين على عثمان.

٣ـ إن المطالبة بدم عثمان يكون طريقها الوحيد هو القضاء بعد استقرار الدولة

٤ـ ليس لهم الحق بالمطالبة وانما هي من صلاحيات ولد عثمان.

٥ـ انهم توجهوا إلى البصرة ولا وجود لقتلة عثمان هناك.

٦ـ انه سمع من رسول الله صلّى الله عليه وآله يتحدث عن قتال الامام عليه السلام للناكثين والقاسطين والمارقين.

وفي صفين كان يقول: ((اللهم لو اعلم انه ارضى لك عني ان ارمي بنفسي من هذا الجبل لفعلت، واني لا اقاتل الا اريد وجهك ))(١) .

وكان لا يأخذ في ناحية ولا واد من اودية صفين، إلاّ وكان اصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله يتبعونه، كانه علم لهم ، وكان يقول يومئذ لهاشم بن عتبة: ((يا هاشم، تقدّم الجنة تحت البارقة.

اليوم القى الاحبّة محمداً وحزبه

والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا انّا على الحق، وأنهم على الباطل))

وكان يقول:

نحن ضربناكم على تنزيله

فاليوم نضربكم على تأويله

ضرباً يزيل الهام عن مقيله

ويذهل الخليل عن خليله

أو يرجع الحق على سبيله(٢) .

وشهد خزيمة بن ثابت صفين ولم يقاتل، وقال: لا اقاتل حتى يقتل عمار فانظر من يقتله، فاني سمعت

________________

(١) صفة الصفوة ١ : ٤٤٥.

(٢) شرح نهج البلاغة ١٠ : ١٠٤.


رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: ((تقتله الفئة الباغية )) فلما قتل عمار، قال خزيمة: ظهرت لي الضلالة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل(١) .

وكان حديث الفئة الباغية من الاحاديث المتواترة والمركوزة في اذهان الصحابة والتابعين، فقد سال جماعة حذيفة بن اليمان عن الفتنة، وقالوا له: إذا اختلف الناس فبمن تأمرنا؟ قال: عليكم بابن سميّة، فانه لن يفارق الحق حتى يموت(٢) .

طعنه أبو الغادية فسقط ثم اكب عليه رجل فاحتز رأسه، ثم اختصما إلى معاوية ايهما قتله، فقال عمرو بن العاص: اندرا فوالله انكما لتختصمان في النار، فسمعها منه معاوية فلامه على تسميعه إياهما ذلك، فقال ابن العاص: والله انك لتعلم ذلك(٣) .

وفي رواية قال عبد الله بن عمرو: يا أبه، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول لعمّار: يا ابن سميّة، تقتلك الفئة الباغية.

فقال عمرو لمعاوية: الا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية: انحن قتلناه؟ انما قتله الذين جاءوا به(٤) .

بين الامام علي عليه السلام وعمرو بن العاص

ذكرنا رأي الامام علي عليه السلام بعمرو بن العاص والان نضيف اليه ماقاله فيه وبيّن فسقه واثمه بقول صريح لالبس فيه ولا غموض فقال:((عَجَباً لاِبْنِ النَّابِغَةِ! يَزْعُمُ لاِهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِيَّ دُعَابَةً، وَأَنِّي امْرُؤٌ تِلْعَابَةٌ أعَافِسُ وَأُمَارِسُ! لَقَدْ قَالَ بَاطِلاً، وَنَطَقَ آثِماً.اما ـ وَشَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ ـ إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ، وَيَعِدُ فَيُخْلِفُ، وَيُسْأَلُ فَيَبْخَلُ، وَيَسْأَلُ فَيُلحِفُ، وَيَخُونُ الْعَهْدَ، وَيَقْطَعُ الاْلَّ; فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِر وَآمِر هُوَ! مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا، فَإِذَا كَانَ ذلِكَ كَانَ أَكْبَرُ مَكيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقَوْمَ سُبَّتَهُ. أَمَا واللهِ إِنِّي لَـيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ ذِكْرُ الْموْتِ، وَإِنَّهُ لَيمَنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْيَانُ الاْخِرَةِ، إِنَّهُ لَمْ يُبَايعْ مُعَاوِيَةَ حَتَّى شَرَطَ لَهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ أَتِيَّةً، وَيَرْضَخَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخَةً ))(٥) .

________________

(١) أسد الغابة ٢ : ١٣٣ ، ٣ : ٦٣٢.

(٢) شرح نهج البلاغة ١٠ : ١٠٥.

(٣) المنتظم في تاريخ الامم والملوك ٥ : ١١٩

(٤) المنتظم في تاريخ الامم والملوك ٥ : ١١١.

(٥) شرح نهج البلاغة ١٧:١٨٢.


بين حجر بن عدي ومعاوية

بقي حجر موالياً لمنهج أهل البيت عليه السلام بعد شهادة الإمام الحسن عليه السلام وكان يدافع عنهم، فحينما كان المغيرة بن شعبة ـ والي معاوية على الكوفة ـ لا يدع شتم عليّ والوقوع فيه والدعاء لعثمان والاستغفار له، كان حجر يقول:((بل إياكم ذمّ الله ولعن)).

ويقول:((أنا اشهد أن من تذمون أحق بالفضل، ومن تزكون أولى بالذم))(١) .

وأمره ذات يوم المغيرة أن يقوم فيلعن علياً عليه السلام ، فأبى ذلك، فتوعده، فقام فقال: أيها الناس، إن أميركم أمرني أن العن علياً فالعنوه، وأعاد الضمير إلى المغيرة بالنية والقصد(٢) .

وحينما كتب معاوية إلى المغيرة يستمده بمال يبعثه من بيت المال، فبعث عيراً تحمل مالاً، فاعترض لها حجر، فأمسك بزمام أولها، وقال: لا والله حتى يوفي كل ذي حقّ حقّه.

وحينما طلب قوم المغيرة منه قتل حجر أجابهم: إني قد قرب اجلي ولا أحب أن اقتل خيار أهل هذا المصر فيسعدوا وأشقى، ويعزّ في الدنيا معاوية، ويشقى في الآخرة المغيرة(٣) .

وبعد موت المغيرة تولى زياد بن أبيه الأمر في الكوفة، وكانت بينه وبين حجر مودّة سابقة، فاحضره، ثم قال له: يا حجر ارايت ما كنت عليه من المحبّة والموالاة لعلّي؟ قال: نعم! قال: فإنّ الله قد حوّل ذلك بغضة وعداوة، أو رأيت ما كنت عليه من البغضة والعدوان لمعاوية؟ قال: نعم! قال: فإنّ الله قد حوّل ذلك محبة وموالاة، فلا اعلمنّك ما ذكرت علياً بخير ولا أمير المؤمنين معاوية بشر.

واستمر حجر على موقفه في موالاة علي عليه السلام والدفاع عن سيرته، وكان يرد اللعن على زياد.

وفي احد المواقف أطال زياد الخطبة وأخّر الصلاة، فقال له حجر: الصلاة، فمضى في خطبته، فلما خشي حجر الفوت ضرب بيده إلى كف من الحصا، وثار إلى الصلاة وثار الناس معه، فنزل زياد فصلى بالناس، ثم كتب إلى معاوية في أمره من أنّه خلع الطاعة ودعا إلى الفتنة(٤) .

وفي رواية كتب إليه: أنهم خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب، وزروا على الولاة، فخرجوا بذلك من الطاعة(٥) .

فأمر معاوية بأشخاصهم إليه ـ وكانوا ثلاثة عشر رجلاً ـ فلما صاروا بمرج عذراء من دمشق على أميال، أمر معاوية بإيقافهم


هناك، ثم جاء الأمر بقتلهم فقتلوا باستثناء ستة منهم.

وفي وصية حجر قال:((لا تنزعوا عنّي حديداً، ولا تغسلوا عنّي دماً، فانّي لاق معاوية على الجادة))(١) .

وكان السبب في قتل حجر وأصحابه هو رفض البراءة من علي عليه السلام وفي آخر اللحظات قيل لهم: تبرأوا من علي حتى يطلقكم، فلم يفعلوا(٢) .

وقد بعثت عائشة عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية تسأله ان يخّلي سبيلهم(٣) .

إلا أنّ معاوية لم يهتم بالأمر، وحينما عاتبته بالقول:((ما حملك على قتل أهل عذراء حجراً وأصحابه؟ قال إني رأيت في قتلهم صلاحاً للأمة، وفي مقامهم فساداً للأمة)).

فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: ((سيقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء)).

وكان علي عليه السلام يقول: ((يا أهل العراق سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود))(٤) .

ونعى حجر لعبد الله بن عمر، وكان في السوق فأطلق حبوته وقام وقد غلب عليه النحيب.

وقد ألقيت الحجة على معاوية قبل قراره بقتل حجر، فقد كتب إليه شريح بن هاني، بلغني أن زياداً كتب شهادتي، وان شهادتي على حجر انه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعُمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله، وان شئت فدعه.

وقال حجر لعامر بن الأسود العجلي ابلغ معاوية:((أن دماءنا عليه حرام، وأنّا قد أومنّا وصالحناه وصالحنا، وأنّا لم نقتل احداً من أهل القبلة فيحلّ له دماؤنا))(٥) .

فهل نقتدي بحجربن عدي ام بمعاوية بن ابي سفيان؟


الاقتداء بأهل البيت عليهم السلام

ثبت عدم صحة الرواية المتقدمة حول الاقتداء بالصحابة جميعا وانهم كالنجوم، وهناك روايات متواترة ومستفيضة يأمرفيهارسول الله صلى الله عليه واله الصحابة بالاقتداء بأهل البيت عليهم السلام كما ورد في رواية التمسك بالثقلين وهما الكتاب والعترة الطاهرة(١)

وأهل البيت (عليهم السلام) نجوم مضيئة في حياة الإنسانية، وعنوان شامخ في حركة التاريخ والمسيرة الاسلامية، نطق به الوحي الإلهي، ونطق به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولهج بذكره المسلمون من جميع المذاهب، وهم (عليهم السلام) أعلام الهدى، وقدوة المتّقين، وهم مأوى أفئدة المسلمين من جميع أقطار الأرض، عُرفوا بالعلم والحكمة والإخلاص والوفاء والصدق والحلم، وسائر صفات الكمال في الشخصيّة الاسلامية، فكانوا قدوة المسلمين، وروّاد الحركة الإصلاحية والتغييرية في المسيرة الاسلامية، تحدث الجميع عن مقامهم الكريم ودورهم السامي، وكان لهم مقام عند الفقهاء، والمفسرين، والرواة، والمؤرخين، والأُدباء والشعراء، وعند العابدين والزاهدين والأولياء.

وأهل البيت هم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) الذين نزلت فيهم آية التطهير: (إنَّما يُرِيدُ اللهُ ليُذهِبَ عنكُمُ الرّجسَ أهل البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تطهِيراً)(٢) .

فقد تظافرت التفاسير والروايات أن المقصود بأهل البيت (عليهم السلام) هم أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)وهم: علي وفاطمة والحسن والحسين(٣) .

________________

(١) صحيح مسلم ٤ : ١٨٧٣ و ١٨٧٤ وسنن الترمذي ٥ : ٦٦٢ / ٣٧٨٦ ومسند أحمد ٣ : ١٤ و١٧ ، ٤ : ٣٦٧ و ٣٧١ ، ٥ : ١٨٢ و ١٨٩ وسنن الدارمي ٢ : ٤٣٢ ومصابيح السُنّة ٤ : ١٨٥ / ٤٨٠٠.

(٢) سورة الأحزاب آية: ٣٣.

(٣) أهل البيت: مؤسسة البلاغ١٦٦، الملحق رقم١، استُفيدَت من مئات المصادر ومن كتب التفسير والحديث والفضائل، يراجع لمزيد الاطلاع.


روي عن أم سلمة وبطرق عديدة أنها قالت: ((لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فجلّل عليهم كساءً خيبرياً، فقال: اللهمَّ هؤلاء أهل بيتي اللهمَّ أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)) قالت أم سلمة ألست منهم؟ فقال (صلى الله عليه وآله): ((أنت إلى خير))(١) .

وعند نزول الآية الكريمة: (إنَّ اللهَ وملائِكَتَهُ يُصَلُّونَ على النَّبِيِّ ياأيُّها الَّذِينَ آمنوا صَلُّوا عليه وسَلِّمُوا تسليماً)(٢) .

سأل الصحابة عن كيفية الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: ((اللهمّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد))(٣) .

وقال (صلى الله عليه وآله): ((من قال: اللهمّ صلِّ على محمد وآل محمد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، وترحّم على محمد وآل محمد كما ترحّمت على إبراهيم وآل إبراهيم، شهدت له يوم القيامة بالشهادة وشفعت له))(٤) .

والحديث مستفيض رواه أصحاب الصحاح بصيغ مختلفة إلاّ البخاري(٥) .

والحديث تعظيم لأهل البيت (عليهم السلام) وجعلهم مناراً وقدوة للأمة حتى قال الشافعي: ((من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له))(٦) .

وقال الديلمي: ((الدعاء محجوب حتى يصلّى على محمد وأهل بيته))(٧) .

وقد وردت آيات عديدة توجب حقّهم على الاُمّة ولزوم موالاتهم وتتبّع آثارهم(٨) .

________________

(١) جامع البيان في تفسير القرآن ٢٢ / ٦، الدر المنثور ٦ / ٦٠٣.

(٢) سورة الأحزاب آية: ٥٦.

(٣) جامع البيان في تفسير القرآن ٢٢ / ٦، الدر المنثور ٦ / ٦٠٣، ونحوه في الكتاب المصنّف ٢ / ٥٠٧.

(٤) الدر المنثور ٦ / ٦٥٠.

(٥) روائع البيان ٢ / ٣٦٤.

(٦) فرائد السمطين ١ / ١٣٥، الصواعق المحرقة ٢٢٨.

(٧) الصواعق المحرقة ٢٢٧.

(٨) أهل البيت، مؤسسة البلاغ ١٥ إلى ٣٢.


ومفهوم أهل البيت (عليهم السلام) وإن كان قد أطلق على علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) إلاّ أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)وسّعه ليشمل ذريتهم من بعدهم ولم يخصصه ويقيّده فيهم وحدهم فقال: ((في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالّين ...))(١) .

فجعل (صلى الله عليه وآله) مفهوم أهل البيت (عليهم السلام) منطبقاً على ذريّة علي (عليه السلام) وفاطمة، والذي لا يخلو عصر منهم إلى قيام المهدي (عليه السلام) وهو من أهل البيت (عليهم السلام) وإن تأخّر زمانه، كما أطلق (صلى الله عليه وآله)ذلك عليه بالقول:

((المهدي منّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة))(٢) .

((لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جوراً))(٣) .

عصمة وعدالة أهل البيت

استدلَّ من يرى عصمة أهل البيت بآية التطهير، وذلك لأنّ الله تعالى قد أراد أن يذهب الرجس عن أهل البيت، بأن يكونوا مطهرين، ولمّا كانت إرادة الله تعالى لا تنفك عن مراده، فانّ ما أراده تعالى واقع لا محالة فيكونون مطهرين أي معصومين، ومن نفى العصمة عنهم استدلّ على ان الإرادة هنا إرادة تشريعية، فقد أراد الله لهم أن يتطهّروا والأمر عائد إليهم فيمكن أن تتخلف الإرادة التشريعية عن مراده تعالى، فمثلا أراد الله من الناس أن يصلّوا ولكنّ بعضهم لا يصلّي، فتخلفت الإرادة عن المراد(٤) .

فالإرادة عند الفريق الأول إرادة تكوينية لا تتخلف عن المراد لقوله تعالى: (إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)(٥) .

والإرادة عند الفريق الثاني إرادة تشريعية قد تتخلف عن المراد.

________________

(١) الصواعق المحرقة ٢٣١.

(٢) سنن أبي داود ٤ / ١٠٧، الجامع الصغير ٢ / ٩٧٢.

(٣) سنن أبي داود ٤ / ١٠٧.

(٤) أنظر: تفسير آية التطهير عند الفريقين.

(٥) سورة يس، الآية: ٨٢.


ويذهب السيد الشهيد محمد باقر الصدر بأنّ هنالك إرادة ليست تكوينية ولا تشريعية فالله تعالى أراد أن يوفّر كل المقدمات الدخيلة في صيرورة أهل البيت طاهرين، ولمّا كان قادراً على تهيئة كل المقدمات الدخيلة في العصمة وأنه يريد تهيئة إرادة تكوينية فإنّ هذه المقدمات لا تتخلف عن مراده، فتتحقق حتماً، وبذلك يصبح أهل البيت طاهرين مُطهرين بمحض إرادتهم واختيارهم))(١) .

ويضيف السيد كاظم الحائري مستشهداً بأن الارادة هنا ليست تكوينية ولا تشريعية بالقول: ((أنّه لو أُريدت بها الإرادة التكوينية لزم الجبر وهو باطل، ولو أُريدت بها الإرادة التشريعية كان المناسب أن يقال: يريد الله لتبتعدوا عن الرجس وتتطهروا لا أن يقول: يريد الله ليُذهب عنكم الرجس ويطهركم. ذلك لأنّه في باب الإرادة التشريعية يُسند الفعل إلى العبد والإرادة إلى الله فيقال: يريد الله لعباده أن يصلّوا، ولا يقال: يريد الله لنا أن يجعلنا مصلّين))(٢) .

ونستدل على عصمة أهل البيت ببعض الأحاديث الشريفة المستفيضة والمتواترة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)حيث أوصى المسلمين بالكتاب والعترة فقال (صلى الله عليه وآله): ((ياأيّها الناس إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي))(٣) .

وفي رواية إنّه قال: ((إنّي تارك فيكم خليفتين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض))(٤) .

وفي رواية: ((إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السّماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما))(٥) .

فالأحاديث المتقدمة تأمر المسلمين بالتمسك بالقرآن وأهل البيت (عليهم السلام)، فإنهما يحصّنان المسلمين من الضلالة، وهذا لا يتحقق إلاّ بالعصمة، فالمعصوم هو وحده المحصَّن من الضلالة، ولا يعقل أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعو للتمسك بمن يجوز عليه الخطأ والانحراف لأنّ ذلك خلاف للحكمة من التمسك، وأهل البيت (عليهم السلام) قرنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)بالقرآن

________________

(١) الإمامة وقيادة المجتمع ٨١، بتصرّف من ناقل القول.

(٢) الإمامة وقيادة المجتمع ٨١، ٨٢.

(٣) سنن الترمذي ٥ / ٦٢٢ حديث٣٧٨٦.

(٤) مسند أحمد بن حنبل ٦ / ٢٣٢، طبعة قديمة ٥ / ١٨٢، مجمع الزوائد ٩ / ١٦٣.

(٥) سنن الترمذي ٥ / ٦٦٣، مسند أحمد ٣ / ٣٩٤.


وأكّد على عدم افتراقهما، ومعنى عدم الافتراق هو الاندكاك الكامل بالقرآن في جميع الظروف والمواقف، فهم يجسّدون قيم القرآن تجسيداً كاملا وهذا هو معنى العصمة.

ومثّل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أهل البيت (عليهم السلام) بسفينة نوح فقال: ((ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق))(١) .

وفي رواية: ((إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق، وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غُفِرَ له))(٢) .

والنجاة المتحققة بالتمسك بأهل البيت (عليهم السلام) والاقتداء بهم والأخذ بتعاليمهم تعني أنّهم ميزان ومقياس الهداية فلا يجوز عليهم الخطأ والانحراف، لأنه خلاف ملاك النجاة، ومن يخطأ أو يجوز عليه الخطأ لا يكون وسيلة النجاة لغيره، والدعوة للاقتداء بأهل البيت (عليهم السلام)مع تجويز الخطأ عليهم تغرير بالقبيح وهو محال على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهنالك روايات عديدة يمكن الاستدلال بها على عصمة أهل البيت (عليهم السلام)بنفس الاستدلال المتقدّم ومنها قوله (صلى الله عليه وآله): ((النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لاُمتي من الاختلاف فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس))(٣) .

وتتجلّى العصمة في وصف الإمام علي (عليه السلام) لأهل البيت حيث يقول: ((هم عيش العلم وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وظاهرهم عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحقَّ ولا يختلفون فيه. وهم دعائم الإسلام، وولائج الاعتصام. بهم عاد الحقّ إلى نصابه عقلوا الدِّين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية))(٤) .

وقال (عليه السلام): ((نحن النمرقة الوسطى، بها يلحق التالي، وإليها يرجع الغالي))(٥) .

________________

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٥١، مجمع الزوائد ٩ / ١٦٨، الجامع الصغير ٢ / ٥٣٣.

(٢) مجمع الزوائد ٩ / ١٦٨، وبنحوه في: الصواعق المحرقة ٢٣٤.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٤٩، الصواعق المحرقة ٢٣٤، وبنحوه في: الإتحاف بحب الأشراف ٢٠.

(٤) نهج البلاغة ٣٥٧، ٣٥٨، الخطبة٣٢٩.

(٥) نهج البلاغة ٤٨٨، الحكمة ١٠٩.


وقد اعترف بعض المعاصرين لأهل البيت (عليهم السلام) من غير الشيعة بعصمتهم وبأنهم القمّة في كل الخصائص الإنسانية السامية ولمزيد الإطلاع على ذلك تُراجع تراجم حياتهم في كتب الأعلام والرجال وفي كتب الفضائل(١) .

ووردت أحاديث عديدة عن أهل البيت (عليهم السلام) يؤكدون فيها أنّهم القدوة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهم معروفون بالصدق عند جميع من عاصرهم سواء من أتباعهم أو من أئمة المذاهب الاُخرى وأتباعهم، وهذا التأكيد نابع من دلائل متواترة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفي ما يلي بعض تلك الأحاديث:

قال الإمام علي (عليه السلام): ((... وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيّكم! وهم أزمَّة الحق، وأعلام الدين، وألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، وَرِدُوهم ورودَ الهيم العطاش))(٢) .

وقال (عليه السلام): ((انظروا أهل بيت نبيّكم، فالزموا سمتهم، واتَّبعوا أثرهم، فلن يخرجوكم من هدىً، ولن يعيدوكم في ردىً، فإن لبدوا فالبدوا، وإن نهضوا فانهضوا، ولا تسبقوهم فتضلّوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا))(٣) .

وكل ذلك مستنبط من أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) التي تؤكد قدوتهم للمسلمين، ثم يوضّح الحقيقة تلك قائلا: ((وخلّف فينا راية الحقّ، مَنْ تقدّمها مرق، ومَنْ تخلَّفَ عنها زهق، وَمَنْ لزِمها لَحِقَ ألا إنَّ مَثَلَ آل محمد (صلى الله عليه وآله) كمثل نُجُومِ السَّماءِ، إذا خوى نجمٌ طَلَعَ نجمٌ، فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع))(٤) .

وهي إشارة واضحة الى دورهم كقدوة وأنهم (عليهم السلام) صنائع الله تعالى ادَّخرهم لقيادة المسلمين على ضوء المنهج الذي رسمه للانسانية. وأوضح (عليه السلام) حقهم في الولاية لوصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليهم وقال: ((لا يقاس بآل محمد (صلى الله عليه وآله) من هذه الاُمّة أحد، ولا يسوِّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصية والوراثة))(٥) .

________________

(١) الطبقات الكبرى، حلية الأولياء، تاريخ بغداد، وفيات الأعيان، سير أعلام النبلاء، الاتحاف بحب الأشراف، فرائد السمطين.

(٢) نهج البلاغة ١١٩، ١٢٠، الخطبة ٨٧.

(٣) نهج البلاغة ١٤٣، باب كلامه٩٧.

(٤) نهج البلاغة ١٤٦، الخطبة ١٠٠.

(٥) شرح نهج البلاغة ١ / ١٣٨، ١٣٩.


وفي خطبة للإمام الحسن بن علي (عليه السلام) قال: ((ياأهل العراق اتقوا الله فينا، فإنّا أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل البيت الذين قال الله عزوجل: (إنّما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)(١) ...))(٢) .

وقال أيضاً: ((... فأطيعونا فإنّ طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله عزّوجل ورسوله مقرونة، قال الله عزّوجل: (ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)(٣) ...))(٤) .

وأكّد الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) على قدوة أهل البيت (عليهم السلام)بنصٍّ من الله ورسوله فقال: ((... فمن الموثوق به على إبلاغ الحجّة وتأويل الحكم إلى أهل الكتاب، وأبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى الذين احتجَّ الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدى من غير حجّة، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلاّ من فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا،وبرأهم من الآفات، وافترض مودتهم في الكتاب))(٥) .

وبهذا القول، يؤكد الإمام (عليه السلام) أن الله تعالى لا يترك الخلق سدى دون حجّة يحتجّ بها عليهم.

وعن الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) أنه قال: ((نحن جنب الله، ونحن صفوته، ونحن خيرته، ونحن مستودع مواريث الأنبياء، ونحن أُمناء الله، ونحن حجة الله، ونحن أركان الإيمان، ونحن دعائم الإسلام، ونحن رحمة الله على خلقه ونحن الذين بنا يفتح الله، وبنا يختم، ونحن أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ونحن منار الهدى من تمسك بنا لحق، ومن تخلَّفَ عنا غرق))(٦) .

وحاسب الإمام محمد بن علي الباقر(عليه السلام) أبا حنيفة لقوله بالقياس، وكان يحاسب العلماء على ما يصدر منهم، ويعلّق محمد أبو زهرة على ذلك بالقول: ((تتبيّن إمامة الباقر للعلماء، يحاسبهم على ما يبدو منهم، وكأنّه الرئيس يحاكم مرؤوسيه ليحملهم على الجادة، وهم يقبلون طائعين تلك الرياسة))(٧) .

________________

(١) سورة الأحزاب آية: ٣٣.

(٢) مجمع الزوائد ٩ / ١٧٢.

(٣) سورة النساء آية: ٥٩.

(٤) الأمالي، للمفيد ٣٤٩.

(٥) الصواعق المحرقة ٢٣٣.

(٦) بحار الأنوار ٢٦ / ٢٤٨، كتاب الإمامة، باب٥، حديث١٨.

(٧) تاريخ المذاهب الإسلامية ٦٨٩.


كان سفيان الثوري يتزود من الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) علماً وفقهاً وحكمة وكان إذا قصده يقول له: ((لا أقوم حتى تحدثني))(١) .

اعتراف المعاصرين والمخالفين

بعد إقصاء أهل البيت(عليهم السلام) من منصب الخلافة بقي موقعهم محفوظا فموقعهم في الاُمة هو موقع القدوة، وهم الميزان الذي توزن به المفاهيم والقيم الاسلامية، وهذا الموقع يستمر بالبقاء والدوام وإن أُقصي أصحابه عن أحد محاوره وهو تزعم الرئاسة والسلطنة السياسية، وقد اعترف المعاصرون والمخالفون بموقع القدوة لأهل البيت(عليهم السلام)، ، فهم يعترفون بمؤهلاتهم وتفوقهم على الجميع بالفضل والخصائص الحميدة، وهذا الاعتراف ينفي قدوة جميع الصحابة فردا فردا المعاصرين لهم.

ففي حياة الإمام علي(عليه السلام) سواء كان في زمن أبي بكر وعمر وعثمان أو في زمن خلافته كان شطر من المسلمين يعترفون بان الامام عليا عليه السلام هو القدوة.

وقد اعترف بعض المعاصرين بدور القدوة للإمام الحسن(عليه السلام) ضمن تبيانه لمكارم بني هاشم، ورد ذلك الاعتراف في رسالة الحسن البصري إليه حيث جاء فيها: ((أما بعد فإنّكم معشر بني هاشم الفلك الجارية في اللجج الغامرة، والأعلام النيِّرة الشاهرة، أو كسفينة نوح(عليه السلام)، الّتي نزلها المؤمنون ونجا فيها المسلمون وأنتم شهداء على النّاس، والله الشاهد عليكم، ذريّةً بعضها مِن بعض ...))(٢) .

فهو يعترف بأنّ الإمام الحسن(عليه السلام) من الشهداء على النّاس، والشهيد هو القدوة في أقواله وأفعاله، وهو القائد الذي يقود الأُمة إلى النجاة.

وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول بحقِّ الإمام الحسين بن علي(عليه السلام): ((هذا أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء))(٣) .

وقد اعترف المعاصرون للإمام علي بن الحسين(عليه السلام) بالأفضلية في المقامات التي تؤهله لموقع القدوة ومنها: أفضليته في الورع والفقاهة.

________________

(١) سير أعلام النبلاء ٦ / ٢٦١.

(٢) تحف العقول ١٦٢.

(٣) تهذيب التهذيب ٢ / ٣٠٠.


قال الزهري: ((ما رأيت قرشياً أفضل من علي بن الحسين))(١) .

