رجال في التّارِيخ الجزء 2

مؤلف: الدكتورمحمدتقي مشكور
تاريخ التشيع

رِجَالٌ في التّارِيخْ

الدكتور محمد تقي مشكور

حققه وعلّق عليه

صادق جعفر الروازق

الجزء الثاني



حرف الصاد



كتب العلامة الشيخ محمد رضا النعماني في كتابه شهيد الأمة وشاهدها يقول:

آل الصدر

العائلة الكريمة ومولودها

لآل الصدر شجرة نسب تتصل بالإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام ومنه إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتوارثها رجال الأسرة بعناية ودقة ومما يميز هذا النسب ان السيد الشهيد يتصل بجدّه الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام إما بمجتهد أو عالم فاضل، فكل رجال هذه الأسرة علماء أفاضل أو مراجع كبار، وهي ميزة فريدة قلما تتوفر لأسرة من الأسر.

الشهيد السيد محمد باقر الصدر

نسب السيد الشهيد وولادته

شهيدنا العظيم آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر بن السيد حيدر بن السيد إسماعيل بن السيد صدر الدين بن السيد صالح بن السيد محمد بن السيد


إبراهيم شرف الدين بن السيد زين العابدين بن السيد علي نور الدين بن السيد حسين بن السيد محمد بن السيد حسين بن السيد علي بن السيد محمد بن السيد تاج الدين بن السيد محمد بن السيد عبد الله بن السيد أحمد بن السيد حمزة بن السيد سعد الله بن السيد محمد بن السيد علي بن السيد عبد الله بن السيد محمد بن السيد طاهر بن السيد الحسين بن السيد موسى بن السيد إبراهيم المرتضى بن السيد الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام (١)

ولادته

في كنف جده الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام في مدينة الكاظمية ولد شهيدنا الصدر يوم ٢٥ ذي القعدة عام ١٣٥٣هـ / ١٩٣٤م.

وهذا اليوم من الأيام المباركة، لما

__________________

١ - اعتمدنا على سماحة آية الله السيد رضا الصدر ابن عم السيد الشهيد فيما ذكرناه من شجرة النسب.


ورد من ان فيه دحيت الأرض، وفي ليلته ولد إبراهيم الخليل وعيسى بن مريم، وشاء الله عز وجل ان يُعدّ هذا الوليد المبارك إعداداً يؤهله فيه ليكون أميناً لرسله وحصناً لشريعته، ومثلاً أعلى وقدوة صالحة لعباده، وليحمل من الآمال والطموحات والهموم ما هي بحجم هموم الأنبياء ويسير على خطهم وخط خاتمهم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

حدثتني والدته (رحمها الله) انها كانت في غاية السعادة وهي تحتضن وليدها المبارك، فقد كانت ظروف الحياة الصحية قاسية، فالأمراض والآفات تأخذ الكثير ولا تدع إلا القليل، فكانت ترقُب وليدها وتدفع عنه النوائب التي حرمتها من أشقاء له في سالف الأيام، والخوف والقلق يشوب الأمل في نفسها، وكانت تقول: ((ما كان يعيش لي من الأولاد إلا القليل)) فقد كانت تجربتها - كأم - قاسية جداً، لكثرة من فقدت من أولاد.

ولكن شاء الله عز وجل ان يحرس ابنها العبقري بعينه، ويذخره لخدمة رسالة


جده المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما شاء تعالى ان يذوق شهيدنا العظيم اليُتم منذ سني حياته الأولى، فلم يتمتع بعاطفة أبيه وحبه، ولم يذق من طعم حنانه إلا سنوات قليلة.

ورافق الحرمان العاطفي فقر وضنك في العيش ليزيد من عملية صقل الوليد الفريد، ويرقى بتربيته وإعداده إلى أفضل ما يمكن، ولعل تلك سنّة الله تعالى فيمن يختارهم لحمل أعباء رسالته:( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى ) (١)

وقد سألته (رضوان الله عليه) عما إذا كان يتذكر والده السيد حيدر الصدر (رحمه‌الله ) فقال: ليس في ذاكرتي شيء عنه إلا صورة غير واضحة، وأنا بحكم من لم يرَ أباه.

لقد أثّرت هذه الظروف على شخصية السيد الشهيد تأثيراً إيجابياً، خلافاً لما قد يتُصوّر من ان اشتداد المحن

__________________

١ - ( الضحى : ٦ - ٨ )


وصعوبة الظروف تترك آثاراً سلبية في نفس الإنسان، فلا اليتم ولا الفقر حالا بينه وبين ان يشقّ طريقه نحو الهدف الذي كان يسعى إليه. فتجاوز كل الصعاب التي واجهته وهو في أهم وأخطر مرحلة من مراحل البناء والتكامل.

ومما لا شك فيه ان لوالدته ولأخيه الأكبر المرحوم آية الله السيد إسماعيل الصدر (رحمهما الله) دوراً كبيراً في تخفيف وطأة المحنة التي تشتد قسوتها عادة على من هو في مثل هذا العمر، إلا ان من المؤكد ان المقومات الشخصية التي تمتع بها كانت أقوى من آلام اليتم ومصاعب الفقر ومشاكل الحياة الأخرى، مما جعل آل الصدر يترقّبون له مستقبلاً مشرقاً. فبالإضافة إلى قدرته على تجاوز تلك الصعاب، كانت علامات الذكاء والعبقرية تثير إعجابهم رغم صغره.


والدة السيد الشهيد الصدر

وأما والدته فهي العابدة التقية الصابرة بنت المرحوم آية الله الشيخ عبد الحسين آل ياسين، سلسلة الدين والتقى والعلم.

فأبوها هو آية الله الشيخ عبد الحسين آل ياسين أحد أعاظم فقهاء عصره، المعروف بالزهد والعبادة والتقوى.

ولد في الكاظمية، وتربى في كنف جده المرحوم آية الله الشيخ محمد حسن آل ياسين، الذي كان من مفاخر علماء الشيعة، والذي أمضى الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه نيابته عنه على ما ورد في قصة المرحوم الحاج علي البغدادي المذكورة في مفاتيح الجنان في الصفحة (٤٨٤)(١) .

وقال السيد حسن الصدر في ((تكملة أمل الآمل)) عن الشيخ محمد حسن آل

__________________

١ - سمعت السيد الشهيد يقول: إنني أقطع بصحة هذه القصة.


ياسين: ((اُنموذج السلف، حسن التقرير، مضطلع في الفقه والأصول، خبير بالحديث والرجال، انتهت إليه الرئاسة الدينية في العراق بعد وفاة الشيخ العلامة الأنصاري، كان المرجع العام لأهل بغداد ونواحيها، وأكثر البلاد في التقليد...)).

هاجر المرحوم الشيخ عبد الحسين آل ياسين من الكاظمية إلى سامراء، وتتلمذ على يد المجدد الشيرازي، وبعد ان توفي جده الشيخ محمد حسن انتقلت إليه زعامة الشيعة في بغداد والكاظمية.

ثم هاجر إلى كربلاء، وتتلمذ على يد المرحوم السيد إسماعيل الصدر، فوصل إلى مرتبة عالية من الاجتهاد، وعاد بعدها إلى الكاظمية، وأصبح من مراجع الشيعة في التقليد والفتوى، وأصبحت مرجعيته عامة.

توفيرحمه‌الله في ١٨ صفر ١٣٥١هـ/ ١٩٣٢م في الكاظمية، ودفن في النجف الأشرف في مقبرة آل ياسين.


أخوتها:

أما أخوتها فهم:

١ - آية الله العظمى شيخ الفقهاء الشيخ محمد رضا آل ياسين، كان أستاذاً ومرجعاً في عصره توفي في سنة ١٣٧٠هـ / ١٩٥٠م، ودفن في مقبرة آل ياسين.

٢ - المرحوم المجاهد الشيخ راضي آل ياسين، كان من أكابر علماء الإمامية، وهو صاحب تأليفات كثيرة منها كتاب (صلح الحسن) وكان ردحاً من الزمن عالماً في مدينة النعمانية.

٣ - المرحوم آية الله الورع التقي الشيخ مرتضى آل ياسين، كان من أكابر علماء الإمامية ومرجعاً من مراجعهم الكبار.

لقد اطّلعت على بعض خصوصيات المرحومة والدة السيد الشهيد من خلال معايشتي لها فوجدتها والله مثال التقوى، امتلأت روحها حباً لله تعالى ورسوله وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم، وحتى في الأيام الأخيرة من حياتها كان عشقها لأهل البيت ولأمير المؤمنينعليه‌السلام يطغى على ما كانت تعاني من آلام وأمراض فتخرج


مستعينة بابنتها البارة الشهيدة بنت الهدى رحمهما الله لزيارة قدوتها وإمامها رغم ما كانت تعاني من صعوبة كبيرة في مشيتها.

وكانت لا تفارق القرآن، فهي رفيقته في كل وقت تتلوه آناء الليل وأطراف النهار، وكلما انتهت منه عادت إليه.

وكانت دائمة الذكر لله تعالى، تلهج بتسبيحه وتحميده، وما انقطعت عن ذلك حتى فارقت نفسها المطمئنة برحمة ربها بدنها الطاهر، ولقيت ربها راضية مرضية، وكانت في فترة الحجز نموذجاً رائعاً في الصبر والثبات والاتكال على الله عز وجل، فلم تتململ يوماً مما كان يصيبها بسبب الحجز من فقد الدواء الذي كان به قوام حياتها، بل كانت تتظاهر بالصحة والسلامة لتُشعر السيد الشهيد بعدم أهمية المعاناة الكبيرة التي تعيشها، رحمها الله وأسكنها الفسيح من جناته.

أولاد الشهيد الصدر:

خلف السيد الشهيد الصدر ولداً واحداً هو سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد


محمد جعفر الصدر(١) حفظه الله الذي يواصل نهج والده في العلم والتقوى وخدمة الدين الحنيف ولد في النجف عام ١٩٧٠م / ١٣٩٠هـ وخلف كذلك خمس بنات طاهرات نقيات.

__________________

١ - عُرف عنه بتواضعه ودماثة أخلاقه، وهو الآن يواصل الجمع بين الدراستين الحوزوية والأكاديمية، وله آراء قيمة في مجابهة بعض الأعراف والعادات التي سادت أوساطنا من قبيل ان ابن الرمز لابد ان يستثمر امتداد هذه الرمزية حتى وإن كان غير مؤهل لها. فالسيد جعفر ورغم قُدسيته لوالده إلا أنه يرى ثمة فارق كبير بينه وبين والده، فهو لا يريد ان ينظر إليه المجتمع كونه ابناً للسيد محمد باقر الصدر وحسب وإنما يطمح ان يأخذ مكانه ودوره من خلال قابلياته هو بالذات، فهو بالضد تماماً من ما يسمى بالحالة التبعية، أو ما يمكن ان يطلق عليها بـ (الانتفاخ الورمي).


عبقريته المبكرة

ومما يروى في مجال عبقرية السيد الشهيد (رضوان الله عليه) المبكرة انه حينما بلغ العاشرة أو الحادية عشرة من العمر وجد نفسه - داخل الأسرة - بين نزعتين متخالفتين تتجاذبانه نحو منحيين متغايرين في التخطيط لمستقبله، فمن جانب كانت والدته تحثه على الدراسة في الحوزة واختيار حياة الطلبة، ومن جانب آخر كان المرحوم السيد محمد الصدر(١) يرغّبه في مستقبل يضمن فيه سعادة دنياه والعيش في رفاه ودعة بعيداً عن حياة الحوزة وما يكتنفها من فقر وفاقة.

أما السيد الشهيد فقد وقف موقفاً عملياً حسم به ذلك التجاذب وأشعر تلك الأطراف التي تقاطعت رغباتها بمستقبله بواقع ما يطمح إليه، فقد أضرب تقريباً

__________________

١ - كان رئيساً للوزراء ولمجلس النواب في الحكومات المتعاقبة في العراق.


عن الطعام من دون إعلان، واكتفى من الطعام بقطعة صغيرة من الخبز يسدّ بها رمقه طوال الليل والنهار.

بعد أيام أحسّ الجميع - بالإضراب الهادئ - فسألوه عن السبب فقال: إن الذي يستطيع ان يعيش على قطعة صغيرة من الخبز أياماً عديدة قادر على ان يستمر إلى آخر العمر كذلك، فأنا لا أخشى من الفقر ولا أخاف من الجوع.

واستطاع ان يقنع الجميع بصواب رأيه بالالتحاق بالحوزة العلمية والانخراط في صفوف ورثة الأنبياء رغم ما قد يواجهه من صعوبة الحياة وجدب العيش فيها، وأثبت ان إرادته في اختيار هذا الطريق إرادة لا يزعزعها شيء.

وقد حدّثني (رضوان الله عليه) عن هذه المرحلة من حياته فقال:

((ان المرحوم السيد محمد الصدر - رئيس وزراء العراق آنذاك - كان يصطحبني معه إلى مزرعته خارج بغداد على ظهر جواد له، فكان يمنّيني بمنصب كبير في الدولة وبحياة ناعمة مرفّهة ان أنا واصلت دراستي في المدارس


الحكومية، فقلت له: إن حياة الحوزة والدراسة فيها هي خياري الوحيد، وإن قناعتي في ذلك تامة رغم حاجتي للمال)).

وكانت هذه بداية الطريق إلى الحوزة العلمية.

ومما يجدر ذكره ان السيد الشهيد الصدر كان قبل ان يتفرغ للدراسة في الحوزة العلمية قد تعلّم القراءة والكتابة، وتلقّى جانباً من الدراسات الحديثة في مدارس منتدى النشر الابتدائية في الكاظمية، فكان رغم صغر سنه موضع إعجاب الأساتذة والطلاب لما وجدوا فيه من ذكاء كبير ووعي مبكر، ونبوغ حاد، وقابليات عظيمة ومما يروى عنه في تلك الفترة ما كتبه الأستاذ محمد علي الخليلي الذي كان زميله في الدراسة ونقله عنه سماحة السيد كاظم الحائري (دام ظله) في كتابه مباحث الأصول(١) قال:

__________________

١ - مباحث الأصول، الجزء الأول من القسم الثاني: ص٣٣.


((كانت تجمعنا به مدرسة واحدة ويفرقنا فارق السن والمرحلة الدراسية، إذ كان حينها في الصف الثالث الأبتدائي، أما أنا فكنت في السنة النهائية من هذه المرحلة الدراسية.

وطبيعي - وللأمرين المذكورين - أن لا يكون اتصال مباشر، وعلى الرغم من ذلك فقد كان موضع اهتمامنا ومحط أنظارنا نحن تلاميذ المدرسة صغاراً وكباراً، كما كان موضع تقدير واحترام معلميه، وأكثر ما كان يلفت نظرنا هو اهتمام المعلمين به دون استثناء، فقد كانت له شخصية تفرض وجودها، وسلوك يحملك على احترامه والنظر إليه نظرة تختلف عن نظرتك لبقية زملائه.

كنا نعرف عنه انه مفرط في الذكاء ومتقدم في دروسه تقدماً يبزّ فيه زملاءه كثيراً، أو ندر نظيره، وما طرق أسماعنا ان هناك تلميذاً في المدارس الأخرى يبلغ بعض ما يبلغه من فطنة وذكاء، لذا اتخذه معلموه نموذجاً للطالب المجد والمؤدب والمطيع. فما


من درس يمر بنا إلا وكان حديث المعلم عنه يطغى على ما يُلقّننا من مادة، وكان ذلك يزيدنا احتراماً له وإعجاباً به، حتى أخذ بعض الطلبة يجهد نفسه في تقليده في مشيته وفي حديثه وفي جلوسه في الصف لينال ما يناله من احترام وإعجاب، وقد بلغ احترام زملائه له وجميع تلاميذ المدرسة احترامهم لمعلميهم إن لم يتعداه أحياناً، فهم يتهيّبون التحدث إليه إلا إذا شعروا برغبة منه في الحديث وإلا ان يكون هو البادئ في الحديث.

وقد تجاوز هذا الإعجاب به والحديث عنه جدران المدرسة إلى الشارع والسوق والمدارس الأخرى وفي كل مكان، حتى أنني فوجئت يوماً ان أبي يدعوني إلى ان أقتدي به في سلوكي وفي حديثي مع الناس. وقد كان هذا شأن كثير من الآباء مع أبنائهم لو أرادوا لهم النصح.

ومما زاد تعرّف الناس عليه هو قيامه بإلقاء الخطب والقصائد التي كان يُهيؤها له معلموه المتمكنون من اللغة


العربية في المواكب الحسينية التي تنظمها المدرسة كل عام في يوم عاشوراء، أو في وفيات بعض الأئمة الأطهار، حيث كان يرتقي المنبر المعد له في الصحن الكاظمي ليلقي القصيدة أو الكلمة في المناسبة عن ظهر قلب، ويبدو وكأنه يرتجل مسترسلاً دون توقف أو تلكؤ، وقد تعجب أيها القارئ ان فترة حفظه لها لا تتجاوز مسيرة الموكب من المدرسة إلى الصحن الشريف، وكثيراً ما كنت أسمع أنا وغيري من الطلاب كلمات الاستحسان والتعجب والتشجيع من قبل الناس المحتشدين حول موكب مدرستنا (مدرسة منتدى النشر في الكاظمية)(١) وقد أعطى - وهو في هذه

__________________

١ - كانت أحد المشاريع التربوية للعلامة السيد مرتضى العسكري، وبمرور الأيام أصبح العسكري أحد ملازمي مدرسة الصدر الفكرية والحركية، ورغم هذه المفارقة التاريخية، تميّزت علاقاتهم على أكثر من صعيد عبرت عن تفانٍ وإخلاص ووحدة هدف ووحدة تطلعات وهمّ مشترك. حتى ان السيد الصدر كان يلقّبه بـ (الأب) لكبر سنه ورعايته واهتمامه به يوم =


السن - لموكبنا منزلة قد تفوق منازل المواكب الأخرى، فقد كان الناس يرافقون الموكب منذ لحظة انطلاقه من المدرسة إلى الصحن الشريف حيث نجد عدداً كبيراً من الناس ينتظرون الموكب بشوق ولهفة، وكان تحشّدهم يزداد إذا كان هو الخطيب في ذلك اليوم، وأما إذا كان غيره ينفض عن الموكب الكثيرون منهم، فقد كان لإلقائه حلاوة وتأثير غريب في نفوس الجماهير يزيده روعة صغر سنه.

وفي تلك السنين القليلة عرفنا باقر الصدر - وليتها كانت طويلة - وعرفه الناس الذين يقصدون الكاظمية من بغداد وضواحيها لحضور المواكب والمجالس الحسينية.

وإننا زملاؤه في المدرسة عرفناه

__________________

= كان الصدر تلميذاً في مدرسته، وقد أخبرني سماحة الشيخ محمد رضا النعماني: بعد سفر العسكري إلى إيران كان يصل منه سلامهُ وتحياته باستمرار إلى السيد الصدر. المحقق.


أكثر في مواقفه هذه، وعرفناه طالباً مثالياً في سلوكه وفي جميع تصرفاته. وما أتذكر انه كان له حُسّد من الطلاب، بل كان حبهم له يطغى على كل شيء يتوددون ويتقربون منه، وذلك بسبب سلوكه العقلاني معهم، وإضفاء حبه وحنانه على من هو أصغر منه، واحترامه لمن هو أكبر منه، وكنا نشعر - وإن كبرناه سنوات - لقد كان والله معجزة وآية من آيات خلق الله، ولا أجدني مبالغاً مهما قلت عنه وأطنبت في امتداحه والثناء عليه وتعداد حسناته وصفاته التي لم نجد لها نظيراً في سموها لدى غيره من كل تلامذة المدارس.

كان ينتحي زاوية من زوايا المدرسة انفرد هو بها ولم يقربها غيره احتراماً له وذلك في كل استراحة بعد كل محاضرة في الصف، وكان يلتف حوله في تلك الزاوية عدد من أترابه التلاميذ ورفاق صفه أو في الصفوف الأعلى. كنا نراقب هذا الاجتماع ونرقبه وهو يتحدث إلى المحيطين وكلهم إصغاء له، يتحدث إليهم بهدوء، ويلفّه هدوء،


ويغطيه سكون، والكل صاغون إلى حديثه، ساهون مسحورون، وقد أثارت فضولنا هذه الحالة وهذا الاجتماع، فهممنا عدة مرات لأن ننضم إليهم ولكن فارق السن - كما قلنا - كان يحول بين رغبتنا وبين تحقيقها.

وجاء ذلك الذي لم أنسه ولن أنساه، كان يوماً جديداً لم يمر بنا مثله حين طغت علينا غريزة حب الاطلاع فاندفعنا - وكأننا مقادون - إلى حيث يعقد اجتماعه، وانضممنا إلى الثلة التي كانت تحيط به، وقد كانت خطوتنا هذه مفاجأة له، سكت عندها قليلاً عن الحديث، وبعد ان ألقى علينا نظرات فاحصة كأنه كان يريد ان يقول لنا هل أستمر في الحديث؟ وبعدها راح يواصل حديثه، حديث لم نألفه من قبل، فلا هو توضيح وشرح لما نأخذ من دروس عن أساتذتنا، فقد كان حديثاً تتخلله عبارات هي بالنسبة لنا غير مفهومة أو صعب فهمها، ولأول مرة سمعنا فيها كلمة (الماركسية) و(الامبريالية) و(الديالكتيكية) و(الانتهازية) وكلمات


أخرى أظنها كانت تعني أسماء لفلاسفة وعلماء وشخصيات لم يحضرني منها سوى اسم (فيكتور هوغو) و (غوته) وغابت عني أكثرها إذ مرّ عليها زمن طويل قارب الأربعين عاماً، ولأنها كلمات كانت في حينها يصعب علينا نطقها وتلفظها، كانت غريبة علينا جداً ولم نسمع بها أو بمثلها من الأسماء في كتبنا الدراسية، ولم نقرأ فيها إلا (اديسون) و(نيوتن) وغيرهما ممن درسنا عنهم وعن اكتشافاتهم واختراعاتهم.

لقد كان يهيم في حديثه ويسبح في بحر من الخيال والتسامي أو يغوص في بحر لجي يلتقط منه العبارات والمعاني والأفكار.

لقد حملنا شوقنا إلى المعرفة ان نكرر انضمامنا إلى مجموعته التي اُطلق عليها اسم - الحوزة - وكلنا نرغب رغبة ملحّة في ان نفهم ما يتحدث به، ونحن لا ندري هل ان هؤلاء الصبية والأطفال المحيطين به يعون ويدركون ما يتحدث به إليهم ويتفهّمون ذلك؟ وهذا ما كان يثير اهتمامنا بقدر ما كنا


نرغب في التزود من معارفه آنذاك والتي كنا نراها أشياء جديدة علينا، ولكن فيها متعة ولذة وإن لم ندرك أكثرها، وكنا نستزيده فيزيد، ونطلب منه ان يعيد علينا ما حدّثنا به قبل يوم فيجيب دون ان يلتمس لنفسه عذراً أو يقابلنا برفض، فقد كان همه كل همه ان نفهم وأن نعي ما يحدّثنا وكأنه نذر ساعات لعبه ولهوه - وهو بهذا السن - ليكون معلّماً ومفقّهاً.

واصلنا حضورنا حوزته هذه حتى كانت نهاية العام، وبدأت العطلة فافترقنا حيث التحقنا نحن في المدرسة المتوسطة وبقي هو في مدرسته قليلاً حتى علمنا انه تركها لينصرف إلى الدرس.

كانت أياماً مضيئة وجميلة، وكانت حُلماً حلواً مؤنساً أخذنا فيها عنه أشياء كثيرة ساعدتنا على ان نفهم ما نقرأ من كتب غير كتبنا المدرسية، كتب كان يزودنا بها هو أحياناً كلما التقى واحداً منا، وقليلاً ما كنا نلتقيه إلا في داره حيث كنا نجده مكباً على قراءة كتب لا نعرف حتى أسماءها وكتب كنا


نقتنيها من المكتبات أو نستعيرها من الأصدقاء زملاء المدرسة أو من غمض علينا شيء منه كان يعيننا على فهمه بكل سرور ورحابة صدر وهو ممتن غير مان.

كانت لنا معه أيام حلوة سعيدة عادت علينا بعد ذلك بمرارة لا نتجرعها ولا نتحمل مرارتها، فقد رحل عنا شهيدنا، اغتالته فئة ضالة باغية وتركنا إلى حيث يرتع في نعيم دائم وسعادة أبدية وبقينا بعده غرقى في شقاء ما مثله شقاء وحياة مليئة بالقسوة والظلم والإرهاب، وصارت سنوات تلك الطفولة البريئة المرحة أياماً قاسية إلا أنه ترك فينا وعياً ومعرفة أعانتنا على ان نزيدها ونبلغ بها حداً نتفهّم فيه كل شيء في الحياة.

تلك كانت أيام طفولتنا وصبانا مع ذلك المعلّم - الصدر - المليء بالعلم وهو طفل، وقد تغذينا في حوزته ونحن أطفال)).

ونشرت مجلة صوت الأمة في العدد (١٣) السنة الثانية/ رجب/ ١٤٠١هـ / ١٩٨١م


مقالاً للسيد (أبو براء)(١) جاء فيه:

((شاءت الصدف ان أتخذ لي مكاناً إلى جانبه في أحد المجالس التأبينية التي أقيمت تخليداً لذكرى الشهيد الصدر. وفي التفاتة مني إليه غير مقصودة وجدت عليه أمارات الألم والحزن الشديدين، أمارات لم أجدها ترتسم على وجوه الآخرين، بل لا أغالي إذا قلت: كانت عليه سيماء الثكل ولم ينتبه إلى التفاتتي فقد كان ساهياً منصرفاً عن كل ما هو حوله ومثبتاً عينيه على صورة للشهيد الصدر كانت معلقة أمامه، وهو يصدر الآهة إثر الآهة، ويجذب الحسرة تلو الحسرة، وبين كل لحظة وأخرى تنحدر من عينيه دمعتان كان يكفكفهما بمنديل يحمله بيده، كان يبكي ويتألم بصمت. وقد لفت نظري كثيراً رغم ان كل من كانوا في الحفل أعرقتهم فاجعة الذكرى بآلامها وأشجانها وربما علا صوت نحيب من هنا أو هناك لبيت شعر من

__________________

١ - مباحث الأصول، الجزء الأول، القسم الثاني: ص٣٨.


قصيدة شاعر، أو لعبارة من كلمة خطيب تثير في النفوس شجاها وتحرّك عواطفها وأحاسيسها إلا هذا، فما سمعت منه إلا الآهات والتنهدات والأنات الخفية.

إن كل الذين كانوا في الحفل أو جلّهم يعرفون الصدر إما عن كثب، أو من خلال جهاده في سبيل إعلاء كلمة الحق، إذن لابد ان يكون لهذا شأن آخر، هكذا قدّرت وقد أصاب تقديري فسألته وقطعت عليه وجومه وشرود فكره، وقد جاء سؤالي كمتنفّس له وداع إلى بث ما في جنبيه من ألم دفين وحزم كمين، ويبدو انه عرفني واطمأن إليّ فراح يحدّثني وبنبرات تقطّعها الآهات والحسرات.

قال بعد تنهدة عميقة: إن علاقتي بالفقيد علاقة الأخ الكبير بأخيه الصغير الوحيد، كان ذلك في السنوات الأخيرة من الأربعينيات يوم كان طالباً في المراحل الأولى من الدراسة الابتدائية في الكاظمية، وقد رأيت ان هذا التلميذ يوليه المدير عناية خاصة ويرعاه رعاية يشوبها الاحترام والتقدير، فعجبت في بادئ الأمر لذلك،


وأخيراً اتضح لي بأن هذه العناية لم يكن مبعثها لأنه ينتمي لعائلة كريمة الحسب عُرف كثير من أفرادها واشتهروا بالعلم والتقى والورع، أو لأنه يتيم فقد أباه وهو بعد صغير لم يبلغ الحلم. ولكن عنايته كانت موجهة إليه لأسباب أخرى. فأحببت ان أتعرّف أكثر على هذا الطفل سيما وإنني حديث عهد بالعمل في المدرسة المذكورة. وشاءت الصدف ان انفرد بالسيد المدير فأستوضح منه عما كان يشغل تفكيري بشأن هذا الطفل فأجابني: أرجو ان ترعاه كما يرعاه زملاؤك من الهيئة التدريسية فقد سبق وأوصيتهم به خيراً لأنني أتوسم فيه ان يكون له مستقبل كبير باعث علىالتفاخر والاعتزاز بما يقوم به والدرجة العلمية التي أترقّب انه سيصلها ويبلغها، فرحت أرقب هذا الطفل عن كثب، فأقرّبه إليّ واتحدّث معه كلما سنحت الفرصة مظهراً إليه حبي وودي اللذين نميا مع الأيام بل الساعات، فصار محباً لي متعلقاً بي لا يفارقني في الصف أثناء الدرس أو بعده


أثناء فترة الاستراحة.

وقد كان طفلاً يحمل أحلام الرجال ويتحلى بوقار الشيوخ، وجدت فيه نبوغاً عجيباً وذكاء مفرطاً يدفعانك على الاعتزاز به ويرغمانك على احترامه وتقديره، كما شاهدت كل المدرسين أيضاً يكنّون له هذا الاحترام وهذا التقدير.

لقد كان كل ما يدرس في هذه المدرسة من كافة العلوم دون مستواه العقلي والفكري، كان شغوفاً بالقراءة محباً لتوسيع دائرة معرفته ساعياً بجهد إلى تنمية مداركه ومواهبه الفذة. لا تقع عيناه على كتاب إلا وقرأه وفقه ما يحتويه، في حين يعزّ فهمه على كثير ممن أنهوا المرحلة الثانوية. ما طرق سمعه اسم كتاب في أدب أو علم أو اقتصاد أو تاريخ إلا وسعى إلى طلبه. كان يقرأ كل شيء وقد حدّثني أحد الزملاء ممن كان لديهم إلمام بالماركسية واطلاع على كثير من الكتب التي كتبت فيها قائلاً لي: لقد جاءني يوماً مُبدياً رغبته في ان يقرأ بعض الكتب الماركسية ونظرياتها ليطّلع على


مكنونات هذه النظرية، ترددت في بادئ الأمر عن إرشاده إلى ذلك لأنه طفل، وخشيت ان تتشبّع أفكاره بالماركسية ونظرياتها.

وبعد إلحاح منه شديد ولما كنت لا أحب رد طلبه أرشدته إلى بعض المجلات والكتب المبسطة في كتابتها عن الماركسية وفي عرضها لها. وقد أخذت على عاتقي تهيئة ما تيسّر لي من هذه المجلات والكتب وهي نادرة وعزيزة لأنها كانت آنذاك من الكتب المحرّم بيعها في المكتبات. وبعد ان تسلّمها مني تهلل وجهه فرحاً ثم أعادها إليّ بعد ان قرأها، مكرراً طلبه ان أجد له كتباً أكثر موضوعية وأعمق شرحاً وعرضاً لآراء الماركسية، فهيأت له ما طلب، وكنت أظن انه سوف لا يفقه منها شيئاً لأنني أنا نفسي رغم مطالعتي الكثيرة في هذا الموضوع أجد أحياناً صعوبة في فهمها. وبعد مدة أسبوع واحد أعادها إليّ وطلب غيرها، وأضاف المدرّس قائلاً: أحببت ان أعرف ما الذي استفاده هذا الطفل من قراءته لهذه الكتب وإذا به يدخل في


شرح الماركسية طولاً وعرضاً، فأخذت عن شرحه لها كل ما غمض عليّ معناه عند قراءتي لها، فعجبت لهذا الطفل المعجزة وهو لما يزل في المرحلة الثالثة من الدراسة الابتدائية. وقد زاد في اطمئناني عندما راح يشرح لي انه كان يأتي على مناقشة كل رأي على حدة مناقشة العالم المتبحّر في العلم فاطمأننت بأنه لم يتأثر بالماركسية مطلقاً، وأنه كان يقرؤها كناقد لا كدارس لها.

وحدّثني عنه مدرس اللغة فقال: والله لولا الأنظمة والقوانين ولو كانت هناك حكومة تقدّر النبوغ والكفاءة لمنحته الشهادة الثانوية بأعلى الدرجات، وفتحت له أبواب الكليات ليختار منها ما يشاء وكفيته أمر الذهاب إلى المدرسة والعودة منها إلى البيت. إن إلمامه بعلوم اللغة العربية يفوق حد التصور لطفل في سنه. وكم من مرة جعلني أقف أمامه محرجاً لا أحير جواباً فأضطر ان أؤجل الجواب على سؤاله إلى يوم آخر لئلا أكون في موضع العاجز عن


الجواب أمام تلامذتي، وقال هذا الشيء عينه مدرّس الدين وأضاف إنه يصلح ان يكون مدرّساً للدين وأصوله. وقال كذلك مدرّسو العلوم الأخرى مبدين دهشتهم وحيرتهم في نبوغ هذا الطفل ومستواه خائفين ان يقتله ذكاؤه.

كانرحمه‌الله أول من يدخل الصف وآخر من يخرج منه، وكان كله إصغاء وانتباه إلى ما يقوله المدرس، وكأن ما يتلى شيء جديد بالنسبة له، وكأنه لم يحفظ في ذاكرته أضعاف ما يتلى عليه في الصف. وما وجدته يوماً وقد ارتكبه الغرور، أو طغى عليه العجب بنفسه، أو تعالى على زملائه التلاميذ مما عنده من علم ومعرفة.

وكان مؤدباً جداً يحترم معلميه وزملاءه ويفرض احترامه على الجميع وكثيراً ما كنا نفتقده متغيباً لشهر أو حواليه من المدرسة ثم إذا به يحضر عند الامتحان فينال الدرجة العليا ولو كانت هناك درجة أعلى لاستحقها بجدارة. وكنا عند تغيّبه نستفهم من الإدارة عن السبب فيكون الجواب الذي اعتدناه:


انه يحضر دروساً خاصة تشغله عن حضور المدرسة.

كنا نختاره وخاصة مدرس الدروس الدينية في درس الصلاة إماماً يؤم زملاءه في الصلاة فكان والله جديراً بها يؤديها بخشوع العابد الزاهد المتوجه إلى ربه العلي الكريم. وكان يُختار من بين طلاب كل المدرسة لإلقاء القصائد والكلمات في الصحن الكاظمي الشريف منذ كان في الصف الثاني الابتدائي وذلك في موكب العزاء الذي اعتادت المدرسة ان تنظّمه في كل عام. وليس عجيباً على مثل هذا الطفل ان يستظهر قصيدة تضم ثلاثين بيتاً أو أكثر، أو كلمة عن ظهر قلب خلال ربع ساعة، بعدها يتلوها علينا بكل فصاحة متجنباً اللحن حتى إذا قُرأت له ملحونة.

كان شعلة ذكاء، وقدوة أدب، ومثال قويم ونفس مستقيمة. ما فاه والله بحياته في المدرسة بكلمة إلا وبعثت في نفس سامعها النشوة والحبور، وما التقت عيناه قط لفرط خجله مرة عيني أحد مدرسيه، فهو لا يحدّث إلا ورأسه منحني


وعيناه مسبلتان. أحببته طفلاً صغيراً بريئاً وأجللت فيه شيخاً كبيراً لما ألمّ به من علم ومعرفة حتى أنني قلت له ذات يوم: إنني أتوقع ان يأتي يوم ننهل فيه من علمك ومعرفتك ونهتدي بأفكارك وآرائك، فكان جوابه بكل أدب واحترام وقد علت وجهه حمرة الخجل: عفواً أستاذ، فأنا لا أزال وسأبقى تلميذكم وتلميذ كل من أدّبني وعلّمني في هذه المدرسة، وسأبقى تلميذكم المدين إليكم بتعليمي وتثقيفي... ثم ختم الرجل حديثه بقوله: أتريدني بعد كل هذا ان لا أحزن عليه حزن الثاكل...)).

والواقع انني لا أعتقد ان هناك مبالغة أو نوع من التطرف أملاه واقع الإعجاب بالسيد الشهيد الصدر في هذين المقالين دفع صاحبيهما إلى الإطراء والمديح لأن واقع الحال يشهد لصحتهما فمن المعلوم ان أول من تناول الماركسية نقداً أساسياً مفعماً بالحجج القوية والبراهين الدامغة كان هو الشهيد الصدررحمه‌الله رغم ان المناهج


الحوزوية - وخاصة في تلك الفترة الزمنية - لا تعرف هذا اللون من الدراسات، وكون السيد الشهيد الصدر أول من طرق هذا الباب كان يقتضي انه قد بحث هذا الموضوع - ولو بشكل بدائي - في مرحلة مبكرة من عمره ويشهد لذلك ان النتاجات الفكرية له ومنها كتاب فلسفتنا كانت سابقة رتبة على نتاجاته الفقهية والأصولية إجمالاً، وهذه الملاحظة يمكن ان تشكّل قرينة قوية على صحة ما جاء في المقالين السابقين.

وعن شدة اهتمامه - رضوان الله عليه - في الدراسة والبحث وتوسيع آفاقه العلمية في تلك الفترة ما حدثتني به أخته الشهيدة بنت الهدى - رحمها الله - قالت:

((كنت مع أخي في تلك الفترة نجمع ما نحصل عليه من مال قليل فيشتري السيد به كتاباً فنطالعه ونستوعبه، ثم يبيع الكتاب ليشتري بثمنه كتاباً آخر، وهكذا استمر الحال حتى بعد هجرتنا إلى النجف الأشرف)).


مسيرته العلمية في النجف الأشرف

الهجرة إلى النجف الأشرف والدراسة فيها

النجف الأشرف مهوى الأفئدة ومحط القلوب، إليها تشد الرحال على مر الأجيال، كيف لا وهي تضم في رحابها باب مدينة العلم وصي رسول رب العالمين، الذي ببركة نفحاته عاشت الحوزة العلمية التي خرّجت فطاحل العلماء الأجلاء، فكان من الطبيعي ان يستهوي ذلك قلب المرحوم آية الله السيد إسماعيل الصدر ومعه شهيدنا السيد الصدر رضوان الله عليه فهاجرا إلى النجف عام ١٣٦٥هـ / ١٩٤٥م مع كافة أفراد العائلة. ومن هذا التاريخ بدأت مسيرة السيد الشهيد العلمية.

وعن مجمل تلك المسيرة الدراسية المباركة كتب رضوان الله عليه - ضمن أسئلة وجهها إليه المرحوم السيد عبد الغني الأردبيلي على ما أظن - ما يلي:

تاريخ يوم ولادة آية الله العظمى السيد


الصدر دام ظله: (٢٥ ذي القعدة ١٣٥٣هـ).

تاريخ مبدأ اشتغاله:

((في الحادية عشرة من عمره كان يدرَّس المنطق وقد ألّف رسالة في المنطق في هذا التاريخ ضمّنها بعض الملاحظات والمؤاخذات على بعض الكتب المنطقية، وأكثر كتب المقدمات والسطوح فهمها بدون درس حتى ان شرح اللمعة باحث كتاب الطهارة منه - قبل ان يدرس شيئاً منه - للشيخ عباس الشامي. وفي أوائل الثانية عشرة كان يدرس المعالم عند أخيه، وكثيراً ما كان يعترض على مطالب المعالم حين إلقاء الدرس عليه باعتراضات صاحب الكفاية ومثال ذلك في بحث الضد فقد اعترض على الاستدلال على حرمة الضد بالمقدمية بإشكال الدور)).

تاريخ هجرته الى النجف:

١٣٦٥هـ / ١٩٤٥م

تاريخ حضوره عند أساتذة الخارج مع بيان أسمائهم:

آية الله العظمى الشيخ محمد رضا آل


ياسين.

آية الله العظمى السيد الخوئي.

تاريخ انتهاء حضوره لدى أساتذة الخارج:

حوالي سنة ١٣٧٥هـ /١٩٥٥م أنهى حضور أبحاث الأصول وحوالي سنة ١٣٧٨هـ / ١٩٥٨م أنهى حضور أبحاث الفقه.

تاريخ شروعه في تدريس الخارج:

سنة ١٣٧٩هـ / ١٩٥٩م شرع في تدريس الخارج الأصول وبعد ذلك بحوالي سنتين شرع في تدريس الخارج الفقه العروة الوثقى.

والقصة التي أشار إليها - عند ذكره للأساتذة الذين حضر عندهم بعد ان ذكر المرحوم خاله الشيخ محمد رضا آل ياسين بقوله هي ان المرحوم آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين كان يظن ان حضور السيد الشهيد الصدر رضوان الله عليه لبحثه حضور تشريفي وليس لغرض التحصيل العلمي وذلك لأن عمره لم يكن يتناسب مع مستوى بحث الخارج، فمن المعلوم في أوساط الحوزات العلمية ان الطالب الذي يحق له حضور أبحاث


الخارج يحتاج إلى مقومات علمية خاصة تؤهله للاستفادة من تلك الأبحاث وهي بطبيعتها تحتاج إلى فترة زمنية طويلة من الدرس والجهد المكثّف. ولم تكن شخصية الإمام الشهيد الصدر العلمية وقابلياته الذاتية معروفة لدى المرحوم آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين إذ انه رضوان الله عليه كان يكتفي بالاستماع لأبحاث أستاذه ويتجنّب المناقشة او الاعتراض التي هي أحد المنافذ التي يمكن للأستاذ ان يقيّم مستوى تلاميذه من خلالها، وعلى هذا الأساس كان الاعتقاد السائد ان حضور السيد الشهيد الصدر لبحث خاله كان شكلياً.

إلا انه حدث ما غيّر من تصورات الشيخ محمد رضا آل ياسين قدس سره وجعله يعتقد أن السيد الصدر يستحق - وبجدارة - حضور بحث الخارج وهو في هذا السن المبكر، والذي حدث هو أن الشيخرحمه‌الله كان يبحث مسألة فقهية وهي: أن الحيوان هل يتنجس بعين النجس ويطهر بزوال العين التي نجسته، أو لا


يتنجس بعين النجس؟ فذكر قدس سره أن الشيخ الأنصاري ذكر في كتاب الطهارة أن هنا ثمة في الفرق بين القولين تظهر بالتأمل. وقال: إن أستاذنا المرحوم السيد إسماعيل الصدر حينما انتهى بحثه إلى هذه المسألة طلب من تلاميذه أن يكتشفوا ثمرة الفرق بين القولين، فبينّا له ثمرة الفرق بين القولين، وأنا أطلب منكم اكتشاف الثمرة والإتيان بها في بحث اليوم التالي.

وفي اليوم التالي حضر شهيدنا الصدر قبل الآخرين وقال للشيخ: إني جئت بثمرة الفرق بين القولين، وذكر الثمرة، مما أثار إعجاب الشيخ قدس سره وقال له: أعد بيان الثمرة لدى حضور باقي الطلاب. فلما حضروا طالبهم الشيخ آل ياسين بالثمرة، فلم يتكلم منهم أحد، فقال الشيخ: إن السيد محمد باقر الصدر أتى بثمرة جديدة غير الثمرة التي ذكرناها لأستاذنا، وهنا بيّن شهيدنا الصدر الثمرة بين القولين، فأثار إعجاب الحاضرين وعُرف


من ذلك الوقت بالعلم والفضيلة رغم صغر سنه.

ورغم عبقرية السيد الشهيد الصدر وما كان يتمتع به من ذكاء خارق ولياقات تؤهله للاستغناء عن الحضور لدى أساتذة وعلماء، وهو كما قال قد فهم أكثر كتب المقدمات من دون أستاذ، فإنه مع ذلك حرص على التتلمذ بما هو سائد في المناهج والأعراف الحوزوية فلم يتكبر ولم يتعال عن الحضور والجلوس أمام الأساتذة والتلقي منهم والاستفادة من أبحاثهم، لا بل كان يعتز بحضوره ويفتخر به، وسوف نرى في طيات هذا الكتاب مجموعة من الرسائل الخطية تشير إلى مدى احترامه واعتزازه بأساتذته.

هذه وقد حضر قدس سره عند جملة من الأساتذة أو استفاد منهم بشكل وآخر غير من تقدم ذكرهم وهم آية الله الشيخ ملا صدرا البادكوبي، درس عنده الجزء الثاني من الكفاية والأسفار الأربعة، وحضر لدى آية الله الشيخ عباس الرميثي، وآية الله الشيخ محمد تقي الجواهري، درس


عنده الجزء الأول من الكفاية وقسماً من كتاب اللمعة.

هؤلاء أساتذة شهيدنا الصدررحمه‌الله وقد حضر عند بعض الأساتذة الآخرين بعض المواد الدراسية ككتاب المكاسب الذي اتفق مع أستاذه - وهو المرحوم آية الله السيد محمد الروحاني قدس سره - على ان يستمع الأستاذ لشرح السيد الشهيد للمادة العلمية ويناقشه في الموارد التي تحتاج إلى نقاش الأستاذ أو توضيحه.

تعليقته على (بلغة الراغبين):

ومما يذكر عن نبوغ وذكاء السيد الشهيد رضوان الله عليه في تلك الفترة، والمكانة التي وصل إليها وهو في سن مبكرة أنه لما توفي الشيخ آل ياسينرحمه‌الله في سنة ١٣٧٠هـ / ١٩٥٠م علّق المرحوم آية الله الشيخ عباس الرميثي على رسالة آل ياسين المسماة بـ ((بلغة الراغبين)) ولشدة اعتقاده بذكاء ونبوغ السيد الشهيد طلب منه حضور المجلس الخاص بكتابة التعليقة ليشارك هو أيضاً بعملية الاستنباط.


وكان الشيخ الرميثي يقول له في ذلك التاريخ: ((ان التقليد عليك حرام)).

وهذا يدل على ان السيد الشهيدرحمه‌الله كان قد بلغ مرتبة الاجتهاد وهو في سن مبكرة جداً.

وقد سمعت السيد الشهيد يقول: إني لم أقلّد أحداً منذ بلوغي سن الرشد.

وكان السيد الشهيد رضوان الله عليه في تلك الفترة قد كتب أيضاً تعليقة على رسالة المرحوم الشيخ آل ياسين المسماة ((بلغة الراغبين))، وكان يأسف على ضياع تلك النسخة التي تعتبر من أغلى ذكريات عمره العلمي.

وشاء الله تعالى ان أعثر على تلك النسخة.

محاورته العلمية مع السيد الخوئي:

وعن عبقريته وذكائه العجيب يروي سماحة آية الله السيد كاظم الحسيني الحائري (دام ظله) في كتابه ((مباحث الأصول))(١) المحاورة العلمية التالية

__________________

١ - الجزء الأول : ص ٢٠٧


التي جرت بين السيد الشهيد وأستاذه السيد الخوئيرحمه‌الله - والسيد الخوئي معروف بقدرته الكبيرة على النقض - فقال:

((ذكر الأستاذ الشهيد رضوان الله عليه أنه أورد على أستاذه فيما بين الصلاة والدرس بأن الأصول العملية لا تجري بلحاظ الحكم الظاهري، حيث ان التنجيز والتعذير إنما يكونان بلحاظ الواقع ولا مجال لجريان أصالة البراءة أو الاشتغال بلحاظ الحكم الظاهري؛ لأنها إن جرت بلحاظ الحكم الظاهري على خلاف ما هي جارية بلحاظ الحكم الواقعي فلابد من الأخذ بما جرى بلحاظ الواقع، وإن جرت بلحاظ الحكم الظاهري بالشكل المماثل لجريانها بلحاظ الواقع فهي لغو، اذ كان جريانها بلحاظ الواقع مغنياً عن جريانها بلحاظ الظاهر.

قال الأستاذ الشهيد رضوان الله عليه إن كلامي هذا كان وفق مبنى السيد الأستاذ القائل بعدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية، فلا تبقى إلا أصالة البراءة والاشتغال وقد قلنا: إنهما


إنما يجريان بلحاظ الواقع.

وقال أستاذنا الشهيدرحمه‌الله : إن السيد الأستاذ أجاب على الكلام السابع، فأجبت عليه، وأخذ يفكر في الموضوع إلا انه حان وقت الدرس فبدأ بالتدريس وانقطعت سلسلة البحث في هذه المسألة.

وقد نقل لي الأستاذ الشهيدرحمه‌الله تلك النقوض السبعة مع أجوبتها من دون الالتزام بالترتيب بين النقوض...)).

وأذكر أيضاً ان مناقشة حدثت بين السيد الشهيد وأستاذه السيد الخوئي في مسائل الحج فاستطاع رضوان الله عليه ان يغيّر أكثر من عشرة فتاوى للسيد الخوئي في موضوع الحج خلال ساعة واحدة أو ما يقارب ذلك.

العبقرية والعمق العلمي

ولأجل إحاطة القارئ الكريم بصورة أشمل عن جوانب العبقرية والعمق العلمي في شخصية السيد الشهيد أنقل هنا ما كتبه أبرز تلاميذه، وهما سماحة آية الله السيد كاظم الحائري وسماحة آية الله السيد محمود الهاشمي (حفظهما الله) باعتبارهما من جملة طلابه الذين


واكبوا مسيرة السيد الشهيد العلمية، وقرّروا أبحاثه، ونالا درجة الاجتهاد عنده، مضيفاً - إلى ما كتباه - بعض ذكرياتي عن نفس الموضوع وإن لم أكن بصدد تقييم ودراسة شخصية السيد الشهيد العلمية في هذا الكتاب؛ لأني أعتقد ان مهمة كهذه تحتاج إلى جهود متكاتفة ومتظافرة لعدد كبير من العلماء الأكفاء وأهل الخبرة، ولكن مع ذلك وجدت أن طبيعة الموضوع تقتضي التعرّض لذلك ولو بشكل محدود عسى ان يكون في ذلك البداية المتواضعة لدراسة أشمل واوسع عن هذا الجانب من شخصية السيد الشهيد الصدر.

وصفه العلمي على لسان السيد الحائري:

كتب سماحة آية الله السيد كاظم الحائري (دام ظله) عن هذا الجانب ما يلي:

((تتميز الأبحاث العلمية لأستاذنا الشهيد عن سائر الأبحاث العلمية المألوفة بالدقة الفائقة والعمق الذي يقل نظيره من ناحية، وبالسعة والشمول لكل جوانب المسألة المبحوث عنها من


ناحية أخرى، حتى ان الباحث الجديد لها قلَّ ما يحصل على منفذ للتوسيع أو التعميق الزائدين على ما أتى به الأستاذ.

إضافة إلى كل هذا نرى من مميزات أستاذنا العلمية أن أبحاثه لم تقتصر على ما تعارفت عليه أبحاث العلماء في النجف الأشرف وقتئذ من الفقه والأصول، بل شملت سائر المرافق الفكرية الإسلامية كالفلسفة والاقتصاد، والمنطق، والأخلاق، والتاريخ، وفي كل مجال من هذه المجالات ترى بحثه مشتملاً على نفس الامتيازين الملحوظين في أبحاثه الأصولية والفقهية من العمق والشمول.

ففي علم الأصول نستطيع ان نعتبر المرحلة التي وصل إليها مستوى البحث الأصولي على يد الأستاذ عصراً رابعاً من أعصر العلم وتطوراته التي مر بها علم الأصول على حد مصطلحات أستاذنا في كتاب ((المعالم الجديدة للأصول))، حيث قسّم رضوان الله عليه الأعصر التي مر بها علم الأصول من المراحل التي بلغ التمايز النوعي فيما بينها إلى ما


ينبغي جعله حداً فاصلاً بين عصرين قسّمها إلى ثلاثة أعصر:

١ - العصر التمهيدي.

٢ - عصر العلم.

٣ - عصر الكمال العلمي.

أقول: لئن كان الفارق الكيفي بين بعض المراحل وبعض حينما يعتبر طفرة وامتيازاً نوعياً في هوية البحث يجعلنا نصطلح على ذلك بالأعصر المختلفة للعلم، فحقاً إن علم الأصول قد مرّ على يد أستاذنا الشهيد بعصر جديد، فلو أضفناه إلى الأعصر التي قسّم إليها فترات العلم في (المعالم الجديدة) لكان هذا عصراً رابعاً هو عصر - ذروة الكمال - ترى فيه من الأبحاث القيمة، والجواهر الثمينة، والدرر المضيئة ما يبهر العقول، وهي تشتمل على مباحث فريدة في نوعها.

نشاطه التدريسي ومؤلفاته

النشاط التدريسي

كان للسيد الشهيد رضوان الله عليه مجلسان للتدريس:


الأول: بحث الأصول، وكان يلقيه في مسجد الجواهري بعد أذان المغرب بساعة في الأيام الدراسية من الأسبوع.

الثاني: بحث الفقه، وكان يلقيه في جامع الطوسي في الساعة العاشرة من صباح كل يوم من الأيام الدراسية.

وكان له بالإضافة إلى ذلك مجلس درس ثالث في بيته عصراً للخواص من طلابه كان يتضمن بحثاً فقهياً لمدة من الزمن ثم تحول أخيراً إلى بحث فلسفي في تحليل الذهن البشري وكثيراً ما كانت تدور في هذا الاجتماع قضايا سياسية واجتماعية وغيرها.

وكان للسيد الشهيد - قبل فترة التصدي للمرجعية - محاضرات قيّمة كان يلقيها في مناسبات وفيات الأئمة عليهم السلام، سُجّل بعضها بصوته وطبعت جملة منها فيما بعد باسم ((أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف))(١) .

__________________

١ - وقد عثر على بعض آخر منها ضمن الأرشيف الذي رتبه فضيلة الأخ السيد حامد الحسيني حفظه الله، وستطبع جميعها إنشاء الله في =


ويجب ان نشير إلى ان أبحاثه الفقهية والأصولية المسجّلة بصوته مع باقي مؤلفاته وكتاباته ومحاضراته قد صادرتها السلطة العفلقية بعد فترة من استشهاده، ولم يحفظ من محاضراته وأبحاثه المسجلة بصوته إلا القليل عند بعض طلابه.

مؤلفات السيد الشهيد:

١ - غاية الفكر في علم الأصول.

__________________

= مجموعة (تراث الشهيد الصدر)، وبدورنا وبعد جهود مضنية من البحث المستمر والمتابعة الدؤوبة على جمع أغلب ما كُتب عن الشهيد محمد باقر الصدر (رض) وقد قارب ما لدينا من العدد ١٠٠٠ مصدر، وننتظر همة من يقوم بنشره، سيما وقد أصدر مركز دراسات تاريخ العراق قسماً منه يقارب الـ ٧٥٠ مصدر ككتاب مستقل بحدود ٥٠ نسخة سحبت على جهاز التكثير، وقد أشير إليه في ترجمة السيد الصدر ضمن كتاب موسوعة طبقات الفقهاء للعلامة الفقيه الشيخ جعفر السبحاني في الجزء ١٤، ق٢، ص٦٠٩، الطبعة الأولى، مؤسسة الإمام الصادقعليه‌السلام ، ١٤٢٤هـ


وهو عشرة أجزاء طبع منها الجزء الخامس فقط.

٢ - فدك في التاريخ.

٣ - فلسفتنا.

٤ - اقتصادنا، يشتمل على قسمين.

٥ - المدرسة الإسلامية، وهي سلسلة صدر منها عددان هما: (الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية) و (ماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي).

٦ - المعالم الجديدة للأصول.

٧ - البنك اللاربوي في الإسلام.

٨ - الأسس المنطقية للاستقراء.

٩ - بحوث في شرح العروة الوثقى، في أربع مجلدات.

١٠ - موجز أحكام الحج.

١١ - الفتاوى الواضحة.

١٢ - دروس في علم الأصول، في ثلاث حلقات تشتمل الثالثة منها على جزئين.

١٣ - بحث حول الولاية.

١٤ - بحث حول المهدي.

١٥ - تعليقة على رسالة بُلغة الراغبين، وهي مفقودة الآن مع كل الأسف.


١٦ - تعليقة على منهاج الصالحين للسيد الحكيم قدس سره في جزأين.

١٧ - تعليقة على مناسك الحج للسيد الخوئي قدس سره.

١٨ - سلسلة أبحاث (الإسلام يقود الحياة) وهي:

أ - لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران.

ب - صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي.

ج - خطوط تفصيلية عن اقتصاد المجتمع الإسلامي.

د - خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء.

هـ - منابع القدرة في الدولة الإسلامية.

و - الأسس العامة للبنك في المجتمع الإسلامي.

١٩ - محاضرات في التفسير الموضوعي للقرآن، وطبعت تحت عنوان (المدرسة القرآنية). وللسيد الشهيد رضوان الله عليه مؤلفات أخرى صادرتها السلطة،


منها كتاب كُنت أراه يؤلفه في فترة الحجز، لم يضع له اسماً، وقد سألته عن موضوعه فقال إنه في أصول الدين(١) .

وله كتاب آخر عن تحليل الذهن البشري، لم يتمّه، وقد صادرته السلطة بعد استشهاده(٢) .

__________________

١ - راجع الوثيقة رقم (١١) التي مضت الإشارة إليها، وجاء فيها: (( وأرجو ان أوفق إذا ساعد حالي وأعانت صحتي إلى كتابة كتاب دراسي في أصول الدين...)). وراجع أيضاً الوثيقة رقم (١٤) التي جاء فيها بخطه الشريف: ((... إلا أني قدّمت عليه فعلاً التشاغل بالبحث المشار إليه سابقاً والذي كنت أشير إليه باسم البحث في أصول الدين...)).

٢ - أيُّ سلطةٍ وحشيةٍ هذه التي تعذب وتعتقل وتقتل مفكّريها ومثقّفيها؟ أنها سلطة أوباش وليست سلطة إنسانية تحترم العلم والعلماء وتحافظ على حقوقهم وحقوق الناس. وهذا ما يذكرني بقول الدكتور زكي نجيب محمود، حينما اقترح على طالب عراقي على ان يكون نتاج الصدر موضوع بحثه لنيل شهادة الماجستير، ولكن جواب الطالب العراقي أذهل عقل هذا المفكر المصري حين =


__________________

= أجابه: انه لا يستطيع ذلك وإلا عرّض نفسه وأهله للأذى إذا عاد إلى وطنه!!

يومها كتب هذا المفكر الفيلسوف في صحيفة الأهرام عموداً بعنوان (أزمة المثقف العربي) نعى فيه المثقف الأصيل في بلادنا... المحبط بلا حدود.

وبهذا الخصوص ذكر الأستاذ حسن السعيد حواراً جرى أواسط الثمانينان بين أحد أساتذة الفلسفة في واحدة من أمهات الجامعات الغربية وطالب عراقي كان بصدد إعداد أطروحة أكاديمية لنيل درجة الماجستير، كان الأستاذ ذاك مشرفاً على الأطروحة، وخلال سير البحث تطرق الحديث عن (نظرية المعرفة) كما يراها * السيد الصدر، في سفره العظيم (الأسس المنطقية للاستقراء)، لقد اكتشف أستاذ الفلسفة في هذا الفكر عمقاً وشمولية وأصالة وابتكاراً لم يسبق له ان اطلع عليه، ودار الحوار التالي:

* من أي الجامعات تخرج محمد باقر الصدر هذا؟ وأين يدرّس الآن؟

* انه لم يتخرج من الجامعات المعروفة لديك... انه خريج جامعة النجف الدينية في العراق.

* هل بإمكانك ان ترتب لي لقاءً معه؟


أخلاقه وسيرته الذاتية

١ - إن عاطفة السيد الشهيد قدس سره وأحاسيسه صادقة بمعنى الكلمة، فهو لا يعرف التصنّع والتمثيل، إذا

__________________

* آسف... أستاذ!

* لماذا؟ أليس لديه متسع من الوقت؟

* لا ليس ذلك.

* إذن ما السبب يا ترى؟

وهنا ندّت آهة من قلب الطالب العراقي، ليفاجئ أستاذه بالخبر الذي كان له وقع الصاعة.

* لقد قتل هذا المفكر الكبير على يد السلطة الحاكمة في بلادنا!

استبدت علامات الدهشة الممزوجة بالغضب لهذه الجريمة... وعلّق بمرارة:

* أنتم معاشر الشرقيين... هل تكرمون عظماءكم بهذه الطريقة؟!

وبعد صمت قصير مشوب بالأسى... أضاف: إن أفكار هذا العبقري في مجال نظرية المعرفة... لا تعرف إلا بعد خمسين أو ستين سنة قادمة.

انظر كتاب الأستاذ حسن السعيد: ((الإمام الشهيد محمد باقر الصدر... الرمز والقضية)).


تألم لأحد تألم من أعماقه، وإذا أحب أحداً أحبه من قلبه، ومن عاش مع السيد الشهيد يدرك ذلك بسهولة من خلال تصرّفاته وانفعاله مع الحالة، ومن تأثير ذلك على وجهه وملامحه، وسوف نرى في طيات هذا الكتاب ما يشهد لذلك.

٢ - إن هذه العاطفة لله، طلباً لمرضاته، وتقرّباً إليه عز وجل، وليست حالة فطرية جُبل عليها فقط، نعم، إنه استطاع ان يربيها وينميها حتى يراها الرائي وكأنه جُبل عليها، ثم سخّرها لخدمة الأهداف العظيمة والمبادئ السامية، وكان يتحكّم بها بالشكل الذي تقضيه مصلحة الإسلام.

ولي على ذلك الكثير من الشواهد: فقد رأيته في مواقف مع بعض أرحامه وأعز الناس عليه حينما تصرّفوا تصرّفاً مباحاً لكنه ينافي الخط الذي رسمه للمرجع والمرجعية، رأيته وكأنه لم يعرف العاطفة. وإذا كان لا يحقّ لي أن أتحدث عن الآخرين فلا ضير من اتحدث عن نفسي فيما يتعلق بهذا الموضوع.

فمثلاً في يوم من الأيام حاولت أن


أشتري جهاز تكييف لأن والدته - حليفة الورع والتقوى - مصابة بمرض في جهازها التنفسي، وكان الدكتور المشرف على علاجها (وهو الدكتور ضياء العبيدي) قد أخبرني بأن حالتها ستستمر بالتدهور إلا إذا استبدل جهاز تبريد الغرفة المائي بجهاز تكييف غازي.

وفي اليوم التالي ذهبت إلى السوق لأسأل عن سعر الجهاز كي أستأذن السيد الشهيد في شرائه، ولم أكن أخبرته برأي الطبيب، وأن علاج والدته منحصر بهذا، ولكني أخبرته بأمر ذهابي إلى السوق لغرض معرفة سعر جهاز التكييف، وهنا كانت المفاجأة، لقد غضب غضباً شديداً، وتغيّرت ملامح وجهه، وأعتقد أني لو كنت ابنه الصلبي لضربني في تلك الساعة، ثم خاطبني منفعلاً بقوله:

((هل مات إحساسك؟ هل تريد أن أنعم بالهواء البارد وفي الناس من لا يملك حتى المروحة البسيطة؟ ألم تعلم بأني أريد لهذه المرجعية حياة البساطة والاكتفاء بأبسط مظاهر العيش بل


الضروري منه؟)).

فوالله العظيم لقد أذهلتني الصدمة وأنا أرى السيد الشهيد قد بلغ به الانفعال والغضب أشده وكأنه لم يعرف للعاطفة والمحبة محلاً في قلبه.

فقلت له: لقد ذهبت بمفردي إلى السوق ولم يعلم بذلك أحد.

فقال: الناس يعلمون انك معي وتصرّفك يُحسب عليّ.

قلت: الطبيب نصح بذلك، ويمكنكم الاستفسار منه، ثم أخبرته بتفاصيل ما قاله الطبيب، هنا عاد رضوان الله عليه إلى وضعه الطبيعي، وبدأ يخفف مما أحسه في نفسي من تأثر، وقال:

((أنا يا ولدي أريد ان أغيّر هذا الواقع بقولي وفعلي، وعليك أن لا تنسى هذه الحقيقة في كل تصرّفاتك وأعمالك في المستقبل)).

وأتذكر أيضاً ان السلطة الظالمة حينما شنّت حملتها القاسية عام (١٩٧٤م / ١٣٩٤هـ) لاعتقال الطلبة والمؤمنين،


وانتهت بإعدام الشهداء الخمسة (رضوان الله عليهم)(١) والحكم بالسجن المؤبد على عدد كبير منهم، وقد بلغ السيد الشهيد - قبل ان تظهر نتائج الحملة - ان المعتقلين يعانون من ضغوط كثيرة منها حرمانهم من الطعام مع ما يتعرّضون له من تعذيب شديد، فتألم وتأثر لذلك كثيراً، فأخذ يفكّر في طريقة تساعد المؤمنين في محنتهم، وتعينهم على الصبر والصمود، فدعاني في ظهر يوم من أيام تلك المحنة إلى مكتبته، وقال لي: لقد بلغني ان المؤمنين يتعرّضون إلى مجاعة مع ما يلاقون من تعذيب، وتحدّث عن ضرورة مساعدتهم بأي ثمن، وظل يتحدث حتى فهمت ان لديه رغبة في ان أقوم بهذه المهمة. فقلت له: أنا مستعد لذلك إن شاء الله. فقام وأتى

__________________

١ - هم المرحوم السيد عماد التبريزي، والمرحوم الشيخ عارف البصري، والمرحوم السيد عز الدين القبانجي، والمرحوم عبد الأمير جلوخان، والمرحوم السيد نوري طعمة.


بمبلغ في حدود أربعمائة دينار، وقال: وزّع هذا المبلغ عليهم او وفّر لهم الطعام في السجن من دون علم السلطة بمصدر المال، وفي عصر نفس اليوم ذهبت إلى سوق النجف الكبير وهناك تمَّ اعتقالي مع جماعة من الطلبة وكان المتوقع أن أنقل إلى بغداد، إلا أن ذلك لم يحصل بسبب امتلاء سجون مديرية الأمن العامة بالمعتقلين، وبعد مضي شهر تقريباً وبعد التحقيق تم الإفراج عنا جميعاً بكفالة، وكنا نحن سجناء مديرية أمن النجف آخر من أفرج عنهم تقريباً)(١) .

__________________

١ - من صور الفداء والتضحية ان المرحوم الشهيد حجة الإسلام الشيخ عبد الأمير محسن الساعدي وهو أحد وكلاء السيد الشهيد كان معي في نفس المعتقل وكان ضابط الأمن يأخذه يومياً للتعذيب والتحقيق من دوننا، وبعد التحقيق يعود وقد تلقّى أنواع التعذيب ولم يكن أحد منا يعرف سبب ذلك، إلا انه كان يقول لي على سبيل المزاح: أنت السبب في كل هذا العذاب وأنت المسؤول عنه، ولم أكن أعرف ما يقصده =


أما في بغداد، فإن السلطة استقر رأيها على إعدام الشهداء الخمسةرحمه‌الله والحكم بالحبس المؤبد على مجموعة أخرى، واعتقدت السلطة بأن هذه الضربة ستقضي على التحرّك الإسلامي في العراق، أو تشلّه ولو لأمد من الزمن، وعلى هذا الأساس اتخذ التحقيق طابعاً آخر، فتقرر أن كل من يعترف - ولو اعترافاً صورياً - بانتمائه لحزب الدعوة الإسلامية يفرج عنه في نفس اليوم، فوقع تحت تأثير هذا الإغراء الكثير منهم وتم الإفراج عنهم.

__________________

= بكلمته هذه حتى كان يوم قبل الأخير من تاريخ الإفراج عنا إذ دعيت مرة أخرى إلى التحقيق، فقد تبين لي ان السلطة وقعت في اشتباه بيني وبينه، فكان رحمه الله يُعذب بدلاً مني، وكان يعلم بالاشتباه ولكنه لم يعترف لهم بالحقيقة، بل ولم يخبرني خشية ان اعترف لهم بالحقيقة. وبعد ان عُدت من التحقيق والتعذيب خاطبني بعين ترقرق بالدمع وقال: والله كان بودي ان استمر على هذا الحال ولا يكشف أمرك، أما وقد عرفوك فالمعذرة إلى الله.


لقد علم السيد الشهيد بذلك فتألم كثيراً، ولكن ما عساه يفعل وقد انتهى كل شيء، وكانرحمه‌الله يظن ان الإفراج عني كان لنفس السبب.

علمرحمه‌الله بوصولي إلى بيته، فتوقعت من استقبال الأب لابنه، خاصة وأنا أعرف كريم خُلقه، وصفاء قلبه، ونقاء روحه. لم يكن ما كنت أظن، فقد جاء وعلامات الانفعال والتأثر ظاهرة عليه، وقال: إن كنت قد اعترفت فلا تدخل بيتي بعد اليوم، ولا تعرّض هذه المرجعية للخطر.

والحقيقة كانت مفاجأة كبيرة لم أكن أتوقعها، بل كانت صدمة هدّت كياني، وكدت أسقط أرضاً من وقعها، إذ لم أعلم بما جرى في مديرية الأمن العامة في بغداد، ولم أعلم بقصة الاعترافات.

أكدت له رضوان الله عليه بأني ومعظم الأخوة الذين كانوا معي في المعتقل لم نعترف بشيء، وتحملنا في سبيل الله حتى اللحظة الأخيرة ألوان التعذيب، وشرحت له مسار التحقيق بأكمله، عندها تفتحت أساريره، وطفح السرور على وجهه وقال


لي يا ولدي، إن اعترافك يختلف عن اعتراف الآخرين، ان السلطة تعرف موقعك مني، واعترافك يحسب عليّ ويجب علينا ان نحمي المرجعية ولا نعرّضها للخطر.

وكان رضوان الله عليه يسعى للابتعاد بالمرجعية عن الأطر الحزبية التي كانت السلطة جادة في تثبيتها على المرجعية، وإلصاقها بها تمهيداً للقضاء عليها.

وفي فترة الاحتجاز قدّم مدير أمن النجف المجرم (أبو سعد) عدة اعترافات خطية للسيد الشهيد وقال له: هذه الأدلة التي تثبت ان منزلك وكر لحزب الدعوة، وأن بعض أصحابك من أعضائه، وهذه الوثائق تكفي وحدها لإعدامك.

أقول أين ذهبت تلك العاطفة وهو يستقبلني بهذه الشدة والحدة وهو يرى آثار التعذيب على جسمي، أليس ذلك الانفعال كله من أجل مصلحة الإسلام، ومن أجل مرضاة الله سبحانه وتعالى.

٣ - من سمات هذه العاطفة انها عامة شاملة لكل الناس، فليس هي لأهله وذريته وأرحامه، ولا لطلابه والمقربين


منه فحسب، بل لكل أبناء الأمة.

ولله أشهد بأنني رأيت السيد الشهيد رضوان الله عليه في مواقف تشهد على ما أقول حيث يصبح الإنسان حائراً أمام تلك العظمة، وعند ذلك الشموخ وتبعثه إلى التساؤل عن أنه كيف استطاعرحمه‌الله ان يربّي نفسه إلى حد يتساوى في حبه وعاطفته تجاه ابنه الصلبي مع حبه وعاطفته تجاه ابنه في الإسلام، بل قد يفضّل ابنه في الإسلام على ابنه الصلبي إذا كان عطاؤه للإسلام وتفانيه فيه أكثر أهمية وموقعه في العمل الإسلامي أهم وأخطر.

فمن تلك المواقف العجيبة ما رأيته حينما صدر حكم الإعدام على الشهداء الخمسة في عام (١٩٧٤م / ١٣٩٤هـ) إذ تأثررحمه‌الله غاية التأثر، كان الحزن يخيم عليه، وكان الأسى يملأ قلبه، لا يقر له قرار، ولا يهدأ له حال وكأنه قد ثُكل بأعز ولده، وأصيب بما يشبه الشلل، دخلت عليه في يوم من أيام حادثة إعدام الشهداء الخمسةرحمهم‌الله في حدود الساعة الثالثة بعد الظهر


فوجدته يبكي والدموع تجري وكأنه فقد أعز عزيز عليه، فقلت له: سيدي إذا كنت أنت تفعل هكذا فماذا يجب ان أفعل أنا وأمثالي؟

كفكف دموعه ثم قال لي:

((والله لو ان البعثيين خيروني بين إعدام أولادي الخمسة وبين إعدام هؤلاء لاخترت إعدام أولادي وضحيت بهم، ان الإسلام بحاجة إلى هؤلاء لا إلى أولادي)).

ووالله لقد كان صادقاً، لقد رأيته خلال فترة الاحتجاز يضحي بسعادة عائلته وأولاده من أجل الإسلام(١) ، كان كل شيء في البيت يدعو السيد الشهيد إلى فك الحجز حيث والدته المريضة طريحة

__________________

١ - العجيب الغريب ان تتوافر كُلّ صور التطابق والمشابهة بين واقعه وواقع وظروف الإمام الحسينعليه‌السلام ، وقد ذكرنا أغلب هذه الصور في كتابنا ((الحسينعليه‌السلام يكتب قصته الأخيرة)) بل عنوان الكتاب يعطي هذا الانطباع من الوهلة الأولى كونه محاضرة علمية تحليلية راقية ألقاها السيد الصدر على تلامذته بمناسبة ذكرى شهادة الإمام الحسينعليه‌السلام.


الفراش تشكو بأنينها مصاعب المرض وحرمانها الدواء، وبدأ الجوع تظهر آثاره على وجوه أولاده الصغار في تلك الفترة من الاحتجاز، والجو الكئيب الملتف بالإرهاب قتل الابتسامة في وجوههم، وقد طالت المدة وتمادت، ومع ذلك أبى قبول أبسط شروط السلطة لفك الحجز، وقدّم مصلحة الإسلام والمرجعية على مصلحته الخاصة، وسترى تفاصيل ذلك فيما بعد.

من المؤكد ان السيد الشهيدرحمه‌الله كان يعرف موقع الشهداء الخمسة في التحرك الإسلامي في العراق، ودورهم الخطير والكبير في خدمة الإسلام لو استمر بهم العمر. فمثلاً المرحوم الشيخ عارف البصري كان من كبار علماء بغداد، وفي مركز من أهم مراكزها وهو الكرادة، وكان محوراً كبيراً، تغلغل في قلوب الناس وأعماقهم، وكان من المتوقع ان يؤدي دوراً كبيراً في بعث حركة الوعي الإسلامي في بغداد لو امتد به العمر.

وقد لا يصدّق البعض إذا قلت: إن صلة


المرحوم الشيخ عارف البصري بالسيد الشهيد كانت ضعيفة جداً، فلم يتّفق أن زار السيد الشهيد ولا مرة واحدة طيلة المدة التي قضيتها مع السيد الشهيد، ولم يكن من وكلائه أو المحسوبين عليه، ومع ذلك فإن القيم التي يتعامل على أساسها شهيدنا العظيم مع الأشخاص والمواقف أسمى بكثير من الاعتبارات الذاتية والملاكات الشخصية ذات الاتجاه العاطفي الأناني، فهو يبكي على الشيخ عارف لا على أساس صلته الشخصية به، بل على أساس صلته بالإسلام ودوره في مسيرة الجهاد نحو خدمة الرسالة.

وكنت خلال فترة الاحتجاز أخبر السيد الشهيد بإعدام أشخاص من المؤمنين - وكان لا يعرفهم - فكان يبكي ويقول:

((بأبي أنتم وأمي أيها السعداء جزاكم الله عن الإسلام، وعن أبيكم، هنيئاً لكم، لقد سبقتموني إلى لقاء الله)).

وحينما بلغه نبأ إعدام الشهيد آية الله السيد قاسم شبر، والسيد المبرقع، وعشرات آخرين من العلماء والمؤمنين، قبض على شيبته الكريمة ورفع رأسه إلى


السماء وقال:

((إلهي بحق أجدادي الطاهرين، ألحقني بهم سريعاً، واجمع بيني وبينهم في جنانك)).

وقد حدثني رضوان الله عليه في فترة الحجز - وكنت أتحدث معه عن إمكانية الفرار وإنقاذه من أيدي الظالمين - بأنه مصمم على الشهادة، وذكر الأسباب، وقال:

((حتى لو ان السلطة فكّت الحجز عني فسوف أبقى جليس داري فليس منطقياً ان أدعو الناس إلى مواجهة السلطة حتى لو كلّفهم ذلك حياتهم، ثم لا أكون أولهم سبقاً إلى الشهادة في الوقت الذي يستشهد فيه الشباب اليافع والشيخ الكبير من أمثال الشهيد المرحوم السيد قاسم شبر الذي جاوز التسعين من عمره))(١) .

__________________

١ - ونحن في زحمة تحقيق هذا الكتاب، أهدى لي الأستاذ، الكاتب الإسلامي القدير ((حسن السعيد)) كتابه الأخير ((الإمام الشهيد محمد باقر الصدر... الرمز والقضية)) ونقف =


__________________

= على بعض العناوين وبالأخص ما أطلق عليه الكاتب بـ ((الضد النوعي)) وهو بصدد تصوير حجم المعاناة التي اُبتلي بها السيد الصدر من أعدائه وخصومه، فيقول الكاتب: ((وككل العظماء، فقد ابتلي السيد الشهيد بأنماط شتى من الأعداء الأيديولوجيين أو الخصوم السياسيين، وكذلك الضد النوعي، ومن لديه أدنى اطلاع على خصوصيات السيد الشهيد تتزاحم في ذاكرته الممارسات المدانة والمخجلة التي مارسها البعض من الضد النوعي، ونترك هنا - كما يقول الكاتب - المجال للسيد الشهيد وهو يبوح لأحد مريديه بنفثة مما يمور في حنايا صدره، إذ يقول في رسالةخطية: ((لو كنت تعلم ما نواجهه هنا من مزعجات وإيذاءات من أشخاص كثيرين مما لا يمكنني أن أستعرض لهان عليك ما ذكرت فهو ليس - علم الله - إلا شيئاً يسيراً من المزعجات التي نواجهها والتي جعلتني في بعض لحظات الضعف التي تنتاب كل إنسان عدا من عصمه الله أود ان أهاجر من النجف إلى قرية من القرى، ولكن لابد من التحمل)). وفي رسالة ثانية يقول في هذا السياق: ((صحتي جيدة وإن كانت الظروف النفسية متعبة خصوصاً مع المضاعفات التي =


__________________

= ينتجها المغرضون عن قصدٍ والأصدقاء ومدعو الصداقة لا عن قصد أو عن نصف قصد على السواء، وكان من نتيجة هذه المضاعفات ما لا يحمد عقباه من الإشاعات والافتراءات التي تلصق بأبي مرام (يقصد نفسه) الأمر الذي يحتم ان يكون بعيداً عنه أي شخص...)). ويضيف الكاتب: ((وما تزال ذاكرة تلامذة السيد الشهيد ومريديه تحتفظ بالكثير من أساليب الإيذاء والحرب الشعواء التي شنها الضد النوعي على السيد الشهيد، ولكنه لم ينزل يوماً إلى مستواهم الهابط، فعزف عن ذلك متدرعاً بالصبر الجميل... والتماس الأعذار لهم أحياناً كثيرة.


محمد محمد صادق الصدر*

المرجع الديني، والعلامة الكبير، المحقق الأصولي البارع، والفقيه الضالع آية الله العظمى السيد محمد بن محمد صادق بن السيد محمد مهدي بن السيد إسماعيل بن صدر الدين... والذي ينتهي نسبه إلى الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليه‌السلام

ولد يوم ميلاد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عام ١٣٦٢هـ في بغداد - مدينة الكاظمية - نشأ وترعرع في أحضان والده وجده لأمه العالم التقي محمد رضا آل ياسين(١) ،

__________________

* - دراسة أتحفنا بها الأستاذ صادق جعفر الروازق مؤلف كتاب أمير المنابر الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، مشكوراً. (المؤلف).

١ - ومن المعروف عن تقوى وإخلاص وإيمان هذه العائلة الجليلة الكريمة أنها كانت في شك من نسبها، وبعد ان كان رجالها يرتدون العمة السوداء، قطعوا الشك احتياطاً وارتدوا العمة البيضاء، وبات هذا الحادث منقبة عظيمة وفريدة طبعت على =


وكان وحيداً لوالده.

بدأ دراسته الحوزوية في سن مبكرة ولم يتجاوز عمره الثانية عشر، وأكمل المقدمات على العلامة السيد محمد تقي الحكيم والشيخ محمد تقي الإيرواني، ودخل كلية الفقه عام ١٣٧٩هـ / ١٩٦٠م وتخرج منها عام ١٣٨٣هـ / ١٩٦٤م، ثم دروس البحث الخارج عند السيد محمد باقر الصدر والسيد الخميني والسيد الخوئي والسيد محسن الحكيم، وأجيز بالاجتهاد من قبل أستاذه الشهيد محمد باقر الصدر عام ١٣٦٩هـ / ١٩٧٧م.

انتدب للتدريس في مدرسة العلوم الإسلامية المسماة بـ ((الدورة)) وألقى بحوثاً في الدراسات العيا.

وامتاز هذا الرجل (رحمه‌الله ) بصفات تكاد تكون فريدة بين أقرانه فعرف عنه بالسلوك العرفاني والأخلاق الفاضلة

__________________

= تاريخ أسرة آل ياسين، فذعنت لهم كل عقول وضمائر الشرفاء والأحرار من المسلمين، لما سجلوا من صدق التقوى والحذر من خوف الله وعمق الإيمان.


المميزة، فكانت هذه الأمور من الصفات المحببة لكل من عرفه من شيوخه وأساتذته وطلابه.

قال عنه السيد عبد الله نجل السيد عبد الحسين شرف الدين: ((سطع نجمه، ولمع اسمه في الأندية العلمية وأصبح مرموقاً في وسطه، مشاراً إليه بالفضل، مقدّراً عند أساتيذه وغيرهم، والحق إني رأيته من خيرة شباب هذا الجيل، فهو مفخرة من مفاخر السادة الذين يرفعون الرأس عالياً بنبوغهم وعلمهم، ويملأون العين بسمو أخلاقهم وعلوّ صفاتهم وبهاء طلعتهم...

وعلاوة على ذلك هو كاتب مجيد، من أهل الأقلام العالية، ذو حظ وافر من البراعة في الإنشاء والكتابة والنظم، له عدة مؤلفات تدل على قلم سيال، ومكانة في الفكر والبحث والتحقيق.

وترجم له أيضاً الدكتور الشيخ هادي الأميني، قائلاً: ((عالم جليل، فاضل أديب كاتب مبدع، مؤلف متتبع كثير التأليف والتصنيف، تنبئ كتاباته عن مناعته العلمية وحيويته الأدبية بصورة


عامة...)).

مؤلفاته:

١. نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان.

٢. فلسفة الحج في الإسلام.

٣. أشعة من عقائد الإسلام.

٤. القانون الإسلامي وجوده، صعوباته، منهجه.

٥. موسوعة الإمام المهدي، صدر منها:

أ - تاريخ الغيبة الكبرى.

ب - تاريخ الغيبة الصغرى.

ج - تاريخ ما بعد الظهور.

د - اليوم الموعود بين الفكر المادي والديني.

٦. ما وراء الفقه (موسوعة فهية) وهي عشرة أجزاء.

٧. فقه الأخلاق.

٨. فقه الفضاء.

٩. فقه الموضوعات الحديثة.

١٠. حديث حول الكذب.

١١. بحث حول الرجعة.

١٢. كلمة في البداء.

١٣. الصراط المستقيم.


١٤. (منهج الصالحين) وهي رسالة عملية موسّعة اشتملت على المسائل المستحدثة.

١٥. مناسك الحج.

١٦. كتاب الصلاة.

١٧. كتاب الصوم.

١٨. أضواء على ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام

١٩. منّة المنان في الدفاع عن القرآن (قد يصل إلى خمسين مجلداً).

٢٠. منهج الأصول.

٢١. التنجيم والسحر.

٢٢. مسائل في حرمة الغناء.

ومن المعروف عن عائلة الصدر في أغلبها رجالاً ونساء، عائلة أدبية لها من البراعة والبداعة في نظم الشعر، فضلاً عما أحرزته من مكانة علمية عالية، ومن ذلك نرى ان السيد محمد الصدر جمع بين هاتين الملكتين، فكان له نصيبٌ عظيمٌ في العلم ونصيبٌ رائعٌ في الأدب وإن كان مقلاً فيه.

فمن نظمه، يقول مخاطباً ولده الشهيد


مصطفى في الذكرى الأولى لميلاده:

حييتك سابغة النعماء تنتشر

وفي رُبى حقلك الفوّاح تزدهر

وسلم الصبح نشواناً يغرد في حقل الهنا

وله في جوّه وتر

وطافت الشمس في أبهى أشعتها

مداً وأفقك يقفو إثرها القمر

وأرسلت من خيوط الضوء أحزمة

ليعبق النور في الدنيا وينتشر

وغرّد البلبل النشوان أغنية

للدوح كي تزدهي في جوه صور

حييتك عاماً من البشرى به انطلقت

أشعة الحب في الأكوان تزدهر

عام من الود والإخلاص منبعه

ومن معين شعاع الشوق معتصر

عام به أنزل الرحمن رحمته

على قلوب بها النيران تستعر

كانت من الوجد والأشواق قد تعبت

ومن لظى غلّها للفجر تنتظر

ما ذاقت الحلو واستجلت ملامحه

أو جاءها من ثنى أنواره أثر

بالوجد بالبؤس بالحرمان قد صبرت

للنور للحب للأعتاق تفتقر

طال الزمان على يوم به صبرت

والخير حتماً يراه الناس إن صبروا

تصدى للمرجعية الدينية في ظرف استثنائي صعب من تاريخ الحوزة النجفية، وتحدى نظام الطغاة بكل شجاعة وتفان وإخلاص انطلاقاً من قناعاته الشرعية التي رأى فيها حتمية النهوض بالواقع العراقي وإعادته إلى واقع حاله من الفكر والمعتقد بعد ان كادت سياسة النظام إلغاء كل المظاهر الإسلامية وتعطيل ما لا يمكن تعطيله منها، فكانت صلاة الجمعة المليونية


باكورة مشروعه الإصلاحي والتي رأت فيها السلطة تحدياً سافراً لسياساتها، حتى طفح الكيل بعد ان أنذرته عدّة مرات بالتخلي عن هذه الشعيرة الإسلامية وبقية نشاطاته الثقافية الجماهيرية، فسقط شهيداً مع اثنين من أبنائه (مصطفى ومؤمل)، في أبشع عملية جبانة قدمت عليها سلطة البعث الصدامي لإنهاء ما كانت تعتقد به من خطر كان يشكله هذا الرجل (رض) من تعبئة للجماهير المستضعفة، وما تبلور جلياً من فصل الجماهير عن سلطة البعث.