وقال سعيد بن المسيّب: ((ما رأيت أورع منه))(٢) .

وقال أبو حازم المدني: ((ما رأيت هاشمياً أفقه من علي بن الحسين))(٣) .

وقد اعترف المؤرخ الشهير الذهبي بأهليته للإمامة فقال: ((... فقد كان أهلا للإمامة العظمى، لشرفه، وسؤدده، وعلمه، وتألهه، وكمال عقله))(٤) .

واعترف هشام بن عبدالملك قبل تسلمه لزمام السلطة بمؤهلات الإمام محمد بن علي الباقر(عليه السلام) القيادية فقال له: ((يامحمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك))(٥) .

ووصفه الذهبي بالقول: ((جمع بين العلم والعمل، والسؤدد، والشرف والثقة والرزانة، وكان أهلا للخلافة))(٦) .

واعترف صلاح الدين الصفدي بمؤهلاته القيادية فقال: ((جمع العلم، والفقه،والديانة، والثقة، والسؤدد، وكان يصلح للخلافة))(٧) .

واعترف أبو حنيفة اعترافاً صريحاً بالامام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام وكان يقول: ((ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمد))(٨) .

ووجد المأمون أنّ الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) قد أصبح له أنصار وأتباع في طول الأُمّة وعرضها، فرشحه لولاية العهد لامتصاص النقمة الشعبية، ولعزله عن قواعده بعد استدعائه إلى البلاط العباسي في خراسان، وحينما وصل إلى نيسابور استقبله عشرون ألفاً من الفقهاء(٩) .

ومدحه أبو نؤاس أمام المأمون وجمع غفير من وزراء الدولة فقال:

قلت لا أهتدي لمدح إمام***كان جبريل خادماً لأبيه(١٠)

________________

(١) سير أعلام النبلاء ٤ / ٣٨٧.

(٢) سير أعلام النبلاء ٤ / ٣٩١.

(٣) سير أعلام النبلاء ٤ / ٣٩٤.

(٤) سير أعلام النبلاء ٤ / ٣٩٨.

(٥) تأمان الأخطار ٥٢.

(٦) سير أعلام النبلاء ٤ / ٤٠٢.

(٧) الوافي بالوفيات ٤ / ١٠٢.

(٨) سير أعلام النبلاء ٦ / ٢٥٨، تذكرة الحفّاظ ١ / ١٦٦.

(٩) الصواعق المحرقة ٣١٠.

(١٠) سير أعلام النبلاء ٩ / ٣٨٨، تذكرة الخواص ٣٢١.


وقال الذهبي في حقِّه: ((كان علي الرضا كبير الشأن أهلاً للخلافة(١) .

وفي عهد الإمام محمد بن علي الجواد(عليه السلام) جمع المعتصم الفقهاء لمناظرته، وأخذ بقوله دون قول الفقهاء، فأغاض الموقف ابن أبي داود فقال للمعتصم: ((... ثم يترك أقاويلهم كلّهم، لقول رجل يقول شطر هذه الأُمة بإمامته، ويدعون أنّه أولى منه بمقامه، ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء))(٢) .

وفي حقِّ الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) قال اليافعي: ((كان متعبداً فقيهاً إماماً))(٣) .

واعترف عبيدالله بن خاقان أحد المقرّبين للعباسيين، بمؤهلات الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) فقال: ((لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العباس ما استحقّها أحد من بني هاشم غيره))(٤) .

رواية النهي عن انتقاص الصحابة

نسب إلى رسول الله صلى الله عليه واله أنّه قال:((إنَّ الله اختارني، واختار أصحابي فجعلهم أصهاري، وجعلهم أنصاري، وإنّه سيجيء في آخر الزمان قوم ينتقصوهم، ألا فلا تناكحوهم، ألا فلا تنكحوا إليهم، ألا فلا تصلّوا معهم، ألا فلا تصلّوا عليهم، عليهم حلّت اللعنة))(٥)

والرواية غير تامة السند ، فلا يصح نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه واله، وفي هذا الصدد قال الدكتور عبدالكريم النملة(٦) : ((فهذا حديث لا يصلح الاستدلال به، لأنَّ فيه بشير بن عبيدالله ، وهو غير معروف)).

________________

(١) سير أعلام النبلاء ٩/٣٩٢.

(٢) تفسير العيّاشي ١ / ٣١٩.

(٣) مرآة الجنان ٢ / ١٦١.

(٤) الإرشاد ٣٦٤.

(٥) الكفاية في علم الرواية : ٤٨ ووردت الرواية في تعابير مختلفة

(٦) أُستاذ بكلية الشريعة في الرياض


قال ابن حبان:((والحديث باطل لا أصل له ، نقل ذلك أبو الفضل محمد ابن طاهر المقدسي في تذكرة الموضوعات)(١) .وقال الدكتور عطية بن عتيق الزهراني :((هذا الحديث لا يصح))(٢)

ومن ناحية الواقع نرى أنّ الذي ابتدأ بانتقاص الصحابة أو سبّهم هم بعض الصحابة، وهذا يستلزم التناقض، فاللعنة تكون شاملة لبعض الصحابة الذين انتقصوا وسبّوا غيرهم من الصحابة ، وتشمل من لعنهم أيضاً ، وهذا ممّا لا يصح التمسك بدلالته

ووردت روايات أُخرى في استدلال القائلين بعدالة جميع الصحابة، وهي غير تامة السند والدلالة معاً ، أو أحدهما ، أو تدل على عدالة بعض الصحابة دون الجميع كرواية :((خيرُ أُمتي قرني... و ‎ لا تسبّوا أصحابي))(٣) وغيرهما

وذهب أصحاب هذا الرأي إلى نسبة الزندقة لمن لا يرى عدالة جميع الصحابة، قال أبو زرعة: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله فاعلم أنّه زنديق وذلك أنّ رسول صلى الله عليه واله عندنا حقّ ، والقرآن حقّ، وإنّما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله ، وإنّما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسُنّة ، والجرح بهم أولى ، وهم زنادقة))(٤) .

ونحن لا نتفق مع أبي زرعة وغيره من القائلين بهذا الرأي من عدة وجوه :

الوجه الاُول: إنّ الذي أدّى إلينا القرآن والسنن ليس جميع الصحابة وانمابعضهم وخصوصا من رافقه منذ بداية البعثة

الوجه الثاني : ليس لجرح الشهود دخالة في إبطال الكتاب والسُنّة، وإنّما يكون غالباً مصحوباً بالتثبت والاحتياط في الدين، من أجل الوصول إلى العقيدة الحقّة والشريعة الحقّة، ليكون السلوك مطابقاً للكتاب والسُنّة

الوجه الثالث :إنَّ الجرح لا يشمل جميع الصحابة بل بعضهم

الوجه الرابع: إنَّ بعض الصحابة استتروا على نفاقهم فلم يظهروه، فمن العقل والمنطق السليم أن نبحث عن عدالتهم

________________

(١) مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف : ٨٣

(٢) السُنّة ، لأبي بكر الخلال ١ : ٤٨٣.

(٣) الكفاية في علم الرواية : ٤٧

(٤) الكفاية في علم الرواية : ٤٩


الوجه الخامس: إنَّ بعض الصحابة انتقصوا وسبّوا وجرحوا غيرهم من الصحابة، وخصوصاً الصحابة الذين انتقصوا وسبّوا وجرحوا الإمام عليّاً عليه السلام ، وهو الأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه واله ، وكان على رأس الصحابة الذين أدّوا إلينا القرآن والسُنّة، وهو الأعلم بكتاب الله وسُنّة رسوله كما تظافرت على ذلك الروايات(١)

فهل يحق لنا جرحهم؟ طبقاً لهذا الرأي، فإذا قيل يحق فقد انخرمت القاعدة، وإذا قيل لا يحقّ جرحهم فكيف كان لهم الحقّ في جرح الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام بل محاربته واستحلال دمه ؟

أوامر معاوية في شتم الإمام عليّ عليه السلام :

بعد استقرار الأمر لمعاوية، أمر ولاته بلعن وشتم الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام من على منابر المسلمين، خلافاً لإرشادات وتعاليم رسول الله صلى الله عليه واله ، فقد حرّم سب المسلم، وحرّم سبّ عليّ عليه السلام بالخصوص، فقال:((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ))(٢) .

وقال صلى الله عليه واله:((لا تسبوا عليّاً فإنه كان ممسوساً في ذات الله ))(٣) .

وأوصى معاوية المغيرة بن شعبة ((لا تترك شتم علي وذمّه))، فقال له المغيرة: (قد جَرّبتُ وجُرّبتُ، وعملت قبلك لغيرك فلم يذممني، وستبلو فتحمد أو تذم)، فكان المغيرة((لا يدع شتم علي والوقوع فيه))(٤) .

________________

(١) الطبقات الكبرى ٢ : ٣٣٨ ومناقب علي بن أبي طالب ، لابن المغازلي : ٨٢ وحلية الأولياء ١ : ٥ وكفاية الطالب : ١٩٧ وتذكرة الخواص : ٢٥ والمستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٧ ومختصر تاريخ دمشق ١٨ : ١٧ ومجمع الزوائد ٩ : ١١٤ والصواعق المحرقة : ١٨٩

(٢) المعجم الكبير ١٠: ١٥٧.

(٣) المعجم الكبير ١٩: ١٤٨.

(٤) الكامل في التاريخ ٣ : ٤٧٢


وكان ينال في خطبته من عليّ، وأقام خطباء ينالون منه(١) .

وكان حجر بن عديّ يرد اللعن على المغيرة(٢) .

ونتيجة لاستمرار شتم الإمام عليّ عليه السلام وسبّه، كتبت أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة إلى معاوية: ((إنّكم تلعنون الله ورسوله على منابركم، وذلك أنّكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومن أحبّه، وأنا أشهدُ أنَّ الله أحبّه ورسوله))(٣) .

وروي أنّ قوماً من بني أُميّة قالوا لمعاوية : ((... إنّك قد بلغت ما أمّلت، فلو كففت عن لعن هذا الرجل، فقال: لا والله حتى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلاً))(٤)

كما وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على (رواية أخبار قبيحة في الإمام علىّ عليه السلام ، تقتضي الطعن فية والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جُعلا... منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وغيرهم

وروي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب:مائة ألف درهم حتى يروي أنّ هذه الآية نزلت في حق علي ((ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام)(٥) .

فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف درهم فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف درهم فقبل، وروى ذلك.

رواية: عدم اجتماع الامة على ضلالة

________________

(١) سير أعلام النبلاء ٣ : ٣١

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٢٣٠

(٣) العقد الفريد ٥ : ١١٥ وبنحوه في مسند أحمد ٧ : ٤٥٥ والمعجم الكبير ٢٣ : ٣٢٣

(٤) شرح نهج البلاغة ٤ : ٥٧

(٥) سورة البقرة ٢: ٢٠٤ وما بعدها


نسب الى رسول الله صلى الله عليه واله انه قال : ((لا يجمع الله هذه الاُمة على الضلالة أبداً ويد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذّ شذّ في النار))(١) .

سنناقش الرواية من عدة جهات:

الجهة الأولى: سند الرواية، فالرواية محل خلاف بين المسلمين بين الشيعة والسنة، وبين السنة أنفسهم، فالشيعة قد أجمعوا على عدم تمامية سندها، أمّا السنة فإنهم لم يذكروها في كتب الصحاح المعروفة، وإنّما ذكرها الحاكم النيسابوري، وقد كان متردداً في إثبات تمامية سندها، ولذا يقول في مقام موقفه من الشواهد على الرواية: ((لا أدعي صحتها ولا أحكم بتوهينها بل يلزمني ذكرها لإجماع أهل السنة على هذه القاعدة))( ٢ ) .

والراوي المشترك في الرواية هو المعتمر بن سليمان، فالوجه الأول للرواية عن خالد بن يزيد القرني عن المعتمر عن أبيه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ويقول الحاكم النيسابوري: ((خالد بن يزيد هذا شيخ قديم للبغداديين ولو حفظ هذا الحديث لحكمنا له بالصحة))( ٣ ) .

والوجه الآخر عن المعتمر عن سفيان أو أبي سفيان عن عبد الله بن دينار، ويقول الحاكم: ((قال الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق لست أعرف سفيان وأبا سفيان هذا))( ٤ ) .

وفي وجه عن المعتمر عن مسلم بن أبي الذيال عن عبد الله بن دينار، ويقول الحاكم: ((وهذا لو كان محفوظاً من الراوي لكان من شرط الصحيح))( ٥ ) .

ويقول حول مبارك بن سحيم: ((فإنه ممّن لا يمشي في مثل هذا الكتاب لكنّي ذكرته اضطراراً))( ٦ ) .

________________

(١) المستدرك على الصحيحين ١ / ١١٥.

(٢) المستدرك على الصحيحين ١ / ١١٦.

(٣) المستدرك على الصحيحين ١ / ١١٥.

(٤) المستدرك على الصحيحين ١ / ١١٥.

(٥) المستدرك على الصحيحين ١ / ١١٦.

( ٦ ) المستدرك على الصحيحين ١ / ١١٦.


فالحاكم النيسابوري نراه متردداً في الحكم على الرواية ولكنّه لم يستطع مخالفة القاعدة، ولذا فإنه ملزم بذكرها على الرغم من عدم تمامية سندها تمشياً مع إجماع السنّة على القاعدة، وتوثيقه للمعتمر، والرواية وشواهدها غير تامة السند عنده(١) .

الجهة الثانية: الإجماع نفسه، فإنّ دراسة الواقع بصورة دقيقة توصلنا إلى نتيجة واضحة المعالم هي أنّه لم يحدث إجتماع في كثير من الامور.

الجهة الثالثة: جانب الدلالة، لو تمّ السند فان الرواية لاتدل على الافراد فردا فردا بل على الامة كمجموع وعلى راس المجموع الائمة عليهم السلام والاولياء والصالحين.

قال الامـام الـصـادق عليه السلام : سـئل رسول اللّه عليه السلام عن جماعة امته فقال : ((جماعة امتي اهل الحق وان قلو)( ٢ )

فيمكن توجيه الرواية بهذه الصورة بان اهل الحق لايجتمعون على ضلالة ، فيكون معاوية وعمرو بن العاص ومن وقف معهم ليسوا داخلين في اجتماع الامة لانهم اجتمعوا على ضلالة.

رواية : الاقتداء بأبي بكر وعمر

نسب بعض السنة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنه قال: ((اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)، وقيل في مقام الاقتداء: ((وأقل مراتب الأمر الجواز))( ٣ ) .

والرواية عند الشيعة مكذوبة على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أمّا عند السنّة فإنها ليست محل اتفاق عندهم، نذكر هنا نقاش ابن حزم الأندلسي للرواية المتقدمة ولرواية أخرى منسوبة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) انّه قال: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)).

________________

(١) وفي هامش سنن ابن ماجة ورد: (في الزوائد: في إسناده أبو خلف الأعمى وهو ضعيف، وقد جاء الحديث بطرق في كلّها نظر، قاله شيخنا العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي)، أنظر سنن ابن ماجة ٢ / ١٣٠٣.

(٢) ميزان الحكمة الحديث ٢٤٤٠.

(٣) شرح المواقف ٨ / ٣٦٤.


وفي ذلك يقول ابن حزم الأندلسي: ((أنه (صلى الله عليه وآله) لا يأمر بما لا يُقدر عليه، ووجدنا الخلفاء الراشدين بعده (صلى الله عليه وآله) قد اختلفوا اختلافاً شديداً فلابدّ من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها:

إمّا أن نأخذ بكل ما اختلفوا فيه، وهذا ما لا سبيل له ولا يقدر عليه، أو يكون مباحاً لنا بأن نأخذ بأيّ شيء وهذا خروج عن الإسلام لأنه يوجب أن يكون دين الله تعالى موكولا إلى اختيارنا، فيحرّم كل واحد منّا ما يشاء، ويحلّ ما يشاء، ويحرِّم أحدنا ما يحلّه الآخر.

وأيضاً: فلو كان هذا لكنّا إذا أخذنا بقول الواحد منهم، فقد تركنا قول الآخر منهم، ولابدّ من ذلك، فلسنا متبعين لسنتهم، وأيضاً فإن الرسول (صلى الله عليه وآله)... إمّا أن يكون أباح أن يسنّوا سنناً غير سننه، أو أباح أن يحرموا شيئاً كان حلالا على عهده (صلى الله عليه وآله) إلى أن مات، أو أن يحلّوا شيئاً حرّمه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو أن يوجبوا فريضة لم يوجبها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو أن يسقطوا فريضة فرضها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يسقطها إلى أن مات وكل هذه الوجوه من جوز منها شيئاً فهو كافر مشرك ...))(١) .

ونقاش ابن حزم الأندلسي يغنينا عن الإجابة على الدليل، فهو غير ثابت دلالة وسنداً.

رواية : تقديم غير الافضل

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((من تقدّم على قوم من المسلمين، يرى أن فيهم من هو أفضل منه، فقد خان الله ورسوله والمسلمين))( ٢ ) .

صحب الامام علي (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله) منذ صغره وكان يقول: ((وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْ‏ءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَلَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ وَلَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ صلى الله عليه وآله مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً وَيَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله ) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ

________________

(١) الإحكام في أُصول الأحكام ٦ / ٢٣٧ إلى ٢٤٠.

(٢) تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل ٤٧٤.


الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ ( صلى الله عليه وآله ) فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ...))(١) .

فقد صاحبه منذ صغره وبقي مصاحبا وملازما له في جميع حركاته ينهل من علمه ،ومن الطبيعي ان يكون اعلم الصحابة ، وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه واله اعلميته

قال(صلى الله عليه وآله) ((أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها))( ٢ ) .

وقال(صلى الله عليه وآله) ((قسمت الحكمة عشرة أجزاء، فأُعطي عليّ تسعة أجزاء والناس جزءاً واحداً))( ٣ ) .

وقال((صلى الله عليه وآله) ((عليّ عيبة علمي))( ٤ ) .

وقال(صلى الله عليه وآله) ((أعلم الناس بالسنة والقضاء بعدي عليّ بن أبي طالب))( ٥ ) .

و قال(صلى الله عليه وآله) ((أقضى هذه الأمة عليّ))( ٦ ) .

وفي ذلك قال عمر بن الخطّاب: ((عليّ أقضانا))( ٧ ) .

وعن عبد الله بن عباس أنه قال: ((كنّا نتحدث أن رسول الله صلى الله عليه واله عهد إلى علىّ سبعين عهداً لم يعهدها الى غيره)).( ٨ )

________________

(١) نهج البلاغة ٣٠٠، ٣٠١، الخطبة١٩٢.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٢٧; كفاية الطالب ٢٢١; وبنحوه في: مجمع الزوائد ٩ / ١١٤; الصواعق المحرقة ١٨٩.

( ٣ ) حلية الأولياء ١ / ٦٥; وبنحوه في: كفاية الطالب ١٩٧; مختصر تاريخ دمشق ١٨ / ١٧.

( ٤ ) مختصر تاريخ دمشق ١٨ / ١٨.

( ٥ ) بحارالأنوار ٤٠ / ١٥٠.

( ٦ ) المناقب للخوارزمي ٤١.

( ٧ ) الطبقات الكبرى لإبن سعد ٢ / ٣٣٩; المناقب للخوارزمي ٤٧; الصواعق المحرقة ١٩٥.

( ٨ ) مجمع الزوائد ٩ / ١١٣.


وقال (صلى الله عليه وآله) : ((يا عليّ أخصمك بالنبوة ولانبوة بعدي، وتخصم الناس بسبع، ولايحاجّك فيهم أحد من قريش، اللهمّ إنّكَ أولهم إيماناً بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسويّة، وأعدلهم في الرعية، وأبصرهم بالقضيّة، وأعظمهم عند الله مزية))(١) .

وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبا بكر ومعه سورة براءة ليتلوها على المشركين، ثم بعث عليّاً(عليه السلام)في أثره ليتلوها بدلا عنه، وحينما سأل أبو بكر عن السبب أجابه (صلى الله عليه وآله)بالقول الذي نزل به الوحي: ((لا يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك))( ٢ ) .

وفي رواية: ((لا يبلِّغ هذا إلاّ أنت أو رجل من أهلك))( ٣ ) .

وفي رواية: ((لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو علي))( ٤ ) .

الرجوع الى الامام علي عليه السلام من قبل الخلفاء

ومن ذلك انّ أبا بكر أراد غزو الروم، فاستشار الصحابة فقدّموا وأخّروا، ولم يقطعوا برأي، فاستشار علياً، فشجعه على غزو الروم، فقال: ((ان فعلت ظفرت فقال: بشّرت بخير))( ٥ )

وكان الخليفة يلتجأ إليه في المسائل المستعصية، فلا يبخل الإمام برأيه ومعونته الفكرية والعلمية، سأله إليهود فأجابهم عن مسائلهم، وحينما سألوه عن خصوصيات رسول الله (صلى الله عليه واله) قال أبو بكر: ((ولكنّ الحديث عنه شديد وهذا عليّ بن أبي طالب)) فارسلهم إلى الإمام عليه السلام فأجابهم( ٦ ) .

وسأله ملك الروم عن مسائل فأخبر بذلك عليّاً فأجابه، وأراد ان يقيم الحدّ على شارب الخمر، فقال الرجل: انّي شربتها ولا علم لي بتحريمها، فارسل ابو بكر إلى الإمام يسأله عن هذه المسألة المستعصية، فقال: مرّ نقيبين من رجال المسلمين يطوفان به على المهاجرين والانصار وينشدانهم: هل فيهم أحد تلا عليه آية التحريم؟ ففعل، ثمّ خلّى سبيله ولم يحدّه( ٧ ) .

وفي مقابل ذلك كان الخليفة ابو بكر يحترم مكانة الإمام علي عليه السلام العلمية والفكرية، وكان يشيد به ويعترف بحقّه وفضله، وكان يمدحه في كثير من المواقف ومن اقواله في حقه: ((من سره أن ينظر إلى أعظم الناس منزلة من رسول الله (صلى الله عليه واله) وأقربه قرابة، وأفضله دالّةً، وأعظمه غناءً عن نبيّه فلينظر إلى هذا))( ٨ ) .

وشاور عمر بن الخطاب الإمام علياً عليه السلام في الخروج إلى غزو الروم، فنصحه بعدم الخروج بنفسه وقال له: ((انك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب لا يكن للمسلمين كهف دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلاً محربا واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهره الله فذاك ما تحب وان تكن الأخرى، كنت ردءاً للناس ومثابة للمسلمي))( ٩ ) .

وحينما أراد غزو نهاوند نصحه الإمام عليه السلام بالبقاء في المدينة، وقال له: ((أما بعد...، فانّك ان اشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم وان اشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم، وانّك ان شخصت من هذه الارض

________________

(١) حلية الأولياء ١ / ٦٥، ٦٦.

(٢) الكامل في التاريخ ٢ / ٢٩١; البدء والتاريخ ٣ / ٢٤١; السيرة النبوية لابن كثير ٤ / ٧٢.

( ٣ ) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٧٦.

( ٤ ) إعلام الورى بأعلام الهدى ١٣٢.

( ٥ ) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٢٣.

( ٦ ) ذخائر العقبى : ٨٠ – محمد بن جريرالطبري – مؤسسة الوفاء – بيروت –١٤٠١هـ.

( ٧ ) مناقب ال ابي طالب ٢: ٣٩٧- ابن شهرآشوب-دار الاضواء- بيروت- ١٤١٢هـ.

( ٨ ) مختصر تاريخ دمشق ١٧: ٣٢٠- ابن عساكر- دار الفكر- دمشق- ١٩٨٨م.

( ٩ ) شرح نهج البلاغة ٨: ٢٩٦.


انتفضت عليك الارض من أطرافها واقطارها... اقرر هؤلاء في امصارهم، واكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا فيها ثلاث فرق... ولتسر فرقة إلى اخوانهم بالكوفة مدداً لهم، انّ الاعاجم إن ينظروا اليك غداً قالوا: هذا أمير العرب وأصل العرب، فكان ذلك أشدّ لكلبهم والبتهم على نفسك))(١) .

وفي واقعة اخرى اشار عليه بالخروج بنفسه، فحينما تحصن المشركون ببيت المقدس أجابوا إلى الصلح بشرط قدوم الخليفة عليهم، فاستشار الإمام بذلك فاشار عليه بالمسير إليهم ((ليكون أخفّ وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم))( ٢ ) .

وقال له: ((إنّ القوم قد سألوك المنزلة التي لهم فيها الذلّ والصغار ونزولهم على حكمك عزّ لك وفتح للمسلمين... حتى تقدم على أصحابك وجنودك، فإذا قدمت عليهم كان الأمر والعافية والصلح والفتح ان شاء الله)) فأخذ عمر بمشورته( ٣ ) .

و كان يستعين برأي الإمام ويقدّمه على جميع الصحابة، وكان الإمام عليه السلام يسانده ويؤازره في اختيار الحكم أو الموقف الأصوب، وكان يتدخل ابتداءً لتغيير حكم أو تنفيذه، فالمصلحة هي الحاكمة على جميع مواقفه وممارساته وكان الخليفة يمتدحه بعد نجاح الموقف ويرى أنّه السبب في انقاذه من المواقف الحرجة في القضاء والحكم بين الناس.

استشاره في عقوبة شارب الخمر فأشار عليه أن يجلده ثمانين فأخذ بمشورته وجلد في الخمر ثمانين( ٤ ) .

وارتاعت امرأة من عمر وسقط جنينها فاشار عليه ان يضمن الدية، فقال عمر: صدّقتني( ٥ ) .

وذكر الطبري بعض الروايات في الاستعانة بالإمام في القضاء، وكان يتدخل أحياناً دون استشارة ليغيّر الحكم، فيمضي الخليفة حكمه وإن كان مخالفاً لرأي الخليفة ومن ذلك:

- تدخله في منع رجم امرأة حامل.

- خلّى سبيل امرأة اضطرها رجل للفاحشة.

- أراد عمر رجم امرأة ولدت لستة أشهر فمنعه الإمام فرجع عن قراره.

- لم يرجم امرأة محصنة باشرها غلام لم يبلغ اعتمادا على مشورة علي عليه السلام أو تدخلاً منه.

- قام بتأديب رجل دون علم الخليفة ودون أمره، وكان جوابه للإمام أحسنت يا أباالحسن( ٦ ) .

ولا يجد عمر بأساً في توجيه أنظار الناس إلى كفاءة عليّ وإلى اعلميته، سأله رجل حول حلّية زوجته التي طلقها مرة وهو مشرك ومرّتين وهو مسلم، فقال الخليفة عمر: كما أنت حتى يجيء عليّ فقال: ((هدم الإسلام ما كان قبله)) واعتبرها تطليقتين، وقد أخذ برأي عليّ عليه السلام.

وحينما أراد معرفة حقّه في بيت المال، قال له الإمام: (( ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف، ليس لك من هذا المال غيره)) فقال الصحابة: القول قول ابن أبي طالب( ٧ ) .

وشاور الصحابة في سواد الكوفة، فقالوا له: نقسمها بيننا، فشاور علياً عليه السلام فقال: ((ان قسّمتها اليوم لم يكن لمن يجيء بعدنا شيء، ولكن تقرّها في أيديهم يعملونها، فتكون لنا ولمن بعدنا، فقال عمر: وفقك الله هذا الرأي))( ٨ ) .

وكان متردداً في خزائن بيت الله وما فيها من أموال وسلاح، أيتركها أم يوزعها، فقال له الإمام عليه السلام: ((... لست بصاحبه انّما صاحبه منّا شاب من قريش يقسمه في سبيل الله في آخر الزمان))( ٩ ) .

________________

(١) تاريخ الطبري ٢: ٥٢٤، المنتظم ٤: ٢٧٣.

(٢) البداية والنهاية ٧: ٥٥- ابن كثير- دار الفكر- بيروت- ١٤٠٢هـ.

( ٣ ) الفتوح ١: ٢٢٥، احمد بن أعثم الكوفي، دارالكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٦هـ.

( ٤ ) تاريخ المدينة المنورة ٢: ٧٣٢، عمر بن شبّة النميري، مكة المكرمة، ١٣٩٩هـ.

( ٥ ) انساب الاشراف ٢: ١٧٨.

( ٦ ) ذخائر العقبى : ٨١، ٨٢.

( ٧ ) تاريخ الطبري ٢: ٤٥٣، المنتظم ٤: ١٩٧.

( ٨ ) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٥١، ١٥٢.

( ٩ ) كنز العمّال ١٤: ٥٩١، علي المتقي الهندي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٥هـ.


وأرادعمر بيع أهل السواد فقال الإمام عليه السلام: ((دعهم شوكة للمسلمين)) فتركهم على أنّهم عبيد(١) .