من ملامح المنهج الإصلاحي في فكر السيد محمد الصدر(١)

١ - يعتبر المرجع الشهيد آية الله العظمى السيد محمد صادق الصدر أول مرجع من مراجع العصر اقتحم ميدان الأمة، واستطاع مخاطبتها مباشرة من خلال المؤتمر الأسبوعي لصلاة الجمعة،

__________________

١ - الكثير من هذه الملامح ذُكرت في مرجعية الميدان للأستاذ عادل رؤوف والأستاذ مختار الأسدي في الشاهد والشهيد.


والتي لم يعرف لها مثيل أو نظير في تاريخ التشيّع منذ قرون كثيرة، وانها أقيمت تحت ظل نظام طاغوتي دموي مستبد لم يكن له نظير ومثيل في كل طواغيت العالم.

٢ - امتاز السيد الصدر بخطاب جماهيري خاص في إطار شعبي مفهوم ولغة حماسية وأسلوب تعبوي، لم يكن مألوفاً (مرجعياً) قبل ذلك، فاستطاع (رض) ان ينتقل من مرحلة الخطاب المكتوب والاستفتاء الجاهز والجواب الفقهي الغامض، إلى مرحلة الخطاب المسموع واللهجة الواضحة والجواب الواضح والصريح.

٣ - استطاع السيد بقدرته الفائقة استثمار الهدنة بينه وبين النظام الظالم، ونجح في استقطاب الشارع العراقي المسلم بملايينه المختزنة غضباً ضد السلطة. وتوجيه هذه الملايين في مشروع إصلاحي تغييري ملأت بركاته أرض وسماء العراق، وعاش المؤمنون إسلاماً نقياً صافياً تصيّرت بذلك العلاقة الإيمانية الحميمة مع الخالق سبحانه


وتعالى.

٤ - من خلال مشروعه الرائد - صلاة الجمعة - أعاد للناس هويتهم الحقيقية وصدق انتمائهم، فكان بحق مؤتمراً إسلامياً تنفس فيه الناس وعظاً وإرشاداً وحركية بعيداً عن مجالس التكايا والدروشة والطقوس الشعارية الباهتة التي أبقت الإسلام محنّطاً متصخّراً في معزل عن الأمة والناس وواقع الحياة.

٥ - استطاع (رض) ان يدفع بإعلام الحوزة العلمية المغيّب لإعادة التوازن بينه وبين أعلام السلطة؛ وذلك من خلال إرسال المبلغين والوكلاء إلى كافة مدن وقصبات وقرى وأرياف العراق. وبذا استطاع ان يخلق رأياً عاماً وثقافة جماهيرية رسّخت القيم الإسلامية ومبادئ الدين التي اُريد لها الاجتثاث والتي اُريد لها التوظيف في خدمة مشاريع السلطة.

٦ - بدعواته إلى إقامة الشعائر الهادفة والزيارات المليونية الواعية إلى العتبات المقدسة، استطاع إعادة


ترسيخها في ضمائر الناس بقوة واقتدار فأعاد لها الحرارة والحياة حينما راح المظاهرون يرفعون شعارات (نعم، نعم، للحوزة)، (نعم، نعم، للإسلام) مقابل شعار السلطة البائر (نعم، نعم، للقائد صدام حسين). كما أطلقوا أيضاً (نعم، نعم، للمذهب) قبال شعار السلطة (لا شيعة بعد اليوم) والذي كُتب على دبابات النظام في انتفاضة عام ١٩٩١م.

٧ - قام بتأسيس المحاكم الشرعية مقابل محاكم الدولة فأراد بذلك ان يلفت نظر الأمة إلى هويتها الدينية المضيّعة، ويضعها أمام حقيقة الفارق بين أحكام السلطة البعثية وأحكام الدين الحنيف.

٨ - اقتحم آية الله العظمى السيد محمد صادق الصدر عالم العشيرة العراقية المغلق والتحرش بموروثهم ((السنيّة العشائرية)) عندما قنن أحكاماً تحت عنوان فقه العشائر، فهو أراد بذلك كشف المسافة بين الموروث العشائري والحكم الإسلامي، فهو أول مرجع ديني يدخل عالم العشيرة بحرص


وشعور عال ومسؤولية.

٩ - مارس (رض) أسلوب التنديد بالسلطة والرفض لكل طلباتها، بعد ان أيقن ان أسلوب المواجهة هو الأسلوب الوحيد الذي يفهمه النظام الدكتاتوري؛ ولذا مارس التصعيد في خطاب الجمعة ورفض الدعاء لصدام وأيضاً التعرض بإجراءات السلطة في منع الزيارة، والتنديد بصراحة ووضوح بتعسف السلطة في اعتقال مجاميع من العلماء والمجاهدين، وإطلاقه شعار تحريرهم على الملأ العام. وكل ذلك تم ضمن شعارات لم تكن مألوفة جماهيرياً، وفي مثل تلك الحشود المليونية الثائرة وذلك الجو المرعب وتحت حراب السلطة وبنادق أزلامها(١) .

١٠ - انه المرجع الأول بعد ابن عمه السيد محمد باقر الصدر أدرك ان الشهادة استعداد لا مفر منه في مواجهة

__________________

١ - إشارة إلى ما أطلقه (رض) في خطبة الجمعة الأخيرة تحت عنوان (نريد نريد نريد... فوراً فوراً فوراً)


هكذا نظام دكتاتوري شرس كنظام بغداد؛ فاستعد لها وتوشح بالكفن وقد تنبأ قبل أيام من استشهاده، قائلاً بالحرف الواحد: ((لقد استشهد الشيخ الغروي والشيخ البروجردي، وقد أكون ثالثهما)) وأضاف:

((وإذا ذهبت فسأذهب كما ذهب المعصومون، وكما ذهب ميثم التمار وحجر بن عدي وسعيد بن جبير وشهداء الطف وكثيرون ممن عملوا في سبيل الله وقُتلوا في سبيل الله، وإذا ذهبت فسيكون ذهابي في طريق الله سبحانه وهو غاية المطلوب))(١) .

١١ - أصدر سماحته مجلة (الهدى) وجعلها الوسيلة الثقافية الهادفة التي يمكن ان تعرض كل ألوان الثقافة الإسلامية الأصيلة المسموح بنشرها ضمن أجواء التسلط والإرهاب الفكري المعروف، بعد ان حظرت السلطة على الكتاب الإسلامي وإتلافه وملاحقة أصحابه

__________________

١ - من نص حواراته المسجلة بصوته الشريف.


أو الحائزين عليه.

١٢ - دعوته لموظفي الدولة إلى التوبة والعودة إلى الله سبحانه وتعالى وعدم مواجهة الدين وعقائد الناس. فكانت هذه الدعوات هدفاً إصلاحياً كبيراً اقترن مع دعوات سماحته إلى السدنة وبراءته من بعض ممارساتهم غير الشرعية، وكذلك مناشداته إلى شيوخ العشائر وأبناء الطائفة المسيحية وحتى الغجر والتماسهم العودة إلى القيم الفاضلة التي دعا إليها الإسلام والسيد المسيحعليه‌السلام

١٣ - استطاع ان يبعد الناس عن مناسبات السلطة من قبيل مولد الحزب ومولد الطاغية وذكريات أم المهالك(١) وغيرها، بعد ان كرر دعواته للجماهير وتحريضهم على إحياء الشعائر الإسلامية والتفاعل الحقيقي معها، والدعوة إلى التعطيل في مناسبات الولادات والوفيات للأئمة، وارتداء السواد أيام محرم

__________________

١ - كناية عن أم المعارك، الاصطلاح الذي أطلقه النظام على حربه مع إيران.


ورفع الأعلام السود وإحياء الذكرى السنوية لإقامة صلاة الجمعة ودعوة الرسامين والفنانين لتصويرها وغير ذلك.

١٤ - فوّت فرصة مشروع السلطة في دق أسفين الخلاف بين الطائفتين والذي عملت عليه السلطة منذ مجيئها عام ١٩٦٨م، فمارس السيد محمد الصدر خطاباً دينياً وحدوياً جعله محط أنظار المحبين من أبناء السنة، ثم دعا سماحته إلى الصلاة جماعة في مساجدهم، وتعتبر هذه الخطوة من الخطوات الكبيرة في المنهج الإصلاحي لسماحته.

١٥ - ضمن الأبعاد المتعددة لمشروعه الإصلاحي، مواجهة التيارات والخطوط الدينية المنحرفة كالسلوكية وما شابهها من دوائر التحجر والتصخر والاستقطاب المتخلف لفهم الدين عقيدة وشريعة فسجل (رض) حرصه على استيعاب الحالة الدينية على أساسيات وركائز وثوابت الدين الإسلامي وقراءاته الواعية الهادفة، ولن يسمح بتمرير الخرافة والبدع والصور القشرية التي


تحاول تسطيح الدين والعقل.

١٦ - في محاولة خطرة وغير مألوفة من مرجع دين حاول السيد محمد الصدر استقطاب بعض رجال الأمن والمخابرات ومدّ الجسور بينه وبينهم بغية احتواء الخيرين منهم وتوظيفهم في مشروعه الإصلاحي، كما فعل ابن عمه الشهيد محمد باقر الصدر قبله حينما مدّ جسور التعاون والتنسيق مع وزير تخطيط النظام عدنان حسين الحمداني في محاولة انقلابية واضحة الأهداف والنتائج، فكانت محاولات لا تخلو من مجازفة(١) .

١٧ - كان حريصاً على احتضان كافة العاملين المخلصين للدين والوطن دون الالتفات إلى توجهاتهم الفكرية والسياسية والحزبية، واستيعابهم ضمن مشروعه النهضوي الكبير، ولم يقتصر على مساحات النخبة والطليعة والحزب بل اعتمد الغوص والإبحار في بحر الأمة

__________________

١ - مرجعية الميدان، عادل رؤوف، والأسدي في الشاهد والشهيد.


العميق.

في نقده الموروث المستصحب

لم يقتصر مشروعه الإصلاحي في إعادة الفكر الديني إلى طبيعته بعد ان غيّبه النظام عن واقع المجتمع، ولم يقتصر أيضاً على إعادة ترسيخ عقائد الناس الدينية وتهذيبها، ولا على دقة استيعابه في التحرك على رجال السلطة الأمنية وكسب الخيرين منهم ولا على دعواته المتكررة لمنع السفور وارتداء الحجاب ولا على احتواء الغجر وهدايتهم وغيرها الكثير من فقرات منهجه الإصلاحي ولكن السيد محمد الصدر وضع ضمن إطار منهجه إصلاح الموروث المستصحب ونقده على أساس درجته في الإسلام، ومن ذلك نرى:

١ - دعا سماحته إلى تركه الإصرار على عادة الجلوس في صدر المجلس والتأدب بما أكده الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في آداب المجالس والتأكيد على ان الداخل يجب ان يجلس حيث ينتهي به المجلس ونبذ الشعار (يَسع يَسع) والذي قد يمنح الداخل امتيازاً لا يستحقه، وقد يأتي


ذلك على حساب آخرين ربما يكونوا أكثر منزلة عند الله سبحانه وتعالى لورعهم وتقواهم(١) .

٢ - ترك السيد محمد الصدر أثراً مهماً في سلوكه وهو عدم التكلف والتصنع في العلاقة مع الناس، وحرص على ان تكون العلاقة خالية من التعالي والتكبر والتعجرف والوقار المفتعل، بل مارس مع الناس حالة الاسترسال والعفوية والتلقائية، فكان مفتوح القلب لكل الناس من صغير وكبير ومن غني وفقير وتاجر وكاسب، حتى اُتهم بالبساطة والسذاجة، حينما لم يجدوا فيه ما يعيبه كجده عليعليه‌السلام فقالوا فيه ((دعابة)).

٣ - أكد في كل خطاباته وسلوكه على (الحب) أولاً ثم (الاحترام)؛ ولذا فقد أكثر في خطاباته استخدام كلمة (حبيبي) الحبيبة بدل كلمتي (أخي)

__________________

١ - انظر الشاهد والشهيد محمد محمد صادق الصدر للأستاذ الأسدي


و(رفيقي) الجافتين الرسميتين(١) .

٤ - تأكيده المستمر على عدم تكرار الصلاة على النبي وآله أثناء دخول وخروج بعض من وإلى المحافل والمجالس، لأن ذلك كما يعتقد السيد المرجع الأكبر الشهيد آية الله العظمى السيد محمد صادق الصدر مدخل لباب الرياء والعجب والغرور في نفوس بعض الناس، وربما يتحول ذلك إلى شعار سياسي يطلقه بعض المتملقين تزلفاً لأهداف ذاتية ومصلحية فتخرج عن كونها - الصلاة - ذكراً محموداً مستحباً.

٥ - دأبت العادة ان لا يصلي مرجع وراء مرجع، بل لم يذكر لنا التاريخ المرجعي صورة واحدة لذلك، ورغم أقاويل البعض على صلاة الجمعة ووصفها بالفتنة وعرقلة مشروعه بشتى الوسائل، لم يهتم أو ينشغل السيد محمد الصدر من السير بمشروعه، بل لم تأخذ هذه المعرقلات من تفكيره وحلمه وإخلاصه

__________________

١ - نفس المصدر.


وتفانيه شيئاً بسيطاً، بل جسّد أعلى مراحل نكران الذات عندما أعلن استعداده للصلاة وراء أي واحد منهم إذا حضر الجمعة، بل تمنى ان يؤدي الخطبة أمام الناس إذا رغب، وأكثر من ذلك قام بزيارتهم جميعاً.


صاحب الزنج

ظهر صاحب الزنج(١) في فرات البصرة في سنة خمس وخمسين ومائتين رجل زعم أنه على بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد

__________________

١ - ذكره صاحب الأعلام فقال: على بن محمد الورزنينى العلوى، الملقب بصاحب الزنج، من كبار أصحاب الفتن في العهد العباسي، وفتنته معروفة بفتنة الزنج، لان أكثر أنصاره منهم. ولد ونشأ في ورزنين، إحدى قرى الرى، وظهر في أيام المهتدى بالله العباسي، سنة ٢٥٥ ه‍ ، وكان يرى رأي الازارقة، والتف حوله سودان أهل البصرة ورعاعها، فامتلكها واستولى على الأبلة، وتتابعت لقتاله الجيوش، فكان يظهر عليها ويشتتها، ونزل البطائح، وامتلك الأهواز، وأغار على واسط، وبلغ عدد جيشه ثمانمائة ألف مقاتل، وجعل مقامه في قصر اتخذه بالمختارة، وعجز عن قتاله الخلفاء، حتى ظفر به الموفق بالله، فقتله، وبعث برأسه إلى بغداد. قال المرزباني: تروى له أشعار كثيرة في البسالة والفتك كان يقولها وينحلها غيره، وفي نسبه العلوي طعن وخلاف.


بن على بن الحسين بن على بن أبى طالبعليه‌السلام فتبعه الزنج الذين كانوا يكسحون(١) السباخ في البصرة.

وأكثر الناس يقدحون في نسبه وخصوصاً الطالبيين، وجمهور النسابين اتفقوا على أنه من عبد القيس، وأنه على بن محمد بن عبد الرحيم، وأمه سدية من أسد بن خزيمة، جدها محمد بن حكيم الأسدي، من أهل الكوفة، أحد الخارجين مع زيد بن على بن الحسينعليه‌السلام على هشام بن عبد الملك، فلما قتل زيد، هرب فلحق بالري وجاء إلى القرية التي يقال لها ورزنين، فأقام بها مدة، وبهذه القرية ولد على بن محمد صاحب الزنج، وبها منشؤه، وكان أبو أبيه المسمى عبد الرحيم رجلاً من عبد القيس، كان مولده بالطالقان، فقدم العراق، واشترى جارية سندية، فأولدها محمداً أباه.

وكان على هذا متصلاً بجماعة من حاشية

__________________

١ - كسح البيت: كنسه، ثم استعير لتنقية البئر والنهر وغيره


السلطان وخول بنى العباس، منهم غانم الشطرنجى، وسعيد الصغير، وبشير، خادم المنتصر، وكان منهم معاشه ومن قوم من كتاب الدولة يمدحهم ويستمنحهم بشعره، ويعلم الصبيان الخط والنحو والنجوم، وكان حسن الشعر، مطبوعاً عليه، فصيح اللهجة بعيد الهمة، تسمو نفسه إلى معالي الأمور، ولا يجد إليها سبيلاً، ومن شعره القصيدة المشهورة التي أولها:

رأيت المقام على الاقتصاد

قنوعاً به ذلة في العباد

ومن جملتها:

إذا النار ضاق بها زندها

ففسحتها في فراق الزنـــــــاد

إذا صارم قرّ في غمده

حوى غيره السبق يوم الجلاد

ومن الشعر المنسوب إليه:

وإنا لتصبح أسيافنـــا

إذا ما انتضين ليوم سفوك

منابرهن بطون الأكف

وأغمادهن رؤوس الملوك

وقد ذكر المسعودي في كتابه المسمى ((مروج الذهب))، أن أفعال على بن محمد


صاحب الزنج، تدل على أنه لم يكن طالبياً، وتصدق ما رمى به من دعوته في النسب، لأن ظاهر حاله كان ذهابه إلى مذهب الازارقة، في قتل النساء والأطفال والشيخ الفاني والمريض، وقد روى أنه خطب مرة، فقال في أول خطبته : ((لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر لا حكم إلا لله))، وكان يرى الذنوب كلها شركاً.

ومن الناس من يطعن في دينه ويرميه بالزندقة والإلحاد، وهذا هو الظاهر من أمره، لأنه كان متشاغلاً في بدايته بالتنجيم والسحر والاصطرلابات(١) .

ومن كلام لأمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة:

(( يَا أَحْنَفُ، كَأَنِّي بِهِ وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لاَ يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ وَلاَ لَجَبٌ، وَلاَ قَعْقَعَةُ لُجُم، وَلاَ حَمْحَمَةُ خَيْل، يُثِيرُونَ الأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ)).

قال الشريف الرضي أبو الحسن رحمه

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٨ ، ص١٢٧ - ١٢٩.


الله تعالى: يومئ بذلكعليه‌السلام إلى صاحب الزّنْج.

ثمّ قالعليه‌السلام :

وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ، وَدُورِكُمُ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ كَأَجْنَحَةِ النُّسُورِ، وَخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ، مِنْ أُولئِكَ الَّذِينَ لاَ يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ، وَلاَ يُفْقَدُ غَائِبُهُمْ(١) .

الشرح:

اللجب: الصوت. والدور المزخرفة: المزينة المموهة بالزخرف، وهو الذهب. وأجنحة الدور التي شبهها بأجنحة النسور: راوشنها. والخراطيم: ميازيبها.

وقوله: ((لا يندب قتيلهم)): ليس يريد به من يقتلونه، بل القتيل منهم، وذلك لأن أكثر الزنج الذين أشار إليهم كانوا عبيداً لدهاقين البصرة وبناتها، ولم يكونوا ذوي زوجات وأولاد، بل كانوا على هيئة الشطّار عزّاباً فلا

__________________

١ - نفس المصدر.: ج ٨ ، ص ١٢٥ ، الخطبة ١٢٨


نادبة لهم.

وقوله: ((ولا يفقد غائبهم)) يريد به كثرتهم وانه كلما قتل منهم قتيل سدّ مسدّه غيره، فلا يظهر أثر فقده(١) .

وذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، أن على بن محمد شخص من سامراء وكان يعلم الصبيان بها، ويمدح الكتاب، ويستميح الناس، في سنة تسع وأربعين ومائتين إلى البحرين، فادعى بها أنه على بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن على ابن أبى طالبعليه‌السلام ، ودعا الناس بهجر إلى طاعته، فاتبعه جماعة كثيرة من أهلها، واتبعه جماعة أخرى، فكانت بسببه بين الذين اتبعوه والذين أبوه عصبية، قتل فيها بينهم جماعة، فانتقل عنهم لما حدث ذلك إلى الإحساء، وضوى(٢) إلى حي من بنى تميم، ثم من بنى سعد يقال لهم بنو الشماس، فكان بينهم مقامه، وقد كان أهل البحرين أحلوه من أنفسهم محل

__________________

١ - نفس المصدر.: ج ٨ ، ص ١٢٦ ، الهامش

٢ - ضوى : التجأ و انضم


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - فيما ذكر – حتى جبى له الخراج هنالك ونفذ حكمه فيهم، وقاتلوا أسباب السلطان لأجله، ووتر منهم جماعة كثيرة فتنكروا له، فتحول عنهم إلى البادية، ولما انتقل إلى البادية صحبه جماعة من أهل البحرين، منهم رجل كيال من أهل الإحساء، يقال له يحيى بن محمد الأزرق، مولى بنى دارم، ويحيى بن أبى ثعلب، وكان تاجراً من أهل هجر وبعض موالى بنى حنظلة، أسود يقال له سليمان بن جامع، وكان قائد جيشه حيث كان بالبحرين.

ثم تنقل في البادية من حي إلى حي، فذكر عنه أنه كان يقول: أوتيت في تلك الأيام آيات من آيات إما متى.

وقد زحف بجيشه إلى موضع من البحرين، يقال له الردم، فكانت بينه وبين أهله وقعة عظيمة كانت، الدبرة فيها عليه وعلى أصحابه، قتلوا فيها قتلاً ذريعاً فتفرقت عنه العرب وكرهته، وتجنبت صحبته.

فلما تفرقت العرب عنه ونبت به البادية، شخص عنها إلى البصرة، فنزل


بها في بنى ضبيعة فاتبعه بها جماعة، منهم على بن أبان المعروف بالمهلبى من ولد المهلب بن أبى صفرة، وأخواه محمد والخليل وغيرهم، وكان قدومه البصرة في سنة أربع وخمسين ومائتين وعامل السلطان بها يومئذ محمد بن رجاء... ثم ثارت عليه البصرة وخرج منها هارباً، وطلبه ابن رجاء فلم يقدر عليه فحبس جماعة؛ زوجته وابنه الأكبر، وجارية له كانت حاملاً... ثم انتقل إلى بغداد بعد حبسه بواسط وتخلصه من الحبس، فزعم في بغداد أنه ظهرت له آيات، وعرف ما في ضمائر أصحابه وما يفعله كل واحد منهم، وأنه سأل ربه أن يعلمه حقيقة أمور كانت في نفسه، فرأى كتاباً يكتب له على حائط، ولا يرى شخص كاتبه.

واستمال ببغداد جماعة منهم جعفر بن محمد الصوحانى، فلما انقضى عامه ذلك ببغداد، عزل محمد بن رجاء عن البصرة، فوثبت رؤساء الفتنة بها من البلالية والسعدية، ففتحوا المحابس، وأطلقوا من كان فيها فتخلص أهله وولده فيمن


تخلص، فلما بلغه ذلك شخص عن بغداد، فكان رجوعه إلى البصرة في شهر رمضان من سنة خمس وخمسين ومائتين ومعه على بن أبان المهلبى، وأربعة آخرون من خواصه، وهم يحيى بن محمد، ومحمد بن سلم وسليمان بن جامع وأبو يعقوب المعروف بجربان، فساروا جميعاً حتى نزلوا بالموضع المعروف ببرنخل من أرض البصرة، وأظهر أنه وكيل لولد الواثق في بيع ما يملكونه هناك من السباخ.

وابتاع حريرة ليتخذها لواءاً، فكتب فيها بالحمرة( إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله (١) ) ، وكتب اسمه واسم أبيه عليها وعلقها في رأس مردي، ونشط في جمع الغلمان حوله بكل وسيلة - بالترغيب لهم والترهيب لوكلائهم - فاجتمع حوله جمع كثير منهم، ثم قام فيهم خطيباً، فمناهم ووعدهم ان يقودهم ويرئسهم ويملكهم الأموال والضياع.

__________________

١ - ( التوبة : من الآية ١١١)


وقامت بينه وبين عمال السلطات في تلك النواحي عدة وقعات كانت فيها الحرب سجالاً بينهم.

ثم كانت له مع أهل البصرة وقعة بعد ذلك سار يريدها في ستة آلاف زنجى، فاتبعه أهل الناحية المعروفة بالجعفرية ليحاربوه، فعسكر عليهم فقتل منهم مقتلة عظيمة، أكثر من خمسمائة رجل، فلما فرغ منهم صمد نحو البصرة واجتمع أهلها ومن بها من الجند، وحاربوه حربا شديدا، فكانت الدائرة عليه، وانهزم أصحابه.

وحارب جيش الخليفة بقيادة جعلان التركي وانتصر عليه، ورجع جعلان بجنده إلى البصرة واعتصم بجدرانها.

ثم دخل الزنج عبادان بعد ان استسلم أهلها لما رأوه من انتصاراتهم على جيوش الخليفة وما هالهم من كثرة القتل والنهب والحرق.

ثم دخل الزنج بعد عبادان إلى الأهواز ولم يثبت لهم أهلها فأحرقوا ما فيها وقتلوا ونهبوا وخربوا، واشتد خوف أهل البصرة وانتقل كثير من أهلها


عنها وتفرقوا في بلاد شتى.

ثم استنفر أصحابه وجميع من قدر عليه وتوجه إلى البصرة بخلق كثير يقودهم سليمان بن موسى الشعراني، فأمره بتطرق البصرة والإيقاع بأهلها وكان بغراج التركي فيها - وان أول من واقع أهل البصرة علي بن أبان المهلبي - فوضع المهلبي السيف في الناس.

ثم انتشر الزنج في سكك البصرة وشوارعها، يقتلون من وجدوا، ودخل علي بن أبان المسجد فأحرقه، وبلغ إلى الكلأ فأحرقه إلى الجسر، وأخذت النار كل ما مرت به من إنسان وبهيمة وأثاث ومتاع.

ذكر علي بن الحسن المسعودي في ((مروج الذهب)) ان هذه الواقعة بالبصرة هلك فيها من أهلها ثلاثمائة ألف إنسان، وان علي بن إبان المهلبي بعد فراغه من الواقعة نصب منبراً في الموضع المعروف ببني يشكر، صلى فيه يوم الجمعة، وخطب لعلي بن محمد صاحب الزنج وترحم على أبي بكر وعمر، ولم


يذكر عثمان ولا علياًعليه‌السلام في خطبته ولعن أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان.

واتصلت الأخبار بسامراء وبغداد وبالقواد والموالي وأهل الحضرة بما جرى على أهل البصرة، فقامت عليهم القيادة، وعلم المعتمد انه لا يرتق هذا الفتق إلا بأخيه أبي أحمد طلحة بن المتوكل، وهو الذي أخذ بغداد للمعتز، وكسر جيوش المستعين وخلعه من الخلافة. فعقد له المعتمد على ديار مضر وقنسرين والعواصم وجلس له مستهل شهر ربيع الآخرة من سنة سبع وخمسين، وشخص نحو البصرة لحرب علي بن محمد.

وكانت بين صاحب الزنج وأبي أحمد قائد جيوش الخليفة حروب سجال دامت طويلاً، حتى دخلت سنة سبعين ومائتين حتى تتابعت الإمدادات إلى أبي أحمد من سائر الجهات واستطاع ان يقضي على فتنة الزنج وقتل قائدهم، ويرسل برأس الناجم بيد ابنه أبي العباس عضده


الأيمن في المعارك إلى بغداد(١) .

صالح

( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ * قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٢) )

إن الله تبارك وتعالى بعث صالحاً إلى ثمود وهو ابن ست عشرة سنة لا يجيبوه إلى خير، وكان لهم سبعون صنماً يعبدونها من دون الله فلما رأى ذلك منهم قال لهم يا قوم بعثت إليكم وأنا ابن ست عشرة سنة وقد بلغت عشرين ومائة سنة وأنا أعرض عليكم أمرين إن شئتم

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٨ ، ص١٢٥ - ٢١٠، بتصرف واختصار شديد.

٢ - (هود:٦١ - ٦٢).


فاسألوني مهما أردتم حتى أسأل إلهي فيجيبكم، وان شئتم سألت آلهتكم فإن أجابتني خرجت عنكم، فقالوا أنصفت فأمهلنا، فأقبلوا يتعبدون ثلاثة أيام ويتمسحون بالأصنام ويذبحون لها وأخرجوها إلى سفح الجبل وأقبلوا يتضرعون إليها. فلما كان اليوم الثالث قال لهم صالحعليه‌السلام : قد طال هذا الأمر، فقالوا له: سل من شئت؛ فدنا إلى أكبر صنم لهم، فقال: ما اسمك؟ فلم يجبه، فقال لهم: ماله لا يجيبني؟ قالوا له: تنح عنه، فتنحى عنه وأقبلوا إليه ووضعوا على رؤوسهم التراب وضجوا وقالوا فضحتنا ونكست رؤوسنا، وقال صالح قد ذهب النهار، فقالوا: سله، فدنا له فكلمه فلم يجبه فبكوا وتضرعوا فعلوا ذلك ثلاث مرات فلم يجبهم بشيء. فقالوا ان هذا لا يجيبك ولكننا نسأل إلهك، فقال لهم: سلوا ما شئتم، فقالوا: سله ان يخرج لنا من هذا الجبل ناقة حمراء شقراء عشراء أي: حاملة تضرب بمنكبيها طرفي الجبل وتلقى فصيلها من ساعتها وتدر


لبناً.

فقال صالح ان الذي سألتموني عندي عظيم وعند الله هين، فقام وصلي ركعتين ثم سجد وتضرع إلى الله فما رفع رأسه حتى تصدع الجبل وسمعوا له دوياً شديداً ففزعوا منه وكادوا ان يموتوا منه فطلع رأس الناقة وهى تجتر فلما خرجت ألقت فصيلها ودرت لبنها فبهتوا وقالوا قد علمنا يا صالح ان ربك أعز وأقدر من آلهتنا التي نعبدها.

وكان لقريتهم ماء وهى الحجر التي ذكرها الله تعالى في كتابه وهو قوله:( وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (١) ) فقال لهم صالح لهذه الناقة شرب أي تشرب ماءكم يوماً وتدر لبنها عليكم يوماً وهو قوله عز وجل:( قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢) ) فكانت تشرب ماءهم يوماً وإذا كان من الغد وقفت وسط قريتهم فلا يبقى في

__________________

١ - ( الحجر: ٨٠).

٢ - ( الشعراء :١٥٥ - ١٥٦).


القرية أحد إلا حلب منها حاجته وكان فيهم تسعة من رؤسائهم كما ذكر الله في سورة النمل:( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١) ) فعقروا الناقة ورموها حتى قتلوها وقتلوا الفصيل، فلما عقروا الناقة قالوا لصالح:( ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢) ) ، قال صالح:( تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٣) ) ، ثم قال لهم وعلامة هلاككم انه تبيض وجوهكم غداً وتحمر بعد غد وتسود في اليوم الثالث فلما كان من الغد نظروا إلى وجوههم وقد ابيضت مثل القطن فلما كان اليوم الثاني احمرت مثل الدم فلما كان اليوم الثالث اسودت وجوههم فبعث الله عليهم صيحة وزلزلة فهلكوا وهو قوله:( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٤) ) ،

__________________

١ - ( النمل: ٤٨).

٢ - ( الأعراف : من الآية ٧٧ ).

٣ - ( هود : من الآية ٦٥ ).

٤ - ( الأعراف: ٧٨ ).


فما تخلص منهم غير صالح وقوم مستضعفين مؤمنين وهو قوله:( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ ) ( هود: ٦٦ - ٦٨)(١) .

السيد صالح الحلي

خطيب العلماء، وعالم الخطباء المرحوم السيد صالح الحسيني الحلي من مواليد الحلة الفيحاء في العراق عام ١٢٨٩هـ، وهو من نوادر الدهر وأعجوبة من فلتات الزمن في ذكائه الوقّاد، وسلاطة لسانه، ومن الذين أعجب بهم تاريخ العلماء والخطباء والمجاهدين في سبيل رفع راية الإسلام.

استطاع ان يحفظ القرآن في بواكير

__________________

١ - تفسير القمي : ج ١ ، ص ٣٥٩ - ٣٦٠


عمره، ثم حفظ نهج البلاغة، وصارت لديه الملكة التامة على التحدث للجماهير. ثم انتقل إلى النجف الأشرف مكباً على طلب العلم وهو لم يكمل العقد الثاني من عمره.

حضر دروس كبار علماء النجف كالمرحوم الآغا رضا الهمداني، والآخوند الخراساني صاحب الكفاية، وكان متفوقاً بين أقرانه وكان الجميع يتوقع له مستقبلاً زاهراً في مستوى المرجعية إلا انه آثر التوجه إلى الخطابة الحسينية، ويقال ان نقطة انتقاله إلى جو المنبر هو انه كان ضمن جماعة من زملائه العلماء متجهين إلى كربلاء لزيارة الحسينعليه‌السلام مشياً على الأقدام وكان الطريق يمر بقرى ومزارع، وبينما هم يجدّون بالمسير إذ استوقفتهم امرأة وسألتهم على فطرتها: أما فيكم من يقرأ على الحسينعليه‌السلام ؟ فتباطأوا بالجواب لأنهم علماء لكن السيد صالح انبرى إليها قائلاً: نعم. فقالت: أنا عندي مجلس وليس لدينا من يتحدث فيه، فودّع رفاقه وجاء إلى القرية وبقي عندهم


أربعة أيام يقرأ، ولاقى إعزازاً وإكراماً، ولدى متابعته السفر قدمت له الامرأة خمسة روبيات، وهي العملة السائدة آنذاك وكان مبلغاً كبيراً في وقته بقدرتها الشرائية.

وجاء السيد صالح والتقى بأصحابه في كربلاء وحدثهم مستبشراً وقال لهم على سبيل المداعبة: لقد خدمت عند الله ثلاثين سنة لم تدخلني روبية واحدة، ولكني خدمت عند الحسينعليه‌السلام أربعة أيام فأعطاني خمس روبيات، وسوف أنقل خدماتي إلى الحسينعليه‌السلام وانه وجد في الواقع ان لديه استعداداً ونجاحاً في خدمة المنبر الحسيني، وتطور بسرعة حتى صار الخطيب الأول في سمعته وشهرته، وكان يجمع بين العلم والفقه والخطابة، لذلك كان يمتاز منبره بين العلم والخطابة والفقه فكان ان تميز منبره بالحديث والمسائل الفقهية والأصولية وغيرها. لذلك اشتهر في زمانه بأنه عالم الخطباء، وخطيب العلماء، ولم يكن له قرين في المنبر إلا المرحوم الشيخ كاظم سبتيرحمه‌الله .


وكان من خصائصه انه قوي الحافظة فلم يكد يسمع بيتاً أو قصيدة ولو مرة واحدة إلا وحفظها(١) .

أما صفحات حياته الجهادية؛ فانه حينما انقدحت الشرارة الأولى للحرب العالمية الأولى واحتل الإنجليز البصرة، وحاول الإنجليز خداع الشيعة بأنهم جاءوا محررين لهم من القمع العثماني، فقد رفض علماء الشيعة هذه

__________________

١ - وفي كتاب أمير المنابر الدكتور أحمد الوائلي - للمحقق - ذكر عنه: ((كان مفوّهاً وله قابلية كبيرة في إقناع الجمهور بمسألة ما، وكان بحق خطيباً لا يبارى في وقته، ولكن ما كان يؤخذ عليه فيما لو قُرون مع الشيخ الوائلي (رحمه‌الله ) أنه لم يمتلك من العمق العلمي في التفسير القرآني والحديث وعلم الدراية، والعلوم العصرية الحديثة، والفلسفة ونظرياتها فضلاً عن وحدة الموضوع وإشباعه بكل ما يتعلق به)) ثم يقول: ((وعلى أي حال فهو الخطيب الذي لم يبارهِ أحد في عصره، وملك عقول عوام الناس)): ص١٥٩، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٢٤هـ / ٢٠٠٤م


المخادعة ووقفوا مع خصومهم ضد الكافر والمحتل، فكان الخطيب السيد صالح الحلي يصول ويجول بمنابره ومحاضراته ويدعو المسلمين إلى التلاحم سنة وشيعة ضد الغزاة المحتلين، وضاق الغزاة الإنجليز ذرعاً به، فقبض عليه عملاء الكفار وأسلموه للإنجليز ثم نفوه إلى مدينة المحمرة آنذاك، وكان حاكمها آنذاك الشيخ خزعل.

وحينما أنزلوا هذا العالم الجليل متعباً مهاناً في قصر العباسية رفع صوته منادياً: واخزعلاه، فأغاثه عندها وآواه، وبقي منفياً هناك ثمانية أشهر وبعدها أطلق سراحه وعاد ليتخذ من مدينته الكوفة موطناً له.

ولدى تنصيب الحكومة من قبل الإنجليز تصدى هذا العالم الجليل هاتفاً بمقاطعتها، فقبض عليه مرة أخرى، ونفي إلى البصرة، ومدينة الفاو عدة أشهر. ثم عاد ليسكن النجف الأشرف خطيباً وكاتباً وشاعراً. وكانت تنشر له المقالات والبحوث، كما ان قصائده كانت تلقى في المحافل والمجالس وجمعت في


كتاب خاص سمي (الباقيات الصالحات).

ومن أرقى قصائده، قصيدته المفجعة في الزهراءعليها‌السلام ومطلعها:

لمصائب الزهراء هجرت المضجعا

وأذبت قلبي من جفوني أدمعا

كما قرئت له قصيدة في رثاء الحسينعليه‌السلام وهي مليئة بالمواعظ والحكم قال في مطلعها:

سرّح بطرفك أيها الإنسان

في الذاهبين كأنهم ما كانوا

ومن أشهر قصائده التي يتوارث الخطباء والوعاظ قراءتها هي قصيدته في استنهاض الإمام المهديعليه‌السلام ومطلعها:

يا مدرك الثار البدار البدار

شنَّ على حرب عداك المغار

ثم يستنهض الإمامعليه‌السلام لمصيبة الزهراءعليها‌السلام فيقول:

تنسى على الدار هجوم العدى

مذ أضرموا الدار بجزل ونار

فما سقوط الحمل ما ضلعها

ما عصرها ورضها بالجدار

ثم يعرج بعدها على مصاب الحوراء زينبعليها‌السلام فيقول:


قد ورثت زينب من أمها

كل الذي جرى عليها وصار

وزادت البنت على أمها

من دارها تهدى إلى شر دار

توفي الخطيب الفذ عام ١٣٥٩هـ في مدينة الكوفة بعد عمر استمر سبعين عاماً وبعد مرض عضال ألزمه الفراش طويلاً ولمدة عام كامل، وقد حمل جثمانه على الأكف من الكوفة إلى النجف، ودفن بمقبرته الخاصة في وادي السلام والتي عينها قبل وفاته، ونعاه العلماء والمجتهدون والشعراء وفي طليعتهم الشيخ عبد المهدي مطر بقصيدة رائعة قال فيها:

نعتــك الخطابـــة والمنبــر

وناح لك الطرس والمزبر

وفيك انطوت صفحة للبيان

بغيــر لسانك لا تنشــــر

فكنت كمدرسة في الوجود

تغذي النفوس بما يبهر

ورثاه الخطيب الشيخ جواد قسام بقوله:

باتت لفقدك تندب الأعواد

وأصيب فيك الوعظ والإرشاد


تغمده الله برحمته(١) .

الشيخ الصدوق

قال الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب:

أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، شيخ الحفظة ووجه الطائفة المستحفظة رئيس المحدثين والصدوق فيما يرويه عن الأئمة الطاهرينعليه‌السلام

ولد بدعاء مولانا صاحب الأمر ونال بذلك عظيم الفضل والفخر فعمت بركته الأنام وبقيت آثاره ومصنفاته مدى الأيام، له نحو من ثلاثمائة مصنف.

قال ابن ادريس في حقه: انه كان ثقة جليل القدر بصيراً بالأخبار ناقداً للآثار عالماً بالرجال وهو أستاذ المفيد محمد بن محمد بن النعمان.

وقال العلامة في ترجمته:

__________________

١ - مع الصادقين : ج ١ ، ص ٢٩٨ - ٣٠١


شيخنا وفقيهنا، ووجه الطائفة بخراسان ورد بغداد سنة ٣٥٥ وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن كان جليلاً حافظاً للأحاديث بصيراً بالرجال ناقداً للأخبار لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه له نحو من ثلاثمائة مصنف ذكرنا أكثرها في كتابنا الكبير، مات بالري سنة ٣٨١ إحدى وثمانين وثلاثمائة.

وقال الأستاذ الأكبر في التعليقة:

نقل المشايخ معنعناً عن شخينا البهائي وقد سئل عنه فعد له ووثقه وأثنى عليه، وقال: سئلت قديماً عن زكريا بن آدم والصدوق محمد بن علي بن بابويه أيهما أفضل وأجل مرتبة؟ فقلت:

زكريا بن آدم لتوافر الأخبار بمدحه فرأيت شيخنا الصدوق قدس سره عاتباً علي وقال: من أين ظهر لك فضل زكريا بن آدم علي؟ وأعرض عنى كذا في حاشية المحقق البحراني على بلغته.

وقبرهرحمه‌الله في بلدة الري قرب عبد العظيم الحسنى مزار معروف في بقعة عالية في روضة مونقة وله خبر مستفيض


مشهور، ذكره (ضا)(١) وعده من كراماته وأطراف قبره قبور كثيرة من أهل الفضل والإيمان(٢) .

صفوان الجمّال

أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله بن قضاعة بن صفوان نزيل بغداد شيخ الطائفة، ثقة، فقيه، فاضل، جليل، وكانت له منزلة من السلطان وهو الذي ناظر قاضي الموصل في الإمامة بين يدي ابن حمدان وباهله وجعل كفه في كفه، فلما قام القاضى من موضع المباهلة حم وانتفخ كفه الذي مده للمباهلة وقد اسودت ثم مات من الغد فانتشر لأبي عبد الله بهذا ذكر عند الملوك وحظي منهم وكانت له منزلة وله كتب. قال ابن النديم: انه كان أمياً لقيته في سنة ست وأربعين وثلاثمائة وكان رجلاً طوالاً

__________________

١ - روضات الجنات للخنساري.

٢ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج١، ص٢١٢.


معرقاً حسن الملبوس وكان يزعم انه لا يقرأ ولا يكتب(١) .

وقال الشيخ الطوسى (ره): انه كان حفظة، كثير العلم جيد اللسان، وقيل: انه كان أمياً وله كتب أملاها عن ظهر قلبه(٢) .

يروي عن علي بن إبراهيم وعنه أحمد بن علي بن نوح والتلعكبري والمفيد وغير هؤلاء.

ومن كتبه كتاب الإمامة وكتاب يوم وليلة وكتاب تحليل المتعة وغير ذلك.

وانما يقال له الصفواني لانتهاء نسبه إلى أبي محمد صفوان بن مهران الجمال الكوفي وكان ثقة، روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام وكان له كتاباً يرويه جماعة وعرض على الصادقعليه‌السلام إيمانه واعتقاده بالأئمةعليهم‌السلام وهو الذي قال له أبو الحسن موسىعليه‌السلام في قصة له كل شيء منك حسن

__________________

١ - فهرست ابن النديم البغدادي: ص٢٤٧.

٢ - الطوسي في تهذيب الأحكام: ج١٠، ص٨٧ ، وذكره النجاشي في رجاله: ص٢٧٩، ((شيخ الطائفة ثقة فقيه فاضل)).


جميل ماخلا شيئاً واحداً والقصة هذه:

الكشي: عن صفوان الجمال قال: دخلت على أبي الحسن الأولعليه‌السلام فقال لي: يا صفوان كل شي منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً! قلت: جعلت فداك أي شيء؟ قال: اكراؤك جمالك من هذا الرجل - يعني هارون - قلت: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً ولا للصيد ولا للهو ولكن أكريته لهذا الطريق - يعني طريق مكة - ولا أتولاه بنفسي ولكني أبعث معه غلماني، فقال لي: يا صفوان أيقع كراك عليهم؟ قلت نعم جعلت فداك، قال: فقال لي أتحب بقاهم حتى يخرج كراك؟ قلت: نعم، قال: فمن أحب بقاءهم فهو منهم ومن كان منهم فهو كان ورد النار.

قال صفوان: فذهبت وبعت جمالي عن آخرها فبلغ ذلك إلى هارون فدعاني فقال لي: يا صفوان بلغني انك بعت جمالك؟ قلت: نعم، قال: ولم؟ فقلت: أنا شيخ وان الغلمان لا يفون بالأعمال، فقال: هيهات هيهات اني لأعلم من أشار عليك بهذا، أشار عليك بهذا موسى بن جعفر، قلت: مالي ولموسى بن جعفر فقال


دع هذا عنك فوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك.

وكان صفوان الجمال ممن حمل الصادقعليه‌السلام من المدينة إلى العراق مراراً ولهذا أخذ بقدر استعداده منهعليه‌السلام العلم وبعض الزيارات والأدعية الشريفة، وتشرف بزيارة قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام وعلمه الصادق الزيارة المعروفة التي رواها المشايخ في كتبهم المزارية وتعلم منهعليه‌السلام الدعاء المعروف بدعاء علقمة، وعلمهعليه‌السلام أيضاً كيفية زيارة الحسينعليه‌السلام في الأربعين كما رواها الشيخ في التهذيب، ولما اطلع ببركة الصادقعليه‌السلام على موضع قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام مكث عشرين سنة يصلي عند قبرهعليه‌السلام والله يعلم ما له من الأجر في ذلك لان الصلاة عند عليعليه‌السلام بمائتي ألف.

(وروى) الشيخ في مصباح المتهجد عن جماعة عن الصفواني عن أبيه عن جده عن صفوان المذكور قال: استأذنت الصادقعليه‌السلام لزيارة مولانا الحسينعليه‌السلام فسألته ان يعرفني ما أعمل عليه فقال: يا صفوان صم ثلاثة أيام قبل خروجك واغتسل في


اليوم الثالث (الخ)(١) فعلمهعليه‌السلام الزيارة المعروفة بزيارة وارث(٢) .

__________________

١ - المزار للشهيد الأول: ص١١٧، بحار الأنوار للمجلسي: ج٩٨، ص١٩٧، مستدرك الوسائل: ج١٠، ص٣٤٩.

٢ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٤١٩ - ٤٢١.



حرف الطاء


طالوت وجالوت

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (١) )

عن أبي بصير عن أبي جعفرعليه‌السلام إن بني إسرائيل بعد موسىعليه‌السلام عملوا المعاصي وغيروا دين الله وعتوا عن أمر ربهم، وكان فيهم نبي يأمرهم وينهاهم فلم يطيعوه، وروي انه ارميا النبي، فسلط الله عليهم جالوت، وهو من القبط فأذلهم وقتل رجالهم وأخرجهم من ديارهم وأموالهم واستعبد نساءهم، ففزعوا إلى نبيهم وقالوا سل الله ان يبعث لنا ملكاً

__________________

١ - ( البقرة : ٢٤٦ )


نقاتل في سبيل الله، وكانت النبوة في بني إسرائيل في بيت والملك والسلطان في بيت آخر لم يجمع الله لهم الملك والنبوة في بيت واحد، فمن ذلك:( قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (١) ) ، وقوله:( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً (٢) ) ، فغضبوا من ذلك( قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ (٣) ) ، وكانت النبوة في ولد لاوي والملك في ولد يوسف، وكان طالوت من ولد بن يامين أخي يوسف لامه لم يكن من بيت النبوة ولا من بيت المملكة، فقال لهم نبيهم:( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٤) )

وكان أعظمهم جسماً وكان شجاعاً قوياً وكان أعلمهم إلا انه كان فقيراً فعابوه

__________________

١ - ( البقرة : من الآية ٢٤٦ )

٢ - ( البقرة : من الآية ٢٤٧ )

٣ - ( البقرة : من الآية ٢٤٧ )

٤ - ( البقرة : من الآية ٢٤٧ )


بالفقر فقالوا: لم يؤت سعة من المال، فقال( لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ (١) ) ، وكان التابوت الذي أنزل الله على موسى فوضعته فيه أمه وألقته في اليم، فكان في بني إسرائيل معظماً يتبركون به، فلما حضر موسى الوفاة وضع فيه الألواح وما كان عنده من آيات النبوة وأودعه يوشع وصيه، فلم يزل التابوت بينهم حتى استخفوا به وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات فلم يزل بنو إسرائيل في عز وشرف ما دام التابوت عندهم فلما عملوا بالمعاصي واستخفوا بالتابوت رفعه الله عنهم فلما سألوا النبي بعث الله طالوت عليهم يقاتل معهم رد الله عليهم التابوت وقوله:( فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ (٢) ) ، فان التابوت كان يوضع بين يدي العدو وبين المسلمين فيخرج منه ريح طيبة

__________________

١ - ( البقرة : من الآية ٢٤٨ )

٢ - ( البقرة : من الآية ٢٤٨ )


لها وجه كوجه الإنسان، عن الرضاعليه‌السلام انه قال: السكينة ريح من الجنة لها وجه كوجه الإنسان فكان إذا وضع التابوت بين يدي المسلمين والكفار فان تقدم التابوت لا يرجع رجل حتى يقتل أو يغلب، ومن رجع عن التابوت كفر وقتله الإمام.

فأوحى الله إلى نبيهم ان جالوت يقتله من يستوي عليه درع موسىعليه‌السلام وهو رجل من ولد لاوي بن يعقوبعليه‌السلام اسمه داود بن آسي، وكان آسي راعياً وكان له عشرة بنين أصغرهم داود، فلما بعث طالوت إلى بني إسرائيل وجمعهم لحرب جالوت بعث إلى آسي ان احضر ولدك، فلما حضروا دعا واحداً واحداً من ولده فألبسه درع موسىعليه‌السلام ، منهم من طالت عليه ومنهم من قصرت عنه فقال لآسي: هل خلفت من ولدك أحداً؟ قال: نعم أصغرهم تركته في الغنم يرعاها فبعث إليه ابنه فجاء به فلما دعي أقبل ومعه مقلاع، قال: فنادته ثلاث صخرات في طريقه فقالت: يا داود خذنا فأخذها في مخلاته وكان شديد البطش قوياً في بدنه


شجاعاً، فلما جاء إلى طالوت ألبسه درع موسى فاستوت عليه، ففصل طالوت بالجنود، وقال لهم نبيهم: يا بني إسرائيل( إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ (١) ) في هذه المفازة فمن شرب منه فليس من حزب الله، ومن لم يشرب منه فانه من حزب الله إلا من اغترف غرفة بيده، فلما وردوا النهر أطلق الله لهم ان يغرف كل واحد منهم غرفة بيده( فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ (٢) ) فالذين شربوا منه كانوا ستين ألفاً وهذا امتحان امتحنوا به كما قال الله، وروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام انه قال القليل الذين لم يشربوا ولم يغترفوا ثلاثمائة وثلاث عشر رجلاً، فلما جاوزوا النهر ونظروا إلى جنود جالوت قال الذين شربوا منه:( لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ (٣) ) ، وقال الذين لم يشربوا:( رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا

__________________

١ - ( البقرة : من الآية ٢٤٩ )

٢ - ( البقرة : من الآية ٢٤٩ )

٣ - ( البقرة : من الآية ٢٤٩ )


وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١) ) ، فجاء داودعليه‌السلام حتى وقف بحذاء جالوت، وكان جالوت على الفيل وعلى رأسه التاج وفيه ياقوت يلمع نوره وجنوده بين يديه، فأخذ داود من تلك الأحجار حجراً فرمى به في ميمنة جالوت، فمر في الهواء ووقع عليهم فانهزموا وأخذ حجراً آخر فرمى به في ميسرة جالوت فوقع عليهم فانهزموا ورمى جالوت بحجر ثالث فصك الياقوتة في جبهته ووصل إلى دماغه ووقع إلى الأرض ميتاً فهو قوله:( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ) ( البقرة: من الآية٢٥١)(٢) .

طباطبا

لقب إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام

__________________

١ - ( البقرة : من الآية ٢٥٠ )

٢ - تفسير القمي : ج ١ ، ص ١٠٨ - ١١٠


قال ابن خلكان: إنما قيل له ذلك لأنه كان يلثغ فيجعل القاف طاء وطلب يوماً ثيابه فقال له غلامه أجيء بدراعة فقال لا طباطبا يريد قباقباً فبقي عليه لقباً واشتهر به.

وممن ينسب إليه أبو القاسم أحمد بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا الرسي المصري كان نقيب الطالبيين بمصر وكان من أكابر رؤسائها وله شعر مليح في الزهد والغزل وغير ذلك.

توفي بمصر سنة ٣٤٥ والرسي نسبة إلى بطن من بطون السادة العلوية (وينسب إليه) أيضاً أبو محمد عبد الله بن أحمد بن علي بن الحسن بن إبراهيم طباطبا الحجازي الأصل المصري الدار والوفاة.

قال ابن خلكان كان طاهراً كريماً فاضلاً صاحب رباع وضياع ونعمة ظاهرة وعبيد وحاشية كثير التنعم كان بدهليزه رجل يكسر اللوز كل يوم من أول النهار إلى آخره برسم الحلواء التي ينفذها لأهل مصر من الأستاذ كافور الإخشيدي إلى من دونه ويطلق للرجل المذكور دينارين في كل شهر أجرة عمله


فمن الناس من كان يرسل له الحلواء كل يوم ومنهم كل جمعة ومنهم كل شهر وكان يرسل إلى كافور في كل يومين جامين حلوا ورغيفاً في منديل مختوم فحسده بعض الأعيان وقال لكافور الحلواء حسن فما لهذا الرغيف فانه لا يحسن ان يقابلك به، فأرسل إليه كافور: يجريني الشريف في الحلواء على العادة ويعفيني من الرغيف، فركب الشريف إليه وعلم انهم قد حسدوه على ذلك وقصدوا إبطاله فلما اجتمع به قال له: أيدك الله انا لا ننفذ الرغيف تطاولاً ولا تعاظماً وإنما هي صبية حسنية تعجنه بيدها وتخبزه فنرسله على سبيل التبرك فإذا كرهته قطعناه، فقال كافور: لا والله لا تقطعه ولا يكون قوتي سواه فعاد إلى ما كان عليه من إرسال الحلاوة والرغيف وتوفى سنة ٣٤٨ بمصر ودفن بقرافة مصر الصغرى وقبره معروف مشهور بإجابة الدعاء.

وروي ان رجلاً حج وفاتته زيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فضاق صدره لذلك فرآهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نومه فقال له فاتتك الزيارة فزر قبر عبد الله


بن أحمد بن طباطبا وكان صاحب الرؤيا من أهل مصر.

وحكى بعض من له عليه إحسان انه وقف على قبره وانشد:

وخلفت الهموم على أناس

وقد كانوا بعيشك في كفاف

فرآه في نومه فقال: قد سمعت ما قلت وحيل بيني وبين الجواب والمكافأة ولكن صر إلى المسجد (مسجدي) وصل ركعتين وادع يستجب لك(١) .

السيد محمد حسين الطباطبائي

وهو من نوادر الصادقين المفكر الإسلامي والعالم والفيلسوف الإلهي المتبحر السيد محمد حسين القاضي الطباطبائي رضوان الله عنه، صاحب تفسير الميزان.

ولدرحمه‌الله في مدينة تبريز بإيران عام ١٣٢١، واكتوى بنار اليتم مبكراً،

__________________

١ - الكنى و الآلقاب للشيخ عباس القمي : ج ٢ ، ص ٢٤١ - ٢٤٢


فقد أمه وعمره ٤ سنوات، وفقد أباه وعمره ٩ سنين، فكان تحت كفالة وصي أبيه حتى اشتد أزره فهاجر إلى النجف الأشرف مدينة باب علوم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عام ١٣٤٤هـ وهناك غطته فيوضات مولى الموالي أمير المؤمنين، فشملته العناية الإلهية وانخرط في تحصيل فنون العلوم والمعرفة. وحظي في النجف الأشرف برعاية علمية من المرحوم الشيخ محمد حسين الكمباني الأصفهاني، فكان ملازماً له طول عقد من الزمن، وهكذا تتلمذ على يد الأصولي الكبير الميرزا النائيني، وحضر دروس الفقه عند المرحوم السيد أبو الحسن الأصفهاني، ولكنه تحمس لدراسة مناهج القرآن الكريم وتخصص في تفسير القرآن بالقرآن على يد الميرزا علي اغا القاضي أعلى الله مقامه...

لقد غاص المرحوم السيد الطباطبائي في بحر القرآن مستلهماً معانيه من أهل البيت، ومن باب مدينة العلم وهو أمير المؤمنينعليه‌السلام والذي سئل عن فحوى الوحي الإلهي فقال: إلا ان يعطي الله عبداً فهماً


من القرآن. والمرحوم الطباطبائي استلهم معاني القرآن من فكر أهل البيت. وأخذ تفسير القرآن بالقرآن من خلال أطروحة الأئمة، وهناك كثيرون فسروا وكتبوا عن القرآن. وبعضهم حياتهم ملونة وملفاتهم مضطربة. وبعضهم أفضى مقاطع من عمره في الإلحاد والشرك، ولكنه بالنسبة لأهل البيت فالكل يجمع ويتفق على انهم مطهرون طاهرون من المهد إلى اللحد، ولهذا قرنهم رسول الله بالكتاب فقال: اني تارك فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي.

وقد مرت أربعون سنة قضاها المرحوم الطباطبائي، وكانت زوجته من ورائه تمده بالمصادر وتوفر له الجو الهادئ ليكتب ويفسر حتى قدّم هذا السفر الثمين، وهو تفسير الميزان والذي يعتبر دائرة معارف قرآنية فريدة للمدرسة الإسلامية.

(وفي السنين الأخيرة فقد غزت العالم الإسلامي فكرتان هدامتان هما


الرأسمالية والشيوعية مما أغوت الشباب - وخاصة شباب الجامعة - فانبرى لهذه الظاهرة ونهض فيلق من العلماء الذين احتووا هذا الغزو الهدام في العراق وإيران وكان في طليعتهم السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره والسيد المرحوم محمد حسين الطباطبائي واللذان أحدثا ثورة كبرى في الحوزات العلمية والجامعات في كل من بغداد والنجف وقم وطهران فطوروا الدراسة والتدريس في الحوزات العلمية وألفوا الكتب الداحضة للأفكار الواردة أمثال اقتصادنا وفلسفتنا و... وصاغوا نخبة من التلاميذ الذين صعدوا سلم المواجهة في إفشال تلك الأفكار الواردة كالمرحوم المطهري والشهيد بهشتي والشهيد مفتح والشهيد مدرس والشهيد صاحب دخيل والشيخ الآصفي والسيد العسكري والسيد فضل الله و... الكثير)(١) .

__________________

١ - المؤلف


توفي السيد الطباطبائيرحمه‌الله في عام ١٤٠٥هـ، وأبّنه الإمام الخميني رضوان الله عليه خير تأبين وكان فيما قاله في تأبينه بأن فقده أحدث فراغاً في المدرسة الإسلامية لا يملأ،رحمه‌الله بواسع رحمته(١) .

الطبرسي

فخر العلماء الأعلام أمين الملة والإسلام، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي بن الفضل وأبوه والمذعن بفضله أعداؤه ومحبوه الفقيه النبيه الثقة الوجيه العالم الكامل المفسر العظيم الشان صاحب كتاب (مجمع البيان) الذي قال في حقه الشيخ الشهيد (ره) هو كتاب لم يعمل مثله في التفسير وله الوسيط والوجيز والجوامع وأعلام الورى وغيرها.

كان من أجلاء الطائفة الإمامية انتقل من المشهد الرضوي إلى سبزوار سنة ٥٢٣

__________________

١ - مع الصادقين : ج ٢ ، ص ٢١٨ - ٢٢١


وتوفي في سبزوار سنة ٥٤٨ وحمل نعشه إلى المشهد الرضوي سلام الله على مشرفه ودفن في مغتسل الرضاعليه‌السلام وقبره مزار معلوم الآن بمقبرة قتلگاه، وابنه أبو نصر الحسن بن الفضل بن الحسن رضي الدين فاضل كامل فقيه محدث جليل صاحب مكارم الأخلاق.

وابنه الشيخ الأجل أبو الفضل علي بن الحسن بن الفضل بن الحسن المحدّث الجليل صاحب كتاب (مشكوة الأنوار) الذي ألفه تتميماً لكتاب والده (مكارم الأخلاق) وينقل عنه السيد ابن طاوس في المجتنى والشيخ الكفعمي في المصباح وأغلب أخباره منقولة من كتب المحاسن وفي أواخره حديث عنوان البصري الذي تقدم في البصري.

وقد يطلق الطبرسي على الشيخ العالم الفاضل الكامل النبيل الفقيه المحدّث الثقة الجليل أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي صاحب كتاب (الاحتجاج على أهل اللجاج) وهو كتاب معروف ونقل عن المجلسي انه قال: وكتاب الاحتجاج وان كان أكثر أخباره


مراسيل لكنه من الكتب المعروفة وقد أثنى السيد ابن طاوس على الكتاب وعلى مؤلفه وقد أخذ عنه أكثر المتأخرين... وكثيراً ما ينقل الشهيد في شرح الإرشاد فتاواه وأقواله.

وله الكافي في الفقه وفضائل الزهراءعليها‌السلام وغير ذلك.

وهو من مشايخ ابن شهر آشوب المتوفى سنة ٥٨٨.

وقد يطلق الطبرسي على شيخنا الأجل ثقة الإسلام الحاج ميرزا حسين بن العلامة محمد تقي النوري الطبرسي صاحب (مستدرك الوسائل) شيخ الإسلام والمسلمين مروج علوم الأنبياء والمرسلينعليهم‌السلام

توفي سنة ١٣٢٠ ودفن بجوار أمير المؤمنينعليه‌السلام في الصحن الشريف.

قال ابن خلكان: الطبري هذه النسبة إلى طبرستان وهي ولاية كبيرة يشتمل على بلاد كثيرة أكبرها آمل خرج منها جماعة من العلماء. وطبرستان معروفة الآن بمازندران، وتشمل استراباد وجرجان وغيرها وهي واقعة


على طرف بحر الخزر(١) .

الطبري

ويقال له (عماد الدين الطبري)

هو الشيخ أبو جعفر محمد بن الشيخ الثقة الجليل أبي القسم علي بن محمد الآملي.

العالم الثقة الفقيه النبيه صاحب كتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى وغيره.

يروي عن الشيخ أبي علي بن شيخ الطائفة عن أبيه ويروي عن القطب الراوندي وشاذان بن جبرائيل رضوان الله عليهم أجمعين.

وقد يطلق (الطبري) على الشيخ العالم الماهر الخبير المتكلم المحدّث النحرير عماد الدين الحسن بن علي بن محمد بن الحسن الطبري صاحب كتاب (الكامل البهائي في السقيفة) المنسوب

__________________

١ - الكنى و الآلقاب للشيخ عباس القمي : ج ٢ ، ص ٢٤٤-٢٤٦


إلى الوزير المعظم بهاء الدين محمد بن شمس الدين محمد الجويني صاحب الديوان في أيام هولاكو خان الذي كان نظير الصاحب بن عباد.

وللطبري المذكور كتب كثيرة في الإمامة وغيرها وتاريخ ختم كتاب الكامل سنة ٦٧٥ وقد يطلق على محمد بن جرير(١) .

الطريحي

الشيخ فخر الدين بن محمد علي بن أحمد بن على بن أحمد بن طريح النجفي الرماحي.

العالم الفاضل المحدث الورع الزاهد العابد الفقيه الشاعر الجليل صاحب كتاب مجمع البحرين والمنتخب في المقتل والفخرية في الفقه وشرح النافع وجامع المقال في تمييز المشتركات من الرجال وغير ذلك.

__________________

١ - الكنى و الآلقاب للشيخ عباس القمي : ج ٢ ، ص ٤٤٣.


قالوا: كان أعبد أهل زمانه وأورعهم يروي عن شيخه محمد بن حسام المشرقي عن الشيخ البهائي ويروي عنه ابنه العالم صفي الدين والسيد هاشم البحراني والعلامة المجلسي (ره) توفي بالرماحية سنة ١٠٨٥.

يحكى عن صاحب الرياض قال اتفق اجتماعي معه في حداثة عمري في سفر زيارتي الأول في جامع الكوفة في سنة ١٠٨٠ (تخميناً) وكان يعتكف بذلك المسجد في شهر رمضان وكان هو وولده الشيخ صفي الدين وأولاد أخيه وأقرباؤه علماء.

وكان جده الشيخ أحمد من أهل العلم وكان بينه وبين الشيخ بهاء الدين العاملي مراسلات وأعقب ثلاثة أولاد كانوا علماء أفاضل وهم الشيخ جمال الدين والد حسام الدين والشيخ محمد حسين الشيخ محمد علي والد الشيخ فخر الدين رضوان الله عليهم أجمعين.

ومن احفاد الطريحي الشيخ نعمة بن الشيخ علاء الدين بن أمين الدين بن محيى الدين بن صفي الدين بن فخر


الدين الطريحي النجفي.

كان من الفضلاء ولد بالنجف سنة ١٢٠٧ ونشأ بها واشتغل بالعلوم الشرعية والآداب العربية حتى اخذ بها حظه فألف كتباً في الفقه والحديث والرجال منها مجمع المقال في الرجال(١) توفى سنة ١٢٩٣.

__________________

١ - الكنى و الآلقاب للشيخ عباس القمي : ج ٢ ، ص ٤٤٨.


الطغرائي

مؤيد الدين أبو إسماعيل الحسين بن علي بن محمد الاصبهاني فخر الكتاب المنشئ الشيعي الإمامي ذكره شيخنا الحر العاملي في أمل الآمل وقال فاضل عالم صحيح المذهب شاعر أديب، قتل ظلماً وقد جاوز ستين سنة وشعره في غاية الحسن ومن جملته لامية العجم المشتملة على الآداب والحكم وهى أشهر من ان يذكر، وله ديوان شعر جيد ثم ذكر بعض أشعاره.

وذكره ابن خلكان في كتابه وأثنى عليه وقال انه كان غزير الفضل لطيف الطبع فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر وذكر قتله (ملخصاً) انه كان وزير السلطان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل وانه لما جرى بينه وبين أخيه السلطان محمود المصاف بالقرب من همدان وكانت النصرة لمحمود فأول من أخذ الطغرائي المذكور فأخبر به وزير محمود نظام الدين علي فقال له الشهاب اسعد وكان طغرائياً في ذلك الوقت هذا


الرجل ملحد، فقال وزير محمود: من يكن ملحداً يقتل، فقتل ظلماً وقد كانوا خافوا منه لفضله فاعتمدوا قتله بهذه الحجة وكانت هذه الواقعة سنة ٥١٣ وقيل ٥١٤ أو غير ذلك ومن محاسن شعره قصيدته المعروفة بلامية العجم وكان عملها ببغداد في سنة ٥٠٥ يصف حاله ويشكو زمانه ثم ذكر ابن خلكان القصيدة ونحن نكتفي هاهنا ببعض اشعارها فانها قصيدة فائقة اعتنى بها الفضلاء ويجري ذكرها في أندية الأدباء وهى:

أصالة الرأي صانتني عن الخطل

وحلية الفضل زانتني لدى العطل

مجدي أخيراً ومجدي أولاً شرع

والشمس رأدالضحىكالشمس في الطفل

فيم الإقامة بالزوراء لا سكني

بها ولا ناقتي فيها ولا جملي(١)

إلى قوله :

لو كان في شرف المأوى بلوغ منى

لم تبرح الشمس يوما دارة الحمل

[أعلل النفس بالآمال أرقبها

ما أضيق العيش لولا فسحة الأملٍ]

لم أرض بالعيش والأيام مقبلة

فكيف أرضى وقد ولت على عجل

__________________

١ - البداية و النهاية لابن كثير : ج ١٢ ، ص ٢٣٥.


غالى بنفسي عرفاني بقيمتها

فصنتها عن رخيص القدر مبتذل

وعادة النصل ان يزهي بجوهره

وليس يعمل إلا في يدي بطل

ما كنت أوثر ان يمتد بي عمري

حتى أرى دولة الأوغاد والسفل

تقدمتني أناس كان شوطهم

وراء خطوي إذا أمشي على مهل

هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا

من قبله فتمنى فسحة الأجل

وان علاني من دوني فلا عجب

لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل

فاصبر لها غير محتال ولا ضجر

في حادث الدهر ما يغني عن الحيل

أعدى عدوك أدنى من وثقت به

فحاذر الناس واصحبهم على وجل

وإنما رجل الدنيا وواحدها

من لا يعوَّل في الدنيا على رجل

وحسن ظنك بالأيام معجزة

فظن شراً وكن منها على وجل

[غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت

مسافة الخلف بين القول والعمل]

وشان صدقك عند الناس كذبهم

وهل يطابق معوج بمعتدل

فيم اقتحامك لج البحر تركبه

وأنت يكفيك منه مصة الوشل

ملك القناعة لا يخشى عليه ولا

يحتاج فيه إلى الأنصار والخول

ترجو البقاء بدار لا بقاء لها

فهل سمعت بظل غير منتقل

[ويا خبيراً على الأسرار مطلعاً

اصمت ففيالصمت منجاة من الزلل](١)

__________________

١ - ذكرها ابن خلكان كاملةً كما يقول ابن كثير في البداية والنهاية: ج١٢، ص٢٣٥، والحق ان هذه القصيدة مليئة بالحكم وبقيت وتبقى خالدةً تتعايش مع الطبيعة الإنسانية التي لا يمكن لها الارتقاء إلى سلم الكمال إلا بما يجهد في تهذيب النفس.


والطغرائي بضم الطاء وسكون الغين المعجمة نسبة إلى من يكتب الطغرى وهى الطرة التي تكتب في أعلى الكتب فوق البسملة بالقلم الغليظ ومضمونها نعوت الملك الذي صدر الكتاب عنه وهي لفظة أعجمية(١) .

طلحة

عن حكيم بن جابر، قال عليعليه‌السلام : لطلحة وعثمان محصور: أنشدك الله إلا رددت الناس عن عثمان! قال: لا والله حتى تُعطي بنو أمية الحق من أنفسها.

وروى الطبري ان عثمان كان له على طلحة خمسون ألفاً، فخرج عثمان يوماً إلى المسجد فقال له طلحة: قد تهيأ مالك فاقبضه، فقال: هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك.

قال: فكان عثمان يقول وهو محصور:

__________________

١ - الكنى و الآلقاب للشيخ عباس القمي : ج ٢ ، ص ٢٤٩ - ٢٥٠.


جزاء سنمار(١) !

وروى الطبري أيضاً ان طلحة باع أرضاً له من عثمان بسبعمائة ألف، فحملها إليه، فقال طلحة: ان رجلاً يبيت وهذه عنده وفي بيته، لا يدري ما يطرقه من أمر الله لغَريرٌ بالله؟ فبات ورسله تختلف بها سكك المدينة يقسمها حتى أصبح وما عنده درهم واحد.

وروى الطبري أيضاً، قال: قال ابن عباسرحمه‌الله : لما حججت بالناس نيابة عن عثمان وهو محصور، مررت بعائشة بالصُّلصُل(٢) ، فقالت: يا بن عباس: أنشدك الله فإنك قد أعطيت لساناً وعقلاً، ان تخذّل الناس عن عثمان، فقد بانت لهم بصائرهم في عثمان وانهجت(٣) ، ورفعت لهم المنار، وتحلبوا من البلدان لأمر قد حُمّ، وان طلحة فيما بلغني قد اتخذ

__________________

١ - الغدير للعلامة الأميني: ج٩، ص٩٣، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج١٠، ص٥.

٢ - صلصل: موضع بنواحي المدينة على سبعة أميال منها.

٣ - أنهج الطريق: وضح.


رجالاً على بيوت الأموال، وأخذ مفاتيح الخزائن وأظنه يسير ان شاء الله بسيرة ابن عمه أبي بكر(١) .

وروى المدائني في كتاب ((مقتل عثمان)) إن طلحة منع من دفنه ثلاثة أيام، وأن علياًعليه‌السلام لم يبايع الناس إلا بعد قتل عثمان بخمسة أيام، وأن حكيم بن حزام أحد بنى أسد بن عبد العزى، وجبير بن مطعم بن الحارث بن نوفل استنجدا بعلىعليه‌السلام على دفنه، فأقعد طلحة لهم في الطريق ناساً بالحجارة، فخرج به نفر يسير من أهله وهم يريدون به حائطا بالمدينة يعرف بحش كوكب(٢) كانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلما صار هناك رجم سريره، وهموا بطرحه، فأرسل علىعليه‌السلام إلى الناس يعزم عليهم ليكفوا عنه، فكفوا، فانطلقوا به حتى دفنوه

__________________

١ - تاريخ الطبري: ج٤، ص٤٠٧ ( نقلها ابن أبي الحديد في شرحه )

٢ - حش كوكب: موقع عند بقيع الغرق، اشتراه عثمان بن عفان وزاده في البقيع.


في حش كوكب(١) .

وروى المدائني في هذا الكتاب، قال دفن عثمان بين المغرب والعتمة، ولم يشهد جنازته إلا مروان بن الحكم وابنه عثمان وثلاثة من مواليه، فرفعت أبنته صوتها تندبه، وقد جعل طلحة ناسا هناك أكمنهم كميناً، فأخذتهم الحجارة، وصاحوا: نعثل نعثل(٢) فقالوا: الحائط الحائط فدفن في حائط هناك.

وروى الواقدي، قال: لما قتل عثمان تكلموا في دفنه، فقال طلحة: يدفن بدير سلع يعنى مقابر اليهود.

وروى الطبري في التاريخ أن عثمان لما حصر، كان عليعليه‌السلام بخيبر في أمواله، فلما قدم أرسل إليه يدعوه، فلما دخل عليه قال له: إن لي عليك حقوقاً: حق

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١٠، ص٥ - ٦.

٢ - نعثل: رجل من أهل مصر، كان طويل اللحية، وكان شاتمو عثمان يسمونه بذلك، (اللسان) حتى عائشة قالت اقتلوا نعثلاً فقد كفر.


الإسلام، وحق النسب، وحق ما لي عليك من العهد والميثاق، ووالله أن لو لم يكن من هذا كله شيء وكنا في جاهلية، لكان عاراً على بنى عبد مناف أن يبتزهم أخو تيم ملكهم - يعنى طلحة - فقال لهعليه‌السلام : سيأتيك الخبر، ثم قام فدخل المسجد، فرأى أسامة بن زيد جالساً، فدعاه فاعتمد على يده، وخرج يمشى إلى طلحة، فدخل داره، وهى دحاس(١) من الناس، فقامعليه‌السلام ، فقال: يا طلحة، ما هذا الأمر الذي وقعت فيه؟ فقال: يا أبا الحسن، أبعد ما مس الحزام الطبيين! فانصرف علىعليه‌السلام ولم يحر إليه شيئاً حتى أتى بيت المال، فنادى: افتحوا هذا الباب، فلم يقدروا على فتحه، فقال: اكسروه، فكسر فقال: أخرجوا هذا المال، فجعلوا يخرجونه وهو يعطى الناس، وبلغ الذين في دار طلحة ما صنع علىعليه‌السلام ، فجعلوا يتسللون إليه حتى بقى طلحة وحده، وبلغ الخبر

__________________

١ - دحاس من الناس " أي ممتلئة.


عثمان، فسر بذلك، ثم أقبل طلحة يمشى عامداً إلى دار عثمان، فاستأذن عليه، فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين، أستغفر الله وأتوب إليه، لقد رمت أمراً حال الله بيني وبينه. فقال عثمان: إنك والله ما جئت تائباً، ولكن جئت مغلوباً، الله حسيبك يا طلحة(١) .

ثم قسمعليه‌السلام مال طلحة، فقال: لا يخلو إما أن يكون معتقداً حل دم عثمان أو حرمته، أو يكون شاكاً في الأمرين، فإن كان يعتقد حله لم يجز له أن ينقض البيعة لنصرة إنسان حلال الدم، وإن كان يعتقد حرمته، فقد كان يجب عليه أن ينهنه عنه الناس، أي يكفهم(٢) .

كان لعثمان على طلحة بن عبيد الله خمسون ألفاً، فقال طلحه له يوماً: قد تهيأ مالك فاقبضه، فقال: هو لك معونة على مروءتك، فلما حصر عثمان، قال علي

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١٠، ص٧ - ٨

٢ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١٠، ص٨


عليه‌السلام لطلحة: أنشدك الله إلا كففت عن عثمان! فقال: لا والله حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها. فكان عليعليه‌السلام يقول: لحا الله ابن الصعبة! أعطاه عثمان ما أعطاه وفعل به ما فعل(١) .

ومن كلام لهعليه‌السلام لما أنفذ عبد الله بن عباس إلى الزبير قبل وقوع الحرب يوم الجمل ليستفيئه إلى طاعته:

لا تلقين طلحة، فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصاً قرنه، يركب الصعب ويقول: هو الذلول، ولكن الق الزبير، فإنه ألين عريكة، فقل له: يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز، وأنكرتني بالعراق، فما عدا مما بدا(٢) !

قال طلحة حينما نزلت آية الحجاب وتحريم الزواج من نساء النبي: ((إن محمداً ينكح منا ونحن لا ننكح منه؟ إن مات أنا أتزوج أم سلمة))(٣) .

__________________

١ - نفس المصدر: ج٢، ص١٦١.

٢ - نفس المصدر: ج٢، ص١٦٢.

٣ - أسرار الإمامة: ص٣٨٩ - ٣٩٠ نقل عن الدر المنثور: ج٥، ص٢١٤، الكشاف: ج٣، =


وقال عثمان بن عفان: ((أنا أتزوج عائشة)).

ومن كلام لهعليه‌السلام في معنى طلحة بن عبيد الله:

قَدْ كُنْتُ وَمَا أُهَدَّدُ بالْحَرْبِ، وَلاَ أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ، وَأَنَا عَلَى مَا قَدْ وَعَدَني رَبِّي مِنَ النَّصْرِ.

وَاللهِ مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمانَ إِلاَّ خَوْفاً مِنْ أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ، لاَنَّهُ مَظِنَّتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَومِ أَحْرَصُ عَلَيْهِ مِنْهُ، فَأَرَادَ أَنْ يُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِيهِ لِيَلْتَبِسَ الأَمْرُ وَيَقَعَ الشَّكُّ.

وَوَاللهِ مَا صَنَعَ فِي أَمْرِ عُثْمانَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلاَث: لَئِنْ كَانَ ابْنُ عَفَّانَ ظَالِماً - كَمَا كَانَ يَزْعُمُ - لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَازِرَ قَاتِلِيهِ وَأَنْ يُنَابِذَ نَاصِرِيهِ، وَلَئِنْ كَانَ مَظْلُوماً لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الـمُنَهْنِهِينَ عَنْهُ وَالْمُعَذِّرِينَ فِيهِ، وَلَئِنْ كَانَ فِي شَكّ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ، لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُ وَيَرْكُدَ جَانِباً وَيَدَعَ

__________________

= ص ٥٥٦


النَّاسَ مَعَهُ، فَمَا فَعَلَ وَاحِدَةً مِنَ الثَّلاَثِ، وَجَاءَ بِأَمْر لَمْ يُعْرَفْ بَابُهُ، وَلَمْ تَسْلَمْ مَعَاذِيرُهُ(١) .

من كلام لعليعليه‌السلام في شأن طلحة والزبير(٢) :

وَاللهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً، وَلاَ جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نِصْفاً، وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً هُمْ تَرَكُوهُ، وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ، فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا الطَّلِبَةُ إِلاَّ قِبَلَهُمْ، وَإِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي، مَا لَبَّسْتُ وَلاَ لُبِّسَ عَلَيَّ.

وَإِنَّهَا لَلْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، فِيهَا الْحَمأُ وَالْحُمَةُ وَالشُّبْهَةُ الْمُغْدِفَةُ، وَإِنَّ الأمْرَ لَوَاضِحٌ، وَقَدْ زَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ، وَانْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ شَغَبِهِ. وَأيْمُ اللهِ لاَُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ، لاَ يَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِيٍّ، وَلاَ يَعُبُّونَ بَعْدَهُ فِي حَسْي!

الشرح: النصف: الإنصاف.

__________________

١ - نهج البلاغة : الخطبة ١٧٣.

٢ - نهج المصدر : الخطبة ١٣٧.


الطلبة: ما طلبته من شيء، ولبست على فلان الأمر، ولبس عليه الأمر، كلاهما بالتخفيف(١) .

ومن كلام لهعليه‌السلام في ذكر أهل البصرة(٢) :

كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا يَرْجُو الأمْرَ لَهُ، وَيَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ، لاَ يَمُتَّانِ إِلَى اللهِ بِحَبْل، وَلاَ يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بَسَبَب.

كُلُّ واحِد مِنْهُمَا حَامِلُ ضَبٍّ لِصَاحِبِهِ، وَعَمَّا قَلِيل يُكْشَفُ قِنَاعُهُ بِهِ!

وَاللهِ لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هذَا نَفْسَ هذَا، وَلَيَأْتِيَنَّ هذَا عَلَى هذَا، قَدْ قَامَتِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، فَأَيْنَ الْـمُحْتَسِبُونَ؟! قَدْ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ، وَقُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ، وَلِكُلِّ ضَلَّة عِلَّةٌ، وَلِكُلِّ نَاكِث شُبْهِةٌ.

وَاللهِ لاَ أَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ، يَسْمَعُ النَّاعِيَ، وَيَحْضُرُ الْبَاكِيَ، ثُمَّ لاَ يَعْتَبِرُ!

الشرح: ضمير التثنية راجع إلى طلحة والزبير، ويمتان: يتوسلان، والضب:

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٩، ص٣٣.

٢ - الخطبة: ١٤٨.


الحقد، والمحتسبون: طالبوا الحسبة، وهي الأجر(١) .

الآغا بزرگ الطهراني

العالم الفذ والمؤرخ الشهير، والمربّي الكبير ومدرّس الأخلاق الشيخ آغا بزرگ الطهراني النجفي مدفناً واسمه الشيخ محمد حسن.

لقد أبلى الشيخ بلاءً كبيراً في عطائه للمكتبة الإسلامية وبخصوص تراث أهل البيت  وله أكثر من ١٥ كتاب ودورة كاملة في التراجم والعلوم المتنوعة، ولكن أشهرها موسوعته العظيمة المسماة بالذريعة إلى تصانيف الشيعة، والكل يعلم جيداً ما أصاب تراث أهل البيت  من الغارات والسطو والإحراق والإتلاف حتى اختلط الحابل بالنابل، لكن المرحوم آغا بزرگ كشف اللثام عن مجموعة من الكتب ومؤلفيها في هذه

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٩، ص ١٠٩.


الموسوعة العملاقة، فهو يبدأ موسوعته بترتيب حروف الأبجد بأسماء الكتب وترجمة مؤلفيها.

كذلك له مؤلفات أخرى كان ولم يزل لها دورها، مثل: نقباء البشر، والكواكب المنتشرة، وسعداء النفوس، وهدية الرازي إلى المجدد الشيرازي.

وكانرحمه‌الله حريصاً ان لا يضيع أي وقت من أوقاته هدراً...

فلاحظت عنه انه كان متواضعاً إلى درجة لا يُميز بينه وبين أبسط طالب علم في النجف كما انه كان يشعر بالاستئناس حينما كان يجلس بين كتبه وما دخلت عليه مرة إلا ووجدته يسبح بين الكتب والأوراق من حوله وهو منحني وأصابعه ترتعش ولا يمل من القلم، وقد أوصى في بيته الذي هو مسكنه ولا يملك سواه فحوّله إلى مكتبة عامة، كما أوقف كل كتبه للمطالعة، وأتذكر منه خواطر لا تغيب عن بالي منها انه لا يسمح لأحد ان يقبل يده حتى أبنائه وأسباطه وكان يردد بالفارسية (خوشم نمياد) - يعني: لا أحب ذلك - وكان البعض


يبادره بإصرار في قبض يده ليقبلها فكان يفك يده بفن عجيب... وهو يردد:

يدٌ تقبل لا يدرى بما صنعت

ولو دروا أبدلوا القطع بالقبل

ليست لها غاية ترجو النجاة بها

إلا ولاء أمير المؤمنين علي

أساتذته: من أساتذته السيد مرتضى الكشميري، والمرحوم آغا رضا الهمداني، والمرحوم الميرزا الشيرازي.

توفي في النجف ودفن في منزله، ولم يترك من حطام الدنيا درهماً واحداً وكان مديناً وحينما جمع أثاث بيته لم يتجاوز قيمته أكثر من سبعة دنانير بقيمة العملة آنذاك لكنه ترك له أثراً في عالم الفكر وعلى صفحة كل وجدان حر نسأل الله له الدرجات العالية(١) .

الخواجة نصير الدين الطوسي

محمد بن محمد بن الحسن الطوسي

__________________

١ - مع الصادقين : ج ١ ، ص ٨٩ - ٩١


الملقب بأستاذ البشر والمحقق.

ولد خواجة نصير الدين الطوسي عام ٥٩٧هـ/ ١٢٠١م في طوس وتوفي يوم ١٨ ذي الحجة عام ٦٧٣هـ/ ١٢٧٤م في بغداد ودفن بجوار الإمامين الكاظمين.

كان الشيخ الطوسي العالم الشهير أحد العقول العالمية الكبيرة ومن النوابغ وكبار العلماء في العالم في مجال العلم والفلسفة والفلك والرياضيات والعلوم الأخرى يعد من القلائل.

انه يعتبر حسب نظر الأستاذ طوقان من نوادر القرن السادس الهجري المعدودة وأحد حكماء الإسلام الممتازين واكتسب بحق لقب العلامة.

يقول سارتون: انه بحق من كبار علماء الإسلام ومن أكبر الرياضيين.

يقول بروكلمان الألماني: انه أشهر علماء القرن السابع وأشهر المؤلفين على الإطلاق.