وبلغه أنّ أحد عمّاله باع ما يحرم بيعه وجعل الثمن في بيت المال فاستشار الإمام عليه السلام فقال: ((امّا ان تعزله وإمّا ان تكتب إليه أن لا يعود))( ٢ ) .

وهناك وقائع عديدة عمل بها الإمام عليه السلام لترشيد سيرة الدولة والاخلاص في النصيحة والمشورة، لايسع البحث ذكرها.

فقد تدخل لمنع اجراء الحدّ على امرأة بعد ثبوت براءتها بالأدلة الحية( ٣ ) وقد وردت روايات عديدة تنص على انّ عثمان إذا جاءه الخصمان قال لأحدهما: اذهب ادع علياً( ٤ ) .

وكان يستشيره في اختيار الموقف المناسب من المعارضين لسياسته فيشير عليه باصلاح الأوضاع وتغيير بعض الولاة( ٥ ) .

اختلاف الآراء في عدالة الصحابة

اختلف العلماء والمؤرخون في الصحابة من حيث عدالتهم كمجموع او عدالتهم كافراد،فمن العلماء من ذهب إلى أنَّ جميع الصحابة كانوا عدولا في سلوكهم ومواقفهم إلى آخر حياتهم، ومنهم من ذهب إلى ذلك مقيداً بظهور الفتن، فالداخلون في الفتنة صُنِّفوا إلى صنفين، فمنهم العدول، ومنهم غير العدول، ومن العلماء من اختار أوسط الآراء بعد تتبعهم للسيرة الذاتية للصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه واله وبعده، فكانوا عدة أصناف فمنهم العدول ، ومنهم غير العدول، ومنهم المنافقون الذين انكشفت حقيقتهم، ومنافقون أسرّوا النفاق فلم يعلمهم إلاّ القليل من الصحابة

ذكر الآمدي هذه الآراء ورجَّح الرأي الأول قال: (اتفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة

وقال قوم : إنَّ حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية

ومنهم من قال: إنّهم لم يزالوا عدولاً إلى حين ما وقع من الاختلاف والفتن فيما بينهم ، وبعد ذلك فلا بدَّ من البحث في العدالة عن الراوي أو الشاهد منهم إذا لم يكن ظاهر العدالة

________________

(١) مناقب آل ابي طالب ٢: ٤٠٧.

(٢) أنساب الاشراف ٢: ٧٨.

( ٣ ) مناقب آل ابي طالب ٢: ٤١٣.

( ٤ ) السنن الكبرى ١٠: ١١٢، احمدبن الحسين البيهقي، دارالمعرفة، بيروت، ١٣٥٤هـ.

( ٥ ) البداية والنهاية ٧: ١٧١.


ومنهم من قال : بأنَّ كلّ من قاتل عليّاً عالماً منهم ، فهو فاسق مردود الرواية والشهادة لخروجهم على الإمام الحق

والمختار : إنّما هو مذهب الجمهور من الأئمة)(١)

الرأي الأول: عدالة جميع الصحابة:

وهو رأي جمهور العلماء من اهل السنة المتفقين على عدالة جميع الصحابةفردا فردا، قال ابن حجر العسقلاني:((اتفق أهل السُنّة على أنّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة))( ٢ )

واستشهد بما قاله الخطيب البغدادي في ذلك : ((... وإنّه لا يحتاج إلى سؤال عنهم ، وإنّما يجب فيمن دونهم... لأنّ عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم))( ٣ )

واستثنى ابن الأثير الصحابة من الجرح والتعديل فقال: (والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ في الجرح والتعديل، فإنّهم كلّهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح، لأنّ الله عزَّ وجل ورسوله زكياهم وعدَّلاهم، وذلك مشهور لا نحتاج لذكره)( ٤ )

ويرى الشوكاني (استواء الكل في العدالة)( ٥ )

ونسب محمد الفتوحي المعروف بابن النجار إلى ابن الصلاح وغيره القول بأنّ: (الاُمّة مجمعة على تعديل جميع الصحابة ، ولا يعتدّ بخلاف من خالفهم)( ٦ ) .

وحاول المازري التخفيف من الافراط في تقييم الصحابة، فلم ينسب العدالة الى جميع الصحابة فردا فردا، وإنّما وضع قيوداً لتقليل عدد الصحابة وتقييد الاطلاق في العدالة، فقال:((لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول، كل من رآه صلى الله عليه واله يوماً أو زاره لماماً أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب، وإنّما نعني به الذين لازموه وعزّروه ونصروه واتّبعوا النور الذي أنزل معه أُولئك هم المفلحون))( ٧ ) .

________________

(١) الإحكام في أصول الأحكام ٢ : ٣٢٠

(٢) الإصابة ١ : ٦

( ٣ ) الكفاية في علم الرواية : ٤٦

( ٤ ) أُسد الغابة ١ : ١٠

( ٥ ) ارشاد الفحول ، للشوكاني : ٧٠

( ٦ ) شرح الكوكب المنير ٢ : ٤٧٣

( ٧ ) الإصابة ١ : ٧


وهذه المحاولة هي تراجع عن أصل الادعاء بعدالة جميع الصحابة فردا فردا الذي تبنّاه الجمهور، وهي محاولة قائمة على أُسس واقعية ومنطقية من خلال تتبع حياة الصحابة وسيرتهم الذاتية وما نزل فيهم من آيات وما قيل فيهم من روايات وما مارسوه من ممارسات فردية واجتماعية وسياسية.

الرأي الثاني : عدالة واقع الصحابة العملي

يتبنّى هذا الرأي ثبوت العدالة في الواقع الخارجي العملي والسلوكي لجميع الصحابة، فلا يوجد من بينهم من ارتكب ما يؤدي إلى فسقه ، قال الغزالي:((والذي عليه سلف الاُمّة وجماهير الخلف: أنّ عدالتهم معلومة.. إلاّ أن يثبت بطريق قاطع إرتكاب واحد لفسق مع علمه به ، وذلك مما لا يثبت ، فلا حاجة لهم إلى التعديل))(١)

ولا دليل على هذا الرأي، والواقع الخارجي مليء بالأدلة والشواهد النافية لعدالة بعض أو كثير من الصحابة

وإذا تتبعنا سيرة بعض الصحابة نجدهم لا يتبنّون هذا الرأي، بل يتثبتون في الحكم على بعضهم البعض جرحاً أو تعديلاً، وكان بعضهم يجوّز الفسق على نفسه أو على غيره، والأمثلة على ذلك مستفيضة

في خطبة لأبي بكر قال ـ يصف نفسه ـ :((... فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني))( ٢ ) .

وفي رواية أنّه قال:((... فإذا رأيتموني قد استقمت فاتبعوني، وان زغت فقوّموني، واعلموا أنّ لي شيطاناً يعتريني أحياناً))( ٣ ) .

فقد عبر عن نفسه بانه قابل للاستقامة او الزيغ اوالاحسان او الاساءة ولم يصرح بانه عادل لكونه صحابيا.

________________

(١) المستصفى ، للغزالي ٢ : ٢٥٧ ـ المدينة المنورة ١٤١٣ هـ

(٢) تاريخ الطبري ٣ : ٢١٠ والكامل في التاريخ ٢ : ٣٣٢ والدر المنثور ٧ : ٥١٥

( ٣ ) الإمامة والسياسة ١ : ١٦ وبنحوه في تاريخ الخلفاء / السيوطي : ٥٤


وفي وصيته كتب:((إنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدّل فلكلِّ امرىء ما اكتسب والخير أردت ولا أعلم الغيب))(١) .

فلم يصرح بان عمربن الخطاب عادل لانه صحابي بل جعله قابل للعدل وعدمه.

وقد ظهر ذلك جليّاً في أقوال ومواقف الصحابة أنفسهم ففي رواية قال عمر بن الخطّاب((قلت: يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر))( ٢ ) .

ومعناه يدخل عليك البر والفاجر وهم من الصحابة.

وقال ابن فلكية: (أدركت ثلاثين ومائة ـ وفي رواية خمسين ومائة ـ من أصحاب النبي صلى الله عليه واله كلهم يخافون النفاق)( ٣ ) .

حتى انّ عمر بن الخطاب وهو من كبار الصحابة كان (يسأل حذيفة عن نفسه وأنه هل ذكر في المنافقين)( ٤ )

وكان حذيفة يقول:((إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد النبي صلى الله عليه واله فيصير بها منافقاً، واني لأسمعها من أحدكم اليوم في المجلس عشر مرات))( ٥ ) .

واعترف البراء بن عازب بما قام به بعض الصحابة من أحداث توجب عدم رضوان الله تعالى، فعن العلاء بن المسيّب عن أبيه قال: لقيت البراء بن عازب، فقلت له: طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه واله وبايعته تحت الشجرة، فقال:((يا ابن أخي إنّك لا تدري ما أحدثناه بعده))( ٦ ) .

________________

(١) تاريخ الخلفاء : ٦٣ وبنحوه في : الإمامة والسياسة ١ : ١٩

(٢) صحيح البخاري ٦ : ١٤٨

( ٣ ) احياء علوم الدين ١ : ١٢٤

( ٤ ) احياء علوم الدين ١ : ١٢٤

( ٥ ) مسند أحمد بن حنبل ٦ : ٥٣٣

( ٦ ) صحيح البخاري ٥ : ١٦٠


وعدالة جميع الصحابة لم تكن من المرتكزات الذهنية المألوفة عندهم، فقد دلت سيرتهم على ذلك ، فقد تقدّم إنّ عمر بن الخطاب طالب أبا بكر باقامة الحد على خالد بن الوليد ولم يقل : إنّه صحابي عادل.

واستمع عمر إلى الشهود الذين جاءوا للشهادة على المغيرة بن شعبة ولم يقل لهم: إنّه صحابي ولا تجوز عليه المعصية(١) ولو لم يتخلّف رابعهم عن الشهادة لكان الحد ثابتاً على المغيرة ولقام عمر بحدِّه

وثبت في التاريخ انّ بعض الصحابة انحرفوا عن النهج الإسلامي، فقد كذّب الوليد بن عقبة على رسول الله صلى الله عليه واله فسماه القرآن فاسقاً، وحينما كان والياً على الكوفة صلّى بالمسلمين وهو سكران، وقصة سكره مشهورة عند المؤرخين( ٢ ) .

ومن كثرة تجاوزات مروان بن الحكم سمي (بخيط باطل)( ٣ ) ، وكان أبوه الحكم طريد رسول الله صلى الله عليه واله وبقي منفياً عن المدينة طيلة عهد أبي بكر وعمر وهذا يعني انّ رسول الله صلى الله عليه واله مات وهو غير راض عنه

وكان عبدالله بن سعد بن أبي سرح يكتب القرآن فكان يكتب: (عليم حكيم) بدلاً عن (عزيز حكيم) ثم ارتدّ ، وفي فتح مكة أهدر رسول الله صلى الله عليه واله دمه، ولكن عثمان جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه واله وطلب له الأمان، وحينما خرج قال صلى الله عليه واله لأصحابه ‎ لقد صَمَتُ ليقتله أحدكم( ٤ ) ، وقد ذمّه علي عليه السلام ولا يوجد دليل على استقامته بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله

وفي معاوية قال الحسن البصري الفقيه المعروف: ((أربع خصال كنّ في معاوية لو لم تكن فيه إلاّ واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الاُمّة بالسيف... واستخلافه بعده ابنه سكيراً خميّراً، وادعاؤه زياداً... وقتله حجراً وأصحاب حجر، فياويلاً له من حجر))( ٥ )

________________

(١) شرح نهج البلاغة ٢٠ : ٢٣

(٢) الاصابة ٦ : ٣٢٢

( ٣ ) مروج الذهب ٣ : ٨٦

( ٤ ) الكامل في التاريخ ٢ : ٢٤٩

( ٥ ) تاريخ الطبري ٣ : ٣٢ ومثله في : ربيع الأبرار ٢ : ٤٨٦


وسأل أبو يوسف القاضي أبا حنيفة عن الصحابة فقال: (كلّهم عدول ما عدا رجالاً)، ثم عدّ منهم : أبا هريرة و...(١)

وذهب جماعة إلى تجويز المعصية على الصحابة، ولكنهم توقفوا في البحث عن عدالتهم وطلب التزكية لهم، ونسب هذا الرأي إلى ابن الأنباري وغيره، حيث قالوا:((وليس المراد بكونهم عدولاً: العصمة واستحالة المعصية عليهم، إنّما المراد أن لا نتكلّف البحث عن عدالتهم ولا طلب التزكية لهم))( ٢ ) .

وهذا الرأي غير تام، فلو جوزنا على الصحابة المعصية، فإنّ هذا يستلزم البحث عن عدالتهم وطلب التزكية لهم، لمعرفة العادل منهم والفاسق، وهذه المعرفة ضرورية لتحديد معالم الدين في التفسير وفي السُنّة، وتشخيص صحة الرواية بلحاظ رواتها، وهي ضرورية في كتابة التاريخ وأخذ العبر والتجارب منه، وقد ألفت الكتب في الجرح والتعديل في جميع مراحل المسيرة الإسلامية، وهو أمر مألوف إلى يومنا هذا،والاهم من كل ذلك ان القران الكريم ذم الكثير منهم

الرأي الثالث: عدالة جميع الصحابة قبل دخولهم في الفتنة

ذهب البعض إلى عدالة جميع الصحابة إلى حين وقوع الاختلاف والفتن فيما بينهم، فلا بدَّ من البحث في العدالة عن الصحابي إذا لم يكن ظاهر العدالة( ٣ ) .

وذهب المعتزلة إلى عدالة الجميع باستثناء من قاتل الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام فهو فاسق مردود الشهادة( ٤ ) .

ورأي المعتزلة غير مقبول عند الجمهور الذين يرون عدالة جميع الصحابة حتّى من قاتل الإمام عليّ عليه السلام ، قال ابن كثير:((وقول المعتزلة: الصحابة عدول إلاّ من قاتل علياً، قول باطل مرذول ومردود، وقد ثبت في صحيح البخاري

________________

(١) شرح نهج البلاغة ٤ : ٦٨

(٢) شرح الكوكب المنير ٢ : ٤٧٧ في الهامش هذا القول لابن الانباري وغيره

( ٣ ) الإحكام في أصول الأحكام ٢ : ٣٢٠

( ٤ ) المصدر السابق نفسه


عن رسول الله صلى الله عليه واله أنّه قال: عن ابن بنته الحسن بن علي... ‎ إنّ ابني هذا سيّد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الأمر... وسمي عام الجماعة... فسمى الجميع مسلمين...))(١) .

وهذا الوجه لا يصحُّ الاستدلال به على عدالة جميع الصحابة، وغاية ما يدل عليه أنّ رسول الله صلى الله عليه واله سمى الفئتين بالمسلمين، وإطلاق اسم المسلم على فرد أو جماعة لا يستفاد منه العدالة، فليس كل مسلم عادلاً، لأنّ التسمية تطلق على من شهد الشهادتين وإن كان فاسقاً أو كان منافقاً مستتراً، بل إنّ كلمة الإسلام تطلق حتى على مرتكب الكبائر ماعدا الشرك بالله تعالى

ومثل ذلك ما قاله محمد بن إسحاق، كما حكى عنه البيهقي:((وكل من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إمارته فهو باغ)).

وأضاف البهيقي:((على هذا عهدت مشايخنا وبه قال ابن إدريس الشافعي... ثم لم يخرج من خرج عليه ببغية عن الإسلام))( ٢ ) .

وغاية ما يستدل بهذا القول: إنّ الباغين على الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام لم يخرجوا عن الإسلام، وعدم الخروج عن الإسلام لا يستلزم العدالة فهم مسلمون لان الانتساب للاسلام يكفي فيه شهادة الشهادتين باللسان

الرأي الرابع: تأويل مواقف الصحابة

إنّ عدالة جميع الصحابة لم تثبت حسب موازين الجرح والتعديل، فقد ارتكب بعضهم أفعالاً ظاهرة الانحراف والفسق، ومن أجل الحفاظ على نظرية عدالة جميع الصحابة فردا فردا، ذهب جمهور من علماء العامّة إلى ضرورة تأويل وتبريرمواقفهم واختيار الاعذار لهم بما ينسجم مع القول بالعدالة

قال ابن حجر الهيتمي:((إعلم أنَّ الذي أجمع عليه أهل السُنّة والجماعة أنّه يجب على كلِّ مسلم تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم، والكفّ عن الطعن فيهم... والواجب أن يلتمس لهم أحسن التأويلات، وأصوب المخارج، إذ هم أهل لذلك))( ٣ )

________________

(١) الباعث الحثيث في شرح علوم الحديث : ١٧٧

(٢) الاعتقاد على مذهب السلف ، للبيهقي : ٢١٩.

( ٣ ) الصواعق المحرقة : ٣٢٥


ولهذا أوّلوا ما ارتكبه بعض الصحابة من معاصي وإن كانت من الكبائر، بأنّ ما ارتكبوه قد صدر منهم عن اجتهاد وتأويل، ومن ذلك بغي معاوية وعمرو بن العاص على الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وما رافق ذلك البغي من سفك الدماء وقتل خيرة الصحابة كعمّار وخزيمة بن ثابت وحجر بن عدي وآخرين

قال ابن حجر:((وفئة معاوية وإن كانت هي الباغية، لكنّه بغي لا فسق به، لأنّه صدر عن تأويل يعذر به أصحابه))(١) .

ولم يكتف القائلون بالتأويل بذلك، فترقّى بهم الحال ليدّعوا أنّ للبغاة أجراً على بغيهم:

قال ابن كثير:((... لأنّهم وإن كانوا بغاة في نفس الأمر، فإنّهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال، وليس كل مجتهد مصيباً، بل المصيب له أجران، والمخطيء له أجر))( ٢ ) .

وقال ابن حزم :((وعمّار (رضي الله عنه) قتله أبو العادية يسار بن سبع السلمي، وقد شهد بيعة الرضوان، فهو من شهداء الله له بأنّه علم ما في قلبه وأنزل السكينة عليه ورضي عنه، فأبو العادية... متأول مجتهد مخطيء فيه باغ عليه مأجوراً أجراً واحداً))( ٣ ) .

وذكر ابن حجر الرواية المشهورة عن رسول الله صلى الله عليه واله في قوله لعمّار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية وأردفها بالقول: ((إخبار من الصادق المصدّق(رضي الله عنه) أنّ معاوية باغ على عليّ، وأنّ عليّاً هو الخليفة الحق))

وقال:((وجوابه أنّ غاية ما يدل عليه هذا الحديث أنّ معاوية وأصحابه بغاة... ذلك لا نقص فيه، وأنّهم مع ذلك مأجورين غير مأزورين...))( ٤ )

وعلى الرغم من القول بالتأويل، إلاّ أنّهم خرموا القاعدة في رأيهم بقتلة عثمان بن عفّان، قال ابن حجر:((... إنَّ الذي ذهب إليه كثيرون من العلماء أنّ قتلة عثمان لم يكونوا بغاة، وإنّما كانوا ظلمة وعتاة لعدم الاعتداد بشبههم، ولأنّهم أصرّوا على الباطل بعد كشف الشبهة وإيضاح الحقّ لهم))( ٥ ) .

________________

(١) الصواعق المحرقة : ٣٢٨

(٢) السيرة النبوية ، لابن كثير ٢ : ٣٠٨

( ٣ ) الفصل في الأهواء والملل والنحل ٤ : ١٦١

( ٤ ) تطهير الجنان : ٤٢

( ٥ ) الصواعق المحرقة : ٣٢٦


والرأي في قتلة عثمان ينقض قاعدة التأويل، بل ينقض عدالة جميع الصحابة، لأنَّ بعض الصحابة قد فسقوا بقتلهم عثمان كما يدّعون، فما هو الملاك في التأويل؟! فإذا كان قتلة عثمان قد قتلوا شخصاً واحداً، فإنّ معاوية ومن معه قتلوا آلاف المسلمين وعشرات الصحابة، بل استمر معاوية على هذا النهج وقتل جماعة من أخيار الصحابة حينما تسلط على المسلمين بقوة السيف، فلماذا نبرّر لمعاوية بغيه على الخليفة الحق وسفكه الدماء، ولا نبرّر لبعض الصحابة مشاركتهم في قتل عثمان؟ فما هو المرجح في التبرير؟

ولماذا يبرّر لابن ملجم قتله الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام كما ورد عن البيهقي أنّه قال: ((ولا خلاف بين أحد من الاُمة أنّ ابن ملجم قتل علياً متأولاً مجتهداً مقدّراً على أنّه على صواب))(١)

فالحق أنّه لا ملاك في تأويل أخطاء الصحابة إلاّ ولاء المؤرخين وبعض العلماء إلى الوضع السياسي الغالب ـ لا سيّما أيام معاوية بن أبي سفيان ـ وإظهاره بأفضل صور العدالة

معاوية وأهل صفين بغاة عمدا

التبرير بالتأويل والاجتهاد لا اسس شرعية له وهو مخالف لثوابت الاسلام وللعقل السليم ، والاجتهاد الخاطئ قد يكون له تبرير في قضية فردية او عبادية ولكن لاتبرير له في الامور الاجتماعية التي يترتب عليها اثر من ظلم او عدوان او اكل مال بالباطل ،لان المجتهد مكلف بالاحتياط في اهم الامور:الارواح والاعراض والاموال،ومن خلال متابعة تاريخ الصحابة وسيرتهم نرى أن بعض الصحابة كمعاوية وعمرو بن العاص غير متأولين وغير مجتهدين في بغيهم على الإمام عليّ عليه السلام وسفكهم الدماء، وإنّما بغوا عليه متعمِّدين وفيما يلي نستعرض الظروف والوقائع التي تؤكد تعمدهم في البغي بلا تأويل ولا اجتهاد

أولاً : عدم نصرة عثمان في حياته :

إنَّ المطالبين بدم عثمان لم ينصروه في حياته وهم قادرون على ذلك، فقد أوصى معاوية قائد جيشه أن يرابط قرب المدينة في زمن حصار عثمان، وقال له: ((إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها، ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب).

________________

(١) السنن الكبرى ٨ : ٥٨


فأقام قائده بذي خشب حتى قُتل عثمان، وحينما سئل جويرية عن ذلك قال: (صنعه عمداً ليُقتل عثمان فيدعو إلى نفسه))(١) .

ولهذه الحقيقة أدلة وشواهد كثيرة ، فحينما طلب معاوية من عبدالله بن سعد بن أبي سرح البيعة أجاب: (ما كنتُ لاُبايع رجلاً أعرف أنّه يهوى قتل عثمان)( ٢ ) .

وقال عمرو بن العاص لمعاوية: ((إنَّ أحق الناس ألاّ يذكر عثمان لا أنا ولا أنت... أما أنت فخذلته ومعك أهل الشام، واستغاثك فأبطأت، وأما أنا فتركته عياناً))( ٣ ) .

وكان ابن العاص يحرّض على قتل عثمان حتى الراعي في غنمه، وحينما سمع بمقتله قال:((أنا أبو عبدالله، أنا قتلته وأنا بوادي السباع))( ٤ )

فالذي تباطأ عن نصرة عثمان والذي حرّض الناس على قتله هل كانا مجتهدين في المطالبة بدمه؟ إلاّ أن نقول إنّ التباطؤ والتحريض هو اجتهاد للوصول إلى الخلافة، واجتهد معاوية أيضاً حينما أصبح خليفة بترك ما يسميهم قتلة عثمان خوفاً على سلطانه( ٥ ) !!

فلا ميزان ولا مقياس للاجتهاد عند أصحاب هذا الرأي، وهذا التبرير مخالف للقواعد الثابتة للإسلام.

ثانياً : وجوب طاعة الامام علي عليه السلام على ضوء الفقه السني

إنَّ طاعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام واجبة على معاوية وجميع أهل الشام، وهذا متسالم عليه عند فقهاء السُنّة في وجوب طاعة الإمام المبايع من قبل أهل الحل والعقد( ٦ ) .

________________

( ١ ) تاريخ المدينة المنورة ٤ : ١٢٨٩

( ٢ ) تاريخ المدينة المنورة ٤ : ١١٥٣

( ٣ ) الإمامة والسياسة ١ : ٩٨

( ٤ ) الكامل في التاريخ ٣ : ٢٧٥

( ٥ ) أنساب الأشراف ١ : ١٢٥

( ٦ ) الأحكام السلطانية ، للما وردي : ٧ وأُصول الدين ، لعبد القاهر البغدادي : ٢٨٠


ومن الثوابت المتفق عليها بين المسلمين انّه لا اكراه في البيعة، وسيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله) والامام علي(عليه السلام) والامام الحسين(عليه السلام) خير دليل أو شاهد على هذه الحقيقة الثابتة، ومع عدم الاكراه يحق للامام ان يطالب بالبيعة فتصبح واجبة.

واختيارية البيعة لايعني اختيارية الطاعة، وبمعنى آخر ان طاعة الامام أو القائد أو الحاكم الاسلامي واجبة حتى على غير المبايعين، وهذا محل اتفاق المسلمين.

وقد دلت الروايات وآراء العلماء والفقهاء على ذلك، فبيعة أهل الحل والعقد كافية لاثبات امامة (( خلافة)) المبايع له على جميع الأفراد وان لم يبايعوا، وسواء كانوا في بيعتهم منشئين للولاية والامامة أم مؤكدين، فانّ الامامة ثابتة ولازمة، ويكون المبايع له إماماً على الجميع.

ومن هذه الروايات احتجاج الامام علي(عليه السلام) على معاوية، وهو(عليه السلام) وان كان معيناً بالنص إلاّ انّه وضع أساساً في التعامل مع بيعة أهل الحل والعقد، حيث نستفيد من كبرى المسألة، وما هو مركوز في اذهان المسلمين، وكان في احتجاجه يقول: ((... فلم يكن للشاهد ان يختار، ولا الغائب ان يردّ، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فان اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضًى، فان خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ماخرج منه))(١) .

وقال(عليه السلام): ((.. لأنّها بيعة واحدة لايثنى فيها النظر، ولا يستأنف فيها الخيار، الخارج منها طاعن، والمروّي فيها مداهن))( ٢ ) .

وامامة الامام علي(عليه السلام) ومايترتب عليها من وجوب الانقياد له وطاعته أمر مفروغ عنه في رأي الشيعة، فأمامته ثابتة سواء انعقدت له البيعة أم لم تنعقد، وسواء بايعه أهل الحل والعقد أم بايعته الامة باسرها.

واما على ضوء رأي غير الشيعة فان انعقاد البيعة له من قبل أهل الحل والعقد الموجودين في بلد الانعقاد يكفي لاثبات إمامته على جميع البلدان، ويكفي لوجوب طاعته.

وعلى ضوء ذلك قال الشربيني: (... ولا يشترط إتفاق أهل الحل والعقد من سائر الأقطار البعيدة)( ٣ ) .

ويرى الفرّاء انّه: (ليس لمن كان في بلد مزية على غيره من أهل البلاد يتقدم بها، وإنّما صار من يختص ببلد الامام متولياً لعقد الامامة لسبق علمه بموته، ولانّ من يصلح للخلافة في الغالب موجودون في بلده)( ٤ ) .

________________

( ١ ) نهج البلاغة: ٣٦٦.

( ٢ ) نهج البلاغة: ٣٦٧.

( ٣ ) مغني المحتاج ٤: ١٣٠.

( ٤ ) الاحكام السلطانية: ٢٠.


وقال النووي: (ولا يشترط اتفاق أهل الحل والعقد في سائر البلاد والاصقاع، بل إذا وصلهم خبر أهل البلاد البعيدة لزمهم الموافقة والمتابعة)(١) .

وقال القاضي عبد الجبار: (وإن أقام بعض أهل الحل والعقد إماماً سقط وجوب نصب الامام عن الباقين، وصار من أقاموه إماماً، ويلزمهم اظهار ذلك بالمكاتبة والمراسلة... فعدم مبايعة سائر أفراد الامة لا يؤثر في انعقاد الامامة لأنّ العقد تم بمجرد مبايعة أهل الحل والعقد...)( ٢ ) .

وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى امامة السابق بالبيعة من أيّ مذهب كان، فقال: (... فان قالوا: فما تقولون: إذا كانت الامة متفرقة على مذاهب مختلفة وآراء متضادة، والحق منها في واحد، وادعى كل واحد منهم أنّهم ولاة هذا الأمر دون غيرهم وتمانعوا فيه، ما الحكم فيهم؟ ومن أولى منهم بعقد هذا الأمر؟ قيل لهم: إن كان ما اختلف فيه من المسائل الشرعية التي الحق عندنا في جميعها، والاثم موضوع عن المخطىء فيها على قول غيرنا، فكلهم ولاة هذا الأمر، فايّهم سبق بالعقد لرجل تمت بيعته ولزمت طاعته وصار المخالف عليه باغياً)( ٣ ) .