بلغ من العلم إلى درجة ان تلميذه العلامة الحلي شارح كتبه يقول بحقه: كان هذا الرجل الكبير أفضل أهل زمانه


في العلوم العقلية والنقلية وقال في مكان آخر: انه أستاذ البشرية والعقل الثاني عشر.

كان الشيخ الطوسي وبلا شك من الشيعة الإمامية وتأليفاته في علم الكلام يشتمل على مسائل الإمامة ويصرح بإمامة الاثنا عشرية وعصمتهم.

يقول الأستاذ عارف ثامر: نقل شمس الدين أحمد بن يعقوب الطيبي انه من دعاة الكبار للإسماعيلية ووزيراً لهولاكو ومن جملة من قبلوا فلسفة الإسماعيلية.

وعلى كل حال فمن الأرجح ان الخواجة الطوسي وحيث كان يعيش في ظل الدولة الإسماعيلية ولحفظ نفسه عمل بالتقية وما كتبه كان مطابقاً لمذهب الإسماعيلية وموافقاً لمذهبه الاثني عشري، وانه كان مجبوراً على البقاء مع الإسماعيليين في السجن وباللحظة التي خربت قلاع الإسماعيليين على يد المغول أعلن عن تمسكه بمذهب الشيعة الاثنا عشرية، ومن الشعر المنسوب إليه:

لو ان عبداً أتى بالصالحات غداً

وود كل نبي مرسل وولي


وصام ما صام صواماً بلا ملل

وقام ما قام قواماً بلا كسل

وطار في الجو لا يأوي إلى أحد

وغاص في البحر مأموناً من البلل

وأكسى اليتامى من الديباج كلهم

وأطعمهم من لذيذ البر بالعسل

وعاش في الناس آلافاً مؤلفة

عار من الذنب معصوماً من الزلل

ما كان في الحشر يوم البعث منتفعاً

إلا بحب أمير المؤمنين علي

حياة الخواجة نصير الدين الطوسي

ولد الشيخ الطوسي في طوس عام ٥٩٧هـ، ونشأ وترعرع فيها لذلك سمي بالطوسي وان أصله من جهرود من توابع قم وتوزع فترة حياته إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: من تولده حتى زمان التحاقه بالإسماعيليين قضاها في التحصيل وتكميل علومه في مراكز إيران العلمية مثل قم ونيشابور وأماكن أخرى ولم يعرف منه ان ألف كتاباً في هذه المرحلة.

المرحلة الثانية: تبدأ من بداية


غزو المغول للدول الإسلامية حيث كان الشيخ يسكن نيشابور فالتجأ إلى الإسماعيلية هروباً من المغول حيث قبل دعوة حاكم قهستان ناصر الدين عبد الرحيم بن أبي منصور. وبعد خمسة وعشرون عاماً قضاها مع الإسماعيلية في قلاعهم التحق بالمغول - هولاكو خان - في همدان وخلال تلك المدة ألف عدة كتب باللغة العربية والفارسية والتركية منها:

روضة القلوب

رسالة التولي والتبري

تحرير المجسطي

تحرير اقليدس

اكرما نالوس

الأخلاق الناصرية

روضة التسليم

مطلوب المؤمنين

شرح الإشارات

وكتب أخرى في الفلك والنجوم وألف كتبه الأخرى عند افتتاح هولاكو لبغداد.

المرحلة الثالثة: الفترة بين التحاقه بهولاكو إلى وفاته في بغداد


عام ٦٧٢هـ/ ١٢٧٤م.

في هذه المرحلة ألف بقية كتبه في مذهب الإمامية والتحق بهولاكو في ١٤شوال ٦٥٤هـ، حيث أعلن تشيعه بمذهب الإمامية الاثني عشرية وكان ملازماً إلى هولاكو في سفره وحضره.

استفاد الشيخ الطوسي من قرب مكانته من هولاكو واستطاع الوقوف أمام وقوع البلاء والخراب على المسلمين من قبل جيش هولاكو واستعمل أقصى طاقاته وإمكاناته للحفاظ على علماء الشيعة ورجالهم ولهذا كان الأثر الكبير في الحفاظ على هؤلاء العلماء وبالنتيجة فقد توج جهوده بأن أقنع هولاكو على قبول الإسلام فوقف دون إبادة الحضارة الإسلامية والعلوم الإسلامية بل أصبح هولاكو وأبناؤه هم المدافعون عن ذلك.

شجع الخواجة هولاكو على بناء دار الرصد للنجوم والفلك وشرع ببنائه في العام ٦٥٦هـ/ ١٢٥٩م وجمع علماء الهيئة والفلك في مراغة ثم تم بناؤه في نفس العام الذي توفي فيه العلامة الطوسي.


وكان قد أسس مكتبة عظيمة وكبيرة تحوي أربعمائة ألف كتاب في مراغة.

وعين رواتب شهرية للفقهاء وعلماء الفلسفة والفلك والكلام ليواصلوا تحصيلهم وعلومهم في مراغة، ودعا العلماء من كل مكان من مصر والشام والعراق إلى مراغة ليواصلوا علومهم هناك.

كتب العالم الدمشقي مؤيد الدين عرض في مقدمة كتابه حول آلات وأدوات مرصد مراغة يقول: ((... كل تلك الأعمال بأمر مولانا العظيم العالم الفاضل المحقق الكامل إمام العلماء وسيد الحكماء وأفضل علماء الإسلام بل أفضل المتقدمين والذين اختارهم الله من قبل أهل الزمان الذين أودع فيهم كل الفضائل والمناقب الجميلة وحسن السيرة والحلم وسعة الفكر وجزالة الرأي وسرعة الانتقال والإحاطة بسائر العلوم التي اجتمعت فيه وعن طريقه فاضت على العلماء وأهل العلم المحيطين به, وكان أباً رحيماً ونحن نستظل بظله في غاية الأمان والراحة


ونستبشر برؤيته كما قيل:

نميل على جوانبه كأنا

نميل إذا نميل على أبينا

ونغضبه لِنُخْبرَ جانبيه

فنلقى منهما كرماً ولينا

وكتب فيه:

واستكبر الأخبار قبل لقائه

فلما التقينا صغر الخبر الخبر

للشيخ الطوسي سبعة وستون كتاباً غير الرسائل والمقالات(١) .

وكتب عنه:

حجة الفرقة الناجية، الفيلسوف المحقق أستاذ البشر وأعلم أهل البدو والحضر محمد بن الحسن الطوسي الجهرودي، سلطان العلماء والمحققين، وأفضل الحكماء والمتكلمين ممدوح أكابر الآفاق ومجمع مكارم الأخلاق الذي لا يحتاج إلى التعريف لغاية شهرته مع ان كل ما يقال فهو دون رتبته.

__________________

١ - فلاسفة الشيعة للشيخ عبد الله نعمة، ترجمه إلى الفارسية: جعفر غضبان، طبع طهران، ١٣٦٧هـ ش: ص٢٧٨ - ٣٠٥.


ولد في ١١ جمادى الأولى سنة ٥٩٧ بطوس ونشأ بها ولذلك اشتهر بالطوسي، وكان أصله من بجهورد من أعمال قم،... واشتغل بالتحصيل في العلوم المعقولة عند خاله، ثم انتقل إلى نيشابور وبحث مع فريد الدين الداماد، وقطب الدين المصري وغيرهما.

وفي المنقول عنه تلميذ والده، ووالده تلميذ السيد فضل الله الراوندي وهو تلميذ السيد المرتضى.

وقال أيضاً: كان فاضلاً محققاً ذلت له رقاب الأفاضل من المخالف والمؤالف في خدمته لدرك المطالب المعقولة والمنقولة وخضعت جباه الفحول في عتبته لأخذ المسائل الفروعية والأصولية.

وصنف كتباً ورسائل نافعة نفيسة في فنون العلم، خصوصاً قد بذل جهده لهدم بنيان شبهات الفخرية.

له تجريد الكلام وهو كتاب كامل في شأنه... شرحه جمع من أعاظم العلماء أولهم آية الله العلامة (ره). وله كتاب التذكرة النصيرية في علم الهيئة،


والأخلاق الناصرية، وآداب المتعلمين، وأوصاف الأشراف، وكتاب قواعد العقائد، وتحرير المجسطي، وتحرير أصول الهندسة لأقليدس، وتلخيص المحصل... وغيرها.



حرف العين


عائشة

قال الله تعالى:( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (١) )

وقد خرجت من إقليم إلى إقليم متسلحة لقتل الإمام ومن معه من الأصحاب، وقامت على العسكر، وهو اسم جملها تهيئ وتعبئ العسكر.

قال تعالى:( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٢) ) ، وهي تتضرع لئلا ينفر الجيش عنها.

وقال تعالى:( وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى (٣) ) ، وهي حلت نفسها وعسكرها بالأسلحة، ثم أرسلت على الجمل جلد النمر(٤) .

وخرجت مرة أخرى على جنازة الحسنعليه‌السلام ظناً منها انها يدفن عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع

__________________

١ - (الأحزاب: من الآية٣٣).

٢ - (الأحزاب:٣٢).

٣ - (الأحزاب: من الآية٣٣).

٤ - كتاب الفتوح لابن أكثم: ج٢، ص٤٧٣.


عسكر الشام، واستدعت من مروان قوساً وسهماً ورمت بالنشاب إلى جنازته ثم رشق عسكر الشام بمتابعتهم، وجرى بينها وبين عبد الله بن عباس كلمات موحشة فقال يا عائشة:

تجمّلــــت تبغّلــــت

وإن عشت تفيّلت

لك التسع من الثمن

وبالكل تملكت(١)

لما انتهت (عائشة) إلى سرف راجعة في طريقها إلى مكة لقيها عبد بن أم كلاب وهو عبد بن أبي سلمة ينسب إلى أمه فقالت له: مهيم، قال: قتلوا عثمان رضى الله عنه فمكثوا ثمانياً، قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز اجتمعوا على علي بن أبي طالب، فقالت: والله ليت ان هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك، ردوني ردوني، فانصرفت إلى مكة وهي تقول قتل

__________________

١ - أسرار الإمامة : ص ٣٩٠ -٣٩١


والله عثمان مظلوماً والله لأطلبن بدمه! فقال لها ابن أم كلاب: ولم فوالله إن أول من أمال حرفه لأنت ولقد كنت تقولين اقتلوا نعثلاً فقد كفر، قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه وقد قلت وقالوا وقولي الأخير خير من قولي الأول، فقال لها ابن أم كلاب:

منك البداء ومنك الغير

ومنك الرياح ومنك المطر

وأنت أمرت بقتل الإمام

وقلت لنا إنه قد كفر

فهبنا أطعناك في قتله

وقاتله عندنا من أمر

ولم يسقط السقف من فوقنا

ولم تنكسف شمسنا والقمر

وقد بايع الناس ذا تُدْرإ

يزيل الشبا ويقيم الصعر

ويلبس للحرب أثوابها

وما مَن وفى مثل من قد غدر

فانصرفت إلى مكة فنزلت على باب المسجد فقصدت للحجر فسترت واجتمع إليها الناس فقالت يا أيها الناس إن عثمان رضى الله عنه قتل مظلوماً ووالله


لأطلبن بدمه.

[وخطبت في المربد في البصرة بعد خطبة طلحة والزبير تحرض الناس على قتال علي أمير المؤمنينعليه‌السلام فافترق أصحاب عثمان ابن حنيف فرقتين فقالت فرقة صدقت والله وبرت وجاءت والله بالمعروف وقال الآخرون كذبتم والله ما نعرف ما تقولون فتحاثوا وتحاصبوا وأرهجوا...].

وأقبل جارية بن قدامة السعدي فقال يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك إنه من رأى قتالك فانه يرى قتلك...(١) .

وأقبل غلام من جهينة على محمد بن طلحة وكان محمد رجلاً عابداً فقال: أخبرني عن قتلة عثمان، فقال: نعم دم عثمان ثلاث أثلاث ثلث على صاحبة الهودج

__________________

١ - تاريخ الطبري : ج ٣ ، ص ٤٧٧.


يعني عائشة وثلث على صاحب الجمل الأحمر يعنى طلحة وثلث على علي بن أبي طالب وضحك الغلام وقال ألا أراني على ضلال ولحق بعلي وقال في ذلك شعراً:

سألت ابن طلحة عن هالك

بجوف المدينة لم يقبر

فقال ثلاثة رهط هم

أماتوا ابن عفان واستعبر

فثلث على تلك في خدرها

وثلث على راكب الأحمر

وثلث على ابن أبي طالب

ونحن بدوية قرقر

فقلت صدقت على الأولين

وأخطأت في الثالث الأزهر(١)

ودار قتال سجال بين الفريقين فريق عثمان بن حنيف وفريق عائشة وطلحة والزبير ثم انهم هجموا على عثمان بن

__________________

١ - الطبري: ج٣، ص٤٨٢، تاريخ المدينة لابن شبه النمري: ج٤، ص١١٧٤، الفتنة ووقعة الجمل لسيف بن عمر الضبي: ص١٢٦، والغدير للأميني: ج٩، ص٨٠ ، والنص والاجتهاد للسيد شرف الدين: ص٤٣٨.


حنيف في قصره ونتفوا لحيته.

قال أبو مخنف: لما أخذوا عثمان بن حنيف أرسلوا أبان بن عثمان إلى عائشة يستشيرونها في أمره، قالت: اقتلوه. فقالت لها امرأة: نشدتك بالله يا أم المؤمنين في عثمان وصحبته لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قالت: ردوا أباناً فردوه، فقالت: احبسوه ولا تقتلوه. قال: لو علمت انك تدعينني لهذا لم أرجع فقال لهم مجاشع بن مسعود: اضربوه وانتفوا لحيته، فضربوه أربعين سوطاً ونتفوا لحيته ورأسه وحاجبيه، وأشفار عينيه وحبسوه.

الزهري: لما بلغ طلحة والزبير منزل علي بذي قار انصرفوا إلى البصرة فأخذوا على المنكدر فسمعت عائشة نباح الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ فقالوا: الحوأب، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون إني لهيه قد سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول وعنده نساؤه ليت شعرى أيتكن تنبحها كلاب الحوأب فأرادت الرجوع فأتاها عبد الله بن الزبير فزعم أنه قال


كذب من قال إن هذا الحوأب ولم يزل حتى مضت(١) .

وقيل ان طلحة والزبير جاءا لها بخمسين بدوي شهدوا لها انها تجاوزت الحوأب.

[وهذه أول شهادة زور في الإسلام يلفقها الصحابيان طلحة والزبير.

عبادة بن الصامت

عبادة بن الصامت بن قيس بن أحرم بن فهر بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري من أجلّة الصحابة، وفضلائهم، شهد العقبة الأولى والثانية، وشهد بدراً، والمشاهد كلها وما بعدها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولاه عمر على قضاء فلسطين، فأنكر أموراً على معاوية، فأغلظ له معاوية في القول فقال له عبادة: لا أساكنك بأرض راصدة، ورجع إلى المدينة، فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره، فقال له: ارجع إلى مكانك، فقبح الله مكاناً لست فيه.

__________________

١ - تاريخ الطبري : ج ٣ ، ص ٤٨٥.


وكتب إلى معاوية: لا أمرة لك على عبادة.

توفي عبادة في خلافة عثمان ودفن في البيت المقدس(١) .

العباس عم النبي

هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، عم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أكابر قريش في الجاهلية والإسلام، وكانت له سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام(٢) . أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه، وقيل غير ذلك، لأنه أسر ببدر مع من أسر من

__________________

١ - موسوعة العتبات المقدسة لجعفر الخليلي: ج١، ص٣٧١.

٢ - يذكر انه تفاخر مع أمير المؤمنين عليعليه‌السلام بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، فنزل جبرائيل بآية من القرآن تنصر علياً:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (التوبة:١٩)، وكان يوماً مع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال له وذكره ما سيلقى علي وولده من ولدك بعدك.


كفار قريش ففدى نفسه ثم هاجر إلى المدينة، وشهد فتح مكة ووقعة حُنين، وكان ممن ثبت حين انهزم الناس. وكان إذا مر بعمر في أيام خلافته ترجل عمر إجلالاً له، وكذلك عثمان. وكانت وفاته في المدينة سنة ٣٢ هجرية وعمره ٨٣ سنة، خلَّف عشرة ذكور سوى الإناث. وله في كتب الحديث ٣٥ حديثاً(١) .

__________________

١ - ربيع الأبرار للزمخشري : ج ١ ، ص ٥٦٢ ، الهامش.


عبد الله بن أبي يعفور

عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد ابن عيسى، عن أبي نجران، عن محمد بن يحيى، عن حماد بن عثمان قال:

أردت الخروج إلى مكة فأتيت ابن أبي يعفور مودعا " له فقلت: ألك حاجة؟ قال: نعم تقرأ أبا عبد اللهعليه‌السلام السلام، قال: فقدمت المدينة فدخلت عليه، فسائلني ثم قال: ما فعل ابن أبي يعفور؟ قال: قلت: صالح جعلت فداك آخر عهدي به، وقد أتيته مودعاً له فسألني أن أقرئك السلام، قال: وعليه السلام اقرأه السلام صلى الله عليه، وقل: كن على ما عهدتك عليه.

جعفر بن الحسين، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير قال: أخبرني سليمان الفراء، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: كان أصحابنا يدفعون إليه الزكاة يقسمها في أصحابه فكان يقسمها فيهم وهو يبكي، قال سليمان:


فأقول له: ما يبكيك؟ قال: فيقول:

أخاف أن يروا أنَّها من قبلي(١) .

__________________

١ - كتاب الاختصاص للشيخ المفيد، إصدار مؤسسة النشر الإسلامي لجامعة المدرسين، قم


عبد الله بن جعفر بن أبي طالب

كان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب من الجود بالموضع المعروف ولما قلَّ ماله سمع يوم الجمعة في المسجد الجامع وهو يقول: اللهم انك قد عودتني عادة فعودتها عبادك، فإن قطعتها عني فلا تبقني، فمات في تلك الجمعة، وذلك في أيام عبد الملك بن مروان وصلى عليه أبان بن عثمان بمكة، وقيل بالمدينة، وهي السنة التي كان بها السيل الجحاف الذي بلغ الركن وذهب بكثير من الحجاج.

وقبض عبد الله بن جعفر وهو ابن سبع وستين، وولد بالحبشة حين هاجر جعفر إلى هنالك، وقيل: ان مولده كان في السنة التي قبض فيها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقيل غير ذلك.

وذكر المبرد والمدائني والعتبي وغيرهم من الإخباريين ان عبد الله عوتب على كثرة أفضاله، فقال: ان الله تعالى عوّدني ان يفضل علي، وعودته ان أفضل على عباده، فأكره ان أقطع العادة


عنهم فيقطع العادة عني.

ووفد عبد الله على معاوية، بدمشق، فعلم به عمرو بن العاص قبل دخوله دمشق، أخبره بذلك مولى له كان قد سار مع ابن جعفر من الحجاز، فتقدمه بمرحلتين إلى دمشق، فدخل عمرو على معاوية وعنده جماعة من قريش من بني هاشم وغيرهم: منهم عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب، فقال عمرو: قد أتاكم رجل كثير الخلوات بالتمني، والطرقات بالتغني، أخذ للسلف، فتعاد بالسرف، فغضب عبد الله بن الحارث وقال لعمرو: كذبت وأهل ذلك أنت ليس عبد الله كما ذكرت، ولكنه لله ذكور، ولبلائه شكور، وعن الخنا نفور، ماجد، مهذب، كريم، سيد حليم، ان ابتدأ أصاب، وإن سئل أجاب، غير حصور ولا هياب، ولا فحاش ولا سباب، كالهزبر الضرغام الجريء المقدام، والسيف الصمصام، والحسب القمقام، وليس كمن اختصم فيه من قريش شرارها، فغلب عليه جزّارها، فأصبح ألأمها حسباً، وأدناها منصباً، يلوذ منها بذليل، ويأوي إلى قليل، وليت


شعري بأي حسب تتناول؟ أو بأي قدم تتعرض؟ غير انك تعلو بغير أركانك، وتتكلم بغير لسانك، ولقد كان أبر في الحكم، وأبين في الفضل، ان يكفك ابن أبي سفيان عن ولوغك بأعراض قريش، وأن يكعمك كعام الضبع في وجارها ولست بأعراضها بوفي، ولا لأحسابها بكفي، وقد أقبح لك ضيغم شرس، للأقران مختلس، والله رواح مفترس، فهمَّ عمرو ان يتكلم فمنعه معاوية من ذلك وقال عبد الله بن الحارث: لا يُبق المرء إلا على نفسه، والله ان لساني لحديد، وإن جوابي لعتيد، وإن قولي لسديد، وإن أنصاري لشهود، فقام معاوية وتفرق القوم.

ولعبد الله بن جعفر بن أبي طالب أخبار حسان في الجود والكرم وغير ذلك من المناقب(١) .

جاء في ربيع الأبرار:

هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي ولد بأرض

__________________

١ - مروج الذهب للمسعودي : ج ٣ ، ص ١٦٧.


الحبشة لما هاجر أبوه إليها، وهو أول من ولد بها من المسلمين، كان كريماً يسمى بحر الجود، وكان في جيش عليعليه‌السلام في صفين ثم انصرف عن السياسة بعد ان استقر الأمر لبني أمية، توفي في المدينة سنة ٨٠ للهجرة(١) .

قال: رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأكل القثاء بالرطب(٢) .

عبد الله بن الحسن المحض

هو عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام في عمدة الطالب وانما سمى المحض لأن أباه الحسن بن الحسنعليه‌السلام وأمه فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام وكان يشبه برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

وكان شيخ بنى هاشم في زمانه، وقيل له: بِمَ صرتم أفضل الناس، قال: لأن

__________________

١ - ربيع الأبرار: ج١، ص٢٩٥، الهامش.

٢ - مسند أحمد بن حنبل: ج١، ص٢٠٣، سنن الدارمي: ج٢، ص١٠٣، صحيح مسلم: ج٦، ص١٢٢، سنن ابن ماجه: ج٢، ص١١٠٤، سنن أبي داود: ج٢، ص٢١٤، سنن الترمذي: ج٣، ص١٨٣.


الناس كلهم يتمنون ان يكونوا منا ولا نتمنى ان نكون من أحد.

وقال أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين عند ذكر من قتل أيام أبي جعفر المنصور وكان أبو جعفر المنصور قد طلب محمداً وإبراهيم إبني عبد الله فلم يقدر عليهما فحبس عبد الله بن الحسن وإخوته وجماعة من أهل بيته بالمدينة ثم أحضرهم إلى الكوفة فحبسهم بها، فلما ظهر محمد قتل عدة منهم في الحبس إلى ان قال وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، يكنى أبا محمد...

إلى ان قال: وقتل عبد الله بن الحسن في محبسه بالهاشمية، وهو ابن خمس وسبعين، سنة خمس وأربعين ومائة.

وفى معجم البلدان: والهاشمية أيضاً مدينة بناها السفاح بالكوفة إلى ان قال وبالهاشمية هذه حبس المنصور عبد الله بن حسن بن حسن بن على بن أبي طالب


رضى الله عنه ومن كان معه من أهل بيته(١) .

عبد الله بن الزبير

في اليوم الثالث من حرب الجمل برز أول الناس عبد الله بن الزبير، ودعا إلى المبارزة، فبرز إليه الاشتر، فقالت عائشة: من برز إلى عبد الله؟ قالوا: الاشتر، فقالت: واثكل أسماء! فضرب كل منهما صاحبه فجرحه، ثم اعتنقا، فصرع الاشتر عبد الله، وقعد على صدره، واختلط الفريقان: هؤلاء لينقذوا عبد الله، وهؤلاء ليعينوا الاشتر. وكان الاشتر طاوياً ثلاثة أيام لم يطعم - وهذه عادته في الحرب - وكان أيضاً شيخاً عالي السن - فجعل عبد الله ينادى:

اقتلوني ومالكاً(٢)

فلو قال: ((اقتلوني والاشتر)) لقتلوهما، إلا أن أكثر من كان يمر بهما لا يعرفهما، لكثرة من وقع في

__________________

١ - الاحتجاج: ج١، ص١٣١، الهامش.

٢ - واقتلوا مالكاً معي.


المعركة صرعى بعضهم فوق بعض، وأفلت ابن الزبير من تحته أو لم يكد، فذلك قول الاشتر:

أعائش لو لا أنني كنت طاوياً

ثلاثاً لألفيت ابن أختك هالكا

غداة ينادي والرجال تحوزه

بأضعف صوت: اقتلوني ومالكا!

فلم يعرفوه إذ دعاهم وغمه

خدبّ عليه في العجاجة باركا

فنجاه منى أكله وشبابه

وأنى شيخ لم أكن متماسكا(١)

وروى أبو مخنف عن الأصبغ بن نباتة، قال: دخل عمار بن ياسر ومالك بن الحارث الاشتر على عائشة بعد انقضاء أمر الجمل فقالت عائشة: يا عمار، من معك؟ قال الاشتر: فقالت: يا مالك، أنت الذي صنعت بابن أختي ما صنعت؟ قال: نعم، ولو لا أنى كنت طاوياً ثلاثة أيام لأرحت أمة محمد منه، فقالت: أ ما علمت أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ((لا يحل دم مسلم إلا

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١، ص٢٦٢.


بأحد أمور ثلاثة: كفر بعد الإيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق))! قال الاشتر: على بعض هذه الثلاثة قاتلناه يا أم المؤمنين، وأيم الله ما خانني سيفي قبلها، ولقد أقسمت ألا يصحبني بعدها.

قال أبو مخنف: ففي ذلك يقول الاشتر من جملة هذا الشعر الذي ذكرناه:

وقالت على أي الخصال صرعته

بقتل أتى، أم ردة لا أباً لكا!

أم المحصن الزاني الذى حل قتله

فقلت لها لا بد من بعض ذلكا

جاء في مروج الذهب: بايع أهل العراق عبد الله بن الزبير واستعمل على الكوفة عبد الله بن مطيع العدوي(١) .

ويضيف المسعودي: أظهر بن الزبير الزهد في الدنيا، والعبادة مع الحرص على الخلافة، وقال: انما بطني شبر، فما عسى ان يسع ذلك من الدنيا، وأنا العائذ بالبيت، والمستجير بالرب،

__________________

١ - مروج الذهب للمسعودي: ج٤، ص٧٣.


وكثرت أذيته لبني هاشم مع شحّه بالدنيا على سائر الناس، ففي ذلك يقول أبو حرّة مولى الزبير:

ان الموالي أمست وهي عائبة

على الخليفة تشكو الجوع والحربا

ماذا علينا وماذا كان يرزؤنا

أي الملوك على ما حولنا غلبا؟

وفيه يقول بعد مفارقته إياه:

لَو كانَ بَطنُكَ شِبراً قَد شَبِعتَ وَقَد

أَبقيتَ خُبزاً كَثيراً لِلمساكينِ

فَإِن تُصِبكَ مِن الأَيّامِ جائِحَةٌ

لَم نَبكِ مِنكَ عَلى دُنيا وَلا دينِ

مازِلتَ في سورَة الأَعرافِ تَدرُسُها

حَتّى فُؤادُك مِثلُ الخَزِّ في اللّينِ

إِنَّ اِمرءاً كُنتُ مَولاهُ فَضَيَّعَني

يَرجو الفَلاحَ لعندي حقُّ مَغبونِ

وفيه يقول أيضاً:

فيا راكباً إما عرضت فبلغن

كبير بني العوام ان قيل: من تعني

تخبر من لاقيت انك عائذ

وتكثر قتلاً بين زمزم والركن(١)

وفيه يقول الضحاك بن فيروز الديلمي:

تخبرنا ان سوف تكفيك قبضة

وبطنك شبراً أو أقل من الشبر

__________________

١ - مروج الذهب للمسعودي: ج٤، ص ٧٥.


وأنت إذا ما نلت شيئاً قضمته

كما قضمت نار الغضى حطب السدر

فلو كنت تجزي إذ تبيت بنعمة

قريباً لردتك العطوف على عمروِ(١)

ثم أيام خلافته المشؤومة حبس الحسن بن محمد بن الحنفية في الحبس المعروف بجيش عارم، وهو حبس موحش مظلم، وأراد قتله، فعمل الحيلة حتى تخلص من السجن، وتعسف الطريق على الجبال حتى أتى وبها أبوه محمد بن الحنفية ففي ذلك يقول كثير:

تُخَبِّرُ مَن لاقَيتَ أَنَّكَ عائِذٌ

بِلَ العائِذُ المَظلومُ في سِجنِ عارِمِ

وَمَن يَرَ هَذا الشَيخَ بِالخَيفِ مِن مِنىً

مِنَ الناسِ يَعلَم أَنَّهُ غَيرُ ظالِمِ

سَمِيُّ النَبِيِّ الطُّهْر وَاِبنُ وَصيِّـــهِ

وَفَكّاكُ أَغلالٍ وَقاضي مَغارِمِ(٢)

__________________

١ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢٠، ص١٤٥.

٢ - مناقب ابن شهراشوب: ج٢، ص٢٤٩، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد * المعتزلي: ج٢٠، ص١٤٦، معجم البلدان: ج٤، ص٦٦، لسان العرب لابن منظور: ج١٥، ص٣٩٤، تاج العروس =


وقد كان ابن الزبير عمد إلى من بمكة من بني هاشم فحصرهم في الشعب، وجمع لهم حطباً عظيماً لو وقعت فيه شرارة من نار لم يسلم من الموت أحد، وفي القوم محمد بن الحنفية.

وحدّث النوفلي بن حرملة:... عن الديال بن حرملة، قال: كنت فيمن استنفره أبو عبد الله الجدلي من أهل الكوفة من قبل المختار، فنفرنا معه في أربعة آلاف فارس، فقال أبو عبد الله: هذه خيل عظيمة، وأخاف ان يبلغ ابن الزبير الخبر فيعجل على بني هاشم، فيأتي عليهم، فانتدبوا معي، فانتدبنا معه في ثمانمائة فارس جريدة خيل، فما شعر ابن الزبير إلا والرايات تخفق على رأسه، قال: فجئنا إلى بني هاشم، فإذا هم في الشعب، فاستخرجناهم، فقال لنا ابن الحنفية: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم، فلما رأى ابن الزبير تنمّرنا له وإقدامنا عليه لاذ بأستار الكعبة،

__________________

= للزبيدي : ج ١ ، ص ٣٩٢


وقال: أنا عائذ بالله(١) .

قال أمير المؤمنين عليعليه‌السلام : (( ما زال الزبير منا أهل البيت حتى ظهر ابنه عبد الله)).

يكنى عبد الله بن الزبير أبا بكر، وقال بعضهم: أبا بكير، وله كنية أخرى أبو خبيب بابنه خبيب، وكان أسن ولده، وخبيب هو صاحب عمر بن عبد العزيز الذي مات من ضربة إذ كان والياً على المدينة للوليد، وكان الوليد أمره بضربه فمات من أذيه ذلك فوداه عمر بعد.

وسماه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باسم جده، وكناه بكنية جده عبد الله أبي بكر، وهاجرت أمه أسماء من مكة إلى المدينة وهى حامل به، فولدته في سنة اثنتين من الهجرة لعشرين شهراً من التاريخ، وقيل: ولد في السنة الأولى، وهو أول مولود ولد في الإسلام من المهاجرين بعد الهجرة(٢) .

__________________

١ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢٠، ص١٤٦.

٢ - تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج٢٨، =


وشهد عبد الله حرب الجمل مع أبيه الزبير وخالته عائشة... وكان بخيلاً ضيق العطن سيئ الخلق حسوداً، كثير الخلاف، أخرج محمد بن الحنفية من مكة والمدينة، ونفى عبد الله بن عباس إلى الطائف.

وقال عليعليه‌السلام في أمره: ما زال الزبير يعد منا أهل البيت حتى نشا ابنه عبد الله. قال أبو عمر: وبويع له بالخلافة سنة أربع وستين(١) .

وكانت بيعته بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية، على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان، وحج بالناس ثمان حجج، وقتل في أيام عبد الملك بن مروان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقين من جمادى الأولى، وقيل: من جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وصلب بمكة بعد

__________________

= ص١٥٥، وشرح ابن أبي الحديد: ج٢٠، ص١٠٣.

١ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، مصدر سابق: ج٢٠، ص١٠٤، والصوارم المهرقة للتستري: ص٩٧.


قتله. وكان الحجاج قد بدأ بحصاره من أول ليلة من ذي الحجة سنة اثنين وسبعين، وحج الحجاج بالناس ذلك العام، ووقف بعرفة وعليه درع ومغفر ولم يطوفوا بالبيت في تلك السنة، فحاصره ستة أشهر وسبعة عشر يوماً إلى ان قتله.

روى هشام بن عروة عن أبيه قال: لما كان قبل قتل عبد الله بعشرة أيام دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر وهى شاكية: فقال: كيف تجدينك يا أمه؟ قالت: ما أجدني إلا شاكية، فقال لها: إن في الموت لراحة، فقالت لعلك تمنيته لي، وما أحب أن أموت حتى يأتي على إحدى حالتيك، أما قتلت فاحتسبك، وأما ظفرت بعدوك فقرت عيني(١) .

قال عروة: فالتفت عبد الله إلي وضحك، فلما كان اليوم الذي قتل فيه دخل عليها في المسجد، فقالت يا بني لا تقبل منهم خطة تخاف فيها على نفسك

__________________

١ - تاريخ اليعقوبي : ج ٣ ، ص ٢٦٧


الذل [مخافة القتل]، فوالله لضربة سيف في عز خير من ضربة سوط في مذلة، قال: فخرج عبد الله وقد نصب له مصراع عند الكعبة، فكان يكون تحته، فأتاه رجل من قريش فقال له: ألا نفتح لك باب الكعبة فتدخلها؟ فقال: والله لو وجدوكم تحت أستار الكعبة لقتلوكم عن آخركم، وهل حرمة البيت إلا كحرمة الحرم! ثم أنشد:

ولست بمبتاع الحياة بسبّة

ولا مرتق من خشية الموت سلّما

ثم شد عليه أصحاب الحجاج، فسأل عنهم، فقيل هؤلاء أهل مصر، فقال لأصحابه: اكسروا أغماد سيوفكم، واحملوا معي...

فأقبل عليه حجر من ناحية الصفا فأصابه بين عينيه، فنكس رأسه وهو يقول:

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا

ولكن على أقدامنا تقطر الدما

ثم اجتمعوا عليه، فلم يزالوا يضربونه ويضربهم حتى قتلوه... فلما قتل كبر أهل الشام، فقال عبد الله بن


عمر: المكبرون يوم ولد خير من المكبرين يوم قتل(١) .

قال أبو عمر: وقال يعلى بن حرملة: دخلت مكة بعد ما قتل عبد الله بن الزبير بثلاثة أيام، فإذا هو مصلوب، فجاءت أمه أسماء، وكانت امرأة عجوزاً طويلة مكفوفة البصر تقاد، فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال لها: المنافق؟ قالت: والله ما كان منافقاً، ولكنه كان صواماً قواماً براً، قال: انصرفي فإنك عجوز قد خرفت. قالت: لا والله ما خرفت، وإنى سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: ((يخرج من ثقيف كذاب ومبير))، أما الكذاب فقد رأيناه... وأما المبير فأنت.

قال على بن مجاهد: قتل مع ابن الزبير مائتان وأربعون رجلاً، إن منهم لمن سال دمه في جوف الكعبة.

__________________

١ - شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٢ ، ص ١٠٦


عائشة وحرب الجمل:

عن ابن أبي عتيق، قال: قالت عائشة: إذا مر ابن عمر فأرونيه، فلما مر قالوا: هذا ابن عمر فقالت: يا أبا عبد الرحمن، ما منعك أن تنهاني عن مسيري، قال: رأيت رجلاً قد غلب عليك، ورأيتك لا تخالفينه - يعنى عبد الله بن الزبير - فقالت: أما إنك لو نهيتني ما خرجت(١) .

قال الزبير بن بكار (وهو أحد أولاد عبد الله بن الزبير) في كتاب (أنساب قريش): أمه أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، فكان أهل الشام وهم يقاتلون عبد الله بمكة يصيحون: يا بن ذات النطاقين(٢) - يظنونه عيباً -

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢٠، ص١٠٧.

٢ - ذات النطاقين: هي أسماء بنت أبي بكر الصديق، وإنما سميت ذات النطاقين لأن رسول الله (ص) لما تجهز مهاجراً إلى المدينة ومعه أبو بكر لم يكن لسفرتهما شناق (الحبل) فشقت أسماء نطاقها فشنقتها به، فقال رسول الله (ص): قد أيدك الله تعالى =


فيقول ابنها: والإله، ثم يقول من شعر أبي ذريب:

وعيرني الواشون اني أحبها

وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

فإن اعتذر عنها فإني مكذّب

وإن تعتذر يُردد عليك اعتذارها

عن عروة بن الزبير، قال: لم يكن أحد أحب إلى عائشة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعد أبي بكر من عبد الله بن الزبير. وقال مصعب بن عثمان: أوصت عائشة إلى عبد الله بن الزبير(١) .

قال الزبير بن بكار: وابن الزبير أحد الرهط الخمسة الذين وقع اتفاق أبي موسى الاشعري وعمرو بن العاص على إحضارهم، والاستشارة بهم في يوم التحكيم وهم عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو، وأبو الجهم بن حذيفة، وجبير بن مطعم، وعبد الرحمن بن الحارث بن

__________________

= بنطاقك هذا نطاقين في الجنة فسميت ذات النطاقين. انظر شرح ابن أبي الحديد: ج٢٠، ص١٠٧.

١ - نفس المصدر: ج٢٠، ص١١٠.


هشام(١) .

قال الزبير: وأعطت عائشة من بشرها بان عبد الله لم يقتل يوم الجمل عشرة آلاف درهم(٢) .

وكان به بضع وأربعون طعنة وضربة(٣) .

عن المنذر بن الجهم الأسلمي: رأيت ابن الزبير، وقد خذله من معه خذلانا شديدا، وجعلوا يخرجون إلى الحجاج، خرج إليه منهم نحو عشرة آلاف، وذكر إنه كان ممن فارقه، وخرج إلى الحجاج ابناه: خبيب وحمزة، فأخذا من الحجاج لأنفسهما أماناً... فجاء إلى أمه وقال: خذلني الناس حتى ولداي وأهلي ولم يبق معي إلا اليسير... فقالت له: وكم خلودك في الدنيا! القتل أحسن، فدنا وقبّل رأسها وقال: هذا الرأي...(٤) .

وبعث الحجاج برأس ابن الزبير ورأس

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢، ص١١٣ - ١١٤.

٢ - نفس المصدر: ج٢٠، ص١١٤.

٣ - نفس المصدر: ج٢٠، ص١١١.

٤ - نفس المصدر: ج٢٠، ص١١٩.


عبد بن صفوان ورأس عمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة، فنصبت الثلاثة بها، ثم حملت إلى عبد الملك.

أكلتم تمري وعصيتم أمري

كان عبد الله بن الزبير شديد البخل، كان يطعم جنده تمراً، ويأمرهم بالحرب، فإذا فروا من وقع السيوف لامهم وقال لهم:

أكلتم تمري، وعصيتم أمري فقال بعضهم:

ألم تر عبد الله - والله غالب

على أمره - يبغى الخلافة بالتمر

وكسر بعض جنده خمسة أرماح في صدور أصحاب الحجاج، وكلما كسر رمحا أعطاه رمحا، فشق عليه ذلك، وقال: خمسة أرماح! لا يحتمل بيت مال المسلمين هذا(١) .

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج ٢٠ ، ص ١٢٣.


عبد الله بن الزبير وآل هاشم

جمع عبد الله بن الزبير محمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس في سبعة عشر رجلاً من بني هاشم، منهم الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وحصرهم في شعب بمكة يعرف بشعب عارم، وقال: لا تمضي الجمعة حتى تبايعوا لي أو أضرب أعناقكم، أو أحرقكم بالنار، ثم نهض إليهم قبل الجمعة يريد إحراقهم بالنار، فالتزمه ابن مسور بن مخرمة الزهري، وناشده الله أن يؤخرهم إلى يوم الجمعة، فلما كان يوم الجمعة دعا محمد بن الحنفية بغسول وثياب بيض، فاغتسل وتلبس وتحنط، لا يشك في القتل، وقد بعث المختار بن أبي عبيد من الكوفة أبا عبد الله الجدلي في أربعة آلاف، فلما نزلوا ذات عرق، تعجل منهم سبعون على رواحلهم حتى وافوا مكة صبيحة الجمعة ينادون: يا محمد، يا محمد! وقد شهروا السلاح حتى وافوا شعب عارم، فاستخلصوا محمد بن الحنفية ومن كان معه، وبعث محمد بن الحنفية الحسن بن الحسن ينادي: من كان يرى إن الله


عليه حقاً فليشم سيفه، فلا حاجة لي بأمر الناس، إن أعطيتها عفواً قبلتها، وإن كرهوا لم نبتزهم أمرهم.

وفي شعب عارم وحصار ابن الحنفية فيه يقول كثير بن عبد الرحمن:

ومن ير هذا الشيخ بالخيف من منى

من الناس يعلم إنه غير ظالم

سمى النبي الطهر وابن وصيه

وحمال أثقال وفكاك غارم

تخبّر من لاقيت انك عائذ

بل العائذ المحبوس في سجن عارم(١)

وروى المدائني، قال: لما أخرج ابن الزبير عبد الله بن عباس من مكة إلى الطائف مر بنعمان، فنزل فصلى ركعتين، ثم رفع يديه يدعو، فقال: اللهم إنك تعلم أنه لم يكن بلد أحب إلي من أن أعبدك فيه من البلد الحرام، وإنني لا أحب أن تقبض روحي إلا فيه، وإن ابن الزبير أخرجني منه، ليكون الأقوى في سلطانه. اللهم فأوهن كيده، واجعل دائرة السوء عليه: فلما دنا من الطائف تلقاه أهلها، فقالوا: مرحباً بابن عم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! أنت والله أحب إلينا

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج ٢٠ ، ص ١٢٣ - ١٢٤.


وأكرم علينا ممن أخرجك، هذه منازلنا تخيرها، فانزل منها حيث أحببت، فنزل منزلاً، فكان يجلس إليه أهل الطائف بعد الفجر وبعد العصر، فيتكلم بينهم، كان يحمد الله ويذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والخلفاء بعده، ويقول:

ذهبوا فلم يدعوا أمثالهم ولا أشباههم ولا من يدانيهم، ولكن بقى أقوام يطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون جلود الضان، تحتها قلوب الذئاب والنمور، ليظن الناس أنهم من الزاهدين في الدنيا، يراءون الناس بأعمالهم، ويسخطون الله بسرائرهم، فادعوا الله أن يقضى لهذه الأمة بالخير والإحسان، فيولى أمرها خيارها وأبرارها، ويهلك فجارها وأشرارها، ارفعوا أيديكم إلى ربكم وسلوه ذلك، فيفعلون.

فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إليه:

أما بعد، فقد بلغني إنك تجلس بالطائف العصرين، فتفتيهم بالجهل، تعيب أهل العقل والعلم، وإن حلمي عليك، واستدامتي فيئك جرأك عليَّ،


فاكفف - لا أبا لغيرك - من غربك، وأربع على ظلعك، واعقل إن كان لك معقول، وأكرم نفسك فإنك إن تهنها تجدها على الناس أعظم هوانا، ألم تسمع قول الشاعر:

فنفسك أكرمها فإنك إن تهن

عليك فلن تلق لها - الدهر - مكرما

وإني أقسم بالله لئن لم تنته عما بلغني عنك لتجدن جانبي خشناً، ولتجدنني إلى ما يردعك عني عجلاً، فر رأيك، فإن أشفى بك شقاؤك على الردى فلا تلم إلا نفسك.

فكتب إليه ابن عباس:

أما بعد، فقد بلغني كتابك، قلت: إني أفتى الناس بالجهل، وإنما يفتي بالجهل من لم يعرف من العلم شيئا، وقد آتاني الله من العلم ما لم يؤتك. وذكرت إن حلمك عني، واستدامتك فيئ جرأني عليك، ثم قلت: اكفف من غربك، واربع على ظلعك، وضربت لي الأمثال،


أحاديث الضبع، متى رأيتني لعرامك(١) هائباً، ومن حدك ناكلاً! وقلت: لئن لم تكفف لتجدن جانبي خشناً، فلا أبقى الله عليك إن أبقيت، ولا أرعى عليك إن أرعيت! فوالله لا انتهي عن قول الحق، وصفة أهل العدل والفضل، وذم الأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، والسلام(٢) .

تركه ذكر رسول الله في الخطبة نكاية ببني هاشم

قطع عبد الله بن الزبير في الخطبة ذكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جُمعاً كثيرة فاستعظم الناس ذلك، فقال: إني لا أرغب عن ذكره، ولكن له أهيل سوء إذا ذكرته أتلعوا أعناقهم، فأنا أحب ان أكبتهم.

لما كاشف عبد الله بن الزبير بنى هاشم، وأظهر بغضهم وعابهم، وهم بما هم به في أمرهم، ولم يذكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

__________________

١ - العرام : الشراسة و الشدة.

٢ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج ٢٠ ، ص ١٢٥.


في خطبه، لا يوم الجمعة ولا غيرها، عاتبه على ذلك قوم من خاصته، وتشاءموا بذلك منه، وخافوا عاقبته، فقال: والله ما تركت ذلك علانية إلا وأنا أقوله سراً وأكثر منه، لكنى رأيت بنى هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبوا وأحمرت ألوانهم، وطالت رقابهم، والله ما كنت لآتي لهم سروراً وأنا أقدر عليه، والله لقد هممت أن أحظر لهم حظيرة ثم أضرمها عليهم ناراً، فإني لا أقتل منهم إلا آثماً كفاراً سحاراً، لا أنماهم الله ولا بارك عليهم، بيت سوء لا أول لهم ولا آخر، والله ما ترك نبي الله فيهم خيراً، استفرع نبي الله صدقهم فهم أكذب الناس.

فقام إليه محمد بن سعد بن أبي وقاص فقال: وفقك الله يا أمير المؤمنين! أنا أول من أعانك في أمرهم، فقام عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحى، فقال: والله ما قلت صواباً، ولا هممت برشد، أرهط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تعيب، وإياهم تقتل، والعرب حولك! والله لو قتلت عدتهم أهل بيت من الترك مسلمين ما سوغه الله لك، والله لو لم ينصرهم الناس منك لنصرهم الله بنصره.


فقال: اجلس أبا صفوان فلست بناموس.

فبلغ الخبر عبد الله بن العباس، فخرج مغضبا ومعه ابنه حتى أتى المسجد، فقصد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم قال: أيها الناس، إن ابن الزبير يزعم أن لا أول لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا آخر، فيا عجباً كل العجب لافترائه ولكذبه، والله إن أول من أخذ الإيلاف وحمى عيرات قريش لهاشم، وإن أول من سقى بمكة عذباً، وجعل باب الكعبة ذهباً لعبد المطلب، والله لقد نشأت ناشئتنا مع ناشئة قريش، وإن كنا لقالتهم إذا قالوا، وخطباءهم إذا خطبوا، وما عد مجد كمجد أولنا، ولا كان في قريش مجد لغيرنا، لأنها في كفر ماحق، ودين فاسق، وضلة وضلالة، في عشواء عمياء، حتى اختار الله تعالى لها نوراً، وبعث لها سراجاً، فانتجبه طيباً من طيبين، لا يسبه بمسبة، ولا يبغى عليه غائلة، فكان أحدنا وولدنا، وعمنا وابن عمنا. ثم إن أسبق السابقين إليه منا وابن عمنا، ثم تلاه في السبق أهلنا ولحمتنا واحدا بعد واحد.


ثم إنا لخير الناس بعده وأكرمهم أدباً، وأشرفهم حسباً، وأقربهم منه رحماً. واعجباً كل العجب لابن الزبير! يعيب بنى هاشم، وإنما شرف هو وأبوه وجده بمصاهرتهم، أما والله إنه لمسلوب قريش، ومتى كان العوام بن خويلد يطمع في صفية بنت عبد المطلب، قيل للبغل: من أبوك يا بغل؟ فقال: خالي الفرس. ثم نزل(١) .

خطب ابن الزبير بمكة على المنبر، وابن عباس جالس مع الناس تحت المنبر، فقال: إن هاهنا رجلاً قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، يزعم أن متعة النساء حلال من الله ورسوله.

فقال ابن عباس لقائده سعد بن جبير بن هشام مولى بنى أسد بن خزيمة، استقبل بى وجه ابن الزبير، وأرفع من صدري، وكان ابن عباس قد كف بصره فاستقبل به قائده وجه ابن الزبير، وأقام قامته فحسر عن ذراعيه، ثم قال:

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج ٢ ، ص ١٢٨ - ١٢٩.


يا بن الزبير

قد أنصف القارة من راماها(١)

إنا إذا ما فئـــة نلقاهـــــــا

نرد أولاها على أخراهـــــا

حتى تصير حرضاً دعواها(٢)

يا بن الزبير؛ أما العمى فإن الله تعالى يقول:( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٣) ) ، وأما فتياى في القملة والنملة، فإن فيها حكمين لا تعلمها أنت ولا أصحابك، وأما حملي المال فإنه كان مالاً جبيناه فأعطينا كل ذي حق حقه، وبقيت بقية هي دون حقنا في كتاب الله فأخذناها بحقنا، وأما المتعة فسل أمك أسماء إذا نزلت عن بردى عوسجة.

وأما قتالنا أم المؤمنين فبنا سميت أم المؤمنين لا بك ولا بأبيك، فانطلق

__________________

١ - القارة: قوم رماة من العرب وفي المثل: قد أنصفت القارة من راماها.

٢ - الحرض: إلقاء في الذهن والعقل والبدن.

٣ - (الحج: من الآية٤٦).


أبوك وخالك إلى حجاب مده الله عليها، فهتكاه عنها، ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دونها، وصانا حلائلهما في بيوتهما، فما أنصفا الله ولا محمداً من أنفسهما إن أبرزا زوجة نبيه وصانا حلائلهما.

وأما قتالنا إياكم فإنا لقينا زحفاً، فإن كنا كفاراً فقد كفرتم بفراركم منا، وإن كنا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيانا، وأيم الله لو لا مكان صفية فيكم، ومكان خديجة فينا، لما تركت لبنى أسد بن عبد العزى عظماً إلا كسرته. فلما عاد ابن الزبير إلى أمه سألها عن بردى عوسجة، فقالت ألم أنهك عن ابن عباس وعن بنى هاشم! فإنهم كُعُم(١) الجواب إذا بدهوا، فقال: بلى، وعصيتك. فقالت يا بنى، احذر هذا الأعمى الذي ما أطاقته الإنس والجن، واعلم إن عنده فضائح قريش ومخازيها بأسرها، فإياك وإياه آخر الدهر،

__________________

١ - كُعُم البعير: شد فاه لئلا يعض أو يأكل، والمعنى انهم ذووا أجوبة مسكتة مخرسة تلجم أفواه مناظريهم.


فقال: أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي:

يا بن الزبير لقد لاقيت بائقة

من البوائق فالطف لطف محتال

لاقيته هاشمياً طاب منبته

في مغرسيه كريم العم والخال

ما زال يقرع عنك العظم مقتدراً

على الجواب بصوت مسمع عال

حتى رأيتك مثل الكلب منجحراً

خلف الغبيط وكنت الباذخ العالي

أن ابن عباس المعروف حكمته

خير الأنام له حال من الحال

عيرته المتعة المتبوع سنتها

وبالقتال وقد عيرت بالمال

لما رماك على رسل بأسهمه

جرت عليك بسيف الحال والبال

فاحتزَّ مقولك الأعلى بشفرته

حزاً وحياً بلا قيل ولا قال

وأعلم بأنك إن عاودت غيبته

عادت عليك مخاز ذات أذيال(١)

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢٠، ص١٣٠ - ١٣١، والدرجات الرفيعة لابن معصوم.


وروى عثمان بن طلحة العبدرى، قال: شهدت من ابن عباسرحمه‌الله مشهداً ما سمعته من رجل من قريش، كان يوضع إلى جانب سرير مروان بن الحكم - وهو يومئذ أمير المدينة - سرير آخر أصغر من سريره، فيجلس عليه عبد الله بن عباس إذا دخل، وتوضع الوسائد فيما سوى ذلك، فأذن مروان يوماً للناس، وإذا سرير آخر قد أحدث تجاه سرير مروان، فأقبل ابن عباس فجلس على سريره، وجاء عبد الله بن الزبير فجلس على السرير المحدث، وسكت مروان والقوم، فإذا يد ابن الزبير تتحرك فعلم إنه يريد أن ينطق، ثم نطق فقال: إن ناساً يزعمون أن بيعة أبي بكر كانت غلطاً وفلتة ومغالبة، ألا إن شأن أبي بكر أعظم من ان يقال فيه هذا، ويزعمون إنه لو لا ما وقع لكان الأمر لهم وفيهم، والله ما كان من أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحد أثبت أيماناً، ولا أعظم سابقة من أبي بكر، فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله! فأين هم حين عقد أبو بكر لعمر، فلم يكن إلا ما قال، ثم ألقى عمر حظهم في حظوظ،


وجدهم في جدود، فقسمت تلك الحظوظ، فأخر الله سهمهم، وأدحض جدهم، وولى الأمر عليهم من كان أحق به منهم، فخرجوا عليه خروج اللصوص على التاجر خارجاً من القرية، فأصابوا منه غرة فقتلوه، ثم قتلهم الله به قتلة، وصاروا مطرودين تحت بطون الكواكب.

فقال ابن عباس: على رسلك أيها القائل في أبي بكر وعمر والخلافة، أما والله ما نالا ولا نال أحد منهما شيئاً إلا وصاحبنا خير ممن نالا، وما أنكرنا تقدم من تقدم لعيب عبناه عليه، ولو تقدم صاحبنا لكان أهلاً وفوق الأهل، ولو لا أنك إنما تذكر حظ غيرك وشرف امرئ سواك لكلمتك، ولكن وما أنت وما لا حظ لك فيه! اقتصر على حظك، ودع تيماً لتيم، وعدياً لعدى، وأمية لامية، ولو كلمني تيمى أو عدوى أو أموى لكلمته وأخبرته خبر حاضر عن حاضر، لا خبر غائب عن غائب، ولكن ما أنت، وما ليس عليك! فإن يكن في أسد بن عبد العزى شيء فهو لك، أما والله لنحن أقرب بك عهداً، وأبيض عندك يداً، وأوفر عندك


نعمة ممن أمسيت، تظن أنك تصول به علينا، وما أخلق ثوب صفية بعد! والله المستعان على ما تصفون(١) .

أوصى معاوية يزيد ابنه لما عقد له الخلافة بعده، فقال: إني لا أخاف عليك إلا ممن أوصيك بحفظ قرابته ورعاية حق رحمة، من القلوب إليه مائلة، والأهواء نحوه جانحة، والأعين إليه طامحة، وهو الحسين بن على، فاقسم له نصيباً من حلمك، واخصصه بقسط وافر من مالك، ومتعه بروح الحياة، وأبلغ له كل ما أحب في أيامك، فأما من عداه فثلاثة: وهم عبد الله بن عمر رجل قد وقذته العبادة، فليس يريد الدنيا إلا أن تجيئه طائعة لا تراق فيها محجمة دم، وعبد الرحمن بن أبي بكر، رجل هقل(٢) لا يحمل ثقلاً، ولا يستطيع نهوضاً، وليس بذي همة ولا شرف ولا أعوان، وعبد الله بن الزبير وهو الذئب الماكر، والثعلب

__________________

١ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢٠، ص١٣٢ - ١٣٣.

٢ - الفتى من النعام.


الخاتر، فوجه إليه جدك وعزمك ونكيرك ومكرك، واصرف إليه سطوتك، ولا تثق إليه في حال، فإنه كالثعلب، راغ بالختل عند الإرهاق، والليث صال بالجراءة عند الإطلاق، وأما ما بعد هؤلاء فإني قد وطأت لك الأمم، وذللت لك أعناق المنابر، وكفيتك من قرب منك، ومن بعد عنك: فكن للناس كما كان أبوك لهم يكونوا لك كما كانوا لأبيك(١) .

خطب عبد الله بن الزبير أيام يزيد بن معاوية فقال في خطبته: يزيد القرود، يزيد الفهود، يزيد الخمور، يزيد الفجور! أما والله لقد بلغني أنه لا يزال مخموراً يخطب الناس وهو طافح في سكره. فبلغ ذلك يزيد بن معاوية، فما أمسى ليلته حتى جهز جيش الحرة، وهو عشرون ألفاً، وجلس والشموع بين يديه، وعليه ثياب معصفرة، والجنود تعرض عليه ليلاً، فلما أصبح خرج فأبصر الجيش، ورأى تعبيته فقال:

__________________

١ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢٠، ص ١٣٣ - ١٣٤.


أبلغ أبا بكر إذا الجيش انبرى

وأخذ القوم على وادي القرى

عشرين ألفاً بين كهل وفتى

أجمع سكران من القوم ترى

أم جمع ليث دونه ليث الشرى(١)

لما خرج الحسينعليه‌السلام من مكة إلى العراق ضرب عبد الله بن عباس بيده على منكب ابن الزبير، وقال:

يا لك من قبرة بمعمــــر

خلا لك الجو فبيضي واصفري

ونقرى ما شئت أن تنقري

هذا الحسين سائر فابشـــــــري(٢)

خلا الجو والله لك يا بن الزبير! وسار الحسين إلى العراق، فقال ابن الزبير: يا بن عباس، والله ما ترون هذا الأمر إلا لكم، ولا ترون إلا أنكم أحق به من جميع الناس، فقال ابن عباس: إنما يرى من كان في شك، ونحن من ذلك على يقين

__________________

١ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢٠، ص ١٣٣ - ١٣٤.

٢ - تنسب الأبيات إلي طرفة بن العبد.


ولكن أخبرني عن نفسك، بماذا تروم هذا الأمر؟ قال: بشرفي، قال: وبما ذا شرفت إن كان لك شرف؟ فإنما هو بنا، فنحن أشرف منك، لان شرفك منا. وعلت أصواتهما، فقال غلام من آل الزبير: دعنا منك يا بن عباس، فوالله لا تحبوننا يا بنى هاشم ولا نحبكم أبداً، فلطمه عبد الله بن الزبير بيده وقال: أتتكلم وأنا حاضر، فقال ابن عباس: لم ضربت الغلام، والله أحق بالضرب منه من مزق ومرق، قال: ومن هو؟ قال: أنت.

قال: واعترض بينهما رجال من قريش فأسكتوهما(١) .

دخل عبد الله بن الزبير على معاوية، فقال: اسمع أبياتا قلتها عاتبتك، فيها قال: هات، فأنشده:

لعمري ما أدري وإني لأوجل

على إينا تعدو المنية أول

وإني أخوك الدائم العهد لم أزل

إن أعياك خصم أو نبا بك منزل

أحارب من حاربت من ذي عداوة

وأحبس يوماً إن حبست فاعقل

وإن سؤتنى يوما صفحت إلى غد

ليعقب يوم منك آخر مقبل

__________________

١ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢٠، ص ١٣٤.


ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني

يمينك فانظر أي كف تبدل

إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته

على طرف الهجران إن كان يعقل

ويركب حد السيف من ان تضيمه

إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل

وكنت إذا ما صاحب مل صحبتي

وبدل شراً بالذي كنت أفعل

قلبت له ظهر المجن ولم أقم

على الضيم إلا ريثما أتحول

وفي الناس إن رثت حبالك واصل

وفي الأرض عن دار القلى متحول

إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد

إليه بوجه آخر الدهر تقبل(١)

فقال معاوية: لقد شعرت بعدى يا أبا خبيب، وبينما هما في ذلك دخل معن بن أوس المزني، فقال له معاوية: إيه! هل أحدثت بعدنا شيئاً؟ قال: نعم، قال: قل، فأنشد هذه الأبيات، فعجب معاوية وقال لابن الزبير: ألم تنشدها لنفسك آنفاً، فقال: أنا سويت المعاني، وهو ألف الألفاظ ونظمها، وهو بعد ظئرى(٢) ، فما قال من شيء فهو لى - وكان ابن الزبير مسترضعا في مزينه - فقال معاوية: وكذبا يا أبا خبيب! فقام عبد الله فخرج.

__________________

١ - ابن أبي الحديد، م. س: ج٢٠، ص١٣٥.

٢ - يقال هو ظئره وهو ظئره، وهم من أظأره: أي إخوانه في الرضاعة.


قال الشعبى: فقد رأيت عجباً بفناء الكعبة أنا وعبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير فقام القوم بعد ما فرغوا من حديثهم، فقالوا: ليقم كل واحد منكم، فليأخذ بالركن اليماني، ثم يسأل الله تعالى حاجته، فقام عبد الله بن الزبير فالتزم الركن وقال: اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم، أسألك بحرمة وجهك وحرمة عرشك وحرمة بيتك هذا، ألا تخرجني من الدنيا حتى أليَ الحجاز، ويسلم على بالخلافة، وجاء فجلس.

فقام أخوه مصعب فالتزم الركن وقال: اللهم رب كل شيء، وإليك مصير كل شيء، أسألك بقدرتك على كل شيء، ألا تميتنى حتى أليَ العراق، وأتزوج سكينة بنت الحسين بن على، ثم جاء فجلس.

فقام عبد الملك فالتزم الركن وقال: اللهم رب السماوات السبع، والأرض ذات النبت والقفر، أسألك بما سألك به المطيعون لأمرك، وأسألك بحق وجهك، وبحقك على جميع خلقك، ألا تميتني حتى أليَ شرق الأرض وغربها، لا ينازعني أحد


إلا ظهرت عليه، ثم جاء فجلس.فقام عبد الله بن عمر فأخذ بالركن وقال: يا رحمن يا رحيم، أسألك برحمتك التي سبقت غضبك، وبقدرتك على جميع خلقك، ألا تميتني حتى توجب لي الرحمة.

قال الشعبى: فوالله ما خرجت من الدنيا حتى بلغ كل من الثلاثة ما سأل، وأخلق بعبد الله بن عمر أن تجاب دعوته، وأن يكون من أهل الرحمة(١) .

ومن الكلام المشهور في بخل عبد الله بن الزبير الكلام الذي يحكى(٢) أن أعرابياً أتاه يستحمله، فقال: قد نقب خف راحلتي فاحملني(٣) إنى قطعت الهواجر إليك عليها، فقال له: ارقعها بسبت، واخصفها بهلب، وانجد بها، وسر بها البردين(٤) فقال: إنما اتيتك مستحملاً،

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢٠، ص١٣٦.

٢ - الخبر في الأغاني: ج١، ص١٥ - ١٦.

٣ - الأغاني: نفدت نفقتي، ونقبت راحلتي، ونقب البعير إذا رقت أخفافه.

٤ - السبت: جلود البقر المدبوغة بالقرظ =


لم آتك مستوصفاً، لعن الله ناقة حملتني إليك، قال: إنَّ(١) وراكبها(٢) .

وهذا الأعرابي هو فضالة بن شريك، فهجاه فقال:

أرى الحاجات عند أبي خبيب

نكدن ولا أمية بالبلاد(٣)

من الاعياص أو من آل حرب

أغر كغرة الفرس الجواد(٤)

روى المسعودي، عن سعد بن جبير، ان ابن عباس دخل على ابن الزبير، فقال

__________________

= تحذى منها النعال السبتية، والخفف: ان يظاهر الجلدين بعضهما إلى بعض ويحررها، والهلب: شعر الخنزير الذي يخرز به، الواحد هلبة، وأنجد، إذا دخل بلاد نجد، وهو موصوف بالبرد، والبردان: الغداة والعشي.

١ - في الأغاني عن اليزيدي: ان هاهنا بمعنى نعم، كأنه إقرار بما قال.

٢ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢٠، ص١٣٩.

٣ - نكده حاجته: إذا منعه إياها.

٤ - نفس المصدر: ج٢٠، ص١٣٤ - ١٤٠.


له ابن الزبير: إلام(١) تؤنبني وتعنفني! قال ابن عباس: اني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: ((بئس العبد يشبع ويجوع جاره)) وأنت ذلك الرجل، فقال ابن الزبير: والله اني لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة، وتشاجرا، فخرج ابن عباس من مكة [خوفاً على نفسه]، فأقام بالطائف حتى مات(٢) .

شهادة عبد الله بن عمر على حقيقة ابن الزبير

يقول ابن أبي الحديد: روى أبو الفرج قال: كانت صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي تحت عبد الله بن عمر بن الخطاب فمشى ابن الزبير إليها، فذكر لها إن خروجه كان غضباً لله عز وجل ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وللمهاجرين والأنصار من أثرة معاوية وابنه بالفيء، وسألها مسألة زوجها عبد الله بن عمر أن يبايعه، فلما قدمت له عشاءه ذكرت له أمر ابن

__________________

١ - إلام : علام.

٢ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢٠، ص١٤٨.


الزبير وعبادته واجتهاده، وأثنت عليه، وقالت: إنه ليدعو إلى طاعة الله عز وجل، وأكثرت القول في ذلك، فقال لها: ويحك! أما رأيت البغلات الشهب التي كان يحج معاوية عليها، وتقدم إلينا من الشام، قالت: بلى، قال: والله ما يريد ابن الزبير بعبادته غيرهن(١) .

ومن المنحرفين عنه (عليعليه‌السلام ) ، المنغصين له عبد الله بن الزبير، وكان عليعليه‌السلام يقول: ما زال الزبير منا أهل البيت حتى نشأ ابنه عبد الله، فأفسده.

وعبد الله هو الذي حمل الزبير على الحرب، وهو الذي زين لعائشة مسيرها إلى البصرة، وكان سبّاباً فاحشاً، ويبغض بني هاشم، ويلعن ويسب علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وكان عليعليه‌السلام ، يقنت في صلاة الفجر وفي صلاة المغرب، ويلعن معاوية، وعمرواً، والمغيرة، والوليد بن عقبة، وأبا الأعور، والضحاك بن قيس، وبسر بن أرطاة، وحبيب بن مسلمة، وأبا موسى

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢٠، ص ١٠٢ - ١٤٩


الأشعري، ومروان بن الحكم، وكان هؤلاء يقنتون عليه ويلعنونه.

عبد الله بن طاهر

عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزين الخزاعي، أصله من باذغيس بخراسان، ولد سنة ١٨٢هـ، وجده الأعلى رزين من موالي طلحة الطلحات، وأبوه طاهر بن الحسين قائد المأمون وقاتل الأمين، تبناه المأمون وربّاه، كان أميراً على الشام، ثم على مصر، ثم الدينور وولاه المأمون خراسان بعد وفاة أبيه. وكان من أكثر الناس بذلاً للملك مع علم ومعرفة.

توفي سنة ٢٣٠هـ(١) .

عبد الله بن عباس

عبد الله بن عباس يؤبن علياًعليه‌السلام

وهز عليٌّ بالعراقين لحية

مصيبتها جلت على كل مسلم

__________________

١ - نفس المصدر: ج١، ص ٢٧٥ ، الهامش.


وقال سيأتيها من الله نازل

ويخضبها أشقى البرية بالدم

فعاجله بالسيف شلت يمينه

لشؤم قطام عند ذاك ابن ملجم

فيا ضربة من خاسر ضل سعيه

تبوأ منها مقعداً في جهنم

ففاز أمير المؤمنين بحظه

وإن طرقت إحدى الليالى بمعظم

ألا إنما الدنيا بلاء وفتنة

حلاوتها شيبت بصاب وعلقم(١)

وجاء في المعجم المفهرس لألفاظ حديث البحار:

كان مفسراً ومحدّثاً وتلميذاً عند عليعليه‌السلام ومن المخلصين له، فلم يألُ جهداً عن كتابة الحديث وتدوين الحقائق، ونشر المعارف، يقول عبد الله بن أبي رافع:

كان ابن عباس يأتي أبا رافع، فيقول: ما صنع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم كذا؟ ما صنع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم كذا؟ ومع ابن عباس

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٦، ص ١٢٥ - ١٢٦


ألواح يكتب فيها.

وكان يتخذ صحفاً فيها قضاء عليعليه‌السلام ، ولقد اشتهر انه ترك حين وفاته حمل بعير من كتبه، وابن ابنه علياً ورقها وكان يستفيد منها.

وذكر ابن النديم في ذيل عنوان تسمية الكتب المصنفة في تفسير القرآن، كتاباً عن ابن عباس، قال: إن مجاهداً و... نقلوا عنه، ويبدو من هذا الاستشهاد انه كان تفسيراً للقرآن الكريم، على أية حال فإن الآثار التي نسبت إلى ابن عباس عديدة، لقد ذكر النجاشي في شرحه لآثار عبد العزيز بن يحيى الجلودي الآذري عدداً من آثار ابن عباس.

لقد حثَّ ابن عباس إضافة إلى مساعيه العملية في تدوين الحديث وكتابة المعرفة، حثَّ الآخرين عن مواصلة هذا الدرب حيث نقل عنه:

((خير ما قيَّد به العلم، الكتاب)) و ((قيدوا العلم بالكتابة)).

إضافة إلى ذلك فقد أكد على تدوين الحديث وأمر تلامذته وأنصاره على ذلك، وقد أملاهم الحديث لهذا الغرض لحفظها من الضياع والفساد:


قال ابن أبي مليكة: رأيت مجاهداً يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب حتى سأله عن التفسير كله.

وعلى هذا الأساس فإنه غير صحيح ومستبعد ما نقل عن ابن عباس في كراهيته تدوين الحديث، وتأييده لسياسة منع تدوين الحديث ونشره، ولا نستبعد انهم نسبوا إليه هذه الأحاديث لتوجيه سياسة المانعين، لما حظي به من المكانة الرفيعة والمرموقة في المعارف الإسلامية.

ولم يتقاعس عن تفسير القرآن ونشر الحديث وذياع فضائل علي وآل علي في السنوات اللاحقة ولم يصغ لتهديدات وتحذيرات معاوية.

قال معاوية: فإنا كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته، فكف لسانك يابن عباس وأربأ على نفسك.

قال ابن عباس: فتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال: لا، قال: فتنهانا عن تأويله؟! قال: نعم! قال: فنقرأ ولا نسأل عما عنى الله تعالى به؟! قال: نعم، قال: فأيما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟! قال: العمل به، قال: فكيف


نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟! قال: سل عن ذلك من يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك(١) .

عبد الله بن عروة بن الزبير

في نسخة أبو عبيد الله، وهو عبد بن عمرو بن الزبير بن العوام، أبو بكر الأسدي القرشي ليس بينه وبين أبيه في السن إلا خمسة عشر سنة، وكان يشبه عمه عبد الله بن الزبير في لسانه، وزوجه ابنته أم يزيد بعد ان خطبها معاوية على ابنه يزيد.

قال الزبير بن بكار: كان له عقل وحزم ولسان وفضل وشرف، روى عن أبيه

__________________

١ - المعجم المفهرس لألفاظ حديث البحار: ص٣٢. وفي كتاب سليم بن قيس، تحقيق الأنصاري: ص٣١٥ أجابه ابن عباس: إنما أنزل القرآن على أهل بيتي، فأسأل عنه آل أبي سفيان وأسأل عنه آل أبي معيط أو اليهود والنصارى والمجوس؟ قال له معاوية: فقد عدلتنا بهم وصيّرتنا منهم. ومثله في الاحتجاج: ج٢، ص١٦.


وعمه عبد الله وجدته أسماء بنت أبي بكر، وابن عمرو الحسن بن علي، وأبي هريرة وغيرهم وروى عنه جماعة، ولد سنة ٤٥ هجري، وفي سنة وفاته خلاف قيل بلغ خمساً أو ستاً وتسعين سنة وكان شاعراً(١) .

أقول: لو كان له فضل وشرف وعقل وحزم حقاً كما نقل الزمخشري لرأيناه يقف إلى حيث الحق المتمثل بأهل بيت الرحمة. قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المرء مع من أحب.

وقيل في المثل: الطيور على أشكالها تقع. فهو يروي عن أعداء أهل البيت وأزلام السلطات خاصة أبو هريرة شيخ المضيرة الذي يضع آلاف الأحاديث في فضل بني أمية والطعن بعلي وأهل بيته، وصاحبنا صاحب العقل والفضل والشرف ينقل هذه الأكاذيب والأحاديث الموضوعة على انها من المسلمات(٢) .

__________________

١ - ربيع الأبرار للزمخشري : ج ١ ، ص ٥٩١ ، الهامش.

٢ - المؤلف


عبد الله بن عمر

عن يحيى بن إسماعيل بن سالم عن الشعبي قال: قيل لابن عمر: ان الحسين قد توجه إلى العراق، فلحقه عن ثلاث ليال من المدينة وكان عند خروج الحسين غائباً في مال له فقال: أين تريد؟ قال: العراق، وأخرج إليه كتباً وطوامير، قال: هذه كتبهم وبيعتهم. فناشده الله ان يرجع فأبى فقال: أما إني سأحدثك حديثاً:

إن جبرائيلعليه‌السلام أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخيّره بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنكم بضعة من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والله لا تليها أنت ولا أحد من أهل بيتك، وما صرفها الله عنكم إلا لما هو خير لكم فارجع. فأبى فأعنفه وبكى وقال: استودعك الله من قتيل(١) .

اعتزال عبد الله بن عمر عن مشاهد علي وحروبه

ذكروا ان عمار بن ياسر قام إلى

__________________

١ - عيون أخبار الرضا : ج ٢ ، ص ٢١١.


علي، فقال: يا أمير المؤمنين ائذن لي آتي عبد الله بن عمر فأكلمه لعله يخف معنا في هذا الأمر فقال علي: نعم، فأتاه فقال له: يا أبا عبد الرحمن؛ انه قد بايع علياً المهاجرون والأنصار، ومن إن فضلناه عليك لم يسخطك، وإن فضلناك عليه لم يرضك، وقد أنكرت السيف في أهل الصلاة، وقد علمت أن على القاتل القتل، وعلى المحصن الرجم، وهذا يقتل بالسيف، وهذا يقتل بالحجارة، وأن علياً لم يقتل أحداً من أهل الصلاة، فيلزمه حكم القاتل. فقال ابن عمر: يا أبا اليقظان، إن أبي جمع أهل الشورى، الذين قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو عنهم راض(١) .

أقول إذا كان كذلك فلم لم يرض عنهم أبوك يا بن عمر وطعن في كل واحد منهم حينما قالوا له: قل فينا مقالة نستدل فيها برأيك ونقتدي به، فقال فيهم

__________________

١ - الإمامة والسياسة للدينوري: ج١، ص٧٢. تحقيق الأستاذ علي شعري، منشورات الشريف الرضي، قم، إيران.


ووصفهم كل لصفته التي تمنعه من الخلافة، وأنت اليوم توافق أباك باختيارهم وتعارضهم بتقييمهم، فيالها من مراوغة صريحة!(١) .

روى العامة انه لم يميز بين الميزان والعود بعد طول السن، وكثرة التجارب، ولم يميز أيضاً بين إمام الرشد وإمام الغي، فانه امتنع من بيعة عليعليه‌السلام وطرق على الحجاج بابه ليلاً ليبايع لعبد الملك، كيلا يبيت تلك الليلة بلا إمام، زعم لأنه روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انه قال: ((من مات ولا إمام له مات ميتة جاهلية))، وحتى بلغ من احتقار الحجاج له واسترذاله حاله، أن اخرج رجله من الفراش، فقال اصفق بيدك عليها، فذلك تمييزه بين الميزان والعود، وهذا اختياره في الأئمة(٢) .

__________________

١ - المؤلف.

٢ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١٣، ص٢٤٢.


عبد الله بن مسعود

هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمان الصحابي من السابقين إلى الإسلام وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، وكان خادم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو من أهل مكة، وكان قصيراً جداً يكاد الجلوس يوارونه، وكان يحب الإكثار من التطيب، وولي بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيت مال الكوفة، ثم قدم المدينة في خلافة عثمان معترضاً فتوفي فيها عن نحو ستين عاماً ٣٢ ه‍، له ٨٤٨ حديثاً، ترجمته في كتب الصحابة والبدء والتاريخ: ج٥، ص٩٧، وحلية الأولياء: ج١، ص١٢٤، البيان والتبيين: ج٢، ص(١) ٥٦.

جاء في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي في عبد الله بن مسعود بن غافل:

وقيل عاقل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن

__________________

١ - ربيع الأبرار للزمخشري : ج ١ ، ص ٦٦


الياس بن مضر أبو عبد الرحمن حليف بني زهرة بن كلاب.

ذكر نسبه هكذا محمد بن سعد كاتب الواقدي وخليفة بن خياط العصفري...

وأم عبد الله بن مسعود أم عبد بنت عبد الله بن الحارث بن زهرة ويقال انها من القارة وقيل بل هي من بني صاهلة بن كاهل.

تقدم إسلام عبد الله بمكة وهاجر إلى المدينة وشهد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مشاهده وكان أحد حفاظ القرآن وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من سره أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ على قراءة بن أم عبد.

وكان أيضاً من فقهاء الصحابة ذكره عمر بن الخطاب فقال: كيف ملئ علماً، وبعثه إلى أهل الكوفة ليقريهم القرآن ويعلمهم الشرائع والأحكام فبث عبد الله فيهم علماً كثيراً وفقَّه منهم جماً غفيراً...

وحدَّث عنه الأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس وزيد بن وهب والحارث بن قيس وأبو وائل شقيق بن سلمة وزر بن حبيش وعبد الرحمن بن يزيد وأبو معمر عبد الله بن


سخبرة وأبو عمرو الشيباني وأبو الاحوص الجشمي وغيرهم وورد المدائن ثم عاد إلى مدينة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأقام بها إلى حين وفاته.

حدثنا... عن علقمة قال: خرجت مع عبد الله بن مسعود من المدائن فصحبنا مجوسي فلما كنا ببعض الطريق تخلف عبد الله لحاجته ولحقنا وقد عرض للمجوسي طريق فأخذ فيه فأتبعه السلام وقال ان للصحبة حقاً.

عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم قالوا قال عبد الله ابن مسعود أنا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ويوم أحد وبيعة الرضوان في حديث طويل.

عن معاوية بن قرة عن أبيه أن بن مسعود كان يجني لهم نخلة فهبت الريح فكشفت عن ساقيه قال فضحكوا من دقة ساقيه فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتضحكون من دقة ساقيه والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد.

مات عبد الله بن مسعود بالمدينة ودفن بالبقيع سنة اثنتين وثلاثين، وكان رجلاً


نحيفاً شديد الأدمة، وصلى عليه الزبير بن العوام، وهو ابن نيف وستين سنة.

وقيل صلى عليه عمار بن ياسر، وقيل عثمان بن عفان(١) .

وجاء في موسوعة العتبات المقدسة:

عبد الله بن غافل بن حبيب الهذلي المشهور بابن أم عبد الصحابي الجليل سديد القراء وأشهر المحدثين، من ثقاتهم، يقول صاحب الاستيعاب:

انه من العشرة المبشرة، وهو من النجباء الذين اصطفاهم النبي واختارهم كما تقدم من القراء الأربعة، وقد أثنى النبي على حفظه للقرآن، وقراءته له فقال: ((من أراد ان يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على ابن أم عبد، ومن أراد ان يسمع القرآن غضاً فليسمعه من ابن أم عبد.

كان من أعلم الصحابة بكتاب الله وعلم السنة، وأشبه الناس دلاً وهدياً وسمتاً برسول الله حين يخرج من بيته إلى ان

__________________

١ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : ج ١ ، ص ١٥٧ - ١٦٠


يرجع.

روى الأعمش عن شفيق بن سلمة قال: لما أمر عثمان في المصاحف أمره، قام عبد الله بن مسعود خطيباً فقال: ((أيأمرني عثمان ان أقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت! والذي نفسي بيده لقد أخذت القرآن من في رسول الله سبعين سورة، وان زيد بن ثابت لذو ذؤاية يلعب مع الصبيان، والله ما أنزل من القرآن شيء إلا أنا أعلم في أي شيء نزل)).

قال شفيق: فما سمعت أحداً أنكر عليه ولا رد ما قاله.

كان في جليل مقامه وحب المسلمين له، لما بعث إليه عثمان يطلب منه الخروج من المدينة، اجتمع الناس إليه وقالوا له: أقم ولا تخرج ونحن نمنعك من عثمان ولا يصل إليك شيء تكرهه فلم يقبل، وكان عثمان أمر غلمانه فضربوه وأحدثوا فيه فتقاً، ومنع عثمان عطاءه، وكان عبد الله هذا من أصحاب علي ومن


مواليه(١) .

عبد الله علي القصيمي

صاحب كتاب الصراع بين الإسلام والوثنية.

قال العلامة الأميني في غديره في تعريف هذا الرجل وكتابه:

لعل في نفس هذا الاسم دلالة واضحة على نفسيات مؤلفه وروحياته وما أودعه في الكتاب من الخزايات: فأول جنايته على المسلمين عامة تسميته بالوثنية أمما من المسلمين يعد كل منها بالملايين، وفيهم الأئمة والقادة والعلماء والحكماء والمفسرون والحفاظ والأدلاء على دين الله الخالص، وفي مقدمهم أمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فهل ترى هذه التسمية تدع بين المسلمين ألفة؟ وتذر فيهم وئاماً؟ وتبقى بينهم مودة؟ وهل تجد لو اطردت

__________________

١ - موسوعة العتبات المقدسة، جعفر الخليلي: ج١، ص٣٧١ - ٣٧٢.


أمثالها كلمة جامعة تتفيأ الأمة بظلها الوارف؟ نعم: هي التي تبذر بين الملأ الديني بذور الفرقة، وتبث فيهم روح النفرة، تتضارب من جراءها الآراء، وتتباين الفكر، وربما انقلب الجدال جلادا، كفى الله المسلمين شرها.

إلى ان يقول بعد ان يدعو الأميني إلى الوحدة ونبذ الفرقة:

وأما ما في الكتاب من السباب المقذع والتهتك والقذائف والطامات والأكاذيب والنسب المفتعلة فلعلها تربو على عدد صفحاته البالغة(١) ١٦٠٠

وسرد العلامة الأميني الأكاذيب والمفتريات التي ذكرها القصيمي على الشيعة بعضها من مبتدعاته وبعضها من خيالات أستاذه ابن تيمية الحاقد على الإسلام والمسلمين والذي سخّر قلمه لخدمة الشيطان الرجيم وطغاة عصره خدمة للرذيلة وإتباعاً للخلفاء الجدد أمثال معاوية ويزيد وأمثالهما اللذان

__________________

١ - الغدير : ج ٣ ، ص ٣٤٩


سنّا سنّة سب الشيعة والانحراف عن الدين الحق.

عبيد الله بن أبي رافع

هو من الشخصيات الشيعية البارزة، كتب المحدثون عنه، ومن أهتم بعلم الرجال والتراجم، اسمه في عداد طلائعي حركة التأليف، والتدوين وأثنوا على مقامه وعنه قال ابن شهر آشوب:

ان أول من صنّف فيه [الإسلام] أمير المؤمنين... ثم عبد الله بن أبي رافع...

وقال العلامة السيد شرف الدين العاملي:

ومنهم [من مؤلفي الشيعة في صدر الإسلام] عبيد الله بن أبي رافع كاتب عليعليه‌السلام ، كان من خواص شيعته، له كتاب قضايا أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكتاب تسميته من مشهد الجمل وصفين والنهروان معهعليه‌السلام يذكر ان العنوان الدقيق للكتاب عبيد الله بن أبي رافع القيّم هو ((التسمية من شهد مع عليعليه‌السلام حروبه، من المهاجرين


والأنصار الذين بشرهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالجنة من التابعين من أفاضل العرب))(١) .

ويعد هذا الكتاب من جملة المؤلفات العظيمة منقطعة النظير في الثقافة الإسلامية، وبهذا الكتاب يُعد عبيد الله بن أبي رافع أول من بدأ تدوين علم الرجال في الثقافة الإسلامية.

وكان كتابه هذا حتى في القرون المتأخرة في متناول المؤلفين والمؤرخين والمحققين مثل: الشيخ الطوسي، ابن الأثير، ابن عساكر وابن حجر حيث تم الرجوع إليه في تدوين علم الرجال(٢) .

عبيد الله بن عباس

كان عبيد الله عامل عليعليه‌السلام على اليمن، وهو عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. أمه وأم

__________________

١ - وذكر هذا الكتاب - أيضاً - القاضي النعمان المغربي في شرح الأخبار.

٢ - معجم البحار: ص٣٢ - ٣٣.


إخوته: عبد الله، وقثم، ومعبد، وعبد الرحمن، لبابة بنت الحارث بن حزن، من بنى عامر بن صعصعة. ومات عبيد الله بالمدينة، وكان جوادا، وأعقب ومن أولاده: قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس ولاه أبو جعفر المنصور المدينة، وكان جواداً ممدوحاً، وله يقول ابن المولى:

أعفيت من كور ومن رحلة

يا ناق إن أدنيتني من قثم

في وجهه نور وفي باعــه

طول وفي العرنين منه شمم

وقيل: ما رؤي قبور إخوة أكثر تباعداً من قبور بني العباسرحمه‌الله تعالى: قبر عبد الله بالطائف، وقبر عبيد الله بالمدينة، وقبر قثم بسمرقند، وقبر عبد الرحمن بالشام، وقبر معبد بأفريقية(١) .

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١، ص٣٤١.


عبيد الله بن عباس في جيش الحسنعليه‌السلام

فلما كان من غد وجَّه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيد الله بن العباس فيمن معه، فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن العباس ان الحسن قد راسلني في الصلح وهو مسلّم الأمر إليّ فان دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً وإلا دخلت وأنت تابع ولك إن جئتني الآن ان أعطيك ألف ألف درهم، يعجل لك في هذا الوقت النصف وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فانسل عبيد الله ليلاً فدخل عسكر معاوية فوفى له بما وعده فأصبح الناس ينتظرون ان يخرج فيصلي بهم، فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة ثم خطبهم فقال:

أيها الناس: لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله أي الجبان إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط، إن أباه عم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج يقاتله ببدر فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري فأتى به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،


فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين، وإن أخاه ولاه علي أمير المؤمنين على البصرة فسرق مال الله ومال المسلمين(١) فاشترى به الجواري وزعم ان ذلك له حلال وإن هذا ولاه على اليمن فهرب من بسر بن ارطاة وترك ولده حتى قتلوا وصنع الآن هذا الذي صنع(٢) .