ولا يتعين عدد في المبايعين أو ما يسمى بأهل الحل والعقد، وأنّ اغلب الاراء تنص على انّ الامامة تنعقد لمن يصلح لها بعقد رجل واحد من أهل الاجتهاد والورع( ٤ ) .

وعلى ضوء ما تقدم من آراء فانّ الامام علي (عليه السلام) سيكون الامام المتعين بالنص أو بالبيعة أو بكليهما على جميع التقادير، ولذا فطاعته واجبة على الجميع وان لم يبايعوا.

فطاعة الإمام عليّ عليه السلام واجبة ، والأمر في القضاء والقصاص من اختصاصه، ولا حق لأحد من الاُمّة التدخل في ذلك، لأنّ ذلك يؤدي إلى الاضطراب والتشتت وضعف النظام، فالأسلوب المنطقي والشرعي أن يدخل معاوية في الطاعة ثم يطالب

________________

( ١ ) روضة الطالبين ٧: ٢٦٤.

( ٢ ) المغني في أبواب التوحيد والعدل ٢٠: ٣٠٣.

( ٣ ) تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل: ٤٧٠.

( ٤ ) روضة الطالبين ٧ : ٢٦٣ ، مغني المحتاج ٤ : ١٣٠ ، اصول الدين: ٢٨٠ ، شرح المقاصد ٥: ٢٥٢.


بالقصاص ـ لو كان له حق المطالبة لقرابته من عثمان ـ وفي ذلك كتب الإمام عليّ عليه السلام إلى معاوية:((فأمّا طلبك قتلة عثمان، فادخل في الطاعة، وحاكم القوم إليَّ، أحملك وإياهم على كتاب الله وسُنّة رسوله))(١) .

والموقف الأصوب هو الانتظار لحين استتاب الأمر، وقد بين الإمام علي عليه السلام ذلك قائلاً:((انّ النّاس من هذا الأمر ـ إذا حُرّك ـ على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا ذاك، فاصبروا حتى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق مسمحة؛ فاهدووا عني، وانظروا ما يأتيكم من أمري، ولا تفعلوا فعلة تضعضع قوة، وتسقط منّة، وتورث وهناً وذلة، وسأمسك الأمر ما استمك، وإذا لم أجد بدأً فآخر الدواء الكيّ))( ٢ ) .

فالواجب على معاوية الطاعة أولاً ثم طلب المحاكمة وانتظار الحكم النهائي فهو الذي يحدّد استدامة البيعة للخليفة أو الخروج عليه، ولكنه التجأ إلى اُسلوب البغي والعدوان، وحينما أحسَّ بقرب انتصار الإمام عليّ عليه السلام رفع المصاحف والتجأ إلى الصلح وترك المطالبة بدم عثمان.

الامام علي عليه السلام امام الزمان

وردت روايات متواترة ومستفيضة حول وجوب معرفة امام الزمان،نكتفي بالروايات الواردة في كتب غير الشيعة.

ففي رواية عن رسول الله صلى الله عليه واله أنّه قال: ((من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية)).( ٣ )

وفي رواية اخرى: ((من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)).( ٤ )

ومعرفة الإمام مرحلة متأخره عن مرحلة تنصيبه.

وفي رواية: ((من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية)).( ٥ )

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ٩ : ٢٩٤

( ٢ ) نهج البلاغة : ٢٤٣ ، الخطبة: ١٦٨

( ٣ ) مسند أحمد بن حنبل ٥ / ٦١، طبعة قد يمة ٤ / ٩٦.

( ٤ ) شرح المقاصد ٥ / ٢٣٩.

( ٥ ) مسند أبي يعلى الموصلي ١٣ / ٣٦٦، مجمع الزوائد ٥ / ٢٢٥.


وفي رواية أخرى تتأكد هذه الحقيقة المتقدمة على بيعة القائد أو الإمام، قال صلى الله عليه واله((من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهلية)).(١)

فالامام على ضوء تلك الروايات يجب أن يكون منصباً حتى يعرف، وحتى يُبايَع ويُتَّبع، وما لم يكن منصّباً لا يصحّ التعبير في حقِّ من لا يعرفه ولا يشخِّصه بالقول (مات ميتة جاهلية)، فالتنصيب مفروغ عنه في مرحلة متقدمة، والامام علي عليه السلام كان منصبا اما بالنص على راي الشيعة او بالبيعة على راي السنة،فهل سأل معاوية عن امام زمانه او احتاط ان كان مجتهدا؟.

ثالثاً : إلقاء الحجّة

إنَّ اجتهاد معاوية باطل، لأنَّ الحجة ملقاة عليه، فقد وردت أحاديث متواترة مستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه واله تؤكد على فضائل الإمام عليّ عليه السلام وامامته ووجوب موالاته،وهي حجة على معاوية وان لم تدل على الامامة في نظره ومنها:

حديث الغدير، وخلاصته: عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا: ((أمر الله تعالى محمداً أن ينصب عليّاً للناس ليخبرهم بولايته، فتخوّف رسول الله أن يقولوا: حابى ابن عمِّه، وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله إليه: (يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغ ما أُنزِلَ إليكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغتَ رِسالَتَهُ واللهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ...)( ٢ ) فقام رسول الله بولايته يوم غدير خم))( ٣ ) .

وقد ذكر عدد كبير من المفسرين والمؤرخين أنها نزلت في عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، ولايمكننا هنا ذكر جميع المصادر فاكتفينا بعدد منها، وخصوصاً من المصادر السنيّة( ٤ ) لأنّ الشيعة مجمعون على أنها نزلت في عليّ بن أبي طالب.

وقد ذكرت هذه المصادر الطرق المختلفة للمفسرين، ومنهم: عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، والخدري، وعبد الله بن أبي أوفى وغيرهم. ولمزيد الاطّلاع على مصادر التفسير وطرقه يُراجع كتاب (الغدير) للأميني.

________________

( ١ ) السنن الكبرى ٨ / ١٥٦.

( ٢ ) سورة المائدة آية: ٦٧.

( ٣ ) شواهد التنزيل ١ / ١٩٢.

( ٤ ) أسباب نزول القرآن ٢٠٤، التفسير الكبير ٦ / ٥٣، تفسير غرائب القرآن ٢ / ٦١٦، الدر المنثور ٣ / ١١٧، عمدة القاري ١٨ / ٢٠٦، روح المعاني ٦ / ١٩٧.


روايات علي وعمار مع الحق

من اجل ان لايبقى شك في المعارك المستقبلية وجّه رسول الله صلى الله عليه واله العقول والانظار الى الجانب الحقّ المتمثل بالامام علي عليه السلام وعمار بن ياسر.

فقال: ((علي مع الحق والقرآن، والحق والقرآن مع عليّ، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض))(١) .

وقال صلى الله عليه واله((علي مع القرآن، والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض))( ٢ ) .

وقال رسول الله صلى الله عليه واله للإمام علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام:((أنا سلمٌ لمن سالمتم، وحربٌ لمن حاربتم))( ٣ ) .

وقوله للإمام عليّ عليه السلام :(( ‎ لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق)) وقد ورد بألفاظ متنوعة ترجع إلى معنى واحد( ٤ ) .

والبغي أشدُّ صور البغض ووردت روايات حول عمار بن ياسر انه مع الحق وقتله من قبل الفئة الباغية.

قال له رسول الله صلى الله عليه واله في بداية الهجرة: ((أبشر ياعمّار تقتلك الفئة الباغية))( ٥ ) .

وكان صلى الله عليه واله يكرر هذا القول في مناسبات ومشاهد عديدة وكان يقول في حقّه :

((إذا اختلف الناس كان ابن سمية معَ الحق))( ٦ ) .

________________

( ١ ) فرائد السمطين ١ / ١٧٧.

( ٢ ) الصواعق المحرقة ١٩١.

( ٣ ) سنن ابن ماجة ١ : ٥٢ وسير أعلام النبلاء ٢ : ١٢٢

( ٤ ) صحيح مسلم ١ : ٨٦ وسنن الترمذي٥ : ٦٣٥ وسنن ابن ماجة ١ : ٤٢ وتاريخ بغداد٢ : ٢٥٥

( ٥ ) أسد الغابة ٣ : ٦٣٠

( ٦ ) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٣٩١


وهذا القول اشارة واضحة لتمييز الحق عن الباطل في مرحلة مابعد رحيل رسول الله صلى الله عليه واله

وقال صلى الله عليه واله :((لا يُخيّر بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما))(١) .

وقال صلى الله عليه واله :(( عمار مُليء إيماناً إلى مشاشه ))( ٢ )

وكان صلى الله عليه واله يؤكد على فضائل عمّار وخصائصه ومن ذلكَ قوله صلى الله عليه واله:((أبو اليقظان على الفطرة ...))( ٣ )

وحينما أغلظ خالد بن الوليد القول لعمّار، وانطلق يشكوه إلى رسول الله صلى الله عليه واله قال صلى الله عليه واله :((من عادى عمّاراً عاداه الله ومن أبغض عمّاراً أبغضه الله))( ٤ ) .

وقال صلى الله عليه واله: ‎ ((انّ الجنّة تشتاق إلى ثلاثة : عليّ وعمّار وسلمان))( ٥ )

وشهد خزيمة بن ثابت صفين ولم يقاتل، وقال: لا اقاتل حتى يقتل عمار فانظر من يقتله، فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول:((تقتله الفئة الباغية)) فلما قتل عمار، قال خزيمة: ظهرت لي الضلالة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل( ٦ ) .

وكان حديث الفئة الباغية من الاحاديث المتواترة والمركوزة في اذهان الصحابة والتابعين، فقد سال جماعة حذيفة بن اليمان عن الفتنة، وقالوا له: إذا اختلف الناس فبمن تأمرنا؟ قال: عليكم بابن سميّة، فانه لن يفارق الحق حتى يموت( ٧ ) .

طعنه أبو الغادية فسقط ثم اكب عليه رجل فاحتز رأسه، ثم اختصما إلى معاوية ايهما قتله، فقال عمرو بن العاص: انكما لتختصمان في النار، فسمعها منه معاوية فلامه على تسميعه إياهما ذلك، فقال ابن العاص: والله انك لتعلم ذلك( ٨ ) .

وفي رواية قال عبد الله بن عمرو: يا أبه، سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول لعمّار:(( يا ابن سميّة، تقتلك الفئة الباغية)).

فقال عمرو لمعاوية: الا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية: انحن قتلناه؟ انما قتله الذين جاءوا به( ٩ ) .

ويتكرر تبرير معاوية في جميع الازمات، ولكن من المؤسف له ان البعض ينساق وراء هذه التبريرات.

________________

( ١ ) مسند أحمد ٧ : ١٦٣

( ٢ ) سير أعلام النبلاء ١ : ٤١٣

( ٣ ) مجمع الزوائد ٩ : ٩٢٥

( ٤ ) مسند أحمد ٥ : ٥٠

( ٥ ) البداية والنهاية ٧ : ٣١١


وقد أُلقيت الحجّة على معاوية وابن العاص، وهي واضحة لا لبس فيها ولا غموض، كما جاء في الرواية التالية:((وقد كان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله صلى الله عليه واله لعمّار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية... فكان ذو الكلاع يقول لعمرو: ما هذا ويحك يا عمرو؟ فيقول عمرو: إنّه سيرجع إلينا، فقُتل ذو الكلاع قبل عمّار مع معاوية، وأُصيب عمّار بعده مع الإمام عليّ عليه السلام ، فقال عمرو لمعاوية: ما أدري بقتل أيُّهما أنا أشد فرحاً... والله لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمّار لمال بعامة أهل الشام إلى عليّ))(١) .

وهذه الرواية تبيّن لنا أنّ الحقّ واضح حتى عند معاوية وابن العاص وانهما يعيان حديث الفئة الباغية، فلا مجال للاجتهاد بعد وضوح الحجّة

رابعاً: اعتراف عمروبن العاص ببطلان الموقف

اعترف عمرو بن العاص ببطلان موقفه من الإمام عليّ عليه السلام وانه لم يقاتله باجتهاد او تاويل او شبهة،وانما كان لطلب الدنيا والسلطة والمال من قبله وقبل معاوية، كما ظهر في كلامه مع معاوية حيثُ قال له:((أما والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة فانّ في النفس من ذلك ما فيها، حيثُ نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته، ولكن إنّما أردنا هذه الدنيا))( ٢ )

واستشار ابن العاص ولديه قبل التوجه لمعاوية، فأشار عليه عبد الله بعدم الالتحاق بمعاوية، وأشار عليه محمد بالالتحاق، فقال ابن العاص:((أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو لي في آخرتي وأسلم لي في ديني، وأما أنت يا محمّد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي، وشرٌّ لي في آخرتي))( ٣ ) .

________________

( ١ ) الكامل في التاريخ ٣ : ٣١١

( ٢ ) تاريخ الطبري ٤ : ٥٦١ والكامل في التاريخ ٣ : ٢٧٦

( ٣ ) الكامل في التاريخ ٣ : ٢٧٥ وبنحوه في الإمامة والسياسة ١ : ٩٦


وأشار عليه غلامه وردان بالقول:((اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك، فقلت مع علي الآخرة بلا دنيا، ومع معاوية الدنيا بغير آخرة... أرى أن تقيم في منزلك، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك))، فقال ابن العاص:((الآن حين شهرتني العرب بمسيري إلى معاوية؟))(١) .

وبعد صفين كتب معاوية إلى عمرو بن العاص كتاباً يطلب منه أن يعينه بخراج مصر.

فكتب إليه ابن العاص كتاباً، وفي ظهره أبيات شعر:

معاوي حظّي لا تغفل

وعن سنن الحقّ لا تعدل

أتنسى مخادعتي الأشعري

وما كان في دومة الجندل

ألين فيطمع في غرّتي

وسهمي قد خاض في المقتل

فالمظه عسلاً بارداً

وأخبأ من تحته حنظلي

وأعليته المنبر المشمخر

كرجع الحسام إلى المفصل

فأضحى لصاحبه خالعاً

كخلع النعال من الأرجل

وأثبتها فيك موروثة

ثبوت الخواتم في الأنمل

وهبت لغيري وزن الجبال

واعطيتني زنة الخردل

وانّ علياً غداً خصمنا

سيحتجُّ بالله والمرسل

وما دمُ عثمان بمنج لنا

فليس عن الحقِّ من مزحل( ٢ )

وهذه الحقائق كافية لنقض التأويل والاجتهاد، فقد ألقيت الحجة على من شق عصا المسلمين وسفك دمائهم، ومن أقواله:

أمّا عليّ فدين ليس يشركه

دنيا وذاك له دنيا وسلطان

________________

( ١ ) الإمامة والسياسة ١ : ٩٦

( ٢ ) شرح نهج البلاغة ١٠ : ٥٦


فاخترت من طمعي دنيا على بصر

وما معي بالذي اختار برهان(١) .

وجميع ماتقدم يدل دلالة واضحة على تعمد البغي مع سبق الاصرار ولم يكن عن اجتهاد وتاويل في امور ينبغي الاحتياط بها ومنها الدماء.

مواقف لاتقبل التأويل

لو فرضنا ان معاوية اجتهد فاخطأ في قتال علي عليه السلام لشبهة عدم تسليم قتلة عثمان او تحريضه على قتله ولكن هناك مواقف غير قابلة للاجتهاد والتاويل لانها واضحة البطلان ،واذا انسقنا وراء التاويل لبررنا كل الجرائم والانحرافات التي تحدث حيث لا يوجد مقياس أو ميزان أو معيار لتأويل المواقف والوقائع، وإذا فتحنا باب التأويل، فلا نقف عند حدّ، وبالتالي نتمكن من وضع التبريرات لجميع الموبقات والانحرافات التاريخية، سواء كان المتأولون صحابة أو تابعين أو فقهاء أو حكّام.

نعم، يمكن تأويل بعض المواقف النادرة الصادرة من أشخاص عرفوا بالتقوى والصلاح والخوف من الله والإخلاص لدينه، والاحتياط في الدين وفي الدماء والإعراض والأموال، وتقديم المصلحة الإسلامية على مصالحهم الشخصية، وليس من العقل والحصافة أن نؤوّل الأخطاء المتراكمة والانحرافات الصريحة المتكررة، لأنّ التأويل خلاف للحقيقة وللواقع، وخصوصاً في المجالات التي تتعلق بمستقبل الإسلام والمسلمين، والصادرة من أشخاص لم يحتاطوا في جميع مراحل حياتهم وفي جميع المواقف والوقائع في الجاهلية وفي الإسلام

فلم يحتط معاوية وهو يقاتل رسول الله صلى الله عليه واله في بدر وأحد والخندق وسائر الغزوات، فالذي يبحث عن الحقيقة يتأنى في قتال من يدعو إلى عقيدة وشريعة حتى يتضح له الأمر، ولم يدخل في الإسلام إلاّ بعد فتح مكة، وبقي من المؤلفة قلوبهم حتى رحيل رسول الله صلى الله عليه واله

ولم يحتط معاوية حينما سفك دماء الصحابة وهو يقاتل الخليفة الشرعي تحت ذريعة الطلب بدم عثمان، ولم يحتط في محاربة الإمام الحسن صلى الله عليه واله وانتزاع السلطة بقوة السلاح، ولم يحتط حينما أخذ البيعة ليزيد بقوة السلاح

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ٢ : ٦٤


وبيّن الإمام محمد الباقر عليه السلام موبقات وجرائم معاوية المتعمدة والتي لاتقبل التبرير او التاويل ،فقال:((لم نزل أهل البيت نستذل ونستظام، ونقصى ونمتهن، ونحرم ونقتل، ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمال السوء في كلّ بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنّا ما لم نقله وما لم نفعله، ليبغضونا إلى الناس، وكان عظم ذلكَ وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام ، فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهِبَ ماله، أو هدمت داره(١) .

وروَى أبو الحسن عليّ بن محمد بن أبي سيف المداينّي في كتاب ((الأحداث)) قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمّة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كلّ كُورة، وعلى كلِّ منبر، يلعنون علياً ويبرءون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشدَّ الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة مَنْ بها من شيعة عليّ عليه السلام ، فاستعمل عليهم زياد بن سمَيّة، وضمّ إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنه كان منهم أيام علي عليه السلام ، فقتلهم تحت كلّ حجَر ومَدَر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل وسَمَل العيون، وصَلَبهم على جُذوع النّخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم وكتب معاويةُ إلى عُمّاله في جميع الآفاق : ألا يجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شِيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم وقرّبُوهم وأكرمُوهم، واكتُبوا لي بكلّ ما يروى كلّ رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته.

ففعلوا ذلك، حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثُه إليهم معاوية من الصّلات والكِساء والحِباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالى، فكثر ذلكَ في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجىء أحد مردود من النّاس عاملاً من عمال معاوية، فيروى في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ كتب اسمه وقربه وشفّعه فلبثوا بذلكَ حيناً

ثم كتب إلى عمّاله أنّ الحديث في عثمان قد كَثُر وفَشَا في كل مصر وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعُوا الناس إلى الرواية في فضائل الصّحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبرا يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقِض له في الصحابة، فإن هذا أحبّ إليَّ وأقرُّ لعيني، وأدحضُ لحجة أبي تراب وشيعته، وأشدُّ اليهم من مناقب عثمان وفضله

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ١١ : ٤٣


فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلكَ على المنابر، وألقِيَ إلى معلّمي الكتاتيب، فعلّموا صبيانَهم وغلمانَهم من ذلك الكثير الواسع حتى رَووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم، وحشمهم، فلبثوا بذلكَ ما شاء الله

ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : انظروا مَنْ قامت عليه البيّنة أنه يحبّ علياً وأهل بيته، فامحُوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلكَ بنسخة أخرى: من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكِّلوا به، واهدِمُوا داره فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة، حتى إن الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يَثق به، فيدخل بيته، فيلقى إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتُمنّ عليه، فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلكَ الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظَم الناس في ذلكَ بلّية القراء المراءون، والمستضعفون، الذين يُظهرون الخشوع والنُّسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلكَ عندَ ولاتهم، ويقرّبوا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضيّاع والمنازل، حتى انتقلت تلكَ الإخبار والأحاديث إلى أيدي الدّيانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها، وهم يظنون أنها حقّ، ولو علموا أنها باطلة لما رووها، ولا تدينوا بها

فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السلام ، فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه، أو طريد في الأرض))(١)

وفي زمنه وضعت أحاديث تضع من كرامة رسول الله صلى الله عليه واله ومنها( ٢ ) :

أنتم أعلم بأمر دنياكم

إذا أمرتكم بشيء من رأيي فانّما أنا بشر

وهناك روايات تؤكد على عدم ايمان معاوية بالنبوة والرسالة وهي واضحة الدلالة ولاغموض فيها وواردة من جماعة ليسوا من الشيعة.

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ١١ : ٤٥، ٤٦

( ٢ ) مقدمة مرآة العقول ٢ : ١٤٣، ١٤٤


قال ابن أبي الحديد : وروى الزبير بن بكار في الموفقيات ـ وهو غير متهم على معاوية، ولا منسوب إلى اعتقاد الشيعة، لما هو معلوم من حاله من مجانبة عليّ عليه السلام ، والانحراف عنه ـ :

قال المطرف بن المغيرة بن شعبة: دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه، فيتحدث معه، ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة، فامسك عن العشاء، ورأيته مغتماً فانتظرته ساعة، وظننت أنه لأمر حدث فينا، فقلت : مالي أراك مغتماً منذ الليلة؟

فقال: يا بنيّ جئت من عند أكفر الناس، وأخبثهم، فقلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به، انك قد بلغت سنّا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم، فو الله ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإنّ ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه

فقال :((هيهات هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر، ثم ملك أخو عديّ، فاجتهد وشمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: عمر، وانّ ابن أبي كبشة ليصاح به كلّ يوم خمس مرات: أشهد أنّ محمداً رسول الله، فأيّ عمل يبقى، وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك! لا والله إلاّ دفناً دفناً))(١)

وكان معاوية يلبس الحرير، ويشرب في آنية الذهب، والفضة، حتى انكر عليه ذلكَ أبو الدرداء، فقال له : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: ‎ انّ الشارب فيهما ليجرجر في جوفه نار جهنّم، فقال معاوية : امّا أنا فلا أرى بذلكَ بأساً، فقال أبو الدرداء : مَنْ عذيري من معاوية! أنا أخبره عن الرسول صلى الله عليه واله ، وهو يخبرني عن رأيه! لا اساكنك بارض أبداً

نقل هذا الخبر المحدثون والفقهاء في كتبهم في باب الاحتجاج على أنّ خبر الواحد معمول به في الشرع( ٢ )

وروى ابن أبي الحديد جملة من ممارسات معاوية من حالة استئثاره بمال الفيء، وضربه من لا حدّ له، وإسقاط الحدّ عمّن يستحق اقامة الحدّ عليه، وحكمه برأيه في الرعية وفي دين الله، واستلحاقه زياداً، وهو يعلم قول رسول الله صلى الله عليه واله : ‎ الولد

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ٥ : ١٣٠

( ٢ ) شرح نهج البلاغة ٥ : ١٣٠


للفراش وللعاهر الحجر وقتله حجر بن عديّ وأصحابه ولم يجب عليهم القتل،.. ولعنه علياً وحسناً وحسيناً وعبد الله بن عباس على منابر المسلمين(١)

وكان معاوية يستعين بغلام نصراني على هجاء الأنصار خلافاً لتوصيات رسول الله صلى الله عليه واله بهم

وقرّر معاوية تصفية الموالي فقال لبعض أصحاب الرأي : انّي رأيت هذه الحمراء قد كثرت، واراها قد طعنت على السلف، وكأنّي انظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان، فقد رأيت أن اقتل شطراً وأدع شطراً لاقامة السوق وعمارة الطريق

فقال له الأحنف : أرى نفسي لا تطيب، أخي لأمي وخالي ومولاي وقد شاركناهم وشاركونا في النسب( ٢ )

عبّر عن علاقته بالأنصار قائلاً :((أمّا بعد فاني والله ما وليت أمركم حين ولّيته إلاّ وأنا أعلم أنّكم لا تسرّون بولايتي ولا تحبّونها، وانّي لعالم بما في نفوسكم، ولكنّي خالستكم بسيفي هذا مخالسة وإياكم والفتنة فلا تهمّوا بها، فانّها تفسد المعيشة وتكدر النعمة وتورث الاستئصال))( ٣ )

وكان معاوية يتوقع الأحداث المستقبلية ومنها حركة الإمام الحسين عليه السلام وحركة عبد الله بن الزبير، ولذا أوصى يزيد باستخدام الموقف المناسب من كل منهما.

ولما دنت منه الوفاة دعاه وقال له :((انّ لك من أهل المدينة يوماً، فاذا فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة، فانه رجل قد عرفنا نصيحته))( ٤ )

تولية يزيد من بعده

شجّع المغيرة بن شعبة معاوية على تولية يزيد العهد من بعده حينما علم أنّ معاوية سيعزله عن إمرة الكوفة ، وحينما رجع من معاوية قال : (... فوا لله لقد وضعت رجل معاوية في غرز لا يخرجها منه إلاّ سفك الدماء)( ٥ )

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ٥ : ١٣١

( ٢ ) العقد الفريد ٣ : ٣٦١

( ٣ ) مختصر تاريخ دمشق ٢٥ : ٤٥

( ٤ ) العقد الفريد ٥ : ١٣٦

( ٥ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٢٢٠


وفي رواية أنّه قال : (لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أُمّة محمّد ، وفتقت عليهم فتقاً لا يُرتق أبداً)(١)

وحينما أراد مروان أن يدعو إلى بيعة يزيد، قال له عبدا لرحمن بن أبي بكر: (كذبت والله يا مروان، وكذب معاوية! ما الخيار أردتما لاُمّة محمد...) فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه: (والذي قال لوالديه أُفٍّ لكما) فسمعت عائشة مقالته فقالت: (يا مروان... أنت القائل لعبدا لرحمن إنّه نزل فيه القرآن؟ كذبت! والله ما هو به.. ولكنّك أنت فضض من لعنة نبي الله)( ٢ ) .

ودخل معاوية على عائشة فأخبرها عن موقفه من الإمام الحسين وعبدا لرحمن بن أبي بكر وعبدا لله بن الزبير فقال : (لأقتلنّهم إن لم يبايعوا)( ٣ )

وفي رواية: إنّه جاء حاجاً في ألف فارس، ففرّق أموالاً عظيمة على أهل المدينة لأخذ البيعة منهم، ثم خرج إلى مكة وأمر بصاحب حرسه أن يقيم على رأس كل رجل من الأشراف رجلاً بالسيف، وقال: ان ذهب واحد منهم إلى أن يراجعني في كلامي فاضربوا عنقه، ثم خطب: إنّ هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم... قد بايعوا يزيد فبايعوه... فأمّا الأشراف فلم يمكنهم تكذيبه ومراجعته، وأما سائر الناس فلا جرأة لهم على الكلام، ولا علم لهم بشيء)( ٤ ) .

والقتل أو التهديد بالقتل من كبائر المحرّمات، وهي مخالفة لأبسط وأوضح الأحكام الشرعية في الاحتياط بالدماء، ولا مجوّز للدماء مهما كانت المبررات، فالبيعة اختيارية لمن كان عادلاً، فكيف والمبايع له هو يزيد، وكيف يهدّد معاوية أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله بالقتل من أجل بيعة إبنه.

فما هو الدافع لتبرير الأخطاء والانحرافات لمن لم يحتط بالدماء والإعراض والأموال، وينساق وراء رغباته وشهواته النفعية والذاتية. فقد عيّن ابنه يزيد من بعده دون أي تأويل سوى حبّه له والحرص على جعل الخلافة حكماً موروثاً

وكان معاوية على اطلاع كامل بسيرة يزيد حتى انه نصحه بالتستر على الموبقات لا التخلي عنها

________________

( ١ ) الكامل في التاريخ ٣ : ٥٠٤

( ٢ ) الكامل في التاريخ ٣ : ٥٠٦ ـ ٥٠٧

( ٣ ) الكامل في التاريخ ٣ : ٥٠٩

( ٤ ) البدء والتاريخ ٦ : ٧


يقول ابن كثير: كان يزيد صاحب شراب وكان فيه اقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات، فاحبّ معاوية أن يعظه في رفق، فقال: يا بني ما أقدرك على أن تصل حاجتك من غير تهتك يذهب بمروءتك وقدرك ويشمت بك عدوّك ويسيء بك صديقك، يا بنيّ اني منشدك أبياتاً، فتأدّب بها واحفظها :

انصب نهاراً في طلاب العلا

واصبر على هجر الحبيب القريب

حتى إذا الليل أتى بالدجا

واكتحلت بالغمض عين الرقيب

فباشر الليل بما تشتهي

فانّما الليل نهار الأريب

كم فاسق تحسبه ناسكاً

قد باشر الليل بأمر عجيب

غطّى عليه الليل أستاره

فبات في أمن وعيش خصيب

ولذّة الأحمق مكشوفة

يسعى بها كلّ عدوّ مريب(١)

اشتهر يزيد بولعه بالمعازف وشرب الخمر والغناء واتخاذ الغلمان والقيان والكلاب، والنطاح بين الكباش والدباب والقرود، وما من يوم إلا ويصبح فيه مخموراً، وكان يشدّ القرد على مسرجه ويسوق به ويلبسه قلانس الذهب( ٢ ) .