وكتب معاوية إلى قيس يدعوه ويمنيه: فكتب إليه قيس:

لا والله لا تلقاني أبداً إلا وبيني وبينك الرمح.

جاء في مروج الذهب:

__________________

١ - لم يكن عبد الله بن عباس سارقاً لبيت مال البصرة، وإنما كانت هذه وشاية عليه، ولما بلغ الأمر إلى علي (ع) أرسل إليه رسالة قوية وبليغة، وما أن وصلت رسالته (ع) إلى ابن عباس، قصده ابن عباس إلى الكوفة وأوضح له ملابسات هذه الوشاية، انظر المزيد من التفاصيل في كتاب العلامة المرحوم السيد محمد تقي الحكيم «عبد الله بن عباس حياته وآثاره».

٢ - مقاتل الطالبيين: ص٤٢، المطبعة الحيدرية في النجف، ١٣٨٥هـ - ١٩٦٥م.


كان عبيد الله بن عباس جواداً كريماً، ذكر ان سائلاً وفد عليه فقال له: تصدق مما رزقك الله، فإني نبئت ان عبيد الله بن العباس أعطى سائلاً ألف درهم واعتذر إليه، فقال: وأين أنا من عبيد الله؟ قال له: وأين أنت منه في الحسب أم كثرة المال؟ قال: فيهما جميعاً، قال: ان الحسب في الرجل مروءته وحسن فعله، فإذا فعلت ذلك كنت حسبنا، فأعطاه ألفي درهم واعتذر إليه فقال له السائل: إن لم تكن عبيد الله فأنت خير منه، وإن كنت هو فأنت اليوم خير منك بالأمس، فأعطاه ألفَي درهم أيضاً، فقال: لئن كنت عبيد الله إنك لأسمح أهل دهرك، وما أخالك إلا من رهط فيهم محمد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأسألك بالله أأنت هو؟ قال: نعم، قال: والله ما أخطأت إلا باعتراض الشك بين جوانحي، وإلا فهذه الصورة الجميلة والهيئة المنيرة لا تكون إلا في نبي أو عترة نبي.

وذكر ان معاوية وصله بخمسمائة ألف درهم، ثم وجّه له من يتعرّف له خبره، فانصرف إليه فأعلمه انه قسمها في


سمّاره وإخوانه حصصاً بالسوية، وأبقى لنفسه مثل نصيب أحدهم، فقال معاوية: ان ذلك ليسوءني ويسرني، فأما الذي يسرني فإن عبد مناف والده، وأما الذي يسوءني فقرابته من أبي تراب دوني.

مات في أيام الوليد بن عبد الملك في سنة سبع وثمانين.

وكان عبيد الله بن عباس دخل يوماً على معاوية وعنده قاتل ابنيه بسر بن أرطاة العامري، فقال له عبيد الله: أيها الشيخ أنت قاتل الصبيين؟ قال: نعم، قال: والله لوددت ان الأرض انبتتني عندك يومئذ، فقال له بسر: فقد أنبتتك الساعة، فقال عبيد الله: ألا سيف، فقال بسر: هاك سيفي، فلما هوى عبيد الله إلى السيف ليتناوله قبض معاوية ومن حضره على يد عبيد الله قبل ان يقبض على السيف، ثم أقبل معاوية على بسر فقال: أخزاك الله من شيخ! قد كبرت وذهل عقلك، تعمد إلى رجل موتور من بني هاشم فتدفع إليه سيفك، انك لغافل عن قلوب بني هاشم، والله لو تمكن من السيف لبدأ بنا قبلك، قال عبيد الله: ذلك والله ما


أردت(١) .

عبيد الله بن عمر

لما قدم عبيد الله بن عمر بن الخطاب على معاوية بالشام، أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص: إن الله قد أحيا لك عمر بن الخطاب بالشام بقدوم عبيد الله بن عمر، وقد رأيت أن أقيمه خطيباً يشهد على علي بقتل عثمان، وينال منه، فقال: الرأى ما رأيت، فبعث إليه، فأتاه، فقال له معاوية: يا بن أخي، إن لك اسم أبيك فانظر بملء عينيك، وانطق بملء فيك، فأنت المأمون المصدق، فاصعد المنبر واشتم علياً، واشهد عليه أنه قتل عثمان.

فقال: أيها الأمير، أما شتمه، فإن أباه أبو طالب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، فما عسى أن أقول في حسبه! وأما بأسه فهو الشجاع المطرق، وأما أيامه فما قد عرفت، ولكني ملزمه دم

__________________

١ - مروج الذهب : ج ٣ ، ص ١٦١ - ١٦٣


عثمان، فقال عمرو بن العاص: قد وأبيك إذن نكأت القرحة.

فلما خرج عبيد الله بن عمر، قال معاوية: أما والله لولا قتله الهرمزان، ومخافته علياً على نفسه ما أتانا أبداً، ألا ترى إلى تقريظه علياً! فقال عمرو: يا معاوية، إن لم تغلب فاخلب، قال: وخرج حديثهما إلى عبيد الله، فلما قام خطيباً تكلم بحاجته، فلما انتهى إلى أمر علي أمسك ولم يقل شيئاً، فلما نزل بعث إليه معاوية: يا بن أخي، إنك بين عي وخيانة، فبعث إليه: إني كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان، وعرفت أن الناس محتملوها عني فتركتها.

قال: فهجره معاوية واستخف به وفسقه، فقال عبيد الله:

معاوي لم أحرض بخطبة خاطب

ولم أك عياً في لؤي بن غالب

ولكننى زاولت نفساً أبية

على قذف شيخ بالعراقين غائب

وقذفي علياً بابن عفان جهرة

كذاب، وما طبى سجايا المكاذب


ولكنه قد قرب القوم جهده

ودبوا حواليه دبيب العقارب

فما قال: أحسنتم ولا قد أسأتم

وأطرق إطراق الشجاع المواثب

فأما ابن عفان فأشهد أنه

أصيب بريئاً لابساً ثوب تائب

وقد كان فيها للزبير عجاجة

وطلحة فيها جاهد غير لاعب

وقد أظهرا من بعد ذلك توبة

فياليت شعرى ما هما في العواقب!

قال: فلما بلغ معاوية شعره بعث إليه فأرضاه، وقال: حسبي هذا منك(١) .

__________________

١ - وقعة صفين لابن مزاحم المنقري: ص٨٣ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٣، ص١٠١ - ١٠٢.


العبيدية (خلفاء الدولة الفاطمية بمصر)

قوم أظهروا مذهب التشيع في الديار المصرية ويقال لهم الخلفاء الفاطمية وهم أربعة عشر أولهم عبيد الله المهدي وآخرهم العاضد ومدة خلافتهم من سنة ٢٩٦ إلى ان توفي العاضد سنة ٥٦٧ اثنين وسبعين ومائتين، فلنذكرهم مختصراً:

(أولهم) أبو محمد عبيد الله الملقب بالمهدي بن محمد بن عبد الله بن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق "عليه‌السلام " وقيل هو عبيد الله التقي بن الوفي بن الرضي وهؤلاء الثلاثة يقال لهم المستورون في ذات الله وإنما استتروا خوفاً على أنفسهم لأنهم كانوا مطلوبين من جهة الخلفاء العباسية وبالجملة هو أول من قام بهذا الأمر وادعى الخلافة بالمغرب وكان داعيه أبا عبد الله الشيعي وبنى المهدية بأفريقية توفى بها سنة ٣٢٢ فقام بالأمر بعده ولده.

(٢) الثاني: أبو القاسم محمد


الملقب بالقائم ويدعى نزار بن المهدي جهزه أبوه إلى مصر ليأخذها مرتين المرة الأولى في ١٨ ذي الحجة سنة ٣٠١ فوصل إلى الإسكندرية فملكها والفيوم وصار في يده أكثر خراج مصر والمرة الثانية في سنة ٣٠٧ وتوفي بالمهدية سنة ٣٣٤ فقام بالأمر بعده ولده.

(٣) إسماعيل المنصور بن القائم بويع يوم وفاة أبيه وكان بليغاً فصيحاً يرتجل الخطب وكان أبوه قد ولاه محاربة أبي يزيد الخارجي وكان أبو يزيد مخلد بن كيداد رجلاً من الإباضية يظهر التزهد ولا يركب غير الحمار ولا يلبس إلا الصوف وله مع القائم وقائع كثيرة وملك جميع مدن القيروان ولم يبق للقائم إلا المهدية فحاصرها أبو يزيد فهلك القائم ثم تولى المنصور فاستمر على محاربته وأخفى موت والده حتى رجع أبو يزيد عن المهدية فخرج المنصور عليه فهزمه ووالى عليه الهزائم إلى ان أسره في المحرم سنة ٣٣٦ فمات بعد أسره بأربعة أيام من جرح كانت به فأمر بسلخه وحشا جلده قطناً وصلبه


وبنى مدينة في موضع الواقعة وسماها المنصورية وكان المنصور شجاعاً رابط الجأش بليغاً ذكر أبو جعفر أحمد بن محمد المرورزي. قال خرجت مع المنصور يوم هزم أبا يزيد فسايرته وبيده رمحان فسقط أحدهما مراراً فمسحته وناولته إياه وتفألت له فأنشدته:

فألقت عصاها واستقر بها النوى

كما قر عيناً بالإياب المسافر

فقال ألا قلت ما هو خير من هذا وأصدق:( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١) ) ، فقلت يا مولانا أنت ابن رسول الله قلت ما عندك من العلم. توفى آخر شوال سنة ٣٤١ ودفن بالمهدية فقام بالأمر بعده ابنه.

(٤) المعز لدين الله أبو تميم معد بن إسماعيل المنصور فجلس على سرير ملكه ودخل عليه الخاصة وكثير من العامة

__________________

١ - (الأعراف :١١٧ - ١١٩ )


وسلموا عليه بالخلافة وكان مظهراً للتشيع معظماً لحرمة الإسلام حليماً كريماً حازماً سرياً يرجع إلى الإنصاف ويجرى على أحسن أحكامه فخرج إلى بلاد افريقية يطوف بها ليمهد قواعدها فانقاد له العصاة من أهل تلك البلاد ودخلوا في طاعته ثم جهز القائد أبا الحسن جوهر بن عبد الله إلى الديار المصرية ليأخذها بعد موت ملكها الأستاذ كافور الاخشيدي وسير معه العساكر فسار من افريقية على جيش كثيف وذلك في سنه ٣٥٨ فتم له فتحها وتسلم مصر ١٨ من السنة المذكورة وصعد المنبر خطيباً ودعا لمولاه المعز قال ابن خلكان وقطع خطبة بني العباس عن منابر الديار المصرية وكذلك اسمهم من السكة وعوض عن ذلك باسم مولاه المعز وأزال الشعار الأسود وألبس الخطباء الثياب البيض وجعل يجلس بنفسه في كل يوم سبت للمظالم بحضرة الوزير

__________________

١ - الخطط المقريزية :ج ٢ ، ص ٣٣٤ ، حصر الاجتهاد لأغا الطهراني : ص ١٠٠.


والقاضي وجماعة من أكابر الفقهاء وفي يوم الجمعة الثامن من ذي القعدة أمر جوهر بالزيادة عقيب الخطبة اللهم صل على محمد المصطفى وعلى علي المرتضى وعلى فاطمة البتول وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، اللهم وصل على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين.

وفي يوم الجمعة ثامن عشر ع٢ سنة ٣٥٩ صلى القائد في جامع ابن طولون بعسكر كثير وخطب عبد السميع ابن عمر العباسي الخطيب وذكر أهل البيت  وفضائلهم ودعا للقائد وجهر القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم وقرأ سورة الجمعة والمنافقون في الصلاة وأذن بحي على خير العمل إلى ان قال: وشرع في عمارة الجامع بالقاهرة وفرغ من بنائه في ١٧ رمضان سنة ٣٦١ وجمع فيه الجمعة وهذا الجامع هو المعروف بالأزهر.

قال ابن خلكان واستمر على علو منزلته وارتفاع درجته متولياً للأمور إلى يوم الجمعة ١٧ محرم سنة ٣٦٤


فعزله المعز عن دواوين مصر وجباية أموالها والنظر في أحوالها وكان محسناً إلى الناس إلى ان توفي سنة ٣٨١ وكانت وفاته بمصر ولم يبق شاعر إلا رثاه وذكر مآثره، وتوفي المعز بالقاهرة سنة ٣٦٥ وإليه تنسب القاهرة فيقال القاهرة المعزية لأنه بناها القائد للمعز (فقام) بالأمر بعده ابنه.

٥ - العزيز بالله أبو منصور نزار بن معد وكان كريماً شجاعاً حسن العفو عند القدرة، قال ابن خلكان كان محباً للصيد مغرى به وكان أديباً فاضلاً ذكره الثعالبي في يتيمة الدهر وأورد له أشعاراً قاله في بعض الأعياد وقد وافق موت بعض أولاده وعقد عليه المأتم وهو:

نحن بنو المصطفى ذوو محن

يجرعها في الحياة كاظمنا

عجيبة في الأنام محنتنا

أولنا مبتلى وخاتمنا


يفرح هذا الورى بعيدهم

ونحن أعيادنا مآتمنا(١)

وزادت مملكته على مملكة أبيه وفتحت له حمص وحماة وشيزر وحلب، وخطب له المقلد بن المسيب العقيلي صاحب الموصل بالموصل في المحرم سنة ٣٨٢ وضرب اسمه على السكة والبنود وخطب له باليمن ولم يزل في سلطانه إلى ان توفي سنة ٦٨٦ ودفن عند أبيه المعز وكان أخوه أبو علي تميم بن المعز فاضلاً شاعراً ذكره ابن خلكان في تاريخه (فقام) بالأمر بعده ابنه.

٦ - الحاكم بأمر الله أبو علي المنصور بن نزار

وقد تقدم ذكره وذكر مختصر من سيرته في الحاكم وذكرنا انه فقد سنة ٤١١ فوجدت ثيابه وفيها آثار السكاكين (فقام) بالأمر بعده ابنه.

٧ - الظاهر لإعزاز دين الله أبو هاشم علي بن المنصور

وجرت له أمور وأسباب تضعضت دولته

__________________

١ - سير أعلام النبلاء : ج ١٥ ، ص ١٦٧ ، وفيات الأعيان : ج ٥ ، ص ٣٧٢


واستوزر نجيب الدولة أبا القاسم علي بن أحمد الجرجاني العراقي وكان أقطع اليدين من المرفقين قطعهما الحاكم والد الظاهر ولما استوزر كان يكتب عنه القاضي القضاعي صاحب كتاب الشهاب واستعمل في وزارته العفاف والأمانة والاحتراز والتحفظ إلى ان توفي الظاهر منتصف شعبان سنة ٤٢٧، (فقام) بالأمر بعده ابنه.

٨ - المستنصر بالله أبو تميم معد بن علي

جرى في أيامه ما لم يجر لأحد من أهل بيته منها قصة البساسيري، فانه لما عظم أمره وكبر شأنه ببغداد قطع خطبة القائم الخليفة العباسي وخطب للمستنصر الفاطمي وقد تقدم في البساسيري وكان أمير الجيوش بدر الجمالي الذي استنابه المستنصر بمدينة صور وعكا يعد في ذوي الآراء والشهامة وقوة العزم فلما ضعف حال المستنصر واختلت دولته استدعاه فوصل إلى القاهرة سنة ٤٦٦ ولاه المستنصر تدبير أموره وقامت بوصوله الحرية


وأصلح الدولة وكان وزير السيف والقلم وساس الأمور أحسن سياسة ويقال ان وصوله كان أول سعادة المستنصر ولم يزل كذلك إلى ان توفي سنة ٤٨٧ وهو الذي بنى الجامع بثغر الإسكندرية وبنى مشهد الرأس بعسقلان وأقام المستعلي بن المستنصر شاهنشاه الأفضل بن أمير الجيوش مقام أبيه وكان الأفضل حسن التدبير ويأتي ذكره في الآمر بأحكام الله وذكر ولده أبي علي أحمد في الحافظ توفى المستنصر سنة ٤٨٧ (فقام) بالأمر بعده ابنه.

٩ - المستعلي أبو القاسم أحمد بن المستنصر

ولي الأمر بعد أبيه بالديار المصرية والشامية وفى أيامه اختلت دولتهم وضعف أمرهم واستولى الإفرنج على كثير من بلاد الساحل كانت ولادته بالقاهرة سنة ٤٦٩ وبويع يوم غدير خم سنة ٤٨٧ وتوفى بمصر سنة ٤٩٥ (فقام) بالأمر بعد ولده.

١٠ - الآمر بأحكام الله أبو علي المنصور بن أحمد المستعلي بويع يوم


مات أبوه وأقام بتدبير دولته الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش وكان وزير والده ولما اشتد الأمر وفطن لنفسه قتل الأفضل واعتقل جميع أولاده وكانت ولادة الآمر بالقاهرة سنة ٤٩٠ وتولي وعمره خمس سنين ولما انقضت أيامه خرج من القاهرة ونزل إلى مصر فكمن له قوم في طريقه فوثبوا عليه وقتلوه وذلك في سنة ٥٢٤ من شهر ذي القعدة (فقام) بالأمر بعده ابن عمه.

١١ - الحافظ أبو الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر

بويع يوم مقتل ابن عمه الآمر بأحكام الله بولاية العهد وتدبير المملكة حتى يظهر الحمل المخلف عن الآمر لأن الآمر لم يخلف ولداً وخلف امرأة حاملاً كان الآمر قد نص على الحمل وكان الآمر لما قتل الأفضل الوزير أعتقل جميع أولاده وفيهم أبو علي أحمد بن الأفضل فأخرجه الجند من الاعتقال لما قتل الآمر وبايعوه فسار إلى القصر وقبض على الحافظ المذكور واستقل بالأمر وقام به أحسن قيام ورد على المصادرين أموالهم


وأظهر مذهب الإمامية وتمسك بالأئمة الاثني عشرعليهم‌السلام ورفض الحافظ وأهل بيته ودعا على المنابر للقائم في آخر الزمان الإمام المنتظر صاحب الزمان صلوات الله عليه وكتب اسمه على السكة ونهى ان يؤذن حي على خير العمل وأقام كذلك إلى ان وثب عليه رجل من الخاصة في المحرم سنة ٥٢٦ فقتله فبادر الأجناد بإخراج الحافظ وبايعوه ولقبوه الحافظ ودعي له على المنابر وكان مولده بعسقلان في المحرم سنة ٤٦٧ وتوفي سنة ٥٤٤.

حكي ان هذا الحافظ كان كثير المرض بعلة القولنج فعمل له شيرماه الديلمي وقيل موسى النصراني طبل القولنج من المعادن السبعة في أشراف الكواكب السبعة وكان من خاصيته ان الإنسان إذا ضربه خرج الريح من مخرجه وبهذه الخاصية كان ينفع من القولنج وهذا الطبل كان في خزائنهم فكسره السلطان صلاح الدين لما ملك الديار المصرية (ثم قام) بالأمر بعد الحافظ ولده.

١٢ - الظافر بن الحافظ أبو


المنصور إسماعيل

بويع يوم مات أبوه بوصية أبيه وكان أصغر أولاد أبيه ولد بالقاهرة سنة ٥٢٧ وكان يأنس إلى نصر بن عباس وكان عباس وزيره فقتله نصر وأخفى قتله وحضر إلى أبيه عباس فاعلمه بذلك من ليلته فلما كان صباح تلك الليلة حضر عباس إلى باب القصر وطلب الحضور عند الظافر في شغل مهم فطلبه الخدم في المواضع التي جرت عادته بالمبيت فيها فلم يوجد فقيل له ما نعلم أين هو فنزل عن مركوبه ودخل القصر بمن معه ممن يثق إليهم وقال للخدم اخرجوا إلى أخوي مولانا فأخرجوا له جبرائيل ويوسف ابني الحافظ فسألهما عنه فقالا: سل ولدك عنه فانه أعلم به منا فأمر بضرب رقابهما وقال هذان قتلاه وكان ذلك في منتصف المحرم سنة ٥٤٩.

وعن تاريخ مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي ان نصر بن عباس أطمع نفسه في الوزارة وأراد قتل أبيه ودس إليه ليقتله فعلم أبوه واحترز وجعل يلاطفه وقال له عوض ما تقتلني اقتل الظافر


وكان نصر ينادم الظافر ويعاشره وكان الظافر يثق به وينزل في الليل إلى داره متخفياً فنزل ليلة إلى داره فقتله نصر وخادمين معه ورمى بهم في بئر وأخبر أباه فلما أصبح عباس جاء إلى باب القصر يطلب الظافر فقيل له ابنك نصر يعرف أين هو فأحضر أخوي الظافر وابن أخيه وقتلهم صبراً بين يديه متهماً لهم بقتل الظافر وانما فعل ذلك لئلا يتولى واحد منهم الخلافة فيبطل أمره فقتلهم وأحضر أعيان الدولة وقال لهم ان الظافر ركب البارحة في مركب فانقلب به فغرق وأخرج عيسى ولد الظافر وعمره خمس سنين فبايعه بالخلافة ليكون هو المتولي للأمور دونه لصغر سنه ولقبه الفائز بنصر الله.

حكي ان ابن الزبير الغساني دخل مصر بعد مقتل الظافر واستخلاف الفائز وعليه أطمار رثة وطيلسان صوف فحضر المأتم وقد حضر شعراء الدولة فانشدوا مراثيهم فقام في آخرهم وأنشد قصيدته التي أولها:


ما للرياض تميل سكرا

هل سقيت بالمزن خمرا

إلى ان وصل إلى قوله:

أفكربلاء بالعراق

وكربلاء بمصر أخرى(١)

فذرفت العيون وعج القصر بالبكاء والعويل وانثالت عليه العطايا من كل جانب وعاد إلى منزله بمال وافر حصل له من الأمراء والخدم وحظايا القصر وحمل إليه من قبل الوزير جملة من المال وقيل له لولا انه العزاء والمأتم لجاءتك الخلع.

والجامع الظافري بالقاهرة منسوب إلى الظافر (فقام) بالأمر بعده ولده.

١٣ - الفائز بن الظافر عيسى بن إسماعيل

حكي انه لما قتل الظافر وقتل الوزير أخويه جبرائيل ويوسف لينفي عن نفسه وابنه التهمة استدعى ولده الفائز وتقدير عمره خمس سنين وقيل

__________________

١ - انظر الذريعة الىتصانيف الشيعة، أغا بزرگ الطهراني: ج٥، ١٥٣.


سنتان فحمله على كتفه ووقف في صحن الدار وأمر ان يدخل الأمراء فدخلوا فقال لهم هذا ولد مولاكم وقد قتل عماه أباه وقد قتلتهما به كما ترون والواجب إخلاص الطاعة لهذا الطفل فقالوا جميعاً: سمعنا وأطعنا وصاحوا صيحة واحدة اضطرب منها الطفل وبال على كتف عباس وسموه الفائز وسيروه إلى أمه واختل من تلك الصيحة فصار يصرع في كل وقت ويختلج وخرج عباس إلى داره ودبر الأمور وانفرد بالتصرف ولم يبق على يده يد.

وأما أهل القصر فإنهم اطلعوا على باطن الأمر وأخذوا في إعمال الحيلة في قتل عباس وابنه نصر إلى ان قتلا بأشنع القتل ولم تطل مدة الفائز وتوفى سنة ٥٥٥ (فقام) بعد الفائز ابن عمه.

١٤ - العاضد أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ

وكان أبوه يوسف أحد الأخوين اللذين قتلهما عباس بعد الظافر وكان العاضد شديد التشيع وكان وزيره الصالح بن رزيك.


حكي ان العاضد رأى في آخر دولته انه قد خرجت عقرب من مسجد معروف بمصر فلدغته فعبر بعض المعبرين بأنه يناله مكروه من شخص هو مقيم في هذا المسجد فطلب ذلك الشخص فكان رجلاً صوفياً فدخل به على العاضد فلما رآه سأله من أين هو ومتى قدم البلاد وفي أي شيء قدم وهو يجاوبه عن كل سؤال فلما ظهر له منه ضعف الحال والصدق أعطاه شيئاً قال: يا شيخ ادع لنا وأطلق سبيله فنهض من عنده وعاد إلى مسجده فلما استولى السلطان صلاح الدين على الديار المصرية وعزم على القبض على العاضد وأشياعه واستفتى الفقهاء في قتله فأفتوه بجواز ذلك من انحلال العقيدة وكثرة الوقوع في الصحابة وكان أكثرهم مبالغة في الفتوى الصوفي المقيم في المسجد وهو الشيخ نجم الدين الخبوشاني فانه عدد مساوئ هؤلاء القوم وسلب عنهم الإيمان وأطال الكلام في ذلك فصحت بذلك رؤيا العاضد وكانت وفاة العاضد سنة ٥٦٧.

قال ابن خلدون في مقدمته الشهيرة


في الفصل الذي عقده لعلم الفقه ما هذا لفظه: (ثم انقرض فقه أهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة وتداول بها فقه أهل البيت وتلاشى من سواهم إلى ان ذهبت دولة العبيديين من الرافضة على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب ورجع إليهم فقه الشافعي انتهى(١) .

عتبة بن غزوان

هو عتبة بن غزوان بن جابر بن وهيب المازني، أبو عبد الله، قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة، وشهد بدراً واشترك في الغزوات ثم شهد القادسية مع سعد بن أبي وقاص، وجههم عمر إلى فتح الأبلة فافتتحها وهو الذي اختط البصرة ومصرها، وسار إلى ميسان فافتتحها، وقدم المدينة لأمر خاطب فيه أمير المؤمنين عمر ثم عاد فمات في الطريق سنة ١٧هـ وعمره نحو ٥٧ سنة، وكان من

__________________

١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٤٥٥ - ٤٦٣.


الرماة المعدودين، طويلاً جميلاً، روى عن النبي أربعة أحاديث(١) .

روى عنه قوله: لقد بلغني ان المصراعين من مصاريع الجنة بعدما بينهما مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ بالزّحام(٢) .

عثمان بن حنيف الأنصاري

هو عثمان بن حنيف بن واهب بن العكم بن ثعلبة بن الحارث الأنصاري ثم الاوسي أخو سهل بن حنيف، يكنى أبا عمرو - وقيل: أبا عبد الله - عمل لعمر ثم لعليعليه‌السلام ، وولاه عمر مساحه الأرض وجبايتها بالعراق، وضرب الخراج والجزية على أهلها وولاه عليعليه‌السلام على البصرة، فأخرجه طلحة والزبير منها حين قدماها، وسكن عثمان الكوفة بعد وفاة عليعليه‌السلام ، ومات بها في زمن معاوية(٣) .

__________________

١ - ربيع الأبرار للزمخشري: ج١، ص٢٤٨، الهامش.

٢ - نفس المصدر: ج١، ص٢٤٨.

٣ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد =


من كتاب لهعليه‌السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري و هو عامله على البصرة و قد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها، قوله:

أَمَّا بَعْدُ يَا اِبْنَ حُنَيْفٍ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أهل اَلْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَى مَأْدَبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ اَلأَلْوَانُ وَتُنْقَلُ إلَيْكَ اَلْجِفَانُ وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضِمُهُ مِنْ هَذَا اَلْمَقْضَمِ فَمَا اِشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وَجْهِهِ فَنَلْ مِنْهُ أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِي‏ءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلاَ وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اِكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاِجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ فَوَاللَّهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً وَلاَ اِدَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً وَلاَ أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً وَلاَ حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً وَلاَ أَخَذْتُ مِنْهُ إِلاَّ

__________________

= المعتزلي : ج ١٦ ، ص ٢٠٦


كَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ وَلَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ اَلسَّمَاءُ فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ وَنِعْمَ اَلْحَكَمُ اَللَّهُ وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَكٍ وَغَيْرِ فَدَكٍ وَاَلنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا لأَضْغَطَهَا اَلْحَجَرُ وَاَلْمَدَرُ وَسَدَّ فُرَجَهَا اَلتُّرَابُ اَلْمُتَرَاكِمُ وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ اَلْخَوْفِ اَلأَكْبَرِ وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ اَلْمَزْلَقِ وَلَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ اَلطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا اَلْعَسَلِ وَلُبَابِ هَذَا اَلْقَمْحِ وَنَسَائِجِ هَذَا اَلْقَزِّ وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ اَلأَطْعِمَةِ وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ اَلْيَمَامَةِ مَنْ لاَ طَمَعَ لَهُ فِي اَلْقُرْصِ وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادٌ حَرَّى أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ اَلْقَائِلُ وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى اَلْقِدِّ أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ هَذَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ أُشَارِكَهُمْ فِي مَكَارِهِ اَلدَّهْرِ أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً


لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ اَلْعَيْشِ فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ اَلطَّيِّبَاتِ كَالْبَهِيمَةِ اَلْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا أَوِ اَلْمُرْسَلَةِ شُغْلُهَا تَقَمُّمُهَا تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلاَفِهَا وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا أَوْ أُتْرَكَ سُدًى أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ اَلضَّلاَلَةِ أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ اَلْمَتَاهَةِ وَكَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ إِذَا كَانَ هَذَا قُوتَ اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَدْ قَعَدَ بِهِ اَلضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ اَلأَقْرَانِ وَمُنَازَلَةِ اَلشُّجْعَانِ أَلاَ وَإِنَّ اَلشَّجَرَةَ اَلْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً وَاَلرَّوَائِعَ اَلْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً وَاَلنَّابِتَاتِ اَلْعِذْيَةِ أَقْوَى وَقُودًا وَأَبْطَأُ خُمُوداً وَأَنَا مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ كَالصِّنْوِ مِنَ اَلصِّنْوِ وَاَلذِّرَاعِ مِنَ اَلْعَضُدِ وَاَللَّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ اَلْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا وَلَوْ أَمْكَنَتِ اَلْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا وَسَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ اَلْأَرْضَ مِنْ هَذَا اَلشَّخْصِ اَلْمَعْكُوسِ وَاَلْجِسْمِ اَلْمَرْكُوسِ حَتَّى تَخْرُجَ اَلْمَدَرَةُ مِنْ بَيْنِ حَبِّ اَلْحَصِيدِ وَمِنْ هَذَا اَلْكِتَابِ وَهُوَ آخِرُهُ إِلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ قَدِ اِنْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ وَأَفْلَتُّ مِنْ حَبَائِلِكِ وَاِجْتَنَبْتُ اَلذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ أَيْنَ اَلْقُرُونُ اَلَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ بِمَدَاعِبِكِ أَيْنَ اَلأُمَمُ اَلَّذِينَ


فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِكِ هَا هُمْ رَهَائِنُ اَلْقُبُورِ وَمَضَامِينُ اَللُّحُودِ وَاَللَّهِ لَوْ كُنْتِ شَخْصاً مَرْئِيّاً وَقَالَباً حِسِّيّاً لأَقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اَللَّهِ فِي عِبَادٍ غَرَرْتِهِمْ بِالأَمَانِيِّ وَأُمَمٍ أَلْقَيْتِهِمْ فِي اَلْمَهَاوِي وَمُلُوكٍ أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى اَلتَّلَفِ وَأَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ اَلْبَلاَءِ إِذْ لاَ وِرْدَ وَلاَ صَدَرَ هَيْهَاتَ مَنْ وَطِئَ دَحْضَكِ زَلِقَ وَمَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ غَرِقَ وَمَنِ اِزْوَرَّ عَنْ حِبَالِكِ وُفِّقَ وَاَلسَّالِمُ مِنْكِ لاَ يُبَالِي إِنْ ضَاقَ بِهِ مُنَاخُهُ وَاَلدُّنْيَا عِنْدَهُ كَيَوْمٍ حَانَ اِنْسِلاَخُهُ اُعْزُبِي عَنِّي فَوَاللَّهِ لاَ أَذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي وَلاَ أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي وَاَيْمُ اَللَّهِ يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اَللَّهِ لأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهُشُّ مَعَهَا إِلَى اَلْقُرْصِ إِذَا قَدَرَتْ عَلَيْهِ مَطْعُوماً وَتَقْنَعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُوماً وَلأَدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاءٍ نَضَبَ مَعِينُهَا مُسْتَفْرَغَةً دُمُوعُهَا أَ تَمْتَلِئُ اَلسَّائِمَةُ مِنْ رِعْيِهَا فَتَبْرُكَ وَتَشْبَعُ اَلرَّبِيضَةُ مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضَ وَيَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَعُ قَرَّتْ إِذاً عَيْنُهُ إِذَا اِقْتَدَى بَعْدَ اَلسِّنِينَ اَلْمُتَطَاوِلَةِ بِالْبَهِيمَةِ اَلْهَامِلَةِ وَاَلسَّائِمَةِ اَلْمَرْعِيَّةِ طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا وَعَرَكَتْ بِجَنْبِهَا بُؤْسَهَا وَهَجَرَتْ فِي اَللَّيْلِ غُمْضَهَا حَتَّى إِذَا


غَلَبَ اَلْكَرَى عَلَيْهَا اِفْتَرَشَتْ أَرْضَهَا وَتَوَسَّدَتْ كَفَّهَا فِي مَعْشَرٍ أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ وَتَجَافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ وَهَمْهَمَتْ بِذِكْرِ رَبِّهِمْ شِفَاهُهُمْ وَتَقَشَّعَتْ بِطُولِ اِسْتِغْفَارِهِمْ ذُنُوبُهُمْ أُولئِكَ حِزْبُ اَللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ فَاتَّقِ اَللهَ يَا اِبْنَ حُنَيْفٍ وَلِتَكْفِكَ أَقْرَاصُكَ لِيَكُونَ مِنَ اَلنَّارِ خَلاَصُكَ(١) .

وقد وقف عثمان مدافعاً عن البصرة أمام طلحة والزبير بعد ان نصحهم وجادلهم حتى اتفقا على الصلح وان يتركا البصرة له لكنهم ضمروا غدراً حيث أمر عثمان رجاله بترك السلاح بعد الصلح فاغتنم الرجلان الفرصة غدراً ونكاية، وهجما على القوم وأمسكا عثمان وأشبعوه ضرباً ونتفا لحيته ثم أطلقوه فذهب إلى عليعليه‌السلام على هذه الحال يشكوه أمرهما(٢) .

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١٦، ص٢٠٥، الخطبة ٤٥.

٢ - نفس المصدر: ج١٦، ص٢٠٥ - ٢٠٦.


عثمان بن مظعون

هو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب الجمحي، أبو السائب، صحابي. كان من حكماء العرب في الجاهلية، يحرم الخمر، وأسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً وهاجر إلى الحبشة مرتين، وأراد التبتل والسياحة في الأرض زهداً بالحياة، فمنعه رسول الله، فاتخذ بيتاً يتعبد فيه، فأتاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخذ بعضادتي البيت، وقال: يا عثمان ان الله لم يبعثني بالرهبانية (مرتين أو ثلاثاً) وان خير الدين عند الله الحنفية السمحاء، وشهد بدراً، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين سنة ٢ للهجرة، وأول من دفن بالبقيع منهم. ولما مات جاءه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقبله ميتاً، حتى رؤيت دموعه تسيل على خد عثمان.

حينما هاجر إلى الحبشة بلغه من أمية بن خلف كلام فقال:

تريش نبالاً لا يؤاتيك ريشها

وتبري نبالاً ريشها لك أجمــــــع


فكيف إذا نابتك يوماً ملمة

وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع(١)

عرار بن عمر بن شأس الأسدي

أرادت عراراً بالهوان(٢)

أخذ الحجاج رأس ابن الأشعث ووجّه به إلى عبد الملك بن مروان، مع عرار بن عمرو بن شأس الأسدي، وكان أسود دميماً، فلما ورد به عليه جعل عبد الملك لا يسأل عن شيء من أمر الوقيعة(٣) إلا أنبأه به عرار، في أصح لفظ، وأسبغ قول، وأجزأ اختصار.

فشفاه من الخبر، وملأ أذنه صواباً، وعبد الملك لا يعرفه، وقد اقتحمته عينه(٤) حين رآه، فقال عبد الملك متمثلاً:

أرادت عراراً بالهوان ومن يُرد

لعمري عراراً بالهوان فقد ظلم

__________________

١ - ربيع الأبرار للزمخشري: ج٢، ص٨٦٠، الهامش.

٢ - الكامل: ج١، ص١٩٠.

٣ - الوقيعة: الواقعة.

٤ - اقتحمته: احتقرته.


وان عراراً وإن يكن غير واضح

فإني أحب الجون ذي المنكب العمم(١)

فقال له عرار: أتعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، قال:

فأنا والله عرار، فزاد في سروره، وأضعف له الجائزة.

قال المتنبي:

وَما كُلُّ وَجهٍ أَبيَضٍ بِمُبارَكٍ

وَلا كُلُّ جَفنٍ ضَيِّقٍ بِنَجيبِ

فَرُبَّ كَئيبٍ لَيسَ تَندى جُفونُهُ

وَرُبَّ كَثيرِ الدَمعِ غَيرُ كَئيبِ(٢)

عقبة بن عمرو

عقبة بن عمرو المكنى بأبي مسعود البدري الأنصاري، شهد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقعة بدر وما بعدها، واستخلفه الإمام عليعليه‌السلام على الكوفة لما خرج إلى صفين، وكان من خواص أصحابه(٣) .

__________________

١ - منكب عمم: طويل.

٢ - قصص العرب: ج٢، ص١٧٨، القصة رقم ٧٦.

٣ - موسوعة العتبات، جعفر الخليلي. وله أحاديث كثيرة ينقل عن النبي (ص)، ومرة =


عقيل بن أبي طالب

كان عقيل رجلاً قد كفَّ بصره وله بعدُ لسانه ونسبه وأدبه وجوابه، فلما فضل نضراءه من العلماء بهذه الخصال صار لسانه بها أطول. وغاضب علياً وأقام بالشام فكان ذلك أيضاً أطلق للسان عن الحاسد فيه. وزعموا انه قال له معاوية: هذا أبو يزيد لولا انه علم أني خير له من أخيه لما أقام عندنا وتركه، فقال عقيل: أخي خير لي في ديني وأنت خير لي في دنياي. وقال له مرة: أنت معنا يا أبا يزيد؟ قال: ويوم بدر كنت معكم؟

وقال معاوية يوماً: يا أهل الشام هل سمعتم قول الله تبارك وتعالى في كتابه:

__________________

= قال له علي (ع): أنت تقول لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين* تطرف؟ إنما قال رسول الله (ص): لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف ممن هو حي اليوم، والله ان رجاء هذه الأمة بعد مائة عام، انظر مسند أحمد بن حنبل: ج١، ص٩٣.


( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ) ، قالوا: نعم. قال: فإن أبا لهب عمه. فقال عقيل: هل سمعتم قول الله عز وجل:( وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب ) ، قالوا: نعم، قال: فانها عمته. قال معاوية حسبنا ما لقينا من أخيك.

وذكروا ان امرأة عقيل وهي فاطمة بنت عتبة بن ربيعة قالت: يا بني هاشم، لا يحبكم قلبي أبداً، أين أبي؟ أين عمي؟ أين أخي؟ كأن أعناقهم أباريق الفضة، ترد أنوفهم قبل شفاههم. قال لها عقيل: إذا دخلت جهنم فخذي على شمالك(٢) .

ومن المفارقين لعليعليه‌السلام أخوه عقيل بن أبي طالب، قدم على أمير المؤمنين بالكوفة يستزيده، فعرض عليه عطاءه، فقال: انما أريد من بيت المال، فقال: تقيم إلى يوم الجمعة، فلما صلىعليه‌السلام الجمعة، قال له: ما تقول فيمن خان

__________________

١ - (المسد:١).

٢ - التبيان والتبيين للجاحظ: ج٢، ص٢٢٨، الهامش.


هؤلاء أجمعين؟ قال: بئس الرجل! قال: فانك أمرتني ان أخونهم وأعطيك، فلما خرج من عنده شخص إلى معاوية، فأمر له يوم قدومه بمائة ألف درهم، وقال له: يا أبا يزيد، أنا خير لك أم علي؟ قال: وجدت علياً أنظر لنفسه منه لي، ووجدتك أنظر لي منك إلى نفسك(١) .

وقال معاوية لعقيل: ان فيكم يا بني هاشم ليناً، قال: أجل ان فينا ليناً في غير ضعف، وعزاً من غير عنف، وان لينكم يا معاوية غدر، وسلمكم كفر. فقال معاوية: ولا كل هذا يا أبا يزيد(٢) .

وقال الوليد بن عقبة لعقيل في مجلس معاوية: غلبك أخوك يا أبا يزيد على الثروة! قال: نعم، وسبقني وإياك إلى الجنة، قال: أما والله لشدقيه مضمومان من دم عثمان، فقال: وما أنت وقريش،

__________________

١ - الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي: ج٢، ص٥٥١.

٢ - الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي: ج٢، ص٥٥١، شرح النهج لابن أبي الحديد: ج٤، ص٩٣، بحار الأنوار: ج٤٢، ص١١٤.


والله ما أنت فينا إلا كنطيح التيس. فغضب الوليد وقال: والله لو ان أهل الأرض اشتركوا في قتله لأرهقوا صعوداً، وان أخاك لأشد هذه الأمة عذاباً، فقال: صه! والله إنا لنرغب بعبد من عبيده عن صحبة أبيك عقبة بن أبي معيط(١) .

وقال معاوية يوماً - وعنده عمرو بن العاص - وقد أقبل عقيل: لأضحكنك من عقيل، فلما سلم قال معاوية: مرحباً برجل عمه أبو لهب، فقال عقيل: وأهلاً برجل عمته: حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد، لأن امرأة أبي لهب أم جميل بنت حرب بن أمية.

قال معاوية: يا أبا يزيد ما ظنك بعمك أبي لهب؟ قال: إذا دخلت النار فخذ على يسارك تجده مفترشاً عمتك حمالة الحطب، أفناكح في النار خير أم منكوح؟ قال: كلاهما شر والله.

__________________

١ - الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي: ج٢، ص ٥٥٢، شرح ابن أبي الحديد: ج٤، ص٩٣.


العلامة (الحلي)

آية الله الشيخ جمال الدين أبو منصور، الحسن بن سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر الحلي، علامة العالم، وفخر نوع بني آدم أعظم العلماء شأناً وأعلاهم برهاناً سحاب الفضل الهاطل وبحر العلم الذي لا يساجل جمع من العلوم ما تفرق في الناس وأحاط من الفنون بما لا يحيط به القياس رئيس علماء الشيعة ومروج المذهب والشريعة صنف في كل علم كتباً وآتاه الله من كل شيء سبباً قد ملأ الآفاق بمصنفاته وعطر الأكوان بتأليفاته انتهت إليه رئاسة الإمامية في المعقول والمنقول والفروع والأصول مولده سنة ٦٤٨ قرأ على خاله المحقق الحلي وجماعة كثيرين جداً من العامة والخاصة وقرأ على المحقق الطوسي في الكلام وغيره من العقليات وقرأ عليه في الفقه المحقق الطوسي وكان آية الله لأهل الأرض وله حقوق عظيمة على زمرة الإمامية والطائفة الاثني عشرية لساناً وبياناً وتدريساً وتأليفاً وكفاه فخراً على من سبقه ولحقه مقامه المحمود في


اليوم المشهود الذي ناظر فيه علماء المخالفين فأفحمهم وصار سبباً لتشيع السلطان محمد الملقب بشاه خدابنده وله بعد ذلك من المناقب والفضائل ما لا يحصى...

توفى (ره) يوم السبت ٢١ من المحرم سنة ٧٢٦ ودفن بجوار أمير المؤمنينعليه‌السلام ، قال صاحب نخبة المقال في تاريخه:

وآية الله ابن يوسف الحسن

سبـط مطهر فريدة الزمــن(١)

علامة الدهر جليل قدره

ولد رحمة ٦٤٨ وعز ٧٧ عمره(٢)

__________________

١ - مقدمة قواعد الأحكام للعلامة الحلي: ج١، ص١١، مقدمة مختلف الشيعة: ج١، ص١١، مقدمة ارشاد الأذهان: ج١، ص٢٩، شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني: ج٥، ص٤١٠، وايضاح الأشتباه: ص٣٥ ضمن ترجمته.

٢ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٤٧٧.


علم الهدى (الشريف المرتضى)

هو سيد علماء الأمة ومحيي آثار الأئمة ذو المجدين أبو القسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام المشهور بالسيد المرتضى الملقب من جده المرتضىعليه‌السلام في الرؤيا الصادقة السيماء بعلم الهدى جمع من العلوم ما لم يجمعه أحد وحاز من الفضائل ما تفرد به... مقدم في العلوم مثل علم الكلام والفقه وأصول الفقه والأدب والنحو والشعر واللغة وغير ذلك له تصانيف مشهورة منها الشافي في الإمامة لم يصنف مثله في الإمامة والذخيرة وجمل العلم والعمل والذريعة وشرح القصيدة البديعة وكتاب الطيف والخيال وكتاب الشيب والشباب وكتاب الغرر والدرر والمسائل الكثيرة وله ديوان شعر يزيد على عشرين ألف بيت إلى غير ذلك. قال آية الله العلامة وبكتبه استفادت الإمامية منذ زمنهرحمه‌الله إلى زماننا هذا وهو سنة ٦٩٣ وهو ركنهم


ومعلمهم...

وذكره الخطيب في تاريخ بغداد واثنى عليه وقال كتبت عنه وعن جامع الأصول انه عده ابن الأثير من مجددي مذهب الإمامية في رأس المائة الرابعة.

قال ابن خلكان في وصف علم الهدى كان نقيب الطالبيين وكان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر وهو أخو الشريف الرضي وله تصانيف على مذهب الشيعة ومقالة في أصول الدين وله الكتاب الذي سماه الغرر والدرر وهي مجالس أملاها تشتمل على فنون من معاني الأدب تكلم فيها على النحو واللغة وغير ذلك.

وذكره ابن بسام في أواخر كتاب الذخيرة فقال: كان هذا الشريف إمام أئمة العراق إليه فزع علمائها ومنه أخذ عظمائها صاحب مدراسها وجماع شاردها وأنسها ممن سارت أخباره وعرفت به أشعاره وتصانيفه في أحكام المسلمين مما يشهد انه فرع تلك الأصول ومن ذلك البيت الجليل... وحكي الخطيب التبريزي ان أبا الحسن علي بن أحمد


الفالي الأديب كانت له كتاب نسخة الجمهرة لابن دريد في غاية الجودة فدعته الحاجة إلى بيعها فاشتراها الشريف المرتضى أبو القاسم المذكور بستين ديناراً وتصفحها فوجد بها أبياتاً بخط بايعها أبي الحسن الفالي المذكور وهي:

أنست بها عشرين حولاً وبعتها

لقد طال وجدي بعدها وحنيني

وما كان ظني أنني سأبيعها

ولو خلدتني في السجون ديوني

ولكن لضعف وافتقار وصبية

صغار عليهم تستهل شئونى

فقلت ولم أملك سوابق عبرة

مقالة مكوي الفؤاد حزين

وقد تخرج الحاجات يا أم مالك

كرائم من رب بهن ضنين

فأرجع النسخة إليه وترك الدنانيررحمه‌الله تعالى(١) .

__________________

١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص ٤٨٠ - ٤٨١.


علي بن أبي رافع

من الشخصيات الشيعية البارزة ومن خواص علي بن أبي طالبعليه‌السلام المتقين، كان هماماً مجداً في تدوين العلم ونشره.

وقد نال الكتاب الذي جمعه في الفقه مقاماً رفيعاً، حيث أكد أهل البيت على تعليمه وتعلمه، ووصف في رجال النجاشي:

من خيار الشيعة، وكاتب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، حفظ كثيراً وجمع كتاباً في فنون من الفقه: الوضوء والصلاة وسائر الآداب(١) وكانوا يعلّمون هذا الكتاب.

قال السيد شرف الدين العاملي:

وكان أهل البيت يعظمون هذا الكتاب ويرجعون شيعتهم إليه، وقال السيد الأبطحي: كان علي بن أبي رافع من خواص أمير المؤمنينعليه‌السلام وكاتباً له وكان من فقهاء الشيعة، كتب كتاباً في الفقه...

__________________

١ - رجال النجاشي: ص٦، وجواهر الفقه لابن البراج: ص١٠، تحف العقول لابن شعبة الحراني: ص١٧٦، معجم رجال الحديث للخوئي: ج١، ص١٦١.


وتفقه على يد أمير المؤمنينعليه‌السلام وجمع كتابه في أيامه(١) .

علي بن الجهم الشاعر الناصب العداء لأهل البيت

وهو علي بن الجهم بن بدر... ينتهي إلى سامة بن لؤي بن غالب، هكذا ينسب نفسه، وكان مبغضاً لعليعليه‌السلام ينحو نحو مروان بن أبي حفصة في هجاء الطالبيين وذم الشيعة، وهو القائل:

ورافضة تقول بشعب رضوى:

إمام، خاب ذلك من إمام

إمام من له عشرون ألفـــــــــاً

من الأتراك مشرعة السهام

وقالوا: انه روى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انه قال: ((عمي سامة لم يعقب))(٢) ، وإنما

__________________

١ - نفس المصدر: ص٣٢.

٢ - جاء في الأغاني: وكان بنو ناجية يدعون انهم ينتسبون إلى معد بن نزار بن معد بن عدنان [وقريش تدفعهم عن هذا النسب، ويسمونهم بني ناجية، وهي أمهم وهي امرأة سامة بن لؤي بن غالب]. ارتدوا عن الإسلام =


أدخلهم الزبير بن بكار في قريش مخالفة لأمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، وميله إليهم لإجماعهم على بغضهعليه‌السلام ، حسب المشهور المأثور من مذهب الزبير في ذلك.

وقد هجاه أبو عبادة البحتري فقال فيه:

إذا ما فَضَّلت علياً قريش

فلا في العير أنت ولا النفير

__________________

= ولما ولي علي بن أبي طالبعليه‌السلام الخلافة دعاهم إلى الإسلام، فأسلم بعضهم وأقام الباقون على الردة، * فسباهم وأسترقهم، فاشتراهم مصقلة بن هبيرة منه، وأدى ثلث ثمنهم وأشهد الباقي على نفسه، ثم أعتقهم وذهب من ثمن ليله إلى معاوية، فصاروا أحراراً، ولزمه الثمن، فشَعثَ علي بن أبي طالب شيئاً من داره، وقيل بل هدمها، فلم يدخل مصقلة الكوفة حتى قتل علي بن أبي طالبعليه‌السلام وفيه قال الإمام علي: ((قَبَّحَ اَللَّهُ مَصْقَلَةَ فَعَلَ فِعْلَ اَلسَّادَةِ وَفَرَّ فِرَارَ اَلْعَبِيدِ فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ وَلاَ صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكَّتَهُ وَلَوْ أَقَامَ لأَخَذْنَا مَيْسُورَهُ وَاِنْتَظَرْنَا بِمَالِهِ وُفُورَهُ)) (الأغاني). ومثله في الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي: ج٢، ص٧٧٣.


ولو أعطاك ربك ما تمنى

لزاد الخلق في عظم الأيور

علام هجوت مجتهداً علياً

بما لفقت من كذب وزور

أما لك في أستك الوجعاء شغل

يكفك عن أذى أهل القبور(١)

وسمع أبو العيناء علي بن الجهم يوما يطعن على أمير المؤمنين، فقال له: أنا أدرى لم تطعن على أمير المؤمنين! فقال: أتعنى قصة بيعه أهلي من مصقلة بن هبيرة؟ قال: لا، أنت أوضع من ذلك، ولكنهعليه‌السلام قتل الفاعل من قوم لوط، والمفعول به، وأنت أسفلهما.

قال أبو الفرج: وكان علي بن الجهم من الحشوية، شديد النصب عدواً للتوحيد والعدل.

وروى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني في ترجمة مروان بن أبي حفصة

__________________

١ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج٣، ص١٢٢، والأغاني: ج١٠، ص٢٠٦، والغدير للأميني: ج١، ص٣٥٧ و: ج٥، ص٢٤٤.


الأصغر ان علي بن الجهم خطب امرأة من قريش، فلم يزوجوه، وبلغ المتوكل ذلك، فسأل عن السبب، فحدث بقصة بنى سامة بن لؤى، وأن أبا بكر وعمر لم يدخلاهم في قريش، وأن عثمان أدخلهم فيها، وأن علياًعليه‌السلام أخرجهم منها، فارتدوا، وأنه قتل من ارتد منهم، وسبى بقيتهم، فباعهم من مصقلة بن هبيرة، فضحك المتوكل، وبعث إلى علي بن الجهم فأحضره، وأخبره بما قال القوم، وكان فيهم مروان بن أبي حفصة المكنى أبا السمط وهو مروان الأصغر، وكان المتوكل يغريه بعلي بن الجهم، ويضعه على هجائه وثلبه، فيضحك منهما، فقال مروان:

إن جهماً حين تنسبـه

ليس من عجم ولا عرب

لج في شتمي بلا سبب

سارق للشعــــر والنســـب

من أناس يدّعون أبا

ماله في الناس من عقــب

فغضب علي بن الجهم، ولم يجبه، لانه كان يستحقره فأومأ إليه المتوكل أن


يزيده فقال:

أأنتم يا بن جهم من قريش

وقد باعوكم ممن تريد

أترجو أن تكاثرنا جهاراً

بأصلكم وقد بيع الجدود

فلم يجبه ابن الجهم، فقال فيه أيضاً:

على تعرّضت لي ضلة

لجهلك بالشعر يا مائق

تروم قريشاً وأنسابهــــــــا

وأنت لأنسابها سارق

فإن كان سامة جداً لكم

فأمك منى إذا طالق(١)

عمار بن ياسر أبو اليقظان العبسي

من عبس باليمن، وهو حليف بني مخزوم، أسلم قديماً وكان ممن يعذب في الله هو وأبوه وأمه سمية، ويقال إنه أول من اتخذ مسجداً في بيته يتعبد فيه،

__________________

١ - شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٣، ص ١٢٢ - ١٢٦ باختصار.


وقد شهد بدراً وما بعدها وقد قدمنا كيفية مقتله يوم صفين وأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ((تقتلك الفئة الباغية))(١) .

وروى الترمذي من حديث الحسن عن أنس أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ((إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة، علي وعمار وسلمان))(٢) .

وفي الحديث الآخر الذي رواه الثوري وقيس بن الربيع وشريك القاضي وغيرهم عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي أن عماراً استأذن على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: ((مرحباً بالطيب المطيب))(٣) . وقال إبراهيم بن الحسين: حدثنا يحيى حدثني

__________________

١ - الكامل في التاريخ: ج٣، ص٣١١، الكافي للكليني: ج٥، ص١١، دعائم الإسلام للقاضي المغربي: ج١، ص٣٩٢، الخصال للصدوق: ص٢٧٥، تحف العقول لابن شعبة الحراني: ص٢٩٠.

٢ - سنن الترمذي: ص٢٣٢، ح٣٨٨٤ في (مناقب سلمان)، مشكاة المصابيح: ج٣، ص١٧٥٦، ح٦٢٢٥.

٣ - مسند أحمد بن حنبل: ج١، ص١٢٣، مسند أبي داود الطيالسي: ص١٨، تهذيب التهذيب لابن حجر: ج٧، ص٣٥٨.


نصر حدثنا سفيان الثوري عن أبي الاعمش، عن أبي عمار، عن عمرو بن شرحبيل، عن رجل من أصحاب رسول الله أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ((لقد ملئ عمار إيماناً من قدمه إلى مشاشه))(١) .

وقال عنه ابن أبي الحديد في شرحه:

هو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن حصين بن توذ بن ثعلبة بن عون بن حارثة بن عامر بن سام بن عبس بن مالك بن أدد العبسي المذحجي، يكنى أبا اليقظان، حليف لبني مخزوم ممن شهد بدراً وقال الواقدي وطائفة من أهل العلم ان ياسراً والد عمار بن ياسر عربي قحطاني من عبس، من مدحج، إلا ان ابنه عمار مولى لبني مخزوم لأن أباه ياسراً تزوج أمه لبعض بني مخزوم فأولدها عماراً، وذلك ان ياسراً قدم مكة مع أخوين له يقال لهما: الحارث ومالك في طلب أخ لهم رابع، فرجع الحارث ومالك إلى

__________________

١ - البداية والنهاية، لابن كثير: ج٧، ص٣١١.


اليمن، وأقام ياسر بمكة فحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها سمية بنت خياط، فولدت له عماراً فأعتقه أبو حذيفة، فصار ولاؤه لبني مخزوم، وللحلف والولاء بين بني مخزوم وعمار بن ياسر كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب، حتى انفتق له فتق في بطنه وكسروا ضلعاً من أضلاعه، فاجتمعت بنو مخزوم، وقالوا: والله لئن مات لا قتلنا به أحداً غير عثمان.

أسلم عمار وعبد الله أخوه وياسر أبوهما وسمية أمهما، وكان إسلامهم قديماً في أول الإسلام، فعذبوا في الله عذاباً عظيماً، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمر بهم وهم يعذبون فيقول: ((صبراً يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة)).

ويقول لهم أيضاً: ((صبراً يا آل ياسر، اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت)).

ويضيف ابن أبي الحديد: ولم يزل


عمار مع أبي حذيفة بن المغيرة حتى مات وجاء الله بالإسلام.

وأما سمية فقتلها أبو جهل، طعنها بحربة في قبلها فماتت، وكانت من الخيرات الفاضلات وهى أول شهيدة في الإسلام، وقد كانت قريش أخذت ياسراً وسمية وابنيهما، وبلالاً وخباباً وصهيباً فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس حتى بلغ الجهد منهم كل مبلغ، فأعطوهم ما سألوا من الكفر، وسب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم جاء إلى كل واحد منهم قومه بانطاع الأدم فيها الماء فألقوهم فيها، ثم حملوا بجوانبها، فلما كان العشى جاء أبو جهل فجعل يشتم سمية ويرفث، ثم وجاءَها بحربة في قبلها فقتلها، فهي أول من استشهد في الإسلام، فقال عمار للنبىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا رسول الله بلغ العذاب من أمي كل مبلغ، فقال: (صبرا يا أبا اليقظان، اللهم لا تعذب أحدا من آل ياسر بالنار)، قال أبو عمر: وفيهم أنزل:( إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ


بِالإِيمَانِ (١) )

وهاجر عمار إلى أرض الحبشة وصلى القبلتين، وشهد بدرا والمشاهد كلها وأبلى بلاء حسناً، ثم شهد اليمامة، فأبلى فيها أيضاً، ويومئذ قطعت أذنه.

عن عبد الله بن عمر، قال: رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون؟ أنا عمار بن ياسر، هلموا إلي، وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت، فهي تذبذب وهو يقاتل أشد القتال.

وكان عمار طويلاً أشهل، بعيد ما بين المنكبين... رجلا لا يغير شيبه.

وكان عمار يقول: أنا ترب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لم يكن أحد أقرب إليه سناً منى.

وقتل عمار وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، والخبر المرفوع مشهور في حقه: ((تقتلك الفئة الباغية)) وهو من دلائل نبوة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنه إخبار عن غيب.

__________________

١ - ( النحل : من الآية ١٠٦ )


وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عمار: ((ملئ إيماناً إلى مشاشه))(١) ، ويروى: ((إلى أخمص قدميه)).

وفضائل عمار كثيرة، وقد تقدم القول في ذكر عمار وأخباره، وما ورد في حقه(٢) .

عن سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال: إن الله تعالى قد آمننا أن يظلمنا، ولم يؤمنا أن يفتننا، أرأيت إذا أنزلت فتنة، كيف أصنع؟ فقال: عليك كتاب الله تعالى، قال: أفرأيت إن جاء قوم كلهم يدعو إلى كتاب الله تعالى؟ فقال ابن مسعود: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: ((إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق))، يعنى عماراً(٣) .

__________________

١ - المشاشة: الأصل.

٢ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢٠، ص٣٥ - ٣٨.

٣ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٣، ص ٩٨.


عمار وأبا ذر وسلمان والمقداد

( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (١) )

قال علي بن الحسين (عليه‌السلام ) : هؤلاء خيار من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عذبهم أهل مكة ليفتنوهم عن دينهم، منهم:

بلال وصهيب وخباب وعمار بن ياسر وأبواه.

فأما بلال اشتراه أبو بكر بن أبي قحافة بعبدين له أسودين، ورجع إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكان تعظيمه لعلي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) أضعاف تعظيمه لأبي بكر، فقال المفسدون: يا بلال كفرت النعمة، ونقضت ترتيب الفضل، أبو بكر مولاك الذي اشتراك و أعتقك وأنقذك من العذاب، ورد عليك نفسك وكسبك، وعلي بن أبي طالب لم يفعل بك شيئاً من هذا، وأنت توقر أبا الحسن علياً بما لا توقر أبا بكر، إن هذا كفر النعمة وجهل بالترتيب.

__________________

١ - ( البقرة : ٢٠٧ )


فقال بلال: أفيلزمني أن أوقر أبا بكر فوق توقيري لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ معاذ الله، قال: قد خالف قولكم هذا قولكم الأول إن كان لا يجوز لي أن أفضل علياً على أبي بكر، لأن أبا بكر أعتقني فكذلك لا يجوز لي أن أفضل رسول الله على أبي بكر، لان أبا بكر أعتقني، قالوا: لا سواء إن رسول الله أفضل خلق الله، قال بلال: ولا سواء أيضاً أبو بكر وعلي، إن علياً نفس أفضل خلق الله، فهو أيضاً أفضل خلق الله بعد نبيه، وأحب الخلق إلى الله تعالى لأكله الطير مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي دعا: ((اللهم ائتني بأحب خلقك إليك)) وهو أشبه خلق الله برسوله لما جعله أخاه في دين الله، وأبو بكر لا يلتمس مني ما تلتمسون، لأنه يعرف من فضل علي ما تجهلون، أي يعرف أن حق علي أعظم من حقه، لأنه أنقذني من رق العذاب الذي لو دام علي وصبرت عليه لصرت إلى جنات عدن، وعلي أنقذني من رق عذاب الأبد، وأوجب لي بموالاتي له وتفضيلي إياه نعيم الأبد.

وأما صهيب فقال: أنا شيخ كبير لا يضركم كنت معكم أو عليكم، فخذوا مالي


ودعوني وديني، فأخذوا ماله وتركوه، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا صهيب كم كان مالك الذي سلمته؟ قال: سبعة آلاف، قال: طابت نفسك بتسليمه؟ قال:

يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبياً لو كانت الدنيا كلها ذهبة حمراء لجعلتها عوضاً عن نظرة أنظرها إليك، ونظرة أنظرها إلى أخيك ووصيك علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا صهيب قد أعجزت خزان الجنان عن إحصاء مالك فيها بمالك هذا واعتقادك فلا يحصيها إلا خالقها.

وأما خباب بن الأرت فكانوا قد قيدوه بقيد وغل، فدعا الله بمحمد وعلي والطيبين من آلهما فحوَّل الله القيد فرساً ركبه، وحول الغل سيفاً بحمايل يقلده فخرج عنهم من أعمالهم، فلما رأوا ما ظهر عليه من آيات محمد لم يجسر أحد أن يقربه وجرد سيفه وقال: من شاء فليقرب، فإني سألته بمحمد وعلي صلى الله عليهما أن لا أصيب بسيفي أبا قبيس إلا قددته نصفين، فضلاً عنكم، فتركوه فجاء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


وأما ياسر وأم عمار فقتلا في دين الله وصبرا.

وأما عمار فكان أبو جهل يعذبه فضيق الله عليه خاتمه في إصبعه حتى أصرعه وأذله، وثقل عليه وقميصه حتى صار أثقل من بدنات حديد، قال لعمار: خلصني مما أنا فيه، فما هو إلا من عمل صاحبك، فخلع خاتمه من إصبعه وقميصه من بدنه، وقال البسه ولا أراك بمكة يفتنها علي، فانصرف إلى محمد.

فقيل لعمار: ما بال خباب نجا بتلك الآية وأبواك أسلما للعذاب حتى قتلا؟

قال عمار: ذاك حكم من أنقذ إبراهيم من النار، وامتحن بالقتل يحيى وزكريا، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت من كبار الفقهاء يا عمار، فقال عمار: حسبي يا رسول الله من العلم معرفتي بأنك رسول رب العالمين، وسيد الخلق أجمعين، وأن أخاك علياً وصيك وخليفتك وخير من تخلفه بعدك، وأن القول الحق قولك وقوله والفعل الحق فعلك وفعله، وأن الله عز وجل ما وفقني لموالاتكما ومعاداة أعدائكما إلا وقد أراد أن يجعلني


معكما في الدنيا والآخرة، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

هو كما قلت يا عمار، ان الله تعالى يؤيد بك الدين، ويقطع بك معاذير الغافلين ويوضح بك عن عناد المعاندين إذا قتلتك الفئة الباغية على المحقين، ثم قال له:

يا عمار بالعلم نلت ما نلت من هذا الفضل، فازدد منه تزدد فضلاً، فإن العبد إذا خرج في طلب العلم ناداه الله عز وجل من فوق العرش: مرحبا يا عبدي أتدري أي منزلة تطلب؟ وأية درجة تروم تضاهي ملائكتي المقربين لتكون لهم قريناً لأبلغنك مرادك ولا وصلنك بحاجتك(١) .

وقد كان عمار حين بويع عثمان بلغه قول أبي سفيان صخر بن حرب في دار عثمان عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان ودخل داره ومعه بنو أمية، فقال أبو سفيان أفيكم أحد من غيركم؟ وقد

__________________

١ - بحار الأنوار للعلامة المجلسي : ج ٢٢ ، ص ٣٤٠


كان عمي، قالوا: لا، قال: يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة. فانتهره عثمان وسائه ما قال، ونمى هذا القول إلى المهاجرين والأنصار وغير ذلك من الكلام. فقام عمار في المسجد فقال: يا معشر قريش أما إذا صدفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم هاهنا مرة وهاهنا مرة، فما أنا بآمن من ان ينزعه الله فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله(١) .

وقام المقداد فقال:

ما رأيت مثل ما أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم.

فقال عبد الرحمن بن عوف: وما أنت وذاك يا مقداد بن عمر؟

فقال: إني والله لأحبهم لحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إياهم، وان الحق معهم وفيهم، يا عبد الرحمن أعجب من قريش - وإنما تطوّلهم

__________________

١ - خلاصة عبقات الأنوار، السيد حامد النقوي: ج٣، ص١٣.


على الناس بفضل أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعده من أيديهم، أما وأيم الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصاراً لقاتلتهم كقتالي إياهم مع النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر(١) ، وجرى بينهم الكلام خطب طويل(٢) .

وفي حرب الجمل قال عمار بن ياسر :

إني لأرى وجوه قوم لا يزالون يقاتلون حتى يرتاب المبطلون، والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لكنا على الحق وكانوا على الباطل(٣) .

وتقدم عمار فقاتل ثم رجع إلى موضعه

__________________

١ - هنا شاهدان عادلان من خيرة الصحابة شهدا بأن الأمر لأهل البيت وإنما غصبوه منهم وحول إلى غيرهم بل أكثر من ذلك فإن المقداد جعل هؤلاء الغاصبين في مصاف المشركين الذين حاربهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (المؤلف).

٢ - مروج الذهب للمسعودي، طبع مصر: ج٢، ص٢٤١ - ٢٤٢.

٣ - قال رسول الله في عمار: لقد ملئ عمار إيماناً من قمة رأسه إلى أخمص قدمه.


فاستسقى، فأتته امرأة من نساء بني شيبان من مصافهم بعس من لبن، فدفعته إليه(١) ، فقال: الله أكبر الله أكبر، اليوم ألقى الأحبة تحت الأسنة، صدق الصادق وبذلك أخبرني الناطق، وهو اليوم الذي وعدت فيه، ثم قال:

أيها الناس، هل من رائح إلى الله تحت العوالي؟ والذي نفسي بيده لنقاتلنهم على تأويله كما قاتلناهم على تنزيله، وتقدم وهو يقول(٢) :

نحن ضربناكم على تنزيله

فاليوم نضربكم على تأويله

ضرباً يزيل الهام عن مقيله

ويذهل الخليل عن خليله

__________________

١ - جاء في الخبر ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعمار: يا عمار تقتلك الفئة الباغية وآخر شرابك من الدنيا شربة من لبن.

٢ - مضى قول عمار ان هؤلاء هم المشركون حقاً قاتلوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقاتلوا علياً خليفته ووصيه، فهم سواء في الشرك.


أو يرجع الحق إلى سبيله(١)

فتوسط القوم، واشتبكت عليه الأسنة، فقتله أبو العادية العاملي وابن جون السكسكي، واختلفا في سلبه، فاحتكما إلى عبد الله بن عمر بن العاص، فقال لهما: اخرجا عني، فإني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول أو قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وولعت قريش بعمار: ((ما لهم ولعمار؟ يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار))، وكان قتله عند المساء وله ثلاث وتسعون سنة، وقبره بصفين، وصلى عليه عليعليه‌السلام ، ولم يغسله، وكان يغير شيبه، وقد تنوزع في

__________________

١ - الاختصاص للمفيد: ١٤، مناقب ابن شهراشوب: ج٢، ص٣٥٩، ويذهب بعض المؤرخين والمحدّثين على ان هذه الأبيات هي لعبد الله بن رواحة ارتجزها بين يدي الرسول (ص) وهو يطوف بالكعبة، وقد اعترض عليه عمر، فقال رسول الله (ص): خل عنه يا عمر فلهي أسرع من نضح النبل، انظر سنن الترمذي: ج٤، ص٢١٧، المبسوط للسرخسي: ج١٠، ص٣٩ والذي نرجحه أنها لعمار بن ياسر وهو في هذا الموقع القتالي، كون التأويل لم يكن في زمن الرسول (ص).


نسبه فمن الناس من ألحقه ببني مخزوم، ومنهم من رأى انه من حلفائهم، ومنهم من رأى غير ذلك... وفي قتله يقول الحجاج بن عُزبة الأنصاري أبياتاً رثاه بها:

يا للرجال لعين دمعها جاري

قد هاج حزني أبو اليقظان عمار

أهوى إليه أبو حوا فوارسه

يدعو السكون وللجيشين إعصار

فاختل صدر أبي اليقظان معترضاً

للرمح قد وجبت فينا له النار

الله عن جمعهم لا شك كان عفا

أتت بذلك آيات وآثار

من ينزع الله غلاً في صدورهم

على الأسرة ولم تمسسهم النار

قال النبي له تقتلك شرذمة

سيطت لحومهم بالبغي فجّار

فاليوم يعرف أهل الشام أنهم

أصحاب تلك وفيها النار والعار(١)

وكتب عنه ابن الأثير في حوادث سنة ٣٦هـ :

أبو اليقظان، عمار بن ياسر بن مالك بن كنانة، حليف بني مخزوم من السابقين إلى الإسلام هو وأبوه ياسر، وأمه سمية، وحديث تعذيبهم على أيدي المشركين بعد ان أسلموا حديث ذو شجون.

__________________

١ - مروج الذهب للمسعودي: ج٢، ص٣٨١ - ٣٨٢، طبع إيران.


كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمر عليهم وهم يعذبون، فيقولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (( صبراً آل ياسر فموعدكم الجنة)).

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (( عمار جلدة بين عيني))، وهو أحد النجباء.

عن خالد بن الوليد المخزومي قال: كان بيني وبين عمار كلام، وغلظت له، فشكاني عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (( من عادى عمار عاداه الله، ومن أبغض عماراً أبغضه الله)).

استأذن يوماً بالدخول على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلما سمع صوته قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مرحباً بالطيب المطيَّب.

بعثه عمر والياً على الكوفة وبعث معه ابن مسعود، فكتب إلى أهل الكوفة: (بعثت إليكم عماراً أميراً وابن مسعود وزيراً وهما من النجباء).

اشترك عمار في حروب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فشهد بدراً وأبلى فيه بلاء حسناً وقتل في صفين مع عليعليه‌السلام

عن عبد الرحمن بن بزي السلمي قال:

((شهدنا مع عليعليه‌السلام صفين، فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من


أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتبعونه كأنه علم لهم، وسمعت عماراً يقول لهاشم بن عتبة: تقدّم الجنة تحت البوارق، اليوم ألقى الأحبة، محمداً وحزبه، والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا انا على الحق وانهم على الباطل، ثم أنشد:

نحن ضربناكم على تنزيله

واليوم نضربكم على تأويله

فلم أر أصحاب محمد قتلوا في موطن من قتلوا يومئذ، لقد شهد من أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة ثمانمائة صحابي قتل منهم ثلاثمائة وستون نفراً)).

كان شديد الإخلاص لعليعليه‌السلام وقال يوم بايع الناس لعثمان:

يا معشر قريش إلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم؟ تحولون هنا مرة، وهنا مرة، ما أنا آمن ان ينزعه الله منكم ويضعه في غيركم، كما نزعتموه


من أهله، ووضعتموه في غير محله(١) .

__________________

١ - حوادث سنة ٣٦، لابن الأثير. في أسد الغابة: ج٤، ص٤٦، انتشارات إسماعيليان.


عمران بن حطان

شاعر فصيح من شعراء الخوارج ودعاتهم، أدرك صدراً من الصحابة وروى عنهم وروى عن أصحاب الحديث. ثم صار من الشراة الخوارج، طلبه الحجاج ففر منه، وله في فراره خطوب وأحداث. وكان بليغاً مبيناً(١) .

له شعر في مدح ابن ملجم وضربته لأمير المؤمنين عليعليه‌السلام

عمر بن سعد

دخل عمر بن سعد على عمر بن الخطاب حين رجع إليه من عمل حمص وليس معه إلا جراب وأداوة وقصعة وعصاة، فقال له عمر: ما الذي أرى بك؟ من سوء الحال أم تصنع؟ قال: وما الذي تراني؟ أولست تراني صحيح البدن؟ معي الدنيا بحذافيرها. قال: ما معك من الدنيا؟ قال: معي جرابي أحمل فيه زادي، ومعي

__________________

١ - نفس المصدر: ج ١، ص ٥٢ ، الهامش.


قصعتي أغسل فيها ثوبي، ومعي أداوتي أحمل فيها مائي وشرابي، ومعي عصاي إن لقيت عدواً قاتلته، وان لقيت حية قتلتها، وما بقي من الدنيا تبع لما معي(١) .

انظر إلى زهده في الدنيا أيام عمر ثم عرج على مساومته ابن زياد له بإعطائه ولاية الري إذا قتل الحسين بن عليعليه‌السلام واسمع ما قاله:

فوالله ما أدري وأني لحائر

أفكر في أمري على خطرين

أأترك ملك الري والري منيتي

أم أرجع مأثوماً بقتل حسين

حسين ابن عمي والحوادث جمة

لعمري ولي في الري قرة عين

ألا إنما الدنيا لخَير معجل

فما عاقل باع الوجود بدين

وأن إله العرش يغفر زلتي

ولو كنت فيها أظلم الثقلين

__________________

١ - البيان و التبيين للجاحظ : ج ٢ ، ص ٢٣


يقولون إن الله خالق جنة

ونار وتعذيب وغل يدين

فإن صدقوا فيما يقولون إنني

أتوب إلى الرحمن من سنتين

وإن كذبوا فزنا بدنيا عظيمة

وملك عقيم دائم الحجلين

انظر كيف فضل الدنيا الزائلة على الآخرة الباقية.

وحينما فاوضه الحسين بن عليعليه‌السلام على ان يترك حربه قال له: أخاف ابن زياد ان يهدم بيتي، فقال له: ان لي داراً في المدينة خذها مقابل دارك، قال له: أخاف ان ييتم أولادي، قال له: سأضم أولادك إلى ولدي وبناتك إلى بناتي، قال له: أخاف ان يقطع حيلتي، قال له: ان لي حائطاً في المدينة أعطيك إياه(١) .

عمر بن عبد العزيز

عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص ابن أمية يعرف بأشج بني أمية لضربة من دابة في

__________________

١ - نفس المصدر: ج ٢، ص ٢٣.


وجهه، كانت أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.

قال الدميري: هو أول من اتخذ دار الضيافة من الخلفاء

وأول من فرض لأبناء السبيل

وأزال ما كانت بنو أمية تذكر به علياًعليه‌السلام على المنابر، وجعل مكان ذلك قوله تعالى:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) )

وقال فيه كثير عزة:

وليت ولم تسبب علياً ولم تحف

مريباً ولم تقبل مقالة مجرم

وصدقت بالقول الفعال مع الذي

أتيت فأمسى راضياً كل مسلم

فما بين شرق الأرض والغرب كلها

مناد ينادي من فصيح وأعجم

يقول أمير المؤمنين ظلمتني

بأخذك ديناري وأخذك درهمي

وكتب إلى عماله ان لا يقيدوا مسجونا بقيد فانه يمنع من الصلاة، وكتب أيضاً إذا دعتكم قدرتكم على الناس إلى ظلمهم فاذكروا قدرة الله تعالى عليكم

__________________

١ - ( النحل : ٩٠ )


ونفاد ما تأتون إليه، وبقاء ما يأتي إليكم من العذاب بسببهم إلى غير ذلك.

توفى بدير سمعان من أرض حمص سنة ١٠١، ورثاه السيد الرضيرضي‌الله‌عنه بقوله:

يابن عبد العزيز لو بكت العيـ

ـن فتى من أميـــــــة لبكيتك

أنت نزهتنا عن السب والشتم

فلو أمكن الجزا لجزيتــك

دير سمعان لا أغبك غاد

خير ميت من آل مروان ميتك

في البحار: ان عمر بن عبد العزيز رد فدكاً على ولد فاطمةعليها‌السلام ، فاجتمع عنده قريش ومشايخ أهل الشام من علماء السوء وقالوا له: نقمت على الرجلين فعلهما وطعنت عليهما ونسبتهما إلى الظلم والغصب.

فقال قد صح عندي وعندكم ان فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إدعت فدكاً وكان في يدها وما كانت لتكذب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع شهادة عليعليه‌السلام وأم ايمن وأم سلمة وفاطمةعليها‌السلام عندي صادقة فيما تدعي وإن لم تقم البينة وهي سيدة نساء أهل


الجنة فأنا اليوم أرد على ورثتها أتقرب بذلك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأرجو ان تكون فاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام يشفعون لي يوم القيامة، ولو كنت بدل أبي بكر وادعت فاطمة كنت أصدقها على دعواها، فسلمها إلى الباقرعليه‌السلام

وفي رواية الشافي قال: ان فدك كانت صافية في عهد أبي بكر وعمر، ثم صار أمرها إلى مروان فوهبها لأبي عبد العزيز فورثتها أنا وأخوتي فسألتهم ان يبيعوني حصتهم منها، فمنهم من باعني ومنهم من وهب لي حتى استجمعتها فرأيت أن أردها على ولد فاطمةعليه‌السلام (١)

عمرو بن العاص

من قصيدته الجلجلية يخاطب بها معاوية:

معاوية الفضل لا تنس لي

وعن نهج الحق لا تعدل

__________________

١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٣٣ - ٣٤.


نسيت احتيالي في جلق

على أهلها يوم لبس الحلي؟

وقد أقبلوا زمرا يهرعون

ويأتون كالبقر المهل

وقولي لهم: ان فرض الصلاة

بغير وجودك لم تُقبل

ولولاي كنت كمثل النساء

تعاف الخروج من المنزل

نسيت محاورة الأشعري

ونحن على دومة الجندل؟

وألعقته عسلاً بارداً

وأمزجت ذلك بالحنظل

ألين فيطمع في جانبي

وسهمي قد خاض بالمقتل

وأخلعتها منه عن خدعة

كخلع النعال من الأرجل

وألبستها فيك لما عجزت

كلبس الخواتيم في الأنمل

ومنها أيضاً:

ولم تك والله من أهلها

ورب المقام ولم تكمل

وسيرت ذكرك في الخافقين

كسير الجنوب مع الشمأل


فلولا مؤازرتي لم تُطع

ولولا وجودي لم تُقبل

نصرناك من جهلنا يا بن هند

على البطل الأعظم الأفضل

وكنت ولن ترها في المنام

فزفت إليك ولا مهر لي

وحيث تركنا أعالي النفوس

نزلنا إلى أسفل الأرجل

وكم قد سمعنا من المصطفى

وصايا مخصصة في علي

ومنها أيضاً:

وإن كان بينكما نسبة

فأين الحسام من المنجل؟

وأين الثريا وأين الثرى؟

وأين معاوية من علي؟(١)

نقل العلامة الأميني في غديره عن عمر بن العاص ما يلي:

هو عمرو بن سعد بن وائل بن هاشم بن سعيد (بالتصغير) بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لوي القرشي أبو محمد

__________________

١ - الغدير : ج ٢ ، ص ١٣٧


وأبو عبد الله.

أحد دهاة العرب الخمس، منه بُدئت الفتن وإليه تعود، وتقحمه في البوائق والمخاريق ثابت مشهور تضمنته طيات الكتب، وتناقلته الآثار والسير، وإذا استرسلت في الكلام عن الجور والفجور فحدث عنه ولا حرج، كما تجده في كلمات الصحابة الأولين، فالبغل نغل وهو لذلك أهل ويقع الكلام في ترجمته عن نواحي شتى.

نسبه:

أبوه هو الأبتر بنص الذكر الحميد:( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ (١) ) ، وعليه أكثر أقوال المفسرين والعلماء(٢) وفي بعض التفاسير وإن جاء ترديد بينه وبين أبي جهل وأبي لهب وعقبة بن أبي معيط وغيرهم إلا أن القول الفصل ما ذكره

__________________

١ - (الكوثر:٣).

٢ - راجع الطبقات لابن سعد: ج١، ص١١٥، والمعارف لابن قتيبة: ص١٢٤، وتاريخ ابن عساكر: ج٧، ص٢٣.


الفخر الرازي من: أن كلاً من أولئك كانوا يشنئون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا أن ألهجهم به وأشدهم شنئة العاص ابن وائل. فالآية تشملهم أجمع، ويخص اللعين بخزي آكد، ولذلك اشتهر بين المفسرين أنه هو المراد.

قال الرازي في تفسيره: ج٨، ص٥٠٣، روي أن العاص بن وائل كان يقول: إن محمدا أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره، واسترحتم منه، وكان قد مات ابنه عبد الله من خديجة، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي وعامة أهل التفسير. وقال ص٥٠٤ بعد نقل الأقوال الأخر: ولعل العاص بن وائل كان أكثرهم مواظبة على هذا القول، فلذلك اشتهرت الروايات بأن الآية نزلت فيه...

وذكّره بذلك أمير المؤمنين في أبيات له تأتي فقال:


إن يقرنوا وصيه والأبترا

شاني الرسول واللعين الأخزرا(١)

وذكّره بذلك عمار بن ياسر يوم صفين وعبد الله بن جعفر في حديثيهما الآتيين. فالمترجم له هو (الأبتر بن الأبتر) وبذلك خاطبه أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب له يأتي بقول: من عبد الله أمير المؤمنين إلى الأبتر بن الأبتر عمرو بن العاص شانئ محمد وآله محمد في الجاهلية والاسلام.

تعرّفنا الآية الكريمة المذكورة إن كل معزو إلى العاص من الولد من ذكر أو أنثى من المترجم له أو غيره ليسوا لرشدة، فمن هنا تعرف فضيلة عمرو من ناحية النسب، أضف إلى ذلك حديث أمه ليلى العنزية الجلانيَّة.

كانت أمه ليلى أشهر بغي بمكة وأرخصهن أجرة، ولما وضعته ادعاها خمسة كلهم أتوها غير أن ليلى ألحقته بالعاص لكونه أقرب شبها به، وأكثر نفقة عليها، ذكرت ذلك أروى بنت

__________________

١ - الغدير ، للعلامة الأميني : ج ٢ ، ص ١٤٢


الحارث بن عبد المطلب لما وفدت إلى معاوية فقال لها: مرحباً بك يا عمة؟ فكيف كنت بعدنا؟ فقالت: يا بن أخي؟ لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك، من غير بلاء كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الإسلام، ولقد كفرتم بما جاء به محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتعس الله منكم الجدود، وأصعر منكم الخدود، حتى رد الله الحق إلى أهله، وكانت كلمة الله هي العليا، ونبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو المنصور على من ناواه ولو كره المشركون، فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظاً ونصيباً وقدراً حتى قبض الله نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مغفوراً ذنبه، مرفوعاً درجته، شريفاً عند الله مرضياً، فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وصار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول: يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، ولم يجمع بعد رسول الله لنا شمل، ولم يسهل لنا وعر، وغايتنا


الجنة، وغايتكم النار.

فقال لها عمرو بن العاص: أيها العجوز الضالة؟ أقصري من قولك، وغضي من طرفك. قالت: ومن أنت؟ لا أم لك. قال: عمرو بن العاص. قالت يا بن اللخناء النابغة تتكلم وأمك كانت أشهر امرأة بمكة وآخذهن لأجرة، اربع على ظلعك(١) واعن بشأن نفسك فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم منصبها، ولقد إدعاك ستة نفر(٢) من قريش كله يزعم أنه أبوك فسألت أمك عنهم فقالت: كلهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به، ولقد رأيت أمك أيام منى بمكة مع كل عبد عاهر، فأتم بهم

__________________

١ - مثل يضرب لمن يتوعد، ربع في المكان أي أقام به، والضلع: العرج، يقال: ظلع البعير أي غمز في مشيته، فالمعنى: لا تجاوز حدّك في وعيدك، وابصر لنقصك وعجزك عنه.

٢ - في العقد الفريد، وروض المناظر: خمسة.


فإنك بهم أشبه(١) .

وقال الإمام السبط الحسن الزكي سلام الله عليه بمحضر من معاوية وجمع آخر: أما أنت يا بن العاص فإن أمرك مشترك، وضعتك أمك مجهولاً من عهر وسفاح، فتحاكم فيك أربعة من قريش فغلب عليك جزارها، ألأمهم حسباً، وأخبثهم منصباً، ثم قام أبوك فقال: أنا شانئي محمد الأبتر فأنزل الله فيه ما أنزل(٢) .

وعدَّه الكلبي أبو المنذر هشام المتوفى ٢٠٦ / ٤ في كتابه ((مثالب العرب)) ممن يدين بسفاح الجاهلية، وقال في باب تسمية ذوات الرايات: وأما النابغة أم عمرو بن العاص: فإنها كانت بغياً من طوايف مكة فقدمت

__________________

١ - بلاغات النساء: ص٢٧، العقد الفريد: ج١، ص١٦٤، روض المناظر: ج٨، ص٤، ثمرات الأوراق: ج١، ص١٣٤، دائرة المعارف لفريد وجدي: ج١، ص٢١٥، جمهرة الخطب: ج٢، ص٣٦٣.

٢ - رواه ابن أبي الحديد في شرحه: ج٢، ص١٠١، عن كتاب المفاخرات للزبير بن البكار وذكره سبط بن الجوزي في التذكرة: ص١١٤.


مكة ومعها بنات لها، فوقع عليها العاص بن وائل في الجاهلية في عدة من قريش منهم: أبو لهب، وأمية بن خلف، وهشام بن المغيرة، وأبو سفيان بن حرب، في طهر واحد فولدت عمراً فاختصم القوم جميعاً فيه كل يزعم أنه ابنه، ثم إنه أضرب عنه ثلاثة وأكب عليه اثنان: العاص بن وائل، وأبو سفيان بن حرب فقال أبو سفيان: أنا والله وضعته في حر أمه. فقال العاص: ليس هو كما تقول هو أبني فحكما أمه فيه فقالت: للعاص. فقيل لها بعد ذلك: ما حملك على ما صنعت و أبو سفيان أشرف من العاص؟ فقالت: إن العاص كان ينفق على بناتي، ولو ألحقته بأبي سفيان لم ينفق علي العاص شيئاً وخفت الضيعة، وزعم ابنها عمرو بن العاص إن أمه امرأة من غنزة بن أسد بن ربيعة.

وكان الزناة الذين اشتهروا بمكة جماعة منهم هؤلاء المذكورون وأمية بن عبد شمس، وعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص أخو مروان بن الحكم، وعتبة بن أبي سفيان أخو معاوية، وعقبة بن


أبي معيط

وعده الكلبي من الأدعياء في باب - أدعياء الجاهلية - وقال: قال الهيثم: ومن الأدعياء عمرو بن العاص، وأمه النابغة حبشية، وأخته لأمه أرينب (بضم الألف) وكانت تدعي لعفيف بن أبي العاص، وفيها قال عثمان لعمرو بن العاص: لمن كانت تدعى أختك أرينب يا عمرو؟ فقال: لعفيف بن أبي العاص. قال عثمان: صدقت. إنتهى.

وروى أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى ٢٠٩ / ١١ في كتاب ((الأنساب)): إن عمراً اختصم فيه يوم ولادته رجلان: أبو سفيان، والعاص، فقيل: لتحكم أمه فقالت: إنه من العاص بن وائل. فقال أبو سفيان. أما إني لا أشك إنني وضعته في رحم أمه فأبت إلا العاص فقيل لها: أبو سفيان أشرف نسباً. فقالت: إن العاص بن وائل كثير النفقة علي وأبو سفيان شحيح. ففي ذلك يقول حسان بن


ثابت لعمرو بن العاص حيث هجاه مكافئاً له عن هجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

أبوك أبو سفيان لا شك قد بدت

لنا فيك منه بينات الدلائل

ففاخر به إما فخرت ولا تكن

تفاخر بالعاص الهجين بن وائل

وإن التي في ذاك يا عمرو حكمت

فقالت رجاء عند ذاك لنائل

من العاص عمرو تخبر الناس كلما

تجمعت الأقوام عند المحامل(١)

روى الحافظ ابن عساكر في تاريخ الشام: ج٧، ص٣٣٠: إن عمرو بن العاص قال لعبد الله بن جعفر الطيار ذي الجناحين في مجلس معاوية: يا بن جعفر؟ يريد تصغيره. فقال له: لئن نسبتني إلى جعفر فلست بدعي ولا أبتر ثم ولى وهو يقول:

تعرضت قرن الشمس وقت ظهيرة

لتستر منه ضوءه بظلامكا

__________________

١ - الغدير ، للعلامة الأميني : ج ٢ ، ص ١٤٦


كفرت اختياراً ثم آمنت خيفة

وبغضك إيانا شهيد بذالكا(١)

أخرج الحافظ ابن عساكر في تاريخه: ج٧، ص٤٣٨: إن عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي قدم معاوية وعنده عمرو فجاء الآذن فقال: هذا عبد الله وهو بالباب: فقال: ائذن له. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين؟ لقد أذنت لرجل كثير الخلوات للتلهي، والطربات للتغني، صدوف عن السنان، محب للقيان، كثير مزاحه، شديد طماحه، ظاهر الطيش، لين العيش، أخاذ للسلف، صفاق للشرف.

فقال عبد الله: كذبت يا عمرو؟ وأنت أهله ليس كما وصفت ولكنه: لله ذكور، ولبلاءه شكور، وعن الخنا زجور، سيد كريم، ماجد صميم، جواد حليم، إن ابتدأ أصاب، وإن سئل أجاب، غير حصر ولا هياب، ولا فاحش عياب، كذلك قضى الله

__________________

١ - أضيفت ((ثم)) وكذلك ((الألف)) بذالكا حيث لم تكن في شعر الغدير وأحسبهما سقطا في الطباعة وأضفتها لأني وجدت البيت لا يتم بدونهما.


في الكتاب، فهو كالليث الضرغام، الجريء المقدام، في الحسب القمقام، ليس بدعي ولا دني كمن اختصم فيه من قريش شرارها فغلب عليه جزارها، فأصبح ينوء بالدليل، ويأوي فيها إلى القليل، قد بدت بين حيين، كالساقط بين المهدين، لا المعتزي إليهم قبلوه، ولا الظاعن عنهم فقدوه، فليت شعري بأي حسب تنازل للنضال؟ أم بأي قديم تعرض للرجال؟ أبنفسك؟ فأنت الخوار الوغد الزنيم. أم بمن تنتمي إليه؟ فأنت أهل السفه والطيش والدناءة في قريش، لا بشرف في الجاهلية شهر، ولا بقديم في الاسلام ذكر، غير أنك تنطق بغير لسانك، وتنهض بغير أركانك، وأيم الله إن كان لأسهل للوعث وألم للشعث أن يكعمك معاوية على ولوعك بأعراض قريش كعام الضبع في وجاره فأنت لست لها بكفي، ولا لأعراضها بوفي. قال: فتهيأ عمرو للجواب فقال له معاوية: نشدتك الله إلا ما كففت. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين دعني أنتصر فإنه لم يدع شيئاً. فقال معاوية: أما في مجلسك هذا


فدع الانتصار وعليك بالاصطبار.

وأشار إلى هذه القصة ابن حجر في الإصابة ٢ ص ٣٢٠.


إسلام عمرو بن العاص

قال الأميني في غديره(١) : أنه لم يعتنق الدين اعتناقاً، وإنما انتحله انتحالاً وهو في الحبشة، نزل بها مع عمارة بن الوليد لاغتيال جعفر وأصحابه رسل النبي الأعظم تنتهي إليه الأنباء عن أمر الرسالة، ويبلغه التقدم والنشور له، وسمع من النجاشي قوله: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟ فقال: أيها الملك؟ أكذلك هو؟ فقال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده(٢) .

قال ابن أبي الحديد في الشرح: ج١، ص١٣٧: قال شيخنا أبو القاسم البلخيرحمه‌الله تعالى: قول عمرو بن العاص

__________________

١ - الغدير ، للعلامة الأميني : ج ٢ ، ص ١٤٩

٢ - سيرة ابن هشام : ج ٣ ، ص ٣١٩.


لمعاوية لما قاله معاوية: يا أبا عبد الله؟ إني لأكره لك أن تتحدث العرب عنك إنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا: دعنا عنك. كناية عن الإلحاد بل تصريح به، أي: دع هذا الكلام لا أصل له، فإن اعتقاد الآخرة و إنها لا تباع بعرض الدنيا من الخرافات، وما زال عمرو بن العاص ملحداً ما تردد قط في الإلحاد والزندقة وكان معاوية مثله.

وقال في: ج٢، ص١١٤: قال شيخنا أبو عبد الله: أول من قال بالإرجاء المحض معاوية وعمرو بن العاص، كانا يزعمان أنه لا يضر مع الإيمان معصية، ولذلك قال معاوية لمن قال: حاربت من تعلم وارتكبت ما تعلم. فقال: وثقت بقوله تعالى:( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١) )

وقال في: ج٢، ص١٧٩: وأما معاوية

__________________

١ - ( الزمر : ٥٣ )


فكان فاسقاً مشهوراً بقلة الدين والانحراف عن الإسلام، وكذلك ناصره ومظاهره على أمره عمرو بن العاص ومن تبعهما من طغام أهل الشام وأجلافهم وجهال الأعراب، فلم يكن أمرهم خافياً في جواز محاربتهم و استحلال قتالهم(١) .

١ - كلمة النبي الأعظم

دخل زيد بن أرقم على معاوية فإذا عمرو بن العاص جالس معه على السرير فلما رأى ذلك زيد جاء حتى رمى بنفسه بينهما فقال له: عمرو بن العاص: أما وجدت لك مجلساً إلا أن تقطع بيني وبين أمير المؤمنين؟ فقال زيد: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غزا غزوة وأنتما معه فرآكما مجتمعين فنظر إليكما نظراً شديداً ثم رآكما اليوم الثاني واليوم الثالث كل ذلك يديم النظر إليكما فقال في اليوم الثالث: إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين ففرقوا بينهما فإنهما

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢، ص١٧٩.


لن يجتمعا على خير(١) .

٢ - كلمة أمير المؤمنين روى أبو حيان التوحيدي في ((الإمتاع والمؤانسة)): ج٣، ص١٨٣ قال: قال الشعبي: ذكر عمرو بن العاص علياً فقال: فيه دعابة فبلغ ذلك علياً فقال: زعم ابن النابغة إني تلعابة، تمراحة، ذو دعابة، أعافس، وأمارس. هيهات يمنع من العفاس والمراس ذكر الموت وخوف البعث والحساب، ومن كان له قلب ففي هذا من هذا له واعظ وزاجر، أما وشر القول الكذب، إنه ليعد فيخلف، ويحدث فيكذب، فإذا كان يوم البأس فإنه زاجر وآمر ما لم تأخذ السيوف بهام الرجال، فإذا كان ذاك فأعظم مكيدته في نفسه أن يمنح القوم أسته. (رواه شيخ الطائفة في أماليه، ونهج البلاغة، وابن قتيبة في عيون الأخبار والعقد

__________________

١ - الغدير للأميني: ج٢، ص١٥١، أخرجه مزاحم في كتاب صفين: ص١١٢، ورواه بن عبد ربه في العقد الفريد: ج٢، ص٢٩٠، عن عبادة بن الصامت.


الفريد.

٣ - لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح يوم صفين... قال عليعليه‌السلام : عباد الله؟ أنا أحق من أجاب إلى كتاب الله ولكن معاوية، وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وحبيب بن مسلمة، وابن أبي سرح، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالاً، وصحبتهم رجالاً، فكانوا شر أطفال، وشر رجال، إنها كلمة حق يراد بها باطل.

٤ - قال أبو عبد الرحمن المسعودي: حدثني يونس بن أرقم بن عوف عن شيخ من بكر بن وائل قال: كنا مع علي بصفين فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة في رأس رمح فقال ناس: هذا لواء عقده له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يزالوا كذلك حتى بلغ علياً فقال علي: هل تدرون ما أمر هذا اللواء؟ إن عدو الله عمرو بن العاص أخرج له رسول الله هذه الشقة فقال: من يأخذها بما فيها؟ فقال عمرو: و ما فيها يا رسول الله؟ قال: فيها أن لا تقاتل به مسلماً، ولا تقربه من كافر. فأخذها، فقد والله قربه من المشركين وقاتل به


اليوم المسلمين، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا أعواناً رجعوا إلى عداوتهم منا إلا أنهم لم يدعوا الصلاة(١) .

٥ - كتاب أمير المؤمنين لعمرو بن العاص:

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الأبتر بن الأبتر عمرو بن العاص بن وائل شانئ محمد وآل محمد في الجاهلية والإسلام. سلام على من اتبع الهدى - أما بعد - فإنك تركت مروءتك لامرئ فاسق مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته، فصار قلبك لقلبه تبعاً كما قيل: وافق شن طبقة فسلبك دينك وأمانتك ودنياك وآخرتك، وكان علم الله بالغاً فيك، فصرت كالذئب يتبع الضرغام إذا ما الليل دجا، أو أتى الصبح يلتمس فاضل سؤره، وحوايا فريسته، ولكن لا نجاة من

__________________

١ - كتاب وقعة صفين لابن مزاحم المنقري: ص١١٠، الغدير: ج٢، ص١٥٢ - ١٥٤.


القدر، ولو بالحق أخذت لأدركت ما رجوت، وقد رشد من كان الحق قائده، فإن يمكن الله منك ومن ابن آكلة الأكباد ألحقتكما بمن قتله الله من ظلمة قريش على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإن تعجزا وتبقيا بعدي فالله حسبكما، وكفى بانتقامه انتقاماً، وبعقابه عقاباً. والسلام.

٦ - لما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلى مكة ورد عليعليه‌السلام ابن عباس إلى البصرة قام في الكوفة خطيباً فقال: الحمد لله، وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه إله غيره، وأن محمداً عبده ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - أما بعد ــ: فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب، تورث الحسرة، وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونحلت لكم مخزون رأيي، لو كان يطاع لقصير أمر(١) فأبيتم علي

__________________

١ - قصير هو مولى جذيمة الأبرش، وكان قد أشار على سيَّده ان لا يأمن الزباء ملكة الجزيرة، وقد دعته إليها ليتزوجها ، =


إباء المخالفين الجفاة، والمنابذين العصاة، حتى ارتاب الناصح بنصحه، وضن الزند بقدحه، فكنت أنا وإياكم كما قال أخو هوازن:

أمرتكم أمري بمنعرج اللوى

فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

ألا إن هذين الرجلين: (عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري) اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، و أماتا ما أحيى القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله، فحكما بغير حجة بينة، ولا سنة ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، واستعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام.

ذكر ابن كثير في تاريخه: ج٧، ص٢٨٦ هذه الخطبة ولما لم يعجبه ذكر أهل العبث والفساد بما هم عليه، أولم يره

__________________

= فخالفه وقصد إليها فقتلته، فقال قصير: لا يطاع لقصير أمر. فذهب مثلاً.


صادراً من أهله في محله، أولم يرض أن تطلع الأمة الإسلامية على حقيقة عمرو بن العاص وصويحبه فبتر الخطبة وذكرها إلى آخر البيت فقال: ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما ما حكما به وأنبهما، و قال ما فيه حط عليهما.

أقول: هكذا يزوّر الرجال (المقدّسون) التاريخ ويتلاعبون بنصوص مقدسة وليموهوا على الناس والأمة كما يحلو لهم وتسوّل لهم أنفسهم المريضة للدفاع عن الفساد والظلم عبر التاريخ وتبرير كلما صنع الغاصبون والمنحرفون في تحريف سيرة الرسالة الإسلامية، ويأتي ما يسمى بالمؤرخين ويحرفوا التاريخ لإضاعة الحق على الأمة ونصرة الباطل بل إظهار الباطل بصورة الحق وإظهار الحق على انه الباطل والشاذ عن مسيرة الأحداث وطبيعة التاريخ، حتى ان الكثير من المتدينين عبر التاريخ خدعوا بهذا التلاعب والتحريف بما جاء متواتراً على أيدي الكثير من الكتاب والمؤرخين حتى أصبح يبدو كأنه حقيقة تاريخية لا نقاش فيها وأخذ ينقل على


أقلام أناس لا يرقى إليهم الشك في تدينهم ولكن الحقيقة التي غمطها أولئك الأوائل خفيت عن العيان وأخذت الأمة في الأجيال المتأخرة تتلقى الأمور كأنها حقائق لا نقاش فيها، رغم التناقضات الواضحة التي سطرها أولئك في كتبهم ولكن الثقة العمياء في التابعين من قبل المتأخرين، جعلتهم يؤولون كل مالا يروق لهم ويرونه انه خلاف عواطفهم.

٧ - قنوت أمير المؤمنين بلعن عمرو بن العاص:

أخرج أبو يوسف القاضي في ((الآثار)): ص٧١ من طريق إبراهيم قال: إن علياًرضي‌الله‌عنه قنت يدعو على معاويةرضي‌الله‌عنه حين حاربه فأخذ أهل الكوفة عنه، وقنت معاوية يدعو على علي فأخذ أهل الشام عنه.

وروى الطبري في تاريخه: ج٦، ص٤٠ قال: كان علي إذا صلى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية، وعمرا، وأبا الأعور السلمي، وحبيباً، وعبد الرحمن بن خالد، والضحاك بن قيس،


والوليد. فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن علياً، وابن عباس، والأشتر، وحسناً، وحسيناً.

٨ - دعاء عائشة على عمرو

لما بلغ عائشة قتل محمد بن أبي بكر جزعت عليه جزعاً شديداً وجعلت تقنت وتدعو في دبر الصلاة على معاوية وعمرو بن العاص.

رواه الطبري في تاريخه ٦ ص٦٠، ابن الأثير في ((الكامل)): ج٣، ص١٥٥، ابن كثير في تاريخه: ج٧، ص٣١٤، ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج٢، ص(١) ٣٣

٩ - الإمام الحسن الزكيعليه‌السلام وعمرو

روى الزبير بن بكار في كتاب ((المفاخرات)) قال: اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعتبة بن أبي سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، وقد كان بلغهم عن الحسن بن عليعليه‌السلام قوارص(٢) وبلغه

__________________

١ - الغدير: ج١،ص٣١٠.

٢ - الكلمة القارصة: التي تنغص وتؤلم. ج قوارص


عنهم مثل ذلك فقالوا: يا أمير المؤمنين؟ إن الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصدق، وأمر فأطيع، وخفقت له النعال، وإن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوءنا. قال معاوية: فما تريدون؟ قالوا: ابعث عليه فليحضر لنسبه ونسب أباه ونعيّره ونوبخه ونخبره أن أباه قتل عثمان ونقرره بذلك، ولا يستطيع أن يغير علينا شيئاً من ذلك. قال معاوية: إني لا أرى ذلك ولا أفعله(١) .

قالوا: عزمنا عليك يا أمير المؤمنين؟ لتفعلن. فقال: ويحكم لا تفعلوا فوالله ما رأيته قط جالساً عندي إلا خفت مقامه وعيبه لي. قالوا: ابعث إليه على كل حال. قال: إن بعثت إليه لأنصفنه منكم. فقال عمرو بن العاص: أتخشى أن يأتي باطله على حقنا؟ أو يربي قوله على قولنا؟ قال معاوية:

__________________

١ - ذكره سبط بن الجوزي: ص١٢، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢، ص١٠٣، وجمهرة الخطيب: ج٣، ص١٢.


أما إني إن بعثت إليه لآمرنه أنه يتكلم بلسانه كله. قالوا: مره بذلك. قال. أما إذا عصيتموني وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا له في القول واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب، ولا يلصق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجره تقولون له: إن أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء من قبله.

فبعث إليه معاوية فجاءه رسوله فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك. قال: من عنده؟ فسماهم، فقال الحسنعليه‌السلام : ما لهم خر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون. ثم قال: يا جارية؟ ابغيني ثيابي، اللهم؟ إني أعوذ بك من شرورهم، وأدرأ بك في نحورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفنيهم كيف شئت وأنى شئت بحول منك وقوة يا أرحم الراحمين. ثم قام فدخل على معاوية. إلى أن قال: فتكلم عمرو بن العاص فحمد الله وصلى على رسوله ثم ذكر علياًعليه‌السلام فلم يترك شيئاً يعيبه به إلا قاله، وقال: إنه شتم أبا بكر وكره خلافته وامتنع من بيعته ثم بايعه


مكرها، وشرك في دم عمر، وقتل عثمان ظلماً، وادعى من الخلافة ما ليس له: ثم ذكر الفتنة يعيره بها وأضاف إليه مساوي.

وقال: إنكم يا بني عبد المطلب؟ لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء واستحلالكم ما حرم الله من الدماء، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يحل، ثم إنك يا حسن؟ تحدث نفسك إن الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبه، كيف ترى الله سبحانه، سلبك عقلك، وتركك أحمق قريش يسخر منك ويهزأ بك، وذلك لسوء عمل أبيك، وإنما دعوناك لنسبَّك وأباك، فأما أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره، وأما أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله، ولا عيب من الناس، فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا؟ فإن كنت ترى أنا كذبنا في شيء فاردده علينا فيما قلنا، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان.

فتكلم الحسن بن عليعليه‌السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله (إلى أن قال


لعمرو بعد جمل ذكرت: ص١٢٢): وقاتلت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جميع المشاهد، وهجوته وآذيته بمكة، وكدته كيدك كله، وكنت من أشد الناس له تكذيباً وعداوة، ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة لتأتي بجعفر وأصحابه إلى أهل مكة، فلما أخطأك ما رجوت، ورجعك الله خائباً، وأكذبك واشياً، جعلت حسدك على صاحبك عمارة بن الوليد فوشيت به إلى النجاشي حسداً لما ارتكب من حليلته ففضحك الله وفضح صاحبك، فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والإسلام.

ثم إنك تعلم وكل هؤلاء الرهط يعلمون: أنك هجوت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسبعين بيتاً من الشعر، فقال رسول الله: اللهم إني لا أقول الشعر ولا ينبغي لي، اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة. فعليك إذن من الله ما لا يحصى من اللعن.

وأما ما ذكرت من أمر عثمان فأنت سعرت عليه الدنيا ناراً ثم لحقت بفلسطين فلما أتاك قتله قلت: أنا أبو عبد الله إذا نكأت (أي: قشرت) قرحة أدميتها. ثم حبست نفسك إلى معاوية،


وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغض، ولا نعاتبك على ود، وبالله ما نصرت عثمان حياً، ولا غضبت له مقتولاً، ويحك يا بن العاص؟ ألست القائل؟ في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشي:

تقول ابنتي: أين هذا الرحيل؟

وما السير مني بمستنكر

فقلت: ذريني فإني امرؤ

أريد النجاشي في جعفر

لأكويه عنده كية

أقيم بها نخوة الأصعر

وشانئ أحمد من بنيهم

وأقولهم فيه بالمنكر

وأجري إلى عتبة جاهداً

ولو كان كالذهب الأحمر

ولا أنثني عن بني هاشم

وما اسطعت في الغيب والمحضر

فإن قبل العتب مني له

وإلا لويت له مشفري(١)

١٠ - كتاب ابن عباس إلى عمرو

__________________

١ - الغدير: ج٢، ص ١٦٠.


كتب ابن عباس مجيباً إلى عمرو بن العاص: أما بعد: فإني لا أعلم رجلاً من العرب أقل حياءاً منك، إنه مال بك معاوية إلى الهوى، وبعته دينك بالثمن اليسير، ثم خبطت بالناس في عشوة طمعاً في الملك، فلما لم تر شيئاً، أعظمت الدنيا إعظام أهل الذنوب وأظهرت فيها نزهة أهل الورع، لا تريد بذلك إلا تمهيد الحرب، وكسر أهل الدين، فإن كنت تريد الله بذلك فدع مصر، وارجع إلى بيتك، فإن هذه الحرب ليس فيها معاوية كعلي، بدأها علي بالحق، وانتهى فيها إلى العذر، وبدأها معاوية بالغي، وانتهى فيها إلى السرف، وليس أهل العراق فيها كأهل الشام، بايع أهل العراق علياً وهو خير منهم، وبايع أهل الشام معاوية وهم خير منه، ولست أنا وأنت فيها بسواء، أردتُ الله، وأردتَ أنت مصر، وقد عرفت الشيء الذي باعدك مني، وأعرف الشيء الذي قربك من معاوية، فإن ترد شراً لا نسبقك به، وإن ترد خيراً لا تسبقنا إليه، ثم دعا الفضل بن عباس فقال له: يا بن أم؟ أجب عمراً.


فقال الفضل:

يا عمرو حسبك من خدع ووسواس

فاذهب فليس لداء الجهل من آس(١)

إلا تواتر طعن في نحوركم

يشجي النفوس ويشفي نخوة الراس

هذا الدواء الذي يشفي جماعتكم

حتى تطيعوا علياً وابن عباس

أما علي فإن الله فضله

بفضل ذي شرف عال على الناس

إن تعقلوا الحرب نعقلها مخيسة

أو تبعثوها فإنا غير أنكاس

قد كان منا ومنكم في عجاجتها

ما لا يرد وكل عرضة الباس

قتلى العراق بقتلى الشام ذاهبة

هذا بهذا وما بالحق من باس

لا بارك الله في مصر لقد جلبت

شراً وحظك منها حسوة الكاس(٢)

يا عمرو إنك عار من مغانمها

والراقصات ومن يوم الجزا كاس(٣)

١١ - ابن عباس وعمرو

حج عمرو بن العاص فمر بعبد الله بن عباس فحسده مكانه وما رأى من هيبة الناس له، وموقعه من قلوبهم، فقال له: يا بن عباس؟ مالك إذا رأيتني

__________________

١ - أسا أسوأ وأسا الجرح: داواه.

٢ - الحسوة المرة من حساء: الجرعة الواحدة ج حسوات.

٣ - الإمامة والسياسة: ج١، ص٩٥، كتاب صفين: ص٢١٩، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢، ص٢٨٨.


وليتني قصرة(١) كأن بين عينيك دبرة(٢) وإذا كنت في ملأ من الناس كنت الهوهاة(٣) الهمزة(٤) ؟ فقال ابن عباس: لأنك من اللئام الفجرة، وقريش من الكرام البررة، لا ينطقون بباطل جهلوه، ولا يكتمون حقاً علموه، وهم أعظم الناس أحلاماً، وأرفع الناس أعلاماً، دخلت في قريش ولست منها، فأنت الساقط بين فراشين، لا في بني هاشم رحلك، ولا في بني عبد شمس راحلتك، فأنت الأثيم الزنيم، الضال المضل، حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت تسطو بحمله، وتسعو بكرمه. فقال عمرو: أما والله إني لمسرور بك فهل ينفعني عندك؟ قال ابن عباس: حيث مال الحق ملنا، وحيث سلك

__________________

١ - القصر والقصرة بفتح الصاد: الكسل.

٢ - الدبر بفتح المهملة والموحدة: قرحة الدابة تحدث من الرحل ونحوه ج دبر وأدبار.

٣ - الهوهاة: ضعيف القلب. أحمق.

٤ - همز الشيطان الإنسان: همس في قلبه وسواساً.


قصدنا(١) .

١٢ - حضر عبد الله بن جعفر مجلس معاوية وفيه عبد الله بن عباس، وعمرو بن العاص، فقال عمرو: قد جاءكم رجل كثير الخلوات بالتمني، والطربات بالتغني، محب للقيان، كثير مزاحه، شديد طماحه، صدود عن الشبان، ظاهر الطيش، رخي العيش، أخاذ بالسلف منفاق بالسرف.

فقال ابن عباس: كذبت والله أنت وليس كما ذكرت ولكنه: لله ذكور ولنعمائه شكور، وعن الخنا زجور، جواد كريم، سيد حليم، إذا رمى أصاب، وإذا سئل أجاب، غير حصر ولا هياب، ولا عيابة مغتاب، حل من قريش في كريم النصاب، كالهزبر الضرغام، الجريء المقدام، في الحسب القمقام، ليس بدعي ولا دني، لا كمن اختصم فيه من قريش شرارها، فغلب عليه جزارها، فأصبح ألأمها حسباً، وأدناها منصباً، ينوء منها بالذليل، ويأوي منها إلى القليل، مذبذب بين

__________________

١ - العقد الفريد : ج ٢ ، ص ١٣٦.


الحيين، كالساقط بين المهدين، لا المضطر فيهم عرفوه، ولا الظاعن عنهم فقدوه، فليت شعري بأي قدر تتعرض للرجال؟ وبأي حسب تعتد به تبارز عند النضال؟ أبنفسك؟ وأنت: الوغد اللئيم، والنكد الذميم، والوضيع الزنيم، أم بمن تنمي إليهم؟ وهم: أهل السفه و الطيش، والدناءة في قريش، لا بشرف في الجاهلية شهروا، ولا بقديم في الإسلام ذكروا، جعلت تتكلم بغير لسانك، وتنطق بالزور في غير أقرانك، والله لكان أبين للفضل، و أبعد للعدوان أن ينزلك معاوية منزلة البعيد السحيق، فإنه طالما سلس داؤك، و طمح بك رجاؤك إلى الغاية القصوى التي لم يخضر فيها رعيك، ولم يورق فيها غصنك.

فقال عبد الله بن جعفر: أقسمت عليك لما أمسكت فإنك عني ناضلت، ولي فاوضت.

فقال ابن عباس: دعني والعبد، فإنه قد يهدر خالياً إذ لا يجد مرامياً، وقد أتيح له ضيغم شرس، للأقران مفترس، وللأرواح مختلس، فقال عمرو بن العاص:


دعني يا أمير المؤمنين أنتصف منه فوالله ما ترك شيئاً.

قال ابن عباس: دعه فلا يبقي المبقي إلا على نفسه، فوالله إن قلبي لشديد، وإن جوابي لعتيد، وبالله الثقة، وأني لكما قال نابغة بني ذبيان:

وقدما قد قرعت وقارعوني

فما نزر الكلام ولا شجاني

يصد الشاعر العراف عني

صدود البكر عن قرم هجان

١٣ - معاوية وعمرو

لما علم معاوية أن الأمر لم يتم له إن لم يبايعه عمرو فقال له: يا عمرو؟ اتبعني. قال: لماذا؟ للآخرة؟ فوالله ما معك آخرة، أم للدنيا؟ فوالله لا كان حتى أكون شريكك فيها. قال: فأنت شريكي فيها. قال: فاكتب لي مصر وكورها. فكتب له مصر وكورها. وكتب في آخر الكتاب: وعلى عمرو السمع والطاعة. قال عمرو: واكتب: إن السمع والطاعة لا ينقصان من شرطه شيئاً. قال معاوية: لا ينظر الناس إلى هذا. قال عمرو: حتى تكتب. قال: فكتب، ووالله ما يجد بداً من


كتابتها، ودخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية وهو يكلم عمراً في مصر وعمرو يقول له: إنما أبايعك بها ديني. فقال عتبة: ائتمن الرجل بدينه فإنه صاحب من أصحاب محمد. وكتب عمرو إلى معاوية:

معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل

به منك دنيا فانظرن كيف تصنع

وما الدين والدنيا سواء وإنني

لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع

فإن تعطني مصرا فأربح صفقة

أخذت بها شيخاً يضر وينفع(١)

اجتمع عمار بن ياسر مع عمرو بن العاص في المعسكر يوم صفين، فنزل عمار والذين معه فاحتبوا بحمايل سيوفهم فتشهد عمرو بن العاص (يعني قال: أشهد أن لا إله إلا الله) فقال عمار: اسكت فقد تركتها في حياة محمد ومن بعده، ونحن أحق بها منك، فإن شئت كانت خصومة فيدفع حقنا باطلك، وإن

__________________

١ - العقد الفريد : ج ٢ ، ص ٢٩١.


شئت كانت خطبة فنحن أعلم بفصل الخطاب منك، وإن شئت أخبرتك بكلمة تفصل بيننا وبينك، وتكفرك قبل القيام، و تشهد بها على نفسك، ولا تستطيع أن تكذبني. قال عمرو: يا أبا اليقظان؟ ليس لهذا جئت إنما جئت لأني رأيتك أطوع أهل هذا العسكر فيهم، أذكرك الله إلا كففت سلاحهم، وحقنت دمائهم وحرضت على ذلك فعلام تقاتلنا؟! أولسنا نعبد إلهاً واحداً؟ ونصلي قبلتكم، وندعو دعوتكم؟ ونقرأ كتابكم؟ ونؤمن برسولكم؟ قال عمار: الحمد لله الذي أخرجها من فيك إنها لي ولأصحابي القبلة، والدين وعبادة الرحمن، والنبي والكتاب، من دونك ودون أصحابك، الحمد لله الذي قررك لنا بذلك دونك ودون أصحابك، وجعلك ضالاً مضلاً لا تعلم هاد أنت أم ضال، وجعلك أعمى، وسأخبرك على ما قاتلتك عليه أنت وأصحابك، أمرني رسول الله أن أقاتل الناكثين وقد فعلت، و أمرني أن أقاتل القاسطين فأنتم هم، وأما المارقين فما أدري أدركهم أم لا.


أيها الأبتر؟ ألست تعلم أن رسول الله قال لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه؟! وأنا مولى الله ورسوله وعلي من بعده وليس لك مولى. قال له عمرو: لم تشتمني يا أبا اليقظان؟ ولست أشتمك، قال عمار: وبم تشتمني؟ أتستطيع أن تقول: إني عصيت الله ورسوله يوماً قط؟ قال له عمرو: إن فيك لمسبات سوى ذلك. قال عمار: إن الكريم من أكرمه الله، كنت وضيعاً فرفعني الله، ومملوكاً فأعتقني الله، وضعيفاً فقواني الله، وفقيراً فأغناني الله.

وقال له عمرو: فما ترى في قتل عثمان؟ قال فتح لكم باب كل سوء. قال عمرو: فعلي قتله. قال عمار: بل الله رب علي قتله(١) .

١٦ - أبو نوح الحميري وعمرو

أتى أبو نوح الحميري الكلاعي يوم صفين مع ذي الكلاع إلى عمرو بن العاص

__________________

١ - كتاب صفين لنصر بن مزاحم: ص١٧٦، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢، ص٣٧٣.


وهو عند معاوية وحوله الناس، وعبد الله بن عمر يحرض الناس على الحرب، فلما وقفا على القوم قال ذو الكلاع لعمرو: يا أبا عبد الله؟ هل لك في رجل ناصح لبيب شفيق يخبرك عن عمار بن ياسر لا يكذبك؟ قال عمرو: ومن هو؟ قال ذو الكلاع: ابن عمي هذا و هو من أهل الكوفة. فقال عمرو: إني لأرى عليك سيما أبي تراب. قال أبو نوح: علي سيما محمد صلى الله عليه وأصحابه وعليك سيما أبي جهل وسيما فرعون(١) .

١٧ - أبو الأسود الدؤلي وعمرو

قدم أبو الأسود الدؤلي(٢) على معاوية بعد مقتل عليرضي‌الله‌عنه وقد استقامت لمعاوية البلاد، فأدنى مجلسه، وأعظم جائزته، فحسده عمرو بن العاص فقدم على معاوية فاستأذن عليه في غير وقت الإذن له فقال له معاوية: يا أبا عبد

__________________

١ - كتاب صفين ص ١٧٤، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي.

٢ - ظالم بن عمرو التابعي الكبير المتوفى سنة ٦٩ وهو ابن خمس وثمانين سنة.


الله؟ ما أعجلك قبل وقت الإذن فقال: يا أمير المؤمنين؟ أتيتك لأمر قد أوجعني وأرقني وغاظني، وهو من بعد ذلك نصيحة لأمير المؤمنين. قال: وما ذاك؟ يا عمرو؟ قال: يا أمير المؤمنين؟ إن أبا الأسود رجل مفوه له عقل وأدب، من مثله للكلام يذكر؟ وقد أذاع بمصرك من الذكر لعلي، والبغض لعدوه وقد خشيت عليك أن يترى(١) في ذلك حتى يؤخذ لعنقك، وقد رأيت أن ترسل إليه، وترهبه، وترعبه، وتسبره، وتخبره، فإنك من مسألته على إحدى خبرتين، إما أن يبدي لك صفحته فتعرف مقالته، وإما أن يستقبلك فيقول ما ليس من رأيه، فيحتمل ذلك عنه فيكون لك في ذلك عاقبة صلاح إنشاء الله تعالى. فقال له معاوية: إني امرؤ والله لقل ما تركت رأيا لرأي امرئ قط إلا كنت فيه بين أن أرى ما أكره وبين بين، ولكن إن أرسلت إليه فسألته فخرج من مساءلتي بأمر لا أجد عليه مقدماً

__________________

١ - ترى تريأ في الأمر : تراخى فيه


ويملأني غيظاً لمعرفتي بما يريد، وإن الأمر فيه أن يقبل ما أبدى من لفظه فليس لنا أن نشرح عن صدره وندع ما وراء ذلك يذهب جانباً. فقال عمرو: أنا صاحبك يوم رفع المصاحف بصفين، وقد عرفت رأي ولست أرى خلافي و ما آلوك خيراً، فأرسل إليه ولا تفرش مهاد العجز فتتخذه وطيئاً.

فأرسل معاوية إلى أبي الأسود فجاء حتى دخل عليه فكان ثالثاً فرحب به معاوية وقال: يا أبا الأسود؟ خلوت أنا وعمرو فتناجزنا(١) في أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد أحببت أن أكون من رأيك على يقين. قال: سل يا أمير المؤمنين؟ عما بدا لك. فقال: يا أبا الأسود؟ أيهم كان أحب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقال: أشدهم حباً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأوقاهم له بنفسه. فنظر معاوية إلى عمرو وحرك رأسه، ثم تمادى في مسألته فقال: يا أبا الأسود؟ فأيهم كان أفضلهم عندك؟ قال أتقاهم لربه

__________________

١ - ناجزه: خاصمه. والمناجزة في الحرب المبارزة


وأشدهم خوفاً لدينه. فاغتاظ معاوية على عمرو، ثم قال: يا أبا الأسود؟ فأيهم كان أعلم؟ قال: أقولهم للصواب وأفصلهم للخطاب. قال: يا أبا الأسود؟ فأيهم كان أشجع؟ قال: أعظمهم بلاء، وأحسنهم عناء، وأصبرهم على اللقاء. قال: فأيهم كان أوثق عنده؟ قال من أوصى إليه فيما بعده. قال: فأيهم كان للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صديقا؟ قال: أولهم به تصديقاً. فأقبل معاوية على عمرو و قال: لا جزاك الله خيراً، هل تستطيع أن ترد مما قال شيئاً؟ فقال أبو الأسود: إني قد عرفت من أين أتيت، فهل تأذن لي فيه؟ فقال: نعم. فقل ما بدا لك. فقال يا أمير المؤمنين، إن هذا الذي ترى هجا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأبيات من الشعر فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهم إني لا أحسن أن أقول الشعر فالعن عمراً بكل بيت ألف لعنة. أفتراه بعد هذا نائلاً فلاحاً؟ أو مدركاً رباحاً؟ وأيم الله إن امرءاً لم يعرف إلا بسهم أجيل عليه فجال لحقيق أن يكون كليل اللسان ضعيف الجنان، مستشعراً للاستكانة، مقارنا للذل


والمهانة، غير ولوج فيما بين الرجال، ولا ناظر في تسطير المقال، إن قالت الرجال أصغى، وإن قامت الكرام أقعى(١) متعيص لدينه لعظيم دينه، غير ناظر في أبهة الكرام ولا منازع لهم، ثم لم يزل في دجنة ظلماء مع قلة حياء، يعامل الناس بالمكر والخداع، والمكر والخداع في النار.

فقال عمرو: يا أخا بني الدؤل؟ والله إنك لأنت الذليل القليل، ولولا ما تمت به من حسب كنانة لاختطفتك من حولك اختطاف الأجدل الحدية(٢) غير أنك بهم تطول، وبهم تصول، فلقد استطبت مع هذا لساناً قوالاً، سيصير عليك وبالاً، و أيم الله إنك لأعدى الناس لأمير المؤمنين قديماً وحديثاً، وما كنت قط بأشد عداوة له منك الساعة، وإنك لتوالي عدوه، وتعادي وليه، وتبغيه الغوائل، ولئن أطاعني ليقطعن عنه لسانك، وليخرجن من

__________________

١ - أقعى الكلب: جلس على أسته.

٢ - الأجدل: الصقر. والحداة بكسر الحاء: طائر من الجوارح. والعامة تسميه الحدية.


رأسك شيطانك، فأنت العدو المطرق له إطراق الأفعوان(١) في أصل الشجرة.

فتكلم معاوية فقال: يا أبا الأسود؟ أغرقت في النزع ولم تدع رجعة لصلحك. و قال لعمرو: فلم تغرق كما أغرقت ولم تبلغ ما بلغت، غير أنه كان منه الابتداء والاعتداء، والباغي أظلم، والثالث أحلم، فانصرفا عن هذا القول إلى غيره وقوما غير مطرودين، فقام عمرو وهو يقول:

لعمري لقد أعيى القرون التي مضت

لغش ثوى بين الفؤاد كمين

وقام أبو الأسود وهو يقول:

ألا إن عمراً رام ليث خفية(٢)

وكيف ينال الذئب ليث عرين(٣)

١٨ - حديث أبي جعفر وزيد

قال أبو جعفر وزيد بن الحسن: طلب معاوية إلى عمرو بن العاص يوم صفين أن يسوي صفوف أهل الشام فقال له

__________________

١ - الأفعوان بضم الأول: ذكر الأفعى.

٢ - الخفية: الغيضة الملتفة.

٣ - تاريخ ابن عساكر: ج٧، ص١٠٤ - ١٠٦.


عمرو: على أن لي حكمي إن قتل الله ابن أبي طالب؟ واستوسقت لك البلاد. فقال: أليس حكمك في مصر؟ قال: وهل مصر تكون عوضاً عن الجنة؟ وقتل ابن أبي طالب ثمناً لعذاب النار الذي لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون؟ فقال معاوية: إن لك حكمك أبا عبد الله؟ إن قتل ابن أبي طالب، رويداً لا يسمع أهل الشام كلامك. فقال لهم عمرو: يا معشر أهل الشام؟ سووا صفوفكم؟ أعيروا ربكم جماجمكم، واستعينوا بالله إلهكم، وجاهدوا عدو الله وعدوكم، واقتلوهم قتلهم الله وأدبارهم، واصبروا إن الأرض يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين(١) .

قال الأميني: هذه أكبر كلمة تدل على ضئولة الرجل في دينه لأنها تنم عن عرفانه بحق أمير المؤمنينعليه‌السلام ومغبة أمر من ناواه ومع ذلك فهو يحرض الناس على قتاله و يموه عليهم، وهي ترد قول من يبرر عمله باجتهاده أو بعدله.

__________________

١ - كتاب صفين لابن مزاحم: ص١٢٣، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي.


١٩ - عمرو وابن أخيه

كان لعمرو بن العاص ابن أخ أريب من بني سهم جاءه من مصر فقال له: ألا تخبرني يا عمرو بأي رأي تعيش في قريش؟ أعطيت دينك، وتمنيت دنيا غيرك، أترى أهل مصر وهم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية وعلي حي؟ وتراها إن صارت إلى معاوية لا يأخذها بالحرف الذي قدمه في الكتاب(١) ؟ فقال عمرو: يا بن أخي إن الأمر لله دون علي ومعاوية. فقال الفتى:

ألا يا هند أخت بني زياد

رمي عمرو بداهية البلاد

رمي عمرو بأعور عبشمي

بعيد القعر محشي الكباد(٢)

له خدع يحار العقل فيها

مزخرفة صوائد للفوائد

__________________

١ - يعني كتاباً كتبه معاوية لعمرو بمصر وجعلها طعمة له.

٢ - يعني معاوية: يقال في النسبة إلى عبد شمس: عبشمى. حشا حشواً: ملا. احتشى: امتلاء.


فشرَّط في الكتاب عليه حرفاً

يناديه بخدعته المنادي

وأثبت مثله عمرو عليه

كلا المرأين حية بطن وادي

ألا يا عمرو؟ ما أحرزت مصراً

وما ملت الغداة إلى الرشاد

وبعت الدين بالدنيا خساراً

فأنت بذاك من شر العباد

فلو كنت الغداة أخذت مصراً

ولكن دونها خرط القتاد

وفدت إلى معاوية بن حرب

فكنت بها كوافد قوم عاد

وأعطيت الذي أعطيت منها

بطرس فيه نضح من مداد

ألم تعرف أبا حسن علياً

وما نالت يداه من الأعادي؟

عدلت به معاوية بن حرب

فيا بُعد البياض من السواد

ويا بُعد الأصابع من سهيل

ويا بعد الصلاح من الفساد


أتأمن أن تراه على خِدبَّ(١) ؟

يحث الخيل بالاسل الخداد

ينادي بالنزال وأنت منه

قريب فانظرن من ذا تعادي

فقال عمرو: يا بن أخي؟ لو كنت مع علي وسعني بيتي ولكن الآن مع معاوية. فقال له الفتى: إنك إن لم ترد معاوية لم يردك. ولكنك تريد دنياه ويريد دينك.

وبلغ معاوية قول الفتى، فطلبه فهرب فلحق فحدثه بأمر عمرو ومعاوية. قال فسر ذلك علياً وقربه قال: وغضب مروان وقال: ما بالي لا أشترى كما اشتري عمرو؟! فقال معاوية: إنما يشترى الرجال لك.

٢٠ - غانمة بنت غانم وعمرو

بلغ غانمة بنت غانم سب معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم وهي بمكة قالت: يا معشر قريش؟ والله ما معاوية بأمير المؤمنين ولا هو كما يزعم، هو

__________________

١ - خدب بالكسر وتشديد الموحدة: سنام البعير الضخم. الأسل: الرماح.


والله شانئ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إني آتية معاوية وقائلة له بما يعرق منه جبينه ويكثر منه عويله.

فكتب عامل معاوية إليه بذلك فلما بلغه أن غانمة قد قربت منه أمر بدار ضيافة فنظفت و ألقي فيها فرش، فلما قربت من المدينة استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه، فلما دخلت المدينة أتت دار أخيها عمرو بن غانم فقال لها يزيد: إن أبا عبد الرحمن يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته وكانت لا تعرفه فقالت: من أنت؟ كلأك الله. قال: يزيد بن معاوية. قالت: فلا رعاك الله يا ناقص لست بزائد. فتغيَّرَ لون يزيد فأتى أباه فأخبره فقال: هي أسن قريش وأعظمهم. فقال يزيد: كم تعد لها يا أمير المؤمنين؟ قال: كانت تعد على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربعمائة عام وهي من بقية الكرام، فلما كان من الغد أتاها معاوية فسلم عليها فقالت: على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان.

ثم قالت: من منكم ابن العاص؟ قال


عمرو: ها أنا ذا. فقالت: وأنت تسب قريشاً وبني هاشم؟ وأنت أهل السب وفيك السب وإليك يعود السب يا عمرو؟ إني والله لعارفة بعيوبك وعيوب أمك وإني أذكر لك ذلك عيباً عيباً: ولدت من أمة سوداء مجنونة حمقاء، تبول من قيام، وتعلوها اللئام، إذا لامسها الفحل كانت نطفتها أنفذ من نطفته، ركبها في يوم واحد أربعون رجلاً، وأما أنت فقد رأيتك غاوياً غير راشد، ومفسداً غير صالح، ولقد رأيت فحل زوجتك على فراشك فما غرت ولا أنكرت.

وأما أنت يا معاوية؟ فما كنت في خير ولا ربيت في خير، فمالك ولبني هاشم؟ أنساء بني أمية كنسائهم؟! الحديث. وهو طويل(١) .

شجاعة عمرو بن العاص:

قال الأميني: لم نعهد لابن النابغة موقفا مشهودا في المغازي والحروب سواء في ذلك: العهد الجاهلي، ودور

__________________

١ - المحاسن والأضداد للجاحظ: ص١٠٢ - ١٠٤.


النبوة، وأما وقعة صفين فلم يؤثر عنه سوى مخزاة سوئته مع أمير المؤمنين، وفراره من الأشتر، وقد بقي عليه عار الأولى مدى الحقب والأعوام، وجرى بها المثل وغنى بها أهل الحجاز وجاء في شعر عتبة بن أبي سفيان:

سوى عمرو وقته خصيتاه

نجى ولقلبه منه وجيب

وفي شعر معاوية بن أبي سفيان يذكر عمرا وموقفه كما يأتي:

أَلاَ للهِ من هَفَواتِ عمروٍ

يُعاتِبُني عَلَى تركي بِرازِي

فَقدْ لاَقَى أبا حَسَن عَلِيّا

فآبَ الوائلّي مَآبَ خــازِي

فَلَو لم يُبْدِ عورتَه للاقَى

به ليثــــاً يُذَلِّــــلُ كــــلَّ بازي

له كفّ كأنّ بِراحَتَيْها

منايا القومِ يَخْطِفُ خَطْفَ بازي

فإنْ تكنِ المنايا أخطأَته

فقد غَنّى بها أَهْلُ الحجاز

وفي شعر الحارث بن نصر السهمي:


فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا

سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه

ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما

هما كانتا للنفس والله واقيه

وفي شعر الأمير أبي فراس:

ولا خير في دفع الردى بمذلة

كما ردها يوماً بسوئته عمرو

وفي شعر الزاهي البغدادي:

وصد عن عمرو بسر كرماً

إذ لقيا بالسوأتين من شخص

وقال آخر:

ولا خير في صون الحياة بذلة

كما صانها يوماً بذلته عمرو

وقال عبد الباقي الفاروقي العمري:

وليلة الهرير قد تكشفت

عن سوءة ابن العاص لما غلبا

فحاد عنه مغضباً حيدرة

وعف والعفو شعار النجبــا

ولو يشأ ركب فيه زجة

تركيب مزجي كمعدي كربا

وقال ابن منير الطرابلسي من قصيدته المعروفة بالتترية:

بَطلٌ بسَوْأتِه يُقا

تِلُ لا بصارمِهِ الذَّكَرْ


ومن كلام لهعليه‌السلام في ذكر عمرو بن العاص:

عجبا لابن النابغة! يزعم لأهل الشام أن فيَّ دعابة(١) ، وأنى امرؤ تلعابة(٢) ، أعافس(٣) وأمارس(٤) ! لقد قال باطلاً، ونطق آثماً. أما - وشر القول الكذب - أنه ليقول فيكذب، ويعد فيخلف(٥) ، ويُسأل فيبخل، ويَسأل فيلحف ، ويخون العهد، ويقطع الإل(٦) ، فإذ كان عند الحرب فأى زاجر وآمر هو(٧) ! ما لم تأخذ السيوف مآخذها، فإذا كان ذلك كان أكبر

__________________

١ - الدعابه: المزاح، دعب الرجل، بالفتح.

٢ - رجل تلعابة، بكسر التاء: كثير اللعب، والتلعاب، بالفتح: مصدر (لعب).

٣ - المعافسة: المعالجة والمصارعة، ومنه الحديث: (عافسنا النساء).

٤ - والممارسة نحو المعافسة.

٥ - يلحف: أي يلح.

٦ - الإل بالكسر: القرابة والمراد انه يقطع الرحم.

٧ - أي انه في الحرب زاجر وآمر عظيم أي محرض حاث ما لم تأخذ السيوف مآخذها فعند ذلك يجبن كما قال فإذا كان ذلك... الخ.


مكيدته أن يمنح القوم سبته(١) . أما والله إنى ليمنعني من اللعب ذكر الموت، وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة. وإنه لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتية(٢) ، ويرضخ له على ترك الدين رضيخة(٣) .

جاء في شرح نهج البلاغة(٤) :

لما نزل عليعليه‌السلام الكوفة بعد فراغه من أمر البصرة، كتب إلى معاوية كتابا يدعوه إلى البيعة... فقرأه واغتم بما فيه... فاستشار بأخيه عتبة بن أبي سفيان، فقال له: استعن بعمرو بن العاص، فإنه من قد علمت في دهائه

__________________

١ - السبة بالضم: الأست، تقريع له بفعلته عندما نازل أمير المؤمنين في واقعة صفين فصال عليه وكاد يضرب عنقه فكشف عورته فالتفت أمير المؤمنين عنه وتركه.

٢ - الأتية: العطية ورضخ له أعطاه قليلاً والمراد بالأتية والرضيخة ولاية مصر.

٣ - شرح نهج البلاغة، محمد عبده: ج١، ص١٤٧.

٤ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢، ص٦١.


ورأيه، وقد إعتزل عثمان في حياته، وهو لأمرك أشد اعتزالاً، ألا أن يثمن له دينه فسيبيعك، فإنه صاحب دنيا.

فلما قدم الكتاب على عمرو استشار ابنيه: عبد الله بن عمرو، ومحمد بن عمرو، فقال لهما: ما تريان؟ فقال عبد الله: أرى أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبض وهو عنك راض، والخليفتان من بعده، وقتل عثمان وأنت عنه غائب، فقر في منزلك، فلست مجعولاً خليفة، ولا تزيد على أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أوشكتما أن تهلكا، فتستويا في عقابها.

وقال محمد: أرى أنك شيخ قريش، وصاحب أمرها، وإن تصرم هذا الأمر وأنت فيه غافل، تصاغر أمرك، فالحق بجماعة أهل الشام، وكن يداً من أيديها، طالباً بدم عثمان، فإنه سيقوم بذلك بنو أمية.

فقال عمرو: أما أنت يا عبد الله، فأمرتني بما هو خير لي في ديني، وأنت يا محمد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي، وأنا ناظر.

فلما جنه الليل رفع صوته وأهله


يسمعون، فقال:

تطاول ليلي بالهموم الطوارق

وخوف التي تجلو وجوه العوائق(١)

وإن ابن هند سالني أن أزوره

وتلك التي فيها بنات البوائق(٢)

أتاه جرير من علي بخطة

أمرَّت عليه العيش ذات مضائق

فإن نال مني ما يؤمل رده

وإن لم ينله ذل ذل المطابق

فو الله ما أدري وما كنت هكذا

أكون ومهما قادني فهو سابقي

أخادعه إن الخداع دنية

أم أعطيه من نفسي نصيحة وامق

أم أقعد في بيتي وفي ذاك راحة

لشيخ يخاف الموت في كل شارق

وقد قال عبد الله قولاً تعلقت

به النفس إن لم تقتطعني عوائقي

وخالفه فيه أخوه محمد

وإني لصلب العود عند الحقائق(٣)

__________________

١ - العوائق: جمع عائق وهي الشابة.

٢ - البوائق: جمع بائقة وهي الداهية.

٣ - الحقائق: ما يجب على المرء حمايته من =


فقال عبد الله: رحل الشيخ.

ودعا عمرو غلامه وردان، وكان داهياً مارداً، فقال: ارحل يا وردان، ثم قال: احطط يا وردان ثم قال: ارحل يا وردان. احطط يا وردان. فقال له وردان: خلطت أبا عبد الله! أما إنك إن شئت أنبأتك بما في قلبك، قال: هات ويحك! قال: اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك، فقلت: علي معه الآخرة في غير دنيا، وفي الآخرة عوض من الدنيا، ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة، وليس في الدنيا عوض من الآخرة، وأنت واقف بينهما، قال: قاتلك الله! ما أخطأت ما في قلبي، فما ترى يا وردان؟ قال: أرى أن تقيم في بيتك، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك. قال: الآن لما أشهرت العرب سيري إلى معاوية فارتحل وهو يقول:

يا قاتل الله ورداناً وقدحته

أبدى لعمرك ما في النفس وردان

__________________

= عرض أو مال


لما تعرضت الدنيا عرضت لها

بحرص نفسي وفي الأطباع إدهان

نفس تعف وأخرى الحرص يغلبها

والمرء يأكل تبناً وهو غرثان

أما علي فدين ليس يشركه

دنيا وذاك له دنياً وسلطان

فاخترت من طمعي دنيا على بصر

وما معي بالذي أختار برهان

إني لأعرف ما فيها وأبصره

وفيَّ أيضاً لما أهواه ألوان

لكن نفسي تحب العيش في شرف

وليس يرضى بذل العيش إنسان(١)

حقيقة دين علي بن أبي طالب على لسان عمرو بن العاص

وروى نصر أيضاً عن عمر بن سعد قال: قال: معاوية لعمرو: يا أبا عبد الله، إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى الله وشق عصا المسلمين، وقتل الخليفة وأظهر الفتنة، وفرق الجماعة وقطع الرحم، فقال عمرو: من هو؟ قال: علي قال:

((والله يا معاوية ما أنت وعلي بحملي بعير، ليس لك هجرته ولا سابقته، ولا صحبته ولا جهاده، ولا فقهه ولا علمه. ووالله إن له مع ذلك لحظاً في الحرب ليس لأحد غيره.

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٢، ص ٦٤.


قال نصر فأنشأ عمرو يقول:

معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل

به منك دنيا فانظرن كيف تصنع

فإن تعطني مصراً فأربح بصفقة

أخذت بها شيخاً يضر وينفع

وما الدين والدنيا سواء وإنني

لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع

ولكنني أغضي الجفون وإنني

لأخدع نفسي، والمخادع يخدع

وأعطيك أمراً فيه للملك قوة

وألفي به إن زلت النعل أصرع

وتمنعني مصراً وليست برغبة

وإني بذا الممنوع قدماً لمولع

عمرو بن عبيد

هو عمرو بن عبيد بن باب، شيخ المعتزلة، وهو أول من ترك مجلس الحسن البصري للاختلاف في الرأي، فقال الحسن: اعتزلنا عمرو فسمى كل من أخذ برأيه المعتزلة. وكان جده باب من سبي كابل، سباه عبد الرحمن بن سمرة وكان عمرو متزهداً متقشفاً، وكان بينه وبين واصل بن عطاء محاورة في شأن مرتكب


الكبيرة. ولد سنة ٨٠ هجري، ٦٩٩ميلادي.

توفي سنة ١٤٤هجري، ٧٦١ ميلادي(١) .

عمرو بن معد يكرب

عمرو بن معد يكرب، هو فارس اليمن بلا منازع، وبطل من أبطال العرب في الجاهلية والإسلام، له غارات في الجاهلية معروفة، ومشاهد في الإسلام موصوفة، مات غازياً بنهاوند عن سن عاليه.

من شعره:

فلو ان قومي أنطقتني رماحهم

نطقت ولكن الرماح أجرّت(٢)

عن عبد الله ابن أبي بكر قال قدم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمرو بن معد يكرب في أناس من بني زبيد فأسلم وكان عمرو بن معد يكرب قد قال لقيس بن مكشوح المرادي حين انتهى إليهم أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يا قيس

__________________

١ - البيان والتبيين للجاحظ: ج١، ص٣٧، الهامش.

٢ - البيان والتبيين للجاحظ: ج١، ص١٥٤، الهامش.


إنك سيد قومك اليوم وقد ذكر لنا أن رجلاً من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول إني نبي فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه فإن كان نبياً كما يقول فإنه لا يخفى عليك إذا لقيناه اتبعناه وإن غير ذلك علمنا علمه فأبى عليه ذلك قيس بن مكشوح وسفه رأيه فركب عمرو بن معد يكرب حتى قدم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فصدقه وآمن به فلما بلغ ذلك قيساً أوعد عمراً وتحفظ عليه وقال خالفني وترك رأيي فقال عمرو في ذلك من قصيدة:

أمرتك يوم ذي صنعا

ء أمراً بادياً رشده

أمرتك باتقاء الل‍

ـه والمعروف تعده

خرجت من المنى مثل ال‍

ـحمار أعاره وتده

تمناني على فرس

عليه جالساً أسده

على مفاضة كالنه‍

ـى أخلص ماءه جدده


ترد الرمح مثنى ال‍

ـسنان عوائراً قصده

فلو لاقيتني لاقي‍

ـت ليثاً فوقه لبده

تلاقى شنبثاً شثن الـ

ـبراثن ناشزاً كتده

يسامى القرن إن قرن

تيممه فيعتضده

فيأخذه فيرفعه

فيخفضه فيقتصده

فيدمغه فيحطمه

فيخضمه فيزدرده

ظلوم الشرك فيما أحـ

ـرزت أنيابه ويده

متى ما يغدو أو يغدى

به فقبوله برده

فيخطر مثل خطر الفحـ

ـل فوق شرابه زبده

فأمسى يعتريه من ال‍

ـبعوض ممنعاً بلده

فلا تتمننى وتم‍

ـن غيري ليناً كتده


وثوى له وطناً

كثيراً حوله عدده(١)

قال فأقام عمرو بن معد يكرب في قومه من بني زبيد وعليهم فروة بن مسيك المرادي فلما توفى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ارتد عمرو فقال حين ارتد:

وجدنا ملك فروة شر ملك

حماراً ساف منخره بقــــذر

وكنت إذا رأيت أبا عمير

ترى الحولاء من خبث وغدر

وقد كان قدم على رسول الله في هذه السنة أعني سنة عشر قبل قدوم عمرو ابن معد يكرب فروة بن مسيك المرادي مفارقاً لملوك كندة(٢) .

عيسى بن عبد الله القمي

حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى، عن

__________________

١ - تاريخ مدينة دمشق: ج٤٩، ص٤٩٥، البداية والنهاية: ج٥، ص٨٤، السيرة النبوية لابن كثير: ج٤، ص١٣٨، تاريخ الطبري: ج٢، ص٣٩٠.

٢ - تاريخ الطبري: ج٢، ص٣٩٠ - ٣٩١.


عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن الوليد الخزاز، عن يونس بن يعقوب قال:

دخل عيسى بن عبد الله القمي على أبي عبد اللهعليه‌السلام فلما انصرف قال لخادمه: ادعه فانصرف إليه فأوصاه بأشياء، ثم قال: يا عيسى بن عبد الله إن الله يقول:( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ (١) ) ، وإنك منا أهل البيت، فإذا كانت الشمس من هاهنا مقدارها من هاهنا من العصر فصل ست ركعات، قال: ثم ودعه وقبل ما بين عيني عيسى وانصرف.

قال يونس بن يعقوب: فما تركت الست ركعات منذ سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول لعيسى بن عبد الله.

المجهولون من أصحاب أبي عبد الله وأبي جعفرعليه‌السلام :

محمد بن مسكان، يوسف الطاطري عمر الكردي - روى عنه المفضل - ، هشام بن المثنى الرازي(٢) .

__________________

١ - (طـه: من الآية١٣٢).

٢ - كتاب الاختصاص للشيخ المفيد: ص١٩٥ - =


__________________

= ١٩٦، إصدار جامعة المدرسين، قم، تقديم: الغفاري.



حرف الفاء


الفارابي

أبو نصر محمد بن طرخان بن اوزلغ الملقب بالمعلم الثاني، والمشهور بأبي نصر الفارابي (٢٥٩ - ٣٣٩هـ).

ولد في فاراب من أعمال خراسان التركية وفي سنة ٣٣٩هـ/ ٩٥٠م، وعند سيف الدولة علي بن حمدان في خلافة الراضي والمقتدر العباسي في دمشق ودّع الحياة عن عمر يناهز تجاوز الثمانين عاماً.

للفارابي مكانته ومقامه الشامخ بين المفكرين والفلاسفة وعقيدة الأدباء والمفكرين الذين شرحوا حاله انه أكبر فيلسوف إسلامي! والفيلسوف بلا منازع وكتبوا انه وللحقيقة الفيلسوف الإسلامي والمعلم الثاني وقصدوا بذلك ان أرسطو المعلم الأول والفارابي الثاني.

وعرفوه انه أول مؤسس للفلسفة بمعناها الحقيقي، انه عاش للفلسفة وأثّر فيها وانه بذل كافة طاقاته وترك كل مغريات الدنيا وكرّس حياته كلها للفلسفة وانه ترك ملذات الدنيا


ومظاهرها الجذابة ولم ينخدع بك لذلك بل أغضى عينيه عن كل ذلك وبذلك فكان وحيد عصره من فلاسفة الإسلام.

كان الفارابي قائد قافلة الثقافة والعلوم والفلسفة وكانت مؤلفاته فاتحة الطريق لظهور أقرانه أمثال ابن سينا، وابن رشد، وكان وجوده نموذجاً مرموقاً لحكماء الشرق والغرب، كان مصباحاً يضيء الطريق للعلم ويهديه للسير على طريقته.

لقد اطلع المستشرقون والمؤرخون في أوروبا وأمريكا على فلسفة الفارابي وانغمسوا بالتحقيق فيها ومطالعتها وقد تأثروا بفلسفته وقالوا:

((الفارابي مؤسس الفلسفة في عصره والمتقدم والمرجع محلّ الاعتماد في ذلك)).

يقول دي فورا: ((الفارابي شخصية قوية وعجيبة وحسب وجهة نظري انه أعظم وأعجب من ابن سينا لأن روحه أكثر حركة وفوراناً وانتشاراً ونفسه أكثر حرارة وهيجاناً، وفوران فكره بعث على فوران فكر الفنانين، انه وبشكل قطعي متميزاً


بالفضيلة وطريقته تميزت بالإيجاز والعمق)).

وفي مجال عمق الفارابي يصرح ماسينيون:

((الفارابي أعلم فلاسفة الإسلام وأكثر منهم جميعاً اطلاعاً على العلوم القديمة وكان الوحيد الذي اطلع وحقق في العلوم القديمة.

الفارابي أول عالم نقل المنطق الصوري اليوناني بشكل منظم وكامل إلى العربية وقد عرف أرسطو انه رجل فوق العادة ولذلك شرح كتبه في المنطق وكتب لها الحواشي وحل مشاكلها وأوضح أسرارها وبسط مطالبها وبين وحلل كافة النكات التي غفل عنها الكندي.

انه أول مسلم أولى مسألة قانون التناقض عناية خاصة ومفهوم هذا القانون ان العقل هو الذي يميز بين صدق وكذب أية قضية)).

قد يكون الفارابي أول من طرح فكرة الواجب والممكن بدل الحادث والقديم انه قسّم الموجود بواجب الوجود، وممكن الوجود، وقال: لا يوجد قسم ثالث.


لقد أوقف الفارابي وجوده لخدمة الحقيقة والحقيقة وحدها وبإخلاص لذلك انه أبطل صنعة النجوم ووقف مخالفاً لكثير من سبقه ومن عاصره من الفلاسفة فيما يصح وفيما لا يصح في أحكام النجوم)).

انه أبطل في هذا الكتاب وحكم بالبطلان كل ما جاء حول الحوادث والمستجدات والخوارق انه بسبب النجوم)).

الفارابي يستهزئ بمن يقول: ((إن السعادة والنحس أمور تجلبها النجوم للإنسان)) ومقولة فيثاغورس: ((النجوم لها أصوات)).

يظهر تأثير نظريات الفارابي على العلماء من بعده في ناحيتين:

الأول: انه ليس هناك أية نظرية في الفلسفة الإسلامية إلا وتمتد جذورها إلى فلسفة الفارابي.

الثاني: انه عمل كثيراً للتوفيق بين فلسفة أفلاطون وفلسفة أرسطو بمعنى انه جاهد للتقريب بين الفلسفة والدين.

فهو حاول إثبات وجود الخالق عن


طريق الفلسفة وهذه الطريقة متبعة لهذا اليوم دونما إضافة أو تغيير.

كذلك فإنه كان معتقداً بالكيمياء القديمة أي نظرية تبديل الفلزات بالذهب والفضة كما اعتقد جابر بن حيان والرازي، وقد ألف بذلك كتابه بعنوان: رسالة وجود الكيمياء والرد على مبطليها.

وله كتابة في العلاقات الاجتماعية ومن جملة تلك العلاقات هي: الإيمان والأخلاق والعقود، وتعهد الإنسان ان يعفو عمن حوله ولا يؤدي إلى أذى الآخرين.

والفارابي أول شخص اهتم بجمع العلوم وكان ذلك في كتاب: إحصاء العلوم.

يقول الأستاذ العقاد: ان الفارابي أول من وظف العلوم السياسية الصرفة للأغراض الحكومية حيث كتب الموازين الأخلاقية في تعيين العلاقة بين الحاكم والمحكومين.

وللأسف الشديد فإن أفلاطون لم ينج كغيره من العلماء من حسد الحساد


وأذاهم وتلفيق التهم ضدهم حيث اتهم بالزندقة وإنكار المعاد.

إن آراء الفارابي صريحة في حدوث العالم.

لقد تأثر الفارابي بمنطق أرسطو وفلسفته وانه ذهب أبعد من الكندي في هذا حيث قيل في حقه انه الفيلسوف الإسلامي الوحيد الذي فهم فلسفة أرسطو جيداً وبشكل دقيق.

وبالقدر الذي تأثر الفارابي بفلسفة أرسطو فإنه أثّر كثيراً في أفكار الأوروبيين حيث ترجمت كتبه إلى اللاتينية وأغلب ذلك طبعت في باريس عام ١٦٣٨.

لقد كان تأثير آراء الفارابي الفلسفية في فلاسفة القرون الوسطى وخاصة في أفكاره الراهب الفرنسي دومنيكي، ونسان بوديه المتوفى عام ١٣٦٤ واضحاً وقد لوحظت بعض أفكار الفارابي في تأليفاته.

وكذلك فإن تأثير فلسفة الفارابي في كتابات وربرنوس و(البرت الكبير) واضحاً. حيث انه اعتمد كاملاً على آراء


الفارابي في طرح فلفة أرسطو ومع كل ذلك فإنهم لم يستطيعوا فهم فلسفة رئيس فلاسفة اليونان كما استطاعها الفارابي.

وكذلك فممن تأثر بفلسفة الفارابي من الفلاسفة الأوروبيين كلاً من (رونالد كرموني) و (دومنيكوس كنديسالو) رئيس الأساقفة السكسوني، وكذلك غيره.

لقد كان تأثير فلسفة أفلاطون في فرنسا أكثر من غيرها وواضح ذلك في الجهد الذي بذلوه في التوفيق بين فلسفة أرسطو وأفلاطون من قبل رهبان مدرسة سارتر في القرن الثاني عشر الميلادي.

فقد اختار هؤلاء نفس طريقة الفارابي قبل ثلاثمائة عام والتي وصفها في كتابه الموسوم ((الجمع بين رأي الحكمين)).

ومن الواضح انه بمقدار ما كان الفارابي متأثراً بآراء أرسطو فإنه وقع تحت تأثير بعض أفكار أفلاطون كذلك.

وانه ومن بين مؤلفاته العديدة فقد


ألف كتاب المدينة الفاضلة وآراء أهل المدينة الفاضلة تحت تأثير أفكار أفلاطون وفي طريقته اتبع طريقة جمهورية أفلاطون وأصبح هذا الكتاب يدرس في العلوم السياسية.

فكما ان ابن رشد درس كتابه (الجمهورية) لتلاميذه وبخاصة ما يخص سياسة أرسطو المترجمة وكذلك فإن كتاب النواميس والجمهورية كانت أساساً للنظريات السياسية في مدرسة الفارابي(١) .

كتاب المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة هي التي يرأسها فيلسوفٌ يمتلك من الخصوصيات ومن تمام الفضائل بالإضافة إلى الفضائل الفلسفية، يطلب الخير لأمته وبعد أفلاطون. فإن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حينما كان يرأس المدينة الفاضلة فإنه كان يوحى له حين لم يكن بالإمكان لأي إنسان ان يكون كذلك قال:

__________________

١ - فلاسفة الشيعة : ص ٤٠٨ ( فارسي )


((هذا الرئيس هو الإمام ورئيس أول دولة فاضلة ورئيس لأمة فاضلة ورئيس الكرة الأرضية برمتها، ولا يمكن لأحد ان يكون كذلك إلا ان تكون معه اثنا عشر خصلة وبالفطرة تجتمع فيه وهي:

١ - ان تكون تمام أعضاء مدينة سالمة.

٢ - له حافظة جداً قوية بحيث انه يعي كلما يسمع ويدرك جيداً كلما يرى.

٣ - يحب العلم والتعلم.

٤ - معتدل في مسائل الأكل والشرب والمسائل الجنسية ويبتعد عن اللعب والأعمال التافهة ولا يلتذ بهكذا أمور.

٥ - جيد الحديث والبيان.

٦ - متفتح الذهن وذكي.

٧ - يكره الكذب ويحب الصدق.

٨ - كبير النفس ويحب الكرم والشرف.

٩ - بعيد عن حب الدنيا والدرهم والدينار.

١٠ - يحب العدالة وأصلها ويعادي الظلم والجور والظالمين.

١١ - عادل وغير متطرف في الأمور


متشدد.

١٢ - ذو عزيمة قوية، وجسور ومقدام.

يؤكد الفارابي على تحكيم العقل بين الخير والشر.

وهو أول من أدخل نظرية الفيض في الفكر الإسلامي حيث تأثر بعده مفكرو الإسلام وكانت قاعدة لأفكارهم.

آثار الفارابي

لآثار الفارابي أثراً كبيراً في إيجاد وبناء التمدن والثقافة في الفكر الإسلامي.

انه ترك لنا أكثر من ثمانين كتاب ورسالة ومقالة في كافة الفنون والعلوم(١) .

الفخر الرازي

أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التيمي الطبري الأصل الرازي المولد الأشعري الأصول الشافعي

__________________

١ - فلاسفة الشيعة : ص ٤٢١.


الفروع، المعروف بالإمام فخر الدين والملقب بابن الخطيب، صاحب التفسير الكبير الذي أكمله نجم الدين القمولي وشهاب الدين الخوبى.

وله أساس التقديس في علم الكلام، ولباب الإشارات ولوامع البينات في شرح أسماء الله والصفات، ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين إلى غير ذلك.

استوطن مدينة هراة، وكان يلقب بها شيخ الإسلام.

حكي ان له في الوعظ اليد البيضاء ويعظ باللسانين العربي والعجمي وكان يلحقه الوجد في حال الوعظ ويكثر البكاء.

وفي العبقات قال الذهبي في ميزان الاعتدال: الفخر ابن الخطيب صاحب التصانيف، رأس الذكاء والعقليات لكنه عري من الآثار.

وله تشكيكات على مسائل من دعائم الدين يورث الحيرة.

وله كتاب السر المكتوم في مخاطبة النجوم سحر صريح...

وعدَّه ابن تيمية في منهاج السنة في الجبرية، وهم الفرقة الضالة الهالكة.

قال ابن حجر العسقلاني في لسان


الميزان في حقه: وكان مع تبحره في الأصول يقول: من التزم دين العجائز فهو الفائز، وكان يعاب بإيراد الشبه الشديدة، ويقصر في حلها، حتى قال بعض المغاربة: يورد الشبهة نقداً ويحلها نسيئة.

وذكره ابن دحية فمدح وذم، وذكره ابن شامة فحكى عنه أشياء رديئة، وكانت وفاته بهراة يوم عيد الفطر سنة(١) ٦٠٦

فخر المحققين

أبو طالب محمد بن الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي.

وجه من وجوه هذه الطائفة وثقاتها، جليل القدر عظيم المنزلة رفيع الشأن، كثير العلم، وحيد عصره وفريد دهره، جيد التصانيف، حاله في علو قدره وسمو مرتبته وكثرة علومه أشهر من أن يذكر، كفى في ذلك انه فاز بدرجة الاجتهاد في

__________________

١ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج٣، ص١٤.


السنة العاشرة من عمره الشريف، وكان والده العلامة يعظمه ويثني عليه ويعتني بشأنه كثيراً حتى انه ذكره في صدر جملة من مصنفاته الشريفة، وأمره في وصيته التي ختم بها القواعد بإتمام ما بقي ناقصاً من كتبه بعد حلول الأجل، وإصلاح ما وجد فيها من الخلل له غير ما أتم من كتب والده العلامة، كتب شريفة منها شرح القواعد سماه إيضاح الفوائد، والفخرية في النية، وحاشية الإرشاد، والكافية الوافية في الكلام، وشرح نهج المسترشدين، وشرح تهذيب الأصول الموسوم بغاية السؤل، وشرح مبادئ الأصول وشرح خطبة القواعد إلى غير ذلك.

يروي عن أبيه العلامة وغيره، ويروي عنه شيخنا الشهيد (ره) وأثنى عليه في بعض إجازاته ثناء بليغاً.

ولد ليلة ٢٠ ج ١ سنة ٦٨٢، وتوفى


ليلة ٢٥ ج ٢ سنة ٧٧١(١) .

الفرزدق

هو همام بن غالب بن صعصعة التميمي، يكنى أبا فراس، وهو وجرير والأخطل الذين ذهبوا بالتقدم على شعراء الإسلام، وكان شاعراً فخم العبارة، شديد أسر الكلام، جيد الأسلوب، وكانت بينه وبين جرير والأخطل مناقضات ومنافرات ومنافسات وأهاج(٢) . مات سنة ١١هـ / ٧٢٨م ورثاه جرير بأبيات منها:

فَلا وَلَدَت بَعدَ الفَرَزدَقِ حُرَّةٌ

وَلا ذاتُ حَملٍ مِن نَفاسٍ تَعَلَّتِ

هُوَ الوافِدُ المَيمونُ وَالحامِلُ الَّذي

إِذا النَعلُ يَوماً بِالعَشيرَةِ زَلَّتِ(٣)

جاء في كتاب المجاني:

الفرزدق: لفظة فارسية معناها قطعة العجين أو الرغيف الضخم لُقّب به همام

__________________

١ - نفس المصدر.

٢ - أهاج إهاجة: إثارة. لاروس.

٣ - التبيان والتبيين: ج١، ص١٢٨ - ١٢٩، الهامش.


بن غالب بن صعصعة الدارمي التميمي لفخامة وجهه وتجهمه، ولعل أباه سماه الفرزدق باسم دهقان الحيرة لأنه كان يشبهه في تيهه وأبهته، ولد في البصرة ونشأ في باديتها وكان أبوه من وجهاء قبيلته.

وجد عليه زياد بن أبيه والي العراق، فهرب من البصرة في سنة ٦٧٠م لاجئاً إلى المدينة حتى طرده منها واليها، مروان بن الحكم، عاد إلى البصرة، بعد وفاة زياد، لم يتصل ببلاط الشام إلا على عهد سليمان بن عبد الملك (٧١٥ - ٧١٧)م ومات في خلافة هشام بن عبد الملك في شيخوخة بالغة ودفن بالبصرة في مقبرة بني تميم.

شعره حافل بالتلميحات إلى شؤون العصر الثقافية والاجتماعية والسياسية، قوي النفس الشعري وافر المادة من الألفاظ والتعابير حتى قال يونس النحوي: ((لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب)).

له ديوان معروف مشهور، مدح فيه مجموعة من خلفاء الأمويين الذين


عاصرهم واشتهر بقصيدته العصماء في مدح الإمام زين العابدين علي بن الحسين وأهل بيت العصمة والطهارة وذلك كما ذكر صاحب الأغاني وابن خلكان ومن نقل عنهما انه حج هشام بن عبد الملك في أيام أبيه، طاف بالبيت وجهد ان يستلم الحجر الأسود فلم يقدر ذلك لكثرة الزحام فنصب له كرسي وجلس عليه ينظر إلى الناس ومعه جماعة من أعيان أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر الأسود تنحى له الناس حتى استلم الحجر فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه مخافة ان يرغب فيه أهل الشام، حج تلك السنة وهو في العقد السابع من عمره، فقال: أنا أعرفه، ثم اندفع فأنشد القصيدة:

هَذا الَّذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطأَتَهُ

وَالبَيتُ يَعرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ


هَذا اِبنُ خَيرِ عِبادِ اللَهِ كُلِّهِمُ

هَذا التَقِيُّ النَقِيُّ الطاهِرُ العَلَمُ

هَذا اِبنُ فاطِمَةٍ إِن كُنتَ جاهِلَهُ

بِجَدِّهِ أَنبِياءُ اللَهِ قَد خُتِموا

وَلَيسَ قَولُكَ مَن هَذا بِضائِرِهِ

العُربُ تَعرِفُ مَن أَنكَرتَ وَالعَجَمُ

كِلتا يَدَيهِ غِياثٌ عَمَّ نَفعُهُما

يُستَوكَفانِ وَلا يَعروهُما عَدَمُ

سَهلُ الخَليقَةِ لا تُخشى بَوادِرُهُ

يَزينُهُ اِثنانِ حُسنُ الخَلقِ وَالشِيَمُ

حَمّالُ أَثقالِ أَقوامٍ إِذا اِفتُدِحوا

حُلوُ الشَمائِلِ تَحلو عِندَهُ نَعَمُ

ما قالَ لا قَطُّ إِلا في تَشَهُّدِهِ

لَولا التَشَهُّدُ كانَت لاءَهُ نَعَمُ

عَمَّ البَرِيَّةَ بِالإِحسانِ فَاِنقَشَعَت

عَنها الغَياهِبُ وَالإِملاقُ وَالعَدَمُ

إِذا رَأَتهُ قُرَيشٌ قالَ قائِلُها

إِلى مَكارِمِ هَذا يَنتَهي الكَرَمُ

يُغضي حَياءً وَيُغضى مِن مَهابَتِهِ

فَما يُكَلَّمُ إِلا حينَ يَبتَسِمُ

بِكَفِّهِ خَيزُرانٌ ريحُهُ عَبِقٌ

مِن كَفِّ أَروَعَ في عِرنينِهِ شَمَمُ

يَكادُ يُمسِكُهُ عِرفانُ راحَتِهِ

رُكنُ الحَطيمِ إِذا ما جاءَ يَستَلِمُ


اللَهُ شَرَّفَهُ قِدماً وَعَظَّمَهُ

جَرى بِذاكَ لَهُ في لَوحِهِ القَلَمُ

أَيُّ الخَلائِقِ لَيسَت في رِقابِهِمُ

لأَوَّلِيَّةِ هَذا أَو لَهُ نِعَمُ

مَن يَشكُرِ اللهَ يَشكُر أَوَّلِيَّةَ ذا

فَالدينُ مِن بَيتِ هَذا نالَهُ الأُمَمُ

يُنمى إِلى ذُروَةِ الدينِ الَّتي قَصُرَت

عَنها الأَكُفُّ وَعَن إِدراكِها القَدَمُ

مَن جَدُّهُ دانَ فَضلُ الأَنبِياءِ لَهُ

وَفَضلُ أُمَّتِهِ دانَت لَهُ الأُمَمُ

مُشتَقَّةٌ مِن رَسولِ اللهِ نَبعَتُهُ

وَفَضلُ أُمَّتِهِ دانَت لَهُ الأُمَمُ

يَنشَقُّ ثَوبُ الدُجى عَن نورِ غُرَّتِهِ

كَالشَمسِ تَنجابُ عَن إِشراقِها الظُلَمُ

مِن مَعشَرٍ حُبُّهُم دينٌ وَبُغضُهُمُ

كُفرٌ وَقُربُهُمُ مُنجىً وَمُعتَصَمُ

مُقَدَّمٌ بَعدَ ذِكرِ اللَهِ ذِكرُهُمُ

في كُلِّ بِدءٍ وَمَختومٌ بِهِ الكَلِمُ

إِن عُدَّ أَهلُ التُقى كانوا أَئمَّتَهُم

أَو قيلَ مَن خَيرُ أَهلِ الأَرضِ قيلَ هُمُ

لا يَستَطيعُ جَوادٌ بَعدَ جودِهِمُ

وَلا يُدانيهِمُ قَومٌ وَإِن كَرُموا


هُمُ الغُيوثُ إِذا ما أَزمَةٌ أَزَمَت

وَالأُسدُ أُسدُ الشَرى وَالبَأسُ مُحتَدِمُ

لا يُنقِصُ العُسرُ بَسطاً مِن أَكُفِّهِمُ

سِيّانِ ذَلِكَ إِن أَثرَوا وَإِن عَدِموا

يُستَدفَعُ الشَرُّ وَالبَلوى بِحُبِّهِمُ

وَيُستَرَبُّ بِهِ الإِحسانُ وَالنِعَمُ

فغضب عليه هشام وأمر بالفرزدق فحبس بين مكة والمدينة فقال يهجوه:

يُرَدِّدُني بَينَ المَدينَةِ وَالَّتي

إِلَيها قُلوبُ الناسِ يَهوي مُنيبُها

يُقَلِّبُ عَيناً لَم تَكُن لِخَليفَةٍ

مُشَوَّهَةً حَولاءَ بادٍ عُيوبُهــــــــــا

ثم أشفق عليه هشام فأطلقه(١) .

فروة بن مسيك المرادي

قدم (في السنة العاشرة) فروة بن مسيك المرادي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مفارقاً لملوك كندة ومعانداً لهم وقد كان قبيل الإسلام بين مراد وهمدان وقعة صابت فيها همدان من مراد ما أرادوا حتى أثخنوهم في يوم كان يقال له

__________________

١ - المجاني : ج ٢ ، ص ١١١


الرزم وكان الذي قاد همدان إلى مراد الأجدع بن مالك ففضحهم يومئذ وفى ذلك يقول فروة بن مسيك:

فإن نغلب فغلابون قدماً

وإن نهزم فغير مهزمينا

وإن نقتل فلا جبن ولكن

منايانا وطعمة آخرينا

كذاك الدهر دولته سجال

تكر صروفه حيناً فحينا

فبينا هو يسر به ويرضى

ولو لبست غضارته سنينا

إذا انقلبت به كرات دهر

فألفى للأولى غبطوا طحينا

ومن يغبط بريب الدهر منهم

يجد ريب الزمان له خؤونا

فلو خلد الملوك إذاً خلدنا

ولو بقى الكرام إذا بقينا

فأفنى ذاكم سروات قومي

كما أفنى القرون الأولينا

ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مفارقاً لملوك كندة قال:

لما رأيت ملوك كندة أعرضت

كالرجل خان الرجل عرق نسائها


يممت راحلتي أؤم محمــــــــداً

أرجو فواضلها وحسن ثرائهــــــا

قال فلما انتهى إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال له رسول الله: فيما بلغني يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يومك يوم الرزم؟ فقال: يا رسول الله ومن ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الرزم لا يسوؤه ذلك! فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيراً فاستعمله رسول الله على مراد وزبيد ومذحج كلها وبعث خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة وكان معه في بلاده حتى توفى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١)

__________________

١ - تاريخ الطبري: ج٢، ص٢٩١ - ٢٩٢.