(كما كان فاسقاً قليل الدين مدمن الخمر... وله أشياء كثيرة غير ذلك غير أنني أضربت عنها لشهرة فسقه ومعرفة الناس بأحواله)( ٣ ) .

________________

( ١ ) البداية والنهاية ٨ : ٢٢٨

( ٢ ) البداية والنهاية ٨: ٢٣٥.

( ٣ ) النجوم الزاهرة ١: ١٦٣.


وانتقل الفسق والانحراف من يزيد الى كثير من ولاته، ولم ينحصر ذلك بين الحاكم وولاته بل عملوا على: (تشجيع حياة المجون في المدينة من جانب الأمويين الى حد الإباحية... لأجل أن يمسحوا عاصمتي الدين (مكة والمدينة) بمسحة لا تليق بهما ولا تجعلهما صالحين للزعامة الدينية)(١) .

وقام معاوية بتهيئة الأجواء لخلافة يزيد بالترغيب والترهيب حتى أوصاه قائلاً: اني قد كفيتك الرحلة والرجال، ووطأت لك الأشياء، وذللت لك الاعزاء، واخضعت لك أعناق العرب( ٢ ) .

وفي خصوص بيعة يزيد قال له زياد بن سميّة: فما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد وهو يلعب بالكلاب والقرود... ويدمن الشراب... وبحضرتهم الحسين بن علي و... ولكن تأمره، ويتخلّق بأخلاق هؤلاء حولاً وحولين، فعسينا أن نموّه على الناس.

فلما وصل الخبر إلى معاوية قال: ويلي على ابن عبيد! والله لأردّنه إلى أمه سميّة، وإلى أبيه عبيد( ٣ ) .

ومن وصايا معاوية ليزيد ـ حول أهل المدينة ـ : إن رابك منهم ريب أو انتقض عليك منهم أحد فعليك بأعور بني مرّة مسلم بن عقبة( ٤ )

وقد توقع خروج الإمام الحسين عليه السلام وعبدالله بن الزبير على حكم يزيد من بعده

ولا مبرر لمعاوية في تأمير يزيد على المسلمين، فليس ذلك من الاجتهاد الخاطئ، فإذا كان معاوية حريصاً على المصلحة الإسلامية فيمكن القول بالتأويل، ولكن أي مصلحة إسلامية في تأمير يزيد على المسلمين مع توقع تمرّد المسلمين عليه وهو ما حدث بالفعل، حيث افتتح يزيد حكمه بمقتل الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وسيق بنات رسول الله صلى الله عليه واله اسارى من بلد إلى بلد، اضافة إلى كفره الصريح بقوله :

________________

( ١ ) الإمام الحسن لعبدالله العلايلي: ٢٦.

( ٢ ) البداية والنهاية ٨ : ١١٥

( ٣ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٢٢٠

( ٤ ) الإمامة والسياسة ١ : ٢٠٩


لعبت هاشم بالملك فلا***خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل(١)

واقعة الحرة من نتائج تولية يزيد

ان جميع موبقات وجرائم يزيد يتحملها معه ابوه معاوية ومنها ماعمله باهل المدينة، من قتل وانتهاك للمقدسات والاعراض خلافا لقول رسول الله صلى الله عليه واله((من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين))( ٢ ) .

ولمّا مرّ رسول الله صلى الله عليه واله بالحرّة وقف فاسترجع وقال:((يُقتل في هذه الحرّة خيار أمتي))( ٣ ) .

وأوصى يزيد قائد الجيش مسلم بن عقبة: (أدع القوم ثلاثاً فان أجابوك وإلا فقاتلهم فإذا ظهرت عليهم فانهبها ثلاثاً).( ٤ ) .

ومن نتائج هذه الجريمة :

أولاً: عدد القتلى

استمر الجيش الشامي بإبادة أهل المدينة وإكثار القتل فيهم ثلاثة أيام، حتى بلغ العدد الذي أُحصي يومئذ (من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الناس ألفا وسبعمئة، وسائرهم من الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان).

(وقُتل من أصحاب النبي(ص) ثمانون رجلاً، ولم يبق بدريّ بعد ذلك)( ٥ ) .

وفي رواية الزهري: (سبعمائة من وجوه الناس، ومن لا يعرف من عبد وحر وامرأة عشرة آلاف)( ٦ ) .

________________

( ١ ) شذرات الذهب ١ : ٦٩

( ٢ ) تاريخ الاسلام: ٢٦،

( ٣ ) الإمامة والسياسة ١: ٢١٩.

( ٤ ) الكامل في التاريخ، تاريخ الطبري، الإمامة والسياسة، مروج الذهب.

( ٥ ) الإمامة والسياسة ١: ٢١٥ ـ ٢١٦.

( ٦ ) المنتظم ٦: ١٦.


وفي رواية ابن أعثم (٦٥٠٠) ورواية المسعودي (٤٢٠٠)( ١ ) .

والظاهرة البارزة في هوية القتلى تُظهر التركيز على أبناء الصحابة وبقية الصحابة من حملة القرآن ومن المشاركين في بدر، حتى كانت الحرّة نهاية للبدريين جميعاً وقتل فيها (سبعمائة من حملة القرآن)( ٢ ) .

ثانياً: الاعتداء على النساء والأطفال

لم يرع الجيش الشامي أية حرمة للنساء والأطفال، فاستثمروا أوامر الإباحة باندفاع منقطع النظير، وحولوها الى واقع ملموس، فبعد هزيمة أهالي المدينة (افتض فيها ألف عذراء) وانه (حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج)( ٣ ) .

ودخلت الجيوش الشامية أحد البيوت فلما لم يجدوا فيه إلا امرأة وطفلاً ليس لديها مال أخذوا طفلها وضربوا رأسه بالحائط فقتلوه( ٤ ) . وقام أحد جنود الشام بتكرار العملية حينما ضرب ابناً لابن أبي كبشة الأنصاري بالحائط فانتشر دماغه في الأرض( ٥ ) .

ثالثاً: النهب والسلب

أول دور انتهبت والحرب قائمة دور بني عبدالأشهل، فما تركوا في المنازل التي دخلوها شيئاً إلا نهبوه من أثاث وحلي وفرش حتى الحمام والدجاج كانوا يذبحونها، ودخلوا على أبي سعيد الخدري، فقال لهم أنا صاحب رسول الله(ص) فقال له جنود الشام: مازلنا نسمع عنك، ولكن أخرج الينا ما عندك، فلما لم يجدوا عنده شيئاً نتفوا لحيته وضربوه، وأرسلت سعدى بنت عوف المرّي الى مسلم بن عقبة المرّي تطلب منه عدم التعرض لأبلها باعتبارها ابنة عمٍّ له، قال: (لا تبدأوا إلا بها)، واستمر جيش الشام بالنهب والسلب ثلاثة أيام فما تركوا مالاً أو ممتلكات عينية إلا أخذوها( ٦ ) .

________________

( ١ ) شذرات الذهب ١ : ٦٩

( ٢ ) تاريخ الاسلام: ٢٦،

( ٣ ) الإمامة والسياسة ١: ٢١٩.

( ٤ ) الكامل في التاريخ، تاريخ الطبري، الإمامة والسياسة، مروج الذهب.

( ٥ ) الإمامة والسياسة ١: ٢١٥ ـ ٢١٦.

( ٦ ) المنتظم ٦: ١٦.


رابعاً: انتهاك المقدسات

لم يرع جيش الشام أي حرمة للمقدسات الإسلامية فكان همّه إرضاء يزيد بن معاوية بأي أسلوب كان، وكانت طاعته مقدمة على كل شيء، فكان الجيش يخاطب بقايا المهاجرين والأنصار (يا يهود)(١) .

وسمّى ابن عقبة المدينة (نتنة وقد سمّاها رسول الله(ص) طيبة)( ٢ ) .

وعطّلت الشعائر الإسلامية ثلاثة أيام، قال أبو سعيد الخدري: (فوالله ما سمعنا الأذان بالمدينة... ثلاثة أيام إلا من قبر النبي(ص)( ٣ ) .

وحينما وصلت الأخبار الى يزيد وفي رواية حينما ألقيت الرؤوس بين يديه جعل يتمثل بقول ابن الزبعري:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

حين حكت بقباء بركها

واستحر القتل في عبد الأشل( ٤ )

وسبق ليزيد أن تمثل بهذه الأبيات حينما وصل اليه رأس الحسين عليه السلام

وهكذا كانت الواقعة تعبيراً عن الحقد الذي يكنّه الأمويون للأنصار منذ واقعة بدر، والذي ظهر في توجيهات يزيد لابن عقبة قبل الواقعة: (فإذا قدمت المدينة فمن عاقك عن دخولها أونصب لك الحرب، فالسيف السيف، أجهز على جريحهم وأقبل على مدبرهم وإياك أن تبقي عليهم)( ٥ ) .

وقد نفّذ ابن عقبة تلك التوجيهات وشجّع على الإبادة الجماعية فكان مناديه ينادي: (من جاء برأس فله كذا وكذا ومن جاء بأسير فله كذا وكذا)، فلم يبق بدري إلا قتل( ٦ ) .

________________

( ١ ) الفتوح ٥: ١٨١، مروج الذهب ٣: ٧٠.

( ٢ ) تاريخ الإسلام للذهبي: ٣٠.

( ٣ ) تاريخ الخلفاء: ١٦٧، البداية والنهاية ٨: ٢٢١، تاريخ الإسلام: ٢٦.

( ٤ ) المحاسن والمساويء للبيهقي ١: ١٠٤.

( ٥ ) الإمامة والسياسة ١: ٢١٥.

( ٦ ) المصدر السابق ١ ـ ٢١٣، المنتظم ٦: ١٥.


فأيُّ اجتهاد هذا؟ فالاجتهاد هو الاحتياط في الحكم الشرعي وخصوصاً فيما يتعلق بالدماء، فكيف تسنى لمعاوية تأمير يزيد على المسلمين وهو يعلم بسوء سيرته، والأنكى من ذلك يوصيه بتأمير ابن عقبة على الجيش للقضاء على أهل المدينة بعد وفاته

واستخلاف يزيد مخالف لنظرية الاستخلاف عندأغلب فقهاء السنة الذين اشترطوا العدالة في الخليفة المعهود له.

قال الماوردي: وأمّا انعقاد الإمامة بعهد من قبله، فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بها، ولم يتناكروهما، أحدهما: أن أبا بكر عهد بها إلى عمر، فأثبت المسلمون إمامته بعهده، والثاني: أنّ عمر عهد بها إلى أهل الشورى، فقبلت الجماعة دخولهم فيها، وهم أعيان العصر اعتقاداً لصحة العهد بهما))( ٢ ) .

وهذه النظرية محل اتّفاق بين فقهاء السنّة كما هو ظاهر من آرائهم الفقهية والكلاميّة( ٣ ) .

ولكنهم اشترطوا في المعهود له أن يكون جامعاً لشرائط الخلافة، فلا عبرة باستخلاف الجاهل أو الفاسق( ٤ ) .

وجميع من اشترط الفقاهة والعدالة والكفاءة في الامام او الخليفة اشترطها أيضاً في العهد والاستخلاف.

ورأي الفرّاء ظاهر في ذلك، فهو يقول: ((ويجوز للإمام أن يعهد إلى إمام بعده، ولا يحتاج في ذلك إلى شهادة أهل الحل والعقد ويجوز أن يعهد إلى من ينتسب إليه بأبوّة أو بنوّة إذا كان المعهود له على صفات الأئمة، لأن الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد، وإنّما تنعقد بعهد المسلمين إنّ إمامة المعهود إليه تنعقد بعد موته باختيار أهل الوقت))( ٥ ) .

________________

( ١ ) معالم الفتن ٢: ٣١٧، عن كتاب المحن ١: ١٥١ ـ ١٥٨.

( ٢ ) الأحكام السلطانية للماوردي ١٠.

( ٣ ) الأحكام السلطانية للفرّاء ٢٥، الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤ / ١٦٩، روضة الطالبين ٧ / ٢٦٤، مغني المحتاج ٤ / ١٣١.

( ٤ ) شرح المقاصد ٥ / ٢٣٣، مآثر الاناقة ١ / ٤٨، مغني المحتاج ٤ / ١٣١.

( ٥ ) الأحكام السلطانية للفرّاء ٢٥، ٢٦.


وذهب محمد رشيد رضا إلى صحتّه مشروطاً بان يكون جامعا لشرائط الخليفة وبإقرار أهل الحل والعقد، فقال: ((إن للإمام أن يستخلف غيره بشرط أن يكون الإمام جامعاً لشروط الإمامة، ولكن الاستخلاف يكون متوقفاً على إقرار أهل الحل والعقد له))( ١ ) .

وشرائط الخلافة عند اغلبهم وخصوصا المتاخرين هي الفقاهة والعدالة كما ورد

فقد حدد الماوردي الشافعي سبعة شروط ينبغي اتصاف الامام او الحاكم الاعلى بها وهي :(العدالة والعلم المؤدي الى الاجتهاد في النوازل والراي المفضي الى سياسة الرعية وتدبير المصالح)( ٢ ) .

وقال النووي:(كونه عدلا عالما مجتهدا شجاعا ذا راي وكفاية)( ٣ ) .

وقال التفتازاني:(وقد ذكر في كتبنا الفقهية انه لابد من امام يحيى الدين ويقيم السنة ويشترط ان يكون مسلما عدلا مجتهدا شجاعا ذا راي وكفاية )( ٤ ) .

وقال القلقشندي في تحديد شروط الامام :(العاشر العدالة، فلا تنعقد إمامة الفاسق... لأن المراد من الإمام مراعاة النظر للمسلمين والفاسق لم ينظر لنفسه في أمر دينه فكيف ينظر في مصلحة غيره.

الحادي عشر: الشجاعة والنجدة فلا تنعقد امام الجبان

(الثاني عشر : العلم المؤدي الى الاجتهاد في النوازل والاحكام فلا تنعقد امام غير العالم بذلك.

الثالث عشر: صحة الراي والتدين فلا تنعقد امامة ضعيف الراي)( ٥ ) .

ويزيد لم يكن متصفا بصفات الخليفة من جهة ومن جهة اخرى ان معاوية فرض بيعته على المسلمين وفرض يزيد بيعته ايضا على كبار الصحابة وفرضها على الامام الحسين عليه السلام مما ادى الى قتله واهل بيته واصحابه.

________________

( ١ ) الإسلام وأوضاعنا السياسية ١٨٥، عن: الخلافة ٣٣.

( ٢ ) الاحكام السلطانية :٦ ، علي بن محمد الماوردي ، مكتب الاعلام الاسلامي، طهران، ١٤٠٦ هـ

( ٣ ) روضة الطالبين ٧: ٢٦٢، ابو زكريا النووي، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ.

( ٤ ) شرح المقاصد ٥: ٢٣١، سعد الدين التفتازاني، دار الفكر، القاهرة ، ١٣٩٨ هـ

( ٥ ) ماثر الاناقة في معالم الخلافة ١: ٢٦: ٢٧، القلقشندي ، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٢ هـ


ادّعاء زياد

خالف معاوية سُنّة رسول الله صلى الله عليه واله الصريحة غير القابلة للاجتهاد والتأويل باستلحاقه لزياد بأبي سفيان على الرغم من اعتراض أغلب الصحابة والتابعين على هذا الاستلحاق

قال الحسن البصري:((ثلاث كنّ في معاوية لو لم تكن فيه إلاّ واحدة منهنّ لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الاُمّة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها، واستلحاقه زياداً مراغمة لقول رسول الله صلى الله عليه واله : ‎ الولد للفراش وللعاهر الحجر وقتله حجر بن عدي، فياويله من حجر وأصحاب حجر !))(١) .

فقد استلحق زياداً خلافاً للسُنّة وللأعراف الإسلامية وللقيم الاجتماعية، حتى إنّه غضب على جماعة لأنّهم حاولوا تنزيه أبي سفيان من فعل المنكر، كما انشد عبدالرحمن بن الحكم هذه الأبيات ـ موضحاً غضب معاوية ـ :

ألا أبلغ معاوية بن حرب***لقد ضاقت بما يأتي اليدانِ

أتغضب أن يقال أبوك عفٌّ***وترضى ان يقال أبوك زانِ( ٢ )

فقد استلحقه بنسبه للاستعانة به لقتل معارضيه ومعارضي مبدأ الحكم الوراثي، فكان يقتل على الظن والتهمة، وقتل جماعة من أخيار الصحابة، وكان يقتل كل من لم يلعن أمير المؤمنين عليه السلام بأوامر صادرة من معاوية.

مواقف غير قابلة للتأويل والتبرير

لو تنزلنا وقلنا ان هناك اجتهاد خاطئ وأولنا بعض المواقف والممارسات ولكن هنالك مواقف وممارسات لاتقبل التأويل فهي صريحة وواضحة تدل على عدم العدالة.

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ١٦ : ١٩٣

( ٢ ) شرح نهج البلاغة ١٦ : ١٩٠


عند قرب وفاة أبي بكر دخل عليه عبدالرحمن بن عوف، فقال له أبو بكر:((إنّي وليت أمركم خيرّكم في نفسي، فكلكم ورم أنفه من ذلك، يريد أن يكون الأمر له دونه، ورأيتم الدنيا قد أقبلت.. وأنتم أول ضالّ بالناس غداً، فتصدوهم عن الطريق يميناً وشمالاً...))(١)

وقال أبو بكر أيضاً :((فأمّا الثلاث اللاتي وددت أنّي تركتهنَّ ، فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء ، وإن كانوا قد غلّقوه على الحرب.. وأمّا اللاتي تركتهنَّ ، فوددت أني يوم أتيتُ بالأشعث بن قيس أسيراً كنت ضربت عنقه، فإنّه تخيَّل إليَّ أنه لا يرى شرّاً إلاّ أعان عليه...))( ٢ )

وأوصى أبو بكر بالأمر إلى عمر بن الخطّاب بالرغم من اعتراض أعلام الصحابة.

وبعد تعيين عمر للستة من أهل الشورى أخبرهم عن أنفسهم فقال :((أما أنت يا زبير فوعق لقس( ٣ ) ، مؤمن الرضا، كافر الغضب، يوماً إنسان، ويوماً شيطان.. من يكون للناس يوم تكون شيطاناً ؟ ومن يكون يوم تغضب ؟) ثم أقبل على طلحة ـ وكان له مبغضاً ـ فقال له: أقول أم أسكت؟ قال : (قل، فإنَّك لا تقول من الخير شيئاً) فقال عمر: (أما إنَّي أعرفك منذ أصيبت أصبعك يوم أحد والبأو ـ أي الكبر ـ الذي حدث لك ، ولقد مات رسول الله صلى الله عليه واله ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم أُنزلت آية الحجاب))( ٤ )

وأوصى عمر صهيب الرومي بقتل كل من يصرّ على مخالفة الاجماع في الشورى المتكونة من الستة، وقال له:((.. فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشدخ رأسه ـ أو اضرب رأسه بالسيف ـ وإن اتفق أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبى اثنان، فاضرب

________________

( ١ ) تاريخ الطبري ٣ : ٤٣٠ وبنحوها في تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٣٧

( ٢ ) تاريخ الطبري ٣ : ٤٣٠ ـ ٤٣١ وتاريخ اليعقوبي ٢ : ١٣٧ والعقد الفريد ٥ : ٢١

( ٣ ) الوعق : الضجر المتبرم ، واللقس : من لا يستقيم على وجه

( ٤ ) شرح نهج البلاغة ١ : ١٨٥ ـ ١٨٦


رؤوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم وثلاثة رجلاً منهم.. فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس))(١)

وفي اجتماع الشورى قال عليّ بن أبي طالب لعبدالرحمن بن عوف:((أعطني موثقاً لتؤثرن الحقّ ولا تتبع الهوى، ولا تخصّ ذا رحم..))، لكن عبدالرحمن مال إلى عثمان، ففي أمر الشورى يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الشقشقية:(( ‎ فصبرتُ على طول المدة، وشدّة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيالله وللشورى متى اعترض الريبُ فيَّ مع الأول منهم، حتى صرتُ أُقرن إلى هذه النظائر! لكنّي أسففتُ إذ أسفّوا، وطِرتُ إذ طاروا، فصغا رجلٌ منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هن وهن...))( ٢ ) .

فالذي صغا لضغنه هو طلحة ، إذ وهب حقّه لعثمان لانحرافه عن أمير المؤمنين عليه السلام ، والذي مال لصهره هو عبدالرحمن، مال إلى عثمان ، لأن زوجة عبدالرحمن ـ وهي أم كلثوم بنت عقبة ـ كانت أُخت عثمان من أُمّه

واشترط عبد الرحمن على الإمام عليّ عليه السلام إن رشّحه للخلافة أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر، فلم يوافق الإمام عليّ عليه السلام على الشرط الأخير، ووافق عثمان على ذلك فرشحه عبدالرحمن للخلافة فقال الإمام علي عليه السلام: ‎ ((ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا))( ٣ ) .

وبعد تمام البيعة قال المغيرة بن شعبة لعبدالرحمن:((يا أبا محمد، قد أصبت إذ بايعت عثمان!) وقال لعثمان: (لو بايع عبدالرحمن غيرك ما رضينا)، فقال عبدالرحمن: (كذبت يا أعور، لو بايعتُ غيره لبايعته، ولقلت هذه المقالة))( ٤ )

________________

( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٢٢٩

( ٢ ) نهج البلاغة : الخطبة ٣

( ٣ ) الكامل في التاريخ ٣ : ٧١ وشرح نهج البلاغة ٩ : ٥٣

( ٤ ) تاريخ الطبري ٤ : ٢٣٤ وبنحوه في : شرح نهج البلاغة ٩ : ٥٣


ودخل أبو سفيان على عثمان وقال: ((يا بني أُمية ، تلقّفوها تلقّف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا قيامة))(١)

وكان الوليد بن عقبة من ولاة عثمان وقد اشتهر بالفسق وشربه للخمر فقد شرب الخمر وهو على رأس جيش متوجه إلى الروم، فأراد بعض المسلمين إقامة الحدّ عليه ، فقال حذيفة : (أتحدّون أميركم وقد دنوتم من عدوّكم...)( ٢ )

وقال ابن حجر العسقلاني عنه (وقصة صلاته بالناس الصبح أربعاً وهو سكران مشهورة ومخرجة ، وقصة عزله بعد أن ثبت عليه شرب الخمر مشهورة أيضاً مخرجة في الصحيحين)( ٣ )

فحينما أكثر المسلمون في الوليد عزله عثمان وجلده الحدّ( ٤ )

وطعن جماعة من الصحابة على عثمان ، لأنّه آثر أقاربه الأموال والهدايا، فكان أبو ذر الغفاري يقول : (والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا سُنّة نبيّه، والله إني لأرى حقاً يُطفأ وباطلاً يحيا، وصادقاً مكذّباً، وأثرة بغير تقى، وصالحاً مستأثراً عليه)( ٥ )

وقال عثمان ذات مرّة لأبي ذر : (لا أنعم الله بك عيناً يا جنيدب... أنت الذي تزعم أنّا نقول : إنّ يد الله مغلولة...) فقال أبو ذر : (لو كنتم لا تزعمون لأنفقتم مال الله على عباده ، ولكني أشهدُ لسمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً جعلوا مال الله دولاً، وعباد الله خولاً، ودين الله دخلاً فقال عثمان: (ويلك يا أبا ذر! أتكذب على رسول الله) فقال

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ٩ : ٥٣ ـ ٥٤ وأنساب الأشراف ١ : ١٢ ـ ١٣

( ٢ ) مختصر تاريخ دمشق ٢٦ : ٣٤١

( ٣ ) الإصابة ٦ : ٣٢٢

( ٤ ) تاريخ الطبري ٤ : ٢٧٧ ومختصر تاريخ دمشق ٢٦ : ٣٣٦ وبنحوه في : شرح نهج البلاغة ٨ : ١٢٠

( ٥ ) شرح نهج البلاغة ٣ : ٥٥


أبو ذر: (أحدثكم أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه واله ثم تتهمونني ! ما كنت أظنَّ أني أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد صلى الله عليه واله )(١)

هذا وقد قال الصادق الأمين صلى الله عليه واله في حقّ أبي ذر : ‎ ما أظلت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر والأدهى من ذلك هو طرد أبي ذرّ من مدينة رسول الله صلى الله عليه واله على يد طريد رسول الله صلى الله عليه واله وابن طريده مروان بن الحكم( ٢ )

واشتد الطعن على عثمان، ففي ذات مرّة صلّى عثمان بالناس، فلما كبَّر قالت عائشة: (يا أيُّها الناس... تركتم أمر الله وخالفتم عهده)، ثم صمتت وتكلمت حفصة بمثل ذلك، فلما أتم عثمان الصلاة أقبل على الناس، وقال: (إنَّ هاتين لفتّانتان، يحلّ لي سبُّهما، وأنا بأصلهما عالم)( ٣ )

وتجاوز الطعن إلى التصريح بكفر عثمان من قبل إحدى نساء النبي صلى الله عليه واله وهي عائشة حيثُ كانت تفتي بقتله وتقول:((اقتلوا نعثلاً فقد كفر))( ٤ ) .

وكثر الطعن عليه (ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد)( ٥ ) ، وكان طلحة بن عبيدالله من ضمن الطاعنين على عثمان حتى اجتمع عليه بعض الطاعنين، فأمسك بمفاتيح بيت المال والناس حوله، فلما سمع الإمام عليّ عليه السلام بالخبر قام بكسر باب بيت المال وتوزيع

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ٣ : ٥٥ ـ ٥٦

( ٢ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٧١ ـ ١٧٣ وتاريخ المدينة ٣ : ١٠٣٤ والرياض النضرة ٣ : ٨٣

( ٣ ) شرح نهج البلاغة ٩ : ٥

( ٤ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٥٩ والكامل في التاريخ ٣ : ٢٠٦

( ٥ ) تاريخ الطبري ٤ : ٣٣٦


مافيه، فتفرق الجمع عن طلحة وانصرفوا عنه، وسمع عثمان بذلك فأبدى رضاه وسروره، وجاء طلحة ودخل على عثمان، فقال عثمان: (والله ما جئت تائباً، ولكن جئتَ مغلوباً، الله حسيبك يا طلحة)(١) .

وكتب جمع من أهل المدينة من (الصحابة وغيرهم إلى من بالآفاق منهم: إن أردتم الجهاد فهلمّوا إليه، فإنّ دين محمد صلى الله عليه واله قد أفسده خليفتكم فأقيموه)( ٢ )

وحينما اشتدت الأزمة بين عثمان والطاعنين عليه دخل عليه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وقال له:(( ‎ أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلاّ بتحرّفك عن دينك وعن عقلك مثل الظعينة يقاد حيثُ يُسار به، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه! وأيم الله إنّي لأراه يوردك ولا يصدرك...))( ٣ ) .

وتدخّل الإمام عليّ عليه السلام لتهدئة الأزمة وقال لطلحة: ‎ أنشدك الله إلاّ رددت الناس عن عثمان!، فرفض طلحة نصيحة الإمام عليّ؛ وقال: (لا والله حتى تعطيني بنو أُمية الحقّ من أنفسها)( ٤ )

وكلّم الإمام عليّ عليه السلام القادمين من الأمصار ووعدهم بإصلاح الأوضاع من قبل عثمان، فخرجوا من المدينة، وفي طريقهم إلى مصر أمسكوا بغلام عثمان وعنده كتاب مختوم بختم عثمان يأمر فيه والي مصر بقتلهم، فجاءوا بالكتاب إلى عثمان فأنكر كتابته له، وقيل: إنَّ مروان قد كتبه باسم عثمان، فقالوا له: (ما أنت إلاّ صادق أو كاذب، فإن كنت كاذباً فقد استحققت الخلع لما أمرت به من قتلنا بغير حق، وإن كنت صادقاً فقد استحققت أن تخلع نفسك لضعفك عن هذا الأمر وغفلتك وخبث بطانتك.. فاخلع نفسك منه كما خلعك الله) فقال: (لا أنزع قميصاً ألبسنيه الله، ولكني أتوب وأنزع)، فقالوا: (لو كان هذا أوّل ذنب تبت منه قبلنا، ولكنّا رأيناك تتوب ثم تعود، ولسنا منصرفين حتى نخلعك أو نقتلك أو تلحق أرواحنا بالله تعالى)( ٥ ) .

________________

( ١ ) الكامل في التاريخ ٣ : ١٦٧

( ٢ ) الكامل في التاريخ ٣ : ١٦٨

( ٣ ) تاريخ الطبري ٤ : ٣٦٢ والكامل في التاريخ ٣ : ١٦٥ ـ ١٦٦

( ٤ ) الكامل في التاريخ ٣ : ١٨٣

( ٥ ) المصدر السابق ٣ : ١٩٦


فحوصر عثمان من قبل المسلمين أربعين يوماً ثم قتلوه، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله منهم من حرَّض على المعارضة له ، وعلى رأسهم عائشة وحفصة وعمّار بن ياسر وعبدالله بن مسعود وطلحة والزبير وعمرو بن العاص. ومنهم من حاصره ولم يقدم على قتله. ومنهم من اشترك في قتله أيضاً كعبدالرحمن بن عديس، وكان أمير القادمين لقتله، وهو ممّن بايع رسول الله صلى الله عليه واله تحت الشجرة(١) ومنهم من كان هواه في قتل عثمان، كمعاوية بن أبي سفيان( ٢ ) ليتخذ قتله ذريعة للوصول إلى الخلافة، حيثُ تربّص به وأقرّ الجيش الذي بعثه لنصرته( ٣ )

وكان ابن عباس يرى أن مروان هو المسؤول عن قتل عثمان ، فكان يخاطبه بالقول : ( يا عدوّ الله وطريد رسول الله والمباح دمه، والداخل بين عثمان ورعيته بما حملهم على قطع أوداجه ..)( ٤ )

هذا، وقد اتُخذ دمه ذريعة للتمرد على خلافة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام سواء من قبل المحرضين على عثمان أو من المتربصين بقتله، في ظرف مضطرب لا استقرار فيه، وبدلاً من انتظار استقامة الظروف وهدوء الأوضاع الصاخبة، خرج بعض الصحابة، وأحدثوا فتنة بين المسلمين متمردين فيها على الخلافة الشرعية

كتمان حديث الغدير

حديث الغدير من الأحاديث المتواترة، وقد ورد في أغلب كتب المؤلفين حتى اعترف بذلك ابن حجر الهيتمي بالقول: (إنّه حديث صحيح لا مرية فيه وقد أخرجه جماعة كالترمذي ، والنسائي، وأحمد، وطرقه كثيرة جداً، ومن ثم رواه ستة عشر صحابياً وفي رواية لأحمد... ثلاثون صحابياً وشهدوا به لعليّ لما نوزع أيام خلافته)( ٥ )

________________

( ١ ) الكامل في التأريخ ٣ : ٢٨٧ وتاريخ المدينة المنورة ٤ : ١١٥٥

( ٢ ) تاريخ المدينة المنورة ٤ : ١١٥٣

( ٣ ) الكامل في التاريخ ٣ : ١٧٠

( ٤ ) شرح نهج البلاغة ٦ :٢٩٩.

( ٥ ) الصواعق المحرقة : ٦٤


وقال ابن حجر العسقلاني: (وأما حديث من كنت مولاه فعليّ مولاه، فقد أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق جداً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان)(١)

فحديث الغدير متواتر عند الرواة الأوائل وعند الصحابة غاية الأمر انهم اختلفوا في دلالته ، هل يدل على الحب والنصرة أمّ على الولاية العامة والامامة والخلافة

وفي عهد خلافة الإمام علي عليه السلام قال ـ وهو في الرحبة ـ : انشد الله رجلاً سمع رسول الله صلى الله عليه واله وشهده يوم غدير خم إلاّ قام ولا يقوم إلاّ من رآه، فقام اثنا عشر رجلاً، فقالوا: قد رأيناه وسمعناه ـ حيث أخذه بيده ـ يقول: (اللهمَّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) إلاّ ثلاثة لم يقوموا، فدعا عليهم فأصابتهم دعوته( ٢ )

وفي رواية: وكان تحت المنبر أنس بن مالك والبراء بن عازب وجرير بن عبدالله، فاعادها فلم يجبه أحد، فقال: اللهمَّ من كتم الشهادة وهو يعرفها فلا تخرجه من الدنيا حتى تجعل به آية يعرف بها

فبرص أنس ، وعمي البراء ، ورجع جرير اعرابياً( ٣ )

في مجلس معاوية بن أبي سفيان

اعترض الإمام الحسن عليه السلام على معاوية قائلاً:((إنَّ الخلافة لمن سار بسيرة رسول الله... وليس الخلافة لمن عمل بالجور وعطّل الحدود))( ٤ )

________________

( ١ ) فتح الباري بشرح البخاري ٧ : ٦١

( ٢ ) مسند أحمد ١ : ١٩٢

( ٣ ) أنساب الأشراف ٢ : ١٥٧

( ٤ ) ربيع الأبرار ٢ : ٨٣٧


وفي مجلس معاوية والحسن حاضر شتم جماعة ـ وهم من الصحابة!! ـ الإمام عليّاً عليه السلام وذكروه بسوء، فأجاب الإمام الحسن عليه السلام معاوية بالقول:((أما بعد يا معاوية، فما هؤلاء شتموني ولكنّك شتمتني، فحشاً ألفته، وسوء رأي عرضت به، وخُلقاً سيئاً ثبتَّ عليه، وبغياً علينا، عداوة منك لمحمد وأهله...))(١) .وأغلظ القول لعمرو بن العاص وقال له :(( ‎ فأنت عدوّ بني هاشم في الجاهلية والإسلام... وأما ما ذكرت من أمر عثمان ، فأنت سعَّرت عليه الدّنيا ناراً... ثم حبست نفسك إلى معاوية ، وبعت دينك بدنياه...)).

وقال الإمام الحسن عليه السلام للوليد بن عقبة:((... فوالله ما ألومك على بغض عليٍّ، وقد جلدك ثمانين في الخمر... وأنت الذي سمّاه الله الفاسق، وسمّى عليّاً المؤمن))( ٢ )

وقال عليه السلام للمغيرة بن شعبة : ‎ (( وإنَّ حدَّ الله في الزنا لثابت عليك))( ٣ )

وقال الإمام الحسن عليه السلام لمروان:((لقد لعن الله أباك الحكم وأنت في صلبه على لسان نبيّه، فقال: لعن الله الحكم وما ولد))( ٤ )

اعتراض الإمام الحسين بن عليعليه السلام على معاوية

ارتكب معاوية أعمالاً مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه واله ، ووجد في ذلك اعتراضاً من قبل الصحابة، ومن أعماله إدّعاؤه زياد بن سمية واستلحاقه بأبي سفيان خلافاً لسُنّة رسول الله صلى الله عليه واله( ٥ )

واعترض الإمام الحسين بن علي عليه السلام على مجمل أعماله، فقد جاء في كتابه عليه السلام إلى معاوية بعد أن وصفه وأصحابه بالقاسطين الملحدين حزب الظالمين وأولياء الشياطين:((ألست قاتل حجر بن عدي وأصحابه المصلّين العابدين، الذين ينكرون الظلم ويستعظمون البدع... أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه واله الذي أبلته العبادة... أولست المدعي زياد بن سميّة.. ؟! فتركت سُنّة رسول الله صلى الله عليه واله وخالفت أمره متعمدّاً، واتّبعت هواك مكذِّباً بغير هُدىً من الله.. فلا أعلم

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ٦ : ٢٨٨

( ٢ ) شرح نهج البلاغة ٦ : ٢٩٢

( ٣ ) شرح نهج البلاغة ٦ : ٢٩٤ انظر : تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٤٦ ، الاغاني ١٦ : ٩٩ ، شرح نهج البلاغة ١٢ : ٢٤٥

( ٤ ) البداية والنهاية ٨ : ٢٥٩

( ٥ ) سير أعلام النبلاء ٣ : ٤٩٥


فتنة على الاُمّة أعظم من ولايتك عليها.. وأخذك بالبيعة لابنك غلام سفيه يشرب الشراب ويلعب بالكلاب، ولا أعلمك إلاّ خسرت نفسك، وأوبقت دينك، وأكلت أمانتك، وغششت رعيّتك، وتبوّأت مقعدك من النار، فبعداً للقوم الظالمين))(١)

ففي هذا الكتاب بيّن الإمام الحسين عليه السلام لمعاوية خلافه لسُنّة رسول الله صلى الله عليه واله ، وابتعاده عن هدى الله تعالى، وجعله في صف الظالمين، ليتبوأ مقعده من النار

حسان بن ثابت

اشترك معَ بعض الصحابة في اتهام احدى زوجات رسول الله صلى الله عليه واله في قصة الافك، وكان ممّن افصح بالفاحشة، وهجا صفوان بن المعطل، فاعترضه صفوان وضربه بالسيف، فدعا رسول الله صلى الله عليه واله : حسّان وصفوان، وقال لحسّان : أحسن ياحسّان، أتشوّهتَ على قومي أن هداهم الله للإسلام أحسن ياحسّان في الذي أصابك

وفي رواية أخرى انه حدّ بسبب فريته على احدى زوجات رسول الله صلى الله عليه واله( ٢ ) .

وفي معركة اليمامة اعترض على زواج خالد بن الوليد من ابنة مجاعة، ووقف معَ الأنصار في استنكارهم لهذا الأمر، وكتب إلى أبي بكر شعراً يصف به الأوضاع( ٣ ) :

أترضى بانّا لم تجف دماؤنا

وهذا عروسٌ باليمامة خالد

يبيت يناغي عرسه ويضمّها

وهام لنا مطروحة وسواعد

إذا نحن جئنا صدّ عنّا بوجهه

وتُلقى لأعمام العروس الوسائد

وماكان في صهر اليمامّي رغبةً

ولو لم يُصَبْ إلاّ من الناس واحد

________________

( ١ ) أنساب الأشراف ١ : ١٢٠ ـ ١٢٢ وبنحوه في الإمامة والسياسة ١ : ١٨١

( ٢ ) المصدر نفسه : ٣١٨ ـ ٣٢١

( ٣ ) ديوان حسّان ١ : ٤٥٩


فكيف بالف قد أصيبوا كانّما

دماؤهم بين السيوف المجاسد

وحينما قيل لعليّ عليه السلام : ألا تبعث إلى حسّان بن ثابت وفلان وفلان قال عليه السلام : لا حاجة لنا فيمن لا حاجة له فينا(١)

وكان من المعلنين لخلافه معَ عليّ عليه السلام واتباعه، وقد ظهر ذلكَ في مواقفه التي يذكرها التاريخ، فحينما عزل عليّ عليه السلام قيس بن سعد بن عبادة جاءه حسّان شامتاً به، فقال له : تركك عليّ بن أبي طالب، وقد قتلتَ عثمان فبقي عليك الاثم ولم يحسن لك الشكر

فقال له قيس : يا أعمى القلب والبصر، والله لولا أن القي بين رهطي ورهطك حرباً لضربت عنقك اخرج عنّي( ٢ )

أبو هريرة

وردَ في السيرة انّ عمر بن الخطاب استعمله على البحرين ثمّ عزله، بعد ان شاطره أمواله، وهو القائل له : يا عدو الله وعدو الإسلام، خنت مال الله، فقال له أبو هريرة: ولكنها اثمان خيل لي تناجت عندي وسهمان لي اجتمعت فاغرمه اثني عشر ألف درهم( ٣ )

أكثر من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه واله فقال له عمر : لتتركنّ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه واله أو لألحقنك بأرض دوس( ٤ )

وقالت له عائشة : يا أبا هريرة ما هذهِ الأحاديث التي تبلغنا أنّك تحدث بها عن النبي صلى الله عليه واله هل سمعت إلاّ ما سمعنا، وهل رأيت إلاّ ما رأينا

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ٤ : ٩

( ٢ ) تاريخ الطبري احداث ٣٦ هـ

( ٣ ) مختصر تاريخ دمشق ٢٩ : ٢٠٢

( ٤ ) البداية والنهاية ٨ : ١٠٦


قال : يا أمّاه انه كان يشغلك عن رسول الله صلى الله عليه واله المرآة والمكحلة والتصنع لرسول الله صلى الله عليه واله وانّي والله ما كان يشغلني عنه شيء(١)

وأكذبه عمر وعثمان وعلي وعائشة( ٢ )

وكان من قوله : حدَّثني خليلي، وقال خليلي، ورأيت خليلي، فقال له عليّ عليه السلام : متى كان النبيّ خليلك، يا أبا هريرة( ٣ )

وعن منصور بن إبراهيم قال: كانوا يرون في أحاديث أبي هريرة شيئاً، وما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة إلاّ ما كان من حديث صفة جنة أو نار، أو حثّ على عمل صالح، أو نهي عن شرّ جاء القرآن به( ٤ )

وحدث أبو هريرة ذات مرّة، فردّ عليه سعد بن أبي وقّاص حديثاً، فوقع بينهما كلام، حتى ارتجت الأبواب بينهما( ٥ )

وفي عهد عثمان كان أبو هريرة من المناصرين له والمدافعين عن سياسته، ثمّ تابع معاوية من بعده، ولم يقف إلى جانب أمير المؤمنين عليه السلام ، وقيل: انه كان يصلّي خلف عليّ ويأكل على سماط معاوية ويعتزل القتال، ويقول: الصلاة خلف عليّ أتمّ وسماط معاوية أدسم وترك القتال أسلم( ٦ ) ..

وبعد صفين وفي أثناء الغارات التي يشنها معاوية على دولة أمير المؤمنين عليه السلام كان اتباع معاوية يستعينون بأبي هريرة في تنفيذ ما يريدونه، فبعد هجوم بسر بن أبي ارطأة على المدينة عيّن أبا هريرة نائباً عنه عليها، فلما دخلها جارية بن قدامة هرب وتركها( ٧ )

________________

( ١ ) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٥٠٩

( ٢ ) تأويل مختلف الحديث : ٢٧

( ٣ ) تأويل مختلف الحديث : ٢٧

( ٤ ) البداية والنهاية ٨ : ١٠٩

( ٥ ) سير أعلام النبلاء ٢ : ٦٠٣

( ٦ ) شذرات الذهب ١ : ٦٤

( ٧ ) الكامل في التاريخ ٣ : ٣٨٤


كان يتقرب إلى معاوية بوضع أحاديث مفتعلة بحق أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ، فقد روي : انه لما قدم أبو هريرة العراق معَ معاوية بعد صلح الإمام الحسن عليه السلام ، جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثمّ ضرب صلعته مراراً، وقال : يا أهل العراق، اتزعمون أنّي أكذب على الله وعلى رسوله، وأحرق نفسي بالنار! والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: إنّ لكل نبيّ حرماً، وإنّ حرمي بالمدينة، مابين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

وأشهد بالله أنّ علياً أحدث فيها، فلما بلغ معاوية قوله اجازه وأكرمه، وولاه امارة المدينة(١)

وروي: انه جاء إليه شاب، فجلس إليه، فقال: يا أبا هريرة، أنشدك الله، أسمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول لعليّ بن أبي طالب: ‎ اللهُمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه فقال: اللهُمّ نعم، قال: فاشهد بالله، لقد واليت عدوّه، وعاديت وليّه( ٢ ) .

وبقي أبو هريرة مسانداً لدولة معاوية وللأمويين ومعادياً لعلّي بن أبي طالب عليه السلام إلى أن توفي

وحينما علم معاوية بوفاته كتب إلى والي المدينة، ان انظر ورثته، فأحسن إليهم، واصرف لهم عشرة آلاف درهم وأحسن جوارهم، واعمل إليهم معروفاً، فانه كان ممّن نصر عثمان وكان معه في الدار( ٣ )

خالد بن الوليد

شهد معَ المشركين وقعة أحد، وكان له الدور الأكبر في مداهمة المسلمين من الخلف ومن ثمّ هزيمتهم

وكان على خيل المشركين يوم الحديبية، ولم يسلم إلاّ بعد مرور أكثر من عشرين عاماً على البعثة، حيث أسلم قبل عام الفتح، وقيل قبل خيبر وبعد الفتح بعثه رسول الله صلى الله عليه واله داعياً ولم يبعثه مقاتلاً، فلما وصل بني جذيمة أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح، فقال لهم رجل يُقال له جحدم: ويلكم يابني جذيمة! إنّه خالد والله! مابعد وضع السلاح إلاّ الاسار، ومابعد الإسار إلاّ ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبداً، فأخذه رجال من قومه ونزعوا سلاحه، ووضعَ القوم السلاح لقول خالد، فلما وضعوا

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ٤ : ٦٧

( ٢ ) شرح نهج البلاغة ٤ : ٦٨

( ٣ ) البداية والنهاية ٨ : ١١٥


السلاح أمر بهم خالد عندَ ذلك، فكتفوا، ثمّ عرضهم على السيف، فانكر عليه اثنان من الصحابة إلاّ انه لم يتراجع عن قرار القتل، فقتل جماعة منهم، فلمّا انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه واله رفع يديه إلى السماء، ثمّ قال: اللهُمّ إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد(١) .

وفي رواية قال بنو جذيمة : إنّا لا نأخذ السلاح على الله ولا على رسوله ونحن مسلمون، فانظر مابعثك رسول الله له فان كان بعثك مصدّقاً فهذه إبلنا وغنمنا فاعد عليها، قال خالد : ضعوا السلاح، قالوا : إنّا نخاف أن تأخذنا باحنة الجاهلية، فانصرف عنهم وأذّن القوم وصلّوا، فلما كان في السحر شنّ عليهم الخيل فقتل المقاتلة وسبى الذرية

قال له عبدالرّحمن بن عوف: والله لقد قتل خالد القوم مسلمين، فقال خالد: إنّما قتلتهم بأبيك عوف بن عبد عوف، فقال له عبد الرّحمن: ما قتلتَ بأبي ولكنّك قتلتَ بعمّك الفاكه بن المغيرة( ٢ ) .

وبعد رحيل رسول الله صلى الله عليه واله بعثه أبو بكر لقتال المرتدين ولقتال مانعي الزكاة، وأمره أن يبدأ ببني حنيفة فيدعوهم ويدعو مسيلمة الكذّاب إلى الإسلام، وينصح لهم في الدين ويحرص على هداهم، فان أجابوا قبل منهم وكتب إليه بذلكَ إلى أن يأتيه الأمر، وأوصاه : يا خالد عليك بتقوى الله والرفق بمن معك، فانّ معك أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله فشاورهم فيما نزل بك ثمّ لا تخالفهم( ٣ ) .

وبعد مقتل مسيلمة سار خالد حتى أحاط ببيوت بني يربوع، وقد كان مالك بن نويرة قد فرّقهم ونهاهم عن الاجتماع، وقال لهم: يا بني يربوع انّا دعينا إلى هذا الأمر فأبطأنا عنه فلم نفلح، فإياكم ومناوأة قوم صنع لهم، فتفرقوا وادخلوا في هذا الأمر( ٤ )

ولما غشيتهم خيول خالد أخذوا السلاح، فقالوا : نحن المسلمون، فقال أصحاب مالك: ونحنُ المسلمون، قالوا لهم : ضعوا السلاح فوضعوه ثمّ صلّوا، ولما قدم خالد جاءته الخيل بمالك بن نويرة، فادعى خالد انّ مالك بن نويرة ارتدّ بكلام بلغه عنه، فأنكر مالك ذلكَ،

________________

( ١ ) السيرة النبوية لابن هشام ٤ : ٧١، ٧٢

( ٢ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٦١

( ٣ ) تاريخ الخميس ٢ : ٢٠٥

( ٤ ) الكامل في التاريخ ٢ : ٣٥٨


وقال : أنا على الإسلام ما غيرّت ولا بدلت، وشهد له أبو قتادة وعبد الله بن عمر بذلكَ الاّ انّ خالد لم يلتفت إلى شهادتهم ولم يستجب لهم فأمر بقتله

وقد تواترت الروايات على انّ خالداً قتله طمعاً في زوجته، فقد وردَ: انّ مالكاً قال له: اتقتلني وأنا مسلم أصلّي القبلة؟ فقال خالد: لو كنت مسلماً لما منعت الزكاة، فالتفتَ مالك إلى امرأته، فنظر إليها ثمّ قال: ياخالد بهذهِ تقتلني(١) .

وفي رواية اُخرى: فاتاه مالك يناظره، واتبعته امرأته، فلما رآها خالد اعجبته، فقال: والله لا نلت ما في مثابتك حتى اقتلك، فضرب عنقه وتزوّج امرأته( ٢ )

وفي رواية: انّ خالداً لم يستمع إلى كلام الصحابة، ولا إلى كلام مالك حينما قال له: يا خالد ابعثنا إلى أبي بكر، فيكون هو الذي يحكم فينا، فقد بعثت إليه غيرنا ممن جرمه أكبر من جرمنا

فقال خالد : لا اقالني الله إن اقتلك فالتفت مالك إلى زوجته، وقال لخالد: هذه التي قتلتني( ٣ ) .

وتزوّج خالد امرأة مالك، ولم يستجب لقول عبد الله بن عمر، وأبي قتادة حينما قالا له : يكتب إلى أبي بكر بموضوع زواجها

وأمر خالد برأس مالك فجعل معَ حجرين وطبخ على الثلاثة قدراً، فأكل منها، يرهب بذلكَ الاعراب( ٤ )

وقد وردت بعض الروايات التي تنصّ على انّ الزواج قد تم في نفس الليلة التي قتل بها مالك( ٥ ) .

وفي ذلكَ قال شاعر قوم مالك :

إلا قل لحيّ أوطئوا بالسنابك***تطاول هذا الليل من بعد مالك

عدا خالد بغياً عليه لعرسه***وكان له فيها هوى قبل ذلك

________________

( ١ ) كتاب الردّة : ١٦٣

( ٢ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٣١

( ٣ ) البدء والتاريخ ٦ : ١٦١، تاريخ الإسلام ـ عهد الخلفاء الراشدين : ٣٤

( ٤ ) البداية والنهاية ٦ : ٣٢٢

( ٥ ) تاريخ الخميس ٢ : ٢٠٩


وأمضى هواه خالد غير عاطف

عنان الهوى عنها ولا متمالك

فأصبح ذا أهل وأصبح مالك

على غير شيء هالكاً في الهوالك(١)

وقد دافع البعض عن خالد بادعاء انّ زوجة مالك كانت مطلقة قد انقضت عدتها إلاّ انها كانت محبوسة عنده، وفي ذلكَ قال عمر لأبي بكر : انّ خالداً قتل رجل مسلماً وتزوّج امرأته من يومها

فلما قدم خالد قال : انّي تأولت، وأصبت وأخطأت( ٢ ) وفي رواية قال عمر : انّ سيف خالد فيه رهق

قال أبو بكر لعمر : تأول فأخطأ فارفع لسانك عن خالد

وقال عمر لخالد : قتلت امرءاً مسلماً ثمّ نزوت على امرأته والله لأرجمنّك( ٣ )

وأمر أبو بكر بردّ السبي وودّى مالكاً من بيت المال

ولم تؤثر هذه الواقعة على مكانة خالد عند أبي بكر، فبعثه إلى العراق ومن ثمّ إلى الشام

ولما تولى عمر بن الخطاب الخلافة عزل خالداً عن إمارة الشام، وأمر بنزع عمامته ومشاطرته ماله، وبقي خالد تابعاً لأبي عبيدة بن الجراح، يأتمر بأمره في المعارك والغزوات إلى أن مات على فراشه في حمص سنة ( ٢١ هـ )

أبو سفيان

كان الإيمان في قلبه متزلزلاً ، فعدّ في المؤلفة قلوبهم( ٤ ) ، وبقي على تزلزله في الإيمان ، ففي ذات مرّة رأى اجتماع المسلمين على رسول الله صلى الله عليه واله فحسده، وقال في نفسه : لو عاودت الجمع لهذا الرجل ، فضرب رسول الله صلى الله عليه واله صدره، ثم قال : اذن يخزيك الله( ٥ ) .

________________

( ١ ) كتاب الردّة : ١٦٤

( ٢ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٣٢

( ٣ ) الكامل في التاريخ ٢: ٣٥٨، ٣٥٩

( ٤ ) المنتظم ٥ : ٢٧

( ٥ ) الإصابة ٣ : ٢٣٨


وفي واقعة اُخرى قال: ما أدري بم يغلبنا محمد، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله : بالله نغلبك(١) .

وقد صرّح رسول الله صلى الله عليه واله للأنصار بأنّه يعطي أبا سفيان من بيت المال ليؤلف قلبه على الإسلام( ٢ )

ومرّ ذات مرّة ـ بعد اسلامه ـ بأحد، فقيل له: أي يوم لك هاهنا، فقال: والآن لو وجدت رجالاً( ٣ )

ووقف على ثنية أحد من بعد ذهاب بصره وقال لقائده: هاهنا رمينا محمداً وقتلنا أصحابه( ٤ )

وكان الصحابة ينظرون إلى أبي سفيان نظرة مريبة على الرغم من دخوله في الإسلام ، فقد مرّ على نفر من الصحابة منهم سلمان، فقالوا: ما أخذت السيوف من عنق عدو الله مأخذها، فقال لهم أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : ‎ يا أبا بكر ، لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت الله( ٥ )

وروى المؤرخون أنّه لمّا انهزم المسلمون في أول واقعة حنين: تكلم رجال بما في أنفسهم من الضِّغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر( ٦ ) .

وبقي أبو سفيان يتربص بالمسلمين الدوائر، وأراد خلق فتنة بين المسلمين فزجره الإمام علي عليه السلام وقال: ‎ إنّك والله ما أردت بهذا إلاّ الفتنة، وانك والله طالما بغيت الإسلام شراً( ٧ )

وقد روى بعض المؤرخين ما نسب إليه تشكيكه بالبعث والقيامة( ٨ )

________________

( ١ ) الإصابة ٣ : ٢٣٨ ومختصر تاريخ دمشق ١١ : ٦٢

( ٢ ) ربيع الأبرار ١ : ٧٨٨

( ٣ ) ربيع الأبرار ١ : ٥٥٩

( ٤ ) شرح نهج البلاغة ١٥ : ١٧٥

( ٥ ) شرح نهج البلاغة ١٨ : ٣٧

( ٦ ) السيرة النبوية / ابن هشام ٤ : ٨٦

( ٧ ) تاريخ الطبري أحداث ١١ هـ

( ٨ ) أنساب الأشراف ١ : ١٣ وشرح نهج البلاغة ٩ : ٥٣


المغيرة بن شعبة

أسلم المغيرة قبل صلح الحديبية ـ بعد قتله لرفاقه غدراً ـ فقبل رسول الله صلى الله عليه واله إسلامه

ومن خصائص المغيرة إنّه يبغض عليّاً عليه السلام منذ عهد رسول الله صلى الله عليه واله(١) .

قال عنه الإمام علي عليه السلام : ‎ كذب المغيرة ، حينما ادّعى انّه احدث الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه واله( ٢ )

واتُهم المغيرة بالزنا في عهد عمر بن الخطاب لكنّه لم يعاقب لتخلّي أحد الشهود الأربعة عن الشهادة، وبقي عمر بن الخطاب ـ كلّما رأى المغيرة ـ يقول : ما رأيتك إلاّ خفت ان أرمى بحجارة من السماء( ٣ ) إشارة لعدم معاقبته ، عزله عمر عن ولاية البصرة بعد الاتهام بالزنا ، وطلب من عمر ان يوليه الكوفة ، فقال عمر: أنت رجل فاسق، قال: وما عليك منّي؟ كفايتي ورجلتي لك، وفسقي على نفسي، فولاه الكوفة، فسأل أهل الكوفة عن المغيرة، فقالوا: أنت أعلم به وبفسقه( ٤ )

وصفه الإمام علي عليه السلام بالقول: لن يأخذ من الدين إلاّ ما خلطته الدنيا( ٥ ) .

جعله معاوية والياً على الكوفة ، فكان يشتم أمير المؤمنين عليه السلام وأقام خطباء ينالون منه( ٦ )

وكان يقول: (لعن الله... فإنّه خالف ما في كتابك وترك سنة نبيّك... اللهمَّ ألعن أشياعه وأتباعه ومحبّيه والمهتدين بهديه والآخذين بأمره)( ٧ )

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ١٦ : ١٠٢

( ٢ ) الكامل في التاريخ ٢ : ٣٣٣

( ٣ ) الاغاني ١٦ : ٩٩ وشرح نهج البلاغة ١٢ : ٢٤٥ وتاريخ الإسلام / الذهبي : ١٢١

( ٤ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٥٥

( ٥ ) مختصر تاريخ دمشق ٢٥ : ١٧١

( ٦ ) سير أعلام النبلاء ٣ : ٣١

( ٧ ) أنساب الأشراف ٤ : ٢٤٣


وكان المغيرة مدركاً لما يفعله، وكان يقول لصعصعة بن صوحان: اياك أن يبلغني أنك تظهر شيئاً من فضل عليّ، فأنا أعلم بذلك منك، ولكن هذا السلطان قد ظهر وقد أخذنا باظهار عيبه للناس)(١) ).