الفضل بن أبي سهل النوبختي

أبو سهر الفضل بن أبي سهل بن نوبخت (القرن الثالث الهجري)

عاصر النوبختي هارون الرشيد الخليفة العباسي وكان من العلماء الذين انشغلوا بعلوم الفلسفة والكلام والنجوم.

اشتهر بترجمة ونقل الثقافة والعلوم من اللسان الفارسي إلى العربية.

ذكره السيد حسن الصدر في عداد متكلمي الشيعة وقال عنه:

((فيلسوف متكلم وحكيم متأله وكان وحيد زمانه في علوم الأوائل ونقل كثيراً من الكتب القديمة البهلوية في الحكمة والإشراق إلى اللغة العربية)).

قال القفطي: ((كان من أئمة المتكلمين، وكتب عنه ابن النديم وعبد الله المرزباني شرحاً مفصلاً، كان في عهد الرشيد المتصدي لخزانة كتب الحكمة وكلما وصل إلى يده كتاب في الحكمة ترجمه إلى العربية وكتابته وعلمه حول الكتب الإيرانية كانت محل الاعتماد)).


ذكره ابن طاووس في ((فرج المهموم)) انه من المنجمين الشيعة وقال: ((ان ما وصل إلى أيدينا من تصانيفه يثبت انه وصل إلى مرحلة الكمال في علم النجوم))(١) .

__________________

١ - فلاسفة الشيعة : ص ٤٢٩


الفضل بن شاذان

أبو محمد الفضل بن شاذان بن الخليل الأزدي النيشابوري (القرن الثالث الهجري).

من الأسماء اللامعة بين علماء الفقه والكلام ومختلف الثقافات، كان أحد أعلام الفكر الإسلامي ومن شيوخ وكبار متقدمي الشيعة في علوم الفقه والدين والحديث والقرآن.

يبدو انه عاش إلى أواسط القرن الثالث الهجري لأن من نقل عن حياته انه أخذ علمه عن الإمام الرضاعليه‌السلام المتوفى سنة ٢٠٢ هجرية وقيل أيضاً انه أخذ العلم عن الإمام الجوادعليه‌السلام المتوفى عام ٢٢٠ هجري وكذلك عن الإمام الهادي المتوفى سنة ٢٥٤ هجري. وقد استفيد من الكتابات انه توفي سنة ٢٦٠ هجري.

اتفق كل من شرح حياته انه ثقة ومن أجلة فقهاء الشيعة الإمامية ويحسب من متكلميهم.

كان أبوه من تلامذة يونس بن عبد الرحمن، المتكلم والفقيه الإمامي


والمتوفى سنة ٢٠٨ هجرية.

الفضل النيسابوري، عربي أصيل من قبيلة الأزد المعروفة ويحسب على أئمة علوم القرآن.

روى عنه ابن النديم فصلاً كبيراً في موضوع ترتيب سور القرآن الكريم عن رواية عبد الله بن مسعود ورواية كعب وكذلك من بعض رواياته في التفسير والقراءة والسنن.

وصفه ابن النديم بالرازي، وذكر اسم ابنه العباس بن الفضل وقال في الفضل ((عامة الشيعة وخاصتهم يعرفون الفضل فهم وكذلك الحشوية يصنفونه منهم)) لكن كتاب ابن شاذان في الرد على الحشوية بنقل ابن النديم يفض ذلك الادعاء.

يحتمل الشيخ محمد طه نجف ان الفضل بن شاذان الرازي والذي ينقل عنه كافة العامة غير ابن شاذان النيشابوري الأزدي.

وعلى أية حال قال الشهرستاني في كتاب الملل والنحل يصنف ابن شاذان النيشابوري من علماء الشيعة وتصنيفه


من علماء الكلام، كما ذكر ذلك أيضاً الأشعري في مقالاته.

نقلت كتب التاريخ والأدب آراؤه بشكل متفرق.

ونقل عنه الشيخ المفيد في كتابه ((الفصول المختارة)) مطالب كثيرة في مواضيع متفرقة كما تؤكد على حدّة ذهنه وكثرة ممارسته وسعة إحاطته العلمية.

لابن شاذان مكانة علمية ودينية واجتماعية خاصة.

وكذلك فإن آثاره ومؤلفاته في المواضيع المتداولة وما جاء به من أفكار جديدة هجم به على مجتمعه الإسلامي اكسبه شهرة خاصة.

برز النيشابوري في مجتمع ظهرت فيه الفرق المختلفة أمثال المرجئة والقرامطة والحشوية والثنوية والغلاة وغلب على كل تلك النظريات والأفكار التي ظهرت في زمانه.

ومن ناحية أخرى فقد ظهرت أفكار ثورية ومدارس مختلفة أمثال مدرسة


الكرامية، ونظرية الأهم في الخلافة، ومدارس الجبائية والبيانية وغيرها(١) .

__________________

١ - ١ - كانت القرامطة إحدى فرق الإسماعيلية المنسوبة إلى قرمطويه أو قرامط * وهم من الغلاة وآثار هذا ظهرت في أواسط القرن الرابع حيث اهتزت أركان الدولة العباسية.

٢ - الحشوية: هؤلاء يأخذون الأحاديث على ظاهرها وبدون تأويل وتشتمل رواياتهم على أباطيل حتى وإن خالف مضمونها الكتاب والسنة، فهم يقبلونها.

٣ - الثنوية: جماعة يعتقدون بمبدأين والدنياصية التي تعتقد بمؤثرين النور والظلمة هم منهم.

٤ - الغلاة: يقال الغلاة لمن يعتقد اعتقادات متطرفة عن حدود الطبيعة والفطرة وهم معروفون بالغلو والمبالغة. أما اصطلاحاً وبتعريف الشيخ المفيد ((الغلاة من المتظاهرين بالإسلام والذين ينسبون الإلوهية للإمام عليعليه‌السلام واولاده)) والغلاة كلاً هم المبالغون الذين ينقسمون =


__________________

= إلى عدة أقسام وأهمهم: الإباحية، الإسحاقية، والإسماعيلية.

وتسمى الفرقة الأخيرة بأسماء الملاحدة والقرامطة والباطنية التعليمية والسبعية، والبدعية، البشرية، البلالية، البو سليمية، البيانية، والتناسخية، الجناحية، والجواربية، الحابطية، الحارثية، الحدثية، الحربية، الحروفية، الحلاجية، الحلمانية (أتباع أبو حلمان الدمشقي)، والحلولية، الحمادية، الخابطية، الخرمية، الخلالية، الذمامية، الراوندية، الرجعية، الرزامية، والزرارية، السبأية، الشريكية، الشلمنانية، العلوية، والعلي اللهية، العميرية، الغمامية، القاديانية، الكاكائية، الكاملية، والكربية، الكسفية، الكيسانية، المازيارية، المانوية، المباركية، المبيضة، المحمدية، المحمرة، المختارية، المخطئة، المخمسة، المزدكية، المشبهة، المشعشعية، المطلقة، المعمرية ، =


من الطبيعي جداً لابن شاذان وهو يعيش كعالم في هذا الخضم من المدارس الفكرية المختلفة والمذاهب المتناحرة ان يدخل في تفسير وتحليل آرائهم

__________________

= المفضلية، المقنعية، المنصورية، الموسوية، الميمونية، الفاووسية، والقصيرية، النميرية، والهشامية. *

٥ - وتطلق الكرامة على أتباع محمد بن الكرام يعتقدون ان الإيمان هو الإقرار باللسان، وان الله هو مستقر بالعرض.

٦ - أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم البلخي المتوفى سنة ٢٣٧ هجري يعتقد ان الإمام واجبه لا عن طريق الشرع ولا بمقتضى العقل.

٧ - الجبائية: أنصار أبو علي الجبائي وابنه أبو هشام حيث لهم اعتقادات خاصة هم.

٨ - البيانية: أتباع بيان بن سمعان قتل في سنة ١١٩ هجري وله خطب فارغة وفاسدة للمزيد راجع الملل والنحل للشهرستاني.


والمقايسة والحكم بينها وإبداء آراءه حول هذه وتلك بما أوتي من علم ومكانة اجتماعية حيث أخذ يحقق في كتب هؤلاء ومباحثهم.

كان النيشابوري من أولئك العلماء الذين خلفوا آثاراً وكتباً كثيرة، وأحصى له من حقق في حياته مائة وثمانين كتاباً.

لقد بذل النيشابوري جهداً استثنائياً في إبطال أفكار وآراء الفرق المنحرفة والضالة وفي هذا المجال فقد جاءت تأليفاته في الغالب في الرد على تلك الفرق المختلفة ومن جملة كتبه:

• الرد على الاسكافي في تقوية الجسم

• الرد على أهل التعطيل

• الرد على الثنوية

• الرد على الفالية المحمدية

• الرد على محمد بن كرام كان هذا رئيس الفرقة الكرامية ومن المجسمة

• الرد على أحمد بن الحسين وأحمد هو ابن مجالد الأعمى


• الرد على الأصم، أي أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم

• الرد على بيان بن الريان

• الرد على الفلاسفة

• الرد على الجبائية

• الرد على المرجئة

• الرد على القرامطة

• الرد على الناسية

• الرد على الحشوية

• الرد على الحسن البصري في التفضيل

وله كتب أخرى في موضوعات كلامية مختلفة منها:

• كتاب الوعيد

• كتاب الاستطاعة

• كتاب مسائل في العلم وحدوثه

• كتاب في الوعد والوعيد

• التوحيد في كتب الله

• بيان أصل الضلالة

• كتاب الأربع مسائل في الإمامة

• كتاب الإمامة

• كتاب الخصال في الإمامة

• كتاب النسبة بين الخيرية


والجبرية

• كتاب معرفة الهدى والضلال

• كتاب الأعراض والجوهر

ولابن شاذان كتب في الفقه والملاحم والفضائل وقراءات البلدان:

كتاب الملل، كتاب الإيمان، كتاب محبة السلام، كتاب السنن في الفقه، كتاب مسائل البلدان، كتاب الملاحم، كتاب المعيار والموازنة، كتاب حذو النعل بالنعل، ثلاث كتب في الفرائض الكبير والصغير والأوسط، كتاب في الطلاق، كتاب في السنن الفقهية، وكتب في التفسير والقراءات ومواضيع مختلفة(١) .

الفيض الكاشاني

لقب العالم الفاضل الكامل العارف المحدث المحقق المدقق الحكيم المتأله محمد بن المرتضى المدعو بالمولى محسن القاشاني، صاحب التصانيف الكثيرة

__________________

١ - فلاسفة الشيعة: ص٤٣٢ (فارسي).


الشهيرة كالوافي، والصافي، والشافي، والمفاتيح، والنخبة، والحقائق وعلم اليقين وعين اليقين، وخلاصة الأذكار، وبشارة الشيعة، والمحجة البيضاء في إحياء الأحياء، إلى غير ذلك مما يقرب من مائة تصنيف.

وله ديوان شعر كبير فارسي مشتمل على فنون من الشعر وأنواع من القصائد والغزل والمديح والمناجاة وغيرها.

يروى عن جماعة من المشايخ وأساتذة الدين، كالشيخ البهائي، والمولى محمد صالح، والسيد ماجد، والمولى محمد طاهر القمى، والمولى خليل والشيخ محمد بن صاحب المعالم، المولى صدرا وغيرهم.

توفى سنة ١٠٩١ في بلدة قاشان ودفن بها، وكان ختناً للمولى صدرا، كما ان الفياض ختناً له علي ابنته الأخرى. (وقاشان) معرب كاشان.

وأنشد ابن الهبارية فيها وفي عدة مدن من مدن الجبل:

لا بارك الله في قاشان من بلد

زرَّت على اللؤم والبلوى بنائقه

ولا سقى أرض قم غير ملتهب

غضبان تحرق من فيها صواعقه


وأرض ساوة أرض ما بها أحد

يرجى نداه ولا تخشى بوائقه

فاضرط عليها إلى قزوين ضرط فتى

تجد من كل ما فيها علائقه(١)

جاء في كتاب فلاسفة الشيعة:

محمد بن مرتضى بن محمود (؟ - ١٠٩١هـ ق).

من أئمة العرفان والحكمة والإلهيات والحديث، ومن تلامذة صدر المتألهين الشيرازي في الفلسفة والتصوف.

وتلميذ السيد ماجد البحريني في الفقه والحديث، وهو من عائلة علمية انحدر من عائلة علماء وفقهاء.

كان له اندفاعاً خاصاً إلى طريق العرفان والتصوف، طريقة تشابه طريقة الغزالي،ويمكن القول ان أكثر تأليفاته اقتباس من أفكار الغزالي وقد بالغ في تمجيد محي الدين بن عربي، ونقل عنه مطالب كثيرة وعرفه كأحد العرفاء.

نقل عن الكتاب انه يشم من أفكاره رائحة الكفر.

__________________

١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٣، ص٤١ - ٤٢.


وأحد منتقديه هو الشيخ علي حفيد الشهيد الثاني العاملي حيث نسب له مطالب منكرة. كما ان القمي قال عنه: أختلف فيه فجماعة تمدحه وجماعة تذمه وهذه كافية لإبداء فضيلته...)).

وعلى كل حال فإن الملا محسن فيض من الرجال البارزين في العلم والفلسفة والأخلاق والحديث...

أما آراؤه التي جلبت له الأعداء منها:

١ - انه قائل بوحدة الوجود.

٢ - عقيدته بعدم خلود الكفار في النار.

٣ - قوله انه من أهل الاجتهاد.

٤ - قوله بأن المتنجس لا ينجّس.

٥ - رأى بعدم نجاسة الماء القليل عند تماسه بالنجس.

مؤلفاته:

ألف حدود ثمانين جلد كتاب منها:

١ - علم اليقين في أصول الدين.

٢ - أنوار الحكمة.

٣ - الكلمات المكنونة في علوم أهل المعرفة.


٤ - تشريح العالم.

٥ - أصول العقائد.

٦ - التوحيد.

٧ - المحجة البيضاء في إحياء كتاب الإحياء للغزالي.


حرف القاف



قارون

( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (١) )

والعصبة ما بين العشرة إلى تسعة عشر قال كان يحمل مفاتح خزائنه العصبة أولوا القوة، فقال قارون كما حكا الله:( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي - يعني ماله وكان يعمل الكيمياء فقال الله:-أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٢) ) ، أي لا يسأل من كان قبلهم عن ذنوب هؤلاء( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ - قال في الثياب المصبغات يجرها في الأرض -قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ

__________________

١ - ( القصص : ٧٦ )

٢ - ( القصص : ٧٨ )


الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) (القصص:٧٩).

فقال لهم الخلص من أصحاب موسى:( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ - قال: هي لفظة سريانية -يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١) ) وكان سبب هلاك قارون انه لما اخرج موسى بني إسرائيل من مصر وأنزلهم البادية أنزل الله عليهم المن والسلوى وانفجر لهم من الحجر اثنتا عشرة عيناً بطروا وقالوا: لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض ومن بقلها وقثائها وفومها

__________________

١ - ( القصص : ٨ - ٨٢ )


وعدسها وبصلها قال لهم موسى أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصراً فان لكم ما سألتم فقالوا كما حكى الله ان فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، ثم قالوا لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ففرض الله عليهم دخولها وحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فكانوا يقومون من أول الليل ويأخذون في قراءة التوراة والدعاء والبكاء وكان قارون منهم وكان يقرأ التوراة ولم يكن فيهم أحسن صوتاً منه وكان يسمى المنون لحسن قراءته وقد كان يعمل الكيمياء، فلما طال الأمر على بني إسرائيل في التيه والتوبة وكان قارون قد امتنع من الدخول معهم في التوبة وكان موسى يحبه فدخل عليه موسى، فقال: يا قارون قومك في التوبة وأنت قاعد هاهنا ادخل معهم وإلا نزل بك العذاب، فاستهان به واستهزأ بقوله فخرج موسى من عنده مغتماً فجلس في فناء قصره وعليه جبة شعر ونعلان من جلد حمار شراكهما من خيوط شعر بيده


العصا، فأمر قارون ان يصب عليه رماداً قد خلط بالماء، فصب عليه فغضب موسى غضباً شديداً وكان في كتفه شعرات كان إذا غضب خرجت من ثيابه وقطر منها الدم، فقال موسى يا رب إن لم تغضب لي فلست لك بنبي، فأوحى الله إليه قد أمرت السماوات والأرض إن تطيعك فمرها بما شئت.

وقد كان قارون قد أمر أن يغلق باب القصر، فأقبل موسى فأومأ إلى الأبواب فانفجرت ودخل عليه فلما نظر إليه قارون علم انه قد أوتي، فقال: يا موسى أسألك بالرحم الذي بيني وبينك، فقال له موسى: يابن لاوي لا تزدني من كلامك! يا أرض خذيه، فدخل القصر بما فيه في الأرض ودخل قارون في الأرض إلى ركبتيه، فبكى وحلفه بالرحم، فقال له موسى يا بن لاوي لا تزدني من كلامك، يا أرض خذيه وابتلعيه بقصره وخزائنه(١) .

__________________

١ - تفسير القمي : ج ٢ ، ص ١٤٤ - ١٤٥


قثم بن عباس

عن عبد الله بن جعفر، قال: كنت أنا وعبيد الله وقثم ابنا العباس نلعب، فمر بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم راكباً، فقال: ((ارفعوا إليَّ هذا الفتى)) - يعنى قثم - فرفع إليه! فأردفه خلفه، ثم جعلني بين يديه، ودعا لنا، فاستشهد قثم بسمرقند.

قال ابن عبد البر وروى عبد الله بن عباس قال، كان قثم آخر الناس عهداً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أي آخر من خرج من قبره ممن نزل فيه. قال: وكان المغيره بن شعبة يدعى ذلك لنفسه، فأنكر علي بن أبي طالبعليه‌السلام ذلك، وقال: بل آخر من خرج من القبر قثم بن العباس.

وكان قثم واليأً لعليعليه‌السلام على مكة: عزل عليعليه‌السلام خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومى - وكان واليها لعثمان - وولاها أبا قتادة الأنصاري، ثم عزله عنها وولى مكانه قثم بن العباس، فلم يزل واليه عليها حتى قتل


علىعليه‌السلام وقال الزبير بن بكار: استعمل عليعليه‌السلام قثم بن العباس على المدينة(١) .

واستشهد قثم بسمرقند كان خرج إليها مع سعيد بن عثمان بن عفان زمن معاوية فقتل هناك.

وكان قثم يشبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفيه يقول داود بن مسلم:

عتقت من حل ومن رحلة

يا ناق إن أدنيتني من قثم

إنك إن أدنيت منه غداً

حالفني اليسر ومات العدم

في كفه بحر وفي وجهه

بدر وفي العرنين منه شمم

أصم عن قيل الخنا سمعه

وما على الخير به من صمم

لم يدر ما ((لا)) وب‍ ((لا)) قد درى

فعافها واعتاض منها نعم(٢)

ومن كتاب لأمير المؤمنين عليعليه‌السلام إلى عامله قثم يقول فيه بعد ان يحذره من

__________________

١ - الدرجات الرفيعة لابن معصوم: ص١٥١.

٢ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١٦، ص١٤٠ - ١٤١.


رسل معاوية، يحذره فيها من شرهم وخداعهم ويشد على يده ألا يخدع جاء فيه:

فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ اَلْحَازِمِ اَلصَّلِيبِ وَاَلنَّاصِحِ اَللَّبِيبِ اَلتَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ اَلْمُطِيعِ لإِمَامِهِ وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ وَلاَ تَكُنْ عِنْدَ اَلنَّعْمَاءِ بَطِراً وَلاَ عِنْدَ اَلْبَأْسَاءِ فَشِلاً وَاَلسَّلاَمُ(١) .

__________________

١ - نفس المصدر : ج ١٦ ، ص ١٣٨


قس بن ساعدة الأيادي

من أياد بن أد بن معد وكان حكيم العرب وكان مقراً بالبعث وهو الذي يقول: من عاش مات، ومن مات فات وكل ما هو آت آت وقد ضرب العرب بحكمته وعقله الأمثال، قال الأعشى:

وأحكم من قس وأجرا من الذي

بذي الغيل من خفان أصبح خدرا

وقدم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفد من أياد، فسألهم عنه، فقالوا: هلك، فقال:رحمه‌الله ، كأني أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل له أحمر وهو يقول: أيها الناس، اجتمعوا واسمعوا، وعوا، من عاش مات، ومن مات فات وكل ما هو آت آت، أما بعد فإن في السماء لخبراً وان في الأرض لعبراً، نجوم تمور، وبحار تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، أقسم قس بالله قسماً لا حانثاً فيه ولا آثماً، ان لله لدينا هو أرضى من دين أنتم عليه، ما لي أراهم يذهبون ولا يرجعون، أرَضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا؟ سبيل مؤتلف وعمل مختلف، وقال أبياتاً


لا أحفظها، فقام أبو بكر فقال: أنا أحفظها يا رسول الله، فقال: هاتها، فقال:

في الذاهِبيــــــنَ الأَوَّليـ

ـنَ مِنَ القُرونِ لَنا بَصائِــــر

لَمّا رَأَيــــتُ مَوارِداً

لِلمَوتِ لَيسَ لَها مَصادِر

وَرَأَيتُ قَومي نَحوَها

تَمضي الأَصاغِرُ وَالأَكابِر

لا يَرجِعُ الماضي وَلا

يَبقى مِنَ الباقينَ غابِـــر

أَيقَنتُ أَنّي لا مَحا

لَةَ حَيثُ صارَ القَومُ صائِر

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (( رحم الله قساً، إني لأرجو ان يبعثه الله أمة وحده))(١) .

__________________

١ - السيرة النبوية لابن كثير: ج١، ص١٥٠، البداية والنهاية لابن كثير: ج٢، ص٢٩٤، تاريخ مدينة دمشق: ج٣، ص٤٣٦، دلائل النبوة للبيهقي: ج٢، ص١١٣، المعجم الكبير للطبراني: ج١٨، ص٢٦٥، ح٦٦٣، كنز العمال: ج١٢، ص٧٧، ح٣٤٠٧٢ و ٣٤٠٧٣، أمالي الشيخ: ص٣٤٢، ح٧.


ولقس أشعار كثيرة وحِكم وأخبار تبصّر في الطب والزجر والفأل وأنواع الحكم وقد ذكرت في كتاب ((أخبار الزمان)) وفي الكتاب الأوسط، للمسعودي(١) .

جاء في كتاب البيان والتبيين:

هو قس بن ساعدة الأيادي خطيب العرب، ونذيرها، سمعه النبي وهو صغير في عكاظ وتحدث بخطبته، وكفى بهذا شرفاً، وقد عمَّر كثيراً وفي طول عمره اختلاف أقله ٣٨٠، وأكثره ٧٠٠، توفي قبل البعثة(٢) .

وهو من خطباء أياد، وهو الذي قال فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (( رأيته في سوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: ((أيها الناس، اجتمعوا، فاسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت)) وهو القائل في هذه: ((آيات محكمات، مطر

__________________

١ - مروج الذهب للمسعودي - قم: ج١، ص٨٣ - ٨٤.

٢ - البيان والتبيين للجاحظ: ج١، ص٥٠، الهامش. والموضوعات لابن الجوزي: ج١، ص٢١٤.


ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت، ونجوم تمور، وبحور لا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، وليل داج، وسماء ذات أبراج، مالي أرى الناس يموتون ولا يرجعون؟ أرضوا فأقاموا؟ أم حبسوا فناموا؟)).

وهو القائل: ((يا معشر أياد، أين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد، أين المعروف الذي لم يشكر، والظلم الذي لم ينكر، أقسم قس قسماً بالله ان لله ديناً هو أرضى له من دينكم هذا، وأنشدوا له الأبيات السابقة.

قطب الدين الرازي

هو أبو جعفر محمد بن محمد الرازي البويهي (٧٧٦ هجري قمري).

ولد هذا العالم الكبير في قرية ورامين التابعة لمدينة ري، وتوفي في ذي القعدة لعام ٧٧٦ هجري في دمشق ودفن في الصالحية.

انه من أئمة المنطق والفلسفة وعلوم أخرى، وهكذا كان من مشاهير العلماء الذين عاشوا في القرن الثامن الهجري.


اشتهر بشروحاته على الشمسية وكتاب مطالع في المنطق وكذلك كتابه في الفلسفة باسم المحاكمات حيث حقق وحاكم اثنين من شراح كتاب الإشارات للخواجة نصير الدين الطوسي والإمام الفخر الرازي قد زادت من شهرته.

قرّضه تاج الخفيف في كتابه طبقات الشافعية وقال: ((كان إماماً بارزاً في علوم المعقول حيث وصل جيشه إلى أقاصي المعمورة.

وصل دمشق في العام ٧٦٣ هجرية فعرفناه إماماً في المنطق والحكمة وانه متعمق في التفسير والمعاني وكانت له أيادٍ في النحو حيث شعت أنوار ذكائه على الملأ)).

وقال السيوطي عنه في كتابه ((طبقات النحاة)): ((كان الرجل أحد أئمة علم المعقول أخذ علمه على العضدي وغيره)).

انه من مفكري وعلماء الشيعة البارزين، هكذا عرّفه الشهيد الأول وكان معه في دمشق أواخر شعبان ٧٧٦هـ والتقى به هناك. يقول عنه:


((كان بحراً لا يجف وبلا شك كان إمامي المذهب وأنا سمعت منه انه يصرّح كونه إمامياً وارتباطه بأهل بيت الرسالة)).

وقال الشهيد الأول: ((انه كان من التلامذة الخاصين للشيخ الإمام جمال الدين العلامة الحلي)).

يقول بشأنه المحقق الشيخ علي بن عبد العال الكركي العاملي: ((كان من تلامذة العلامة ومن أعيان أصحابنا ومن الإمامية)).

وصرّح بتشيعه كل من مؤلفي الرياض والأمل، ومجالس المؤمنين، وأعيان الشيعة والذريعة وآخرون.

أحد أساتذته جمال الدين العلامة الحلي المتوفي سنة ٧٢٦هـ، والثاني عضد الدين لايجي صاحب كتاب المواقف في علم الكلام والمتوفى عام ٤٥٦هـ/ ١٣٥٥م.

تأليفاته:

تأليفاته كثيرة ومتنوعة وأكثرها في علم المنطق والحكمة ومن جملتها:

شرح الشمسية في المنطق وأصله من نجم الدين عمر بن علي القزويني


المعروف بالكاتبي والمتوفى عام ٤٩٣ هجرية طبع الكتاب مراراً في مصر وإيران، ولازال ولحد اليوم يدرس في مدارس النجف وقم والأزهر وأماكن أخرى.

شرح المطالع، من الكتب القيمة في علم المنطق، من أشهر الكتب التي تدرس في النجف وإيران.

شرح الحاوي في الحكمة.

شرح إشارات ابن سينا في الفلسفة.

بحر الأصداف في حاشية على الكشاف للزمخشري في التفسير.

تحفة الأشراف أيضاً حاشية على الكشاف.

المحاكمات بين شرح الإشارات وأصله من ابن سينا.

شرح قواعد الأحكام في الفقه.

رسالة تحقيق في التصور والتصديق.

رسالة في تحقيق الكليات.

شرح المصباح(١) .

__________________

١ - فلاسفة الشيعة : ص ٤٣٤ فارسي


قطب الدين الراوندي

أبو الحسن سعيد بن هبة الله بن الحسن، العالم المتبحر الفقيه المحدث المفسر المحقق الثقة الجليل صاحب الخرائج والجرائح وقصص الأنبياء ولب اللباب وشرح النهج وغيره.

كان من أعاظم محدثي الشيعة، قال شيخنا في المستدرك: فضائل القطب ومناقبه وترويجه للمذهب بأنواع المؤلفات المتعلقة به أظهر وأشهر من ان تذكر...

وهو أحد مشايخ ابن شهرآشوب، يروى عن جماعة كثيرة من المشايخ كأمين الإسلام والسيد المرتضى والرازي وأخيه السيد مجتبى وعماد الدين الطبري وابن الشجري والآمدي، ووالد المحقق الطوسي، وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين.

ويروي عن الشيخ عبد الرحيم البغدادي المعروف بابن الأخوة، عن الفاضلة الجليلة السيدة النقية بنت السيد المرتضى علم الهدى عن عمها الشريف الرضي (ره) وكان والد القطب الراواندى وجده وأولاده كلهم علماء.


وصرح الشيخ منتجب الدين بأن أبا الفضل محمد بن القطب الراوندي وأخاه عماد الدين علياً كانا فقيهين ثقتين.

توفى القطب ٤ شوال سنة ٥٧٣، وقبره ببلدة قم جوار الحضرة الفاطمية  ، مزار معروف.

ولا يخفى انه غير سعيد بن هبة الله بن محمد بن الحسين الفاضل المشتهر في العلوم الحكمية، فانه كان من الأطباء المتميزين في صناعة الطب، خدم المقتدى بأمر الله، والمستظهر بالله بصناعة الطب، وكان يتولى مداواة المرضى في البيمارستان العضدي.

له كتاب المغني في الطب، صنفه للمقتدى، وكتاب خلق الإنسان، توفى سنة(١) ٤٩٥

القمى علي بن إبراهيم

هو علي بن إبراهيم بن هاشم أبو

__________________

١ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج٣، ص٧٢ - ٧٣.


الحسن القمي (رجال النجاشي) ثقة في الحديث ثبت معتمد صحيح المذهب، سمع فأكثر، وصنف كتباً وأضر - أي وصار ضريراً - في وسط عمره.

وله كتاب التفسير، كتاب الناسخ والمنسوخ، كتاب قرب الإسناد كتاب الشرائع (الخ).

وبالجملة: هو من أجل رواة أصحابنا، ويروي عنه مشايخ أهل الحديث ولم نقف على تاريخ وفاته، إلا انه كان حياً في سنة ٣٠٧.

وكان من شيوخ الشيعة، روى عنه أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه وغيره.

قال السيد الأجل بحر العلوم في وجه تقريب دلالته على التوثيق تلقى القميين من أصحابنا أحاديثه بالقبول... فلولا ان إبراهيم بن هاشم عندهم بمكان من الثقة والاعتماد لما سلم من طعنهم وغمزهم بمقتضى العادة، ولم يتمكن من نشر الأحاديث التي لم يعرفوها إلا من جهته في بلده.

ومن ثم قال في الرواشح ومدحهم إياه بأنه أول من نشر حديث الكوفيين بقم


كلمة جامعة وكل الصيد في جوف الفرا.

ومما يدل على جلالته ان الأدعية والأعمال الشائعة في مسجد السهلة، وفي مسجد زيد المتداولة المتلقاة بالقبول المذكورة في المزار الكبير، ومزار الشهيد وغيرهما ينتهي سندها إليه لا غير(١) .

قنبر مولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

قال الشيخ عباس القمي في كتابه الكنى والألقاب:

ان قنبراً كان عند أمير المؤمنينعليه‌السلام في مقام رفيع ومنزلة شريفة وكذلك كان، روى الصدوق عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: كان لعليعليه‌السلام غلام اسمه قنبر وكان يحب علياً حباً شديداً فإذا خرج عليعليه‌السلام خرج على أثره بالسيف وتقدم في ابن السكيت ما يدل على جلالته ويعلم جلالته من أنه كان في مجلس وصية الحسن بن عليعليه‌السلام إلى

__________________

١ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج٣، ص ٨٤ - ٨٦.


أخيه الحسينعليه‌السلام وما كان غائباً عن سماع كلام يحيى به الأموات.

وروى ان الحجاج بن يوسف قال ذات يوم: أحب أن أصيب رجلاً من أصحاب أبي تراب فأتقرب إلى الله تعالى بدمه، فقيل له: ما نعلم أحداً كان أطول صحبة لأبي تراب من قنبر مولاه فبعث في طلبه فأتي به، فقال: أنت قنبر؟ قال: نعم، قال: أبو همدان؟ قال: نعم، قال: مولى علي بن أبي طالب؟ قال الله مولاي وأمير المؤمنين عليعليه‌السلام ولي نعمتي، قال: ابرأ من دينه، قال: فإذا برأت من دينه تدلني على دين غيره أفضل منه؟ قال: اني قاتلك فاختر أي قتلة أحب إليك؟ قال: قد صيرت ذلك إليك، قال: ولم؟ قال: لأنك لا تقتلني قتلة إلا قتلتك مثلها وقد اخبرني أمير المؤمنينعليه‌السلام ان منيتي تكون ذبحاً ظلماً بغير حق فأمر به فذبح، قلت ويظهر من تاريخ بغداد ان في أولاده رواة الحديث والأخبار.

روى الخطيب في ج ٤ صفحة ٢١٠ بإسناده عن قنبر بن أحمد بن قنبر مولى علي بن أبي طالبعليه‌السلام عن أبيه عن


جده عن كعب بن نوفل عن بلال بن حمامة قال خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذات يوم ضاحكاً مستبشراً فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: بشارة أتتني من عند ربى ان الله تعالى لما أراد ان يزوج علياً فاطمة عليهما السلام أمر ملكاً ان يهز شجرة طوبى فهزها فنثرت رقاقاً يعنى صكاكاً وأنشأ الله ملائكة التقطوها، فإذا كانت القيامة ثارت الملائكة في الخلق فلا يرون محباً لنا أهل البيت محضاً إلا دفعوا إليه منها كتاباً براءة له من النار من أخي وابن عمي وابنتي، فكاك رقاب رجال ونساء من أمتي من النار(١) .

__________________

١ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج٢، ص ٣٩٤.


قيس بن سعد

هو قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري، يكنى أبا عبد الملك، صحابي جليل، روى عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان شجاعاً باسلاً، طويلاً جسيماً، وهو يحسب في المعلمين، تولى مصر لعلي بن أبي طالب، فاحتال معاوية عليه حتى ظن به علي الظنون فعزله. توفي بالمدينة في آخر عهد معاوية سنة ٦٠هـ/ ٦٧٩م(١) .

عن الكلبي: أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، هو الذى حرَّض المصريين على قتل عثمان وندبهم إليه، وكان حينئذ بمصر، فلما ساروا إلى عثمان وحصروه، وثب هو بمصر على عامل عثمان عليها، وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح أحد بني عامر بن لؤي، فطرده عنها، وصلى بالناس.

وكان قيس بن سعد بن عبادة من شيعة

__________________

١ - البيان والتبيين للجاحظ: ج٢، ص ٧٦، الهامش.


علي ومناصحيه، فلما ولى الخلافة، قال له: سر إلى مصر فقد وليتكها واخرج إلى ظاهر المدينة، واجمع ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتي مصر ومعك جند، فإن ذلك أرعب لعدوك، وأعز لوليك. فإذا أنت قدمتها إن شاء الله، فأحسن إلى المحسن، واشتد على المريب، وارفق بالعامة والخاصة فالرفق يمن(١) .

وينقل ابن أبي الحديد: قال قيس: رحمك الله يا أمير المؤمنين قد فهمت ما ذكرت، فأما الجند فإني أدعه لك، فإذا احتجت إليهم كانوا قريباً منك، وإن أردت بعثهم إلى وجه من وجوهك كان لك عدة، ولكني أسير إلى مصر بنفسي وأهل بيتي، وأما ما أوصيتني به من الرفق والإحسان فالله تعالى هو المستعان على ذلك.

قال: فخرج قيس في سبعة نفر من أهله حتى دخل مصر، فصعد المنبر، وأمر بكتاب معه يقرأ على الناس، فيه:

__________________

١ - شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٦ ، ص ٥٨.


من عبد الله على أمير المؤمنين إلى من بلغة كتابي هذا من المسلمين. سلام عليكم، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو.

أما بعد فإن الله بحسن صنعه وقدره وتدبيره، اختار الإسلام ديناً لنفسه وملائكته ورسله، وبعث به أنبياءه إلى عباده، فكان مما أكرم الله عز وجل به هذه الأمة وخصهم به من الفضل، أن بعث محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليهم، فعلمهم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض وأدبهم لكيما يهتدوا، وجمعهم لكيلا يتفرقوا، وزكاهم لكيما يتطهروا... إلى ان قال: ثم جاءوني فبايعوني... وقال: وقد بعثت لكم قيس بن سعد الأنصاري أميراً، فوازروه وأعينوه على الحق...

وكتبه عبد الله بن أبى رافع في صفر سنة ست وثلاثين.

فلما فرغ من قراءة الكتاب، قام قيس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، وقال: الحمد لله الذى جاء بالحق، وأمات الباطل، وكبت الظالمين. أيها الناس، إنا بايعنا خير من نعلم من بعد نبينا


محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله، فإن نحن لم نعمل بكتاب الله وسنة رسوله فلا بيعة لنا عليكم. فقام الناس فبايعوا، واستقامت مصر وأعمالها لقيس، وبعث عليها عماله.

وخرج علىعليه‌السلام إلى الجمل، وقيس على مصر، ورجع من البصرة إلى الكوفة، وهو بمكانه، فكان أثقل خلق الله على معاوية لقرب مصر وأعمالها من الشام، ومخافة أن يقبل علي بأهل العراق، ويقبل إليه قيس بأهل مصر، فيقع بينهما. فكتب معاوية إلى قيس وعلى يومئذ بالكوفة قبل أن يسير إلى صفين(١) .

كتب معاوية إلى قيس يستميله ويغريه بترك علي واللحاق به ووعده المواعيد العريضة ولما أيس منه أخذ يهدده بجيوش الشام، ولما لم يفد معه كل ذلك ورأى صلابته في دينه وتبعيته لإمامه لفق كتاباً كاذباً وأذاعه في الشام بأن سعداً أعلن الطاعة والاتباع لحكومة

__________________

١ - شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد المعتزلي : ج ٦ ، ص ٥٧ - ٦٠.


الشام، حتى شاع الخبر ووصل إلى أمير المؤمنين عليعليه‌السلام فجمع ولديه الحسن والحسين وابنه محمداً وعبد الله بن جعفر وأعلمهم بالخبر بعد ان أتت له عيونه بذلك فأعظمه وأكبره وتعجب من ذلك، وجمع أولئك وقال: ما رأيكم؟ فقال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، اعزل قيساً عن مصر، قال علي: والله إني غير مصدق بهذا على قيس فقال عبد الله: اعزله يا أمير المؤمنين، فإن كان ما قد قيل حقاً فلا يعتزل لك ان عزلته، قال: وانهم لكذلك إذ جاء كتاب من قيس بن سعد يطلب فيه من علي في قوم أبوا البيعة ان يتألفهم ولا يتعجل بحربهم. فقال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين انك ان أطعته في تركهم واعتزالهم استشرى الأمر وتفاقمت الفتنة، فكتب له أمير المؤمنين كتاباً يأمره بقتالهم، لكنه أجاب علياً بالإصرار على عدم قتالهم. مما دفع عبد الله بن أبي جعفر يصر على عليعليه‌السلام بعزل قيس ويصف محمد بن أبي بكر في أمر مصر. فكان كذلك وسار محمد بن


أبي بكر إلى مصر وخرج منها قيس إلى المدينة ولم يذهب إلى الكوفة(١) .

وكان قيس مع شجاعته وغيرته جواداً مفضالاً. ولما أقبل إلى المدينة جاءه حسان بن ثابت شامتاً به، وكان عثمانياً، فقال له: نزعك علي بن أبي طالب، وقد قتلت عثماناً، فبقى عليك الإثم ولم يحسن لك الشكر؛ فزجره قيس وقال: يا أعمى القلب، يا أعمى البصر، والله لولا ألقي بين رهطي ورهطك حرباً لضربت عنقك، ثم أخرجه من عنده(٢) .

ثم ان قيساً وسهل بن حنيف خرجا حتى قدما على علي الكوفة، فخبّره قيس الخبر، وكان بمصر، فصدقه وشهد مع علي صفين هو وسهل بن حنيف.

وكان قيس طوالاً أطول الناس، وأمدهم

__________________

١ - اختصاراً نقلناه من المصدر السابق لابن أبي الحديد.

٢ - الغارات للثقفي: ج١، ص٢٢١، تاريخ الطبري: ج٣، ص٥٥٥، الدرجات الرفيعة لابن معصوم: ص٣٤١، شرح النهج لابن أبي الحديد: ج٦، ص٦٤.


قامة، وكان سناطاً(١) أصلع شيخاً شجاعاً مجرباً مناصحاً لعلي ولولده، ولم يزل على ذلك إلى ان مات.

كان قيس بن سعد مع أبي بكر وعمر في سفر في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكان ينفق عليهما وعلى غيرهما ويُفضل، فقال له أبو بكر: ان هذا لا يقوم به مال أبيك، فامسك يدك، فلما قدموا من سفرهم قال سعد بن عبادة لأبي بكر: أردت ان تبخّل ابني، انا لقوم لا نستطيع البخل.

وكان قيس بن سعد يقول في دعائه: اللهم ارزقني حمداً ومجداً وشكراً، فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال، اللهم وسّع عليّ فإن القليل لا يسعني ولا أسعه(٢) .

وجاء في موسوعة العتبات المقدسة:

أبو الفضل أو أبو عبد الله قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري، من أشراف

__________________

١ - السناط: الذي لا شعر له في وجهه وقد بلغ مبالغ الرجال. لاروس.

٢ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٦، ص٦٠ - ٦٥.


الصحابة، كان أحد فضلاء الصحابة من أهل الرأي والمكيدة في الحرب مع النجدة، والشجاعة، والسخاء وكان شريف قومه بلا منازع، وكان أبوه وجده كذلك، ويعد من دهاة العرب.

قال البخاري: كان من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير.

وفي الصحيح عن جابر قال: كان قيس في جيش المسرّة ينحر ويطعم حتى استدان بسبب ذلك فنهاه آمر الجيش أبو عبيد.

ومن شواهد جوده وسخائه انه استوفى منه أحدهم ثلاثين ألفاً، ولما رده عليه لم يقبل ان يأخذه.

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الجود شيمة أهل ذلك البيت.

صحب قيس الإمام علياًعليه‌السلام وكان من خواص أصحابه.

ولاه عليعليه‌السلام على مصر فاحتال عليه معاوية فلم ينخدع. واشترك مع علي بصفين، وبعد مقتل الإمام لازم قيس الإمام الحسنعليه‌السلام وكان أحد قواده الأشداء، ولما صالح الإمام معاوية، أصر قيس على محاربة معاوية، فلم يبايع له


إلا بعد مدة، ورجع قيس إلى المدينة فأقام فيها حتى توفي. وكانت وفاته في آخر خلافة معاوية، وستأتي الأسباب التي اختلقها معاوية لإبعاده عن مصر وخلق الشك في كبار نفوس القادة، والمخالفين لعلي بن أبي طالب(١) .

__________________

١ - موسوعة العتبات المقدسة للخليلي: ج١، ص٣٦٠.



حرف الكاف



كاشف الغطاء

هو الشيخ الأكبر جعفر بن الشيخ خضر الجناجي النجفي.

علم الأعلام وسيف الإسلام، شيخ الفقهاء، صاحب كشف الغطاء.

قال شيخنا في المستدرك في وصفه: هو من آيات الله العجيبة التي تقصر عن دركها العقول، وعن وصفها الألسن، فان نظرت إلى علمه فكتابه كشف الغطاء الذي ألفه في سفره ينبؤك عن أمر عظيم، ومقام علي في مراتب العلوم، الدينية أصولاً وفروعاً.

وكان الشيخ الأعظم الأنصاري (ره) يقول ما معناه:

من أتقن القواعد الأصولية التي أودعها الشيخ في كشفه فهو عندي مجتهد.

وإن تأملت في مواظبته للسنن والآداب وعباداته ومناجاته في الأسحار ومخاطبته نفسه بقوله: كنت جعيفراً ثم صرت جعفراً ثم الشيخ جعفر ثم شيخ العراق ثم رئيس الإسلام وبكائه وتذلله


لرأيته من الذين وصفهم أمير المؤمنينعليه‌السلام من أصحابه، للأحنف بن قيس.

وإن تفكرت في بذله الجاه العظيم الذي أعطاه الله تعالى من بين أقرانه والمهابة والمقبولية عند الناس على طبقاتهم من الملوك والتجار والسوقة للفقراء والضعفاء من المؤمنين، وحضه على طعام المسكين لرأيت شيئاً عجيباً.

وقد نقل عنه في ذلك مقامات وحكايات لو جمعت لكانت رسالة طريفة.

(ومن طريف) ما سمعناه ونتبرك به في هذه الأوراق ما حدثني به الثقة العدل الصفي السيد مرتضي النجفي، وكان ممن أدركه في أوائل عمره قال:

أبطأ الشيخ في بعض الأيام عن صلاة الظهر وكان الناس مجتمعين في المسجد ينتظرونه، فلما استيأسوا منه قاموا إلى صلاتهم فرادى وإذا الشيخ قد دخل في المسجد فرآهم يصلونَ فرادى فجعل يوبخهم وينكر عليهم ذلك ويقول: أما فيكم من تثقون به وتصلون خلفه، ووقع نظره من بينهم إلى رجل تاجر صالح معروف عنده بالوثاقة والديانة يصلى


في جنب سارية من سوارى المسجد، فقام الشيخ خلفه واقتدى به، ولما رأوا الناس ذلك اصطفوا خلفه وانعقدت الصفوف وراءه فلما أحس التاجر بذلك اضطرب واستحيى ولا يقدر على قطع الصلاة ولا يتمكن من إتمامها كيف وقد قامت صفوف خلفه تغتبط منها الفحول من العلماء فضلاً عن العوام، ولم يكن له عهد بالإمامة سيما التقدم على مثل هؤلاء المأمومين، ولما لم يكن له بد من الإتمام أتمها والعرق يسيل من جوانبه حياء، ولما سلم قام فأخذ الشيخ بعضده وأجلسه، قال: يا شيخ قتلتني بهذا الاقتداء مالي ولمقام الإمامة، فقال الشيخ لا بدلك من ان تصلي بنا العصر، فجعل يتضرع ويقول: تريد ان تقتلني لا قوة لي على ذلك وأمثال ذلك من الكلام، فقال الشيخ: إما ان تصلي أو تعطيني مائتي شامي أو أزيد والترديد مني، قال: بل أعطيك ولا أصلي، فقال الشيخ: لابد من إحضارها قبل الصلاة فبعث من أحضرها ففرقها على الفقراء ثم قام إلى المحراب وصلى بهم


العصر(١) .

تلمذته

كان غالب تتلمذه على الشيخ محمد مهدي الفتوني العاملي، والسيد صادق الفحام، والشيخ محمد تقي الدورقي، والأستاذ الأكبر والعلامة بحر العلوم رضوان الله عليهم أجمعين.

رواته

روى عنه غالب فقهاء عصره مثل حجة الإسلام الشفتي، والمحقق الكرباسي، وشيخ فقهاء الإسلام صاحب جواهر الكلام، وصهريه الجليلين الفاضلين السيد صدر الدين العاملي، والشيخ محمد تقي الرازي الاصبهاني.

أبناؤه

أجلة كرام مشايخ الإسلام والفقهاء الأعلام:

(١) الفقيه الأكبر موسى بن جعفر

__________________

١ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج ٣، ص ١٠١ - ١٠٢.


الذي قيل في حقه كان خلاقاً للفقه، بصيراً بقوانينه لم تبصر بنظيره الأيام، وكان أبوه يقدمه في الفقه على من عدا المحقق الشهيد رضوان الله عليهم.

(٢) الشيخ الأجل المسلم فقهه الشيخ علي صاحب كتاب الخيارات.

(٣) الشيخ حسن الذي انتهت إليه وإلى سميه رئاسة الفقهاء في زمانه.

تأليفاته:

وللشيخ الأكبر غير كشف الغطاء كتاب كبير في الطهارة، ورسالة في الطهارة والصلاة سماها بغية الطالب، ورسالة له في مناسك الحج، والعقائد الجعفرية، والحق المبين في الرد على الإخباريين.

وله شرح على بعض أبواب المكاسب من قواعد العلامة إلى غير ذلك.

توفى (ره) في شهر رجب سنة ١١٢٨، وقبره في النجف الأشرف مزار مشهور، ومعه صهره العالم الفاضل الجليل، والفقيه النبيه النبيل المحقق المدقق الشيخ أسد الله بن الحاج إسماعيل


الكاظمي، صاحب المقاييس، المتوفى سنة(١) ١٢٢٠

السيد كاظم اليزدي

من الرجالات الصادقين ومن خدمة مذهب أهل البيت ومبيّن حلالهم وحرامهم هو الأستاذ الأكبر المرحوم السيد محمد كاظم اليزدي، وهو من العلماء المعمّرين إذ عاش ٩٠ عاماً وهو من مواليد مدينة يزد بإيران عام ١٢٤٧ هجري.

وينتهي نسبه إلى إبراهيم الغمر حفيد الإمام الحسن المجتبى، وأساساً هو من عائلة قروية وكان أبوه مزارعاً وقد نشأ في طفولته يعمل بالزراعة لكنه كان نابغة بذكائه وفطنته فتحول إلى أجواء العلم، وترعرع وبدأ يعرف مبادئ العلوم ودرس شيئاً منها وتحول إلى أصفهان وكانت آنذاك تزخر بالأساتذة الكبار، ثم هاجر إلى النجف الأشرف وله

__________________

١ - عباس القمي ، م س : ج ٣ ، ص ١٠ - ١٠٣


من العمر ٤٤ سنة. وكان دخوله بُعيد غياب الشيخ مرتضى الأنصاري، فانصرف إلى التدرج في الفقه والأصول حتى أصبح فقيهاً أصولياً ومحققاً.

وانتهت إليه الرئاسة أو ما تسمى اليوم بالمرجعية، وكان يؤم المصلين بالصحن فيمتلئ الصحن كله تقريباً بالمصلين. وقد ألف كتباً أثرى بها المكتبة الإسلامية، ولكن أشهر تأليفاته هو كتابه الفقهي الخالد (العروة الوثقى) وهذا الكتاب أصبح مادة مهمة ولها احترامها بحيث عمل كل من تصدى للمرجعية على التعليق عليه أما بشكل مختصر أو مفصل بشكل دورات. وبقي كتابه بموقعه قائماً لا يتزحزح حتى اليوم وقد طبع هذا الكتاب حتى الآن أكثر من ٧٠ طبعة مع حواشيه وتعليقاته.

أما مرجعيته فقد غطّت الكل وجذبت إليه الأموال بشكل شبه منحصر به، وخصوصاً من الهند، والهند آنذاك تشمل ما يسمى اليوم بباكستان وبنغلادش وغيرها. وكانت الهند حتى الستينات هي


أعظم ممول بالأخماس للعلماء والحوزات، إذ كان فيها المهرجات والراجات وهم من أباطرة المال. إلا انه بعد الستينات تحول هذا المغنى إلى بلدان الخليج إثر ظهور النفط وازدهار الاقتصاد والتجارة، هذا من جانب، وأصبح ما يعرفون بالخوجة وهم الممولون الأهم من الخليجيين وهم أيضاً أثرياء هنود، وقد هاجروا إلى بلدان أفريقيا وأوربا وأصبح زمام التجارة في أفريقيا بأيديهم، مثل الصومال قديماً ونيجيريا وكينيا ومدغشقر وجزر القمر وتانزانيا وغيرها. ويقدر البعض بأن الخوجة يمدون المرجعيات مما يتراوح من مليار إلى مليار ونصف دولار سنوياً.

إذاً فإن السيد كاظم اليزدي انحصرت عنده الأموال ولكن لم يشتهر انه كان عطّاءً بل العكس، وهو الذي سنّ ما يعرف بـ (الجوخة)(١) وهي طريقة تمويل

__________________

١ - الجوخة: هي عبارة عن قضيب خشبي من أغصان الأشجار طوله ١٥ - ٢٠ سنتمتر =


الخبازين بالمال، والطلبة يستلمون الخبز من الخبازين، واستنكرها بعض الأساتذة من الطلبة لما فيها من إذلال واستعباد.

ولا يفوتني هنا ان أنوّه ان السيد كاظم اليزدي لم يكن محظوظاً في سلوكه السياسي، وجلب له ذلك الويلات، ففي السنين الأخيرة من حياته انحلّت الخلافة الإسلامية على عهد أتاتورك وخلع السطان عبد الحميد، واحتل الأنگليز العراق، وحدثت فتن سياسية في حوزة النجف الأشرف وانقسم فيها المراجع إلى جبهتين، فكان السيد كاظم اليزدي على رأس من يؤيد المستبد (أي الملكية) والملا كاظم الآخوند الخراساني كان

__________________

= وقطره لا يتجاوز السنتمتر الواحد يحمله كل طالب حوزة معه إلى الخباز وعلى قدر حصته من الخبز فإن الخباز يثلم من قشرته ثلمة تدل على مقدار الخبز المعطى للطالب، وعند استكمال ثلم قشرة القضيب هذا يستلم الخباز من المرجع حقه من المال، وهذا ما يقابل اليوم (الكارت الذكي) الألكتروني. المؤلف.


يؤيد المشروطة (أي الجمهورية)، لكن الملاحظ بدقة ان الأنگليز والبهلوي الأول شاه إيران كانا يدعمان بقوة هذا الفريق المؤيد للملكية، مما نجم عنه علاقات وتمويل و... و... الخ. وللأسف صارت كل جماعة تستهين بالطرف الآخر. أما الأكثرية في النجف من الطلبة والأفاضل كانوا مع المشروطة (الجمهورية)، فبلغ الأمر ان المصلين الذين كانوا يأتمون بالسيد اليزدي يتضاءل عددهم بأقل من أصابع اليد بعدما كان الصحن يمتلئ بهم. وتطاول بعض الشعراء آنذاك فنظم قصيدة في هجائه يقول فيها:

أيزديها أشقى الورى أم يزيدها

يقول ويفتي بما قد كفر

وهناك محنة أخرى عاناها السيد كاظم اليزدي وهي مسألة الاحتلال الأنگليزي للعراق في عام ١٩١٩م. وهذا الموضوع أثَّر عليه كثيراً، وهو موضوع يدور حوله سجال وجدل وقد كتب عنه أكثر من كاتب ومحلل سياسي.

ويمكن القول ان مقولة أو فتنة ان


السياسة حرام وان لا سياسة في الدين منشأها يبدأ من هنا، وطرب وغنّى لها الأنگليز من جانب، والنظام الشاهنشاهي من جانب، فالأول استعان بها لقمع المقاومة للاحتلال في العراق، والثاني استفاد منها لإسكات أي صوت يستنكر على البهلوي مشاريعه المنحرفة. وللأسف الشديد ان السيد كاظم اليزدي أفلتت منه تصريحات بأن تدخل العلماء في السياسة غير مشروع.

وبسبب إعراضه هذا واقتصار عمله على الأحكام الشرعية فقط أتاح للأنگليز البطش في العراق، وأخيراً اقتيد عشرة من كبار وجوه رجالات النجف من شيوخ عشائر ومناضلين وأعدمهم الانگليز رمياً بالرصاص، ولم يستنكر السيد بكلمة واحدة... وقيل ان الناس في النجف في ذلك الوقت لا يعرفون الهاتف ولم يروه لكن الانگليز نصبوا هاتفاً واحداً في النجف كلها وهو في بيت السيد كاظم اليزدي، وهذا مثار استفهام!!

وقد حدثت حادثة وهو ان قبض الأنگليز يوماً على شاب من شباب المقاومة


وأشبعوه ضرباً وكان ينكر انه من المقاومة، فجاءوا به إلى منزل السيد كاظم اليزدي بإلحاح منه ظناً منه ان السيد ينقذه وقد وعده الأنگليز إذا كان بيت السيد يزكيه فإنهم سيطلقوه، وما ان وصلوا إلى بيت السيد إلا والخادم يغلق الباب وكان الشاب يستغيث ويصرخ ويطرق الباب ويهتف بأبناء السيد، فلم يجبه أحد وهنا أخرج الضابط الأنگليزي مسدسه ورشه بالرصاص وأرداه قتيلاً عند باب بيت السيد مما سجل حادثاً نكداً للسيد. ومن يريد المزيد من التفاصيل فليراجع كتب على الوردي وجعفر الخليلي خصوصاً في موسوعة العتبات المقدسة قسم النجف وكذلك ماضي النجف وحاضرها، وكتاب الشيعة والدولة القومية، وكتاب شيعة العراق وغير ذلك.

وأوكد ان السيد نفسه ذاتاً طاهر وطيب، إنما المشكلة كل المشكلة في الأبناء والحاشية والكل يعرف علاقات الغزل والمجاملات بين الأنگليز وحاشية السيد وأبناؤه بحيث كانت تقدم له


معلومات مغلوطة تماماً عن واقع الأحداث. فمثلاً قصف مسجد الكوفة خطأ بقذيفة مقاتلة بريطانية... وتوجه المندوب السامي البريطاني إلى النجف للاعتذار من السيد وإذا بالسيد يردّ بأن أمراً من هذا لم يحدث واستغرب المندوب السامي!!!

عُزل السيد بسبب هذه الأحداث عن الأمة تماماً بحيث يمر بالأسواق فلا يسلّم عليه أحد وأصيب مؤخراً بمرض السل الرئوي وبقي ملازماً للفراش حتى توفي في النجف في ٢٨ رجب ١٣٣٧ هجري، ودفن في الصحن الحيدري عن يمين الداخل من باب الطوسي، وشيعه عامة الناس والكسبة فقط(١) .

الكركي (المحقق)

مروّج المذهب والملة، ورأس المحققين الجلة، شيخ الطائفة في زمانه وعلامة

__________________

١ - مع الصادقين: ج٢، ص٣٤٦ - ٣٥١، مع اختصار من جانب المؤلف.


عصره وأوانه، الشيخ الأجل نور الدين علي بن عبد العالي الكركي العاملي، الملقب تارة بالشيخ العلائى، وأخرى بالمحقق الثاني.

قال الشيخ الحر في أمل الآمل: أمره في الثقة والعلم والفضل وجلالة القدر، وعظم الشأن وكثرة التحقيق اشهر من يذكر.

ومصنفاته كثيرة، منها: شرح القواعد ست مجلدات إلى بحث التفويض من النكاح، والجعفرية ورسالة الرضاع، ورسالة الخراج، ورسالة أقسام الأرضين، ورسالة صيغ العقود والإيقاعات، ورسالة سماها نفحات اللاهوت، وشرح الشرائع، ورسالة الجمعة، وشرح الألفية وحاشية الإرشاد وحاشية المختلف.

وروى عنه فضلاء عصره، منهم السيد مصطفى التفريشي في كتاب الرجال فقال فيه: ((شيخ الطائفة وعلامة وقته صاحب التحقيق والتدقيق، كثير العلم، نقي الكلام، جيد التصانيف من أجلاء هذه الطائفة)).

له كتب منها شرح قواعد الحلي)).


وكانت وفاته سنة ٩٣٧ وقد تجاوز السبعين.

قال صاحب الرياض وقال حسن بيك روملو المعاصر للشيخ علي في تاريخه بالفارسية ما معناه:

ان بعد الخواجة نصير الدين في الحقيقة لم يسمع أحد سعى أكثر مما سعى الشيخ علي الكركي هذا في إعلاء أعلام المذهب الحق الجعفري، ودين الأئمة الاثنى عشر، وكان له في منع الفجرة والفسقة وزجرهم، وقلع قوانين المبتدعة وقمعها، وفي إزالة الفجور والمنكرات، وإراقة الخمور والمسكرات، وإجراء الحدود والتعزيرات، وإقامة الفرائض والواجبات والمحافظة على أوقات الجمعة والجماعات، وبيان أحكام الصيام والصلوات والفحص عن أحوال الأئمة والمؤذنين، ودفع شرور المفسدين... الخ(١) .

__________________

١ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج ٣، ص ١٦١ - ١٦٢.


الكليني

الشيخ الأجل قدوة الأنام، وملاذ المحدّثين العظام، ومروّج المذهب في غيبة الإمام عليه السلام، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني الرازي الملقب ثقة الإسلام.

ألف الكافي الذي هو أجل الكتب الإسلامية وأعظم المصنفات الإمامية والذي لم يعمل للإمامية مثله.

قال المولى محمد أمين الاسترابادي في محكي فوائده: سمعنا عن مشايخنا وعلمائنا انه لم يصنف في الإسلام كتاب يوازيه أو يدانيه.

وكان خاله علان الكليني الرازي.

قال (النجاشي في رجاله) في حقه: ((شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم، وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم))(١) .

__________________

١ - رجال النجاشي: ص٣٧٧، نقد الرجال للتفرشي: ج٤، ص٣٥٢، الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم: ج٣، ص٣٢٨، معجم رجال الحديث للخوئي: ج١٩، ص٥٤.


مؤلفاته

صنف الكتاب الكبير المعروف بالكافي في عشرين سنة، إلى ان قال: وله غير كتاب الكافي كتاب الرد على القرامطة، كتاب رسائل الأئمةعليهم‌السلام ، كتاب تعبير الرؤيا، وكتاب الرجال، كتاب ما قيل في الأئمةعليه‌السلام من الشعر.

كنت أتردد إلى المسجد المعروف بمسجد اللؤلؤي، وهو مسجد نفطويه النحوي، اقرأ القرآن على صاحب المسجد وجماعة من أصحابنا يقرؤن كتاب الكافي على أبي الحسين أحمد بن أحمد الكوفي الكاتب، إلى ان قال:

ومات أبو جعفر الكلينيرحمه‌الله تعالى ببغداد سنة ٣٢٩ سنة تناثر النجوم، وصلى عليه محمد بن جعفر الحسنى أبو قيراط، ودفن بباب الكوفة، وقال لنا أحمد بن عبدون: كنت أعرف قبره، وقد درسرحمه‌الله ))(١) .

وعن جامع الاصول لابن الأثير قال:

__________________

١ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج ٣، ص ١٢٠ - ١٢١ نقلاً عن النجاشي.


((أبو جعفر محمد بن يعقوب الرازي الإمام على مذهب أهل البيت، عالم في مذهبهم، كبير فاضل، عندهم مشهور، وعد من مجددي مذهب الإمامية على رأس المائة الثالثة هجرية)).

وشرح ذلك ما ذكره هو في الباب الرابع من كتاب النبوة من جامع الأصول حيث خرج حديثاً من صحيح أبي داود عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ان الله يبعث لهذه الأمة عند رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها(١) .

ثم قال في شرح غريب هذا الباب: والأجدر ان يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعة من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة يجددون للناس دينهم، ويحفظون مذاهبهم التي قلدوا فيها مجتهديهم وأئمتهم ونحن نذكر المذاهب المشهورة

__________________

١ - روضات الجنات: ص٥٥١، سنن أبي داود السجستاني: ج٢، ص٣١١، المستدرك للنيسابوري: ج٤، ص٥٢٢، فتح الباري لابن حجر: ج١٣، ص٢٥١، المعجم الأوسط للطبراني: ج٦، ص٣٢٤، الجامع الصغير للسيوطي: ج١، ص٢٨٢، كنز العمال: ج١٢، ص١٩٣.


في الإسلام التي عليها مدار المسلمين في أقطار الأرض هي: مذهب الشافعي، وأبى حنيفة، مالك، وأحمد، ومذهب الإمامية، ومن كان المشار إليه من هؤلاء كان رأس كل مائة سنة.

وكذلك من كان المشار إليه في باقي الطبقات، وأما من كان قبل تلك المذاهب المذكورة فلم يكن الناس مجتمعين على مذهب إمام بعينه ولم يكن قبل إلا المائة الأولى.

ثم انه عد ممن كان مجدداً لمذهب الإمامية على رأس المائة الأولى محمد بن على الباقرعليه‌السلام

وعلى رأس المائة الثانية على بن موسى الرضاعليه‌السلام

وعلى رأس المائة الثالثة أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي.

وعلى رأس المائة الرابعة المرتضى الموسوي أخو الرضي.

والكليني بتخفيف اللام مصغراً نسبة إلى كلين، كزبير قرية من قرى فشارية التي هي إحدى كور الرح، وفيه قبر أبيه يعقوب (ره) لا مكبراً كأمير الذي


هو قرية من ورامين، كما زعمه الفيروزآبادي(١) .

الكندي

أبو يوسف يعقوب الكندي المشهور بفيلسوف العرب (حدود ١٧٥ - ٢٦٠هـ).

ظهر يعقوب بن إسحاق الكندي في وقت كان الصخب والضجيج يعم الساحة الفكرية والعقائدية الإسلامية في زمان المأمون العباسي حيث غزت أفكار أجنبية كثيرة الفكر الإسلامي ودخلت الساحة فلسفات مختلفة غريبة على العالم الإسلامي.

عاش يعقوب في فترة تحوّل كبيرة في الجو الفكري والعقائدي الإسلامي.

ظهر الكندي في وقت اعتمد الفكر العربي على أفكار أجنبية متعددة من اليوناني إلى الفارسي إلى الهندي واتسعت أعمال ترجمة الثقافات الأخرى

__________________

١ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج ٣، ص ١٢٠ - ١٢١


وقد اهتم الخلفاء من بني العباس في أمر الترجمة كثيراً وأنفقوا الأموال الطائلة في هذا الطريق، وكان اهتمام الخلفاء في ذلك يرافقه إصرار ومواصلة ترجمة أفكار جيدة ومفيدة في الفترة ٧٥٠ - ٩٠٠ ميلادي، ففي هذه الفترة ترجمت كتب يونانية وفارسية وسريانية وسانسكريتية كثيرة، وكان على رأس المترجمين في دار الحكمة حنين بن إسحاق.

لقد أعطى المأمون العباسي حنين بن إسحاق مقابل وزن كل كتاب ترجمه ذهباً حتى قيل ان بيت المال خلا من الذهب.

لقد ذهبت رغبة وشوق المسلمين إلى الترجمة إلى الحد الذي أسس المأمون في بغداد مجمعاً علمياً ودار رصد فلكي، ومكتبة عمومية في عام ٨٣٠ هجرية وصرفت على هذه المكتبة مائتي ألف دينار (ما يعادل ٩٥٠٠٠٠ دولار) ووظف في هذا المجمع مجموعة من العلماء لهم رواتب شهرية من بيت المال، ولم يأت العام ٨٥٠ م إلا وقد ترجمت أكثر كتب اليونان القديم في علوم الرياضيات


والفلك والطب إلى اللغة العربية(١) .

عاش الكندي في هذه الفترة الزمنية، ومن الطبيعي انه يتأثر بهذه الأجواء ويتحرك باتجاهها ويتناغم مع ثقافتها فليس من العجيب إذا رأينا في أفكاره ألواناً من الفلسفة اليونانية وخاصة فلسفة أفلاطون وأرسطو تطغى على أفكاره، وليس من العجيب ان فلسفة وأفكار الكندي احتوت على تشبّث بالفلسفة والعلوم والأفكار اليونانية مما أدى بشهرته في الترجمة والعلوم والفلسفة حيث وصلت إلى قصر المأمون والمعتصم. وقد نبغ في كثير من العلوم حاله حال بقية العلماء في ترجمة العلوم والفلسفة ومن كل العلوم والألوان حيث ألف ٢٦٥ رسالة في الحساب والهندسة النظرية وغيرها التي حسب نظرية أفلاطون لا يمكن بدونها ان يكون فيلسوفاً، والفيلسوف يجب ان يكون عالماً رياضياً أولاً وله معلومات كافية

__________________

١ - فلاسفة الشيعة : ج ١ ، ص ٤٥ ، فارسي


في علم الطب والصحة والموسيقى المعتمدة على أسس رياضية.

ان أحد المواضع التي كتب فيها الكندي مسألة المد والجزر، وبحث في قوانين سرعة سقوط الأجسام وكذلك بحث في ظاهرة الضوء وقوانينها وكانت لآرائه في هذا البحث الأثر البالغ على (روجر بيكن).

انه وصديقه ترجما كتاب الإلهيات باسم اثولوجيا لأرسطو.

ومن مظاهر تأثره بالفلسفة اليونانية انه كتب خمسة رسائل حول أفكار سقراط.

وكذلك كتب عدة رسائل عن أفكار أرسطو ونظرياته.

أبو يوسف الكندي كان من أقدم فلاسفة الإسلام، أطلق عليه اسم الفيلسوف وهو أول عربي استحق لقب الفيلسوف.

أكد القاضي صاعد بن أحمد انه ليس في العرب فيلسوفاً غير الكندي والهمداني وكتب يقول: ((إنني لم أعرف عربياً أصيلاً عرف بالفلسفة غير الكندي والهمداني)).


((الكندي كان أول شخص من المفكرين والفلاسفة ظهر اسمه في مرحلة تكوين الفلسفة الإسلامية، أي مرحلة النقاش الخالص حتى مرحلة التحدث مع فلسفة اليونان والهند وأماكن أخرى، ونتيجة جهوده المضنية في التأليف في كافة الفروع العلمية مما لم يكن متوقعاً من عالم وفيلسوف عربي في زمانه، وانه ظهر في مرحلة تكوين الأفكار العقلية والشرعية في الوسط الثقافي العربي.

لقد شملت جهوده المتميزة كافة جهات المعرفة البشرية ولم يترك أية ناحية من نواحي البحث الفلسفي في ذلك الزمان إلا وولجه. وكانت له في كافة الاختصاصات كتباً ورسائل قيمة.

لقد عدّ ابن النديم رسائل ومؤلفات الكندي بحدود ٢٣٨ رسالة وكتاب وكتب غير النديم انه ألف ٢٦٥ رسالة وكتاب وفي كافة العلوم مثل الحساب والهندسة النظرية، وعلوم الهيئة، والظواهر الجوية، وتقويم البلدان، والطبيعة، والسياسة، الطب، الفلسفة، الأخلاق، الكلام وغير ذلك.


لقد أغنى الكندي (كأبرز فلاسفة الإسلام) العلوم الرياضية والفلكية وقد قاد التمدن والفكر الإسلامي في التطور والتقدم إلى الأمام ولمساحات بعيدة.

انه من العلماء الأوائل الذين كانت لهم اهتمامات خاصة بترجمة العلوم الأجنبية وكان لهذا شغوفاً بالترجمة والنقل والتفسير لهذه العلوم.

كان الكندي طبيباً حاذقاً وفيلسوفاً كبيراً ومنجماً ماهراً كما انه كان رياضياً كبيراً واهتم بكافة أطراف المعرفة وترك آثاراً كثيرة ومهمة حتى قال عنه بيكن المشهور: ((كان الكندي والحسن بن الهيثم في الصف الأول مرادفين لبطليموس)).

وكتب صالح زكي في كتاب (الآثار الباقية) يقول: ((ان الكندي كان أول شخص لقب بفيلسوف الإسلام)).

حياة الكندي

كتب القاضي صاعد عن الكندي ما يلي:

أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن صباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، أبوه إسحاق بن


صباح نصب أميراً على الكوفة من قبل المهدي وهارون الرشيد وكان جده حاكماً من طرف بني هاشم.

أصله من أهل البصرة حيث سكن بغداد وقرأ الطب والفلسفة وعلم الحساب والمنطق والموسيقى والهندسة وعلم الطبيعة وعلم النجوم. وكان فيلسوفاً إسلامياً يتبع في أفكاره أرسطاطاليس ولم يكن سواه في العرب كذلك.

وصفه القفطي قائلاً: ((كان متبحراً في فنون الحكمة، ومتبحراً في الحكمة اليونانية والهندية وكان أستاذاً فيهما وكان متخصصاً في أحكام النجوم وسائر العلوم)).

كانت له مكانة ممتازة عند المأمون والمعتصم وكان مقرباً من القصر وقد كتب عدة رسائل باسم المعتصم. وكان مسؤولاً عن ترجمة كتب اليونان إلى العربية بالإضافة إلى مسؤوليته في تصحيح تراجم الآخرين.

وكان أيضاً مسؤولاً في القصر عن الطبابة والتنجيم وعمل أيضاً في ديوان الخراج. ولكنه وفي آخر مراحل حياته


ابتعد عن القصر لأن محمد وأحمد ابنا موسى بن شاكر شغبا عليه عند المتوكل وتآمرا عليه وبالنتيجة فإن المتوكل أبعده وصادر كتبه، فشكل المكتبة الخاصة به باسم الكندية.

كان للكندي تلامذة كثيرون بعضهم لمع كأقطاب الفكر الإسلامي هؤلاء درسوا عند الكندي وتخرجوا على يديه وأسماء بعضهم كما يلي:

١. محمد بن يزيد عمل في الكيمياء.

٢. زرنب كتب رسالته باسم زرنب وموضوعها بيان أسرار النجوم.

٣. أحمد بن طيب السرخسي الفيلسوف المعروف.

٤. أبو زيد أحمد بن سهل البلخي.

٥. أبو معشر جعفر بن محمد البلخي.

وهناك آخرون مثل: حسنويه، نفطويه، سلمويه، رحمويه.

للكندي قصة مع أبي تمام الطائي الشاعر المعروف حينما مدح أحمد بن المعتصم وقال:

إِقدامَ عَمرٍو في سَماحَةِ حاتِمٍ

في حِلمِ أَحنَفَ في ذَكاءِ إِياسِ


قال له الكندي: إنك مدحت الأمير لكنك شبهته بأجلاف العرب ولم تكن به كلام جديد.

فتأمل أبو تمام قليلاً وقال:

لا تُنكِروا ضَربي لَهُ مِن دونِهِ

مَثَلاً شَروداً في النَدى وَالباسِ

فَاللهُ قَد ضَرَبَ الأَقَلَّ لِنورِهِ

مَثَلاً مِنَ المِشكــاةِ وَالنِبراسِ(١)

قال الكندي لأحمد بن المعتصم: هذا الرجل لا يعمر طويلاً.

تشيّع الكندي

ذكر السيد ابن طاووس في الجزء الخامس من كتابه ((فرج المهموم)) ان الكندي من العلماء الشيعة حيث قال: ((من الناس المشهورين بعلم النجوم وقيل عنهم انهم من علماء الشيعة الشيخ الفاضل الكندي...)).

وقال بحقه: ((إن ما وصل إلينا من كتبه وفي علم النجوم رسالة في هذا

__________________

١ - سير أعلام النبلاء للذهبي: ج١١، ص٦٨، البداية والنهاية لابن كثير: ج١٠، ص٣٣٠.


العلم في خمسة أجزاء)).

الاقا بزرگ الطهراني ذكره في عداد مؤلفي الشيعة.

بعض أفكار الكندي ونظرياته:

١.حدوث العالم وحركة الزمان من طريق انه من المحال ان لجسم وجود خارجي وليست له نهاية.

٢.لا يرى الزمان أمر مجرد وقائم بذاته، يقول: ((الزمان ليس له حقيقة غير وجود الجسم وتابع للجسم)).

٣.المكان موجود ظاهري ولكنه ليس جسماً.

٤.الغيوم والأمطار أبخرة وإن الشمس هي التي تبخر مياه الأرض لتذهب الأبخرة إلى الأعلى لتكون الغيوم.

٥.التمدد وانبساط الأجسام نتيجة الحرارة.

٦.....

مؤلفاته وآثاره:

له كتب ومؤلفات ورسائل كثيرة تربو على ٢٦٥ كتاب ورسالة تشمل كافة


العلوم والفنون تحكي تبحره في فنون الحكمة اليونانية والإيرانية والهندية(١).

__________________

١ - فلاسفة الشيعة : ص ٤٧٥


حرف الميم



مالك الأشتر

المعروف بلقبه هو بن الحرث النخعي يعرفه لنا الإمام علي في كتاب عهده إليه لما ولاه مصر:

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْداً مِنْ عِبَاد ِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لاَ يَنَامُ أَيَّامَ الخَوْفِ، وَلاَ يَنْكُلُ عَن الأَعْدَاءِ سَاعَاتِ الرَّوْعِ، أَشَدَّ عَلَى الْفُجَّارِ مِنْ حَرَيقِ النَّارِ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مَذْحِج، فَاسْمَعُوا لَهُ أَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيَما طَابَقَ الْحَقَّ، فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ، لاَ كَلِيلُ الظُّبَةِ، وَلاَ نَابِي الضَّرِيبَةِ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فانْفِرُوا، وَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُقيِمُوا فَأَقِيمُوا، فَإِنَّهُ لاَ يُقْدِمُ وَلاَ يُحْجِمُ، وَلاَ يُؤَخِّرُ وَلاَ يُقَدِّمُ إِلاَّ عَنْ أَمْرِي، وَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ، وَشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلَى عَدُوِّكُمْ... الخ(١) .

وكان الإمام عليعليه‌السلام يقول: كان لي

__________________

١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٧، ص٤٤.


مالك كما كنت لرسول الله، ولما قضى معاوية عليه بالسم خطب معاوية في جمعة فقال:

كان لعلي يدان قطعنا أحديهما وهو عمار بن ياسر في صفين وقطعنا الأخرى اليوم.

وقصة قتله من الأمور المتفق عليها تقريباً عند المؤرخين، وهي لما بلغ معاوية تولية الأشتر مصر اشتد الأمر عليه وراح يفكر بالقضاء عليه قبل ان يصل مصر.

فكتب إلى عامل خراجه على بحر القلزم أي (ميناء العقبة) ان يقاتله فلما قدم عليه رحب به وأدخله داره وعرفه ان لديه الطعام والعلف فبات عنده فسقاه شربة من العسل المسموم، وكان معاوية يقول لأصحابه: ان علياً ولي الأشتر على مصر فادعوا عليه بالموت، فراح أصحابه يدعون عليه عقيب كل صلاة، ولما جاء إليه خبر موته صعد المنبر وحمد الله وقال: لقد استجاب الله دعاءكم وأمات الأشتر، ففرحوا بذلك وقيل: أرسل رجلاً من قبله ليسمه في


الطريق بأية وسيلة، واختلف الرواة في كيفية دس السم له، والمشهور سمه بالعسل للمثل المشهور عن معاوية (إن لله جنوداً من عسل) قالها متهكماً بعد اغتيال مالك الأشتر.

ولما بلغ اغتيال مالك علياً أسف أسفاً شديداً، وحزن عليه حزناً عظيماً، وقال:

لله در مالك، وما مالك لو كان جبلاً لكان فنداً، ولو كان حجراً كان صلداً، أما والله ليهدن موتك عالماً، وليفرحن عالماً، على مثل مالك فلتبك البواكي، وقال علقة بن قيس النخعي: فما زال علي يتلهف، ويتأسف حتى ظننا انه المصاب به دوننا، وعرف ذلك في وجهه(١) .

مالك بن نويرة

يقول ابن خلكان في ترجمة وثيمة بن موسى الوشاء: كان مالك بن نويرة سرياً

__________________

١ - موسوعة العتبات المقدسة : ج ١ ، ص ٣٦٥ - ٣٦٦


نبيلاً يردف الملوك (أي ولي العهد الذي يخلف الملك) وهو الذي يضرب به المثل فيقال:

مرعى ولا كالسعدان، وماء لا كالصداء، (وفتى لا كمالك).

كان ابن نويرة هذا فارساً كريماً، شاعراً، ذا غيرة ونجدة للممسك بعنان فرسه، فإذا سمعه بهيمة طار إليها.

وفد على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأسلم وولاه صدقات قومه، ولما ارتدت العرب بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمنع الزكاة كان مالك من جملتهم، فأخذ زكاة منهم فوزعها، فقال مالك لخالد بن الوليد: إني آتي بالصلاة دون الزكاة فتجادلا طويلاً فقال له خالد إني قاتلك، قال: أوبذلك أمرك صاحبك، يعني أبا بكر؟

فقال خالد: والله لأقتلنك، فقال مالك: ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا فقد بعثت إليه غيرنا من هو جرمه أكبر من جرمنا، فأبى خالد. وكان عبد الله بن عمر وأبا قتادة الأنصاري حاضرين، فكلما خالداً في أمره، فكره كلامهما، فالتفت مالك إلى زوجته أم


متمم وقال: هذه التي قتلتني وكانت في غاية الجمال، فقال خالد، بل الله قتلك، فقال مالك: أنا على دين الإسلام، فقال خالد: يا ضرار اضرب عنقه، فضرب عنقه، وجعل رأسه أثفية القدر، وكان من أكثر الناس شعراً، فكان القدر على رأسه حتى نضج الطعام.

وقبض خالد امرأة مالك، وطلب من ابن عمر وأبي قتادة ان يحضرا النكاح فأبيا، فقال له ابن عمر: اكتب إلى أبي بكر واذكر له أمرها، فأبى وتزوجها.

لقد قال مالك حقاً: ان زوجتي هي التي قتلتني لأن خالداً كان يهواها من قبل، ذلك ما يقوله ابن خلكان: ان زهير السعدي أنشد في ذلك:

قضى خالد بغياً عليه لعرســه

وكان له فيها هوى قبل ذالكا

فأمضى هواه خالد غير عاطف

عنان الهوى عنه ولا متماسكا

قال ابن خلكان:

ولمـّا بلغ أبا بكر وعمر نبأ قتل خالد قال عمر: ان خالداً قتل مسلماً


فاقتله، وإنه زنى فارجمه، فقال أبو بكر: ما كنت أقتل رجلاً أو أرجمه لأنه تأول وأخطأ.

فقال له عمر: اعزله، فقال: ما كنت لأشيم سيفاً سلّه الله عليهم(١) .

وكان في عهد أبي بكر لخالد لما أرسله لقتال أهل الردة: (إذا غشيتم داراً من دور الناس فسمعتم فيها أذاناً للصلاة، فامسكوا عن أهلها، حتى تسألوهم عما نصحوا، وان لم تسمعوا أذاناً فشنوا الغارة عليهم فاقتلوا، واحرقوا).

وأكثر المؤرخين حين رووا ان مالكاً قال لخالد إنني ما ارتددت عن الإسلام، وشهد بذلك أبو قتادة الأنصاري الذي حلف ان لا يخرج في قتال مع خالد وقبل شهادته عمر، وأصبح من ألد خصوم خالد.

وكان من أقواله لأبي بكر: بعثت رجلاً يقتل المسلمين، ويحرق بالنار.

__________________

١ - تاريخ ابن خلكان: ج٢، ص١٧٢، أيام العرب: ص١٦٠، مجمع الأمثال: ج٢، ص٧٨، النص والاجتهاد: ص٢٦١.


وذكر بعض المؤرخين ان خالداً لما قدم إلى قبيلة مالك ووجدهم مسلحين قال لهم: ما هذا السلاح؟ فأجابه مالك ولماذا أنتم مسلحون؟ فطلب منهم وضع السلاح، وأمّنهم، ودخل جيشه في بيوت أهل القرية ثم انقضوا على الذين استضافوهم، فكل واحد منهم قتل صاحبه بغتة بعد نصف الليل.

وكان من الذين سخطوا على خالد جماعة من الصحابة منهم: طلحة بن عبيد الله الذي جاء يؤيد عمر عند أبي بكر، فاعتذر له بأنه تأوّل فأخطأ، فردّ المسبي وأودى دية مالك من بيت المال. فأضاف الجمحي صاحب طبقات فحول الشعراء: ص١٧٠ إن عبد الله بن عمر كلّم خالداً بعد شهادة أبي قتادة في (مالك) وأصحابه فقال له: يا أبا عبد الرحمن اسكت عن هذا الأمر فإني أعلم ما لا تعلم وأمر ضرار فضرب عنق مالك.

ومن المتفق عليه ان أبا بكر قد أمر خالداً ان يفارق زوجة مالك، ويقول العقاد في كتابه عن أبي بكر في عدم تطبيق الحكم الشرعي الذي أشار به


إليه عمر فقال:

((فهو أي أبا بكر كان يؤثر اللين لأنه في عامة أحواله مطبوع عليه ما لم يمسّه الأمر فيما يثير)).

وهناك قصة مالك توردها التواريخ بالتفصيل في كثير من الكتب كالطبري (ج٢، ص٥٠٢)، وأبو الفداء في (ج٢، ص١٦٦) و (البداية والنهاية: ج٦، ص٣٢٢) و (فتوح البلدان: ص١٠٥) و (ابن خلدون في تاريخه: ج٢، ص٧٣) و (خزانة الأدب: ج٢، ص٢١) و (معجم الشعراء للمرزباني: ص٢٦٠) و (طبقات فحول الشعراء: ص١٧٠) و (تاريخ الإسلام للنجار: ص٥٠) والعجيب من هذا المؤلف الأخير انه بعد ان سرد قصة مالك بن نويرة كما مرت قال في تبرير الموقف: ((إن سياسته يعني أبا بكر كانت سياسة حكيمة مما تستعملها دول استعمارية كالانگليز)) فجعل هذا المؤلف الجديد دولة الإسلام في عهد أول خليفة دولة استعمارية، ولم يرَ اختلافاً في حكومة الخلافة الإسلامية عن حكومة الدول الاستعمارية!!


عن البراء بن عازب قال: ((بينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان جالساً في أصحابه إذ نادى وفد بني تميم ومنهم مالك بن نويرة فقال: يا رسول الله علمني الإيمان، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وتصلي الخمس وتصوم شهر رمضان، وتؤدي الزكاة، وتحج البيت وتوالي وصيي هذا، وأشار إلى علي بن أبي طالب، ولا تأكل مال اليتيم، ولا تشرب الخمر، وتوفي بشرائعي، وتحرم حرمي، وتعطي الحق من نفسك للضعيف، والقوي، والكبير والصغير، حتى عدّ عليه شرائع الإسلام، فقال: يا رسول الله عد عليّ فإني رجل نسّاء، فأعاد عليه ما قاله فعقدها بيده فقام وهو يجر رداءه، ويقول: تعلمت الإيمان ورب الكعبة، فلما بعد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أحب ان ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا الرجل))(١) .

__________________

١ - موسوعة العتبات المقدسة : ج ١ ، ص ٢٦٦ - ٢٧٠


ارتكب خالد على ما نرى سلسلة من الأخطاء الاجتماعية والدينية في هذه القضية: فقد سار إلى مالك وصحبه دون أمر الخليفة، وقاتلهم دون ان يكون هناك مبرر للقتال من الناحية الدينية، وأمر بقتل مالك بشكل من الغدر لا يجيزه الإسلام.