وقال ابن أبي الحديد: كان المغيرة بن شعبة صاحب دنيا يبيع دينه بالقليل النزر منها، قال يوماً في مجلس معاوية : ان علياً لم ينكحه رسول الله ابنته حباً، ولكنّه أراد أن يكافئ بذلك إحسان أبي طالب إليه( ٢ ) .

ووجّهه معاوية إلى الإمام الحسن عليه السلام ومعه جماعة ، فلما خرجوا من عنده جعلوا يقولون ويسمعون الناس: ان الله قد حقن بابن رسول الله الدماء وأجاب إلى الصلح ، فاضطرب العسكر ولم يشكك الناس في صدقهم( ٣ )

وكان له دور كبير في اسناد معاوية وفي أخذ البيعة ليزيد في أيام معاوية

الأشعث بن قيس

قال عنه أبو بكر : (... وددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيراً كنت ضربت عنقه ، فإنّه تخيّل إليّ أنّه لا يرى شرّاً إلاّ أعان عليه)( ٤ )

ولما بويع عليّ(عليه السلام) وكتب إلى العمال، كتب إلى الأشعث بن قيس مع زياد بن مرحب الهمداني، وكان الأشعث على آذربيجان عامل لعثمان ـ وقد كان عمرو بن عثمان تزوج ابنة الأشعث بن قيس قبل ذلك ـ فكتب إليه عليّ عليه السلام:

((أمّا بعد فلولا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس ولعل أمرك يحمل بعضه بعضاً إن اتقيت الله، ثمّ إنّه كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك وكان طلحة والزبير ممن بايعاني ثمّ نقضا بيعتي على غير حدث وأخرجا أُم المؤمنين وصارا إلى البصرة فسرت إليهما فالتقينا فدعوتهم إلى أن يرجعوا فيما خرجوا منه فأبوا فأبلغت في الدعاء وأحسنت في البقية، وإنّ عملك ليس لك بطعمة ولكنه أمانة

________________

( ١ ) الكامل في التاريخ ٣ : ٤٣٠

( ٢ ) شرح نهج البلاغة ٤ : ٧٠

( ٣ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٢١٥

( ٤ ) تاريخ الطبري ٣ : ٤٣٠


وفي يديك مال من مال الله وأنت من خزّان الله عليه حتى تسلمه إليَّ، ولعلي أن لا أكون شر ولاتك لك إن استقمت ولا قوّة إلاّ بالله)).

فلما قرأ الكتاب قال الأشعث: أيها الناس إنّ أميرالمؤمنين عثمان ولاني آذربيجان فهلك وهي في يدي وقد بايع الناس عليّاً وطاعتنا له كطاعة من كان قبله وقد كان من أمره وأمر طلحة والزبير ما قد بلغكم، وعليّ المأمون على ما قد غاب عنا وعنكم من ذلك الأمر.

قال: فلما أتى منزله دعا أصحابه وقال: إن كتاب عليّ قد أوحشني وهو آخذ بمال آذربيحان وأنا لاحق بمعاوية

فقال القوم: الموت خير لك من ذلك أتدع مصرك وجماعة قومك وتكون ذنباً لأهل الشام؟ فاستحيا الأشعث فسار حتى قدم على عليّ(عليه السلام)(١) .

و لمَّا أراد أمير المؤمنين أن يسير إلى الخوارج بالنهروان ، واستفزَّ أهل الكوفة ، وأمرهم أن يعسكروا بالميدان ، فتخلّف عنهم شبث بن ربعي ، والأشعث بن قيس الكندي ، وجرير بن عبد الله البجلي ، وعمرو بن حريث ، فقالوا : يا أمير المؤمنين , أتأذن لنا أن نقضي حوائجنا ونصنع ما نريد ، ثمّ نلحق بك ؟

فقال لهم : فعلتموها ! سوءة لكم من مشايخ ! والله ، ما لكم تتخلّفون عنها حاجة , ولكنكم تتخذون سفرة ، وتخرجون إلى النزهة ، فتأمرون وتجلسون , وتنظرون في منظر تتنحون عن الجادة ، وتبسط سفرتكم بين أيديكم ، فتأكلون من طعامكم ، ويمرُّ ضبٌّ ، فتأمرون غلمانكم فيصطادونه لكم ويأتونكم به , فتخلعوني وتبايعون الضبَّ ، وتجعلونه إمامكم دوني

واعلموا أنّي سمعت أخي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : إذا كان يوم

القيامة نادى مناد : ليخلوا كلُّ قوم بمَن كانوا يأتمّون به في الحياة الدنيا فمـن أقبح وجوهاً منكم وأنتم تحيلون أخا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وابن عمِّه وصهره ، وتنقضون ميثاقه الذي أخذه الله ورسوله عليكم ، وتحشرون يوم القيامة وإمامكم الضبُّ ، وهو قول الله عزَّ وجلّ:((يَوْمَ نَدْعُو كلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ))( ٢ ) .

فقالوا : والله يا أمير المؤمنين , ما نريد إلاّ أن نقضي حوائجنا ونلحق بك فولَّى عنهم وهو يقول : عليكم الدمار والبوار ، والله ما يكون إلاّ ما قلت لكم , وما قلتُ إلاّ حقّاً

ومضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) حتّى إذا صار بالمدائن خرجوا إلى الخورنق ، وهيّأوا طعاماً في سفرة وبسطوها في الموضع وجلسوا يأكلون ، ويشربون الخمر ، فمرَّ بهم ضبٌّ ، فأمروا غلمانهم فاصطادوه وأتوهم به ، فخلعوا أمير المؤمنين وبايعوه , وبسط لهم الضبُّ يده ،

________________

( ١ ) الإمامة والسياسة ١:١٧٩

( ٢ ) سورة الإسراء / ٧١


فقالوا : أنت والله إمامنا , ما بيعتنا لك ولعلي بن أبي طالب إلاّ واحدة ، وإنّك لأحبُّ إلينا منه فكان كما قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وكان القوم كما قال الله تعالى : ((بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ))(١) .

ثمّ لحقوا به ، فقال لهم لمَّا وردوا عليه : فعلتم يا أعداء الله ، وأعداء رسوله ، وأعداء أمير المؤمنين ما أخبرتكم به !

فقالوا : لا يا أمير المؤمنين ما فعلناه

فقال : والله ليبعثنّكم الله مع إمامكم

قالوا : قد أفلحنا يا أمير المؤمنين إذا بعثنا الله معك

فقال : كيف تكونوا معي وقد خلعتموني وبايعتم الضبَّ والله لكأنّي أنظر إليكم يوم القيامة والضبُّ يسوقكم إلى النار

فحلفوا له بالله إنّا ما فعلنا ، ولا خلعناك , ولا بايعنا الضبّ , فلمَّا رأوه يكذّبهم ولا يقبل منهم أقرّوا له ، وقالوا : اغفر لنا ذنوبنا

قال : ((والله لا غفرتُ لكم ذنوبكم وقد اخترتم مسخاً مسخه الله ، وجعله آية))( ٢ ) .

وكان (الأشعث من المنافقين في خلافة الإمام علي عليه السلام كما كان عبد الله بن أبي في أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله ، كل واحد منهما رأس النفاق في زمانه)( ٣ ) .

وكان كل اضطراب ـ في مجتمع الكوفة وفي حكومة أمير المؤمنين ـ أصله الأشعث( ٤ )

دخل على أمير المؤمنين عليه السلام فاغلظ له ، وهدّده الأشعث بأن يفتك به( ٥ )

وهو متهم في أيواء قاتل الإمام عليه السلام ـ عبدالرحمن بن ملجم ـ عند قدومه الكوفة( ٦ )

قتل مالك الاشتر ومحمد بن أبي بكر بلا مبرر

من مواضع اتفاق المسلمين ان عليا عليه السلام مفترض الطاعة فهو خليفة منصب من الله ورسوله صلى الله عليه واله حسب راي الشيعة ، وهو خليفة ببيعة اهل الحل والعقد في رأي السنة ، فلايجوز الخروج عليه ، واذا برر البعض لمعاوية التمرد عليه فلا مبررلمعاوية لقتل ولاة الامام علي عليه السلام ومنهم مالك الاشتر ومحمد بن أبي بكر

________________

( ١ ) سورة الكهف : اية ٥٠.

( ٢ ) إرشاد القلوب ٢٧٧:٣.

( ٣ ) شرح نهج البلاغة ١ : ٢٩٧

( ٤ ) شرح نهج البلاغة ٢ : ٢٧٩

( ٥ ) سير أعلام النبلاء ٢ : ٤١

( ٦ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٢١٢ وتاريخ الإسلام / الذهبي : ٦٠٨ ومقاتل الطالبيين : ٣٣ والكامل في اللغة ٣ : ١١٦٩


روي: أن عليا لما بعث الأشتر إلى مصر واليا عليها، وبلغ معاوية خبره، بعث رسولا يتبع الأشتر إلى مصر وأمره باغتياله: فحمل معه مزودين فيهما شراب، وصحب الأشتر، فاستسقى الأشتر يوما فسقاه من أحدهما. ثم استسقى يوما آخر منه فسقاه من الاخر، وفيه سم فشربه، فمالت عنقه. وطلب الرجل ففاتهم * * * قال إبراهيم: وحدثنا محرز بن هشام، عن جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة الضبي، أن معاوية دس للأشتر مولى لآل عمر، فلم يزل المولى يذكر للأشتر فضل على وبنى هاشم، حتى اطمأن إليه، واستأنس به، فقدم الأشتر يوما ثقله أو تقدم ثقله، فاستسقى ماء، فقال له مولى عمر: وهل لك في شربة سويق؟ فسقاه شربة سويق فيها سم فمات. وقد كان معاوية قال لأهل الشام لما دس إليه مولى عمر: ادعوا على الأشتر، فدعوا عليه، فلما بلغه موته قال: ألا ترون كيف استجيب لكم: قال إبراهيم: وقد روى من بعض الوجوه أن الأشتر قتل بمصر بعد قتال شديد. والصحيح أنه سقى سما فمات قبل أن يبلغ مصر.

وروي عن محمد بن عبد الله بن عثمان، عن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني، أن معاوية أقبل يقول لأهل الشام: أيها الناس، إن عليا قد وجه الأشتر إلى مصر، فادعوا الله أن يكفيكموه، فكانوا يدعون عليه في دبر كل صلاة، وأقبل الذي سقاه السم إلى معاوية، فأخبره بهلاك الأشتر، فقام معاوية في الناس خطيبا، فقال: أما بعد، فإنه كان لعلي بن أبي طالب يدان يمينان، فقطعت، إحداهما يوم صفين وهو عمار بن ياسر، وقد قطعت الأخرى اليوم، وهو مالك الأشتر(١) .

وفي رواية عن رسول الله صلى الله عليه واله سمى فيها قتلة محمد بن أبي بكر بالكافرين والمنافقين

روى هاشم أن أسماء بنت عميس، لما جاءها نعى محمد ابنها وما صنع به، قامت إلى مسجدها، وكظمت غيظها حتى تشخبت دما.

وروى ابن عائشة التيمي عن رجاله عن كثير النواء، أن أبا بكر خرج في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله في غزاة، فرأت أسماء بنت عميس وهي تحته، كأن أبا بكر مخضب بالحناء رأسه ولحيته، وعليه ثياب بيض، فجاءت إلى عائشة فأخبرتها، فقالت: إن صدقت رؤياك فقد قتل أبو بكر، إن خضابه الدم، وإن ثيابه أكفانه، ثم بكت، فدخل النبي صلى الله عليه وآله وهي كذلك، فقال: ما أبكاها؟ فقالوا: يا رسول الله، ما أبكاها أحد، ولكن أسماء ذكرت رؤيا رأتها لأبي بكر، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله، فقال: ليس كما عبرت عائشة، ولكن يرجع أبو بكر صالحا، فيلقى أسماء، فتحمل منه بغلام، فتسميه محمدا، يجعله الله غيظا على الكافرين والمنافقين.

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ٦ : ٧٥-٧٧


قال: فكان كما أخبر(١)

وخطب الامام علي عليه السلام بعد فتح مصر، وقتل محمد بن أبي بكر، فقال:(( أما بعد، فإن الله بعث محمدا نذيرا للعالمين، وأمينا على التنزيل، وشهيدا على هذه الأمة، وأنتم معاشر العرب يومئذ على شر دين، وفى شر دار، منيخون على حجارة خشن وحيات صم، وشوك مبثوث في البلاد، تشربون الماء الخبيث، وتأكلون الطعام الخبيث، تسفكون دماءكم، وتقتلون أولادكم، وتقطعون أرحامكم، وتأكلون أموالكم بينكم بالباطل. سبلكم خائفة، والأصنام فيكم منصوبة، ولا يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون. فمن الله عز وجل عليكم بمحمد، فبعثه إليكم رسولا من أنفسكم، فعلمكم الكتاب والحكمة والفرائض والسنن، وأمركم بصلة أرحامكم وحقن دمائكم، وصلاح ذات البين، وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن توفوا بالعهد، ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها، وأن تعاطفوا وتباروا، وتراحموا. ونهاكم عن التناهب والتظالم والتحاسد والتباغي والتقاذف، وعن شرب الخمر وبخس المكيال، ونقص الميزان. وتقدم إليكم فيما يتلى عليكم ألا تزنوا ولا تربوا، ولا تأكلوا أموال اليتامى ظلما، وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، ولا تعثوا في الأرض مفسدين، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، وكل خير يدنى إلى الجنة، ويباعد عن النار أمركم به، وكل شر يدنى إلى النار ويباعد عن الجنة نهاكم عنه فلما استكمل مدته، وفاه الله إليه سعيدا حميدا، فيالها مصيبة خصت الأقربين، وعمت المسلمين! ما أصيبوا قبلها بمثلها، ولن يعاينوا بعدها أختها. فلما مضى لسبيله صلى الله عليه وسلم، تنازع المسلمون الامر بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الامر بعد محمد عن أهل بيته، ولا أنهم منحوه عنى من بعده. فما راعني إلا انثيال الناس على أبى بكر، وإجفالهم إليه ليبايعوه، فأمسكت يدي، ورأيت أنى أحق بمقام محمد صلى الله عليه في الناس ممن تولى الامر من بعده، فلبثت بذاك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الاسلام، يدعون إلى محق دين الله وملة محمد صلى الله عليه، فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما وهدما يكون المصاب بهما علي أعظم من فوات ولاية أموركم، التي إنما هي متاع أيام قلائل، ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب، وكما يتقشع السحاب، فمشيت عند ذلك إلى أبى بكر فبايعته، ونهضت في تلك الاحداث، حتى زاغ الباطل وزهق، وكانت كلمة الله هي العليا، ولو كره الكافرون. فتولى أبو بكر تلك الأمور، فيسر وسدد، وقارب واقتصد، وصحبته مناصحا، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا، وما طمعت - أن لو حدث به حادث وأنا حي أن يرد إلىي الامر الذي نازعته فيه - طمع مستيقن، ولا يئست منه يأس من لا يرجوه،

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ٦: ٨٩.


ولولا خاصة ما كان بينه وبين عمر، لظننت أنه لا يدفعها عنى، فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه فسمعنا وأطعنا وناصحنا أجفل الناس وانجفوا، أي ذهبوا مسرعين. (وتولى عمر الامر، فكان مرضى السيرة، ميمون النقيبة، حتى إذا احتضر، فقلت في نفسي: لن يعدلها عنى، ليس يدافعها عنى ، فجعلني سادس ستة، فما كانوا لولاية أحد منهم أشد كراهة لولايتي عليهم، كانوا يسمعون عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاج أبى بكر، وأقول: يا معشر قريش، إنا أهل البيت أحق بهذا الامر منكم ما كان فينا من يقرأ القرآن، ويعرف السنة، ويدين بدين الحق. فخشي القوم إن أنا وليت عليهم ألا يكون لهم من الامر نصيب ما بقوا، فأجمعوا إجماعا واحدا، فصرفوا الولاية إلى عثمان، واخرجوني منها رجاء أن ينالوها، ويتداولوها إذ يئسوا أن ينالوا بها من قبلي، ثم قالوا: هلم فبايع وإلا جاهدناك، فبايعت مستكرها، وصبرت محتسبا فقال قائلهم: يا بن أبي طالب، إنك على هذا الامر لحريص، فقلت: أنتم أحرص منى وأبعد، أينا أحرص، أنا الذي طلبت ميراثي وحقي الذي جعلني الله ورسوله أولى به، أم أنتم إذ تضربون وجهي دونه، وتحولون بيني وبينه! فبهتوا والله لا يهدى القوم الظالمين. اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي، وأضاعوا إياي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم، فسلبونيه ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه، وفى الحق أن تمنعه، فاصبر كمدا أو مت. سفا حنقا. فنظرت فإذا ليس معي رافد ولا ذاب ولا ناصر ولا ساعد إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن المنية، وأغضيت على القذى وتجرعت ريقي على الشجى، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم، وآلم للقلب من حز الشفار، حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه، ثم جئتموني لتبايعوني فأبيت عليكم، وأمسكت يدي فنازعتموني ودافعتموني، وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، وازدحمتم علي حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعضكم، أو أنكم قاتلي، فقلتم: بايعنا لا نجد غيرك، ولا نرضى إلا بك بايعنا ليس بدافعي عنها. (لا نفترق ولا تختلف كلمتنا. فبايعتكم ودعوت الناس إلى بيعتي، فمن بايع طوعا قبلت، ومن أبى لم أكرهه وتركته. فبايعني فيمن بايعني طلحة والزبير، ولو أبيا ما أكرهتهما، كما لم أكره غيرهما، فما لبثا إلا يسيرا حتى بلغني أنهما خرجا من مكة متوجهين إلى البصرة، في جيش ما منهم رجل إلا قد أعطاني الطاعة، وسمح لي بالبيعة، فقدما على عاملي وخزان بيت مالي وعلى أهل مصري الذين كلهم على بيعتي وفى طاعتي، فشتتوا كلمتهم، وأفسدوا جماعتهم، ثم وثبوا على شيعتي من المسلمين فقتلوا طائفة منهم غدرا، وطائفة صبرا. ومنهم طائفة غضبوا لله ولى، فشهروا سيوفهم وضربوا، بها حتى لقوا الله عز وجل صادقين، فوالله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله لحل لي به قتل ذلك الجيش بأسره، فدع ما أنهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدة التي دخلوا بها عليهم، وقد أدال الله منهم فبعدا للقوم الظالمين! ثم إني نظرت في أمر أهل


الشام، فإذا أعراب أحزاب وأهل طمع جفاة طغاة، يجتمعون من كل أوب، من كان ينبغي أن يؤدب وأن يولى عليه، ويؤخذ على يده، ليسوا من الأنصار ولا المهاجرين ولا التابعين بإحسان. فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة، فأبوا إلا شقاقا وفراقا، ونهضوا في وجوه المسلمين ينضحونهم بالنبل، ويشجرونهم بالرماح، فهناك نهدت إليهم بالمسلمين فقاتلتهم، فلما عضهم السلاح. ووجدوا ألم الجراح، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، فأنبأتكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن، وأنهم رفعوها مكيدة وخديعة ووهنا وضعفا، فامضوا على حقكم وقتالكم، فأبيتم علي وقلتم: اقبل منهم، فإن أجابوا إلى ما في الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من الحق، وإن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم. فقبلت منهم، وكففت عنهم، إذ ونيتم وأبيتم، فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين، يحييان ما أحيا القرآن، ويميتان ما أمات القرآن، فاختلف رأيهما، وتفرق حكمهما، ونبذا ما في القرآن، وخالفا ما في الكتاب، فجنبهما الله السداد، ودلاهما في الضلالة، فانحرفت فرقة منا فتركناهم ما تركونا، حتى إذا عثوا في الأرض يقتلون ويفسدون، أتيناهم فقلنا: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا، ثم كتاب الله بيننا وبينكم. قالوا: كلنا قتلهم، وكلنا استحل دماءهم. وشدت علينا خيلهم ورجالهم، فصرعهم الله مصارع الظالمين. فلما كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم، فقلتم: كلت سيوفنا ونفدت نبالنا، ونصلت أسنة رماحنا، وعاد أكثرها قصدا فارجع بنا إلى مصرنا لنستعد بأحسن عدتنا، فإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا وفارقنا، فإن ذلك أقوى لنا على عدونا. فأقبلت بكم، حتى إذا أطللتم على الكوفة أمرتكم أن تنزلوا بالنخيلة، وإن تلزموا معسكركم، وأن تضموا قواصيكم، وأن توطنوا على الجهاد أنفسكم، ولا تكثروا زيارة أبنائكم، ونسائكم، فإن أهل الحرب المصابرون، وأهل التشمير فيها الذين لا ينقادون من سهر ليلهم ولا ظمأ نهارهم، ولا خمص بطونهم، ولا نصب أبدانهم، فنزلت طائفة منكم معي معذرة، ودخلت طائفة منكم المصر عاصية، فلا من بقي منكم صبر وثبت، ولا من دخل المصر عاد ورجع، فنظرت إلى معسكري، وليس فيه خمسون رجلا، فلما رأيت ما أتيتم، دخلت إليكم فلم أقدر على أن تخرجوا معي إلى يومنا هذا، فما تنتظرون! أما ترون أطرافكم قد انتقصت، وإلى مصر قد فتحت، وإلى شيعتي بها قد قتلت، وإلى مسالحكم تعرى، وإلى بلادكم تغزى! وأنتم ذوو عدد كثير، وشوكة وبأس شديد، فما بالكم! لله أنتم من أين تؤتون! وما لكم تؤفكون! وأنى تسحرون! ولو أنكم عزمتم وأجمعتم لم تراموا، إلا أن القوم تراجعوا وتناشبوا وتناصحوا، وأنتم قد ونيتم وتغاششتم افترقتم، ما إن أنتم إن ألممتم عندي على هذا بسعداء فانتهوا بأجمعكم وأجمعوا على حقكم، وتجردوا لحرب عدوكم، وقد أبدت الرغوة عن الصريح، وبين الصبح لذي عينين، إنما تقاتلون الطلقاء، وأبناء الطلقاء وأولى الجفاء، ومن أسلم كرها، وكان لرسول الله صلى الله عليه أنف الاسلام كله


حربا، أعداء الله والسنة والقرآن، وأهل البدع والاحداث، ومن كان بوائقه تتقى، وكان عن الاسلام منحرفا، أكلة الرشا، وعبدة الدنيا، لقد أنهى إلى أن ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى أعطاه، وشرط له أن يؤتيه ما هي أعظم مما في يده من سلطانه. ألا صفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا، وخزيت أمانة هذا المشترى نصرة فاسق غادر بأموال المسلمين، وإن فيهم من قد شرب فيكم الخمر وجلد الحد، يعرف بالفساد في الدين، والفعل السيئ، وإن فيهم من لم يسلم حتى رضخ له رضيخة. فهؤلاء قادة القوم، ومن تركت ذكر مساوئه من قادتهم مثل من ذكرت منهم، بل هو شر، ويود هؤلاء الذين ذكرت لو ولوا عليكم فأظهروا فيكم الكفر والفساد والفجور والتسلط بجبرية، واتبعوا الهوى وحكموا بغير الحق. ولأنتم على ما كان فيكم من تواكل وتخاذل خير منهم وأهدى سبيلا، فيكم العلماء والفقهاء، والنجباء والحكماء، وحملة الكتاب والمتهجدون بالأسحار، وعمار المساجد بتلاوة القرآن. أفلا تسخطون وتهتمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم، والأشرار الأراذل منكم فاسمعوا قولي، وأطيعوا أمري، فوالله لئن أطعتموني لا تغوون، وإن عصيتموني لا ترشدون، خذوا للحرب أهبتها وأعدوا لها عدتها، فقد شبت نارها، وعلا سنانها وتجرد لكم فيها الفاسقون، كي يعذبوا عباد الله، ويطفئوا نور الله. ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والمكر والجفاء بأولى في الجد في غيهم وضلالتهم، من أهل البر والزهادة والإخبات في حقهم وطاعة ربهم، إني والله لو لقيتهم فردا وهم ملا الأرض، ما باليت ولا استوحشت، وإني من ضلالتهم التي هم فيها والهدى الذي نحن عليه، لعلى ثقة وبينة، ويقين وبصيرة، وإني إلى لقاء ربى لمشتاق، ولحسن ثوابه لمنتظر، ولكن أسفا يعتريني، وحزنا يخامرني، أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولا وعباده خولا، والفاسقين حزبا. وأيم الله لولا ذلك لما أكثرت تأنيبكم وتحريضكم، ولتركتكم إذ ونيتم وأبيتم حتى ألقاهم بنفسي، متى حم لي لقاؤهم. فوالله إني لعلى الحق، وإني للشهادة لمحب، فانفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. ولا تثاقلوا إلى الأرض فتقروا بالخسف، وتبوأوا بالذل، ويكن نصيبكم الخسران))(١) .

الرأي الخامس: الرأي الواقعي المعتدل

وهو الرأي الواقعي المنسجم مع مفاهيم القران الكريم والسنة الشريفة ومنسجم مع الحقائق التاريخية التي تتطرق الى سيرة الصحابة الفردية والاجتماعية والسياسية، وقد تم مناقشة الايات والروايات المتعلقة بعدالة الصحابة في الفصول الاولى.

حيث يرى أصحاب هذا الرأي أنّ حال الصحابة كحال غيرهم من حيث العدالة، ففيهم العادل والفاسق، فليس كل من صحب رسول الله صلى الله عليه واله كان عادلاً، وليس للصحبة دور في عدالة الصحابي ما لم يجسّد سيرة رسول الله صلى الله عليه واله في

________________

( ١ ) شرح نهج البلاغة ٦ : ٩٤ – ٩٩


عقله وروحه وسلوكه ومواقفه، فالملاك هو السيرة العملية، فمن تطابقت سيرته مع مفاهيم وقيم القران والسنة النبوية فهو عادل، ومن خالفها فهو غير عادل،وخصوصا في قضايا الدماءالتي يجب الاحتياط بها في جمبع الأحوال حيث لم يحتط بها من قاتل الامام عليا عليه السلام وهو الخليفة الشرعي حسب متبنيات المتمردين عليه.

وهذا هو الرأي المعتدل المطابق للواقع الموضوعي الذي أشار إليه القرآن الكريم والسُنّة النبوية، وأكدّته سيرة الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه واله وبعده، وقد أجمع علماء وفقهاء الشيعة على ذلك، وتابعهم جمهور من علماء وفقهاء العامّة مخالفين للمشهور لديهم في ذلك.

ففقهاء الشيعة يرون تبعاً للقرآن الكريم والسنة الشريفة: أنّ في الصحابة مؤمنين أثنى عليهم الله تعالى ورسوله في القرآن الكريم والسنة الشريفة وفيهم منافقون مشهورون ومتسترون ،وفيهم من في قلبه مرض ،وفيهم من كانوا يمارسون الذنوب والمعاصي في عهد رسول الله صلى الله عليه واله واخطرها مخالفتهم له ولارشاداته واوامره وعدم التناهي عن نواهيه ، ومنهم من خالفه بعد رحيله ومنهم من سفك دماء صحابة اخرين.

وهذا الرأي هو الرأي الواقعي المنسجم مع القران الكريم والسنة ومع واقع الصحابة فهم ليسوا عدولا فردا فرداوانما العدالة مختصة بالمجموع ولاتسري للافراد الا اذا كانوا عدولا حقا في ممارساتهم ومواقفهم وسيرتهم.

وعدالة جميع الصحابة لم تذكر على لسان أي صحابي، ولم يحتجّ بها أحد من الصحابة في خضمّ الأحداث والوقائع، ففي جواب عائشة لخالد ابن الواشمة حينما قال في حق الصحابة :((لا يجمعهم الله في الجنة أبداً)).

قالت:((أولا تدري أنّ رحمة الله واسعة وهو على كلِّ شيء قدير))(١) .

فلم تحتجّ عليه بعدالة جميع الصحابة فردا فردا، وإنّما أرجأتهم إلى رحمة الله تعالى

المصادر

________________

( ١ ) السنن الكبرى ، للبيهقي ٨ : ١٧٤


١ ـ القرآن الكريم

٢ ـ الابهاج في شرح المنهاج ، علي بن عبدالكافي السبكي ٧٥٦ هـ ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤٠٤ هـ

٣ ـ الإتحاف بحُبِّ الأشراف، عبد الله بن محمد بن عامر الشبراوي الشافعي (ت ١١٧١هـ) المطبعة الأدبية، مصر ١٣١٦ هـ ، أوفسيت، منشورات الشريف الرضي، قم، ١٣٦٣هـ ش.

٤ ـ إثبات الوصيّة، علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت٣٤٦هـ)، المطبعة الحيدرية النجف، أوفسيت، منشورات الشريف الرضي، قم ١٤٠٤هـ

٥ ـ الاحتجاج، أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (ت، القرن السادس الهجري)، انتشارات أُسوة، قم، ١٤١٣هـ ، ط١.

٦ـ إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل، نور الله الحسيني التستري (ت١٠١٩هـ)، مكتبة المرعشي النجفي، قم، بدون تاريخ.

٧ ـ الأحكام السلطانية والولايات الدينية ، علي بن محمد الماوردي الشافعي (ت ٤٥٠ هـ) ، مكتب الاعلام الإسلامي ـ طهران ١٤٠٦ هـ ط٢

٨ ـ الأحكام في اُصول الأحكام ، ابن حزم الاندلسي (ت ٤٥٦ هـ) ، دار الجيل ـ بيروت ١٤٠٧ هـ

٩ ـ الأحكام في اُصول الأحكام ، الأمدي (ت ٦٣١) ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤٠٥ هـ

١٠ ـ الأخبار الموفقيات، الزبير بن بكّار بن عبد الله الأسدي (ت٢٥٦هـ)، منشورات الشريف الرضي، قم، ١٤١٦هـ ، ط١.

١١ ـ الإرشاد، محمد بن محمد بن النعمان المفيد (ت٤١٣هـ)، مكتبة بصيرتي، قم بدون تاريخ.

١٢ ـ الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الإعتقاد، إمام الحرمين عبدالملك الجويني (ت٤٧٨هـ)، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ١٤١٣هـ ، ط٢.

١٣ـ ارشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الاُصول ، محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٥ هـ) ، مطبعة البابي الحلبي ـ مصر ١٣٥٨ هـ

١٤ ـ أسباب نزول القرآن، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤١١ هـ ط١

١٥ ـ أسباب نزول القرآن ، جلال الدين عبدالرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ)، دار الهجرة ـ بيروت ١٤١٠ هـ


١٦ ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، ابن عبدالبر القرطبي (ت ٤٦٣ هـ) ، دار صادر ـ بيروت ١٣٢٨ هـ

١٧ ـ أُسد الغابة ، علي بن محمد الجزري (ابن الأثير) (ت ٦٣٠ هـ) ، دار الفكر ـ بيروت ١٤٠٩ هـ

١٨- أسمى المناقب في تهذيب أسنى المطالب، محمد بن محمد الجزري الشافعي (٨٣٣ هـ) قم، ١٤٠٣هـ.

١٩ ـ الاصابة في تمييز الصحابة ، أحمد بن علي بن محمد (ابن حجر

العسقلاني) (ت ٨٥٢ هـ) ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٨٥٣ هـ

٢٠ ـ اُصول الدين ، عبدالقاهر بن طاهر البغدادي (ت ٤٢٩ هـ) ، مطبعة الدولة ـ استانبول ١٩٢٨ م ط١

٢١ـ الاعتقاد على مذهب السلف ، أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤٠٦ هـ

٢٢ ـ أعلام الموقعين ، محمد بن أبي بكر (ابن قيم الجوزية) (ت ٧٥١ هـ) ، دار الجيل ـ بيروت

٢٣ ـ إعلام الورى بأعلام الهدى ، الفضل بن الحسن الطبرسي (ت ٥٤٨ هـ) ، دار المعرفة ـ بيروت ١٣٩٩ هـ

٢٤ ـ الأغاني ، علي بن الحسين (أبو الفرج الأصبهاني) (ت ٣٥٦ هـ) ، دار احياء التراث العربي ـ بيروت

٢٥ ـ آفة أصحاب الحديث ، أبو الفرج عبدالرحمن بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) ، مكتبة نينوى ـ طهران

٢٦ ـ الإقتصاد في الإعتقاد، أبو حامد الغزالي (ت٥٠٥هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٩ هـ ، ط١

٢٧ ـ الأمالي، محمد بن محمد بن النعمان المفيد (ت٤١٣هـ)، مؤسسة النشر الإسلامي جامعة المدرسّين، قم ١٤٠٣هـ ، ط١.

٢٨ ـ الإمامة والسياسة ، عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ) ، مطبعة مصطفى البابي ـ مصر ١٣٨٨ هـ

٢٩ ـ أنساب الأشراف ، أحمد بن يحيى البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) ، المطبعة

الكاثوليكية ـ دار فرانتس ١٤٠٠ هـ

٣٠ ـ الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ، أحمد محمد شاكر ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤٠٣ هـ

٣١ ـ بحار الأنوار ، محمد باقر المجلسي (ت ١١١٠ هـ) ، مؤسسة الوفاء ـ

بيروت ١٤٠٣ هـ ط٢

٣٢ - البحر المحيط في التفسير، أبو حيّان الأندلسي (ت٧٥٤هـ)، دار الفكر، بيروت ١٤١٢هـ


٣٣ ـ البدء والتاريخ ، أبو زيد أحمد بن سهل البلخي ، مطبعة برطوند شالون ١٨٩٩ م ـ أوفسيت ، دار صادر ـ بيروت

٣٤ ـ البداية والنهاية ، أبو الفداء الحافظ بن كثير (ت ٧٧٤ هـ) ، دار الفكر ،بيروت ١٤٠٢ هـ

٣٥ ـ تاريخ ابن الوردي ، عمر بن مظفر (ابن الوردي) (ت ٧٤٩ هـ) ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤١٧ هـ ط١

٣٦ ـ تاريخ أبي الفداء، أبو الفداء إسماعيل بن علي ابن أيوب (ت٧٣٢هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤١٧هـ ، ط١.

٣٧ ـ تاريخ ابن الوردي، عمر بن مظفر (ابن الوردي) (ت٧٤٩هـ)، دار الكتب العلمية بيروت، ١٤١٧ هـ ، ط١.

٣٨ ـ تاريخ الخميس، حسين بن محمد الدياربكري (ت٩٦٦هـ)، مؤسسة شعبان، بيروت، بدون تاريخ.

٣٩ ـ تاريخ الإسلام ، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) ، دار الكتاب العربي ـ بيروت ١٤٠٧ هـ ط١

٤٠ ـ تاريخ بغداد ، أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) ، دار الكتاب العربي ـ بيروت

٤١ ـ تاريخ الخلفاء ، جلال الدين عبدالرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ) ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤٠٨ هـ ط١

٤٢ ـ تاريخ الخميس ، حسين بن محمد الديار بكري (ت ٩٦٦ هـ) ، مؤسسة شعبان ، بيروت

٤٣ ـ تاريخ الطبري ، محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) ، دار سويدان ـ

بيروت ١٣٨٧ هـ ط١

٤٤ ـ تاريخ العلويين، محمد أمين غالب الطويل، دار الأندلس، بيروت، ١٣٩٩هـ ، ط١.

٤٥ ـ تاريخ الأفكار السياسية، مارسيل بريلو، الدار الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، ١٩٩٣م.

٤٦ - تاريخ المدينة المنورة ، عمر بن شبّة النميري (ت ٢٦٢ هـ) ، دار الفكر ـ قم ١٤١٠ هـ

٤٧ ـ تاريخ المذاهب الاسلامية، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، ١٩٨٩م.

٤٨ ـ تاريخ اليعقوبي ، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر اليعقوبي ، دار صادر ـ بيروت

٤٩ ـ التبصير في الدين ، طاهر بن محمد الاسفراييني الشافعي (ت ٤٧١ هـ)، عالم الكتب ـ بيروت ١٤٠٣ هـ


٥٠ ـ تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام، بدر الدين بن جماعة (ت٧٣٣هـ)، دار الثقافة، قطر، ١٤٠٨هـ ، ط٣..

٥١ ـ تحف العقول ، الحسن بن علي بن شعبة الحرّاني (ت القرن الرابع

الهجري) ، المكتبة الحيدرية ـ النجف الأشرف ١٣٨٠ هـ ط٥

٥٢ ـ تذكرة الخواص ، يوسف بن فرغلي (سبط ابن الجوزي) (ت ٦٥٤ هـ)، مؤسسة أهل البيت ـ بيروت ١٤٠١ هـ

٥٣ ـ ترتيب كتاب العين ، الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٥ هـ) ، جامعة المدرسين ـ قم ١٤١٤ هـ ط١

٥٤ ـ تفسير البحر المحيط ، محمد بن يوسف (أبو حيان الأندلسي)

(ت ٧٥٤ هـ) ، دار الفكر ـ بيروت ١٤٠٣ هـ

٥٥ ـ تفسير غرائب القرآن ، الحسن بن محمد النيسابوري (ت ٧٢٨ هـ) ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤١٦ هـ ط١

٥٦ ـ تفسير القرآن العظيم ، اسماعيل بن كثير الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ) دار

المعرفة ـ بيروت ١٤٠٦ هـ ط١

٥٧ ـالتفسير الكبير ، الفخر الرازي (ت ٦٠٤ هـ)،دار الفكر ، بيروت ١٤١٤ هـ

٥٨ ـ تفسير المراغي ، أحمد مصطفى المراغي ، دار احياء التراث العربي ـ بيروت ١٩٨٥ م

٥٩ ـ تفسير المنار ، محمود رشيد رضا (ت ١٣٥٤ هـ) ، دار المعرفة ـ بيروت ١٣٩٣ هـ

٦٠ ـ تفسير الماوردي ، علي بن محمد الماوردي (ت ٤٥٠ هـ) ، دار الكتب العلمية ـ بيروت

٦١ ـ تهذيب تاريخ دمشق ، علي بن الحسين الشافعي (ابن عساكر) (ت ٥٧١ هـ) ، دار احياء التراث العربي ـ بيروت ١٤٠٧ هـ

٦٢ ـ تيسير التحرير ، محمد أمين البخاري (أميربادشاه) (ت ٩٨٧ هـ) ، دار الفكر ـ بيروت

٦٣ ـ الجامع لأحكام القرآن ، محمد بن أحمد القرطبي (ت ٦٧١ هـ) ، دار

الفكر ـ بيروت ١٣٧٢ هـ

٦٤ ـ جامع بيان العلم وفضله ، يوسف بن عبدالله القرطبي (ت ٤٦٣ هـ) ، مؤسسة الكتب الثقافية ـ بيروت ١٤١٥ هـ


٦٥ ـ الجرح والتعديل ، عبدالرحمن بن محمد الرازي (ت ٣٢٧ هـ) ، دار احياء التراث العربي ـ بيروت

٦٦ ـ حلية الأولياء ، أبو نعيم الأصفهاني (ت ٤٣٠ هـ) ، دار الكتاب العربي ـ بيروت ١٤٠٥ هـ ط٤

٦٧ ـ الخصال ، أبو جعفر محمد بن علي الصدوق (ت ٣٨١ هـ) ، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم ١٤٠٣ هـ ط١

٦٨ ـ الدراية ، زين الدين العاملي (ت ٨٧٧ هـ) ، مطبعة النعمان ـ النجف

الأشرف ط١

٦٩ ـ الدر المنثور في التفسير المأثور ، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) ، دار الفكر ـ بيروت ١٤٠٩ هـ ط٢

٧٠ ـ ربيع الأبرار ، محمود بن عمر الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) ، منشورات

الشريف الرضي ـ قم ١٤١٠ هـ

٧١ ـ روح المعاني، أبو الفضل محمود الآلوسي البغدادي (ت١٢٧٠هـ)، دار إحياء التراث، بيروت، بدون تاريخ.

٧٢ ـ الرياض النظرة في مناقب العشرة ، أحمد بن عبدالله بن محمد الطبري (ت ٦٩٤ هـ) دار الكتب العلمية ـ بيروت

٧٣ ـ السُنّة ، أبو بكر أحمد بن محمد الخلاّل (ت ٣١١ هـ) ، دار الراية ـ الرياض ١٤١٥ هـ ط٢

٧٤ ـ سنن ابن ماجة ، محمد بن يزيد القزويني (ت ٢٧٥ هـ) ، دار الفكر ـ

بيروت ـ تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي

٧٥ ـ سنن الدارمي ، عبدالله بن بهرام الدارمي (ت ٢٥٥ هـ) ، دار الفكر ـ القاهرة ١٣٩٨ هـ

٧٦ ـ السنن الكبرى ، أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) ، دار المعرفة ـ بيروت ١٣٥٤ هـ ط١

٧٧ ـ سير أعلام النبلاء ، شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، مؤسسة الرسالة ـ بيروت ١٤٠٥ هـ ط٣

٧٨ ـ السيرة النبوية ، أبو الفداء اسماعيل بن كثير (ت ٧٧٤ هـ) ، دار احياء التراث العربي ـ بيروت ١٣٨٣ هـ

٧٩ ـ السيرة النبوية ، عبدالملك بن هشام الحميري (ت ٢١٣ أو ٢١٨ هـ) ،

مطبعة مصطفى البابي ـ مصر ١٣٥٥ هـ


٨٠ ـ الشافي في الإمامة ، علي بن الحسين الشريف المرتضى ، مؤسسة الإمام الصادق ،طهران ١٤١٠ هـ

٨١ ـ شرح الكوكب المنير ، محمد الفتوحي (ابن النجار) (٩٧٢ هـ) ، مطابع جامعة أم القرى ـ مكة ١٤١٣ هـ ط٢

٨٢ ـ شرح نهج البلاغة ، عبدالحميد بن أبي الحديد المدائني (ت ٦٥٦ هـ) ، دار احياء الكتب العربية ـ القاهرة ١٣٧٨ هـ ط١

٨٣ ـ شواهد التنزيل لقواعد التفضيل ، الحاكم الحسكاني الحنفي (ت القرن الخامس الهجري) ، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ١٣٩٣ هـ ط١

٨٤ ـ الصحاح ، الجوهري ، دار العلم للملايين ـ بيروت ١٤٠٧ هـ ط٢

٨٥ ـ صحيح البخاري ، محمد بن اسماعيل بن ابراهيم البخاري (٢٥٦ هـ) ، دار احياء التراث العربي ـ بيروت ، تاريخ التحقيق ١٣١٣ هـ

٨٦ ـ صحيح مسلم ، مسلم بن الحجّاج النيسابوري (ت ٢٦١ هـ) ، دار الفكر ـ بيروت ١٣٩٨ هـ ط٢

٨٧ ـ الصواعق المحرقة ، أحمد بن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ) ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤١٤ هـ ط٣

٨٨ ـ الطبقات الكبرى ، محمد بن سعد الزهري (ت ٢٣٠ هـ) ، دار صادر ـ بيروت ١٤٠٥ هـ

٨٩ ـ العدة في اُصول الفقه ، محمد بن الحسين الفرّاء (ت ٤٥٨ هـ) ـ الرياض ١٤١٠ هـ ط٢

٩٠ ـ العقد الفريد ، أحمد بن محمد بن عبد ربّه الأندلسي (ت ٣٢٨ هـ) ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤٠٤ هـ ط١

٩١ ـ فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) ، دار احياء التراث العربي ـ بيروت ١٤٠٣ هـ ط٢

٩٢ ـ فتح القدير ، الشوكاني(ت ١٢٥٠هـ) ، دار احياء التراث العربي، بيروت

٩٣ ـ الفتوح ، أحمد بن أعثم الكوفي (ت ٣١٤ هـ) ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤٠٦ هـ

٩٤ ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ، علي بن محمد بن حزم الظاهري (ت ٤٥٦ هـ) ، دار المعرفة ـ بيروت ١٣٩٥ هـ

٩٥ ـ الفصول في سيرة الرسول ، أبو الفداء اسماعيل بن كثير (٧٧٤ هـ) ، دار ابن كثير ـ دمشق ١٤١٣ هـ

٩٦ ـ الفصول المهمة ، عبدالحسين شرف الدين ، مؤسسة البعثة ـ طهران ط١.


٩٧ـ قواعد التحديث ، محمد جمال الدين القاسمي ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٣٩٩ هـ

٩٨ ـ الكامل في التاريخ ، علي بن عبدالواحد الشيباني(ابن الاثير)(ت ٦٠٦ هـ)، دار صادر ـ بيروت ١٣٨٥ هـ

٩٩ ـ كتاب سليم بن قيس الهلالي (٧٦هـ)، مطبعة الهادي، قم، ١٤١٥هـ

١٠٠ ـ الكتاب المصنّف في الأحاديث والآثار، أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة (ت٢٣٥هـ)، الدار السلفية، بومباي، الهند، ١٤٠٢هـ ، ط١.

١٠١ـ الكشاف ، محمود بن عمر الزمخشري (٥٣٨ هـ) ، نشر البلاغة ـ قم

١٤١٥ هـ

١٠٢ـ كشف الأسرار ، علاء الدين البخاري (٧٣٠ هـ) ، دار الكتاب العربي ـ بيروت ١٣٩٤ هـ

١٠٣ـ الكفاية في علم الرواية ، الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ١٤٠٩ هـ

١٠٤ ـ كنز العمال، حسام الدين علي المتقي الهندي (ت٩٧٥هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٥هـ ، ط٥.

١٠٥ـ كنز الفوائد، محمد بن علي بن عثمان الكراجكي الطرابلسي (ت٤٤٩هـ)، دار الأضواء، بيروت، ١٤٠٥هـ

١٠٦ ـ مآثر الاناقة في معالم الخلافة، القلقشندي (ت٨٢٠هـ)، عالم الكتب، بيروت، تحقيق عبد الستار أحمد خراج، بدون تاريخ.

١٠٧ـ مجمع البيان في تفسير القرآن ، الفضل بن الحسن الطبرسي(ت ٥٢٩ هـ) ، مطبعة العرفان ـ صيدا ١٣٣٣ هـ

١٠٨ ـ مجمع الزوائد ، علي بن أبي بكر الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ) ، دار الكتاب

العربي ـ بيروت ١٤٠٢ هـ ط٣

١٠٩ ـ مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف ، الدكتور عبدالكريم بن علي النملة ، مكتبة الرشد ـ الرياض ١٤١٦ هـ

١١٠ ـ مختصر تاريخ دمشق ، محمد بن مكرّم (ابن منظور) (ت ٧١١ هـ) ، دار الفكر ـ بيروت ١٤٠٤ هـ ط١

١١١ ـ مروج الذهب ، علي بن الحسين المسعودي (ت ٣٤٦ هـ) ، دار الهجرة ـ قم ١٤٠٤ هـ ط٢

١١٢ ـ المستدرك على الصحيحين ، محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري

(ت ٤٠٥٢ هـ) ، دار الفكر ـ بيروت ١٣٩٨ هـ


١١٣ ـ المستصفى من علم الاُصول ، أبو حامد الغزالي (٥٠٥ هـ) ، شركة المدينة المنورة ـ جدة

١١٤ ـ مسند أحمد بن حنبل ، أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) ، دار احياء التراث العربي ـ بيروت ١٤١٤ هـ ط٢

١١٥ ـ مصابيح السُنّة ، الحسين بن مسعود البغوي (ت ٥١٦ هـ) ، دار المعرفة ـ بيروت ١٤٠٧ هـ ط١

١١٦ ـ معالم المدرستين ، مرتضى العسكري ، مؤسسة البعثة ـ قم ١٤٠٦ هـ ط٢.

١١٧ ـ المعجم الكبير ، سليمان بن أحمد الطبراني (ت ٣٦٠ هـ) ، مكتبة ابن

تيمية ـ القاهرة ١٤٠٤ هـ

١١٨ ـ معرفة علوم الحديث ، محمد بن عبدالله الحافظ النيسابوري ، دار الكتب العلمية ـ بيروت

١١٩ ـ المعيار والموازنة ، أبو جعفر محمد بن عبدالله الأسكافي (ت ٢٢٠ هـ) ، مؤسسة فؤاد ـ بيروت ١٤٠٢ هـ

١٢٠ ـ مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني ، المكتبة المرتضوية ـ طهران.

١٢١ ـ مقدمة ابن الصلاح ، تحقيق بنت الشاطىء ، مطبعة دار الكتب ـ مصر ١٩٧٤ هـ

١٢٢ ـ المقدمة في الاُصول ، علي بن عمر بن القصار (ت ٣٩٧ هـ) ، دار الغرب الإسلامي ـ بيروت ١٩٩٦ م

١٢٣ ـ الملل والنحل ، محمد بن عبدالكريم الشهرستاني (ت ٥٤٨ هـ) ، مكتبة الانجلو المصرية ـ القاهرة ١٣٧٥ هـ

١٢٤ ـ مناقب علي بن أبي طالب ، علي بن محمد الشافعي (ابن المغازلي) (ت ٤٨٣ هـ) ، دار الاضواء ـ بيروت ١٤٠٣ هـ

١٢٥ ـ المنتظم في تاريخ الاُمم والملوك ، ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) ، دار

الكتب العلمية ـ بيروت ١٤١٢ هـ

١٢٦ ـ الموطأ ، مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) ، دار احياء التراث العربي ـ بيروت ـ ١٣٧٠ هـ

١٢٧ ـ ميزان الاعتدال ، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) ، دار المعرفة ـ بيروت ١٣٨٢ هـ

١٢٨ ـ الميزان في تفسير القرآن ، محمد حسين الطباطبائي (ت ١٤٠٣ هـ) ، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ١٣٩٣ هـ

١٢٩ ـ نهاية الأرب ـ شهاب الدين النويري (٧٣٣ هـ) ، وزارة الثقافة ـ القاهرة.


١٣٠ ـ نهج البلاغة ، تحقيق صبحي الصالح ـ بيروت ١٣٨٧ هـ

١٣١ ـ نوادر الراوندي ، فضل الله الراوندي (ت القرن الخامس الهجري) ، المطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف ١٣٧٠ هـ


الفهرس

المقدِّمة ٣

الصحبة في القرآن الكريم ٧

أولاً : الصحبة بين مؤمن ومؤمن ٧

ثالثا:الصحبة بين النبي صلى الله عليه واله وقومه الكافرين ٩

رابعا: الصحبة بين ولد ووالدين مختلفين بالاعتقاد ١٠

خامسا: الصحبة بين كافر وكافرين ١١

سادسا: الصحبة الاضطرارية ١١

ثامناً:الصحبة اللبثية ١٣

الصحبة في الحديث النبوي ١٤

المعنى الاصطلاحي للصحابي ١٦

الصحابة في القرآن الكريم ٢٠

آيات المدح والثناء ٢٥

آيات الذم والتقريع ٥٩

الصحابة في موازين السُنّة النبوية ٩٠

روايات المدح والاطراء الجميل ١٠١

روايات الذم والنقد ١٠٥

الأحاديث الموضوعة في فضائل الشيخين ١٢٣

روايات الارتداد على الأعقاب ١٢٦

روايات النفاق والمنافقين ١٣٤

المخالفة المباحة برضاه ١٤٣

المخالفة المحرّمة ١٤٥

واقعة وحديث الغدير ١٤٩

نص الحديث والواقعة ١٤٩


الاستدلال بالحديث على النصّ بالخلافة ١٥٢

الإثبات الواقعي للنصِّ ١٥٣

اعتراف الصحابة بأحقيّة علي عليه السلام ١٥٦

اعتراف الصحابة بالنصّ ١٦٠

تقييم أحداث ونتائج شورى السقيفة ١٦٢

أولا: غياب الصحابة وبني هاشم ١٦٣

ثانياً: الصراع القبلي وليس التشاور المنطقي ١٦٣

اعتراف أبي بكر وعمر بفقدان الشورى ١٧٠

ثالثاً: عدم اختيار الأفضل ١٧١

الاشكالات على اراء وسياسة عثمان بن عفان ١٧٩

رابعاً: التخلِّي عن الشورى ١٨٣

روايات القتال الداخلي و سفك الدماء ١٨٤

واقعة مقتل عثمان بن عفان ١٨٦

أسباب وعوامل الثورة على عثمان بن عفان ١٨٦

اعتبار السلطة ملكا وليس مسؤولية ١٩٣

عدم تقبّل نصيحة الامام علي عليه السلام ١٩٦

خطط عثمان لموجهة المعارضة ١٩٨

معركة الجمل ٢٠٢

التحالف ضمن المصالح المشتركة ٢٠٣

موقف طلحة والزبير ٢٠٦

تصريحات الإمام علي عليه السلام ٢٠٧

وحول موقف طلحة قال عليه السلام: ٢٠٧

شواهد وتصريحات واقعية ٢٠٨

شروط نقض البيعة وعدم الطاعة ٢١٦

الاحتياط في الدماء والدعوة للسلم ٢١٨

مبرّرات قرار القتال ٢٢٠

معركة صفين ٢٢٦

أحداث مابعد صفين والتحكيم ٢٣١


تمّرد معاوية على خلافة الامام الحسن عليه السلام ٢٣٤

وبعد ان بويع الامام عليه السلام بالخلافة كتب ٢٣٥

ظروف الصلح البعيدة والقريبة: ٢٣٩

التناقض بين الصحابة ٢٤٧

حديث أصحابي كالنجوم ٢٤٧

بين القريشيين والانصار ٢٤٩

بين فاطمة (عليها السلام) وابي بكر ٢٥٨

خطاب فاطمة (عليها السلام) في المسجد النبوي ٢٥٩

مقاطعة فاطمة (عليه السلام) لأبي بكر وعمر ٢٦٠

الرحيل إلى الرفيق الأعلى ٢٦١

أخيارالصحابةوعثمان ومعاوية ٢٦٢

سيرة الصحابي ابي ذر الغفاري ومواقفه من عثمان ومعاوية ٢٦٢

تشكيل نواة الدعوة خارج مكة ٢٦٤

شخصيتة في موازين أهل البيت( عليهم السلام) ٢٦٤

سيرة الصحابي حجر بن عدي الكندي ٢٦٩

سيرة الصحابي عمار بين ياسر ٢٧٥

وكان له دور كبير في اقناع الكوفيين بنصرة الامام عليه السلام ٢٧٩

بين حجر بن عدي ومعاوية ٢٨٣

الاقتداء بأهل البيت عليهم السلام ٢٨٥

عصمة وعدالة أهل البيت ٢٨٧

اعتراف المعاصرين والمخالفين ٢٩٢

رواية النهي عن انتقاص الصحابة ٢٩٤

رواية: عدم اجتماع الامة على ضلالة ٢٩٧

رواية : الاقتداء بأبي بكر وعمر ٢٩٩

رواية : تقديم غير الافضل ٣٠٠

الرجوع الى الامام علي عليه السلام من قبل الخلفاء ٣٠٢

اختلاف الآراء في عدالة الصحابة ٣٠٤


الرأي الأول: عدالة جميع الصحابة: ٣٠٥

الرأي الثاني : عدالة واقع الصحابة العملي ٣٠٦

الرأي الثالث: عدالة جميع الصحابة قبل دخولهم في الفتنة ٣٠٩

الرأي الرابع: تأويل مواقف الصحابة ٣١٠

معاوية وأهل صفين بغاة عمدا ٣١٢

أولاً : عدم نصرة عثمان في حياته : ٣١٢

الامام علي عليه السلام امام الزمان ٣١٦

ثالثاً : إلقاء الحجّة ٣١٧

روايات علي وعمار مع الحق ٣١٨

رابعاً: اعتراف عمروبن العاص ببطلان الموقف ٣٢٠

مواقف لاتقبل التأويل ٣٢٢

تولية يزيد من بعده ٣٢٦

واقعة الحرة من نتائج تولية يزيد ٣٣٠

ومن نتائج هذه الجريمة : ٣٣٠

أولاً: عدد القتلى ٣٣٠

ثانياً: الاعتداء على النساء والأطفال ٣٣١

ثالثاً: النهب والسلب ٣٣١

رابعاً: انتهاك المقدسات ٣٣٢

ادّعاء زياد ٣٣٥

مواقف غير قابلة للتأويل والتبرير ٣٣٥

كتمان حديث الغدير ٣٤١

في مجلس معاوية بن أبي سفيان ٣٤٢

اعتراض الإمام الحسين بن عليعليه السلام على معاوية ٣٤٣

حسان بن ثابت ٣٤٤

أبو هريرة ٣٤٥

خالد بن الوليد ٣٤٧

المغيرة بن شعبة ٣٥٢


الأشعث بن قيس ٣٥٣

قتل مالك الاشتر ومحمد بن أبي بكر بلا مبرر ٣٥٥

الرأي الخامس: الرأي الواقعي المعتدل ٣٦٠

المصادر ٣٦١

الفهرس ٣٧١


سيرة الصحابة في موازین القرآن و السنة

سيرة الصحابة في موازین القرآن و السنة

مؤلف: الدكتورمحمدتقي مشكور
تصنيف: مكتبة العقائد
الصفحات: 375