ونكح زوج(١) مالك بشكل يتنافى والعفة والشرف وكبر النفس... ما استحق بذلك أكثر من عقوبة، غير ان أبا بكر عفا عنه فامتعض عمر من ذلك وعزله أثناء خلافته وإليك ملخص القصة:

ذكر ابن الأثير(٢) : ((سار خالد بعد ان فرغ من فزارة، وأسد، وطي، يريد

__________________

١ - ما نقله المؤرخون ان زوجة مالك كانت من الجمال بمكانة أسرت قلب خالد وكان هذا هو السبب وحينما قدم مالك للقتل نظر إليها وقال لها (أنت قتلتيني) وفعلاً فقد دخل بها خالد ليلة قتل زوجها وهي في عدتها، وهذا ما يؤكد هذه المقولة.

٢ - الكامل لابن الأثير: ج٢، ص٣٥٧ - ٣٦٠، دار بيروت للطباعة، ١٩٨٢.


البطاح(١) ، وبها مالك بن نويرة قد تردد عليه أمره، وتخلفت الأنصار عن خالد وقالوا:

ما هذا بعهد الخليفة إلينا، إن الخليفة عهد إلينا ان نحن فرغنا من بزاخه(٢) ان نقيم حتى يكتب إلينا، فقال خالد:

أنا الأمير... هذا مالك بن نويرة بحيالنا، فأنا قاصد إليه ومن معي من المهاجرين، وكان قد أوصاهم أبو بكر(٣) ان يؤذنوا إذا نزلوا منزلاً، فإذا أذن القوم فكفوا عنهم وإن لم يؤذّنوا قاتلوهم.

وإن أجابوا إلى داعية الإسلام فسائلوهم عن الزكاة، فإن أقروا فاقبلوا منهم، وإن أبوا فقاتلوهم، فجاءت خالد الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع،

__________________

١ - البطاح هو منزل لبني يربوع.

٢ - بزاخه: ماء بطي بأرض نجد.

٣ - لم يثبت للخليفة امتناع رهط مالك عن أداء الزكاة.


فاختلفت السرية فيهم.

وكان فيهم أبو قتادة فكان فيمن شهد انهم قد أذّنوا وصلوا.

فلما اختلفوا أمر بهم خالد فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء، فأمر خالد منادياً ينادي ادفنوا أسراكم - وهي في لغة كنانة القتل - فقتلوهم... فتزوج خالد أم متمم امرأة مالك.

فقال عمر لأبي بكر: ان سيف خالد فيه رهق، وأكثر عليه في ذلك، فقال: هيه يا عمر!! تأول فأخطأ فارفع لسانك عن خالد.

فدخل خالد على أبي بكر فأخبره الخبر واعتذر إليه، فعذره وتجاوز عنه، وعنّفه في التزويج(١) .

__________________

١ - هذا هو دين خليفة رسول الله يعفو عمن قتل المسلمين غدراً وظلماً وزنا بأزواجهم ليلة قتلهم صراحة دونما شك مع انهم أذّنوا وصلوا وأعلنوا إسلامهم فيالها من تقوى يتمتع بها رسول الخليفة ويالها من أخلاق عربية جاهلية عشعشت في أدمغة بعض =


وقدم متمم بن نويرة على أبي بكر يطلب بدم أخيه ويسأله ان يرد عليهم سبيهم، فأمر أبو بكر برد السبي، وودى مالكاً من بيت المال(١) .

وقد روي عن البلاذري: ((ان متمم بن نويرة دخل على عمر بن الخطاب فقال له عمر: ما بلغ وجدك على أخيك مالك؟

قال: بكيته حولاً حتى أسعدت عيني الذاهبة عيني الصحيحة، وما رأيت ناراً إلا كدت انقطع لها أسفاً عليه، لأنه كان يوقد ناره إلى الصبح، مخافة ان يأتيه

__________________

= صحابة رسول الله، فهل ان هذا كله يرضي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ ولكن لا عجب من قوم تآمروا على رسول الله في حياته وفي مماته وقاتلوا وتحالفوا ان يصادروا الخلافة وكتبوا فيما بينهم حلفاً سرياً أيام حياة رسول الله حيث فضحهم الوحي عند رسول الله، ثم انهم نصبوا له كميناً عند عودته من إحدى غزواته أو من حجة الوداع وجاء الوحي إليه يعلمه بأسمائهم حتى سمعها وعرفها الصحابي حذيفة * بن اليمان فطلب الرسول منه كتمان الأمر.

١ - الكامل في التاريخ: ج٢، ص٣٥٩ - ٣٦٠.


ضيف فلا يعرف مكانه))(١) .

لابد ان القارئ قد لاحظ معنا، في رواية ابن الأثير، جملة مخالفات قام بها خالد بن الوليد:

١ - فقد سار كما ذكرنا، إلى قتال مالك دون ان يتلقى بذلك أمراً من الخليفة.

٢ - أهم المبدأ العام الذي وضعه أبو بكر لمعالجة مشكلة المسلمين الذين اتهموا بالامتناع عن دفع الزكاة.

المبرد

أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي الثمالي البصري النحوي اللغوي الفاضل الإمامي المقبول القول عند الفريقين:

وإذا يقال من الفتى كل الفتى

والشيخ والكهل الكريم العنصر

__________________

١ - فتوح البلدان، البلاذري: ج١، ص١١٨.


والمستضاء برأيه وبعلمــــــــه

وبعقله قلت ابن عبد الأكبــــر

مؤلفاته

صاحب كتاب الكامل المعروف، والروضة، والمقتضب، ومعاني القرآن وغيرها من الكتب النافعة.

كان إماماً في النحو واللغة، قال ابن عساكر في تاريخ دمشق بعد سرد نسبه ما لفظه:

((أبو العباس الأزدي ثم الثمالي المعروف بالمبرد، شيخ أهل النحو وحافظ علم العربية، كان من أهل البصرة فسكن بغداد، وروى بها عن أبي عثمان المازنى، وأبى حاتم السجستاني وغيرهما من الأدباء.

وكان عالماً فاضلاً موثوقاً به في الرواية، حسن المحاضرة مليح الأخبار كثير النوادر، حدث عنه نفطويه النحوي، ومحمد بن أبي الأزهر، ثم عد جماعة...))(١) .

__________________

١ - تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج٥٦ ، =


كان المبرد وثعلب عالمين متعارضين، قد ختم بهما تاريخ الأدباء.

توفي سنة ٢٨٥ ببغداد ودفن في مقبرة باب الكوفة في دار اشتريت له(١) .

المتنبي

أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي الكوفي الشاعر المشهور.

ولد بالكوفة سنة ٣٠٣ وقدم الشام في حال صباه وجال في أقطاره، واشتغل بفنون الأدب ومهر فيها، وكان من المكثرين من نقل اللغة، والمطلعين على غريبها وحواشيها، ولا يسئل عن شيء إلا واستشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر.

وأما شعره فهو في النهاية، والناس في شعره على طبقات:

فمنهم من يرجحه على ابي تمام،

__________________

= ص٢٥١.

١ - م. س. عباس القمي: ج٣، ص١٣٥ - ١٣٧.


ومنهم من يرجح أبا تمام عليه.

وقال الواحدي في شعره:

ما رأى الناس ثاني المتنبي

أي ثان يرى لبكر الزمان

وهو في شعره نبي ولكن

ظهرت معجزاته في المعاني(١)

واعتنى العلماء بديوانه فشرحوه، قال ابن خلكان: قال لي أحد المشايخ الذين أخذت عنهم: وقفت على أكثر من أربعين شرحاً ما بين مطولات ومختصرات ولم يفعل هذا بديوان غيره.

وممن شرح شعره أبو العلاء المعري، صنف كتاب اللامع العزيزي في شرح شعر المتنبي، وقال أبو العلاء كأنما نظر إلي بلحظ الغيب حيث يقول:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

وأسمعت كلماتي من به صمم

قال ابن خلكان: كان الشيخ تاج الدين الكندي يروي له بيتين لا يوجدان

__________________

١ - كشف الظنون: ج١، ص٨٠٩ ، بحار الأنوار: ج١٠٤، ص١١٤، معجم المطبوعات، الياس سركيس: ج٢، ص١٦١٥.


في ديوانه فأحببت ذكرهما لغرابتهما، وهما:

أبعين مفتقر إليك نظرتني

فأهنتني وقذفتني من حالق

لستَ الملوم أنا الملوم لأنني

أنزلت آمالي بغير الخالق

وذكره الخطيب البغدادي في تاريخه وقال:

بلغني انه ولد بالكوفة سنة ٣٠٣، ونشأ بالشام وأكثر المقام بالبادية، وطلب الأدب وعلم العربية، ونظر في أيام الناس، وتعاطى قول الشعر من حداثته حتى بلغ فيه الغاية التي فاق أهل عصره وعلا شعراء وقته، واتصل بالأمير أبي الحسن بن حمدان المعروف بسيف الدولة وانقطع إليه وأكثر القول في مدحه.

ثم مضى إلى مصر فمدح بها كافور الخادم، وأقام هناك مدة ثم خرج من مصر وورد العراق ودخل بغداد وجالس بها أهل الأدب، وقرئ عليه ديوانه، ثم ذكر الخطيب من حفظه انه حفظ كتاباً كان نحو ثلاثين ورقة بنظرة واحدة...

وذكره القاضي نور الله (ره) في شعراء


الشيعة ونقل عن الشيخ عبد الجليل الرازي انه نقل منه هذا الشعر:

أبا حسن لو كان حبك مدخلي

جهنم كان الفوز عندي جحيمها

وكيف يخاف النار من بات موقناً

بأن أميــر المؤمنيــن قسيمهـــــا(١)

ويؤيد تشيعه: ان أمه همدانية من صلحاء النساء الكوفيات، وتشيع قبيلة همدان أشهر من نار على علم، فقد رضع المتنبي التشيع مع اللبن، كما قال الشاعر:

لا عذب الله أمي انها شربت

حب الوصي وغذتنيـــــه باللبــــــــــن

__________________

١ - بحار الأنوار: ج١٠٤، ص١١٤، وقد عوتب المتنبي على تركه مديح أهل البيت (ع) وبالأخص علي بن ابي طالب (ع)، فقال:

وتركت مدحي للوصي تعمداً

إذا كان نوراً مستطيلاً شامــــــــــــــــلا

وإذا استظل الشيء قام بنفسه

وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا


وكان لي والد يهوى أبا حسن

فصرت من ذي وذا أهوى أبا حسن

يحكى انه كان لسيف الدولة مجلس يحضره العلماء كل ليلة فيتكلمون بحضرته، فوقع بين المتنبي وبين ابن خالويه النحوي كلام فوثب ابن خالويه على المتنبي فضرب وجهه بمفتاح كان معه فشجه وخرج دمه يسيل على ثيابه فغضب وخرج إلى مصر وامتدح كافور الاخشيدي، ثم رحل عنه وقصد بلاد فارس، ومدح عضد الدولة الديلمي فأجزل جائزته، ولما رجع من عنده قاصداً بغداد ثم إلى الكوفة في شعبان لثمان خلون منه سنة ٣٥٤، عرض له فاتك بن أبى الجهل الأسدي في عدة من أصحابه، وكان مع المتنبي أيضاً جماعة من أصحابه فقاتلوهم فقتل المتنبي وابنه محمد وغلامه مفلح بالقرب من النعمانية (بلد بين واسط وبغداد) في موضع يقال له الصافية من الجانب الغربي من سواد بغداد عند دير العاقول بينهما مسافة ميلين، كذا عن ابن خلكان.

قال ابن جني النحوي سمعت أبا الطيب يقول إنما لقبت بالمتنبي لقولي:


أنا ترب الندى ورب القوافي

وسمام العدى وغيظ الحسود

أنافي أمة تداركها الله غري

ـب كصالح في ثمود

ما مقامي بأرض نحلة إلا

كمقام المسيح بين اليهود

ونحلة: قرية بقرب بعلبك(١) .

المجلسي

شيخ الإسلام، مروّج المذهب والدين، الإمام العلامة المحقق المدقق محمد باقر بن محمد تقي بن المقصود علي المجلسي قدس الله تعالى أرواحهم.

قال صاحب المستدرك: ((لم يوفق أحد في الإسلام مثل ما وفق هذا الشيخ المعظم والبحر الخضم والطود الأشم من ترويج المذهب وإعلاء كلمة الحق وكسر صولة المبتدعين، وقمع زخارف الملحدين، وإحياء دارس سنن الدين المبين، ونشر آثار أئمة المسلمين

__________________

١ - عباس القمي ، م س : ج٣، ص ١٣٩ - ١٤٣.


بطرق عديدة وأنحاء مختلفة أجلها وأبقاها التصانيف الرائقة الأنيقة الكثيرة التي شاعت في الأنام وينتفع بها في آناء الليل والأيام، العالم والجاهل والخواص والعوام، والعجمي والعربي مع ما خرج من مجلسه جماعة كثيرة من الفضلاء.

وصرح تلميذه الأجل الميرزا عبد الله الاصبهاني في انهم بلغوا إلى ألف نفس.

وفي اللؤلؤة والروضه البهية في ترجمته وهذا الشيخ لم يوجد في عصره ولا قبله قرين في ترويج الدين وإحياء شريعة سيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتصنيف والتأليف، والأمر والنهي وقمع المعتدين والمخالفين من أهل الأهواء والبدع سيما الصوفية والمبدعين.

وكان إماماً في الجمعة والجماعة، وهو الذي روج الحديث ونشره سيما في بلاد العجم، وترجم لهم الأحاديث بالفارسية بأنواعها من الفقه والأدعية والقصص والحكايات المتعلقة بالمعجزات والغزوات وغير ذلك مما يتعلق بالشرعيات مضافاً إلى تصلبه في الأمر


بالمعروف والنهي عن المنكر وبسط يد الجود والكرم لكل من قصده.

وقد كانت مملكة الشاه السلطان حسين لمزيد خموله وقلة تدبيره محروسة بوجوده الشريف، فلما مات انتقضت أطرافها وبدا اعتسافها. وأخذت من يده في تلك السنة بلدة قندهار، ولم يزل الخراب يستولي عليها حتى ذهبت من يده.

ومن خصائص فصائله انه كان المتصدي لكسر أصنام الهنود في دولتخانه كما ذكره معاصره الأمير عبد الحسين الخواتون ابادي في وقائع جمادى الاولى من سنة ١٠٩٨ من تاريخه.

وقال صهره العالم الجليل الأمير محمد صالح الخاتون ابادي في حدائق المقربين في ترجمته بعد مدحه بعبارات رشيقة ما ملخصه: وحقوق جنابه المفضل على هذا الدين من وجوه شتى أوضحها ستة وجوه:

(أولها) انه استكمل شرح الكتب الأربعة التي عليها المدار في جميع الأعصار وسهل الأمر في حل مشكلاتها،


وكشف معضلاتها على سائر فضلاء الأقطار، واكتفى بشرح والده على الفقيه حيث لم يشرحه، وأمرني أيضاً بشرح الاستبصار فشرحته بيمن إشارته.

(وثانيها): انه جمع سائر المروية في مجلدات بحاره الذي لم يكتب في الشيعة كتاب مثله.

(وثالثها): المؤلفات الفارسية التي في غاية النفع والثمرة للدنيا والآخرة.

(ورابعها): إقامة الجمعة والجماعات وتشييده لمجامع العبادات.

(وخامسها): الفتاوى وأجوبة مسائل الدين الصادرة منه التي كان ينتفع: المسلمون في غاية السهولة واليوم بقيت الناس حيارى.

(سادسها): قضاؤه لحوائج المؤمنين وإعانته إياهم ودفعه عنهم ظلم الظلمة وما كان من شرورهم وتبليغه عرائض الملهوفين إلى أسماع الولاة والمتسلطين ليقوموا بإنجادهم...

توفي (ره) سنة ١١١٠ في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان وعمره إذ ذاك


ثلاثاً وسبعين فإنه ولد في سنة ١٠٣٧ وهو يوافق عدد (جامع كتاب بحار الأنوار) ومرقده الشريف في أصفهان في باب القبلة من جامعها الأعظم.

ووالده محمد تقي المجلسي، كان وحيد عصره وفريد دهره أورع أهل زمانه وأزهدهم وأعبدهم(١) .

محمد بن أبي بكر

ومحمد هذا ولد أبي بكر بن أبي قحافة، الخليفة الأول من زوجته أسماء بنت عميس الحبشية، استشهد جعفر فتزوجها أبو بكر وأولدها محمداً، وبعد وفاة أبي بكر تزوجها الإمام عليعليه‌السلام

يقول ابن أبي الحديد:

ان محمد بن أبي بكر ربيب علي وخريجه، وكان جارياً عنده مجرى أولاده، رضع الولاء بالتشيع منذ زمن صباه فنشأ

__________________

١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٣، ص١٤٧ - ١٥٠.


عليه، فلم يكن يعرف له أبا غير عليعليه‌السلام حتى قال علي: ان محمداً ولدي من صلب أبي بكر، وكان يكنى بأبي القاسم، كنته بذلك أخته السيدة عائشة كما يقول الكثير(١) من المؤرخين، وقد أولد محمد ابنه القاسم وكان القاسم فقيه أهل الحجاز في زمانه، وأولد القاسم عبد الرحمن وأم فروة، فكان عبد الرحمن من فضلاء قريش وتزوج الإمام الباقر محمد بن علي بن الحسينعليه‌السلام أم فروة وأولدها الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام ، وقد مدح السيد الرضي أم فروة بقصيدة طويلة مطلعها:

يفاخرنا قوم بمن لم نلدهم

بتيم إذا عد السوابق أو عدي

ويقول بمدح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليعليه‌السلام في ختامها:

فجدي نبي ثم جدي خليفة

فأكرم بجدينا عتيق وأحمد

__________________

١ - ترجمته في الاستيعاب.


وما افتخرت بعد النبي بغيره

به صفقت يوم البياع على يد(١)

روى ابن عبد البر في الاستيعاب ان علي بن أبي طالب كان يثني على محمد بن أبي بكر ويفضله لأنه كانت له عبادة واجتهاد، وإن راية علي يوم الجمل كانت بيده على الرجال واشترك مع الإمام في (صفين) وولاه عليعليه‌السلام على مصر بعد ان عزل عنها قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، فسار إليه عمرو بن العاص في جيش من أهل الشام فاقتتلوا حتى بقي محمد وحده فلجأ إلى خربة كانت بالقرب منه، ولما عثر به أحرقه فيها معاوية ين خديج، وقيل جاء به أسيراً فقتله عمرو صبراً، وقيل لما جاءوا به أدخله خديج في جوف حمار وأحرقه، وحرمت أخته السيدة عائشة على نفسها أكل اللحم المشوي. وكانت تدعو عقب الصلاة على معاوية وعمرو بن العاص.

اتهم محمداً جماعة من الرواة بأنه اشترك في قتل عثمان واعتبروه ممن

__________________

١ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج٦، ص٥٤


اشترك في دمه، ويقول ابن عبد البر، ان جماعة من أهل العلم نفوا اشتراكه في دم عثمان.

ولما وجه الإمام عليعليه‌السلام محمداً إلى مِصر زوّده بكتاب قيّم كان منهاجاً لأمارته، ودستوراً لحكمه، ودروساً في تهذيب النفس والأخلاق الفاضلة، والآداب الحسنة أورده ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج:ص ٣٩، ٤٠، ٤٢، ٤٣، ويقول ابن أبي الحديد:

إن هذا الكتاب وبقية كتب محمد لما قتل استولى عليها عمرو بن العاص، وأرسلها إلى معاوية، وكان معاوية ينظر في هذا الكتاب، ويتعجب منه.

وقال الوليد بن عقبة وكان عند معاوية ورأى إعجابه بهذه الكتب فقال لمعاوية: مُر بهذا الكتاب ان يحرق، فقال له معاوية: صه لا رأي لك... فقال الوليد: أفمن الرأي ان يعلم الناس ان أحاديث أبي تراب عندك تتعلم فيها؟ فقال معاوية: ويحك أتأمرني ان أحرق علماً كهذا؟ والله ما سمعت بعلم هو أجمع منه ولا أحكم، فقال له الوليد، ان كنت


تعجب من علمه وفضله فلم قاتلته؟ فقال: لولا أنه قتل عثمان لأخذنا عنه.

يقول ابن أبي الحديد في المصدر نفسه، فلم تزل هذه الكتب في خزائن الأمويين حتى ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، فأظهرها.

واحتمل ابن أبي الحديد ان يكون هذا الكتاب الذي أعجب به معاوية هو عهد الإمام عليعليه‌السلام لمالك الأشتر، والحديث عن محمد بن أبي بكر حديث طويل في فضله وشجاعته وإيمانه وتقواه وتفانيه في سبيل علي وآل علي، ومن أراد المزيد فليراجع شرح نهج البلاغة: ص٣٩ - ٥٦ من المجلد الثاني طبع دار الفكر(١) .

محمد بن مسلم

هو محمد بن مسلم الطائفي الثقفي القصير الطحان الكوفي الأعور، عربي

__________________

١ - موسوعة العتبات المقدسة، جعفر الخليلي: ج١، ص٣٦٣ - ٣٦٥، طبع مؤسسة الأعلمي، بيروت.


مات سنة خمسين ومائة.

حدثنا جعفر بن الحسين، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن ياسين الضرير البصري، عن حريز، عن محمد بن مسلم قال: ما شجرني في قلبي شيء قط إلا سألت عنه أبا جعفرعليه‌السلام حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث وسألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن ستة عشر ألف حديث(١) .

جعفر بن الحسين، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن علي بن حسان عن علي بن عطية الزيات الملقب بالبواب، عن محمد بن مسلم قال:

قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : جعلت فداك أخبرني بركود الشمس(٢) ، قال: ويحك يا محمد ما أصغر جثتك وأعضل مسألتك، ثم سكت عني ثلاثة أيام، ثم قال لي في اليوم الرابع: إنك لأهل للجواب. - والحديث

__________________

١ - رواه الكشى في رجاله: ص١٠٩. ونقله المجلسي من الاختصاص في البحار: ج١١، ص٩٤.

٢ - الركود: السكون والثبات.


معروف -(١) .

حدثنا محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، وسعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الله بن محمد الحجال، عن العلاء بن رزين، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إني ليس كل ساعة ألقاك ولا يمكنني القدوم ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كلما يسألني عنه قال:

فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي فإنه قد سمع من أبي وكان عنده مرضيا وجيهاً(٢) .

وحدثنا أحمد بن محمد بن يحيى، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن هلال العبدي، عن الحسن بن علي بن

__________________

١ - روى الصدوق -رحمه‌الله - تمام الحديث في الفقيه: ص٦٠.

٢ - رواه الكشى ــرحمه‌الله ــ في رجاله: ص١٠٨ ونقله المجلسي ــرحمه‌الله ــ من الاختصاص في المجلد الحادى عشر: ص٩٥ من البحار.


فضال، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة قال:

شهد أبو كريبة الأزدي ومحمد بن مسلم الثقفي عند شريك بشهادة وهو قاض فنظر في وجههما ملياً ثم قال: جعفريان فاطميان، فبكيا. فقال لهما: ما يبكيكما؟ فقالا له: نسبتنا إلى أقوام لا يرضون بأمثالنا أن نكون من إخوانهم لما يرون من سخيف ورعنا ونسبتنا إلى رجل لا يرضى بأمثالنا أن نكون من شيعته فإن تفضل وقبلنا فله المن علينا والفضل قديماً، فتبسم شريك ثم قال: إذا كانت الرجال فلتكن أمثالكم، يا وليد أجزهما هذه المرة ولا يعودا ثانية، قال: فحججنا فخبرنا أبا عبد اللهعليه‌السلام بالقصة فقال: وما لشريك شركه الله يوم القيامة بشراكين من نار(١) .

وحدثنا أحمد بن هارون، وجعفر بن الحسين، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، وسعد بن عبد الله، عن

__________________

١ - رواه الكشى ــرحمه‌الله ــ في رجاله: ص١٠٨ ونقله المجلسي في البحار : ج ١١ ، ص ٢٢٤


أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن فضال، عن علي بن عقبة أو غيره، عن أبي كهمش قال:

دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام فقال: لي شهد محمد بن مسلم الواسطي القصير عند ابن أبي ليلي بشهادة فرد شهادته؟ فقلت: نعم، فقال:

إذا صرت إلى الكوفة فائت ابن أبي ليلى وقل له: أسألك عن ثلاث مسائل لا تفتني فيها بالقياس ولا تقل: قال أصحابنا، ثم سله عن الرجل يشك في الركعتين الأولتين من الفريضة وعن الرجل يصيب جسده أو ثيابه البول كيف يغسله وعن الرجل يرمي الجمار بسبع حصات فتسقط منها واحدة كيف يصنع؟ فإذا لم يكن عنده فيها شيء فقل له: يقول لك جعفر بن محمد:

ما حملك على أن رددت شهادة رجل أعرف بأحكام الله منك وأعلم بسنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منك؟

فقال أبو كهمش: فلما قدمت الكوفة أتيت ابن أبي ليلي قبل أن أصير إلى المنزل فقلت له: أسألك عن ثلاث مسائل


لا تفتني فيها بالقياس ولا تقل: قال أصحابنا، قال: هات، قلت: ما تقول في الرجل يشك في الركعتين الأولتين من الفريضة؟ فأطرق ثم رفع رأسه إلي فقال: قال أصحابنا، فقلت له: هذا شرطي عليك أن لا تقول: قال أصحابنا، فقال: ما عندي فيها شيء، فقلت له: ما تقول في الرجل يصيب جسده أو ثيابه البول كيف يغسله؟ فأطرق ثم رفع رأسه فقال: قال أصحابنا، فقلت: هذا شرطي عليك، فقال: ما عندي فيها شيء، فقلت: فرجل رمى الجمار بسبع حصيات فسقطت منه حصاة كيف يصنع؟ فطأطأ رأسه ثم رفع رأسه فقال: قال أصحابنا، فقلت: أصلحك الله هذا شرطي عليك، فقال: ليس عندي فيها شيء، فقلت:

يقول لك جعفر بن محمدعليه‌السلام : ما حملك على أن رددت شهادة رجل أعرف بأحكام الله منك وأعرف بسنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منك؟ فقال: ومن هو؟ فقلت: محمد بن مسلم الواسطي القصير، قال: فقال: الله، جعفر بن محمد قال لك هذا؟ قال: فقلت: الله، قال لي جعفر بن محمد عليه السلام هذا، قال:


فأرسل إلى محمد بن مسلم فدعاه فشهد عنده بتلك الشهادة فأجاز شهادته(١) .

أحمد بن محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: أقام محمد بن مسلم أربع سنين بالمدينة يدخل على أبي جعفرعليه‌السلام يسأله ثم كان يدخل بعده على أبي عبد اللهعليه‌السلام يسأله، قال ابن أبي عمير: سمعت عبد الرحمن بن الحجاج وحماد بن عثمان يقولان:

ما كان أحد من الشيعة أفقه من محمد بن مسلم(٢) .

وعنه عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن عبد الله بن بكير، عن محمد بن مسلم، قال: إني ذات ليلة لنائم على السطح إذ طرق الباب طارق، فقلت: من هذا؟ فقال: اشرف رحمك الله، فأشرفت فإذا امرأة، فقالت: لي

__________________

١ - رواه الكشي في رجاله: ص١٠٩ ونقله المجلسي في البحار: ج١١، ص٢٢٧ [الاختصاص: ص٢٠٢ ــ ٢٠٣.

٢ - نقله المجلسي في البحار: ج١١، ص٢٢٤.


ابنة عروس يضربها الطلق فما زالت تطلق حتى ماتت والولد يتحرك في بطنها ويذهب ويجيء فما أصنع؟

فقلت: لها يا أمة الله سئل محمد بن علي بن الحسين الباقر  عن مثل هذا فقال: يشق بطن الميت ويستخرج الولد، يا أمة الله افعلي مثل ذلك، يا أمة الله، إني رجل في ستر، من وجهك إلي؟ قالت لي: رحمك الله جئت إلى أبي حنيفة صاحب الرأي فقال لي: ما عندي فيها شيء ولكن عليك بمحمد بن مسلم الثقفي فإنه يخبرك، فما أفتاك به من شيء فعودي إلي فأعلمينه، فقلت لها: امضي بسلام، فلما كان الغد خرجت إلى المسجد فإذا أبو حنيفة يسأل أصحابه عنها فتنحنحت، فقال: اللهم غفراً دعنا نعيش(١) .

__________________

١ - التنحنح: تردد الصوت في الصدر، وفي بعض النسخ ((فتبحبحت)) والغفر: الستر. والخبر رواه الكشي في رجاله: ص١٠٨ ونقل في البحار: ج١١، ص٢٣٠ منه ومن الاختصاص (الاختصاص: ص٢٠٤.


محمد بن مهدي بن أبي ذر النراقي

توفي في النجف الأشرف سنة ١٣٠٩هـ ودفن هناك ولم يعرف تاريخ ولادته.

برز النراقي في القرن ١٢، ١٣ كأحد كبار وشيوخ ومجتهدي الشيعة الممتازين، انه تفوق في علم الفلسفة والرياضيات والفقه والأخلاق وغيرها وكانت له إرادة وشخصية قوية.

كان يتصف بالصبر والتحمل والتي قلما تجدها في الرجال العظام.

كانت له رغبة شديدة في طلب العلم، وكان يعاني من فقر شديد حتى انه لم يستطع ان يوفر الزيت لمصباحه ليقرأ على نوره.

وكان يستفيد من ضياء مصابيح المدرسة وتمنع عزّة نفسه من ان يطلع على فقره أحداً.

قضى أكثر عمره في أصفهان قرب أساتذة الفلسفة أمثال خواجوئي، ومحمد مهدي هرندي، ومحمد بن حكيم محمد زمان. ثم سافر إلى كربلاء والنجف وقضى وقته عند علماء النجف وكربلاء أمثال: الوحيد البهبهاني والشيخ يوسف


البحراني المتوفى سنة ١١٨٦ هجري، والشيخ مهدي فتوئي العاملي المتوفى سنة ١١٨٣ هجري.

وبعد ان أكمل تحصيله عاد إلى كاشان وأسس هناك مدرسة علمية مهمة، حيث تحولت كاشان إلى مركز علمي مهم في حياته وبعد وفاته.

ثم بعد ذلك غادر إلى العراق وتوفي في النجف ودفن فيها.

مؤلفاته

ألف في الفلسفة والأخلاق والفقه والرياضيات وعلوم أخرى:

١.جامع الأفكار وناقد النظار

٢.جامع السعادات

٣.معتمد الشيعة في أحكام الشريعة

٤.لوامع الأحكام في فقه شريعة الإسلام

٥.التحفة الرضوية في المسائل الدينية

التجريد في الأصول(١) .

__________________

١ - فلاسفة الشيعة : ص ٥١٣


الشيخ محمد حسن آل الجواهر

أحد منارات الصادقين، وفطاحل العلم والفقه والمآثر، هو الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر (الموسوعة الفقهية الضخمة) جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، وأحد الكتب المهمة في استنباط الفتاوى والأحكام الشرعية، والذي وصفه المحدث النوري بأنه كتاب لم يصنّف مثله في الحلال والحرام أبداً.

وقال: لو أراد مؤرخ ان يسجل أعظم حادث عجيب أيام الشيخ محمد حسن فإنه يسجل تأليف كتاب جواهر الكلام. هذا الرقم من الأرقام التي يفخر بها تاريخ المسلمين العرب ويفخر بها العراق بالذات باعتباره أحد مشاهير مراجع النجف الذي نهض بالمرجعية خير ما ينهض به المجاهدون العاملون. وهو أستاذ المرحوم الشيخ مرتضى الأنصاري صاحب النهضة العلمية والأصولية الجديدة.

وهو من مواليد عام ١٢٠٠هـ ، ومن نبوغه انه ألف هذا السفر الضخم وهو


ابن ٢٥ سنة.

وبالإضافة إلى عطائه العلمي له أمور جليلة وآثار وخدمات فهو الذي أوصل الماء إلى النجف بعدما كانت النجف تعاني العطش من قرون طويلة... ففكررحمه‌الله بفتح قناة من نهر الفرات إلى وادي النجف مهما كلّف الأمر - وهذا المشروع لم يفكر به أحد لما يتطلب من جهد شبه مستحيل، وميزانية ضخمة من المال - ولما كلمه وجهاء النجف في صعوبة هذا أجابهم بهمة وعزم، بأني قدّرت لذلك كل التقديرات المعنوية والمادية وهيأت له بمقابل ما نخرجه من الرمل ذهباً، ثم سألهم: هل هذا يكفي؟ فسكتوا.

بهذا التصميم العملاق - ذلل كل صعوبة - وبالفعل بوشر بالمشروع وحفر النهر وكان يحمل اسمه ويقع على يسار الذاهب من النجف إلى الكوفة ونبعه الأصلي من الفرات ويتصل بأراضي تعرف بـ (أراضي آل حسن) ونزل أحد رجالات النجف وكان طويل القامة ليكشف عمقه حينما افتتح فغطس فيه ولم تخرج إلا


أصابع يده وهو الشيخ منّاع المعروف بطوله الخارق.

ومن مشاريع الشيخ محمد حسن الجواهري المأثورة: انه سعى ببناء مأذنة لمسجد الكوفة، وروضة مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، وطبعاً كتب إلى ملك الهند آنذاك أمجد علي شاه وكان ذلك عام ١٢٦٠، وفعلاً نفّذ المشروع، ولما اكتملت احتفل الناس بإكمالها وقال مؤرخاً لها الشيخ إبراهيم صادق:

واستنار الأفق من مأذنة

أذن الله بأن ترقى زحل

لهج الذاكر في تاريخها

علناً حي على خير العمل

وكذلك فقد أسس بناية بجوار مسجد السهلة تكون محل مقام وحوائج الزوار وذلك لإنقاذ قدسية مسجد السهلة. وكان المرحوم يهتم بمسجد السهلة كثيراً، ويقال ان العادة المشهورة بالذهاب إلى مسجد السهلة ليلة الأربعاء منشؤها الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر.

ترك ٤٠ تلميذاً كلهم علماء كبار ومجتهدون.


أما شجاعته فهو الذي دعا أهل النجف للتدريب على السلاح وتضامن مع العلماء لحماية النجف من الغارات.

توفي في النجف الأشرف ودفن فيها عام ١٢٦٦، ورثاه تلميذه صاحب نخبة المقال:

ثم محمد حسن بن الباقر

شيخ جليل صاحب الجواهر

عنه استفدنا برهة مما سلف

كانت وفاته على أرض النجف(١)

__________________

١ - مع الصادقين : ج ١ ، ص ١٢٨ - ١٣٣


الشيخ محمد حسن المظفر

من شموع الصادقين الباذلين كل ما عندهم لله ولرسوله ولآل بيته، هو الحبر المقدس الإمام الراحل محمد حسن المظفر طيب الله ثراه وجعل الجنة مأواه.

هذا وعند مدخل مدينة النجف الأشرف وعلى الطريق العام وعلى الجانب الأيسر باتجاه الحرم الشريف تقع مقبرة، يقف بعض المارة يقرأ عندها الفاتحة وهي تعرف بمقبرة المظفر حيث دفن فيها هذا العالم الجليل.

والشيخ محمد حسن آل المظفر هو من مواليد النجف الأشرف عام ١٣٠١هـ وقد ولد من أب ينتمي إلى أسرة علمائية تمتد على مدى أظهر معدودة وبرع ونشأ في جَوَّ الفقه والفقاهة ودرس مختلف العلوم بما فيها علوم الرياضة والفلك والحساب وأصبح من المدرسين المشهورين في بحث الخارج وذلك بعد وفاة المرحوم السيد كاظم اليزدي صاحب العروة الوثقى.

وقد ركّز عليه المرحوم السيد أبو


الحسن الاصفهاني ليكون خلفه في المرجعية فدعاه إلى إقامة الصلاة مكانه فترات غيابه في جامع الهندي (أكبر مسجد في النجف آنذاك) ما رغّبه المرحوم الاصفهاني في إرجاع أمور الناس إليه في حل المعضلات وشؤون القضاء فرفض ذلك مصراً على بقائه في إمامة المصلين في مسجده الصغير المعروف بمسجد المسابك كما آثر ان يبقى في طوق العزلة والانصراف إلى التدريس والتأليف والابتعاد عن مظاهر الزعامة رغم مؤهلاته لها.

وطبعاً أثر هذا في ان يقدم للمكتبة الإسلامية وللحضارة عطاءً وافراً على صعيد تربية التلاميذ وعلى مستوى التأليف في مختلف المجالات.

وله عدة مؤلفات مشهورة إلا ان أهمها وأكبرها أثراً هو كتابه (دلائل الصدق) والذي رد فيه على فتنة ابن روزبهان أو أقوال روزبهان، فردّ عليه المرحوم المظفر في محاضرة كلامية هادئة في المسائل الخلافية بين الشيعة وأهل الجماعة، ويمكن القول ان هذا الكتاب


وهو (دلائل الصدق) عديم النظير جمعاً وتحقيقاً وتأسيساً ويستقصي به كلام ابن روزبهان نقطة نقطة فيرفع مبانيه في أسسها ومن جذورها مع أدب كامل ومجاملة هادئة لا يشذ قلمه، علماً بأن المخاطب وهو ابن روزبهان لم يلتزم بأخلاقيات المناظرة.

ومن مؤلفاته الشهيرة (الإفصاح عن أحوال رجال الصحاح) وحينما يقرأه الإنسان يراه كتاباً متفرداً ووحيداً في بابه، إذ يقوم الكتاب على ذكر قسم من رجال كتب الصحاح الستة وتقييمهم من حيث الاعتماد والتزكية.

والشيخ محمد حسن المظفر هو من المجتهدين القلة الذين واجهوا حوادث التطور بنفس منفتحة بعيدة عن التزلف والانطواء وكان متسامحاً في إيلاء ما يسهّل على الناس حياتهم، كما انه كان يرى عدم توفر الأدلة بأن المتنجس ينجّس.

ونقل عنهرحمه‌الله انه كان متجرداً عن الأنانية متحمساً في التفاني في الله مترصداً الحق ولا يحيد عنه ولا تصده عن


كلمة الحق نزوة من حيث الذات وخلجاتها ولا نزعة من نزعات التكبر والخيلاء حتى ان بعض تلاميذه المجتهدين كالمرحوم الشيخ محمد طه الحويزي والمرحوم السيد باقر الشخص كانوا يتحدثون عنه بأنه معصوم غير واجب العصمة وانه كان يعكس ويترجم بمعالمه عظمة الخشية من الله وتقواه، فلقد كانت له هيبة ترتعد منها الفرائص وتصطك لها الأخمص ويخفق لها القلب، وهذا سرّ من أسرار خشية الله والصفاء في التعامل معه.

توفي يوم ٢٣ ربيع الأول عام ١٣٧٥هـ وشيع تشييعاً قل نظيره وتعطلت فيه الأعمال وأوقفت الحوزة دراستها حزناً على فقد هذا العالم العظيم ودفن بجوار أمير المؤمنين علىعليه‌السلام وقد أرخ وفاته الشاعر السيد محمد الحلي بقوله:

كم للهدى بعد أبي أحمد

من أمل خاب ونجم خبــــا


فشرعــــة الحق بتاريخهـــا

تنعى رجاها الحسن المجتبى(١)

محمد ذو النفس الزكية

جاء في هامش كتاب الاحتجاج للقمي ما يلي:

محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالبعليه‌السلام ذو النفس الزكية، ويكنى أبا عبد الله، وقيل أبا القاسم.

ولد سنة (١٠٠) وقتل سنة (١٤٥).

بايعه المنصور مع جماعة من بنى هاشم، فلما بويع لبنى العباس اختفى محمد وإبراهيم مدة خلافة العباس، فلما ملك المنصور وعلم انهما على عزم الخروج عليه جد في طلبهما(٢) وقبض على أبيهما... وأتيا أباهما وهو في السجن فقالا له يقتل رجلان من آل محمد خير من ان يقتل ثمانية، فقال لهما: ان

__________________

١ - مع الصادقين : ج ٢ ، ص ٢٩٧ - ٣٠٠

٢ - محمد و أخوه إبراهيم


منعكما أبو جعفر ان تعيشا كريمين، فلا يمنعكما ان تموتا كريمين ولما عزم محمد على الخروج، واعد أخاه إبراهيم على الظهور في يوم واحد، وذهب محمد إلى المدينة، وإبراهيم إلى البصرة، فاتفق ان إبراهيم مرض، فخرج أخوه بالمدينة وهو مريض بالبصرة، ولما خلص من مرضه وظهر أتاه خبر أخيه انه قتل وهو على المنبر فقال:

سأبكيك بالبيض الصفاح وبالقنا

فان بها ما يدرك الطالب الوترا

ولست كمن يبكى أخاه بعبرة

يعصرها من ماء مقلته عصرا

ولكن أروي النفس منى بغارة

تلهب في قطري كتابتها جمرا

وانا أناس لا تفيض دموعنا

على هالك منا وان قصم الظهرا

ولما بلغ المنصور خروج محمد بن عبد الله خلا ببعض أصحابه فقال له، ويحك! قد ظهر محمد فماذا ترى؟ فقال: وأين ظهر؟ قال، بالمدينة، فقال: غلبت عليه ورب الكعبة، وقال: وكيف؟! قال: لأنه خرج بحيث لا مال ولا رجال، فعالجه بالحرب


فارسل إليه عيسى بن موسى بن على بن عبد الله بن العباس في جيش كثيف، فحاربهم محمد خارج المدينة وتفرق أصحابه عنه حتى بقى وحده فلما أحس بالخذلان دخل داره وأمر بالتنور فسجر، ثم عمد إلى الدفتر الذي أثبت فيه أسماء الذين بايعوه فألقاه في التنور فاحترق ثم خرج فقاتل حتى قتل بأحجار الزيت ومن هنا لقب بذي النفس الزكية لأنه صدق عليه ما روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انه قال: ((تقتل بأحجار الزيت من ولدى نفس زكية))(١) .

محيى الدين بن العربي

الذي يعبرون عنه بالشيخ الأكبر أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطائي الأندلسي المكي الشامي، صاحب كتاب الفتوحات المكية.

برع في علم التصوف، ولقي جماعة من العلماء والمتعبدين، والناس فيه على

__________________

١ - الاحتجاج: ج١، ص١٥٣ - ١٥٤، الهامش


ثلاثة أقسام:

(الأول) من يكفره بناء على كلامه المخالف للشريعة المطهرة، وألفوا في ذلك الرسائل، منهم العلامة السخاوي والتفتازاني والمولى علي القاري.

حكى القاضي نور الله في الإحقاق عن نجم الوهاج للدميري في شرح منهاج النووي في بحث الوصايا انه قال: ومن كان من هؤلاء الصوفية كابن العربي والقطب البونوي العفيف التلمساني فهؤلاء ضلال جهال خارجون عن طريقة الإسلام، فضلاً من العلماء الأعلام، الخ.

(الثاني) من يجعله من أكابر الأولياء العارفين، وسند العلماء العاملين بل يعده من جملة المجتهدين، منهم: الفيروزآبادي صاحب القاموس، والنابلسي والشعراني والكوراني.

قال الفيروزآبادي في حقه على ما حكي عنه: هو عباب لا تكدره الدلاء وسحاب تتقاصر عنه الأنواء، كانت دعواته تخترق السبع الطباق، وتفترق بركاته فتملأ الآفاق، واني أصفه وهو يقيناً فوق ما وصفته، وغالب ظني اني


ما أنصفته.

وأما كتبه ومصنفاته فالبحار الزواخر، ثم وصف كتبه وقال، خصه الله بالعلوم اللدنية الربانية، وكان مسكنه وظهوره بدمشق، ينشر فيها علومه.

(والقسم الثالث) من اعتقد ولايته وحرم النظر في كتبه منهم الجلال السيوطي والحصكفى وغيرهما.

له مصنفات كثيرة، وأعظم كتبه وآخرها تأليفاً الفتوحات المكية في معرفة الأسرار المالكية والملكية قال فيه:

كنت نويت الحج والعمرة فلما وصلت أم القرى أقام الله في خاطري ان اعرف المولى بفنون من المعارف حصلتها في غيبتي وكان الأغلب منها ما فتح الله تعالى علي عند طوافي بيته المكرم (إلى آخره).

ذكر الدميري في حياة الحيوان عن الذهبي عن أبي الفتح القشيرى عن عز الدين عبد السلام وقد سئل عن أبي عربي فقال:


شيخ سوء كذاب فقال وكذاب أيضاً قال: نعم تذاكرنا يوماً نكاح الجن، فقال الجن روح لطيف والإنس جسم كثيف فكيف يجتمعان، ثم غاب عنا مدة وجاء وفي رأسه شجة فقيل له في ذلك، فقال: تزوجت امرأة من الجن فحصل بيني وبينها شيء فشجتني هذه الشجة.

قال الإمام الذهبي بعد ذلك: وما أظن عن ابن عربي تعمد هذه الكذبة وإنما هي من خرافات الرياضية.

توفي سنة ٦٣٨ بعد وفاة الشيخ عبد القادر الگيلاني بثمان وسبعين سنة، وقبره بصالحية دمشق مزار مشهور.

نقل عنه يقول: لا يجوز ان يدان الله بالرأي وهو القول بغير حجة وبرهان من كتاب ولا سنة ولا إجماع.

وأما القياس فلا أقول به ولا أقلد فيه جملة واحدة فما أوجب الله علينا الأخذ بقول أحد غير رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال هذا وقد أكثر القول به في هذا المعنى في مواضع من كتبه، ومن أشعاره:


رأيت ولائي آل طه وسيلة

على رغم أهل البعد يورثني القربى

فما طلب المبعوث أجراً على الهدى

بتبليغه إلا المودة في القربى(١)

__________________

١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٣، ص١٦٤ - ١٦٦.


السيد المرتضى

أبو القاسم علي بن أبي أحمد حسين بن موسى الموسوي (٣٥٥ - ٤٣٦هـ ق).

كُني السيد المرتضى بـ ((ذو الجدين)) و ((علم الهدى)) ولد عام ٣٥٥هـ، وفي شهر ربيع الأول من عام ٤٣٦ هجري توفي ودفن في بيته في بغداد، ثم نقل جثمانه الشريف إلى مرقد الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء.

السيد علم الهدى من أكابر علماء الشيعة في العلم والفقه في القرن الخامس الهجري وكذلك في علم الكلام والأدب والشعر واللغة وعلوم أخرى.

كان فقيهاً وإمام الشيعة الإمامية في تلك الحقبة من الزمان وقد اشتهر في علم الكلام والفلسفة الإسلامية وعلم النجوم وكثير من العلوم الأخرى.

كان متمكناً كثيراً في المناظرات والمحاججات مع المتكلمين وكان يغور عباب الكلام والمحاججات مع كثير من العلماء والمخالفين له.

كانت آثار السيد المرتضى في عقائد


وآراء الشيعة الإمامية خزيناً جيداً وقد ضبط كذلك عقائد وأفكار المتكلمين الإسلاميين وله ثلاث كتب باسم: الشافي في الإمامة

وتنزيه الأنبياء

والأمالي

تعطيك نموذجاً واقعياً من طريقته في الكلام.

كان متمكناً مالياً وله ثروة طائلة تدر عليه مالاً كثيراً مما ساعده على مواصلة بحوثه وأبعدته عن مشاغل الدنيا وهمومها مما أشغلت الآخرين غيره عن مواصلة بحوثهم وعلومهم.

كان السيد المرتضى من العظماء والذين أقرّت بعلمه كافة الطوائف الإسلامية وعظمته، وقال عنه ابن الأثير انه من مجددي مذهب الإمامية في القرن الرابع.

كان الفيلسوف الكبير الخواجة نصير الدين الطوسي، كلما يمر ذكر السيد المرتضى في أثناء درسه يقول: ((صلوات الله عليه)) ثم يتجه إلى حضاره ويقول وهل تصح التحية لغير السيد المرتضى!!


كل من شرح حال السيد المرتضى وصفه بالعظمة ومدحه بشتى أشكال المديح والتحليل، ابن بسام في ((الذخيرة)) قال في حقه:

((ان هذا السيد إمام أئمة أهل العراق من الموافقين والمخالفين ويعترف علماء العراق بمرجعيته لهم. واستفاد من علمه كبار العلماء ويرجع له فضل تأسيس مدارس العراق حيث جمعت العلماء من هنا وهناك ووصل صيته وشهرته لكل الأرجاء)).

يقول الصفدي:

((كان السيد المرتضى فاضل ماهر وأديب متكلم)).

قال الشيخ الطوسي بحقه:

((كان أفضل الرجال من حولي أدباً وفضيلة وكلاماً وفقهاً وجامعاً لكل العلوم)).

أساتذته وتلامذته

في أول دورة تحصيله كان على يد أخيه السيد الرضي ثم انتقل بعد وفاة أخيه إلى رئيس الملة في وقته محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ


المفيد.

وينقل ان أمهما (الرضي والمرتضى) جلبتهما وهما صبيان إلى الشيخ المفيد وطلبت منه تدريسهما. (ومعروف ان الشيخ المفيد كان قد رأى مناماً في الليلة السابقة ان فاطمة الزهراءعليها‌السلام جاءت بولديها الحسن والحسين وقالت للشيخ علمهما ودرسهما).

وله أساتذة عدة من أئمة العلم نذكر منهم:

١. سهل بن أحمد الديباجي من شيوخ الشيعة المتوفى سنة ٣٨٥هـ.

٢. أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني ٢٩٦ - ٣٨٤هـ.

٣. أبو الحسن الجندي

٤. أحمد بن محمد بن عمران الكاتب

وهناك مجموعة من الفقهاء ورجال العلم في كل زمان الذين بلغوا الإمامة في العلم والفقه قد تتلمذوا على يد السيد المرتضى وكذلك فإن بعضهم تتلمذوا بواسطة كتبه وآرائه منهم:

٥. شيخ الطائفة، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة ٤٦٠هـ.


٦. الفقيه المتكلم، أبو يعلى سالار بن عبد العزيز الديلمي المتوفى سنة ٤٤٨هـ.

٧. الإمام أبو الصلاح تقي الدين بن نجم الدين الحلبي.

٨. القاضي، عبد العزيز بن البراج المتوفى سنة ٤٨١هجري.

٩. المتكلم، أبو يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري المتوفى سنة ٤٦٣هـ.

١٠.عماد الدين أبو الصمصام ذو الفقار بن محمد المروزي.

١١.سيد نجيب الدين الحسن بن محمد بن الحسن الموسوي.

١٢.الفقيه، تقي بن أبي طاهر الهادي النقيب الرازي.

١٣.العلامة، أبو الفتح محمد بن علي الكراچكي المتوفى سنة ٤٤٩هـ.

١٤.الفقيه، أبو الحسن سليمان.

١٥.الشيخ محمد بن محمد البصروي.

١٦.أبو عبد الله جعفر بن محمد درويش.

١٧.الفقيه، أحمد بن الحسن بن أحمد النيشابوري.


١٨.أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين الخزاعي النيشابوري المعروف بمفيد نيشابور(١) .

أفكار وآراء السيد المرتضى

مع ان السيد مرتضى كان قد ضبط أفكار الشيعة المختلفة واتجاهاتها في اتجاه واحد وحفظ عقائد الشيعة وآراءها في كتبه حيث يقول العلامة الحلي: لقد ثبت السيد مرتضى أفكار وآراء الشيعة الإمامية في كتبه وحددها وبلورها من زمانه إلى زماننا هذا.

ولكن مع ذلك فإن له آراء وأفكار اختلف فيها مع طراز تفكر الشيعة الإمامية ونظرياتهم منها: ان الإرادة الإلهية بالعرض لا بالمحل. وهذا رأي هشام بن الحكم كما نقله الكندي.

وكذلك خالف وجهة نظر أهل العدل من الشيعة والمعتزلة برأيه: ان صفات الله عين ذاته.

ومن آرائه ان: إعجاز القرآن الكريم

__________________

١ - فلاسفة الشيعة - فارسي : ص ٣٢٦ - ٣٢٧


عن طريق الانصراف أي بالإمكان إنشاء ما يشابه القرآن من حيث الفصاحة والبلاغة.

وكانت هذه عقيدة أبو إسحاق نظام والحسن البصري قبل السيد المرتضى.

وكانت له آراء كثيرة متفرقة في الإمامة منتشرة في كتبه خالف فيها حتى أستاذه الشيخ المفيد مع عظمة الشيخ المفيد وأنه وحيد زمانه ورئيس المذهب في زمانه.

ولكن علم الهدى اشتغل ببعض الأفكار واجتهد حيث ان قطب الدين أبو الحسن سعيد بن هبة الله الراوندي ألف كتاباً في علم الكلام ذكر فيه خمسة وتسعين مورداً خلافياً بين السيد المرتضى وأستاذه المفيد(١) .

مؤلفاته:

للسيد المرتضى حوالي التسعين بين كتاب ورسالة ومقالة كلها في العلوم

__________________

١ - فلاسفة الشيعة : ص ٣٢٨ فارسي طبع طهران ، ١٣٦٧ ه ش


الإسلامية وإنها تمثل ولحد اليوم نموذج فكر الشيعة الإمامية وعقائدها منها:

١.إنقاذ البشر من القضاء والقدر

٢.الشافي في الإمامية، كتاب رد فيه على القاضي عبد الجبار بن أحمد في كتاب المغني. نقل القسم الكبير من هذا الكتاب ابن أبي الحديد في كتابه شرح نهج البلاغة.

٣.المخلص في أصول الدين

٤.كتاب في أقوال المنجمين

المرقال

هاشم بن عتبة بن أبي وقاص حامل الراية العظمى بصفين، لقب المرقال لأنه كان يرقل في الحرب أي يسرع.

كان من أفضل أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقتلرضي‌الله‌عنه في نصرة مولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام بصفين يوم شهادة عماررضي‌الله‌عنه .

وكان عظيم الشأن جليل القدر، من


أراد تحقيق ذلك فليراجع كتاب صفين(١) ، فانه جاهد في صفين، وقاتل قتالاً شديداً، ونصح لرجل شامي، فهداه الله تعالى.

روى ان في صفين كان عمار لا يمر بواد من أودية صفين إلا تبعه من كان هناك من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ثم جاء إلى هاشم بن عتبة المرقال وكان صاحب راية عليعليه‌السلام فقال يا هاشم أعوراً وجبناً لا خير في أعور لا يغشى الناس اركب يا هاشم فركب ومضى معه وهو يقول:

أعور يبغي أهله محلا

قد عالج الحياة حتى ملا(٢)

__________________

١ - كتاب وقعة صفين لابن مزاحم المنقري.

٢ - انظر تكملة الأبيات في كتاب وقعة صفين: ص٣٢٧، تاريخ الطبري: ج٤، ص٣١، وأنساب الأشراف للبلاذري: ص٣٢٠، الإصابة لابن حجر: ج٦، ص٤٠٥، وأسد الغابة لابن الأثير: ج٥، ص٤٩، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج٣٣، ص٣٤٣ وشرح ابن أبي الحديد: ج٨ ، ص٣٥، وشرح الأخبار للنعمان المغربي: ج٢، ص٣٣.


وعمار يقول: تقدم يا هاشم الجنة تحت ظلال السيوف، والموت تحت أطراف الأسنة، وقد فتحت أبواب السماء وزينت الحور العين، اليوم ألقي الأحبة محمداً وحزبه، وقاتل قتالاً شديداً، وحمل عليه الحرث بن المنذر فطعنه فسقط وقد انشق بطنه فلما سقط رأى عبيد الله بن عمر قتيلاً إلى جانبه فجثا حتى دنا منه فعض على ثديه حتى تبينت فيه أنيابه، ثم مات هاشم وهو على صدر عبيد الله ولما قتل هاشم جزع الناس عليه جزعاً شديداً وأصيبت معه عصابة من أسلم من القراء فمر بهم علي وهم قتلى حوله، فقالعليه‌السلام :

جزى الله خيراً عصبة أسلمية

صباح وجوهٍ صرعوا حول هاشم

وأخوه نافع بن عتبة، كان مع عليعليه‌السلام في صفين(١) .

قال صاحب الاستيعاب في ترجمته:

هاشم بن أبي وقاص، وكان يعرف بهاشم الخير القرشي، الزهري، ابن أخ سعد بن

__________________

١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٣، ص١٨٠ - ١٨١


أبي وقاص، فاتح جلولاء، وقائد جيشها، وكان فتح جلولاء بعد فتح الفتوح. غنم المسلمون فيها ثمانية عشر ألف ألف.

كان يكنى بأبي عمرو، يلقب بالمرقال، وبهاشم الخير، وكان من الفضلاء الخيار، وكان من الأبطال. فقئت عينه في (اليرموك)، ثم أرسله عمر من اليرموك مع خيل العراق إلى سعد وكتب له بذلك فشهد القادسية، وأبلى فيها بلاءً حسناً، وقام في ذلك اليوم بما لم يقم به أحد، وكان هو سبب الفتح للمسلمين.

وكان فاضلاً خيراً شهد مع علي حروب الجمل، وصفين، وكانت راية علي على الرجالة بيده في صفين.

وروي في الاستيعاب وابن حجر في الإصابة عن طريق الأعمش عن عبد الرحمن السلمي قال رأيت عمار بن ياسر، وهاشم بن عتبة وهو يرتجز ويقول:

أعور يبغي أهله محلا

قد عالج الحياة حتى ملاّ

لابد ان يغلّ أو يغلاّ

ثم أخذا في واد من أودية صفين فما


رجعا حتى قتلا(١) .

وروى المصدر نفسه في ترجمته لما جاء خبر قتل عثمان إلى أهل الكوفة، قال هاشم لأبي موسى الأشعري:

تعال يا أبا موسى بايع لخير هذه الأمة علي. فقال: لا تعجل، فوضع هاشم يده على الأخرى، وقال: هذه لعلي، وهذه لي وقد بايعت علياً وأنشد:

أبايع غير مكترث عليــا

ولا أخشى أميراً أشعريا

أبايعه وأعلم أن سأرضي

بذاك الله حقاً والنبيــــا(٢)

روى ابن الأثير في حوادث سنة ٣٧ (حرب صفين):

ان هاشماً استدعى الناس عند المساء وقال: من كان يريد الله والدار الآخرة فإليّ، فأقبل الناس إليه، فحمل على أهل الشام مراراً وقاتل قتالاً شديداً، فبينما هو كذلك، إذ خرج عليه شاب من أهل الشام، وهو يرتجز:

__________________

١ - ابن حجر في الإصابة: ج٦، ص٤٠٥.

٢ - نفس المصدر: ج٦، ص٤٠٦.


وحمل على الناس وهو يشتم ويلعن، فقال له هاشم: يا هذا ان هذا الكلام بعده الخصام، وان هذا القتال بعده الحساب، فاتق الله فإنه سائلك عن هذا الموقف وما أمرت به، قال:

إني أقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلي، وأنتم لا تصلون، وأن صاحبكم قتل خليفتنا، وأنتم ساعدتموه على قتله! فقال له هاشم:

ما أنت وعثمان؟ الخ. ثم قال: وأما قولك ان صاحبنا لا يصلي فإنه أول من صلى، وأفقه خلق الله في الدين، وأولى برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأما كل من ترى معي فكلهم قارئ لكتاب الله لا ينام تهجداً فلا يغوينك هؤلاء الأشقياء.

فقال الفتى: هل لي من توبة؟ قال: نعم، تب إلى الله يتوب عليك فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، فرجع الفتى إلى جانب علي وقال أهل الشام: خدعك العراقي فقال: كلا ولكن


نصح لي. (ابن الأثير)(١) .

مروان بن الحكم

قال الإمام علي في الخطبة ٧٢ من نهج البلاغة

قاله لمروان بن الحكم بالبصرة

قالوا: أُخِذَ مروان بن الحكم أَسيراً يوم الجمل، فاستشفع الحسن والحسينعليهم‌السلام إلى أَمير المؤمنينعليه‌السلام ، فكلّماه فيه، فخلّي سبيله، فقالا له: يبايعك يا أمير المؤمنين؟ فقال:

أَفَلَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمانَ؟ لاَ حَاجَةَ لِي في بَيْعَتِهِ! إِنِّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بَايَعَنِي بِيَدِهِ لَغَدَرَ بِسُبَّتِهِ.

أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ، وَهُوَ أَبُو الأَكُبُشِ الأَرْبَعَةِ، وَسَتَلْقَى الأْمَّة مِنْهُ وَمِنْ وَلَدِهِ يَوْمَاً أَحْمَرَ.

__________________

١ - موسوعة العتبات المقدسة: ص٣٦٢ - ٣٦٣.


المسعودي

شيخ المؤرخين وعمادهم، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي الهذلي، العالم الجليل الألمعي، ذكره العلامة (ره) في القسم الأول من خلاصته وقال: ((له كتاب في الإمامة وغيرها، منها كتاب في إثبات الوصية لعلي بن أبي طالبعليه‌السلام وهو صاحب مروج الذهب)).

حكي انه نشأ في بغداد، وساح في البلاد، فطاف فارس وكرمان سنة ٣٠٩ وقصد الهند إلى ملتان، وعطف إلى كنباية فسرنديب ثم ركب البحر إلى بلاد الصين وطاف البحر الهندي وعاد إلى عمان.

ورحل رحلة أخرى سنة ٣١٤ إلى ما وراء أذربيجان وجرجان، ثم إلى الشام وفلسطين، وكان يسكن مصر تارة والشام أخرى، ومن سنة ٣٣٦ إلى ٣٤٤ أقام بالفسطاط.

له كتاب أخبار الزمان ومن أباده الحدثان في ثلاثين مجلداً لا يوجد منه إلا جزء واحد، وله أيضاً ذخائر العلوم وما كان في سالف الدهور، وكتاب في


أخبار الأمم من العرب والعجم، وكتاب المقالات في أصول الديانات، وكتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر.

قال العلامة المجلسي في مقدمة البحار والمسعودي ((عده النجاشي)) في فهرسته من رواة الشيعة، وقال: له كتب، منها: كتاب إثبات الوصية لعلي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وكتاب مروج الذهب، مات سنة(١) ٣٣٣ وقيل انه بقي إلى سنة ٣٤٥.

الحاج مصطفى كبة

من الصادقين النافعين والمحبين لمحمد وآل محمد هو الموفق المحسن الحاج مصطفى كبة، وهو من أسرة شهيرة في العراق تنتشر في بغداد والنجف الأشرف وغيرها. وهذا الرجل اشتهر بأنه ممن جمع خير الدنيا والآخرة، وهي من الفرص النادرة حيث لا يمكن الحصول على

__________________

١ - بحار الأنوار: ج١، ص١٨، الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٥، ص١٨٤ - ١٨٥.


واحدة منها إلا بترك الأخرى، وحسبنا قول أبي العتاهية:

ما أَحسَنَ الدينَ وَالدُنيا إِذا اِجتَمَعا

وَأَقبَحَ الكُفرَ وَالإِفلاسَ بِالرَجُلِ

وهناك حديث للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة، أو الآخرة للدنيا ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه.

فالحاج مصطفى كبة كان ثرياً كبيراً ومن أبرز التجار في زمانه وكان من التقوى والتدين بمكان يغبطه عليه كثير من الناس، فكان معروفاً بإحسانه للناس، وأعماله الإنسانية وإنفاقه على الحوزة العلمية والعلماء، وكان هذا الرجل ملتزماً بزيارة الحسينعليه‌السلام مشياً على الأقدام أحياناً ويصحب في الزيارات كبار العلماء والفضلاء والكسبة الأخيار.

فمن صدقاته الجارية بناؤه هذه الخانات الثلاثة بين النجف وكربلاء وفي عهد الملوك القاجاريين ونتيجة هجمات الوهابيين والنواصب كان الزوار يدفعون الكثير من التضحيات، فيقتل منهم من يقتل، إضافة إلى ان الطريق


صحراوي مليئٌ بالذئاب والضباع والأسود الجائعة فلطالما هوجم الزوار من قبل هذه العناصر، ففكر المرحوم الحاج مصطفى كبة آنذاك ببناء خانات تكون مأوى للزوار، وفي عهدها وقبل ١٨٠ سنة كان هذا أمراً شاقاً بسبب صعوبة نقل المواد الإنشائية ونقل العمال، وكل خان استغرق بناؤه عشرة سنوات تقريباً فبناها على نفقته الخاصة.

وأذكر هنا ملاحظة مهمة وبالرخصة من العلماء بالذات، ان هذا الرجل لما أراد وضع الحجر الأساس لأول خان وهو خان الحماد ويقع في منتصف الطريق بين كربلاء والنجف، ثم بعده خان المصلى وخان النخيلة، فلما أراد وضع الحجر الأساس وكان حوله أكثر من خمسين عالماً وفاضلاً اقترح عليهم ان الذي يضع حجر الأساس يراد ان تتوفر فيه ثلاث خصال:

١ - لم يصل صلاة الصبح قضاءً ولا مرة واحدة.

٢ - لم يستغب أحداً ولو مرة واحدة.

٣ - لم يكذب في حياته ولا مرة، فمن كان ضامناً من نفسه هذه الحالات فليقم


هو لوضع حجر الأساس، فأحجم الكل ولم يجرؤ أحد ان يتقدم، وبعد لحظات قال لهم: عذراً أنا أضع حجر الأساس لأني واثق من نفسي بهذه الحالات الثلاث.

ولهذا الرجل كثير من الصدقات الجارية.

يذكر المرحوم الشيخ محمد علي اليعقوبي انه مدفون في النجف الأشرف وفي حرم أمير المؤمنينعليه‌السلام ، تغمده الله بواسع رحمته(١) .

معاذ بن جبل

جاء في كتاب إرشاد القلوب(٢) :

بحذف الإسناد مرفوعاً إلى عبد الرحمن بن غنم الأزدي، ختن معاذ بن جبل، وحين مات كانت ابنته تحت معاذ بن جبل، وكان أفقه أهل الشام، وأشدهم اجتهاداً، قال: مات معاذ بن جبل

__________________

١ - مع الصادقين، الكشميري: ج٢، ص١٧٢.

٢ - إرشاد القلوب: ج٢، ص١٨٣ - ١٨٦ [٢/ ٣٩١ - ٣٩٤].


بالطاعون، فشهدت يوم مات والناس متشاغلون بالطاعون، قال: وسمعته حين احتضر وليس في البيت غيري ذلك في خلافة عمر بن الخطاب، فسمعته يقول: ويلٌ لي، ويلٌ لي، فقلت في نفسي: أصحاب الطاعون يهذرون، يقولون الأعاجيب، فقلت له: أتهذي؟ قال: لا، رحمك الله، قلت: فلم تدعو بالويل والثبور؟

قال: لموالاتي عدو الله على ولي الله، فقلت له من هم؟ قال: موالاتي عتيقاً و[رمع] على خليفة رسول الله ووصيه علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، فقلت: إنك لتهجر، فقال يا ابن غنم والله ما أهجر، هذان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلي بن أبي طالبعليه‌السلام يقولان لي يا معاذ أبشر بالنار أنت وأصحابك، أفليس قلتم إن مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو قتل زوينا الخلافة عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام فلن تصل إليه؟ فأجتمعت أنا و [عتيق ورمع] وأبو عبيدة وسالم. قال: قلت: متى يا معاذ؟ قال: في حجة الوداع، قلنا نتظاهر على علي بن أبي طالبعليه‌السلام فلا ينال الخلافة ما حيينا، فلما قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قلت لهم: إني أكفيكم قومي


الأنصار فاكفوني قريشاً، ثم دعوت على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى هذا الذي تعاهدنا عليه بشر بن سعيد وأسيد بن حصين فبايعوني على ذلك. فقلت: يا معاذ، إنك لتهجر، فألصق خدّه بالأرض فما زال يدعو بالويل والثبور حتى مات.

فقال ابن غنم: ما حدّثت بهذا الحديث يا ابن قيس بن هلال أحداً إلا ابنتي امرأة معاذ بن جبل ورجلاً آخر، فإنني فزعت مما رأيت وسمعت من معاذ.

قال: فحججت ولقيت الذي غمّض أبا عبيدة وسالماً فأخبراني انهما حصل لهما ذلك عند موتهما، لم يزد فيه حرفاً، كأنهما قالا مثل ما قال ابن جبل، فقلت: أولم يقتل سالم يوم التهامة؟ قال: بلى، ولكنّا احتملناه به رمق.

قال سليم: فحدّثت بحديث ابن غنم هذا كله محمد بن أبي بكر، فقال لي: اكتم علي واشهد ان أبي قال عند موته مثل مقالتهم، فقالت عائشة: ان أبي يهجر.

قال محمد: فلقيت عبد الله بن عمر في خلافة عثمان وحدثته بما سمعت من أبي


عند موته فأخذت عليه العهد والميثاق ألا يكتم عليّ، فقال لي ابن عمر: اكتم عليّ، فوالله لقد قال أبي مثل ما قال أبوك ولا زاد ولا نقص، ثم تداركها ابن عمر بعد وتخوّف ان أخبر بذلك علي بن أبي طالبعليه‌السلام لما علم من حبّي له وانقطاعي إليه، فقال: إنما كان يهجر.

فأتيت أمير المؤمنينعليه‌السلام فأخبرته بما سمعته من أبي وما حدّثني به ابن عمر.

فقال عليعليه‌السلام : قد حدثتني بذلك عن أبيك وعن أبيه وعن ابن عبيدة وسالم وعن معاذ من هو أصدق منك ومن ابن عمر. فقلت: ومن ذاك يا أمير المؤمنين؟

فقال: بعض من حدّثني، فعرفت ما عني، فقلت: صدقت، إنما ظننت إنساناً حدّثك وما شهد أبي وهو يقول ذلك لغيري.

معاوية بن أبي سفيان

حقيقة معاوية على لسان الحسن بن عليعليه‌السلام

اجتمع عند معاوية بن أبي سفيان عمرو بن عثمان بن عفان، وعمرو بن


العاص، وعتبة بن أبي معيط، والمغيرة بن أبي سغبة وقد تواطؤوا على ان يبعثوا على الحسن بن عليعليه‌السلام ليسبوه ويصغروا شأنه ويسبوا أباه.

فحضر الحسنعليه‌السلام وتحدث الحضور جميعاً في سب الحس وأبيه حتى انتهوا فقال الحسنعليه‌السلام : اسمعوا مني مقالتي وأعيروني فهمكم، وبك أبدأ يا معاوية:

انه لعمر الله يا أزرق ما شتمني غيرك، وما هؤلاء شتموني، ولا سبني غيرك وما هؤلاء سبوني، ولكن شتمتني وسببتني فحشاً منك وسوء رأي، وبغياً وعدواناً وحسداً علينا، وعداوة لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قديماً وحديثاً... ثم قال موجهاً كلامه قاصداً معاوية:

أنشدكم بالله هل تعلمون ان الرجل الذي شتمتموه صلى القبلتين كلتيهما وأنت تراهما جميعاً وأنت في ضلالة تعبد اللات والعزى، وبايع البيعتين كلتيهما بيعة الرضوان وبيعة الفتح، وأنت يا معاوية بالأولى كافر، وبالأخرى ناكث.

ثم قال: أنشدكم بالله هل تعلمون ان ما أقول حقاً، انه لقيكم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


يوم بدر ومعه راية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين، ومعك يا معاوية راية المشركين وأنت تعبد اللات والعزى، وترى حرب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرضاً واجباً، ولقيكم يوم أحد ومعه راية النبي، ومعك يا معاوية راية المشركين، ولقيكم يوم الأحزاب ومعه راية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومعك يا معاوية راية المشركين، كل ذلك يفلح الله حجته، ويحق دعوته، ويصدق أحدوثته، وينصر رايته، وكل ذلك رسول الله يرى عنه راضياً في المواطن كلها ساخطاً عليك.

ثم أنشدكم بالله هل تعلمون ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حاصر بني قريضة وبني النظير، ثم بعث عمر بن الخطاب ومعه راية المهاجرين، وسعد بن معاذ ومعه راية الأنصار.

فأما سعد بن معاذ فجرح وحمل جريحا، وأما عمر فرجع هاربا وهو يجبُن ويجبَّن أصحابه ويجبنه أصحابه... وعلي أعطاه الراية فمضى ولم يثن حتى فتح الله عليه بمنه وطوله.

وأنت يومئذ بمكة عدو لله ولرسوله.


أنشدكم بالله... إلى ان قال: وكان رهط لا نعلمهم يتممون عشرة، نبأهم الله انهم مؤمنون، وأنتم في رهط قريب من عدة اولئك لعنوا على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأشهد لكم وأشهد عليكم: إنكم لعناء الله على لسان نبيه كلكم.

وأنشدكم بالله هل تعلمون: ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث إليك لتكتب له لبني خزيمة حين أصابهم خالد بن الوليد فانصرف إليه الرسول فقال: ((هو يأكل)) فأعاد الرسول إليك ثلاث مرات كل ذلك ينصرف الرسول إليه ويقول: ((هو يأكل)) فقال رسول الله: ((اللهم لا تشبع بطنه)) فهي والله في نهمتك، وأكلك إلى يوم القيامة.

ثم قال: أنشدكم بالله هل تعلمون ان ما أقول حقاً انك يا معاوية كنت تسوق بأبيك على جمل أحمر يقوده أخوك هذا القاعد، وهذا: يوم الأحزاب، فلعن رسول الله القائد والراكب والسائق، فكان: أبوك الراكب، وأنت يا أزرق السائق، وأخوك هذا القاعد القائد؟

أنشدكم بالله هل تعلمون ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن أبا سفيان في سبعة مواطن:


أولهن: حين خرج من مكة إلى المدينة وأبو سفيان جاء من الشام، فوقع فيه أبو سفيان فسبه، وأوعده، وهم ان يبطش به، ثم صرفه الله عز وجل عنه.

والثانية: يوم العير حيث طردها أبو سفيان ليحرزها من رسول الله.

والثالثة: يوم أحد قال رسول الله: الله مولانا ولا مولى لكم، وقال أبو سفيان إن لنا العزى ولا عزى لكم، فلعنه الله، وملائكته، ورسله، والمؤمنون أجمعون.

والرابعة يوم حنين: يوم جاء أبو سفيان يجمع قريش وهوازن، وجاء عُيَينة بغطفان واليهود، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيراً، هذا: قول الله عز وجل أنزل في سورتين في كلتيهما يسمي أبا سفيان وأصحابه كفاراً، وأنت يا معاوية يومئذ مشرك على رأي أبيك بمكة، وعلي يومئذ مع رسول اللهعليه‌السلام وعلى رأيه ودينه.

والخامسة: قول الله عز وجل:( وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا (١) ) ، وصددت

__________________

١ - (الفتح: من الآية٢٥).


أنت وأبوك ومشركو قريش رسول الله، فلعنه الله لعنة شملته وذريته إلى يوم القيامة.

والسادسة: يوم الأحزاب يوم جاء أبو سفيان بجمع قريش، وجاء عُيَينة بن حصين بن بدر بغطفان، فلعن رسول الله القادة والأتباع، والساقة إلى يوم القيامة. فقيل: يا رسول الله أما في الاتباع مؤمن؟

قال: لا تعيب اللعنة مؤمناً من الأتباع، أما القادة فليس فيهم مؤمن، ولا مجيب، ولا ناج.

والسابعة: يوم الثنية، يوم شد على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اثنا عشر رجلاً، سبعة منهم من بني أمية، وخمسة من سائر قريش، فلعن الله تبارك وتعالى ورسول الله من حل الثنية غير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسائقه وقائده.

ثم أنشدكم بالله هل تعلمون ان أبا سفيان دخل على عثمان حين بويع في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال:

يا بن أخي هل علينا من عين؟

فقال: لا.

فقال أبو سفيان: تداولوا الخلافة يا فتيان بني أمية فوالذي نفس أبي سفيان


بيده، ما من جنة ولا نار.

وأنشدكم بالله أتعلمون ان أبا سفيان أخذ بيد الحسين حين بويع عثمان وقال: يا بن أخي اخرج معي إلى بقيع الغرقد، فخرج حتى إذا توسط القبور اجتره فصاح بأعلى صوته: يا أهل القبور! الذي كنتم تقاتلونا عليه صار بأيدينا وانتم رميم.

فقال الحسين بن عليعليه‌السلام : قبح الله شيبتك، وقبح وجهك، ثم نتر يده وتركه، فلولا النعمان بن بشير أخذ بيده ورده إلى المدينة لهلك.

ومن لعنتك يا معاوية ان أباك أبا سفيان كان يهم ان يسلم، فبعثت إليه بشعر معروف مروي في قريش وغيرهم، تنهاه عن الإسلام وتصده.

ومنها ان عمر بن الخطاب ولاك الشام فخنت به، وولاك عثمان فتربصت به ريب المنون، ثم أعظم من ذلك جرأتك على الله ورسوله: انك قاتلت علياًعليه‌السلام وقد عرفته وعرفت سوابقه، وفضله وعلمه على أمر هو أولى به منك، ومن غيرك عند الله وعند الناس، ولاذيته بل أوطأت الناس عشوة،


وأرقت دماء خلق من خلق الله بخدعك وكيدك وتمويهك، فعل من لا يؤمن بالمعاد، ولا يخشى العقاب، فلما بلغ الكتاب أجله صرت إلى شر مثوى، وعلي إلى خير منقلب، والله لك بالمرصاد. فهذا لك يا معاوية خاصة، وما أمسكت عنه من مساويك وعيوبك فقد كرهت التطويل(١) .

يقول الطبري في تاريخه:

وتجلدي للشامتين أريهم

أني لريب الدهر لا أتضعضع

قالها معاوية في آخر لحظات حياته حينما جمع أهله فقال: ألستم أهلي؟ قالوا: بلى فداك الله بنا، فقال: وعليكم حزني ولكم كدي وكسبي، قالوا: بل فداك الله بنا، قال: فهذه نفسي قد خرجت من قدمي فردوها عليّ إن استطعتم، فبكوا وقالوا: والله ما لنا إلى هذا من سبيل، فرفع صوته بالبكاء ثم قال: فمن تغره الدنيا بعدي؟ وذكر غير واحد انه لما

__________________

١ - الاحتجاج: ج١، ص٤١١. وانظر المزيد من حديث الإمام الحسن (ع) في بحار الأنوار: ج٤٤، ص٧٣.


وصل في الضعف وتحدث الناس انه الموت قال لأهله: احشوا عيني أثمداً واصبغوا رأسي دهناً، ففعلوا وبرقوا وجهه بالدهن، ثم مهدوا له مجلساً وأسندوه وأذنوا للناس فدخلوا وسلموا عليه قياماً، فلما خرجوا من عنده أنشد قائلاً:

وتجلدي للشامتين أريهم

أني لريب الدهر لا أتضعضع

فسمعه رجل من العلويين فأجابه:

وإذا المنية أنشبت أظفارها

ألفيت كل تميمة لا تنفع(١)

مثل:

وقل للشامتين بنا أفيقوا

سيلقى الشامتون كما لقينا

معاوية وعمرو بن العاص

استأذن عمرو بن العاص على معاوية بن أبي سفيان، فلما دخل عليه استضحك معاوية، فقال له عمرو: ما أضحكك يا أمير ا لمؤمنين، أدام الله سرورك؟ قال:

__________________

١ - حياة الحيوان للدميري : ج ١ ، ص ٩٥


ذكرت ابن أبي طالب وقد غشيك بسيفه فاتقيته ووليت. فقال: أتشمت بي يا معاوية، وأعجب من هذا يوم دعاك إلى البراز فالتمع لونك، وأطت(١) أضلاعك، وانتفخ منخرك، والله لو بارزته لأوجع قذالك(٢) ، وأيتم عيالك، وبزك سلطانك، وأنشأ عمرو يقول:

معاوي لا تشمت بفارس بهمة

لقى فارساً لا تعتليه الفوارس

معاوي لو أبصرت في الحرب مقبلاً

أبا حسن يهوي دهتك الوساوس

وأيقنت أن الموت حق وأنه

لنفسك إن لم تمعن الركض خالس

فإنك لو لاقيته كنت بومة(٣)

أتيح لها صقر من الجو رايس(٤)

__________________

١ - أط: صوت، الأبل: حنت.

٢ - القذال: هو ما بين الأذنين من مؤخر الرأس، ج قذل وأقذلة.

٣ - البوم والبومة: طائر يسكن الخراب، يضرب به المثل في الشؤم.

٤ - من راس يريس: مشى متبختراً، يقال راس =


وماذا بقاء القوم بعد اختباطه؟

وإن امرؤ يلقى علياً لآيس

دعاك فصمت دونه الأذن أذزعاً

ونفسك قد ضاقت عليها الامالس(١)

أتشمت بي إذ نالني حد رمحه

وعضضني ناب من الحرب ناهس

فأي امرئ لاقاه لم يلق شلوه

بمعترك تسفي عليه الروامس

أبى الله إلا أنه ليث غابة

أبو أشبل تهدى إليه الفرائس

فإن كنت في شك فأرهج عجاجة

وإلا فتلك الترهات البسابس

فقال معاوية: مهلا يا أبا عبدا لله، ولا كل هذا. قال: أنت استدعيته.

ما قيل في معاوية

قال البيهقي في مقابل من قال ان معاوية خرج من الإيمان بقتاله عليعليه‌السلام ،

__________________

= القوم: اعتلى عليهم وغلبهم.

١ - الأمالس والأماليس: ج إمليس: الفلاة التي ليس فيها نبات.


قال: بل ان معاوية لم يدخل في الإيمان حتى يخرج منه، بل خرج من الكفر إلى النفاق في زمن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم رجع إلى كفره الأصلي بعده (نقله صاحب الكامل البهائي)(١) .

المعري

أحمد بن عبد الله بن سليمان، المعروف بأبي العلاء المعري، الشاعر الأديب الشهير.

كان نسيجاً وحده بالعربية، ضربت له آباط الإبل إليه، وله كتب كثيرة وكان أعمى ذا فطانة، وله حكايات من ذكائه وفطانته.

حكي انه لما سمع فضائل الشريف السيد المرتضى اشتاق إلى زيارته فحضر مجلس السيد وكان سيد المجالس فجعل يخطو ويدنو إلى السيد فعثر على رجل فقال الرجل: من هذا الكلب؟ فقال

__________________

١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج ٢ ، ص ١١٤


المعرى: من لا يعرف للكلب سبعين اسماً، فلما سمع الشريف ذلك منه قربه وأدناه، فامتحنه فوجده وحيد عصره وأعجوبة دهره.

فكان أبو العلاء يحضر مجلس السيد، وعدمن شعراء مجلسه وجرى بينهما مذاكرات من الرموز ما هو مشهور وفي كتب الاحتجاج مسطور.

قيل ان المعري لما خرج من العراق سئل عن السيد المرتضى رضى الله تعالى عنه فقال:

يا سائلي عنه لما جئت أسأله

ألا هو الرجل العاري من العار

لو جئته لرأيت الناس في رجل

والدهر في ساعة والأرض في دار(١)

__________________

١ - الاحتجاج للطبرسي: ج٢، ص٣٣٦، بحار الأنوار: ج١٠، ٤٠٨، والغدير للأميني: ج٤، ص٢٧٣، ومن الأمور المنقولة وغير الموثقة يقال أنه كان جالساً في مجلس الشريف المرتضى ودار حديثاً حول المتنبي، وكأن الشريف أنتقص منه فيقال أن المعري ردَّ على قول الشريف بأن المتنبي عظيم ولو لم يكن له من الشعر إلا قوله : =


__________________

= «لك يا منازل في القلوب منازل» لكفاه فضلاً، فغضب المرتضى وأمر فسحب برجله وأخرج من منزله، وقال لمن بحضرته: أتدرون ما أراد المعري بذكر هذه القصيدة؟ فإن للمتنبي ما هو أجود منها لم يذكرها، فهو أراد ان يصل إلى ما قاله المتنبي في هذه القصيدة:

وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ

فهي الشهادة لي بأني كامل

والحقيقة ان هذه القصة ليس لها أصلاً يعتمد عليه وإن كثر ناقلوها، فانهم لم يذكروا لنا واحداً من شهود الحادثة. مع أنهم يزعمون أنها وقعت في مجلس السيد المرتضى وهو بحكم العادة يومئذ كان يزخر بطلاب العلم ورجال الفضل مما يشير إلى انها مختلقة من أساسها، فلا أبو العلاء يعتبر الشريف ناقصاً، ولا من خلق الشريف ان يحط من قدر أبي العلاء فيخرجه مهاناً، ويظهر ان الذي ابتدع هذه الحكاية أراد أن يرفع من ذكاء الرجلين فحط من خلقيهما. والدليل على ذلك * أيضاً ان التواصل بينهما كان مستمراً بعد ان غادر المعري بغداد إلى دمشق سأل عن الشريف وقال قوله:

يا سائلي عنه لما جئت أسأله

ألا هو الرجل العاري من العار


ومن شعره:

لو اختصرتم من الإحسان زرتكم

والعذب يهجر للإفراط في الخصر

الخصر: البرد.

حكي عنه انه كان يقول: أتمنى ان أرى الماء الجاري وكواكب السماء حيث كان أعمى، وفي عماه يقول بعض الشعراء:

أبا العـــــــــــــلاء بن سليمانـــــــا

ان العمى أولاك إحسانا

لو أبصرت عيناك هذا الورى

لم ير إنسانك إنسانـــــا

توفي بمعرة النعمان سنة ٤٤٩، والمعري بفتح الميم والعين المهملة وتشديد الراء نسبة إلى معرة النعمان، بلدة قديمه مشهورة بالشام بالقرب من حماة وشيزر(١) .

__________________

لو جئته لرأيت الناس في رجل

والدهر في ساعة والأرض في دار

١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٣، =


المفيد

أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام البغدادي، شيخ المشايخ الجلة ورئيس رؤساء الملة، فخر الشيعة ومحيى الشريعة، مطهم الحق ودليله ومنار الدين وسبيله، اجتمعت فيه خلال الفضل وانتهت إليه رئاسة الكل واتفق الجميع على علمه وفضله وفقهه وعدالته وثقته وجلالته.

كان (ره) كثير المحاسن جم المناقب حديد الخاطر، حاضر الجواب واسع الرواية، خبير بالأخبار والرجال والأشعار.

وكان أوثق أهل زمانه بالحديث، وأعرفهم بالفقه والكلام، وكل من تأخر عنه استفاد منه.

وقال علماء العامة في حقه: هو شيخ مشايخ الإمامية، رئيس الكلام والفقه والجدل، وكان يناظر أهل كل عقيدة،

__________________

= ص ١٩٤ - ١٩٦


وكان كثير الصدقات عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس. عاش ستاً وسبعين سنة، وله أكثر من مائتي مصنف.

توفيرحمه‌الله ليلة الثالث من شهر رمضان ببغداد سنة ٤١٣، وكان مولده يوم إلحادي عشر من ذي القعدة سنة ٣٣٦، وصلى عليه الشريف المرتضى بميدان الاشنان.

يروي عن الشيخ أبو القلم جعفر بن قولويه، والشيخ الصدوق، والشيخ أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد القمي، وابن غالب الزراري، والشيخ محمد بن أحمد بن داود القمي والصفوائي وأبي محمد الحسن بن حمزة الطبري المرعشي والجعابي إلى غير ذلك(١) .

قال الشيخ أبو جعفر الطوسى:

((محمد بن محمد بن النعمان جليل ثقة. وقال في الفهرست ص ١٨٦: محمد بن محمد بن النعمان المفيد يكنى (أبا عبد الله) المعروف بابن المعلم من جملة

__________________

١ - عباس القمي، م. س: ج٣، ص١٩٧ - ١٩٨.


متكلمي الإمامية، انتهت إليه رئاسة الإمامية في وقته، وكان مقدماً في العلم وصناعة الكلام، وكان فقيهاً متقدماً فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، وله قريب من مائتي مصنف كبار وصغار، وفهرست كتبه معروف، ولد سنة (٣٣٨) ه‍ ، وتوفي لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة (٤١٣) ه‍، وكان يوم وفاته يوماً لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف والموافق. ثم قال: سمعنا منه هذه الكتب كلها، بعضها قراءة عليه، وبعضها يقرأ عليه غير مرة وهو يسمع...))(١) .

وقال النجاشي:

((شيخنا وأستاذنارضي‌الله‌عنه ، فضله أشهر من ان يوصف في الفقه والكلام والرواية والثقة له كتب - ثم عدَّله (١٧٤) كتاباً ورسالة - ثم قال:

ماترحمه‌الله ليلة الجمعة لثلاث ليال

__________________

١ - رجال الطوسي : ص ٥١٤


خلون من شهر رمضان سنة (٤١٣) وكان مولده يوم الحادي عشر من ذي القعدة سنة (٣٣٦) وصلى عليه الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين بميدان الاشنان وضاق على الناس مع كبره ودفن في داره سنين، ونقل إلى مقابر قريش بالقرب من السيد أبي جعفرعليه‌السلام وقيل: مولده سنة (٣٣٨)(١) .

وقال العلامة الحلى -رحمه‌الله ــ:

((محمد بن محمد بن النعمان يكنى (أبا عبد الله) يلقب (بالمفيد) وله حكاية في سبب تسميته (بالمفيد) ذكرناها في كتابنا الكبير، ويعرف بابن المعلم، من أجل مشايخ الشيعة ورئيسهم وأستاذهم، وكل من تأخر عنه استفاد منه، وفضله أشهر من ان يوصف في الفقه والكلام والرواية، أوثق أهل زمانه وأعلمهم، انتهت رئاسة الإمامية إليه في وقته، وكان حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب له قريب من

__________________

١ - رجال الطوسي : ص ٣١١


مائتي مصنف كبار وصغار،.. إلى ان قال: ثم نقل إلى مقابر قريش بالقرب من السيد الإمام أبي جعفر الجوادعليه‌السلام عند الرجلين إلى جانب قبر شيخه الصدوق أبي القاسم جعفر بن محمد ابن قولويه))(١) .

وقال الشيخ عباس القمى -رحمه‌الله ــ:

((أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام البغدادي شيخ المشايخ الجلة، ورئيس رؤساء الملة، فخر الشيعة، ومحيي الشريعة، ملهم الحق ودليله، ومنار الدين وسبيله، اجتمعت فيه خلال الفضل، وانتهيت إليه رئاسة الكل واتفق الجميع على علمه وفضله، وفقهه وعدالته، وثقته وجلالته.

كانرحمه‌الله كثير المحاسن، جم المناقب، حديد الخاطر، حاضر الجواب، واسع الرواية، خبيراً بالأخبار والرجال والأشعار.

__________________

١ - خلاصة الأقوال للعلامة الحلي : ٢٤٨


وكان أوثق أهل زمانه بالحديث، واعرفهم بالفقه والكلام، وكل من تأخر عنه استفاد منه(١) .

وقال علماء العامة في حقه: - هو شيخ مشايخ الإمامية رئيس الكلام والفقه والجدل وكان يناظر أهل كل عقيدة، وكان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس، وكان شيخاً، ربعة، نحيفاً، أسمر عاش ستاً وسبعين سنة وله أكثر من مائتي مصنف، كانت جنازته مشهورة شيعه ثمانون ألفاً من الرافضة والشيعة، وأراح الله منه أهل السنة، وكان كثير التقشف والتخشع، والاكباب على العلم، وكان يقال أن له على كل إمامي منَّة(٢) .

وقال الشريف أبو يعلى الجعفري، وكان تزوج بنت المفيدرحمه‌الله :

ما كان المفيد ينام من الليل إلا هجعة ثم يقوم يصلي أو يطالع أو يدرس

__________________

١ - القمي، م. س: ج٣، ص١٦٤.

٢ - الاحتجاج للطبرسي: ج٢، ص٣٢٠.


أو يتلو(١) .

وقال ابن النديم: في عهدنا انتهت رئاسة متكلمي الشيعة إليه، مقدم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر، شاهدته فرأيته بارعاً(٢) .

توفيرحمه‌الله ليلة الثالث من شهر رمضان ببغداد سنة (٤١٣) وكان مولده يوم إلحادي عشر من ذي القعدة (٣٣٦) وصلى عليه الشريف المرتضى بميدان الاشنان ثم نقل كلام الشيخ الطوسى المتقدم ثم قال: ورثاه مهيار الديلمي بقصيدة منها قوله:

ما بعد يومك سلوة لمعلل

مني ولا ظفرت بسمع معذل

سوى المصاب بك القلوب على الجوى

قيد الجليد على حشا المتململ

وتشابه الباكون فيك فلم يبن

دمع المحق لنا من المتعمل(٣)

وتقدم في ابن قولويه ان قبره في البقعة الكاظميةعليه‌السلام وذكر جماعة من

__________________

١ - الاستبصار للطوسي: ج٤، ص٣٠٦.

٢ - مقدمة المقنعة للمفيد: ص٥.

٣ - نفس المصدر: ص٢٢، تهذيب الأحكام للطوسي: ج١، ص٤٢.


العلماء منهم الميرزا محمد مهدى الشهرستاني في إجازته للسيد ميرزا محمد مهدي ابن ميرزا محمد تقى الطبا طبائى التبريزي المتوفى سنة (٢٤١) ان الشيخ المفيد - ره - حيث وجد مكتوباً على قبره:

لا صوّت الناعي بفقدك انه

يوم على آل الرسول عظيم

ان كنت قد غيبت في جدث الثرى

فالعدل والتوحيد فيك مقيم

والقائم المهدى يفرح كلما

تليت عليك من الدروس علوم(١)

أقول وقصيدة الديلمى هذه التي ذكر منها الشيخ عباس القمى -رحمه‌الله - ثلاثة أبيات تبلغ (١٠١) بيتاً وهى

__________________

١ - مقدمة الجمل للمفيد: ص٧، وفيات الأئمة من علماء البحرين والقطيف: ص٢١٧، طرائف المقال للبروجردي: ج٢، ص٤٨٠ ويقول المحقق محمد صادق بحر العلوم في تعليقه على كتاب رجال بحر العلوم «الفوائد الرجالية» أن القائم الحجة هو الذي كتب على قبر المفيد هذه الأبيات، المصدر: ج١، ص٢٠٧.


موجودة في ديوانه المطبوع وفيها يقول:

يا مرسلاً ان كنت مبلغ ميت

تحت الصفائح قول حي مرسل

فج الثرى الراوي فقل لمحمد

عن ذي فؤاد بالفجيعة مشعل

من للخصوم اللد بعدك غصة

في الصدر لا تهوى ولا هي تعتلي

من للجدال إذا الشفاه تقلصت

وإذا اللسان بريقه لم يبلل

من بعد فقدك رب كل غريبة

بكر بك افترعت وقولة فيصل

ولغامض خاف رفعت قوامه

وفتحت منه في الجواب المقفل

من للطروس يصوغ في صفحاتها

حلياً يقعقع كلما خرس الحلي

يبقين للذكر المخلد رحمة

لك في فم الراوي وعين المجتلى

أين الفؤاد الندب غير مضعف

أين اللسان الصعب غير مفلل

تفرى به وتحز كل ضريبة

ما كل حزة مفصل للمنصل

كم قد ضممت لدين آل محمد

من شارد وهديت قلب مضلل

وعقلت من ود عليهم ناشط

لو لم ترضه ملاطفاً لم يعقل

فليجزينك عنهم ما لم يزل

يبلو القلوب ليجتبي وليبتلي

ولتنظرن إلى علي رافعاً

ضبعيك يوم البعث ينظر من عل

ورثاه الشريف المرتضى -رحمه‌الله - بقصيدة موجودة في ديوانه المطبوع يقول فيها:

ان شيخ الإسلام والدين والعلـ

ـم تولى فازعج الإسلاما

والذي كان غرة في دجى الأيـ

ـام أودى فأوحش الأياما

كم جلوت الشكوك تعرض في نص

وصي وكم نصرت إماما

وخصوم لد ملأتهم بالحق

في حومة الخصام خصاما


عاينوا منك مصمماً ثغرة النحر

وما أرسلت يداك سهاما

وشجاعاً يفري المرائر ما كل

شجاع يفري الطلا والهاما

من إذا مال جانب من بناء الـ

ـدين كانت له يداه دعاما

وإذا ازورّ جائر عن هداه

قاده نحوه فكان زماما

من لفضل أخرجت منه خبيثاً

ومعان فضضت عنها ختاما

من لسوء ميزت عنه جميلاً

وحلال خلصت منه حراما

من ينير العقول من بعد ما كا

ن هموداً وينتج الإفهاما

من يعير الصديق رأيا إذا ما

سله في الخطوب كان حساما

فامض صفراً من العيوب فكم با

ن رجال اثروا عيوبا وذا ما

إلى ان يقول:

لن تراني وأنت في عدد الأم‍

ـوات إلا - تجملاً – بساما(١)

أبو عبد الله، محمد بن محمد بن النعمان الحارثي العكبري البغدادي المعروف بابن المعلم (٣٣٦ / ٣٣٨ - ٤١٣هـ. ق).

الشيخ المفيد من كبار أساتذة الشيعة في علم الكلام والفقه والآثار وكان من كبار علماء الشيعة في علم الكلام في القرن الرابع الهجري وكان

__________________

١ - الاحنجاج : ج ٢ ، ص ٣٢٠ - ٣٢٢


مشهوراً في علم الكلام وفي المناظرات وإنه من النوابغ الذين ثبت اسمه في كتاب الخلود بأحرف كبيرة وأحاطت بها هالة من النور والتكريم والتعظيم.

كل من كتب عنه قال عنه انه من رؤساء علماء الشيعة وأحد كبار أعلام التشيّع وقيل في حقه انه لم يصل إليه أحد في اللحاظ العلمي والفكري والذكاء والفطنة، انتهت رئاسته الإمامية إليه وحفظت كتاباته آراء الشيعة وتراثها، والشيخ المفيد أعلى للمذهب القوة المنطقية وذلك بشرح وتفسير نظريات المذاهب.

المقداد

المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك النمراني الحضرمي.

اشتهر باسم خليفة الأسود الكندي، والذي تبناه، كان أحد الرجال السبعة الذين سبقوا إلى الإسلام، أولهم الإمام علي. وهو أحد النجباء الذين اصطفاهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأحد الأربعة الذين قال النبي ان الله يحبهم، وأحد الصحابة


الذين امتنعوا عن بيعة أبي بكر حتى بايع الإمام عليعليه‌السلام

خطب المقداد من عبد الرحمن بن عوف ابنته فغضب، ولما بلغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك زوجه من ابنة عمه ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب.

كان أحد فرسان بدر، ولما وقف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في طريقه إلى بدر يستشير أصحابه في قتال المشركين بعد ان فلتت عير قريش، وخرج أهل مكة لقتاله قال المقداد للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنا لا نقول مقالة اليهود:( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (١) ) ، لكنا نقول لك يا رسول الله (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون)، فاستبشر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسرَّ لقوله وكانت غزوة بدر، وكان النصر المبين.

وكان تشيع المقداد لعليعليه‌السلام مدة حياته في الإسلام مشهور وموقفه يوم بيعة عثمان، ومطالبته البيعة لعليعليه‌السلام معلومة.

__________________

١ - ( المائدة : من الآية ٢٤ ).


كان في مقدمة المجاهدين في مشاهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلها، وكان قوي الإيمان بتشيعه لعليعليه‌السلام حتى انه يوم بويع عثمان غضب وراح يعاتب عبد الرحمن بن عوف ودار بينهما النقاش التالي:

المقداد: ما رأيت مثل ما أوتي أهل البيت بعد نبيهم؟

قال عبد الرحمن: ما أنت وذاك؟

قال المقداد: أما والله لقد تركت رجلاً من الذين يقضون بالحق ويعدلون.

عبد الرحمن: يا مقداد اتق الله، فإني أخاف عليك الفتنة.

فقال رجل للمقداد: رحمك الله من أهل هذا البيت؟ ومن هذا الرجل؟

قال: أهل البيت، بنو عبد المطلب، والرجل علي بن أبي طالب.

عبد الرحمن: لقد أجهدت نفسي في أمركم.

المقداد: لو كان لي على قريش أعوان لقاتلتهم قتالي يوم بدر وأحد(١) .

__________________

١ - ابن الأثير، حوادث ٢٣هـ عنه موسوعة العتبات المقدسة للخليلي: ج١، ص٣٥٧ - =


__________________

= ٣٥٨


المقدس الاردبيلي

المولى الأجل العالم الرباني والمحقق الفقيه الصمداني مولانا أحمد بن محمد الاردبيلى النجفي، أمره في الثقة والجلالة والفضل والنبالة والزهد والديانة والورع والأمانة اشهر من ان يحيط به قلم يحويه رقم.

كان متكلماً فقيهاً، عظيم الشأن جليل القدر رفيع المنزلة، أورع أهل زمانه وأعبدهم و أتقاهم.

وذكره المجلسي في البحار في باب من رأى الإمام صاحب الزمانعليه‌السلام في الغيبة الكبرى.

له مصنفات جيدة منها: آيات الأحكام، ومجمع البرهان شرحه على الإرشاد، وحديقة الشيعة.

قرأ على بعض تلامذة الشهيد الثاني وفضلاء العراقيين، وله الرواية من السيد علي الصائغ، وهو من كبار تلامذة الشهيد الثاني، وقرأ عليه جملة من الأجلاء كصاحبي المعالم والمدارك، والمولى عبد الله التستري.


توفى (ره) في المشهد المقدس الغروي في شهر صفر سنة ٩٩٣، ودفن في الحجرة المتصلة بالمخزن المتصل بالرواق الشريف(١) .

الملا صدرا

صدر المتألهين محمد بن إبراهيم بن يحيى الشيرازي المعروف بصدر المتألهين (١٠٥٠هـ. ق).

صدر الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى الشيرازي المعروف بملا صدرا وصدر المتألهين توفي في عام ١٠٥٠هجري في البصرة في طريقه إلى الحج، حدث هذا في زمان شاه عباس الصفوي.

هذا العالم أكبر علماء الإسلام في القرن الحادي عشر الهجري، وكبير الحكماء ذوي المسلك الإشراقي حيث وضحوا طرق فلسفة الإشراق وحملوا على مدرسة المشائين والرواقين بشدة.

__________________

١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٣، ص ٢٠١ - ٢٠٢


صاحب السلافة قال عنه: ((في الحكمة كان عالم زمانه وعرف كل الفنون)).

ويقول أيضاً: ((انه أول مدرس للفلسفة الإلهية في الثلاثة قرون الأخيرة.

وكذلك فإنه آخر عالم ورث فلسفة اليونان والإسلام وكاشف أسرارهما.

شخصيته العلمية وعظمة شأنه ومكانته في نفوس الناس وصلت إلى الحد الذي يفتخر به الفلاسفة الذين جاءوا من بعده بأنهم فهموا مطالبه.

ومن الملفت ان الفلاسفة وأساتذة الفكر حتى في الأزمنة المتأخرة يعتبرون أنفسهم من تلامذته.

لبيان المكانة العلمية لهذا الفيلسوف يكفينا ان الحكيم الأصولي الشيخ محمد حسين الاصفهاني (١٢٩٦ - ١٣٦١هـ) قال: ((لو كنت أعلم ان أحداً يعلم أسرار أسفار ملا صدرا فإني سأسافر إليه وأتتلمذ على يديه مهما بعد وطنه)).

بعد وفاة الملا صدرا أتجه عشاق الفلسفة لمطالعة وتعلم والبحث في


كتبه منهم انهمكوا باستنساخها والتفوا حول أساتذة الفلسفة ليسبروا غورها.

ان المدرسة الفلسفية للملا صدرا وهكذا تأليفاته ومكتبته فاقت كتب ومكتبات الفلاسفة، وأخيراً فقد طبعت كافة مؤلفاته في المطابع الحجرية وبعضها أعيد طبعها لعدة مرات.

حياته

مرت حياته في ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: مرحلة التتلمذ

في خلال هذه المرحلة انهمك في الفحص والمتابعة لآراء الفلاسفة والمتكلمين وفي هذه المرحلة وقع تحت تأثير روحية التصوف وبذلك فإنه يشير إلى هذه النكتة في مقدمة تفسير سورة الواقعة ويقول:

((لقد بحثت كثيراً في السابق وقرأت كثيراً كتب الحكماء وتطلعت فيها بدقة إلى الحد الذي تخيلت أنني أصبحت شيئاً ووصلت إلى نقطة مهمة.

وحيث عادت لي عين البصيرة وتأملت في حالي رأيت مع أنني فهمت وعرفت


شيئاً من حول معاد النفس الإنسانية ولكني بقيت بعيداً عن العلوم الحقيقية والحقائق العيانية التي لا تتأتى إلا بالذوق السليم ولا تدرك إلا بالوجدان)).

أعلن صدر المتألهين ندمه على ما فرّط بعمره حيث اتجه وقضاه في مسلك أهل البحث ويقول:

((استغفر الله على ما فرطت في قسمة من عمري في تتبع آراء الفلسفة والمتكلمين أهل الجدل ومطالعة تحقيقاتهم ومجادلاتهم)).

المرحلة الثانية: مرحلة العزلة حيث انقطع في هذه العزلة عن كل أحد واتجه للعبادة في بعض الجبال البعيدة ولمدة ١٥ عاماً ففي هذه المرحلة نضجت فيه عناصر التصوف وروح العرفان.

المرحلة الثالثة: مرحلة التأليف وتدوين آراءه حيث أكثرها عن طريق الإشراق والكشف والشهود.

من مؤلفاته:

١.الأسفار الأربعة

٢.العلم الطبيعي


٣.العلم الإلهي

٤.علم النفس(١)

ميثم التمار

أسطورة في الشجاعة والثبات، وكان مفسّراً ومحدّثاً كبيراً، عاشق من عشاق أهل البيت أخذ على عاتقه قضية الدفاع عن أهل البيت، فتحمّل ومن أجل الدفاع عن آل البيت تكلّم الدرر المتلألأة في يومه التعذيب والقهر، فارتقى من أجل ذلك سلّم المشانق فصلبه الطاغوت عبيد الله بن زياد حقداً، ويمكننا وعبر مصادر الرجال والتراجم التأكد من ان لميثم كتباً، كان أحدها في التفسير، وعنه كتب العلامة الهمام الشيخ آقا بزرگ الطهراني يقول:

تفسير ميثم بن يحيى التمار الكوفي... وتفسيره بعض ما تعلّمه من أمير المؤمنينعليه‌السلام فأملاه التمار ترجمان القرآن حبر الأمة ابن عباس...

__________________

١ - فلاسفة الشيعة : ص ٤٧٧


ان حديث الشيخ آقا بزرگ مسند بقضية ذكرت في الكثير من المصادر: ففي آخر عام من حياته حج ميثم بيت الله الحرام، وبعدها توجه إلى المدينة، وهناك حضر عند أم المؤمنين ((أم سلمة)) التي رعته وأخبرته باستشهاده وتخضيب لحيته بالدماء، فقام من عندها وتوجه إلى ابن عباس وقال له:

يا ابن عباس سلني ما شئت من تفسير القرآن، فإني قرأت تنزيله على أمير المؤمنينعليه‌السلام وعلّمني تأويله، فقال: يا جارية هات الدواة وقرطاساً، فأقبل يكتب.

ويمكننا وعبر المصادر التاريخية الأخرى الاستقاء بأن ميثم كان جاداً في تدوين الحديث ونشره ولم يألو جهداً في نشر فضائل عليعليه‌السلام وأهل البيت، ولم يسكت ميثم الذي صلب لإيمانه في هذه الحال عن نشر الحديث وإبلاغ الحق، ولهذا فقد أمر عبيد الله بن زياد (ابن مرجانة) بتكبيله أولاً ثم ربطه إلى جذع النخلة.

وعنه كتب العلامة الشيخ محمد حسين


المظفر يقول: إن لميثم كتباً يرويها عنه بنوه، غير ان أرباب الرجال لم يذكروا ما تلك الكتب، وفي أي علمٍ هي؟ نعم إنك عرفت مما سبق أنه عالم بالتفسير، عالم بالمنايا والبلايا، ولديه علم الكائنات والفتن وهل شيء غير هذا يطلب في العلم؟ أولم يكن حرياً وهو بهذه المنزلة ان يحظى بالعلوم كافة:

وإن ضياع أمثال هاتيك الكتب الثمينة لضياع للفضيلة وحرمان من نفائس الفنون، بلى ان شيئاً قليلاً من فضائل أمير المؤمنين وأهل البيت روته عنه الكتب، ولم تحفظ الرواة له كثيراً من الحديث.

وقد نادى ميثم المصلوب الناس قائلاً:

أيها الناس من أراد ان يسمع الحديث المكنون عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، قال: فاجتمع الناس وأقبل يحدّثهم بالعجائب...

وهكذا صمد ميثم بوجه مؤامرة الحكام في منع تدوين الحديث ونشره والوقوف بوجه انتشار الحق وقدّم نفسه قرباناً


على مذبح العقيدة فاستشهد محتسباً مظلوماً(١) .

الميرزا الشيرازي

آية الله مجدد المذهب الحاج ميرزا محمد حسن بن السيد ميرزا محمود بن السيد ميرزا إسماعيل الحسيني الشيرازي، ذكر جماعة ترجموا وألفوا في ذلك كتباً ورسائل ونحن نذكر هاهنا ملخص ما أورده بعض الأفاضل. قال ولدهرضي‌الله‌عنه حضر درس المحقق السيد حسن المدرس وبحث المحقق الكلباسي، وقصد العراق في حدود سنة ١٢٥٩، وحضر الأندية العلمية حتى نص صاحب الجواهر باجتهاده في كتاب له إلى والي فارس واختص في التلمذة والحضور بأبحاث المحقق الأنصاري قدس سره حتى صار يشار إليه بين تلاميذه، وله الحظوة الكبرى عنده إلى ان قضى الشيخرحمه‌الله نحبه

__________________

١ - المعجم المفهرس لألفاظ أحاديث بحار الأنوار: ج١، ص٣٤.


فماجت الناس في تعيين المرجع فنص لمة من تلامذة الشيخ بتعينه للمرجعية الكبرى منهم الحاج ميرزا حسن الاشتياني، والعلامة الحاج ميرزا حبيب الله الرشتي والآقا حسن الطهراني والميرزا عبد الرحيم النهاوندي رضوان الله عليهم أجمعين وهؤلاء أعيان تلامذة الشيخ ووجوه أصحابه.

وحج بيت الله سنة ١٢٨٨ وهاجر إلى سامراء في شعبان سنة ١٢٩١ ثم تبعه أصحابه وتلاميذه فصارت سامراء مباءة للعلم والعمل، ومنبثق الفضيلة والكمال، وأخذ منه كثير من فحول العلماء، منهم العلامة الحاج ميرزا إسماعيل ابن عمه، والسيد محمد الاصبهاني، والميرزا محمد تقي الشيرازي والحاج آقا رضا الهمداني، والحاج الشيخ فضل الله النوري، والفاضلان والكاظمان والسيد عبد المجيد الكرسي، والحاج الشيخ حسن علي الطهراني، والميرزا إبراهيم الشيرازي، والسيد إبراهيم الدامغاني وغيرهم.

وله قدس سره كرامات لم يدلنا


التاريخ على اجتماعها في رجل واحد، وبذلك كله تقلد رئاسة كبرى حتى لا يذكر معه غيره، وانقادت له الأمور بأسرها، وعنت له الوجوه وأذعن به العلماء وهابه الملوك، وانثالت عليه الأموال من أقطار المعمورة فطفق يدرها على الطلبة والفقراء في المشاهد المقدسة أجمع ولا يمكن حصر فضائله.

توفي (ره) ليلة الأربعاء ٢٤ شعبان، ١٣١٢ في سامراء، وحمل نعشه الشريف على الرؤوس إلى النجف الأشرف، وطيف به المراقد المطهرة ودفن في مقبرته المعروفة(١) .

مؤمن الطاق

أبو جعفر محمد بن على بن النعمان

__________________

١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٣، ص٢٢٢ - ٢٢٦. والميرزا الشيرازي هو صاحب الفتوى الشهيرة التي أطلقها من سامراء وفسخ من خلالها عقد امتياز التبغ بين حكومة إيران والشركات البريطانية، وسُميت الفتوى بعدئذ بفتوى التنباك.


الكوفي الصيرفي ثقة، روى عن علي بن الحسين وأبي جعفر وأبي عبد اللهعليه‌السلام وكان يلقب بالأحول والمخالفون يلقبونه شيطان الطاق كان دكانه في طاق المحامل بالكوفة يرجع إليه في النقد فيخرج كما ينقد فيقال شيطان الطاق وكان كثير العلم حسن الخاطر.

روي عن أبي خالد الكابلي قال: رأيت أبا جعفر صاحب الطاق وهو قاعد في الروضة قد قطع أهل المدينة أزراره وهو دائب يجيبهم ويسألونه فدنوت منه وقلت: ان أبا عبد اللهعليه‌السلام نهانا عن الكلام، فقال: وأمرك ان تقول لي؟ فقلت: لا والله ولكنه أمرني ان لا أكلم أحداً، قال: فاذهب وأطعه فيما أمرك فدخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام فأخبرته بقصة صاحب الطاق وما قلت له وقوله اذهب وأطعه فيما أمرك، فتبسم أبو عبد اللهعليه‌السلام ، وقال: يا أبا خالد ان صاحب الطاق يكلم الناس فيطير وينقض (انقض الطائر هوى ليقع) وأنت ان قصوك لن تطير.

وللطاقي مع أبي حنيفة حكايات كثيرة فمن ذلك ما رواه الخطيب في تاريخ


بغداد قال: كان أبو حنيفة يتهم شيطان الطاق بالرجعة وكان شيطان الطاق يتهم أبا حنيفة بالتناسخ قال: فخرج أبو حنيفة يوماً إلى السوق فاستقبله شيطان الطاق ومعه ثوب يريد بيعه فقال له أبو حنيفة أتبيع هذا الثوب إلى رجوع علي؟ فقال: ان أعطيتني كفيلاً ان لا تمسخ قرداً بعتك فبهت أبو حنيفة(١) .

قال: ولما مات جعفر بن محمدعليه‌السلام التقى هو وأبو حنيفة فقال له أبو حنيفة: أما إمامك فقد مات، فقال له شيطان الطاق: أما إمامك فمن المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم(٢) .

(ومن ذلك) انه كان أبو حنيفة يوماً يتماشى مع مؤمن الطاق في سكة من سكك الكوفة إذا بمناد ينادي من يدلني على

__________________

١ - قاموس الرجال: ج٩، ص٢١٥.

٢ - وأراد بذلك أن إمامه إبليس! توافقاً مع قوله تعالى وسؤال إبليس:( قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) (الحجر: ٣٦ - ٣٨).


صبي ضال؟ فقال مؤمن الطاق: أما الصبي الضال فلم نره وان أردت شيخاً ضالاً فخذ هذا - عني به أبا حنيفة - إلى غير ذلك.

(اقول) قد ظهر لك ان وجه تسميته بالطاقي لأنه كان دكانه في طاق المحامل بالكوفة لا انه ينسب إلى باب الطاق ببغداد الذي ينسب إليه ابن بهته محمد بن عمر بن محمد بن حميد البزاز من أهل باب الطاق سمع جمعاً كثيراً حدث عنه أبو بكر البرقانى والقاضي الصيمري وغيرهما وكان شيعياً ثقة توفي في رجب سنة ٣٧٤ ذكر ذلك الخطيب في تاريخه(١) .

__________________

١ - عباس القمي ، م س : ج ٢ ، ص ٤٣٩



حرف النون



النجاشي

الشيخ الثقة الثبت الجليل، النقاد البصير، والمضطلع الخبير أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد العباس بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله النجاشي.

كانرحمه‌الله صاحب كتاب الرجال المعروف الدائر الذي اتكل عليه كافة العلماء الإمامية قدس الله أرواحهم.

كانرحمه‌الله من أعظم أركان الجرح والتعديل، وأعلم علماء هذا السبيل وهو الرجل كل الرجل لا يقاس بسواه ولا يعدل به من عداه.

أجمع علماؤنا على الاعتماد عليه، وأطبقوا على الاستناد في أحوال الرجال إليه، وبالجملة فجلالة قدره وعظم شأنه في الطائفة أشهر من ان يحتاج إلى نقل الكلمات بل الظاهر منهم تقديم قوله ولو كان ظاهراً على قول غيره من أئمة الرجال في مقام المعارضة في الجرح والتعديل ولو كان نصاً.


مشايخه

يروي عن جماعة كثيرة من المشايخ كالشيخ المفيد، وأبى العباس السيرافي، وابن الجندي، وابن عبدون، والغضائري، وأبى الحسين بن أبي جيد القمي، والتلعكبري وغيرهم.

كان مولد هذا الشيخ في صفر سنة ٣٧٢، وتوفى بمطير آباد من نواحى سر من رأى سنة ٤٥٠ موافق كلمة (ان الرحمة عليه).

وجده عبد الله النجاشي هو الذي كتب إلى الإمام الصادقعليه‌السلام :

بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاء سيدي ومولاي وجعلني من كل سوء فداه ولا أراني فيه مكروهاً فانه ولي ذلك والقادر عليه، اعلم سيدي ومولاي أني بليت بولاية الأهواز فان رأى سيدي ان يحد لي حداً أو يمثل لي مثلاً لاستدل به على ما يقربني إلى الله عز وجل وإلى رسوله... الخ.

فأجابه الصادقعليه‌السلام جواباً مفصلاً، أورده الشهيد الثاني (ره) في كتاب الغيبة مسنداً عن مشايخه، وأورده العلامة


المجلسي (ره) في كتاب العشرة من البحار: ص(١) ٢١٥

السيد نعمة الله الجزائري

السيد نعمة الله بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن أحمد بن محمود بن غياث الدين بن مجد الدين بن نور الدين بن سعد الدين بن عيسى بن موسى بن عبد الله بن الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام.

السيد الجليل والمحدث النبيل واحد عصره في العربية والأدب والفقه والحديث والتفسير كان عالماً فاضلاً محققاً مدققاً جليل القدر صاحب التصانيف الكثيرة الشائعة منها تعليقاته على القرآن المجيد وحواشي الاستبصار وشرحه على تهذيب الحديث وعلى تهذيب النحو وعلى الصحيفة السجادية وروضة الكافي وغوالي اللئالئ وتوحيد الصدوق وعيون الأخبار

__________________

١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٣، ص٢٣٩ - ٢٤٠.


والاحتجاج وكافية ابن الحاجب وله الأنوار النعمانية والمقامات وقصص الأنبياءعليهم‌السلام ورياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهارعليهم‌السلام وزهر الربيع ومسكن الشجون وغرائب الأخبار إلى غير ذلك من الكتب والحواشي.

يروي عن المحقق الخونساري والعلامة المجلسي واختص به ولازمه.

وعن السيد السند الأمير فيض الله الطباطبائي والأمير شرف الدين الشولستانى والعالم المفسر الجليل الشيخ علي بن جمعة العروسي الحويزي الساكن بشيراز صاحب تفسير نور الثقلين الراوي عن قاضي القضاة عز الدين المولى علي نقى بن الشيخ أبي العلاء محمد هاشم الكمرئى الفراهاني الشيرازي الاصفهاني المتوفى سنة ١٦٠ صاحب المؤلفات العديدة التى منها جامع الصفوي في الإمامة في جواب ما كتبه نوح افندي الحنفي المفتي في وجوب مقاتلة الشيعة وقتلهم ونهب أموالهم وسبي نسائهم وذراريهم وهو عن الشيخ البهائي.


ويروي السيد الجزائري أيضاً عن الأستاذ المدقق السيد ميرزا محمد بن شرف الدين الجزائري عن العالم المتبحر في فن الحديث والرجال الشيخ عبد النبي صاحب كتاب حاوي الأقوال.

ويروي أيضاً عن الشيخ الجليل حسين بن محيي الدين شارح القواعد عن والده الفاضل العالم العابد الورع محيي الدين بن عبد اللطيف عن والده العالم الفاضل المحقق الصالح الفقيه الشيخ عبد اللطيف صاحب كتاب الرجال والراوي عن الشيخ البهائي وصاحبي المعالم والمدارك ووالده نور الدين علي عن والده شهاب الدين أحمد بن أبي جامع العاملي عن المحقق الثانيرحمهم‌الله .

ولد سنة ١٠٥٠ خمسين بعد الألف في قرية الصباغية وتوفي السيد الجزائري (ره) في ٢٣ شوال سنة ١١١٢ في قرية جايدر بعد وفاة شيخه العلامة المجلسيرحمه‌الله تعالى بسنتين.

وأولاده وأحفاده علماء فضلاء وابنه السيد نور الدين بن السيد نعمة الله عالم جليل صاحب الرسائل المتعددة


التي منها فروق اللغات في الفرق بين المتقاربات، توفي في ذى الحجة سنة ١١٥٨.

يروى عن والده وعن صاحب الوسائل.

وابنه السيد الأجل العالم المتبحر السيد عبد الله بن السيد نور الدين كان من أجلاء هذه الطائفة وعينها ووجهها وممن اجتمع فيه جودة الفهم وحسن السليقة وكثرة الاطلاع واستقامة الطريقة كما يظهر من مؤلفاته الشريفة كشرح النخبة وغيرها وله إجازة كبيرة فيها فوائد طريفة ونكات لطيفة.

يروى عن جماعة من المشايخ كالسيد نصر الله الحائري والمير محمد حسين الخاتون آبادى سبط العلامة المجلسي ووالده.

وعن السيد الجليل الفقيه السيد رضي الدين بن محمد بن علي بن حيدر العاملي المكى قال: السيد عبد الله المذكور (ره) في إجازته الكبيرة كما في المستدرك أجازني بالمشافهة في مكة شرفها الله تعالى لما استجزته ثم كتب لي إجازة مبسوطة مشتملة على جميع طرقه


وطرق أبيه وأسانيدهما...(١) .

نفطويه

أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الازدي.

كان عالماً بارعاً نحوياً لغوياً محدثاً، ولد سنة ٢٤٤ بواسط وسكن بغداد، وكان طاهر الأخلاق حسن المجالسة حافظاً للقرآن الكريم.

حكي انه جلس للاقراء أكثر من خمسين سنة، وكان يبتدئ في مجلسه بالقرآن المجيد على رواية عاصم ثم يقرأ الكتب.

له كتاب إعراب القرآن والمقنع في النحو، ورياض النعيم وغير ذلك، ذكره الخطيب في تاريخ بغداد وأثنى عليه وقال كان صدوقاً.

وله مصنفات كثيرة منها: كتاب كبير في غريب القرآن وكتاب التاريخ

__________________

١ - عباس القمي ، م س : ج ٢ ، ص ٣٣٠ - ٣٣٢


وغيرهما.

ويحكى عن لسان الميزان لابن حجر انه قال: قال مسلمة: كان فيه شيعية أي ان نفطويه كان شيعياً.

وتقدم في الكليني من (النجاشي) ان له مسجداً يسمى مسجد اللولوى قال: كنت أتردد إلى المسجد المعروف اللولوى وهو مسجد نفطويه النحوي أقرأ القرآن على صاحب المسجد وجماعة من أصحابنا يقرؤون الكافي على أبي الحسين أحمد بن محمد الكوفي الكاتب.

توفي ببغداد سنة(١) ٣٢٣

__________________

١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٣، ص ٢٦١ - ٢٦٣.


حرف الواو



الواقدي

أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد المدني، كان إماماً عالماً، له التصانيف والمغازي وفتوح الأمصار، وله كتاب الردة وغير ذلك.

كان من أقدم مؤرخي الإسلام، وكتاب مغازيه، له مقدمة وشروح باللغة الإنكليزية.

تولى القضاء بشرقي بغداد وولاه المأمون القضاء بسكر المهدي وهي المحلة المعروفة بالرصافة بالجانب الشرقي من بغداد عمَّرها المنصور لولده المهدي فنسب إليه، وكان المأمون يكرم جانبه ويبالغ في رعايته.

يحكى عن أبي حذاقة قال: كان للواقدي ستمائة قمطر(١) كتباً، وقال ابن

__________________

١ - القِمِطر : بكسر القاف و الميم و سكون الطاء ، هو ما تصان به الكتب لاروس .=


سعد: كان الواقدي يقول: ما من أحد إلا وكتبه أكثر من حفظه، وحفظي أكثر من كتبي.

وعن إسماعيل بن مجمع الكلبي قال: سمعت أبا عبد الله الواقدي يقول:

ما أدركت رجلاً من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء ولا مولى لهم إلا وسألته هل سمعت أحداً من أهلك يخبرك عن مشهده وأين قتل، فإذا أعلمني مضيت إلى الموضع فأعاينه، ولقد مضيت إلى المريسيع(١) فنظرت إليها، وما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع حتى أعاينه أو نحو هذا الكلام.

قال الخطيب: ((وكان الواقدي مع ما ذكرناه من سعة علمه وكثرة حفظه لا يحفظ القرآن.

__________________

= والقمطر والقمطرة: ما تصان فيه الكتب. لسان العرب لابن منظور.

١ - المريسيع: مصغر مرسوع: بئر أو ماء الخزاعة، وهو يوم بني المصطلق، وفيها سقط عقد عائشة، ونزلت آية التيمم. (مجمع البحرين: ج٢، ص١٧٦).


ثم روى عن المأمون انه قال للواقدي: أريد ان تصلي الجمعة غداً بالناس، قال: فامتنع قال لا بد من ذلك، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أحفظ سورة الجمعة قال: فأنا أحفظك، قال: فافعل، فجعل المأمون يلقنه سورة الجمعة حتى يبلغ النصف منها فإذا حفظه ابتدأ بالنصف الثاني فإذا حفظ النصف الثاني نسي الأول فأتعب المأمون ونعس فقال لعلي بن صالح: يا علي حفظه أنت فذكر انه مثل المأمون لم يقدر على ان يحفظه، فقال المأمون: اذهب فصل بهم واقرأ أي سورة شئت(١) .

وروى عن غسان قال: صليت خلف الواقدي صلاة الجمعة فقرأ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف عيسى وموسى..))(٢) .

وقال ابن النديم: ان الواقدي كان يتشيع، حسن المذهب، يلزم التقية، وهو

__________________

١ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: ج٣، ص٢١٧، تاريخ مدينة دمشق: ج٥٤، ص٤٤٦، سير أعلام النبلاء للذهبي: ج٩، ص٤٦٠.

٢ - سورة الأعلى: ١٨ - ١٩.


الذي روى ان علياًعليه‌السلام كان من معجزات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كالعصا لموسىعليه‌السلام ، وإحياء الموتى لعيسى بن مريمعليه‌السلام وغير ذلك من الأخبار.

ولد سنة ١٣٠ وتوفي ببغداد سنة ٢٠٧ وصلى عليه محمد بن سماعة ودفن بمقابر خيزران(١) .

__________________

١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٣، ص ٢٧٨ - ٢٨١.


ورقة بن نوفل

هو ورقة(١) بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن قصي، وأمه هذر بنت أبي كثير بن عبد بن قصي، وهو أحد من اعتزل عبادة الأوثان في الجاهلية وطلب الدين وقرأ الكتب، وامتنع من أكل ذبائح الأوثان.

له من الشعر:

وَلَقَد دَخَلتُ الحَيَّ يُخشى أَهلُهُ

بَعدَ الهُدوءِ وَبَعدَما سَقَطَ النَدى

فَوَجَدتُ فيهِ حُرَّةً قَد زُيِّنَــت

بِالحَليِ تَحسَبُهُ بِها جَمرَ الغَضا

أخبرنا الطوسي قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنا عبد الله بن معاذ عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير قال:

سئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ورقة بن نوفل كما بلغنا فقال: ((قد رأيته في المنام

__________________

١ - كان يكتب اللغة العربية بالحرف العبراني


كان عليه ثياباً بيضاً فقد ظن ان لو كان من أهل النار لم أرَ عليه البياض)).

قال الزبير: وحدثنا عبد الله بن معاذ عن معمر عن الزهري عن عائشة:

ان خديجة بنت خويلد انطلقت بالنبي ٦ حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ تنصّر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء ان يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك؛ قال ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خبر ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس(١) الذي أنزله الله تبارك وتعالى على موسى، يا ليتني فيها جَذَع، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك؛ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أوَ مخرجي هم؟ قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بمثل

__________________

١ - الناموس: صاحب الوحي والمراد به جبرائيلعليه‌السلام .


ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك لأنصرنك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة ان توفي(١) .

قال الزبير: حدثني عثمان عن الضحاك بن عثمان بن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: قال عروة: كان بلال لجارية من بني جُمح بن عمرو، وكانوا يعذبونه برمضاء مكة(٢) ، يلصقون ظهره بالرمضاء ليشرك بالله، فيقول: أحد أحد، فيمر عليه ورقة بن نوفل وهو على ذلك يقول: أحد أحد، فيقول ورقة بن نوفل: أحد أحد والله يا بلال! والله لئن قتلتموه لأتخذنه حناناً كأنه يقول: لأتمسحنّ به وقال ورقة بن نوفل في ذلك:

__________________

١ - انظر مسند أحمد بن حنبل: ج٦، ص٢٣٣، صحيح البخاري: ج١، ص٣ و٦: ٨٨ و٨: ص٦٧، وصحيح مسلم: ج١، ص٩٧، والمستدرك للحاكم النيسابوري: ج٣، ص١٨٤، وسنن البيهقي: ج٩، ص٦.

٢ - هذه الرواية مبعث للشك، لأن ورقة بن نوفل توفي عام ١٢ ق.هـ. أي قبل مبعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنحو عام واحد، ولم يكن بلال قد أسلم بعد حتى يعذب.


لَقد نصحتُ لأقوامٍ وقلتُ لهم

أنا النذير فلا يغروكم أحدُ

لا تعبدنَّ إلهاً غير خالقكم

فإن دعَوكم فقولوا بيننَا حدَدُ

سبحان ذي العرشِ سبحاناً يعادلهُ

ربُّ البريَّة فرد واحدٌ صمدُ

سُبحانَهُ ثم سُبحاناً يعودُ لهُ

وقبلُ سبَّحَه الجوديُّ والجمدُ

مُسخَّرٌ كلُّ من تحت السماء لهُ

لا ينبغي أن يناوي مُلكهُ أحدَ

لا شيء مما ترى إلا بشاشتهُ

يَبقى الإلهُ ويفنى المالُ والولدُ

لم تُغن هرمز يوماً من خزائنه

والخلدَ قد حاولت عادٌ فما خلَدوا

ولا سليمانَ إذ دانَ الشعوبُ لهُ

الإنسُ والجنُّ تجري بينها البُرُدُ

أينَ الملوكُ التي دانت لعزَّتها

من كل أوب إليها وافدٌ يفد

حوضٌ هنالك مورودٌ بلا كذبٍ

لا بدَّ من وردِه يوماً كما وردوا

قال عروة: ونهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن سب


ورقة(١) .

الوليد بن عتبة

هو الوليد بن عتبة بن أبي معيط، وهو ممن أخبره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انه من أهل النار، ولاه عثمان على الكوفة ثم صرفه عنها وكان السبب في صرف الوليد بن عتبة وولاية سعيد بن العاص - عليها - ان الوليد بن عتبة كان يشرب مع ندمائه ومغنيه من أول الليل إلى الصباح فلما أذن المؤذن بالصلاة خرج متفضلاً في غلائله، فتقدم إلى المحراب في صلاة الصبح، فصلى بهم أربعاً، وقال: أتريدون ان أزيدكم؟ وقيل: انه قال في سجوده وقد أطال، اشرب واسقني، فقال له بعض من كان خلفه في الصف الأول: ما تزيد لا زادك الله من الخير، والله لا أعجب إلا ممن بعثك إلينا والياً، وعلينا أميراً، وكان هذا القائل عتاب بن عيلان

__________________

١ - الأغاني : ج ٣ ، ص ١١٣ - ١١٥


الثقفي(١) .

وخطب الناس الوليد فحصبه الناس بحصباء المسجد، فدخل قصره يترنح ويتمثل بأبيات لتأبط شراً:

وَلَستُ بِجُلبِن جُلبِ ريحٍ وَقَرَّةٍ

وَلا بِصَفاً صَلدِ عَنِ الخَيرِ مَعزَلِ

إلى ان قال:

وَلَكِنَّني أَروي مِنَ الخَمرِ هامَتي

وَأَنضو المَلا بِالشاحِبِ الـمُتَشَلشِلِ

وفي ذلك يقول الحطيئة من قصيدة:

شَهِدَ الحُطَيئَةُ حينَ يَلقى رَبَّهُ

أَنَّ الوَليدَ أَحَقُّ بِالعُذرِ

نادى وَقَد كَمُلَت صَلاتُهُمُ

أَأَزيدُكُم ثَمِلاً وَما يَدري

لِيَزيدَهُم خَيراً وَلَو قَبِلوا

لَقَرَنتَ بَينَ الشَفعِ وَالوِترِ

فَأَبَوا أَبا وَهَبٍ وَلَو فَعَلوا

زادَت صَلاتُهُمُ عَلى العَشرِ

كَفّوا عِنانَكَ إِذ جَرَيتَ وَلَو

خَلَّوا عِنانَكَ لَم تَزَل تَجري

__________________

١ - بحار الأنوار : ج ٣١ ، ص ١٥٥.


فهجم عليه جماعة من المسجد منهم أبو زينب بن عوف الأزدي، وجندب بن زهير وغيرهما، فوجدوه سكران مضطجعاً على سريره لا يعقل، فأيقظوه من رقدته، فلم يستيقظ، ثم تقيأ عليهم ما شرب من الخمر، فانتزعوا خاتمه من يده، وخرجوا من فورهم إلى المدينة، فأتوا عثمان بن عفان فشهدوا عنده على الوليد انه شرب الخمر، فقال عثمان: وما يدريكما انه شرب خمراً؟ فقالا: هي الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية، وأخرجا خاتمه فدفعاه إليه، فزجرهما ودفع في صدورهما وقال: تنحيا عني، فخرجا من عنده، وأتيا علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه وأخبراه بالقصة، فأتى عثمان وقال له: دفعت الشهود وأبطلت الحدود، فقال له عثمان: فما ترى؟ قال: أرى ان تبعث إلى صاحبك فتحضره فإن أقاما الشهادة عليه في وجهه ولم يدرأ عن نفسه بحجة، أقمت عليه الحد، فلما حضر الوليد دعاهما عثمان، فأقاما الشهادة عليه ولم يُدل بحجة، فألقى عثمان السوط إلى علي، فقال علي


لابنه الحسن: قم يا بني فأقم عليه ما أوجب الله عليه؛ فقال: يكفنيه بعض من ترى، فلما نظر إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحد عليه؛ توقياً لغضب عثمان لقرابته منه، أخذ علي السوط ودنا منه، فلما أقبل نحوه سبه الوليد، وقال: يا صاحب مكس(١) ، فقال علي بن أبي طالب وكان ممن حضر: إنك لتتكلم يا ابن أبي معيط كأنك لا تدري من أنت، وأنت علج(٢) من أهل صفورية - وهي قرية بين عكاء واللجون، من أعمال الأردن - من بلاد طبرية، كان ذكر ان أباه كان يهودياً منها - فأقبل الوليد يروغ من علي، فاجتذبه علي فضرب به الأرض، وعلاه بالسوط، فقال عثمان: ليس لك ان تفعل به هذا؛ فقال: بل شرٌّ من هذا إذا فسق ومنع حق الله تعالى ان يؤخذ منه(٣) .

__________________

١ - مكس: جباية، دراهم تؤخذ من بايع السلع في الأسواق في الجاهلية.

٢ - علج: الغليظ الكافر.

٣ - مروج الذهب، طبع قم: ج٢، ص٣٣٥ - ٣٣٦. وطبعة أخرى: ج١، ص٤٣٥، وأنساب الأشراف: =


__________________

= ج٥، ص٣٣، والأغاني: ج٤، ص١٧٨، ط. ساسي



مصادر التحقيق

١. أبو طالب حامي الرسول، نجم الدين العسكري (١٣٩٠ه) الآداب النجف، الطبعة الرابعة.

٢. الاجتهاد والتقليد، آية الله الخميني (ت١٤٠٩هـ) مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ

٣. الاحتجاج، أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (من أعلام القرن السادس الهجري) تحقيق محمد باقر الموسوي الخرسان، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ

٤. إحقاق الحق وإزهاق الباطل، نور الله الحسيني المرعشي التستري، مكتبة النجفي المرعشي.

٥. الاختصاص، أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، المعروف بالشيخ المفيد (ت ٤١٣هـ) تحقيق: علي أكبر الغفّاري، قم، منشورات جماعة المدرسين.


٦.أخبار إصبهان، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الإصبهاني (٤٣٠ه) تحقيق: سيد كسروي حسن، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ

٧.أدب الطف (أو شعراء الحسين (ع))، جواد شبّر، بيروت، دار المرتضى، ١٤٠٩هـ

٨.الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، المعروف بالشيخ المفيد (٤١٣ه) قم، مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ

٩.الاستيعاب في أسماء الأصحاب، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي المالكي (ت ٣٦٣ه) تحقيق: علي محمد البجاوي، القاهرة، دار نهضة مصر للطبع والنشر وأيضاً المطبوع بهامش الإصابة.

١٠.أسد الغابة في معرفة الصحابة، عز الدين علي بن أبي الكرم محمد بن عبد الكريم الشيباني المعروف بابن


الأثير الجزري (ت ٦٣٠هـ) بيروت، دار إحياء التراث العربي.

١١.أضواء على السنة المحمدية، الشيخ محمود أبو ريه، دار الكتاب الإسلامي.

١٢.الاعتقادات، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت ٣٨١ه) تحقيق: عصام عبد السيد، قم، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ

١٣.الأعلام، خير الدين الزرگلي، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة السادسة ١٩٨٤م.

١٤.إعلام الورى بأعلام الهدى، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت٥٤٨ه) تحقيق: علي أكبر الغفّاري، بيروت، دار المعرفة ١٣٩٩هـ

١٥.أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين (ت ١٣٧١ه) تحقيق: حسن الأمين، بيروت، دار التعارف للمطبوعات ١٤٠٣هـ

١٦.الأغاني، أبو الفرج الإصبهاني علي بن الحسين (ت ٣٥٦هـ) دار الكتب


المصرية.

١٧.آمل الآمل، محمد بن الحسن الحر العاملي (ت ١١٠٤ه) تحقيق: السيد أحمد الحسيني، نشر مكتبة الأندلس، بغداد ١٤٠٤هـ

١٨.أمالي الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المعروف بالشيخ الصدوق (ت ٣٨١هـ).

١٩.أمالي الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن (ت ٤٦٠ه) تقديم: محمد صادق بحر العلوم، النجف الأشرف، مطبعة النعمان ١٣٨٤هـ

٢٠.الإمامة والسياسة، (المعروف بتاريخ الخلفاء) أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ) تحقيق: طه محمد الزيني، مصر، مؤسسة الحلبي وشركاه.

٢١.أمير المنابر الدكتور أحمد الوائلي، صادق جعفر الروازق، دار المحجة البيضاء، بيروت ٢٠٠٤هـ

٢٢.الأنساب، أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني


(ت٥٦٢هـ)، تحقيق: عبد الله عمر البارودي، بيروت، دار الجنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ

٢٣.أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري (ت ٢٧٩ه)، تحقيق: محمد باقر المحمودي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الأولى ١٣٩٤ه ، وأخرى: بيروت، دار التعارف، الطبعة الأولى ١٣٩٧هـ

٢٤.الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية، عباس القمي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ

٢٥.أوائل المقالات، الشيخ المفيد، تحقيق: إبراهيم الزنجاني، نشر دار المفيد، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية ١٤١٤هـ / ١٩٩٣م.

٢٦.بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي (ت ١١١٠هـ) دار الكتب الإسلامية.

٢٧.بحوث في تاريخ السنة.

٢٨.البداية والنهاية، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء (ت٧٧٤ه) بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الرابعة ١٤٠٨هـ


٢٩.بلاغات النساء، أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور (ت ٢٨٠ه) قم، انتشارات الشريف الرضي.

٣٠.البيان والتبيين، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت ٢٥٥ه) تحقيق: عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الجيل، ١٤١٠هـ

٣١.تاج العروس من جواهر القاموس، محمد مرتضى الحسيني الزبيدي (ت١٢٠٥ه)، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، الطبعة الأولى ١٣٠٦هـ

٣٢.تاريخ الأمم والملوك، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت٣١٠ه) تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٨٧هـ

٣٣.تاريخ بغداد (مدينة السلام)، أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت٤٦٣ه) المدينة المنورة، المكتبة السلفية.

٣٤.تاريخ البلدان.

٣٥.تاريخ أبي فداء المسمّى المختصر في أخبار البشر، أبو الفداء


إسماعيل بن علي (ت٧٣٢ه)، تحقيق: محمود ديّوب، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ

٣٦.تاريخ الصحابة، الشيخ محمد سند (معاصر).

٣٧.التاريخ الكبير، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري (ت٢٥٦هـ)، بيروت، دار الكتب العلمية.

٣٨.تاريخ مدينة دمشق، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي المعروف بابن عساكر (ت٥٧١هـ) تحقيق: نشاط غزّاوي، دار الفكر، دمشق.

٣٩.تاريخ المدينة المنوّرة (أخبار المدينة المنوّرة)، أبو زيد عمر بن شبّة النمري البصري (ت٢٦٢هـ) تحقيق: فهيم محمد شلتوت، قم، منشورات دار الفكر ١٤١٠هـ

٤٠.تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي (ت٢٨٤هـ)، بيروت، دار صادر.


٤١.تحف العقول عن آل الرسول، أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني (من أعلام القرن الرابع) تحقيق: علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ

٤٢.تدوين السنة الشريفة، محمد رضا الجلالي، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ

٤٣.تذكرة الخواص، سبط بن الجوزي (ت٦٥٤ه)، تحقيق: حسين تقي زاده، مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيت (ع)، الطبعة الأولى ١٤٢٦هـ

٤٤.تذكرة الحفاظ، أبو عبد الله شمس الدين الذهبي (ت٧٤٨ه) بيروت، دار إحياء التراث العربي.

٤٥.تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد القرطبي (ت٦٧١ه)، تصحيح: أحمد عبد العليم البردوني، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى.


٤٦.تفسير مجمع البيان = تفسير الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت٣١٠ه)، بيروت، دار المعرفة، ١٤٠٦هـ ، ومصر، الطبعة الأولى ١٣٢٣هـ

٤٧.تفسير نور الثقلين، عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي (ت١١١٢ه)، تحقيق: هاشم الرسولي المحلاتي، قم، المطبعة العلمية، الطبعة الثانية ١٣٨٣هـ

٤٨.تقييد العلم، الخطيب البغدادي (ت٤٦٣ه)، تحقيق: الدكتور يوسف العشّ، طبع دمشق ١٩٤٩م.

٤٩.تنبؤات لوستر دامس، دار المحجة البيضاء، بيروت، الطبعة الأولى ٢٠٠١م.

٥٠.تهذيب الأحكام، أبو جعفر محمد بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسي (ت٤٦٠ه)، تحقيق: حسن الموسوي الخرسان، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة ١٣٦٤هـ

٥١.تهذيب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ).


٥٢.تهذيب الكمال في أسماء الرجال، جمال الدين أبو الحجاج يوسف المزّي (ت٧٤٢ه)، تحقيق: بشار عواد معروف، بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ

٥٣.التوابين، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت٦٢٠ه)، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، طبعة عام ١٤٠٣هـ ، دار الكتب العلمية.

٥٤.جامع الرواة، محمد بن علي الأردبيلي الغروي الحائري (ت١١٠١هـ) مكتبة المحمدي، قم.

٥٥.الجمل، أبو عبد الله محمد بن النعمان العكبري البغدادي المعروف بالمفيد (ت٤١٣ه)، قم، المؤتمر العالمي بمناسبة ذكرى ألفية الشيخ المفيد ١٤١٣هـ

٥٦.جواهر الفقه، القاضي ابن البراج (ت٤٨١ه)، تحقيق: إبراهيم بهادري، نشر جامعة المدرسين، الطبعة الأولى ١٤١١هـ

٥٧.الحدائق الناضرة، الشيخ يوسف البحراني (ت١١٨٦هـ)، تحقيق: محمد


تقي الإيراوني، جماعة المدرسين.

٥٨.الحسين يكتب قصته الأخيرة، صادق جعفر الروازق، لسان الصدق، قم ٢٠٠٦م.

٥٩.حصر الاجتهاد (تاريخ)، آقا بزرگ الطهراني (ت١٣٨٩هـ)، تحقيق: محمد علي الأنصاري، نشر مدرسة الإمام المهدي (ع)، إيران، طبعة ١٤٠١هـ

٦٠.حُلية الأبرار في أحوال محمد وآله الأطهار، هاشم البحراني (١١٠٧هـ)، تحقيق: غلام رضا البحراني، مؤسسة المعارف الإسلامية، الطبعة الأولى ١٤١١هـ

٦١.حُلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الإصبهاني (ت٤٣٠ه) بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الخامسة ١٤٠٧هـ

٦٢.حياة الحيوان، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت٢٥٥هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

٦٣.الخرائج والجرائح، قطب الدين الراوندي (ت٥٧٣هـ)، تحقيق ونشر:


مؤسسة الإمام المهدي (ع)، قم، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ

٦٤.الخطط المقريزية.

٦٥.خلاصة الأقوال في معرفة الرجال (رجال العلامة الحلي)، الحسن بن يوسف بن علي بن المطهّر الحلي (ت٧٢٦هـ)، تصحيح: محمد صادق بحر العلوم، قم، منشورات الرضي ١٤٠٢هـ

٦٦.خلاصة عبقات الأنوار، حامد الحسيني النقوي (ت١٣٠٦ه)، مؤسسة البعثة للدراسات الإسلامية، قم ١٤٠٦هـ

٦٧.الخلاف، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المعروف بالشيخ الطوسي (ت٤٦٠ه)، قم، دار الكتب العلمية.

٦٨.دراسات في الحديث والمحدّثين، هاشم معروف الحسني، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية ١٩٧٨م.

٦٩.الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة، السيد علي خان الشيرازي (ت١١٣٠ه)، بيروت، مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ


٧٠.الدر المنثور في التفسير المأثور، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت٩١١ه)، بيروت، دار الفكر، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ

٧١.الدعوات، قطب الدين الراوندي (ت٥٧٣هـ)، تحقيق: مدرسة الإمام المهدي (ع)، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ

٧٢.دلائل النبوة، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الإصبهاني (ت٤٣٠ه) تحقيق: محمد روّاس قلعه چي وعبد البرّ عباس، بيروت، دار النفائس، الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ

٧٣.ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، محبّ الدين أحمد بن عبد الله الطبري (ت٦٩٤ه)، بيروت، دار المعرفة.

٧٤.الذريعة إلى تصانيف الشيعة، محمد محسن الشهير بالشيخ آقا بزرگ الطهراني، قم، مؤسسة إسماعيليان.

٧٥.ذوب النضار، ابن نما الحلي (ت٦٤٥ه)، تحقيق: فارس حسون كريم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ


٧٦.ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الزمخشري (ت٥٣٨ه)، تحقيق: سليم النعيمي، قم، منشورات الشريف الرضي، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ

٧٧.رجال الخاقاني، الشيخ علي الخاقاني، تحقيق: محمد صادق بحر العلوم، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ

٧٨.رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي المعروف بالشيخ الطوسي (ت٤٦٠ه)، تحقيق: حسن المصطفوي، مشهد، المؤتمر الألفي للشيخ الطوسي ١٣٤٨هـ .ش.

٧٩.رجال المامقاني (تنقيح المقال في علم الرجال)، الشيخ عبد الله بن محمد حسن (ت١٣٥١هـ) المطبعة الرضوية، النجف الأشرف ١٣٥٢هـ

٨٠.رسائل الشريف المرتضى، أبو القاسم علي بن الحسين المعروف بالسيد المرتضى علم الهدى (ت٤٣٦هـ)، تحقيق: السيد مهدي


رجائي، قم، نشر دار القرآن الكريم ١٤٠٥هـ

٨١.روضات الجنات، محمد باقر الخوانساري، مكتبة إسماعيليان، قم ١٣٩١هـ

٨٢.روضة الواعظين، الفتال النيسابوري (ت٥٠٨ه)، تحقيق: مهدي حسن الخرسان، منشورات الشريف الرضي.

٨٣.رياض المسائل، السيد علي الطباطبائي (ت١٢٣١ه)، طبعة حجرية، نشر مؤسسة آل البيت، قم، ١٤٠٤هـ

٨٤.سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي (ت٩٤٢ه)، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ

٨٥.سنن ابن ماجة، محمد بن يزيد بن ماجة القزويني (٢٧٥ه)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار الفكر.

٨٦.سنن الدارمي، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام


الدارمي (ت٢٥٥هـ)، دار إحياء السنة النبوية.

٨٧.السنة قبل التدوين، الدكتور محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩١هـ

٨٨.سير أعلام النبلاء، أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (ت٧٤٨ه)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الرابعة ١٤٠٦هـ

٨٩.السيرة النبوية، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت٧٤٧ه)، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

٩٠.السيرة النبوية، أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري (ت٢١٨ه)، بيروت، لبنان، دار إحياء التراث العربي.

٩١.شذرات الذهب في أخبار من ذهب، أبو الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي (ت١٠٨٩هـ)، بيروت، دار الكتب العلمية.

٩٢.شرح ديوان أبي نؤاس، شرح وتعليق:


مجيد طراد، دار الفكر العربي، بيروت، الطبعة الأولى ٢٠٠٣م.

٩٣.شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار، القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي (٣٦٣ه)، تحقيق: السيد محمد الحسيني الجلالي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، الطبعة الثانية ١٤١٤هـ

٩٤.شرح اللمعة الدمشقية (أو الروضة البهية)، الشهيد الثاني (٩٦٦ه)، انتشارات داوري، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ

٩٥.شرح المواهب، الزرقاني، محمد بن عبد الباقي بن يوسف (ت١١٢٢هـ)

٩٦.شرح نهج البلاغة، عز الدين عبد الحميد بن محمد بن أبي الحديد المعتزلي المعروف بابن أبي الحديد (ت٦٥٦ه)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الثانية ١٣٨٥هـ .ش.

٩٧.شيخ المضيرة أبو هريرة، محمود


أبو ريه (ت١٩٧٠م) دار المعارف بمصر.

٩٨.صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري (ت٢٥٦ه)، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

٩٩.صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت٣٦١ه)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

١٠٠.الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، علي بن يونس العاملي النبطي البياضي (ت٨٧٧هـ)، تحقيق: محمد باقر البهبودي، المكتبة المرتضوية، الطبعة الأولى ١٣٨٤هـ

١٠١.صفوة الصفوة، عبد الرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج بن الجوزي (ت٥٩٧هـ)، تحقيق: محمود فاخوري، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الرابعة ١٤٠٦هـ

١٠٢.الصواعق المحرقة، أحمد بن حجر الهيثمي المكي (ت٩٧٤ه)، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، مصر، مكتبة


القاهرة.

١٠٣.الطبقات الكبرى، محمد بن سعد كاتب الواقدي (ت٢٣٠ه)، بيروت، دار صادر، وأخرى: تحقيق: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ

١٠٤.طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السُبكي (ت٧٧١ه) تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو ومحمود محمد الطناجي، مصر، دار إحياء الكتب العربية.

١٠٥.الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، رضي الدين علي بن موسى بن طاووس الحسني الحسيني (ت٦٦٤هـ)، قم، مطبعة الخيام ١٣٩٩هـ

١٠٦.طرائف المقال، علي البروجردي، تحقيق: مهدي رجائي، نشر مكتبة المرعشي النجفي، قم، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ

١٠٧.عبد الله بن عباس... حياته وآثاره، محمد تقي الحكيم، مكتبة الصدر، قم، الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ


١٠٨.العبر في خبر من غبر، أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (ت٧٤٨ه)، تحقيق: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، بيروت، دار الكتب العلمية.

١٠٩.العقد الفريد، أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي (ت٣٢٨ه)، بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى ١٤١١هـ

١١٠.علل الشرائع، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت٣٨١هـ)، تقديم: محمد صادق بحر العلوم، النجف الأشرف، المكتبة الحيدرية ١٣٨٥هـ

١١١.علي بن أبي طالب... سلطة الحق، عزيز السيد جاسم، تحقيق صادق جعفر الروازق، دار الغدير، قم ٢٠٠٧م.

١١٢.علي وبنوه، المجموعة الكاملة، الخلفاء الراشدون، المجلد الرابع، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٧٣م.

١١٣.عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب، جمال الدين أحمد بن علي بن


الحسين بن علي بن مهنا بن عنبة الداوودي الحسني (ت٨٢٨ه)، تصحيح: محمد حسن آل الطالقاني، النجف الأشرف، منشورات المطبعة الحيدرية، الطبعة الثانية ١٣٨٠هـ

١١٤.العوالم - الإمام الحسين (ع)، الشيخ عبد الله البحراني (ت١١٣٠ه)، تحقيق: مدرسة الإمام المهدي (ع)، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ

١١٥.عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، ابن أبي جمهور الإحسائي (ت٨٨٠ه)، تحقيق: السيد المرعشي والشيخ مجتبى العراقي، مطبعة سيد الشهداء، قم الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ / ١٩٨٣م.

١١٦.عيون أخبار الرضا (ع)، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (ت٣٨١ه)، تحقيق: الشيخ حسين الأعلمي، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ

١١٧.الغارات، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال المعروف بابن


هلال الثقفي (ت٢٨٣ه)، تحقيق: عبد الزهراء الحسيني، بيروت، دار الأضواء، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ

١١٨.الغدير في الكتاب والسنة والأدب، عبد الحسين الأميني (ت١٣٩٠ه)، دار الكتب الإسلامية، طهران ١٤٠٨هـ

١١٩.الغيبة، أبو جعفر محمد بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسي (ت٤٦٠ه)، تحقيق: عباد الله الطهراني وعلي أحمد ناصح، قم، مؤسسة المعارف الإسلامية، الطبعة الأولى ١٤١١هـ

١٢٠.الفائق في غريب الحديث، محمود بن عمر الزمخشري (ت٥١٦ه)، تحقيق: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، دار الفكر ١٤١٤هـ

١٢١.فتح الباري في شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢ه)، تصحيح وتخريج: محب الدين الخطيب، بيروت، دار المعرفة.

١٢٢.فتح القدير، محمد بن علي بن محمد الشوكاني (ت١٢٥٠ه)، تحقيق: أحمد راتب عرموش، دار النفائس، بيروت،


الطبعة الأولى ١٣٩١هـ

١٢٣.الفتوح، ابن أعثم الكوفي (ت٣١٤هـ)، دار الكتب العلمية طبعة عام ١٤٠٦هـ

١٢٤.فرحة الغري في تعيين قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في النجف، غياث الدين السيد عبد الكريم بن أحمد بن طاووس (ت٦٩٣ه)، النجف الأشرف، المطبعة الحيدرية ١٣٦٨هـ

١٢٥.الفصول المخارة، محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد (ت٤١٣هـ)، قم، المؤتمر العالمي بمناسبة ذكرى ألفية الشيخ المفيد، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ

١٢٦.فضائل سنن الترمذي، عبيد بن محمد الأسعردي، تحقيق: صبحي السامرائي، نشر مكتبة النهضة العربية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ

١٢٧.فلاسفة الشيعة، عبد الله نعمة، مؤسسة نشر وتعليم، الثورة الإسلامية، (فارسي).


١٢٨.فهرست كتب الشيعة وأصولهم وأسماء المصنفين وأصحاب الأصول، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المعروف بالشيخ الطوسي (ت٤٦٠هـ).

١٢٩.الفهرست لابن النديم، محمد بن إسحاق النديم المعروف إسحاق بأبي يعقوب الوراق (ت٤٣٨هـ)، تحقيق: رضا تجدد.

١٣٠.الفوائد الرجالية، الوحيد البهبهاني (ت١٢٠٥هـ).

١٣١.فيض القدير شرح الجامع الصغير، محمد عبد الرؤوف المناوي (ت١٣٣١ه)، تحقيق: أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ

١٣٢.قاموس الرجال، محمد تقي التستري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، الطبعة الثانية ١٤١٠هـ

١٣٣.القاموس المحيط، محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (ت٨١٦ أو ٨١٧هـ).

١٣٤.الكافي، محمد بن يعقوب الكليني الرازي (ت٣٢٩هـ)، تحقيق: علي أكبر


غفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الخامسة ١٣٦٣هـ .ش.

١٣٥.الكامل في التاريخ، علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري (ت٦٣٠هـ)، بيروت، دار صادر ١٤٠٢هـ

١٣٦.كتاب سليم بن قيس الهلالي العامري الكوفي (ت٧٦ه)، تحقيق: محمد باقر الأنصاري، قم، نشر الهادي، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ

١٣٧.الكامل في ضعفاء الرجال، أبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (ت٣٦٥ه)، تحقيق: الدكتور سهيل زكار، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٩هـ

١٣٨.كتاب الأربعين، أبو العباس الحسن بن سفيان النسوي (٣٠٣ه)، تحقيق: محمد بن ناصر العجمي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ

١٣٩.كتاب الأم، الشافعي (ت٢٠٤هـ) دار الفكر، الطبعة الأولى ١٤٠٠هـ /


١٩٨٠م.

١٤٠.الكشاف، محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الزمخشري (ت٥٣٨ه)، بيروت، دار الكتاب العربي ١٣٦٦هـ

١٤١.كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، حاجي خليفة (ت١٠٦٧ه)، بيروت، دار الفكر، ١٤٠٢هـ / ١٩٨٢م.

١٤٢.كشف الغمة في معرفة الأئمة، علي بن عيسى الإربلي (ت٦٩٢ه)، تصحيح: هاشم الرسولي المحلاتي، بيروت، دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠١هـ

١٤٣.الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي (ت٤٣٦ه)، تحقيق: أحمد عمر هاشم، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ / ١٩٨٥م.

١٤٤.كلمة التقوى، محمد أمين زين الدين (ت١٤١٩هـ)، الطبعة الثالثة ١٤١٣هـ

١٤٥.الكنى والألقاب، الشيخ عباس بن محمد رضا القمي (ت١٣٥٩ه)، صيدا، مطبعة العرفان ١٣٥٨هـ

١٤٦.كنز العمال في سنن الأقوال


والأفعال، علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي (ت٩٧٥ه)، تصحيح: صفوة السقا، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الخامسة ١٤٠٥هـ

١٤٧.لسان العرب، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور المصري (ت٧١١هـ)، بيروت، دار صادر.

١٤٨.المبسوط، شمس الدين السرخسي (ت٤٨٣هـ)، دار المعرفة، بيروت ١٤٠٦هـ

١٤٩.مجمع الأمثال، أبو الفضل أحمد بن محمد النيسابوري الميداني (ت٥١٨ه)، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، الطبعة الثالثة ١٣٩٣هـ

١٥٠.مجمع البحرين، فخر الدين الطريحي (ت١٠٨٧ه)، تحقيق: السيد أحمد الحسيني، طهران، المكتبة المرتضوية ١٣٦٢هـ

١٥١.مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، علي بن أبي بكر الهيثمي (ت٨٠٧ه)، بيروت، منشورات دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة ١٤٠٢هـ


١٥٢.مجموعة الشيخ لطف الله الصافي (معاصر)، مرجع ديني.

١٥٣.المحاسن، أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي (ت٢٧٤ أو ٢٨٠هـ)، تحقيق: السيد جلال الدين الحسيني، قم، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية.

١٥٤.المحاسن والأضداد، أبو عثمان عمر بن بحر الجاحظ البصري (ت٢٥٥ه)، تحقيق: عاصم عيتاني، بيروت، دار إحياء العلوم، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ

١٥٥.المحبر، محمد بن حبيب البغدادي (ت٢٤٥هـ).

١٥٦.المراجعات، عبد الحسين شرف الدين (ت١٣٧٧ه)، تحقيق: حسين الراضي، نشر الجمعية الإسلامية، الطبعة الثانية ١٤٠٢هـ / ١٩٨٢م.

١٥٧.مروج الذهب ومعادن الجوهر، علي بن الحسين المسعودي (ت٣٤٦ه)، بيروت، دار الأندلس، الطبعة الأولى ١٣٨٥هـ

١٥٨.المزار، الشيخ المفيد (ت٤١٣هـ)،


تحقيق: مدرسة الإمام المهدي (ع)، قم، الطبعة الأولى.

١٥٩.المستجاد من كتاب الإرشاد، حسن بن المطهر الحلي (ت٧٢٦ه)، المطبوع في ضمن "مجموعة نفيسة" قم، نشر مكتبة السيد النجفي المرعشي ١٤٠٦هـ

١٦٠.مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ميرزا حسين النوري الطبرسي (ت١٣٢٠ه)، تحقيق: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، بيروت، الطبعة المحققة الأولى ١٤٠٨هـ

١٦١.المسترشد، محمد بن جرير بن رستم الطبري الإمامي (ت أوائل القرن الرابع الهجري)، تحقيق: أحمد المحمودي، طهران، مؤسسة الثقافة الإسلامية، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ

١٦٢.مسند أبي داود، سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي (ت٢٠٤ه)، حيدر آباد الدكن، الطبعة الأولى ١٣٢١هـ

١٦٣.مسند زيد بن علي، زيد بن علي(رض) (ت١٢٢)، نشر دار الحياة، بيروت.

١٦٤.مسكن الفؤاد عند فقد الأحبة


والأولاد، الشهيد الثاني (ت٩٦٦هـ)، تحقيق: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ

١٦٥.مسند أحمد، أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (ت٢٤١ه)، بيروت، دار إحياء التراث العربي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى.

١٦٦.مع الصادقين، السيد حسن الكشميري (معاصر).

١٦٧.المعارف، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت٢٧٦ه)، تحقيق: ثروت عكاشة، قم، منشورات الشريف الرضي، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ

١٦٨.معالم المدرستين، السيد مرتضى العسكري (ت٢٠٠٧م).

١٦٩.معالم العلماء، محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني (٥٨٨ه)، النجف الأشرف، المطبعة الحيدرية، الطبعة الأولى ١٣٨٠هـ

١٧٠.معجم البلدان، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي


(ت٦٢٦هـ)، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى ١٣٩٩هـ

١٧١.معجم الأدباء، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي الرومي البغدادي (ت٦٢٦هـ)، بيروت، دار الفكر، الطبعة الثالثة ١٤٠٠هـ

١٧٢.معجم رجال الحديث، السيد أبو القاسم الخوئي، قم، منشورات مدينة العلم.

١٧٣.المعجم الصغير، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني (ت٣٦٠ه)، بيروت، دار الكتب العلمية ١٤٠٣هـ

١٧٤.معجم المطبوعات العربية والمعرّبة، يوسف إلياس سركيس، قم، منشورات مكتبة السيد المرعشي النجفي ١٤١٠هـ

١٧٥.المعيار والموازنة، محمد بن عبد الله المعتزلي أبو جعفر الأسكافي (ت٢٤٠ه)، تحقيق: محمد باقر المحمودي، الطبعة الأولى ١٤٠٢هـ

١٧٦.مفتاح الكرامة، محمد جواد العاملي (ت١٢٢٦هـ)، تحقيق: محمد


باقر الخالصي، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤١٩هـ

١٧٧.مقتضب الأثر، أحمد بن عبيد الله بن عياش الجوهري (ت٤١٠ه) مكتبة الطباطبائي، قم، إيران.

١٧٨.مقاتل الطالبين، أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الإصبهاني (ت٣٥٦ه)، تحقيق: أحمد صقر، قم، منشورات الشريف الرضي، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ

١٧٩.مكارم الأخلاق، الطبرسي (ت٥٤٨ه) منشورات الشريف الرضي، الطبعة السادسة ١٣٩٢هـ / ١٩٧٢م.

١٨٠.الملاحم والفتن (التشريف بالمنن في التعريف بالفتن)، رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن طاووس (ت٦٦٤هـ)، تحقيق: مؤسسة صاحب الأمر، إصبهان، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ

١٨١.مناقب آل أبي طالب، أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني (ت٥٨٨ه) تصحيح السيد هاشم الرسولي المحلاتي، قم، مؤسسة انتشارات علامة، وأخرى تحقيق:


يوسف البقاعي، بيروت، دار الأضواء، الطبعة الثانية ١٤١٢هـ

١٨٢.مناقب أهل البيت (ع)، حيدر الشيرواني (ت١٢٠٠هـ)، تحقيق: محمد الحسون، مطبعة المنشورات الإسلامية، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ

١٨٣.من لا يحضره الفقيه، الصدوق، تحقيق: حسن الموسوي الخرسان، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الخامسة ١٣٩٠هـ

١٨٤.المنتخب من ذيل المذيّل، ابن جرير الطبري (ت٣١٠هـ)، مؤسسة الأعلمي، بيروت.

١٨٥.موسوعة العتبات المقدسة، جعفر الخليلي، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الثانية ١٩٨٧م.

١٨٦.موسوعة النجف الأشرف، جعفر الدجيلي، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٣م.

١٨٧.ميزان الحكمة، محمد ري شهري (معاصر)، تحقيق: دار الحديث، الطبعة الأولى.


١٨٨.الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي، قم، منشورات جماعة المدرسين.

١٨٩.النصائح الكافية لمن يتولى معاوية، محمد بن عقيل بن عبد الله بن عمر بن يحيى العلوي (ت١٣٥٠هـ)، قم، دار الثقافة، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ

١٩٠.النص والاجتهاد، عبد الحسين شرف الدين الموسوي (ت١٣٧٧هـ)، تحقيق: أبو مجتبى، الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ

١٩١.نقد الرجال، مصطفى التفريشي (ت ق ١١)، تحقيق: مؤسسة آل البيت (ع)، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ

١٩٢.نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، محمد باقر المحمودي، بيروت، مؤسسة المحمودي، الطبعة الأولى.

١٩٣.هدية العارفين، إسماعيل باشا البغدادي، بيروت، دار الفكر ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م.

١٩٤.وسائل الشيعة (تفصيل)، الحر العاملي (ت١١٠٤هـ)، تحقيق: مؤسسة آل البيت (ع)، الطبعة الثانية


جمادى الآخرة ١٤١٤هـ

١٩٥.وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلّكان (ت٦٨١ه)، تحقيق: إحسان عباس، قم، منشورات الشريف الرضي، الطبعة الثانية ١٣٦٤هـ ش.

١٩٦.وقعة صفين، نصر بن مزاحم المنقري (ت٢١٢ه)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، القاهرة، المؤسسة العربية الحديثة، الطبعة الثانية ١٣٨٢هـ

١٩٧.ينابيع المودة لذوي القربى، سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت١٢٩٤ه)، الطبعة الثامنة ١٣٨٥هـ



الفهرس

حرف الصاد ٣

آل الصدر العائلة الكريمة ومولودها الشهيد السيد محمد باقر الصدر ٥

محمد محمد صادق الصدر* ٧٢

صاحب الزنج ٩١

صالح ١٠٣

السيد صالح الحلي ١٠٧

الشيخ الصدوق ١١٤

صفوان الجمّال ١١٦

حرف الطاء ١٢٢

طالوت وجالوت ١٢٣

طباطبا ١٢٨

السيد محمد حسين الطباطبائي ١٣١

الطبرسي ١٣٥

الطبري ١٣٨

الطريحي ١٣٩

الطغرائي ١٤٢

طلحة ١٤٥

الآغا بزرگ الطهراني ١٥٥

الخواجة نصير الدين الطوسي ١٥٧

حرف العين ١٦٨

عائشة ١٦٩


عبادة بن الصامت ١٧٥

العباس عم النبي ١٧٦

عبد الله بن أبي يعفور ١٧٨

عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ١٨٠

عبد الله بن الحسن المحض ١٨٣

عبد الله بن الزبير ١٨٥

عبد الله بن طاهر عبد الله بن عباس ٢٢٣

عبد الله بن عروة بن الزبير ٢٢٧

عبد الله بن عمر ٢٢٩

عبد الله بن مسعود ٢٣٢

عبد الله علي القصيمي ٢٣٧

عبيد الله بن أبي رافع ٢٣٩

عبيد الله بن عباس ٢٤٠

عبيد الله بن عمر ٢٤٦

العبيدية (خلفاء الدولة الفاطمية بمصر) ٢٤٩

عتبة بن غزوان ٢٦٥

عثمان بن حنيف الأنصاري ٢٦٦

عثمان بن مظعون ٢٧٢

عرار بن عمر بن شأس الأسدي ٢٧٣

عقبة بن عمرو ٢٧٤

عقيل بن أبي طالب ٢٧٥

العلامة (الحلي) ٢٧٩

علم الهدى (الشريف المرتضى) ٢٨١

علي بن أبي رافع ٢٨٤

علي بن الجهم الشاعر الناصب العداء لأهل البيت ٢٨٥


عمار بن ياسر أبو اليقظان العبسي ٢٨٩

عمران بن حطان عمر بن سعد ٣٠٩

عمر بن عبد العزيز ٣١١

عمرو بن العاص ٣١٤

عمرو بن عبيد ٣٧٤

عمرو بن معد يكرب ٣٧٥

عيسى بن عبد الله القمي ٣٧٨

حرف الفاء ٣٨٢

الفارابي ٣٨٣

الفخر الرازي ٣٩٢

فخر المحققين ٣٩٤

الفرزدق ٣٩٦

فروة بن مسيك المرادي ٤٠١

الفضل بن أبي سهل النوبختي ٤٠٤

الفضل بن شاذان ٤٠٦

الفيض الكاشاني ٤١٤

حرف القاف ٤١٩

قارون ٤٢١

قثم بن عباس ٤٢٥

قس بن ساعدة الأيادي ٤٢٨

قطب الدين الرازي ٤٣١

قطب الدين الراوندي ٤٣٥

القمى علي بن إبراهيم ٤٣٦

قنبر مولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ٤٣٨

قيس بن سعد ٤٤١


حرف الكاف ٤٥١

كاشف الغطاء ٤٥٣

السيد كاظم اليزدي ٤٥٨

الكركي (المحقق) ٤٦٥

الكليني ٤٦٨

الكندي ٤٧٢

حرف الميم ٤٨٣

مالك الأشتر ٤٨٥

مالك بن نويرة ٤٨٧

المبرد ٤٩٨

المتنبي ٥٠٠

المجلسي ٥٠٥

محمد بن أبي بكر ٥٠٩

محمد بن مسلم ٥١٣

محمد بن مهدي بن أبي ذر النراقي ٥٢١

الشيخ محمد حسن آل الجواهر ٥٢٣

الشيخ محمد حسن المظفر ٥٢٧

محمد ذو النفس الزكية ٥٣١

محيى الدين بن العربي ٥٣٣

السيد المرتضى ٥٣٨

المرقال ٥٤٥

مروان بن الحكم ٥٥١

المسعودي ٥٥٢

الحاج مصطفى كبة ٥٥٣

معاذ بن جبل ٥٥٦


معاوية بن أبي سفيان ٥٥٩

المعري ٥٧٠

المفيد ٥٧٤

المقداد ٥٨٤

المقدس الاردبيلي ٥٨٨

الملا صدرا ٥٨٩

ميثم التمار ٥٩٣

الميرزا الشيرازي ٥٩٦

مؤمن الطاق ٥٩٨

حرف النون ٦٠٣

النجاشي ٦٠٥

السيد نعمة الله الجزائري ٦٠٧

نفطويه ٦١١

حرف الواو ٦١٣

الواقدي ٦١٥

ورقة بن نوفل ٦١٩

الوليد بن عتبة ٦٢٣

مصادر التحقيق ٦٢٩

الفهرس ٦٦٥


رجال في التّارِيخ الجزء ٢

رجال في التّارِيخ

مؤلف: الدكتورمحمدتقي مشكور
تصنيف: تاريخ التشيع
الصفحات: 669